######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : المصابيح (الأول) #META# cat: التفسير وعلوم القرآن #META# bkid: 295 #META# الكتاب: المصابيح (الأول) #META# bkord: 11 #META# idx: 1 #META# iso: المصابيح الاول #META# bk: المصابيح (الأول) #META# max: 805 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO تفسير المصابيح ### | AUTO وبه ثقتي ونعم الوكيل # [مقدمة] # الحمد لله الذي جعل القرآن نورا هدانا به من ظلمات الضلالة، ورحمة وشفاء ~~من داء كل عمى وجهالة، ونجاة لمن اعتصم به وبأهله الذين دل عليهم بأوضح ~~دلالة، وجعله جل وعلا لمن عقل واهتدى دليلا على من اليه هدى، ومبينا لقدرة ~~من قدره، وشاهدا على حكمة من دبره. # وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له في حكمه، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الذين هم عيبة علمه اصطفاهم لإرث وحيه، ~~فخصهم باستخراج حكمه، وجعلهم حفاظ كتابه وأحكامه، وخزان حلاله وحرامه، ~~والمستحفظين على أسراره وغوامضه، والقائمين بنشر مسنوناته وفرائضه، ~~والعالمين بطرق الصواب مما اختلف فيه المختلفون، والمبينين للصحيح الذي ~~تقول فيه المتقولون، إذ هم الدعوة الباقية في عقب ابراهيم الخليل مهبط ~~التنزيل، وملجأ التأويل، ومختلف ميكائيل وجبريل. # وبعد: # فإنه لما كان كتاب الله العزيز كذلك، وكانت حكمته عزوجل اقتضت انزاله على ~~الأساليب العربية والمعاني اللغوية، وفيها العام والخاص والمجمل والمبين، ~~والظاهر والمأول، ومايحتمل وجها، ومايحتمل وجهين فأكثر، وماتتشابه فيه ~~المعاني وتتعدد فيه الوجوه، ولذلك من لم يتبع سبيل أعلام الهدى، وأرباب ~~التقى أهل بيت محمد المصطفى، صلوات الله عليه وعليهم وسلم فسر الكتاب على ~~آرائه، والحق على أهوائه، فعمي وعمى على غيره، وضل وضل غيره بسببه، وترى ~~المنتصر يصرف الأدلة بمجرد العبارات، ويتطلب للتأويلات حتى يقوم الأدلة الى ~~مساق هوى النفس، فيقربها اليه، ويعتمد في دينه ودنياه عليه، لايلوح لأعين ~~البصائر فيه إلا كلمعان البروق، وترقرق فيه لأهل الأهواء والأغاليط أقاويل تروق. # --- PageV01P001 ولقد قال أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين:(سيأتي بعدي زمان ليس فيه ~~شيء أخفى من الحق، ولاأظهر من الباطل، ولاأكثر من الكذب على الله ورسوله، ~~وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته) يريد عليه ~~السلام إذا اتبع حق اتباعه كذا عن زيد بن علي عليه السلام (ولاأنفق منه ~~إذا حرف عن مواضعه) اه. # قال بعض أئمتنا عليهم السلام: والتحريف ms0001 على وجهين أحدهما: تحريف ماأنزل ~~الله لفظا كما يفعله اليهود. # والثاني: تحريفه تأويلا كما يفعله أهل البدع والأهواء، فيجب التثبت في ~~ذلك لئلا يضل بضلالهم، ويجب الإقتداء بمن أمر الله الإقتداء بهم، والكون ~~معهم من آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم السلام لإنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قد أمننا من الضلال مهما تمسكنا بهم، إذ أخبرنا وهو الصادق في خبره أن ~~المتمسك بهم لن يضل أبدا، وأن اللطيف الخبير نبأه بذلك # وقال علي عليه السلام:(ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول:(إني لاأخاف على أمتي مؤمنا ولامشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، ~~وأما المشرك فيحرمه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم منافق اللسان يقول ~~ماتعرفون، ويفعل ماتنكرون) اه. # وقد أخبرك الله عن المنافقين أنهم يقولون: يريدون أن يبدلوا كلام الله ~~كما أخبر الله عن من مضى من قبلهم من أهل الكتاب أنهم يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه، وعن مواضعه، ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا، وأنه منعهم عن ذلك بالإعجاز، وحال بينهم وبين تبديل ~~القول بالحفظ وابتلاهم من جهة التأويل وأبان حالهم فيه ومقاصدهم اليه. # --- PageV01P002 قال:{ الذين وأما في قلوبهم زيغ فيتبعون ماتشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله ومايعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا ومايذكر إلا أولوا الألباب }(1) وأنه عزوجل بحكمته حفظ التأويل ~~كما حفظ التنزيل بتفضيل بعض خلقه في العلم كما فضل بعضهم على بعض في الرزق، ~~شأن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ومن جعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء، وبيان من اختاره ليترجم عن تأويله كبيان اختياره لمن ~~يتحمل عهدة تنزيله ممن يفسر بعض القرآن ببعضه، ويدل على متشابهه بمحكمه ~~بنحو قوله تعالى:{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير}(2) ~~وتفسيره بقوله عزوجل:{إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل ms0002 عمران على ~~العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} (3) فقوله سبحانه:{ذرية بعضها ~~من بعض} ليس المراد به تعليم الخلق تناسلهم وولادة بعضهم من بعض لأنه أمر ~~ظاهر معلوم وإنما المراد موافقة طريقتهم التي لها ولأجلها اختارهم الله ~~تعالى فدلت الآية على مزية وخصوصية زائدة على الإيمان والقرابة، وتلك ~~الخصوصية هي موافقة من اصطفاه الله في باب الطهارة والعصمة والكمال والوقار ~~واجتماع الخصال التي تسعها النبوة والإمامة، وهذا ظاهر لأنه إذا لم يكن ~~معنى بعضهم من بعض الولادة فلا يبقى إلا ماذكرناه وسيأتي بيان ذلك وغيره ~~شافيا إن شاء الله تعالى في مواضعه وتعيينه سبحانه باصطفائه محمدا الطاهر ~~أن المصطفين لإرث هذا الكتاب إذ لايصدق قوله:{ذرية بعضها من بعض} على غيرهم ~~هم ذريته الأخاير، يزيد هذا وضوحا قوله تعالى:{ولقد أرسلنا نوحا وابراهيم ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب}(4) ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم ~~الأنبياء من ذريتهما فيجب أن تكون ذريته هم خاتمة الذراري الذين أخبر الله ~~أن يجعل # --- PageV01P003 الكتاب فيهم وتعيينه إياها في ولد الحسن والحسين سلام الله عليهما وعليهم ~~بنحو آية المباهلة، ونحو خبر(كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة ~~فأنا أبوهما وعصبتهما) (1) والإجماع معلوم بين الأمة. # قال الإمام الأعظم القاسم بن ابراهيم عليهم السلام: وقد احتج بهذه الآية ~~ونحوها على هذا المعنى في الأنبياء وذرياتهم وفي نبينا وذريته عليهم ~~السلام، فأي ضياء أضوى؟أو حجة لمحتج أقوى؟ في اثبات الصفوة والفضل لأبناء ~~المنتجبين من الرسل مما تلونا تنزيلا مبانا أنزله الله في وحيه قرآنا ~~لاتعارضه شبهة لبس، ولاتلبس على ذي ارتياده ملبس، ولكن اقتطع الناس دونه ~~وحال بين العامة وبينه جور أكابرهم في الحكم واعتساف جبابرتهم فيه بالظلم ~~فأعين العامة في غطاء عن مذكوره، وقلوبهم ذات عمى عن نوره، فمعروفه لديهم ~~مجهول، وداعيه فيهم مرذول إن لم يقتل عليه عظم تعسفه فيه، ولم يعدوا من ~~جهلهم بفرضه وماهم عليه من رفضه سبيل ماهم عليه وماأمسوا وأصبحوا فيه من ~~جهل غيره من الحقوق وتعطيلها ومحو أعلام الدين ms0003 وتبديلها، فالله المستعان في ~~ذلك وغيره وإياه نسأل تبديل ذلك وتغييره الى آخر كلامه عليه السلام في هذا ~~المعنى (2) وهو طويل جدا. # --- PageV01P004 وببيان أن في المصطفين ظالما لنفسه لايؤمن على التأويل ولايوثق به في ~~الإتباع كمن كان في من قبلهم من ذرية الأنبياء فيما أخبر من قوله ~~تعالى:{ولقد أرسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم ~~مهتد وكثير منهم فاسقون}(1) وقوله في ابراهيم صلوات الله عليه وبارك عليه ~~وعلى آل اسحاق:{ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} (2) وكانت الحاجة الى ~~معرفة السابق والمقتصد من ضروريات التكليف وعدم ابانة أمرهما من التعمية ~~والتلبيس بين سبحانه من يجب اتباعه والكون معه بالصفة التي فيها أكمل ~~المعرفة فقال عزوجل:{ياأيها الذين آمنوا واتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~(3) فقوله:{وكونوا مع الصادقين} أمر بموافقة الصادقين ونهي عن مفارقتهم ~~وظاهر الأمر للوجوب والله سبحانه بحكمته لايأمر بالكون مع من لايعلم صدقه ~~قطعا فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين ~~فلا بد من وجود الصادقين، لأن الكون مع الشيئ مشروط بوجود ذلك الشيء فهذا ~~يدل على أنه لابد من وجود الصادق في كل وقت، فيجب علينا حينئذ طلبه لنكون ~~معه كما أمر الله، ومالايتم الواجب إلا به فهو واجب. PageV01P005 # قال في البلغة (1) في تفسير هذه الآية:<أمر الله المؤمنين بالتقوى وهو أن ~~يجتنبوا المعاصي وأمرهم بالكون مع الصادقين، والصادقون هم الأنبياء والأئمة ~~عليهم السلام والصديقون من المؤمنين، والفرق بين كن مع الصادقين، وبين كن ~~من الصادقين، وبين كن في الصادقين أن مع تفيد المصاحبة، ومن تنبي عن ~~التبعيض، وفي عن الظرف والوعاء فمن كان في جملتهم فقد حصل المعاني الثلاثة، ~~وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تلى هذه الآية بكى وناح على نفسه، ~~وله أدعية طويلة في هذا الباب مفصلة بالمواعظ البليغة والحكم البديعة>. PageV01P006 # ثم فسرهم بأحوالهم ودل عليهم بأقوالهم وأعمالهم بقوله عزوجل:{ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ~~والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على ms0004 حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} (1) ~~ثم قال عزوجل في من جمع هذه الأوصاف:{أولئك الذين صدقوا} وقال:{وأولئك هم ~~المتقون} (2) ثم أمر الله تعالى بالكون معهم حيث قال:{وكونوا مع الصادقين} ~~وقوله تعالى:{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (3) قال الهادي ~~الىالحق عليه السلام(4) PageV01P007 :<فلم يحكم عزوجل بحقائق الإيمان إلا لمن بعد منه الإرتياب في وجوه الدين ~~والإحسان فنسأل الله الثبات على دينه والتوفيق لما يرضيه برحمته> (1). # قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليهم السلام (2):"لما عقب ذلك ~~بقوله سبحانه:{أولئك هم الصادقون }دل ذلك على أن من ادعى الإيمان بغير ~~ماذكرنا فهو من الكاذبين وأن دعواه تلحق بدعوى المنافقين سيما وقد أكد بترك ~~الإرتياب ولايزول الإرتياب إلا بعد استحكام العلم بالبرهان > وسيأتي كلامه ~~إن شاء الله مستوفى في الحجرات. PageV01P008 # ولم نجد من اجتمعت له هذه الصفات واقتفى خلفه سلفه في هذه الدلالات ~~الواضحات غير هؤلاء الأيمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين طابقت ~~عقائدهم المعقول والمنقول فشهد لهم بالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين والسنن صرائح العقول، وعرف منهم الحرص على سائر صفات ~~الذين صدقوا بما ميزوا به من المحقين والمبطلين والمطيعين والعاصين وفرقوا ~~لأن الله عزوجل لايخلي بين الكاذبين وبين الأمور التي لاتكون إلا من صفة ~~الصادقين، لأن الحكيم في حكمه قد جعل بين الحق والباطل فصلا، وبين منزلة ~~الصادقين والكاذبين فرقا، وكذلك صفة المؤمنين من العاملين والمخلصين أمرهم ~~مباين لسيماء المموهين. # --- PageV01P009 قال في البلغة: <فإذا كان الله تعالى أثنى على من كانت صفته ماذكر في الآية ~~ووصفهم بآنهم الصادقون المتقون الفاضلون ولايوجد في أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد نبيئها عليه وآله السلام بهذه الصفة أجل من علي بن ابي طالب ~~صلوات الله عليه، فلم لم يدل هذا على أنه أفضل أمة محمد صلى ms0005 الله عليه وآله ~~وسلم سيد الصادقين لما دل شيئ على شيء في الدنيا، وهذه بعينها طريقة الأئمة ~~والكبار من آل محمد وهم الصادقون الذين قال الله للمؤمنين كونوا معهم ~~بقوله:{ياأيا الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ولو أخذت في ~~زهديات الحسن والحسين وأولادهما من الأيمة الطاهرين السابقين المقتصدين ~~كعلي بن الحسين(1) وولديه زيد(2) PageV01P010 ومحمد (1) وكعبدالله بن الحسن (2) وأولاده محمد(3) PageV01P011 وابراهيم(1) ويحي (2) وكجعفر بن محمد (3) PageV01P012 وكالحسين بن علي (1) صاحب فخ، وكمحمد (2) PageV01P013 والقاسم ابني ابراهيم، وكالهادي الى الحق يحي بن الحسين، وولديه محمد (1) ~~وأحمد (2) عليهم السلام، وكسادات من آبائهم وأبنائهم واخوانهم ونظرائهم في ~~الدين والورع والزهد والعلم والعمل، وكذلك من سلك مسلكهم من شيعتهم ~~واخوانهم رحمة الله عليهم لصارت مصنفات، ولست أدري لماذا اشتغل PageV01P014 الناس بابراهيم بن أدهم (1) ورابعة العدوية (2) وفضيل بن عياض(3)وشقيق ~~البلخي (4) وبث زهدياتهم ونسوا آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله ~~المستعان>. PageV01P015 # ثم قال فيها:وإذا صرف الإنسان همته الى طريقتهم نسي طريقة فقهاء العامة وفي ~~دروس طريقة أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة والتنزيل في شريعة جدهم عليهم ~~السلام واستشهاده طريقة العوام عبرة للعاقل ودليل واضح على ماجرى عليهم من ~~الضيق ومعادات الظلمة، وقد كانوا في هذا العالم وهم فصحاء الشريعة علماء ~~شريعة جدهم صلى الله عليه وآله وسلم عباد وزهاد أهل ورع قبل أن خلق الله ~~ابراهيم النخعي (1) وأبا حنيفة (2) والشافعي (3) والله المستعان >.اه PageV01P016 وقد ذكر مثل هذا المعنى وزاد في صفات أهل البيت عليهم السلام الفقيه ~~العلامة عبدالله بن زيد العنسي (1) رحمة الله عليه، وأشار في كتابه الإرشاد ~~(2) إلى بعض شئ من عبادة أمير المؤمنين وصفاته كالمنبه على ماسواه لأن ~~القليل من ذلك يدل على الكثير كضوء البارق يشير بالنو المطير. PageV01P017 # من ذلك مارواه فيه عن ابي الدرداء (1) قال في حديث التفضيل:<شهدت عليا عليه ~~السلام وقد اعتزل عن مواليه واختفى عن من يليه واستتر بفسلان النخل (2) ~~فافتقدته وقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجي وهو يقول: إلهي ~~كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك، ms0006 وكم من جريرتك تكرمت عن كشفها بكرمك، ~~إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمل غير غفرانك، ~~ولاأنا راج غير رضوانك. قال ابوالدرداء: فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا ~~هو علي بعينه فاستترت منه وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ~~ثم فزع الى الدعاء والإستغفار والبكاء، والبث والشكوى، فكان مما ناجى به ~~ربه أن قال: <الهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي، ثم أذكر العظيم من أخذك ~~فتعظم علي بليتي، ثم قال: آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها، وأنت ~~تحصيها فتقول: خذوه فياله من مأخوذ لاتنجيه عشيرته، ولاتنفعه قبيلته، يرحمه ~~الملأ إذا أذن فيه بالنداء، ثم قال: آه من نار تنضج الأكباد والكلأ، آه من ~~نزاعة للشوى، آه من ملهبات لظى>. PageV01P018 # قال: ثم أنعم في البكاء فلم أسمع له حسا ولاحركة فقلت: غلب عليه النوم لطول ~~السهر، أوقصد لصلاة الفجر فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك ~~فزويته فلم ينزو، وقلت: إنا لله وإنا اليه راجعون، مات والله علي بن ابي ~~طالب، قال: فأتيت منزله مبادرا أنعاه اليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: لهي ~~والله الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق ~~ونظر إلي وأنا أبكي فقال: مم بكاؤك؟ فقلت: بما أراك تنزله بنفسك، فقال: ~~ياأبا الدرداء فكيف لو رأيتني وقد دعيت الى الحساب، وأيقن أهل الجرائم ~~بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية أفظاظ فوقفت بين يدي الملك ~~الجبار، وقد أسلمني الأحباء ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشد رحمة لي بين يدي ~~من لايخفى عليه خافية. # فإذا نظرت أيها الطالب للنجاة في أميرالمؤمنين عليه السلام وشدة عبادته ~~واتعابه لنفسه وشدة مواظبته على طاعة ربه من كل نوع من أنواع الطاعات مع ~~أنه مقطوع له بالجنة علمت حقارة عملك، وعظم خطرك، وتحققت أنك أولىالناس ~~بالعمل لنفسك، والخضوع لربك لخلاصك لالنفع غيرك. # --- PageV01P019 وانظر فيما رواه الباقر عليه السلام: فإنه قال: إن كان علي عليه السلام ~~ليأكل أكله العبد، ويجلس ms0007 جلسة العبد، وإن كان ليشتري القميصين السنبلانيين ~~ويخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الآخر، فإذا جاوز كمه أصابعه قطعه، وإذا جاوز ~~كفيه حذفه، ولقد ولي خمس سنين ماوضع آجرة على آجرة، ولالبنة على لبنة، ~~ولاقطع قطيعا، ولاأورث بيضاء ولاحمراء، وإن كان ليعطي خبزته البر واللحم ~~وينصرف الى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخل، وماورد عليه أمران كلاهما ~~رضى لله إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد أعتق الف مملوك من كد يده، وماأطاق ~~عمله أحد من الناس بعده >(1). PageV01P020 # قال الإمام أحمد بن سليمان (1)في كتاب الحكمة الدرية: دخل ابوجعفر محمد بن ~~علي عليهما السلام على أبيه قال: فإذا هو قد بلغ من العبادة مالم أر أحدا ~~قط بلغه، وإذا به قد اصفر لونه ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرمت ~~أنفه من السجود، وورمت شفتاه، وقدماه من الصلاة، فرأيته بحال فلم أملك أن ~~بكيت من رحمته فإذا به ينظر الي، ثم قال: يابني اعطني بعض تلك الصحف التي ~~فيها عبادة علي، فأعطيته بعضها فما قرأ منها إلا شيئا يسيرا حتى رمى به ~~تضجرا، وقال: من يقوى على عبادة علي صلوات الله عليه (2). PageV01P021 # وفي تفسير ابن عباس (1) رضي الله عنه قال:<ماأنزل الله في القرآن ياأيها ~~الذين آمنوا إلا وعلي أميرها وشريفها> (2). PageV01P022 # قال المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليهم السلام:<ولاتعترض شبهة عند أحد من ~~أهل البصائر أن كل آية في القرآن تتضمن مدحا وتعظيما وتشريفا للمؤمنين ~~أوالمسلمين مجملا أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام درة تاجها ونور ~~سراجها، ولاوقع وعد للمسلمين في العقبى، ولانصرة في الدنيا إلا وهو مقصود ~~عند جميع الأمة، فإن أشرك معه غيره مدع فببرهان يتوجده، أيستقيم أم لا؟ ~~كقوله تعالى:{يؤمنون بالغيب}(1) {والصابرين في البأساء والضراء}(2) ~~{والراسخون في العلم } (3) {والصابرين} {والصادقين} و{إن تنصروا الله ~~ينصركم} (4) و{قد أفلح المؤمنون} (5) و{إنما المؤمنون} (6) و{السابقون ~~الأولون} (7) {وعد الله الذين آمنوا} (8) {إن الأبرار لفي نعيم} (9) ونحو ~~ذلك مما يطول ذكره، وكذلك أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~ينوه باسمه، ويدل على فضله ms0008 بقوله وفعله، ويبين لأمته أنه القائم بخلافته ~~والمنصوص على امامته وأن الإمامة بعده في ذريته، وأكد الأمر فقال ~~سبحانه:{ياأيها الرسول بلغ ماأنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالاته} (10) ولما علم سبحانه مافي قلوب أقوام من الضغائن أمنه من شرهم ~~بما أوضح من عصمته بقوله عزوجل:{والله يعصمك من الناس} فامتثل أمر ربه وبين ~~بقوله وفعله، وميزه من أمته، يشهد بذلك وبما ورد فيه الموالف والمخالف، ~~ومجمع على صحة النقل فيه جميع الطوائف، وفضائله عليه السلام أكثر من أن تحصى PageV01P023 ، ولها كتب مفردة، وظهورها عند أهل العلم يغني عن الإطناب فيها > اه(1). # وانظر فيما روى أنس بن مالك (2) حيث قال: يقول الناس إن قوله تعالى:{أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة} (3) نزلت في علي بن ابي ~~طالب، قال: فأتيته لأنظر عبادته قال: فأشهد لقد رأيته وقت المغرب فوجدته ~~يصلي بأصحابه المغرب فلما جلس في التعقيب الى أن قام الى العشاء الآخرة، ثم ~~دخل منزله فوجدته طول الليل يصلي، ويقرأ القرآن الى أن طلع الفجر، ثم جدد ~~وضوءه وخرج الى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب الى أن ~~صلى بهم العصر، ثم أتاه الناس يختصمون وهو يقضي بينهم الى غربت الشمس فخرجت ~~وأنا أقول: اشهد أن هذه الآية نزلت فيه. # وعلى هذا المنهاج جرت العترة الطاهرة عليهم السلام مما لايمكن شرحه، ~~وبيانه هاهنا مخافة الإملل من السامع، ولظهور حالهم بخلاف غيرهم فعلمناأنهم ~~صلوات الله عليهم ومن دان بدينهم وسلك سبيلهم هم الذين تعين فيهم الإتباع، ~~واختص بهم الإقتداء، وأنهم المرادون بآية الإجتباء، وآية التطهير، وأحاديث ~~التمسك والسفينة. # آما آية الإجتباء وكونهم المرادون بها وهي قوله تعالى:{هو اجتباكم} الى ~~قوله:{ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} (4) فالأدلة على ~~ذلك كثيرة، نذكر منها ماذكره الإمام المنصور بالله عليه السلام في الشافي ~~حيث قال: والدليل على أن هذه الآية الكريمة في أهل البيت عليهم السلام وعلى ~~كونها دالة على وجوب الإقتداء بهم، وعلى أن اجماعهم دون غيرهم ms0009 حجة طريقان ~~جدلية وعلمية: PageV01P024 # فالعلمية الكتاب والسنة، والجدلية: مانذكره من بعد إن شاء الله تعالى. # أما الكتاب فهذه الآية الكريمة ووجه الإستدلال بها: أن الله سبحانه ~~اختارهم له شهداء فلو لم يكن قولهم حجة لمااختارهم وهذه الدلالة مبنية على ~~أصلين احدهما: أنه اختارهم له شهداء. # والثاني: أنه لو لم يكن حجة لما اختارهم. # فأما الذي يدل على الأول وهو أنه اختارهم له شهداء فظاهر الآية ينطق بذلك ~~في قوله:{هو اجتباكم} والإجتباء هو الإختيار، وظهوره في اللغة يغني عن ~~الإستشهاد عليه فثبت الأصل الأول. # وأماالأصل الثاني وهو: أنه لايختار له شهداء إلا من يكون قولهم حجة واجبة ~~الإتباع فمادل عليه عدله وحكمته يوجب ذلك، ألا ترى أن قاضيا من قضاة ~~المسلمين لو قال: قد اخترت فلانا شاهدا ووجب عندي قطع الحق بقوله لدلنا ذلك ~~أنه قد رضي بقوله، وثبتت عدالته عنده وأنه لايقول إلا مايجب العمل به فعلام ~~الغيوب أولى بذلك لأنه إذا اختار هذا النصاب للشهادة على الناس دل ذلك على ~~أنه عدول عنده، وأنهم لايقولون إلا الحق {فماذا بعد الحق الا الضلال فأنى ~~تصرفون} (1). # وقول من يقول: إن عموم الآية تتناول جميع ولد ابراهيم من اليهود والنصارى ~~وغيرهم من سائر القبائل من ولد ابرايهم عليه السلام قول لاوجه له، فإنه وإن ~~كان كذلك فإن الأخبار الواردة من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ماأوجبت متابعة من عدا عترته من القبائل فالآية وإن كانت عموما قد خصتها ~~الأخبار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والكتاب والسنة يجذيان ~~الى جهة واحدة، فلا يجوز الفرق بينهما ولم ينص الرسول صلىالله عليه وآله ~~وسلم على أن قول غير عترته من القبائل حجة فيجب حمل الآية على أن المراد ~~بها عترته عليهم السلام دون ماولد ابراهيم لهذه الدلالة فهذا الذي دل عليه ~~الكتاب. PageV01P025 # وأما السنة: فالدلالة منها قول النبي صلىالله عليه وآله وسلم:(إني تارك ~~فيكم ماإن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن ~~اللطيف الخبير ms0010 نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1). # والكلام في هذا الخبر يقع في موضعين: # احدهما: في صحته في نفسه. والثاني: في وجه الإستدلال به. # أما الكلام في صحته فإن ظهوره بين الأمة وانتشاره فيها بحيث لادافع له ~~ولاراد له دلالةعلى صحته لإنه لو لم يكن من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~لدفعوه وردوه لأنه يتضمن وجوب متابعتهم قولا وعملا واعتقادا، وذلك يقضي ~~بوجوب اتباعهم في الأصول والفروع عاما. # وأما الوجه الثاني: فهو أن ظهور هذا الخبر جار مجرى الأخبار الواردة في ~~اصول الشرائع كالصلاة والزكاة والحج والصوم لأن وصولها الينا على حد واحد، ~~والعلم لنا بأحدها كالعلم بالآخر، فالمنكر لذلك متجاهل أوجاهل. # وأما وجه الإستدلال به فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمننا من ~~الضلال أبدا ماتمسكنا بعترته، والتمسك بهم هو متابعتهم في القول والعمل ~~والإعتقاد. # والثالث: أنه لو لم يكن ا جماعهم حجة لما أمننا. # والذي يدل على الأصل الأول وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمننا من ~~الضلال ابدا ماتمسكنا بعترته فذلك ظاهر في لفظ الخبر بحيث يستغني عن تبيينه ~~والإستدلال عليه لأنه قال:(إني تارك فيكم ماإن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي ~~أبدا) وهذا في غاية الظهور والجلاء. PageV01P026 # وأما الأصل الثاني: وهو أن التمسك بهم هو متابعتهم في القول والعمل ~~والإعتقاد فلأنه لايحسن من أحدنا أن يقول: إني متمسك بطريقة فلان، ولكني ~~لاأقول قوله ولاأعمل عمله، ولاأعتقد اعتقاده بل يعد من يقول بذلك مناقضا ~~نازلا منزلة من يقول: إني متمسك بطريقه وغير متمسك، ولأنه عليه السلام ~~قرنهم بالكتاب ولاخلاف في وجوب متابعة الكتاب في الوجوه الثلاثة التي ~~قدمنا، وكذلك العترة لأن حالهم عنده على سواء. # فإن قيل: ماأنكرتم أن يكون ذلك في الأصول؟ # قلنا: هذا تحكم لأنه لم يفصل، ولأن الواجب في الأصول الرجوع الى أدلة ~~عقلية يجب اتباعها دعا اليها الواحد أوالجماعة العترة أوغيرهم، وتجويز من ~~يجوز ممن قال اجماعهم غير حجة مخالفتهم في الفروع لاوجه له ؛ لأنه لايخلو ~~إما أن يقول: ms0011 بأنه أمارة مفضية الى الظن كخبر الواحد أودلالة مؤدية الى ~~العلم أوالقطع، فإن قال بالأول بطل بشهادة الكتاب والسنة، ولأنه لايجوز ~~مخالفة خبر الواحد في الشرعيات متى حصل الظن بصدقه، وإنما تجوز مخالفته عند ~~فقد الظن فقد ثبت بطلان جواز المخالفة على هذا الوجه. # وإن قال بالثاني من الوجهين فكيف يجوز مخالفة المعلوم والمقطوع به الى ~~المظنون المتوم هل ذلك إلا عين التنكب لطريق الإنصاف. # وأما الثالث: وهو أنه لولا أن اجماعهم حجة ومتابعتهم واجبة لما أمننا ؛ ~~لأن المعجزات الظاهرة على يديه صلى الله عليه وآله وسلم قد أزاحت عنا تجويز ~~التلبيس والتغرير في أخباره فلو لم يكن قولهم واجب الإتباع لكان قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم:(إني تارك فيكم ماإن تمسكتم به لن تضلوا) إتيان لنا من ~~غير مأمون، واستدعاء الى ارتكاب المخوف، وذلك أعظم التغرير وأقبح التلبيس، ~~وقد ثبت أنه لايجوز عليه شئ من ذلك. # --- PageV01P027 وأما الطريقة الثانية من الطريقتين المتقدمتين فهي: أنا نقول قد ثبت لنا ~~بما قدمنا كون اجماع أهل البيت عليهم السلام حجة فلا يخلو القائل بأن اجماع ~~الأمة حجة، إما أن يعتبر أهل البيت أولايعتبرهم، فأن لم يعتبرهم فقد أخرج ~~أفاضل الأمة عن أن يعتد بهم ولاقائل بذلك، وإن اعتبرهم فالحجة لازمة لقولهم ~~لما قدمنا، فلا معنى لجعل اجماع الأمة اجماعا ثانيا غير اجماع العترة فقد ~~صح لك أن مدار الحق على العترة في الحالتين جميعا، وذلك يكشف أنه لااعتبار ~~بمن سواهم، إلا أنا نجعل الحجة ماكان قائما بنفسه في الدلالة فلو ساغ جعل ~~ماليس بحجة حجة إذا انظم الى الحجة لساغ قول من يقول: إن قول الواحد حجة ~~يجب اتباعها اذا انضم الى دليل عقلي، وذلك ظاهر الفساد فهذان الطرفان بحمد ~~الله كافيان لمن أنصف. # وأما آية التطهير وهي قوله تعالى:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} (1) فهي دليل العصمة أيضا لأن رجس الأقذار حكمهم فيه ~~وحكم غيرهم بالإتفاق واحد، فلم يبق فائدة الآية وخبر الكساء (2) PageV01P028 الذي بينها إلا تطهيرهم ms0012 من درن الأوزار، وذلك معنى العصمة شهادة الله لهم ~~وشهادة رسوله بإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم. # والتطهير: التنزيه عن الإثم، وعن كل قبيح، ذكر ذلك صاحب المجمل في اللغة ~~أحمد بن فارس اللغوي (1) وهذا يقوي معنى العصمة، وهو ترك مواقعة الرجس، ~~وبمقتضى لفظ القرآن العزيز، وقد ورد لفظ الصحيح من قول الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم فصار ذلك دليلا من الطريقتين وطريق عصمة من الأصلين، وذلك ~~يقضي بعصمتهم بإرادة الله سبحانه وإخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~بذلك، ويمنع وقوع الخطأ عاجلا وآجلا، وإذا أمنا وقوع الخطأ منهم وجب ~~الإقتداء بهم دون من لم نأمن منه وقوع الخطأ، وتطرق الرجس عليه وترك ~~التطهير له، ومن يؤمن وقوع الخطأ منه ثبت أنه يهدي الى الحق لموضع قول الله ~~سبحانه وتعالى:{أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أم لايهدي إلا أن يهدى ~~فمالكم كيف تحكمون} (2) فقد أوجب الله الإقتداء بمن يهدي الى الحق، وليس ~~ذلك إلا مع تطهيره له واذهاب الرجس عنه، ووبخ من لم يحكم بذلك فصار ذلك حكم ~~الله سبحانه وتعالى، ومن لم يحكم به كان من أهل هذه الآية {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (3). PageV01P029 # وأما آية المودة فدالة على وجوب محبتهم على الجزم. # ووجه الإستدلال بها: أنه عزوجل جعل حبهم الذي هو لهم نفعة في الدين أجرا ~~لسيد المرسلين أوجبه على كافة الخلق أجمعين، ومن ظلم الأجير أجرته فهو من ~~الظالمين، فما حال من ظلم النبي الأمين في وداد عترته الأكرمين فهو من ~~الهالكين بأيقن يقين. # وفي المودة والبغض لآل محمد صلوات الله عليه وعليهم أخبار كثيرة وأحاديث ~~شهيرة رواها الموالف والمخالف وسيأتي ان شاء الله في سورة المودة الإشارة ~~الى شيء منها ولنذكر هاهنا حديثا واحدا في المودة، وآخر في البغض من رواية ~~الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش (1) عليهم السلام تبركا بذكره ~~وروايته فإنه قال في كتاب البساط (2) مالفظه:(وخبرت عن الحسن بن عبدالله بن ~~ابي ليلى (3) قال: حدثنا سعيد بن نصر ms0013 السكوني(4) عن محمدبن ابي ليلى (5) ~~وعن الحكم بن عبدالرحمن بن ابي ليلى (6) PageV01P030 عن أبيه (1) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لايؤمن عبد حتى ~~أكون أحب اليه من نفسه، وأهلي أحب اليه من أهله، وعترتي أحب اليه من عترته، ~~وذاتي أحب اليه من ذاته) (2). PageV01P031 # وقال عليه السلام فيه أيضا:(وحدثنا محمد بن منصور (1) قال: حدثنا حرز بن ~~الحسين (2) قال: حدثنا حسان بن سدير (3) قال: حدثني شريف المكي (4) قال: ~~حدثنا محمدبن علي ومارأيت محمديا يعدله، قال: حدثنا جابر بن عبدالله ~~الأنصاري (5) قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أيها ~~الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهوديا) قال: قلت يارسول ~~الله وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ قال:(وإن صام PageV01P032 وصلى وزعم أنه مسلم) (1) # ومن المعلوم أنه ليس من محبتهم الرفض لهم ولعلومهم والإقتداء بغيرهم، فإن ~~ادعاء المحبة بغير عمل سخرية وجهل، لأن خلافهم خلاف المودة، ولم يودهم من ~~خالفهم، وقد قال تعالى:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}(2) فقرن المحبة بالإتباع، فمن لم يتبعهم لم ~~يحبهم، وكفى بالإجماع دليلا فإنه لاخلاف في وجوب حب آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم لمكان الآيات والآخبار والكل من ذلك دال على وجوب قولهم قولا ~~وعملا واعتقادا، لإن عدم ذلك خلاف المودة فمن خالفهم فلم يودهم، ومن لم ~~يودهم فقد عصى اله، ومن هاهنا يعلم أن اجماعهم حجة، وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى في هذه الثلاث الآيات ونحوها من تفسير ائمتنا عليهم السلام مايشفي ~~الغليل ويوضح السبيل، فالطريق بحمد الله في ذلك واضح والحق فيه منير لائح ~~فليتق الله المتأول لهذه الآيات الملقي في قلوب السامعين الشبهات. PageV01P033 # وأما أحاديث التمسك والسفينة فهي كما رواه في كتاب قواعد عقائد آل محمد ~~عليهم السلام(1) وغيره أنهما مما تلقتها الأمة بالقبول. # من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوما وقد نزل بماء يدعى خما بين مكة ~~والمدينة في حجة الوداع فقام خطيبا فحمد الله ms0014 وأثنى عليه ثم قال:(أيها ~~الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول من ربي فأجيب فإني تارك فيكم ~~ثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي). # وفي رواية أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أوصيكم بكتاب ~~الله وأهل بيتي إني سألت الله أن لايفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض ~~فأعطاني ذلك). # وفي رواية (إني تارك فيكم ماإن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب ~~الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض). PageV01P034 # والأصل في ذلك مارويناه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في ~~خطبة الوداع:(أيها الناس إني امرؤ مقبوض وقد نعيت الي نفسي ألا وإنه سيكذب ~~علي كما كذب على الأنبياء من قبلي فما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله فما ~~وافق كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وماخالفه فليس مني ولم أقله) (1). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أمة أخي موسى افترقت على احدى وسبعين فرقة). PageV01P035 # وفي رواية (افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في ~~النار، وستفترق أمتي بعدي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة، ~~وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في ~~الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في ~~الجنة وثنتان وسبعون في النار) (1). PageV01P036 # وفي روايات أخر (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ~~ماأنا عليه اليوم وأصحابي) والأمة مجمعة على صحة هذا الخبر، وكل فرقة من ~~فرق الإسلام تتلقاه بالقبول، وتزعم أنها الناجية - (فلما سمع ذلك منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ضاق به المسلمون وضجوا بالبكاء وأقبلوا وقالوا: يارسول ~~الله كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية؟ حتى ~~نعتمد عليها فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم ماإن تمسكتم به ~~لن تضلوا من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما ~~لن يفترقا حتى يردا ms0015 علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما). # وحديث التمسك هذا معلوم الصحة لتواتره برواية المخالف والموالف، وهذا ~~الخبر ونحوه قد شهد لهم بالإستقامة الى ورود الحوض يوم القيامة، ودل على أن ~~العترة متمسك كالكتاب حيث قرنهم به، وجعلهم حجة مثله، وإلا بطل معنى ~~الإقتران، فكما أن الكتاب واجب الإتباع فكذلك هم، وأمننا الصادق مع ذلك من ~~الضلال بشرط التمسك بهم، وذكرهم بلفظ (لن) وهي لنفي الأبد فلا خوف مع ذلك. # ومما رواه أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم رضي الله عنهم عن علي عليه السلام ~~أنه قال بعد ذكره افتراق اليهود والنصارى:(وافترقت هذه الأمة على ثلاث ~~وسبعين فرقة كل فرقة على ثلاث وسبعين ملة، كل ملة ضالة مضلة إلا من أخذ ~~بحجزتي وحجزة أهل بيت رسوله وكتابه وسنته واتباع الحبل الأكبر والحبل ~~الأصغر) (1). PageV01P037 # ومن ذلك ماروي من طريق أخرى (أنه خرج في مرضه الذي توفي فيه ومعه علي ~~والعباس فصلى ووضعاه على المنبر فخطب وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~(أيهاالناس إني تارك فيكم الثقلين لن تعمى قلوبكم ولن تزل أقدامكم، ولن ~~تقصر ايديكم ماأخذتم بهما، كتاب الله سبب بينكم وبين الله فأحلوا حلاله ~~وحرموا حرامه) فعظم من أمر الكتاب ماشاء الله أن يعظم ثم سكت، فقال عمر بن ~~الخطاب: هذا أحدهما قد أعلمتنا به فأعلمنا بالآخر قال: أما إني لم أذكره ~~إلا وأنا أريد أن أخبركم به غير أني أخذني الريق فلم أستطع أن أتكلم ألا ~~وعترتي ألا وعترتي ألا وعترتي) ثلاثا. # وفي رواية ثم قال:(وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل ~~بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فوالله لايبعث رجل يحبهم إلا أعطاه الله ~~نورا حتى يرد علي يوم القيامة). # وفي رواية رواها الحجوري في الروضة (1) قال: قال ابو العباس محمد بن ~~اسحاق (2) PageV01P038 :فلما اشتد به صلى الله عليه وآله وسلم الوجع اجتمع اليه أهل بيته ونساؤه ~~فلما رأت فاطمة عليها السلام أباها قد ثقل دعت الحسن والحسين فجلسا معها ~~الى رسول الله صلى الله عليه وآله ms0016 وسلم وجعلت تبكي حتى اخظلت لحيته ووجهه ~~بدموعها فأفاق صلى الله عليه وآله وقد كان أغمي عليه فقال لها: (يابنيه لقد ~~شققت على أبيك) ثم نظر الى الحسن والحسين واستعبر بالبكاء فقال: (اللهم إني ~~أستودعكهم وصالح المؤمنين، اللهم هؤلاء ذريتي أستودعكهم وكل مؤمن) ثم أعاد ~~الثالثة ووضع رأسه ثم قالت فاطمة: واكرباه لكربك ياأبتاه، فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم:(لاكرب على أبيك بعد الموت) (1) ثم أمر أن يصب على رأسه سبع ~~قرب من ماء من سبع آبار، ففعل به ووجد خفة، وخرج فصلى بالناس، ثم قام يريد ~~المنبر وعلي والفضل بن عباس قد احتضناه حتى جلس على المنبر فخطبهم واستغفر ~~للشهداء ثم أوصى بالأنصار، ثم قال:(إنهم لايزيغون عن منهاجها، ولاآمن منكم ~~معاشر المهاجرين الإرتداد، ثم رفع صوته حتى سمع جميع من في المسجد وورائه ~~يقول:(أيها الناس سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، والله ~~لاتعتلون علي غدا بشئ ألا وإني قد تركت فيكم الثقلين فمن اعتصم بهما فقد ~~نجا، ومن خالفهما هلك وهوى) قال عمر بن الخطاب: وماالثقلان يارسول الله؟ ~~قال:(أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله سبب طرف منه بيد PageV01P039 الله تعالى، وطرف بأيديكم وعترتي أهل بيتي فتمسكوا بهما لاتضلوا ولاتتبدلوا ~~أبدا فإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وإني ~~سألت الله ذلك فأعطانيه فلا تسبقوهم فتهلكوا ولاتقصروا عنهم فتضلوا، ~~ولاتعلموهم فإنهم أعلم منكم بالكتاب، أيها الناس احفظوا قولي تنتفعوا به ~~بعدي، وافهموا عني تنتعشون لئلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ~~فإن أنتم فعلتم ولتفعلن لتجدن من يضرب وجوهكم بالسيف ثم التفت عن يمينه ~~فقال: أين علي بن ابي طالب؟ ألا وإني قد تركته فيكم ألا هل بلغت؟ فقال ~~الناسك نعم يارسول الله صلى الله عليك، ثم قال: اللهم اشهد، ألا وإنه سيرد ~~علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني فأقول: يارب أصحابي أصحابي؟ فيقول:يامحمد ~~إنهم أحدثوا بعدك غيروا سنتك، فأقول: سحقا سحقا) (1). # انتهى ماذكره في الروضة. # واعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ms0017 ينتصب في حال التعب والمشقة لأن ~~يعرفهم بما قد عرفوا من تعظيم القرآن، وإنما أراد بذلك (2) بيان حال العترة ~~الأطهار أنهم صلوات الله عليهم متمسك كالكتاب. PageV01P040 # وأيضا وجدنا الله عز وجل قد أخبر عن أهل البيت بصفة تشهد باستحقاقهم لما في ~~خبر التمسك هذا من مقارنتهم للكتاب، وأن لهم حكمه في التمسك حيث قال عز ~~وجل:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وبينهم ~~صلى الله عليه وآله وسلم بما رواه عنه علماء الحديث في خبر الكساء. # وقد نظم الشعراء أحاديث التمسك وغيره من ذلك قول سعد بن بارق (1) مخاطبا ~~للإمام الزكي زيد بن علي عليهما السلام: # أجبت كتاب الله حق إجابة.... وصدقته فيكم فأنتم ولاته # وسلمت للقرآن فيما قضى به.... ولايتكم فيه فأنتم ولاته # وأنتم حصون العلم بعد محمد.... بكم يهتدي الهادي وأنتم رعاته # فقال زيد بن علي عليهما السلام: جعلك الله سعيدا في حياتك شهيدا في مماتك ~~فقتل سعد مع يحي بن زيد عليهما السلام. PageV01P041 # ومن أحاديث السفينة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مثل أهل بيتي فيكم ~~كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى) (1) فهذا الخبر دال على ~~أنهم كالسفينة، فكما أن السفينة منجاة للأبدان من الغرق فكذا أهل البيت ~~منجاة للأبدان من الهلكة، ولقد أحسن من قال: # أنتم سفينة نوح والمراد بها.... ولاؤكم لامساميرا ولا خشبا # فمن تعلق منها بالولاء نجا.... ومن تخلف في بحر الهوى عطبا # وما المودة في القربى بواجبة.... لهاشم بل لكم يا أقرب القربا # وما الصراط سوى إضمار طاعتكم.... فمن تنكب عن منهاجكم نكبا # وكل منقلب عن عقد بيعتكم.... كان الجحيم له مأوى ومنقلبا PageV01P042 بني أبي طالب لولا محبتكم.... ما فاز ذو الدين والدنيا بما طلبا # لولا محبتكم فينا وحجتكم.... لكاد يزهد في الإسلام من رغبا # وقد علم السامعون أن الرافض لمذاهبهم، والتابع لسواهم، والمستفتي لغيرهم، ~~المقتبس علمه من أضدادهم متخلف غير راكب معهم في سفينتهم، وهم سفينة ~~النجاة، فعلمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم بين للأمة ms0018 بذلك أن إتباع أهل ~~بيته في القول والعمل والإعتقاد هو طريق النجاة، وأن مخالفتهم هي سبب ~~الهلاك، وإلا لما مثلهم بسفينة نوح، وقد علمنا أن أمة نوح عليه السلام هلكت ~~كلها إلا من ركب في السفينة علمنا أن كل الأمة يهلكون إلا من اتبع أهل بيت ~~نبيئه عليهم السلام وإلا لبطل التمثيل النبوي المأخوذ عن الملك العلي، وأن ~~الملتزم لطريقة غيرهم من الفقهاء الذين خالفوا طرائقهم لا ينجون مع ~~الناجين، كما أن ابن نوح لم ينج منها من التجأ إلى غير السفينة، ولما حكم ~~صلى الله عليه وآله وسلم بغرق المتخلف عنهم أو بهلاكه على حسب الرواية ثبت ~~كونه عاصيا لربه ضالا عن مناهج دينه إذ لم يقبل من مرشده إرشاده ولا فقه ~~مراده، ومما ورد منهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:{أهل بيتي كالنجوم كل ~~ما أفل نجم طلع نجم) (1) فكما أن النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ~~فكذا حال العترة يهتدى بهم في ظلم الشبه. PageV01P043 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم في تفضيلهم والدلالة على إتباعهم وما فضلهم ~~الله به على غيرهم:(النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ~~فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي ~~من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون) (1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل ~~بيتي أمان لأمتي من الإختلاف فإذا خالفتهم قبيلة من العرب صارت حزب إبليس) ~~(2) فهذا ومثله فكثير عنه صلى الله عليه وآله وسلم يفهمه من روى عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ونحن نستغني بقليل ذكره عن كثير. PageV01P044 # وأيضا الأمة مجمعة على أن النجاة إنما تكون بمتابعة القرآن والقرآن قد شهد ~~أن النجاة بمتابعة العترة الأطهار كما قدمنا من نحو قوله عز وجل:{يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ثم عرفنا تعالى بالصادقين منهم ~~بصفاتهم في الآيات التي مر ذكرها، فإذا تأمل العاقل ذلك علم أن القرآن قد ~~شهد بأن الفرقة الناجية هم ms0019 فرقة أهل البيت عليهم السلام، وإن التفت إلى ~~السنة الشريفة وجدتها قاضية بمثل هذه الشهادة في أخبار كثيرة منها ما قدمنا. # --- PageV01P045 ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم بعد أن بلغ ما أمره الله ~~به في علي بن أبى طالب عليه السلام:(أيها الناس إني فرطكم وأنتم واردون علي ~~الحوض حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء فيه عدد النجوم قدحان من فضة وإني ~~سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ الثقل الأكبر ~~كتاب الله عز وجل سبب طرفه بيد الله تعالى وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا ~~تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ~~ينقضيا حتى يلقياني، وسألت لله لهم ذلك فأعطاني فلا تسبقوهم فتهلكوا ولا ~~تعلموهم فهم أعلم منكم) (1) PageV01P046 ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله جعل عليا وزوجته وابنيه حجج ~~الله على خلقه، وهم أبواب العلم في أمتي من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم) (1). # ومنها: صريح قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله جعل عليا لي وزيرا ~~وأخا ووصيا، وجعل الشجاعة في قلبه، وألبسه الهيبة على عدوه، وهو أول من وحد ~~الله معي، وهو سيد الأوصياء، اللحوق به سعادة، والموت في طاعته شهادة، ~~واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي زوجته الصديقة الكبرى، وابناه سيدا شباب ~~أهل الجنة، وهو وهما والأئمة من ولدهما حجج الله على خلقه) (2). # ومنها: مارواه المرشد بالله عليه السلام في أماليه بإسناده إلى ابن عباس ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من سره أن يحي ~~حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن التي غرسها ربي [عز وجل بيده] فليتول علي ~~بن أبى طالب وأوصياءه فهم الأولياء والآثمة من بعدي أعطاهم الله علمي وفهمي ~~وهم عترتي من لحمي وجمي إلى الله أشكو من ظالمهم من أمتي والله لتقتلنهم ~~أمتي لا أنالهم الله عز وجل شفاعتي) (3) PageV01P047 ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(قدموهم ولا تتقدموهم، وتعلموا منهم ~~ولا تعلموهم ولا ms0020 تخالفوهم فتضلوا ولا تشتموهم فتكفروا) (1) فقضى بالضلال ~~على مخالفتهم والكفر على من شتمهم فكفى بذلك زاجرا لأهل البصائر، وخزيا ~~ونكالا لأهل الكبائر. # ولسنا نأتي على جميع الأحاديث الواردة فيهم عليهم السلام لأن ذلك لا يدخل ~~تحت الإمكان لأنها كتب جمة وألوف أحاديث كثيرة من رواية الموالف والمخالف ~~حتى تواتر وعلم علما لا يمكن دفعه ولا شبهة. # قال الديلمي رحمه الله:<فالأحاديث التي من رواية الفقهاء المتفق عليها ~~يعني في أهل البيت عليهم السلام ألف وخمسمائة وستة أحاديث(2) غير ما ذكره ~~أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضي الله عنهم منها ستمائة وخمسة وثمانون ~~حديثا يختص بعلي عليه السلام، وتسع مائة وعشرون حديثا يختص بالعترة عليهم ~~السلام كل واحد منها يدل على إمامتهم وفضلهم على سائر الناس. PageV01P048 # قال الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة عليه السلام ما معناه:<الأحاديث ~~فيهم عليهم السلام من رواية الموالف والمخالف قريب من ألف ألف حديث > اه(1). # ودلالة ما هذا شأنه وحاله من الأحاديث على نجاة المتبعين لأهل البيت ~~عليهم السلام ظاهر مكشوف منبوذ معناه على طر فالتمام يتعاطاه الجاهل ~~والعارف لا يخفى على أحد إلا أكمه لا يعرف القمراء، وإنما غرضنا هاهنا ~~الإشارة إلى بعض ما ورد فيهم مما يدل على وجوب التمسك بمذهب آل محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأن التمسك بالله وحبل رسوله وحبل ذرية رسوله عليهم ~~السلام أئمة الهدى نجاة من كل هلاك قال تعالى:{واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا}(2) فحبل هؤلاء موصول بحبل الله، وقال:{فمن يعتصم بالله فقد هدي ~~إلى صراط مستقيم}(3). PageV01P049 # وروى الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة عليه السلام بإسناده عن ~~الثعلبي (1) في تفسير قوله تعالى:{اهدنا الصراط المستقيم} قال: قال مسلمة ~~بن حيان (2): سمعت أبا ثريدة(3) يقول: صراط محمد وآله. PageV01P050 # قال الإمام علامة العترة محمد بن القاسم بن إبراهيم عليه السلام في كتابه ~~دعائم الإيمان (1): لأن الكتاب والسنة والعترة الطاهرة إمام أهل الخشية ~~الذين يلجأون إليه عند كل شبهة وفتنة، وبذلك جاء الخبر عن أمير المؤمنين عن ~~النبي صلى ms0021 الله عليه وآله وسلم أنه قال:(ستكون فتنة من بعدي قلت يا رسول ~~الله فما المخرج من الفتن؟ قال: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بينكم ~~فمن اتبع الهدى في غيره أو سأل عنه غير أهله أضله الله، ومن قال به صدق، ~~ومن حكم به عدل، ومن اهتدى به هدي، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) (2). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(أصدق الحديث كتاب الله وأحسن ~~الهداية هدي محمد وهدي أهل بيته الطيبين، وشر الأمور محدثاتها) (3). PageV01P051 # دل ما تقدم من الأخبار والآيات على وجوب التمسك بآل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعن تحريم مخالفهم قولا وعملا واعتقادا ولو لم يكن من ذلك إلا ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من ~~بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1) والمؤمن حقا من شهد له رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما في الخبر الصحيح المتواتر، فإن العلماء المطلعين على ~~كتب الفرق الإسلامية يعلمون صحته لرواية الموالف والمخالف لا يختلفون إلا ~~في يسير من اللفظ فيه مع اتحاد المعنى فمن خالف أهل بيت محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقد شاقه واتبع غير سبيل المؤمنين كيف وقد رويت أخبار كثيرة تؤدي ~~معنى واحدا أن آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الحق غير ما تقدم من ~~الأخبار نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تكون بين الناس فرقة واختلاف ~~يكون هذا وأشار إلى علي وأصحابه على الحق) ذكر معنى هذا إمامنا المنصور ~~بالله عليه السلام في آيات الأحكام. # --- PageV01P052 وروى أيضا في الإعتصام بإسناد بلغ به إلى أبى الزبير(1) عن جابر الأنصاري ~~قال:(كنا جلوسا عند رسول الله إذ أقبل علي بن أبى طالب عليهم السلام فما ~~نظر إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أتاكم أخي، ثم التفت إلى ~~الكعبة فقال: ورب هذه البنية إن هذا وشيعته ms0022 هم الفائزون يوم القيامة، ثم ~~أقبل علينا بوجهه ثم قال: أما والله إنه أولكم إيمانا بالله وأقومكم بأمر ~~الله، وأوفاكم بعهد الله، وأقضا كم بحكم الله، وأقسمكم بالسوية، وأعدلكم ~~[في الرعية] (2) وأعظمكم عند الله مزية) قال جابر فأنزل الله:{إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} فكان علي إذا أقبل قال أصحاب ~~محمد: قد أتاكم خير البرية من بعد رسول الله، ثم ذكر فيه أحاديث جمة من طرق ~~كثيرة عن عدة من الصحابة شاهدة بأن هذه الآية نزلت فيه عليه السلام. PageV01P053 # وفيه أيضا عن إبراهيم بن أبي شيبة الأنصاري (1) قال:جلست إلى الأصبغ بن ~~نباته (2) فقال: ألا أقرئكم ما أملاه علي بن أبى طالب، فأخرج إلي صحيفة ~~فيها مكتوب: # هذا ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته وأمته بتقوى ~~الله ولزوم طاعته، وأوصى أمته بلزوم أهل بيته، وأن أهل بيته يأخذون بحجز ~~نبيهم، وأن شيعتهم يأخذون بحجزهم يوم القيامة، وأنهم لن يدخلوكم باب ضلالة، ~~ولن يخرجوكم من باب هدى) (3). PageV01P054 # وفي هذا المعنى أحاديث لا تحصى كثرة، بل لها كتب مستقلة، وقد تضمن ما قدمنا ~~كثيرا من خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام كالخطبة الزهراء التي قال فيها ~~الإمام الحسن بن بدر الدين (1) عليه السلام في شرح أنوار اليقين (2) ما ~~لفظه الخطبة الزهراء هي الخطبة الكبرى التي خطب بها أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام قبل موته البعيد والقريب، وأسمعها البغيض والحبيب، ممن كان في عصره ~~ممن يبلغه ذلك عنه، وهي آخر خطبة خطبها ولقي الله عليها، انطوت على علم ~~كثير، وبين فيها عليه السلام أحوال الدنيا، وما يكون بعده من العظائم إلى ~~يوم القيامة، وهي موجودة بحمد الله غير أنا نذكر منها طرفا، منبها لذوي ~~البصائر على ما تقدم. PageV01P055 # قال عليه السلام في موضع منها:(ألا وإني أقول قولي هذا لعلي لا أقول بعد ~~يومي هذا مثل قولي هذا فليسمع المحبون والمبغضون فإنه ما من نبي بعث في ~~الأولين والآخرين إلا كان له هاد من بعده، وإن ms0023 موسى كليم الله ومحمد صفي ~~الله، وأقام موسى من بعده هاديا مهديا هارون ابن أمه وإن محمدا أقامني ~~هاديا مهديا فأنا نظيره إلا أني لست بنبي، فاختلفتم كما اختلفت بنو إسرائيل ~~على هارون فضربها الله بالفتن والإختلاف وإطاعة السامري، فعاقبهم بالقتل ~~فمن قتل نفسه بالتوبة كان شهيدا، ومن كره القتل عوقب بالإفتراق والخروج عن ~~الملة فافترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضلت وتاهت عدا بقية من آل موسى ~~وآل هارون، وهي الأمة الهادية التي قال الله:{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون}(1) وهي التي تعدل وتهدي، ولم يكن الله ليضل الناس بعده، ~~وافترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة على ثلاث وسبعين ملة فكل ~~ملة ضالة مضلة إلا من أخذ بحجزتي وحجزة أهل بيت رسوله وكتابه وسنته، واتبع ~~الحبل الأكبر والحبل الأصغر) (2) إلى آخر كلامه عليه السلام وهو طويل جدا (3). PageV01P056 # قال إمامنا المنصور بالله رحمة الله عليه في الإعتصام (1) PageV01P057 : وقد أوسع في هذا أوسع في هذا المعنى من الأدلة من الآيات والأخبار ما هذا ~~لفظه:(دل جميع ما تقدم من الآيات والأخبار المتفق عليها في مشاهير كتب ~~الأمة بلا تواطؤ على وجوب التمسك بمذهب آل محمد، وهم يدعون إلى ما أوجب ~~الله والى ما هو دعاء من الله ومن رسوله إلى الأخذ بمحكم الكتاب والمعلوم ~~من سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتواتر والتلقي بالقبول، وعلى ~~الرد إلى الله والى الرسول فيما اختلفوا فيه قال الله سبحانه وتعالى:{فإن ~~تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول}(1) وبلغنا عن أمير المؤمنين كرم ~~الله وجهه في الجنة أنه قال:(الرد إلى الله هو الرد إلى محكم كتابه والرد ~~إلى رسوله هو إلى سنته الجامعة غير المفرقة) وقال الله تعالى:{يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم}(2) وهذا صراط الله ~~المستقيم الذي قال سبحانه:{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله}(3) إلى قوله عليه السلام:(وهذه سبيل محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد قال الله ms0024 تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}(4) فنحن ندعو إلى ذلك ~~ونجيب من دعانا إليه لا نخالف الحق ولا نختلف فيه إن شاء الله تعالى، ومع ~~هذا فإنا لا نستوحش ممن هجر مذهبنا وتجنب الأخذ والرواية عن آبائنا عليهم ~~السلام وشيعتنا رضي الله عنهم، ونرى الأخذ عن الدعاة إلى النار برواية ~~الثقاة من الفريقين) (5) إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا المعنى وهو بسيط ~~جدا، وإنما هذا تنبيه على المعنى المقصود من وجوب إتباع آل محمد صلى الله ~~على محمد وعلى آل محمد وسلم. PageV01P058 # ويؤكد ما قدمنا من الأدلة إجماع العترة الطاهرة وشيعتهم فإن إجماعهم على ~~ذلك مشهور لا ينكره إلا من قلبه بالجهل مغمور، وإجماعهم عليهم السلام حجة ~~واجبة الإتباع للأدلة الشرعية والبراهين القطعية، وذلك أنهم عليهم السلام ~~يدينون ويعتقدون أنهم أهل الكتاب الذين اصطفاهم الله لإرثه وأهل الذكر ~~الذين أمر بسؤالهم وأولوا الأمر الذين أوجب الله على جميع المكلفين طاعتهم ~~والرجوع إليهم وأنهم هم الأمة الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، ~~وينهون عن المنكر، وأنهم المفلحون، وأنهم الشهداء على الناس، وأن الرسول هو ~~الشهيد لهم على الناس بذلك، وأنهم هم الصادقون الذين أمر الله بالكون معهم، ~~وأنهم الذين فرض الله مودتهم، وحكم بعصمتهم وطاعتهم، وأنهم أمان لأهل الأرض ~~من الغرق، وأنهم كسفينة نوح من اعتصم بهم واتبع آثارهم نجا ومن تخلف عنهم ~~غرق وهوى، وأنهم باب حطة، وباب السلم، فادخلوا في السلم كافة، وأنهم قرناء ~~الكتاب المعبر عنه بالثقلين كما مر، وأنهم خلفاء أرضه، وأئمة خلقه، ودعاة ~~بريته، وأنه لا تخلو الأرض من حجة منهم لله فيها وعلى الحق ظاهرين. # واعلم أنه إذا دل الدليل على شئ فالإعراض عنه وعن اعتقاده زيغ وميل عن ~~الحق خصوصا إذا كان متعلقا بالتكليف فيأثم إثما عظيما في تركه والإعراض عنه ~~لدخول ذلك في كتمان الحق، وترك إظهاره، والتدين يقتضي خلافه فالتمسك بالحق ~~أولى من التمادي في الباطل فنعوذ بالله من ms0025 إلف العصبية , وما يؤدي إليها. # فإن قيل: أهل البيت عليهم السلام فيهم عصاة لاتجوز موالاتهم، ومخالفون ~~لأهل البصائر منهم لا يسع إتباعهم، وقد قلت: إنهم كالكتاب وقرناؤه، وقد ~~رأينا كثيرا منهم من يجاهر بالمعاصي، ومنهم من يتمسك بأديان الضلال؟ # --- PageV01P059 قلنا ولا قوة إلا بالله: يخصص الفساق منهم آيات محكمات وأخبار صحيحات، ليس ~~هذا موضع ذكرها، ولكنا نقول كما قال الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة ~~عليه السلام: هم صلوات الله عليهم كما أن في الكتاب شرفه الله وعظمه محكما ~~ومتشابها ومنسوخا، لأن الناسخ من نوع المحكم، فالواجب الرجوع إليه واطراح ~~معنى المنسوخ، فكذلك ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنقسم إلى ثلاثة ~~أقسام: أئمة سابقون يجب الرجوع إليهم، وتابعهم منهم لقول الله تعالى حاكيا ~~عن إبراهيم عليه السلام:{فمن تبعني فإنه مني}(1). # وجاهرون بالمعاصي بمنزلة المنسوخ من كتاب الله عز وجل يجب اطراح معناه، ~~ومتمسكون بأديان أهل الضلال مع ثبوت أنسابهم إلى الذرية الزكية فهم بمنزلة ~~المتشابه من كتاب الله تعالى لا يتبعه إلا الذي في قلبه زيع كما قال الله تعالى. # فإن قلت: لا يجب إتباع القرآن لذلك؟ فقل في أهل البيت عليهم السلام كذلك. # قلنا: قال الله عز وجل:{ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون} (2) فلم يسقط فسق الفاسقين ~~وجوب إتباع الصادقين، ولا أخرجهم من ورثة الكتاب فعل أهل الزيغ والإرتياب، ~~فتأمل ذلك موفقا، وأت العلم من طرقه وبابه، وتفهم رحمك الله معاني كتاب ~~الله من أربابه، واطلب العلم من ورثته ونصابه، فإن للدين طرقا كما للمسجد ~~والسوق، فالواجب على العاقل أن يتعرف طرق الدين لينجو من الضلال مع ~~الناجين> (3) اه. PageV01P060 # وإذا عرف السامع من هذه الجملة ما ألقيناه، واستبطن مقصودها فليعلم أنا لم ~~نتبع أهل البيت عليهم السلام من أجل أنهم آباؤنا وأهلنا، وإنما اتبعنا ~~الدليل الذي دلنا عليهم، وأرشدنا إليهم، وكيف لا يكونون عليهم السلام كذلك ~~وهم أهل بيت الرحمة وموضع العصمة، وقرار الرسالة، وإليهم كان مختلف ~~الملائكة، ms0026 وهم معدن العلم وغاية الحكم، من شجرة باسقة الفروع طيبة النبع، ~~ثابتة الأصل دائمة الأكل، قد ساخت عروقها، فهي طيبة الثرى، واهتزت غصونها ~~فهي تنطف بالندي، وأورقت منضرة، ونورت مزهرة، وأثمرت موفرة، لا تنقص ثمارها ~~الجناة، ولا يشرعها السقاة، فمن نزل بها، وآوى إليها ورد حياضا تفيض، ورعى ~~رياضا لاتخيض، وشرب شرابا رويا هنيا مريا، عريضا فضيضا، فروى وارتوى من ~~قرار روي بدلاء مبذولة غير ممنوعة، معروضة غير مقطوعة، فمن تبعهم نجا، ومن ~~استمسك بهم فقد استمسك بالعروة الوثقى ولله القائل(1): PageV01P061 # بآل محمد عرف الصواب.... وفي أبياتهم نزل الكتاب # وهم حجج الإله على البرايا.... بهم وبجدهم لا يستراب # ولاسيما أبو حسن علي.... له في المجد مرتبة تهاب # طعام حسامه مهج الأعادي.... وفيض دم الرقاب له شراب # وبين حسامه والدرع صلح.... وبين البيض والبيض اصطحاب # إذا طلبت صوارمه نفوسا.... فليس لها سوى نعم جواب # وضربته كبيعته بخم.... معاقدها من الناس الرقاب # هو النبأ العظيم وفلك نوح.... وباب الله وانقطع الخطاب # هو البكاء في المحراب ليلا.... هو الضحاك إن آن الضراب # تروى لأعداء علي عليه السلام، والحق ما شهدت به الأعداء. # وفيهم عليهم السلام جميعا يقول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه:(نحن أهل ~~العلم، ومعدن التأويل والتنزيل، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول:(أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه)) (1) PageV01P062 . # وقال عليه السلام في بعض خطبه التي ذكر فيها آل محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(هم عيش العلم وموت الجهل يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن حكم ~~منطقهم، لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام، وولائج ~~الإعتصام، بهم عاد الحق في نصابه..الخ كلامه عليه السلام ) (1). # وقال ابنه الحسن عليه السلام:(ومن البلاء على هذه الأمة أنا إذا دعوناهم ~~لم يجيبونا، وإذا تركناهم لم يهتدوا إلا بنا، فمن الأمان به على بلاغ الحجة ~~وتأويل الكتاب؟ إلا أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، الذين ~~احتج الله بهم على خلقه، ولم يدع الخلق سدى، هل تعرفونهم ms0027 أو تجدونهم إلا ~~فرع الشجرة المباركة؟ وبقايا الصفوة الذين طهرهم الله من الرجس وبرأهم من ~~الآفات؟) (2). PageV01P063 # وروى الحاكم (1) عن زيد بن علي عليهما السلام أنه قال:(الرد إلينا والكتاب ~~نحن الثقلان) (2). PageV01P064 # وقال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام:(وكلما ذكر الله في السور فله وجوه ~~متصرفة يعرفها من عرفه الله إياها.. إلى قوله: فليسأل عنها وليطلب ما خفي ~~عليه منها عند ورثة الكتاب، الذين جعلهم الله معدن ما خفي من الأسباب، فإنه ~~يقول سبحانه:{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} (1) الآية. # وقول الإمام الناصر للحق الحسن بن علي عليهما السلام في شعره المحكي في ~~المسفر(2) والشافي: # لا تبتغوا غير آل المصطفى علما.... يهديكم فهم خير الورى آل # آل النبي وعنهم إرث علمهم.... القائمون بنصح الخلق لما يألوا # وقولهم مسند عن قول جدهم.... عن جبرئيل عن الباري إذا قالوا # إلى قوله: # كل يرى الحق ما فيه قد اختلفوا.... وهم بمفروض علم الحق جهال # أعني الأولى فقههم إشراك صيدهم.... وسائر الناس بالإهمال غفال # وقول الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة عليهم السلام في شرح الرسالة ~~الناصحة بالأدلة الواضحة (3) وهو ما لفظه:(أمر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بإتباع عترته المطهرة فخالفوه في ذلك، ولهم أتباع في كل وقت يقتفون ~~آثارهم في خلاف العترة المطهرة، حذو النعل بالنعل، بل قد تعدوا على ذلك إن ~~قالوا: هم أولى بالحق وإتباعهم أوجب من إتباع هداتهم، فردوا بذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم:(قدموهم ولاتقد موهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ~~ولا تخالفوهم فتضلوا ولا تشتموهم فتكفروا) وهذا نص في موضع الخلاف لا يجهل ~~معناه إلا من خذل). PageV01P065 # وقال عليه السلام أيضا في وصيته لبعض أولاده يحثه على طلب العلم النافع، ~~والحرص عليه إذ رب علم جهل:(واعلم أيدك الله أن ذلك هو العلم النافع، من ~~الأصول والفروع، فعليك بطلبه من علماء آبائك وأجدادك فإنهم السفينة من ~~ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، في قول وعمل واعتقاد، وهم أمان لأهل ~~الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء إلى ms0028 منقطع التكليف كما ورد في الآثار ~~النبوية الطاهرة، كظهور الشمس، ووجوب إتباعهم وسلوك آثارهم لا يجهلها إلا ~~جاهل، ولا يضل عنها إلا مائل، قال جدك الهادي إلى الحق يحي بن الحسين صلوات ~~الله عليه مفصلا لهذه الجملة في كلامه له عليه السلام في مثل هذا الباب: ثم ~~اعلم من بعد كل علم ومن قبله، وعند استعمالك لعقلك في فهمك أن الذين أمرنا ~~باتباعهم من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضضنا على التعلم منهم ~~هم الذين أخذوا بكتاب الله من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~واقتدوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين اقتبسوا علمهم من ~~علم آبائهم وأجدادهم جدا عن حد وأبا عن أب حتى انتهوا إلى مدينة العلم، وحض ~~الحلم الصادق المصدق الطاهر المطهر عبدا لله المقدم محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم فمن ك أن علمه من آل رسول الله على ما ذكرنا منقولا إلى آبائه ~~مقتبسا من أجداده لم يزغ عنهم ولم يصد إلى غيرهم ولم يتعلم من سواهم فعلمه ~~ثابت صحيح لا يدخله فساد ولا زيغ ولا يحول أبدا عن الهدى والرشاد ولا يدخله ~~اختلاف، ولا تفارقه الصحة والائتلاف) (1). # وقال أيضا في شرح الرسالة الناصحة: (وورود الحوض لا يكون إلا لأتباع آل ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم أشياعهم، ولا يكون ذلك إلا بالإعتراف ~~بفضلهم ومطابقتهم في قولهم واعتقادهم) (2). PageV01P066 # وفي نجاتهم يقول الإمام الحسن بن بدر الدين عليه السلام: (1) # لم ينج بالكهف سوى عصبة.... فرت عن الدار وأربابها # ولا نجا في قوم نوح سوى.... سفينة الله وأصحابها # ألم يكن في المغرقين ابنه.... إذ غاب عن حوزة ركابها # وهل نجا بالسلم إلا الألى.... رقوا إلى السلم بأسبابها # أو أدرك الغفران من لم يلج.... بالأمس في الحطة من بابها # أعيذكم بالله أن تجمحوا.... عن عثرة الحق وأحزابها # وقول إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه ورضوانه: # ياذا المريد لنفسه تثبيتا.... ولدينه عند الإله ثبوتا # أسلك طريقة آل ms0029 أحمد واسألن.... سفن النجا أن يسألوا ياقوتا # لا تعدلن بآل أحمد غيرهم.... وهل الحصاة تشاكل الياقوتا # الله أوجب ودهم في وحيه.... والرجس أذهب عنهم إن شيتا # وأئمة الأخبار تروي فضلهم.... فابحث تجده مجملا وشتيتا # ما إن تلم بمسند أو مرسل.... إلا وجدت لم هناك نعوتا # فيها نعوت نجاتهم فدع الذي.... لم يلق يوما بالنجا منعوتا # قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام في كتاب البساط ~~ما لفظه:(فلو لم يفسر القرآن أهل النقص والجهل به على مبلغ عقولهم ولم ~~يحملوا تأويله على لكنتهم وردوا علمه إلى تراجمته من أهل بيت نبيئهم عليهم ~~السلام كما أمر الله بقوله:{ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم} إلى قوله:{لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} (2) ~~لسلموا من الضلال وسلم من اتبعهم من المستضعفين الجهال، ولم ينسبوا إلى ~~الله الجور والمحال، ولم يجعلوا له ما كره وذم من سيئ الأفعال). # فأخبر الله سبحانه في هذه الآية ونحوها أن له مترجمين وبغامضه عالمين، ~~ولحكمه مصيبين. PageV01P067 # قال الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة عليهم السلام:(وإنما أهلك الناس ~~أرشدنا الله وإياكم نواجم نجمت في الإسلام لم ترضع بثدي الهدى، ولا اغتذت ~~الحكمة، ولا سألت ورثة العلم عن علمها وأرباب الكتاب عن كتابهم، وعملت برأي ~~السفهاء تمردا على الله ولن تعجزه، وعداوة للحق ولن تنقصه، ولم يهمل الله ~~دينه وقد أيده بحفظته، وحرسه بحماته من عثرة نبيه صلوات الله عليه وعليهم ~~الذين هم تراجمة الكتاب، وأعرف الناس بالهدى والصواب، لم يضل من تبعهم ولا ~~يعمى من استضاء بنورهم، فمن طلب الحكمة فيهم وفق للصواب، ومن رامها من ~~غيرهم خسر وخاب، وكان سعيه في تباب، وهذا واضح لمن لم يعم الجهل عين ~~بصيرته، ولم تصرفه عن هداته زخارف الأقوال، فيبقى عمها في حيرته). # فهذا كما ترى كلام الهدى كأنه خارج من مشكاة واحدة، قد طابق تلك الأدلة ~~من الكتاب والسنة {فماذا بعد الحق إلا الضلال}. # --- PageV01P068 وفي الرافضين لعلوم آل محمد عليهم السلام يقول بعض العلماء ms0030 من الشيعة ~~الأبرار العظماء (1):(فرفضوا ما أمرهم الله به وخالفوا محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيما جاءهم به فتركوا من أمرهم الله عز وجل بالمسألة في كتابه ~~حيث يقول:{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (2) وهو القرآن لقوله ~~سبحانه:{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (3) وأهل الذكر فهم أهل بيت ~~محمد عليهم السلام الذين أورثهم الكتاب حيث يقول:{ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا} فهم ورثة الكتاب وأهله، وكذلك قال فيهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم:(عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم ~~في باب ضلالة) (4) وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أهل بيتي فيكم كباب حطة ~~فادخلوها) (5).... فرفض أكثر هذه الأمة أهل بيت نبيها وخالفوهم في أقاويلهم ~~وتفاسيرهم، وضادوهم في العلم الذي أنزله الله على نبيئه حسدا لهم وتعديا ~~عليهم وقصدوا من خالفهم).اه PageV01P069 [كيفية ترتيب هذا التفسير] # فلما كانت طريقة أهل البيت عليهم السلام طريقة النجاة لمن طلبها، وسبيلهم ~~سبيل السلامة لمن أرادها، وكان السلوك لسبيلهم والإقتفاء لآثارهم قولا ~~وعملا واعتقادا لايتم إلا بمعرفة علومهم في الدين وتوحيد رب العالمين، ~~ولاسيما علومهم عليهم السلام في تفسير كتابه فإنه ورثته وتراجمته، وخزنة ~~علمه، بأيديهم مفاتيح أبوابه، وكان غرضنا هو الدعاء إلى الدين وتعريف ~~الجاهل بواجب الحق المبين، والكشف للمسترشد الطالب لما يزيده بصيرة وبيانا ~~في دينه. # أحببت أن أجمع من تفسيرهم عليهم السلام ما أمكن جمعه، وإن عزب عني الكثير ~~وأضفته إلى ما قد وضعه نجم آل الرسول الإمام الكبير ذو العلم الشهير، ~~القاسم بن إبراهيم عليهما السلام فإنه رحمة الله عليه فسر بعض المفصل، وبدأ ~~في تصنيفه بوضع لم يعهد في وضع كثير من المفسرين، فإن عادتهم الإبتداء بأم ~~الكتاب ثم بسورة البقرة، إلى آخر القرآن الكريم، وهو عليه السلام بدأ بأم ~~الكتاب ثم بسورة الناس ثم بسورة الفلق، ثم بسورة الإخلاص، إلى أن انتهى آخر ~~سورة والشمس وضحاها، وعاقه عن التمام شواغل الأمراض والأسقام، منعته إلى أن ~~نزل به الحمام. # وكذلك ابنه علامة العترة ms0031 وقاموس الأسرة، محمد بن القاسم عليهما السلام ~~احتذا ذلك النسق وسلك ذلك المنهج ففسر من حيث انتهى إليه تفسير أبيه، وذلك ~~من أول سورة لا أقسم بهذا البلد إلى سورة النازعات. # --- PageV01P070 ثم قفا أثرهما وسلك في ذلك التفسير سبيلهما ونسج على منوالهما الإمام ~~الأعظم الهادي إلى الحق الأقوم يحي بن الحسين عليهما السلام فإنه فسر من ~~(عم) إلى سورة (المنافقين) وهو لعمري ترتيب عجيب وأسلوب غريب إذ بدأ بالسور ~~القصار، ولم يبدأ بالطوال والمابين تسهيلا على الطالبين، وتيسيرا على ~~المسترشدين لأن احسن الطرق في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب ~~مترقيا إلى الأصعب فالأصعب، وهذا هو الوجه الذي جرى عليه أسلوب من بدأ ~~يتعلم كتاب الله عز وجل يبدأ بذلك لهذا الوجه فجزاهم الله عن المسلمين خيرا كثيرا. # وقد رأيت أن أحذوا حذوهم، وأتبع آثارهم، وأقتدي بوضعهم، وأستضيء بنورهم، ~~وأسري هذا المسرى الذي توخيت بدلالتهم، رجاء أن أفي ببعض حقهم وأنتظم في ~~سلك من حفظ علومهم لأفوز إن شاء الله في يوم القيامة ببركة محبتهم # اللهم بحقك وبحق نبيئك، وأهل بيته المطهرين صلواتك وسلامك عليهم أجمعين ~~أن تجعلني لهم من المتبعين، ولحذوهم من الممتثلين، ولطريقهم من السالكين، ~~ولسنتهم من المقتدين، ولحقك وحقهم من العارفين، والحمد لله إذ جعلتهم لي ~~إلى كل شرف ورفعة وخير هاديا وسببا، وجعلتني بهم إليك متوسلا متقربا أدعوك ~~حامدا لك راغبا وراهبا، وأفزع إليك في كل ما كان بغية لي ومطلبا حتى تحشرني ~~بعد فناء الأجسام والأعراض والأجساد، وتحشرني إذا حشرت خلقك يوم التناد، ~~وقيام الأشهاد كل حزب مع حزبه، وكل محب مع محبه، وكل قرين مع قرينه، وكل ~~معين مع معينه في زمرة جدنا وأسرته، ونجباء ذريته صلى الله عليه وعليهم ~~وسلم صلاة يرفعهم بها أعلى الدرجات في جنته. # --- PageV01P071 فقدمت أول ما وضعوه من تفسيرهم مرتبا من السور والآيات، ثم بعد ذلك أرتب ~~عليه إن شاء الله ما ظفرت به من تفسيرهم وتفسير أسباطهم مفرقا من الآيات ~~والسور المتباينات فإنهم عليهم السلام قد استخرجوا من ms0032 علم القرآن مالم ~~يستخرجه غيرهم علوما غزيرة، وجواهر منيرة، ونفائس خطيرة، وقد ذكرت مع ذلك ~~من تفسير غيرهم فوائد كثيرة، وليعرف المطلع على ذلك تفاوت مرتبتهم ومرتبة ~~غيرهم، وبلوغ قولهم منزلة تسلب الألباب حلاوتها، وتدهش العقول بسلاستها، ~~فكانت علومهم لكلوم الشكوك مرهما ممن يرى إيثار رضى ربه مغنما لا مغرما، ~~فما أشفى كلامات الأئمة الهادين، وأوقعها في قلوب المتقين وما أكثر ~~فوائدها لمن تدبرها من المؤمنين العارفين، ثم هم مع ذلك يغرفون من عين ~~واحدة وعلى أكاليمهم طلاوة غير الطلاوات، ولها حلاوة مخالفة لسائر ~~الحلاوات، ولاغرو أن كانت كذلك إذ على قولهم مسحة من العلم الإلهي، وعبقة ~~من الكلام النبوي، إذ هم حجج الله على براياه، وهداياه السنية وعطاياه، من ~~استمسك بهم هدي إلى دار السلام، وثبت في بحبوحة الإسلام، فعلمك رحمك الله ~~بتفسير العترة المطهرة ينحل منها بكل جوهرة منورة، ويحييك الله حياة طيبة، ~~وينيلك منحا صيبة كما قال بعضهم في الحظ على الإعتماد على تفسيرهم دون ~~غيرهم في كلام معناه: وعليك بتفسير عثرة رسول الله، وخزنة علمه، وتراجمة ~~كتابه الذين قاتلوا على تأويله كما قاتل آباؤهم على تنزيله، فإنه تفسير ~~عجيب أمره لطيف ظاهر نوره، مشتمل من علم أئمة العترة على بحور تثلج أمواهها ~~الصدور وتطلع متأملها على حقائق مذاهب العترة وما اختاروه لأنفسهم وأبنائهم ~~وشيعتهم # ورأيتهم عليهم السلام ينكرون كثيرا من تفسير غير الأئمة الأطهار، وشيعتهم ~~الأبرار، ولا يرون ما اختاروه صوابا، وهو عند أئمتهم غير مختار. # --- PageV01P072 ومن ذلك قول زيد بن علي عليهما السلام فإنه قال في كتاب الصفوة (1) ما ~~لفظه:(وقد رأيت ما وقع فيه الناس من الإختلاف تبرءوا وتأولوا القرآن على ~~رأيهم ذلك بخلاف ما تأوله غيرهم ثم بريء بعضهم من بعض، وكلهم يزعم فيما ~~تزين له أنه على هدى في رأيه وتأوله، وأن من خالفه على ضلالة أو كفر أو شرك ~~لابد لك هوى منهم أن يقول بعض ذلك، وكل أهل هوى من هذه القبلة يزعمون أنهم ~~أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وآله ms0033 وسلم، وأعلمهم بالكتاب الذي جاء به، ~~وأنهم أحق الناس بكل آية ذكر الله فيها صفوة أو حبوة أو هدى لأمة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وكل يزعم أنه إن خالفهم أهل بيت نبيئهم تبروا منه، ~~وأن أهل بيت نبيئهم صلوات الله عليه وعليهم لن يهتدوا إلا بمتابعتهم إياهم ~~إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا المعنى. # ومن ذلك قول الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في الإغترار بعلماء ~~العامة وتركهم لطلب العلم من أهله ما لفظه:(فلما عموا عن حكمة الله في ذلك ~~ورسله وما حكم به سبحانه من أحكام عدله) إلى قوله:(ولم يلقوا فيما اشتبه ~~منه من جعلهم الله معدنه فيكشفوا لهم الأغطية عن حكم نوره، ويظهروا لهم ~~الأخفية عن مشتبه أموره الذين جعلهم الله الأمناء عليها، ومن عليهم بأن ~~جعلهم الأمة فيها، ولما لم يجدوا عند علماء هذه العامة فيما اشتبه عليهم من ~~شفاء يرجو منه في مآله لو كانت لهم عنه اكتفاء ازدادوا بذلك إلى حيرتهم فيه ~~حيرة، ولم تزدهم أقوال العلماء فيه بصيرة. PageV01P073 # ومن ذلك قول الإمام أبو الفتح الديلمي عليه السلام في البرهان(1):(وقد عمل ~~الناس في التفاسير الأعمال وبلغوا إلى كل غاية ومثال غير أن من فسر بعضه أو ~~كله فسره على رأيه ومذهبه). # ومن ذلك قول جبريل أهل الأرض المرتضى لدين الله محمد بن يحي عليهما ~~السلام فإنه قال:(قد قرأنا من تفسير العامة كثيرا فرأيناهم يكثرون الزلل ~~والخطأ، ويقلبون المعاني عن الحق والهدى، والتفسير فإنما هو لأهله بالتوفيق ~~من الله لهم والمعرفة منه سبحانه فتأولوا ذلك بفضل الله وهدايته وتسديده ~~لأوليائه. PageV01P074 # وكثيرا من نحو هذا ذكره الهادي إلى الحق عليه السلام من تفسيرهم وقولهم، ~~وزهدهم في مذهب أهل البيت، ومودتهم والإشتغال بمعرفة علومهم ومعرفة ~~أقوالهم، وكذلك قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام متعجبا ومذكرا:[(فلا ~~تجد لأئمة آل محمد في كتبهم وتفاسيرهم ذكرا، ولا تسمع لهم في مصنفاتهم خبرا ~~ولا خبرا، وتراهم يذكرون جميعا مذاهب جميع من على وجه الأرض من سعيد وشقي، ~~وعدو ms0034 وولي، ويتركون ذكر ذرية النبي] (1) ومصطفى الواحد العلي كيف وقد شهد ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بملازمة الكتاب إلى يوم الحساب، ~~وأخبر أن فيهم العلم والصواب وأنزل فيهم قوله عز وجل:{إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} والمطهر من الرجس لا يكون في ذريته ~~زلل، ولا في قوله ميل، ولا في تأويله للقرآن خطل، فلم يكن عز وجل ليطهر من ~~يكذب عليه فيكون من عانده أولى بالحق منه، وهو عز وجل أعلم بالمفسد من ~~المصلح ولو علم الله في هذه الأمة أنهم يقومون مقام أهل بيت نبيه لجعلهم ~~مترجمين لكتابه ولكن {الله أعلم حيث يجعل رسالاته}(2) {والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون} (3). # قال بعض الشيعة الأخيار: (واعلم أنها لما رفضت أهل بيت نبيها وعدلت عن ~~طريق أئمتها وهداتها، وجمحت عن طاعتها وسعت في خذلانها وتكثير سواد عدوها ~~عليها اضمحلت الأنباء وعمت الأشياء، وعشت الظلماء، وانقمع الضياء، وهلك ~~الأخيار، وظهر الأشرار، والله المستعان فإن مذهب أهل البيت عليهم السلام ~~أسس على المحن وولد أهله في طالع الهزاهز والفتن، والأيام عليهم متحاملة ~~والدنيا عنهم مائلة. PageV01P075 # وحكي عن أصحاب أبى حنيفة أنهم كانوا إذا تكلموا في المسألة عند أبي حنيفة ~~وأراد ذكر علي عليه السلام قالوا: قال الشيخ، ولم يفصحوا باسمه خوفا من ~~السلطان، وكان إذا سمى أحد ولده عليا قتلوه، فكيف يظهر علم أهل البيت عليهم ~~السلام مع طول المدة من دولة بني أمية إلى آخر دولة بني العباس والى يومنا ~~هذا، فإنهم على هذه الأحوال مع أنه بحمد الله لإقامة حجج لم يطف لعلومهم ~~مصباح، ولم يخف لهم صباح، علومهم في كل وقت ضاحكة الرياض عذبة الحياض، ~~أنيقة الأزهار طيبة الأثمار. # وفي هذا المعنى يقول الإمام المنصور بالله عبدا لله بن حمزة عليه ~~السلام:(وإنما أتيت هذه الأمة من الإكتفاء بنفوسها، وعدولها عن عثرة نبيها ~~صلى الله عليه وآله وسلم فخبطوا العشواء وتفرقوا لتفرق الأهواء، فصاروا ~~كالأعمى ينقاد للأعمى، لا يدرى أيهما أهدى، فتاهوا في أودية ms0035 الضلال، وباعوا ~~الماء بالآل، وقد قال تعالى:{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (1) وألوا الأمر هم آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وهم بحار العلم وجبال الحلم، وسفينة النجاة وماء الحياة، وعصمة ~~اللاجئين، ونور الحكم ومنهاج الرحمة، وسبيل الهدى، وعروة الله الوثقى، وحبل ~~الله المتين، وصراطه المستبين، وورثة النبيين، وأهل التأويل والتنزيل) إلى ~~قوله عليه السلام:(فيجب على الناس جميعا إتباعهم، وعليهم إتباع سلفهم إلى ~~قوله عليه السلام:(فعليك باقتفاء آثارهم، واحتذاء أمثالهم، وترك التفريق ~~بينهم لا يفرق بين أحد منهم لأن المفرق بين الأئمة الهادين كالمفرق بين ~~النبيين. PageV01P076 # واعلم أنه قد اعتل أولئك المتنكبون عن سبيلهم بآيات من الكتاب متشابهات ~~حرفوها بالتأويل، ونقضوا بها التنزيل، كما فعل من كان قبلهم حرفوا كلام ~~الله عن مواضعه، وبأحاديث أفتعلها الضلال من بغاة الإسلام من المنافقين(1) ~~[ووضع الفاسقين، ووهم الواهمين ثم حشو الملاحدة وأهل البدع والأهواء من ~~المارقين الخوارج (2) وعتاة النواصب (3) وغلاة الروافض (4) وطغام المجبرة ~~(5) والمشبهة (6) وهمج القصاص (7) والوعاظ والحشوية (8) وأغتام الظاهرية ~~(9)والكرامية(10) والخطابية(11) وغيرهم مما لا أحصى كثرة من المسترسلين في ~~وضع الأخبار من عوام المتفقهين ونساك المتعبدين والمتصوفين الذاهبين إلى ~~قبول المجهولين، قال شعبة:لم يفتش أحد عن الحديث تفتيشي فوجدت ثلثي ما وجدت ~~منه كذبا حتى قال ابن معين: كذبنا عن الكذابين] (12). # وفي مقدمة جامع الأصول (13) ما لفظه: قال شيخ من شيوخ الخوارج بعد أن ~~تاب:(إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينك) فإنا كنا إذا هوينا أمرا ~~صيرناه حديثا. # إذا عرفت هذا فكيف يجوز الإعتماد في تفسير كتاب الله العزيز على نحو هذه ~~الأخبار والإعراض عما رواه أئمة أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم فالله ~~المستعان. PageV01P077 # وبأحاديث لم يعرفوا حسن تأويلها، ولم يعنوا بتصحيحها فضلوا وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل، والله سبحانه قد حرم الإحتجاج بالشبه المضلة لأنه صد ~~عن سبيل الله، وأشد الناس ضلالا من كان ضالا وكان يعتقد في نفسه أنه محق، ~~ثم لم يقتصر على ذلك بل بذل كل جهده في ms0036 إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، ~~بإلقاء تلك الشبهات في القلوب بلمع السراب ماء الشراب فهذا الإنسان لاشك قد ~~بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات. # كما قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام في هذا المعنى(1): # فضلوا وأغووا من أضلوا بعلمهم.... وإن كان ما قالوه ليس بغامض # ولكنه من لم يحط أصل دينه.... عن الرفض لم يشعر بلبس المعارض # ومن لم يكن آل النبي هداته.... إلى الحق ألقى نفسه في المداحض # ولما كان لهؤلاء في كل عصر ورثة يتبعونهم حذو النعل بالنعل مع ادعائهم ~~لمحبة أهل البيت عليهم السلام وروايتهم ما ورد فيهم على الخصوص من قواطع ~~تلك الأدلة، وصرائح النصوص. # --- PageV01P078 قال بعض صفوة الشيعة الأبرار وحتف النواصب الفجار (1):( إني لأكثر التعجب ~~وما عشت أراك الدهر عجبا من رجل عالم بمصادر الأمور ومواردها، وكيفية ~~الإستدلال ومقاصدها، ودلالات الألفاظ على معانيها، وتراه وهم كثير وما ذاك ~~إلا لإرادة الله عز وجل إظهار الحق على ألسنتهم وأيديهم حجة عليهم وإن ~~راموا إنكارها يوردون ويروون (2) عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم تلك الأدلة والنصوص والقواطع في حق آل محمد عليهم السلام على ~~الخصوص بما لا يمكن دفعه لفظا ولا معنى ولا سندا ولامتنا، حتى إذا استنتجب ~~منهم فائدتها وطلبت منهم عائدتها، بوجوب إتباعهم الذي هو مقتضاه في علم أو ~~عمل أنكر وبرطم، ولوى عنقه وتجهم، إن ذكرت عنده خلافتهم رآها نكرا، أو رأى ~~من يتابعهم في [مقالة أو مذهب عده مبتدعا، أو سمع بقراءة في كتبهم ~~ومؤلفاتهم أتخذها هزؤا ولعبا فما أدري] ما أبقى لهم من معاني تلك الأدلة ~~والنصوص، وأي فضل ترك لهم على الناس إذا أوجب عليهم أن يكونوا تبعا والله ~~قد جعلهم متبوعين ومؤخرين، والله قد جعلهم مقدمين. # ثم نظم هذا المعنى فقال: # عجبت لمن يدين بحب قوم.... لهم فرض الودة والولاية # ويتلو فيهم آيات ربي.... وهل من بعد آي الله آية # ويروي فيهم سننا أنارت.... معالمها لكل أخي هداية # إذا ما أسندت ms0037 فإلى رجال.... علت بهم أسانيد الرواية # تناقلها أئمة ذا وهذا.... أما فيهم لذي عقل كفاية PageV01P079 وإن عرضت على ميزان معنى.... شهدن لها موازين الدراية # [أقر بها العدو كما أقر ال.... ولي بها وبالغ في العناية # فلما استنتجت منهم بما لا.... يراد سواه حكم فيه رأيه # إذا ذكرت خلافتهم أباها.... وأظهر ميله عنها ونأيه # وإن ذكرت روايتهم رآها.... ضلالا فهو يركض في العماية # وإن سمع القراءة في كتاب.... لهم أبدى التوجع والشكاية # ونقص أئمة الحق الأولى في.... اتباعهم السلامة والوقاية # ودعوى الحق والتحقيق ممن.... يدين بما استبان من الغواية # [يعظم كتب أهل الجبر حتى.... يعدهم لذي الطلب النهاية # ويزعم أنهم بلغوا مقاما.... من الإتقان ليس وراه غاية # وأن المرجئين ومن تلاهم.... من أرباب النميمة والسعاية # أحق بالإتباع فليت شعري.... أذاك في الانتها أم في البداية] # انتهى (1) # ولما كان حالهم عليهم السلام والأمر فيهم وفي كتاب الله والله المستعان ~~كذلك رأيت أن ابذل وأفرغ وسعي في التقرب إلى الله عز وجل بنقل ما ظفرت به ~~من علوم أئمتنا عليهم السلام في التفسير مستعينا بالله اللطيف الخبير حفظا ~~لعلومهم وتبركا بكلامهم، وصلة مني لهم عليهم السلام لينجيني الله بعفوه من ~~النار بنجاتهم، ويحشرني إن شاء الله في زمرتهم، ويجعلني برحمته وكرمه من ~~وفدهم إلى دار السلام، وأرجو بذلك إن شاء الله أن يمتاز الصحيح من السقيم، ~~والأعوج من المستقيم، ليهتدي بذلك من أراد الرشاد، وليثبت به الحجة على من ~~سلك طريق العناد {ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسمع ~~عليم} (2). # --- PageV01P080 مع أن النصيحة كما قال بعض خلص الشيعة:كانت من أركان الإسلام، ومن أسباب ~~الدين بقول خاتم النبيين عليه صلوات رب العالمين، بل النصيحة في الدين، ~~والدعاء إلى الحق المبين من سنن جميع المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ~~فنوح صلى الله عليه قال:{أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم} (1) وهود عليه ~~السلام قال:{وأنا لكم ناصح أمين} (2) وصالح عليه السلام:{ونصحت لكم} (3) ~~والرجل المؤمن قال لموسى عليه السلام:{فاخرج إني لك من الناصحين}(4). ms0038 # ولو لم يكن في ذلك إلا مارواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ~~بالإسناد المعتمد عليه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أهدى المسلم ~~لأخيه المسلم هدية أفضل من كلمة حكمة يسمعها فانطوى عليها ثم علمه إياها ~~يزيده الله بها هدى أو يرده عن ردى، وإنها لتعدل إحياء نفس، ومن أحياها ~~فكأنما أحي الناس جميعا) (5) لكفى بذلك باعثا لأهل العلم على بذل النصيحة ~~وإرشاد العباد إلى المذاهب الصحيحة إذ كان سببا للفوز في المحشر، ووسيلة ~~إلى النجاة يوم الفزع الأكبر مع اعتقادي بتقصيري عن رتبة المصنفين، ومحل ~~الأئمة المؤلفين، فاستعصم الله بعصمته التي لا تهتك، وأسترشده السبيل الذي ~~ينجو به من هلك، وأستوهبه التوفيق لهدايته، والحظ الوافر من طاعته، وأرغب ~~إليه في الهام حكمته واجتناب معصيته، وهو حسبي فنعم الهادي إلى صراط مستقيم ~~من ملته، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الذين جعل رسول الله المتمسك ~~بهم كالراكب مع نوح في سفينته، والعادل عن منهاجهم كمن عرف من أمة نوح ~~بمخالفة دعوته. # --- PageV01P081 مقدمة في ذكر شئ من فضائل القرآن وإعجازه وأقسامه # قال الإمام الصوام القوام أحمد بن سليمان عليه السلام (1):(إن الله تعالى ~~جعل كتابه حجة على العباد وداعيا إلى الحق والرشاد وزاجرا عن الغي والفساد ~~ومرغبا في الجنة، ومخوفا من النار، وجعله مؤكدا لحجة العقول، وشاهدا بصدق ~~الرسول، وحاكما بين الناس ومبينا للإلتباس، وجعل فيه جميع ما يحتاج إليه من ~~علم الأصول والفروع، ومعرفة الحلال والحرام، ومعرفة القضاء والأحكام ~~والمواريث، وعلم الشرع، وقصص الأولين، ونبأ ما يكون في يوم الدين، وجعله ~~نورا للمؤمنين ومبينا للمهتدين، وجعله بالغا موجزا، وقريب المتناول معجزا، ~~وقد سماه الله هدى وموعظة وذكرى وعزيزا ومباركا، ونورا قد مثله الله ~~بالمصابيح وبالنجوم، حيث يقول عزمن قائل:{فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل ~~من رب العالمين} (2). # وفي فضائله ما يقول رب العالمين:{وننزل من القرآن شفاء ورحمة ~~للمؤمنين}(3) وقوله تعالى:{يا أيها الناس قد جاءتكم ms0039 موعظة من ربكم وشفاء ~~لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون} (4) وقوله تعالى:{وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} (5) وكفى شرفا أن يكون ~~نزل من عند رب العالمين نزل به الروح الأمين إلى محمد خاتم المرسلين صلوات ~~الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين، وبأنه كلام الله جعله وأحدثه كما قال ~~تعالى:{ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} (6). PageV01P082 # قلت: وإنما يكون هدى ونورا وموعظة وشفاء لأن الله عز وجل جعلهم له ورثة ~~ولما مر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(فمن ابتغى الهدى في غيره أو سأل ~~عنه غير أهله أضله الله) (1) والله عز وجل يقول فيه:{هدى للمتقين} أي زيادة ~~هدى، لأنهم المنتفعون به، ويقول سبحانه:{قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} (2) ويقول تعالى:{كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} (3) وقال ~~تعالى:{إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (4) {فإنما يسرناه بلسانك ~~لعلهم يتذكرون} (5) {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليه ولعلهم ~~يتفكرون}(6) {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}(7) وأكد ذلك بتكريره في ~~السورة إلى أشباه ذلك مما يدل على أن تعلقه ومعرفة المراد به مراد لله ~~تعالى، ولما يأتي إن شاء الله كلام أمير المؤمنين عليه السلام. PageV01P083 # وفي ذلك يقول نجم آل الرسول الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام:(إن ~~القلوب كالأبنية المصدوعة فيما ينازع إليه من غرائزها المطبوعة، فرموها ~~بالعلم بكتاب الله، والوقوف على محكم تأويله، ففي هذا لها تقويم وتعديل ~~وهداية ونور، ودليل على منهاج خالص الطريق المستأثر بها في حب الله وطاعته، ~~وما أوجب الله على العباد من أثرته وعبادته، فبكتاب الله تنجلي عن القلوب ~~ظلم الحيرة، وبلطيف النظر فيه تدرك حقائق العلم والبصيرة، وقد زعم بعض أهل ~~الحيرة والنقص، ومن لا يعرف النجاة والتخلص: إن الألطاف في النظر تدعو ~~صاحبه إلى الخيلاء والبطر، وإنما يكون ms0040 ذلك كذلك عند من يريده للترؤس لا لما ~~فيه، ولما جعله الله عليه من حياة الأنفس، فاتقوا مثل هذا عن ضمائركم ~~وسددوا ثلمة عيبه عن سرائركم. # فعلم القرآن على هذه الطريقة هو العلم النافع الذي يقول الله عز وجل ~~فيه:{يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (1). # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهم السلام:(والحكمة العلم ~~النافع وهو علم القرآن وتفسير معانيه وتفصيل مجمله والمعرفة بأحكام أوامره ~~ونواهيه ومحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه ومجمله ومبينه، وناسخه ومنسوخه، ~~والإعتبار بغيره والفهم لأمثاله العجيبة وقصصه الغريبة، فهذا عندنا رأس ~~الحكمة ومفتاح الرحمة) (2). # ومن شرفه: أن الله فضل الليلة التي أنزل فيها وهي ليلة القدر على ألف شهر ~~قال الله تعالى:{إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك مالية القدر ليلة ~~القدر خير من ألف شهر} (3). # ومن شرفه أنه أكبر معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # ومن إعجازه أن الله تحدى الكفار أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يكونوا على ~~ذلك من القادرين مع فصاحتهم وبلاغتهم، فرجعوا إلى الحرب واستسهلوا من دونه ~~الطعن والضرب. PageV01P084 # وقد قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه في آيات ~~الأحكام ما لفظه:( قوله تعالى:{فأتوا بسورة من مثله} إلى قوله ~~تعالى:{فاتقوا النار}(1) الآية إلى آخرها تدل على أن السورة الواحدة معجزة ~~وأن معارضتها بمثل لها مستحيل، ومن أنكر ذلك كفر، وأن فعل التقوى الجامعة ~~للإيمان بالله والقيام بالواجبات المحرمات خشية من النار مجير ومنج من ~~النار، وأن القائم بذلك كذلك قائم بما فرض الله عليه. PageV01P085 # وقد اجتهد كفار العرب وأهل الكتابين على أن يأتوا بسورة مثله ما استطاعوا ~~إلى ذلك سبيلا مع أنهم وجدوا فيه من البلاغة والكمال والفصاحة، وضرب ~~الأمثال مابز الفصحاء والشعراء، وجد أهل الكتابين على أن يأتوا بسورة مثله ~~ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا مع أنهم وجدوا فيه من البلاغة والكمال والفصاحة ~~وضرب الأمثال مابز الفصحاء والشعراء، ووجد أهل الكتابين فيه من علم الأولين ~~والآخرين ما استيقنوا به ms0041 أنه من رب العالمين، فمنهم من صدقه وآمن به كما ~~قال عزمن قائل:{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم ~~قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا}(1) الآية وقوله:{يؤتون أجرهم مرتين} يعني المرة الأولى ~~بما علموا في التوراة وآمنوا وصدقوا، والمرة الأخرى إيمانهم بالقرآن ومحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقهم وعملهم فهؤلاء هم المفلحون، ومنهم من كفر ~~به وأعرض عنه مع أنهم وجدوا فيه مايو أفق ما عندهم من العلم فألحدوا فيه، ~~وقالوا:{إنما يعلمه بشر} (2) وقد حكى الله عنهم فقال تعالى:{وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤا ظلما وزورا ~~وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} (3) وقد رد الله ~~عليهم قولهم واحتج عليهم بالحجة التي لم يجدوا لها مدفعا حيث يقول عز من ~~قائل:{ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين} (4)وكان من إعجازه تصديق القصص الذي في كتب الأنبياء ~~المتقدمين وما فيها من ذكر ما يكون في يوم الدين. PageV01P086 # ومن إعجازه قوله عز من قائل:{قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (1) وفي هذا كفاية في ~~الأعجاز مع ما فيه من حلاوة اللفظ وعذوبة المنطق وحسن المعاني كما قال بعض ~~القائلين: # يزداد في طول التلاوة جدة... ومتى يعد شئ سواه يخلق # وقد وردت في فضل تلاوته أخبار كثيرة من ذلك مارواه الإمام محمد بن القاسم ~~بن إبراهيم عليهما السلام في كتابه دعائم الإيمان قال عليه السلام: قال أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(الحاذق بتلاوة القرآن يحل حلاله ~~ويحرم حرامه ويقف عند متشابهه ويستعمل كل حرف فيما أمر به فذلك الماهر في ~~القرآن وهو القائم بحدوده آناء الليل والنهار، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له ~~ثواب القرآن ومرتين أي بكل حرف عشر حسنات أما ms0042 إني لا أقول ألم حرف، ولكن ~~أقول الألف حرف واللام حرف وميم حرف فذلك ثلاثون حسنة) (2). # وكذلك فضل استماعه ولا يمتنع أن يكون الإستماع أفضل من القرآن عند أمور ~~منها: أن يكون في الجماعة من هو أجود قراءة وأصح ضبطا فيكون استماعه أولى ~~لأمرين: # أحدهما: ما يحصل من تعلم القراءة القوية فيكون جميعا بين العلم والعبادة. ~~وثانيهما: الإحتراز من اللحن لو قرأ ضعيف القراءة لنفسه. # ومنها: أن يكون الإستماع أدعى إلى التدبر والتفهم والخشوع. # ومنها: أن يكون في قراءة كل من الحاضرين تخليط للقراءة وتشويش على ~~المستمعين ونحو ذلك، فأما إذا عدم وجه ترجيح فقراءة كل منهم لنفسه أفضل. PageV01P087 # وفي البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(اقرأ علي سورة النساء قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: أحب أن ~~أسمعه من غيري، فقرأت عليه حتى انتهيت إلى قوله:{فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} (1) فرفعت رأسي فإذا عيناه تهملان) (2). ~~وفي رواية (تذرفان). # قال الإمام الناصر لدين الله أبو الفتح الديلمي عليه السلام في ~~برهانه:(روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (نزل القرآن ~~على سبعة أحرف والمراء في القرآن كفر ثلاث مرات، فما عرفتم منه فاعملوا به ~~وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه) (3). # وأما تفسير قوله:(سبعة أحرف) فإنما هي أمر ونهي وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. PageV01P088 # وأما إعجاز القرآن فقد اختلف فيه الناس على ثمانية أوجه: # أحدها: أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة مثل قوله تعالى:{ولكم في ~~القصاص حياة}(1) فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير. # والثاني: أن وجه إعجازه هو البيان والفصاحة كالذي حكاه بعض أهل العلم: أن ~~أعرابيا سمع رجلا يقرأ:{فاصدع بما تؤمر} (2) فسجد فقال: سجدت لفصاحة ~~الكلام، وسمع أخر رجلا يقرأ {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا}(3) فقال: أشهد ~~أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. # وحدثنا بعض أهل العلم بإسناد له رفعه إلى عالم من علماء أهل ms0043 اللغة (أنه ~~رأى في تطوافه بالبادية جارية حماسية فصيحة فأعجبته فصاحتها وبراعتها، فقال ~~لها: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت له: أو تعد هذا فصاحة بعد قول الله سبحانه ~~وتعالى {وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولاتحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} (4) فجمع [في] آية ~~واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين. # والثالث: أن وجه إعجازه هو الوصف الذي يقضي به العادة حتى صار خارجا عن ~~جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والهرج، ولا يدخل في ~~شئ منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه حروف من جنس كلامهم مستعملة في نظمهم ~~ونثرهم. # والرابع: أن قارئه لا يكل وسامعه لا يمل، ولا يزيده كثرة تلاوته إلا ~~حلاوة في النفوس وميلا في القلوب، وغيره من الكلام وإن كان مستحلى النظم ~~مستحسن النثر يمل إذا أعيد، ويستثقل إذا ردد. # والخامس: أن إعجازه هو ما فيه من الأخبار مما علموه أولم يعلموه فإذا ~~سألوا عرفوا صحته وتحقق صدقه كالذي حكاه من قصة أهل الكهف، وموسى والخضر ~~وذي القرنين وقصص الأنبياء مع أممهم. PageV01P089 # والسادس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب والأخبار بما يكون فيوجد ~~على صدقه وصحته مع أممهم مثل قوله تعالى:{قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند ~~الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} ثم قال:{ولن يتمنوه ~~أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} (1) وقوله:{فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا} فقطع بأنهم لا يفعلون. # والسابع: أن وجه إعجازه هو كونه جامعا لعلوم لم تعرفها العرب ولا يتعاطى ~~عليها فيها الكلام ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد، ولا اشتمل عليها كتاب ~~قال عز من قائل:{ما فرطنا في الكتاب من شئ} (2) وقال:{تبيانا لكل شيء} (3) ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(فيه خبر ما قبلكم وخبر ما بعدكم هو الفصل ~~ليس بالهزل من طلب الهدى في غيره ضل)} (4). # والثامن: الصرفة وأن الله صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا ~~بسورة من مثله ms0044 فلم تخدعهم أنفة التحدي، وصبروا على نقيصة العجز فلم يعارضوه ~~وهم فصحاء العرب مع توفر دواعيهم على إبطا له، وبذل نفوسهم في قتاله، فصار ~~بذلك معجزا لخروجه عن العادة كخروج المعجزات. PageV01P090 # روينا عن الحارث الأعور (1) قال: مررت في المسجد فإذا ا لناس يخوضون في ~~الحديث فدخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت: يا أمير ~~المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الحديث؟ فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، ~~قال: أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إلا إنها ستكون ~~فتنة فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله عز وجل فيه نبأ ~~ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من ~~جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ~~والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى ~~قالوا:{إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به} من قال به صدق، ومن ~~عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، خذها إليك ~~يا أعور) (2). # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال::(لتكثرن علي ~~الكذابة فما حدثتم به فاعرضوه على كتاب الله عز وجل فما وافق كتاب الله ~~فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه) (3). # وقد روي في بعض وصايا السلف أنه قال: أتخذ كتاب الله إماما وارض به حكما ~~وقاضيا هو الذي استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الطاهرين من ~~عترته شفيع مطاع وشاهد لايتهم، فيه خبر ما قبلكم وخبر ما فيكم وذكر ما ~~قبلكم وذكر ما معكم). PageV01P091 # وروينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال وقد أهوى بيده نحو المشرق: ~~وهذه الفتن قد أضلت كأنها قطع الليل المظلم كلما مضى منها رسل بدأ رسل ويل ~~للعرب من شر قد اقترب إلا من فزع إلى الله عز وجل وعترة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ms0045 وسلم فعمل بمحكم الكتاب وآمن بمتشابهه، يصبح الرجل مؤمنا فيها ~~ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يموت فيها قلبه كما يموت فيها ابنه، ~~يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل) (1). # وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال:(ما أنزل الله في ~~القرآن آية إلا أحب أن يعلم العباد منها ما يعني بها)(2). # وعنه عليه السلام:(ما من شئ إلا وعلمه في القرآن لكن رأي الرجل يعجز عنه) (3). # وروينا عن بعض الصالحين أنه قال:(ثلاثة لأن أخر من السماء فتخطفني الطير ~~أو تهوي بي الرياح في مكان سحيق أحب إلي من أن أكون أحدهم: قوم استحلوا ~~أحاديث لها زينة وبهجة وسيبوا القرآن. وقوم أطاعوا المخلوق في معصية ~~الخالق. والخوارج). # --- PageV01P092 ونرجو أن يكون لأمة جدنا انتباه ورجوع إلى الحق واتباع لما أمروا باتباعه ~~من أئمة الهدى الذين لا يدخلون أحدا في باب ردى، ولا يبيعون الأحكام ~~باليسير التافه من الحطام، بل هم تقاة أمناء، عدول خلفاء، ومصابيح لكل من ~~اهتدى بهم، وضوء أضوى، لم يتعلموا للنفاسة، ولم يدعوا الخلق إلى طاعة الله ~~عز وجل للتكثر بهم والرياسة، دعوهم لينفعوهم وطلبوهم ليهدوهم، وأرادوهم ~~ليفدوهم، فمن تعلق بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى، ومن استخف بأمرهم تردى، هم ~~الذين درجوا من وكر الوحي والتنزيل، وخرجوا من صميم المعرفة والتأويل، وهم ~~شهداء الله على خلقه، العدول الذي لا يدانيهم التغيير والتحويل والحمد لله ~~على ما خصنا به من الأكرومة، وأخرجنا من خير الأرومة، وأمدنا بتأييده حتى ~~سلكنا طريق الصواب، وتجنبنا مواقف الشك والإرتياب، وذكرنا لأمة جدنا من علم ~~الكتاب على سبيل الإستقامة والصواب مالها به المخلص إن أرادته، وفيه الفوز ~~إن أممته) اه كلام البرهان. # فصل في ذكر وجوه اشتمل عليها القرآن الكريم # قال الإمام احمد بن سليمان عليه السلام: (واعلم أن القرآن مبني على وجوه: ~~فمنه المحكم، ومنه المتشابه، ومنه المجمل، ومنه المفسر، ومنه الظاهر، ومنه ~~الغامض، ومنه الناسخ، ومنه المنسوخ، ومنه الجواب، ومنه مفهوم الخطاب، ومنه ~~الحقيقة، ومنه المجاز، ومنه ما هو في مخرجه ms0046 عام ومعناه خاص، ومنه الخاص، ~~ومنه العام، ومنه مايو جب العلم، ومنه مايو جب العمل، ومنه القصص والأخبار ~~والأمثال، ومنه الأمر والنهي، ومنه الوعظ والزجر والترهيب، ومنه الوعيد ~~والوعد، وغير ذلك. # --- PageV01P093 فأما المحكم فيحكيه قول الله عز وجل:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر ألا أولوا ~~الألباب}(1). # فالمحكم هو الجلي البين الذي يكون تأويله موافقا لتنزيله وهو الأكثر ~~والمعمول عليه والأحسن، وهو أصل الكتاب والذي يرجع إليه، والمحكم مالا ~~يحتمل إلا وجها واحدا، ويعرف المراد بظاهره. # والعلة في المتشابه البلية والإمتحان لأهل العقول السنية، وهو مردود إلى ~~المحكم، قال الله تعالى:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وآخر متشابهات}(2) الآية، فبين الله تعالى أن الكتاب منه المحكم ~~ومنه المتشابه، وأخبر أن المحكم هو الأصل المعمول عليه، لأن أم الشئ أصله. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهم السلام:(لأن بجهل ~~المحكم والمتشابه هلك كثير من الناس فادعي في المحكم أنه متشابه والمتشابه ~~أنه محكم، وعرض تأول ما يعارض مذهبهم من محكم الكتاب. # واعلم أيها المسترشد أن التأويل لا يسلم للمتأول جزافا فلا بد أن يطلب ~~على صحة تأويله برهانا، فإن أقام الدلالة ونصب البرهان، فاقبل قول الخصم ~~طائعا أوكارها، أوكابره مكابرة ظاهرة، كان عند المستحفظين خائنا، وعند الله ~~مائنا، وكفى بنفسه عليه حسيبا، وبعقله على اختلاله رقيبا، وإن لم يقم دلالة ~~ولانصب برهانا لم يعط مراده بقوله ولا ينفعه تأويله. PageV01P094 # قال عليه السلام: فحقيقة المتشابه: كل لفظ إذا أطلق عليه سبق إلى فهم ~~السامع معنيان، أو ثلاثة أو أكثر بعضها صحيح وبعضها فاسد، فيبقى متردد ~~الفهم بين تلك المعاني، فيقع الإشتباه عليه حتى يميز بعضها من بعض بالبرهان ~~العقلي والشرعي كالشاهدين العدلين يقعان لإحدى الدواعي فيستحق المدعي ويبطل ~~كلام ms0047 الآخرين، بعد كانوا قبل الشاهدين على سواء. # وأما المحكم فعلى وجهين أيضا أحدهما: ما صح المراد في باب الحكمة، وأحكمت ~~آياته ورصفت من الخلل، لأن الحكم في الأصل هو المنع، ومنه أخذت حكمة ~~الدابة، لأن يمنعها من العدوان، فكذلك الحاكم، والحكمة تمنع صاحبها من ~~التعدي والمحكم كالمانع، والممنوع عن الإضلال في وجه من الوجوه، أوفي كل ~~وجه فعلى هذا الوجه يحمل القرآن كله على أنه محكم ؛ لأن ألفاظه صحيحة ورصفه ~~بريء من الخلل والغلط، وعليه يحمل قوله تعالى:{الر كتاب أحكمت آياته} (1) ~~فوصف القرآن كله على هذا المعنى بأنه محكم. # والوجه الثاني من معنى المحكم: أن كل لفظ إذا أطلق سبق إلى فهم السامع ~~منه معنى أو معنيان يشهد بصحتهما دلالة العقل وصريح السمع يحكيه قول الله ~~تعالى:{منه آيات محكمات هن أم الكتاب}(2) فلم يصف بالإحكام على الوجه ~~الأخير إلا البعض لأنه تعالى قال:{منه آيات محكمات هن أم الكتاب} أي أصله ~~الذي يرجع إليه {وآخر متشابهات} فنوعه نوعين، فلولا حملنا له على هذه ~~المعاني الصحيحة لكان عز من قائل متناقضا، لأن الشئ الواحد لا يكون بصفتين ~~متنافيتين في حالة واحدة، ولايسوغ ذلك عقل سليم). # --- PageV01P095 ثم قال عليه السلام:(ولا يحسن أن يخاطبنا سبحانه بخطاب لا نفهم معناه، ~~والدليل على ذلك أنه تعالى حكيم لا يفعل القبيح، أما أنه حكيم فلأنه عالم، ~~ولا يقع القبيح والعبث إلا من الجاهل المحتاج، وقد صح علمه، بوجود الأفعال ~~من قبله محكمة، وغناه باستحالة الحاجة عليه فإذا خاطبنا بخطاب لا يفهم كان ~~كمخاطبتنا للعرب بالزنجية ولا ترجمان، فإن ذلك يكون عبثا لأنه لا يخلو إما ~~أن يريد معرفة ما نكلمه به أولا نريد، فإن لم نرد كان الخطاب عبثا، وإن ~~أردنا كان الخطاب قبيحا، لأنا نكلفه علم مالا سبيل له إلى علمه، وتكليف ~~مالا يفهم معناه فإذا كلفنا معرفة معناه فلا بد من طريق إلى ذلك وإلا قبح. # قال عليه السلام: والطريق إلى معرفة معناه العقل والنقل واللغة، فاللغة ~~العربية لساننا وميداننا، والنقل: هو ما جاءنا عن ms0048 نبيئنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وعن سلفنا الصالح من ذريته سلام الله عليهم، والعقل هو الذي ~~يلزم به التكليف من قبله تعالى، وتقوم به الحجة على العبد، فهذا شرح المحكم ~~والمتشابه. # ثم ذم سبحانه من يتبع المتشابه فقال عز وجل:{فأما الذين في قلوبهم زيع ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} يريد بالفتنة المجادلة للحق وأهله زيغ ~~أي ميل عن الحق وأهله لغرض من الأغراض كما قال الشاعر: # ترى السفيه له في كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء # والإستدلال بالمتشابه كقوله تعالى:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} (1). PageV01P096 # قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام قول الله تعالى:{لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (1) وقوله:{تتخذون منه سكرا ورزقا ~~حسنا}(2) وقوله:{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما}(3) ثم بين الله تعالى تحريم الخمر والميسر بآية ~~محكمة، فقال عزمن قائل:{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (4) فبين الله تعالى ~~بهذه الآية تحريم الخمر والميسر، وقد قال غيرنا: الآيات الأولة توجب ~~الترخيص، وقد نسخ الترخيص بهذه الآية، وهي ناسخة وعندنا أنه لم يكن في ~~الخمر والميسر ترخيص ؛ لأن الله تعالى لم يكن لينعم على عباده بالعقول ~~ويجعلها أكبر حجة عليهم ثم يحل لهم شئ يفسد عليهم عقولهم، ويحمل قول الله ~~تعالى:{لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} الآية على سكر النوم، إلى آخر كلامه ~~عليه السلام في الحقائق، فما ورد من المتشابه فالواجب رده إلى المحكم كما ~~أمر الله تعالى بذلك. # مسائل الشاك # قلت: ومن المتشابه مسائل الشاك(5) حين سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه في الجنة التي رواها محمد بن إسحاق الكوفي الأنصاري من ~~طريقين: # إحداهما: عن أبي معشر السعدي(6) وقد كان أدرك عليا عليه السلام. PageV01P097 # والأخرى: عن أبي إسحاق (1) عن الحارث عن علي عليه السلام قال:(أتى رجل عليا ~~عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إني شككت في كتاب الله المنزل. # فقال ms0049 له علي:<ثكلتك أمك وكيف شككت في كتاب الله المنزل؟. # فقال الرجل: إني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا، وينقض بعضه بعضا، وكيف لا ~~أشك فما تسمع يا أمير المؤمنين؟. # فقال له علي عليه السلام:<إن كتاب الله يصدق بعضه بعضا ولا ينقض بعضه ~~بعضا ولا يكذب بعضه بعضا، ولكنك لم تستعمل عقلا تنتفع به، فهات الذي شككت فيه>. # فقال: إني أجد الله يقول في كتابه:{اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم ~~هذا}(2)ويقول:{نسوا الله فنسيهم}(3) ويقول:{وما كان ربك نسيا} (4) فمرة ~~ينسى ومرة لا ينسى، فأي ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال له علي عليه السلام:<ويحك هات ما شككت فيه>. PageV01P098 # فقال: وأجد الله يقول:{يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن وقال صوابا}(1) ويقول عن مقالتهم:{والله ربنا ما كنا مشركين} ~~(2)أفصواب ذلك؟ ويقول:{يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} (3) ~~ويقول:{إن ذلك لحق تخاصم أهل النار}(4) ويقول:{لا تختصموا لدي}(5) ~~ويقول:{اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون}(6) فمرة يتكلمون ومرة لا يتكلمون، ومرة تنطق الجلود والأيدي ~~والأرجل، ومرة لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا؟ ومرة يقول عن ~~مقالتهم:{والله ربنا ما كنا مشركين}(7) فمرة يختصمون، ومرة لا يختصمون، فأي ~~ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟ فقال له علي عليه ~~السلام:<هات ويحك ما شككت فيه>؟ قال: وأجد الله يقول:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة}(8) ويقول:{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}(9) ويقول:{ولقد ~~رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى}(10) ويقول:{يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يحيطون به علما}(11) ومن أدركته الأبصار أحاطت به علما، فأي ذلك ~~يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال له علي عليه السلام:<سبوحا قدوسا ربنا تبارك وتعالى، هات ويحك ما ~~شككت فيه>. PageV01P099 # قال: أجد الله يقول: {ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أومن وراء حجاب ~~أو يرسل رسولا ms0050 فيوحي بإذنه ما يشاء}(1) وقال:{وكلم الله موسى تكليما}(2) ~~وقال:{وإذ نادى ربك موسى}(3) وقال:{وناداهما ربهما}(4) وقال:{يا أيها ~~النبي}(5) {يا أيها الرسول}(6) {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}(7) و{يا ~~إبليس ما منعك أن تسجد}(8) فأي ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال له علي رحمة الله عليه:<هات ويحك ما شككت فيه>. # قال: وأجد الله يقول:{هل تعلم له سميا}(9) وسمى الإنسان سميعا بصيرا، ~~وملكا وربا، فمرة يقول: ليس له سمي، ومرة يقول: أسماء كثيرة غير واحدة، فأي ~~ذلك يا أمير المؤمنين تقول؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال له علي عليه السلام:<هات ويحك ما شككت فيه>. # قال: وأجد الله يقول:{لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في ~~الأرض}(10) ويقول:{ولا ينظر إليهم}(11) ومن لا ينظر إليهم عزب عنه، ومن حجب ~~عنه عزب عنه، فأي ذلك يا أمير المؤمنين تقول؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال [له علي] رحمة الله عليه:<هات ويحك ما شككت فيه>. PageV01P100 # قال: وأجد الله يقول:{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}(1) وقال:{وهو ~~الظاهر والباطن}(2) وقال:{وهو معكم أينما كنتم}(3) وقال:{ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد}(4) وقال:{ونحن أقرب إليه منكم}(5) وقال:{ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أينما كانوا}(6) وقال:{إن ربك لبالمرصاد}(7) وقال:{إن ربي على صراط ~~مستقيم}(8) فأي ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟ # فقال له علي رحمة الله عليه:<سبوحا قدوسا تبارك الله تعالى هات ويحك ما ~~شككت فيه>. # قال: وأجد الله يقول:{وجاء ربك والملك صفا صفا}(9) وقال:{لقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة}(10) وقال:{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل}(11) يقول مرة:{جاء ربك} ومرة يقول:{جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة} ومرة {يأتي ربك} ومرة {يأتي بعض آيات ربك} فأي ذلك يا ~~أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. ms0051 # فقال له علي عليه السلام:<سبوحا قدوسا ربنا تبارك وتعالى وتقدس هات ويحك ~~ما شككت فيه>. PageV01P101 # قال: وأجد الله يقول:{بل هم بلقاء ربهم كافرون}(1) وذكر أمر المؤمنين ~~فقال:{الذين يظنون أنهم ملا قوا ربهم وأنهم إليه راجعون}(2) ويقول:{لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}(3) ويقول:{ولا يحطون به علما}(4) وقال في ~~المنافقين:{فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}(5) وقال:{من كان يرجو ~~لقاء ربه فإن أجل الله لآت}(6) فيقول مرة:{يلقونه} ومرة {لا تدركه الأبصار} ~~ومرة {لا يحيطون به علما} فأي ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟ # فقال له علي عليه السلام:<سبوحا قدوسا ربنا تبارك وتعالى وتقدس هات ويحك ~~أيضا ما شككت فيه>. # قال: وأجد الله يقول:{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}(7) ~~وقال:{يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين}(8) ~~وقال:{وتظنون بالله الظنونا}(9) فمرة يظنون ومرة يعلمون، والظن الشك، فأي ~~ذلك يا أمير المؤمنين وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال علي رحمة الله عليه:<هات ويحك ما شككت فيه>. # قال: وأجد الله يقول:{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}(10) ويقول:{فأما ~~من خفت موازينه}(11) وقال:{وأما من ثقلت موازينه}(12) وقال:{فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا} (13)وقال:{فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ~~حساب}(14) فمرة تقام الموازين، ومرة لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، ومرة ~~يحاسبون، ومرة لا يحاسبون، فأي ذلك يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟. # فقال له علي رحمة الله عليه:<هات ويحك أيضا ما شككت فيه>. PageV01P102 # قال: وأجد الله يقول:{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم}(1) وقال:{الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها}(2) وقال:{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم}(3) ~~وقال:{توفتهم رسلنا وهم لا يفرطون}(4) وقال:{الذين تتوفاهم الملائكة ~~طيبين}(5) فمرة يقول:{يتوفاهم ملك الموت} ومرة يقول:{الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها} ومرة يقول:{توفتهم رسلنا وهم لا يفرطون} وقال:{الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين} ومرة يقول:{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} فأي ذلك ~~يا أمير المؤمنين؟ وكيف لا أشك فيما تسمع؟ فقد هلكت إن لم يرحمني ربي، ~~ويشرح لي صدري بما عسى أن يجريه على يديك، فإن لم يكن ذلك وكان الرب حقا ms0052 ~~والرسل حقا، لقد خبت وخسرت، وإن يكن الكتاب باطلا والرسل باطلا، وما وعدوا ~~وأوعدوا فما علي من بأس فقد نجوت. # فقال علي رحمة الله عليه:<هات ويحك ما شككت فيه>. # قال: حسبي ما ذكرت لك فإن يكن عندك علم فهاته لعل الله يرزقني على يديك ~~خيرا، وإن يكن سوى ذلك فما من رب ولا رسول ولا ثواب ولا عقاب. # فقال له علي عليه السلام:<سبوحا قدوسا ربنا تبارك وتقدس ونشهد أنه الحق ~~الدائم الذي لا شريك له ولاشيء مثله، وأن الكتاب والرسل حق عليهم السلام ~~والثواب والعقاب حق، ولكنا سنعلمك ما شككت فيه، ولا قوة إلا بالله وصلى ~~الله على محمد وعلى النبيئين وعليهم السلام ورحمة الله. # أما قوله عز وجل:{نسوا الله فنسيهم} فإنما يعني بالنسيان أنهم نسوا الله ~~في دار الدنيا، فلم يعملوا له بالطاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله فنسيهم في ~~الآخرة فلم يجعل في ثوابه نصيبا فصاروا منسيين من الخير فذلك تفسير ~~قوله:{اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} يعني لا يثيبهم كما يثيب ~~أولياءه الذين كانوا في دار الدنيا ذاكرين حين آمنوا به وبرسوله وخافوه ~~بالغيب وأبروه ورسوله. PageV01P103 # وأما قوله تعالى:{وما كان ربك نسيا} ولا يغفل تبارك وتعالى وتقدس وهو ~~الحفيظ العليم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(1) وقد تقول العرب ~~للملك والسيد: نسيتنا فلا تذكرنا، يعنون أنه لا يأتينا منك خير، أفهمت ما ~~ذكرت لك؟ قال: نعم فرجت عني غما وكشفت عني بعض ما بي وحللت عني عقدة فكشف ~~الله همك وأعظم أمرك يا أمير المؤمنين. # قال: وأما قوله تعالى:{يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من ~~أذن له الرحمن وقال صوابا} وقوله حين استنطقوا:{والله ربنا ما كنا مشركين} ~~وقوله:{ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} وقوله:{إن ذلك لحق ~~تخاصم أهل النار} وقوله:{لا تختصموا لدي} وقوله:{اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} فإن ذلك ليس في موطن واحد ~~بل في مواطن في ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين الف سنة مما ms0053 يعدون فيجمع ~~الله الخلائق في ذلك اليوم في موطن فيتعارفون فيه، ويكلم بعضهم بعضا، ~~ويستغفر بعضهم لبعض أولئك الذين بدت منهم الطاعة من الرسل والأتباع، ~~وتعانوا على البر والتقوى في دار الدنيا، ويلعن أهل المعاصي بعضهم بعضا ~~الذين بدت منهم المعاصي وتعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا ~~المستكبرين والمستضعفين يلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض، والكفر في هذه ~~الآية براءة يقول تبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها قول إبراهيم صلى الله عليه ~~وعلى محمد وآله المرسلين حيث قال لأبيه وقومه:{كفرنا بكم}(2) يقول: تبرأنا ~~منكم، ونظيرها قول الشيطان حين قال:{لما قضي الأمر كفرت بما أشركتموني من ~~قبل}(3) يقول: برئت مما أشركتموني من قبل، ثم يجمعون في موطن آخر يفر بعضهم ~~من بعض، فذلك قوله عز وجل:{يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته ~~وبنيه}(4) أن تعاونوا على الظلم والعدوان في دار الدنيا {لكل امرء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه} ثم يجمعون PageV01P104 في موطن يبكون فيه، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق ~~عن معاشهم، ولتصدعت الجبال إلا ما شاء الله، ولا يزالون كذلك حتى يبكون ~~الدم ثم يجمعون في موطن يستنطقون فيه فيقولون:{والله ربنا ما كنا مشركين} ~~ولا يقرون بما عملوا فيختم الله على أفواههم وتستنطق الأيدي والأرجل ~~والجلود فتشهد بكل معصية بدت منهم، ثم يرفع الخاتم عن ألسنتهم، فينطقون ~~فيقولون لجلودهم وأيديهم وأرجلهم لم شهدتم علينا؟ فتنطق فتقول:{أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء}(1) ثم يجمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلائق فلا يتكلم ~~أحد {إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} فيقام الرسل صلوات الله عليهم ~~فتسأل، فذلك قوله لمحمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم {فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}(2) والشهداء هم الرسل على محمد ~~وآله وعلى الرسل السلام، ثم يجمعون في موطن يكون فيه محمد المحمود على محمد ~~وآله السلام، فيقوم فيثني على ربه جل ثناؤه، وتباركت أسماؤه وحسن بلاؤه ما ~~لم يثن أحد قبله لا ملك مقرب ولا ms0054 نبي مرسل ولا غير مرسل ولا يثني أحد مثله ~~بعده بمثله، ثم يثني على ملائكة الله عليهم السلام، ولا يبقى ملك مقرب إلا ~~أثنى عليه محمد ما لم يثن عليه أحد قبله ولا يثني عليه أحد بعده بمثله، ثم ~~يبدأ بالصديقين والشهداء ثم الصالحين، فيحمده أهل السماء والأرض فذلك قوله ~~عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم:{عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (3) ~~فطوبى لمن كان له في ذلك اليوم حظ ونصيب، وويل لمن لم يكن له في ذلك اليوم ~~حظ ولا نصيب. # ثم يجمعون في موطن يجتمعون فيه، ويدان لبعض الخلق من بعض وهو القصاص، ~~وذلك قبل الحساب، فإذا أخذوا للحساب شغل كل بما لدين فنأل الله بركة ذلك ~~اليوم، أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم فرجت عني غما فرج الله عنك كل هم وغم، ~~وحللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. # --- PageV01P105 قال: وأما قوله:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة} وقوله:{لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} وقوله:{ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة ~~المنتهى} وقوله:{يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~وقوله:{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}. # أما قوله:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} فإن ذلك في موطن ينتهي ~~بأولياء الله إلى نهر يقال له الحيوان بعد ما يفرغ من الحساب فيغتسلون فيه ~~ويشربون منه فتنضر وجوههم وهو الإشراق، ويذهب عنهم كل قذى فينظرون إلى ربهم ~~متي يأذن لهم في دخول الجنة، ومنه يدخلون الجنة، وذلك قول الله حين أخبر عن ~~تسليم الملائكة حيث يستقبلونهم في ذلك الموطن {سلام عليكم طبتهم فادخلوها ~~خالدين}حيث يذهب عنهم كل قذى، وأيقنوا بالجنة، ولا يعني بالنظر الرؤية لأن ~~الأبصار لا تدركه وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، وذلك مدحة امتدح ~~بها ربنا تبارك وتعالى وتقدس فأحق من لا تنقطع مدحته في الدنيا ولا في ~~الآخرة الله رب العالمين. # (/6) # --- PageV01P106 وقد قال موسى نبي الله على محمد وعلى موسى السلام:{رب أرني أنظر ms0055 إليك قال ~~لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}(1) فأبدى ربنا ~~تبارك وتقدس بعض آياته فتقطع الجبل وصار رميما، وخر موسى صعقا، يعني ميتا ~~فتاب وأحياه الله ومنه:{سبحانك إني تبت إليك وأنا أول المؤمنين} (2) بأنك ~~لاترى وإنما يعني أول المؤمنين من أمته، وقد سأل قوم موسى فقالوا:{أرنا ~~الله جهرة فأخذتهم الصاعقة}(3) ومن سأله أو ظنه ظنا فخرج من الدنيا على ذلك ~~فقد بريء من دين الله، إن الله تبارك وتعالى وتقدس لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار، ولا ينبغي أن تنقطع مدحته، وكذلك لا تأخذه سنة ولا نوم، ~~وكذلك قال:{يطعم ولا يطعم}(4) وكذلك قال:{ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} (5) ~~وقال:{قل الحمد الله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن ~~له ولي من الذل}(6) مع ما ذكر من مدحته ولا يسع أحدا أن يشك في مدحته في ~~الدنيا والآخرة. PageV01P107 # وأما قوله:{ولقد رآه نزلة أخرى} فإنما يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه رأى جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى التي لا يجاوزها خلق من خلق ~~الله فرأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عليه السلام في صورته هذه ~~المرة، وقبلها مرة أخرى فذلك قوله سبحانه:{ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة ~~المنتهى}(1) وقد أعلم في آخر الآية أنه رأى غير ربه حيث يقول:{ما زاغ البصر ~~وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى} (2) وذلك أن خلق جبريل عليه السلام ~~آية عظيمة هو من الروحانيين الذين لا يعلم خلقهم وصورهم إلا الله رب ~~العالمين. # وذكر علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(رأيت جبريل في صورة ~~له ستة أجنحة جناحان ارتداهما وجناحان تزين بهما وجناح خارج في المشرق في ~~الهواء، وجناح في المغرب في الهواء، قد ملأ الآفاق كلها) سبحان الله وتعالى ~~وجل ثناؤه. PageV01P108 # وأما قوله:{لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ~~وقوله:{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} فأما ما بين ~~أيديهم فأمر ms0056 الآخرة، وأما ما خلفهم فأمر الدنيا (ولا يحيطون به) فلا تحيط ~~الخلائق بالله علما هيهات هيهات، جعل على أبصار القلوب عن الغطاء فلا وهم ~~يناله، ولاقلب ينعته ولا يخطر على بال، ولا يعرف إلا بالآيات والسلطان ~~والقدرة والجلال والعظمة كما وصف نفسه في القرآن {ليس كمثله شيء}(1) و{لا ~~تدركه الأبصار} {الأول والآخر والظاهر والباطن} {الخالق البارئ المصور له ~~الأسماء الحسنى} خلق الأشياء كلها فليس شيء من ما يشاء الإله تبارك وتعالى ~~وتقدس، أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم، فرجت عني فرج الله عنك كل غم وحللت عني ~~عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. # قال: وأما قوله:{ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أومن وراء حجاب أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} (2) وقوله:{وكلم الله موسى تكليما} ~~وقوله:{وناداهما ربهما} وقوله:{وإذ نادى ربك موسى}(3) وقوله:{يا آدم اسكن ~~أنت وزوجك الجنة} وقوله: {يا أيها الرسول} و{يا إبليس ما منعك أن تسجد}. PageV01P109 # أما قوله:{ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أومن وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} فهو كما قال الله، وليس بكائن وراء حجاب، وقد ~~يرسل الرسول بوحي منه إلى رسل السماء، فتبلغ رسل السماء رسل الأرض، فيتفهمه ~~رسل الأرض من دون مشافهة رسل السماء، وقد يخلق الكلام بينه وبين رسل السماء ~~من غير مشافهة رسل السماء لأحد من خلقه، وقد قال نبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لجبريل عليه السلام كيف تأخذ الوحي من رب العالمين؟ قال: آخذه من ~~اسرافيل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أين يأخذ اسرافيل؟ قال: ~~يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~من أين يأخذه ذلك الملك؟ فقال: يقذف في قلبه قذفا، فهو كلام الله (1) فكيف ~~ما وصفت لك من كلام الله، فإن كلام الله ليس بنحو واحد، ولا يجري على نحو ~~واحد منه ما يجيء في المنام، وذلك قول إبراهيم عليه السلام حيث قال: {يا ~~بني إني أرى في المنام ms0057 أني أذبحك فانظر ماذا ترى} (2) ومنه ما قال الله ~~تبارك وتعالى:{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين محلقين PageV01P110 أرؤسكم ومقصرين لا تخافون} (1) ومنه ما قاله الله لمحمد أيضا:{وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة} (2) ومنه ما يبلغ رسل ~~السماء رسل الأرض، ومنه ما يقذف في قلب الملك قذفا، وذلك ما قال جبريل عليه ~~السلام لنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما قذف الله في قلب الملك الذي ~~فوق اسرافيل، أفهمت ما ذكرت لك، قال: نعم فرجت عني غما فرج الله عنك كل غم ~~يا أمير المؤمنين. # وأما قوله:{هل تعلم له سميا} (3) فلا سمي له يعني لا مثل له، فإياك أن ~~تقيس شيئا من كتاب الله برأيك حتى.... من العلماء، فإنه رب تنزيل يشبه كلام ~~البشر وفعل البشر وتأويله لا يشبه كلام البشر، ولا فعل البشر، كما أنه ليس ~~كمثله شيئ من خلق كذلك لاشيئ يشبهه من فعله ولا كلامه أفاعيل البشر ولا ~~كلامهم أفهمت ما ذكرت؟ قال: نعم. # وأما قوله:{لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء}(4) وقوله لأهل ~~النار:{ولا ينظر إليهم} فكذلك، وكيف يعزب عن من خلق...{وهو اللطيف الخبير} ~~وهو الشاهد لكل شيء تبارك وتعالى وتقدس. # وأما قوله:{لا ينظر إليهم} فإنما يعني بذلك لا يرحمهم ولا ينظر إليهم ~~بخير، تقول العرب للرجل البر أو الملك: والله ما ينظر إلينا، يعنون إنك لا ~~تصيبنا بخير فكذلك النظر من الله إلى خلقه في هاتين الآيتين ثواب أو عقاب، ~~أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم. # وأما قوله:{إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} (5) فإنما يعني أنهم عن ثواب ~~ربهم وكرامته محرومون. PageV01P111 # وأما قوله:{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض}(1) وقوله:{وهو الظاهر ~~والباطن}(2) وقوله:{الرحمن على العرش استوى}(3) وقوله:{وهو معكم أينما ~~كنتم} وقوله:{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~ولاأدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم ~~القيامة}(4) وقوله:{ونحن أقرب ms0058 إليه من حبل الوريد} وقوله:{إن ربك ~~لبالمرصاد} وقوله:{إن ربي على صراط مستقيم}(5) فكذلك الله تبارك وتعالى ~~وتقدس من غير أن يكون ما سمى من كينونيته في خلقه ومع خلقه وعلى خلقه وفوق ~~خلقه يجري ذلك منه على نحو ما يجري من المخلوقين وهو اللطيف وأعظم وأجل ~~وأكبر من أن ينزل به شيء ما ينزل بخلقه هو الشاهد لكل شيء والوكيل على كل ~~شيء، والمنشيء لكل شيء، والمدبر للأشياء كلها بلا علاج، ولا يفكر ولا حدث ~~عليه ولامؤنة تعينه سبحانه وبحمده تبارك وتعالى وتقدس، فإذا جال شيء في ~~صدرك من عظمة الله مما في القرآن من كينونته في الخلق ومع الخلق وفوق ~~الخلق، وعلى الخلق، وتفكر في ديمومة الله وعظمته، ووسوست نفسك بشيء فقل: لا ~~إله إلا الله فإن ذلك من وساوس الشيطان، وتفكر في ديمومة الله قبل أن يخلق ~~خلقا سماء ولا أرضا، ولا عرشا ولا هواء، ولا شيئا من السماء والأرض فتنظر ~~أنه الدائم الذي لا إحصاء لديمومته، وليس مع شيء، وذلك أنه الأول ابتدأ ~~الأشياء لامن شيء فكذلك الله فعند ما خلق من الخلق كذا كان قبل أن يخلق ~~الخلق ولم يتحول، ولا يحول ولا يأفل مع الآفلين فلا تجري عليه زيادة ولا ~~نقصان، ولا يدرك ولا يعرف إلا بالديمومة، والأنات والسلطان والقدرة دائما ~~سرمدا أبدا لا إحصاء لديمومته تبارك وتعالى وتقدس، ولا زوال، ابتدأ خلقه ~~على غير مثال، وذلك أنه الأول فلا شيء معه، وخلق الأشياء لامن شيء. PageV01P112 # وأما قوله:{إن ربك لبالمرصاد} فإنما يعني أن ربك قادر أن يجزي أهل المعاصي ~~جزاءهم، وهو فاعل ذلك، وقد تقول العرب للعبد أولمن يأمرونه فيستعصي: إنا لك ~~بالمرصاد، يعنون إنا قادرون على جزائك، ونحن فاعلون ذلك. # وأما قوله:{إن ربي على صراط مستقيم} فإنما يعني أنه حق يجزي بالإحسان ~~إحسانا والسيء سيئا، ويغفر لمن يشاء سبحانه وتعالى وتقدس أفهمت ما ذكرت لك؟ ~~قال: نعم. # وأما قوله:{وجاء ربك والملك صفا صفا} وقوله:{ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة} (1) وقوله:{هل ينظرون إلا أن ms0059 يأتيهم الله}(2) وقوله:{إلا ~~أن يأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك}(3) فذلك حق كما قال ~~الله سبحانه، وليس جيئته كجيئة الخلق، وقد أعلمتك أنه رب شيء من كتاب الله ~~تأويله غير تنزيله، ولا يشبه تأويله كلام البشر، ولا فعل البشر، وسأنبئك ~~بطرف منه تكتفي به إن شاء الله تعالى، من قول إبراهيم عليه السلام حين ~~قال:{إني ذاهب إلى ربي سيهدين} (4) فذهابه إلى ربه توجهه وعبادته واجتهاده ~~وقراره إلى ربه، إلا أن تأويله غير تنزيله، وقال:{أنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج}(5) وقال:{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}(6) فسماه إنزالا، ~~وإنزاله الأنعام خلقه إياها، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله. # وقال موسى على محمد وموسى السلام حين سقى لابنتي شعيب عليه السلام قال ~~الله:{فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال إني لما أنزلت إلي من خير فقير} (7) ~~لما رزقتني من خير فقير. PageV01P113 # وأما قوله:{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك} (1) فإنما تخير ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عن المنافقين والمشركين الذين لم يستجيبوا ~~لي ولرسولي {أو يأتي ربك} معنى إتيانه: العذاب في دار الدنيا كما عذب ~~القرون الأولى فهذا خبر يخبر نبيه عليه السلام، ثم قال: {أو يأتي بعض آيات ~~ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} أن ~~تجيء هذه الآيات، وذلك قبل طلوع الشمس من المغرب، وإنما يكتفي ذووا الألباب ~~والحجج، أو أولوا النهي أن يعلموا من قول الله {وجاء ربك} {ولقد جئتمونا ~~فرادى كما خلقناكم أول مرة} أنه يكشف الغطاء، فترى ما وعدوا وأوعدوا وقال ~~في آية أخرى:{فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} (2) يعني بذلك أنه أرسل عليهم ~~عذابا فذلك إياهم، وقال:{فأتى الله بنيانهم من القواعد} (3) فإتيانه ~~البنيان من القواعد إرساله العذاب عليهم، وقد قال فيما أنزل:{أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} (4) يعني بذلك ما يهلك من القرون، وكذلك ما ~~وصف من أمر الآخرة، تبارك وتعالى وتقدس، وتجري أموره في ذلك اليوم الذي كان ~~مقداره ms0060 خمسين ألف سنة، كما تجري أموره في الدنيا، لا يتعب ولا ينصب ولا ~~يأفل مع الآفلين، فاكتف بما وصفت لك من ذلك مما تخيل في صدرك مما أنزل الله ~~في كتابه وتسمى به من أفاعيله. # واعلم أن تأويل أفاعيله غير ما وجه لفعل البشر، لأنه لا ينزل به ما ينزل ~~بالبشر أفهمت جميع ما ذكرت لك من جميع مافي كتاب الله مما تنزيله على نحو ~~من كلام البشر هو أعظم وأجل، وأعز وأكبر جل ثناؤه من أن يكون كذلك وتعالى وتقدس. PageV01P114 # وقال: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} (1) يقول: لعنهم الله فسمى اللعنة قتالا، ~~وقال: {قتل الإنسان ما أكفره} (2) يقول: لعن الإنسان ما أقل شكره، وقال ~~لنبيئه صلى الله عليه وآله وسلم:{فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى}(3) فسمى فعل النبي، وفعل المؤمنين فعلا منه ألا ترى أن ~~تأويله غير تنزيله. # وقال:{بل هم بلقاء ربهم كافرون} (4) وذكر المؤمنين فقال:{الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون} (5) وقال:{لا تدركه الأبصار} وقال ~~للمنافقين:{فأعلمهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه}(6) وقال:{فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (7). # أما قوله:{والذين كفروا بلقاء ربهم} يقول: هم بالبعث هم كافرون، فسماه ~~لقاء، وكذلك ذكر المؤمنين فقال: {يظنون أنهم ملاقوا ربهم} يقول: يوقنون ~~أنهم مبعوثون، والظن منهم يقين، وكذلك {من كان يرجو لقاء ربه} يقول: من كان ~~يوقن أنه مبعوث ومحاسب ومجزي فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، ~~وقال:{من كان يرجوا لقاء ربه فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم} (8) ~~يقول: من كان يوقن أنه مبعوث وإنما وعدوا وعد جاء عن الثواب والعقاب فسمى ~~اللقاء أجلا، ولو كان إلى ما ذهب وهمك من لقاء ربه فكان يكون من كان يرجو ~~لقاء ربه، والذين هم بلقاء ربهم كافرون بلفظ الرؤية، وليس كذلك، فاللقاء: ~~الرؤية، واللقاء: البعث، ولا يعني به الرؤية لأن الأبصار لا تدركه، وكذلك ~~{إلى يوم يلقونه} يعني المنافقين، يقول: لا يزال النفاق في قلوبهم إلى ms0061 يوم ~~يبعثون، أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم. PageV01P115 # قال: وأما قوله:{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} (1) وقوله عمن ~~أوتي كتابه بيمينه:{إني ظننت أني ملاق حسابيه} (2) وقوله:{يومئذ يوفيهم ~~الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين}(3) وقوله ~~للمنافقين:{وتظنون بالله الظنونا}(4). # أما قوله:{ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم موافعوها} فإنما يعني بالظن ~~اليقين يقول: إنهم أدخلوها. # وأما قوله:{إني ظننت أني ملاق حسابيه} يقول: إني أيقنت. # وأما قوله:{يظنون بالله الظنونا} فليس ذلك الظن باليقين، ولكنه شك، والظن ~~ظنان: ظن يقين، وظن شك، فما كان في كتاب الله من ذكر الظن في أمر المعاد ~~فهو يقين، وما ذكر في أمر الدنيا فهو شك، وذلك لو كان إلى ما ذهب إليه وهمك ~~لا يكون مؤمنا، وذلك لأن ما ذكر الله من الظن الذي سماه من المؤمنين في باب ~~الآخرة لا يكون شكا، لأن من شك في شيء من الأشياء في كتاب الله المنزل كان ~~مشركا أفهمت ما ذكرت لك من أمر الظن في الدنيا والآخرة؟ قال: نعم. # قال: وأما قوله {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} فهو العدل تؤخذ به ~~الخلائق، ويدين الله الخلق بعضهم من بعض، ويجزيهم بأعمالهم، والدين هاهنا قصاص. # وأما قوله لأهل الجنة {فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} فإن ~~نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(حقت مودتي لمن يزاور في الله، ويحاب ~~في الله، ويباذل في الله، المتحابون في الله وجوههم من نور على منابر من ~~نور عليهم ثياب من نور، قيل: من هؤلاء؟ قال: ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ~~ولكنهم قوم تحابوا بحلال الله في الله على طاعة الله في دار الدنيا إذا عصي ~~الله في دار الدنيا لا يزالون جلوسا على تلك حتى يفرغ من الحساب، ويدخلون ~~الجنة لا يحاسبون). PageV01P116 # قال: وأما قوله:{من خفت موازينه} و{ثقلت موازينه} فإنما يعني بذلك قلة ~~الحساب في الموازين، وكثرتها أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم. # قال: وقوله:{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} ~~وقوله:{الله يتوفى الأنفس حين موتها} وقوله:{توفته ms0062 رسلنا وهم لا يفرطون} ~~وقوله:{الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} {ظالمي أنفسهم} فإن الله تبارك ~~وتعالى وتقدس يدبر الأمور كيف يشاء، ويوكل من خلقه ما يشاء بمن يشاء. # وأما قوله:{يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} فإن الله وكله بخاصة من خلقه ~~وملائكة معه. # وأما قوله:{ثم إلى ربهم يرجعون} فإنما يعني به أنهم ينشرون من بعد الموت ~~فسمى النشور رجعة، وكذلك قال:{إلى ربهم يحشرون} يقول: ينشرون من بعد الموت ~~فسمى النشور رجعة. # وأما قوله:{الله يتوفى الأنفس حين موتها} فكذلك يتوفى الأنفس كيف يشاء ~~على يدي من يشاء من خلقه. # (/7) # --- PageV01P117 وأما قوله:{توفته رسلنا وهم لا يفرطون} فإن الله وكلهم بخاصة من خلقه تبارك ~~وتعالى وتقدس، وليس كل العلم يستطيع صاحب العلم أن يفشيه إلى كل الناس، منه ~~ما يطاق حمله، ومنه مالا يطاق حمله إلا من رزقه الله تعالى اطاقته من خاصة ~~أوليائه، وإنما يكفيك وجميع المؤمنين أن يعلموا أن الله تبارك وتعالى وتقدس ~~المميت المحيي، فإنه يتوفى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه وملائكته أو ~~غيرهم، بغير علاج منه تبارك وتعالى وتقدس أفهمت ما ذكرت لك؟ قال: نعم فرجت ~~عني كل غم، فرج الله عنك كل غم وكشف عنك كل هم، كما كشفت عني ما كان بي من ~~الغم، وذلك من الله وحده لا شريك له، له الحمد والمرد والكبرياء، والطول لا ~~اله إلا هو، وأشهد أنه الحق الدائم الذي ليس كمثله شيء، ولا ينزل به ما ~~ينزل بخلقه وأنه خالق الأشياء كلها والقادر على الأشياء لامقدور عليه ولا ~~رب غيره، ولا راد لحكمه وهو سريع الحساب، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، وأقر ~~بما جاء به من عند الله، وأن الكتاب حق يصدق بعضه بعضا، نسأل الله ألا يزيغ ~~قلوبنا بعد أن هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة ورضوانا إنه الوهاب، عظم ~~الله أجرك يا أمير المؤمنين، وأمتع بك عامة المسلمين) # المجمل والمفسر # وأما المجمل والمفسر فقال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في الحقائق: ~~إن من المجمل سورة الحمد وهي ms0063 فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني، قال الله ~~تعالى:{ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} (1) في هذه السورة ~~أكثر المعاني المفسرة في سائر القرآن، وهو مجمل في هذه السورة. # (/8) # --- PageV01P118 قلت: قال في النجم الزاهر في تفسير الباهر (1) ما لفظه: "وأما فضل التفسير ~~فروينا عن الحسن (2) قال:(أنزل الله مائة وأربعة كتب من السماء أودع علومها ~~منها أربعة التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم هذه الأربعة ~~الفرقان، ثم أودع علوم الفرقان المفصل، ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب ~~فمن علم تفسيرها علم تفسير جميع كتب الله المنزلة، ومن قرأها فكأنما قرأ ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان) وهذا الحديث وإن كان موقوفا على الحسن ~~لابد أن يكون مسندا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم متى ثبت كونه عن ~~الحسن، وهو من أخبار الآحاد التي يجوز قبولها، ولكنه منطو على أشياء ليست ~~من مسائل الإجتهاد فلا يكون قولا له، ولأصح أن يكون إلا بوحي الله تعالى ~~فكان قويا من هذه الجهة جدا. # ثم قال عليه السلام:(من ذلك ذكر أسماء الله الحسنى، وذكر الحمد والشكر ~~والثناء وذكر جميع ما خلق الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة في ذكر ~~العالمين وأن الله تعالى مالك الدنيا والدين، وفيه ذكر العياذة والإستعاذة، ~~وهما يشتملان على جميع العبادات، وفيه ذكر الصراط المستقيم، والإشارة إلى ~~غير المستقيم، وفيه ذكر المهتدين والذين أنعم عليهم رب العالمين، وفيه ذكر ~~المغضوب عليهم، وذكر الضالين، والمغضوب عليهم الذين يتعمدون المعاصي، ~~ويعلمون أنهم عاصون، والضالون فهم الذين يحسبون أنهم ناجون وهم عند الله ~~هالكون). # قلت: وقوله تعالى:{صراط الذين أنعمت عليهم} يقول: الذين أنعمت عليهم من ~~النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وقوله:{غير المغضوب عليهم} قيل: هم ~~العصاة الذين أراد الله الإنتقام منهم. # وقوله:{ولا الضالين} عام لكل من ضل عن الدين وسيأتي الآن بيان ذلك في ~~تفسير هذه السورة المباركة إن شاء الله قال الإمام عليه السلام:(ففي هذه ~~السورة جميع معاني القرآن). # (/9) # --- PageV01P119 ومن المجمل في الكتاب ما يكون تفسيره من القرآن وذلك مثل قوله تعالى:{خذ من ~~أموالهم صدقة ms0064 تطهرهم بها وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم}(1) فهذه الآية مجملة وتفسيرها فيمن يوضع فيهم الصدقة وهو ~~قوله:{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم} (2). # ومن ذلك قول الله تعالى:{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}(3) فهذا ~~مجمل ظاهره يوجب أن ذبيحة الناسي التسمية والصبي الذي لم يبلغ لاتجوز، ثم ~~فسره بقوله:{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب}(4) فبين أن المراد بالآية الأولى أن النهي بما ورد عن أكل ~~ما أهل به لغير الله. # ومن المجمل أيضا قوله:{اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} (5) ثم فسر الله هذا ~~{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}(6) وقال:{إنما المشركون نجس}(7) وقال:{يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد ~~كفروا بما جاءكم من الحق}(8) فبين أن المراد بالآية الأولى من آمن من أهل ~~الكتاب. # ويؤيد ذلك قول الله تعالى:{وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل ~~إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك ~~لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب}(9). PageV01P120 # ومن المجمل في الكتاب ما يكون تفسيره في السنة على لسان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذلك مثل قوله تعالى:{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} (1) ~~ومثل قوله:{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}(2) فكان تفسير ~~الصلاة وشروطها وحدودها ومتى توجد، وكذلك الحج وأوقات الصلاة فقد ورد في ~~ذلك القرآن مفسرا يحتاج إلى تفسير. # قال عليه السلام: (ومن غامض كتاب الله قوله تعالى:{ولا تجهر بصلاتك ولا ~~تخافت بها وابتغ ms0065 بين ذلك سبيلا}(3) وقد استدلت الباطنية لعنهم الله تعالى ~~بهذه الآية على إبطال الأعمال وإظهار عيبه، وقالوا: هو ينقض بعضه بعضا، ~~وإذا كان يتناقض كان باطلا قالوا: قوله:{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} ~~يوجب ترك الصلاة لأنه بزعمهم لا يمكنه أن يصلي بغير جهر ولا مخافتة. # فنقول: ليس الأمر يتناقض وإنما أمره أن لا يجهر بكل الصلاة ولا يخافت ~~بكلها وأمره أن يبتغي بين ذلك سبيلا، وقد ابتغى صلى الله عليه وآله وسلم ~~سبيلا وهو أنه جهر بالقراءة في الليل وصلاة الفجر، وخافت بها في صلاة الظهر ~~والعصر، ويجهر بالأذان والإقامة والتكبير وقوله: سمع الله لمن حمده، ~~والتسليم في جميع الصلوات، وذلك مروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الأخبار المتظاهرة، وهو إجماع الأمة، وقد أمرنا الله بإتباعه فقال:{وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(4) فيبطل قول الباطنية. # [الناسخ والمنسوخ] # وأما الناسخ والمنسوخ فقال عليه السلام:(اعلم أن في الكتاب ناسخا ~~ومنسوخا، فمن المنسوخ ما نسخ حكمه، ولم ينسخ حفظه وكتابته وتلاوته، والأمة ~~مجمعة على ذلك إلا فرقة ممن لا يعمل على قوله. # ومن المنسوخ ما ينسخ وجوبه وحرم فعله كالتوجه بالصلاة إلى بيت المقدس. # ومن المنسوخ ما نسخ وجوبه وبقي جوازه كصوم عاشوراء. # --- PageV01P121 ومن الدليل على أن في الكتاب ناسخا ومنسوخا قوله الله تعالى:{ما ننسخ من ~~آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}(1) وفي هذا تقديم وتأخير أراد ما ~~ينسخ من آية أو ننسها فلا ننسخها ونقرها على حالها قال الله تعالى:{يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}(2) هي أصله والمحكم. # وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع رجلا يعظ الناس ويقص عليهم ~~فقال: هل علمت ناسخ القرآن ومنسوخه؟ قال: لا، قال له عليه السلام: هلكت ~~وأهلكت). # وسبب الناسخ والمنسوخ ضعف الإسلام في مبتدأه، وقوته في منتهاه، وتخفيف من ~~الله للمؤمنين، فأول ما نسخ القبلة، وذلك أن الكعبة كانت قبلة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكان أهلها لا ms0066 يعرفون قبلة ~~إلا بيت المقدس، وكان الإسلام عربيا فأنزل الله تعالى:{ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله}(3) فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~بيت المقدس على ما روي ستة عشر شهرا، وقيل: سبعة عشر شهرا، فلما تقوى ~~الإسلام توقع صلى الله عليه وآله وسلم الوحي من ربه، وانتظر جبريل عليه ~~السلام ينزل به فأنزل الله تعالى:{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره}(4) أي نحوه. PageV01P122 # ومما نسخ قول الله تعالى:{وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منها}(1) نسخها آية المواريث. # ومما نسخ قول الله تعالى:{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}(2) يريد الزائد ~~على كفايتهم نسختها آية الزكاة. # ومما نسخ:{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم}(3) فكانوا لا ~~يأكلون بعد الرقاد بالليل، ولا يشربون ولا يجامعون، فنسخ ذلك قول الله ~~تعالى:{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر}(4) معنى قوله:{وابتغوا ما كتب الله لكم} يريد الولد. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن تفسير الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود؟ فقال: (هو الليل والنهار}(5). # ثم قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام أيضا:(ومما نسخ نكاح المتعة، ~~وهو قوله تعالى:{فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن}(6) نسخها قول الله ~~تعالى:{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة}(7). PageV01P123 # قال عبد الله بن الحسين (1) عليه السلام في كتاب الناسخ والمنسوخ بعد أن ~~ذكر خلاف العامة في ذلك: والقول عندنا أنها منسوخة نسخها الكتاب والسنة، ثم ~~شرح ذلك فيه وبينه أحسن بيان وأن الإستمتاع الذي ذكر ه الله تعالى إنما هو ~~تزويج إلا أنه كان فيه شروط فنسخ الله تلك الشروط، ثم بين لنا الناسخ من ~~الكتاب والسنة.. ms0067 إلى قوله:وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~اعتمر فشكا الناس إليه الغربة فقال:(استمتعوا من هذه النساء واجعلوا الأجل ~~بينكم وبينهم ثلاثة أيام فلما كان اليوم الثالث أو الرابع من قوله خرج صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى وقف بين الركن والمقام، وأسند ظهره إلى الكعبة ~~فقال: أيها الناس إني كنت أمرتكم بالإستمتاع إلا وإن الله قد حرم ذلك إلى ~~يوم القيامة فمن كان عنده شيء منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا) (2). # وروي أنه قال في آخر كلامه:(متعة النساء حرام) قال ذلك ثلاث مرات. PageV01P124 # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه مر بعبد الله بن عباس وهو يفتي ~~بنكاح المتعة فقال أمير المؤمنين عليه السلام:(نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عنها وعن لحوم الحمر الأهلية}(1) والأمة مجمعة على تحريم المتعة ~~إلا الإمامية فإنهم يرونها. # ومما نسخ قول الله تعالى:{ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} وهذا في ~~المختلعة وقوله:{آتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما بينا}(2) نسخه قول الله:{إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به}(3). PageV01P125 # وروي أن أول مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل (1)كانت عند ثابت بن قيس بن ~~شماس (2) فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله لا أنا ~~ولا ثابت، فقال: أفتردين عليه ما أخذت منه؟ قالت: نعم وكان ثابت تزوجها على ~~حديقة من نخل، فقال ثابت: هو يطيب لي يا رسول الله؟ قال: نعم، وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلاقها) (3). # ومما نسخ قول الله تعالى:{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم}(4) فكان عدة آل متوفى عنها زوجها سنة، ~~وكانت لها الوصية، ولم يكن لها ميراث، فنسخت بالعدة بقوله عز وجل:{والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (5) وسبب ~~العدة إظهار الحزن على صاحبها، وتوقع الولد ms0068 منه، وفي هذه المدة يتبين الحمل ~~إن كان. # وقيل: إنه يكون في أربعين يوما نطفة، وفي أربعين يوما علقة، وفي أربعين ~~يوما مضغة، فإذا بلغ أربعة أشهر صار عظاما، ولم يخف كونه ولا يعبأ وجوده. # ونسخت الوصية لهن بآية المواريث وهي قوله تعالى:{ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن}(6). PageV01P126 # ومما نسخ قول الله تعالى:{واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا}(1) نسخه قول الله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا كل منهما مائة ~~جلدة}(2). # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حدوهن واقتلوهن قد جعل الله ~~لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام والثيب بالثيب الرجم) (3). # ومما نسخ قول الله في أهل الذمة:{فإن جاؤك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم ~~نسخها قول الله تعالى:{وأن احكم بينهم بما أنزل الله}(4). # ومما نسخ قول الله تعالى:{وأشهدوا إذا تبايعتم}(5) نسخ بقوله تعالى:{فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته}(6). # قال عبد الله بن الحسين عليه السلام: والقول عندنا أنها منسوخة، وأن ~~المتبايعين بالخيار بالإشهاد إن أحبا أشهدا وإن تركا فلا حرج. PageV01P127 # قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام:ومما نسخ حج المشركين، وفي ذلك ما ~~يقول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر ~~الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام}(1) نسخه الله ~~بقوله:{إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}(2) ومما ~~نسخ قول الله تعالى:{لا إكراه في الدين}(3) وقوله:{وما أنت عليهم بجبار}(4) ~~وقوله تعالى:{لست عليهم بمسيطر}(5) وقوله تعالى:{فاعف عنهم}(6) فكانت هذه ~~الآيات وما شاكلها نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة فلما ~~هاجر أمره الله بالجهاد ونسخ الآيات هذه بقوله:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد يذكر ms0069 فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله ~~لقوي عزيز}(7) وبقوله تعالى:{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر}(8) وقوله تعالى:{يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم}(9). # قلت: وقال غيره إن هذا منسوخ لأن العفو والصفح ونحوهما لا ينافي القتال ~~وهو الأقرب والله أعلم. # قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام:ومما نسخ قول الله:{وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة}(10) نسخها قول الله تعالى:{انفروا خفافا ~~وثقالا}(11). # --- PageV01P128 واعلم أن سورة براءة نسخت كل آية عقد بين المؤمنين والمحاربين وذمة وصلح ~~وشرط، ونسخت الصلح الذي كان في الأشهر الحرم، وفي مكة لقوله تعالى:{اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم}(1) إلا ما استثنى الله فيها من قوله:{إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}(2) فتحريم القتال في الحرم ~~منسوخ بآية السيف، وعلى ذلك إجماع أهل البيت عليهم السلام. # ومما نسخ قول الله تعالى:{والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا}(3) نسخها الله تعالى بقوله:{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض} (4). # قال عبد الله بن الحسين عليه السلام: وأما ناسخ المواريث ومنسوخا فلا ~~أعلم اختلافا في قول الله عز وجل:{والذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله والذين أووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}(5) فأجمع الناس على أنه إذا ~~كان الأخوان أحدهما مؤمنا أعرابيا، والآخر مؤمنا مهاجرا لا يتوارثان لهذه ~~الآية، حتى أباح الله ذلك ونسخ الآية بقوله:{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} # ومما نسخ فرض الوصية للوالدين والأقربين، وذلك قول الله تعالى:{كتب عليكم ~~إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا ~~على المتقين} (6) نسخه الله بآية المواريث. # وعلى هذا يحمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة ا ~~لوداع:(ألا لا وصية لوارث) وقد نسخ ذلك بآية المواريث، وهذا مما نسخ وجوبه، ~~وبقي جوازه، ويؤيده قول الله تعالى:{إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا}(7). # --- PageV01P129 ومما ms0070 نسخ التغليظ في النهي عن مخالطة اليتامى في النفقة والأكل معهم، وذلك ~~قول الله تعالى:{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا وسيصلون سعيرا}(1). # وروي أنه لما نزلت هذه الآية امتنع المسلمون من قبول الوصايا في اليتامى ~~أن يكفلوهم ويخرجوا من مخالطتهم فنسخ الله ذلك التغليظ بقوله ~~تعالى:{ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وأن تخالطوهم فإخوانكم في ~~الدين والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء لأعنتكم إن الله عزيز حكيم}(2) ~~يقول: لو شاء لضيق عليكم، وقال:{من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف}(3) المراد والله أعلم أنه من كان غنيا عن المخالطة فليستعفف عن ~~المخالطة لهم، والأكل معهم، ومن كان فقيرا إلى ذلك فليخالطهم وليأكل معهم، ~~ولا يتعمد الظلم لهم، والنقص لهم في مالهم، وقد اختلف في هذه الآية فمن ~~الناس من حملها على ظاهرها وأجاز للوصي الأكل من مال اليتيم إذا كان الوصي ~~فقيرا، وأن ينفق منه على نفسه ومن يلزمه نفقته، ومن الناس من قال يتناول ~~منه ما يتناول المضارب من مال المضاربة على سبيل الأجرة. # قال عليه السلام: وعندنا أن ذلك لا يجوز لقول الله تعالى:{فليأكل ~~بالمعروف} ومن المعروف أن يخرج الوصي اليتيم من ماله مثل ما يخرج لمثله من ~~أولاده ثم يخلطه في نفقته أولاده، ويواسيه بأولاده، ولا ينقصه في ماله ولا ~~في نفقته، فهذا هو المعروف. # ويؤيد ذلك قول الله تعالى:{والله يعلم المفسد من المصلح}. # ومما نسخ قول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم}(4) وسبب نزول هذه الآية أن المسلمين أكثروا النجوى حتى أضر ذلك برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فأراد الله أن يخفف عنه فأنزل الله هذه الآية ~~فامتنع كثير من الناس من المناجاة. # --- PageV01P130 وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال:(إن في كتاب الله لآية وفرضا ما ~~عمل بهما غيري ولا يعمل بهما أحد بعدي لما أنزل الله:{يا ms0071 أيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم ~~تجدوا فإن الله غفور رحيم} كان معي دينار فصرفته وكنت إذا أردت أن أناجي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم، فلم يفرغ الدينار حتى نسخت ~~الآية) فنسخها الله بقوله:{أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا لزكاة وأطيعوا الله ورسوله ~~والله خبير بما تعملون}(1). PageV01P131 # قيل: ومما نسخ قول الله تعالى:{يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو ~~انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا}. # وقال عبد الله بن الحسين عليه السلام في كتابه الناسخ والمنسوخ ~~الفظه:(فزعم أهل هذا القول أن هذا في صلاة الليل وأنه جاء بعد الأمر بها ~~الترخص في تركها بالنسخ، وقال آخرون: إن السورة كلها محكمة، وليس فيها ناسخ ~~ولا منسوخ، وإنما أراد الله الأمر بالصلاة والقيام والترتيل له إنما ذلك ~~كله في صلاة العتمة المفروضة، وإنما جاء في آخر السورة من التوسعة في ~~الأوقات رحمة من الله للعباد، ولما ذكر الله من علمه بهم وأن منهم مريض ~~ومسافر ومجاهد، وهذا الآخر قولنا، وبه نأخذ. # ومن الدليل على ما قلنا به أن الصلاة التي في هذه السورة هي العتمة ~~المفروضة جمع الله بها في آخر الكلام الزكاة، قال الله سبحانه:{وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا}. # قلت: وسيأتي إن شاء الله مثل هذه السورة في سورة المزمل للهادي عليه ~~السلام. # ومما نسخ قوله تعالى:{إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ذلك بأنهم قوم لا يفقهون}(1) نسخ هذه ~~الآية بقوله:{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين} (2). # فهذا ما جاء في الناسخ والمنسوخ. # [العام والخاص] # ومن القرآن ما هو في مخرجه عام وفي معناه خاص، وذلك مثل قوله تعالى:{إن ms0072 ~~الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران} على العموم والكمال، والمعنى ~~أنه خص بالإصطفاء من آل إبراهيم وآل عمران من يستحق الإصطفاء لقوله ~~تعالى:{لا ينال عهدي الظالمين}(3). # ومن الكتاب العام لجميع العباد مثل قوله تعالى:{يا عباد فاتقون}(4). # --- PageV01P132 ومنه العام لجميع المتعبدين مثل قوله:{يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}(1). # ومن العام للمؤمنين مثل قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ~~من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}(2) وهذا ذكر عام للمؤمنين دون ~~الكافرين، وذلك لاستماع المؤمنين للأمر، وبعد الكافرين عن استماع الأمر ~~والطاعة. # ومنه الخاص لبعض المؤمنين، وهو مثل قوله:{إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(3) فهذه الآية خاصة ~~لعلي أمير المؤمنين عليه السلام. PageV01P133 # قلت: ومثل ما روي علامة الشيعة عبد الله بن زيد العنسي (1) رحمه الله في ~~رسالته البديعة عن ابن عباس قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ~~ويد علي فعلا بنا إلى ثبير، ثم صلى ركعات ثم رفع يديه إلى السماء وقال: ~~اللهم إن موسى بن عمران سألك وأنا محمد نبيئك أسألك أن تشرح لي صدري، وتيسر ~~لي أمري، وتحلل عقدة من لساني ليفقه به قولي واجعل لي وزيرا من أهلي علي بن ~~أبي طالب أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) قال ابن عباس: فسمعت مناديا يا ~~أحمد قد أوتيت ما سألت فرفع علي يده إلى السماء وهو يقول: اللهم اجعل لي ~~عندك عهدا، واجعل لي عندك ودا، فأنزل الله على نبيه:{إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}(2) فتلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على أصحابه فعجبوا من ذلك تعجبا شديدا، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: منها تعجبون.... أربعة أرباع فربع فينا أهل البيت خاصة، وربع في ~~أعدائنا، وربع حلال وحرام، وربع فرائض وأحكام، وأن الله أنزل في علي كرائم ~~القرآن) (3). PageV01P134 # وعن علي عليه السلام:(نزل القرآن أرباعا ربع فينا، وربع في عدونا، وربع سنن ~~وأمثال، وربع ms0073 فرائض وأحكام، فلنا كرائم القرآن) (1). # [محذوف الجواب] # ومنه محذوف الجواب مما يوجب العلم مثل قوله تعالى:{ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى}(2) الآية المراد بها لكان هذا ~~القرآن، فحذف الجواب لعلم السامع. ومثل قوله تعالى:{ألهاكم التكاثر حتى ~~زرتم المقابر كلا سوف تعلمون} إلى قوله:{كلا لو تعلمون علم اليقين لترون ~~الجحيم} أراد تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر، فحذف الجواب لعلم السامع # ومثل قوله تعالى:{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}(3) ~~المراد به أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا فيها، ولا يغرنك ما ذكره صاحب ~~الكشاف هاهنا من أن المحذوف هو الفسق المأمور به على المجاز، فإنه خلاف ما ~~أجمع عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد أمرنا بإتباعهم، ونهينا عن ~~مخالفتهم، ألا تسمع كيف يقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ولا ~~تخالفوهم فتضلوا) (4) الخبر، كما مر الإشارة إلى ذلك من وجوب إتباعهم، مع ~~أنه تفسير الكل من أهل التحقيق من غيرهم خلا ما أصر عليه صاحب الكشاف كما ~~سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه من سورة السجدة. PageV01P135 # ومثل قوله تعالى:{فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا}(1) المراد من قبل أن ~~يتماسا، كسبيله في العتق والصيام، والمعنى واحد، ومثل هذا موجود في كلام ~~العرب، قال الشاعر: # عفا الله عنك كل شاة برجلها على نفسه يخطي الفتى ويصيب # أراد كل شاة معلقة. # ومن محذوف الجواب قوله:{فإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}(2) الآية فالمحذوف هنا جواب وإن خفتم، ~~فالمعنى: وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فلا تتولوهم، وقوله:{فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} مستأنف مبتدأ. # قلت: وقال الهادي عليه السلام في هذه الآية: إن هذا من التقديم والتأخير، ~~ثم فسر ذلك وبينه في كلام له بسيط رواه عنه ولده المرتضى عليه السلام (3) ~~في الإيضاح. # [أنواع الكلم في كتاب الله] # قال صنوه الإمام الناصر أحمد بن يحي عليهم السلام الفظه:(وفي القرآن ~~أكرمك الله ms0074 الإستعارة (4) والتمثيل(5) والقلب (6) والتقديم، والتأخير(7) ~~والإضمار (8) والحذف(9) والتكرار (10) والإخفاء (11) والإظهار(12) والتعريض ~~(13) والإفصاح والكناية (14) والإيضاح (15) ومخاطبة الواحد بمخاطبة الجميع ~~(16) والجميع بخطاب الواحد (17)، والجميع بخطاب الإثنين (18) وعجائب القرآن ~~لا تحصى، ولا تعرف بحارها، ولا تدرك قرارها، ذا جعله عز وجل حجته البالغة ~~على خلقه، ونوره الزاهر في بريته، وحقه الدامغ لجميع من خالفه، والحمد لله ~~رب العالمين). # [مفهوم الخطاب] # ومنه مفهوم الخطاب، وذلك مثل قوله تعالى:{ولا تقل لهما أف}(19) ففهم من ~~هذا الخطاب أنه لا يجوز للولد أن يفعل بالوالدين ما كان فوق قوله: أف ~~كالضرب والشتم والغضب، وأمثال ذلك ؛ لأنه لم ينه عن العليل إلا وقد نهى عن ~~الكثير. # --- PageV01P136 [المجاز] # ومنه المجاز مثل قوله تعالى:{في سبيل الله وابن السبيل} (1) ومثل قوله ~~تعالى:{واخفض لهما جناح الذل}(2) فسمى ابن السبيل على المجاز، وكذلك جناح ~~الذل وليس ثم جناح على الحقيقة وإنما هو على المجاز. # [الغامض] # وأما الغامض فهو الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم كما قال عزمن ~~قائل:{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يتذكر إلا أولوا الألباب}(3) فأولئك العلماء الصالحون من ورثة ~~الكتاب ومن تبعهم من ذوي الألباب. # [القصص والعبر والأمثال # [والوجه في تجزئة بعض الأخبار وتكرار بعض] # وأما القصص والعبر والأمثال والمواعظ والأخبار، وأمثال ذلك فظاهر. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام وقد سئل عن الوجه في كون بعض القصة ~~في موضع من القرآن وتمامها في موضع آخر: إن ذلك جاء كذلك لمصالح يعلمها ~~الله تعالى لتعلق بعض المعاني ببعض القصة في موضع من القرآن، وبعضها بالبعض ~~الآخر، أو اقتضت الحكمة أن يكون كل شيء من ذلك في موضعه، وكذلك تكرار القصص ~~لولا أن تفصيل ذلك يستغرق زمانا وكتبا لبينا لك من بديع الكلام ومعاني ~~القرآن ما تعلم به وجه الحكمة. # وقد أشار بعضهم إلى شيء من ذلك حيث قال:(ومن الكتاب العزيز أتت مكررة ~~قصصه وأحكامه ووعده ووعيده، وذلك لاتساع الكلام والإبلاغ والبيان فكرر من ~~ذلك لفوائد يعرفها اليقضان منها: ms0075 التأكيد والرسوخ في النفوس، لأنها أنفر ~~شيء عن الوعظ والنصح. # ومنها: تثبيت النبي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند عظيم ما يرد عليه ~~من ذوي الطغيان، فإن لطراوة التنزيل موقعا ليس لما أنزل منه منذ أزمان. # --- PageV01P137 ومنها: أنه يرد المعنى الواحد بعبارات مختلفة كلها فصيحة الألفاظ صحيحة ~~المعاني يدل على تناهيه في الفصاحة واقتدار قائله على التوسع في البلاغة ~~والإفتتان ثم ما كرر من ذلك خفيف على الآذان، وما ذلك إلا أنه كلام المالك ~~الديان، فحمدا له على ما خصنا به، وعلى ما أظهر لنا من فضله وأبان، والصلاة ~~والسلام على محمد وعلى آله الذي نسخ بدينه جميع الأديان. # [ تفسير الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام ] # [مقدمة في مدح القرآن] # وبعد هذا فلنشرع فيما وعدنا بذكره وتقديمه من تفسير أئمتنا عليهم السلام ~~فنقول وبالله نستعين: قال الإمام الأعظم نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم ~~الغمر طباطبا ابن إسماعيل الديباج الأكبر ابن إبراهيم الغمر أيضا الشبه ~~ابن الحسن الرضا المثنى ابن الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~صلوات الله عليهم وسلامه: # الحمد لله الذي جعل الهدى فيما نزل من كتابه مكملا. # قال الإمام الناصر احمد بن يحي عليهما السلام: قال الحكماء وأهل العلم ~~والمعرفة بمقدار جوامع الكلم: إن هذه الكلمة وحدها تقوم وتغني عن مائة كتاب ~~لصدقها في معناها وكمال ما افترض الله من فرائضه على خلقه في كتابه الكافي ~~عما سواه فله الحمد والمنة على كل حال). # --- PageV01P138 ونزل برحمته للعباد منه تبيانا كريما مفصلا، فيه لمن استغنى به أغنى الغنى، ~~ولمن اجتنى ثمرات هداه أكرم مجتنى، لا يحتوي على جنائه أبدا محتوي، ولا ~~يدوي على شفائه أبدا مدو، نور أعين القلوب المبصرة، وحياة الباب النفوس ~~المطهرة، إلف كل حكيم، وسكن نفس كل كريم، وقصص الأنباء الصادقة، ونبأ ~~الأمثال المحققة، ويقين شكوك حيرة الإرتياب، وخير ما صحب من الأصحاب، سر ~~أسرار الحكمة، ومفتاح كل نجاة ورحمة، قول أرحم الراحمين، وتنزيل من رب ~~العالمين، نزل به الروح الأمين، ms0076 فأي منزل سبحانه ونازل وتنزيل، لقد جل ~~سبحانه وتنزيله عن كل تمثيل، وطهر وتقدس إذ وليه بنفسه ونزل به روح قدسه عن ~~قذف الشياطين وأكاذيبها، وافتراء مردة الآدميين وألاعيبها، فأحكم عن خطل ~~الوهن والتداحض، وأكرم عن زلل الإختلاف والتناقض، فجل بآياته مترافدا، ~~وبضياء بيناته مشاهدا، غير متكاذب الأخبار ولا متضائق الأنوار، بل ضحيان ~~النور فتحان الأمور متيحان الأنهار بالحياة المنجية، واسع الأعطان ~~والأفنية، ساطع النور والبرهان، جامع الفضل والبيان، فأنواره بضيائه زاهرة، ~~وأسراره لأوليائه ظاهرة، فما أن يوارى عن أهله الذين استودعوا علمه من ~~سرائره سريرة، ولا يدع ما وضع من نوره من مشكله حيرة، بعزائم حكماته ~~المنزلة، ودلائل آياته المفصلة، فسبحان من جاد به طولا، وجعل سببه موصولا، ~~لقد أجل سبحانه المنة به على العباد، ودلهم به تبارك وتعالى على كل رشاد، ~~فجاد لهم بما لا تجود به نفس وإن عظم جودها، لقد جاد لهم منه بكنوز لا ~~تبلى، وأعطاهم به عطية لا يجد لها واجد وإن جهد مثلا، فبذل لهم منه كنز ~~الكنوز، ودلهم به على نجاة وفوز، فتح لهم أبواب الجنان وهداهم به سبيل ~~الرضوان، ونبأهم فيه عن نبأ السموات العلى، وما مهد تحتهن من الأرضين ~~السفلى، وما فتق من الأجواء بين الأرض والسماء، وعن خلق الملائكة والجن ~~والأنس فقد نبأهم، وعن كل علم # --- PageV01P139 كريم فعد به آثارهم، فقص به عليهم أخبار القرون الماضية، وخيرهم فيه بمن ~~أهلك بذنبه من الأمم العاتية، فكل عجيب من الأشياء، أو قصة كريمة من قصص ~~الأنبياء فقد أوصل فيه علمها إليكم، وأورد عجيب بيانها به عليكم، فعلى كتاب ~~ربكم هداكم الله فاقتصروا، وبه فهو ذو العبر فاعتبروا، ففيه نوافع العلم ~~وجوامع الكلم التي يستدل بقليلها عن كثير من تلبيس قال وقيل، ويستشفى من ~~علمها بتفسير أدنى ما فيها من دليل، فسبيل قصده فاسلكوا، وبه ما بقيتم ~~فتمسكوا، فهو ذروة الذرى وبصر مالا يرى، وعروة الله الوثقى، وروح من أرواح ~~الهدى، سماوي أحله الله أرضه، وأحكم به في العباد فرضه فلا يوصل ms0077 إلى ~~الخيرات أبدا إلا به، ولا يكشف الظلمات إلا بثواقب شهبه، من صحبه صحب ~~سماويا لا يجهل، وهاديا إلى كل خير لا يضل، ومؤنسا لقرنائه لا يمل، وسليما ~~لمن صحبه لا يغل، ونصيحة لمن ناصحه لا يغش، وأنسا لمن وانسه لا يوحش، ~~وحبيبا لمن حابه لا يبغض، ومقبلا على من أقبل عليه لا يعرض، يأمر بالبر ~~والتقوى، وينهى عن المنكر والأسواء، لا يكذب أبدا حديثا، ولا يخذل من ~~أوليائه مستغيثا، إن وعد وعدا أنجزه، أو تعزز به أحد أعزه، لا تهون ~~لأوليائه معه حجة، ولا تبلى له مآقي أبدا بهجة، لا يخلقه كر ولا ترداد، ولا ~~يلم به وهز ولا فساد، ولايعيا به وإن لكن إنسان، ولا يشبه فرقانه فرقان، ~~ومن قبل ما صحب الروح الأمين والملائكة المقربين فكان لهم هاديا ومبينا، ~~وازدادوا من الله يقينا فاتخذوه هاديا ودليلا، واجعلوا سبيله لكم إليه ~~سبيلا حافظوا عليه ولا ترفضوه، واتخذوه حبيبا ولا تبغضوه، فإنه لا يحب أبدا ~~لهم مبغضا، ولا يقبل على من كان عنه معرضا، ولا يهدي إليه من عاداه، ومن ~~تعامى عنه أعماه، لا يبصر ضياءه إلا من تأمله، ولا يعطي هداه إلا أهله، من ~~ضل عنه أضله، يقلد جهله من جهله، إن أدبر عنه أدبر، أو أقبل عليه بصر، جعله ~~الله يتلون في # --- PageV01P140 ذلك بألوان، ويتفنن فيه على أفنان، فهو الهادي المضل، وهو المدبر المقبل، ~~وهو المسمع المبصر، وهو المهين المكرم، وهو المعطي المانع، وهو القريب ~~الشاسع، وهو السر المكتوم، وهو العلانية المعلوم، فمرة يعدي إليه من ~~اصطفاه، ومرة يضل من أبى قبول هداه، ومرة يقبل على من أقبل عليه، ومرة يدبر ~~عن من التوى في الهدى عليه، ومرة يسمع من استمع منه، ومرة يصم من أعرض عنه، ~~ومرة يهين الأعداء، ومرة يكرم الأولياء، يعطي من قبل عطاءه، ويمنع من أبى ~~قبول هداه، يقرب لمن ارتضاه، ويشسع عن من سخط قضاءه، يعلن لأوليائه ويظهر، ~~ويكتم عن ويستتر، نور هدى على نور، وفرقان بين البر والفجور، أرشد زاجر ~~وآمر، ms0078 وأعدل مقسط ومقدر، يوقظ بزجره النومى، ويعظ بأمره الحكماء، ويحيي ~~بروحه الموتى، ولا يزيد من مات عنه إلا موتا، يعدل أبدا ولا يجور، وكل أمر ~~فقدر مقدور، ظاهره ضياء وبهجة، وبطنه غور ولجة، لا يملك حسن أنواره ولا ~~تدرك باطن أغواره، فمن ظهر لظاهر مناظره رأى عجائبه في موارده ومصادره، ومن ~~بطن المستنبطة رأى مكنون محاسنه من غرائب علمه وأطائب حكمه، لباب كل لباب، ~~وفصل كل خطاب، وحكمه من حكم رب الأرباب، اكتفى به منه في هدى ملأ أوليائه، ~~واصطفى به من خصه الله سبحانه باصطفائه، فمصابيح الهدى به تزهر واهجة، وسبل ~~التقوى به إلى الله تلوح باهجة، يحتاج إليه ولا يحتاج، سراجه أبدا بنوره ~~وهاج، يعلم ولا يعلم ويقوم ولا يقوم، فهو المهيمن الأمين، والفاصل المبين، ~~والكتاب الكريم، والذكر الحكيم، والرضاء المقنع، والمنادي المستمع، والضياء ~~الأضوى، والحبل الأقوى، والطود الأعلى، الذي يعلو فلا يعلى، لا يؤتى لسورة ~~من سوره بمثل ولا نظير، ولا يوجد فيه اختلاف في خبر ولا حكم ولا تقدير، فصل ~~كل خطاب، وأصل كل جواب، فجعلنا الله وإياكم من أهله وعصمنا وإياكم بحبله، ~~والحمد لله رب # العالمين، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. # --- PageV01P141 [مقدمة لتفسير الإمام القاسم عليه السلام] # وبعد فإنا لما رأينا ما فيه جوامع الهدى واليقين، وكان الهدى واليقين ~~مقدمة معتصم كل دين، علمنا متيقنين مستبينين أن لن نصيب رشدا ولن ننال ~~مطلوب هدى إلا به، وعن تفسيره، وبما نور الله به القلوب من تنويره، فنظرنا ~~عند ذلك فيه، واستعنا به عليه فوجدناه بمن الله لكل علم من الهدى ينبوعا، ~~ورأينا به كل خير في الهدى مجموعا، فلا خير في الحياة كخيره، ويهتدى لأحكام ~~الله بغيره، من طلب الهدى في غيره لم يجده أبدا، ومن طلبه به وجد فيه أفضل ~~الهدى، فقصدنا قصده، والتمسنا رشده فأي رشد فيه وجدناه، والى أي قصد منه ~~قصدناه، تالله ما غابت عنه من الهدى غائبة، ولا خابت لطالب فيه خائبة، لقد ~~كشف ستور الأغطية، وأظهر مكنون ms0079 سر الأخفية، فأوجد مطلوب ملتمسها، وأبان ~~ملتبس مقتبسها على ما بلي به قديما من تلبيس ملوك الجبابرة وأتباعها، من ~~علوم العوام المجبرة في توجهها له على أهوائها وتصريفه، وتأويلها له ~~بخطابها على تحريفه، حتى عطل فيهم قضاؤه، وبدلت لديهم أسماؤه، فسمت الإساءة ~~إحسانا، والكفر بالله إيمانا، والهدى فيه عندهم ضلالا، وعلماء أهله جهالا، ~~ونور حكمه ظلما، ونور ضيائه عمى، حتى كادت أن تجعل فاؤه ألفا، وألفه للجهل ~~بالله فاء، تلبيسا على الطالب المرتاد، وضلالا من العامة عن الرشاد، فنعوذ ~~بالله من عماية العمين، والحمد لله رب العالمين. # --- PageV01P142 فلولا ما أيد الله في كتابه وحججه، وأذكى سبحانه من تنوير سرجه، لأباد حججه ~~بتظاهرهم المبطلون، ولأطفأ سرجه الظلمة الذين لا يعقلون، ولكن الله سبحانه ~~أبى له أن يطفا، وجعله سراجا لأوليائه لا يخفى، وفي ذلك ما يقول ~~سبحانه:{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكافرون} (1) ولعلنا ولا قوة إلا بالله العلي الكبير، وبالله ~~نستعين على ما هممنا به لكتابه من التفسير أن نضع مما علمنا الله فيه طرفا، ~~وأن نصف فيه من وجوه الحق وصفا، نبين عنه بما يحضرنا الله فيه من التبيين، ~~ونعتمد فيه على ما نزل الله به من هذا اللسان العربي العزيز المبين، فإن ~~الله جعله مفتاح علمه، ودليل من التمسه على حكمه فلا يفتح أبدا إلا ~~بمفاتيحه، ولا يكشف ظلمه إن عرضت في فهمه إلا بمصابيحه، فعنه بالله ~~فاستمعوا، وبه وفيه انتفعوا. # واعلموا أنا لن نضع من ذلك إلا قليلا وإن أكثرنا، وإنا وإن بلغنا من ~~تفسيره كل مبلغ فلن نمسك عنه إلا وقد قصرنا، وأن لكل تفسير منه تفسيرا، وإن ~~في قليله تفسيرا كثيرا، ولكل باب منه أبواب، وكل سبب فقد تصله الأسباب، إلا ~~أنا سنقول في ذلك بما يحضرنا الله فهمه، وما نسأل الله أن يهبنا في كتابه علمه. # --- PageV01P143 ونبدأ من تفسير كتاب الله بما نرجو أن يكون الله بدا من تفسير السورة التي ~~أمر نبيه أن يسأله فيها ms0080 الهدى، وسماها عوام هذه الأمة فاتحة الكتاب ~~والفرقان، وقال بعضهم اسمها أم القرآن، وذلك مما يدل على من يستدل على أنها ~~أول ما نزل لاكما يقول بعض الجهلة العوام بغير ما دليل ولا برهان، وأن أول ~~ما نزل من القرآن:{اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق}(1) ألا ترى ~~كيف يقول: اقرأ ما نقرئك باسم ربك الذي نزل عليك، فأخبر جل ثناؤه أن قد نزل ~~عليه قبلها الإسم الذي أمر بقراءته فيها ولها، وأن تقدمه في القراءة عليها ~~ثم يصير بعد القراءة به إليها، ألا ترى أنه لو كان ما قد قرأ هو ما أمر ~~عليه السلام أن يقرأ الذي قدم له في صدر كل سورة عند أول كل تعليم. # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. ### || AUTO تفسير سورة (الحمد لله رب العالمين) # قال الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام: # {الحمد لله} تأويل {الحمد لله} فهو الشكر لله على نعمه وإحسانه، والتحميد ~~لله والثناء عليه، ومن الحمد قيل: محمود وحميد، كما يقال من الجود: جواد ومجيد. # والله لا شريك له: فهو الذي تأله إليه القلوب، ويستغيث به في كل كرباته ~~المكروب، واليه يجأر الخلق كلهم جميعا ويألهون، وإياه سبحانه يعبد البررة ~~الأزكياء ويتألهون، دون كل إله ورب ومعبود، وإياه يحمدون في كل نعمة قبل كل محمود. # وتأويل {رب العالمين} فهو السيد المليك الذي ليس معه فيما ملك مالك ولا شريك. # وتأويل قوله سبحانه:{العالمين} فيراد الخلق أجمعون، الباقون منهم ~~والفانون، والأولون منهم والآخرون. # وتأويل {الرحمن} فهو ذو الغفران والمن والإحسان. # وتأويل {الرحيم} فهو العفو عن الذنب العظيم، والناهي عن الظلم والفساد ~~لما في ذلك من رحمته للعباد ضعيفهم وقويهم <وفاجرهم وبرهم>. # --- PageV01P144 وتأويل {ملك يوم الدين} فهو مالك أمر يوم الدين، الذي لا ينفذ أمر في ذلك ~~اليوم غير أمره، ولا يمضي فيه حكم غير حكمه، والملك: من الملك، والمالك: من ~~الملك، وهما يقرآن جميعا، وكلاهما معا فلله، فهو يوم الجزاء والثواب ~~والعقاب، وإنما سمي ms0081 الدين لما يدان أي يجازى <قال: معنى يوم الدين فهو يوم ~~يدان> العاملون أعمالهم، ويجزون يومئذ بهداهم وضلالهم. # {إياك نعبد} فهو: نوحد ونفرد <أنت يا معبودنا لا غيرك>. # {وإياك نستعين} نسأل العون على أمرنا وتوفيقنا لما يرضيك عنا. # {اهدنا} وفقنا وأرشدنا. # {الصراط المستقيم} والصراط: هو السبيل الذي ليس فيه زيغ ولا ميل قال جرير: # أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم # و{المستقيم} فهو الطريق الواضح الذي افترضه الله إلى الطاعة المعتدل الذي ~~ليس فيه عوج ولا ميل، فهو لا يجور بأهلهعن قصده، ومنه قوله تعالى:{ولا ~~تقعدوا بكل صراط توعدون}(1). # {صراط الذين أنعمت عليهم} تأويل ذلك غير المغضوب عليهم منك. # {ولا الضالين} يقول: ولا صراط الضالين بالهوى والعمى عنك، لأنه قد ينعم ~~جل ثناؤه في هذه الدنيا على من يضل عنه ومن لا يقبل ما جاء من الهدى والأمر ~~والنهي، ولمن يغضب جل ثناؤه عليه من الكافرين، يقول: اهدنا صراطا غير صراط ~~الذين غضبت عليهم، والمغضوب عليهم في هذا الموضع فهم اليهود {ولا الضالين} ~~يقول: ولا صراط الضالين، والضالون: فهم في هذا الموضع النصارى.اه # --- PageV01P145 وروى المرتضى(1) لدين الله عن أبيه الهادي إلى الحق عليهما السلام في ~~تفسيره هذه السورة المباركة مثل هذا بعينه سواء سواء (2) PageV01P146 ولما رواه إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه عن آل رسول ~~الله صلى الله عليه وعليهم قال عليه السلام:(إن الجهر بها واجب في كل ~~المكتوبات لما رواه أهل البيت عليهم السلام من طرق كثيرة منها: مارواه عن ~~جعفر الصادق عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم:(كل صلاة لم يجهر فيها ب فهي آية اختلسها الشيطان ~~الرجيم) (1) وفي الشفاء (2) نحوه ولم يفصل. # ومنها: مارواه أيضا عن علي عليه السلام وعمار بن ياسر أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم كان يجهر في المكتوبات. فرويا التعميم في فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. PageV01P147 # ومنها: مارواه الهادي عليه السلام في الأحكام عن أبيه(1) ms0082 عن جده (2) عن أبي ~~بكر بن أويس (3) عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة (4) عن أبيه (5) عن جده ~~(6) عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(يا علي من لم يجهر في صلاة ب فقد أخدج صلاته) (7)ولفظ الصلاة إذا ~~أضيف أفاد العموم إذا لم تقم قرينة على التخصيص، وكذلك حكم كل جنس أو اسم ~~جنس مضاف يشهد بذلك قوله تعالى:{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}(8) وقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الحديث المشهور:(يقول ابن آدم مالي مالي) (9) PageV01P148 ألا ترى أن العموم في كلا الصورتين يسبق إلى الفهم من غير قرينة، وذلك من ~~أقوى أدلة الحقيقة، ولا يضرنا خلاف من خالف في ذلك من الأصوليين. # ومنها: مارواه الهادي عليه السلام في الأحكام أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال:(كل صلاة لا يجهر فيها ب فهي آية اختلسها الشيطان) (1). # هذا غير الأخبار المجملة نحو مارواه عليه السلام عن ابن عباس (أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر ب (2). # وروى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام:(أنه كان يجهر ب ) (3). # وأيضا قال في حاشية الفصول (4): قال في الأمالي (5) ما لفظه: (قال ~~محمد(6) أجمع آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الجهر ب قال عليه ~~السلام قلت: ولم يخص فريضة من فريضة، ولأصح أن يكون ذلك ردا على من لم يأت ~~بالبسملة مع الفاتحة والسورة، ويكون حكمها أنه يجهر بها في صلاة الليل، ~~ويخافت بها في صلاة النهار، لأن تظاهر الأخبار بلفظ الجهر، ولا يقبل ذلك لا ~~لغة ولا عرفا فلو كان كذلك لروي بغير اللفظ وكان يقول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من لم يأت في صلاته ب أومن لم يقرأ، وكان يجب أن يروى أنه كان صلى ~~الله عليه وآله وسلم يأت ب أو كان صلى الله عليه وآله وسلم يقرؤها، وكذلك ~~ما جاء به من حكاية إجماع أهل البيت عليهم السلام) ms0083 (7) PageV01P149 قلت: وأما قوله:(من قال إنا نخصص أدلة الجهر بالبسملة بالقياس على سائر ~~ألفاظ الفاتحة ففاسد لأن البسملة آية من سورة الفاتحة خصت حكمها عن حكمها ~~الأخبار الصحيحة، وأوجبت عموم الجهر بها الأدلة الصريحة فلا قياس يصح ~~التخصيص به مع أنه إن يسلم على التنزيل صحة القياس المذكور لم يصح التخصيص ~~به لما تقدم من النصوص ؛ لأنها لم تفصل وذلك لأن دلالة النصوص المتقدمة ~~عامة، وعمومها لفظي، والقياس عام وعمومه معنوي، ودلالة اللفظي أقوى، بدليل ~~أنهم لا يصيرون إلى المعنوي الذي هو القياس إلا عند تعذر اللفظي، وذلك ~~إجماع فتخصيص الأضعف بالأقوى أولى، كيف وقد أكد العموم والإطلاق في تلك ~~الأدلة حتى يزيل ذلك الوهم، وتلك المقالة إزالة لا يكون معها دلالة ولا ~~عليها تخصيصا ولا تقديرا لفظ كل ونحوه حتى قال إمامنا المنصور بالله عليه ~~السلام أنه لا يجوز تخصيصه إلا بالمقارن من لفظ متصل نحو قوله تعالى:{كل ~~شيء هالك إلا وجهه} (1) أو قرينة حالية كما سيأتي ذلك إن شاء الله. # --- PageV01P150 قال عليه السلام:(ووجه ذلك أن لفظ كل ونحوه موضوعة لتقرير الشمول، ودفع ~~توهم عدمه، نحو: جاءني القوم كلهم، أوكل القوم، لئلا يتوهم أن بعضهم لم ~~يجيء لكنك لم تعتد به أوانك جعلت الحكم من بعضهم كالحكم من كلهم بناء على ~~أنهم في حكم شخص واحد لسب من الأسباب كقوله تعالى:{فعقروا الناقة}(1) أي ~~ناقة صالح عليه السلام، وإنما عقرها قدار بن سالف وحده، فنسب إليهم لسبب ~~رضائهم بذلك، أو لتركهم الإنكار والذب عنها، وهم يقدرون على ذلك، وإذا كان ~~الأمر كذلك وأتى بلفظ كل أو نحوها مرادا به البعض دون الكل مجردة عما يدل ~~على ذلك حال إطلاقها بطلت فائدتها وصارت عبثا، ولو في وقت من الأوقات، وذلك ~~لا يجوز على الحكيم لغنائه عن فعله، وقدرته على إزاحته، وعلمه بكونه نقصا، ~~وأما إذا قارن المخصص لم يكن كذلك لأن فائدتها توجه عند ذلك إلى الباقي، ~~ويعلم أنه لا توهم ولا تجوز فيه بخلاف سائر ألفاظ العموم فوقوع التوهم من ~~غير ms0084 الله وغير رسله فيما عصمهم من التوهم فيه من تبليغ الشرائع كثير، وكذلك ~~التجوز فلم تبطل فائدتها بتأخير التخصيص إلى وقت الحاجة) إلى آخر كلامه ~~عليه السلام. # ففي هذا تحمد الله لمن أنصف كفاية لمن له من ربه هداية، فإن الأمر بحمد ~~الله في ذلك واضح وضوح النهار، ولكنه لا يدرك نور الشمس من سلب نور الأبصار ~~فلله القائل: # إذا لم يكن للمرء عين بصيرة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر # وكما قال بعضهم(2): # ومن يك ذا فم مر مريض.... يجد مرا به الماء الزلالا # واعلم أن في أحاديث الجهر بالبسملة من طريق أئمتنا عليهم السلام وغيرهم ~~أكثر مما ذكر منها ما قدمنا، ومنها: ما روى إمامنا المنصور بالله عليه ~~السلام عنهم في الإعتصام (3) عن أمالي أحمد بن عيسى (4) ثلاثة وثلاثين ~~حديثا في الجهر ب. PageV01P151 # وفي الجامع الكافي(1) قال:(إن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أجمعوا على الجهر ب في السورتين، وعلى القنوت في الفجر، فمن زعم أن آل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أجمعوا على بدعة فقد أساء القول، وخالف ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتدى في القول) (2). # قال:(وروى محمد بأسانيده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يجهر ~~ب ) (3). # قال: وروي الجهر أيضا عن علي عليه السلام والحسين بن علي وابن عباس) وعدد ~~جماعة من أكابر أهل البيت عليهم السلام استغنينا بإجماعهم عن تعداد ~~أفرادهم. PageV01P152 # ثم قال في الجامع الكافي:(وعن أبي بكر وعمر وعمار بن ياسر، وابن عمر وجابر ~~بن عبد الله، وعبدا لله بن الزبير، وعن أبي عبد الله الجدلي (1) وابن مغفل ~~(2) وسعيد بن جبير(3) وطاووس (4) ومجاهد (5) والزهري (6) وأبي عاصم (7) ~~أنهم كانوا يجهرون ) PageV01P153 ثم ذكر عليه السلام بعد هذا أخبار فيها كثرة في الجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم قال عقيبها:(وهذه الأخبار المتقدمة تدل على وجوب الجهر في جميع ~~الصلوات لأن منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل صلاة لا يجهر فيها فهي ~~آية اختلسها الشيطان) ولم يفصل، ms0085 ولأن لاختصاصها بالذكر والنص عليها بالجهر ~~شأنا، ولولا ذلك ما كان للأخبار المتقدمة فائدة إذ كان يكفي أن يقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من أم القرآن، أومن القرآن فيجهر بها في الجهر ~~ويسر بها في السرية. # والذي يدل على ما ذكرناه ما ذكره جار الله في الكشاف(1) من أن كلمة ~~التقوى. # قال عليه السلام:(يدل سياق الآيات لأن سبب نزولها منع المشركين النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من دخول المسجد الحرام عام الحديبية فصالحهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأمر عليا أن يكتب فمنعوه من ذلك، ومن أن يكتب محمدا ~~رسول الله، فأنزل الله تعالى سورة الفتح وفيها قوله تعالى:{هم الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا}(2) إلى قوله {فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} إلى ~~آخر السورة. # ويحتمل أن الله سبحانه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجهر بها ~~إرغاما لأنوف الكافرين، وشدا لظهور المؤمنين، لأن المؤمنين رضي الله عنهم ~~كرهوا محوها، والمشركين كرهوا إثباتها كما هو مذكور في سيرة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم) (3). # ثم قال عليه السلام:(وقد ثبت التخصيص لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم:(صلاة النهار عجماء) (4) بما ذكرناه). يعني بما ذكر من الأخبار في ~~الجهر بالبسملة) (5). PageV01P154 # ثم قال عليه السلام:(ولأنه قد وقع الجهر بالتكبير والتسليم فيها أيضا ولم ~~يخرجها عن كونها عجماء، وثبوت الجهر في صلاة الجمعة والعيدين والكسوف، على ~~أن راوي (صلاة النهار عجماء) كان عاملا لإمام الفئة القاتلة لعمار على ~~المدينة(1). # وقد روي أن رواية الجهر عنه صلى الله عليه وآله وسلم رواتها فوق عشرين ~~صحابيا، ورواية الإخفاء لم يروها إلا ابن مغفل (2) وهي ضعيفة، وأنس وهي ~~معلة(3). # ثم قال عليه السلام:(وقال سعد الدين التفتازاني في التاريخ الفظه:(أما ~~حديث الجهر بالتسمية فهو عندهم من قبيل المشهور حتى أن أهل المدينة احتجوا ~~على مثل معاوية، ورده على ترك الجهر، وهو مروي عن أبي هريرة وأنس إلا أنه ~~يعني أنسا اضطربت ms0086 رواياته(4) فيه لسبب أن عليا رضي الله عنه كان يبالغ في ~~الجهر، وحاول معاوية محو آثاره، وبالغوا على الترك فخاف أنس # وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ (5) عن ابن شهاب (6) أنه كان يقول: أول من ~~قرأ بالمدينة سرا عمرو بن سعيد بن العاص) (7). PageV01P155 # ثم قال عليه السلام بعد هذا: (قلت: شهدت الأصول من الكتاب والسنة بإغاضة ~~الكافرين ومراغمتهم قال الله سبحانه:{ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولاينا ~~لون من عدو نيلا إلا كتب لهم} (1)الآية وقال سبحانه:{ومن يهاجر في سبيل ~~الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة}(2) وما يأتي إنشاء الله من شرعية ~~الرمل في طواف القدوم، والسعي بين الميلين لإغاظة المشركين، وإرغاما ~~لأنوفهم حيث قالوا:{وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} (3) وما ~~تقدم ذكره أنهم كرهوا أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عام ~~الحديبية في كتاب الصلح بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم فألزم الله ~~المسلمين كلمة التقوى , وكانوا أحق بها وأهلها وهي. # وشرع الله الجهر بها كما قدمنا من الأدلة إغاظة للمشركين، وإرغاما ~~لأنوفهم) انتهى ما نقلناه من الإعتصام (4). # يزيد هذا وضوحا ما ذكره الرازي(5) في -تفسير قوله تعالى: فإنه ذكر في ~~الجهر بها في كل صلاة حججا كثيرة، وأخبارا شهيرة إلى قوله في كلام له طويل: # (قالت الشيعة: السنة هي الجهر بالتسمية سواء كانت في الصلاة الجهرية أو ~~السرية، وجمهور العلماء يخالفونهم فيه) # ثم قال: في الحجة:(الثالث: أن قوله: لاشك أنه ثناء على الله، وذكر له ~~بالتكريم فوجب أن لا يكون الإعلان به إلا مشروعا كقوله تعالى:{فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} ومعلوم أن الإنسان إذا كان مفتخرا بأبيه غير ~~مستنكف فإنه يعلن ذكره ويبالغ في إظهاره، أما إذا أخفى ذكره أو أسره دل على ~~كونه مستنكفا منه، فإذا كان المفتخر بأبيه يبالغ في الإعلان والإظهار وجب ~~أن يكون إعلان ذكر الله أولى عملا بقوله تعالى:{فاذكروا الله كذكركم آباءكم ~~أو أشد ذكرا}. # قال: ولهذا السبب نقل أن عليا رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ms0087 ب في جميع ~~الصلوات). PageV01P156 # قال: وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي، لا تزول بسبب كلمات ~~المخالفين). # ثم قال: (الحجة الرابعة مارواه الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة ~~فصلى لهم، ولم يقرأ ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، ثم أنه أعاد ~~الصلاة مع التسمية والتكبير. # وقال الشافعي: إن معاوية كان سلطانا عظيم القوة، شديد الشوكة. فلولا أن ~~الأمر بالتسمية كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلا ~~لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسب تركه التسمية ثم قال: # (الحجة الخامسة روى البيهقي (1)في السنن الكبرى، عن أبي هريرة قال: (كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر في الصلاة ب ). # ثم إن الشيخ البيهقي روى الجهر عن عمر بن الخطاب، وعن ابن عباس، وابن ~~عمر، وابن الزبير، وأما أن علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية فقد ثبت ~~بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب كان على الحق، والدليل ~~عليه:(اللهم أدر الحق مع علي حيث دار) انتهى ما نقلناه من تفسير الرازي. # فإن قال قائل: رويتم عن الشيعة الجهر ب في جميع الصلوات والتواتر بذلك ~~أنه مذهب أمير المؤمنين علي عليه السلام فإن كان كذلك فلم خفي ذلك وانتشر ~~خلافه؟. # --- PageV01P157 قلنا ولا قوة إلا بالله: الأصل في ذلك ما هو المعلوم عند أهل السير ~~والأخبار أن معاوية لعنه الله لما تغلب صير عداوة أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام طريقة وسنة حتى كتب إلى الوالي من جهته أن اقتل من كان على دين علي ~~(1)واضرب عنق حجر بن عدي (2) لأنه لم يتبرأ من علي وأنكر نسبه. PageV01P158 # وقد روى العلامة ابن أبي الحديد(1) أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما ~~السلام قال لبعض أصحابه:(يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم ~~علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول الله قبض وقد أخبر أنا ~~أولى الناس بالناس فتمالت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على ~~الأنصار بحقنا وحجتنا، ثم ms0088 تداولها قريش واحد بعد واحد) إلى قوله عليه ~~السلام:(ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى ~~أوليائهم وقضاة السوء، وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة ~~المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله أو نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك ~~وكبره زمن معاوية بعد الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت ~~الأيدي والأرجل على الظنة، ومن ذكر بحبنا والإنقطاع سجن أو نهب ماله، أو ~~هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمن عبيد الله بن زياد قاتل ~~الحسين، ثم جاء الحجاج (2) PageV01P159 فقتلهم كل قتله، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى إن الرجل يقال له: زنديق أو ~~كافر أحب إليه من أن يقول: شيعة علي، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير، ~~ولعله يكون ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة من تفضيل بعض ما قد سلف من ~~الولاة، ولم يخلق الله شيئا منها ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسبها أنها حق ~~لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا قلة ورع) (1). # قال ابن أبي الحديد:(وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق إلا تجيزوا ~~لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع ~~البلدان أن انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من ~~الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة ~~هؤلاء القوم فنكلوا به، وهدموا داره فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه ~~بالعراق، ولاسيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من ~~يثق به فيدخله بيته فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى ~~يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع بهتان منتشر، ~~ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم في ذلك بلية القراء ~~المرآؤون، والمتصنعون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحضوا ~~بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، ~~حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون ~~الكذب فنقلوها ms0089 ورووها، وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها، ~~ولا تدينوا بها، فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام، ~~فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا خائف على دمه، أو ~~طريد في الأرض، ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين بن علي عليه السلام، # وولي عبد الملك بن مروان واشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، ~~فتقرب إليه أهل PageV01P160 النسك والصلاح والدين ببغض علي عليه السلام وموالاة أعدائه) إلى آخر كلامه ~~عليه السلام (1). # وكانوا لا يزالون يلعنون عليا عليه السلام على المنابر، ويدعونه أبا ~~تراب، حتى ولي عمر بن عبد العزيز (2) فمنع من ذلك فقال كثير عزة (3): # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف.... بريا ولم تتبع سجية مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي.... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم PageV01P161 ورد فدك على أولاد علي، وروي ردها على محمد بن علي الباقر، وهو المعروف ~~بالباقر، وهو الذي جاءه جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: إن رسول الله أمرني أن أقرأ عليك السلام (1) وأبوه ~~علي بن الحسين سمي سيد العابدين. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للحسين:(يولد لك غلام يسمى ~~سيد العابدين) (2). # وروي في الخبر (أنه ينادى يوم القيامة: ليقم سيد العابدين فيقوم علي بن ~~الحسين عليه السلام) (3). PageV01P162 # واعلم أنها مازالت لعنة أمير المؤمنين، ولعنة أولاده ظاهرة إلى زمن من عمر ~~المذكور، وعلى هذا روي عن كثير عزة أنه قال في ذكر اللعنة: # طبت بيتا وطاب أهلوك أهل بيت النبي والإسلام # لعن الله من يسب عليا.... وبنيه من سوقة وإمام # تأمن الطير والوحوش ولا.... يأمن أهل النبي عند المقام # وكان العالم يمنع من إظهار علمه، ولا يجسر على نشره، والمتعلم لا يجسر ~~على الإختلاف إليه. # وروي أن سفيان الثوري (1) دخل على الصادق فقال جعفر الصادق عليه السلام ~~لسفيان: يا أبا عبد الله أنت رجل مطلوب، وللسلطان علينا عيون فاخرج عنا غير مطرود. # وروي ms0090 أن أصحاب أبي حنيفة كانوا إذا تكلموا في المسائل في مجلس أبي حنيفة ~~وأرادوا أن يحكوا قول علي عليه السلام قالوا: قال الشيح، ولم يفصحوا باسمه ~~خوف السلطان فلما انقضى ملك بني أمية لعنهم الله في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة، وصار الملك إلى بني العباس، وقويت عداوتهم أيضا ومعاداتهم لأهل بيت ~~الرسول صلوات الله عليهم، والعلماء منهم فكان الفضلاء يقتلون بضروب من القتل. PageV01P163 # قتل علي عليه السلام في الصلاة في شهر رمضان، وسم الحسن عليه السلام على ~~يدي امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس (1). # وروي عنه عليه السلام أنه دخل الخلاء ثم خرج فقال: قد سقيت السم مرارا، ~~وما سقيت مثل مرتي هذه، ولقد مشت طائفة من كبدي (2). PageV01P164 # وأما الحسين فخبره مشهور، وروي أيضا أنه لما قتل، ورد كتاب عبيد الله بن ~~زياد (1) بأن توطأ الخيل على ظهره ففعل ذلك وحز رأسه، وسيق أهله ونساؤه على ~~الأقتاب إلى دمشق، وصلت بعده زيد بن علي عليهما السلام، وهو أحد الأئمة ~~وقتل ابنه يحي في أيام أبيه (2) والنفس الزكية هو محمد بن عبد الله، وهو ~~أحد الأئمة الزيدية، ثم بعده أخوه إبراهيم بن عبد الله، فكان الفضلاء من ~~أهل البيت والعلماء منهم بين مقتول ومطرود يخفي نفسه ويكتم نفسه. # فكيف ينتشر علمهم عليهم السلام والحال هذه؟ وكيف يرغب الناس في الإختلاف ~~إليهم والإقتباس منهم. # وروي أن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام، وهو أحد أئمة الزيدية كان ~~متواريا أربعين سنة فما زالت هذه حالهم إلى أن ذهبت دولة العباسية بظهور ~~الجيل والديلم، وخفي علمهم وفضلهم عليهم السلام. PageV01P165 # وأما غيرهم من الفقهاء فكانوا يلون الولايات العظيمة، فيكون ذلك سببا لظهور ~~علمهم، ولي أبو يوسف (1) القضاء وانتشر علم أبي حنيفة، ثم ولي محمد بن ~~الحسن (2) وولي من أصحاب أبي حنيفة الحسن بن زياد (3) وكذلك غيرهم وقد كان ~~الأئمة من العلماء مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما يميلون إلى أهل البيت ~~عليهم السلام الميل العظيم، ويرون لهم التعظيم والتقديم إلا أنهم كانوا ~~يخافون السلطان ويخشون سطوته فلم ms0091 يكن السبب في خفاء علم أهل البيت عليهم ~~السلام لقلة علمهم، ولقلة الأئمة فيهم، ولكن السبب ما ذكرناه، وهذا ظاهر ~~مكشوف، ومن نظر في الأخبار والسير عرفه ضرورة. # قال الوالد العلامة شيخ العترة شمس الدين احمد بن صلاح الشرفي(4) رحمة ~~الله عليه في سيرته ما لفظه: # (واعلم أن الجهر ب شعار أهل البيت عليهم السلام جميعا وشيعتهم، والإسرار ~~بها هو شعار أعدائهم. PageV01P166 # وكان معاوية يبالغ في نقض شعار أهل البيت عليهم السلام، ويأمر بالإسرار بها ~~في الأقطار، وكان من ملك من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم رضي الله عنهم ~~يأمر بالجهر ب ). # قلت: ومما يدل على ذلك ما ذكره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة ~~عليه السلام حيث قال ما لفظه:(وقد كان الناس فريقين حربيين وإسلاميين، فأهل ~~الإسلام في طاعة رجل يزعم أنه إمام، ويصدقه الأكثر، وينقاد له الأقل، ولأهل ~~الحرب دار، ولأهل الإسلام دار، ولم يقع لأحد من أهل البيت عليهم السلام ~~استقرار في جهة إلا القليل منهم الداعيان: أبو محمد الحسن (1)، وأبو عبد ~~الله(2) ابنا زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~عليهم السلام، فإنه لما تمكن الحسن كتب إلى بعض عماله قد رأينا أن تأخذ أهل ~~عملك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما صح عن أمير ~~المؤمنين في أصول الدين وفروعه بإظهار تفضيله على جميع الأمة، وتنهاهم عن ~~القول بالجبر ومكايدة الموحدين القائلين بالعدل والتوحيد، وعن التحكك ~~بالشيعة، وعن الرواية PageV01P167 في تفضيل أعداء الله، وأعداء أمير المؤمنين، وتأمرهم بالجهر ب وبالقنوت في ~~صلاة الفجر، وتكبير خمس على الميت، وترك المسح على الخفين، وبإلحاق حي على ~~خير العمل في الأذان والإقامة، وأن تجعل الإقامة مثنى مثنى، وتحذر من تعدى ~~أمرنا فليس له إلا سفك دمه، وانتهاك محرمه). # ففي هذا ونحوه تنبيه كاف لمن تدبر وعقل ما كان من تغيير كثير من سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحريف كثير من أحكام الله مع ms0092 اضطهاد الآمرين ~~بالمعروف الناهين عن المنكر في كل زمان إلا القليل منهم فالله المستعان. # فإن قال قائل: إن أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة لاشك في صحتها، ولكن ~~المراد بها في الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة. # قلنا: هذا تخصيص يفتقر إلى دلالة، وهي مفقودة، مع أن من قال بذلك إنما هو ~~تأويل المخالف وتفسيره، ولم يتعبد بذلك إذ هو مجرد دعوى تخصيص العموم من ~~غير تخصيص وهو لا يجوز لأنه خروج من العموم بغير حجة فهات الدليل على ذلك ~~إن كان فإنك في محل الإحتجاج الذي لا يقتصر فيه على مجرد الدعوى، وإلا وجب ~~التحكم للنص. # وأما المذهب ما لم يكن عن دليل قاطع فلا يعارض الوجوب، ولا تخصيص العموم ~~لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا ا لحكم عامة فالتخصيص حينئذ بحكم محض. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام:(لأن العموم ~~دلالة يعمل بها وإخراجه من الإستدلال بظاهره لغير وجه يقتضي خروجه عن كونه ~~دليلا لا يجوز. # ولما كان لفظ الصلاة هاهنا عاما، ولا دليل يوجب التخصيص وجب اجراؤه على ~~عمومه، لأن لفظ الصلاة إذا أضيف أفاد العموم إذا لم تقم قرينة كما مر يشهد ~~بذلك قوله تعالى:{ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} فقوله:{ولا تجهر بصلاتك} ~~جنس مضاف، والجنس المضاف عند الأصوليين عام، والعام من الكتاب والسنة يجب ~~التمسك به حتى يعلم مخصصه. # --- PageV01P168 وأما حديث (صلاة النهار عجماء) إن صح فقد ثبت تخصيصه كما مر، هب أنا سلمنا ~~صحته على التنزل فإن قوله:(صلاة النهار عجماء) عام في البسملة وغيرها وقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم:(كل صلاة لا يجهر فيها ب فهي خداج) خاص فيه، عام ~~في كل صلاة. # ولذلك نظائر من أمثلته عند أهل المذهب (إنما تغسل ثوبك من البول) إلى ~~قوله:(سافح) فهذا عام في كل خارج قيئا كان أو غيره، وقوله:(أود سعة تملأ ~~الفم) خاص، الخارج منه عام لأنواع القيء دما كان أو غيره فرجحوا إيثار عموم ~~الخصوص، وأنه لا ينقض ولا ينجس من الدم إذا ms0093 كان قيئا إلا ما كان ملأ الفم ~~فكذلك مسألة الجهر بالبسملة سواء. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام:(وذلك أن لفظ عجماء عام في جميع ~~الأذكار، وقد عارضه التعميم بالجهر بالبسملة، وهو أخص بالمقصود ؛ لأنه نص ~~في البسملة، وهذا مما لا يختلف المحققون من الأصوليين في ترجيحه وإيثار ~~التخصيص به. # والوجه في ذلك أنه لو لم يؤثر التخصيص به لكان إبطالا للفظه، وإهمالا ~~لمعناه بلا دليل ولا مرجح، وذلك لا يجوز ؛ لأنه خطاب حكيم لا يجوز إهماله. # وأيضا لفظ العام الأخص بالمقصود يجري مجرى المبين، والعام الغير الأخص ~~يجري مجرى المجمل، ومن الواجب بناء المجمل على المبين فيكون جمعا بين ~~الدليلين). # فإن قال: إن الإسرار بالبسملة في العجماوين قد صار إجماعا من المتأخرين ~~كما قال بعضهم ؛ لأنه لم يرو عن أحد منهم الجهر بها فيهما فلم لا يكون ذلك ~~تخصيصا لما ورد من عمومات تلك الأحاديث؟. # --- PageV01P169 قلنا ولا قوة إلا بالله: إن هذه شبهة لا حقيقة لها، وإن كانت مرتسمة في ~~الأذهان وواقعة عند أهل الزمان، ونكتفي في إزالة هذه الشبهة وبيان بطلانها ~~بما قد أجاب به عما ذكرت بعينه إمامنا المنصور بالله رحمة الله عليه فإنه ~~قد أشبع الفصل في الجواب، وأذهب من هذه الشبهة كل شك وارتياب بما لاشيء ~~أبلغ منه من الأدلة الواضحة والبراهين اللائحة، فشفى بحمد الله الغليل ~~بواضح الدليل حيث قال: (إن ذلك لم يكن إجماعا فيصح التخصيص به، أما أولا: ~~فقال بجواز الجهر فيهما زيد بن علي، وأحمد بن عيسى (1) والناصر، وأبو عبد ~~الله الداعي (2) والمؤيد بالله (3) PageV01P170 والمنصور بالله فإن الجهر والإسرار عند هؤلاء هيئة). # قلت: إلا في ب فإن الجهر بها وحدها عند المؤيد بالله عليه السلام واجب ~~ذكر ذلك في الإجادة في الجمع بين الزيادات والإفادة. # قال عليه السلام: وفي الشفا ما معناه:(أن ذلك مذهب سائر العترة ماخلا ~~القاسم والهادي وأسباطهما الأوائل عليهم السلام جميعا، وذلك يتناول البسملة ~~وغيرها، وإذا كان كذلك لم يكن ذلك إجماعا، أعني الذي ذكرتموه لتصريح هؤلاء ~~بالجواز، ومع ms0094 ذلك إذا عمل بما قلته عامل أمن من مخالفة الإجماع قطعا واحتاط ~~لدينه بالعمل بما اقتضته النصوص. # وأما ثانيا: فإن إجماع المتأخرين على ذلك لأنهم لم يحيطوا بجميع الأقوال) ~~ثم قرر عليه السلام هذا الإستدلال وبينه إلى قوله:(فإن كان الأمر كذلك فما ~~ظنك بمن لم يشتهر له كتاب من معاصريهم، وممن جاء بعدهم ؛ لأنه ليس كل مجتهد ~~بمصيب، وما ظنك بأهل الديار البارحة في أقطار الأرض، وفي هذا بحمد الله ~~كفاية كافية في عدم ثبوت ذلك فيكف يصح التخصيص بما لم يثبت # --- PageV01P171 وأيضا: قد صح لنا عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الشفاء وغيره أنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل صلاة لم يجهر فيها ب فهي آية ~~اختلسها الشيطان) فذلك يفيد التعميم بضرورة الوضع لأن لفظ كل ونحوه للشمول ~~لغة بلا شبهة، ولم يرو عنه ولاعن فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام جميعا ~~خلاف ما أفاده ذلك اللفظ كذلك على التحقيق من قول ولا فعل، وهم صدر العترة ~~وإجماعهم متيقن لكونهم عليهم السلام يجتمعون على الفرض، ويأويهم المنزل حتى ~~قال المؤيد بالله والمنصور بالله، والأمير الحسين (1) والإمام يحي (2) ~~عليهم السلام جميعا: إن إجماع العترة لم يقع إلا منهم فقد أعني الأربعة ~~عليهم السلام، وإذا كان كذلك علمنا عدم وقوع الإجماع من متأخري العترة على ~~عدم الجهر بالبسملة إلا في العجماوين ؛ لأنه إن وقع أدى إلى إحدى باطلين، ~~وذلك إما أن يكون نسخا للإجماع الأول وهو باطل ؛ لأن النسخ لا يقع إلا ~~بالوحي بلا شبهة، وقد ارتفع. # وإما أن يكون أحد الإجماعين حقا وما يقابله باطلا، وذلك باطل أيضا ؛ لأن ~~الأدلة القطعية نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إني تارك فيكم) الخبر ~~يقضي أن لا يقع، وأيضا: إن لفظ كل ونحوه له حكم مختص من بين سائر ألفاظ ~~العموم، وذلك أنه لا يجوز تخصيصه إلا بالمقارن من لفظ متصل نحو قوله ~~تعالى:{كل شيء هالك إلا وجهه} أو قرينة حالية كقضية العقل المبتوتة الفاصلة ~~بخروج السماء والأرض من ms0095 شمول قوله تعالى:{تدمر كل شيء} (3) وخروج ذاته ~~تعالى، وأفعال الخلق من شمول قوله تعالى:{إنا كل شئ خلقناه بقدر} (4) في ~~قراءة النصب. PageV01P172 # وقد ذكر في الفصول ما يقرب من هذا المعنى، ثم بين عليه السلام الوجه أن لفظ ~~كل كذلك في كلام طويل إلى قوله:(وإذا كان الأمر كذلك وقلنا بثبوت ذلك ~~الإجماع أدى إلى أحد ثلاثة أمور كلها باطلة لا محالة، وذلك لم يخل إما أن ~~يكون هذا الإجماع ناسخا لبعض ما تناوله ذلك العام، أو أن العام لم ينسخ شئ ~~من معناه، وإنما هذا الإجماع باطل ؛ لأنه وقع على خلاف حق.... لم ينسخ، أو ~~أن الإجماع حق، وأن لفظة (كلصلاة) لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، الأول باطل ؛ إن النسخ لا يقع إلا بالوحي، وقد ارتفع الوحي، والثاني ~~باطل أيضا لعصمتهم من الإجتماع على الباطل بالأدلة القطعية، والثالث باطل ~~أيضا ؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل صلاة لم يجهر فيها ب فهي آية ~~اختلسها الشيطان) قد صح لنا عن آبائنا من شيوخ العترة وأئمتهم عليهم السلام ~~جميعا، وما أدى إلى الباطل كان باطلا وشاهدا لضده بالصحة، وأنه حق بلا مرية ~~والله أعلم وأحكم. # ففي هذا بحمد الله لمن تأمله بعين الإنصاف مايشفي غليل الصدور، ويوضح ~~ملتبسات الأمور، ولكن لمن لم يعمه إلف ما قد ألفه من العادة التي لها سلطان ~~قوي، فإنا قد رأينا كثيرا ممن قد ألف شيئا ووافقه لم يكد أبدا أن يفارقه، ~~فالإشتغال بإيراد واضح الأدلة عليها، والرجاء لاستضائه بنوره منى، ونحن ~~إنما وضعنا منها إثباتا لحجة وإزالة للمعذرة {ليهلك من هلك عن بينة ويحي من ~~حي عن بينة وإن الله سميع عليم} (1). # --- PageV01P173 ونحن لما صح ذلك من طرائق أئمتنا عن علي عليهم السلام جميعا، نعم المتبوع ~~صلوات الله عليه اتبعناه فنحن بحمد الله لا نستوحش من كلامات المخالفين ~~سلوك طريق أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه صلوات رب ~~العالمين، الذي قوله حجة، وفعله بيان للحق كما قال فيه ms0096 رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم:(علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي) (1) وقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم:(إذا اختلفتم في شيء فكونوا مع علي بن أبي طالب) عليه ~~السلام وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. PageV01P174 # وقال إمامنا المنصور بالله عليه السلام عقيب هذه المسألة بعينها ما ~~لفظه:(وأما ما روي في كتب العامة مما ينقض رواية أهل البيت عليهم السلام ~~فإنهم قد رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما حضرته الوفاة ~~امتناع بعض الصحابة في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومخالفته ~~قال:(ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا ~~بعده) فقالوا: إن رسول الله يهجر (1) وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد غلب عليه الوجع، وقالوا: حسبنا كتاب الله. وفي رواية ما معناه ~~أنه كثر الكلام وارتفعت الأصوات فبعضهم يقول: لابد أن يكتب، وبعضهم يقول: ~~لا، حتى أتعبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحول وجهه مغضبا وقال: ~~(اخرجوا عني) (2). # ورووا أحاديث كثيرة بطرق لهم شتى وألفاظ مختلفة في البخاري ومسلم وغيرهما ~~في أنه لابد أن يطرد عن الحوض طائفة من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ويقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (3). # وفي بعض الروايات عن أبي هريرة أنه قال:(حتى أرى أنه لا يسلم إلا مثل همل ~~النعم) (4). PageV01P175 # ورووا عن بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا أبريء من النفاق ~~إلا عمر) وجميع ذلك الذي يروى يقضي ببطلان روايات العامة إلا ما وقع ~~الإجماع عليه ووافق كتاب الله، والوجه في ذلك أنه لا يخلو إما أن يكونوا ~~صادقين فيما رووا في الصحابة من ذلك أو كاذبين، إن كانوا صادقين فقد رووا ~~عن المنافقين والمحدثين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث ~~الكتف والدواة، والله يقول:{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ms0097 وساءت مصيرا} (1) وكفى ~~بذلك جرحا، وإن كانوا كاذبين فقد لزمتهم التهمة في جميع ما رووا إلا ما وقع ~~الإجماع عليه، ووافق الكتاب ولا محيص لهم عن ذلك ولا مدفع إلا بالمكابرة ~~الشاهدة بباطلهم، وقد وقع الإجماع على كثير مما روي في أهل البيت عليهم ~~السلام مما يقضي بعدالتهم ورجوع الناس إلى روايتهم. # [عودة إلى تفسير الإمام القاسم] # عدنا إلى ما ذكره إمامنا عليه السلام من تفسير آيات الأحكام من هذه ~~السورة المباركة فقال عليه السلام: # الآية الثانية:{الحمد لله رب العالمين} هذه اللام للملك والإختصاص. # دلت الآية الكريمة على أن جميع المحامد التي تليق بذي العزة والجبروت لله ~~خاصة فلا يجوز إطلاق شيء مما كان كذلك من المحامد على غير الله سبحانه إلا ~~ما خصه دليل. # وتدل على أن جميع ما تضمن مدحا من الأسماء فإنه لله سبحانه ولا يقصر على ~~مارواه أبو هريرة من الأسماء (2). # الثالثة:{إياك نعبد وإياك نستعين} دلت على أن عبادة الله وطلب الإستعانة ~~من أخلاق المؤمنين، وأن الواجب على عباد الله الملازمة لهما. # (/7) # --- PageV01P176 الرابعة:{اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} دلت على وجوب ~~الدعاء إلى الله سبحانه، وطلب الهداية منه إلى طريق الحق التي هي طريق ~~الذين أنعم الله بأن هداهم إليها، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن ~~اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (1). # الخامسة:{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} دلت هذه الآية الكريمة على ~~تحريم الإقتداء بالمغضوب عليهم، وهم كل من لم يؤمن، وكذلك كل ضال، وهم ~~الذين وصفهم الله بقوله سبحانه:{قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا}(2) الآية. # [عودة إلى تفسير الإمام القاسم بن إبراهيم (ع)] # عدنا إلى ما نحن بصدده من تفسير الإمام القاسم بن إبراهيم من رواية ولده ~~محمد بن القاسم عنه عليهم السلام جميعا. ### || AUTO تفسير سورة الناس # قوله عز وجل:{قل أعوذ برب الناس} قال القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليه: ~~هذا أمر من ms0098 الله لنبيه أن يتعوذوا وان يقولوا هذا القول، ومعناه: أستجير ~~وألوذ برب الناس، فالرب: هو السيد المليك مالكهم وفاطرهم، والقادر عليهم ~~والرازق لهم {ملك الناس} الملك: فهو الذي ليس في ملكه شريك [معارض] (3) ~~{إله الناس} والإله: فهو الذي تأله إليه ضمائر القلوب، وهو الرب الذي ليس ~~بصنيع ولا مربوب. # --- PageV01P177 وتأويل {من شر} فهو من كل مفسد مضر. وتأويل {الوسواس الخناس الذي يوسوس في ~~صدور الناس} فهو ما وسوس في الصدور {من الجنة والناس} والموسوس فقد يوسوس ~~بحضوره في الصدور ويخنس، وقد تكون الوسوسة من الموسوس في الصدور ما يكون ~~فيه من الذكر والخطر(1) وخنوس الوسواس: مفارقته وغيبته عن الصدور، ووسوسته ~~فما ذكرنا من الخطر والحضور وما ذكر الله عز وجل في ذلك من الوسواس فقد ~~يكون كما قال الله سبحانه:{من الجنة والناس} والناس: فهم الآدميون فأمر ~~الله نبيه أن يتعوذ من شر شياطين الجن والأنس، فهم المغوون المردة الملاعين ~~من جني وإنسي. # وفي ذلك ما يقول الله سبحانه:{شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض} ~~(2) وشياطين الإنس أقوى على الإنسان وأشد عليه من شياطين الجن. # وتأويل {الوسواس الخناس} فهو الشيطان عليه لعنة الله يوسوس بحضوره في ~~الصدور من الذكر والخطرة بالوسوسة والإغواء والفسق والردى حتى يدخل بحب ~~المعاصي في الصدور، وقد تكون الوسوسة من الفريقين بالمشاهدة والمحاضرة، وقد ~~تكون منهما الوسوسة بالذكر والخطرات الخاطرة، وأي ذلك كان في الصدور بخاطرة ~~تخطر، أو حضور فهي وسوسة كما قال سبحانه من شيطان أو إنسان بما يجول منهما ~~في الصدور والجنان قال الشاعر: # وكم أخطر في بال ولاأخطر في بالي(3) ### || AUTO تفسير {قل أعوذ برب الفلق} # تأويل {قل أعوذ برب الفلق}(4) PageV01P178 أعوذ: هو أستجير، وتأويل الرب: فهو السيد المليك الكبير، وتأويل الفلق: فهو ~~الفجر إذا انفلق، كذلك يقول الناس: انفلق الفجر وبدا إذا تبين وظهر وأضاء، ~~وفي ذلك وبيانه أشعار كثيرة لا تحصى لشعراء الجاهلية الأولى، فأمر الله ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعيذ به من شر خلقه في النهار كله، وأن ms0099 ~~يستعيذ به من شر جميع خلقه في ليله، ولا يكون شرا إلا في ليل أو نهار (1) ~~وإلا بعد غسق أو انفجار، والفلق: فأول الفجر وفلوقه قال لبيد: # الفارج الهم مسودا عساكره(2) كما يفرج جنح الظلمة الفلق # والغسق: فأول الليل، وغسوقه: ظلمته كما قال ابن عباس: غسق الليل أول ~~الليل وظهوره وظلمته، فقد أتى على ذلك كله استجارة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم واستعاذته، وغسق الليل ووقوبه: فهو وجوبه. # --- PageV01P179 وأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مع استعاذته به من شر ~~الليل والنهار أن يستعيذ به لا شريك له من شر السواحر والسحار، والسواحر: ~~هن النفاثات في العقد [وأمره أن يستعيذ به من شر الحاسد عند الحسد إذا حسد] ~~(1) والنفث: هو التفل على العقدة إذا عقدت، والعقد: جمع فهي عقد يعقدها ~~الساحر في خيط أوسير، كان العقد كبير أو غير كبير، وأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالإستعاذة من شر الحاسد عند حسده [من مباينته بحسده] (2) ~~وتأويل إذا هاهنا: عند وسواس، قيل عند أو: إذا، معنى هذا فهو معنى [معناه ~~وشر الحاسد ما يكون من ضره ومكره وعداوته وكيده وغير ذلك] وليعلم إن شاء ~~الله من قرأ تفسير هذه السور الثلاث وما بعدها من التفسير أن كل ما فسرنا ~~من ذلك كله فقليل من كثير، وأن كل سبب من كلمات الله فموصول بأسباب عند من ~~خصه الله بعلمها من أولي النهى والألباب، لاينتهى فيه إلى استقصائه، ولا ~~يوقف منه على إحصائه، كما قال سبحانه:{قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}(3) فكلام الله جل ~~ثناؤه في الحكمة والتبيين والهدى فما لا يدرك له أحد غير الله منتهى ~~ولابداء، وكلام غير الله في الحكمة وإن كثر وطال، وتكلم فيه قائله بما شاء ~~من الحكمة فأقصر أو أطال فقد يدرك غيره من الخلق غايته ومنتهاه، وكل وجه من ~~وجوه كلامه فلا يفتح وجها سواه ؛ لأن علمه ينفد ms0100 وكله يحصى ويعد، وكلمات ~~الله كما قال الله سبحانه لا تنفد بإحصاء، ولا يؤتى على ما فيها من خفايا ~~العلم باستقصاء، وقليل علمها فكاف بمن الله كثيرا، وكلها فضياء ونور وهدى ~~وتبصير (4) PageV01P180 ### || AUTO تفسير قل هو الله أحد # {قل هو الله أحد} الأحد: هو الواحد، وقوله سبحانه:{الله الصمد} الصمد: هو ~~النهاية والمعتمد الذي ليس وراءه مصمود، ولا سواه إله معبود {لم يلد} تبارك ~~وتعالى ولدا فيكون لولده أصلا ومحتدا {ولم يولد} فيكون حدثا مولودا، أويكون ~~والده قبله شيئا موجودا {ولم يكن له كفؤا أحد} والكفؤ: فهو المثل والنظير، ~~والأحد: فهو ما قد تقدم فيه منا البيان والتفسير، فهو الله الأحد الواحد ~~الذي ليس كالآحاد فيكون له ند في وحدانيته من الأنداد، وأنه هو الأحد الصمد ~~والنهاية في الخيرات والمعتمد، الذي {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير يعلم ~~ما في السموات والأرض وهو العليم الخبير}(1) PageV01P181 ### || AUTO تفسير {تبت يدا أبي لهب وتب} # {تبت يدا أبي لهب وتب} أبو لهب: هو عبدا لعزى بن عبد المطلب، وتأويل ~~{تبت} فهو خابت وخسرت فيما رجت وقدرت، واليدان: فهما اليدان المعروفتان، ~~وهما مثل قد كان يضرب به لمن خاب وخسر فيما يطلب {وتب} يعني أبا لهب كله ~~فيما عليه من أمره وماله. # {ما أغنى عنه ماله وما كسب} تأويله: ما أجزأ عنه ماله وكسبه إذا هلك عند ~~الله سبحانه وعطب بضلاله وسيء أعماله. # {سيصلى نارا ذات لهب} وذات اللهب من النيران: فهي ذات التوقد الشديد ~~والإستعار {وامرأته حمالة الحطب} تأويله: فقد تبت امرأته معه تبابه في ~~الهلكة والعطب، وتأويل {حمالة الحطب} فقد يكون حملها للنمائم والكذب الذي ~~كانت تكذبه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأتي به زوجها وتنقله ~~إليه، وتنقله إلى غيره ممن كان من الكفر في مثل ما هي، وما هو فيه لتفسد ~~بكذبها وتغري، وتكثر نمائمها وتسري على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~كما يكثر ويسري الكذوب النمام {في جيدها حبل من مسد} جيدها: فهو عنقها، ~~والجيداء من ms0101 النساء: فهي التي قد تم في طول العنق خلقها. # وتأويل {حبل من مسد} فهو الحبل الوثيق المحصد، وقد يكون حبل من قد، ~~والقد: فقد يكون من جلود الإبل، وهو أوثق ما يكون من الأحبال، وهو مثل يضرب ~~لمن يحمل كذبا أو زورا يلقي به بين الناس عداوة وشرورا، وقد قال بعض من فسر ~~فيما ذكرنا من أمر أبي لهب وأمرها أن تفسير حملها للحطب إنما كانت تحمل ~~الشوك فتطرحه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ممره ومسلكه، وقالوا: ~~إن {حبل من مسد} هو حبل من ليف (1) PageV01P182 ### || AUTO تفسير {إذا جاء نصر الله والفتح} # {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} تأويل ~~جاء: هو أتى، وتأويل النصر: هو ما يفعل من الظهور والقهر والفتح من الله ~~فهو حكم الله بالإمضاء فيما حكم به وأوجبه من الجزاء لمن أحسن بإحسانه، ومن ~~عصى بعصيانه، وهو الذي طلب شعيب عليه السلام ومن آمن معه من الله ~~فقالوا:{ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} يريدون احكم ~~بيننا وبينهم بالحق يا خير الحاكمين فاجزهم جزاءهم وعجل إخزاءهم. # وتأويل {ورأيت الناس} فهو رؤيتهم يدخلون فيما جئت به من الملة والدين، ~~والأفواج من الناس: فهو ما يرى من الجماعات التي تأتي من القبائل والنواحي ~~المختلفات، شبيه بما كان يفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ~~وفود القبائل والبلدان من عقيل وتميم وأهل البحرين وعمان، ومن كل الأمم فقد ~~كان وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدم وآمن بالله [جل ثناؤه] ~~وبرسوله وأسلم. # --- PageV01P183 {فسبح بحمد ربك} تأويل فسبح: فاخشع واشكر لله حامدا له فيما يرى بعينه من ~~إظهار الله له ولدينه، وصدق وعده في إظهاره على من ناواه،وما أراه من ذلك ~~بنصره له بكل من والاه في أيام حياته، وقبل حمام وفاته، وتأويل {واستغفره ~~إنه كان توابا} فأمره بالإستغفار إذ تم ما وعده الله من الإظهار، وتأويل ~~التواب: فهو العواد بالرحمة وبالنعمة منه بعد ms0102 النعمة، وقد ذكر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} إليه وأمر ~~فيها بالإستغفار، ورأى ما رأى من الإظهار قال عليه السلام:(نعيت إلي نفسي ~~وأخبرت بعلامات موتي) (1) فصدق في ذلك كله نصر الله من الله الخبر حين أتاه ~~من الله الفتح والنصر فتوفي صلى الله عليه وآله وسلم ظاهرا منصورا، وقبضه ~~إليه بعد أن جعل ذنبه كله له عنده مغفورا، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه فيه ~~صلوات الله عليه وآله:{إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا ~~عزيزا} فنحمد الله على ما خصه في ذلك من نعمائه، ونسأل الله أن يزيده في ~~الدنيا والآخرة من كراماته (2). PageV01P184 ### || AUTO تفسير {قل يا أيها الكافرون} # {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا ~~عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين} # فهو أمر من الله جل جلاله ثناؤه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ~~لمن كفر بربه ولم يوقن بما أيقن من توحيد الله به: لست أيها الكافرون بعابد ~~ما تعبدون مع الله، ولستم عابدين من التوحيد بما أنا به عابد لله، وما أنا ~~على حال بعابد لما تعبدون من الأصنام، ولا أنتم بعابدين لله بالتوحيد ~~والإسلام، وكذلك من الله الأمر فيمن أشرك بالله ما كانت الدنيا والى يوم ~~التناد، فليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعابد لغير الله، ولاهم ~~بالتوحيد لله بعابدين، والصدق بحمد الله ذي المن والطول في ما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول به من القول لا مرية في ذلك ولا ~~شبهة، ولا يختلف فيه بمن الله وجهه، ولذلك وكد فيه من القول ما أكد، وردد ~~فيه من التنزيل ما ورد (1) PageV01P185 ### || AUTO تفسير {إنا أعطيناك الكوثر} # {إنا أعطيناك الكوثر} تأويله: آتيناك، وآتيناك: وهبناك الكوثر، والكوثر: ~~فهو ms0103 العطاء الأكبر، وإنما قيل: كوثر من الكثرة كما يقال: غفران من المغفرة، ~~فعرف الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من عباده بما من به عليه من ~~نعمته، ومنه وإرشاده التي أقلها برحمة الله كثير، وأصغرها بمن الله كبير لا ~~يظفر به إلا بمن الله، ولا يصاب أبدا إلا بالله. # وتأويل {فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر} فأمر منه سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بأن يصلي صلاته كلها لربه، وربه فهو الله تبارك ~~وتعالى، الذي أنعم عليه من النعم والكرامة بما أنعم به ؛ لأنه قد يصلي كثير ~~من المصلين لغير الله مما يعبدون، ويصلي أيضا بعض أهل الملة بالرياء وإن ~~كانوا يقرون ويوحدون، وأمره سبحانه إذا نحر شيئا من النحائر قربانا لربه ~~ألا ينحره عند نحره له إلا لله وحده ربه ؛ لأنه قد كان ينحر أهل الجاهلية ~~للأصنام والأوثان، ويشركون في نحائرهم بينها وبين الرحمن، ويذكرون أسماء ~~آلهتهم عند نحرها، ويذكرون الله جل ثناؤه عند ذكرها، وفي ذلك ما يقول الله ~~سبحانه:{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} يعني اسمه خالصا، وما لم ~~يكن له جل ثناؤه من النحائر والذبائح خالصا. # (/7) # --- PageV01P186 وأخبر سبحانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من شنأه فأبغضه من ~~البشر فهو مخذول ذليل أبتر ليس له عز مع بغضه له وشنآنه [ولا منتظر إكراما ~~من الله لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وإخزاء لمن شنأه] وأبغضه ولم يؤد ~~إلى الله في محبته فرضه، فنحمد الله على ما خص رسوله من كراماته، وأوجب على ~~العباد من محبته وولايته، وقد قيل: إن الكوثر نهر في الجنة خص الله رسوله ~~به وجعله جل ثناؤه في الجنة له، وقالوا: إن شانئه الأبتر المذكور في هذه ~~الآية قصره هو عمرو بن العاص السهمي (1) خاصة وتأويل ذلك إن شاء الله ~~وتفسيره هو كل من شنأه عمرو كان أو غيره (2). PageV01P187 ### || AUTO تفسير {أرأيت الذي يكذب بالدين} # {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض ms0104 على طعام المسكين ~~فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يرآؤن ويمنعون الماعون}. # قال عليه السلام: تأويل {أرأيت}: هو تعريف وتبيين من الله وتوقيف لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولمن آمن بما أنزل من الوحي والكتاب إليه لا ~~رؤية مشاهدة وعيان، ولكن رؤية علم وإيقان، كما يقول القائل لمن يريد أن ~~يعرفه شيئا إذا لم ذلك الشيء له ظاهرا جليا: أرأيت كذا وكذا يعلم علمه يريد ~~بأرأيت توقيفه على أن يعرفه ويعلمه على حدود ما فهمه منه وأعلمه، فأعلم ~~الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن نزل عليه معه وبعده هذا ~~البيان، أن الذي يكذب بيوم الدين من الناس أجمعين، ويوم الدين: فهو يوم ~~يجزي الله جل ثناؤه العاملين بما كان من أعمالهم في هداهم وضلالهم، وهو يوم ~~البعث حين يدان كل امرء بذنبه، ويرى المحسن والمسيء جزاء العامل منهما ~~يومئذ بعينه، وتكذيب المكذب بيوم الدين: فهو ارتيابه وإنكاره فيه لليقين، ~~وذلك ومن كان كذلك فهو الذي يدع اليتم، ولا يحض على طعام المسكين، لارتيابه ~~فيه وتكذيبه ولقلة يقينه به. # دع اليتيم، ودعه له: هو دفعه عن حقه ومنعه، وتكذيب المكذب بالدين، ولم ~~يحض غيره على إطعام المسكين، وفيه وفي أمثاله ما يقول الرحمن الرحيم:{ويل ~~للمصلين} يعني من غير أبرار المتقين، وهم الفجرة الظلمة المنافقون، {الذين ~~هم} كما قال الله سبحانه:{عن صلاتهم ساهون} والساهون: فهم الذين عن صلاتهم ~~ووقتها لاهون، ليس لهم عليها إقبال، ولا لهم بحدود تأديتها اشتغال، فنفوسهم ~~عن ذكر الله بها ساهية، وقلوبهم بغير ذكر الله فيها لاهية {الذين هم يرآؤن} ~~وهم المراؤن الذي ترى منهم عيانا الصلاة، وقلوبهم بالسهو والغفلة عن ذكر ~~الله مملاة. # --- PageV01P188 {ويمنعون الماعون} وهو ما جعل الله فيه العون من المرافق كلها التي يجب ~~العون فيها لأهلها من غير مفروض واجب الزكوات، وما ليس فيه كثير مؤنة من ~~المعونات، مثل نار تقتبس أو رحى أو دلو يلتمس، وليس في بذله إضرار بأهله، ~~وكل ذلك وما أشبهه فماعون ms0105 يتعاون به ويتباذله بينهم المؤمنون، ومانعوه ~~بمنعه له من طالبه فمانعون، وهم كلهم بمنعه لغيرهم فذامون، وما ذكر الله ~~سبحانه من قوله:{فويل للمصلين} فقول لمن كان قبله من ذكره بمنع الماعون ~~موصول في الذم والتقبيح وما يعرف في التقبيح فصغيره صغيرة، وكبيره كبيرة، ~~وكله عند الله فمسخوط غير رضى، وخلق دني من أهله غير زكي، تجب مباينته ولا ~~تحل مقارنته، إلا لعذر فيه بين، وأمر فيه نير والحمد لله مقبح القبائح، ~~والمنان على جميع خلقه بالنصائح الذي أمر بالبيان والإحسان، ونهى عن ~~التظالم والعدوان (1) PageV01P189 ### || AUTO تفسير {لإيلاف قريش} # {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} المعنى: هو الفهم وإيلافهم، ~~فقريش من أنفسهم وحليفهم، ومن جاورهم في الحرم ولفيفهم، فكل من كان يسكن في ~~الحرم في مسكنهم، ويأمن بمكانه معهم في الحرم بأمنهم، ويرحل معهم إذا أراد ~~أمنا الرحلتين، وينتقل معهم الطعام والإدام معهم في السنة نقلتين لا يعرض ~~لهم أحد من العرب بقطع في الطريق، وليسوا في شيء مما فيه غيرهم من الخوف ~~والضيق، والعرب كلهم خائفون جياع، وهم كلهم آمنون شباع، لحرمة البيت عند ~~العرب وتعظيمه وإجلاله، ولإكبارهم القطع على سكان الحرم، ونزاله، فذكرهم في ~~ذلك تبارك وتعالى بنعمته، وبما من به تعالى من بركة الحرم وحرمته. # وفي ذلك وذكره وما ذكرنا من أمره ما يقول الله سبحانه:{أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~وفيه ما يقول الله سبحانه:{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من ~~حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون}. # وتأويل {فليعبدوا} هو فليوحدوا، ومعنى فليوحدوا: فهو ليخلصوا، ومعنى ~~ليخلصوا: فهو ليفردوا بعبادتهم. # --- PageV01P190 وليخصوا {رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} الذي بمكانهم ~~منه، وبما ك إن من مجاورتهم له أطعموا من جوع، وأومنوا من خوف، فلم يجوعوا ~~جوع الجائعين، ولم يخافوا خوف الخائفين، فكلهم يعلم ويقول: إن البيت بيت ~~الله ذي الجلال والإكرام، لا بيت ما عبدوا دونه من الملائكة والأصنام، وأن ~~الله ms0106 سبحانه هو الذي حرم الحرم، وجعل له تبارك وتعالى الجلالة والكرم، لا ~~الملائكة المقربون، ولا الأصنام التي يعبدون، وأمرهم جل ثناؤه أن يعبدون ~~وحده، وأن يوجبوا شكره وحمده على ما صنع لهم وأولاهم، ووهب لهم بحرمة بيته ~~وأعطاهم (1). ### || AUTO تفسير {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل}. # معنى {تر}ى في مخرج التأويل: ليس هو برؤية العين، ولكنه علم اليقين ؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ير ذلك بعينه، ولكنه رآه بعلمه ~~ويقينه، وبما ذكر الله جل ثناؤه عنه ووصفه الله به منه، وسواء قيل: ألم تر، ~~أو قيل: ألم تعلم معناهما واحد في اليقين والعلم. PageV01P191 # وتأويل {كيف فعل ربك} هو كيف صنع، وأصحاب الفيل: فهم من جاء معه، أو بعث به ~~وإن تخلف عنه، فكل من كان للفيل صاحبا من بعث وإن لم يصحبه، ومن كان له ~~مصاحبا. # وتأويل {كيدهم} فهو إرادة مريدهم، والإكادة: فهي الإرادة كما قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة لولا الوشاة بأن نكون جميعا # وذلك أن أصحاب الفيل كادوا، ومعنى ذلك هو أرادوا أن يخربوا الكعبة ~~ويجعلوها متهدمة خربة، لأن العرب خربت كنيسة كانت يومئذ للحبشة، وكان يومئذ ~~فيهم وملك عليهم رجل من العرب من أهل اليمن يقال له: أبرهة بن الصباح، وكان ~~يدين دينهم فهو الذي بعثهم فأرسل الله سبحانه على أصحاب الفيل كما قال ~~تبارك وتعالى:{طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول} لا ~~يصيب حجر منها أحدا إلا قتلته وأهلكته، ولم يكن له بقاء معه ولا بعده، ~~والطير الأبابيل: فهي الطير الكبير الأراعيل (1) التي تأتي من كل جهة، ولا ~~تأتي ناحية واحدة، والسجيل: فهو فيما يقال: الطين المستحجر الصلب الذي ليس ~~فيه لين، فهو لا يقع على شيء إلا حطمه وفته وهشمه، وجعله كما قال الله ~~سبحانه كالعصف المأكول، والعصف: فهو عاصفة قصب الزرع البالي المرخول الذي ~~قد ms0107 ترخل وأكل وتناثر سهلها، والمأكول منه فهو الذي جوف له، والذي قد أنهب ~~جوفه كله (2) PageV01P192 ### || AUTO تفسير {ويل لكل همزة لمزة} # {ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده أيحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن ~~في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ~~إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة} # تأويل ما ذكر الله من الويل: ما يعرف من الحرقة والعويل، والخزي الكبير ~~العظيم الجليل، والهمزة: فهو من يغتاب صاحبه ويغمزه، والهمزة: فهو الذي ~~يعيب حقا أو محقا ويهمزه، والهمزة: فهو الباخس المغتاب، واللمزة: هو الهامز ~~العياب، وجمعه للمال: فهو اكتنازه له واجتهاده، وتعديده له: فهو إرصاده له ~~وإعداده بما في يده من ماله لما يخشى من نوائب حاله. # --- PageV01P193 وتأويل {يحسب} هو أيحسب استفهاما وتوقيفا وتبيانا له وتعريفا على أن ما جمع ~~وأعد من مال لنوائب مكروه بحال لن يخلده فينقذه، ولن يدفع عنه ويقيه فيه ما ~~يخشى ويتقى من مكروه النوائب، كيف لا وهو لا يدفع عنه من الموت أكبر ~~المصائب، لا ينتفع عند الموت به، ولا بكده فيه وكسبه، وكذلك كلما أراده ~~الله به من كبر ضر سوى الموت، فليس يقدر له بجمع ماله وإعداده على خلاص ولا ~~فوت في عاجل دنياه، وكذلك هو في مثواه يوم القيامة إذا نبذ في الحطمة، ~~ونبذه فيها إلقاؤه إليها، والحطمة: فهي الأكول لأهلها باستعارها وحرها، وهي ~~النار التي جعل الله وقودها كما قال سبحانه بما جعل من حجارتها وأهلها في ~~قرارها، وفي ذلك ما يقول تبارك وتعالى للمنذرين:{اتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين}(1) فنار الآخرة جعلت نارا فطرها الله يومئذ ~~افتطارا، من غير حديد ولا حجر ولا شجر، ولا أصل لها قبلها مفتطرة كما نراه ~~من هذه النار التي جعل أصلها من الحجر والأشجار كما قال سبحانه:{أفرأيتم ~~النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون} ولو كانت نار ~~الآخرة كهذه النار لكان وقودها بما توقد هذه النار من أشجار، ولكن الله عز ~~وجل جعل ms0108 أصلها حجارتها التي فيها وأهلها فتوقدت واستعرت لذلك بهم كما يوقد ~~أهل هذه النار نارهم بحطبهم، فأهلها حطبها كما هم حصبها كما قال الله ~~سبحانه:{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} فأهل جهنم ~~بخلودها ودوام وقودها فيها خالدون لا يفنون أبدا، ولا يبيدون، كما يعود ~~الحطب رمادا جامدا ورفاتا خامدا، كذلك تعود جلود أهل النار نار الآخرة ~~رفاتا، وشيئا هامدا باليا مائتا فيجدد الله ذلك بعد بلائه، وتهافته تجديدا ~~ليخلد الله بالتجديد له أهل النار فيها تخليدا كما قال سبحانه:{كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} فنار ~~الآخرة أبدا # --- PageV01P194 بحجارتها وأهلها موقدة وحجارتها وجلود أهلها كلما بليت فمعادة، تقدير من ~~عزيز حكيم لبقاء عذاب الجحيم. # وتأويل قوله:{تطلع على الأفئدة} فهو ما يصل إلى قلوب أهلها من الكرب ~~والشدة، وتأويل {عليهم موصدة} فهو مطبقة مغلقة، وإغلاق جهنم فهو ما ذكر ~~الله عز وجل من أبوابها، والإيصاد للأبواب الذي هو التغليق عليهم فهو من ~~شدة عذابها وما ذكر الله من الإطباق والغلق فهو أكبر الغم والألم والحرق ~~كما قال سبحانه:{كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا ~~عذاب النار الذي كنتم به تكذبون}. # وتأويل {في عمد ممددة} بعد ذكره تبارك وتعالى المؤصدة، فهو ما يغلق به ~~أبواب جهنم المؤصدة المطبقة من عمد معروضة على أبوابها ممدودة، كالمهاج ~~والأوصاد التي تجعل على الأبواب المغلقة، وذلك من الإغلاق والغلق فأوثق ما ~~يغلق به كل مغلق أراد إغلاق الباب، أو أطباقا وذلك أنه يأخذ ما في طرفي ~~المغلق كله، وليس يأخذ ذلك من الإغلاق كلها غلق، وإنما يغلق كل غلق من ~~الأبواب ما يغلق إن كان قفلا، فإنما يغلق واسطة الأبواب، وإن كان غير ذلك ~~فإنما يغلق جانبه من كل باب، فأما المهج والرصد فيغلق الباب كله، ويستقصى ~~في الغلق آخره وأوله، ولاسيما إذا كان ممتدا ثابتا مهجا كان أو رصدا، ~~فأبواب جهنم وإغلاقها كلها كالمقامع التي ذكر الله من الحديد لا تبيد ms0109 كما ~~مقامع أهلها فيها إذا أرادوا أن يخرجوا منها حديد، كما قال سبحانه:{ولهم ~~مقامع من حديد} (1) PageV01P195 ألا فسبحان من جمع في جهنم ما جمع من أنواع الخزي والضيق للظلمة الملحدين ~~فقيل في يوم البعث لهم جميعا:{ادخلوا أبواب جهنم خالدين}(1). ### || AUTO تفسير {والعصر} # {والعصر إن الإنسان لفي خسر} فالعصر: قد يكون من آخر النهار، ويكون من ~~الدهر، فأشبه ذلك والله أعلم بالتأويل، ومايصح فيه من الأقاويل، أن يكون ~~العصر الذي بعد الظهر لاالعصر الذي من الدهر، وإن كان كل ذلك وقتا، وكان ~~ذلك لكلا الوقتين نعتا، كان أفضل الأوقات ماكان لصلاة من الصلوات، وكان ~~تأويل القسم به أشبه وأفضل وأوجه والله أعلم وأحكم. # وكان تأويل أنه قسم كما أقسم بالفجر والليالي العشر لفضلهما وقدرهما، ~~وماذكر الله من أمرهما. # والعصر والأعصار من النهار: فهو بعد الظهر والإظهار، وإذا كان الدهر وقتا ~~كله كان ماكان منه للصلوات هو أفضل، والأفضل هو الأولى بالتقدم في القسم ~~وغير القسم. # وأما تأويل الخسر: فهو النقص في الخير والبر، ولم يكن من الناس في خير ~~ولابر فهو كما قال الله عزوجل:{لفي خسر} وكان الناس فغير مفلح ولارابح إلا ~~من عمل لله بعمل صالح كما قال الله سبحانه:{إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. # وتأويل الإيمان: فترك كبائر العصيان، وتأويل:{وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر} فهو عملهم لله صالحات، وهي أولى الأعمال بهم، لما ~~فيها من رضى ربهم، وصلاحهم وصلاح غيرهم. # وتواصيهم بالحق: فهو تآمرهم بطاعة الحق، وتواصيهم بما ذكر من الصبر:هو ~~تأمرهم بالمقام على البر، وعلى مايعارضهم في المقام عليه من اليسر والعسر، ~~ومايقاسون فيه من منابذة المبطلين، ومن ليس بمراقب، ولامتق لرب العالمين، ~~من الفجرة المستهترين والجورة المتغلبين المتمردين (2). # (/7) # --- PageV01P196 ### || AUTO تفسير {الهاكم التكاثر} # {الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} فتأويل {الهاكم} هو أغفلكم عما عليكم ~~في المعاد، ولكم بما أنتم فيه من تكاثركم بالولد والمال والعشائر وتفاخركم ~~بما في ذلك عندكم من الخيلاء والمفاخرة، ولذلك وبه شغلوا وألهوا فغفلوا ~~بكدهم فيه وكدحهم وتكالبهم عليه، وشحهم ms0110 عن رشادهم، وتيقن معادهم، ولما في ~~التكاثر بالأموال، ومافي التشاغل بالتكاثر من الإشتغال طهر الله منه خيرته ~~من الرسل والأبرار، فلم يكونوا بأهل مكاثرة ولابتجار. # وتأويل {زرتم المقابر} هو مصيرهم اليها، واتصالهم بالآخرة، وإشرافهم ~~عليها(1). # وتأويل {كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لوتعلمون علم اليقين} هو ~~تكرير من الله تبارك وتعالى في ذلك كله عليهم للتعريف والتبيين، إلا ترى ~~كيف يقول سبحانه:{لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} يقول جل ثناؤه: ~~لترون ماوعدتم منها رأي العين عين يقين. # وتأويل {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} هو: لتوقفن حينئذ على ماكنتم فيه قبل ~~متوفاكم، وفي حياتكم ودنياكم من النعيم والمن العظيم، الذي كانوا ينعمون به ~~في الحياة الدنيا وبقائها، وقبل ماصاروا اليه من الآخرة وشقائها، وليس مما ~~نزل من الله عزوجل من آياته في هذه السورة ولاغيرها طويلة ولاقصيرة إلا ~~وفيها بمن الله دلالات خفية باطنة وظاهرة منيرة، ففي أقل ظاهرها ماكفى ~~وأغنى، وفي خفيها من الحكمة والبركة مالايفني (2). # (/8) # --- PageV01P197 ### || AUTO تفسير {القارعة} # {القارعة ماالقارعة وماأدراك مالقارعة} فالقارعة: ماهال من الأمور وقرع، ~~وهجم على أهله بغتة بأهواله فأفزع. # وأما تأويل مأدراه فهو: تعظيم منها لمرآه، وماسيعانيه فيها ويراه من ~~الأهوال والأمور الفادحة، وجزاء الأعمال الصالحة والطالحة، حين تقوم ~~القيامة، وتدوم الحسرة والندامة على كل خائب وخاسر، وظالم معتد فاجر، ألا ~~تسمع كيف يقول سبحانه عند بعثه فيها لخلقه المبعوث:{يوم يكون الناس كالفراش ~~المبثوث} وتأويل {يكون} فهو يصير، والفراش: فطير صغير خفيف عند من يراه ~~حقير، من همج الأرض والطير، تمثل به العرب في الكثير، لأنه كثير ضعيف، وطير ~~محتقر خفيف، فتقول إذا استكثرت شيئا أواستضعفته، واستقلت وزنه فاستخفته: ~~ماهذا إلا كالفراش في الخفة والقلة، وللقوم إذا استكثروهم كالفراش في ~~الكثرة والجمة. # انبثاثه: فهو انبعاثه متحيرا وطائرا في كل وجهة من الجهات، يموج ويصدم ~~بعضه بعضا في تلك الوجوه المختلفات، فمثل الله سبحانه الناس في يوم البعث ~~بما وصفنا من الفراش المنبث، الذي يموج بعضه في بعض، ويسقط تهافتا على ~~الأرض لما ذكرنا ms0111 من كثرته، وموجه وحيرته واختلاف جهاته، ويومئذ يدعوهم من ~~تلك النواحي المختلفات الداعي فيستجيبون لدعوته كلهم جميعا باستماع، كما ~~قال سبحانه:{يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له} (1) تأويلها: لااختلاف لهم بعد ~~معه كما كانوا يختلفون في المذاهب قبل دعائه، وماسمعوا وهم في حيرتهم من ~~ندائه كما قال سبحانه:{واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب}(2) وهو يوم ~~الإصاخة بالأسماع، لتسمع صوت المنادي الداعي، وفي ماذكرنا من هذه الإصاخة ~~ماقيل في يوم الصاخة:{فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه}(3). # (/9) # --- PageV01P198 وتأويل:{تكون الجبال كالعهن المنفوش} فالعهن: هو الصوف الناعم، الذي ليس ~~يقرد وذلك من الصوف، فما يلين للنفش في اليد وينتفش ويتجافى، ويعود خفيفا ~~أجوفا وقد تفرقت أجزاؤه، وبان جفاؤه فعاد قليله كثيرا، وصغيره كبيرا لتحلله ~~وتمزقه، وتزايله وتفرقه، كذلك تبلى الجبال إذا بليت، وتفنى يوم القيامة إذا ~~فنيت، فتكون كالسراب الرقراق، في الفناء والتهيؤ والإمتحاق، وفي جزاء ~~الأعمال بعد تلك الأهوال يقول الله سبحانه:{فأما من ثقلت موازينه} تأويلها: ~~من ثقل في الوزن بره واحسانه فيسعد بثقله، وثقل بعمله. # وتأويل {في عيشة راضية} فهو في عيشة مرضية زاكية، وإنما يعرف أمر الخفة ~~يومئذ واليوم والثقل بما يعرف منها اليوم في الحال والقدر والعمل، وليس ~~نعلم الخفة والثقل يومئذ في المقادير والأوزان بمثاقيل يوزن بها من خف وثقل ~~وجريان، ولكنه يعرف والله محمود بما ذكرنا من العبرة والبيان، وماتعرفه ~~العرب العاربة في اللسان واللغة. # {وأما من خفت موازينه} فتأويله: من خف به فسقه وعداوته {فأمه هاوية} ~~تأويل أمه: فهو من مصيره ومهواه، وماأمه ! ألا تسمع كيف يقول ~~سبحانه:{وماأدراك ماهيه نار حامية} فكانت النار الحامية التي صار اليها أمه ~~التي نسبه الله اليها ؛ إذ كانت له مقرا ومأوى، وقربه فيها المصير والمثوى، ~~والنار الحامية: فهي التي لايطفيها مطفية ماكانت باقية أبدا، والتي من ~~دخلها كان فيها مخلدا. # (/0) # --- PageV01P199 ### || AUTO تفسير {والعاديات} # وسألت أبي رحمة الله عليه عن قول الله سبحانه:{والعاديات ضبحا فالموريات ~~قدحا فالمغيرات صبحا} فالعاديات من كل ms0112 ذات ظلف أوحافر صلب أوخف: من كل ~~بهيمة جنية وحشية أوأنسية. # وتأويل قوله:{ضبحا} فهو عدوا ومرحا، و{الموريات قدحا} فهو مايورين ويقدحن ~~إذا عدون وصبحن بصلابة الأظفار والحوافر والأخفاف من نار الحجارة والحصاة، ~~والأرض الصلبة الخشناء فيورين النار من ذلك كله بإيقاد كما تورى وتوقد ~~النار بالزناد. # و{المغيرات صبحا} فيما أرى والله أعلم: خاصة الخيل بينهن وبين غيرهن من ~~ذوات الحافر في العدو والقدر واليمن من الفرق النير الجليل، ولخاص مافيهن ~~من النعمة والبركة والخير قدمن إن شاء الله في الذكر على البغال والحمير ~~فقال الله سبحانه:{والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ~~مالاتعلمون} (1). # وتأويل {فأثرن به نقعا} والنقع: هو الغبار المثار {فوسطن به جمعا} هو ~~توسطهن بغبارهن للجمع الذي عليهن كان المغار.. # وتأويل {إن الإنسان لربه لكنود} فهو الكافر لنعم الله بكبائر عصيانه ~~الفاجر العنود. # وتأويل:{وإنه على ذلك} من حاله وعداوته {لشهيد } لربه بنعمته واحسانه بما ~~يرى عليه من النعمة والإحسان، ومابين فيه من حسن الصنع والإتقان. # وتأويل {وإنه لحب الخير لشديد} فهو: أنه لمحب للخير مريد، لايضعف فيه ~~ضعفه في غيره من طاعة الله وأمره ودينه، وكفى بذلك فيه سرا، ومنه لربه فيه ~~كفرا {أفلا يعلم إذا بعثر مافي القبور} من عظام الموتى {وحصل مافي الصدور} ~~مما يبطن اليوم من غير الله ويخفى، وماسيظهر حين يحاسب كل امرء ويجزى {إن ~~ربهم بهم يومئذ لخبير} يومئذ يوم البعثرة والتحصيل {لخبير} لايخفى عليه ~~منهم يومئذ خير ولاشرير، وكما لايخفى عليه اليوم من أعمالهم صغير ولاكبير. # --- PageV01P200 ### || AUTO تفسير {إذا زلزلت الأرض} # وسألت أبي صلوات الله عليه عن قول الله سبحانه:{إذا زلزلت الأرض زلزالها ~~وأخرجت الأرض أثقالها} فتأويل {زلزالها} هو ما ينزل بها وبأهلها من أمر ~~الساعة وأهوالها، وفي ذلك ماقلنا به من بيانه مايقول الله سبحانه في يوم ~~الساعة وأهواله:{ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} (1) ~~ومن بيان ماقلنا به في الزلزلة من القول وإنه من الشدائد والهول قول رب ~~العالمين عند نزول الشدة والهول في يوم الأحزاب بالمؤمنين:{إذ جاؤوكم من ms0113 ~~فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} (2). # --- PageV01P201 تأويل اخراج الأرض لأثقالها: فهو طرحها لما كان عليها من أحمالها، ~~والأثقال: هي الأحمال وأحمال الأرض فما جعل الله عليها، وكان من الثقل الذي ~~هو الإنس ساكنا فيها، من ميت وحي، وفاجر وتقي، وكيف لاتكون مخرجة لهم منها، ~~وكلهم فمنتقل الى دار القرار عنها، وأرض الحياة الدنيا فأرض بائدة فانية، ~~وأرض دار القرار خالدة باقية، ومن أيقال الأرض من في قبورها ومن كان من ~~الموتى على ظهورها، فمن كل ذلك طائعة تتخلى، من قبل أن تبيد وتبلى، وفي ~~تخليها من ذلك كله واخراجها عنها له مايقول الله جل جلاله من أن يحويه قول ~~أو يناله:{وإذا الأرض مدت وألقت مافيها وتخلت} تأويل ذلك: أوحشت الأرض من ~~أهلها وأخلت، فنشر موتاها نشرا، وحشر الموتى الى الموقف حشرا، وعند ذلك من ~~حالها ومايخرج من أثقالها يقول الإنسان، والإنسان: هو الناس كلهم عندما ~~يرون من زلزالها وأخراجها لما كان فيها من أثقالها ماللأرض وماشأنها؟ فتحدث ~~الأرض حينئذ بخبرها أعيانها بأن الله سبحانه قد أوحى لها، فقطع مدتها ~~وأجلها فحان فناؤها وانقطع بقاؤها ف{يومئذ يصدر الناس} كما قال الله ~~سبحانه:{أشتاتا ليروا أعمالهم} وتأويل أشتاتا: هو يصدرون عن موردهم في ~~حشرهم صدرا شتاتا متفاوتا، فريق في الجنة وفريق في السعير، خالدا كل فريق ~~منهم فيما صار اليه من مصير، فيرى كل من عمل مثقال ذرة من خير وشر ماقدم ~~لنفسه من عمل في فجور أوبر كما قال سبحانه:{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فتأويل يراه: فهو يجزاه. # --- PageV01P202 ### || AUTO تفسير {لم يكن} # {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} فأهل الكتاب: هم أهل ~~التوراة، والتوراة: فهي الكتاب الذي نزل على موسى عليه السلام وأهله وحملته ~~اليهود والنصارى، وهم أهل ملل كثيرة شتا، فاليهود منهم فرق كثيرة مختلفة، ~~والنصارى أيضا فأصناف كثيرة متصنفة. # فمن اليهود اليهودية [ومنهم فرقة يقال لها: السامرية، ومنهم ms0114 فرق أخرى ~~تعرف وتسمى. # ومن النصارى الملكية، ومنهم اليعقوبية] ومنهم النسطورية في فرق أخرى أيضا ~~وتسمى، ولسنا نحتاج في هذا التفسير الى ذكرها، ولاتفصيل ماهي عليه من ~~أمرها، غير أنهم كلهم وإن افترقوا في مذاهبهم أهل الكتاب والمشركون، فهم ~~أهل الإثبات مع الله للآلهة والأرباب وهم مشركوا العرب، ومن كان يقر برب، ~~ومن الناس من ينكر ويجحد أن يكون للأشياء [رب يعبد ويزعم أن الأشياء لم تزل ~~كما ترى ولايثبت في الأشياء تدبيرا ولاأثرا، فيكابر في ذلك عماية وجهلا ~~مايدركه بعينه عيانا وقيلا، من الصنع النير والتأثير والبدع المتقن، ومحكم ~~التدبير الذي لايخفى على عمي ولابصير، وإن لم يقر بمعاد ولامصير، وليس ~~أولئك ولامن هو كذلك من أهل التوراة، ولامن أهل الكتاب، ولاممن يقر بإله، ~~ولابرب كالعرب، ومن كان مشبها للعرب ممن يقر بالله وإن أشرك مع الله فإنما ~~أولئك عند من يعقل كالبهائم السائمة، وإن لزمتهم الحجة بما جعل الله لهم من ~~الجوارح السالمة التي قطع الله بها عذرهم، وألزمهم بها كفرهم، وأولئك فليس ~~ممن ذكر في سورة لم يكن، وإنما ذكر فيها من يقر برب وإن لم يؤمن، من كفرة ~~أهل الكتاب والمشركين فقال سبحانه:{لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين} والإنفاكك والفك: هو المجانبة لما هم عليه والترك، ~~وتركهم: فهو لإشراكهم وانفكاكهم من عقد شركهم، وفريتهم فيه على الله ~~وإفكهم. # --- PageV01P203 وتأويل {كفروا} فهو لم يشكروا ؛ لأن من لم يشكر الله تبارك اسمه بترك ~~عصيانه فكافر وإن كان مقرا ومعتقدا لمعرفة الله وايقانه كابليس الذي ذكر ~~الله سبحانه معرفته به، وذكر كفره لما ارتكب من الكبائر بربة، وكذلك كل من ~~ارتكب كبائر تسخط من أحسن اليه فقد كفره، ومن أتى مايرضاه وتولى أولياءه، ~~وعادى أعداءه فقد شكره، ولما جمع أهل الكتاب والمشركين من كبائر عصيان رب ~~العالمين دعوا جميعا كفرة، وإن كانت قلوبهم كلهم وألسنتهم بالله مقرة ~~فقال:{لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} تأويل ذلك: أنهم ~~لم يكونوا مقصرين، ولاتاركين لما هم عليه ms0115 وعاصين لله فيه {حتى تأتيهم ~~البينة} المنيرة الظاهرة فقال:{رسول من الله يتلو صحفا مطهرة} ويتلو: يقرأ ~~ويتبع بعد القراءة مااقترأ. # الصحف: ماصحف ليقرأ، والمطهرة: ماجعل منها بركة وتطهرة، وبينات منيرة ~~مسفرة، وكل مطهر فمبارك، وكل مبارك فمطهر له، وفيه بالله البركة والتطهرة، ~~وكذلك يقال في الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ذكر بما جعل الله من البركة ~~فيه رسول الله الطيب الطاهر، وهو قول الكثير عند ذكره الطاهر عندما يذكره ~~بذلك صلى الله عليه وآله وسلم من الصادقين كل ذاكر، وإنما يراد بذلك ~~المبارك المزكى، وليس يراد بذلك طهارته بالماء إذا توضأ. # وكذلك يقال في ابنته فاطمة صلوات الله عليها إذا قيل: الطاهرة إنما يراد ~~بذلك ماجعل من البركة فيها، ومن ذلك ماوهب لها وجعل لبركتها من بقية رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسله صلوات الله عليه وعلى آله. # فهذا والله محمود من تأويل الطهارة ومطهرة، ومن وجوهه المعروفة غير ~~المستنكرة، لايجهل ذلك إن شاء الله ولاينكره من يعرف لسان العرب ويبصره. # --- PageV01P204 وتأويل {فيها كتب قيمة} هو كتب منيرة بينة محكمة لها نور وبرهان واحتجاج، ~~ليس فيها اختلاف ولااعوجاج، ثم ذكر سبحانه ماذكرنا من افتراق أهل الكتاب ~~واختلافهم وماهم عليه اليوم، وقبل اليوم بتشتيت أصنافهم فقال تبارك ~~وتعالى:{وماتفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءتهم البينة} والبينة: ~~فهي الرسل والأمور التي جاءتهم النيرة المبينة، وهي التي ليس فيها دلسة ~~ولاعماية جليلة ولالبسة، ولكنها بينة نيرة مضيئة ظاهرة لمن يعقلها جلية، ~~إلا تسمع كيف يقول سبحانه:{وماأمروا إلا ليعبدوالله مخلصين له الدين حنفاء} ~~فأمروا ليعبدوه جل ثناؤه وحده، فعبدت النصارى المسيح رسوله وعبده، وأمروا ~~ليخلصوا له الدين، ولايجعلوا له ولدا فجعلوا له ولدا، وجعلوه كلهم ثالث ~~ثلاثة عددا، وفيهم مايقول سبحانه:{لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ~~ومامن إله إلا إله واحد} (1) فهو الله الأحد الصمد، الذي ليس له ولد ~~ولاوالد. # وقالت اليهود كما قال الله جل جلاله عن أن يساويه شيئ ويماثله: عزير ابن ~~الله فلحقوا بالنصارى في الكفر ms0116 بالله، وشبهوا الله ببعض حالات خلقه في ~~الهيئة والقوى، وزعموا أنه جالس على عرش هو سرير، وأنه لايتوهم له قرار في ~~جو ولاهواء، فإن له مقعدا من العرش والكرسي ومستوى، وتأول من شبهه من هذه ~~الأمة في ذلك مايقول الله سبحانه:{الرحمن على العرش استوى} وأمروا أن ~~يكونوا حنفاء فكانوا جورة حمقاء. # (/6) # --- PageV01P205 {حنفاء} والحنيف: هو الطائع المستقيم الخاشع، وأمروا أن يصلوا له فصلوا ~~لغيره معه، فمنهم من صلى لإثرة صنم، ومنهم من صلى لعيسى بن مريم صلى الله ~~عليه، ومنهم من صلى لمن شبهه بآدم صلى الله عليه في الصورة واللحم والدم، ~~ومنهم من صلى لمن هو عنده نور من الأنوار، وجسم مسدس المقدار له زعم جهات ~~ست، خلف وأمام ويمين ويسار، وفوق وتحت، فتعالى الله عما قالوا كلهم علوا ~~كبيرا، وجل وتقدس عن أن يكون لنفسه من خلقه مثلا ونظيرا، وكيف يكون عابد ~~ذليل كعزيز معبود من لم يزل دائما مشبها لما كان طول الدهر غير موجود. # ثم قال سبحانه في دينه وصفته:{ذلك دين القيمة} تأويل ذلك أن كل ماأمر به ~~فمن الأمور المرشدة الهادية المستقيمة. # {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية} فالذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين بالله مع اقرار ~~الفريقين بالربوبية لله فهم كما قال الله شر البرية، بما كان منهم على الله ~~من الدعوى المبطلة المفترية، والبرية: فما ذرأ الله وبرأ مما يرى الخلق ~~كله، ولايرى. ونار جهنم: فهي النار التي لايعرف في النيران مثلها، ولايعلم ~~منها كلها مشبها لها فيما عظم الله من نارها وحر استعارها. # وتأويل {خالدين} فهو غير فانين ولابائدين كما قال سبحانه:{والذين كفروا ~~لهم نار جهنم لايقضى عليهم فيموتوا ولايخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل ~~كفور} (1) فنار جهنم هي النار المستعرة التي ليس لاستعارها أبدا من انكسار ~~ولافتور، ولو فترت من استعارها والتهابها فكان في ذلك تخفيف عن أهلها من ~~عذابها. # (/7) # --- PageV01P206 {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ms0117 ربهم جنات ~~عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك ~~لمن خشي ربه} فمن آمن فهم المؤمنون من كبائر العصيان، والذين لايخافون على ~~ارتكاب زور ولابهتان، ماثبت لهم أبدا اسم الإيمان، وحكم اهل الهدى والبر ~~والإحسان. # والصالحات من الأعمال: فهي كل صالح عند الله من قول أوأفعال، وجزاهم: هو ~~ثوابهم من الله وعطاؤهم. # وتأويل {جنات عدن} هو جنات متقر وأمن، وتأويل {رضي الله عنهم} هو رضاء ~~الله سبحانه لهم {ورضوا عنه} فتأويل رضاهم: فهو بماأعطاهم وجزاهم، بأنهم لم ~~يزالوا راضين عنه جل ثناؤه في دنياهم قبل مصيرهم الى ماصاروا. # ثم أخبر سبحانه لمن جعل جزاءه فقال:{ذلك لمن خشي ربه} يعني لمن خافه ~~واتقاه فأخبر جل جلاله أنه جعل لأهل التقوى الكرامة والرضاء، والإرتضاء في ~~المعاد والمأوى. # وتأويل {خالدين فيها} فهو بقاؤهم أبدا بعد المصير اليها (1). # ا PageV01P207 ### || AUTO تفسير {إنا أنزلناه في ليلة القدر} # {إنا أنزلناه في ليلة القدر وماأدراك ماليلة القدر ليلة القدر خير من ألف ~~شهر تنزل الملائكة والروح فيها} قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي ~~الأطروش سلام الله عليه:(سلوا الله الإفادة في سبعة عشر من شهر رمضان، وفي ~~تسعة عشر،وفي احدى وعشرين، وثلاثة وعشرين فإنه يكتب الوفد في كل عام ليلة ~~القدر، و{فيها يفرق كل أمر حكيم} (1). # فقد يكون {أنزلناه} جعلنا كما قال سبحانه:{وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد}(2) {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}. # وتأويل أنزل في ذلك: جعل، فيمكن أن يكون جعل القرآن كله وأحدثه وأتمه ~~وأكمله فيما ذكر تبارك وتعالى من ليلة القدر المذكورة، والقدر: فهو وقت ~~وقته الله جل ثناؤه من أوقات الدهور، وقد يكون القدر: هو الجلالة والكبر ~~كما يقال: إن لفلان أولكذا وكذا قدرا، يراد بذلك أن له لجلالة وكبرا، فإن ~~يكن وقتا وقت فهو وقت ذكره الله وكرمه بما قدر فيه من أموره المحكمة ومن ~~الأدلة على أن الله جعل القرآن في ليلة القدر كله، وأحدثه فيها فأتمه ~~وأكمله، وأنه لم يرد بتنزيله ووحيه انزاله ms0118 له جملة على رسوله ونبيئه أن ~~الله سبحانه إنما أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأوحى تبارك ~~وتعالى به اليه مفرقا لاجملة واحدة، وعلمه إياه جبريل صلى الله عليهما سورة ~~سورة وآيات آيات معدودة ليقرأه كما قال سبحانه على مكث وترتيل، ولترتيله ~~وصفه تبارك وتعالى في الوحي له بالتنزيل لأن المفرق المنزل هو المرتل ~~المفصل، وفي ذلك مايقول الله تبارك وتعالى فيه:{وقرآنا فرقناه لتقرأه على ~~الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}(3) ويقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قراءته:{ورتل القرآن ترتيلا}(4) والتفصيل: هو التقطيع والتنزيل. # (/9) # --- PageV01P208 وفي اجماله وجمع انزاله مايقول المشركون لرسوله صلى الله عليه وعلى ~~أهله:{لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} فقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم:{كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا}(1) {ولايأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا}(2). # فنحمد الله على مانور بذلك من حجته بمنه ورحمته تنويرا. # ثم أخبر سبحانه أن قد أنزله وتأويل ذلك أنه قد جعله الله كله في ليلة ~~واحدة فقال تبارك وتعالى:{إنا أنزلناه في ليلة القدر} و{إنا أنزلناه في ~~ليلة مباركة} فأبطل بذلك كل حجة لمن كفر مظلمة مهلكة، فكان ذلك من قدرته ~~مالاينكره أهل الجاهلية من أقر بمعرفته. # وقد يمكن أن يكون تأويل {إنا أنزلناه} هو تنزيله سبحانه من السماء ~~السابعة العليا الى من كان من الملائكة في السماء الدنيا، وقد ذكر عن أمير ~~المؤمنين علي صلوات الله عليه أن ذلك هو تأويل {إنا أنزلناه} وبيانه فأي ~~التأويلين جميعا تؤل فيه وقع بإنزاله كله عليه. # ولوكان إنما أريد بذلك انزاله على محمد صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم ~~لكان إنما نزل اليه مفرقا ومقطعا غير مجمل من الله، وإنما قال الله:{إنا ~~أنزلناه} فأوقع التنزيل على كله لاعلى بعضه، وقال لرسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم:{إن الذي فرض عليك القرآن}(3) فأخبر سبحانه بفرضه، والفرض: هو ~~التقطيع والتفصيل كما يقول القائل للشيء إذا أمر بقطعه أفرضه وفصله ؛ ~~ليقطعه. # وتأويل {إن الذي فرض عليك القرآن} هو أن الذي قطع ms0119 تفريقا مانزل من القرآن ~~اليك، وذلك هو الله الرحمن الرحيم، ومافرض فهو كتابه المنزل الحكيم، وأي ~~القولين اللذين ذكرنا وبينا في ذلك وفسرنا قيل به فتأويل، وأمر كبير جليل ~~كريم ذكره واجب شكره. # (/0) # --- PageV01P209 وليلة القدر التي نزل فيها القرآن فليلة من الليالي مباركة تتنزل الملائكة ~~فيها كما قال الله تبارك وتعالى الروح والملائكة لبركتها وقدرها وماعظم ~~الله من أمرها {بإذن ربهم من كل أمر} من أمور الله بنازلة وبركة لأهل الأرض ~~كلهم شاملة، فليلة ذلك الوقت والخير، والقدر خير كما قال:{خير من ألف شهر} ~~لما جعلالله جل ثناؤه فيها من اليمن والبركات، ومايمسك الله فيها عمن أجرم ~~من النقم والهلكات، ولما نسب الله اليها من الخير تنزلت الملائكة والروح ~~فيها من أعلى العلا الى الأرض السفلى. # (/1) # --- PageV01P210 يقول الله سبحانه:{بإذن ربهم} تأويل ذلك بإذن الله فيها لهم، وقد قال غيرنا ~~في تأويل {من كل أمر} إنه من كل وجهة، وماقلنا به والله أعلم في نزولهم من ~~أمر الله ورحمته بكل نازلة أشبه وأوجه، فهم ينزلون فيها من أمر الله ~~وتقديره ولما جعل الله فيها من بركاته وخيره وحدانا وزمرا وارسالا ببركتها ~~وإعظاما لها وإجلالا، وإذ جعلها الله سبحانه لتنزيله ووحيه وقتا ومقدارا، ~~وذكرها بما ذكرها به من القدر تشريفا لها واكبارا، وليلة القدر ليلة جعلها ~~الله من ليالي رمضان، ألا ترى كيف يقول سبحانه:{شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}(1) ويقول سبحانه بعد ذكره ~~لشهرها وماجعل الله فيها من بركتها ويمنها:{إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ~~ربك إنه هو السميع العليم} (2) فهي ليلة بركة ورحمة وسلامة وعصمة، وفيها ~~يقول أرحم الراحمين، ورب السموات والأرضين:{سلام هي حتى مطلع الفجر} وتأويل ~~{سلام} فهي في سلامة هي حتى طلوع الفجر، فليلة القدر ليلة سالمة مسلمة ليس ~~فيها عذاب من الله تبارك وتعالى ولانقمة، جعلها الله بفضله بركة وسلامة ~~ورحمة للعباد الى الفجر دائمة، ولحق ms0120 الليلة نزل الله فيها وحيه وقرآنه، ~~وفرق برحمته فيها فضله وفرقانه بالبركة والتفضيل والإعظام والتجليل. # --- PageV01P211 وتأويل {ماأدراك} فهو مايدريك لولا مانزلنا من البيان فيها عليك {ماليلة ~~القدر} في القدر والكبر، ومايضاعف فيها لعاملة من البر والأجر، فهي ليلة ~~{خير من ألف شهر} جعلت لبركتها ويمنها في التضعيف لها، والإضعاف كعشرة آلاف ~~ليلة، وعشرة آلاف ليلة، وعشرة آلاف ليلة، فذلك ثلاثون ألف ليلة، ونحوها ~~تامة جعلت مقدارا مضاعفا لليلة القدر تشريفا لها وكرامة، وهي ليلة مقدسة ~~يضاعف فيها كل بر وعمل صالح لمن عمل به فيها من أهلها فتزاد على تضعيفه من ~~قبل ثلاثين ألف ضعف لقدرها وفضلها، ونحمد الله في ذلك وغيره رب العالمين ~~على ماأنعم به من ذلك الله خير المنعمين (1). PageV01P212 ### || AUTO تفسير {اقرأ باسم ربك الذي خلق} # {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} فتأويل {اقرأ} فهو أن يقرأ، ~~وتأويل اسم ربه الذي أمر أن يقرأ به فهو الذي قدم له في تعليمه كل سورة عند ~~الإقراء له والتعليم. وربه: فهو الله الذي خلق خلقه، فخلق الإنسان من علق ~~إذا ماخلقه. والعلق: فهو الدم الأحمر المؤتلق الذي يتلألأ لشدة حمرته ~~ويبرق، فيما ذكره الله سبحانه من علق الدم، وخلق الناس كلهم غير آدم وحواء، ~~فإن حواء خلقت من آدم، وخلق آدم من تراب فلم يخرج آدم وحواء من بين ترائب ~~وأصلاب كما خرج من بين الصلب والترائب غيرهما، ولكنه كان من الله سبحانه ~~ابتداؤهما وتدبيرهما، من غير أصل مقدم من أب ولاأم، وكان مابين ذلك من ~~التباين والفرق في الصنع والفطرة والخلق إذ خلق آدم من تراب، وخلق نسله من ~~علق من أعجب العجائب، وأدل الدلائل على قدرة الخالق على ماخلق مما يشاء أن ~~يخلقه جل ثناؤه من الخلائق، وعلى أن قدرته فيما يخلق من خليقته واحدة غير ~~متشتتة ولامتفرقة على أقدار مايرى من افتراق البدائع، والخلق المفطورة ~~والصنائع كما قال سبحانه:{إنما قولنا لشيء أذا أردناه أن نقول له كن فيكون} ~~(1) فأخبر سبحانه أنه لايختلف عليه ms0121 في قدرته البدائع والكون، وأن قدرته في ~~ذلك كله لاتتفاوت، وإن تفاوت الخلق المبتدع المتفاوت. # --- PageV01P213 ثم أمر تبارك وتعالى رسوله بالقراءة باسمه أمر مثنى، وكل ذلك فواحد في ~~الإرادة والمعنى إلا أن التكرير غير التفريد، في زيادة الأمر والتوكيد، ~~والتكثير فأكثر في الرحمة، وفي زيادة المن والنعمة بالعلم والتعليم والأمر ~~والتفهيم، وفي كل كلمة من كلمات الله تقل اوتكثر بصائر جمة بمن الله لمن ~~يعقل ويبصر، فليس في شيء من كلام الله جل ثناؤه نقص ولافضول، ولايشبه قول ~~الله في الحكمة والبيان من أقوال القائلين قول، فقال سبحانه:{اقرأ وربك ~~الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم} من كل ماعلمه ببصر أوسمع ~~أوفؤاد، وماكان مرضيا أومسخطا لله من غي أورشاد كما قال سبحانه:{والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون} فبما جعل الله لهم من الأفئدة يعقلون ويتفكرون، وبما سلم من ~~السمع والبصر يسمعون ويبصرون، فتبارك الله أحسن الخالقين خلقا، وأوسع ~~الرازقين في العلم وغيره رزقا، فهو المعلم سبحانه بالقلم وبغيره من وجنوه ~~العلم التي ليست بخط ولاكتاب، من كل مايعلمه أولوا الألباب مايعلمه أيضا ~~سواهم ممن لم يبلغ في العلم مداهم، وإن لم يكتب وكان جاهلا بالكتب مما ~~يعلمه من صناعة أوبحرف أوبياعة فالله معلمه ومفهمه، من ذلك أولعلمه فلولا ~~قول الله سبحانه لم يظفر أبدا من علمه من علم ولم يفهم منه وفيه من يعلم ~~مافهم، وكذلك كل ملهم من طفل صغير، وكلما سوى ذلك من البهائم والطير من ~~ألهم علما في تغذي أومحاذرة لضر أوتوقي فالله عزوجل ملهمه معرفته وتوقيه ~~ومحاذرته. # --- PageV01P214 وتأويل قوله سبحانه:{ربك الأكرم} فهو مابان به الله من الجود والكرم فيما ~~وصل به اليه من النعم من مواهبه في العلم وغير العلم، وقد علم الله رسوله ~~عليه السلام من شرائعه ودينه، وإن لم يكتب بقلم أوبخط كتابا بيمينه ماجعله ~~الله به فله الحمد اماما لكل امام، كان معه في حياته وبعد وفاته من الكتبة ~~والعلام، فكان بمن الله لكلهم ms0122 اماما ومعلما،وعلى جميعهم في العلم والحكمة ~~مقدما، وفي ذلك وبيانه مايقول الله سبحانه في فرقانه:{وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولاتخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} (1) فكفى بهذا والحمد لله ~~بيانا وبرهانا لقوم يعقلون. # وتأويل:{كلا} فهو نعم وبلى {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} فتأويل ~~يطغى: فهو العناء والطغاء، وتأويل {أن رآه استغنى} فهو تكثره بالجدة والغنى ~~في كل مارآه فيه من علم ومال ومايراه مستغنيا به أومستطيلا به من كل حال. # وتأويل {إن الى ربك الرجعى} فهو الى الله المعاد في قيامة الموتى، ثم قال ~~سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:{أرأيت} تثبيتا له عليه السلام، ~~وتعريفا وتبيينا أيضا لمن كفر به، وتوقيفا على مايعرفون ولاينكرون، وماهم ~~به جميعا كلهم مقرون، من أنه ليس لأحد أن ينهى عبدا من عباد الله عن الصلاة ~~والأمر بالتقوى لله، فتأويل {أرأيت} فهو أرأيت أنت ومن معك ممن يرى كما ~~ترون، وكلهم جميعا يرى أن كل من صلى من خلق الله، وأمر بما يحب الله ويرضى ~~مبتغيا بذلك رضوان الله، وطالبا بذلك لما عند الله مصيبا لذلك في رشده ~~وهداه، قد أصاب بذلك طاعته ورضاه. # أليس من نهاه عندهم عن ذلك وآذاه فقد استوجب لعنة الله وإخزاءه، وكذلك كل ~~عبد لله أمر بالتقوى والإجلل لله كما كان يصلي محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم لله ولمرضاته، ويأمر باتقاء الله جل ثناؤه ومخافته، وكل ماكان فيه من ~~ذلك كله عندهم فحميد، ومن يعمل لله بذلك فيهم فرشيد. # (/6) # --- PageV01P215 ثم قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:{أرأيت إن كذب وتولى} تأويل ~~مايقرأ من ذلك ويتلى أفرأيت من كذب به بعد اقراره بما يصف وتولى في ذلك عما ~~يعرف من أنه ليس له أن ينهى عبدا عن أن يصلي لله، ولكن أن يأمر بما هو ~~الهدى عنده من تقوى الله. # {ألم يعلم} من فعل ذلك {بأن الله يرى} فيخاف أن يؤاخذه الله بفعله ويجزي. # وتأويل رؤية الله: فهو علم الله بنهي من ينهى عبدا إذا صلى ms0123 فما بالهم ~~ينهون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الصلاة، وعما لم يزل يأمر ~~به من التقوى أهل البر والرشد من الهدى مع علم من ينهى عن ذلك ويقينه بأن ~~الله علم بنهيه عن ذلك وغيره، فلما أصر الناهي عن ذلك على ظلمه فيه وكفره ~~مع ماأيقن به من علم الله بأمره فيه كله وأقر قال سبحانه:{كلا لئن لم ينته} ~~عما هو فيه، وعما أصر من ظلمه عليه {لنسفعا} وتأويل {لنسفعا} فهو لنأخذن ~~{بالناصية} والنصاية: فهي مقدم الرأس العالية. # ثم قال سبحانه:{ناصية كاذبة خاطئة} إذ كانت عما لايجوز النهي عنه عندها ~~من الصلاة والتقوى لله ناهية، فكذبت قولها في ذلك بفعلها، وأخطأت بنهيها ~~عنه فيه بجهلها، فهي كما قال الله سبحانه:{كاذبة خاطئة} وهي لله مخالفة في ~~ذلك عاصية، يقول الله سبحانه فإذا أخذنا منه بالناصية {فليدع} إن استجيب ~~له{ناديه} وناديه: فهو عشيرته وأولياءه وأنصاره وجلساءه الذين كانوا يجلسون ~~في مقامه، واليه يجتمعون لمجالسته ونصرته لدينه {سندع الزبانية} والزبانية: ~~فهم الملائكة المطهرة الزاكية التي يأمرها الله سبحانه بأمره، فتنفذ بكل ~~ماأمرها الله به مطيعة لله غير عاصية، وآخذة لما أمرها الله سبحانه بأخذه ~~غير وانية تأخذ بالغلظة والشدة كل نفس عاتية متمردة كما قال سبحانه:{عليها ~~ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ماأمرهم ويفعلون مايؤمرون}. # (/7) # --- PageV01P216 ثم قال سبحانه لرسوله:{كلا لاتطعه} يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لاتطع من نهى عن الصلاة والهدى، وعن الأمر لله بالتقوى، وكذب فعمل ~~بالكذب، ولكن اسجد واقترب بكل عمل صالح مقرب لمن فعله الى الله فليس لهم أن ~~ينهوا عن شيء من ذلك إذا كان عندهم كذلك، ومن يفعل ذلك اوعمل به فقد كذب ~~فيه قوله بفعله، وصار الى مالامرية فيه عنده من جهله، وتولى عما كان من ~~الإقرار لله عليه بتركه، لما كان مقرا لله بالحق فيه فتشهد عليه نفسه لله ~~بكفره، ويثبت عليه في الحجة باعترافه واقراره، فبان منه الكفر، وانقطع عنه ~~العذر، فلا عذر له عند نفسه ولااعتذار ولاخفاء لكفره ولااستتار، ms0124 وكذلك كل ~~من أسلمه الله الى الباطل وحيرته، ولبسه، وحجة الله قائمة عليه في الحق ~~بنفسه، وفي اقراره من ذلك مايقر حجة لله عليه فيما ينكر، وسواء قيل: اقترب ~~أويقرب معناهما واحد في التقرب. والسجود فهوالسجود الذي يكون بعد الركوع، ~~وليس سجود التذلل والخضوع، وكلا الوجهين فقد يدعى سجودا وبرا إذا كان ممن ~~هو فيه بينا موجودا. # وتأويل {واسجد واقترب} فمن السجود والصلاة، وتأويل {واقترب} فمن التقرب ~~مما يقربه من الحسنات،وسواء قيل: اقترب أوتقرب معناهما جميعا اقترب وأحد ~~ذلك كله فيما يقال به فيه فصواب (1). PageV01P217 ### || AUTO تفسير {والتين} # {والتين والزيتون وطور سينين وهذاالبلد الأمين} # فالتين: فهو هذا التين المأكول، والزيتون: فهو هذا الزيتون المعلوم، وقد ~~ذكر عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله عليه أن التين والزيتون ~~هو التين الشامي خاصة وزيتونه، وذلك لما جعل الله للشام من التقديس ~~والبركة، وفي الشام مايقول موسى عليه السلام لبني اسرائيل:{ياقوم ادخلوا ~~الأرض المقدسة} وماذكر الله من طور سينين: فهو الجبل الذي كلم موسى منه رب ~~العالمين. # و{البلد الأمين}: فهو الحرم الذي على كل حد من حوده رضم الحجارة، وعلم ~~فصل به بين غيره وبينه لتعرف بذلك ماهو منه. # وإنما أقسم الله سبحانه من الأشياء بما أقسم من القسم لما جعل فيها من ~~الآيات والبركات والكرم، وإنما يقسم أبدا المقسم بما يجل من الأشياء ويكرم، ~~وكرم ماذكر الله من هذه الأشياء فما ليس به عند من يعقل من خفاء، فمن كرم ~~التين والزيتون ماجعل الله فيهما من المنافع والطعوم، وكرم طور سينين ~~وبركته ماكان من مناجاة الله تبارك وتعالى لمسى عليه السلام في بقعته، وفي ~~ذلك مايقول سبحانه:{فلما أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة} فذكرها سبحانه بما جعل فيها من التقديس والبركة وفي ذلك مايقول ~~تبارك وتعالى:{وناديناه من جانب الطور الأيمن} والطور: فهو طور سينين ~~المذكور. # ومن كرم الحرم وفضله فما جعل الله فيه من الأمن لأهله ومافرض من حج بيته، ~~وألزم الناس في ذلك من فريضته. # وتأويل ms0125 {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} فهو خلقه للإنسان في أحسن ~~تعديل من كل توصيل وتفصيل أصل به أوفصل، أوهيء بهيأته فعدل، من هيئة أوصورة ~~مصورة مقدرة، أوفؤاد أوسمع أوعين مبصرة، وكل ذلك كان مفصلا أوموصلا فقد ~~جعله سبحانه مستويا معتدلا كما قال تبارك وتعالى:{ياأيها الإنسان ماغرك ~~بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ماشاء ركبك}. # (/9) # --- PageV01P218 تأويل{ثم رددناه أسفل سافلين} فهو رده إن بقي وعمر الى آخر أعمار الآدميين ~~التي إن صار اليها وبقي حيا فيها تغيرت حاله وعقله، وبان نكسه وسفاله كما ~~قال سبحانه:{ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون} وتأويل {ننكسه} فهو ~~نرده في الهرم والذهاب بعد القوة والجدة والشباب، أويموت قبل ذلك على كفر ~~وإنكار، فينكس بعد الكرامة في الهوان وعذاب النار، ومن الذي هو أسفل درجة ~~من كفره إن لم يهرم ؛ إذا هو نكس ورد في الآخرة الى نار جهنم، فنعوذ بالله ~~من السفال بعد التمة والكمال، وكل انسان في ذل، ليس له كمال ولافضل كما قال ~~سبحانه:{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد ~~بالدين أليس ألله بأحكم الحاكمين}. # فكلما لم يدخله من العطايا والجود، وذلك فما لايوجد أبدا إلا في عطايا ~~الله الجواد الكريم، وكل عطاء أعطاه معط سوى الله من حميد أوذميم فليس يخلو ~~من أن تدخله منة وامتنان، وإن لم ينطق بالمنة فيه لسان، لأن من وهبه وأعطاه ~~لم يعطه إلا بعد أن يكلفه وعاناه، والله جل جلاله يعطي من أعطى مايعطيه ~~بغير معاناة من الله ولاتكلف فيه، وكل معطي سوى الله فإنما يعطي ماأعطا من ~~رزق الله، وإنما يعطي مما قد جعله الله له ومما هو لله تبارك وتعالى، فنحمد ~~الله الذي لاشريك له الذي يعطي فلا يعطى، والذي لايعطي معط سواه إلا ~~ماأعطاه (1) PageV01P219 ### || AUTO تفسير {ألم نشرح} # {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك}. # فقال:{ألم نشرح لك صدرك}(1) فشرحه هو توسيعه لصدره صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفسحه، ms0126 لما كان تضيق عنه كثير من الصدور، فما حمل من التبليغ والأمور، ~~ومن شرح الله أيضا لصدره: تيسيره في الدين لأمره، وماأعطاه فيه من معونته ~~ونصره {ووضعنا عنك وزرك} فوزره: هو ثقله ووقره، والوقر من كل شيء: فهو ~~الحمل، والحمل من كل شيء: فهو الثقل، وإذا قيل لشيء: أوزره وزره فإنما يراد ~~بذلك حمله وقره، وماحمل من الأثقال كلها والأمور فإنما يحمل منه الحاملون ~~على الظهور، وكلما يعمله المرء من خيره وشره فإنما يحمله على ظهره كما قال ~~سبحانه:{قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا ~~ياحسرتنا على مافرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم إلا ساء ~~مايزرون}(2). # (/1) # --- PageV01P220 وقال سبحانه:{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع اثقالهم}(1) يريد سبحانه ماحملوه ~~من كفرهم وفجورهم، وليس يريد بذلك حمل اجمال، ولامايحمل على الظهور من ~~الأثقال، وإنما هو مثل يضرب من الأمثال، مما كانت تضربه وتمثله العرب، ~~وكذلك ماذكره الله من الشرح لصدر نبيه، ومانزل في ذلك من وحيه، فذكره ~~سبحانه لما ذكر من انقاض الوزر لظهره، وماوضع سبحانه لما ذكر من وزره فإنما ~~هو تمثيل وبيان ودليل، فليس يريد شرح الصدر ولاماذكر من الحمل على الظهر ~~بشرح شيء يقطعه، ولاحمل ثقيل يضعه، وماحمل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من وزر على ظهره، وذلك لايكون إلا من زلل أوخطيئة في أمره، ووضع الله ~~لذلك عنه فهو حطة لما أثقله منه، وحط الذنب فعفوه ومغفرته، وقد غفر الله ~~لرسوله ذنبه كله وخطيئته، كما قال سبحانه له صلوات الله عليه:{إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله ماتقدم من ذنبك وماتأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا}. # وتأويل {ورفعنا لك ذكرك} فهو رفعه لذكره بما أبقى في الغابرين الى فناء ~~الدنيا من أمره وقدره، ومن ذلك النداء في كل صلاة باسمه، وماجعل من الشرف ~~به لقومه فضلا عما من به على ذريته وولده، ومن يشركه في الأقرب من نسبه ~~ومحتده، فنحمد الله الذي رفع ذكره، وشرف أمره. # ثم ms0127 أخبر سبحانه في السورة نفسها من أخبار غيوبه خبرا مكررا فقال تبارك ~~وتعالى:{فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} فبشره بأن له مع عسره يسرا في ~~دنياه، وأن له مع ذلك يسرا لايفنى في آخرته. # (/2) # --- PageV01P221 ثم أمره سبحانه إذا هو فرغ من أشغاله ومما يقاسي به في هذه الدنيا من عسر ~~أحواله فقال عزوجل:{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} والنصب: فهو الإجتهاد ~~والجد والإحتفاد (1) كما يقال: اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد. ~~فذكر أنه لما أنزل على رسوله ماأنزل في هذه السورة من آياته فعبد رسول الله ~~حتى عاد كالشن البالي (2) في عبادته شكرا لله وحمدا وتذللا وتعبدا (3). ### || AUTO تفسير {والضحى} # {والضحى والليل إذا سجى} # والضحى: إضحاء النهار وشدة ضوئه وظهوره، وسجو الليل: فتراكب ظلمته وتكوره ~~كما قال سبحانه:{يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} (4). # وتأويل:{ماودعك ربك وماقلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى} فخبر من الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن أنه وإن لم يعطه ~~مايعطيه ويكثره أهل الدنيا في دنياه، فما تركه فمن حسن النظر في ذلك له ~~لالبغضه فقلاه. والقالي: فهو الشاني والشاني: فهو المبغض، وكل ذلك فهو بغض ~~ولكنه آثره بكرامته له في آخرته على أولاه. PageV01P222 # وآخبره سبحانه أن سوف يعطيه من عطايا الآخرة مايسره ويرضيه، ثم ذكره سبحانه ~~بفضله ونعمته، وبما من به عليه من رحمته فقال تبارك وتعالى:{ألم يجدك يتيما ~~فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل ~~فلا تنهر} وقد علم الناس أنه قليل من الأيتام من يؤوى {ووجدك عائلا فأغنى} ~~فأغناه بما لم يستغن به غيره في دنياه {ووجدك ضالا فهدى} فهداه بما من به ~~عليه من الهدى ثم نهاه تعالى عن اليتيم أن يقهره، وعن السائل أن ينهره، ~~وأمره من الحديث بنعمة ربه بما به أمره أن ذكره من اليتم بما ذكره، وقرر ~~بمعرفة ذلك بما قرره، فقال تبارك وتعالى:{وأما بنعمة ربك فحدث} تأويل ~~{فحدث} هو فخبر وانشر ms0128 ذلك واذكره وكثر، فكان بمن الله لما ذكر به ذاكرا، ~~ولنعم الله فيها كلها شاكرا (1) PageV01P223 ### || AUTO تفسير {والليل إذا يغشى} # {واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وماخلق الذكر والأنثى} # فقال:{واليل} وغشيانه: فهو ظهوره واتيانه، وتجلي النهار: فهو ظهور شمسه ~~على وحشه وانسه، وبتجليه وظهوره يعيش أهل الأرض فيه، ويتحركون وينتشرون ~~ويقبلون، ويدبرون كما قال الله سبحانه:{وجعل النهار نشورا}(1) فجعله برحمته ~~لخلقه ضياء ونورا، لتبتغوا فيه كما قال سبحانه:{من فضله} ولمنته على ~~أهله:{ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون} (2) فكفى بما في الليل والنهار من الدلالة على الله دليلا ~~لقوم يتفكرون (3). # وتأويل {وماخلق الذكر والأنثى} فهو وماخلق به كل ذكر وأنثى من الأزواج ~~المختلفة الشتى، أزواج الإنس والبهائم والأشجار، وكلما خلقه زوجا في الأصول ~~والثمار، فأقسم بما خلق به جميع خليقته من قدرته وحكمته، ومنه ورحمته، وقد ~~قال غيرنا: إن تأويل {وماخلق} هو ومن خلق، يريدون أن القسم كان بالله جل ~~ثناؤه، وليس والله أعلم ذلك في القسم كذلك ؛ لأن الله تبارك وتعالى أقسم ~~بالليل والنهار فقدمهما في قسمه، ولو كان تأويل ماخلق: هو ومن خلق لبدأ ~~الله في القسم باسمه وذكره، وعظم اسمه وكبره، ولكنه انشاء الله كما قلنا. # ثم قال سبحانه:{إن سعيكم لشتى} فجعل عملهم متفرقا متشتتا لأن عمل ~~المتفرقين من المبطلين والمحقين بر وفجور، وصدق وزور، فهو كله شتى متفرق، ~~هذا باطل في نفسه، # وهذا حق، أما تسمع كيف يقول الله سبحانه في تشتته وتباينه في الدنيا ~~والآخرة وتفاوته:{فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} فإعطاؤه ~~هو لما يجب من الحقوق عليه واتقاؤه فهو فيما أمر بالتقوى لله {وصدق ~~بالحسنى} فهو تصديقه بأن سيجزى. # وتأويل {فسنيسره لليسرى} فهو سنصيره من الكرامة والثواب الى ماسيراه عند ~~موته وفي حشره، وما سيعاينه في الموت والحشر من أمره. # --- PageV01P224 وتأويل {وأما من بخل واستغنى} بما يراه عند نفسه غنى من ماله وكسبه، وبخل ~~منه به عن ربه {وكذب بالحسنى} فتكذيبه بالحسنى هو تكذيبه بما وعد ms0129 الله أهل ~~التقوى. # وتأويل {فسنيسره للعسرى} هو سنصيره من الإهانة والعقاب الى ماسوف يرى. # وتأويل {ومايغني عنه ماله} فهو وماينفعه في الغناء حاله {إذا تردى} ~~تأويله إذا هلك وردي بعد أن كان قد أرشد وهدي، وماأغنى ممن أغناه من دنياه، ~~وملكه الله إياه فجعله الله له فهو لله قبله ألا تسمع كيف يقول في ذلك ~~تعالى:{إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا تلظى} وماكان ~~من النيران أن يتلظى فهو أشدها لهيبا وسعيرا، وأنكرها في الحر والتحريق مصيرا. # ثم أخبر تبارك وتعالى من يصلاها والإصلاء فهو التحريق فيها ~~فقال:{لايصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى} كذب بالجزاء والمثوى، وتولىعن ~~البر والتقوى، ثم أخبر سبحانه أن سيجنب هذه النار المتلظية من اتقى فقال جل ~~ثناؤه:{وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله} يؤتي يعطي ماله {يتزكى} تأويلها ~~ليطبيب بها عند الله ويزكى {ومالأحد عنده من نعمة تجزى} تأويله يريد يكأفأ ~~{إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} بما يعطى ويجزى إذا أعطى ماأعطى ~~لابتغاء وجه ربه، وماأراد من رضائه به (1). PageV01P225 ### || AUTO تفسير {والشمس وضحاها} # {والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها} والشمس: هي الشمس في عينها ونفسها ~~واستدارتها. وضحاها: فهو مايرى من علوها في السماء وظهورها واستنارتها. # وتأويل {والقمر إذا تلاها} فهو اتصاله بها وجيئته وراءها متصلا نوره ~~بنورها، وظهوره في الضوء بظهورها، وماأبين ذلك وأنوره، وأعرف ذلك وأظهره في ~~الليالي الغر من ليالي كل شهر، فنوره حينئذ بنورها متصل، ليس بين نورهما ~~فرقة ولافصل، وهي ليال بيض مسفرة مضيئة ساعاتها منيرة عظمت في النعمة ~~والقدر فقيل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن صيامها كصيام الدهر) وهي ~~ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وهي ليال جعلها الله كلها مضيئة ~~مقمرة، وصل الله ضوء نهارها بضوء ليلها، فكان ذلك من عظيم النعمة فيها ~~وجليلها، فسبحان من وصل وفصل بين الأمور فوصل منها بين نور عظيم ونور. # (/7) # --- PageV01P226 {والنهار إذا جلاها} فهو إذا أظهرها النهار وأضحاها ؛ لأنها لاتضحى أبدا ~~بإظهار إلا فيما جعلها الله تضيء فيه ms0130 من النهار، وكذلك سبحانه دبرها في ~~مقدارها، وبذلك فقدرها في مسيرها ومدارها، وفيها مايقول سبحانه:{لاالشمس ~~ينبغي لها أن تدرك القمر ولاالليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} فكلهم ~~جميعا في فلك، وهو المدار يطلعون ويغربون، فليل الشمس والقمر عند كل أحد ~~فغير نهارهما، وأنهما يدوران جميعا بالليل والنهار في مدارهما كما قال ~~سبحانه فلا يمكن أن يسبق النهار، وإن كان الفلك في ذلك كله هو المسلك ~~والمدار، لإن الليل لو سبق نهاره لسبقت الظلم أنواره فبطل العدد والزمان ~~وتقديرهما، وفسد البشر والحيوان وتدبيرهما، ولكان في ذلك أيضا فساد الأشجار ~~والثمار ؛ لأن قوام ذلك كله ونشأته بما فصل بين الليل والنهار، فسبحان مفصل ~~الأمور والأشياء لبقاء ماأراد بقاءه من النبات والأحياء،وليعلم العالمون ~~عدد السنين والحساب الذي عنه وبه يكون كل جيئة وذهاب، أوبقاء لشيء من ~~الأشياء جعله يبقى أويفنى مما فطره سبحانه خلقا، كما قال جل ثناؤه وتقدست ~~بكل بركة أسماؤه:{وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا}. # وتأويل {والليل إذا يغشاها} فهو إذاغشي الليل الشمس وآتاها فوارى بظلمته ~~نورها، وأخفى بظهوره ظهورها، ولم تر الشمس، ولم ينتشر الإنس، وسكن في الليل ~~الإنس والوحش وكل طير فهدأ من ذلك كله فيه كل صغير وكبير رحمة من الله به ~~لذلك كله، ومنة من الله من بها عليهم بفضله كما قال سبحانه:{ومن رحمته جعل ~~لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}. # وتأويل {والسماء ومابناها} فالسماء: هي السماء التي نراها {ومابناها} فهو ~~وماهيأها من حكمة الله وتدبيره ورحمة الله وتقديره. # (/8) # --- PageV01P227 وتأويل {والأرض وماطحاها} فهو والأرض ومادحاها، ودحو الشيء: هو بسطه ~~وتمهيده، ونشره وتوسيعه وتمديده كما قال سبحانه:{والأرض مددناها}(1) ~~وتأويله بسطناها ومهدنا كما قال الله سبحانه:{ألم نجعل الأرض مهادا والجبال ~~أوتادا} والممدود إذا أريد مده وامتهاده (2) ضرب فيه وفي نواحيه لتمتد ~~أوتاده. # وتأويل {ونفس وماسواها} فهو الأنفس التي قد علمناها لكل ذي نفس من ~~البهائم والإنس، وهي ms0131 التي إذا فارقت وزالت ماتت أجسادها وخفت، فعادت ~~أجسادها أمواتا هلاكا، ولم ير لها أحد بعد ذهاب أنفسها منها حراكا ~~{وماسواها} فهو وماهيأها لجعلها حية كما جعلها، وعدلها سوية كما عدلها، من ~~قدرة الله وإحكامه، ومنته عليها وإنعامه. # وتأويل {فألهمها فجورها وتقواها} هو فعرفها تدبير الله لها واحكامه ~~هيئتها وأجترائها، فجعلها تبارك وتعالى عارفة بكل ماكانت عليه مجترئة، أوله خائفة. # ثم أخبر سبحانه أن نفس الإنسان من بين ماذكرنا من الحيوان نفس بين الزكاء ~~والفلاح، والفجور والتدسية والصلاح، فإن تزكت بالتقوى أفلحت وزكت، وإن تدست ~~بالفجور عند الله طلحت وهلكت فقال سبحانه:{قد أفلح من زكاها وقد خاب من ~~دساها} وتأويل تزكيتها: هو تطهرتها، وتأويل تدسيتها: فهو من تطغيتها. # ثم ذكر تبارك وتعالى من دساها من سالف الأمم في الفجور فأطغاها فقال ~~سبحانه:{كذبت ثمود بطغواها} تأويله بعتاها وغواها {إذ انبعث أشقاها فقال ~~لهم رسول الله} وتأويله إذ قام أخزاها لشقوته وشؤمه، وبرضاء قومه وعشيرته، ~~والأشقى فقد يكون انسانا واحدا، أويكون جماعة عدة، وأي ذلك قيل به كانت ~~المقالة في الصدق والمعنى واحد، كما يقال: أشقى هذه قبيلة فلان، وأشقى هذه ~~قبيلة فلان فيكون ذلك كله واحدا في الدلالة والبيان. # (/9) # --- PageV01P228 ويدل على أن أشقاهم ليس بواحد منهم قوله سبحانه:{فقال لهم} فلو كان واحدا ~~منهم لقال: فقال له، وقوله:{فدمدم عليهم ربهم بذنبهم} فلو كان الأشقى واحدا ~~منهم لقال: فدمدم عليه ربه، ولقال أيضا: بذنبه، ولم يقل:{بذنبهم} إذ هو ~~واحد منهم، ولقال: عقرها، ولم يقل:{عقروها} إذا لم يكن إلا من واحد عقرها. # وقد قال غيرنا: إن عاقر الناقة كان انسانا احدا ليس بجماعة، وذكروا فيما ~~في أيديهم من الأخبار أن عاقرها يسمى ب قدار، وتكذيب ثمود فإنما كان بما ~~وعدها صالح صلى الله عليه إن عقرت الناقة من عذاب قريب أليم لاتكذيبها بما ~~لم تزل به مكذبة قديما قبل عقر الناقة من عذاب الجحيم، إذ يزجرها صالح صلى ~~الله عليه وينهاها عما أتت في عقر الناقة بطغواها إذ يقول لهم:{ناقة الله ~~وسقياها فعقروها فدمدم ms0132 عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولايخاف عقباها} فتأويل ~~ماذكر الله من السقيا: هو ماأعطى الله من لبن الناقة وسقى. # ومما يدل على ذلك قول الله سبحانه في الأنعام وهي الآبال:{وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون} ~~(1) وقوله سبحانه:{ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون} (2) والمشارب ~~والسقيا: هي الموارد والسقيا، والدمدمة: هي التسوية والهلكة لجمعهم ~~المفنية. # وتأويل قوله تبارك وتعالى:{فسواها} إنما يراد به أدنى ثمود كلها وأعلاها، ~~ومن أضعف ثمود [كلها] وأقواها. # وتأويل:{فلا يخاف عقباها} فقد يمكن أن وجهها ومعناها: هو فلا يخاف أحدا ~~على الضمير أن يراها بعد تدمير الله لها، وماأنزل من الهلكة بها، لايعقب ~~عقبا ولاينسل عقبا من ولد ولاذرية، ولايرجع بعاقبة مؤذية (3) PageV01P229 وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما. # الى هنا انتهى تفسير شيخ آل الرسول القاسم بن ابراهيم عليه السلام وعاقه ~~عن التمام شواغل منعته الى أن نزل به الحمام رحمة الله عليه وكل ماتقدم من ~~رواية ابنه محمد بن القاسم عليهما السلام، # --- PageV01P230 ### || AUTO ومن {لاأقسم بهذا البلد} من تفسير علامة العترة وقاموس الأسرة ~~الإمام محمد بن القاسم بن ابراهيم عليه السلام فقال رحمة الله عليه: # [مقدمة الإمام محمد بن القاسم عليه السلام] # الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين... وبعد: # فإن الله بفضله ورحمته جعل من عظيم ما من به علينا وعليكم من نعمته ما ~~هدانا وهداكم إليه، ودلنا ودلكم عليه من طلب حقائق الحق حين ضل عن ذلك كثير ~~من الخلق في تنزيل الله سبحانه وكتابه ؛ إذ لا يوصل إلي حقيقة حق إلا ~~بأسبابه، ولا يهتدى إلي صواب رشد إلا بمفاتيح أبوابه، فمن فتح الله له ~~أبواب علم الكتاب علم حقائق البر والهدى والصواب، ومفاتيح درك علم ذلك بغير ~~شك ولا ارتياب بما جعل الله عليه من فطرة العقول والألباب من معرفة الحق ~~بما ركب فيها من الأفهام، كما تعرف الأبصار إذا نظرت النور من الظلام، وذلك ~~إذا تركت العقول تميز بما ركب ms0133 الله فيها من الأفهام بين ما لبس الملبسون ~~إذا ورد عليها، وبين ما أوضح الله من حقائق الحق إذا أدته أسماعها إليها، ~~ولم يدخل على العقول لبس الحيرة والجهالات بما أتاه جهلة العامة من طرق ~~الضلالات، بطلب الهدى في مختلف ما افتروا على الله ورسوله فيه في كثير من ~~الروايات التي يحكمون فيها بجهلهم على ما جعله حاكما عليها من تنزيل القرآن ~~وما أنزل الله فيه من الهدى وجعل معه من نور الحق والبرهان، فزعمت جهلة ~~الحشوية والعامة، وممن كذب على الله ورسوله من ضلال هذه الأمة أن الكتاب ~~يحتاج إلي السنة، ولا تحتاج إليه، وهم قد رووا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله أنه أمرهم أن يعرضوا على كتاب الله عز وجل من الروايات كلما ~~اختلفوا فيه، فقالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله:(أنه ليس من ~~نبي إلا وقد كذبت عليه أمته، وسيكذب علي كما كذب على من كان قبلي من ~~الأنبياء فما جاءكم [عني] فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو مني وأنا ~~قلته، وماخالف كتاب الله فليس مني ولم أقله). # --- PageV01P231 فما رووا من هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فهو الدليل على أنه قد ~~أمرهم وحكم عليهم بعرض كلما اختلفوا فيه على الكتاب فما وافق الكتاب ~~وحقائقه قبل وصح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلم أنه منه، ~~وماخالف الكتاب علم أن رسول الله لم يقله ولم يأت عنه ؛ لأن رسول الله عليه ~~وآله السلام قد أمرنا باتباع وحي الكتاب [والإئتمام بما نزل الله فيه قال ~~الله سبحانه لنبيه فيما أمر به من إتباع وحي كتابه:{اتبع ما يوحى إليك من ~~ربك} وقال تبارك وتعالى لنبيئه وهو يخبر عن إتباعه لكتابه ووحيه:{قل إنما ~~أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} وإنما ~~أمر الله نبيئه باتباع وحي الكتاب لأنه قد أكل فيه كل حق ورشد وصواب، فعلى ~~كتاب ربكم هداكم الله فأقبلوا، ومنه ms0134 فاستمعوا إن أحببتم ترشدوا وتصيبوا ~~وتفلحوا وتنتفعوا. # واذكروا قول العالم(1) من كتابه مكملا، ونزل برحمته للعباد منه تبيانا ~~كريما رضي الله عنه، وجمع في مستقر رحمته بيننا وبينه حين يقول:"الحمد لله ~~الذي جعل الهدى فيما نزل مفصلا، فيه لمن استغنى به أغنى الغنى، ولمن اجتنى ~~ثمرات هداه أكرم مجتنى فلا تطلبوا رحمكم الله الهدى في سواه، فإن الله ~~برحمته قد أكمل لكم فيه حقه وبرهانه وهداه، فإنكم إن أقبلتم بأفهامكم عليه، ~~وأصغيتم بأسماع عقولكم إليه وجدتم كلما طلبتم فيه من جميع العلوم، يقول ~~الله في الكتاب سبحانه ما أوضح قوله وبيانه:{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء ورحمة وهدى وبشرى للمسلمين} " (2). PageV01P232 # وقد علمتم أن العالم رضي الله عنه قد كان فسر من كتاب الله بعض ما فهمه ~~الله منه، وكان ما فسر رحمة الله عليه من القرآن بما نرجو أن يكون الله ~~هداه له من الشرح والبرهان ما بين آخر الفرقان إلي سورة التي ذكر الله فيها ~~{والشمس وضحاها} ثم شغلته رضي الله عنه شواغل الأمراض والأسقام عما كان ~~يرجو أن يعينه الله عليه من التفسير والشرح لتأويل القرآن، فرأيت أن أتكلف ~~إن شاء الله بعده من الاستعانة بالله وحده بشرح بعض ما أرجو ا، يهدي الله ~~إليه، ويمن علينا في تفسير كتابه بالدلالة لنا على الصواب. # وأنا أسأل الله بلطفه ورحمته السلامة في ذلك من الضلال [عن هدايته والعون ~~على إصابة الحق والقول في تأويله بما يرضاه الله من الصدق] فكان أول ما ~~بدأت به إن شاء الله من التفسير سورة {لا أقسم بهذا البلد} وأسال الله ~~التوفيق لرشد الحق بالتبصير، فاقرءوه إن شاء الله مستمعين، وكونوا لأحسنه ~~متبعين فإن الله سبحانه يقول في الكتاب وهو يذكر من هدى من أولي ~~الألباب:{فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب} بصرنا الله وإياكم الحق فيما نزل من نور ~~الكتاب وجعلنا وجعلكم ممن هدى من أولي الألباب. # --- PageV01P233 ### || AUTO تفسير{لا أقسم بهذا البلد} # {لا أقسم بهذا ms0135 البلد وأنت حل بهذا البلد} فتفسير والله أعلم قول الله ~~تبارك وتعالى، المعقول المفهوم عند من وهبه الله علما وعقلا {لا أقسم} هو ~~توكيد للقسم، والإقسام بالبلد التي كان فيها النبي عليه أرضى الصلاة وأفضل ~~التسليم، وإنما معنى لا: ألا، وسواء قيل:لا في الإفهام أو ألا، وذلك فواحد ~~هاهنا في المعنى، فكان قول الله:{لا أقسم بهذا البلد} إنما تفسيره كيف لا ~~أقسم بهذا البلد تعظيما منه تبارك وتعالى وتفضيلا للبلد حين كان محلا ~~ومنزلا لرسوله محمد، وتعظيم قدر محمد بن عبد الله وكبره صلوات الله عليه ~~وعلى آله ما أقسم سبحانه بالبلد الذي كان محمد عليه السلام حالا فيها. # وتفسير {وأنت حل} مفهوم عند كل من كان عالما بعربي اللسان لا يحتاج فيه ~~عند أكثرهم إلي اشتغال بشرح ولا بيان لوضوحه عند علمائهم وجهالهم وما يدور ~~فيهم من مفهوم اللسان بين كبارهم وأطفالهم، وهو عند العالم منهم والجاهل: ~~الحال بالبلد والنازل، وسواء في لغة العرب قيل: فلان حل بالعراق، أو نازل ~~فيه، أو قيل: فلان حال به وفي ساكنيه. # --- PageV01P234 ### || AUTO ثم قال تبارك وتعالى فيما كرر من القسم وثنى:{ووالد وما ولد} ~~لما في الولد والوالد من آياته، وعجيب آثار تدبيره وقدرته، بينما الوالد ~~كما جعله الله واحدا، إذ خلق سبحانه منه نسلا كثيرا، وولد بأعجب الأسباب ~~والتدبير، وأدل الدلائل على قدرة الله القدير فأخرج من الوالد الواحد الفرد ~~النسل الكثير ذا الألوف من العدد بنطفة مني تمنى باجتماع الزوجين الذكر ~~والأنثى، وتصريف تدبير الله لتلك النطفة إذ صارت في الرحم فيما يصرفها فيه ~~من التصاريف، بينما هي في الرحم نطفة إذ خلق النطفة علقة، ثم خلق النطفة ~~العلقة مضغة فخلق المضغة عظاما فكسا العظام لحما ثم أنشأه خلقا آخر، آيات ~~من الله بعد آيات، ودلالة منه سبحانه لخلقه على ربوبيته وقدرته بعد دلالات، ~~قال الله تبارك وتعالى:{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة ~~في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا ms0136 العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}. # [الحكمة في إقسام الله تعالى بالمخلوقات] # ولما كان الوالد وما كان منه من النسل فيهما عجب من آيات الله عجيب، ~~ودلالة من دلائل قدرته وحكمته يفهمهما المفكر اللبيب أقسم تبارك وتعالى ~~بهما لما أظهر من حكيم تدبيره فيهما. # واعلموا رحمكم الله أن كل ما أقسم الله سبحانه من الإقسام به منهما ومن ~~غيرهما من أقسامه كلها في كتابه فعجب والحمد لله عجيب، وصواب عند الله ~~لأولي الألباب مصيب، لأن الله تبارك وتعالى أعلى من كل علي، وإنه في ~~الإرتفاع والعظمة فوق كل شيء فليس شيء في جميع الأشياء إلا والله أعظم منه ~~وأكبر وأعلى، فلم يكن ليكون القسم من الله سبحانه إلا بخلقه إذ ليس شيء من ~~الأشياء من فوقه، والله سبحانه فوق كل شيء ورب كل شيء موات وحي. # --- PageV01P235 وكذلك ما أقسم بما أقسم به من آياته وخلقه وصنعه دلالة للخلق على عظمته ~~سبحانه وعلوه وارتفاعه، وأنه ليس من فوقه ما يقسم به لأنه الله رب كل شيء ~~وخالقه، ومليك كل شيء في السموات والأرض ورازقه، ولا يقسم الله إذا أقسم ~~إلا بما أقسم به من أسمائه، أو بعجيب ما خلق من آياته في أرضه وسمائه، ~~فكلما أقسم به في اقسامه من التين والزيتون، والفجر، والسماء والطارق، ~~والشمس والقمر، والليل إذا أدبر، والصبح إذا أسفر، وغير ذلك مما أقسم به في ~~كتابه من جميع أقسامه التي أقسم بها لما أحاط علمه من عجيب أمرها باطن علمه ~~فحكمة من حكم الله يدل اقسام الله بها على أنها من عجيب آياته، وما جعله ~~الله دليلا لأولي الألباب على حكمته وقدرته. # ثم قال سبحانه:{لقد خلقنا الإنسان في كبد} يريد والله أعلم في تقويم ~~واعتدال وانتصاب وصعد ؛ لأن الله عز وجل لم يخلق في الإعتدال والإصعاد ~~والتقويم والكبد والإنتصاب شيئا من الأبدان غير بدن الإنسان، وفي ذلك عجب ~~عجيب من التدبير والحكمة والبيان، ولذلك ما يقول الله سبحانه العليم ~~الحكيم:{لقد خلقنا الإنسان في ms0137 أحسن تقويم} تذكيرا من الله تبارك وتعالى ~~لهذا الإنسان بنعمته فيما خلقه فيه من الكبد الذي هو التقويم والتصعيد، ~~وتفضيله لخلق الإنسان على خلق جميع الأبدان ليشكر ما أنعم الله به عليه في ~~ذلك من نعمته، وليعرف ما عرفه فيه من عجيب حكمته، وقد ظن غيرنا أن ما ذكر ~~الله من خلق الإنسان في كبد: هو ما الإنسان فيه مما يلاقي في معائش دنياه ~~من التعب والكد، والذي ذكرنا من تفسيره أولى وأشبه وأشرح وأنور وأفهم وأوضح. # ثم قال سبحانه:{أيحسب أن لن يقدر عليه أحد} كأن معنى ذلك والله أعلم: ~~فكيف يغفل عن قدرة من أنشأه فيما أنشأه فيه من الكبد تذكيرا من الله تعالى ~~للإنسان بما هو عليه من الإغترار به، والنسيان لنعمته وإحسانه إليه وغفلته ~~عن قدرته عليه. # --- PageV01P236 ثم قال:{يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد} والكبد: المتراكم ~~الكثير الوافر، الذي بعضه على بعض، وفي آثار بعض، يفهم هذا فيه المفكر ~~الناظر. # ثم قال سبحانه:{ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين} تذكيرا من الله للإنسان ~~بنعمته عليه في العينين واللسان والشفتين لما فيهن من القوة والمعونة على ~~فعل البر والتقوى والإحسان، وما جعل له من القوة والمعونة بالعينين واللسان ~~على تقواه والوصول بذلك إلي قبول ما نزل من نوره وهداه، وما ينال الإنسان ~~بذلك أيضا مما أحل له من منافع دنياه، فسبحان من خلق الإنسان وفطره وأنشأه ~~وأراه من حكمته في تسوية خلقه ما أراه، قال الله سبحانه:{يا أيها الإنسان ~~ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك). # ثم قال تبارك وتعالى:{وهديناه النجدين} فالنجد من الأشياء: فهو الظاهر ~~العالي الذي لا يخفى، ولذلك ما قيل لما برز من الأرض وعلا: نجدا، إذ ذلك ~~إذا كان المكان من البلاد بارزا مرتفعا قيل: إن تلك الأرض لنجد من الأنجاد، ~~دلالة على أنها ظاهرة بارزة من البلاد. # وما ذكر الله سبحانه من هدايته للنجدين فهما والله أعلم الطريقان في ~~مصالح الدنيا والدين اللتان جعلهما ms0138 الله ظاهرين غير خفيين، ولذلك ما دعيا ~~بهذا الإسم من النجدين إذ كانا قد هدى إليهما وكانا بارزين. # --- PageV01P237 ثم قال سبحانه:{فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في ~~يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة} فالعقبة والله أعلم عند ~~من يعرف اللسان العربي ويفهم: فهي الشديدة من الأشياء، ولذلك ما سمي العقب ~~في الأبدان عقبا، ولذلك ما سمى اللسان العربي الطرق التي في رؤوس الجبال ~~عقابا، يراد أنها كانت مكروهة لشدتها صعابا، فلما كانت هذه الأفعال التي دل ~~الله تبارك وتعالى عليها ورضيها وأحبها ورغب الناس فيها من فك الرقبة ~~والإطعام في اليوم ذي المسغبة لليتيم ذي المقربة، والمسكين ذي المتربة ~~شديدا تجشمها وتكلفها على من يبخل، ولما كان تكلفها على أكثر الناس مما ~~يشتد ويثقل سماها الله تبارك وتعالى: العقبة، وأخبر بما جعل لمن تكلف شدتها ~~وثقلها من كريم الجزاء والمثوبة. # والإطعام في اليوم ذي المسغبة: فهو الإطعام في يوم الجوع، والأزمة: فهي ~~الجدب والضرورة والحطمة، لأن الجوع بعينه في اللسان: هو السغب، وبذلك قديما ~~وحديثا كانت تسميه العرب، فأمر الله سبحانه بالإطعام في اليوم ذي المسغبة ~~ورغب فيه تبارك وتعالى أكثر الرغبة، ودل بقوله:{يتيما ذا مقربة} على أن ~~أفضل ما يتقرب به من أطعم قربة إطعام أيتام ذي الرحم والقرابة. # والمساكين الفقراء: فهو ذو المتربة، والمتربة من المساكين: فهو ذو الحاجة ~~الملحة الشديدة، الذي ليس له معاش ولا بلغة، قد أفضى إلي التراب من شدة ~~فقره، ووصل إليه من الحاجة والعري الذي هو فيه، وإنما سمى جميع من عرف ~~اللسان العربية متتربا ؛ لأنه قد أفضى من شدة الفقر إلي التراب إفضاء ~~متتربا. # ثم أخبر الله تبارك وتعالى بقوله:{ثم كان من الذين آمنوا} بعدما رغب فيما ~~دعا إليه من إطعام ذوي المسغبة وأيتام القرابات أنه إنما يقبل فعل ما تقرب ~~إليه بالإيمان الذي معناه ترك كبائر معاصيه. # --- PageV01P238 ثم ذكر الله سبحانه الصبر على فعل ما أمر به وجعل الصبر من أحسن ما ms0139 دل عليه ~~في كتابه فقال:{وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} والمرحمة: فهي التراحم ~~بين المؤمنين، والتعاطف بينهم بالرحمة ؛ لأن الله سبحانه رحيم يحب الرحماء، ~~كريم فوق كل كريم يحب الكرماء. # ثم قال تبارك وتعالى:{أولئك أصحاب الميمنة} والميمنة: فهي اليمن والبركة، ~~ثم قال:{والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة} والمشأمة: ~~الشؤم الذي صاروا به إلي الهلكة، وصارت النار به على الكافرين بكفرهم ~~وعصيانهم مؤصدة، والمؤصدة: المحيطة المطبقة بالأبواب المشددة، فنسأل الله ~~أن يجعلنا وإياكم ممن نجا بتقواه من سخطه وعقابه، وأن يبعدنا من النار ~~المؤصدة، وما فيها من عذابه لأهل المعصية والعدوان، وأن يسلمنا ويسلمكم من ~~الهوان، وحسبنا الله ونعم المولى ونعم الوكيل، عليه توكلنا وهو رب العرش ~~العظيم. # --- PageV01P239 ### || AUTO سورة {والفجر وليال عشر} # قال ابوعبدالله محمد بن القاسم صلوات الله عليه: تفسير {والفجر وليال عشر ~~والشفع والوتر والليل إذا يسري} فما ذكر الله سبحانه من هذه الأشياء وكرر ~~منها في إقسامه بها فأبان من عظيم آيات الله لما فيها من عجائب حكمة الله ~~لا يخفى ذلك فيها ولا يغبى على من وهبه الله عقلا ولبا، ولما فيها من عجائب ~~الحكمة ودلائل قدرة الله العظيمة جعلها الله قسما من إقسامه لنبيه بأقسامه ~~على ما جعل فيها من حكمة، وأي عجيب أعجب من صدوع بياض الفجر معترضا حتى ~~يستطير في أفق السماء كلها عرضا بعد سواد الليل وظلمته، وكلال الأبصار ~~بلونه وغشوته، ومن هدأ في الليل من الخلق عن حركته، وسرى بذهاب أوله ثم ~~ذهاب وسطه وآخره، وانكفاته كله يسيح في الفلك، ويسلك فيما قدره الله له فيه ~~من المسلك فقد يرى ذلك كله من شأن الليل وأمره من نظر إليه عند تولي آخره، ~~ورأى الليل مقبلا من المشرق عند آخر النهار وإدباره فرأى أوائل ظلام الليل ~~مقبلة من أقاصي الفلك، ثم رأى انبساطه فيما جعله الله من المخرج والمسلك ~~حتى يعلو ويظهر ويتسع وينشر فيطبق الأرض كلها ظلامه، ويشتد سواده وإطباقه ~~والتئامه ثم سري الليل كما قال الله تبارك وتعالى:{والليل إذا ms0140 يسري} وكل من ~~عقل عن الله لا يشك في سراه ولا يمتري ؛ لأن الليل له أول ووسط وآخر، ولا ~~يجيء آخره حتى يذهب أوله ووسطه ويدبر، وهذا الدليل على ستر الليل وذهابه ~~يبصره عيانا كل ذي عين، ويراه في إقباله وسراه ومسيره وذهاب أوله وصدره ~~وانكفات أعجازه وأواخره عند ظهور الفجر واعتراض نوره عجب عجيب من آيات الله ~~وتدبيره لمن فهم عن الله ما جاء في تبيينه لذلك وتبصيره، يقول الله تبارك ~~وتعالى في بعض الأقسام بما أقسم به من آياته العظام:{والليل إذا أدبر ~~والصبح إذا أسفر} تشبيها من الله تبارك وتعالى لمن عقل وفكر على ما أظهر من ~~حكمته لمن فهم وأبصر بما قدر من أحوال الليل والنهار، وما أرى سبحانه من ~~تدبيره لهما من # --- PageV01P240 الآيات العظام والفجر فإنه من عظيم آيات الله وعجب عجيب من آثار قدرة الله ~~في تنفسه وصدوع نوره، وما قدر الله بظهوره من عجيب حكمته وأموره، وتحرك هذا ~~الإنسان وجميع ما يسكن بظلمة الليل من الحيوان عند طلوع الفجر فيما يتحركون ~~له من المعاش والشأن، وما قدر الله سبحانه من الحكمة لذلك وفيه فتكل وتصغر ~~عقول الناس عن معرفة كنهه والإطلاع عليه ولما في الفجر من آيات تدبير الله ~~وحكمة ما جعل الله تعالى من قسمه. # والليالي العشر التي ذكر الله تبارك وتعالى: فهي الليالي التي آخر أيامها ~~يوم الأضحى، فأقسم الله بها وذكرها لكي ما يعرف الناس فضلها وقدرها وما ذكر ~~الله سبحانه من الشفع والوتر فمن الآيات عند ذوي الألباب والفكر، والوتر: ~~فهو الواحد الفرد، والشفع: فالاثنان من العدد، وإنما أقسم الله من ذلك بما ~~أقسم به لنبيه بما ذكر في كتابه على أن الشفع والوتر آية لذوي الألباب ~~والفكر. # ثم قال سبحانه:{هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد ارم ذات ~~العماد} يعني سبحانه هل في الإقسام بهذه الآيات من الفجر والليالي العشر ~~والشفع والوتر والليل إذا يسر مقنع في القسم لذي حجر، وذو الحجر فتأويله ~~والله ms0141 أعلم عند كل من يعرف اللسان العربي ويفهم فإنما يخرج على أنه ذو ~~العقل، والعقل فمعناه في اللسان: الحفظ، ولذلك قيل: فلان عاقل لبيب يراد ~~أنه حافظ للفهم وللصواب مصيب. # ومن الدلائل على أن العقل هو الحفظ بعينه في معناه وقصده وتبيينه قول ~~جميع العرب إذا أراد حفظ البعير وتشديده بالحبال: يا فلان اعقل البعير ~~بالعقال، يريدون بعقله حفظه بالعقال، وضبط الحفظ فهو العقل نفسه. # والحجر: فهو أيضا من حجر الشيء من الأشياء وحفظه، وأحاط بالشيء فلزمه مثل ~~العقل بعينه في تفسيره وتبيينه، وذو الحجر فهو ذو العقل، وذو العقل: فهو ذو ~~الحجر، وإنما يراد بذلك ذو الحفظ واللزوم للأمر المعقول المفهوم. # --- PageV01P241 ومخرج هذه الأقسام التي ذكر الله في سورة الفجر عند قوله:{إن ربك ~~لبالمرصاد} تخويفا منه تبارك وتعالى ووعيدا لعصاة العباد، وذلك ما ذكر فعله ~~في النقمة لعاد ارم ذات العماد، والعماد: جماعة العمود، وقد جاء فيما جاء ~~من الأخبار عن عاد أنهم كانوا يسكنون المظال التي ترفع بالعماد، والعرب ~~تقول لمن يسكن المظال والأخبية ساكن العمود، فإن يكن ما ذكر من العماد ~~سكناهم في بيوت العمد، فالعماد جميعها، وذلك فيما يفهمه كل أحد. # وقد يمكن والله أعلم عند من تفكر وتفهم أن يكون ما ذكر الله من العماد ~~عمدا كان في بعض ما كانوا فيه من البلاد من حجارة أو بناء أو خشب نصبوها ~~وصنعوها في بعض بلادهم لا يقدر على مثلها غيرهم من جميع الناس لما كانوا ~~عليه من شدة البطش، وما زيدوا من البسطة في الخلق على كل الأجناس، ألا تسمع ~~كيف يقول الله سبحانه:{التي لم يخلق مثلها في البلاد} وهو يخبر عن هذه ~~الآية المذكورة من عاد. # ثم قال:{وثمود الذين جابوا الصخر بالواد} وثمود فقوم صالح صلى الله عليه، ~~والوادي: فبلد في بعض نواحي الحجاز معلوم معروف، ويقال له: وادي القرى، ~~وبلد ثمود موضع منه يسمى الحجر من يأتيه ممن في تلك الأرض من الناس مساكنهم ~~فيه تعاين وترى قد نحتوها في أجواف الجبال نحتا، ms0142 وجابوا فيها قصورا منحوتة ~~وبيوتا. # --- PageV01P242 ثم قال سبحانه:{وفرعون ذي الأوتاد} والأوتاد والله أعلم: فآنية كان بناها ~~فرعون باقية إلي اليوم بأرض مصر تسمى الأهرام لم ير مثلها في جميع أبنية ~~ملوك الناس في الجاهلية والإسلام كأنها لإشرافها وعظمها هضاب من الجبال ~~عظام الأصول مصعد إلي أعلى يراها في ما أخبرت من أشرف على أرض مصر عن مسيرة ~~ليال قد بنيت بالصخور الكبار العظام الرواسي، التي لو اجتمع على مثل الحجر ~~الواحدة منها عصبة من الناس لما حركوه فيما ذكر من رآها ولا أزالوه، ترى ~~الحجار في أعالي الأهرام فلا يدري الناظر كيف رفعوه، وتلك الأهرام فيما ~~أخبرني من رآها سبعة، وهن على ما الله أعلم بقدره من الطول والعرض والسعة، ~~يقال: إن منها ما طوله في جو السماء أربعمائة ذراع صعدا، ويقال: إن طول ~~بعضها خمسمائة ذراع في الهواء مصعدا، قدرت حجارتها ونحتت وجوهها، ثم أطبق ~~بعضها على بعض عند بنائها ورصفها [فليس بينها زعموا مدخل الخلال من شدة ~~تراصفها فأسست عند ابتداء بنائها على عرض عظيم] من السعة فجعل عرض أساسها ~~ما بين أذرع مذروعة، ثم ذهب في الجو صعدا ينقص عرضها كلما رفعت شيئا حتى ~~دقت أعاليها بعد عرض أسافلها، وهكذا ما أخبر من صفاتها كلها. # وكان أبي رضوان الله عليه يخبرني أنه كان يسمع أن تلك الأهرام كانت قبورا ~~للعذارى من بنات الفراعنة، وقد قال بعض الناس: إن فيها كنوزا لهم كنزوها في ~~الأزمان الجاهلية، وقد ينبغي لمن تفكر وتفهم أن يوقن بأيقن اليقين ويعلم ~~لتفهمه (1) لقول الله عز وجل في الكتاب:{وفرعون ذي الأوتاد} أن هذه الأوتاد ~~من أعظم آثار فرعون فيما كان فيه من البلاد. PageV01P243 # ثم قال سبحانه:{الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد} فذكر تعالى هذه ~~الأمم الماضية من عاد وثمود، وفرعون ذي الأوتاد، وأخبر بما كانوا عليه من ~~الطغيان في البلاد، وما أكثروا فيها من الفساد، وكيف كان بطشه بهم وفيهم ~~حين انتقهم منهم، ونزل العذاب عليهم قال الله سبحانه:{فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب ms0143 إن ربك لبالمرصاد} تفسير قول الله والله أعلم:{إن ربك لبالمرصاد} أن ~~الله لمرصد معد لعذاب من خالف أمره وعصاه من العبيد. # وتفسير قول الله والله أعلم:{فصب عليهم ربك سوط عذاب} مفهوم إن شاء الله ~~عند من فهمه الله بعض تأويل الكتاب أنه إنما أراد أن يفهم كيف سرعة انتقامه ~~وعقوبته إذا أراد أن يأخذ أهل معصيته ليعقل ويفهم من تفكر ويعلم أن سرعة ~~عقوبته حين يأخذ أهل معصيته، وفي سرعة وقوعها لمن مضى كسرعة صبه السوط في ~~وقوعه ضربة واحدة وخطفته. # وقد يمكن والله أعلم أن يكون ما ذكر الله من صبه لهذا السوط من العذاب ~~على هذه الأمم التي ذكر أنه دمرها فيما نزل من الكتاب خبرا على أن هذه ~~الأمم التي ذكرها وأخبر أنه أهلكها بفسادها ودمرها إنما أهلكها بجزء من ~~أجزاء العذاب سماه سوطا في تنزيل الكتاب ليعلم من عقل أن ما أعد الله لهذه ~~الأمم في الآخرة من العذاب والنقم التي تخلد لهم ويخلدون فيها فلا تنقضي ~~ولا تنصرم ليست كالسوط من العذاب الذي عذبوا به في دنياهم ففنوا به في ~~الدنيا هم وأفناه الله حين أفناهم فنعوذ بالله ورحمته من سخطه وعقابه ~~ونسأله النجاة بالعون على طاعته من سطوة عذابه لمن خالفه وعصاه، ولم يؤثر ~~رضوانه وتقواه. # --- PageV01P244 ثم ذكر سبحانه جهالة هذا الإنسان وما لم يزل عليه الناس إلا من عصم الله من ~~الغفلة والخطاء والنسيان بقوله:{فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن} ~~وتفسير ما ذكر الله من هذا والله أعلم أنه إذا ما ابتلى الإنسان بتوسعة ~~رزقه وعطاياه، وما ينال بتوسعة الرزق من النعم في دنياه غفل الإنسان بذلك ~~عن ذنوبه وخطاياه، فظن أن ما نال من رزق الله بكرامة من الله لرضاه عنه، ~~وأنه قد سلم عند الله، وفيما بينه وبينه، ويغفل عن ذنوبه وخطاياه، ولا يفهم ~~أنه أراد امتحانه وابتلاه ليرجع عن معصيته، ويعمل برضوانه وطاعته، ويشكر ما ms0144 ~~أولاه عند ذلك من نعمته. # وأما إذا ما ابتلى الله سبحانه الإنسان فقدر عليه رزقه، وقدره عليه أن لا ~~يبسطه ولا يوسعة لما هو أعلم به في ذلك من صواب تدبيره في بسطه إذا شاء رزق ~~الإنسان وتقديره بعد حكمته في كل، وعلمه بما أصلح وأرشد وأصوب وأخبر به، ~~فعند ذلك ما يقنط الإنسان ويسوء ظنه، ويرى أن الله قد سخط عليه وأهانه، ~~ويغفل، غير أن أفعال الله التي تأتي من الله في الأحوال كلها على مالا يشك ~~من يعقل أنها عليه من صواب عدله. # ثم قال تبارك وتعالى:{كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام ~~المسكين} يرشد ويدل على ما يحب ويرضى من إطعام المسكين وإكرام اليتامى ~~لرأفته سبحانه باليتيم والمسكين، وما أراد من عباده في إطعام المسكين، ~~وإكرام اليتيم من الحق المحمود الكريم الذي يعطي عليه من ائتمر فيه بأمره ~~الثواب العظيم. # --- PageV01P245 وفي قول أرحم الراحمين:{كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحظون على طعام ~~المسكين} دليل والله أعلم على أن ما يرى العباد من التقدير على من قدر عليه ~~الرزق من المرزوقين إنما كان لما عليه أكثر الناس من الغفلة عن إكرام ~~اليتيم، والحض على طعام المسكين، ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{كلا بل لا} ~~تفسير والله أعلم:{كلا بل لا} يدل على أنهم لو أكرموا اليتيم وأطعموا ~~المسكين وفعلوا في ذلك ما أمرهم به الرحمن الرحيم لما قدر رزقه ولوسع رزقه بينهم. # ثم قال تبارك وتعالى:{وتأكلون التراث أكلا لما} والأكل اللم: فهو الأكل ~~السريع والجم الذي يشبه في سرعته وضمه ما يرى من الفم وعيدا منه سبحانه لمن ~~أكل تراث اليتامى، ونهيا عن ذلك وتحذيرا لمن فعله بأن أنذره عذابا أليما. # ثم قال:{وتحبون المال حبا جما} والجم: الكثير المتصل الأوفر الذي لا ~~ينقطع ولا يفتر نهيا عن فرط الحب للدنيا والمال لما يصير إليه من أفرط في ~~حب ذلك من الركوب للظلم في كثير من الأمور والأحوال. # ثم أخبر سبحانه بيوم انتقامه وعقوبته لمن خالف ما أمره به ms0145 من تقواه ~~وطاعته فصار إلي الجرأة على معصيته، وعما يكون في يوم القيامة من عظيم ~~آياته يقول:{كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ ~~بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} ودك المدكوك: فهو تكسيره ~~وتحطيمه ودق بعضه ببعض وتهشيمه، وذلك حين تدك الأرض بالجبال فتصير الجبال ~~كالكثيب المنهال، قال الله تعالى:{وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}. # --- PageV01P246 ### || AUTO [معنى مجيء الله وإتيانه] # وما ذكر الله من مجيئه: فهو مجيء أمره ونقمته وظهور ما يظهر يوم القيامة ~~من عظيم آياته، وما يكون يومئذ من عقابه لأهل معصيته، فلما بدا من آيات ~~الله العظام في يوم القيامة ما كان لا يعاين ولا يرى من فعله في دار الدنيا ~~فرأى الخلق يومئذ من أخذ الله بانتقامه للعاصين وشدة زلزال بطش عقاب الله ~~بالظالمين ما لم يكونوا في دار الدنيا يرون جاز أن يسمي الله تبارك وتعالى ~~كما يسمعون إتيان أمره وآياته عند أخذه لأهل معصيته لشدة بأسه وعقابه وما ~~يصير إليه من أطاعه من كريم ثوابه إتيانا منه ؛ إذ كان ما ظهر في ذلك كله ~~من الآيات العظام إنما كان بقدرته وعنه، وذلك مفهوم في لسان العرب عند من ~~كان ذا لب قد يقولون اليوم في مفهوم اللسان بينهم عندما يكون من سطوات ~~ملوكهم فيهم، وعند حلول جنود ملوكهم بمن يعصيه: جاء القوم مالا يطيقون. حين ~~سطا جنود ملكهم بهم في الدنيا، ويقولون: جاءهم الملك والخليفة، وإنما ~~جاءتهم جنوده المبعوثة، فلما كان يبدو للخلق في يوم القيامة من الزلزال ~~والآيات العظام التي يظهرها في ذلك اليوم، وكأن العصاة الظلمة من الآدميين ~~عنها وعن الحذر بها في دار الدنيا غافلين، وعما أنذرهم الله ورسله منها ~~معرضين كان معقولا عند من فهم عن الله من ذوي العقول والأفهام قول الله ذي ~~الجلال والإكرام:{وجاء ربك} و{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} لما جاءهم يوم ~~القيامة أمر الله، وبدا لهم ما لم يكن يبدو من انتقام الله، وحكم تبارك ~~وتعالى بينهم بالحق ms0146 والفصل، ووضعت موازين القسط التي معناها ما يكون يومئذ ~~من العدل الذي لا يغادر معه صغيرة ولا كبيرة من الإساءة إلا أحصيت، ولا ~~حسنة من الحسنات تدق ولا تجل إلا أحصي ثوابها وحصرت، وأحاط بالظالمين يومئذ ~~من بأس الله ما كانوا يحذرون، ورأوا حينئذ كل ما كانوا به ينذرون، وحكم بين ~~الخلق فيما كانوا يختلفون، وبدا لهم في ذلك اليوم الأعظم ما كانوا به من ~~جهنم يوعدون، قال # --- PageV01P247 الله سبحانه:{وجيء يومئذ بجهنم} والمجيء بها فهو حضورها، وإبداء الله لها ~~فرأوها وسمعوا شهيقها وزفيرها، وأبصروا تغيضها ولهيبها وسعيرها، وأخذتهم ~~الأغلال والسلاسل وأحاطت بهم الكروب والزلازل، وصف الروح والملائكة صفا ~~صفا، وامتلأت قلوب العاصين رعبا وخوفا كان حضور أمر الله في ذلك كله مجيئه ~~جائز به مفهوم فيه ومعه أن يقال: جاء ربك، حين جاءت البطشة الكبرى، وبدا من ~~الله في ذلك ما لم يكن يعاين الكفار في دار الدنيا، وجاء يومئذ ثواب الله ~~لأهل الطاعة والتقوى من جنات النعيم التي يخلدون فيها فلا يفنون، ولا يفنى ~~ولا يتوهم الخبر في المجيء من الله سبحانه والإتيان انتقال ولا زوال من ~~مكان إلي مكان جل عن ذلك وتبارك وتعالى إذ ليس كمثله شيء، ولم يكن له شيء ~~مثلا، ليس زائل سبحانه ولا منتقل، ولا يوصف بهبوط من علو إلي سفل، وليس ~~يمثل سبحانه في شيء من أموره كلها بمثل ولا ند، ولا مثل له ولا نظير ولا ~~كفؤ ولا شبيه ولا عديل، له الأسماء الحسنى والأمثال العلى، نعوذ بالله من ~~سخطه ومعصيته، ونسأله أن يؤمن روعنا يوم القيامة بعفوه ومغفرته، ويسعدنا ~~بإيثار تقواه وطاعته لنا يوم الفزع الأكبر باتباع مرضاته، ولا حول ولا قوة ~~ألا بالله العلي العظيم، عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم. # --- PageV01P248 ثم قال ذو العزة والعظمة والقدرة فيما ذكر من الخبر الصادق عن يوم القيامة ~~والحسرة:{يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} وتفسير ذلك أن الإنسان سيذكر ~~بما فرط فيه من الطاعة والتقوى فيندم حيث لا ينفعه الندم عندما يعاين ويرى ms0147 ~~من عظيم الآيات في يوم البطشة الكبرى فيندم ويفكر ويتذكر وأنى له التذكر ~~وعند ذلك ما يقول:{يا ليتني قدمت لحياتي} يعني في أيام دنياه، وقيل: ما كان ~~من وفاته تذكر أو ندامة على ما فاته من تقوى الله وطاعته، وألا يكون قدم ~~ذلك قبل حضور أجله وموته ليوم بعثه ونشوره وخلده فيصير بطاعة الله لو كان ~~أطاعه واتقاه إلي الثواب الذي أعده الله لمن يتقيه ويطيعه ويخشاه. # قال الله سبحانه:{يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى} وتأويل ذلك أن ~~الإنسان فرط في الذكرى حتى انقطعت عنه أيام حياة الدنيا التي جعلها الله ~~دار المهل والبلوى، فترك الطاعة والتقوى حتى صار إلي الدار الآخرة التي ~~ليست بدار مهل ولا بلوى، وإنما هي دار ثواب وعقاب وجزاء يجزى فيها كما قال ~~سبحانه تبارك وتعالى:{ليجزي الذين أسآؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى}. # ثم قال سبحانه وهو يخبر عن شدة عذابه وانتقامه لمن عصاه وعقابه:{فيومئذ ~~لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد} وتأويل ذلك أنه لا يعذب عذاب الله ~~أحد من المعذبين، ولا يوثق وثاقه أحد من الموثقين، فنعوذ بالله من سخطه ~~ونقمته، ونسأله العفو والمغفرة برحمته. # --- PageV01P249 ثم قال الله تبارك وتعالى وهو يخبر عن نفوس المؤمنين في يوم القيامة الذي ~~هو يوم الدين، وقوله عند فصله بين خلقه لحكم عدله وحقه فيما فصل بينهم ~~تعالى بالعدل في مقامهم الذي جمعوا فيه لحكم الفصل، وصار العاصون إلي مقرهم ~~من النار، وقيل لنفوس المتقين الأبرار الذين ألقى الله عليهم السكينة من ~~روعات ذلك اليوم فلم يرتاعوا وأنزلت على قلوبهم الآمنة من فزع يومئذ ~~فاطمأنوا ولم يفزعوا {يا أيتها النفس المطمئنة} إذ في اطمئنانها يوم الفزع ~~الأكبر أعجب العجب وأعظم المنة {ارجعي إلي ربك راضية مرضية} وتفسير رجوعها ~~إلي ربها: هو رجوعها إليه فيما وعد من ثوابها، قد رضي سبحانه منها بتقواها ~~وطاعتها، ورضيت بما صارت إليه من الثواب والنعيم في جنتها، والنفس هاهنا ~~المطمئنة: جميع نفوس المؤمنين الذين يكونون يوم الفزع الأكبر آمنين ~~مطمئنين، ms0148 وسواء قيل: يا أيتها النفس المطمئنة، أو قيل: يا أيتها النفوس، ~~عند من يفهم في ذلك ما أفهمه الله الملك القدوس كما سواء في الشرح والبيان ~~قيل: يا أيها الناس، أو يا أيها الإنسان. # ثم قال تبارك وتعالى للنفوس المطمئنة من أهل التقوى:{فادخلي في عبادي ~~وادخلي جنتي} ودخولهم في عباده فهو مصيرهم في الجنة إلي مقر أوليائه، ~~ولحوقهم بمن عنده فيما أعد لهم من ثوابه، والحمد لله رب العالمين، ونسأل ~~الله أن يجعلها من أوليائه المؤمنين الذين يكونون في يوم الفزع الأكبر ~~آمنين مطمئنين، وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته المتقين. # تفسير {هل أتاك حديث الغاشية} # {هل أتاك حديث الغاشية} والغاشية: الساعة من يوم القيامة المنتظرة ~~الجاثية التي تغشى الناس بغتة وهم عنها غافلون، ولا يعلم وقت مجيئها ~~وغشيانها إلا الله رب العالمين. # --- PageV01P250 وحديث الغاشية فيما ذكر الله من أمرها وإتيانها وخبرها وما يكون فيها من ~~البعث والحساب وما أخبر به سبحانه من الثواب والعقاب، ومن حديث الغاشية ما ~~ذكر الله في هذه السورة قال الله سبحانه وتعالى:{وجوه يومئذ خاشعة عاملة ~~ناصبة} وما أخبر فيها عن الوجوه الناعمة، والوجوه يومئذ الخاشعة: فهي ~~الوجوه الذليلة بعصيانها الخاشعة. # والعاملة الناصبة: فهي التعبة المكروبة الدائبة التيقد أعملها كرب العذاب ~~والنار وأتعبها، فهي مشغولة مفدوحة بعذابها دائبة، ألا تسمع كيف يقول ~~سبحانه:{تصلى نارا حامية}. # ثم قال تعالى:{تسقى من عين آنية} وتفسير الآنية: هي النار الحامية، فمن ~~أعمل أو أشغل أو أدأب أو أكرب أو أنصب ممن أنصبه وأعمله وشغله كرب العذاب ~~والنار، وما يشرب من العين الآنية من الماء الحميم الحار. # ثم قال تبارك وتعالى:{ليس لهم طعام إلا من ضربع لا يسمن ولا يغني من جوع} ~~والضريع في لسان العرب: فهو اليابس الضارع من الشجر، والضارع في اللسان ~~فأعلم من الأشياء: فهو النحيف اليابس الذي ليس بذي لين ولا ارتواء، تقول ~~العرب لما يبس من شجرة خشناء تدعى (الشبرق) إذا يبست وأكلت وذهبت رطوبتها ~~ولينها وعادت عيدانا يابسة وشوكا وذبلت: رأينا في ms0149 ارض كذا وكذا ضريعا من ~~شبرق يابسا مكدودا، والضريع: فمعناه اليابس القاحل الخشن الذي ليس برطب ولا ~~لين، فهو لا يزيد كل بدن أكله إلا يبسا وعجفا ونحافة، وهزالا وخشنة وجفوفا، ~~فنعوذ بالله الرحمن الرحيم من عذاب النار وأكل الضريع والزقوم. # --- PageV01P251 ثم ذكر سبحانه أهل الطاعة والتقوى الذين صاروا بسعيهم في رضوانه إلي أرضى ~~الرضى فقال فيهم تبارك وتعالى:{وجوه يومئذ ناعمة} والناعمة: فهي الحسنة ~~الألوان والأسباب ذات البهجة والنضرة والبهاء والإزدهار، التي قد رضيت ما ~~كان من سعيها في دار الدنيا لما رأت ما أثابها الله به من النعيم في جنة ~~الخلد والبقاء، قال سبحانه وهو يذكر في هذه السورة بعض صفات أوليائه في ~~الآخرة:{وجوه يومئذ ناعمة}. # ثم أخبر سبحانه بما نعمت فيه من الثواب والكرامة فقال:{في جنة عالية} ~~وتفسير العالية: المرتفعة السامية. # ثم قال تبارك وتعالى:{لا تسمع فيها لاغية} وتأويل ما ذكر الله سبحانه من ~~اللاغية: فهي الكلمة القبيحة المشينة، يخبر سبحانه أن أولياءه لا يسمعون في ~~الجنة لغوا ولا كلاما ممقوتا مؤذيا، قال الله سبحانه:{لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما}. # وأما قوله سبحانه:{فيها عين جارية} فالعين قد يمكن أن تكون العيون ~~الكثيرة ؛ لأنه قال سبحانه في موضع آخر من كتابه:{إن المتقين في جنات ~~وعيون} وقد يدعى الجميع باسم الواحد في اللسان، وقد قال:{يا أيتها النفس ~~المطمئنة} و{يا أيها الإنسان} ثم قال تبارك وتعالى:{فيها سرر مرفوعة} السرر ~~المرفوعة: فهي المستقلة المرتفعة، وتلك أحسن ما يكون من السرر هيئة وصنعة. # ثم قال سبحانه:{وأكواب موضوعة} يعني سبحانه أنها مهيآت منتشرة موضوعة حاضرة. # ثم قال:{ونمارق مصفوفة} وتأويل ما ذكر الله من النمارق المصفوفة: فهو ~~المطابقة المعتدلة المصفوفة، وذلك من وصفها وهيآتها أحسن ما تكون عليه من ~~صفاتها {وزرابي مبثوثة} فهي الكثيرة المبددة، وذلك من أحسن وضع الزرابي خاصة. # --- PageV01P252 ثم قال سبحانه وهو ينبه على الفكرة في آياته والإستدلال على وحدانيته ~~وحكمته بما خلق في أرضه وسمواته حين يقول تبارك وتعالى:{أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف ms0150 رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف ~~سطحت} فكل ما ذكر الله سبحانه من هذا كله فمن اجيب آياته وفعله، ومن ~~الدلائل على قدرته ووحدانيته وحكمته، تدل كل من فكر ونظر فيه ورمى ببصره ~~متأملا إليه على أن صانعه في الكبرياء والقدرة والجلال، الله الذي لا يشبهه ~~شيء، ولا يمثل بأمثال فأي عجب أعجب ودليل على قدرة الله أقرب مما يرى من ~~رفع السماء في موضعها، وما هي عليه من استقلالها ورفعها بغير عمد ثابتة لا ~~تزول، وهي من الكبر والعظم على ما تحار فيه العقول مع ما فيها من الآيات من ~~الشمس والقمر والنجوم المضيئات، وما قدر الله من مسير الشمس والقمر من علم ~~عدد السنين والحساب والأوقات والليالي والأيام والحر والبرد والساعات. # --- PageV01P253 وما ذكر الله سبحانه من خلق الإبل فعجب عجيب إذا نظر فيه المفكر اللبيب لما ~~جعلها الله سبحانه عليه من عظيم الخلق وشدة أسر الأوصال، وما كفى الله بها ~~الناس من حمل فادح الأثقال، وما جعلها عليه من قوتها وشدتها من السخرة ~~والتذلل، وجعل فيها من الجمال وبلوغ الحاجة والسفر البعيد، قال الله ذو ~~الجلال والإكرام وهو يذكر ما جعل من النعمة في الأنعام:{والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل ~~أثقالكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم}(1) ~~فهي كما قال سبحانه تحمل من الأثقال، وتطيق من كبار الأحمال مالا يحمل ~~غيرها من الدواب التي جعلها سخرة للركوب والأسفار فسبحان الكريم الرحمن ~~الجبار، وأي دليل أدل على ما ذكر الله سبحانه في تسخيره مما هي عليه من ~~الذلة مع عظم خلقها وشدة أسرها، ومايدل عليه من غلبتها الكبير من الدواب ~~والحيوان لما هو أشد أضعافا من الإنسان فمن يرى الإبل وتسخيرها وأمرها إلا ~~علم أنها لم تذل فنقوى عليها إلا بتذليل الله وتخيرها فأمن الإنسان من ~~مغالبتها وقهر صيالها وشدتها، ولولا تسخير الله لها ما كان الناس لها ~~مقرنين، فسبحان الله ms0151 وبحمده الرؤوف الرحيم. # وقد زعم بعض من الجهال ومن لا يعرف ما نزل الله به من القرآن في عربي ~~اللسان أن الإبل التي ذكرت غيم السحاب، وهذا لا يحتاج لقائله لانكشاف جهله ~~إلي جواب والحمد لله رب العالمين كثيرا الذي ذلل الأنعام وسخرها تسخيرا. # --- PageV01P254 وما ذكر الله سبحانه من الجبال ونصبها فمن دلائل آيات الله وعجائبها إذ ~~الجبال في كبرها وعظمها وثقلها التي فاقت فيه جميع ما في الأرض كلها أشد ما ~~في الأرض علوا وانتصابا وأرفعه في الجو سموا وذهابا، فمن فهم وفكر فعقل ~~وأبصر علم أن الجبل في عظم أسرها وثقلها وقوتها في ذلك لجميع ما في الأرض ~~كلها لم تستقل منتصبة ولم تثبت منذ كونت فيها راسية إلا بالله الذي أمسكها ~~وقوته، وما أقلها وأثبتها من قدرته، فسبحان من نصبها في جو السماء مع ما هي ~~عليه من عظمها وثقلها، وجعل فيها مع شدتها وصعوبتها ما جعل من فجاج سبلها ~~التي جعلها مسالك ذللها طرقا لمن سلكها من أهلها. # وما ذكر الله سبحانه من سطع الأرض الذي تفسيره ما جعلها عليها من الدحو ~~والسعة والعرض فعجب عجيب من الآيات، ودلالة منيرة على قدرته من الدلالات. # ثم ذكر سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم:{فذكر إنما أنت مذكر لست ~~عليهم بمسيطر} وتفسير هذا والله أعلم: أن الله أمر رسوله صلى الله عليه ~~وآله أن يذكرهم بالله وآياته، وبما أمر به من طاعته والإنتهاء عن معصيته، ~~وما وعد على الطاعة من مثوبته وبما توعد به أهل المعصية من أليم عقوبته. # وتأويل {لست عليهم بمسيطر} هو أن النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمر ~~بتسطير حسابهم، وأن حسابهم إلي الله خالقهم وربهم (1). # فأما قول الله تبارك وتعالى:{إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر} فيفهم تأويله بقوله:{فذكر إنما أنت مذكر} كأن تفسير ذلك أنه إذا ~~ذكر فسيذكر من تذكر إلا من تولى وكفر، فأخبر الله أنه سيعذب من تولى وكفر ~~العذاب الأكبر. PageV01P255 # ثم أخبر سبحانه {إن إلينا إيابهم ثم إن ms0152 علينا حسابهم} وتفسير الآياب: ~~الرجوع إلي الله والإنقلاب، ثم أخبر تعالى بأن عليه حسابهم، والحساب هاهنا ~~تأويله: المحاسبة بأعمالهم والجزاء منه لهم بالعقاب على سيء أفعالهم، فنسأل ~~الله أن يجعلنا ممن يذكر ما ذكر به، وأن يمن عليها بفهم ما نزل من كتابه، ~~والحمد لله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما ### || AUTO تفسير {سبح اسم ربك الأعلى} # {سبح اسم ربك الأعلى} فتأويل سبح والله أعلم تبارك وتعالى: بعد اسم ربك ~~ونزهه عما يصفه به المشركون، وتقول به من الكذب عليه العماة الذين لا ~~يعقلون من الإلحاد في أسمائه وصفاته، والكفر لنعمه، والعمى عن حجته وآياته. # ثم قال سبحانه:{الذي خلق فسوى} وكذلك الله تبارك وتعالى خالق كل مخلوق ~~بأحسن التعديل والتسوية، وواضع كل ما صور في خلقه من الصور في مواضعها ~~بأحسن التقدير والتهيئة. # ثم قال سبحانه:{والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} فالله ~~سبحانه الذي قدر الأشياء كلها على أحسن المقادير، وهدى إلي كل رشد في دين ~~أو دنيا وصواب، ودل على كل بركة وخير وهو الذي أخرج المرعى فجعله غثاء ~~أحوى، والمرعى: فهو الرعي الذي ترتعيه بهيمة الأنعام التي جعلها الله منافع ~~لنبي آدم يقول الله ذو الجلال والإكرام:{أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنا ركوبهم ومنها يأكلون ولهم ~~فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون}(1). # --- PageV01P256 وقال سبحانه وهو يذكر نعمته على البشر بما جعل في الأرض من المعائش لهم ~~وإحسانه تعالى إليهم، وبما كفاهم من أرزاق ما أعطاهم من بهيمة الأنعام ~~وخولهم فقال:{وجعلنا لكم فيها معائش ومن لستم له برازقين} وما ذكر سبحانه ~~من شبه الرعي إذا خرج وبدا بما هو له شبيه من خفيف الغثاء، والغثاء: القذا ~~الصغار الخفاف الذي على السيل إذا جرى، والأحوى: فهو الأصفر من أطرافه، ~~وكذلك الرعي فهو يخرج إذا بدا بنبت أصفر من جوانب ورقه، والعرب تدعو الشاة ~~إذا كان خداها أصفرين: حوى، وهم على هذا في اللسان مجتمعون ms0153 غير مختلفين. # ثم قال سبحانه:{سنقرئك فلا تنسى} وتفسير سنقرئك والله أعلم: سنعلمك ~~القرآن ونقص عليك فيه العلوم والأخبار {فلا تنسى} أي فلا تكن ناسيا، أمرا ~~منه سبحانه لنبيئه بأن يكون ذاكرا لا غافلا ولا متوانيا، يقول الله ~~سبحانه:{إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى} إخبارا عن قدرته على أن ~~ينسي إن شاء الله من خلقه ما أراد أن ينسيه، ولا يكون ذلك إلا بأمر وعلة من ~~العلل لحمة الله وعدله يوجب ذلك عليه، والله كما قال سبحانه الذي يعلم جهر ~~من جهر وسر من أسر. # ثم قال سبحانه:{ونيسرك لليسرى} تبشيرا منه تبارك وتعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وآله بأنه سييسره لكل يسر ويسرى في دينه ودنياه، وما يرتضيه. # ثم أمره سبحانه بالتذكير للعباد بما أمره بتذكيرهم به من نعمه وآياته ~~والمرجع إليه والمعاد فقال:{فذكر إن نفعت الذكرى} يقول سبحانه: إن نفعت ~~الذكرى فيهم لما هم عليه من غفلتهم ومعاصيهم. # --- PageV01P257 ثم أخبر بمن يصير إلي التذكر الذي هو الذكر فأخبر أنه من خشي من خلقه ~~واتقى، وأن الذي يتجنب الذكرى هو من خلقه الأشقى، فأخبر أن الأشقى الذي لا ~~يصير إلي الذكرى هو الذي يصلى النار الكبرى، والنار الكبرى نار جهنم التي ~~لا يشبهها نار من النيران في العظم، والتي هي أبدا تلهب وتضطرم نسأل الله ~~بعفوه ورحمته أن يعيذنا وإياكم عنها، وأن يسلمنا بمنه وفضله ويسلمكم منها ~~قال الله سبحانه وهو يذكر من يصلى النار الكبرى:{ثم لا يموت فيها ولا يحي} ~~وكذلك من كان في تلك النار من الكفرة فليس بميت ولاحي ؛ لأنه من حريقها ~~نعوذ بالله منها وعذابها في أخزى الخزي {لا يقضى عليهم فيموتوا} فينقطع ~~عنه ما هو فيه، بل العذاب في النار والخزي والهوان دائم عليه فليست حياته ~~فيها بحياة إذ لم يكن له فيها إلا العذاب الذي أخزاه، يقول الله سبحانه:{قد ~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} وهذا من القول والخبر صدق مفهوم المعنى. # ثم أخبر سبحانه بأثرة من يؤثر الحياة الدنيا التي ms0154 تنقضي وشيكا وتنفى على ~~دار الآخرة التي ليس للحياة فيها غاية ولا انقضاء كل من فيها فمخلد من ~~المطيعين والعاصين في داره، إن كان من أهل الجنة ففي الجنة، أومن أهل النار ~~ففي النار فقال تعالى:{بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا ~~لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} يقول سبحانه: إن هذا من الخبر عن ~~إفلاح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى. # --- PageV01P258 ### || AUTO تفسير {والسماء والطارق} # {والسماء والطارق} لما ذكر الله سبحانه من القسم سماءه فلما فيها من عظيم ~~آياته إذ هي على ما جعلها الله عليه من عجيب الصفات في العظم والكبر ~~والإستقلال بغير عمد، وما فيها من عظيم الآيات بما قدر الله فيها وبها من ~~جري النجوم الجاريات، وما جعل الله بها من الحر والبرد، وعلم السنين ~~والحساب والأوقات. # والطارق: فهو النجم ذو الذنب الذي يرى ليلا، ويطرق في الحين الطويل فقد ~~رأيتموه ورأيناه مرة بعد مرة وإنما قيل له: الطارق والله أعلم لأنه لا يرى ~~إلا بالليل، والعرب تسمي ما جاء من الأشياء ورئي ليلا آتيا وطارقا، وهذا ~~النجم يرى في الزمان بعد الزمان ليلا غربيا ومشرقا. # وإنما جعله الله قسما لعلمه بما فيه من أسرار الآيات يقول الله فيه ~~سبحانه عالم الخفيات:{وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب} والثاقب: فهو الذي ~~يبين نوره ويثقب، وفي مثل هذا من أمر النجم العجب العجيب، وإذا قال الله ~~تعالى في شيء من عجيب آياته وأمره:{وما أدراك.... ثم ما أدراك} فليعلم من ~~سمع أن ذلك لعظم المذكور وكبر قدره. # ومخرج القسم من الله سبحانه بالسماء والطارق في قوله تعالى:{إن كل نفس ~~لما عليها حافظ} وتفسير {إن كل نفس لما عليها حافظ} هو أن كل نفس لما عليها ~~حافظ يحفظ أعمالها، ويحصي عليها ألفاظها وأقوالها. # ثم نبيه الله سبحانه الإنسان على أن ينظر في العجيب من آياته، وفي ما ~~يدله على قدرة الله وربوبيته إذ يقول سبحانه:{فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ~~ماء دافق} ms0155 والماء الدافق: فهو النطفة المندفقة من الإنسان عند إمنائه، ~~والدافق: فهو الماء المنصب دفعة واحدة، ودفقة المندفق، وأي آية أعجب أو ~~تعجب أكبر وأصوب من خلق الإنسان من أضعف الأشياء وأوهنها وأقلها قوة ~~وأمهنها، فجعله على ما جعله عليه مخلوقا من الماء الميت المهين، فتبارك ذو ~~الحكمة وأحسن الخالقين، فأنشأه من الماء المهين فإذا هو خصيم مبين حيا ~~ناطقا مفكرا قائما قاعدا مقبلا مدبرا، يقول الله سبحانه:{أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين}(1). # --- PageV01P259 وأما تفسير قوله سبحانه:{يخرج من بين الصلب والترائب} فإنه قد قيل: إن ~~الماء الذي يخلق منه الإنسان يكون من الرجل والمرأة، فأما ماء الرجل فيجيء ~~ويخرج من صلبه، وأما ماء المرأة فمنشؤه ومجيئه من ترائبها فسبحان الله ذي ~~القدرة. # ثم قال تبارك وتعالى:{إنه على رجعه لقادر} وتفسير ذلك والله أعلم سبحانه: ~~أنه إذا خلقه من الماء المهين الدافق، ونقله في الخلق تارة بعد تارة قادر ~~على أن يرجعه بعد موته وبلائه بأقدر المقدرة. # ثم أخبر متى يرجعه ويحييه وينشره فيجدد بدنه بعد البلاء، وينشئه ~~فقال:{يوم تبلى السرائر} وهو يوم القيامة الذي تبلى فيه كل سريرة، ويكشف ~~فيه ما كان يستر في الدنيا كل مستورة يقول الله سبحانه:{فما له من قوة ~~ولانا صر} يعني سبحانه فما للإنسان يومئذ في دفاع المعاقبة بعمله والجزاء ~~له عن سيئ أفعاله من قوة يدفع بها ذلك عن نفسه، ولانا صر ينصره من قريب ولا ~~عشير فيلجأ إلى نصرته. # --- PageV01P260 ثم قال سبحانه:{والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع} فالرجع من السماء ~~والله أعلم: دوران فلكها ذاهبا تحت الأرض، وراجعا من فوقها والله أعلم فيما ~~نظن هو الرجع من السماء بعينه، وذلك فمفهوم فيها عند الفكرة فيه وتبيينه، ~~والصدع من الأرض: فهو انفراج منها وفيها، وقد يكون ذلك لما يتصدع عنه من ~~عجيب النبات والأشجار التي يظهرها الله عليها، ويمكن أن يكون ذلك صدعا من ~~الصدوع لا يراه الناس في بعض أطرافها ونواحيها لأمر قدره الله من أمورها، ~~فذكر الله ذلك ms0156 الصدع لعظم ما فيه من الآيات وكبرها يقول الله سبحانه بعد ~~هذا القسم وبعد ما دل عليه في السماء ورجعها، والأرض وصدعها من عجيب الآيات ~~والحكم:{إنه لقول فصل وما هو بالهزل} يقول سبحانه هذا القول وما جاء به من ~~الخبر الذي ذكره في هذه السورة، وما أخبر به من وحيه في جميع السور لقول ~~فصل وما هو بالهزل، والفصل والله أعلم: فهو الفرقان والبرهان الفاصل بين ~~قوة الحق وضعف الباطل، والهزل من الأخبار: فهو الزور. # ثم قال سبحانه:{إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا} وتفسير الكيد: الإرادة ~~للأمر فهم يريدون أمرا ويريد الله سبحانه أمرا، وإرادة الله النافذة ~~الغالبة، وهو أقدر تعالى وأقهر قهرا ؛ لأن إرادته الغالبة غالبة لإرادة كل ~~مريد وكيده سبحانه أبدا فهو الذي يهلك معه ويتمزق كيد كل ذي كيد. # ثم قال سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وآله وهو يخبر لما يصير الكافرون بعد ~~المهل من العقاب إليه:{فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} والرويد: فهو القليل، ~~وقوله الله سبحانه:{فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} أشد ما يكون من الوعيد ~~بالعقاب وأرعبه وعيدا، فنستغفر الله لنا ولكم من طول الحيرة في الحائرين، ~~ونسأله أن يجعلنا بالأعمال الصالحة لوعيده حذرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل ~~عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم. # --- PageV01P261 ### || AUTO تفسير {والسماء ذات البروج} # {والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود} فهذه أقسام من الله ~~سبحانه بالسماء وبروجها لما في ذلك من عظيم الآيات وعجيبها، واليوم ~~الموعود: فهو يوم القيامة والحشر الذي وعد الله به جميع البشر ليحكم بينهم ~~فيما كانوا فيه يختلفون، وليجازي كل امرء من المطيعين والعاصين بما كانوا ~~يعملون. # {وشاهد ومشهود} فيشبه والله أعلم أن يكون الشاهد: من يعاين ويشهد ويحضر ~~يومئذ من البشر ما كان يوعد به من المجازاة على الخير والشر، والمشهود: ~~فيمكن والله أعلم أن يكون ما يعاين ويرى ويشاهد من صدق الخبر في الجنة ~~والنار اللتين جاءت فيهما عن الله سبحانه البشرى والنذرى، فبشر الله بالجنة ~~في الدنيا عباده المؤمنين، وجاءت النذر والوعيد بالنار وعذابها إلى جميع ms0157 ~~الكفرة والعاصين. # وقد يمكن والله أعلم ولا ينكر عند من ينظر ويفهم أن يكون المشهود هم ~~المشهود عليهم الذين أوصلت الأنبياء حجج الله إليهم. # ويخرج هذا القسم والله أعلم عند قوله سبحانه:{إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق}. # --- PageV01P262 وأما قوله تبارك وتعالى:{قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها ~~قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} فقد جاء فيما جاء من الأخبار (أن ~~أصحاب الأخدود قوم من الكفار كانوا عذبوا نفرا من المؤمنين، وفتنوهم بحريق ~~النار، والأخدود: فالحفر التي حفرها العصاة الكفرة فأوقدوا فيها النار ذات ~~الوقود، والوقود: فاللهب، وكذلك تسمى كل نار التهبت، والعرب فلا يسمون ~~النار وقودا إلا عند التهابها واضطرامها، وذلك معروف في لسان العرب عند ~~خواصها وعوامها، يقول الله سبحانه:{إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود} لعظيم مار كبوا من تحريق المؤمنين، وأي أمر أعظم من أن ~~يكون من كفر وأجرم قاعدا على أخدود من وقود النار يحرق فيها أولياء الله ~~المؤمنين الأبرار فيمهلهم الله سبحانه في حياة الدنيا مدة يسيرة، ويستدرجهم ~~فيؤخرهم أياما قصيرة، ثم يعاقبهم بما فعلوا بالمؤمنين أشد العقوبة في ~~الآخرة فيدخلهم نار جهنم خالدين فيها أبدا، ويحرقهم بحريق جهنم تحريقا ~~دائما سرمدا بقدرته سبحانه عليهم. # --- PageV01P263 ولما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة الذي يخزيهم، ويعطي الله المؤمنين ~~من جزيل مثوبته، والفوز الدائم والخلد في نعيم جنته أكثر مما يتمنون يقول ~~الله سبحانه:{وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ~~ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} يخبر سبحانه أن ~~الكفرة الظالمين إنما عذبوا في ا لأخدود المؤمنين على غير أمر من الأمور ~~نقموا عليهم إلا إيمانهم بالله خالقهم وبارئهم يقول الله سبحانه:{إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير} ~~تسلية لعباده المؤمنين عما يلقون من المحن ms0158 من العصاة الكافرين، وبشرى منه ~~سبحانه لهم بالثواب الكريم، وما يصيرون إليه من النعيم الخالد الدائم ~~الثابت المقيم. # ثم قال الله تبارك وتعالى:{إن بطش ربك لشديد إنه هو يبديء ويعيد وهو ~~الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد} يخبر تبارك وتعالى أنه سيبطش ~~البطش الشديد بأعداء عباده المؤمنين، وأنه سينتقم لهم منهم أعظم النقمة ~~بالعذاب الدائم الأليم. # ثم دل سبحانه على قدرته عليهم بأنه الله ربهم ومعيدهم وبارئهم، ثم أخبر ~~تبارك وتعالى بأنه الغفور الودود، وكذلك ربنا وسيدنا ومولانا في عفوه عنا ~~مع طول غفلتنا وتغمده إيانا، فالغفور الذي لا يغفر مغفرته غافر، والودود: ~~فالمودة منه والرحمة التي لا يرحمها راحم، وهو الله ذو العرش المجيد، ~~والمجيد في لسان العرب: الجواد الماجد ذو العطايا والإحسان والمحامد، وكذلك ~~الله سبحانه، فالمجيد الذي لا يبلغ مجده ماجد، وولي جميع ما بين الأرض ~~والسماء من الخير والعطايا والمحامد، وهو الله الفعال لما يريد كل شيء ~~أراده بمقدرته عليه القدرة التي تفوت كل قدرة سبحانه لا إله إلا هو خالق ~~الدنيا والآخرة. # --- PageV01P264 ثم قال تبارك وتعالى:{هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود} والجنود: الجموع ~~الكثيرة، خبرا منه سبحانه عمن أهلك بالمعصية من هذه الأمم العصاة الكفرة إذ ~~كانوا في العدد أكثر كثرة وأعظم في دنياهم جدة وقدرة ممن كان في أيام محمد ~~رسول الله عليه السلام من أعدائه الكفرة فلم تدفع عنهم جنودهم ودنياهم حين ~~أحل الله سبحانه عقوبته بهم فأفناهم يقول الله سبحانه:{بل الذين كفروا في ~~تكذيب} يعني تبارك وتعالى من كان في أيام محمد من كفرة قريش والعرب في تكذيب. # قال الله العليم الحكيم:{والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد} والمجيد: ~~فهو الممدوح الكريم المحمود {في لوح محفوظ} واللوح هاهنا: مثل من الأمثال ~~يفهمه من يعقل إن شاء الله تعالى من أولي الألباب، وإنما أراد الله بذلك ~~والله أعلم أن القرآن محفوظ ثابت كحفظ ما في اللوح من أن يزاد فيه أو ينقص ~~منه، ألا ترى كيف يقول تبارك وتعالى في ms0159 خبره عنه {محفوظ} وما حفظه الله فهو ~~المحفوظ الحفظ الحريز الممنوع من أن يلم به ضياع بمنع القوي العزيز. # والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيئين وعلى أهل بيته ~~الطيبين وسلم تسليما. # (/6) # --- PageV01P265 ### || AUTO تفسير {إذا السماء انشقت} # {إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت ~~وأذنت لربها وحقت} فقول الله:{إذا السماء انشقت} هو خبر منه تعالى عن يوم ~~القيامة الذي فيه انشقت السماء وحقت. # وقوله سبحانه:{وأذنت لربها وحقت} فهو سمعت لربها وأطاعت. # وقوله:{وحقت} والله أعلم عند من يسمع اللسان العربي فيفهم: إنما هو أن ~~السماء حل بها من الله ما شقها فأصابها بعينها وحقها، وكذلك قوله الله أيضا ~~في الأرض:{أذنت لربها وحقت} فإنما تفسيره: حل بالأرض أمر الله فأصابها ~~وحقها، فحينئذ مدت ودكت، ومدها والله أعلم رفعها حين رفعت فحملت. # قال المرتضى عليه السلام:"معنى مدت: زيد فيها مثلها، وتفسير إلقاء الأرض ~~والله أعلم لما فيها فهو إخراجها للأبدان والعلم عند الله لمن يبعثه من ~~الموتى الذين صاروا بالدفن وغيره إليها وإسلامها عند مهدها للأشجار والنبات ~~الذي أنبته الله عليها. PageV01P265 # يقول الله سبحانه:{يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} تفسير ~~الكدح: ما يكسب الإنسان من الخير والشر الذي يجازى عليه، والكدح من الأفعال ~~عند جميع أهل اللسان والعرب فهو ما يكون من الإنسان في الخير والشر من ~~الإكتساب. # ومخرج الخبر من الله سبحانه في هذه السورة عن يوم انشقاق السماء ومد ~~الأرض عند قوله سبحانه في هذه الآية:{فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا} وتفسير الحساب اليسير والله أعلم فهو الغفران للمؤمنين من ~~الله الغفور، وتفسير والله أعلم قول الله {من أوتي كتابه بيمينه}: فهو ~~فيما نرى والعلم عند الله من عنى من المؤمنين بما كتب الله عليه في دينه ~~{أوتي كتابه} الذي هو حسابه {بيمينه} واليمين والله أعلم وتفسيرها: اليسر ~~والتيسير عند من يفهم لأن ميامن الأشياء وأيمانها أيسر يسرا من الشمائل ~~والظهور التي إذا جاءت الأشياء منها ms0160 كانت أشد على الإنسان في التناول وأعسر ~~عسرا، فكان قول الله سبحانه:{بيمينه} هو مثل ضربه الله والله أعلم لمن ~~اتقى في دينه يدل على أن المتقين في يوم القيامة تأتيهم كتبهم التي هي ~~والعلم عند الله علم الله بأعمالهم الذي هو محاسبتهم من اليمين التي ~~معناها اليسر والبركة، فيكون أمرهم كلهم وفعلهم في اليمين، واليمين ~~والميمنة التي ينجون بها من الهلكة. # --- PageV01P266 والعاصون فتأتيهم كتبهم والله أعلم التي معناها العلم بأعمالهم وحساب ~~أفعالهم من الشمال إذ هم في ذلك اليوم وأفعالهم في الشمال، والشؤم الذي هي ~~المشأمة بعصيانهم وضلالهم بكتابهم الذي يأتيهم من وراء الظهور منهم فهو ما ~~يأتيهم والله أعلم وراء الظهور الذي هو عملهم وحسابهم من العسر عليهم ~~والتعسير. # وإن يكن الكتاب بشرى للمؤمنين بكتاب يعطاه المؤمن يبشر فيه بالجنة ~~والرحمة التي جعلها الله جزاءه، وكتابا يعطاه العصاة الكافرون يبشرون فيه ~~بما أوعدهم الله على كفرهم وعصيانهم من النار فذلك أيضا وجه ممكن مفهوم، ~~وبالله يرجى الهدى إلى كل صواب في جميع الأمور. # ثم أخبر سبحانه عن الذين أوتوا الكتاب بأيمانهم أنهم يحاسبون حسابا ~~يسيرا، وينقلبون إلى أهليهم في الجنة مسرورين، وإن الذين أوتوا كتبهم وراء ~~ظهورهم فسوف يدعون ثبورا ويصلون سعيرا، يعني سبحانه بالسعير النار التي ~~يدخلها الكافرون، والثبور: فتفسيرها الويل عندما يعاينون من الخزي الطويل ~~نعوذ بالله من عذابه ومعصيته ونسأله العون على العمل بما ينجو به من طاعته. # يقول الله سبحانه:{إنه كان في أهله مسرورا} يعني العاصي الذي أوتي كتابه ~~وراء ظهراه قال الله سبحانه:{إنه ظن أن لن يحور} تفسيره والله أعلم في ~~يحور إذ الحوران في اللسان العربي: الرجوع من الراجع بالدورة هو أن الكافر ~~ظن أن لن يرجع إلى ربه وقد أحياه ونشره كما وعده من القبور يقول الله ~~سبحانه:{بلى إن ربه كان به بصيرا} يعني تبارك وتعالى بقوله:{بلى} أن ~~الإنسان سيبعث حيا بعد التمزق والبلى، والله سبحانه فهو البصير بالإنسان ~~وغيره من خلقه، المجازي للمطيعين والعاصين من عباده بعدل حكمه وحقه. # --- PageV01P267 ثم قال ms0161 سبحانه:{فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق} فأقسم ~~بهذه الأقسام لما فيها من عجيب آيات الله العظام {والليل وما وسق} وتفسير ~~وسق فيه: هو كلما كفت الليل من الخلق عند وقوعه عليه {والقمر إذا اتسق} ~~واتساق القمر: هو تمام نوره وما يكون من استدارته واتساقه بعد ذهاب نوره في ~~آخر الشهر وامتحاقه. # يقول سبحانه:{لتركبن طبقا عن طبق} والطبق والله أعلم هو ما ينتقل فيه ~~بالبشر، الحالات من الحياة الدنيا التي هم فيها، ثم ما يصيرون إليه من ~~الذهاب والممات، ثم ما يصيرهم الله إليه من البعث والنشور بعد البلى في ~~القبور. # قال الله تبارك وتعالى:{فما لهم لا يؤمنون وإذا قريء عليهم القرآن لا ~~يسجدون} ثم أخبر سبحانه بالعلة التي أهلكوا بها فتركوا الإيمان أنها ما ~~شقوا به من التكذيب وقلة الإيقان فقال الله تبارك وتعالى:{بل الذين كفروا ~~يكذبون والله أعلم بما يوعون} يقول الله سبحانه: أعلم بما هم له يسرون. # ثم أخبر تعالى بجزائه لهم على تكذيبهم بالمعاقبة، وقال لنبيئه:{فبشرهم ~~بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون} يخبر ~~سبحانه أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من العذاب الأليم ناجون، وأن لهم ~~أجرا غير ممنون. # --- PageV01P268 ### || AUTO تفسير {ويل للمطففين} # {ويل للمطففين} والمطففون: هم الذين لا يوفون وينقصون عن الوفاء فيما ~~يعطون، والتطفيف النقصان عن بلوغ ما يحمله المكيال والميزان، والإيفاء ~~فإعطاء المكيال ما حمل وهو في الوزن شبيه بالرجحان. # والمطففون كما قال الله سبحانه:{الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ~~وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} يقول تبارك وتعالى: إذا أخذوا من الناس ~~واكتالوا عليهم، والإكتيال: هو الإكتيال منهم اجتهدوا في الحمل على المكيال ~~لما حمل فاستوفوا، فإذا كالوهم أو وزنوهم أخسروا ما أمكنهم وطففوا أمرا من ~~الله بالوفاء ونهيا لكل كائل أو وازن أن يكون مخسرا مطففا إذ لا يحب ولا ~~يرضى ألا العدل والوفاء، وأن يكون كل امرئ من الآخذين والمعطين لصاحبه ~~منصفا، وقد يكون ما نهى عنه سبحانه في هذه من الإخسار في الكيل والوزن ms0162 ~~والتطفيف أمرا منه تعالى بالوفاء في كل ما يتعامل الناس به في الكيل والوزن ~~وغيرهما، وتعريفا لمن طفف وأخسر في كل ما أوجب الله فيه الإنصاف من كل ما ~~سخط من ذلك، ويكون تحذيرا للعقاب بما ذكر من الويل لهم الذي هو ثقيل ~~العذاب. # ثم قال سبحانه لهم مهددا ومحذرا ليوم البعث والدين متوعدا:{ألا يظن أولئك ~~أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين كلا إن كتاب الفجار ~~لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون ~~بيوم الدين} فأعلمهم سبحانه أنهم لو ظنوا ظنا فضلا عن أن يكونوا موقنين، ~~فتوهموا أنهم مبعوثون ومعاقبون بظلمهم، ومحاسبون لما بخسوا ولا أخسروا ولا ~~طففوا إذا ظنوا فضلا عن أن يوقنوا أن سيبعثون ويقومون لرب العالمين ~~ويوقفون. # ثم أخبر تبارك وتعالى خبرا صادقا ونبأ عن عظيم ذلك اليوم نبأ محققا، وأي ~~يوم أعظم أو أهول أو أكبر من يوم بعثة الله لهم من القبور ونشر عظامهم بعد ~~إذ كانت رفاتا، وقد مر عليها ما مر من الدهور مع ما هم يعاينون في ذلك ~~اليوم من عظائم الآيات والأمور، وأي يوم أعظم من يوم عقاب الله فيه لعصاة ~~خلقه بحريق النار، وأي يوم أجل من يوم يثاب فيه من أطاع الله بما تقصر عنه ~~الأوهام من الجنة ونعيمها الذي أعده لأهل الطاعة الأبرار. # --- PageV01P269 ثم ذكر الفجار من أهل التطفيف والإخسار فأخبر أن كتابهم في سجين، والسجين ~~والله أعلم مشتق من السجن، والسجن: هو الحبس والإسار في أليم العقاب ~~والنار، فكتابهم في ذلك وحكم الله بجزائهم الذي هو ما كتبه عليهم بسيئاتهم، ~~فهو في سجين، ومصيرهم فإلى عذاب مهين، وكتابهم والله أعلم {المرقوم} هو ما ~~عند الله وفي علمه من حفظ كل ذي ذنب صغير أو كبير ثابت معلوم. # ثم أعلم سبحانه في هذا القصص والنسق أن الويل للمكذبين وهم التاركون ~~لإيفاء الحق وأنهم لم يبخسوا إلا لشكهم وتكذيبهم بيوم الدين الذي فيه ~~يجازون إذا أقيموا لرب العالمين وأوقفوا، وأن ms0163 المكذبين بيوم الدين هم هؤلاء ~~وأمثالهم من المتعذبين الآثمين فقال:{وما يكذب به إلا كل معتد أثيم وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا قالوا أساطير الأولين} استراحة من المكذبين إلى ما ليس ~~لهم فيه راحة من الشك والتكذيب بيوم الدين، وغرورا منهم لأنفسهم بالنجاة من ~~الجزاء والعذاب الأليم، وقولهم من تكذيبهم إذا تليت عليهم آيات ربهم: ~~أساطير الأولين. # ثم أخبر سبحانه أنهم عنه يومئذ لمحجوبون، وحجابهم: منعهم من ثوابه وعطائه ~~لأوليائه إذ لا يثابون، وإذ هم مجازون بالعقوبة مبعدون عن رأفته ورحمته ~~وسعة جوده يومئذ على أوليائه، وما تضل فيه العقول من عظيم عطائه فهم عن ذلك ~~كله محجوبون ومنه مع كرم الله وجوده يومئذ ممنوعون، فهذا هو الحجاب عن الله ~~بعينه في مفهوم اللسان بأوضح الإيضاح وأبين البيان لما منعوا من أشرف جود ~~الله شرفا وأكبره قدرا، وأعظمه عظيما جاز أن يقال: إنهم محجوبون، وفي ذلك ~~ما تكون الوجوه الناظرة من الأبرار إلى ربها وثوابه وصدق ما وعدهم به من ~~وعده ناظرون، ولما بشرهم به ونبأهم من كريم الثواب والنعيم والجزاء ~~منتظرون. # --- PageV01P270 وفي ذلك اليوم ما يقال للمكذبين حين يبكتون عند دخولهم الجحيم التي بها ~~يعذبون:{هذا الذي كنتم به تكذبون} قال الله سبحانه في ذكرهم وذكر ما كانوا ~~عليه من إثم فجورهم:{كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به ~~تكذبون} والران على قلوبهم فهو والله أعلم غرقها في الذنوب الذي يلزمها ما ~~به وفيه من الله الجزاء بالخذلان لما يجتمع عليها أو يتراكب من الدنس بران ~~العصيان الذي يصديها ويسترها ويكلها فيؤثر فيها عن الذكر والتفكر في الآخذ ~~بحظها من طاعة الله خالقها بالتقوى والخير. # ثم ذكر عز وجل الأبرار الموقنين الذين ليسوا بذوي تطفيف ولا إخسار فقال ~~سبحانه:{كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} والعليون والله أعلم : فهم ~~العالون في الكتاب الأعلى المكرم، والكتاب هاهنا والعلم عند الله فهو ما ~~كتب الله لهم من الثواب والنعيم ms0164 في جنته، وما علا به كل محسن منهم فصار ~~كتابه في العليين بما قدم من بره وإحسانه ثم أخبر أن كتاب الأبرار الذي هو ~~في عليين كتاب يشهده المقربون، والمقربون والله أعلم : فهم الملائكة ~~الأطيبون الذين هم على كرامة للأبرار شاهدون عليهم في دار الثواب من أبواب ~~الجنة داخلون. # ثم أخبر سبحانه ببعض ما فيه الأبرار من النعيم فقال:{وما أدراك ما عليون ~~كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في ~~وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك} والنضرة في الوجوه: فهو ~~الإشراق والنضارة من ألوانها بالسرور والبهجة والإزدهار بما هي فيه من نعيم الجنة. # --- PageV01P271 ثم ذكر تبارك وتعالى الرحيق الذي منه يسقون، والرحيق: فاسم من أسماء الخمر ~~الجيد كانت تسميها به العرب، فسمى الله بها الخمر التي في الجنة، فأخبر عن ~~طيب ريح الرحيق، وأن ختام ما بريحها يجدون، وختام ريحها عند آخر شربها كريح ~~المسك، إذ هو أفضل الطيب الذي يعرفون. # ثم قال في نعيم الجنة مرغبا وعليه محرضا وإليه محرضا وإليه داعيا:{وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون} ~~والتنافس: التحاسد، ولم يحسن الله في شيء من أمور الدنيا كلها التحاسد، ~~وإنما حسن سبحانه التحاسد الذي هو التنافس في نعيم الجنة لعظم قدرها وجلالة ~~فضلها، فهنالك ما يحسن التحاسد لا في هذه الدنيا الفانية، والتنافس عليها ~~والتسابق في الأعمال الصالحة الموصلة إليها. # ثم ذكر سبحانه مزاج خمر الجنة من الماء فذكر أنه من عين يشرب بها ~~المقربون سماها تسنيما، وهذا اسم عال من الأسماء جعله الله مشرفا مكرما. # ثم رجع القصص في الخبر إلى ما كان عليه أهل الكفر في الدنيا من الإستهزاء ~~والتغامز بالمؤمنين {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا ~~مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين وإذا رأوهم قالوا ~~إن هؤلاء الضالون} والفاكهون: الضاحكون المعجبون المستهزئون. # ثم ذكر أنهم كانوا يقولون في أقوالهم التي هم بها أهل الإيمان مؤذون {إن ~~هؤلاء ms0165 الضالون} يقول الله سبحانه:{وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين ~~أمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون} يعني والله أعلم أن الكفار ~~لم يرسلوا حفظة على المؤمنين الأبرار. # --- PageV01P272 ثم أخبر سبحانه عن اشتفاء نفوس المؤمنين إذ هم على الأرائك ينظرون إلى ~~عقوبة الله لأعدائهم من الكافرين فقال تبارك وتعالى لأهل الإيمان والطاعة ~~له والإيقان:{هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} تعريفا للمؤمنين عند سرورهم ~~ضاحكين بما أخبر الله به من المعاقبة لأعدائهم من الكافرين فقال لهم معرفا ~~بنعمته عليهم في شفاء غيظهم ونفوسهم بمعاقبة من كان في الدنيا يغمزهم ~~ويستخف بهم:{هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} مسألة تعريف من الله للمؤمنين ~~وبشرى، لا مسألة شك ولا امتراء، أي قد ثوب الكفار إذ عذبوا بعذاب النار ~~ثواب نقمة فيما كانوا يلقون الأبرار، والحمد لله رب العالمين الذي لا يرضى ~~بتطفيف المطففين، ولا إخسار المخسرين، الحكم العدل على المؤمنين والكافرين، ~~ونعوذ بالله من غضبه، ونستجيره من أليم عذابه، ونستعينه على الإئتمار ~~بأمره، ونسأله السلامة من عصيانه وكفره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم عليه توكلنا وهو رب العرش الكريم. ### || AUTO تفسير{إذا السماء انفطرت} # {إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور ~~بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت} فانفطار السماء: انصداعها وانفتاقها، وذلك ~~فهو توهينها وانشقاقها، وانفطار السماء والله أعلم فمن زلازل القيامة ~~وزعازع الرجفة، وهذه الدكة عند ما يكون في الصور من النفخة التي صعق بها، ~~وبما يكون من شدة هدتها من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وحينئذ ~~تنتثر الكواكب وتفجر البحار، وتبعثر القبور بجميع رميم العظام، فهذا هو ~~اليوم الأكبر الذي لا كالأيام، وتفجير البحور والله أعلم حين ترج الأرض ~~رجا، والرج للأرض: هو الزعزعة والتحريك الذي تضطرب به منها الأرجاء، فحينئذ ~~تتفجر منها البحار، ولا يكون لها ثبات ولا قرار، وحينئذ تعلم كل نفس ما ~~قدمت وأخرت من أعمالها. # --- PageV01P273 و{ما قدمت} والله أعلم فهو ما قدمت قبل موتها من حسناتها وصالح أفعالها، ~~و{ما أخرت} والعلم ms0166 عند الله فهو توانت عنه وأخرت من طاعة ربها حتى فاتها ~~بتقديمها بين أيديها قبل فنائها بالموت وانقلابها فخلفته وانقطعت الحياة، ~~ولا رجوع لها إليه وما قدمته النفس فهو ما قدمه كل امرء من خير أو شر قبل ~~انقطاع حياته وهجوم الموت عليه. # ثم قال سبحانه للإنسان واعظا ومذكرا لما هو عليه من الغفلة عن ذكر ربه إذ ~~كان به مغترا:{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} يعني سبحانه بقوله:{ما ~~غرك بربك} أي ما الذي غرك بربك الكريم، وكذلك هو الكريم الذي جل في الكرم ~~عن كل كريم، والحليم الذي جاز حلمه حلم كل حليم، ولي ما بالإنسان من جميع ~~النعم والإحسان المحتمل له مع فرط الغفلة والعصيان وطول تماديه فيما هو ~~عليه من السهو عن ذكره والنسيان، وهو ربه وخالقه ومليكه ورازقه، وهو كما ~~قال سبحانه: الذي خلقه فسواه فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه، وكما أراد ~~هيأه ومثله، فأي تعديل سبحانه عدل الإنسان مصورا مسويا وأي تركيب ركبه، ~~وتوصيل وصل أعضاءه مهيأ فوضع كل عضو من أعضائه في موضعه، وهيأه معتدلا في موقعه. # --- PageV01P274 ثم أخبر أن الناس في غفلتهم عن ذكر خالقهم وربهم وتماديهم لنسيانه فيما ~~يرتكبون من ذنوبهم إنما أتوا في ذلك من تكذيبهم بيوم الدين وهو يوم الجزاء ~~والديانة لأعمال جميع العالمين، فأعلمهم سبحانه أن عليهم شهودا حافظين ~~كراما كاتبين يعلمون ما يفعلون، فهؤلاء الحافظون فهم الملائكة المقربون، ~~وما يكتبون فهو حفظهم لما يعلمون من الحسنات، وعلمهم الذي ليس فيه نسيان ~~لما يحصون عليهم من جميع السيئات، إذ أحفظ الحفظ عند الإنسان هو الكتاب، ~~والكتاب هو الثابت من الحفظ الذي لا يدخله وهم ولاشك ولا ارتياب، فمن أحفظ ~~أو أحصى، أو أي شهود أعدل علينا شهادة وأرضى من ملائكة الله المقربين، ~~وأمنائه الأطيبين، الذين لا ينسون من أفعال الناس التي أمروا بحفطها شيئا ~~صغيرا ولا كبيرا، ولا يزيدون فيها ولا ينقصون قليلا ولا كثيرا، هم أعدل ~~عدلا، وأصدق صدقا، وأفضل فضلا من أن يتقولوا قليلا ms0167 أو كثيرا باطلا، فقد ~~يمكن والله أعلم أن يكون حفظهم لأعمال البشر من الخير والشر، وهم في محل ~~كرامتهم من السموات لما أعطاهم الله من فضل القوى على كل الخلق في جميع ~~الحالات، فيعلمون بتقوية الله لهم وما أعطاهم من فضل القوة في الإدراك ما ~~يأتي الناس به من الإساءة والإحسان، ويحفظون حفظا هو الكتاب الذي لا يدرس ~~ولايذوى ولا يتغير بما يكون منه من الطاعة والعصيان ؛ لأن من عقل وفهم يعلم ~~أن الملائكة في البنية والقوة والإحتمال على خلاف ما عليه الإنسان ؛ لأن ~~الملك روحاني لطيف قوي، والإنسان جسماني ضعيف جسدي، ومركب من طبائع مختلفة، ~~والملك مخلوق من طبيعة واحدة لطيفة ليس في خلقه تضاد بتركيب من الطبائع ~~المختلفات، ولا يشبه الإنسان في جميع الصفات، وكذلك الملك في فضله وما ~~ذكرنا من وصفه هذا كله فيصغر وتقل صفته عند جلال الله وخلوص وحدانيته ؛ لأن ~~الملائكة بعضهم ببعض محيطون، وبعضهم لبعض مدركون، ولهم مناه وحدود فهم ~~محدودون، والله # (/6) # --- PageV01P275 سبحانه ليس بذي حد ولا أجزاء ولا أركان، ولا يحيط به تعالى ملك ولا بشر ولا ~~جان، وإذا كان البشر لا يدركون الملائكة بمعاينة وهم خلق مثلهم، فالملائكة ~~في العجز عن إدراك الله كهم، ولا يدركه سبحانه أبدا مخلوق، وإن كانت بين ~~خلقه في قواهم وبينهم كلهم فروق فالله سبحانه محتجب عن جميع خلقه، لا يرى ~~في هذه الدار، ولا في الدار الأخرى لعجز بنيتهم كلهم عن إدراكه بلا شك ولا ~~امتراء بلا حجاب مستور من ظلام ولا نور. # ألا ترى أنا معشر بني آدم محجوبون عن المشي على الماء حجاب عجز قوة لا ~~سترة عنه ولا غطاء، وكذلك حجب الإنسان لعجز بنيته عن الثبات في الجو ~~والطيران، وكذلك حجبت الجن والملائكة عن أن يخلقوا ويصوروا إذ لم يعطوا ~~القوة على ذلك فيقدروا، والله سبحانه لا يراه ملك ولا بشر ولا جان بوهم ولا ~~فكرة ولا عيان , ودرك أهل السماء والأرض له درك إيقان وعلم بربوبيته تبارك ~~وتعالى وإيمان، غير أن الملائكة ms0168 لله سبحانه أيقن يقينا وأشد اتصالا وأعرف ~~معرفة، وأثبت إيمانا، وأقرب إلى العلم إفهاما من جميع الناس لما يدخل على ~~الإنسان وهن الفهم والإلتباس. # وبعد فنرجع الآن إلى ما كنا فيه آنفا من تفسير هذه السورة، وإلى ما ذكر ~~الله فيها سبحانه من نعيم أوليائه البررة قال الله تبارك وتعالى:{إن ~~الأبرار لفي نعيم } والنعيم: فهو ما هم فيه من التنعيم بالعيش اللين الناعم ~~الكريم {وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين} والجحيم: فهي النار التي ~~يصلونها يوم الدين، والضلال في اللسان العربي هاهنا: فهو الكي بالنار ~~والشواء. # (/7) # --- PageV01P276 ثم أخبر سبحانه عن الفريقين جميعا خبرا في التخليد لهم فيما هم فيه صادقا ~~قاطعا فقال:{وما هم عنها بغائبين} وفي قوله:{وما هم عنها بغائبين} يثبت ~~أنهم جميعا لما هم فيه غير فاقدين، المؤمنون غير مقطوع عنهم ما هم فيه من ~~النعيم، والكافرون فغير مفارقين أبدا لما هم فيه من العذاب الأليم ؛ لأنهم ~~لو فقدوه طرفة عين كانوا عنه غائبين، وخبر الله في أنهم [عنه] غير غائبين ~~خبر صدق وحق ويقين، يقول الله سبحانه على عظيم يوم الدين دالا موقفا، ولكبر ~~أمره معرفا:{وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين} وقد قلنا ~~قبل هذا: إن الله سبحانه إذ قال لنبيئه مع ما جعل له من قوة العلم في أمره ~~في شيء يخبره عنه:{وما أدراك ما} كذا فإنما يدله على كبره، وقد لا يكتفي ~~بذكر ما أدراك مرة واحدة حتى قال ذلك مؤكدا ومكررا ومرددا ثانية:{ثم ما ~~أدراك ما يوم الدين} تنبيها منه جل جلاله على فهم ذلك اليوم وماله من الكبر ~~والعظم ؛ لأن الله العظيم الجليل الأعظم لا يستعظم إلا عظيما، ولا يذكر ~~بالكبر والتكبير إلا كبيرا، ومتى ما قال تبارك وتعالى: وما أدراك.. ثم ما ~~أدراك، فهذا فهو في غاية التوكيد والإفهام لنبيه على ما ينبغي من الإكبار ~~ليوم الدين والإعظام. # وكذلك إذا قال الله سبحانه لنبيئه عليه السلام: وما أدراك.. ثم ما أدراك ~~في شيء من عجيب آياته وأمره ms0169 فليعلم من سمع ذلك حيث كان من القرآن أنه لعظم ~~المذكور وكبره وقدره. # يقول الله سبحانه وهو يخبر عن هذا اليوم الأكبر المذكور الأعظم:{يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} وهذا اليوم [هو اليوم] الذي الأمر ~~فيه والملك لله وحده لا ينفع فيه ولد والدا، ولا والد ولدا فنستعين بالله ~~على أخذ العدة له من طاعته، والتزود إليه خير الزاد من تقواه وخشيته، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونستغفر الله الرحمن الرحيم. # --- PageV01P277 ### || AUTO تفسير{إذا الشمس كورت} # {إذا الشمس كورت} فتكويرها والله أعلم طرحها وتهويرها (1) والتكوير: ~~الطرح السريع للشي إذا طرح، فجاء لشدة طرحه متكورا بعضه على بعض إذا طرح. # {وإذا النجوم انكدرت} وانكدار النجوم والله أعلم فهو تتابعها سريعا ~~بعضها في إثر بعض، منتشرة إذا انحدرت، وذلك حين تتابع يوم القيامة منحدرة ~~وتتكور يومئذ منتثرة. # {وإذا الجبال سيرت} وتسيير الجبال يومئذ والعلم عند الله فهو إذا حلها ~~الله فلانت وعادت كثيبا مهيلا، ثم هباء منبثا فسارت والله أعلم سبحانه ~~الذي تولى عقد الجبال وغيرها من الأشياء كلها وهو الله العالم بنقضها إذا ~~أراد ذلك وحلها. # يقول الله تعالى في هذه السورة للعرب وهو يخبرهم عن ذهول الناس يومئذ عما ~~يحبون مما ينزل بهم من فادح الكرب {وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا ~~البحار سجرت} والعشار: حوامل النوق من الإبل، وهي أنفس ما كان للعرب عندها ~~من الأموال التي لم يكونوا في الدنيا لعجبهم بها يصيرون لها إلى إغفال ~~فلعظم ما ينزل بهم ويعتريهم يومئذ من فادح الأهوال على ذلك عطلوا من العشار ~~أنفس أموالهم، وأعزها عليهم، وأثرها عندهم وأحبها إليهم. # ويومئذ جمعت الوحوش وحشرت، والحشر لها: الإجتماع منها بعضها إلى بعض إذا ~~عاينت ما يعاين ففزعت وذعرت، ويومئذ تسجر البحار وتسجيرها تحريكها ~~بالإستغفار كما يضطرم بالسجر والتحريك مضطرم النار. # {وإذا النفوس زوجت} تزويج النفوس والله أعلم : ضمها إلى الأبدان إذا نشرت. # {وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت} الموؤدة: الأطفال التي كان أهل ~~الجاهلية من ms0170 العري يئدون من أولادهم ويقتلون فحينئذ يسألون بأي ذنب كانوا ~~يقتلون تبكيتا لآبائهم، وتعريفا للآباء بذنوبهم في قتلهم، وتوقيفا لهم على ~~ظلمهم إياهم وتعنيفا. # --- PageV01P278 {وإذا الصحف نشرت} والصحف هاهنا والله أعلم : إحصاء الله للذنوب، ونشر ما ~~حفظت الحفظة على المذنبين، وإعلان ما كانوا يسرون منها في الغيوب حين يعاين ~~من قبائح الذنوب كل داهية، فيصير مكتومها وخباياها مكشوفا علانية. # {وإذا السماء كشطت} وكشطها: قلعها من موضعها إذا طويت. # {وإذا الجحيم سعرت} وتسعيرها: التهابها واضطرامها إذا أججت. # {وإذا الجنة أزلفت} ازلافها: إحضارها وتقريبها إذا قربت يقول الله ~~سبحانه:{علمت نفس ما أحضرت} ما أحضرت والله أعلم : هو ما تعلمه النفوس ~~يومئذ وتذكره من الذنوب بعد نسيان، ويعلم منه ما أحضرت ومالها به من ~~الثواب، أو عليها فيه من العقاب بأيقن الإيقان إذا رأت ثواب حسنه، والعقاب ~~في سيئه بالعيان. # --- PageV01P279 ثم قال سبحانه بعد هذا القصص من خبر يوم القيامة صادقا، وللخبر اليقين ~~بقسمه البر محققا، وبعجيب آياته مقسما، ولما هو عجيب منها في الحكمة معظما، ~~وبإقسامه به على عجيب ما فيه من آياته منبها:{فلا أقسم بالخنس الجوار ~~الكنس} والخنس والله أعلم : النجوم الخمسة، والقمر والشمس، فمن النجوم ~~الجارية وجريها تحريكها في الفلك بأنفسها، وخنوس ما خنس منها رجوعها إذا ~~بلغت الشمس إلى الدرجات التي خلقت من ورائها، والخنوس في لسان العرب: ~~الرجوع إلى وراء بعد السير قدما، والخنوس والعلم عند الله الذي هو الرجوع ~~بعد الإستقامة لا يذكر به شيء من النجوم إلا هذه الخمسة من زحل والمشتري ~~والمريخ وعطارد والزهرة، فإن هذه الأنجم الخمسة قدر الله سيرها بالجري ~~والإقبال، حتى إذا جرت في المنازل والبروج حتى تكون في البروج الذي يواجه ~~برج الشمس وكادت أن تجتمع هي والشمس رجعت متحيرة في سيرها خانسة بالجري ~~والرجوع إلى ما خلفت من ورائها، ولكل نجم منها درج معلومة إذا بلغها وقرب ~~من الشمس رجع عند بلوغه لها عن الشمس متحيرا خانسا راجعا إلى ما خلفه مدبرا ~~حتى يتغيب عن الشمس في الرجوع إلى ما ms0171 وراءه من البروج، وهذا المغيب عن ~~الشمس والله أعلم فهو الكنوس وكلما غاب من شيء وتنحى في اللسان العربي ~~دعي كانسا، تقديرا قدره الله فيها من أحكم التقدير، وتدبيرا منه في سيرها ~~دبره لعجيب من الأمور. # وقد يمكن والله أعلم أيضا أن يكون من الجوار الخنس الكنس النجوم التي ~~تغيب وتطلع بحساب الأوقات والأزمان وعلم الحر والبرد والأمطار. # --- PageV01P280 ثم قال تعالى:{والليل إذا عسعس} وعسعسة الليل إدباره وتوليه عند آخره ~~{والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم} وتنفسه: اعتراض الفجر بالضوء عند ~~صدوع نوره، وإقسامه بهذه الأقسام تنبيه منه تبارك وتعالى على أنها من آياته ~~العظام، ومخرج القسم عند قوله:{إنه لقول رسول كريم} دلالة أيضا على ما ~~لجبريل رسوله من الشرف والرفعة والتعظيم. # ثم قال تعالى:{ذي قوة عند ذي العرش مكين} فأخبر عن قوة جبريل في بنيته، ~~وفضل ماله في الأمور التي قواه عليها من قوته، وعن مكانه منه وكرمه لديه ~~ومكنته. # ثم قال سبحانه لذكر فضل جبريل عليه السلام مثنيا، وبمكانه منه وكرمه لديه ~~وقدره عنده مخبرا:{مطاع ثم أمين} يعني سبحانه أن جبريل مطاع ثم، وثم يعني ~~بها السماء فهو ثم مطاع، والملائكة له فذو استماع، وهو هنالك الأمين ومجاب ~~الدعوة عند الله يعطى ما سأل عند الله فهو الذي لا يخون لأمانته وصدقه وبره ~~ومنزلته عند الله ومكانته، وهو المجاب المطاع في دعوته. # ثم أتبع الثناء على جبريل بالثناء على الرسول صلى الله عليه وعلى آله ~~فقال:{وما صاحبكم بمجنون} لما كان المشركون ينسبون إليه من الجنون {ولقد ~~رآه بالأفق المبين} يعني سبحانه رؤية النبي لهذا الرسول الكريم، وهو جبريل ~~ذي القدرة عند الله العظيم، إذ رأى النبي جبريل صلى الله عليهما بالأفق من ~~السماء المبين. # {وما هو على الغيب بضنين} يعني والله أعلم بمتهم عند الله في سره ~~المعيب بادعاء باطل ولا تكذيب. # ثم قال تعالى للمشركين مكذبا فيما كانوا يرمون به النبي عليه السلام ظلما ~~وكذبا من الآخذ لما يقول عن الشياطين كما كان يفعل الكهان المبطلون:{وما هو ms0172 ~~بقول شيطان رجيم}. # ثم قال تبارك وتعالى:{فأين تذهبون} يعني فأين تذهبون باهتين كاذبين في ~~إتباع ظنونكم حائرين ضالين. # --- PageV01P281 ثم أخبر عن هذا الوحي الصادق، والخبر عما نبأ به من أنباء الحشر وغيره من ~~وحيه إلى رسوله ونبيئه فقال:{إن هو إلا ذكر للعالمين} يعني سبحانه إن هو ~~إلا تذكرة وتذكير للمتذكرين. # ثم قال سبحانه لا إله إلا هو:{لمن شاء منكم أن يستقيم} فدل بقوله:{لمن ~~شاء منكم أن يستقيم} على أنه قد أعطى القدرة والإستطاعة والقوة من أمره ~~بالإستقامة من المطيعين، ولو لم يكن أعطاهم المشيئة، ووهب لهم بكرمه منها ~~ما وهبهم وأعطاهم من العطية لما قال:{لمن شاء} ولكان القول إنما هو لمن شئت ~~منكم أن يستقيم. # ثم قال سبحانه:{وما تشآؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين} خبرا منه تعالى ~~عن أنهم لا يطيعون من قبل أنفسهم فيشآؤن الطاعة فيكونوا لها مختارين إلا أن ~~يشاء الله جبرهم على الإستقامة فيكونوا عليها مجبورين. # والحمد لله رب العالمين وأصدق الصادقين الذي يقول الحق ويحب المحقين، ~~وصلى الله على جبريل الأمين ذي القوة عند ذي العرش المكين، وعلى محمد خاتم ~~النبيئين وأهله الطاهرين، ونستغفر الله [خير الغافرين] ونعوذ به في هذا ~~التفسير وغيره من سخطه وخذلانه، ونستعينه على فهم الحق والصدق بتوفيقه ~~وتسديده وإلهامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل وهو رب العرش العظيم. # --- PageV01P282 ### || AUTO تفسير {عبس} # قال ابوعبدالله محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم السلام: قوله عز وجل # {عبس وتولى} معنى عبس: فهو قطب وجهه، وتولى: فهو أعرض وتكبر، وقد يقال: ~~العبوس والإعراض والتكبر القلة منه والكبر فقد يختلفان فما قل منه فصغير، ~~وما كبر منه فكبير، وقد قال كثير من هذه العامة بما في أيديهم من الرواية: ~~إن العابس المتولي المذكور في هذه الآية المتصدي، والتصدي: هو الإقبال ~~والتأني لمن استغنى بالجدة والغنى، والمتلهي عن من جاءه يسعى ويخشى فهو ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزعموا أن ذلك كله فعل من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله فعله وذمه الله منه، وذكره الله ms0173 بالتقبيح عنه، وإن ابن أم ~~مكتوم العامري جاءه وجاء معه إليه من ذكر الله غناه فعبس وتولى عن ابن أم ~~مكتوم الأعمى، وأقبل وتصدى لمن استغنى، وما ذكر من هذا القول فلا يجوز على ~~الله ولا على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأن الله تبارك وتعالى في ~~كبريائه وجلاله لم يذم رسوله بعد إرساله في شيء من فعله لأن الذم لوم ~~والملوم مذموم، ورسول الله صلى الله عليه وآله حميد غير مذموم، وكريم عند ~~الله سبحانه غير مليم. # وقد يمكن أن يكون العابس الذي ذكره أنه عبس وتولى عن من جاءه يسعى وهو ~~يخشى، والذي تصدى لمن استغنى غير رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يكون ~~الله سبحانه نزل هذا ذما له ولغيره، والتذكرة فيه فقال سبحانه {عبس} لعابس ~~سوى رسول الله عبس وتولى ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله، أو ممن ~~سلف من الأمم وخلا فعبس في وجه أعمى جاء للهدى مبتغيا، وتصدى لمن كان ~~بالجدة مستغنيا. # --- PageV01P283 وأما قوله:{وما يدريك لعله يزكى} فليس فيها نفسها دليل على أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله هو المذكور في الآيات والمذموم بها ؛ لأنه قد يجوز أن ~~يقول:{وما يدريك} له وهو يريد بها غيره معه كما قال سبحانه له ولغيره ~~معه:{وما يدريك لعل الساعة قريب} وكقوله سبحانه:{القارعة ما القارعة [وما ~~أدراك ما القارعة]} وقال سبحانه {وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ~~ماهية نار حامية} فكان ذلك له صلى الله عليه وآله ولغيره من أهل دينه، وغير ~~أهل دينه. # وإن يك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... المعني بذلك فإنما كان ذلك ~~منه لعلمه وخطره وطلبه ما هو أصلح وأعز في دين الله وأرجح من إجابة ~~الأغنياء والأصحاء والأقوياء لا على ميل ولا حيف لقوي على مستضعف، ولا لغني ~~على فقير، ولا لكبير على صغير، والحمد لله ولي كل نعمة وإحسان، وبالله نعوذ ~~من كل حيرة وخذلان. # ومعنى {قتل الإنسان ما أكفره} أي (1) لعن الإنسان ms0174 ما أقل شكره، وكذلك كل ~~من كفر بآيات الله ولم يصر فيما أمر به إلى مرضاة الله فمن كان كذلك أو عمل ~~بذلك فهو من الكافرين غير الشاكرين لما أولاه ووهب له من النعم وأعطاه في ~~مبتدى خلقه حين أنشئ من نطفة من ماء مهين، وحفظ من الرحم في مستقره فأتم ~~تقديره وحسن تصويره، ثم يسره للسبيل الذي هو مخرجه من بطن أمه بعد كماله في ~~لحمه وعظمه. PageV01P284 # ومعنى قوله سبحانه {وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم} فقال: الفاكهة هي ~~الكثيرة التي جعلها الله متاعا للناس ومأكلة، والأب: فهو العشب والمرعى ~~الذي جعله الله مرعى ومرتعا للأنعام ومهملا للإبل، وإنما سمي المرعى بذلك ~~لذهابه وقلة بقائه وثباته، ولذلك قيل فيما ذهب من الأشياء ذهابا: ذهب كذا ~~وكذا تبابا، فالأب ما ذهب من النبات والبقول، كذلك يذهب إذا صافت فلا يبقى ~~وما سواها من المراتع يكون في الصيف وتبقى فجعل الله ذلك بينها وبين الأب ~~بيانا وفرقا. # انتهى الموجود من تفسير هذه السورة لمحمد بن القاسم عليهما السلام والله أعلم # ونقل المسعودي رحمه الله في تاريخه كتاب مروج الذهب: أنه شاهد في بعض ~~البحار أن السحب تقل الماء من البحر، أو نقل له ذلك وهو يقوي تفسير محمد بن ~~القاسم عليهما السلام ### || AUTO سورة {النازعات} # {والنازعات غرقا} قال أبو عبد الله محمد بن القاسم عليهما السلام: ~~النازعات فيما أرى والله أعلم فهن السحاب المنتزعات لماء الأمطار من ~~البحار والأنهار ومما في الأرض من الندوة والبخار، وهن أيضا {الناشطات} في ~~نزعهن {نشطا}، والنشط والإغراق: هو القوة في النزع والصب {والسابحات} هن ~~السحاب في الهواء {سبحا} كما يسبح في الماء من كان سابحا يمينا ويسارا ~~وإقبالا وإدبارا. # {فالسابقات سبقا} وهن أيضا السابقات بالمطر والغيب برحمة الله وفضله غير ~~مسبوقات بإمساك الله المطر لو أمسكه عن الأرض وأهلها. # وقد تكون السابقات سبقا هي البرق لأن البرق هو أسرع شيء خفقا وأحثه ~~اختطافا وسبقا. # (/6) # --- PageV01P285 {فالمدبرات أمرا} والسحائب أيضا فهن المدبرات بما جعل الله من الغيث فيهن ms0175 ~~للشجر والأثمار والنبات، وفيما ذكرنا من هذا أعجب عجيب لكل ذي حكمه ونظر ~~مصيب (1). # إلى هنا انتهى الموجود من تفسيره عليه السلام، وقد سقط من عبس والنازعات ~~شيء [منع] عن استمرار ذلك في التفسير عن أبي عبد الله عليه السلام فجمعنا ~~ما أدركنا من كلامه في ذلك فإن وجد ذلك يوما ما فهذا موضعه والله المستعان، ~~ولما لم نجد ما سقط في هاتين السورتين من تفسير أبي عبد الله عليه السلام ~~أحببت أن أنقل في تفسيرهما مارواه هو عليه السلام عن أبيه العالم القاسم بن ~~إبراهيم عليهما السلام فنقول وبالله التوفيق. PageV01P286 ### || AUTO تفسير {عبس} للقاسم بن إبراهيم عليهما السلام # قال ابوعبدالله عليه السلام: سألت أبي القاسم بن إبراهيم عليهما السلام ~~عن معنى قوله تعالى: # {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} فقال عليه السلام: هذا تأديب من الله تبارك ~~وتعالى لرسوله أن لا يعبس في وجه الأعمى الذي يأتيه يطلب منه الإسترشاد ~~والهدى، والأعمى هاهنا عمى القلب، وقيل في ذلك: إن الأعمى أعمى البصر ~~قالوا: هو ابن أم مكتوم أتى النبي يطلب منه الهدى فأعرض عنه، وليس ذلك كذلك. # ومعنى {عبس} هو عبس وتولى بكليته {أن جاءه الأعمى} في معنى: حين {وما ~~يدريك لعله يزكى} هو تعريف من الله أنه يعلم الغيب وأن الرسول لا يعلمه، ~~ومعنى {يزكى} هو يتزكى. # {أو يذكر فتنفعه الذكرى} معنى {أو يذكر} يعرف فتنفعه المعرفة. # {أما من استغنى فأنت له تصدى} هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن لا يجل من سمع بغناه ولو كان كافرا، ولا يستحقر من سمع بفقره وإن كان ~~مهتديا. PageV01P286 # وقد يكون هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظرا لصلاح الأمة في الإقبال ~~إلى من كان معه غنى، وثقة بديانة الفقير، واتكالا على صحته في الدين. # ومعنى {تصدى} تقبل عليه. # {وما عليك ألا يزكى} من جهة النظر، وهذا والله أعلم ليس للرسول، ولكنه ~~مثل للتعريف والتأديب. # وفي البرهان للإمام أبي الفتح الديلمي عليه السلام {عبس وتولى أن جاءه ~~الأعمى} هو ms0176 ابن أم مكتوم وهو عبد الله بن زائدة من بني فهر، وكان ضريرا أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستقرئه وكان عنده أبو جهل بن هشام فعبس ~~أبو جهل حين رأى الأعمى وعبس، أي قطب وأعرض {أن جاءه الأعمى} يعني ابن أم ~~مكتوم.انتهى # وقال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا العابس بعض من كان يصحب ~~رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم من رؤساء المنافقين، ومن ينظر بعين ~~الجلالة وهو من الفاسقين فكتم الله اسمه ولم يجعله من المشهورين، وجعل ~~الخطاب لنبيئه صلى الله عليه وآله وسلم والمعني سواه، والعرب تستعمل ذلك ~~على سبيل التعريض قال الشاعر: # وأريد قتلك لامحالة عنوة ولك السلامة أن تكون كذلك # وإنما عبس وتولى أن جاءه الأعمى، ومعنى {أن جاءه} هو إذ جاءه، ولكن أن ~~قامت مقام إذ. # ومعنى {وما يدريك لعله يزكى} أي ما يدريك لعله يتطهر من الذنوب. # (/8) # --- PageV01P287 ومعنى {أو يذكر} أي يتذكر ويتبين في أموره ويتدبر ؛ لأنك لا تدري لعله يكون ~~كذلك فلم تفعل ما فعلت في أموره من توليك عنه وإعراضك وأنت لا تأمن مما ~~ذكرنا من ذلك ولكنك يا هذا المخاطب إنما تقبل على الغنى لمحبتك الحطام الذي ~~يفنى، ورغبتك وحبك لزهرة الدنيا، وتدبر عن هذا لزهدك في الدلالة على الهدى. انتهى # رجعنا إلى تفسير الإمام القاسم [عليه السلام]. # قال عليه السلام: ومعنى {وأما من جاءك يسعى} يبادر {وهو يخشى} يتخشع ~~{فأنت عنه تلهى} تتشاغل {كلا إنها تذكرة} معناه: نعم إنها تذكرة، وكلا ~~هاهنا بمعنى نعم، وليست بمعنى (نعم لا) كغيرها {فمن شاء ذكره} معناه فمن ~~شاء تعرفه تفقه في معرفته على الإستطاعة التي ركبت وقد خص في ذلك خواص وشرح ~~فيه شرح كثير يستغنى عنه {في صحف} في كتب مبين {مكرمة} معظمة {مرفوعة} ~~مصونة {مطهرة} منقاة من الدنس الذميم، ومخصوصة بكل فضل كريم {بأيدي سفرة} ~~الملائكة عليهم السلام {كرام} مكرمين {بررة} صادقة القول {قتل الإنسان ما ~~أكفره} معناه لعن الإنسان ما أشره، والإنسان معناه الناس يخص ms0177 بذلك كل كافر ~~كما قال {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} {من أي شيء خلقه} معناه على ~~تقليل النطفة في معنى أنها لاشيء فصار منها شيء. # وقوله:{من نطفة خلقه} تذكرة له وتوقيفا فيما من به من الحياة عليه ~~{فقدره} معناه: فسواه وعدله {ثم السبيل يسره} معناه الطريق الواضح سيره ~~وعرفه {ثم أماته} حكم عليه بالموت غصبا{فأقبره} دل على قبرانه في التراب ~~{ثم إذا شاء أنشره} معناه حتى إذا شاء بعثه ليوم نشوره {كلا لما يقض ما ~~أمره} كلا في موضع نعم، حتى يقضي ما أمره أراد يحاسب على ما أمر به من ~~الطاعة فيحاسب على ما فرط فيه ويجازى بالحسنة فيه على ما فعله، وقد يخرج ~~ذلك على معنى لا ما قضى معناه: ما فعل ما أمره ولكن قصر فيه، وهل يكون أحد ~~إلا وهو مقصر. # --- PageV01P288 رجع إلى التعريف والتذكرة {فلينظر الإنسان إلى طعامه} إلى مأكله {إنا صببنا ~~الأرض صبا ثم شققنا الأرض شقا} معناه أنزل الماء من السحاب وشق الأرض به ~~وبالإغتصاص بشربه {فأنبتنا به حبا} حبا من الحبوب {وعنبا} من ألوان صنوف ~~العنوب {وقضبا} من القضوب {وزيتونا} خاص زيتون الشام لما فيه من البركة ~~يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {ونخلا} المثمر للتمر وهو هذا ~~النخل {وحدائق} حوائط من كل الفواكه {غلبا} معناه: قوية تخرج من التراب على ~~ثقله وبضعف نباته حتى تصير قوية {وفاكهة وأبا} الأب: الشجر هذا الثمام الذي ~~ينبت في الأسناد والآكام (1) ألا ترى أنه يقول:{متاعا لكم ولأنعامكم} ~~الفاكهة لكم والمتاع والأب لكم لأنعامكم. # --- PageV01P289 قلت: وفي هذه الآية الكريمة يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: معنى {شققنا ~~الأرض شقا} يريد شققناها عن النبات الذي يخرج منها الحب والفواكه وغيرها، ~~وفلقناها فلقا، والأب: فهو الحشيش والعشب الذي تأكله الأنعام وينبت في ~~الأودية والآكام {متاعا لكم ولأنعامكم} إلى انقضاء آجالها وآجالكم فرزقناكم ~~فواكهها وحبا، ورزقنا أنعامكم عظاها وأبا، فكل ما خرج فقد سماه لأهله، ومن ~~يملكه رزقا فهو لمن أجاز الله له أكله ms0178 وأحل له أخذه وأمره عليه بشكره ~~فقال:{كلوا واشربوا ولا تعثوا في الأرض مفسدين} (1)وقال:{يا أيها الناس ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون}(2) وقال:{كلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون}(3) فرزق ~~ذو المن والسلطان والجبروت والبرهان كل عبد ما أحل له وأمره بأخذه، فأما ما ~~نهاه عن أكله وعذبه في قبضه فليس ذلك لعمرهم من رزقه، وكيف يحوز رزقا وقوتا ~~به يعيشون وفيه يتقلبون، وينهاهم عن أخذ ما أعطاهم واليه ساقهم وهداهم فهذا ~~والحمد لله ما لايغبى على من وهبه الله علما وفهما وتمييزا ولبا والحمد لله ~~رب العالمين. انتهى # --- PageV01P290 رجعنا إلى تفسير القاسم عليه السلام. # قوله تعالى:{فإذا جاءت الصاخة} المسمعة المصخة للأنفس من هولها وما يرى ~~فيها من عظمها فتصخ لها النفوس {يوم يفر المرء} هو الإنسان {من أخيه} {و} ~~من {أمه} معناه: والدته {وأبيه} الذي أولده {وصاحبته} زوجته {وبنيه} أولاده ~~{لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه} يعني لكل على قدر ما قدم وأسلف فيما غبر ~~من الدهر، ألا ترى ما فسره حين قال:{وجوه يومئذ} معناه: وجوه ذلك اليوم وهو ~~يوم القيامة {مسفرة} معناه ناضرة مشرقة حسنة، وهي وجوه المؤمنين {ضاحكة ~~مستبشرة} تبين لك في وجه المسفر كالضحك، ولعله لا يضحك، ويبين لك في وجه ~~الكافر البكاء ولعله لا يبكي، وبلى كم من باك ندامة، وكم من ضاحك استبشارا ~~بما بشر به من نعم الله التامة، ومعنى {مستبشرة} متباشرة بما قد رأت من ~~علامات الخير. # {ووجوه} معناه وجوه الكفرة {يومئذ} تقدم تفسيره {عليها غبرة} يعني القتام ~~يلحق وجوه الكفرة والإظلام {ترهقها قترة} تلحقها وتعلوها قترة، والقترة فهي ~~الغبرة المقترة المهلكة الكريهة، وهذا جرم ما يكون من الكسوف على الوجوه ~~والظلمة. # ثم بين فقال:{أولئك هم الكفرة الفجرة} الكفرة: فهم الكافرون لأنعم الله، ~~والجاحدون لربوبيته أيضا ؛ لأن الكفر كفران كفر نعمة وكفر جحدان، وكل أولئك ~~صائر إلى سخط في عذاب أليم {الفجرة} معناه: الفجرة في الدين وأهل الإطراح ~~لحقوق رب العالمين، ms0179 والإفتتان فيما لا يحل لهم محارم خالق الخلق أجمعين، ~~وقد يكون الفجور الإرتكاب لأكبر الشرور من الفسق وأخبث الأخباث من الإتيان ~~للذكران والإناث مما لم يأمر الله به ولم يسوغه في قرآنه ولم يثبته. # --- PageV01P291 ### || AUTO [تفسير سورة {النازعات} # للإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام] # وأما تفسيره عليه السلام من سورة والنازعات فقال رحمة الله عليه: # قال الله سبحانه:{والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ~~فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا} فقال عليه السلام: النازعات فيما أرى ~~والله أعلم : فهن السحائب المنتزعات لماء الأمطار من البحار والأنهار ومما ~~في الأرض من الندوة والبخار، وكذلك صح في الروايات والأخبار. # معنى {غرقا} مغرقات لما أمطرن، وكذلك المغرق من كل شيء أيضا: الناهي فيه، ~~تقول: أغرق في النزع، وهن{الناشطات} في نزعهن {نشطا} والنشط والإغراق: هو ~~القوة في النزع والصب، ومما ينتزع من المنتزع...... # ومعنى تنشط الماء: فهو تحيده وتطلعه، ونشطا مصدر كمصادر الكلام ~~{والسابحات} هن السحائب يسبحن في الهواء سبحان كما يسبح في الماء من كان ~~سابحا يمينا ويسارا وإقبالا وإدبارا كما أراد الله عز وجل وشاء. # {سبحا} مصدر أيضا، وهن أيضا {السابقات} بالمطر والغيث برحمة الله وفضله ~~غير مسبوقات بإمساك الله للمطر لو أمسكه عن الأرض وأهلها بعدله، وقد يكون ~~السابقات هو البرق ؛ لأن البرق أسرع شيء خفقا وأحثه اختطافا وسبقا، ~~والسحائب أيضا فهي {المدبرات} بما جعل الله من الغيب فيهن للشجر والثمار ~~والنبات، وفيما ذكرنا من هذا أعجب عجيب لكل ذي حكمة ونظر مصيب. # قيل: والمعنى فيه: {المدبرات أمرا} الملائكة. # --- PageV01P292 {يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة} الراجفة: القيامة، سميت راجفة لهولها، ~~يقال: أنزل ببني فلان رجفة، والرادفة: مردفة بهول يتبع هؤلاء. # {قلوب يومئذ} ذلك اليوم {واجفة} أراد مضطربة {أبصارها خاشعة} منكسة ~~{يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} أولئك الذين كانوا يقولون أراد يكذبون ~~بالرد لهم لما في الحافرة، هم الذين تخشع أبصارهم وتذل، والحافرة: التي ~~تحفر على السرائر وتظهرها {إذا كنا عظاما نخرة} تعجب منهم أنهم لا يرجعون ~~إذا صاروا عظاما نخرة، والنخرة: البالية الدامرة ثم قالوا: ms0180 # {تلك إذا كرة خاسرة} أرادوا نطفة خاسرة، رد الله تكذيب قولهم بقوله عز ~~وجل:{فإنما هي زجرة واحدة} تحقيقا أنها كانت مثل للزجرة، الزجرة والله ~~أعلم مثل مضروب للحياة بعد الموت كما يفزع النائم بالزجرة من الصوت. # {فإذا هم بالساهرة} المتعبة لمن هو فيها تقول: فلان ألحق بالساهرة، أي لم ~~يخبر به. # انتهى الموجود من تفسيره عليه السلام. PageV01P293 ### || AUTO [تفسير الأمام الحسين بن القاسم العياني لبقية سورة النازعات] # واعلم أنه لما ذكر الإمام الحسين بن القاسم العياني عليهما السلام أن ~~تفسيره الذي وضعه في غريب القرآن مروي عن العالم نجم آل الرسول القاسم بن ~~إبراهيم وأسباطه الأئمة عليهم السلام أحببت أن أتمم تفسير الباقي من هذه ~~السورة منه فنقول وبالله نستعين: قال عليه السلام فيه: # قوله عز وجل {هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية ~~الكبرى} قال عليه السلام:{هل} خبر من الله عز وجل، ولفظه لفظ الإستفهام، ~~ومعناه التوقيف على الخبر والإفهام كأنه قال: قد أتاك خبر موسى. # ومعنى {إذ ناداه ربه} فكذلك يقول الله ناداه، وأنه أوجد كلاما به خاطبه ~~وناجاه، والواد المقدس: هو المكرم المنزه المعظم، وهو طوى. # ثم قال:{اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي جاوز قدره وعلا وطمى، وخرج إلى الظلم ~~والجهل والعمى فقال:{هل لك إلى أن تزكى} هل لك هو ترغيب في الخير والهدى. # قال العالم (القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليه): # هل لك في الأكرومة البكر # غراء لاتبلى على الدهر # هل لك في مثل مقام الأولى # حموا حمى الله لدى بدر # هل لك في عزمة ذي نية # أحكمها صاف من الفكر # هل لك في نهضة ذي صولة # تزيده قدرا إلى قدر # هل لك في الجنة من حاجة # فإنها أفضل ماذخر # هل لك في الرحمن من رغبة # فأمره جار على الأمر # هل لك يامشغول من توبة # --- PageV01P293 قبل مجال النفس في الصدر # هل لك في رجعة ذي نية ms0181 # تقيك حر النار والجمر # هل لك في أمر إذا رمته # أمنت هول البعث والحشر # ومعنى قوله {إلى أن تزكى} هو الترغيب في التزكي والطهارة من قذر الدنيا ~~وقبائح ما كان عليه من الكفر والردى. # ومعنى قوله:{وأهديك إلى ربك} أي أدلك إلى ربك، فيدخل في قلبك الخوف لسيدك. # {فأراه الآية الكبرى} أي الدلالة العظمى، ومعنى قوله:{فحشر فنادى} أي جمع ~~أصاحبه ثم نادى {فقال أنا ربكم الأعلى} والفاء بمنزلة ثم، لأنهما من حروف ~~النسق والعطف. # ومعنى قول فرعون اللعين:{أنا ربكم الأعلى} يريد أنا سيدكم الشريف المرتفع ~~في القدر والعلا، والرب عند العرب: السيد قال الشاعر: # أم غاب ربك فاعترتك خصاصة # فلعل ربك أن يؤوب مؤيدا # ومعنى قوله:{فأخذه الله نكال الآخرة والأولى} فالأخذ هو العذاب من الله ~~عز وجل، عذب عدوه عذاب الآخرة والدنيا. # {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} هي الموعظة والتذكرة قال الشاعر: # في آل برمك عبرة وعجائب # ومواعظ للعاقل المتزهد # ومعنى قوله عز وجل:{أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها} أي ~~رفع محلها وموضعها، والسمك: هو المحل المرتفع العالي قال الشاعر: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز وأطول # معنى سمك السماء: أي رفعها، وقال آخر: # وما إن بيتهم إن عد بيت # وطال السمك وارتفع البناء # ومعنى {فسواها} أي عدل صورتها وهيأها. # ومعنى {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} فالإغطاش: هو الظلام ". # ومن غير تفسيره عليه السلام # قوله تعالى:{وأخرج ضحاها} وضحاها شمسها {والأرض بعد ذلك} بعد خلق السماء ~~{دحاها} سطحها وأصلحها للسكون فلا يناقض قوله:{ثم استوى إلى السماء} عقيب ~~قوله:{هو الذي خلق الأرض في يومين} أي غير مدحوة قبل أن يخلق السماء، ثم ~~دحاها بعد أن اخلق السماء. # --- PageV01P294 {أخرج منها ماءها ومرعاها} ما ترعاه البهائم من الشجر والعشب. # عدنا إلى تفسير الإمام # قال عليه السلام: ومعنى قوله:{والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم} هو ~~أسكنها وأثبتها وأهالها قال الشاعر: # ألقى مراسيه بتهلكة # ثبت رواسيها فما تجري # وفي هذا الكلام تقديم وتأخير والتنزيل قول الله عز وجل:{أخرج منها ماءها ~~ومرعاها والجبال ms0182 أرساها متاعا لكم} فعل تمتيعا لكم، والتأويل والمعنى: هو ~~أخرج منها ماءها ومرعاها متاعا لكم والجبال أرساها، ولكن لا يجوز أن يقرأ ~~كتاب الله إلا على ما أنزل الله سبحانه وعز عن كل شأن شأنه ؛ لأنه لم يفعل ~~ذلك إلا لأسباب من الصواب، ولولا ذلك لبين جميع الكتاب. # ومعنى قوله عز وجل:{فإذا جاءت الطامة الكبرى} يعني القيامة، وإنما سميت ~~طامة لعلوها ورفعتها وهولها عند وقعها ووثوبها بغتة وسرعتها، وأصل الطم في ~~الإرتفاع في الهواء سريعا سريعا معا معا قال الشاعر: # أتاكم طم فوق كل طم # إذا العكاضى كآثافي اليم # {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} يريد أنه يتذكر ما عمل في الدنيا، وأصل السعي ~~هو الجد والإجتهاد والإقبال والإدبار والتحدر والإصعاد، قال سيد العابدين ~~علي بن الحسين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين: # فإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا # ويذهل عن أخراه لاشك خاسر # ومعنى {وبرزت الجحيم لمن يرى} هو أخرجت وأظهرت، ومعنى {لمن يرى} هو لمن ~~يرى عز وجل ويعلم أنه يستحق العذاب. # ومعنى قوله:{فأما من طغى} هو جاوز الحد في ظلم نفسه بكفر أو فسق {وآثر ~~الحياة ا لدنيا} قدمها على الآخرة {فإن الجحيم هي المأوى} أي المنزل والمحل ~~والمثوى، قال الهادي إلى الحق عليه السلام: # إني من الله له أرجو # جنانا دائما مأواها # {وأما من خاف مقام ربه} أي موقفه الذي يقوم فيه العباد للحساب. # (/6) # --- PageV01P295 {ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} أي نهى نفسه عن إتباع الهوى، ~~فأما الهوى في نفسه فلا يقدر أحد على تركه ؛ لأن الهوى في ذاته إنما هو ~~الشهوة، والشهوة لا يقدر أحد على تركها، وإنما يقدر على خلافها، ويمكنه ~~الإمتناع من طاعتها، وهذا من الإختصار وهو كثير موجود في القرآن، وهو عند ~~أهله بين غاية البيان فالحمد لله على ما علمنا من الفرقان، ونسأله أن ~~يزيدنا برحمته من البرهان. # {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أي متى حلولها وهجومها على البرية ~~ونزولها، وأيان في اللغة بمنزلة متى قال الشاعر: # أيان تدفع بالرماح عليهم ms0183 # يامال قبل منيتي وذهابي # ومعنى قوله:{فيم أنت من ذكراها} يريد بذلك التوقيف للناس على خوف رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وما هو فيه من الفزع والحزن عند ذكره لها، وعند ما ~~يخطر على باله من هولها. # ومعنى {إلى ربك منتهاها} أي عند ربك نهايتها ووقت هجومها وغاية ما يكون ~~في آخر تلك الساعة ومصير الأبرار إلى سعادتها، ومصير الفجار إلى أشقاها ~~ونكدها، والساعة في تلك الواقعة التي يحكم الله فيها بين العباد، ويصير كل ~~إلى داره التي يستحق بعمله من الضلال والرشاد. # ومعنى قوله:{إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أوضحاها} يريد كأنهم في ذلك اليوم لم يقيموا في الدنيا إلا عشية من ~~عشاياها، أوضحوه من ضحاها لقصر ما فات من الدنيا، وكذلك الإنسان عند الموت ~~والفناء كأنه لم يعمر ولم يخلق إلا في تلك الساعة التي يقبض فيها ويوثق، ~~ولكن هذه البرية أبت إلا العمى والتقصير عما أراد الله بها من إتباع ~~الحكماء، ومالوا إلى اللعب والجهل والردى، وزهدوا في الحق والدين والهدى ~~فزادهم الله تبابا وبعدا، ولا وفقوا للخير أبدا. # انتهى والحمد لله رب العالمين وصلى على محمد وآله الطاهرين. # (/7) # --- PageV01P296 قال الإمام الأعظم المنصور بالله الحسن بن بدر الدين بن محمد بن أحمد بن ~~يحي بن يحي سلام الله عليهم في كتابه أنوار اليقين، وقد ذكره كلاما للهادي ~~إلى الحق عليه السلام ما لفظه "مع أن يحي بن الحسين صلوات الله عليه جاءت ~~الآثار بمدحه والتصريح بإمامته وحياة الدين على يديه كما روينا من قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يكون في هذا النهج وأشار بيده إلى اليمن في ~~آخر الزمان رجل من أهل بيتي اسمه يحي الهادي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ~~يحي الله به الحق ويميت به الباطل) إلى غير ذلك مما رويناه أولا فيه عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث ذكرنا إمامته عليه السلام، وقوله عندنا ~~الحق وكلامه الصدق، وهو أولى بالإتباع من غيره وأوثق، وقد ms0184 أخبر أنه ما يقول ~~إلا ما يرويه عن أجداده حتى يتصل بعلي أمير المؤمنين، ثم بالنبي خير ~~المرسلين، ثم بالروح الأمين، ثم برب العالمين، وهذا إسناد لا يوجد مثله في ~~العالمين" انتهى. # وقال فيه السيد إبراهيم بن محمد الوزير في بسامته رضوان الله عليه: # من خص بالجفر من أبناء فاطمة # وذي الفقار ومن أروى ظمى الفقر # سارت بمذهبه الركبان واشتملت # بقبره الناس مثل الحجر والحجر # يتلوه تفسير الهادي إلى الحق عليه السلام كما كنا ذكرنا. # (/8) # --- PageV01P297 ### || AUTO [مقدمة الإمام الهادي عليه السلام لتفسيره] # قال الإمام الهادي الحق يحي بن الحسين عليه السلام: # الحمد لله الذي لا تراه عيون الناظرين، ولا يقع عليه فكر المتفكرين، ولا ~~يستدل عليه أحد من المستدلين إلا بما دل به على نفسه، وأوقفهم عليه سبحانه ~~من صفته من أنه الفعال لما يريد من الأشياء، وأنه المقتدر الفعال لما يشاء، ~~فدل على نفسه بما أظهر من فطرته وبين البراهين بذلك على ربوبيته، فليس له ~~حد ينال ولا مثل يضرب به له الأمثال، دائم أحد حي فرد صمد عزيز قيوم، لا ~~تأخذه سنة ولا نوم. # ونشهد أن لا إله إلا هو، وأنه فطر السماء فبناها، وسطح الأرض فدحاها، ~~وأخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعا لخلقه، ورحمة لعباده، ~~وأنه على كل شيء قدير. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار ~~الصادقين الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أرسله بالحق ~~داعيا إلى الحق، وشاهدا على الخلق، فبلغ الرسائل الزاهرة، وأبان الحجج ~~الباهرة، وسطع بالحق معلنا، وجاهد المشركين معلما، وأصلح الله في بلاده، ~~ونصح جاهدا لعباده، صابرا مصطبرا جاهدا محتسبا حتى قبضه الله إليه وقد رضي ~~عمله وتقبل سعيه وشكر فعله صلى الله عليه وعلى آله. PageV01P297 # إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا إلى الأمة بكتاب ناطق، وأمر صادق، فيه شفاء ~~للصدور، وكمال الفرائض والأمور، والهدى والتقوى، والرجوع عن الردى، والنجاة ~~من المهالك، والسبيل إلى أفضل المسالك، ولا يظمأ من ورد شرائعه، ولا يجوع ms0185 ~~من أكل سائغة، ولا يصم من سمع واعظه، ولا يعمى من أبصر سبيله، ولا يضل من ~~اتبع نوره، ولا يغلط من استشهد ناطقه، ولا يهلك من اتبع بيانه، ولا يندم من ~~استمسك بوثيق عروته، ولا يفلج إلا من احتج بمحكم حججه. # نور ساطع، وبرهان لامع، وحق قاطع، كتابا مفصلا، ونورا وهدى، قد ترجمه ~~الرسول وأحكم فيه وثائق الأصول، وفرع فروعه بأحسن القول، فكان في حياته ~~واضحا، وكان به صلى الله عليه وآله قائما ناصحا، حتى صار إلى ربه، وتركه من ~~بعده في أمته استأمن عليه من أمته خلفاءه من بريته الذين اختارهم الله على ~~علمه، واصطفاهم له دون جميع خليقته، عترة النبي ونسل الوصي، وسلالة المصطفى ~~الطاهر الزكي، الطيب المرضي الذين مدحهم الله في كتابه، وبين أنهم خيرته في ~~قرآنه، فقال في كتابه:{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ثم قال ~~عز وجل:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}. # (/9) # --- PageV01P298 ثم أمر العباد بطاعتهم فقال سبحانه:{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} ثم أمر نبيئه صلى الله عليه وآل بافتراض محبتهم ومودتهم على ~~الخلق لما أراد من تثبيت ما أراد تثبيته فيهم من الحق فقال سبحانه لنبيئه ~~أمرا منه له بذلك فقال:{قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} فجعل ~~مودتهم فرضا على الخلق من ربهم، وحجة ودلالة منه على إمامتهم، فجعل من كان ~~من آل رسول الله منتضما لشروط الإمامة المعروفة التي قد ذكرناها وشرحناها ~~ووضعناها في أول كتاب الأحكام في الحلال والحرام إماما للأمة، وعلما للمحجة ~~ودليلا على أبواب النجاة، وسببا إلى الجنان، ووصلة بين العباد وبين الرحمن، ~~قلده علم كتابه وأمره بشرحه وبيانه ليبين بما يظهر فيه من حكمته، ويلقيه في ~~قلبه من معرفته، ونطق به لسانه في تبيين حجته، ويعتقد له بذلك في رقاب ~~المؤمنين عهوده المؤكدات، ويثبت في رقابهم له عقود الأمارات، وليجعل ما ~~يوفقه له ويكرمه به من تفهيمه إياه، ويدله به عن علم غامض آياته ~~المتشابهات، ويوقفه عليه من فهم ms0186 حكمه الذي قد بينه في الأمهات المحكمات ~~دليلا على عقده له الإمامة على العالمين، وإيجاب الطاعة له في رقاب ~~المخلوقين. # ويكون ذلك حجة له على الخلق، وعلامات ودليلا على ما أعطاه الله من ~~الكرامات {ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}. # (/0) # --- PageV01P299 فرأينا عندما خصنا الله به وأعطانا، وفضلنا به على أهل دهرنا وأولانا، أن ~~ننشر فضائل الحكمة التي أوليناها، وأن نبين علامة الإمامة التي أعطيناها، ~~لنخلع الحجة من رقابنا، ونثبتها لله على غيرنا بما يظهر مما أمرنا الله ~~بإظهاره من شرح غامض الكتاب، وتبيين تفسيره من كل الأسباب، حتى نبين بذلك ~~الحق المبين ونثبت فيه الصدق اليقين، وننفي عنه تأويل الفاسقين، ونميط عنه ~~تفسير الجاهلين، الذين حملوا تأويله على غير تنزيله، وحكموا على محكمه ~~بمتشابهه، وردوا معاني الآيات المحكمات المبينات من الآيات اللواتي هن ~~الأمهات على معاني غيرهن من المتشابهات، واستشهدوا المتشابه على المحكم، ~~فأهلكوا بذلك جميع الأمم، شبهوا في تأويلهم وتفسيرهم ربهم بخلقه فأبطلوا ما ~~نفاه من بعد الشبه لهم عن نفسه فمثلوه تمثيلا، ونقلوه في الصور تنقيلا، ~~وجعلوه بذلك صورة مصورة محدودة عندهم غير مقدرة، فعبدوا ما وصفوا، ودانوا ~~لهذه الصورة التي ذكروا، فكانوا بالله غير عارفين ولا مقرين ولا مثبتين، بل ~~كانوا عنه عابدين، وبه في كل الأمور جاهلين، فلما أن جهلوه لم يعبدوه ؛ ~~لأنهم عبدوا مجعولا مقدرا ومعبودا عندهم مصورا. # والله فليس هو كذلك إذ المعبود الذي هو عندهم كذلك، فكانت عبادتهم لغير ~~الرحمن، وطاعتهم لغير ذي الجلال والسلطان، بل كانوا لله منكرين، وبه غير مقرين. # --- PageV01P300 فابتدأنا بشرح ما نريد بيانه من تفسير القرآن الذي نزله ذو القوة والبرهان ~~من حيث أفضى إليه تفسير شيخينا رحمة الله عليهما ورضوانه جدي وعمي، وهو من ~~أول سورة {عم يتسآلون} وذلك أن جدي صلوات الله عليه بلغ من تفسيره إلى آخر ~~{والشمس وضحاها} ومحمد بن القاسم عمي من عند ذلك إلى آخر {والنازعات} ~~فرأينا البناء على أساسهما، وإتمام ما قد كانا أملأه ms0187 من شرح القرآن ~~وتفسيره، وبلوغ الغاية في شرح تأويله إن أخرني الله سبحانه لذلك وأمهلني، ~~وبلغني فيه أمنيتي ولم يمنعني من ابتدائه من أوله وتفسيره من أول حرف منه ~~إلا التبارك بذكرهما، والبناء على تفسيرهما صلة مني لهما بذلك وتقربا إلى ~~الله بأن أكون كذلك لما لهما في ذلك من الأجر، وما يكسبهما ذلك إن شاء الله ~~من الفخر في الدنيا والآخرة والذكر ؛ لأن يشركهما الله عز وجل في صالح ما ~~نضع من ذكر الحق، ونبين من براهين الصدق، التي نهدي بها المسلمين، وننقذ ~~بها جميع المخلوقين ممن يستحق من الله الهدى، ويستوجب منه المعونة على ~~التقوى. # فابتدأت من حيث بلغا مستعينا بالله متوكلا عليه سائلا له العون في كل أمر ~~من هذا وغيره، فنسأل الله أن يبلغنا في ذلك أملنا، وأن يعظم عليه أجرنا، ~~وحسبي الله فنعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~القدير. # --- PageV01P301 ### || AUTO تفسير {عم يتسآلون} # قال عليه السلام: معنى {بسم الله} وتأويلها، أي ببسم الله يبتدأ كل شيء، ~~وهو المذكور قبل كل شيء، ومعنى {الله} فهو الإله الواحد الذي لا إله معه، ~~ومعنى {الرحمن} فهو المتعطف على الإنسان، العائد عليهم بالعفو والإحسان، ~~المتفضل عليهم بالبر والإمتنان، الرازق لهم على كل حال كانوا فيه من هدى أو ضلال. # {الرحيم} فهو البر الرفيق المنقذ لهم بالدلالة على ما فيه نجاتهم الدال ~~لهم على ما فيه صلاحهم، المحذر لهم طريق التهلكة، المجنب لهم عن سبيل ~~الهلكة، السالك بهم أبواب الكرامة والرحمة، الداعي لهم إلى ما فيه السلامة ~~والنعمة. # قال الله سبحانه:{عم يتسآلون} قال:{عم} يريد عن ما، فأذهب النون إدغاما ~~في الميم لتقارب مخرجهما، وكذلك تفعل العرب بما كان كذلك تطرح الألف التي ~~مع الميم استخفافا لها، والعرب تفعل ذلك بالألف تطرحها وهي تريدها، وتثبتها ~~وهي لا تريدها، وكذلك تفعل بلا كما هي قال الله سبحانه في طرح الألف وهو ~~يريدها {لا أقسم بيوم القيامة} وإنما معناه ألا أقسم بيوم القيامة فطرحها ~~وهو يريدها، فخرج معنى ms0188 الكلام معنى نفي، وإنما معناه معنى إيجاب. # وكذلك قال الله سبحانه:{لا أقسم بهذا البلد} فطرح الألف استخفافا لها، ~~وإنما معناها ألا أقسم بهذا البلد. # وقال سبحانه في موضع آخر أخر أثبتها فيه وهو لا يريدها:{وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون} فخرج معنى اللفظ معنى شك، حين يثبت الألف، وإنما معنى ~~الآية وأرسلناه إلى مائة ألف ويزيدون، فأثبت الألف لغير معنى استخفافا لها ~~؛ لأن العرب تفعل ذلك، وهي لغتها، وإنما خاطبهم الله عز وجل بلغتهم. # --- PageV01P302 وكذلك قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه في طرح الألف واللام معا من الموضع ~~الذي لابد منهما فيه فيما ذكر من فدية الصيام:{وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مساكين} فقال:{على الذين يطيقونه} فخرج اللفظ لفظ يوجب الفدية على من ~~أطاق الصيام، وإنما المعنى وعلى الذين لا يطيقون فدية طعام مساكين، فجعل ~~على من لا يطيق الصيام من الشيخ الكبير الفاني، والعجوز الكبيرة الفانية ~~اللذين لا يطيقان الصيام ول يرجو أن تجديد قوة لما قد زال عنهما من القوة ~~بدخول الهرم والذهاب، وزوال الشدة والشباب الصدقة على مساكين بدل كل يوم ~~حتى ينقضي شهر الصوم فيكون كل واحد منهما يتصدق على ثلاثين مسكينا بدل ~~الثلاثين يوما. # ومقدار ما يتصدق به فهو مدا بر على كل مسكين عن كل يوم، أو غير البر مما ~~يأكل أهل تلك الفدية، فقال سبحانه:{وعلى الذين يطيقونه} وإنما يريد وعلى ~~الذين لا يطيقونه فطرحها وهي أصلية في المعنى ؛ لأنها لغة العرب وبلغتهم ~~خاطبهم الله سبحانه. # وكذلك أثبتها في موضع ولم يردها، ولا أصل لها في المعنى، وإنما جاءت ~~ظاهرة في اللفظ، وذلك قول الله سبحانه:{لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون ~~على شيء من فضل الله} فقال:{لئلا يعلم} فخرج معنى اللفظ معنى نفي، وإنما ~~معناه معنى إيجاب، أراد الله سبحانه لأن يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على ~~شيء من فضل الله، فأثبتها وهو لا يريدها، فخالف اللفظ المعنى عند من لا ~~يعرف تفسيرها، ولا يقف على معانيها. # وفي الدليل على أن هذا الفعل ms0189 لغة من لغات العرب، أفصح لغاتها عندها ~~وأثبتها في ألسنتها قول شاعر من شعرائهم في طرحها وهو يريدها: # بيوم جدود لافضحتم أباكم # وسالمتم والخيل يدمى شكيمها # فقال: لا فضحتم أباكم، فأثبت فيها لا، وليس يريدها، ولا لها معنى، وإنما ~~معناها: بيوم جدود فضحتم أباكم، وقال آخر من شعراء العرب في طرحها وهو ~~يريدها: # نزلتم منزل الأضياف منا # --- PageV01P303 فعجلنا القرى أن تشتمونا # فطرح لا كما طرح اللام فخرج م عنى الكلام معنى إيجاب، وإنما معناه معنى ~~نفي، أراد لئلا تشتمونا، وطرح لا وهو يريدها فعلى ذلك يخرج معنى قوله ~~سبحانه:{عم يتسآلون} فطرح النون من عم لما ذكرنا من الحجة فيها أولا، وطرح ~~الألف من ما لما ذكرنا من استخفاف العرب لها، واستعمال ذلك في لغتها فبقيت ~~{عم يتسآلون} مشددة، شددت لإدغام النون في الميم. # والمعنى فيها عن مايتسآلون غير أن اللغة والإعراب حذف منها الحرفين النون ~~والألف يريد تبارك وتعالى بقوله:{عم يتسآلون} أي عم يستخبرون ويتذاكرون ~~ويترادون ويسألون توقيفا لنبيئه صلى الله عليه وعلى آله على ما يفعلون، ~~وعلى ما فيه يترادون. # --- PageV01P304 ثم قال سبحانه:{عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون} فأخبره صلى الله عليه ~~وآله أن الذي كانوا عنه يتسآلون وفي أمره يترادون هو النبأ العظيم الذي هم ~~فيه مختلفون، والنبأ هاهنا الذي هم فيه يختلفون فهو ما كان ينبئهم به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، ويعلمهم به من بعثرة القبور ومن النفخ في الصور، ~~ومن حشر العباد، وتبديل الأرض والبلاد والحساب والعقاب والمناقشة والثواب، ~~فكانوا في ذلك يختلفون، ومعنى يختلفون أي تختلف أقاويلهم في التكذيب به ~~وتصنيف معاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فيه، فكانت طائفة تقول: إن ~~إنباء رسول الله صلى الله عليه وآله لهم بهذا القول سحر، وطائفة تقول: إن ~~إنباءه لهم به شعر وظنون، وطائفة تقول: إن ذلك كله منه كهانة وجنون، فهذا ~~معنى اختلافهم في النبأ والنبأ فهو الإنباء، والإنباء: فهو الإخبار ~~والتبيين والإعلام للعالمين بما لا يعلمون، ولا يتوهمن أحد ذو ms0190 فهم ونظر ~~وتمييز وبصر أن اختلافهم فيما كان ينبئهم به صلى الله عليه وعلى آله من ~~ذلك، ويقصه عليهم ويقرؤه اختلاف يكون بعضه إقرارا بما كان يقول: وبعضه ~~إنكارا لهذا القول، بل كلهم كان منكرا له مكذبا غير مقر، وإنما معنى ~~الإختلاف منهم، وهو اختلافهم في تصنيف الكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله والجحدان لما جاء به صلى الله عليه وآله من عند الله. # {كلا سيعلمون} معنى كلا: معنى الإنكار لقولهم الذي قالوا، وإنكار لما هم ~~فيه من تصنيف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ لأن كلا هي كلمة ~~جواب رد على متكلم بغير صواب إنكارا لقوله، وردا عليه في كذبه، ودفعا لما ~~يأتي به من جهله تستعملها العرب في ذلك من محاورتها، وتلفظ بها في لغاتها، ~~فقال:{كلا} ما جآؤا بحق، ولا تكلموا بصدق. # (/6) # --- PageV01P305 ثم ابتدأ الكلام من بعدها بالوعيد لهم على كذبهم وجحدتهم للنبأ العظيم الذي ~~أنبأهم به رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته من بعثهم وحشرهم ~~فقال:{سيعلمون} أي سيعلمون صدق ذلك وحقه، ويعاينون ما ذكر من كينونة البعث ~~والحساب، وما أوعدوا بالنكال والعقاب. # ثم رجع سبحانه وجل عن كل شأن شأنه في إبطال قولهم والتكذيب لهم جحدانهم ~~للنبأ العظيم وإبطالهم الوعد والوعيد الجسيم فقال:{ثم كلا} فكرر الجواب لهم ~~لنفي الصدق عنهم، وإيجاب الباطل عليهم، والتكذيب لهم في قولهم، فقال:{ثم ~~كلا} أي باطل ما أتوا به وزور ومحال ذلك وفجور. # ثم رجع إلى الوعيد فقال:{سيعلمون} غب فعلهم، ويجدون ما أوجبنا من الوعيد ~~عليهم في تكذيبهم وشكهم ودفعهم ما ذكرنا لهم من نشزهم وشرحناه على لسان ~~نبينا من الأنباء العظيمة والأسباب الجليلة، التي لابد من وقوعها وكينونتها ~~ووضوحها من عجائب أفعالها في خلقنا عند نفخنا في صورهم وإخراجنا لهم من ~~أجداثهم، وإيصالنا لهم ما حكمنا به لهم وعليهم من كريم الثواب وأليم شديد ~~العقاب. # ثم قال سبحانه:{ألم نجعل الأرض مهادا} والمهاد: فهو القرار الممهد، ~~والممهد: فهو المسوى المجرد الذي يضطجع الناس عليه ويأوون ms0191 فيه، وينشأون ~~عليه من ذلك ما تقول العرب لمضطجع الصبي وموضعه ومأواه: مهد الصبي، وهو شيء ~~يسوى له من الخشب يغذ_ى فيه، ويجعل عليه يكفته ويؤويه، ويشده ويقويه، ~~ويستريح إليه فجعل عز وجل الأرض للخلق مهادا يأوون إليها، ويسكنون فيها، ~~فلما أن كانت الأرض لهم مأوى ومكفتا يمهدون فيها ويسكنون عليها سميت مهادا ~~إذ كانت لهم مأوى كما سمي موضع الصبي مهادا إذ كان له مضجعا ومأوى. # (/7) # --- PageV01P306 ثم قال:{والجبال أوتادا} فأخبر عز وجل أن الجبال أوتاد للأرض تمنعها من ~~الميدان بهم، وتوقفها عن التزعزع بمن فيها منهم كما قال سبحانه:{وألقى في ~~الأرض رواسي أن تميد بكم} يقول: أن تزول أو تزعزع بهم، فشبه سبحانه الجبال ~~في الأرض للزومها لها ومنعها بها من الميدان بأهلها بالأوتاد اللازمة ~~لأطناب البيوت، المقيمة لها على الثبوت اللازمة المانعة لها عن الزوال، ~~فجعل سبحانه ما جعل من الجبال للأرض أوتادا. # ثم قال سبحانه:{وخلقناكم أزواجا} فأخبر بعجيب صنعه، وما أظهر من فطرته، ~~وما أرى الخلق من محكم تقديره في خلق المخلوقين أزواجا، والأزواج: فهي ~~الذكر والأنثى الذي يكون منهما نسل الآدميين، وبتناسلهما تكون كثرة ~~المخلوقين. # ثم قال:{وجعلنا نومكم سباتا} والنوم فهو الرقاد، والرقاد: فهو خروج الروح ~~من البدن، وبقاء النفس التي منها النفس في مقرها من البدن، وهو شيء جعله ~~الله وركبه في الإنسان منة منه سبحانه عليه، وإحسانا منه سبحانه إليه لما ~~في النوم من راحة البدن وإراحة الجوارح كلها، وإزاحة النفس في كل وجه ومعنى. # من تلك الراحة راحة البدن من تعبه وإقباله وإدباره، وراحة العين من النظر ~~والإصعاد والتصويب، وراحة الرجلين من المشي، وراحة الأذنين من السمع ~~والإستماع، وراحة اللسان من القال والقيل، وراحة النفوس من الهموم والغموم، ~~وراحة الخائف من وجل خوفه، وللمرعوب من رعب فزعه، وكل ما شرحنا من هذا ~~القول ومثله ففي النوم راحة من ألمه، وفرج من فادح عمله ؛ لأن النوم يزيل ~~ذلك كله، ويعرف بزولان الروح من البدن، وزوال العقل الذي به يميز ذلك كله، ~~ويعرف به ألمه، ms0192 فإذا زال صار الإنسان بزواله في الغفلة عن ذلك [كله] كالميت ~~المفارق لأرضه. # (/8) # --- PageV01P307 وفيما ذكرنا من خبر النوم وفضله، وجزيل مواهب الله فيه ومنه وما يزول به عن ~~كل أحد به من فادح همه ما يقول الله تبارك وتعالى:{إذ يغشيكم النعاس أمنة ~~منه} يقول: تطمينا لقلوبكم وترويحا به عنكم، إذ بوقوعه يزول عنكم معرفة ما ~~أنتم فيه من الروع والهول، فتبارك الله العزيز ذو الطول. # السبات: فهو الإطراق والخفات، والهدوء والسكون في الحالات. # ثم قال:{وجعلنا الليل لباسا} يقول: غاشيا لكم ملبسا عليكم ما يلبسكم من ~~ظلامه، ويقع عليكم عند هجومه من ادلهمامه، فسماه الله لباسا ؛ إذ كان يلبس ~~الأرض ظلمته، ويغلبها اسوداده، فيستر منها القريب الداني، ويواري معها ~~بظلمته المختفي المتواري، فلما أن ستر بظلامه ما ستر، وألبس الأرض ما حجب ~~الناظر به عن النظر، وستر عنه ما يكشفه النور من الخبر قيل: لباس ملبس، ~~وكذلك تقول العرب: أرخى الليل ستره، وضرب الليل بسجفه، وألبس الليل الأرض ~~ثوبه، تريد ألبسها من ظلمته ما كان سترا [لها] وحجابا دونها، فسمي بذلك ~~الليل لباسا. # ثم قال:{وجعلنا النهار معاشا} يريد سبحانه متعيشا للناس، ومكتسبا يكتسبون ~~فيه المعاش، ويطلبون فيه المراش (1) فلما كانت المعائش من الصناعات وغيرها ~~مما يكتسب به المعائش لا تكون إلا في النهار قال الله سبحانه:{وجعلنا ~~النهار معاشا} إذ جعله للمعائش سببا ووقتا ومطلبا. # ثم قال سبحانه:{وبنينا فوقكم سبعا شدادا} يعني بالسبع الشداد: السموات ~~المبنيات، وهن الطرائق المركبات المجعولات، فذكر سبحانه ما جعل من السماوات ~~التي جعلهن دليلا عليه وآيات، ولما فيهن وفي من يسكنهن من الدلالات ~~المنيرات على الجاعل لهن، المقدر لتركيبهن، الممسك بلا عمد لهن. PageV01P308 # ثم قال:{وجعلنا سراجا وهاجا} والسراج الوهاج: فهو ما جعل الله من الشمس ~~والقمر النيرين، السراجين الوهاجين، وما جعل من النجوم الوهاجة المتوقدة، ~~فأضاء ما بين المهاد وبين السبع الشداد من الهواء المدلهم المتكاثف المظلم ~~بمنور السراج الوهاج، الذي جعله في الليل والنهار سراجا، والسراج: فهو ~~المضيء المنور، الذي يسرج بضوئه وينير ؛ لأن معنى السراج: ms0193 فهو المضيء ~~المنير، تقول العرب: أسرج السراج، تريد نوره وأضئه، واجعل فيه نورا ساطعا ~~حتى يكون بتنويره سراجا وهاجا، والوهاج: فهو المتوقد الملتهب. # ثم قال:{وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا} والمعصرات: فهن السحاب المثقلات ~~العاصرات لما فيهن من الماء، وعصرهن للماء حبسهن وحملهن له وإمساكهن إياه، ~~فسمين لحبسهن لما فيهن من الماء وإمساكهن له معصرات، ومن ذلك ما سميت العصر ~~عصرا لما يعصر بها ويحبس عن الظهر الذي قبلها، فسميت عصرا للإمساك عنها، ~~والتعصير بها، والعصر: فهو الحبس، ومن ذلك ما تقول العرب في كلامها ~~وأمثالها لحابس الشيء إذا حبسه عنها: كم تحبسه وتعصره، وتقول: أكثرت عصر ~~هذا الشيء أي تزيد حبسه وإمساكه. # وقد قيل: إن معنى {المعصرات} هو العاصرات لما فيهن من الماء حتى يخرج من ~~خللهن، وشبه ذلك بعصر الإنسان للشيء وغمزه حتى يخرج ما فيه من مائه، والقول ~~الأول أحسن القولين عندي وأصوبهما وأولاهما بالحق وأشبههما. # وقوله:{أنزلنا} أهبطنا {من المعصرات ماء ثجاجا} ومعنى {ثجاجا} أي كثيرا ~~جرارا، قوي السيلان كثير الهطلان، يثج في الأرض ثجا، ومعنى يثج ثجا: أي ~~يدفع دفعا كثيرا إتيانه معا وتدافع سيوله جميعا، يعضد بعضه بعضا، ويقوي كل ~~آخر منه أولا، فهو لتلاحقه وكثرته يثج ثجا، ويتدافع تدافعا، ويتحامل على ما ~~لقيه من الأرض تحاملا يقلع بتحامله وثجه كل ما نبت من الأشجار في مجراه، أو ~~اعترض له في وجهه. # (/0) # --- PageV01P309 ثم قال سبحانه:{لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا} فأخبر سبحانه أنه أنزل ~~هذا الماء ليخرج به ما ذكر # ومعنى نخرج به: هو ننبت به، ونجعل منه وببركته، والحب: فهو كل حب يؤكل أو ~~ينتفع به مما يتولد في أشجار الأرض بالماء كائنا ما كان من الأشياء. # {ونباتا} فهو ما كان غير الحب من أوراق الأشجار المختلفات من أفنان ~~الحشيش النابتات، وغير ذلك من زاهرات الأرض المورقات. # {وجنات ألفافا} الجنات: الحدائق الملتفات المشتبكة فيها الأشجار المثمرات ~~من الفواكه كلها المأكولات الملتذ بأكلها، المتنعم بطعمها وغير ذلك من ~~الأشجار الملتذ برائحتهن، المتفكه بشمهن من الرياحين وغيرها ms0194 من الأشجار ~~المنورة المختلفة بنوارها التي تجري من تحتها المياه، قد فجرت فيها أنهارها ~~تفجيرا، وأبهجت سبلها سبلا وسبيلا، وأعد فيها مما أتخذ من مجالس دورها، ~~ومنتزهات قصورها فاختلفت هذه الجنان لأهلها، وتزينت لهم بما فيها، فإذا ~~كانت كذلك، وكان السبب فيها على ذلك فقد انتظمها اسم الجنان، وفي ذلك ما ~~يقول الرحمن الرحيم:{كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين} فسمى ما كان على ما ذكرنا من الأرض ~~جنانا، وإنما سمى ما كان من الأرض كذلك جنانا لما فيها من الملك والنعيم، ~~والسرور والخير الكريم، فشبهت في الإسم بالجنان التي ذكر الله في الآخرة ~~التي فيها النعيم الذي هو النعيم حقا، المقيم أبدا، فاشتبها في الإسمين ~~وتفاوتا ولله الحمد في المعنيين والحالين والصفتين. # (/1) # --- PageV01P310 وكيف لا تتفاوت وكل ما في الآخرة فدائم أبدا لا يعدم صيفا ولا شتاء، ولا ~~يكون له أمد يبلغه وانتهاء، نعيمها مقيم، وملكها سرمد كريم، وما في الدنيا ~~فيزول مع زوال الأزمنة، ولا يدوم منه شيء أبدا، ما أكل من لذيذ مأكلها إلا ~~عدم في غير هذا الوقت من الزمان، فيتقلب مع تقلب الأزمنة فلا يوجد منها ~~ثمرة صيف في شتاء، ولا يوجد ثمرة الشتاء في الصيف أبدا. # هذا مع تصرم ذلك كله وانقضائه، وخروج أهله منه بالموت وفنائه، وترك ما ~~جمعوا لذلك لغيرهم، وما تكالبوا عليه لورثتهم. # وكلما ذكره الله سبحانه من قوله:{ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا ~~وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار ~~معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا} إلى قوله:{وجنات ألفافا} فإنما أراد الله ~~تبارك وتعالى بذكر ما ذكر احتجاجا على المكذبين بالنباء العظيم، بما جعل من ~~ذلك كله وركب فيه من الدلائل الدالة عليه سبحانه والشاهدات على تصديق ~~النباء العظيم، الذي هم في تصنيف الكذب به مختلفون، فأخبر جل وعلا جلاله عن ~~أن يحويه قول أو يناله أن في أقل مما رأوه من جعله، وعاينوا من أثر خلقه ~~دليل على عظيم ms0195 قدرته وصدق وعده ووعيده، وأن الذي عاينوا من أثر صنعه في هذه ~~الأشياء أعظم في بيان القدرة ومضي الإرادة من نشر الموتى، وما نبأهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأشياء التي ذكرها في يوم المعاد، ~~وأنذر بها، ورغب ورهب جميع العباد. # ثم قال سبحانه:{إن يوم الفصل كان ميقاتا} ويوم الفصل: فهو يوم الجزاء ~~والقطع بين العباد، والقضاء بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وبه من النبأ ~~يكذبون، فسمى الله سبحانه ذلك اليوم: يوم الفصل ؛ ليفصل الأمور، وتفصيلها: ~~فهو قطع ريبها، وبيان أمرها، وثبوت صحتها عند من كان جاحدا لها. # --- PageV01P311 ومعنى قوله:{ميقاتا} أي موعدا وعائدا وغاية ومدى، وإليه يوعدون، وفيه ~~يثابون ويعاقبون، والميقات: فهو الوقت الذي إليه يؤخر الخلق فيما يوعدون ~~وإليه يجتمعون، وفيه يحصلون، واليه يجرون. # وقوله:{يوم ينفخ في الصور} يريد بقوله:{يوم ينفخ } أي أن هذا الميقات ~~واليوم الذي فيه الميعاد هو يوم ينفخ في الصور، والصور: فهو صور الآدميين، ~~فذكر سبحانه أنه ينفخ فيها بعد فنائها وبلائها روح الحياة بعد الفناء ~~والبلى، فتعود من بعد ذلك صورا أحياء، معتدلة الخلق والبناء، كما كانت عليه ~~من الخلق أولا. # ومعنى {ينفخ} هو يجعل فيها الحياة، ومعنى يجعل فيها الحياة: فهو ترد ~~إليها الأرواح في الأجساد المبتدأة. # ألا تسمع كيف يقول سبحانه فيما أمر به الملائكة عليهم السلام من السجود ~~له عند إظهار ما يظهر من قدرته في خلق آدم صلى الله عليه حين قال:{فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} قال: نفخت فيه من روحي، يقول: ~~جعلت فيه وركبت وسويت وخلقت فيه روحا به تمامه، وبكينونته فيه قوامه، ثم ~~نسبه إليه ؛ لأنه خلقه وفعله كما قال:{يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} ~~فنسبهم إليه إذ هم فطرته وخلقه، وفعله وأمره (1) قال الله سبحانه في مريم ~~عليها السلام:{ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} ~~يريد: جعلنا في الرحم ما جعلنا من ms0196 خلقنا، وخلقنا فيه من غير ذكر ما خلقنا ~~من عبدنا الذي جعلناه آية لعبادنا، ثم نفخنا في ذلك الخلق روحا، ونفخنا: ~~فهو ركبنا وجعلنا وأدخلنا وثبتنا فيه روحا به كمال ذلك الخلق المخلوق، ~~وقوام ذلك العبد المجعول. PageV01P312 # ثم قال سبحانه:{فتأتون أفواجا} والأفواج: فهي الجماعات الكثيرات الآتيات ~~معا معا، زمرا زمرا، يقول: تأتون إلى الميقات الذي وقت لكم والموضع المحشر ~~الذي جعل لكم محشرا وموضعا للحساب وموقفا. # ثم قال:{وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا} يخبر ~~سبحانه عن تقطع السماء وتفتحها، وتقلعها وتمزقها، حتى تكون بعد جودة ~~الإنحباك قطعا، وبعد الإستواء أبوابا مفتحة ومزقا حتى تكون كالمهل السائل، ~~بعد العظم والتجسيم الهائل. # ومعنى قوله:{وسيرت الجبال فكانت سرابا} وتسييرها: فهو نسفها وإذهابها، ~~والنسف: فهو القلع والإهلاك والإزالة عما هناك، حتى تعود أمكنتها قاعا ~~صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، والقاع الصفصف: فهو الموضع الأملس المرت ~~الخالي من كل شيء، الذي لا يستتر منه جانب عن جانب، ولايتوارى فيه صاحب عن ~~صاحب، والعوج: فهو المتفاوت في الإرتفاع والإنخفاض، والأمت: فهو الإختلاف. # ثم قال سبحانه:{إن جهنم كانت مرصادا} والمرصاد: فهو المرصد، فأراد بقوله: ~~{مرصادا} أي أنهم يرصدون لجهنم، وأنها لهم مرصدا، أي مكانا وموضعا لا معدل ~~لهم عنه، ولا منحرف لهم منه، ولا مصرف ولا مراغ، ولا ملاذ سواها ولا مساغ ~~غيرها، وفي ذلك ما تقول العرب: مرصد فلان مكان كذا وكذا تريد مكانه الذي ~~يرصد فيه. # ومعنى يرصد: هو ينتظر فيه حتى يأتيه ويصير إليه فيصادفه فيه راصده، ويجده ~~فيه طالبه، وهو المكان الذي لا مراغ لهعنه، ولا يوجد إلا فيه، فأراد سبحانه ~~بقوله:{كانت مرصادا} أي كانت مكانا وموئلا لابد للطاغين منه، ولا منصرف لهم عنه. # ألا تسمع كيف بين سبحانه بقوله:{للطاغين مآبا} أي للعاتين الجبارين ~~المكذبين معادا وموئلا ومكانا ومقرا يأوون فيه، ويصيرون إليه، والأوب: فهو ~~الرجوع، والمآب: فهو المكان الذي يصار فيه، ويرجع إليه. # --- PageV01P313 {لابثين فيها أحقابا} فاللابت: هو المقيم، ومعنى {لابثين} فهو مقيمون ~~الأحقاب: فهو الدهور الدائمة، وقد ms0197 قيل: إن واحد الأحقاب حقب، وإن الحقب ~~ثمانون سنة، فإن يكن ذلك كذلك فهي أحقاب متوالية متواترة متصلة لا آخر لها ~~ولا انقطاع، ولا فراغ لمدتها ولا فناء ؛ لأن الله سبحانه ذكرها أحقابا، ولم ~~يذكر لها غاية ولا مدى، فدل بذلك على أنها أبدا دائما سرمدا. # ثم قال سبحانه:{لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا} يريد لا يجدون فيها فسحة ~~ولا راحة تبرد عنهم كربهم، ولا تنفس عنهم ألمهم، ولا تكشف عنهم حرارتهم، ~~ولم يرد هاهنا بقوله:{بردا} وقع البرد وحسه وإنما أراد بالبرد تهوين الأمر ~~لأن العرب تقول: برد عني غمي كذا وكذا، وبرد عني ألم علتي كذا وكذا، يريدون ~~هون عني وسهل علي، وفرج كربي كذا وكذا، لا أنها تريد بقولها أنه أصاب ~~القائل لذلك بردا أبرد جلده، فهذا معنى ما ذكر الله سبحانه من البرد الذي ~~لا يذوقه أهل جهنم يريد أمرا يسهل عليهم عذابهم ويفرج عنهم كربهم من أمر ~~يطفي عنهم حر جهنم، وأمر يهون عليهم عظيم الألم. # والشراب الذي لا يذوقونه: فهو الشراب البارد الهنئ الطيب المريء فذكر ~~الله سبحانه أنهم لا يذوقون من ذلك الصنف شيئا ؛ لأنه صنف كرامة من الله ~~لمن سقاه إياه ونعمه، وأن شرابهم هو الحميم الذي ذكر الله أنه يتجرعه ولا ~~يكاد يسيغه، ألا تسمع كيف يقول تبارك وتعالى:{إلا حميما وغساقا} فالحميم: ~~فهو الماء المحمى المسخن الذي قد منع الأيدي عن مسه لشدة حموه وحره، ~~والغساق: فهو الذي قد غلى حتى رمى بجبه وبطائر نضجه من جوانب إنائه فهو ~~يتطاير من الإناء لشدة الغليان. # --- PageV01P314 {جزاء وفاقا} يقول: جزاء وفقا مثلا بمثل، بالسوأة سوأة، وبالمعصية نقمة، ~~وبالمخالفة عذابا، فهذا معنى الوفاق أي أنكم عذبتم بفعلكم ونكلتم بجرمكم، ~~ولم تظلموا في شيء من أموركم، وكان ذلك منا جزاء فعلا على فعلكم، ومجازاة ~~على صنعكم، فأذقناكم من عذابنا ما جعلناه في حكمنها به جزاء لمن عند عنا، ~~فكان منا حقا حقا، ولم نسأله ولم نعذبه تجاهلا ولا ظلما ولا ابتداء ولا ~~غشما، بل كان جزاء ms0198 بعد الإعذار والإنذار والإحتجاج والإمهال. # {إنهم كانوا لا يرجون حسابا} يقول سبحانه: لا يأملون محاسبة على فعلهم، ~~ولا يتوهمون مجازاة على صنعهم ولا يوقنون ما أخبرناهم به من شرهم ولا ~~يصدقون بشيء مما أنبأنا به من الوعد والوعيد. # ومعنى {يرجون} يأملون في مخرج الكلم هاهنا: هو لا يخافون ويتقون ويخشون ~~{حسابا} أي محاسبة منا على ما قدموا ومجازاة على ما صنعوا. # ثم قال سبحانه:{وكذبوا بآياتنا كذابا} يقول جل جلاله: وكذبوا بما رأوا ~~وأبصروا من الآيات الدالات علينا، وجحدوا بما بينت لهم حجتنا المركبة في ~~صدورهم من العقول المجعولة فيهم من دلائل الحق وبراهين الصدق في ما يرون من ~~الآيات من عجائب الصنع في الأرضين والسموات، وغيرهن مما جعل الله من ~~المجعولات، وفطر سبحانه من بدائع المفطورات اللواتي يشهدن لخالقهن ويدللن ~~على فاطرهن، وينطقن بربوبيته بنواطق ما فيهن من أثر صنعه الذي لا يجهله ~~منصف، ولا يدفعه إلا مكابر مخالف، فذكر الله سبحانه أنهم كذبوا بذلك بعد ~~بيانه، ودفعوه بعد صحته في عقولهم، وثباته في صدورهم بأبين البيان، وأوضح ~~البرهان. # وقوله:{كذابا} فمعناها: تكذيبا وملادة وتعطيلا ومناكرة وكفرا. # ثم قال:{وكل شيء أحصيناه كتابا} ومعنى أحصيناه: فهو علمناه وحفظناه، ~~ومعنى {كتابا} أي محفوظا مثبتا معلوما مبينا. # (/6) # --- PageV01P315 وإنما ضرب الله لهم بما ذكر من الكتاب مثلا إذ كان أبين ما عندهم بيانا ~~واضحا وأثبته ما كان في الكتاب مكتوبا وفي الصحف المعروفة موقعا، فذلك ~~عندهم أبين ما يعرفون وأوضح ما يعلمون، وأحصى ما يحصون، فمثل الله عز وجل ~~بما يكون حفظه لما يكون منهم وأحصاه إياه عليهم بما هو أفضل الأشياء عندهم ~~وأبينه بيانا، وأثبته صحة مما يكتب في الكتب، ويوقع فيها. # ثم قال سبحانه:{فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} يقول سبحانه: فذوقوا ما نزل ~~بكم على فعلكم وما نزل بكم من الجزاء الوفاق على كفركم. # وقوله:{فلن نزيدكم إلا عذابا} يقول: لن تروا فرجا ولا رخاء، ولن تزدادوا ~~بالمكث الطويل في جهنم إلا عذابا وبلاء ؛ لأن عذابهم دائما سرمدا، وخلودهم ~~في النار دائم أبدا، ومن ms0199 كان كذلك لم يزدد بالمكث في جهنم إلا عذابا. # ثم قال جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله:{إن للمتقين مفازا} والمفاز: ~~فهو موضع الفوز، والفوز: فهو النعيم والخير والسرور، وقرة العين من المآكل ~~والمشارب والمناظر والمناكح والمطالب. # ثم فسر سبحانه ذلك المفاز فقال:{حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا ~~دهاقا} والحدائق: واحدتها حديقة، والحديقة: فهي الحظيرة المجتمع فيها جميع ~~الثمار المأكولات الطيبات، والمياه المشروبات. # {وأعنابا} فهي الأعناب المعروفة، التي يغني اسمها عن تفسيرها لمعرفة ~~الناس بها. والكواعب: فهن النساء النواهد، والناهد: فهي التي قد برز ثديها، ~~وتبين للناظرين في صدرها، الذي لم ينكسر ولم يمل فتلك تسمى كاعبا وناهدا، ~~والأتراب: هو الأمثال المشبهات في القد والجسم والصورة والخلق. # (/7) # --- PageV01P316 {وكأسا دهاقا} والكاس: فهو ضرب من الأقداح يشرب فيها الماء وغير الماء من ~~العسل واللبن تكون الكأس من الفضة والذهب، ويكون في الآخرة من ذلك ومن غيره ~~من الجواهر والياقوت الأحمر، والدر الأبيض والزمرد الأخضر، ودهاقا: فمعناه ~~مملوأ مترعا فأعد الله ذلك كله للمؤمنين. # ثم قال:{لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا} واللغو: فهو الباطل والمحال ~~والأذى والطرح والمقال وما يغم المؤمنين سماعه ويكرهون استماعه {ولا كذابا} ~~والكذب: فهو الخلف للمواعيد، والكذب في الأقاويل، فأخبر أنهم لا يجدون في ~~تلك الدار خلفا لما وعدوا، ولا كذابا لما أملوا ورجوا، وأنهم سيجدون ما ~~وعدوا، ويعاينون في دار الخلد ما أملوا، وأن آمالهم ورجاءهم وظنونهم غير ~~كاذبة ولا باطلة، وأنها لهم على أفضل ما ظنوا وأكمل ما رجوا، وأوفر ما ~~طلبوا لم يكذب الله لهم ظنا، ولم يخلف لهم أملا، هذا معنى {كذابا}. # ألا تسمع كيف يقول القائل: ظننت ظنا فكذبني ظني، يريد أملت أملا فأخلفني أملي. # {جزاء من ربك عطاء حسابا} يقول تبارك وتعالى: إن ذلك منه كله جزاء ~~للمؤمنين على أفعالهم، وعطاء منه على أعمالهم المرضية له المتبعة أمره ~~{عطاء} ومعنى عطاء فهو هبة وجزاء {حسابا} يقول: عطاء كثيرا إن حسب كثر ~~حسابه، وإن عد لم يحط بعدده كثيرا جسيما جزيلا عظيما. # (/8) # --- PageV01P317 ثم قال ms0200 سبحانه وجل عن كل شأن شأنه:{رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا} ومعنى {رب السموات}: هو مالكها وقاهرها وصاحبها ومقدرها، ~~وكذلك الأرض وما بينهما، ومعنى {وما بينهما} فهو ما على وجه الأرض من الإنس ~~وغيرهم من الأشياء، وما فوق ذلك من الجن والإنس والسحاب والنجوم في الهواء ~~فهو مالكهما ومدبرهما، ومالك ما بينهما، وسيدهما ومليكهما {الرحمن} فهو ~~الرحمن صاحب الرحمة والسلطان والعظمة والبرهان، وهو اسم من أسامي العزيز ~~الجبار {لا يملكون منه خطابا} أي لا ينالون عنده مخاطبة ولا بهتانا ولا ~~مكابرة وجحدانا و{منه} فمعناها: عنده فقامت من مقام عند، وهذه حروف الصفات ~~يخلف بعضها بعضا، ويجزي بعضها عن بعض من ذلك قول الله سبحانه فيما حكى عن ~~فرعون اللعين:{لأصلبنكم في جذوع النخل} (1) والجذع لا يصلب فيه وإنما يصلب ~~عليه، أراد لأصلبنكم على جذوع النخل، فقامت في مقام على، وكذلك قامت من ~~مقام عند في قوله:{لا يملكون منه خطابا} فأخبر عز وجل أنهم لا يملكون عنده ~~قبول عذر معذرة، ولا ينفعهم جحدان، ولا يجوز عنده إلا الحق في ذلك اليوم وهو: # {يوم يقوم الروح والملائكة صفا} وقيامهم فهو وقفهم فهم بين يدي ربهم، ~~وانتظارهم لأمر خالقهم و{صفا} فهو صفوفا و{الروح} فهو جبريل صلى الله عليه ~~و{الملائكة} القيام صفا في ذلك اليوم فهم الشهود والكتبة والحفظة على ~~الآدميين ما كان من أفعالهم في دنياهم، وهم الذين قال الله سبحانه:{عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (2) ومن ~~الملائكة الوقوف ملائكة موكلون بإيصال المثابين إلى الثواب الكريم، إيصال ~~المعاقبين إلى عذاب الجحيم، وكذلك سائر الملائكة كل منهم واقف ينتظر أمر ~~ربه معظما لما يرى من فعله. # (/9) # --- PageV01P318 {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن} يقول: لا ينطقون من هيبته ولا يتكلمون ~~من إجلاله وتوقيره سبحانه وتقديسه {إلا من أذن له الرحمن} منهم والإذن ~~هاهنا: هو الأمر من الله له بالكلام بما يأمرهم من توقيف العباد على ~~أفعالهم ومحاسبتهم على أعمالهم {وقال صوابا} معناها قال: حقا ms0201 من توقيف ~~الحفظة للآدميين على ما كان من فعلهم، وتعريفهم ما تقدم من خطاياهم التي ~~أحصوها عليهم في دنياهم فوقفوا من ذلك على الصواب، والصواب هاهنا: فهو الحق ~~في جميع الأسباب من قول كان أو عمل. # ثم قال سبحانه:{ذلك اليوم الحق} يريد: أي ذلك يوم حق، معنى يوم حق: أي ~~أنه يوم آت حق كفلق الصبح لا خلف في إتيانه ولا بطلان لما ذكر منه فإتيانه ~~حق، وكينونته حق، وكل ما يفعل فيه فحق لا ظلم فيه ولا حيف. # {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا} يقول سبحانه: فمن شاء من الخلق اتخذ في دار ~~دنياه وقبل فنائه وانقضائه إلى ربه سبيلا، أي يجده غدا عنده من العمل ~~بطاعته والإتباع لمرضاته. # ومعنى {اتخذ إلى ربه مآبا} هو جعل بينه وبينه وصلة لا تنقطع، وسبيلا ~~يوصله إلى جناته، ويوجب له ما وعد المطيعين من ثوابه حتى يدخر له بطاعته ~~واتباع مرضاته فوزا يؤوب إليه، ويؤوب: ينقلب فيه وإليه، ومعنى {مآبا} هو ~~موئلا ومرجعا يجده عند رجوعه إلى ربه، وسببا عند الله يصادفه عند مآبه إلى ~~دار آخرته، يسره المنقلب إليه، وينفعه المآب فيه. # ثم قال سبحانه:{إنا أنذرناكم عذابا قريبا} يريد دانيا قد أزف حينه، وقرب ~~وقته، ومعنى {أنذرناكم} هو حذرناكم، وتقدمنا إليكم وأعذرنا في قطع الحجة ~~بيننا وبينكم قبل مصيركم إلى العذاب بتماديكم في المعاصي المهلكات والمآثم ~~الموبقات. # (/0) # --- PageV01P319 ثم أخبر بوقت ذلك العذاب فقال:{يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} فأخبر سبحانه ~~أن ذلك العذاب يكون في ذلك اليوم الذي ينظر فيه المرء ما قدمت يداه {ويقول ~~الكافر يا ليتني كنت ترابا} وهو يوم الحشر والحساب ومواقعة العقاب والعذاب، ~~ومعنى {ينظر} فهو: يجد ما قدمت يداه، معنى وجوده لما قدمت يداه: هو وجوده ~~لجزاء فعله ومواقعته ومعاينته لصدق ما وعد وأوعد على فعله مما اكتسبته يداه ~~في حياته وقبل وفاته. # ومعنى قول الكافر:{يا ليتني كنت ترابا} فهو تحسر منه وتندم وفرق وهلع ~~وشدة وجزع مما يعاين مما أعد الله له من العذاب الأليم، ms0202 وما يستحب إليه من ~~الجحيم، وما يصب فوق رأسه من الحميم جزاء على كفره، وعذابا على صده عن طاعة ~~ربه في حياته، فيقول عند معاينته ما يعاين من البلايا: يا ليتني لم أرد ~~حيا، ولم أبعث في هذا اليوم بشرا سويا، وكنت في القبر كما كنت ثاويا ميتا، ~~وباليا فانيا، ورميما رفاتا ترابا، فيتمنى أنه بقي ترابا رميما، ولم يلق ما ~~لقي من جزاء فعله الرديء، وعلمه السيئ {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا}(1). # فنعود بالله من البلاء، ونسأله الرحمة والهدى، والمعونة على أمور الآخرة ~~والأولى، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~الجليل. # (/1) # --- PageV01P320 ### || AUTO تفسير {والمرسلات} # قال الله سبحانه:{والمرسلات عرفا} فالمرسلات: فهو السحائب المنشآت {عرفا} ~~يقول: متصلات معا يتبع بعضها بعضا، ولا يفاوت شيء منها شيئا. # {فالعاصفات عصفا} فهن الرياح الهابات الشديدات الهبوب المزعزعات لما هببن ~~عليه، الحاملات ما قوين عليه {عصفا} فالعصف: هو الشدة منهن، وإنما قيل: ~~عاصفة لعصفها للأشياء، وعصفها للأشياء: فهو زعزعتها لها وحملها ورفعها ~~ووضعها لما ترفع من الأشياء وتضع، وإجالتها لما تحمل مما تمر عليه وتقع فيه. PageV01P320 # {والناشرات نشرا} فهن السحائب الممطرات اللواتي ينشرنه برحمة الرحيم في كل ~~الجهات، وحيث ما شاء من البقاع المحتاجات إلى ما ينتشر فيهن وعليهن من ~~الرحمة، ويقع فيهن بوقوع الغيث من البركة، فتنشر رحمة الله حيث شاء، ~~وتنبيها من أمرت بإنالته من المربوبين فتغيث بذلك من شاء الله من المغاثين. # {فالفارقات فرقا} فهن الملائكة المقربون الذين يفرقون بين الحق والباطل ~~بما تتنزل به من التبيين والحجج من عند الواحد المنان في الوحي والقرآن. # {فالملقيات ذكرا} فهن الملائكة الملقون بما يلقون إلى الأنبياء والمرسلين ~~من وحي رب العالمين، و{وذكرا} فمعناه وحيا وأمرا وقصصا وخبرا وإعذارا ~~وإنذارا، ألا ترى كيف بين ذلك سبحانه فقال: # {عذرا أو نذرا} والعذر: فهو الإعذار في الشيء بالتقدمة إلى أهله في العذر ~~من وقوعه وأخذ الأهبة قبل نزوله أو نذرا، فالنذير هو الرسول المخبر بالأمر ~~قبل وقوعه، وأخذ الأهبة ms0203 قبل نزوله، أو نذرا، فالنذير: هو الرسول المخبر ~~بالأمر قبل وقوعه، المعلم المنذر به، فأخبر الله سبحانه أن الملائكة تلقي ~~الذكر والإعذار، وتكون بذلك إلى الأمة نذرا منذرين لهم من بطش رب العالمين. # ثم قال سبحانه جوابا لقسمه الذي أقسم به فيما أقسم به من المرسلات ~~والعاصفات والناشرات والفارقات والملقيات:{إنما توعدون لواقع} يقول عز وجل: ~~إن كل ما يذكر لكم وتوعدونه من ثواب أو عقاب لواقع حقا، ونازل بكم قريبا ~~صدقا، وإنما أقسم الله بما أقسم به من هذه الأشياء لعظيم ما فيها من ~~براهينه وجليل صنعه، وتدبيره فنبه الله جل جلاله بالإقسام بها على عظيم ~~الدلائل التي فيها الدلالات على جاعلها المبينة بأثر الصنع صنع صانعها. # (/2) # --- PageV01P321 ثم دل على وقت وقوع ما يوعدون فقال:{فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت ~~وإذا الجبال نسفت} أراد أن ذلك الوعد كائن عند كينونة ما ذكر من هذه ~~الأشياء، ومعنى {طمست} فهو أذهبت وأفنيت وقلعت ومحقت وأبيدت ففنيت ومحيت ~~فذهبت. ومعنى {فرجت} فهي فتحت وقطعت ومزقت فانفرجت. ومعنى {نسفت} الجبال: ~~فهو تمزيقها وافناؤها وإبادتها وإبلاؤها وقلعها من مواضعها حتى تخلو ~~مواضعها منها، وتضمحل فيفنى ما كان يرى من تجسمها وعظيم خلقها. # ثم قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه:{وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت} يريد ~~بأقتت: أنها قد جعل لها وقت إليه تبلغ، وإياه تنتظر، وفيه تبعث وتنشر، ثم ~~بين فقال:{لأي يوم أجلت} تعظيما منه لذلك اليوم، وإخبارا بجليل ما فيه من ~~عظيم الأمور، وشدائد النوازل بأهل الوعيد وكريم المآب وعظيم الثواب لأهل ~~الوعد، وهذه الكلمة كلمة تقولها العرب إذا أخبرت عن يوم تنتظره جليل الأمر ~~هائل الخطر قالت: يوم كذا، وكذا تقول أي يوم كان حرب كذا وكذا؟ وكذلك: أي ~~يوم يوم الموت، تريد بقوله: أي يوم أي ما أشد ذلك اليوم وأهوله وأفدحه ~~لأهله وأعظمه، ومعنى {أجلت} فهو وعدت وجعل لحشرها ولقائها لربها أجل ~~تنتظره، ومدة تقطعها بالإنتظار لبلوغ غايتها، فعند بلوغ غايتها يكون ذلك ~~اليوم الذي يكون فيه بعثها وحضورها وتنجز ms0204 موعد ربها بنصرها من كربها وخائف ~~أمرها، وثواب من أطاعها وصدقها فيما جاءت به عن ربها. # ألا تسمع كيف يقول فيما بين من ذلك اليوم الذي أجلت [إليه] الرسل حين ~~يقول:{ليوم الفصل} ثم قال:{وما أدراك ما يوم الفصل} والفصل: فهو القطع بين ~~العباد فيما كانوا فيه يختلفون، وإيصال الوعد والوعيد إلى أهلهما وانقطاع ~~ما كان الخلق ينتظرون من أمرهما. # وقوله:{وما أدراك} يريد ما أعلمك بأمر ذلك اليوم وهوله، وعظيم ما يكون ~~فيه من أموره، لا علم لك منه إلا بما أعلمناك، ولا تدري شيء إلا بما ~~أدريناك. # --- PageV01P322 ثم قال:{ويل يومئذ للمكذبين} يريد الويل والعويل والبلاء واللعنة والشقاء ~~يومئذ على المكذبين، ويومئذ: فهو يوم الفصل، ويوم الفصل: فهو اليوم الذي ~~أجلت إليه الرسل. # ثم قال سبحانه توقيفا للمكذبين على جحدانهم ومكابرتهم لما قد ثبت من الحق ~~في قلوبهم:{ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين} يقول: ألم تعلموا أهلاك من ~~هلك من الأولين، ويأتيكم نبأه عن الصادقين، فإذا صح عندكم عمن صح أنه ~~أهلكهم فلن يقولوا: إن لهم مهلكا غيرنا ولا أحدا سوانا فكما أخذنا الأولين ~~بذنوبهم فكذلك نحن قادرون على أن نأخذ الآخرين منكم ومن غيركم بتكذيبهم ~~وفسقهم وجحدانهم للحق الذي جاء من ربهم. # ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله فعله في المجرمين وفي كل من تمرد برب العالمين ~~فقال:{كذلك نفعل بالمجرمين} ذكر الوعيد للمكذبين، والإخبار عما يلقونه من ~~الويل في ذلك اليوم. # والويل: هو البلاء الوبيل، والعذاب الطويل، فقال:{ويل يومئذ للمكذبين ألم ~~نخلقكم من ماء مهين} والمهين: فهو القليل اليسير الذليل الضعيف الحقير ~~{فجعلناه في قرار مكين} والقرار المكين: فهو موضع قرار الماء من الرحم، ~~وسمي قرارا لقرار ما فيه، وقراره: فهو ثبوته فيه ولزومه له، و{مكين} فهو ~~متمكن ثابت حصين محصن {إلى قدر معلوم} يريد إلى وقت معلوم، والمعلوم: فهو ~~المفهوم عند الله، والمفهوم عند الله فهو الأجل الذي أجله في المقام في ~~الرحم من قليل من الأشهر أو كثير. # --- PageV01P323 {فقدرنا فنعم القادرون} يريد بقوله:{فقدرنا} يقول: فقدرنا على جعل النطفة ms0205 ~~في القرار المكين، وإنشائها في الرحم إلى وقت خروجها المعلوم {فنعم ~~القادرون} معنى {نعم} تعظيم القدرة، وإخبار عن جليل النعمة، وهذه كلمة ~~تقولها العرب إذا مدحت شيئا وأثنت عليه قالت: نعم الرجل، ونعم الفرس، نعم ~~الشيء تريد بذلك ما أكمله وأبين فضله وأظهر خيره، فأخبر الله جل جلاله أنه ~~أفضل بقوله:{نعم القادرون} أي أننا أفضل القادرين وأعظمهم قدرة. # ثم ذكر الوعيد للمكذبين فقال:{ويل يومئذ للمكذبين ألم نجعل الأرض كفاتا ~~أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا} فقال:{ألم ~~نجعل الأرض كفاتا} توقيفا لهم على أثر صنعه، وتقريرا على ما يقرون به من ~~فعله، ومعنى {كفاتا} أي ضامة جامعة لكم إخبارا بما فيها من منازلها وبيوتها ~~ودورها التي تكتفتون فيها وتأوون، وتغلقونها عليكم تضمكم وتجمعكم وتكفتكم، ~~أي تجمعكم أحياء وأمواتا، وكفتها لهم أمواتا: فهو ضمها لأبدانهم في حفرها ~~التي هي قبورهم، فكانت الأرض لهم كافتة في حياتهم وبعد وفاتهم، وكفتها لهم: ~~فهو ما ذكرنا من جمعها وضمها إياهم. # والرواسي الشامخات: فهي الجبال الطامحات المرتفعات، ومعنى {رواسي} في ~~الثابتات، أي الراسخات عروقها الثابتة أصولها. # {وأسقيناكم ماء فراتا} فمعناها: أنزلنا عليكم وأوجدناكم ماء فراتا، ~~والفرات: فهو العذب الطيب الذي لاملوحة فيه، فكلما ذكر الله عز وجل من فعله ~~بهم، وما جعل لهم بما امتن به عليهم من هذه الأشياء المذكورات، والأمور ~~المبينات فإنما أراد بذلك سبحانه توقيفهم على ما يعرفون أنه من فعله، ~~ويقرون به أنه من صنعه، فيقول تبارك وتعالى: كيف تنكرون بعض ما ذكرناه لكم ~~من قدرتنا على بعثكم ونشركم، وقد ترون فعلنا فيكم وأثر قدرتنا فيما ~~أظهرناه، وجعلناه لكم، ليس هذا منكم إلا كفرا وإنكارا أي مضادة للحق ~~واستكبارا. # --- PageV01P324 ثم قال:{ويل يومئذ للمكذبين} ببعض أمرنا وبما قد رأوا أعظم منه في قدرتنا. # ثم قال سبحانه:{انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون} فهذا أمر أمر به المكذبين ~~الفاسقين الكافرين الجاحدين في يوم الدين بالإنطلاق إلى ما كانوا به يكذبون ~~من جهنم وأغلالها، وعذابها وسعيرها. # {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ms0206 ظليل ولا يغني من اللهب} فأخبرهم أنه لا ~~يرون فيها ظلا إلا مالا يغني من اللهب، ولا يستر من العذاب فقال سبحانه:{ظل ~~ذي ثلاث شعب} فمثل لهم ذلك بكل شيء فيه ثلاث شعب، فالشمس تدخل من كل شعبة، ~~ولا يصفو له ظل، ولا يوجد فيه راحة ولاكن، فضرب الله لهم هذا الظل مثلا ~~بعذاب جهنم، يريد أنكم لا تجدون في جهنم راحة من العذاب كما لا يجد طالب ~~الظل في الموضع الذي فيه ثلاث شعب، والشعب: فهيالفرج والثلم والمواضع ~~المكشوفة، فهو لا يجد فيه فرجا من الشمس، ولا يقدر فيها على ما يحب من الظل ~~؛ لأن الشمس من حيث ما دارت دخلت عليه من فرجه، ووصلت إليه من ثلمه، كذلك ~~أصحاب جهنم نعوذ بالله منها ومن عذابها ومن عمل يقرب إليها حيث ما دار ~~منها، أو طمع بفرج فيه من جوانبها وجد فيه العذاب له مضاعفا، ولم يجد في ~~ناحية منه من عذابها فرجا. # {لا ظليل} يقول: لا مانع لكم من حرها، {ولا يغني} لكم {من اللهب} يقول: ~~لا يمنع من وصول لهبها إليكم، ولا يستر عنكم شيئا من العذاب المكتوب عليكم. # ثم أخذ سبحانه في وصف جهنم وشررها وعظيم ما جعل الله عليه من فطرتها ~~فقال:{إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر} والقصر: فهو الدار المبنية ~~الكبيرة المرتفعة، والجمالات الصفر: فهي الجبال الصغار المنفردة من الجبال ~~التي تكون في قيعان الأرض، تسميها العرب: الظراب، واحدها: ظرب، وأهل اليمن ~~يسمونها جمالات، فشبه الله سبحانه شرر جهنم التي تطير منها عند استعارها ~~بأهلها بالقصور والجبال الململمات. # (/6) # --- PageV01P325 ثم ذكر الوعيد بالمكذبين بوعده ووعيده فقال:{ويل يومئذ للمكذبين}. # ثم أخبر بما يكون منهم في يوم الدين من ترك المكابرة لليقين والمجاحدة ~~بآيات رب العالمين فقال:{هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} يقول: ~~لا ينطقون منطقا ينفعهم، ولا يتكلمون بكلام يقبل منهم، ومعنى {يؤذن لهم ~~فيعتذرون} أي لا يؤذن لهم في التوبة فيتوبون، والرجعة والأوبة إلى الحق ~~فيؤوبون ويرجعون. # ثم أخبر سبحانه أن ذلك ms0207 اليوم لا يجوز فيه توبة، ولا يقبل من ظالم معذرة ؛ ~~لأنه يوم جزاء على ما تقدم من الأفعال، وليس بأوان عبادة ولا عمل فيعملون، ~~ثم كرر الوعيد للمكذبين بقول رب العالمين فقال:{ويل يومئذ للمكذبين}. # ثم أخبرهم بوقوع اليوم الذي كانوا به يكذبون فقال:{هذا يوم الفصل} ويوم ~~الفصل: فهو يوم القطع بينهم بالحق، وهو يوم القيامة والحشر {جمعناكم ~~والأولين} يقول: جمعناكم في هذا اليوم والأولين، والأولون: فهم الذي كانوا ~~قبل عصر النبي صلى الله عليه وعلى آله من الأمم فسمى الله تبارك وتعالى من ~~كان قبل محمد صلى الله عليه وآله أولين، وسمى الله من كان في عصر محمد صلى ~~الله عليه وعلى آله ثم إلى آخر الدين آخرين. # ثم قال سبحانه:{فإن كان لكم كيد فكيدون} يقول: فإن كان لكم علي سلطان أو ~~مقدرة، أو كنتم تستطيعون تغيير شيء من فعلي بكم، أو دفع عظيم صنعي فيكم ~~فادفعوه لتضادوني بذلك، وإن كنتم تطيقون إدخال ضرر علي فأدخلوه بمكيدة ~~تكيدونها، أو بمجاهرة تجاهرون بها، وإنما أراد الله سبحانه بهذا القول ~~توقيف أعدائه على ضعفهم وشدة تكبرهم، وقلة منفعة شركائهم لهم وأوليائهم ~~الذين كانوا يطيعون من دون الله لهم فقررهم على الإستسلام، وأوقفهم على صدق ~~ما جاء به محمد عليه السلام. # ثم قال:{ويل يومئذ للمكذبين} فأخبر أن الويل والعذاب الطويل عليهم وعلى ~~نظرائهم من المكذبين من الأولين والآخرين. # (/7) # --- PageV01P326 ثم ذكر سبحانه وجل عن كل شأن شأنه أمر المؤمنين فقال:{إن المتقين في ظلال ~~وعيون وفواكه مما يشتهون} الظلال: فهو الظلال الممدود الذي قال الله ~~سبحانه:{في ظل ممدود وماء مسكوب} (1) وهي ظلال الأشجار والقصور، وما ظللهم ~~الله به من غير ذلك من الأمور، والعيون: فهي المياه الجارية الكثيرة ~~المتفجرة، والفواكه: فهي ما يعرف من الفواكه الطيبات من ثمار الأشجار ~~المثمرات، وصنوف الأثمار المتصنفات المتشابهات من الطيبات وغير المتشابهات، ~~التي تشتهيها أنفسهم، وتدعوهم إليها شهواتهم فهي موجودة غير مقطوعة مبذولة ~~غير ممنوعة، عطاء من الله غير مجذوذ على صالح أفعالهم وما قدموا في حياتهم ~~من مرضيات ms0208 أعمالهم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} يقول سبحانه تنعموا بالمآكل ~~الطيبة، المشارب اللذيذة {هنيئا} أي جزاء بفعلكم، فمعنى هنيئا: فهو مريا ~~طيبا لا آفة فيه ولا داء، ولا تخافون منه شيئا من الأذى كما كنتم تخافون في ~~مآكل الدنيا، فهذا معنى قول الله:{هنيئا}. # ثم قال:{إنا كذلك نجزي المحسنين} يخبر أن هذا فعله وحكمه في المحسنين، ~~والمحسنون: فمعناها المحسنون إلى أنفسهم بما عملوا من الطاعات التي ~~استوجبوا بها الثواب والإحسان من الواحد ذي الجلال والسلطان، فكانوا بذلك ~~محسنين إلى أنفسهم مطيعين لربهم، فاستوجبوا بطاعة الرحمن ما صاروا إليه من ~~الفوز والنعيم والخبر الكريم، والثواب العام المقيم. # (/8) # --- PageV01P327 ثم كرر ذم المكذبين احتجاجا عليهم، وتوقيفا على جهلهم وتعنتهم، وقطعا بذلك ~~لحجتهم فقال:{ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} يقول ~~سبحانه: تمتعوا في دنياكم بأكلكم وتافه لذاتكم، فإن ذلك قليل منقطع لا يتصل ~~بنعيم الآخرة، ولا تذوقون بعد خروجكم من الدنيا نعمة فاخرة ؛ لأنكم مجرمون، ~~والمجرم لا آخرة له كما تكون الآخرة مع الدنيا للمؤمنين، وكما تتصل كرامة ~~الدنيا بكرامة الآخرة للمتقين. # (/9) # --- PageV01P328 ثم كرر ذم المكذبين فقال:{ويل يومئذ للمكذبين}، ثم ذكر ما كانوا فيه في ~~الدنيا من كفرهم، وترك قبول ما يؤمرون به من طاعة ربهم فقال:{وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون} يريد باركعوا اخشعوا لله واخضعوا ولا تتجبروا، ولا ~~تتكبروا، وأدوا فراضه عليكم فأراد عز وجل بالركوع هاهنا والله أعلم ~~التذلل لله والخضوع والإقرار بأمره والخشوع، والقبول لما به يأمرهم، ~~والإنتهاء عما عنه ينهاهم، وكذلك قال في أصحاب موسى عليه السلام:{ادخلوا ~~الباب سجدا} يقول سبحانه: خشعا خضعا ذاكرين الله مقدسين شاكرين على نعمه ~~ذاكرين له بصنائعه عارفين بقدرته وجلاله مقرين بأن النصر الذي رأيتموه من ~~قبله وإنكم لم تدخلوا إن دخلتم إلا بتقويته إن أطعتم فقواكم، فلو كانوا ~~فعلوا ما أمروا به، وقالوا ما دلوا عليه من قول الحطة لكانوا قد نصروا نصرا ~~عزيزا، وحطت عنهم لذلك الذنوب المتقدمة، ووجبت لهم الكرامة المتأخرة، ولكن ~~خالفوا وأبوا ms0209 وعتوا فذاقوا وبال أمرهم إذ عصوا فذلك معنى ما ذكر الله ~~سبحانه في آخر والمرسلات من الركوع، وهو عندي على معنى ما أمر الله به قوم ~~موسى عليه السلام من السجود، أراد بهما كلتيهما والله أعلم وأحكم التذلل ~~لله والخشوع له والمعرفة به والخضوع. # ثم كرر ذم المكذبين تنبيها في الدنيا لهم واحتجاجا بذلك عليهم فقال:{ويل ~~يومئذ للمكذبين}. # ثم قال:{فبأي حديث بعده يؤمنون } أي بأي قرآن أو أمر أو نهي بعد هذا ~~القرآن المبين الساطع نوره الظاهر برهانه يؤمنون، ومعنى {يؤمنون} فهو ~~يصدقون ويقرون، فأخبرهم سبحانه بما قال من ذلك أنه لا حديث يعدل هذا ~~الحديث، والحديث: فهو القرآن، والنور وما جاء به من فرائض الدين في كل ~~الأمور. PageV01P329 ### || AUTO تفسير {هل أتى على الإنسان} # قال الله تبارك وتعالى:{هل أتى على الإنسان حين من الدهر} فمعنى {هل أتى} ~~أي قد أتى، ومعنى {حين} فهو الكثير الطويل من الدهر {لم يكن شيئا مذكورا} ~~يقول: لم يكن شيئا يذكر في هذا الدهر الذي غبر حتى خلقناه من بعد طول ~~الدهور، وكوناه، والمعني بذلك فهو جميع الناس الذي خلقوا من بعد أن لم ~~يكونوا فأراد الله تبارك وتعالى بذكر ذلك الأخبار لهم بأنه قد كون أولهم من ~~بعد العدم إذ لاشيء من الأشياء، ثم صور آخرهم فيما قدر من الماء المهين، ~~فكل كان ووجد وخلق وقدر بعد العدم الطويل. # ثم قال:{إنا خلقنا الإنسان من نطفة} ومعنى {إنا} هو نحن، ومعنى {خلقنا} ~~هو أوجدنا وصورنا وجعلنا وقدرنا الإنسان من نطفة، والنطفة: فهو المني، ~~والمني: الماء الذي يخرج من الرجل عند جماعه فيقع في الرحم، ويخلقه الله ما ~~يشاء من الذكر والأنثى. # {أمشاج نبتليه} والأمشاج: فهي الأوصال الموصلة، والأعضاء المفصلة، والقطع ~~المتلائمة المضموم بعضها إلى بعض، والمعلق كل شيء منها في شيء تدبيرا من ~~الرحمن في تأليف ما ألف من الإنسان، قوله:{نبتليه} أي نختبره ونمتحنه بما ~~يرى من أثر تأليفنا وتقديرنا لخلقه، لننظر كيف يكون شكره على ذلك لمن فطره ~~وجعله كذلك. # {فجعلناه سميعا بصيرا} ms0210 يقول: خلقناه ذا سمع يسمع به، وذا بصر يبصر به ~~ليكون أعظم في النعمة وأكثر في الإبتلاء وأثبت للحجة. # (/0) # --- PageV01P329 {إنا هديناه السبيل} معنى هديناه: أي إنا عرفناه وبصرناه وبينا له، ~~والسبيل: فهو سبيل الله الذي هدى إليه عباده، وسبيل الله فهو دين الله ~~ومراده من خلقه الذي أراده أن يعبدوه به. # {إما شاكرا وإما كفورا} يقول: فلا بد أن يكون شاكرا لذلك من جعلنا، أو ~~كافرا لما أوليناه في ذلك من نعمنا، والشاكر: فهو العارف بفضل ما أولى ~~الذاكر له بلسانه وقلبه، والكفور: فهو المعرض عن حمد من أولاه الجميل، الذي ~~ليس بشاكر لذلك ولا ذاكر. # ثم أخبر سبحانه بما أعد لمن كفر نعمه فقال:{إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا} والسلاسل: فهي سلاسل من حديد يقرنون فيها، منها السلسلة ~~التي قال الله تبارك وتعالى:{في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} ~~والأغلال: فهي الأغلال المفهومة من الحديد في الدنيا التي يغل بها ~~المغلولون، وعي عمد حديد تربط في الأيدي إلى الرقاب طول كل عمود شرا أو ~~أقل: كذلك يغل الله أعداءه في النار ليكون ذلك أنكى في العذاب وأضيق ~~للصدور، وأشد للبلاء. والسعير: فهو لهب النار , واستعارها: فهو توقدها ~~وتلهبها. # ثم رجع سبحانه إلى ذكر الأبرار الشاكرين فقال:{إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا} والأبرار فهم الذين برأوا أنفسهم بالصيانة لها عن ~~النار، أو إخراجها من العقاب وإدخالها في النعيم والثواب، فصاروا بذلك من ~~فعلهم اتقاء، وسموا به بررة أولياء، والكاس التي يشربون منها: فهي المشارب ~~والآنية التي يشربون بها ما يشرب من أنواع الأشربة والماء. # ومعنى {كان مزاجها كافورا} فهو إخبار من الله أن طعم ما يشرب من تلك ~~المياه يوجد كالمخلوط بالكافور، وهو أطيب ما يكون طعما ورائحة. # ثم قال:{عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} والعين من الماء ~~السائح على وجه الأرض الكثير الجاري، ومعنى {يشرب بها} أي يشرب منها ~~{يفجرونها تفجيرا} أي يصرفونها حيث ما شآؤا، ويسيلونها أين ما أحبوا ~~تسييلا. # (/1) # --- PageV01P330 {يوفون بالنذر} فمعنى يوفون: يتمون، ويوفون ms0211 ويؤدون ما عليهم من ذلك، ~~والنذر: فمعناه الواجب من كل شيء، وكل ما وجب على الإنسان من شيء فهو نذر ~~عليه، من ذلك أن يوجب على نفسه لله شيئا وينذره، ومعنى ينذره: أي يوجبه على ~~نفسه من صيام أو صلاة، أو عتق أو صدقة، أوفي شيء من أفعال البر، ومن النذر ~~أداء واجب الزكاة، ومن النذر الصيام والصلاة وغيرهما من الفرائض الواجبات، ~~وكل ما أوجب الله على العباد من فرائضه أو أوجبوه على أنفسهم له فهو نذر ~~عليهم ؛ لأن العرب تسمي كل واجب نذرا، وتدعوه بذلك، من ذلك ما تقول العرب ~~لمن تثق به وتعدله في تقدير جراحها: نذر جراح فلان، تريد أوجب فيه من الدية ~~والغرم والواجب ما يجب في مثلها، وتقول: نذر هذا الجرح كذا وكذا، تريد ~~الواجب فيه. فمدح الله سبحانه كل موف بنذره، ومؤديا للواجب عليه في كل أمره. # و{يخافون} فهو يتقون ويحاذرون {يوما كان شره} فهو يوم القيامة، وشره: فهو ~~بلاؤه وعذابه وحسراته وشقاؤه {مستطيرا} أي ظاهرا عاليا مكشوفا مبينا. # (/2) # --- PageV01P331 {ويطعمون الطعام} فإطعامهم: إعطاؤه والجود به والبذل، والطعام: فهو المعيشة ~~من كل ما جعله الله غذاء للبشر وعيشا وقواما {على حبه} يقول: على الحاجة ~~إليه والرغبة فيه في ساعة العسرة والضيق والشدة {مسكينا} فهو الفقير ~~المحتاج إلى الطعام {ويتيما} فهو الطفل الذي لا والد له، الذي قد ثكل ~~والديه أو أحدهما، وعدم حسن نظرهما وقيامهما وعنايتهما وكفايتهما {وأسيرا} ~~والأسير: كل مأسور قد أوثق أسره واشتد بالأسر عليه حاله وأمره ممولا لا ~~يقدر على ماله وأهله من الأسارى الذي أسرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله من الكفرة الفاجرين، وكذلك من أسرته الأئمة الهادون من مؤول فاجر أو ~~جاحد كافر فواجب على من أسر أسيرا من الفاسقين والكافرين إن لم يكن له مال ~~ولا سبيل إلى سعة حال بوجه من الوجوه أن ينفق عليه من بيت مال المسلمين ~~بالمعروف، وإن كان له مال، أو كان في قرب أهله ومن يبلغه منافعه وجب عليه ~~أن يأمره ms0212 بالإستنفاق من ماله، ولم ينبغي لنا أن ننفق عليه أموال المسلمين ~~إذا كان بالإنفاق على نفسه من الواجدين، وفقراء المسلمين أولى بتلك الفضلة، ~~وبتلك التوسعة فهذا يجب النظر فيه وتمييزه على الإمام ومن أطعم غير هؤلاء ~~الثلاثة من سائر أهل الإسلام فهو مأجور أيضا على ذلك محمود. # وقد ذكر أن هؤلاء الذين فعلوا هذا الفعال فأثنى الله سبحانه عليهم هم ~~الخمسة محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين رحمة الله ~~عليهم فعلوا ذلك في وقت عسرة وضيق شديد وحاجة إلى المعاش فأثنى الله سبحانه ~~كذلك عليهم (1) PageV01P332 وذكر ما سيأتي ذكره مما أعد ا لله لهم من الثواب وكان في قولهم في ذلك لمن ~~أطعموه فشكرهم الله ما ذكر الله من قولهم:{إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا} معنى {نطعمكم لوجه الله} هو نطعمكم لله تقربا إليه ~~{لا نريد منكم جزاء} أي لا نريد منكم عطاء على ذلك ولا شكورا، أي لا حمدا ~~ولا ثناء {ولا شكورا} إنا إنما فعلنا ذلك لأنفسنا ولم نفعله لكم. # {إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} معنى {إنا} أي نحن {نخاف} أي نتقي ~~{يوما عبوسا} والعبوس: فهو الشديد المعبس لوجوه الناس لشدته، والقمطرير: ~~فهو المتضاعف الشدة، الصعب الأمر الذي ليس بعد شدته شدة، المتراكبة شدته ~~شيأ فوق شيء. # فأخبر الله أنه قد وقاهم شر ما يخافون من ذلك اليوم فقال:{فوقاهم الله شر ~~ذلك اليوم} ومعنى {فوقاهم} فهو صرف عنهم هوله، وكفاهم شره، والشر: فهو ~~بلاؤه وعذابه، و{ذلك اليوم} فهو يوم الفصل والحشر {ولقاهم} أي أعطاهم ~~وأنالهم {نظرة} ومعنى إعطائه إياهم لها فهو إلقاؤها عليهم، وجعلها في ~~وجوههم، والنضرة فهي البهجة وحسن الحال في الرؤية، وظهور النعمة {وسرورا} ~~فهو بالبشارة التي يلقيها إليهم، والسرور الذي ينعم به سبحانه عليهم حتى ~~يتمكن السرور بذلك في صدورهم كما يمكن النظرة في وجوههم بما يأمنون من ~~عقابه، وما يرجون من ثوابه. # {وجزاهم بما صبروا} يقول سبحانه: أعطاهم ثوابا على صبرهم على محن ربهم، ~~وما ms0213 نالهم فيه من البلاء من أعدائه {جنة وحريرا} والجنة في مساكن الآخرة ~~التي أعدها الله للمتقين فيها لذة أنفسهم وشهوات قلوبهم، وحريرا: فهو ~~الحرير الملبوس المعروف غير أن لحرير الآخرة فضلا. # --- PageV01P333 {متكئين فيها على الأرائك} والإتكاء فهو ضرب من الإضطجاع وهو ما كان من ~~الإتكاء على جانب، والإتكاء فهو الميلان يمينا ويسارا، ومعنى {فيها} فهو في ~~الجنة التي ذكر الله على الأرائك والأرائك: فهي الأرائك المعروفة التي تضرب ~~في صدور البيوت يرقد فيها ويتكأ عليها، ويرخى جوانبها على ما فيها من أهلها ~~وتدال جوانبها وأغشيتها وهي تكون كلها من الحرير. # ومعنى {على الأرائك} فهو في الأرائك غير أنها حروف الصفات يقوم بعضها ~~مقام بعض، وهي الثمانية والأربعون حرفا، قال الله سبحانه فيما حكى عن فرعون ~~اللعين:{لأصلبنكم في جذوع النخل} فأراد على جذوع النخل، فأقام في مقام على، ~~وكذلك قال هاهنا:{على الأرائك} فأقام على مقام في قال الشاعر: # شربن بماء البحر ثم ترفعت لدى لجج خضر لهن نئيج # فقال: ترفعت لدى لجج، يريد على لجج، فأقام لدى مقام على لأنها من حروف ~~الصفات، وكذلك تقول العرب: رضي الله عليك، يريد رضي الله عنك , وأكثر من ~~يستعمل ذلك فأهل اليمن، وقد قال غيرنا: إن الأرائك هي الأسرة، وليس بمعروف ~~في اللغة ولله الحمد. # ثم قال سبحانه:{لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} يعني سبحانه في الجنة، ~~ومعنى {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} أي لا يجدون فيها وهج شمس ولا حرها، ~~والزمهرير: فهو البرد الشديد الذي ينتفض منه الإنسان، وتضطرب منه أعضاؤه ~~لشدته، وألمه ومداخلته لجميع بدنه، فأخبر تبارك وتعالى أنهم لا يجدون في ~~الجنة حرا مؤذيا، ولا بردا مؤلما، وأن هواها ألذ هواء، وحال أهلها أحسن حال ~~دائم نعمته، سرمد سروره. # --- PageV01P334 ثم قال عز وجل:{ودانية عليهم ظلالها} فدنو الظلال عليهم: فهو غشيانها لهم، ~~وإظلالها عليهم وقربها منهم، ولا أحسب والله أعلم أن الله عنى بهذا ~~الظلال في هذا الموضع إلا ظلال الأشجار الدانية الثمار المتهدلة {وذللت ~~قطوفها تذليلا} والقطوف: فهي الثمار التي ms0214 تقطف، ومعنى تقطع: أي تقطع للأكل ~~وتجذ والتذليل: فهو الإرخاء والإدناء حتى تدنو وتدلى وتقرب من آخذها، وتمكن ~~لآكلها فذلك معنى تذللها، ومعنى {تذليلا} أي أدنيت إدناء وقربت تقريبا. # {ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} والطوفان بها: هو الدوران بها عليهم ~~والعرض لها، والآنية: فهي آنية المشارب والمطاعم، يطاف عليهم بما فيها من ~~الأطعمة والأشربة تعرض عليهم أكلها وشربها في كل ساعة وأوان كرامة لهم من ~~الله الواحد المنان، وهي الصحاف والأخونة والجفان، وغير ذلك مما يكون فيه ~~الطعام والأكواب: فهي الكيزان والأقداح ذوات الحسن والهيئة والأرجل من فضة، ~~والفضة فهي هذه الفضة المعروفة البيضاء المخلصة. # {كانت قواريرا قواريرا} يريد والله أعلم التمثيل لها في ذكره القوارير ~~بصفاء القوارير التي يرى جميع ما فيها فذكر أن هذه الآنية {من فضة} صافية ~~منيرة رقيقة ومضيئة، يرى ما فيها كما يرى ما في القوارير من ورائها. ~~{قدروها تقديرا} يريد سبحانه أنهم يقدرون أوقات الطوفان بها على الآكلين ~~والشاربين تقديرا حسنا فيأتونهم بها على أوقات حاجتهم إليها، ويكون ذلك من ~~هؤلاء المقدرين من الخدم والطوافين بها عليهم تقديرا حسنا ومعرفة بقدر ~~الأوقات التي يحتاج أهل الجنة إلى تقريب هذه الآنية التي فيها المأكل ~~والمشارب فهذا أحسن ما علمناه من التأويل في {قدروها تقديرا}. # (/6) # --- PageV01P335 {ويسقون فيها كأسا مزاجها زنجبيلا} والكأس التي يسقونها: هي الشراب الذي في ~~الكأس غير أن العرب تدعو ما كان في الكأس كأسا، تقول: اسقني كأسا وقدحا ~~واحدا تريد اسقني ملأه ماء فأراد الله عز وجل أنهم يسقون في الكأس ما يكون ~~مزاجه زنجبيلا، ومعنى ذلك أن توجد فيه رائحة الزنجبيل وطعمه، فهذا معنى ~~مزاجها. # {عينا فيها تسمى سلسبيلا} العين فيها فهي الماء السائل الكثير الجاري ~~النابع من الأرض {فيها} يعني الجنة {تسمى } أي تدعى {سلسبيلا} وهو اسم لتلك ~~العين، ومعناه: العذب الطيب السلس الخروج، السلس المدخل، المريء الغذاء، ~~والزنجبيل: فهو عود طيب المطعم يتداوى به في كثير من الأشياء، ويكسب آكله ~~المرى، ويخفف عنه ثقل الغذاء. # {ويطوف عليهم} أي تدور ms0215 الخدم عليهم {ولدان مخلدون} والولدان فهم الوصفاء ~~{مخلدون} فهم المعمرون الذين لا يموتون ولا يفقدهم من جعلوا له ؛ لأن أهل ~~الآخرة لا يموتون بعد مصيرهم إليها، فمدحهم الله عز وجل بالخلود، وهو أفضل ~~ما أعطي العاملون. # {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} يقول: إذا أبصرتهم شبهتهم باللؤلؤ ~~المنثور في صفاء ألوانهم، وحسن أبشارهم، ومعنى منثور: فهو المتفرق ~~والمتبدد، وإنما عنى الله سبحانه من اللؤلؤ كباره ودره وحسانه. # (/7) # --- PageV01P336 {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما} يقول: إذا عاينت ما ثم وأبصرته رأيت النعيم ~~العظيم، والنعيم: فهو كثرة الخير من الأطعمات والأشربات والآلات والأبيات، ~~ومعنى {ثم} يريد هناك {وملكا كبيرا} والملك: فهو ما أعطاهم الله ثم، وجعل ~~لهم في تلك الدار من آنيات الذهب والفضة والثياب الكثيرة من كل لون، والخدم ~~وقصور الدر والياقوت والذهب والفضة، وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين من ~~منكح أو مطعم أو مشرب أو لباس أو ركوب أو غير ذلك من الثمار والأشجار ~~والعيون والأنهار، ثم مع ذلك أن كل ما هم فيه دائم أبد الأبد لا يدخله ~~تغيير ولا فناء، فهذا الملك غير الملك في الدنيا، ومعنى {كبيرا} فهو عظيم ~~كثير ممدود غزير. # {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق} والسندس والإستبرق: فهو من الحرير ~~والديباج، غير أن السندس أخضر والإستبرق أحمر والله أعلم وأحكم . # {وحلوا أساور من فضة} يعني هؤلاء الولدان الذين هم خدم أهل الجنة، فذكر ~~لباسهم وحليتهم والفضة: فهي الفضة المعروفة البيضاء النقية # ثم رجع إلى صفة سادتهم من أهل الجنان فقال:{وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن ~~هذا كان لكم جزاء}يريد مكافأة لكم على عملكم وعطاء على سعيكم {وكان سعيكم ~~مشكورا} فالسعي: هو العمل، والمشكور: هو المقبول، فأراد الله سبحانه ~~بقوله:{سعيكم مشكورا} أي عملكم عندنا مقبولا. # {:إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا} معنى {إنا} يريد أن نحن إخبار عن ~~فعله، ومعناه دلالة عليه سبحانه {نزلنا} معناها أنزلنا، وأوردنا {عليك ~~القرآن تنزيلا} أي شيئا شيئا حقا حقا. # {فاصبر لحكم ربك} يريد فاصبر على ما حكم به ربك من معاشرتهم ومنافستهم ms0216 ~~والإعذار والإنذار إليهم {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} يريد لا تطع من كان ~~آثما كافرا بربه، والآثم: فهو كل من يفعل ما يأثم فيه، والآثم: فهو العنود ~~عن الحق، والكفور: فهو الكافر بربه الراكب لكبائر معاصي خالقه. # (/8) # --- PageV01P337 والطاعة التي نهى الله رسوله عنها في هذا الموضع فهو الإتقاء والمخافة ~~لوعيدهم فقال سبحانه: لا تخف شيئا من وعيدهم وإبراقهم وإرعادهم عليك فتقف ~~بذلك عن شيء مما يكرهون من إقامة حدود دينك والإعلان بها، وقد ذكر أن معنى ~~هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام لعنه الله (1) وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله كان يغدو كل يوم فيصلي عند الكعبة فقال أبو جهل: والله ~~لئن لم يدع محمد هذا الذي هو عليه من الصلوات بين أيدينا لأرضخن رأسه بصخرة ~~إذا سجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فأنزل الله عليه ما ~~يثبته به فقال:{لا تطع منهم} أي لا تهب وعيدهم فتترك ما فيه غمهم، فيكون ~~ذلك شبه الطاعة، فلم يبال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله بوعيده وغدا ~~لصلاته كما كان يفعل، فأخذ أبو جهل صخرا كبيرا، ثم أتى به من وراء رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله يمشي حتى إذا قاربه رمى بالحجر من يده في ~~الأرض ورجع هاربا مخلوعا، فقيل له في ذلك فقال: إني لما دنوت منه حمل علي ~~جمل لم أر أكبر منه من الجمال ولا أعظم رقبة، ولا أكبر أنيابا فاتحا فاه ~~يريد أن يأكلني فرميت بالحجر وهربت منه، وتا الله لو وقفت لازدردني. # ثم أمره سبحانه بالمضي على ما كان عليه من ذكر ربه في صلاته على رؤوسهم ~~صاغرين داخرين فقال:{واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا} والذكر لاسم ربه: فهو ~~ذكره، وهو القرآن {بكرة وأصيلا }فالبكرة أول الغداة، وهي صلاة الفجر، ~~وأصيلا: فهو العشي، وهي صلاة الظهر والعصر. PageV01P338 # {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} فهو صلاة المغرب والعتمة، فأمره ~~سبحانه بالسجود في هذه الأوقات، وهي أوقات ms0217 الصلاة وأمره بالتسبيح ليلا ~~طويلا، والطويل: هاهنا الذي أمره به فهو من حين يدخل في الصلاة حتى يفرغ ~~منها فهذا فرض التسبيح الذي ذكر الله سبحانه وقد يدخل في ذلك كل ما كان من ~~التسبيح في غير الصلاة والتقرب بذلك إلى الله فكان أمره له بالتسبيح في ~~الصلاة فرضا، وما كان في غير الصلاة والتقرب بذلك إلى الله فكان أمره له ~~بالتسبيح في الصلاة فرضا، وما كان في غير الصلاة فهو نافلة ووسيلة إلى الله ~~وخير وفضيلة. # ثم قال:{إن هؤلاء يحبون العاجلة} وهؤلاء: فهم الذي كانوا على عصر رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله من أهل الشرك والكفر والمضارة له يحبون ~~ويؤثرون ويختارون العاجلة، والعاجلة فهي الدنيا الأولة {ويذرون وراءهم} ~~يقول سبحانه: يتركون ما وراءهم ويرفضون، ومعنى {وراءهم} فهو قدامهم غير أن ~~وراء وقدام من حروف الصفات، وقد تقدم ذكر حروف الصفات أن بعضها يخلف بعضا ~~في مكانه، وقال لبيد بن ربيعة العامري في ذلك: # أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع # أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع # {يوما ثقيلا} فهو يوم القيامة، والثقيل: فهو الشديد الهائل العظيم الفادح لأهله. # ثم قال سبحانه احتجاجا عليهم بما أنعم الله عليهم فقال:{نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم} فقال:{خلقناهم} أي جعلناهم وفطرناهم، {وشددنا} أي قوينا ~~{أسرهم} والأسر: فهو الخلق وتركيب المفاصل، وتثبيت الأعضاء، فيقول: شددنا ~~ذلك كله ومكناه وثبتناه وفصلناه (1) PageV01P339 . # {وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا} ومعنى {شئنا} أردنا، أي إذا شئنا ~~أهلكناهم وأبدناهم، وأنشأنا خلقا غيرهم مثلهم، {تبديلا} فهو جعلناه جعلا ~~وآتينا بمثله بدلا منهم اقتدارا وإنفاذ إرادة، هذا معنى تبديلا تأكيد لما ~~ذكر من تبديل المبدل، وإحداث ما يحدث بدلا من الذاهب وهي كلمة للعرب تؤكد ~~بها المعنى الذي يريده وتذكره، تقول العرب: كلمناه تكليما توكيدا للكلام، ~~وتقول: ضربناه ضربا تؤكد بها الضرب، وأخرجناه إخراجا تؤكد الإخراج بقولها: ~~إخراجا، وكذلك أدخلناه إدخالا تؤكد الإدخال بقولها: إدخالا، وتقول: بدلناه ~~تبديلا تؤكد معنى التبديل بقولها تبديلا. # {إن هذه ms0218 تذكرة} فمعنى هذه: هي الأقاويل والمعاني والإحتجاج عليكم بما كان ~~منا في خلقكم وتركيبكم تذكرة لكم، ومعنى تذكرة أي تنبيها لكم وحجة عليكم ~~{فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} يريد بقوله:{من شاء} أي من أراد، ومعنى ~~{اتخذ} فهو فعل وقدم وجعل، ومعنى {إلى ربه} هو إلى عند ربه، ومعنى اتخاذ ~~العبد عند ربه هو تقديمه للعمل الصالح الذي يجد ثوابه عند ربه في يوم حشره، ~~ومعنى {سبيلا} أي وصلة ومعنى صالحا يجد عند الله ثوابه. # {وما تشآؤن إلا أن يشاء الله} يقول سبحانه: وما تقدرون على اتخاذ السبيل ~~إلى الله إلا أن يجعل فيكم استطاعة وقوة على ذلك وعقولا تميزون بها بين ~~رضاء الله وسخطه، فتتبعون الرضاء وتدعون السخط فلولا أن الله أراد أن يجعل ~~فيكم تلك الإستطاعة التي تنالون بها التمييز وتصلون بها إلى العمل ما قدرتم ~~على ذلك أبدا، غير الله سبحانه أراد أن يجعل استطاعة ذلك فيكم وتركيبها ~~فجعل فيكم استطاعة تنالون بها الخير والشر، وأمركم ونهاكم {ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} (1). # --- PageV01P340 {إن الله كان عليما حكيما} فمعنى {كان} أي لم يزل، ومعنى {عليما} فهو الذي ~~لا يخفى عليه شيء، العالم بكل شيء كان أولم يكن مما سيكون، فقد علم من كان ~~من قبل أن يكون، وعلم ما سيكون أنه سيكون من قبل أن يكون، ومعنى {حكيما} أي ~~متقنا لفطرته ولجعله وخلقه الذي لا يتغير ما أثبت ولا يثبت ما غير، الجاعل ~~مالا يصلح غيره الحسن التدبير، الجيد التقدير، الذي لا تفاوت في خلقه ولا ~~فساد في تدبيره. # ثم قال سبحانه {يدخل من يشاء في رحمته} والرحمة: هي الثواب، والذي شاء أن ~~يدخلهم في رحمته فهم أهل طاعته دون أهل معصيته، ألا تسمع كيف ميز بينهم ~~وبين الظالمين فقال:{والظالمين أعد لهم عذابا أليما} فجعل الرحمة للمطيعين، ~~والعذاب الأليم للظالمين، والظالمون: فهم الظالمون لأنفسهم بإدخالها في ~~عذاب ربهم. # قوله:{أعد} أي هيأ وجعل، والأليم: فهو الشديد المؤلم الموجع، المبالغ ممن ms0219 ~~داناه، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. # --- PageV01P341 ### || AUTO سورة القيامة # قول الله عز وجل:{لا أقسم بيوم القيامة} معناها: ألا أقسم بيوم القيامة، ~~فطرح الألف وهو يريدها فخرج معنى نفي، وإنما معناه معنى إيجاب قسم، وقد ~~تقدم شرحنا لطرح الألف وإثباتها في تفسير أول {عم يتسآلون}. # معنى {أقسم} أي أحلف وأذكر، يوم القيامة: فهو يوم الحشر للعالمين، ~~والمناقشة للمربوبين، وإنما سمي قيامة لما يقوم فيه من الأمر العظيم الهائل ~~الجسيم، ومعنى يقوم: فهو يقع فيه أي يكون فيه. # {ولا أقسم بالنفس اللوامة} فهو أيضا قسم طرحت منه الألف كأن معناها أولا: ~~أقسم بالنفس اللوامة، والنفس اللوامة: فهو نفوس الثقلين، اللوامة: فهي ~~النادمة المتحسرة التي تلوم صاحبها، ,ذلك أنه ليس من مؤمن ولا كافر إلا ~~وسيلوم نفسه في يوم القيامة، فأما نفس المؤمن فتلومه أن لا يكون ازداد ~~إيمانا وعملا ؛ إذ رأت ما جعل لها على إيمانها من الجزاء والنعيم والفوز ~~الكريم، والملك العظيم، وأما نفس الكافر فتلومه على ما قدم من المعاصي ~~والردى عند معاينتها لما نزل بها من العذاب الأليم، والبلى. PageV01P341 # وإنما أقسم الله سبحانه بيوم القيامة لما فيه من عجيب الأمور، والفصل ~~والقضاء بالحق والإستواء، ولما فيه من عظيم الثواب لأهله، وجليل العقاب ~~لمستحقه، وإنه يوم عظيم الأمر جليل الخطر لما فيه من العدل والحق والفصل ~~بين جميع الخلق، فأراد سبحانه بالقسم به التنبيه على جليل ما فيه من آياته ~~وأخبر به من صفاته. # وكذلك أقسم باللوامة تنبيها على جليل ما قدر النفس عليه وفطرها من الفطرة ~~فيه، فجعلها بتقديره ساكنة في معامد الإنسان ومقاتله، يجري منها نفسه وتثبت ~~بها حياته، ويكون بها طرأة جسمه ولين مفاصله واستقامة جوارحه، فنبه الله عز ~~وجل على هذا العجب من فعله العظيم من صنعه في النفس بما أقسم به منها وإنما ~~يقسم الله تبارك وتعالى من الأشياء بكل أمر فيه تدبير أو أثر صنع حسن أو ~~تقدير بكون ظاهر الشهادة بالحكمة لجاعله قاطعا بالقدرة لفاعله، يقسم ms0220 الله ~~به تنبيها لعباده على التفكر والتذكر لما فيه من أثر صنعه، والشواهد له ~~سبحانه بربوبيته. # وقد قال بعض من يتعاطى التفسير: إن معنى قسم الله بهذه الأشياء هو قسم ~~بجاعلها يزعمون أنه سبحانه أراد لا أقسم برب يوم القيامة، وكذلك لا أقسم ~~برب النفس اللوامة، وهذا عندنا ليس بشيء، وليس يقول بهذا القول من الخلق ~~إلا أعمى جاهل لما يريد الله بقسمه لما يقسم به من الأشياء. # --- PageV01P342 ثم قال سبحانه:{أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } يقول: أيظن الإنسان أي ~~يتوهم أنا لن نجمع عظامه، معنى {نجمع عظامه} أي نردها بعد تمزقها وبلائها، ~~ونحييها بعد ذهابها وفنائها، والإنسان هاهنا: فهو جميع الناس الذين شكوا في ~~ذلك من فعل الله، وأنكروه من قول الله، ممن عند عن دين الله، ولم يؤمن ~~برسول الله من الجاهلية الجهلاء من قريش، ومن شاركهم من الغرب وغيرهم. # ثم قال سبحانه:{بلى قادرين على أن نسوي بنانه} يقول: بلى نحن على خلاف ما ~~قالوا، ونحن قادرون على تسوية بنانه، والبنان: فهو الخلق والأسر والتأليف ~~في الأعضاء والجعل، ونسوي فهو نجعل ونحيي ونرد إلى القوة كل ما قد بلي من ~~عظم أو لحم حتى نرد بنانه إلى الاستواء بعد ما كان عليه من الخراب والفناء. # ثم قال:{بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} الإنسان: هو الناس، والإرادة فيهم: ~~هي المشيئة، {ليفجر} أي ليعصي ربه ويتبع شهوة نفسه، ويسعى في لذة قلبه، ~~ومعنى {أمامه} فهو ابقي من عمره وحياته يريد أن الفاسق يريد أن يجعل باقي ~~حياته كلها فجورا وفسقا وعصيانا لله سبحانه وعتيا. # --- PageV01P343 {يسأل أيان يوم القيامة} معنى {أيان} أي متى يوم القيامة فأخبر سبحانه بأول ~~أشراط يوم القيامة فقال:{فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر} ~~فأخبر أن القيامة إذا كانت هذه الشروط وعوينت فهو يوم القيامة، ومعنى {برق ~~البصر} فهو شخص وحار لما يرى من هول ذلك اليوم {وخسف القمر} فهو سقط وذهب ~~وانحل وانقضى، ومعنى {جمع الشمس والقمر} فهو جمعا في نفاذ الإرادة فيهما ~~وإمضاء المشيئة في ms0221 فنائهما وانقضائهما، فيقول: جمعا جميعا في حكم الذهاب ~~والفناء، وزوالهما عن مراتبهما، وجمعا في المنع لهما عن الجولان والدوران ~~في أفلاكهما، وصارا ممنوعين مما كانا عليه، منقولين مما كانا فيه مجتمعين ~~في الفناء وفي التقطع والإنقضاء، فقد انتضمهما ذلك جميعا، ونزل بهما أمر ~~الله معا، فهذا معنى {وجمع الشمس والقمر}. # {يقول الإنسان يومئذ أين المفر} يريد أين المذهب عندما يرى من البلاء ~~ووقوع الوعيد عليه والجزاء والإنسان الذي يقول ما ذكر الله من قول الإنسان ~~فهم أهل الكبائر والعصيان. # {كلا لا وزر} يريد بكلا إنكارا عليه لطمعه في المفر، ومعناها: لا يكون ~~وزر، والوزر: فهو الملجأ والمفقر. # --- PageV01P344 {ينبأ الإنسان} أي يعلم الإنسان ويخبر ويوقف على فعله، ويذكر بما كان قد ~~قدم وأخر، الإنسان: فهو الناس كلهم {يومئذ} فهو يوم القيامة {بما قدم وأخر} ~~فمعنى {قدم} أي ما سلف منه من العمل، ومعنى {أخر} فهو أخر النظر في عاقبته، ~~يقول: قدم عملا فعمله، وأخر عن نفسه النظر والمخافة في عاقبته، ومعنى {أخر} ~~فهو ترك ورفض الفكرة والخوف لمثل ما وقع فيه في يوم الدين من العذاب المهين ~~على جزاء فعله المقدم، هذا معنى قدم وأخر، ولا يخرج أبدا على غير هذا ~~المعنى ؛ لأن كل عمل عمله الإنسان قبل وفاته فهو متقدم لوفاته وللقاء ربه، ~~ولا يجوز أن يقال لشيء فعله في حياته من فعله الماضي وصنعه الذي وجب عليه ~~الوعيد به: إنه متأخر ولا إنه أخره، كيف يكون مؤخرا بعد وفاته، وقد وجب ~~عليه الوعيد بفعله، وليس الذي ترك وأخر إلا ما ذكرنا من ترك المخافة للوعيد ~~والفكرة فيه، والنظر في عاقبته، وترك الإستعداد له. # ثم قال سبحانه:{بل الإنسان على نفسه بصيرة} يريد بل هو على نفسه حجه، ~~وشاهد عليها بما كان من فعلها، وكذلك قوله سبحانه:{اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} يقول سبحانه: هو عالم في ~~حياته بما يكون منه، وهو أعلم الخلق بما هو عليه من ضميره وعلانيته فهو ~~أبصر وأعلم بما هو عليه ms0222 في حياته لربه، وهو في الآخرة شاهد على نفسه بفعله ~~في حياته حجة لنا عليها وقائل بالحق يوم الدين فيها. # {ولو ألقى معاذيره} والإلقاء: هو الطرح والكلام للإعتذار، والمعاذير: فهي ~~الكلام الذي لا يثبت ولا يصح لقائله صدق، فيقول سبحانه: هو عارف بنفسه عالم ~~بغامض أمره وسر ضميره. # --- PageV01P345 {لا تحرك به لسانك لتعجل به} يقول: لا تذكرن منه شيئا حتى تفهمه ولا تعجل ~~بإلقاء شيء منه إلى الناس حتى نحكمه ونثبت تنزيله ومعناه في قلبك، فتذكره ~~من بعد ذلك فإنك إن عجلت بذكر تنزيل قبل هم تأويل لم تأمن أن تسأل عن ~~التأويل فلا تعلم ما أردنا به، فاثبت وتأن حتى نعلمكه المعنيين كليهما، ~~فإنك لا تعلم الغيب ولا تعلم إلا ما علمناك، ولا تفهم إلا ما فهمناك. # ثم قال سبحانه:{إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } يريد جمع ~~سوره في قلبه، وتمكين القرآن كله في صدره، والإيحاء به كله إليه، وتنزيله ~~شيئا شيئا عليه، حتى يكمل القرآن كله في صدره مجتمعا وتضمه جوانحه بالحفظ ~~له كله معا، حتى يكون بحفظه وتأويله فهما، وبتنزيله ومعانيه عالما، فقد جمع ~~الله ذلك كله وثبت به سبحانه فؤاده، ومن الجمع جمع كل آية إلى سورتها، حتى ~~تكمل السورة على حقيقتها، فتجتمع الآيات كلها إلى مواضعها، وذلك أن القرآن ~~نزل عليه صلى الله عليه وعلى آله خمسا خمسا، فذكر الله سبحانه أنه سيجمعه ~~له، ومعنى جمعه: فهو تأليفه، فذكر سبحانه أن عليه تأليف الآيات بعضها إلى ~~بعض حتى تكمل السورة سورة سورة، فهذا معنى جمع وقرآنه / فمعنى قرآنه: ~~تنزيله إليك وتلاوته لديك وقراءة جبريل له عليك حرفا حرفا، ويحفظك إياه ~~شيئا شيئا فهذا معنى قرآنه.{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} يقول: إذا قرأه عليك ~~جبريل يحفظك إياه فاتبع قراءة جبريل وتعليمه إياك، ومعنى اتبع أي اتبعه ~~فيه، وقل كما يقول، واقرأ كما يقرأ، وخذ ما يعطيك، وتعلم ما يعلمك من ~~القرآن الذي أمرناه بتعليمك إياه. # --- PageV01P346 {ثم إن علينا بيانه} يقول سبحانه: إن علينا تبيين ما ms0223 نزلناه إليك حرفا حرفا ~~وتفسير ما فرضنا عليك فيه شيئا شيئا فاحفظ تنزيل ما أوحينا إليك تحفظا ~~جيدا، فإذا حفظت التنزيل علمناك التأويل، وفهمناك تبيان ما فيه من الأمر ~~الجليل، فأراد الله سبحانه يثبت قلبه بتعليمه القرآن شيئا فشيئا، فعلمه ~~التنزيل شيئا فشيئا، وعلمه التأويل شيئا فشيئا، فأراد سبحانه بقوله:{إن ~~علينا بيانه} أي الإخبار له بأن عليه بيان كل شيء أنزله عليه من حرام ~~وحلال، وتبيينه حتى يعلم بعد حفظ التنزيل، وعلمه غوامض علم التأويل كله فلا ~~يضل عنه منه حرف واحد صغير، ولا يذهب منه قليل ولا كثير. # ثم قال سبحانه:{كلا بل تحبون العاجلة} فأخبر أن من لا دين له من الخلق ~~يحبون العاجلة، والعاجلة ما تعجل له ودنى وحضر وقرب من كل الأشياء {وتذرون ~~الآخرة} معنى {تذرون الآخرة} هو تتركون العمل لها، وترفضون العمل الذي ~~تنالون به خيرها، فلما أن رفضوا العمل الذي ينالون به الآخرة كانوا للآخرة ~~تاركين، وللعاجلة التي عملوا لها مؤثرين، والعاجلة: فهي الدنيا الفانية، ~~والآخرة: فهي المتأخرة الباقية. # {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} فيومئذ: هو يوم القيامة، والناضرة: هي ~~المسرورة البهجة المطمئنة الفرحة التي عليها لقلة الخوف النضرة {إلى ربها ~~ناظرة} يريد إلى ما يكون منه ناظرة، ولثوابه ووعده منتظرة، ومعنى ناظرة: أي ~~راجية ولثوابه منتظرة، كذلك تقول العرب: ما أنظر إلا إلى الله واليك، وليست ~~تريد بذلك النظر بالعين إليه، وإنما تريد فضله وعطاءه، وكذلك يقول القائل ~~من العرب لمن يطلب رفده وبره: عيني مفتوحة إليك، وأنا نناظر إليك، ليس تريد ~~أن يفتح عينيه لينظر بها إلى جسمه، فإنما تريد أن عيني مفتوحة إلى ما أرجو ~~النظر إليه من عطائك ومواهبك وفعالك. # --- PageV01P347 {ووجوه يومئذ باسرة} فهو وجوه الكفار، ومعنى {باسرة} أي باسرة لأنفسها عن ~~رحمة الله بما كان من عصيانها لله، فلما أن عصت الله تلك الوجوه والأبدان ~~بسرت أنفسها عما أعده الله من الثواب والإحسان لمن أطاعه من جميع الإنسان، ~~فسماها باسرة، إذ كانت قد بسرت أنفسها عن رحمة الله وثوابه ms0224 في الآخرة بما ~~قدمته من معصيته في العاجلة، ومعنى بسرت أي منعت ودفعت وحرمت. # {تظن أن يفعل بها فاقرة} ومعنى الظن هاهنا: اليقين، يقول: توقن أنه سيفعل ~~بها فاقرة، ويفعل: أي يعمل بها ويصنع، والفاقرة: هي الداهية النازلة ~~القاتلة المهلكة، وإنما سميت فاقرة ؛ لأنها تفقر الظهر، وتفقير الظهر قطعه، ~~تقول العرب: فقر ظهره، أي دقه وقطعه وحفره ونقبه من ذلك ما تقول العرب: ~~أفقروا في الشيء فقرا أي احفروا فيه حفرا، ومن ذلك ما سمي عدم الدينار ~~والدرهم فقرا، لأن عدمهما يثقب القلب ويفقر الظهر، فلما أن كان يعمل ذلك ~~بصاحبه قيل: نزل به الفقر، أي نزل به ما يثقل به الحال في كل الأمر. # {كلا إذا بلغت التراقي} فالبالغة للتراقي: هي النفس عند خروجها من الجسم ~~وبلوغها تراقي صاحبها، والتراقي: فهما ترقوتا الإنسان المعروفتان، وهما ~~العظمان اللذان تحت اللحيين إلى أسفل الرقبة وفوق الصدر، يريد بقوله:{كلا} ~~أي لا ترجع النفس موضعها بعد بلوغ التراقي أبدا. # {وقيل من راق} أراد بذلك الدليل على جهل الخلق بأمر الله وقلة علمهم ~~بانقضاء أجل صاحبهم، فهم يطلبون له من يرقيه، ويتوهمون أن به داء غير الموت ~~الذي يفنيه فهم يقولون: من يرقي، والراقي: هو الذي يعوذ ويرقي. # --- PageV01P348 ثم قال:{وظن أنه الفراق} يريد بقوله:{ظن} أي أيقن صاحب النفس التي بلغت ~~التراقي أن الذي هو به الموت، الذي يفرق بينه وبين حياته، وهو موقن بالموت ~~لما قد رأى وعاين، ووجد، وأهله وإخوانه لا يوقنون بما أيقن فهم يطلبون له ~~الرقاء والدواء، وقد عاين الداهية الدهياء، وأيقن بالفراق والفناء. # {والتفت الساق بالساق} والتفاف الساق بالساق: فهو صفهما لخروج الروح ~~منهما فإحداهما على الأخرى ساقطة، إن وضعت فوقها لم تنقلع عنها أبدا إلا أن ~~تقلع، ولم تماز منها إلا أن تنزع، إن تركت فوقها لم تزل ملتفة أبدا بها، ~~وإن نزعت عنها لم ترجع إليها إلا أن يردها غير صاحبها. # --- PageV01P349 {إلى ربك يومئذ المساق} فهذا اليوم الذي قال الله:{يومئذ} فليس هو باليوم ~~الذي قال الله سبحانه:{وجوه يومئذ ms0225 باسرة} هذا اليوم هو يوم وفاة الخلق، ~~وعند معاينتهم لنزول الحق، ومواقعة ما وعدهم الواحد الخلاق من الموت اللاف ~~للساق بالساق، فهذا اليوم الذي ذكر الله فيه أن فيه إليه المساق، وذلك ~~اليوم فهو يوم البعث والحق المساق، يقول: المضي به والتصيير له إليه ~~سبحانه، ومعنى {إلى ربك} أي إلى الموضع الذي جعله الله مقرأ للأرواح إلى ~~يوم مماتها، ويوم ممات الأرواح فهو ممات الملائكة والجن، وهو يوم القيامة ~~عند النفخة الأولة التي ذكر الله أنه يصعق بها من في السموات ومن في الأرض، ~~ومعنى يصعق: فهو يموت ويذهب، ومعنى هذه النفخة الأولة التي ذكر الله ~~فقال:{ونفخ في الصور} فهو صور الخلق وأبدانهم، ومعنى نفخ فيها: فهو وقع ~~فيها وواقعها من أمر الله ما أفناها، وحل بها من قضائه ما أزالها وأمضاها، ~~فعند وقوع هذه النفخة تموت أرواح الخلق والجن والملائكة، ثم ينفخ فيها ~~لنفخة الثانية بالحياة كما قال الله:{ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} ~~يقول عز وجل نفخ في الصور بالحياة مرة أخرى كما نفخ فيه بالموت أولا، ومعنى ~~نفخ جعل كما قال الله سبحانه:{فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} ~~يقول: جعلت فيه الروح، فنفخ الله تبارك وتعالى في الصور هو الحياة كنفخته ~~في صورة آدم بالحياة، وجعل الروح فهيم كما جعله في صورة أبيهم. # {فلا صدق ولا صلى} فطرح الألف، وهذا موضعها وهو يريدها، ,قد تقدم شرح هذا ~~المعنى منا في غير هذا المكان، يريد بهذا اللفظ سبحانه فلو كان في حياته من ~~المصدقين بما جاء من رب العالمين على لسان النبي الأمين، وكان من المصلين ~~لكان بذلك عند الله من الفائزين، ولكن لم يكن كذلك، فكان من الهالكين. # --- PageV01P350 ثم قال سبحانه:{ولكن كذب وتولى} معنى {ولكن} هو: بلى، يقول: بل كذب وتولى، ~~أي كذب بالحق أي جحد، ولم يقر ولم يصدق {وتولى} يقول: التوى عن الحق وانصرف ~~عن الصدق. # {ثم ذهب إلى أهله يتمطى} يقول: رجع من عند الرسول صلى الله عليه وعلى آله ms0226 ~~إلى أهله مكذبا يتمطى، والتمطي: شيء يفعله الزاهد فيما يلقى إليه ويؤمر به ~~ويتلى عليه، وهو أمر يدل من فاعله على الإنكسار عما يتلى عليه، والملالة ~~لما يؤمر به، فإذا مل وضجر من ذلك العمل كائنا ما كان داخله الزهد فيه ~~والضجر منه، يتمطى لما يداخله من الملالة له، والتمطي: فهو مد اليدين ~~والتلوي، والتلفت بالمنكبين والتثني، ولا يقع هذا إلا بالمال لما هو فيه من ~~الضجر منه، فأخبر الله سبحانه عن المعرضين عن الله وعن رسوله الزاهدين فيما ~~يتلى عليهم من كتابه أنهم بضجرهم وملالتهم وكراهتهم لما يلقي صلى الله عليه ~~وعلى آله في آذانهم ينقلبون إلى أهلهم يتمطون من استثقال ما سمعوا منه من ~~تلاوته كتاب الله وبغضهم له فدل تمطيهم على ضجرهم وملالتهم وكراهيتهم لذلك ~~من فعله. # ثم قال سبحانه:{أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى} يقول: كيد لك يا ضجرا ~~تتمطى، ويا زاهدا في الهدى كيد لك، ومعنى أولى: هو كيد لك، ومعنى كيد لك: ~~أي كاد أخذ ربك أن ينزل بك عند فعلك، وكادت نقمته أن تحل بك عند تعنتك، ~~وكادت بطشة ربك أن تنالك عند تمطيك وحين إدبارك عن الحق وتوليك، وكذلك تقول ~~العرب إذا رمت أغراضها فقاربت سهامها الغرض قالت: كادت به، أي قاربته ~~وقصدته ودانته ولم تصبه بعد، وكذلك إذا طعن الفارس شيئا فداناه ولم تصبه ~~قالت العرب: كادت به أي قاربه وداناه. # --- PageV01P351 {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} يقول سبحانه: يتوهم الإنسان، ومعنى {يترك} أي ~~يخلى {سدى} أي مهملا، والمهمل: فهو الذي لا يرعى ولا يحفظ منه مقبل ولا ~~مدبر ولا مذهب ولا بابا، ولا يحصى عليه شيء من الأشياء من ذلك ما تقول ~~العرب لمن ضيع أبله وخلاها أو غنمه أو دابته: خلى فلان دابته في الأرض ~~هملا، أي خلاها بلا راع ولا حافظ ولا متعاهد ولا عارف لأمرها، فهذا معنى ~~الهمل، والسدى فمعناه: هملا. # {ألم يك نطفة من مني تمنى} يقول: أليس قد كان نطفة في ظهر أبيه، والمني: ~~فهو ms0227 الماء الذي ينزل من الظهر عند الجماع، ومعنى تمنى: فهو تخرج وتلقى، وكل ~~شيء أمني فقد أخرج وأظهر وألقي. # {ثم كان علقة} يخبر سبحانه أنه صار في الرحم بعد أن كان نطفة علقة، ~~والعلقة: فهي الشيء الجامد من الدم، فأخبر الله سبحانه أن النطفة البيضاء ~~تنقلب بقدرته في الرحم علقة حمراء، ثم تنقلب العلقة الحمراء مضغة، ثم ~~يخلقها الله سبحانه ما يشاء، ويسوي منها ما أحب. # ثم قال سبحانه من بعد أن ذكر العلقة:{فخلق فسوى} يريد عز وجل خلق العلقة ~~مضغة، ثم خلق المضغة عظاما، ثم كسا العظام لحما، ثم قال من بعد خلق الله ~~فيه ما شاء من خلق الذكر أو خلق الأنثى، فهذا معنى قوله:{فخلق فسوى} يقول: ~~خلق شيئا بعد شيء حتى سواه من هذا الماء ما شاء من ذكر أو أنثى. # --- PageV01P352 ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} يعني ~~بقوله:{جعل} أي خلق، فصور، وفطر فقدر، ومعنى {منه} أي من ذلك المني الذي ~~أمناه الزوجان وهما الصنفان اللذان يتزاوجان، وهو الذكر والأنثى، فأراد ~~سبحانه بذكر ما ذكر من فعله في الآدميين، وتنقيل خلق المخلوقين أن يعلمهم ~~أنه لم يفعل ذلك بهم لأن يخلقهم سدى، وإنما فعل ذلك بهم لأعظم ما يكون من ~~المعنى وهو ما أراد بهم من الإمتحان والإختبار والإبتلاء بالعمل في دار ~~الدنيا، والإيجاب عليهم في يوم الدين لما أوجب من الجزاء فأعلمهم أن من ~~كانت هذه إرادته من خلقه فقد بعد منه أن يجعلهم سدى، وبانت له بذلك الفعل ~~القدرة فيهم وفي غيرهم على ما يشاء. # ألا تسمع كيف يقول تبارك وتعالى:{أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ~~معنى {أليس ذلك} هو أما ذلك، فيقول: أما الذي فعل ما فعل ودبر من تقليب ~~تدبير خلقكم ما دبر حتى صار من الماء بتدبيره وقدرته إنسانا قويا ثابتا ~~{بقادر على أن يحيي الموتى} معنى {قادر}: أي مستطيع لذلك قوي عليه نافذ ~~أمره فيه، ومعنى {يحيي الموتى} هو يردهم بعد الممات أحياء، فأخبر سبحانه ~~بذلك أن ms0228 إحياءه لرميمهم أجساما كابتدائه لخلق أجسامهم أولا من الماء ~~فأخبرهم أن من أبتدأ شيئا من لاشيء أي جعل شيئا من غير شيء فهو على إزالته ~~قادر، وأنه على رده إلى الهيئة الأولى التي قد فرغ من خلقها، وأحكم تدبيرها ~~أقدر منه على ابتدائها، وأهون عليه في جعلها كما قال سبحانه:{وهو الذي يبدؤ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} فضرب عز وجل ذلك لهم مثلا كما مثلنا نحن به ~~أيضا، وليس قوله:{أهون عليه} ولا هو على ردها أقدر يقتضي أن له سبحانه حالا ~~مفاوت حالا، ولا أن شيئا يمتنع عليه جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله، بل ~~كل ما شاء أن يكون كان على ما يشاء ذو الجلال والإكرام والسلطان ولا يعجزه ~~شيء ولا يفوته شيء، ولا يؤده حفظهما شيء وهو السميع العليم. # --- PageV01P353 ### || AUTO سورة المدثر # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قال الله عز وجل:{يا أيها المدثر} المنادى هاهنا والمناجى محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله، والمناجاة فهي النداء، والمدثر: فهو الملتحف والإلتحاف: فهو ~~طرح الثياب على الإنسان عند اضطجاعه. # {قم فأنذر} فالمأمور بالقيام فهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ~~ومعنى أنذر: أي بلغ وأخبر، وتقدم إليهم وأد الحجة التي أمرت بأدائها وبسبب ~~تدثر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أن الوليد بن المغيرة المخزومي لعنه ~~الله جمع قريشا إلى دار الندوة، ثم قال: يا معشر قريش إن هذا الإنسان قد ~~أدعى ما ادعى، والعرب تفد عليكم وتأتي بلدكم فلا يزال السائل يسأل عنه ~~بعضكم فيقول شيئا، ويسأل آخر فيقول له شيئا آخر، فاشتوروا وأجمعوا له أمركم ~~وكلمتكم حتى يكون قولكم فيه قولا واحدا فما تقولون إنه؟ فقال بعضهم: مجنون، ~~فعبس في وجهه، ثم قال: ليس هذا بقول، وليس هو وأبيكم بمجنون، فقال بعضهم: ~~شاعر، فقطب في وجهه أيضا، وقال ليس هذا بشاعر، قد صغنا الشعر وقلناه فليس ~~هذا على مجراه، فقالوا: ولا بكاهن ليس يغبى على العرب الكاهن، فقال بعضهم: ~~ساحر، فقال لهم: وما الساحر؟ وما ms0229 يعمل؟ فقالوا: يفعل فعلا يفرق به بين ~~المرء وزوجته، ويحبب المبغض، ويبغض الحبيب، فقال: هذا إذا قد والله يفعل ~~محمد ذلك، فأجمعوا كلمتكم على أنه ساحر، فخرجت قريش من دار الندوة فلم يلق ~~أحد مهم رسول الله عليه السلام إلا قال: يا ساحر، فاشتد ذلك عليه صلى الله ~~عليه وعلى آله فخرج حتى أتى منزله فطرح نفسه، وتدثر بلحافه من شدة الغم وما ~~نزل به لقولهم من الهم، فأنزل الله تبارك وتعالى:{يا أيها المدثر قم فأنذر ~~وربك فكبر وثيابك فطهر}. # --- PageV01P354 معنى {ربك} أي إلهك وخالقك ومالكك الذي لا خالق لك غيره، ولا مالك لك سواه، ~~ومعنى {كبر} فهو عظم بالطاعة، وأجل وقدس، وقل ما هو أهله، وما هو يستحقه ~~سبحانه يستأهله. {وثيابك} فهي هذه الثياب الملبوسة المعروفة باسمها ~~المفهومة بذكرها، ومعنى تطهيرها: فهو غسلها من رجس المشركين ولمسهم ~~ومداناتهم. # {والرجز فاهجر} والرجز: هو كل نجس معلوم من وثن أو صنم أو شيء محرم ~~مفهوم، ومما كانوا يستجيزون ويأتون ويفعلون من أكل الميتة وغيرها التي هي ~~في التحريم مثلها، ومعنى اهجر: أي اعتزل ولا تقرب ولا تتبع. # {ولا تمنن تستكثر} معناه: لا تمن بشيء تفعله، ولا بجميل تصنعه إلى أحد من ~~العالمين لا من المسلمين ولا من المشركين، ومعنى {تستكثر} فهو تكثر قول ذلك ~~وذكره وتعريفهم به، وقوله هذا فأدب من الله لنبيئه صلى الله عليه وعلى آله، ~~وهداية منه له إلى أعظم الأمور وأجسمها وأشرفها في الأحدوثة وأفخرها من ترك ~~المن لما يولي والإعراض عن ذكر ما يعطي. # ثم قال سبحانه:{ولربك فاصبر} يقول: فاصبر على ما تلقى في الله من البلاء، ~~وتقاسي من الكفرة من الأذى فاصبر عليهم واجعل صبرك لله في مقاساتك منهم ~~بحكمه واعترافا له سبحانه بأمره. # {فإذا نقر في الناقور} فالناقور: فهو علامة من الله يجعلها في يوم الدين، ~~تكون ظاهرة في موضع حشر العالمين تظهر علامتها وتسطع عالية آياتها، يستدل ~~الخلق أجمعون بها على الموضع الذي يقصدون من موضع الحشر الذي إليه يساقون، ~~فيكون قصدهم إلى ms0230 تلك العلامة التي جعلت لهم. # وقد يمكن أن تكون هذه العلامة التي سماها الله الناقور نورا يسطع في ذلك ~~الموضع ويلمع، فيكون ذلك علامة لموضع الجمع. # ويمكن أن تكون تلك العلامة أصواتا من دعاة من الملائكة يدعون الناس إلى ~~ذلك المكان فينتقر الناس موضع الحشر بذلك الدعاء فيقصدونه معا. # --- PageV01P355 ويمكن أن يكون علامة بالتهليل والتكبير والتقديس لله والتوقير يسمعه الخلق ~~أجمعون فيؤمونه كلهم أكتعون. # فأما قول من يقول: إن الناقور بوق أو شبه البوق، وينفخ فيه ليجتمع الناس ~~كلهم إليه فليس ذلك عندنا بشيء تصححه عقولنا، وليس الناقور والله أعلم ~~وأحكم إلا علامة عظيمة يجعلها الله العلي الأعظم في ذلك اليوم، ولن تكون ~~هذه العلامة إلا بأمر عظيم من صنف مما ذكرنا من بعض ما شرحنا من النور ~~الساطع العظيم اللامع، أو الصوت بالدعاء والتكبير والتهليل والتحميد ~~والتقديس والتمجيد الذي يسمعه كل سامع. # ثم ذكر سبحانه ذلك اليوم الذي ينقر فيه الناقور، ومعنى ينقر فهو ينتقر، ~~ومعنى ينتقر: فهو يستدل عليه ويخبر، ألا تسمع كيف تقول العرب لمن استدل على ~~شيء وعرفه ووقع عليه وعلمه: انتقر فلان كذا وكذا، أي عرفه واهتدى إليه ووقع ~~بالفطنة منه عليه فقال سبحانه: # {فذلك يومئذ يوم عسير} ومعنى ذلك فهو كذلك ومعنى يومئذ فهو اليوم الذي ~~يكون فيه الناقور، ومعنى {يوم عسير} فالعسير: هو الشديد الذي لا فرح فيه ~~ولا راحة لديه. # {على الكافرين غير يسير} والكافرون: هم الكافرون بنعم الله المكذبون، ~~ومعنى كفرهم لنعم الله فهو قلة شكرهم لله على ما أعطاهم من بعثة البشير ~~النذير إليهم، وهم أهل المعاصي لله من المشركين الذين دعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم، ومن الثقلين، ومعنى {غير يسير} فمعنى {غير} هو ~~ليس، ومعنى {يسير} أي ليس بسهل ولا صغير، فأخبر سبحانه أن ذلك اليوم يوم ~~شديد عسير على أعدائه ليس بسهل ولا صغير. # --- PageV01P356 ثم قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ~~ممدودا وبنين شهودا} معنى {ذرني} ms0231 أي دعني وأخبرني، واعلم أني في ذلك كاف ~~مغن {ومن خلقت} أي أوجدت وفطرت {وحيدا} فهو فردا فريدا، وقد قيل: إنه اسم ~~للوليد بن المغيرة، وكان يعرف به، فقال الله سبحانه لنبيئه صلى الله عليه ~~وعلى آله: ذرني وهذا الذي اجترأ علي فكذب بي فسأذيقه على ذلك أشد عذابي. # ثم أخبر سبحانه بما جعل له من المال الممدود، والممدود فهو الكثير ~~الواسع، وما جعل له من البنين، والبنون: فهم الذكران المعروفون، و{شهودا} ~~فمعنى شهودا: أي حاضرين معه شاهدين غير مفارقين لجماعته بل هم شهود معه، ~~والشهود: فهم الحضور الذين لم تنأى بهم دار ولا تبعد منهم الأخبار، فهم ~~سكان معه في الدار. # {ومهدت له تمهيدا} فمعنى {مهدت} هو وطئت وجعلت له بالنعمة التي أعطيته ~~إياها، مهدا يمهد عليها، ويتقلب بفضلي عليه فيها، ومعنى {تمهيدا} فهو عطاء ~~منا له جزيلا. # ثم قال سبحانه:{ثم يطمع أن أزيد} يقول: أيطمع بعدما أعطيته أن أزيده على ~~ما أوليته، وهو مقيم على كفر نعمتي معتصم بالشرك بي. # {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} يريد بكلا أن إني لا أفعل ذلك أبدا، ولا ~~أزيده في النعيم شيئا {إنه كان} معنى إنه كان معناها: أنه لم يزل لآياتنا ~~عنيدا، يقول: لأحكامنا وما يظهر من غائب آياتنا وبواهر دلائلنا {عنيدا} ~~والعنيد: فهو المعاند، والمعاند: فهو المضاد المكابر المعارض بباطله من حق خالقه. # --- PageV01P357 ثم أوعده على ذلك بما ذكر من العذاب فقال سبحانه:{سأرهقة صعودا} ومعنى ~~{سأرهقه} أي سأوقع به وأنزل وأحل به وأجعل، ومعنى {صعودا} أي أمرا شديدا ~~وعذابا ومهلكا متعبا، فشبه سبحانه ما ينزل به من العذاب الشديد لشدته وهو ~~ما أعد له من نقمته بالصعود ؛ لأن أشق ما يعرف الإنسان في مسالكه ومذاهبه ~~وطرقه ما كان مصعدا فيه من الجبال الشامخة التي تكون الطرق فيها متعلقة ~~مرتفعة، فذلك أشد مسالك الناس وأصعب ما يسلكونه من سبلهم فأخبر الله أن ~~عذاب هذا الذي يدعى بالوحيد مع عذاب غيره كالصعود مع السهل، وأن عذابه له ~~فضل في النار على كل ms0232 عذاب كما للصعود في الشدة والتعب على السهل. # ثم قال:{إنه فكر وقدر} يريد بفكر: أي تفكر، وقدر: فهو لما كان من فكرته ~~فيما يجعل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من الكذب، وقدر: فهو ما ~~كان يقدر عليه ويهيئ له ويحتال به عليه، ويسوي حتى جعل عليه ما جعل من ~~الأمر، ولطخه بما لطخه به من ذكر السحر الذي قد برأه الله وطهره ورفعه عنه ~~سبحانه وكبره. # ثم قال:{فقتل كيف قدر} ومعنى {قتل} فهو لعن، ثم قال:{كيف قدر} يريد على ~~ما قدر، وقدر: فهو ما ذكرنا من تفكيره وتقديره. # ثم كرر اللعن فقال:{ثم قتل كيف قدر} يريد لعن على ما كان قدر. # ثم قال سبحانه مخبرا بما كان من فعله في دار الندوة وعبوسه في وجوه من ~~كان يقول: مجنون وشاعر وكاهن، وبسوره لهم فقال:{ثم عبس وبسر} يريد بعبس أي ~~قطب بين عينيه، وأنكر قول من قال بالجنون عليه {وبسر} فمعناه دفعه وأقصاه ~~عن القول بما قال به عليه ورماه من قوله: ليس هو بشاعر ولا مجنون، ولكنه ~~ساحر، وحاشى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من ذلك، وقد نزهه الله أن ~~يكون كذلك. # --- PageV01P358 ثم قال:{ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر} ~~معنى {أدبر} أي تولى عن الحق، وتعلق بالكذب والفسق، ومعنى {استكبر} أي تجبر ~~وتكبر، ثم قال لعنه الله:{إن هذا إلا سحر يؤثر} أي يتلى ويذكر، يقول: ما ~~يأتي به محمد صلى الله عليه وعلى آله ويذكره إلا سحر رواه وتعلمه {إن هذا ~~إلا قول البشر} ما هذا الذي مع محمد من قول الله، وما هو إلا قول البشر، ~~والبشر: فهم الناس. # ثم قال سبحانه:{سأصليه سقر} فمعنى قوله: {سأصليه} يريد سأدنيه منها ~~وأولجه فيها حتى يصلى بدنه حرها، ويقع به حريقها وأكلها، ويباشره بحمومها ~~وحرها، فلا يكون له فيها ستر يستره، ولا حجاب يحجزه، وسقر: فهي بعيدة القعر ~~العظيمة الأمر، البعيدة المهوى، الكثيري الأذى والبلاء، وهو اسم من أسماء ms0233 ~~جهنم ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {وما أدراك ما سقر} يقول سبحانه: وما أعلمك ما سقر، وكيف هي؟ وما أمرها؟ ~~وما هي على حقيقة العلم؟. # ثم بين سبحانه بعض صفاتها وما هي عليه من حالاتها فقال:{لا تبقي ولا تذر} ~~معنى {لا تبقي} أي لا تبقي في عذاب من صار إليها، ولا تنكيل من ولج فيها، ~~{ولا تذر} معناه: لا تذر أحدا من أهل الوعيد إلا ضمته وصيرته فيها، وأحرقته ~~وحققت وعيد الله له فأهلكته. # {لواحة للبشر} واللواحة: فهي المحرقة المغيرة التي قد غيرت أبدانهم ~~ببلائها وغيرت خلقهم بإحراقها، ولوحتهم بعذابها، وقوله:{للبشر} فهم من كان ~~فيها من الفاسقين، وصار إليها من الفاجرين. # ثم ذكر سبحانه خزنتها وعددهم، ووصف بعض حالهم وأمرهم، فقال سبحانه:{عليها ~~تسعة عشر} فقد يمكن والله أعلم من أن يكون هؤلاء التسعة العشر هم الخزنة ~~المأمورن بحفظها، وحفظ من فيها، ألآمرون والناهون في أمرها. # --- PageV01P359 ويمكن أن يكون تسعة عشر ألفا، أو تسعة عشر صنفا من الملائكة المقربين ~~المؤتمرين بأمر الله المكرمين، ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{وما جعلنا أصحاب ~~النار إلا ملائكة} فأخبر سبحانه أن هذه التسعة عشر ملائكة، وأن خزنتها من ~~الملائكة المؤتمنين البررة المكرمين. # ثم قال سبحانه:{وما جعلنا عدتهم} يعني عددهم {إلا فتنة للذين كفروا} ~~والفتنة هاهنا فهي الإختبار والبلوى بما يكون منهم من الجحدان في ذلك، ~~والإفتراء لأنهم كانوا بما آتاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله من خبر ~~النار وأهلها وخزنتها مكذبين، وبه صلى الله عليه وعلى آله في ذلك كله غير ~~مصدقين، وكانوا يجحدون أمرها، ويكذبون خبرها، فلما جحدوا أمرها كانوا أشد ~~جحدا لخزانها وعددهم، وأشد ملادة فيما ذكر الله عز وجل من أمرهم. # ثم قال سبحانه:{ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا} ~~والذين أوتوا الكتاب هاهنا فهم الذين أسلموا من أهل الكتاب، والكتاب: فهو ~~التوراة، فأخبر أن من آمن بالله من أهل الكتاب وصدق برسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وآمن بآياته فهو مستيقن بذلك، والإستيقان منهم: فهو تحقيق ~~العلم والإقرار ms0234 بما جاء من ذكر الخزنة وعددهم، ومعنى يستيقنوا: فهو يؤمنوا ~~ويوقنوا {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} معنى يزداد: فهو ازديادهم في الإيمان ~~بتصديقهم لما ذكر الله من عدد خزان النار لهم، فلما أن كانوا بكل ما ذكر ~~الله وأخبر مصدقين، وبما قال غير مكذبين كانوا في كل ما صدقوا به من أمر ~~حادث من الله في الإيمان مزدادين بتصديقهم بخبر الله وإقرارهم ومعرفتهم ~~بصدقه وإيقانهم، فهذا معنى {ويزداد الذين آمنوا إيمانا}. # --- PageV01P360 ثم رجع في ذكر مؤمني أهل الكتاب ومؤمني العرب فقال:{ولا يرتاب الذين أوتوا ~~الكتاب والمؤمنون} يقول سبحانه: إنا إنما ذكرنا من عدة أهل النار التي ~~شرحنا لكم ليستيقن مؤمنوا أهل الكتاب من الإسرائيليين ومؤمنوا العرب أنه ~~الحق، فيكون ذلك فضيلة لهم من ربهم وجزاء على ما كان من إيقانهم مما ذكر ~~الله في الكتاب المبين من عدة خزان النار من الملائكة المقربين {ولا يرتاب} ~~يقول: لا يشك أهل الكتاب والمؤمنون في صدق قولنا وكينونة وعدنا ووعيدنا. # ثم ذكر قول المنافقين في ذلك الذين في قلوبهم مرض من دينهم، والمرض: فهو ~~الشك والإرتياب، وقلة الإخلاص لرب الأرباب، وكذلك حكى عز وجل في القول عن ~~الكافرين فقال سبحانه:{وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا} ومعنى قولهم:{ما} أي فهو الذي، لأن الذي يقوم مقام ما، وما ~~يقوم مقام الذي، فأرادوا عليهم لعنة الله بقولهم هذا أن الذي أراد الله ~~بذكر م اذكر من عدة هذه الخزنة وما شرع من أمرهم مثل مضروب، وأنه ليس بحق ~~كائن، ولا أمر مجعول باين، يقول: إن الله تبارك وتعالى إن كان حقا ما يقول ~~محمد من أنه أوحي إليه بذلك وحيا، ونزله عليك من عنده تنزيلا فهو مثل وليس ~~بحق واقع. # ثم قال سبحانه:{كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} يريد بقوله:{كذلك} ~~أي بذلك، ومعنى بذلك أي بذلك القول منهم، الذي قالوا استوجبوا من الله ~~الإضلال، والإضلال فهو الخذلان، فلما أن قالوا ما قالوا من الباطل والمحال ~~والكذب في كل قول أو ms0235 فعال على ذي الجلال والطول استوجبوا منه الخذلان ~~فخذلهم، وقوله تبارك وتعالى:{يضل من يشاء ويهدي من يشاء} فمعنى يشاء: هو ~~يريد، والذي شاء الله أن يضله: فهو من عند عن دينه، وطعن على رسوله، والذي ~~شاء أن يهديه فهو من آمن به وصدق رسله بما جاؤا به عنه، ومن عنده سبحانه ~~وبحمده. # --- PageV02P001 ثم رجع سبحانه إلى ذكر خزنة النار صلوات الله عليهم فقال:{وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو} يريد ما يفهم عددهم وهم الملائكة، وهم جند الله إلا ربهم الذي ~~خلقهم من خزنة النار، ومن غيرهم من الملائكة المقربين صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # ثم قال سبحانه:{وما هي إلا ذكرى للبشر} يريد سقر، يقول: م اذكرنا الذي ~~ذكرنا منها إلا تذكرة للبشر، والبشر: فهم الخلق، ومعنى تذكرة: فهو تنبيها ~~وتحذيرا وإهابة وتخويفا، ثم قال:{كلا والقمر والليل إذا أدبر والصبح إذا ~~أسفر} فأقسم سبحانه بالقمر، والليل في ادباره. # وأما إقسام الله سبحانه بإدبار الليل فهو لما فيه من عجيب تدبيره من تجلي ~~ظلامه وتصوب نجومه ولطائف عظمته في ذلك من أثر صنعه ما يطول شرحها ويكثر لو ~~ذكرناه ذكرها، ومعنى {أدبر} فهو تولى، وتوليه: فهو ذهاب أكثره، ودنو انفجار ~~فجره، وكذلك أقسم الله بالصبح إذا أسفر، والصبح: فهو الصباح، وقوله:{أسفر} ~~فهو أضاء وانتشر، وفي سطوع الصبح، وفجره غاية الدليل على صانعه وربه لما ~~فيه من ظهور ضوئه في حندس الليل وظلمته، حتى ينكشف منه مدلهم الظلام ويزيل ~~عن الأرض منه ما كان عليها من الإدلهمام، فوقع القسم من الله جل جلاله عن ~~أن يحويه قول أو يناله على تحقيق ما أنكروا من سقر وخزانها، وعجيب ما ذكر ~~الله سبحانه من أخبارها فقال: # {إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر} يقول سبحانه: إنها لإحدى عظائم ما فعلنا، ~~وجليل ما أحدثنا مما جعلناه عبرة وتبيانا ونعمة وترغيبا ونكالا وترهيبا، ~~والكبر: فهي الأمور الكبار التي جعلها الله سبحانه وفطرها، ولعمري ما من ~~شيء أكبر هولا، ولا أعظم أمرا ولا أشد على الخلق خطرا من سقر، التي لا ms0236 تبقي ~~ولا تذر، معنى {نذيرا للبشر} يقول منبها ومخوفا، وقوله:{للبشر} والبشر: هم ~~الناس أجمعون. # --- PageV02P002 ثم قال سبحانه:{لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} يريد بقوله:{لمن شاء منكم} ~~أي لمن أراد منكم، ومعنى {يتقدم} أي أن يتقدم في أهبة أمره، والتخلص من ~~عذاب ربه، والتنحي من هذه التي هي إحدى الكبر التي هي بلا شك سقر أو يتأخر، ~~يقول: يتأخر عن العمل بما ينجيه منها، ويسوف التوبة التي هي سبب النجاة من ~~عذابها حتى يأتيه أجله فينقضي عمله فيكون بتأخره عن التوبة من الهالكين كما ~~كان من تقدم بالتوبة والعمل الصالح من الناجين. # ثم قال سبحانه:{كل نفس بما كسبت رهينة} فأخبر عز وجل أن المتقدم والمتأخر ~~مأخوذ بعمله مجازا يفعله، وأن كل نفس رهينة بكسبها، وكسبها: فهو عملها وبما ~~قدمته في حياتها من برها ورشدها أو غيها وفسقها وكفرها. قوله:{رهينة} فمعنى ~~رهينة أي مأخوذة مرتهنة، ومعنى مرتهنة أي محبوسة محاسبة. # {إلا أصحاب اليمين} فذكر سبحانه أن كل مسيء وظالم عاص متعد مأخوذ بفعله ~~معاقب على صنعه، ثم ميز بينهم وبين عدوهم من أهل الإيمان فقال:{إلا أصحاب ~~اليمين} فذكر أن أصحاب اليمين ناجون، ومن عذاب الله سالمون، وأصحاب اليمين: ~~فهم أصحاب الدين والمعرفة واليقين، ومعنى اليمين: فهو اليمن والبركة في ~~التقديس من الله، والنعمة لا أن ثم يمينا وشمالا. # ثم قال:{في جنات يتسآلون عن المجرمين} فالجنات فهي ما ذكرنا من مواضع ~~النعمات والسرور والغبطة، والملك والحبور يتسآلون {عن المجرمين} فأخبر أن ~~المتقين أصحاب اليمين، والخير إذ صاروا إلى دار النعيم، ومحل المؤمنين ~~تسآلون فيما بينهم عما كانوا يعرفونه من المجرمين، وتساؤلهم فهو تذاكرهم ~~لهم، ولما كان في الدنيا من تجبرهم وكفرهم إيقانا منهم بما صاروا إليه من ~~عذاب النار، وانقلبوا إليه من سوء الدار. # --- PageV02P003 ثم رجع سبحانه فذكر مساءلة خزان النار لأهل النار، وتقريعهم لهم لما كان من ~~فسقهم وكفرهم وإعراضهم عن ذكر ربهم فقال:{ما سلككم في سقر} حكى قول الخزنة ~~من الملائكة البررة للفاسقين المعذبين، ومعنى {ما سلككم في سقر} أي ms0237 ما ~~أولجكم وأدخلكم في سقر، وهذا من الملائكة صلوات الله عليهم تقريع لأهل ~~النار وتبكيت للفجرة الكفار ؛ لا أنهم جهلوا ما الذي سلكهم فيها وصيرهم من ~~حكم الله إليها، وكيف يجهلون ذلك، وهم يحكم الله عارفون وبعدله واثقون، ~~وبما سلك عباده في جهنم عالمون. # ثم ذكر سبحانه ما يكون من جواب أهل النار لهم فيما عنه سألوهم ~~فقال:{قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } أي ندفع الزكاة، ~~فأقروا على أنفسهم بأنهم لم يكونوا يؤدون فرض الصلاة الواجبة، وأنهم لم ~~يكونوا يطعمون المسكين، ومعنى {نطعم المسكين} أي ندفع فرض الزكاة الواجبة ~~التي جعلها الله للعالمين نجاة، ثم قالوا: # {وكنا نخوض مع الخائضين} ومعنى {وكنا} فهو: أي لم نزل، ومعنى {نخوض} فهو: ~~ندخل فيما دخلوا فيه، ولم نزل على ما كانوا عليه، والخائضون: فهم العاصون ~~الداخلون في معاصي الله، الخائضون فيما لا يرضى الله من قول أو فعل. # {وكنا نكذب بيوم الدين} فأقروا بما كانوا فيه في الدنيا من التكذيب بيوم ~~الدين، ومعنى {نكذب} فهو نبطل ونجحد ولا نصدق {بيوم الدين} والدين: فهو ~~الجزاء على ما كان من أفعالهم، تقول العرب: فلان يدان بفعله، أي يجزى ~~بفعله، وكذلك روي أنه مكتوب في التوراة "يا ابن آدم كما تدين تدان " أي كما ~~تعطى تعطى، ويوم الدين: فهو وقت الدين، وهو اليوم الذي يجازى فيه العالمون، ~~ويحشر فيه المربوبون. # {حتى أتانا اليقين} واليقين هاهنا: فهو الموت الذي وعدوا به، ومعنى ~~{أتانا} فهو واقعنا ونزل بنا. # --- PageV02P004 ثم قال سبحانه:{فما تنفعهم شفاعة الشافعين} يقول جل جلاله: إنهم لو شفع ~~فيهم لم تكن الشفاعة تنفعهم {شفاعة الشافعين} وإنما هذا تمثيل من الله ~~وإعلام لعباده بكفرهم وعظيم جرمهم، وذلك أن الشفاعة تنفع في موضع الأمر ~~اليسير، ولا تنفع في الموضع الذي فيه حكم من الله عليهم بالعقوبة، لا أن ~~أحدا من الأنبياء المرسلين ولا الملائكة المقربين صلوات الله عليهم يشفع ~~لأحد من أهل الوعيد، حاش لله أن يكونوا كذلك، أو يفعلوا شيئا من ذلك. # ثم قال ms0238 سبحانه:{فما لهم عن التذكرة معرضين} [يري سبحانه فما لهم كانوا في ~~الدنيا عن التذكرة معرضين] ومعنى {مالهم} فهو: ما بالهم، ومعنى ما بالهم: ~~فهو أي شيء كانوا عن التذكرة معرضين، والتذكرة: فهي ما ذكر الله لهم وقص ~~عليهم، وأخبرهم به على لسان نبيئه عليه السلام مما يعاينونه في الحشر ويوم ~~النشر مما كانوا به مكذبين، وعنه للعبهم معرضين، ومعرضون: فهم صادون ~~تاركون. # ثم شبههم سبحانه بإعراضهم ونفرهم عن الحق الذي كان يتلى عليهم بالحمر ~~المستنفرة فقال:{كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة} والحمر: فهي هذه الحمر ~~المعروفة، والمستنفرة: فهي الفزعة المرعوبة، ومعنى فرت: فهو هربت، ومعنى ~~قسورة: فهو الأسد، فذكر الله سبحانه أن فرارهم عن الحق، ونفورهم عن الصدق ~~كنفور هذه الحمير من الأسد. # (/6) # --- PageV02P005 ثم قال سبحانه:{بل يريد كل امرء منهم أن يؤتى صحفا منشرة} ومعنى {بل} فهو ~~قد، و{يريد} فهو يحب {كل امرء} فالمرء: هو الرجل، يقول سبحانه، يريد كل رجل ~~منهم {أن يؤتى صحفا منشرة} ويؤتى: فهو ينزل عليه ويعطى، والصحف: فهي الكتب ~~المنشرة، والكتب المنشرة: فهي المثبتة المبينة، التي تنشر وتقرأ ويعرف ما ~~فيها ويتلى، فأخبر سبحانه أن جميع الفاسقين المكذبين إنما كذبوا رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله حسدا منهم له على ما آتاه ربه، فكلهم يطلب ويتمنى ~~أن يكون نبيا مرسلا، وليس ذلك لهم ولا كرامة، بل لله الأمر والقدرة والعظمة ~~والعزة يعطي من يشاء نعمته، ويؤتيه كرامته، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {كلا بل لا يخافون الآخرة} يريد بكلا: ليس تخافون، فأخبر سبحانه أنهم لم ~~يكونوا يخافون في الدنيا معادا ولا آخرة، والآخرة هاهنا: فهو عذابها ~~ونكالها. # ثم قال:{كلا إنه تذكرة} يقول: ليس هو بباطل، ولكنه حق تذكرة، فالتذكرة هي ~~التنبية والتبصرة. # ثم قال: {فمن شاء ذكره} يريد {من شاء} أي من أراد، ومعنى {ذكره} يقول: ~~تذكره فخافه وخشيه فحذره. # {وما تذكرون إلا أن يشاء الله} يقول سبحانه: إنكم لم تكونوا تقدرون على ~~التذكرة، والتفكرة والتمييز بين الحق والباطل لو أن الله لم يشأ ms0239 أن يجعل ~~فيكم استطاعة تنالون بها الفكرة والتمييز، وعقولا تصلون بها إلى التذكرة، ~~ولكنه شاء ذلك لكم فركبه وجعله بمنه فيكم. # {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} معنى {أهل} أي هو صاحب التقوى، ومعنى صاحب ~~التقوى: فهو وليها والحقيق بها والمستحق لها، والتقوى: فهي المخافة من ~~الخلق والإتقاء، و{المغفرة} فهي العيادة منه، والرحمة على عباده بالعفو بعد ~~الغضب، وذلك ربنا الرحمن أهل البر والتقوى والمغفرة والإحسان. # --- PageV02P006 ### || AUTO تفسير المزمل # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قال الله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه {يا أيها المزمل} والمزمل: فهو ~~الملتحف بلحافه المتدثر في مضجعه، والمزمل معناها ومعنى المدثر سواء، وهذا ~~أمر من الله سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وآله هو الذي كان مزملا. # ثم قال سبحانه:{قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه} ~~ومعنى {قم الليل} أي قم لصلواتك المفروضة عليك في الليل، ومعنى {إلا قليلا} ~~فهو دليل على وقت الصلاة، يقول سبحانه: صل إن كنت في أمر يعوقك عن صلاة ~~العتمة إلى أن تدخل في الثلث الآخر صلاة فرضك، فإن ذلك وقت لها مع ما يكون ~~من شاغل شغلك الذي يعوقك عن صلواتك. # ثم قال:{نصفه أو انقص منه قليلا} يقول: أود ون النصف في أول الليل، ثم ~~قال:{أو زد عليه} يقول: أو زد على النصف إن لم يمكنك أن تصلي قبل انتصاف ~~الليل فصلها بعد انتصافه، وهذا فرحمة من الله سبحانه لعباده ورخصة لمن شغله ~~شاغل لا يجد منه بدا ولا مخلصا ولا مندفعا، فأخبر سبحانه أن آخر الليل وبعد ~~نصفه، وقبل نصفه وقت لما افترض من صلاة أوله، إذا كان المؤخر لها عن أول ~~الليل أخرها لعذر بين صحيح من مرض فادح، أو عرض شاغل، أو خوف أو هرب أو ~~مصافة عدو، ولا يقدر على الصلاة مع مقارنته وخشية فتكه وغائلته، فأخبر ~~سبحانه أن هذه الأوقات من الليل كلها وقت لصلاة الليل المفروضة فيه وسيأتي ~~ذكر من رخص له في ذلك في آخر هذه السورة أن شاء الله. ms0240 # ثم قال:{ورتل القرآن ترتيلا} يقول: تبينه تبيينا. # --- PageV02P007 {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} معنى {إنا} فهو نحن، ومعنى {نلقي عليك} أي ~~نصير إليك ونفرض عليك، ومعنى {قولا ثقيلا} هو وحيا ثقيلا، والوحي: فهو ~~القرآن، ومعنى {ثقيلا} أي ثقيل الحكم، ومعنى ثقيل الحكم: أي صعب المفترض، ~~وكيف لا يكون فرضه صعبا، وحكمه على من حكم به مستصعبا، وفيه ترك الشهوات، ~~ومفارقة اللذات، والصبر على النازلات مع ما فيه من ثقل الصلاة والصيام على ~~أهله ومشقة الحج على قاصده، ومفارقة كفرة الأجداد والآباء الجاهلية الجهلاء ~~وغير ذلك من مثقلات الأشياء المحكوم بهن في هذا القول، الذي نزله الواحد ذو ~~الطول على خاتم النبيئين صلى الله عليه وعلى آله. # ثم أمره سبحانه أن يفرض ذلك كله على جميع المخلوقين، ثم أخبره أن أداء ~~فريضة الليل في أوله فهي أول أوقاته {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم ~~قيلا} ومعنى {أشد وطأ وأقوم قيلا} فهو أشد تمكنا لك عند ربك وأجرا، ومعنى ~~{أقوم قيلا} فهي أعدل طريقا، وأفضل فضلا، فخصه سبحانه على إقامة فرض صلاة ~~الليل في أول وقتها، وجعل له العذر بما ذكر من سائر الأوقات التي فسرنا إن ~~عاقه أمر لم يجد عنه مدفعا كما شرحنا. # --- PageV02P008 ثم قال سبحانه:{إن لك في النهار سبحا طويلا} يريد بذلك سبحانه بقوله:{سبحا ~~طويلا} أي فراغا كبيرا، ووقتا يصلح لما تريد أن تشتغل به عن فرض صلاة ليلك ~~في أوله حتى لا تؤخرها إلى آخره، فنهاه صلى الله عليه وعلى آله بذلك عن ~~تخليف صلاة العتمة إلى آخر الليل لشغل من أشغاله، أو أمر من حوائجه التي ~~يمكنه أن يفعلهن في النهار، ولا يشتغل بهن عن الصلاة في أول الليل، فلم ~~يجعل له عذرا في تأخير العشاء، والعتمة عن ناشئة الليل، وهي أوله بشيء من ~~أشغال الدنيا، وأجاز له ذلك إذا كان مريضا، أو مصافا للعدو أو مسافرا، أو ~~غير واجد للماء، وجعل سبحانه لما نزل به شيء من ذلك ما ذكر وحدد من تبعيض ~~الليل وقسمه وتمييزه ms0241 وقتا فوجب على المؤمنين أن يميزوا بين الحالين، ويقفوا ~~على كلتا المنزلتين فيعملوا بهما في أوقاتهما، ولا يجعلوا الحالتين حالة ~~واحدة سواء فإن الله سبحانه قد ميزهما، ودل عليهما أهل علمه وفهمهما أهل ~~المعرفة {ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}. # ثم أمره بذكر ربه فقال:{واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} ومعنى {واذكر ~~اسم ربك} فهو اذكر ربك، ومعنى اذكر ربك: فهو قدس وكبر وعظم، ومعنى {تبتل} ~~فهو تفرغ له، وانقطع إليه، واستسلم بكليتك في يديه، وتفرغ لعبادته ونفاذ ~~أمره، وفي ذلك ما تقول العرب: فلان متبتل لله، تريد أن متفرغ لعبادة الله، ~~لا يشرك في خدمته مع الله أحدا لا نفسا ولا والدا ولا ولدا {تبتيلا} ~~فمعناها انقطع إليه بكليتك انقطاعا باتا ثابتا. # --- PageV02P009 {رب المشرق والمغرب} فهو مالك المشرق ومدبره، ومالك المغرب ومقدره، ومصرف ~~آياته ومغيره {لا إلاه إلا هو} يخبر سبحانه أنه لا إله غيره، ولا رب سواه، ~~وأنه الواحد الذي ليس كمثله شيء، وأنه الخالق لكل شيء، وأن كل شيء مما يعبد ~~من دونه العابدون فباطل لا ثبات له، وأنه المعبود لا غيره {فاتخذه وكيلا} ~~يقول: اجعله كافيا ؛ لأن الوكيل في لسان العرب هو الكافي، فقال سبحانه: ~~اجعل ربك لك كافيا، واتكل عليه معينا وعاضدا. # {واصبر على ما يقولون} معنى {اصبر} هو احتمل ولا تجزع، واثبت عند الأذى، ~~ولا تهلع {على ما يقولون }معناها على ما يفترون ويكذبون، ويقذفون ويصنعون. # {واهجرهم هجرا جميلا} يقول: اعتزلهم اعتزالا حسنا، أي لا تقل كما يقولون، ~~ولا تفحش كما يفحشون، واعتزلهم وما يعبدون، فامض لما أنت فيه من حكم ربك ~~وأعرض عن الجاهلين. # ثم قال سبحانه:{وذرني والمكذبين} ومعنى {ذرني} أي دعني وإياهم، وخلني ~~وعقوبتهم، وأفردني والإنتقام من المكذبين، والمكذبون: فهم المعطلون ~~الكافرون المنكرون لكل ما جاء من رب العالمين. # {أولي النعمة} فمعنى {أولي} أي هم أصحاب النعمة، والنعمة فهي الملك ~~والراحة والكفاية والتفكه، يقول: هي النعمة التي أظهرتها عليهم وجعلتها حجة ~~لي فيهم. # ثم ms0242 قال:{ومهلهم قليلا} يقول سبحانه: أنظرهم قليلا، حتى ثبتت لك الحجة ~~عليهم بما أريتك من الحجج البواهر فيهم، وأريتهم من آياتي، ثم من بعد ذلك ~~آذن لك في السيف المسلول، وأويدك من عبادي بأهل المعرفة والطول، فتضع على ~~المكذبين سيفك بأمرنا، وتقتل من خالفك بتأييد ذكرنا، وكذلك فعل سبحانه به ~~وبهم في عاجل الدنيا. # --- PageV02P010 ثم أخبر عز وجل بما أعد لهم من بعد ذلك في الآخرة التي تبقى فقال:{إن لدينا ~~أنكالا وجحيما} ومعنى {لدينا} فهو عندنا، ومعنى {أنكالا} فهو التنكيل ~~بالأغلال والعذاب الوبيل، {وجحيما} فهي النار، ومعنى جحيم: فهي المجحمة لمن ~~قاربها، ومعنى مجحمة: فهي الغالبة المهلكة من ذلك ما تقول العرب: أحجم فلان ~~من فلان، أي هرب منه، وعجز عنه، وتقول العرب: أحجم فلانا إذا غلبه وقهره ~~فسمى الله سبحانه النار جحيما، يلقى أهلها منها من الإجحام لهم والأمر ~~العظيم النازل بهم. # {وطعاما ذا غصة} فهو الزقوم، الذي ذكر الله أمره، والغصة: فهي الواقفة في ~~الحلق، يقول: لا ينزل ولا يخرج بل يغص به صاحبه، ويقف في حلق آكله، وهو أشد ~~ما يكون على الآكلين إذا وقف طعامهم في حلوقهم فلا ينحدر مستسفلا نازلا، ~~ولا يرتفع صعدا خارجا، بل يكون غصة في الحلق ثابتة، وبلية فيه نابتة ~~{وعذابا أليما} يقول: عذابا شديدا، دائما عتيدا. # ثم قال سبحانه:{يوم ترجف الأرض والجبال} وذلك اليوم فهو يوم القيامة، ~~فأخبر سبحانه أن هذا الطعام والعذاب يكون بأهله في يوم ترجف الأرض والجبال، ~~وذلك اليوم فهو يوم القيامة، وحين الحسرة والندامة، ورجوف الأرض والجبال ~~فهو زعزعتها وحركتها لما يريد الله سبحانه من إهلاكهما بذهابهما. # {وكانت الجبال كثيبا مهيلا} يقول: صارت الجبال بعد ما هي عليه من ~~انعقادها ويبس صخرها وحجارتها كثيبا مهيلا، والكثيب فهو الرمل، والمهيل: ~~فهو المنهال الذي لا يمسك بعضه بعضا، فذكر سبحانه أن الجبال تصير بعد ما هي ~~عليه منهالا رملا، ثم تصير من بعد ذلك كالعهن المنفوش، فناء وذهابا. # --- PageV02P011 ثم احتج على هؤلاء المكذبين أصحاب القصة والعذاب الأليم بما أرسل إليهم ms0243 من ~~الرسل المكرمين فقال:{إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى ~~فرعون رسولا} يريد سبحانه أنا أرسلنا إليكم رسولا لتؤمنوا به وتتبعوه ~~فكفرتم ولم تسلموا، فكان شاهدا عليكم بفعله، قائلا بالحق غدا عليكم بحجته. ~~ثم أخبر أنه صلى الله عليه وعلى آله في التبليغ إليهم والأداء كموسى صلى ~~الله عليه الذي هم به مقرون، أنه كان رسولا إلى فرعون فأخبره أن سبيله عليه ~~السلام كسبيل موسى عليه السلام في فرعون، أنه ينزل بهم من العذاب على ~~العصيان لمحمد صلى الله عليه وآله ما نزل بفرعون في عصيانه لموسى عليه ~~السلام ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} ~~يقول: عذبناه عذابا وبيلا، والوبيل: فهو الشديد الثقيل. # ثم قال سبحانه:{فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا} يقول ~~سبحانه: {فكيف تتقون} أي كيف تعتذرون وتخافون وتتقون ربكم غدا في هذا اليوم ~~الذي يشيب فيه الولدان، فهو يوم القيامة {إن كفرتم} اليوم في دنياكم التي ~~هي دار عمل وبلاء، والآخرة دار ثواب وجزاء يريد سبحانه بهذا القول أن من ~~كفر في هذه الدنيا لم يكن ليؤمن في الآخرة ولا يجد إلى ذلك سبيلا، فدلهم جل ~~جلاله عن أن يحويه قول أو يناله على أن العمل في الدنيا دون الآخرة، وأن ~~الآخرة دار الجزاء دون الدنيا فإنه لا عمل إلا في الدنيا، وأنه من كفر في ~~الدنيا لم يؤمن، ويتق في الآخرة، وهو اليوم الذي يجعل الولدان شيبا، ومعنى ~~{يجعل الولدان شيبا} لما ينزل بهم من هوله وعظيم ما يعاينون من أمره، فتشيب ~~رؤوسهم من فزعه، وتشتمط من مدلهمات عجائبه. # --- PageV02P012 {السماء منفطر به} يقول سبحانه: إن السماء تنفطر فيه فقامت {به} مقام فيه ؛ ~~لأنها من حروف الصفات، وبعضها يخلف بعضا، فأراد سبحانه أن السماء منفطر في ~~ذلك اليوم الذي جعل الولدان شيبا، وهو يوم القيامة، وانفطارها فهو ذهابها ~~وتقطعها وانقضاؤها، وقوله {منفطر به} فهي لغة لبعض العرب تطرح الهاء من ~~المؤنث، فخرج الإسم مذكرا تدعو كل مؤنث مذكرا، وهي ms0244 في طي خاصة، ثم لغيرهم ~~عامة، ألا تسمع كيف يقول:{كان وعده مفعولا} يريد أن كل وعد وعد الله أو ~~وعيد كفلق الصبح، وكائن غير مخلف من انفطار السماء وعذاب المعذبين. # ثم قال:{إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} يريد أن هذه الأقاويل ~~التي نقولها، والوعد والوعيد الذي نشرحه هو تذكرة للعالمين، وتنبيه لجميع ~~المخلوقين {فمن شاء} قبل ذلك وخافه ف {اتخذ إلى ربه} قبل وقوعه أي قبل وقوع ~~ذلك اليوم {سبيلا} والسبيل: فهي الوسيلة والطريق بما يكون منه من طاعة ~~لربه، في أيام حياته، وقبل مواقعة وفاته. # ثم رجع سبحانه إلى ذكر أوقات الصلاة المذكورة التي ذكرها في أول السورة ~~فقال:{إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من ~~الذين معك} فأخبر سبحانه أنه يعلم أوقات قيامه عند وقت ضرورته، وعندما يكون ~~منه ومن المؤمنين من الأمور التي تمنعهم من أداء الفرض في أول الليل من ذلك ~~ما ذكر عنه صلى الله عليه وآله من صلاة العشاء والعتمة بمكة، وقد غربت ~~الشمس بسرف من بر الظهران، وذلك لما فيه من شغل السفر، ومعنى {طائفة } فهي ~~جماعة {ممن معك }وقوله:{طائفة} فهي تدل على ما قلنا به من أوقات الصلاة ~~لأهل العلات ؛ لأنه قال:{طائفة} ولم يقل كل من معك، فدل على أن من كان ذا ~~مرض أو خوف أو ذا سفر أو حرب معذور في تأخير صلاة أول الليل إلى بعضه. # --- PageV02P013 ثم قال:{والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} يريد ~~{تحصوه} تثبتوا على وقت واحد وتحيطوا به دون سائر الأوقات، فعلم سبحانه ~~أنهم كلهم لن يقدروا على أداء الفرض في وقت واحد مع ما فيهم من العلات التي ~~ذكرنا ووصفنا، فمنهم عليل ومنهم مسافر، ومنهم خائف، ومنهم آمن، فالآمن يصلي ~~في أول الليل، وطالب الماء يصلي إذا وجد الماء في أي أجزاء الليل وحده، ~~وخائف يصلي عند انقضاء خوفه في نصف الليل أو آخره، ومريض يؤدي ما فرض الله ~~عليه في وقت افاقته ms0245 في آخر ليله، وفي نصفه أوفي أوله أوفي ثلثه، فهذا معنى ~~قوله:{أن لن تحصوه} يقول سبحانه: علم أنكم كلكم لن تقدروا على إحصاء وقت ~~واحد والثبوت عليه، لما فيكم من هذه الأسباب العارضة لكم فيه. # ثم قال سبحانه:{فتاب عليكم} يقول: هون عليكم ورخص لكم ولم يجعل في ذلك ~~عليكم حرجا، ولم يلجئكم فيه إلى شدة من الملجأ فيكلفكم فوق طاقتكم في أن ~~يجعل الوقت واحدا لصلاتكم فيكون في ذلك شدة واستقصاء على من كان في حالة ~~واحدة مما ذكرنا من الشدة والبلاء. # --- PageV02P014 ثم أمرهم سبحانه أن يقرأوا في صلاتهم ما تيسر من القرآن من قليل أو كثير ~~على قدر طاقتهم، وتصرف أحوالهم فجعل قليل القرآن مجزيا لمن كان لصلاته ~~مؤديا، ولم يشدد عليهم في شيء من أمورهم، ولم يحرجهم في حدود منه، ألا تسمع ~~كيف يقول سبحانه فيما ذكرنا من حالات المصلين وألوان عللهم حين يقول ~~سبحانه:{علم أن سيكون منكم مرضى} فذكر ما ذكرنا من المرضى، ثم قال:{وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} فذكر الذين شرحنا من المسافرين ~~والضاربين في ارض الله المتوجهين، ثم قال:{وآخرون يقاتلون في سبيل الله} ~~فذكر الذين ذكرناهم ووصف بالقتال الذين وصفناهم بالمصافة لعدو الرحمن، ~~والمحاربة لمن حارب الدين والقرآن، فدل بذلك على أنه سبحانه لم يحمل أهل ~~هذه الصفات على وقت واحد، ولم يضيق عليهم في ذلك الواحد الماجد لما علم من ~~عجزهم مع ما هم فيه من شغلهم عن مثابرتهم عن وقت واحد دون غيره من أوقات ~~الليل الموقتات اللواتي في هذه السورة مذكورات موصوفات. # (/6) # --- PageV02P015 وإنما موضع ذكر ما ذكر الله من قوله:{علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون ~~في الأرض يبغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} مقدم غير أنه ~~أخره إلى هاهنا، وموضعه في أول السورة، معناه: {يا أيها المزمل قم الليل ~~إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} {علم أن ~~سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ms0246 وآخرون يقاتلون ~~في سبيل الله}، فهاهنا موضع ذكر الأحرف ؛ لأنه سبحانه جعل ما جعل من الرخصة ~~في هذه الأوقات لصلاة فريضة الليل من العشاء والعتمة، فسمى هذه الأوقات من ~~الليل لمن كان من المرضى والمسافر والمجاهدين، وكذلك من لم يجد ماء إلى بعض ~~هذه الأوقات، وكذلك المغمى عليه والخائف والمشغول بأمر عظيم من أمر الله ~~يخشى من تركه بعض الفساد على الإسلام، ويرجو تنفيذه وأثرته نجاحا في صلاح ~~الإسلام، ولا ينبغي لصحيح سالم مما ذكرنا أن يخلف صلاة العشاء والعتمة عن ~~ناشئة الليل التي ذكر الله فضلها وجعلها وقتا لصلاة أهل السلامة من هذه ~~الأشياء. # (/7) # --- PageV02P016 ثم رجع إلى ذكر التيسير عليهم وترك التعسير في شيء من فروضهم فقال سبحانه ~~وجل عن كل شأن شأنه:{فاقرأوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~فأمرهم بأن يقرأوا ما تيسر من القرآن لهم، وأن يقيموا ما افترض من صلاتهم ~~عليهم، ومعنى {أقيموا الصلاة} فهو أقيموا حدودها وأوقاتها، وأتموا ركوعها ~~وسجودها وما أمر الله سبحانه فيها من قراءة القرآن، وذكر الرحمن من تسبيح ~~وتكبير وتهليل وتوقير، فمن أدى هذه الشروط في الصلوات فقد أقام ما أمر الله ~~به من حدودها المفروضات، ومعنى {وآتوا الزكاة} فهو أدوا الزكاة، وادفعوها ~~إلى أهلها، وسلموها، ومعنى الزكاة: فهو ما جعل الله من أداء عفو أموالهم ~~فسمى الله ذلك وإخراجه منهم تزكية وتطهرة لهم، فجعل من أدى ذلك زاكيا، ~~وسماه لماله مزكيا، وإنما سمي ذلك زكاة ؛ لأنه يزكي الأبدان، وتزكية ~~الأبدان: فهو تطهرتها من الغلول والعصيان، وما نهى الله من حبسها جميع كل ~~إنسان، فكان تسليمها لله طاعة، وكانت طاعة الله في ذلك تزكية لمن فعله، ~~وتطهرة. # ثم قال سبحانه:{وأقرضوا الله قرضا حسنا} ومعنى قوله:{وأقرضوا الله} فهو ~~أسلفوا الله، أي افعلوا لله ما تثابون عليه وتعطون من الثواب الجزيل فيه، ~~وإنما سماه الله قرضا وسلفا ؛ لما أن كان سبحانه لمن فعل ذلك مجازيا فجاز ~~أن يسميه سلفا وقرضا ؛ إذ كان منه الجزاء لفاعله حكما وفرضا، فشبهه بالسلف ~~الذي لابد من ms0247 قضائه، وتسليم مثله إلى صاحبه وإعطائه، فعلى هذا جاز أن يسمى ~~ما تقرب به إليه سلفا ؛ إذ كان بالمجازاة لهم عليه مرصدا ومضاعفا، وكان ~~حكمه بالمكافأة لهم في ذلك ماضيا. # --- PageV02P017 ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} يقول ~~سبحانه: ما تعطوا وتخرجوا وتنفقوا في سبيل الله وتسلفوا تجدوا عند الله ~~ثوابه والمكافأة عليه، والمجازاة منه سبحانه فيه، ألا ترى كيف يقول ~~سبحانه:{لأنفسكم} فأخبر عز وجل أن جزاء ذلك أن لا يكون لغيرهم، وأن منفعة ~~ما ينفقون في أمر الله لا يكون إلا لهم، وأنهم سيجدون ثواب ذلك وأجره عند ~~الله موفرا لهم. # والخير الذي قال الله:{هو خيرا وأعظم أجرا} يعني بقوله:{وخيرا} أي تقدمته ~~لأنفسكم إلى الله خير من إمساكه عن الإنفاق في طاعة الله {وأعظم أجرا} ~~يقول: أحسن ثوابا في عاقبته لكم، وأجزل حظا فيما ترجون من عائدته عليكم. # ثم قال سبحانه:{واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} فأمر الخلق بالإستغفار ~~لله، ومعنى {استغفروا} فهو توبوا وارجعوا، وهو أمر من الله الغفار بإخلاص ~~التوبة إلى ذي الجلال والإكرام بالقول والعمل، لا بالقول دون العمل، فبين ~~لهم سبحانه أن الإستغفار لا يكون بالقول المقول دون العمل المعمول، وأنه ~~بالعمل والقول {إن الله غفور رحيم} يقول: إن الله تواب على من تاب غفور لمن ~~أناب رحيم لمن راجع وأجاب، ثم رجع وعن المعاصي لله سبحانه نزع، وأمره ~~سبحانه في كل حال اتبع، كما قال سبحانه:{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى}. # --- PageV02P018 ### || AUTO تفسير {سورة قل أوحي} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # معنى قول الله تبارك وتعالى:{قل أوحي إلي} معنى {قل} أي خبر واذكر {أوحي ~~إلي} أي انزل علي وأخبرت {أنه استمع} أي حضر واستمع قولي وقراءتي {نفر من ~~الجن} فهي جماعة من الجن، والجن فهم الشياطين {فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا} معنى {فقالوا} أي ذكروا وأخبروا، ومعنى {إنا} هو إخبار عما كانوا ~~معهم، ومعنى {سمعنا} أي وقع في آذاننا كلام وسمعناه {قرآنا} فهو كتاب الله ~~الذي سمعت ms0248 الجن من رسول الله {عجبا} أي جيدا محكما بين الهدى. # --- PageV02P019 {يهدي إلي الرشد} يقول: يدل بها على الرشد ويوضحه ويبينه ويشرحه {فآمنا به} ~~يقول: صدقنا به أنه من عند ربنا، وأن الذي جاء به نبيئا {ولن نشرك بربنا ~~أحدا} أي لا نكفر بربنا ولا نشركه معه في طاعته ولا العمل إلا له خالصا، ~~ومعنى أحد أي يقول خلقا صغيرا ولا كبيرا. # {وأنه تعالى جد ربنا} فمعنى {تعالى} هو تقدس وعلا وعظم عن مشابهة شيء من ~~الأشياء، ومعنى {جد ربنا} أي أمر ربنا وفعله، يقول تعالى أمره وعظم شأنه، ~~ومعنى {ربنا} هو مالكنا وخالقنا. # --- PageV02P020 {ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} فهو إقرار من الجن بتوحيد الله سبحانه وشهادة ~~منهم أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ومعنى {اتخذ} فهو جعل وأعد، ومعنى ~~{صاحبة} فهو الزوجة التي يسكن الزوج إليها، وينتفع في كل الحالات بها، ~~والولد: فهو الذي يخرج من الأب ومن الزوجة معا، فأخبر الله سبحانه عن مؤمني ~~الجن بما شهدوا به من شهادة الحق، وما قالوا به في الله من قول الصدق، ومن ~~أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وكيف يتخذ جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله، ~~وتعالى عن قول المبطلين شأنه صاحبة أو ولدا، وإنما يحتاج إلي الصاحبة ~~المجعول المؤلف المتولد الذي كان من الصاحبة والوالد، فأما من لم يكن من ~~صاحبة ولا والد فلن يكون له صاحبة ولا ولد، بل هو الواحد الدائم الأحد ~~الفرد القدوس القديم الصمد الذي لا يشبهه أحد، ويغيره الأبد، فذلك الله ~~الواحد الفرد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد، وهذا القول كان من ~~الجن لما أن سمعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقرأ القرآن في صلاة ~~الصبح يوما من الأيام، وذلك أن الله سبحانه صرف إليه نفرا من الجن استمعوا ~~ما يتلو فيؤدوه إلي جميع الجن ليكون ذلك دعوة منه لهم، واحتجاجا منه عليهم، ~~وذلك قوله سبحانه:{وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} فأتوا إلي ~~رسول ms0249 الله صلى الله عليه وآله فلما أن سمعوا ما يتلو من كتاب الله قالوا ما ~~ذكر الله من هذا القول، والإيمان به والتصديق له، والإقرار برسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم فقبلوا ذلك بأحسن قبول يكون من القابلين، ثم تولوا ~~إلي قومهم منذرين، ثم كان من إقرارهم على سفهائهم الجاحدين به بحجج نبيئهم ~~بالكفران والشطط والعصيان، وذلك قولهم: # --- PageV02P021 {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا} ومعنى {كان يقول} أي لم يزل يقول ~~{سفيهنا} أي كافرنا {على الله شططا} فهو كذبا وزورا وباطلا وأمرا جسيما ~~جليلا ؛ لأن الشطط في كل معنى هو الأمر الصعب العظيم. # {وأنا ظنا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} ومعنى {ظننا} أيقنا، ~~ومعنى {أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} أي أن شرار الإنس والجن ~~يقولون على الله الكذب، ولن هاهنا حشو وتزيين للكلام. # {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} فهذا إخبار ~~من الله عز وجل عمن كان من الإنس يعوذون بالجن، ومعنى {يعوذون} فهو يلوذون ~~ويستجيرون {فزادوهم رهقا} أي فزادوهم أثما وبلاء، ولم ينفعوهم في شيء من ~~الأشياء التي طلبوا منفعتهم فيها، ليزدادوا بفعلهم رهقا، والرهق: فهو ما ~~ذكرنا من الإثم عند الله والضرر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا ~~نزلوا واديا أو فضاء من الأرض في مجمعة أو سفر، قالوا عند وقت نزولهم وحطهم ~~لرحالهم: إنا نعوذ بكبراء أهل هذا الوادي وسكانه من الجن من شر شرارهم، ~~فكانوا كذلك فيعوذون بالجن ويتركون التعوذ بالله، فأخبر الله سبحانه أن ذلك ~~يزيدهم إثما وبلاء وجرما، ولا يرون به منفعه ولاخاء، ومعنى {فزادوهم رهقا} ~~أي زادوهم بتعوذهم اثما وبلاء. # {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} معنى {وأنهم ظنوا} فهم ~~سفهاء الجن كانوا يظنون كما يظن أهل الجاهلية من الإنس {أن لن يبعث الله ~~أحدا} أي أن لن يبعث الله رسولا اليهم، فكانوا في الإنكار للرسل هم وسفهة ~~الإنس سواء، حتى جاءهم من الله البيان، ms0250 ووضح لهم الحق بأوضح البرهان، ومعنى ~~{يبعث} فهو يرسل رسولا يحتج بحجته، ويدعو الثقلين الى طاعته. # --- PageV02P022 {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا} فمعنى {لمسنا السماء} ~~أي حسسناها واستخبرنا خبرها، وجاورناها لنعلم خبر أمرها ماهذا الذي حدث ~~فيها؟ {فوجدناها} أي وجدنا من أمرها وخبرها أنها {ملئت حرسا} ومعنى {ملئت} ~~أي جعل فيها كلها حتى أحصيت، والحرس: فهم الملائكة صلوات الله عليهم الذين ~~يحرسون مقاعد السماء وأقطارها من مردة الجن وشياطينهم لكي لايأخذوا شيئا من ~~أخبارها، ومعنى {شديدا} فهو قويا حافظا {شهبا} فمعناها: نجوما متوقدة، جعلت ~~لهم رجوما، وإنما سميت شهبا لتوقدها وتلهبها، فشبهت بالمنار في توقدها، ~~وهذه النجوم فلم يكن يرمى من قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وتنبأ ونزل عليه من الله الوحي حرست ~~السماء ممن كان يقعد من مردة الشياطين في مقاعدها، وتسمع أخبار ملائكتها ~~فتنزل به الى اخوانهم من كهنة الأرض، فأراد الله تبارك وتعالى أن يبطل ~~أخبار الكهنة حتى لايعلم أحد من أهل الأرض شيئا من أخبار السماء، فمنع ~~سبحانه الشياطين من استراق السمع بهذه الشهب التي تقذفهم الملائكة بها، ~~التي حرسها سبحانه عليهم وأمرها بهم، كرامة منه لنبئه صلى الله عليه وعلى ~~آله، وحياطة لوحيه لئلا ينزل الى الأرض من علم السماء شيء إلا على لسان ~~نبيئه صلى الله عليه وعلى آله، وقد كانت الشياطين تسترق من أخبار الملائكة ~~وتخابرها بينها بما يأتيها من الله ربها من أمره لها بما يكون من سقي ~~البلاد وغيره من اخبار مايأمر الله به ملائكته تتخابر به الملائكة بينها في ~~السماء الدنيا، فتسترقه مردة الشياطين، وتنزل به الى كهنة الأرض، فلم ~~يزالوا كذلك حتى بعث الله نبيئه صلى الله عليه وعلى آله فحجبت الشياطين عما ~~كانت عليه بهذه النجوم التي تقذفها بها عند طلبها ماكانت عليه من استماعها، ~~ألا تسمع كيف قالت الجن عند ذلك: # --- PageV02P023 {وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا ms0251 رصدا} فأخبر ~~أنها كانت تقعد من السماء مقاعد، والمقاعد: فهي المواضع التي يصعد فيها من ~~يقعد فيها للإستماع، ثم قال:{فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} يريد فمن ~~يقعد الآن للإستماع يجد له شهابا رصدا، يقول: يجد له نجما منها رصدا، أي ~~مستعدا، فيقذف به عندما يكون من مداناته. # ثم قالوا عندما عاينوا من تلك الشهب المستعدة لهم الراصدة لمن طمع ~~بالإستماع بعد مبعث محمد صلى الله عليه وعلى آله منهم فقالوا:{وأنا لاندري ~~أشر أريد بمن في الأرض أم بهم ربهم رشدا} يقولون: لاندري أهذا الذي حدث من ~~أمر الله ألشر يريد أن يجعله في الأرض يهلك به أهلها، أم لرشد ينزله فيها ~~فيتفضل به على سكانها، والشر: فهو العذاب والبلاء، والرشد: فهو الخير ~~والرحمة والهدى. # ولعمري لقد جعل الله عزوجل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض كل ~~هدى وكل خير ورخاء. # ثم رجع الخبر الى قول النفر الذين صرفوا من الجن الى رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله فاستمعوا منه وذهبوا الى قومهم منذرين، فحكى قولهم وهو ~~قوله:{وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا} فأخبروا أن منهم ~~الصالحون، والصالحون: فهم المؤمنون، وأن منهم دون ذلك بقول دون المؤمنين، ~~ومن كان دون المؤمنين فهو من الكافرين. # ثم أخبر سبحانه عن أنفسهم أنهم في الأختلاف طرائق قددا، والطرائق: فهي ~~الألوان المختلفة والأشياء التي هي غير مؤتلفة، فأخبروا أنهم مختلفون في ~~المعرفة بالله والطاعة له فمنهم المؤمن التقي، ومنهم المنافق الردي، ومنهم ~~الكافر الغوي، وقددا فمعناها بددا، ومعنى بددا: أي شعوبا فرقا. # --- PageV02P024 {وإنا ظننا أن لن نعجز الله} فمعنى {ظننا} أي أيقنا {أن لن نعجز} ثبتت ~~هاهنا لن، ولم تثبت في قوله:{أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} أرادوا ~~أنهم موقنون أنهم لن يعجزوا الله في الأرض إن استتروا بها وكانوا تحتها، ~~وفي أكنافها، وأنهم لن يعجزوه هربا إن ذهبوا في الأرض هاربين، ومن مخافته ~~طائرين، فأقروا بقولهم ماقالوا من ذلك بقدرة الله عليهم، وأنه لامهرب ms0252 منه ~~إلا اليه، وأنه لن يعجز الله أحد ممن في الأرض ولاممن في السماء، لامن مقيم ~~ولاممن ذهب على وجهه هربا. # ثم أخبر بما كان منهم من القبول للهدى فقال:{وإنا لما سمعنا الهدى آمنا ~~به} والهدى الذي أخبروا أنهم سمعوه: فهو كتاب الله الذي قبلوه، ومعنى {آمنا ~~به} فهو صدقنا به {فمن يؤمن بربه} يقول: يصدق بقول ربه ووعده ووعيده فقد ~~آمن به حق ايمانه. # {فلا يخاف بخسا ولارهقا} يقول: لايخاف مع ايمانه بخسا، والبخس: فهو نقصان ~~الثواب، ونقص ماجعل الله للمحسنين على احسانهم، وقوله:{ولارهقا} يريد ~~ولايخاف من الله ارهاقا بعذاب ولاحكما عليه بإثم في شيء من الأسباب. # ثم قال:{وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون} فأخبر مؤمنوا الجن أن منهم ~~المسلمون في دينهم، ومنهم القاسطون في فعلهم، فأما المسلمون: فهم ~~المستسلمون لأمر الله القابلون له، وأما القاسطون فمعناها: العادلون بالله ~~غيره، والعادلون فمعناها: العابدون معه سواه، والمطيعون غيره، وا لعاصون ~~له، ومن العادلين المشبهون له، ومن العادلين المجورون له الذين عدلوا ~~بغيره، ومعنى عدلوه: أي شبهوه ومثله بخلقه. # ثم أخبر مؤمنوا الجن بما أخبرهم الله تصديقا لوعده ووعيده فقال:{فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا} يريد أي فعلوا صوابا وقبلوا هدى. # {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} يقول: صاروا بفعلهم وقودا لجهنم وحطبا ~~لها، أي تحرقهم وتوقد بهم، وفي ذلك مايقول الله سبحانه:{نارا وقودها الناس ~~والحجارة}. # --- PageV02P025 ثم انقضى قول مؤمني الجن، ورجع القول والخبر الى الله ذي القدرة والطول، ثم ~~قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه:{وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء ~~غدقا} يعني بالأستقامة بني آدم، يقول سبحانه: لو استقاموا على الطاعة لنا، ~~والطريقة: هي الأمر الذي افترضه الله عليهم، والطريق التي عليها أوقفهم من ~~طاعته وعبادته {لأسقيناهم} يقول: أنزلنا عليهم من السماء {ماء غدقا} ~~والغدق: فهو الكثير. # ثم قال:{لنفتنهم فيه} وبه فننظر شكرهم لنا عليه، أوكفرهم لنعمنا فيه ~~فأخبر أنهم لو كانوا على الحق ولزموه لرأوا من نعم الله مالن يحصون، وأنزل ~~عليهم من الماء مايحيي به بلادهم، وتكثر به ثمارهم، ms0253 ويزيد في أموالهم، ~~ويوسع عليهم نعمهم، ويشبع بطونهم كما قال سبحانه في غير هذه السورة:{ولو أن ~~أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (1) فأخبر سبحانه أنه ليس بين عباده وبين ~~كراماته إلا ماهم عليه من معاصيه، والأثرة لما لايرضيه. # ثم قال:{ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا} ومعنى {يعرض} عن ذكر ربه: ~~هو يترك ذكر ربه، ومعنى ذكر ربه فهو خوف ربه وطاعته {نسلكه عذابا} أي ندخله ~~فيه، وكذلك تقول العرب اسلك موضع كذا وكذا أي أدخل فيه وأمضه، وتقول: اسلك ~~الخيط في الإبرة، وفي ذلك مايقول الله تبارك وتعالى لموسى:{اسلك يدك في ~~جيبك تخرج بيضاء من غير سوء}(2) يريد أدخلها جيبك ثم أخرجها، ومعنى {صعدا} ~~فهو التعب الشديد، فشبه الله سبحانه هذا العذاب مع غيره من العذاب بالصعد ~~مع السهل على من سلكهما، والصعد فهو التصعيد في الجبل الشامخ الصعب ~~المنتصب. # (/6) # --- PageV02P026 ثم قال سبحانه:{وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} فأخبر عزوجل أن ~~بيوت الله ومساجده لله تبنى وعلى طاعته تبتدى، ثم نهاهم أن يدعوا فيها ~~غيره، ومعنى {تدعو} فهو تذكر وتعبد، فأمره الله بتوحيده واخلاص العبداة له، ~~وأمره له صلى الله عليه وآله فهو أمر لجميع الأمة، أمرهم الله أن يكونوا له ~~في العبادة كذلك، وأن لايفعلوا كما يفعل أهل الكفر والمهالك من اليهود ~~والنصارى الذين يشركون مع الله غيره عند اجتماعهم في كنائسهم وبيعهم ~~وأعيادهم وعبادتهم بزعمهم لعنهم الله لربهم، ويدخلون في تلك الكنائس ~~والبيع عبادة غير الله، وذكرهم المسيح والعزير وغير ذلك مما يأتون به ~~ويذكرونه في مواضعهم هذه من كفرهم. # ثم ذكر مايكون من الكفرة الفاسقين المحاربين لله ولرسوله عليه السلام ~~المعاندين عند قيام رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الله يدعو الله ~~ويوحده وينفي عنه كل ظلم وينزهه من الإجماع عليه بالقبيح من فعلهم، ~~وماكادوه به من كيدهم حتى صرف الله ذلك عنه وسلمه برحمته صلى الله عليه ~~وآله منه، فقال ms0254 عزوجل مخبرا بمنته على عبده فقال:{وأنه لما قام عبدالله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~لما قام يدعو الله ويوحده كاد مشركوا قريش أن يكونوا عليه لبدا، ومعنى ~~{كادوا} فهو أرادوا وهموا ولم يفعلوا إذ لم يقدروا و{يكونون عليه لبدا} أي ~~فهم يغشونه جميعا معا حتى يقعوا بأنفسهم عليه، ويبلغوا ماأملوا فيه من ~~الهلكة التي صرف الله سبحانه عن نبيئه تلفها، ومنعهم بعزته بلوغها، وذلك من ~~قريش وغيرهم ممن تبهم كفرا بالله وحسدا لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~فأرادوا أن يرموه بأنفسهم معا ؛ لأن يجتثوه من الأرض اجتثاثا فيستأصلوا ~~شأفته صلى الله عليه وعلى آله استئصالا غضبا عليه في طاعة الله، ومشاقة ~~وكفرا منهم بالله. # (/7) # --- PageV02P027 وقد قال غيرنا: إن الذين كادوا يكونون عليه لبدا هم مؤمنوا الجن الذين ~~استمعوا القرآن فكادوا يغشونه، ويطؤونه محبة منهم له وليس ذلك يصح في ~~البيان وليس هم إلا من ذكرنا من مشركي الإنسان، ألا تسمع كيف قال لهم ~~انكارا منه لفعلهم الذي كادوا أن يكون منهم:{قل إنما أدعوا ربي ولاأشرك به ~~أحدا قل إني لاأملك لكم ضرا ولارشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد ~~من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا} فدل هذا من قوله على أنه جواب واحتجاج على كل منكر ~~عليه في فعله، زار عليه في دعاء ربه، فاحتج عليهم بما تسمع، وليس هذا جواب ~~يصلح أن يكون لمن صدقه وآمن به واتبعه، وهذا فلا يغبى عند قراءة الآية على ~~ذي معرفة وعقل وتبصرة وتمييز بين الأمور ووقوف على الخير والشرور. # (/8) # --- PageV02P028 وقوله:{أدعو ربي} أي أسأله وأخلص الديانة له، وقوله:{ولاأشرك به أحدا} يريد ~~لاأشرك به في دعائي وتعبدي له أحدا {ألا} معناها: لاأقدر لكم أيها المنكرون ~~علي في عبادة ربي {ضرا ولارشدا} يقول لوكنت أملك لكم ضرا لضررتكم، ولكن ~~الضار المرشد الذي هو ربكم وربي، ثم قال:{قل إني لن ms0255 يجيرني من الله أحد} ~~يقول: لوعندت عن دينه وأطعت غيره لم أجد من دونه من يجيرني منه فكيف أعدل ~~عنه كما عدلتم إذا لهلكت كما هلكتم {ولن أجد من دونه ملتحدا} يقول: إذا لم ~~أكن أجد من دونه ملجأ ولامفرا ولاملتحدا ألتحد فيه، ومعنى {ملتحدا} فهو ~~موضعا ومستندا ومكانا يلجأ اليه من عند. من ذلك ماتقول العرب: الحد اللحد ~~للميت، أي اجعل له موضعا يلجأ اليه وينحز عن متراكم التراب فيه، أي ينحاز ~~عن التراب اليه ويهرب منه فيه، ويتحجر به عنه، وفي ذلك مايقول الله ~~سبحانه:{لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين}(1) فقال:{يلحدون ~~اليه} يريد يسندون اليه، وزعمون أن محمدا مسند اليه متعلم منه، ملتجيء اليه ~~في أمره. # ثم قال سبحانه:{إلا بلاغا من الله ورسالاته} يريد سبحانه أنك لاتجد ~~ملتحدا ولاملجأ من الله ولامخلصا يخلصك من عذابه {إلا بلاغا من الله ~~ورسالاته} يريد بقوله:{بلاغا} إلا تبليغك عن الله رسالاته، وصبرا على أمره، ~~ومضيا على طاعته، واصطبارا على حكمه، فإن هذه الأشياء هي البلاغ من الله ~~إذا فعلته فهو المجيرلك من عذاب الله، والملتحد: الذي يلتحد اليه ويلجأ من ~~امر الله وينجى من عذابه، ولن ينجيك غير طاعة الله من عذابه. # ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا} فأخبر سبحانه أن من يعص الله ورسوله فإن الله قد جعل مأواه ~~جهنم، ومعنى {له نار جهنم} أي أي أنها له قرار ومنزل، ومعنى {خالدين فيها ~~أبدا} أي فهم مقيمون فيها أبدا، ومعنى {أبدا} فهو دائم سرمد لاغاية له ~~ولاأمد. # --- PageV02P029 {حتى إذا رأوا مايوعدون} يقول: حتى إذا عاينوا وأبصروا ماكانوا يوعدون من ~~الوعيد الذي كانوا به يكذبون وهو العقاب والحساب الذي به يجزون. # ثم قال:{فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} يقول سبحانه:{فسيعلمون} أي ~~فسيرون ويبصرون ويوقنون ويعرفون {من أضعف ناصرا} أهم أم محمد صلى الله عليه ~~وعلى آله ؛ لأن ناصرهم الشيطان، وناصر محمد الرحمن، فهذا تقريع من الله لهم ~~وتبكيت بضعفهم، وضعف ms0256 ناصرهم، واعلام منه أنهم إنما يعبدون من ينفعهم ~~ويطيعون من يضرهم إن أراد ضررهم، وأنهم إنما يعبدون من هو أضعف منهم ممن ~~عبدون من دون ربهم {وأقل عددا} يقول: أقل عاضدا له، وقائما معه، وكارها لما ~~كره وساخطا لما سخط، أمحمد صلى الله عليه وعلى آله أقل مواليا أم أنتم، ~~ومحمد صلى الله عليه وآله فالموالون له الملائكة المقربون، وجميع المؤمنين ~~من الثقلين. # وقد يحتمل أن يكون معنى الآية مثلا ضربه الله لهم يخبرهم فيه أنه تبارك ~~وتعالى أقوى على نصر أوليائه منهم على نصر أوليائهم، وقوله:{أقل عددا} يريد ~~أقل جندا وأولياء وطاعة وخدما وأنفذ أمرا في كل ماأراد وشاء تبارك وتعالى. # ثم قال سبحانه:{قل إن أدري أقريب ماتوعدون أم يجعل له ربي أمدا} فأمره ~~سبحانه أن يقول لهم: إنه لايدري متى يوم القيامة، ولاكم بقي من الدهر ~~اليها، ولامتى يكون ذلك اليوم الذي يوعدون فيه مايوعدون من العذاب الأليم ~~والخلود في الهوان المقيم، أراد بذلك اعلامهم أن العلم لله وعنده، وأنه ~~لايعرف أمد ذلك اليوم ولاوقته، ومعنى قوله:{إن أدري} أي أعلم، ومعنى ~~{أقريب} أي أدان ماتوعدون {أم يجعل له ربي أمدا} يقول: أم يطول ربي أمده، ~~ويبعد كينونته ومجيئه، علم ذلك كله عند الله لايعلمه سواه، ومعنى {أمدا} ~~فهو طولا وانساء وتأخيرا، الى أي الأوقات شاء. # --- PageV02P030 {عالم الغيب} والغيب: هو ماغاب واستتر واستجن فلم يظهر {فلا يظهر على غيبه ~~أحدا} يقول: لايطلع على ماعنده من العلم أحدا {إلا من ارتضى من رسول} يقول: ~~إلا من اختار لوعده وغيبه وتبليغ رسالاته، فإنه يطلع ذلك الذي يختاره على ~~مايشاء من علم غيبه ومايعلمه من أسباب خلقه. # {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} يقول سبحانه: يجعل من بين يديه ~~ومن خلفه حفظة يحفظون أمره، وهم الذين قال الله سبحانه:{عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد} (1) فليس رسول مرسل ولاعامل يعمل إلا وعن يمينه وعن يساره من ~~يحفظ عليه من بين يديه ومن خلفه ماعمل، ويحصي عليه مافعل، وكذلك أخبر الله ~~سبحانه أنه ms0257 يجعل من بين يدي من ارتضى من خلقه حفظة يحفظون عليه، ويشهدون له ~~بالفلاح والنجاح، والأداء والنصيحة، ومعنى {رصدا} أي فهم يحفظون حفظا، ~~وينتظرون مايكون من فعله، ويترقبون مايأتي منه من التبليغ والصبر والإجتهاد ~~ليشهدوا له بذلك في يوم المعاد. # وقد يمكن ويكون والله أعلم وأحكم أن يكون معنى قوله:{يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا} فهو جعل من الله مع من ارتضى من التوفيق والتسديد والمعونة ~~والتأييد مايحفظه الله به من الزلل والخطأ وغير ذلك من الأعداء فيكون شبه ~~ماجعل معهم من التوفيق والتسديد بالراصد لمن يرصد من حفظة العبيد، بل يكون ~~ذلك من الله حفظا هو أحوط من الراصد المتحفظ، وضرب لهم هذا مثلا بينا ~~ليعلموا ماحفظ الله لمن اختار من خلقه وتنبأ. # {ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم} يقول سبحانه: ليكون منهم في التبليغ ~~أمر وصبر وحزم وفعل يعلم الله أنهم قد فعلوا وصبروا عليه وصمموا فيه من ~~تبليغ رسالات ربهم الى خلقه، فيقع علمه بأنهم قد فعلوا، ويكون فعلهم نافذا ~~بما أمروا، فهذا معنى {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم}. # --- PageV02P031 {وأحاط بما لديهم} فأخبار منه سبحانه أنه محيط بما لديهم، ومعنى أحاط فهو: ~~علم وأحصى، ومعنى {لديهم} فهو عندهم {وأحصى كل شيء} فمعنى أحصى: هو أحاط ~~وحفظ كل شيء يكون من الأشياء التي لايؤوده حفظها، ومعنى {عددا} فهو أحصى ~~لكل شيء وأحاط به على وجهه حتى يكون كل شيء مثبتا عنده حرفا حرفا كما ثبت ~~العدد في يد العاد تثبيتا، ويعقده بيده واحدا واحدا، فأخبر سبحانه أنه محيط ~~بما عند رسله عالم به، وعند غير رسله، وأنه محص لكل شيء يدركه من الأشياء، ~~وإحاطته بها كما يكون احاطة من حسب شيئا لما يحسبه ويبينه ويعقده في يده ~~ويعرفه، فمثل لهم سبحانه حفظه بعدد الأشياء ومعانيها بما يعرفون من حفظ ~~ماعقد باليد وحسب ؛ لأن احفظ مايحفظون وأبين مابه يعرفون حساب كل شيء ~~ومبلغه هو بالعدد والإحصاء والحساب والإستقصاء. PageV02P032 ### || AUTO تفسير {سورة نوح} # بسم الله الرحمن الرحيم} # (1) [الحمد ms0258 لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته ~~الطيبين وسلم تسليما قال يحي بن الحسين:] # قول الله تبارك وتعالى {إنا أرسلنا نوحا} أي نحن أرسلنا نوحا، وهو اخبار ~~من الله عزوجل بأنهأرسل نوحا {الى قومه} وقومه: فهم عشيرته وأهل بلده. PageV02P033 # {أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} معنى {أن أنذر قومك} فهو اخبار ~~من الله أيضا عما أمر به نبيئه صلى الله عليه وآله من انذار قومه، ~~والإنذار: فهو التحذير والإخبار والتخويف بوعيد الله والإنذار {من قبل أن ~~يأتيهم} يقول: أنذرهم وقوع العذاب قبل اتيانه لهم وهجومه عليهم، فأخبرهم ~~أنهم إن تابوا صرف عنهم وإن أقاموا على المعاصي واقعهم، والأليم: فهو ~~الشديد الذي نزل بهم من الغرق وشدة العذاب والرهق. # {قال ياقوم إني لكم نذير مبين} فهذا قول نوح صلى الله عليه لقومه فأخبر ~~الله سبحانه بتبليغ نوح عليه السلام ماأمر به من الرسالة من الإعذار اليهم، ~~والإنذار، والنذير: فهو المبلغ المحذر لأمر قبل أن يقع، فكان نوح صلى الله ~~عليه نذيرا من الله لقومه محذرا لهم ماواقع من كان قبلهم من القرون الماضين ~~من عذاب الله المهين، وقوله:{مبين} فهو المظهر لأمره المنير القول، المبين ~~لهم حقيقة ماأنذرهم الصادق في قوله:{أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون} معنى ~~{أن اعبدوا الله} أي جئتكم نذيرا مبينا لأن تعبدوا الله فطرح اللام فبقيت ~~أن اعبدوا الله، والعرب تستعمل ذلك تقول: جئنا أن ترفدنا، تريد لأن ترفدنا، ~~تطرح اللام وهي تريدها، فخرج الكلام كأنه خبر وهو ايجاب. # ومعنى {اعبدوا الله} هو أطيعوا الله، وأقيموا ماافترض عليكم من فروضه ~~وأمركم به من أموره {واتقوه} معناها خافوه ولاتعصوه، وصدقوا وعيده ~~ولاتكذبوه {وأطيعون} يقول: وأطيعوني يغفر لكم، فطرح الياء، فقامت الياء الي ~~في يغفر مقامها، ومعنى أطيعوني: فهو اقبلوا قولي واستنصحوا أمري، ~~ولاتستغشوني وتعصوني فيما آمركم من طاعة ربي فتمادوا في معاصيه، والفعل ~~بمالايرضيه فتهلكوا بذلك وتدمروا. # --- PageV02P034 ثم قال صلى الله عليه:{يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى أجل مسمى} يقول: إن ~~أطعتموني فاتبعتم ms0259 رضا الله، وتركتم معصيته غفر لكم بذلك من ذنوبكم، ومعنى ~~قوله:{من ذنوبكم} هو يغفر لكم من نذوبكم ماكان مهلكا من كبائرها ومحققا ~~عليكم الوعيد منها {ويؤخركم} يقول: يدفع عنكم العذاب الذي نزل بكم عند ~~معاصيكم حتى تبلغوا الأجل الذي سماه لكم، وجعله سبحانه غاية على السلام ~~لحياتكم ؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل للعباد أجلا على الطاعة، ثم هو سبحانه ~~المتولي في ذلك للعقوبة، فإن شاء عاجلهم بالعقوبة فقطع آجالهم بالمعصية ~~التي كانت منهم، فلم يبلغوا ماأجل الله لهم من الأجل على الطاعة إذ لم يكن ~~منهم الطاعة، فنزل بهم العقاب فقطع مدتهم عما وقت لهم من الآجال على الطاعة ~~لهم، وقوله:{مسمى} فمعناه: أي معروف مجعول. # --- PageV02P035 {إن أجل الله إذا جاء لايؤخر لوكنتم تعلمون} معنى قوله:{إن أجل الله} يريد ~~صلى الله عليه أن عقوبة الله التي تقطع آجالكم إذا نزلت بكم لاتؤخر عنكم ~~الى الغاية التي جعلت لكم على الطاعة {لوكنتم تعلمون} يقول: لوكنتم تعقلون ~~وتفهمون ذلك، وتدرونه على حقيقة المعرفة، فأخبرهم بذلك أن الأجل عند الله ~~أجل أجله لهم على التوبة والإنابة، ولزوم الطاعة فأخبرهم أنهم إن كانوا ~~كذلك استوفوه، وإن عندوا عن الطاعة وارتكبوا المعصية نزل بهم العذاب القاطع ~~لهم عن بلوغ ذلك الأجل المؤجل لهم، الذي ذكرنا على الطاعة منهم، وهذا الأمر ~~الذي ذكرناه أنه ينزل من الله تبارك وتعالى بأعدائه فيهلكهم عند نسيانهم له ~~وايسافهم وإقدامهم على معاصيه واقترابهم من العذاب المهلك المستأصل فهو قول ~~نوح صلى الله عليه:{إن أجل الله إذا جاء لايؤخر لوكنتم تعلمون} أراد صلى ~~الله عليه أن عقوبته التي تقطع آجالكم إذا حقت عليكم بفعلكم لم يؤخر عنكم، ~~ولم يرد أجل السلامة الذي جعله أمدا لمن سلم من عقوبته، وهذا من فعل الله ~~سبحانه، وقتله بعذابه لمن قتل من أعدائه المستحقين لعقوبته كقتل بعض الناس ~~بعضا، فكأن الله عزوجل بما أنزل من الفاسقين من العقوبة والتهلكة قاطعا ~~لآجالهم التي أجلها على السلامة ؛ لأن الله تبارك وتعالى قد جعل في الخلق ~~استطاعة يقدرون بها ms0260 على المعصية والطاعة، وينالون بها قتل المقتولين، وغير ~~ذلك من ظلم المظلومين، والإحسان الى من أحبوا الإحسان اليه {ليهلك من هلك ~~عن بينة ويحي من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}. # --- PageV02P036 ثم أخبر سبحانه بقول نوح عليه السلام من بعد الإعذار والإنذار الى قومه، ~~وماكان من الصد منهم عن تذكيره، وقلة الإلتفات الى شيء مما جاء به من ربه ~~فقال:{إني دعوت قومي ليلا ونهارا} ومعنى {إني دعوت قومي} هو أني ناديت قومي ~~الى ربي، ودعوتهم الى طاعة خالقي {ليلا ونهارا} يقول: دعوتهم في الليل ~~والنهار اليك {فلم يزدهم دعائي إلا فرارا} يقول: لم يزدادوا بدعائي ربي ~~وإنذاري ودعائي واحتجاجي عليهم {إلا فرارا} يقول: اعراضا وصدودا واجتراء ~~علي واستهزاء بي. # ثم قال صلى الله عليه:{وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا} يريد بقوله:{كلما ~~دعوتهم} ليعملوا عملا صالخا تغفر به ذنوبهم، وتتجاوز عن سيئاتهم {جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم} يقول: سدوها بأصابعهم فأدخلوها في آذانهم لكيلا يسمعوا ~~قولي ودعائي اعراضا منهم عنك، وكفرا منهم سبحانك بك، وبغضا لما أدعوهم ~~اليه، واستثقالا لما أناديهم به {واستغشوا ثيابهم} يريد غطوا رؤوسهم ~~بثيابهم، وولوا مدبرين وهذا فعال يفعله كل من استثقل شيئا وكرهه، ولم يحب ~~أن يسمعه ولايعاينه، فكانوا يغطون رؤوسهم ووجوههم لئلا يعرفهم، فيدعوهم الى ~~ماكان يدعوهم اليه، ويحضهم من طاعة الله على ماكان يحضهم عليه {وأصروا} ~~يريد أضمروا المعصية وأقاموا على التكذيب، والإصرار على الشيء: فهو الإقامة ~~عليه {واستكبروا استكبارا} معناها تجبروا تجبرا، وخالفوا وعتوا تكبرا. # {ثم إني دعوتهم جهارا} يريد صلى الله عليه دعوتهم مباينة مكاشفة، ~~وناديتهم بالدعوة مناداة ظاهرة، لاأسترها على أحد منهم، ولاأخفيها عنهم ~~فهذا معنى {جهارا}. # (/6) # --- PageV02P037 {ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} يريد بقوله:{أعلنت لهم} أي أخبرتهم ~~بما ينزل عليهم من العذاب إن عصوا، أوداموا على ماهم عليه وعتوا {وأسررت ~~لهم} يريد كلمتهم في السر بذلك والعلانية ؛ لأن الإسرار هو الإخفاء، فيقول: ~~أخفيت دعائي واعذاري وإنذاري، وأعلنت به، وأتيت من تأكيد ms0261 الحجة عليهم في ~~ذلك على كل معنى، وأتيت من اكمال الحجة عليهم على الأقصى. # ثم ابتدأ بعدما أخبر به من اجتهاده في الدعاء لهم سرا وعلانية الخبر عن ~~قوله لهم قوله:{فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} معنى {فقلت} فهو أمرت، ~~ومعنى {استغفروا} أي توبوا وارجعوا، يقول: أمرتهم بالتوبة الى ربهم والرجوع ~~الى خالقهم {إنه كان غفارا} يقول: إنه كان للتائبين غفارا، وغفارا: فهو ~~غفور، والغفور: فهو العافي عما تقدم، تقول العرب: غفرت لك ذنبك، أي صفحت ~~عنه وتركته ولم أعاقبك عليه، ولم آخذك بالجزاء فيه. # {يرسل السماء عليكم مدرارا} أي أنكم إن تبتم ورجعتم الى الله سبحانه ~~وأخلصتم أرسل السماء عليكم مدرارا، وارسال السماء: فهو ارسال مافيها من ~~المطر لاإرسالها في نفسها، والسماء هاهنا: فهي السحاب الذي يكون في المطر ~~لاالسماء الخضراء التي هي السماء العليا، والعرب تسمي السحاب سماء تقول: ~~كانت على بلد كذا وكذا سماء حسنة، تريد سحابا حسنا، فقال سبحانه:{واسأل ~~القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا منها} فقال: القرية والعير، وإنما ~~أراد أهل القرية وأهل العير، ولاالقرية بعينها، ولاالعير، وكذلك تقول العرب ~~كلهم، وفي ذلك مايقول الله سبحانه:{وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} ~~فقال:{وأشربوا في قلوبهم العجل} والجل لاتشربه القلوب، وإنما أراد شربوا في ~~قلوبهم حب العجل، فطرح حب، وأقام العجل مقامه، والعرب تفعل هذا بالشيء الذي ~~من جنس الشيء المنسوب اليه المعروف الكائن منه وفيه، وفي ذلك ماقال شاعر من العرب: # (/7) # --- PageV02P038 ألا إنني أسقيت أسود حالكا...... ألا بجلي من ذا الشراب ألا بجل # يريد سقيت سما أسود حالكا، والأسود: فهو الحية فقال:سقيت أسود، وليس ~~الأسود يسقاه الناس، وإنما يسقون سمه، فأقام الأسود مقام السم ؛ لأنه منه ~~واليه يعرف به، ويستدل به عليه، ومعنى قوله:{مدرارا} أي كثيرا دارا، ~~والدار: فهو التابع المتوالي الذي لاينقطع بعضه من بعض. # {ويمددكم بأموال وبنين} فمعنى يمددكم أي يعطيكم ويزيدكم ويقويكم، ~~والأموال: فهي ماكان من الذهب والفضة، والحرث والأشجار والأنهار، وكل شيء ~~يجلب به المال، والبنون: فهم الذكران من الأولاد. # {ويجعل لكم ms0262 جنات ويجعل لكم أنهارا} معنى يجعل: فهو يرزق ويفعل، والجنات: ~~فهي البساتين ذوات الأنهار، والأشجار والثمار، والأنهار: فهي المياه ~~الجارية المتفجرة الكثيرة الحاملة الغزيرة. # {مالكم لاترجون لله وقارا} ومعنى {ترجون} فهو تفعلون، ومعنى تفعلون: فهو ~~تصتعون، ومعنى {وقارا} فهو اعزازا واكبارا وإجلال وإعظاما، يريد عليه ~~السلام مالكم لاتوقرون الله وتجلونه وتقدسونه وتنزهونه عما تقولون فيه، ~~وتنسبون من الكذب اليه. # {وقد خلقكم أطوارا} والأطوار: فهي الحالات المختلفة، أوالأصناف المفترقة، ~~والشعوب المؤتلفة، وغير المؤتلفة، في الألوان والألسنة والخلق والهيئة، وقد ~~يمكن أن تكون الأطوار هي تنقيل الله لمن يخلقه في الرحم من حال الى حال من ~~النطفة الى العلقة، ومن العلقة الى المضغة، ومن المضغة الى العظام، ثم من ~~حال الى حال حتى يكمل ماأراد ممن خلقه، ويظهر ماشاء من فطرته، والمعنى ~~الأول فأحسنهما عندي، وكلاهما فيجوز ولايمتنع في المعنى. # (/8) # --- PageV02P039 ثم احتج عليهم صلىالله عليه بما فيه الشواهد لله على قدرته، وتصديق مابعث ~~به نبيه عليه السلام من وعيده ووعده {ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طباقا} ~~يقول: ألم تبصروا وتعاينوا أثر قدرته فيما خلق من سمواته السبع الطباق، ~~فتستدلوا بذلك على أنه الله الواحد الخلاق، والطباق: فهي الطبقات طبقة ~~مجعولة فوقها مركبة، بين كل سماء وسماء ماشاء الله سبحانه من البعد ~~والهواء. # وقوله:{وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} فمعنى: {جعل القمر} أي ~~خلقه وصوره، وجعله فيهن نورا وقدره، فلما كان القمر في بعضهن، وهي السماء ~~الدنيا جاز أن يقال: فيهن إذ كان في بعضهن، وكذلك يقول القائل من العرب: ~~نزلت في العراق وإنما نزل في بعضه ولم ينزل في كله، ويقول: خضت البحر وإنما ~~خاض طرفه وبعضه، فقال: خضت البحر ولم يخض منه إلا اليسير، وقد بقي منه ~~الكثير، وكذلك يقول القائل: رميت في عسكرهم بسهم، وإنما في جانب منه، ولم ~~يرم في كله، فعلى هذا المعنى يخرج قول الله سبحانه:{وجعل القمر فيهن نورا} ~~وإنما هو في واحدة. # معنى قوله:{وجعل الشمس سراجا} والسراج: فهوا لنور المتوقد الذي يضيء به ms0263 ~~مابين السماء والأرض، فلما أن أضاء بالشمس مابينهما، كانت كما قال ~~الله:{سراجا} فيهما. # {والله أنبتكم من الأرض نباتا} فمعنى {أنبتكم }فهو خلقكم، والمخلوق من ~~الأرض فهو ابوالخلق آدم عليه السلام، فلما أن كان خلقه من التراب وابتداؤه، ~~وجعله واقتضاؤه، جاز أن يقول لمن كان منه: انبتكم من التراب إذ أصلهم منه ~~كان، وعنه بقدرة الله بان. و{نباتا} فهو خلقا من التراب وتصويرا وجعله منه ~~وتقديرا. # (/9) # --- PageV02P040 {ثم يعيدكم فيها ويخرجكم اخراجا} فمعنى {يعيدكم} أي يردكم فيها من بعد ~~موتكم، ومعنى {يخرجكم اخراجا} فهو يحييكم بعد الموت ويخرجكم من الأرض بعد ~~الفناء والبلى، والمصير الى الرفات في الثرى، في يوم الدين وحشر العالمين ~~{اخراجا} فهو خروجا حقا، وقولا صدقا، لايخامره باطل ولامحال، ولافساد في ~~قول ولافعال. # {والله جعل لكم الأرض بساطا} فمعنى {جعل} أي فعل وسوى وبسط ودحا، ~~و{بساطا} فهو فراشا مبسوطا، يرقد عليه ويوافى في كل الحالات اليه، فشبه ~~الأرض في انبساطها للخلق بالبساط المبسوط لهم الذي يجلسون عليه إذ كانت لهم ~~مضجعا ومفترشا ومأوى ومبسطا. ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {لتسلكوا منها سبلا فجاجا} يقول سبحانه: جعلناها لكم بساطا منبسطا طويلا ~~عريضا ذا بعد ومدى {لتسلكوا منها} لتسيروا فيها {سبلا فجاجا} والسبل: فهي ~~الطرق، وفجاجا: فهو جوانبا وشعابا ؛ لأن الفج هو الشعب العظيم من الأرض، ~~والجانب الواسع الذي يكون بين الجبال، فسمى ذلك فجاجا. # {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} معنى ~~{عصوني} أي خالفوني ولم يطيعوني، وجنبوا عن أمري واستخفوا بدعوتي {واتبعوا} ~~فهو أطاعوا وأحبوا وأرادوا {من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} يقول: لم ~~يزده مارزقته من المال والولد إلا خسارا، أي كفرانا وعصيانا حتىخسر بماله ~~وولده ماربح المؤمن بهما، من الشكر لربه سبحانه عليهما، فصار لنعم الله ~~خاسرا ؛ إذ كان له في ذلك غير شاكر، وبما أعطاه منه غير ذاكر. # {ومكروا مكرا كبارا} يعني نوح صلى الله عليه قومه، ومعنى {مكروا} فهو ~~تخبثوا وتحيلوا علي، وأداروا دوائر السوء في و{كبارا} فهو ms0264 مكرا كبيرا عظيما ~~كثيرا، والمكر: فهو ماذكرنا من البغي والخدائع. # (/0) # --- PageV02P041 {وقالوا لاتذرن آلهتكم ولاتذرن ودا ولاسواعا} وهذا قول من قوم نوح صلى الله ~~عليه حين دعاهم الى الله وأمرهم بترك مايعبدون من دون الله فقالوا: {لاتذرن ~~آلهتكم } وهو قول من بعض لبعض، وآلهتهم: فهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ~~من دون الله، ومعنى{لاتذرن} فهو لاتتركن ولاتخلن، ولاتفارقوا ولاتدعن. # {ودا ولاسواعا ولايغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا} فهؤلاء الأصنام كلها ~~أصنام كانت تعبد من دون الله، فأما سواع ويغوث ويعوق ونسرا فكانت باليمن، ~~وأما ود فكان بدومة الجندل، وأما سواع فكان بجوف همدان، وأما يعوق فكان ~~بخيوان، وأما يغوث فكان في حمير، وأما نسر فكان في مراد مذحج، وكان قوم نوح ~~يجلونها ويعظمونها وإن لم تكن عندهم، فتعلقوا بعبادتها وتآمروا بأن لايخلوا ~~عنها ولايتركوها، وأن يثبتوا عليها، ويخالفوا نوحا صلى الله عليه ومايدعو ~~اليه، ثم قال عليه السلام:{وقد أضلوا كثيرا} ومعنى {وقد أضلوا كثيرا} يخرج ~~على معنيين: # فأما أحدهما: فعلى مجاز الكلام فيكون عنى صلى الله عليه الأصنام فجاز أن ~~يقال: أضلوا لما أن كان الضلال عن غيرها بأسبابها جاز أن يقال: أضلوا. # والمعنى الآخر: أن يكون عنى بالإضلال من يدعو الى عبادة الأصنام من الناس ~~من قومهم وغيرهم، وهذا عندي أشبه بالمعنيين وأحسنهما. # {ولاتزد الظالمين إلا ضلالا} فهي دعوة من نوح عليه السلام على الظالمين ~~أن لايزيهم الله إلا ضلالا، والضلال: فهو الخذلان فسأل الله سبحانه نوح صلى ~~الله عليه أن يزيد من عصاه خذلانا وشقاء، حتى يكون ذلك مستوجبا للعذاب ~~والبلاء. # --- PageV02P042 ثم أخبر سبحانه بما نزل عليهم من العذاب الذي حل بهم فأغرق كل من كان منهم ~~فقال:{مما خطيئاتهم أغرقوا} فمعنى {مما خطيئاتهم} فهو بخطيئاتهم أغرقوا، ~~ومعنى {من} معنى الباء، أراد بخطيئاتهم أغرقوا، فأقام من مقام الباء ؛ ~~لأنها من حروف الصفات يخلف بعضها بعضا، وقد تقدم شرحنا في ذلك، وذهبت النون ~~من من لأنها أدغمت في الميم فبقي مما خطيئاتهم، وما هاهنا فهي صلة، المعنى ~~فيها: من خطيئاتهم، ومعنى من ms0265 خطيئاتهم: فهو بخطيئاتهم، فقامت من مقام ~~الباء، أراد بخطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا من بعد الإغراق، وخطيئاتهم: فهي ~~ذنوبهم وعصيانهم لربهم الذي به هلكوا، وبسببه أغرقوا. # {فأدخلوا نارا} أي صيروا الى النار، وجعلت لهم موضعا وقرارا {فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا} يقول: لم يكن لهم مدافع لله عنهم، ولاناصر منه لهم ~~يدفع عنهم مانزل بهم من عذابه، ولايحجز عنهم ماحكم به من اغراقهم، على ~~ماكان من عصيانهم وأنصارا، والأنصار: فهم المدافعون عنهم من الأعوان. # {وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا} فهذا دعاء من نوح صلى ~~الله عليه على الكافرين، ومعنى {لاتذر} أي لاتترك ولاتدع، ومعنى {على ~~الأرض} فهو في الأرض، والكافرون: فهم العاصون الفجرة المكذبون {ديارا} فهو ~~أحد يدور ؛ لأن ديارا مشتقة من يدور، ومعنى يدور: فهو يجول في الأرض ويجوب، ~~وسواء قيل: ديارا، أودوارا ؛ لأن العرب تقيم الياء مقام الواو، والواو مقام ~~الياء في كلامها وأشعارها. # --- PageV02P043 قوله:{إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولايلدوا إلا فاجرا كفارا} هذا قول من نوح ~~عليه السلام يقول: إنك يارب إن تذرهم ولاتأخذهم يضلوا عبادك الذين يقدرون ~~عليهم، وينالون اضلالهم، ومعنى {يضلوا} أي يهلكوا ويغووا ويفسدوا ويكفروا ~~من قدروا عليه، من جهلة العباد حتى يفسدوا بذلك البلاد، {ولايلدوا} يقول: ~~لايخرج من أصلابهم إلا ولد يتبعهم في كفرهم، ويساعفهم في تكذيبهم، ويتبعهم ~~في دينهم، فيكون بفعله ذلك فاجرا كفارا فاسقا غادرا. # ثم دعى صلى الله عليه لنفسه ولوالديه ولمن دخل بيته مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات فقال:{رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين ~~والمؤمنات} ومعنى {دخل بيتي} فهو دخل الى بيتي، ودخل في ديني مؤمنا مصححا، ~~فكان بذلك مني ومن أهل ملتي، ألا تسمع كيف يقول {مؤمنا} يريد أي دخل إلي ~~بقلب مؤمن، ونية صادقة، والمؤمنون: فهم المطيعون الذين قد أمنوا أنفسهم ~~بطاعة ربهم من وقوع عذابه عليهم، وكذلك معنى المؤمنات. # ثم قال صلى الله عليه تكريرا للدعاء على الفاسقين، وتقربا بذلك الىرب ~~العالمين فقال:{ولاتزد الظالمين إلا تبارا} والظالمون: فمعناها الذين ظلموا ms0266 ~~أنفسهم بإدخالها في معاصي ربهم حتى استوجبوا منه بذلك الفعل مااستوجبوا من ~~العقاب، ومن ظلمهم لأنفسهم وظلمهم لعباد ربهم وغير ذلك من سائر أفعالهم ~~المحرمة في دين الله عليهم، قوله:{إلا تبارا} فمعنى التبار: فهو البوار، ~~ومعنى البوار: فهو الذهاب والفناء والنقصان في كل الأسباب. # --- PageV02P044 ### || AUTO تفسير {سأل سائل} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله عزوجل {سأل سائل} فمعنى {سأل سائل} فهو اخبار من الله بما سأل ~~من العذاب، ومعنى يسيل: فهو يأتي وينهال ويكر في كل الأحوال، والسائل ~~هاهنا: فهو الآتي من أمر الله وحكمه بالعذاب على أعدائه، يريد بسأل سائل، ~~أي أتى آت نازل من عذاب الله الواقع بالكافرين، ومعنى {واقع للكافرين} فهو ~~واقع بالكافرين، فقامت اللام مقام الباء ؛ لأنهما من حروف الصفات (1) وحروف ~~الصفات يخلف بعضها بعضا. # {ليس له دافع} يريد ليس لهذا العذاب النازل بالكافرين دافع، ومعنى {دافع} ~~أي مانع ولاحاجز له عنهم ولاصارف عن الوقوع. # ثم أخبر سبحانه أنه من الله فقال:{من الله ذي المعارج} يريد أن هذا ~~العذاب الواقع بالكافرين فهو من الله ذي المعارج، والمعارج: فهي المصاعد، ~~والمصاعد: فهي المسالك، والمسالك: هي الطرق التي تسلكها الملائكة من السماء ~~الى الأرض، ومن السموات بعضهن الى بعض. # {تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنة} ومعنى ~~{تعرج} فهو تسلك وتمضي وتذهب وتأتي، والملائكة فهم ملائكة الله المطهرون، ~~والروح: فهو جبريل الأمين عليه صلوات رب العالمين، ومعنى {في يوم كان ~~مقداره خمسين الف سنة} يقول: الملائكة تعرج في يوم واحد وتسير وتقطع بقدرة ~~الله مالوكان غيرها من الناس، لم تسر ماسارته الملائكة في يوم واحد في ~~خمسين الف سنة، فأخبر سبحانه بعظيم قدرته في ذلك وجليل فعله فيما جعل من ~~سرعة سير الملائكة وقطعها بعروجها لما تقطع من معارجها، وتقضيه في سيرها في ~~مسالكها دلالة منه بذلك لخلقه عليه ودعاء منه لهم بما أظهر في ذلك اليه. PageV02P045 # ثم قال سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وآله:{فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه ~~بعيدا ونراه قريبا} معنى {اصبر} ms0267 أي انتظر ولاتجزع واحتمل {صبرا جميلا} ~~يقول: احتمالا جميلا، ومعنى جميلا: أي دائما وثيقا جيدا لايدخله افك ولاهلع ~~ولاخور ولاجزع {إنهم يرونه بعيدا} معنى {يرونه بعيدا} أي يرونه باطلا ~~ولايوقنون به ايقانا، فلما لم يوقنوا به ولم يؤمنوا جاز أن يقول {يرونه ~~بعيدا} لأن كل مالم يوقن به الموقن فقد يراه بعيدا، وذلك أن العرب تقول ~~لمالم يصح عندها، وكان غير آت ولاممكن في عقولها: هذا أمر بعيد منا، من ذلك ~~ماتقول العرب: زعم فلان أنه يقتل فلانا، وهذا أمر بعيد منه، تريد أن هذا ~~شيء لايقدر عليه ولايكون منه أبدا إليه، فعلى هذا المعنى يخرج قول الله ~~تبارك وتعالى:{إنهم يرونه بعيدا} يقول سبحانه: يرون مايعدهم من وقوع هذا ~~العذاب بهم محالا لايصح في عقولهم عندهم، ولايقع أبدا بهم {ونراه قريبا} ~~يقول عزوجل، نعلم أنه حق آت، والعرب تسمي كلما أيقنت بمجيئه قريبا تقول: ~~ماأقرب الموت، وتقول ماأقرب فرج الله ايقانا بمجيئه، فقرنته بإيقانها ~~بكينونته، وتقول العرب: ماأقرب الليل فقرنته حين علمت أنه آت لامحالة. # --- PageV02P046 ثم ذكر سبحانه الوقت الذي يكون فيه العذاب للكافرين وتنكيل أهل الوعيد من ~~المكذبين فقال:{يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولايسأل حميم ~~حميما} فأخبر سبحانه أنه إذا كان ماذكر من أمر السماء والجبال، كان وقوع ~~العذاب بالكافرين، ومعنى {تكون السماء كالمهل} فهي تذوب بعد تجسمها، وتنحل ~~بعد عظمها، حتى تعود الى ما كانت عليه أولا من الدخان الذي خلقت منه في ~~الإبتداء، فشبهها سبحانه عند كينونتها دخانا بالمهل الجاري، والمهل: فهو ~~صفو القطران، فأخبر سبحانه أنها تكون في الفناء والذهاب والإنحلال كالمهل، ~~حذو المثال بالمثال {وتكون الجبال كالعهن} فشبهها أيضا بانحلالها وذهابها ~~وتمزقهابالعهن، والعهن: فهو ضرب من خالص الصوف، فأخبر سبحانه أنها تعود من ~~بعد تجسمها ويبسها وصلابتها وثباتها، كالعهن إذا نفش فاضمحل، ولم يستر بعد ~~نفشه مايكون خلفه ولافوقه ولاتحته لضعف أمره بعد نفشه، فأخبر أن الجبال ~~بعدماهي عليه اليوم من كثافتها وصلابتها وجليل أمرها تعود الى الكينونة ~~كالعهن المنفوش. # {ولايسأل حميم حميما} ms0268 يقول: لايسأل نسيب نسيبا، ومعنى {لايسأل} فهو ~~يستخبر ولايكلم، ولايقبل عليه ولايسلم. # {يبصرونهم} معناها: يرونهم ويعرفونهم حتى يعرف القريب قريبه، والنسيب ~~نسيبه فيشغله هول ماهو فيه من أمره غير مسائلة قريبه، والسلام على حميمه. # {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ} معنى {يود} فهو يحب ويتمنى، ويريد ~~ويشاء {المجرم} فهو المسيء الظالم {لويفتدي} يقول: لو يفدي نفسه، ومعنى ~~يفديها: أن يجعل بدلها في العذاب، ويفديها بمن ذكر الله وسمى من أقربائها ~~{من عذاب يومئذ} يريد من عذاب يوم الدين، ويومئذ: فهو يوم القيامة. # (/6) # --- PageV02P047 {ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه} ~~يقول سبحانه: يود لو أنه أمكنه أن يفدي نفسه من عذاب يوم الدين بهؤلاء ~~المذكورين، وبنيه: فهم ولده الذكور {وصاحبته} فهي زوجته الحبية اليه، التي ~~كان يحبها ويفديها في الدنيا بنفسه، ويحامي دونها بماله ومهته {وأخيه} فهو ~~ابن أمه وأبيه {وفصيلته التي تؤويه} فهي والدته ورابته التي تربيه، وتطعمه ~~وتسقيه لبنها في صغره، حتى فصلته عن ثديها عند كبره {وتؤويه} فمعناها: ~~تحضنه وتربيه {ومن في الأرض جميعا} يقول: اهل الأرض كلهم لوكانوا له وفي ~~يده عبيدا وخولا وأقرباء ونسبا {ثم ينجيه} يقول: يود أنه فدى بكل ماذكرنا ~~وجميع مافسرناه نفسه من العذاب المهين، ونجا وجعله مكانه في يوم الدين فداء ~~يفدي بهم نفسه ووقاء يقي بهم من العذاب بدنه {ثم ينجيه} يقول: ثم يقبل منه ~~الله ذلك ويخليه، فأخبر الله سبحانه أن المجرم يود أنه نجا وسلم وافتدى بكل ~~ماذكر الله وسمى. # ثم قال سبحانه {كلا إنها لظى نزاعة للشوى} معنى {كلا} فهو نفي أن يكون ~~تقبل من المجرم فداء أويكون له يوم القيامة من العذاب نجا يقول: لانجاة له ~~ولو افتدى، وقوله:{لظى} فهي جهنم، وإنما سميت لظى لتلظيها، والتلظي: فهو ~~التلهب والتقلب، وأكل مايقع فيها بإسرع سرعة {نزاعة للشوى} يقول: أكالة ~~للشوى محرقة لهولغيره من بدن صاحبه، والشواء: فهو الجلد، وقد قيل: غير ~~الجلد، وأحسن ماسمعناه فيه أنه الجلد. # {تدعو من أدبر وتولى} يريد ms0269 بتدعو: أي تأخذ من أدبر عن الله سبحانه، وإنما ~~مثل الله أخذها بالدعاء منها لمن نأخذ ؛ لأن كل من حاز شيئا فقد استدعاه ~~اليه، ومن استدعى شيئا إليه فقد دعاه وآواه، وصار منه وإليه، فقال:{تدعو من ~~أدبر وتولى} تؤويه وتحرقه وتخزيه، والمدبر: فهو المدبر عن الله، وعن حقه ~~المتعلق بما هو فيه من باطله وفسقه {وتولى} فهو عدل عن الحق وأبى. # (/7) # --- PageV02P048 {وجمع فأوعى} يقول: جمع الذنوب فأوعاها، ومعنى أوعاها: فهوجمعها كلها ~~فأحصاها. # {إن الإنسان خلق هلوعا} الإنسان: فهو الناس كلهم {خلق هلوعا} يقول: طبع ~~وفطر على الضعف، وضعف البنية والجزع مما يعظم عليه ويشد أمره لديه. # {إذا مسه الشر جزوعا} فالشر: هو كل أمر يشتد عليه من النوازل النازلات، ~~والأمور الفادحات، والمصائب الحالات و{جزوعا} فهو فزعا هلوعا، يقول: إذا ~~أصابه ذلك جزع منه وضعف لضعف بنيته عنه. # {وإذا مسه الخير منوعا} يعني {مسه} فهو أصابه وواقعه، و{الخير} فهو ~~الرخاء والنعمة والسور والغبطة، و{منوعا} يقول: فهو مانع لخيره بخيل بما ~~عنده، قليل الإنفاق في مرضاة ربه، في مايقرب من خ القه. # ثم استثنى سبحانه من الناس الذين نسب اليهم هذا الخير أهل الإيمان ~~والتقوى والدين والهدى فقال:{إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون} الى ~~قوله:{في جنات مكرمون} معنى {على صلاتهم دائمون} فهو لصلاتهم لازمون ~~لايتركون منها شيئا، ولايفرطون في المثابرة عليها واللزوم لها. # {والذين في أموالهم حق معلوم} يقول: يودون من أموالهم الحق الذي جعله ~~الله من الزكاة عليهم، المعلوم فهو المعروف بكيله ووزنه للسائل والمحروم، ~~والسائل: هو الطالب المواجه بالطلب والسؤال، والمحروم: فهو المتعفف اللازم ~~لمنزله الذي يتوهم الناس أنه مستغن لتعففه وقلة طلبه فيحرمونه لذلك مايعطون ~~غيره ممن يمد يده للسؤال ويطلب. # {والذين يصدقون بيوم الدين} فيوم الدين: هو يوم القيامة، فهو الجزاء بما ~~تقدم من أعمال العباد، و{يصدقون} معناها: يوقنون به ويؤمنون. # {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} هو خائفون وجلون {إن عذاب ربهم غير ~~مأمون} ومعنى {مأمون} فهو غير مندفع ولامنصرف عن أهله بل هو يقينا مواقع ms0270 ~~لهم لايطمعون في انصرافه عنهم، ولايشكون في هجومه عليهم. # (/8) # --- PageV02P049 {والذين هم لفروجهم حافظون} والفروج: فهي المذاكير التي جعلها الله سبحانه ~~لهم لينالوا بها لذة الجماع، فأخبر سبحانه عزوجل أنهم لها حافظون، وحفظهم ~~لها: فهو ألا يجعلوها إلا في المواضع التي أحلها الله لهم من النساء، ألا ~~تسمع كيف يقول عزوجل: # {إلا على أزواجهم} يقول سبحانه إلا على نسائهم {أوماملكت إيمانهم} فملك ~~اليمين فهو السراري من الإماء {فإنهم غير ملومين} يقول: غير معاقبين في ~~مداناة النساء وملك الإماء ؛ لأن الله تبارك وتعالى قد أطلق لهم ذلك فيما ~~تسمع من القرآن. # ثم قال سبحانه:{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} يقول: من ابتغاء ~~لفرجه موضعا غير نسائه، أوملك يمينه من إمائه فهم عادون، والعادون: فهم ~~المعتدون لما جعل الله لهم الى ماحرم عليهم. # (/9) # --- PageV02P050 {والذين هم لآماناتهم وعهدهم راعون} والأمانات: فهوصنوف فمنها: أمانة الله ~~عندهم فيما استرعاهم من حقه، وقلدهم من فرضه، ومنها: مااستأمنهم الله عليه ~~من أداء ماجعل في قلوب العلماء من علمه الى من هودونهم من خلقه، ومنها: ~~مااستأمنهم عليه من أمواله التي قسمها بين من سمى في كتابه فواجب على من ~~استومن على شيء من أموال الله أن يؤديه الى غاية الأمانة، ويوفره على غاية ~~الوفارة، ومنها: مايستأمن الناس عليه بعضهم بعضا من ودائعهم وأموالهم فيجب ~~عليهم في ذلك دفعها الى أربابها وتسليمها الى أصحابها، ومن ذلك أمانة السر ~~الذي يسره المؤمن الى المؤمن فواجب عليه أن يحفظ عليه سره ولايفشي عنه الى ~~غيره. وقوله:{وعهدهم راعون} وعهودهم فهي ماأخذ الله على الخلق من الميثاق، ~~والعهد بالتصديق بأنبيئاه وكتبه، وماأخذ عليهم من العهود في القيام مع ~~أوليائه، والنصر لمن نصره، وماأخذ عليهم من العهود في التعاون على البر ~~والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان الذي أنزل اليهم علمهما في ~~القرآن حين يقال سبحانه:{وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم ~~والعدوان} ومعنى {راعون} فهو حافظون مؤدون. # {والذين هم بشهادتهم قائمون} والشهادة: فهو كل حق علمه انسان من حق يجب ~~لله على الخلق ms0271 التكلم به والقول، أوحق لمسلم يعلمه مسلم من شهادة أشهده ~~عليها، أوأمور احتاج الى أن نطق له بالحق فيها، ومعنى {قائمون} فهم ثابتون ~~على الشهادة، التي يعلمونها لايزولون عنها ولايكتمونها، ولاينقصون منها ~~ولايزيدون فيها. # {والذين هم على صلواتهم يحافظون} ومعنى {يحافظون} فهم عليها يداومون، ~~ويحفظون أوقاتها التي جعلها الله لها، فهم على ذلك يحافظون، وله غير ~~تاركين، ولافي شيء منه مفرطين. # (/0) # --- PageV02P051 ثم أخبر سبحانه بما أعد لمن كان على هذه الحالات، وكان من أهل هذه الصفات ~~فقال:{أولئك في جنات مكرمون} والجنات: فهي الجنان المذكورات عند الله ~~سبحانه المعدودات لأهل الطاعات، و{مكرمون} فمعناه: مكرمون، ومعنى {مكرمون} ~~فهو مقربون مدنون معظمون مثابون منعمون. # ثم أخبر سبحانه بحال الكافرين، وماهم عليه من الإعراض عن الله ورسوله ~~فقال:{فما للذين كفروا قبلك مهطعين} يريد بقوله:{فمال} أي فما بال. {قبلك} ~~عندك {مهطعين} والمهطع: فهو المطأطيء الرأس، يقول: مابالهم عندك مطأطئين ~~رؤوسهم لاينظرون اليك , ولايستمعون منك، ولايقبلون بوجوههم عليك. # {عن اليمين وعن الشمال عزين} يريد عن يمينك، وعن شمالك {عزين} أي جماعات ~~قليلات عن يمينك جماعات، وعن يسارك جماعات: كل مهطع برأسه معرض بوجهه ~~لايستمع اليك، ولايقبل عليك. # ثم قال سبحانه:{أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم} يريد بقوله:{أيطمع} ~~أي أيرجو ويأمل {كل امرء منهم} والمرء: فهو الإنسان أن يدخل جنة نعيم، وجنة ~~النعيم: فهي جنة الفردوس، يقول سبحانه: اعراضهم عن الحق واستغناؤهم عن ~~الصدق اعتراض من قد أمن العذاب، وأيقن بالثواب، وصح عنده أنه يدخل جنة ~~نعيم، فهو واثق بذلك طامع أن يكون كذلك، فهو معرض عما يدعى اليه لإيقانه ~~بما يصير من الخير اليه. # ثم قال سبحانه:{كلا} يريد بكلا أي لاتدخلونها أبدا، ولايرونها بأعيانهم ~~أصلا إلا أن يتوبوا وينيبوا ويصدقوك ويطيعوك فيؤمنوا. # ثم أخبر سبحانه بما خلقهم منه احتجاجا منه بذلك عليهم وتقريرا منه على ~~الحق به لهم فقال:{إنا خلقناهم مما يعلمون} يريد بقوله:{مما يعلمون} أي من ~~الطين الذين خلقنا منه آدم عليه السلام، ومن الماء المهين الذي خلقنا منه ~~بني آدم اجمعين. # (/1) # --- PageV02P052 ثم ms0272 أقسم سبحانه بنفسه إنه لقادر على أن يبدل خير منهم فقال عزوجل:{فلا أقسم ~~برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم ومانحن بمسبوقين} ~~قوله:{فلا أقسم} يريد أفلا أقسم فطرح الألف وهو يريدها، ورب المشارق: فهو ~~الله رب العالمين، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، وا لمشارق: فهو ~~مشارق الفلك المحيط بالأرض، وكذلك المغارب: فهي مغارب الفلك المحيط بالأرض ~~{إنا لقادرون} يقول: إنا لمقتدرون مستطيعون على أن نذهب هؤلاء الذين ~~يكذبون، ونأتي بخلق خيرا منهم يصدقون بقولنا، ويؤمنون بغيبنا، فهذا معنى ~~قوله:{نبدل خيرا منهم ومانحن بمسبوقين} يخبر سبحانه أنه لايسبق، ومعنى ~~يسبق: فهو يفات، وعنه يهرب حتى يسبق بهربه الهارب الذي يهرب، فأخبر سبحانه ~~أنه ليس منه مهرب، ولاللخلق كلهم عنه مذهب، وأنهم كلهم في قبضته فأخبر ~~سبحانه أن أحدا لن يسبقه يريد يسبقه أي يفوته، ويذهب ع نه حتى يعجزه فلا ~~يناله أمره، ولايدركه حكمه، وحاش لله أن يكون كذلك، أوعلى شيء من ذلك بل ~~خلقه كلهم في يده لايفوته منهم فائت، ولايسبقه منهم سابق، وهو سبحانه لكلهم ~~مدرك لاحق. # ثم قال سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وعلى آله:{فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون} معنى {ذرهم} أي دعهم وأمهلهم، ومعنى {يخوضوا} ~~فهو يكذبوا ويتحيروا ويترددوا في الضلال بما يصفون من الخوض مع الجهال ~~{ويلعبوا} أي فهو ليغتروا ويلهوا، فشبه الله تبارك وتعالى ماهم فيه من ~~الباطل الذي لاأصل له باللعب الذي لاثبات له، واللعب: فهو مالم يكن على ~~حقيقة، ولم يأت منه شيء على وثيقة حتى يلاقوا {الذي يوعدون} فهو يوم ~~القيامة الذي فيه يجازون، ألا تسمع كيف بينه سبحانه وجل عن كل شأن شأنه فقال: # --- PageV02P053 {يوم يخرجون من الأجداث سراعا} والأجداث: فهي القبور {سراعا} فهو سراعا ~~مبتدرين غير مبطين ولامتلبثين {كأنهم الى نصب يوفضون} والنصب: فهو شيء من ~~الشعر تقوله العرب تطرب فيه اصواتها وترفع به كلامها، وتمد حروفه ويطرب ~~قوله، فإذا سمع السامع من قائله أقبل نحوه يستمه موفضا، والموفض: فهو ~~المسرع، فضرب ms0273 الله سرعة خروجهم من قبورهم ونشرهم الى موضع حشرهم عند وقت ~~نفخ الله في صورهم بما يعرفون من سرعة الموفضين الى النصب إذا سمعوه من ~~ناصبه، واستطرفوه من قائله. # {خاشعة أبصارهم} معنى {خاشعة} أي منكسرة غير مسرورة ولامنفتحة قد خشعت ~~أبصارهم لهول مارأت عيونهم، وخشوع البصر: فهو شيء ينزل بالبصر عند انحلال ~~القوى، وضعف النفس وذهب القوة والإيقان بالبلية، فأخبر الله سبحانه أن ~~أبصارهم لإيقانهم بالعذاب منكسرة خاشعة هالكة دامرة.{ترهقهم ذلة} معنى ~~{ترهقهم} فهو تغشاهم، والذلة: فهي الخزي والمذلة، والمذلة: فهي تغشى وترهق ~~من أيقن بالنكال من الخلق. # ثم قال سبحانه:{ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} فأخبر جل جلاله عن أن يحويه ~~قول أويناله أن هذه الأشياء من خروجهم من الأجداث، وخشوع أبصارهم، ووقوع ~~الذلة عليهم يكون في اليوم الذي كانوا يوعدون، وهو يوم القيامة الذي كانوا ~~به يكذبون، ولم يكونوا بشيء مما يذكر لهم فيه يصدقون. # --- PageV02P054 ### || AUTO تفسير {سورة الحاقة} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله تبارك وتعالى {الحاقة ماالحاقة} معنى الحاقة: فهي النازلة ~~العظيمة التي تحق بأهلها، وتصيبهم وتواقعهم ولاتخطئهم ؛ لأن العرب تقول ~~للشيء إذا أصابه السهم: حقه، وأصاب حاق وسطه، تريد لم يخطئه ولم يعدل عنه، ~~بل أصاب الذي طلب، وقصد منه، معنى قوله:{ماالحاقة} فهو تعظيم منه سبحانه ~~لها وإخبار بجليل مايحق بأهلها. # {وما أدراك ماالحاقة} يقول: ماأعلمك ماهذه الحاقة؟ يريد أنك لاتعلم منها ~~إلا ماأعلمناك، ولاتطلع من شدتها إلا على مأاطلعناك ؛ لأن الله سبحانه ~~تبارك وتعالى لايقول لنبيئه صلى الله عليه وعلى آله في شيء {ماأدراك} ماهو ~~إلا وهو أعظم مايكون من الداهية، وأشد مايكون من النازلة الصائبة. # {كذبت ثمود وعاد بالقارعة} فأخبر سبحانه بتكذيب ثمود وعاد بالقارعة، ~~والقارعة: فهي النازلة التي تقرع الشيء وتصيبه، وتنزل به وتهلكه، وثمود ~~وعاد فهما قبيلتان من أولاد نوح صلى الله عليه عتتا وطغتا وكذبتا بما ~~أنذرتا به من القارعة، التي قرعتهما، وحلت بهما عند تماديهما، فأهلكتهما. # ثم أخبر سبحانه بما أهلكهما به على عصيانهما فقال عزوجل:{فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية} معنى ms0274 الطاغية: فهو ماكان من طغيانهم بعصيان ربهم، وقيل: ~~إن معنى الطاغية التي أهلكوا بها: هي الصيحة التي أخذتهم فأهلكتهم، ومعنى ~~طاغية عليهم: فهو مهلكة لهم غالبة على أنفسهم، وهذا فأحسن المعنيين، ~~وأصوبهما عندي والله أعلم وأحكم. # {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} فأخبر سبحانه بما أهلكت به عاد كما ~~أخبر بما أهلكت به ثمود فقال عزوجل:{بريح صرصر عاتية} والصرصر: فهي الشديدة ~~المدمدمة المدمرة لما أتت عليهم المخربة، والعاتية: فهي الغالبة الهائلة ~~التي لاتذر شيئا إلا أتت عليه، وعتت فمعناه: صعبت واشتدت به وغلبت فلم يستر ~~منها ستر، ولم يكن منها أي من شرها كن، فهي تذهب بما أتت عليه، وتهلك ~~ماارتمت فيه. # --- PageV02P055 {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} فمعنى {سخرها} أي هوجعلها وأذن ~~لها وسلطها وأنزلها، ومعنى {سبع ليال وثمانية أيام} يخبر عزوجل أنه بعثها ~~عليهم باكرا، فأقامت عليهم ثمانية أيام الىآخراليوم الثامن، فكان لهذه ~~الثمانية الأيام بع ليال، ليلة اليوم الثاني، وليلة اليوم الثالث، وليلة ~~اليوم الرابع، وليلة اليوم الخامس، وليلة اليوم السادس، وليلة اليوم ~~السابع، وليلة اليوم الثامن، فكان ذلك سبع ليال، وثماينة أيام ؛ لأنها ~~واقعتهم في أول نهار اليوم الأول، وفرغت منهم في آخر نهار اليوم الثامن، ~~فكان ذلك سبع ليال وثماينة أيام، ثم قال ذوالجلال والإكرام:{حسوما} فمعناها ~~دائمة متوالية لاراحة فيها ولافترة لساعة منها، وماكان كذلك في الدوام ~~والإستواء، وقلة الغفلة والونى سمي حسوما من الليالي والأيام. # {فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} فأخبر سبحانه بحالهم ~~وصفاتهم بعد مانزل بهم من إهلاكه لهم مانزل فمثلهم في ذلك الحال بأعجاز نخل ~~خاوية، وأعجاز النخل الخاوية: فهي أسافلها وماغلظ منها، ومعنى {خاوية} فهي ~~خاوية من الحياة، أي ليس فيها شيء من الحياة، فمثلهم بأعجاز النخل الميتة ~~الخاوية ؛ لأن النخل إذا ماتت وخويت كانت أضعف مايكون من الأشياء وأوهاه، ~~وأسمجه في الصورة وأرداه، فمثل سبحانه أجسامهم المهلكة الملقاة بأعجاز ~~النخل الخاوية. # ثم قال سبحانه:{فهل ترى لهم من باقية} يريد بقوله:{هل ترى لهم} أي هل تحس ~~منهم، ms0275 فقامت لهم مقام منه ؛ لأنهما من حروف الصفات، ومعنى {من باقية} فهو ~~من أحد صغير أوكبير، اخبارا منه بذهاب الكل ودماره وانقضائه واستئصاله، حتى ~~لم يبق منهم باق، ولم ينج منهم من عذاب الله ناج. # --- PageV02P056 {وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة} ومعنى {وجاء فرعون ومن قبله} ~~فهو أتى وفعل واجترأ هو ومن كان قبله من المؤتفات والمؤتفكات: فهي الإمم ~~الكاذبات على الله، المجتريات الآفكات، وإنما سميت مؤتفكات لما أتت به من ~~الإفك، والإفك: فهو العجز عن لحوق الحق والتمادي في طرق الفسق، فسمي من كان ~~كذلك مؤتفات مما كان منها من الكذب والإفك على الله في الحالات {بالخاطئة} ~~فهي الأفاعيل المخطئة العاصية، والخاطئة التي جاء بها فرعون ومن قبله، ~~والمؤتفكات: فهي الأمم المخطئات للصواب المذنبة ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {فعصوا رسول ربهم} فأخبر أن الخطيئات التي أتوا بها هي معصية ربهم في ~~معصية رسوله عليه السلام، وماكان منهم من التكذيب برسالاته {فأخذهم أخذة ~~رابية} يقول: أخذهم على معصيتهم لرسوله واجترائهم على التكذيب بآياته، ~~ومعنى {أخذهم} فهو أنزل بهم من العذاب الذي لاراد له، ومعنى {رابية} فهي ~~شديدة مبالغة بينة. # ثم أخبر سبحانه بما كان منه من النعمة في حملهم في الفلك الجارية ~~فقال:{إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} ومعنى {إنا} اخبار عن فعله ~~بهم، ومعناها نحن، ومعنى {لما} فهو إذ {طغى الماء} فمعنى طغى: فهو علا ~~وكثر، وأتى وطمى، والماء: فهو الماء المعروف الذي يستغنى بمعرفته الخلق له ~~عن شرحه وتفسيره وذكره وتأويله. # معنى {حملناكم }أي دللناكم على الركوب وهديناكم الى عملها، حتى عرفتم ~~ماجهلتم من بنائها، واستدللتم بدلالتنا على تقديرها فقدرتموها بقدرتنا، ~~وثبتموها بإرادتنا، فصارت فلكا حاملة لكم، سفنا في الماء جارية بكم، فهذا ~~معنى {حملناكم في الجارية} والجارية: فهي السفن المسمرة المؤلفة المبينة ~~المقدرة، التي تجري في البحار بأهلها، وتطفو بقدرة الله على الماء بما ~~فيها، فلما كان الله سبحانه الهادي لخلقه الى ذلك جاز أن يقول:{حملناكم}. # (/6) # --- PageV02P057 {لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} معنى {لنجعلها لكم} ms0276 هو لنصيرها لكم ~~تذكرة، ومعنى {تذكرة} فهو ذكر لكم وحجة عليكم، لتعلموا أنا أولياء نعمتها، ~~والمنعمون عليكم بها لتذكروا نعمتنا فيها فتشكروا وتتفكروا فيما هديناكم ~~اليه من أمرها، فتؤمنوا، ومعنى {وتعيها أذن واعية} فهو تفهمها وتعلمها، ~~وتوقن بها، وتعرفها، وهذه التي قال الله سبحانه:{تعيها أذن} فهي التذكرة ~~والحجة، والأذن الواعية: فهي الأذن المؤمنة المصدقة بكتب ربها ورسله وآياته ~~ونذره المستدلة بظاهر آيات الله وصنعه، وماأظهر في تدبير العالم من قدرته ~~على عجائب ماحجب من علمه، وأرسل به على ألسنة رسله من ذكر الحشر والحساب، ~~وماأخبر به سبحانه من الثواب والعقاب، الذي يكذب به المكذبون، وينكره ~~الكفرة المنكرون. # ثم أخبر سبحانه باليوم الذي يميز فيه العالمون، ويحشر فيه المبطلون فقال ~~تبارك وتعالى:{فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة }فمعنى {نفخ في الصور} أي فهو جعل فيها، ورد مايكون به حياتها من ~~أرواحها، التي يردها الله عند بعثها في أبدانها {نفخة} فمعناها: ردت ~~الأرواح الى الأبدان {نفخة واحدة }أي ردة واحدة، أي سريعة واجزة، فترجع ~~الأرواح بقدرة الله الى الأبدان التي كانت أولا فيها {وحملت الأرض والجبال} ~~فمعنى حملها: فهو أخذهما، ومعنى أخذهما: فهو نفاذ أمر الله فيهما، وانفاذ ~~ارادته في دكهما، ودكهما فهو اذهابهما، ومواقعة الفناء بهما، وزوال أمرهما، ~~وانحلال تجسمهما، وردهما الى ماكانتا عليه أولا من قبل خلقهما. # (/7) # --- PageV02P058 قوله {دكة واحدة} فهو اخبار من الله عزوجل عن سرعة مضي ارادة الله فيهما، ~~ونفاذ مشيئته في اذهابهما، وإنما معنى قوله:{واحدة} فهو اخبار منه سبحانه ~~عن نفاذ قدرته، وسرعة كينونة مراده، فمثل سرعة انقضاء ذلك كله بضرب الإنسان ~~بالشيء الذي يكون في يده على الأرض واحدة، ودكه بالشيء الذي يدكه دكة ~~واحدة، فأخبر سبحانه أن اذهابه للأرضين والسموات ونفخة في جميع صور ~~الآدميين، ورده لأرواحهم في أبدانهم في السرعة مثل ضربة الضارب بالشيء الذي ~~يكون في يده على الأرض ضربة واحدة، ليس معها لبث، ولاضربة ثانية، وذلك ~~اليوم الذي يكون فيه ماذكر الله، فهو يوم الحشر والحساب، ms0277 وملاقاة الثواب ~~والعقاب، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {فيومئذ وقعت الواقعة} ومعنى {يومئذ} فهو يوم يكون ماذكرنا من النفخ في ~~الصور، ودك الأرض والجبال، ومعنى {وقعت} فهو نزلت وحلت، وكانت وأتت، ~~فالواقعة: هي الساعة الواقعة بالناس، والساعة: فهي القيامة التي يواقع ~~الخلق أمرها، ويلقى كلهم فيها عمله، ويقع به جزاء فعله، وبوقوع الجزاء فيها ~~وقع اسم الواقعة عليها. # {وانشقت السماء} فمعنى انشقاقها: فهو انقطارها، وانفطارها: فهو تقطعها ~~لما يريد الله تبارك وتعالى في ذلك اليوم من فواتها وتبديلها. # {فهي يومئذ واهية} والوهية: فهي المتمزقة المتقطة، التي قد صارت أبوابها ~~فرجا، كما قال الله سبحانه:{وفتحت السماء فكانت أبوابا}. # {والملك على أرجائها} فمعنى {الملك} فهو الملائكة، فخرج اللفظ كأنه لملك ~~واحد، وهو لجميع الملائكة كما قال الله سبحانه:{ياأيها الإنسان ماغرك بربك ~~الكريم} فخرج الإسم كأنه لواحد، وهو لجميع الناس، وأرجاؤها: فهو نواحيها ~~وأطوافها وجوانبها , يريد سبحانه أن الملائكة عند تقطع السماء يكونون ~~واقفين على أرجائها منتظرين لأمر الله فيها وفي غيرها. # (/8) # --- PageV02P059 {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} معنى {يحمل عرش ربك} هو يقوم به، ويأمر ~~فيه وينهى بنهي الله تبارك وتعالى، والعرش: فهو الملك، والملك: فهو جميع ~~ماخلق الله وبرأ في الآخرة والدنيا، ومعنى {فوقهم} فهو منهم فقد خلفت فوق ~~من ؛ لأنها من حروف الصفات، يخلف بعضها بعضا، ومعنى {يومئذ} فهو يوم ~~القيامة عند وقوع الواقعة، وانشقاق السماء، وكينونة الحساب والجزاء، ومعنى ~~{ثمانية} فقد يمكن والله أعلم أن يكونوا ثمانية آلاف، أوثمانية أصناف من ~~الملائكة المقربين، ينفذون أمر رب العالمين في ذلك اليوم، الذي تحمل ~~الملائكة عرشه فيه، وتكون قائمة به فيه وعليه، فأراد الله سبحانه ~~بقوله:{يحمل عرش ربك} اخبارا منه أن له سبحانه ثمانية اصناف من الملائكة، ~~أوآلاف يحملون في ذلك اليوم عرشه، وعرشه: فهو ملكه، وحملهم لملكه في ذلك ~~الؤوم العظيم: فهو قيامهم فيه بأمر الرحمن الرحيم، وانفاذهم لحكمه، ~~ومجازاتهم بأمره لخلقه، وايصال أهل الثواب الى الثواب، وعتل أهل القاب، ~~وإنفاذهم لحكمهالى العقاب، ومحاسبة المحاسبين، وتوقيف الموقوفين على ماكان ~~من ms0278 أعمالهم في مبتدأ ماكان من حياتهم فهذا من أفعال الثمانية، وشبهه ~~ومايكون من غير ذلك ومثله، فهو حمل منهم لملكه الذي هو عرشه، فهذا معنى ~~حملها له لاغيره، وقد تقول العرب في ذلك، وماكان من الحال كذلك لوزير الملك ~~العظيم الشأن ذي القوة والمقدرة والأعوان: حمل وزير فلان عنه الأمر، تريد ~~كفاه إياه، وقام به، وأنفذ فيه كل أمره، واحتذى فيه كله مراده وحذوه، وتقول ~~العرب: لاتحمل على نفسك مالاتطيق، تريد بذلك أي لاتعمل بما لاتطيق، لاأنه ~~شيء يحمله على ظهره، ولاوزر يقله على متنه، وكذلك تقول العرب: حمل فلان ~~رعيته مالايطيقون، ليس تريد بذلك أنه وضع على ظهورهم حملا منه يعجزون، ~~وإنما تريد كلفهم وأمرهم بأمر لايطيقونه، وألزمهم شيئا لايستطيعونه، وفي ~~ذلك مايقول شاعر # (/9) # --- PageV02P060 من العرب: # حملت أمر جليلا فاضطلعت به...... وقمت فيه بأمر الله يارجل # فقال: حملت: يريد كلفت يارجل، ولم يرد حملت على ظهرك ثقلا به يثقلك، ~~ولاوزرا يفدحك، وإنما أراد طلفت أمرا جسيما فاضطلعت به، أي قمت به، وقويت ~~عليه، وفي ذلك مايقول الله سبحانه:{ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} ~~فقال تعالى: {ليحملوا أوزارهم} أي ليحملوا ثقل الوزر، وثقل الوزر: فهو ~~الإثم، ويتقلدون وزرهم، ووزر غيرهم بالأمر الذي يأتونه، من معاصي ربهم، ~~وماهم يتقلبون فيه من الجرأة على خالقهم، ولم يرد أنه وزر محمول، ولاشيء ~~ثقيل يوضع على الظهر معمول، فعلى هذا ومثله وماكان من اللغة على شكله يخرج ~~حمل الملائكة لعرش ربهم، لاعلى مايقول أهل الجهل بربهم من أنه عرش تحمله ~~الملائكة، مدبر معمول مربع، فوق أكتافها محمول، وأن الله سبحانه فوق العرش ~~تعالى عن ذلك الواحد العلي الكريم وتقدس أن يكون كذلك العزيز العظيم. # ثم قال سبحانه:{يومئذ تعرضون لاتخفى منكم خافية} معنى {يومئذ} فهو يوم ~~قيام الملائكة بعرش ربها، ومايكون فيه من قبضها بأمره وبسطها {يعرضون} ~~فمعناها: يبرزون ويحاسبون، وتعرض عليكم أعمالكم وتبين لكم أفعالكم، وتوقفون ~~عليها، وتعاينون مايجب عليكم ولكم فيها {لاتخفى منكم خافية} يقول: لايخفى ~~من أعمالكم شيء، ولايغيب منكم في ذلك اليوم ms0279 أحد، ومعنى قوله:{خافية} يقول: ~~فهي مستترة وغائبة، فيقول: إنه لايخفى من أعمالكم صغير ولاكبير، وأن ماكان ~~يخفى من صغير وكبير ظاهر عليكم في ذلك اليوم كبيرا كان أوصغيرا. # (/0) # --- PageV02P061 {فأما من أوتي كتابه بيمينه} فالكتاب: فهو الحساب، وماأحصاه عليه ملكاه من ~~جميع الأسباب، فقوله:{أوتي} فهو وقف وبين له أمره، وأظهر عليه فيه سره، حتى ~~يعلمه علما حقا، ويعلم أنه لم يحص عليه كاتباه إلا صدقا، ومعنى {بيمينه} ~~فهو اليمن والبركة، ومايلقى به الملائكة أهل الدين والتطهرة، من البشارة من ~~ربهم، والتبشير والتطمين لهم عند توقيفهم ومحاسبتهم، فهذا معنى ~~قوله:{بيمينه} وكذلك قال ذو العزة والجلال في أصحاب الميمنة حين ~~يقول:{وأصحاب الميمنة ماأصحاب الميمنة} فأراد بقوله {الميمنة} باليمن ~~والبركة، والفضل والمغفرة، لاأن ثم ميمنة قصدها الله ولاميسرة. # {فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه} ومعنى يقول: أي هو قول من المؤمن المحاسب عند ~~تبشير الملائكة بالرحمة والرضى من الله والمغفرة، فيقول عند ذلك لمن يحاسبه ~~من الملائكة:{هاؤم اقرأوا كتابيه} ومعنى {هاؤم} فهي هاكم، فهو حض على أن ~~يقرأوا، وهي تخرج على معنى هلموا اقرأوا كتابيه، ومعنى {اقرأوا كتابيه} فهو ~~فسروا حسابيه، واشرحوا عمله، وبينوا فعليه، استبشارا منه بجزاء عمله، وثقة ~~منه بعدل ربه. # {إني ظننت أني ملاق حسابيه} فمعنى {ظننت} أي أيقنت في الدنيا أني ملاق ~~حسابيه في هذا اليوم، فأخذت له أهبته، وعملت له عمله في دار الدنيا، فلقيت ~~السرور في الآخرة التي تبقى، ومعنى {ملاق} فهو معاين مواقع مدان {حسابيه} ~~فهو مناقشتي على فعلي ومحاسبتي على ماتقدم مني صغيرا قدمته، أوكبيرا عظيما فعلته. # (/1) # --- PageV02P062 ثم أخبر سبحانه بمكان من كان كذلك ممن أخذ أهبته لذلك فعمل على حذر من ~~أمره، وتيقظ في دار دنياه لنفسه فقال في من كان كذلك من المؤمنين المستعدين ~~في الدنيا لمحاسبة يوم الدين:{فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها ~~دانية} معنى قوله:{فهو} يريد أي من أوتي كتابه بيمينه فهو في عيشة راضية، ~~والعيشة: فهي المعيشة، والمعيشة: فهي الحياة الرضية، والحياة الرضية: فهي ~~الحياة الهنية، وهي المعيشة الرضية {في جنة ms0280 عالية} والجنة: فهي دار الثواب، ~~والعالية: فهي العظيمة الأمر، الرفيعة القدر، الجليلة الخطر {قطوفها دانية} ~~فالقطوف: فهي الثمار من فواكه الأشجار التي جعلها الله سبحانه معيشة ~~للمؤمنين، ومتفكها للمثابين، ومعنى {دانية} فهي قريبة من المتناول لها، ~~متهيئة على أحسن حالاتها. # {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} هذا أمر من الله ~~سبحانه لهم بأكل مارزقهم وشرب ماسقاهم اباحة منه لهم ماتفضل به عليهم هنيا، ~~فمعناها سليما من كل آفة، لاأذى فيه ولامخافة في أكله على آكله، لاتخالف ~~طباع آكله، ولاتخالف ارادة متناوله {بما أسلفتم} يقول: هو جزاء لكم على ~~ماقدمتم من العمل في الدنيا، فاستوجبتم هذا أجرا لكم في الآخرة التي تبقى، ~~والأيام الخالية: فهي الأيام الفانية، أيام الدنيا التي انقضت وفنيت فمضت. # (/2) # --- PageV02P063 ثم رجع سبحانه الى صفة أهل الشمال فقال:{وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ماحسابيه} فمعنى {أوتي كتابه} فهو حوسب، ~~ووقف على ماأحصى عليه من فعله، وعرف من عمله، ومعنى {بشماله} فهو مثل من ~~الله عزوجل مثله لعباده ضربه لهم بالشمال العسر والشدة في كل حال، يقول ~~سبحانه: حوسب حسابا شديدا، ووقف توقيف عنيفا {فيقول ياليتني لم أوت كتابيه} ~~هذا قول من استحق الوعيد من ربه عند معاينة جزاء فعله وسعيه، فحينئذ ~~يقول:{ياليتني لم أوت كتابيه} ومعنى {ياليتني} هو وددت أني لم أوت كتابيه، ~~ومعنى {أوت كتابيه} فهو ألقى سيئ عملي، وأعرف ماأحصي علي من فعل {ولم أدر ~~ماحسابيه} يقول: ياليتني كنت ميتا على حالتي، وباليا في الأرض فانيا، ~~لاأدري ماالحساب، ولاأرى ماكنت أوعده من العقاب، وأكون ترابا في القبر، ولم ~~أعاين ماعاينت من شدة الأمر، ألا ترى كيف يقول: # {ياليتها كانت القاضية} والقاضية التي تمناها الفاسق في ذلك اليوم، فهي ~~القاضية التي عرف في الدنيا عند موته، فقضت عليه فأماتته، وإلى القبر ~~صيرته، فيتمنى أن قاضية الموت تنزل به في يوم الدين، فتريحه من العذاب ~~المهين، فيكون في الآخرة التي تبقى ميتا فانيا كما كان في الدنيا. ثم قال: ~~خزي ms0281 وردي، وقد أخزي لعمري إذ غوي. # {ماأغنى عني ماليه} يقول: لم يغن عني ماكنت أجمع من المال، ومعنى غني ~~عني: فهو يدفع عني شيئا مما نالني، فأقر في يوم الدين بأن الذي كان فيه في ~~الدنيا غرور وتزيين، وأنه اليوم قد صار الىالحق اليقين. # {هلك عني سلطانيه} يقول: ضل عني تجبري في الدنيا وتسلطني، ومعنى ضل عني: ~~أي ذهب فلم ينفعني، ويقيت اليوم خاليا فردا وحدي، ومن سلطان الحجة فردا، ~~يقول: ضلت حجتي إذ لم تكن لي حجة ولاقول يقبل مني في الآخرة، وقد روي وقيل: ~~إن ذلك ابوجهل بن هشام لعنه الله. # --- PageV02P064 ثم أخبر سبحانه بما يكون من أمره لحملة عرشه فيه، وفي ايصال الوعيد اليه ~~فقال:{خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} ~~معنى {خذوه} فهو أمر من الله للزبانية بأخذه، والأخذ له فهو البطش به ~~والقبض عليه، {فغلوه} معناها: أوثقوا يده الى رقبته {ثم الجحيم صلوه} ~~فالجحيم: هي النار، و{صلوه} فمعناها: اصلوه، ومعنى اصلوه: فهوحرقوه وأنضجوه ~~وعذبوه وأحرقوه {ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} والسلسلة: فهي ~~سلسلة من حديد {ذرعها} يعني طولها {سبعون ذراعا} فهو الذراع المعروف بالطول ~~الموصوف {فاسلكوه} معناها: في السلسلة فاجعلوه، ومعنى جعله في السلسلة: ~~فهومعنى جعل السلسلة في رقبته، وقد قيل: إنها تنفذ من ظهورهم الى صدورهم ~~حتى ينظموا فيها نظما نظما، وقد قيل بغير ذلك، وأصح ذلك عندنا جعلها في ~~أعناقهم ؛ لأن الله سبحانه قد ذكر ذلك فقال:{إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون}. # قوله:{إنه كان لايؤمن بالله العظيم} يقول: إنه كان لايصدق بأمر الله، ~~ولايقر بوحدانية الله، ولايتعبد الله بما أمره {العظيم} فهو الجليل النافذ ~~الإرادة، ماضي المشيئة، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # وقوله:{ولايحض على طعام المسكين} يقول: لايأمر بإطعام المستطعمين من ~~المساكين بل كان ينهى عن ذلك جميع المطعمين، وقد يخرج معنى ذلك على أنه لم ~~يكن يحض على أداء الزكاة التي جعلها الله عونا للمساكين، وتقوية على اقامة ~~الدين، فلم يكن يؤديها ولايحض ms0282 لعنه الله عليها. # --- PageV02P065 ثم قال سبحانه:{فليس له اليوم هاهنا حميم} يريد أنه ليس له في يوم الدين ~~حميم، ومعناها: أي عندنا في دار آخرتنا حميم، والحميم: فهو ماكان يغتر به ~~من البنين والعصبة والأقربين، فأخبر الله سبحانه أنه كان انقطع عنه في ذلك ~~اليوم الذي كان يغتر به في الدنيا من عشائره وأقربيه، وأهل طاعته وبنيه، ~~ففارقه أصحابه وأعوانه، وضل عنه في ذلك اليوم سلطانه. # {ولاطعام إلا من غسلين لايأكله إلا الخاطئون} فأخبر أنه لاطعام له في ذلك ~~اليوم ولامعيشة ولاحياة {إلا من غسلين} والطعام فهو المأكول، والغسلين: فهو ~~صنف من طعام أهل النار يدعى الغسلين، وهو شيء يزيد آكله بلاء وجوعا وشقاء، ~~لايهنأ آكله، ولاينتفع صاحبه، جعله الله عذابا لأهل معصيته، ألا تسمع كيف ~~يقول:{لايأكله إلا الخاطئون} فأخبر سبحانه أن أهل الخطاء على أنفسهم ~~بالمعصية لربهم يأكلون الغسلين، ويعذبون بأكله في يوم الدين. # --- PageV02P066 ثم أقسم سبحانه عن صدق قول رسوله صلى الله عليه وعلى آله بما جاء به من ~~الرسالة عن ربه فقال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه:{فلا أقسم بما تبصرون ~~ومالاتبصرون إنه لقول رسول كريم} معنى {فلا} هو أفلا أقسم، ومعنى {بما ~~تبصرون} يريد بما تبصرون من الأشياء مما فيه أثر قدرتنا وعجائب تدبيرنا من ~~لطيف صنعنا الشاهد بالربوبية لنا الناطق بصدق رسولنا من الآيات الباهرات، ~~التي جاء بها النيرات، اللواتي هن دلالات وعلامات على أنه من المرسلين بما ~~جاء به من الأمر المبين {ومالاتبصرون} يقول: وبما لاترون مما قد علمناه ~~فأقسمنا به وذكرناه من عجائب خلقنا، ودلائل فطرتنا في الجن والملائكة، وغير ~~ذلك من الأشياء المغيبة التي لاترونها بأعينكم، ولاتفهمونها لعجزكم، وقلة ~~استطاعتكم واستدراك ماغاب عنكم {إنه لقول رسول كريم} يقول: إن هذا الذي ~~ذكره لكم رسولنا مما بعثناه به، وأيدناه بذكره، والإعذار فيه، والإنذار ~~لأحق مايكون من القصص والأخبار، من ذكر الحاقة والواقعة، وشقق السماء إذ هي ~~واهية، ووقوف الملك على أرجائها عند وقت تغييرنا لها وتبديلها، وظهور ~~خافيات صدوركم حين يعرضون على ربكم، واستبشار ms0283 من أوتي كتابه بيمينه، وحلوله ~~فيما وعدناه من جنتنا، وتمني من أوتي كتابه بشماله عند وقت معاينته لما كان ~~يوعد به في حياته القاضية المفنية، والجائحة المهلكة، واقراره يقلة غناء ~~ماله عنه، وهلاك سلطانه منه، وماذكر صلى الله عليه وآله لهم مما أمر بذكره ~~ووصفه لما أمر بوصفه، وشرحه لما أمر بشرحه، من الجحيم وإصلائها لأهلها، ~~والسلسلة وذرعها، وغل أهلها في يوم الدين بها، وماأمر بذكره فذكره، ~~والتحذير له فحذره، من أكل الغسلين، الذي جعل طعاما للخاطئين، فأقسم سبحانه ~~وجل عن كل شأن شأنه إن لهذا القول كله من قول رسوله لأحق من بعثه به الى ~~خلقه، وأمره بشرحه لجميع بريته، وإنه لقول رسول كريم، وماهو كما يقولون، ~~ولاكما يذكرون في # (/6) # --- PageV02P067 كذبهم، ومايسطرون فيزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله شاعر، ومرة ~~كاهن، ومرة ساحر، ومرة مجنون، فأخبر سبحانه أنه لقول رسول كريم، وهو صادق عليم. # ثم أقسم ماهذا القول {وماهو بقول شاعر} قال سبحانه:{قليلا ماتؤمنون} يريد ~~أن ايمانكم وتصديقكم بالحق الذي جاء به رسولنا من عندنا على ماترون من ~~البراهين التي لاتكون إلا منا قليل لكفركم وعنادكم، وتكذيبكم وحسدكم. # ثم رد على القسم بالواو فقال:{ولابقول كاهن} فنفى سبحانه أن يكون هذا ~~القول قول الكاهن، ثم قال:{قليلا ماتذكرون} فأخبر أن تذكرهم قليل، ومعنى ~~{تذكرون} فهو تتدبرون الأمور، وتتفكرون فيها، فأعلمهم سبحانه أن تذكرهم ~~وتدبرهم قليل، وأنهم لو تذكروا أوتدبروا وتفهموا وأنصفوا لعلموا أن هذا قول ~~رسول كريم، وأنه ليس بقول شاعر ولاكاهن رحيم. # ثم اخبر تبارك وتعالى أن كلما أتىبه صلى الله عليه وعلى آله من ذلك، فهو ~~من الله حقا، وقولا صدقا، فقال سبحانه:{تنزيل من رب العالمين} فأخبر أن ~~محمدا صلى الله عليه وآله لم يبلغهم إلا ماأمر به اليهم، وأنه لم يزد ولم ~~ينقص في شيء تلاه عليهم. # ثم قال:{ولو تقول علينا بعض الأقاويل} يقول: لو كان في شيء مما يقولون ~~حتى تقول علينا باطلا كما تذكرون في بعض أقاوليه، أوفي شيء من اخباره ~~وأحاديثه. # {لأخذنا منه ms0284 باليمين} معنى اليمين: فهو الأمر القوي المتين، وفي ذلك ~~مايقول شاعر من العرب: # إذا ماراية رفعت لمجد...... تناولها عرابة باليمين # ومعنى {أخذنا منه} فهو انتقمنا منه انتقاما شديدا، فهذا معنى {أخذنا منه ~~باليمين}. # {ثم لقطعنا منه الوتين} يقول: لأنزلنا عليه نقمة تقطع وتينه، والوتين: ~~فهو نياط القلب وعلائقه، التي تكون بقطعها مفارقته للحياة ومصيره الى ~~الوفاة. # (/7) # --- PageV02P068 {فما منكم من أحد عنه حاجزين} يخبر سبحانه أنه لو أراده بسب، ماكان له عنه ~~حاجز منهم، ولاعنه له مدافع فيهم، فصحح سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وعلى ~~آله أداء الأمانة، وتبليغ الرسالة بما ذكر من قوله:{ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين} لأنه لما أن قال:{لوتقول علينا} لفعلنا به ماذكرنا، ثم لم يكن منه ~~سبحانه فيه شيء مما ذكر أنه يفعله به لو تقول علينا باطلا صح له صلى الله ~~عليه وآله بأحق حقائق التحقيق أداء الأمانة، وتبليغ حقيقة الرسالة بصحة ~~نصيحة وصدق، وثبتت له الحجة بذلك على الخلق، والحاجز: فهو المانع، والمانع: ~~فهو القائم دونه والمدافع. # ثم أخبر جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله أن هذا القول الذي بعث الله ~~به رسوله صلى الله عليه وآله من الإعذار والإنذار، والتحذير والأخبار بذكره ~~للمتقين فقال:{إنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} فمعنى {إنه} ~~يقول: إن هذا القرآن، والقول {لتذكرة للمتقين} والتذكرة: فهي التنبيه ~~والزجر والتحذير للمتقين، والمتقون: فهم المؤمنون المتقون لربهم، والتقي: ~~فهو الخائف لذنبه المشفق من عذاب ربه، فأخبر سبحانه أن هذا كله لاينتفع به، ~~ولايكون تذكرة إلا لأهل الدين والتبصرة والدين، يتفكرون فيه، ويذكرونه، ثم ~~قال:{وإنا لنعلم أن منكم مكذبين} فأخبر سبحانه أنه يعلم ممن نزل عليه هذا ~~القرآن مكذبا به غير مؤمن بغيبه، معاندا للرسول عليه السلام في قوله مخالفا ~~له سبحانه في حكمه. # {وأنه لحسرة على الكافرين} يقول سبحانه: حسرة في يوم الدين على الكافرين، ~~متحسرون عليه ألا يكونوا قبلوه، وألا يكونوا آمنوا به واتبعوه، ms0285 والحسرة: ~~فهي الندامة والحرقة، والتأسف على فوات مافاتهم إذ كان ممكنا لهم في ~~حياتهم، فتركوه في وقت امكانه، فتحسروا عليه بعد فواته، والكافرون: فهم ~~العاصون المكذبون. # (/8) # --- PageV02P069 ثم قال سبحانه:{وانه لحق اليقين} يريد بقوله: {وأنه} يقول: إن هذا القول ~~الذي قلنا، والذكر الذي ذكرنا، والشرح الذي شرحنا لحق يقين، صادق القول ~~مبين، وآت كائن قريب من أهله واقع بهم نازل عن قليل عليهم. # {فسبح باسم ربك العظيم} معنى {فسبح} أي كبر، وقدر، وقدس، ونزه ربك إذا ~~ذكرته بشيء من أساميه، ونسبت اليه في شيء مما يرضيه {ربك} معناها خالقك ~~ومالكك {العظيم} فهو الواحد الجليل، الفعال لما يريد، الغالب غير مغلوب، ~~الذي ماشاء من الأشياء أن يكون كان، بلا كلفة ولاأعوان، النافذ المشيئة، ~~العظيم القدرة، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، الذي لم يكن له ~~شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا. # (/9) # --- PageV02P070 ### || AUTO تفسير{سورة ن} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله تبارك وتعالى {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون} ~~هذا قسم من الله سبحانه بالنون والقلم وما يسطرون، على أن رسول الله غير ~~مجنون، كما يقول الفاسقون، ونسب إليه المكذبون، فأقسم الله بالنون، والنون: ~~فهو الحوت، وما أحسب والله أعلم أن الله أقسم في هذا الموضوع بنون غير نون ~~يونس النبي صلى الله عليه الذي التقمه، ولبث في بطنه حتى أراد الله تخليصه ~~فخلصه، فأقسم الله به سبحانه تنبيها على عجيب ما جعل فيه وركبه، وقدر له ~~وسبب من التقامه ليونس رسول الله صلى الله عليه، ومكثه في بطنه حيا سويا ~~طول ما مكث في جوفه مستجنا، فنبه سبحانه على عجيب ما كان من قذفه له عند ~~إرادة الله لقذفه، فلما أن كان من تدبير الله عز وجل لذلك كله في يونس صلى ~~الله عليه، وأمره بالحوت وسببه، أقسم الله سبحانه في هذا الموضع تنبيها على ~~عجائب ما كان فيه من قدرته. # وكذلك أقسم بالقلم تنبيها منه لجميع الأمم على ما ms0286 فعل فيه وركب وهدى ~~الخلق إليه وسبب، من قطع القلم وبريه وشقه وقطعه، ومحكم ما هداهم إليه من ~~تدبيره، وفطنهم سبحانه من تقديره حتى قدروه بقدرة الله تقديرا، ودبروا ~~أحكامه بهداية الله لهم تدبيرا، حتى صلح بعد التقدير، والتأم بعد الإحكام ~~والتدبير، فصار سببا لما يسطر ويكتب ويبين في الصحف من كل ما سبب، فنبه ~~الله سبحانه جميع العالم على عظيم ما ألهمهم له من تدبير القلم، وعلى عجيب ~~ما ألهم الخلق من أمره، وهداهم اليه من تدبيره، حتى صلح لما جعل له، لأن ~~آيات القلم، وفعل الله فيه وماهدى ودل الخلق عليه، فعل عجيب أمره ولطف ~~ظاهره نوره، ألا ترى كيف يسطر به مالايستغنى عنه من العلامات والدلالات، ~~والأسرار الخفيات، والأخبار الكافيات، حتى يبلغ بها الحاجات، ويعلم بها ~~الإرادات، ويثبت بالقلم في الصحف كل حاجة بعدت أوقربت، تبلغ بعيد البلاد ~~وقريبها، وقاصيها ودانيها، مع ماينال بالقلم من غير ذلك من تنفيذ حساب ~~العالمين، ومايحفظ به من التداين بين المتداينين، ومايسطر به من كتاب رب ~~العالمين، ويثبت به من أحكام أحكم الحاكمين، ويكون به أثت علم المتعلمين ~~والعالمين، وبسببه وماذكرنا من ألوانه وأسبابه، وحكمه وآياته مامثل الله ~~للعباد حفظه لأفعال عباده، صغيرها وكبيرها بما يكتبونه بالقلم في صحفهم، ~~ويثبتونه بالقلم عندهم في كتبهم، فيكون عندهم مذكورا لاينسى، وثابتا صحيحا ~~أبدا أبدا، فقال سبحانه:{وكل شيء فعلوه في الزبر} (1) وقال:{وأما من أوتي ~~كتابه بيمينه}(2) وقال فيما حكى من محاورة موسى وفرعون حين قال فرعون:{فما ~~بال القرون الأولى} (3) فأجابه في ذلك موسى صلى الله عليه عن العلي الأعلى ~~فقال:{علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي ولاينسى}(4) فمثل له حفظ الله ~~سبحانه لأمرها، وعلمه بصورة شأنها، وماتقدم من فعالها بما # (/0) # --- PageV02P071 يكون في الكتاب، الذي لاينسى، الذي هو غاية الحفظ عندهم، وأكثر مابه يحفظون ~~أسبابهم، فهذا كله من عجائب تدبير الله في القلم، وماهداهم اليه في، من ~~جميع الأمم، فلذلك أقسم به الرحمن تنبيها منه لجميع الإنسان، على ماكان منه ~~فيه من المن والإحسان. # قوله:{ومايسطرون} ms0287 فأقسم سبحانه بمايسطرون من القرآن العظيم، الذي يكتبون ~~ويقرأون، وقد يمكن أن يكون معنى قوله:{ومايسطرون} تنبيها لهم على النعمة، ~~وجليل أثر القدرة، فيما دبره من حروف الهجاء من الألف واللام، والواو ~~والياء وغير ذلك من الأشياء، وغير ذلك من التسعة والعشرين حرفا، التي جعلت ~~للكتاب كله حكما ومعنى، فنبههم سبحانه على ماهداهم اليه منها، وعلمهم إياه ~~من تدبيرها، وتقطيع ماتقطع منها، وتوصيلها مايوصل فيها حتى تجتمع الأحرف في ~~الإسم الواحد المسمى، ويفترق في غيره من الأسماء فيأتي كل شيء على معناه، ~~ويستوي كل حرف على أصله ومستواه، ففي هذا لعمر من عقل واهتدى دليل على من ~~إليه هدى، ومبين لقدرة من قدره، وشاهد على حكمة من دبره. # فإن يكن أراد سبحانه بقوله:{ومايسطرون} أي مايقولون ويجعلون من تلفيق ~~حروف الكتاب ويؤلفون ففي أقل من هذا ماأقسم الله به، ودل عليه، ونبه أهل ~~الجهل به على معانيه احتجاجا من المقسم به على الشاك في قدرته، الضال الفهم ~~عن حكمته. # (/1) # --- PageV02P072 وإن يكن سبحانه أراد بقوله:{ومايسطرون} كتابه الذي يقرأون، الذي ذكره، ~~وأقسم به في أول سورة {والطور} حين يقول سبحانه:{والطور وكتاب مسطور في رق ~~منشور} فهو الكتاب الذي يسطرون، وهو القرآن الحكيم الذي يقرأون، وكلا ~~الأمرين يخرج في المعنى، ويصح في قلب من كان ذا هدى، وقد أتوهم والله أعلم ~~أن الذي أسم به سبحانه لجليل أمره وعظيم خطره، وماجعل الله من برهانه وأمره ~~وحججه على خلقه، وحلاله وحرامه، وماتعبد به سبحانه جميع خلقه وعباده، فأقسم ~~سبحانه بالنون والقلم ومايسطرون من كتاب الله العظيم الذي يكتبونه، ~~ومانبيئه صلى الله عليه وعلى آله بنعمة ربه بمجنون، ومعنى قوله:{ماأنت} أي ~~ماأنت يامحمد {بنعمة ربك} يريد بكرامة ربك ومدافعته لكل سوء عنك، وربك: فهو ~~خالقك ومالكك {بمجنون} يقول: ماأنت بزائغ العقل، ولامأفون ولابمخلط مجنون. # {وإن لك لأجرا غير ممنون} يقول: لك عند ربك أجرا، والأجر: فهو الثواب ~~والعطاء على ماصبر عليه من المحن والبلاء {غير ممنون} فالممنون هو يقول: ~~غير مستكثر لك ولاممنون عليك، يعني بالذكر له ms0288 في يوم الدين، والإستكثار له، ~~بل هو قليل لك عندنا، وإن كثر في عينك وعين غيرك، صغير ماأعطيناك عندنا، ~~وإن كان عظيما عندك، هذا معنى {غير ممنون}. # (/2) # --- PageV02P073 {وإنك لعلى خلق عظيم} فهو ماجعله الله عليه من الطبع الكريم، والقلب البر ~~الرحيم، والأخلاق الحسنة، والطبائع الكريمة من الصبر والتجمل، والعفو ~~والتحمل، وغير ذلك من الأخلاق التي جعلت فيه، وامتن الله سبحانه بها عليه، ~~التي يعجز عن يسيرها غيره، ولايحمل القليل منها إلا مثله، والخلق: فهو ~~مايتخلق به العباد بينهم، وتخلقهم: فهو فعلهم، وفعل الله في خلق نبيئه صلى ~~الله عليه وعلى آله فهو عونه وتوفيقه وتسديده، لكل جميل من الأخلاق، فلما ~~أن كان العون في ذلك من الواحد الخلاق جاز أن ينسب اليه على طريق مجاز ~~الكلام في قول القائلين، لاأن شيئا من أفعال رسول الله عليه السلام فعل لرب ~~العالمين، وقوله:{خلق عظيم} فهو: خلق جليل، لايقدر عليه غيرك، ولايفعله سواك. # {فستبصر ويبصرون} معنى {فستبصر} يقول: سوف ترى ويرون صدق ماتخبر به، ~~ويخبرون، ونذكر لك ونعدك ونعدهم، ونخوفك ونخوفهم، ونشرح لك من أمر القيامة ~~ونشرح لهم من العذاب والثواب، ألا تسمع كيف يقول:{فستبصر ويبصرون} {بأيكم ~~المفتون} يقول: فستعلم ويعلمون بأيكم المفتون: فهو المعذب المغبون، ومعنى ~~ستبصر ويبصرون: هو تعلم ويعلمون، والعرب تجعل تبصر في معنى تعلم، وتعلم في ~~معنى تبصر، تقول العرب: فلان بصير بالحلال والحرام، تريد عالم بهما، فهم ~~بأسبابهما، وتقول: بصير بالشعر، بصير بالنحو، تريد بقولها: بصير بها أي ~~عالم بأمرهما، واقف على حدودهما، فأخبر الله سبحانه نبيئه صلى الله عليه ~~وعلى آله أنه سيعلم، وأنهم سيعلمون في يوم الدين من يكون من المعذبين. # (/3) # --- PageV02P074 ثم قال سبحانه:{إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فأراد ~~سبحانه وجل جلاله أنه أعلم بمن ضل عن سبيله، ومعنى {ضل} فهو عدل وترك، ~~و{سبيله} فهو طريقه ودينه التي جعلها لخقه دينا وسبيلا، ومتعبدا يعبدونه، ~~ويثبتون عليه لايعدلون عن قصده، ولايميلون عن محجته، ثم أخبر أنه أعلم ~~بالمهتدين، والمهتدون: فهم الثابتون ms0289 على سبيله الذي ارتضاه لخلقه. # ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله عن المخافة في ذاته لوعيد ~~المكذبين، فسمى المخافة لهم طاعة لمن خافهم، فقال سبحانه:{فلا تطع المكذبين ~~ودوا لو تدهن فيدهنون} معنى:{لاتطع} هاهنا في هذا المكان بأوضح الحق ~~والبيان: فهو لاتخف وعيدهم إياك، فتترك شيئا مما أمرنا لك به من الجهر ~~بدعوتك، وا لإظهار لشرائع دينك، والإعلان بعبادة ربك، متاقاة لهم ومخافة من ~~شرهم، والمكذبون الذي نهى الله عن خوفهم، فهم أهل التكذيب لرسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله الذي جاء به عن الله خاصة. # {ودوا لو تدهن فيدهنون} يقول سبحانه:{ودوا لو تدهن} لهم في الإتقاء ~~لمخافتهم، إما رهبة، وإما مصانعة فتترك شيئا مما أمرت بإظهاره فتخفيه مخافة ~~لهم، ومحاذرة أن تبديه، فيدهنوا هم في يسير فيداروك بأعظم من مدراراتك لهم ~~ليوقفوك بذلك عن مباينتهم، ويحجروك بالمداراة والمداهنة على مكاشفتهم، ~~فأخبر الله سبحانه أنهم يودون بأجمعهم لو تركت شيئا من مباينتهم. # --- PageV02P075 ثم أمره {ولاتطع كل حلاف مهين} والطاعة هاهنا التي نهى الله عنها لكل حلاف ~~مهين، فهو ايضا ماذكرنا من المخافة من الحلاف المهين في شيء من وعيده ~~وابراقه وارعاده عليه، وحلفه وأيمانه فيه، فنهاه صلى الله عليه وآله من ~~مخافته، أوترك شي من اظهار أ/ر الله لمراقبته، وسمى تركه لشيء من ذلك لخوف ~~شيء من وعيده طاعة منه له، والحلاف: فهو الكثير الأيمان بالله، الذي لايفي ~~بشيء منها، ولايقوم بحد من حدودها، والمهين فهو الذليل الحقير. # {هماز مشاء بنميم} فالهماز: هو الذي يهمز الإنسان من خلقه، ومعنى يهمزه: ~~أي يؤذيه بلسانه ويتناوله، ويقع فيه من ورائه وينتقصه {مشاء بنميم} معنى ~~{مشاء} أي مشاء بين الناس {بنميم} بالنمائم، والمشي بها: فهو المجيء الى ذا ~~بالخبر عن ذا، والمجيء من ذا الى ذا بالخبر ليوقع بينهم الوحشة والبلاء ~~والعداوة والأذى، ومعنى {بنميم} فهو ببلاغه وخبره، والنميمة فلا تكون خاصة ~~إلا في كل خبر قبيح يوحش بعض الناس من بعض، ويفسد المودة بينهم، ويوقع ~~الوحشة في قلوبهم، فما ms0290 كان من الأخبار المنقولة بفعل هذا فهو نميمة، ~~وناقلها يدعا نماما، ومالم يكن من الأخبار يوقع الوحشة، ويوجب الفرقة، ~~ويحدث الهجرة والبغضة فلا ينتظمه اسم النميمة، ولايدعى حامله وناقله نماما. # {مناع للخير} يقول: فهو الممتنع من كل خير، الداخل في كل ضير {معتد أثيم} ~~فالمعتدي: هو الظالم الغوي {أثيم} فهو الآثم الردي. # --- PageV02P076 {عتل بعد ذلك زنيم} العتل: فهو الفدم من الرجال في الخلق والفعال، الذي ~~لافهم له بما يقول أويفعل، ولامعرفة له بما يأتي ومايعمل، الذي لايميز بين ~~الأمور في معانيها، ولايعرف حسناها من مساويها، ولايفعل شيئا بتمييز أصلا، ~~ولايأتي من الخير إلا ماعتل عليه عتلا، لفدامة خلقه، وقلة تمييزه ~~لنفسه.{بعد ذلك زنيم} يقول: بعد هذه الخصال التي فيه كلها هو زنيم أيضا، ~~والزنيم: فهو الذي له في خلقه زنمتان يبين بهما من غيره للمبصرين، يكونان ~~في حلقه متدليتين، يعرف بهما، ويستدل على معرفته بذكرهما، كزنمتي الشاة ~~التي يكونان في حلقها تذكر وتوصف بهما. # {أن كان ذا مالا وبنين} معنى {أن كان} فهو إذ كان {ذا مال وبنين} فمعنى ~~{ذا} فهو صاحب مال {وبنين} والبنون: فهم الذكران من الأولاد. # {إذا تتلى عليه آياتنا} يقول: إذا قرشت عليه آياتنا، وذكرت عنده {قال ~~أساطير الأولين} وأساطير الأولين: فهي أحاديث الأولين، وأحاديث الأولين: ~~فهي أقاويل المكذبين، وأسمار المتحدثين، فنسب هذا الزنيم آيات الرحمن ~~الرحيم، ووحي العلي الحكيم، وماجاء به من النور على لسان نبيه البشير ~~النذير إالى الأسمار، والباطل والقول القديم الحائل، فأخبر الله تبارك ~~وتعالى أن من كان ذا مال وبنين كان الواجب عليه الحمد والشكر لله رب ~~العالمين، دون مايأتي به الوليد بن المغيرة اللعين، من الكفر بآيات الرحمن، ~~والجحدان لمفصل القرآن، فجعل الشكر على ماأولى، والمجازاة على ماأعطي ~~تكذيبا وكفرا وعنودا عن الله وشرا. # (/6) # --- PageV02P077 {سنسمه على الخرطوم} فوسم الله على خرطومه: هو ماوسمه الله به من ذكره في ~~القرآن وذمه بما تسمع في هذه الآيات من ذكره، فجعل الله سبحانه ماشرح من ~~أخباره، في هذه الآيات، وفسره من صفته وحاله، ms0291 في هذه المحكمات، وسمى، ~~ودلالات يعرف بها الذكر والوصف في كل الأساب كما يعرف الوسم كل موسوم من ~~الدواب، وإنما ذكر الله الخرطوم دون غيره ؛ لأنه شيء لايستتر بثوب، ~~ولايستتر عن المتوسمين ؛ لأن الوجه بارز أبدا للناظرين، والخرطوم: فهو ~~الأنف وماوالاه، وماكان منه وداناه. # {قصة قريش وقتلهم في بدر} # ثم ذكر سبحانه وجل عن كل شأن شأنه ذكر من سار الى بدر من قريش لقتال ~~النبي صلى الله عليه وآله، وماطمعوا به من الأمر العظيم فيه، فصرف الله عنه ~~كيدهم، وأمكنه منهم، وأذلهم، ثم ذكر مافتنهم به وبلاهم، من ستر أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله عنهم، وماكان من ايجابه من النصر له عليهم، ~~فلم يعلموا بشيء من أمره، ولم يحسبوا مانزل بهم من ربه، فكانوا مقتدرين في ~~أنفسهم على أخذه، وأخذ من كان معه لما رأوا قلتهم، فدخل في قلوبهم الطمع ~~فيه وفي أصحابه، اقتدارا وكفرا وطمعا فيما لن ينالوه، ولن يطيقوه، ولن ~~يبلغوه، فقال ابوجهل بن هشام اللعين لمن معه من أوباش الكفرة الملاعين: ~~لاتقتلوهم وخذوهم فأوثقوهم واربطوهم، فتكون تلك فضيحة على محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وعليهم، فيدخلون به مكة أسيرا، فذلك أفضح لهم وأبلى، فلم ~~ينالوا ماأرادوا، ولم يبلغوا ماأملوا، وقضى الله أمرا كان مفعولا، فأنفذ ~~وعده لنبيه صلى الله عليه وعلى آله انفاذا، وحباه ونصره عليهم فقتل من ~~خيارهم سبعين، وأسر من أعداء الله سبعين، وغنمه الله غنائمهم، وفل حدهم، ~~فولت فضلتهم خائبة حاسرة منهزمة هاربة طائرة. # (/7) # --- PageV02P078 فمثل الله سبحانه ماكان من اقتدارهم وبغيهم على نبيئه صلى الله عليه وعلى ~~آله وأصحابه، باقتدار أصحاب الجنة الذي أقسموا ليصرمنها مصبحين، وهذه الجنة ~~فجنة من جنان الدنيا، كانت باليمن على اثني عشر ميلا من صنعاء، صارب بواد ~~يقال له: احرثى، فلما دنا حصادها، وأينعت ثمارها، وحسنت حالها أقسم أهلها ~~ليصرمنها في غدهم مصبحين، اقتدارا على صرمها من الصارمين، فلم يستثنوا في ~~قسمهم، فكان ماذكر الله من أمرهم من ذهاب جنتهم، حين طاف عليها طائف ms0292 من ~~ربهم فهلك مافيها من ثمرها، فأصبحت خواء من كل ماكان فيها، فذكر الله ~~سبحانه أن أباجهل وأصحابه نزل بهم في اقتدارهم على ماكان من جنتهم ومن ~~ثمارهم، فنزل بكفرة قريش الفسقة المقتدرين مانزل بالإقتدار بأهل الجنة ~~المقسمين. # ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين ولايستثنون} معنى {بلوناهم} أي اختبرناهم بابتلائهم، لنعلم ~~هل يرجعون عن اقتدارهم فلم يرجعوا فأخذهم بأسنا بما عصوا، وهؤلاء المبتلون: ~~فهم قريش الكافرون. # قوله:{كما} فمعناها مثل، وقوله:{بلونا} أي اختبرنا {أصحاب الجنة} فهم ~~أصحاب صاد، وهي الجنة التي أقسم أهلها ليصرمنها {إذ أقسموا} يقول: إذ حلفوا ~~{ليصرمنها} يقول: ليقطعن ثمرها {مصبحين} فهو صباحا منورين {ولايستثنون} ~~يقول: لم يقولوا: إن شاء الله، فيثبتوا بذلك القدرة لله فلما أن لم يستثنوا ~~في قسمهم، وبغو في ذلك وطغوا، طاف عليها ماذكر الله من أمره حين يقول ~~سبحانه: # {فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون} معنى {فطاف عليها} أي وافعها ونزل ~~بها {طائف من ربك} والطائف: فهو الأمر الذي نزل بها وعمها، وطاف فيها حتى ~~أبادها، وأفناها وتركها، كأن لم يكن فيها ثمر ولاخير {وهم نائمون} فمعناها: ~~وهم راقدون، أي في الليل. # (/8) # --- PageV02P079 {فأصبحت كالصريم} يقول: أصبحت في ذهاب مافيها، وبواد ثمرها لما نزل بها من ~~طائف ربها {كالصريم} والصريم: فهو كالشيء الذي قد صرم فذهب من أرضه، وخلت ~~الأرض من بعده. # {فتنادوا مصبحين} معنى تنادوا مصبحين: أي تصايحوا وتداعوا عندما أصبحوا، ~~وجاء وقتهم الذي فيه اتعدوا.{أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين} فتصايحوا ~~وتداعوا بهذا اللفظ {اغدوا} أي انهضوا في غداتكم، وا ذهبوا الى حرثكم ~~فاصرموا، والحرث: فهو الموضع الذي يكون فيه الزرع {إن كنتم صارمين} أي إن ~~كنتم لزرعكم قاطعين. # {فانطلقوا وهم يتخافتون} يقول: معناها فانطلقوا: أي مضوا وذهبوا وساروا ~~ونهضوا {وهم يتخافتون} يقول: وهم يتشاورون، ويغبون كلامهم ويتناجون، ويخفون ~~عن غيرهم مايقولون {ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} يقول: ويتناهون عن ~~اطعام المسكين، لايقربنهم ظنا منهم بما في جنتهم من ثمرهم، قوله: {ألا ms0293 ~~يدخلنها} يقول: لايقربنها ولايدخلن عليكم فيها مسكين، والمسكين: فهو السائل ~~لهم الطالب ماعندهم. # {وغدوا على حرد قادرين} معنى {غدوا} أي خرجوا وبكروا {على حرد} فالحرد: ~~هو القطع، يقول: على قطع الثمر {قادرين} معناها: مقتدين. # {فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون} معنى {رأوها} أي عاينوها ~~وأبصروها، وصاروا فيها وأتوها {قالوا إنا لضالون} أي لمخطون، ليس هذه ~~ضيعتنا، ولاهي بجنتنا، هذه جنة قد هلكت، وذهب مافيها فصرمت، وجنتنا غير هذه ~~الجنة، وليس هذه الجنة بتلك الجنة، ثم تعرفوا حدودها، وفهموا معالمها ~~فأيقنوا أنها جنتهم، وعلموا أنها ضيعتهم، فقالوا من بعد ذلك: {بل نحن ~~محرومون} بل هي ضيعتنا، ولكنا محرومون لثمرها ممنوعون مما كان فيها قد نزل ~~بها أمر الله فأهلكها، ولم ينزل ذلك من الله إلا عن جرم كان منا، وخطأ كان ~~من فعلنا، فحرمنا ماكان قد أعطاناه، وصرف عنا ماكان قد رزقناه، فصرنا لذلك ~~محرومين، ومنه بالخطيئة ممنوعنين. # (/9) # --- PageV02P080 {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون} فأخبر أنه قد كان قال لهم عند وقت ~~ماأقسموا: سبحوا ربكم، واذكروا واثبتوا القدرة له، واستثنوا فلم يفعلوا في ~~ذلك الوقت ماأمرهم أوسطهم، ولم يحسبوا أنه ينزل بهم مانزل بهم من عقوبة ~~ربهم، عند ظلمهم وبغيهم، فرجعوا باللوم على أنفسهم، وأبدوا ماكانوا يخفون ~~من تسبيحهم، خوفا من أن ينزل بهم في أنفسهم ماهو أشد مما نزل بهم في جنتهم. # {قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} معنى {سبحان ربنا} أي تعالى ربنا، ~~وتنزه خالقنا، وجل سيدنا عن فعلنا {إنا كنا ظالمين} يقولون: نحن كنا ظالمين ~~لأنفسنا فيما فعلنا، فأقروا بذنبهم، وشهدوا على أنفسهم بظلمهم، ثم أقبلوا ~~يتلاومون، ويختصمون ويتعاذلون فيما كان من تفريطهم في أمرهم، وسوء نظرهم ~~لأنفسهم، كما قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: # {فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} معنى {فأقبل بعضهم على بعض} قصد بعضهم ~~بعضا بالتلاوم، والعذل فيما كان من خاطئ الفعل {يتلاومون} فهم يتعاذلون، ~~ويقبحون أفعالهم ويعجزون آراءهم. # {قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين} معنى {قالوا} أي هم تكلموا به وأظهروا، ms0294 ~~معنى {ياويلنا} فهو ياويحنا من هذا الأمر، الذي أدخل الويل علينا، والويل: ~~فهو الغم، والطويل من الهم {إنا كنا طاغين} يقولون: المعنى الذي أدخل الويل ~~علينا هو ماكان من طغياننا، والطاغون: فهم العتاة الباغون، الذين لم ~~يستسلموا في يد الله، ولم يلقوا بأمرهم كلهم الى الله فأقروا بطغيانهم، ~~وعلموا أنه كان سبب هلاكهم. # (/0) # --- PageV02P081 ثم رجعوا الى الواجب والحق المصيب الراتب {فقالوا عسى ربنا أن يبدلنا خيرا ~~منها إنا الى ربنا راغبون} معنى {عسى} أي لعل {ربنا أن يبدلنا} معناها أن ~~يخلف علينا ويبدلنا بدلا من الذي ذهب منا من جنتنا {خيرا منها} معنى {خيرا ~~منها} فهو أفضل منها {إنا إلى ربنا راغبون} معناها: راجعون طالبون قاصدون ~~سائلون، ومعنى {الى ربنا} فهو من ربنا، أي إنا من ربنا للبدل والعوض ~~سائلون. # ثم أخبر سبحانه أن ذلك منه عذاب لهم ونقمة أنزلها بهم على ماكان من عتوهم ~~فقال:{كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} معنى {كذلك العذاب} ~~يقول: كذلك نعذب بالإنتقام من أردنا عذابه من الأنام في الدنيا بذهاب ~~مانذهبه من أموالهم، وانتقاص ماننقصه من أنفسهم وثمارهم، فجعل ماينزل بهم ~~من ذلك في الدنيا الفانية عذابا أدنى دون عذاب الآخرة الباقية، وفي ذلك ~~مايقول الله سبحانه:{لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم ~~يرجعون}(1). # ثم أخبر سبحانه أن عذاب الآخرة لمن عتى عن أمره أشد وأعظم عليه مما ينزل ~~به في حياته ونفسه، فقال:{ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} يقول: أجل ~~وأعظم وأخطر، والآخرة: فهي الدار التي أول أيامها يوم القيامة {لوكانوا ~~يعلمون} يقول: لو كانوا يفقهون ويعقلون. # ثم أخبر سبحانه بما أعد للمتقين، وجعل سبحانه عنده لعباده المؤمنين {إن ~~للمتقين عند ربهم جنات النعيم} والمتقون: فهم المتقون لمعاصي الله ~~الخائفون، ومعنى متقين لمعاصي الله: فهم التاركون لها، والخائفون من الله ~~العقوبة في ارتكابها، تقول العرب: اتق فلانا، أي احذر منه وخفه، وتقول ~~العرب: اتقوا السلطان، أي خافوه، ولاتفعلوا شيئا يجب عليكم فيه العقوبة عند ~~ربهم، فمعناها: عند معادهم الى ربهم ms0295 {جنات النعيم} فهي جنات الخير المقيم ~~من الشهوات والمطاعم والمناكح والمشارب والبشارات. # (/1) # --- PageV02P082 ثم أخبر سبحانه أنه لن يجعل مسلما كمجرم في الحال والحكم، فقال:{أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين} معنى {أفنجعل} يقول: أنسوي ونعدل في الحكم والفعل بين ~~من كان مسلما، ومن كان مجرما، هذا مالايكون أبدا، ولايعرف من فعلنا وعدلنا، ~~بل لكل دار وجزاء وقرار، والمسلمون: فهم المؤمنون بالله، المسلمون لأمر ~~الله، والمجرمون: فهم المعتدون الظالمون لأنفسهم، المجترون على الله ربهم، ~~الذين أجرموا في فعلهم، وعصوا في صنعهم. # {مالكم كيف تحكمون} معنى {مالكم} أي مابالكم {كيف تحكمون} يقول: كيف ~~حكمكم بهذا؟ وكيف القول فيه عندكم؟ أفمن فعله فعل المحسن كالمسيء؟ والضال ~~كالمهتدي؟ إن كان هذا صوابا م اضيا، وحكما بالحق عندكم جاريا، فلن تروا هذا ~~حقا أبدا، ولن تسموه حكما ولاعدلا إن أتى، وكان من أحد فكيف تسمونه؟ ~~أوتتوهمون أنه يكون عند ربكم !. # {أم لكم كتاب فيه تدرسون} يقول: كتاب منا إليكم، وعليكم فيه مازعمتم من ~~أن المجرم كالمسلم عند الله في الحكم فأنتم فيه تدرسون، ومعنى {فيه تدرسون} ~~فهو فيه يقرأون هذا الحكم، وهذا الأمر الذي تفكرونه، وتجعلونه وتشرحونه ~~وتسطرونه. # {إن لكم فيه لما تخيرون} يقول: إن لكم في هذا الكتاب إن كان عندكم بحق ~~وصدق لما تخبرون، ومعنى تخبرون: فهو تحبون وتريدون وتبغون وتشآؤن. # {أم لكم أيمان علينا بالغة الى يوم القيامة} معنى {أيمان} فهي عهود، ~~يقول: أم لكم علينا، ومعنى {بالغة} فهي لازمة واجبة الى يوم القيامة، يقول: ~~ثابتة علينا لكم، ومعنى {يوم القيامة} فهو في يوم القيامة، فقامت إلى مقام ~~في، يريد أم لكم أيمان علينا ثابتة في يوم القيامة بالوفاء لكم بهذا الذي ~~ذكرتم، من أنكم غير معذبين، وأن المجرمين منكم في الحكم عندنا كالمسلمين، ~~وأنهم سواء في الجزاء يوم الدين. # (/2) # --- PageV02P083 {إن لكم لما تحكمون} يقول: إن كان الأمر منا عندكم كذلك، وكان لكم علينا ~~عهد في ذلك فالحكم حكمكم، والقول قولكم، ولكم ذلك علينا ماأردتم مما تشآؤن ~~وبه تحكمون مما تريدون وتحبون. # ثم قال سبحانه لنبيئه ms0296 صلى الله عليه وعلى آله انكارا عليهم في فعلهم، ~~وتكذيبا لهم في قولهم. # {سلهم أيهم بذلك زعيم} يريد بقوله:{سلهم} أي ناظرهم، وأفتش أمرهم ~~وأستخبرهم أيهم بهذا القول، والخبر زعيم، معنى {زعيم} كفيل ضامن يضمنه لهم ~~حتى يأتيهم من قبله ماأحبوا، وتكون كفاتله به أتته على ماطعوا، فلن يكون ~~ذلك أبدا، ولن يتزعم به منهم صغير ولاكبير أصلا. # {أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين} معنى {أم لهم} هو هل ~~فيهم، وهل هي معنى أم، وقامت لهم مقام فيهم ؛ لأنها من حروف الصفات، أراد ~~سبحانه هل فيهم لنا شركاء شاركونا في خلقهم، وأعانونا على رزقهم فنازعونا ~~في أمرهم، فضمنوا لهم غير ماضمنا، ووعدوهم غير ماأوعدنا فكان لهم حكم سوى ~~حكمنا، وأمر فثهم ماض كأمرنا {فليأتوا بشركائهم} يقول سبحانه: فليأتوا ~~بهؤلاء الشركاء لنا فيهم، المنازعين لنا في أمرهم، الحاكمين بغير حكمنا في ~~شأنهم، إذ حكمنا بأن المسلم عندنا خلاف المجرم، وحكم ماأدعوا من الشركاء ~~فيهم، بأن المجرم كالمسلم، فليأتوا بهم حتى ينفذوا الحكم، ويمضوا الذي ~~ادعوا منهم {إن كانوا صادقين} فمعنى كانوا صادقين هو: إن كانوا قائلين حقا، ~~أومتبعين في ذلك صدقا، والذي قال الله فيهم:{إن كانوا صادقين} فإنما عنى ~~المشركين من قريش وألفافها، وأهل مقالتها وأديانها، ممن ادعى هذا الحكم ~~الفاسد الباطل، وقال بهذا القول الجائر العادل. # (/3) # --- PageV02P084 ثم أخبر سبحانه بما يكون في يوم الدين من شدة الأمر على المكذبين فقال جل ~~جلاله عن أن يحويه قول أويناله {يوم يكشف عن ساق ويدعون الى السجود فلا ~~يستطيعون} معنى {يكشف عن ساق} فهو يكشف في ذلك اليوم عن أمر شديد هائل ~~لأهله، نازل شره بمستأهله ومستحقه، والعرب تسمي الأمر الشديد ساقا، تقول ~~العرب: قامت الحرب على ساقها، تريد أنها قامت على أمر شديد أمره، وصارت الى ~~حال شديد ذكره، فيقول: يكشف للخق في يوم الدين عن أمر شديد هائل للعالمين. ~~قوله:{ويدعون الى السجود فلا يستطيعون} معنى {يدعون الى السجود} فهو يدعون ~~الى اثبات حجة ظاهرة نيرة بأنهم كانوا من أهل السجود ms0297 والإيمان، والطاعة لله ~~والعرفان {فلا يستطيعون} يقول: لايستطيعون أن يثبتوا بباطل حجة، ولاأن ~~يقيموا بأنهم كانوا من المطيعين لله بينة، فهذا أحسن مايقال به في قول الله ~~سبحانه:{يوم يدعون الى السجود فلا يستطيعون}. # وقد قال بعض من يتعاطى تفسير القرآن: معنى هذا الذي ذكر الله من السجود ~~في الفرقان: هو دعاء من الله لهم في يوم الدين الى أن يسجدوا لرب العالمين، ~~وأنه يمنعهم في ذلك اليوم بقسو، ويبس يجعله في ظهورهم من السجود حتى ~~لايستطيعون سجودا، وهذا فيفسد عند من عقل، من معنيين: # أما أحدهما: فإن هذا لعب وعبث وسبب من معنى التفكه والطرب أن يأمر آمر ~~مأمور بفعل شيء قد منعه من فعله، أويصنع شيئا قد حال بينه وبين صنعه بمانع، ~~لايقدر معه عليه، ولاينال معه الدخول فيه، فيقول له: افعله، وهو يعلم أنه ~~لايقدر على فعله، فهذا استهزاء وجور، وتعبث بالمأمور، والله سبحانه فبريء ~~من ذلك كله متعال عن كل شيء منه تبارك وتعالى عما يقول الجاهلون، وينسب ~~اليه الضالون. # (/4) # --- PageV02P085 والمعنى الثاني الذي يفسد قولهم منه: أن يوم القيامة ليس هو يوم عمل ~~ولاابتلاء، وإنما هو يوم حساب وجزاء، فافهموا ماقلنا من تفسير هذه الآية ~~المحكمة، فإنه معنى يضل جميع هذه الأمة عنه إلا من هداه الله اليه، ودله ~~بلطائف صنعه عليه. # {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} يقول: تعلوهم الذلة، وتغشاهم، فالخاشعة من ~~الأبصار: هي المكتئبة المرعوبة الفزعة، التي قد دخلها من الإيقان بهلاكها ~~ماأذهل نفوسها، وأبلسها في كل أمورها، فخشعت للضعف والدمار منها الأجفان ~~والأبصار {ترهقهم ذلة} يقول: تعلوهم الذلة، وتغشاهم، فهم أذلاء في يوم ~~الدين أخزياء هالكين أردياء. # {وقد كانوا يدعون الى السجود وهم سالمون} فمعنى {يدعون} هاهنا خلاف ~~{يدعون} ثم ؛ لأن معنى {يدعون} الأولة: هو يدعون بالحجة، ويسألون اثباتها، ~~و{يدعون} هاهنا أخرى، فهو اخبار عما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~يدعوهم اليه من السجود والإيمان به، والإيقان بأمره، والتسليم لحكمه في دار ~~دنياهم، وفي حال صحتهم ورخائهم إذ هم سالمون، ومعنى {سالمون} ms0298 فهم سالمون ~~القوى والأستطاعة، قادرون بذلك لله على الطاعة، لم ترهقهم في ذلك الوقت من ~~دنياهم الذلة التي ترهقهم في دار جزائهم، فكانوا عند دعاء رسول الله عليه ~~السلام لهم الى ذلك مستكبرين، وعن السجود لله صادين، ولوعده ووعيده مكذبين، ~~فهذا معنى ماذكر الله من أنهم كانوا سالمين. # {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} معنى {ذرني} أي خلني ودعني، وأوحدني ~~لعقوبته وأفردني {ومن يكذب بهذا الحديث} فالتكذيب: فهو الإبطال والجحدان، ~~والمكابرة للحق في كل بيان {بهذا الحديث} فهو بهذا القول، الذي أنزلناه ~~عليك من الوعد والوعيد في الفرقان، وجعلناه اعذارا وإنذارا وحجة لكل انسان. # --- PageV02P086 {سنستدرجهم من حيث لايعلمون} معنى {سنستدرجهم} فهو سنأتيهم ونأخذهم {من حيث ~~لايعلمون} فهو من حيث لايظنون أنا نأتيهم منه، ولايدرون حتى يواقعهم أمرنا، ~~وتغشاهم نقمتنا، وهم آمنون، فيعانون من ذلك ماكانوا به يكذبون. # {وأملي لهم إن كيدي متين} معنى {أملي لهم} فهو أؤخرهم، ولاأعاجلهم، ~~وأتركهم وقتا ولاأغافصهم، ثم إلي مرجعهم {إن كيدي متين} فالكيد: هو الأخذ ~~لهم، والبطش بهم، والإنتقام منهم {متين} فهو قوي رصين. # {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} معنى {أم} فهي هل تسألهم، وهي أن ~~تطلب منهم {أجرا} فهو جعلا وعطاء، على ماجئتهم به من الهدى، وما تدعوهم ~~اليه من التقى {فهم من مغرم مثقلون} يقول: فهم من الغرم الذي سألتهم إياه ~~{مثقلون} والغرم: فهو العطاء والأجعال التي يسألون اخراجها من الأموال ~~{مثقلون} فمعناها: مكلفون مالايطيقون من الأجعال الذي يسألون، وأراد سبحانه ~~بقوله:{أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} توقيفهم على أنهم لم يسألوا على ~~ماأعطوا، وأوتوا من الأمر الذي به خلاصهم من العذاب، وفكاك رقابهم من ~~العقاب جعلا، ولاعطاء ولامالا، وأن ذلك من الله نعمة، وابتداء وعائدة وعطاء. # {أم عندهم الغيب فهم يكتبون} معنى {أم} يقول: هل عندهم {الغيب} هو علم ~~الغيب {فهم يكتبون} أي فهم يحصون ويعرفون مايرجعون اليه، ويعودون فيعلمون ~~بعلمهم الغيب مايقولون، فيكونوا على بينة مما يصنعون، ويكونوا قد أحاطوا ~~بعاقبة أمرهم، وفهم مايلقونه في يوم حشرهم، فإن كان ms0299 ذلك كذلك فهم على بينة ~~من ذلك، وإن كانوا لايعلمون الغيب فإنما يتكلمون بالكذب والريب والمحال في ~~القول والفعال، فأخبر بذلك سبحانه أنهم غير عالمين بشيء من غيبه، ولامطلعين ~~على شيء من أمره، وأنهم فسقو كاذبون فجرة معذبون. # (/6) # --- PageV02P087 ثم أمر نبيئه بالصبر له وفيه، فقال سبحانه:{فاصبر لحكم ربك ولاتكن كصاحب ~~الحوت} معنى {اصبر} فهو احتمل ولاتجزع، وألزم نفسك عند الغضب والغم، ~~ولاتهلع {لحكم ربك} يقول: لأمر ربك، الذي حكم به عليك، من الصبر عليهم، ~~والتبليغ لرسالته اليهم، واثبات الحجة بذلك عليهم {ولاتكن} يقول: ولاتفعل ~~كفعل {صاحب الحوت} وصاحب الحوت: فهو يونس صلى الله عليه، الذي التقمه ~~الحوت، فكان في بطنه الى ماشاء الله أن يكون. # {إذ نادى وهو مكضوم} معنى {إذ} فهو حين {نادى} فهو سأل وناجى {وهو مكضوم} ~~يقول: وهو مكروب، فأخبر سبحانه بمناجاة يونس صلى الله عليه، وسؤاله لربه ~~وهو في حال شدته وكربه إذ هو في جوف الحوت مكضوم، وشدة الحال التي هو فيها ~~مغموم مهموم، فنادى ربه وذكره وسأله النجاة، واستغفره فنجاه من كربه، ~~واستخرجه من موضعه، فأعاده الى ماكان فيه من أمره. # {لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم} يقول سبحانه:{لولا ~~أن تداركه نعمة من ربه} بالإجابة له في دعائه، والرحمة له عند تسبيحه {لنبذ ~~بالعراء وهو مذموم} يقول: لما خرج من بطن الحوت حتى ينبذ بالعراء يوم ~~القيامة، ومعنى ينبذ: فهو يخرج من البحر الى وجه الأرض، ويحشر ويرد الى ~~ماكان عليه في ذلك اليوم من الخلق وينشر، فأراد الله بما ذكر من العراء، ~~عراء الأرض في يوم الدين، وعند حشر جميع المربوبين، فلم يزد عراء الأرض في ~~الدنيا، ألا تسمع كيف يقول: # (/7) # --- PageV02P088 {فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطيه الى يوم ~~يبعثون} فدل سبحانه بقوله:{للبث في بطنه الىيوم يبعثون} على أنه لولا أن ~~تداركه نعمة الله لكان لابثا في بطنه حتى ينبذ بالعراء في يوم الدين، ~~والعراء في يوم الدين: هو عراء أرض الآخرة، لاعراء ms0300 الدنيا، فقال:{لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه} يقول: تداركته النعمة فخلصته من بطنه، لكان مقيما في ~~جوفه، حتى ينبذ بالعراء في يوم حشره، واحيائه ونشره {وهو مذموم} يقول: ~~مأثوم عند الله غير سليم. # {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} معنى {اجتباه} أي رفعه وأدناه وقربه ~~واصطفاه {فجعله من الصالحين} والصالحون: فهم المصلحون، والمصلحون: فهم الذي ~~أصلحوا مابينهم وبين الله، حتى صلحت لهم عنده أمورهم، واتصلت بأسبابه ~~أسبابهم، فعادوا له أولياء مطيعين مختارين محسنين. # {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} معنى {وإن} ~~فهو: قد، ومعنى {يكاد} فهو يريد، و{الذين كفروا} فهم الذين أشركوا وكذبوا ~~{ليزلقونك} فمعناها: فلنفذونك ويهلكونك، ويستفزونك ويقتلونك {بأبصارهم} أي ~~بأعيانهم لشدة النظر اليك للغيظ الذي يداخلهم عليك إذا قرأت الذكر فسمعوه، ~~يريد سبحانه: قد يريد الذين كفروا أن يهلكوك بأبصارهم، ويحبون ذلك لوينالوا ~~أن يفعلوه بأبصاهم دون أيديهم ؛ إذ لم يقدروا أن يبطشوا بأيديهم إاليك ~~فأعينهم لشدة غيظهم ومافي قلوبهم تكاد أن تزلقك، لو قدرت، وتهلكك لو ~~استطاعت، إذا سمع اللاحظون لك بها ماتتلوه من الذكر الحكيم، والذكر: فهو ~~القرآن العظيم. # (/8) # --- PageV02P089 {ويقولون إنه لمجنون} فهذا قول من الكافرين عليهم اللعنة الى يوم الدين ~~{يقولون} تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يأتي به عن الله من ~~الذكر المذكور، والقرآن المنير المسطور، مجنون، ينسبون في ذلك اليه الجنون، ~~كذبا على الله واجتراء وعداوة للحق وافتراء، فأخبر سبحانه أنهم كاذبون في ~~قولهم، مترددون في ربهم، وأنه صلى الله عليه وعلى آله خلاف ماقالوا مما ~~نسبوا اليه، وافتروا فقال عزوجل: # {وماهو إلا ذكر للعالمين} فأخبر سبحانه أنه ليس بمجنون كما يقولون: وأنه ~~لرسول منه مبين {ذكر للعالمين} ومعنى ذكر: فهو نور وهدى، وداع الى الله ~~بالحسنى {للعالمين} فمعناها للمخلوقين أجمعين، من الإنس والجان، والحمد لله ~~ذي الجلال والإكرام والسلطان والجبروت والبرهان والمن والإحسان على الخلائق ~~بالغفران، بعد الضلال منهم والعصيان، حمدا يقرب من الرحمن، ويبعد من ~~الشيطان، ويقصي من النيران، ويفتح أبواب الجنان. # (/9) # --- PageV02P090 ### || AUTO تفسير سورة تبارك ms0301 # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله تبارك وتعالى: {تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير} ~~معنى {تبارك} هو: تعالى وتقدس وجل وعظم من كل مايقول فيه المشركون، وينسب ~~اليه الملحدون {الذي بيده} معنى {الذي} فهو من بيده، معنى {الملك} والملك: ~~فهو الخلق كله، ماخلق الله وذرا وبرى، من جميع الأشياء، من السموات كلهن، ~~والأرضين بأسرهن، ومافوقهن وماتحتهن، وماخلق الله فيهن وبينهن، فكل ذلك فهو ~~الملك، والملك: فهو عرشه، وعرشه سبحانه فملكه، وملكه: فهو ماجعل وفطر، ~~وماخلق سبحانه من الأشياء فصور {وهو على كل شيء قدير} يقول سبحانه: هو على ~~مايشاء فعله فهو قادر أن يفعله لايمتنع منه شيء فيفوته، كل شيء في قبضته، ~~وكل شيء فهو لاحقه، ماشاء أن يفعل فعل، وماأراد أن يجعل جعل، فهو قدير على ~~ذلك مقتدر، قوي على ماشاء أن يدبر. # {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم} معنى {الذي خلق الموت} يقول: فهو الذي ~~جعل الموت وقدره، والموت: فهو الفناء والذهاب من الإنسان، وخروج النفس كلها ~~من الأبدان {والحياة} فهي حياة البشر، وحياة البشر: فهي جعل الأرواح في ~~أبدانهم، وتقريرها من جميع أعضائهم {ليبلوكم} يقول: ليختبركم مما جعل في ~~ذلك لتعملوا في حياتكم بما أمركم به، وتقوموا فيها بما افترض عليكم، ألا ~~تسمع كيف يقول: # {أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} يقول سبحانه: ابتلاكم بالموت ~~والحياة، فجعل الحياة الأولى وقت اكتساب وبلوى، والحياة الثانية التي بعد ~~الموت وقت الحساب والجزاء على ماتقدم، من العمل في الحياة الأولى، فجعل ~~الحياة الأولى بلوى ابتلى خلقه فيما أمرهم به من طاعته، ونهاهم عنه من ~~معصيته، ليعلم سبحانه أيهم أحسن عملا، ومعنى {أيكم أحسن عملا} أيهم أشد ~~لطاعتنا اتباعا، ومن معاصينا امتناعا {وهو العزيز الغفور} فأخبر سبحانه أنه ~~العزيز الغفور، فهو المقيل للعثرة بعد التوبة عند الزلة، المتجاوز عن خطايا ~~التائبين، القابل من المحسنين. # {الذي خلق سبع سموات طباقا} فدل عزوجل على نفسه بما أظهر من فعله، وأبان ~~من قدرته لخلقه، يريد ب {الذي} أي هو {خلق سبع سموات} ms0302 يريد خلق أي أوجد، ~~وفطر وابتدع بعد العدم، وصور {سبع سموات} فهن السموات السبع المجعولات ~~المقدرات {طباقا} أي المجعولات بعضهن فوق بعض، ومعنى {طباقا} فهو طبقة فوق ~~طبقة، ومعنى طبقة فوق طبقة: فهو سماء فوق سماء حتى ينتهى الى السماء ~~السابعة التي ليس فوقها سماء. # --- PageV02P091 {ماترى في خلق الرحمن من تفاوت} معنى {ماترى} هو نفي من الله تبارك وتعالى ~~من أن يكون في خلقه اختلاف، ولاردى {في خلق الرحمن} فمعناه: فيما جعل ~~الرحمن {من تفاوت} والتفاوت: فهو الإختلاف، والإختلاف الذي ذكر الله أنه ~~لايرى في خلقه: فهو اختلاف الأشياء عما جعلها الله فيه، وقدرها من التركيب ~~سبحانه عليه، فأخبر سبحانه أنه لايوجد ولايرى في خلقه اختلاف أبدا، عما ~~جعله عليه، وركبه فيه تركيبا، فأخبر سبحانه بذلك أن كل شيء من خلقه ثابت ~~على ماجعل فيه من تركيبه، لايزيد على ماجعله الله عليه، ولاينقص عنه، ~~فالكبير كبير على حاله كما جعل، والصغير صغير كما فعل، والبعيد بعيد قاص، ~~والقريب قريب دان، والجميل جميل لايتغير أبدا، والسمح فعل ماجعل عليه يكون ~~من الأشياء ليس من خلق الله، خلق يحول يحور عما خلق عليه، ولايتفاوت فيما ~~ركب فيه، فهذا معنى قوله سبحانه:{ماترى في خلق الرحمن من تفاوت}. # {فارجع البصر هل ترى من فطور} معنى {فارجع البصر }يقول: ارجع في النظر، ~~وأدر وأقلب ماجعل لك من النظر في خلق الله العزيز الأكبر {هل ترى من فطور} ~~يقول: هل ترى من اختلاف أوتفاوت، مما جعل من الإئتلاف، فلن تجد أبدا فطورا ~~ولااختلافا، بل ترى كل ماخلقنا على ماجعلناه من التسوية والإئتلاف ~~والتركيب. # {ثم ارجع البصر كرتين} أي مرتين، يقول: ارجع البصر، وأحد استعمال النظر ~~{كرتين} أي مرتين ليثبت لك أمرك، ويتبين لك غير ماقصد بصرك، وأنك إن فعلت ~~ذلك، وأجدت التمييز أستعملت في ذلك العقل والفكر، لم تر في شيء مما خلقنا ~~تفاوتا، فيما ركبناه عليه من تقديرنا. # --- PageV02P092 {ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير} معنى {ينقلب} يقول: يرجع اليك بعد ثبتك ~~في النظر في مجعولاتنا، ms0303 وتقليبك لبصرك في مخلوقاتنا بصرك {خاسئا} ~~والخاسىء: فهو الذليل المتصاغر لنفسه، الموقن بصحة مانظر اليه، ووقف من ~~جليل أمر الله عليه {وهو حسير} والحسير: المنقطع الذي قد جهد فلم يفز، ~~فانحسر عن طرح ماأراد بلوغه، وشاء تناوله ودركه. # {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} قوله:{ولقد} فهو ايجاب منه لذلك ~~يقول:{لقد زينا} فهو جعلنا وحسنا {السماء الدنيا} بما جعلنا فيها من ~~المصابيح، والسماء الدنيا: فهي السماء القريبة منا، معنى الدنيا: فهي ~~القريبة من الناس، لأن العرب تقول: ذلك الأدنى، تريد الأقرب اليها، وتلك ~~الدار الدنيا، تريد الدار التي هي الى المتكلم أقرب وأدنى، فهذا معنى سماء ~~الدنيا، ولذلك سميت دار الدنيا ؛ لأنها أدنى الى الخق وأقرب ؛ إذ كانوا ~~فيها سكنوا أولا، فسميت الأولى ؛ لأنها أول الدارين المسكونتين من الآخرة ~~والدنيا، وسميت دنيا ؛ لأنها أقرب الى أهلها وأدنى، والمصابيح: فهي النجوم ~~التي تبرق وتلوح، وتضيء وتنير في مواضعها، وتوقد في أفلاكها. # {وجعلناها رجوما للشياطين} معنى {جعلناها} هو قدرناها، وأعددناها {رجوما} ~~فهي مراجم يرجمون بها، ومرام يرمون بها، والشياطين: فهم الأبالسة من مردة ~~الجن المستجنين. # {وأعتدنا لهم عذاب السعير} يقول: اعتدنا لمن كان مرجوما منهم عذاب ~~السعير، فهو عذاب الجحيم، والجحيم فهي جهنم، وبئس المصير. # ثم قال سبحانه:{وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير} يقول: {للذين ~~كفروا بربهم} كل كافر من الجن والإنس، و{عذاب جهنم} فهو أغلالها وسعيرها، ~~وسلاسلها وحريقها، وبلاؤها، وجهنم: فهي النار {وبئس المصير} معناها شر موئل ~~يؤول فيه، ومصير يصار اليه. # --- PageV02P093 {إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} فمعنى {ألقوا فيها} هو طرحوا فيها، ~~وصيروا اليه {سمعوا لها شهيقا} يقول: سمعوا لها زفيرا، والزفير: فهو ~~الشهيق، والشهيق: فهو الزفير، والزفير: فهو الجنين والتأجج العظيم الكبير، ~~الذي يهول سامعه مايسمعه من حنينه، فضلا عن مقاربته ومباشرته {وهي تفور} ~~معنى {تفور} هي تغلي بأهلها، وتقلبهم في أعالي لهبها، ترفعهم تارة، وتضعهم ~~وتشويهم تارة، وتفسخهم. # {تكاد تميز من الغيظ} معنى {تميز} تكاد تتقطع قطعا من الغيظ على من عصى ~~وتولى عن أمر الله وأبى، ومعنى ms0304 {الغيظ} فإنما هو مثل من الله تبارك وتعالى ~~ضربه فيها، يريد جل ذكره أن فعلها بأهلها من أكلها لهم، وإحراقها وعظيم ~~ماجعل الله فهيا، وركبها عليه، من الفوران والإتقاد، وسرعة الإحراق ؛ لما ~~يقع فيها بالمتغيظ المحسر الغضبان، الذي قد داخله من الغيظ أمر، فشبه الله ~~سبحانه أمر جهنم وتأججها وحركتها وحسها وفعلها بمن طرح فيها بفعل المغتاظ، ~~الغضبان ؛ لاأن جهنم تغتاظ ولاترضى، ولاتميز بين من أطاع ولابين من عصى، ~~غير أن الله عزوجل قد ركبها وجعلها نقمة محرقة لمن وقع فيها، فصار بحكم ~~الله سبحانه اليها. # {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير} معنى {كلما} هو: إذا، ~~ومعنى {ألقي}: فهو طرح فيها، ورمي اليها، والفوج: فهو الجماعة الكثيرة ~~{سألهم خزنتها} معناه: استخبروهم عن أمرهم، وسألوهم عما كانوا فيه في ~~حياتهم، و{خزنتها} فهم ملائكة الله الذي يخزنونها، ومعنى يخزنونها: فهو ~~يحفظون من فيها، ويعذبون أهلها، ويمنعونهم من الخروج منها {ألم يأتكم نذير} ~~أي فهو سؤال من الملائكة لهم على طريق التقريع والتوبيخ منهم لهم، لاعلى ~~طريق الشك في أن النذير قد جاءهم، فقالت الملائكة صلوات الله عليها: {ألم ~~يأتكم نذير} ينذركم هذا اليوم، ويحذركم هذا العذاب. # --- PageV02P094 {قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} فأقر اهل النار بأن النذير قد جاءهم، في ~~قولهم:{بلى قد جاءنا} ومعنى {بلى} فهو نعم، ومعنى {جاءنا} فهو أتانا ~~وكلمنا، وأعذر وأنذر الينا،{فكذبنا} يقول: صددنا عن ربنا، ولم نصدق رسولنا ~~{وقلنا مانزل الله من شيء} معنى {قلنا} أي تكلمنا وذكرنا واعتقدنا وأضمرنا ~~أنه لم ينزل الله مما جاءت به الرسل شيئا، وأن ذلك كان منهم كذبا وعتوا. # {إن أنتم إلا في ضلال كبير} فأخبروا الملائكة خزنة جهنم صلوات الله عليهم ~~بما كانوا يقولون للرسل المرسلين من قولهم لهم:{إن أنتم إلا في ضلال كبير} ~~والضلال الكبير: فهو الكذب والخطأ، والعدول عن الحق والهدى، و{الكبير} فهو ~~العظيم الكبير. # {وقالوا لو كنا نسمع أونعقل ماكنا في أصحاب السعير} فهذا قول من الكافرين ~~أهل النار المعذبين، ومعنى {لوكنا نسمع} فهو لو ms0305 كنا في حياتنا نسمع قول ~~الأنبياء، ومعنى {نسمع} قولهم فهو نطيع أمرهم، ونصير الى أمرهم، وقولهم: ~~{أونعقل} معنى نعقل: أي لوكنا نعقل ماجاؤا به، ومعنى نعقل: فهو نفهمه، ~~ومعنى نفهمه: فهو نصدق به ونقبله، ألا تسمع كيف يقول قائل العرب لمن يكلمه ~~ويخاطبه: اعلم ماأقول لك، يريد أفهم ماأكلمك به، واعقله واعرف معانيه ~~وافهمه {ماكنا في أصحاب السعير} يقولون: لو كنا سمعنا قولهم، وآمنا بما ~~جاؤا به من ربهم لمن نكن في أصحاب السعير، معنى {ماكنا} أي ماصرنا {في ~~أصحاب السعير} والسعير: فهي جهنم، وأصحابها: فهم أهلها المعذبون الصائرون اليها. # {فاعترفوا بذنبهم} معنى {اعترفوا} فهو أقروا بذنوبهم، أي لم يجحدوا شيئا ~~من أفعالهم، ومعنى ذنوبهم: فهو سيئاتهم وماكان من عصيانهم لربهم {فسحقا ~~لأصحاب السعير} {فسحقا} معناها: فبعدا، ومعنى بعدا: فهو بعدا لهم، ومعنى ~~بعدا لهم: فهو بعدوا من الثواب والرحمة في كل الأسباب {لأصحاب السعير} ~~يقول: لأهل النار. # --- PageV02P095 ثم يرجع سبحانه الىصفة المؤمنين، وذكر من ذكر من أوليائه الصالحين فقال:{إن ~~الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} معنى {يخشون} فهو يتقون، ~~ويخافون {ربهم} فهو خالقهم وسيدهم، ومالكهم ومقدرهم، وجاعلهم {بالغيب} ~~فمعناها: في الغيب، ومعنى في الغيب: فهو في سرهم، وماتغيب من أمرهم، واستتر ~~عن الناس من أفعالهم {لهم مغفرة} يقول: لهم غفران من الله ورحمة، وعائدة ~~منه سبحانه وكرامة {وأجر كبير} يقول: ثواب عظيم كثير، كبير خطير. # {وأسروا قولكم أواجهروا به إنه عليم بذات الصدور} ومعنى {أسروا} فهو ~~اخفوا {قولكم أواجهروا به} يقول: أوأظهروه {إنه عليم بذات الصدور} يريد ~~عالم بضمير الصدور، ومايستجن فيها، وفي كل الجوانح من الأمور، فأخبر سبحانه ~~بما ذكر من ذلك أنه سواء عنده، وفي عمله ماأسره وأظهره أحد من خلقه، وأن ~~علمه بالغيب المكتوم كعلمه بالظاهر المعلوم، وفي ذلك مايقول سبحانه:{سواء ~~منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} (1) يقول ~~سبحانه: إنه عالم بكل مايكون من سر أوعلانية، وإنه لايخفى عليه من الأمور خافية. # ثم قال سبحانه:{ألا يعلم من ms0306 خلق وهو اللطيف الخبير} يريد بقوله:{ألا يعلم ~~من خلق} أي كيف لايعلم سبحانه ماقد خلقه، ويطلع علىسر من فطره، وهو أعلم به ~~من نفسه، وأعلم بسره وعلانيته، ومعنى {يعلم من خلق} فهو سر من خلق {وهو ~~اللطيف الخبير} واللطيف: فهو البر بخلقه، المتفضل عليهم برزقه، المان عليهم ~~بمرافقه، والخبير: فهو العليم الخابر بكل أمورهم، العارف بكل أسبابهم، الذي ~~لايغيب عنه شيء من افعالهم. # --- PageV02P096 ثم دل سبحانه على نفسه، ونبه الخلق على معرفته لما فطر من فطره، وجعل من ~~جعائله وصنعه، فقال جل ثناؤه:{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور} تفسير {الذي} فهو دلالة عليه سبحانه ~~دون غيره {جعل لكم الأرض ذلولا} أي هو سوى لكم، وجعل لكم {الأرض} أي قدرها ~~ودحاها وسواها {ذلولا} والذلول: فهي المطية السامحة، التي لاتمتنع مما يفعل ~~بها، ولاتدفع شيئا عن نفسها، فشبه الله عزوجل الأرض في انبساطها ووطائها، ~~واستوائها بأهلها بالذلول من الإبل التي لاتمانع ربها، ولاتخالف في شيء ~~مما يراد بها {فامشوا في مناكبها} يقول: سيروا في جوانبها ؛ لأن المناكب هي ~~الجوانب والأطراف {وكلوا من رزقه} ومعنى {كلوا} أي أطعموا وتنعموا من رزقه، ~~أي فهو من فضله وعطائه، وماأخرج من ثمرات أرضه {وإليه النشور} يقول: وإليه ~~معادكم، واليه نشوركم، فأذا أراد سبحانه أن ينشركم نشركم، ومعنى النشر: فهو ~~البعث والحشر. # {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} معنى {أمنتم} هو اخبار من الله ~~عزوجل عن قدرته، وأخبار منه أنه لايأمن أعداؤه أخذ نقمته، ومعنى {أمنتم} ~~فهو أيستم أن يخسف بكم الأرض {أن يخسف بكم} يقول: أمنتم إلهكم أن يخسف بكم ~~الأرض، وأيستم من أخذه لكم، معنى {من في السماء} فهو الله الواحد الذي هو ~~في الأرض كما هو في السماء، لايخلو منه مكان، وهو الله الواحد ذو العزة ~~والسلطان،وقوله {يخسف بكم} أي فهو تذهب وتميد بكم الأرض حتى تذهب بكم في ~~بطنها، وتصيركم في قعرها. # {فإذا هي تمور} يقول: إذا هي تذهب بكم ذهابا، وتهبط بكم ms0307 في بطنها هبوطا، ~~ومعنى {تمور} فهي تنخسف وتغور. # {أم أمنتم من في السماء} يقول: {أم أمنتم من في السماء} من هو في كل مكان ~~من السماء وغيرها، وهو الله الخالق لها ولغيرها. # --- PageV02P097 {أن يرسل عليكم حاصبا} فمعنى {يرسل} أي فهو يصيبكم، ويرمي بالحاصب عليكم، ~~والحاصب: فهي الحجارة التي تحصبهم كما حصب قوم لوط، فرماهم بالحجارة، فيقول ~~سبحانه: أمنتم أن يرميكم بها كما رمى من كان قبلكم بمثلها. # {فستعلمون كيف نذير} يقول: ستعرفون كيف كان انذاري وإعذاري لكم، وتحذيري ~~لما ننزل بكم من بعد نزوله بساحتكم، وحلوله بأهل المعاصي منكم. # {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} ومعنى {ولقد} فهو ايجاب لما كان ~~منهم بتكذيب من قبلهم، فمعنى {كذب} فهو جحد واستهزأ، ولم يوقن فيصدق بما ~~جاء من الهدى {الذين من قبلهم} فهم الأمم الذين كانت قبل هذه الأمة {فكيف ~~كان نكير} يقول: قد رأيتم وأبصرتم كيف كان نكيري عليهم، ومعنى نكيري: فهو ~~تغييري وعقوبتي، وماأحدثه، وماأخذوا به من نقمتي، على مااجتروا عليه من ~~مخالفتي. # --- PageV02P098 ثم نبيه سبحانه على نفسه بالطير الذي لاتكون إلا منه، ولايقدر عليها أحد ~~إلا هو احتجاجا بذلك عليهم، وتأكيدا لحجته فيهم، ثم قال سبحانه:{أولم يروا ~~الى الطير فوقهم صافات ويقبضن مايمسكهن إلا الرحمن} فقال سبحانه:{أولم يروا ~~الى الطير} معنى {أولم يروا} فهو: ألم ينظروا ويبصروا {الى الطير} الطيارة، ~~ذوات الأجنحة، التي تطير في الهواء، وتصف فوقهم، فهي في الهواء فوق رؤوسهم ~~و{صافات} فمعناها: صافات أجنحتهن، وصفها لأجنحتهن: فهو نشرها وتسكينها حتى ~~تهدأ وتسكن، حتى تكون كالشيء المنشور في الهواء لايتحرك منها أسف ولاأعلى، ~~فحينئذ يسمى مافعل ذلك من الطير صافا {ويقبضن} فهو يضممن أجنحتهن الى ~~جنوبهن، ويخفقن بها تحريكا في طيرانهن {مايمسكهن} أي مايلزمهن في الهواء، ~~ويمنعهن إلا الله العلي الأعلى، ومعنى امساكه إياهن: فهو بما جعل وقدر لهن ~~من الريش الذي جعلهن به طائرات، وفي الهواء واقفات صافات، وذبر فيه وبه ~~طيرانهن، وجعله حاملا لأبدانهن، وموقفا في الهواء لأعضائهن، فلما كان ذلك ~~منه وبه ms0308 فيهن ذكر أنه سبحانه هو الممسك لهن، و{الرحمن} فهو الرؤوف المتفضل ~~ذو الإحسان. # {أنه بكل شيء بصير} معنى {إنه بكل شيء} معناها لجميع الأشياء من فعل ~~أوجسم {بصير} فهو عليم. # {أمن هذا الذي هو جند لكم} معنى {أمن هذا الذي هو جند لكم} فهذا تقريع من ~~الله لهم وتوبيخ واعلام أنه لاجند مندونه لهم ينصرونهم منه، والجند: فهم ~~الأعوان من الأنصار والإخوان {ينصركم} يمنعكم ويقوم دونكم ينصركم. # {من دون الرحمن} يعني دون أمر الرحمن، يريد من هذا الذي ينصركم من دون ~~أمر الرحمن إن نزل بكم. # {إن الكافرون إلا في غرور} يقول: ماالكافرون إلا في اغترار وباطل، وخديعة ~~من الشيطان لهم، وتماد في باطلهم. # --- PageV02P099 ثم قال سبحانه:{أمن هذا الذي يرزقكم من السماء إن أمسك رزقه} يريد أمن هذا ~~الذي يرزقكم، ومعنى {يرزقكم} فهو يسبب لكم رزقكم، ويخرج لكم من الأرض ~~معائشكم {إن أمسك رزقه} يقول: إن منعكم الله رزقه وأمسكه عنكم، فلم تخرج ~~الأرض نباتها، ولم تسكب السماء منها ماءها حتى تموتون جوعا، فمن يأتيكم ~~بالرزق إن أمسكه فلن يأتي به أحد بعده. # ثم قال سبحانه:{بل لجوا في عتو ونفور} معنى {بل} فهو قد، والعتو: فهو ~~العنود والتكبر والإعراض عن الله، والتحير، والنفور: فهو الإعراض والصدود، ~~وقلة الإقبال على الحق والتمادي في الفسق. # {أفمن يمشي مكبا على وجهه} يقول: يمضي على جهل، ومعنى {يمشي مكبا على ~~وجهه} يقول يمضي على جهل من أمره، ويعمل في غير صواب من عمله. # {أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم} {يمشي سويا} معناها: يمضي معتدلا ~~مستويا {على صراط مستقيم} معناها: على طريق مستقيم، أراد سبحانه التمييز ~~بين من يمشي مكبا على وجهه ماضيا على الخطأ من فعله، مجنبا عن سبيل رشده، ~~وبين من كان على هدى من ربه، وسبيل من رشده، لايخطيء في أمره، ولايعرج عن ~~سبيل حقه، فأخبر بذلك سبحانه أن من كان من أهل الضلالة والردى هم كمن يمشي ~~مكبا على وجهه، في غير هدى، وأن من كان من أهل التقوى ms0309 كالآخر الذي يمشي على ~~الصراط المستقيم والإستواء، وهذا مثل ضربه الله العلي الأعلى يفرق به بين ~~أهل الضلالة والهدى. # ثم أخبر سبحانه بالدلائل عليه فقال:{قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة} معنى {قل} أخبر وأنذر وكلم وبين، أن الله هو الذي ~~أنشأكم، ومعنى {أنشأكم} أي هو خلقكم وأنبتكم، وفطركم وأوجدكم {وجعل لكم ~~السمع} معنى {جعل} أي ركب ربكم {لكم} أي فيكم، يقول: خلق لكم السمع، الذي ~~به تستمعون، وهي الآذان التي بها تسمعون، والأبصار: فهي العيون التي بها ~~تبصرون، والأفئدة: فهي القلوب التي بها تعقلون. # --- PageV02P100 {قليلا ماتشكرون} يقول: قليلا شكركم، على ماأوليناكم من ذلك وأعطيناكم. # {قل هو الذي ذرأكم في الأرض} فأمر سبحانه أن يحتج بذلك عليهم ؛ إذ هو فعل ~~فيهم من ربهم، ومعنى {ذرأكم} فهو أنبتكم وأخرجكم وأوجدكم، وخلقكم وثبتكم في ~~الأرض {وإليه تحشرون} يقول: إليه ترجعون بعد موتكم، في يوم حشركم، وحين وقت بعثكم. # ثم أخبر سبحانه بما يقول الكافرون، ويتداعى به المكذبون فقال ~~سبحانه:{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} معنى {يقولون} هو يلفظون ~~ويتكلمون، ويمترون ويسألون {متى هذا الوعد} أي متى هذا الوعد الذي به ~~توعدوننا، وبأسبابه تخوفوننا، انكارا منهم لوعد الله ووعيده، وقلة ايمان ~~بقوله:{إن كنتم صادقين} أي تقولون أئتوا به إن كنتم من الصادقين، معنى إن ~~كنتم من الصادقين: أي إن كنتم من الوافين بوعدكم، المحقين في قولكم. # ثم أمر نبيئه صلى الله عليه وعلى آله أن يرد العلم في ذلك إليه فقال:{قل ~~إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين} فمعنى {إنما العلم عند الله} أي ~~علم غيب ماتستعجلون به، وتكذبوننا في ذكره عند الله إذا شاء أنزله، وإذا ~~شاء أمسكه {وإنما أنا نذير مبين} فمعنى {نذير} أي محذر معذر {مبين} معناها: ~~بين القول ظاهر الإعذار، مبين للحق من الله، مبلغ لرسالات الله، لاآتيكم ~~بعذاب، ولاأصرف عنكم عقابا، ولاعن نفسي، أصرف ماأرادني به ربي، وإنما أنا ~~رسول من سله أبلغ ماأمرني به. # {فلما رأوه زلفة} معنى{فلما} أي: فهو حين {رأوه} فهو ms0310 أبصره وعاينوه ~~{زلفة} فهو معاينة مقاربة ومداناة مواجهة {سيئت وجوه الذين كفروا} معنى ~~{سيئت} أي اسودت، ومعنى اسودت: فهو نزل بها السوء، وحل بها، وعاينت وواجهت ~~ماكانت به مكذبة، ومعنى {وجوه الذين كفروا} هم الكافرون في أنفسهم، لا أن ~~السوء نزل بالوجوه دون الأبدان، بل الوجوه والأبدان، وسائر أعضاء الإنسان، ~~وفي ذلك ماتقول العرب في أشعارها: # --- PageV02P101 إني بوجه الله من شر البشر...... أعوذ من لم يعذ الله دمر # فقال: بوجه الله، وإنما أراد الله، كذلك قوله سبحانه:{سيئت وجوه الذين ~~كفروا} أي سيء الذين كفروا، أي نزل بهم السوء والبلاء عند معاينتهم للعذاب ~~والشقاء، ومن ذلك مايقول الله تبارك وتعالى:{ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} أراد بقوله سبحانه:{ويبقى وجه ربك} أي يبقى ربك، فأخبر عزوجل أن ~~كل شيء هالك إلا ربه تبارك وتعالى، فأراد بقوله:{إلا وجهه} إلا هو، و{الذين ~~كفروا} فهم الذين كذبوا وأساؤا وظلموا وعتوا، واعتدوا وعندوا. # {وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} فهذا قول من ملائكة الله لهم، وتوقيف منهم ~~صلوات الله عليهم للمكذبين على ماكانوا به يكذبون، من وقوع الوعد والوعيد، ~~وماكان في ذلك من اخبار الواحد الحميد، فقالت لهم ملائكة الله ~~المكرمون:{هذا يومكم الذي كنتم به توعدون} (1) ومعنى {توعدون} فهو تخبرون ~~وتعلمون، وتخوفون به، وترهبون. # ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم مايقول، ويحتج عليهم بما ثبت في القول ~~فقال:{قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أورحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم} يريد بقوله:{أرأيتم} هو أي أخبروني وأفهموني، كيف القول عندكم إن ~~أهلكني الله ومن معي أورحمنا، فله القدرة علينا، فماذا عليكم في ذلك أولكم، ~~ومايضركم أوينفعكم، بل هذا مالايضركم ولاينفعكم، أي ذلك كان من عند ربنا ~~فينا، ولن يكون منه إلينا غير الرحمة والرأفة، والفضل والإحسان، والمنة ~~والعاطفة، ولكن أخبروني ونبؤني من يجيركم أيها الكافرون من عذاب أليم؟ إذا ~~واقعتموه في يوم حشركم وعاينتموه، فلن تجدوا لأنفسكم مجيرا من الله، ~~ولاناصرا من دون الله، فهذا معنى قوله سبحانه:{قل أرأيتم إن أهلكني الله ~~ومن معي أورحمنا ms0311 فمن يجير الكافرين من عذاب أليم} ومعنى {يجير الكافرين} ~~فهو يمنع الكافرين، ويدفع عنهم العذاب في يوم الدين. # --- PageV02P102 ثم أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم ماأمره به من التسليم ~~والإقرار به، والتوكل عليه، والإخلاص له فقال سبحانه:{قل هو الرحمن آمنا به ~~وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين} معنى {قل} هو: كلمهم، وانطق ~~لهم، واحتج عليهم، وبين لهم أن الذي يجير ولايجار عليه هو الرحمن، ذو المن ~~والإحسان، وإنا به آمنا، فقال سبحانه:{قل هو الرحمن آمنا به} يريد أمنا ~~بأمانه أنفسنا من عقابه، باتباع طاعته، والإعراض عن معصيته، {وعليه توكلنا} ~~يقول:وعليه اتكلنا، ومعنى اتكلنا: فهو عليه اعتمدنا، وبه اكتفينا، لانريد ~~غيره، ولانتوكل على سواه {فستعلمون} أي ستعرفون وتفهمون، وترون وتوقنون {من ~~هو في ضلال مبين} يقول: من هو في باطل من أمره، وحسرة من صنعه، وفساد من ~~دينه، أنحن أم أنتم؟ والمبين: فهو الظاهر المستبين، الواضح للمتوسمين. # --- PageV02P103 ثم أمره صلى الله عليه وعلى آله بتوقيفهم على ماهو عليهم حجة مما تبين له ~~فيه القدرة فقال:{قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين} معنى ~~{قل أرأيتم} هو قل: ماتفعلون إن أصبح ماؤكم غورا؟ يعني إن عار ماؤكم في ~~الصباح، والصباح: فهو أول النهار عند ادبار الليل وخروجه، فيقول: إن غار ~~ماؤكم في وقت الصبح فأصبحتم لاماء لكم، ومعنى {غورا} أي غار ذاهبا مغيبا في ~~الأرض سائحا {فمن يأتيكم بماء} يقول: فمن يجلب لكم ماء، ويأتيكم به، ويرده ~~في بياركم وأنهاركم {معين} فالمعين: فهو الظاهر، فيقول سبحانه: إن غار ~~ماؤكم وذهب، فمن يأتيكم بماء غيره، هل تعلمون أحدا يأتيكم به غير الله؟ ~~وساقيا يسقيكم الماء غيره سبحانه؟ الذي ينزله من السماء الى الأرض فيسكنه ~~فيها رزقا لكم، وحياة لكم، ولأنعامكم أفلا تعقلون وتفهمون مابه يحتج الله ~~عليكم، وتسمعون مما ترونه بأعينكم، وتوقنون به بقلوبكم، وتفهمونه بعقولكم ~~من الدلائل في كل ماذكر، ودل عليه تبارك وتعالى رب العالمين، وتقدس أحكم ~~الحاكمين. # --- PageV02P104 ### || AUTO تفسير {سورة التحريم} # {بسم الله ms0312 الرحمن الرحيم} # قول الله تبارك وتعالى:{ياأيها النبي لم تحرم ماأحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك والله غفور رحيم} {ياأيها} معناها: مناداة من الله عزوجل لنبيه صلى ~~الله عليه وعلى آله، ومعنى المناداة: فهو الأمر والمناجاة {النبي} فهو ~~الرسول، وإنما سمي نبيئا ؛ لأنه نبأ بما يأتي به من الله تبارك وتعالى من ~~الأخبار والأمور التي جعلها الله سبحانه وحيا وديانة وفرضا، ومعنى ينبي: ~~فهو يعلم {لم تحرم} معنى {لم} هو لأي معنى تحرم، ومعنى {تحرم} فهو تجعله ~~على نفسك حراما، وتعتزل ماجعل الله لك منه حلالا، ألا تسمع كيف يقول: لم ~~تحرم الذي أحل الله لك، معنى {أحل} فهو جعل وأطلق لك {تبتغي مرضات أزواجك} ~~معنى {تبتغي} تريد وتطلب وتأتي وتسبب لمرضاة أزواجك، معنى {مرضات} فهو محبة ~~أزواجك ومرادهن، ومسارهن ومبتغاهن، والأزواج: فهن الزوجات {والله غفور ~~رحيم} فهو قبول للتوبة، مقيل للعثرة، ومعنى {رحيم} فهو عائد بالفضل، رحيم ~~بمن أحسن، متعطف على التائبين. # --- PageV02P105 وسبب ماذكرالله تبارك وتعالى مما ذكر من تحريم نبيئه صلى الله عليه وعلى ~~آله لما أحل له: فهو أنه صلى الله عليه وآله وقع يوما من الأيام على جاريته ~~وسريته مارية القبطية في بيت عائشة بنت أبي بكر، فاطلعت عليه وصاحت وألاحت، ~~وقالت: في منزلي وعلى فراشي، وفي موضعي، فاغتم رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله واحتشم، وداخله في ذلك من الحياء ماداخله معه من الندم، فقال صلى ~~الله عليه لها: استكني ياعائشة فإني لاأعود إليها، ثم قال عليه ~~السلام:(والله لادنوت منها أبدا) حياء منه صلى الله عليه وتكرما وكراهية ~~للائمتها، وتسلما، فعاتبه الله عزوجل فيما حرم من جاريته، وأمره بتكفير ~~اليمين التي أقسم بها في غشيان سريته مع ماعاتبه فيه، في تحريمها على نفسه، ~~ومعنى تحريمه لها: فهو قسمه بالله لايغشاها، فسمى الله تبارك وتعالى ~~اعتزاله لها، وقسمه فيها تحريما من رسول الله صلى الله عليه وآله على نفسه ~~؛ إذ كان بقسمه تحريم ماكان يحب من الدنو منها، الذي جعله الله له حلالا ~~فيها، فأنزل الله ms0313 سبحانه: # --- PageV02P106 {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم} فأمره ~~سبحانه بتحليل يمينه. معنى{قد فرض الله لكم} فهو جعل الله لكم، وحكم بتحلة ~~أيمانكم، معنى {تحلة} فهو كفارة أيمانكم، التي تحل لكم بالكفارة ماكنتم ~~حرمتموه بالقسم على أنفسكم، فمعناها حلفكم بالله وقسمكم {والله مولاكم} ~~يقول: والله وليكم والفاعل لما يشاء بكم وفيكم {وهو العليم الحكيم} فهو ~~العالم بسرائر القلوب، المطلع على كل مستترات الغيوب {الحكيم} فهو المتقن ~~لكل مادبر، المحكم لكل ماقدر، فأخبر تبارك وتعالى أنه جعل لنبيه صلى الله ~~عليه وعلى آله كفارة يمينه، وكفارة اليمين بالله تبارك وتعالى فهو ماذكر ~~الله سبحانه من اطعام عشرة مساكين أوكسوتهم، أوتحرير رقبة، أوصيام ثلاثة ~~أيام لمن لم يجد، وذلك قوله:{لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون ~~أهليكم أوكسوتهم أوتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} ~~(1) فكفر صلى الله عليه وعلى أهل بيته عن يمينه، ورجع الى جاريته، ولم ~~يلتفت الى ماكان من أمر زوجته. # (/6) # --- PageV02P107 ثم أخبر سبحانه بما كان أسر الى بعض أزواجه، فهي عائشة، وذلك أنه كان صلى ~~الله عليه وآله قال لها حين صاحت وألاحت، وشنعت وأشاحت: اسكتي حتى أسرك ~~بشيء وأخبرك بأمر فكان الذي أخبرها به أن قال لها: إن أباك يلي هذا الأمر ~~من بعدي، ثم يليه عمر من بعده، ثم أمرها بكتمان ذلك عليه، وألا تخبر به ~~أحدا، فيقال: إنها أخبرت به من ساعتها حفصة ابنة عمر، ثم انهما دعتا ~~ابويهما فأخبرتاهما بما أخبرهما به رسول الله صلى الله عليه وآله (1) PageV02P108 يقال: إنه عند ذلك كان سبب اعراض رسول الله عن ذكره، فلم يبكتها بشيء من ~~أمره، فهو الذي قال الله تبارك وتعالى:{وأعرض عن بعض } معنى {وإذ أسر ~~النبيء} فهو: أخفى سرا، وألقاه اليها {إلى بعض أزواجه} فهي عائشة {حديثا} ~~فهو خبرا وسرا {فلما نبأت به} معنى {فلما ms0314 [نبأت به]} أظهرته وأخبرت به، ولم ~~تحفظ فيه سره {وأظهره الله عليه} معنى {أظهره الله عليه} فهو أطلعه عليه، ~~وأعلمه بما كان من افشائها له {عرف بعضه} فهو عرفها بعض ماأفشت عليه، وبعض ~~ماكان منها فيه {وأعرض عن بعض} ومعنى {أعرض} هو ترك، ولم يخبر، ولم يبكت ~~ببعض ماكان منهم في ذلك، فكان الذي عرفها من فعلها أنه قال لها: لم أخبرت ~~أباك بما استكتمت، وأخبرت حفصة وعمر، وقد جعلت ذلك لي عندك سرا، وأعرض صلى ~~الله عليه وعلى آله عما قيل: إنه كان منهم في ذلك فلم يذكر منه شيئا. # {فلما نبأها به} يقول: أعلمها بأنه قد علم بأمرها، واطلع على ماكان من ~~افشائها سره الذي كان عندها {قالت من أنبأك هذا} معنى {من أنبأك} من أعلمك ~~وأخبرك بهذا الذي كان مني، من افشاء سرك وإظهار أمرك {قال نبأني العليم ~~الخبير} معنى {قال} فهو تكلم وذكر وقال وأخبر {نبأني} يقول: أعلمني وأخبرني ~~{العليم الخبير} فهو رب العالمين، الذي أعلمه بذلك منها، وأعلمه بما أفشت ~~من سره عنها {العليم} فهو الذي لايخفى عليه شيء، العالم بالأشياء، الذي ~~لايسقط عنه منها شيء {الخبير} فه والمحيط بسرائر خلقه، الذي يعلم مايصلحهم ~~ويفسدهم، فليس يسقط عنه من أسبابهم ولاأمورهم قليل ولاكثير، كبير ولاصغير. # --- PageV02P109 ثم قال سبحانه:{إن تتوبا الى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} معنى {إن ~~تتوبا} فهو إن ترجعا وتنيبا الى الله سبحانه، من فعلكما وتتوبا {فقد صغت ~~قلوبكما} يقول: فقد مالت عن الحق قلوبكما، وركنت قلوبكما الى الباطل {وإن ~~تظاهرا عليه} فهو إن تعاونا وتكاتفا على رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل ~~بيته وتماليا {فإن الله هو مولاه} يقول: هو وليه، والدافع عنه، والمعين له ~~{وجبريل} فجبريل صلى الله عليه فهو الملك الأمين، الرسول بين الله عزوجل ~~وبين نبيئه، المبين {وصالح المؤمنين} فهم أهل الطهارة، والفضائل من ~~المسلمين، ذو الورع والتقوى والتجريد في أمر الله والهدى {والملائكة} فهم ms0315 ~~ملائكة الله المقربون، الذين يسبحون الليل والنهار لايفترون، معرفة منهم ~~بحق ربهم، واجلالا بذلك لخالقهم {بعد ذلك ظهير} بعد ذلك فهو بعد تولي ~~ماذكرنا من الله سبحانه وجبريل وصالح المؤمنين {ظهير} فهو معين لصالح ~~المؤمنين على مناصرة رسول رب العالمين. # {عسى ربه إن طلقكن} معنى {عسى} هي كلمة ايجاب من الله للمؤمنين، يريد ~~سبحانه بها الإخبار عن فعله بنبيئه صلى الله عليه وعلى آله إن طلق من قد ~~آذاه، وأظهر سره، ولم يستر عليه أمره، فقال سبحانه:{عسى ربه إن طلقكن} ~~ومعنى {طلقكن} فهو فارقكن، ومعنى فارقكن: فهو أخرجكن من حباله وترككن. # {أن يبدله أزواجا} يريد أن يجعل بدلكن له أزواجا، ومعنى {أزواجا} فهو ~~زوجات ونساء {خيرا منكن} ومعنى {خيرا منكن} فهو أفضل منكن، يأمن افشاء عليه ~~سره من أزواجه، وأظهر عليه أمره من نسائه. # {مسلمات} فمعناها: مستسلمات الى الله، ومعنى مستسلمات: فهو مسلمات أنفسهن ~~إالى الله، ومعنى مسلمات أنفسهن الى الله: فهو مفرغات أنفسهن في طاعة الله، ~~غير مشتغلات بشيء سوى مرضاة الله. # --- PageV02P110 {مؤمنات} فمعناها: مؤمنات لأنفسهم بصالح أعمالهن من عذاب ربهم. # {قانتات} فالقانتات: فهن الداعيات المستغفرات الذاكرات لله، المنيبات ~~لله، وأفضل قنوتهن ودعائهن: فهو مايكون منهن في ادبار صلاة الصبح المفروضة ~~عليهن من القنوت بما فيه من الدعاء من القرآن، الذي نزل من عند الواحد ~~الرحمن. # {تائبات} معناها: راجعات الى الله، خارجات مما كن عليه من الدين، مصدقات ~~للرسول المبين، مقرات بالتوحيد للمحقين. # {عابدات} فهو المطيعات لله، المتقيات المواضبات على طاعة الله، المؤمنات. # {سائحات} فالسائحات: فهن المهاجرات الى الله ورسوله، التاركات لأهل الكفر ~~والجحدان، المهاجرات الى دار السلام والإيمان. # {ثيبات} فهن اللواتي قد تزوجن وعقلن، وفهمن وكمل أدبهن، وباشرن الأشياء، ~~حتى عرفن مايصلح للأزواج من الخدمة والقيام، والمعاشرة والإكرام، فذكر الله ~~سبحانه تبديل نبيه عليه السلام من الأزواج الثيبات ؛ لما ذكرنا من فضلهن ~~على الأبكار بالخدمة للأزواج، والإصطبار والمعرفة بحسن العشرة، فأراد ~~بذكرهن في هذه الحالة ماذكرنا من منافعهن، واجلالهن لأزواجهن، لما هن عليه ~~من التجريد والمعرفة بما لاتعرفه ms0316 البكر، بحسن القيام للبعل في كل أمر. # وأراد بذكر الأبكار فقال:{وأبكارا} ماالأبكار عليه، وتشتمله من لذاذة ~~القرب والحلاوة على القلب، لما هي عليه من الغرة والصبا والإستطراف من ~~الزوج لها في كل معنى. # --- PageV02P111 ثم قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه:{ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ماأمرهم ~~ويفعلون مايؤمرون} معنى {ياأيها الذين آمنوا} فهو مناداة من الله عزوجل ~~للمؤمنين، وأمر منه لعباده الصالحين {قوا أنفسكم} فمعنى {قوا أنفسكم} أي ~~كفوا عن أنفسكم، فادفعوا عنها، وعن أهليكم {نارا} ومعنى دفعهم للنار عن ~~أنفسهم، وعن أهليهم، فهو تعليمهم لأهليهم مافيه نجاتهم، وتوقيفهم على ~~ماأمرهم به ربهم، وتحذيرهم عما نهاهم عنه سيدهم، فإذا فعلوا ذلك بأنفسهم ~~وبأهليهم كانوا بما أخرجوا به أنفسهم وأهليهم من الضلالة الى الهدى، ومن ~~الباطل الى التقوى واقين للكل من النار والعذاب، مستوجبين بذلك لما وعد ~~المؤمنون من الثواب {وقودها الناس والحجارة} فمعنى {وقودها} فهو حطبها، ~~ومابه تأجج في استيقادها {الناس} فهم الإنس {والحجارة} فهي الحجارة ~~المعروفة من الصخور والجبال، وقد قيل: حجارة الكبريت، وأي ذلك كان فهي ~~حجارة كما ذكر الرحمن وقودا لما جعل الله من النيران {عليها ملائكة} فمعنى ~~{عليها} أي خزنة جعلت عليها، وقومة فيها، تصب الحميم على رؤوس أهلها، وتعذب ~~من صار فيها كما قال سبحانه:{ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم} (1) فهم ~~عليها موكلون، وبتعذيب من فيها من الثقلين مأمورون، وهم صلوات الله عليهم ~~بها قائمون، ومن ألمها وحرها وعذابها سالمون، لاينالهم فيها حر ولاتعب، ~~ولايصيبهم فيها غم ولانصب {غلاظ شداد} ومعنى {غلاظ} فهم فظاظ، والفظاظ: فهم ~~الذين لارحمة في قلوبهم لمن يعذبونه، ولارقة عندهم على من يصلونه {شداد} ~~فهم الأقوياء في أبدانهم، الأشداء في استطاعتهم، المقتدرون على كل أمرهم ~~{لايعصون الله ماأمرهم} معناها: لايخالفون الله {ماأمرهم} معناها: فيما ~~أمرهم، ومعنى أمرهم: فهو مايأمرهم به من تعذيب المعذبين، وايصال الوعيد الى ~~الفاسقين # --- PageV02P112 {ويفعلون مايؤمرون} معناها: يصيرون الى ماجعلوا له، ويمضون ماأقيموا فيه، ~~ولايعصون آمرهم، ms0317 ولايخالفون جاعلهم، ولايتكلفون أمرا يأتون به من أنفسهم، ~~فهم لأمر الله مسلمون، وبه في كل الأسباب مؤتمرون. # ثم ذكر سبحانه اعتذار الكافرين في يوم الدين، عند وقوع الحسرة والندامة ~~بالفاسقين فقال تبارك وتعالى:{ياأيها الذين كفروا لاتعتذروا اليوم} معنى ~~{ياأيها الذين كفروا} فهو نداء من الله، وتوقيف لأهل الكفر من الناس، ~~وتعريف، والذين كفروا: فهم الذين أسآؤا وظلموا {لاتعتذروا} ولاتحدثوا توبة، ~~فلن تقبل لكم، ولاتبدوا من القول مالاينفعكم {اليوم} فهو يوم القيامة. # {إنما تجزون ماكنتم تعملون} معنى {تجزون} تعطون وتدانون، فأخبر سبحانه ~~أنهم لن يجازوا إلا بفعلهم، ولن ينالهم عذاب إلا بعملهم، وذلك قوله:{ماكنتم ~~تعملون} يقول: جزاكم ماكنتم تعملون. # ثم ذكر سبحانه حال المؤمنين، وأمرهم بما أمر به من كان قبلهم من المتقين ~~فقال:{ياأيها الذين آمنوا توبوا إالى الله توبة نصوحا} معنى {ياأيها} فهو ~~أمر من الله للمؤمنين، يريد ياأيها الذين، ومعنى {الذين آمنوا} فهم الذين ~~اتقوا وأحسنوا إلى أنفسهم، حتى أمنوا عقاب ربهم {توبوا الى الله} معنى ~~{توبوا} أي أخلصوا التوبة إلى الله، والعمل الصالح لله {توبة نصوحا} يقول: ~~أخصلوا لها اخلاصا {نصوحا} ومعنى {نصوحا} فهو خالصا ثابتا، يقول: أخلصوا له. # {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} معنى {عسى} فهو ايجاب من الله لمن تاب ~~توبة نصوحا أن يقبل منه توبته، ويكفر عنه سيئآته، وهي كلمة تشبه الشك، وهي ~~كلمة تستعملها العرب في ايجابها للشيء، وتصحيحها له {أن يكفر} معنى {يكفر} ~~فهو يغفر ويهب، ويصفح عن سيئاتكم، والسيئات: فهي الخطايا الموبقات. # --- PageV02P113 {ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار} يقول: إذا كفر عنكم سيئاتكم أدخلكم ~~جنات، والجنات: فهي دار النعيم والكرامات، والحالات القيمات، ذوات الثمار ~~والأنهار {تجري من تحتها الأنهار} يقول: تجري من تحت الأشجار، أشجارها ~~وثمارها، ودورها وقصوها الأنهار، فهي فوق الأرض سائلة، ومن تحت ماذكرنا ~~جارية، والأنهار: فهي الغدر والمياه المتفجرة، بعضها من بعض. # {يوم لايخزي الله النبي} واليوم الذي لايخزي الله فيه النبيء فهو يوم ~~القيامة، ويوم الحشر للمؤمنين والسلامة , والشقاء للكافرين والندامة ~~{لايخزي} فهو لايفضح ولايسوء، بل تفلح ms0318 حجته، وتظهر فيه كرامته. # {والذين آمنوا معه} يقول: والذين آمنوا أيضا مع رسولهم، لايخزون ولايرون ~~مايسوؤهم، ولايردون، بل يرون السرور في ذلك اليوم من ربهم، ويتنجزون ~~مواعيدهم من خالقهم {معه} فهو مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله. # {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم} معنى {نورهم} فهو برهانهم، وماجعله ~~الله سبحانه من حجة الإيمان لهم ومعهم، ومعنى {يسعى} فهو: تظهر بين أيديهم ~~{وبأيمانهم} فهو يتبين براهين الدلالات، وكرامات البشارات، فهو ظاهر لايخفى ~~على الناظرين، ولايتغيب عن المبصرين. # {يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير} معنى ~~{يقولون} فهو يسألون ويطلبون {ربنا} يعني يقولون: ياإلهنا، وخالقنا ومالكنا ~~{أتمم لنا نورنا} يريدون بذلك أتمم لنا ماقد أعطيتنا من هذه النور، وظهور ~~الحجة، وكرامات البشارة بإيصالنا إلى ماوعدتنا من دار كرامتك، والخلاص من ~~موقف حسابك {واغفر لنا} هو: ارحمنا، وتجاوز عما كان منا {إنك على كل شيء ~~قدير} معناها: إنك على كل ماتريد مقتدر، ومعنى مقتدر: فهو قادر فاعل، فكان ~~ذلك من قولهم اقرارا لربهم بالقدرة، وتقديسا منهم واجلالا وتبجيلا وتعظيما، ~~وهيبة في كل حال. # --- PageV02P114 ثم أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله بجهاد من عند عن الله من الكفار ~~والمنافقين، وبأن يبتديء الغلظة على جميع الفاسقين، فقال:{ياأيها النبيء ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} معنى ~~{ياأيها} فهو أمر من الله لنبيئه صلى الله عليه وآله بما أمره به من جهاد ~~عدوه، معنى {النبيء} فهو المنبي عن الله سبحانه بوحيه الرضي {جاهد الكفار} ~~فهو نابذ الكفار، وقاتلهم وابسط يدك بالسيف عليهم، والكفار: فهم الذين ~~كفروا بالله وأشركوا وكذبوا بآياته وأنكروا، والمنافقون: فهم المدغلون في ~~الدين، الذين يفسدون عليه صلى الله عليه وآله، ويعطونه من ألسنتهم ماليس في ~~قلوبهم، ويبدون له الإسلام، ويفسدون عليه ضعفة الأنام، فأمره سبحانه ~~بالجهاد لمن نابذه من أولئك، وأظهر له م ايخفيه من المعصية والعداوة في ~~ضميره {واغلظ عليهم} يقول: اشتد عليهم، وكن بهم فظا غير رحيم {ومأواهم} ~~يريد مصيرهم ومعادهم {جهنم} وجهنم: ms0319 فهي النار {وبئس المصير} يقول: بئس ~~المرجع والقرار، والمصير والدار، ومعنى {بئس} فهو شر مصير، ومصير فمعناها: ~~الموضع والمنزل والمرجع الذي يرجع اليه ويصار فيه. # --- PageV02P115 ثم رجع سبحانه إلى ماذكر الكافرين، فأخبر بأمرهم وحالهم، وأنه لايغني عنهم ~~الأولياء الصالحون من الأزواج والأولاد، والآباء والأبناء في عصر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، كما لم يغن ذلك عمن كان كذلك في عصر نوح ولوط صلى الله ~~عليهما، فضرب في ذلك مثلا لأزواج الرسول صلى الله عليه، الذين ذكر عنهم في ~~أول السورة ماذكر يخبرهن أن نكاح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لهن ~~لايغني عنهن من الله شيئا، إن عدلوا عن الحق، ولم يتبين عما كان من ~~تظاهرهما على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وأنه لامنجاة من ذلك إلا ~~بالتوبة عن تلك المهالك، وأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لايغني ~~بنكاحه لهن، ولامقاربته إياهن، وأنه لانجاة لهما مما فعلتا إلا بالتوبة عما ~~كانتا صنعتا، وإلا كانت حالهما كحال غيرهما من امرأة نوح وامرأة لوط صلى ~~الله عليهما فقال سبحانه في ذلك: # --- PageV02P116 {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين} فضرب الله هذا المثل لجميع الكافرين، الذين لهم أولياء صالحون، ~~من قريش وغيرهم من الناس أجمعين، فأخبر بما ضرب من ذلك أن الولي الصالح ~~لاينفع عند الله غدا وليه الطالح، وأن ليس من الله نجاة إلا بالعمل الصالح، ~~وبالتوبة النصوح، وبالرجوع إلى الله في كل فعل أوقول، سرا وعلانية، وأن حال ~~من كان كذلك كحال امرأتي نوح ولوط صلى الله عليهما لما خانتا نوحا ولوطا ~~صلى الله عليهما، فصارتا بخيانتهما إلى النار، فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا، معنى {تحت عبدين} فهو عند عبدين {من عبادنا} يقول: من عبيدنا ~~{صالحين} فهما مؤمنين تقيين {فخانتاهما} فهو عصيانهما وصارتا إلى مضادتهما، ~~ومعاندتهما في ماحرمه الله عليهما، من مخالفتهما فيما عصتا ms0320 ربهما، بخيانة ~~ولييه، استحقتا النار بعصيانهما الجبار {فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} فلم ~~يغنيا معناه: فلم ينفعاهما، ولم يدفعا منهما شيئا مما نزل بهما من عذاب ~~ربهما {وقيل ادخلا النار} معنى قيل: فهو حكم عليهما، فأوجب العذاب {ادخلا ~~النار مع الداخلين} يقول: صيرا اليها، وحلا فيها، وادخلا مع الداخلين، ~~وكونا من سكانهما يوم الدين. # (/6) # --- PageV02P117 ثم ضرب الله سبحانه مثلا للمؤمنين الذين يكونون مع الأولياء الفاسقين ~~فقال:{وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتابه ~~وكانت من القانتين} معنى {ضرب الله مثلا} فهوجعل مثلا، ضربه للمؤمنين، ~~الذين هم مع الأولياء الطالحين الفاسقين، ليخبرهم أن ضلال أوليائهم ليس ~~بضار لهم، إذا أخلصوا لله نياتهم، وقدموا التوبة إلى ربهم، كما لم يضر ~~امرأة فرعون ضلال فرعون، فقال:{ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ ~~قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله} فمعنى {قالت رب ~~ابن لي} فهو دعت وسألت ربها بأن يجعل لها في دار الآخرة عنده منزلا أفضل من ~~منزل فرعون وأكرم {بيتا في الجنة} فهو منزلا في الجنة، والجنة: فهي جنة ~~المأوى التي جعلها الله تبارك وتعالى للمؤمنين ثوابا {ونجني من فرعون} ~~تقول: خلصني من فرعون، ومعنى خلصني: فهو أرحني منه، وانقلني منه إليك ~~{وعمله} تقول: أرحني مما أرى من عمله، الذي لاأقدر أن أغيره عليه {ونجني من ~~القوم الظالمين} معنى {نجني} فهو تخلصني وتنجيني، وتنقذني من قرب القوم ~~الظالمين، والقوم الظالمون: فهم الظالمون لأنفسهم بعصيانهم لربهم، وهم قوم ~~فرعون، وأهل ملته الساعون في طاعته. # (/7) # --- PageV02P118 {ومريم ابنت عمران} فأخبر أيضا أنها ضربت مثلا للمؤمنين، كما ضرب امرأة ~~فرعون {ومريم ابنت عمران} فهي أم المسيح عيسى بن مريم صلى الله عليه {التي ~~أحصنت فرجها} معنى {التي} فهو هي، ومعنى {أحصنت} فهو حفظت وصانت عن معاصي ~~الله فرجها، ms0321 ولم تصرفه إلى شيء مما يسخط ربها، وفرجها: فهو قبلها {فنفخنا ~~فيه} يقول: جعلنا فيه، وجعلنا في رحمها، وصورنا {من روحنا} فمعنى {من ~~روحنا} فهو الروح الذي خلقنا فيه، هو عيسى بن مريم صلى الله عليه، وإنما ~~نسبه إليه فقال:{روحنا} لأنه خلقه وفعله، مثل قوله:{واذكر عبدنا أيوب} ~~فقال: عبدنا ؛ لأنه من فعله، كما قال: {من روحنا} لأنه روح خلقه وصوره، ~~فنسبه إليه ؛ إذ هو فعله، كما نسب العبد اليه ؛ إذ كان من خلقه وفعله، ~~فقال:{فنفخنا فيه من روحنا} يقول: جعلنا في عبدنا المسيح، وخلقناه وفطرناه ~~وصورناه، من غير ذكر، كما خلقنا غيره في غير مريم عليها السلام من الذكر، ~~فكان ايجادنا في رحم مريم من غير ذكر كإيجادنا غيره من عبادنا من الذكران، ~~وكان ذلك شيئا سهلا هينا حقيرا {وصدقت} فهو آمنت وأيقنت وقبلت وأقرت ~~{بكلمات ربها} فكلمات ربها: هي وحيه الذي أوحى اليها حين تمثل لها جبريل ~~عليه السلام بشرا سويا، فقالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما ~~أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم ~~أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان ~~أمرا مقضيا}(1) فلما أن قال لها جبريل صلى الله عليه ماقال من قوله، وجاءها ~~بما جاءها من أمر الله به فصدقته في ذلك وأيقنت به، وعلمت أنه من عند الله، ~~ولم تنكر قدرةالله فسلمت لأمر الله، فهذا الذي كان من كلام جبريل عليه ~~السلام، فهو الكلمات الذي صدقت بهن، وقبلتهن، ولم تكذب جبريل في شيء منهن، ~~ولم يدخلها شك في أنه رسول من الله ولاارتياب، وأن الأمر الذي جاء به اليها هو # --- PageV02P119 من عند الله، فذكر تصديقها بالكلمات التي وجه جبريل بها اليها، فألقاها ~~إليها، واحتج بهن عليها، فصدقته فيهن، وقبلت ماجاءها به منهن {وكتبه} ~~فالكتب التي صدقت بها، فهي كتب موسى وصحف ابراهيم صلى الله عليهما، فكانت ~~بذلك مصدقة، وبأنبيائه مقرة عارفة، وبشرائعهم متعلقة {وكانت من ms0322 القانتين} ~~والقانتون: فهم الداعون إلىالله، المسلمون لأمره القائمون بحكم الله، فكانت ~~كما ذكر الله سبحانه قانتة، وله عزوجل بالنجاة سائله، فأجاب الله قنوتها، ~~وشكر عملها، وتقبل سعيها، وجعلها مثلا للمؤمنين، خصهم بالإقتداء بها، ~~وأخبرهم أنه لم يرزأها كفر أهل زمانها، وإن كلا مأخوذ بعمله وقوله، ومجازى ~~بسعيه، وأنه لاتزر وازرة وزر أخرى، وأن الله يجزي كلا بالجزاء الأوفى. # --- PageV02P120 ### || AUTO تفسير {سورة الطلاق} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله عزوجل {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا ~~العدة} معنى {ياأيها} فهونداء من الله سبحانه لنبيه عليه السلام، وأمر ~~ودلالة منه على مافيه الرشد له، وللمؤمنين ولجميع من معه من أوليائه ~~الصالحين، ومعنى {ياأيها} فهو: أيها، و{النبي} فهو الرسول المنبي بمايأتيه ~~من وحي الله العلي {إذاطلقتم} يقول: إذا فارقتم {النساء} وهن الأزواج ~~{فطلقوهن لعدتهن} معناه: فارقوهن لعدتهن، والعدة: فمعناها الطهر من غير ~~جماع، والعدة المذكورة المجعولة من القروء الثلاثة، أوالثلاثة الأشهر هي ~~التي جعلت عدة للمطلقات {وأحصوا العدة} فيقول: عدوا الأيام واحفظوها، ~~والأقراء والعدة: فهي ثلاث حيض للتي تحيض من النساء، وثلاثة أشهر مع التي ~~لاتحيض من صغر أوكبر. # {واتقوا الله ربكم} يقول: اتقوه في احصاء ذلك كله، والإحاطة به، لاتعجلوا ~~عن اتمامه، ولاتحبسوهن بعد وفائه، يقول: لاتعجلوا من أجل النفقة فتخرجوهن ~~من قبل أن يستتمن العدة، ولاتحبسوهن بعد انقضاء عدتهن لتضاروهن بالحبس لهن. # --- PageV02P121 ثم قال سبحانه:{لاتخرجوهن من بيوتهن ولايخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} معنى {لاتخرجوهن من ~~بيوتهن} يقول: لاتخرجوهن من البيوت اللواتي طلقن فيها، وكن مع الأزواج ~~حالات بها {ولايخرجن} معناها: لايسدى إليهن قبيح يخرجن به من ضيق، ولاعسر ~~ولاقبيح من الإمرأة {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} معنى {إلا أن يأتين} فهو: ~~إلا أن يفعلن فاحشة، والفاحشة: فهي المعصية لله في كل شيء من كبائر معاصيه، ~~اللواتي حرم فعلها، وقد قيل: إن الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة، وليس ذلك ~~شيء بل هو أمر مما حرم الله عليهم من ذلك ms0323 ومن غيره، معنى {مبينة} فهو مبينة ~~لنفسها، مظهرة لما جاء من صاحبها {وتلك حدود الله} ومعنى {تلك} فهو: هاتيك، ~~ومعنى هاتيك: فهي هذه الشروط والمعاني والأمر، والنهي الذي حد لكم من أمر ~~الله، وأوقفكم عليه من فرض الله من شروط الطلاق وحدوده، ومعاني العدة ~~وأسبابها {ومن يتعد حدود الله} فمعنى {يتعد} هو يتجاوزها، ويتخلى عنها، ~~ويتركها، ويفعل غير ماأمر به منها {حدود الله} فهي فروض الله، التي جعلها، ~~وحدوده التي أوقف سبحانه عباده عليها {فقد ظلم نفسه} يقول: ظلمها بما ~~أدخلها فيه مما أوجب عليها من عذاب ربها. # {لاتدري} يقول: لاتعلم مايكون {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} يقول: لعل ~~الله يأتي بعد الفراق بأمر من المراجعة والإتفاق، ومعنى {بعد ذلك} فهو بعد ~~ماكان من الفراق، وماجاء بينهما من الطلاق {أمرا} يريد مراجعة وصلحا. # {فإذا بلغن أجلهن} يقول: إذا بلغن آخر عدتهن، وقضين ماأوجبنا عليهن من ~~مدتهن {فأمسكوهن بمعروف} يقول: راجعوهن بالأمر المعروف عند الله، وعند ~~المسلمين، الذي تجوز به مراجعتهن، ويحل بكينونته الإفضاء إليهن. # --- PageV02P122 {أوفارقوهن بمعروف} فمعنى {فارقوهن} يقول: أتموا لهن ماقد أوقعتم عليهم من ~~طلاقهن، وعزمتم عليه من فراقهن، بالتخلية لهن، والإشهاد بذلك من أمرهن، ~~ومعنى قوله:{بمعروف} فهو بأمر حسن مفهوم، وأمر من المفارقة معلوم، ومعنى ~~معلوم: فهو مشهود عليه، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {وأشهدوا ذوي عدل منكم} فمعنى {ذوي عدل منكم} فهما صاحبا العدل في فعلهما ~~وقولهما، ومايكون من حكمهما، والعدل: فهو الحق والقسط، يقول::أشهدوا على ~~مايكون من الفراق، وانقضاء العدة والطلاق {عدلين} من عدولكم ليكون ذلك أنفع ~~في العاقبة لهن ولكم، وأنجز مما يخاف في ذلك منهن ومنكم، من التعنت والأذى، ~~والإدعاء لغير ماكان من الأشياء. # {وأقيموا الشهادة لله} معنى {أقيموا الشهادة} أدوا مااستشهدتم عليه على ~~وجهه، وأتوا به على صدقه، والشهادة: فهي مااستودع الخق من شهاداتهم على ~~ماعلموه، مما استرعوه من الأمر، واستودعوه {لله} يقول: أصدقوا بإقامتكم ~~للشهادة، وتأديتكم لما عندكم من الأمانة لله رب العالمين، الذي افترض ذلك ~~عليكم، وجعل اقامة الشهادة بالحق ms0324 ديانة فيكم. # {ذلكم يوعظ به} معنى {ذلكم} فهو الأمر الذي جعل فيكم، وافترض بحكم الله ~~عليكم من اقامة الشهادة {يوعظ به} الموعوظون من ذلك، ويخوف به { من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر} فاخبر أنما يوعظ به الموعظون من ذلك، ويخوف به ~~المخوفون، ويؤمر به المأمورون، لاينفع إلا من كان بالله مؤمنا، وباليوم ~~الآخر مصدقا موقنا، ومعنى {يؤمن بالله} فهو يصدق بالله ويتقيه في كل ~~مايفعله ويأتيه، و{اليوم الآخر} فمعنى: يوقن باليوم الآخر، ويصدق بما فيه ~~من العقاب والثواب. # --- PageV02P123 {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} {يتق الله} فهو يؤمن بالله ويخافه، ويتقيه ~~{يجعل لهمخرجا} معناها: يجعل له بقبول التوبة من ذنوبه مخرجا، مع مايجعل له ~~من المخارج والتوقيق، والتسديد والمعونة والتأييد، الذي من ناله ورزقه اتسع ~~عليه أمره، وتفسح عليه شأنه. # {ويرزقه من حيث لايحتسب} يقول: يسبب له رزقه من حيث شاء سبحانه، من ~~الوجوه التي لم يحتسب العبد التقي، ولم يرجها فيما كان يرجو. # {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره} معنى {يتوكل} فهو: ~~يعتمد، ويتوكل على الله في أمره، ويسند إليه بالثقة به مهمات أمره {فهو ~~حسبه} يقول: هو غايته وكفايته، ومنتهى بغيته، ورأس حاجته، وأقصى إرادته، ~~معنى {بالغ} فهو: قادر، ومعنى {أمره} فهو: إرادته، فأخبر سبحانه أنه يبلغ ~~ماأراد وشاء، ولاراد لحكمه، ولاصارف لأمره. # {قد جعل الله لكل شيء قدرا} معنى {قد جعل الله} فهو: قد فعل الله، وركب ~~وميز، وعين {لكل شيء قدرا} يقول: لكل شيء مقدارا ركبه، وأوقعه سبحانه ~~بقدرته فيه. # --- PageV02P124 {واللاء يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللاء لم ~~يحضن} معنى {واللاء} فهن: اللواتي {يئسن} فمعناها: أيسن من المحيض، ومعنى ~~يئسن فهو أيقن أنهن لايحضن لكبر السن، وارتفاع الحيض منهن، فقد أيست كل ~~واحدة منهن أن ترى حيضا من نفسها بعد مبلغها مابلغت من سنها، و{المحيض} ~~فهو: الدم والطمث {من نسائكم} معناها: من أزواجكم {إن ارتبتم} يقول: إن ~~شككتم هل في ارحامهن ولد أم لا {فعدتهن ثلاثة أشهر} ms0325 يقول: يعتددن عند ~~الطلاق، ويستبرين أرحامهن بوقوف ثلاثة أشهر {واللاء لم يحضن} يقول: اللواتي ~~لم يحضن، واللواتي لم يحضن: فهن الصبايا الصغار اللواتي لم يرين حيضا، ولم ~~يعرفن بعد دما، فجعل سبحانه عدة الكبيرة التي قد أيست من الحيض ثلاثة أشهر، ~~وكذلك جعل عدة الصغيرة، التي لم تحض أيضا ثلاثة أشهر، إذا مضت هذه الثلاثة ~~الأشهر عن الآيسة الكبيرة، والصبية الصغيرة فقد انقضت عدتهما، وحل للرجال ~~تزويجهما. # ثم أخبر سبحانه بعدة الحامل، وأمرها وماجعل سبحانه من الأجل لها فقال جل ~~جلاله عن أن يحويه قول أويناله: # {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} معنى {وأولات الأحمال} فهن: ~~صواحبات الأحمال، والأحمال: فهو مايحملن في بطونهن من أولادهن، الذي جعل ~~الله في أرحامهن، ومعنى {أجلهن} فهو: مداهن الذي يصرن اليه، ويقفن عن ~~التزويج حتى يبلغنه، وبلوغهن له: فهو ماذكر الله سبحانه من وضعهن لحملهن، ~~ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{أجلهن أن يضعن حملهن} يقول: أن يضعن مافي بطونهن ~~إلى الأرض، ويستبرين منه، ويفصل عنهن، ويتبرأ هو أيضا منهن بخروجه إلى ~~الأرض، التي جعلت له مهادا ومسكنا حيا وميتا. # --- PageV02P125 ثم رجع سبحانه الى ذكر المطلقات وماأمر به فيهن من البينات فقال ~~سبحانه:{ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} يقول: من يتق الله فيما شرط ~~وذكر وجعل من هذه الآجال وأمر: فيكون له فيها متقيا، ولأمره بالإتقاء ~~والإستيفاء لها مؤتمرا {يجعل له من أمره يسرا} يقول: يصنع له ويفعل ويهيء، ~~ويجعل له {من أمره يسرا} يقول: من شأنه كله خيرا وفرجا، وأمر مستويا حسنا، ~~ويعطيه ثوابا له على اتقائه لربه تيسيرا من كل أمر عسير، وتوفيقا وتهوينا ~~لما عسر عليه من أمره، واشتد عليه من أسبابه. # {ذلك أمر الله أنزله إليكم} معنى {ذلك أمر الله} أي ذلك حكم الله {أنزله ~~إليكم} أي أنزله عليكم، وأمره الذي جعله فرضا مؤكدا فيكم، من امساكهن ~~بالمعروف، أومفارقتهن بالمعروف، وإشهادكم على ذلك، وماجعل من العدة لهن ~~آيسات كبارا كن أوصبايا صغارا، وحوامل لحملهن، وماجعل في ذلك من الشروط ~~عليكم ms0326 فيهن، فكل ذلك أمر الله الذي أنزله، وحكمه الذي حكم به في ذلك عليكم وفيكم. # {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} يقول: من يكن لله متقيا ~~خائفا منتهيا إليه، راجعا {يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} يقول: ثوابا وأجرا. # ثم رجع فقال سبحانه:{اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} يقول: أسكنوهن في ~~وقت اعتدادهن {من حيث سكنتم} معنى {من حيث} فهو حيث {سكنتم} يريد حيث كنتم، ~~وحللتم وأمسيتم وأصبحتم {من وجدكم} فهو طاقتكم وجدتكم من المنازل التي تكون ~~كفاتا لكم، فأمرهم سبحانه أن يسكنوهن من حيث سكنوا من جيد المنازل أورديها، ~~وأن لايعزلوهن عن مواضعهن، وأن يكن في البيوت التي يكونون فيها، ولاتجعلوهن ~~في موضع سراها، ولاتنقلوهن عنها إلى ماأضيق منها وأردي، وأقل في السعة، ~~وأبلى، ألا تسمع كيف يقول: # --- PageV02P126 {ولاتضاروهن لتضيقوا عليهن} يقول: لاتضاروهن بإخراجهن من منازلهن، التي كن ~~فيها، إلى غيرها فتضيقوا بذلك عليهن، متعمدين للتضييق عليهن، مخطين بذلك في أمرهن. # ثم ذكر سبحانه ماجعل لأولات الحمل من النفقة فقال سبحانه:{وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} معنى {وإن كن} فهو: إن كن الزوجات ~~المطلقات أولات حمل. ومعنى {أولات حمل} فهن: صواحب حمل، أي في بطونهن حمل، ~~والحمل: فهو الأولاد {فأنفقوا عليهن} يقول: مونوهن بالنفقة والكسوة ~~والخدمة، والقيام عليهن بجميع مصالحهن {حتى يضعن حملهن} يريد يلدن ويضعن ~~مافي بطونهن، فإذا وضعن مافي بطونهن، وخرجن من عدتهن، فقد انقطعت النفقة ~~عنكم لهن. # ثم ذكر سبحانه مايكون من أمر ارضاع الأولاد بعد مفارقتهم فقال:{فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن وأئتمروا بينكم بمعروف} {فإن أرضعن لكم} يقول: إن أرضعن ~~الزوجات المفارقات لكم أولادكم، الذين ولدتهم بعد مفارقتكم لهن {فآتوهن ~~أجورهن} ومعنى {آتوهن} فهو: أعطوهن، وأوفوهن، وأدوا اليهن {أجورهن} فمعنى ~~أجورهن: فهو الإجارات، والإجارات: فهي الأجرة والكراء التي يستأجرنها، ~~ويكترى المرضع لصبيه ابوالصبي، فيقول: ادفعوا ذلك إلى أمهات أولادكم إن ~~ارضعن لكم فهن أحق بذلك من غيرهن، وأولى برضاع أولادهن، إن أردن ذلك وشئنه ~~وطلبنه وبغينه، ومعنى {ائتمروا بينكم ms0327 بمعروف} تشاوروا بينكم، ياهذا الرجل، ~~وياهذه المرأة في أمر رضاع هذا الصبي، والمعروف: فهو الأمر الحسن، يريد ~~تواصوا بينكم في رضاعه بأمر جميل، لاتشط المرأة على الرجل في ارضاع ولده ~~فتزداد عليه فوق مايجب ويعنته، فيما تطلب، ولايعنتها بالإقلال لها، ويشط ~~عليها في رضاع ولدها بالوكس لها بما يجب لمثلها، ألا تسمع كيف يقول سبحانه ~~في تصحيح ماذكرنا، وتفسير ماشرحنا من قوله:{وأتمروا بينكم بمعروف} حيث يقول: # --- PageV02P127 {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} يقول: إن تعاسرتم في أمر الشرط الذي يكون لها ~~على ارضاعها لولدها، فلا بد أن ترضع له أخرى، يقول سبحانه: إن طلبت المرأة ~~شططا، فسيرضع الرجل ولده غيرها من النساء، بدون ماطلبت من الأجرة والعطاء، ~~وإن طلب أبو الصبي من أمه رضاعا بوكس من الأجرة، وعسر عليها في الإنفاق فلا ~~أن يسترضع غيرها إن تركت الولد أمه، فينفق ويخرج، وينفق للمرضع الأخرى فوق ~~ماأراد أن يعطي أم الصبي، فأخبر سبحانه أنه لابد من الحق، وأن من عند منهما ~~عن الحق، فسيوجد للصبي مرضعا بالحق، الذي عند عنهما من عند عنه. # {لينفق ذو سعة من سعته} يقول: ذو الجدة من جدته، وذو القدرة من قدرته على ~~النفقة من نفقته. # {ومن قدر عليه رزقه} يقول: من قتر عليه، ولم يوسع مافي يديه، فكان بذلك ~~معسرا، فلينفق مما آتاه الله، يقول: مما رزقه الله على قدره وطاقته، فأراد ~~سبحانه بذلك الإخبار عن ذي السعة، وذي الفاقة والحاجة، والأمر لهما بأن ~~ينفقا على قدر مافي أيديهما، ويخرجا من رضاع ولدهما على قدر انقطاعها ~~ورزقهما، فأمر بما ذكر من ذلك للأب إذا كان ذا سعة، أن يوسع على أم ابنه ~~إذا أرضعت له، وأمر أم الولد أن تقصد وتقبل ميسور أب ابنها إذا قدر عليه ~~رزقه، كما قال سبحانه:{ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} يريد ~~فلينفق عليها، على قدر ماآتاه الله، ومعنى آتاه الله، فهو رزقه، وأعطاه، ~~ألا تسمع كيف يقول تبارك وتعالى: # {لايكلف الله نفسا إلا ماآتاها سيجعل الله بعد عسر ms0328 يسرا} معنى {لايكلف ~~الله} أي لايجعل الله على نفس حكما فوق مايطيق من النفقة، ولايحكم عليها من ~~النفقة، إلا على قدر مارزقها وآتاها {سيجعل الله بعد عسر يسرا} سيؤتي الله ~~ذا العسرة بعد عسره تيسيرا، حتى يكون بعد اليوم موسرا، كما كان اليوم ~~معسرا، فهذه عدة من الله تبارك وتعالى للمتقين باليسر والتيسير بالرزق ~~الكثير، ورفع المعسور. # (/6) # --- PageV02P128 ثم رجع سبحانه وذكر من كان فيمن عند من خلقه عن أمره، وتخويفا لعباده، ~~وإنذارا وإعذارا إلى خلقه، فقال جل جلاله، وتعالى عن كل شأن شأن:{وكأين من ~~قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا} معنى {وكأين من قرية} ~~يقول: وكم من قرية {عتت عن أمر ربها} ومعنى {من قرية} فهو من أهل قرية، ~~ومعنى {عتت} فهو قست، وتحيرت وظلمت وتكبرت، ومعنى {عن أمر ربها} فهو تكبرت ~~عن الطاعة لأمر ربها {ورسله} أي يالمخالفة لأمر الله، والمشاقة لرسل الله ~~{فحاسبناها حسابا شديدا} يقول: جازينا جزاء على فعلها {حسابا} أي مثلا بمثل ~~من صنعها، ومعنى جازيناها: فهو عاقبناها عقابا شديدا. # {وعذبناها عذابا نكرا} يقول: عذبناها بما أنزلنا عليها من العذاب الأليم، ~~والنكال العظيم و{عذابا نكرا} والنكر من العذاب: فهو المنكر، ومعنى المنكر: ~~فهو الأمر الذي لم ير مثله في العذاب، ولم يكن في أحد من الأمم، فأنكر شديد ~~مارؤي منه وعوين عند وقوعه بأهله، فكان بذلك نكرا، أي اشتد أمره، وعظم ~~شأنه، واشتد سبيله، حتى كان نكرا عند أهله، ومن سمع به. # {فذاقت وبال أمرها} معنى {فذاقت} هو وجدت، ومعنى {وبال امرها} فهو: عاقبة ~~أمرها، ومعنى {مرها} فهو فعلها وماتقدم من فسقها. # {وكان عاقبة أمرها خسرا} معنى {عقبة أمرها} فهو آخر أمرها، وأمرها هاهنا: ~~فهو حالها {خسرا} فهو خسرانا وبلاء وعذابا وشقاء. # ثم أخبر سبحانه بما أعد لهم في الآخرة التي تبقى من بعد ماأنزل بهم في ~~دار الدنيا فقال سبحانه:{أعد الله لهم عذابا شديدا} يريد عذاب النار في ~~الآخرة، التي لاتفنى ولاتبيد، ولاتنقضي أبدا. # ثم قال سبحانه:{فاتقوا الله ياأولي الألباب} فمعنى {فاتقوا ms0329 الله} يقول: ~~خافوا الله، وراقبوهواحذروا معاصيه {ياأولي الألباب} فهو: ياأصحاب الألباب، ~~والألباب: فهي العقول. # (/7) # --- PageV02P129 {الذين آمنوا} يقول: {[أولي] الألباب} من المؤمنين، الذين جعلت لهم ألبابا، ~~فانتفعوا بها، فأصابوا بها الرشد عندما استعملوها، دلتهم على الإيمان، ~~واستدلوا، ووقفتهم على طريق الهدى، فاهتدوا ولم يكابروا ألبابهم، فيضلوا ~~ولم يعندوا عن الله فيهلكوا، بل ركبوا سبيل الحق فاهتدوا وقصدوا ماأمروا فنجوا. # {قد أنزل الله إليكم ذكرا} معنى {أنزل} فهو أظهر وأرسل إليكم به ذكرا ~~رسولا، فهو مذكر يتذكر به من تذكر، ويؤمن به من اعتبر، ويقبل تذكرته في ~~أمره من أبصر {رسولا} يقول: مبعوثا مرسلا مبينا، أي مؤديا، يقول: ارسله ~~بالرسالة النيرة، والحجة البالغة التي يتلوها عليكم، ويقيمها بينكم وفيكم، ~~ألا تسمع كيف يقول سبحانه: # {يتلو عليكم آيات الله مبينات} يعني {يتلو عليكم} فهو يقرأ عليكم، ويظهر ~~بينكم {آيات الله} ومعنى {آيات الله} فهو رسالات الله وفرائضه، وماجعل ~~عليكم، وافترض من دينه، وأقام فيكم من حقه ويقينه {مبينات} فهي ظاهرات ~~واضحات مكشوفات نيرات، قد ثبت براهينها أنها من عند ربها، وصح بالمعجزات ~~أنها من الله سبحانه ثبتت ذلك البراهين النيرات، والآيات المعجزات اللواتي ~~لاتكون إلا من الله سبحانه، لاتأتي إلا عن الله. # {ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات الى النور} معنى {ليخرج} ~~فهو ليخلص أهل الإيمان والتقوى، بما يأتي به من الدلالات والهدى التي يستدل ~~بها المستدلون، ويعلم بها العالمون صدق ماجاء به الرسول الأمين صلى الله ~~عليه وعلى آله الطيبين من الهلكة و{الظلمات إلى النور} والبينات، معنى ~~الظلمات: فهي ظلمات الكفر وشركه، ومافيه لأهله من الويل والبلاء، قوله:{إلى ~~النور} فهو إلى نور الحق وضيائه وراحته ورجائه. # (/8) # --- PageV02P130 ثم قال سبحانه:{ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا} معنى {ومن يؤمن بالله} ~~فهو: يصدق بالله، ويوقن بآيات الله، ويوقن بالرسالات التي جاءت من الله على ~~ألسنة أنبيائه {ويعمل صالحا} يقول: يكون مع ايمانه وتصديقه عاملا بما أمر ~~الله به من فرائضه {ندخله ms0330 جنات} يقول: على ذلك من العمل أدخلناه جنات، ~~والجنات: فهي دار الكرامات، التي جعلها الله للمتقين، وكرم بها عباده ~~المؤمنين، دار السرور في المآكل والمشارب والمناكح والملابس، التي لايفتقر ~~من نال ملكها، ولايسقم من حلها، ولايشقى من نالها {تجري من تحتها الأنهار} ~~يقول: تجري من تحت أشجارها وبين دورها وقصورها الأنهار، والأنهار: فهي التي ~~ذكر الله تبارك وتعالى حين يقول:{فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من ~~كل الثمرات ومغفرة من ربهم} {خالدين فيها} معنى {خالدين فيها} فهم مخلدون، ~~ومعنى مخلدين: فهو مقيمون لايبرحون ولايخرجون، ولايفقدون كرامة الله التي ~~يعطون، فهم مقيمون أحياء لايموتون، مسرورون لايحزنون، أغنياء لايفتقرون، قد ~~صدقوا قول الله فصدقهم، وأرضوه فأرضاهم، فصاروا عنده مقربين، وفي ثوابه ~~خالدين أبد الأبد. # {فيها أبدا} فمعنى {أبدا} هو أبد الأبد، والغية التي لاانقطاع لها ~~ولامدى. # {قد أحسن الله له رزقا} يقول سبحانه لمن كان كذلك، وصار إلى ماذكرنا من ~~ذلك قوله:{رزقا} فهو ثوابا، وثوابا: فهو عطاء ونائلا وفضلا. # --- PageV02P131 ثم ذكر سبحانه ماجعل من سمواته وأرضه ليكون ذلك حجة له على جميع خلقه، فقال ~~سبحانه:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} معنى قول الله:{الذي خلق ~~سبع سموات} فهو دلالات منه على نفسه، بما فطر من فعله، وأظهر من صنعه في ~~سمواته وأرضه، فدل سبحانه بصنعه على نفسه، وأخبر أنه هو الذي خلق ماذكر، ~~ومعنى {خلق} فهو أوجد وفطر، وابتدع وصور، وأوجد وقدر هذه السبع السموات، ~~وأوجد مثلهن أيضا من الأرضين المدحوات، ومعنى {مثلهن} فهو في العدد سبعا، ~~كالسموات، لاأنها مثلها في الخلق والتصوير والتجسيم والتقدير. # {يتنزل الأمر بينهن} فمعنى {يتنزل } فهو ينزل ويتردد ويهبط ويتبدد ~~ويتردد، والأمر: فهو ماجعل الله سبحانه من الأسباب والمقادير والأرزاق ~~والتقادير التي قدرها من هبوط ملائكته إلى أنبيائه بأمره، ونهيه وفرضه ~~وجعله، وماينزل من السماء من الماء الذي به حياة الأشياء، وماينزل من ~~السماء إلى الأرض من رحمة واسعة، ms0331 وكرامة شاملة للمؤمنين، ومن عذاب نازل ~~بالفاسقين، واقع بالكافرين، فهذا تنزيل مايتنزل بين السموات والأرضين. # {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير} معنى {لتعلموا} هو: لتوقنوا إذا رأيتم ~~وأبصرتم تنزيل هذا الأمر الذي به خبرتم {أن الله على كل شيء قدير} ومعنى ~~{علىكل شيء قدير} فهو على كل شيء من الأشياء مقتدر، وله منفذ قاهر، لايمتنع ~~عليه منها شيء، ولايفوته شيء، وهو القادر على كل شيء، يفعل مايشاء فينفذ في ~~الأشياء فعله، ويظهر عليها في تدبيرها قدرته. # {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} فهذا اخبار من الله سبحانه أنه قد أحاط ~~علمه بكل شيء، فهو عالم بالأشياء علما واحدا، علمه بها قبل كينونتها كعلمه ~~بها بعد تكوينها، أحاط معناها حفظ كل شيء، فلم يضل عنه شيء من فعور البحور ~~الزاخرات، ولاأكنان الجبال الشامخات، وهو السميع البصير، وبالله نستعين. # --- PageV02P132 ### || AUTO تفسير{سورة التغابن} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله سبحانه {يسبح لله مافي السموات ومافي الأرض له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير} معنى {يسبح} فهو يقدس ويعظم، ويجل ويكرم {مافي ~~السموات ومافي الأرض} فهو: كل ماأنشأ وبرأ من الخلق. # [كيفية التسبيح من المكلفين وغيرهم] # فمن الخلق مايسبحه ويقدسه بلسان ناطق ويذكره، وهم أهل الأمر والنهي من ~~الخلق المأمورين بالطاعة، المنهيين عن المعصية، من الملائكة والثقلين من ~~الجن والإنس المذكورين، فهؤلاء يسبحون له ويذكرونه بالتقديس والتكبير، ~~والإجلال والتعظيم، وماكان مما في السموات والأرض من غير المأمورين من ~~الأشياء المخلوقات، والأمور المدبرات من سائر ماخلق الله وذرا، من جميع ~~ماأوجد من الأشياء، من النجوم والشجر وغيرهما من كل مافطر، فإنما تسبيحه ~~وتقديسه تسبيح من يسبج من أجله، ولعظم مافيه من صنعة ربه، فإذا رأى ~~المؤمنون أثر صنع الله في هذه الأشياء، سبحوه بما رأوا فيها، وقدسوه لعظم ~~مارأوا من صنعه في ايجادها، فكان تسبيحهم لما رأوا من أثر الصنع فيها سببا ~~لقول القائل: إنها سبحت، لما كان التسبيح من أجلها وبها، ولما رأوا فيها من ~~أسبابها، كما كان من السجود ms0332 من الملائكة لآدم عليه السلام هو سجودهم لله ~~الذي أوجد آدم، فكان سجودهم لله من أجل مارأوا من أثر صنعه في عبده، وعظم ~~تقديره في خلقه، فجاز أن يقال: سجدوا لآدم، إذ كان السجود من أجل آدم ~~وسببه، ولما أظهر الله سبحانه فيه من قدرته، فعلى ذلك ومثله جاز أن يقول ~~القائل في قوله: سبح كل شيء لربه من حجر أومدر، أونجم أوشجر، وفي هذا ~~المعنى يدخل ماقال الله تبارك وتعالى:{يسبح لله مافي السموات ومافي الأرض ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} {الملك} ماجعل الله وماخلق من ~~السموات والأرضين، والآخرة والدنيا ومافيهما {وله الحمد} معنى قوله:{له ~~الحمد} فهو له الشكر لالغيره، لأن الشكر الذي هو الحمد # --- PageV02P133 لايجب إلا للمستحمد إلى خلقه بنعمه وآلائه، وفضله ونعمائه، وذلك الله رب ~~العالمين. # قوله:{وهو على كل شيء قدير} يخبر سبحانه أنه على ماأراد مقتدر، وله فاعل. # {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} فأخبر سبحانه بأنه الذي خلق الخلق ~~كافرهم ومؤمنهم، وبرهم وفاجرهم، فكان سبحانه المتولي لجميع الخلق، [يخلق] ~~جميع الخلق من أهل الباطل والحق، خلق أبدانهم وصورها، وركب خلقهم وقدرها ~~كيف شاء، وعلى ماشاء، ولم يخلق سبحانه أفعالهم وكفرهم، ولاإيمانهم ~~ولاصلاحهم ولاضلالتهم، بل ك ان من ذلك بريا، وعن ايجاد شيء من أفعالهم ~~متعاليا عليا، فأفعاله باينة عن أفعالهم، كما ذاته غير مشابهة لذاتهم، ~~فأخبر سبحانه بقوله:{فمنكم كافر ومنكم مؤمن} بأن من خلقه المؤثر لمعاصي ~~ربه، المختار للكفر به، ومنهم مؤثر للإيمان مضيع للرحمن، فوصفهم بأفعالهم ~~من كفرهم وإيمانهم، ولم يصف نفسه بخلق شيء من أفعالهم، وكيف يخلق أفعالهم ~~أويوجد أعمالهم، وأعمالهم المنكرات من الأمور من المظالم والشرور، فتعالى ~~عن ذلك الواحد الرحمن، وتقدس أن يكون كذلك، ذو المن والإحسان. # {والله بما تعملون بصير } فأخبر سبحانه أنه بكل مايعمل العاملون بصير، ~~ومعنى {بصير} فهو عالم خبير. # {خلق السموات والأرض بالحق} معنى {خلق} فهو أوجد وفتق وابتدع، وخلق ~~{السموات} فهن السموات المبنيات المرفوعات المقدرات {والأرض} فهي الأرض ~~المدحوة، الذي جعلها سبحانه ms0333 لخلقه فراشا، وقدرها سبحانه لهم مهادا بالحق، ~~فهو بالعدل والصدق، ومعنى بالعدل والصدق، فهو جعلها وجعل مافيها على الحق ~~والصدق، ومعنى على الحق والصدق: فهو أمر من فيهما به وافترض عليهم اتباعه. # {وصوركم فأحسن صوركم} يقول: خلقكم وقدركم، فأتقن ماخلق من صوركم، ومعنى ~~فأحسن: هو فأجاد وأتقن منابرأ من بريتكم، ودبر من أمركم، وقدر من نباتكم. # --- PageV02P134 {وإليه المصير} يقول: إليه المرجع والمعاد، وإليه مصير كل العباد. # {يعلم مافي السموات والأرض ويعلم مايسرون ومايعلنون والله عليم بذات ~~الصدور} ومعنى قوله:{يعلم} فهو يحفظ ويخبر، ولايسقط عنه شيء صغر ولاكبر ~~{مافي السموات} يخبرهم أنه عالم بكل مافي السموات والأرض من كل شيء من ~~الأشياء من جسم أوعرض، من فكر أوخاطر في قلوب المخلوقين، وأنفس المربوبين، ~~ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{ويعلم مايسرون} في أنفسهم فيخفونه أويظهرونه من ~~أمرهم فيعلنونه {والله عليم بذات الصدور} فأخبر سبحانه أنه عالم بكل ماتكنه ~~صدور العالمين، وتخفيه سرائر المخلوقين ومعنى قوله:{بذات الصدور} فهو بما ~~في الصدور من جميع الأمور. # ثم قال سبحانه احتجاجا عليهم، وتنبيها لهم بما كان من أمر القرون التي ~~كانت من قبلهم:{ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم ~~عذاب أليم} معنى {ألم} فهو: أليس و{يأتكم} فمعناها: يجيئكم ويصل بكم ~~ويبلغكم، فأراد بقوله:{ألم يأتكم} أليس قد جاءكم، فطرح قد لأن ألم تقوم ~~مقام أليس، وقد جمعتا في لغة العرب، وكذلك {يأتكم} تقوم مقام جاءكم في ~~اللغة العربية {نبأ} فمعناه خبر {الذين كفروا} ومعنى كفروا: فهو كذبوا ~~وصدوا وأنكروا وجحدوا {من قبل} فهو من أول الأمر {فذاقوا} فمعناها: فوجدوا ~~وعاينوا عقوبة صنعهم، وواقعوا جزاء فعلهم، ومعنى {وبال} فهو نكال عقوبة ~~أمرهم، و{أمرهم} فمعناه فعلهم، ومعنى فعلهم: فهو ماكان من اجترائهم، ~~وكفرهم. # {ولهم عذاب أليم} يقول: في الآخرة عذاب أليم، والعذاب: فهو التعذيب ~~بالنار والنكال من الله لهم والتنكيل، فأخبر سبحانه بقوله:{ولهم عذاب أليم} ~~أن الذي ذاقوا، أي بما عملوا من وبال كان في الدنيا، وأن في الآخرة لهم من ~~العذاب ماهو أنكى، وأشد وأبلى. ms0334 # --- PageV02P135 ثم أخبر سبحانه بما ذاقوا ذلك كله من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة التي تبقى ~~فقال سبحانه:{ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} معنى {ذلك} نزل ذلك العذاب بهم ~~في الدنيا والآخرة ؛ لأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات، ومعنى {بأنه} فهو ~~لأنه، ومعنى {كانت} فهو اخبار عن فعل الرسل صلوات الله عليهم، وإتيانها ~~بالنذر اليهم، واشهادها الله سبحانه عليهم {تأتيهم} فمعناها: تجيئهم وتصير ~~إليهم {رسلهم} معناها: الرسل المرسلة إليهم، فلما أن كانت مرسلة إليهم، ~~شاهدة عليهم جاز أن يقال: رسلهم، وإنما هي رسل الله لارسلهم، فنسبها سبحانه ~~إليهم ؛ إذ كانوا مرسلين إليهم شاهدين عليهم {بالبينات} ومعنى {بالبينات} ~~فهي بالآيات القاهرات الظاهرات، والعلامات الظاهرات النيرات، التي كانت ~~الرسل صلوات الله عليهم تأتيهم بها من عند ربهم {فقالوا أبشر يهدوننا} ~~ومعنى {فقالوا} أي فنطقوا وتكلموا بالمحال والإستكبار، والجرأة على الله ~~الواحد الجبار {أبشر يهدوننا} يريدون: أي بشر مثلنا يدعوننا إلى الله، ~~ويأمروننا فلم يطيعوا الله فيما أمرهم، واستكبروا عن طاعة بشر مثلهم، إذ ~~كانوا رسلا لربهم، ومعنى {يهدوننا} فهو يعلموننا، ويأمروننا، ويوقفوننا على ~~سبيل الله، ويهدوننا {فكفروا} معناها: كذبوا وعصوا وجحدوا، فلم يطيعوا، ~~ومعنى {تولوا} فهو أعرضوا عن الحق، وأبوا وتركوه وعتوا {واستغنى الله} ~~فمعنى {استغنى فهو اخبار من الله سبحانه باستغنائه عن الخق، وقلة حاجته الى ~~من أعرض عن الحق ؛ لأنه إنما دعاهم لحاجتهم ومنفعتهم، لالمنفعة له في شيء، ~~من اجابتهم {والله غني حميد} فالغني: هو المستغني المكتفي بنفسه في جميع ~~أموره، النافذة ارادته في كل خلقه و{الحميد} فهو المحمود على نعمه المشكور ~~على آلائه. # --- PageV02P136 ثم أخبر سبحانه بقول الكافرين وجحدانهم لوعيد رب العالمين، الذي جاءت به ~~إليهم رسلهم، وأدته إليه أنبياؤهم، من بعثهم وحشرهم ومجازاتهم على ماكان من ~~فعلهم، فقال سبحانه:{زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} معنى {زعم} فهو: قال وذكر وتكلم ~~وأخبر {الذين كفروا} فهم الذين كذبوا بما به أخبروا، ms0335 وعليه من الله أطلعوا ~~من البعث والحساب والثواب والعقاب {أن لن يبعثوا} معناه: أنهم لن يبعثوا، ~~ومعنى {لن} فهو لا، فأراد سبحانه زعم الذين كفروا أنهم لايبعثون، فلما أن ~~طرح لا، وأثبت مكانها لن، ولن حرف ينصب مابعده ذهبت النون من يبعثون علامة ~~للنصب، فبقييبعثوا، ومعنى {يبعثوا} فهو يحيوا ويحشروا ويردوا بعد الموت ~~أحياء، وينشروا (1). PageV02P137 # ثم أمر سبحانه نبيئه صلى الله عليه وعلى آله بإكذاب قولهم، والرد في زورهم ~~عليهم، فقال:{قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} ~~معنى {قل} هو أمر من الله بقول ذلك لهم، وايقاعه في أسماعهم {بلى وربي} فهو ~~قسم أمره أن يقسم بربه على بعثهم إنه لكائن، ومعنى {بلى} فهو ايجاب لقوله، ~~وإكذاب لقولهم، وهي كلمة تستعملها العرب توجب بها المتكلم إذا قالها قوله، ~~ويكذب بها قول محاجة، ويدفع بها قول مناظره {وربي} فهو خالقي، ومعنى وربي: ~~فهو وحق ربي {لتبعثن} معناها: لتخرجن من قبوركم، ولتحشرن إلى ربكم، ولتبعثن ~~أحياء بعد موتكم {ثم لتنبؤن} معنى {ثم} فهو معنى الواو، وينسق بها كما نسق ~~بالواو، يريد لتبعثن ولتنبؤن، ومعنى {لتنبؤن} فهو لتخبرن ولتحاسبن، ولتجدن ~~جزاء فعلكم، ولتجازون بما عملتم، ومعنى الباء، التي في بما هو: على ؛ لأن ~~الباء من حروف الصفات، وعلى من حروف الصفات، فقامت الباء مقام على ؛ لأن ~~حروف الصفات يعقب بعضها بعضا، وأراد لتجازن على ماعملتم، ومعنى قوله: ~~لتخبرن بما عملتم: فهو في هذا الموضع لتعرفن جزاء ماعملتم من كذبكم، ~~وكفرانكم، وظلمكم، وجحدانكم، فأراد الله تبارك وتعالى بقوله:{لتنبؤن} في ~~هذا الموضع لتجازن، ولتعاقبن على فعلكم، ولم يرد لتخبرن عن فعلكم الذي تقدم ~~منكم ؛ لأنهم عالمون بما تقدم من فعلهم، وليس التذكرة لهم بأفعالهم هو ~~المعنى الذي قصده الله في هذا الموضع، وإنما قصد الجزاء، يقول ~~سبحانه:{لتنبؤن} أي لتعلمن ولتجدن عقوبة كفركم، عندما يكون من بعثكم في يوم ~~حشركم {وذلك على الله يسير} معنى {ذلك} يعني البعث والحساب والجزاء، ~~وقوله:{على الله يسير } يقول: على الله سهل هين حقير. # (/6) # --- PageV02P138 ثم أمرهم ms0336 سبحانه بالإيمان به وبرسوله والنور الذي أنزل احتجاجا منه عليهم، ~~وتثبيتا لحجته فيهم، فقال جل جلاله عن أن يحويه قول أويناله:{فآمنوا بالله ~~ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير} معنى {فآمنوا} فهو أمر ~~من الله لهم بالإيمان، والإيمان: فهو التصديق، يقول: صدقوا بأمر الله ~~وبرسوله، يقول: وصدقوا بالنور الذي أنزلنا، والنور: فهو الحق الذي جاء به ~~رسوله إليهم من أمره ونهيه وإعذاره وإنذاره، وكلما ذكر لهم من خبره من بعث ~~أوحساب، أونشر أوثواب {الذي أنزلناه} يقول: أوحينا وجعلنا لكم، وأمرنا ~~الرسل بتبليغه إليكم {والله بما تعملون خبير} يخبر سبحانه [أنه] بكل ~~مايفعلون عليم، فخبير معناها: عليم، أي لايسقط عنه من ذلك صغير ولاكبير، ~~يسير كان ولاكثير. # {يوم يجمعكم ليوم الجمع} معنى {يوم} فهو يوم القيامة، ومعنى {يجمعكم} فهو ~~يحشركم ويبعثكم، ويأتي بكم من آفاق الأرض إلى هذا المقام، الذي جعله لكم ~~محشرا، ولجميعكم موقفا {ليوم الجمع} لهم، فمعنى {ليوم} فهو: إلى يوم ~~{الجمع} فهو الحشر للخلق، والجمع لهم إلى موقف الحق. # (/7) # --- PageV02P139 {ذلك يوم التغابن} معنى {ذلك} فهو دلالة على ذلك اليوم، ألا تسمع كيف ~~يقول:{ذلك يوم التغابن} يخبر سبحانه أن ذلك اليوم هو يوم التغابن، ~~والتغابن: فهو التفاضل، معنى التفاضل: فهو حين يفضل بعض الناس بعضا، ويغبن ~~بعضهم في ذلك اليوم بعضا، بما يستأهله بعض الناس دون بعض، من الثواب ~~العظيم، والعطاء الجسيم، جزاء على ماكان من فعلهم في دار دنياهم وعملهم، ~~يغبن بعضهم في عطاء الله بعضا بما يستأهله من ثواب ربه جزاء على فعله، فشبه ~~الله سبحانه تفاضلهم في الآخرة، في ثواب الله بتفاضهلم فيما يتفاضلون، ~~ويتغابنون به في دنياهم، ألا ترى أن من نال حظا في الدنيا، ولم ينله صاحبه، ~~قال: غبنتني، أي فضلتني واستأثرت به وفيه علي، فكل من كان له فضل في شيء ~~فهو غابن للمفضول، والمفضول مغبون، والفاضل غابن، فضرب الله مثلا لهم تفاضل ~~الآخرة وتغابنها بتفاضل الدنيا ومغابنة من فيها، حضا لهم على العمل بطاعته، ~~وتحذيرا للتغابن في عظيم عطائه في دار ms0337 آخرته، في يوم الحسرة والندامة، وطلب ~~الإقالة حين لاإقالة. # (/8) # --- PageV02P140 ثم قال سبحانه:{ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا نكفر عنه سيئاته وندخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} معنى {من يؤمن ~~بالله} فهو الذي يؤمن بالله، ومعنى {يؤمن} فهو يصدق، ويقر بالله سبحانه، ~~وبرسله، وبكل أمره {ويعمل صالحا} معنى {يعمل} فهو يفعل ويصنع، ومعنى ~~{صالحا} فهو حقا مرضيا {نكفر عنه سيآته} معنى {نكفر} هو نعفو {عنه} معناها: ~~له {سيئآته} ومعناها: ذنوبه، وخطاياه، و{ندخله} معناها: نصيره إلى جنات، ~~والجنات: فهي دار الرضى والخيرات، ودار الثواب والعطيات الجزيلات {تجري من ~~تحتها الأنهار} فهي تسيل من تحتها، وتحتها: فهو أسفلها {الأنهار} فهي أنهار ~~الجنة الجارية، ومياهها العذبة الطيبة الهنية المرية {خالدين فيها} معناها: ~~مقيمين فيها {أبدا} أي فهو دائم سرمد لاانقطاع له ولافناء، ولاغاية لمدته ~~ولاانقضاء {ذلك الفوز العظيم} معنى {ذلك} هو ذلك الفعل، الذي فعلناه لمن ~~أدخلناه جنتنا، وأعطيناه ثوابنا، وأنلناه {الفوز العظيم} يقول: ذلك العطاء ~~هو الفوز العظيم، والخير الكثير الجسيم. # (/9) # --- PageV02P141 ثم أخبر سبحانه بمحل الكافرين ومصير المكذبين فقال:{والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير} معنى {كفروا وكذبوا ~~بآياتنا} فهو خالفوا وعصوا، ولم يشكروا ماأولوا وأعطوا من ارسال المرسلين ~~إليهم، وإثبات حجج الله سبحانه بالتبليغ فيهم {وكذبوا بآياتنا} معناها: ~~كذبوا بأمرنا، وجحدوا رسلنا، ولم يقروا بشيء من آياتنا التي بعثنا بها ~~رسلنا، والآيات: فهي المعجزات، وماجاء به الرسول، وأراه الخلق من آيات الله ~~التي لاتكون إلا منه، ولاتأتي إلا عن الله من نوره {أولئك} معنى {أولئك} ~~فهم الذين فعلوا ذلك هم {أصحاب النار} ومعنى {أصحاب النار} فهم سكانها ~~وأهلها {خالدين فيها} معناها: مقيمين فيها أبدا، لايخرجون منها إلى غيرها، ~~ولايزالون حالين طول الدهور فيها {وبئس المصير} معنى {بئس} فهو شر موئل ~~ومصير، ومكان وقرار، والمصير: فهو المكان الذي يصار اليه ويقام فيه، ومعنى ~~يصار إليه: فهو يحل فيه ويرجع إليه. # [معاني المصائب النازلة بالخلق] # {ماأصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ms0338 قلبه والله بكل شيء ~~عليم} معنى {ماأصاب من مصيبة} فهو: كل ماأصاب من مصيبة، ومعنى {أصاب} ~~فهو:وقع ونزل، ومعنى {مصيبة} فهو: نازلة من محنة اونقمة، أوفعل غير ذلك، من ~~فعل الله سبحانه، أوفعل غيره، من مصائب الدنيا {إلا بإذن الله} وهذا القول ~~فيخرج على معنيين، ثم يتفرع كل معنى منهما على معنيين: # (/0) # --- PageV02P142 فأما أحدهما: فهو مما كان من فعل الله مما يكون الله المتولي له من المصائب ~~النازلة بالخلق، ويكون ذلك على معنيين: إما مصيبة أصابت من الله على طريق ~~الجزاء والإنتقام من أحد أعدائه، ذوي المعصية والإجترام. وإما مصيبة نزلت ~~من الله على طريق المحنة بمن يمتحن من عباده الصالحين، وأوليائه الصائرين، ~~فهذا معنى ماكان من الله، وهو يتفرع على هذين المعنيين. ومعنى قوله في هذا ~~المعنى:{إلا بإذن الله} فهو: بحكم الله وارادته ومشيئته. # والمعنى الآخر من المصائب: فهو ماينزل بالخلق بعضهم من بعض، ثم هذا ~~المعنى يتفرع على معنيين فأحدهما: ماينزل من المصائب بالمؤمنين من ~~الفاسقين، فهذا لم ينزل إلا بعلم الله أنه سيكون، وبتخليته. # ومعنى قول الله فيه:{إلا بإذن الله} فهو بتخلية الله وعلمه. # والمعنى الثاني: فهو ماينزل من المصائب بالفاسقين من المؤمنين، وعلى أيدي ~~عباد الله الصالحين من اقامة الحدود عليهم، واظهار الحكم من القتل ومادونه، ~~ومعنى قول الله في هذا المعنى:{إلا بإذن الله} فهو بأمر الله وحكمه وإذنه ~~لأوليائه في أعدائه. فافهم مافسرنا من معاني المصائب وماشرحنا في معانيها ~~كلها، ومخارجها من تفسير قول الله سبحانه:{ماأصاب من مصيبة إلا بإذن الله} ~~فقد ميزنا لك ذلك كله، وشرحناه وفسرناه وأثبتناه، وبينا معانيه، وشرحنا ~~تأويله على أصله وفرعه بما فيه كفاية ونور لمن كان ذا معرفة باللغة والعلم. # --- PageV02P143 ثم أمر سبحانه بما فيه النجاة لمن قبله فقال:{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} معنى {أطيعوا الله} فهو ابتعوا ~~أمر الله في كل مايأمركم به فافعلوه، وماينهاكم عنه فاتركوه {وأطيعوا ~~الرسول} فيما يأمركم به من أمرنا، ويبلغكم من رسائلنا، ويفترض عليكم من ~~فرضنا {فإن ms0339 توليتم} يقول: فإن أعرضتم وكذبتم، ولم تقبلوا على الرسول، ولم ~~تأتمروا بما أمركم به من أمرنا {فإنما على رسولنا البلاغ المبين} يقول: ~~فإنما عليه أن يبين البلاغ لكم، ويبلغكم مابه أمركم ربكم، وليس عليه أن ~~يجبر قلوبكم، ويصلح سريرتكم، كما عليه أن يصلح علانيتكم، إنما عليه صلى ~~الله عليه وعلى آله أن يضربكم بالسيف حتى تسلموا لما بلغكم عن الله، وأمركم ~~به من دين الله، وليس عليه صلاح قلوبكم ؛ إذ كان غير قادر على ذلك منكم ؛ ~~لأنه لايعلم الغيب إلا الله، ولايطلع على السرائر إلا الله، و{البلاغ ~~المبين} فيقول: البلاغ الظاهر النير، الذي لايخفى منه شيء، ولايستتر. # {الله لاإله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فأخبر سبحانه أن المرسل ~~بالبلاغ المبين هو الله، الذي لاإله إلا هو، ومعنى {لاإله إلا هو} فهو: ~~لاإله غيره، ولاخالق سواه، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير. # ومعنى قوله:{على الله فليتوكل المؤمنون} فهو أمر منه سبحانه للمؤمنين أن ~~يكونوا عليه متوكلين، وبه في كل أمرهم واثقين، ومعنى {فليتوكل} هو: ~~فليعتمد، وليتكل، ومعنى يتكل: فهو يثق به في كل أمره، ويتكل على كفايته له ~~في كل شأنه، قوله:{المؤمنون} فهم عباده المنقطعون إليه، والمتوكلون عليه. # --- PageV02P144 {ياأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدو لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} فأخبر سبحانه عباده المؤمنين، بعداوة ~~أهل المخالفة في الدين، من الأزواج والأولاد، والبنات والبنين، وذلك ~~قوله:{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} فأخبر سبحانه أن من خالف الدين، ~~وتادب بأدب غير رب العالمين، وكان عند ا لله من الفاسقين كان عدوا بذلك ~~الفعل لآبائه المؤمنين، وكذلك من كان من زوجات المؤمنين على غير طريق الحق، ~~ولامتعلقات بعروة الصدق كن أعداء لأزواجهن المؤمنين، وكذلك فقد يخرج المعنى ~~في العداوة من الرجال الفاسقين للأزواج المؤمنات، فتكون عداوة الفاسق من ~~الأزواج للزوجة المؤمنة على ايمانها وتقواها، كما تكون العداوة من الزوجة ~~المخالفة في الدين لزوجها، فالآية قد تحتمل المعنيين، وينتظم جميع الحالين ms0340 ~~؛ إذ كان لايمتنع أن تكون الزوجة تقية مؤمنة، ويكون الزوج فاسقا فاجرا، ~~فتكون العداوة منه لها على الدين، كما تكون العداوة من المخالفة من الزوجات ~~للزوج المؤمن في الدين، كما تكون العداوة من الأولاد للوالدين كليهما، ~~وللوالد والوالدة فكلا الزوجين قد تكون منه العداوة، وحيث كان الإيمان ~~والهدى من الزوج والزوجة فالمخالف لمذهب الحق هو المذموم بالعداوة المخصوص ~~في كتاب الله باللائمة، والمؤمن فهو المحذر لعداوة الكافر، وليس الكافر ~~بمحذ لعداوة المؤمن ؛ لأن المؤمن لايعادي مؤمنا، ولايستجيز فيه غثما، فافهم ~~ماقلنا به في قوله الله:{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} فدل بذكره بعضا ~~دون بعض على أهل الخلاف والمعصية، كائنا من كان من بعض الأزواج، أوبعض ~~الأولاد، ألا تسمع كيف يقول:{فاحذروهم} فحذرهم أمرهم، وخوفهم كيدهم، ونبههم ~~على اتقاء شرهم، ولن يحذر ولن ينبه إلا مؤمنا، ولن يحذر المؤمنين إلا من ~~الفاسقين المخالفين، الذين لايؤمن مكرهم، ولابوائقهم، فالهم رحمك الله ~~ماقلنا، وميز # --- PageV02P145 بقلبك تفهم ماشرحنا، وتقف على جميع ماذكرنا. # ثم قال:{وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا} فحض سبحانه على العفو، والصفح ~~والغفران لهم، لما بينهم من وشائج الخلطة، من الولادة والنكاح، وأراد بذلك ~~يأمر المؤمنين بالتعطف على من ذكر من الأولاد والأزواج، مالم يخرجوا الى ~~المباينة بالمشاقة في العداوة لأوليائه المؤمنين من أبنائهم وأزواجهم، ثم ~~قال:{فإن الله غفور رحيم} فأخبر أنه غفور لمن استغفره بعد التوبة النصوح ~~البينة، واسترحمه بعد الرجعة عن المعصية. # ثم قال سبحانه:{إنما أموالكم وأولادكم فتنة} يقول: إنها تفتن كثيرا من ~~الجهال عن طاعة الله، وتدخله في المعصية لله، ومعنى {فتنة} فهي: محنة ~~امتحنتم بها، ليعلم الله أيكم يثبت معها على أصل دينه، وأيكم تفتنه وترده ~~عن حقه. # ثم قال:{والله عنده أجر عظيم} يريد أن عنده سبحانه لمن لم تفتنه الأموال ~~والأولاد، فيخرجه الإعجاب بهما عن الهدى، ويدخله في بحر الهوى {أجر عظيم} ~~والأجر العظيم: فهو الثواب الكريم، والعطاء الجسيم. # ثم قال سبحانه:{فاتقوا الله مااستطعتم واسمعوا وأطيعوا} فأمر باتقاء ~~الله، ومعنى{فاتقوا الله} هو خافوا الله وراقبوه، في سركم وعلانيتكم، ~~وكونوا ms0341 له خائفين، ولثوابه متنجزين، قوله:{مااستطعتم} يقول: ماأطقتم، وعليه ~~قويتم ؛ لأنه سبحانه لايكلف نفسا إلا وسعها، كما قال جلا جلاله عن أن يحويه ~~قول أويناله {واسمعوا وأطيعوا} معنى {اسمعوا} فهو ائتمروا إذا أمرتم، ~~وانتهوا إذا نهيتم {وأطيعوا} معناها: أطيعوا الله في اقامة فرضه، وأطيعوا ~~الرسول فيما أمركم من ذلك به. # {وأنفقوا خير لأنفسكم} يقول: أنفقوا من أموالكم ماتكسبون به الخير ~~لأنفسكم، والخير: فهو الأجر. # --- PageV02P146 {ومن يوق شح نفسه} فمعنى {يوق} فهو يوقى، ومعنى يوقى: فهو يصرف عنه ويكفى ~~شح نفسه. ومعنى {شح نفسه} فهو شر الشح وبلاؤه، ونازلته وشقاؤه، واثمه ولؤمه ~~وأذاه ؛ لأن من كان ذا شح ولؤم كان عند الله مدحورا مأثوما، وعند الناس ~~مقبحا ملوما، فأخبر سبحانه أن من يوق شح نفسه وشره {فأولئك هم المفلحون} ~~فطرح بلاء وشر نفسه، وهو يريده، والمعنى على ذلك كما قال سبحانه:{وأشربوا ~~في قلوبهم العجل بكفرهم} (1) وإنما المعنى: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، ~~فطرح حب، وهو يريده، والعرب تفعل هذا، تطرح ماكان مثل هذا في المعنى وهي ~~تريده، وكذلك قال الله سبحانه:{واسأل القرية التي كنا فيها والعيرالتي ~~أقبنا منها} (2) أراد أهل القرية، وأهل العير، وفي ذلك مايقول شاعر من العرب: # ألا إنني أسقيت أسود حالكا...... إلا بجلي من ذا الشراب ألا بجل # وإنما أراد أني سقيت سم أسود حالك، يعني سم الحية السوداء، فطرح السم وهو ~~يريده، فعلى ذلك يخرج قول الله سبحانه:{ومن يوق شح نفسه} يريد ومن يوق شر ~~شح نفسه {فأولئك هم المفلحون} يقول سبحانه: من وقي شر شحه، وسوء عاقبته، ~~بالتوقيق للسخاء، والتسديد {فأولئك هم المفلحون} معنى المفلحين: هم ~~الفايزون الناجون من عواقب أفعالهم، والسالمون من توابع أعمالهم. # ثم قال سبحانه:{إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم} معنى {إن تقرضوا ~~الله} فهو: إن تخرجوا لله، وتنفقوا في سبيل الله شيئا تقصدون به وجه الله، ~~ولاتريدون به شيئا غير الله، ويكون ذلك قرضا حسنا، ومعنى {قرضا حسنا} أي ~~فعلا جميلا، لايتبعه من ولاأذى {يضاعفه لكم} أي يضاعف لكم أجره، ويبسط لكم ms0342 ~~عليه رزقه في الدنيا والآخرة بالعطاء الجزيل، والثواب الجليل. # --- PageV02P147 {ويغفر لكم والله شكور حليم} معنى {يغفر لكم} يقول: يقبل منكم نفقاتكم ~~فيغفر لكم ذنوبكم، ويقبل توبتكم، ومعنى {شكور} فهو شاكر الحسنات، ومعنى ~~الشكر لله: فهو الإيجاب منه للقبول ممن فعل فعلا يريده سبحانه مخلصا {حليم} ~~فمعناها: المتأني بخلقه، الذي لايعاجلهم عند زلتهم، ولايأخذهم عند عثرتهم، ~~ليعودوا ويرجعوا، ويتوبوا ويهتدوا، ذو الصفح والأناءة العظيمة، والرحمة ~~والمغفرة الجزيلة الكثيرة. # {عالم الغيب والشهادة} فمعنى {عالم} فهو: خبير بما يكون {الغيب} فهو: ~~ماغاب من الأشياء فلم يظهر، وأسر مما قد أسره مسر، ومما سيكون ولم يكن، ~~فاالله عالم بذلك كله، كعلمه بالظاهر المشاهد، ألا تسمع كيف يقول:{عالم ~~الغيب والشهادة} فالغيب: هو ماغاب مما ذكرنا، والشهادة: فهو ماأعلن وشهد ~~وعلم فلم يستتر، فأخبر سبحانه أن علمه بالغيوب المستجنة كعلمه بالشهادة ~~الظاهرة. # {العزيز الحكيم} فالعزيز فهو: القوي القاهر الغالب الظاهر {الحكيم} فهو: ~~ذو الحكمة المتقنة، والأفعال المحكمة التي لاتفاوت في تدبيرها، ولاتفاوت في ~~تقديرها، فتبارك الله ذو الحكمة والقدرة، والعزة الظاهرة، الذي لاإله غيره، ~~ولارب سواه، خالق كل شيء وفاطره، ومدبره ومقدره، رب العرش الكريم، الواحد ~~الفرد العليم. # --- PageV02P148 ### || AUTO [تفسير] {سورة المنافين} # {بسم الله الرحمن الرحيم} # قول الله عزوجل:{إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} هذا خبر من الله تبارك ~~وتعالى أنزله إلى رسوله صلى الله عليه وآله يخبره بضمير المنافقين، عبدالله ~~بن ابي ابن سلول وأصحابه، وهو رأس المنافقين، فكان هو وأصحابه عليهم لعنة ~~الله يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فيقولون إذا حضروا ~~المجلس وسمعوا مايتلو من آيات الله وبراهين نبوته:{نشهد إنك لرسول الله} ~~رياء منهم ونفاقا، ومراياة للناس وشقاقا، وفأخبره الله أنهم كاذبون في ~~قولهم، ومايعلنون من تصديقهم بنبي الله، والإقرار به، وأعلمه أنهم يضمرون ~~مالايبدون، ويقولون غير مايعقدون، فقال سبحانه:{إذا جاءك المنافقون} يريد ~~بقوله:{جاءك} أتاك {المنافقون} فهم: الذين يقولون غير مايضمرون، وينافقون ~~رسول الله فيما به يتكلمون، ف {قالوا} ms0343 معناها: تكلموا، وذكروا {نشهد} ~~معناها: نقر ونعلم، ونعتقد ونفهم {إنك لرسول الله} معناها: أنك أنت رسول ~~الله {والله يعلم إنك لرسوله} يقول: الله أعلم ماأرسلك به، وحقيقة بعثه لك ~~إلى خلقه، واحتجاجه برسالتك على بريته {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~معنى قوله:{والله يشهد} فهو: الله يعلم ان المنافقين الذين زعموا أنهم ~~يشهدون إنك رسول الله كاذبون في قولهم، وماذكروا من اقرارهم بك، وتصديقهم، ~~فأخبره أن ضميرهم واعتقادهم خلاف مايبدونه بألسنتهم، وأنهم في قولهم ~~ينافقون، وفيما زعموا أنهم يشهدون به كاذبون. # --- PageV02P149 ثم قال سبحانه:{اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ماكانوا ~~يعملون} هذه الأية وماذكر قبلها من نفاق المؤمنين، فيما شهدوا به من ~~الشهادة التي كانوا في ادعائها مبطلين نزلت وماذكر في السورة كلها، من ~~ذكرهم فنزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله في غزوة عسفان، وفيما كان من ~~كلام الكافر عبدالله بن أبي وأصحابه، وكان أصل ذلك أن خدم العسكر كانوا ~~يتقدمون إذا بلغوا المناهل فيستقون الماء لأصحابهم، فتقدموا عند رجوع رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله من غزوته كما كانوا يفعلون إلى الماء، فاجتمع ~~على الماء خدم المنا فقين عبدالله بن أبي وأصحابه، وخدم المؤمنين من ~~المهاجرين والأنصار، فازدحموا عليه، وتطارحوا الكلام، حتى تضاربوا فطرد خدم ~~المؤمنين خدم المنافقين، فلما نزل العسكر وجد عبدالله بن ابي ابن سلول خدمه ~~لم يستقوا بعد، فسألهم فأخبروه بما كان من خدم المهاجرين، فقال: آويناهم ~~وقوبناهم حتى قووا علينا {والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل} (1) ثم قال لأصحابه: لاتشاوروا أصحاب محمد، ولاتبايعوهم، ولاترشدوهم ~~ولاتعينوهم، ولاتنفقوا عليهم حتى ينفضوا، فلما أن بلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وآله هذا الخبر هم بقتله، فأتاه ابن لعبدالله ابن ابي ابن سلول، وكان ~~مؤمنا مخلصا، فقال: يارسول الله إن كنت عزمت على قتله فمرني أنا فآتيك ~~برأسه، فوالذي بعثك بالحق نبيئا ماقولي هذا لشك فيك، ولامعارضة لك في شيء ~~تراه، غير أني أخاف أن تأمر به غيري فيقتله، فيقع في ms0344 قلبي خشونة على قاتله، ~~فينقص ذلك علي من اسلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله:(بل نهبه ~~لك، بل نهبه لك) ثم وهبه له، فيروى أن العسكر لما وردوا المدينة أخذ ابن ~~عبدالله السيف ثم أتى إلى أبيه به مسلولا، ثم قال: والذي بعث محمدا بالحق ~~نبيئا لتقولن: إن رسول الله الأعز وأنت الأذل، أولأضربن رأسك بالسيف، # --- PageV02P150 فلما رآه مزمعا على قتله إن لم يقل ماأمره به قالها صاغرا داخرا مكرها، ~~فلما أن بلغ عبدالله ابن أبي أن رسول الله قد علم بقوله أتى إليه في جماعة ~~من المنافقين فحلف له بالله مجتهدا جاهدا إن كنت قلت مابلغك عني، ولاتكلمت ~~بهذا الكلام، وحلف اخوانه المنافقون ماقاله، ولاتكلم به، ولقد كنا حاضرين ~~للفظه ولجميع قوله، فأنزل الله فيهم على نبيئه صلى الله عليه وعلى ~~آله:{اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله}. # معنى {اتخذوا} فهو: جعلوا {أيمانهم} معناها: قسم وحلفهم بالله {جنة} ~~فمعنى {جنة} أي تقية يتقون بها، وسترا يستترون به من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، ويدفعون بها مايجب عليهم في فعلهم من العقوبة، التي تجب علهيم ~~في قولهم ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وآله {فصدوا عن سبيل الله} يقول: ~~إنهم صدوا عن الحق وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى أهله حين زالت ~~عنهم العقوبة، لعفو رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم، عندما كان من ~~أيمانهم وحلفهم له، فصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وصدوا غيرهم، ومعنى صدوا: ~~فهو أعرضوا وتركوا سبيل الله التي أمرهم بسلوكها، من أبواب طاعته، وأنواع ~~فرائضه. # {إنهم ساء ماكانوا يعملون} يقول: إنهم بئس ماكانوا يعملون، فمعنى ساء: أي ~~قبح ماكانوا يعملون، ومعنى {يعملون} فهو يفعلون ويصنعون، من صدهم عن سبيل ~~الله، ودعائهم إلى غير الله، وتكذيبهم لرسول الله. # --- PageV02P151 ثم أخبر سبحانه من أين نزل بهم خذلان الله حتى فضحهم الله في كتابه، وأطلع ~~المؤمنين على عوراتهم في فرقانه، فقال:{ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لايفقهون} فأخبر سبحانه ms0345 أنهم آمنوا في أول أمرهم، ثم حملتهم ~~الحمية الجاهلية، والعصبية والأنفة والباطل عن أن يكونوا هم وغيرهم في الحق ~~سواء، وإن يناصفوا أحدا في الحق، فكفروا من بعد إيمانهم، وابدوا العداوة ~~للرسول صلى الله عليه وآله حين ناصف بينهم، وبين من هو دونهم في الحق، ~~وساوى بينهم في النصفة، ومنعهم من تجبر الجاهلية وتكبرها، وتعفرتها وظلما، ~~فرجعوا بعد أن آمنوا برسول الله كافرين به جاحدين لنبوته، طاعتين عليه، ~~مغتمين من جواره، كارهين لقربه فسقا وظلما وتجبرا وكفرا، فأخبر الله سبحانه ~~أن الذي أنزل بهم في كتابه من اللعن والتنقص، وماافترض على المسلمين من ~~البراء منهم، ومنعه لنبيئه من الوقوف على قبر من مات منهم، وماأمره به ~~نبيئه من مجاهدتهم، والغلظة عليهم، وغير ذلك مما أمر به فيهم هو ؛ لكفرهم ~~بعد ايمانهم، ولنقضهم العهود بعد توكيدها، ألا تسمع كيف يقول الله ~~سبحانه:{فطبع على قلوبهم} يقول سبحانه: شهد على نفوسهم بالطبع، والإنقفال ~~عن الهدى، والإعراض عن التقوى، وأخبر أن ذلك كله لخذلان الله لهم، يقول: ~~أنزل الخذلان على قلوبهم، فتحيروا وحل بهم خذلان الله فهلكوا، ورانت ~~المعاصي على قلوبهم، فعموا {فهم لايفقهون} يقول: فهم لايهتدون للرشد ~~فيتبعوه، ولايجدون من دون الله توفيقا، فيستعينوا به على أمرهم، فهم ~~منغمسون في الضلال والعمى، زائغون عن الحق والهدى، متمادون في الحمية ~~والردى، ثم أخبر سبحانه نبيئه صلى الله عليه وآله بصفاتهم فقال: # --- PageV02P152 {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن تقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون ~~كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} فدل رسوله عليهم ~~بصفاتهم، بعد أن دلهم عليهم بأسمائهم فقال:{وإذا رأيتهم} يقول: إذا أبصرتهم ~~وعاينتهم، يمشون مقبلين أعجبتك أجسامهم، يقول: أعجبك خلق الله لأبدانهم، ~~وعجب ماقدر فصور من أعضائهم، وحسن من تصويرهم، وأتقن من تقديرهم، الذي لم ~~يشكروا الله عليه، ولم يحمدوه فيه {وإن يقولوا تسمع لقولهم} يريد تبارك ~~وتعالى بقوله:{يقولوا} أي يتكلموا بقول، وإن يتكلموا تسمع لقولهم، ومعنى ~~{تسمع} فهو تستمع، ومعنى {لقولهم} فهو لكلامهم، يريد سبحانه بقوله:{تسمع} ~~أي تستمع ms0346 لحلاوة ألسنتهم، وتعجبك فصاحة ألسنتهم، وحلاوة لفظهم، حتىتصغي إلى ~~استماع كلامهم، تعجبا منك لجودة لغاتهم، وبيان أقوالهم، فهذا معنى تسمع، ~~لاعلى أنه يستمع كلامهم استماع تصديق، ولاقبول تحقيق، بل هو عالم بكذبهم، ~~وإنمااستماعه وإصغاؤه إلى قولهم تعجب منه لحسن كلامهم، وفصاحة ألسنتهم، ~~الذي لم يشكروا الله عليه، كما تعجب من خلق أجسامهم، فهذا معنى {تسمع ~~لقولهم}. # --- PageV02P153 ثم شبههم سبحانه بالخشب المسندة فقال تبارك وتعالى:{كأنهم خشب مسندة} يريد ~~سبحانه الذم لهم بذلك، يخبر سبحانه عن عظم أجسامهم، وتمام خلقهم، وعظيم م ~~اهم فيه مع ذلك من جهلهم، وقلة استعمالهم لما ركب فيهم من عقولهم، فلما أن ~~لم يستعملوا عقولهم، ولم يتدبروا أمورهم مع عظيم ماأنعم الله عليهم به من ~~الخلق الكامل السوي الحسن، النير البهي، شبههم بما لاعقل فيه، إذ لم تنفعهم ~~عقولهم، فضرب لهم بالخشب مثلا، فشبه عظم أجسامهم في الطول والغلظ والجسم ~~بالخشب المسندة، خشب النخل الكبار، فأخبر نبيئه صلى الله عليه وآله أن من ~~عظم جسمه وحسن خلقه، وقل عمله، وعدم استعمال عقله، وعزب فهمه كان في المعنى ~~كالخشبة العظيمة، التي تعجب من نظر اليها، طولها وعرضها، فهي لاتنفع نفسها ~~في شيء من حالها، فكذلك هؤلاء المنافقون إذ عظمت أجسامهم، وحسنت صورهم، ~~وعدموا استعمال عقولهم، بالإعراض عن أمر ربهم، حتى نزل بهم خذلانه، وأحاط ~~بهم انتقامه، ورانت المعاصي على قلوبهم، فصاروا في قلة النظر لأنفسهم، ~~والإعتبار بآيات خالقهم كالخشب المسندة، التي لاتنفع أنفسها، ولاتعتبر بشيء ~~من أمر خالقها، واستوى عندهم الحق والباطل، كما استوى عند الخشب المسندة، ~~فكل لايفهم رشده، ولايميز أمره، فبعد الأصحاب السعير. # --- PageV02P154 ثم أخبر سبحانه نبيئه صلى الله عليه وأهله بما يلقون من الفزع من الحق ~~وأهله، ومايخشون من سطواته على عدوه فقال سبحانه:{يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون} معنى {يحسبون كل صيحة عليهم} هو ~~يظنون أن كل دعوة دعوتها، أو وثبة وثبتها، ونهضة نهضتها أنها عليهم وإليهم، ~~وأنك تريدهم بها وتقصدهم، وأنك لاتريد غيرهم، ولاتفعل ذلك إلا للبطش بهم. ms0347 ~~والصيحة فمعناها: الوثبة والنهضة، ودعاء الرعية، وجمع الرجال، فكانوا كلما ~~تحرك رسول الله صلى الله عليه وآله لمواثبة عدو توهموا أنه يقصدهم، وأنه ~~بذلك يريدهم دون عدو من غيرهم، وذلك لما في قلوبهم من الريبة والبلاء، ~~والكفر بالله العلي الأعلى، والمعاداة لرسوله المصطفى، فأعلمه الله بذلك من ~~أمرهم، وأطلعه بما أخبره به سبحانه عن سوء ضميرهم. # --- PageV02P155 ثم قال سبحانه:{هم العدو فاحذرهم} ومعنى {هم العدو} أي أولئك الذين يفعلون ~~هذا هم أعداؤك حقا، وحربك دون غيرهم صدقا، والعدو: فهو المحارب والمبغض ~~والمناصب، والمدغل: المداخل لرسول الله صلى الله عليه وآله بنوع من أنواع ~~الفساد كائن من كان. معنى {فاحذرهم} أي اتق شرهم ومكرهم، وكن على حذر، ~~ولاتأمنهم في شيء من أمرك، ولاتثق بهم في سبب من أسبابك {قاتلهم الله} ~~معناها لعنهم الله {أنى يؤفكون} معنى {أنى} هو كيف يؤفكون، ومعنى {يؤفكون} ~~فهو يعرضون، ويتركون سبيل رشدهم، وقد يرون الحق في ذلك باديا لهم، ويؤفكون ~~هاهنا فليست في معنى يكذبون، وإنما هي في معنى يعرضون، ويفرطون، ويتركون، ~~ويقصرون، وليست من جنس قوله سبحانه:{ويل لكل أفاك أثيم} لأن الأفاك هاهنا: ~~هو الكذاب، وإنما {يؤفكون} في هذه السورة في معنى قوله سبحانه:{يؤفك عنه من ~~أفك} معناها يستل عنه من فرط وقصر في يوم الجزاء بمن قصر، ويعرض في ذلك ~~اليوم عمن أعرض في النيا كما دعي اليه من الهدى فأفك في قبول الهدى، وفي ~~تعلقه بضده من الردى، وسلوكه في طريق الحيرة والعمى. # --- PageV02P156 ثم أخبر سبحانه بعتوهم واستكبارهم وإعراضهم عن الله سبحانه، وإدبارهم فقال ~~سبحانه:{وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم ~~يصدون وهم مستكبرون} معنى قوله:{وإذا قيل لهم} هو: متى قيل لهم:{تعالوا ~~يستغفر لكم} معنى {تعالوا} هو ائتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~واسألوه يستغفر لكم ربكم، ومعنى {يستغفر لكم} فهو يسأل الله المغفرة لكم، ~~والتوبة عليكم {لووا رؤوسهم} هو أعرضوا عن الحق، وهو شيء يفعله الكاره ~~للشيء إذا دعي إليه لوى رأسه في شق، وأعرض اعراضا عن ms0348 المكلم له، بما لايهوى ~~{ورأيتهم يصدون} يقول: أبصرتهم يعرضون عن الحق اعراضا، ويعندون عن الله ~~عنودا، ويصدون وهم مستكبرون، ومعنى {مستكبرون} أي متجبرون لايعرفون الله، ~~ولايهتدون، وله له سبحانه يتذللون. # ثم أخبر سبحانه نبيئه بأنه لن يغفر لمثلهم ممن كان مصرا على مثل ماهم ~~عليه مصرون، من الكفر والفجور والفسق، وارتكاب الشرور، فقال سبحانه:{سواء ~~عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لايهدي القوم ~~الفاسقين} معنى {سواء عليهم} فهو: سواء عندهم لفسقهم {استغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم} إذ هم بك مكذبون، وعلى الله مجترون، فهم لايوقنون بك، فيطلبوا ~~استغفارك ولايصدقونك فيتبعوا دينك، وقد يكون معنى {سواء عليهم أستغفرت لهم ~~أم لم تستغفر لهم} أن يكون الله تبارك وتعالى أخبر نبيئه صلى الله عليه ~~وآله أنه لن يقبل استغفاره لهم لو استغفر، إذ هم مصرون على كبائر عصيانه، ~~والتكذيب بآياته وقرآنه، فأخبر أن استغفاره لمن كان ضميره كذلك، وإمساكه عن ~~الإستغفار لهم سواء ؛ لأن الله سبحانه لايغفر إلا لمن تاب وآمن وعمل صالحا ~~ثم اهتدى، فأما من لم يتب، وكان ضميره فاسدا فلن يغفر له سبحانه أبدا. # --- PageV02P157 ومعنى {استغفرت لهم} فهو: سألت الله المغفرة لهم {أم لم تستغفر لهم} يقول: ~~أم لم تسأل المغفرة لهم {لن يغفر الله لهم} يقول: لن يتوب الله عليهم، ولن ~~يعفو عنهم، ولن يغفر أبدا لهم، ألا تسمع كيف يقول:{إن الله لايهدي القوم ~~الفاسقين} يقول: لايسدد ولايوفق ولايغفر ولايرشد القوم الفاسقين، ~~والفاسقون: فهم الفسقة في الدين، والفسق في الدين: فهو التكذيب بالحق ~~المبين، والعنود عن شرائع الدين، وفيما قلنا به من ذلك مايقول الله:{استغفر ~~لهم أولاتستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم ~~كفروا بالله ورسوله والله لايهدي القوم الفاسقين} (1). # --- PageV02P158 ثم أخبر سبحانه بما يقولون، ويلفظون، وبه في أنديتهم يأتمرون فقال:{هم ~~الذين يقولون لاتنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات ~~والأرض ولكن المنافقين لايفقهون} فهذا قول عبدالله بن أبي وأصحابه ~~المنافقين، ms0349 فأخبر أن هؤلاء الذين لايقبل استغفار الرسول لهم لما قد علم ~~الله من سوء ضميرهم {الذين يقولون لاتنفقوا على من عند رسول الله} ومعنى ~~{لاتنفقوا} يقول: لاتعينوا ولاتواسوا من عند رسول الله من المهاجرين ~~الواردين من آفاق الأرض عليه {حتى ينفضوا} يقول: حتى يذهبوا ويفترقوا إذا ~~مسهم الضر، ونالهم البلاء، فأخبر سبحانه أن له خزائن السموات والأرض، ~~وخزائنها فمعناها: ملكها، وملك جميع مافيها من الأرزاق في جميع الآفاق، ~~وأنه يرزق من يشاء بغير حساب، وأن لن يضيع المؤمنين إذا أخلصوا نياتهم، ~~وصبروا على أمره في جميع أسبابهم، وأنه سيأتيهم برزقهم من حيث لايحتسبون، ~~ويأتيهم بمحبوبهم من حيث لايرجون {ولكن المنافقين لايفقهون} يخبر ان ~~المنافقين لايعلمون ذلك، ولايوقنون به، ولايتوهمون أن رزق أصحاب محمد عليه ~~السلام إلا منهم لامن عند ربهم، بل الله سبحانه هو الرزاق للصنفين المؤمنين ~~والمنافقين، نعمة منه على من آمن به، وإكمالا للحجة على من كفر به ألا تسمع ~~كيف يحكي قولهم حين يقول: # --- PageV02P159 {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون} فهذا قول من عبدالله بن أبي وأصحابه ~~لعنهم الله معنى {لئن رجعنا إلى المدينة} يقولون: لئن قدمناها، وصرنا ~~إليها {ليخرجن الأعز منها الأذل} كأنهم لعنهم الله يعرضون بأنهم هم ~~الأعزون، وأن أصحاب رسول الله هم الأذلون، وقد كذبوا عليهم لعنة الله بل ~~هم الأذلون، وأصحاب رسول الله هم الأعزون، ومعنى قولهم:{ليخرجن} فهو ~~ليطردن، ولينحين منها، وليخرجن عنها، ألا تسمع كيف قال الله في اكذابهم، ~~ودفع قولهم، وإبطال لفظهم، وإثبات العزة له ولرسوله وللمؤمنين فقال ~~سبحانه:{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} والعزة: فهي القوة والقدرة والبطش، ~~ونفاذ الأمر والنهي {ولكن المنافقين لايعلمون} معنى {ولكن} هو معنى التكذيب ~~لقولهم، وإثبات الكذب علهيم، وهي كلمة تستعملها العرب في مثل هذا ترد بها ~~كذب الكاذب، وباطل المبطل، وتوجب الجهل عليه في قوله {المنافقين} فهم أهل ~~الكذب والنفاق، وقول المحال والشقاق {لايعلمون} يقول: لايفقهون، ولايدرون ~~مايأتون ويذرون. # --- PageV02P160 ثم أمر سبحانه المؤمنين بما فيه نجاتهم، ms0350 والبعد لهم من شبه غيرهم ممن ينسب ~~إلى النفاق والكفر فقال:{ياأيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولاأولادكم عن ~~ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} فمعنى {ياأيها} فهو ياهؤلاء ~~الذين آمنوا، فمعنى {آمنوا} فهو صدقوا وأيقنوا {لاتلهكم أموالكم} يقول: ~~لاتشغلكم أموالكم {وأولادكم عن ذكر الله} والأموال: فهي الأموال المعروفة ~~التي يستغنى بمعرفتها عن شرحها من الذهب والفضة، والحرث والأنهار والأشجار، ~~والثمار والأنعام، التي تشغل الفاسقين عن الله، وتلهي المنافقين عن ذكر ~~الله، وتمنعهم محبتها والإشتغال بها عن طاعة الله، والأولاد: فهم البنون ~~المحبوبون المتزين بهم، المفتخر بكثرتهم، الذين يلهون أباهم بالمحبة لهم مع ~~الجدة في أموالهم عن ذكر الله سبحانه إذا لم يكونوا مؤمنين، فأمر سبحانه ~~المؤمنين بالحذر عن الإشتغال عن الله بالأموال والأولاد كما يفعل من لادين ~~له من العباد. # ومعنى {عن ذكر الله} فهو عن طاعة الله، والعمل بمرضاة الله، ألا تسمع كيف ~~يقول سبحانه:{ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} ومعنى {أولئك} فهم الذين ~~يفعلون ذلك فهم الخاسرون. # --- PageV02P161 ثم أمرهم سبحانه بالإنفاق في سبيله فقال:{وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ~~يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من ~~الصالحين} ومعنى {وأنفقوا} يريد أخرجوا واعطوا في سبيل الله مما رزقناكم، ~~معنى {رزقناكم} أعطيناكم ووهبناكم، وفتحنا من أرزاقنا عليكم {من قبل أن ~~يأتي} معناها: من قبل أن يرد على أحدكم الموت، وينزل به، ويأخذه، والموت: ~~فهو الفناء والزوال، و{أحدكم} فهو واحد منكم بعد واحد، وواحد بعد واحد ~~{فيقول رب لولا أخرتني} معناه: فهو يتكلم ويتمنى ويطلب ويشاء، ومعنى {رب ~~لولا أخرتني} فهو: يارب لو أخرتني إلى أجل قريب، فأدخل لا استحسانا لها في ~~الكلام وهو لايريدها، وليس لها هنا أصل، وقد تقدم شرح مثل هذا في كتابنا ~~{أخرتني} يقول: أبقيتني ودفعت الموت عني {إلى أجل قريب} يريد إلى أمد قريب، ~~ووقت دان، تزيدنيه من هذا الوقت الذي نزل بي الموت فيه، فأكون من بعده ~~مؤخرا، ويكون الموت عني مردودا أياما يسيرة {فأصدق وأكن من الصالحين} ms0351 يقول: ~~اخرج الآن عند تصديقي لما عاينت من صدق وعدك ووعيدك ماكنت ضانا به من مالي، ~~وبخيلا به من موجودي {وأصدق} وأخرج مفروض زكاته، وأنفقه في سبيلك، وأتقرب ~~به إليك، حتى أكون بذلك عندك من الصالحين، وبما فعلت من ذلك من المؤمنين. # --- PageV02P162 ثم أخبر سبحانه:{ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} ~~ومعنى قوله:{ولن} هو اخبار بأنه لايفعل، وهي في معنى لا، فأراد لايؤخر الله ~~نفسا، ومعنى {يؤخر} فهو: يملي بعد الفناء، ويعمر {نفسا} فهو انسانا وروحا ~~وشخصا، حتى إذا جاء، ومعنى{إذا جاء} فهو حل ودنا، وأجلها: فهو موتها، وفناء ~~مدتها التي أجلت لها، وجعلت حية إلى بلوغها، وهو المدة التي جعلها الله لها ~~عمرا من الأيام والليالي الحاليات، والأوقات والساعات الفانيات، التي ~~بانقضائها ينقضي الأجل، وبكمالها ينقطع الأمل {والله خبير بما تعملون} ~~فمعنى {خبير} فهو عليم محيط حافظ غير ناس، لايعزب عنه شيء من الأشياء، ~~قاصيا كان في الأرض أودانيا، فعلمه بكل شيء محيط {بما تعملون} يقول: بما ~~يفعلون ويصنعون. # قال يحي بن الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وضاعف له أجره وإحسانه: تالله ~~مارأيت أشبه بالذين ذكرهم الله وقص خبرهم في هذه السورة من المنافقين، من ~~أهل دهرنا، وسكان دارنا، هؤلاء الذين نحن معهم في نفاقهم وقبيح أفعالهم، ~~وسوء صنيعهم، وقلة شكرهم، وكثرة كفرهم، وميلهم الى الدنيا الغارة لمن كان ~~قبلهم، المهلكة إلى من ركن إليها من نظرائهم، فنحن من نفاقهم في أمور كقطع ~~الليل المظلم، الهائل الحندس المدلهم، لاهمة له في الحق ولايقين، ولارغبة ~~لهم في معرفة شرائع الدين، همج أتباع كل ناعق، أعوان وعضد كل منافق، إن ~~قالوا كذبوا، وإن أوعدوا أخلفوا، وإن عاهدوا نقضوا، يبغون المسلمين ~~الغوائل، ويؤلبون على الحق القبائل، لافي ثواب الله يرغبون، ولامن عقابه ~~يخافون، ولامنه سبحانه مستحيون. # انتهى تفسير الهادي إلى الحق يحي بن الحسين عليه السلام إلى آخر هذه ~~السورة كما ترى. # --- PageV02P163 قال أحمد بن موسى الطبري: كنت أعلم له إلى سورة الصف بطبرستان، فلم أجد ~~هاهنا غير ms0352 الذي نسخته إلى سورة المنافقين، فافهمه إن شاء الله. ### || AUTO وبعد هذا إن شاء الله تعالى فلنبدأ فيما وعدنا بجمعه مما وجدنا ~~متفرقا من تفسير أئمتنا عليهم السلام وغيرهم، حسبما قدمنا ذكره، ونبدأ بعون ~~الله عزوجل من أول سورة الجمعة، من حيث انتهى إليه تفسير الهادي إلى الحق ~~عليه السلام، اقتفاء على آثارهم، وسلوكا إن شاء الله في سبيلهم، وماتوفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وهي حسبي ونعم الوكيل، فنقول وبالله نستعين: # {بسم الله الرحمن الرحيم} # سورة الجمعة # احدى عشرة آية اتفاقا، مدنية، وقيل: مكية # قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} قال الهادي إلى الحق عليه السلام: معنى ~~{بسم} فهو: باسم الله يبدأ كل شيء {الرحمن} فهو ذو الرحمة والإحسان ~~{الرحيم} فهو ذو التعطف بالرحمة والإمتنان، وقد مر تفسيره في سورة عم. # {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} (1) أراد سبحانه مايتأتى منه ~~التسبيح الحقيقي، وأراد كل مافيهما يقضي له بالتسبيح، ويحمل الناظر إليه ~~على التسبيح، أي التنزيه لله من السوء، وألا يكون له شريك بدلالة صنعه فيه، ~~فكأنه ينطق بتوحيده وعدله لما في مصنوعاته من الدلالة على ذلك. PageV03P001 # قال الرازي: (وإنما قال في هذه السورة:{يسبح} بلفظ المستقبل ليدل على ~~التسبيح في زماني الحاضر والمستقبل ) (1). # (وقد جاء في بعض الفواتح {سبح} على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ ~~المضارع وذلك اشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت، ~~بل هي كانت مسبحة أبدا في الماضي، وتكون مسبحة أبدا في المستقبل، وذلك لأن ~~كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها، فيستحيل انفكاك تلك الماهيات عن ذلك ~~التسبيح) (2). PageV03P002 # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام:معنى {يسبح} فهو يقدس وينزه، وأصل ~~التسبيح هو التنزيه لله، والتبعيد له من شبه المخلوقين، ومعنى (سبحان الله) ~~هو بعدان الله من كل قبيح من الصفات، وكل صنيع لله في الأرضين والسموات ~~يبعده عن ذوي العقول من الآفات، ويسبحه عن شبه المصنوعات. # قلت: وقد أوضح الهادي عليه السلام معنى التسبيح، وبين مخارجه، ومايؤول ~~إليه في أول سورة ms0353 التغابن، فارجع إليه، فإنه ري من الضماء، وشفاء من داء ~~الجهالة والعمى(1) PageV03P003 ثم قال سبحانه:{ الملك القدوس }(1) أي البليغ النزاهة عما يستقبح. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام (2): معنى {الملك} هو المالك المدبر، ~~السيد الخالق الباريء المصور، و{القدوس} هو المستحق للتقديس. والتقديس: هو ~~التنزيه لله والتعظيم،وهذا قول الهادي صلوات الله عليه وماكان يذهب PageV03P004 في تفسير هذه الآية إليه. اه # ومعنى {العزيز } فهو الغالب القادر على كل شيء. # {الحكيم} الذي لايفعل شيئا إلا بحكمة وصواب، وهو أيضا الذي يضع الأشياء ~~في مواضعها، والله تعالى حكيم بهذا المعنى. # ثم تمنن الله سبحانه على عباده، واستحمد إليهم بما طرحه بين ظهرانيهم من ~~الكتاب والسنة لما لهم في ذلك من المطلب الصالح والمتجر الرابح، فقال ~~عزوجل:{هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } أي من العرب، أرسل إليهم رسولا ~~يعرفونه، ويميزون كلامه، ويفهمونه ؛ لأنه صلى الله عليه وآله، أي مثلهم ~~منسوب إلى أمة العرب ؛ لأنهم كانوا لايقرأون، ولايكتبون من بين الأمم، ~~وقيل: بدئت الكتابة من الطائف، أخذوها من الحيرة، وهم من أهل الأنبار بلد ~~بالعراق (1). # (فإن قيل: ماوجه الإمتنان بأن بعث فيهم نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: # أحدها: لموافقة ماتقدمت بشارة الأنبياء به في الكتب التي تقدمت، بأنه ~~النبيء الأمي # والثاني: لمشاكلة أحواله أحوالهم فيكون أقرب إلى موافقتهم. # والثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعلمه مادعاهم إليه من الكتب التي ~~قرأها، والحكم التي تلاها) (2) وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الإستعانة ~~على ماأتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة التي بعث ~~فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه (3). # ومعنى {يتلو عليهم آياته } هو القرآن، أي يقرأها عليهم، وقراءة الأمي ~~بغير تعلم آية بينة. PageV03P005 # {ويزكيهم} أي يطهرهم من الشرك، وخبائث الجاهلية، وجميع الذنوب، ويجعلهم ~~أزكياء القلوب (1). # { ويعلمهم الكتاب} أي القرآن { والحكمة } هي الفهم والفقه في الدين، ~~وقيل: السنة # قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام (2): فالكتاب: هو ~~القرآن، والحكمة معانيه، فالحكمة تفيد المعرفة بمعاني كتاب الله تعالى، ~~وعليه يحمل قوله تعالى:{ومن ms0354 يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (3). # ومثل هذا التأويل مروي عن جدنا عبدالله بن الحسين (4) عليهما السلام. انتهى # {وإن كانوا من قبل} أي وإنهم كانوا من قبل أن يبعث إليهم { لفي ضلال ~~مبين} أي ذهاب عن الصواب لايرى أبين منه. PageV03P006 # ثم قال سبحانه:{ وآخرين منهم} أي بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي ~~آخرين منهم { لما يلحقوا بهم} أي لم يلحقوا حينئذ بهم وسيلحقون(1) وهم ~~الذين بعد الصحابة، فالمعنى: ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلم آخرين من ~~ذريتهم لم يلحقوا بهم، ولم يحدثوا فهو يريد الأولين والآخرين، وهاد لمن كان ~~في عصره، ومن بعده من العالمين(2). # ثم قال تعالى:{ وهو العزيز } أي القوي الغالب {الحكيم} في تمكينه رجلا ~~أميا فقيرا من ذلك الأمر العظيم، والملك الجسيم، واختياره إياه من بين ~~البشر (3). # {ذلك } الذي أعطاه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم {فضل الله} أي عطاؤه ~~{يؤتيه من يشاء } أي من يشاء إعطاءه، وتقتضيه حكمته. # {والله ذو الفضل العظيم} (والفضل: النبوة والإمامة، يؤتيهما من اختاره ~~واصطفاه من خلقه) (4). PageV03P007 # ثم إنه تعالى حث على العمل بكل واحد من الكتاب والسنة، والإهتداء بما ~~فيهما، وأمر بذلك وشدد، وكرر وردد، ووعد وأوعد على ترك ماهنالك، فضرب لهم ~~مثلا في اليهود، الذين أعرضوا عن العمل وبالتوراة، والإيمان بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم {مثل الذين حملوا التوراة} أي كلفوا علمها (1) والعمل ~~بها، وهم اليهود { ثم لم يحملوها} أراد لم يعملوا بها، فكأنهم حيث لم ~~ينتفعوا بما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله، والأمر بمتابعته ~~{كمثل الحمار يحمل أسفارا} شبه اليهود في أنهم حملة التوراة، وحفاظ ~~مافيها، ثم انهم غير عاملين بها، ولامنتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والبشارة به، والغرض تشبيه حال اليهود ~~في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار بما يحمل من ~~أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة، وحمل ماسواها من ~~الأوقار، ولايشعر من ذلك إلا بما يزيد فيه من الكد ms0355 والتعب به، ولم يؤمنوا ~~به بالحمار حمل أسفارا، أي كتبا كبارا من [كتب] العلم، فهو يمشي بها ~~ولايدري منها إلا بما يمر ب[جنبيه و]ظهره من الكد والتعب، كذلك اليهود حظهم ~~التعب من حمل التوراة فقط، وهذا المثل يدخل فيه كل من علم علما ولم يعمل ~~به(2). قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: “المعنى هو أنه حملهم ~~الأمانة في البيان، والدعاء إلى الحق والهدى والبرهان، فلم يحملوا ذلك ولم ~~يقبلوه، ولم يميزوه، ولم يعقلوه ولكنهم زووا ذلك، وهذرموه (3) PageV03P008 وتلوه بتلاوة ظاهره، ولم يبينوه، ولكنهم عموا عنه وجهلوه، ومعنى {يحمل ~~أسفارا} قيل: إن الأسفار هي السفر التي الكتب فيها يحملونها ولايميزون ~~مافيها، فهم بمنزلة الحمار الذي يحملها، وهو لايميزها ولايعقلها، ولايعمل ~~بما فيها ويقبلها، قال الشاعر في مثل ذلك: # زوامل للأسفار لاعلم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر # لعمرك مايدري البعير إذا غدا بأحماله أوراح مافي الغرائر(1) # (قال أهل المعاني: هذا [المثل] مثل من لم يفهم معاني القرآن، ولم يعمل ~~به، وأعرض عنه اعراض من لايحتاج اليه. # فإن قيل: ماالحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات؟ # قلت: قال بعض المفسرين: تعيين ذلك لوجوه منها: أنه تعالى خلق الخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة، والزينة في الخيل أكثر وأظهر بالنسبة إلى ~~الركوب وحمل الشيء عليه، وفي البغال دون الخيل، وفي الحمار دون البغال، ~~فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى ~~الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال، وغيرهما من الحيوانات. PageV03P009 # ومنها: أن هذا التمثيل لإظهار الجهل والبلادة [وذلك في الحمار أظهر]. # ومنها: أن في الحمار من الذل والحقارة مالايكون في الغير، والغرض من ~~الكلام في هذا المقام تعيير أولئك القوم وتحقيرهم، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى. # ومنها: أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل [وأسلم] لكونه ذليلا ~~سلس القياد، وهين الإنقياد، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة، وهذا ~~من جملة مايوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره) (1). # ثم ذم تعالى هذا المثل فقال:{ بئس مثل القوم} ms0356 أي بئس مثلا مثل(2) { الذين ~~كذبوا بآيات الله} الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم ~~اليهود. # {والله لا يهدي القوم الظالمين} لأنفسهم بالتكذيب لما علموا صحته، فهم ~~لايقبلون الهدى. PageV03P010 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام:“معناه: أنه عزوجل لايجبرهم على الهدى، ~~ولايخرجهم من الضلالة والردى، ولايوفقهم للصواب أبدا ؛ لأن من قبل الهدى ~~الأول زاده الله هدى إلى هداه، وبصره، وكشف ضلالته وعماه، ومن أدبر عن ~~الهدى الأول لم يعطه الثاني، ولاكرامة له، ولم ينزع من قلبه ضلاله وجهله ”. # ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله بهذا الخطاب وهو قوله تعالى:{قل ياأيها ~~الذين هادوا} تهودوا: أي دخلوا في دين اليهود {إن زعمتم أنكم أولياء لله من ~~دون الناس} لأنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أي [فلو] (1) كان ~~قولكم حقا وكنتم على ثقة {فتمنوا الموت} أي فتمنوا على الله الموت لينقلكم ~~سريعا إلى دار أوليائه، أي حبوه بقلوبكم، وارغبوا فيه ؛ لأن الآخرة خير لكم ~~من الدنيا، وقيل معناه: الفظوا بتمني الموت فقولوا: ليتنا نموت. وهذا تحد ~~لهم بأن يلفظوا بالتمني للموت {إن كنتم صادقين} في قولكم: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. # {و} أخبر الله أنهم {لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} فكان كما أخبر، ~~وهذه معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال العلماء: ~~وكان التحدي مختصا بقوم منهم كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفسي بيده لايقولها واحد منهم إلا ~~غص بريقه} (2). PageV03P011 # وقوله تعالى:{بما قدمت أيديهم} أي بسب ماقدموا من الكفر، فلولا أنهم كانوا ~~موقنين، بصدق رسول الله لتمنوا الموت ليكذبوه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، فلم يتمنوا ~~خوفا من العقاب، فهم من أجل ذلك للموت راهبون(1)، وله في كل سبب متجنبون، ~~حتى يحل بهم وهم صاغرون. # { والله عليم بالظالمين} أي بظلمهم، من تحريف الآيات، وعنادهم لها ~~ومكابرتهم إياها، فهم يردون إليه فيجازيهم بما هم أهله. ms0357 # ثم قال تعالى:{قل إن الموت الذي تفرون منه} ولاتجسرون أن تتمنوه خيفة أن ~~تؤخذوا بوبال كفركم {فإنه ملاقيكم} لامحالة، وأنتم لاتفوتونه {ثم تردون إلى ~~عالم الغيب والشهادة} قيل: الغيب المعدوم، أوالغائب عن العباد {والشهادة} ~~الموجودة، أوالشاهد للعباد {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي تردون إلى العالم ~~بسرائركم، فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب، ومعنى انبائهم بعملهم: ~~توبيخهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد، حين يوقفهم على فعلهم، ويخبرهم يوم ~~القيامة بما كانوا يعملون. PageV03P012 # ثم قال تعالى:{ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} إذا: ~~بمعنى الوقت، الذي وقع في النداء، و{من} بيان لإذا (1) وتفسير له. والنداء: ~~الأذان، وقالوا: المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، وقيل: أذان ~~الجمعة للوقت كأذان الظهر، وقد كان له صلى الله عليه وآله وسلم مؤذن واحد، ~~فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان ~~ابوبكر وعمر على ذلك، ثم زاد عثمان مؤذنا كان يؤذن من داره لما كثر الناس، ~~وكانت في سوق المدينة، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل ~~أقام الصلاة ولم يعب عليه أحد (2). # {فاسعوا} (المراد بالسعي القصد، وهو السير المعتدل، دون العدو، والسعي: ~~التصرف في كل عمل، ومنه {وأن ليس للأنسان إلا ماسعى} (3) الحسن (4) PageV03P013 : “ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب) (1). # ومعنى { إلى ذكر الله } فهو إلى سماع موعظة الإمام، أي الخطبة والصلاة، ~~وذكر الصالحين فيها من جملة ذكر الله، نبه الله تعالى المؤمنين ~~بقوله:{فاسعوا إلى ذكر الله} معناه: إلى ماينفعكم في الآخرة، وهو حضور ~~الجمعة ؛ لأن الدنيا ومتاعها فانية، والآخرة ومافيها باقية قال ~~تعالى:{والآخرة خير وأبقى} (2). # (وكان اسم يوم الجمعة في الجاهلية عروبة، وأول من سماه باسمه هذا كعب بن ~~لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب(3). # ثم قال تعالى:{ وذروا البيع} منع تعالى منه عند صلاة الجمعة، وحرمه في ~~وقتها على كل من كان مخاطبا بفرضها، ووقت التحريم من بعد الزوال إلى الفراغ ~~من الصلاة) (4) والمراد ترك كل عمل يلهي ms0358 عن ذكر الله، وإنما خص البيع لأنه ~~مظنة الذهول في ذلك الوقت، من ذلك اليوم لاجتماع الناس فيه من كل أوب. # قال في البرهان: “وإن عقد في هذا الوقت المحرم [بيعا] (5) بطل لظاهر قوله ~~تعالى في النهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ”. اه # {ذلكم } المذكور من السعي إلى تجارة الآخرة {خير لكم} من تجارة الدنيا ~~{إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم (6). # {فإذا قضيت الصلاة} أي فرغ منها {فانتشروا في الأرض} لمنافع دنياكم التي ~~أمرتم بتركها عند النداء، وهذا أمر اباحة. PageV03P014 # قال في البرهان: وروينا أن يحي بن زيد عليهما السلام (1)كان إذا صلى الجمع ~~انصرف فوقف على باب المسجد فقال:“اللهم قد أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، ~~وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين {وابتغوا من فضل ~~الله} أي نعمة الله في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة (2) اه. # وقيل: اطلبوا من رزقه بالتجارة. # {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} أي: لإرادة أن تظفروا بمرادكم. # قال في البلغة (3): “تستعمل لفظ لعل على وجوه، احدها: لام كي، والثاني: ~~الشك، والثالث: التعرض للأمر، فمعناه على الوجه الأول: اذكروا خالقكم لكي ~~تفلحوا، وإذا حمل على معنى الشك، حمل على شك المخاطبين ؛ لأن أمورهم ~~وأحوالهم تجري بين الخوف والرجاء والطمع، وعلى هذا الوجه يأول قوله ~~تعالى:{فقولا له قولا لينا لعله يذكر أويخشى} (4) أي: قولا له ذلك على ~~ظنكما ورجائكما أن يتذكر أويخشى # وعلى الوجه الثالث معناه: اذكروا الله متعرضين للفلاح، فجميع مافي القرآن ~~من لفظ لعل متأول على أحد هذه الثلاثة ” اه. # (فالله سبحانه أباح لهم الإنتشار، وطلب الربح مع التوصية بإكثار الذكر، ~~ولايلهيهم عنه شيء. PageV03P015 # ابن عباس (1) “لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى وحضور ~~الجنائز، وزيارة أخ في الله”. # الحسن وابن المسيب (2) (طلب العلم” وقيل: صلاة التطوع) (3). # ثم قال عزوجل:{وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} أي تفرقوا عنك ~~إليها (4) PageV03P016 روي أن أهل المدينة أصابهم غلاء شديد، فقدمت تجارة والرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم يخطب يوم الجمعة، فضرب لقدومها طبل ms0359 فتفرق الناس عن النبي صلى ~~الله عليه وآله إلى التجارة والطبل ولم يبق معه إلا اليسير، فنزلت هذه ~~الآية، والذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي (1)من الشام عند مجاعة ~~وغلاء سعر، وكان معه مايحتاج إليه الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار ~~الزيت (2) ثم ضرب الريح ليؤذن الناس بقدومه، وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا ~~إليه ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ثلاثة رجال (3) PageV03P017 {وتركوك قائما} أي في الخطبة، فقال صلى الله عليه وآله:(والذي نفس محمد ~~بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا}(1). # {قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة} أي قل لهم يامحمد توبيخا لهم، ~~على اختيار القليل الفاني، على الجزيل الباقي: ماعند ا لله من الثواب على ~~تجارة الآخرة خير لكم من اللهو ومن تجارة الدنيا. # {والله خير الرازقين} أي خير من توجه العباد إليه في [طلب] (2) الرزق، ~~فاجعلوا همكم طلب الرزق العظيم منه بتجارة الآخرة، دون تجارة الدنيا، فقد ~~ضمن أرزاقكم في العاجلة، وكلفكم اصلاح الآجلة (3). والله أعلم PageV03P018 ### || AUTO سورة الصف # اربع عشرة آية، مدنية، وقيل: مكية # {بسم الله الرحمن الرحيم} # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض}(1) أراد أن كلما فيها يقضي له ~~بالتسبيح ويحمل من نظر إليه على التسبيح ؛ لما في مصنوعاته من عجائب ~~الحكمة، وقد مر تفسيره { وهو العزيز الحكيم} قال الرازي:"العزيز: من عز إذا ~~غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير، ولايمكن أن يغلب عليه ~~غيره، والحكيم: من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره أي ~~شيء كان ذلك الغير، ولايمكن أن يحكم عليه غيره". # فأخبر سبحانه أنه العزيز القادر، والقاهر الذي ماأراد كان بلا كلفة ~~ولاأعوان، وأنه الحكيم: أي المتقن لفطرته ولجعله وخلقه، الذي لايتغير ~~ماأثبت، ولايثبت ماغير، الحسن التدبير، الجيد التقدير، الذي لاتفاوت في ~~خلقه، ولافساد في تدبيره. # {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} أي: لأي سبب تقولون مالا ~~تفعلون؟ هذا ms0360 يتناول الكذب، وإخلاف الوعد. PageV04P001 # [سبب نزول الآية] # وهذه الآية نزلت في قوم قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب ~~الأفعال إلى الله لعملناه، ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله على ~~الجهاد في سبيله فتثاقلوا عنه، وفروا يوم أحد، فعيرهم الله(1). # وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب ~~وكان ذلك بعد وقعة بدر(2). # قوله:{كبر مقتا} نصب على التمييز (3) والمقت: أشد البغض، أي عظم بغضا ~~{عند الله} وفي كبر مبالغة {أن تقولوا ما لا تفعلون} هذا من أفصح الكلام ~~وأبلغه في معناه، قصد في {كبر} التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب: تعظيم ~~الأمر في قلوب السامعين ؛ لأنه لايكون إلا من خارج عن نظائره لزيادته ~~عليه(4). PageV04P002 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام:“هذا خطاب من الله عزوجل لهؤلاء ~~المتسمين بالإيمان، الذين آمنوا باللسان وكفروا بالجوارح، وتكلموا بعد بما ~~لايفعلون، فمقتهم الله فيما كانوا يقولون وعاتبهم في قبيح مابه يتكلمون، ~~ومقت الله عزوجل: بغضه وعذابه، ونقمته للكاذبين وعقابه، فاحترزوا رحمكم ~~الله عن هذا ومثله، فقد سمعتم وعيد الله فيما نزل في هذه السورة من وحيه ~~وتنزيله”. اه # {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله}(1) أي صافين أنفسهم، أومصفوفين ~~صفوفا كالصلاة ؛ لأنهم إذا اصطفوا مثلا صفين كان أثبت لهم وأمنع لعدوهم، ~~وهذا تعليم من الله للمؤمنين، ذكره في البرهان (2). PageV04P003 # {صفا كأنهم بنيان مرصوص} أي كأنهم في تراصهم من غير فرجة بنيان رص بعضه إلى ~~بعض، أي رصف، وألصق، فالمرصوص: هو المصفوف بعضه إلى بعض لايتزحزح ولايتحول ~~عن اصطفافه ولايبرح، وقيل: معناه كالبنيان الذي ألحم بالرصاص (1) قال ~~الراجز(2): # مالقي البيض من الحرقوصى...... يفتح باب المغلق المرصوص # وللأول قول الشاعر(3): # وأسمر مرصوص بطين وجندل...... له شرفات فوقهن نضائب # معنى قوله تعالى:{ وإذ قال} أي: واذكر يامحمد (4)حين قال {موسى لقومه ~~ياقوم لم تؤذونني} أي: لأي سبب كانوا يؤذونه بأنواع الأذى، من النقص والعيب ~~في نفسه وجحود آياته وعصيانه وتكذيبه {وقد تعلمون} أي: تؤذونني في حال ~~كونكم عالمين يقينا {أني رسول الله ms0361 إليكم} وقضية علمكم بذلك توجب تعظيمي، ~~لاأذيتي ؛ لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، وقد معناه: التوكيد (5) PageV04P004 [كأنه] قال: وتعلمون علما يقينيالاشبهة فيه. # {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} يريد لما زاغوا، ومالوا عن الهدى تركهم ~~على الضلالة والميل والردى، إذ لم يجبرهم على الثبات قصدا، بل خذلهم وتركهم ~~على زيغهم عن الحق، ولم يمدهم بألطافه لعدم قبولهم الهدى، وقيل: معناه حكم ~~بزيغها، وقيل: المعنى فلما زاغوا عن الحق عاقبهم الله بعقاب الزيغ، فسمي ~~جزاء الزيغ زيغا. # وقال في البرهان:“فلما زاغوا عن الإيمان أزاغ الله قلوبهم عن الثواب، ~~وهذه الآية عامة في كل من زاغ عن الهداية والرشد والطاعة ”. # {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يريد المتمردين، أي لايحكم لهم بالهدى، ~~ولايسميهم به، وقيل: إنما لم يهدهم ؛ لإنه لالطف لهم، لعلمه أنهم لايقبلون ~~الهدى، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر ~~وغيره، وهذا تسلية له صلى الله عليه وآله مما كان يلقى من أذى قومه. # --- PageV04P005 {وإذ قال عيسى} أي واذكر حين قال عيسى {ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول ~~الله إليكم مصدقا لما بين يدي} أي: أمامي: أي أرسلت حال تصديقي لما تقدمني ~~{من التوراة ومبشرا} أي: وحال تبشيري (1){برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} ~~قريء بسكون الياء في {بعدي} والخليل (2) وسيبويه (3) يختاران الفتح، أي ~~ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، من تقدم ومن تأخر. # وعن كعب الأحبار “أن الحواريين قالوا لعيسى: ياروح الله هل بعدنا من أمة؟ ~~قال: نعم أمة أحمد حكماء علما أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه يرضون من الله ~~باليسير من الرزق، ويرضى منهم باليسير من العمل” ذكره في التجريد (4). # {فلما جاءهم بالبينات} المعجزات الدالة على صدقه {قالوا هذا سحر مبين}. PageV04P006 # {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب} بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى ~~الحق: هذا سحر { وهو يدعى إلى الإسلام} أي لاأشد ظلما ممن يدعوه ربه إلى ~~الإسلام، الذي فيه سعادته في الدارين، فجعل مكان اجابته إليه افتراء الكذب ~~على الله، ms0362 بقوله لكلامه: إنه سحر ؛ لأن السحر كذب وتمويه {والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} أي لايحكم لهم بالهدى، أولايسميهم به، لعلمه أنهم لايقبلون ~~الهداية. # قال في البرهان: “وهذه الآية عامة في الكفار والمنافقين. # وقوله تعالى:{يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم} تهكم بهم في ارادتهم ~~ابطال الإسلام ومقال الدين الواضح المبين بقولهم القبيح وبهتانهم في ~~القرآن : هذا سحر. # {والله متم نوره ولو كره الكافرون} أي:ولوكرهوا ذلك فهو متم له على رغم ~~أنوفهم قال فيه (1): وهذه عامة في كل من أبطل احكام رب العالمين، وكذب ~~بالأئمة الطاهرين، والهداة المهتدين، وإنما ضرب الله تعالى ذلك مثلا بالنور ~~لمن أراد اطفاء نور الشمس بفمه، فوجده مستحيلا ممتنعا، كذلك من أراد إبطال ~~نور الحق”. اه # ثم قال تعالى:{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى} أي محمدا صلى الله عليه وآله ~~{بالهدى} وهو الدلالة الموصلة إلى الخير { ودين الحق} الملة الحنيفة ~~{ليظهره} أي يعليه {على الدين كله} أي على جميع الأديان المخالفة له { ولو ~~كره المشركون} وقد فعل، فما بقي دين إلا وهو (2) مقهور بدين الإسلام. # مجاهد: إذا نزل عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام. PageV04P007 # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: “معنى {ليظهره على الدين كله} هو ~~أن الله عزوجل وعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإظهار دينه، وعلوه ~~وارتفاعه على الأديان، فكان ماوعد من الظهور والبيان، حتى علا دين خاتم ~~النبيئين، وقهر بالحجج جميع المختلفين، فلم تزل أئمة الهدى بدين جدهم ~~قائمين، وبكتاب ربهم لجميع الأمم قاهرين، وأتى في الخبر عن الأئمة عن ~~الرسول صلى الله عليه وآله أن معنى هذه الآية، وتفسير ماذكرنا من ظهور دين ~~جدنا وعلو دين ربنا وخالقنا عند ظهور رجل في آخر الزمان يقهر بدين جده جميع ~~أديان الأمم، ويبين فضل هذا الدين على أديان العرب والعجم ” (1). اه # قوله:{ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم}. # قال في التجريد: نزلت في قولهم: لو نعلم أي الأعمال أفضل وأحب إلى الله ~~لعملناه، وبذلنا فيه الوسع (2). # وسمى العمل ms0363 الصالح تجارة ؛ لأنه ينال به الثواب والنجاة من النار، فأشبه الربح. PageV04P008 # وقوله:{تؤمنون} استئناف كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: تؤمنون {بالله ~~ورسوله} خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب ب {يغفر} يالجزم، وجيء به على لفظ ~~الخبر إشعارا بوجوب الإمتثال، وهو أبلغ من الأمر في المعنى، كأنه قد فعل، ~~وهو يخبر عن موجود (1). # ثم قال سبحانه:{وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم} ماذكر من ~~الإيمان والجهاد {خير لكم} من أموالكم وأنفسكم ؛ لما فيه من السعادة في دار ~~الخلود {إن كنتم تعلمون} أنه خير لكم ؛ لأنكم إذا علمتموه أحببتم الإيمان ~~[والجهاد] أكثر مما تحبون أنفسكم وأموالكم فتفلحون. # [فضل الجهاد] PageV04P009 قال الهادي عليه السلام:“إن قال قائل: أليس المؤمنون ولله الحمد عند الله ~~من العذاب فمبعدون؟ ومن غيرهم في يوم الدين فمميزون؟ كما قال الرحمن الرحيم ~~فيما نزل على نبيئه الكريم صلى الله عليه وعلى آله:{يوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون} (1) وفي ذلك ~~من تمييزهم مايقول:{أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون} (2) فأخبر ~~تبارك وتعالى بالفرق بين المؤمنين والفاسقين، وقص علينا مايكون في عباده ~~يوم الدين؟. PageV04P010 # قيل له: إنما أراد الله الواحد الأحد، المتقدس الفرد الصمد، الدلالة على ~~فضل الجهاد، والقيام بالحق في الخلق والبلاد، فدلهم بما قال، وبما ضرب من ~~التجارة في الأموال على أنه أفضل، لاشيء عنده يعدل الجهاد، ومن جميع ~~ماافترض على العباد، فنبههم للحظ والفضل المبين، وأخبر أنه أعظم وأجزل ~~مايلقونه به يوم الدين، وكيف لايكون ماذكر الله من الجهاد عنده كذلك، ~~ولاتكون تجارة عندالله سبحانه للعباد نجاة من العذاب والمهالك، وبه تقوم ~~أحكام رب العالمين، ويحي دين خاتم النبيئين، ويعز المؤمنون، ويذل الفاسقون، ~~وتشبع الأكباد الجائعة، وترفع الرقاب الخاضعة، وتظهر حجج الحق الدامغة، ~~وتموت البدع الشائعة، وتعلو وتظهر الخيرات، وتماط وتنفى الفاحشات، ويعمل في ~~كل البلاد بالصالحات، وينصر المظلومون، ويردع الجائرون، وتكسى الظهور ~~والجنوب العاريات، ويمات الظلم والشرور، وتقضى عن الغارمين ms0364 الغرامات، ~~فيالها من تجارة ماأربحها، ودعوة ماأنورها، لوكان لها من الأنام مجيبون، ~~أوفي هذه الأمة المخذولة له طالبون، ولكن لاطالب ولاتاجر فيها، ولامقبل ~~إليها، تعلقوا بالشبهات، وتسلوا بالأمنيات، وكرهوا الوفاة، واستطالوا بآفة ~~الحياة، ومالوا إلى غرور الدنيا، وجروا واستبقوا في ميادين الهوى، وزهدوا ~~في دار الخلد التي تبقى، لانصب فيها ولاتعب ولاشقاء، كأن لم يسمعوا الواحد ~~العلي الأعلى يقول فيما نزل من الوحي على نبيئه المصطفى:{وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لوكانوا يعلمون}(1)..” ~~إلى آخر كلامه عليه السلام. # ثم قال سبحانه:{يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة} أي طاهرة من جميع الأقذار والأكدار، كاملة الأوصاف. PageV04P011 # وفي التجريد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله:{ومساكن طيبة} (قصر ~~من لؤلؤ في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار ~~سبعون بيتا من زمرد أخضر، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا ~~من كل لون، على كل فراش امرأة من الحور، في كل بيت سبعون مائدة، على كل ~~مائدة سبعون لونا من طعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، قال: فيعطى ~~المؤمن من القوة في مقدار غداة واحدة مايأتي على ذلك كله} رواه الثعلبي ~~والحاكم (1). # ومعنى {في جنات عدن} أي جنات إقامة وخلود لاانتقال عنها {ذلك} أي الجزاء ~~والربح في هذه التجارة {الفوز العظيم} أي الظفر الذي لاأعظم منه {وأخرى} أي ~~ولكم إلى هذه النعمة المذكورة في الآجلة نعمة أخرى عاجلة {تحبونها} أي ~~محبوبة لكم # ثم فسرها فقال:{ نصر من الله وفتح قريب} فتح مكة (2) وقيل: فارس والروم، ~~وفي قوله:{تحبونها} نوع توبيخ لهم على حب العاجل، وقوله:{ وبشر المؤمنين} ~~معطوف على {تؤمنون} لأنه في معنى الأمر قيل: آمنوا وجاهدوا.. إلى آخره، ~~وبشر يارسول الله المؤمنين بذلك. PageV04P012 # قوله تعالى:{ياأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله} الحواريون: هم أصفياؤه (1)كانوا أول من آمن ~~به، وكانوا اثني عشر، ms0365 وحواري الرجل صفيه الخالص من الحور، وهو البياض ~~الخالص، والتشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، أي كونوا أنصارا لله، كما ~~قال الحواريون من أنصار عيسى حين قال لهم:{من أنصاري إلى الله} وإلى بمعنى ~~مع، ومنه المثل "الذود إلى الذود إبل ” أي مع الذود. # وقال في الكشاف (2): بل هي على معناها الأصلي، أي من جندي متوجها إلى ~~نصرة الله وإضافة {انصاري} خلاف إضافة {أنصار الله} فإن معنى {نحن انصار ~~الله}: نحن الذين ينصرون الله، ومعنى {من أنصاري} من الأنصار الذين يختصون ~~بي؟ ويكونون معي في نصرة الله؟ ولايصح أن يكون معناه:من ينصرني مع الله؟ ~~لأنه لايطابق قول الحواريين. PageV04P013 # {قال الحواريون نحن أنصار الله} أي ينصرون دينه {فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل وكفرت طائفة} أي: صدقت بعيسى. # وفي التجريد عن ابن عباس "يعني في زمن عيسى بن مريم أنه لما رفع تفرق ~~قومه ثلاث فرق، فرقة قالت: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله ~~فرفعه إليه، وفرقة قالوا: كان عبده ورسوله فرفعه، وهم المؤمنون، واتبع كل ~~فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا فظهرت الفئتان الكافرتان على المؤمنين، ~~حتى بعث محمد صلى الله عليه وآله فظهرت الفرقة المؤمنة على الفرقتين ~~الكافرتين، قيل: بالحجة ؛ لأنه صلى الله عليه وآله وافقهم، وقيل: بالسيف" (1). # {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم} التأييد: هو التقوية {فأصبحوا ظاهرين} أي ~~فصاروا عالين لهم. # وعن زيد بن علي عليه السلام: "بالحجة لابالسيف". والله أعلم. PageV04P014 ### || CHECK [سورة الممتحنة] # سورة المودة [الممتحنة] # ثلاث عشرة آية اتفاقا، مدنية # {بسم الله الرحمن الرحيم} # {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}(2) PageV05P001 أي أصدقاء. # السبب: أن حاطب بن ابي بلتعة (1) PageV05P002 كتب إلى قريش مع ضعينة(1) يخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يريدهم، ~~وذلك أيام تهيؤ النبي صلى الله عليه وآله للفتح، فنزل جبريل بالخبر، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وآله في أثرها فرسانا فيهم علي عليه السلام إلى ~~روضة خاخ (2) فجحدت وحلفت فهموا بالرجوع، فقال علي عليه السلام: والله ~~ماكذبنا ولاكذب رسول الله ms0366 صلى الله عليه وآله، وسل سيفه فأخرجته من عقاص ~~رأسها(3) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لحاطب: ماحملك على ماصنعت؟ ~~فقال: ماكفرت منذ أسلمت، ولاأحببتهم منذ فارقتهم، ولكني كنت ملصقا(4) في ~~قريش، وكل من معك لهم قرابات بمكة يحمون أموالهم وأهاليهم غيري، فأردت أن ~~أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن كتابي لايغني عنهم من الله شيئا، فصدقه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله" ومثل هذا في البرهان (5). PageV05P003 # وفي رواية أن حاطب كتب إلى أهل مكة مع امرأة مولاة لبني عبدالمطلب يقال ~~لها: سارة، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة، ~~فقال صلى الله عليه وآله: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: أمهاجرة جئت؟ قالت: ~~لا، قال: فما حاجتك؟ قالت: ذهبت الموالي يوم بدر، أي: قتلوا في ذلك اليوم ~~فاحتجت حاجة شديدة، فحث عليها بني عبدالمطلب (1) فكسوها وحملوها وزودوها، ~~فأتاها حاطب فأعطاها عشرة دنانير، وكساها بردا، واستحملها الكتاب إلى أهل ~~مكة، فبعث صلى الله عليه وآله عليا وعمر وعمارا وطلحة والزبير خلفها، وهم ~~فرسان فأدركوها..الخبر كما مر آنفا(2). PageV05P004 # ثم فسر اتخاذهم الأولياء [فقال] عزوجل:{تلقون إليهم بالمودة}(1) التي بينكم ~~وبينهم والباء إما زائدة (2) أوللسببية (3) والمفعول محذوف، أي تلقون إليهم ~~أسرار رسول الله صلى الله عليه وآله بسبب المودة، وكذلك {تسرون إليهم ~~بالمودة}(4). # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: "يريد عزوجل النهي عن المودة ~~للكافرين، الذين باينوا الله أوالمؤمنين، ولايجوز لأحد أن يكاتبهم، ~~ولايوادهم، ولايخضع لهم. # ثم قال سبحانه:{وقد كفروا بما جاءكم من الحق} الذي فيه نجاتكم وسعادتكم، ~~وهو القرآن ودين الإسلام. # {يخرجون الرسول وإياكم} من مكة، وهو معطوف على الرسول، وقوله:{أن تؤمنوا} ~~تعليل ليخرجون، أي: يخرجونكم لأجل ايمانكم {بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا ~~في سبيلي} أي للجهاد في حق ديني ولأجله {وابتغاء مرضاتي} عنكم" # وقال عليه السلام: "معنى الآية على التقديم والتأخير، وهو راجع الى ~~قوله:{لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء... إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي} ولكنه ~~قدم وأخر(5). اه PageV05P005 وقوله:{إن كنتم خرجتم} متعلق ب {لاتتخذوا} أي ms0367 لاتتولوا أعدائي إن كنتم ~~أوليائي، فهو شرط حذف جوابه لدلالة ماقبله عليه(1). # {تسرون إليهم بالمودة} تفضون إليهم بمودتكم سرا (2) أوتسرون إليهم أسرار ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بسبب المودة، وهو استئناف معناه: أي طائل لكم ~~في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي [وأنا مطلع رسولي ~~على ما تسرون] (3) وفيه نوع من تأكيد التوبيخ، ولذلك قال سبحانه:[{ وأنا ~~أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم} ولم يقل: بما أسررتم وما أعلنتم، مع أنه أليق ~~بماسبق، وهو {تسرون} وذلك لأن فيه من المبالغة ماليس في ذلك، فإن الإخفاء ~~أبلغ من الإسرار، دل عليه قوله:{يعلم السر وأخفى} أي: أخفى من السر] (4). # {ومن يفعله منكم} أي الإسرار {فقد ضل سواء السبيل} أي أخطأ وسط طريق الحق ~~والصواب، وهو الطريق إلى الإسلام، الذي جعله الله برحمته لجميع الأنام. PageV05P006 # ثم قال تعالى:{إن يثقفوكم} أي إن يظفروا بكم، والثقف: الأخذ بقدرة (1) ~~{يكونوا لكم أعداء} أي خالصي العداوة، ولايكونوا لكم أولياء، كما أنتم لهم، ~~والمعنى: إن يثقفوكم تظهر عداوتهم لكم، ويعظم أثرها {ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء} أي بالقتال والشتم {وودوا} تمنوا {لو تكفرون} أي ترتدون ~~عن دينكم، الذي فيه سعادتكم، فإذا مودتهم خطأ عظيم(2). PageV05P007 # ({لن تنفعكم أرحامكم} قراباتاكم {ولا أولادكم} الذين توالون الكفار من ~~أجلهم [وتتقربون إليهم محاماة عليهم] ثم قال:{ يوم القيامة يفصل بينكم} ~~وبينهم، كقوله:{يوم يفر المرء من أخيه} (1) فمالكم ترفضون حق الله [مراعاة] ~~لحق من يفر منكم غدا {والله بما تعملون بصير} من الموالاة وغيرها) (2). # {قد كانت لكم أسوة} أي اقتداء، وهي اسم لما يؤتسى أي: يقتدى به(3) وقريء ~~بضم الهمزة أسوة {حسنة} مرضية {في إبراهيم والذين معه} من المؤمنين ~~التابعين لأثره، وقيل: هم الأنبياء {إذ قالوا} أي وقت قالوا {لقومهم} ~~الكفار منهم {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} فكاشفوهم بالعداوة، ~~وأفصحوا عن محض الإخلاص {كفرنا بكم} أي بدينكم، وبمعبودكم من دون الله، ~~والمعنى أنكرناكم وقطعناكم {وبدا} أي ظهر وبان {بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء} حتى لم نخف، ولم نكتم عداوتنا ms0368 لكم {أبدا} مادمتم كافرين {حتى ~~تؤمنوا بالله وحده} لاتشركوا به شيئا. PageV05P008 # (إن قيل: مالفائدة في قوله:{وحده} والإيمان به وبغيره من اللوازم، كما ~~قال:{كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله}(1)؟. # قيل له: ولاقوة إلا بالله والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم ~~الآخر من لوازم الإيمان بالله وحده ؛ إذ المراد من قوله:{وحده} هو وحده في ~~الإلهية، ولاشك في أن الإيمان بإلهيته وبإلهية غيره لايكون إيمانا بالله ؛ ~~إذ هو الإشراك في الحقيقة، والمشرك لايكون مؤمنا) (2). # وقوله:{إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك} مستثنى من أسوة أي: قد كانت ~~لكم في مكاشفتهم أسوة، بقول ابراهيم صلى الله عليه وآله ماخلا وعده لأبيه ~~بالإستغفار (3). # قال ابن عباس: كانت لكم أسوة حسنة في صنيع ابراهيم، إلا في استغفاره ~~لأبيه وهو مشرك، فإنه لايجوز الإستغفار للمشركين. # وقوله:{ وما أملك لك من الله من شيء} لم يقع عليه الإستثناء ؛ إذ لايحسن ~~استثناؤه، لكنه تابع للوعد الذي وقع عليه الإستثناء، كأنه قال: أنا أستغفر ~~لك، ومافي طاقتي إلا الإستغفار دون الغفران(4). PageV05P009 # وقوله:{ربنا عليك توكلنا} متصل بما قبل الإستثناء من جملة الأسوة الحسنة، ~~ويجوز أن يكون المعنى: قولوا: ربنا، أمرا، أمر المؤمنين أن يقولوا: أسندنا ~~جميع أمورنا إليك [وتعليما منه لهم]تتميما لما أوصاهم به من قطع علائق ~~الكفار،والإئتساء بإبراهيم وقومه(1). # {وإليك أنبنا} أي رجعنا وتبنا عما لايرضيك {وإليك المصير} المرجع يوم ~~القيامة {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} أي: لاتجعلنا موضع فتنة لهم، أي ~~موضع عذاب لهم، يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا، أوتظهرهم علينا فيظنوا أنهم ~~على حق فيفتتنوا بذلك. # {واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز} القادر على اجابة دعوتنا {الحكيم} الذي ~~لايفعل شيئا إلا لحكمة وصواب. # {لقد كان لكم فيهم} ابراهيم والذين معه {أسوة حسنة} كرره تأكيدا وتقريرا ~~(2) وقوله:{لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر} بدل من {لكم} في {قد كانت لكم ~~أسوة حسنة} { ومن يتول} يعرض عن الإيتساء بإبراهيم والذين معه {فإن الله هو ~~الغني} عنه، وعن موالاته، وهو المحتاج إليه {الحميد} المستوجب للحمد على ~~عباده، وإن لم يحمدوه. PageV05P010 # قال الرازي: والحميد قد ms0369 يكون بمعنى الحامد، وبمعنى المحمود، فالمحمود: هو ~~الذي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم، والحامد: [أي] يحمد الخلق ~~[و]يشكرهم، حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال (1). # {عسى الله أن يجعل} يامسلمون {بينكم وبين الذين عاديتم منهم} مشركي مكة ~~{مودة} بأن يهديهم للدين، فيصيرون لكم أولياء وإخوانا، وقد فعل ذلك بعد ~~الفتح فأسلم قومهم، وتم بينهم من التحاب، و{عسى} وعد من الله على عادة ~~الملوك، حيث تقول في بعض الحوائج: عسى ولعل، فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ~~ذلك، أوقصد [به] إطماع المؤمنين. # {والله قدير} على تقليب القلوب وتيسير أسباب المودة {والله غفور رحيم} ~~(2)لمن أسلم من المشركين. # ولما رأى تشددهم في عداوة آبائهم وأبنائهم وأقاربهم وعدهم بعسى كما مر، ~~ورخص لهم في صلة من لم يقاتلهم فرقا بين المحاربين منهم وبين المسيئين(3) ~~في فعلهم، الذين لايطعنون على أولياء الله [في فعلهم] (4) ولافي دينهم فقال: PageV05P011 # {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم} من ~~مكة {أن تبروهم} قيل: خزاعة (1)كان لهم عهد، فأمرهم الله تعالى، أن يبروهم ~~بالوفاء، حتى نسخت بآية السيف، ذكره في البرهان (2). # وقيل: من لم يهاجر من مكة (3) وقيل: نزلت في قتيلة (4) أم أسماء بنت أبي ~~بكر أتت بنتها أسماء مشركة بهدايا من مكة، فلم تأذن لها بالدخول، ولاالقبول ~~حتى أذن لها صلى الله عليه وآله ففعلت (5). # وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى:{لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر} ~~الآية (6) # وقيل: بقوله:{قاتلوا الذين لايؤمنون} (7). # وقيل: إنها لاتنافي النهي عن موالاة المشركين ؛ لأن هذه في البر بين ~~المسلمين والمشركين، وإن كانت الموالاة منقطعة، وهي المحبة والنصرة، ذكر ~~معناه الواحدي (8). # وقال في البلغة:"لما عوتب حاطب بن أبي بلتعة، وأمر المؤمنين بالبراءة من ~~المشركين [ذكر] أنه لاينهى المسلمين من حسن العشرة ولين القول مع الكفار ~~الذين لم يقاتلوهم، ولم يخرجوهم من ديارهم، فرقا بينهم وبين المحاربين " (9). # وهذا هو الأولى، وهو معنى كلام الواحدي، ويدل عليه أنه ذكر البر ولم يذكر ~~الموالاة. والله أعلم. PageV05P012 # وقوله:{أن تبروهم} ms0370 بدل من {الذين لم يقاتلوكم} أي:لاينهاكم عن برهم وصلتهم # {وتقسطوا إليهم} أي: تعدلوا فيهم بالإحسان، وناهيك بتوصية الله ~~المؤمنين، أن يقسطوا مع المشركين، ويتحاموا ظلمهم مترجمة عن حال مسلم ~~يجتري على ظلم أخيه { إن الله يحب المقسطين} القائمين بحق الرحامة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام:"يعني المحسنين، والقسط: هو العدل ~~والإحسان، والمقسط: هو المحسن العدل في أفعاله، والقاسط: هو الجائر عن الحق ~~في فعله ومقاله، وهذان وجهان متضادان، وهما في الكلام متقاربان فافهم الفرق ~~بينهما، وميز تفسير معناهما" (1). # قال المرتضى عليه السلام (2):"هذا اطلاق من الله سبحانه لأوليائه في ~~المسالمة والمعاملة والمكاتبة لمن لم يطعن عليهم، ولم يقاتلهم ولم تبن ~~العداوة منه لهم، ممن كان مهادنا لهم محالفا، وذلك أن الله تبارك وتعالى ~~لما حضر على أوليائه الموالاة والموادة والمكاتبة لمن كان حاربهم، وأخرجهم ~~من ديارهم، وأبان العداوة لهم، فلما منعهم سبحانه منهم امتنعوا منهم ومن ~~غيرهم ممن كان من أحلافهم، طلبا لرضاء الله، ومباينة لأعدائه، فأخبرهم الله ~~سبحانه أنه إنما نهاهم عمن حاربهم وطعن عليهم وقاتلهم، فأما من لم يطعن ~~عليهم ولم ينقض عهدهم، لم ينقض عهده وذمته، فهم على ماكان بينهم حتى ينقضوه ~~بفعلهم فإذا كان ذلك منهم وجب عليهم الترك والمباينة، والمعاداة لهم ". اه PageV05P013 ثم أخبر سبحانه عما نهاهم عنه، فقال تعالى:{إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين} أي عن تولي الذين قاتلوكم في الدين بسبب الإيمان والدخول ~~فيه { وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم} والمظاهرة: المعاونة، أي ~~وعاونوا على اخراجكم، فنهى عزوجل عن بر أولئك ومكاتبتهم، وأمر بمقاطعتهم ~~وعداوتهم ومنابذتهم ومحاربتهم {أن تولوهم} أي عن أن تولوهم، وهو بدل من ~~{قاتلوكم} {ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} لأنفسهم بموالاة أعداء الله ~~وموادتهم. # ثم قال سبحانه:{ ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات}(1) PageV05P014 سماهن مؤمنات، لنطقهن بالشهادة، ولم يظهر منهن ماينافيها، أولمشارفتهن ~~[لثبات] (1) الإيمان بالإمتحان. # {فامتحنوهن} أي فاختبروهن بالحلف، والنظر في الأمارات. # وكان صلى الله عليه وآله يقول للمتحنة:(بالله الذي لاإله إلا هو ماخرجت ~~رغبة عن أرض ms0371 إلى أرض، بالله ماخرجت التماس دنيا، بالله ماخرجت إلا حبا لله ~~ورسوله، بالله ماخرجت من بغض زوج) (2). # { الله أعلم بإيمانهن} منكم، يعني بما في قلوبهن بعد امتحانهن، ولو ~~حلفتموهن، لكن ذلك جهدكم، والتحقيق عند الله تعالى (3). PageV05P015 # والسبب في نزول هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وآله هادن قريشا عام ~~الحديبية، فقالت قريش: على أن ترد إلينا من جائك منا، و[لا] (1) نرد عليك ~~من جاءنا منك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: على أن نرد إليكم من جاءنا ~~منكم، ولاتردون علينا من جاءكم منا، من اختار الكفر على الإيمان أبعده ~~الله، فعقد الهدنة بينه وبينهم على هذا إلى أن جاءتهم منهم أم كلثوم ابنة ~~عقبة ابن أبي معيط، وقيل: إن زوجها جاء في طلبها، فقال: يامحمد قد شرطت لنا ~~رد النساء، ورطب (2) الكتاب لم يجف بعد، وهذه امرأتي فارددها علي فلما طلب ~~المشركون رد من أسلم من النساء منع الله من ردهن بعد امتحان إيمانهن ~~بقوله:{فإن علمتموهن مؤمنات} (أي العلم الذي في وسعكم، وهو الظن الغالب) (3) PageV05P016 {فلا ترجعوهن إلى الكفار} (أي إلى أزواجهن المشركين) (1)ولم يشترط ردهن [في ~~العقد] لفظا، وإنما أطلق العقد في رد من أسلم، فكان ظاهر العموم اشتماله ~~عليهن مع الرجال فبين الله خروجهن من العموم، وفرق بينهن وبين الرجال ~~لأمرين: # أحدهما: أنهن ذوات فروج، يحرمن عليهم. # والثاني: أنهن أرق قلوبا، وأسرع تقلبا منهم، فأما المقيمة منهن على الشرك ~~فمردودة عليهم، وقد كان من أرا د منهن اضرار زوجها قالت: سأهاجر إلى محمد، ~~فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بامتحانهن. # {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} الحل: بمعنى الحلال، أي لايحل احدهما للآخر # {وآتوهم} أي أزواجهن {ما أنفقوا} يعني بالنفقة مهور من أسلم منهن، إذا ~~سأل ذلك أزواجهن،وهاجرن إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنات راغبات ~~في الحق ومسلمات. PageV05P017 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام:"وهن أم الحكم ابنة أبي سفيان (1) كانت ~~عند عياض بن شداد الفهري(2) ومرة ابنة ربيعة، يقال ms0372 لها: بروع (3)كانت تحت ~~شماس بن عثمان المخزومي، وعمرة ابنة عبدالعزيز [بن] نضله (4)ويقال: هند بنت ~~أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص بن وائل السهمي، فهؤلاء اللواتي هاجرن إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطى رسول الله أزواجهن ماأنفقوا عليهن ~~من المهور، وكان مما أعطاهم فيه من الغنيمة وكان مما أعطى في ذلك عمر بن ~~الخطاب كانت عنده قريبة(5) ابنة أمية بن المغيرة المخزومي، فلما هاجر ~~أرادها على الهجرة فأبت عليه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله ماأنفق ~~عليها، ولم تكن آمنت ولاهاجرت، وتزوجها معاوية بن ابي سفيان، وهو كا فر ~~يومئذ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا ماأنفق على امرأته ~~أم كلثوم ابنة جرول الخزاعي، حيث أبت أن تهاجر معه (6) PageV05P018 . # ثم قال سبحانه {ولا جناح عليكم} أي لاإثم {أن تنكحوهن} يعني المؤمنات إذا ~~أسلمن عن أزواج مشركين، أباح نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عدتهن، أوغير مدخول بهن. # {إذا آتيتموهن أجورهن} غير مادفع إلى أزواجهن. # وعن الضحاك (1) كان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين المشركين عهد: ~~لاتأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها ~~زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الشرط مثل ذلك. # قال قتادة (2): ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد {براءة} ذكره في التجريد. # ثم نهى تبارك وتعالى عن نكاح الكوافر فقال سبحانه:{ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر} جمع عصمة، وهي مايعتصم به من عقد أوسبب، أي لايكون بينكم وبينهن ~~علقة زواجة، فإن العصمة لاتبقى بين المشركة والمؤمن، المعنى: إن لحقت ~~بالمشركين واحدة من نسائكم فلا تمسكوا نكاحها (3). # والمذهب الشريف: أن اختلاف الدينين يغني عن الطلاق في رفع النكاح، ويكون ~~ذلك فسخا لاطلاقا. # {واسألوا} يامسلمون {ما أنفقتم} من مهور أزاجكم. PageV05P019 # قال في البرهان:"يعني أن المسلم إذا ارتدت زوجته، إلى ذي العهد من المشركين ~~المذكورين أن يرجع عليهم بمهرها، كما ذكرنا أن للمشرك أن يرجع بمهر زوجته ~~إذا أسلمت، ms0373 فإن لم يكن بينهم عهد شرط فيه الرد فلا يرجع، وللأئمة من ولد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعقدوا في أعصارهم على قدر مصالح الخلق من ~~العهود والعقود والشروط ماكان لأبيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~وقته " (1). # {وليسألوا} الكفار {ما أنفقوا} من مهور نسائهم المهاجرات {ذلكم} أي جميع ~~ماذكر في هذه الآية {حكم الله} وقوله:{يحكم بينكم} كلام مستأنف [أو حال من ~~{حكم الله} على حذف الضمير] أي: يحكمه الله بينكم، وهذا من أحكامه، أو جعل ~~الحكم حاكما على المبالغة (2){والله عليم} بكل معلوم، ومنه كيفية الحكم على ~~الصحيح {حكيم} لايحكم إلا بالصواب. # روي (لما نزلت [هذه]الآية أدى المسلمون ماأمروا به، وأبى المشركون أن ~~يؤدوا مهور من لحقت بهم إلى المسلمين فنزل قوله:{وإن فاتكم} يامسلمون، أي: ~~انفلت منكم وسبقكم {شيء من أزواجكم إلى الكفار} أي: أحد منهن أوقع {شيء} ~~موقع أحد(3) لفائدة، وهو ألا يترك شيء من جنس الأزواج وإن قل غير معوض عنه ~~تغليظا في هذا الحكم {فعاقبتم} أي: أصبتم وغنمتم من أموالهم، وقيل: من ~~العقبة وهي النوبة، شبه ماحكم به على الفريقين تارة بتارة بأمر يتعاقبون ~~فيه، كما في الركوب وغيره، ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر. PageV05P020 # وقال الزجاج (1): وعاقبتم: من المعاقبة، أي فكانت المعاقبة لكم على ~~المشركين والظفر. {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} أي فاعطوا ~~الأزواج من رأس الغنيمة مثل ماأنفقوا على زوجاتهم اللاحقات بالمشركين، أي ~~مثل مهرها الذي أعطاها، قيل: من مهر المهاجرة، ولاتؤتوه زوجها الكافر. # وفي البرهان:"أن من فاتته زوجته بارتدادها إلى أهل العهد المذكور ولم يصل ~~إلى مهرها منهم، ثم غنمهم المسلمون ردوا عليه مهرها من أموال ~~غنائمهم[وفيئهم]" (2). # قال الحاكم:" ورد المهر من الجانبين منسوخ، وكذا رد مهر من فاتته زوجته ". # قيل: وجميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين ست نسوة (3) رجعن عن ~~الإسلام، وأعطى رسول الله أزواجهن من الغنيمة مهورنسائهم. # وقوله:{واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} تشديد في التوصية. # {ياأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن ms0374 لا يشركن بالله شيئا} ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دخل مكة عام الفتح بايعه الرجال، ~~وجاء النساء فأمر أميمة(4) أخت خديجة ابنة خويلد (5) خالة فاطمة(6) بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تبايع النساء عنه. # فإن قيل: فما معنى مبايعته لهن، ولسن من أهل الجهاد، فتؤخذ عليهن ~~البيعة؟. # فالجواب: أن بيعته لهن تعريفا لهن ماعليهن من حقوق الله تعالى وحقوق ~~أزواجهن ؛ لأنهن دخلن في شرع لم يعرفن حكمه، فبينه لهن، وكان أول ماأخذ ~~عليهن ألا يشركن بالله شيئا توحيدا له، ومنعا من عبادة غيره (7). PageV05P021 # وقوله:{ولا يسرقن} يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال، والنقصان من ~~العبادة، فإنه يقال: أسرق [من] السارق من سرق من صلاته. # ثم قال:{ولا يزنين} يحتمل حقيقة الزنا، ودواعيه، على ماقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم:(اليدان تزنيان والعينان تزنيان والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ~~ذلك أويكذبه) (1). # ثم قال:{ولا يقتلن أولادهن} يريد وأد البنات، الذي كانت الجاهلية تفعله. PageV05P022 # {ولا يأتين ببهتان يفترينه} البهتان والإفتراء: هو الكذب (1) أي: لايأتين ~~بولد فينسبنه إلى الزوج، يعني لايلحقن بأزواجهن غير أولادهم، لأن المرأة ~~كانت تلتقط ولدا فتلحقه بزوجها ولدا{بين أيديهن} أي: ماأخذنه لقيطا ~~{وأرجلهن} أي: ماولدنه من زنا، وقيل: كنى بالبهتان المفترى بين يديها ~~ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين ~~اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين (2). PageV05P023 # {ولا يعصينك في معروف} المعروف: كل فعل كان لله فيه طاعة ولرسوله، والمنكر: ~~كل فعل كان فيه معصية لله ولرسوله، يعني فيما يأمرهن به من المحسنات، ~~وينهاهن عنه من المقبحات، وقد علم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لايأمر إلا ~~بالمعروف إلا أنه نبه بذلك على أن لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، فكان ~~جديرا بغاية التوقي. # وقوله:{فبايعهن} جواب إذا، أي إذا بايعنك علىهذه الشرائط [فبايعهن، ~~واختلفوا في كيفية المبايعة]فقيل: بايعهن بالكلام [وقيل ]: بايعهن وبين يده ~~وأيديهن ثوب. # وقيل: كان يشترط عليهن البيعة، وعمر يصافحهن، قاله الكلبي (1) وقيل: دعا ~~بقدح فيه ماء فغمس يده فيه ms0375 [ثم غمسن أيديهن] ومامست يد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله يد امرأة(2). # فإن قيل:ماالفائدة في قوله تعالى:{بين أيديهن وأرجلهن} وماوجهه؟. # قيل: منهم من قال: المرأة إذا التقطت ولدا، فإنما التقطته بيديها، ومشت ~~برجلها إلى أخذه، فإذا أضافته إلى زوجها فقد أتت ببهتان تفتريه بين يديها ~~ورجليها. # وقيل: يفترينه على أنفسهن حيث يقلن:[هذا] ولدنا، وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا. # وقيل: الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها والله أعلم (3) PageV05P024 ثم أمر تعالى رسوله بالإستغفار لهن فقال عزوجل:{واستغفر لهن الله إن الله ~~غفور رحيم} يغفر لهن ويرحمهن. # {ياأيها الذين آمنوا لا تتولوا} أي لاتصافوا {قوما غضب الله عليهم} ~~والمغضوب عليهم جميع العصاة المذنبين. # وقيل: فيما روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود، ليصيبوا من ثمارهم # وقيل: كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين إلى أن يصيبوا من ثمارهم، ~~فنهاهم الله عن ذلك، أي: لاتوادوهم لمنافع دنيوية. # {قد يئسوا من الآخرة} من أن يكون لهم حظ فيها، لعنادهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مع علمهم بأنه حق بما نعت لهم في التوراة. # {كما يئس الكفار من أصحاب القبور} أي من موتاهم أن يرجعوا أحياء. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: "معنى {يئس الكفار} يريد كما يئس ~~المشركون، [من] الذين حصلوا في القبور فصاروا في ترك التوبة في حياتهم ~~بمنزلة الأموات، الذين في قبورهم. # ويحتمل وجها آخر: وهو أنهم قد يئسوا من الوعد والوعيد والحساب، وجحدوا ~~ماوعدوا الله من الثواب والعقاب، كما جحد الكفار بعث أهل القبور، ويئسوا من ~~البعث والنشور ". اه # وقيل: {من أصحاب القبور} بيان للكفار أي كما يئس الكفار المقبورون من خير ~~الآخرة ؛ لأنهم علموا ذلك بعد موتهم، ومثل هذا في البرهان (1) وهذا أظهر ~~والله أعلم. PageV05P025 ### || AUTO سورة الحشر # اربع وعشرون آية باتفاق القراء، مدنية # {بسم الله الرحمن الرحيم} # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } (1) PageV06P001 قد مر تفسير التسبيح {وهو العزيز} القادر علىكل شيء {الحكيم} الذي لايفعل ~~شيئا إلا بعدل وحكمة. # {هو الذي أخرج الذين ms0376 كفروا من أهل الكتاب} يعني بني النضير { من ديارهم} ~~يريد عزوجل أخراجهم من نواحي المدينة، ومنازلهم بالحجاز، وهم نفر من اليهود ~~كانوا هنالك، فخرجوا صاغرين(1) كانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ألا يكونوا عليه [ولا له] (2) فلما غلب يوم بدر، قالوا: هو الذي في ~~التوراة لاترد له راية (3) فلما غلب يوم أحد ارتابوا فحالفوا (4)قريشا، ~~فأصبحهم (5)بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، وكان عبدالله بن أبي ~~المنافق وعدهم بالنصرة، قال {لئن أخرجتم لنخرجن معكم} (6) فلما قذف الله ~~الرعب في قلوبهم طلبوه الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء، فجلوا إلى الشام، ~~وطائفة إلى خيبر، وطائفة إلى الحيرة، وأطلق لهم أن يحمل كل ثلاثة أبيات على ~~بعير ماشآوا من متاعهم. # قوله:{لأول الحشر} متعلق بأخرج (7) أي: أخرجهم عند أول الحشر ؛ لأنهم أول ~~من أجلاه من اليهود، وحشرهم جمعهم إلى أرض الشام (8). PageV06P002 # قال في التجريد: وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء، وهم أول من أخرج من أهل ~~الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، إلى أذرعات (1) وآخر حشرهم إجلاء عمر ~~إياهم من خيبر إلى الشام إلى أريحا (2). # قال في البلغة:“ ورد في الخبر أن الله تعالى يبعث نارا قبل يوم القيامة ~~تطرد الناس إلىالشام، وتنزل إذا نزلوا، وترحل إذا ارتحلوا،وتقوم عليهم ساعة ~~في الشام، وهو قوله تعالى:{ألم تر أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} الآية ~~(3) ثم تقوم الساعة وهو الحشر الثاني، ولهذا قيل لخروج بني النضير إلى ~~ناحية الشام:أول الحشر.اه ومثله في التجريد. # وقال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام:“إن معنى قوله تعالى:{لأول ~~الحشر} هو أنهم خرجوا صاغرين من أجل مارأوا وشاهدوا من أول الجمع جمع ~~المؤمنين فزعا ورهبة لجمع خاتم النبيئين ”. # {ما ظننتم} أيها المؤمنون { أن يخرجوا} من ديارهم لشدة بأسهم ومنعتهم، ~~وإنما ذكر الله ذلك تعظيما لهذه النعمة، فإن النعمة إذا وردت على المرء ~~والظن بخلافه تكون أعظم، فالمسلمون ماظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج ~~هؤلاء اليهود، فيتخلصون من ضروب مكائدهم، فلما تيسر لهم ذلك، كان موقع هذه ~~النعمة أعظم. # ثم ms0377 قال تعالى {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} أي: أن حصونهم تمنعهم ~~من بأس الله(4). # (وقوله:{فأتاهم الله} أي: أمره {من حيث لم يحتسبوا} فيه وجهان: PageV06P003 # أحدهما: أن يكون الضمير في قوله:{فأتاهم الله} عائدا إلى اليهود، فأتاهم ~~عذاب الله وأخذه من حيث لم يحتسبوا. # والثاني: أن يكون عائدا إلى المؤمنين، أي: فأتاهم نصر الله وتقويته من ~~حيث لم يحتسبوا، ومعنى {يحتسبوا} أي::لم يقدروا ولم يظنوا، وذلك أن سهل قتل ~~رئيسهم كعب بن الأشرف على يدي أخيه من الرضاع محمد بن مسلمة الأنصاري (1) ~~أمره النبي صلى الله عليه وآله بقتلة غيلة فقتله، وكان ذلك مما فت في ~~أعضادهم، وثبط الله المنافقين عن نصرتهم)(2). # {وقذف في قلوبهم الرعب} يريد مافي قلوبهم من الخوف والفزع، والرعب: هو ~~الهرج والفزع قال الشاعر (3): # نالت عصاي جناحها وعاجلها يهتز يهرب منها وهو مرعوب # قال في التجريد: “ أي: ألقى في قلوبهم الخوف الذي يرعب الصدر، أي: يملأه، ~~وقذفه اثباته فيه وركزه ” (4). PageV06P004 # {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} يقرأ {يخربون} بالتخفيف ~~والتشديد(1) كانوا يخربون بواطنها حاجة إلى الخشب والحجارة، ليسدوا بها ~~أفواه الأزقة أيام الحرب ولئلايتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن ~~للمسلمين، وليحملوا معهم من جيدها كالساج وكان المؤمنون يخربون ظواهرها ~~زيادة في غيظهم، وليتسع مجال الحرب. # ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين: أنهم بمعاداتهم عرضوهم لذلك، وكانوا ~~السبب فكأنهم أمروهم به وحثوهم عليه، وكل ذلك لم يكن في حسابهم (2). # ثم قال تعالى:{فاعتبروا ياأولي الأبصار} أي: البصائر (3). # قال ابن عباس: يريد ياأهل اللب والعقل والبصائر وقيل: يامن عاين تلك ~~الواقعة المذكورة، أي: أن تتعظوا بما دبر الله ويسر من أمر اخراجهم من غير قتال. # قال الإمام الحسين عليه السلام: “معناه:هو تفكروا ياذوي العقول في هذا ~~الرعب الذي قذفه الله في قلوبهم حتى أخربوا منازلهم بأيديهم، وهربوا ورحلوا ~~عن منازلهم، وقد كانوا في العز والمنعة في حصونهم ودورهم، وقد كان المؤمنون ~~يظنون في أنفسهم أن ذلك لايكون أبدا من فعلهم، فسهل الله برحمته ذل أعدائهم ~~بما قذف في قلوبهم”. اه # والإعتبار: النظر ms0378 في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها. PageV06P005 # (وفي بيان الوجه الذي أمر الله فيه بالإعتبار احتمالان، احدهما: أنهم ~~اعتمدوا على حصونهم وعلى قوتهم وشوكتهم، فأباد الله شوكتهم، وأزال قوتهم، ~~ثم قال: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} ولاتعتمدوا على شيء غير الله، فليس ~~للزاهد أن يعتمد على زهده، فإن زهده لاأكثر من زهد بلعام بن باعوراء، ~~وسيأتي ذكر قصته في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وليس للعالم أن يعتمد ~~على علمه انظر إلى الراوندي(1) مع كثرة ممارسته كيف صار، لا اعتماد لأحد في ~~شيء إلا على فضل الله ورحمته. # والثاني: (2) أن المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في ~~النبوة، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء، ~~والمؤمنون أيضا يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي ) (3). # والمعنى تدبروا عاقبة الغدر، وتدبروا لطيف صنع الله بما دبر ويسر من ~~اخراجهم بغير قتال واظهار نبيئه، وتصديق ماوعد من نصره. # {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} أي: الظعون من أوطانهم مقهورين، أي: ~~لولا حكمة الله التي اقتضت عذابهم بالجلاء، إذ كان أشق عليهم من القتل ~~{لعذبهم في الدنيا} بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة {ولهم في الآخرة ~~عذاب النار} سواء أجلوا أوقتلوا # {ذلك} الجلاء {بأنهم شاقوا الله} أي: عادوه {ورسوله ومن يشاق الله فإن ~~الله شديد العقاب} لمن عاداه، وقيل للمعاداة: مشاقة ؛ لأن كلا من ~~المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، ومعنى {شاقوا الله ورسوله} يريد باينوا ~~الله وقاطعوه وعصوا رسوله، وعادوه وحاربوه (4). PageV06P006 # {ما قطعتم من لينة} هي النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل، سوى البرنية ~~والعجوة، وهما أجود النخل (1) وقيل: اللينة النخلة الكريمة كأنها مأخوذة من ~~اللين لكرمها، وجمعها: لين. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام:“اللينة ة: هي النخلة، والليان: هن ~~الجماعة من النخل قال الشاعر (2): # وسالفة كسحوق الليان أضرم فيها الغوي السعر” اه # وذكر في البرهان الإستشهاد في اللينة بقول الشاعر: # غرسوا لينها بمجرى معين...... ثم حفوا النخيل بالآجام(3) PageV06P007 وخصت اللينة بالقطع ليستبقوا الجيد لأنفسهم، وإن كانت من الكرائم فليشتد ms0379 ~~غيظ اليهود، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل على حصون بني ~~النضير، وهي النويرة قطع المسلمون من نخلهم ماقطعوا، وأحرقوا ماأحرقوا وفي ~~ذلك قال حسان بن ثابت(1): # وهان على سراة بني لؤي... حريق بالبويرة مستطير # ولما قطع رسول الله صلى الله عليه وآله نخيلهم جاءت إليه جماعة اليهود ~~فقالوا: يامحمد ألست تزعم أنك تريد الصلاح؟ فمن الصلاح قطع النخيل وعقر ~~الشجر؟ فأنزل الله تعالى {ماقطعتم من لينة} # {أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} أي: فقطعها بإذن الله، أي: ~~بأمره، والمعنى: أنه أذن لكم إن شئتم قطعتم، وإن شئتم تركتم، وذلك أنهم لما ~~تحققوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقطع نخيلهم جزعوا، وقالوا: من ~~أين لك يامحمد ذلك وقد كنت تنهى عن الفساد؟ فوقع في أنفس المؤمنين شيء فنزلت. # {وليخزي الفاسقين} أي: يفضحهم، وليذل اليهود ويغيظهم، وتتضاعف حسرتهم ~~بسبب نفاذ حكم أعدائهم في أعز أموالهم، واحتج العلماء بهذه الآية على أن ~~حصون الكفرة وديارهم لابأس أن تهدم وتحرق وتغرق، وترمى بالمجانيق، وكذلك ~~أشجارهم لابأس بقلعها مثمرة كانت أوغير مثمرة. # {وما أفاء الله على رسوله منهم} يعني بني النضير، أي: ما جعل الله من ~~أموالهم فيئا خاصة، والفيء: الرجوع، سمي به الغنيمة ؛ لأنها ترجع من أموال ~~الكفار إلى المسلمين PageV06P008 {فما أوجفتم عليه} أي: أسرعتم على تحصيله، والإيجاف من الوجيف وهو السير ~~السريع مع الإضطراب (1). # {من خيل ولا ركاب} أي: مقاتلين، والركاب: الإبل تحمل القوم واحدتها راحلة ~~أي: ماقابلتم عليه وأخذتموه بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب. # قال زيد بن علي عليه السلام: فالإيجاف: السير إلى الأعداء، والركاب: ~~الإبل (2). # قال في التجريد فكان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة ملكا عندنا في ~~حياته، ويورث عنه # قلت: والدليل على ذلك اجماع العترة الطاهرة وشيعتهم عليهم السلام جميعا، ~~وماأخذ هكذا بعد النبي صلى الله عليه وآله فهو للإمام يملكه، ويورث عنه، ~~وفيه الخمس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منه خمسه أوسدسه على قول ~~الهادي عليه السلام فيكون ms0380 لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وعشرين ~~سهما من ثلاثين والله أعلم . # {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير}. PageV06P009 # قال في البرهان: وذلك ان مال الفيء المأخوذ من المشركين بغير قتال ولاايجاف ~~خيل ولاركاب جعله الله لرسوله يضعه حيث يشاء ؛ لأنه واصل بتسليط الرسول ~~عليهم لابمحاربتهم، وقهرهم وقتلهم، فجعل الله تعالى ذلك طعمة للرسول ولمن ~~قام مقامه من ولده عليهم السلام(1). اه # وقد سلط رسوله على بني النضير فأمره فيما أخذ منهم مفوض إليه لايقسم قسمة ~~الغنائم، التي قوتل عليها، وأخذت عنوة ؛ لأنهم طلبوه القسمة فنزلت. # قال في البلغة: كانت أموال بني النضير له صلى الله عليه وآله وسلم خالصة ~~يعطي ماأعطى منها، ويحبس ماحبس، ونحل فاطمة عليها السلام فدكا منها، وكان ~~جنب النخيل زرع كثير، وكان صلى الله عليه وآله يدخر قوت سنة الشعير والتمر ~~لأزواجه، وبني المطلب مافضل يجعله في الكراع والسلاح ”. # {ما أفاء الله على رسوله} قال الحسين بن القاسم عليه السلام:“ هو مارد ~~الله إلى نبيئه من الأموال والغنائم، وجاء به إليه، وأوصله إلى رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ” (2). # ومعنى {من أهل القرى} أي: من أموال أهل القرى الكافرة بالقتال والقهر ~~{فلله وللرسول} أي: فخمس ذلك لله ولرسوله،ولمن يشاء، وقد بين ذلك بآية الخمس. PageV06P010 # وفي سيرة ابن هشام (1){ماأفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذي القربى} قال ابن اسحاق (2): “ فما يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، ~~وفتح بالحرب عنوة فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم، يقول: هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين ~~المسلمين على ماوضعه الله عليه {ولذي القربى} أولاد بني هاشم، أي: يقسم ~~بينهم الخمس كما في الأنفال {واليتامى} أي: من بني هاشم (3) واليتيم: الذي ~~لم يبلغ مبالغ الرجال {والمساكين} مساكينهم، وهم الذين لاشيء لهم {وابن ~~السبيل} منهم، وهو المنقطع، وقيل: الضيف، فإن لم يوجدوا جاز الصرف إلى هذه ~~الأصناف من غيرهم (4). PageV06P011 # ثم قال ابن الجوزي ms0381 (1):“ اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فذهب قوم إلى أن ~~المراد بالفيء ههنا الغنمية، التي يأخذها المسلمون من أموال الكفار عنوة، ~~وكان في بدء الإسلام للذين سماهم الله في هذه الآية دون الغانمين (2) ثم ~~نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال:{واعلموا أنما غنمتم من شيء} الآية (3) ~~وهذا قول قتادة ويزيد بن رومان (4). # وذهب قوم إلى أن هذا الفيء ما أخذ من أموال المشركين مما لم يوجف عليه ~~بخيل ولا ركاب، كالصلح والجزية والعشور، ومال من مات منهم في دار الإسلام ~~ولاوارث له، وهذا كان يقسم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على خمسة ~~أقسام اربعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل بها مايشاء، والخمس ~~الخامس للمذكورين في هذه الآية ” ذكر هذا في التجريد قال: وعند أبي حنيفة ~~أن مال الفيء كله يقسم على خمسة أقسام كما يقسم جملة الغنيمة، ومعه ظاهر الآية. # {كي لا يكون دولة} أي: الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة ~~يعيشون بها {دولة} أي: مايدول للإنسان، أي: يدول له من البخت والحظ، يقال: ~~دالت له الدولة، وأديل له، أي: لايكون حظا. # قال في التجريد: الدولة: بالضم اسم للشيء يتداوله القوم، يكون لهذا مرة ~~ولهذا مرة وبالفتح: الفعل الإنتقال من حال إلى حال حكاه ابن الجوزي (5) PageV06P012 . # قال زيد بن علي عليهما السلام:“ فالدولة في الملك والسنن التي تغير ~~وتبدل، والدولة بفتح الدال في الجيشين يهزم هذا هذا، ثم يهزم الهازم فيقال: ~~قد رجعت الدولة على هؤلاء(1). # {بين الأغنياء منكم} يعني الرؤساء، كان الرؤساء في الجاهلية يسأثرون ~~بالغنيمة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام:يريد أنه حكم بهذا الحكم لئلا يكون ~~دولة بين الأغنياء، فحكم به لمن هو أحق به منهم وأولى”. اه # ثم قال تعالى:{وما آتاكم الرسول} من قسمة غنيمة أوفيء {فخذوه وما نهاكم ~~عنه} أي: عن أخذه منها {فانتهوا} أي: فخلوه واتركوه {واتقوا الله} أن ~~تخالفوه وتهاونوا بأوامره ونواهيه {إن الله شديد العقاب} لمن خالف رسوله، ~~والأجود أن يكون عاما في كل ms0382 ماأتى به صلى الله عليه وآله ونهى عنه، والفيء ~~داخل في عمومه، والأئمة قوام بعده صلى الله عليه وآله وسلم مقامه (2). # قوله {للفقراء المهاجرين} قيل: هو بدل من قوله {لذي القربى} وما بعده (3). PageV06P013 # وقال الواحدي: بين الله من المساكين الذين لهم الحق بقوله:{للفقراء} يريد ~~أن الفقر لايشترط في أهل الخمس غير المساكين، وعند أبي حنيفة يشترط إلا في ~~الرسول، قال في التجريد: والصحيح أنه لايشترط في ذوي القربى. # وأما اليتامى وابن السبيل فإن كانوا من ذوي القربى لم يشترط، وإن كانوا ~~من غيرهم اشترط، والمراد بالمهاجرين: من هاجر عن وطنه من المسلمين إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار هجرته، وهي المدينة خوفا من أذى قومه، ~~ورغبة في نصرة نبيئه فهم المقدمون في الإسلام على من لم يكن لهم هجرة من ~~المسلمين، ذكره في البرهان # {الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} (1)يعني من مكة أخرجهم منها المشركون ~~لما خرجوا خوفا منهم فكأنهم أخرجوهم { يبتغون} بخروجهم {فضلا من الله ~~ورضوانا} أي: عطاء، وهو الثواب، ورضوانا منه عليهم {وينصرون الله ورسوله ~~أولئك هم الصادقون} في إيمانهم وجهادهم. PageV06P014 # ثم مدح الأنصار حين طابت نفوسهم عن الفيء {والذين تبوءوا الدار} أي: ~~المدينة وهم الأنصار، أي: اتخذوها مباءة، أي: مرجعا ترجع إليه، تبوؤها: ~~نزلوها وتوطنوها، وهو عطف على المهاجرين {والإيمان} تقديره: وآثروا ~~الإيمان، أووأخلصوا الإيمان كقوله: “ علفتها تبنا وماء باردا ” أومعناه: ~~وجعلوا الإيمان مستقرا لهم، لتمكنهم منه، أوسمى المدينة ايمانا لأنها دار ~~الهجرة، ومكان ظهور الإيمان (1) PageV06P015 . # وقوله:{من قبلهم} يرجع إلى {تبوؤا الدار} فقط وهم المهاجرون ؛ لأن إيمان ~~المهاجرين قبل الأنصار. # { يحبون من هاجر إليهم} لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين، وأشركوهم في أموالهم ~~ومساكنهم { ولا يجدون} أي: لايعلمون {في صدورهم حاجة} أي: لايجدون في ~~صدورهم حسدا ولاحرارة ولاغيظا مما أعطى النبي صلى الله عليه وآله المهاجرين ~~من الفيء دونهم # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: “يريد بالحاجة: الضيق والحرج مما ~~أوتوا من الفيء دونهم ”.اه # وقيل: {حاجة} بمعنى محتاج اليه، والمحتاج إليه يسمى حاجة، أي: ms0383 لايجدون في ~~أنفسهم طلب محتاج إليه {مما أوتوا} أي: مما أعطي المهاجرون من الفي وغيره. # قال في الكشاف (1):“ السبب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم ~~أموال بني النضير على المهاجرين دون الأنصار إلا ثلاثة [نفر]محتاجين، وقال ~~لهم: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه [وإن ~~شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شئ من الغنيمة] فقالوا: بل ~~نقسم لهم من أموالنا وديارنا [ونؤثرهم بالغنيمة] ولانشاركهم في هذه، فنزلت ~~ثناء عليهم ” وقد سبق ماذكره في البلغة وغيرها أن أموال بني النضير كانت ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV06P016 # {ويؤثرون على أنفسهم} أي: يقدمون غيرهم، ويبدون سواهم بنفقاتهم {ولو كان ~~بهم خصاصة} أي:حاجة عظيمة(1) أي: ولو كان بالأنصار خصاصة والخصاصة: الفقر ~~والفاقة، قال الشاعر: # أم غاب ربك فاعترتك خصاصة فلعل ربك أن يؤوب مؤيدا # بين الله أن ايثارهم لم يكن عن غنى. # قال في البرهان: وفي ايثارهم وجهان أحدهما: أنهم آثروا المهاجرين على ~~أنفسهم بما حصل من فيء وغيره من غنائم، حتى قسمت بين المهاحرين.والثاني: أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: (إن اخوانكم قد تركوا الأموال ~~والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا: إن أموالنا بين المهاجرين قطائع، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنهم قوم لايعرفون العمل فتكفونهم ~~وتقاسمونهم الثمر؟ فقالوا: نعم يارسول الله) (2). # ثم قال تعالى:{ومن يوق شح نفسه} يوق من الوقاية، والشح: اللؤم، وأن تكون ~~النفس كزة، أي: منقبضة حريصة على المنع (3) PageV06P017 وأضيف الشح إلى النفس لأنه غريزة فيها، قال تعالى:{وأحضرت الأنفس الشح} (1) ~~أما البخل: فهو المنع نفسه. # وفي التجريد “ الشح واللؤم والبخل بمعنى واحد، وقيل: الشح: أخذ الحرام، ~~ومنع الواجب فهو أقبح من البخل ”. # والمراد هو أنه يشح بإخراج حقوق الله عزوجل من ماله ولاينفقه في المبار، ~~والمعنى: من غلب ماأمرته به نفسه من الشح بتوفيق الله {فأولئك هم المفلحون ~~} الظافرون بما أرادوا من الخير. # {والذين جاءوا من بعدهم} قيل: عطف على المهاجرين أيضا، [وقيل: لا] (2) ~~أي: والذين هاجروا من ms0384 مكة إلى المدينة من بعد مهاجرة أولئك الأولين، وقيل: ~~عام في الذين يجيئون من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة. # قال في البرهان:“ أي: والذين جاؤا من بعد المهاجرين أمروا أن يستغفروا ~~لمن سبقهم من اخوابهم المهاجرين والمسلمين” (3). # {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} فذكر أنهم يدعون ~~بالمغفرة لأنفسهم، ولمن سبقهم من أصحاب رسول الله بالإيمان، يعني المهاجرين ~~والأنصار ؛ لأن من حق المؤمن أن يحب لأخيه مايحب لنفسه، فلذلك استغفروا لهم. PageV06P018 # { ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} الغل: الحقد، وهو العداوة الخفية، ~~وقيل: هو استعاذة من الشيطان لكيلا يوسوس لهم بما يضعف قلوبهم على السلف، ~~كما فعل بالخوارج على علي عليه السلام، وبالروافض (1). # {ربنا إنك رءوف رحيم} عظيم الرأفة والرحمة، فاستجب لنا. # ثم قال تعالى:{ألم ترى إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب} وهم اليهود {لئن أخرجتم} من دياركم بالقهر، يعنون من المدينة ~~{لنخرجن معكم} قاله ابن أبي لبني النضير لما نقض بنو النضير العهد الذي كان ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهموا بغدره، وأعلمه الله ~~بعث محمد بن مسلمة إليهم: أن اخرجوا من بلادي ولكم أجل عشرا، فعزموا على ~~ذلك فمنعهم ابن أبي ووعدهم النصرة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله: إن ~~شئت حاربناك. PageV06P019 # ومعنى {ألم تر} التعجب من حال المنافقين (1)الذي جرى مجرى المثل في غرابته، ~~وإنما كانوا اخوانهم ؛ لأنهم إخوتهم في الكفر برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وفي عداوته، أو لأنهم كانوا حلفاءهم قبل الإسلام، والمعنى: ~~قالوا: لاتخرجوا من دياركم، فإن خرجتم خرجنا معكم {ولا نطيع فيكم} أي: في ~~قتالكم، أوفي خذلانكم {أحدا} يعنون رسول الله والمسلمين {أبدا} وإن طال ~~الزمان {وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} في مواعيدهم. # {لئن أخرجوا} من ديارهم، أي: اليهود {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن} المنافقون { الأدبار} أي: الظهور ~~هاربين {ثم لا ينصرون} معناه: ولئن قدر وجود نصرهم انهزموا {ثم لاينصرون} ~~يعني ms0385 بني النضير لايصيرون منصورين، أي: لاتنفعهم نصرة المنافقين، ~~أولاينصرونهم مرة أخرى، ويحتمل ثم لاينصر المنافقون بعد ذلك، أي: يهلكهم ~~الله ؛ لأنه يظهر نفاقهم فيقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله أويخرجهم ~~لقوله:{لنغرينك بهم ثم لايجاورونك فيها إلا قليلا} (2). PageV06P020 # ثم ذكر تعالى أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من الله فقال:{ ~~لأنتم أشد رهبة في صدورهم} يريد لأنتم أيها المؤمنون أخوف عند المنافقين ~~{من الله} أي: يخافونكم أكثر مما يخافون الله، وقيل: المراد اليهود {ذلك} ~~أي: شدة الرهبة {بأنهم} أي: بسبب أنهم {قوم لا يفقهون} لايعلمون الله ~~وعظمته، حتى يخشوه حق خشيته. # ثم بين تعالى شدة خوفهم للمؤمنين بما قذف الله في قلوبهم من الرعب فقال ~~تعالى:{لا يقاتلونكم جميعا} أي: لايقدر اليهود والمنافقون على قتالكم في ~~حال كونهم(1) مجتمعين متساندين {إلا في قرى} أي: إلا كائنين في قرى {محصنة} ~~بالخنادق والدروب {أو} يكونوا {من وراء جدر} دون أن يظهروا لكم، ~~ويبارزوكم(2) مواجهين لكم خوفا منكم # ثم قال تعالى:{بأسهم} أي: شجاعتهم إنما هي فيما {بينهم شديد} يعني أن ~~البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا، فأما إذا قاتلوكم ~~فهم أذلة للرعب الذي نصركم الله به، وقيل: معناه متعادون متباغضون، وقال ~~مجاهد: المعنى: أنهم يقولون: لنفعلن كذا وكذا فهم يتهددون المؤمنين ببأس ~~شديد من وراء الحيطان والحصون، ثم يحترزون عن الخروج للقتال(3). # {تحسبهم جميعا} أي: ذو ألفة واتفاق {وقلوبهم شتى} أي: مختلفة متفرقة قال ~~الشاعر: PageV06P021 # إلى الله أشكو فرقة شقت العصا هي اليوم شتى وهي أمس جميع # أي: متفرقة، أي: بينهم احن وعدوان، فلا يتعاضدون حق التعاضد، وهذا تشجيع ~~للمؤمنين على قتالهم {ذلك} التشتت في قلوبهم {بأنهم} بسبب أنهم {قوم لا ~~يعقلون} بأن تشتت القلوب [مما يوهن قواهم] (1). # {كمثل الذين من قبلهم} أي: مثل هؤلاء المنافقين واليهود في ترك الإيمان ~~والغفلة من عذاب الله كمثل المقتولين ببدر من قبلهم (2){قريبا} منتصب ~~بمثل(3) أي: وجود مثلهم في هذا الزمان، كوجود مثل أهل بدر قريبا {ذاقوا ~~وبال أمرهم} أي: سوء ms0386 عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من قولهم: كلأ وبيل أي: حشيش وخيم أي: سيء العاقبة(4) أي: ذاقوا عذاب ~~القتل في الدنيا { ولهم عذاب أليم} في الآخرة PageV06P022 ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال:{كمثل الشيطان} أي: مثل المنافقين في ~~اغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصرة، ثم إخلافهم لهم كمثل ~~الشيطان {إذ قال للإنسان اكفر} أي: حين استغوى الإنسان وزين له الكفر {فلما ~~كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين} (1) تبرأ منه في العاقبة، ~~وقيل: المراد استغوى الشيطان قريشا يوم بدر بقوله:{لاغالب لكم من الناس ~~وإني جار لكم} (2) إلى قوله: {إني بريء منكم} والأول هو الوجه(3). PageV06P023 # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: “ هذا مثل ضربه الله للمنافقين ~~الذين كانوا يقولون لليهود: إنهم معهم، وإنهم بزعمهم أنصارهم، فلما حاربوا ~~رسول الله قال المنافقون: إنا نحارب رسول الله ونحن مسلمون، وهم على ~~الحقيقة فاسقون ومنافقون في قولهم كاذبون، فضرب الله لهم مثلا بالشيطان، ~~وهو شيطان منافق من الآدميين، وليس فيما أظن من تلك الشياطين ؛ لأنه قال: ~~{إني أخاف الله} لما جبن وذل، وخشي أن يعاقب أويقتل، فجعل الدين جنة يتحجى ~~بها، ونافق خوفا من العقوبة لما رهبها، وشياطين الجن لاتقع أبصار المؤمنين ~~عليهم، ولاينافقون خوفا لعقوبتهم(1). # ثم قال تعالى:{فكان عاقبتهما} الشيطان والإنسان، أي: كان عاقبة أمرهما، ~~وآخر شأنهما {أنهما في النار} ومحل الظلمة والأشرار {خالدين فيها وذلك} أي: ~~الوقوع فيها والخلود {جزاء الظالمين} لأنفسهم بالكفر ومعاداة الرسول. # ثم رجع تعالى إلى موعظة المؤمنين فقال:{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله} ~~بأداء فرائضه واجتناب معاصيه {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي: يوم القيامة من ~~عمل صالح. # قال الإمام الناصر لدين الله عليه السلام في برهانه:“ يجب على كل مسلم أن ~~يرعي سمعه إذا قال الله تعالى:{ياأيها الذين آمنوا} فإنه خير يؤمر به، أوشر ~~ينهى عنه ”. PageV06P024 # ({واتقوا الله} كرر الأمر بالتقوى تأكيدا، وسمى يوم القيامة: الغد، وهو ~~الذي يلي يومك تقريبا [له] جعله بمنزلة الكائن غدا، وقلل النفس استثقلالا ms0387 ~~للأنفس النواظر فيما قدمن إلى الآخرة (1) كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ~~ذلك، ونكر الغد تعظيما له، وإبهاما لأمره كأنه قال: لغد لايعرف كنهه ~~لعظمه). # {إن الله خبير بما تعملون} فهو يحفظه عليكم ويجزيكم بحسنه وسيئه. PageV06P025 # {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي: تركوا حقه وطاعته قال ابن عباس:“ هم بنو ~~قريضة والنضير وبنو قينقاع، وهم يهود المدينة {فأنساهم أنفسهم} فجعلهم ~~ناسين لأنفسهم، أي: تاركين لحقها من الخير، وذلك بأن خذلهم حتى لم يسعوا ~~لها بما ينفعها عنده، أوأنساهم إياها يوم القيامة بما يريهم من الأهوال. # وفي البرهان “يعني {نسوا الله} بترك شكره على ماأولاهم، وتعظيمه على ~~ماأسداهم {فأنساهم أنفسهم} بالعذاب أن يذكر بعضهم بعضا ” (1).اه # المعنى: أنهم لما نسوا الله تركهم على نسيانهم لأنفسهم ؛ لأن من نسي الله ~~فقد نسي نفسه من الخيرات، وأوقعها إلى أعظم الهلكات، فلما نسوا الله كان ~~ذلك نسيانا لأنفسهم، ولما تركهم على نسيانهم جاز أن يقول: {أنساهم}(2). # ثم قال:{ أولئك هم الفاسقون} والمقصود منه الذم. PageV06P026 # واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين إلى ماهو مصلحتهم يوم القيامة ~~بقوله:{ولتنظر نفس ماقدمت لغد} وتهدد الكافرين بقوله:{نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم} بين الفرق بين الفريقين فقال سبحانه: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} وهذا تنبيه للناس بشدة غفلتهم، وقلة فكرتهم ~~في العاقبة، وانهماكهم في الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، ~~ولاالبون الذي بين أصحابهما، وأن الفوز مع العمل الصالح، وهو الظفر بالجنة (1). PageV06P027 # ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال:{لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل} يريد عزوجل أنا لو ركبنا في الجبل من العقل ماركبنا فيكم، ~~ثم سمع هذا القرآن ومافيه من التهدد والوعيد {لرأيته خاشعا متصدعا} متقطعا ~~متحركا من الرهبة فزعا(1) {من خشية الله} وهذا مثل ضربه الله، وتمثيل ~~وتخييل على جهة المبالغة، بالغ في عظم موعظة القرآن، والمبالغة جارية في ~~الكلام، ولاتعد من الكذب، وليس بتحقيق بدليل قوله:{وتلك الأمثال نضربها ~~للناس} إشارة إلى هذا المثل وأمثاله في مواضع [من] التنزيل، ms0388 والغرض توبيخ ~~الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند قراءة القرآن، وتدبر زواجره، ~~وقوله:{نضربها للناس} أي: نمثلها كما يضرب المثل {لعلهم يتفكرون} أي: ~~لإرادة أن يتفكروا، فيعلموا بها ؛ لإن الأمثال طرق إلى المعاني المحتجبة ~~تكشف عنها وتصورها للأفهام حتى تريك المتخيل في صورة المتحقق، والغائب في ~~صورة المشاهد(2). PageV06P028 # واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بالعظم، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم ~~الموصوف أتبع ذلك بشرح عظمة الله فقال سبحانه:{هو الله الذي لا إله إلا هو} ~~أي: لامعبود بحق غيره {عالم الغيب} أي: المعدوم، وقيل: ماغاب عن العباد ~~{والشهادة} الموجود المدرك كأنه يشاهده، وقيل: مايشاهده العباد، وقيل: السر ~~والعلانية، وقيل: الدنيا والآخرة (1). # وفي تفسير الحسين بن القاسم عليه السلام:“ الغيب: ماغاب عن محضرك قال ~~الشاعر: # وليس أخي من كان لي عند محضري ولكن أخي من كنت بالغيب أطلبه # والشهادة: هي الأسباب الحاضرة قال الشاعر: # ولقد شهدت الخيل تضبح في حياض الموت ضبحا # يريد حضرت وشاهدت، ويحتمل أن يكون الغيب: هو الضمير، والشهادة: هي الكلام ~~والإقرار باللسان” # ومعنى {هو الرحمان} أي: هو ذو الرحمة والإحسان. # وتأويل {الرحيم} كتأويل الرحمن، وهو تأكيد لذكر الرحمة، وزيادة في ~~البيان. # {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} الذي عم ملكه الدنيا والآخرة ~~{القدوس}(2) PageV06P029 أي: البليغ النزاهة عما يستقبح، الطاهر عما لايليق، ونظيره: السبوح، وفي ~~تسبيح الملائكة (سبوح قدوس) (1). # {السلام المؤمن} واهب الأمن، أوالمصدق رسله بالمعجز. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام:“ معنى السلام: هو السالم من الآفات، ~~الذي لاتحل به النازلات (2) قال الشاعر(3): # الى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والمؤمن: هو المؤمن لأوليائه من أليم عذابه، وإنما سمى نفسه مؤمنا، ~~لأمانه للمؤمنين، وأنهم لايكونون عنده أبدا مفزعين، بل يؤمن روعتهم بأمانه ~~للمحسنين، لأنه كريم يحب الكرم والإحسان، مؤمن يحب الرحمة والإيمان، وماعسى ~~أن يبلغ من نعته الناعتون أوينال من وصف كرمه الواصفون ”. اه # {المهيمن} (4) PageV06P030 الرقيب علىكل شيء الحافظ له {العزيز} القوي الذي لايغلب(1) {الجبار} القاهر ~~الذي جبر خلقه على ms0389 ماأراد، يقال: جبره بمعنى أجبره، يحتمل أنه من جبر أي ~~أغنى الفقير واصلح الكسير(2) {المتكبر} البليغ الكبرياء والعظمة، وقيل: ~~المتكبر عن ظلم عباده وعما لايليق. # {سبحان الله عما يشركون} عما يجعلونه شريكا له في الإلهية من الأصنام ~~وغيرها. # {هو الله الخالق البارئ} الخالق: المقدر لما يوجده (3) والباريء: المميز ~~بعضه من بعض بالأشكال المختلفة {المصور} الممثل(4) {له الأسماء الحسنى} ~~التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على التقديس والتعظيم، وجميع أسمائه حسنى ~~لنفي القبائح من فعله، وأنه لايفعل إلا حسنى، ولايأمر إلا بحسن، فلذلك صارت ~~أسماؤه وصفاته حسنى. # {يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} قد مر تفسير التسبيح. PageV06P031 # ابوهريرة: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن اسم الله الأعظم ~~فقال:(عليك بآخر الحشر) فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه، فأعاد علي (1). # وفي الثمرات عنه صلى الله عليه وآله وسلم:(من قرأ آخر سورة الحشر {لو ~~أنزلنا} إلى آخره فمات من ليلته مات شهيدا) (2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (من قرأ آخر سورة الحشر غفر الله ماتقدم من ~~ذنبه وماتأخر) رواه السيد العلوي رحمه الله في حاشية الكشاف. (3) PageV06P032 وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ ~~بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ~~وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتىيمسي وإن مات في ذلك اليوم مات ~~شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة) (1). # وعنه صلى الله عليه وآله (من قرأ آخر سورة الحشر فمات وجبت له الجنة) (2). # وجاء في الحديث الرباني (أن من قرأ آخر سورة الحشر من قوله:{لو أنزلنا ~~هذا القرآن} وهو واضع ليده على رأسه كان في ذلك شفاء من كل شيء إلا السام) (3). PageV06P033 # وروي المقريء الفاضل أحمد بن مسعود العنسي بإسناد طويل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال:(قرأت القرآن على جبريل عليه السلام فقال لي: ضع ~~يدك على رأسك وقال: قرأت القرآن على اسرافيل عليه السلام فقال كذلك، وقال: ~~إن ms0390 الملائكة قرأوا القرآن كله حتى انتهوا إلى آخر سورة الحشر فقال تعالى: ~~ضعوا أيديكم على رؤوسكم فقالوا: ياربنا ولم هذا؟ فقال لهم رب العزة: هذه ~~الآية شفاء من كل شيء إلا السام) يعني الموت. # والله أعلم # --- PageV06P034 ### || AUTO سورة المجادلة # مدنية احد وعشرون آية في المدني والمكي، واثنتان في عدد الباقين # {بسم الله الرحمن الرحيم} # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} قال الإمام الناصر لدين الله ~~عليه السلام في برهانه: هي خولة ابنة ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت (1)رآها ~~وهي تصلي، وكانت حسنة الجسم، وكان بالرجل لمم فلما سلمت راودها فأبت، فغضب ~~وكان به خفة، فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تستفتيه ~~في ذلك، فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثر بطني ~~أي: كثر ولدي جعلني عليه كأمه (2). # وروي(3) PageV07P001 أنها قالت له: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي ~~جاعوا فقال: ماعندي في أمرك شيء، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي(1) ~~كلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله حرمت عليه هتفت وبكت إلى الله فأنزل ~~الله تعالى {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}(2) PageV07P002 {وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما} وروينا ( أن أم سلمة (1) زوج النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قالت: تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء سمع الله ~~كلام خولة بنت ثعلبة وأنا في ناحية البيت ماأسمع بعض ماتقول، وهي تقول: كل ~~شبابي وانقطع ولدي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني ظاهر مني، اللهم إني ~~أشكو إليك فما برحت حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية. # وفي التجريد فقال لها يعني أوسا ماأراك إلا قد حرمت علي، فقالت: والله ~~ماذكرت طلاقا، وأمرها أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتسأله ثم ~~أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يارسول الله أوس أبو ولدي، وابن ~~عمي، وأحب الناس إلي، ظاهر مني، والله ماذكر طلاقا، فقال رسول الله صلى ~~الله ms0391 عليه وآله: (ماأراك إلا قد حرمت عليه) فكلما قال: (حرمت عليه) هتفت ~~وشكت إلى الله فنزلت {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} أي: في قول ~~زوجها كلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله:(قد حرمت) قالت: والله ماذكر ~~طلاقا، فهذا جدالها، فبينا هي كذلك إذ تربد وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ونزلت هذه الآية. # ثم إنه صلى الله عليه وآله أرسل إلى زوجها فقال:(ماحملك على ماصنعت؟ ~~فقال: الشيطان فهل من رخصة؟ قال: نعم، وقرأ عليه الأربع الآيات، وقال له هل ~~تستطيع العتق؟ فقال: لا والله، فقال: هل تستطيع الصوم؟ فقال: لاوالله لولا ~~أني آكل في اليوم مرة أومرتين لكل بصري، ولظننت أني أموت، فقال له: فهل ~~تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ فقال: لا والله يارسول الله إلا أن تعينني منك ~~بصدقة، فأعانه بخمسة عشر صاعا، وأخرج من عنده مثله، فتصدق به على ستين ~~مسكينا (2). # واعلم أن في هذا الخبر مباحث: PageV07P003 # قال ابو سليمان الخطابي (1): ليس المراد من قوله في هذا الخبر: وكان به ~~لمم: الخبل والجنون، إذ لوكان كذلك ثم ظاهر في تلك الحال لم يكن يلزمه شيء، ~~بل معنى (اللمم) هاهنا: هو الإلمام بالنساء وشدة الحرض والتوقان إليهن. # البحث الثاني: أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ؛ لأنه في التحريم ~~أوكد مايمكن، فإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له، ~~وإلا لم يعد نسخا ؛ لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لافي عادة الجاهلية، ~~لكن الذي روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها: (حرمت) أوقال:(ماأراك ~~إلا قد حرمت) كالدلالة على أنه كان شرعا، وأما ماروي أنه توقف في الحكم فلا ~~يدل على ذلك. # البحث الثالث: أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق، ولم ~~يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم(2). # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعنى {سمع} يحتمل وجهين ~~أحدهما: علم. والثاني: أجاب دعاءها ورحم تضرعها ونداءها، وهي امرأة من ~~الأنصار. ms0392 PageV07P004 # ومعنى {تجادلك} تخاطبك في زوجها، ومعنى {والله يسمع تحاوركما} يريد والله ~~يعلم مخاطبتكما وكلامكما، والمحاورة: مراجعة الكلام، قال عنترة: # لو كان يعلم بالمحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي(1) # {إن الله سميع} أي: عليم بكل مسموع {بصير} عليم بكل مبصر.ثم قال:{الذين ~~يظاهرون منكم من نسائهم} أي: أزواجهم (2). # قال في التجريد: قريء {يظهرون} بتشديد الظاء، وأصله يتظهرون، وقري ~~{يظاهرون} بتشديدها وفتح الياء وألف بعد الظاء، وأصله يتظاهرون، وقرأ عاصم ~~(3) {يظاهرون} بضم الياء وتخفيف الظاء. # قال في البرهان: والظهار: قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وكان ذلك ~~في الجاهلية طلاقا باتا لارجعة فيه، ولازوجية بعده، فنسخه الله بما استقر ~~عليه من وجوب الكفارة فيه بالعود (4). PageV07P005 # ثم قال سبحانه:{ما هن أمهاتهم} تكذيبا من الله تعالى لقوله في امرأته: أنت ~~علي كظهر أمي. فتشبيههم باطل لتباين حالتي الأم والزوجة (1){إن أمهاتهم} ~~حقيقة {إلا اللائي ولدنهم} فأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة، وهو ذم ~~لهم(2) وتوبيخ {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا}. # قال في البرهان (3): يعني بمنكر القول الظهار، وبالزور: كذبهم في جعل ~~الزوجات أمهات. # وفي التجريد: {منكرا} من القول تنكره الحقيقة ؛ لأن زوجة الرجل ليست أما ~~له، وتنكره الأحكام الشرعية(4). # {وإن الله لعفو غفور} لما سلف من الظهار لمن تاب وفعل الكفارة. # وأما قوله تعالى:{ والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } فقد ~~اختلف في تفسير العود هنا، فقال ابو العالية (5): “العود لايكون إلا بتكرير ~~الظهار، فإذا كان الظهار كان عودا يلزم فيه الكفارة المذكورة، وإن لم يكرره ~~لم يكن عودا، ولايلزمه شيء ” وهذا قول أهل الظاهر(6) PageV07P006 والعلماء على خلاف ذلك، وهو أنه يلزمه الكفارة من غير اعتبار تكرير اللفظ، ~~ثم اختلف الأكثرون في معنى العود. # فقال ابن قتيبة (1) وغيره: معناه والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول ~~في الجاهلية، ثم عادوا لقول مثله في الإسلام، أوعادوا إلى قول الجاهلية ~~فعليهم الكفارة. # وقال الفراء (2): يعودون لما قالوا، وفيما قالوا معناه: يرجعون عما ~~قالوا، عاد لما فعل أي: نقض مافعل # وقال الأخفش (3) PageV07P007 : في ms0393 الكلام تقديم وتأخير، والأصل والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما ~~قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم، والتقديم والتأخير كثير في القرآن. # ورد الفارسي (1) وغيره ماقاله ابوالعالية وأهل الظاهر بأن العود قد يكون ~~إلى شيء لم يكن العائد عليه، ومنه سميت الآخرة معادا، ولم يكن فيها ثم عاد إليها. # واختلف الفقهاء أيضا فقيل: تجب الكفارة بمجرد لفظ الظهار، وقال الشافعي ~~(2): بأن يسكت عن الطلاق وقتا يمكنه أن يطلق فيه، لأنه إذا ظاهر فقد قصد ~~التحريم، وإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه، ولاكفارة عليه، وإذا ~~سكت عن الطلاق فقد ندم منه على ماابتدأه من الظهار فهو عود إلى ماكان عليه ~~فتلزمه الكفارة (3). # ويدل عليه أن ابن عباس فسر العود في الآية بالندم، فقال: يندمون فيرجعون ~~إلىالألفة، وهذا معنى قول الفراء: يعودون إلى نقض ماقالوا. PageV07P008 # وقال أهل العراق (1) لايكون عائدا إلا بالعزم على الوطء، فإذا عزم لزمته ~~الكفارة، وهو قول أصحابنا إلا أنهم قالوا: يكون عائدا بالعزم على مامنع ~~الظهار، ومرادهم بقولهم: لايكون عائدا إلا بالعزم أنه لايكون عائدا قبل ~~العزم كما قال الشافعي لاالحصر فإنه يكون عائدا بالوطء بالإتفاق. # وقال مالك (2) لايكون عائدا إلا بالوطء، وهو قول الحسن وطاووس والزهري ~~(3) أي: لايكون عائدا حتى يطأ، وإن وقع منه عزم فقط فلا كفارة عليه. PageV07P009 # قال في الكشاف (1):ويحتمل أن يراد بما قالوا ماحرموه على أنفسهم بلفظ ~~الظهار تنزيلا للقول منزلة المقول فيه(2) نحو ماذكرنا في قوله ~~تعالى:{ونرثه مايقول} (3) ويكون المعنى ثم يريدون العود [للتماس]” (4). اه PageV07P010 ثم قال تعالى:{ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} أي: فعليه تحرير رقبة، أي: ~~إعتاق رقبة، قبل أن يماس زوجته، واختلفوا في التماس، فقيل: هو الجماع ؛ ~~لأنه قد وقع كناية عن الجماع، وهو قول الحسن وسفيان (1) وأحد قولي الشافعي، ~~وقيل: التماس هنا: الإستمتاع بها من جماع أوتقبيل أولمس لشهوة، أونظر إليها ~~لشهوة، فذلك كله لايجوز قبل العتق، وهو أحد قولي الشافعي وقول أصحابنا. # قوله تعالى:{ذلكم توعظون به} ذلك التحريم إنما شرعناه لتتعظوا به، أي: ~~لتزدجروا ms0394 فلا يقع منكم ظهار، فإنه لايجوز ؛ لأن الحكم بالكفارة دليل على ~~الجناية، وقيل: {ذلكم توعظون به} أي: تؤمرون به من الكفارة {والله بما ~~تعملون خبير} من التكفير وتركه ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال:{ ~~فمن لم يجد} الرقبة {فصيام} أي: فعليه صيام {شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا} أي: الواجب عليه [صيام] شهرين لايفرق بينهما لغير عذر، فإن أفطر ~~بطل التتابع، ووجب عليه الإستئناف، فدلت الآية على أن التتابع شرط، وذكر في ~~موضع تحرير الرقبة والصوم أنه لابد من أن يوجدا من قبل أن يتماسا. # ثم ذكر تعالى إن لم يستطع ذلك فقال:{فمن لم يستطع} الصيام لمرض أوخوف ~~مشقة عظيمة {فإطعام ستين مسكينا} غداء وعشاء، أوغداءين أوعشاءين، يجوز عدم ~~التوالي، وإن شاء أخرج لكل مسكين نصف صاع من بر أوصاع من غيره من الحبوب، ~~وهو قول أبي حنيفة (2) وعند الشافعي ربع صاع من طعام بلده الذي يقتات. PageV07P011 # واخلتفوا هل يجب تقديم الإطعام على ا لتماس كالكفارتين الأولتين، فقال ~~ابوحنيفة: يجب، وقال مالك: لايجب لأنه لم يذكر في الإطعام قبل أن يتماسا، ~~قلنا: إنه لم يذكر في الإطعام قبل أن يتماسا اكتفاء بالأول، وإلا فالتقديم ~~واجب على تخريج المؤيد بالله لمذهب الهادي، وخرج ابو العباس(1) على أصل ~~الهادي أنه إذا مسها قبل كمال الإطعام لم يستأنف، قيل: وكذا قبله على ~~ماذكره ابو العباس لأن أبا حنيفة يقول بوجوب تقديم الإطعام على المساس، ~~ويقول: ترك ذكره دلالة على أنه إذا وقع منه مساس خلال الإطعام لم يستأنف ~~فيجوز أن يقول أبوالعباس بمقالته. # قال الرازي في هذه الآية:“ ولم يذكر أنه لابد من وقوعه قبل المماسة إلا ~~أنه كالأولين بدلالة الإجماع(2)والمسائل الفقهية المفرعة على هذه كثيرة ~~مذكورة في كتب الفقه.اه # ثم قال تعالى {ذلك} أي: ذلك البيان والتعليم للأحكام {لتؤمنوا} أي: ~~لتصدقوا {بالله ورسوله} [في العمل بشرائعه {وتلك حدود الله} ] (3)فلا يجوز ~~تعديها {وتلك حدود الله وللكافرين} الذين لايتبعونها {عذاب أليم} شديد الألم. # {إن الذين يحادون الله ورسوله} أي: يخالفون أمره، ms0395 ويعادون ويحاربون ~~أولياءه، ويتعدون حدوده، وذلك تارة بالمحاربة لأولياء الله، وتارة بالتكذيب ~~والصد عن دين الله، والضمير في قوله:{يحادون} يمكن أن يكون راجعا إلى ~~المنافقين، فإنهم كانوا يوادون الكافرين، ويظاهرون على الرسول، فأذلهم الله ~~تعالى، ويحتمل سائر الكفار. PageV07P012 # ثم أعلم الله رسوله أنهم {كبتوا كما كبت الذين من قبلهم} من أعداء الرسل، ~~أي: أخزوا وأهلكوا، قيل: أريد كبتهم يوم الخندق. والكبت: الإخزاء، قال ~~المبرد (1):يقال: كبت الله فلانا، إذا أذله، والمردود بالذل يقال له: مكبوت. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام معناه: عموا عما أرادوا، وخابوا ~~ونكبوا ولم يظفروا بما أحبوا وبما طلبوا. # وقال زيد بن علي عليه السلام: “معناه أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم ~~(2)”. اه # ثم قال سبحانه:{وقد أنزلنا آيات بينات} أي: معجزات واضحات، تدل على صدق ~~الرسول، وصحة ماجاء به، وقيل: {آيات} شرائع {بينات} قيمة معروفة { ~~وللكافرين} أي: لمن لم يصدق بالآيات البينات {عذاب مهين} يذهب بعزهم ~~وكبرهم، فبين سبحانه أن عذاب هؤلاء في الدنيا بالذل والهوان، وفي الآخرة ~~العذاب الشديد. PageV07P013 # ثم ذكر سبحانه مايتكامل به هذا الوعيد فقال:{يوم يبعثهم الله جميعا} يوم ~~منصوب ب(لهم) أوبمهين أوبإضمار اذكر تعظيما لليوم(1)وفي قوله:{جميعا} قولان ~~أحدهما: كلهم لايترك منهم أحدا غير مبعوث والثاني: مجتمعين في حال واحدة (2). # ثم قال سبحانه:{فينبئهم بما عملوا} تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا لحالهم، ~~[الذي] يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار لما يلحقهم من الخزي على رؤوس ~~الأشهاد {أحصاه الله} أي: أحاط بجميع أحوال تلك الأعمال من الكمية والكيفية ~~والزمان المكاني (3). # ثم قال سبحانه:{ونسوه} لأنهم استحقروها وتهاونوا بها فلا جرم نسوها ~~{والله على كل شيء شهيد} لايغيب عنه شيء من الأعمال. PageV07P014 # ثم قال سبحانه:{ألم ترى} يامحمد {أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض} قال ابن عباس: ({ألم تر} ألم تعلم ). والهمزة لتحقيق علمه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ؛ لأن كونه تعالى عالما بالأشياء لايرى، ولكنه معلوم بواسطة ~~الدلائل، وإنما أطلق لفظ الرؤية على هذا العلم لأن الدليل الدال على كونه ~~تعالى عالما هو أن أفعاله ms0396 متقنة محكمة متسقة منتظمة، وكل من كانت أفعاله ~~كذلك فهو عالم. # ولما كان الدليل على كونه تعالى كذلك [ظاهرا] (1) لاجرم بلغ هذا العلم ~~الإستدلالي(2) إلى أعلىدرجات الظهور والجلاء، وصار جاريا مجرى المحسوس ~~المشاهد، فلذلك أطلق عليه لفظ الرؤية، فقال: (ألم تر). # وا علم أنه سبحانه قال:{يعلم مافي السموات ومافي الأرض} ولم يقل: يعلم ~~مافي الأرض ومافي السموات، وفي رعاية هذا الترتيب سر عجيب. PageV07P015 # ثم إنه تعالى أكد ذلك وخص مايكون من العباد من النجوى فقال سبحانه:{ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} أي: الله تعالى {ولا خمسة إلا هو سادسهم} كان ~~تامة، والنجوى بمعنى التناجي، وهو التشاور بالحديث، ولايخلو إما أن تكون ~~مضافة إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر، أوموصوفة أي: [من] أهل نجوى ثلاثة ~~[فحذف الأهل] (1) وأصل النجوى هو الخطاب والكلام قال الشاعر (2): # هل أنت سامعتي أم قد صممت فلا نجوى تردين من غي ولا رشد PageV07P016 { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} قرئ {أكبر} بالباء ~~المنقوطة من تحت، والمراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى عالما بكلامهم ~~وضميرهم وسرهم وعلنهم كأنه حاضر معهم، وشاهد لهم، أي: يعلم مايتناجون به ~~كما لو كان معهم رجل رابع، فإنه يعلم تناجيهم، وإنما عين هذين العددين ؛ ~~لأنها نزلت في قوم على هذين العددين ثلاثة وخمسة (1). # قال ابن عباس: نزلت في ربيعة، وحبيب ابني عمرو، وصفوان بن أمية (2)كانوا ~~يوما يتحدثون، فقال أحدهم: أترون الله يعلم مانقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ~~ولايعلم بعضا، أي: يعلم ماجهروا به، ولايعلم ما أسروه، وقال الثالث: إن كان ~~يعلم بعضه فهو يعلم كله. PageV07P017 # وقيل: إن قوما تحلقوا (1)للتناجي على هذين العددين مغايظة للمؤمنين، فقيل: ~~ماتناجى منهم ثلاثة ولاخمسة كما ترونهم [يتناجون] كذلك، ولاأدنى من عددهم، ~~ولاأكثر إلا والله معهم. # {أينما كانوا} أي: في أي مكان كانوا فيه، فهو معهم غيرغائب عنهم، بل شاهد ~~لايغيب منهم، وهو مدبر في كل الأماكن لايخلو من تدبيره وشهادته أحد، بل هو ~~مدرك بشهادته، وهذا ms0397 مجاز ؛ لأنه متعال عن المكان والمشاهدة، وليس كما يتوهم ~~الجاهلون أنه معهم بذاته. # وقال سبحانه:{ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة} توبيخا لهم، أي: يحاسبهم ~~على ذلك، ويجازي على قدر الإستحقاق، ثم قال:{ إن الله بكل شيء عليم } ~~فيستوي في علمه السر والجهر والباطن والظاهر، وهو تحذير من المعاصي وترغيب ~~في الطاعات. # ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال:{ألم ترى} يامحمد ~~{إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه} معناه: الإنكار عن ~~الذين عادوا بعد النهي عن النجوى. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد عزوجل أنه نهاهم عن الغيبة، ~~والإنتقاص للمسلمين، ثم عادوا ولم يقلعوا ولم يتوبوا إلى الله، وشنعوا ~~فذمهم الله على ذلك. # قال في التجريد: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون ~~بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يوهمونهم أنهم يتناجون بما يسوؤهم وكثر ذلك، ~~فشكى المؤمنون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنهاهم عن ذلك التناجي ~~فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الأية. PageV07P018 # وقيل: كان تناجيهم بما هو إثم وعداوة للمؤمنين، وتواص بمعصية النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو معنى قوله تعالى:{ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول} وهو كالتفسير للنجوى التي نهو عنها، وفي معنى ذلك وجهان. أحدهما: ~~أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسول في النهي عن النجوى ؛ لأن الإقدام ~~على المنهي يوجب الإثم والعدوان، ولاسيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل ~~المناصبة، واظهار التمرد. # الثاني: أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم لإنه إما مكر ~~وكيد بالمسلمين، أوبشئ يسوؤهم. # قال في البرهان:“ والنجوى السرار(1) ومن ذلك قول جرير: # من النفر البيض الذين إذا انتجوا # أقرت لنجواهم لؤي بن غالب # والمنهي عن النجوى هم المنافقون ؛ لأنهم كانوا يتناجون بما يسوء المسلمين ~~لوقيعتهم في رسول الله صلى الله عليه وآله ”. # {وإذا جاءوك} يامحمد {حيوك بما لم يحيك به الله} كانت اليهود إذا دخلت ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا له: السام عليك، فكان النبي صلى ms0398 ~~الله عليه وآله يرد عليهم فيقول: (وعليكم). # وقيل: إن بعض الناس في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله رد عليهم: ~~وعليكم السام والهام فقال النبي صلى الله عليه وآله:(إن الله لايحب الفحش ~~والتفحش) وأرادوا لعنهم الله بالسام: الموت. # وقيل: إن اليهود كانوا إذا رد رسول الله صلى الله عليه جواب سلامهم هذا، ~~قالوا: لوكان هذا نبيئا استجيب له فينا قوله:(وعليكم) يعني: السام وهو ~~الموت فليس بنا سامة ولا في أجسادنا فترة، فنزل فيهم (2)[لولا يعذبنا الله ~~بما نقول].اه PageV07P019 {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} كانوا يقولون فيما بينهم ~~ولايظهرون القول: ماله إن كان نبيا لايدعو علينا حتى يعذبنا الله بسبب ~~مانقول فيه، فقال تعالى:{ حسبهم جهنم} يقول عزوجل: كفى لهم بجهنم وهي ~~عذابهم عند الله ونقمتهم {يصلونها} يغمرون بنارها كما يفعل بالشاة المصلية ~~بين الجمر {فبئس المصير} أي: بئس المرجع جهنم التي يصيرون إليها. # {ياأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول} يريد بالذين آمنوا المنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يريد ~~المؤمنين المخلصين، نهاهم أن يتشبهوا بأولئك الذين يتناجون بالشر {وتناجوا ~~بالبر والتقوى} مثل التشاور في الغزو في سبيل الله وسائر الطاعات. # قال الرازي: اعلم أن في المخاطبين بقوله {ياأيها الذين آمنوا} قولين ؛ ~~لأنا إن حملنا قوله فيما تقدم:{ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} على ~~اليهود (1)حملنا في هذه الآية قوله:{ياأيها الذين آمنوا} على المنافقين، ~~أي: ياأيها الذين آمنوا بألسنتهم، وإن حملناه على جميع الكفار من اليهود ~~والمنافقين حملنا هذا على المؤمنين، وذلك لأنه تعالى لما ذم اليهود ~~والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول أتبعه بأن نهى ~~أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم فقال: {لاتتناجوا بالإثم} وهو ~~مايقبح مما يخصهم {والعدوان} وهو مايؤدي إلى ظلم الغير {ومعصية الرسول} وهو ~~مايكون خلافا عليه، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان، وبالتقوى ~~وهو مايتقى [به] من النار من فعل الطاعات، وترك المعاصي. PageV07P020 # واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت مناجاتهم ؛ لأن ms0399 مايدعو إلى مثل ~~هذا الكلام يدعو إلى اظهاره، وذلك يقرب من قوله:{لاخير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أومعروف أو اصلاح بين الناس} (1) وأيضا فمتى عرفت طريقة ~~الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد.اه # ثم قال تعالى:{واتقوا الله} عام في كل مايتقى من أسباب الإثم، وعنه صلى ~~الله عليه وآله:(إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك ~~يحزنه) (2) # ومعنى {الذي إليه تحشرون} أي: تجمعون إلى موضع جزائه حيث يحاسب ويجازي. # ثم قال:{إنما النجوى من الشيطان} أراد النجوى المنهي عنها، وهو النجوى ~~بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول، واللام في النجوى للعهد(3) وقوله: إنها من ~~الشيطان: أي: حملهم عليها الشيطان بأن زينها لهم فكأنها منه. # {ليحزن} الشيطان { الذين آمنوا} وذلك أن المؤمنين كانوا يظنون أنهم ~~يتناجون بما يبلغهم عن اخوانهم الذين خرجوا في السرايا من قتل أوموت ~~أوهزيمة. # ثم قال تعالى: {وليس بضارهم شيئا} أي: وليس الشيطان والتناجي المنهي عنه ~~بضار للمؤمنين قليلا من الضر {إلا بإذن الله} أي: بمشيئته، وهي أن يقضي ~~الموت على أقاربهم، أوبترك نصرة المؤمنين لعصيانهم، فيكون للعدو الغلبة على ~~الغزاة. PageV07P021 # ثم قال سبحانه:{وعلى الله فليتوكل المؤمنون} أي: ليفوضوا أمورهم إليه في كل ~~ماأرادوا في دفع الشيطان خصوصا، فإنه من توكل على الله لايخيب أمله، ~~ولايبطل سعيه، والفاء جواب شرط محذوف كأنه قيل: إن أرادوا التوكل على كاف ~~لهم في جميع الأمور فليتوكلوا على الله وحده. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام:“ معنى {إنما النجوى من الشيطان} يريد ~~عزوجل أن الغيبة منهم لأولياء الله طاعة للشيطان، وسخط ومعصية الرحمن، ثم ~~قال عزوجل: إن هذه النجوى التي أمر بها الشيطان لايضر بها أحد من المسلمين ~~إلا بإذن الله، يريد أنه لم يقدر هو واخوانه على غيبة المؤمنين إلا بتخلية ~~الله لهم، ليثيب أولياءه على غمهم أكثر مما نالهم من كلام أعدائهم”. اه # واعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر ~~أمرهم بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة فقال سبحانه:{ياأيها الذين ms0400 ~~آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم}. # قال في البرهان:“والمجلس المراد مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~ومجالس الأئمة من ولده عليهم السلام، فيجب على من حضرها وسبق إليها أن ~~يفسحوا على من دخل عليهم، ويؤثروه به ؛ لأن الناس كانوا إذا جلسوا في مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وآله شحوا بأمكنتهم على من يدخل عليهم ” (1).اه PageV07P022 و{تفسحوا} معناه: توسعوا (1){يفسح الله لكم} يوسع عليكم، قيل: أراد يوسع ~~عليكم في الجنة في مجالسكم فيها، وقيل: هو مطلق يصح أن يدخل فيه ذلك وغيره ~~من كل ماتحب الفسحة فيه من رزق وجاه ومكان في الدنيا وفي القبر. # كان الصحابة يتضامون إذا جلسوا إلى رسول الله حرصا على القرب منه واستماع ~~كلامه(2). # وقيل: وهو اختيار الحسن أن المراد تفسحوا في مجالس القتال (3) وهو كقوله: ~~{مقاعد للقتال} (4). PageV07P023 # وقيل: المراد جميع المجالس والمجامع (1)والأقرب هو الأول أن المراد به مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يعظم التنافس فيه، ومعلوم أن للقرب ~~منه مزية عظيمة لما فيه من المنزلة (2) ولذلك قال صلوات الله عليه وآله ~~وسلم:(ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) (3) ولذلك كان يقدم الأفاضل من ~~أصحابه وكانوا لكثرتهم يتضايقون وكان يأتي من يأتي فلا يجد مكانا، فأمروا ~~أن يوسعوا لمن جاء من المؤمنين يريد مثل ماأرادوا ؛ لأن ذلك أدخل في ~~التحبب، وفي الإشتراك في سماع ما لابد منه في الدين، فإذا صح ذلك في مجلسه، ~~فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله بل ربما كانت أولى ؛ لأن الشديد البأس قد ~~يكون متأخرا عن الصف الأول، والحاجة إلى تقدمه ماسة فلا بد من التفسح. ثم ~~يقاس على هذا سائر مجالس العلم والذكر. # وأما قوله تعالى:{يفسح الله لكم} فهو مطلق في كل مايطلب [الناس] الفسحة ~~فيه من المكان والرزق، والصدر والقبر والجنة. # واعلم أن هذه الآية قد دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب ~~الخير[والراحة] وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولاينبغي للعاقل أن ~~يقيد الآية بالتفسح ms0401 في المجلس بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم، ~~وإدخال السرور في قلبه، وذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لايزال الله في ~~عون العبد مادام العبد في عون أخيه المسلم) (4) ذكر معنى هذا الرازي(5). PageV07P024 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: “ معنى {يفسح الله لكم} هو يفتح الله ~~لكم، ويوسع لكم في معيشتكم وفي دنياكم، وآخرتكم ثوابا على توسيعكم في ~~المجلس لأخوانكم ؛ لأنه عزوجل يثيب على القليل اليسير بالثواب الجزيل ~~العظيم الكثير، فانظروا رحمكم الله كيف جعل الرحمة والثواب في كل عمل من ~~الأعمال ولو قل وصغر عند العلماء والجهال، فذلك يدلك على رحمة الله الواحد ~~المفضال، فاطلبوا ثوابه في جميع الأحوال، وتقربوا إليه بحسن الفعل والمقال، ~~والرحمة للعباد واللطف وحسن الجدال. # {وإذا قيل انشزوا فانشزوا} وقوموا بمايشاء نبيكم وولي أمركم وإمامكم، ~~والنشوز في لغة العرب هو النهوض والقيام والإنتصاب قال الشاعر (1): # انشزوا عنا فأنتم معشر أهل رجس وفجور وأشر # قال في البرهان:“ كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أطالوا ليكون كل واحد منهم هو الآخر عهدا به، فأمرهم الله أن [ينتشروا إذا ~~قيل لهم: انشزوا، ومعنى تفسحوا: توسعوا ومعنى انشزوا]: ارتفعوا وقوموا ~~(2)عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أمرتم بالنهوض، ولاتملوه بطول ~~الوقوف ” (3). # وقيل: حتى يجلس العلماء مكانكم ؛ لأنهم أحفظ وأروى للحكمة منكم. PageV07P025 # واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولا عن بعض الأشياء وعدهم على الطاعة ~~فقال:{يرفع الله الذين آمنوا منكم} يعني بإيمانه على من ليس بمنزلته في ~~الإيمان، أوبامتثال أوامره وأوامر رسوله {والذين أوتوا العلم درجات} ~~والمراد بهم الأئمة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله رفعهم الله في ~~الدنيا والآخرة على كل شريف ومشروف والحمد لله على ذلك كثيرا، وإنما أعلم ~~الله تعالى خلقه بذلك ليعرفوا منازلهم ومراتبهم وألا يتقدموا عليهم في حال ~~من الأحوال (1). # وقيل: معناه ويرفع العالمين من المؤمنين خاصة {درجات} أي: ترفيعا بليغا ~~في زيادته على رفع المؤمنين غير العلماء عنه صلى الله عليه وآله (بين ~~العالم ms0402 والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة) (2) ~~والمضمر: الذي علفه اربعين يوما علفا مخصوصا ليجري أعظم الجري. PageV07P026 # قال القاضي (1): ولاشبهة أن [علم] العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا ~~يحصل للمؤمن، ولذلك فإنه يقتدى بالعالم في كل أفعاله، ولايقتدى بغير ~~العالم، والعالم يعلم من كيفية الإحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة النفس ~~مالايعرفه الغير، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالايعرفه ~~غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالايعرفه غيره، ويتحفظ فيما ~~يلزمه من الحقوق مالايتحفظ [منه]غيره، وفي الوجود كثرة، لكنه كما تعظم ~~منزلة أفعاله من الطاعات في درجات الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من ~~الذنوب لمكان علمه حتى لايمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيرا منه.اه # { والله بما تعملون خبير} فهو يجازيكم عليه. # ثم قال تعالى:{ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة ذلك} التقديم {خير لكم وأطهر} خير في دينكم، وزيادة في التطهير ~~من الذنوب ؛ لأن الصدقة طهرة {فإن لم تجدوا} صدقة تقدمونها. PageV07P027 # {فإن الله غفور رحيم} قال في البرهان: وسبب ذلك أن المسلمين اكثروا المسائل ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى شقوا بها عليه، فأراد الله تعالى أن ~~يخفف عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فلما ضن الناس، وكفوا عن المسألة فلم ~~يناجه إلا أمير المؤمنين صلوات الله عليه قدم دينارا فتصدق به ثم ناجى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله فسأله عن عشر خصال ” (1)[ثم نزلت الرخصة]. # وروى الأئمة من آل رسول الله عليه وعليهم السلام ومجاهد وكثير من علماء ~~العامة عن أمير المؤمنين أنه قال:(إن في كتاب الله آية وفرضا ماعمل بهما ~~أحد غيري ولايعمل بهما أحد بعدي لما أنزل الله تعالى:{ياأيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} وكان معي دينار فصرفته، ~~وكنت كلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم، ~~فلم يفرغ الدينار حتى نسخت الآية). PageV07P028 # ومثل هذا في البرهان قال: وهي أحدى ms0403 فضائله (1) ورواه أيضا في الكشاف (2)قال ~~الكلبي: تصدق [به] في عشر كلمات سألهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3). # وعن ابن عمر قال:“ لعلي ثلاث خصال لوكان لي واحدة منهن كانت أحب إلي من ~~حمر النعم تزويجه فاطمة، واعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى (4). PageV07P029 # وفي سبب ذلك أيضا يقول الحسين بن القاسم عليه السلام: قد روي أن قوما ~~أكثروا التحلي عند رسول الله صلى الله عليه وآله والتزين في يمينه بكثرة ~~السؤال في المخاطبة والعلم والجدال، فأراد الله أن يكشف أمرهم، ويبين ~~لنبيئه عوارهم وزهدهم في الحق، ونفاقهم وكفرهم فأنزل الله هذه الآية ~~ليمتحنهم، ويختبرهم بالنفقة والصدقة ويبلوهم، فوقفوا عن السؤال خوفا من ~~الإنفاق، وتبين عند ذلك ماكانوا يخفون من النفاق، وصبر أمير المؤمنين علي ~~بن ابي طالب إمام المتقين، وكان يتصدق ويسأل نبيئه صلى الله عليه وآله، ~~ويبحث من العلم والحكمة مالديه، وتاب قوم بعدما وقفوا عن السؤال، ورجعوا عن ~~النجوى ولزم الأموال، واستغفروا الله مما أتوا به من أقبح المقال، فعطف ~~عليهم بالتوبة ذو الجلال، وعاتبهم بأحسن المقال فقال عز وجل: # {أشفقتم} أي: خفتم لما يعدكم الشيطان من الفقر(1) {أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات} لما فيه من الأنفاق الذي تكرهونه. # واختلفوا كم لبثت غير منسوخة، فقيل: عشر ليال، وقيل: ماكان ذلك إلا ساعة ~~من نهار. واختلفوا بم نسخت؟ فقال ابن عباس: بالآية التي بعدها {أأشفقتم} ~~الآية، وقيل: هي منسوخة بآية الزكاة (2). PageV07P030 # {فإذ لم تفعلوا} أي: تقدموا ماأمرتم به، وشق عليكم {وتاب الله عليكم} أي: ~~عذركم ورخص لكم في أن لاتفعلوا {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ~~ورسوله} أي: لاتفرطوا في الصلاة والزكاة، وطاعة الله ورسوله (1){والله خبير ~~بما تعملون} فلا تنسوا شيئا أحاط به وحفظه عليكم. # قوله تعالى:{ ألم ترى إلى الذين تولوا} هم المنافقون، وقوله:{قوما غضب ~~الله عليهم} هم اليهود، كان المنافقون يتولونهم، وينقلون إليهم أسرار ~~المؤمنين {تولوا} قيل: الموالاة، وهي الموادة والمناصرة، وقيل: إن الموالاة ~~هي المداناة والمخالطة، واظهار الموادة، ولو أضمر خلافها. # قال ms0404 سبحانه:{ما هم} أي: المنافقون {منكم} يامسلمين {ولا منهم} أي: من ~~اليهود. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني بذلك المنافقين الذين تولوا ~~أعداء الله الفاسقين، فأخبر الله عزوجل أن هؤلاء المنافقين ماهم من ~~المسلمين، ولامن المحاربين، ولكنهم مذبذبين، وكما قال:{ويحلفون على الكذب ~~وهم يعلمون} فهم لايحاربون لضعفهم وجبنهم، ولايؤمنون لما هم عليه من كفرهم ~~وفسقهم وإنما همتهم الكذب والفسق والمحال والنفاق والخسة والجهل والضلال ”. # قال في البرهان:“هذه الآية نزلت في طلحة والزبير حين هما بمحالفة اليهود ~~والنصارى يوم أحد رهبة من أدالتهم على المسلمين، فأنزل الله تعالى فيهم ذلك (2). PageV07P031 # قال في التجريد:{يحلفون} أي: يقولون: إنا لمسلمون، وهم يعلمون أن المحلوف ~~عليه كذب بحت جرأة منهم على الله، وفيها إشارة الى أن الكذب في اللغة من ~~الواقع(1)”. # {أعد الله لهم عذابا شديدا} أي: نوعا من العذاب عظيم الشدة {إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون} أي: عظم في القبح ماكانوا عليه من سوء العمل مصرين. # قال في التجريد:“نزلت في عبدالله بن نبتل وكان منافقا يجالس رسول الله، ~~ثم يرفع حديثه الى اليهود، وأنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله ذات ~~يوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:(علام تشتمني أنت وأصحابك)؟ فحلف ~~بالله مافعل، وجاء بأصحابه فحلفوا، فقال عليه السلام:(فعلت) ونزلت ~~(2){اتخذوا أيمانهم جنة} أي: حلفهم ماسبوا رسول الله، وأنهم مؤمنون. اه # ومعنى {جنة} أي: سترة يتسترون بها من المؤمنين، ومن قتلهم وأخذ أموالهم (3). PageV07P032 # وقرئ {إيمانهم} بكسر الهمزة، أي: إيمانهم الذي يظهرونه، أوأيمانهم التي ~~حلفوا(1) {فصدوا} الناس في خلال أمنهم وسلامتهم {عن سبيل الله} و[كانوا] ~~يثبطون من لقوا عن الدخول في الأسلام، ويضعفون أمر المسلمين عندهم(2) {فلهم ~~عذاب مهين} فوعدهم الله عزوجل بالعذاب المهين والمهين: المخزي لهم لكفرهم وصدهم. PageV07P033 # {لن تغني عنهم} أي: تنفعهم {أموالهم} بأن تدفع عنهم العذاب {ولا أولادهم من ~~الله شيئا} أي: قليلا من الإغناء، الذي هو النفع بدفع العذاب {أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون} روي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا ~~[وأموالنا] وأولادنا ms0405 فنزلت { يوم يبعثهم الله جميعا} في الآخرة أنهم مسلمون ~~{فيحلفون له كما يحلفون لكم} في الدنيا {ويحسبون} في الآخرة {أنهم على شيء} ~~من نفع أنفسهم باليمين فلا تعجبون من حلفهم لكم في الدنيا، فحلفهم لله عالم ~~الغيب والشهادة في الآخرة أعجب، يعني لاعجب من حلفهم لكم، وأنتم بشر، تخفى ~~عليكم سرائرهم، ويصلون بذلك إلى منافع، إنما العجب من حلفهم مع علام ~~الغيوب، وعدم النفع، والمراد: وصفهم بالتوغل في النفاق حتى في الآخرة، فكان ~~هذا الخلق الذميم يبقى معهم أبدا، وإليه الإشارة بقوله:{ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه} (1). # ثم قال تعالى:{ألا إنهم هم الكاذبون} يريد في الآخرة، أي: هم الغاية التي ~~لامطمح وراءها في قول الكذب، وقد اختلف العلماء في جواز وقوع الكذب في ~~الآخرة، فمنع منه ابوعلي (2) وأبوهاشم وأكثر المعتزلة، وتأولوا هذه الآية: ~~أن يكونوا قد نسوا كفرهم ونفاقهم، واستبعدوا أن يقع منهم خلاف الإخلاص لما ~~شاهدوا أمور الآخرة، وحلفوا على ذلك. PageV07P034 # وقوله:{ألا أنهم هم الكاذبون} يريد في الدنيا، وجوز بعض العلماء وقوع الكذب ~~منهم في الآخرة، وهو ظاهر هذه الآية، وظاهر قوله:{والله ربنا ماكنا مشركين ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم} (1) والقرآن ناطق بثباته نطقا مكشوفا. # ثم أخبر تعالى أنه {استحوذ عليهم الشيطان} أي: غلب واستولىعليهم في ~~الدنيا من حاذ الحمار اتن الوحش، إذا جمعهن وساقهن غالبا عليهن(2) {فأنساهم ~~ذكر الله} وهو أوامره بالعمل بطاعته، وزواجره عن النهي عن معصيته، ومعنى ~~{أنساهم} أي: أغفلهم فهم لايذكرون [الله] بقلوبهم ولابألسنتهم(3). # {أولئك حزب الشيطان} يريد أنهم أصحابه وخاصته وجماعته وجنده {ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون} الكاملون في الخسران يوم القيامة. # ثم قال سبحانه:{إن الذين يحادون الله ورسوله} أي: يعادونه ويتجاوزون ~~حدوده ويعادون رسوله {أولئك في الأذلين} أي: في جملة [من] هواذل خلق الله ~~في الآخرة حتما، وفي الدنيا إذا أراد أن يذلهم فهو قادر. PageV07P035 # ومعنى قوله:{كتب الله} أي: وعد وحكم وقضى قضاء مبتوتا {لأغلبن أنا ورسلي} ~~قال الحسين بن القاسم عليهما السلام:الغلبة بالدين والحق الواضح النير ~~المستبين، والحكمة الباهرة، والصدق واليقين، ms0406 ثم الغلبة الثانية من الرحمن ~~بما يحل بأعدائه من الموت والأحزان، وتمزق أعضائهم في القبور والأكفان، ~~والثالثة عند البعث والهوان والحساب والعذاب في النيران، فهو تعالى ظاهر ~~غالب هووأولياؤه وحزبه وأنصاره وأحباؤه. اه # {إن الله قوي} قادر قاهر {عزيز} غالب لايغلب، ثم قال تعالى:{ لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} {يوادون} من الود، ~~وكذلك ماظاهره المودة من الأفعال والأقوال والمخالطة. # قال المرتضى عليه السلام في جواب من سأله عن معنى هذه الآية مالفظه:“ هذا ~~اخبار من الله سبحانه لنبيئه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لايجد قوما صحت ~~بصائرهم وجاد ايمانهم يوادون أبدا من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم ~~أوأبناءهم أواخوانهم، لأن مافي قلوبهم من مستحكم الإيمان، ونور الحق ~~والبرهان مانع لهم من ذلك فقد يكون بالمحبة والمواصلة والمكاتبة وحسن ~~اللقاء، فنهى الله تبارك وتعالى المؤمنين من ذلك، وأخبر أنه لايصح إيمان ~~عبد أخلد إلى المنافقين، وركن الى الفاسقين”.اه # --- PageV07P036 ومعنى قوله:{من حاد الله ورسوله} أي: تعدى حدوده التي جعلها حدودا يحرم ~~مجاوزتها، هذا من باب التخييل (1) [خيل] أن من الممتنع المحال أن تجد ~~مؤمنين يوالون المشركين، والغرض أنه لاينبغي أن يكون ذلك [وحقه أن يمتنع] ~~(2) وأن لايوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والتصلب في مجانبة أعداء الله ~~ومخالطتهم(3) وزاد على ذلك تأكيدا بقوله:{ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو ~~إخوانهم أو عشيرتهم} أي: أقاربهم غير من ذكر، فنفى الإيمان ممن يوالي أعداء ~~الله، وإن كانوا من هؤلاء الأقارب. # قال زيد بن علي عليه السلام: “ حاد الله معناه: شاق الله وعاداه ”. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى لاتجد مؤمنا يواد كافرا ~~ولافاسقا، ولو كان أقرب الناس إليه، ولايجده له محبا ولو كان أعز الناس عليه. # قال في التجريد: في ذلك قولان. أحدهما:أن الإيمان لايجتمع مع موالاة ~~أعداء الله ومحبتهم ؛ لأن حب الله لايجتمع مع حب أعدائه، كما يقال: أعداؤك ~~ثلاثة: عدوك، وصديق عدوك، وعدو صديقك، وعلى هذا موادة أعداء الله كفر. # وثانيهما: أن المراد ms0407 ايمانهم يقع محبطا ؛ لأن محبة أعداء الله كبيرة، ~~وعلى هذا يحتمل أنهم غير كافرين ”. اه PageV07P037 ثم قال تعالى في المهاجرين للظلمة الكافرين {أولئك} الذين لايوادون من حاد ~~الله {كتب في قلوبهم الإيمان} أي: ألهمهم الإيمان وأعانهم، ووفقهم لحقيقة ~~الإيقان، ومعنى {كتب في قلوبهم الإيمان} أي: أثبته فيها بتوفيقهم، كما يثبت ~~الشئ المكتوب أي: حكم لهم بحقيقة الإيمان، وشدة ثباته في قلوبهم بالإخلاص، ~~والإيقان والله أعلم وقيل: معناه جعل في قلوبهم سمة تدل على أنهم من أهل ~~الإيمان(1). # {وأيدهم بروح منه} أي: قواهم بروح القرآن، كما قال:{أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} (2) فسمى القرآن روحا، ويحتمل أن يكون أيدهم بروح من التوفيق ~~والتسديد، والحكمة والبصيرة والعون والتأييد، فحييت بذلك قلوبهم، كما يحي ~~البدن بالروح (3). # قال في التجريد:“ويجوز أن يريد بروح من الإيمان أي: بحياة من حياة ~~الإيمان (4) لم يرخص لأحد في محبة أعداء الله، ولوكانوا آباء أوأبناء، ~~أوأخا، أومن العشيرة، وهم الأقربون. # وعن الثوري (5) أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. # وعن عبدالعزيز بن أبي رواد (6) أنه لقيه المنصور في الطواف، فهرب منه ~~وتلاها. # وقيل: نزلت في الذين عادوا عشائرهم الكفار، وقاتلوهم غضبا لله ولدينه”. انتهى PageV07P038 ثم قال سبحانه {ويدخلهم جنات} قال الهادي عليه السلام: والجنات: فهي دار ~~الكرامات التي جعلها للمتقين، وكرم بها عباده المؤمنين، دار السرور في ~~المآكل والمشارب والمناكح والملابس، التي لايفتقر من نال ملكها، ولايسقم من ~~حلها، ولايشقىمن نالها {تجري من تحتها الأنهار} يقول: تجري من تحتها ~~أشجارها وبين دورها وقصورها الأنهار، والأنهار: فهي التي ذكر الله تبارك ~~وتعالى حين يقول فيها:{أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ~~وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات} (1). # {خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه} فرضاء الله عنهم ثوابه لهم، ~~ورضاهم عنه بما أعطاهم وجزاهم. # ثم ذكر سبحانه أمرا من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله ~~فقال:{ أولئك حزب الله} أي: جماعة أوليائه وأنصاره، وأهل محبته وتقديمه ~~وإيثاره. # {ألا إن ms0408 حزب الله هم المفلحون} الباقون في الخير، الرابحون الظافرون ~~بالمراد، وهو في مقابلة قوله فيهم:{أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان ~~هم الخاسرون}. # والله أعلم. # --- PageV07P039 ### || AUTO سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح لله ما في السماوات والأرض} قال زيد بن علي عليهما السلام: معناه ~~خضع وذل. # قال في التجريد: هذا وأمثاله يحتمل أن يراد بالعموم فيه الخصوص، وهم ~~الملائكة والمؤمنون من الجن والإنس. والتسبيح: التنزيه، أو قول: سبحان ~~الله، أو الصلاة، ويحتمل أن يراد كلما في السموات والأرض من جماد وحيوان ~~فيه آية بينة تدل على تنزيه الله تعالى فهي تسبحه، أي: دالة على التسبيح ~~بلسان الدليل. # قلت: وهذا الإحتمال الآخر هو معنى ما ذكر الهادي عليه السلام في أول سورة ~~التغابن وأطال الإحتجاج عليه هناك، وإنما صح أن كل مصنوعاته تسبحه وتبعده ~~عن شبه خلقه ؛ لأن فيها من عجائب قدرته ما يدعو العقلاء الناظرين إليها إلى ~~تسبيحه. # قال في الكشاف: وقد جاء التسبيح بغير لام كسبحوه، وتارة معدى باللام كسبح ~~لله، وأصله التعدي بغير لام ؛ لأن معنى سبحته: بعدته عن السوء، منقول من ~~سبح في الأرض: ذهب فيها وأبعد، فاللام لاتخلو إما أن تكون مثل اللام في ~~نصحته ونصحت له (1) وإما أن يراد سبح لله: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه ~~خالصا (2). # {وهو العزيز الحكيم} الغالب الذي لايفعل فعلا إلا بعدل وحكمة وغرض صحيح ؛ ~~فلذلك سبحه كل شئ {له ملك السماوات والأرض} لاشريك له فيه. PageV08P001 # ثم إنه لما ذكر سبحانه من دلائل الآفاق ملك السموات والأرض لأنه شئ مشاهد ~~محسوس، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة، قلما يمكنهم الترقي من المحسوس إلى ~~المعقول ذكر بعده دلائل الأنفس فقال:{يحي ويميت} يحي النطف والبيض ~~والموتى، ويحي الأحياء (1). # قال الرازي: ذكر المفسرون [فيه] وجهين أحدهما: يحي الأموات للبعث، ويميت ~~الأحياء في الدنيا. # والثاني: قال الزجاج: يحي النطف فيجعلها أشخاصا عقلاء فاهمين ناطقين، ~~ويميت الأحياء. # وعندي فيه وجه ثالث (2):وهو أنه ليس المراد منه تخصيص الإحياء والإماتة ~~بزمان معين، وبأشخاص معينين، بل معناه: أنه القادر ms0409 على خلق الحياة والموت، ~~كما قال في سورة الملك:{الذي خلق الموت والحياة} (3) والمقصود منه كونه ~~[سبحانه] المتفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق، لايمنعه عنهما ولا ~~يرده عنهما راد، وحينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون. # واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق أولا، ودلائل الأنفس ثانيا ذكر ~~لفظا يتناول الكل فقال: {وهو على كل شيء قدير} (4) لايعجزه شئ بل هو عليه يسير. PageV08P002 # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} قال [الإمام] زيد بن علي عليهما السلام: ~~فالأول: الذي كان ولاشئ غيره (1). والآخر: الذي يكون ولا شئ معه. والظاهر: ~~الذي ليس ماظهر من الأشياء بأقرب إليه مما بطن. والباطن: الذي ليس ما بطن ~~من الأشياء بأبعد عنه مما ظهر (2) PageV08P003 .اه # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ويحتمل هذا الكلام وجها آخر:وهو أنه ~~ظاهر لايخفى عن أوليائه بما أظهر من آياته ونعمه وآلائه. والباطن: الذي ~~لايدرك بالحواس، ولا تلحقه مشاعر أحد من الناس، ولا باطنية كباطنية أحد من ~~المخلوقين، ولا يتوهم عاقل أنه محتجب كاحتجاب المصنوعين، تعالى عن ذلك رب ~~العالمين.اه # وقيل: الظاهر: العالي عن كل شئ، الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. # وقيل: الباطن: الذي بطن كل شئ، أي: علم باطنه (1). # {وهو بكل شيء عليم} لايخفى عليه مضمر ولا مظهر. # وأما قوله تعالى:{هو الذي خلق السماوات والأرض} فالمقصود منه دلائل ~~القدرة والعلم # ومعنى {في ستة أيام} أي: في مدة مقدرة فيها ؛ إذ لم يكن حينئذ شمس يعرف ~~اليوم بها. PageV08P004 # ابن جبير (1) هو قادر على خلقها في لحظة لكن خلقها في ستة أيام تعليما ~~لخلقه الرفق والتثبت في الأمور. # {ثم استوى على العرش} قال الحسين بن القاسم عليه السلام معناه: استولى ~~وغلب على الملك، قال الشاعر: # رأينا الملك أرسى في بلاد بها ملك العراق مع الوزير # قد استويا بملكهما جميعا على ملك العراق بغير زور # وقال آخر(2): # قد استوى بشر على العراق بغير سيف ودم مهراق # يريد أنه ملك العراق، ولا يتوهم أحد يعقل أن العراق سرير يقعد عليه.اه # لأن العرش في ms0410 الأصل سرير الملك، والإستواء عليه: كناية عن الملك الكامل ؛ ~~لأن استواء الملك على السرير من توابع ملكه، فهو أبلغ من قولك: ملك. PageV08P005 # ثم بين تعالى كمال علمه بقوله:{يعلم ما يلج في الأرض} يعني من مطر وغيره ~~{وما يخرج منها} من نبات وغيره {وما ينزل من السماء} يعني: من مطر وغيره ~~{وما يعرج فيها} من الملائكة وغيرهم، ذكره في البرهان(1) # والولوج: هو الدخول، أي: يعلم ما يدخل في الأرض من الغيث والكنوز ~~والأموال وغير ذلك، وما يخرج منها من الشجر والنبات وماء العيون، وما ينزل ~~من السماء من الأرزاق والملائكة والصواعق وغير ذلك. # ومعنى {يعرج}: يطلع ويصعد من الملائكة وأعمال العباد وأرواحهم. # قال الرازي: وإنما قدم مايلج في الأرض على ماينزل من السماء ؛ لأن الحبة ~~تبذر أولا ثم تسقى ثانيا. وقال: {وما يعرج فيها} ولم يقل: يعرج إليها إشارة ~~إلى قبول الأعمال الصالحة، ومرتبة النفوس الزكية، وهذا لأن كلمة إلى ~~للغاية، فلو قال: وما يعرج إليه لفهم الوقوف عند السموات فقال:{وما يعرج ~~فيها} ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها، ولهذا قال في الكلم الطيب:{اليه ~~يصعد الكلم الطيب} (2) وأما السماء فهي: دنيا وفوقها المنتهى (3). # ثم قال تعالى:{وهو معكم} بالعلم والقدرة {أين ما كنتم} حتى لايخفى عليه ~~شئ من أعمالكم، ولا يعجزه شئ من أموركم {والله بما تعملون بصير} فيجزيكم ~~بحسبه من حسن وسيئ. # قال المتكلمون: هذه المعية إما بالعلم، وإما بالحفظ والحراسة، وعلى ~~التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة ~~والحيز، فإذا قوله:{وهو معكم} لابد فيه من التأويل، وإذا جوزنا التأويل في ~~موضع وجب تجويزه في سائر المواضع. PageV08P006 # واعلم أن في هذه الآيات ترتيبا عجيبا، وذلك لأنه سبحانه بين بقوله:{هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن} كونه إلها لجميع الممكنات والكائنات، ثم بين ~~كونه إلها للعرش والسموات والأرضين، ثم بين بقوله:{وهو معكم} معيته معنا(1) ~~بسبب القدرة والإيجاد والتكوين، وبسبب العلم وهو كونه عالما بظاهرنا ~~وباطننا، فتأمل في كيفية هذا الترتيب، ثم تأمل في ألفاظ الآيات فإن فيها ~~أسرارا عجيبة،وتنبيهات على أمور ms0411 عالية. ذكر هذا الرازي (2). # ثم قال تعالى:{له ملك السماوات والأرض} فلا يملك أحد إلا بتمليكه {وإلى ~~الله ترجع الأمور} أمور العباد يوم القيامة، فيجزيهم بأعمالهم، فهو المالك ~~للدارين، ودل بهذا القول على إثبات المعاد. # ثم قال:{يولج الليل في النهار} أي: يحصل ظلمة الليل مكان ضياء النهار ~~بغيبوبة الشمس {ويولج النهار في الليل} وهو العكس من الأول، وقيل: الإيلاج ~~زيادته في أحدهما ما ينقصه من الآخر من الساعات. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه: أنه يدخل الليل على النهار، ~~ويدخل النهار على الليل. # {وهو عليم بذات الصدور} أي: مضمراتها، وهذه الآيات جامعة بين الدلائل على ~~قدرته، وبين إظهار نعمته. # واعلم أنه لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة أتبعها ~~بالتكاليف، وبدأ [بالأمر ] بالإيمان بالله وبرسوله فقال:{آمنوا بالله ~~ورسوله}. PageV08P007 # قال الرازي: فإن قيل: قوله:{آمنوا بالله} خطاب مع من عرف؟ أو مع من لم يعرف ~~الله؟ فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرف من عرفه، فيكون ذلك أمرا بتحصيل ~~الحاصل، وهو محال. وإن كان الثاني كان الخطاب متوجها على من لم يكن عارفا ~~به، ومن لم يكن عارفا استحال أن يكون عارفا بأمره، فيكون الأمر متوجها على ~~من يستحيل أن يعرف أن يكون مأمورا بذلك الأمر، وهذا تكليف مالا يطاق !؟. # قيل له: معنى قول الله سبحانه:{آمنوا بالله ورسوله} أي: صدقوا بتوحيد ~~الله،وما أتاكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأن معرفة وجود ~~الصانع حاصلة للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات. # ثم قال سبحانه:{وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} اعلم أنه تعالى أمر ~~الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة الله، ثم أمرهم ثانيا بترك الدنيا والإعراض ~~عنها، وإنفاقها في سبيل الله. # واختلف في هذا الإنفاق، فقال بعضهم: هو الزكاة الواجبة، وقال آخرون: بل ~~يدخل فيه التطوع، ولا يمتنع أن يكون [عاما] في جميع وجوه البر (1). ومعناه: ~~أنفقوا مما جعلكم مالكين له بعد غيركم ممن سلف وملك الأموال قبلكم ثم هلك ~~وخلفها لكم، فستفارقونها كما فارقها الأولون منكم فاعتبروا ms0412 حيث انتقل ~~إليكم، وسينتقل عنكم فلا تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق أنفسكم. # وقيل: معناه أنفقوا في الجهاد من الأموال التي في أيديكم ؛ لأنها أموال ~~الله أنشأها ومولكم إياها، وجعلكم خلفاء له في التصرف فيها، فليست لكم ~~حقيقة، إنما أنتم بمنزلة النواب عنه، فأنفقوا منها في الجهاد وسائر حقوق ~~الله تعالى، والخطاب للكفار وغيرهم. PageV08P008 # ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرا كبيرا فقال:{فالذين آمنوا منكم وأنفقوا ~~لهم أجر كبير} دلت هذه الآية على أن هذا الأجر لايحصل بالإيمان المنفرد حتى ~~ينضاف هذا الإنفاق إليه، ومن هذا الوجه تدل على أن من أخل بالواجب من زكاة ~~أوغيرها فلا أجر له (1). # ثم إنه تعالى وبخ على ترك الإيمان فقال سبحانه:{وما لكم لا تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم} أي: فأي عذر لكم في ترك الإيمان بالله مع هذه الحال، وهي ~~أن الرسول يدعوكم {لتؤمنوا بربكم} أي: لتوحدوه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق ~~بصحة ما يدعوكم إليه {وقد أخذ ميثاقكم} معناه: أخذ عهدكم بما أوجب الله من ~~الأسباب عليكم، أي: أخذ ميثاقكم على الإيمان بما ركب فيكم من العقول، ونصب ~~لكم من الأدلة، فلم تبق لكم علة بعد أدلة العقل وبينة الرسول. والعهد: هو ~~الميثاق والعقد اللازم على العبد. # ثم قال تعالى:{إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم مؤمنين لأمر يدلكم على ~~الإيمان، ويهديكم إليه، فإن دعوة الرسول لكم، وتركيب عقولكم السوية أبلغ ~~أمر يهدي [الى] الإيمان، فما لكم لاتؤمنون الآن إن كنتم ممن يهتدي بالأدلة ~~؛ فإنه قد تطابقت الدلائل العقلية والنقلية وبلغت مبلغا لايمكن الزيادة عليها. PageV08P009 # واعلم أن تلك الدلائل لما اقتضت وجوب القبول فهي أوكد من الحلف واليمين، ~~ولذلك سماه ميثاقا، وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل. أما النقل: ~~فقوله:{والرسول يدعوكم} وأما العقل فقوله:{وقد أخذ ميثاقكم} ومتى اجتمع ~~هذان النوعان فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة [عليه].ذكر هذا ~~الرازي(1) # قوله:{وما لكم} يدل على قدرتهم على الإيمان ؛ إذ لايجوز أن يقال ذلك لمن ~~لايتمكن من الفعل كما لايقال: مالك لا تطول ولا تبيض. ويدل على ms0413 الإستطاعة ~~قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل من العبد ~~لابخلق الله (2). # ثم قال سبحانه:{هو الذي ينزل على عبده} محمد صلى الله عليه وآله {آيات ~~بينات} واضحات الإعجاز والهداية {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي: ~~ليخرجكم من الجهل والعمى إلى الحق والدين والهدى، فأخبر سبحانه وبين بذلك ~~أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن وغيره من المعجزات أن ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور، أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ولكنه ~~ضرب النور والظلمات مثلا، وأكذ ذلك بقوله:{وإن الله بكم لرءوف رحيم} معنى ~~الرأفة والرحمة واحد، أي: هو عظيمها، ومن رأفته ورحمته أن دعاكم إلى ~~سعادتكم من غير حاجة به إليكم، وهو غني عن إيمانكم ولا تضره معصيتكم. PageV08P010 # واعلم أنه لما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكد في الآية المتقدمة ~~إيجاب الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد أيجاب الإنفاق فقال سبحانه:{وما ~~لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} عام في كل خير، والمراد هنا الجهاد. # {ولله ميراث السماوات والأرض} أي: لله ملك السموات والأرض، وأنهما إليه ~~يرجعان كرجوع الميراث إلى المستحق، وأنه يرثهما بعد فناء أهلهما ليزهدهم ~~بذلك في ملكهم، ويعلمهم بقصر أعمارهم، وأن ليس لهم إلا ما قدموه فهو ~~يجازيهم ؛ لأنهم ميتون فمحاسبون ومجازون. # ثم بين تعالى طبقات المنفقين في سبيل الله فقال:{لا يستوي منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل} قبل الفتح حين كثرت الحاجة إلى القتال، وفيه حذف، أي: ~~ومن أنفق من بعد الفتح، حذف لوضوحه. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي عليه السلام ؛ ~~لأنه الذي قاتل قبل الفتح، يعني به فتح مكة، وواسى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله بنفسه وماله، ومواقفه قبل الفتح مشهورة، ومقاماته بعده مذكورة صلوات ~~الله عليه، وإنما كان القتال والنفقة قبل الفتح أفضل منهما بعد ؛ لأن ~~الأشياء كانت قبل الفتح متضايقة، والدار لم تكن واسعة، والأنصار كانوا ~~يؤمئذ أقلهم، فصارت المواساة عند الضيق أفضل وأجزل ثوابا منها عند الفسحة (1). # {أولئك أعظم درجة} أي: ms0414 منزلة وثوابا {من الذين أنفقوا من بعد} [اي: من ~~بعد ] الفتح {وقاتلوا} قال عطاء: هي درجات الجنة وهي تتفاضل. PageV08P011 # ومعنى {أولئك} أي: الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، الذين قال فيهم صلى ~~الله عليه وآله وسلم:(لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا مابلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه) (1). # قال في البلغة: وأول من فاز بهذه الصفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~صلوات الله عليه ؛ لأن الله تعالى شرط في هذه الآية شرطين الإنفاق والقتال، ~~وكل من أنفق وقاتل قبل الفتح كان أفضل ممن أنفق وقاتل بعد فتح مكة، ولا ~~خلاف أنه لم يكن أحد أبذل لنفسه في الجهاد، وما ملكت يمينه قبل الفتح وبعده ~~من أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد كان من الصحابة رحمة الله عليهم من ~~أنفق قبل الفتح ولم يقاتل، ومنهم من لم ينفق وقاتل، وكذلك حالهم بعد الفتح، ~~وأول من جمع بينهما قبل الفتح أمير المؤمنين علي عليه السلام (2).اه # قال الرازي: وقد جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى ~~الإسلام وأنفق وجاهد مع الرسول عليه وآله الصلاة والسلام قبل الفتح، وبينوا ~~الوجه في ذلك، وهو عظم موقع نصرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنفس، ~~وإنفاق المال في تلك الحال، وفي عدد المسلمين قلة، وفي الكافرين شوكة وكثرة ~~عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد، بخلاف ما بعد الفتح فإن ~~الإسلام صار في ذلك الوقت قويا، والكفر ضعيفا، ويدل عليه قوله:{والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار} (3) PageV08P012 ثم قال سبحانه:{وكلا} من المنفقين قبل الفتح وبعده {وعد الله الحسنى} أي: ~~المثوبة الحسنى وهي الجنة، مع التفاوت في الدرجات {والله بما تعملون خبير} ~~فيفاضل بين أجوركم على حسب أعمالكم. # ثم اعلم أنه تعالى أكد ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة ~~المسلمين، وقتال الكافرين، ومواساة فقراء المسلمين، وسمى ذلك الإنفاق قرضا ~~من حيث وعد به الجنة، تشبيها بالقرض فقال سبحانه:{من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا}. # قال في البرهان: وروينا أن اليهود أتت رسول الله صلى ms0415 الله عليه وآله ~~فقالوا: يامحمد أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله تعالى:{لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا أن الله فقير ونحن أغنياء} (1). PageV08P013 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: إن قال قائل: إن الإستقراض لايكون إلا عن ~~حاجة من المستقرض إلى ما استقرض، فما معنى هذا القول؟ قيل له: إن الاستقراض ~~خارج على معنيين، فأحدهما: يكون للإنسان ولايكون للرحمن، والآخر يجوز ~~للإنسان والرحمن، ويجوز بذلك القول في الإنسان، فأما الوجه الذي يكون ~~للإنسان ولا يجوز للرحمن فهو استقراض المحتاج إلى ما يحتاج إليه مما يقيمه ~~أو يحييه من قوته المضطر إليه، وهذا فلا يجوز القول فيه في الرحمن. وأما ~~الوجه الذي يقال به في الرحمن وفي الإنسان:فهو ما يكون من طاعة المطيع لمن ~~أطاعه، وذلك موجود في اللغة والكلام عند الفصاحة وا لعلم والتمام، وذلك قول ~~العرب لمن اصطنع خيرا أو أسدى إلى صاحبه يدا: إن لك عند فلان لقرضا حسنا ~~يجزيك به، وكذلك إن كان سوءا قيل له: إن لك عنده لقرض سوء قدمته إليه ~~وأقرضته إياه فاحذره. وكذلك وعلى ذلك يخرج معنى القرض لله، فمن أقرض لله ~~قرضا حسنا، وقدم إليه عملا حسنا أعطاه على ذلك ثوابا حسنا ؛ لأنه يجزي ~~بالحسنة حسنات، ويعطي من أقرضه بطاعته ثوابا وخلودا في جنته.اه # والمعنى: من يقدم إلى الله عملا صالحا يكون بمنزلة القرض الذي يقتضى، وهو ~~يسمى في اللغة سلفا ودينا وقرضا، والعرب تقول: له عند فلان قرض خير، أو قرض ~~شر، ومنه قول الشاعر (1): # ويجزي سلامان بن مفرح قرضها بما قدمت أيديهم وأزلت PageV08P014 قال في التجريد: هو الإنفاق في سبيل الله، شبه بالقرض لأنه يرد عوضه (1)، ~~وأراد بكونه حسنا أن يكون لوجه الله لايشوبه رياء، ولا من ولا غرض دنيوي، ~~ويجوز أن يسميه حسنا لما كان جزاؤه الأضعاف الكثيرة، فحسن لعظم منفعته، وأن ~~يكون من حلال، ومن جيد ماله يخرج، ويخرجه طيبة به نفسه. # {فيضاعفه له} قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد فيضاعف له الثواب ~~عليه، والمضاعفة: هي الزيادة، ms0416 قال الشاعر: # حملت على ضعفي وقلة حيلتي...... من الحب أضعاف الذي حملوا وحدي # يريد: أنه حمل أمثال ذلك الذي حمل أصحابه وأشكاله.اه # والمراد: أنه يعطيه أجره أضعافا من فضله. # {وله أجر كريم} مرضي في نفسه، أي: ذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف(2). # قال في التجريد: يحتمل أنه يريد بالأجر الكريم الأصل والمضاعف (3) كأنه ~~قيل: وذلك أجر كريم، ويحتمل أنه أراد {أجر} (4) غير المضاعفة، فتكون ~~المضاعفة تفضلا (5) والأجر: هو المستحق غير مضاعف. # واختلف في المراد من هذا الإنفاق، فمنهم من قال: الإنفاقات الواجبة، ~~ومنهم من قال: بل هو في التطوعات، والأقرب دخول الكل فيه. PageV08P015 # قوله تعالى:{يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} أي: له أجر كريم يوم ترى ~~المؤمنين، فيكون {يوم ترى} ظرفا لقوله:{وله أجر كريم}(1) أو منصوبا باذكر ~~تعظيما لذلك اليوم، ووعظا بذكره {يسعى نورهم} بسعيهم، قيل: وذلك حين يسيرون ~~إلى الجنة {بين أيديهم} قدامهم {وبأيمانهم} قيل: إنما خص هاتين الجهتين ؛ ~~لأن السعداء يؤتون كتبهم منهما، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ~~ظهورهم، فيجعل النور في هاتين الجهتين علامة لهم ؛ لأن الكافر إذا مشى ~~يستدل بسواده وظلمته على كفره، قيل: إن الأنوار إذا كورت آنس الله أولياءه ~~بنور يسطع بين أيديهم وبأيمانهم، ويسرع ويسير عند مسيرهم. # قال في البرهان: وهذا النور ضياء يعطيهم الله تعالى ثوابا لهم وتكرمة ~~يتميز بها المؤمن من الكافر، والمطيع من العاصي (2). # قال في التجريد: وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: المؤمن يضيئ له نوره ~~كما بين عدن إلى صنعاء، ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لايضيئ له نوره ~~إلا موضع قدميه، وذلك على قدر أعمالهم (3). # ثم قال سبحانه:{بشراكم} أي: تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم:{بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} تقدير الآية: وتقول لهم ~~الملائكة: بشراكم اليوم كما قال:{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم} ودلت هذه الآية على أن المؤمنين لاتنالهم أهوال يوم القيامة ؛ لأنه ~~بين تعالى أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص. # وقوله سبحانه:{ذلك هو الفوز العظيم} عائد إلى جميع ms0417 ما تقدم، وهو النور ~~والبشرى بالجنان المخلدة، والفوز: هو الظفر الذي لا أعظم منه، وقرئ: (ذلك ~~الفوز) بإسقاط كلمة هو. PageV08P016 # واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال ~~المنافقين فقال:{يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا} ما حكى الله ~~عنهم {انظرونا نقتبس من نوركم} {يوم يقول} بدل من {يوم ترى} (1) أو هو أيضا ~~منصور باذكر تقديرا (2). # ومعنى {انظرونا} انتظرونا لعلنا نأخذ من نوركم فنهتدي ونستضيئ بذلك معكم ~~؛ لأنه يسرع بهم إلى الجنة، والمنافقون مشاة. # قال الكلبي: يستضيئ المنافقون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا ~~سبقهم المؤمنون قالوا: انظرونا. # وقراءة حمزة (أنظرونا) بفتح الهمزة وقطعها، وكسر الظاء، ومعناه: أمهلونا. # وفي تفسير الحسين بن القاسم عليه السلام: الإقتباس في اللغة: أخذ الشء من ~~النار قال الشاعر: # يرى القابس العجلان ميا مليحة ومي إذا ردت لها العين أملح # فالمنافقون طمعوا في شئ من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه، كقبس نيران ~~الدنيا، وهذا منهم جهل ؛ لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ~~فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة (3). # وقوله تعالى:{قيل ارجعوا} أي: فيقال عند ذلك:{ارجعوا وراءكم فالتمسوا ~~نورا} أي: قيل لهم على وجه الطرد والتهكم بهم، والقائل إما الذين آمنوا، ~~وإما الملائكة عليهم السلام. # وفي معنى الكلام أقوال، أحدها: أن معناه الرد والتخييب، كما قيل في ~~المثل: وراءك أوسع لك. # والثاني: ارجعوا إلى الموقف الذي أعطينا منه هذا النور فمنه اقتبسنا. PageV08P017 # والثالث: ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا ~~أن لانور لهم (1) وإنما هو إقناط لهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: قيل: إن المؤمنين يتعدونهم، ويقولون ~~عند ذلك لهم: التمسوا نورا غير هذا النور وراءكم، واطلبوا نورا غير نورنا ~~لكم، يعنون بذلك فيما روي نور الشمس والقمر والنجوم، فيرجعون وراءهم.اه # وقيل: إن المراد ارجعوا إلى الدنيا حيث كانت الأعمال الصالحة، فإن ~~الأنوار إنما حصلت من نتائجها (2). # قال في البرهان: أي: ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله تعالى ms0418 بين أيديكم ~~نورا (3). # {فضرب بينهم بسور له باب} أي: لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه، وهو ~~أن بين الجنة والنار سورا وحجابا بينهما، والباء في قوله:{بسور} صلة وهو ~~للتأكيد، والتقدير: ضرب بينهم سور، كذا قاله الأخفش. # ثم قال سبحانه:{باطنه} أي: باطن السور أو الباب {فيه الرحمة} يعني الجنة ~~{وظاهره} جهنم. # ومعنى قوله:{وباطنه فيه الرحمة} أي: النعمة الكاملة {وظاهره} أي: ما ظهر ~~لأهل النار {من قبله} أي: من عنده ومن جهته {العذاب} وهو الظلمة والنار. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد أن العذاب وراء ظهره، والسور من ~~قبله، والقبل: هو الجهة التي تلي وتقابل، فدل على أن النار لاتقابل الجنة ~~ولا تقاربها، وإنما تكون وراء ظاهر سورها.اه # قال الواحدي: والمعنى أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقين ~~يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور (4). PageV08P018 # قال في البرهان: قد ضرب الله ذلك بين أهل النار والجنة، وذلك إنعام من الله ~~على أهل الجنة ليعلموا أن الذي قد أعطوا كان بحسن فعالهم، وانتقام من ~~الكفار ؛ لأنهم إذا أبصروا أهل الجنة وماهم فيه من النعمة، كان ذلك أشد ~~عليهم منهم إذا لم يروا ويبصروا، ففي اقتراب أهل الجنة من أهل النار من ~~الحكمة ما ذكرنا (1). # {ينادونهم} أي: يقولون {ألم نكن معكم} في الدنيا نصلي مثل ما تصلون؟ ~~ونغزو مثل ماتغزون؟ ونفعل مثل ما تفعلون من الصلاة والصيام وإظهار ~~الإيمان؟والإستفهام للتقرير. # ثم حكى أن المؤمنين {قالوا بلى} أي: كنتم معنا في الظاهر في تلك الطاعات، ~~إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في العذاب، أولها: قوله تعالى:{ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم } بالكفر والمعاصي، واتباع هوى نفوسكم في شهواتها، وقيل: ~~أهلكتموها بالنفاق. وثانيها: قوله {وتربصتم} أي: انتظرتم بالنذر إليكم من ~~لدينا، الأنبياء والأئمة عليهم السلام دائرة السوء، وقيل: بالمؤمنين، وقال ~~ابن عباس: تربصتم بالتوبة، وقيل: كنتم تربصون دائرة السوء لتلتحقوا ~~بالكفار، وتتخلصوا من النفاق. # وثالثها: قوله:{وارتبتم} أي: شككتم في أمر الله عزوجل، وقيل: في الدين. # ورابعها: قوله:{وغرتكم الأماني} قال ابن عباس: يريد الباطل، وهو ماكانوا ~~يتمنون من نزول الدوائر ms0419 بالمؤمنين، أو طول الآمال والطمع في امتداد ~~الأعمار. # قال في البرهان: يعني في الدنيا حيث أصررتم على الذنوب ولم تتوبوا، ~~وزعمتم أنه سيغفر لكم مع عدم الإنابة والتوبة {حتى جاء أمر الله} أي: الموت (2). # والمعنى: ما زالوا في خدع الشيطان وغروره حتى أماتهم الله ثم ألقاهم في النار. PageV08P019 # {وغركم بالله الغرور} أي: والنفس المتبوعة في هواها (1). # وقال زيد بن علي عليهما السلام: (هو الشيطان) (2). بأن قال لكم: إن الله ~~غفور رحيم لايعذبكم، وقد يكون الخدع والزور واللذات الملهية والسرور. # قال الرازي:[قرأ سماك بن حرب]: الغرور بضم الغين والمعنى: وغركم بالله ~~الإغترار، وتقديره: على حذف المضاف، أي: غركم بالله سلامتكم منه مع ~~الإغترار، وأما الغرور بفتح الغين، فهو الشيطان، لإلقائه إليكم أن لاخوف ~~عليكم من محاسبة ومجازاة (3). # ثم قال تعالى:{فاليوم لا يؤخذ منكم} أيها المنافقون {فدية} هي ما يفتدى ~~به الشئ، أي: يتخلص، أي: لايقبل منكم ما تفدون به أنفسكم من العذاب {ولا من ~~الذين كفروا} ظاهرا ولم ينافقوا مثلكم (4). # واعلم أن الفدية: ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال، وهذا ~~يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا (5) ؛ لأنه تعالى بين أنه لايقبل ~~الفدية أصلا [والتوبة فدية] فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة ~~أصلا، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلا كذا ذكره الرازي (6). PageV08P020 # قال (1) وأما قوله:{ولا من الذين كفروا} ففيه بحث، وهو أن عطف الكافر على ~~المنافق يقتضي أن لايكون المنافق كافرا لوجوب المغايرة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه. والجواب: المراد الذين أظهروا الكفر، وإلا فالمنافق كافر. # ثم قال تعالى:{مأواكم النار} أي: هي مقركم الذي تأوون إليه، وتصيرون فيه، ~~وأصل المأوى: موضع البيتوتة بالليل. # {هي مولاكم} قال زيد بن علي عليهما السلام: معناه: أولى بكم. # وحقيقته: هي مكانكم الذي يقال فيه: هي أولى بكم لما أسلفتم من المعاصي. # {وبئس المصير} أي: بئس المرجع. # ثم قال تعالى:{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قال الحسين ~~بن القاسم عليه السلام: معنى {ألم يأن} ألم يحن؟ ms0420 قال الشاعر: # ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا...... وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا # و{تخشع} تلين قلوبهم لذكر الله، وتذل من خشيته.اه # وعن أبي بكر: أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة (2) ~~فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. # وأما قوله:{لذكر الله} ففيه قولان، الأول: تقديره أما حان للمؤمنين أن ~~ترق قلوبهم لذكر الله؟ أي: لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن، وعلى هذا ~~(الذكر) مصدر أضيف إلى الفاعل. # والقول الثاني: الذكر مضاف إلى المفعول، والمعنى: لذكرهم الله، أي: يجب ~~أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا (3) كمن نذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر. PageV08P021 # {وما نزل من الحق} على لسان نبيهم، والحق: القرآن، ويصح أنه المراد بالذكر ~~لجمعه الأمرين الذكر والنزول، وأن يراد بذكر الله ذكر عقابه، والإستفهام ~~للتقرير. # أي: ألم يقرب لقلوبهم أن تلين لأجل ذكر الله(1). # و{يأن} من أنى الأمر يأنى إذا حان وقته، ومثله: آن يئين، معناهما: قرب، ~~والمعنى: ألم يقرب. # [سبب النزول] # واختلف فقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين كانوا بمكة فقراء مقبلين على ذكر ~~الله، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة فتروا عما كانوا عليه من العبادة ~~فنزلت عتابا لهم. # وقيل: هم طائفة من المؤمنين لاكلهم فإن الله وصفهم بالرقة والخشوع. # وعن ابن مسعود: ماكان بين اسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع ~~سنين(2). # وعن ابن عباس: عاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. # وقال في البرهان: هذه الآية نزلت في المنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم.اه # وما في قوله:{وما نزل من الحق} في موضع جر بالعطف على الذكر، وهو موصول، ~~والعائد محذوف على تقدير: وما نزله من الحق. # وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما أنزل من القرآن ؛ لأن الخشوع ~~والخوف والخشية لاتحصل إلا عند ذكر الله، فأما حصولها عند سماع القرآن فذلك ~~لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله. # ثم قال تعالى:{ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} أي: اليهود ~~والنصارى {فطال عليهم الأمد} ms0421 أي: الزمان بينهم وبين الأنبياء. PageV08P022 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه: أنه طال عليهم الوقت والحد، فلما ~~طال عليهم التكليف وبعد أمدهم الذي هو موتهم وأجلهم وحدهم لم يشكروا على ~~ذلك سيدهم {فقست} حينئذ {قلوبهم} ولم تلن لذكر الله، وقد كان يجب عليهم شكر ~~مولاهم على طول مدتهم، ويكثروا من العمل الصالح في أوان حياتهم، وقبل حضور ~~موتهم.اه # وذلك أن بني اسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، فإذا سمعوا ~~التوراة والإنجيل خشعووا لله ورقت قلوبهم، فملا طال عليهم الزمان غلبهم ~~الجفاء والقسوة وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. # وقال ابن حبان(1): الأمد هاهنا هو: الأمل البعيد، والمعنى طال عليهم ~~الأمد بطول الأمل، أي: لما طالت آمالهم لاجرم قست قلوبهم. # وقيل: طال عليهم أمد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وقيل: طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزل وقعها عن قلوبهم فلا جرم قست ~~قلوبهم، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك(2). # وقوله:{ولا يكونوا} قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع ~~قلوبهم وأن لايكونوا !؟ ولو كان جزما على النهي كان صوابا، ويدل على هذا ~~قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الإلتفات. # {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين. PageV08P023 # ثم قال تعالى:{اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها} أي: يحييها بالمطر ~~والنبات بعد موتها بالجدب واليبس، وهذا مثل ضربه الله تعالى لإحياء الموتى، ~~ودليل عليه. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل: كيف يحيي الله الأرض بعد ~~موتها؟ فقال عليه السلام: أما مررتم بواد محلا (1) ثم مررتم به خضرا يهتز؟ ~~قالوا: نعم. قال: كذلك يحيي الله الموتى. # وقيل: هو تمثيل لإحياء القلوب بذكر الله بعد موتها بالغفلة(2) ومعناه: أن ~~القلوب التي ماتت بسبب القساوة، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع ~~إليها، كما يحي الله الأرض بالغيث، فذكر ذلك ترغيبا في الخضوع والخضوع، ~~وزجرا عن القساوة. والله أعلم. # ثم قال سبحانه:{قد بينا لكم الآيات} أي: فصلناها وأوضحنا ما فيها من ms0422 ~~المواعظ والعبر { لعلكم تعقلون} لإرادة أن تعقلوها فتعملوا بها. PageV08P024 # ثم قال سبحانه {إن المصدقين والمصدقات } أصله المتصدقين والمتصدقات الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله {وأقرضوا الله }(1) PageV08P025 النفقة في سبيله {قرضا حسنا يضاعف لهم } أجرهم أضعافا كثيرة {ولهم أجر ~~كريم} قد مر شرحه قريبا. # واعلم أنه تعالى قبل هذه الآية الكريمة ذكر حال المؤمنين والمنافقين، ~~وذكر الآن حال المؤمنين وحال الكافرين فقال سبحانه:{ والذين آمنوا بالله ~~ورسله أولئك هم الصديقون } المؤمنون بتصديق الله ورسله {والشهداء عند ربهم ~~} كلام مستأنف، وهم الأنبياء، والأيمة عليهم السلام يشهدون على أممهم ~~بالتصديق والتكذيب، وقيل: أراد سبحانه بذلك المتصدقين والمتصدقات، ~~والمنفقين أموالهم في سبيل الله من المؤمنين والمؤمنات، وأما الصديقون فهم ~~الصادقون، وأما الشهداء فهم المجاهدون، وأكثر ما يستعمل هذا الإسم ~~للمقتولين الذين قتلوا في الجهاد من المسلمين ذكره في البرهان (1). # قال في التجريد: اختلفوا في نظم الآية على قولين: أحدهما أن تمام الكلام ~~عند قوله: {أولئك هم الصديقون} ثم ابتدأ فقال:{والشهداء عند ربهم} هذا قول ~~ابن عباس ومسروق(2) والفراء وغيرهم. # والثاني: أن الشهداء متصل، والواو واو النسق (3) ثم في تصحيح المعنى على ~~هذا القول قولان أحدهما: أن كل مؤمن صديق شهيد قاله ابن مسعود(4) ومجاهد ~~ومعنى التصديق على هذا كثير الصدق والتصديق لأنبيائه، والشهداء عند ربهم: ~~هم الذين يشهدون لأنبيائهم يوم القيامة وهم المؤمنون، أو الذين يشهدون أن ~~لا إله إلا الله. PageV08P026 # وثانيهما: أن المراد الذين آمنوا بالله ورسوله مثل الصديقين، ومثل الشهداء ~~في الأجر يزيد الله لهم تفضلا حتى يلحقوا بأجر الصديقين والشهداء الأصلي ~~دون التفضل، فإن الله يتفضل على الصديقين والشهداء فيكون أجرهم أكثر مع ~~التفضل، والصديقون على هذا هم أول من صدق الأنبياء، وقد جاء في الحديث ~~(الصديقون ثلاثة مؤمن آل فرعون، ومؤمن آل يس، وعلي بن ابي طالب) (1) PageV08P027 وأما الشهداء: فهم الذين قتلوا في سبيل الله، وقيل: الأنبياء، وهذا ~~كقوله:{فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء ~~والصالحين}. # وعلى القول الثاني قوله:{والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } عطف على ms0423 ~~الآية الأولى، والتقدير إن الذين آمنوا بالله ورسوله هم الصديقون، وهم ~~الشهداء، أي: لهم مثل أجر الصديقين والشهداء (1) ومثل نورهم، والمراد ~~بنورهم هو المذكور في قوله:{يسعى نورهم بين أيديهم}. # فإن قلت: كيف سوى بينهم في الآخرة ولا بد من التفاوت؟ قلت: المعنى أن ~~الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه بفضله حتى يساوي أجرهم مع إضعافه أجر ~~أولئك، أي: أجرهم المستحق من دون اضعافه، وفي الآية كلام أكثر من هذا. # وأما على القول الأول المذكور عن ابن عباس ومسروق والفراء فهو يحتاج إلى ~~تأويل(2). اه PageV08P028 قلت: وهو الذي في البرهان فلا يحتاج إلى تأويل، ومثل هذا في البرهان (1). # واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين فقال:{ ~~والذين كفروا وكذبوا بأي:اتنا أولئك أصحاب الجحيم} ولما ذكر أحوال المؤمنين ~~والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال الآخرة فقال:{اعلموا ~~أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة } لأن كلما عدا الأعمال الصالحة فهو لهو ~~ولعب، والمقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا، وتعظيم حال الآخرة فقال: ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة، وأما ~~الآخرة فهي عذاب شديد دائم [ أ]ورضوان الله على سبيل الدوام، ولا شك أن ذلك عظيم. PageV08P029 # واعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب، ولذلك لما قال سبحانه:{إني جاعل في ~~الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها} (1)الآية قال:{إني أعلم ما لاتعلمون} ولولا ~~أنها حكمة وصواب لما قال ذلك، ولأن الحياة خلقه كما قال:{الذي خلق الموت ~~والحياة} (2)وأنه لا يفعل العبث على ماقال تعالى:{أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا}(3)وقال:{وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}(4) ولأن الحياة ~~نعمة بل [هي ] أصل لجميع النعم، وحقائق الأشياء لاتختلف بأن كانت في الدنيا ~~أو في الآخرة، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال سبحانه:{كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم}(5) فأول ما ذكر من أصناف نعمه هوالحياة، فدل ~~مجموع ما ذكرنا [على ] أن الحياة الدنيا غير مذمومة بل المراد أن من صرف ~~هذه الحياة لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة ms0424 الهوى فذاك هو ~~المذموم. # ثم إنه تعالى وصفها بأمور أولها: أنها لعب، وهو فعل الصبيان الذين يتعبون ~~أنفسهم، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة، وثانيها: أنها لهو وهو فعل ~~الشبان، والغالب أن بعد انقضائه لا تبقى إلا الحسرة، وذلك لأن العاقل بعد ~~انقضائه يرى المال ذاهبا، والعمر ذاهبا، واللذة منقضية، والنفس ازدادت شوقا ~~وتعطشا إليها مع فقدانها، فتكون المضار مجتمعة متوالية، وثالثها: أنها ~~زينة، وهذه من دأب النساء، وكأن المطلوب [من الزينة] تحسين القبيح. ~~ورابعها: قوله { وتفاخر بينكم } بالصفات الفانية الزائلة، وهو إما التفاخر ~~بالنسب، أوالتفاخر بالقوة والقدرة والعساكر، وكلها ذاهبة. # وخامسها قوله:{ وتكاثر في الأموال والأولاد} قال ابن عباس: يجمع المال في ~~سخط الله، ويتباهي به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهي ظلمات ~~بعضها فوق بعض. PageV08P030 # وأعلم أنه لا وجه يبتغيه أهل الدنيا يخرج عن هذه الأقسام، وبين أن حال ~~الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى مايؤدي إلى عمارة ~~الآخرة (1). # ثم ضرب الله لهم مثل الحياة الدنيا فقال عز وجل:{ كمثل غيث أعجب الكفار ~~نباته ثم يهيج } قال زيد بن علي عليه السلام: معنى {يهيج} ييبس (2). # {فتراه مصفرا } تنقلب خضرته صفرة عند يبسه {ثم يكون حطاما} فتاتا أسود ~~لشدة يبسه، كذلك الإنسان يهرم ثم يموت. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: فأراد سبحانه أن مثل الحياة الدنيا ~~كذلك تحسن في أعين أهلها، ويعظم سرور الكفرة ذلك بجهلها، ويفرطون في ~~الإعجاب بخضرتها وبهجتها، ثم تهيج وتيبس، ثم تنحطم وتتكسر، قيل: هذه حياة ~~الكافر في دنياه، فأما المؤمن فحياته على العكس من ذلك، وهذا مروي عن ابن ~~عباس ؛ لأن حياة الكافر تنقضي في اللهو واللعب، ويشتغل في جميع حياته ~~بالزينة الدنيوية والمفاخرة والمكاثرة بالأموال التي يجمعها من غير حلها، ~~ومن حلها كما حكي عن قارون {فخرج على قومه في زينته}(3). # وقيل: المراد الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور، وأما الآخرة فما هي إلا ~~أمور عظام، وهي العذاب الشديد لمن عصى الله، ms0425 والمغفرة والرضوان لمن أطاعه. # ثم شبه حالها في سرعة تقضيها مع عدم نفعها بنبت أنبته الغيث وهو المطر، ~~أعجب الكفار فبعث الله عليه عاهة أهلكته فهاج أي: يبس واصفر بعد خضرته ~~وريه، ثم يكون حطاما فتاتا متكسرا بعد يبسه. PageV08P031 # وقيل: إن الكفار هاهنا هم الزراع الذين يكفرون الحب ويسترونه، ويذرونه في ~~الحرث وينقلونه، والكفر في اللغة هو الستر، والعرب تقول: كفرنا على المغافر ~~بعمائمنا، تريد أنهم ستروا المغافر بعمائمهم. والهياج في هذا الموضع: اليبس ~~قال الكميت (1): # وإن هاج نبت العلم في الناس لم تزل...... بهم روضة خضراء منه ومذنب # والكاف في قوله:{كمثل غيث} موضع رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة ~~لقوله:{لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر} والآخر: أن يكون خبرا بعد خبر ~~قاله الزجاج (2). PageV08P032 # ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال:{ وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من ~~الله ورضوان } أراد: أن العذاب الشديد في الآخرة لأعدائه، والمغفرة ~~والرضوان لأوليائه، فشبه(1) حال الدنيا بلعب ولهو اجتمع عليه صبيان ساعة ثم ~~تفرقوا عنه، ثم شبه ثانيا سرعة تقضيها بنبات أنبته الغيث كما تقدم، وذلك ~~أنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الإنقضاء بين أن الآخرة إما عذاب شديد ~~دائم، وإما رضوان وهو أعظم درجات الثواب، ثم قال:{ وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور } أي: إلا إنتفاع مغتر، وهو انتفاع يسير كعجالة الراكب، وهي ما ~~يتعجل من تميرات أو سويق، أي: ما هي في جنب الآخرة إلا كذلك لمن أقبل ~~عليها، وأعرض عن طلب الآخرة. # قال سعيد بن جبير:(الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا ~~دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة. # ثم قال تعالى:{سابقوا إلى مغفرة من ربكم } أي: بادروا وأسرعوا وحثوا ~~وعجلوا ولا توانوا ولا تقفوا، المراد كأنه تعالى قال: لتكن مفاخرتكم ~~ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه، بل احرصوا أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة. PageV08P033 # واعلم أنه تعالى لما أمر بالمسارعة في قوله:{سارعوا إلى مغفرة من ربكم} شرح ~~هاهنا كيفية المسارعة فقال:{سارعوا} ms0426 مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، ~~ولا شك أن المراد منه المسارعة إلى مايوجب المغفرة، فقال قوم: المراد ~~سابقوا إلى التوبة، وقال آخرون: المراد سابقوا إلى ما كلفتم به فدخل فيه ~~التوبة، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لاينالان إلا بالإنتهاء عن جميع ~~المعاصي، والإشتغال بكل الطاعات، وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على الأفضل من المسابقة إلى المغفرة بما رواه عاصم بن ضمرة (1) عن علي ~~عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا تقرب ~~الناس إلى خالقهم بأنواع البر، فتقرب إليه بأنواع العقل(2)، يسبقهم ~~بالدرجات والزلف عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة) (3). # وقد فسر معنى هذا علي عليه السلام بما رواه عنه عاصم بن ضمرة أيضا قال: ~~قال علي بن أبي طالب (والله لقد سبق إلى جنات عدن أقوام فما كانوا بأكثر ~~الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا ولكنهم عقلوا عن الله مواعظه ~~فوجلت منهم القلوب وخشعت منهم الجوارح واطمأنت منهم النفوس ففاتوا الخليقة ~~برفيع الدرجات وعظيم المنزلة عند الله في الآخرة) (4). اه # ودلت هذه الآية على أن الأمر يفيد الفور , ودلت على وجوب المسارعة فوجب ~~أن يكون التراخي محظورا. # وأما قوله تعالى:{ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } وقال في آل عمران: ~~{وجنة عرضها السموات والأرض}(5) ففيه أقوال: # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد سبحانه: أن الجنة في السعة ~~والإنبساط كعرض السموات والأرض في هذه الحياة الدنيا، والعرض هاهنا: هو ~~السعة قال الشاعر (6): PageV08P034 # كأن بلاد الله وهي عريضة...... على الخائف المطلوب كفة حائل # وذلك أن الأرض تمد يوم القيامة حتى تكون كعرض سموات الدنيا وأرضها. اه # وقيل: أي: كعرض سبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضهم ببعض، وذكر العرض دون ~~الطول ليدل على أنه أبسط، لأن ماله عرض وطول فعرضه أقل. # وقال الزجاج: إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم، ~~وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض(1). # قلت: ومما يؤيد القول الآول قول المرتضى ms0427 عليه السلام وقد سأله سائل عن ~~معنى هذه الآية: أمثل هو أم حق؟ قال عليه السلام: بل هو حق كما أنكم ~~تنطقون. # فأخبر سبحانه وجل عن كل شأن شأنه أن الجنة عرضها كعرض السماء والأرض. PageV08P035 # قال عليه السلام: فإن قال قائل: فإذا كانت كذلك فهي أوسع من هذه الدنيا؟ ~~قيل له: ألا تسمع كيف يقول سبحانه:{وإذا الأرض مدت} ومعناه أي: بسطت وزيد ~~فيها مثلها ؛ لأن السماء والأرض في الطول والعرض سواء وذلك قول الله سبحانه ~~في كتابه: {وجعلنا السماء سقفا محفوظا}(1) فلما أن كانت على قدر الأرض صارت ~~سقفا لها، ولو كانت السماء أمد من الأرض لكانت على غير الأرض سقفا، وليس شئ ~~بعد الأرض توقع عليه، ولا يقال به، فسماء الآخرة كما ذكر الله سبحانه كعرض ~~السماء والأرض، والأرض فتمد حتى تكون كمثلها كما ذكر الله سبحانه من فعله ~~فيها، وما تصير إليه من حالها (2). اه # ومعنى قوله:{ أعدت } أي: هيأت {للذين آمنوا بالله ورسله ذلك } أي: ~~الموعود من المغفرة والجنة {فضل الله يؤتيه من يشاء } وهم المؤمنون. PageV08P036 # ثم قال تعالى:{ والله ذو الفضل العظيم} وفضل الله الجنة التي وصفها في هذه ~~الآية، والمراد منه التنبيه على عظم جلال الجنة، وذلك لأن ذا الفضل العظيم ~~إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه فإنه لا بد وأن يكون ذلك ~~العطاء عظيما. # ثم أخبر سبحانه عن علمه بالغيوب مما هو كائن فقال تعالى:{ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب } فمصيبة الأرض: القحط والجدب ~~والغلاء، وما في الأنفس: الأمراض والأوصاب والقتل والموت {إلا في كتاب} أي: ~~في علم محفوظ {من قبل أن نبرأها } من قبل أن نخلق الأنفس والأرض. # ويحتمل وجها آخر: يعني من قبل أن نخلق المصائب ذكره في البرهان (1). # قال محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: سألت أبي رحمة الله عليه ~~عن تفسير هذه الآية؟ فقال عليه السلام: فالمصيبة في الأرض: فهو ما تكون في ~~الأرض عامة، والمصيبة في الأنفس فهو: ms0428 ما يكون في الأنفس خاصة، والكتاب فهو ~~علم الله بذلك كله وما أحاط بالأرض والأرض يقينا من علمه، فكل ذلك كما قال ~~الله لا شريك له: لايؤده منه علم ما علم، وقوله:{من قبل أن نبرأها} فهو: من ~~قبل أن خلق الأنفس وإنشائها. اه # ثم أخبر سبحانه {إن ذلك على الله يسير} أي: هين سهل لا يمتنع عليه، ولا ~~يعجز منه، بل هو عالم به وبغيره لأي:غيب عنه وإن كان على العباد عسير. PageV08P037 # ثم علل ذلك وبين وجه الحكمة فيه فقال:{لكيلا تأسوا } أي: تحزنوا {على ما ~~فاتكم } من الدنيا {ولا تفرحوا بما آتاكم} من خيرها ؛ لأن من علم أنما عنده ~~مفقود لا محالة لم يشتد حزنه عند فقده ؛ لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذا من ~~علم أن بعض الخير واصل إليه لايفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله، ولا ينبغي ~~الفرح إلا عند توفيق الله لطاعته وعصمته من معصيته، والمراد النهي عن الحزن ~~المخرج صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله، والنهي عن الفرح المطغي الملهي ~~عن الشكر، فأما ما لايكاد الإنسان يخلو منه مع الإستسلام والسرور بنعمة ~~الله تعالى، والإعتداد بها فلا بأس بذلك، وقل من يملك نفسه عن ذلك. # وفي معنى هذه الآية يقول أمير المؤمنين وإمام المتقين، وسيد الوصيين علي ~~بن أبي طالب صلوات الله عليه:(الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله ~~سبحانه:{لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} ومن لم يأس على ~~الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه) (1). # قال الحسين بن القاسم عليه السلام:(يريد عز وجل أنه نزل هذه المصائب التي ~~ذكرها ؛ لئلا يفرط العباد في السرور والفرح بنعيم الدنيا، وليزهدوا في ذلك ~~عند ذكرهم المصائب والفناء، ولئلا ياسوا ولا يحزنوا على ما فاتهم من حطام ~~هذه الدنيا، ولم يرد الله النهي عن فرح المسلمين برزقه، وإنما ذكر الله ~~زهدهم بالمصائب لعلمه أنهم يحتاجون إلى الزهد عند الموت وذكره ). # قال زيد بن علي عليه السلام في تفسيره لهذه الآية:(ليس من أحد إلا ويحزن ms0429 ~~ويفرح، ولكن من أصابه خير فليجعله شكرا، ومن أصابته مصيبة فليجعلها صبرا) (2). PageV08P038 # وفي البرهان {على ما فاتكم} يعني: من العافية والدنيا التي لم يقدر لكم ~~لاقتضاء مصلحتكم {ولا تفرحوا بما آتاكم} من العوافي والنعم التي لاتوجب ~~الفرح بها لفنائها وقلة بقائها (1). # { والله لا يحب } أي: يبغض {كل مختال } معجب متكبر {فخور} على الناس ؛ ~~لأن من فرح بحظ من الدنيا، وعظم في نفسه افتخر على الناس. # وقوله:{ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } بدل من {كل مختال فخور} ~~كأنه قال: لايحب المختال، ولا يحب الذين يبخلون، يريد: الذين يفرحون الفرح ~~المطغي إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبه وعزته عندهم يبخلون به، ولا ~~يكفيهم أنهم يبخلون به بل يأمرون الناس بالبخل به، وكل ذلك نتيجة فرحهم به ~~وبطرهم عن إصابته. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في اليهود بخلوا بما في التوراة بما في ~~صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمروا الناس بكتمانه، وهي عامة في كل ~~من كان عنده حق لله عز وجل فبخل به(2). اه # قيل: وعلى هذا القول كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، وهو مبتدأ وخبره ~~محذوف دل عليه قوله:{ ومن يتول } أي: يعرض عن أوامر الله ونواهيه، ولم ينته ~~عن الأسى عن الفائت، والفرح بالآتي {فإن الله هو الغني } عنه وعن أمثاله ~~{الحميد} أي: المستوجب للحمد، وإن لم يحمد. # قرأ نافع وابن عامر (3) (فإن الله الغني الحميد) وحذفوا لفظة هو، وكذلك ~~هو في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون (هو الغني الحميد) معناه: أن ~~الله غني فلا يعود عليه ضرر ببخل ذلك البخيل. PageV08P039 # ثم أخبر سبحانه عن إرسال رسله إلى خلقه فقال:{ لقد أرسلنا رسلنا } أي: ~~الملائكة إلى الأنبياء {بالبينات } الحجج المعجزات {وأنزلنا معهم الكتاب } ~~الوحي {والميزان} يريد: الكتاب والعدل، فالميزان: هو العدل ليقوموا به، ~~ذكره زيد بن علي عليه السلام في تفسيره (1). # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ولكنه ضرب الميزان مثلا لما أن كان ~~الميزان مستقيما معتدلا {ليقوم الناس بالقسط } يريد ليعملوا بالعدل ~~والإحسان، ms0430 وليقوموا بما افترض عليهم من الأديان، ويهربوا إليه بطاعته من ~~النيران. اه # وقيل: الميزان الذي يوزن به، وقيل: المراد إنزال الوحي الذي هو أمر ~~باستعماله، والقسط والإقساط: هو الإنصاف، والعادل: مقسط، قال تعالى:{إن ~~الله يحب المقسطين}(2) والقاسط: الجائر قال تعالى:{وأما القاسطون}(3). # ثم قال تعالى:{ وأنزلنا الحديد } يريد: خلقناه وأظهرناه، ولا فرق بين ~~أنزلنا وفعلنا ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام، ومثله عن الحسن(4)، ~~وقيل: نزل به آدم من الجنة، قيل: نزل ومعه خمسة أشياء من حديد السندان أي: ~~السفلة، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله أنزل اربع بركات من السماء إلى ~~الأرض الحديد، والنار، والماء، والملح) (5). PageV08P040 # {فيه بأس شديد } قال في البرهان: يعني أن بسلاحه وآلته تكون الحرب التي هي ~~بأس شديد(1). اه # والبأس: العذاب، جعل القتال به كالعذاب الشديد للمقاتل به ؛ لأن أكثر ما ~~يقع القتل بالحديد. # {ومنافع للناس } في مصالحهم ومعاشهم، وما يدفع عنهم دروع الحديد من ~~الأذى، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها كآلة الحائك. PageV08P041 # قال الرازي: وأكثر مصالح العالم لاتتم إلا بالحديد، ويظهر أن الذهب لا يقوم ~~مقام الحديد في شئ من هذه المصالح، فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ماكان يختل ~~شئ من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن ~~الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة جعله سهل الوجدان كثير الوجود، والذهب ~~لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر جود الله ورحمته ~~على عبيده، فإنما كانت حاجتهم إليه أكثر جعل وجدانه أسهل، ولهذا قال بعض ~~الحكماء: إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع وصوله إلى ~~القلب لحظة لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا، ~~وهيأ اسباب التنفس وآلاته، حتى إن الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير ~~حاجة فيه إلى تكلف عمل، وبعد الهواء الماء إلا أنه لما كانت الحاجدة إلى ~~الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا ms0431 من تحصيل ~~الهواء، وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى ~~الماء جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات ~~الحاجة والعزة،فكلما كانت الحاجة إليه أشد كان وجدانه أسهل، وكلما كان ~~وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل. # والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا [لاجرم] كانت عزيزة جدا، ~~فعلمنا أن كل شئ كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل [ولما كانت الحاجة ~~إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شئ فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل ~~الأشياء وجدانا] قال الشاعر: # سبحان من خص الفلز بعزه...... والناس مستغنون عن أجناسه # وأذل أنفاس الهوا وكل ذي...... نفس فمحتاج إلى أنفاسه # انتهى (1). PageV08P042 # ثم قال تعالى:{ وليعلم الله من ينصره ورسله} باستعمال السيوف والرماح، ~~وسائر السلاح المصنوع منه في مجاهدة أعداء الله، والمراد بنصر الله: نصر ~~دينه { بالغيب} أي: نصر الله فيما غاب عنهم من الوعد والوعيد، فيعلم تعالى ~~من ينصره، وينصر أنبياءه، ويقاتل وينابذ في الدين أعداءه، ويعز بجهده وصبره ~~أولياءه، مع ما يشاهد في ذلك من حر الجلاد ومفارقة الوطن والأهل والأولاد، ~~والمحن والسير في أقطار البلاد، ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام(1). # وقيل: المراد بالغيب حال كون الله غائبا عن الناظرين، ينصرونه ولا ~~يبصرونه، قاله ابن عباس، وأراد بالعلم: المعلوم، فكأنه تعالى قال: وليقع ~~نصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ممن ينصره، ولما كانت النصرة قد تكون ~~ظاهرة كما تقع من منافق، أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بين تعالى أن ~~إرادة النصرة بالغيب، ومعناه: أن يقع عن اخلاص القلب. # ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور فقال:{ إن الله قوي عزيز} أي: غالب، ~~يريد: أنه غني عنهم بقدرته على من يريد إهلاكه، لكن عرضهم للثواب بالتكليف ~~بالجهاد. # وأعلم أنه تعالى لما ذكر أنه نصر الرسل بالبينات والمعجزات، وأنه أنزل ~~الميزان والحديد، وأمر الخلق بأن يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر ~~الأشياء التي أنعم بها عليهم فقال سبحانه:{ولقد أرسلنا نوحا ms0432 وإبراهيم ~~وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } فبين تعالى أنه شرف نوحا وابراهيم ~~عليهما السلام بالرسالة، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فما جاء بعدهما ~~أحد بالنبؤة إلا وكان من أولادهما، وإنما قدم النبؤة على الكتاب لأن كمال ~~حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع. # --- PageV08P043 ثم قال:{ فمنهم } أي: الذرية، أو المرسل إليهم {مهتد وكثير منهم فاسقون} ~~خارجون عن دينهم { ثم قفينا } أي: أتبعنا {على آثارهم } أي: الرسل الأولين ~~{برسلنا} أي: برسل آخرين { وقفينا } معناه: أتبعنا في آثارهم {بعيسى ابن ~~مريم} خصه بالذكر لإرادته ذكر قصته {وآتيناه الإنجيل } الإنجيل اسم عجمي، ~~والمراد: أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى بن مريم ~~عليه السلام فأرسله بعدهم، وآتاه الإنجيل. # ثم قال تعالى:{ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } أي: وقفيناهم ~~لأن يتراحموا، ويرأف بعضهم على بعض، والرأفة: شدة الرحمة، والمراد: أنهم ~~متوادون فيما بينهم كما في صفة المؤمنين، رحماء بينهم {ورهبانية ابتدعوها } ~~أي: ترهبهم فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة، متحملين كلفا ~~زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم، من الخلوة واللباس الخشن، ~~والإعتزال عن النساء، والبعد في الغيران والكهف، والرهبانية: الفعلة ~~المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف، من رهب، نحو خشيان من خشي، وقرئ ~~(رهبانية) بضم الراء منسوبة إلى رهبان جمع راهب (1) نحو ركبان جمع راكب. PageV08P044 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى {جعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة} هو: أنا جعلنا في قلوبهم ذلك بأمرنا، وهذا جعل أمر وليس بجعل خلق ~~ولا حتم ولا جبر، بل جعلها في قلوبهم بالحكم والأمر بها، والترغيب فيها (1). # ثم قال عز وجل:{ ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله } فيه قولان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. # الثاني: أنه استثناء متصل، والمعنى: أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ~~ابتغاء مرضاة الله تعالى (2)، والمراد أنها ليست واجبة، ولم يعن تعالى ب ~~{ابتدعوها} طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوهما من عند أنفسهم، ونذروها. PageV08P045 # قال ms0433 الحسين بن القاسم عليه السلام: الرهبانية مأخوذ من الرهبة لمولانا ~~الجليل بالنوافل، والتقرب إليه بالفعل النبيل، والفكر الذي ابتدعوه من ~~الجميل، ولم يكلفهم الله كل ذلك في التنزيل، ومعنى {ما كتبناها عليهم} ~~يريد: ما فرضناها عليهم، ولكن ذلك ابتغاء رضوان الله ربهم، والتقرب إليه ~~بنوافلهم. # ثم رجع إلى تصنيف هؤلاء الذين من بعدهم من خلفهم وذريتهم فقال عز وجل:{ ~~فما رعوها حق رعأي:تها } يريد: فما حفظوا تلك الأفعال حقيقة حفظها، ولا ~~عملوا بعد أي:مانهم بها (1). اه # قال في التجريد: وذلك أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى، ~~فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتل المؤمنون وبقي منهم القليل، فخافوا أن يفتنوا في ~~دينهم فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث النبي الذي وعدنا به ~~عيسى، فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية، فمنهم من صبر على دينه، ~~ومنهم من لم يصبر وكفر، رواه ابن مسعود (2). # {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } وهم الذين رعوها حق رعايتها {وكثير ~~منهم فاسقون} وهم الذين لم يرعوها. # وقيل:{فآتينا الذين آمنوا} بمحمد منهم {أجرهم} وهم الذين آمنوا في وقت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم الذين آمنوا في الحبشة، وجماعة من ~~الروم {وكثير منهم فاسقون} وهم الذين لم يؤمنوا بمحمد، وجاء هذا في ~~خبرمرفوع (3). # وقال الرازي: (أما قوله: {فما رعوها حق رعايتها} ففيه أقوال أحدها: أن ~~هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها، بل ضموا إليها ~~التثليث والإتحاد، وأقام أناس منهم على دين عيسى، حتى أدركوا محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم فآمنوا به فهو قوله:{فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ~~وكثير منهم فاسقون}. # --- PageV08P046 وثانيها: أن ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة ~~الله، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال، لكن لا لهذا الوجه، بل لوجه آخر، وهوطلب ~~الدنيا والرياء والسمعة. # وثالثها: أنه لما كتبناها عليهم تركوها فيكون ذلك ذما لهم من حيث أنهم ~~تركوا الواجب. # ورابعها: أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولم يؤمنوا ms0434 به، وقوله:{فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} أي: ~~[الذين ] آمنوا بمحمد {وكثير منهم فاسقون} يعني: الذين لم يؤمنوا به، ويدل ~~على هذا ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من آمن بي وصدقني واتبعني ~~فقد رعاها حق رعأي:تها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون) (1). # وخامسها: أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية ~~وانقرضوا عليها، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان، وما كانوا مقتدين ~~بهم في العمل، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها، قال عطاء: لم يرعوها كما ~~رعاها الحواريون، ثم قال:{وكثير منهم فاسقون} والمعنى: أن بعضهم [ قام ] ~~(2) برعايتها، وكثير منهم أظهر الفسق، وترك [تلك] الطريقة ظاهرا وباطنا) ~~(3). اه # ثم قال تعالى:{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي: خافوا عقابه {وآمنوا ~~برسوله} يعني: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم. PageV08P047 # اعلم أنه لما قال في الآية الأولى {فآتينا الذين آمنوا} أي: من قوم عيسى ~~{أجرهم} قال في [هذه] الأية:{يا أيها الذين آمنوا} والمراد به أولئك، ~~فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. # ثم قال تعالى:{ يؤتكم كفلين من رحمته} لإيمانكم أولا بعيسى، وثانيا بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ونظيره قوله تعالى:{أولئك يؤتون أجرهم مرتين} عن ~~ابن عباس أنه نزل في قوم جاؤا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا، ~~فجعل لهم أجرين. # والكفل في اللغة: النصيب. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أي: يعطيكم أجرين ونصيبين من نعمته، ~~نصيب في الدنيا للمعونة علىطاعته، ونصيب في الآخرة من مغفرته (1). # ويحتمل أن يكون الكفل الأول هو التوفيق والتسديد والخيرة منه والعون ~~والتأي:يد {ويجعل لكم نورا } يوم القيامة {تمشون به } إلى الجنان قيل: ~~والنور: هو المذكور في قوله:{يسعى نورهم بين أي:ديهم}. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد يجعل لكم هدى تمشون به إلى ~~الجنان، وتسيرون به في طلب النجاة والرضوان، والرحمة من الله الواحد الرحمن ~~(2). اه # {ويغفر لكم} ما أسلفتم من الكفر والمعاصي { والله غفور رحيم} لا ms0435 يتعاظم ~~عليه ما وعدكم به من المغفرة إذا امتثلتم أمره، ويجوز أن يكون خطابا لمن ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وآله من غير أهل الكتاب، والمعنى: اتقوا الله ~~واثبتوا على الإيمان يؤتكم الله ما وعد من آمن بمحمد من أهل الكتاب من ~~الكفار الكفلين في قوله:{أولئك يؤتون أجرهم مرتين}. # --- PageV08P048 {لألا يعلم أهل الكتاب } والمعنى: ليعلم أهل الكتاب، الذين لم يسلموا {ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله} أصله: أنه لايقدرون، أي: الشأن لا يقدرون {على ~~شئ} أي: لا ينالون شيئا مما ذكر من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم لم ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله، ولم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، وإنما ~~الكفلان لمن آمن من أهل الكتاب بمحمد، لأنه لم يحبط إيمانه الأول { وأن ~~الفضل بيد الله } أي: في ملكه وتصرفه، واليد: مثل في الملك لأنه أبلغ الملك ~~وأخصه بالمالك ما قبض باليد {يؤتيه من يشاء } ولا يشاء أن يؤتيه إلا من ~~يستحقه {والله ذو الفضل العظيم } والعظيم لابد وأن يكون إحسانه عظيما، ~~والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نبوته وشرعه وكتابه. # قال الرازي: قال الواحدي: هذه آية مشكلة، وليس للمفسرين فيها كلام واضح ~~في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها. # واعلم أن أكثر المفسرين على أن (لا) هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم ~~أهل الكتاب. وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون: هذه الكلمة ليست زائدة. # ونحن نفسر الأية على القولين بعون الله وتوفيقه، أما القول المشهور: وهو ~~أن هذه اللفظة زائدة، فاعلم أنه لابد هاهنا من تقديم مقدمة، وهي أن أهل ~~الكتاب وهم بنوا اسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا، والكتاب ~~والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع ~~العالمين. # --- PageV08P049 إذا عرفت [هذا] فنقول: إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ووعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه ~~الأية، والغرض منها [أن يزيل] عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير ~~حاصلة إلا في قومهم ms0436 فقال: إنما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد ~~والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل [الله] بقوم ~~معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبؤة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلا. # أما القول الثاني: وهو أن لفظة (لا) غير زائدة، فاعلم أن الضمير في ~~قوله:{ألا يقدرون} عائد إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: لئلا يعلم أهل ~~الكتاب أن النبي والمؤمنين لايقدرون على شئ من فضل الله، فإنهم إذا لم ~~يعلموا أنهم لا يقدرون عليه، فقد علموا أنهم يقدرون عليه. # ثم قال:{وأن الفضل بيد الله} أي: وليعلموا أن الفضل بيد الله، فيصير ~~التقدير أنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل ~~الله وإحسانه في أقوام معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله (1). اه # والله أعلم. PageV08P050 ### || AUTO سورة الواقعة # تسع وتسعون آية (مكية) # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا وقعت الواقعة} قال الهادي إلى الحق عليه السلام: الواقعة: فهي ~~الساعة(1) النازلة، والقيامة الواقعة بأهلها. # {ليس لوقعتها كاذبة} يقول: ليس لنزولها ووقوعها بهم كاذبة، والكاذبة: فهي ~~الباطلة الدافعة لما يهجم منها زائلة عمن يقصد بهولها، تقول العرب للشيء ~~المصمم الواقع: أتى غير مكذب حتى وقع به، وتقول: ما كذب حتى أصابه، أو حتى ~~ضربه، تريد ما انصرف ولا التوى ولا عوج ولا عرج حتى وقع بما أراد أن يقع به ~~(2). اه PageV09P001 قال في التجريد: {إذا وقعت الواقعة} هو كقولك: إذا حدثت الحادثة. والمراد ~~القيامة، وصفت بالوقوع، لأنها تقع لا محالة، كأنه قيل: إذا وقعت لا بد من ~~وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله، وجواب إذا إما قوله:{ليس لوقعتها كاذبة} أو ~~محذوف تقديره: وقع الجزاء، أو خفضت ناسا ورفعت آخرين (1). اه PageV09P002 وانتصب إذا بمحذوف تقديره كان من الأهوال مالا يوصف، أو بليس كقولك: يوم ~~الجمعة ليس لي شغل(1) و{كاذبة} صفة لمحذوف أقيمت مقامه، تقديره: ليس لها ~~نفس تكذب، أي:لا يكون حين تقع القيامة نفس تكذب على الله في تكذيب البعث، ~~لأن كل نفس ms0437 ذلك اليوم صادقة مصدقة، وأكثر النفوس كواذب مكذبات، قال في ~~البلغة: كاذبة مصدر مثل العافية، أي:ليس لوقعة القيامة مرد ولا تكذيب ولا ~~مثنوية ؛ لأنها كائنة لا محالة. # قال في التجريد: على هذا قولان: أحدهما ليس لها رجعة ولا ارتداد، من ~~قولهم: حمل على قرنه فما كذب، أي:فما جبن وما تثبط، وهو معنى قول قتادة. # والثاني: ليس الإخبار عن وقوعها كذبا، قاله الواحدي، واللام في لوقعتها ~~للتعليل، أو ليس لها نفس تكذبها، وتقول لها: لم تكوني، كما لها اليوم نفوس ~~كثيرة تكذبها(2). اه PageV09P003 {خافضة } فهي الخافضة لمن تخفض من الخلق عن محل الثواب فتصيرهم بخفضها لهم ~~إلى أليم العقاب، والخفض هاهنا من باب الإطراح والقلة والذلة. # {رافعة} فهي: رافعة للمؤمنين إلى مراتب الصالحين، مصيرة لهم إلى رضى رب ~~العالمين، ذكره الهادي عليه السلام(1). # وفي الكشاف (هي خافضة رافعة ترفع أقواما وتضع آخرين، إما وصفا لها بالشدة ~~لأن الواقعات العظام [كذلك] يرتفع فيها [ناس إلى مراتب]، ويتضع [ناس]، وإما ~~لأن الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات، وإما لأنها ~~تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها فتخفض بعضا، وترفع بعضا) (2). اه # أي: إذا وقعت الواقعة يزلزل الناس فيخفض المرتفع، ويرفع المنخفض، وعلى ~~هذا فهي كقوله تعالى:{وجعلنا عاليها سافلها}(3) في الإشارة إلى شدة ~~الواقعة، إذ العذاب الذي جعل الأعالي سافلا والسافل عاليا، حتى تصير الأرض ~~المنخفضة كالجبال الراسية، والجبال الراسية كالأرض المنخفضة، فإنه أشد ~~وأبلغ، ويدل عليه قوله تعالى:{إذا رجت الأرض رجا}. # قال الهادي عليه السلام: (رجت: هو زعزعت للبواد [للبوار] والفناء وارتجت، ~~وقلقلت للتبديل وزعزعت، ومعنى رجا: فهو تحريكا وقلقا) (4). اه # وفي التجريد أي:حركت تحريكا شديدا، حتى ينهدم كل شئ فوقها من جبل وبناء (5). PageV09P004 # قال في الكشاف: [فإن قلت بم] انتصب {إذا رجت}؟ [قلت: هو] بدل من{إذا وقعت} ~~ويجوز أن ينتصب ب {خافضة رافعة} [أي]: تخفض [وترفع] وقت رج الأرض، وبس ~~الجبال [لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض] (1). # قال تعالى:{ وبست الجبال بسا} قال الهادي عليه السلام: معنى ms0438 {بست} فهو: ~~أبيدت وأفنيت حتى انبست بغيرها من الأشياء واختلطت فصارت بعد العظم ~~كالبسيس، والبسيس: فهو الشيء المائع كالطعام المسكوب فيه الماء (2). # وفي البرهان: أصله من البسيسة وهو السويق أو الدقيق يلت ويتخذ زادا (3). # ثم قال عليه السلام(4): وإنما أراد الله بذلك أن يخبر أنها تعود بعدما هي ~~عليه من العظم إلى الذهاب والبواد والاختلاط بغيرها من الأشياء التي بس لها ~~بسا، أي:خلط خلطا. # وفي التجريد أي:فتت حتى تعود كالسويق، يقال: بس الشيء إذا فته حتى يصير ~~فتاتا. أو سيقت، من بس الغنم إذا ساقها، كقوله:{وسيرت الجبال}(5). اه PageV09P005 {فكانت هباء منبثا} قال الهادي عليه السلام: والهباء: فهو الغبار الخفي ~~الذي يدخل مع الشمس من الكوى (1)، والمنبث: فهو الكثير المنتشر، فأخبر ~~سبحانه أنها تعود بعد ما هي عليه من الهباء إلى الذهاب والفناء (2). # قال في البرهان: وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام(أن الهباء ~~المنبت هو رهج الغبار يسطع ثم يذهب) وكذلك أعمال العصاة التي عملوها للخير ~~لا ثواب لهم عليها تشبيها بالهباء الذي لا يحصل منه شئ (3). # ثم قال تعالى:{ وكنتم أزواجا ثلاثة} أي:في ذلك اليوم أنتم (أزواجا) (4) ~~ثلاثة أصناف، يقال للأصناف التي يكون بعضها مع بعض، أو يذكر بعضها عقيب بعض أزواج. # ثم فسر الأصناف الثلاثة بقوله:{ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} وما ~~بعده، قيل: وأصحاب الميمنة الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم. # {وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة} هم الذين يؤتونها يشمائلهم. # وقال الهادي عليه السلام: معنى {أزواجا ثلاثة} فهو: أصنافا ثلاثة {فأصحاب ~~الميمنة} فهم أصحاب اليمن والبركة والطاعة {وأصحاب المشأمة} فهم أصحاب ~~الشؤم واللعنة. # قال في البرهان: وإنما سموا بذلك لأن العرب تنسب إلى اليمين ما كان من ~~فعل الخير، فتقول: تيمنت بفلان في الخير، وتشاءمت به في الشر (5). اه PageV09P006 ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه السلام في تفسيره ثم قال فيه أيضا، ~~وأما تكريره لأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، فهو تأكيد منه ليمن المؤمنين، ~~وشؤم أصحاب المشأمة الفاسقين، و(ما) فهي تحتمل وجهين:إما أن تكون صلة ~~وتزيينا للكلام مثل قوله:{جند ms0439 ما هنالك مهزوم من الأحزاب}(1) وإما أن تكون ~~تنبيها منه على جليل[ أمرهم وعظيم خطرهم، والعرب تقول: وما فلان لو خبرته ! ~~توقيفا على خطره، وتنبيها على جليل] أمره (2) PageV09P007 قال الإمام المرتضى لدين الله صلوات الله عليه وعلى آبائه وسلم: تلك ضرب ~~صيرت للكريهة نفسي لاكفعل المترف الطياش. {وكانوا يصرون على الحنث العظيم} ~~يريد: أنهم كانوا يقيمون على المأثم العظيم. ومعنى {الى ميقات يوم معلوم} ~~يريد: إلى وقت معروف مفهوم. الشاربون شرب الهيم أي: شرب الإبل الهيم، ~~والهيام: داء حار يأخذ الإبل، قال الشاعر: إذا ما سقى الله البلاد بلاد ~~تسمى برح من أرض خثعما # سقيت بها نضوى ورويت قربتي...... فأصحبت محموما وأصبح أهيما # وقال آخر: شربن من دعيج شرب الهيم. # وقال آخر: وأهيم صاد قد تصلصل جوفه...... طوى الصيف حمسا فهو للماء قارف # ومعنى قوله عزوجل:{هذا نزلهم يوم الدين} أي: طعامهم وشرابهم الذي ينزلون ~~عليه، ويصيرون بما قدموا إليه، ومعنى قوله:{فلولا تصدقون} قال الشاعر: ~~فلولا قتلتم مالكا بسميه...... ولم تتركوه والرماح دوامي # يريد: فهلا قتلتم مالكا. ومعنى {أفرأيتم ما تمنون} المني: هو النطفة التي ~~تنزل من الأصلاب {نحن قدرنا بينكم الموت} أي: قدرناه تقديرا، ودبرنا للحكمة ~~تدبيرا، ومعنى {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون} الحطام: ~~هو اليابس المتكسر، ومعنى {فظلتم تفكهون }فهو فظللتم، فحذف أحد اللامين. ~~ومعنى {تفكهون} أي: تحدثون وتعجبون، وتقولون {إنا لمغرمون} أي:معذبون قال ~~الشاعر: # وما أكلة إن # نلتها بغنيمة...... ولا جوعة إن جعتها بغرام # أي: بعذاب. ومعنى {لو نشاء لجعلناه أجاجا} أي: مالحا {أفرأيتم النار التي ~~تورون} أي: تخرجون، قال الشاعر: وارى الزباد وبعوث النار. ومعنى قوله ~~عزوجل:{ومتاعا للمقوين} أي: منفعة ومتعة وبلاغا للذين هم حالون في القواء ~~والقفار قال الشاعر: أقوى وأقفر من نعم وغيره...... هوج الرياح تهابي الترب موار # يريد: خلا وأقفر. وأصدق من هذا قول الهادي [صلوات الله عليه وعلى ~~آبائه]:(فساحته قفر قواء بلاقع). # ومعنى قوله:{فلا أقسم بمواقع النجوم} أي: فأقسم بمواقع النجوم، وأدخل لا ~~صلة للكلام قال الشاعر: بيوم جدود لافضحتم ms0440 أباكم... وسالمتم والخيل يدمى ~~شكيمها أراد: بيوم جدود فضحتم أباكم، وأدخل لا صلة للكلام ؛ لأنه عابهم ~~بالمسالمة، ومعنى {وإنه لقرآن كريم} أي: مرتفع عظيم {في كتاب مكنون لايمسه ~~إلا المطهرون} وهم الأئمة الطاهرون، وسنضع إن شاء الله تعالى من عجائب ~~مكنونه ما فيه دلالة على رب العالمين، وحكمة بالغة من صنع أحكم الحاكمين ~~{تنزيل من رب العالمين} أي: من كلامه، وقوله بنفسه، قبل أن ينزل به روح ~~قدسه {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} يريد: أفبهذا الحديث أنتم مدارون ؛ لأن ~~أعداء الله لاتجوز مداراتهم في القرآن بكفرهم بما أنزل الرحمن، بل ينابذون ~~في كفره، وقلة معرفتهم بقدر ربهم، فأقام الباء مقام في ؛ لأنهما جميعا من ~~حروف الصفات، قال الشاعر: ودار وداهن من تدانيك داره...... كما قد يداري ~~جاره السبع المجري # {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} المعنى في ذلك: وتجعلون شكركم على رزقكم ~~أنكم تكذبون، فاختصر واكتفى بعلم المخاطب، وقد مضى ذكرنا لجواز الإختصار، ~~قال الشاعر: وكيف تواصل من أضحت أمانته كأبي مرحب # وهذا مما تستعمله العرب في الإضمار، وإنما أراد كأمانة أبي مرحب. # {فلولا إذا بلغت الحلقوم} يعني النفس عند خروجها من الحلق، ولكنه اختصر لعلم # المخاطب، ولم يذكر النفس كما قال الشاعر: أيا مي ما تغني الرقاء عن ~~الفتى...... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يعني النفس عند خروجها من البدن، ولكنه اختصر {فلولا إن كنتم غير مدينين} ~~يريد: فهلا إن كنتم غير مجازين بأعمالكم، ولا محاسبين على أفعالكم قال ~~الشاعر: # وأيام لنا غر طوال...... عصينا الملك فيها أن يدينا # يريد:أن يحتكم للجزاء. وقال آخر: دنت لنا الأرض طرا من مناكبها... طوعا ~~وكرها ورزق الله مقسوم # ومعنى {ترجعونها إن كنتم صادقين} أي: تردونها، يعني النفس {فأما إن كان ~~من المقربين} يريد: من الأئمة السابقين {فروح وريحان وجنة نعيم} والروح: هو ~~الريحان، وهو يريد النسيم والراحة من الهوان الأليم، إلا أنه وكد الروح ~~بذكر الريحان، كما وكد ذكر الرحمة بالرحيم والرحمن، وذلك تأكيد وزيادة في ~~البيان. # ثم رجع إلى ذكر المؤمنين فقال:{وأما إن ms0441 كان من أصحاب اليمين فسلام لك من ~~أصحاب اليمين} أي: سلامة لك أيها الميت إن كنت من المؤمنين {وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ~~ربك العظيم} أي: سبح باسماء ربك العظام. # --- PageV09P008 . اه # وفي الكشاف: هو تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة [والمعنى]: ~~أي:شئ [هم] (1). على التعظيم بشأنهم. PageV09P009 # فإن قيل: فما إعرابه ومنه يعرف معناه؟ أجاب الرازي فقال: {فأصحاب الميمنة} ~~مبتدأ أراد المتكلم أن يذكر خبره فرجع عن ذكره وتركه، وقوله:{ما أصحاب ~~الميمنة} جملة استفهامية على معنى التعجب [كما تقول لمدعي العلم: ما معنى ~~كذا؟ مستفهما ممتحنا زاعما أنه لا يعرف الجواب، حتى إنك تحب وتشتهي ألا ~~يجيب عن سؤالك، ولو أجاب لكرهته ؛ لأن كلامك مفهوم كأنك تقول: إنك لا تعرف ~~الجواب] إذا عرفت هذا فكأن المتكلم في أول الأمر مخبر، ثم لم يخبر بشيء ؛ ~~لأن في الإخبار تطويلا ثم لم يسكت وقال: وما ذلك؟ ممتحنا زاعما أنك لا تعرف ~~كنهه،[وذلك]لأن من يشرع في كلام ويذكر المبتدأ ثم يسكت عن الخبر، قد يكون ~~ذلك السكوت لحصول علمه بأن المخاطب قد علم الخبر من غير ذكر الخبر، ألا ترى ~~أن المبتدأ وحده يكفي لمن قال: من جاءني؟ فقال المجيب: زيد، فالله تعالى ~~لما قال:{فأصحاب الميمنة} كان كأنه يريد أن يأتي بالخبر، ثم سكت عنه، ثم ~~قال في نفسه: إن السكوت قد يتوهم أنه لظهور حال الخبر كما سكت عن زيد في ~~جواب من جاء؟ فقال: {ما أصحاب الميمنة} ممتحنا زاعما أنه لا يفهمه ليكون ~~ذلك دليلا على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل لخفائه، وفيه ~~وجه ظاهر، وهو أن يقال: معناه أنه جملة واحدة استفهامية كأنه قال: ما أصحاب ~~الميمنة على سبيل الاستفهام، غير أنه أقام المظهر مقام المضمر فقال:{فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة} والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ~~ذكرهم ظاهرا مرتين، وكذلك القول في قوله تعالى:{وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة} وكذلك {الحاقة ما ms0442 الحاقة} و{القارعة ما القارعة} (1) PageV09P010 . اه # ثم قال تعالى:{ والسابقون} أي: المخلصون الذين سبقوا إلى رضى الله، ~~وسارعوا إلى ما دعاهم إليه هم السابقون الذين عرفت حالهم ووصفهم البليغ، كقوله: # أنا أبو النجم وشعري شعري(1) PageV09P011 ومنهم من جعل {السابقون} الثاني تأكيدا، والخبر عنه وعن الأول {أولئك ~~المقربون} وليس بذاك(1) [ووقف بعضهم على {والسابقون} وابتدأ {السابقون ~~أولئك المقربون}] والأحسن أن يوقف على الثاني ؛ لأنه تمام الجملة [وهو في ~~مقابلة {ما أصحاب الميمنة} و{ما أصحاب المشأمة}]ذكره في الكشاف(2). # وقال في البلغة:{السابقون} هم الذين سبقوا سائر الناس من كل أمة إلى ~~تصديق الأنبياء عليهم السلام وهم من أصحاب اليمين أيضا، إلا أنهم خصوا ~~بالذكر تشريفا وتعظيما. # قال الهادي عليه السلام: والسابقون: هم الذين سبقوا إلى الله بالطاعة، ~~وقدموها إليه في الحياة الدنيا. # وفي البرهان: هم الأنبياء والأئمة عليهم السلام، وإنما كرر لفظهم لأن ~~المعنى والسابقون إلى الإيمان والإسلام السابقون إلى الجنة. اه ومثله في ~~تفسير الحسين بن القاسم عليه السلام. PageV09P012 # وروى المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام بإسناده إلى الفقيه ابن ~~المغازلي(1) إلى الواسطي يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنه في قوله ~~تعالى:{والسابقون السابقون} قال: سبق يوشع بن نون إلى موسى، وصاحب ياسين ~~إلى عيسى، وسبق علي إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم اه (من الشافي). # ثم قال عز وجل فيهم:{أولئك المقربون في جنات النعيم} قال الهادي عليه ~~السلام: يخبر أنهم عند الله في القيامة مدنون من كراماته ومن جزيل ثوابه، ~~مدخلون في جنات نعمته، وهو تمثيل بمن يقربه الملك في جنات النعيم. # ثم قال تعالى:{ ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} قال الهادي عليه ~~السلام: الثلة: فهي الجماعة الصالحة، فأخبر أن المتقين يكونون ثلة من ~~الأولين، ويكونون قليلا من الآخرين، ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه ~~السلام قال: ومنه قول الشاعر: # ولست ذليلا في العشيرة كلها...... يحاول منها ثلة لا يسودها(2) # أي:جماعة، وقال آخر: # وجاءت إليهم ثلة خندفية...... بجيش كتيار من السيل مزبد(3) PageV09P013 وهي من الثل، وهو الكسر، ms0443 كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم لكثرتها، ~~أي: السابقون ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين. # واختلف من المراد بالأولين والآخرين؟ فقيل: الأولون من تقدم النبي صلى ~~الله عليه وآله من الأنبياء وأممهم، والآخرون: أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله، والمعنى: أن السابقين من الأمم أكثر من سابقي أمة محمد صلى الله عليه وآله. # قال في البرهان: يعني بالأولين جماعة كثيرة من قبل خاتم النبيئين {وقليل ~~من الآخرين} أي:جماعة من اللاحقين [المسلمين] القليل عددهم، لأن من حقق ~~الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله كان قليلا وإن كثروا في المنظر ~~والمرأى (1). اه # ومثل هذا في تفسير الحسين بن القاسم عليه السلام(2). PageV09P014 # وقيل: المراد أولوا أمة محمد صلى الله عليه وآله، وبالآخرين آخرهم، وعنه ~~صلى الله عليه وآله (الثلثان جميعا من أمتي) (1) واختلف هؤلاء فقيل: ~~الأولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، والآخرون: التابعون، وقيل: ~~الأولون والآخرون كلهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فالأولون: الذين ~~صلوا في القبلتين، وقيل: الذين أسلموا قبل فتح مكة، والآخرون: خلافهم على ~~القولين، ذكره في التجريد (2). # ثم قال تعالى:{ على سرر موضونة} قال الهادي عليه السلام: السرر فهي: ~~السرر المعروفة باسمها {موضونة} فهي: منسوجة معمولة، وهي سرر تنضد للمؤمنين ~~بالذهب والجوهر # قال في البرهان: [والسرر: جمع سرير] وسميت بذلك لأنها مجلس السرور، ~~والموضونة: المنسوجة بالذهب [القويم اللحمة والسدا] (3) لأن التوضين: ~~التشبيك والنسج، ومنه قول لبيد: # إن تفرغوا فسوابغ موضونة...... والبيض تبرق كالكواكب لامها(4) # ويحتمل أن يكون بمعنى مظفورة، ومنه، وضين الناقة، وهو البطان العريض ~~المظفور من السيور. اه PageV09P015 والوضين: هو الحبل العريض، والمعنى إنها منسوجة مشبكة بالدر والياقوت ~~متداخلة كحلق الدرع، ومنه يقال للدرع المنسوجة: موضونة. # ثم قال سبحانه:{متكئين عليها} أي: مستندين على السرر، وقوله:{عليها} بيان ~~لحالهم في الاستقرار عليها. # ثم وصفهم عز وجل بحسن العشيرة، وحسن الآداب، وتهذيب الأخلاق فقال: ~~{متقابلين} قال الهادي عليه السلام: معناه فهو بعضهم حذاء بعض. # وقال زيد بن علي عليه السلام: معناه لا ينظر بعضهم إلى ms0444 قفا بعض أينما ~~شآؤا تقابلوا(1) PageV09P016 . اه # ثم قال تعالى:{ يطوف عليهم } لخدمتهم {ولدان} صبيان أي: غلمان لهم صغار ~~{مخلدون} قال الهادي عليه السلام: المخلدون فهم: الباقون الذين لا يفنون ~~ولا يزولون في الآخرة(1). اه # وقيل: مبقون على شكل الولدان، وحد الوصافة لا يتحولون إلى كبر، ومنه قول ~~امرؤ القيس: # وهل ينعمن إلا خلي مخلد......... قليل الهموم ما يبيت بأوجال(2) # وقيل: مقرطون، والخلد: القرط من الخلدة، وهي القرط، قيل: وهؤلاء الولدان ~~أولاد الكفار الذين ماتوا صغارا، وفي الحديث (أولاد الكفار خدم أهل ~~الجنة)(3) ذكره في التجريد. # قوله تعالى:{ بأكواب} جمع كوب: إناء بلا عروة ولا خرطوم {وأباريق} جمع ~~إبريق: إناء له عروة وخرطوم، ومثل هذا في البرهان(4) PageV09P017 . # قال الهادي عليه السلام: الأكواب:هي ضرب من آنية الشرب تكون من الجوهر، ~~ومن الدر والياقوت، يشرب فيها المؤمنون في الآخرة {وأباريق} فهو: الأباريق ~~المعروفة في الدنيا من الصفر ومن الفضة والذهب، يستعملها المتجبرون، وتكون ~~في الآخرة من الدر والياقوت وأنواع الجواهر (1). # ثم قال سبحانه:{ وكأس} اسم الزجاجة يشرط أن يكون فيها خمر، وتسمى الخمر ~~نفسها كأسا أيضا. # قال زيد بن علي عليه السلام: الكأس الإناء بشرابه، ولا يسمى [كأسا] إلا به. # وقوله:{ من معين} بيان ما في الكأس، وصفت بما يوصف به الماء، لأن خمر ~~الجنة تجري في أنهار كالماء المعين الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون. # ثم قال تعالى:{لا يصدعون عنها} أي: لا يصيبهم صداع الرأس بسببها {ولا ~~ينزفون} نزف الشارب إذا ذهب عقله. # وقال الهادي عليه السلام: والنزف: فهو أتقيئ وغير ذلك مما يكون من شراب ~~الخمر فيما ذكر لنا عنها والله أعلم بأمرها فقد ذكر لنا أنهم ينزفون من ~~طرفيهم من فوق ومن أسفل إذا شربوها، ومعنى {ينزفون} فهو: يخرج وينزف ما في ~~بطونهم، فأخبر الله تعالى أن خمر الآخرة لا ينزل بشاربها ما ينزل بشارب خمر ~~الدنيا منها من الآفات، بل خمر الآخرة فيها اللذات والطيبات والصحة ~~والسلامة والنعمة الكاملة(2). اه # ثم قال تعالى:{ وفاكهة} والفاكهة: هي أنواع الثمار ما ms0445 يتلذذ به {مما ~~يتخيرون} تخيرت الشيء إذا أخذت خياره {ولحم طير مما يشتهون} فيأتي على حسب ~~شهواتهم ومرادهم. # (الثعلبي): في الجنة طير كأعناق البخت تخر بين يدي أحدهم على ألوان ~~مختلفة يأكل مما أراد وبغى، والطائر يرعى في الجنة(3). # وعن ابن عباس (يخطر على قلبه الطير فيقع ممثلا بين يديه على ما اشتهى، ~~فيأكل منه حتى تنتهي نفسه ثم يطير) (4). # --- PageV09P018 قال الرازي: ما الحكمة في تقديم الفاكهة على اللحم؟ أجاب: من وجوه أحدها ~~العادة في الدنيا التقديم [للفواكه] في الأكل، وعلى الخصوص عادة أهل ~~الشرب،وكأن المقصود بيان[حال شرب] شراب أهل الجنة. # وثانيها: الحكمة في الدنيا تقتضي أكل الفاكهة أولا، لأنها ألطف وأسرع ~~انحدارا [وأقل حاجة إلى المكث الطويل في المعدة للهضم] ولأن الفاكهة تحرك ~~الشهوة للأكل، واللحم يدفعها. # وثالثها: أنه تعالى لما بين أن الفاكهة دائمة الحضور [والوجود] واللحم ~~يحضر عند الاشتهاء دل هذا على عدم الجوع، لأن من الفواكه ما لا يؤكل إلا ~~بعد الطعام(1). # ثم قال تعالى:{ وحورعين} قال الهادي عليه السلام: الحور هن: الدعج، ~~والعين: حسان الأعيان، فالدعج: هو سواد الحدق مع حسن تقدير الأعيان، قال ~~الشاعر: # بأعين محورات حور(2) # قال زيد بن علي عليه السلام: ويقال: الحور الذي يحار فيه الطرف(3). اه # وحور: جمع حوراء، وهي شديدة سواد العين وبياضها مع سعتها، وعين: جمع ~~عيناء، وهي واسعة العين. PageV09P019 # قال في التجريد: من قرأ بالرفع فالتقدير: ولهم حور. وقيل: هو عطف على ~~ولدان، ومن قرأ بالجر فالتقدير: ويكرمون بحور لأنه لا يليق عطفه على ~~بأكواب، لأن الولدان لا يطوفون عليهم بالحور، ومن قرأ بالنصب فالتقدير: ~~يؤتون حورا (1). # {كأمثال اللؤلؤ المكنون} يريد في صفاء الألوان والبياض، والمكنون: هو ~~المصون. اه # واللؤلؤ: هو الدر المستور في كنه، أي:في الصدفة، وهي أوعيته، لأنه رطبا أصفى. # إن قال قائل: الكاف للتشبيه، والمثل حقيقة فيه فلو قال: أمثال اللؤلؤ ~~لكفى فلا حاجة إلى الكاف؟ قيل له: المشهور أن كلمتي التشبيه تفيدان ~~التأكيد، أو زيادة في الشبهية ؛ لأن المشابهة في الكيفية، والمماثلة في ms0446 ~~النوعية، فيتحقق بهما كل واحد من هذين الأمرين، ولو قال تعالى: أمثال ~~اللؤلؤ المكنون، لتوهم أن كلا من الحور واللؤلؤ من نوع واحد، وليس كذلك، ~~فلا بد من لفظ لا يوهم هذا. PageV09P020 # ثم قال تعالى:{ جزاء بما كانوا يعملون} وفي نصبه وجهان أحدهما: أنه مفعول ~~له، وهذا ظاهر، وعلى هذا فيه فائدة، وهي أن المعنى أن يقول: هذا كله جزاء ~~عملكم، وأما الزيادة فلا يدركها أحد منكم. # وثانيها: أنه مصدر (لأن الدليل دل على أن كلما يفعل العبد فهو مجزي) ~~فكأنه قال: تجزون جزاء، ذكر هذا الرازي(1). # ثم قال تعالى:{لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} وهو الكلام القبيح من ~~اللهو والباطل، والكذب، وقيل: اللغو سقط الحدث الذي تقضي المرؤة باطراحه، ~~وتأثيما: ما نسب صاحبه إلى الإثم في الدنيا، أي: لا يقع منهم كلام ساقط من ~~حقه أن يلغى، ولا يؤثم بعضهم بعضا {إلا قيلا سلاما سلاما} يعني يتداعون ~~بالسلام على أحسن الآداب وأبلغها، وأكرم الأخلاق وأطيبها، وهو استثناء ~~منقطع، والمعنى: أنهم يفشون السلام بينهم ؛ لأن السلام ليس من جنس اللغو، ~~تقديره: لكن يسمعون فيها قيلا سلاما سلاما. # وقيل: إنه متصل أي:يسمعون كلاما فابقا عظيم الفائدة، كامل اللذة، أدناها ~~وأقربها إلى اللغو قول بعضهم لبعض: سلام عليكم، فلا يسمعون كلاما يقرب إلى ~~اللغو إلا سلاما، فما ظنك بالذي يبعد عنه، وفيه من المبالغة ما فيه، وحينئذ ~~يكون اللغو مجازا، والاستثناء متصلا. PageV09P021 # ولما بين حال السابقين شرع في أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة، فقال ~~تعالى:{وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين} قد مر شرحه {في سدر} هو شجرة النبق ~~{مخضود} هو اللين الذي لا شوك فيه {وطلح منضود} وهو الموز الذي بعضه فوق ~~بعض، أي: نضد بالحمل من أعلاه إلى أسفله، فليست له ساق بارزة، وعن السدي: ~~هو شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل(1). # قال في البرهان: وروينا عن آبائنا أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان ~~يقرأ (وطلع منضود) وهو طلع النخلة قال الشاعر: # بشرها دليلها وقالا...... غدا ترين ms0447 الطلح والجبالا(2) PageV09P022 قال الرازي: ما الحكمة في قوله تعالى:{في سدر} [وأية نعمة تكون في كونهم في ~~سدر] والسدر من أشجار البوادي لا يمر [ولا يحلو] ولا يطيب؟ ! قال: فيه حكمة ~~بالغة وهي أنا قد بينا [مرارا] أن البليغ (1) يذكر طرفي أمرين يتضمن ذكرهما ~~الإشارة إلى جميع ما بينهما، كما يقال: فلان ملك الشرق والغرب، ويفهم منه ~~أنه يملكهما وما بينهما، فنقول: لا يخفى أن بين المواضع التي يتفرج فيها ~~بالأشجار، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال ~~[به]، وتارة يقصد إلى ثمرها، وتارة يجمع بينهما لكن الأشجار أوراقها على ~~أقسام كثيرة، ويجمعها نوعان أوراق صغار، وأوراق كبار، والسدر في غاية الصغر ~~[والطلح: وهو شجر الموز في غاية الكبر، فقوله تعالى:{في سدر مخضود وطلح ~~منضود} إشارة إلى ما يكون ورقه في غاية الصغر] من الأشجار، وإلى ما يكون ~~ورقه في غاية الكبر منها فيكون إشارة إلى الطرفين، جامعة لجميع الأشجار ~~ولأوراقها، ونظيره في الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار (2). # ثم قال تعالى:{وظل ممدود} زمانا، أي: لا زوال له فهو كما قال ~~تعالى:{أكلها دائم وظلها}. # وقوله تعالى:{وماء مسكوب} فيه وجهان أحدهما: مسكوب من فوق، وثانيهما: جار ~~في غير أخدود ؛ لأن الماء المسكوب يكون جاريا في الهواء (3). PageV09P023 # ثم لما ذكر الأشجار التي يطلب ورقها ذكر بعدها الأشجار التي يقصد ثمرها ~~فقال تعالى:{وفاكهة كثيرة لا مقطوعة} أي: لا مقطوعة اللذة بالقيام والعدم ~~كفواكه الدنيا دائمة لا تنقطع {ولا ممنوعة} من اليد بشوك أو بعد، أولا ~~تمتنع عن متناولها بوجه، ولا يحضر عليها ما يحضر على فواكه الدنيا، ولا ~~يجعل عليها حوائط كبساتين الدنيا. # قال الرازي: وفيه مباحث الأول: في تقديم الأشجار المورقة على غير ~~المورقة، يقول: هذا بطريقة الارتقاء من نعمة إلى ذكر نعمة فوقها، والفواكه ~~أتم نعمة (1). # الثاني: ما الحكمة في ذكر الأشجار المورقة بأنفسها،وذكر الأشجار المثمرة ~~بثمارها (2)؟ يقول: أما الأوراق فحسنها عند كونها على الشجر (وأما الثمار ~~فحسنها بحسب نفسها على الشجر، أو على غير الشجر ms0448 بعد القطع) (3). # الثالث: ما الحكمة في وصف الفاكهة بالكثرة لا بالطيب واللذة؟ يقول: لفظ ~~الفاكهة يدل على الطيب واللذة، ولهذا تسمى الحكاية الطيبة اللذيذة: فاكهة ~~القوم، وأما الكثرة فقد مر، قلت: يعني في سورة ص فإنه قال (4)هناك في معنى ~~قوله تعالى:{يدعون فيها بفاكهة كثيرة}: السبب في ذكر هذا المعنى أن ديار ~~العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة فرغبهم الله فيه. PageV09P024 # ثم قال سبحانه:{وفرش مرفوعة} جمع فراش وهي البسط والحشايا، وقرئ بسكون ~~الراء شاذة تخفيفا، وهي الفرش الرفيعة المقدار التي رفعها الله على الأسرة ~~للأبرار، وقيل: مرفوعة نضدت أي: جعل بعضها فوق بعض حتى ارتفعت، وقيل: هن ~~النساء ؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش، مرفوعة على الأرائك، قال الله ~~تعالى:{هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون}(1) ويدل عليه {إنا ~~أنشأناهن إنشاء} أي:الزوجات، وإن لم يتقدم لهن ذكر ؛ لأن ذكر الفراش دل عليهن. # قال في التجريد: فعاد الضمير إلى الفراش (2) والمراد بالمنشآت الزوجات، ~~وفي رفعهن وجوه أحدها: أنهن مرفوعات فوق الأرائك، وثانيها: مرفوعات بالجمال ~~على نساء الدنيا، وثالثها: مرفوعات عن الأدناس (3). اه PageV09P025 ومعنى {أنشأناهن} أي:ابتدأنا خلقهن ابتداء من غير ولادة، فإما أن يريد ~~اللاتي ابتدئ خلقهن وإنشاؤهن، أو اللاتي أعيد إنشاؤهن، وعنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن أم سلمة سألت عن هذه الآية فقال: (يا أم سلمة هن اللواتي قبضن ~~في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا جعلهن الله بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد ~~في الاستواء كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا) (1). PageV09P026 # وعنه صلى الله عليه وآله (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا ~~مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين سنة) (1). # ثم وصف تعالى ما أعطاهم من الحور العين فقال:{فجعلناهن أبكارا} كلما ~~أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا ؛ لأن البكارة في الآخرة على خلاف الأبكار في ~~الدنيا، إذ البكارة لازمة للأبكار في الآخرة، فالبكر بكر كل مرة. # قوله:{عربا} جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها بالتبعل {أترابا} مستويات ~~في السن، بنات ثلاث وثلاثين سنة، وكذلك أزواجهن. # واللام في {لأصحاب اليمين} من صلة أنشأنا وجعلنا، أي: أنشأناهن لأصحاب ms0449 ~~اليمين وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: الأبكار هن ذوات الشباب وحداثة ~~الأسنان، قال الشاعر: # سوى أن للبكر الغريرة بهجة...... بها فضلت عندي وطيب مزاج(2) # والعروب: هن العاشقات لأزواجهن المستنقلات للحديث إليهم قال الشاعر: # يعرين عند بعولهن إذا خلوا...... وإذا هم خرجوا فهن خفار(3) # وفي البرهان (العرب: المتحننات على أزواجهن، المتحببات إليهم، واحدها ~~عروب قال الشاعر: PageV09P027 # وفي الخباء عروب عند فاحشة...... ريا الروادف يعشي دونها البصر(1) # {أترابا} أي: أمثالا في الخلق والأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسد. اه # ثم قال تعالى:{ ثلة من الأولين} من الأمم الماضية { وثلة من الآخرين} من ~~هذه الأمة، يعني أصحاب اليمين نصفان نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه ~~الأمة، وقد مر تفسير الثلة، والخلاف في المراد من الأولين والآخرين. # ثم رجع إلى ما أعد لأصحاب الشمال من السموم والنكد والعذاب والنكال فقال: ~~{وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} فأما الشمال فيخرج في اللغة على وجوه منها ~~[الوجه الأول]: أن يكون ضرب لهم مثلا بتعسير الشمال كما ضرب المثل باليمين ~~؛ لأن اليمين يمن وبركة وتيسير، والشمال ضعف وعسر وتعسير، قلت: وهذا الذي ~~ذكره الهادي عليه السلام. # [الوجه الثاني] ومن ذلك ما يمكن أن يكون من حشر المتقين إلى اليمين، وحشر ~~الكافرين إلى الشمال. # والوجه الثالث: أن يكون سماهم لأخذهم كتبهم في الشمال، وقد قيل: إن ~~الكتاب مثل من الأمثال، وكل ذلك يمكن في اللفظ والمقال، قاله الحسين بن ~~القاسم عليه السلام(2). # ثم أخبر سبحانه أنهم {في سموم وحميم} والسموم: حر نار ينفذ في المسام، ~~وهي خروق الأعضاء كسم الأذنين، والمنخرين، والعرب تسمي الرياح إذا هبت ~~بالحر سموما قال الشاعر: اليوم يوم بكرت سمومه(3) # والحميم: هو الماء الحار المتناهي حره. PageV09P028 # إن قيل: ما الحكمة في ذكر السموم والحميم، وترك ذكر النار وأهوالها؟ قيل ~~له: فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى، فقال: هواؤهم الذي يهب عليهم سموم، ~~وماؤهم الذي يستغيثون به حميم [مع أن الهواء والماء أبرد الأشياء وهما أي:] ~~السموم والحميم من أحر الأشياء بخلاف الهواء والماء في ms0450 الدنيا فإنهما من ~~أنفع الأشياء [فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضا أحر] ولو قال: هم في نار، ~~كنا نظن أن نارهم كنارنا، لأن ما رأينا شيئا أحر من التي رأيناها(1). # {وظل من يحموم} هو الدخان الأسود الشديد السواد، ذكر معناه زيد بن علي ~~عليه السلام وغيره. وقيل: جبل في جهنم يستغيثون بظله، وهو نار ؛ لأنه في جهنم. # ومن في قوله:{من يحموم} إن قلنا: إنه حميم جهنم فهي لابتداء الغاية، وإن ~~قلنا: إنه دخان فهي للبيان، وإن قلنا: إنه الظل فكذلك. PageV09P029 # ثم قال تعالى:{ لا بارد ولا كريم} أي: لا بارد المدخل، ولا كريم المنظر، ~~نفى عنه صفتي الظل وهما برده ونفعه وراحته، أي: هو ظل حار مؤذ، ليس ببارد ~~ولا طيب، والكرم: هو اللين والطيب، فدل بذلك على غلظه وشدة حره (1). # وقال ابن الجوزي: العرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه صفة ذم فتقول: ~~ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم (2). PageV09P030 # ثم قال:{ إنهم} أي: أصحاب الشمال {كانوا قبل ذلك} العذاب في الدنيا ~~{مترفين} متكبرين، وقيل: متنعمين أترفتهم النعمة فأبطرتهم، لا يظن أن ~~الإتراف من حيث هو إتراف قبيحا لكن ذلك من قبيح ما ذكر عنه بعده وهو قوله:{ ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم}. # قال زيد بن علي عليه السلام: معناه يقيمون ويديمون على الإثم العظيم، ~~ويقال: هي اليمين الغموس، ويقال: على الشرك (1). اه # وقوله:{وكانوا يصرون على الحنث العظيم} فيه مبالغة [من وجوه] لأن (كانوا ~~يصرون) آكد من قوله: كانوا أصروا لأن الإجماع من لفظي الماضي والمستقبل يدل ~~على الاستمرار، وثانيها: لفظ الإصرار، إذ الإصرار مداومة المعصية، وثالثها: ~~الحنث فإنه فوق الذنب ؛ لأنه لا يكاد في اللغة يقع على الصغير(2)، ورابعها: ~~العظيم. PageV09P031 # قوله تعالى:{ وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما} من البلى وعظاما ~~بالية {أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون} إشارة إلى إنكار الحشر والنشر بعد ~~الموت، فأتوا بالكلام على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار، وأشاروا في ~~الإنكار إلى أمور اعتقدوها لصحة إنكارهم فقالوا:{أئذا متنا} ms0451 ولم يقتصروا ~~عليه بل قالوا:{وكنا ترابا وعظاما} أي: فطال عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى ~~صارت اللحوم ترابا وعظامنا رفاتا، ثم زادوا وقالوا:{أئنا لمبعوثون} بطريقة ~~التأكيد من ثلاثة أوجه أحدها: استعمال كلمة إن، وثانيها: إثبات اللام [في ~~الخبر] وثالثها: الإتيان بالمفعول كأنه كائن، فقالوا:{أئنا لمبعوثون} ثم ~~زادوا وقالوا:{أو آباؤنا الأولون} معناه: أو نقول أو آباؤنا الأولون إشارة ~~إلى أنه الإشكال الأعظم. # ثم إنه تعالى أجابهم، ورد عليهم بالمبالغة في كل مرتبة أتوا بالمبالغة ~~[فيها] كما مر فقال: {قل} يا محمد {إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم} أي: إلى وقت معروف مفهوم، أي:إلى ما وقتت به الدنيا من يوم ~~القيامة، والميقات: ما وقت به الشيء إلى حد، ومنه: مواقيت الإحرام، وهي ~~الحدود وقوله:{قل} إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ؛ لأن معناه أن هذا ~~من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص، وعلى ~~هذا في كل موضع قال [فيه]:{قل}. # --- PageV09P032 وثانيها: قوله تعالى:{إن الأولين والآخرين} بتقديم الأولين على الآخرين في ~~جواب قولهم:{أو آباؤنا الأولون} فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد ~~فيهم أكثر، فقال:{إن الأولين} الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم الله ~~في أمر مقدم على الآخرين، يتبين منه إثبات حال من أخرتموه مستبعدين، إشارة ~~إلى كون الأمر هينا] (1) # وثالثها: قوله تعالى:{لمجموعون} فإنهم أنكروا قوله:{لمبعوثون} فقال: هو ~~واقع مع أمر زائد وهو أنهم يحشرون ويجمعون في عرصة الحساب، وهذا فوق البعث. # ثم قال تعالى:{ ثم إنكم أيها الضالون} عن الهدى {المكذبون} بالبعث، يعني ~~أهل مكة ومن حاله مثل حالهم {لآكلون من شجر} في جهنم، و(من) لابتداء ~~الغاية، وقوله:{ من زقوم} (من) لبيان الشجرة وتفسير له، وهو طعام أهل النار ~~{ فمالئون منها البطون} من الشجر لأنها جمع شجرة (2) في المعنى. PageV09P033 # {فشاربون عليه} أي: على الشجر، ذكره لأن لفظه مذكر (1){من الحميم} الماء ~~المتناهي حره {فشاربون شرب الهيم} أي:شرب الإبل الهيم: جمع أهيم وهيماء، ~~وهي الإبل التي بها الهيام، والهيام: داء حار يأخذ الإبل قال الشاعر: # إذا ما سقى الله ms0452 البلاد بلادا...... تسمى برح من أرض خثعما # سقيت بها نضوي ورويت قربتي...... فأصبحت محموما وأصبح أهيما(2) # وهو يحدث عطشا فلا تزال الإبل تشرب الماء حتى تموت، قال قيس بن الملوح: # يقال به داء الهيام أصابه...... وقد علمت نفسي مكان دوائيا(3) # قال الرازي: ومآل الأقوال في الزقوم (4) إلى كون ذلك في الطعم مرا، وفي ~~اللمس حارا وفي الرائحة منتنا، وفي المنظر أسود.. ثم قرن بالأكل ليدل على ~~أنه طعام ذو عقاب # وقوله:{فمالئون منها البطون} زيادة في بيان العذاب، والهاء عائدة إلى ~~الشجر، و{فشاربون شرب الهيم} بيان لزيادة العذاب أيضا. PageV09P034 # ثم أخبر تعالى عن رزقهم وطعامهم فقال عز وجل:{ هذا نزلهم يوم الدين} يوم ~~الجزاء، أي: طعامهم وشرابهم الذي ينزلون عليه، ويصيرون بما قدموا إليه، ~~والنزل: الرزق الذي يعد للضيف النازل تكرمة له، وفيه تهكم بهم نحو{فبشرهم ~~بعذاب أليم} وليس هذا كل العذاب، بل هذا أول ما يلقونه، وما بعده أفظع منه. # ثم قال تعالى:{ نحن خلقناكم فلولا تصدقون} أي:هلا تصدقون بالخلق الثاني، ~~وهو البعث، حثهم على التصديق به ؛ لأن من خلق أولا لم يمتنع أن يخلق ثانيا ~~قال الشاعر: # فلولا قتلتم مالكا بسميه...... ولم تتركوه والرماح دوامي(1) # فمعنى لولا: التحضيض والحث، ولولا مركبة من كلمتين، والأصل فيه لم، ولا، ~~وهي كلمة شرط في الأصل، فلولا تصدق معناه، ثم لا، وهلا لأنه دل على نفي ما ~~دخل عليه، وهو عدم التصديق (2) ويجوز أن يراد فلولا تصدقون أنا خلقناكم، ~~وهم وإن كانوا مقرين أن الله خلقهم فهم في الحكم غير مقرين بذلك لإنكارهم ~~البعث، ومن حق من أقر بأن الله خلق ابتداء أن يقر بأنه قادر على الإعادة. PageV09P035 # ثم قال سبحانه:{ أفرأيتم ما تمنون} أي:فأخبروني عما تمنون، أي: تصبونه في ~~الأرحام من المني، والمني: النطفة التي تنزل من الأصلاب فتقذف في أرحام ~~النساء، يقال: أمنى النطفة ومناها {أأنتم تخلقونه} أي: أنتم تخلقونه بشرا ~~تقدرونه وتصورونه {أم نحن الخالقون} المقدرون له خلقا بعد خلق في الأرحام، ~~لأنه تعالى لما قال:{نحن خلقناكم} قال المشركون: خلقنا ms0453 من النطف كما قال به ~~الطبيعيون فقال الله تعالى ردا عليهم: هل رأيتم النطفة جسما صغيرا، ولا ~~يكون له خالق، وذلك الخالق غير مخلوق، وإلا لدار أو تسلسل، والكل باطل. # ثم قال تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت} قال في البرهان: يعني سوينا في ~~الموت بين المطيع والكافر، وقدرناه تقديرا، ودبرناه للحكمة تدبيرا (1). اه # وقيل: قسمناه عليكم قسمة على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا وحكمتنا، ~~فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط {وما نحن بمسبوقين} أي:بعاجزين في أن ~~يسبقنا في فعلنا أحد، سبقه على الشيء: أعجزه عليه فلم يمكنه منه، أراد أنا ~~قادرون {على أن نبدل أمثالكم} أي: نهلككم فنستأنف خلقا غيركم، أي: نحن ~~قادرون على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق ولا تغلبوننا على ذلك {وننشئكم ~~} أي: نبتدئكم {في ما لا تعلمون} أي: في وقت لا تعلمون به، قاله في ~~البرهان(2). PageV09P036 # قال في التجريد: معناه أنا قادرون على تبديل أمثالكم، وأمثال: جمع مثل ~~بمعنى نظير وشبه، أي: نخلق خلقا أمثالكم بدلا منكم، وعلى أن ننشئكم في خلق ~~وصور لا تعلمونها، وما عهدتم بمثلها، يريد أنا قادرون على الأمرين جميعا، ~~فكيف نعجز عن إعادتكم، ويجوز أن يكون {أمثالكم} جمع مثل(1) بمعنى: صفة. ~~[أي] نغير صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها، قال ~~الحسن: نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بما كان قبلكم. PageV09P037 # ثم قال تعالى:{ولقد علمتم النشأة الأولى} تقريرا لإمكان النشأة الثانية، ~~وقال:{ فلولا تذكرون} ذلك، ثم قال تعالى:{ أفرأيتم ما تحرثون} من الأرض ~~وتلقون فيه من البذر والحرث: إثارة الأرض وإلقاء البذر فيها {أأنتم ~~تزرعونه} أي:تنبتونه، وتردونه نباتا ينمى إلى أن يبلغ الغاية {أم نحن ~~الزارعون} ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله تعالى:{أفرأيتم ما تمنون} ~~إشارة إلى دليل الخلق، وبه الابتداء و{أفرأيتم ما تحرثون} إشارة إلى دليل ~~الرزق، وبه البقاء، وذكر أمورا ثلاثة: المأكول، والمشروب، وما به صلاح ~~المأكول، ورتبه ترتيبا فذكر المأكول أولا ؛ لأنه هو الغذاء، ثم المشروب ؛ ~~لأن به الاستمرار، ثم النار التي بها الإصلاح، وذكر من ms0454 كل نوع ما هو الأصل، ~~فذكر من المأكول الحب، وهو الأصل، ومن المشروب الماء كذلك، ومن المصلحات ~~النار ؛ لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها، ودخل في كل واحد منها ما هو دونه. # والفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أول الزرع ومقدماته على ما عرف، ~~والزرع: هو أواخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه، واستوائه على الساق (1) ~~قال المبرد: زرعه الله: أنماه. # وعنه صلى الله عليه وآله:(لا يقل أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت) (2). # ثم قال تعالى:{لو نشاء لجعلناه حطاما} الحطام: الهشيم الهالك، الذي لا ~~ينتفع به، قد تحطم ويبس ولا حب فيه. PageV09P038 # قال الرازي: وهو تدريج في الإثبات، وبيانه: هو أنه لما قال:{أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون} لم يبعد (1) عن معاند أن يقول: هو بنفسه يصير زرعا لا ~~بفعلنا، ولا بفعل غيرنا، فقال تعالى: هب أنا سلمنا هذا الباطل (2) ولكن كيف ~~تقولون في سلامته عن الآفات [فيفسد] قبل اشتداد الحب، وقبل انعقاده، وقبل ~~ذلك (3) ومن تأمل حق التأمل وترك العناد علم أن دفع الآفات بإذن الله تعالى ~~وحفظه عنها بإذن الله، وعلى هذا ذكر في القرآن أمورا مرتبة، فالأول ~~للمهتدين، والثاني: للظالمين، والثالث: للمعاندين الضالين، فيذكر الأمر ~~الذي لاشك فيه في آخر الأمر أقامه للحجة على الضال المعاند (4). # ثم قال تعالى:{ فظللتم تتفكهون} أي:فظللتم، فحذف أحد اللامين، ومعنى ~~تفكهون: تحدثون وتعجبون، وقيل: تندمون على بغيكم فيه، أو على معاصيكم التي ~~من أجلها أصبتم به. # {إنا} أي: يقولون {إنا لمغرمون } أي: لملزمون غرامة ما اتفقنا، أو ~~لمهلكون بالجوع لهلاك زرعنا (5) من الغرام وهو الهلاك. PageV09P039 # وفي البرهان: {إنا لمغرمون} أي: لمعجبون قال الشاعر: # وثقت بأن الحفظ مني سجية...... وأن فؤادي مبتلى بك مغرم # وقد يكون المغرم بمعنى: المولع قال الشاعر # سلا عن تذكره تكتما...... وكان رهينا بها مغرما(1) # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى {إنا لمغرمون} أي:معذبون قال ~~الشاعر: # وما أكلة إن نلتها بغنيمة...... ولا جوعة إن جعتها بغرام # [أي: بعذاب] (2). # وأصل الغرم والغرام: لزوم المكروه. # {بل نحن محرومون } ممنوعون من الرزق، ولا ms0455 حظ لنا. # ثم قال تعالى:{ أفرأيتم الماء الذي تشربون(68)أأنتم أنزلتموه من المزن أم ~~نحن المنزلون} جمع مزنة، وهي السحابة (3) وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو ~~أعذب ماء، خصه بالشرب لأنه ألطف وأنظف، أو تذكيرا بالإنعام عليهم. # ثم قال سبحانه:{لو نشاء جعلناه أجاجا} والأجاج: الملح الزعاق، أشد ما ~~يكون من الملوحة لا يقدر على شربه، وهو من أقبح الماء، وذكر في الماء الطيب ~~صفتين إحداهما: عائدة إلى طعمه، والأخرى إلى كيفية طبعه، وهي الحارة. # ثم قال تعالى:{ فلولا تشكرون} أي: فهلا تشكرون على هذه النعم التامة ~~الكاملة وتؤمنون. # ثم قال تعالى:{ أفرأيتم النار التي تورون} أي: تستخرجون من الزناد ~~وتقدجون، والعرب تقدح بعودين تحط أحدهما على الآخر، يسمون الأعلى الزند، ~~والأسفل الزندة، وشبهوه بالفحل والطروقة، يقال: أوريت ووريت، ومنه قول ~~الشاعر: PageV09P040 # فإن النار بالزندين تورى...... وإن الحرب يقدمها الكلام(1) # والزند كالمرخ (2). # {أأنتم أنشأتم} أي: خلقتم {شجرتها} أي:التي منها الزناد { أم نحن ~~المنشئون} لها دونهم. # ثم قال تعالى:{نحن جعلناها تذكرة} أي:تذكر بنار جهنم، التي هي النار ~~الكبرى، حيث عممنا بالحاجة إليها البلوى ؛ لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها، ~~وينظرون ما أوعدوا به. # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ناركم هذه جزء من سبعين جزء من حر ~~جهنم) (3). # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعنى قوله تعالى:{ ومتاعا للمقوين} ~~أي: منفعة ومتعة وبلاغا للذين هم حالون في القواء والقفار قال الشاعر: # أقوى وأقفر من نعم وغيره...... هوج الرياح تهابي الترب موار # يريد: خلا وأقفر. # وأصدق من هذا قول الهادي [صلوات الله عليه وعلى آبائه]:(فساحته قفر قواء ~~بلاقع) (4). اه # والمراد منفعة للذين ينزلون القواء، وهو القفر، والذين خلت بطونهم ~~ومزاودهم من الطعام، يقال: أقويت من أيام، أي: لم آكل شيئا، والمعنى ينتفع ~~بها أهل البوادي، يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بهم الضال، ~~وانتفاعهم بها أكثر من المقيمين، ولأن ابن السبيل إذا رآها ليلا اهتدى بها، ~~وكانت سببا في تمتعه بالقوت أيضا. PageV09P041 # ثم قال تعالى:{ فسبح باسم ربك العظيم} أي: فأحدث التسبيح بذكر اسم ms0456 ربك، ~~وأراد بالاسم الذكر، أو سبح بذكر ربك، أي: فقل سبحان الله ؛ تنزيها له عما ~~يقولون، أي:شكرا له على ما أعد من النعم، دل جل وعلا عباده بذلك على توحيده ~~وحكمته وعدله، لأنه لا ينبغي أن يكفروا به(1). PageV09P042 # قال الرازي: الوجه في التعلق لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر ~~والوحدانية كما تقدم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: إن وظيفتك أن تكمل ~~في نفسك، وهو علمك بربك [وعملك لربك] فسبح باسم ربك. والفائدة في ذكر الاسم ~~من وجهين: [أحدهما وهو] المشهور أن الاسم مقحم، وعلى هذا يكون فيه زيادة ~~التعظيم، فإن من عظم ملكا وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه، وهذا من ~~جملة ما مر ذكره، يقال: سبحته وسبحت [له] وشكرته وشكرت له. [وثانيهما: أن ~~يكون المراد بذكر ربك] أي: إذا قلت وتولوا (1) فسبح بذكر اسمه بين قومك، ~~واشتغل بالتبليغ، والمعنى: اذكره باللسان وبالقلب [وبين وصفه لهم] (2). ~~ويحتمل أن يقال: [فسبح] مبتدئا باسم ربك [العظيم] فلا تكون الباء زائدة (3). PageV09P043 # واعلم أنه تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني، بين بإرشاده إلى إيجاد ~~الضدين في الأنفس قدرته واختياره، [ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس]ذكر ~~[من دلائل ] الآفاق أيضا قدرته واختياره فقال:{أفرأيتم ما تحرثون} {أفرأيتم ~~الماء الذي تشربون} إلى غير ذلك، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاما، وخلق ~~الماء الفرات، وجعله أجاجا إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار ولم ي[كن] ~~ذكر من الدلائل السماوية شيئا ذكر منها(1) في معرض القسم فقال سبحانه:{فلا ~~أقسم بمواقع النجوم} لما بين أنه خالق الخلق ورازقهم، وله العظمة بالدلائل ~~القاطعة، ولم يؤمنوا قال: لم يبق إلا القسم فأقسم إني لصادق. # ثم ذكر المفسرون في (لا) وجوها أحدها: لا زائدة للتأكيد، والمعنى: أقسم، ~~مثلها في قوله:{لئلا يعلم} وثانيها: أصلها لأقسم بلام التأكيد، أشبعت ~~فتحتها [فصارت لا] كما في الوقف، وثالثها: لا نافية، وأصله(2) على مقالتهم ~~والقسم بعدها كأنه قال: لا والله لا صحة لقول الكافرين، وأقسم عليه. # وأما مواقع النجوم فقال: زيد ms0457 بن علي عليه السلام: معناه أقسم بالقرآن نزل ~~نجوما متفرقة ثلاث آيات وأربع وخمس آيات. PageV09P044 # قلت: ومثله في البرهان(1) وغيره، وأما غيرهم فذكروا في مواقع النجوم وجوها ~~أيضا منها: هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها، ومنها: مواقعها في ~~إتباع الشياطين عند الرجم، ومنها: مواقعها يوم القيامة حين تسير. # وقال في التجريد: مواقع النجوم هي نجوم السماء ومواقعها: مساقطها عند ~~الغروب، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالا ~~عظيمة، أو للملائكة عبادات جليلة، أو لأنه وقت قيام للمتهجدين من الصالحين ~~فلذلك أقسم تعالى بها، وعظم القسم. اه # وقيل: التقدير برب مواقع النجوم. # ثم قال سبحانه:{وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} يعني أن القرآن لقسم عظيم، وهو ~~اعتراض في اعتراض، ومعنى الاعتراض هو الفاصل للتأكيد، أي:اعترض به بين ~~القسم وجوابه، واعتراض ب{لو تعلمون} بين الموصوف وهو (قسم) وبين صفته وهو ~~(عظيم) وكل ذلك لتأكيد تعظيم المقسم به، في ضمن ذلك تعظيم المقسم عليه، ~~وتحقيق ما ذكر من أوصافه(2). # ثم قال تعالى:{إنه لقرآن كريم} حسن مرضي في جنسه من الكتب. PageV09P045 # وقال في البرهان: يعني أن القرآن كريم عند الله [أي:مرتفع] (1) عظيم النفع للناس. # والضمير في {إنه} عائد على معلوم، وهو الكلام الذي أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وكان معروفا عند الكل، وقال الكفار: إنه شعر وإنه ~~سحر، فرد عليهم: إنه لقرآن. والقرآن: مصدر أريد به المفعول، وهو المقروء، ~~وقيل: اسم لما يقرأ، كالقربان لما يتقرب به. # قال بعضهم: في معنى كريم فائدة، وهو أن الكلام إذا كرر كثيرا يهون في ~~الأعين والآذان، والله تعالى لما قال:{كريم} أي:لا يهون بكثرة القراءة، ~~ويبقى أبد الدهر غضا طريا، والكريم: اسم جامع لصفات المدح، وقيل: الكريم: ~~الظاهر الفضل، والقرآن كذلك، لفظه صحيح ومعناه صحيح، وكما أن الكريم عند ~~العوام هو الذي لا يطلب منه شئ إلا وقد أعطاه، وكذلك القرآن، فالفقيه يستدل ~~به ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه ويحتج، والأديب يستفيد منه ويتقوى به، مع ~~أنه تعالى وصف القرآن ms0458 بكونه كريما وبكونه عزيزا، وبكونه حكيما، فلكونه ~~كريما كل من أقبل عليه ناله، ولكونه عزيزا كل من أعرض عنه لا يبقى معه منه ~~شئ بخلاف سائر الكتب، ولكونه حكيما كل من أشتغل به وأقبل عليه بالكلية ~~أغناه عن سائر العلوم. (2)اه # ثم وصفه تعالى بكونه {في كتاب مكنون} أي:في حفظ، علم محفوظ لا يتغير ولا ~~يتبدل {لا يمسه} أي:القرآن {إلا المطهرون} من الأحداث. PageV09P046 # وفي التجريد: إن كان الضمير في {يمسه} للقرآن فقد اختلف في المطهرين، فقيل: ~~المتوضئون قالوا: ولا يجوز للمحدث مس المصحف وهو مروي عن محمد بن علي بن ~~الحسين(1) عليهم السلام وعطاء وطاووس، وسالم (2) والقاسم بن محمد (3) ~~ومالك، والشافعي، وهو مذهب الإمامين القاسم والهادي عليهما السلام. # وقيل: المراد المطهرون من الشرك عن ابن عباس. وقيل: مطهرون من الحيض ~~والجنابة، وهو مذهب الإمام المؤيد بالله عليه السلام. # وقال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى (المكنون) هو: المستور ~~المخزون، ومعنى {لا يمسه} أي: لا يستنبط عجائب معقوله وحكمه {إلا المطهرون} ~~وهم الأئمة الطاهرون. اه # وقيل: الكتاب المصحف عن مجاهد وقتادة، وقوله:{تنزيل} صفة للقرآن أي: ~~منزل(4) {من رب العالمين} أي: من كلامه وقوله بنفسه، قبل أن ينزل به روح ~~قدسه ؛ لأن عظمة الشيء بعظمة الله، فإذا جعلت الشيء قائما بالعظم كان أعظم، ~~فلهذا قال تعالى:{تنزيل من رب العالمين} وقوله تعالى:{من رب العالمين} أيضا ~~لتعظيم القرآن ؛ لأن الكلام يعظم لعظم المتكلم، يقال: كلام الملوك، فإذا ~~قال:{رب العالمين} بين منه عظمة لا عظمة مثلها، وعند هذا يتبين الحق. # ثم عاد إلى توبيخ الكفار فقال سبحانه:{أفبهذا الحديث} العظيم، وهو القرآن ~~{أنتم مدهنون} أو مداهنون بما لزمهم، ومنافقون في التصديق به، ذكر معنى هذا ~~زيد بن علي عليه السلام وغيره من أئمتنا عليهم السلام(5). PageV09P047 # وقال الزجاج: المدهن المداهن الكذاب. والمنافق (1)وهو الجاري في الباطن ~~على خلاف الظاهر، هذا أصله، وقيل للمكذب: مداهن، وإن صرح بالتكذيب، ~~والمعنى: أفبالقرآن أنتم تكذبون، وقيل: مداهنون أي:متهاونون فيه، كما يدهن ~~في الأمر أي:يلين جانبه فيه، ولا يتصلب فيه تهاونا ms0459 به. # {وتجعلون رزقكم} أي: شكر رزقكم { أنكم تكذبون} قال الهادي عليه السلام: ~~يقول: تجعلون شكرنا على ما رزقناكم تكذيبا منكم بقولنا، وجحدانا لحقنا، ~~فقال سبحانه بذلك إذ كان شكرهم له على نعمة التكذيب بآياته، وهذا لا يكون ~~شكرا للمنعم على نعمه، إلا لمتعرض منه لحلول نقمه. اه # والمعنى: تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، وضعتم التكذيب به ~~موضع الشكر. # وقيل: الرزق المطر، كانوا يقولون: إذا مطرنا مطرنا بنوء كذا، فكذبوا ~~بكونه من الله تعالى. # ثم قال تعالى:{ فلولا} أي: فهلا {إذا بلغت} أي: الروح {الحلقوم} قصبة ~~الرقبة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني النفس عند خروجها من الحلق، ~~ولكنه اختصر لعلم المخاطب، ولم يذكر النفس كما قال الشاعر: # أيا مي ما يغني الرقاء عن الفتى...... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يعني النفس عند خروجها من البدن، ولكنه اختصر. اه # {وأنتم} يا أصحاب الميت {حينئذ تنظرون} إليه وهو في النزع {ونحن أقرب ~~إليه منكم} أي: المحتضر {منكم} بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت {ولكن لا ~~تبصرون} أي:لا تشاهدون قربنا إليه، والاستفهام قد يستعمل للإنكار، ومنه ~~قوله تعالى:{أفبهذا الحديث} وقوله:{أتدعون بعلا}(2). PageV09P048 # وقوله تعالى:{فلولا إذا بلغت الحلقوم} أي:لم لا تقولون ما تقولونه عند ~~الموت، وفيه إشارة إلى أن كل واحد يؤمن عند الموت، لكن لا يقبل منهم عند ~~النزع، وقوله:{وأنتم حينئذ تنظرون} تأكيد لبيان الحق، أي:في ذلك الوقت تصير ~~الأمور مرئية مشاهدة، ينظر إليها كل من يلقى في تلك الحالة. # ثم قال تعالى:{ فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} قال ~~الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد فهلا إن كنتم غير مجازين بأعمالكم، ولا ~~محاسبين على أفعالكم قال الشاعر: # وأيام لنا غر طوال...... عصينا الملك فيها أن يدينا # يريد: [أن] يحتكم للجزاء. # وقوله:{ترجعونها} أي: ترجعون النفس بعد موتها، أي: تردون الروح إلى الميت ~~{إن كنتم صادقين} أنكم غير مجزيين ولا مملوكين. # وقوله:{ترجعونها} جواب لسببين الأول: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} والثاني ~~{فلولا إن كنتم غير مدينين}(1) PageV09P049 وفلولا الثانية مكررة للتأكيد، ms0460 والمعنى: أنكم في جحودكم آيات الله وأفعاله ~~إن أنزل عليكم كتابا قلتم: سحر، وإن أرسل رسولا قلتم: ساحر، وإن رزقكم مطرا ~~قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون ~~الروح إلى البدن بعد بلوغها الحلقوم إن لم يكن ثم قابض، وكنتم صادقين في ~~كفركم بالمحيي المميت، أو إن كنتم صادقين أنكم غير مدينين، أي: غير مجزيين ~~ولا مبعوثين. # ولما بين أن الحشر بعد الموت لازم بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك حاملا ~~للمكلف على العمل الصالح، وزاجرا للمتمرد عن العصيان والكذب فقال سبحانه:{ ~~فأما إن كان} المتوفى {من المقربين} يعني من الأزواج الثلاثة، أي: السابقين ~~إلى أفعال الخير، وطاعة الله عز وجل كما تقدم في أول السورة {فروح وريحان} ~~هذا وجه تعلقه معنى، وأما تعلقه لفظا فكأنه قال: أنتم بعد الموت دائمون في ~~دار الإقامة ومجزون، فالمجزي إن كان من المقربين فله الروح والريحان، ~~وفيهما وجوه أحدها: هو الرحمة قال الله تعالى:{ولا تيأسوا من روح الله} أي: ~~من رحمة الله، وثانيها: الراحة، وثالثها: الفرح، وأصل الروح: السعة. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: الروح: هو الريحان، وهو يريد ~~النسيم والراحة من الهوان الأليم، إلا أنه وكد الروح بذكر الريحان، كما وكد ~~ذكر الرحمة بالرحيم والرحمن، وذلك تأكيد وزيادة في البيان (1). # وفي البرهان: يعني عز وجل روحا من الغم، وراحة من العمل ؛ لأنه ليس في ~~الجنة غم ولا عمل، وكذلك الريحان فيه راحة للروح. اه # وفي التجريد: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق في الجنة. # ثم قال عز وجل:{وجنة نعيم} لا يقدر على وصفه. PageV09P050 # ثم رجع إلى ذكر المؤمنين فقال:{وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين} أهل ~~الميمنة، الزوج الثاني من السعداء {فسلام لك} يا صاحب اليمين (1){من} ~~إخوانك {أصحاب اليمين} أي: يسلمون عليك، كقوله:{إلا قيلا سلاما سلاما} ~~وقيل: سلامة لك من الغم يا من يشتغل بهم، والمراد: لا تهتم بأمرهم، فإنهم ~~في نعيم، وقيل: المراد سلامة من عذاب الله، وتسلم عليه الملائكة، وقيل: ~~تقديره ms0461 فسلام إنك من أصحاب اليمين ذكره في البلغة، وهو يفيد عظم حالهم، كما ~~يقال: فلان ناهيك به وحسبك. # {وأما إن كان من المكذبين} بالحق والجزاء {الضالين} عن الهدى، وهم أصحاب ~~المشأمة {فنزل} أي: فلهم نزل أعد لهم {من حميم} أي:من شراب ماء حار {وتصلية ~~جحيم} أي: دس في النار يغمرون بها، كالشاة المصلية، وهي المدسوسة وسط الجمر. # قال الرازي: وفيه مباحث الأول: قال:{المكذبين الضالين} وقال من قبل:{ثم ~~إنكم أيها الضالون المكذبون} الثاني: ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة ~~بعبارة، وأعادهم بعبارة أخرى، فقال:{أصحاب الميمنة} ثم قال:{أصحاب اليمين} ~~و{أصحاب المشأمة} ثم قال:{وأصحاب الشمال} وأعادهم، وفي المواضع الثلاثة ذكر ~~أصحاب اليمين بلفظ واحد، أو بلفظتين مرتين، وذكر السابقين في أول السورة ~~بلفظ السابقين، وفي آخر السورة بلفظ المقربين، وذكر أصحاب النار في الأول ~~بذكر أصحاب المشأمة، ثم بلفظ أصحاب الشمال، ثم بلفظ المكذبين، فما الحكمة فيه؟. PageV09P051 # قال: نقول أما السابق فله حالتان إحداهما: في الأولى، والأخرى في الآخرة، ~~فذكره في المرة الأولى بما له في الحالة الأولى، وفي الثانية بما له في ~~الحالة الآخرة، وليس له حالة متوسطة من الوقوف للعرض والحساب (1) بل هو ~~ينتقل من الدنيا إلى أعلى عليين، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظتين متقاربتين ~~لأن حالتهم قريبة من حال السابقين، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة، كأنهم في ~~الدنيا ضحكوا عليهم [بأنهم أصحاب موضع شؤم] فوصفوهم بموضع الشؤم [فإن ~~المشأمة مفعلة وهي الموضع ثم] قال:{أصحاب الشمال} لأنهم في القيامة على ~~الشمال لأنهم من أهل النار، ثم لما ذكر الله حالهم في أول الحشر لكونهم من ~~أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم. ثم لم يقتصر عليه، ثم ذكر ~~السبب فيه فقال:{إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون} فذكر سبب العقاب ~~لما بينا أن العادل يذكر للعقاب سببا، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل ~~سببا فذكرهم في الآخرة بما عملوه في الدنيا فقال:{وأما إن كان من المكذبين ~~الضالين} (2). # ثم قال تعالى:{ إن هذا} القرآن الذي نزل عليكم {لهو حق اليقين} أي:الحق ~~الثابت ms0462 اليقين، أو الإشارة إلى ما ذكر إلى هذه السورة من قصة المحتضر، أو ~~إلى ما ذكره في حق الأزواج الثلاثة، وفي إضافة الحق إلى اليقين نوع تأكيد، ~~أي: هذا حق الحق، وصواب الصواب، كأنه قال: هذا هو اليقين حقا، وقيل غير ذلك ~~والله أعلم. PageV09P052 # وأما قوله تعالى:{فسبح باسم ربك العظيم} فقد مر شرحه أنه تعالى لما بين ~~الحق قال لنبيئه: هذا حق، فإن امتنعوا هم فلا تعرض عنهم وسبح ربك، فما عليك ~~من قومك صدقوك أو كذبوك، ويحتمل أن يريد فسبح واذكر ربك باسمه الأعظم والله أعلم. # --- PageV09P053 ثم قال:{إنهم} أي: أصحاب الشمال {كانوا قبل ذلك} العذاب في الدنيا {مترفين} ~~متكبرين، وقيل: منعمين أترفتهم النعمة فأبطرتهم، لا يظن ان الأتراف من حيث ~~هو إتراف قبيحا لكن ذلك من قبيح ما ذكر عنه بعده وهو قوله:{وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم} قال زيد بن عليعليه السلام: معناه يقيمون ويديمون على ~~الإثم العظيم. # ويقال: هي اليمين الغموس، ويقال: على الشرك، وقوله:{وكانوا يصرون على ~~الحنث العظيم} فإنه مبالغة ؛ لأن (كانوا يصرون) آكد من قوله: كانوا أصروا ~~لأن الإجماع من لفظي الماضي والمستقبل يدل على الإستمرار، وثانيهما: لفظ ~~الإصرار، إذ الإصرار مداومة المعصية، وثالثها: الحنث فإنه فوق الذنب ؛ لأنه ~~لا يكاد في اللغة يقع على الصغير، ورابعها: العظيم قوله تعالى:{وكانوا ~~يقولون أئذا متنا وكنا ترابا} من البلاء وعظاما بالية {إئنا لمبعوثون أو ~~آباؤنا الأولون} إشارة إلى إنكار الحشر والبشر بعد الموت، فأتوا بالكلام ~~على طريقة الإستفهام بمعنى الإنكار، وأشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها ~~لصحة إنكارهم فقالوا:{إئذا متنا} ولم يقتصروا عليه بل قالوا:{وكنا ترابا ~~وعظاما} أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا وعظاما منا ~~رفاتا، ثم زادوا وقالوا:{أئنا لمبعوثون} بطريقة التأ:يد من ثلاثة أوجه ~~أحدها: استعمال كلمة إن، وثانيها: اثبات اللام، وثالثها: الإتيان بالمفعول ~~كأنه كائن، فقالوا:{أئنا لمبعوثون} ثم زادوا وقالوا:{وآباؤنا الأولون} ~~معناه: أو نقول أو أباؤنا الأولون إشارة إلى أنه الإشكال الأعظم. # --- PageV09P054 ثم إنه تعالى أجابهم، ورد عليهم بالمبالغة في كل مرتبة ms0463 أتوا بالمبالغة كما ~~مر فقال:{قل} يامحمد {إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم} ~~أي: إلى وقت معروف مفهوم، أي إلى ما وقتت به الدنيا من يوم القيامة، ~~والميقات: ما وقت به الشئ إلى حد، ومنه: مواقيت الإحرام، وهي الحدود ~~وقوله:{قل} إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ؛ لأن معناه أن هذا من جملة ~~الأمور التي في الظهور الىحد يشترك فيه العوام والخواص، وعلى هذا في كل ~~موضع قال:{قل} وثالثها: قوله تعالى:{لمجموعون إلى} فإنهم أنكروا ~~قوله:{لمبعوثون} فقال: هو واقع مع أمر زائد وهو أنهم يحشرون ويجمعون في ~~عرصة الحساب، وهذا فوق البعث. # ثم قال:{ثم إنكم أيها الضالون} عن الهدى {المكذبون} بالبعث، يعي أهل مكة ~~ومن حاله مثل حالهم {لآكلون من شجر} في جهنم، ومن لابتداء الغاية، ~~وقوله:{من زقوم} من لبيان الشجرة وتفسير له، وهو طعام أهل النار {فمالئون ~~منها البطون} من الشجر لأنها جماعة شجر في المعنى {فشاربون عليه} أي على ~~الشجر، ذكره لأن لفظه مذكر {من الحميم} الماء المتناهي حره {فشاربون شرب ~~الهيم} أي شرب الإبل الهيم: جمع أهيم وهيماء، وهي الإبل التي بها الهيام، ~~والهيام: داء حار يأخذ الإبل قال الشاعر: # إذا ماسقى الله البلاد بلادا...... تسمى برح من أرض خثعما # سقيت بها نضوي ورويت قربتي...... فأصبحت محموما وأصبح أهيما # وهو يحدث عطشا فلا تزال الإبل تشرب الماء حتى تموت، قال قيس بن الملوح: # يقال به داء الهيام أصابه...... وقد علمت نفسي مكان دوائيا # قال الرازي: وأقوى الأقوال في الزقوم كون ذلك في الطعم مرا، وفي اللمس ~~حارا، وفي الرائحة منتنا، وفي المنظر أسود. ثم قرن بالأكل ليدل على أنه ~~طعام ذو عقاب، وقوله:{فمالئون منها البطون} زيادة في بيان العذاب، والهاء ~~عائدة إلى الشجر، و{فشاربون شرب الهيم} بيان لزيادة العذاب أيضا. # --- PageV09P055 ثم أخبر تعالى عن رزقهم وطعامهم فقال عز وجل:{هذا نزلهم يوم الذين} يوم ~~الجزاء، أي: طعامهم وشرابهم الذي ينزلون عليه، ويصيرون بما قدموا إليه، ~~والنزل: الرزق الذي يعد للضيف النازل تكرمة له، وفيه تهكم بهم نحو{فبشرهم ~~بعذاب ms0464 أليم} وليس هذا كل العذاب، بل هذا أول ما يلقونه، وما بعده أفظع منه. # ثم قال تعالى:{نحن خلقناكم فلولا تصدقون} أي هلا تصدقون بالخلق الثاني، ~~وهو البعث، حثهم على التصديق به ؛ لأن من خلق أولا لم يمتنع أن يخلق ثانيا ~~قال الشاعر: # فلولا قتلتم مالكا بسميه...... ولم تتركوه والرماح دوامي # فمعنى لولا: التحضيض والحث، ولولا مركبة من كلمتين، والأصل فيه لو، ولا، ~~وهي كلمة شرط في الأصل، فلولا تصدق معناه، ثم لا، وهلا لأنه دل على نفي ما ~~دخل عليه، وهو عدم التصديق، ويجوز أن يراد فلولا تصدقون أنا خلقناكم، وهم ~~وإن كانوا مقرين أن الله خلقهم فهم في الحكم غير مقرين بذلك لإنكارهم ~~البعث، ومن حق من أقر بأن الله خلق ابتداء أن يقر بأنه قادر على الإعادة. # ثم قال سبحانه:{أفرأيتم ما تمنون} أي فأخبروني عما تمنون، أي: تصبونه في ~~الأرحام من المني، والمني: النطفة التي تنزل من الأصلاب فتقذف في أرحام ~~النساء، يقال: أمنى النطفة ومناها {أأنتم تخلقونه} أي: أنتم تخلقونه بشرا ~~تقدرونه وتصورونه {أم نحن الخالقون} المقدرون له خلقا بعد خلق في الأرحام، ~~لأنه تعالى لما قال:{نحن خلقناكم} قال المشركون: خلقنا من النطف كما قال به ~~الطبيعيون فقال الله تعالى ردا عليهم: هل رأيتم النطفة جسما صغيرا، ولا ~~يكون له خالق، وذلك الخالق غير مخلوق، وإلا لدار أو تسلسل، والكل باطل. # ثم قال تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت} قال في البرهان: يعني سوينا في ~~الموت بين المطيع والكافر، وقدرناه تقديرا، ودبرناه للحكمة تدبيرا. اه # --- PageV09P056 وقيل: قسمناه عليكم قسمة على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيئتنا وحكمتنا، ~~فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط {وما نحن بمسبوقين} أي بعاجزين في أن ~~يسبقنا في فعلنا أحد، سبقه على الشئ: أعجزه عليه فلم يمكنه منه، أراد أنا ~~قادرون {على أن نبدل أمثالكم} أي: نهلككم فنستأنف خلقا غيركم، أي نحن ~~قادرون على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق ولا تغلبوننا على ذلك ~~{وننشئكم} أي نبتدئكم {فيما لاتعلمون} أي في وقت لا تعلمون به، ms0465 قاله في ~~البرهان. # قال في التجريد: معناه أنا قادرون على تبديل أمثالكم، وأمثال: جمع مثل ~~بمعنى نظير وشبه، أي نخلق خلقا أمثالكم بدلا منكم، وعلى أن ننشئكم في خلق ~~وصور لا تعلمونها، وما عهدتم بمثلها، يريد أنا قادرون على الأمرين جميعا، ~~فكيف نعجز عن إعادتكم، ويجوز أن يكون {أمثالكم} جمع مثل بمعنى: صفة بغير ~~صفاتكم التي أنتم عليها، وننشئكم في صفات لا تعلمونها، قال الحسن: نجعلكم ~~قردة وخنازير كما فعلنا بما كان قبلكم. # --- PageV09P057 ثم قال تعالى:{ولقد علمتم النشأة الأولى} تقريرا لإمكان النشأة الثانية، ~~وقال:{فلولا تذكرون} ذلك، ثم قال تعالى:{أفرأيتم ما تحرثون} من الأرض ~~وتلقون فيه من البذر والحرث: إثارة الأرض وإلقاء البذر فيها {أأنتم ~~تزرعونه} أي تنبتونه، وتردونه نباتا ينمى إلى أن يبلغ الغاية {أم نحن ~~الزارعون} ذكر بعد دليل الخلق ذليل الرزق فقوله تعالى:{أفرأيتم ماتمنون} ~~إشارة إلى دليل الخلق، وبه الإبتداء و{أفرأيتم ما تحرثون} إشارة إلى دليل ~~الرزق، وبه البقاء، وذكر أمورا ثلاثة: المأكول، والمشروب، وما به صلاح ~~المأكول، ورتبه ترتيبا فذكر المأكول أولا ؛ لأنه هو الغذاء، ثم المشروب ؛ ~~لأن به الإستمرار، ثم النار التي بها الإصلاح، وذكر من كل نوع ماهو الأصل، ~~فذكر من المأكول الحب، وهو الأصل، ومن المشروب الماء كذلك، ومن المصلحات ~~النار ؛ لأن بها إصلاح الشيئ للأغذية وأعمها، ودخل في كل واحد منها ماهو دونه. # والفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أول الزرع ومقدماته على ماعرف، ~~والزرع: هو أواخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه، واستوائه على الساق، قال ~~المبرد: زرعه الله: أنماه، وعنه صلى الله عليه وآله:(لايقل أحدكم: زرعت، ~~وليقل: حرثت). # --- PageV09P058 ثم قال تعالى:{لو نشاء لجعلناه حطاما} الحطام: الهشيم الهالك، الذي لا ~~ينتفع به، قد تحطم ويبس ولا حب فيه، قال الرازي: وهو تدريج في الإثبات، ~~وبيانه: هو أنه لما قال:{أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} ولا يبعد عن معاند ~~أن يقول: هو بنفسه يصير زرعا لابفعلنا، ولا بفعل غيرنا، فقال تعالى: هب أنا ~~سلمنا هذا الباطل، ولكن كيف تقولون في سلامته عن الآفات قبل ms0466 اشتداد الحب، ~~وقبل انعقاده، وقبل ذلك، ومن تأمل حق التأمل وترك العناد علم ان دفع الآفات ~~بإذن الله تعالى وحفظه عنها بإذن الله، وعلى هذا ذكر في القرآن أمورا ~~مرتبة، فالأول للمهتدين، والثاني: للظالمين، والثالث: للمعاندين الضالين، ~~ثم ذكر الأمر الذي لاشك فيه في آخر الأمر أقامه للحجة على الضال المعاند. # ثم قال تعالى:{فظلتم تفكهون} أي فظللتم، فحذف أحد اللامين، ومعنى تفكهون: ~~تحدثون وتعجبون، وقيل: تندمون على بغيكم فيه، أو على معاصيكم التي من أجلها ~~أصبتم به {إنا} أي: يقولون {إنا لمغرمون} أي: لملزمون غرامة ما اتفقنا، أو ~~لمهلكون بالجوع لهلاك رزقنا، من الغرام وهو الهلاك. # وفي البرهان: {إنا لمغرمون} أي: لمعجبون قال الشاعر: # وثقت بأن الحفظ مني سجية...... وأن فؤادي مبتلى بك مغرم # وقد يكون المغرم بمعنى: المولع قال الشاعر # سلا عن تذكره تكتما...... وكان رهينا بك مغرم # وقال الحسين بن القاسمعليه السلام: معنى {إنا لمغرمون} أي معذبون قال ~~الشاعر: # وما أكلة إن نلتها بغنيمة...... ولا جوعة إن جعتها بغرام # وأصل الغرم والغرام: لزوم المكروه. # {بل نحن محرومون} ممنوعون من الرزق، ولا حظ لنا. # ثم قال تعالى:{أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون} جمع مزنة، وهي السحابة، وقيل: هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ~~ماء، خصه بالشرب لأنه ألطف وأنظف، أو تذكيرا بالإنعام عليهم. # --- PageV09P059 ثم قال سبحانه:{لو نشاء جعلناه أجاجا} والأجاج: الملح الزعاق، أشد ما يكون ~~من الملوحة لايقدر على شربه، وهو من أقبح الماء، وذكر في الماء الطيب صفتين ~~أحدهما: عائد إلى طعمه، والأخرى إلى كيفية طبعه، وهي الحارة. # ثم قال تعالى:{فلولا تشكرون} أي: فهلا تشكرون على هذه النعم التامة ~~الكاملة وتؤمنون. # ثم قال تعالى:{أفرأيتم النار التي تورون} أي: تستخرجون من الزناد ~~وتقدجون، والعرب تقدح بعودين تحط أحدهما على الآخر، يسمون الأعلى الزند، ~~والأسفل الزندة، وشبهوه بالفحل والطروقة، يقال: أوريت ووريت، ومنه قول ~~الشاعر: # فإن النار بالزندين تورى...... وإن الحرب يقدمها الكلام # والزبد كالمرخ. # {أأنتم أنشأتم} أي: خلقتم {شجرتها} أي التي منها الزناد {أم ms0467 نحن ~~المنشئون} لها دونهم. # ثم قال تعالى:{نحن جعلناها تذكرة} أي تذكر بنار جهنم، التي هي النار ~~الكبرى، حيث عممنا بالحاجة إليها البلوى ؛ لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها، ~~وينظرون ما أوعدوا به. # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ناركم هذه جزء من سبعين جزء من حر جهنم). # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: ومعنى قوله تعالى:{ومتاعا للمقوين} أي ~~تنفعة ومتعة وبلاغا للذين هم حالون في القواء والقفار قال الشاعر: # أقوى وأقفر من نعم وعين...... بهوج الرياح تهاب الترب موار # يريد خلا وأقفر. # وأصدق من هذا قول الهاديعليه السلام:(فساحته قفر قواء بلاقع). اه # والمراد منفعة للذين ينزلون القوى، وهو القفر، والذين خلت بطونهم ~~ومزاودهم من الطعام، يقال: أقويت من أيام، أي: لم آكل شيئا، والمعنى ينتفع ~~بها أهل البوادي، يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بهم الضال، ~~وانتفاعهم بها أ:ثر من المقيمين، ولأن ابن السبيل إذا رآها ليلا اهتدى بها، ~~وكانت سببا في تمتعه بالقوب أيضا. # --- PageV09P060 ثم قال تعالى:{فسبح باسم ربك العظيم} أي فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، وأراد ~~بالإسم الذكر، أو سبح بذكر ربك، أي: فقل سبحان الله ؛ تنزيها له عما ~~يقولون، أي شكرا له على ما أعد من النعم، دل جل وعلا عباده بذلك على توحيده ~~وحكمته وعدله، لأنه لا ينبغي أن يكفروا به. # قال الرازي: الوجه في التعلق لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر ~~والوحدانية كما تقدم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: إن وظيفتك أن تكمل ~~في نفسك، وهو علمك بربك، فسبح باسم ربك، والفائدة في ذكر الإسم من وجهين: ~~المشهور أن الإسم مقحم، وعلى هذا يكون منه زيادة التعظيم، فإن من عظم ملكا ~~وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه، وهذا من جملة ما مر ذكره، يقال: ~~سبحته وسبحت [له] وشكرته وشكرت له، والمعنى: إذا قلت وتولوا فسبح بذكر اسمه ~~بين قومك، واشتغل بالتبليغ، والمعنى: اذكره باللسان وبالقلب. # ويحتمل أن يقال: مبتدئا باسم ربك، فلا تكون الباء زائدة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر خلق ms0468 الآدمي من المني، وبين إرشاده إلى إيجاد ~~الضدين في الأنفس قدرته واختياره، وذكر في الآفاق أيضا قدرته واختياره ~~فقال:{أفرأيتم ماتحرثون} {أفرأيتم الماء الذي تشربون} إلى غير ذلك، وذكر ~~قدرته على زرعه وجعله حطاما، وخلق الماء الفرات، وجعله أجاجا إشارة إلى أن ~~القادر على الضدين... ولم يذكر من الدلائل السماوية شيئا ذكر منها في معرض ~~القسم فقال سبحانه:{فلا أقسم بمواقع النجوم} لما بين أنه خالق الخلق ~~ورازقهم، وله العظمة بالدلائل القاطعة، ولم يؤمنوا قال: لم يبق إلا القسم ~~فأقسم إني لصادق. # --- PageV09P061 ثم ذكر المفسرون في (لا) وجوها أحدها: لا زائدة للتأكيد، والمعنى: أقسم، ~~مثلها في قوله:{لئلا يعلم} وثانيها: أصلها لأقسم بلام التأكيد، أشبعت ~~فتحتها كما في الوقف، وثالثها: لا نافية، وأصلها على مقالتهم والقسم بعدها ~~كأنه قال: لا والله لا صحة لقول الكافرين، وأقسم عليه. # وأما مواقع النجوم فقال: زيد بن عليعليه السلام: معناه أقسم بالقرآن نزل ~~نجوما متفرقة ثلاث آيات وأربع وخمس آيات. # قلت: ومثله في البرهان وغيره، وأما غيرهم فذكروا في مواقع النجوم وجوها ~~أيضا منها: هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها، ومنها: مواقعها في ~~اتباع الشياطين عند الرجم، ومنها: مواقعها يوم القيامة حين تسير. # وقال في التجريد: مواقع النجوم هي نجوم السماء ومواقعها: مساقطها عند ~~الغروب، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالا ~~عظيمة، أو للملائكة عبادات جليلة، أو لأنه وقت قيام للمتهجدين من الصالحين ~~فلذلك أقسم تعالى بها، وعظم القسم. اه # وقيل: التقدير برب مواقع النجوم. # ثم قال سبحانه:{وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} يعني أن القرآن لقسم عظيم، ~~وهواعتراض في اعتراض، ومعنى الإعتراض هو الفاصل للتأكيد، أي اعترض به بين ~~القسم وجوابه، واعتراض ب{لو تعلمون} بين الموصوف وهو (قسم) وبين صفته وهو ~~(عظيم) وكل ذلك لتأكيد تعظيم المقسم به، في ضمن ذلك تعظيم المقسم عليه، ~~وتحقيق ماذكر من أوصافه. # ثم قال تعالى:{إنه لقرآن كريم} حسن مرضي في جنسه من الكتب. # --- PageV09P062 وقال في البرهان: يعني أن القرآن كريم عند الله، أي مرتفع ms0469 عظيم النفع ~~للناس، والضمير في {إنه} عائد على معلوم، وهو الكلام الذي أنزل على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكان معروفا عند الكل، وقال الكفار: إنه شعر وإنه ~~سحر، فرد عليهم إنه لقرآن، والقرآن مصدر أريد به المفعول، وهو المقروء، ~~وقيل: أسم لما يقرأ كالقرآن لما يتقرب به، قال بعضهم: في معنى كريم فائدة، ~~وهو أن الكلام إذا كرر كثيرا يهون في الأعين، والآذان، والله تعالى لما ~~قال:{كريم} أي لا يهون بكثرة القراءة، ويبقى أبد الدهر غظا طريا، والكريم ~~اسم جامع لصفات المدح، وقيل: الكريم الظاهر الفضل، والقرآن كذلك، لفظه صحيح ~~ومعناه صحيح، وكما أن الكريم عند العوام هو الذي لا يطلب منه شئ إلا وقد ~~أعطاه، وكذلك القرآن، فالفقيه يستدل به، ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه ~~ويحتج، والأديب يستفيد منه ويتقوى به مع أنه تعالى وصف القرآن بكونه كريما ~~وبكونه عزيزا، وبكونه حكيما، فلكونه كريما كل من أقبل عليه ناله، وبكونه ~~عزيزا كل من أعرض عنه لايبقى معه من شئ بخلاف سائر الكتب، ولكونه حكيما كل ~~من أشتغل به، وأقبل عليه بالكلية أغناه عن سائر العلوم. اه # ثم وصفه تعالى بكونه {في كتاب مكنون} أي في حفظ، علم محفوظ لا يتغير ولا ~~يتبدل {لايمسه} أي القرآن {إلا المطهرون} من الأحداث. # وفي التجريد: إن كان الضمير في {يمسه} للقرآن فقد اختلف في المطهرين، ~~فقيل: المتوضئون قالوا: ولا يجوز للمحدث مس المصحف وهو مروي عن محمد بن علي ~~بن الحسين عليهم السلام، وعطا وطاووس وسالم والقاسم بن محمد، ومالك، ~~والشافعي، وهو مذهب الإمامين القاسم والهادي عليهما السلام. # وقيل: المراد المطهرون من الشرك عن ابن عباس، وقيل: مطهرون من الحيض ~~والجنابة، وهو مذهب الإمام المؤيد باللهعليه السلام. # --- PageV09P063 وقال الإمام الحسين بن القاسمعليه السلام: معنى (المكنون) هو: المستور ~~المخزون، ومعنى {لايمسه} أي: لا يستنبط عجائب معقوله وحكمه {إلا المطهرون} ~~وهم الأئمة الطاهرون. اه # وقيل: الكتاب المصحف عن مجاهد وقتادة، وقوله:{تنزيل} صفة للقرآن أي تنزيل ~~{من رب العالمين} أي: من كلامه، وقوله بنفسه ms0470 قبل أن ينزل به روح قدسه ؛ لأن ~~عظمة الشئ بعظمة الله فإذا جعلت الشئ قائما بالعظم كان أعظم، فلهذا قال ~~تعالى:{تنزيل من رب العالمين} وقوله تعالى:{من رب العالمين} أيضا لتعظيم ~~القرآن ؛ لأن الكلام تعظيم لعظم المتكلم، يقال: كلام الملوك، فإذا قال:{رب ~~العالمين} بين منه عظمة لا عظمة مثلها، وعند هذا يتبين الحق. # ثم عاد إلى توبيخ الكفار فقال سبحانه:{أفبهذا الحديث} العظيم، وهو القرآن ~~{أنتم مدهنون} أو مداهنون بما لزمهم، ومنافقون في التصديق به، ذكر معنى هذا ~~زيد بن عليعليه السلامبن علي وغيره من أئمتنا عليهم السلام. # وقال الزجاج: المدهن المداهن الكذاب، والمنافق وهو الجاري في الباطن على ~~خلاف الظاهر، هذا أصله، وقيل للمكذب: مداهن، وإن صرح بالتكذيب، والمعنى: ~~أفبالقرآن أنتم تكذبون، وقيل: مداهنون أي متهاونون فيه، كما يدهن في الأمر ~~أي يلين جانبه فيه، ولا يتصلب فيه تهاونا به. # {وتجعلون رزقكم} أي: شكر رزقكم {أنكم تكذبون} قال الهاديعليه السلام: ~~يقول: تجعلون شكرنا على ما رزقناكم تكذيبا منكم بقولنا، وجحدانا لحقنا، ~~فقال سبحانه بذلك إذ كان شكرهم له على نعمة التكذيب بآياته، وهذا لايكون ~~شكرا للمنعم على نعمه، إلا لمتعرض منه لحلول نقمه. اه # والمعنى: تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، وضعتم التكذيب به ~~موضع الشكر. # وقيل: الرزق المطر، كانوا يقولون: إذا مطرنا مطرنا بنوء كذا، فكذبوا ~~بكونه من الله تعالى. # --- PageV09P064 ثم قال تعالى:{فلولا} أي: فهلا {إذا بلغت} أي: الروح {الحلقوم} قصبة الرقبة ~~قال الحسين بن القاسمعليه السلام: يعني النفس عند خروجها من الحق، ولكنه ~~اختصر لعلم المخاطب، ولم يذكر النفس كما قال الشاعر: # أيا مي ما يغني الرقى عن الفتى...... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يعني النفس عند خروجها من البدن، ولكنه اختصر. اه # {وأنتم} يا أصحاب الميت {حينئذ تنظرون} إليه وهو في النزع {ونحن أقرب ~~إليه} أي: المحتضر {منكم} بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت {ولكن لا ~~تبصرون} أي لا تشاهدون قربنا إليه، والإستفهام قد يستعمل للإنكار، ومنه ~~قوله تعالى:{أفبهذا الحديث} وقوله:{أتدعون بعلا} وقوله تعالى:{فلولا إذا ~~بلغت الحلقوم} ms0471 أي لم لا تقولون ما تقولونه عند الموت، وفيه إشارة إلى أن كل ~~واحد يؤمن عند الموت، لكن لا يقبل منهم عند النزع، وقوله:{وأنتم حينئذ ~~تنظرون} تأكيد لبيان الحق، أي في ذلك الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة، ينظر ~~إليها كل من يلقى في تلك الحالة. # ثم قال تعالى:{فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين} قال ~~الحسين بن القاسمعليه السلام: يريد فهلا إن كنتم غير مجازين بأعمالكم، ولا ~~محاسبين على أفعالكم قال الشاعر: # وأيام لنا غر طوال...... عصينا الملك فيها ان يدينا # --- PageV09P065 يريد: يحتكم للجزاء، وقوله:{ترجعونها} أي: ترجعون النفس بعد موتها، أي ~~تردون الروح إلى الميت {إن كنتم صادقين} إنكم غير مجزيين ولا مملوكين، ~~وقوله:{ترجعونها} جواب لسببين الأول: {فإذا بلغت الحلقوم} والثاني {فلولا ~~إن كنتم غير مدينين} وفلولا الثاني مكررة للتأكيد، والمعنى: إنكم في جحودكم ~~آيات الله وأفعاله إن أنزل عليكم كتابا قلتم: سحر، وإن أرسل رسولا قلتم: ~~ساحر، وإن رزقكم مطرا قلتم: صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي الإهمال والتعطيل، ~~فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغها الحلقوم إن لم يكن ثم قابض، ~~وكنتم صادقين في كفركم بالمحيي المميت، أو إن كنتم صادقين أنكم غير مدينين، ~~أي غير مجزيين ولا مبعوثين. # ولما بين أن الحشر بعد الموت لازم بين ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك حاملا ~~للمكلف على العمل الصالح، وزاجرا للمتمرد عن العصيان والكذب فقال ~~سبحانه:{فإما إن كان} المتوفى {من المقربين} يعني من الأزواج الثلاثة، أي ~~السابقين إلى أفعال الخير، وطاعة الله عزوجل كما تقدم في أول السورة {فروح ~~وريحان} هذا وجه تعلقه معنى، وأما تعلقه لفظا فكأنه قال: أنتم بعد الموت ~~دائمون في دار الإقامة ومجزون، فالمجزي إن كان من المقربين فله الروح ~~والريحان، وفيهما وجوه أحدها: هو الرحمة قال الله تعالى:{ولا تيأسوا من روح ~~الله} أي من رحمة الله، وثانيها: الراحة، وثالثها: الفرح، وأصل الروح: السعة. # قال الإمام الحسين بن القاسمعليه السلام: الروح هو الريحان، وهويريد ~~القسم والراحة من الهوان الأليم، إلا أنه ms0472 وكد الروح بذكر الريحان، كما وكد ~~ذكر الرحمة بالرحيم والرحمن، وذلك تأكيد وزيادة في البيان. # وفي البرهان: يعني عز وجل روحا من الغم، وراحة من العمل ؛ لأنه ليس في ~~الجنة غم ولا عمل، وكذلك الريحان فيه راحة للروح. اه # وفي التجريد: الروح الإستراحة، والريحان: الرزق في الجنة. # --- PageV09P066 ثم قال عز وجل:{وجنة نعيم} لايقدر على وصفه، ثم رجع إلى ذكر المؤمنين ~~فقال:{وأما إن كان} المتوفى {من أصحاب اليمين} أهل الميمنة، الزوج الثاني ~~من السعداء {فسلام لك} ياصاحب اليمين {من} إخوانك {أصحاب اليمين} أي: ~~يسلمون عليك، كقوله:{إلا قيلا سلاما سلاما} وقيل: سلامة لك من الغم يامن ~~يشتغل بهم، والمراد: لاتهتم بأمرهم، فإنهم في نعيم، وقيل: المراد سلامة من ~~عذاب الله، وتسلم عليه الملائكة، وقيل: تقديره فسلام إنك من أصحاب اليمين ~~ذكره في البلغة، وهو يفيد عظم حالهم، كما يقال: فلان ناهيك به وحسبك. # {وأما إن كان من المكذبين} بالحق والجزاء {الضالين} عن الهدى، وهم أصحاب ~~المشأمة {فنزل} أي فلهم نزل أعد لهم {من حميم} أي من شراب ماء حار {وتصلية ~~جحيم} أي دس في النار يغمرون بها، كالشاة المصلية، وهي المدسوسة وسط الجمر. # --- PageV09P067 قال الرازي: وفيه مباحث الأول: قال:{المكذبين الضالين} وقال من قبل:{ثم ~~إنكم أيها الضالون المكذبون} الثاني: ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة ~~بعبارة، وأعادهم بعبارة أخرى، فقال:{أصحاب الميمنة} ثم قال:{أصحاب اليمين} ~~و{أصحاب المشأمة} ثم قال:{وأصحاب الشمال} وأعادهم، وفي المواضع الثلاثة ذكر ~~أصحاب اليمين بلفظ واحد، أو بلفظتين مرتين، وذكر السابقين في أول السنورة ~~بلفظ السابقين، وفي آخر السورة بلفظ المقربين، وذكر أصحاب النار في الأول ~~بذكر أصحاب المشأمة، ثم بلفظ أصحاب الشمال، ثم بلفظ المكذبين، فالحكمة فيه ~~قال: نقول أما السابق فله حالتان أحدهما: في الأولى، والأخرى في الآخرة، ~~فذكره في المرة الأولى بما له في الحالة الأولى، وفي الثانية بما له في ~~الحالة الآخرة، وليس له حالة متوسطة من الوقوف للعرض والحساب، بل هو ينتقل ~~من الدنيا إلى أعلى عليين، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظتين متقاربتين لأن ~~حالتهم قريبة ms0473 من خلال السابقين، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة، كأنهم في الدنيا ~~ضحكوا عليهم، فوضعوهم موضع الشؤم، فقال:{أصحاب الشمال} لأنهم في القيامة ~~على الشمال لأنهم من أهل النار، ثم لما ذكر الله حالهم في أول الحشر لكونهم ~~من أصحاب الشمال ذكر مايكون لهم من السموم والحميم، ثم لم يقتصر عليه، ثم ~~ذكر السبب فيه فقال:{إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون} وذلك سبب ~~العقاب لما بينا أن العادل يذكر للعقاب سببا، والمتفضل لا يذكر للإنعام ~~والتفضل سببا فذكرهم في الآخرة بما عملوه في الدنيا فقال:{وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين}. # --- PageV09P068 ثم قال تعالى:{إن هذا القرآن} الذي نزل عليكم {لهو حق اليقين} أي الحق ~~الثابت اليقين، أو الإشارة إلى ماذكر إلى هذه السورة من قصة المحتضر، أو ~~إلى ماذكره في حق الأزواج الثلاثة، وفي إضافة الحق إلى اليقين نوع تأكيد، ~~أي: هذا حق الحق، وصواب الصواب، كأنه قال: هذا هو اليقين حقا، وقيل غير ذلك ~~والله أعلم. # وأما قوله تعالى:{فسبح باسم ربك العظيم} فقد مر شرحه أنه تعالى لما بين ~~الحق قال لنبيئه: هذا حق، فإن امتنعوا هم فلا تعرض عنهم وسبح ربك، فما عليك ~~من قومك صدقوك أو كذبوك، ويحتمل أن يريد فسبح واذكر ربك باسمه الأعظم والله أعلم. # --- PageV09P069 ### || AUTO سورة الرحمن # سبعون وسبع آيات في الحجازي والمكي، وثمان في الكوفي والشامي، وست في ~~البصري (مكية) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله:{ الرحمان} مبتدأ وما بعده إخبار مترادفة، ولم يدخل الواو بينها ~~لمجيئها على نمط التعديد، كما نقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك ~~بعد قلة، فما تنكر من إحسانه. # قال في البرهان:(أما {الرحمن} فهو: اسم من أسماء الله تعالى، لا يجوز ~~لأحد من الناس أن يستعملوه [في أسمائهم] أو ينتحلوه في صفاتهم) (1). # وفي معنى {الرحمن} يقول الهادي إلى الحق عليه السلام:{الرحمن} هو الواحد ~~ذو المن والإحسان والرحمة والامتنان {علم القرآن} أنزله وأمر بقراءته ~~وتعلمه (2) PageV10P001 . اه # وفي الذي علمه القرآن قولان أحدهما: أنه محمد صلى الله عليه وآلهوسلم، ~~وعلمه الله القرآن، ms0474 وعلمه محمد أمته، حتى بلغ جميع الناس، وهذا في البرهان. # والثاني: أنه عام لمحمد ولغيره من الملائكة، فإن الله علمهم القرآن قبل ~~خلق آدم وذريته، ومن ثم قدم علم القرآن على خلق الإنسان. # ثم قال الهادي عليه السلام: معنى {خلق الإنسان} فهو فطره وجعله وصوره، ~~وقدره، ومعنى {علمه البيان} فهو: هداه إلى البيان، وفهمه اللغة واللسان، ~~وفهمه ما يحتاج إليه من الحجج والبرهان(1) PageV10P002 {والسماء رفعها ووضع الميزان} معنى {رفعها} هو علقها سماء وأقلها فوق الأرض ~~{ووضع الميزان} فهو جعل الميزان وهدى إليه {ألا تطغوا في الميزان} يقول: لا ~~تظلموا فيه ولا تحتالوا بحيلة باطل عليه، واستوفوا به وأوفوا، فقد جعلته ~~عدلا بيننا وبينكم، وخلقته مبينا لكم {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا} ~~وأعدلوا الوزن، وأوفوا بالحق، ولا تبخسوا الميزان {والأرض وضعها للأنام} ~~ومعنى وضعها: هو خلقها وبسطها ومهدها {للأنام} فهم الخلق {فيها فاكهة ~~والنخل ذات الأكمام} فالفاكهة: هي الفاكهة المعروفة من ألوان الفواكه ~~والأشجار، والنخل: فهي النخل المفهومة ذات الأكمام، وتبقى الأكمام معلقة لا ~~شئ فيها، وهي القشور التي تكون عليه أول ما تخرج {والحب ذو العصف والريحان} ~~فالحب ذو العصف: فهو الحب من البر والشعر، والعصف فهو القصب الذي يدق فيكون ~~تبنا، وهو الذي ذكر الله عز وجل أنه جعل أهل الفيل كالعصف المأكول. ~~والريحان ههنا: فهو الرزق الواسع من الرحمن، وهو في لغة العرب موجود، اطلب ~~من ريحان الله، أي: اطلب من رزق الله، ولربما صنف العرب الرزق ريحانا لما ~~لها فيه من الطيب والمعيشة والإحسان {فبأي آلاء ربكما تكذبان} يقول: بأي ~~نعم الله وإحسانه تكذبان، ومعنى تكذبان أيها الثقلان، والثقلان: فهما الجن ~~والإنس {خلق الإنسان من صلصال كالفخار} والإنسان: فهو آدم عليه السلام، وهو ~~بدء الناس، والذي تفرعوا منه كلهم، والصلصال: فهو الطين اليابس الذي يتصلصل ~~إذا حرك عند يبسه، وصدم بعضه بعضا {كالفخار} يقول: هذا الطين في التيبس ~~والصلصلة كالفخار الذي [يظهر] صوته إذا دقر بعضه ببعض، وإنما كان آدم ~~صلصالا من بعد تصوير الله له جسما ms0475 من صلصال قبل أن ينقله إلى # الشحم والعظم والدم، ومن قبل الصلصال كان طينا لازبا رطبا منفلكا.{وخلق ~~الجان من مارج من نار} والجان: هي الجن كلها، والمارج: الذي خلقت الجن منه: ~~فهو اللسان الذي ينقطع ويذهب في الهواء من النار إذا أججت وأوقدت، وهو خالص ~~النار وحقيقتها، وإنما سمي مارجا لمرجه في الهواء، ومرجه: فهو ذهابه ~~وسرعته، تقول العرب: فلان قد مرج، أي: قد ذهب في معناه وأسرع {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان رب المشرقين ورب المغربين} فقد تقدم تفسير {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} والمشرقان والمغربان: فهما مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما من حيث ~~يطلعان في الصيف ويغيبان، وذلك أن لهما في الشتاء مطلع ومغرب، وفي الصيف ~~مطلع ومغرب غير مطلع الصيف ومشرقه {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا ~~يبغيان} {مرج البحرين} معناها: خلقهما وجعلهما وبعثهما وأجراهما، وإساحتهما ~~على وجه الأرض، وهذا كاحتجاجنا في قوله:{مرج} وفي قول العرب: مرج الإنسان، ~~وقد تقدم شرح دلك في أول السورة، والبحران: فهما البحر المالح، والبحر ~~العذب، وهو الذي يسمى دجلة، والبحر المالح الذي بمصر إلى فارس، وهما ~~يلتقيان ويصطدمان، وقدرهما على ذلك سبحانه من الشأن فيلتقي البحران حتى ~~ينظر إليهما الناظر بالعينين، ويقف السفر على ملتقاهما فينظر شق السفينة ~~هذا أخضر، وشقها هذا أبيض، يشرب من يمينها مالحا ومن يسارها عذبا، ليس ~~بينهما سبب يحجزهما، ولا معنى {بينهما برزخ} والبرزخ: فهو فعل الله تبارك ~~وتعالى فيهما، وتقديره لالتقائهما واصطدامهما وما حجزهما به من قدرته ~~سبحانه عن اختلافهما كما قال ذو الجلال والسلطان:{بينهما برزخ لا يبغيان} ~~ومعنى {يبغيان} فهو: لا يجوزان ما جعلا له، ولا يقدران على أن يخرجا مما ~~ركبا عليه {فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} فاللؤلؤ: ~~هو اللؤلؤ المعروف المستغني بفهم من سمع ذكره له من تفسير معناه، والمرجان: ~~فهو شئ أحمر # يخرج منه فيجعل خرزا يلبسه من شاءه وأراده {وله الجواري المنشآت في البحر ~~كالأعلام} فهي قلوعها التي ترفع بالحبال في رؤوس الأدقال لتدخل الريح فيها ~~فتجري بها فتحملها على ms0476 ظهر الماء بتقدير ربها {كل من عليها فان ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان} يخبر سبحانه أن كل شئ فان ~~مما عليها، وهذه التي ذكر الله سبحانه أنما عليها يفنى فهي الدنيا، أراد ~~بعليها كل من فيها، فقامت على مقام في، والدنيا: فهو كل ما خلق من سماوات ~~وأرضين، وما فيهن وبينهن إنسيين أو جنيين، {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} فمعنى {وجه ربك} هو ربك، أراد الذات، لا أن ثم وجها موجها، ~~وأعضاء غير مؤلفة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فأخبر سبحانه أن كل ما في ~~الدنيا فان، وأنه تبارك وتعالى الوارث كل شئ الباقي. # يقرأ بالخفض {ذي الجلال} ولا يجوز أن يقرأ: ذو الجلال، كما يقرأها ~~الجهال، ردا على ربك، لا ردا على الوجه. # الجلال: فهو الكبرياء والعظمة والمحال. والإكرام: فهو التقديس والإجلال ~~والإنعام {يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} معنى {يسأله من في السموات والأرض} فهو: تطلب منه الحوائج وتسأله ~~الفضل والرزق والمغفرة والرحمة {كل يوم هو في شأن} يقول: كل يوم هو في ~~تقدير ما يحتاج إليه ملكه، وتقدير أمر خلقه من موت من يموت، أو خلق من ~~يخلق. (وقد جاء ما نقلناه آخرا في ثنايا تفسير هذه السورة ولكن أردنا جمعه ~~هنا تبركا وتيمنا بتفسير الإمام الهادي عليه السلام فنقلناه مجموعا). # --- PageV10P003 قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: الإنسان معروف، ~~وهذا اسم عام للذكر والأنثى، يقال: هذه الإنسان، وهذا الإنسان، وقول من ~~يقول: إنسانة لا أصل له إلا القياس. # قيل: يريد آدم، وقيل: محمدا صلى الله عليه وآلهوسلم، وقيل: جنس الإنسان، ~~أي: خلق الناس جميعا. # وقال في البرهان: {علمه البيان} يعني: ما فيه من الحلال والحرام، والنسخ ~~والأحكام، والهداية إلى أوامر الله عز وجل. # وفي الكشاف: {علمه البيان} أي: المنطق. عدد الله آلاءه فبدأ بأهمها، وهي ~~نعمة الدين، وقدم ما هو أعلى مراتبها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ~~؛ لأنه ms0477 أعظم وحي لله رتبة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، ثم عقبه بخلق ~~الإنسان ليعلم أنما خلقه للدين والعلم بوحيه وكتبه. # ثم ذكر ما يميز به باللسان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في ~~ضميره. اه # لأن المقصود تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر، ومنعه عن التكذيب. # ثم قال تعالى:{ الشمس والقمر بحسبان } أي: يجريان بحسبان، قال الأخفش: ~~أضمر الخبران إن الخبر يجريان مقدران قبل قوله:{بحسبان} أي: بحسبان معلوم ~~له، وتقدير سوي، يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع منها علم ~~السنين والحساب. # قال في البلغة: قيل: حسبان مصدر كالشكران والكفران، وقيل: حسبان جمع ~~حساب، كشهاب وشهبان. # --- PageV10P004 قال الهادي عليه السلام: ومعنى بحسبان يقول: خلقهما للحساب، يعرف بهما ~~السنون والشهور والأزمان {والنجم والشجر يسجدان } (1)فمعنى سجودهما: هو ~~إسجادهما للمعتبرين المستدلين على الله ممن رآهما، فلما أن كان معنى السجود ~~من معنى الساجدين جاز أن يطرح الساجدين، ويثبت السجود، كما قال:{واسألوا ~~القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا منها}(2) وإنما أراد أهل القرية ~~وأهل العير، فلما أن كانت القرية من سبب الأهل طرح الأهل وأثبت القرية (3). اه # قال في التجريد: في النجم قولان: أحدهما أنه مالا ساق له من النبات الذي ~~نجم من الأرض كالبقول، وهو قول ابن عباس والسدي. # والثاني: أنه نجم من السماء، والشجر ماله ساق كالتين والرمان، وسائر ~~الأشجار القائمة، وسجودهما يريد سجودهما لأن يدلان على وجوب السجود لله ~~تعالى، وإنما أخبر عنهما بالسجود وإن كان حاصلا في الشمس والقمر ؛ لأن ~~السجود يناسبهما من حيث هما في الأرض، ولأن ظلالهما يسجد، ولا ضلال للشمس ~~والقمر. # قال الرازي: وفي الترتيب وجوه أحدها: أن الله تعالى لما بين كيفية رحمن، ~~وأشار إلى ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن ذكر نعمه وبدأ بخلق الإنسان، فإنه ~~نعمة جميع النعم به تتم، ولولا وجوده لما انتفع بها، ثم بين نعمة الإدراك ~~بقوله:{علمه البيان} وهو كالوجود إذ لولاه لما حصل النفع والانتفاع. PageV10P005 # ثم ذكر من المعلومات نعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع النعم السماوية، وهي ms0478 ~~الشمس والقمر، ثم بين كمال نفعهما في حركتهما بحسبان لا يتغير، ولو كانت ~~الشمس ثابتة في موضع لما أنتفع بها أحد، ولو كان سترها غير معلوم للخلق لما ~~انتفعوا بالزراعات في أوقاتها، وبناء الأمر على القصر. # ثم بين في مقابلتهما نعمتين ظاهرتين من الأرض وهو النبات الذي لا ساق له، ~~والذي له ساق، فإن الرزق أصله منه، ولولا النبات لما كان للآدمي رزق إلا ما ~~شاء الله، وأما أن النبات هو أصل الرزق فلأنه إما نباتي وإما حيواني، ولولا ~~النبات لما عاش الحيوان، والنبات هو الأصل قائم على الساق كالحنطة والشعير ~~والأشجار الكبار، وغير قائم كالبقول المنبسطة على الأرض. # ثانيها: أنه تعالى لما ذكر القرآن وكان هو كافيا لا يحتاج معه إلى دليل ~~آخر قال بعده:{الشمس والقمر بحسبان} {والشمس} {والنجم} {والشجر} وغيرهما من ~~الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن لم يكن النفس الذكية في الدلائل فله في ~~الآفاق آيات منها: الشمس والقمر، فإنما اختارهما للذكر ؛ لأن حركتهما ~~بحسبان تدل على فاعل مختار سخرها على وجه مخصوص، وذكر الأرض والسماء ~~وغيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة لما في القرآن من ~~الدلائل السمعية. # ثم ذكر وجها ثالثا تركناه استغناء بهذين الوجهين. # ثم قال الهادي عليه السلام: معنى {والسماء رفعها } فهو علقها سماء، ~~وأقلها فوق الأرض. اه # وإنما فعل ذلك لحكم ومصالح منها: أن تجري الرياح بينها وبين الأرض، ويتسع ~~الهواء للسحاب، ولأنه يجعل ما بين ذلك طريقا للطير ومسكنا للجو ؛ ولأنه جعل ~~السماء مسكن ملائكته ومنشأ أحكامه، ففي بعدها عن الأرض التي هي مقر الثقلين ~~تبعيد عن معرفة بعض الغيب، الذي أراد أنه تعالى أن لا يطلع عليه الثقلين، ~~ولغير ذلك. # --- PageV10P006 ثم قال تعالى:{ ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان } في الكشاف {الميزان}: ~~كلما يعرف به مقادير الأشياء من مكيال وميزان ومقياس، أي: خلقه موضوعا ~~محفوظا على الأرض للتسوية والتعديل بين عباده في أخذهم وإعطائهم. اه # والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله:{والشمس والقمر} {ووضع ~~الميزان} إشارة إلى ms0479 العدل، وفيه فائدة، وهي أنه تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ~~ذكر ما فيه أشرف العلوم، وهو القرآن، ثم ذكر العدل، وذكر أخص الأمور له وهو ~~الميزان وهو كقوله:{وأنزل الكتاب والميزان} فالمراد بالميزان: العدل، ~~ووضعه: شرعه، كأنه قال: شرع الله العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو ~~العدل، وإطلاق الوضع للشرع والميزان للعدل جائز، ومثل هذا في البرهان، ~~واستشهد بقول حسان: # ويثرب تعلم أني بها...... إذا التبس الحق ميزانها # وقال الهادي عليه السلام: معنى {ووضع الميزان} فهو: جعل الميزان وهدى ~~إليه {ألا تطغوا في الميزان} يقول: لا تظلموا فيه، ولا تحتالوا بحيلة باطلة ~~عليه، واستوفوا به وأوفوا، فقد جعلته عدلا بيننا وبينكم، وخلقته مبينا. اه # ثم قال سبحانه:{ وأقيموا الوزن } في المعاملات {بالقسط } أي: قوموا وزنكم ~~بالعدل {ولا تخسروا الميزان } أي: لا تنقصوه واعدلوا الوزن، وأوفوا بالحق، ~~ولا تبخسوا وهو أمر بالتسوية، ونهي عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ن وعن ~~الخسران الذي هو تطفيف وخسران ونقصان، وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية، ~~وتقوية باستعماله والحث عليه. # --- PageV10P007 ثم قال سبحانه:{ والأرض وضعها للأنام } أي: خلقها وسطحها ومهدها للأنام وهم ~~الخلق، أي: كلما على الأرض من دابة، وقيل: الأنام الناس، وإنما خص الإنسان ~~بالذكر لأن انتفاعه بها أكثر، فإنه ينتفع بها، وبما فيها وبما عليها، وقيل: ~~الجن والإنس عن الحسن فهي كالمهاد يتصرفون فيها خفضها مدحوة على الماء. # {فيها فاكهة } قال الهادي عليه السلام: فالفاكهة هي الفاكهة المعروفة من ~~أنواع الفواكه والأشجار، أي: ضروب مما يتلذذ به {والنخل } فهي: النخل ~~المفهومة {ذات الأكمام} هي قشر الطلع الذي ينشق عما فيه من الشماريخ، حتى ~~يخرج التمر من جوف الأكمام، وتبقى الأكمام معلقة لا شئ فيها، وهي القشور ~~التي تكون عليه أول ما يخرج. اه # والأكمام: جمع كم بكسر الكاف، وهو غلاف التمر، الذي يغطيه، والفاكهة: ما ~~تطيب النفس ثم صار اسما لبعض الثمار، والتنكير فيها للتكثير، أي: كثيرة، ~~وكأن القائل يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به كل أحد. # {والحب ذو العصف والريحان } قال ms0480 الهادي عليه السلام: فالحب فهو الحب من ~~البر والشعير، والعصف: فهو القصب الذي يدق فيكون تبنا، وهو الذي ذكر الله ~~عز وجل أنه جعل أهل الفيل كالعصف المأكول. اه # وقيل: ورق الزرع، والريحان: هو الرزق، وهو اللب أراد فيه ما يتلذذ به من ~~الفواكه، والجامع بين التلذذ والتغذي وهو تمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب. # قري (والريحان} بالكسر، أي: الحب ذو العصف، الذي هو علف أنعامهم، ~~والريحان: الذي هو مطعم الناس، وبالرفع أي: وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، وقيل: معناه أي: وفيها الريحان الذي يشم، والمعنى: فيها ~~الحب الذي يجمع قوت الناس وقوت البهائم، وفيها أيضا ما يشم، لأن المشمومات ~~غذاء الأرواح، قال النمر بن تولب: # سلام الإله وريحانه...... وجنته وسماء درر # --- PageV10P008 ذكر هذا في البرهان(1). # قال بعض علمائنا عليهم السلام: وأما تفسير الريحان بالرزق فبعيد، وأما ما ~~حكاه الفراء عن العرب أنهم يقولون: خرجنا نطلب ريحان الله أي: رزقه، فيحتمل ~~التشبيه والمجاز. اه # قلت: لاوجه للبعد في ذلك، كيف والدليل عليه قائم، وهو أيضا صريح قول ~~الهادي عليه السلام فإنه قال ما لفظه: والريحان هاهنا فهو الرزق الواسع من ~~الرحمن، وهو في لغة العرب موجود، تقول: اطلب من ريحان الله، أي: اطلب من ~~رزق الله. اه # ثم قال تعالى:{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } حيث تكفران ولا تشكران، ~~والآلاء: النعم، والخطاب للجن والإنس بدلالة قوله:{الأنام} فيما سبق ؛ لأن ~~الأنام اسم للجن والإنس، فعاد الضمير إلى ما في الأنام، وبدلالة ~~قوله:{سنفرغ لكم أيها الثقلان} فيما سيأتي، ومثل هذا قاله الهادي عليه ~~السلام. # ثم قال تعالى:{ خلق الإنسان من صلصال} قال عليه السلام: والإنسان: فهو ~~آدم عليه السلام وهي بدء الناس، والذين تفرعوا منه كلهم، والصلصال: فهو ~~الطين اليابس الذي يتصلصل إذا حرك عند يبسه وصدم بعضه بعضا { كالفخار} ~~يقول: هذا الطين في اليبس والصلصلة كالفخار الذي صوته إذا دقر بعضه ببعضه، ~~وإنما كان آدم عليه السلام صلصالا من بعد تصوير الله له جسما من صلصال قبل ~~أن ms0481 ينقله إلى اللحم والعظم والدم، ومن قبل الصلصال كان طينا لازبا رطبا ~~متعلكا. اه # والفخار: الطين المطبوخ بالنار، وهو الحرف. PageV10P009 # ثم قال تعالى:{ وخلق الجان } قيل: أبو الجن، وقيل: هو إبليس { وخلق الجان ~~من مارج من نار} المارج: اللهب الصافي لا دخان فيه، وقيل: المختلط بسواد ~~النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط، وقوله:{من نار} بيان لمارج كأنه ~~قيل: من صاف من نار، أو مختلط من النار، أو أراد من نار مخصوصة. # وقال الهادي عليه السلام: والجان هي الجن كلها، والمارج الذي خلقت الجن ~~منه: فهو اللسان الذي ينقطع ويذهب في الهواء، ومرجه: فهو ذهابه وسرعته، ~~تقول العرب: فلا قد مرج أي: ذهب في معناه وأسرع. اه # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال في التجريد: وإنما كررت هذه الآية ~~للتأكيد، قال ابن قتيبة: لما عدد الله في هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده ~~آلاءه، ونبههم على قدرته جعل بين كل نعمتين {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، كما تقول لرجل: ألم أسكنك منزلا أفتنكر هذا، ~~ألم أعطك مالا أفتنكر هذا، ألم أنصرك على عدوك أفتنكر هذا. # فإن قيل: المقصود تعديد النعم على الإنسان فما وجه بيان خلق الجان؟ ~~الجواب من وجوه أحدها: ما بينا أن قوله {ربكما} خطاب مع الإنس والجن، ~~ثانيها: بيان فضل الله تعالى مع الإنسان حيث بين أنه خلق من أصل كثيف كدر، ~~وخلق الجان من أصل لطيف، فإنه إذا نظر إلى أصله علم أنه ما نال الشرف إلا ~~بفضل الله تعالى. # ثالثها: أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا لبيان النعمة. # --- PageV10P010 ثم قال تعالى:{ رب المشرقين } مشرقي الصيف والشتاء {ورب المغربين فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } مغربيهما، قال الهادي عليه السلام: والمشرقان والمغربان ~~فهما مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما حيث يطلعان في الصيف ويغيبان، وذلك أن ~~لهما في الشتاء مطلع ومغرب، وفي الصيف مطلع ومغرب غير مطلع الصيف ومشرقه ؛ ~~لأنه تعالى لما قال: {والشمس والقمر بحسبان} دل على أن لهما مشرقين ~~ومغربين. # ثم قال تعالى {مرج البحرين يلتقيان } مرج ms0482 البحرين معناه: خلقهما وجعلهما ~~وبعثهما وأجراهما وأساحهما على وجه الأرض، وهذا كاحتجاجنا في قوله:{مرج} ~~وفي قول العرب: مرج الإنسان، وقد تقدم شرحه في أول السورة. # والبحران: فهما البحر المالح والبحر العذب، وهو الذي يسمى دجلة، والبحر ~~المالح الذي بمصر إلى فارس، وهما يلتقيان بموضع يقال له رأس نهر السد عند ~~مقصاه من البصرة، ومعنى {يلتقيان} فهو: جعلهما يلتقيان ويصطدمان، وقدرهما ~~على ذلك سبحانه من الشأن فيلتقي البحران حتى ينظر إليهما الناظر بالعينين، ~~وتقف السفن على ملتقاهما فينظر شق السفينة هذا أخضر، وشقها هذا أبيض يشرب ~~من يمينها مالحا، ومن يسارها عذبا ليس بينهما سبب يحجرهما، ولا معنى. # {بينهما برزخ } والبرزخ: فهو فعل الله تبارك وتعالى فيهما وتقديره ~~لالتقائهما واصطدامهما، وما حجرهما به من قدرته سبحانه عن اختلاطهما كما ~~قال ذو الجلال والسلطان:{بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان} ~~ومعنى {لايبغيان} فهو: لا يجوزان ما جعلا له، ولا على أن يخرجا مما ركبا ~~عليه. اه # أي لا يتجاوز أحدهما ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة. # واعلم أن المائين في طبعهما السيلان والالتقاء، والبرزخ قدرة الله تعالى ~~التي تمنعهما. # --- PageV10P011 ثم قال تعالى:{ يخرج منهما اللؤلؤ } قال عليه السلام: فاللؤلؤ هو اللؤلؤ ~~المعروف المستغنى بفهم من يسمع ذكره له عن تفسيره ومعناه {والمرجان فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان } فهو شئ أحمر يخرج منه فيجعل خرز يلبسه من شاءه وأراده. اه # اللؤلؤ: الدر الأبيض، والمرجان: الخرز الأحمر، وقيل: اللؤلؤ كبار الدر، ~~والمرجان: صغاره، وقال:{منهما} قيل والله أعلم : من أحدهما وهو الملح ؛ ~~لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز ذلك كما يقال: يخرجان من البحر، ~~ومعلوم أنهما لا يخرجان من جميعه لكن من بعضه، وكما يقال: خرجت من البلد ~~وإنما خرج من دار واحدة، وقيل: إنما يخرجان من ملتقاهما. # {وله الجواري } أي: السفن الجارية {المنشآت} أي: المرفوعات الشرع جمع ~~شراع، وهو القلع الذي يسير السفينة. # وقال عليه السلام: قلوعها التي ترفع بالحبال في رؤوس الأدقال لتدخل الريح ~~فيها فتجري بها فتحملها على ظهر الماء بتقدير ms0483 ربها. # {في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان } جمع علم، وهو الجبل الطويل ~~{كل من عليها فان} هالك يخبر سبحانه أن كل شئ فان مما عليها، وهذا التي ذكر ~~الله سبحانه إنما عليها يفنى فهي الدنيا، أراد بعليها كل من فيها، فقامت ~~على مقام في، والدنيا: فهي كل ما خلق من سموات وأرضين وما فيهن وبينهن من ~~ملائكة، أو جنيين أو إنسيين. اه # --- PageV10P012 ثم قال تعالى:{ويبقى وجه ربك } أي: ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات ~~؛ لأن الوجه يستعمل في العرب لحقيقة الإنسان، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى ~~وجه غيره يقول: رأيته، وإذا رأى غير وجهه من اليد والرجل مثلا لا يقول: ~~رأيته ثم نقل إلى غيره من الأجسام، ثم نقل إلى ما ليس بجسم، يقال في ~~الكلام: هذا وجه حسن، هذا وجه ضعيف، وقول من قال: إن الوجه من المواجهة كما ~~هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية، فذلك فاسد، والأمر على العكس، قاله ~~الرازي. # وقوله {ذو الجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان } صفة للوجه، أي: ذو ~~الجلال قالوا: بالواو إجماعا. # وقال الهادي عليه السلام: معنى {ويبقى وجه ربك} هو: ربك، أراد الذات، لا ~~أن ثم وجها موجها، وأعضاء كغيره مؤلفة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، فأخبر ~~سبحانه أن كل ما في الدنيا فان، وأنه تبارك وتعالى الوارث كل شئ الباقي (1). # (ذي الجلال) يقرأ بالخفض والياء، ولا يجوز [أن] يقرأ بالضم والواو (ذو ~~الجلال) كما يقرأها الجهال ردا على ربك، لا ردا على الوجه. الجلال: فهو ~~الكبرياء والعظمة والمحال والإكرام، وهو التقديس والإجلال والإنعام. اه # قال في الكشاف: وقرئ (ذي الجلال) صفة لربك، ومعناه ذو العظمة والإكرام، ~~أو الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه، أو الذي يقال له: ما أجلك وأكرمك ~~!، أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده. # قال فيه: فإن قلت ما النعمة في ذلك؟ قلت: أجل النعمة وأعظمها، وهي مجيء ~~وقت الجزاء عقيب ذلك. اه # ثم قال عليه السلام: ومعنى {يسأله من في السماوات والأرض ms0484 } فهو: يطلب منه ~~الحوائج، ويسأله الفضل والرزق والمغفرة والرحمة. PageV10P013 # وفي البرهان: أما من في السماء فهم الملائكة يسألونه الرحمة، والمنازل ~~الرفيعة، ولا يسألون الرزق، وأهل الأرض يسألون الرزق والمغفرة. اه # ثم قال سبحانه:{ كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان} قال عليه ~~السلام: يقول: كل يوم هو في تدبير ما يحتاج إليه ملكه، وتقدير أمر خلقه من ~~موت من يموت وخلق من يخلق. اه # وقيل: معنى {كل يوم} أي: كل وقت يحدث أمورا، ويجدد أحوالا، قال صلى الله ~~عليه وآلهوسلم لمن سأله عن ذلك الشأن: (يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ~~ويضع آخرين). # قال في التجريد: نزلت حين قالت اليهود: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. # وروي أن بعض الملوك سأل وزيره عنها فعيي عليه الجواب واستمهل، فقال له ~~غلام أسود: شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ~~ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما، ويسقم صحيحا، ~~ويبتلى معافى، ويعافي مبتلى فرفعه إلى الملك، فقال سيده: اخلع ثياب ~~الوزارة. # قوله تعالى:{ سنفرغ لكم أيها الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان } وعيد، ~~مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك من كل ~~ما يشغلني حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد التوفر إلى النكاية والانتقام. # واعلم بأن الله تعالى يوصف بكونه لا يشغله شأن عن شان، ومعناه: أن الشأن ~~الواحد لا يصير مانعا له تعالى عن شأن آخر، كما أنه يكون مانعا لنا، بل ~~يوجد منه تعالى من الأفعال مالا يحصر ولا يحصى في آن واحد، إذا عرفت هذا ~~فقد أفادك التحقيق في قوله:{سنفرغ لكم أيها الثقلان}. # --- PageV10P014 وما أحسن قول الهادي عليه السلام في معنى ذلك فإنه قال: معنى {سنفرغ لكم} ~~هو سنفرغ من إفناء الأجل الذي جعلناه أجلا لإمهالكم وتأخيركم، فإذا أفنينا ~~هذه المدة وفرغنا منها أتى كلا ما أوعدناه عند فناء مدته، وانقضاء مهلته ~~وإمهاله من موت أو حلول نقم، فهذا معنى:{سنفرغ لكم} و{الثقلان} فهما الجن ms0485 ~~والإنس، وقد يكون المعنى الذي ذكره الله أنه يفرغ منه هو مدة الدنيا التي ~~جعلها الله ووقتها، وقد يكون عند فراغه منها وإفنائه لها ما يكون من الجزاء ~~في يوم الدين جزاء للمثابين، وجزاء للمعاقبين. اه # ثم قال تعالى:{ يامعشر الجن والإنس } أي: جماعة الثقلين، مشتق من ~~المعاشرة {إن استطعتم } أي: إن قدرتم على{أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض } أي: إن قدرتم أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي، ومن جوانب ~~سمائي وأرضي. # وفي البرهان: إن استطعتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هربا من ~~الموت ونحوه، وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء {فانفذوا} ثم قال:{ ~~لا تنفذون } أي: لا تقدرون على النفوذ {إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} إلا بقوة وغلبة، وأنى لكم ذلك، وهذا وعيد على مخالفتهم لأمر الله. # وروي أن الملائكة يوم القيامة تحيط بجميع الخلائق، فإذا رآهم الجن والإنس ~~هربوا فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة قد أحاطت به. # قال أكثر المفسرين: يقال لهم هذا يوم القيامة. # --- PageV10P015 وقال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله سبحانه، وتوقيف للثقلين على ~~عجزهما، وأنهما غير خارجين من قدرته، ولا إرادته، ولا ما جعله لهما مسكنا ~~من الأرض والهواء {إلا بسلطان} والسلطان: فهو السبب من الواحد الرحمن، ~~يقول: لا تنفذوه، أي: لا تقطعونه، ولا تجوزونه، ولا تخرجون منه إلا أن يشاء ~~الله ذلك فيقدركم على ما يشاء، وينقلكم إلى ما يجب من الأشياء، فهذا معنى ~~السلطان، الذي ذكره العلي الأعلى. # ثم قال تعالى:{ يرسل عليكما } أي: على مجرميكما {شواظ من نار } والشواظ: ~~فهو اليسير من النار واللهب {ونحاس } فهي: الدخان. اه # والشواظ: اللهب الخالص، قال: (ونار حرب تسعر الشواظا). # وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر، والنحاس هنا: ~~دخان قال النابغة الجعدي: # يضيء كضوء سراج السليط...... لم يجعل الله فيه نحاسا # ذكره في البرهان وغيره. # {فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال عليه السلام: يقول إن نزل بكم ~~ما ذكرنا وأرسلناه عليكم كما قلنا ms0486 فلم يكن عندكم لأنفسكم انتصار ولا امتناع ~~أي: من عذابنا. # ثم قال تعالى {فإذا انشقت السماء } صارت أبوابا لنزول الملائكة {فكانت ~~وردة } أي: حمراء كلون الفرس الورد، وقيل: المراد بالوردة هي الوردة ~~المعروفة. # --- PageV10P016 قال الهادي عليه السلام: هذا في يوم الدين عند تبديل السماء فحينئذ تنشق ~~للبواد والفناء، ثم تعود وردة كالدهان، والوردة: إنما هي مثل مثله الله ~~تبارك وتعالى به يخبر أنها تكون عند تمحقها وتقطعها كاصفرار الوردة ~~{كالدهان فبأي آلاء ربكما تكذبان } يقول: يكون لونها كلون الوردة، وتكون ~~بعد هذا التجسم كالدهان، والدهان: فهو المهل الذي شبه الله به في غير هذا ~~الموضع وهو ماء القطران وصفوه، فأخبر الله سبحانه أنها تكون كهذا الدهن عند ~~رجوعها إلى الدخان، الذي منه خلقت من بعد ما هي عليه اليوم من العظم والجسم ~~الذي عليه جعلت. اه # قال في البلغة: قال بعض العلماء: السماء أول ما تنشق تحمر ثم تصفر، ثم ~~تخضر، ثم تكون ألوانا، وقيل: السماء تذوب من حر نار جهنم يوم القيامة ~~{فيومئذ } أي: يوم تنشق السماء {لا يسأل عن ذنبه إنس } بعض الإنس {ولا جان ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: أي: جن. # قال زيد بن علي عليه السلام: معناه لا يسأل أحد عن ذنب أحد. اه # وقال في البرهان: هذا موقف من مواقف الآخرة يختم على أفواه القوم، وتكلم ~~أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وفي موقف آخر يسألون فينطقون لقوله:{لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون}(1). # وقال الهادي عليه السلام: معنى {لا يسأل} هو: لا يسأل لاستفادة أمر ~~مجهول، وإنما يسأل للتقريع والإخزاء، لا على أن يعلم منه شئ من الأشياء. # قال في البلغة: لأنه عالم الغيب والشهادة، ولكن سؤال توبيخ وتقريع ~~وتبكيت، ولهذا عقبه بقوله:{ يعرف المجرمون بسيماهم } بعلامتهم المذكورة ~~{فيؤخذ بالنواصي والأقدام فبأي آلاء ربكما تكذبان }. PageV10P017 # قال الهادي عليه السلام: السيماء الذي يعرف به المجرمون: فهو خلقهم ~~وشناعتهم واسوداد وجوههم في ذلك اليوم مع آيات كثيرة يبديها الله فيهم، ~~ويجعلها علامات عليهم بما يعرفهم بها خزنة جهنم ms0487 فحينئذ يؤخذ بنواصيهم ~~وأقدامهم، والنواصي: فهي شعور رؤوسهم وأرجلهم حتى تلقيهم في جهنم وبئس ~~المصير. اه # والناصية: مقدم الرأس، قيل: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ~~ظهره، وقيل: تسحبهم الملائكة تارة تأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام {هذه } ~~أي: يقال لهم: هذه {جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم ~~آن} أي: ماء حار قد انتهى حره، قال [الهادي ] عليه السلام: معنى {يطوفون ~~بينها} هو: يعذبون بها وبالحميم والآن فهو: الشديد الحمو الحار جدا، الذي ~~قد انتهى وبلغ في الحرارة كل مبلغ. اه # أي يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وشرب الحميم، وقيل: يغمسون في الحميم ~~حتى تنخلع أوصالهم قال:{ فبأي آلاء ربكما تكذبان} ولا نعمة في العذاب إلا ~~أنه أراد الإخبار بذلك لمن هو في دار التكليف، وهو إنذار وتخويف ففيه نعمة، ~~وأي نعمة. # ثم قال تعالى:{ ولمن خاف مقام ربه } أي: موقفه الذي يقف فيه العباد ~~للحساب {جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال في البرهان: يعني لمن خاف ~~بأداء فرائض الله والاجتناب لما حرمه، والمقام يوم القيامة إذا أزلفت ~~الجنة، وبرزت النار، والجنتان: جنة عدن، وجنة ا لنعيم. اه # وقيل: معناه كأنه قيل: لكل خائفين منكما يا ثقلان جنتان، جنة للخائف ~~الإنسي، وجنة للخائف الجني، أو لكل خائف جنة لفعل الطاعة، وجنة لترك ~~المعصية. # وفي البلغة: جنة داخل قصره، وجنة خارج قصره. # --- PageV10P018 وأحسن من هذا كله قول المرتضى عليه السلام جوابا عن من سأله عن قوله تعالى: ~~{جنة} و{جنتان} فقال عليه السلام: إنما خاطبهم الله سبحانه وأوقفهم على ما ~~يعرفون، فالعرب تعرف الجنة ما كان حائطا فناء واحدا سمي جنة، وما كان من ~~الأشياء فناء وفنان، سمي جنة وجنتان، وما كان كثيرا من الفنون سمي جنانا، ~~إذ كل فن من هذه الفنون إذا انفرد وحده انتظمه اسم الجنة، فإذا اجتمع هو ~~وغيره سمي جنانا من ذلك العنب يسمى جنة إذا كان حسنا جميلا ناضرا كثيرا، ~~ومن ذلك حائط النخل إذا كان ملتفا حسنا كثيرا سمي جنة، ومن ذلك ms0488 جميع أنواع ~~الفواكه كلها إذا اجتمعت والتفت كما ذكر الله سبحانه جنة كتابه، فأخبر عز ~~وجل أن في الجنة من هذه صنوفا مختلفة، وكل فن منها فهو عظيم جليل مغن كثير ~~فلذلك قال سبحانه جنة وجنتان وجنان، إذ كل صنف من هذه يقوم بنفسه ويدعا ~~باسمه، فإذا اجتمعت لأولياء الله وأعطوها صارت جنانا لتفننها، ويجمعها اسم ~~الجنة بتمليكها وعزلها لأصحابها، المحيين لها، المخلدين فيها، والاسم جامع ~~للجنة كلها متفنن عند تحديدها، فهذا معنى ما سألتم وعليه جواب ما أردتم، ~~مثل ذلك في افتراقه واجتماعه مثل رجل كان هو وغيره في دار عظيمة فيها حجر ~~له منها حجرتان، فكان يقال: حجرتا فلان، وحجرة فلان، ثم صارت تلك الحجر ~~جميعا له وحواها ملكه فصار القائل يقول: دار فلان، وهي دور كثيرة إذ حواها ~~ملكه، ودار بها حده، فكذلك جنان ذكرها الله مفترقة، ثم جمعها بقوله: جنة إذ ~~حواها كله حده الذي جعله الله وقسمه عليه، وأعطاه إياه، فلما أن دخلت كلها ~~في ملكه جاز أن يقال: جنة إذا صارت له مجتمعه، كما كانت تلك الدار تنسب له ~~فيها حجرة وحجرتان، فلما أن ملكها بجميع حجرها جمعها اسم الدار وهي مفترقة ~~إذ صارت في يده، وإنما قال الله تبارك وتعالى ذكره ترغيبا لخلقه فيها، ~~فسماها جنانا عند الافتراق، فلما اجتمعت انتظمها اسم الجنة. اه # --- PageV10P019 ثم قال تعالى:{ ذواتى أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: صاحبتا أغصان ~~وألوان، الواحد من الأفنان: فنن، قال الشاعر (1): # ما هاج قلبك من هدير حمامة...... تدعو على فنن الغصون حماما # وقال آخر: # سوى ناعيات في الديار يرعننا...... يصحن على أفنان بان نوايس # والمعنى: أن فيها أفنانا من الأشجار، وأنواعا من الثمار، والتنكير ~~للأفنان للكثرة، أو للعجب. # ثم قال تعالى:{ فيهما عينان} أي: في الجنة نهران { تجريان فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } حيث شآؤا في الأعالي والأسافل، وقيل: تجريان من جبل من مسك. # وعن الحسن بن علي رضوان الله عليه: تجريان بالماء الزلال إحداهما ~~التسنيم، والأخرى السلسبيل {فيهما من كل فاكهة ms0489 زوجان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان} أي: صنفان، صنف معروف، وصنف غريب، وقيل: أراد صنفا رطبا، وصنفا ~~يابسا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه على يابسه. # ثم قال تعالى:{ متكئين على فرش} يعني الخائفين، والنصب على الحال، تقديره ~~يتفكه الكائنون على فرش متكئين، من غير بيان ما يتكئون عليه، ويحتمل أن ~~يكون الفرش { بطائنها من إستبرق } أي: من ديباج ثخين، وهي أدون من الظهارة، ~~دل على أن الظهارة فوق الإستبرق، قيل: وظهائرها من سندس، وهو مارق من ~~الحرير، وقيل: من نور، وإذا كانت البطائن من الإستبرق، فما ظنك بالظهائر. # قيل لسعيد بن جبير: فما الظهائر؟ قال: هذا مما قال تعالى:{فلا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين} ذكره في التجريد. PageV10P020 # ثم قال عز وجل:{ وجنى الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان} قال في البرهان: ~~أما الجني فهو الثمر، وروينا أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يتمثل ~~بهذا البيت كل عشية إذا دخل في بيت مال المسلمين وفرق ما فيه: # هذا جناي وخياره فيه...... إذ كل جان يده إلى فيه # دان: أي: دانية يعني ثمرها من المجتني، قريب لا يبعد على قائم ولا قاعد، ~~ولا يرد أيديهم بعد ولا شوك. # {فيهن قاصرات الطرف } أي: في هذه النعم المعدودة من الجنتين والعينين ~~والفاكهة والفرش، أو الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور. # وقيل: قاصرات الطرف صفة لموصوف محذوف، وهو النساء والأزواج، كأنه قال: ~~فيهن نساء قاصرات الطرف. # قال الهادي عليه السلام: أي: هن غواض الطرف عن غير أزواجهن عفة وطهارة ~~وكرما. اه(1). أي: قصار قصرن أبصارهن عن أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم. # وقوله:{ لم يطمثهن } قرئ بكسر الميم وضمها، ومعناهما واحد، أي: يجامعهن، ~~وقيل: لم تعتضهن، لأن الطمث النكاح بالتدمية. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الطمث هنا للجماع والإدماء قال ~~الفرزدق: # دفعن إلي لم يطمثن قبلي...... وهن أصح من بيض النعام # وقوله تعالى:{ إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال الفراء: ~~أي: لم يطمث الإنسيات أحد ms0490 من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن، ومثله في ~~الكشاف قال: وفيه دليل على أن الجن ينكحون. # وقال في البلغة: والجن لم تمس النساء، وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الوصف. PageV10P021 # قلت: ويؤيد هذا قول جماعة من كبار أئمتنا عليهم السلام، من ذلك قول الهادي ~~إلى الحق عليه السلام في تفسيره لهذه الآية حيث قال ما لفظه: يقول لم يدن ~~منهن إنس ولا جان، والجان فلا تدنوا، وإنما هذا على مجاز الكلام كما تقول ~~العرب: ما قال هذا القول جني ولا إنسي، والجن لا تقول ذلك المقال، وإنما ~~هذا على مجاز الكلام. # وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: الجن لا يتناكحون ولا يتوالدون، ~~وأما قوله تعالى:{أفتتخذونه وذريته}(1) فإنما أراد بالذرية قبيلته، ~~كقوله:{إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم}(2). # قال الإمام القاسم بن علي العياني عليه السلام: إن الله سبحانه لم يجعل ~~الأكل والشرب إلا لبني آدم، وما خلق الله معهم في الأرض من البهائم، فأما ~~الملائكة والجن فلم يجعل الله لهم الأكل، وجعل لهم من الملاذ ما يتنعمون به ~~ويسرون، فإذا كان في دار الآخرة أعطى الله كل عبد من النعيم ما أعطاه في ~~دار الدنيا، ولما في الآخرة الفضل لأنه خلق للبقاء. اه. ومثل هذه ذكر ~~المرتضى عليه السلام في الإيضاح. # ثم قال تعالى:{ كأنهن الياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان } يريد في ~~حسن الصور وصفاء الألوان، أي: هن في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، ~~والمرجان: صغار الدر ؛ لأنهن أشد بياضا من كباره، فهن كالياقوت الذي يكون ~~في معدنه، والمرجان الذي يكون في صدفه لا يكون قد مسه يد لامس. # ثم قال تعالى: {هل جزاء الإحسان } في العمل {إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } أي: ما جزاء من أحسن عمله في الدنيا إلا أن يحسن الله إليه في ~~الآخرة بالثواب. # وقال زيد بن علي عليه السلام: الإحسان الأول هو الإيمان والتوحيد، ~~والإحسان الثاني هو الجنة. اه # --- PageV10P022 ثم قال عز وجل:{ ومن دونهما } أي: الجنتين الموعودتين للمقربين {جنتان فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان ms0491 } لأصحاب اليمين (1). # قال في البرهان: والجنتان الأولتان للسابقين إلى الطاعات والفضل، ~~والآخرتان للتابعين، لأن المنازل ترتفع في الجنة على قدر الأعمال والطاعات (2). # روي في التجريد عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم (جنتان من ذهب أنبتهما ~~وما فيهما للسابقين، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما للتابعين). # وقال في البلغة: جنتان أقرب إلى قصره ومجالسه في قصره، وهي أربع جنان ~~ثنتان أقرب، وثنتان أبعد. # قوله تعالى:{ مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال الهادي عليه السلام: ~~هما الجنتان، وهما ذواتا الأشجار والأنهار، والمدهامتان: فهما الريانتان ~~اللتان قد رويت أشجارهما حتى ادهامت، ومعنى ادهامت: فهو علاها السواد لريها ~~وشدة خضرتها. # قال في التجريد: والمراد أن خضرة شجرهما تضرب إلى السواد لكثرة الري، لا ~~أن الجنة سوداء، فإنها مضيئة بأنوار من الله. # {فيهما عينان نضاختان فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: فوارتان، والنضخ ~~بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة، لأنه بها كالرش، وفيما ~~ينضخان به قولان: أحدهما أنه الماء عن ابن عباس، والثاني: أنه المسك ~~والعنبر والكافور عن ابن مسعود وابن عباس أيضا. PageV10P023 # وقال الهادي عليه السلام: فهاتان العينان [فهما الماء المنبثق الذي يثج من ~~الأرض ثجاجة، حتى يتطاير ويخرج من ينبوعه خروجا {نضاختان} فهما] اللتان ~~ينضخ ماؤهما لكثرة خروجه منهما حتى يتطاير عند انسكابه تطايرا يقع منه ~~النضخ [على ما حواليهما، وإنما أخذ ذلك من نضخ الشئ، تقول العرب: انضخ ~~وانضح] (1) بالخاء والحاء جميعا، وبالخاء أفصح اللغتين. اه # {فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي آلاء ربكما تكذبان } إنما عطف النخل ~~والرمان على الفاكهة، وهما منها اختصاصا لهما وبيانا لفضلهما، كأنهما لما ~~لهما من المزية جنسان آخران كقوله:{جبريل وميكال} في عطفهما على الملائكة ؛ ~~أو لأن التمر فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه. # وفي التجريد: قال ابن الجوزي: قال ابن عباس: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، ~~وكرانيفها ذهب أحمر، وسعفها كسوة أهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم. # وقال سعيد بن جبير: نخل الجنة جذوعها من ذهب وعروقها من ذهب، وكرانيفها ~~من زمرد، ورطبها كالدلاء، أشد بياضا ms0492 من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من ~~العسل، ليس له عجم. # قال أبو عبيدة: الكرانيف أصول السعف. اه # ثم قال تعالى في صفة نسائهم: {فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~أي: في هذه الجنان، ومعنى {خيرات} خيرات: جمع خيرة، والمعنى: فاضلات ~~الأخلاق، حسان الخلق. # وقال الهادي عليه السلام: فهي كل خير مجتمع من حوريات، أو طعام أو شراب، ~~أو فواكه، أو شئ من النعم، فجمع الله ذلك كله فيما سمي من الخيرات، وحسان: ~~فهن فاضلات في معاينهن، كاملات في شبابهن. اه # قال في التجريد: وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في ~~تفسيرها أنه قال: (خيرات الأخلاق حسان الوجوه). PageV10P024 # {حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان فبأي آلاء ربكما تكذبان } قال [الهادي] عليه السلام: والحور هنا النساء ~~الحور العين، والحور: فهو نعت من صفات الأعين، وهو حور يكون في العين دعج ~~حسن تحسن به الأعين إذا كان فيهن يفخر به من كان فيه منهن {مقصورات} فهن: ~~محبوسات مصونات محجوبات، لسن بدوارات ولا خارجات، بل هن متأفنات لمساكنهن، ~~خفرات، والخيام: فهي خيام الدر والياقوت المنضود المنسوج، وهي القباب ~~المعمولات المرفوعات في قصور الحوريات. # ثم قال عز وجل:{ متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~} والمعنى: أن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم منعمون دائما، وأما ~~الرفرف فقال الهادي عليه السلام: فهو اللين من الفرش، والعبقري: فهو اسم ~~صنف من فرش الجنة، وقد تقول العرب لما كان حمرته الغالبة على غيرها من ~~الألوان: عبقري. اه # قيل: وأصله أن عبقر بلد يوشي فيها البسط وغيرها فنسب إليه كل شئ جيد، حتى ~~يقال للرجل الذي يعمل عملا عجيبا: عبقري، أي: هو من ذلك البلد. # ثم قال تبارك وتعالى {تبارك اسم ربك } أي: تعاظم عن صفات المخلوقين، ~~بمعنى علا وارتفع شأنا لا مكانا، وقيل: إن المراد أن البركة تكتسب وتنال ~~بذكر اسمه عز وجل. # وقيل: معنى {تبارك} كثر خيره لعباده. # وقوله:{ذي ms0493 الجلال والإكرام} تقدم تفسيره في هذه السورة، وقرئ (ذو) صفة ~~للاسم وهذه الصفة من عظيم صفات الله تعالى، وفي الحديث (ألظوا بيا ذا ~~الجلال والإكرام) (1) أي: الزموه وألحوا به في الدعاء. # --- PageV10P025 وسمع صلى الله عليه وآلهمن يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال:(قد استجيب ~~لك) (1) PageV10P026 ### | AUTO (1) سورة ق # أربعون آية وخمس آيات (مكية إجماعا) # بسم الله الرحمن الرحيم # {ق والقرآن المجيد} إن جعل اسما للسورة فالتقدير : هذه السورة التي أعجزت ~~العرب ، {والقرآن المجيد} قسم جوابه محذوف ، أي : لتبعثن . # والمجيد : فهو ذو المجد والشرف على غيره من الكتب . # وإن جعل تعديدا للحروف للتحدي والتنبيه على إعجاز القرآن ، فالقرآن قسم ~~أيضا ، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف قبل ق ، وقد قيل : إن مثل هذه الحروف ~~تنبيهات قدمت على القرآن ليبق السامع مقبلا على استماع ما يرد عليه فلا ~~يفوته شئ من الكلام الرائق ، والمعنى الفائق . # و{ق} قيل : هو جبل محيط بالأرض كلها ، هذا قول جماعة من المفسرين ذكره في ~~التجريد (2). # وقال الهادي عليه السلام :{ق} هو جبل كريم جعل الله فيه بركة وخيرا عظيما ~~، ويقال : إنه أكبر جبال الدنيا وأعظمها عظما ، وأبعدها مدى ، وأشدها ~~ارتفاعا . # {والقرآن المجيد} قال عليه السلام : هو قرآن محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، ومعنى {المجيد} فهو : العظيم الكريم . PageV11P001 # {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} معناها : لقد عجبوا (1) وهو جواب القسم ب {ق ~~والقرآن المجيد} فقامت الباء مقام اللام ، والمعنى فهو باللام {أن جاءهم ~~منذر} فالمنذر فهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعنى {منذر} فهو مخوف ~~معذر بين يدي عذاب الله ونقمته وأخذه سبحانه وبطشه (2). # وهذا إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب ، وهو أن ينذرهم [بالمخوف]رجل منهم ، قد ~~عرفوا وساطته فيهم وعدالته ، وأمانته ، ومن كان بهذه الصفة لم يكن إلا ~~ناصحا لقومه(3) . PageV11P002 # ثم قال سبحانه إنكارا لتعجبهم من البعث {فقال الكافرون هذا شيء عجيب} دلالة ~~على أن تعجبهم من البعث أدخل في الإستبعاد ، وأحق بالإنكار ، أي : هذا ~~الرجع شئ عجيب ، وإنما عجبوا حيث دعاهم إلى إله واحد ، وهو بشر مثلهم ms0494 ، ~~فأعلمهم بالبعث والنشور ، والثواب والعقاب ، تعجبوا أولا من أن يبعث إليهم ~~رجلا منهم ، وثانيا من البعث بعد الموت ، وصيرورتهم ترابا {أئذا متنا وكنا ~~ترابا} إذا : منصوب بمضمر (1) أي : حين نموت ونبلى نرجع ، أي : نبعث . # ثم قالوا : {ذلك رجع بعيد} أي : مرجع (2) PageV11P003 الكتاب : تفسير المصابيح # غير ممكن مستبعد مستنكر ، كقولك : هذا قول بعيد ، ومعناه : بعيد من الوهم ~~والعادة عندهم لما هم عليه من كفرهم بالله ، وجهلهم ، وإنما أنكر عليهم ~~تعجبهم من البعث لإقرارهم بالنشأة الأولى بقدرة الله على خلق السموات ~~والأرض ، ومن قدر على ذلك قدر على البعث . # ثم إن الله تعالى قال :{ قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} إشارة إلى دليل ~~جواز البعث وقدرته تعالى عليه ؛ وذلك لأن الله تعالى عالم بجميع أجزاء كل ~~واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر ، وقادر على الجمع ~~[والتأليف] (1). # قال الهادي عليه السلام : يخبر سبحانه أنه عالم بكل ماتنقص الأرض ممن يقع ~~في جوفها من موتاها ، فأخبر أنه يعلم ما تأكل منهم الأرض ، وما يبقى من ~~ترابهم ورميمهم (2). اه # وهذا رد لاستبعادهم الرجع ؛ لأن من لطف علمه حتى تغلغل إلى ما تنقص الأرض ~~من أجساد الموتى ، وتأكله من لحومهم [وعظامهم] كان قادرا على رجعهم أحياء ~~كما كانوا (3). # وفي ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم أجزاءهم يعلم أعمالهم(4) يرجعهم ~~ويعذبهم بما كانوا يقولون ، وبما كانوا يعملون . # ثم مثل سبحانه علمه بالأشياء وحفظه لها بالشئ المكتوب فقال تعالى :{ ~~وعندنا كتاب حفيظ} وقيل : معناه حافظ لما كتب فيه من البعث وأعمالهم وكفرهم ~~بالبعث وغيره ، أو محفوظ من التغيير ، ومن الشياطين ، قالوا : وهو اللوح ~~المحفوظ . PageV11P004 # قلت : وعند القاسم والهادي وغيرهما من أئمة العترة عليهم السلام أن اللوح ~~والكتاب في هذا الموضع ونحوه عبارة عن علم الله تعالى وحفظه للأشياء ، قال ~~القاسم عليه السلام : لأن أحفظ ما يحفظ الآدميون ما يوقعون في الكتب ~~ويكتبون ، فمثل الله ذلك لهم من علمه وحفظه بما يعرفون ، وأخبرهم أن الذي ~~عنده سبحانه من ذلك وفيه كله على خلاف ما ms0495 يصفون لفرق ما بينه وبين خلقه في ~~كل صفة ، وليعرفوه في ذلك كله من الفرق بما يجب من المعرفة (1). اه # ولفظ الهادي إلى الحق عليه السلام في معنى قوله تعالى :{وعندنا كتاب ~~حفيظ} يقول : عندنا من ذلك علم محفوظ حتى نردهم من حيث ما كانوا ، ونجمع ~~أجزاءهم وأعضاءهم من حيث ما توجهوا حتى نلم بعضها إلى بعض من حيث ما كانت ~~من الأرض (2). اه # وقال عليه السلام في غير هذا الموضع : والكتاب يكون على ثلاثة معان احدها ~~: بمعنى العلم كما في هذه الموضع ونحوه ، والثاني : بمعنى الحكم من الرحمن ~~، والثالث : فهو اسم الكتاب المنزل نفسه ، قال عليه السلام : فعلى هذه ~~الثلاثة المعاني يخرج معنى الكتاب ، ولن يوجد معنى رابع بسبب من الأسباب ، ~~وسيأتي له ذلك بلفظه إن شاء الله تعالى حيث ذكره في قوله تعالى :{قل لو ~~كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل}(3) . # ثم قال تعالى ردا عليهم :{ بل كذبوا بالحق لما جاءهم} يعني {بالحق} ~~القرآن والنبوة الثابتة بالمعجزات ، وقيل : الحشر الذي لابد من وقوعه ، فهو ~~حق ، وهذا إضراب أتبع الإضراب الأول دلالة على أنهم جاؤا بما هو أفظع من ~~تعجبهم وهو تكذيبهم بالنبوة ، أي : عاندوا ، وليست عقولهم تنكر البعث ، ولا ~~نبوة رجل من البشر ، والتقدير في المضروب عنه أنه لم يكذب المنذر بل كذبوا هم . PageV11P005 # وتقريره هو أنه تعالى لما قال عنهم : إنهم قالوا هذا شئ عجيب ، كان فيه ~~معنى قولهم : إن المنذر كاذب ، فقال تعالى : لم يكذب المنذر {بل} هم {كذبوا ~~بالحق لما جاءهم} أي : في أول وهلة من غير تفكر بصحته { فهم في أمر مريج} ~~قيل : والمريج المختلط الملتبس ، الذي بان فساده ، فقال ابوذؤيب : # مرج الدين فأعددت له ... ... مشرف الحارك محبوك الكبد(1) # المعنى : انهم في أمر مضطرب مختلط ، يقولون تارة : شاعر ، وتارة : ساحر ، ~~ومرة : كاهن ، وهو الذي يلقى عليه مسترقة السمع ، يقال : مرج الخاتم في ~~اصبعه ، إذا كان فيه سعة ، فقيل :{في أمر مريج} لكونهم لا يثبتون عن قول واحد . # قال الرازي : والأصح أن يقال ms0496 : هذا بيان للإختلاف المذكور في الآيات ، ~~وذلك لأن قوله تعالى :{بل عجبوا} يدل على أمر سابق أضرب منه ، وقد ذكرنا ~~أنه الشك ، وتقديره : والقرآن المجيد إنك لمنذر ، وإنهم شكوا فيك ، بل ~~عجبوا ، بل كذبوا ، وهذه مراتب ثلاث ، الأولى : الشك ، وفوقها التعجب لأن ~~الشاك يكون الأمران عنده سيين ، والمتعجب يترجح عنده عدم وقوع العجيب ، ~~لكنه لايقطع به ، و[المكذب]الذي يجزم بخلاف ذلك ، فكأنهم كانوا شاكين ، ~~وصاروا ظانين ، وصاروا جازمين ، فقال : {فهم في أمر مريج} (2). PageV11P006 # ثم قال تعالى :{ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها ~~من فروج} إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم :{ذلك رجع بعيد} وهذا كما في ~~قوله تعالى :{أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}(1) ~~ونحوها ، والمعنى : ألم ينظروا حين كفروا إلى آثار قدرة الله إلى العالم ~~السماوي . # ومعنى {كيف بنيناها} هو : كيف رفعناها بغير عمد {وزيناها} قال الهادي ~~عليه السلام : تزيينها : فهو بما فيها من النجوم ،وذلك قوله سبحانه :{ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين}(2) ومعنى قوله :{وما ~~لها من فروج} هو : مافيها من فروج ، فقامت اللام مقام في لأنها من حروف ~~الصفات ، يعقب بعضها بعضا ، والفروج : فهي الفتوق والشقوق والإختلاف ~~بالفطور ، بل هي ملساء سليمة من العيوب ، لا صدع فيها ولا خلل ، فأخبر ~~سبحانه أنها مستوية ليس فيها من كل ذلك شئ ، وأصل ما أراد بذكر السماء ~~وأمرها ، وما جعل فيها من زينتها ، ونفى عنها من فطورها أنه أراد سبحانه : ~~أفلا يوقن يريد ياهذا من فعلنا بقدرتنا على ما أنكر بما ذكرنا له من حشرنا ~~لعبادنا ، وبعثنا البشر من فعل مافعل في السماء بقادر على أن يحشر ويعيد ~~الأشياء (3). اه PageV11P007 ثم أشار سبحانه إلى دليل آخر فقال تعالى :{ والأرض مددناها} أي : بسطناها ~~{وألقينا فيها رواسي} أي : جبالا ترسيها من الأضطراب والإنقلاب وتسكنها ، ~~ولولا هي لانقلبت بأهلها {وأنبتنا فيها من كل زوج } أي : من كل صنف من ~~أصناف النبات {بهيج} أي : حسن عجيب ، يتبهج [به]لحسنه ، أي : تظهر البهجة ~~وهي الحسن في ms0497 وجه ناظره {تبصرة} يبصر بها عباده ، وبرهانا دل به الخلق على ~~عظمته وقدرته {وذكرى لكل عبد منيب} أي : فعلنا ذلك لأجل أن يتبصر المكلف ، ~~أي : يعرف ويتذكر ، والمنيب : الذي أخلص توبته ، الراجع إلى ربه ، المتفكر ~~في بدائع خلقه . # ثم أشار سبحانه إلى دليل آخر هو مابين السماء والأرض ، فيكون الإستدلال ~~بالسماء والأرض وما بينهما فقال تعالى :{ ونزلنا من السماء ماء مباركا} ~~كثير المنافع {فأنبتنا به جنات وحب الحصيد} يعني المطر ؛ لأن به يحي ~~الحيوان والنبات ، فأنشأنا به {جنات} أي : بساتين ، وهي الأشجار التي ~~تستر(1) الأرض من الفواكه ونحوها [{وحب الحصيد}] البر والشعير وكل ما يحصد ~~من الحبوب . # {والنخل باسقات} طوالا في السماء مرتفعات قال الهادي عليه السلام في ~~تفسيره لهذه الآيات : هذا مثل قوله سبحانه :{وجعلنا من الماء كل شئ حي}(2) ~~فأخبر أنه أنزل من السماء ماء فأنبت به ما أنبت من الجنات ، والحب الحصيد ، ~~والنخل الباسقات ذوات الطلع النضيد . PageV11P008 # فأما معنى قوله :{جنات} فالجنات هي البساتين والحدائق ذوات الألتفاف ~~والثمار والإئتلاف ، ذوات الأنهار الجاريات ، والثمار المذللات ، اللواتي ~~قد جمعن كل الثمار ، وجرت فيما بينهن وخلالهن الأنهار ، فما كان هكذا ~~فالعرب تسميه جنانا ، فعلى هذا يخرج ما سمي حصيدا ليبسه وبلوغه واستحصاده ، ~~فكل شئ بلغ غايته وينع سمته العرب مستحصدا وحصيدا ، أي : قد جاء وقت حصاده ~~وقطعه ، وبلوغ غاية ماينتظر به آخذه # ومعنى قوله في النخل :{باسقات} فالباسقات : هن المشرفات الطوال ~~المرتفعات. الساميات {لها طلع نضيد} فالطلع هوهذا الطلع الذي يخرج في النخل ~~المعروف [وهو شئ أبيض ، أول ما يخرج من النخلة مثل الكرم ، وهو أول ما يخرج ~~من العنب] . # ومعنى {نضيد} فهو : منضود بعضه إلى بعض ، متداخل بعضه في بعض ، مجتمع ~~متقارب ، وتلك صفته مادام في أكمامه حتى تنفلق عنه أغشيته ، ثم تتفرق من ~~بعد التناضد شماريخه ، وتتباعد حيطانه (1). اه # وفي التجريد : النضيد إما أن يراد به كثرة الطلع وتراكمه ، أو كثرة مافيه ~~من الحب(2) . # ثم قال تعالى :{ رزقا للعباد} فيه وجهان : أحدهما نصب على المصدر ؛ لأن ~~الإنبات رزق ms0498 ، فكأنه تعالى قال : أنبتناها إنباتا للعباد ، والثاني : نصب ~~على كونه مفعول له ، كأنه قال : أنبتناها لرزق العباد(3) . PageV11P009 # ثم قال تعالى :{وأحيينا به بلدة ميتا} عطفا على {أنبتنا به} فقوله ~~:{وأحيينا به} أي : بالماء إشارة إلى أنه دليل على الإعادة ، كما أنه دليل ~~البقاء ، ويدل عليه قوله تعالى : {كذلك الخروج } أي : مثل ذلك الإحياء لهذه ~~الأرض الميتة بالجدب الخروج ، أي : تخرجون منها بعد موتكم ، تقديره : ~~أحيينا به بلدة ميتا فتشققت وخرج منها النبات ، كذلك تشقق ويخرج منها ~~الأموات . # جعل ذلك كله دليلا على البعث والنشور من وجهين أحدهما : أن النشأة ~~الأولى إذا خلقها من غير أصل كانت النشأة الثانية بإعادة ماله أصل أهون . # والثاني : أنه لما شوهد من قدرته إعادة ما مات من زرع ونبات كان إعادة ما ~~مات من العباد أولى للتكليف الموجب للجزاء . # ثم قال عز وجل تسلية لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتنبيها بأن حاله ~~كحال من تقدمه من الرسل كذبوا وصبروا فأهلك الله مكذبهم ونصرهم فقال تعالى ~~:{كذبت قبلهم } يعني : قريشا {قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون ~~وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد} وفيه وعيد لهم . # أما الرس ففيه وجهان أحدهما : أنه كل حفر في الأرض من بئر وقبر ، والثاني ~~: أنه البئر الذي لم يطو بحجر ولا غيره . # وأما أصحاب الرس فهم الذين قتلوا صاحب ياسين [في بئر لهم] (1)ودسوه ذكره ~~في البرهان . # وقيل : هم قوم شعيب ، وكانوا أهل آبار ومواش فدعاهم فكذبوا ، فبيناهم حول ~~هذه البئر انهارت بهم وبدوابهم فهلكوا ، وقيل : الرس قرية باليمامة . # {وثمود} قال فيه : وهم قوم صالح ، وكانوا عربا بوادي القرى وما حولها ، ~~وهو مأخوذ من الثمد ، وهو الماء القليل ، قال النابغة : PageV11P010 # واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ~~إلى حمام سراع وارد الثمد # {وعاد} وهو اسم رجل من العماليق كثر ولده فصاروا قبائل ، وكانوا باليمن ~~بالأحقاف ، والأحقاف الأرمال ، وهم قوم هود . # {وفرعون} أي : قوم فرعون ، كانوا من أبناء مصر ، وروينا أنه عاش ثلاثما ~~ئة سنة ، منها ms0499 مائتان وعشرون [سنة]لاتقذى عينه ، ودعاه موسى ثمانين سنة . # {وإخوان لوط} يعني قومه وأتباعه ، وكانوا أربعة آلاف ألف ، وروينا في ~~الآثار أنه ما يقوم أحد يوم القيامة من الأنبياء إلا وقام معه من أمته ناس ~~إلا لوط فإنه يقوم وحده (1). # {وأصحاب الأيكة} وهي الغيظة ذات الشجر الملتف، وكان عامة شجرها الدوم ، ~~وكان رسولهم شعيبا (2)هلكوا بعذاب الظلة . # {وقوم تبع} وتبع كان رجلا من ملوك حمير ، وسمي تبعا لكثرة تبعه ، وروي أن ~~تبعا أسلم ، وكفر قومه فلذلك ذكر قومه ولم يذكر ، وهو الذي حير الحيرة (3)، ~~وفتح سمرقند حتى أخربها ، وكان يكتب إذا كتب بسم الله الذي تسمى ، وملك برا ~~وبحرا وصحا(4) وريحا . PageV11P011 # وقوله تعالى :{كل كذب الرسل} الرسل : يحتمل وجهين أحدهما : أن كل واحد كذب ~~رسوله فهم كذبوا الرسل ، واللام حينئذ لتعريف العهد ، وثانيهما : وهو الأصح ~~هو أن كل واحد كذب جميع الرسل ، واللام حينئذ لتعريف الجنس ، وهو على وجهين ~~أحدهما : أن المكذب للرسول مكذب لكل رسول ؛ لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب ~~جميع الرسل لاتفاقهم على تصديق كل منهم ، وثانيهما : أن المذكورين كانوا ~~منكرين للرسالة والحشر بالكلية(1) . # وقوله :{فحق وعيد} أي : فحق وعيد عليهم وعيد الله ، أي ما أوعد الله من ~~نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم . # قال في البرهان : وإنما ذكر الله سبحانه قصص هؤلاء لهذه الأمة ليعلم ~~المكذبون منهم بالنبي صلى الله عليه وآله وبالأئمة من ولده أنهم كغيرهم ممن ~~كذبوا الرسل إن أقاموا على التكذيب فلم يؤمنوا حتى أرشد الله من أرشد ، ~~وتبعهم رغبا ورهبا من تبع(2) . # ثم قال تعالى استدلالا بدلائل الأنفس :{ أفعيينا بالخلق الأول} لما قرن ~~الله دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بالواو فقال :{والأرض مددناها} وقال ~~:{وأنزلنا من السماء ماء مباركا} ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الإستفهام ~~والفاء بعدها إشارة إلى تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس فلم يجعل هذا ~~تبعا لذلك ، ومثل هذا مراعى في أواخر (يس) حيث قال تعالى :{أو لم ير ~~الإنسان أنا خلقناه}(3) . # ومعنى قوله :{أفعيينا} عي بالأمر : لم ms0500 يهتد لوجه علمه ، والهمزة للإنكار (4). PageV11P012 # قال الهادي عليه السلام : هذا تقريع من الله للكافرين ، وإخزاء ~~[منه]بالتبكيت للمكذبين ، الذين كذبوا النشأة الأخرى ، وأنكرواما ذكر الله ~~من البعث والقيامة ، وكبر ذلك في صدورهم ، ولم يوقنوا برد الأبدان بعد ~~بلائها وفنائها وتمزقها في الأجداث وذهابها فقال سبحانه :{أفعيينا بالخلق ~~الأول} يريد : إن كان الخلق الأول أعيانا وأتعبنا فسيعيينا إعادته في ~~النشأة الآخرة ، وإن لم يكن بدو (1)خلقكم أعيانا فإن ردكم أهون من ابتدائكم ~~علينا . # ثم قال :{ بل هم في لبس من خلق جديد} يريد : بل هم في شك من ردنا لهم بعد ~~البلاء في خلق جديد (2). اه PageV11P013 وفي تنكير الخلق الجديد دون الخلق الأول شأن عظيم وحال شديد ، حق من سمع به ~~أن يهتم به ويخاف ، ويبحث [عنه]ولا يقعد على لبس في مثله(1) والمعنى : أنا ~~لم نعجز كما علموا عن الخلق الأول حتى نعجز عن الثاني ، ثم قال : هم ~~لاينكرون قدرتنا على الخلق الأول واعترافهم بذلك في طيه الإعتراف بالقدرة ~~على الإعادة {بل هم في لبس} أي : خلط وشبهة قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم ، ~~ومنه قول علي عليه السلام :(ياحار إنه لملبوس عليك اعرف الحق تعرف أهله) . ~~ولبس الشيطان : تسويله إليهم أن إحياء الموتى PageV11P014 [أمر]خارج عن العادة ، فتركوا لذلك القياس الصحيح لأن الإعادة أهون من ~~الإنشاء (1). # قال في البرهان : وفيه تأول آخر معناه : أفعجزنا عن إهلاك الخلق الأول ، ~~يعني من تقدم ذكره حين كذبوا بالرسل مع قوتهم وكثرتهم ، حتى تشكوا من ~~إهلاكنا لكم مع ضعفكم إن كذبتم ، فيكون هذا خارجا مخرج الوعيد ، والأول ~~خارج مخرج البرهان والدليل (2). اه # وقوله :{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} إشارة إلى أنه لا ~~تخفى عليه خافية ، ويعلم ذوات صدورهم ، والوسوسة : كثرة الحديث في خفاء مما ~~لا يتحصل . PageV11P015 # وقوله :{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} بيان لكمال علمه ، والوريد : العرق ~~الذي هو مجرى للدم فيه ، ويصل إلى [كل]جزء من أجزاء البدن ، أي : ونحن أعلم ~~بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه لأنه ms0501 عرق يخالط القلب ، ~~فعلم الله أقرب إليه من علم القلب ، وهذا الوريد وريدان في العنق أحدهما عن ~~اليمين والآخر عن الشمال ، ويحتمل أن يكون المعنى : ونحن أملك به من وريده ~~الذي هو منه ، ووصف الله تعالى بالقرب مجاز ، والمراد قوة علمه به واقتداره ~~، لا يخفى عليه شئ من خفياته ، فكأن ذاته قريبة منه ، كقولهم : هو مني مقعد ~~القابلة ، ومعقد الإزار (1)، وكما يقال : الله بكل مكان ، أي : علمه ، وحبل ~~الوريد مثل في فرط القرب ، والحبل : هو العرق ، شبه بواحد الحبال ، ~~والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلان بالوتين عرق الصدر ~~، يردان من الرأس إليه(2) ، وقيل : سمي وريدا ؛ لأن الروح ترده عند خروجها ~~، والحبل : هو الوريد ، وإضافته إلى الوريد للبيان ، كبعير سانية . # ثم قال تعالى :{ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} إذ ظرف ، ~~والعامل فيه ما في قوله تعالى :{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وفيه إشارة ~~إلى أن المكلف غير متروك سدى ، والمعنى أنه سبحانه لطيف يتوصل علمه إلى ~~خطرات النفس ، ومالاشئ أخفى منه ، وهو أقرب من الأنسان من كل قريب حين ~~يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه ~~[وكيف لايستغني عنه] (3) وهو مطلع على أخفى الخفيات ، وإنما ذلك لحكمة ~~اقتضت ذلك . PageV11P016 # والمتلقيان من الملائكة الحفظة عليهم السلام ، وهم أربعة ملكان بالنهار ، ~~وملكان بالليل يتلقيان الأعمال من الحسنات والسيئات ، ومكان كاتب الحسنات ~~على يمين المكتوب عليه ، ومكان كاتب السيئات على يساره . والتلقي : التلقن ~~بالحفظ والكتاب ، والقعيد : الرصيد ، بمعنى المقاعد والمجالس ، كالجليس ~~والشريب ، والمراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين ، فحذف ~~لدلالة الثاني عليه . # ثم أخبر سبحانه أنه {ما يلفظ} أي : العبد {من قول إلا لديه} أي : عنده ~~ملك {رقيب} يرقب عليه ، أي : يحفظه {عتيد} حاضر لا يغيب ، قيل : إلا عند ~~الغائط والجماع ، قيل : يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه ، والصحيح أنهما ~~لايكتبان إلا ما يثاب عليه ، أو يعاقب ، يدل عليه قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم :(كاتب الحسنات على ms0502 يمين الرجل يكتب الحسنة عشرا وهو أمين على كاتب ~~السيئات فإذا عمل سيئة يقول له صاحب اليمين دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر) (1) PageV11P017 . # وقيل : يكتبان أفعال القلوب يطلعهم الله على الضمائر ، وقيل : لا يكتبان ~~أفعال القلوب بل يتولى الله حسابها من غير كتابه . # واعلم أنه سبحانه لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بوصف قدرته [وعلمه] ~~أعلمهم أن ما أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم ، وعند قيام الساعة ~~، ونبه على اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي ، وهو قوله عز وجل :{وجاءت ~~سكرة الموت بالحق} [وسكرة الموت]:هي شدته الذاهبة بالعقل ، وعبر عن اقتراب ~~ماجحدوه بجاءت ، كأن مجيئها قد وقع {بالحق} أي : بحقيقة الأمر مما ينكشف ~~للإنسان من سعادة أو شقاوة ؛ لأن الموت أول أحوال الآخرة ، وقوله :{بالحق} ~~يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد منه الموت ، فإنه حق ، كأن شدة الموت ~~تحضر الموت ، والباء حينئذ للتعدية يقال : جاء فلان بكذا ، أي : أحضره ، ~~وثانيهما : أن يكون المراد من الحق ما أتى به من الدين ؛ لأنه حق ، وهو ~~يظهر في(1) شدة الموت وما من أحد إلا وهو في تلك الحالة يظهر الإيمان ، ~~لكنه لايقبل إلا ممن سبق منه ذلك ، وآمن بالغيب ، ومعنى المجيئ به : هو أنه ~~يظهره ، كما يقال : الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي ~~أظهره ، ولما كانت شدة الموت مظهرة له قيل فيه :جاء به وهو قوله تعالى :{ ~~ذلك ما كنت منه تحيد} يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الموت ، ويحتمل أن يكون ~~إشارة إلى الحق ، ومعنى {تحيد} أي : تفر وتهرب ، قيل : خطاب للكافر والأقوى ~~أن يقال : هو خطاب عام مع السامع كأنه يقول :{ذلك ماكنت منه تحيد} أيها ~~السامع(2) PageV11P018 . # وفي الحفظة ومجيئ سكرة الموت بالحق يقول الهادي عليه السلام : يخبر ~~سبحانه بحفظ الحفظة له الذين عن يمينه وشماله وهما الملكان اللذان ذكرهما ~~الله أنهما عن اليمين والشمال قعيد يحفظان عليه كل لفظه وفعله ، وهما ~~الرقيب العتيد الذي مع كل آدمي ، والرقيب : فهو المحصي لفعل ms0503 كل فاعل ، ~~والعتيد: فهو الثابت الراتب الذي ليس بمفقود . سكرة الموت : هي غشية الموت ~~وشدته ، وإزالته لعقل الميت وكربته ، فشبه الله زوال عقل الميت وكربته ، ~~وما ينزل به من غشيته بالسكرة التي تذهب العقل وتفسده ، والعرب تمثل كل شدة ~~أزالت عقل صاحبها بالسكرة تقول : مرت بنا من هذه الأمور سكرات بعد سكرات ، ~~تريد شدائد حالات بعد حالات . # ومعنى {بالحق} فهو : بحقائق ما وعد الله ، من ذلك قوله :{كل نفس ذائقة ~~الموت} (1) فجاء وعد الله على حقائقه ، ونزل بأهله على يقينه وصدقه {ذلك ~~ماكنت منه تحيد} يقول : ذلك ماكنت منه ياهذا الميت تفر وتكره قربه ولا ~~تريده نفسه(2) قال الشاعر : # تحيد مني وتراني في السند ... ... ... ... كما يحيد الذئب من جرو ~~الأسد(3) # وفي البرهان : معنى {تحيد} تتنحي قال عدي : # ولقد قلت حين لم يك عنه ... ... لي ولا للرجال عنه محيد(4) PageV11P019 وقوله تعالى :{ ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} عطف على قوله :{وجاءت سكرة ~~الموت} ويكون قوله :{وجاءت سكرة الموت} إشارة إلى الإماتة ، وقوله :{ونفخ ~~في الصور} إشارة إلى الإعادة والإحياء (1). # ومعنى النفخ في الصور أي : في صور الموتى ، وهو عبارة عن نفخ الروح فيها ~~. وقيل : هو القرن ينفخ فيه اسرافيل يوم القيامة . # وقوله تعالى :{ذلك يوم الوعيد} قال الزمخشري : هو على تقدير حذف المضاف ، ~~أي وقت ذلك يوم الوعيد ، والإشارة إلى مصدر نفخ(2) . # قال الرازي: وهو ضعيف ؛ لأن يوم لو كان منصوبا لكان ماذكر ظاهرا ، وأما ~~رفع يوم فيفيد أن ذلك نفس اليوم ، والمصدر لايكون نفس الزمان ، وإنما يكون ~~في الزمان ، فالأولى أن يقال : ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله ~~:{ونفخ} لأن الفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان ، فكأنه تعالى قال : ~~ذلك الزمان يوم الوعيد ، والوعيد : فهو الذي أوعد به من الحشر والإيتاء ~~والمجازاة (3). PageV11P020 # وقوله تعالى :{ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} قال الهادي عليه السلام : ~~هذا في يوم القيامة عند خروج الخلق من قبورهم ومصيرهم إلى حشرهم ، ووقت ~~حسابهم حينئذ تأتي كل نفس ومعها ماذكر الله من السائق ms0504 والشهيد ، والسائق ~~والشهيد : فهو الرقيب الذي ذكر الله العتيد ، وهما الملكان اللذان قال الله ~~:{عن اليمين وعن الشمال قعيد} فهما يشهدان عليه ويسوقانه(1) . اه # يعني : إلى الموقف ، ومنه إلى مقعده ، والسائق لازم للبر والفاجر ، أما ~~البر فيساق إلى الجنة ، وأما الفاجر فإلى النار ، قال تعالى : {وسيق الذين ~~كفروا}(2) {وسيق الذين اتقوا ربهم}(3) . # وقيل : المراد بالسائق والشهيد العمل ؛ لأنه يسوقه إلى الجنة والنار ذكره ~~في البرهان (4). # وفي التجريد : قال الكلبي السائق : الذي يكتب عليهما السيئات ، والشهيد ~~: الذي يكتب الحسنات . # وقوله تعالى :{ لقد كنت} أي : يقال للإنسان : {لقد كنت في غفلة من هذا} ~~أي : يوم القيامة ، قاله الضحاك ، ومقاتل ، أي : لإنكارك له وكفرك ، جعلت ~~الغفلة كأنها غطاء على جسده كله ، وغشاوة غطى بها عينيه ، فهو لايبصر ، ~~فإذا كانت القيامة زالت عنه الغفلة وغطاؤها ، فأبصر من الحق مالم يبصره ، ~~وهو معنى قوله :{ فكشفنا عنك غطاءك} أي : أزلنا عنك غفلتك {فبصرك اليوم ~~حديد} وكان من قبل كليلا . PageV11P021 # قال الهادي عليه السلام : يقول سبحانه : قد كنت بتكذيبك وقلة نظرك لنفسك ~~والإعراض عن العمل في الدنيا بما يخلصك في هذا اليوم في غفلة ، والغفلة : ~~فهي من الترك للعمل ، ومعنى {فكشفنا عنك غطاءك} هو بما أظهر له من المعاينة ~~لما كان فيه شاكا وعن العمل له معرضا ، حتى رآه عيانا ، وواجهه صراحا ~~{فبصرك اليوم حديد} أي : ثاقب النظر حتى لاينفع السمع والبصر ، فهذا مثل ~~مثل به الله ، يريد أنك كنت من قبل تكذب بهذا وبرؤيته ، فقد أصبحت اليوم ~~حديد البصر بمعاينته ، وزال عنك الخبر ووقع العيان (1). اه وقيل : الغطاء ~~هو الجهل . # ثم أخير سبحانه عن قرينه المغوي له فقال تعالى :{ وقال قرينه هذا ما لدي ~~عتيد} قرينه : أي شيطانه الذي قيض له وقرن به من جني وأنسي ، وقيل : الملك ~~هو القرين ، أي هذا وكلت به قد أظهرته ، ومثل هذا ذكره في البلغة (2). # قلت : ويدل على الأول قوله تعالى :{وقيضنا لهم قرناء}(3) وقال تعالى ~~:{نقيض له شيطانا فهو له قرين}(4) وقال تعالى :{فبئس القرين} ونحو ذلك مما ~~سيأتي ms0505 إن شاء الله تعالى . # قال الهادي عليه السلام : القرين الذي يقول هذا : فهو الصاحب الفاسق ~~المغوي له في الدنيا ، والمشارك له في الإثم من جني موسوس ، أو إنسي ردئ ~~فاجر مؤذ ، ومعنى {ما لدي} فهو : ما عندي مما استوجبه بفعلي {عتيد} فهو : ~~مقيم ، وهو عذاب الله الأليم النازل به وبقرينه المشارك له في آثامه(5) . اه # وقيل : معنى {عتيد} أي : هذا ما عندي حاضر قريب . # ثم يقال للسائق والشهيد :{ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} أي : كل جاحد ~~معرض عن الحق معاند للصدق . PageV11P022 # قال في البرهان : والمأمور ب{ألقيا ...كل كفار} في النار ملكان ، ويجوز أن ~~يكون واحدا أمر بلفظ الإثنين ، كما قال الشاعر : # فإن تزجراني ياابن عفان أنزجر ... ... وإن تدعواني أحم عرضا ممنعا(1) # قال في الكشاف : لأن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان ، فكثر في ~~ألسنتهم أن يقولوا : خليلي وصاحبي ، وقفا ، وأسعدا ، حتى خاطبوا الواحد ~~خطاب الإثنين(2) لكثرة خطابهما على ألسنتهم . # أو نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما ، كأنه قيل : ألق ألق ~~للتأكيد(3) . # وقوله :{ مناع للخير} كثير المنع للمال عن حقوقه ، والخير : اسم المال ، ~~أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله . # وفي البرهان : الخير المال كله ، ومنعه أن ينفق في[غير] (4) طاعة الله ~~عزوجل ، وتحبس فيه الزكاة المفروضة . اه PageV11P023 وقوله تعالى :{معتد} أي : ظالم متجاوز للحق ، وقوله :{مريب} فيه وجهان ~~أحدهما : ذو ريب أي شاك في الله وفي دينه ، وثانيهما : مريب يوقع الغير في ~~الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعا ، وفي الآية ترتيب ~~آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفار بالنسبة إلى الله ~~تعالى ، وإلى رسوله ، وإلى اليوم الآخر فقال :{كفار عنيد} إشارة إلى حاله ~~مع الله يكفر به ويعاند آياته ، وقوله : {مناع للخير معتد} إشارة إلى حاله ~~مع رسوله فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعمد ~~بالإيذاء وكثرة الإعتداء (1)، وقوله :{مريب} إشارة إلى حاله بالنسبة إلى ~~اليوم الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة . # وقيل : المريب هو الظالم ms0506 قال الشاعر : # ألا لا أبالي من رماني بريبة إذا كانت عند الله غير مريب(2) # {الذي جعل مع الله إلها آخر} أي : شريكا له في العبادة {فألقياه } أي : ~~فبسبب ذلك القيام { في العذاب الشديد}. # قال في الكشاف : {الذي جعل} مبتدأ مضمن معنى الشرك ، ولذلك اجيب بالفاء ، ~~ويجوز أن يكون {الذي جعل} منصوبا بدلا من {كل كفار} ويكون {فألقياه} تكريرا ~~للتوكيد (3). اه # كأنه قال : القيا في جهنم كل كفار عنيد ، وهو الذي جعل مع الله إلها آخر ~~، فألقياه بعد ما ألقيتموه في جهنم في عذاب شديد من عذاب جهنم . # قيل : نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام ، ~~ويتوعدهم إن أسلموا أنه لا ينفعهم بخير ما عاش (4). PageV11P024 # ثم قال تعالى :{ قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد} وهو جواب ~~لكلام مقدر ، كأن الكافر حين ما يلقى في النار يقول : ربنا أطغاني شيطاني ، ~~فيقول الشيطان : {ربنا ما أطغيته} ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى ، ~~كقوله لهم :{ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}(1) ~~فاطرحت هذه المقاولة لما يدل عليها ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى بعد هذا :{ ~~قال لا تختصموا لدي} لأن الإختصام يستدعي كلاما من الجانبين ، وحينئذ هذا ~~كما قال تعالى في هذه السورة ، وفي ص {قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم}(2) ~~وقوله تعالى :{ربنا من قدم لنا هذا فزده}(3) إلى أن قال :{إن ذلك لحق تخاصم ~~اهل النار}(4) . # قال في الكشاف : الطغيان الزيادة في الظلم ، ولم يقل : وقال بالواو ، كما ~~قال أولا ؛ لأن الجملة الأولى عطفها واجب للدلالة على الجمع بين معناها ~~ومعنى ماقبلها في الحصول ، أي مجيئ كل نفس مع الملكين ، وقول قرينه ما قال ~~[له]، بخلاف هذه الجملة فهي مستأنفة كالجملة الواقعة في حكاية التقاول (5). # قال الرازي : فقوله {في ضلال بعيد} وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما ~~يقال : كلام صادق ، وعيشة راضية ، أي في ضلال ذي بعد ، والضلال إذا بعد ~~مداه ، وامتد الضال فيه يصير بينا ويظهر الضلال ؛ لأن ms0507 من حاد عن الطريق ~~وأبعد عنه تتغير عليه السمات والجهات [ولا يرى عين المقصد] ويتبين له أنه ~~ضل عن الطريق ، وربما يقع في أودية ومفاوز ، وتظهر [له] أمارات الضلال ~~بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع ~~، فقال تارة :{في ضلال مبين} وأخرى قال :{في ضلال بعيد}(6) . اه PageV11P025 قال الهادي عليه السلام : ثم أخبر سبحانه باختصام الفاجر وقرينه وتلاومه هو ~~ونظيره ، فكان من رد الله عليهما حين كان منهما ما كان من قولهما :{قال لا ~~تختصموا لدي} يقول : لا تختصموا اليوم عندي {وقد قدمت إليكم} في دار ~~التكليف على ألسنة رسلي {بالوعيد} يقول : قدمت إليكم بالإعذار والإنذار ~~والوعيد لهذا النهار ، فلم ينفعكما إعذاري ، ولم يردعكما عن المعصية وعيدي ~~، فما تركت لكم علي حجة ، فاليوم {ما يبدل القول لدي} فهو : تحريفه ، ~~والتحريف فهو من الكافرين عند تخاصمهم ، يقول بعضهم لبعض : هذا بأفعالكم ، ~~وهذا بأسبابكم نزل بنا ، وحق علينا وعيد ربنا ، ويقول الآخرون مثل مقالتهم ~~، وينسبون سبب ذلك إليهم ، فكل يطرح الذنب على صاحبه ، ويحيل الإغواء عليه ~~(1). اه # ثم نفى سبحانه عن نفسه الظلم فقال :{ وما أنا بظلام للعبيد} أي : ما أنا ~~بمعذب من لم يجترم ، ولا بزائد في عقاب مسيئ ، ولا ناقص من ثواب محسن ، ~~والظلام : مبالغة في الظالم ، والوجه فيه كما قاله جار الله : إن ذلك أمر ~~تقديري ، كأنه تعالى يقول : لو ظلمت عبدي الضعيف ، الذي هو محل الرحمة لكان ~~ذلك غاية الظلم ، وما أنا بذلك فيلزم [من نفي كونه ظلاما]نفي كونه ظالما (2). PageV11P026 # ثم قال تعالى :{يوم نقول} اذكر ، أوأنذر (1){يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد} وسؤالها وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير ~~المعنى في القلب [وتثبيته] وفيه معنيان أحدهما : أنه إنكار لموضع الزيادة ، ~~أو لإمكان الزيادة بمعنى أنها قد امتلأت ، أي لا مزيد (2). # والثاني : أنه استدعاء للزيادة وطلب لها غيظا على العصاة ، و{مزيد} إما ~~اسم مكان ، أو مصدر على الأول ، وعلى الثاني مصدر ، أو اسم مفعول كالمبيع ~~ذكره في ms0508 التجريد . # وقال الهادي عليه السلام ما لفظه :(هذا اليوم يوم القيامة ، يوم الحسرة ~~والندامة ، ومعنى {يوم نقول لجهنم} هو قوله لخزنتها :{هل امتلأت} وكذلك ~~قوله :{وتقول هل من مزيد} وهوقول خزنتها : هل من مزيد ، لما أن كان الخزنة ~~من أسبابها جاز أن يطرحوا ، ويكون الخطاب لها على مجاز الكلام ، وهذا في ~~القرآن موجود ، وفي اللغة ، ومن ذلك من كتاب الله سبحانه :{وأشربوا في ~~قلوبهم العجل بكفرهم}(3) فالعجل لايشرب في القلب ، وإنما الذي أشرب القلب ~~حبه ، فأراد أشربوا في قلوبهم حب العجل ، فطرح حب ، وأقام العجل مقامه ، إذ ~~كان من سببه ، وفي ذلك ما يقول الشاعر # إلا إنني أسقيت أسود حالكا PageV11P027 فقال : أسقيت ، والأسود فلا يسقاه أحد ، وإنما سقي سم الأسود ، فطرح السم ، ~~وأثبت الأسود مكانه ، إذ كان من سببه ، والشاهد على ذلك من كتاب الله ~~سبحانه أيضا قوله :{واسأل القرية التي كنا فيها}(1) والقرية فإنما هي ~~البيوت والأبنية ، وليس شئ من هذا يخاطب ولا يسأل ، وإنما أراد أهل القرية ~~وسكانها ، فطرح الأهل والسكان إذ كانوا من سبب القرية ، وأثبت القرية ، ~~فكذلك قوله :{يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد} إراد خزنة جهنم ، ~~فطرح الخزنة إذ كانوا من سبب جهنم فجاء المعنى كأن المخاطبة لجهنم ، وإنما ~~المخاطبة لخزنتها والقومة بها . # ومعنى {وأزلفت الجنة للمتقين} فهو كرمت وشرفت وقربت منهم ، وقربوا منها ، ~~وهذا مشتق من الزلفى ، والزلفى : فهي الكرامة بالخلاصة العالية(2) . اه # ومعنى{غير بعيد} أي : مكانا غير بعيد منهم ، ومعناه التوكيد كما تقول : ~~هو قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل ، فإن قيل : فعلى هذا ليس إزلاف الجنة ~~من المؤمن بأولى بإزلاف المؤمن من الجنة فما الفائدة في قوله :{أزلفت ~~الجنة} ؟ قيل له : إكراما للمؤمن كأنه تعالى أراد بيان شرف المؤمن المتقي ~~أنه ممن يمشى إليه ، ويدنى منه . # ثم قال تعالى :{ هذا ما توعدون} أي : يقال لهم هذا الثواب والتقريب الذي ~~كنتم توعدون في الدنيا {لكل أواب حفيظ} لكل رجاع إلى الله بالتوبة . # قال مجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه فيتوب منها ms0509 ، ويستغفر ، وقال سعيد بن ~~المسيب : هو الذي يذنب ثم يتوب ، ثم يذنب ثم يتوب . # {حفيظ} لأمر الله وحدوده ، أي : حافظ [لها] لا يتعداها ، متحفظ على دينه ~~، ورع طاهر مجتهد في طاعة ربه . وقيل : حفيظ لذنوبه فيستغفر لها عن ابن عباس . PageV11P028 # وفي البرهان : الأواب الذي لا يجلس مجلسا فيقوم حتى يستغفر الله عزوجل ، ~~والحفيظ : المحافظ على وصية الله عزوجل ، المطيع له في السر والجهر (1). اه # {من خشي الرحمان بالغيب} قال الهادي عليه السلام : فهو خشيه في الغيب ، ~~والغيب : فهو ماغاب من الناس واستتر من ضمير القلوب ، أو عمل مستور (2). اه # وقوله سبحانه : {وجاء بقلب منيب} قيل : جاء عند الموت وانقطاع التكليف ، ~~وقيل : جاء إلى طاعة ربه بقلب منيب . # وقال الهادي عليه السلام : فهو جاء يوم القيامة بقلب تائب راجع ، قد رجع ~~في دنياه إلى الله وأناب إلى طاعة الله [فكان لها في دنياه من العاملين ، ~~ورجع إلى الله وهو من المنيبين المكرمين] (3). # قال في الكشاف : فإن قلت : كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة ؟ ~~فقال : للثناء البليغ على الخاشي وهو خشيته ، مع علمه أنه الواسع الرحمة ، ~~كما أثنى عليه بأنه خاش مع أن المخشي منه غائب ، ونحوه {الذين يؤتون ما ~~أتوا وقلوبهم وجلة}(4) فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات ، ووصف القلب ~~بالإنابة وهي الرجوع إلى الله ؛ لأن الإعتبار بما ثبت منها في القلب (5). # ثم قال تعالى :{ ادخلوها بسلام} أي : يقال لهم : ادخلوا الجنة {بسلام} أي ~~: سالمين من العذاب ، وزوال النعم ، أو مسلما عليكم ، يسلم الله عليكم ~~وملائكته والمؤمنون . # {ذلك يوم الخلود} أي : يوم تقدير الخلود ، كقوله :{فادخلوها خالدين}(6) ~~أي : مقدرين الخلود ، والخلود : البقاء الذي لا انقطاع له ولا زوال لنعمه ، ~~والفائدة في ذكر الخلود مع علم المؤمن أنه إذا دخل الجنة أخلد فيها أن ~~اطمئنان القلب بالقول أكثر . PageV11P029 # ثم قال تعالى :{ لهم ما يشاءون فيها} أي : الجنة ، وهو مالم يخطر ببالهم ، ~~ولم تبلغه أمانيهم حتى يشآؤه . # ثم قال تعالى :{ولدينا مزيد} على ما يشآؤه قال زيد بن علي عليه السلام : ~~إن ms0510 الرجل ليسكن في الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ، ثم تأتيه امرأة فتضرب ~~على منكبه ، وتنظر في وجهه ، فخدها(1) أضوأ من المرآة ، وإن أدنى لؤلؤة ~~عليها تضيئ ما بين المشرق والمغرب ، فتسلم عليه ، فيرد عليها السلام ، ~~ويسألها من أنت ؟ فتقول : أنا من المزيد ، ويكون عليها سبعون ثوبا ، أدناها ~~مثل شقائق النعمان من طوبى، ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ، ~~وإن عليها لتيجانا أدنى لؤلؤة فيها تضيئ مابين المشرق والمغرب(2) . # قال الرازي : وفي الآيات ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ~~ببيان إكرامهم حيث قال :{أزلفت الجنة للمتقين} ولم يقل : قرب المتقون من ~~الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان [بما فيها من الحسان] ~~ثم قال لهم : هذا لكم بقوله :{هذا ما توعدون} ... ثم قال {ذلك يوم الخلود} ~~أي : لا تخافون ما لحقكم من قبل ، حيث أخرج ابويكم منها ، فهذا دخول لاخروج ~~بعده منها . PageV11P030 # ثم لما بين أنهم فيها خالدون قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم ، وبقاءكم في ~~حاجة ، كما كنتم في الدنيا ، من كان يعمر ينكس ويحتاج ، بل لكم الخلود ، ~~ولا ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشآؤن (1). # ثم قال تعالى :{ وكم أهلكنا قبلهم} يعني أهل مكة ، ومعنى {كم} التكثير ، ~~أي: كثيرا أهلكناهم قبلهم ، ومعنى {من قرن} أي : من أمة وطبقة ، قال : # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريب # {هم أشد منهم بطشا} أي : قوة وأوفر عددا من أهل مكة ، لما أنذرهم بما بين ~~أيديهم من اليوم العظيم ، والعذاب الأليم أنذرهم بما يعجل لهم من العذاب ~~المهلك ، والإهلاك المدرك ، وبين لهم حال من تقدمهم . # فإن قيل : إذا كان كذلك للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ~~فلم توسطهما قوله تعالى :{وأزلفت الجنة للمتقين} إلى قوله :{ولدينا مزيد} ؟ . # قيل في الجواب : ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور المعاند ~~، وحال الشكور العابد في الآخرة ترهيبا وترغيبا . # ثم قال تعالى : إن كنتم في شك من العذاب الأبدي الدائم فما أنتم في ريب ms0511 ~~من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك أمثالكم . PageV11P031 # ثم قال تعالى :{ فنقبوا في البلاد} التنقيب : البحث عن الأمر والطلب ، وقرئ ~~بالتخفيف ، أي : فخرقوا ودوخوا ، والفاء سببية عن قولهم : هم أشد منهم بطشا ~~، أي : شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوتهم عليه ، وأصله من النقب ، وهو ~~الطريق وجمعه نقوب ، كأنهم سلكوا كل طريق فلم يجدوا محيصا عن أمر الله ~~{فنقبوا} أي : ساروا في أقطار البلاد وعملوا طرقا ومسالك ، قال الشاعر : # نقبوا في البلاد من حذر الموت ... ... وجالوا في الأرض كل مجال(1) # وقال آخر : # وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب # ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام (2)وغيره . # قال الهادي عليه السلام : معنى نقبوا : هو ركضوا وهربوا خوفا من العذاب ، ~~فلم يغنهم ذلك ولحقتهم من الله النقم والمهالك (3). اه # وقد شاهد أهل مكة آثار القرون المهلكين من نحو عاد وثمود في أسفارهم ، أو ~~نقب أهل مكة في أرض القرون ، وأحاطوا بها خبرة ، فهل رأوا محيصا لأحد من ~~المهلكين . # ثم قال تعالى :{ هل من محيص} أي : هل وجدوا من الله محيصا ، أي : مهربا ~~وملجأ يحيصون إليه أو يروغون إليه ، أو يلجأون نحوه . PageV11P032 # ثم قال تعالى :{ إن في ذلك} المذكور من قصص المهلكين {لذكرى } يقول : تذكرة ~~وعبرة {لمن كان له قلب } واع ؛ لأنه من لا يعي قلبه كمن لا قلب له ، ومعنى ~~{قلب} أي : عقل ، كني عنه بمحله . # قال الهادي عليه السلام : معناه من كانت له فكرة ونظر ، واستعمال للتمييز ~~بعقله إذا فكر .{ أو ألقى السمع } فهو: القى بالطاعة إلى الله ورسوله فسمع ~~لأمر الله وأطاع ، وكان لأحكام الله ذا قبول واتباع {وهو شهيد} يقول : شاهد ~~بالحق ، قائل فيه بالصدق ، يشهد أن ماجاء به نبيه من الله ، وأنه أنزل بأمر ~~الله ، وأنه من عند الله (1). اه # ومعنى {ألقى السمع} هو : أصغى إليه سمعه ، والمراد بالسمع : المسموع به ، ~~أي : وأصغى أذنه إلى الوحي للوعظ بذكره ، ومعنى {شهيد} أي : حاضر بذهنه ~~وفطنته ؛ لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب . # وفي البرهان أي : ألقى السمع في ماغاب ms0512 عنه ، وهو شهيد فيما عاينه ~~بالحضور أو سمع ما أنذر به من ثواب أوعقاب ، وهو شهيد علىنفسه بما عمل من ~~سيئة أوحسنة(2) . # ثم رجع عزوجل إلى الإستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما بيانا لكمال ~~القدرة ، وردا على منكري الإعادة قال تعالى :{ ولقد خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام} أي : في مدة مقدرة بستة أيام ؛ لأن اليوم لايعرف ~~إلا بالشمس ، ولا شمس هناك ، والله قادر على خلقها في لمحة طرفه ، لكن ~~لحكمة علمها وإن جهلناها . # ابن المسيب : هو تعليم لعباده التثبت في الأمور . PageV11P033 # قال في البرهان : نزلت هذه الآية في اليهود زعموا أن الله خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ، واستراح يوم السبت فلذلك ~~جعلوه يوم راحة(1). والظاهر أن المراد الرد على المشرك ، والإستدلال بخلق ~~السموات والأرض وما بينهما . # وقوله تعالى :{ وما مسنا من لغوب} أي : ما تعبنا بالخلق الأول حتى لانقدر ~~على الإعادة ثانيا والخلق الجديد ، كما قال تعالى :{أفعيينا بالخلق الأول} ~~وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم ، أو لم يعلموا ~~تأويله ؛ وذلك لأن الأحد والإثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض ، فلو كان خلق ~~السموات ابتدأ يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام والزمان لاينفك ~~عن الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام أجسام آخر ، فيلزم القول بقدم العالم ~~وهو مذهب الفلاسفة ، ومن العجيب أن بين الفلاسفة والمشبهة غاية الخلاف(2) . # ومعنى قوله :{من لغوب} أي : من تعب قال الكميت (3) PageV11P034 : # إذا قيل هذا الحق لا ميل دونه فأنضاؤهم في الحق حسرى ولغب # بعض من اللغوب ، وهو التعب والنصب والإعياء والوناء من الجهد ، لغب : إذا ~~فتر وكل من المشقة ، وقال آخر : # إذا رقى الجاري المطي اللغبا # ثم قال تعالى :{فاصبر} يا محمد {على ما يقولون} ما يقول المشركون من ~~إنكار البعث ، فأمر الله نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على ما ~~يقولون بالتكذيب به فيما جاء ، والوعيد له بالقتل ، قيل : وهي منسوخة بآية ~~السيف ، وليس كذلك ، بل الصبر مأمور به على كل ms0513 حال ، وذلك أن تكذيبهم ~~الرسول ، وتعجبهم من قوله ، واستهزاءهم به كان يوجب في العادة أن يشتغل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلعنهم وسبهم ، والدعاء عليهم فقال : اصبر ~~على ما يقولون ، واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم [التسبيح لله والحمد له {ولا ~~تكن كصاحب الحوت} أو كنوح عليه السلام ] حيث قال :{رب لاتذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا} بل ادع إلى ربك ، فإذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم فاشتغل ~~بذكر ربك في نفسك (1). # {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} المراد في هذين الوقتين ؛ ~~لأن طلوع الشمس هو إقبال النهار {وحين الغروب} هو إدباره {ومن الليل فسبحه ~~} يعني صلاة التسبيح الذي في صلاة الليل {وأدبار السجود} يعني أعقاب ~~الصلوات ، ذكره في البرهان (2). PageV11P035 # وذكر محمد بن القاسم في كتاب الوصية والهجرة قال عليه السلام فيها : وذكر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (من قال سبحان الله ، ~~والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، كتب الله [له] بها عشر حسنات ~~ومحا عنه عشر سيئات) (1). # وذكر عن علي عليه السلام من وجوه كثيرة حديث مشهور معروف عند أهل البيت ~~عليهم السلام والعامة قد سمعته غير مرة (أن عليا عليه السلام قال لفاطمة ~~عليها الرضوان : إن الطحن واختدامك على نفسك قد جهداك ، فلو أتيت أباك ~~فسألتيه خادما ، فقالت : فانطلق معي ، قال : فأتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فذكرت له ذلك ، فقال : ألا أدلكما على عمل خير لكما من ذلك ~~: تسبحان الله إذا آويتما فراشكما ثلاثا وثلاثين ، وتحمدانه ثلاثا وثلاثين ~~، وتكبرانه أربعا وثلاثين ، فتلك مائة على اللسان وألف في الميزان ، قال ~~علي عليه السلام : ماتركتها منذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد كل فريضة ، وعند كل نوم ، فقال له رجل : ولا ليلة صفين يا أمير ~~المؤمين ؟ فقال : ولا ليلة صفين) . اه # ويحتمل قوله :{وسبح بحمد ربك} أن يكون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~له شغلان أحدهما : عبادة الله ، وثانيهما : هداية الخلق ، فإذا ms0514 هداهم ولم ~~يهتدوا قيل له : أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة الحق . PageV11P036 # ثم قال تعالى :{ واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب} هذا إشارة إلى بيان ~~غاية التسبيح ، بمعنى اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي ، كقوله تعالى ~~:{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} والمعنى : واستمع لما أخبرك به من حال يوم ~~القيامة ، وفيه تهويل وتعظيم لشأن المخبر به ، وهو المحدث عنه . # وقوله :{يوم يناد المناد} استئناف كلام ، قال العامة من المفسرين : ~~والمنادي : اسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي أيها الناس هلموا إلى ~~الحساب ، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء . # والمكان القريب : صخرة بيت المقدس هي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر ميلا . # قلت : وأحسن من هذا وأصح ما ذكره الإمام الناصر لدين الله عليه السلام في ~~برهانه حيث قال في معنى ذلك : شبه الله عزوجل خلقه في اجتماعهم يوم القيامة ~~عند بعثهم بمن يجمعهم الصوت والنداء من مكان قريب ؛ لأن الله قادر على ~~جمعهم ، وإن بعدت ديارهم وأوطانهم وأماكنهم ؛ لأن ذلك البعد في مقدور الله ~~عزوجل قريب(1) . اه # وقد تقدم في سورة القارعة للقاسم بن ابراهيم عليه السلام ما يؤيد هذا ، ~~وأن الداعي يدعوهم يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (2). # وأما قوله تعالى :{من مكان قريب} فهو إشارة إلى أن الصوت لا يخفى على أحد ~~، بل يستوي في استماعه كل أحد ، وعلى هذا فلا يبعد حمل المنادي على الله ~~تعالى ، إذ ليس المراد من المكان نفس المكان ، بل ظهور النداء ، وهو من ~~الله تعالى أقرب ،وهذا كما قال في هذه السورة :{ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد} وليس ذلك بالمكان . # وقوله :{ يوم يسمعون الصيحة} هي النفخة الثانية ، وقوله :{ بالحق } ~~المراد به البعث والنشر للجزاء الذي هو حق ، وقيل : يسمعونها حقا ، أي : ~~بلا شك {ذلك} أي : يوم يسمعون الصيحة {يوم الخروج} من القبور . PageV11P037 # ثم قال :{ إنا نحن نحيي} في الدنيا {ونميت } فيها أيضا ، أي : نحن المختصون ~~بالقدرة على ذلك ، وكذلك على البعث { وإلينا المصير} وهو المرجع ، والحياة ~~للبعث والجزاء ، أي : لا يرجع ms0515 جزاء العباد إلى غيرنا ، فقوله تعالى :{إنا ~~نحن} لتعريف عظمته ، يقول القائل : أنا أنا ، أي : مشهور ، و{نحيي ونميت} ~~أمور مؤكدة معنى العظمة {وإلينا المصير} بيان إلى المقصود . # ومعنى {يوم تشقق الأرض عنهم } أي : تتفتح عنهم قبورهم ، وكانت منطبقة ~~فيخرجون منها {سراعا } فقوله تعالى :{يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} العامل ~~فيه هو ما في قوله :{يوم الخروج} من الفعل ، أي : يخرجون يوم تشقق الأرض ~~عنهم ، وقوله :{سراعا} حال للخارجين ؛ لأن قوله تعالى :{عنهم} يفيد كونهم ~~مفعولين بالتشقق . # ثم قال تعالى :{ ذلك } المذكور من حديث البعث {حشر} أي : جمع العباد ، ~~والحشر : الجمع {علينا يسير} أي : سهل فعله ، لا يسهل إلا علينا ؛ لأنه أمر ~~عظيم ، وقوله تعالى:{علينا يسير} بتقديم الظرف يدل على الإختصاص ، أي : هو ~~علينا هين ، لا على غيرنا ، وهو إعادة جواب قولهم {ذلك رجع بعيد} . # ثم قال تعالى :{ نحن أعلم بما يقولون } يعني :من تصديق أو تكذيب ، من ~~إنكار البعث وغيره ، وفيه تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم {وما أنت عليهم بجبار} يعني : بمتسلط متجبر عليهم ، تكرههم على ~~الإيمان ، وقيل : أراد التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم(1) . # ثم أمر تعالى نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم بمقتضى ما في القرآن من ~~الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير فقال سبحانه :{ فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد} أي : ينتفع بالوعظ والذكرى ، وهو الذي يخاف وعيدي ؛ لأن الذكرىلا ~~تنفع إلا فيه {إنما أنت منذر من يخشاها} . والله أعلم PageV11P038 ### | AUTO سورة الفتح # تسع وعشرون آية إجماعا (مدنية) # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} هو فتح مكة ، وقد كان وعده الله تعالى به عام ~~الحديبية ، عند انكفائه منها ، ذكره في البرهان . # والفتح : الظفر بالبلد قهرا أوصلحا ، بحرب أوغيره ، ونزلت هذه عام ~~الحديبية حين رده المشركون من مكة ، وهي عدة له بالفتح ، وجاء على لفظ ~~الماضي على عادة الله في أخبار ؛ لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة ، فأخبر ~~بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع ، واقع لا رافع له . # ويحتمل أن معناه : فتحنا في ms0516 حكمنا وتقديرنا ، والله أعلم . # وقيل : الفتح ما كان من أمره بالحديبية ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أصاب فيها مالم يصب في غيرها ، بويع بيعة الرضوان ، وأطعموا كل حبير ، وكان ~~من فتح الحديبية آية عظيمة ، وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيه قطرة ، ~~فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [ثم] مجه فيها فدرت الماء حتى ~~شرب جميع من كان معه ، فجاش الماء حتى امتلأت ، ولم ينفد ماؤها بعد ، ~~وأظهرت الروم على فارس تصديقا بالخبر ، وبلغ الهدي محله . # وقيل : المراد فتح الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان . # (/) # --- PageV12P001 وقيل : الحكم لقوله :{فافتح بيننا بالحق} وقوله :{ثم يفتح بيننا بالحق} قال ~~الرازي : والمختار من الكل وجوه : أحدها : فتح مكة ، والآخر : فتح الحديبية ~~، والثالث : فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان ، والأول مناسب ~~لآخر ماقبلها (1)من وجوه : أحدها أنه تعالى لما قال :{هاأنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله} إلى ان قال :{ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} بين ~~تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم ، وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ، ولو ~~بخلوا لضاع عليهم ذلك ، فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم . # ثانيها : لما قال :{والله معكم} وقال :{وأنتم الأعلون} بين برهانه بفتح ~~مكة ، فإنهم كانوا [هم الأعلون](2) . # ثالثها : لما قال الله تعالى :{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم} وكان معناه : ~~لاتسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ، ويجتهدون فيه ~~كما كان يوم الحديبية . اه # قال الزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين ~~اختلطوا بالمسلمين فسمعوا القرآن ، وكثر الإسلام وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير . # فإن قلت : كيف يكون فتحا وقد أحصروا ؟ قلت : كان فتحا مبينا بعد الهدنة ~~وعقد الصلح ، والإحصار قبل ذلك ، قاله في التجريد . # قال في البرهان : والحديبية بئر وفيها تمضمض رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فجاشت بالرواء . PageV12P002 # قال في الكشاف : فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للغفران ؟ قال : لم يجعل ~~علة للمغفرة ، ولكن لاجتماع ماعدد من الأمور الأربعة ، وهي المغفرة ، ~~وهداية الصراط ms0517 المستقيم ، وإتمام النعمة ، والنصر العزيز ، كأنه قيل : ~~يسرنا لك فتح مكة ، ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين ، وأعراض ~~العاجل والآجل ، ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث أنها جهاد سببا للغفران ~~والثواب . # {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} أي : من جميع ما فرط منك ، ~~وقيل : ما تقدم في الجاهلية وما بعدها . # قال في البرهان : يعني ليستر بالفتح جميع ما أذنبوا عليك ، والذنب وإن ~~كان في اللفظ مضافا إليه ، فهو لغيره من قريش وسائر الكفار حتى آذوه ~~وأتعبوه . اه # قال الحسين بن القاسم عليه السلام : وأحسب والله أعلم أن معنى ليغفر لك ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر : هو أن الله عزوجل وعده بأنه لا يعذبه على ~~ماكان من نسيانه ، ولا يعاقبه بما أصاب من الذنوب على ظنه وحسبانه ؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتعمد كبائر العصيان ، لا فيما مضى ، ~~ولا فيما تأخر من الزمان . اه # {ويتم نعمته عليك} وهي النبوة والرياسة بالدين يتمها بالفتح الذي خضع به ~~من استكبر ، وأطاع من تجبر ، وقيل : بإظهار دينك . # {ويهديك} أي : يزيدك هدى ، أو يثبتك على ما أنت عليه {صراطا } أي : طريقا ~~مختارا من بين الصراط {مستقيما} ثابتا عظيم الإستقامة ، وهو دين الإسلام ، ~~أي : يثبتك عليك ، ويديم هدايتك إليه {وينصرك الله } هو : يعينك ويؤيدك ~~ويظهرك على عدوك {نصرا عزيزا} أي : نصرا ذا عز لا يقع معه ذل . # (/) # --- PageV12P003 قال في البرهان : روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت ~~هذه الآية تلاها على أصحابه فقال قائل منهم : هنيئا مريئا يارسول الله ، قد ~~بين الله تعالى لنا ما يفعل لك ، فما يفعل بنا ، فأنزل الله تعالى {ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم ~~سيئآتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما} . اه # ثم قال تعالى :{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } السكينة : هي ~~الطمأنينة والخشوع والصبر على أوامر الله ، والثقة بوعد الله . # قال في الكشاف : السكون والطمأنينة ms0518 سبب صلح الحديبية ، والسكينة للسكون ~~كالبهيته للبهتان . اه # {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي : يقينا مع يقينهم ، وقيل : ليزدادوا ~~ثقة بالنصر مع إيمانهم بالجزاء ، وقيل : ليعرفوا فضل الله بتيسير الأمن بعد ~~الخوف ، والهدنة عقيب القتال . # ثم قال تعالى :{ ولله جنود السماوات والأرض } قال في البرهان : يحتمل ~~وجهين : أن يكون معناه : ولله ملك السموات والأرض ترغيبا للمؤمنين في خير ~~الدنيا وخير الآخرة . # والثاني : معناه ولله جنود السموات والأرض إشعارا للمؤمنين بأن لهم في ~~جهادهم أعوانا لهم على طاعة ربهم . اه # قال ابن عباس : يعني الملائكة والجن والإنس والشياطين ، فلو أراد نصرة ~~نبيئه بغيركم لفعل ، ولكنه اختاركم لذلك فاشكروه وأطيعوه وارضوا بحكمه ~~{وكان الله عليما حكيما} فلا يسلط إلا بحسب المصلحة ، ومن حكمته أن سكن ~~قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم . # (/) # --- PageV12P004 وقوله :{ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} مردود على {ليغفر لك الله} بغير ~~حرف ، كأنه قيل : إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين والمؤمنات ، ~~وقيل : يتعلق بقوله :{هو الذي أنزل السكينة} أي : أنزلها في قلوبهم ليدخلهم ~~جنات ، أو بما يفهم من قوله :{ولله جنود السموات والأرض} أي : أمركم ~~بالجهاد وإن كان غنيا عنكم {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك} الثواب المذكور {عند ~~الله } أي : في حكمه وقضائه {فوزا } أي : ظفرا {عظيما} . # ثم قال تعالى :{ ويعذب} أي : وليعذب {المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات} إما في الدنيا بفعل الجهاد وغيره من التكاليف الشاقة ؛ لأنهم لا ~~ينالون بها ثوابا ، وإنما هي فتنة لهم يظهر بها نفاقهم ، أو يعذبهم في ~~الآخرة بترك الجهاد ؛ لأنهم كانوا يتخلفون عن رسول الله ، ويتسللون عنه ~~لواذا . # وأما تعذيب المشركين في الدنيا بالجهاد فهو بما يقع من السبي والقتل ، أو ~~في الآخرة ، أو فيهما معا . # {الظانين بالله ظن السوء} هوظنهم أن الله لا ينصر الرسول والمؤمنين ، ولا ~~يرجعهم إلى مكة ظافرين ، فاتحيها عنوة وقهرا . # وقيل : ظنهم أن لله شريكا ، وقيل : ظنهم أن الله لا يبعث الموتى ، ~~والأولى حمله على الجميع . # والسوء في ms0519 كلام العرب : عبارة عن رداءة الشئ ، وفساده ، والصدق : عبارة ~~عن جودته وصلاحه . # {عليهم دائرة السوء} أي : ما يظنونه ويتربصون به بالمؤمنين ، فهو حائق ~~بهم ، ودائر عليهم ، والسوء بالضم : الهلاك والدمار ، وبالفتح : المراد ~~الدائرة التي يذمونها ويسخطونها ، فهي عندهم دائرة سوء ، وما عند المؤمنين ~~دائرة صدق ذكره في الكشاف . # (/) # --- PageV12P005 قال في التجريد : والفرق بين السوء بفتح السين والسوء بضمها : أن مفتوح ~~السين يراد به ما كان مذموما قبيحا في الحقيقة ، يقال : رجل سوء ، ونقيضه ~~رجل صدق في المدح ، ومضمومها : يراد به ما يسوء الإنسان ، أي : يحزنه حسنا ~~كان أو قبيحا ، كقوله :{إن أراد بكم سوأ أو أراد بكم رحمة} إذا ثبت هذا ~~فمعنى {دائرة السوء} بفتح السين : الدائرة التي هي عندهم دائرة سوء وقبح ~~وذم ، وإن كانت عند الله حسنة ؛ لأنهم يستحقونها ، ومعنى {دائرة السوء} بضم ~~السين : التي تسوؤهم وتحزنهم . # قال في الكشاف : هما كالكره والكره ، والضعف والضعف ، إلا أن المفتوح غلب ~~في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شئ ، وأما المذموم فجار مجرى الشر ، ~~الذي هو نقيض الخير ، يقال : أراد به السوء ، وأراد به الخير ، ولذلك أضيف ~~الظن إلى المفتوح لكونه مضموما ، وكانت الدائرة محمودة ، فكان حقها أن ~~لاتضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا . اه # {وغضب الله عليهم} أراد انتقامهم {ولعنهم } أبعدهم من رحمته ، قال : وغضب ~~الله إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب ، وقوله :{ولعنهم} أفاد به ~~زيادة ؛ لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقع الغاضب بالعيب والشتم والضرب ، ~~ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه ، وطرده عن بابه ، وقد يكون ~~بحيث بفضي إلى الطرد والإبعاد ، ولعنهم لكون الغضب شديدا . # (/) # --- PageV12P006 ثم لما بين حالهم في الدنيا بين مالهم في العقبى فقال تعالى :{ وأعد لهم ~~جهنم} أي : هيأها لهم {وساءت مصيرا ولله جنود السماوات والأرض} أي : هو ~~قادر على أن يهلك أعداءه من المنافقين والمشركين بغير أيدي المؤمنين ، ~~ولكنه أخر هلاكهم بالإستئصال ، وجعله بأيدي المؤمنين لما علمه من المصلحة ؛ ~~لأنه عزيز حكيم {وكان ms0520 الله عزيزا} قادرا على ما يشاء ، قاهرا لا يغالب ~~{حكيما} لا يفعل شيئا إلا على مقتضى العدل والحكمة . # ثم قال تعالى :{ (7)إنا أرسلناك شاهدا} على أمتك بالبلاغ ، و{شاهدا} حال ~~{ومبشرا } بالجنة لمن أطاعك {ونذيرا} من النار لمن عصاك . # ثم بين فائدةالإرسال على الوجه الذي ذكره فقال تعالى :{ لتؤمنوا بالله ~~ورسوله} بالتاء في هذا وما بعده على أن الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، ومن قرأ بالياؤ فيهن على أن المراد الناس {وتعزروه } أي : الله ~~أي : تجلوه وتنصروه أي دينه {وتوقروه } تعظموه ، أي : الله ، والتعزير : ~~هوالتوقير والتعظيم ، قال الشاعر : # عزروا الملوك في دهرهم ... ... وأطاعوا كل كذاب أثيم # أي : وقروا وعظموا . # {وتسبحوه } أي : تنزهوه من القبائح ، والضمائر لله ، فمن فرق(1) فقد أبعد ~~، ويحتمل أن يراد بالتسبيح : الصلاة من السبحة ، وهي الصلاة {بكرة } أول ~~النهار {وأصيلا} آخر النهار . # ويحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة ، ويحتمل أن يكون أمرا بخلاف ماكان ~~المشركون يعملون ، فإنهم يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرة وعشية ، ~~فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون الفحشاء والمنكر . # قال الحسين بن القاسم عليه السلام : حتى تسبحوه ، وهو تقدسوه وتنزهوه ، ~~وأفضل التسبيح هو التنزيه لله ، والتبعيد له من شبه المخلوقين في معنى ~~سبحان الله : هو بعدان الله من كل قبيح من الصفات . # (/) # --- PageV12P007 ثم قال تعالى :{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} لما بين أنه مرسل ~~ذكر أن من بايعه في بايع الله تعالى ، وهذه بيعة الرضوان عام الحديبية . # قال في التجريد : وكانوا الفا واربعمائة رجل ، وقيل : الفا وخمسمائة ، ~~وقيل : الفا وخمسمائة وخمسة وعشرين رجلا بايعوه في الحديبية حين بعث النبي ~~صلى الله عليه وآله عثمان إلى أهل مكة ، فأرجف بأنه قتل ، فبايع النبي ~~أصحابه على أن يقاتلوا ولا يفروا ، وقيل : [على] الموت ، وقيل : كان منهم ~~من بايع على أن لايفروا ، ومنهم من بايع على الموت . # وقوله :{إنما يبايعون الله} أي : هم في الحكم كمن يبايع الله . # قال في البرهان : لأن بيعة نبيئه في طاعة الله عزوجل ، وإنما سميت بيعة ؛ ~~لأنها عقد ms0521 على الطاعة ، تشبيها بعقد البيع ، ولأن المبائع كأنه باع نفسه ~~بالجنة . # وقوله تعالى :{ يد الله فوق أيديهم} يريد : أن يد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله تعالى ، فهو على طريق ~~التخييل والتمثيل ، أي الحال مثل حال من يبايع ذوي الأيدي فيكون يده فوق ~~يده ، والمراد بهذا التمثيل التأكيد الذي يستفاد به فضل مبايعة رسول الله ~~تلك البيعة ، وتعظيم النكث ، والله يتعالى عن الأعضاء والجوارح ، وإنما ~~تقديره أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كعقده مع الله من ~~غير تفاوت بينهما . # وقال في البرهان : {يد الله} يعني قوة الله تعالى ونصره فوق قوتهم ~~ونصرتهم ، ويجوز و{يد الله} يعني منة الله في الهداية فوق أيديهم بالطاعة ~~{فمن نكث} أي : نقض البيعة ، والنكث : نقض العهد والكفر بعد الإيمان . اه # {فإنما ينكث على نفسه} أي : بما يعود ضرر نقضه عليه . # (/) # --- PageV12P008 قال جابر : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة على الموت ~~، وعلى أن لا نفر ، فما نكث أحد منا إلا جد بن قيس ، وكان منافقا ، اختبأ ~~تحت إبط بعيره ، ولم يسر مع القوم ، أي : يتابع . # {ومن أوفى بما عاهد عليه الله } من أمر النصيحة لرسوله {فسيؤتيه أجرا ~~عظيما} يعني : ثوابا جزيلا ، لا يعلم كنهه إلا الله تعالى ، والعظيم فوق ~~الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير . # قال الرازي : (1) العظيم في الأجرام : إذا اجتمع فيه الطول البالغ والعرض ~~الواسع ، والسمك الغليظ ، فيقال [في] (2)لجبل الذي هو مرتفع ، ولا اتساع ~~لعرضه : جبل عال ، أو مرتفع ، أو شاهق ، وإذا انضم إليه الإتساع في الجوانب ~~يقال : عظيم . # والعظيم في حق الله تعالى إشارة إلى كماله في صفاته ، كما أنه في ~~الجسم(3) إشارة إلى كماله في جهاته . PageV12P009 # ثم لما بين تعالى حال المنافقين ذكر المتخلفين عن الحديبية فقال سبحانه :{ ~~سيقول لك} يامحمد {المخلفون من الأعراب} الذين امتنعوا عن الخروج مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس : هم أعراب غفار ومزينة وجهينة ~~، وأشجع ms0522 ، وأسلم ، والديل :{ شغلتنا أموالنا وأهلونا} النساء والذراري عن ~~الخروج معك ، أي لم يكن لنا من يخلفنا فيهم ، وخفنا عليهم الضيعة {فاستغفر ~~لنا } ذنبنا لتخلفنا عنك ، وكأنهم قالوا هذا القول اعتذارا بعد رجوعه من ~~الحديبية ، وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام ~~الحديبية معتمرا دعا من حول المدينة من الأعراب ، وأهل البوادي ليخرجوا معه ~~حذرا من قريش أن يعرضوا له ويصدوه عن البيت الحرام ، وأحرم صلى الله عليه ~~وآله وسلم وساق معه الهدي ، ليعلم أنه لا يريد حربا ، فتثاقل كثير من ~~الأعراب ، وقالوا : يذهب إلى قوم قد غزوه في عقرة داره بالمدينة ، وقتلوا ~~أصحابه فيقاتلهم ، وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا بالشغل ~~بأهاليهم وأموالهم ، وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم ، فكذبهم الله تعالى ، ~~وقال :{ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} وأن الذي خلفهم إ،ما هو الشك في ~~الله ، والنفاق ، وطلبهم الإستغفار ليس بصادر عن حقيقة ، أي : ليس في ~~قلوبهم مبالاة بالإستغفار وعدمه ، وفي الآية دليل على أنها نزلت قبل أن ~~يقولوا ذلك ، وهم قالوا ذلك بعد رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~غزوة الحديبية إلى المدينة ، أو في طريقه راجعا . والله أعلم . # ثم قال سبحانه :{ قل فمن يملك لكم من الله شيئا} أي : من يمنعكم من ~~مشيئته وقضائه {إن أراد بكم ضرا } أي : ما يضركم من قتل أو هزيمة {أو أراد ~~بكم نفعا} من ظفر أو غنيمة . # (/) # --- PageV12P010 قال في التجريد : ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر بسلامة أنفسهم وأموالهم ، ~~فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا لم يقدروا هم ولا غيرهم دفعه {بل ~~كان الله بما تعملون خبيرا} فيجازيكم بحسبه ، وهذا وعيد على إظهار النفاق . # ثم قال تعالى :{ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول} من عمرته {والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا } وذلك أنهم قالوا : إن محمدا وأصحابه أكلة رأس ، وإنهم لا ~~يرجعون أبدا ، و{أن} مخففة عن الثقيلة ، أي : ظننتم أنهم لا ينقلبون ولا ~~يرجعون {وزين ذلك في قلوبكم } أي : التخلف عن ms0523 النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، وظنهم أنه لا يرجع ، والذي زين تخلفهم هو الشيطان . # ويجوز أن يكون الله تعالى علىطريق المجاز لخذلانه أو لتخليته بينهم وبين ~~الشيطان ونحو ذلك . # قال الرازي (1):{وزين ذلك في قلوبكم} يعني ظننتم أولا فزين الشيطان ظنكم ~~عندكم حتى قطعتم ، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ويضم إليها مخائلة ~~يقطع بها الغافل ، وإن كان لا يشك فيها العاقل) . # {وظننتم ظن السوء } أي : الظن المذموم ، وأنهم لا ينقلبون ، ويحتمل أن ~~يكون هذا العطف عطفا يفيد المغايرة ، فقوله {وظننتم ظن} غير الذي في قوله ~~:{بل ظننتم} وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثاني معناه : وظننتم أن الله يخلف ~~وعده ، أو ظننتم أن الله كاذب في قوله . # ثم قال سبحانه :{ وكنتم قوما بورا} أي : صرتم بذلك الظن بائرين هالكين ، ~~و{بورا} جمع بائر ، كعائذ وعوذ ، أي : هالكين عند الله مستوجبين لسخطه ~~وعقابه ، والبوار : هوالهلاك ، قال الشاعر : # فبار أبو حكم في الوغا ... ... هناك وأسرته الأرذلونا # أو فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم ، لا خير فيكم . # ويجوز أن يكون {بورا} مصدر من بار ، كالهلك من هلك بناء ومعنى ، ولذلك ~~وصف به الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث . PageV12P011 # ثم قال تعالى :{ ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا (13) (14) (16)ليس ~~على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما} أي : هيأنا ~~وأحضرنا وقربنا {للكافرين سعيرا} نارا مخصوصة عظيمة الإلتهاب ، لذلك نكر ~~{سعيرا} . # ثم قال تعالى {ولله ملك السماوات والأرض} يدبره تدبير قادر حكيم {يغفر ~~لمن يشاء } للتائبين ؛ لأنه لا يغفر ذنبا من غير توبة {ويعذب من يشاء } من ~~لم يتب لأن مشيئته تابعة لحكمه ، وحكمته المغفرة للتائب ، وتعذيب المصر ، ~~وإنما أجمل المشيئة لبيانها في آي كثيرة لمن يغفر له ، من نحو قوله تعالى ~~:{وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} ولمن لا يغفر له نحو {فإن ~~الله لايرضى عن القوم الفاسقين} {إن الله لايصلح عمل المفسدين} {إن ~~المجرمين ms0524 في عذاب جهنم خالدون لايفتر عنهم وهم فيه مبلسون} {إن المجرمين في ~~ضلال وسعر} {وإن الفجار لفي جحيم} {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} {ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم} {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله} {إنه ~~من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحي ومن يأته قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} . # وقوله تعالى :{ وكان الله غفورا رحيما} كان : عبارة عن وجود الشئ في زمان ~~ماض على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ، ولا انقطاع طارئ ، ~~ومنه {وكان الله غفورا رحيما} و{كنتم خير أمة} كأنه قيل : وجدتم أي : أنتم ~~خير أمة . # وقوله تعالى :{ولله ملك السموات والأرض} يفيد عظمة الأمرين جميعا ، لأن ~~من عظم ملكه يكون أجره وهيبته في غاية العظم ، وعذابه وعقوبته في غاية # النكال والألم . # (/) # --- PageV12P012 ثم قال تعالى :{ سيقول المخلفون} وهم الذين تخلفوا عن الحديبية {إذا ~~انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } وهي خيبر ، وذلك أن الله وعد المؤمنين لما ~~انصرفوا من الحديبية فتح خيبر ، وخص بها من شهد الحديبية :{ ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله} وقري (كلم الله) واختلف في المراد ب{كلام ~~الله} و(كلم الله) فقال ابن عباس : هو موعده لأهل الحديبية خاصة بغنائم خيبر . # وقال مقاتل : هو قول الله تعالى لنبيه وأمره أن لا يسير معه منهم أحد {} ~~لهم جوابا عليهم {لن تتبعونا كذلكم} أي : مثل ذلك القول {قال الله من قبل} ~~أي : من قبل فتخ خيبر ، أوضح الله سبحانه كذبهم حيث كانوا يقولون عندما ~~يكون السير إلى مغانم يتوقعونها من تلقاء أنفسهم :{ذرونا نتبعكم} فإن كان ~~أموالهم وأهلوهم شغلتهم يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة فما بالهم لا يشتغلون ~~بأموالهم يوم أخذ الغنيمة ، وفي المراد بهذا القول القولان المتقدمان عن ~~ابن عباس ومقاتل . # وقيل : من {من قبل} أي : من قبل هذا الوقت ، قيل : في (التوبة) وهي قوله ~~:{لن تخرجوا معي أبدا} وقيل : هذا لايستقيم لأن آية التوبة متأخر نزولها عن ~~سورة الفتح ، وإنما المعني بكلام الله ms0525 وقوله هو قوله في هذه السورة ~~{فأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها} وهي مغانم خيبر ، فجعلها ~~سبحانه لأهل الحديبية خاصة ، وما أخبر الله سبحانه به عن المتخلفين من ~~الأعراب ، وما يقولونه هو متأخر عن نزول هذه الآية ؛ لأن الله أخبر بما ~~يقولون قبل وقوعه . # (/) # --- PageV12P013 وقوله تعالى :{كذلك قال الله من قبل} من مقول القول ، أي : وقل لهم كذلكم ~~قال الله من قبل ، والجواب عليهم من النبي صلى الله عليه وآله إنما يكون ~~وقت قولهم :{ذرونا نتبعكم} وذلك حين أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~غزو خيبر فهذا الحق الذي يستقيم التنزيل عليه ، ولا يتدافع ؛ لأن سورة ~~الفتح نزلت مرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية في الطريق قبل ~~أن يصل إلى المدينة فافهم ذلك موفقا . # وفي البلغة : جعل الله غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ، وليس إشارة إلى ~~سورة التوبة ، وهو الأظهر ؛ لأن الله تعالى قال لنبيئه في الآية التي بعدها ~~:{قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} فلو كان هؤلاء هم ~~الذين ذكرهم في سورة براءة لما جاز دعاؤهم إلى القتال ؛ لأن الله تعالى قال ~~فيهم :{فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} وهؤلاء الأعراب أمر ~~الله نبيئه عليه السلام يقول لهم :{ستدعون إلى قوم} الآية ، فصح أن هؤلاء ~~الأعراب غير أولئك . اه # وهذا حق ؛ لأن سورة براءة ما نزلت إلا بعد سورة الفتح بمدة طويلة ؛ لأنها ~~في ذكر غزوة تبوك وهي متأخرة بمدة طويلة مذكورة في الكتب . # ثم قال تعالى :{ فسيقولون بل تحسدوننا} أن نصيب معكم من الغنائم ، وهذا ~~رد على قوله تعالى :{كذلكم قال الله من قبل} كأنهم قالوا ما قال الله كذلك ~~من قبل {بل تحسدوننا} . # ثم قال تعالى ردا عليهم كما ردوا عليه :{ بل كانوا لا يفقهون} أي : ~~لايفهمون {إلا } فهما {قليلا} وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين ، ~~كقوله تعالى :{يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} والفرق بين حرفي الإضراب ، ~~الأول : إضراب معناه رد أن يكون حكم الله ms0526 أن لا يتبعوهم ، وإثبات الحسد ، ~~والثاني : اضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم بما هوأطم ~~منه ، وهو الجهل وقلة الفهم . # (/) # --- PageV12P014 ثم قال تعالى :{ قل للمخلفين من الأعراب} الذين تخلفوا عن الحديبية {ستدعون ~~إلى قوم } أي : حرب قوم {أولي بأس شديد} أي : قتال شديد ، وهم هوازن وغطفان ~~يوم حنين ، والداعي لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأن الكلام في ~~متخلفي الأعراب عن الحديبية ؛ لأن الله سبحانه لما منعهم من مغانم خيبر أمر ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم : إن الجهاد باب واسع ، وإن ~~الله سيدعوكم على يد رسوله إلى جهاد الكفار كهوازن وغيرهم ، فإن تبتم ~~وأطعتم أثابكم وغفر لكم ، وإن توليتم واعتذرتم {كما توليتم من قبل} أي : من ~~يوم الحديبية {يعذبكم عذابا أليما} قال بعض علمائنا عليهم السلام : وهذا ~~التفسير هو الحق ، ومن عدل عنه فهو غالط أو مغالط . # وقيل : هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر ، ~~والأولى ماذكره في البلغة من أن هذه الدعوة في حياة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ؛ لأنه بعد انصرافه من الحديبية كانت له غزوات ، وهؤلاء دعوا إلى ~~قتال أولئك الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل لهم إن ~~أعرضتم كما أعرضتم من قبل يعذبكم الله ، وقد بينا أن هؤلاء غير أولئك الذين ~~ذكروا في سورة براءة ، ولأن بني حنيفة اختلف اهل القبلة في أمورهم فمنهم من ~~قال : إنهم مرتدون ، ومنهم من قال : بخلاف ذلك ، والخلاف فيه ظاهر . # (/) # --- PageV12P015 قال الرازي : وأقوى الوجوه وهو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وإن كان الأظهر غيره) ثم أوضح الدليل وأوسع الإحتجاج (1) PageV12P016 على قوة أن الداعي لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . # وقوله تعالى:{ تقاتلونهم أو يسلمون} أي : يكون أحد الأمرين المقاتلة أو ~~الإسلام لا ثالث لهما . # قال الهادي عليه السلام : المخلفون الذين تخلفوا في أهليهم ، وتخليف ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لهم فلم يكن بالإذن منه لهم ، ولكن ms0527 ~~باختيارهم لمعصية ربهم ، وإنما جاز أن يقول :{المخلفين} وهم المتخلفون من ~~أجل أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعرض عنهم حين اختاروا التخلف ، ولم ~~يغصبهم على الخروج معه ، فلذلك جاز أن يقول :{المخلفين} والقوم الذين هم ~~أولي(1) البأس الشديد هم الروم ، وأنها وقعة مؤتة ، وهذا عندي أشبه بالحق ~~بأسباب تدخل فيه ، ومعاني توضح ذلك وتبينه ، فقال : {ستدعون} إلى قتالهم ~~{أو يسلمون} . اه # ثم قال تعالى :{ فإن تطيعوا} في ذلك {يؤتكم الله أجرا حسنا} وهوالجنة ~~{وإن تتولوا } عن الطاعة فلا تجيبون إلى قتالهم وتتخلفوا {كما توليتم} ~~وتخلفتم {من قبل } في غزوة تبوك والحديبية {يعذبكم عذابا أليما} شديد الألم ~~، فجعل لقبول توبتهم علامة ، وهو أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ، ~~وتطيعون بخلاف حال ثعلبة . # ثم ذكر سبحانه من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسببه يجوز ترك الجهاد ~~فقال تعالى :{ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} ~~المعنى : أن الله تبارك وتعالى نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات ، وعذرهم ~~في التخلف عن الغزو في الحديبية وغيرها ، والحرج : الضيق والمأثم قال ~~الشاعر : # ياليتني قد زرت غير حارج ... ... ذات الوشاح الكره الدمالج # وأحسن من هذا قول نجم آل الرسول القاسم بن ابراهيم عليه السلام : PageV12P017 # فأسلب ما كلفت به ... ... ويبقى الوزر والحرج # قوله تعالى :{ ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} مع ~~أن طاعة كل واحد منهما طاعة للآخر ، بيان لطاعة الله ، فإن الله تعالى لو ~~قال : ومن يطع الله ، كان لبعض الناس أن يقول : نحن لا نرى الله ولا نسمع ~~كلامه فمن أين يعلم أمره حتى نطيعه ؟ فقال : طاعته في طاعة رسوله ، وكلامه ~~يسمع من رسوله . # ثم قال سبحانه :{ ومن يتول } أي : يعرض عما أمر الله به ورسوله ، ويخالف ~~مانهى الله عنه ورسوله { يعذبه عذابا أليما} . # ثم أخبر سبحانه برضاه عن المؤمنين حين بايعوا رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال تعالى :{ (17)لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك} أي : حين ~~يبايعونك ms0528 {تحت الشجرة} كانت سمرة ، وهذه بيعة الرضوان سميت بهذه الآية . # [بيعة الرضوان] # قصتها عنه صلى الله عليه وآله وسلم حين نزل الحديبية بعث عثمان إلى مكة ~~يخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ، فعظموه وأذنوا له ~~بالطواف بالبيت ، فقال : ما كنت لأطوف قبل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم واحتبس عندهم ، فأرجف بأنهم قتلوه ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~: لا نبرح حتى نناجز القوم ، أي نحاربهم ، ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه ~~تحت الشجرة على الموت ، وعلى أن لا يفروا ، فقال لهم : أنتم اليوم خير أهل ~~الأرض ، وكانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين (1) وقيل : ألفا واربع مائة ، ~~وقيل : الفا وثلاثمائة ، كذا في الكشاف . PageV12P018 # قال الهادي عليه السلام : الشجرة التي بايع المؤمنون رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم تحتها فهي شجرة بالحديبية بايعوا تحتها رسول الله على الصبر ~~والبلوى ، أو يدخلوا مكة ، وهم بالحرم وبجانب فخ ، فأنزل الله على نبيئه ~~{وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} فلما طلبوا السلم أجابهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك فكتب الكتاب بينه وبين سهيل بن عمرو على ~~الهدنة عشر سنين ، وعلى شروط شرطوها بينهم ، ونحر هدي عمرته في الموضع على ~~أن يأتي في السنة الأخرى فيدخل مكة هو وأصحابه ، ويقيمون بها ثلاثا ، ~~ويخرجون ، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السنة المقبلة ، ~~وتم لهم على الهدنة حتى نقضوا . # ومعنى قوله :{ فعلم ما في قلوبهم} يقول : علم ما في قلوبهم من النية ~~والصبر والإحتساب له سبحانه ، وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه {فأنزل ~~السكينة عليهم } أي : السكون والطمأنينة . # الظاهر أن سببها بعض كلام سمعوه في الصلح فاشمأزوا منه في الآية الآتية ~~{وأثابهم } من الثواب {فتحا} وهو الجزاء {قريبا} يقول : أعطاهم ورزقهم فتحا ~~قريبا ، وهو فتح خيبر ومغانمها الكثيرة ، التي أخذوا منها من النخيل ~~والأثاث ، والذهب والفضة ، والتي لم يقدروا عليها في ذلك الوقت ، ثم قدروا ~~عليها من بعد ، فهي بلاد الروم والشامات ، وما والاها ms0529 ، ثم افتتحوها في ~~غزوة تبوك ، ثم افتتحوها من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لنبيئه . اه # {ومغانم كثيرة يأخذونها} هي أرض خيبر ، وكانت ذات عقار وأموال فقسمها بين ~~المسلمين {وكان الله عزيزا} قاهرا قادرا على أن يظفركم بالفتح والغنائم ~~{حكيما} لا يفعل ذلك إلا لحكمة وتدبير . # (/) # --- PageV12P019 ومعنى {عزيزا} كامل القدرة غنيا عن إعانتكم إياه {حكيما} حيث جعل هلاك ~~أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه ، أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين ، ~~قال : يذل من يشاء بعزته ، ويعز من يشاء بحكمته . # ثم قال تعالى :{ وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } وهي ما يغنم المؤمنون ~~الىيوم القيامة {فعجل لكم هذه} المغانم ، أي : مغانم خيبر {وكف أيدي الناس ~~عنكم} أيدي أهل خيبر ، وحلفائهم ، وهم أسد وغطفان الحليفان ، عليهم عيينة ~~بن حصن ومالك بن عوف ، جاؤا لينصروا أهل خيبر ، فألقى الله في قلوبهم الرعب ~~فانهزموا ، وقيل : أيدي أهل مكة ، وقيل : بل معنى {كف أيدي الناس} أي : منع ~~سائر الناس أن يخرجوا معكم في غزو خيبر لئلا يشاركوكم في هذه الغنائم . # قال الحاكم : كانت غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة دون غيرهم ، وروي أنه ~~لم يغب أحد من الحديبية عن خيبر إلا جابر بن عبدالله فأسهم له رسول الله ~~صلى الله عليه وآله كمن حضر . # وروى ابن هشام في سيرته عن ابن اسحاق : أن غنائم خيبر قسمت على أهل ~~الحديبية من شهد خيبر ومن غاب عنها ، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبدالله بن ~~عمرو بن حزم فقسم له رسول الله كسهم من حضرها . # {ولتكون آية للمؤمنين} أي : هذه الكفة ، وفي البلغة ، ولتكون الأموال ~~والغنائم التي يأخذها المسلمون على حسب ما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم آية للعالمين ، ودلالة على صدق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . اه # لأن صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية وعبرة ، يعرفون بها أن الله ضامن ~~نصرتهم ، وأنهم منه بمكان . # ثم قال عزوجل :{ ويهديكم صراطا مستقيما} أي : يزيدكم ثقة بفضل الله ، ~~وبصيرة وهداية وإيقانا بالتصديق بمحمد صلى الله عليه ms0530 وآله وسلم فيما جاء به . # (/) # --- PageV12P020 {وأخرى لم تقدروا عليها} أي : وعدكم الله مغانم لم تقدروا عليها في الحال ~~فستقدرون عليها في المستقبل ، كذا في البلغة . # وفي البرهان : يعني فتح مكة . # وفي الكشاف : {فعجل لكم هذه........وأخرى} وهي مغانم هوازن في حنين ، ~~وقال :{لم تقدروا عليها} لما لحقهم في حنين من الهزيمة . # وقال عطا وابن عباس : هي فارس والروم ، وما كانت العرب تقدر على قتالهم ، ~~وفتح مدائنهم ، بل كانوا خولا لهم ، فأقدرهم الله بالإسلام . # {قد أحاط الله بها} أي : قدر عليها ، واستولى ، وأظهركم عليها . # وقال الفراء : كأنه قال : حفظها الله لكم ، ومنعها عن غيركم حتى تفتحوها ~~، وقد أحاط بها علمه أنها ستكون ستكون لكم . # {وكان الله على كل شيء} من المقدورات {قديرا} والوفاء بما وعد من هذه ~~الغنائم من جملة المقدورات . # ثم قال تعالى :{ ولو قاتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ، ولم يصالحوا ، ~~أوحلفاء أهل خيبر {لولوا الأدبار} لغلبوا وانهزموا مدبرين هاربين {ثم لا ~~يجدون وليا } يتولاهم بالإعانة {ولا نصيرا} ينصرهم لدفع المؤمنين عنهم ، ~~يريد : وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون ، بل بعد التولي الهلاك لاحق بهم . # ثم قال :{ سنة الله التي قد خلت من قبل} إرسالك ، يعني عادة الله السالفة ~~في نصرة أوليائه ورسله على أعدائه ، ولن يغير عادة الله في نصرك على أعدائك . # والمعنى : أن الله سن غلبة أوليائه سنة ، وهو قوله :{لأغلبن أنا ورسلي} . # {ولن تجد لسنة الله تبديلا} تغير ولا تحول . # وفي البلغة : ما من نبي أمره الله بمحاربة الكفار إلا نصره الله عليهم ، ~~ولو أمرتك يوم الحديبية بمحاربتهم لكانت هذه السنة حاصلة . # (/) # --- PageV12P021 {وهو الذي كف أيديهم} أهل مكة {عنكم } بإلقاء الرعب في قلوبهم {وأيديكم ~~عنهم} بالنهي لكم عن القتال ، وإنما نهى عن قتالهم إبقاء المؤمنين الذين في ~~أيديهم ، ولمصلحة علمها الله سبحانه في المصالحة . اه # قوله :{ ببطن مكة} هو موضع الحديبية ، وقيل : وادي مكة ، وقيل : التنعيم ~~{من بعد أن أظفركم عليهم } أي : قضى بينكم بالمكافة بعد أن أظفركم عليهم ، ~~قيل : وذلك يوم الفتح ، ولهذا احتج أبو حنيفة أن ms0531 مكة فتحت عنوة لا صلحا ، ~~وهو رأي أهل البيت عليهم السلام ، وقيل : كان ذلك في الحديبية لما روي أن ~~عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة ، فبعث صلى الله عليه وآله وسلم من هزمه ، ~~فأدخله حيطان مكة . # ابن عباس : أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت . # وفي البلغة : إن هذا الموضع الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان في أيدي المشركين من جملة بلادهم ، فلما نزل به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على كره منهم كان ذلك ظفرا ونعمة . # وفي التجريد عن الواحدي ، وعن عبد الله بن مغفل المزني كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في أصل الشجرة إذ خرج علينا ثلاثون شابا ، عليهم ~~السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ~~فأخذ الله بأبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله : هل جئتم في عهد ؟ قالوا : لا ، فخلا سبيلهم ، فأنزل الله تعالى ~~:{وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} . # وعن أنس أن ثمانين من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من جبل التنعيم متسلحين يرون غرة من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأصحابهم ، فأخذهم سلما فاستحياهم ، فأنزل الله تعالى :{وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم} . # والمعنى : أن الله تعالى ذكر منته بحجره بين الفريقين حتى اتفق بينهم ~~الذي كان أعظم من الفتح . # (/) # --- PageV12P022 قال الهادي عليه السلام في حواب الحسن بن محمد بن الحنيفية (1) وقد احتح ~~على ما زعم من صحة الجبر بهذه الآية ، فقال عليه السلام : وأما ما سأل عنه ~~من قوله الله سبحانه :{وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من ~~بعد أن أظفركم عليهم} فقال : هل كان يستطيع أحد أن يمد يده إلى عدوه ، وقد ~~كف أيدي حزبه من رسوله والمؤمنين عن حزب الشيطان الفاسقين ، وأذن لرسوله ~~وأطلق لهم مهادنة قريش ومن تبعهم من المشركين ، نظرا منه سبحانه للمؤمنين ، ~~ففعل ذلك ms0532 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبايع أصحابه على الموت فيه ~~بيعة ثانية ، وهي البيعة التي ذكر الله عن المؤمنين ، ورضي بها عنهم ، ~~وأنزل السكينة عليهم ، وصرف أيدي القتال ، وكف أيدي الكل من الرجال بما ~~أطلق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم من إجابتهم إلى ما طلبوا من المهادنة ~~في ذلك العام ، والرجوع عنهم والدخول في السنة المقبلة إلى البيت الحرام ، ~~فأطلق الله له الرجوع عنهم ، والترك لمقابلتهم لما ذكر سبحانه ، فتقتلوهم ~~بغير علم ، فتصيبهم منهم معرة عند الله بالحكم . # والمعرة هاهنا : فهي الدية ، لا ما قال غيرنا به فيه من الإثم ، وكيف ~~يأثم من كر وكرم وقاتل على الحق كما ذكر الله عزوجل ، ومن خالف من الخلق ~~فقتل مؤمنا بغير علم ولا تعمد ، وهو فإنما قتله وهو يحسبه كافرا ، ويظنه في ~~دين الله فاجرا ، فهو والحمد لله في ذلك غير آثم ، ولا متعد في فعله ولا ~~ظالم ، ولكنه مخط فعليه ما على مثله ، وهو ماذكر الله في قوله حين يقول ~~:{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} وإنما جعل ~~عليه العتق والدية تعظيما لقتل المؤمن ، وتشديدا على المؤمنين في التثبت ~~والتبيين عند قتال الكافرين ، كما قال سبحانه :{يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين} . # (/) # --- PageV12P023 وأما معنى قوله سبحانه :{من بعد أن أظفركم عليهم} فهو : الحكم لهم من الله ~~عزوجل بالنصرة إذ نصره ، ومن ذلك ما قال ذو العز والجلال :{يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} ولا نصر يكون أكبر من نصر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين إن احتربوا ، ألا تسمع ~~كيف يقول :{ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} يقول : حكم ~~الله للمؤمنين بالنصر على الكافرين الفاسقين ، ولن تجد لما حكم به رب ~~العالمين للمؤمنين تبديلا ms0533 ، فهذا معنى الآية وتفسيرها ، لا كمن قال من نسب ~~إلى الله جل ثناؤه فاحش المقال من جبر العباد على الخير ، وإدخالهم قسرا في ~~كل شر وضير . اه # ثم قال تعالى :{ وكان الله بما تعملون بصيرا} أي : عليما بما تعملون ~~فيجازيكم عليه ، وكان الله يرى من المصلحة وإن كنتم لا ترون ذلك بقوله :{ ~~هم الذين كفروا} يعني قريشا {وصدوكم عن المسجد الحرام} يعني : كفار مكة ~~جمعوا بين الكفر ، وبين صدكم عن المسجد الحرام حين أحرم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعمرة عام الحديبية ، وسمي الحرام لعظم حرمته {والهدي ~~معكوفا} أي : صدوكم ، وصدوا الهدي ، و{معكوفا} بيان لحال الهدي ، أي : ~~محبوسا { أن يبلغ محله} معناه : أن لا يبلغ ، فحذف لا . و{محله} هو مكانه ~~الذي يحل فيه نحره ، أي : يجب ، ومحل هدي الحج منى ، وإلا فقد نحره صلى ~~الله عليه وآله في الحرم ، لأن بعض الحديبية من الحرم . # وروي أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في الحل ومصلاه في ~~الحرم ، وفيه دليل لأبي حنيفة أن المحصر محل هديه الحرم . # والهدي : ما يهدى إلى الكعبة ، وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم معه ، وكانت سبعين بدنة . # (/) # --- PageV12P024 {ولولا رجال مؤمنون} بمكة {ونساء مؤمنات لم تعلموهم } أي : لم تعلموا ~~بإيمانهم ، أو غير متميزين لكم ، وقيل : رجال ونساء علم الله أنهم مؤمنون . # وقوله :{ أن تطئوهم } بدل اشتمال من هم في {تعلموهم} أي : لم تعلموا ~~وطأهم ، والوطأ : عبارة عن الإيقاع والإهلاك {فتصيبكم منهم} بإهلاكهم {معرة ~~بغير علم } والمعرة هاهنا : هي الدية ، وقيل : عيب من المشركين وتعيير ، ~~فيقولون : قتلوا أهل الله ، وقيل : غم وحزن ، وقيل : معنى {معرة} أي : مأثم ~~، والمعرات : هي الذنوب والمآثم. # فإن قيل : أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم ، وهم لا يعلمون ؟ قيل : له : ~~يصيبهم وجوب الدية والكفارة ، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم ~~مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز . # وقوله :{بغير علم} متعلق ب{أن تطؤهم} أي : تطؤهم بغير علم ، وجواب لولا ~~محذوف دل عليه كلام أي : لولا ms0534 أن تهلكوا ناسا مؤمنين .. إلى آخره لما كف ~~أيديكم عنهم . # ويحتمل أن يقال : جواب لولا مادل عليه قوله تعالى :{هم الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام} يعني قد استحقوا أن لا يهملوا {ولولا رجال ~~مؤمنون} لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل : هو سارق ولولا فلان لقطعت يده ~~، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشئ لوجود غيره ، وامتناع الشئ لا ~~يكون إلا إذا وجد المقتضي له ، فتبعه الغير ، فذكر الله تعالى أولا المقتضي ~~التام البالغ ، وهو الكفر والصد والمنع ، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه ، وهو ~~وجود الرجال المؤمنين ذكره الرازي . # وقوله :{ ليدخل الله في رحمته من يشاء} تعليل لما دلت عليه الآيةم ن كف ~~أيدي المؤمنين عن أهل مكة ، صونا لمن بين أظهرهم من المؤمنين ، كأنه قيل : ~~كان ذلك الكف ومنع التعذيب {ليدخل الله في رحمته} أي : في توفيقه لزيادة ~~الخير والطاعة مؤمنيهم ، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم . # (/) # --- PageV12P025 ثم قال :{لو تزيلوا} أي : لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض ، وهو كالتكرير ~~ل{لولا رجال مؤمنون} لمرجعهما إلى معنى واحد ، والمعنى : أنه كان بمكة ~~مسلمون مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ، ولا معروفي الأماكن ، فقيل : ~~لولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين بين المشركين ، وأنتم غير عارفين ~~بهم {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم } من الذين بمكة {عذابا أليما} ~~بالقتل والأسر . # ثم قال تعالى :{ إذ جعل الذين كفروا} أي : واذكر حين جعل الذين كفروا من ~~أهل مكة {في قلوبهم الحمية} الأنفة والكبر {حمية الجاهلية } هي أنفتهم أن ~~يقروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة ، والإستفتاح ببسم الله ~~الرحمن الرحيم ، وذلك ما يروى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل ~~الحديبية بعث إليه قريش سهيل بن عمرو وغيره ، وأمروهم أن يعرضوا عليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلوا له مكة في العام ~~القابل ثلاثة أيام ، ففعل ذلك ، وكتبوا بينهم كتابا فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم لعلي عليه السلام : اكتب ms0535 بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل ~~وأصحابه : مانعرف هذا ، ولكن اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب هذا ماصالح ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وآله أهل مكة ، فقالوا : لو كنا نعلم أنك ~~رسول الله ما صددناك ، ولا قاتلناك ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم اكتب ما ~~يريدون ، فأنا أشهد أني رسول الله ، وأنا محمد بن عبدالله ، فهم المسلمون ~~أن يأبوا ذلك ، ويشمئزوا منه {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} ~~يعني الصبر الذي صبروا والإجابة إلى ما سألوا ، والصلح الذي عقدوه حتى عاد ~~إليهم في مثل هذا الشهر من السنة الثانية قاضيا لعمرته ، ظافرا لطلبته . # (/) # --- PageV12P026 وفيه لطائف معنويه الأولى : هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر ~~والمؤمن ، إشارة إلى ثلاثة أشياء : أحدها جعل ما للكافرين بجعلهم فقال ~~:{إذ جعل الذين كفروا} وجعل ما للمؤمنين بجعل الله فقال {فأنزل الله} وبين ~~الفاعلين ما لا يخفى ، ثانيها : جعل الحمية للكافرين ، وللمؤمنين السكينة ، ~~وبين المفعولين تفاوت . ثالثها : أضاف الحمية إلى الجاهلية ، وأضاف السكينة ~~إلى نفسه حيث قال :{حمية الجاهلية} وقال :{سكينته} وبين الإضافتين ما لا يذكر . # ثم قال تعالى : {وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله ~~بكل شيء عليما} كلمة التقوى هي بسم الله الرحمن الرحيم ، محمد رسول الله قد ~~اختارها الله لنبيئه ، وقيل : هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله ، قاله ابن ~~عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم ، وروي مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم . # وعن الحسن : كلمة التقوى الوفاء بالعهد . # ومعنى إضافتها إلى التقوى أنها سببها وأساسها ، أعني لاإله إلا الله ذكره ~~في التجريد . # وفي البلغة : وألزم المؤمنين كلمة الإخلاص {وكانوا أحق بها} أولى بها ~~وبالهداية من غيرهم {وأهلها} لأنها من الخير وهم أهل الخير . # (/) # --- PageV12P027 ثم قال تعالى :{ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين} أي : صدقه فيما رأى ، وفي حصوله صدقا متلبسا بالحق ، أي : ~~الغرض الصحيح ، والحكمة البالغة لما فيه من الإبتلاء والتمييز بين المخلص ms0536 ، ~~وبين من في قلبه مرض ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى قبل ~~خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين ، وقد حلقوا وقصروا ، ~~وقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا واستبشروا ، وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم ، ~~قالوا : إن رؤيا رسول الله حق ، فلما تأخر ذلك وصالح قريشا بالحديبية ارتاب ~~المنافقون حين قال النبي صلى الله عليه وآله : فما رأيت هذا العام ، فقال ~~عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحارث : والله ما حلقنا ~~ولا قصرنا ، ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت ، فكان تأخير الوعد بالفتح فتنة ~~للناس . # قال الهادي عليه السلام : ومعنى {أريناك} فهي التي أخبرناك بها وأعلمناك ~~، وهو ماوعده من فتح مكة ، فكانوا يتقاضونه ذلك ، ويقولون : يارسول الله ~~قلت لنا كذا ، ووعدتنا بالفتح ، وقد أبطأ ذلك ، وكان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول :(لم أوقت لكم وقتا ، وإنما وعدتكم أمرا ، وستصلون إليه ) وكان ~~في قلوب المنافقين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدقهم . اه # فكان تأخير تصديق رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين عاد ~~إليهم في مثل ذلك الشهر من السنة الثانية قاضيا لعمرته ظافرا بطلبته فتنة ~~للناس بما يقع في قلوبهم من استبطاء الموعد ، وتصديق الرؤيا ، والله أعلم . # (/) # --- PageV12P028 وقوله :{إن شاء الله} فيه سؤال لأنه لا يقوله إلا الشاك ، وهذا وحي من الله ~~وجوابه من وجوه أحدها : أنه تعليم لعباده أن يتأدبوا بآدابه ، فيقولوا في ~~عداتهم مثل ذلك ، وإن كان تعالى قد علم أن ذلك كائن لا محالة ، وثانيها أنه ~~يتعلق بآمنين لا بالدخول ، فلا شك فيه ، فعلى هذا إن {آمنين}ليس من الوحي ، ~~بل هو من قول قائل في المنام ، وفيه نظر ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي ، وثالثها ~~: أنه على الحكاية كأن رسول الله رأى في المنام أن قائلا يقول : {لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله} تعالى كذا في التجريد ، ومثل هذا الوجه الثالث ~~ذكره في البرهان . # قوله :{ محلقين رءوسكم ومقصرين} أي : البعض محلق والبعض مقصر لأجل ~~الإحرام ms0537 ، أي : لأجل التحلل منه {لا تخافون} نمن أهل مكة ، أي : غير خائفين ~~، وليس {لا} للنهي ، فعلم من الحكمة والمصلحة في تأخير فتح مكة إلى العام ~~القابل {فعلم ما لم تعلموا}يعني : فعلم أن دخولها إلى سنة ولم يعلموا . # {فجعل من دون ذلك فتحا قريبا}يعني فتح خيبر ، لتستروح قلوب المؤمنين إلى ~~أن يتيسر الفتح الموعود به وهو فتح مكة . # ثم قال تعالى :{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } هو دين الإسلام ، ~~والهدى : هو القرآن كما قال تعالى :{أنزل فيه القرآن هدى للناس } {ليظهره ~~على الدين كله} والظهور هو الإرتفاع ، أي : ليعليه ويرفعه على الأديان كلها ~~أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب ، وقيل : هو عند نزول عيسى عليه ~~السلام لا يبقى على وجه الأرض كافر . # قال الرازي : وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله :{ليظهره} أي : ليظهر ~~الدين الحق على كل الأديان ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل الإظهار هو ~~الله ، ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أي : ليظهر النبي ~~دين الحق . اه # {وكفى بالله شهيدا} على أن ما وعده كائن . # (/) # --- PageV12P029 الحسن : شهيد على نفسه أنه سيظهر دينك يامحمد ، وقيل : كفى بالله شهيدا في ~~أنه رسول الله ، وهذا مما يسلي قلوب المؤمنين ، فإنهم تأذوا من رد الكفار ~~عليهم العهد المكتوب ، وقالوا : لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد ~~رسول الله ، بل اكتبوا محمد بن عبدالله ، فقال تعالى :{كفى بالله شهيدا} في ~~أنه رسول الله . # وقوله تعالى :{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} ~~فيه وجوه أحدها : خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : وهو محمد الذي سبق ذكره بقوله ~~:{أرسل رسوله} محمد ، و{رسول الله} عطف بيان . # وثانيها : أن {محمد} مبتدأ وخبره {رسول الله} وهذا تأكيد لما تقدم . # وثالثها : وهو مستنبط ، وهو أن يقال : {محمد} مبتدأ و{رسول الله} عطف ~~بيان ، أو نسق للمدح لا للتمييز ، و{الذين معه} عطف على {محمد} وقوله ~~:{أشداء} خبرهم ، قاله الرازي . # قوله :{أشداء} و{رحماء} جمع شديد ورحيم ، بلغ من تشددهم على الكفار أنهم ~~كانوا يتحرزون ms0538 من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أيديهم أن تمس أبدانهم ، ~~وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى المؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه ، ~~والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء ، وأما المعانقة ، فقد كرهها أبو حنيفة ، ~~وكذلك التقبيل ، قال : ولا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا ~~شيئا من جسده ، وقد رخص أبويوسف في المعانقة ، ومن حق المسلمين أن يراعوا ~~هذا التشدد ، وهذا التعطف كذا في الكشاف . # وقوله تعالى :{ تراهم ركعا سجدا} لايكون خطابا مع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بل يكون عاما أخرج مخرج الخطاب ، تقديره : تراهم أيها السامع ~~كائنا من كان . # ومعنى {يبتغون} أي : يطلبون {فضلا من الله} وهو الجنة {ورضوانا} منه عنهم . # (/) # --- PageV12P030 وقوله تعالى :{يبتغون فضلا من الله} لتمييزركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار ~~وسجودهم ، وركوع المرآي وسجوده ، فإنه لايبتغى به ذلك . # ثم قال سبحانه :{ سيماهم في وجوههم } أي : علاماتهم من آثار صلواتهم ~~وسجودهم تبدو في وجوههم ، ونور يكسوها الله عزوجل على ماجاء في الحديث من ~~صلاة الليل ، أو المراد السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود . # وقوله :{ من أثر السجود } يفسرها أي : من تأثير السجود ، وقيل: صفرة ~~الوجوه من خوف ربهم ، وقيل : ندى الطهور وتراب الأرض . # {ذلك} الوصف {مثلهم} أي : وصفهم {في التوراة ومثلهم في الإنجيل} لأن ~~المثل يراد به الوصف ، أي وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعا . # قال في التجريد : اختلف في قوله :{ومثلهم في الإنجيل} على ثلاثة أقوال ~~أحدها : أن مثلهم في الكتابين واحد ، وهو ماتقدم .ثم ابتدأ فقال :{ كزرع } ~~أي : هم كزرع . # وثانيها : أن مثلهم في الكتابين واحد أيضا ، وهو قوله :{كزرع} . # وثالثها : أن مثلهم في التوراة ما تقدم ، ومثلهم في الإنجيل {كزرع أخرج ~~شطأه} فراخه ، أي : أوله عند نباته ، اشطى الزرع إذا فرخ ، وهو ما يتولد ~~منه ، أي ورقه ونباته قال الشاعر : # يخرج الشطأ على وجه الثرى ... ... ومن الأشجار أفنان الثمر # (/) # --- PageV12P031 {فآزره } من المؤازرة ، فهي : المعاونة ، أي : فشد أزره وقواه {فاستغلظ } ~~غلط وكثر ، أي : صار من الرقة إلى ms0539 الغلظ ، يعني باجتماع الفراخ مع الأصول ~~{فاستوى على سوقه} جمع ساق ، أي : على عوده الذي يقوم عليه فيكون ساقا له ، ~~أي : فاستقام على قصبه { يعجب الزراع} تكامله وغلظه ، وهذا مثل ضربه الله ~~لبدو الإسلام ، وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم ؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قام وحده ، ثم قواه بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من ~~الزرع بما يحتف بها مما يتولد منها ، حتى يعجب الزراع {ليغيظ بهم الكفار} ~~يعني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن آمن به وصدقه لا بما أعجب ~~من قوتهم كإعجاب الزراع بقوة زرعهم هو الذي غاظ المشركين منهم . # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام : معنى {ليغيظ بهم الكفار} ليغم ~~أعداء الله بكمال محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه الآيات في النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وفي أهل بيته خاصة ، روي ذلك عن أمير المؤمنين الهادي ~~إلى الحق عليه السلام . اه # وهو تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع في الزيادة والقوة ، أي : أنماهم ~~الله عزوجل بالكثرة ليغيظ بهم الكفار . # {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} أي : ~~وعدهم الأجر العظيم على العمل الصالح ، وقيل : الفعل المعلل هو قوله تعالى ~~:{وعد الله الذين آمنوا} {ليغيظ بهم الكفار} يقال : رغما لأنفك أنعم الله عليه . # وقوله :{منهم} من لبيان الجنس ؛ لأنهم كلهم مؤمنون عن الزجاج ، أي : من ~~جنس الصحابة ، وقيل : للتبعيض ، والمراد الذين استقاموا على الإيمان إلى ~~الموت . # (/) # --- PageV12P032 ### | AUTO سورة محمد # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم(1)والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم(2)ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم(3) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ms0540 ببعض والذين قتلوا ~~في سبيل الله فلن يضل أعمالهم(4)سيهديهم ويصلح بالهم(5)ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم(6)ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم(7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم(8)ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم(9)أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر ~~الله عليهم # وللكافرين أمثالها(10)ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم(11)إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم(12)وكأين من # (/) # --- PageV13P001 قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم(13)أفمن كان ~~على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم(14)مثل الجنة التي ~~وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار ~~من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من ~~كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع ~~أمعاءهم(15)ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم(16)والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم(17)فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ~~ذكراهم(18)فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم(19)ويقول الذين آمنوا لولا # نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم ~~مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم(20)طاعة وقول معروف ~~فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم(21) فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في # (/) # --- PageV13P002 الأرض وتقطعوا أرحامكم(22)أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم(23)أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها(24)إن الذين ارتدوا ~~على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم(25)ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم(26) فكيف إذا توفتهم الملائكة ms0541 يضربون وجوههم وأدبارهم(27)ذلك بأنهم ~~اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم(28)أم حسب الذين في ~~قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم(29)ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم(30)ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم(31) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط ~~أعمالهم(32)ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله # وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم(33)إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم(34)فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم(35)إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم(36)إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم(37)هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من ~~يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا ~~يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم(38) # (/) # --- PageV13P003 سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم # تسع وثلاثون آية في الحجازي والمكي والشامي ، وثمان وثلاثون في الكوفي ، ~~وأربعون في البصري (مدنية) وعن الضحاك وسعيد بن جبير (مكية) وهي سورة ~~القتال . # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله أعطاني السبع ~~الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المآئتين مكان الإنجيل ، وأعطاني مكان ~~الزبور المثاني ، وفضلني ربي بالمفصل) # وفي تفسير الماوردي : اختلف في المفصل على ثلاثة أقوال أحدها وهو الأكثر ~~: من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى سورة الناس ، والثاني : أنه من ~~سورة ق إلى سورة الناس . والثالث : من سورة الضحى إلى سورة الناس . عن ابن ~~عباس ، وكان يفصل بين كل سورتين بالتكبير ، وبه سمي المفصل ، وقيل : سمي ~~لكثرة الفصل بين سوره ببسم الله الرحمن الرحيم . # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى :{الذين كفروا} بتوحيد الله {وصدوا عن سبيل الله} أي : ~~امتنعوا عن الدخول في دين الإسلام ، # أو صدوا غيرهم عنه ، قيل : وهوعام يدخل فيه كل كافر . # وعن ابن عباس :(هم المطعمون يوم بدر يمنعون عن الدخول في ms0542 الإسلام ، ~~ويأمرون بالكفر) . # وعن مقاتل :(كانوا اثني عشر رجلا من المشركين يصدون عن الإسلام الناس) . # (/) # --- PageV13P004 قال في البرهان : نزلت في اثني عشر من كفار مكة ، منهم : أبو جهل بن هشام ، ~~وعتبية وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عقبة ، وعقبة بن أبي معيط ، وأمية بن ~~خلف ، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، وابو البحتري ، وزمعة بن الأسود ، وحكيم ~~بن حرام ، والحارث بن عامر بن نوفل . اه # وقيل : هم من أهل الكتاب كفروا وصدوا من أراد الإسلام منهم ، ومن غيرهم ، ~~أو صدوا عن بيت الله بمنع قاصديه ، ودفع زائريه {أضل أعمالهم} : أحبطها ، ~~من ضلت إبله : ضاعب ، كما يقال : أضل بعيره إذا تركه مسيبا فضاع ، وهي ~~ماعملوه في كفرهم مما كانوا يعدونه مكارم ، نحو صلة الأرحام ، وإطعام ~~الطعام ، وفك الأسارى ؛ لأنه لاقربة لكافر ، وقيل : بطل ماكادوا به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وما صدوا عن سبيل الله ، فنصره الله عليهم . # ثم إن الله تعالى لما بين حال الكفار بين حال المؤمنين فقال سبحانه ~~:{والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} قال في البرهان : ~~هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب صلوات الله عليه . # ومعنى {وهوالحق من ربهم} أي : وإيمانهم هو الحق من ربهم بما هداهم الله ~~إليه . اه # قوله :{وآمنوا بما نزل على محمد} اختصاص للإيمان بالمنزل على رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من بين ما يجب الإيمان به تعظيما لشأنه ، وتعليما لأنه ~~لايصح الإيمان ولا يتم إلا به ، وأكد ذلك بالجملة الإعتراضية وهي قوله ~~:{وهو الحق من ربهم} قاله في الكشاف . # ثم قال تعالى : {كفر عنهم سيئآتهم} أي : غطى عنهم ذنوبهم وغفرها بإيمانهم ~~وعملهم الصالح وسترها {وأصلح بالهم} أي : حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمر ~~الدين ، والنصر في الدنيا قال المبرد : البال هنا # الحال قال الشاعر : # وخالف بال أهل الدار بالي # أي : خالف حالهم حالي . # (/) # --- PageV13P005 {ذلك} إي : الإضلال لأعمال الكافرين ، والتكفير لسيئآت المؤمنين {بأن الذين ~~كفروا} أي : بسبب أن الذين كفروا {اتبعوا الباطل} أي : الأمر الباطل ، الذي ~~لا ينتفع به ms0543 . # قال في البرهان : يعني من الأصنام والرؤساء الذين أضلوهم ، وإنما سموا ~~بالباطل لدعائهم إليه . اه # وعن مجاهد الباطل : الشيطان . واتباع المؤمنين : الحق الثابت . # {وأن الذين اتبعوا آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} في الكشاف : {ذلك} مبتدأ ~~وما بعده خبره ، أي : ذلك الأمر وهو إضلال أحد الفريقين ، وتكفير سيئات ~~الثاني كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل ، وهؤلاء الحق ، ويجوز أن يكون خبر ~~مبتدأ محذوف ، أي : الأمر كما ذكر لهذا السبب . # قال في البرهان : وعنى بالذين آمنوا : أمير المؤمين صلوات الله عليه ، ~~وكل آية في القرآن فيها ذكر المؤمنين فعلي عليه السلام قائدها وسائقها ، ~~والحق : القرآن ، وسمي حقا لإتيانه بالحق ، ولموافقة أحكامه الحق . اه # ثم قال تعالى :{كذلك} أي : مثل ذلك الضرب {يضرب الله للناس أمثالهم} يعني ~~صفات أعمالهم من خير اوشر . # قال فيه : و(الناس) فيه وجهان : أحدهما أن يكون المعني به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، والثاني : يجوز أن يكون المراد به سائر الناس . اه # والضمير يرجع إلى الناس المذكورين من الفريقين ، على معنى أنه يضرب ~~أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم . # فإن قيل : أين ضرب الله الأمثال ؟ قيل له : ضرب الأمثال بأن جعل اتباع ~~الباطل مثلا لعمل الكفار ، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين ، أو بأن جعل ~~الإضلال مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين . # (/) # --- PageV13P006 ثم قال تعالى :{فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} أصله : فاضربوا الرقاب ~~ضربا ، أي : فاقتلوهم ، لكن لما كان أكثر القتال بهذه الصفة وقع بهذه ~~العبارة ، والمراد القتل ، ولما فيها من الغلظة والشدة ، التي ليست في لفظ ~~القتل لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة ، وهو حز العنق ، وإطارة الرأس ، ~~ذكره في الكشاف . # {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} أي : الرباط للأسرى ، قال ابراهيم بن ~~اسماعيل (1) أبو القاسم العالم عليهما السلام : # قد موتت قلبي الهموم وطولت ... ... ليلي مهانا في الصفاد وثاقا # والوثاق بالفتح والكسر : اسم ما يوثق به من حبل وقد ونحوهما ، والمراد : ~~فاأسروهم ، وقيل : الوثاق هذا : الإيثاق ، ويقال : وثقته إيثاقا ووثاقا إذا ~~شد أسره كيلا يفلت ، ومعنى ms0544 {أثخنتموهم} أي : أذللتموهم بالقتل والجراح حتى ~~أذهبتم عنهم النهوض ، أي : أثقلتموهم بالقتل والجراح ، أو أغلظتموه ، من ~~الشئ الثخين ، وهو الغليظ ، ذكره في التجريد وغيره ، وحتى لبيان غاية الأمر ~~لا لبيان غاية القتل . # ثم قال تعالى :{فإما منا بعد} وهو الإطلاق بغير شئ ، كما من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على ثمامة بعد أسره ، ويحتمل أنه العتق {وإما ~~فداء} فيه قولان : أحدهما : أنه المفاداة على مال يؤخذ ، أو أسير يطلق كما ~~فادى رسول الله صلى الله عليه وآله أسرى بدر ، كل أسيرين بأربعة آلاف درهم ~~، وفادى في بعض المواضع رجلا برجلين ، والثاني : أنه البيع ، أي : فبعد ~~الأسر لكم هذه التخيير بين المن والفداء . # قال في التجريد : للإمام أن يفعل بأسرى المشركين البالغين أحد أربعة ~~أشياء : القتل ، والإسترقاق ، على تفصيل يذكر في كتب الفقه ، والفداء ، ~~والمن ، وهو قولنا والشافعي ، وقال أبو حنيفة : ليس له إلا قتلهم ~~واسترقاقهم ، ويقول في المن والفداء : إنه منسوخ بقوله :{اقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} وهو قول مجاهد والسدي وابن جريج . # (/) # --- PageV13P007 ثم قال تعالى :{حتى تضع الحرب أوزارها} حتى متعلق بالضرب والشد ، أي : ~~اقتلوهم حتى تضع ، أو بالمن والفداء ، أي : لاتزالون على ذلك إلى أن لا ~~يكون حرب من المشركين ، وذلك إذا لم تبق لهم شوكة ، بأن يكونوا من أهل ~~الذمة ، أو يسلموا ، أو يوادعوا ، وأوزار الحرب : آلاتها وأثقالها ، وعددها ~~وأهبتها التي لاتقوم إلا بها كالسلاح والكراع قال الشاعر : # وأعددت للحرب أوزارها ... ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا # وسميت أوزار ؛ لأن الحرب لا تقع إلا بها ، فكأنها تحملها ، فإذا أنفقت ~~فكأنها وضعتها ، والمعنى حتى يضع أهل الحرب سلاحهم ، وقيل : {حتى تضع الحرب ~~أوزارها} يعني : أوزار كفرهم بالإسلام {ذلك} أي الأمر ذلك الذي ذكروا ، أو ~~فعلوا ذلك ، والمبتدأ محذوف ، ويحتمل أن يقال : ذلك واجب أو مقدم ، كما ~~يقول القائل : إن فعلت فذاك مقصود ومطلوب . # ثم بين أن قتالهم ليس طريقا متعينا بل الله لو أراد أهلكهم بغير جند فقال ~~سبحانه :{ولويشاء الله لانتصر منهم} بغير قتال ، أي : انتقم ببعض أسباب ms0545 ~~الهلاك ، من خسف أوموت ، أو غرق ولكن أمركم بالحرب {ليبلو بعضكم ببعض} أي : ~~ليختبر المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا ليستحقوا الثواب ، ~~والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض ما وجب من العذاب . # إن قيل : ما التحقيق في قولنا : التكليف ابتلاء وامتحان ، والله يعلم ~~السر وأخفى ؟ وماذا يفهم من قوله :{ليبلوا بعضكم ببعض} ؟ . # قيل له : إن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين ، أي : كما يقول المبتلى ~~المتحير ، وذلك أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما الملائكة ، وإما ~~الناس ، والتحقيق هو أن الإبتلاء والإمتحان والإختبار فعل يظهر بسببه أمر ~~غير متعين عند العقلاء ، وهو إما الطاعة أو المعصية ، أي : ليظهر معلوم ~~الله لأنه تعالى لا يعاقب ولا يثيب على ما يعلم حتى يظهر الفعل ، وهو ~~لايكون إلا بذلك . # (/) # --- PageV13P008 ثم قال تعالى :{والذين قاتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} قال الهادي ~~عليه السلام : فهو لن يبطلها ولن يلتهم إياها سيجازيهم عليها ، ويعظم لهم ~~الأجر فيها {سيهديهم} إلى دار ثوابه ، ويصيرهم إلى ما أعد لهم من دار ~~كرامته {ويصلح بالهم} فهو : يصلح حالهم ، البال : الحال والأمر . # قال في التجريد : وظاهره أنه لايكون الهدى وإصلاح البال إلا في الدنيا ~~للأحياء ، وقد اختلف فقيل : {سيهديهم} أي : يوفقهم ويلطف بهم في التكليف ، ~~ويصلح حالهم في أمر الدين ، وهذا على قراءة الأكثرين وهي {قاتلوا} والأقلين ~~{قتلوا} . # وقيل : {سيهديهم} لجواب منكر ونكير ، وقيل : إلى طريق الجنة في الآخرة ، ~~وهذان يصحان على قراءة أبي عمرو . # ثم قال سبحانه :{ويدخلهم الجنة عرفها لهم} قال الهادي عليه السلام : هو ~~طيبها لهم ، وتطييبه لها فهو : جمعه فيها للخيرات التي هي مجموعة فيها حتى ~~طابت لأهلها بوجودهم ، كلما يحبون فيها . # وفي التجريد قيل : عرفهم منازلهم فيها [فهم] (1) يستدلون عليها ، بل ~~يكونون أعرف من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم ، وهو قول قتادة وعامة ~~المفسرين . # وعن مقاتل : الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه ، فيعرفه ~~كل شئ أعطاه الله ، وقيل : {عرفها} طيبها ، أي : طيب رائحتها ، قال ابن ~~قتيبة : وهو قول ms0546 أصحاب اللغة . # ثم إنه تعالى لما بين ما على القتال من الثواب والأجر ، وعدهم بالنصر في ~~الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام ، فقال سبحانه :{يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله} أي : دين الله ونبيئه بالصبر في مواطن القتال ~~{ينصركم} على عدوكم ، ويفتح لكم {ويثبت أقدامكم} في نصره في مواطن الحرب ، ~~أو على محجة الإسلام . PageV13P009 # ثم قال تعالى :{والذين كفروا فتعسا لهم} هذا زيادة في تقوية قلوبهم ؛ لأنه ~~تعالى لما قال :{ويثبت أقدامكم} جاز أن يتوهم أن الكافر أيضا يصبر للقتال ~~فيدوم القتال والحراب والطعان والضراب ، وفيه المشقة العظيمة ، فقال تعالى ~~: لكم الثبات ، ولهم الزوال والتغيير والهلاك ، فلا يكون العثار . # ومعنى {فتعسا لهم} قال الحسين بن القاسم عليه السلام : أي تعبا وعسرا ، ~~قال العالم عليه السلام : # بذلك أوصاني سلالة أحمد ... ... بحفظي لأصحابي على اليسر والتعس # وفي البرهان : التعس : الإنحطاط والعثار ، كأنه قال : أتعسهم الله تعسا ، ~~وهو دعاء عليهم بعدم الإنتعاش إذا عثروا . # قال ابن قتيبة والزجاج : هو من قولك : تعست ، بفتح العين إذا عثرت ، ~~وتعسا له : نقيض لعا له ، يقال للعاثر : لعا لك ، معناه الدعاء له ، والقوة ~~على الثبوت ، وتعسا له معناه : الدعاء عليه بالعثور ، قال ابن عباس : يريد ~~في الدنيا القتل ، وفي الآخرة التردي في النار ، ذكره في التجريد وغيره . # وقوله تعالى :{أضل أعمالهم} معطوف على أتعس المقدر قبل {الذين كفروا} أي ~~: ضيع وأبطل أعمالهم ، وفيه إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين ، ~~حيث قال في حق قتالهم :{فلن يضل أعمالهم} وقال في موتى الكافرين :{أضل ~~أعمالهم} . # ثم بين الله تعالى سبب ما اختلفوا فيه فقال :{ذلك} الواقع على الذين ~~كفروا{بأنهم كرهوا ما أنزل الله} من القرآن ، وما فيه من التكاليف {فأحبط ~~أعمالهم} التي يعدونها مكارم ، أي : أبطلها ؛ لأنها لم تكن مع إيمان . # ثم قال تعالى :{أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم} المعنى : ترك الستر للنظر والإعتبار بعاقبة الذين كفروا من قبلهم ~~كعاد وثمود وما جرى عليهم بسبب الكفر منهم والمعاصي {دمر الله ms0547 عليهم} أي : ~~أهلك عليهم ما يختص به من أنفسهم وأولادهم وأموالهم ، وقيل : {دمر الله ~~عليهم} مثل دمرهم هنا أي : أهلكهم . # (/) # --- PageV13P010 ثم قال تعالى :{وللكافرين أمثالها} أي : لمن يشاركهم في موجب التدمير أمثال ~~هذه العاقبة ، أو الهلكة ؛ لأن التدمير يدل عليها ، يحتمل أن يكون المراد : ~~لهم أمثالها في الدنيا ، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل أن يكون لهم أمثالها في الآخرة ، فيكون ~~المراد من تقدم ، كأنه يقول : دمر الله عليهم في الدنيا ، ولهم في الآخرة ~~أمثالها . # ثم قال تعالى :{ذلك} المذكور من نصر المؤمنين ، والتعس للكافرين {بأن ~~الله} أي : بسبب أن الله {مولى الذين آمنوا} أي : وليهم وناصرهم {وأن ~~الكافرين لا مولى لهم} لاولي لهم ، ولا ناصر ؛ لأن عدم النصرة من آلهتهم ~~واجب الوقوع ؛ إذ لا قدرة لها ، وإلا فهو مولى جميع خلقه ، أي : مالكهم ~~{وردوا إلى الله مولاهم الحق} . # ثم لما بين الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في ~~الآخرة فقال تعالى :{إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار} قد مر تفسيره . # {والذين كفروا يتمتعون} ينتفعون بمتاع الدنيا أياما قلائل ، والتمتع ~~الإنتفاع القليل بالعاجل {ويأكلون} غافلين عن أمر الآخرة {كما تأكل ~~الأنعام} في معالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح {والنار مثوى لهم} ~~والمثوى: موضع الثواء ، وهو الإقامة ، أي : منزل لهم ومقام . # ولما ضرب الله لهم مثلا بقوله :{أفلم يسيروا في الأرض} فلم ينفعهم مع ما ~~تقدم من الدلائل ضرب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلا تسلية فقال سبحانه ~~وتعالى :{وكأين من قرية} معناها : التكثير ، مثل كم ، أي : وكثير من أهل ~~قرية {هي أشد قوة من قريتك} يعني مكة {التي أخرجتك} أي : التي كان أهلها ~~سبب خروجك إلى المدينة {أهلكناهم} بعذابنا ، كذلك نفعل بهم ، فاصبر كما صبر ~~رسلهم . # وقوله :{فلا ناصر لهم} أي : فلا مانع لهم منا ، وهذا وعيد لهم . # (/) # --- PageV13P011 ثم قال تعالى :{أفمن كان على بينة من ربه} أي : على حجة ms0548 ظاهرة ، وهي القرآن ~~والمعجز وسائر المعجزات ، يعني الرسول صلى الله عليه وآله وسلم {كمن زين له ~~سوء عمله} أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم ، وقيل : هو كل مؤمن وكافر ~~{واتبعوا أهواءهم} في الشرك وعداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~؛ لأن الشرك لا يقضي به عقل ولا سمع ، وإنما دليلهم فيه اتباع الهوى . # وقوله تعالى :{على بينة} فرق فارق ، وقوله :{من ربه} مكمل له ، وذلك أن ~~السنة إذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى ~~وأبهر ، وكذلك {كمن زين له سوء عمله} فرق فارق ، وقوله :{واتبعوا أهواءهم} ~~يكمله ، وكذلك إن من زين له سوء العمل ، وزاحت الشبهة عنه في مقابله من بين ~~له البرهان وقبله . # ثم لما بين الفرق بين الفريقين في الإهتداء والضلال بين الفرق بينهما في ~~مرجعهما ومآلهما فقال سبحانه :{مثل الجنة التي وعد المتقون} أي : صفة الجنة ~~؛ لأنه لم يمثل بمثل غير الصفة التي وصف من أنهار الماء ، وأنهار اللبين ~~والخمر ، وأنهار العسل ، وقوله :{مثل الجنة} هذا مبتدأ خبره {كمن هو خالد ~~في النار} . # {مثل الجنة} أي : صفتها العجيبة الشأن ، ثم أخذ في بيان غايتها ، وهو ~~كلام في صورة الإثبات ، ومعناه النفي والإنكار لدخوله تحت حكم {أفمن كان ~~على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله} فكأنه قال : أمثل الجنة الموصوفة كمن ~~هو خالد في النار ، أي : كمثل جزاء من هو خالد في النار ، وأراد المبالغة ~~في نفي تقارب ما بينهما # وقوله :{فيها أنهار} جواب قائل قال : ما مثلها ؟ فقيل :{فيها أنهار من ~~ماء غير آسن} أي : غير متغير ، يقال : أسن الماء وأجن إذا تغير طعمه وريحه ~~قال الشاعر : # وماء آسن بركت عليه ... ... وكان مناخها ملقى لجام # (/) # --- PageV13P012 قال الرازي : قوله تعالى :{مثل الجنة} يستدعي أمرا يمثل به فما هو ؟ قال : ~~نقول فيه وجوه الأول : (1) قول سيبويه حيث قال : المثل هو الوصف ، معناه : ~~وصف الجنة ، وذلك لايقضى [ممثلا به] وعلى هذا ففيه احتمالان ، أحدهما :أن ~~يكون الخبر محذوفا ، ويكون {مثل الجنة} ms0549 مبتدأ تقديره : فيما قصصناه مثل ~~الجنة ، ثم يستأنف ويقول : {فيها أنهار} [وكذلك القول في سورة الرعد ، يكون ~~قوله :{تجري من تحتها الأنهار} ابتداء بيان . والإحتمال الثاني : أن يكون ~~{فيها أنهار} [وقوله :{تجري من تحتها الأنهار} خبرا كما يقال : صف لي زيدا ~~، فيقول القائل : زيد أحمر قصير. # والقول الثاني : إن المثل زيادة والتقدير : الجنة التي وعد المتقون فيها ~~أنهار . # الوجه الثاني : هاهنا الممثل به محذوف غير مذكور ، وهو يحتمل قولين ~~أحدهما : قول الزجاج حيث قال : {مثل الجنة} [جنة]تجري {فيها أنهار}كما يقال ~~: مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لايكون [هو]في ~~الحقيقة إلا زيدا . # الثاني من القولين : هو أن يقال : معناه {مثل الجنة التي وعد المتقون} ~~مثل عجيب ، أو شيئ عظيم ، أو مثل ذلك ، وعلى هذا يكون قوله :{فيها أنهار} ~~كلاما مسانفا محققا لقولنا : مثل عجيب . PageV13P013 # الوجه الثالث : الممثل به مذكور ، وهو قول الزمخشري حيث قال : {كمن هو خالد ~~في النار} مشبه به على طريقة الإنكار [وحينئذ فهذا كقول القائل : حركات زيد ~~بن علي عليه السلام أو أخلاقه كعمرو ، وكذلك على أحد التأويلين إما على ~~تأويل كحركات عمرو ، أو على تأويل : زيد بن علي عليه السلام في حركاته ~~كعمرو ، وكذلك هاهنا كأنه تعالى قال : {مثل الجنة ....كمن هو خالد في ~~النار} وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري ، وعلى هذا فقوله تعالى ~~:{فيها أنهار} وما بعدها جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر . (1) والله أعلم . # ثم قال تعالى :{وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} كما تغير ألبان الدنيا لطول ~~المدة فيها {وأنهار من خمر لذة للشاربين} تأنيث اللذة ، أي : اللذيذ ، ~~المعنى : ما هو إلا التلذذ الخالص ، وليس معه ذهاب عقل ولا آفة من آفات ~~الخمر {وأنهار من عسل مصفى} ليس فيه شمع وغيره مما يكون في عسل الدنيا ؛ ~~لأنه لم يخرج من بطون النحل # ثم قال تعالى بعد ذكر المشروب إشارة إلى المأكول :{ولهم فيها من كل ~~الثمرات} ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ms0550 ذكر الثمار فإنها تؤكل ~~للذة بخلاف الخبز واللحم . # وقوله تعالى :{ومغفرة من ربهم} كقوله :{ورضوان من الله أكبر} لأن المغفرة ~~لا تكون إلا للمرضي عليه . # ثم قال تعالى :{كمن هو خالد في النار} أي : هذه الجنة التي مثلها ماذكرنا ~~كمثل جزاء من هو خالد في النار . # {وسقوا ماء حميما} شديد الحر ، قيل : إذا دنوا منه شوى وجوههم فانخلعت ~~جلدة رؤسهم {فقطع أمعاءهم} وخرج من أدبارهم ، والأمعاء : هي آلات البطن ~~التي تحمل الأغذية . PageV13P014 # قال الهادي عليه السلام : أراد الله هل يستوي من كان في هذه الجنة ، وفي ~~أشربتها ولذاتها ومن هو خالد في النار يسقى الحميم لايستويان ، صدق الله ~~تبارك وتعالى ، ولا يستوي محل أوليائه ، ولا محل أعدائه في عذاب النار ، ~~وأشر قرار ، وأولياؤه في خير دار ، والخمر : هي الخمر التي لافيها غول ، ~~والغول : فهو ما اعتال العقول ، ولا هم عنها ينزفون ، والنزف : فهو ما ينزل ~~بشراب خمر الدنيا النجسة فينزفون من طرفهم مشيا وقيئا ، فأخبر الله تبارك ~~وتعالى بطهارة هذه ، وبعدها مما تفعل خمر الدنيا بأهلها . # ثم بين الله تعالى حال الكافر وذكر حال المنافق فإنه من الكفار ، فقال ~~تعالى :{ومنهم من يستمع اليك} أي : المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ليستمعوا كلامه فلا يعونه تهاونا منهم به . # {حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم} من الصحابة {ماذا قال} ~~أي : ما الذي قال {آنفا} أي : قبيلا ، أي : الساعة التي تقرب منا ، بمعنى ~~أنهم يستعيدون كلامه من الإبتداء كما يقول المستعيد للمعيد : أعد كلامك من ~~الإبتداء حتى لايفوتني شئ ، قالوا على وجه الإستهزاء ، ولم يعقلوه . # ثم قال تعالى :{أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} أي : ختم عليها إذ ~~خلاها على انطباعها وتركها ، أي : خذلهم حتى صاروا كالمطبوع على قلوبهم، أي ~~: المختوم عليها ، لعلمه أنهم لا يقبلون اللطف حيث تركوا اتباع الحق بعد ~~وضوحه {واتبعوا أهواءهم} بغير دليل . # ولما بين الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع ، ويستعيد ولا يستفيد ~~بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه ms0551 فقال :{والذين اهتدوا زادهم هدى} ~~بالتوفيق والترغيب في الطاعة {وآتاهم تقواهم} أي : أعانهم على التقوى ، ~~وآتاهم جزاء تقواهم ، وقيل : بين لهم ما يتقون . # (/) # --- PageV13P015 قال في البرهان : وهذه الآية في أمير المؤمنين علي عليه السلام ، والأئمة ~~الراشدين من ولده زادهم هدى على اهتدائهم ؛ لأنهم علموا ما سمعوا وعملوا ~~بما علموا {وآتاهم تقواهم} أي : ثواب ماعملوا ، وقيل : معناه كانوا مهتدين ~~فزادهم الله على الإهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدي إلى درجة الهادين . # ويحتمل أن يقال قوله :{زادهم}إشارة إلى العلم {آتاهم تقواهم} إشارة إلى ~~الأخذ بالإحتياط فيما لم يعلموه ، وهو مستنبط من قوله تعالى :{فبشر عبادي ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} . # ثم قال تعالى :{فهل ينظرون إلا الساعة} يعني : الكافرون والمنافقون (1) ~~لاينتظرون إلا الساعة ، أي : القيامة . # وقوله تعالى :{أن تأتيهم} بدل من الساعة ، أي فهل ينتظرون إلا إتيان ~~الساعة {بغتة} أي : مفاجأة على غفلة ، وذلك لأن البراهين قد ظهرت والأمور ~~قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان . # وقوله تعالى :{فقد جاء أشراطها} يحتمل وجهين أحدهما : لبيان غاية عنادهم . # وتحقيقه : هو أن الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا فهم لم يبق إلا إيمان الناس ~~وهو(2) عند قيام الساعة ، لكن أشراطها ثابت ، وكان ينبغي أن يؤمنوا ولم ~~يؤمنوا ، فهم في لجة الفساد وغاية العناد . # وأن يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال :{فهل ينظرون} فهم منه ~~تعذيبهم ، والساعة عند العوام مستبطأة ، فكأن قائلا قال : متى تكون الساعة ~~فقد جاء أشراطها ، كقوله تعالى :{اقتربت الساعة وانشق القمر} وأشراطها : ~~علاماتها ، قيل : مبعث محمد صلى الله عليه وآله منها ؛ لأنه خاتم الأنبياء ~~، وانشقاق القمر ، والدخان المذكور في سورة الدخان . PageV13P016 # وعن الكلبي : كثرة المال والتجارة وشهادة الزور ، وقطع الأرحام ، وقلة ~~الكرام ، وكثرة اللئام . # ثم قال تعالى :{فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} أي : فكيف لهم بذكراهم ، أي ~~: توبتهم واتعاظهم إذا جاءهم ، لاتنتفعهم الذكرى حينئذ لأجل الإلجاء . # ثم قال تعالى :{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات} معناه : قد ذكر ما ذكر من سعادة هؤلاء ms0552 ، وشقاوة هؤلاء ، فاثبت ~~على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله ، وعلى هضم نفسك بالإستغفار من ~~ذنبك وذنوب من على دينك # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يستغفر في اليوم مائة مرة . # وروى الثعلبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من لم يكن عنده ما يتصدق ~~به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنها صدقة) . # ثم قال سبحانه :{والله يعلم متقلبكم ومثواكم} متقلبكم في معائشكم ~~ومتاجركم {ومثواكم} حيث تستقرون في منازلكم ، أو منقلبكم في حياتكم ، ~~ومثواكم في القبور ، أو متقلبكم في أعمالكم ، ومثواكم في الجنة والنار ، ~~ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى ويستغفر . # ثم قال تعالى :{ويقول الذين آمنوا} أي ألسنتهم فقط {لولا أنزلت سورة فإذا ~~أنزلت سورة محكمة} بينة غير متشابهة لاتحتمل إلا وجوب القتال {وذكر فيها ~~القتال} أي : أمروا فيها بما تمنوا {رأيت الذين في قلوبهم مرض} أي : شط ~~ونفاق {ينظرون اليك} يامحمد عند تلاوتك ما نزل في الجهاد {نظر المغشي عليه ~~من الموت} أي : لأجل الموت ، أي : تشخص أبصارهم جبنا وخوفا كما ينظر من ~~أصابته الغشية عند الموت . # (/) # --- PageV13P017 وقيل : أراد المؤمنين المخلصين ، قال في البرهان : كان المؤمنون إذا تأخر ~~نزول القرآن اشتاقوا إليه وتمنوه ليعلموا أوامر الله عزوجل فيهم ، وتعبده ~~لهم {فإذا أنزلت سورة محكمة} يعني : التي أحكمت بالحلال والحرام ، والأمر ~~فيها بالجهاد {رأيت الذين في قلوبهم مرض} أي : أن المنافقين إذا رأوا سورة ~~فيها ذكر القتال قد نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظروا إليه ~~نظر المغشي غما بها وجزعا منها . # ثم قال تعالى :{فأولى لهم طاعة} يعني : فأولى بهم طاعة {وقول معروف} من ~~أن يجزعوا عند فرض الجهاد عليهم ، فالطاعة في طاعة الله عزوجل ، وطاعة ~~رسوله ، وطاعة أولي الأمر من ولده فيما أمره الله عزوجل ، وبه نهي عنه . # {وقول معروف} هو الصدق . اه # قال في التجريد : وهو متصل بقوله :{فأولى لهم}معناه الإخبار بأن الطاعة ~~أولى لهم و(أولى) على هذا بمعنى أحق ، وقيل : {فأولى لهم} وعيد بمعنى فويل ~~لهم ، وهو أفعل من الولي وهو ms0553 القرب ، ومعناه : الدعاء عليهم بأن يليهم ~~المكروه ، وقوله :{طاعة} على هذا كلام مبتدأ ، أي : طاعة لله ولرسوله وقول ~~معروف خير لهم . # وقيل : هو حكاية قولهم ، أي : قالوا أمر بالطاعة وقول معروف ، ويشهد له ~~قراءة أبي (يقولون طاعة وقول معروف) أرادوا أنهم لايفعلون إلا الطاعة ، ولا ~~يقولون إلا المعروف ، أي : الحسن . # وقوله تعالى :{فإذا عزم الأمر} جوابه محذوف تقديره فإذا عزم الأمر خالفوا ~~، أي : تخلفوا ، وهو مناسب لقراءة أبي ، كأنه يقول في أول الأمر قالوا : ~~سمعا وطاعة ، وعند آخر الأمر خالفوا وأخلفوا موعدهم ، ونسبة العزم إلى ~~الأمر والعزم لصاحب الأمر مجاز ، كقولنا : جاء الأمر . # قال في البرهان : {فإذا عزم الأمر} يعني : جد الأمر في القتال . اه # والعزم والجد لأصحاب الأمر ، وإنما يسند إلى الأمر مجازا ، ومنه قوله ~~:{إن ذلك من عزم الأمور}(1) أي : عزم أصحاب الأمور . # (/) # --- PageV13P018 ثم قال تعالى :{فلو صدقوا الله} يعني : بأعمالهم وواطأت قلوبهم ألسنتهم في ~~إيمانهم {لكان خيرا لهم} من نفاقهم الذي أضمروه ، وقوله :{فلو صدقوا} جواب ~~{فإذا عزم الأمر} وقيل : جواب إذا محذوف تقديره : نكلوا ، ودل عليه بقوله ~~:{فلو صدقوا الله} . # وقوله تعالى :{فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض} التفات من الله ~~من الغيبة إلى الخطاب ، لأنه أبلغ في التوبيخ ، ومعناه : هل يتوقع منكم ~~الإفساد في الأرض ، والإستفهام على الله لا يجوز ؛ لأنه عالم بما كان وبما ~~يكون لكن المعنى أنكم لأجل ما عرف منكم أحقاء بأن يقول لكم من ذاقكم وعرف ~~نفاقكم :{هل عسيتم} أي : هل يتوقع منكم {إن توليتم} أمور الناس وتأمرتم ~~عليهم ، وأعرضتم عن الإسلام إلا الفساد في الأرض بالمعاصي ، وبما يظهر من ~~ظلمكم {وتقطعوا أرحامكم} بالقتل ، أو بمنع الحقوق تغالبا على الملك ، ~~وتهالكا على الدنيا . # قال في البرهان : وهذه الآية نزلت في المنافقين . # ثم قال تعالى :{أولئك} من يفعل ماذكر من التولي والإفساد وقطع الأرحام ~~{الذين لعنهم الله} إشارة إلى من سبق ذكرهم من المنافقين ، فأخبر سبحانه ~~أنه أبعدهم من رحمته لإفسادهم وقطعهم أرحامهم {فأصمهم} منعهم الألطاف لعلمه ~~أنهم لا يقبلونها ms0554 ، وخذلهم حتى صموا عن استماع الموعظة . # {وأعمى أبصارهم} فلم يبصروا طريق الهدى ، والعمى عن رؤية الأدلة ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى : الحكم والتسمية . # ثم قال تعالى :{أفلا يتدبرون القرآن} أي : يتفهمونه ويتصفحون مافيه من ~~الأدلة والمواعظ والوعيد حتى لايجسروا على المعاصي . # {أم على قلوب أقفالها} قال الحسين بن القاسم عليه السلام : والمقفل : ~~المهمل الذي ترك على جهله ، ولم يفتح بالعلم ، ولم يستعمل ، أي : مالهم لا ~~يتدبرون وينظرون أهو حكمة وصواب ؟ أم هو عبث وألعاب ؟ . # قال القاسم بن ابراهيم عليه السلام : # ألم يتدبروا آية فتدلهم ... ... على بعض مايأتي أم القلب مقفل # (/) # --- PageV13P019 و{أم} بمعنى بل والهمزة للتسجيل عليهم بأن قلوبهم لايتوصل إليها ذكر ، قال ~~في التجريد : والمعنى إنكار أن يكون على قلوبهم أقفال تمنعها من دخول الهدى ~~، وهو رد لقولهم :{قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} (1)ونحوه . # وقيل : {أم} بمعنى بل ، والمعنى إثبات الأقفال على قلوبهم ، وهو نحو ~~الطبع والختم . اه # ونكر القلوب ؛ لأنه أراد على قلوب قاسية شديدة القسوة ، وأضاف الأقفال ~~إليها لأنه أراد الأقفال المختصة بها ، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا ~~تنفتح ، والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الإسلام . # ثم قال تعالى :{إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} ~~إشارة إلى جماعة منعهم حب الرئاسة عن اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، وكانوا يعلمون أنه الحق ، قالوا : وفهم قولان أحدهما : أنهم ~~المنافقون عن ابن عباس والسدي ، والثاني : أنهم اليهود قاله قتادة ومجاهد ، ~~,الصحيح الذي عليه آل محمد صلوات الله عليه وعليهم ماذكره في البرهان : ~~الآية في كل من رفض الهداة من آل الرسول عليهم السلام من بعد ما بان لهم ~~أنهم أهل الحق المأمور باتباعهم ونصرتهم وطاعتهم ، والهدى : هو الإسلام ~~وصحته ، ومن قال : نزلت في اليهود قال : الهدى صفة محمد في كتابهم ونعته . # ومعنى {الشيطان سول لهم} أي : زين لهم الخطأ ، وسهل لهم ركوب العظائم من ~~السول ، وهو الإسترخاء في المفاصل {وأملى لهم} في الآمال والأماني . # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام : {سول لهم} ms0555 أي : مناهم وزين لهم . # ثم ابتدأ الخبر عن إملائه سبحانه لهم فقال :{وأملى لهم} فإبليس اللعين هو ~~المسول ، والله هو المملي ، ولكنه اختصر ولم يذكر اسم الله فجاء الكلام ~~مشتبها . # (/) # --- PageV13P020 {ذلك} الإرتداد {بأنهم} أو وذلك التهويل والإملاء بسبب أنهم {قالوا للذين ~~كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} اختلف في القائلين ، فقيل : هم ~~المنافقون ، والذين كرهوا ما أنزل الله : اليهود ، وقيل : عكسه ، واختلف في ~~{بعض الأمر} فقيل : التكذيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو ترك ~~نصرته . # وقيل : هو قولهم {لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا} (1) الآية . # ومن قال : القائلون هم اليهود ، فبعض الأمر إخفاء صفة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قاله الزجاج . # {والله يعلم أسرارهم} لأنهم قالوا ذلك ، فأفشى الله سرهم ، وأظهره لنبيئه ~~صلى الله عليه وآله وسلم . # وقال في البرهان : هو قول اليهود للمنافقين : سنطيعكم في كتم ماعلمناه من ~~نبؤة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقول المنافقين : سنطيعكم في ~~تخلفنا عن الجهاد مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم {والله يعلم أسرارهم} أي ~~: ما أسر بعضهم إلى بعض من هذا القول . # {فكيف إذا توفتهم الملائكة} أي : فكيف يعملون وما حيلتهم عند الموت ~~{يضربون وجوههم وأدبارهم} كما قال الله تعالى :{والله يعلم أسرارهم} قال : ~~فهب أنهم يسرون والله لايظهر اليوم فكيف يبقى مخفيا وقت وفاتهم ، وكيف ~~يعملون ! وما حيلتهم وحالهم عند الموت ؟إذا ضرب في وجوههم وأدبارهم !. # قيل : لا تتوفى الملائكة أحدا على معصية إلا تضرب في وجهه وفي دبره . # وقال في البرهان : يعني يضربون وجوههم في القتال نصرة لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عند الطلب ، وأدبارهم عند الحرب . # {ذلك بأنهم} إشارة إلى التوفي المذكور ، وقيل : {ذلك} أي : الضرب بسبب ~~{أنهم اتبعوا ما أسخط الله} من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم {وكرهوا رضوانه} الإيمان برسوله . # (/) # --- PageV13P021 قال الرازي : إن الله تعالى ذكر أمرين ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر ~~بعدهما أمرين آخرين إتباع ما أسخط الله ، وكرهوا ms0556 رضوانه ، فكأنه تعالى قابل ~~الأمرين فقال :{يضربون وجوههم} حيث أقبلوا على السخط ، فإن المتبع للشئ ~~متوجه إليه ، وتضربن أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضى الله ، فإن إنكاره ~~للشئ يتولى عنه . # وما أسخط الله يحتمل وجوها الأول : إنكار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورضوانه : الإقرار به والإسلام ، الثاني : الكفر ما أسخط الله ، والإيمان ~~يرضيه يدل عليه قوله تعالى :{إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} (1) . # الثالث : {ما أسخط الله} تسويل الشيطان ، ورضاه : التعويل على البرهان ~~والقرآن # ثم قال تعالى :{فأحبط أعمالهم} التي كانوا عدوها مكارم . # (/) # --- PageV13P022 قال الهادي عليه السلام : إن قال قائل : ما هذه الأعمال التي احبطها ، وهم ~~فلم يؤمنوا فتكون لهم أعمال ؟ قيل له : هذا خبر من الله سبحانه عن فعل من ~~مضى ممن لم يقبل الهدى ، وهو وعيد لمن بقي من أهل الدنيا ممن يدعي الإسلام ~~، من سائر الأنام إلى يوم الدين ، وحشر العالمين ، فأما أعمال من لم يؤمن ~~بالله ورسوله فإنه لم تكن أمة من الأمم إلا وهي تعلم أن الله خالقها ، ~~وخالق غيرها ، وذلك قوله :{ولئن سأتلهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن ~~العزيز العليم} (1) وكل أمة قد كانت لها أعمال ترى أنها أفضل الأديان ، من ~~عبادة الشمس والقمر والنجوم والأوثان والأنصاب ، ومنهم من كان يعبد ~~الملائكة المقربين ، ويزعمون أنهم يريدون بذلك التقرب إلى رب العالمين ، ~~ومنهم من كان يعبد اللات والعزى ، وهما قبتان كانتا بالطائف ونخلة ، فأخبر ~~الله أن ذلك كله بور حابط ، وأنه بكل شئ محيط ، وإحباطه إياه هو حكمه ~~بالبطلان والبور ، وجعله إياه هباء منثورا ، لا يرفع منه قليل ولا كثير ، ~~فلا ينتفعوا منه وإن جهدوا فيه بحقير ولا خطير ، إذ ذلك عند الله كفر وشرك ~~، وأنه لايرضى من أحد من خلقه بغير الإخلاص والإيثار ، وترك عبادة كلما ~~كانوا دونه يعبدون ، ورفض ما كانوا يؤثرون . # فأما وعيده لمن بقي من بعد أولئك ممن يدعي الإسلام ، وينتحل دين محمد ~~عليه السلام فقوله :{إنما يتقبل الله من المتفين} ms0557 فأخبر أن أعمال من كان ~~غير متقي وكان من أهل الإجتراء والمعاصي ، وكان مقرا بالتوحيد غير مقبولة ~~ولا مرفوعة ، ومن كان عارفا بما جاء به الرسول ، قائما بفرائض ربه ، مؤديا ~~لكل أمره ، غير مقارف للمظالم والعصيان ، ولا داخل في كبائر مانهى عنه ذو ~~المن والسلطان ، فإن أعماله مقبولة مرفوعة ، لا يرفع إلا ما يقبل من ~~الأعمال ؛ لأن رفعه هو تقبله ، وتقبله هو رفعه ، لافرق بينهما ، فكل ما ~~تقبله فقد رفعه ، وكل ما رفع فقد تقبل . # (/) # --- PageV13P023 وكذلك حال من كان في الأرض من أهل الملل وغيرهم من المجوس ونظرائهم من ~~السامرية (1) والسودان والروم وغيرهم من أهل البلدان . # وقوله تعالى :{أم حسب الذين في قلوبهم مرض} إشارة إلى المنافقين ، وأم ~~تستدعي جملة أخرى استفهامية إذا كانت للإستفهام ؛ لأن كلمة أم إذا كانت ~~متصلة استفهامية تستدعي جملة أخرى استفهامية ، يقال : أزيد في الدار أم ~~عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك ، يقال : إن هذا لزيد أم عمرو ، كما ~~يقال : بل عمرو ، والمفسرون على أنها منقطعة ، فقوله تعالى :{أم حسب} إنكار ~~لحسبانهم ، أي : بل حسب المنافقون ؛ لأن النفاق مرض في القلب {أن لن نخرج ~~أضغانهم} أي : نظهر أحقادهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللمؤمنين أن يطلعهم بالوحي على ذلك ، وكانت صدورهم تغلي حنقا عليهم . # ثم قال تعالى :{ولو نشاء لأريناكهم} أي : لعرفناكهم ، تقول : أريتك هذا ، ~~أي : عرفتك إياه ، والمعنى لدللناك عليهم بعلامة لا يخفون عليك ، وهي ~~السيماء {فلعرفتهم بسيماهم} أي : بتلك العلامة ، وقوله :{فلعرفتهم} لزيادة ~~فائدة ، وهي أن التعريف قد يطلق فلا تلزمه المعرفة ، يقال : عرفته فلم يعرف ~~، وفهمته فلم يفهم ، فقال هاهنا :{فلعرفتهم} يعني : عرفناهم تعريفا تعرفهم ~~به ، إشارة إلى قوة التعريف ، والللام في قوله :{فلعرفتهم} هي التي تقع في ~~جزاء لو ، كما في قوله :{لأريناكهم} أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن ~~المعرفة كالمرتبة على المشيئة ، كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم ، لنفهم أن ~~المعرفة غير متأخرة عن التعريف ، فتفيد تأكيد التعريف ، أي : لو نشاء ~~لعرفناك تعريفا معه المعرفة لا بعده ms0558 . # عن أنس (ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله بعد هذه الآية شئ من ~~المنافقين) # ثم قال :{ولتعرفنهم في لحن القول} في اسلوبه ، أي : لتعرفنهم في مقصدهم ~~وقولهم ومرادهم ، وهمتهم ، قال الشاعر : # (/) # --- PageV13P024 وأعرف غش المرء في نحو قوله ... ... لذي العقل قبل اليوم مايقرع العصا # أي : في مقصود قوله . # وعن عباس : هو قولهم : مالنا إن أطعنا من الثواب ؟ ولا يقولون : بما ~~علينا أن عصينا من العقاب . # وقيل : اللحن أن تميل كلامك من جهة إلى جهة ليفطن له صاحبك كالتعريض ~~والتورية ، وقيل للمخطيئ : لاحن لأنه يميل الكلام عن الصواب . # قال الواحدي عن المفسرين :{ولتعرفنهم في لحن القول} وفحوى الكلام ومعناه ~~، وما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين ، وكان بعد هذا لايتكلم عنده ~~منافق إلا عرفه بكلامه ، لما نبهه الله على ذلك . # واللام في قوله :{ولتعرفهنم} جواب لقسم محذوف ، كأنه قال : ولتعرفنهم ~~والله . # ثم قال سبحانه :{والله يعلم أعمالكم} ظاهرها وباطنها حسنها وقبيحا ، ~~فيجازي بحسب ذلك ، وهو وعد للمؤمنين ، وبيان لكون حالهم على خلاف حال ~~المنافقين . # ثم قال تعالى :{ولنبلونكم} أي : نختبركم في الجهاد ، أي : نفعل فعل ~~المختبر الذي يريد أن يعلم الشئ باختباره ، أي : ننزل بكم بلايا وشدائد من ~~التكليف حتى يوجد الإيمان أو عدمه ، وأراد بالعلم وقوع المعلوم ووجوده بحيث ~~يتعلق به الجزاء . # في قوله سبحانه :{حتى نعلم المجاهدين منكم} نعلم {والصابرين} علما يتعلق ~~به الجزاء ، أي نعلم الشئ موجودا {ونبلوا أخباركم} أي : ما يحكى عنكم وما ~~يخبر به عن أعمالكم لنعلم حسنها من قبيحها ؛ لأن الخبر على حسب المخبر عنه ~~، إن حسنا فحسن ، وإن قبيحا فقبيح . # ثم قال تعالى :{إن الذين كفروا } قيل : هم المطعمون يوم بدر من المشركين ~~، وقيل : هم قريظة والنضير {وصدوا عن سبيل الله} امتنعوا عن دين الله ، أو ~~منعوا غيرهم {وشاقوا الرسول} أي : باينوه وقاطعوه ، والمشاقة : مأخوذة من ~~انشقاق العصا ، حتى يبين أحد الشقين عن الآخر ولا يلائمه ، قال الشاعر: # (/) # --- PageV13P025 فإلى عدو بالشقاق مباين # فلقد يطاق دفاع شر ظاهر # لاعن صديق بالنفاق مداهن ms0559 # ما لايطاق دفاع شر باطن # وقوله تعالى :{من بعد ماتبين لهم الهدى} أي : تبين لهم صدق محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بما في كتابهم من نعته صلى الله عليه وآله ، وإن كانوا ~~المشركين من قريش فهو فيما جاء به من المعجزات . # وقوله تعالى :{لن يضر الله شيئا} من الضر تهديد معناه : هم يظنون أن ذلك ~~الشقاق مع الرسول ، وليس كذلك بل الشقاق مع الله ، فإن محمدا رسول الله ، ~~ماعليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل ، لكن الله تعالى منزه عن أن يتضرر ~~بكفر كافر وفسق فاسق ، وإنما يعود ضررهم على أنفسهم {وسيحبط أعمالهم} أي : ~~يبطل مكائدهم للإسلام ، أو التي يرجون بها الثواب ؛ لأنها مع كفرهم برسول ~~الله باطلة. # وقيل : هم رؤساء قريش . # ثم قال تعالى :{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله} بتوحيده ، وامتثال ~~أوامره {وأطيعوا الرسول} بتصديقه ، قال الرازي : وهذا إشارة إلى العمل بعد ~~حصول العلم ، كأنه تعالى يقول : يا أيها الذين آمنوا علمتم الحق ، افعلوا ~~الخير . # ثم قال تعالى :{ولا تبطلوا أعمالكم} الصالحة بارتكاب الكبائر . # ثم قال تعالى :{إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} قيل : ~~الذين دفنوا في قليب بدر ، والظاهر العموم . # (/) # --- PageV13P026 ثم لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبطة ، وذنبه الذي هو أقبح ~~السيئات غير مغفور ، وبين أن لا حرمة له في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد أمر ~~الله تعالى بطاعة الرسول بقوله :{وأطيعوا الرسول} وأمر بالقتال {فلا تهنوا} ~~فلا تضعفوا بعدما وجد السبب في الجد والأمر والإجتهاد في الجهاد ، قال ~~تعالى :{فلا تهنوا} أي : لاتضعفوا وتذلوا للعدو {وتدعوا إلى السلم} ~~المسالمة والموادعة ، أي : لا تكونوا أول من يطلبه {وأنتم الأعلون} ~~الأغلبون الأقهرون {والله معكم} أي : ناصركم ، أي لا تدعوا والله معكم {ولن ~~يتركم أعمالكم} أي : لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا ، قال الشاعر : # إن تترني عن الإجارة شيئا ... ... لاتفتني عن الصراط بحقي # وقيل : معناه لن يظلمكم أعمالكم . # قال زيد بن علي عليه السلام : نحن الموتورون ، ونحن طلبة الدم . أي ms0560 : نحن ~~المظلومون المقتولون ، من وترت الرجل إذا قلت له من يحب ، وأخذت ماله ، ~~وحقيقته أفردته من ماله أوقريبه ، أو من الوتر ، وهو الفرد ، وشبه إضاعة ~~العمل بوتر الرجل الواتر . # ثم أخبر سبحانه عن صفة الدنيا وحقارتها فقال تعالى :{إنما الحياة الدنيا ~~لعب} كلعب الصبيان ساعة ، ثم يتفرقون عنه {ولهو} بمعنى اللعب . # ثم قال تعالى :{وإن تؤمنوا} أي : تصدقوا {وتتقوا} الله بطاعته واجتناب ~~معصيته {يؤتكم أجوركم} والإضافة للتعريف ، أي : الأجر الذي وعدكم ، بقوله ~~:{أجر كريم} (1)و{أجر كبير}(2) و{أجر عظيم} (3). # (/) # --- PageV13P027 ثم قال تعالى :{ولا يسألكم أموالكم} أي : جميعها ، بل يقتصر على ربع العشر ~~{إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} {يحفكم} أي : يجهدكم ، والإحفاء : المبالغة ~~في كل شئ ، وهو هنا المبالغة في المسألة ، واشتقاقه من الحفاء ، وهو المشي ~~بغير حذاء ، والأصل في ذلك الإستقصاء على الظفر ، حتى يحفى ، وكذلك المسألة ~~للناس تحفيهم وتؤلمهم {ويخرج أضغانكم} أحقادكم على الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، وعداوتكم ، أي : تضيق صدوركم لذلك ، وتظهر كراهتكم لدين يذهب ~~بأموالكم ، وفي الضمير الفاعل لقوله :{ويخرج} قولان : أحدهما أنه الله ~~تعالى ، والثاني : ضمير البخل ، حكاهما الفراء . # ثم قال تعالى بيانا لما قاله :{هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله} ~~في الغزو ، وقيل : هي الزكاة ، وها أنتم : هي هاء التنبيه دخلت على أنتم ، ~~وأولاء : اسم إشارة وقيل : بمعنى الذي ، كأنه قال : هؤلاء الذين تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله {فمنكم من يبخل} بربع العشر ، أو بالكل ، كأنه قيل : ~~الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء ، واضطغنتم أنكم تدعون إلى ~~أداء ربع العشر ، فمنكم ناس يبخلون به # ثم قال :{ومن يبخل} بالفريضة {فإنما يبخل عن نفسه} لأن ضرر بخله لا يعود ~~إلا عليه ، فلا يتعداه ضرر بخله ، يقال : بخلت عليه وعنه بمعنى واحد ، قاله ~~في التجريد . # {والله الغني} فهو لا يدعوكم إلى حاجة إليه ، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى ~~الثواب ، ومعنى قوله :{وأنتم الفقراء} . # {وإن تتولوا} عن طاعته من الإيمان والتقوى {يستبدل قوما غيركم} يخلق ~~سواكم على خلاف صفتكم ، وفي البرهان : هم الأنصار من اليمن ، وقيل ms0561 : فارس ~~والروم {ثم لايكونوا أمثالكم} يعني في البخل والإنفاق في سبيل الله ، وفي ~~المعصية وترك الطاعة . اه # (/) # --- PageV13P028 قال الرازي : وقوله :{ثم لايكونوا أمثالكم} فيه مسألة نحوية منها فوائد ~~غزيرة ، وهي أن النحاة قالوا : يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو ~~والفاء وثم الجزم والرفع ، تقول : إن تأتني آتك بالجزم والرفع ، قال الله ~~تعالى هاهنا :{وإ تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لايكونوا أمثالكم} بالجزم ، ~~وقال في موضع آخر :{وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لاينصرون} بالرفع ~~لإثبات النون ، وهو مع الجواز ففيه تدقيق ، وهو أن هاهنا لايكون متعلقا ~~بالتولي ؛ لأنهم إن لم يتولوا يكون من يأتي بهم الله على الطاعة ، وإن ~~تولوا لايكونون مثلهم ، ولكنهم عاصين ، وكون من يأتي بهم مطيعين ، وأما ~~هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لاينصرون ، فلم يكن للتعلق هناك وجه فرفع ~~بالإبتداء ، وهاهنا جزم للتعلق . اه # والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم # (/) # --- PageV13P029 ### | AUTO سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # حم(1)تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(2)ما خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون(3)قل أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ~~ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين(4) ومن أضل ممن ~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون(5)وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين(6)وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين(7)أم ~~يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم(8) قل ما كنت بدعا ~~من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا ~~نذير مبين(9)قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم ms0562 الظالمين(10)وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم(11)ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا # (/) # --- PageV14P001 كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين(12)إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون(13)أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون(14)ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ ~~أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين(15)أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون(16)والذي قال لوالديه ~~أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك ~~آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين(17)أولئك ~~الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين(18)ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون(19)ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب # الهون بما # (/) # --- PageV14P002 كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون(20) واذكر أخا عاد إذ ~~أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا ~~الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(21)قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ~~فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين(22)قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما ~~أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون(23)فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم(24)تدمر كل شيء ~~بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين(25)ولقد ~~مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ms0563 كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون(26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات ~~لعلهم يرجعون(27)فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا ~~عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون(28)وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين(29)قالوا ~~ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل # من بعد موسى # (/) # --- PageV14P003 مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم(30) ياقومنا أجيبوا ~~داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم(31)ومن لا يجب ~~داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال ~~مبين(32)أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر ~~على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير(33)ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون(34)فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون(35) # سورة الأحقاف # اربع وثلاثون آية في الأكثرين ، وقيل : خمس في الكوفي (مكية) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى : # {حم} قال الحسين بن القاسم عليه السلام : هو قسم أقسم الله به . # وقلت : وقول القاسم والهادي عليهما السلام في هذا ونحوه : إنها حروف ، ~~وتولى الله علمها ، لم يبينها لأحد من خلقه ؛ إذ ليس أمر ولا نهي ولا فرض ~~ولا أمر تعبد به عباده فيحتاجون إلى علمه ومعرفته ، وسيأتي ذلك إن شاء الله ~~تعالى بلفظه . # وقد قال المفسرون في {حم} : إن جعلت اسما للسورة مبتدأ ، خبره {تنزيل ~~الكتاب من الله} ويكون الكتاب على هذا السورة . وإن جعلت تعديدا للحروف كان ~~تنزيل الكتاب مبتدأ ، وصح أن يراد بالكتاب القرآن . # (/) # --- PageV14P004 وقوله :{العزيز} القادر على ما يشاء من تنزيل وغيره {الحكيم} الذي لايفعل ~~إلا ما هو مصلحة وحكمة وصواب . # ثم قال تعالى :{ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ms0564 إلا خلقا ~~ملتبسا بالحكمة والغرض الصحيح ، وهو منافع العباد في الدين والدنيا ، ويجوز ~~أن تكون الباء للسببية ، قال ابن عباس : لم يخلقهما إلا للجزاء ، الثواب ~~والعقاب . # {وأجل مسمى} أي : وبتقدير أجل مسمى تنتهي إليه ، وهو يوم القيامة ، وهذا ~~يدل على أن إله العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلدا سرمدا ، إنما خلقه ~~ليكون دار العمل ، ثم إنه سبحانه يفنيه ، ثم يعيده فيقع الجزاء في الدار ~~الآخرة ، فعل هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه الله تعالى لإفناء ~~الدنيا . # ثم قال تعالى :{والذين كفروا عما أنذروا} من هول ذلك اليوم الذي لابد لكل ~~خلق من انتهائه إليه {معرضون} ويحتمل أن المراد مع نصب الله تعالى هذه ~~الدلائل مع إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، ومع مواطأة الرسل على الترغيب ~~والترهيب ، والإعذار والإنذار ، بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل ~~غير ملتفتين إليها ، وهذا يدل على وجوب النظر والإستدلال ، وعلى أن الإعراض ~~عن الدليل مذموم في الدين والدنيا . # واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الأصل الدار على إثبات الإله ، وعلى إثبات ~~كونه حكيما عادلا رحيما ، وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع ، ~~والرد على عبدة الأصنام ، فقال تعالى :{قل أرأيتم} أي : أخبروني {ما تدعون} ~~أي : تعبدون {من دون الله} أي : بأي سبب عبدتموهم وسميتومهم شركاء لله ~~{أروني ماذا خلقوا من الأرض} أي : هل لهم صنع في خلق شئ من الأرض . # (/) # --- PageV14P005 قال في البرهان : ولم يقل : خلقت ، ولا خلقن ، لأنه إنما أراد الأصنام فجعل ~~فعلهم كفعل الناس وأشباههم ؛ لأن الأصنام تعبد وتعظم كما يعظم الأمراء ~~وأشباههم ، فذهب بها إلى مثل الناس ، وهي قراءة ابن مسعود (أفرأيتم من ~~تدعون من دون الله) فجعلها من ، فهذا تصريح بشبه الناس في الإسم والفعل . اه # {أم لهم شرك في السموات} التي لايمسكها إلا قدرته ، أي : أبل لهم شرك ~~فيها {إئتوني بكتاب من قبل هذا} القرآن يشهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة ~~غير الله ، يعني أن القرآن وجميع ما تقدم من الكتب ناطقة بتوحيد الله {أو ~~أثارة} أي : بقية ms0565 {من علم} بقيت من علوم الدين ، يقال : ناقة ذات أثارة ، ~~أي : بقية من شحم ، قاله ابن قتيبة . # وقال المبرد : يريد ما يؤثر من علم الأولين ، أي : يروى ، والآثار : هي ~~الرواية ، والآثار : هي الأخبار . # وقرئ شاذا (أثرة) بوزن شجرة ، أي : من شئ أوثرتم به ، وخصصتم من علم ~~لاإحاطة لغيركم به ، وقرئ (إثرة) بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء ~~في الشاذ أيضا ، فمكسور الهمزة بمعنى الأثرة مفتوحة الثاء ، ومفتوحة الهمزة ~~: المرة من مصدر أثر الحديث إذا روي ، ومضمومها اسم ما يؤثر كالخطبة اسم ~~لما يخطب به ، ذكره في التجريد . # وجواب قوله تعالى :{إن كنتم صادقين} محذوف لدلالة ماقبله عليه ، أي : إن ~~كنتم صادقين في أنكم على حق فأتوني بذلك . # ثم لما بين تعالى أن القول بعبادة الأصنام قول باطل ، من حيث أنها لاقدرة ~~لها البتة على الخلق والفضل والإيجاد والإعدام ، والنفع والضر أردفه بدليل ~~آخر يدل على بطلان ذلك المذهب فقال سبحانه : # (/) # --- PageV14P006 {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لايستجيب له إلى يوم القيامة} لأنه جماد ~~لا قدرة له على الإستجابة ما دامت الدنيا ، والدعاء إن كان بمعنى العبادة ، ~~فالإستجابة بمعنى الثواب ، وإن كان بمعنى النداء فالإستجابة بمعنى التلبية ~~والإستفهام لإنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالا ممن يدعو من دون الله ~~من لايستجيب له ، ويترك دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كل بغية . # وقوله :{إلى يوم القيامة} يحتمل أن يريد به التأييد ، ويحتمل أنهم ~~يستجيبون لهم يوم القيامة باللعن والتبري ، ذكره في التجريد وغيره . # وقوله تعالى :{وهم عن دعائهم غافلون} وإنما امتد إليهم ما يسند إلى ~~العقلاء من الإستجابة لوصفهم إياهم بالتمييز ، ولو كان جهلا لأنهم لما ~~عبدوها ونزلوها منزلة من ينفع ويضر صح أن يقال فيها بمنزلة العاقل الذي ~~لايسمع ولا يجيب ، أو يريد كل معبود من دون الله تعالى ، وفيهم العقلاء ، ~~وغلبوا على من لايعقل . # ثم قال تعالى :{وإذا حشر الناس} أي : جمعوا في الآخرة {كانوا لهم أعداء} ~~أي : كانت الأوثان للمشركين أعداء {وكانوا} يعني المشركين ms0566 {بعبادتهم} أي : ~~بعبادة الأصنام {كافرين} يريد أن الناس إذا حشروا رجعوا يعادون آلهتهم ، ~~ويمقتونها ، ويكفرون بعبادتها . # واعلم أنه تعالى لما تكلم في تقرير التوحيد ، ونفي الأضداد والأنداد تكلم ~~في النبؤة ، وبين أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كلما عرض عليهم نوعا من ~~أنواع المعجزات زعموا أنه سحر ، فقال تعالى :{وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات} واضحات {قال الذين كفروا للحق} المتلو عليهم ، أي : لأجل الحق ، وهو ~~الآيات {لما جاءهم هذا سحر مبين} أراد أنهم بادؤه بالجحود أول ماسمعوه قبل ~~التدبر لصحته ، وسموه سحرا مبينا ، أي : ظاهر أمره في البطلان . # (/) # --- PageV14P007 {أم يقولون} أي : بل يقولون {أفتراه} أي : الحق ، الذي هو الآيات ، أي : ~~كذبه على الله ، وهذا إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر قولهم : إن ~~محمدا افتراه ، ومعنى الهمزة في أم الإنكار والتعجب . # ثم إنه تعالى بين بطلان شبههم فقال :{قل إن افتريته} على سبيل الفرض ~~عاجلني بعقوبة ذلك الإفتراء {فلا تملكون لي من الله شيئا} أي : فلا يقدرون ~~على كفه عن معاجلتي ، فكيف أتعرض لعقابه بالإفتراء . # ثم قال تعالى :{هم أعلم بما تفيضون فيه} أي : بما يندفعون فيه من العيب ~~والقدح في وحي الله ، وتسمية آياته سحرا تارة ، وفرية آخرى {كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم} يشهد لي بالصدق ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود ، ومعنى ذكر ~~العلم والشهادة الوعيد بجزاء إفاضتهم . # ثم قال تعالى :{وهو الغفور الرحيم} قيل : هووعيد أيضا بمعنى أنكم تستجقون ~~تعجيل العقوبة لولا أنه غفور رحيم ، فأخر عقوبتكم ، وقيل : موعدة بالغفران ~~والرحمة إن تابوا عن الكفر وآمنوا . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طعنوا في كون القرآن معجزا بأن قالوا ~~: إنه يختلقه من عند نفسه ، ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى على سبيل ~~الفرية حكى عنهم نوعا آخر من الشبهات ، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات ~~عجيبة قاهرة ، ويطالبونه بأنه يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عنه ~~قال :{قل} يامحمد {ماكنت بدعا من الرسل} فتستنكرون ما أتيت به ، وتستعظمون ~~ما نطقت به ، هي سبيل الرسل كلما ms0567 أتيت وإلى ما دعت به من طاعة [الله] الرسل ~~، يقول : ما أتت به الرسل من الدعاء إلى الله وإلى حقه ذكره الهادي عليه ~~السلام ، فمعنى {ماكنت بدعا من الرسل} أي : ما كنت أولهم فلا ينبغي أن ~~تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم ، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد ، ~~ونفي عبادة الأصنام فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذه الطريق . # (/) # --- PageV14P008 وقيل : ماكنت بدعا من الرسل فأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات ، فإن ~~الرسل قبلي لم يكنوا يخبرون إلا بما يوحى إليهم ، لابكلما يسألون عنه ، ~~وأنا مثلهم . # ومعنى {بدعا} بديعا ، أي : أولا ، والبدع والبديع من كل شئ : المبتدأ ~~الذي لم تجر به العادة من قبله ، وقيل : إنهم كانوا يعيبونه بأنه يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق ، وبأنه فقير ، وبأن أتباعه فقراء ، فقال :{قل ~~ماكنت بدعا من الرسل} فكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة ، فهذه ~~الأشياء لاتقدح في نبوتهم . # ثم قال تعالى :{وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} في مستقبل الزمان . # قال الهادي عليه السلام : يقول من موت ولا حياة ولا خير ولا شر في الدنيا ~~، إذ لست أعلم الغيب ، وما يعلم الغيب إلا الله {إن أتبع إلا مايوحي إلي} ~~يعني : أني لا أقول قولا ، ولا أعمل عملا إلا بمقتضى الوحي {وما أنا إلا ~~نذير} يقول : منذر لكم أنذركم ، وما أمرت به {مبين} أي : موضع الإنذار ، ~~يقول : مظهر ما أتيت به إليكم بالمعجزات من ربي . # ثم قال تعالى :{قل أرأيتم} أي : اخبروني {إن كان} القرآن {من عند الله ~~وكفرتم به} جواب الشرط المحذوف ، قال الهادي عليه السلام : يريد قل : إن ~~كان من عندالله وكفرتم به ألستم متعرضين للنقمة أن تنزل بكم . # وأما قوله تعالى :{وشهد شاهد من بني اسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم} ~~فقال الهادي عليه السلام : فالشهادة التي هي مثل هذه التي شهد بها شاهد بني ~~اسرائيل ، التي شهد بها مؤمن آل فرعون ، مثل هذه الآية وضميرها سواء سواء ، ~~وهو قوله :{وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} إلى قوله ms0568 :{مسرف كذاب} ~~فشهد بأنه إن كان موسى صادقا أصابهم بعض ما يعدهم به موسى من النقم ، من ~~تكذيبهم بآيات الله . # ومعنى {على مثله} يريد على مثل الآية الأولة ، وضميره على أن من كذب ~~بآيات الله ورسله نزل به من الله تعالى مانزل بغيره من النقم المهلكات ، ~~والآفات المتتابعات . اه # (/) # --- PageV14P009 قال بعض المفسرين في قوله تعالى :{وشهد شاهد من بني اسرائيل} : إنه ليس ~~المراد منه شخصا معينا ، بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم موجود في التوراة ، والبشارة بمقدمه حاصلة فيها ، فتقدير الكلام : ولو ~~أن رجلا منصفا عارفا بالتوراة أقر بذلك واعترف به ، ثم آمن بمحمد ألستم ~~ظالمين لأنفسكم ؟ ضالين عن الحق ؟ فهذا الكلام متقرر سواء كان المراد بذلك ~~الشاهد شخصا متعينا ، أولم يكن كذلك ؛ لأن المقصود من هذا الكلام أنه ثبت ~~بالمعجزات القاهرة ، أن هذا الكتاب من عند الله ، وثبت أن التوراة مشتملة ~~على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومع هذين الأمرين كيف ~~يليق بالعاقل إنكار نبوته . # وقوله تعالى :{على مثله} ذكروا فيها وجوها ، والأقرب أنه يقول : كأنه ~~عليه السلام قال لهم : أرأيتم إن كان القرآن من عند الله ، كما أقوله ، ~~وشهد شاهد من بني اسرائيل على ماقلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين ~~أنفسكم ؟؟ . # وقيل : {على مثله} أي : مثل القرآن ، وهو مافي التوراة من المعاني ~~المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد ، والشاهد عبدالله بن ~~سلام واستكبرتم عن الإيمان بما آمن به . # لما قدم صلى الله عليه وآله وسلم المدينة نظر عبد الله في وجهه فعلم أنه ~~النبي المنتظر بما يجد ، وسأله عن مسائل ، وقال : لا يعلمهن إلا نبي فأجابه ~~صلى الله عليه وآله وسلم عنهن ، فقال : أشهد أنك رسول الله ، وقيل : الشاهد ~~موسى ؛ لأن الآية مكية ، وإسلام ابن سلام في المدينة . # وقوله :{على مثله} هو التوراة {واستكبرتم} أنتم يامعشر العرب أن تؤمنوا ~~بمحمد والقرآن ، وأجيب عن ذلك بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية ، ~~وكانت الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى ms0569 الله عليه وآله وسلم أن يضعها في ~~سورة كذا ، فهذه الآية نزلت بالمدينة ، وأن الله أمر رسوله بأن يضعها في ~~هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين منها . والله أعلم # (/) # --- PageV14P010 ولما كان هؤلاء المستكبرون (1)لايقبلون الهداية قال عزوجل :{إن الله لايهدي ~~القوم الظالمين} ولا يحكم لهم بالهدى ، أو لا يسميهم به . # ثم قال تعالى :{وقال الذين كفروا} كفار مكة {للذين آمنوا} أي : لأجلهم لا ~~أنهم خاطبوهم ، وإنما خطاب بعضهم مع بعض بدليل قوله :{لوكان خيرا ما سبقونا ~~اليه} بالغيبة ؛ لأنه قد يحكى اللفظ والمعنى ، فجاء هذا على حكاية المعنى ، ~~قالوا : عامة أتباع محمد هؤلاء السقاط ، يعنون الفقراء ، كصهيب وابن عمار ~~وابن مسعود ، ولو كان مادعا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء ؛ لأنا أعز ~~وأفضل . # وقيل : القائلون اليهود ، ومرادهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه ؛ لأنا 'لم ~~وهم أميون . # {وإذ لم يهتدوا به} {وإذ} الذي هو الظرف متعلق بمحذوف ، أي : حين لم ~~يهتدوا بالقرآن ظهر عنادهم {فسبقولون هذا إفك قديم} أي : كذب متقدم ، أخذه ~~عن غيره ، وقيل: يعنون أساطير الأولين ، ثم رد الله عليهم بقوله :{ومن ~~قبله} أي : القرآن ، أو المرسل به {كتاب موسى} التورة {كتاب موسى} مبتدأ ~~و{من قبله} خبر مقدم (2) عليه . # ومعنى قوله تعالى :{إماما} أي : قدوة في دين الله وشرائعه ، كما يؤتم ~~بالإمام {ورحمة} لمن آمن وعمل بما فيه ، و{إماما ورحمة} منصوبان على الحال ~~، وكذا {لسانا عربيا} حالان ، ولسان موطئ لعربي ، كما تقول : جاءني رجل ~~صالحا ، تريد جاءني صالحا . PageV14P011 # [مناسبة الآيات لما قبلها] # ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، هو أن القوم طعنوا في صحة القرآن ، ~~وقالوا :{لوكان خيرا ما سبقونا اليه} هؤلاء الصعاليك ، فكأنه تعالى قال : ~~الذي يدل على صحة القرآن أنكم لاتنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على ~~موسى عليه السلام ، وجعل هذا الكتاب إماما يقتدى به ، ثم إن التوراة مشتملة ~~على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا سلمتم كون التوراة ~~إماما يقتدى به فاقبلوا حكمه في كون كتاب محمد صلى ms0570 الله عليه وآله وسلم حقا ~~من عند الله . # ثم قال تعالى :{وهذا} أي : القرآن {كتاب مصدق} لكتاب موسى ، ولما تقدمه ~~من الكتب . # وقوله :{لسانا عربيا} بيان لحال الكتاب ، أو مفعول لمصدق ، أي : مصدق ~~صاحب لسان عربي ، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم . # قال في التجريد : وفي الكلام حذف تقديره : فلم يهتدوا به ؛ لأن المشركين ~~لم يهتدوا بالتوراة لما قالوا : إن القرآن إفك قديم ، وقيل : لا يحتاج إلى ~~هذه التقدير ، بل قوله :{ومن قبله كتاب موسى} متصل بقوله :{وهذا كتاب مصدق ~~لسانا عربيا} أي : ومن قبل هذا الكتاب الحق الصحيح ، وهذا مصدق له ، فيكون ~~مثله حقا صحيحا ؛ لأن ماوافق الحق وصدقه فهو حق مثله . # ثم قال تعالى :{لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين} في أعمالهم ، وحاصل ~~الكلام أن المقصود من إنزال هذه الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين . # ثم أعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبؤة ، وذكر شبهات المنكرين ~~، وأجاب عنها ذكر بعد ذلك طريقة المحقين ، فقال سبحانه :{إن الذين قالوا ~~ربنا الله} أي : آمنوا ووحدوا {ثم استقاموا} أي : داموا على الإيمان {فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي : لا يلحقهم غم في الآخرة لتوقع مخوف ، ولا هم ~~يغتمون لواقع نزل بهم ؛ لأنهم في دار السرور ، و{ثم} لبيان فضل الإستقامة ~~وبعد مرتبتها . # (/) # --- PageV14P012 دلت الآية على بطلان قول من زعم أن المؤمنين يوم القيامة إذا زفرت جهنم ~~جثوا إلى الركب خوفا من عذاب الله ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا خوف عليهم ~~في الآخرة ، ولا هم يحزنون ، فدعوى خلاف نص كتاب الله يفتقر إلى دليل صحيح ~~، والله يقول فيهم :{لايحزنهم الفزع الأكبر} وسيأتي إن شاء الله ما يؤيد ~~هذا في مواضع كثيرة من نصوص أئمتنا عليهم السلام . # ثم قال سبحانه :{أولئك} لا غيرهم {أصحاب الجنة خالذين فيها جزاء بما ~~كانوا يعملون} من الصالحات . # واعلم أنه تعالى لما قال : ثم استقاموا وكان من أعظم أنواع الإستقامة ~~الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى فقال سبحانه :{ووصينا ~~الإنسان بوالديه} أمرناه بإيتاء والديه {حسنا} ms0571 أي : فعلا ذا حسن . # وقوله : {حملته أمه كرها} بيان لحالها في مشقة حملها له في بطنها ، أي : ~~حملته ذات كره ، أو حملان كره {ووضعته كرها} يريد شدة الطلق ، قال الحسين ~~بن القاسم عليه السلام : أي مكرهة مجبورة على الحمل والولاد ، وذلك إلزام ~~لها من الله ذي الفضل والأياد . اه # وقرئ بضم الكاف وفتحها ، وهذا زيادة وتوصية في حق الأم بما يلحقها من ~~المشقة في حمله ووضعه . # ثم قال تعالى :{وحمله وفصاله} أي : مدة حمله وفصاله ، أي : فطامه {ثلاثون ~~شهرا} سمي الرضاع فصالا لملابسته له لأنه ينتهي به ويتم ، وفيه دليل على أن ~~أقل الحمل ستة أشهر ، وروي عن عمر أن امرأة رفعت إليه ، وكانت قد ولدت لستة ~~أشهر فأمر برجمها ، فقال علي عليه السلام : لا رجم عليها ، وذكر الطريق ~~التي ذكرنا . # ثم قال تعالى :{حتى إذا بلغ أشده} الأشد : أن يكتهل ويستوفي السن التي ~~يستحكم فيها قوته وعقله ، وذلك إذا أناف على الثلاثين ، وقارب الأربعين ؛ ~~لأن قوله :{وبلغ أربعين سنة} ظاهره أن الأشد قبل أربعين سنة للعطف . # (/) # --- PageV14P013 قال ابن قتيبة : أشد الرجل غير أشد اليتيم ؛ لأن أشد الرجل الإكتهال ~~والحنكة حتى يشتد رأيه وعقله ، وهو ثلاثون سنة في قوله ، وفي قول : ثلاث ~~وثلاثون ، وفي قول : ثمان وثلاثون ، وفي قول : اربعون ، وقد يجمع بين هذه ~~فيقال : أوله ثلاثون سنة ، وكمال الأشد أربعون سنة ، وقيل : لم يبعث نبي ~~إلا بعد أربعين سنة ، أو على رأس اربعين سنة . # وأما أشد الغلام : فهو أن يشتد خلقه ويكمل عقل التكليف ، وهو البلوغ ~~الشرعي خمس عشرة سنة في قوله ، أو ثماني عشرة سنة ، أو تسع عشرة سنة في قول ~~، وهذه الآية على العموم لم يرد بها شخص معين من المؤمنين ، ذكره في ~~التجريد . # ومعنى {قال رب أوزعني} أي : وفقني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي} قال صاحب الصحاح : أوزعته بالشئ أغريته به ، فأوزع به فهو موزوع به ~~أي مغرى به ، واستوزعت الله شكره فأوزعني أي استلهمته فألهمني . # قال الحسين بن القاسم عليه السلام : يريد ms0572 ألهمني أن أشكر على نعمتك ، ~~ولكنه اختصر قال أمير المؤمنين عليه السلام : لو شكروا أنعمه زادتهم مقالة ~~الله التي قالها {لئن شكرتم لأزيدنكم} لكنما كفركم غالها (1) فقال : لو ~~شكروا النعمة ، وإنما أراد : لو شكروا الله على النعمة ، ولكنه اختصر . اه # وفي التجريد : {أوزعني} أي : اجعلني وازعا ، أي : كافا حافظا بالشكر ، ~~والمراد نعمة التوحيد والإسلام ، وجمع بين شكر النعمة عليه وعلى والديه ؛ ~~لأن النعمة عليهما نعمة عليه ؛ لأن الولد يشرف بشرفهما ويشفعان له وينتفع ~~بدعائهما في الدنيا ، ويحاط بصلاحهما ، قال :{وكان ابوهما صالحا} الآية . # {وأن أعمل صالحا ترضاه} وفيل في الصلوات الخمس ، ثم قال :{وأصلح لي ~~ذريتي} أي : اجعلهم موقعا للصلاح ومظنة ، كأنه قال : هب لي الصلاح في ذريتي ~~وأوقعه فيهم . PageV14P014 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، قال ~~بعد ذلك {إني تبت إليك} من جميع الذنوب {وإني من المسلمين} المخلصين الدين ~~لوجهك ، والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة ، ومع كونه من المسلمين ، ~~فبين إني إنما قدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت من الكفر ، ومن كل قبيح ، ~~وبعد أن دخلت في الإسلام والإنقياد لأمر الله ولقضائه . # ثم قال تعالى :{أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} أي : عملهم الذي ~~هو عندهم حسن ، وعند الله أحسن ، وقوله تعالى :{الذين نتقبل عنهم} قرئ بضم ~~الياء على بناء الفعل للمفعول ، وقرئ بالنون المفتوحة ، وكذلك {نتجاوز} ~~وكلاهما في المعنى واحد ؛ لأن الفعل وإن كان مبنيا للمفعول فمعلوم أن الله ~~سبحانه وتعالى بقوله :{أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا} أن من تقدم ~~ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء ، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها يتقدم عنهم ~~عملهم ، والتقبل من الله هو بإيجاب الثواب على عمله . # قلت : وهذه الآية الكريمة تبطل قول أهل الموازنة القائلين : بأن طاعات ~~الفاسق متقبلة ، وأنها تسقط من عقاب عصيانه بقدر ثوابها ؛ لأن الله سبحانه ~~قال :{أولئك} الذي معناه : لاغيرهم ممن لم يثبت له صفاتهم ، والله أعلم . # فإن قيل : ولم قال تعالى :{أحسن ماعملوا} ms0573 والله يتقبل الأحسن فما دون ؟ . # قيل : في الجواب وجهان الأول : أن المراد بالأحسن الحسن ، كقوله تعالى ~~{واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم} وكقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، ~~أي : عادلا بني مروان . الثاني : الحسن من الأعمال هو المباح الذي لايتعلق ~~به ثواب ولا عقاب ، والأحسن مايغاير ذلك فهو كلما كان مندوبا أو واجبا . # ثم قال تعالى :{ونتجاوز عن سيئاتهم} محله النصب على الحال ، أي : الصغائر ~~، أو التي تابوا منها ، والتجاوز : هو الترك والتخلية عن حسابهم ، والمغفرة ~~لما أخطأوا به من جميع أسبابهم . # (/) # --- PageV14P015 وقوله :{في أصحاب الجنة} محله النصب على الحال ، أي : كائنين ، أو معدودين ~~في جملة أصحاب الجنة ، كقولك : أكرمني الأمير في ناس من أصحابي ، وقوله ~~:{وعد الصدق} مصدر مؤكد لقوله :{أولئك الذين نتقبل عنهم} وما بعده ؛ لأن ~~قوله :{نتقبل} و{نتجاوز} وعد من الله {الذي كان يوعدون} في الدنيا على ~~ألسنة الرسل ، فبين سبحانه أنه صدق لاشك فيه . # ثم اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه ، وصف العاق لوالديه فقال ~~سبحانه :{والذي قال لوالدين أف لكما} {الذي قال} مبتدأ خبره {أولئك الذين ~~حق عليهم القول} . # ومعنى {أف} صوت يدل على تضجر قائله ، واللام في لكما للبيان معناه : وهذا ~~التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما ، والمراد ب{الذي قال} الجنس ، وقيل ~~: هو الكافر العاق لوالديه المكذب لهما بالبعث . # قتادة : هو صفة عبد سوء فاجر . # ثم حكى الله تعالى عنه مقاله فقال :{أتعدانني أن أخرج} من الأرض ، أي : ~~أبعث بعد الموت {وقد خلت القرون} أي : مضت الأمم {من قبلي} أي : ولم يبعث ~~منهم أحد {وهما يستغيثان الله} أي : يدعوان بالغوث وهو النجاة من النار ، ~~يقول : الغياث بالله منك ومن قولك . # وقوله :{ويلك آمن} دعاء عليه بالهلاك ، والمراد الحث على الإيمان ، لا ~~الدعاء حقيقة ، والإشعار بأن ماه وعليه موجب لهلاكه . # ثم قال تعالى :{إن وعد الله حق} أي : وعده بالبعث صحيح واقع لا محالة ، ~~فيقول لهما : ما هذا الذي تقولانه من البعث وتدعوان إليه {إلا أساطير ~~الأولين} أي : أكاذيبهم ، وما كتبوه لاعن حقيقة . # (/) # --- PageV14P016 قال ms0574 في التجريد : قيل نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه ، قال ~~الزجاج ، ويضعف هذا القول أنه قال تعالى :{أولئك الذين حق عليهم القول} ~~وهذا لايقوله الله تعالى في من علم أنه يؤمن ، والصحيح أن هذا كالذي قبله ~~في غير معين ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لعباده ليقتدوا مثل البار ~~بوالديه الصالح ، وما يفعله من الدعاء ، ومثل العاق الفاجر وما يفعله . # ومعنى {حق عليهم} هو وجب ووقع عليهم وعيد الله ، ومعنى {في أمم} أي : في ~~جملة أمم {قد خلت} أي : مضت {من قبلهم من الجن والإنس} وقوله :{إنهم كانوا ~~خاسرين} تعليل لقوله :{حق عليهم القول} أي : لأنهم كانوا في الدنيا مختارين ~~بسبب خسران أنفسهم بوقوعها في النار . # ثم قال تعالى :{ولكل درجات مما عملوا} أي : ولكل من الجنسين مراتب من ~~جزاء ماعملوا من الخير والشر . # ثم قال تعالى :{ولنوفيهم أعمالهم} وقري بالياء والنون تعليل لمحذوف دل ~~عليه الكلام ، كأنه قيل : ولنوفيهم أعمالهم ولا نظلمهم حقوقهم ، قدر جزاءهم ~~على مقادير أعمالهم ، فجعل الثواب درجات ، والعقاب دركات . # ثم قال سبحانه :{وهم لايظلمون} بنقص شئ من أجورهم ، ولما بين الله تعالى ~~أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال العقاب فقال سبحانه :{ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار} أي : واذكروا يوم يعرض ، وعرضهم على النار تعذيبهم بها ، ~~أو يجاء بهم إليها ، وذلك قبل دخولهم فيها ، فيقال لهم : {أذهبتم طيباتكم ~~في حياتكم الدنيا} قرئ (أذهبتم} بهمزة الإستفهام ، ويراد به التوبيخ ، ~~وبغير همزة استفهام ، قال الفراء والزجاج : العرب توبخ بهمزة وبغير همزة ، ~~فتقول : أذهبت ففعلت كذا ، أو ذهبت ففعلت كذا ، قال المفسرون : بطيباتهم : ~~ماكانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها ، ومعنى ~~الآية : ما بقي لكم شئ من الطيبات إلا ما قد استوفيتموه وأصبتموه في الدنيا ~~، فلم يبق لكم في الآخرة شئ . # (/) # --- PageV14P017 ومعنى {واستمتعتم بها} أي : انتفعتم بها لمجرد التلذذ . # ولما وبخهم الله بذلك ، آثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~الصالحون اجتناب نعيم الدنيا ولذتها ليتكامل أجرهم ، ولئلا تلهيهم ms0575 عن ~~الآخرة . # وعن عمر بن الخطاب أنه دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مشربة ~~له ، وهو مضطجع على خصفة ، وبعضه على التراب ، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا ~~، فقال : يارسول الله أنت نبي الله وصفوته ، وكسرى وقيصر على فرش الذهب ، ~~وفرش الديباج والحرير ، فقال : ياعمر أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم ، وهي ~~وشيكة الإنقطاع ، وإنا أخرت لنا طيباتنا . # وروى جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب رأى في يده لحما معلقا ، فقال : ~~ما هذا ياجابر ؟ فقلت : اشتهيت لحما فاشتريته ، قال : افكلما أشتهيت اشتريت ~~ياجابر ما تخاف هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} . # والإستمتاع : الإنتفاع اليسير المعجل ، هكذا في التجريد . # (/) # --- PageV14P018 قلت : [وأحسن](1) من هذا كله في معنى هذه الآية الكريمة هو تفسير الهادي ~~عليه السلام حيث قال مالفظه : الطيبات الذي أذهبوها في حياتهم فهي طيبات ~~الجنان التي جعلها الله لأهل الطاعة والإيمان ، بما ذكر أنه أعد لأهل ~~التقوى والإحسان من أزواج الفواكه والرمان ، وغير ذلك من النخيل واللحمان ~~(2) وكل ماتشتهيه الأنفس من اللباس والنسوان ، وإذهابهم إياها فهو بعصيانهم ~~لربهم وجرأتهم على خالقهم ؛ لأن الله عزوجل إنما حكم بالطيبات لمن أطاعه ، ~~وحرمها على من عصاه ، فمن أطاعه فقد استوجبها بطاعته ، ومن عصاه فقد أذهبها ~~بمعصيته ، فهذا تفسير إذهابهم للطيبات ، لا ما يقول من جهل فلم يعلم ،وضل ~~عن مذهبه فلم يفهم أن من إذهابهم للطيبات هو أكلها في حياتهم ، فإن من ~~أكلها في الدنيا الفانيةحرمها في الآخرة الباقية ، وأن من لبس الثياب ~~السرية ، وأكل الطعام الفائق وركب الخيول حلالا كان أوحراما فقد أذهب طيبات ~~الآخرة ، بما أطلق لنفسه من استعمال طيبات الدنيا ، وحاش لله أن يكون ~~الجواب على ذلك ، أو يكون من علم كذلك ، فأما الكافر وأشباهه فقد استغنينا ~~عن الفتش عنه وعن أمره بما قد عندنا من حاله ، كثرت دنياه أو قلت ، فمصيره ~~إلى النار ، وأما المؤمن به ، والعامل بطاعة خالقه ، المحتذي بأمره فيما ~~أمر به ربه فكيف يكون تلك حاله ، وإنما جعل الله الطيبات للمؤمنين خاصة دون ms0576 ~~الفاسقين ، ألم يسمعوا قول الله في القرآن ، ومانزل من النور والبرهان حين ~~يقول :{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} ومعناها : ويوم القيامة ، ~~فجعلها لهم في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة التي تبقى ، فكيف يقال : أو ~~يستجاز في ذي الجلال والإكرام أنه جعلها لهم رزقا ، وأعطاهم إياها عطاء حقا ~~في دار الدنيا ، ثم حرمهم إياها في الآخرة التي تبقى عقوبة على أخذ PageV14P019 ما أعطاهم ، وقبول ما امتن به عليهم وآتاهم ، وفي ذلك مايقول الله عزوجل ~~:{يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} فأمر ~~رسله أن يأكلوا من الطيبات ، وأن يعملوا له ما يرضيه من الصالحات ، وفي أقل ~~من ذلك ما أجزأ من كان ذا حجى ، والحمد لله العلي الأعلى . اه # ثم بين عزوجل سبب عذابهم فقال سبحانه :{فاليوم تجزون عذاب الهون} أي : ~~الهوان والصغار {بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} ~~فقابل تعالى ذلك العذاب بأمرين أولهما : الإستكبار والترفع ، وهو ذنب القلب ~~، والثاني : ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثاني ؛ لأن أحوال القلوب أعظم ~~وقعا من أعمال الجوارح . وأما الفسق : فهو المعاصي . # قال الهادي عليه السلام : والإستكبار فهو الجرأة على الله الواحد الجبار ~~، والمخالفة له في أمره ، من ذلك التجبر على عباد الله في أرضه . # والفسق : فهو الفسق في الدين [والفسق في الدين] (1) فهو المخالفة لرب ~~العالمين . اه # وقوله :{بغير الحق} لأن الإستكبار بالحق لايكون إلا لله تعالى ، وقالوا : ~~وللمؤمن على المتكبر . # وقوله :{وبما كنتم تفسقون} أي : وبسبب فجوركم ، الذي خرجتم به عن طاعة ~~الله تعالى . PageV14P020 # واعلم أنه تعالى لما أودع أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبؤة ، وكان ~~أهل مكة سبب تكبرهم قد أعرضوا عنها ، ولم يلتفتوا إليها ، ولهذا السبب قال ~~تعالى في حقهم :{ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} بين عزوجل أن قوم عاد كانوا أعظم منهم قوة وجاها فقال تعالى ~~:{واذكر أخا عاد ms0577 إذ أنذر قومه بالأحقاف} اذكر يامحمد لقومك أخا عاد هودا ~~عليه السلام ؛ لأنه منهم ، أي عظهم بقصته {إذ أنذر قومه} أي : حذرهم عذاب ~~الله إن لم يؤمنوا ، فلما كذبوه سلط الله العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم ، ~~فذكر هذه القصة هاهنا ليعتبر بها أهل مكة ، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى ~~هذه القصة في هذا الموضع ، وهو مناسب لما تقدم ؛ لأن من أراد تقبيح طريقة ~~عند قوم كان الطريق ضرب الأمثال ، وتقديره أن من واضب على تلك الطريقة نزل ~~به من البلاء كذا وكذا . # وقوله :{بالأحقاف}أي : فيها ، قال أبو عبيد : الحقف : الرمل المعوج ، ~~ومنه قيل للمعوج : محقوقف ، والأحقاف : جمع حقف ، وهي رمل مستطيل مرتفع فيه ~~انحناء ، من احقوقف الشئ إذا اعوج قال الشاعر : # مثل الأفاعي اهتز بالحقوفى # أي : بالرمال ، وكانت عاد أهل عمد بين رمال مشرفين على البحر بالشحر من ~~اليمن ، وكانوا ينزلون مابين عمان وحضرموت ، واليمن كله عن ابن اسحاق . # وقيل : الأحقاف جبل بالشام ، وقيل : أحقاف الجبل : مدره ، كذا في البرهان . # وقوله تعالى :{وقد خلت النذر} أي : مضت ، النذر : جمع نذير ، بمعنى منذر ~~{من بين يديه ومن خلفه} أي : من قبله ومن بعده ، أي : الرسل كلها قد أنذرت ~~عاقبة الشرك كإنذاره ، فذكر قومك بهم ليحذروا سوء العاقبة . # (/) # --- PageV14P021 وقوله تعالى :{ألا تعبدوا إلا الله} تفسير للإنذار {إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم} هو يوم القيامة ، ووصف بالعظم لما يقع فيه من الشدائد ، وأعلمهم ~~أن الذين قبله من الرسل والذين يبعثون بعده كلهم منذرون ، كإنذاره بأن ~~لاتعبدوا إلا الله ، جاؤا بالتوحيد ، واتفقوا عليه ، وهذا اعتراض بين حكاية ~~إنذار هود . # ثم رجع إلى كلام هود بقوله :{إني أخاف عليكم} ويجوز أن يكون الإعتراض قد ~~تم بقوله :{من خلفه} وقوله :{ألا تعبدوا إلا الله} من كلام هود ، أي : وقد ~~خلت النذر ينذرون أقوامهم ، وإنما قيل : خلت من خلفه ؛ لأنه ماض بالنسبة ~~إلى نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكره في التجريد . # ثم حكى الله عن الكفار أنهم قالوا :{قالوا أجئتنا لتأفكنا} ms0578 أي : لتصرفنا ~~وتقلبنا ، والإفك : هو القلب ، وقيل : من الإفك الذي هو الكذب ، أي : ~~لتصرفنا بالإفك {عن آلهتنا} أي : عن عبادتها {فأتنا بما تعدنا} أي : عجل ~~لنا ماتعدنا من عذاب الشرك {إن كنت من الصادقين} في وعيدك ، استعجال منهم ~~على وجه التكذيب ، فقال لهم هود عليه السلام ماحكى الله عنه {قال إنما ~~العلم عند الله} معناه : لاعلم عندي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم حكمة ~~وصوابا ، فكيف أدعوه بأن يعجله كما تقترحون بخلاف ماعلم صلاحه {وأبلغكم} ~~تقديره : وأنا أبلغكم ، أي ما شأني إلا تبليغ {ما أرسلت به} مما هو شأني ~~وشرطي وهو الإنذار لكم بجهدي من العذاب ، فأما العلم بوقته فما أوحاه الي ~~{ولكني أراكم قوما تجهلون} أن الرسل لم يبعثوا إلا منذرين غير سائلين غير ~~ما أذن لهم ، أو المعنى : تجهلون حيث تصرون على طلب العذاب ، وهب أنه لم ~~يظهر لكم كوني صادقا ، ولكن لم يظهر أيضا كوني كاذبا ، فالإقدام على الطلب ~~الشديد لهذا العذاب جهل عظيم . # (/) # --- PageV14P022 ثم قال تعالى :{فلما رأوه} ضمير الهاء يرجع إلى ماتعدنا ، أي رأوا العذاب ~~الموعود به {عارضا مستقبل أوديتهم} وقيل : الضمير عائد إلى غير مذكور، ~~ويبينه قوله {عارضا} كما قال :{ماترك على ظهرها من دابة} (1)ولم يذكر الأرض ~~لكونها معلومة ، فكذا هاهنا الضمير عائد إلى السحاب ، كأنه قيل : فلما رأوا ~~السحاب عارضا ، وهذا اختيار الزجاج ، ويكون من باب الإضمار على شريطة ~~التفسير ، والعارض : السحاب الذي يعرض في أفق السماء ، كان المطر قد حبس عن ~~عاد فساق الله تعالى إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال لهم ~~المغيث ففرحوا حين رأوها {قالوا هذا عارض ممطرنا} والمعنى : ممطر إيانا ، ~~وكلما عرض فهو عارض لإعتراضه للناظرين ، وظهوره وبيانه قال الشاعر : # فدع ذا وما فات من ذكرها ... ... وابعث لهم عارضا مستطيرا # قيل : كان هود قاعدا في قومه فجاءه سحاب مكفهر ، فقالوا : هذا عارض ~~ممطرنا ، فقال :{بل هو مااستعجلتم به} من العذاب ، ثم بين ماهيته فقال ~~{ريح} أي : هي ريح {فيها عذاب أليم} ثم وصف تلك الريح فقال ms0579 :{تدمر كل شئ} ~~أي : تهلك كل شئ من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير ، فعبر عن الكثرة ~~بالكلية . # قوله :{بأمر ربها} إضافة الرب إلى الريح للدلالة على أن تصريفها مما يشهد ~~بعظم قدرته ؛ لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده ، وأن هذا ليس من باب ~~تأثيرات الكواكب ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم . # (/) # --- PageV14P023 ثم قال في صفة هلاكهم (1) {فأصبحوا} يعني عادا {لاترى إلا مساكنهم} قرئ ~~بفتح تا ترى على أن الخطاب لغير معين ، ونصب مساكنهم ، وبضمها على التأنيث ~~، ورفع مساكنهم عن علي وابي عبدالرحمن السلمي ، والحسن ، وقتادة ، والقياس ~~التذكير ، كما تقول : ماقام إلا هند ، وهي قراءة حمزة ، وعاصم ، وإنما لم ~~تر إلا مساكنهم ؛ لأن الريح أهلكتهم ، والمعنى أنهم لايرون أحياء فصاروا ~~كالمعدومين ، وقيل : أمالت الريح عليهم الأحقاف ، فكانوا تحتها سبع ليال ~~وثمانية أيام لهم أنين عظيم ، ثم كشفت عنهم الريح فاحتملتهم فطرحتهم في ~~البحر . # روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط ، أي : الخيمة أو الضعينة فترفعها حتى ~~ترى كأنها جرادة ثم تطرحها ، وقيل : أول من أبصر العذاب امرأة قالت : رأيت ~~ريحا فيها كشهب النار . وروي أن أول ماعرفوه أنه عذاب أنهم رأوا ماكان في ~~الصحراء من رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض فدخلوا ~~بيوتهم ، وأغلقوا أبوابهم فقلعت الأبواب وصرعتهم ، ولم يبق إلا هود ومن آمن معه . # وروي أن هودا خط على نفسه وعلى المؤمنين معه خطا إلى جنب عين تنبع . # ابن عباس : اعتزل ومن معه في حظيرة ما يصيبهم إلا ماتشتهيه الأنفس ، ~~وإنما لتمر من عاد بالضعن بين السماء والأرض ، وتدمغهم بالحجارة . # قال في التجريد وغيره ، قال الرازي : وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح ~~من هذا الوجه. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع ، وقال : ~~اللهم إني أسألك خيرها وخير ماأرسلت به ، وأعوذ بكمن شرها وشر ما أرسلت به. # ثم قال تعالى :{كذلك} أي : مثل ذلك الجزاء {نجزي القوم المجرمين} ~~والمقصود تخويف كفار مكة . # فإن قيل : لما قال الله تعالى ms0580 :{وما كان الله معذبهم وأنت فيهم} فكيف ~~يبقى التخويف ؟ قلنا : قالوا : قوله {وما كان الله معذبهم وأنت فيهم} إنما ~~نزل في آخر الأمر ، فكان التخويف حاصلا قبل نزوله . PageV14P024 # ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال سبحانه ~~:{ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} أراد بالتمكين تمكينهم من أمور الدنيا ~~ولذاتها وحطامها وشهواتها بكثرة المال والرجال والقوة ، والمعنى على هذا : ~~ولقد مكناهم في الذي لم نمكنكم فيه ياقريش ، (ما) بمعنى ا لذي ، و(إن) ~~نافية ، أي في الذي ما مكناكم فيه ، واختير (إن) على (ما) لأنها أحسن في ~~اللفظ لما فيها من مجامعة ما ، مثلها في التكرير المستبشع ، ومثله يجتنب ، ~~وقد جعلت إن زائدة ، وتؤل بأن ما مكناهم في مثل ما مكناكم ، والصحيح الأول ~~لقوله :{كانوا أكثر منهم وأشد قوة}(1) فدل على أن تمكينهم فوق تمكين قريش ~~لامثله وهو أبلغ في التوبيخ ، وأدخل في الحث على الإعتبار . # ثم قال تعالى :{وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} يريد سبحانه أنا فتحنا ~~عليهم أبواب النعم ، وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل ، ~~وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل العبر ، وأعطيناهم أفئدة فما ~~استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا هذه القوى إلى طلب الدنيا ~~ولذاتها {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ} من الإغناء ، ~~وهو القليل منه ، بمعنى أنه جعل له آلة صحيحة السمع والبصر والأفئدة للفهم ~~والتدبر فما انتفعوا بها فيما خلقت له من الأمور الدينية . # وقوله :{إذ كانوا يجحدون بآيات الله} إذ متعلق بأغنى ، جار مجرى التعليل ~~، أي : ما أغنى عنهم إذ كانوا يججدون بآيات الله {وحاق بهم ماكانوا به ~~يستهزؤن} أي : جزاء استهزائهم {وحاق} أي : رجع عليهم وأحاط بهم ، قال ~~الحسين بن القاسم عليه السلام : وسألت رجلا من أهل اللغة فقال : معناه ~~الإحاطة ، وأنشدنا من الشعر فقال : # يحذر من إشراق كوكب برهة ... ... فهو لترب الساعدية حائق # (/) # --- PageV14P025 فبين عزوجل أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم وأبصارهم لأجل أنهم كانوا يجحدون ، ~~ولفظة (إذ) قد تذكر ms0581 لإفادة التعليل ، تقول : ضربته إذ أساء ، والمعنى ضربته ~~لأنه أساء ، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة ، فإن قوم عاد لما اغتروا ~~بدنياهم ، وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله ، ولم يغن عنهم ~~قوتهم ولا كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى أن يحذروا من عذاب الله ~~، ويخافوا ، واستهزاؤهم : أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب ، وإنما يطلبونه ~~على سبيل الإستهزاء ، ثم نزل بهم ذلك العذاب الذي كانوا يطلبونه على سبيل ~~الإستهزاء ، والله أعلم . # ثم قال تعالى :{ولقد أهلكنا ماحولكم} ياقريش {من القرى} أي : من أهل ~~القرى من نحو حجر ثمود ، وقرى قوم لوط {ولقد صرفنا الآيات} أكثرنا تصريفها ~~، وهو ترديدها ، أي : جئنا بأيات كثيرة على أنحاء مختلفة ، وقيل : صرفناها ~~: بيناها {لعلهم يرجعون} أي : ليرجعوا عن كفرهم . # ثم قال تعالى :{فلولا نصرهم} أي : فهلا نصر أهل القرى أصنامهم {الذين ~~اتخذوا} أي : اتخذوهم {من دون الله قربانا آلهة} أي : تقربا إلى الله ، ~~والقربان : ما يقرب به ، وهو حال من الآلهة متقدمة ، والتقدير : فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله آلهة متقربا لهم إلى الله حيث قالوا : ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، ويجوز أن يكون {قربانا} مفعول {اتخذوا} و{آلهة} ~~بدل منه ، والمعنى : فهلا منعتهم من الهلاك نصرة آلهتهم لهم {بل ضلوا عنهم} ~~أي : غابوا عن نصرتهم ونفعهم ، {وذلك} الضلال وعدم النصرة {إفكهم} أي : ~~ثمرة إفكهم ، أي : كذبهم ، وأشر شركهم وافترائهم على الله من كونه ذا شركاء . # ثم قال :{وما كانوا يفترون} أي : يجترئون ويحترفون من المحال ، وقيل : ~~{ذلك} إشارة إلى اتخاذهم الآلهة دون الله ، أي : واتخاذهم الآلهة هو كذبهم ~~وافتراؤهم . # (/) # --- PageV14P026 [قصة دعوة النبي الجن للإسلام]ولما بين تعالى أن في الناس من آمن ، وفيهم ~~من كفر ، بين أيضا أن الجن فيهم من آمن ، وفيهم من كفر فقال سبحانه :{وإذ ~~صرفنا إليك} أي : واذكر إذ صرفنا إليك {نفرا من الجن} أي : أملناهم وأقبلنا ~~بهم ، والنفر دون العشرة ، وجمعه أنفار {يستمعون القرآن} أي : سمعوه يقرأ ~~منه في سورة صلاة الفجر بوادي نخلة {فلما حضروه} أي : حضروا القرآن ms0582 ، أو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم {قالوا أنصتوا} أي : قال بعضهم لبعض اسكتوا ~~مستمعين . # روي أن الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ، ورجموا بالشهب ، قالوا ~~: ماهذا إلا نبيئ حدث ، فنهض سبعة نفر ، أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو ~~نينوى ، منهم زوبعة ، فضربوا حتى بلغوا تهامة ، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة ، ~~فوافوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قائم يصلي في جوف الليل ، أو ~~في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته ، وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج ~~يستنصرهم فلم يجيبوه ، وأغروا به سفهاء ثقيف . # وعن سعيد بن جبير : ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجن ~~ولا رآهم ، وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لايشعر ، ~~فأنبأه الله باستماعهم {فلما قضى} فرغ من قراءته {ولوا} رجعوا {الى قومهم} ~~من الجن {منذرين} لهم بما يستمعون من القرآن . # (/) # --- PageV14P027 وقال ابن مسعود وغيره : بل أمر الله رسوله أن ينذر الجن فصرف إليه نفرا ~~منهم جمعهم له ، فقال : إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة ، فمن يتبعني ؟ ~~فاتبعه ابن مسعود لاغير ، حتى إذا كان في شعب الحجون خط النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم خطا ، وقال : لاتخرج منه حتى أعود إليك ، ثم افتتح القرآن ، ~~وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وغشيته ~~أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ، ثم انقطعوا كقطع السحاب ، ~~فقال لي رسول الله : هل رأيت شيئا ؟ قلت : رأيت رجالا سودا مستثفرين بثيات ~~بيض ، فقال : أولئك جن نصيبين ، وكانوا اثني عشر الفا ، والسورة التي قرأها ~~عليهم {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وقد ضعف هذا بأن النفر لايطلق على الكثير ، ~~ويمكن الجواب بإنه أريد بالنفر رؤساؤهم . # ثم قال تعالى :{قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} أي : من ~~بعد عهده وزمانه ، ولم يقولوا : من بعد عيسى ، فعن عطاء : كانوا على ~~اليهودية . # ابن عباس : لم يسمعوا بعيسى ، ثم وصفوه بوصفين ، الأول : كونه {مصدقا لما ms0583 ~~بين يديه} من الكتب المتقدمة ، والثاني أنه {يهدي} متبعيه {الى الحق وإلى ~~طريق مستقيم} ثابت ، وهو دين الإسلام {يا قومنا أجيبوا داعي الله} هذا من ~~جملة قول أصحابهم {وآمنوا به} أي الله إيمانا كاملا ، وهو أن تؤمنوا به ~~وبكتابه ورسوله ، وقد دلت [الآية على أنه صلى الله عليه وآله وسلم] (1) كان ~~مبعوثا إلى الجن ، كما كان مبعوثا إلى الإنس ، قال مقاتل : ولم يبعث الله ~~نبيئا إلى الجن والإنس قبله . # وقوله تعالى :{أجيبوا داعي الله} أمر بإجابته في كل ما أمر به ، فيدخل ~~فيه الأمر بالإيمان ، إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين ، لأجل أنه أهم ~~الأقسام وأشرفها ، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام ، ثم يعطف ~~عليه أشرف أنواعه ، كقوله :{وملائكته وجبريل} . PageV14P028 # وقوله :{وإذ أخذنا من النبيئن ميثاقهم ومنك ومن نوح} وكما أمر بالإيمان به ~~ذكر فائدة ذلك الإيمان في قوله تعالى :{يغفر لكم من ذنوبكم} أي : بعضها لأن ~~من الذنوب ما لايغفر بالإيمان مما يتعلق بالعباد من أعراضهم كالذم ونحوه ، ~~ومن أموالهم كالديون ونحوها ، وقيل : من هاهنا زائدة ، والتقدير : يغفر لكم ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} وبهذه الآية قيل : لاثواب للجن إلا النجاة من ~~النار ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، والصحيح أنهم كبني آدم مكلفون . # [كلام الإمام المرتضى في الجن وثوابهم وشهواتهم] # وقد سئل المرتضى عليه السلام عن مؤمني الجن : هل يكونون في الآخرة يأكلون ~~ويشربون ويتنعمون ؟ قال عليه السلام : الأكل والشرب والنكاح ، فإنما هو شئ ~~ركبه الله في الآدميين ، وجعل لهم فيه لذة وشهوة ، والله تعالى فقد ركب في ~~الجن أسبابا ينالون بها لذة وفرحا وطربة في الآخرة شبها مما ينال بها ~~الآدميون أو أكثر ، إذ اللذة في الآدميين من الله جعلها سبحانه فيهم ، ~~فصارت لذة إذ جعلها من طباعهم ، كذلك عزوجل يجعل لهم على طاعتهم وحسن ~~استقامتهم من الجزاء والثواب ما يقنعهم ويكون ألذ لهم من لذتكم ، أو لستم ~~ترون ذلك في هذه الدنيا في خلق الله سبحانه ، قد جعل لكل ذي روح غذاء وطربة ~~وراحة لايجدها ms0584 الآخر ، من ذلك بنو آدم يأكلون الفواكه والأطعمات ، ومن ذلك ~~الخيل والدواب تأكل الحشيش وما أشبه ذلك من النبات ، وكل قد قامت بنيته على ~~ماجعل من غذائه ، وحسنت حاله على ذلك ، ولو أطعم أحد الجنسين غذاء صاحبه ، ~~إذا لم تحسن بذلك حالته ، ولم تقم عليه بنيته ، وكان من الهالكين ، فهذا ~~دليل على أن كلا قانع بما ركب فيه ، لايريد غيره ، ولا تحسن حالته إلا به . اه # (/) # --- PageV14P029 واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول ، والإيمان به حذرهم من ترك ~~الإجابة فقال :{ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} أي : فليس ينجي ~~منه مهرب ، ولا هو بفائت {وليس له من دونه أولياء} أنصار يتولونه يدفع ~~العذاب عنه . # ثم بين أنهم في ذهاب بين عن طريق الحق والنجاة ، فقال سبحانه :{أولئك في ~~ضلال مبين} أي : هو بين ظاهر . # ثم خاطب قريشا فقال إنكارا عليهم {أو لم يروا}[ أي : أو لم يعلموا] {أن ~~الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى ~~إنه على كل شئ قدير} اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ما يدل على وجود ~~الإله القادر الحكيم المختار ، ثم فرع عليه فرعين الأول : إبطال قول عبدة ~~الأصنام ، والثاني : إثبات النبؤة ، وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة ، ~~وأجاب عنها ، وكان إعراض أهل مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا ، ~~واستغراقهم في استيفاء طيباتها وشهواتها ، وبسبب أنه كان يثقل عليهم ~~الإنقياد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والإعتراف بتقدمه عليهم ، ضرب ~~لذلك مثل في قوم عاد ، فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، فلما أصروا على الكفر أبادهم الله وأهلكهم ، فكان ~~ذلك تخويفا لأهل مكة في إصرارهم على إنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله . # (/) # --- PageV14P030 ثم لما قرر نبؤته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن ، وإلى هاهنا قد تم ~~الكلام في التوحيد وفي النبوة ، ثم ذكر عقيبها تقدير مسألة المعاد ، ومن ~~تأمل في هذا ms0585 علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد ، ~~وأما القصص فالمراد من ذكرها مايجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول ~~، والمقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادرا على البعث ، ~~والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه هو الذي ~~خلق السموات والأرض ، ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من إعادة هذه الشخص حيا ~~بعد أن صار ميتا ، والقادر على الأقوى الأكمل لابد وأن يكون قادرا على ~~الأقل الأضعف ، ثم ختم الآية بقوله :{إنه على كل شئ قدير} والمقصود منه أن ~~تعلق الروح بالجسد أمر ممكن ، إذ لولم يكن ممكنا في نفسه لما وقع أولا ، ~~والله تعالى قادر على كل الممكنات ، فوجب كونه قادرا على تلك الإعادة ، ~~وهذه الدلائل يقينية وظاهرة ، ذكر هذا الرازي . # وأما قوله تعالى :{ولم يعي بخلقهن} فمعناه :لم يخف عليه خلقهن ، يقال : ~~عي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله ، ولم يعرف جهة الصواب فيه ، ولم يقدر ~~عليه ، ويقال : أعييت إذا تعبت ، وقوله :{بقادر} محله الرفع ؛ لأنه خبر إن ~~يدل عليه قراءة عبدالله (قادر) وقد سد مسد مفعولي (يروا) والباء زائدة ، ~~كما تزاد مع النفي في نحو ما أظنك بقائم . # وحكى الواحدي وابن الجوزي هذا عن الكسائي والزجاج ، وعن الأخفش أيضا ، ~~وأبي عبيدة ، قال ابن الجوزي : وقرأ يعقوب (يقدر) بياء مفتوحة مضارع قدر . # (/) # --- PageV14P031 واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض ~~أحوال الكفار فقال :{ويوم يعرض الذين كفروا على النار} (يوم) متعلق بمحذوف ~~مقدر قبل {أليس} أي : يوم يعذبون في النار فيقال لهم :{أليس هذا} أي : ~~العذاب {بالحق قالوا بلى} أي : هو الحق {وربنا} قسم جوابه محذوف دل عليه ما ~~قبله ، أي : وربنا إنه لحق {قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وتكذبون ~~بالجزاء ، والمقصود التهكم بهم ، والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده ~~، وقولهم :{وما نحن بمعذبين} . # ثم اعلم أنه لما قرر المطالب الثلاثة ، وهي التوحيد والنبؤة والمعاد ، ~~وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري ms0586 مجرى الوعظ والنصيحة للرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم ، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ، ويوحشون صدره ، فقال تعالى ~~:{فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} أي : أولوا الجد والصبر والثبات ، ~~و(من) للتبيين ، ولا يبعث الله إلا من كان ذا عزم وجزم ، وهو قول [ابن] زيد ~~وابن الأنباري وغيرهما . # وقيل : يجوز أن تكون (من) للتبعيض ، قيل : وهم نوح كان يضربه قومه حتى ~~يغشى عليه ، وابراهيم صبر على النار ، وعلى ذبح ولده ، ويعقوب على فقد ولده ~~وبصره ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر ، وموسى قال له قومه :{إنا ~~لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} (1) وداود بكى على ذنبه أربعين سنة . # وقال المرتضى عليه السلام : أولوا العزم : هم كل من امتحن ، وفرض عليه ~~الجهاد بالسيف ، فكل من كان من الأنبياء قد افترض عليه الجهاد ، فهو من ~~أولي العزم ، فكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أولي العزم ، وكذلك ~~موسى وداود وسليمان ، ومن قاتل من الأنبياء فهو من أولي العزم صلوات الله ~~عليهم أجمعين . اه # (/) # --- PageV14P032 وقال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام في تفسيره ما لفظه : معنى {كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل} أي : كما صبر الرسل أولوا العزم على التقديم ~~والتأخير ، و(من) زيادة وصلة ، مثل قوله :{يغفر لكم من ذنوبكم} والمعنى : ~~يغفر لكم كل ذنوبكم ، وقد توهم بعض الجهال ، أن من الرسل من ليس بذي عزم ، ~~وهذا من أكبر المحال ؛ لأن الرسل قد عزمت على إنفاذ أمر خالقها ، والعزم ~~فهو الإزماع والعزيمة والرحلة والإجماع .قال الرازي ما لفظه : (من) في قوله ~~:{من الرسل} تبيين لاتبعيض كما يقال : اكسه من الخز ، فكأنه قيل : اصبر كما ~~صبر الرسل قبلك على أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم . ومثل هذا ~~في البلغة ، أي : اصبر يامحمد على أداء الرسالة ، واحتمال الأذى ، كما صبر ~~الرسل الذين كانوا قبلك {ولا تستعجل لهم} بنزول العذاب بهم في دار الدنيا ؛ ~~لأن في تأخيره حكمة بالغة ، وإذا رأوا عذاب يوم القيامة كان حالهم ماذكر ~~الله في الآية التي بعد هذه ms0587 ، وهذا معنى قوله تعالى :{ولا تستعجل لهم} يعني ~~كفار مكة ، أي : لاتدع بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة ، فأمر بالصبر ~~وترك الإستعجال . # ثم أخبر أن ذلك منهم قريب ، وأن عند نزول ذلك العذاب هم يستقصرون مدة ~~لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها ساعة من نهار فقال سبحانه :{كأنهم يوم يرون ~~مايوعدون} من العذاب {لم يلبثوا} في الدنيا أو البرزخ {إلا ساعة من نهار} ~~لأن مامضى كأن لم يكن ، وقيل : في جنب طول الآخرة ، قيل : وهذا لشدة العذاب ~~؛ لأن أيام السرور قصار . # قال في التجريد : وهنا تم الكلام . # ثم قال تعالى :{بلاغ} أي : هذا القرآن ، وهذا الكلام بلاغ ، أي : بالغ ~~أقصى الغرض ، أي : كفاية في الموعظة ، أو هذا بيان كامل ، وتبليغ من الرسول . # وقال ابن جرير : المعنى أنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، ذلك لبث ~~{بلاغ} أي بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم . # (/) # --- PageV14P033 ومعنى {بلاغ} على هذا القليل ، أي : الذي تبلغ به ، كما تقول : نعيم الدنيا ~~بلاغ إلى الآخرة ، أي بلاغ قليل ، كقولهم : مامعه من الزاد إلا بلاغ . # {فهل يهلك} بالعذاب {إلا القوم الفاسقون} الخارجون عن الإتعاظ به ، ~~والعمل بمواجبه ، قال قتادة : اعلم أنه لايهلك على الله إلا من عتى عتوا ، ~~وتمرد تمردا ؛ لأنه تعالى قد أبلغ في الإنذار ، والإمهال . # والحمد لله كثيرا # (/) # --- PageV14P034 ### | AUTO سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # حم(1)تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(2)إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين(3)وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون(4)واختلاف الليل ~~والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف ~~الرياح آيات لقوم يعقلون(5) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد ~~الله وآياته يؤمنون(6)ويل لكل أفاك أثيم(7)يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر ~~مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم(8)وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها ~~هزوا أولئك لهم عذاب مهين(9)من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ~~ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم(10) هذا هدى والذين كفروا ~~بآيات ربهم ms0588 لهم عذاب من رجز أليم(11)الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك ~~فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(12)وسخر لكم ما في السماوات وما ~~في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(13)قل للذين آمنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون(14) من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون(15)ولقد آتينا بني إسرائيل ~~الكتاب والحكم والنبوة # (/) # --- PageV15P001 ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين(16)وآتيناهم بينات من الأمر فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(17)ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون(18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين(19)هذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون(20)أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون(21)وخلق الله السماوات ~~والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون(22) أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه من بعد الله أفلا تذكرون(23)وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون(24)وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين(25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون(26)ولله ملك السماوات # (/) # --- PageV15P002 والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون(27)وترى كل أمة جاثية كل أمة ~~تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون(28)هذا كتابنا ينطق عليكم ~~بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون(29)فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين(30)وأما الذين كفروا أفلم تكن ~~آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين(31)وإذا قيل إن وعد الله حق ~~والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ms0589 نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين(32)وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون(33)وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين(34) ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا ~~فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون(35)فلله الحمد رب السماوات ورب ~~الأرض رب العالمين(36)وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم(37) # (/) # --- PageV15P003 سورة الجاثية # تسع وثلاثون آية في الكوفي ، وست في عدد الباقين (مكية) # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله :{حم تنزيل الكتاب من الله} قد مر تفسيره في السورة الأولى {العزيز} ~~الذي لا يغلب ، القادر على ما يشاء من تنزيل الكتاب وغيره {الحكيم} الذي ~~لايفعل شيئا مع اقتداره إلا بحكمة وصواب وتنزيل الكتاب من جهة حكمته ، ~~ورحمته لعباده ، وإن جعلت حم تعديدا للحروف كان {تنزيل الكتاب} مبتدأ وما ~~بعده الخبر ، ويجوز أن تكون {حم} قسما ، وتنزيل الكتاب مبينا له ، وجواب ~~القسم : {إن في السموات} والتقدير : وحم الذي هو تنزيل الكتاب إن الأمر كذا وكذا . # وقوله :{العزيز الحكيم} يجوز جعلهما صفة للكتاب ، ويجوز جعلهما صفة لله ~~تعالى . # ثم قال سبحانه :{إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين} أي : عبر ودلائل ~~على قدرة خالقها ، والمراد للمؤمنين ولغيرهم ، وإنما خصهم لأنهم أهل ~~الإعتبار . # وفي التجريد : يجوز أن لايقدر خلق مضافا ، ويجوز أن يقدر ، ويدل عليه ~~{وفي خلقكم} حيث أظهر لفظ خلق ، فعلى الأول تكون الآيات في ماخلق في ~~السموات والأرض ، كالنيرات ، والأنهار والأشجار ، والملائكة والثقلين ، ~~وعلى الثاني تكون الآيات خلق السموات والأرض . # ثم قال تعالى :{وفي خلقكم} أي : أجسامكم ، وما فيها من عجائب الحكم ~~والصور والألوان ، والتنقل من حال الطفولية ، إلى الإكتهال والشيخوخة . # قال في التجريد : وفي خلقكم من تراب ، ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا ، ~~وغير ذلك من تفاصيل خلق الإنسان وحواسه {وما يبث من دابة} على وجه الأرص من ~~أصناف الحيوانات المختلفة في الصور والهيئآت ، والبث : هو النشر والتكثير ، ~~قال زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام : # عظيم هوله والناس فيه ... ... حيارى مثل مبثوث ms0590 الفراش # وقوله تعالى :{آيات} أي : دلائل {لقوم يوقنون } بخالقهم لايشكون فيه ، أي ~~: يعلمون علما لا يخالطه شك ، فيعلمون أنه تعالى موجود قادر عالم حي واحد ، ~~وسائر صفاته . # (/) # --- PageV15P004 ثم قال تعالى :{واختلاف الليل والنهار} وفي قراءة عبدالله (وفي اختلاف ~~الليل والنهار) وهذا الإختلاف يقع على وجوه أحدها : يبدل النهار بالليل ، ~~وبالضد منه ، وثانيها : أنه تارة يزداد طول النهار ، وتارة بالعكس ، ~~وبمقدار مايزداد في النهار الصيفي يزداد في الليل الشتوي ، وثالثها : ~~اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة . # ثم قال تعالى :{وما أنزل الله من السماء من رزق} أي : المطر ؛ لأنه سبب ~~الرزق {فأحيا به الأرض بعد موتها} بالجدب ، وهو يدل على صحة القول بالفاعل ~~المختار من وجوه أحدها : إنشاء السحاب ، وإنزال المطر منه ، وثانيها : تولد ~~النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض ، وثالثها : تولد الأنواع المختلفة ، ~~وهي ساق الشجرة وأغصانها ، وأوراقها ، ثم تلك الثمرة منها : مايكون القشر ~~محيطا باللب كالجوز واللوز ، ومنها : ما يكون اللب محيطا بالقشر كالمشمس ~~والخوخ ، ومنها : مايكون خاليا عن القشر كالتين ، فتولد أقسام النبات على ~~كثرة أصنافها وتباين أقسامها يدل على صحة القول بالفاعل المختار الحكيم ~~الرحيم ، وبطلان قول من يقول بالعلل والطبع ، ونحو ذلك . # ثم قال تعالى :{وتصريف الرياح} أي : تقلبها وتعاقبها جنوبا وشمالا ، ~~وقبولا ودبورا ، منها الحارة والباردة ، ومنها : الرياح النافعة والرياح ~~الضارة . # ولما ذكر الله تعالى هذه الأنواع الكثيرة من الدلائل قال سبحانه: ~~إنها{آيات لقوم يعقلون} أي : يكون لهم عقول ؛ لأن النظر في هذه الحوادث من ~~المنصفين يخلص معه اليقين ، ويسحكم به العقل والعلم ؛ لأنه لابد له من صانع ~~حكيم ، وإنما عجز الأولى بالمؤمنين ، والثانية بيوقنون ؛ لأن الثانية تكون ~~أجلى [إما بانضمامها إلى ماقبلها ، وإما لأن معرفة الإنسان بأحوال نفسه ~~أجلى ، وعجز الثالثة بيعقلون ؛ لأنها أجلى](1) مما تقدم لانضامها إليه ، ~~والله أعلم PageV15P005 قال الرازي : إنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاث مقاطع أولها : {يؤمنون} ~~وثانيها :{يوقنون} وثالثها : {يعقلون} وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه قيل : ~~إن كنتم مؤمنين ، فافهموا هذه الدلائل ، وإن كنتم لستم من ms0591 المؤمنين بل أنتم ~~من طلاب الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل ، وإن كنتم لستم من المؤمنين ، ~~ولا من الموقنين فلا أقل أن تكون من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه ~~الدلائل . اه # وقوله تعالى :{تلك آيات الله} إشارة إلى الآيات المتقدمة ، ومعنى ~~{نتلوها} نقرؤها {عليك بالحق} أي : تلاوة ملتبسة بالحق ، والغرض الصحيح ، ~~وهو هداية العباد ، وإنذارهم ، وقيل : المراد من قوله :{بالحق} هو أن صحتها ~~معلومة بالدلائل العقلية ، وإذا كان كذلك كان قوله :{تلك آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق} من أعظم الدلائل على الترغيب في علم الأصول ، وتقرير المباحث ~~العقلية . # ثم قال تعالى :{فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} أي : بعد آيات الله ، ~~كقولهم : أعجبني زيد بن علي عليه السلام وكرمه ، أي : كرم زيد ، والمعنى : ~~أحسن الحديث حديث الله وآياته ، فإن لم يؤمنوا به فلا حديث إلا ماهو دونه ، ~~يعني : أن من لم ينتفع بهذه الآيات فلا شئ بعده يجوز أن ينتفع به ، وأبطل ~~بهذا قول من يزعم أن التقليد كاف ، وبين أنه يجب على المكلف التأمل في ~~دلائل دين الله . # ثم اعلم أنه تعالى لما بين الآيات للكفار ، وبين أنهم بأي حديث بعدها ~~يؤمنون إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال سبحانه ~~:{ويل لكل أفاك أثيم} الويل : الهلاك ، والأفاك : الكذاب ، والأثيم : ~~المبالغ في اقتراف الآثام . # (/) # --- PageV15P006 واعلم أن هذا الأثيم له مقامات الأول : أن يبقى مصرا على الإنكار ~~والإستكبار فقال تعالى :{يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر} من إصرار الحمار ~~على العانة (1) وهو أن ينحي عليها صارا أذنيه ، أي : يقيم على كفره ~~{مستكبرا} عن الإيمان بها معجبا بما عنده {كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم} ~~بشارة توبيخ واستهزاء . # قيل : نزلت في النضر بن الحارث ، كان يشتري من أحاديث العجم يشغل الناس ~~بها عن استماع القرآن ، والآية عامة في من كان مضارا للدين . # والثاني : أن ينتقل من مقام الإصرار إلى مقام الإستهزاء ، فقال تعالى ~~:{وإذا علم من آياتنا شيئا} أي : بعضا منها {اتخذها} كلها ولم يقتصر على ما ms0592 ~~بلغه في كونها {هزؤا} أي : مهزؤا بها ، والمعنى : إذا وجد ما يتطرق إليه ~~الإحتمال طعن به على جميع الآيات كما فعل ابن الزبعرى في {إنكم وما تعبدون ~~من دون الله} (2) ومغالطته رسول الله ، وقوله : خصمتك ، وقيل : اتخذ ما سمع ~~منها هزؤا ، أي : سخر منه ، كما فعل أبو جهل لما نزل {إن شجرة الزقوم طعام ~~الأثيم} (3) فدعا بتمر وزبد ، وقال : تزقموا فما يعدكم محمد إلا هذا ، ~~ويجوز أن يؤنث الراجع إلى شئ بتأوله بمؤنث ؛ لأنه في معنى آية ، فيكون ~~المعنى : أن يتخذ الذي يسمع هزؤا من غير نظر إلى سائر الآيات . # ثم قال تعالى :{أولئك لهم عذاب مهين} مذل .....{أولئك} إشارة إلى {كل ~~أفاك أثيم} لشموله جميع الأفاكين . # ثم وصف كيفية ذلك العذاب المهين فقال عزوجل :{من ورائهم جهنم} أي : من ~~قدامهم جهنم ، ووراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام ، ثم بين ~~أن ما ملكوه فيا لدنيا لا ينفعهم فقال :{ولايغني} أي : لاينفع ويدفع {عنهم ~~ماكسبوا} من الأموال وغيرها {شيئا} من الإغناء ، أي : ألنفع . PageV15P007 # ثم بين أيضا أن أصنامهم لاتنفعهم فقال تعالى :{ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء} من الأوثان ، وهي أصنامهم التي يزعمون أنها تشفع لهم ، فلا تنصر ~~ولا تشفع . # ثم قال :{ولهم عذاب عظيم} لا يدفعه ما اتخذوه أولياء وشفعاء ، بل إنما ~~عظم بسببهم فجاءهم الخوف من حيث أمنوا . # فإن قيل : إنه قال قبل هذه الآية :{ولهم عذاب مهين} فما الفائدة في قوله ~~بعده :{ولهم عذاب عظيم} ؟ قيل له : كون العذاب مهينا يدل على حصول الإهانة ~~مع العذاب ، وكونه عظيما يدل على كونه بالغا إلى أقصى الغايات في كونه ضررا . # ثم إنه تعالى أشار إلى القرآن وإلى ماذكر أولا في هذه السورة فقال :{هذا ~~هدى} أي : الكامل في الهداية لمن قبلها :{والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب ~~من رجز أليم} الرجز : أشد العذاب ، وأليم : مبالغة أخرى في وصف العذاب بشدة ~~الألم . # ثم قال تعالى :{الله الذي سخر لكم البحر} أي : ذلله ، والتسخير : التذليل ~~{لتجري الفلك} ms0593 أي : السفن {فيه بأمره} أي : بتسهيله {ولتبتغوا من فضله} ~~بالتجارة ، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان ، واللحم الطري وغيرها {ولعلكم} ~~أي : ولإرادة أنكم {تشكرون} هذه النعم . # اعلم أنه تعالى ذكر الإستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر ، وذلك ~~لايحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء : أحدها الرياح التي تجري على وفق المراد ، ~~وثانيها : خلق وجه على الملاسة التي تجري عليها الفلك ، وثالثها : خلق ~~الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ، ولا تغوص فيه ، وهذه الأحوال ~~الثلاثة لايقدر عليها أحد من البشر ، فلا بد من موجد قادر عليها ، وهو الله ~~تعالى . # (/) # --- PageV15P008 ثم قال سبحانه :{وسخر لكم ما في السموات} من شمس وقمر ونجوم يهتدى بها في ~~ظلمات البر والبحر ، ومطر وثلج وبرد وغير ذلك {وما في الأرض} من دابة ونبات ~~وأنهار وغير ذلك من منافع الأرض التي لاتحصى ، والمراد أنه خلق ذلك ~~لانتفاعنا إما في أمر الدين ، وإما في أمر الدنيا ، ومعنى قوله تعالى ~~:{جميعا منه} أي : حاصلا من عنده ، أي : هو مكونها بقدرته وحكمته . # قال في التجريد : وقوله :{منه} في موضع الحال ، كأنه قيل : كائنا منه ، ~~أو خبر مبتدإ محذوف ، أي : كل ذلك منه ، أو خبر عن {وما في الأرض جميعا} . ~~و{ما في السموات} مفعول {سخر} . # ثم قال تعالى :{إن في ذلك} المذكور {لآيات} أي : دلائل على قدرة الصانع ~~الحكيم ونعمته على عباده {لقوم يتفكرون} أي : ينظرون بعقولهم في دلائله ~~الواضحة على توحيده ، وعلى عظم قدرته ، وبدائع حكمه ، وجلائل نعمه . # ثم اعلم أنه تعالى لما علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة أتبع ذلك ~~بتعليم الأخلاق الفاضلة ، والأفعال الحميدة بقوله سبحانه :{قل للذين آمنوا} ~~المقول محذوف دل عليه الجواب ، أي : قل لهم {يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله} قال الهادي عليه السلام : معنى {يغفروا} فهو يعرضوا عن عبادتهم ~~ومقالتهم وشركهم ، ومعنى {للذين لايرجون أيام الله} فهم الذين لا يصدقون ~~بوعد الله ووعيده {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} هو إخبار منه تعالى أنه ~~سيجزيهم بأعمالهم ، أي : ذرهم حتى يقع الجزاء عليهم ، وعلى صدق ما ms0594 أنكروا ~~من وعد ربهم . اه # كأنه قال : لاتكافوهم أنتم لنكافيهم نحن ، وقيل : معنى {لايرجون أيام ~~الله} أي : لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه ، ومنه : أيام العرب لوقائعها ، ~~وقيل : لايأملون الأوقات التي وعد الله المؤمنين فيها بالثواب ، قال ابن ~~عباس : لايرجون ثواب الله ولايخافون عقابه ، ولا يخشون مثل عقاب الأمم ~~الخالية . # (/) # --- PageV15P009 قيل : نزلت قبل آية القتال ، ثم نسخ حكمها ، قالوا : ونزلت الآية في عمر ~~وقد شتمه رجل من غفار فهم أن يبطش به (1) والأقرب أن يقال : إنه محمول على ~~ترك المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية ، ~~والأفعال الموحشة ، فلا تنافي آية القتال . # ثم قال تعالى :{ليجزي قوما} أي : مخصوصين بالفضل لصبرهم على ما يجرعهم ~~أعداؤهم من الغصص {بما كانوا يكسبون} من الثواب بكظم الغيظ ، وقوله ~~:{ليجزي} تعليل للأمر بالمغفرة ، أي : إنما أمروا أن يغفروا لما أراد الله ~~من توفيتهم أجر مغفرتهم . # فإن قيل : ما الفائدة في التنكير في قوله :{ليجزي قوما} مع أن المراد بهم ~~هم المؤمنون المذكورون في قوله :{قل للذين آمنوا} ؟ قيل : التنكير يدل على ~~تعظيم شأنهم كأنه قال : ليجزي قوما ، وأي قوم من شأنهم الصفح عن السيئآت ~~والتجاوز عن المؤذيات ، وتحمل الوحشة ، وتجرع المكروه . # ثم ذكر الحكم العام فقال تعالى :{من عمل صالحا فلنفسه} أي : لا يعود نفع ~~العمل إلا إليه فقط ، وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون {ومن أساء فعليها} ~~فلا يضر غيرها ، وهو مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يقدمون في إيذاء ~~الرسول والمؤمنين على ما لايحل فبين تعالى أن العمل الصالح يعود بالنفع ~~العظيم على فاعله ، وأنه تعالى أمر بهذا ، ونهى عن ذلك لحظ العبد فقط . # ثم قال سبحانه :{ثم إلى ربكم ترجعون} أي : لا ترجعون إلا إلى جزائه في ~~الآخرة ، فيجزي كل عامل بحسب عمله . PageV15P010 # ثم إنه تعالى أخبر أنه أنعم بنعم كثيرة على بني اسرائيل . واعلم أن النعم ~~على قسمين : نعم الدين ، ونعم الدنيا ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا ، ~~فلهذا بدأ الله بنعم الدين فقال سبحانه :{ولقد آتينا ms0595 بني اسرائيل الكتاب} ~~هو التوراة {والحكم} الحكمة ، أي : الفقه والسنة ، أو فصل الخصومات بين ~~الناس ؛ لأن الملك {والنبؤة} كان فيهم إذ كان الأنبياء فيهم أكثر من سائر ~~الناس . # وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى :{ورزقناهم من الطيبات} أي : ~~ما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق ، وذلك أن الله وسع عليهم في الدنيا ~~فأورثهم أموال آل فرعون وديارهم ، ثم أنزل عليهم المن والسلوى . # ولما بين تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيبا وافرا قال ~~:{وفضلناهم على العالمين} حيث لم يؤت غيرهم مثلهم . # ابن عباس : لم يكن أحد في زمانهم أكرم على الله منهم . # والمراد : لم يؤت غيرهم مثلهم من الآيات والنعم ، ولم يرد تفضيلهم بكثرة ~~الثواب ، فإن أمة محمد أفضل ، أي : أكثر ثوابا ، ذكر معناه في التجريد . # ثم قال تعالى :{وآتيناهم بينات من الأمر} وفيه وجوه الأول : أنه آتاهم ~~بينات من الأمر أي : أدلة على أمور الدين ، الثاني : قاله ابن عباس يعني ~~بين لهم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه يهاجر من تهامة إلى ~~يثرب ، ويكون أنصاره أهل يثرب ، الثالث : المراد {وآتيناهم بينات } معجزات ~~باهرة على صحة نبؤتهم ، والمراد معجزات موسى . # (/) # --- PageV15P011 ثم قال :{فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} الذي يوجب زوال الخلاف ~~{بغيا بينهم} أي : لأجل الحسد والعداوة ، أو لبغي وحسد لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجيب من هذه الحالة ؛ لأن ~~حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف ، وهاهنا جاز مجيئ العلم سببا لحصول ~~الإختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود ~~منه طلب الرئاسة والتقدم ، ثم هاهنا احتمالات يحتمل أن يريد أنهم علموا ثم ~~عاندوا ، ويحتمل أن يريد بالعلم الأدلة التي توصل إلى العلم ، فالمعنى : ~~أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ، لكنهم ~~على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع . # ثم قال تعالى :{إن ربك يقضي} أي : يحكم {بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون} وقضاؤه إثابة ms0596 المحقين ومعاقبة المبطلين في أمر الدين ، ~~والمراد : أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا ، فإنها وإن ساوت نعم ~~المحق أو زادت عليها ، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤه ، وذلك كالزجر لهم . # ولما بينت عالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والحسد أمر رسوله بأن ~~يعدل عن تلك الطريقة ، وأن يستمسك بالحق ، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار ~~الحق ، وتقرير الصدق فقال سبحانه :{ثم جعلناك على شريعة} أي : على طريقة ~~ومنهاج {من الأمر} من أمر الدين ، أي على ملة ومذهب من أمر الله {فاتبعها ~~ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون} وهم قريش ، فدينهم مبني على هوى وبدعة ، لا ~~على دليل وبرهان ، كشريعتك ، ولذلك قالوا : اتبع دين آبائك . # قال الكلبي : إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~بمكة : ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية . # (/) # --- PageV15P012 ثم قال تعالى :{إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} لاينفعونك ولا يدفعون عنك ~~من عذاب الله شيئا إن اتبعتهم {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} فلا توالهم ~~إنما يواليهم من هو مثلهم ، والموالاة : المودة والمناصرة {والله ولي ~~المتقين} وهم موالوه ، وما أبين الفضل بين الولائين . # ولما بين الله تعالى هذه البيانات الشافية النافعة قال سبحانه :{هذا} أي ~~: القرآن {بصائر للناس} جعل مافيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر ~~في القلوب ، والبصيرة : نور القلب {وهدى} من الضلالة {ورحمة} من العذاب لمن ~~آمن به وأيقن ، وهو معنى قوله :{لقوم يوقنون} . # ولما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين والمتقين من الوجه الذي تقدم ، ~~بينهما من وجه آخر فقال:{أم حسب الذين اجترحوا السيئآت} أم : منقطعة بمعنى ~~بل والهمزة ، أي : بل أحسبوا {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم }هذه جملة بدل من {كالذين آمنوا وعملوا الصالحات }أي : بيان ~~له ، أي : حسبوا أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم ، كما تقول : ظننت زيدا ~~أبوه منطلق ، والمعنى : إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا ، وأن ~~يستووا مماتا ؛ لإفتراق أحوالهم ، حيث عاش هؤلاء ms0597 على الطاعة ، وأولئك على ~~المعاصي ، ومماتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والرضوان ، وأولئك على ~~اليأس منهما ، وقيل : معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في ~~الحياة وفي الرزق والصحة . # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام : من قرأ (سواء) بالنصب ~~فالتأويل أن [الله لا يجعل محياهم ومماتهم مثل محيا أولياء الله ومماتهم ، ~~ومن قرأ (سواء) بالرفع فالتأويل أن] (1) محيا أعداء الله مثل موتهم في قلة ~~الإنتفاع ، أو حياتهم لاتنفعهم ، وموتهم لاينفعهم ، فحياتهم موت لايكسبون ~~فيها طاعة ، ولا يخرجون من معصية . اه PageV15P013 قال الرازي : {أم} كلمة وضعت للإستفهام عن شئ حال كونه معطوفا على شئ آخر ، ~~سواء كان ذلك المعطوف مذكورا أو مضمرا ، والتقدير هاهنا : أفيعلم المشركون ~~هذا ، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين ، والإجتراح : الإكتساب ، ~~ومنه : الجوارح ، وفلان جارحة أهله ، أي : كاسبهم ، قال تعالى :{ويعلم ~~ماجرحتم بالنهار} (1). # قال الكلبي : نزلت هذه الآية في علي عليه السلام وحمزة وعبيدة بن الحارث ~~، وفي ثلاثة من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، قالوا للمؤمنين : ~~والله ما أنتم على شئ ، وإن كان ماتقولون حقا فكان حالنا أفضل من حالكم في ~~الآخرة ، كما كنا أفضل حالا منكم في الدنيا . فأنكر الله عليهم هذا الكلام ~~، وبين أنه لايكون حال المؤمن المطيع مساويا لحال الكافر والعاصي في درجات ~~ومنازل السعادات . # واعلم أن لفظ حسب تستدعي مفعولين ، فأحدهما : الضمير المذكور في قوله ~~:{أن نجعلهم} والثاني الكاف في قوله :{كالذين آمنوا} والمعنى : أحسب هؤلاء ~~المجترحون أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا ، ونظيره قوله تعالى :{أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون} (2)ونحو ذلك . # وفي التجريد : وقرئ (سواء محياهم ومماتهم) بنصب {سواء} ورفع {محياهم ~~ومماتهم} على أن سواء مفعول لحسب ، ورفع محياهم ومماتهم به ، وقرئ بنصب ~~سواء مع نصب محياهم ومماتهم ، على أن محياهم ومماتهم ظرفين ، أو يكونان ~~بدلا من ضمير {نجعلهم} بدل اشتمال . # وروي أن تميما الداري كان يصلي ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ~~ويرددها إلى الصباح ، وعن الفضل أنه بلغها فجعل يرددها وهو ms0598 يبكي ، ويقول : ~~يافضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت . # ثم ذمهم عزوجل فقال :{ساء مايحكمون} أي : بئس الحكم حكمهم . # (/) # --- PageV15P014 هذا واعلم أنه تعالى لما أخبر بأن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات ~~السعادات أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال :{وخلق الله ~~السموات والأرض بالحق} أي : بالغرض الصحيح ، وهو الدلالة على الصانع وقدرته ~~، قال الرازي : ولو لم يوجد البعث لما اكن ذلك بالحق ، بل كان بالباطل ؛ ~~لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ثم لاينتقم للمظلوم من ~~الظالم كان ظالما ، ولو كان ظالما لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا ~~بالحق . # المعنى : أن المقصود من خلق هذه العالم إظهار العدل والرحمة ، وذلك لايتم ~~إلا إذا حصل البعث والقيامة ، وحصل التفاوت في الدرجات والدركات بين ~~المحقين وبين المبطلين . # وقوله تعالى :{ولتجزى كل نفس بما كسبت} عطف على {بالحق} لأن فيه معنى ~~التعليل ، أي : ولنجعلها مساكن لعباده يتعبدهم فيها ، فيجزي كل نفس بما ~~عملت في السموات أو في الأرض من طاعة أو معصية {وهم لا يظلمون} بنقص شئ من ~~أجورهم . # قال الرازي : في قوله :{ولتجزى} وجهان الأول : أنه معطوف على قوله ~~:{بالحق} فيكون التقدير : وخلق السموات والأرض لأجل إظهار الحق ، ولتجزى كل نفس . # الثاني : أن يكون المعطوف على محذوف ، والتقدير : وخلق السموات والأرض ~~ليدل بها على قدرته ، ولتجزى كل نفس . # ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار ، وفبائح طرائقهم فقال :{أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه} كأنه قيل : قد عملت أنه لايستوي من ضل فأساء ، ومن اهتدى ~~فأحسن ، فأخبرني عمن اتخذ إلهه هواه فهو مطواع لهوى نفسه ، فكأنه يعبده كما ~~يعبد الإله . # قال الهادي عليه السلام : عمن عبد ما يهواه من الأشياء فجعل الآلهة هواه . اه # يعني تركوا متابعة الهدى ، وأقبلوا على متابعة الهوى ، قيل : كان أحدهم ~~يستحسن حجرا فيعبده ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رفضه إليه ، فكأنه اتخذ هواه إلهه . # (/) # --- PageV15P015 ثم قال سبحانه :{وأضله الله على علم} أي : يعلم أنه يستحق أن يسميه بالضلاة ~~، أو حكم بضلاله حين ms0599 هداه الله فترك هداه واتبع هواه . # قال الهادي عليه السلام : معنى {على علم} فهو على علم منا بأفعاله ~~واختياره وعبادته ما يهوى من الأشياء دون ربه ، فلما أن علم منه ذلك أضله ، ~~ومعنى {أضله} فهو خذله ، وسماه بالضلال ، وأخبر عنه به ، ومعنى {وختم على ~~سمعه} فلا يسمع الحق {وقلبه} فلا يقبله {وجعل على بصره غشاوة} غطاء لايبصر ~~الحق ، فهو بالخذلان ، وترك التسديد لله لما سدد له المؤمنين ؛ لا أنه فعل ~~به شيئا من ذلك ، ولا حال بينه وبين الإهتداء ، تقدس الله تعالى عن ذلك ~~وتعالى . اه # وإنما هو مثل ضربه الله مجاز عن سلبه للطف والهداية {فمن يهديه من بعد ~~الله} يقول : من يوفقه للصواب إن يخذله الله ، أو يرشده إن تركه {أفلا ~~تذكرون} في ذلك فتعلموا في ذلك أنه لا هادي لمن خذله الله ، ولا مرشد لمن ~~لم يرشده الله ، ذكره الهادي عليه السلام . # أو المعنى : أفلا تفكرون فتعرفوا أن عبادة أهوائكم وطاعتها من أعظم ~~الضلال . # واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبههم في إنكار القيامة ، وفي إنكار ~~الإله القادر ، أما شبههم في إنكار القيامة فهي قوله سبحانه :{وقالوا ماهي ~~إلا حياتنا الدنيا} ولا حياة بعدها في الآخرة ، كما يزعم محمد وأصحابه ~~{نموت ونحيا} قال في البرهان : يقول القائل : كيف قال :{نموت ونحيا} وهم ~~يكذبون بالبعث ؟ فإنما أرادوا : نموت ويأتي بعدنا أبناؤنا ، فجعل فعل ~~أبنائهم كفعلهم ، وهو في العربية كثير .اه # أو يموت بعض منا ويحيا بعض ، أو نكون نطفا في الأصلاب ونحيا بعد ذلك ، أو ~~يصيبنا الأمران الموت والحياة ، يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها ، ~~وليس وراء ذلك حياة . # (/) # --- PageV15P016 وأما شبههم في إنكار الإله الفاعل المختار فهي قوله حكاية عنهم :{وما ~~يهلكنا إلا الدهر} أي : مرور الأيام والليالي ، وكانوا يزعمون تأثير الدهر ~~، وينكرون ملك الموت ، وينكرون قبضه الأرواح بأمر الله ، كانوا يضيفون كل ~~حادثة إلى الدهر والزمان ، وترى أشعارهم ناطقة بشكواه ، ولذلك قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم :(لاتسبوا الدهر فإن الله هو الدهر} (1) أي : هو الذي ms0600 ~~يضيفون إليه الحوادث لا الدهر . # ثم قال سبحانه :{وما لهم بذلك} الذي تقولوه {من علم إن هم إلا يظنون} ظنا ~~فاسدا غير صحيح ، والمعنى : أن قبل النظر ومعرفة الدليل الإحتمالات بأسرها ~~قائمة ، فالذي قالوه محتمل ، وضده أيضا محتمل ، وذلك فهو أن يكون القول ~~بالبعث والقيامة حقا ، وإن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقا ، فإنهم لم ~~يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الإحتمال الثاني باطل ، ولكنه خطر ~~ببالهم ذلك الإحتمال الأول فجزموا به ، وأصروا عليه من غير حجة وبينة ، ~~فثبت أنه ليس لهم علم وجزم ويقين في صحة القول الذي اختاروه ، وأنهم ~~اختاروه بسبب الظن والحسبان ، وميل القلب إليه من غير موجب ، وهذه الآية من ~~أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبينة قول باطل ، وأن متابعة الظن ~~والحسبان منكر عند الله تعالى . # ثم قال تعالى :{وإذا تتلى} أي : إذا قرئت {عليهم آياتنا} الناطقة بالبعث ~~والجزاء {بينات} ظاهرات الصحة {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا} ~~أي : ادعو الله أن يبعثهم {إن كنتم صادقين} في أنا نبعث بعد الموت ، ~~والإستثناء منقطع ، وسمي قولهم حجة تهكما ؛ لأنهم أدلوا به كما يدلي صاحب ~~الحجة ، وساقوه مساقها ، كقوله : # تحية بينهم ضرب وجيع (2) PageV15P017 وفي المقاليد : قرئ (حجتهم) بالنصب على تقديم خبر كان . اه # والرفع شاذ ، والمعنى : ليس حجة إلا قولهم هذا ، وليس هو بحجة ، والمراد ~~نفي أن يكون لهم حجة البتة . # ثم قال تعالى :{قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لاريب} أي : لاشك {فيه} لمنصف منقاد للحق ، لما كذبوا الرسل بالبعث ، ~~وحسبوا أنهم قد بكتوهم بطلب آبائهم ألزموا ماهم مقرون به من أن الله الذي ~~يحييهم ثم يميتهم ، وضم إلى هذه الإلزام ما هو واجب عليهم الإقرار به إن ~~أنصفوا ، وهو جمعهم إلى يوم القيامة ، ومن قدر على ذلك قدر على الإتيان ~~بآبائهم . # قال الرازي : فإن قيل : هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول :{إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} فهذا القائل كان ms0601 منكرا ~~لوجود الإله ، ولوجود يوم القيامة ، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله :{قل الله ~~يحييكم} ؟ وهل هذا إلا إثبات الشئ بنفسه وهو باطل ؟ . # قلنا : إنه تعالى ذكر الإستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل ~~الحكيم في القرآن مرارا وأطوارا ، فقوله هاهنا :{قل الله يحييكم} إشارة إلى ~~تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مرارا ، فليس المقصود من هذا الكلام إثبات ~~الإله بقول الإله ، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع ~~في نفس الأمر . # ثم قال تعالى في الكفار :{ولكن أكثر الناس لايعلمون} دلالة حدوث الإنسان ~~والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم ؛ لغفلتهم وإعراضهم عن ~~النظر المؤدي إلى العلم ، ولا يعلمون أيضا أنه تعالى لما كان قادرا على ~~الإيجاد ابتداء وجب أن يكون قادرا على الإعادة ثانيا . # (/) # --- PageV15P018 ثم اعلم أنه تعالى لما احتج بكونه قادرا على الإحياء في المرة الأولى على ~~كونه قادرا على الإحياء في المرة الثنية عمم الدليل ، فقال :{ولله ملك ~~السموات والأرض} لاشريك له في خلقها ، وفيمن فيها ، والمراد أن لله القدرة ~~على جميع الممكنات سواء كانت من السموات أو من الأرض ، فإذا ثبت كونه قادرا ~~على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحياة في هذه الذات ممكن ؛ إذ لو لم يكن ~~ممكنا لما حصل في المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادرا ~~على الإحياء في المرة الثانية . # ولما بين تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين ذكر تفاصيل ~~أحوال يوم القيامة ، فأولها : قوله :{ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون} عامل النصب في {تقوم} {نحشر} و{يومئذ} بدل من {يوم تقوم} ~~والمبطلون : كهؤلاء الجاحدين للبعث . # وفي قوله :{ولله ملك السموات والأرض} معنى الإحتجاج بثبوت البعث ، أي : ~~فكما أنه متوحد بخلق السموات والأرض ومن فيهن ، فكذلك حكم الإعادة والبعث ، ~~بل هي أهون في القياس ؛ لأن إعادة الشئ أهون من إنشائه ، ولأن خلق السموات ~~والأرض أكبر من خلق الناس . # ثم قال :{وترى كل أمة جاثية} قال في البرهان : أي كل أهل دين ، ومعنى ~~{جاثية} مجتمعة ، من الجثوة وهي الجماعة ms0602 ، وجمعها : جثي ، وهو قول ابن عباس ~~للحساب مترقبة لما يعمل بها . # ثم قال :{كل أمة تدعى إلى كتابها} أي : إلى حسابها ، وهو من قوله تعالى ~~:{فأما من أ,تي كتابه بيمينه ...وأما من أ,تي كتابه بشماله} . # وقال الهادي عليه السلام : معنى {جاثية} هو : باركة منتظرة لما يكون من ~~حكم الله فهيا ، ومعنى {إلى كتابها} هو توقف عليه وتدعا إلى جزاءه إن خيرا ~~فخيرا أو شرا فشر . اه # قيل : الجاثين من المبطلين ، وقيل : بل هو عام . # [بيان حال المؤمن يوم القيامة] # (/) # --- PageV15P019 وروى الثعلبي والواحدي : أن في القيامة ساعة هي عشر سنين يحشر الناس فيها ~~جثاة على ركبهم من الخوف حتى إن ابراهيم الخليل يانادي لا أسألك إلا نفسي ~~اليوم . # قلت : وهذا غير صحيح لقوله عزوجل في أوليائه :{لاخوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم تحزنون} (1) وقوله جل وعلا :{تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}(2) وهذا بشارة من الله لأوليائه ~~في الحياة الدنيا , وستبشرهم الملائكة عليهم السلام عند الموت ، ويوم ~~القيامة بما أعد الله لهم من الكرامة ، هذا قول المرتضى عليه السلام ، أو ~~معناه . # وذلك لأن الله عزوجل أخبر عنهم أنهم لايحزنهم الفزع الأكبر ؛ لأن الآخرة ~~هي دار الجزاء لادار التكليف ، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار ~~التكليف ؛ ولأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أن الملائكة ~~تبشر في القبر من كان من أهل الثواب) وكذلك القول في حال المعاينة ، فكيف ~~يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم ، وإنما تؤثر هذه الأهوال في أهل ~~النار ؛ لأنهم يعلمون كونهم من أهل النار . والله أعلم . # ثم قال تعالى :{اليوم تجزون ما كنتم تعملون} أي : جزاء أعمالكم التي في ~~الصحف {هذا كتابنا} أضافه إليه تعالى ؛ لأنه مالكه ، والذي أمر بالكتابة ~~فيه {ينطق} يشهد {عليكم بالحق} من غير زيادة ولا نقصان ، قيل : هو كتاب ~~الأعمال الذي تكتبه الحفظة ، قاله ابن السائب ، وقيل : هو اللوح المحفوظ عن ~~مقاتل ، وقيل : هو القرآن ونحوه من الكتب المنزلة على الأمم ، والمعنى ms0603 : ~~أنهم يقرؤنه فيدلهم ويذكرهم ، فكأنه ينطق عليهم {إنا كنا نستنسخ} أي : نأمر ~~الملائكة بكتب {ماكنتم تعملون} . # قال في البرهان : والإستنساخ : ملكان يرفعان عمل الرجل صغيره وكبيره ، ~~فيثبت الله ماكان من عمله له ثواب أو عقاب ، ويطرح منه اللغو الذي لاثواب ~~فيه ولا عقاب ، كقوله : هلم اذهب وتعال ، فذلك الإستنساخ . اه # (/) # --- PageV15P020 وقال الواحدي : أكثر المفسرين على أن هذا الإستنساخ من اللوح المحفوظ ~~يستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون فذلك موافقا لما ~~يعملونه ، قالوا : فالإستنساخ لايكون إلا من أصل . # قلت : والآية تهدم قول المجبرة ؛ لأنه سبحانه ذكر بعد وصفهم الإيمان ~~كونهم عاملين الصالحات ، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغائب للإيمان ، زائدا عليه . # ثم قال تعالى :{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} ~~جنته ونعمته {ذلك هو الفوز المبين} أي : الظفر البين . # {وأما الذين كفروا} جواب {أما} محذوف ، أي : وأما الذين كفروا فيقال لهم ~~:{أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} فحذف فيقال لهم ، ومثله {وأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم}(1) والمعنى : ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم ، ~~فحذف المعطوف عليه {فاستكبرتم} عن الإيمان بها ، والإنقياد للحق {وكنتم ~~قوما مجرمين} مصرين على جرائم الكفر والمعاصي . # {وإذا قيل إن وعد الله حق} وهو البعث والجزاء {والساعة لاريب فيها} أي : ~~لاشك في وقوعها . # قرئ (الساعة) رفعا ونصبا ، قال الزجاج : من نصب فعلى الوعد ، ومن رفع ~~فعلى معنى ، وقيل : الساعة لاريب فيها ، قال الأخفش : الرفع [أجود] في ~~المعنى ، وكثر في كلام العرب إذا جاء بعد ظرف لأنه كلام مستقل بنفسه بعد ~~مجئ الكلام الأول بتمامه . # {قلتم ماندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا} قيل : معناه إن نحن إلا نظن ذلك ~~ظنا ، فقدم الفعل قبل {إلا} وأخر المصدر لعدم اللبس . # وقيل : معناه إن نظن ذلك إلا ظنا ضعيفا ، والمعنى : أن قيام الساعة متوهم ~~عندهم غير معلوم {وما نحن بمستيقنين} لصدق قولكم فيها {وبدا لهم سيئات ~~ماعملوا} أي : أظهر لهم قبائح أعمالهم ، أو عقوبات أفعالهم السيئة ، فيجوز ~~أن يقدر مضاف ، أي : جزاء ms0604 سيئات ماعملوا ، ويجوز أن يراد ظهور السيئات ~~مكتوبة ، وصحائف أعمالهم . # (/) # --- PageV15P021 {وحاق بهم} أي : رجع وأحاط ونزل بهم {ما كانوا به يستهزئون} أي : جزاء ~~الإستهزاء بالقرآن ، والمرسل به . # {وقيل اليوم ننساكم} بترككم في العذاب {كما نسيتم} أي : كما تركتم عدة ~~{لقاء يومكم} أي : كما تركتم العمل للقاء يومكم {هذا} أو نجعلكم بمنزلة ~~المنسي غير المبالى به ، كما لم تبالوا بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال ، ~~كالشئ الذي يطرح نسيا منسيا {ومأواكم النار} مصيركم الذي تأوون إليه {وما ~~لكم من ناصرين} يدفع العذاب عنكم ، أو يخففه ، فجمع الله عليهم من وجوه ~~العذاب الشديد ثلاثة أشياء فأولها : قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية ، ~~وثانيها : أنه يصير مأواهم النار ، وثالثها : أنه لا يحصل لهم أحد من ~~الأعوان والأنصار . # ثم بين تعالى أنه يقال لهم : إنكم إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة ~~من العذاب الشديد لأجل أنكم أتيتم بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة ، ~~فأولها : الإصرار على إنكار الدين الحق ، وثانيها : الإستهزاء به والسخرية ~~منه ، وهذان الوجهان داخلان تحت قوله تعالى :{ذلك بأنكم اتخذتم آيات الله ~~هزؤا} أي : مهزؤا بها ، وكذبتموها ، وثالثها : الإستغراق في حب الدنيا ، ~~والإعراض بالكلية عن الآخرة ، وهو المراد من قوله تعالى :{وغرتكم الحياة ~~الدنيا} بزهرتها فبطرتم وغفلتم . # ثم قال تعالى :{فاليوم لاتخرجون منها} قراءة حمزة والكسائي (يخرجون) بفتح ~~الياء ، والباقون بضمها {ولا هم يستعتبون} أي : يراجعون الكلام بعد دخولهم ~~النار ، ولا يجابون إلى مطلبهم ، وهو إزالة العتب ، أي : قبول الإعتذار ~~بالتوبة ، وقيل : لا يطلب منهم أن يعتبوا ، أي يرضوا ربهم ، والإستعتاب : ~~طلب إزالة العقاب ، وعقاب الله غضبه ، وعقابه فلا يطلب منهم إزالته ذلك ~~اليوم لزوال التكليف . # ولما تم الكلام ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال :{فلله الحمد رب ~~السموات ورب الأرض رب العالمين} فاحمدوه ، فإن مثل هذه الربوبية العامة ~~توجب أن يحمد على كل مربوب . # (/) # --- PageV15P022 ثم قال تعالى :{وله الكبرياء} أي : العظمة والسلطان {في السموات والأرض وهو ~~العزيز} القوي الغالب ، القاهر لكل شئ ، القادر عليه جلا وعلا {الحكيم} ~~الذي لا يفعل مع قهره ms0605 إلا ماهو حكمة وصواب ، ولكمال حكمته يخص كل نوع من ~~مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والكرم . # وقوله :{العزيز الحكيم} يفيد الحصر فهذا يفيد أن لاكامل في القدرة وفي ~~الحكمة وفي الرحمة إلا هو ، وذلك يدل على أنه لاإله للخق إلا هو ، ولا محسن ~~ولا متفضل إلا هو . # قال في التجريد : وقد يكون الحكيم من صفات الذات ، بمعنى العالم . # (/) # --- PageV15P023 ### | AUTO سورة الأحزاب # ثلاث وسبعون آية باتفاق مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين} من أهل مكة ~~{والمنافقين} منافقوا المدينة، أي لا تساعدهم ولا تقبل مشورة، فإنهم غير ~~ناصحين. # واعلم أنه تعالى إنما جعل بدؤه بالنبي وبالرسول ولم يقل يا محمد كما قال: ~~يا آدم، يا موسى، يا عيسى، يا داود، كرامة وتشريفا لمحله، وهذا من دلائل ~~فضله على الأنبياء-عليه وعليهم السلام-. # وقوله في الأخبار: {وما محمد إلا رسول} ليعلم الناس أنه رسول، وتلقينا ~~لهم، ليسموه ويدعوه بذلك، وما لم يقصد به التعليم من الأخبار، ذكره بنحو ما ~~في النداء، لقد جاءكم رسول ونحوه، فلا تفاوت بين الندى والأخبار، ومعنى اتق ~~الله فهو أثبت على التقوى، وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره. # قال في البرهان: ويحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والمراد به الأمة، وروينا أن للآية سببا، وذلك أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة ~~بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة ليجددوا خطاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله في عقود كانت بينهم، وعرضوا عليه أمور فكره جميعها، ونزلوا ~~على عبد الله بن أبي سلول، والجد بن قيس، ومعتق بن قشير، فنهى الله نبيه عن ~~طاعة الكفار من أهل مكة، والمنافقين من أهل المدينة، وجاء النهي تأكيدا ~~لمخالفة أمرهم، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يطعهم، ~~انتهى، وفي التجريد نحوه. # وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام ~~اليهود، وقد تابعه ناس منهم مضمرين النفاق، وكان ms0606 يكرم كبيرهم وصغيرهم، ~~ويسمع منهم فنزلت. PageV16P001 # وروي أن أهل مكة طلبوه يرجع عن دينه، ويعطونه شطر أموالهم ويزوجه شيبة بن ~~زمعة بنته، وخوفه منافقوا المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع، فنزلت، ثم قال ~~تعالى: {إن الله كان عليما} بالصواب من الخطأ بالمصلحة من المفسدة، ~~{حكيما}لا يفعل شيئا، ولا يأمر به إلا على مقتضى الحكمة، وغاية الصواب ~~والرحمة. # وقوله تعالى: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} يقرر ما ذكرنا من أنه حكيم، ~~واتباعه هو الواجب {واتبع ما يوحى إليك} في ترك طاعتهم وغير ذلك، ثم قال ~~تعالى: {إن الله كان بما تعملون خبيرا} لما قال أنه عليم بما في قلوب ~~العباد، بين أنه عالم أعمالكم فسووا قلوبكم، واصلحوا أعمالكم فهو يوحي إليك ~~ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة لك إلا الاستماع من الكفرة، ثم قال تعالى: ~~{وتوكل على الله} أي أسند أمرك إلا تدبيره وحفظه {وكفى بالله وكيلا} أي ~~موكلا إليه كل أمر، فإنه كفا به دافعا. # ثم قال تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} هو مثل ضربه الله ~~سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله حين نهي عن طاعة الكافرين، أي لا يكون ~~لرجل قلب مؤمن، ومعناه وقلب كافر علينا؛ لأنه لايجتمع الإيمان والكفر في ~~قلب رجل واحد، ذكره في البرهان. # وقيل: هو زيادة تصور، كقوله:{ القلوب التي في الصدور} نفى القلبين؛ لأنه ~~إن فعل باحدهما كما يفعل بالآخر، فأحدهما فضله، وإن فعل به غير ما فعل ~~الآخر، أدى إلى أن يكون مريدا كارها، موقنا، شاكا، ونحوه في حالة واحدة، ~~كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، وقيل: سهى في صلاته، فقالت اليهود: له ~~قلبان قلب مع أصحابه وقلب معكم، فأكذبهم الله تعالى. PageV16P002 # وقال في التجريد: المعين أن الله سبحانه كما لم يجعل للإنسان قلبين في ~~جوفه، لم يجعل المرأة الواحدة، إما لرجل وزوجة له، ولا يكون الرجل دعيا ~~لرجل وابنا له؛ لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، ~~وذلك أن الله لو جعل لرجل قلبين في جوفه ms0607 لكان يريد بأحدهما شيئا ويكرهه ~~بالآخر، فتتناقض الأحوال، كذلك لا تكون الزوجة أما، ولا ولد غيره ولدا له، ~~لتناقض الأحكام، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة، وهو رجل من كلب سبي ~~صغيرا، واشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهبته له، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا ~~يقولون: زيد بن محمد، فلما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب وكانت ~~تحت زيد عابه اليهود والمنافقون وقالوا: تزوج محمد امرأة ابنه، فنزلت هذه الآية. # وقوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} وقيل: في جميل بن أسعد الفهري ~~وكان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم[] ~~يوم بدر، فمر بأبي سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله، فقال ~~له: ما فعل الناس؟ فقال: هم ما بين مقتول وهارب، فقال له أبو سفيان: ما بال ~~أحد نعليك في رجلك والآخر في يدك فقال: ما ضننت إلا أنهما في رجلي، فأكذب ~~الله تعالى قوله وقولهم، وضربه مثلا في ............والظهار، انتهى. PageV16P003 # قال الرازي: هذا ضعيف بل الحق أن يقال: إن الله لما أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالاتقاء بقوله: {ياأيها النبي اتق الله} وكان ذلك أمرا له ~~بتقوى لا يكون فوقه تقوى، ومن يتق ويخاف شيئا خوفا شديدا لا يدخل في قلبه ~~شيء آخر، ألا ترى أن الخائف الشديد ينسى ما هو به حالة الخوف، وكأن الله ~~تعالى قال: ياأيها النبي اتقي الله حق تقاته، ومن حقها أن لا يكون في قلبك ~~تقول غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي باحدهما الله وبالأخر غيره ~~فإن اتقى غيره فلا يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا ~~يليق بالمتقي الذي يدعي أنه يتقي الله حق تقاته، ثم ذكر للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه لاينبغي أن يتقي أحدا ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب ms0608 ~~زوجة زيد حيث قال الله تعالى: {وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} يعني مثل ~~ذلك التقوى لا ينبغي أن يدخل في قلبك، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء، وقال ماجعل الله دعي المرء ابنه، ~~ثم قدم عليه ماهو دليل قوي على اندفاع القبح، وهو قوله تعالى: {وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} أي أنكم إذا قلتم لأزواجكم أنت علي ~~كظهر أمي، لا تصير هي أما باجماع الكل، أما في الاسلام فلأنه ظهار لا يحرم ~~إلا الوطيء، وأما في الجاهليه فلأنه طلاقا حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ~~من بعد عقد جديد، فلذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي أو كظهر أمي لايوجب ~~صيرورة الزوجة أما، كذلك قول القائل للمدعي أنت ابني لا يوجب كونه ابنا، ~~فلا تصير زرجتة زوجه الأبن فلم يكون لأحد أن يقول في ذلك شيئا فلم يكن خوفك ~~من الناس له وجه كيف، ولوكان أمرا مخوفا ماكان يجوز أن يخاف غير الله وليس ~~لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ينبغي أن تخاف أحد. # قلت: وهذا المعنى حسن جدا والله أعلم. PageV16P004 # وإنما نفى الله البنوه بقوله تعالى:{ وما جعل أدعياءكم أبناءكم}لأنه إثبات ~~نسب وبنوه لمن ساله، وكانوا يقولون في زيد بن حارثة زيد بن محمد كما مر ~~ولها تزوج صلى الله عليه وآله وسلم خديجة وهبته له وجاء له أبوه وعمه فخيره ~~صلى الله عليه وآله وسلم فاختار النبي، ولم يرجع معهما فاعتقه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والادعياء جمع دعي فقيل بمعني مفعول وهو الذي يدعي ولدا ~~وليس به، ثم قال تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم } أي مجرد قول لايعضده أعتقاد ~~بصحته ولادليل والله سبحانه لايقول الا ماهو حق ظاهر، وباطنه فهو معنى. # والله يقول الحق في أن المرأة لاتصير بالظهار أما، ولا الدعي بالتبنبي ~~إبنا، ثم قال تعال: {وهو يهدي السبيل} أي والله ما يقول إلا ما هو حق، ولا ~~يهدي إلا سبيل الحق، ms0609 وفي قوله تعالى: {وهو يهدي السبيل}إشارة إلى أن اتباع ~~ما أنزل الله خير من الأخذ بقول الغير. # ثم بين الهداية ، فقال سبحانه {ادعوهم لآبائهم} أي اجعلوا نسبهم خاصا ~~لأبائهم فدعى زيد بن حارثه، وعرفت كلب نسبه واقروا به. # ومعنى قوله { هو أقسط} أي فهوا أعدل عند الله، وأدخل في القسط وهو العدل ~~من دعائهم لغير أبائهم، ثم تمم هذا الأرشاد فقال تعالى:{ فإن لم تعلموا ~~آباءهم } حتى تنسبوهم إليهم {فإخوانكم } أي فهم أخوانكم في الدين ومواليكم ~~فيه، فقولوا هذا أخي وهذا مولاي، يريد للأخوة في الدين والولاية فيه. # قال في البرهان : كما فعل المسلمون فيمن عرفوا نسبه، وفيمن لم يعرفوا، ~~فالمقداد بن عمر كان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث الزهري، فرجع ~~إلى المدينة وممن لم يعرف له نسبا، سالم مو لى أبي حذيفة، فنسب إلى ولا أبي ~~حذيفة أنتهى. PageV16P005 # قال الهادي: عليه السلام هذه الايه نزلت فيمن كان يربي صبيا ويتبناه وكانوا ~~يدعونه إلى من تبناهم، وكانوا ويذرون آباءهم فيقولون فلان بن فلان، فيدعون ~~إلى من رباه وتبناه، فنهاهم الله عن ذلك، ثم قال:{ فإن لم تعلموا آباءهم} ~~فادعوهم إخوانا، ومواليا، ولا تدعوهم إبنا. # ثم أعلم الله سبحانه أنه لا إثم عليهم فيما أخطؤا به من ذلك، فقالوا: ~~{وليس عليكم جناح}أي إثم []فيما أخطأتم، أي جهلتم الحكم من الله فيه، فألان ~~بعد أن نهيتم فمن فعله فقد تعمده ومن تعمدة .....بأثمه أذ قد نهاه ربه عن ~~فعله أنتهى. # أو لا إثم عليكم إن قلتم يابني على الخطاء وسبق اللسان ويابني بطريق ~~الشفقة، وقول القائل لغيره بابني بطرق التعظيم من غير قصد إلى إثبات العيب ~~{ولكن ما تعمدت قلوبكم } أي ولكن الأثم فيما تعمدتم بعد النهي والتبني ، ~~ثبت في الشريعة الشر طين أن يكون مجهول النسب، وأن يو لد مثله لمثله عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ((من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مو اليه- ~~أي أهل نسبه- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))، لايقبل الله منه ms0610 ~~يوم القامة صرفا ولا عدلا، ثم قال {وكان الله غفورا رحيما} يعفوا عن الخطاب ~~وعن العامد إذ تاب يغفر له الذنوب ويرحم المذنب إذا رجع إليه وأناب، ثم قرر ~~عز وجل صحة ما صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم من التزوج بزينب، فقال ~~تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم } PageV16P006 قال الهادي: عليه السلام هذا تأكيد من الله سبحانه لحق رسوله صلى الله عليه ~~وآله وتعظيم منه لقدره ، فجعل الله نبيه صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم وأحق ببعظهم من بعض، وكذلك ....... أزو اجه أمهاتهم، فعلى هذا ~~المعنى مخرج في هذه الآيه من تأكيد تحريمهم على غير النبي غاية مايكون من ~~التحريم ، فأراد بها تحريمهن على كل مسلم بالحكم إذا كان المسلم في الحكم ~~من ابنائهن، ثم رجع الخبر إلى أولي الأرحام المسلمين فجعلهم أولى بعقد نكاح ~~حرماتهم ووارثه أموالهم من غيرهم من أخلافهم وذلك أنه كان مخالف بعض ~~المؤمنين بعضا فإذا خالفه على المناضرة والمعاشرة وانتصب بعضهم إلى بعض ~~وتوارثوا بينهم كما يتوارث المتناسبون وأنزل الله هذه الآيه تخبر أن أولي ~~الارحام أولى بالموارثة والمناسبة ممن يخالف من المؤمنين والمهاجرين أنتهى. # قال في الكشاف: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم هو عام في كل أمور الدين ~~والدنياء فعليهم أن يكون أحب أليهم من أنفسهم وأن يفدوه بها؛ لأنه لايدعوهم ~~إلا إلى الفوز بسعادة الدارين، ومعناه أنه أرأف بهم، وكذا الإمام العادل له ~~ماله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه ما عليه؛ لأنه خليفته. # وقال في التجريد: لايصح حمله على العموم؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لايملك أموالهم، ولا يعتق مماليكهم، ولايطلق نسأهم، فيجب التأويل، فقيل ارأ ~~ف بهم ، وأعطف، وأ نفع ، وقيل: في الجهاد، وقيل: أولى في القضاء عليهم، ~~وقيل: غير ذلك، أنتهى. # قال في يالبرهان: سبب نزول هذه الآيه أن النبي صلى الله عليه وآله لما ~~أراد غزوة تبوك أمرالناس بالخروج معه فقام قوم منهم فقالوا نشاور أبائنا ~~وأمهاتنا ونستأذنهم ، فانزل الله تعالى ذلك ms0611 فيهم، وبين لهم أنه أولى بهم ~~منهم، وكذلك من قام مقامه من خيار عترته ، فهم أولى بأمته أنتهى. PageV16P007 # والمراد بقوله عزوجل، وازواجه أمهاتهم ، التشبيه لهن بالأمهات في وجوب ~~تعظيمهن ، وأحترامهن، وفي تحريم نكاحن وهن في غير ذلك كالأجنبيات، ولذلك ~~قالت عائشة: لسنا أمهات النساء، أي إنما كن أمهات الرجال، لتحرمهن عليهم ~~كتحريم الأمهات، ولذلك لم يتعد التحريم إلى بناتهن، فيكن أخوات. # قال في البرهان: وعنى بالأزو اج من بانت خيرتها وصلحت في الله سريرتها ~~كخديجة أبنة خويلد أم الأمة عليهم السلام، كأم سلمة أبنة أميه رضى الله ~~عنها فأما من عند منهن عن الحق، وشقت عصا الأسلام فلسن بامهات للمسلمين ، ~~ولاهن أهل كرامة عند رب العالمين، فإن الله سبحانه قطع نسب الأبناء عن ~~الأباء بالعصبات، فكيف لايقطع نسب الزوجة بالكفران، لأن حكم النبوة وسبيله ~~أمهد وحبله أوثق ، ور حمه .....من زو جة أجنبية بعيدة. # قال تعالى تأديبا لنبيه نوح حين أقر بنبوة أبنه، فقال: {إن ابني من أهلي} ~~فقال خير القائلين: { يانوح إنه ليس من أهلك } فنفى أن يبعض في كتاب الله ~~من المؤمنين والمهاجرين، فاعلم أن الله سبحانه أبتداء بذكر الولاية. # فقال:{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ثم عقب ذلك بقوله {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض } دل أن أولاده أولى بمقامه في الولايات من غيرهم. # قال في تنبيه الغافلين: عن فضائل الطالبين ويصحح ذلك ما رويناه في حديث ~~غدير خم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((ألست أولى بكم من أنفسكم)) ~~قالوا بلى # قال: ((فمن كنت مولاه فعلي مولاه)) وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((كل بني أنثى ينتسبون إلى أباهم إلا الحسن والحسين فأنا ~~أبوهما وعصبتهما)) ولا يقال أن المراد به الميراث، لأنه لم يجر له ذكر، ~~لامتقدما، ولامتأخرا، ولانه قال: من المؤمن والمهاجر، دل أنه أراد الولاية ~~للذرية في أمته دون غيرهم ، أنتهى. PageV16P008 # فأما أن تتموا لهم بما شرطتم عند مخالفتهم لكم من شروط الجاهلية في المو ~~ارثة، والمناسبة، فلا أولوا الارحام، ms0612 أو لى بذلك وأحق، وحكم الله أنفذ من ~~حكمهم في ذلك، وأصدق أنتهى. # ثم أخبر عن ذلك المذكور في الآيتين، ثم قال تعالى: {وإذ أخذنا } أي واذكر ~~يامحمد حين أخذنا من النبيين ميثاقهم. # أي عهدم بالطاعة لله. # قال الرازي: وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالاتقاء بقوله:{ ياأيها النبي اتق الله} وأكده ~~بالحكاية التي خشي فيها الناس لكيلا يخشى أحدا غيره، وبين أمره أنه لم ~~يرتكب أمرا يوجب الخشية، بقوله {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} أكده بوجه ~~أخر، وقال {وإذ أخذنا } كأنه قال:أتق الله، ولا تخف أحد وأذكر أن الله أخذ ~~ميثاق النبيين، أنهم يبلغون رسالات الله، ولا يمنعهم من ذلك خوف، ولا طمع أنتهى. # لأن أمر الله ونهيه أو ثق من جميع العهود، وألزم لهم من جميع العقود. # قال في البرهان: وأن تصدق بعضهم بعضا وإن يبلغ الكل منهم ماأرسل به من ~~أحكام الله تعالى في شرائعه ومنك خصوصا، ومن نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ~~بن مريم، وانما قدم ذكره صلى الله عليه وآله وسلم لشرفه علهيم أنتهى. # ومعنى قوله تعالى: { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} أي عظيم الشأن، مستعار من ~~غلظ الأجسام، وهو الأول. # كرر ووصف بالغلظ تأكيدا، وقيل: هو اليمين على الوفاء فاحملوا، وإنما فعل ~~ذلك{ليسأل الصادقين عن صدقهم}. # قال في البرهان: يعني ليسأل الأنبياء عما اجابوا به قومهم، PageV16P009 وفائدة سؤالهم تبكيت الكافرين كسؤال المودة ، وكقوله:{أنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} وعهدهم الذي شهدوا عليه هو التوحيد ~~وتوابعه، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم أو معناه ليسأل الصادقين ~~عموما وهم المؤمنون المصدقون للأنبياء، لأن من قال للصادق صدقت كان صادقا ~~فيصح أن يسموا الصادقين . # قال في الكشاف: وأراد بالمشاق ما اشهدتم عليه في قوله {وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } بس بس أي بما نصب لهم من الأدلة على ~~التوحيد، ودين الأسلام، فكانه قال أشهدهم على أنفسهم، لأن عقولهم تشهد بذلك. # قال في التجريد: ms0613 والصحيح أن الميثاق ما أنزل الله إليهم من الوحي مشددا ~~في ذلك، وإنما خص هؤلاء الأنبياء لأنهم أهل الكتب، والشرائع، وأفاضل ~~الأنبياء، ثم قال تعالى: {وأعد للكافرين عذابا أليما} أي شديد الألم وهو ~~عطف على أخذنا إلى أخره ثم قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها}. # قال الرازي: هذا تحقيق لما سبق من الأمر على الأصحاب حيث أجتمع المشركون ~~باسرهم، واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي صلى الله عليه ~~وآله الخندق، وكان الأمر في غاية الشدة، والخوف بالغا إلى الغاية، والله ~~دفع القوم عنهم من غير قتال وأمنهم، فينبغي أن لا يخاف العبد غير ربه ~~ولايأمن مكره، فإنه قادر على كل شيئ فكان قادر على أن يقهر المسلمين ~~بالكافرين مع أنهم ضعفاء، كما قهر الكافرين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم. PageV16P010 # قال في البرهان: في قوله تعالى: و{اذكروا نعمة الله عليكم} يعني به يوم ~~الأحزاب حين أنعم الله عليهم بالصبر، ثم النصر، حين حين جائكم جنود أبي ~~سفيان بن حرب وعيينه بن حصن، طلحة بن خويلد، وأبي الأعورالسلمي، وبني قريضة انتهى. # فنعمه الله على المؤمنين دفع الأحزاب من غير قتال، وماذكر من إرسال الريح ~~والأمداد بالملائكة وكانت قريش قد أقبلت في عشرة ألف وقائدهم أبو سفيان، ~~وغطفان في ألف ومن تبعهم من نجد، وقائدهم عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل في ~~هوازن، وصافهم من اليهود قريظة والنضير، وخرج صلى الله عليه وآله في ثلاثة ~~ألف، وكان قد أشار عليه سلمان بالخندق فجعله صلى الله عليه وآله بينه ~~وبينهم، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي، حتى نزل ~~النصر إلا ما كان من قتل عمرو بن عبيد، وقتله علي -عليه السلام-، وقتل معه ~~رجلان رمىأحدهما بسهم والآخر رضخ بالحجارة بعد أن وقع في الخندق. # وقوله: {فأرسلنا عليهم ريحا} إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال الريح ~~عليهم، وهي الصبا ريح باردة في ليلة شاتية، فأبردتهم وسفت ms0614 التراب في ~~وجوههم، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور فانهزموا من غير قتال. # قال في البرهان: وكذلك روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ~~((نصرت بالصبا، وأخذت عاد بالدبور)) ثم قال تعالى: {وجنودا لم تروها} ألفا ~~من الملائكة كبرت في جوانب عسكرهم، فقال طلحة بن خويلد الأسدي: أما محمد ~~فقد بدأكم بالسحر فالنجاة النجاة، فانهزموا، وقذف الرعب في قلوبهم حتى كان ~~البعض يلتزق بالبعض من خوف الخيل، والحكاية مشهور. PageV16P011 # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: فروي والله أعلم أن الله بين لهم خذلان ~~أنفسهم بالريح التي أرسل عليهم، فكانت تكشح بالتراب في وجوههم، ولا يتهنون ~~مأكلهم ولا مشربهم، ولا يدرون ما يدخل معهم لشدة عصفها وغبارها، فلما رأوا ~~ذلك داخلهم الفزع، ولزمهم الربع والجزع، فمروا منزهمين، ورجعوا عن المدينة ~~مرعوبين، انتهى. # وقوله تعالى: {وكان الله بما تعملون بصيرا} إشارة إلى أن الله ~~علم.............إليه، ورجاؤكم فضل الله فنصركم على الأعداء عند الاستعداء، ~~وهذا تقرير لوجوب الخوف، وهذا جواز الخوف من غير خوف الله، ومعنى قوله ~~تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم} أي حين جاؤكم، يعني غطفان من أعلى الوادي من ~~قبل المشرق. # قال في البرهان: جاء منه عوف بن مالك في بني النضير، وعيينة بن حصن في ~~أهل نجد، وطلحة بن خويلد الأسدي في بني أسد، وأبو الأعور السلمي ومعه حيي ~~بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة مع عامر بن الطفيل من وجه الخندق. # وقوله تعالى: {ومن أسفل منكم} يعني من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم ~~قريش، قالوا: سنكون حملة واحدة حتى نشتت خيل محمدا، ومعنى {وإذ زاغت ~~الأبصار} فهو مالت عن سنتها، ومستوى نظرها، حيرة وشخوصا. # وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا عدوها لشدة الرعب والفزع. # وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} كناية عن غاية الشدة، والحنجرة رأس ~~الحلقوم وهو مدخل الطعام، قالوا: إذا انتفخت الرئة لفزع أو غضب أو غم ~~ارتفعت فيرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان: ~~انتفخ...............، أو هو مثال لاضطراب القلوب وإن لم ms0615 ترتفع. PageV16P012 # ثم قال تعالى: {وتظنون بالله الظنون} الألف واللام يمكن أن تكن بمعنى ~~الاستغراء ومبالغة، يعني يظنون كل ظن؛ لأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن ~~شيئا، ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن ~~الخير بالله، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ظنوا بالله خيرا)) ومن ~~الكافر ظن السوء، كما قال تعالى: {ذلك ظن الذين كفروا} والمراد اختلفت ~~ظنونهم، فظن المنافقين أن رسول الله وقومه يستأصلون، وأيقن المسلمون أن ما ~~وعده الله سبحانه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون، قاله في البرهان، ~~وهو خطاب للذين آمنوا، ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب الذين ~~هم على حرف، والمنافقون الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم، فظن ~~محققوا الإيمان أن الله يبتليهم ويمتحنهم فخافوا الزلل، وضعف الاحتمال، وظن ~~المنافقون ما في آخر الآية، وقرئ الظنون بلا ألف وصلا ووقفا، وهو القياس، ~~وقرئ بالألف وقفا لا غير لفاصلة الآي للمطابقة كما زادها في القافية من قال: # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وكذا الرسولا والسبيلا، وقرئ بالألف وصلا إجراء له مجرى الوقف. # قال أبو عبيد: وهن في الإمام بالألف يعني في مصحف عثمان، فإن قيل: المصدر ~~لا يجمع فما الفائدة في جمع الظنون؟ PageV16P013 # قال الرازي: لا شك أنه منصوب على المصدر، ولكن الاسم قد يحصل مصدرا، كما ~~يقول: ضربته سياطا، وأدبته مرارا، فكأنه قال: ظننتم ظنا بعد ظن، أي ما ثبتم ~~على ظن، والفائدة هي: أن الله تعالى لو قال يظنون ظنا جاز أن يكونوا ~~مصيبين، فإذا قال ظنونا تبين أن فيهم من كان ظنه كاذبا؛ لأن الظنون قد تكذب ~~كلها، وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد، مثاله: إذا رأى جمع من بعيد ~~جسما وظنه أنه زيد وآخرون أنه عمر، وقوم ثالث أنه بكر وعليها، ثم ظهر الحق ~~قد يكون الكل المخطئين والمرئي شجرا وحجر، وقد يكون أحدهم مصيبا، ولا يمكن ~~أن يكونوا كلهم مصيبين، فقوله: الظنون أفادنا أن فيهم من اخطأ الظن، ولو ~~قال: تظنون بالله ms0616 ظنا ما كان يفيدها. # ثم قال تعالى: {هنالك} أي في تلك الحال، وفي ذلك الموضع {ابتلي المؤمنون} ~~أي اختبروا، ليتبين المخلص من المنافق، فيظهر الثابتون من غيرهم، فيميز ~~الصادق الإيمان عن المنافق، والامتحان من الله ليس لإبانة الأمر له، بل ~~لحكمة أخرى، ومعنى قوله: {وزلزلوا زلزالا شديدا} أي ازعجوا، وحركوا ازعاجا ~~أثرها شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا ومضطربا لا يستقر في مكانه، والمعنى ~~أن الخوف أزعجهم أشد الإزعاج، ثم فسر الظمون وبينها فقال: {وإذ يقول ~~المنافقون} قيل: القائل معتب بن قشير لما رأى الأحزاب{والذين في قلوبهم ~~مرض} أي شك من الإسلام ونفاق {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} فظن ~~المنافقون الله ورسوله كان زورا، وما وعد الله به رسوله كان غرورا، حيث ~~قطعوا بأن الغلبة واقعة. # قال بعضهم: يعدنا محمد فتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر يبرز خوفا، ما أظن ~~هذا إلا وعد غرور. PageV16P014 # قال في البرهان: وروينا عن آبائنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان ~~يحفر الخندق لحرب الأحزاب، فبينا هو يضرب فيه بمعوله إذا وقع المعول على ~~صفا فطارت منه كهيئة الشهاب من نار في السماء، فضرب الثانية فخرج مثل ذلك، ~~فضرب الثالث فخرج مثل ذلك، فراى ذلك سلمان فقال له النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((رأيت ما خرج من كل ضربة ضربتها))؟ قال: نعم يا رسول الله، ~~فقال صلى الله عليه وآله: ((تفتح لكم بيض المدائن وقصور الشام، ومدائن ~~اليمن)) قال: ففشا ذلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثوا ~~به، فقال بعض المنافقين: أيعدنا محمد أن يفتح لنا مدائن اليمن، وبيض ~~المدائن، وقصور الشام، واحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل، هذا والله ~~الغرور، فأنزل الله هذه الآية، انتهى. # قوله تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم} قيل: عبد الله بن أبي وأصحابه قالوا: ~~{ياأهل يثرب لا مقام لكم} أي لا وجه لاقامتكم مع محمد، كما يقال: لا اقامة ~~على الذل والهوان، أي لا وجه لها، ويثرب اسم المدينة. # وقيل: ms0617 أرض في ناحية منها، قيل: سميت برجل مر بها اسمه يثرب، وقيل: لا ~~مقام لكم أي لا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقومون فيه..............فمعنى لا ~~مقام لكم -بفتح الميم- المكان الذي يقام فيه، والمقام الاقامة-بضم الميم- ~~يعني لا مقام لكم على القتال{فارجعوا} أي عن محمد من الخندق المدينة، ~~واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان. PageV16P015 # وفي البرهان: فارجعوا إلى طلب الأمان، وقيل: أراد ارجعوا كفارا واسلموا ~~محمدا إلى العرب، وإلا فليست يثرب لكم بمكان، انتهى. ثم السامعون عزموا على ~~الرجوع واستأذنوه، وتعللوا بأن بيوتنا عورة، أي فيها خلل، لا يأمن صاحبها ~~السارق على متاعه، والعدو على أتباعه، وهو معنى قوله تعالى: {ويستأذن فريق ~~منهم النبي} قيل: عبد الله بن أبي وأصحابه، وقال ابن الجوزي والواحدي: وهم ~~بنو حارثة، وبنو سلمة {يقولون إن بيوتنا عورة} ثم بين الله كذبهم بقوله: ~~{وما هي بعورة} وبين تعالى قصدهم، وما تكن صدورهم وهو الفرار لسبب الخوف ~~بقوله: {إن يريدون إلا فرارا} والعورة الخلل، يخاف منه العدو، واعتذروا ~~بأنها ممكنة للسراق؛ لأنها غير محرز ولا محصنة، واستأذنوه ليحصنوها ~~ويرجعوا. # وقال ابن قتيبة: معنى عورة أي خالية، فقد أمكن دخولها من أراده. # وفي البرهان: إن بيوتنا عورة أي خالية، ليس فيها إلا العورة من النساء ~~والصبيان، مأخوذ من قولهم: # قد أعور الفارس إذا كان فيه # موضع للضرب فيه خلل # ومنه قول الشاعر: # له الشدة الأولى إذا القرن أعورا # ويقال: منزل معور إذا كان فيه خلل، من سقوط جدار أو اضمحلال آثار، ثم قال ~~تعالى: {ولو دخلت} أي المدينة{عليهم من أقطارها} أي جوانبها {ثم سئلوا ~~الفتنة} إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت، ومعنى لو دخلوها ~~هؤلاء الأحزاب الذين ملؤهم رعبا على أهلهم ناهبين مسابين لهم ولأولادهم ثم ~~سلو ذلك عند الفتنة قيل: هي الردة والرجعة إلى الكفر{لاتوها} لفعلوها، أي ~~لارتدوا، وقيل: لأتوها -بألف بعد الهمزة- أي لأعطوها. PageV16P016 # وقال الحسين بن القاسم -عليه السلام-: معناه لو دخلت على المنافقين من ~~جوانبها، ثم سلوا الفتنة أي القتال والحرب، إذا لأتوا ms0618 بيوتهم فارين ~~منهزمين، وهم نفر من أهل يثرب كانوا منافقين، ويثرب هي المدينة التي كانوا ~~بها الأنصار، وبها اليوم قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى قوله: ~~{وما تلبثوا بها إلا يسيرا} يريد بعد إتيانهم إلى منازلهم، وقراهم إلى ~~بيوتهم ما إذا أقاموا بها إلا قليلا من الزمان؛ لجبهم وقلة صبرهم، يدل على ~~ذلك قوله عز وجل: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا} أي لا تعمرون إلا قليلا، فلا تفرون من القتال والجهاد في ~~سبيل الله، ولستم بباقين، ولا في الدنيا ولو فعلتم بمخلدين، انتهى. # ويحتمل أن يكون المراد ما تلبثوا بها أي الفتنة إلا يسيرا فإنها تزول، ~~وتكون العاقبة للمتقين. # وقيل: إلا يسيرا، قدر السؤال والجواب بعد ارتدادهم فإن الله يهلكهم، وما ~~ذكر ذلك إلا لمقتهم الإسلام، وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر. # ثم قال تعالى بيانا لفساد سريرتهم، وقبح سيرتهم لنقضهم العهود: {ولقد ~~كانوا عاهدوا الله من قبل} أي حالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليلة العقبة، على أن يمنعوه مما يمنعنون منهم أنفسهم، وقوله من قبل أي من ~~قبل الخندق. # وقيل: هم قوم غابوا عن بدر، فقالوا: لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، وقيل: ~~عاهدوا يوم أحد {لا يولون الأدبار} أي لا يفروا بعدما نزل فيهم ما نزل، وهم ~~معتب بن قريش، وثعلبة بن حاطب، فلما كان يوم الأحزاب، وهذا أولى؛ لأن أهل ~~العقبة لم يعتذروا بأن بيوتهم عورة؛ لأنهم مخلصون، قاله في التجريد، ثم ~~هددهم بقوله: {وكان عهد الله مسئولا} أي مسؤلا عنه في الآخرة ليجزي عليه أي ~~مطالبا به، حتى يوفي، أو على وجه التقريع، كسؤال المؤودة. PageV16P017 # ثم قال تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} أما الموت ~~فلأنه لا يؤخر، وأما القتل فإن قيل: بأنه كالموت فظاهر أنه لا يؤخر، وإن ~~قيل: إنه اخترام فمعناه أن بقاكم هو قليل، ولابد من الموت، وهو المراد ~~بقوله: {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} أي ms0619 وإن فررتم ونفعكم الفرار مثلا، ~~فمتعتم بالتأخير إلى منتهى الآجال لم يكن ذلك التمتع إلا زمانا قليلا، ~~ولابد لكم من الموت، فالعاقل لا يرغب في شيء قليل، مع أنه يكون عليه شيئا كبيرا. # ثم قال تعالى بيانا لما تقدم من قوله: {لن ينفعكم الفرار} {قل من ذا الذي ~~يعصمكم} أي يمنعكم ويدفع عنكم السوء{من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة} أي نعمة لم يرد، أو يعصمكم منه إذا أراد بكم رحمة، والعصمة لا تكون ~~إلا من السوء، لكن معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام، ~~أو حمل الثاني على الأول، لما في العصمة من معنى المنع، كأنه قال: أو ~~يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، أي من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد ~~بكم سوءا، ومن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، كقوله: # متقلدا سيفا ورمحا # قاله في الكشاف، وفي البرهان: المراد بالسوء العذاب، وبالرحمة الخير ~~والنعمة{ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} يتولى مصالحهم، وينصرهم ~~يدفع ما يريد الله بهم من السوء. # قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم} أي المثبطين عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، يقال: عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي ~~يريد{والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} وفيهم وجهان: PageV16P018 # أحدهما: أنهم قوم من المنافقين، كانوا يقولون للأنصار لا تقاتلوا مع محمد، ~~وسلموا محمد إلى قريش، وقيل: هم اليهود من بني قريظة قالوا للمنافقين من ~~الأنصار من ساكني المدينة: هلم، أي ارجعوا إلينا وفارقوا محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم فإنه هالك، قالوا لهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو ~~كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم وهلم إلينا، بمعنى هلموا ~~إلا أنه على لغة الحجاز؛ لأنهم يسوون في هلم بين الواحد والجماعة، وتميم ~~يقولون: هلم يا رجل، وهلما وهلموا{ولا يأتون البأس} أي الحرب{إلا قليلا} ~~معناه إلا إتيانا قليلا، يوهمون المسلمين أنهم معهم ولا يبارزون إلا قليلا ~~إذا اضطروا إليه. # وقال في البرهان: لأن ms0620 إتيانهم ليس على وجه البر والتطوع فصار قليلا، وكل ~~فعل لم يكن لله تعالى وإن كثر فهو قليل {أشحة عليكم} بالخير والنفقة، أو ~~أضنا بكم في وقت الحرب يرونكم الترأف بكم والشح عليكم لتدفعوا عنهم، وشحهم ~~فرقا على أنفسهم. # قال الرازي: قوله تعالى: {ولا يأتون البأس إلا قليلا} يريد الوجه الأول، ~~وهو أن المراد بهم المنافقون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: بمعنى يختلفون ~~عنكم، ولا يخرجون معكم وحينئذ قوله تعالى: {أشحة عليكم} أي بخلاء حيث لا ~~ينفقون في سبيل الله شيئا، وثانيهما لا يأتون الناس، بمعنى لا يقاتلون ~~معكم، ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم. PageV16P019 # وقوله: {أشحة عليكم} أي بأنفسهم، وبأبدانهم، ثم أشار إلى غاية خبثهم ونهاية ~~روعهم بقوله تعالى: {فإذا جاء الخوف} أي يتلازم القتال من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم {رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} لذهاب عقولهم حتى لا ~~يصح منهم النضر إلى جهة، ويحتمل أن يكون المعنى تدور أعينهم لشدة خوفهم ~~حذرا أن يأتهم القتل من كل جهة، وصفهم أولا بالبخل، ثم ثانيا بالجبن، حتى ~~أنه ينقطع كلامهم، ولا يكون منهم إلا النضر، وتدوين الأجفان {كالذي يغشى ~~عليه من الموت} أي كدوران المغشي عليه من سكرات الموت حذرا وخورا، ولواذا ~~بك {فإذا ذهب الخوف} وحيزت الغنائم، ووقعت القسمة{سلقوكم} يعني رموكم ~~{بألسنة} ذربة {حداد} يجادلون عن أنفسهم الباطل، ومعنى حدتها اجتراؤهم ~~بالكلام، أي غموكم بقبح كلامهم، وعداوتهم، وسوادتهم وطعنهم، وسلقه بالكلام ~~أذاه وهو شدة القول باللسان، والمسلاق الخطيب البليغ، وهو من شدة صوته، ~~والمعنى تشجعوا عليكم عند الأمان، وقالوا: وفروا قسمنا فإنا قاتلنا معكم، ~~وبنا غلبتم وكسرتم العدو وقهرتم، وكانوا من قبل راضين من الغنيمة بالإياب. # وقوله: {أشحة على الخير} قال في البرهان: يعني به المال؛ لأنهم شحوا ~~بإنفاقه في سبيل الله، وعمل الخير، انتهى. # وقيل: هو المال المغتنم، أو عام وهو بيان لحالهم، أي نقلوا ذلك الشح ~~والرأفة عليكم إلا الخير وهو الغنيمة، ونسوا تلك الحالة الأولى، ونصب أشحة ~~في الأول، وهنا على الحال أو ms0621 على الذم، أي أذم أشحة، وقرئ بالرفع أي هم ~~أشحة، ثم قال تعالى: {أولئك لم يؤمنوا} إيمانا خالصا، وإن أظهروا الإيمان ~~فأحبط الله أعمالهم. # قال في البرهان: أحبط حسن أفعالهم، وإنما الإحباط للثواب على الحقيقة في ~~الحسنات؛ لأنهم لم يعملوا أعمالهم ابتغاء لوجه الله، انتهى. PageV16P020 # وقيل: أعمالهم التي يظن عاملها أنها تنفعهم كالصلاة مثلا؛ لأنها في سورة ~~الأعمال التي شاب المؤمن عليها، فهو تعليم لمن يظن ذلك، وإلا فالمنافق لا ~~يثبت له عمل حتى يرد عليه الإحباط، أو عمل بجامع الكفر كالاعتاق ومكارم ~~الأخلاق {وكان ذلك} الإحباط {على الله يسيرا} أي كان إحباط ثواب حسانتهم ~~على الله يسيرا، إلا أن دواعي الإحباط لما تكاملت صح التعبير بذلك، أو ~~معناه لا يبالي بهم، ولا يإحباط أعمالهم لهوانهم عليه، ثم أخبر تعالى أنهم ~~من غاية الجبن عند ذهابهم {يحسبون الأحزاب} من قريش وغيرهم لم يذهبوا، أي ~~لم ينهزموا، فلذلك انصرفوا عن الخندق إلى المدينة لشدة الخوف، وصفهم بمكثر ~~الجبن حتى أنهم يظنون أن الأحزاب {لم يذهبوا} عن حربكم. PageV16P021 # ثم قال تعالى: {وإن يأت الأحزاب} إليكم مرة ثانية {يودوا} يتمنوا أي ~~المنافقون {لو أنهم بادون في الأعراب} أي في البادية لخوفهم مثل ما وقعوا ~~فيه المرة الأولى؛ لأن الأعراب لا يخافون بخوف أهل المدينة، وذلك من الجبن ~~والذل الذي ألهموه أنفسهم، ودخل في قلوبهم، حتى تمنوا الخروج من منازلهم مع ~~الحزاب حتى سلموا من القتال، ومعنى قوله في المنافقين: {يسألون عن أنبائكم} ~~أي أخباركم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ويتحدثون أما هلك محمد، ~~أما غلب أبو سفيان، المعنى يودون لو أنهم بالبعد لا يعرفون أخباركم إلا ~~بالسؤال لا بالمشاهدة فرقا وجبنا، وقيل: عداوة وبغضا للؤمنين، ثم قال: {ولو ~~كانوا فيكم} أي معكم، ولم ترجعوا إلى المدينة {ما قاتلوا إلا قليلا} رياء ~~وسمعة بلا نية، ولما وصف حال المنافقين فقال: {لقد كان لكم} يا مؤمنون{في ~~رسول الله أسوة حسنة} أي كان عليكم أن تواسوا رسول الله بأنفسكم، وتثبتوا ~~معه في الصبر على ms0622 الجهاد، وتواسوه كما واساكم بنفسه حتى كسرت رباعيته في ~~أحد، وشج وجهه، والمعنى لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في الصبر معه، ~~والخطاب عام، وإنما خص المؤمنون بقوله: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} ~~لأنهم الذين يتأسون، وينفع فيهم الوعظ، ومعنى يرجوا أي يأملهما أو يخافهما، ~~أي يأمل الثواب والعقاب، والرجاء معنى الأمل والخوف، ثم قال: {وذكر الله ~~كثيرا} بالطاعة أو ذكر ثوابه وعقابه. # قال في التجريد: لأن ذاكر الله متبع لأوامره بخلاف العاقل، ويراد بالذكر ~~خلاف النسيان وهو ذكر القلب، أي ذكر ثوابه وعقابه، ويجوز أن يراد ذكر ~~اللسان؛ لأن ذكر القلب قد أغنى عنه يرجو الله واليوم الآخر، والله أعلم، انتهى. PageV16P022 # ثم قال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا} تصديقا لوعد الله لهم ~~{هذا ما وعدنا الله ورسوله} من الابتلاء، قالوا ذلك أن تزلزلوا حتى ~~يستغيثوا في قوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} الآية إلى قوله: {ألا إن نصر ~~الله قريب} وكانوا بهذه الآية قد علموا أنهم يقتلون فلما بلو بالأحزاب ~~واضطربوا وارعبوا الرعب الشديد، علموا أن النصر والجنة قد وجبا {هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله} ثم قالوا: {وصدق الله ورسوله} في مقابلة قولهم: {ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}. # وعن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: ((الأحزاب ~~سائرون إليكم في آخر تسع ليال أو عشر)) فلما رأوهم أقبلوا للميعاد قالوا ذلك. # وقيل: إنه النصر، يدل عليه قوله: {ألا إن نصر الله قريب} {وما زادهم} ~~رؤية الأحزاب إلا إيمانا بما وعد الله، وتسليما لأمره وقضائه، ثم أشار ~~تعالى إلى وفاء المؤمنين بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه بقوله: {من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} وهو ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- ومن تبعه من المؤمنين الذين ~~ينتظرون الشهادة والموت، والنحب الموت، قال الشاعر: # وكانت ركابي كل ما شئت تنتحي # إليك فتقضي نحبها وهي ضمر # وقال آخر: # قضا نحبه في قسطل الخيل ثابت # وصدت ms0623 غزاة الجيش إذ عظم الكرب PageV16P023 أي بلغ أجله، وذهاب نفسه، وقيل: معناه قضا نذره، وذهب عمره، والنحب في ~~الأصل هو النذر، وهو عبارة هنا عن موته شهيدا، لما كان كل حيوان لابد له من ~~الموت، كان كنذر لازم، ثم قال سبحانه: {وما بدلوا تبديلا} أي ما بدلوا ~~العهد ولا غيروه، لا من قتل ولا من انتظر، وفيه تعريض بمن بدل من أهل ~~النفاق، أي وما بدلوا تبديلا كثيرا، كما فعل أؤلئك، فقال: {ليجزي الله ~~الصادقين} يعني الذي صدقوا ما عاهدوا الله عليه مما ذكرنا، ومعنى قوله: ~~{بصدقهم} أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة، كما صدقوا مواعيدهم {ويعذب ~~المنافقين إن شاء} في الدنيا والآخرة، إذا أصروا على نفاقهم ولم يتوبوا {أو ~~يتوب عليهم} إذا أنابوا، وهذا تعليل لوفاء الصادقين، وتبديل المنافقين، ~~وكان المنافقون نووا عاقبة السوء بتبديلهم كما قصد الوافون عاقبة الصدق، إذ ~~كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته وكأنهما سواء في تحصيلهما؛ لأن العذاب فرع ~~التبديل، كما أن الثواب فرع الوفاء. # ثم قال: {إن الله كان غفورا رحيما} لمن تاب، حيث رحمهم، ورزقهم الإيمان، ~~وستر عنهم كبائر العصيان، ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال تعالى: ~~{ورد الله الذين كفروا} هم الأحزاب {بغيظهم} أي مغتاظين لم يشفوا غيظا {لم ~~ينالوا خيرا} أي ما هو عندهم خير وهو الظفر بالمؤمنين {وكفى الله المؤمنين ~~القتال} بالريح والملائكة. # وقال الهادي -عليه السلام-: بأخيه ووصيه علي بن أبي طالب أفضل المتشهدين، ~~فقتل عمرو بن ود عبد وكان عماد المشركين، وفارس المتحزبين، فانهزم بقتله ~~جمع الكافرين، وفل الله حد المبطلين. PageV16P024 # قلت: ومثل هذا في البرهان، ثم قال فيه: وروينا عن آبائنا -عليهم السلام- عن ~~زيد بن علي أنه قرأ: {وكفى الله المؤمنين القتال} بعلي، انتهى {وكان الله ~~قويا} على استئصال الكفار، وإذلالهم {عزيزا} غالبا، قد نصر المؤمنين بقوته، ~~وعزته {وأنزل الذين ظاهروهم} أي عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب} بني قريظة ~~من اليهود ظاهروا أبا سفيان وجموعه، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله ~~عليه ms0624 وآله وسلم عهد فنقضوه فغزاهم بعد ستة عشر يوما. # قال المرتضى -عليه السلام-: هذه نزلت في اليهود لما حاربوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وتظاهروا عليه، ومالوا عدوه، فلما حاصرهم صلى الله ~~عليه وآله وسلم وحاربهم أذلهم الله وأنزلهم كما قال تعالى: {من صياصيهم} ~~وهو الإذلال لهم، والإرغام غير طائعين، فكان إنزاله لهم من عزهم إرغاما، ~~وإنما اشتقت الصياصي من النواصي؛ لأنه إذا أخذ بناصية الإنسان فقد بلغ ذله، ~~وكذلك هؤلاء هدم عزهم، وأذل حدودهم بالقهر لهم، فأذهب نخوتهم، وفرق أمرهم، ~~وقد قيل: إن الصياصي الحصون التي أخرجوا منها، وكانوا فيها، وليس هذا ~~بمخرجها ولا يصلح في اللغة؛ لأنه لو كان اسم الحصون صياصيا أن يقال في ~~الحصن الواحد صيصيا، ولو قال ذلك قائل لخرج من المعنى، فلما لم يجر ذلك صح ~~أنها ليست الحصون، والمعنى الأول أصوب، وأحسن في التأويل، والدليل على أن ~~الصياصي مشتقة من النواصي، العرب تسمي قرون الأوعال والبقر صياصي، وقال بعض ~~العرب: يسمي شوامخ الجبال صياصي لعلوها وامتناعها، قال الشاعر: # وأصبحت النسوان عقرا وأصبحت # نساء تميم يبتدرن الصياصيا # وفي التجريد: الصيصية كل ما يحصن به قرن الثور، وقرن الظبي، وشوكة الديك ~~الذي في ساقه. PageV16P025 # وروي والله أعلم أن جبريل -عليه السلام- أتى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم على فرسه خيزوم ليلة انهزم الأحزاب، والغبار على وجه الفرس من ~~متباعة قريش، وقال: إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى ~~بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، فخرج صلى ~~الله عليه وآله وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، وأبو النزول إلا على حكم ~~سعد بن معاذ، فحكم سعد بقتل مقاتلهم، وسبي نساؤهم وذرايهم، وفقه لإصابة ~~الحق، ثم استنزلهم فضرب أعناقهم. # وقال في البرهان: حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله الذي ~~نزل به جبريل -عليه السلام- بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، وعلى أن عقارهم ~~للمهاجرين دون الأنصار، وأرسل بهذا الحكم سعد بن معاذ ولم يكن لسعد ms0625 فيهم ~~حكم، انتهى. # ثم قال: {وقذف في قلوبهم} أي ألقا فيها {الرعب} حتى سلموا للقتل، ~~وأولادهم ونساؤهم للسبي {فريقا تقتلون} هم الرجال الباغون {وتأسرون فريقا} ~~وهم الصبيان والنسوان. # قال في البرهان: عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بقتل ~~كل من احتلم أو أنبتت عانته، فقتل منهم أربعمائة وخمسون رجلا، انتهى. # ثم قال تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} خالفين لهم في ذلك، كما ~~يخلف الوارث الموروث. # روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار؛ ~~لأنهم في منازلهم، فقال عمر: أما تخمس كما خمست في بدر؟ فقال: ((إنما جعلت ~~لي هذه طعمة دون الناس)) فقال عمر: رضينا بما صنع الله تعالى. # قال في البرهان: إن أراد بالأرض المزارع والنخل، وبالديار المنازل ~~والأموال المنقول والماشية، انتهى. # ثم قال: {وأرضا لم تطئوها} قيل: فارس والروم، قاله الحسن، وقيل: مكة، ~~قاله قتادة. PageV16P026 # وقيل: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة قاله عكرمة، وقيل: خيبر، قاله ابن زيد، ~~وابن إسحاق، ومقاتل {وكان الله على كل شيء قديرا} من نصر أوليائه، وخذلان ~~أعدائه، فهو قادر على الوفاء بما وعدكم كما هو قادر على نصركم، ويحتمل أن ~~يقال: هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله: وأرضا لم تطؤها ما سيؤخذ ~~بعد بني قريظة، وجهه هو أن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاد، ووعدهم بغيرها ~~دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى، وقال: أليس الله ملكهم ~~هذه فهو على كل شيء قدير، يملككم غيرها. # ثم قال تعالى: {ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}. # قال بعضهم: والأجر العظيم الكثير في اللذات، الحسن في الصفات، الباقي في ~~الأوقات، والسبب في نزول الآية أنهن أردن شيئا من الدنيا من ثياب وزينة فغم ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت، فخيرهن فاخترنه. # قال في التجريد: ذكر ms0626 أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله ~~سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وأذبنه بغيرة بعضهن ~~على بعض، فآلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهن شهرا، وصعد إلى عرفة ~~فمكث منهن تسعا وعشرين ليلة فنزلت هذه الآية، فنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعرض عليهن وبدأ بعائشة وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله ~~والدار الآخرة، ثم دعا بهن وخيرهن فاخترن الله ورسوله، فشكر الله لهن ذلك، ~~وقصره عليهن، قالوا: لما أحسن الاختيار أحسن الله إليهن فقال: {لا يحل لك ~~النساء من بعد} الآية. PageV16P027 # وقيل: أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن وكن تسعا: عائشة وحفصة، وأم حبيبة ~~وسودة، وأم سلمة وزينب بنت جحش، وصفية بنت حيي وميمونة، وجويرية. # وقال في البرهان: إن الله خير نبيه بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار ~~الآخرة على الدنيا، ثم أمره الله بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، فمنهن من ~~اختارت الدنيا، ومنهن من اختارت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انتهى. # ومعنى: {فتعالين} أي أقبلن باختياركن لأحد هذين الأمرين، ولم يرد نهوضهن ~~إليه بأنفسهن كما تقول: أقبل يخاصمني وذهب يكلمني، وقام يتهددني، وأصل ~~تعالى الأمر من المستعلى في المكان لمن هو منخفض عنه بالارتفاع، ثم كثر حتى ~~عم استعماله في الأمثلة، بمعنى أقبل. # وقوله: {أمتعكن} أي أعطيكن متعة الطلاق، وهي واجبة على المذهب فيمن لم ~~يدخل ولم يسمي لها، ومستحبة في غيرها. # وقيل: واجبة في الكل، وهي كسوة مثلها من مثله، والصحيح أن المراد بالمتعة ~~هذا المهر ونفقة العدة، والله أعلم. # ومعنى قوله: {سراحا} السراح لهن هو المضي والتخلية، والترك لهن يمضين في شأنهن. # ومعنى قوله: {جميلا} أي حسنا، لا يكون بعده أذا ولا عقوبة، في دار ~~الدنيا، وقيل: طلاق السنة. # واعلم أنه لما خيرهن النبي صلى الله عليه وآله واخترن الله ورسوله، ~~وأدبهن الله وهددهن للتوقي عما يسوء، وأوعدهن بتضعيف العذاب فقال تعالى: ~~{يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة} هي السيئة البليغة في ms0627 القبح، والمراد كل ~~ما اقترفن من الكبائر. # وقيل: عصيانهن له صلى الله عليه وآله وسلم، ونشوزهن وطلبهن ما يشق عليه. # وقيل: الزنا، ومعنى: {مبينة} ظاهرة الفحش، أي كبيرة من بين بمعنى تبين، ~~ومنه قولهم: بين الصبح لذي عينين، أي تبين، وهذا على قراءة كسر الياء، وأما ~~فتحها فظاهر. PageV16P028 # ومعنى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} أي يجعل عذابها في الآخرة، مثلي عذاب تلك ~~الفاحشة من غيرهن، وكذلك ثوابهن مضاعف؛ لأن زيادة قبح المعصية يتبع الفضل ~~في العاصي، وزيادة النعمة عليه، وهن أعظم النساء فضيلة، ونعمة بالنبي صلى ~~الله عليه وآله فيجب عليهن أعظم الشكر الواجب على النساء. # قالوا: وذلك لعلمهن ونزول الوحي في بيوتهن، واختصاصهن برسول الله صلى ~~الله عليه وآله، والعالم يكون عقابه أعظم، وثوابه أعظم، وكذلك من زادت نعمة ~~الله عليه فلم يشكرها، كما أن الولد يعظم ذنبه بوالديه، ما لا يكون لغيرهما ~~من المسلمين، ومعنى: {ضعفين} أي نصيبين وقسمين، والمضاعفة؛ لأن ضعف الواحد ~~اثنان، وضعفاه ثلاثة، انتهى. # ثم قال تعالى: {وكان ذلك} أي مضاعفة الثواب والعذاب {على الله يسيرا} أي ~~هينا، وفيه إعلام أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئا، أي ليس كونكن تحت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكونكن بشرفه شريفات جميلات، مما يدفع ~~العذاب عنكن، كيف وذلك سبب مضاعفة العذاب. # ثم قال تعالى بيانا لزيادة ثوابهن كما بين زيادة عقابهن: {ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله} أي تطع الله ورسوله، أو من تدعو الله بالمغفرة، وإلى رسوله ~~بالشفاعة{وتعمل صالحا} فيما بينها وبين خالقها {نؤتها أجرها مرتين} كما ~~قال: ضعفين، أي عطائين وأجرين، عطاء بعملها، وعطاء بشافعة رسول الله، وإنما ~~يضاعف لها لطلبها رضا رسول الله صلى الله عليه وآله بالقنوع وحسن المعاشرة، ~~ولتوفرهن على عبادة الله تعالى. PageV16P029 # ومعنى قوله: {وأعتدنا} أي هيأنا {لها رزقا كريما} أكرم الأرزاق وأحسنها ~~يعني في الجنة، ولما ذكر أن عذابهن ضعف عذاب غيرهن، وأجرهن مثلي أجر غيرهن، ~~صرن كالحرائر بالنسبة إلى الإماء، فقال تعالى: {يانساء النبي لستن كأحد من ~~النساء} أحد ms0628 إذا استعمل في النفي استوى فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراه. # وقوله: {من النساء} أي كجماعة من جماعات النساء، أي إذا انقضيت جماعة ~~النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل، والسابقة، ~~المعنى لستن كأحد من نساء الأمة، يريد في عظم الحرمة التي للرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم من حفظ الدين والصيانة، وترك الشناعة؛ لأنه يجب عليهن أن ~~يحفظن حقه بعد وفاته؛ لأن الله لا يرضا من حرم نبيه بالخيانة بأنفسهن، ~~والخروج من منازلهن وغير ذلك من حالهن، وإذا كان الأزواج لسن كأحد من ~~النساء بحرمة الوطئ لهن، فالبنات أوكد حرمة وأقرب إلى النبي قرابة، وأرفع ~~منزلة، وأعلى درجة، ثم قال واعظا لهن ورحيما لطيفا سبحانه بهن: {إن اتقيتن ~~فلا تخضعن بالقول} يحتمل وجهين هما: أن يكون متعلقا بما قبله على معنى لستن ~~كالأحاد إن اتقيتن، فإن الأكرم عند الله الأتقى. # وثانيهما: أن يكون متعلقا بما بعده على أن اتقيتن فلا تخضعن، والله تعالى ~~لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتهن وهي المحادثة في ~~جواب الرجال، أي لا تكلمن بالرفث والخضوع، والمهازلة والانبساط، والملاعبة؛ ~~لأن ذلك يدني إلى الفاحشة، ويوقع في المأثم والخطيئة{فيطمع الذي في قلبه ~~مرض} أي شك ونفاق، وهم أهل الريبة والفجور، والله تعالى قال: {فلا تخضعن ~~بالقول} ذكر بعده {وقلن قولا معروفا}. PageV16P030 # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: هو الحد الذي لا لعب فيه، ولا هدر ولا ~~هذيان، ولا هتر، وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي -عليه السلام-: هذا تأديب ~~من الله سبحانه لنساء نبيه، كرامة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وحياطة ~~من الله له في حرمه، وأمرهن أن لا يخضعن في القول، والخضوع هو الكلام اللين ~~الذي يقع فيه المزاح، والملاعبة بين النساء والرجال، فأمرهن أن لا يفعلن ~~ذلك، كما يفعله غيرهن، فيطمع الذي في قلبه مرض فيكن لما يطمع به في غيركن ~~من المنكر، والمرض فهو الفسق، والقول المعروف الذي أمرن به فهو القول الحسن ~~لمن خاطبهن أو ms0629 كلمهن فيه خضوع يطمع به الفاسق، ولا سبب يطمعن به المنافق، انتهى. # ثم قال تعالى: {وقرن في بيوتكن} يقرئ -بفتح القاف وكسرها- فمن فتح أراد ~~قرن في بيوتكم من القرار، ومن كسر أراد كن أهل وقار وسكينة، وأصله أقررن ~~حذفت الراء الأولى وألقيت فتحتها على القاف فحذفت الهمزة للاستغناء وهو أمر ~~لهن بالوقار والقرار جميعا، ثم قال: {ولا تبرجن} التبرج في اللغة هو البدء ~~والظهور، وهو أن تبدي المرأة من محاسنها مما تستدعي به الرجال، قال الشاعر: # وتبرجت لتروعنا ... فوجدت نفسي لا ترع # أي ظهرت وبدت ولم تستر في منزلها، فالمعنى لا تظهرن للرجال، ولا تبدين ~~لهن من محاسنكن ما أوجب الله سترها عليكن، والمراد بقوله: {تبرج الجاهلية ~~الأولى} ما بين آدم وبين نوح على جميع أنبياء الله -عليهم السلام- ففي تلك ~~الفترات كانت الرجال والنساء يختلطن في الطرقات، وسائر متصرفاتهم من غير أن ~~يكن للمرأة ساتر يسترها عن الرجال، ذكره في البرهان. # وقيل: ذلك زمان إبراهيم -عليه السلام- كانت المرأة تلبس قميص اللؤلؤ فتمر ~~وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. # وقيل: زمن داود -عليه السلام-، والجاهلية الأخرى مابين عيسى عليه السلام ~~ومحمد صلى الله عليه وآله. PageV16P031 # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام وأنا أوقول أن التبرج بالزينة أقل ~~مما فعلت عائشة من الفتنة الجلية والشناعة الكبيرة وذهاب أزواج المسلمين ~~وسفك دمائهم، وقد رعت العامة أنها تابت وأعتذرت بالقضاءوالقدر، وهو المحمد ~~لله أقل لعذرها وأكمل لكفرها أن صح ذلك عنها، لأن الله لايقضي بالكفر ~~والفجور، ولايرضى بالشنع والقبائح من الأمور، ولعلها لم تقل بالجبر أما ~~أحسب أن هذه إلامن حجج العامة على تجويز الله في حكمه تشبيه الخالق بخلقه أنتهى. # ثم قال تعالى:{وأقمن الصلاة وآتين الزكاة} يعني ليس التكليف في النهي حتى ~~يحصل بقوله لا{تخضعن} ولا تتبرجن، بل فيه وفي الأوامر وإنما أمرهن بالصلاة ~~والزكاة لأنهما أصل سائر الطاعات ومن اعتنا بهما حق الأعتناء جزناه إلى ما ~~وراهما، ثم جا بالأمر عاما في جميع الطاعات، بقوله عز وجل:{وأطعن الله ~~ورسوله} ومعناه ليس ms0630 التكليف متخص في المذكور بل كل ماأمر الله به فأتين به ~~وكل مانهى الله عنه فانتهين عنه، ولما نهاهن وأمرهن أراد سبحانه التعريض ~~بهن غير معصومات، بقوله عز وجل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا}. # قال الزجاج: الرجس كل مستقذر من ماكول وعمل فاحشة، والرجس الأثم شبه ~~بالنجس استعارة للتقوى الطهر من نجس الأثم، كما تطهر النجاسة بالماء. # قال أئمتنا عليهم السلام وشيعهم وهذه الآية نزلت وقد فسر هذه الآية واوضح ~~معناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ماريوناه عنه من طريق ~~الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام عن الإمام المرشد بالله ~~عليه السلام. # قال أخبرنا: بو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الذكوني. PageV16P032 # قال أخبرنا: أبومحمد الحسين بن إسحاق بن زيد المعدل، قال أخبرنا: أبو بكر ~~محمد بن ماهان، قال حدثنا: عمر بن عبد الرحيم، قال حدثنا: الحماني، قال قيس ~~بن الربيع عن الأعمش، عن عبادة، عن بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~في قول الله عزودجل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا} ((فانا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب)) أنتهى. # وأما الجاهل لفضلهم أوالمتجاهل لحقهم .................. # فزعم أن هذه الآية الكريمة في زو جات النبي صلى الله عليه، فإن قيل ~~ماأنكرتم أن يراد بها أزاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أن هذا هو قول ~~صاحب الكشاف، والحاكم في التهذيب وغيرهما, # قالوا بدليل أن أول الآية ومابعدها فيهن. # قال الله في أولها {يانساء النبي لستن كأحد} إلى قوله {أنما يريد الله}. # وقال تعالىفي أخرها {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} وهذا يقضي بانها واردة فيهن. # ولهذا قال الزمخشري في الكشاف: وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أهل بيته. # فالجواب وبالله التوفيق: أن ذلك ليس بحجة لأن الذين قالوا ذلك لم يرجعوا ~~إلى رواية تقوم بها الحجة، وعلى الجملة أن ذلك هو قول مخالفنا فلا يحتج ms0631 به ~~علينا وأيضا هذامنهم إدعى لهن بمالم ....... واحدة منهن، بل قالت أم سلمة ~~رضىالله عنها، في خبر ...... وقد جأت لتدخل رأسها معهم وأنا معكم يارسول الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لست منا وأنك على خير وفي خير ~~وأنك لمع جيرانك إلى خير)) فسميت أم سلمة الخير. PageV16P033 # روي هذ عنها جماعة من طرق كثيرة ، وكذا عن عائشة، روي عنها حديث الكساء ~~جماعة من طرق منها عن جميع بن عميرقال تطلعت مع أمي إلى عائشة فسألتها أمي ~~عن علي، قالت ماظنك برجل كانت فاطمة تحته ، والحسن، والحسين، أبنه، ولقد ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله التف عليهم بثوب وقال ((اللهم هؤلاء أهل ~~بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) فقلت يارسول الله ألست من أهلك قال ~~((إنك إلى خير)) وفي رواية من طريق أخرى، قال أنطلقت مع أمي إلى عائشة ~~فدخلت أمي فذهبت لإدخل فقالت عائشة إني أراه قد أحتلم فحجبتني وسألتها أمي ~~عن علي عليه السلام فقالت ماظنك برجل كانت فاطمة تحته والحسن والحسين أبنيه ~~ولقد رأيترت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التفه عليهم بثوب وقال ~~((اللهم هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) قلت يارسول الله ألست ~~من أهلك قال (( إنك لعلى خير)) ولم يدخلني معهم. # وفي رواية أخرى فقلت يارسول الله أنا من أهلك؟ # قال: ((تنحي فإنك إلى خير)) ماروته عائشة قالت: ولد لأبي غلام فحملته إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله فقلت يارسول الله سمه فسماه محمدا، فقلت يارسول ~~الله أدع له بالبركة، فقال: ((اللهم بارك فيه واجعله محبا لنبيك وأهل ~~بيته)). # قالت عائشة: فقابلني والله بالنصرة لعلي بن أبي طالب، وذكرت عند ذلك ~~الدعوة فوددت أن كنت سقيتة سبع سنين ولم أسر ذلك المسير، فهذه عائشة أعترفت ~~على نفسها أن أهل البيت عليهم السلام غير نسأه وأنهم قرابة الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم فمن قال غير ذلك فقد أدعى مالم يدعه الخصم لنفسه تأكدا هذا ~~بما رواه المؤيد بالله عليه ms0632 السلام في حديث المناشدة يوم الشورى عن علي ~~عليه السلام أنه قال: أنشدكم بالله هل فيكم من أحد أذهب الله عنه الرجس ~~وطهره تطهيرا، غيري قالوا اللهم لانعلمه أنتهى. PageV16P034 # ومما يدل على بطلان دعوى من يدعي دخول أزواج النبي صلى الله عليه وآله في ~~آله وأهله جديث بريرة إذ قال النبي صلوات الله عليه وآله لأبي رافع مولاه: ~~((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وإن ولى القوم منهم)) فلو كان زوجات ~~النبي صلى الله عليه وآله من آله وأهله لوجب أن لا تحل الصدقة لبريرة؛ ~~لأنها مولاة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وقد أقرها صلى الله عليه ~~وآله على قبول الصدقة، وملكها إياها بدليل صحة الإهداء منها فاعرف ذلك، ~~ولنا أيضا إجماع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيعتهم أن أهل البيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسنان -عليهما السلام- لقوله ~~عنكم، وهي الحجة على عصمتهم، وعلى وجوب اتباعهم، وعلى أن إجماعهم حجة، ~~والخبر دل أيضا على أن إجماعهم حجة وهو قوله صلى الله عليه وآله: ((وإني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي)) إلى آخره، فقرن بين العترة والكتاب، وقد ثبت أن كتاب الله حجة، فوجب ~~لاقترانهم أن يكون قولهم حجة، وإلا لبطل معنى الاقتران وهو لا يجوز. PageV16P035 # وأما عصمتهم ووجوب اتباعهم فالدليل على ذلك من الكتاب والسنة، أدلة كثيرة ~~قد ذكرنا منها طرفا في مقدمة كتابنا هذا لمن نظر فيه بعين الإنصاف، من أهل ~~النظر والبصيرة أو يذكرها هنا وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة فنقول كما ~~قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام- إنه قد ثبت أن الآية ~~كلام الحكيم الصادق الذي لا يجوز عليه الكذب ولا العبث ولا شيء من القبح، ~~وقد أخبرنا بإذهاب الرجس عنهم، فلا يخلو، إما أن يريد رجس الأقذار أو رجس ~~الأوزار، أو ؤجس العذاب لأن لفظ الرجس يحتمل هذه المعاني لغة وشرعا، ولا ~~يجوز أن يريد ms0633 رحس الأقذار؛ لأن المعلوم ضرورة أنهم وغيرهم في وجوب الأقذار ~~والاستنزاه منها على سواء فلم يبق إلا رجس الأوزار ورجس العذاب لا يذهب إلا ~~بتجنب الأوزار بالاتفاق من الأمة، وربما قامت به الدلالة، قال تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم: {لئن أشركت ليحبطن عملك} الآية، وحال الذرية لا ~~يكون أعلى من حاله صلوات الله عليه وآله وسلم، فأحد المعنين يدخل في الآخر، ~~فلم يبقى أن المراد إلا ذهاب برجس الأوزار، ولا يجوز وقوعها وتسقط عنهم ~~أحكامها؛ لأنهم وغيرهم في ذلك سواء، بل قد وردت الآية بمضاعفة العذاب على ~~من عصى منهم لما ذكر تعالى في الزوجات بقوله تعالى: {لستن كأحد من النساء} ~~إلى قوله تعالى: {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} {ومن ~~يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين} وقد ثبت أنهن لم ~~يفارقن جميع النسوان ويفضلهن، إلا بسبب نكاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولا يكون لغيره أصلا لأن ما به غير يشار إليه أو لغيرهن نصيب إلا هذا الذي ~~أوجب التمييز لهن بهذه المزية لغيره، وقد ثبت أن اتصال الذرية بالنبوة أكد ~~من اتصالهن بالزوجية، ولهذا وجب يشرف الولد بشرف أبيه، عقلا PageV16P036 وشرعا، ولا يقع للزوجة إلا بمزية الاتصال كما في الجارية والخادم، فالآية ~~للأولاد ألزم، وحكمها فيهم أوجب بطريق الأولى التي هي أدلة الأحكام ~~الشرعية، وأحد الأدلة العقلية فقامت الأدلة بما ذكرنا على ارتفاع وقوع ~~الأوزار وارتفاعها لا يكون إلا بالعصمة، والآية وقعت فهيم فدل ذلك على ~~عصمتهم مجتمعين فمتى اجتمعوا على أمر علمنا عصمتهم من الخطأ والزلل الموجب ~~للعقاب من الله عز وجل، ولولا ذلك لتعرت الآية من الفائدة، وذلك لا يجوز ~~وقوعه في كلام الحكيم سبحانه، وإنما يقع في كلام المجانين والسفهاء ~~العابثين ويتعالى عن ذلك رب العالمين، فإذا أثبتت عصمتهم فيما اتفقوا عليه ~~وجب اتباعهم؛ لأن اتباعهم يكون اتباعا للحق، واتباع الحق من فرائض رب ~~العالمين، والحق أحق أن يتبع، وقد علمنا ضرورة أن آحادهم تقع منهم ms0634 المعاصي، ~~فلو قيل أيضا أنها تقع من جماعتهم لعرت الآية الشريفة من الفائدة وهذا لا يجوز. # أما شبهة من قال أن أول الآية وما بعدها في الزوجات فقد أجاب عنه أكابر ~~أئمة أهل البيت -عليهم السلام- بما يشفي وحاوح الصدور، ويزيل ظلمة كل ~~ديجور، حيث قال: ومجيء هذه الآية مع أزواج النبي صلى الله عليه وآله على ~~طريقة مجيء قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} الآية مع قوله قبل: ~~{وإن كان كبر عليك إعراضهم} إلى قوله: {فلا تكونن من الجاهلين}. PageV16P037 # وقوله تعالى: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} والوجه أنه تعريض بهن أنهن ~~معصومات، كما أن قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون} تعريض بالذين ~~ذكرهم الله قبلها وبعدها أنهم لا يسمعون أي لا يعلمون بما يسمعون من النبي ~~صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، وقد أطبق البلغاء على أن أحسن مواقع ~~التعريض كما ذكرته في الآيتين، ويؤيد ذلك تذكير الضمير حيث قال تعالى: ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} وقال: {ويطهركم} بخلاف ما قبل ذلك ~~وبعده، فإنه مؤنث لا يقال أن الله مريد لمثل ذلك من جميع الشيء لأنا نقول ~~هو تعالى مريد لأن يفعل ذلك الشيء كلهم إلا أن يفعله هو لهم تعالى ألا ترى ~~أإلى قوله تعالى {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} الآية بخلاف أهل ~~البيت عليهم السلام فإن الأيه نص صريح على أنه يريد أن يفعل ذلك لهم حيث ~~قال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس} وقال {ويطهركم تطهيرا} ولم يقل: ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا، وإذا أراد شيئا من فعله سبحانه ~~فعله إذ هو على كل شيء قدير، فإن قيل: ما فعله تعالى الذي ذكرت؟ PageV16P038 # قلت: وبالله التوفيق هو عصمته والعصمة هو رد النفس عن تعمد فعل المعصية أو ~~ترك الطاعة مستمر الحصول اللطف والتنوير، انتهى. فالعجب من صاحب الكشاف ~~ودعواه الدليل البين من هذه الآية المعلوم أن لفظة أهل البيت إذا اطلقت لم ~~يسبق إلى فعل سامعها أن المقصود ms0635 بها إلا ذرية النبي صلى الله عليه وآله ~~والدليل على ذلك المذكور في الآية هو بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيجب من طريق الظاهر أن يحكم بأن المراد بها أهله الذي يتناولهم الاسم ~~حقيقة، وقد علمنا أن من يختص ببيت الرسول فهم أولاده وأولاد أولاده، وإذا ~~استعمل في غيرهم كان مجازا فيجب القطع على أن المراد بالآية أولاده وأولاد ~~أولاده، يؤيد ذلك أنه إذا أطلق فقيل أهل بيت فلان فهم منه أولاده وأولاد ~~أولاده، وإذا قيل: أهل بيت فلان أهل الطهارة والعفاف إنما يراد به الأولاد ~~وأولادهم، فإن قيل: من أين أنه حقيقة فيهم فجوابنا أن أمارة كون اللفظ ~~حقيقة في الشيء استعماله فيه، مطردا، أو يكون مفهوما سابقا إلى أن الفهم ~~عند اطلاقه، فيحمل عليه خطاب الله تعالى؛ لأن الواجب حمله إلا ما هو السابق ~~إلى الإفهام، ولذلك قال الإمام يحيى -عليه السلام- في الانتصار: فظاهر هذه ~~الآية دل على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم من سائر الأدناس على وجه المبالغة، ~~حيث صدر الآية بإنما وهي موضوعة للحصر في الجملة؛ لأنها في معنى النفي ~~والاثبات، كأنه قال: ما يريد الله إلا إذهاب الرجس عنكم، ولأنه أكد الفعل ~~بالمصدر حيث قال: ويطهركم تطهيرا، كأنه قال: تطهيرا لا زيادة فوقه ولا شك ~~أن كل من أخبر الله عنه بإذهاب الرجس وتطهيره عن كل مكروه فلا مرية في ~~استخصاصه بالفضل على غيره، وأهلى البيت هم علي أمير المؤمنين، وفاطمة ~~والحسن والحسين وأولادهما في كل عصر بدليل خبر الكساء حيث حثهم به انتهى. PageV16P039 # فإذا عرفت هذا علمت أن توسط ذكر أهل البيت -عليهم السلام- بين نساء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليس شبهة إلا على من جهل أو تجاهل من العامة كما ~~قال الإمام الحسين بن القاسم -عليهما السلام- وزعمت العامة أن أهل البيت ~~عليهم السلام لا يستحقون ذلك؛ لأن الآية إنما هي في نساء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهذا من ضعف عقولهم وعمي قلوبهم؛ لأن النساء إذا كان لهن ~~هذا المدح ms0636 فرجالهن أحق به منهن؛ لأن الرجال أفضل وأكمل وأعقل، والله يقول: ~~{وللرجال عليهن درجة} فيكم ترون الرجال أحق بالآية والأولى، وإنما القرآن ~~متداخل فربما أتا بالخبر الذي عليهن درجة الذي هو غير الخبر الأول، ثم أوشك ~~أن يرجع إلى الخبر الأول مثل قوله: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء} فادخل خبر النكاح في خبر اليتامى انتهى. PageV16P040 # ومثل هذا أعني التداخل في هذه الآية ذكر المرتضى في الإيضاح عن أبيه الهادي ~~إلى الحق -عليهما السلام- وأطال الكلام في شرح ذلك، فظهر لك أنه لا مانع من ~~التوسط؛ لأن آية القرآن يتخلل بعضها بعضا، ويتوسط إذا كانت الجملة مستقلة ~~بنفسها غير مرتبطة بما قبلها وما بعدها، كما ورد في سورة الصافات في قوله ~~تعالى حاكيا عن الملائكة عليهم السلام: {وما منا إلا له مقام معلوم ، وإنا ~~لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون} ثم رجع الخطاب إلى قريش أو بني آدم قال ~~الله عز وجل: {لو أن عندنا ذكرا من الأولين، لكنا عباد الله المخلصين} وهذا ~~يشاكل ما ورد في هذه الآية من توسط ذكر أهل البيت عليهم السلام بين أوصاف ~~نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى التداخل، ذكره بكلام وختم عليه، ~~وجعل بين الكلامين فاصلة ليست من جنسهما فصح ما رمناه من اختصاص أولاد ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعنى الآية إلا آخر الأبد، ولو سلموا ما ~~زعموا أيضا على وجه المسامحة فالظاهر لا يقتضي الأزواج فقط، ولأنه يقال ~~للزوجة أهل الرجل، ولا يقال أهل البيت، وعلى أن إطلاق أهل البيت لو أفاد ~~الأزواج مع الأولاد وأولادهم فتخصيص الأزواج بها، وإخراج الأولاد منها لغير ~~دلالة لا يصح، فإن قال: فإذا أجاز أن يحتمل الأزواج والأولاد فلما خصصتم ~~الأولاد دون الأزواج بالآية؟ # قلنا: إنا خصصنا الأولاد لوجوه منها: أن الآية يتقتضي عصمة المراد ~~بالآية، وأن قولهم حجة، وهذا لم يقل به أحد في أزواج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # ومنها لو أراد الأزواج وحدهن لكان ms0637 يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس. PageV16P041 # ومنها الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله برواية عامة من غير ~~نكير عليها، ولا دفع فدلت على أن المراد بها غير أزواج النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وذلك من الأخبار كثير يطول شرحه هاهنا لو ذكرناه، ولكن نذكر من ~~ذلكم طرفا مما حضرنا فنقول: روى الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة ~~-عليه السلام- في الشافي، قال: الفقيه الأجل الفاضل بهاء الدين علي بن أحمد ~~بن الحسين المعروف بالأكوع بإسناد رفعه إلى أن بلغ به أحمد بن حنبل يرفعه ~~إلى أم سلمة -رضي الله عنها- تكر أن النبي صلى الله عليه وآله كان في ~~بيتها، فأتت فاطمة عليها السلام ببرمة فيها خزيرة فدخلت بها عليه فقال: ~~((ادعي زوجك وابنيك)) قالت: فجاء علي وحسن وحسين -عليهما السلام- فدخلوا ~~فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو وهم على ...........له على دكان تحته ~~كساء خيبري، قالت وأنا في الحجرة أصلي فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قالت: فأخذ فضل ~~الكساء وكساهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماؤ فقال: ((هؤلاء أهل ~~بيتي وخاصتي، اللهم اذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا)) قالت: فدخلت رأسي ~~البيت، وقلت: وأنا معكم يا رسول الله، قال: ((إنكي إلى خير إنك إلى خير)) ~~وبإسنادها بهاء الدين يبلغ به أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال لفاطمة -عليها السلام-: ((اتيني بزوجك وابنيك)) فجاءت بهم فألقى ~~عليهم كساء فدكيا قال: ثم وضع يديه عليهم وقال: ((اللهم إن هؤلاء آل محمد ~~فاجعل صلواتك صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد)) قالت أم سلمة: ~~فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال: ((إنك إلى خير)). PageV16P042 # وبإسناد بهاء الدين هذا إلى ابن عباس في خبر ابن أبي زائدة قال: وأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين ~~-عليهما السلام- وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ms0638 ويطهركم ~~تطهيرا}. # قال -عليه السلام-: والأخبار في هذا كثيرة روايتنا لها من طرق جمة بحمد ~~الله تعالى، انتهى. # قال الحسن بن علي المؤيدي -عليه السلام-: واعلم أن يحديث الكساء هذا مما ~~اتفقت عليه كتب النقلة من أهل البيت -عليهم السلام- وشيعتهم وغيرهم، فمن ذ ~~لك في موضع واحد من أنوار اليقين في آية التطهير نيف وعشرون حديثا بين مسند ~~ومرسل إلى غير ذلك، وفي شرح الملل والنحل للإمام المهدي -عليه السلام- ~~أربعة عشر حديثا من كتب المخالفين، وإن كانت روايات الإمامين متادخلة ~~باتفاق بعض طرق روايات الإمامين وكذلك من كلام شرف الدين -عليه السلام-، ~~ومحاسن الأزهار، وكلام شرح الأسماءي لسيدنا الفقيه العلامة محمد بن بهران ~~نفع الله به بعلومه وغيره مما يتعسر حصره ويجل رسمه وضبطه من كتب الموافق ~~والمخالف وهو من المتواتر معنى لا تراها إلى مصرحة، بأن أهل الكساء هم من ~~ذكرنا لا غير، ولقد تسامح الإمام المهدي -عليه السلام- حيث جعل حديث الكساء ~~مما يقرب من المتواتر المعنوي فإنه من طالع كتب الموافق والمخالف لم يجدها ~~قاصرة عن التواتر، معنى وتأبى إلا أن يكون كذلك، فإن قيل: المراد الآية أهل ~~البيت في ذلك الوقت، وهم أمير المؤمنين وفاطمة وولداها-عليهم السلام- فالج ~~واب وبالله التوفيق: أن ما رويناه هو السبب ولا يجوز قصره عليه، بل يراعا ~~عمومه، وإنما أخرجنا أزواج النبي؛ لأنه صلى الله عليه وآله نطق بذلك ولم ~~يدخل أم سلمة وعائشة في أهل البيت، وإنما خصهم صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالذكر؛ لأنهم كانوا أهل بيته في ذلك الوقت، وليس فيه ما يمنع ما دل عليه ~~الظاهر من حكم من بعدهم حكمهم في تناول PageV16P043 هذا الاسم لهم، وعلى أنه لما ثبت أن قول أمير المؤمنين وفاطمة والحسن ~~والحسين-عليهم السلام- حجة فيجب أن يكون قبل من بعدهم حجة فيما احتمل عليه؛ ~~لأن أحد لم يفصل بينها، انتهى. # وأيضا قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة -عليه السلام- هذا القول باطل، ~~لوجهين: # أحدهما: ما قدمنا من الدلالة أن هذا اللفظ حقيقة فيهم في يجميع ms0639 الأعصار ~~لسبقه إلى الإفهام عند الإطلاق، وكلام الحكيم يجب حمله على الحقائق؛ لأن ~~القول بغير ذلك يؤدي إلى إطراحه، وذلك لا يجوز. # وثانيهما: أن هذا القول خارج عن أقوال الأمة فلا يجوز إحداثه؛ لأنه يكون ~~بدعة، وكل بدعة ضلالة، ألا ترى أن الناس في هذه الآية بين قائلين قائل ~~يقول: هم المرادون بذلك، ويشركوا معهم أزواجه وأقاربه، وقائل يقول: المراد ~~بذلك علي وولداه وأولادهما إلى انقطاع التكليف، فقد أدخلهم الفريقان فمن ~~أخرج أولاده من ذلك أتى بقول خارج من أقوال الأمة، وذلك لا يجوز الاتفاق، انتهى. # ثم رجع الخطاب إلى الزوجات قال تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات ~~الله} يعني القرآن يعلمن الواجبات كلها، فيأيتين بها والمحرمات بأسرها ~~فينتهين عنها. # قال في التجريد: في الذكر وجهان: # أحدهما: أنه الاعتراف بالنعمة فيحفظها بالشكر والطاعة. # والثاني: أنه بمعنى الحفظ أمرن أن يحفظن آيات الله، والحكمة يعني بها ~~{والحكمة} يعني به الحلال والحرام، والحدود والأحكام {إن الله كان لطيفا} ~~حقا أنعم على الخلق من معرفتها {خبيرا} بوضعها وشرعها، حين علم ما ينفعكم ، ~~ويصلحكم، فأنزله أو علم من يصلح لنبوته، ومن يكون أهل بيته. # وقال الحسين بن القاسم -عليه السلام-: معنا لطيفا أي ملطفا لأمر العباد، ~~حسن التدبير: # فأدنيته كي يستميل فؤاده # بلطفي قولا يأسر الوجه نافر # بلطفي أي ترفقي وحسن تدبيري، وقالت الخنساء في أخيها: # لطيف في الأمور بلي الثياب # ويوم الروع من أسد العرين PageV16P044 أي حسن وقت والتدبير للأمور، والخبير هو العالم الخابر انتهى. # ثم قال تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} المسلم الداخل في الإسلام بعد ~~الحرب، المنقاد أو المتفضل إلى الله المتوكل عليه{والمؤمنين والمؤمنات} ~~المؤمن المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق بها، والإيمان أعم من ~~الإسلام؛ لأن كل مؤمن مسلم، ليس كل مسلم مؤمن {والقانتين والقانتات} القانت ~~القائ بالطاعة، الدائم عليها. # قال في البرهان: يعني المطيعين والمطيعات، ويحتمل أن يراد الداعون إلى ~~الله والداعيات. # قال الهادي -عليه السلام-: خير القنوت ما كان في صلاة الصبح، والفريضة ~~بعد الركوع {والصادقين} ms0640 في إيمانهم {والصادقات} كذلك، أي من يصدق في بيته ~~وقوله وعمله {والصابرين} على أمر الله {والصابرات} أي الذين يصبرون على تعب ~~طاعة الله واختباره لهم بالمحن والصبر حبس النفس على المكاره، وعن المعاصي ~~وعن المصائب؛ لأنه لما ذكر هذه الحسنات أشار إلى ما يمنع منهما، وهو إما حب ~~الجاه أو حب المال من الأمور الخارجة الداخلة والغضب منهما يكون لأنه يكون ~~بسبب نقص جاه، أو فوت مال، أو المنع من أمر مشتهى، ثم قال تعالى: ~~{والخاشعين والخاشعات} أي المتواضعين الذين لا يميل بهم الجاه عن إخلاص ~~العبادة. # وقال الحسين بن القاسم -عليه السلام-: يريد الساكنين والساكنات في ~~الصلوات، وسكون القلب في جميع الحالات، والخشوع هو التذلل والخضوع، انتهى. # ثم قال سبحانه: {والمتصدقين والمتصدقات} أي الباذلين للأموال الذين لا ~~يكنزونها لشدة محبتهم إياها. # قال في البرهان: يعني المؤدين الزكاة المفروضة، انتهى. # ثم قال: {والصائمين والصائمات} إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة عن ~~عبادة الله. PageV16P045 # قال في البرهان: يعني صوم شهر رمضان، وقيل: من صام البيض من كل شهر، فهو من ~~الصالحين، ثم قال: {والحافظين فروجهم} من الفواحش {والحافظات} عن ما لا يحل ~~أي الذين لا تمنعهم الشهوات الفرجية، ثم قال: {والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات} الذين يذكرونه ويستغفرونه بقلوبهم وألسنتهم، الذاكر من لا يكاد ~~يخلو من ذكر الله بقلبه ولسانه أو بأحدهما، ومن الذكر قراءة القرآن ~~والاشتغال بالعلم، بل هو أعظمه وأعلاه، وفي الحديث: ((من استيقظ من الليل ~~وأيقظ امرأته وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)) يعني ~~هم في جميع الأحوال يذكرون الله، ويكون إسلامهم وإيمانهم، وصدقهم وصبرهم، ~~وخشوعهم وصدقهم بنية صادقة لله. # قال الرازي: واعلم أن الله في أكثر المواضع حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة ~~هاهنا، وفي قوله بعد هذا: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} ~~وقال: من قبل: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} لأن ~~الإكثار من الأفعال البدنية غير ممكن، أو عسر فإن الإنسان أكله وشربه ~~وتحصيل أكله ومشروبه يمنعه من أن يشتغل ms0641 دائما بالصلاة، ولكن لا مانع له من ~~أن يذكر الله تعالى وهو آكل ويذكره وهو شارب، أو ماش أو قائم، وإليه أشار ~~بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} ولأن جميع ~~الأعمال صحتها بذكر الله تعالى وهي النية، انتهى. # روي في سبب هذه الآية أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله قلن: يا رسول ~~الله ذكر الله الرجال في القرآن بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا ~~يقبل من طاعة، وقيل: السائل أم سلمة. PageV16P046 # وروي أنه لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما نزل قال نساء ~~المسلمين: فما نزل فينا شيء، ثم قال تعالى في الجامعين والجامعات لهذه ~~الطاعات: {أعد الله لهم مغفرة} لذنوبهم{وأجرا عظيما} ثم قال تعالى: {وما ~~كان لمؤمن ولا مؤمنة} وما صح لهما{إذا قضى الله ورسوله أمرا} أي أراده ~~واختاره، وقضا الرسول قضاء الله تعالى، والمعنى ما كان لهم إذا حكم الله ~~حكما ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وإنما ~~الواجب أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختياره. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش حين خطبها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيد بن حارثة فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله ~~بن جحش لنسبها من قريش، ولأنهما ولد عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأمهما أميمة بنت عبد المطلب، وقال: إن زيدا كان بالأمس عبدا إلى أن نزل ~~قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} فقالت زينب: أمري بيدك يا رسول فزوجها إياه، انتهى. # ثم قال سبحانه: {ومن يعص الله ورسوله} بخروجه عن الطاعة، واختياره خلاف ~~ما يختار {فقد ضل} أي ذهب عن طريق الحق {ضلالا مبينا} أي ظاهره اثم. PageV16P047 # قال تعالى: {وإذ تقول} أي وقد عفى عنكم حين تقول {للذي أنعم الله عليه} هو ~~زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بالإسلام {وأنعمت عليه} بالعتق {أمسك عليك ~~زوجك} يعني زينب بنت جحش، أي الزم زوجتك يا زيد ولا تفارقها صبرا ms0642 من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها مع ما دخل في قلبه من حبها، وكان فيما ~~روي قد دخل على زيد بن حارثة فواجهها ونظر عند ذلك منها منظرا بهجا أعجبته ~~حتى شغل في ذلك الحين قلبه؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بشر مركب على ~~طباع البلوى، ليظهر الله فضله عن صبره عند الهوى، ثم رجع ولم يقف وخرج ~~مسرعا مجدا، فقال زيد لرسول الله رجع منا ولم يدخل كما أراد أن يدخل، فقال: ~~إني عجلت، فقلت: تقدم يا رسول الله قبل انحرافي عن طريق، فلما رآني سبح ~~الله ورد وجهه مسرعا، ففطن زيد رحمة الله عليه أنه صلى الله عليه وآله قد ~~أعجب بها لعلمه بحسنها يعني من قبل الحجاب فطلقها وأخبر رسول الله بطلاقها ~~وعرض له في أخذها فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أمسك عليك زوجك ~~واتق الله} ولا تطلقها وهو نهي وتنزيه. # وقال ابن زيد: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى باب زيد فرفعت الريح ~~الستر فرأى زينب فوقعت في قلبه فقال: ((سبحان الله مقلب القلوب)) وذلك أن ~~نفس رسول الله صلى الله عليه وآله كانت تجفو عنها قبل ذلك، ولا يريدها، ~~وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة محبتها، ~~والرغبة عنها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرسول الله: إني ~~أريد أن أفارقك صاحبتي، فقال: ((مالك أرابك منها شيء))؟ قال: لا والله، ~~ولكنها تعظم علي لشرفها وتؤذيني، فقال: ((امسك عليك زوجك، واتق الله)) يعني ~~لا تطلقها. # وقيل: أراد اتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر، وأذى الزوج. PageV16P048 # ثم قال تعالى: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس} من أن يقولوا: ~~واخذ زوجت الغير أو الابن، وقال في البرهان: والذي أخفي في نفسي ما أعلمه ~~الله سبحانه من أنها تكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم خشي قالة الناس فكتم من أمرها ما أعلمه ms0643 الله من أنه ~~يتزوج بها من بعد طلاق زيد لها، انتهى. # قيل: إنه خشى اليهود أن يقولوا تزوج امرأة ابنه، عن ابن عباس، وقيل: إنه ~~خشي لوم الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأ ته ثم نكحها، ثم قال سحبانه: ~~{والله أحق أن تخشاه} وتراقبه فيما أمرك به من زواجها، وأطلعك عليه من حكمة ~~ما غيبه عن غيرك، فلما طلقها زيد وبانت منه نزل قوله تعالى: {فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها}. # قال الزجاج: الوطر كل حاجة لك فيها همة، فإذا بلغها قيل قد قضى وطره، ~~وقال غيره: الوطر منتهى ما في النفس من الشيء، وقيل: لم تبقى له فيها حاجة، ~~والمعنى لما قضا منها حاجته وشهوته، ونال منها محبته وإرادته زوجها الله ~~نبيه وملكها بعد فراق زيد وليه. PageV16P049 # قال في البرهان: وكان تزويجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر ~~الله تعالى للحكمة التي نذكرها، ونشرحها لئلا يتوهم الجاهل ويحسب الغر ~~الغافل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعته شهوات نفسه إلى نكاحها، ~~أو نظر إليها متعمدا لتحرم على زيد بعد نظره إليها حاشى لله ولرسوله مما ~~يقول الجاهلون الضالون، والله سبحانه أثره وأعلى من أن يأمر رسول الله إلا ~~بفعل يكون فيه حكمة ظاهرة ومصلحة في دينه وافرة، والحكمة في ذلك أن الله ~~سبحانه أراد أن يبطل بتزويج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزينب بنت ~~جحش ما كان عليه أهل الجاهلية أن ابن التبني وابن الصلب حكمها واحد، وأن ~~حليلة الابن المناسب محرمة على أبيه، وأن حليلة ابن التبني محرمة، ولذلك ~~أنكر المشركون الجاحدون أن حليلة الابن لا تحل للأب، وقد تزوجت بحليلة ابنك ~~زيد فبين الله تعالى بقوله: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} أن حليلة ابن التبني غير محرمة بخلاف ابن ~~النسب، ونفي الحرج عن آباء التبني، إذا تزوجوا بحلائل أدعيائهم، ولولا فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التزويج ms0644 بأمر من الله تعالى لما ~~عرف هذا الحكم العظيم الخطر، فسبحان الذي نزه رسوله عن مقال الكاذبين، ~~وافتراء المبطلين {وكان أمر الله مفعولا} يعني أمره عند رسوله مطاعا مقبولا ~~بتزويج بنت جحش ما طلقها للغرض الذي أوضحنا، انتهى. PageV16P050 # ثم قال تعالى: {ما كان على النبي من حرج} أي من ضيق ولا مأثم{فيما فرض الله ~~له} أي فيما أحل له من تزويج زينب ابنة جحش، وأباح له الوطئ والنكاح لزوجة ~~دعيه، فبين الله عز وجل أن دعيه لا يكون ابنه، ولكن وليه وعديه، ثم قال: ~~{سنة الله في الذين خلوا من قبل} أي بين ذلك سنة فيهم، وهؤلاء يضيق عليهم ~~في الإقدام على ما أباح لهم، ووسع في باب النكاح وغيره، وقد كان لداود ~~-عليه السلام- مائة زوجة، وثلاثمائة سرية، ولولده سليمان ثلاثمائة مهيرة ~~وسبعمائة سرية. # قال في البرهان: والسنة الطريقة المعتادة، أي ليس على الأنبياء حرج فيما ~~أحل الله تعالى لهم كما أحل لداود في المرأة التي سبقت منه النظرة إليلها ~~فتزوجها، وزينب بنت جحش هي أول من مات من نساء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعده، وأمرت أسماء بنت عميس لها بنعش فحملت فيه انتهى. # ولما كان أمر الله وجميع أفعال لا تكون إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة ~~قال تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} أي حكمه بقدر المصلحة مقدر على قدر ~~ما يرى في كل ما حكم أو خلق أو بر ألا يجاوز شيء من ذلك مقدار حده فيخرج من ~~بعد الصلاح إلى ضده، ثم ذكر الأنبياء الماضين بقوله: {الذين يبلغون رسالات ~~الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} قالة الناس فيما يحل لهم وفيه تعريض ~~به صلى الله عليه وآله وسلم بعد التصريح بقوله: {وتخشى الناس والله أحق أن ~~تخشاه} {وكفى بالله حسيبا} أي كافيا للمخاوف، أو حافظا لأعمال خلقه، محاسبا ~~على الصغيرة والكبيرة من مثله، ولما بين الله ما في تزويج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بزينب من الحكمة والفوائد الجمة بين أنه كان ms0645 خاليل من وجوه ~~المفاسد، فقال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}. PageV16P051 # قال الهادي عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رباء زيد بن ~~حارثة وغذاه وتبناه كما كانوا يفعلون أولا فكانوا يسمونه قبل الأسلام زيد ~~بن محمد، وفي طرف من الأسلام حتى كان من من أمر زينب ابنة جحش أمرأة زيد ~~ماكان من تزويج الله نبيه إياها. # فقالت قريش تزوج محمد امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى في ذلك ما تسمع بنفي ~~أن يكون من ربا ابنا ممن لم يلد ولم يرضع يثبت نسبه، أو تحريم على المربي ~~له زوجته، وأمره بما أمرهم في الآية الأولى من أن يدعوهم لآبائهم، فحرم ~~الله عليهم أن يدعوهم إلى من يربهم ويتبناهم، انتهى. # قال في البرهان: فأكذبهم الله تعالى ونفى البنوة بينه وبين زيد، وهذا ~~خطاب خاص في زيد، وليس بعام؛ لأن الحسن والحسين أبناء رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، لقوله تعالى: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم} وكتاب الله سبحانه يعضد بعضه بعضا. # قلت: وبهذا تبطل شبهة قول من قال: من أين يجوز إثبات ثبوتها من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله والله عز وجل يقول: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} ~~ويبطل قول هذا القائل أيضا بوجوه أخر ذكرها الإمام المنصور بالله عبد الله ~~بن حمزة -عليه السلام- وأحدها: تظاهر النصوص من رسول الله صلى الله عليه ~~بدعائهما بالبنوة. # وثانيها: إجماع الصحابة على نسبتها بالبنوة. # وثالثها: إجماع العترة -عليهم السلام- على ذلك، وقول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((كل بني أنثى ينتسبون إلى أبيهم إلى الحسن والحسن فهما ~~أبنائيب وأنا أبوهما)) وعادة أئمة الهدى من عبد الله أمير المؤمنين فلان بن ~~فلان بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير مناكرة من الأمة، ولا ~~إنكار من بعضهم على بعض. PageV16P052 # وأما قوله تعالى: ما كان محمد آبا احد من رجالكم فذلك في قصة زيد بن حارثة ~~كما قدمنا، والخطاب لعامة المسلمين دون أهل ms0646 البيت -عليهم السلام- وهما ~~طفلان يوم نزول هذه الآية، والطفل لا يطلق عليه اسم الرجل، فظاهر الآية ~~مستقيم فاعلم ذلك موفقا، ثم قال: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} أي ويكن ~~رسول الله، وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى حق التوقير والتعظيم، وعيسى ~~-عليه السلام- وإن نزل آخر الزمان فهو نبي قبله صلى الله عليه وآله، ويعمل ~~بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: والمعنى رسول الله خاتم النبيين بغير ~~واو، وذلك موجود في لغات العرب، وفي القرآن، قال تعالى في يحيى بن زكريا: ~~{وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} وإنما المعنى بغير واو سيدا حصورا نبيا، ~~ولكن العرب تزين الكلام بالواو هاهنا وتنسق وتعطف بها أيضا في غير هذا ~~الموضع. # قال الهادي إلى الحق -عليه السلام- يهجو فاسقا كذب عليه عند أهل بيته ~~ليباعد بينه وبينهم: # الله يعلم ما قد قيل من كذب # ومن أحق بقول الزور والكذب # من ذلك الفسل وابن الفسل إذا نطقت # منه الجوارح بالبهتان والريب # أي من ذلك الفسل بن الفسل، ولكنه وصل كلامه بالواو وهي زينة في هذا ~~الموضع، ومثله في غير هذا الموضع يكون عطفا ونسقا، انتهى. # ثم أخبر عز وجل أن علمه قد أحاط بجميع الأشياء فقال: {وكان الله بكل شيء ~~عليما} ومن ذلك ما أعلمكم أن محمدا رسوله وخاتم أنبيائه، وليس بأب لأحد ~~منكم كما زعمتم، وهو أعلم بمصالحكم في هذه الأحكام. # قال في التجريد: قرأ الأكثرون بكسر التاء، وقرأ عاصم بفتحها. # قال أبو عبيد: الكسر أولى، ومعنى الكسر أنه فاعل للختم تقويه قراءة ابن ~~مسعود، ولكن نبيا ختم النبيين، ومتنى الفتح أنه آخر النبين والخاتم -بفتح ~~التاء- الشيء الذي يختم به كالطابع. PageV16P053 # قال ابن عباس: أراد لو كان له ولد بالغ لكان نبيا، ولم يكن هو خاتم ~~الأنبياء، لو لم اختم به النبيين لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا، ثم قال ~~سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} أي اذكروه بالقلب ~~واللسان، ذكرا مستديما يوديكم إلى طاعته، ويجنبكم سبيل ms0647 معصيته، وقال فيه: ~~معناه أثنوا عليه بضروب الثناء من التقدس والتحميد والتهليل والتكبير، وما ~~هو أهله {وسبحوه} أي إذا ذكرتموه فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه ~~التعظيم والتنزيه عن كل سوء، وهو المراد بالتسبيح، والتسبيح من جملة الذكر، ~~وإنما اختصه الله من بين أنواعه ليبين فضله على سائر الأذكار؛ لأن معناه ~~تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه، ومعنى{بكرة وأصيلا} أي بكرة وعشية، قال فيه: ~~يجوز أن يراد بالتسبيح قول سبحان الله بكرة وأصيلا، يجوز أن يكون ظرفا في ~~المعنى، لقوله: {اذكروا الله} ولقوله: {وسبحوه} كأنه قال: افعلوا الذكر ~~والتسبيح في هذين الوقتين، ويجوز أن لا يتصل الذكر بكرة وأصيلا، ويكون ~~ذكرهما إشارة إلى المداومة، وذلك لأن مزيد العموم قد يذكر الطرفين، ويفهم ~~منهم الوسط كقوله صلى الله عليه وآله: ((ولو أن أولكم وآخركم)) ولم يذكر ~~وسطكم، وفهم منه المبالغة في العموم. # وقيل: المراد بالتسبيح الصلاة غدوة وعشيا، أما بكرة فضلاة الفجر، وأما ~~أصيلا فقيل: صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. # وقيل: صلاة العصر، وقيل: صلاة الظهر والعصر. # ثم قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} يعني يصلي عليكم ويرحمكم ~~وأنتم لا تذكرونه فذكر صرته تحريضا للمؤمنين على الذكر والتسبيح فالصلاة من ~~الله سبحانه الرحمة والكرامة، ومن الملائكة الاستغفار، ودعوتهم للمؤمنين ~~وترحمهم على المسلمين. PageV16P054 # وقيل: يصلي عليكم يترحم بدعائهم لكم إلى الخير، وملائكته جعلوا مصلين ~~لكونهم مستجابي الدعوة، وكأنهم فاعلون الرحمة، وصلاتهم قولهم: اللهم صلى ~~الله عليه وآله على المؤمنين{ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي يترحم عليكم ~~حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار الذكر وبالتوفر على الصلاة، والطاعة، ~~ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة. # قال في البرهان: يعني بذكركم له، وتوتبتكم إليه، يخرجكم من ظلالته والعمى ~~إلى الرشاد والهدى. # قوله: {وكان بالمؤمنين رحيما} بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن قوله ~~تعالى: {يصلي عليكم} غير مختص بالسامعين وقت الوحي، ومعنى رحيما حيث ترحم ~~عليه بالدعاء لما يسعدهم، وفيه دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة، ولما ~~بين الله تعالى عنايته في الأولى، ms0648 بين عنايته في الآخرة، فقال تعالى: ~~{تحيتهم يوم يلقونه سلام} إن قيل: معناه تحية المؤمنين من الله يوم القيامة ~~سلام؛ لأنه الدليل على الخيرات، يجوز أن يعظمهم الله بسلامة كما يفعل لهم ~~من أنواع التعظيم. # وقيل: هو سلام ملك الموت والملائكة معه، وبشارتهم بالجنة. # وقيل: سلام الملائكة عند الخروج من القبور، وقيل: عند دخول الجنة، وقيل: ~~هو كلامهم ودعاؤهم لإخوانهم بالسلامة من العذاب. # ومعنى قوله: {وأعد لهم} فهو ادخر وهيا لهم{أجرا كريما} وهو الجنة. PageV16P055 # ثم قال تعالى: {ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} على أمتك بتكذيبهم ~~وتصديقهم، أي مقبولا قولك لهم وعليهم{ومبشرا} بالجنة لمن أطاع{ونذيرا} من ~~النار لمن عصى {وداعيا إلى الله} أي إلى دينه وتوحيده{بإذنه} أي بأمره ، ~~وقيل: بتسهيله{وسراجا منيرا} يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ~~السراج المنير في الهداية للخلق إلى طريق الحق، كما يهدى السراج من ظل عن ~~الطريق، شبهه بالمصباح لما فيه من النور والهدى والإيضاح، أو كشف به ظلمات ~~الشرك، كما يكشف بالسراج ظلمات الليل. # وقوله تعالى: {وبشر المؤمنين} عطف على مفهوم تقديره: إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا فاشهد وبشر، ولم يذكر فاشهد للاستغناء عنه. # وقوله تعالى: {بأن لهم من الله فضلا كبيرا} هو مثل قوله تعالى: {وأعد لهم ~~أجرا عظيما} يريد الجنة، وتحقيق ذلك أن الفضل قد يراد به العطاء الكبير، ~~وقد يراد به التفضل الذي ليس بواجب، فإن أريد الأول فظاهر، وإن أريد الثاني ~~فلهم بفضل من الله مع ثوابهم أو فضل من الله على سائر الأمم. # ثم قال تعالى: {ولا تطع الكافرين} من أهل مكة مثل أبي سفيان بن حرب، ~~وعكرمة، وأبي الأعور السلمي {والمنافقين} مثل عبد الله بن أبي سلول، وعبد ~~الله بن سعيد، وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهيه عن ~~طاعتهم فالمراد بالنهي الأمة ذكره في البرهان. # وقيل: معنى ذم على مخالفتهم أو هو من باب التهييج. # وقوله: {ودع أذاهم} أي اصبر على أذاهم، معناه دع ما يؤذونك به ولا تجازهم ~~حتى تؤمر. # قيل: ms0649 وهي منسوخة بآية السيف. PageV16P056 # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: معناه خلي عنك أذاهم، فسوف يعاقبهم على ~~وجه التهديد والوعيد، ويحتمل وجها آخر وهو دع أذاهم وقتلهم، حتى تعذر ~~إليهم، فإن كرهوا إعذارك وإنذارك فأذهم واقتلهم؛ لأنه لا يحسن لحجة الله أن ~~تبدأ بالقبح قبل الوعظ الحسن، والقول اللين، وقد روي أن رجلا كان يؤذي رسول ~~الله ويشمته، ويقاتله فلزمه النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد اعفوا ~~عني فعفا عنه فرجع إلى ما كان فيه فلزمه بعد ذلك وشتمه وأذاه، ووقفه على ~~فعاله، ثم أمر به أمير -عليه السلام- وقال: ((قم يا علي فاضرب عنقه)) فقام ~~أمير المؤمنين -عليه السلام- فأضربه وأتلفه ولم يأمر به صلى الله عليه وآله ~~في السفرة الأولى، بل عفا عنه، ووعظه ولكنه آذاه في السفرة الثانية، بجواز ~~الأذى بعد الإعذار، وليوده قبل ذلك، حتى أعذر إليه، والذي يرادون به من ~~القتل أكبر من شتمهم وتعنفيهم، انتهى، ثم قال تعالى: {وكفى بالله وكيلا} في ~~الأمور كلها، أي فوض إليه أمرك فهو يكفيكهم. PageV16P057 # ثم قال تعالى إشارة إلى من يتعلق بجانب من هو من خواص المرء: {ياأيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} سمي العقد نكاحا؛ لأنه سببا فيه، كما سمي الخمر ~~اثما؛ لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا ~~بمعنى العقد؛ لأنه في معنى الوطئ من باب التصريح به، ومن آداب القرآن ~~الكناية عنه بالمماسة، والقربان، والتفشي {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} ~~أي تدخلوا بهن، ومن العلماء من حمل المسيس على الخلوة الصحيحة، وذلك أنه ~~جعل المس مس اليد، ونحوها، ثم لا يخلو مع أن يكون مع خلوة صحيحة أم لا، لا ~~جائز أن يكون معها كأن يكون بحضرتهما غيرهما للإجماع، فبقى المس مع الخلوة ~~الصحيحة، ثم الخلوة الصحيحة كافية، وإن لم يمس بيده ولا بغيرها، للإجماع ~~أيضا أنه لا فرق، وهذا قول القاسمية، وهو قول أبييي حنيفة، ومنهم من قول: ~~كنى بالمسيس عن الجماع كما كني عنه بالملامسة في أو ms0650 لامستم النساء، ~~وبالقربان في: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} وكما كينى بالتغشي والإتيان وهو قول ~~ش، ذكر هذا في التجريد، وقوله: {فما لكم عليهن من عدة} دليل على أن العدة ~~حق للرجال، على النساء، ومعنى {تعتدونها} هو تستوفون عددها من قولك: عددت ~~الدراهم فاعتدها، وكلته عدة فيه، وليس للمطلقة من المهر إلا نصفه إن كان ~~لها مهر مسمى، ولا رجعة للمطلق، ولكنه حد في الخطاب أن كان طلاقه دون ~~الثلاث، وإن كان ثلاثا حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وهذا الحكم في ~~المطلقة التي لم يدخل بها زوجها، ثم راجعها بنكاح جديد، ومهر مستأنف، ثم ~~طلقها، ثم راجعها بنكاح جديد، حتى بانت منه بثلاث تطليقات في رجعتين، ثم ~~قال: {فمتعوهن} أي متعة الطلاق بدلا من الصداق؛ لأن المطلقة قبل الدخول ~~مسمى فليس لها متعة، وإن لم يكن صداق مسمى فلها نصف المسمى متعة يقوم مقام ~~المسمى، تختلف PageV16P058 باختلاف اليسار والإعسار، أكثرها نصف المسمى وأقلها عند العسرة ماله ثمن. # وأما المدخول بها إذا لم يسم لها مهر فإنه يجب لها المتعة بالطلاق ~~والصداق بالدخول {وسرحوهن سراحا جميلا} والسراح الجميل دفع المتعة على قدر ~~اليسار والإعسار انتهى. # وقيل: معنى سرحوهن أرسلوهن بالتطليق وجميلا بغير ضرارا ولا منع واجب. # وقال قتادة: هو طلاقها طاهرا من غير جماع. # ثم قال تعالى: {ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} ~~أي مهورهن، وهذه الآية ناسخة لقوله: {لا يحل لك النساء من بعد} ذكره في ~~البرهان، وإيتاؤها إما عطاؤها عاجلا، وإما فرضها وتسميتها في العقد، وسمي ~~المهر أجرا؛ لأنه أجرة البضع {وما ملكت يمينك} من الإيماء {مما أفاء الله ~~عليك} من الغنيمة، جعلهن غنيمة تسبى وتسترق بحكم الشرع، وهذا حاصر لسبي ~~الوطئ، كأنه قال: أحللنا لك الزوجات، وملك اليمين. # ثم قال تعالى: {وبنات عمك وبنات عماتك} أي أحللنا أن تزوجهن وهن نساء بني ~~عبد المطلب {وبنات خالك وبنات خالاتك} نساء بني زهرة. # قال في البرهان: وهذا من أدل الدليل على أن هذه الآية ناسخة؛ لأنه لما ms0651 ~~نزل لا يحل لك النساء من بعد، ولم يكن عنده يومئذ في خياله من بنات عمه ولا ~~من بنات خاله امرأة، فلما جاء إحلال ما ذكرنا كان ذلك حكما مستجدا ناسخا ~~لنهي تحريم النساء له، انتهى. # ثم وصفهن فقال: {اللاتي هاجرن معك} يعني من المسلمات ممن لم تهاجر منهن ~~لم يحل له نكاحها. # وعن أم هاني بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله، واعتذرت فأنزل الله هذه ~~الآية، فلم أحل له، لأني لم أهاجر إنما كنت من الطلقاء، وقيل: هؤلاء ~~المذكورات تخصيصات وفائدتها أن الله سبحانه قد اختار له صلى الله عليه وآله ~~وسلم الأفضل، واختصه بالأطيب، كما اختصه بغيرها. PageV16P059 # وأما قوله: {اللاتي آتيت أجورهن} وقوله: {مما أفاء الله عليك} فلا يدل على ~~تحريم ما خالف ذلك؛ لأن التسمية أفضل من تركها، وإن جاز العقل وتعجيل المهر ~~أفضل، وكان عادة السلف تعجيل المهر، وكذلك المسبيات من دار الحرب أطيب مما ~~يشترى من المسلمين لجواز الغصب والحرية وغير ذلك، وإن كان مجوز للنبي بغير ~~ذلك الملك فإن مارية أهداها له المقوقس، ثم قال عز وجل: {وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي} أي وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها. # وقوله: {إن أراد النبي أن يستنكحها} شرط آخر وهو تقييد للأول شرط في ~~الهبة أن تكون مؤمنة، وأن يريد النبي أن يستنكحها؛ لأن إردته قبول للهبة، ~~أو تحل محل القبول، كأنه قال: أحللنا لك إن هبت لك نفسها، وأت تريد أن ~~تستنكحها. # وقوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} تأكيدا بمعنى خلوصا، أي خلصة ~~حلالات الأربع، واختصصت بها من دونهم. # قال في التجريد: وفي المرأة التي وهبت نفسها للنبي أقوال: # أحدها: أنها أم شريك. # والثاني: أنها خولة بنت حكيم، ولم يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بواحدة منهما، وذكروا أن ليلى بن الحطيم وهبت نفسها له فلم يقبلها. # وعن ابن عباس: أنها ميمونة بنت الحارث. # وعن الشعبي: أنها زينب بنت خزيمة. # وقال الهادي إلى الحق -عليه السلام-: هذه ميمونة ms0652 الهلالية وهبت نفسها ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجاز الله له ذلك من دون المؤمنين، وجعلها ~~خالصة له وخاصة من دون المسلمين، انتهى. # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: معنى خالصة أي خالصة المودة من بين ~~المؤمنين. # وأما قوله: {إن وهبت نفسها} فهو إذ وهبت نفسها، فقامت إن مقام إذ، وفي ~~ذلك ما يقول عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} أي اسألوهم إن ~~كنتم لا تعلمون مثل علمهم، انتهى. PageV16P060 # قال في البرهان: وروينا عن آبائنا -عليهم السلام- عن زين العابدين علي بن ~~الحسين -عليهم السلام- أنها أم شريك بنت جابر وهبت نفسها لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فتزوجها من وليها. # وقوله: {خالصة لك} يعني لم تطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فإن له في النكاح خصائص ليس لغيره، والله سبحانه عليم بمصالح عباده، ولذلك ~~قال: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} معنى إنما ذكرنا فرضكم وحكمك مع نسائك. # وأما حكم أمتك فعندنا علمه، ونبينه لكم من الفروض الذي فرض الله تعالى أن ~~لا تتزوج المرأة إلا بولي وشاهدين، وأن يتجاوز الرجل الأربع والنفقة لهن ~~والقسم بينهن بالسوية {وما ملكت أيمانهم} يعني تحللنا من غير عدد محظور، ~~والا قسم مستحق. # ثم قال تعالى: {لكيلا يكون عليك حرج}. # قال في البرهان: هو راجع إلى قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} انتهى. PageV16P061 # ومعنى: {حرج} أي لئلا يكون عليك ضيق، ولا مأثم، وقيل: هو متصل بخالصة، وما ~~بينهما جملة اعتراضية فاصلة للتأكيد، أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك، حيث ~~اختصصناك بالتنزيه، واخترنا لك ما هو أولى وأفضل في دينك وفي دنياك، حيث ~~أحللنا لك أجناس المنكوحات وزدن لك الواهبة نفسها، أراد باختصاصه بالتنزيه ~~في دينه اختصاصه بهذه الحالات التي هي أطيب النكاح، وأراد بأجناس المنكوحات ~~أن الوطئ لا يحل إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وقد زاد له صلى الله عليه وآله ~~الواهبة بغير مهر، والمعنى أن الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين ففرضه ~~وعلم ms0653 اختصاص رسوله بما اختصه، ففعله، ثم قال: {وكان الله غفورا} للواقع في ~~الحرج إذا تاب{رحيما} بالتوسعة على عبادة، ثم لما بين أنه أحل له ما ذكر من ~~الأزواج، بين أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن حتى يفعل كيف شاء، ولا يجب ~~القسم عليه، فقال سبحانه: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء}. # قال الهادي -عليه السلام-: معنى ترجي فهو تترك وتقصي من شئت منهن، وتؤوي ~~أي تضم إليك من تشاء أي تدعو وتخلو بمن أحببت منهم، وذلك أن الله أمره أن ~~ينحيهن كلهن عنه إلى دار معتزلة عنه، ويكون هو في دار على حده، فإذا أراد ~~منهن واحدة، أرسل لها فدعاها، وإذا لم يرد واحدة أرجاها، وكان ذلك أحب ~~إليهن، وأقر لأعينهن من أن يغشى واحدة إلى منزلها، أكثر مما يغشى منازلهن، ~~فعرفه الله سبحانه ما فيه الرشاد له ولهن، انتهى، فمعنى تؤوي أي تدخل إلى ~~دارك، وتلاقي. # قال تعالى: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي دخلوه وصاروا فيه. # قلت: وهذا قول، والتسوية واجبة عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط وصار ~~الاختيار إليه، والله أعلم. PageV16P062 # ومعنى: {ومن ابتغيت ممن عزلت} أي من تركت منهن {فلا جناح عليك} أي لا اثم ~~عليك في ذلك كله، يعني إذا طلبت من كنت تركتها فلا جناح عليك في شيء من ~~ذلك، وفي البرهان: معنى ترجي أي تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء، ومن ~~ابتغيت ممن عزلت، وعني بالعزل هنا الطلاق، والمراد فمن ابتغيت وفيمن عزلت، انتهى. # وروي أنه آوى سودة وجويرية، وصفية وميمونة، وأم حبيبة، وكان يقسم لهن ما ~~شاء فأوى إليه عائشة وحفصة، وأم سلمة وزينب، والأصح على هذا كان يسوي مع ما ~~خير فيه إلا سودة فوهبت ليلتها لعائشة، ثم قال سبحانه: {ذلك} أي إن نحيتهن ~~إلى دار معتزلة، والتفويض إلى.............تطلب من شئت وتترك من شئت{أدنى ~~أن تقر أعينهن} أي أقرب إلى قرة أعينهن، وسرورهن وخير من الطوفان عليهن، ~~والتردد بينهن والاشتغال بذلك من حالهن {ولا يحزن ويرضون بما ms0654 آتيتهن كلهن} ~~من الإرجاء والإيواء. # قيل: إذا علمن أن هذا التفويض بوحي الله تعالى زالت التغاير، وطابت ~~نفوسهن، ومعنى على قوله البرهان: إذا علمن أن لهن ردا إلى فراشه بعد عزله ~~وطلاقه قرت أعينهن فلا يحزن. PageV16P063 # ثم قال تعالى: {والله يعلم ما في قلوبكم} من أمر النساء، والميل إلى بعضهن، ~~فخيرك تيسير عليك، وهو وعيد لمن لم ترضى منهن بما دبر وفوض إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وحث لهن على التصافي بينهن {وكان الله عليما} بما ~~في قلوب عباده {حليما} لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يبق ويحذر، ثم قال ~~تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} أي من بعد أن اخترنا الله ورسوله، والدار ~~الآخرة، فقصره الله تعالى على أؤلئك التسع، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، ~~وغيرهم، وذكر أن طلاقه لحفصة وعزمه على طلاق سودة كان قبل التخيير، ومن ~~هؤلاء من قال من بعد التسع؛ لأنها نصابه صلى الله عليه وآله وسلم كما كان ~~الأربع نصاب أمته فلا يحل له أن يتجاوز النصاب، وهو عائشة بنت أبي بكر ~~وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي ~~أمية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب ~~بنت جحش الأزدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. # وقيل: المراد من بعد من ذكر في قوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي ~~أتيت أجورهن} الآية، أي لا يحل غير الأجناس الأربعة، فلا تحل له الأعرابيات ~~وهن غير المهاجرات، ولا الغرائب وهن غير القرائب المعينات بقوله: {وبنات ~~عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك} ولا الكتابيات اليهوديات ~~والنصرانيات ولا ا الإماء بالنكاح والتزوج ممن تقدم في الآية، إن أحللنا لك ~~ما تشاء ولو ثلاثمائة وهؤلاء يقولون أنه غير ممنوع من طلاق اللاتي خيرهن ~~واخترنه، ذكر هذا صاحب التجريد. # قال واختلف علماء الناسح والمنسوخ في هذه الآية فقال بعضهم: إنها منسوخة ~~بقوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك} وهذا مروي عن علي -عليه السلام- وابن ~~عباس، ms0655 وعائشة وأم سلمة، وعلي بن الحسين والضحاك. PageV16P064 # وقالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أحل الله له ~~النساء. # قلت: وهذا هو قول الإمام الناصر لدين الله أبي الفتح الديلمي -عليه ~~السلام- وقد مر ذكره. # وقال آخرون: إنها محكمة وأن الله أثاب نساؤه اللاتي اخترنه، بأن قصره ~~عليهن كما تقدم، وهو قول الحسن وابن سيرين وأبي أمامة بن سهل، ثم قال: {ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج} من لتأكيد النفي. # وقوله: {ولو أعجبك حسنهن} في معنى الحال، ولا يجوز أن يكون ذو الحلال. # قوله: {من أزواج} لغاية التنكير فيه، ويكون ذي الحلال لا يحسن أن يكون ~~نكرة فإذا هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني لا يحل لك النساء ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج وأنت معجب بحسنهن، قاله في الكشاف، وفي التبديل أقوال: # أحدها: من أن تزوج غير من لك، قاله الضحاك. # والثاني: أن تبدل من المسلمات المشركات، قاله مجاهد وغيره. # والثالث: أنه من البدل في الجاهلية، وهو أن يعطي الرجلب زوجته غيره، ~~وياخذ بها زوجته، قاله أبو هريرة وابن زيد. # ثم قال تعالى: {إلا ما ملكت يمينك}. # قال ابن عباس: ملكه بعد هؤلاء مارية، وفي ملك نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أقوال: # أحدها: إلا أن تملك بالسبي، وإلا هذا أومى أبي بن كعب، وقوم. # الثاني: أن لا يصيب يهودية أو نصرانية فيطأها بملك اليمين، قاله ابن ~~عباس، ومجاهد. # والثالث: إلا أن تبدل بأمتك أمة غيرك، قاله ابن زيد. # قال أبو سلمان الدمشقي: وهذه الأقوال جائزة إلا أنا لا نعلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله م نكح يهودية ولا نصراينة، بتزويج ولا ملك يمين، ولهذا ~~سا ريحانة.............فلم يدن منها حتى أسلمت، وكان يستبشر بإسلامها ويبشر ~~به، وهذا دليل أن الإسلام شرط، انتهى. # ثم قال تعالى: {وكان الله على كل شيء رقيبا} أي حافظا عالما بكل شيء، ~~قادرا عليه؛ لأن الحفظ لا يحصل إلا بهما وهو تحذير عن مجاوزة حدوده. PageV16P065 # واعلم أنه لما ms0656 ذكر الله تعالى في النداء الثالث: {ياأيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا} بيانا لحاله مع أمته العامة، قال للمؤمنين بعد ذلك: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} إرشادا لهم وبيانا لحالهم مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاحترام، ولا يشترط في الإذن التصريح، ~~بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول، ولهذا قال: {إلا أن يؤذن} من غير بيان ~~فاعل، والإذن كان هو الله تعالى أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز. # قال في الكشاف: الخطاب كان مع قوم يتحينون الطعام، وقيل: استوائه، ~~ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن، وهذا حكم من الله ~~تعالى في منع الداخل منزل غيره إلا بإذنه وهو موافق لما سيأتي إن شاء الله ~~من سورة النور، من وجوب الاستئذان أي إلا أن تدعون {إلى طعام غير ناظرين ~~إناه} أي غير متوقعين حينه، ووقت نضجه وبلوغه، يقال: إني الطعام أن أي ~~أدرك، ويقال أيضا: أني الحميم أي انتهى حره، ومنه: {يطوفون بينها وبين حميم ~~آن} أي متناه حرة، وإناه يؤنيه أينا، أي أحره وحبسه وأبطاه، قال الكميت: # وأنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء # وقوله: {غير ناظرين} حال من لا يدخل إلا وقت الإذن، ولا تدخلوا إلا غير ~~ناظرين إناه. PageV16P066 # وقوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} دل على حظر الدخول بغير إذن، وفي قوله: ~~{فادخلوا} فائدة: وهي أن في العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دارا من غير ~~إذن لا يدخلها إلا بإذن.............وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا ولا ~~بالدعاء فقال: لا تفعلوا كما يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين سامعين إذا ~~قيل لكم لا تدخلوا لا تدخلوا، وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا{فإذا طعمتم} أي ~~فرغتم من أكل الطعام {فانتشروا} أي فاخرجوا، فدل على أن الدخول للأكل يمنع ~~من المقام من الفراغ من الأكل. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولم على زينب بنت جحش بتمر ~~وسويق وشاة، وأمر أنسا أن يدعوا الناس ms0657 فلما فرغوا وانصرفوا بقى ثلاثة ~~يتحدثون فأطالوا وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدخلى على ~~أهله فشق عليه مكان أؤلئك النفر استحياء أن يأمرهم بالإنصراف، فقام ~~ليقوموا، وطاف على حجرات أزواجه، ورجع فإذا الثلاثة جلوس فتولا، فلما رأوه ~~متوليا خرجوا، ونزلت. # وقوله: {ولا مستأنسين لحديث} معطوف على ناظرين مجرور، وقيل: منصوب، ~~بتقدير: ولا تدخلوها مستأنسين، فيكون عطفا على المعنى، فإن معنى قوله ~~تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم}لا تدخلوها هاجمين فيعطف ~~عليه، ولا مستأنسين أي سيستأنس بعصهم بحديث بعض، أو يستأنسوا حيديث أهل ~~بالبيت أي يستمعوه، فالأول من الأنس خلاف الوحشة، والثاني: من الإناس بمعنى ~~الإدراك، ثم إن الله تعالى بين كون ذلك أذا، وكون النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم حليما بقوله سبحانه: {إن ذلكم} الذي نهيتم عنه{كان يؤذي النبي فيستحي ~~منكم} أي من إخراجكم، أو أن يخبركم به {والله لا يستحي من الحق} أي لا يترك ~~الأمر بالحق. PageV16P067 # قال في البرهان: وذلك أنهم كانوا إذا أكلوا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم جلسوا يتحدثون حتى جاء النهي من الله تعالى عن ذلك. # قال الحسين بن القاسم-عليهما السلام-: والأصل في هذا القول أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيما ذكروا والله أعلم، لما دخل بزوجته ودعا ~~أصحابه إلى طعام فلما أكلوا عنده لم يسخوا بمفارقته سرورا منهم برؤيته وحسن ~~حديثه وحلاوته، وكان يريد الخلو مع أهله قبل حظور وقت صلاته وأصحابه يريدون ~~حديثه حتى يفوته وقته كله الذي له. فأما وقت الصلاة فهو لله تعبده به، وكان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحي منهم وهو أهل ذلك، فأدبهم الله عز وجل ~~في انتظارهم انتهى. # ثم ذكر الله أدبا آخر بقوله: {وإذا سألتموهن}............ صلى الله عليه ~~وآله وسلم {متاعا} أي شيئا ينتفع به من آلة المنزل ونحوها{فاسألوهن من وراء ~~حجاب} يحجبهن عن أبصاركم، أمرن وسائر النساء بالحجاب عن أبصار الرجال، وأمر ~~الرجال بغض أبصارهم عن النساء{ذلكم} الحجاب {أطهر لقلوبكم ms0658 وقلوبهن} يعني ~~أطهر من الشهوة والريب، والوساوس، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين الأدب ~~أكد بالجملة على محافظته فقال تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} في ~~شيء من الأشياء، وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه. # وأما قوله تعالى: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} فقال في البرهان: ~~روينا أن رجلا من قريش قال عند نزول آية الحجاب حجبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن بنات عمنا، وبتزويج نساءنا لئن حدث عليه حدث الموت ~~لنتزوجن نساءه من بعده، فنزلت هذه الآية. PageV16P068 # قال في التجريد: ويقال: هو طلحة بن عبد الله، قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا ~~إلا من وراء حجاب، والله لئن مات محمد لأتزوجن عائشة، فأعلمه الله بتحريم ~~ذلك تعظيما لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أكده بقوله ~~تعالى: {إن ذلكم كان عند الله عظيما} أي إيذاء الرسول وهذا تعظيم من الله ~~لرسوله حيا وميتا. # ثم قال تعالى: {إن تبدوا شيئا} يريد الذي قال: لأنكحن عائشة {أو تخفوه} ~~في صدوركم، يعني إن كنتم لا تؤذونه في الحال، وتعزموا على إيذائه ونكاح ~~أزواجه بعده {فإن الله كان بكل شيء عليما} فهو يعلم ذلك فيعاقبكم به. # ثم إن الله تعالى لما نزل آية الحجاب استثنى المحارم بقوله تعالى: {لا ~~جناح عليهن} أي لا إثم عليهن{في آبائهن ولا أبنائهن} يعني في ترك الحجاب ~~{ولا إخوانهن} أي أخوتهن {ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن} ولم يذكر ~~العم؛ لأنه بمنزلة الأب، والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين فاستغنى عن ~~ذكرهما، وزعم عكرمة والشعبي أن العلة في عدم ذكر الخال والعم أن المرأة تحل ~~لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها؛ لأنهما ينعتانها ~~لأبنائهما، هذا كلام ابن الجوزي وغيره، ثم قال: {ولا نسائهن} مضافة إلى ~~المؤمنات، حتى لا يجوز الكشف للكافرات. PageV16P069 # قال المرتضى -عليه السلام-: فدل عز وجل أن ثم نساء ممنوعات أن يبدين زينتهن ~~لهن، فحظر عليهن أن يبدين زينتهن عند غير نسائهن، ومعنى نسائهن ms0659 فهو أهل ~~ملتهن، واللواتي لسن من نسائهن فهن المخالفات لهن في دينهن، فقد حظر عز وجل ~~على المسلمات أن يكشفن قدامهن شيئا من محاسنهن كما حظر عليهن في الرجال ~~سوءا سوءاض وهن الذميات والمشركات اللواتي لسن من نسائهن ولا من أهل ملتهن، ~~ثم قال سبحانه: {ولا ما ملكت أيمانهن} من الإماء اللواتي لسن من أهل ملتهن، ~~ولم يسلمن بعد، فاستثناهن عز وجل من هؤلاء النساء الممنوع منهن المؤمنات ~~مثل المؤمنات مثل الروميات والحبشيات وما أشبههن من الأجناس، فأجاز الله ~~لهن كشف محاسنهن قدامهن قبل أن يسلمن إذ قد حواهن ملكهن، فهذا معنى الآية، ~~ومجرى تفسيرها فيما ملكت أيمانهن انتهى. # وفي البرهان: يعني من الإمام وصغار العبيد الذين لم يطلعوا عورات النساء، ~~وسبب هذه الآية ما روينا أنه لما نزلت آية الحجاب قام الآباء والأبناء ~~فقالوا: يا رسول ونحن لا نكلمهن أيضا إلا من وراء حجاب فنزل قوله تعالى: ~~{لا جناح عليهن في آبائهن} انتهى. # ثم قال تعالى: {واتقين الله} فيما أمرتن به من الاحتجاب والاستتار، ~~واحتطن ما قدرتن، دل ذلك على أن التكشف لهم مشروط بشرط السلامة، والعلم ~~بعدم المحذور. PageV16P070 # وقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيدا} في غاية الحسن في هذا الموضع، وذلك ~~لأن ما سبق الإشارة إلى جواز الخلوة بهم والكشف لهم، فقال: إن الله شاهد ~~عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل........... بشهادة الله تعالى، فلا ~~تفاوت في علمه في الأحوال من سر وعلن، وظاهر حجاب وباطنه، فاتقوا الله، ثم ~~قال تعالى تكميلا لحرمة نبيه وتشريفا صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيما: {إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي} قد مر الكلام في تفسير صلاة الله تعالى، ~~وصلاة الملائكة {ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه} وقوله: اللهم صل على محمد ~~أي زد محمدا بركة ورحمة{وسلموا تسليما} أي سلموا الأمر بالطاعة تسلميا، ~~وسلم مأخوذ من السلامة والدعة، ومنه أخذ السلام سلام عليكم، معناه أمن ودعة ~~عليكم منا، والله سبحانه السلام؛ لأن ذلك لا يكون حقيقة خالصة إلا منه ~~الأمن والدعة. ms0660 # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: معنا صلوا عليه أي رحموا عليه وعظموا ~~قدره، حتى تثابوا على ذلك، فأما هو فلا يحتاج إلى شفاعتكم بل أنتم ~~المحتاجون إلى شفاعته، ومعنى سلموا تسليما، أي قولوا صل على محمد وعلى آل ~~محمد وسلم تسلميا. # أما الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، وأما الصلاة على ~~آله ففرضها في السنة على لسان رسوله فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ~~تصلوا علي الصلاة المبتورة)) أي المقطوعة المنقوصة؛ لأن البتر يفي اللغة هو ~~القطع، وسئل صلى الله عليه وآله وسلم ما الصلاة المبتورة فقال: هي أن تصلوا ~~علي وحدي ولا تصلوا على أهل بيتي. انتهى. PageV16P071 # قال أئمتنا -عليهم السلام-: وهذه الآية الكريمة نزلت في وليمة زينب بنت ~~يجحش لما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك ما رواه نجم آل الرسول ~~القاسم بن إبراهيم -عليه السلام- في الكامل المنير من حديث عبد الرزقا، قال ~~أخبرنا يحيى بن العلا، عن عمه شعيب بن خالد، عن سلمة بن كهيل أن عبد الله ~~بن عباس كان يحدث الناس على شفير زمزم، فلما قضى حديثه قام إليه رجل من أهل ~~الشام فقال: يابن عباس إني رجل من أهل الشام، فقال ابن عباس: أعوان كل ظالم ~~إلا من عصم الله منهم سل عما بدا لك ياأخا أهل الشام، قال: إني رجل من أهل ~~حمص وإنهم يتبرون من علي بن أبي طالب ويلعنونه؟ قال ابن عباس: لعنهم الله، ~~له القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يكن أول العالمين ~~إيمانا بالله ورسوله، قال: ليس هم يجهلون قرابته ولا سابقته، غير أنهم ~~يزعمون أنه أحدث حدثا وضع في سيفه على عاتقه فلم يزل يضرب به أهل شهادة ألا ~~إله إلا الله ولم يكفروا حجا ولا عمرة ولا صلاة ولا زكاة ولا صوم شهر رمضان. # قال ابن عباس: ثكلتك أمك وعدمتك سل عما يعنيك ودع ما لا يعنيك. # قال: ما من أمر أنا له أعني ms0661 وعليه أحرص مني على هذا، قال وهو يريد أن ~~يصرفه عن الذي يريد: تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون ~~عما كانوا يعملون. # قال الشامي: يابن عباس إن قومي جمعوا لي نفقة من أموالهم وأرسلوني إليك، ~~فأنا رسولهم وأمينهم، ولا يسعك في دين الله أن تردني إليهم بغير قضاء ~~حاجتهم، القوم جميعا بك ففرج عنا فرج الله عنك، فقال ابن عباس: إن العلم ~~الغائب يستصعب لا يقوى على حمله إلا ثلاثة، ملك مقرب، أو نبي منتجب، أو ~~مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، وقد علمت أنك لست بملك ولا نبي، ولعلك ممن ~~امتحن الله قلبه للإيمان، فكيف إذا مر بمسامعك ما سمع بمثله قط، وكيف ~~احتفاظك بما عسيت أن لا يبلغ فهمك ذكره، وإن كان هو الحق. # قال الشامي: أرجو أن يلهمني الله معرفته. PageV16P072 # قال ابن عباس: يا أخا أهل الشام، أحفظ وافهم واسمع وبلغ، إني أخبرك أنه كان ~~مثل علي بن أبي طالب -صلوات الله عليه- في هذه الأمة كمثل العبد الصالح ~~الذي لقيه موسى -عليه السلام- على ساحل البحر، كما وصفه الله في كتابه ~~قال:{عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} فلما أن ~~لقيه موسى وكلمه وسمع كلامه أقر له لفضله، ولم يحسد عليه كما حسد على علي ~~علمه، بل خضع له موسى إذ لقيه، فطلب إليه أن يتبعه ويتعلم منه {قال له موسى ~~هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} {قال} له العالم: {إنك لن تستطيع ~~معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} {قال} له موسى: {ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} {قال} العالم: إن علمي لا يطاق، ولا يصبر ~~عليه{فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا} فأعطاه موسى ~~ذلك، فلما ركبا في السفينة خرقها العالم، وكان خرقه إياها لله رضا وصلاحا ~~لأهلها، فلما رأى موسى أن ذلك عنده فسادا لم يصبر أن قال: {قال أخرقتها ~~لتغرق أهلها لقد جئت ms0662 شيئا إمرا} {قال} له العالم: {ألم أقل إنك لن تستطيع ~~معي صبرا}{قال} له موسى وهو يعتذر إليه {لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من ~~أمري عسرا} فكف عنه العالم، ورفق به {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} ~~العالم، وكان قتله لله رضا ولأبويه صلاحا وسخطاص لموسى، {قال} له موسى ولم ~~يصبر {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا} {قال}له العالم: {ألم ~~أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} {قال} له موسى: PageV16P073 # {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا، فانطلقا حتى ~~إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد ~~أن ينقض فأقامه} العلم وكان إقامته لله رضا، وللغلامين صلاحا، وسخطا لموسى، ~~{قال} له موسى {لو شئت لاتخذت عليه أجرا} وكان العالم أعلم بما أتى فكيف ~~أنت يا أخا أهل الشام، اعلم أن عليا لم يقتل إلا من كان قتله لله رضا، ~~ولأهل ال الجحود سخطا، والذي نفسي بيده لا أحابي عليا في ديني ولا أمانتي، ~~ولا القرابة من رسول الله، ولا أقول يفي ذلك إلا حقا، فابلغ عني، أخبرك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج بنت جحش بعد ما طلقها زيد، فألم ~~رسول الله وكانت وليمته الحيس فكان يدعو كل عشرة على قصعة، ثم كانوا إذا ~~فرغوا استأنسوا لحديثه، وأحبوا النظر إلى وجه، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يحب أن يخففوا عنه، ويخلو مع أهله وكان حديث بالعرس، وأراد ~~أن يؤذن المؤمنين فلما علم الله ذلك من نبيه أنزل قرآنا في ذلك إذنا ~~للمؤمنين، وذلك قوله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا ~~أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا ~~يستحي من الحق}. PageV16P074 # قال ابن عباس: فلما نزلت هذه الآية كانوا قالوا: الحمد لله المطعم المنعم، ~~ثم مضوا ولم ms0663 ينتظروا الخرق ليمسحوا بها أيديهم، فمكث النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم اسبوعا، ثم تحول بعد ذلك إلى بيت أم سلمة بنت أمية، وكان مع رسول ~~الله ليلتها ويومها حتى تعالى النهار، وأن عليا -عليه السلام- أتى الباب ~~فدقه دقا خفيفا فعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكرته أم سلمة ~~فقال النبي: ((قومي ياأم سلمة فافتحي الباب)) فقالت أم سلمة: من هذا يا ~~رسول الله الذي بلغ من خطره أن أقوم فافتح به الباب، واستقبله بمحاسني ~~ومعاصمي، وقد أنزل الله بالأمس: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب} الآية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كهيئة المغضب: ~~((ياأم سلمة إن طاعتي طاعة الله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، قومي ~~فافتحي الباب فإن بالباب رجلا ليس بالخرق ولا النزق، ولا بالعجل في أمره، ~~يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يا أم سلمة إنه يأخذ بعضادتي الباب، ~~فليس بفاتح ولا داخل حتى يخفى عليه صوت الوطي)) فقامت أم سلمة لا تدري من ~~بالباب وقد حفظت الصفة والمدحة فمشت نحو الباب وهي تقول: بخ بخ لرجل يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فلما فتحت أم سلمة الباب أخذ بعضادتي الباب ~~فلم يزل قائما حت ى خفى الوطئ ثم فتح الباب ودخل، وأم سلمة عند رسول الله ~~ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((هل تعرفين الرجل))؟ ~~قالت: نعم، هذا علي بن أبي طالب، وهنيئا له، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لحمه لحمي، ودمه مني، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي، ياأم سلمة هذا علي، سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، علمه علمي، والوصي ~~على أهل بيتي من بعدي، ويأتي الذي أوتي منه، والوصي من أهلي والخليفة على ~~الأخيار من أمتي، أخي في الدنيا ورفيقي في الآخرة، يكون معي في السماء ~~الأعلى، PageV16P075 اسمعي واشهدي يا أم سلمة أنه يقتل الناكثين والمارقين، والقاسطين)). # قال الشامي: ومن الناكحين؟ # قال: الذين أقروا بالمدينة وأنكروا ms0664 بالبصرة. # وأما القاسطون فمعاوية وأصحابه، وأما المارقون فأهل النهروان. # قال الشامي: ملأت صدري نورا وحكمة، وفرجت عني فرج الله عنك، انتهى. # ومثل هذا ذكر الطوسي -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية الكريمة من سورة ~~الأحزاب، والحمد لله. # ثم قال تعالى: {إن تبدوا شيئ} بألسنتكم، يريد الذي قال: لأنكحن عائشة {أو ~~تخفوه} في صدوركم المعنى إن كنتم لا تؤذونه في الحال، وتعزمون على إيذائه ~~وتكاح ازواجه بعده{فإن الله كان بكل شيء عليما} فهو يعلم ذلك، فيعاقبكم به، ~~ثم إن الله لما أنزل آية الحجاب استثنى المحارم بقوله تعالى: {لا جناح ~~عليهن} أي لا اثم عليهن {في آبائهن ولا أبنائهن} يعني في ترك الحجاب {ولا ~~إخوانهن} أي أخوتهن {ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن} ولم يذكر العم؛ ~~لأنه بمنزلة الأب، والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين فاستغنى عن ذكرهما، ~~وزعم عكرمة والشعبي أن العلة في عدم ذكر الخال والعم أن المرأة تحل ~~لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها؛ لأنهما ينعتانها ~~لأبنائهما، هذا كلام ابن الجوزي وغيره، ثم قال: {ولا نسائهن} مضافة إلى ~~المؤمنات، حتى لا يجوز الكشف للكافرات. PageV16P076 # قال المرتضى -عليه السلام-: فدل عز وجل أن ثم نساء ممنوعات أن يبدين زينتهن ~~لهن، فحظر عليهن أن يبدين زينتهن عند غير نسائهن، ومعنى نسائهن فهو أهل ~~ملتهن، واللواتي لسن من نسائهن فهن المخالفات لهن في دينهن، فقد حظر عز وجل ~~على المسلمات أن يكشفن قدامهن شيئا من محاسنهن كما حظر عليهن في الرجال ~~سوءا سوءاض وهن الذميات والمشركات اللواتي لسن من نسائهن ولا من أهل ملتهن، ~~ثم قال سبحانه: {ولا ما ملكت أيمانهن} من الإماء اللواتي لسن من أهل ملتهن، ~~ولم يسلمن بعد، فاستثناهن عز وجل من هؤلاء النساء الممنوع منهن المؤمنات ~~مثل المؤمنات مثل الروميات والحبشيات وما أشبههن من الأجناس، فأجاز الله ~~لهن كشف محاسنهن قدامهن قبل أن يسلمن إذ قد حواهن ملكهن، فهذا معنى الآية، ~~ومجرى تفسيرها فيما ملكت أيمانهن انتهى. # وفي البرهان: يعني من الإمام وصغار العبيد الذين لم يطلعوا ms0665 عورات النساء، ~~وسبب هذه الآية ما روينا أنه لما نزلت آية الحجاب قام الآباء والأبناء ~~فقالوا: يا رسول ونحن لا نكلمهن أيضا إلا من وراء حجاب فنزل قوله تعالى: ~~{لا جناح عليهن في آبائهن} انتهى. # ثم قال تعالى: {واتقين الله} فيما أمرتن به من الاحتجاب والاستتار، ~~واحتطن ما قدرتن، دل ذلك على أن التكشف لهم مشروط بشرط السلامة، والعلم ~~بعدم المحذور. PageV16P077 # وقوله: {إن الله كان على كل شيء شهيدا} في غاية الحسن في هذا الموضع، وذلك ~~لأن ما سبق الإشارة إلى جواز الخلوة بهم والكشف لهم، فقال: إن الله شاهد ~~عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل........... بشهادة الله تعالى، فلا ~~تفاوت في علمه في الأحوال من سر وعلن، وظاهر حجاب وباطنه، فاتقوا الله، ثم ~~قال تعالى تكميلا لحرمة نبيه وتشريفا صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيما: {إن ~~الله وملائكته يصلون على النبي} قد مر الكلام في تفسير صلاة الله تعالى، ~~وصلاة الملائكة {ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه} وقوله: اللهم صل على محمد ~~أي زد محمدا بركة ورحمة{وسلموا تسليما} أي سلموا الأمر بالطاعة تسلميا، ~~وسلم مأخوذ من السلامة والدعة، ومنه أخذ السلام سلام عليكم، معناه أمن ودعة ~~عليكم منا، والله سبحانه السلام؛ لأن ذلك لا يكون حقيقة خالصة إلا منه ~~الأمن والدعة. # قال الحسين بن القاسم-عليه السلام-: معنا صلوا عليه أي رحموا عليه وعظموا ~~قدره، حتى تثابوا على ذلك، فأما هو فلا يحتاج إلى شفاعتكم بل أنتم ~~المحتاجون إلى شفاعته، ومعنى سلموا تسليما، أي قولوا صل على محمد وعلى آل ~~محمد وسلم تسلميا. # أما الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن، وأما الصلاة على ~~آله ففرضها في السنة على لسان رسوله فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ~~تصلوا علي الصلاة المبتورة)) أي المقطوعة المنقوصة؛ لأن البتر في اللغة هو ~~القطع، وسئل صلى الله عليه وآله وسلم ما الصلاة المبتورة فقال: هي أن تصلوا ~~علي وحدي ولا تصلوا على أهل بيتي. انتهى. PageV16P078 # فإن قال قائل إن قول النبي ms0666 صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تصلوا علي الصلاة ~~البترى)) غير صحيح لقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} ولم يذكر الآل؟ # قلنا: ولا قوة إلا بالله قال أئمتنا -عليهم السلام- في الجواب عن ذلك أن ~~الصلاة عليهم بعد الصلاة على نبيهم أبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ثابته ~~بالكتاب والسنة. # أما الكتاب فقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم} الآية، فقد ألحقهم الله بما ذكر في الآية. PageV16P079 # وأما السنة فما رواه الخاص والعام، فمن ألفاظ ذلك ما رواه زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب-عليهم السلام- قال: عدهن في يدي أبي الحسين بن ~~علي، وقال لي عدهن في يدي علي بن أبي طالب، وقال: عدهن في يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عدهن ~~في يدي جبريل، وقال جبريل: هكذا نزلت بهن من عند رب العزة، اللهم صلى على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ~~اللهم بارك على محمد وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد ~~وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم إنك حميد محيد، اللهم وتحنن على محمد ~~وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم ~~وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنك حميد ~~مجيد)) ورواه أبو طالب في أماليه، والحاكم في كتاب: (أصول الحديث)، ~~والزريدي في كتابه: (درر السمطين في مناقب السبطين) ورواه محمد بن منصور ~~المرادي في (الذكر)، والقاضي عياض في (الشفاء) ورواه الإمام المرشد بالله ~~بإسناده إلى عنبسة بن سعيد عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن علي -عليه ~~السلام- قال: لما نزلت هذه الآية إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~...الآية، جاء رجل قال: يا رسول الله، قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة ~~عليك؟ فأخذ بيده ثم قال: ms0667 ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) فذكر الخمس الصلوات، ثم قال: ~~((خذها يا علي خمسا)). # وروى بإسناده إلى حنظلة بن علي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم شهدت له يوم القيامة بشهادة، وشفعت له بشفاعة)). PageV16P080 # وروى بإسناده إلى موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمد الباقر، ~~عن أبيه زيد العابدين بن علي بن الحسين، عن أبيه سبط رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الحسين الشهيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إذا صليتم علي فصلوا علي وعلى أهلي، وعلى أنبياء الله، ورسله كانوا ~~قبلي فإنهم قد بعثوا كما بعثت)). # وروى بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة الأنصاري قال: ~~لما نزلت هذه الآية إن الله وملائكته... الآية، قلنا: يا رسول الله هذا ~~السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((تقولون اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، وصلي علينا معهم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ~~وآل إبراهيم، إنك الحميد المجيد، وبارك علينا معهم، والسلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته)). PageV16P081 # وروى الهادي -عليه السلام- في التشهد في الصلاة في الأحكام اتباع الصلاة ~~على الآل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علي موقوفا، ومن ~~ألفاظه ما رواه مالك في الموطأ ومسلم وأبو داود والترمذي والنسأي عن أبي ~~مسعود البدري، قال: إتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في مجلس ~~سعد بن عبادة فقال بشير بن سعد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله ~~فكيف نصلي عليك، قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل ms0668 محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، والسلام كما قد علمتم)) ومن ذلك ما رواه أحمد بن حنبل، والبخاري ~~ومسلم، وأبو داود والنسأي، وابن ماجة، عن كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ~~كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). # وروى أحمد بن حنبل وابن حنبل، والدارقطني، والبيهقي عن ابن مسعود، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا صليتم علي فقولوا: اللهم صل ~~محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ~~وبارك على محمد النبي الأمي، كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)). PageV16P082 # وروي نحو هذا الحديث باتباع الذرية والآل في الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم، وأبي داود والنسأي، وابن ~~ماجة، عن أبي حميد الساعدي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه عبد ~~الرزاق وأحمد بن حنبل، والبخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، والنسأي وابن ~~ماجة، وابن حبان، عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه ~~النسأي عن طلحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه ابن أبي شيبة في ~~مسند طلحة، ورواه أحمد بن حنبل والبخاري والنسأي، وابن ماجة عن أبي سعيد ~~الخدري، ورواه ابن حبان والبيهقي عن أبي مسعود الأنصاري، ورواه عبد الرزاق ~~عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه أحمد ~~بن حنبل عن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه ابن عساكر، عن ~~عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعد البغوي حديث أبي حميد ~~الساعدي من الصحاح، ولفظه: قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا ~~اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد ~~وأزواجه ms0669 وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)). # وروى أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت ~~فليفعل، اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته ~~وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد)). PageV16P083 # وقال الحاكم صاحب (المستدرك): وقد صحت الرواية على شرط الشيخين، وأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم علمهم الصلاة على أهل بيته كما علمهم الصلاة على آله، ~~ثم ساق الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة ~~فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قلت: بلى ~~فاهدها إلي، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول ~~الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). # قال الحاكم: وقد روي هذا الحديث بإسناد وألفاظ الصحيح. # قال الحاكم: وإنما أخرجته ليعلم المستفيد أن أهل البيت والآل جميعا ~~هم...........، أي واحد، تمت. # وأخرج أحمد وابن حنبل والنسائي وابن سعيد، وسيبويه والبغوي، والبارودي ~~والضياء المقدسي، وابن قانع، وأبو نعيم في المعرفة، وابن أبي عاصم ~~والطبراني، عن زيد بن خارجة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((صلوا علي واجتهدوا في الدعاء، وقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد)). # وروى الشافعي بإسناده من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، عن أبي هريرة انه ~~قال: كيف نصلي عليك-يعني في الصلاة-؟ قال: ((تقولون اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد، كما صليت على إبراهيم...)) الحديث. # وروى الشافعي من طريق إبراهيم بن أبي يحيى إلى كعب بن عجرة ms0670 عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم...الحديث. PageV16P084 # وقال ابن الخطيب الرازي في (مفاتيح الغيب) في تفسير قوله تعالى: {إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي} الآية، سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف ~~نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت ~~على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)). # وروى خبر كعب بن عجرة المؤيد بالله -عليه السلام- في (شرح التجريد) ~~والإمام أحمد بن سليمان في (أصول الأحكام) والأمير الحسين في (الشفاء) ~~والإمام محمد بن المطهر في (المنهاج) وإلى خبر أبي مسعود البدري، وخبر كعب ~~بن عجرة أشار الإمام المهدي -عليه السلام- في البحث في قوله، وسئل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف نصلي عليك الخبر، ونحوه، وسرد ابن بهران ~~في تخريجه خبر أبي مسعود البدري، وسرد خبر الهادي -عليه السلام- الموقوف ~~على علي -عليه السلام- من طريق زيد بن علي -عليه السلام-، وروى القاضي عياض ~~في الشفاء حديث أبي حميد السعدي، وحديث أبي مسعود الأنصاري البدري، وحديث ~~كعب بن عجرة، وحديثا عن عقبة بن عامر باتباع الآل نحو حديثهم، وحديث أبي ~~مسعود الخدري، وحديث أبي هريرة، وحديث زيد بن خارجة الأنصاري، وحديث عبد ~~الله بن مسعود. # قال إمامنا المنصور بالله -رحمة الله- وقد ذكر هذا كله، قلت وبالله ~~التوفيق تدل على صحة ما رواه القاسم بن إبراهيم -عليهم السلام- في كتاب ~~الكامل المنير، فإنه روى بصيغة الجزم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((لا تصلوا علي الصلاة البترى)) فقيل: يا رسول الله وما الصلاة ~~البترى؟ فقال: ((أن تصلوا علي وحدي، ولكن صلوا علي وعلى أهل بيتي، فقولوا: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ~~وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). PageV16P085 # وقال الإمام المنصور بالله -عليه السلام- في (الشافي) في جوابه على فقيه ~~الخارقة في كلامه فقال -عليه السلام-: وأنا أروي ms0671 هذا الخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، أو كلاما هذا معناه. # وروى الأمير الحسين -عليه السلام- في (الشفاء) بصيغة الجزم أيضا عن علي ~~-كرم الله وجهه- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((إذا صليتم علي فصلوا على آلي معي، فإن الله لا يقبل الصلاة إلا مع آلي)). # وقال القاضي عياض في (الشفاء) ما لفظه: وفي حديث أبي جعفر عن ابن مسعود، ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من صلى علي صلاة لم يصل فيه ~~علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه)) انتهى كلامه -عليه السلام-. # وروى أبو طالب -عليه السلام- في (الأمالي) بإسناده من طريق جعفر بن محمد- ~~عليهما السلام- أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ارفعوا ~~أصواتكم بالصلاة علي وعلى أهل بيتي، فإنها تذهب بالنفاق)) انتهى. PageV16P086 # قال الواحدي: والحديث الصحيح الجامع لتفسير هذه الآية ما روى البخاري ومسلم ~~عن كعب بن عجرة قال: يا رسول الله، قد عرفت التسليم عليك، فكيف الصلاة ~~عليك؟ قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما بارك على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) انتهى ما رواه أمامنا المنصور ~~بالله -عليه السلام-، وفي الحديث: ((من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار ~~فأبعده الله)) وفيه أيضا: ((إن الله وكل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي ~~علي إلا قالا: غفر الله لك، وقال الله وملائكته آمين، جوابا لهما، ولا أذكر ~~عند مسلم فلا يصلي علي إلا قالا: لا غفر الله لك، فقال الله وملائكته ~~آمين)) وبعض العلماء أوجب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم: كل جزى ~~ذكره، وهو قول الشافعي، ومنهم من أوجبها في كل مسجد مرة، ومنهم من أوجبها ~~في العمر مرة. # وأما في الصلاة فعند الشافعي أنها واجبة شرط، وهو قول القاسمية، وعند أبي ~~حنيفة غير شرط. # واعلم أنه لما كان الله مصليا على ms0672 نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذائه صلى ~~الله عليه وآله وسلم فإن من أذى الله فقد أذى الرسول، فبين الله للمؤمنين ~~ذلك بقوله تعالى: {الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ~~وأعد لهم عذابا مهينا}. # اعلم أنه تعالى فضل الأشياء بتبيين بعض أضدادها، فبين بعض مؤذي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليبين فضيلة المسلم عليه. PageV16P087 # قال في البرهنا: وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يؤذون النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ويبهتونهم، ويكذبون عليه، ومعنى يؤذون الله يؤذون ~~رسوله، فجعل إيذاء رسوله أذى له، تشريفا لمنزلته، وتشييدا لكلمته، انتهى. ~~لعنة الله في الدنيا القتل والجلاء، ولعنته في الآخرة النار، والبعد عن ~~الرحمة، فقوله: في الدنيا والآخرة إشارة إلى بعد لا رجاء للقرب معه؛ لأن ~~المبعد في الدنيا يرجو القرب في الآخرة، فإذا خاب في الآخرة فقد خاب وخسر، ~~ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده بالعذاب الدائم المهين، ثم ~~قال تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} أي بغير ~~جناية ولا استحقاق، وأطلق في أذا الله ورسوله، إذ لا يكون إيذاهما إلا بغير ~~حق أبدا{فقد احتملوا بهتانا} أي عقاب بهتان بهت به من لم يفعله، فبهت أي ~~حير {وإثما مبينا} أي بين. # وعن الفضل: لا يحل أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في كل من كان يؤذي أمير المؤمنين عليا ~~-عليه السلام- وفاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ويكذبون ~~عليهما، ولما ذكر أن من يؤذي المؤمنين يحتمل بهتانا، وكان فيه منع المكلف ~~عن إيذاء المؤمن، أمر المؤمن باجتناب الموانع التي فيها التهم الموجبة ~~للتأذي، لأن لا يحصل الإيذاء الممنوع منه، فقال: {ياأيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} والجلباب كل ثوب تلبسه ~~المرأة فوق ثيابها انتهى. أي يرخين عليهن من ثيابهن، قال الشاعر: # مجلببا من سواد الليل جلبابا PageV16P088 أي ملحفا من الظلمة لحافا وثيابا، وإنما أمرت بذلك لتغطي ms0673 بهه وجهها وبدنها، ~~حتى لا تبدوا غير عينها اليسرى، والجلباب أوسع من الخمار، ودون الردى تلوث ~~به المرأة على رأسها، ويبقى منه ما ترسله على صدرها. # ثم قال تعالى: {ذلك} الذي أمرنا به {أدنى أن يعرفن} أي ذلك أقرب إلا أن ~~يعرفن بالعفة والورع، وبالصيانة والحياء {فلا يؤذين} بالكلام والتعرض. # وقيل: كان النساء أول الإسلام يخرجن لقضاء حوائجهن في التخيل بغير خمر ~~كالإماء فيتعرضهن الفساق في الليل بعلة أنها الأمة، فيقولون: حسبناهن إماء، ~~فأمرن بمخالفة زي الإماء ليهبن فلا يطمع فيهن طامع. # وفي التجريد: وذلك أن النساء يبرزن على عادتهن في الجاهلية في درع وخمار، ~~ولا فضل بين الحرة والأمة، ولعله الأولى {وكان الله غفورا} إذا تبن عن ~~تفريط ما سلف{رحيما} بقبول التوبة، ولما ذكر حال المشرك الذي يؤذي الله ~~ورسوله والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسيء الذي يظهر الحق ويضمر ~~الباطل وهو المنافق، فقال تعالى: { لئن لم ينته المنافقون} عن عداوتهم ~~ونفاقهم {والذين في قلوبهم مرض} لما كان المذكور من قبل أقواما ثلاثة نظر ~~إلى اعتبار أمور ثلاثة وهي المؤذون لله، والمؤذون لرسوله، والمؤذون ~~للمؤمنين، ذكر من المسرين ثلاثة نظرا إلى اعتبار أمور ثلاثة: # أحدها: المنافق الذي يؤذي الله سرا. # والثاني: الذي في قلبه مرض، الذي يؤذي المؤمنين، قاله في البرهان، معناه ~~لئن لم ينته عن إظهار النفاق والشرك الذي في قلبه مرض، انتهى، وهم قوم كان ~~فيهم ضعف إيمان وشك فيه. # وقيل: هم الزناة. PageV16P089 # والثالث: قوله: {والمرجفون في المدينة} بأخبار السوء عن سرايا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يقولون: هزموا قتلوا، يذكرون من الأخبار ما ~~يضعفون به قلوب المؤمنين، ويقوون به قلوب المشركين، فالإرجاف التماس ~~الفتنة، وسميت الأراجيف لاضطرابها، أي يسم الخبر الذي على غير حقيقته ~~إرجافا؛ لأنه متزلزل غير ثابت، ومنه الرجفة وهي الزلزة، ومعنى قوله: ~~{لنغرينك بهم} أي لنسلطنك عليهم، ولنأمرنك بحربهم وعداوتهم، ولنفعلن بهم ~~الأفاعيل التي تسوءهم وتضطرهم إلى الجلاء، وهو معنى قوله: {ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا} يعني في ms0674 المدينة؛ لأنه ينفهم عنها المعنى لا يساكنونك فيها ~~إلا زمنا قليلا ريثما يرتحلون، فسمي ذلك أغراء وهو التحرش، وعلى سبيل ~~المجاز. # وقوله: {ملعونين} منصوب على الشتم، أو حال أي لا يجاوزونك فيها إلا ~~ملعونين مبعدين عن رحمة الله. # وقيل: ثم لا يحاورونك فيها إلا أقل أذلاء ملعونين{أينما ثقفوا أخذوا} أي ~~إذا أخرجوا لا ينقلون عن الذلة، ولا يجدون ملجأ، بل إنما يكونوا يطلبون ~~ويؤخذون ويقتلون، والثقف الوجود مع القدرة أي لزموا أو ظفر بهم، واستمكنوا، ~~قال الشاعر: # فإما تثقفن بني لؤي # جذيمة إن قتلهم دواء # ومعنى قوله: {وقتلوا تقتيلا} أي قتلا شديد وهو داخل تحت الشرط، أي لئن لم ~~ينتهوا ليكونن هذا الحكم وهو أنهم أينما وجدوا وأخذوا وقتلوا. # وقيل: هو في معنى الأمر أي خذوهم واقتلوهم، قالوا: وقد أغرى بهم، فقيل ~~له: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة: ((أخرج يا فلان من المسجد فإنك ~~منافق، ويا فلان اخرج فإنك منافق)) وعلى الأول: توعدهم بالإغرى بهم إن لم ~~ينتهوا، وقد انتهوا فلن يكن الإغرى واقعا بهم. PageV16P090 # ثم قال تعالى: {سنة الله} أي سن الله ذلك سنة أي عوده عادة{في الذين خلوا ~~من قبل} يعني هذا ليس بدعا بل هو سنة جارية، وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين، ~~أي سن الله في المنافقين للأنبياء من قبلك أن يقتلوا أينما ثقفوا. # قال في البرهان: وسنة الله هو من أشرك بالله قتل، ومن نافق بعد {ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا} يعني تغيرا وتحويلا، فلتحذ عادته في أعداء الأنبياء. # واعلم أنه تعالى بين حالهم في الدنيا أنهم يلعنون ويهانون ويقتلون أراد ~~أن يبين حالهم في الآخرة، فذكرهم في القيامة، وذكر ما يكون لهم فيها فقال ~~عز من قائل: {يسألك الناس عن الساعة} كان المشركون يسألونه استعجالا هزوا، ~~واليهود امتحانا، ويسألونه عن وقتها{قل إنما علمها عند الله} استأثر به، ~~ولم يطلع عليه ملكا ولا نبيا، وعمى عليه في كل كتاب، واخفاها لمصلحة وحكمة. # ثم قال تعالى: {وما يدريك} متى تأتي، ms0675 فإن الله لم يعلمك ولا غيرك بذلك، ~~بل قال متهددا للسائلين: {لعل الساعة تكون قريبا} أي لعل الساعة تكون شيئا ~~قريبا مرئيا، وذكر لأن الساعة في معنى اليوم، أو أراد ذات قريب. # ثم قال تعالى: {إن الله لعن الكافرين} أي أبعدهم وطردهم عن رحمته، يعني ~~كما أنهم ملعونون في الدنيا عندكم فكذلك هم ملعونون عند الله{وأعد لهم ~~سعيرا} النار المسعورة الشديدة الإيقاد {خالدين فيها أبدا} مطيلين المكث ~~فيها، مستمرين فيها، لا أمد لخروجهم منها {لا يجدون وليا} يتولى مصالحهم ~~{ولا نصيرا} يدفع العذاب عنهم، لما ذكر خلودهم بين تحقيقه، وذلك لأن المعذب ~~لا يخلصه من العذاب إلا صديق يشفع له وناصر يدفع عنه، فأخبر سبحانه أنه لا ~~ولي لهم يشفع ولا نصير يدفع. PageV16P091 # ثم قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار} أي تدور في النار، وتصرف في ~~جهاتها، كما ترى البضعة من اللحم تدور في القدور إذا غلت، أو تغير عن ~~أحوالها وهيئاتها إذا يطرحون في النار مقلوبين أي منكوسين، وخصت الوجوه ~~بالذكر لأن الوجه أكرم ما في الإنسان، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن ~~الجملة، وذلك أنه لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب، بين أن بعذ ~~أعضائه أيضا لا تدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا، فإن الإنسان يدفع ~~عن وجهه الضربة اتقاء بيده ، فإن من يقصد رأسه ووجهه تجده يجعل يده جنة ~~الوجه، ووقاية له. # ثم أخبر تعالى إلى أنهم: {يقولون} يوم تقلب وجوههم في النار{ياليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسول} يتحسرون ويندمون، حيث لا تغنهم الندامة والحسرة، ~~لحصول علمهم بأن لا خلاص ولات حين مناص، وزيادة الألف في هذا والسبيل ~~لاطلاق الصوت جعلت الفواصل للآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف والدلالة على ~~أن الكلام قد انقطع {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} يعني بدل طاعة ~~الله تعالى أطعنا السادة وبدل طاعة الرسول أطعنا الكبراء وتركنا طاعة سيد ~~السادات وأكبر الأكابر فبدلنا الخيربالشر، لاجرم فاتينا خير الجنان، ~~وأوتينا شر النيران. # قال في البرهان: عنوا بهم من كانوا ms0676 يأمروهم بالضلال وينهونهم عن الرشاد، ~~وهم روساؤهم الذين لقنهوهم الكفر وزينوه لهم {فأضلونا السبيل} أي طريق ~~الإيمان والهداية، وهذه الآية نزلت في أثنى عشر رجلا من كفار قريش المطمعون ~~يوم بدر أنتهى. # ثم أنهم يطلبون بعض التشفي بتعذيب المصلين، فيقولون {ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب} يريد مثلين منه أي ضعفا لضلاله، وضعفا لأضلاله. # وفي البرهان معناه ضعف عليهم الأنتقام في الدنياء، والعذاب في الأخرة إنتهى. # {والعنهم لعنا كبيرا} أي كثير اعدده. PageV16P092 # قراء أبن كثير، ونافع، وأبوعمرو، وحمزة، والكسائ، وابن عامر، بثا مثلثة، ~~وقراء عاصم بثاء موحدة. # قال أبو علي الكثرة أشبه بالمرات المتكررة، قيل والباء للواحد يفيد أعظم ~~اللعن وأشده، ولما أخبر الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب، ~~أرشد المؤمنين إلى الأمتناع من كل أذا. # فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا}. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: هذا نهي من الله سبهانه عن أذية ~~الأنبياء والأجتراء عليهم في سبب من الأسباب. # ومعني وقد قيل أن الذين أذوا موسى صلى الله عليه وآله وسلم هم الذين ~~قالوا ساحران تظاهر فنسبوه إليه وإلى أخيه السحر فبرأه الله من ذلك بما ~~أفلح من حجته، وأظهر من حقه عند تلقف عصاه إفك السحرة، وإبطال الله لسحرهم ~~وتبينه لفضيحتهم، وقد قيل أن السامري ومن تبعه على دينه من خاصته حين عمل ~~العجل، وقال لبني إسرائيل هذا إلهكم واله موسى فبرأه الله من ذلك عند من ~~أختدع بما أظهر موسى في العجل من التحريق والنسف له في اليم فكلا المعنيين ~~حسن إذا كان كلا الفريقين له مؤذيا والأخر أحسنها عندي في المعنى إذاكان ~~أهله من قبل كفرهم بموسى مؤمنين ولرب العالمين عابدين، ثم ذكروا في موسى ~~ماذكروا من بعد معرفتهم بالحق من الكفر والفسق فنهى الله المؤمنين أن ~~يفعلوا كفعل أولئك الأسرائيلين في الأذا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في ~~أي وجوه الأذى كان وقوله تعالى {وكان عند الله وجيها}فهوا كريم معظم مقدم أنتهى. ms0677 # قال في البرهان: والذي أذوا به رسول الله إن النبي صلى الله عليه وآله ~~قسم قسما فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجع الله، فذكر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ((رحم الله موسى فقد أوذى باكثرمن هذا)). PageV16P093 # وقوله {وجيها}أشتقاقه من الوجه لأنه أرفع مافي الأنسان، أي كان عند الله ~~رفيع المنزلة والمقدار أنتهى. # وقيل: ذاجاه فلذلك كان يزيل عنه التهم. # وقيل: نزلت في زيد بن حارثة وزينب حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وماسمع فيه من قالة بعض الناس، ثم أرشدهم إلى ماينبغي أن يصدر ~~منهم في الأفعال والأقوال. # فقال تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا}أي صوابا ~~عدلا مصيبا للسداد. # قال الشاعر: # وإن قال قولا كان فيه مسدا # أوفاصدا إ لىالخق والسداد # الفصد إلى الحق والقول سدد ألسنتهم نحو الرمية لم يعدل به عن سمتها، ~~والمراد نهم عن حديث زينب من غير عدل في القول، ثم صار أمرا عاما بتسديد ~~القول، أي أصلاحه، ثم وعدهم على الأمرين بأمرين. # أحدهما قوله تعالى {يصلح لكم أعمالكم } أي يقبل حسناتكم ويثيبكم عليها، ~~أو يوفقكم للمجئ بها صالحة. # والثاني: قوله {ويغفر لكم ذنوبكم} الصغائر باجتناب الكبائر وغيرها ~~بالتوبة {ومن يطع الله ورسوله} فطاعة الله هي طعة الرسول، ولكن جمع بنهما ~~لبيان شرف الطيع، فإنه يفعله الواحد، أتحذ عند الله عهدا، وعند الرسول ندا. # وقوله: {فقد فاز فوزا عظيما} أي ظفرا لا أعظم منه، والفوز العظيم من وجهين. # أحدهما: أنه نجا من عذاب عظيم، والنجاة من العذاب تغظم بعظم العذاب حتى ~~أن من ما كان يتفاوت الأمر تفواتا وتكاثرا. # والثاني: أنه وصل إلى ثواب كبير وهو الثواب الدائم الأبدي. # وأعلم: أن الله تعالى لما أرشد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم باحسن الأداب بين أن التكليف الذي وجهه إلى ~~الإنسان أمر عظيم. PageV16P094 # ثم قال سبحانه {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن} أي ms0678 خفن{منها} أن يحملن مأثمها، ووزرها وعذابها، وهذا جائز ~~عند العرب، قال الشاعر: # قد امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني # والحوض لا يقول حرفا من هذا، ولكن معناه أن الحوض لو كان يعقل ويتكلم ~~لقال هذا القول، ونحو هذا الكلام كبير على ألسنة البهائم والجمادات، ومن ~~ذلك قولهم: لو قيل للشحم أن يذهب لقال أسوي العوج، وتصوير مقاولة الشحم ~~محال، ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما ~~يقبح حسنه، فصور أثر السمن فيه تصويرا هو واقع في نفس السامع، وهي به أنس، ~~وله أقبل، وعلى حقيقة أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها، وثقل ~~مح-محملها، والوفاء بها، فعظم أمرها بهذا الكلام، ثم قال سبحانه: {وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} وفي هذه الآية وتفسيرها يقول الهادي -عليه ~~السلام-: هذا مثل مثله الله تعالى يريد سبحانه أنا لو جعلنا في السماوات ~~والأرض تمييزا، وفهما يفهمنا به قدر الأمانة، ثم عرضت عليهن الأمانة، ~~لأبينها وأشفقن منها من خيانة ما فيها، ولم يبلغن، ومعنى عرض الأمانة عليهن ~~فهو التكليف لحمل موثقها، يقول: لو كلفناهن حمل وثائق الأمانة، لأشفقن من ~~نقضها، وأشفقن من خيانة ما فيها، ولم يفعلن بعد المعرفة والتمييز لها ما ~~يفعله الإنسان من الإقدام على نقضها، والغدر بمؤكدة مواثيقها، وحمل إثمها، ~~وجليل سخط الله في نقضها، وحمل الإنسان لها فهو حمل إثم الغدر بها، ~~والارتكاب لسخط الله فيها، ومعنى ظلوما يقول: إن الإنسان ظلوم لنفسه، جهول ~~في الإقدام على معاصي الله بما عليه في ذلك عند الله. PageV16P095 # قال الحسين بن القاسم-عليهم السلام-: والأمانة فهي أمانة الله التي ~~استودعها خلقه، وعقدها في رقابهم، من أداء حقه، والقيام بأمره، وأخذ الحق ~~وإعطائه، ومن ذلك أمانات الخلق فيما بينهم، وما يتظالمون به، ويجترون على ~~الله فيها. # قال في الكشاف: والمعنى إنما كلفه الناس بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض ~~على أعظم خلق الله من الأجرام، وأقواه وأشده أن يتحمله وينتقل به فأبى ~~حمله، والاستقلال به، ms0679 وحمله الإنسان على ضعفه وضمنه، ثم خاس بضمانه، ثم ~~وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء لأمانة، وبالجهل لا خطاية ما يستعده مع ~~تمكنه منه، وهو أداؤها. # وقوله: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} تعليل ~~لحمل الأمانة مجازا، ومعناه ليعذب الله حامل الأمانة الذي لم يؤدها، ويخرج ~~عن عهدها؛ لأن التعذيب نتيجة حملها وعذابهم بالشرك والنفقا، والعصيان ~~والشقاق، فائدة الحاصلة بسببه. PageV16P096 # ثم قال تعالى: {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} أي يتوب على من أدى ~~الأمانة فلم يحملها، بل خرج من عهدتها وهم أهل الإيمان والطاعة، أي يعود ~~عليهم بالفضل ويرجع بالرحومة لهم، قرئ ويتوب بالرفع، ليجعل العلة قاصرة على ~~فعل الحامل، ويبتدي ويتوب، حقيقة ومعناه عرضنا الأمانة ليظهر نفاق ~~المنافقين، وشرك المشركين، فيعذبهم الله، ويظهر به إيمان المؤمنين، ويتوب ~~الله عليهم، أي يعود عليهم بالرحمة، إن وقع منهم تقصير {وكان الله غفورا} ~~للتائبين {رحيما} بهم لقبوله توبتهم أي هو سبحانه منذ تعبد الخلق رحيم بهم، ~~والمعنى والله غفور رحيم فدخلت كان في اللفظ إذا خاطب العرب بلغتها فجاز أن ~~يقول: كان لما قد هو كائن، وفي ذلك يقول أبو طالب عم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: كان ابن أمنة الأمين محمد عندي بمثل منازل الأولاد، فقال: كان ~~فخرج كونه على أن قد زال مما كان عليه عنده، ولم يزل أبو طالب محبا لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، محاربا لقريش دونه حتى مات أبو طالب، ومحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم منه بتلك المنزلة، وإنما أراد بقوله: كان ابن آمنة، أي ~~ابن آمنة، ومن ذلك قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} فلما أن قال ~~تبارك وتعالى كنتم خير أمة خرج المعنى على أنهم قد كانوا ثم غيروا وليس ذلك ~~كما يتوهم، وإنما معنى كنتم أي أنتم وهذا في لغة العرب كثير موجود، ومن ذلك ~~قول الله سبحانه: {وكان الله بكل شيء عليما} وإنما معناها والله بكل شيء ~~عليم، ذكر معنى هذا المرتضى -عليه السلام-. PageV16P097 ### || AUTO سورة الجرز # ثلاثون آية في ms0680 الحجازي والكوفي، وتسع وعشرون في البصري، مكية، ابن عباس ~~وعطاء، إلا ثلاث آيات فمدنية نزلت في علي رضي الله عنه، وفي الوليد بن عتبة ~~قال لعلي: أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأرزن للكتيبة، فقال علي: ~~اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله: {أفمن كان مؤمنا} إلى آخر الآيات. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الم، تنزيل الكتاب} الم مبتدأ إن كان اسما للسورة وخبره ~~تنزيل، وإن جعلته تعديد للحروف ارتفع تنزيل الكتاب بأنه خبر مبتدأ محذوف أو ~~مبتدأ خبره {لا ريب فيه} والوجه أن يرتفع تنزيل الابتداء وخبره {من رب ~~العالمين} ولا ريب فيه اعتراض فاصل للتأكيد، والضمير في وفيه راجع إلى ~~مضمون الجملة كأنه قال: لا ريب في ذلك، أي في كونه منزلا من رب العالمين، ~~وإنما ذكره بلفظ رب العالمين؛ لأن كتاب من يكون رب العالمين يكون فيه عجائب ~~العالمين، فيدعو النفس إلى مطالعته ومعرفته، وإنما نفى الريب فيه وقد قالوا ~~فيه ما هو أطم من الريب من قولهم افتراه؛ لأن معنى لا ريب فيه لا مدخل ~~للريب في أنه تنزيل الله، ولا يرتاب فيه من ينصف الحق؛ لأن نافي الريب ~~ومهبطه معه لا ينفك عنه، وهو كونه معجزا، ومثله أبعد شيء من الريب، ولا ~~اعتداد بقولهم افتراه؛ لأنه إما عن تعنت أو جهل قالوه قبل النظر. PageV16P098 # ثم قال تعالى: {أم يقولون} يعني كفار قريش {افتراه} أي بل يقولون كذبه على ~~الله، وهذا إنكارا لقولهم، وتعجيبا منه لظهور عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات ~~منه {بل هو الحق من ربك} أضرب عن الإنكار، وأكب كونه آي القرآن حق نزل عليك ~~من رب العالمين، والمعنى فيه أتعترفون به أم تقولون هو مفترى، ثم أجاب وبين ~~أنه حق من ربه، ثم بين فائدة التنزيل، وهي الإنذار، فقال: {لتنذر قوما} أي ~~قريش، وقيل: من العرب {ما أتاهم من نذير من قبلك} لأن قريشا لم يبعث الله ~~إليهم رسولا قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن عليهم حجة من جهة ms0681 ~~الشرائع، وإنما كانت بمعرفة الله وتوحيده وعزله؛ لأن العقل كاف فيها، كذا ~~في الكشاف، والأولى ما ذكره بعض علماء العترة الأعلام عليهم الصلاة والسلام ~~حيث قال: لابد أن يكونوا متعبدين بشريعة لقوله تعالى: {وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير} وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولأن قريشا كانت تذبح ~~الأضاحي وتأكل لحم الأنعام وتحج. # قال عبد المطلب وغيره: أنا على دين إبراهيم، فدل ذلك على أنهم كانوا ~~متعبدين بشرع، ولكن لما أهملوا الشرائع ودرست عندهم، وطالت المدة، واتبعوا ~~أهواؤهم حسن الإرسال إليهم، وصح أن يقال: {ما أنذر آباؤهم} أي الأقربين، أي ~~لم يرسل إليهم رسولا جديد، وإن كانوا قد دخلوا في حكم من أرسل إلى آبائهم ~~إلا بمعذبين، وأمروا باتباع شريعته؛ لأن الفترات الواقعة بين الأنبياء ~~عليهم السلام لم يكن أهلها مهملين عن الشرائع، انتهى. # فالمعنى لتنذر قوما ما أتاهم بعد الضلال الذي كان بعد الهداية نذير، ~~والله أعلم. # ثم قال سبحانه: {لعلهم يهتدون} استعار لفظ الترجي للإرادة، أي لإرادتنا ~~أن يهتدوا بما في التنزيل. PageV16P099 # وقيل: الترجي له صلى الله عليه وآله وسلم وغيره، كما كان الترجي لموسى ~~وهارون في أهله يذكر أو يخشى، ومعناه ينذرهم راجيا أنت اهتداؤهم، ثم لما ~~ذكر الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة الدليل، فقال ~~تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما} من الحيوانات والنباتات ~~والجمادات {في ستة أيام} قيل: من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة، إذ لم تكن ~~شمس فيصور اليوم والليل والنهار، والظاهر أنها من أيام الدنيا، أي مدة ~~مقدرة بهذه الأيام، والله تعالى قادر على خلقها في لحظة، لكن لحكمة وإن ~~خفيت علينا، كجعله أصحاب النار تسعة عشر، أو تعليما لخلقه الرفق والتأني في ~~الأمور. # ثم قال تعالى: {ثم استوى على العرش} هو في الأصل سرير الملك، والاستوى ~~عليه كناية عن الملك الكامن؛ لأن استوى الملك على سريره من توابع الملك، ~~فهو أدل على الملك من قولكم: ملك، والمعنى استولى على الملك، وهو الخلق ms0682 ~~جميعا في هذه المواضع خاصة، قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق # بغير ما زور ولا نفاق # ويروى بغير سيف ودم مهراق # وقال آخر: # تداركتما الأحلاف وقد ثل عرشها # وذبيان قد زلت بأقدامها النعل # أي سقط ما يحملها. # ثم قال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي} أي ناصر لكم، أو متولي مصالحكم ~~{ولا شفيع} يشفع لكم، المعنى إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا ناصرا، ~~ولا شفيعا يشفع أو بمعنى الله وليكم الذي يتولى مصالحكم وشفيعكم؛ لأنه لا ~~يشفع أحد إلا بإذنه. PageV16P100 # وقوله: {أفلا تتذكرون} إنكار عليهم، أي فلا تتفكرون في عاقبتكم وقبحها، ثم ~~لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} ~~والعظمة تتبيين بهما فقال سبحانه: {يدبر الأمر} يريد المأمور به من الأعمال ~~الصالحة، أي ينزله مدبرا {من السماء إلى الأرض ثم يعرج} أي يصعد {إليه في ~~يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} معناه ينزل الأمر، أي الوحي المنزل على ~~أنبيائه والشرائع والأحكام، قاله السدي، ومثله في القرآن، أو القضاء قاله ~~مقاتل، أو أمر الدنيا. # قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: أخبر سبحانه أن تدبيره وصنعه من ~~العرش لما بعد عنهم كتدبيره وصنعه لما قرب في الأرض منهم، وأن بعد ما بين ~~العرش وهو ذرأ السماء العلا وبين ما تحتهن مما ترى أعينهم من الأرض الأولى ~~مقدار ألف سنة كاملة مما يعدون، وأن الأشياء كلها لا تبعد عليه كما ~~يستبعدون، انتهى، والعروج الصعود أي ينزل الأمر من السماء مع جبريل ~~والملائكة إلى الأرض، ثم تعرج إليه أي إلى موضع حكمه، وهو السماء في يوم ~~واحد من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع في يوم واحد من أيام الدنيا في ~~نزوله وصعوده مسافة ألف سنة للآدمي؛ لأن مسافة ما بين السماء والأرض ~~خمسمائة سنة. # قال الحسن: ولو أراد الله أسرع من ذلك لكان، فإن جبريل كان ينزل إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أقرب وقت. # وقيل: يقضي الله تعالى أمر ms0683 ألف سنة من أمر الدنيا وهو يوم واحد من أيام ~~الله، ثم يلقيه إلى الملائكة، إلى كل ملك ما هو موكل به، فإذا انقضت هذه ~~المدة قضى الله إليهم ألف سنة أخرى، ثم كذلك حتى يقضي مدة الدنيا. # وقيل: يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم ~~يعرج إليه ذلك الأمر، أي يصير إليه ليحكم فيه كان مقداره ألف سنة وهو يوم ~~القيامة. PageV16P101 # قلت: أما هذا القول الأخير فقد أبطله قوله تعالى في سورة سأل: {في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة} وهو يوم القيامة، والصحيح هو الأول، وهو الموافق ~~لتفسير أئمتنا عليهم السلام، من ذلك قول الهادي عليه السلام حيث قال: معناه ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض فهو ينفق ما يريد من الأمور من السماء إلى ~~الأرض مع جبريل صلى الله عليه إلى أنبيائه عليهم السلام في أرضه، ثم يعرج ~~إليه من بعد إنفاذ ما أمر به في مقدار يوم، فينقطع في مقدار ذلك اليوم ما ~~لو كان مبسوطا في الأرض لم يقطعه العالمون بمصير ألف سنة، ومعنى يعرج فهو ~~يصير إلى الموضع الذي بعث منه، وهو محل جبريل وموضعه الذي يعرج إليه جبريل ~~راجعا، انتهى. ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليهما السلام. # وأما الفرق بين هذه الآية وآية سأل فقد أوضح ذلك نجم آل الرسول القاسم بن ~~إبراهيم عليهما السلام حيث قال في هذه الآية: وأما في يوم كان مقداره ألف ~~سنة فأنبأ الله لا شريك الله أنه يكون في يوم واحد من أمره فيما ينزل من ~~سمائه إلى أرضه، من تقديره ما مقداره عند غيره لو دبره من المقدرين من ~~الآدميين ألف سنة، في التدبير، وأخبر في ذلك عن قدرته التي ليست لقدير. # وأما قوله تعالى في سورة المعراج: {خمسين ألف سنة} فإنما هو أيضا خبره ~~عما له تعالى من القدرة في تعجيل القضاء والحكم إذا فصله، ولا يفعله غيره ~~في خمسين ألف سنة، انتهى. # قال بعض المفسرين: أما قوله ms0684 في المعراج: {خمسين ألف سنة} فإنما هو في ~~النزول بفضل الفضاء والعروج إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة، والنزول ~~منها والعروج إليها في يوم كان قدره خمسين ألف سنة. # وقال في المقاليد: أراد خمسين ألف سنة مدة القيامة على الكافرين، وفيها ~~خمسون موقفا كل موقف ألف سنة. PageV16P102 # ثم قال تعالى: {ذلك} أي الموصوف بهذا الوصف العظيم {عالم الغيب} ما غاب من ~~العباد، وخفي عنهم {والشهادة} المشاهد الحاضر {العزيز} القادر الذي لا ~~يمتنع عليه شيء، ولا يفوته ما أراد، كان بلا كلفة ولا مشقة {الرحيم} بخلقه، ~~القابل توبة عباده، ولما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله: ~~{خلق السماوات والأرض وما بينهما} وأتمه بتوابعه ومكملاته، ذكر الدليل ~~الدال عليه من الأنفس، فقال تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه}. # قال في البرهان: يعني أحسن إلى كل شيء خلقه، فكان خلقه إحسان إليه، أو ~~جعل كل خلقه إحسانا في الحكمة والمعقول، واتقان الصنعة الذي لا تنكره ~~العقول، والمعنى أحسن جميع مخلوقاته إذ ما من شيء خلقه إلا هو مرتب على ~~مقتضى الحكمة، فكل مخلوقاته حسنة، وإن تطاولت في الحسن وفي خلقه قراءتان: # إحداهما: بفتح اللام على أنهما فعل ماض صفة للشيء. # الثانية: بتسكينها وهو منصوب بدلا من كل شيء، ثم قال سبحانه: {وبدأ خلق ~~الإنسان من طين} هو آدم عليه السلام. # قال في البرهان: روينا عن آبائنا عليهم السلام عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله خلق آدم من قبضة أمر جبريل أن يأخذها من ~~جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأبيض والأسود والأحمر، ~~وبين ذلك الحزن والسهل)) {ثم جعل نسله من سلالة} سلالة الشيء خلاصته أي يسل ~~من أجوده، أي النطفة تسل من صلب الإنسان أي تخرج، سميت الذرية نسلا؛ لأنها ~~تنسل منه، أي تنفصل. # وقوله: {من ماء مهين} أي حقير؛ لأنه أحقر الأمواء. # وقوله: {من ماء} بدل من قوله: {من سلالة} أو غير بدل، إذا كانت السلالة ~~مأخوذة من الماء {ثم سواه} ms0685 قومه وعدله وأصلحه. PageV16P103 # قوله: {ونفخ فيه من روحه} عبارة عن إحيائه، ودل بإضافة الروح إلى ذاته أنه ~~خلق عجيب لا يعلم حقيقته إلا هو، كأنه قال: ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو ~~به وبعلمه. # ثم قال تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} يريد آلة استماع الحق، ~~وآلة أبصار الاعتبار، وآلة التفكر والتدبر وهي القلوب. # ثم قال: {قليلا ما تشكرون} ما زائدة لتأكيد القلة وهي في معنى العدم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الرسالة بقوله: {تنزيل الكتاب إلى قوله: ما ~~أتاهم من نذير من قبلك} وذكر الوحدانية بقوله: {الذي خلق إلى قوله: وجعل ~~لكم السمع والأبصار} ذكر سبحانه الأصل الثالث وهو الحشر بقوله: {وقالوا ~~أئذا ضللنا في الأرض} لما قال سبحانه: {قليلا ما تشكرون} بين عدم شكرهم ~~بإتيانهم بضده وهو الكفر، وإنكار قدرته على إحياء الموتى، قالوا تعجبا من ~~إعادتهم، وإنكارا لبعثهم: {أئنا لفي خلق جديد} يجدد خلقنا، ويعاد كما كان، ~~أي نبعث، والقائل أبي بن خلف، ورضي الباقون بقوله: فأسند إليهم الكل، كأنه ~~أراد ابتدأنا الخلق من عدم، وعلى غير مثال، ومع ذلك قال الجاحدون: إنا لا ~~نقدر على إعادتهم، وقالوا: {أئذا ضللنا في الأرض} أي سرنا ترابا، واختلطنا ~~بترابها لا نميز منه كما يضل الماء باللبن، أو معناه غبنا فيها بالدفن ~~والعرب تقول: كل شيء غلب عليه غيره حتى غاب قد ضل، قال الأخطل: # كنت الفدى في موج أكدر مزبد ... قذف الإناء به فضل ضلالا # ثم قال تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} جعل اللقاء عبارة عن الوصول إلى ~~العاقبة من تلقي ملك الموت وما بعده، أضرب عن كفره بالأشياء إلى أبلغ منه ~~في الكفر وهو كفرهم بكل ما يكون في العاقبة لا الإنشاء وحده. PageV16P104 # قال في البرهان: وهذه الآيات نزلت في أبي بن خلف، ثم بين لهم ما يكون من ~~الموت إلى العذاب، فقال سبحانه: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} أي ~~أمر بقبض أنفسكم التوفي استيفاء النفس وهو الروح، أي تقبض الأرواح كلها لا ~~تبقي ms0686 شيء منها، من توفيت حقي فلان إذا أخذته وافيا مجاهد، حويت أي زويت ~~لملك الموت الأرض كالطشت يتناول منها ما شاء، قتادة معه أعوان من الملائكة. # وقيل: يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها. # وقال الهادي عليه السلام: المعنى في ذلك أن توفي ملك الموت لم يتوفا هو ~~بأمر الله فملك الموت يقبض النفس، والله مخرجها من البدن، وما كان من ملك ~~الموت فإنما هو بالله ومن الله، وبإذنه وأمره، وتقديره وحكمه، وتقوية ملك ~~الموت على ذلك في خلقه. # قال في البرهان: وروينا عن آبائنا عليهم السلام، عن جعفر بن محمد عليه ~~وعلى آبائه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى ملك الموت ~~عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ارفق ~~بصاحبي فهو مؤمن)). # فقال ملك الموت: يا رسول الله طب نفسا، وقر علينا، فإني بكل مؤمن رفيق، ~~واعلم أيما من أهل بيت مذر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفجهم كل يوم ~~خمس مرات، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا رسول لو ~~أردت أن أقبض بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها، انتهى. # وقوله: {يتوفاكم ملك الموت} ينفي عن بقاء الأرواح، فإن التوفي الاستيفاء ~~والقبض، وهو الأخذ والإعدام المحض ليس بأخذ، ثم إن الروح الزكي الطاهر عند ~~الملائكة مثل الشخص بين أهله المناسبين له، والخبيث الفاجر يبقى عندهم ~~كالأسير بين قوم لا يعرفهم، ولا يعرف لسانهم. PageV16P105 # ومعنى قوله تعالى: {ثم إلى ربكم ترجعون} أي إلى جزائه، فيجازيكم بأعمالكم، ~~ولما ذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بين ما يكون عند الرجوع على سبيل الإجمال. # قوله تعالى: {ولو ترى} يجوز أن تكون للتمني، كأنه قال: وليتك ترى، ~~والتمني لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان الترجي لهم في نحو ~~لعلهم يهتدون؛ لأنه تجرع منهم الغصص فتمنى له أن يراهم على تلك الحال ~~الفظيعة ليشمت بهم، ويجوز أن يكون لو امتناعه وجوابها ms0687 محذوف، أي لرأيت أمرا ~~عظيما، أو لرأيت ما يسرك، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ويجوز أن يكون لكل مخاطب، ثم أخبر عن وقت تلك الرؤية بقوله: {إذ المجرمون ~~ناكسوا رءوسهم} من الخزي والغم والندم، على ما كان من تفريطهم، في أمر الله ~~وطاعته. PageV16P106 # قال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله عما يكون من المجرمين في يوم ~~الدين، من تنكيس رؤسهم يوم الحشر، ووقت النشر عند الحساب، وتنكيس الرؤس فعل ~~يفعله النادم المتحسر الموقن بالعقاب، المؤيس من الثواب، المستسلم المبلس، ~~ومعنى عند ربهم فهو عند المصير إلى آخرتهم، والوقوف بين يدي الخالق في موضع ~~جزائه، يستغيثون بقولهم: {ربنا أبصرنا} ما كنا نكذب به بالمعاينة {وسمعنا} ~~بكل ما كنا نخبر به، وجاء كل ما كنا نسمع من قولك، وقول أنبياءك على ما كنا ~~نسمع سواء سواء {فارجعنا} أي ردنا إلى الدنيا حتى {نعمل صالحا} غير الذي ~~كنا نعمل إذ كان عملنا في الدنيا أولا بورا، وهو اليوم إذ قد عاينا، فقد ~~أصبح عندنا معلوما مخبورا {إنا موقنون} يقولون: إن اليوم بما كنا نكذب به ~~من قبل مؤمنون، أو قد رأيناه عيانا، وواقعناه ايقانا، ثم أخبر عز وجل عن ~~قدرته فقال سبحانه: {ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها} يعني لو أراد أن يجبر ~~الخلق على الاهتداء، ويدخلهم كلهم في الطاعة والهدى بالقسر منه لهم جبرا، ~~والجبر لهم في ذلك قسرا لفعل سبحانه ذلك بهم، ولكانوا في جميع الأمور كذلك، ~~غير أن الله سبحانه، لم يرد إدخالهم في طاعته وهداه جبرا، ولم يرد إخراجهم ~~من معاصيه جل جلاله قسرا، بل أمرهم سبحانه تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلفهم ~~يسيرا، وأعطاهم على قليل كثيرا، أراد أن يطيعوه مختارين بالاختيار لا ~~بالجبر لهم، وكذلك معاصيهم بالاختيار منهم، كانت فيهم ومنهم لا بقضاء شيء ~~من ذلك سبحانه عليهم حكم من الحكيم الرحمن الرحيم، ورأفة منه في ذلك لكل ~~إنسان، وتمييز منه بذلك بين أهل الطاعات والعصيان، ليستحق كل بإختياره جزاء ~~فعله، وليجد ما قدم من ms0688 خير أو شر باختياره غدا، اعتذر به قطعا منه جل ~~جلاله، عن أن يحويه قول، أو يناله لحجج خلقه عنه ليهلك من هلك عن بينة، ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم، PageV16P107 انتهى. # قال تعالى: {ولكن حق القول مني} أي وقع وعيد الله، أو وجب مقتضاه ومعناه، ~~وفسر القول بما بعده وهو قوله: {لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين} على ~~عصيانهم، وتركهم لطاعة خالقهم الذي خلقهم وأقدرهم، ومكنهم من الأفعال. # قيل: ويحتمل أن المراد بالقول عبارة عن التكليف المبني على الاختيار ~~المقتضى للجزاء، أي ولكنا بنينا أمر التكليف عن على الاختيار لا الاضطرار، ~~فاستحبوا العمى على الهدى، فجقت كلمة العذاب على أهل العمى دون البصر بدليل ~~قوله: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} فأضاف النسيان إليهم، أي فذوقوا ~~بما تركتم من العمل للقاء يومكم هذا من ترككم لطاعتي، وتكذيبكم لبعثي ~~وجزائي. # وقيل: النسيان خلاف الذكر، يعني أن الانهماك في الشهوات ينهاكم عن ~~تذكيرات العاقبة، وسلط عليكم نسيانه. # وأما قوله: {إنا نسيناكم} فهو تركناكم في العذاب، والنسيان من الله بمعنى الترك. # وقيل: على مقابلة النسيان بالنسيان، أي جازيناكم جزا سيئاتكم {وذوقوا ~~عذاب الخلد} أي الدائم الذي لا انقطاع له {بما كنتم تعملون} من المعاصي في ~~دار الدنيا، وقد تغير في الذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما ~~لاحساسها به كإحساس المطعوم بالمذوق. # قال عمرو بن أبي ربيعة: # فذق هجرها إن كنت تزعم أنه # رشاد ألا يارب ما كذب الزعم # ولما بين حال المجرمين بين حال المؤمنين فقال عز وجل: {إنما يؤمن ~~بآياتنا} أي يصدق بحجتنا ومعجزاتنا، وينتفع بمواعظنا {الذين إذا ذكروا بها} ~~أي وعظوا بآيات الله {خروا سجدا} أي سجدوا لله خاضعين طائعين، وكل من سقط ~~على شيء فقد خر عليه، قال الشاعر: # وقد خر على الآلات ولم................ # كان ...........سيف صقيل PageV16P108 ومعنى: {وسبحوا بحمد ربهم} أي نزهوه عن نسبة القبائح إليه، وأثنوا عليه ~~حامدين له، أي سبحوه متلبسين بحمده، وبمعرفته وطاعته {وهم لا يستكبرون} عن ~~عبادته، كما ms0689 يفعل من يصر مستكبرا كان لم يسمعها، ثم قال تعالى: {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع} هي الفرش ومواضع النوم، أي تقع وتتنحى عنها بالليل، ~~ويقومون ويقعدون خوفا من العذاب، قال الشاعر: # جنبي تجافى عن الوساد # مخافة البعث والمعاد # وقال ابن الزبعري: # يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا اشتغلت بالمشركين المضاجع # قال في التجريد: واختلف منهم فقيل المتهجدون عن الحسن، ومجاهد، وعطاء، ~~وأبي العالية وقتادة أنها في قيام الليل. # وعن ابن عباس: تتجافى جنوبهم لذكر الله، إما في الصلاة وإما في قراءة أو ~~غيرها من الذكر. # وقيل: هم يصلون ما بين المغرب والعشاء عن أنس بن مالك. # وقيل: هم الذين يصلون العشاء ولا ينامون عنها عن ابن عباس، وقيل: في ~~الذين يصلون العشاء والصبح في جماعة، عن أبي الدرداء والضحاك، ثم قال ~~سبحانه فيهم: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} في رحمته. # قوله: {خوفا وطمعا} يحتمل أن يكون مفعولا، ويحتمل أن يكون حالا أي خائفين ~~طامعين، كقولك: جاؤني زورا، أي زائرين. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرها قيام العبد من الليل. # قال في البرهان: وروينا عن آبائنا عليهم السلام أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ((إن شئت ~~أخبرتك بأبواب الخير كله، الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في ~~جوف الليل)) وإنما هذه الصلاة المرغب فيها هي صلاة الليل، وهي ثمان ركعات ~~بأربع تسليمات، بعد التهجد، إما في ثلث الليل أو نصفه أو في طلوع الفجر، انتهى. PageV16P109 # قال الهادي عليه السلام: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((من صلى ثمان ركعات في الليل سوى الوتر يداوم عليهن حتى يلقى الله ~~بهن فتح الله عليه اثنى عشر بابا من الجنة)). # وقال: ((صلاة الليل ثماني ركعات)) صح لنا ذلك عن رسولنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # وروى أبو طالب عليه السلام بإسناده المعروف في آماله عن زاذان، عن سلمان، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms0690 يقول: ((من صلى ثمان ركعات من ~~الليل والوتر يداوم عليهن حتى يلقى الله بهن فتح الله له اثنى عشر بابا من ~~الجنة يدخل من أيها شاء)) روي هذا الخبر في أمالي أحمد بن عيسى. # وقال الهادي عليه السلام في (الأحكام) أيضا: بلغنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((ركعتان في نصف الليل الآخر أفضل من الدنيا وما ~~فيها، ولولا أن أشق على أمتي لفرضتها عليهم)) انتهى، وهذا الخبر أيضا في ~~أمالي أحمد بن عيسى. # وعن زيد بن علي في مجموعه، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: ~~ركعتان في ثلث الليل الأخير خير من الدنيا وما فيها. # ثم قال عز وجل: {ومما رزقناهم ينفقون} أي الزكاة وغيرها. # وفي البرهان: هذا الإنفاق في وجوه البر كله سوى الزكاة. # وقوله: {فلا تعلم نفس}يريد أي نفس كانت لا ملك مقرب ولانبي مرسل، أي ليس ~~تعلم النفوس ولا تخطر على القلوب {ما أخفي لهم} ليوم القيامة {من قرة ~~أعين}ما تقر به أعينهم من الثواب من الحور والجنان، والنعيم والإحسان ولا ~~مزيد على هذه العدة ولا يطمع وراها. PageV16P110 # قال في البرهان: روينا عن آبائنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال تعالى: ((إني أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر، ما أطلعتهم عليه وأقرأوا إن شئتم فلا تعلم نفس الآية)) ثم ~~قال تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} من فعل الطاعات واجتناب المعاصي؟، انتهى. # وفي هذا قطع لأطماع المتمنين بغير عمل. # قال الحسن: هذا في جزاء أعمال السر أخفوا أعمالهم في الدنيا فاخفى الله ~~لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. # ثم قال تعالى: {أفمن كان مؤمنا} أراد عليا عليه السلام {كمن كان فاسقا} ~~يعني الوليد بن عقبة. # وقيل: عقبة بن أبي معيط. # قال في البرهان: لما روينا أن عقبة ساب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: ~~أنا أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأبلى منك حشوى. # فقال له أمير ms0691 المؤمنين عليه السلام: ليس كما تقول يافاسق، فنزل تصديق قول ~~أمير المؤمنين عليه السلام من السماء {لايستوون} في الجزاء عند الله تعالى. # قال في التجريد: نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وفي الوليد بن عقية ~~بن أبي معيط، شجر بينهما كلام يوم بدر فقال اسكت فإنك صلب، وأنا والله أبسط ~~منك لسانا. # فقال له علي: أسكت فإنك فاسق، تقول الكذب فنزلت، ثم تناولت كل مؤمن ~~وفاسق، وقد شهدت هذه الآية لعلي كرم الله وجهه في الجنة بالإيمان وأنه في ~~جنة المأوى. # ولما بين حال المجرم وحال المؤمن، قال للعاقل هل يستوي الفريقان، ثم بين ~~أنهما لا يستويان، ثم بين عدم الاستوا على سبيل التفضيل. PageV16P111 # فقال سبحانه: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} سميت ~~بذلك لأنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وهي نوع من الجنان، أو المراد الجنة ~~نفسها لأنها مأوى لأهلها، أي سميت موطأ لهم، ثم قال: {نزل} أي عطا {بما ~~كانوا يعملون} والنزل عطا النازل، ثم صار عاما في كل عطا {وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم} أي فملجأهم ومنزلهم {النار} ويجوز أن يريد فجنة مأواهم النار ~~تهكما بهم {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} معنى إرادة الخروج ~~وإعادتهم. # ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في ~~أعلاها ذربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفا، {وقيل لهم} توبيخا وذما ~~{ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} في الدنيا، ثم قال تعالى تهديدا ~~لهم{ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} هو عذاب الدنيا من القتل والأسر، وقحط ~~قريش سبع سنين {دون العذاب الأكبر}. # قال قي البرهان: العذاب الأدنى هو الانتقام في دار الدنيا والعذاب الأكبر ~~عذاب جهنم، ومعناه ولنذيقنهم من العذاب الأقرب الذي هو الدنيا قبل العذاب ~~الأكبر الذي في الآخرة، والعذاب الأدنى هو الحدود والموت، والقتل والأمراض، ~~والغموم والرزايا، والمصائب، ثم قال سبحانه {لعلهم يرجعون} أي ليرجعوا إلى ~~الحق ويتوبوا من الكفر والفسق، أو لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا، ~~ويطلبونه أن اريد بالأدنى عذاب القبر ، وسميت ms0692 إرادة الرجوع رجوعا، كما سميت ~~إرادة القيام قياما في إذا قمتم إلى الصلاة. # قاله في الكشاف وفي التجريد: إذا أحمل العذاب الأدنى على القتل أوعذاب ~~القبر، فالمراد لعل من بقي منهم يرجع. # وقيل: لعلهم يرجعون في الدنيا إذا سمعوا أنهم يعذبون في قبورهم إذا ماتوا ~~والأول أولى، والله أعلم. PageV16P112 # ثم قال تعالى: {ومن أظلم} أي لا أحد أكثر ظلما {ممن ذكر بآيات ربه} أي وعظ ~~بها {ثم أعرض عنها} ثم لاستبعاد الأعراض عن آيات الله مع وضوحها وإنارتها، ~~وارشادها إلى السعادة والهدى، كما تقول لصاحبك وجدت مثل تلك الفريضة ثم لم ~~ينتهزها استبعادا لترك الإنتهاز، ثم قال سبحانه {إنا من المجرمين منتقمون} ~~هم كفار مكة أنتقم الله منهم ببدر، فضربت الملائكة عليهم السلام وجوههم ~~وأدبارهم، ولما قرب الأصول الثلاثة على ما بيناه عاد إلى الأصل الذي بدأ به ~~وهو الرسالة المذكورة في قوله: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} فقال ~~تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة {فلا تكن} يامحمد {في مرية من ~~لقائه}. # قال في البرهان: يعني من لقاء أذى قومه كما لقى موسى عليه السلام من قومه انتهى. # والمعنى فلاتكن في شك من أمرك لأجل لقاء الأذى من قومك فقد لقى موسى من ~~الأذى مثل ما لقيت مع كونه نبيا رسولا. # وقيل: معنى من لقائه أي لقا الكتاب، أي أتينا موسى كما أتيناك من الكتاب ~~وألقيناه ما ألقيناك من الوحي، وأنك لتلقى القرآن فلا تكن في شك من أنك ~~لقيت مثل ما لقي من الكتاب والوحي. # وقال الحسين بن القاسم عليهم السلام: يريد فلا تكن في شك من لقائه يوم ~~القامة، المخاطب النبي، والمراد غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يشك ولا يمتري في لقائه مثل قوله: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما} # وقد علم الناس جميعا في ذلك الوقت أن أبويه لم يبلغا عنده ولا أحدهما بل ~~ماتا وهو صغير، ولكن هذا تأديب من الله أخبره على لسانه انتهى. PageV16P113 # ويحتمل أن ms0693 تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فإنه لما أتى بكل آية وذكر بها وأعرض عنها قومه حزن صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقيل له: ألا تذكر حال موسى، ولا تحزن فإنه لقى مالقيت وأوذى كما ~~أوذيت، وعلى هذا فاختيار موسى عليه السلام لحكمة وهي أن أحدا من الانبياء ~~لم يؤذه قومه إلا الذين لم يؤمنوا به، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير ~~قوم موسى فإن من لم يؤمن آذاه مثل فرعون وغيره، ومن آمن به من بني إسرائيل ~~أيضا أذاه بالمخالفة وطلب أشياء منه، مثل طلب رؤية الله جهرة ومثل قولهم ~~{فاذهب أنت وربك فقاتلا} ثم بين له أن هدايته غير خالية عن المنفعة كما أنه ~~لم تخل هداية موسى، حيث جعل الله كتاب موسى هدا، كما قال تعالى:{ وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة} يقتدى بهم {يهدون} الناس {بأمرنا} أي ~~إلى ما في التوراة من دين الله تعالى، ثم أخبر أن ذلك يحصل بالصبر. PageV16P114 # فقال تعالى: {لما صبروا} أي حين صبروا على إظهار الحق بنصرة الدين، واحتمال ~~أذى الخلق فاستحقوا لجميل صبرهم منزلة الإمامة ودرجة الزعامة، والجعل هنا ~~بمعنى الحكم، أي حكمنا لهم بالإمامة والأئمة هم الرؤساء في الخير البرءا من ~~الشر ، القادة إلى الهدى، والمانعون من الهلكة والردي ذكره في البرهان، ثم ~~قال: {وكانوا بآياتنا يوقنون} أي لايشكون في صحتها وفي وجوب الأهتدى بها ~~وقوي لما كسر من الألام، أي لصبرهم واتقائهم، والمعنى أنا أتينا موسى مثل ~~ماأتيناك من الكتاب ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، وجعل الكتاب المنزل ~~على موسى هدى لقومه، وجعل من قوم موسى أئمة يهدون بالحق للناس ويدعونهم إلى ~~ما في التواراة لصبرهم وايقانهم بالآيات، وكذلك يامحمد لنجعل الكتاب المنزل ~~عليك هدا ونورا، ولنجعلن من أمتك من أهل بيتك وذريتك ائمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا عليه من الدين وثبتوا عليه من اليقين، كما جعلنا في كتاب موسى وأمته، ~~ثم قال تعالى: {إن ربك هو يفصل} ms0694 أي يقضي بحكمه {بينهم يوم القيامة} يريد ~~الأنبياء والأئمة وخلفهم، ومعنى يقضي يحكم بتبليغهم ماأمر به وجحدان قومهم ~~لما دعوا إليه {فيما كانوا فيه} من الحق {يختلفون} فيميز المحق في دينه من ~~المبطل، وهذا يصلح جوابا لسوأل، وهو أنه لما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون} كان لقائل أن يقول: كيف كانوا يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقا، وسبيل ~~الحق واحد، فقال فهم هداة، والله بين المبتدع من المتبع، كما بين المؤمن من ~~الكافر يوم القيامة، وفيه وجه آخر وهو أن الله تعالى بين وأخبر أنه يفصل ~~بين المختلفين من أمه واحدة، كما يفصل بين المختلفين من الأمم، فينبغي أن ~~لا يأمن من آمن ولم يجتهد، فإن المبتدع معذب كالكافر. PageV16P115 # غاية مافي هذا الباب أن عذاب الكافر أشد، ثم قال تعالى: {أولم يهد لهم} ~~الضمير لكفار قريش، أي أولم يدل وبين لهم صدقك وهو مأخوذ من الهداية إلى ~~الشيء والدلالة عليه {كم أهلكنا من قبلهم من القرون} وكان أهل مكة يمرون في ~~متاجرهم على مساكن القرون المهلكة نحو عاد وثمود، وقوم لوط. # قال في الكشاف: الواو للعطف على محذوف الفاعل مادل عليه كم أهلكنا، أي ~~ألم يبين لهم ويهديهم كثرة اهلاكنا لأن كم لا يقع فاعله، لا يقال جاني كم ~~رجل، أولم يهدلهم هذا الكلام كقولك تعصم لا إله إلا الله، فالدماء ~~والأموال، انتهى. # وقوله: {يمشون في مساكنهم} زيادة في آياته، أي مساكن المهلكين دالة على ~~حالهم وأنتم تمشون فيها وتبصرونها فلا تعتبرون بمصارعهم { إن في ذلك} الذي ~~شاهدوه {لآيات} أي دلائل وعبر تهدهم إلى اتباع الحق {أفلا يسمعون} آيات ~~الله وعظاته بأذان واعية. # ولما بين الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر ~~والنفع بيد الله فقال تعالى: {أولم يروا} أهل مكة {أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز}. # أي الأرض اليابسة التي جرز نباتها، أي قطع إما لعدم الماء أو لأنه رعي ~~وأزيل، ولايقال للسباخ جرز بدليل {فنخرج به} أي الماء {زرعا تأكل منه ~~أنعامهم} أي من علفه ms0695 {وأنفسهم} من ...... ابن عباس في أرض اليمن. PageV16P116 # وقيل: هي أبين وهي في اليمن أيضا {أفلا يبصرون} بصر اعتبار، ولأن الأمر ~~مرئي بخلاف الماضين، فإنها كانت مسموعة، ومن نعمة الله أن جعل أرزاق ~~أنعامهم التي لا غنى لهم عنها في فضلات رزقهم دون الحب، ثم قال تعالى: ~~{ويقولون متى هذا الفتح} أي النصر والحكومه، كان المسلمون يقولون إن الله ~~سيفتح لنا على المشركين فيقول المشركون متى هذا الفتح، أي في أي وقت يكون ~~{إن كنتم صادقين} في أنه كاين استعجالا على وجه التكذيب والإستهزاء. # قال في البرهان: المراد به فتح مكة، يعنى من قتله رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من كفار كنانة، انتهى. # وقيل: هويوم بدر، وقيل: يوم القيامة، أي يوم تفتح القبور والجنة والنار ~~{قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} كما نظرو ا ~~واستعجلوه تكذيبا، أي لايؤخرون بالعذاب إذا جاء الوقت وهذا ظاهر إن أريد به ~~يوم القيامة، وإن أريد به يوم بدر أو يوم فتح مكة، والمراد لا ينفع ~~المقتولين حال القتل، وإلا فقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة، ونفع ناس يوم بدر. # وفي تفسير هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: كذلك حكم الله عز وجل في ~~أعدائه إذا جاء الفتح عليهم، والنصر منه فيهم لم تنفعهم عند الله العلوا ~~منه عليهم توبة ولا يقالوا زلة ألا تسمع كيف يذكر سبحانه عنهم فيما كانوا ~~فيه يقولون إذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح، متى هذا ~~الفتح إن كنتم صادقين. # يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم استبطاء منهم وتكذيبا به فأخبر ~~عز وجل أن يوم الفتح لاينفع الذين كفروا إيمانهم عند الظهور عليهم، وهو فتح ~~مكة الذي وعد الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد قيل أن يوم الفتح يوم هلاك الله عز وجل لهم وإنزاله الموت بهم. PageV16P117 # وقد قيل أنه يوم القيامة، والقول الأول أصوب وأصح؛ لأنه إنما تقبل التوبة ~~من قبل المقدرة، ألا تسمع كيف ms0696 يقول سبحانه: {إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم} فجعل التوبة لهم من قبل المقدرة، ولم يجعلها عند المقدرة ~~عليهم بعد رد الحق والصدق عنه، فلما كان السيف قائما والحرب ثابتة فليس إلا ~~القتل لأعداء الله، فأما إذا وقعوا في الأسر فليس محل قتلهم ولا يسع عند ~~الله سبحانه إهلاكهم إلا أن يقاتلوا وهم مأسورون، فتحل بذلك دماؤهم. # وفي قتل الظالمين سير مذكورة وأخبار صحيحة، فمنهم من يقتل أسيره ومنهم من ~~لايقتل، وكل ذلك بين أهل العلم والفهم وأضح عند من شرح الله صدره ونور ~~بالحكمة قلبه، انتهى. # ولما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم تنفعهم قال تعالى: {فأعرض عنهم} أي ~~ذرهم واتركهم فقد أنذرتهم وابلغت في الخطاب والنصيحة، ثم قال {وانتظر} ~~النصر عليهم {إنهم منتظرون} النصر عليكم، أو معناه وانتظر هلاكهم فإنهم ~~منتظرون هلاكك، وعلى هذا فرق بين الانتصارين لأن انتصار النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بأمر الله تعالى بعد وعده وإنتظارهم بتسويل أنفسهم والتعويل ~~على الشيطان. # روى بفتح الطاء أي فإنهم أحقاء بأن تنظر هلاكهم أي هم هالكون لا محاله، ~~والملائكة تنظر هلاكهم، والله أعلم. ### || AUTO سورة لقمان # أربع وثلاثون آية في العراقي والحجازي وقيل: ثلاث في الحجازي والمكي مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الم} قيل اسم للسورة أوالقرآن {الحكيم} أي ذي الحكمة لما ~~فيه من العلوم أو وصفه بصفة الله مجازا. # وفي البرهان: الحكيم الذي أتقن فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ثم قال: {هدى} يعني من الضلاله ويجوز هدى إلى الجنة {ورحمة} بالنصب على ~~الحال من الآيات المشار إليها، وقرئ برفعها خبر مبتدأ محذوف. # وفي معنى رحمة وجهان، رحمة من العذاب لمافيه من الزجر عن استحقاقه. PageV16P118 # والثاني: نعمة بالثواب لما فيه من البعث على استحقاقه، ثم قال {للمحسنين} ~~وهم الذين أحسنوا إلى نفوسهم بخلاصها من النار، ثم قال تعالى: {الذين ~~يقيمون الصلاة} أي يفعلونهاكاملة {ويؤتون الزكاة} المفروضة {وهم بالآخرة هم ~~يوقنون} أي لا يشكون فيها، ثم قال تعالى: {أولئك على ms0697 هدى} أي توفيق في ~~الطريق الموصل إلى الفوز {من ربهم وأولئك هم المفلحون} أي السعداء الظافرين ~~عند الله بكل مطلوب، ثم قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} ~~الاضافة للبيان بمعنى من كتاب ساج، ولما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على ~~آيات حكيمة بين حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم أن فيه ما ~~بين سوء صنيعهم من وجوه. # الأول: أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح. # الثاني: هو أن الحديث إذا كان لهوا فلا فائدة فيه كان أقبح. # الثالث: هو أن اللهو قد يقصد به بالأحماض كما ينقل عن بن عباس أنه قال حمضوا. # ونقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((روجوا ساعة فساعة)) والعوام ~~يفهمون منه الأمر بما يجوز من .......... والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى ~~جانب الحق، فإن الترويج به لاغير، فلما لم يكن قصدهم إلا الاضلال بقوله ~~تعالى: {ليضل عن سبيل الله} أي ليغوي ويلهي عن دين الله أو القرآن على ~~القولين كان فعله ادخل في القبح. PageV16P119 # وفي تفسير هذا يقول الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله سبحانه عن من ~~يشتري لهو الحديث، ولهو الحديث فهو الغنى والملاهي كلها من شطرنج أو نرد، ~~أو وتر يضرب به، أو شيء من الملاهي التي حرمها على عباده، ويعني يشتري فهو ~~يختار ويؤثر، ويجتبي هذا اللهو على غيره من الخير ليضل عن سبيل الله، معناه ~~يشتغل ويشغل بذلك نفسه، وعبادة عما سوى اللهو من سبيل الله وسبيله، فهي ~~طاعته واتباع مرضاته، فأخبر الله سبحانه أن من الناس من يؤثر الشر على ~~الخير، يطلب بذلك التلهي والطرب في أرض الله بما يصده وغيره عن سبيل الله، انتهى. # قال الزجاج: من قرأ بضم الباء فمعناه ليضل غيره وإذا أضل غيره فقد ضل، ~~ومن قرأ بفتح الباء فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وإن لم يكن مستريا وهو ~~عام في الحديث وغيره كاللعب والميسر، ومن ذلك ........... بما لا أصل له ~~والتحدث بالخرافات والمضاحك. # قيل: نزلت في النضر بن ms0698 الحارث كان يتجر إلى فارس فيشتري بها كتب الأعاجم، ~~ويقول لقريش كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم ~~وبهرام، فيحدثهم فيستلحون حديثه ويتركون استماع القرآن. # وقيل: كان يشتري المغنيات يستميل من أراد الإسلام بالغناء والطعام، وشرب ~~الخمر، ويقول هذا خير لكم مما يدعوكم إليه محمد من الصيام والقيام، والقتال ~~بين يديه، ومعنى بغير علم أي بغير حجة، ورواية يريد أنه جاهل فيما يفعل، ~~وقيل: بغير علم بالتجارة بحيث يشتري الضلال بالهدى {ويتخذها هزوا} أي يتخذ ~~سبيل الدين مهزوا بها وقوله: {أولئك لهم عذاب مهين} يهينهم ويذلهم ويخزيهم. # ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى} أي أعرض عنها ولايبالى بها ~~{مستكبرا} عن سماعها {كأن لم يسمعها} أي يشبه حالة من لم يسمعها وهو سامع. PageV16P120 # وقوله تعالى: {كأن في أذنيه وقرا} أدخل في الأعراض أي صما، وثقلا يمنعه عن ~~السماع، والوقر ثقل السمع ثم قال: {فبشره بعذاب أليم} أي له عذاب مهين ~~فبشره أنت به، وأوعده وضع البشارة بالعذاب موضع البشارة بالثواب، استهزاء به. # واعلم أنه تعالى لمابين حال من إذا تتلى عليه الآيات ولى بين حال من يقبل ~~على تلك الآيات ويقبلها، وكما أن ذلك له مراتب من التولية والاستكبار، ~~هذاله مراتب من الإقبال والقبول والعمل. # فقال سبحانه {وعد الله حقا} مصدران مؤكدان. # الأول: مؤكد لنفسه. # والثاني: مؤكد لغيره؛ لأن لهم جنات النعيم في معنى وعدهم الله جنات ~~النعيم فأكد معنى الوعد، وأما حقا فدال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد، ~~ومؤكدها جميعا قوله {لهم جنات النعيم} فأكد معنى الوعد ثم قال: {وهو ~~العزيز} القادر الذي لا يعجزه شيء فهو يعطي النعيم من يشاء والبؤس من يشاء ~~{الحكيم} الذي لا يفعل إلا بعدل وحكمة، ثم بين عزته وحكمته بقوله تعالى: ~~{خلق السماوات بغير عمد ترونها} الضمير راجع للسماوات استشهد برؤيتهم لها ~~غير معمودة، أي ترونها بغير عمد كما تقول لصاحبك أنا بغير سيف تراني وإنما ~~يمسكها بقدرته بعمد لا يرى، وأنكره أبو علي وجوز أبو هاشم ms0699 الأمرين ~~.......هذا الضمير راجع إلى العمد أي بغير عمد مرتبة. # قلنا: وإن كان هناك عمد غير مرتبة فهي قدرة الله وإرادته لا غير. # ثم قال تعالى: {وألقى في الأرض رواسي} أي حبالا ترسيها وتسكنها {أن تميد ~~بكم} يريد أن لا أولئك تميد بكم. # وقيل: كراهة أن تضتطرب بكم؛ لأنها كانت تحرك فأرساها بالجبال، ثم قال ~~تعالى:{ وبث فيها} أي نشر وكثر {من كل دابة} وهي الحيوان سمي بذلك لدبيبه ~~على الأرض ودبيبه حركته. PageV16P121 # وقوله: {وأنزلنا من السماء ماء} التفات من الغيبه إلى التكلم وفيه فصاحة ~~وحكمة، وهذه نعمة أخرى أنعمها الله على عباده، وتمامه سكون الأرض؛ لأن ~~البذر إن لم ينبت لم يكن يحصل الزرع، ولو كانت أجزا الأرض متحركة كالرمل ~~لما حصل النبات، ولما كمل الثبات، ولما كان انزال الماء نعمة ظاهرة متكررة ~~في كل زمان ومكان أسنده إلى نفسه سبحانه صريحا ليتنبه الإنسان لشكر نعمته ~~فيزيد له من رحمته. # وقوله تعال: {فأنبتنا فيها من كل زوج} أي صنف منالنبات كريم مرضي في ~~منافعه، والكريم وصف لكل مايرضي ومحمد. # قال في البرهان: الناس نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار ~~فهو لئيم، انتهى. # ثم قال تعالى: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} وهم آلهتكم ~~حتى استوجبوا العبادة وهذا تبكيت لهم. # ثم قال تعالى: {بل الظالمون في ضلال مبين} أي بين أو ميين للعاقل أنه ~~ضلال أي ذهاب وبعد عن الطريق بين ليس بعده ضلال أضرب عن تبكيتهم إلى وصفهم ~~بالضلال، ولما بين الله فساد اعتقادهم بسبب جهلهم وعنادههم في إشراك من لا ~~يخلق شيئا بمن خلق كل شيء، وبين أن المشرك ظالم ضال، ذكر على ما يدل على أن ~~الحكمة لمن وعاها بسبب النجاة من الضلال. # فقال تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة} وهي العلم والعمل، وقيل أنها ~~النبوة وهو لقمن بن باعور أبن أخت أيوب عليه السلام أو ابن خالته. # وقيل: كان من أولاد آزر، وعاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ ms0700 منه ~~فأكثر الأقاويل أنه كان حكيما، وقيل: كان نبيا. # وفي البرهان: كان عبدا حبشيا راعيا فرآه رجل يعرفه قبل ذلك فقال: ألست ~~عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ # قال: بلى. # قال: ما بلغ بك ما أرى؟ # قال: طاعة الله عز وجل، وأداء الأمانة، وصدقي في الحديث، وترك ما لا ~~يعنيني، والحكمة التي أوتيتها هي العقل والاصابة في القول، انتهى. PageV16P122 # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في حديقة الحكمة: ~~أن لقمان الحكيم عليه السلام كان في بعض مقامته ذات يوم وهو ينطق بالحكمة ~~والناس محدقون به يأخذون من كلامه، فجاء رجل من أعداء الحكمة قد غاظه ذلك ~~يريد نقصه عليه السلام، فقال له: أنت لقمان عبد آل فلان الذي كنت ترعا لهم الحمر؟ # فقال عليه السلام: أنا ذلك الرجل، وكان عليه السلام في أول الامر عبدا ~~حبشيا، فلما ظهرت حكمته اعتقه مولاه في قصة طويلة، فقال له عدو الحكمة ما ~~بلغ بك هذه المنزلة؟ # فقال عليه السلام: في تركي لما لا يعنيني، فصارت نادرة على ذلك الرجل، ~~ودونت في مهارت الحكمة، انتهى. # ابن عباس كان عبدا أسود راعيا فرزقه الله العتق، ورضى قوله فقص أمره في ~~القرآن ليتمسكوا بوصيته، ثم فسر إتاؤه الحكمة بقوله تعالى: {أن اشكر} أي ~~قلنا له أن أشكر{لله} أي نعمة.وفي شكره وجهان: # أحدهما: هو حمده على نعمه. # والثاني: هو طاعته على ما أمره وأن مفسرة؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول. # قال مقاتل: اشكرلي إذ هديتك للإسلام ولوالديك بما أوليتك من الإحسان. PageV16P123 # وعن سفيان بن عيينة من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعى لوالديه في ~~أدبارهما فقد شكر لوالديه، ثم إن الله تعالى بين أن بالكشر لاينتفع إلا ~~الشاكر فقال: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} لأن منفعة شكره لا تعود عليه، ~~وشكر عبادته والعمل بموجب حكمته، وبين أن بالكفر لايتضرر غير الكافر بقوله: ~~{ومن كفر} فلم يشكر {فإن الله غني} عن شكره {حميد} مستحمد إلى خلقه، أي ~~حقيق بأن يحمد ms0701 وإن لم يحمده أحد، ويحوز أن يكون المعنى غني عن خلقه حميدة ~~في فعله، وقوله تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه} عطف على معنى ماسبق، أي واذكر ~~حين قال لقمان لابنه كان اسمه انعم، وقيل: أشكم، وقيل: كان ابنه وامرأته ~~كافرين فمازال بهما حتى أسلما، ومعنى {وهو يعظه} أي يذكره ويؤدبه، ثم إنه ~~في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الشرك، فقال سبحانه حاكيا عنه: {يابني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} أي فساد لمن فعله عظيم؛ لأن التسوية بين من ~~لا نعمة إلا منه وبين من لا نعمة منه ألبتة ظلم لا يكتنه عظمه يعني عند ~~الله وسماه ظلما؛ لأنه قد ظلم نفسه. # قال الله عز وجل: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ثم قال تعالى: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه} أن يبرهما ويعاهدهما تحننا عليهما، وهذه الآية ~~عامة وإن جاءت بلفظ خاص فالمراد به جميع الناس، ثم بين السبب فقال: {حملته ~~أمه وهنا على وهن} أي حملتة تهن وهنا على وهن، أي تضعف ضعفا فوق ضعف، وكلما ~~ازداد الحمل وعظم ازدادت ثقلا وضعفا، ذكر ماتكابده في المشاق في حمل الولد ~~وفصاله ليكون حثا على الإحسان إليها. # قال في البرهان: يعني جهدا على جهد قال الشاعر: # هل للعواذل من ناه فيزجرها ... إن العواذل فيها الأفن والوهن PageV16P124 يعني ضعف الولد حالا بعد حال، فضعفه نطفة ثم علقه، ثم مضغة ثم عظما، ثم ~~سويا ثم مولولدا، ثم رضيعا، ثم فطيما، انتهى. # ومعنى: {وفصاله} أي فطامه من رضاع اللبن؛ لأنه فصل عن الرضاع {في عامين} ~~أي هذه المدة غاية الرضاع، وفيما دونها إلى اجتهاد الأم، واختلف في حكم ~~الرضاع بعد الحولين، هل يكون في التحرم كحكمه في الحولين؟ فعندنا أنه لا ~~يحرم بعد الحولين في تقدير الله تعالى له بالحولين، ولقول رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لا رضاع بعد الحولين)) ذكره في البرهان. # وقوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} تفسير للوصية بهما، أي أطعني في ~~برهما والإحسان إليهما، والمعنى اشكر الله بالحمد ms0702 والطاعة، وشكر الوالدين ~~بالبر والصلة، ولما أمر بالشكر لنفسه وللوالدين قال سبحانه: {إلي المصير} ~~فأجازيكم على الشكر أو تركه، وفيه وعيد على ترك الوصية. # قال في البرهان: يعني فيجازي المحسن على إحسانه بالجنة، والمسيء بالنار، ~~وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((رضى الرب مع ~~رضا الوالدين، وسخط الرب مع سخط الوالدين)) انتهى. # ثم قال تعالى: {وإن جاهداك} أي أبلغا جهدهما فيك وحملاك {على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم} يعني لا تعرف له شريكا، أراد بنفي العلم نفي المعلوم، ~~كأنه قال: على أن تشرك بي ما ليس شيء أي الأصنام، كقوله: {ما تدعون من دونه ~~من شيء} لأنها كالمعدوم الذي لا ينفع ولا يضر{فلا تطعهما} في الشرك والكفر ~~وإن كنت مأمورا ببرهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق {وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} أي صاحبا معروفا حسنا، بخلق جميل، وحلم وبر وصلة، تعودهما ~~إذا مرضا، وتتبعهما إذا ماتا، وتواسيهما مما أعطاك الله عز وجل. PageV16P125 # ومعنى: {واتبع سبيل من أناب إلي} أي واتبع في دينك فريق من أناب إلي من ~~المؤمنين، يعني أقبل علي بقلبه مخلصا ولا تتبع سبيلهما {ثم إلي مرجعكم} أنت ~~وهما {فأنبئكم بما كنتم تعملون} فأجازيكم على إيمانكم، وأجازيهما على ~~كفرهما، وأخبركم بجزاء ما عملتم من حسن وقبح، والمعنى لا تجفوهما لأجل ~~شركهما، وتجعل عقوقهما عقوبة في كفرهما. # قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص حلفت أمه من الطعام والشراب حتى يكفر ولدها ~~سعد بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد. # وفي رواية كان برا بأمه، فلما أسلم قالت: غيرت دينك، لتدعن هذا أو لا أكل ~~ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه، ومكثت ثلاثا لا تطعم ولا ~~تشرب، فشكى سعد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية، والتي ~~في العنكبوت، والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يداريها ويحسن إليها. # وفي رواية أنه قال ms0703 لها: يا أمه تعلمي والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت ~~نفسا نفسا ما تركت ديني هذا، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك ~~أكلت، وهذا الكلام اعتراض فاصل بين وصية لقمان لتأكيد النهي عن الشرك. # ثم قال تعالى: {يابني إنها إن تكن مثقال حبة من خردل} وهذا مثل ضربه الله ~~تعالى بمثقال حبة من خردل في الوزن {فتكن في صخرة} أي في جبل {أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله} أي يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء، ~~كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله، فيأتي به يوم القيامة فيجازى به، ~~ذكره في البرهان، وهذا دليل ليتوصل به إلى علم الله عز وجل وحفظه، لكل صغير ~~وكبير من الأمور، والمراد به المثل لحفظ الله للجزاء على العمل اليسير من ~~أعمال البر أنه لا يضيع لعامله عند الله عز وجل. PageV16P126 # قيل: إن ابن لقمان قال لأبيه: أرأيت لو كان حبة في قعر البحر كان يعلمها ~~الله، فأجابه بهذه الآية، ومعناه أن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى ~~الأمكنة؛ لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. # قال في الكشاف: على القراءة بنصب مثقال الضمير للهبة من الإساءة أو ~~الإحسان، أي إن كانت في الصغر والحقارة في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة، ~~أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي. # وعلى قراءة رفع مثقال الضمير للقصة، وإنما أتت مثقال لإضافته إلى الحبة ~~كما قال: # كما شرقت صدر القناة من الدم # ثم قال: {إن الله لطيف} باستخراجها {خبير} أي عالم بمكانها. # قال في التجريد: وروي أن لقمان لما قال: إنها إن تك مثقال حبة إلى آخر ~~الآية، انفطرت قلبه هبة لله من هذه الكلمة فمات، فكان آخر حكمته. # ثم قال تعالى حاكيا: {يابني أقم الصلاة} ظاهره الصلاة المعروفة. # وقوله: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر} عام فيهما، ثم قال تعالى: {واصبر ~~على ما أصابك}. # قال أكثر المفسرين: يعني بسبب الأمر والنهي، فيكون عاما في كل محنة ~~ومصيبة، ms0704 أو لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر عليه، ~~ثم قال: {إن ذلك} الذي وصيت به {من عزم الأمور} أي معزومات الأمور ~~ومقطوعاتها، وواجباتها، وحقيقته أنه من تسمية المفعول بالمصدر، أي عزمه ~~الله أي قطعه قطع إيجاب، ومنه قول الملك لمن تحت يده: عزمت ألا فعلت كذا، ~~فلا يكون للمعزوم عليه بد من فعله، ويجوز أن يكون مصدرا في معنى الفاعل على ~~صلة من عزمات الأمور، من قوله سبحانه وتعالى: {فإذا عزم الأمر} كقولك: جد ~~الأمر، وصدق القتال على المجاز، ولما أمره بأن يكون كاملا في نفسه مكملا ~~بغيره، وكان يخشى بعده من أمرين: # أحدهما: التكبر على الغير بسبب كونه مكملا له. PageV16P127 # والثاني: التبختر في النفس بسبب كونه كاملا في نفسه، فقال: {ولا تصعر خدك ~~للناس} وقرئ لا تصغر ومعناها واحد، أي تعرض عنهم تكبيرا، والمعنى أقبل على ~~الناس بوجهك، ولا تولهم شقه، كما يفعله المتكبرون، والصعر داء يصيب البعير، ~~يلوي منه عنقه. # ثم قال: {ولا تمش في الأرض مرحا} أي مختالا، أي لا تمش تمرح مرحا، وأوقع ~~المصدر موقع الحال يمعنى مرحا، ويجوز لا تمش لغرض المرح، أي لا يكون غرضك ~~في المشيء البطالة، والأشر كما تمشي كثير من الناس، كذلك لا كفاية مهم ديني ~~أو دنيوي {إن الله لا يحب كل مختال} أي متكبر {فخور} يفتخر على الناس، ~~والفخور المتطاول على الناس بنفسه، المفتخر عليهم بما معه من مناقبه، ولما ~~قال: {ولا تمش في الأرض مرحا} وعدم ذلك قد يكون بضده، وهو الذي يخالف غاية ~~الاختلاف وهو مشي المتماوت الذي يرى نفسه الضعف تزهدا، فقال: {واقصد في ~~مشيك} أي كن وسطا بين الطرفين المذمومين، وامش بالوقار والسكينة، أي لا ~~تسرع فيه، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((سرعة ~~المشيء تذهب ببهاء الرجل)). # وقيل: معناه لا تختل في مشيتك، وقيل: توسط لا تدب دبيب المتماوتين، ولا ~~تثب وثب الشطار، جمع شاطر الذي أعيا أهله خبثا، قاله في الجوهري. # ومعنى: {واغضض ms0705 من صوتك} فهو اخفضه وانقص منه. # ثم قال تعالى: {إن أنكر الأصوات} إن أوحشها وأقبحها {لصوت الحمير} ولم ~~يعب على الحمير؛ لأنها لا تذم على ذلك، ولكن عاب على ذوي الألباب، أن ~~يتشبهوا بالحمير التي لا يعقول لها، فيصيروا في سوء الأدب مثلها، فجعل ~~الرافعين أصواتهم حميرا، وأصواتهم نهاقا، مبالغة في تهجير رفع الصوت. PageV16P128 # قال في البرهان: والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه أقبح في ~~النفس، وأنكر في السمع؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق، وهو عند العرب مضروب به ~~المثل، والسبب في ضرب الله تعالى صوت الحمار مثلا، لما روينا عن الحسين بن ~~علي عليهما السلام أن المشركين كانوا في الجاهلية يتجاهرون ويتفاخرون برفع ~~الأصوات، فمن كان منهم أشد من صوتا كان أعز، ومن كان أخفض صوتا كان أذل، ~~فقال الله تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} لو أن شيئا يهاب لصوته ~~لكان الحمار، فجعلهم في المثل بمنزلته، انتهى. # وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: وهذه وصية من ~~لقمان-رحمة الله- لابنه يأمره أن لا يصاعر خده للناس، ومعنى تصاعر خدك، فهو ~~تعرض بوجهك عن الناس، وتصفج لهم بخدك، وتعصره لهم استخفافا بهم، وإعراضا ~~عنهم عند إقبالهم عليك، ومسألتهم لك، وأمره أن يقبل بوجهه إليهم، ويبسط ~~وجهه لهم، ولا يعرض بهم عنهم، وهذا فعال يفعله الجبابرة الأرض بالناس، ~~ومتكبروها إذا أقبل الناس إليهم وعليهم، أعرضوا بوجوههم عنه وأعطوهم خدودهم ~~فكلموهم وخدودهم مصعرة عنهم، ومعنى مصعرة فهي ملوية منحرفة، ومعنى مرحا فهو ~~لا يمش في الأرض أشرا وبطرا، ساهيا لاهيا، وامش متدللا متصعرا متفكرا، ~~ناظرا في أثر صنع الله فيها متدبرا، ولا تكن عند نشاتك فيها عند ذلك معرضا، ~~ولا له تاركا انتهى. # ولما بين الله أن المعبود لعظمته بخلق السماوات بلا عمد، وإلقاه في الأرض ~~الرواسي، وذكر بعض النعم بقوله: {وأنزلنا من السماء ماء} ذكر بعده عامة ~~النعم، فقال تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات}. PageV16P129 # قال عليه السلام: معناه فهو جعل وقدر ms0706 لكم ما في السماء من المنافع، من ~~الأمطار والشمس والقمر، والنجوم في أول النهار مرة وغروبها مرة، وطلوعها ~~أخرى {وما في الأرض} مما سخره وقدره وجعله في معايشها، ومنافعها، وما جعل ~~الله سبحانه من الخيرات لبني آدم، فهذا معنى سخر لكم. # ومعنى قوله: {وأسبغ عليكم} فهو أكثر لكم من {نعمه} وعطائه ومنته {ظاهرة ~~وباطنة} فالظاهر في ذلك ما ظهر وعلم وأبصر بالعين وفهم، والباطنة فهو ما لا ~~يرى بالعين ولا يعرفه سببه مما يوليه الله عباده، ولا يوقف عليه محاسنه، ~~ولا يعلم إلا بالمعرفة بالله، والإقام من دفع نوازل الشرور عن العباد في ~~آناء الليل والنهار، وما يسرف عنهم من البلوى، وتقيهم من آفات الدنيا وهم ~~لا يعقلون ذلك، ولا يفهمونه ولا ينال رؤيته بحاسة من حواسه، فيفهمونه، ~~والله يفعله لهم من حيث لا يعلمون، ويتولى لهم الصنع فيه وهم غافلون. # ثم أخبر سبحانه بخبر من يجادل في الله فقال: {ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم} فهي مجادلة الجهال للعلماء في أمر الله، ومعارضتهم لهم فيما لا ~~يعقلونه من قول الله، فيتخبطون أكثر مما يصيبون ويأثمون ولا يؤجرون إذا ~~كانوا في أمر الله يحكمون وينطقون بما لا يعرفونه، ولا يعقلونه، وهم يخطئون ~~فيه بجهالتهم، ويتكلمون فيه بمجادلتهم، فيثبتون ما نفى الله، وينفون ما ~~يثبت الله، ويحكمون بغير حكم الله، ويجهلون العلماء بالله، ويزعمون أن ~~الصواب في خطأ قولهم، وأن الخطأ ما جاء به العلماء، فذمهم الله على ذلك ~~تبارك وتعالى، وأخبر لجهلهم وسوء نظرهمن لأنفسهم، انتهى. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: وقوله: {بغير علم} يريد يجادل في الله ~~بغير علم ولا بصيرة في دينه وتوحيده، أي يخاصم المؤمنين في توحيد الله، ~~ويذمهم في تركهم للشرك به بلا علم، ولا دلالة إلا تقليدا لآبائه، وحياطة ~~مذهبه ولجاجه، انتهى. PageV16P130 # ثم قال تعالى: {ولا هدى} أي نضر واستدلال يهتدي به {ولا كتاب} أي وحي ~~{منير} يستنير به الحق {وإذا قيل لهم} الكفار {اتبعوا ما أنزل الله} أي ~~القرآن الذي يقضي بالتوحيد ms0707 {قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} من عبادة ~~الأصنام والشرك بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام ~~آبائهم، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم، فكيف ما بين الله ~~وكلام الجهال. # ثم قال تعالى: {أولو كان الشيطان يدعوهم} أي اتبعونهم في حال دعاء ~~الشيطان إياهم {إلى عذاب السعير} النار الحامية، استفهاما على سبيل التعجب ~~في الإنكار، يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله إلى الثواب، وهم مع هذا ~~يتبعون الشيطان، ولما بين حال الشرك والمجادلة في الله بين حال المسلم ~~المستسلم لأمر الله فقال تعالى: {ومن يسلم وجهه} يريد نفسه أي يقبل {إلى ~~الله} بالطاعة له، والتسليم لحكمه ، والرضا بجميع فعله {وهو محسن} في عمله ~~وهو شرط في صحة هذا التوكل والتفويض {فقد استمسك بالعروة الوثقى} العروة ما ~~يمسك به الإناء ونحوه، ومعنى بالدين الوثيق، شبهت حال المتوكل بحال من ~~يتدلى من شاهق، فاستمسك بأوثق عروة من جبل متين مأمون انقطاعه، والعروة ~~الوثقى هي كتاب الله عز وجل، والهداة من ولد الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم ؛ لأنهما السبب بين الله وبين الخلق. PageV16P131 # ثم قال تعالى: {وإلى الله عاقبة الأمور} أي صايرة إليه، وعنده ثواب ما ~~صنعوا، ثم لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر، وقال: {ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره} وكيده الإسلام، فإن الله دافع كيده في نحره، ومعاقبه عليه ~~{إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} أي نخبرهم بجزاء أعمالهم {إن الله عليم ~~بذات الصدور} أي بما في صدور عباده، فيعاملهم بحسبها، ثم وصل ذلك وقال: ~~{نمتعهم} بمنافع الدنيا {قليلا ثم نضطرهم} أي نلجئهم في الآخرة {إلى عذاب ~~غليظ} استعار الغلظ من الأجرام العظيمة للعذاب، والمراد الشدة في عذاب ~~النار الذي لا يجدون عنه محيطا. # واعلم أنه تعالى ما استدل بخلق السماوات بغير عمد، وبنعمه الظاهرة ~~والباطنة، أخبر سبحانه أنهم معترفون بذلك غير منكرين له، فقال: {ولئن ~~سألتهم ms0708 من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون} أمره بالحمد إلزاما لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض ~~هو الله وحده، فيجب له الحمد والشكر دون الأصنام، وأن لا يعبد معه غيره. PageV16P132 # ثم أخبر سبحانه أنه لا شريك له في خلقه فقال: {لله ما في السماوات والأرض} ~~خلقا وملكا، ثم قال: {إن الله هو الغني} عن جميع الحامدين {الحميد} أي ~~المستحق للحمد وإن لم يحمد، ولما قال تعالى: و{لله ما في السماوات والأرض} ~~وكان ذلك موهما بتناهي ملكه لانحصار ما في السماوات وما في الأرض فيهما، ~~وحكم العقل بتناهيهما بين أن في قدرته وعمله عجائب، لا نهاية لها، فقال ~~سبحانه: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~ما نفدت كلمات الله} المعنى لو أن أشجار الأرض أقلام، والبحر الأعظم أي ~~المحيط في الأرض ممدود سبعة أبحر مملؤة مدادا، وكتبت كلمات الله بتلك ~~الأقلام، وبذلك المداد حتى نفدت الأقلام والمداد، لما نفذت كلماته أي كلمات ~~علمه وحكمته. # قال في الكشاف: فإن قلت كان مقتضى الكلام أن يقال: ولو أن الشجر أقلام ~~والبحر مداد، قلت: أغنى عن ذكر المداد قوله: يمده؛ لأنه من قولك مد الدواة ~~وأمدها، جعل البحر الأعظم بمنزلة المداد، وجعل الأبحر السبعة مدادا فهي تصب ~~فيه مدادها صبا لا ينقطع. # قال في التجريد: بفتح الياء وضمها، والفتح من مده الداوة، والضم من ~~أمدها، وقال ابن الجوزي: قال اليزيدي: يمده بفتح الياء يزيد فيه، يقال: ~~مدد،.............في مائها مدادها، وكذلك قال ابن قتيبة: يمده من المداد لا ~~من الإمداد، يقال: ممدت دواتي بالمداد وأمددته بالمال والرجال، انتهى. # قال في البرهان: وفي سبب نزولها قولان: # أحدهما: أن المشركين إنما هو أي القرآن كلام يوشك أن ينفد، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. PageV16P133 # والثاني: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة ~~قالت له أحبار اليهود يا محمد: أرأيت قولك وما أؤتيتم من العلم إلا قليلا، ~~إيانا ms0709 تريد أم قومك؟ فقل: ((كل لم يؤتى من العلم إلا قليلا، أنتم وهم)). # قالوا: إنك تتلو فيما جاءك من الله أنا قد أؤتينا التوراة، وفيها تبيان ~~كل شيء؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إنها في علم الله قليل)) ~~وأنزل الله تعالى هذه الآية انتهى. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: وهذا القرآن جزء من كلمات الله نزله ~~إلى عباده رحمة منه لهم، وعائدة بالفضل عليهم، فليس يدرك باطن أغواره، ولا ~~يحاط بعجائب أسراره؛ لأن تجب كل كلمة كلام متصل لا يحصى، وعجائب عظيمة لا ~~تستقصى، فنحن على كل حال مقصرون عن أغوار بحوره، منحصرون عن غآيات أموره، ~~ألا إنا سنجتهد قدر طاقتنا، ونتكلم على قدر مبلغ عقولنا، انتهى. # ثم قال تعالى: {إن الله عزيز} غالب لا يعجزه شيء {حكيم} في جميع أفعاله، ~~ولما ذكر أن ملكوته كثير أشار إلى ما يحقق ذلك فقال: {إنه عزيز حكيم} أي ~~كامل القدرة، فيكون له مقدورات لا نهاية لها، وإلا لانتهت القدرة إلا حيث ~~لا يصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم، ففي علمه ما لا نهاية له، فتحقق أن ~~البحر لو كان مدادا لما نفد ما في علمه وقدرته، ولما بين كمال قدرته وعلمه ~~ذكر ما يبطل استعبادهم للحشر فقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة} أي ما خلقكم في الدنيا ولا بعثكم في الآخرة إلا كنفس واحدة وبعثها ~~أي سوى في قدرته القليل والكثير، إذ لا يشغله شاغل عن شأن. PageV16P134 # قال في البرهان: يقال: نزلت في أبي بن خلف، وابن الأسد بن يغوث، ومنبه ~~ونبيه ابني الحجاج قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله خلقنا ~~أطوارا ثلاثة: علقة، ثم مضغة، ثم عظما، يقول: إن نبعث خلقا جديد أو نجمع في ~~ساعة واحدة، فأنزل الله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} الآية. # ثم قال تعالى: {إن الله سميع} أي عالم بكل مسموع {بصير} عالم بمكل مبصر ~~في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعض عن بعض، وكذلك الخلق ms0710 والبعث وهو وعيد لهم. # قال تعالى: {ألم ترى أن الله} الاستفهام لتقرير الرؤية، ألم تعلم أن الله ~~{يولج الليل في النهار} فتحصل ظلمة الليل في مكان ضياء النهار بمغيب ~~الشمس{ويولج النهار في الليل} أي يحصل ضياء في مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس. # وقيل: الإيلاج زيادة في أحدهما ما ينقص من الآخر، يعني ما ينقص من النهار ~~بجعله في الليل، وما ينقصه في الليل يجعله في النهار، معنى وسخر الشمس ~~والقمر فهو ذللهما بالطلوع والأفول تقديرا للآجال، وإتماما للمنافع، ثم ~~قال: {كل} من الشمس والقمر {يجري} في فلكه ويقطعه {إلى أجل مسمى} معناه إلى ~~وقت معلوم. # قيل: وهو آخر السنة في الشمس، وآخر الشهر في القمر. # وقال في البرهان: يعني إلى وقته في طلوعه وأفوله، لا يعدوه ولا يقصر عنه. # قلت: وقول قدماء أمتنا عليهم السلام وغيرهم أن الأجل المسمى هو يوم ~~القيامة؛ لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذ، فدل بهذا سبحانه على عظيم قدرته، ~~على كل شيء من البعث وغيره، ولما كان الليل والنهار، محل الأفعال، قال ~~تعالى: {وأن الله بما تعملون} بالليل والنهار{خبير} فهو يجازيكم عليه. PageV16P135 # ثم قال: {ذلك بأن الله هو الحق} أي الذي وصف به من عجائب قدرته، وباهر ~~حكمته بأن الله، أي بسبب أن الله هو الحق الثابت الاهية {وأن ما يدعون} أي ~~يدعونه إلها {من دونه الباطل} أي باطل إلهيته {وأن الله هو العلي} في ~~برهانه {الكبير} في سلطانه، فهو العلي الشأن الكبير السلطان، أو ذلك الذي ~~أوحى بسبب أن الله هو الحق إلى آخره، ولما ذكر آية سماواته ذكر آيات أرضه ~~فقال تعالى: {ألم ترى أن الفلك} وهي السفن {تجري في البحر بنعمة الله} على ~~عباده، على إحسانه ورحمته. # وفي البرهان: يعني وفائدتكم منه أوبرحمة الله لكم بخلاصكم منه، انتهى. # وقوله: {ليريكم من آياته} أي بعض قدرته وعلامات نعمته، وقال فيه يعني جري ~~السفن فيه، وقيل: مفتاح البحر السفن، ومفتاح السماء الدعاء. # والثاني: ما يرون فيه من قدرة الله، انتهى. # ثم قال تعالى: {إن ms0711 في ذلك} المذكور{لآيات} أي دلائل على قدرته {لكل صبار} ~~على بلائه {شكور} لنعمائه، أو صبار على الطاعة، شكور على الجزاء؛ لأن ~~المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء، وعند النعم والآلاء فيسير إذا أصابته نقمة ~~وشكر، إذا أتته نعمة، وورد في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر)) إشارة إلى أن التكاليف أفعال وتروك. PageV16P136 # ثم قال تعالى: {وإذا غشيهم} في البحر {موج كالظلل} يرتفع موج البحر حتى ~~يكون كالظلة، وهي ما أضلك من جبل أو سحاب أو غيرهما {دعوا الله مخلصين} أي ~~في صورة المخلصين غير المشركين يعني موحدين له، لا يدعون لخلاصهم سواه {له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} أي متوسط في الظلم والكفر، يريد أن ~~ذلك الإخلاص لا يبقى لأحد، بل ذلك الإخلاص بل الأمثل مقتصد خفض غلوانه، ~~وانزجر بعض انزجار سبب النجاة، أو مقتصد أي في الإخلاص أي نقص إخلاصه بعد ~~ما أمن، وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر. # ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنا} الدالة على القدرة والنعمة، أي ما يكفر ~~بها {إلا كل ختار} والختر أشد الغدر، وختار مبالغة فيه، قال: # فإنك لو رأيت أبا عمير # ملأت يديك من ختر وغدر # وقوله: {كفور} شديد الكفر. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: ختار أي غدار خسيس، لا وفاء له بعهده، ~~ولا تمام في عهده، قال الشاعر: # وبالملك الرحمن أحلف صادقا # وأقسم أني ما خترت من العهد # وقال آخر: # وما أنا بالختور ولا الذي # إذا استودع الأسرار يوما أذاعها # والمعنى يعترف بالنعمة الصبار الشكور، ويجحدها الختار الكفور، والصبار في ~~موازنة الختار لفظا ومعنى، والكفور في موازنة الشكور إما لفظا وإما معنى، ~~ولما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها، وعظم التقوى فقال تعالى: ~~{ياأيها الناس اتقوا ربكم} أي غضبه وعقابه {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ~~ولده} أي لا يقضي عنه شيئا. # قال في البرهان: يقال جزيت عنك أي أغنيت، والثاني لا يحمل، قال الراعي: # وأجزيت أمر ms0712 العالمين ولم يكن # إلا ليجزي كامل وابن كامل # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى لا يجزي أي لا يفدي عنه العذاب. PageV16P137 # قال الله سبحانه: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} أي فدى مثله، فأخبر أن الفدى ~~لا يكون يوم القيامة، ولا يمكن، وأن الوالد والولد لا يقضي ولا ينفع واحد ~~منهما صاحبه شيئا، انتهى. # وقوله: {ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} أكد من قوله: ولا ولد؛ لأن ~~الولد يقع على الولد، وولد الولد بخلاف المولود، فإنه الذي يليك، وإذا لم ~~ينفع الأب والأقرب فأولى أن لا ينفع الأبعد، ولا يشفع الولد لوالده شيء إلا ~~بشرط الإيمان، والخطاب لمؤمنين مات آباؤهم على الكفر. # ثم قال تعالى: {إن وعد الله} وهو البعث للجزاء {حق} ثابت واجب الوفاء، ~~فقوله: {إن وعد الله حق} يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون تحقيقا لليوم يعني اخشو يوما هذا شأنه وهو كائن لوعد ~~الله به ووعده حق. # والثاني: أن يكون تحقيقا لعدم الجزاء، يعني لا يجزي والد عن ولده؛ لأن ~~الله وعد بأن لا تزروا وازرة وزر أخرى، ووعد الله حق فلا يجزي، والأول أحسن وأظهر. # ثم قال تعالى: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} إذا كان الأمر كذلك فلا تغتروا ~~بالدنيا، فإنها زائلة لوقوع اليوم المذكور بالوعد الحق، لا يغرنكم الإمهال ~~على الانتقام{ولا يغرنكم بالله} أي بوعده، والقيام بطاعته {الغرور} أي عظيم ~~الغرور، وهو الشيطان. # وقيل: الدنيا، وقيل: يمنيكم المغرفة مع المعصية يعني الدنيا، لا ينبغي أن ~~تغركم بنفسها، ولا ينبغي أن تغتروا وإن حملكم من محبتها غار من نفس أمارة ~~أو شيطان، وكان الناس على أقسام، منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل ~~إليها، ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان، ويزين في عينه الدنيا ويؤمله، ~~ويقول: تحصل بها الآخرة، وتلتذ بها، وتتوب فتجمع لكل الدنيا والآخرة، ~~فنهاهم عن الأمرين، وقال: كونوا قسما ثالثا، وهم الذي لا يلتفتون إلى ~~الدنيا، ولا إلى ما يحسن من الدنيا في الأعين. PageV16P138 # قال في البرهان: تقرأ بفتح الغين وضمها، فمن ضمها ms0713 أراد غرور الدنيا وخدعها، ~~ومن فتحها أراد بها الغار من الأمل وغيره. # وفي التجريد: الغرور بفتح الغين، فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، بمعنى ~~فاعل، نحو صبور وهو بناء مبالغة، وبضم الغين مصدر غره غرورا جعل الغرور ~~غارا كما قيل: جد جده، أو أريد به زينة الدنيا. # ثم قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة} أي وقت القيامة {وينزل الغيث} ~~في إبانة من غير تقديم ولا تأخير، والمراد العلم بنزول الغيث في زمانه ~~ومكانه {ويعلم ما في الأرحام} أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، أمعمر أم لا، ~~أشقي أم سعيد {وما تدري نفس} برة أو فاجرة {ماذا تكسب غدا} من خير أو شر، ~~وإن عزمت على أحدهما {وما تدري نفس بأي أرض تموت} أي في أرض ولا أي وقت ~~يكون موته. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أراد الله قبض عبد ~~بأرض جعل له إليها حاجة)) {إن الله عليم} أي مختص بعلم الغيب، ومن جملته ~~هذه الأمور. # وقوله: {خبير} تأكيد إذ معنى الخبير والعليم واحد. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((مفاتيح الغيب خمس)) وتلا هذه الآية، روى ~~أن الحارث بن عمرو المحاربي أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~رسول الله أخبرني عن الساعة متى قيامها، وإني قد ألقيت حباتي في الأرض ~~وأبطأت عني السماء فمتى تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي فقد شملت -أي لقحت- ما في ~~بطنها ذكرا أم أنثى، وإني علمت ما عملت أمس فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد ~~عرفته فأين أموت؟ فنزلت، وجعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من ~~معنى الحيل والحيلة، والمعنى أن هذه الخمس لا تعلم، وإن أعملت الحيلة فيها. # وعن ابن عباس: من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب. # وعنه: لا يعلم هذه الخمسة ملك مقرب، ولا نبي مرسل. PageV16P139 # وقال بعضهم: ما معنى أن الله تعالى نفى علم نحو هذه الأمور بهذه الآية من ~~غيره، وهو كذلك، لكن المقصود ليس ذلك؛ لأن الله يعلم ما هو أخفى ms0714 من ذلك، ~~ولا يعلمه غيره فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر، وإنما الحق فيه أن ~~يقول لما قال الله: {واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده} وذكر أنه كائن ~~بقوله: {إن وعد الله حق} كأن قائل قال: فمتى يكون هذا اليوم؟ فأجيب بأن هذا ~~العلم ما لم يحصل لغير الله، ولكن هو كائن، ثم ذكر الدليلين الذي ذكرهما ~~مرارا على البعث: # أحدهما: إحياء الأرض بعد موتها كما قال تعالى: {وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم من قبله لمبلسين، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها ~~إن ذلك لمحيي الموتى}. # وقال تعالى: {ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} وقال هاهنا: ياأيها ~~السائل إنك لا تعلم وقتها، ولكنها كائنة والله قادر عليها، كما هو قادر على ~~إحياء الأرض، قال: هو الذي ينزل الغيث، ويحي الأرض. # وثانيهما: خلق الخلق ابتداء كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم ~~يعيده} وقال تعالى: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة} إلى غير ذلك. PageV16P140 # قال هاهنا: {ويعلم ما في الأرحام} إشارة إلى الساعة، وإن كنت لا تعلمها، ~~ولكنها كائنة، والله قادر عليها، كما هو قادر على الخلق في الأرحام، ثم قال ~~لذلك الطالب علمه: ((ياأيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان مرساها، ولك ~~أشياء أهم منها لا تعلمها، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك، فلا تعلم ماذا تكسب ~~غدا مع أنه فعلك وزمانك، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك، فكيف تعلم ~~قيام الساعة متى تكون، فالله ما علمك كسب غدك مع أن لك فيه فوائد تبني عليه ~~الأمور من يومك، ولا علمك أين تموت مع أن لك أغراضا تهيء أمورك بسبب ذلك ~~العلم، وإنما لم تعلم لكي تكون بكل وقت بسبب الرزق راجعا إلى الله متوكلا ~~على الله، ولا علمك الأرض التي تموت فيها، كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها، ~~فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف يعلمك ما لا حاجة لك إليه، وهو ms0715 الوقت، ~~وإنما الحاجة بأنها تكون فقد علمك الله على لسان أنبيائه عليهم السلام)). # ثم قال تعالى: {إن الله عليم خبير} لما خصص أولا علمه بالأشياء المذكورة ~~في قوله: {إن الله عنده علم الساعة} ذكر أن علمه غير مختص به، بل هو عليم ~~مطلق بكل شيء، وليس علمه علما بظاهر الأشياء فجسب بل هو خبير بعلمه، واصل ~~إلى بواطن الأشياء، والله أعلم بالصواب. PageV16P141 ### || AUTO سورة الروم # ستون آية، وخمسون وتسع آيات في المدني. # الأخير قاله أبو عمرو، وفي التبيان مكية. # قال في البرهان: اتفاقا. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض} إن قيل: ما الحكمة في ~~افتتاح هذه السورة بحروف التهجي؟ أجاب عنه بعض المفسرين فقال: إن كل سورة ~~افتتحت بحروف التهجي في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن، كما في ~~قوله: {الم، ذلك الكتاب} {المص كتاب}{طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} ~~{الم، تنزيل الكتاب} {حم، تنزيل من الرحمان الرحيم} {يس، والقرآن} إلا هذه ~~السورة وسورتين آخرتين ذكرناهما في العنكبوت، وقد ذكرنا الحكمة فيهما فنقول ~~والله أعلم: ما يتعلق بهذه السورة وهو أن السور التي في أوائلها التنزيل ~~والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة، فقدمت عليها الحروف، وهذه في ~~أوائلها ذكر ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب، فقدمت الحروف التي لا يعلم ~~معناها، لينبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع، ثم يرد عليه المعجزة ويفرع ~~الأسماء، انتهى كلامه، وسيأتي إن شاء الله تعالى باقي الكلام في العنكبوت، ~~قرئ غلبت -بضم العين وفتح الياء- في سيغلبون، ومعنى في أدنى الأرض أي أقرب ~~الأرض العرب من الروم؛ لأن الأرض المعهودة أرضهم، وهي أرض أطراف الشام، أو ~~أراد أرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه، أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم. # قال مجاهد: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. # وعن ابن عباس: الأردن وفلسطين. PageV16P142 # قال في البرهان: وسبب ذلك أنه كان بين الروم وفارس حروب، وكان المسلمون ~~يومئذ يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنهم ms0716 أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن ~~تظهر فارس على الروم؛ لأنهم كانوا عبدة أوثان ونيران، فغلبت فارس الروم، ~~فسر بذلك المشركون وقالوا للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم ستغلبوننا لأنكم أهل ~~كتاب، وقد غلبت فارس الروم والروم أهل كتاب، فأخبر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بذلك فساؤه، فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين، فلما قال: {وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين} سر بذلك المسلمون، والبضع من العدد ما بين ~~الثلاث والعشرون، روينا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما النيف ففيه قولان: # أحدهما: أنه ما بين الواحد والتسعة. # والثاني: أنه ما بين الواحد والثلاثة، وفي السنة التي غلبت فيها الروم ~~فارس قولان: # أحدهما: أنه عام بدر، ظهر الروم فيه على فارس، وظهر المسلمون فيه على ~~قريش، وكان يوم بدر، وأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت ~~الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت: {الم، غلبت الروم} الآية. # والثاني: عام الحديبية، وكان ظهور المسلمين على المشركين في الفتح بعد ~~مدة الحديبية. # وأما ظهور فارس على الروم فقد كان قبل الهجرة بسنتين. # وأما قوله: {أدنى الأرض} طرف الشام، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: تأويل قول الله عز وجل: {غلبت الروم، ~~في أدنى الأرض} أي أقربها وأدناها إلى بلد الإسلام، والروم هم على مذهب ~~النصارى لعنهم الله وأخزاهم {وهم من بعد غلبهم} وقتلهم لجعفر بن أبي طالب ~~صلوات الله عليه {سيغلبون} ويقتلون {في بضع سنين} أي سنوات ما بين الثلاث ~~إلى التسع فيما قيل، والله أعلم. PageV16P143 # وأما الذي يعرف ويستعمل في لغة العرب فإن البضع هو الجانب والقطع، كانت هذه ~~فيما روي أحد معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، انتهى. # وفي تفسير هذه الآية يقول أبو عبد الله محمد بن القاسم بن إبراهيم رحمة ~~الله عليه وعلى آبائه: هذا خبر من الله سبحانه عن غلبة كانت للروم غلبوها ~~في أدنى الأرض، وقد يمكن والله أعلم أن تكون الغلبة التي غلبت الروم ms0717 ما كان ~~من نصر الراية التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أرض ~~مؤتة من الشام، وهي أدنى الأرض كانت تلي أرض الإسلام في أيام رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم؛ لأن الله بعد إكرامه يوم مؤته لجعفر وزيد، وعبد الله ~~بن رواحة لما أكرمهم به من الشهادة، نصر راية رسول الله تلك يومئذ، وهي بيد ~~خالد بن الوليد فيما ذكروا، فانهزم الروم وغلبوا، وفرح المؤمنون بنصر الله ~~إذ نصر فكان هذا غلب الروم، والغلب هاهنا الذي غلبوه هو والله أعلم غلب ~~المؤمنين في ذلك الروم، ورؤية النبي........، ثم رجع الخبر من الله والله ~~أعلم بالإضمار في المعنى واللسان العربي إلى الاختصار للكلام والقصص، ~~والإيجاز، فقال سبحانه: {وهم من بعد غلبهم} يعني والله أعلم في هذه المرة ~~سيغلبون مرة ثانية، ثم أخبر عن وقت الغلب الثاني بآية عجيبة كانت تخبر عن ~~علم غيب قبل وقوع الغلب الثاني بأنه ستكون غلبة ثانية، ثم أخبر الله في ~~قوله بضع سنين بما هو أكبر في الدلالة على عجيب الآية واليقين، وكانت البضع ~~سنين مدة ما بين وقعت مؤتة وبين فتح الشام، ففرح المؤمنون بنصر الله في تلك ~~الأيام لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولدعوة دينه، وما أظهر الله من أمر ~~الإسلام بالغلب والقهر لأهل البلدان من ملوك الروم، وفارس بأرض المشرق ~~والعراق، فهذه آية من آيات الرسول في نبوته، إخباره بظهور أصحابه يوم مؤتة ~~على عدوهم من الروم بعد وفاته، وما كان من غلبتهم لهم في ذلك اليوم، ثم ~~أخبر عن غلب يأتي ستغلبه الروم في PageV16P144 بضع سنين، فرأى المؤمنون بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله حقيقة ما ~~أخبر به وصدقه بأيقن اليقين، وعاينت ذلك منهم العيون أيام فتح الشام، وغلبت ~~الروم الثانية كخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، إذا لا يخبر ~~عليه السلام إلا عن الله علام الغيوب، ولا يكون إخباره سبحانه إلا صدقا ~~وحتما، ثم أخبر سبحانه أن لله القهر ms0718 والقوة والقدرة قبل أن تغلب الروم وبعد ~~أن غلبت فقال تعالى: {لله الأمر من قبل ومن بعد} أي القوة والقهر، ونفاذ ~~الحكمة والأمر، من قبل أن يخلق الخلق، ومن بعد أن خلقهم. # وقيل: من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل هذه المدة وبعدها، ومعنى قوله: ~~{ويومئذ} أي يوم تغلب الروم على فارس {يفرح المؤمنون، بنصر الله} ويصدقون ~~وعد نبيه بذلك النصر، قبل أن يكون ذلك ببضع سنين. # قال في البرهان: يعني بنصر الروم على فارس، وفي سرورهم بذلك ثلاثة ~~أقاويل: # أحدها: لتصديق خبر الله وخبر الرسول أن الروم تظهر على فارس. # والثاني: لأنهم أهل كتاب مثلهم. # والثالث: لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين. # قوله تعالى: {ينصر من يشاء} يعني من أوليائه؛ لأن نصره مختص بغلبة ~~أوليائه لأعدائه. # وأما غلبت أعدائه لأوليائه فليس بنصر، وإنما هو ابتلاء، ثم قال: {وهو ~~العزيز} أي القادر على النصر والتغليب {الرحيم} بأوليائه فهو ينصرهم على ~~أعدائه؛ لأن العاقبة للمتقين فهي المعتمدة في النصرة. # ثم قال تعالى: {وعد الله} أي وعد ذلك وعدا وهو تأكيد لما قبله؛ لأنه في ~~معنى وعد {لا يخلف الله وعده} في هذا النصر ولا في غيره {ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون} أي لا يعرفون الله فيصدقون وعده ووعيده، ولا يخافون عقابه، ولا ~~ينظرون في صلاح آخره، والمراد الكفار لأنهم أكثر من المؤمنين. PageV16P145 # قال في التجريد: يريد كفار مكة لا يعلمون أنه وعد الله، ثم وصف كفار مكة ~~بأنهم عقلاء في أمراء الدنيا بله في أمر الدين، من حيث أنهم يعمرون دنياهم، ~~ويخزنون آخرتهم، فقال عز وجل: {يعلمون ظاهرا} واحدا{من} جملة ظواهر {الحياة ~~الدنيا} يريد عز وجل أنهم يعلمون من المعيشة والمأكل والمشرب والمنكح ~~واللعب، والطرب والمرح، وغير ذلك من المصائب والغم والترح، وهو بدل من لا ~~يعلمون أبدله منه، وجعله قائما مقامه ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي ~~هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا، وقد أفاد أن للدنيا ~~ظاهرا وباطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع ms0719 بزخارفها وباطنها، ~~وحقيقتها أنها طريق إلى الآخرة تزود منها إليها بالطاعة، ومعرفتهم بالظاهر ~~أنهم كانوا بصر في التجارة والمكاسب، ولقد بلغ من علم أحدهم بالدنيا أنه ~~ينقر الدرهم بظفره فيخبرك بوزنه. # قال في البرهان: في ذلك وجهان: # أحدهما: يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يغرسون وكيف يبنون. PageV16P146 # والثاني: ظاهر الحياة الدنيا لا يسعهم جهله من التكاليف من غير تحقيق منهم ~~لها {وهم عن الآخرة} أي عما أعد الله لهم في الآخرة من ثواب على طاعة، أو ~~عقاب على معصية، أو عما أمرهم الله به من طاعة، وألزمهم إياه من عبادة {هم ~~غافلون} أي ساهون ذاهلون، ثم ذكر تعالى دليل الأنفس فقال: {أولم يتفكروا في ~~أنفسهم} أي في قلوبهم؛ لأنها مواضع التفكر، أو أراد تعدية التفكر إلى ~~الأنفس أي الذوات التي هي أقرب إليهم من غيرها، فتدبروا ما أودعها الله ~~ظاهرا وباطنا من غرائب الحكم الدالة على القدرة والعلم، وعلى العدل، ثم ~~يستدل على صحة النبوة وعلى البعث والجزاء، ويحتمل أولم يتفكروا في أنفسهم ~~أي خالين؛ لأنه أوقع للفكر فينظروا بقلوبهم وفكرتهم الصادقة فيقولوا: {ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي ما خلقها عبثا، وإنما ~~خلقها مقرونة بالغرض الصحيح، وهي أن تكون مساكن لعباده ودلائل على قدرته ~~{و} تقدير{أجل مسمى} وهو قيام الساعة والبعث، والجزاء والثواب والعقاب؛ ~~لأنها لا تبقى خالدة، أو معناه أجل كل مقدور له ما قدر، فدل على أمرين دل ~~به على الفناء وعلى أن لكل مخلوق أجلا، والتقدير أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. PageV16P147 # ثم قال تعالى: {وإن كثيرا من الناس} وهم الكفار {بلقاء ربهم لكافرون} أي ~~بلقاء الجزاء، جزائه وهو الأجل المسمى، ثم إنه لما ذكر الدليل الذي لا يمكن ~~الذهول عنه وهو السماوات والأرض؛ لأن من البعيد أن يذهل الإنسان من السماء ~~التي فوقه، والأرض التي تحته، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم، ~~وحكاية أشكالهم، فقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم} ms0720 من عاد وثمود، وغيرهم من المهلكين بعصيانهم، والهمزة ~~بتحقيق مسير قريش في البلاد، ونظرهم في آثار المدمرين فذكرهم بحال أمثالهم ~~ووبال أشكالهم، ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك؛ لأن من تقدم من عاد وثمود {كانوا ~~أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} أي حرثوها، ومنه الثور لإثارته الأرض، ~~والبقرة؛ لأنها تبقرها أي تشقها بالحرث {وعمروها أكثر مما عمروها} أي أهل ~~مكة لم يكن لهم إثارة ولا عمارة إذ هم أهل واد غير ذي زرع، وما هو إلا تهكم ~~بهم، وتضعيف لحالهم، وكذا أشد منهم قوة، إذ هم ضعاف القوى فهو من التهكم ~~والاستهزاء. # ثم قال: {وجاءتهم} أي المهلكين {رسلهم بالبينات} أي بالمعجزات، وأمروهم ~~ونهوهم فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم {فما كان الله ليظلمهم} بتدميرهم{ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} حيث فعلوا ما أوجب هلاكهم من الكفر والتكذيب، ودل هذا ~~على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا، ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: {ثم كان عاقبة الذين ~~أساءوا السوءى} أي العقوبة السوء، والسوى تأنيث الأسوى أي العقوبة التي هي ~~أسوى العقوبات، وهي جهنم، وكل ما يسؤهم من أليم العقاب، كما قال سبحانه: ~~{للذين أحسنوا الحسنى} وقوله: {أن كذبوا} تعليلا لأن كذبوا {بآيات الله} ~~وفي تكذيبهم وجهان: PageV16P148 # أحدهما: تكذيبهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل عليه من ~~القرآن. # والثاني: تكذيبهم بما أوعده أهل المعاصي من النار والعذاب، قاله في ~~البرهان. # ثم قال: {وكانوا بها يستهزئون} أي لأجل تكذيبهم واستهزائهم بها، وفي ~~المعنى قولان: # أحدهما: أن السوء خبر كان أي كان عاقبتهم الحصلة أو العاقبة السوء. # والثاني: أن السوء مفعول لأسا، وإما مفعول مطلق وإما مفعول به، وخبر كان ~~أن كذبوا، والمعنى ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب أي ماتوا على ذلك، وطبع ~~على قلوبهم بسبب إساءتهم. # وعن سفيان بن عيينة في هذه الآية أن لهذه الذنوب عواقب سوء لا يزال الرجل ~~يذنب فينكت على قلبه حتى يسود الذنب القلب كله فيصير كافرا. # واعلم أنه لما ذكرهم أن عاقبتهم إلى الجحيم، وكان في ذلك إشارة إلى ~~الإعادة والحشر لم ms0721 يتركه دعوى بلا بينة، بل قال تعالى: {الله يبدأ الخلق} ~~أي يوجد المخلوقات من عدم في الدنيا {ثم يعيده} في الآخرة {ثم إليه ترجعون} ~~يعني من خلق القدرة والإرادة، ولا يعجز عن الرجعة والإعادة، فإليه ترجعون ~~أي لا ترجعون إلا إلى جزائه من ثوابه وعقابه، ثم بين ما كان وقت الرجوع ~~إليه فقال: {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} أي يسكتون متحيرين لانقطاع ~~حجتهم، والإبلاس السكوت بتحيير. # وقيل: الإبلاس اليأس من كل خير حين يعاينون العذاب، وقيل: هو الندامة ~~والحسرة. PageV16P149 # ثم قال: {ولم يكن لهم من شركائهم} الذين عبدوهم من دون الله {شفعاء} عند ~~الله كما زعموا أنهم يشفعون لهم يوم القيامة {وكانوا بشركائهم كافرين} أي ~~يكفرون بآلهتهم يوم القيامة ويجحدونها، أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم، ~~ثم بين أمرا آخر يكون في ذلك اليوم وهو الافتراق فقال تعالى: {ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون} أي يتفرق الأشقياء والسعداء بعد الحساب، فيكون ~~المؤمنون بالجنة والكافرون في النار لدلالة ما بعده عليه. # عن الحسن هؤلاء إلى عليين وهؤلاء إلى أسفل السافلين. # قتادة فرقة لا اجتماع بعدها، وأعاد قوله: {ويوم تقوم الساعة} لأن قيام ~~الساعة أمر هائل مكروه، تأكيد للتخويف، ومنه اعتادة الخطباء تكرير يوم ~~القيامة في الخطب لتذكير أهواله، ثم بين كيفية التفرق فقال تعالى: {فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة} في بستان وهي الجنة، والتنكير ~~للإيهام والتفخيم، والروضة عند العرب كل أرض ذات نبات وماء، ومعنى {يحبرون} ~~أي يسرون ويكرمون، يقال: حبره إذا سره سرورا، تهلل له وجهه، وظهر فيه أثره، ~~والحبرة عند العرب هي السرور والفرح، قال الشاعر: # وأراك تحبر إن بدت لك دارها # ويعود نفسك إن نأتك سقامها # وقال العجاج: الحمد لله الذي أعطى الحبر. # وأما الروضة فهي البستان المتناهي منظرا وحسنا وطيبا، ولم يكن عند العرب ~~أحسن منها منظرا، ولا أطيب منها ريحا، قال الأعشى: # ما روضة من رياض الغير معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بعميم النبت مكتحل # يوما بأطيب ms0722 منها نشر رائحة # ولا بأحسن منها إذ دنى الأصل PageV16P150 دلت على أن العمل الصالح شرط في الإيمان، قيل: وإنما بدأ بالذين آمنوا مع ~~أن الموضع موضع ذكر المجرمين؛ لأن المؤمن يوصل إليه الثواب قبل أن يوصل ~~الكافر إلى العقاب حتى يرى ويتحقق أن المؤمن وصل إلى الثواب، فيكون أنكى، ~~والله أعلم {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي لقاء ثوابها ~~وعقابها {فأولئك في العذاب محضرون} أي نازلون لا...........عنه ولا يخفف ~~عنهم، ومخلدون فيه، ولما بين الله عظمته في الابتداء بقوله: {ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} وعظمته في الانتهاء، وهو حين تقوم ~~الساعة، ويفترق الناس فريقين، هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار أمر ~~بتنزيهه عن كل سوء، وبحمده على كل حال فقال: {فسبحان الله} أي سبحوا الله ~~تسبيحا، لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من ~~الوعيد، وهو التسبيح في هذه الأوقات، فقوله: {فسبحان الله حين تمسون} صلاة ~~المغرب والعشاء {وحين تصبحون} صلاة الفجر. # وقوله: {وله الحمد في السماوات والأرض} اعتراض فاصل بين ما قبله وما ~~بعده؛ لتأكيد وجوب حمده على جميع أهل سماواته وأرضه {وعشيا} صلاة العصر، ~~وهو متصل بقوله: {حين تمسون وحين تصبحون} {وحين تظهرون} صلاة الظهر، أو ~~المراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء، والثناء عليه في هذه ~~الأوقات لما يجدد فيها من نعمه الظاهرة. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون إلى تخرجون أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها: حين يمسي أدرك ما ~~فاته من ليله)). # قال في البرهان: فسبحان الله فيه قولان: # أحدهما: معناه فسبحوا الله حين تمسون وحين تصبحون. # والثاني: معناه فصلوا، وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان: PageV16P151 # أحدهما: لما تضمنتها من التسبيح والركوع والسجود. # والثاني: مأخوذ من السبحة، والسبحة هي الصلاة لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((يكون لهما سبحة)). # وقوله: {حين تمسون} عنى به صلاة المغرب والعشاء {وحين تصبحون} صلاة الصبح ms0723 ~~{وله الحمد في السماوات والأرض} أي الحمد لله على نعمه. # والثاني: الصلاة لله لاختصاصها بقراءة الحمد في الفاتحة {وعشيا} يعني ~~صلاة الصبح {وحين تظهرون} يعني صلاة الظهر، وإنما خص صلاة الليل بالتسبيح، ~~وصلاة النهار باسم الحمد؛ لأن الإنسان في النهار يتقلب في أحوال توجب حمد ~~الله عليه، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسوى فيها، ولذلك صار ~~الحمد في النهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به ~~صلاة الليل، والفرق بين المساء والعشاء أن المساء بدء الظلام بعد المغيب، ~~والعشاء آخر النهار، وعند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشى العين وهو ~~نقص النور من الناظر لنقص نور الشمس، فكانت هذه الآية جامعة لأوقات الصلاة ~~الخمس، ثم قال الإمام الناصر لدين الله أبو الفتح عليه السلام فيه كل صلاة ~~ذكرت في كتاب الله عز وجل قبل الليلة التي أسري برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيها فليست من الصلوات الخمس؛ لأنها فرضت في الليلة التي أسري به ~~فيها، وذلك قبل الهجرة بسنة، وهذه الآية نزلت ليلة الإسراء، وقبل الهجرة، انتهى. # ثم قال تعالى: {يخرج الحي من الميت} الآدمي من النطفة، والطير من البيضة، ~~وقيل: المؤمن من الكافر {ويخرج الميت من الحي} عكس ما تقدم {ويحي الأرض} ~~بإخراج النبات؛ لأنها حياة أهلها، فصارت كالحياة لها{بعد موتها} بالجدب. PageV16P152 # ثم قال سبحانه: {وكذلك تخرجون} من قبوركم وتبعثون، كما أحيا الأرض بإخراج ~~النبات، كذلك يحيكم بالبعث والنشور، ولما أمر الله بالتسبيح عن الأسواء، ~~وذكر أن الحمد له على خلق جميع الأشياء، وبين قدرته على الإماتة والإحياء ~~بقوله: {فسبحان الله} إلى قوله: {وكذلك تخرجون} ذكر ما هو حجة ظاهرة، وآية ~~باهرة على ذلك فقال تعالى: {ومن آياته} أي دلائل قدرته على إعادتكم{أن ~~خلقكم} أي أصلكم آدم عليه السلام {من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} في ~~الأرض فاجأتم وقت ذلك، ثم قال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} ~~يعني آدم، خلقت من طينته حوى. # والثاني: أنه خلق ms0724 سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء، أي من شكل ~~أنفسكم، وجنسها لما بين الجنسين من الإلف والسكون دون المختلفين، ولذلك ~~قال: {لتسكنوا إليها} بالمعاشرة أي لتستأنسوا إليها؛ لأنه جعل بين الزوجين ~~من الأنسة ما لم يجعله بين غيرهما، ثم قال: {وجعل بينكم مودة ورحمة} المودة ~~المحبة، والرحمة الشفقة، والرحم بين الزوجين يعظمه الزواج بعد أن لم يكن ~~بينكم سابق معرفة، ولا سبب يوجب ذلك. # وعن الحسن: المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد كما قال: {ورحمة} ~~منا{إن في ذلك لآيات} أي دلائل وعبر {لقوم يتفكرون} في البعث بعد الموت. # وقوله: {إن في ذلك} يحتمل أن يقال: المراد إن في خلق الأزواج لآيات، ~~ويحتمل أن يقال: إن في جعل المودة بينهم آيات. # أما الأول فلابد له من فكر؛ لأن خلق الإنسان من الوالدين يدل على كمال ~~القدرة، ونفوذ الإرادة وشمول العلم، لم يتفكر، ولو في خرج من بطن الأم، وأن ~~دون ذلك لو كان من غير الله لأفضى إلى هلاك الأم وهلاك الولد أيضا؛ لأن ~~الولد لو أرسل من موضع ضيق بغير إعانة الله لمات. PageV16P153 # وأما الثاني فكذلك أن الإنسان يجد بين القريبين من التراحم ما لا يجده بين ~~ذوي الأرحام، وليس ذلك بمجرد الشهوة، فإنها تنتفي وتبقى الرحمة من الله، ~~ولما بين دلالة الأنفس، ذكر دلائل الآفاق وأظهرها خلق السماء والأرض، فقال ~~عز وجل: {ومن آياته خلق السماوات والأرض} أي دلالات يعجز الخلق عن إحداث ~~مثلها، ثم لما أشار إلى دليل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس فقال ~~تعالى: {واختلاف ألسنتكم} المراد به الكلام فللعرب كلام ولقريش كلام، ~~وللروم كلام، والمعنى لغاتكم المختلفة حتى لا تسمع منطقتين متفقتين، وإنما ~~فعل ذلك حكمة منه جل جلاله، دل بها على قدرته حتى لا يشتبه الناس في ~~المعارف والمناكح والحقوق، ثم قال: {وألوانكم} أبيض وأسود وأحمر، ونحوه ~~وكذا الصور وتخطيطها، ولولا ذلك لوقع التباس بعضهم ببعض، ولبطلت مصالح ~~كثيرة، ووقع الفساد، ثم قال: {إن في ذلك لآيات للعالمين} بفتح اللام ms0725 أي ~~دلالات ظاهرة من الصانع الحكيم العليم، وعلى أن هذا باختيار قادر حكيم، ~~ويدل أيضا على اتساع المقدورات، وعظمة القادر حيث تفرعوا من أصل واحد وهم ~~على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله، مختلفون متفاوتون، ولما كان خلق ~~السماء والأرض، لم يحتمل الاحتمالات البعيدة التي لا يقولها لها أصحاب ~~الطبائع، واختلاف الألوان والأصوات كذلك قال: {للعالمين} لعموم العلم بذلك. # قال في البرهان: روينا عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: الجن ~~والإنس، وقد قرئ للعالمين بكسر اللام، وهو جمع عالم وهم علماء العترة عليهم ~~السلام، انتهى. PageV16P154 # ولما ذكر بعض العرضيات اللازمة وهو الاختلاف، ذكر الأعراض المفارقة فذكر من ~~اللوازم أمرين ومن المفارقة أمرين، فقال سبحانه: {ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله} يحتمل أنه من باب اللف، أي من آياته منامكم ~~بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، إلا أنه فصل بالزمانين لأنهما طرفاهما، ~~ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما، والظاهر الأول، لتكرره ~~في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن، وابتغاء الفضل التصرف والعمل ~~فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف في النهار دليلا على البعث. # ثم قال: {إن في ذلك} الذي ذكر {لآيات لقوم يسمعون} سماع الاعتبار، وتدبر ~~بأذان واعية، وعقول صافية، يسمعون الحق فيبغونه، ويمر بهم الوعظ فيخافونه، ~~ولما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي ~~للآفاق، فقال تعالى: {ومن آياته يريكم البرق} أنزل الفعل منزلة المصدر، أو ~~هو بإظمار إن، وبهما فسر المثل: تسمع بالمعيدي خيرا من أن تراه، ومعناه ~~يريكم البرق{خوفا} من الصاعقة، أو من الاختلاف. # وقيل: خوفا من المسافر {وطمعا} من الحاضر، أو أراد خوفكم من الصاعقة ~~وطمعا في الغيث. # وقيل: خوفا من البرد وطمعا في المطر. # قال في الكشاف: فإن قلت: من حق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل ~~المعلل، والخوف والطمع ليسا كذلك. # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن المفعولين فاعلون في المعنى؛ لأنهم راؤون، وكأنه قيل: يجعلكم ~~رائين البرق خوفا وطمعا. # والثاني: أن يكون على تقدير ms0726 حذف المضاف أي إرادة خوف، وإرادة طمع، فجذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكونا حالين أي خائفين، وطامعين انتهى. PageV16P155 # ثم قال: {وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض} أي بالنبات {بعد موتها} ~~بالجدب {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} بقلوب معتبرة، ذلك أن البرق لما كان ~~أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار قال: هو آية لمن له عقل إن لم ~~يتفكر تفكر تام. # ثم قال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض} يريد قيامها واستمساكها ~~بغير عمد {بأمره} أي وقوفهما وثباتهما، وقلة الزوال بأمر ذي العظمة ~~والسلطان والجلال، أي بتدبيره وحكمته، وهو مثل عن معيشته بذلك وإرادته، ثم ~~أخبر عن عظيم قدرته ونفاذ أمره وإرادته بقوله تعالى: {ثم إذا دعاكم دعوة} ~~يقول: يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت، ~~وقوله: {من الأرض} بيان المكان المدعو؛ لأن قولكم دعوته من مكان كذا كما ~~يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون مكان صاحبك، يقول: دعوت زيدا من أعلى ~~الجبل فنزل إلي، وقوله: دعاكم بمنزلة قوله يريكم في إيقاع الجملة موقع ~~المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض، ثم خروج ~~الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة، والمراد سرعة ذلك من غير توقف ولا ~~تلبث، وهو معنى قوله: {إذا أنتم تخرجون} من قبوركم سراعا مبعوثين للقيامة، ~~فسار إخراجهم بمنزلة دعائهم، وإن لم يكن هناك دعاء كقوله: {إنما أمره إذا ~~أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وفي الآية تقديم وتأخير كأنه قال: ومن ~~آياته قيام السماوات والأرض، وخروج الموتى من قبورهم إذا دعاهم دعوة عطف، ~~هذا يتم بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر، واقتداره على مثله، وهو أن ~~يدعوهم فيجيبوا كما ذكروا إذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة وهي ثبوت ~~مناب الفاء في جواب الشرط، ولما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر ~~وهي الأصل الأول أشار إليه بقوله تعالى: {وله من في PageV16P156 السماوات والأرض كل له قانتون} أي كل إليه داعون. ms0727 # أما الكافر فلا يدعو إلا عند الحاجة والضرورة، وخوف الهلكة والمصيبة، ~~وقيل: منقادون. # قال في البرهان: يعني مطيعون. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل حرف في القرآن ~~يذكر فيه الموت فهو القنوت فهو الطاعة)). # والثاني: يقرون بالعبودية قانتون بالشهادة أنهم عباد الله تعالى، انتهى. # ثم ذكر المدلول الآخر فقال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق} في الدنيا {ثم ~~يعيده} في الآخرة {وهو أهون عليه} أي أسهل وأيسر على مقتضى عقولكم؛ لأن من ~~أعاد منكم صنعته كانت أسهل من إنشائها، ولذلك يذم المعاود في الصنعة إذا ~~أخطأ، ويعذر المبتدئ، وهاهنا فائدة ذكرها في الكشاف وهي أن الله تعالى قال ~~في موضع آخر: {هو علي هين} وقال هاهنا: {وهو أهون عليه} فقدم هناك كلمة على ~~وأخرها هنا، وذلك لأن المعنى الذي قاله هناك إنه هين هو خلق الولد من ~~العجوز، وأنه صعب على غيره، وليس بهين إلا عليه، فقال: هو علي يعني لا على غيري. # وأما هاهنا المعنى الذي ذكره أنه أهون عليه هو الإعادة، والإعادة على كل ~~مبتدئ أهون، فقال: هو أهون عليه على سبيل الحصر، فالتقديم هناك كان للحصر. # ثم قال تعالى: {وله المثل} أي الوصف {الأعلى} الذي ليس غيره مثله {في ~~السماوات والأرض} أي أنه قد عرف ووصف بذلك فيهما على ألسنة الخلائق، وعلى ~~ألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة ~~وغيرها، دل عليه قوله: {وهو العزيز} يعني في قدرته وانتقامه {الحكيم} في ~~تدبيره لأموره، وإعذاره للخلق وإنذاره، ولما بين الإعادة والقدرة عليها ~~بالمثل بعد الدليلين بين الوحدانية أيضا بالمثل بعد الدليل فقال تعالى: ~~{ضرب لكم مثلا من أنفسكم} أي انتزع المثل منها؛ لأنها أقرب شيء إليكم. PageV16P157 # قال الهادي عليه السلام في معنى قوله وهو أهون عليه يخبر تبارك وتعالى أن ~~من عمل شيئا وابتدأه فأعاده إلى الصورة التي ابتدعها مرة ثانية أهون عليه ~~من ابتدائها واختراعها أولا، وأنما هذا مثل ضربه للخلق مما يعقلونه ~~ويفهمونه من أفعالهم لا ms0728 أن شيئا يمتنع على الله، ولا أن شيئا أصعب عليه من ~~شيء، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # وأما قوله: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم} وإنما هذا مثل مثله الله للخلق يريد سبحانه ~~إن كان يجوز أن تكونوا أنتم ومماليككم في أموالكم وفي ما رزقتموه سواء ~~أمركم وأمرهم، وإرادتكم وإرادتهم، حتى تخافوهم في أموالكم فيما تنفقون ~~وتقبضون وتبسطون كما يخاف بعضكم بعض في ماله، فقد يجوز أن يكونوا سواء شركا ~~لسيدكم في خلقه وعباده وملكه، وإن كان لا يجوز هذا أن يكون العبد والسيد ~~سواء في مال سيده، فلم يكن أحد منكم لله شريكا في عباده، ولا أمره ولا ~~ملكه، انتهى. PageV16P158 # والمعنى فلا بد أن تنكروا ذلك إذا كان منكرا عندكم فكيف لا تنكرون قولكم إذ ~~زعمتم أن لله شريكا في خلقه المملوكين، فكيف يكون الصنم شريكا إذا كان ~~عندكم دليلا مملوكا، ثم أخبر سبحانه بوضوح الدلالات فقال عز وجل: {كذلك} أي ~~مثل ذلك التفصيل {نفصل الآيات} أي نبينها بالدلائل والبراهين القطعيات، ~~ونوضح معانيها بالأمثال المحكيات؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني إذ هو ~~بمنزلة التصوير لها، ولذا صور الشرك بأقبح صورة وهي التسوية بين المالك ~~والمملوك، وإنما قال: {لقوم يعقلون} لأن المثل لا ينتفع به إلا العقلاء، ~~ولما حكم العقلاء أنه لا يكون العبد وسيده سواء فكيف يكون ما هو مخلوق لله ~~تعالى مثله حتى يعبد كعبادته، ثم قال تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم} ~~أي شهواتهم، ظلموا أي أشركوا، لقوله: {إن الشرك لظلم عظيم} ويل للأحزاب، أي ~~بل أعرض الذين ظلموا عن هذا المثل واتبعوا أهواؤهم {بغير علم} وأثبتوا ~~شركاء من غير دليل، جاهلين لا يردعهم علم، كالعالم ربما يردعه علمه إن ركب ~~هواه ويكفه عنه {فمن يهدي من أضل الله} أي خذله، ولم يلطف به، لعلمه أنه لا ~~يقبل اللطف، أو سماه بالضلالة لما ضل عن الهدى؛ لأن الله سبحانه لو أضله ms0729 ~~وجبره على الضلالة لما ذمه ولا عذبه بحال من الأحوال، وكيف يؤدبه على غير ~~فعله، أو يعاقبه بغير كسبه، هذا ما لا يجوز على الرحمن لبعد هذا من العدل ~~والإحسان {وما لهم} أي المشركين {من ناصرين} يقدرون على هدايتهم بعد إضلال ~~الله، وفيه دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان، ومن ناصرين بدفع العذاب ~~عنهم، ثم قال إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية، واتضح سبيل الهدى، ولم يهتد ~~الضال {فأقم وجهك للدين} أي قوم وجهك له، وعدله غير ملتفت عنه، يمينا ولا ~~شمالا، وهذا تمثيل لإقباله على الدين، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم ~~بالشيء سدد PageV16P159 إليه نظره، وقوم وجهه مقبلا به عليه {حنيفا} أي مائلا إليه، عن كل دين وهو ~~حال من المأمور أو من الدين. # وفي البرهان وغيره: حنيفا أي مستقيما مخلصا، ومعتدلا خاشعا، قال الشاعر: # أبعد حلم المسلم الحنيف # رأقتك ذات العقد والشنوف # وقال آخر: # حمدت الله حين هدى فؤادى ... إلى الإسلام والدين الحنيف # ثم قال تعالى: {فطرة الله} يريد خلق الله الذي خلق الناس له خلقا، ~~وأوجدهم بدليل قوله: {لا تبديل لخلق الله} أو المعنى الزموا فطرة الله وهو ~~التوحيد والدين. # قال في البرهان: الفطرة الدين. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من فطرة إبراهيم ~~السواك)). # قال كعب بن مالك: # إن تقتلوه فدين الله فطرتنا # والقتل في الحق عند الله تفضيل # انتهى. # وإنما قال تعالى: {التي فطر الناس عليها} لأنه خلقهم قابلين لدين ~~الإسلام، غير منكرين له؛ لكونه مطابقا للعقل، مساويا للنظر الصحيح، حتى لو ~~تركوا ما اختاروا عليه غيره، ومن غوى فمن شياطين الجن والإنس. # قال صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى: ((كل عبادي خلقت حنيفا ~~فاختالتهم الشياطين عن دينهم)) أي أضلتهم. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون ~~أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه)) يريد صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن الولد إنما خلق لفطرة الإسلام حتى يعلمه آباه دينهم وكفرهم، فإن ~~قبل ذلك ms0730 فهو مثلهم، وإن عقل فهو يتهمهم ولا يقلدهم، حتى ينظر لنفسه حقيقة ~~أمرهم، فإذا نظر في ذلك تبين له أمرهم، ولا يخفى عليه عند الفجص كفرهم. # ثم قال: {لا تبديل لخلق الله} أي لا يبنغي أن تبدل تلك الفطرة، أو لا ~~تغيير لدينه. PageV16P160 # ثم قال: {ذلك} أي الدين الحنيف {الدين القيم} يعني التوحيد المستقيم الثابت ~~{ولكن أكثر الناس لا يعلمون} بأن ذلك هو الدين القيم، أو بأن لا تبديل لخلق ~~الله، فلذلك بدلوا الخلقة بمساعدة الشياطين، ثم قال تعالى: {منيبين إليه} ~~أي فأقيموا وجوهكم منيبين إليه، أي راجعين إليه في كل أمر تائبين إليه وهو ~~حال من الضمير في الزموا المقدر. # وقوله: {لا تبديل لخلق الله} إلى {منيبين} فاصل؛ لأن ما قبله وما بعده ~~لتأكيد الدين. # وقوله: {واتقوه} فهو خافوه إذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا، فلا تآمنوا ~~فتتركوا عبادته، بل خافوه، وداوموا على العبادة {وأقيموا الصلاة ولا تكونوا ~~من المشركين} أي الظالمين؛ لأن الشرك أعظم الظلم، وأفرد الخطاب في أقم؛ ~~لأنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطابه خطاب لأمته مع ما فيه ~~من التعظيم، وجمع آخرا للبيان. # ثم قال: {من الذين فرقوا دينهم} أي جعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم، ~~وهو بدل من المشركين {وكانوا شيعا} أي فرقا، كل فرقة تشايع أي تتابع إمامها ~~الذي أضلها. # قال في البرهان: فرقوا دينهم أي أوقعوا فيه الاختلاف حتى صاروا فيه فرقا، ~~وقرئ فارقوا دينهم أي تركوه، وهذه القراءة رويناها عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام في الرافض لأئمة الهدى عليهم السلام وفي الخوراج عليهم، انتهى {كل ~~حزب} أي فرقة {بما لديهم فرحون} يحسبون باطلهم حقا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم أهل البدع والضلالة في هذه ~~الأمة، ولما بين التوحيد بالدليل وبالمثل أخبر أن لهم حالة يعرفون بها، وإن ~~كانوا أنكرونها في وقت وهي حالة الشدة، فقال تعالى: {وإذا مس الناس ضر} أي ~~شدة من مرض أو هزال أو قحط أو نحو ذلك {دعوا ربهم منيبين إليه} تائبين ms0731 ~~مخلصين إليه. # قال قيس بن الأسلب: PageV16P161 # فإن نابوا فإن بني سليم # وقومهم هوازن قد أنابوا # وفي الإنابة قولان: # أحدهما: أن أصله القطع، ومنه أخذ الناب لأنه قاطع، فكأن الإنابة هي ~~الإقطاع إلى الله تعالى بالطاعة. # والثاني: أصله الرجوع مأخوذ من تاب يتوب إذا رجع، مرة بعد مرة، ومنها ~~التوبة؛ لأنه الرجوع إلى عاد {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} أي رحمة بالخلاص من ~~ذلك الصبر {إذا فريق منهم بربهم يشركون} إذا للمفاجأة وهي دالة على ~~مبادرتهم على الشرك حال الخلاص لا يؤخرونه، والمعنى أنهم يضعون الكفر موضع ~~الشكر {ليكفروا بما آتيناهم} من النعم، اللام للتعليل المجازي، كأنهم ~~أشركوا للكفر بما أتاهم من نعمة الخلاص، كما يطاع للشكر، فكفرهم بالنعمة ~~مسبب عن الشرك. # وقوله: {فتمتعوا فسوف تعلمون} سوء عاقبتكم، التفات إليهم بالوعيد، وأمر ~~تخلية وتهديد. PageV16P162 # ثم قال تعالى: {أم أنزلنا} أي بل أنزلنا {عليهم سلطانا} أي رسولا {فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون} أي يحتج عليهم به، يعني بصحة شركهم بالله، ~~وإصابتهم فيه، أو معنى سلطانا حجة وبرهانا، فهي تكلمهم أي تدلهم، وكلامها ~~مجاز كما تقول كتاب ناطق بكذا، وما مصدرية أي بكونهم مشركين، أو موصولة ~~ويرجع الضمير إليها، وفائدة الاستفهام الإنكار لإنزال السلطان على وجه ~~التكذيب لهم، والتقريع، وأم منقطعة، ولما بين الشرك الظاهر شركه بين حال ~~الشرك الذي هو دونه فقال: {وإذا أذقنا الناس رحمة} من مطر أو صحة أو سعة ~~{فرحوا بها} أي بالرحمة والفرح هو البطر الذي لا شكر فيه {وإن تصبهم سيئة} ~~أي بلا من جدب أو مرض، أو ضيق أو عقوبة {بما قدمت أيديهم} أي بذنوبهم وشؤم ~~معاصيهم {إذا هم يقنطون} والقنوط اليأس من الرحمة والفرح في ذمهم بالمسارعة ~~إلى اليأس من الرحمة، وإن كان السبب شؤم معاصيهم وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه ~~يشكر عند النعمة، ويرجو عند الشدة. # وقوله: {إذا} للمفاجأة، أي لا يصبرون على ذلك قليلا، لعل الله يفرج عنهم، ~~وأنه يذكرهم به. # ثم قال تعالى: {أولم يروا أن الله يبسط الرزق} أي ألم ms0732 يعلموا أن الله ~~يوسعه {لمن يشاء ويقدر} أي يضيق على حسب المصلحة أنكر عليهم أنهم قد علموا ~~أنه القابض الباسط، فما لهم يقنطون من رحمته. # ثم قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} أي يصدقون بصحتها، ومعنى لآيات أي ~~دلائل على حكمته في إصابة البلاء بسبب المعصية، وعلى قدرته على إعادة ~~النعمة، فما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بها بسببها ~~حتى يعيد رحمته. PageV16P163 # واعلم أن الله تعالى لما بين أنه يبسط الرزق ويقدر، فلا ينبغي أن يتوقف ~~الإنسان في الإحسان، فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص بالانفاق، وإذا قدر لا ~~يزداد بالإمساك، بين تعالى من يجب الإحسان إليه بقوله: {فآت ذا القربى حقه}. # قال في البرهان: هم ذو قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين لهم ~~الخمس، انتهى. # وقيل: صلة الرحم، وقد احتج بها في وجوب نفقة الرحم. # وقوله تعالى: {والمسكين وابن السبيل} يعني من ذوي القربى، وسيأتي ~~تفسيرهما إن شاء الله تعالى. # وقيل: المسافر، وقيل: الضعيف، وحقهما نصيبهما من الزكاة، ثم قال: {ذلك} ~~الإيتاء{خير للذين يريدون وجه الله} أي ذاته أو وجهه التقرب إلى الله ~~{وأولئك هم المفلحون} الظافرون بالمطلوب {وما آتيتم من ربا} أي ما أعطيتم ~~أكله من الربا، ثم قال تعالى: {ليربوا في أموال الناس} أي ليربوا في ~~أموالهم. # وقيل: لتزدادوا في بيع التأخير من أموال الناس. # قال في البرهان: فيها تأويلات: # أحدهما: أن الرجل يهدي هدية ليكافا عليها بأفضل منها. # والثاني: أنه في رجل يهب لرجل من ذي قرابته مالا، ليصير به غنيا ذا مال، ~~ولا يفعله طلبا لثواب الله تعالى {فلا يربوا عند الله} أي فلا يكون لكم ~~ثواب، انتهى. ولا يبارك فيه، أي..........والتضعيف. # وفي الكشاف فليست تلك الزيادة بحرام، لكن لا يثاب صاحبها عليها. # وقالوا: الربا ربوان، والحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو يجر منفعة، ~~والذي ليس بحرام أن يستدعي بهبته أو بهديته أكثر منها، قرأ نافع لتربوا ~~بالتاء أي لتزيدوا في أموالهم، كقوله: {ويربي ms0733 الصدقات} أي يزيدها. # وقوله: {وما آتيتم من زكاة} يعني الصدقة المفروضة {تريدون وجه الله} ~~خالصا لا مكافأة ولا ربا، ولا سمعة. PageV16P164 # وقوله: {فأولئك هم المضعفون} التفات من الخطاب إلى الغيبة وهو مدح لهم من ~~أن يقول: فأنتم المضعفون. # قال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: يضاعف لهم الحسنات؛ لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. # والثاني: في تضاعف أموالهم في الدنيا بالزيادة، انتهى. # ومعنى المضعفون أي ذووا الأضعاف من الحسنات، ونظير المضعف المقوي والموسر ~~لذي القوة، واليسار أي يضاعف بالواحدة عشرة وسبعين وسبعمائة. # ثم قال تعالى: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم} يوم ~~القيامة، أي فاعل هذه الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيء منها غيره {هل ~~من شركائكم} أي الأصنام وغيرها {من يفعل من ذلكم} المذكور {من شيء} حتى يصح ~~قولكم أنها شركاء له. # ثم قال: {سبحانه} أي تنزيها له {وتعالى} ارتفع حاله{عما يشركون} به من خلقه. # ثم قال تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر} أراد بالفساد قلة المنافع ~~فيهما، والمحق وكثرة المضار وارتفاع البركات في البر، والجدب والقحط، وقلة ~~الريع في الزراعات، والربح في التجارات، وبالموت في الناس والدواب، وفي ~~البحر بالغرق، وهلاك الأموال، ونحوه ذكره في الكشاف. # قال: ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي {بما كسبت أيدي الناس} أي بسبب ~~ذنوبهم{ليذيقهم} بكفران نعم الله، وارتكاب المعاصي وبال {بعض الذي عملوا} ~~قبل أن يعاقبهم بجميعه في الآخرة، كقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم} جزاء معجلا في الدنيا، وجزاء مؤجلا في الآخرة، فصار عذاب ~~الدنيا بعض الجزم واللام في لنذيقهم على هذا التفسير مجاز على معنى غان ~~ظهور الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم الله في وبال عملهم، فكأنهم ~~إنما أفسدوا وتسببوا لفشو المعاصي في الأرض لأجل ذلك. PageV16P165 # ثم قال سبحانه: {لعلهم يرجعون} أي يرجعوا عن المعاصي إلى الحق والطاعة، إذا ~~أذاقهم منه؛ لأن العاقل إذا ناله تعب أو مرض أو مصيبة خاف أن يموت على ذلك ~~فيهلك عند الله، فربما كان ذلك ms0734 سببا في التوبة وسلما إلى الإنابة ومن الناس ~~من لا يعتبر ولا يفلح فيكون ذلك الأدب حجة عليه، وإعذارا من خالقه إليه، ~~هذا مع بقاء الذين أصابهم البلاء، وإن كان مع هلاكهم فالمراد لعل أمثالهم ~~ممن يأتي بعدهم يرجعون، أي يعتبرون، ولما بين حالهم بظهور فسادهم في ~~أحوالهم بين لهم هلاك أمثالهم، وأشكالهم الذين كان أفعالهم كأفعالهم، فقال ~~تعالى: {قل} يا محمد{سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} ~~أي كيف أهلك الله الأمم قبلكم بمعاصيهم {كان أكثرهم مشركين} دل بقوله: كان ~~أكثرهم على أن الشرك وحده لم يكن بسبب هلاكهم، بل هو وما دونه ففيه تحذير ~~للمسلمين. # ثم قال تعالى: {فأقم وجهك للدين القيم} أي البليغ الاستقامة يعني استقم ~~للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة، لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن ~~بما هو عليه، وخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلعم المؤمن فضيلة ما ~~هو مكلف به، فإنه أمر به أشرف الأنبياء. # وقوله تعالى: {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} يجوز أن يراد يأتي ~~من الله لا يرده أحد، ويجوز أن يراد لا يرده بعد أن يجيء وهو يوم القيامة ~~{يومئذ يصدعون} أي يتفرقون، لافتراق جزائهم فريق في الجنة وفريق في السعير، ~~والانصداع هو التفرق والانقطاع فمنهم من ينقطع في الجحيم، وتتقطع أمعاؤه من ~~شرب الحميم، ويتفرق لحمه من لهب السموم، ويتصدع قلبه من الهول العظيم. PageV16P166 # ثم قال تعالى: {من كفر فعليه كفره} أي فعليه عقاب كفره، لا يتجاوزه إلى ~~غيره {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون} أي يوطؤن مقاعدهم بالأعمال الصالحة، ~~ويسوون بها ما يسويه لنفسه الذي يمهد فراشه أي يصلحه ويوطيه حتى لا يصيبه ~~فيه ما يؤذيه. # وقوله: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا} ولم يقل من آمن، وذلك لأن ~~الإيمان لا يتم إلا بالعمل الصالح، فجذره تحريظا للمكلف عليه. # وأما غير الإيمان إذا جاء فلأنه للعمل معه. # وقوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا} أي صدقوا {وعملوا الصالحات} تعليل ~~ليمهدون، ms0735 ومعنى: {من فضله} يعني من عطائه، أي ثوابه؛ لأن الفضول في الفواضل ~~هي الأعطية، وقيل: ما يتفضل به بعد توفية الواجب، وتكرير الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، وترك الضمير إلى الصريح لتقرير انه لا ي فلح عنده إلى ~~المؤمن الصالح. # وقوله: {إنه لا يحب الكافرين} تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس؛ لأن عدم ~~المحبة من الله غاية العذاب، ولما ذكر ظهور الفساد والهلاك ذكر ظهور ~~الصلاح، ولم يذكر أنه سبب العمل الصالح؛ لأن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا، ~~ويذكر لأضراره سببا، لئلا يتوهم به الظلم فقال سبحانه وتعالى: {ومن آياته ~~أن يرسل الرياح مبشرات} أي بشارات للعباد مخبرات؛ لأن الرياح تبشر أهل ~~البحر بسرعة مسيرهم في الأسفار، وتبشر أهل البر بالسحاب والأمطار، وتبشر ~~أيضا بصلاح الأهوية والأحوال، فإن الرياح لو لم تهب لظهر الوباء والفساد، ~~والمراد رياح الرحمة وهي الجنوب والشمال والصبا. # وأما الدبور هي ريح المغرب، فريح العذاب ومنه قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((نصرت بالصباء وأهلكت عاد بالدبور)). # وقوله: ((اللهم اجعلها ريحا لا رياحا)). PageV16P167 # قال في البرهان: كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة، وكل شيء في القرآن ~~من الريح فهي عذاب، والرياح ثمانية، أربع منها رحمة وأربع منها عذاب، فأما ~~الرحمة فالناشرات والمبشرات، والمرسلات والذاريات، وأما العذاب فالعقيم ~~والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر. # وقوله: {وليذيقكم من رحمته} يحتمل أن يكون معطوفا على مبشرات على المعنى ~~كأنه قال: ليبشركم وليذيقيكم، وأن يكون معطوفا على محذوف تقديره ليكون كذا ~~وكذا، وليذيقكم من رحمته يعني المطر {ولتجري الفلك بأمره} يعني بقدرته في ~~تسييرها ومشيئته عند هبوبها، إذ لا تجري لهم السفن إلا بمشيئته للريح ~~الموافقة، وإلا أرست وربما أعصفت فأغرقت {ولتبتغوا من فضله} بتجارة البحر، ~~وكان هذا بالرياح {ولعلكم تشكرون} أي لتشكروا ما عدده من نعمه فتطيعوه؛ لأن ~~طاعة العبد لربه من شكره لنعمته، إذا ليس مع المعصية شكر، ولا مع كفر ~~النعمة طاعة، ولما بين الله تعالى البراهين ولم ينتفع بها الكفار سلى قلب ms0736 ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: {ولقد أرسلنا من قبلك} يا ~~محمد{رسلا إلى قومهم} لينذروهم كما أرسلناك{فجاءوهم بالبينات} المعجزات ~~الدالة على صدقهم، أي فآمن بعضهم وكفر بعضهم {فانتقمنا} للمؤمنين {من الذين ~~أجرموا} وقوله: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} تعظيم للمؤمنين، ورفع من ~~شأنهم، وإظهارا لرفع حزبه، حيث جعلهم مستحقين على الله النصر. # قال في البرهان: يعني نصر الأنبياء والأئمة عليهم السلام بإجابة دعائهم، ~~على المكذبين لهم من قومهم، انتهى. # وقد يوقف على حقا أي وكان الانتقام منا حقا، وما بعده أنه........... # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من امرء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا ~~كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم)) ثم تلى الآية. PageV16P168 # وفي الحديث: ((المستمع للغيبة أحد المغتابين، والغيبة أشد من الزنا، فمن ~~نصر أخاه برد غيبته نصره الله في الدنيا والآخرة، ومن خذله خذله الله في ~~الدنيا والآخرة)) ثم بين الله دلائل الرياح على قدرته وحكمته على التفصيل ~~الأول، فقال تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} أي تظهره وترفعه، ~~والعرب تقول: ثار البعير قائما إذا ارتفع، واستقل عن مبركه. # ومعنى قوله: {فيبسطه في السماء} أي في الهواء الذي سمت السماء، كقوله: ~~{وفرعها في السماء} والبسط هو التمديد والنشر والبساط مأخوذ من ذلك. # وقوله: {كيف يشاء} يعني ممتدا كثيرا وقليلا، كثيفا أو رقيقا، ناره متصلا، ~~ثم قال: {ويجعله كسفا} أي وتارة قطعا قد تراكم بعضه على بعض {فترى الودق} ~~وهو المطر {يخرج من خلاله} جمع خلل، أي من فوقه ومخارجه في التارتين جميعا، ~~يريد من خلال السحاب أي من بينه، ثم المطر منه يخرج، والماء في الهوى من ~~عجيب علامة القدرة، وما يقضي إليه من إنبات الزرع، وأدرار الضرع حكمة بالغة. # قال في البرهان: في الودق تأويلان: # أحدهما: أنه البرق. # والثاني: أنه المطر، ومنه قول الشاعر: # فلا مزنه ودقت ودقها ... ولا الأرض أثقل إثقالها PageV16P169 ثم إنه لا يعم بل يختص به قوم دون قوم، وهو من علامة الحكمة والمشيئة، كما ~~قال ms0737 تعالى: {فإذا أصاب به} أي الودق {من يشاء من عباده} المراد إصابة ~~بلادهم بالغيث {إذا هم يستبشرون} أي يسرعون الاستبشار مفاجئين له {وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل} الغيث {عليهم من قبله} أي الغيث {لمبلسين} أي آيسين، ~~والمبلس الساكت المتحير، وتكرير من قبله للتأكيد، كقوله: {فكان عاقبتهما ~~أنهما في النار} ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد فاستحكم بأسهم، ~~وتمادى إبلاسهم، فكان فرحهم على قدر اغتمامهم. # وقيل: ومعنى من قبله أي من قبل ما ذكرنا من إرسال الريح، وبسط السحاب، ~~وذلك لأن بعد الارسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر أو ليس، فقيل: المطر ~~إذا هبت الريح لا يكون مبلسا، ثم لما فصل قال سبحانه: {فانظر إلى آثار رحمة ~~الله} وهي الغيث، وأثرها النبات يريد فضل الله ورزقه {كيف يحي} الله ~~{الأرض} بالنبات {بعد موتها} بالجدب، يعني بالماء حين أنبت شجرا، ومرعى بعد ~~أن كانت بالجدب مواتا {إن ذلك} أي القادر الذي يحيى الأرض بعد موتها {لمحيي ~~الموتى} أي يحي الناس بعد موتهم لما ذكر الدلائل قال: لمحي باللام المؤكدة، ~~وباسم الفاعل؛ لأن القادر على إحياء الأرض الموات قادر على إحياء الأموات، ~~استدلالا بالشاهد على الغائب، ثم قال تأكيدا لما يفيد الاعتراف {وهو على كل ~~شيء قدير} وهذا من المقدورات بدليل الإنشاء، ولما بين أنهم عند توقف الخير ~~يكونون مبلسين آيسين عند ظهوره يكونون مستبشرين بين أن تلك الحالة أيضا لا ~~يدومون عليها، بل لو أصاب زرعهم ريح مصفر لكفروا، فقال تعالى: {ولئن أرسلنا ~~ريحا} فضربت بحرها وبردها زرعهم الصغار {فرأوه} أي أثر رحمة الله والنبات ~~{مصفرا} أي أصفر وجف. PageV16P170 # قال في البرهان: يعني فرأوا السحاب مصفرا؛ لأن السحاب إذا كانت كذلك لم ~~تمطر ويجوز فرأوا الزرع مصفرا بعد اخضراره {لظلوا من بعده يكفرون} أي من ~~بعد اصفرار الزرع، يريد أنهم يكفرون ولا يتوبون ويستغفرون، أو المراد أنهم ~~يستمرون على كفر النعمة، أي يجحدون نعمه التي تقدمت بالخصب كقوله: {إذا هم ~~يقنطون} ذمهم لمقابلتهم النعمة بالفرح، دون الشكر، وبقلة ms0738 صبرهم على المحنة، ~~وكان عليهم أن يتوكلوا على الله تعالى، ويشكروا على النعما، ويصبروا على ~~البلوى. # قال في البرهان: ومعنى ظل أوقع الفعل في صدر النهار، وهو الوقت الذي فيه ~~الظل؛ لأنه وقت يختص بأهم الأمور، لتقديمه عن نية من الليل، وكذلك قولهم: ~~أضحى بفعل لكن قد يغير بقولهم: ظل بفعل عن فعل أول النهار وآخره اتساعا. PageV16P171 # وقيل: ما يستعمل أضحى بفعل إلا في صدر النهار دون آخره، ثم إنه تعالى لما ~~علم رسوله أنواع الأدلة، وأصناف الأمثلة، ووعد وأوعد ولم يزده دعاؤه إلا ~~فرارا، وانباؤه إلا كفرا وإصرارا، قال تعالى: {فإنك} يا محمد {لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} والموتى هم الذين يموتون على كفرهم وهم الصم ~~الذين تولوا عن الهدى، فلم يسمعوه، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكافر ~~بالميت، فكما أن الميت إذا خوطب لم يسمع، والأصم إذا دعي لم يسمع كذلك ~~الكافر لا يسمع الوعظ؛ لأن الكفر قد أماته، والظلال قد أصمه، وإنما قال: ~~{إذا ولوا مدبرين} والأصم لا يسمع الدعاء ولا مدبرا ليكون أدخل في ~~الامتناع، وذلك لأن الأصم وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة فإذا ولى لا ~~يكون نظره إلى المسير فلا يسمع ولا يفهم، ولذلك كان حاله مدبرا أسوء فذكر ~~بأسوء حاله، فشبههم عز وجل في عدم انتفاعهم بالمواعظ بالموتى في عدم فائدة ~~الاستماع، وبالصم في عظم بعدهم عن السماع وهو حال إدبارهم؛ لأن الأصم ربما ~~يفهم عند إقباله لما يرى من الأمارات، وإنما قال: لا تسمع الصم الدعاء، ولم ~~يقل في الموتى ذلك لأن الأصم قد يسمع الصوت الهائل كصوت الرعد القوي، ولكن ~~صوت الداعي لا يبلغ ذلك الحد، ثم قال سبحانه: {وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم} أي العمي عن الهدى إذ لا يقبلون {إن تسمع} أي لا يفيد إسماعهم ~~{إلا من يؤمن} أي يصدق {بآياتنا فهم مسلمون} منقادون للاستماع، منتفعون ~~بالهدى. PageV16P172 # قال الهادي عليه السلام: معنى الآية أن تسمع بآياتنا عندما تلقى في آذانهم ~~من وحينا، وتتلو عليهم من وعدنا ms0739 ووعيدنا، إلا من يؤمن بها، ويصدق بما تتلو ~~من وحيها من المسلمين، فأما من ظل عن الوحي والهدى، وجنب عن الحق واتبع ~~الهوى، وكان بذلك كافرا، وفي دين الله فاجرا، فلا يسمع ما يراه وينهاه عنه، ~~والسمع هاهنا هو الطاعة والقبول لما جاء به عن الله الرسول، ومن الحجة على ~~أن السمع هو الطاعة ما يقول الله سبحانه: {قالوا سمعنا وأطعنا واسمع ~~وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} انتهى. # ثم قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف} يعني أساس أمركم، وما عليه خلقكم ~~الضعف، أي ابتدأناكم من أول الأمر ضعفاء، وذلك حال الطفولية. # وقيل: أراد بالضعف النطفة أي من ماء ذي ضعف، ومعنى ضعف ذلك الماء قلته، ~~ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليهما السلام وهو الذي في البرهان، فإن ~~قيل: كيف جاز أن يسمي النطفة ضعفا وهي جسم ضعيف، والضعف عرض لا يخلق منه شيء؟ # قيل له: كما جاز أن يسمي العدد والسلاح قوة، والقوة عرض، وذلك قوله: ~~{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} أي عدة وهي على المجاز وهي أجسام على ~~الحقيقة، والعرب تسمي ذلك في لغتها قوة، وهم لا يفرقون بين جسم ولا عرض، ~~فخاطبهم بما يعرفون، ويفهمون عندهم، ويستعملون، والحكيم لا يحمل أحد ما لا ~~يحتمل، ولا يكلف كلا من الخلق إلا ما يصل ويهون عليه فهمه، ولا ينتقل وفي ~~ذلك ما يروى عن المسيح بن مريم -صلوات الله عليه- قال: إنا معاشر الأنبياء ~~أمرنا أن نخاطب كلا على قدر علقه. # وقوله:{ ثم جعل من بعد ضعف قوة} إشارة إلى حالة بلوغهم وقت الاحتلام ~~والشباب وذلك حال القوة والاكتهال وبلوغ الأشد وهو أربعون سنة. PageV16P173 # وقوله تعالى: {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} إشارة إلى ما يكون بعد ~~الكهولة من ظهور النقصان، ومعناه رددتم إلى حالكم وهو الضعف بالشيخوخة ~~والهرم والشيبة عبارة عن المشيب والهرم؛ لأن بياض الشيب نذير بالفناء، كما ~~قال الشاعر: # رأيت الشيب من نذر المنايا # لصاحبه وحسبكم ms0740 من نذير # ثم قال تعالى: {يخلق ما يشاء} أي كما خلقكم في هذه الأحوال المختلفة، ~~فبين بقوله: يخلق ما يشاء أن هذا ليس طبعا بل هو بمشيئة الله تعالى ~~وحكمته{وهو العليم} بكل المعلومات {القدير} على جميع المقدورات التي من ~~جملتها البعث، وهذا الترديد أظهر دليل على الصانع العليم القدير، ثم لما ~~بين ذكر الإبداء والإعادة كالإبداء ذكره بذكر أحوالها فقال تعالى: {ويوم ~~تقوم الساعة} هي القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات ~~الدنيا، أو لأنها تقع بغتة، وبديهة، وسريعة، كما تقول لمن تستعجله، أنت في ~~ساعة وساعة في قوله تعالى: {يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} للوقت ~~اليسير، واللبث في اللغة هو الإقامة، أي ما أقاموا غير ساعة استقلالا لأجل ~~الدنيا لما عاينوا الآخرة، وأرادوا لبثهم في الدنيا أو في القبور، أو في ما ~~بين فناء الدنيا إلى البعث، ثم جرت الساعة علما لقيامه كالنجم للثريا. # ثم قال تعالى: {كذلك كانوا يؤفكون} أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون عن ~~الحق في الدنيا إلى الباطل ويقلدون ويطيعون رؤساؤهم، ويتبعون ولا ينظرون ~~لأنفسهم، ولا يميزون، أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغتراء بما تبين ~~لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة، يريد أنهم كانوا في الدنيا يغترون بها، ~~ويرونها طويلة؛ لأنهم لا يقرون بالآخرة، وقد تبين الآن أنها مثل ساعة من ~~الساعات {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} وهم الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنون. PageV16P174 # وقال في البرهان: هم الشهداء والأئمة من آل الرسول عليهم السلام {لقد لبثتم ~~في كتاب الله} أي في علمه، وقضائه أو فيما كتبه أي أوجبه بحكمته، فاللام ~~للقسم المحذوف. # وقال في البرهان: معناه فيما بيانه وتفسيره، وفي كتاب الله، وفي لبثهم أي ~~إقامتهم في دار الدنيا {إلى يوم البعث} ردوا قول المجرمين، واطلعتوهم على ~~الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث بقولهم: {فهذا يوم البعث ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون} أنه حق، والفاء جواب شرط محذوف دل عليه الكلام، ~~كأنه قال: أن كنتم منكرين البعث فهذا يوم ms0741 البعث الذي كذبتم به، في دار ~~الدنيا، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أن البعث حق {فيومئذ} أي يوم تقوم ~~الساعة، وتقع هذه الأمور{لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} يعني عذرهم الذي ~~اعتذروا به في تكذيبهم؛ لأنهم يعتذرون بالباطل، كأطعنا ساداتنا ونحوه {ولا ~~هم يستعتبون} أي لا يستتابون، ويحتمل ولا يطلب منهم العتبى، وهو أن يردوا ~~إلى الدنيا ليعتبوا أي ليتوبوا من قولك: استعتبني فعتبته أي استرضاني ~~فارضيته، وحقيقته اعتبته أزلت عتبه، والمعنى لا يطلب منهم إرضاء ربهم بتوبة ~~وطاعة لفوات وقتها، ثم أخبر تعالى عن إزالة الأعذار، والإتيان بما فوق ~~الكفاية من الانذار، فقال سبحانه: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل} وأقسم لقد وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل ~~قصة عجيبة البيان، كقصة المبعوثين يوم القيامة وما يقولون، وما يقال لهم، ~~ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر ليس بما يخفى في ~~إبراز حقيقات المعاني، ووقع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة ~~المحقق والمتوهم، في معرض المتيقن، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين، ~~وفي سائر كتبه أمثاله، ومعنى قوله تعالى: {ولئن جئتهم PageV16P175 بآية} من آيات القرآن {ليقولن الذين كفروا} أجئتنا بزور وباطل{إن أنتم} أي ~~ما أنتم فيما جئتم به من الآيات {إلا مبطلون} يريد أنك إن جئتهم بدلالة لم ~~يصدقوك ونسبوك إلى المحال والباطل وكذبوك؛ لأنهم لا ينصفون عقولهم، ولا ~~يجاهدون على نجاة أنفسهم، بل يحكمون أنفسهم على عقولهم، ولا يفرقون بين ~~تقيتهم وجهلهم، ثم أشار إلى خذلان العصاة، وسلبه الأعطاف عن الجهلة الطغاة، ~~بقوله تعالى: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} أي الجهلة، ومعنى ~~الطبع هو منع الألطاف التي تنشرح لها الصدور حتى يقبل الحق، وإنما يمنعها ~~من علم أنه لا يقبلها، ولا ينفعه كالواعظ يمنع موعظته من تبين له أن موعظته ~~تلغوا ولا..........فوقع ذلك كناية عن قسوة قلبوهم، كأنه قال: كذلك تقسوا ~~قلوب الجهلة، حتى سموا المحقين مبطلين، وهم أعرف خلق الله في تلك الصفة. ms0742 ~~قاله في الكشاف. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: فإذا فعل العبد ذلك تركه الله من ~~التوفيق والتسديد حتى يصدا قلبه، ويعمى لكثرة الذنوب، فإذا خلاه صاحبه من ~~الذنوب وتاب إلى بالله من القبائح والعيوب سلم قلبه من العمى، وأبصر حينئذ ~~طريق الهدى، انتهى. # ثم إنه تعالى سلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {فاصبر إن ~~وعد الله حق} معناه أن وعد الله في نصرك وتأيدك، والانتقام من أعدائك، ~~وإظهار دينك على الدين كله، حق لابد من الوفاء به. # ومعنى قوله: {ولا يستخفنك} لا يحملنك على الخفة والقلق جزعا بما يقول: ~~{الذين لا يوقنون} بالبعث والحساب، أي احذر أن تخف معهم، ولا تطعهم إلى ~~جهلهم بل انفذ أحكام الله فيهم، أحبوه أو كرهوه. PageV16P176 # قال في البرهان: لا يستخفنك أي لا يستفزنك ولا يستعجلنك، وروينا أن أمير ~~المؤمني عليا عليه السلام كان في صلاة الصبح وكان خلفه رجل من الخوارج فقال ~~له الخوارجي: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} فقال أمير ~~المؤمنين: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}. PageV16P177 ### || AUTO سورة العنكبوت # تسعة وستون آية إجماعا مكية، قتادة إلا عشر من أولها إلى قوله: {وليعلمن ~~المنافقين} فمدنية. # وقال في البرهان: روينا عن أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه أن هذه ~~السورة نزلت بين مكة والمدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الم، أحسب الناس} قال الرازي في حكمة افتتاح هذه السورة ~~بحروف التهجي ما لفظه: والمقدم عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف، ~~فيقول الحكيم إذا خاطب من يكون محل الغفلة، أو من يكون مشغول البال بشغل من ~~الأشغال تقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه، ~~ويقبل بقلبه عليه، ثم يشرع في المقصود إذا أثبت هذا منقول ذلك الكلام ~~المقدم على المقصود قد يكون كلاما له معنى مفهوم، كقول القائل: اسمع واجعل ~~بالك إلي وكن لي، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم، كقول القائل: ~~أزيد ويا زيد وألا زيد، وقد يكون ms0743 المقدم على المقصود صوتا غير مفهم، كمن ~~يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون كالصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان ~~بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كل ما كان أتم، والكلام ~~المقصود كان أهم كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادي القريب بالهمزة ~~فيقال: أزيد والبعيد بياء، فيقال: يا زيد، والغافل ينبه أولا فيقال: ألا يا ~~زيد، إذ أثبت هذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((وإن كان يقظان ~~الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن)) وكان يحسن من الحكيم أن يقدم على ~~الكلام المقصود حروفا هي كالمنهبات، ثم إن تلك الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم ~~معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو التنبيه، من تقديم الحروف التي ~~لها معنى؛ لأن تقدم الحروف إذا كان لاقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعد ~~ذلك، فإذا كان المقدم كلاما منظوما، وقولا مفهوما، وإذا سمعه السامع فربما ~~يظن أنه كل المقصود، ولا كلام له بعد ذلك، فيقطع الإلتفات عنه. PageV16P178 # أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا يقطع نظره عنه ما لم يسمع ~~غيره بجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود، فإذا تقديم الحروف التي لا معنى ~~لها في الوضع لها على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة، فإن قال قائل: فما ~~الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف؟ فنقول: عقل البشر عن إدراك ~~الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز، والله اعلم بجميع الأشياء، ولكن نذكر ~~ما يوفقنا الله له فنقول: كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن أوائلها ذكر ~~الكتاب أو التنزيل، أو القرآن كقوله: {الم، الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم، نزل عليك الكتاب} {المص، كتاب أنزل إليك} {يس، والقرآن} {ق ~~والقرآن} {الم، تنزيل الكتاب} إلا ثلاث سور {كهيعص} {الم، أحسب الناس} ~~{الم، غلبت الروم} والحكمة في افتتاح السورة التي قبلها فيها القرآن ~~والتنزيل أو الكتاب بالحروف، هي أن القرآن عظيم، والإنزال له ثقل، والكتاب ~~له عبء، كما قال تعالى: {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا} ms0744 وكل سورة في أوائلها ~~ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب لاستماعه، ~~لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن، سواء كان فيها ذكر القرآن ~~لفظا أو لم يكن، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه، وأيضا فقد ~~وردت سور فيها ذكر الإنزال والكتاب، ولم يذكر قبلها حروف، كقوله تعالى: ~~{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} وقوله: {سورة أنزلناها} وقوله: ~~{تبارك الذي نزل الفرقان} وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} لأنا نقول ~~جوابا عن الأول: لا ريب في أن كل سورة من القرآن، لكن السورة التي فيها ذكر ~~القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبيه على كل القرآن، فإن قوله تعالى: ~~{طه، ما أنزلنا عليك القرآن} مع أنها PageV16P179 بعض القرآن فيها ذكر جميع القرآن، فيصير مثاله مثال كتب ترد من ملك على ~~مملوكه، فيهما شغل ما، وكتاب آخر يرد منه عليه فيه إن كتبنا فيها أوامرنا ~~فامتثلها، لا شك أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول، وعن الثاني أن ~~قوله الحمد لله، وتبارك الذي نزل الفرقان تسبيحات مقصودة، وتسبيح الله لا ~~يغفل عنه العبد، فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي. # وأما ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح، وسورة أنزلناها وقد ~~بينا أنها بعض من القرآن فيما ذكر إنزالها، وفي السورة التي ذكرنا ذكر جميع ~~القرآن، فهو أعظم في النفس، وأثقل. # وأما قوله تعالى: {إنا أنزلناه} فنقول: هذا ليس ورودا على مشغول القلب ~~بشيء غيره، بدليل أنه ذكر الكناية فيها، وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم، ~~كقوله: أنزلناه، الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فكان متنبها له، فلم ينبه. # واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن لغير الحروف التي لا يفهم معناها، كما ~~في قوله تعالى: {ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} وقوله: ~~{ياأيها النبي اتق الله} و{ياأيها النبي لم تحرم} لأنها أشياء هائلة عظيمة ~~فإن تقوى الله حق تقاته أمر ms0745 عظيم، فقدم عليها النداء الذي يكون للعبد ~~الغافل عنها، تنبيه. PageV16P180 # وأما هذه السورة فتحت بالحروف وليس فيها الابتداء بالكتاب والقرآن، وذلك ~~لأن القرآن ثقله وعبؤه بما فيه من التكاليف والمعاني، وهذه السورة فيها ذكر ~~جميع التكاليف {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا} يعني لا يترك بمجرد ~~ذلك، بل يؤمنون بأنواع التكاليف فوجد المعنى الذي في السورة التي فيها ذكر ~~القرآن، المشتمل على الأوامر والنواهي، فإن قيل: مثل هذا الكلام وفي معناه ~~ورد في سورة التوبة وهو قوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم} ولم تقدم عليه حروف للتهجي. # فنقول: الجواب عنه في غاية الظهور، وهو أن هذه أبتدء كلام، ولهذا وقع ~~الاستفهام. # فقال: {أحسب} وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام تام، والنسبة تكون في ~~أول الكلام لا في إثنائه، وأما الم غلبت الروم فقد تقدم ذكر ماقيل فيها، ~~انتهى كلامه والله أعلم، فقوله تعالى {أحسب الناس} لفظه لفظ الاستفهام ~~ومعناه معنى التوقف على الخبر والإفهام، وقوله: {أن تتركوا} مفعول أول لحسب. # والثاني: هو قوله: {أن يقولوا آمنا} فمعناه الإنكار، لانه بتركوا لمجرد ~~كلمة الإيمان والشهادة {وهم لا يفتنون} أي غير ممتحنين بشدائد التكليف من ~~مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعة الشاقة، وبالفقر والمرض ~~وأنواع المصائب في الأنفس والأموال. # قال في الكشاف: تقدير أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم أمنا، وأما غير ~~مفتونين فتتمة لترك؛ لأنه من الترك الذي بمعنى التصيير، كقوله: # فتركته جزر السباع ينشنه # فإن قلت: إن يقولوا هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبره ~~مبتداء؟ # قلت: كما يقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب، انتهى. # قال الزجاج: المعنى أحسبوا أن يقتنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط، ولا ~~يمتحنون بما يتبين فيه حقيقة إيمانهم. # الثالث: فهو الحرب. PageV16P181 # الرابع: فهو على وجه المحنة، سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن ~~الفتنة؟ فقال: هي على أربعة وجوه. # فوجه منها العذاب وهو كما قال الله سبحانه في جد بن قيس: {ألا في الفتنة ms0746 ~~سقطوا} يريد في العذاب وقعوا، ومن ذلك قوله عز وجل في أهل الأخدود: {إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} يريد عذبوهم بالنار في الأخدود. # والوجه الثاني: هو الإعجاب بالشيء والمحبه له. # تقول العرب: فلان مفتتن بصاحبه، ومفتتن بزوجته، مفتن بماله محب له معجب به. # والوجه الثالث: فهو الحرب: تقول العرب بين بني فلان فتنة شديدة تريد حربا شديدا. # والوجه الرابع: فهو على معنى المحبة وذلك قوله: {الم، أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم} يقول ~~امتحنا الذين من قبلهم ومن فتنة المحنة قول الله سبحانه: {ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا} وقوله في موسى: {فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم ~~السامري} يريد امتحناهم من بعد مفارقتك لهم، بتركنا لتصرف كيد السامري عنهم. # قال صلوات الله عليه: وأصل هذه الفروع كلها فهو العذاب والتعب، والشدة ~~والنصب؛ لأن من افتتن بمحبة شئ فهو يعذب قلبه وتعب ونصب بتعلقه، وكذلك فتنة ~~الحرب فهى عذاب شديد وغم ونصب، لما فيها من القتل والهلكة، فلما فيها من ~~ذلك سميت فتنة، وأصل الفتن كلها تعب وعذاب ونصب في كل الأسباب، انتهى. # ثم ذكر الله ما يوجب تسليتهم فقال تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} ~~يعنى اتباع الأنبياء، أختبرناهم بالمحن وهو متصل بقوله: {وهم لا يفتنون} ~~كقولك ألا يمتحن فلان وقد امتحن من هو خير منه. PageV16P182 # وفي الحديث: ((قد كان من قبلكم يوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، ويمشط ~~بأمشاط الحديد ما دون عظمة من لحم وعصب مايصرفه ذلك عن دينه)) والمعنى {أم ~~حسب الذين} أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم، وأظهروا الإيمان أنهم يتركون ~~لذلك غير ممتحنين، بل يمتحنهم بضروب المحن حتى يختبر صبرهم وثباتهم، وصحة ~~اعتقادهم كما اختبرنا أتباع الأنبياء قبلهم. # قال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: بما افترضه الله عليهم. # والثاني: بما ابتلاهم الله به، وهذه الآية نزلت في ناس من أهل مكة خرجوا ~~للهجرة فعرض لهم المشركون فرجعوا فنزلت الآية فيهم، فلماسمعوها خرجوا ~~للهجرة فقتل ms0747 منهم من قتل، وخلص منهم من خلص فنزلت فيهم: {والذين جاهدوا ~~فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}. # وقيل: أنها نزلت في عمار بن ياسر ومن كان يعذب في الله بمكة. # ومعنى قوله: {فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} أي فليظهرن ~~الله تعالى الصادق بما ابتلاهم به، انتهى، أي ليميزن الصادق من الكاذب حتى ~~يفرق بالفتنة والمحنة بين صادقهم ومنافقهم. PageV16P183 # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه فسيعلمن الله من هو صادق ومن ~~هو كاذب بعد علمهم، كما علم ذلك قبل فعلهم؛ لأن الله عالم بذلك قبل وجوده، ~~لكن أراد ليعلمنه موجودا وهو لا يعلمه موجود إلا وقد وجده، لما بين الله ~~حسن التكليف بقوله: {أحسب الناس أن يتركوا} بين أن من كلف بشئ ولم يأت به ~~يعذب، وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الاستقبال، ولا يفوت الله شئ في ~~الحال ولا في المال، فقال تعالى: {أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} ~~أم هي المنقطعة، أي بل أحسب فهى للإضراب عن الحسبان الأول إلى أبطل منه؛ ~~لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساوئه، ومعنى ~~أن يسبقونا فهو يفوتونا فلا يمسهم العذاب، والمعنى أيحسبوا أنهم يسبقون ~~عذابنا حتى لايلحقهم ولا يوقعهم فيه كفرهم وفسقهم. # وقيل: لم يحسبوا ذلك، ولكن غفلتهم عن العاقبة في صورة من تقدر الفوات، ~~جعلوا لقلة فكرهم فيها بمنزلة من يحسب ذلك، ثم قال تعالى: {ساء ما يحكمون} ~~أي قبح مايظنون ويفعلون، وبئس الذي يحكمون حكمهم هذا ويقضون، يريد حكمهم ~~بأنهم يعصون ويخالفون أمر الله ولا يعاقبون حكم شيء، فإن الحكم الحسن لا ~~يكون إلا حكم العقل أوحكم الشرع، والعقل لا يحكم على الله بذلك فجكمهم حكم ~~في غاية السوء والرداءة، ثم أخبر أن من يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع ~~عمله ولا يخيب أمله، فقال تعالى: {من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لات} ~~يرجوا أي يأمل، ويجوز أن يكون بمعنى يخشى ويخاف وهو من الأضداد في اللغة. ms0748 # قال الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل PageV16P184 أي لم يخف ولازمها، والمخالفة بالجاهي الملازمة في اللغة، ومعنى لقا الله ~~فهو لقا ثوابه ورحمته، وهو مثل للوصول إلى العاقية من تلقي ملك الموت، ~~والبعث والحساب، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده، وأجل الله هو الوقت ~~الذي جعله الله لبعثهم وقيامهم في القبور، ونشرهم أو هو الموت. # والمعنى من كان يرجوا لقا الله فإن لقا الله لأت؛ لأن الأجل واقع فيه لقا ~~حساب الله وجزائه، ثم قال: {وهو السميع} لمقالتهم {العليم} بمعتقدهم لا ~~يخفى عليه شئ مما يقولون ويفعلون، فهوالحقيق بالتقوى والخشية. # ثم لما بين أن التكليق حسن واقع، وأن عليه وعدا وايعادا ليس لهما دافع، ~~بين أن طلب الله ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه تعالى، فإنه غني مطلقا ~~ليس شيء غيره يتوقف كماله عليه، ومثل هذا كثير في القرآن، كقوله: {من عمل ~~صالحا فلنفسه} فقال تعالى: {ومن جاهد} أي جاهد نفسه في منعها مما يأمر به ~~من الشهوات مما لا يجوز، ويحملها على ماتأباه {فإنما يجاهد لنفسه} لأن ~~منفعة ذلك راجعة إليها، وإنما أمر الله ونهى رحمة للعباد {إن الله لغني عن ~~العالمين} وعن عبادتهم فما يكلفه إياهم إلا نعمة عليهم، ثم لما بين اجمالا ~~أن من يعمل صالحا فلنفسه بين مفصلا بعض التفصيل جزاء المطيع الصالح عمله ~~فقال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} أي ~~لنغطينهما ولنذهبنها بثواب الحسنات أو بالتوبة والإيمان بعد العصيان وهو ~~الوجه {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} أي لنثيبنهم أحسن جزاء أعمالهم ~~الصالحة الذي كانوا يعملون. PageV16P185 # قال في التجريد: ظاهر قوله: {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون} لا يطابق ~~إذا المراد ولنجزينهم على أحسن أو بأحسن، ويقال أيضا الأحسن لا يتناول ~~الحسن، والجزاء واقع عليهما جميعا، فلم ذكر الأحسن فقط؟ قيل في جواب الأول ~~تقديره أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام. # وقد قيل في جواب الثاني أراد بأحسن الذي كانوا يعملون الطاعات كلها؛ ~~لأنها أحسن من ms0749 المباح وأحسن من القبح. # وقيل: أراد التوحيد والعدل من بين سائر الطاعات؛ لأن المخاطبين بذلك ~~المشركون المخالفون في التوحيد، والمعنى في ذلك يحتمل وجهين: # أحدهما: لنجزينهم بأحسن أعمالهم. # وثانيهما: لنجزينهم بأحسن من أعمالهم، وعلى الأول فقدر أعمالهم أحسن ~~مايكون ويجزيهم عليها؛ لا أنه يختار منها أحسنها ويترك الباقي، وعلى الوجه ~~الثاني قريب من معنى قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وقوله {فله ~~خير منها}. # وأعلم أن الله لما بين أحسن التكاليف ووقوعها، وبين ثواب من حقق التكاليف ~~أصولها وفروعها، تحريضا للمكلف على الطاعة ذكر المانع من أن يختار إتباعه ~~فقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} أي أمرناه وألزمناه يفعل بهما ~~برا، أي فعلا ذا حسن، أوهو من ذاته حسن لفرط حسنه. # قال في الكشاف: لأن وصى حكمه حكم أمر في معناه وتصرفه، يقال وصيت زيدا ~~بأن يفعل، كما يقول أمرته بأن يفعل، وقولك وصيت زيدا بعمر ومعناه وصيته ~~يتعهد عمروا، ثم قال تعالى: {وإن جاهداك} أي وقلنا له: وإن جاهداك أي ~~اجتهدا عليك وألزماك {لتشرك بي ما ليس لك به علم} أي بإلاهية، والمراد بنفي ~~العلم نفي المعلوم. PageV16P186 # قال في البرهان: يعنى أن تجعل لي شريكا؛ لأنه ليس لأحد بذلك علم {فلا ~~تطعهما} فأمره الله تعالى بطاعة الوالدين في الواجبات وفي المباحات ندبا، ~~ونهى عن طاعتهما في المحظورات، وقد جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)). # ثم قال تعالى: {إلي مرجعكم} من آمن ومن أشرك يعني يوم القيامة {فأنبئكم} ~~الإنباء الإعلام وهو هنا عبارة عن الجزاء؛ لأنه معلم بالعمل أي فأجازيكم ~~{بما كنتم تعملون} في الدنيا من خير يستحق به ثواب، أو شر يستوجب به عقاب، ~~وحكم هذه الآية عام. # والمعنى لا تحرم والديك برك لشركهما، كما أني لا أحرمهما رزقي، وهو وعيد ~~على متابعتهما على الشرك، وقد مر في سورة لقمان؛ لأنها نزلت في سعد بن أبي ~~وقاص وأمه. # ثم قال تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم ms0750 في الصالحين} يعني ~~في جملتهم أي في الجنة. # والفائدة في إعادة الذين آمنوا وعلموا الصالحات مرة أخرى، أن الله تعالى ~~ذكر من المكلفين قسمين مهتديا وضالا بقوله: {فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين} وذكر حال الضال مجملا، وحال المهتدي مفصلا بقوله: ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} ولما ذكر قسمين آخرين ~~هاديا ومضلا بقوله: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} يقتضي أن يهديهما، وقوله ~~{وإن جاهداك لتشرك بي} بيان اضلالهما وقوله: {إلي مرجعكم فأنبئكم} بطريق ~~الإجمال تهديد المضل، وقوله: {والذين آمنوا} على سبيل التفصيل وعد الهادي ~~فذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات مرة لبيان المهتدي ومره لبيان حال ~~الهادي، والذي يدل عليه هو أنه قال: {لنكفرن عنهم سيئاتهم}. PageV16P187 # وقال ثانيا: {لندخلنهم في الصالحين} والصالحون هم الهداة؛ لأنه مرتبة ~~الأنبياء، ولهذا قال أكثر من الأنبياء الحقني بالصالحين. # ولما بين الله حال القسمين بقوله: {فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين} وبين أحوالهما بقوله: {أم حسب الذين يعملون السيئات} إلي قوله: ~~{والذين آمنوا وعملوا الصالحات} بين القسم الثالث فقال تعالى: {ومن الناس ~~من يقول آمنا بالله} نزلت في ناس من المنافقين آمنوا بالستهم {فإذا أوذي في ~~الله} أي فإذا أذاهم الكفار بسبب إظهار الإيمان بالقتل والجراح، أو بالكلام ~~الذي يغم لم يصبر على محن الصالحين {جعل فتنة الناس} أي أذا الكفار {كعذاب ~~الله} في أنه يصرفه عن الإيمان، كما أن العذاب يصرف المؤمنين عن الكفر، ~~أوجعل فتنة الناس وعذابهم مثل عذاب الله، وضجر من ذلك وعتب على الله إذ لم ~~يصرف عنه شرهم. PageV16P188 # وأعلم أن هذا المفتون في الله لا يخل من أحد وجهين: إما أن يكون في دين ~~الله من المؤمنين، وأما أن يكون من المنافقين، وإن كان منافقا فليس يجب على ~~الله أن يصرف عنه شرهم وهو مع ذلك لم يرض فعلهم، وليس يجب للمنافقين من ~~الكرامة منعهم، وإن كان من أولياء الله وأحبابه، وأهل طاعته وأصفيائه، ~~فإنما تركه الله للقتل والأذى ليثبته على الدرجات العلاء، ولم يرض بفعلهم ~~تبارك وتعالى، ولكن علم ms0751 أنه يستحق على ذلك من الثواب أكثر مما يجب له ~~بالموت والذهاب، ولو نجاه من القتل لما بلغ من الرحمة والفضل درجته على ما ~~ناله، وإنما بين الموت والقتل شيء قليل والثواب على فضل ما يعنهما عظيم ~~جليل، ولو سلمهم من القتل ما أبقاهم إلا يسيرا حتى يقبض أرواحهم هلكة ~~وتدميرا، ويحلون بعد هلاكهم قبورا، ثم لا يصلون إلى تلك الدرجات، ولا ~~يبلغونها أبدا مع ما تنالهم من العلل والأوصاب، وطول السقم عند الممات ~~والذهاب، حتى يعانا لهم من الألم والوجع أكثر مما كانوا يخافون من القتل ~~والجزع، والحكيم لايعطي بالفضل كعطائه على الثواب؛ لأن التفضيل أقل الواجب ~~عند ذوي الألباب، ولو جعل التفضيل مثل واجبات الحقوق لساوى في ذلك بين ~~السابق والمسبوق، والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا، والحمد لله كثيرا، ذكره ~~الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام. # ثم قال تعالى: {ولئن جاء نصر من ربك} أي ظفر وغنيمة {ليقولن} للمؤمنين ~~{إنا كنا معكم} في الدين، ومظاهرين بكم في الجهاد فاعطونا نصيبنا من ~~المغنم، ثم بين الله أنهم أرادوا التلبيس بقوله: {أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين} فأخبر سبحانه بما في صدورهم من النفاق، وأطلع المؤمنين على ~~نفاقهم. PageV16P189 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: هذا إخبار من الله عن من يقول بلسانه أنه ~~مؤمن، فإذا نزل به خوف من أعدا الله رجع عن قوله، واستسلم في أيدي أعداء ~~الله، فأخبر الله سبحانه بجهله وكفره، ونفاقه في كل أمره، وأنه لا يعقل ~~مابين عذاب الله وفتنة الناس، وفي أولئك ومن كان من الخلق كذلك ما يقول ~~الله سبحانه: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} إلى آخر الآية، انتهى. # ولما بين أنه أعلم العالمين بما في قلوب العالمين بين أنه يعلم المؤمن ~~المحق وإن لم يتكلم، والمنافق وإن تكلم، فقال تعالى: {وليعلمن الله الذين ~~آمنوا} هو وعد للمؤمنين أي يثبتهم على الإيمان الصادق {وليعلمن المنافقين} ~~أي ليعاقبهم على نفاقهم فهو وعيد لهم. # ولما بين الله الفرق الثلاثة وأحوالهم قال ms0752 تعالى: {وقال الذين كفروا} من ~~أهل مكة {للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا} أي طريقا في الدين أي في الكفر ~~{ولنحمل خطاياكم}. PageV16P190 # روي أن أبا سفيان قال لبعض من آمن من قريش اتبعوا ديننا ونحن الكفلا بكل ~~تبعة من الله تصيبكم، وقوله: ولنحمل خطاياكم أمر لأنفسهم في معنى الخير ~~نحمل خطايا المؤمنين، أي إن كان فيه إثم فنحن نحمله، فلذلك كذبهم الله، ~~وقيل: لأنهم قالوا ذلك وقلوبهم على خلافه فشبهوا بالكاذبين، ثم قال عز وجل: ~~{وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء} أي شيء يخفف عنهم العذاب {إنهم ~~لكاذبون} في قولهم هذا {وليحملن أثقالهم} يعنى أثقال أنفسهم وهي خطاياهم ~~التي أثقلتهم {وأثقالا مع أثقالهم} أي لا يحملن ذنبوهم وذنوب من قلدهم، ~~وتبع هواهم، وقبل قولهم، وأراد بأثقالهم ذنوبهم الأصلية، وأثقالا مع ~~أثقالهم ذنوبهم على الدعاء إلى الضلال وهي أثقالهم أيضا، لكنها بسبب ~~الإضلال، وتلك الأول هي بسبب الضلال، ونحو هذا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((أيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع، فعليه مثل أوزار من ~~اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) ثم قال تعالى: {وليسألن يوم ~~القيامة} سؤال توبيخ {عما كانوا يفترون} أي يكذبون من الأباطيل، قوله عما ~~كانوا يفترون يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: كان قولهم ولنحمل خطاياكم صادرا لاعتقادهم أن لا خطية في الكفر، ~~ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك فيسئلون عن ذلك الافتراء. # وثانيها: أن قولهم: ولنحمل خطاياكم كان عن اعتقاد أن لا حشر، فإذا جاء ~~يوم القيامة ظهر لهم خلاف ذلك، فيسئلون ويقال لهم: أما قلتم أن لا حشر. # وثالثها: أنهم لما قالوا إن تتبعونا نحمل يوم القيامة خطاياكم، يقال لهم: ~~فاحملوا خطاياهم فلا يحملون، فيسئلون ويقال لهم لم افتريتم. PageV16P191 # واعلم أن الله لمابين التكليف، وذكر أقسام المكلفين، ووعد المؤمن الصادق ~~بالثواب، وأوعد الكافر والمنافق بالعذاب، وكان قد ذكر أن هذا التكليف ليس ~~مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته حتى صعب عليهم ذلك، بل قبله ~~كان كذلك كما قال ms0753 تعالى: {ولقد فتنا الذين من قبلهم} وذكر من جملة من كلف ~~جماعة منهم نوح عليه السلام وقومه، ومنهم إبراهيم عليه السلام وغيرهما، ~~فقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} ~~وخالف بين لفظ العام والسنة، وهما بمعنى واحد؛ لأن تكرير اللفظ الواحد في ~~الكلام الواحد حقيق في الاجتناب في البلاغة، إلا لغرض من تفخيم أو تهويل ~~أونحوها كالقارعة وما القارعة ونحوه، والمعنى قام ينذرهم هذه المدة. # قال في البرهان: وروينا عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أول ~~نبي أرسل نوح، وبعث من الجزيرة فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عام، وعاش بعد ~~الطوفان ثلاث مائة وخمسون عاما)). # قال في التجريد أختلف في عمر نوح فقيل بعث على رأس أربعين سنة ولبث في ~~قومه يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة فجملة عمره ألف ~~سنة وخمسون سنة، وهذا مروي عن ابن عباس. # وثانيها: أنه بعث على رأس ثلامائة سنة وخمسين سنة، وعاش في قومه قبل ~~الطوفان تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، وجملة عمره ~~ألف سنة وستمائة وخمسون سنة. # قال عمرو بن أبي شداد: وثالثها أنه لبث في قومه تسعمائة، ولبث بعد ~~الطوفان ستين سنة، فجملة عمره ألف سنة وعشرون سنة، قاله كعب الأحبار. # ورابعها: أنه لبث قبل البعثة خمسين عاما، وقبل الطوفان تسعمائة وخمسون، ~~وبعد الطوفان أربعمائة سنة. # قال وهب: فجملة عمره ألف سنة وأربعمائة سنة. # وخامسها: أن عمره كله ما كان إلا المذكور في الآية ألف سنة إلا خمسين عاما. PageV16P192 # وقوله تعالى: {فأخذهم الطوفان وهم ظالمون} يعني أهلكهم وهم على ظلمهم، ولو ~~كانوا تركوه لما أهلكهم، والطوفان الغرق وهو في الأصل ما أطاف وأحاط بكثرة ~~من سيل أو ظلام ونحوهما، والمراد الماء أغرقهم وأطاف بهم، وأحاط بجميعهم، ~~والطوفان هو السيل في كلام العرب، قال الشاعر: # عشية أقبل الطوفان يجري ... وفاض الماء ليس له جوابي # ثم قال تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} قيل: كانوا ثمانية وسبعين نفسا، ~~نصفهم ms0754 ذكور ونصفهم إناث، منهم نوح وامرأته مؤمنة غير الكافرة، وأولاده سام ~~وحام، ويافث ونساؤهم، وسبعون من غيرهم، وقيل: ما كانوا إلا ثمانية نوح ~~وأولاده ونساؤهم، ومعنى قولهم: {وجعلناها} أي السفينة أو القصة {آية ~~للعالمين} أي عبرة وموعظة للأمم تعتبر بهلاك من كفر، ويرغب في الإيمان ~~بنجاة من نجا، ولما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح عليه السلام ذكر حكاية ~~إبراهيم عليه السلام فقال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه} أي وأرسلنا ~~إبراهيم حين قال لقومه: {اعبدوا الله واتقوه} وهو إشارة إلى التوحيد؛ لأن ~~التوحيد إثبات الإله، ونفي غيره فقوله: اعبدوا الله إشارة إلى الإثبات ~~بالواجبات. # وقوله: اتقوه إشارة إلى الامتناع عن المحرمات، ويدخل في الأول الاعتراف ~~بالله، وفي الثاني: الامتناع من الشرك. # قال في الكشاف: وإبراهيم نصب بإضمار اذكروا وإذ بدل منه بدل احتمال إذ ~~الأحيان تشتمل على ما فيها أو هو عطف على نوحا، وإذ ظرف لأرسلنا، أي ~~أرسلناه حين بلغ سنة ما يبلغ للوعظ، ثم قال: {ذلكم} أي الذي الزمتم به{خير ~~لكم إن كنتم تعلمون} معناه إن كان فيكم علم ما هو خير لكم بما هو شر لكم. PageV16P193 # ثم قال تعالى: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا} جمادات لا تستحق أن تسمى ~~آلهة، والأوثان هي الأصنام المنصوبة، وأهل اليمن يسمون النصب التي هي ~~الأعلام والحدود لقسمة الضياء أوثانا، وهي لغة عربية مستقيمة، والوثن في ~~لغة العرب هو الصنم المنصوب، قال الشاعر: # أنت نور من عظيم راحم ... يقمع الشرك وعباد الوثن # قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تسكنه # ولا تعبد الأوثان والله فاعبد # وقوله: {وتخلقون إفكا} أي تقولون كذبا أنها شركاء وشفعاء، أو سميت ~~الأصنام إفكا ونحتهم لها خلقا للإثم، كقوله: {أتعبدون ما تنحتون، والله ~~خلقكم وما تعملون}. # ثم قال تعالى إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المال: {إن الذين ~~تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا} أي شيئا قليلا من الرزق، أي لا ~~تقدرون عليه {فابتغوا عند الله الرزق} كله؛ لأنه الرازق وحده: {واعبدوه ~~واشكروا له} قوموا ms0755 له بالشكر على نعمه، ثم قال: {إليه ترجعون} أي لا ترجعون ~~في الآخرة إلا إلى جزائه فاستعدوا للقائه، ليحسن جزاءكم، ولما فرغ من بيان ~~التوحيد أتا بعده بالتهديد فقال تعالى: {وإن تكذبوا} فلا تضرونني بتكذيبكم ~~{فقد كذب أمم} أي قرون أهلكهم الله بتكذيبهم {من قبلكم} كذبوا أنببياؤهم ~~وما ضروا إلا أنفسهم، حيث حل بهم ما حل لأجل التكذيب {وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين} أي البين، وقد تم أجره وليس عليه أن يصدق ولا يصدق، وقد ~~بلغت وبينت، وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: {فما كان جواب قومه} ~~محتملة أن تكون من قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون آيات وقعت ~~معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشأن قريش. PageV16P194 # قال في الكشاف: فإن قلت: فإذا كان من قول إبراهيم فما المراد بالأمم قبله؟ # قلت: قوم شيث وإدريس، ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جمة ~~مكذبة، ولقد عاش إدريس عليه السلام ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى السماء، ~~وآمن به ألف إنسان على عدد سنيه، وإعقابهم على التكذيب. # فإن قلت: فما تصنع بقوله: {قل سيروا في الأرض}؟ # قلت: هي حكاية قول الله عز وجل حكاها إبراهيم عليه السلام لقومه، كما ~~يحكي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام الله على هذا المنهال في ~~أكثر القرآن. انتهى. PageV16P195 # ولما بين الله الأصل الأول وهو التوحيد وأشار إلى الأصل الثاني وهو الرسالة ~~بقوله: {وما على الرسول} شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر فقال تعالى: ~~{فانظروا} أي تفكروا {كيف بدأ الخلق} أي يبتديه ويخلقه بدءا وينشئه {ثم ~~يعيده} بعد الموت يوم القيامة، على ما كان من حاله، ويجازيه على شكره أو ~~ضلاله، وثم يعيده ليس بمعطوف على يبدي، ولا داخل تحت الرؤية وإنما هو ~~ابتداء إخبار على إحيائه بالإعادة بعد الموت، ويحتمل أن يراد بالرؤية هنا ~~العلم الواضح الذي كالرؤية، وذلك أن العاقل لا يخفى عليه أن خالق نفسه ليس ~~إلا قادر ms0756 حكيم، يصور الأولاد في الأرحام، ويخلقه من نطفة في غاية الإتقان ~~والأحكام، فذلك الذي خلق أولا معلوم ظاهر، وأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية، ~~وقال: {أولم يروا} أي أو لم يعلموا علما ظاهرا واضحا، كيف يبدئ الله الخلق ~~بخلقه من تراب يجمعه، فكذلك يجمع أجزائه من التركيب، وينفخ فيه روحه بل هو ~~أسهل بالنسبة إليكما، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {إن ذلك} المذكور من ~~الإعادة {على الله يسير} سهل كقوله: وهو أهون عليه؛ لأن إعادة الشيء في ~~القياس أهون من ابتدائه من حيث الصانع في المرة الأخرى أقدر منه على الصنعة ~~في المرة الأولى، ثم قال تعالى: {قل سيروا في الأرض} أي للنظر والاعتبار ~~{فانظروا} الفاء سببية {كيف بدأ الخلق} أي كيف قدر على إنشاء المخلوقات، ~~وقوله: {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} أي الإعادة ابتداء أخبار لم يتناوله ~~النظر، وقد دل بذكر النشأة الآخرة على أنهما نشأتان، كل منهما اختراع، ~~وإخراج من العدم إلى الوجود، ولا تفاوت بينهما، وكان القياس أن يقول: {ثم ~~الله ينشئ النشأة الآخرة} من غير تصريح باسم الله، لكن لما كان الكلام ~~واقعا في الإعادة وقررهم في الابتداء بأنه من الله لاعترافهم به، واحتج ~~عليه السلام بأن PageV16P196 الإعادة إنشاء كالابتداء، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى، وهو ~~الذي ينشئ النشأة الأخرى، فلهذا أبرز اسمه مبتدأ، ثم قال: {إن الله على كل ~~شيء قدير} ومن جملة الأشياء الإعادة، ولما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون ~~فيها وهو التعذيب لأهل التكذيب عدلا وحكمة، وإثابة أهل الإثابة فضلا ورحمة، ~~فقال تعالى: {يعذب من يشاء} تعذيبه وهو الكافر والفاسق {ويرحم من يشاء} ~~برحمته لاستحقاقه وهو المعصوم والتائب، وحسن تقييد الغفران والتعذيب ~~بالمشيئة لقيام الدلالة على أن الله تعالى لا يغفر إلا لمن كان مستحقا ~~للغفران، ولا يعذب إلا من كان مستحقا للعقاب {وإليه تقلبون} أي تردون في ~~الآخرة، فلا تظنو أنه فائت فإن إليه إيابكم وعليه حسابكم، وعنده يدخر ~~ثوابكم وعقابكم، ولهذا قال بعدها: {وما أنتم بمعجزين} أي بفائتين ms0757 ربكم إن ~~هربتم من حكمه{في الأرض} الفسيحة {ولا في السماء} أي أفسح منها لو كنتم ~~فيها، وقيل: ولا في السماء، كما قال حسان: # ومن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء PageV16P197 ويحتمل أن يراد لا تعجزونه كيفما هبتطم في مهاون الأرض وأعماقها، أو علوتم ~~في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، أو لا تعجزون أمره الجاري في السماء ~~والأرض {وما لكم من دون الله من ولي} يتولاكم في المودة فيشفع لكم {ولا ~~نصير} يدفع عنكم عذابه، ولما بين الأصلين التوحيد والإعادة، وقرره ~~بالبرهان، وهدد من خالفه على سبيل التفصيل قال تعالى: {والذين كفروا بآيات ~~الله} أي دلالة على وحدانيته، وكتبه ومعجزاته {ولقائه} أي جحدوا البعث ~~ولقاء جزائه {أولئك يئسوا من رحمتي} أي يئسوا يوم القيامة كقوله تعالى: ~~{ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} ورحمة الله المغفرة والجنة، أو هو وصف ~~لحالهم بأنه لا يخطر ببالهم رجاء ولا خوف {وأولئك لهم عذاب أليم} شديد ~~الألم في الآخرة، ثم قال تعالى: {فما كان جواب قومه} أي إبراهيم حين أمرهم ~~بتوحيد الله تعالى {إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه} قال ذلك بعضهم أو قاله ~~واحد، والباقون راضون، وكانوا معا في حكم القائلين {فأنجاه الله من النار}. # روي أن الله تعالى أذهب حر النار يوم ألقي فيها إبراهيم عليه السلام فلم ~~ينتفع بها ذلك اليوم في جميع الأرض. # ثم قال الله تعالى: {إن في ذلك} المذكور من قصته {لآيات} أي دلائل على ~~قدرة الله ورحمته {لقوم يؤمنون} يصدقون فيعتبرون. PageV16P198 # ثم قال تعالى: {وقال} يعني إبراهيم {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا} ~~أصناما لا يستحق العباد{مودة} مفعولا ثانيا لاتخذتم، كقوله: {من اتخذ إلهه ~~هواه} أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم على تقدير حذف المضاف أو ~~اتخذتموها مودة بينكم، قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله} وقرئ بالرفع، ووجه أن يكون خبرا؛ لأن على أن ما موصولة، ~~أو يكون خبر مبتدأ محذوف، والمعنى أن الأوثان مودة بينكم، أي مودودة أو سبب ~~مودة{بينكم في ms0758 الحياة الدنيا} أي إنما تتوادون عليها، أو توادونها في ~~الحياة الدنيا {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض} أي يكفرون بها، فيقول: ~~العابد ما هذا معبودي، ويقول المعبود ما هؤلاء عبيدي {ويلعن بعضكم بعضا} ~~تتلاعن العبدة فيما بينهم، وتتلاعن العبدة والأصنام، كقوله: {ويكونون عليهم ~~ضدا} أي ضدا لما قصدوه من نفاعتها وشفاعتها، ثم قال: {ومأواكم النار} أي هي ~~مصيركم الذين تأوون إليه {وما لكم من ناصرين} يدفع الله عذاب الله، ثم قال ~~تعالى: {فآمن له} أي لإبراهيم {لوط} يعني آمن لوط بإبراهيم لما رأى معجزاته ~~وهو أول من آمن به حين رأى النار لم تضره، وكان ابن اخت إبراهيم، وقيل: ابن ~~أخيه، وآمنت به سارة، وكانت بنت عمه {وقال} إبراهيم {إني مهاجر إلى ربي} ~~إلا حيث أمرني ربي إني مهاجر للظالمين، هاجر من كوثى قرية بسواد الكوفة إلى ~~حران، ثم منها إلى فلسطين، ومن ثم قالوا: لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان، ~~وكان م عه لوط في هجرته وامرأته، وهاجر وهو ابن خمسة وسبعين، ثم قال تعالى ~~حاكيا: {إنه هو العزيز} ليمنعني من أعدائي {الحكيم} لا يأمرني إلا بما هو ~~مصلحتي. PageV16P199 # ثم قال عز وجل: {ووهبنا له إسحاق} ابنه {ويعقوب} ابن إسحاق، ولم يذكر ~~إسماعيل؛ لأنه قد دخل في قوله: {وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} وكان ~~إسماعيل أول من تناوله لفظ النبوة والكتاب جنس الكتب، حتى دخل تحته ما نزل ~~على ذريته من الكتب الأربعة، التورات والإنجيل، والزبور والفرقان، ثم قال: ~~{وآتيناه أجره في الدنيا}. # قال في البرهان: يعني العمل الصالح الذي استحق به الأجر في الآخرة. # وقيل: الذي أؤتي في الدنيا هو الولد الصالح انتهى، ويمكن أن يكون الأجر ~~الذي أعطاه في الدنيا هو البشارة بالجنة، ووجه آخر أنه أعطاه النبوة، وذلك ~~وما أشبهه أجر من الله وثواب. # وقيل: في الدنيا الثناء الحسن، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، والذرية ~~الطيبة والنبوة، وأن أهل الملل كلهم يتولونهم، فكل فرقة مسلمة وكافرة تدعي ~~أنها على ملته. # وقال السدي: أراه مكانه في الجنة من ms0759 الدنيا، ثم إن الله تعالى قال: {وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين} في أرفع الدرجات في الجنة. # ثم قال تعالى: {ولوطا} معطوفا على إبراهيم أو على ما عطف عليه، أي ~~وأرسلنا لوطا {إذ قال لقومه} أي حين صلح للرسالة قال لهم: {إنكم لتأتون ~~الفاحشة} البالغة في القبح، أي الزنا بالرجال، والفجش في لغة العرب السماجة ~~والقباحة، قال الشاعر: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل PageV16P200 أي ليس يقبح، وقوله: {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} جملة مستأنفة مقررة ~~لفاحشة تلك الفعلة، كأن قائل قال: لما كانت فاحشة؟ فقيل له: لأن أحد قبلهم ~~لم يقدم عليها اشمئزازا منها في طباعهم لافراط قبحها حتى أقدم عليها قوم ~~لوط لخبث طينتهم، وقذر طباعهم، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر من كل ما ينكح ~~قبل لوط قط، ومعنى قوله تعالى: {أئنكم لتأتون الرجال} أي تنكحون الرجال ~~{وتقطعون السبيل} لقتل الأنفس، وأخذ الأموال، وقيل: اعتراضهم من مر السبيل ~~بالفاحشة، فلما فعلوا ذلك بمن مر بهم ترك الناس الممر بهم، والاستفهام ~~لتحقيق ما هم عليه من فعل الفاحشة. # وعن الحسن: قطع السبيل بإتيان ما ليس بحرث، وذلك أنهم قطعوا نسلهم بعملهم ذلك. # وقوله: {وتأتون في ناديكم المنكر} يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون ~~إليه قبح الإظهار، والنادي مجتمع القوم ما داموا فيه فقط، وإلا فهو مجمع ~~ومجلس أي تفعلون في مجلسكم القبيح، من شرب الخمور وغير ذلك من قبائح ~~الأمور، وإظهار الفواحش والفجور. # قال في البرهان: وروينا عن أم هاني ابنة أبي طالب أنها روت عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنهم كانوا يخذفون من مر بهم، ويسخرون منهم، انتهى. # وقيل: كانوا يخذفون من مر بهم، فأيهم أصابه كان أولى به للفاحشة، ~~والفرقعة ترقع الأصابع ومضغ العلك وهو المصطكى أو اللبان، والسواك بين ~~الناس، أي لغير طهور، وحل الإزار، والسباب والفجش في المزح، كما يروى كانوا ~~يتخابقون من خبق إذا ضرط، وقيل: هو المجاهرة في ناديهم بالفاحشة. PageV16P201 # عن ابن عباس، ومجاهد، ms0760 استمكنت تلك الفاحشة فيهم حتى كانوا يفعلونها في ~~مجالسهم، ثم قال تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله} ~~الذي تعدنا به {إن كنت من الصادقين} فيما تعدنا به، فإن قيل: إن الله تعالى ~~قال في موضع آخر: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من ~~قريتكم} وقال هاهنا: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا} فكيف الجمع؟ # قال الرازي: لوط كان باقيا على الإرشاد، مكررا عليهم التغيير والنهي ~~والوعيد، فقالوا أولا: أئتنا، ثم لما كرر منه ذلك ولم يسكت عنهم قال: ~~{أخرجوا} ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله، وذكرهم بما لا يحب ~~الله، فقال سبحانه حاكيا عنه: {قال رب انصرني على القوم المفسدين} كانوا ~~يفسدون الناس بحملهم على الفاحشة طوعا وكرها. PageV16P202 # ثم قال تعالى: {ولما جاءت} أي حين جاءت {رسلنا إبراهيم بالبشرى} أي البشارة ~~بولده إسحاق وبالنافلة أي يعقوب، لقوله تعالى: {وبشرناه بإسحاق} لما دعا ~~لوط على قومه بقوله: {رب انصرني} فاستجاب الله دعاؤه، وأمر ملائكته ~~بإهلاكهم، وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فجاؤا إبراهيم عليه السلام وبشروه بذرية ~~طيبة {قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية} يعني أهل سدوم، وحين ذكروا الإهلاك ~~عللوا وقالوا: {إن أهلها كانوا ظالمين} المعنى أن الظلم قد استمر منهم فيما ~~مضى وهم عليه مصرون، وهو كفرهم ومعاصيهم، ولفظ كان للاستمرار، ثم إن ~~إبراهيم لما سمع قولهم: {قال إن فيها لوطا} جدال في نصرة لوط لا إخبار ~~بكونه فيها، أي بريء من سبب هلاكهم، ومن هاهنا تجب الحياطة للمؤمنين ~~والشفقة عليهم، والتشمير في نصرتهم {قالوا نحن أعلم بمن فيها} أي أعلم منكم ~~بحال لوط، وامتيازه عما يستاهلون {لننجينه وأهله}. # قال الرازي: وهاهنا فائدة وهو أن الجماعة كانوا أهل الخير، أعني إبراهيم ~~والملائكة، وكل واحد يزيد على صاحبه في كونه خير، أما إبراهيم فلما سمع قول ~~الملائكة: {إنا مهلكو} أظهر الإشفاق على لوط ونسى نفسه ما بشروه ولم يظهر ~~بها فرحا، وقال: {إن فيها لوطا} ثم إن الملائكة ms0761 لما رأوا ذلك منه زادوا ~~عليه وقالوا: إنك ذكرت لوطا وحده، ونحن ننجيه وننجي معه أهله، ثم استثنوا ~~من الأهل امرأته وقالوا: {إلا امرأته} لأنها كانت موالية لأهل سدوم على ~~الكفر والمعاصي {كانت من الغابرين} الباقين في العذاب، الهالكين به. PageV16P203 # روي أنها كانت تخبر قومها بمن ينزل على لوط من الغرباء، ثم قال تعالى: ~~{ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم} أي ثم إنهم من عند إبراهيم جاؤا إلى لوط ~~على صورة البشر، فظنهم بشر، ولما خاف عليهم من قومه؛ لأنهم كانوا على أحسن ~~صورة خلق الله، والقوم كما عرف حالهم سيء بهم، أي وقعت به المساءة خوفا من ~~قومه أن يطلبوهم الفاحشة، فاغتم وحزن {وضاق بهم ذرعا} أي ضاق بشأنه وتدبير ~~نجاتهم ذرعة، أي طاقته، جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة ~~كما قالوا: رحب الذراع إذا كان مطيقا، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعيه ~~نال ما لا يناله القصير، فقال فضرب مثلا في العجز والقدرة، وأن الزيادة ~~أكدت وجوب الفعلين مترتبا أحدهما على الآخر، وفي وقتين متجاورين لا فاصل ~~بينهما مجيء مكانهما في جزء واحد في الزمان، كأنه قيل كما أحسن فاجأة ~~المساءة من غير ريث خيفة عليهم من قومه، قاله في الكشاف. # واعلم أن لوطا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم {وقالوا لا تخف ولا تحزن} ~~لأجلنا، وإنا ملائكة، ثم أخبروه من بعد أن أزالوا عنه الخوف والحزن فقالوا: ~~{إنا منجوك وأهلك} كأنهم كشفوا عن الحقيقة {إلا امرأتك كانت من الغابرين} ~~أي الماضين في لعنة الله الذاهبين، قال الشاعر: # سألت عن غابر الأيام ماضية ... وما بقى من زمان فهو محسوب # والغابر أيضا فقد يكون للباقي، ويمكن أن يكون أراد بالغابرين المخلدين في ~~اللعنة المعذبين، قال الشاعر: # أنا عبيد الله ينميني عمر ... خير قريش من مضى ومن غبر PageV16P204 أي ومن بقى، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه ~~القرية العذاب فقالوا: {إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا} أي عذابا {من ms0762 ~~السماء بما كانوا يفسقون} والرجز العذاب، من قولهم: ازدتجر وارتجس إذا ~~اضطرب؛ لأن المعذب يقلق ويضطهد، واختلف في ذلك فقال بعضهم: حجارة، وقيل: ~~نار، وقيل: خسف. # ثم اعلم أن كلام الملائكة عليهم السلام مع لوط جرى على بسط كلامهم مع ~~إبراهيم قدموا البشارة على الإنذار، حيث قالوا: إنا منجوك، ثم قالوا: إنا ~~منزلون على أهل هذه القرية ولم يعللوا التنجية، فما قالوا: إنا منجوك لأنك ~~نبي، أو قائد، وعللوا الإهلاك بقولهم: إنهم كانوا يفسقون، وقالوا: كما ~~قالوا هناك: إن أهلها كانوا ظالمين. # ثم قال تعالى: {ولقد تركنا منها} أي القرى {آية بينة} أي عبرة ظاهرة لمن ~~يعتبر هي آثار منازلهم الخربة، وقيل: بقية الحجارة، وقيل: الخبر عما صنع ~~بهم، وقيل: الماء الأسود على وجه الأرض، أي ماء البحر؛ لأن القرية اقتلعت ~~من أصل الأرض، والأرض على الماء، فبقى مكانها من الماء، ثم قال: {لقوم ~~يعقلون} أي لمن يعتبر ويعقل، ولما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار ~~لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة فقال: {وإلى مدين} أي وأرسلنا إلى أهل مدين ~~وهي قرية شعيب، سميت بمدين بن إبراهيم. # وقوله: {أخاهم شعيبا} كان منهم {فقال ياقوم اعبدوا الله} ابعدوا الله ~~وحده {وارجوا اليوم الآخر} أي افعلوا ما ترجعون به حسن العاقبة، فأقيم ~~المسبب مقام السبب، أو أمروا بالرجاء، والمراد اشتراط ما يصوغه في الإيمان ~~كما يؤمر الكافر بالشرعيات على إرادة الشرع، قاله في الكشاف. # وقال بعض أئمتنا عليهم السلام: الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي خافوا اليوم الآخر. PageV16P205 # ثم قال: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} العثى أشد الفساد، كالسرقة والغالة، ~~وقطع الطريق، وأراد هنا التطفيف والبخس، ثم إنه قومه كذبوه بعدما بلغ وبين، ~~فجكى الله عنهم ذلك بقوله تعالى: {فكذبوه فأخذتهم الرجفة} فإن قيل: كيف قال ~~هاهنا وفي الأعراف: {فأخذتهم الرجفة} وقال في عود: {فأخذتهم الصيحة} ~~والحكاية واحدة. # قيل في الجواب أنه لا تعارض بينهما، فإن الصيحة كانت سبب الرجفة، كما قال ~~الحسين بن القاسمعليه السلام في هذا الموضع معنى الرجفة فهي الصيحة التي ms0763 ~~أرجفت قلوبهم، وأهلكت أنفسهم، ويمكن أن تكون سميت رجفة لإرجافها الأرض ~~وزالزالها، وأصل الرجف في اللغة هو الحركة والزعزعة، قال الشاعر: # وجاؤا بجيش جحفل رجفت له # هضاب وساوى الهضب هضب الصوائر # وقال آخر: # يوم ترى فيه القلوب ترجف # أي تزعزع وتحرك، انتهى. # وعن الضحاك: صيحة جبريل؛ لأن القلوب رجفت لها، ومعنى قوله تعالى: ~~{فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي باركين على الركب، ميتين وعلى وجوههم وأيديهم ~~ساقطين، ودارهم بلدهم وأرضهم، أو أردا ديارهم وهي بيوتهم، فاكتفى بالواحد ~~لأنه لا يلتبس. PageV16P206 # ثم قال تعالى: {وعادا وثمود} منصوب بإضمار أهلكنا؛ لأن قوله: {فأخذتهم ~~الرجفة} يدل عليه؛ لأنه في معنى الهلاك{وقد تبين لكم} الأمر {من مساكنهم} ~~أي قد نظرتم ورأيتم شيئا من جهة مساكنهم، وتبين ذلك في القصور الجاهلية ~~وكيف سكنوها، ثم انقطعوا صاغرين، وتركوها ولم يغني عنهم ما أقاموا وما ~~عمروا فيها، وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم، ثم بين سبب ما جرى عليهم ~~فقال تعالى: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم} أي منعهم عن {عن السبيل} وهي ~~طريق الحق {وكانوا مستبصرين} أي عقلاء متمكنين من النظر، أو مستبدين برأي ~~أنفسهم، مستغنين بجهلهم، والعرب تقول: فلان مستبصر برأي نفسه، إذا لم يستشر ~~أحدا، واستغنى بجهله ولم يكن ذا بصيرة من أمره. # وقيل: {وكانوا مستبصرين} أي بواسطة الرسل، يعني لم يكن لهم في ذلك عذر، ~~فإن الرسل أوضحوا السبل. # وقيل: كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم، وقيل: كانوا عند أنفسهم ~~مستبصرين، يحسبون أنهم على هدا عن قتادة والكلبي، ثم قال سبحانه: {وقارون ~~وفرعون وهامان} وهو وزير فرعون الذي بنى الصرح، أي أهلكنا هؤلاء {ولقد ~~جاءهم موسى بالبينات} وهي المعجزات التي تبينوا بها صدقه {فاستكبروا} عن ~~عبادة الله. # وقوله: {في الأرض} إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم، وذلك لأن ~~من في الأرض أضعف أقسام المكلفين، ومن في السماء أقواهم، ثم إن من في ~~السماوات لا يستكبر على الله عن عبادته فكيف من في الأرض، ثم قال: {وما ~~كانوا سابقين} أي فائتين، بل أدركهم ms0764 أمر الله {فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا} أي حجارة من السماء، وقيل: هي ثلج شديدة فيها الحصبى، ~~وقد تسمى الرياح التي تكسح التراب حاصبا في لغة العرب. PageV16P207 # وقيل: ملك يرميهم بالحصى وهؤلاء قوم لوط {ومنهم من أخذته الصيحة} صيحة ~~جبريل عليه السلام وهم مدين وثمود {ومنهم من خسفنا به الأرض} أي ابتلعته ~~فغيبناه فيها وهو قارون {ومنهم من أغرقنا} قوم نوح وفرعون وقومه {وما كان ~~الله ليظلمهم} اللام لتأكيد نفي الظلم {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي ~~يخصونها بالظلم بتعرضهم لأسباب الهلاك، يعني لم يظلمهم إنما هم ظلموا ~~أنفسهم بالإشراك. # ولما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا، وعذب من كذب آجلا، ولم ~~يمنعه في الدارين معبوده، ولم يدفع عنه ذلك ركوعه وسجوده، مثل اتخاذهم ذلك ~~معبودا، فقال تعالى: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء} الذي اتخذوهم ~~المشركون، وألياؤهم الأصنام يرجون نفعها، وشفاعتها {كمثل العنكبوت} هي ~~الطاوية {اتخذت بيتا} هو نسجها وهو لايغني عنها من حر ولا برد ولا مطر، ~~كذلك آلهتهم لا تملك لهم ضرا ولا نفعا. # وقال جار الله: نسج العنكبوت قد صار مثلا في الضعف، فمثل ما اتخذوا ما ~~معتمدا في دينهم من عبادة الأوثان بما هو أضعف الأشياء عند الناس، وهو نسج ~~العنكبوت، يعني أنهم عبدوا ما لا يغني عنهم شيئا، كبيت العنكبوت الذي لا ~~يدفع عنه شيئا؛ لأنه لا يستر الأبصار ولا يدفع الأيدي، وهو من أبلغ ~~الأمثال. # قال الرازي: فكما أن هذا المثل صحيح في الأول فهو صحيح في الآخر، فإن بيت ~~العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر يصيرها منشورا، فكذلك أعمالهم ~~للأوثان، كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} انتهى. PageV16P208 # ثم إنه تعالى قال: {وإن أوهن البيوت} أي أضعفه {لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون} لو إلى آخره متصل بالمثل، أي لو كانوا يعلمون أن هذه مثلهم، وما ~~قبله فاصل للتأكيد، ثم قال تعالى: {إن الله يعلم ما يدعون من دونه ms0765 من شيء} ~~قد قيل: إن ما موصولة ومن شيء بيان، والصحيح أنها نافية، وهذا تأكيد للمثل، ~~وزيادة عليه، حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا، أي هو يعلم أن معبودكم من دونه ~~ليس شيء {وهو العزيز} القاهر {الحكيم} الذي لا يفعل شيئا إلا لحكمة ~~وتدبيره، وفيه تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشيء، وتركوا عبادة القادر على ~~كل شيء، فكيف يجوز للقاعل أن يترك عبادة القادر الحكيم، ويشتغل بعبادة ما ~~ليس بشيء أصلا، ذكره في الكشاف. # قال الرازي: وهو صحيح، والعلم يتعلق بالجملة كما يقول القائل: إني أعلم ~~أن الله واحد حق، يعني أعلم هذه الجملة. PageV16P209 # قال: وإن كنا نجعل ما خيرية فيكون معناه ما تدعون من شيء فالله يعلمه وهو ~~العزيز الحكيم، قادر على إعدامه وإهلاكهم؛ لكنه يمهلهم ليكون الهلاك عن ~~بينة والحياة عن بينة، ومن هاهنا يكون الخطاب مع قوم محمد صلى الله عليه ~~وآله، ثم قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس} كانت جهلة قريش يقولون: ~~إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك فنزلت، فقال: ~~الأمثال تضرب للناس إن لم يكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب ~~نفرتكم مما أنتم فيه، وذلك لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثير الدليل، فإذا ~~قال الحكيم لمن يغتاب إنك بالغيبة تأكل لحم ميت؛ لأنك وقعت في هذا الرجل ~~وهو غائب لا يفهم ما تقول، ولا يسمع حتى يجيب، كمن يقع في ميت يأكل منه وهو ~~لا يعلم ما يفعله، ولا يقدر على دفعه إن كان يعمله، فينفر طبعه منه، كما ~~ينفر إذا قال له إنه يوجب العقاب، ويورث العتاب، ثم قال عز وجل في صحة ~~الأمثال، واستخراج فائدتها: {وما يعقلها إلا العالمون} فبين الله تعالى أنه ~~لا يعقل صحة الأمثال إلى العلماء؛ لأنها هي الطرق إلى المعاني المحتجبة ~~فتكشف عنها أستارها، وتبرزها للأفهام، وتصورها كما صور هذا المثل الفرق بين ~~حال المشرك وحال الموحد. PageV16P210 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: الأمثال فهي ما ضرب الله لعباده من ~~الأمثال في ms0766 كتابه، مثل قوله: {مثل نوره كمشكاة} إلى قوله: {والله بكل شيء ~~عليم} ومثل قوله: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب} إلى قوله: ~~{لعلكم تتفكرون} ومثل قوله: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} إلى قوله: {لعلكم ~~تعقلون} وغير ذلك مما يطول شرحه، ويكثر في الكتاب ذكره، وذلك فلا يعلمه ولا ~~يعقله إلا العالمون بغامضها، الراسخون في تفسيرها، ومن عقلها قياس العلم ~~بما كان فيه أمر أو نهي منها، كرجوع إلى حكمها والتصديق بكل ما فيها، انتهى. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تلى هذه الآية فقال: ((العالم من ~~عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه)). PageV16P211 # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: وهي مرتبة عظيمة ~~للعلماء، حيث أحال الله تعالى لمعرفة معاني أمثاله وهو علام الغيوب على ~~العلماء، وقد روينا بالإسناد الموثوق به إلى عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من ذهب، عليها قبات ~~من فضة، مرصعة بالدر والياقوت والزمرد، جلالها السندس والاستبرق، ثم يجاء ~~بالعلماء فيجلسون فيها ثم ينادي الرحمن عز وجل أين من حمل إلى أمة محمد ~~علما أتى به يريد وجه الله أجلسوا في هذه المنابر ولا خوف عليكم حتى تدخلوا ~~الجنة)) ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان، وأظهر الحق بالبرهان، ولم ~~يأت الكفار بما أمرهم به، وقص عليهم قصصا فيها عبر، وأنذرهم على كفرهم ~~بإهلاك من غبر، وبين ضعف دليلهم بالتمثيل، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء ~~السبيل، وحصل يأس الناس عنهم، سلا المؤمنون بقوله: {خلق الله السماوات ~~والأرض بالحق} أي بالغرض الصحيح، وهي أن تكون مساكن لعباده، ودلائل على ~~قدرته {إن في ذلك لاية} أي عبرة ودليلا {للمؤمنين} وخصهم لأنهم أهل ~~الانتفاع بالدلائل والعبر، والمعنى إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شك في ~~صحة دينكم، ولا يورث شكهم في برد يقينكم، فإن خلق الله السماوات والأرض ~~بالحق للمؤمنين بيان ظاهر، وبرهان باهر، وإن لم يؤمن به على وجه ms0767 الأرض كافر. # ثم إن الله تعالى لما سلا المؤمن بهذه الآية سلا رسوله صلى الله عليه ~~وآله بقوله عز وجل: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} أي اقرأ ما أنزلنا إليك ~~من القرآن؛ لأنك متعبد بقراءته والعمل بما فيه. # قال في البرهان: وهذا خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلو ما ~~أنزل منه على أمته، انتهى. PageV16P212 # ثم قال تعالى: {وأقم الصلاة} المفروضة، أي صلها كاملة قائمة الأركان، ثم ~~وصف تلك الصلاة كاملة من المتقين فقال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفجشاء} ~~وهي كل ما فجش فعله، وتبالغ في القبح من الكبائر {والمنكر} ما أنكرته ~~العقول والأدلة الشرعية، وإن كان دون الأول في القبح. # قال في البرهان: الشرك وكل ما أنكره العقل والبصر من المحظورات، وروينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا)) انتهى. # وقد اختلف في كيفية نهي الصلاة فقيل: إن المراد أنها تكون لطفا في ترك ~~المعاصي إذا كان الصلاة تامة متقبلة؛ لأن من حقها أن تتقدمها التوبة ~~الصحيحة، ثم يحوطها صاحبها عن المحبطات. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: معنى تنهى أي ترجو وتشغل أهلها بالخشية ~~لله من فعال القبح المستنكر. # قال الإمام المرتضى عليه السلام: # هجرت ديار زينب والرباب # وزحت عن الغواية والتصاب # ولم أجزع لأطلال تعفت # فصارت مثل تعريج الكتاب # ولست إلى مواصلة الغواني # أحن حنين ذي دنف مصاب # نهاني العلم عن هذا لأني # أميل إلى المروة والصواب # واعلم أن دنيانا جميعا # وما فيها تصير إلى ذهاب PageV16P213 فقال: نهاني العلم عن هذا، أي شغلني العلم والخشية لله عن القبائح، وصدق ~~عليه السلام أن العلم بالله ووعده ووعيده ليشغل عن معاصي الله، وفي ذلك ~~يقول عز وجل: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} يعني العلماء بالعدل ~~والتوحيد، وإثبات الوعد والوعيد، وليس يريد بالعلماء بالقضاء والتفقه لقسمة ~~الأموال، والربا وطلب الجاه والرفعة والكبرياء، والسمعة والشرف في الدنيا، ~~وأن التفقه في ms0768 الدين ومعرفة الحلال والحرام لواجب على المسلمين، وإلا فكيف ~~يجتنبون المحرمات إذا لم يفقهوا في دين الله فاطر السماوات، غير أن ذلك لا ~~يكون إلا بعد معرفة الأصول، ومعرفة اليقين بالله الواحد الجليل، انتهى. # والمراد صلاة المتقي المقبولة إنما يتقبل الله من المتقين يصليها خاشعا، ~~كما روي عن حاتم قال: كان الصراط والجنة عن يميني والنار عن يساري، وملك ~~الموتن فوقي، وأصلي بين الخوف والرجاء. # وقيل: من واضب على الصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي يوما ما، فقد روي أن فتا ~~من الأنصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدع ~~شيئا من الفواحش، فوصف له صلى الله عليه وآله فقال: ((إن صلاته ستنهاه)) ~~فلم يلبث إلا أن تاب، ولما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة، ~~بينما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم فقال تعالى: {ولذكر ~~الله أكبر} اختلف المفسرون في معناه فقيل: معناه ولذكر الله أقوى ما ينهي ~~عن الفجشاء والمنكر، واختلف هؤلاء ما المراد بذكر الله فقيل: الصلاة كأنه ~~لما قال: {إن الصلاة تنهى عن الفجشاء والمنكر} أكد ذلك بأن قال: وللصلاة ~~أقوى ما ينهى، وأبلغه، ودليله أن الصلاة قد سميت ذكرا لله في مواضع منها: ~~{فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ومنها: {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم}. PageV16P214 # وقيل: المراد ذكر الله بالقلب وذكر نهيه ووعده ووعيده أولى بأن تنهى عن ~~الفجشاء والمنكر من الصلاة. # وقال آخرون: المراد بأكبر أفضل ذكركم إياه وأعظم، ثم اختلفوا فقال ابن ~~عباس في رواية وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: المراد ولذكر الله إياكم أكبر ~~من ذكركم إياه، أي أفضل. # قال مقاتل: إذا صليت لله فقد ذكرته فيذكرك الله بخير، وذكر الله إياك ~~أفضل من ذكرك إياه، وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله. # قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام في كتاب ~~(البساط): ولذكر الله أكبر أي ذكر الله لكم بجزائه وثوابه أكبر من ذكركم ~~إياه، في صلاتكم، ms0769 انتهى. # وقال أبو الدرداء، وسلمان، وقتادة: أراد ولذكر الله بالتهليل والتسبيح ~~والتكبير أفضل من سائر الطاعات. # وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ ~~فقال: ((أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله)). # وعن معاذ أيضا: ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، قال: ~~ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو ضرب بسيفه، قال الله تعالى: {ولذكر الله أكبر}. # قلت: وما أحسن قول الهادي إلى الحق عليه السلام فإنه قال: الذكر هاهنا ~~الدعاء إلى الله، وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه أنه كان يقول في قول الله ~~تعالى: {ولذكر الله أكبر} هو الدعاء إلى الله. PageV16P215 # قال عليه السلام: ويدخل مع ذلك من ذكر الله شغل القلب في التفكر في جلال ~~الله، وقدرته وعظمته، وسلطانه، والذكر له بما ذكر به نفسه، من توحيده ~~وعدله، وصدق وعده ووعيده، ذكره في الأحكام، ثم قال سبحانه: {والله يعلم ما ~~تصنعون} من الطاعات، فثيبكم أحسن الثواب، ولما بين الله طريقة إرشاد ~~المشركين ونفع من انتفع، وحصل اليأس ممن امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب ~~فقال: {ولا تجادلوا أهل الكتاب} اليهود والنصارى {إلا بالتي هي أحسن} ~~مقابلة الخشونة باللين، والغضب بالحلم. # وقيل: إلا بالطريقة التي هي أحسن الطرق، أي أبينها وأكشفها، ومن ذلك ~~القرآن وسائر الحجج الواضحة. # قال في البرهان: وذلك أن الله تعالى أمر بالكف عنهم عند بذل الجزية، ~~وقتالهم إن أبو {إلا الذين ظلموا} وهم أهل الحرب، ومن منع الجزية منهم، ~~وأقاموا على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم، انتهى. # وقيل: معنى ظلموا أفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم يقبلوا النصح، ولم ~~ينفع فيهم الرفق فاستعملوا الغلظة. # وقيل: إلا الذي آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} الآية. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذه الآية أدب من الله لعباده ألا ~~يجادلوا إلا باللطف، وحسن المقال {ولا تجادلوا} بجهل ولا محال، بل ms0770 الواجب ~~على الجاهل أن يتعلم ويمسك عن الجدال بما لا يعلم {إلا الذين ظلموا منهم} ~~ولم ينصفوا في جدالهم، واعتدوا فيجب حينئذ أن ينابذوا عند مجاراتهم بعد ~~اللطف والأناة بهم؛ لأن الذي أحل الله من قتلهم أكثر مما أحل من منابذتهم، انتهى. # ثم إنه تعالى بين ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله: {وقولوا آمنا بالذي ~~أنزل إلينا وأنزل إليكم} هذه إلى آخره من حسن المجادلة. PageV16P216 # قال في البرهان: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((أهل التورية يقرؤون الكتاب بالعبرانية فيفسرونه بالعربية لأهل الإسلام)) ~~فقال صلى الله عليه وآله: ((لا تصدقوا أهل الكتاب، وقولوا آمنا بالذي أنزل ~~إلينا وأنزل إليكم)) {وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} أي مخلصون، ثم ~~قال: {وكذلك} أي ومثل ذلك الإنزال في كونه مصدقا للكتب {أنزلنا إليك ~~الكتاب} أي القرآن مصدقا لسائر الكتب السماوية، وهي تحقيق لقوله: آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وما أنزل إليكم. # وقيل: كما أنزلنا الكتب التي من قبلكم أنزلنا إليكم الكتاب {فالذين ~~آتيناهم الكتاب} التورية وهم عبد الله بن سلام وأتباعه {يؤمنون به} أي ~~القرآن {ومن هؤلاء} أهل مكة والآدميين {من يؤمن به} أي يقر بالتورية ~~والإنجيل. # وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من أهل الكتاب، ومن هؤلاء ممن في عهده منهم، يريد من أسلم ~~منهم، ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنا} مع ظهورها وزوال الشبه عنها {إلا ~~الكافرون} أي متوغلون في الكفر. # وقيل: هم كعب بن الأشرف وأضرابه. PageV16P217 # قال الرازي: وهاهنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل، وأقرب إلى الأحسن من ~~الجدال المأمور به، وهو أن يقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء، ~~أتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء، وأن الله ما أتا الكتاب إلا ~~للأنبياء، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} وقوله: {وآتينا داوود ~~زبورا} وقال: و{آتاني الكتاب} وإذا حمل الكلام على هذا لا يدخله التخصيص؛ ~~لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء، وإذا قلنا ما قالوا به يكون المراد ms0771 من ~~الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام، واثنين ثلاثة معه أو عدد قليلون، ~~ويكون المراد بقوله: ومن هؤلاء غير المذكورين، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج ~~الكلام كأنه قسم القوم قسمين: # أحدهما: المشركين، وتكلم فيهم وفرع عنهم. # والثاني: أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم، والوقت وقت جريان ذكرهم، ~~فإذا قال هؤلاء، يكون منصرفا إلى أهل الكتاب الذين هو في وصفهم، فإذا قال: ~~أولئك يكون منصرفا إلى المشركين الذين سبق ذكرهم، وتحقق أمرهم، وعلى هذا ~~التفسير يكون هذا الجدال على أحسن الوجوه، فلهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي)) فلا معنى لبغضتكم لهم، ~~وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا، ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا ~~الكافرون} تنكيرا لهم عما هم عليه، يعني أنكم آمنتم بكل شيء، وامتزتم عن ~~المشركين بكل فضيلة إلا هذه المسألة الواحدة، وبإنكارها تلتحقون بهم، فإن ~~الجاحد بأي آية يكون كافرا. PageV16P218 # ثم قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} هذا درجة ~~أخرى بعدما تقدم على التركيب، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة مختلفا فيها ~~كقول القائل: الزكاة تجب في مال الصغير، فإذا قيل له: لم؟ فيقول: كما تجب ~~النفقة في ماله، ولا يذكر أولا الجامع بينهما، فإن قنع المطالب بمجرد ~~التشبيه، ويدرك من نفسه الجامع فذاك، وإن لم يدرك أو لم يقنع يبدأ الجامع ~~فيقول: كلاهما مال فضل عن الحاجة فتجب، فكذلك هاهنا، ذكر أولا التمثيل ~~بقوله: {وكذلك أنزلنا إليك} ثم ذكر الجامع وهو المعجزة فقال ما علم كون تلك ~~الكتب منزلة إلا بالمعجزة، وهذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة، ~~فيعرف كونه منزلا، فلذلك قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب} أي ما ~~كنت تتلو قبل القرآن كتابا {ولا تخطه بيمينك} لأنك أمي، فلو كنت تقرأ أو ~~تخط {إذا لارتاب} أي شك {المبطلون} وهم مشركوا العرب من اليهود وغيرهم، ~~وقالوا: لعله تعلمه وكتبه بيده وسماهم مبطلين؛ لأن هذه ليست شبهة قوية؛ ms0772 لأن ~~الإعجاز يزيد هذه الشبهة، ولهذا فإن الأنبياء المتقدمين كانوا يكتبون، ولكن ~~كونه أميا أبعد من الشبهة، ولأن أهل الكتاب كانوا يجدون في كتبهم أن محمدا ~~لا يخط بيمينه، ولا يقرأ كتابا، فنزل ذلك فيه، ليدلهم على صحة نبوته، فمنعه ~~الله من ذلك لما أراد سبحانه من إكمال حجته، وأيضا فيمكن أن يكون أراد منه ~~أن لا يشتغل بتلاوة القرآن حتى ينظر في حجج المعقول لما في ذلك من ثبات ~~الأفهام والعقول؛ لأن الله لم يرسل أحدا من رسله، حتى نظر في صنع الله ~~وأيقن به، ولولا عظم يقينهم لما اصطفاهم على شيء من دينهم، وكذلك تواترة ~~الأخبار بأن الله لم يرسل رسولا حتى يبلغ أربعين سنة، ثم يرسله إلى الخلق، ~~بعد كماله وبعد ما ذكرنا في الأربعين من حاله، وإنما أرسل الله أنبياؤه في ~~هذه المدة PageV16P219 رحمة لهم، وتخفيفا لمحنة القيام عليهم، ومع ذلك أيضا فليس تكمل الحكمة غاية ~~الكمال إلا بعد طول التجارب للأحوال، ذكر معناه الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام. # ثم قال تعالى: {بل هو} أي القرآن {آيات بينات} أي دلالات على النبوة، ~~معجزات واضحة، وقوله: {في صدور الذين أوتوا العلم} وصف للقرآن بأنه يمكن ~~حفظه في صدور العلماء به وحفاظه، وهما من خصائص القرآن، أي كون آياته ~~للإعجاز، وكونه محفوظ في الصدور، تتلوه أفكار الأمة ظاهرا أي غيبا، بخلاف ~~سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف، ومنه ما ~~جاء في صفة هذه الأمة صدورهم أناجيلهم. # وقال في البرهان: المراد بالذين أوتوا العلم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فإنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، انتهى. PageV16P220 # ومن قال المراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمعنى بل محمد ذو آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدون صفته في ~~كتبهم، ونظيره: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} والمراد بالآيات العلامات ~~الدالة على نبوته، أو الآيات التي في كتب الأولين، التي فيها نعته وصفته، ~~أو يراد به القرآن، كالوجه الأول، ms0773 ثم قال تعالى: {وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون} لنفوسهم، أي الكاملون في الظلم لها وهم المشركون، والظالمون ~~لمحمد من اليهود، ولأنهم كانوا يعرفونها، ولما فرغ من ذكر دليل من جانب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر شبههم فقال تعالى: {وقالوا} أي مشركوا ~~مكة {لولا} أي هلا {أنزل عليه} أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم {آيات من ~~ربه} كناقة صالح، ومائدة عيسى، وذلك أنهم كانوا يسألونه آيات يقترحونها ~~عليه، كما كان يفعله مشركوا قريش أن يجعل الصفا ذهبا، وأن يجري مكة نهرا، ~~ثم إن الله أرشد نبيه -صلوات الله عليه وآله وسلم- إلى أجوبة هذه الشبهة ~~فقال تعالى: {قل إنما الآيات عند الله} فهو ينزلها أيتها شاء، ولو شاء ما ~~طلبتم لفعل أي أن الله تعالى هو الذي يعطي ما يشاء من الآيات من الأنبياء، ~~بحسب ما يرى من المصلحة، ولذلك لم يتفق من آيات الأنبياء كلها، وإنما جاء ~~كل نبي بنوع منها {وإنما أنا نذير مبين} يعني أن النبي مندوب للإنذار ~~والبيان، لا لما يقترحوا عليه من الآيات، وإنما يلزم بما يأتي يشهد على ~~صدقه من المعجزات، وقد فعل الله ذلك وأجابهم به فقال: {أولم يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب} أي القرآن {يتلى عليهم} آية مغنية لك عن سائر الآيات ~~إن كانوا طالبين للحق، ودليلا على صدقك لما فيه من الإعجاز في نظمه وصدق ~~خبره، وصحة وعده، والمعنى أنه معجزة تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان ~~إلى آخر الدهر، لا PageV16P221 تزول كما تزول كل آية بعد كونها، ويكون في مكان دون مكان {إن في ذلك} الذي ~~هو آية لا تزول {لرحمة} أي نعمة عظيمة لا تشكر، أي لا يقام بشكرها {وذكرى} ~~أي تذكرة وموعظة {لقوم يؤمنون} أي يصدقون الآيات. # وفي البرهان: إن في ذلك القرآن لرحمة يعني بالرحمة استنقاذهم من الظلال، ~~وبالذكر إرشادهم به إلى الحق {لقوم يؤمنون} أي يريدون الإيمان ولا يقصدون ~~العناد، ولما ظهرت رسالته، وبهرت دلالته ولم يؤمن به المعاندون من أهل ~~الكتاب قال تعالى: ms0774 {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} على الصدق والإيلاغ، ~~وعليكم بالتكذيب في العناد والمراد شهادة الله بإظهار المعجز على يدي. # وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسول ~~الله؟ فنزلت. PageV16P222 # والمعنى أنه لما لم يؤمن به المعاند قال كما يقول الصادق وأتى بكل ما يدل ~~على صدقه ولم يصدق، الله يعلم صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول ~~شهيد، يحكم بيني وبينك، كل ذلك إنذار وتهديد يفيده تقريرا وتأكيدا، ثم بين ~~كونه كافيا بكونه عالما بجميع الأشياء فقال تعالى: {يعلم ما في السماوات ~~والأرض} فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم، وهذا احتجاج عليهم ~~في صحة شهادته عليهم؛ لأنهم قد أقروا بعلمه فلومهم أن يقروا شهادته، ولما ~~بين الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكامل ~~الشامل لهما، والإنذار العام فقال سبحانه: {والذين آمنوا} منكم {بالباطل} ~~وهو ما تعبدون من دون الله {وكفروا بالله} لتكذيبهم برسله، وجحدهم لكتبه، ~~أو بما أشركوا من الآلهة، وأضافوه إليه من الأولاد والأنداد {أولئك هم ~~الخاسرون} حيث اشتروا الكفر بالإيمان فهم المغبونون في صفقتهم، خسروا ~~أنفسهم بإهلاكه وخسروا في الآخرة بالمعاصي نعيم الجنة، فقوله: {أولئك هم ~~الخاسرون} تهديد عظيم، لما أنذرهم الله بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار ~~قالوا: إن كان علينا عذاب فاتنا به إظهارا لقطعهم بعدم العذاب، كما حكى ~~الله عنهم فقال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب} استهزاء منهم وتكذيبا. # قال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا ~~حجارة من السماء. PageV16P223 # وقيل: استعجالهم شدة عنادهم لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أجاب عنهم ~~بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم، ولا يعجل باستعجالكم؛ لأنه أجله الله لحكمة ~~ورحمة فقال سبحانه: {ولولا أجل مسمى} هو يوم القيامة، ويحتمل أنه الوقت ~~الذي قدره الله عز وجل لعذابهم وهلاكهم {لجاءهم العذاب} الذي استعجلوه، ~~والعذاب عذاب القبر، وقيل: يوم بدر، والعذاب القتل والأسر، ثم قال تعالى: ~~{وليأتينهم بغتة} أي مفاجأة على غرة. # قيل: ليأتينهم العذاب ms0775 بغتة أي الأجل؛ لأن الآتي بغتة هو الأجل، وأما ~~العذاب بعد الأجل يكون معاينة، ثم أكد معنا قوله بغتة بقوله تعالى: {وهم لا ~~يشعرون} أي لا يعلمون بنزوله بهم. # قال في البرهان: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ((تقوم ~~الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فما تصل جوفه حتى تقوم الساعة)). # ثم قال: {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} كرر الاستعجال ~~إنكارا، وتشهيرا لجهلهم، وتعجيبا من فعلهم؛ لأن من توعد بأمر فيه ضرب كلطمة ~~أو لكمة فيرى من نفسه الجلد، ويقول: بسم الله هات. # وأما من توعد بإغراق أو إحراق ويقطع بأن الموعد قادر لا يخلف الميعاد، ~~ولا يخطر ببال العاقل أنه يقول له: هات ما توعدني به، فقال هاهنا: ~~{يستعجلونك بالعذاب} والعذاب بنار جهنم المحيطة، أي المحدقة بهم، المعدة ~~لعذابهم. PageV16P224 # قيل: المراد في الآخرة، أي ستحيط بهم، وقيل: جعلها محيطة بهم في الدنيا ~~للزومهم عملها، كقوله: {يستعجلونك} أولا إخبار عنهم، وثانيا: تعجبا منهم، ~~ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم فقال تعالى: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم} ثم قال تعالى: {ويقول ذوقوا ما كنتم} أي جزاء ما كنتم {تعملون} من ~~المعاصي جزاؤه على ربكم، أي يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا ما ~~كنتم تعملون، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة في طريق اطلاق اسم ~~المسبب على السبب، فإن عملهم كان سببا لعذابهم. # واعلم أن الله لما ذكر حال المشركين على حده وجمعهما في الإنذار، وجعل ~~لهما من أهل النار اشتد عنادهم، وزاد فسادهم، وسعوا في إيذاء المؤمنين، ~~ومنعوهم من العبادة، فقال تعالى مخاطبا للمؤمنين: {ياعبادي الذين آمنوا إن ~~أرضي واسعة} إن تعذرت العبادة عليكم في بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتي ~~بحال، وبهذا علم أن الجلوس في دار الحرب حرام، والخروج منها واجب. # قال في البرهان: يعني جانبوا أهل المعاصي بالخروج من أرضهم، واطلبوا ~~أولياء الله بالخروج إليهم، ومعنى الآية التمسوا ما اتسع من الأرض؛ لأن ~~المؤمن إذا لم تسهل له العبادة ms0776 في بلد هو فيه ولم يتمشى له أمر دينه كما ~~يجب، فليهاجر إلى ما يقدر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا وأكثر عبادة، واحسن خشوعا. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ~~شبرا من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد)). # وقوله: {فإياي فاعبدوني} أمر بهم بالهجرة، أي أطيعوني ولا تطيعوا أحدا في ~~معصيتي، فإن قيل: الفاء في قوله: فإياي تدل على أنه جواب لشرط فما ذلك؟ # أجاب بعضهم فقال: قوله: إن أرضي واسعة إشارة إلى عدم المانع من عبادته، ~~فكأنه قال: إذا كانا لا مانع من عبادتي فاعبدوني. PageV16P225 # وأما الفاء في قوله: فاعبدون فهو لترتيب المقتضي كما يقال: هذا عالم ~~فاكرموه، فكذلك هاهنا لما علم نفسه بقوله: فإياي وهو لنفسه يستحق العبادة ~~فقال: فاعبدوني، ولما أمر الله المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان، ~~ومفارقة الإخوان فقال لهم: إنما تكرهون لابد من وقوعه {كل نفس ذائقة الموت} ~~أي طاعمة مرارته كما يذاق المطعوم، قوى الله عزائمهم على الهجرة بذكر الموت ~~والجزاء {ثم إلينا ترجعون} أي إلى جزائه يوم القيامة، والبعث بعد الموت في ~~الدنيا، فاستعدوا لما لابد لكم منه. # قال في البرهان: يعني أن كل حي ميت، وإن أنبياء الله وإن اختصوا بكراماته ~~وتفردوا برسالته فجلول الموت بهم كحلوله بغيرهم، حتى لا يظنوا بموت من مات منهم. # وروينا عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن زين العابدين، عن أبيه، عن ~~أمير المؤمنين عليهم السلام قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاءهم آت يسمعون نفسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم أهل البيت ~~ورحمة الله وبركاته، كل نفس ذائقة الموت، إن في الله عزاء من كل مصيبة، ~~وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن ~~المصاب من حرم الثواب، انتهى. # ثم بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون ~~للكافرين بقوله: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} فقال تعالى: {والذين ms0777 آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنبوئنهم} أي لننزلنهم {من الجنة غرفا} أي عالي مرتفعة في ~~رؤس القصور. # قال في البرهان: وقرئ لنثوينهم بالثاء من الثوى وهو المقام، والغرف أعالي ~~البيوت، وإنما خصهم بالغرف لأمرين: # أحدهما: أن الغرف لا تستقر إلا على البيوت فصار فيها جميعا جمعا بين ~~الأمرين. PageV16P226 # والثاني: أنها أنزه من البيوت السفلى؛ لإشرافها، وروينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، ~~وباطنها من ظاهرها، أعدها الله عز وجل لمن أطعم الطعام وأطاب الكلام، وتابع ~~الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام)) {تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها نعم أجر العاملين} قد مر تفسير نحو هذا، ثم بين صفتهم فقال سبحانه: ~~{الذين صبروا} على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين والمحن، والمصائب في ~~الطاعات عن المعاصي {وعلى ربهم يتوكلون} أي لم يتوكلوا في جميع ذلك إلى ~~عليه، والتوكل هو الوثوق به وإسناد الأمر إليه، ولما ذكر الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون، ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر ~~شيئا لغد، ويأتيها كل يوم برزق، فقال سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه: {وكأين ~~من دابة لا تحمل رزقها} لما أمرهم الله بالهجرة خافوا الفقر والضيعة في ~~الانتقال عن الأوطان، فكان الرجل يقول: كيف أقدم بلدة ليس فيها معيشة، ~~فنزلت وكأين بمعنى كم للتكثير، والدابة اسم لكل نفس تدب على الأرض عقلت أو ~~لم تعقل، واختلف في المراد لا تحمل رزقها فقيل: لا تحصله باكتساب ونحوه، ~~يريد أنها ضعيفة إنما تأكل بأفواهها، ولا تطيق حمله لضعفها، نحو المولود ~~وفرخ الطائر، وقيل: لا تدخر لغدها، وإنما تصبح فيرزقها الله كالطير، وقيل: ~~ليس يدخر إلا الإنسان والنملة والفأرة، ثم قال: {الله يرزقها وإياكم} أي لا ~~يرزق الدواب الضعاف، ولا يرزقكم أيها الأقوياء إلا هو وإن كنتم أقوياء، إذ ~~لو لم يقدركم على الحمل، ولم يقدر أسباب الكسب بالله لكنتم أعجز منها. PageV16P227 # وقال في البرهان: يعني سوى بين الحريص والمتوكل، وبين الراغب ms0778 والقانع في ~~رزقه، وكذلك بين الحيول والعاجز حتى لا يغتر الجلد أنه مرزوق بجلده، ولا ~~يتصور العاجز أنه ممنوع لعجزه، انتهى. # ثم قال تعالى: {وهو السميع} لأقوالكم إنا نخشى الفقر {العليم} بما في ~~صدوركم، أو سميع إن طلبتم الرزق، يسمع ويجيب إن سكتم لا تخفى عليه حاجتكم ~~ومقدار حاجتكم، ولما بين الله الأمر للمشرك مخاطبا معه، ولم ينتفع به أعرض ~~عنه وخاطب المؤمن بقوله: {ياعبادي الذين آمنوا} وأتم الكلام معه ذكر معه ما ~~يكون إرشادا للمشرك بحيث يسمعه، وهذا طريق في غاية الحسن، فقال تعالى: ~~{ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر} أي ذللهما كما ترى ~~يجريان في الفلك على اسلوب لا يختلف {ليقولن الله فأنا يؤفكون} أي فكيف ~~يصرفون عن توحيد الله، ويشركون به مع إقرار هم أنه خالق السماوات والأرض ~~يريد أهل مكة، وإنما كان هذا في غاية الحسن؛ لأن السيد إذا كا ن له عبدان ~~أو الواد إذا كان له ولدان، واحدهما رشيد والآخر مفسد ينصح أولا المفسد، ~~فإن لم يسمع يقول معرضا عنه ملتفتا إلى المرشد إن هذا لا يستحق الخطاب ~~فاسمع أنت، ولا تكن مثل هذا المفسد، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح، وزجر ~~المفسد، فإن قوله هذا لا يستحق الخطاب يوجب نكاية في قلبه، ثم إذا ذكر هذا ~~الصلح في أثناء الكلام والمفسد يسمعه إن هذا أخاك تعجب منه أنه يعلم قبح ~~فعله، ويعرف الفساد من الصلاح، وسبيل الرشاد والفلاح، ويشتغل بضده يكون هذا ~~الكلام داعيا له إلى سبيل الرشاد، مانعا له من ذلك الفساد، فكذلك الله ~~تعالى قال مع المؤمن العجب منهم أنهم إن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~يقولن الله ثم لا يؤمنون، ولما بين الله الخلق ذكر الرزق فقال تعالى: {الله ~~يبسط الرزق} أي يوسعه {لمن يشاء من عباده PageV16P228 ويقدر له} أي يضيق على من يشاء على حسب ما يعلم من مصالحهم، يقال: قدر وقتر ~~بمعنى ضيق، ثم قال تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} يعلم ما يصلح العباد وما ms0779 ~~يفسدهم، ويعلم مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق، ثم إنه لما قال تعالى: ~~{الله يبسط الرزق} ذكر اعترافهم بذلك فقال سبحانه: {ولئن سألتهم من نزل من ~~السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها} أي بالنبات والاخضرار {من بعد ~~موتها} بالجدب {ليقولن الله} يقرون بذلك، ثم قال: {قل الحمد لله} على ~~الانتفاع بهذه المعارف، في توحيد الله أو على أنهم أقروا بما هو حجة عليهم، ~~حيث نسبوا النعمة إلى الله، وقد جعلوا العبادة للصنم {بل أكثرهم لا يعقلون} ~~ما يقرون به، وما فيه من الدلائل له على بطلان الشرك، أو لا تعقلون ما ~~تريدون بحمدكم. # واعلم أن الله عز وجل لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق، وكونه ~~هو الرازق وهم يتركون عبادته، ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا، بين ~~أن ما يميلون إليه سليس بشيء بقوله تعالى: {وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب} يريد ما هي بسرعة زوالها، وموتهم عنها إلا كما يلعب الصبيان ساعة، ثم ~~يتفرقون. # إن قيل: ما الفرق بين اللهو واللعب حتى يصح عطف أحدهما على الآخر؟ # قلت: قد قيل: إن الفرق من وجهين: # أحدهما: أن كل شغل يعرض فإن المكلف إذا أقبل عليه لزمه الإعراض عن غيره، ~~ومن لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى، فالذي يقبل الباطل للذة يسيرة ~~زائلة فيه يلزمه الإعراض عن الحق والإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن ~~الحق لهو، فالدنيا لعب أي إقبال على الباطل وإعراض عن الحق. PageV16P229 # الثاني: هو أن المشتغل بشيء يترجح ذلك على غيره لا محالة، حتى يشتغل به، ~~فإما أن يكون الترجح على وجه التقديم بأن يقول: أقدم هذا وذلك الآخر أتى به ~~بعده، ويكون على وجه الاستغراق فيه، والاعراض عن غيره بالكلية، والأول لعب، ~~والثاني لهو، والدليل عليه هو أن الشطرنج والحمام وغيرهما مما يقرب منهما ~~لا تسمى آلات الملاهي في العزف والعود وغيره من الأوتار يسمى آلات الملاهي؛ ~~لأنها تلهي الإنسان عن غيرها لما فيها من اللذة الخالية، فالدنيا للبعض ~~لعب، يشتغل به ms0780 وتفوت بعد هذا الشغل بالعبادة، والآخرة للبعض لهو يشتغل به ~~وينسى الآخرة بالكلية. # ثم قال تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} أي ليس فيها إلا حياة ~~مستمرة دائمة خالدة لاموت فيها، فكأنها في ذاتها حياة، والحياة مصدر مصدر ~~حي، وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واو كما قالوا حيوة في اسم رجل، وبه ~~سمي ما فيه حيوة حيوانا في بناء الحيوان زيادة، معنى ليس في بناء الحياة ~~وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب كالنزاون والحياة حركة، كما ~~أن الموت سكون المحية على بناء دال على عنى الحركة مبالغة في معنى الحياة. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: وهذه الآية حجتنا أن الله لا يميت ~~البهائم في دار الآخرة، والنعيم والمحل الدائم المقيم، ثم قال تعالى: {لو ~~كانوا يعلمون} صحة ما قلنا: لآثروا الآخرة، ولم يؤثروا الدنيا، ولا رغبوا ~~عن الفاني إلى الباقي. PageV16P230 # وقوله: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله} متعلق بمحذوف أي هم على ما وصفوا ~~من الشرك، وإذا ركبوا في السفينة وخافوا الغرق دعو الله {مخلصين له الدين} ~~أي في سورة المخلصين، حيث لا يدعون معه غيره، وفيه ضرب من التهكم {فلما ~~نجاهم إلى البر} وآمنوا من الغرق {إذا هم يشركون} في حال تنجيتهم، لا ~~يؤخرون الشرك ساعة؛ لأن إذا للمفاجأة فقربوا أول حال السلامة بالشرك، ~~ووضعوه موضع شكر التنجية {ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} اللام في ليكفروا ~~محتملة لكي، وكذا الثانية فيمن كسرها، أي يعودون إلى شركهم ليكونوا كافرين ~~بالنعمة، قاصدين التمتع والتلذذ لا غير، على خلاف عباده المؤمنين إذا نجاهم ~~الله أن يشكروا، وقرئت الآخرة بالسكون وهي تقوي أن الأولى للأمر كقوله: ~~{اعملوا ما شئتم} وجاز أن يأمر الله بالمعصية وهو ناه عنها ومتوعد؛ لأنه ~~مجاز عن الخذلان والتنجية، أي هم لإصرارهم وعدم قبولهم يستحقون أن يؤمروا ~~بما يزيدهم ندما، ومثاله أن ترى من عزم على ما هو عندك خطأ أو يؤدي إلى ضرر ~~عظيم، فتبالغ في رده عن رأيه، وإذا أبى إلا التصميم غضبت عليه، وقلت: ms0781 افعل ~~ما شئت ولا تريد حقيقة الأمر؛ لأنك تقول إذا أبيت قبول النصح فأنت أهل لأن ~~يقال لك: افعل ما شئت ليتبين لك صحة رأيي، وفساد رأيك، وكذا توعدهم بقوله: ~~{فسوف يعلمون} سوء عاقبة أمرهم؛ لأنه زيادة في التهذيب، وثبات بالعذاب ~~الدائم الشديد. PageV16P231 # واعلم أن الإنسان في البحر على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على أمن ما ~~يكون، لا سيما إذا كان بيته في حصن حصين، فلما ذكر الله المشركين حالهم عند ~~الخوف الشديد، ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله تعالى ذكر حالهم ~~عند الأمن العظيم، وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم، وفيها سكنتهم ومولدهم، ~~وهي حصين بحصن الله، حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها، والحصول ~~فيها يدفع الشرور عن النفوس ويكفيها، فقال تعالى: {أولم يروا} الهمزة ~~للتحقيق {أنا جعلنا حرما آمنا} يعني مكة، وما قاربها من الحرم، قال الشاعر: # ياخوي زعزعاها لا تنم ... لعلها تلحق أيام الحرم PageV16P232 يعني أيام دخول الحرم الذي حرم الله صيده، وحرم الظلم فيه وغيره، وعظم ~~قدره، وأراد قريشا أمنهم الله بها {ويتخطف الناس من حولهم} كان العرب حول ~~مكة يغزوا بعضهم بعضا، ويتغاورون ويتناهبون، وأهل مكة قارون آمنون مع ~~قلتهم، وكثرة من حولهم، فذكر الله هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة، ثم وبخهم ~~بأنهم يؤمنون بالباطل وما هم عليه من الشرك فقال تعالى: {أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون} والنعمة العافية والصحة، والإحسان والهداية إلى طريق ~~الجنة، وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام، ومثل هذه النعمة المكشوفة ~~الظاهرة وغيرها من النعم التي لا يقدر عليها إلا الله مكفورة عندهم، ولما ~~بين الله الأمور على الوجه المذكور ولم يؤمن به أحد أخبر أنهم أظلم من ~~يكون، فقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} بأن جعل له شريكا ~~وولدا {أو كذب بالحق لما جاءه} يعني التوحيد، وجميع ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، يريد أنهم لم يلبثوا أن كذبوا بالرسول وما جاء به من ~~غير تفكر ms0782 في أمره، ولا شبهة، ثم قال: {أليس في جهنم مثوى} أي مستقرا ~~{للكافرين} أليس تقرير أي تحقيق لثوابهم، أي إقامتهم فيها، كقوله: # ألستم خير من ركب المطايا PageV16P233 قال بعضهم: لو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل، ومعناه كيف لا ~~يستوجبون الثواء في جهنم، وقد افتروا هذا التكذيب، وكذبوا بالحق، وحقيقته ~~أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير، أو لم يصح ~~عندهم أن في جهنم مثوى للكافرين حتى اجتروا مثل هذه الجراءة، ولما فرغ من ~~التقرير والتقريع، ولم يؤمن الكفار سلا قلوب المؤمنين بقوله تعالى: {والذين ~~جاهدوا فينا} أي في حقنا ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا، جاهدوا أعداءنا، ~~وقاتلوا في نصرة أولياءنا، واجتهدوا في العمل بالطاعة، والكف عن المعصية، ~~رجا في ثوابنا، وحذرا من عقابنا {لنهدينهم سبلنا} يعني الطريق إلى الجنة، ~~والتوفيق لدين الحق، أي ليزيدهم هداية إلى سبيل الخير، وتوفيقا وتسديدا وعد ~~الله من جاهد فيه، ونابذ وحارب من يعاديه فسيوفقه لسبيل الدين ويهديه، ~~ويكون له ناصرا في كل ما يعنيه، ويحسن إليه في كل سبب ويقيه، ويسدده ويقربه ~~ويدنيه. # قيل: هو الغزو في سبيل الله، وقيل: هو طلب العلم، وقيل: هو عام في كل ~~مجاهد للنفس والشيطان، ولأعداء الدين. # وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا. # وعن بعضهم: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم، وإنما جهلنا ما لا نعلم ~~لتقصيرنا فيما نعلم، ثم قال تعالى: {وإن الله لمع المحسنين} في العمل، أي ~~ناصرهم ومعينهم، والمحسنين، قيل: الموحدون، وقيل: المجاهدون، وقيل: عام في ~~كل من أحسن عمله، والله أعلم. PageV16P234 ### || AUTO سورة القصص # ثمان وثمانون آية اتفاقا مكية. # قال في البرهان: إلا آية منها نزلت بين مكة والمدينة، قيل: بالجحفة، وهي: ~~{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {طسم} قد تقدم ذكر ما قيل في فواتح السور، وقيل: أقسم الله بطوله ~~وسناه وملكه. # وعن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة ms0783 ~~المنتهى، والميم محمد صلى الله عليه وآله وسلم {تلك آيات الكتاب المبين} ~~تلك إشارة إما إلا آيات السورة، وإما القرآن، وقوله: {المبين} لإبانتهما ما ~~فيهما من العلوم، فوصفه بأنه مبين؛ لأنه بين فيه الحلال والحرام، أو لأنه ~~بين فصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد؛ أو لأنه بين كيفية المخلص عن ~~الشبهات أهل الضلال، ثم قال تعالى: {نتلو عليك} أي على لسان جبريل عليه ~~السلام كان يتلو على محمد صلى الله عليه وآله حتى يحفظه. # وقوله: {من نبإ موسى وفرعون} مفعول يتلو، والنبأ الخبر العظيم، أي نقص ~~عليك بعض خبرهما {بالحق} محقق في التلاوة، أي قولا حقا. # وقوله: {لقوم يؤمنون} أي من انتفع وعمل بمقتضى دليل العقل والسمع؛ لأن ~~التلاوة لا تنفع من ليس كذلك. # ثم قال تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} فيه وجهان: # أحدهما: طغى وتكبر، وطما وجاوز الحد في الظلم ببغيه في استعباد بني ~~إسرائيل، وقتل أولادهم. # والثاني: بكفره وادعائه الربوبية، ثم فصل الله بعض ذلك بقوله تعالى: ~~{وجعل أهلها شيعا} أي جعلهم فرقا وأصنافا في استخدامه، يتسخر صنفا في بناء ~~وصنف في حرث، وصنف في حفر، ومن لم يستعمره ضرب عليه الجزية، أو فرقا وقطعا ~~مختلفة؛ لأنه فرق بين بني إسرائيل والقبط، وعادى بينهم، أو معناه فرقا ~~يشيعونه أي يتبعونه على ما يريد، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: {يستضعف طائفة ~~منهم} وهي بنو إسرائيل بالاستبعاد والأعمال المتصنعة دون القبط {يذبح ~~أبناءهم ويستحي نساءهم} أي يتركن في الحياة. # وقال الرازي: معنى يستضعف طائفة منهم أي يستخدمهم ويذبح أبناؤهم ويستحي ~~نساؤهم، فهذا هو المراد بالشيع. PageV16P235 # ثم قال تعالى: {إنه كان من المفسدين} قيل: إن فرعون رأى في منامه أن نارا ~~أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني ~~إسرائيل، فسأل علماء قومه عن تأويلها فقالوا: يخرج من هذا البلد يكون على ~~يديه هلاك مصر، فأمرهم بذبح أبناؤهم واستحياء نساؤهم، وأسرع الموت في مشائخ ~~بني إسرائيل، فقال القبط لفرعون: إن مشائخ بني إسرائيل ms0784 قد فنو بالموت ~~وصغارهم بالقتل فاستبقهم لعملنا وخدمتنا، فأمر أن يستبقوا في عام ويقتلوا ~~في عام، فولد هارون في عام الاستحياء وموسى في عام القتل. # قال في البرهان: وقيل: سبب ذلك أن كاهنا قال له: يولد من بني إسرائيل ~~مولود يذهب ملكك على يديه، وفي ذلك دليل ثخانة حمق فرعون، فإنه إن صدق ~~الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل. # وقوله: {إنه كان من المفسدين} بيان أن القتل ما كان إلا فعل المفسدين ~~فجسب، لا طائل تحته أصدق الكاهن أم كذب، ثم قال سبحانه: {ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض}. # قال في البرهان: يعني يوسف وولده، روينا ذلك عن أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام، والآية عامة في كل من استضعف من صاحب حق، ويدخل فيه الأئمة من آل ~~الرسول عليهم السلام. # قال في الكشاف: ونريد أن نمن إلى آخره عطف على أن فرعون علا في الأرض؛ ~~لأنها نظيرتها في وقوعها تفسير للنبأ، وهي حكاية حال ماضية، ويجوز أن ت كون ~~حالا من يستضعف أي يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن نمن عليهم بالخلاص منهم، ~~ومن استضعافه {ونجعلهم أئمة} والأئمة هم أولاة الأمر القادة المتبعون ~~المقدمون في الدين والدنيا، ونقتدي بهم في الخير {ونجعلهم الوارثين} لملك ~~فرعون، أي نحكم لهم بحكم الأرض والميراث، وزوال الملك عن من كان له إلى من ~~صار إليه. # ثم قال تعالى: {ونمكن لهم في الأرض}. PageV16P236 # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: معناه ونمكنهم في الأمر، ونحكم لهم ~~بالخلافة والإمامة، ونورثهم الأرض من بعد أهلها، يعني بذلك كل من يستحق ~~الإمامة من بني إسرائيل الذين كانوا يستضعفون، انتهى. # وقيل: المراد بالأرض أرض مصر والشام، ومعنى التمكين فيها أي يجعلها صالحة ~~بحيث لا ينبؤنهم ولا يعث عليهم كما كانت أيام الجبابرة {ونري فرعون وهامان} ~~وزير فرعون {وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} من ذهاب ملكهم، وهلاكهم على ~~يدي مولود منهم. # واعلم أنه تعالى لما قال: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا، ابتدأ بذكر ~~أوائل نعمه بقوله: ms0785 {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}. # قال في البرهان: الوحي بالرضاع كان قبل الولادة، والوحي هنا هو الإلهام ~~من الله تعالى في قلبها، وليس بوحي نبوة. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه أريناها رؤيا وجعلنا ذلك خبرا ووحيا. # قلت: ويؤيد هذا قول الهادي عليه السلام فإنه قال: لا أحسب والله إلا أنه ~~كان وحيا في منامها؛ لأنه عز وجل يقول: {يأخذه عدو لي وعدو له} وهذا القول ~~فلا يكون إلهاما؛ لأنه خبر وقصص. # وقوله: وإنما يلهم من الأشياء ما كان فعل يدرك بالعقول، وتمييز المعقول، انتهى. # قال في النهاية: والإلهام أن يلقي الله في النفس شيئا يبعثه على فعل أو ~~ترك وهو نوع من الوحي، يخص الله به من يشاء من عباده. # وقال مقاتل: كلمها حبريل كما كلم مريم ابنت عمران. PageV16P237 # وقوله: {أن أرضعيه} كالدلالة على أنها أرضعته، وليس في القرآن حد ذلك، ثم ~~قال: {فإذا خفت عليه} من القتل الذي أمر به فرعون في بني إسرائيل {فألقيه ~~في اليم} واليم البحر، وهو النيل، قيل: هو نيل مصر {ولا تخافي} الغرق ~~والضيعة {ولا تحزني} لفراقه وأن يقتل، والخوف غم لأمر متوقع وهو فراق له ~~والأخطار به، فنهيت عن الحزن، وأومنت بالوحي إليها، ووعدت ما يسليها ويطمن ~~قلبها، فقيل أنها جعلته في تابوت، وجعلت المفتاح مع التابوت، وطرحته في ~~البحر بعد أن أرضعته ثمانية أشهر. # وقيل: لما ألقته قالت: لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من إلقائه ~~في البحر بيدي إلى دوابه وحيتانه. # قال الله تعالى: {إنا رادوه إليك} لتكوني أنتي المرضعة له {وجاعلوه من ~~المرسلين} ولا تخافي الغرق، أو من وقوعه في يد فرعون على يد عيونه المبثوثة ~~في طلب الولدان. # وروي أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، وروي أنها لما ضربها الطلق ~~وكانت بعض القوابل الموكولات بحبالا بني إسرائيل مصافية لها فعالجتها، فلما ~~وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها، ودخل حبه قلبها، ~~فقالت: ما جئت إلا لأقتل ولدك، ولكني ms0786 وجدت له حبا ما وجدت مثله فاحفظيه، ~~فلما خرجت جاءت عيون فرعون -لعنه الله- فلفته في خرقة ووضعته في تنور ~~مسجور، لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوه فلم يجدوه وهي لا تدري أين ~~مكانه، فسمعت بكاؤه في التنور فاطلعت عليه، وقد جعل الله عليه النار بردا ~~وسلاما، فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى الله إليها فالقيه في اليم، قد ~~روي أنها وضعته في تابوت مطلى داخله بالقار، وهو شيء أسود تطلى به السفن، ~~وقد أرضعته ثلاثة أشهر، والله أعلم. # {فالتقطه آل فرعون} أي أهله، إلا أنه مختص بأولي الشأن، أي التقطوه حين ~~القاه اليم بالساحل. PageV16P238 # قال في البرهان: يعني جواري امرأة فرعون حين خرجن لاستسقاء الماء، فوجدن ~~تابوته فجملنه إليها، واللام في قوله: {ليكون لهم عدوا وحزنا} لام العاقبة، ~~أي ليكون لهم في عاقبة أمره عدوا وحزنا، وأصلها لام التعليل على ضرب من ~~المجاز؛ لأن غرضهم بالالتقاط المحبة والتبني للعداوة والحزن، غير أنهما لما ~~حصلا بسبب التقاطهم شبه بالغرض الذي يفعل الفاعل لأجله، والحزن والحزن ~~واحد، وامرأة فرعون أحبته حبا شديدا ففرحت به فذكر الحال بالمال، كما قال ~~الشاعر: # وللمنايا تربي كل مرضعة # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد لكي لا يكون، فقامت اللام ~~مقام كي لا، والمعنى لئلا يكون لهم عدوا وحزنا، فطرح لئلا، واكتفى باللام ~~فيها، قال الشاعر: # نزلتم منزل الأضياف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # أي لئلا تشتمونا فقامت أن مقاما لئلا؛ لأنهما من حروف الأفعال المستقلة، انتهى. # ثم قال سبحانه: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين} يحتمل أنه من ~~الخطأ في الرأي في تربية عدوهم، وليس ببدع من خطاياهم، وأن عادتهم الخطأ، ~~ويحتمل أنه بمعنى مذنبين من خطأ، بمعنى أذنب يعني أن الله عاقبهم بسبب ~~خطئهم بأن ربى عدوهم، ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم {وقالت امرأة فرعون قرة ~~عين لي ولك}. # قيل: إن أصحاب فرعون لما علموا بموسى جاؤا ليذبحوه فمنعتهم وجاءت به إلى ~~فرعون وقالت: قرة عين ms0787 لي ولك، أي سرور لي ولك {لا تقتلوه عسى أن ينفعنا} ~~لأنها رأت فيه مخايل البركة؛ لأنهم حين التقطوا التابوت لم يفتح لهم، ~~فعالجوا كسره فأعياهم فعالجته فانفتح، فإذا بصبي نوره بين عينيه وهو يمص ~~إبهامه، وكانت لفرعون ابنة برصاء قد أعيت على الأطباء وقالوا: لا تبرى إلا ~~من قبيل البحر يوجد فيه شبه إنسان دواها ريقه، فلطخ برصها بريقه فبرئت. PageV16P239 # وقيل: لما نظرت إلى وجهه برئت، فقالت: إن هذه نسمة مباركة، فهذا أحد ما ~~عطفهم عليه. # وفي التجريد: فقالت له امرأته وهي آسية بنت مزاحم وكانت إسرائيلية من ~~بنات الأنبياء، وكانت تحب المساكين وترحمهم، هذا الولد ابن سنة، وإنما أمرت ~~أن تذبح الولدان لهذه السنة، فدعه يكون قرة عين لي ولك، عسى أن ينفعنا {أو ~~نتخذه ولدا} فقال فرعون: قرة عين لك، فأما لي فلا. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((والذي تحلف به ~~لو أقر فرعون بأنه يكون قرة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به، كما هداها، ~~ولكنه حرم نفسه)) والبلاء موكل بالمنطق، قال ذلك لما قال غواة قومه: هو ~~الصبي الذي نحذر منه، فاذن لنا بقتله فهم بذلك، فقالت ما قالت، والقرة ~~البرد يوصف السرور ببرد العين، ويقال في الدعاء له: أقر الله عينك، وفي ~~الدعاء عليه: أسخن الله عينك، ومعنى: {وهم لا يشعرون} أي لا يعلمون من ~~معهم، ولا من وقع في أيديهم، أو لا يعلمون بأنهم على خطأ في التقاطه ~~وتبنيه، وأن هلاكهم على يديه وفي زمانه، ثم قال تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى ~~فارغا}. # قال في البرهان: يعني فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقيل: الفارغ ~~الواله، انتهى. # وقيل: فارغ من العقل؛ لأن القلوب أوعية العقول، وذلك لشدة فزعها عليه حين ~~سمعت بوقوعه في يد فرعون فطار عقلها. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى فارغا أي خاليا من الحزن والهم، ~~حين سمعت أن فرعون عطف عليه. # قال أبو عبيدة: فارغا من الحزن لعلمها أنه لا ms0788 يقتل، اعتمادا على تكفل ~~الله مصلحته. # وقوله: {إن كادت لتبدي به} أي خبره، لولا بشارة الله لها برده، لما ركب ~~الله عليه الوالد من الغم والشفقة على ولده، ولو كتم ذكره لما انكتم له ~~الحزن والشوق، والمنازعة عليه {لولا أن ربطنا على قلبها} هو اللزوم ~~والتسكين. PageV16P240 # وقيل: بإلهام كما يربط على الشيء المنقلب ليقر ويطمئن {لتكون من المؤمنين} ~~وقد كانت من المؤمنين ولكن تكون من المصدقين بوعد الله، بأنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين {وقالت لأخته قصيه} أي اتبعي أثره وانظري أين وقع، ~~وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه، واسمها مريم. # وقيل: أم كلثوم، والقص هو طلب الأثر، والفجص عن الخبر {فبصرت به عن جنب} ~~أي عن عزلة وبعد، أي نظرت إليه مخاتلة مزورة تري أنها تنظر إلى غيره، لئلا ~~يتوهموا أن لها به تعلقا {وهم لا يشعرون} أي لا يعلمون أنها أخته؛ لأنها ~~كانت تسير على ساحل البحر، حتى رأتهم قد أخذوه، ثم قال تعالى: {وحرمنا عليه ~~المراضع} التحريم استعارة للمنع؛ لأن من حرم عليه شيء فقد منعه الله أن ~~يرضع ثديا ثمانية أيام وليالها، كل ما أتى بمرضعة لم يقبل ثديها، فرق له ~~فرعون، والمراضع جمع مرضعة، وهي المرأة التي ترضع على غير قياس الجمع، أو ~~جمع مرضع وهو موضع الرضاع يعني الثدي، أو مصدر بمعنى الرضاع، أي حظرنا عليه ~~ومنعناه من الرضاع؛ لأن المراضع عرض عليه فلم يقبلهن. # وقوله: {من قبل} أي قبل قصصها أثره، ومن قبل أن رددناه إلى أمه، ومن قبل ~~ولادته في حكمنا وقضايانا {فقالت} أخته عند ذلك {هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم} أي يحبون رضاعه {وهم له ناصحون} هذا قول أخته حين رأته لا ~~يقبل المراضع، فقالوا لها عند قولها لهم: {وهم له ناصحون} وما يدريك، لعلك ~~تعرفين أهله؟ فقالت: لا، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك، ويرغبون في محبوبه. # وقيل: قال هامان إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ~~ناصحون، والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد، ومعنى يكفلونه ms0789 أي يضمونه. PageV16P241 # وقال الواحدي: يضمنون لكم القيام به، فقالوا: نعم، فانطلقت، فجاءت بأمها، ~~والصبي على يد فرعون يعلله شفقة عليه، وهو يبكي فجين وجد ريحها التقم ~~ثديها، فمصه حتى اكتلأ جانباه ريا، وانطلق البشير إلى امرأة فرعون أن قد ~~وجدنا لابنك ضيرا، فقال لها فرعون: ومن أنت منه حتى قبل ثديك دون غيره؟ ~~فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه ~~إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وانجز الله وعده في رده. # وفي تفسير الرازي: لما قبل ثديها قال هامان: إنك لأمه، قالت: لا، قال: ~~فما بالك قبل ثديك من بين النسوة؟ قالت: أيها الملك، إني امرأة طيبة الريح، ~~حلوة اللبن، ما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي، قالوا: صدقت، فلم يبق أحد ~~من أهل فرعون إلى أهدى إليها، وأتحفها بالذهب والجواهر، انتهى، هذا معنى ~~قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه} أي بسبب تحريم المراضع دونها، وعلل رده ~~إليها بقوله: {كي تقر عينها ولا تحزن} وبقوله: {ولتعلم أن وعد الله حق} في ~~قوله تعالى: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} أي ليتأكد علمها برده، ~~وأنه سيكون نبيا، فكان من لطف الله تعالى أن جعل إلقاء موسى في البحر سببا ~~لنجاته، وسخر فرعون لتربيته، وهو يقتل الخلق من أبناء بني إسرائيل وهو في ~~بيته وتحت كنفه، وكان يعطي أم موسى على إرضاع موسى كل يوم دينارا. # قال في الكشاف: فإن قلت: كيف حل لها أن تأخذ الأجرة على إرضاع ولدها؟ # قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي كانت تأخذه ~~على وجه الإباحة. # ثم قال: {ولكن أكثرهم} يعني من قوم موسى {لا يعلمون} كيف علمها أن الله ~~قد وعدها أن يرده، وهذا داخل تحت علمها أي لتعلم أن أكثر الناس لا يعلمون ~~أنه حق، فيرتابون، ويشكون فيه، ويجوز أن يكون عاما من ذلك، وعده البعث ~~والثواب، والعقاب. PageV16P242 # قال المفسرون: فمكث عند أمه حتى فطمته، ثم ردته إليهم فنشأ في حجر فرعون، ms0790 ~~وامرأته آسية واتخذه فرعون ولدا. # ثم قال تعالى: {ولما بلغ أشده} أي استحكمت قوته وكماله وذلك من ثماني عشر ~~سنة، فما زاد إلا أربعين. # وقيل: من وقت بلوغه. # قال في البرهان: قيل الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: عشرون سنة، وقيل: ~~أربعون سنة {واستوى} يعني اعتدال القوة، وانتهاء الشباب، وتم استحكام عقله، ~~ويروى لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة، وهذا قول الأكثرين. # وروى ابن جرير: واستوى بلغ الستين سنة {آتيناه حكما وعلما} والعلم الفهم ~~والفقه فيما في دينه من الشرائع والحدود. # وقيل: العلم التورية والحكمة السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم. # قال المرتضى عليه السلام: وقد سئل عن حكمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام ~~وحكمتهم فهو جودة تمييزهم فيما ينزل بهم، ورصانة تدبيرهم، وحسن تأنيهم، لمن ~~يدعونه، فهم يدعون كما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يفجشون ولا يقسون، ولا يؤذون، ولا ~~يغضبون من يدعون، يتأتون لهم وينصفونهم، ويجلونهم ولا يبسطون بالقبح عليهم ~~حتى يستميلوا بذلك قلوبهم، وتصغي بحسن سيرتهم إليهم آذانهم، فهذا معنى حكمة ~~ومن حكمة الأنبياء -صلوات الله عليهم- ما أعطاهم الله سبحانه حين يقول ~~لنبيه: {وما يضرونك من شيء} {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم} فذكر الكتاب وما أنزل فيه من الحلال والحرام، والحكمة. PageV16P243 # وقوله لإبراهيم عليه السلام: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما} ومثله كثير لو شرحناه لطال شرحه، وكثر إفراد الكلام ~~فيه، ومن حكمتهم جودة أفعالهم، واستحكام ما يبرمونه من أعمالهم، ولطف ~~مأخذهم مع ما قد أعطاهم الله سبحانه من التوفيق والتسديد على ما كان من ~~شكرهم لربهم، واستقامتهم على طاعته، وإيثارهم لمرضاته فأمدهم سبحانه بفوائد ~~إحسانه، وأعانهم على ما قصدوا له من إيثار أمره، انتهى. # ثم قال عز وجل: {وكذلك} أي مثل هذا الجزاء {نجزي المحسنين} من عبادنا ~~المؤمنين، وفيه تنبيه على أنه كان محسنا في عمله، متقيا في شبابه، وأن الله ~~أتاه العلم والحكم جزاءا على إحسانه. # ثم قال تعالى: {ودخل ms0791 المدينة} وهي مصر، وقيل: مدينة قريبة منها، وقيل: ~~قرية يقال لها: حاس على فرسخين من مصر {على حين غفلة من أهلها} اختلفوا في ~~معنى قوله: {على حين غفلة من أهلها} فقيل: إن موسى عليه السلام لما بلغ ~~أشده واستوى، وأتاه الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه، علم أن فرعون ~~وقومه على الباطل فتكلم بالحق، وعاب دينه، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى ~~أن خافوه وخافهم، وكان له من بني إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون، ويبلغ في ~~الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلى خائفا، فدخلها يوما على حين غفلة ~~من أهلها، الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وهم قائلون. # وقيل: دخلها ما بين المغرب والعشاء، وقيل: على غفلة منهم لبعد عهدهم به، ~~وقيل: يوم عيد لهم وهم مشتغلون بلهوهم. PageV16P244 # قال في التجريد: واختلف في السبب الذي لأجله دخل موسى تلك المدينة على حين ~~غفلة، فقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون بالقضيب أو بالعصى في صغره قال: ~~فرعون هذا عدونا الذي نطلب، وأراد قتله، فقالت آسية: إنما هو صغير لا يعقل، ~~وآية ذلك أني أضع له جمرة ولؤلؤة، وروي تمرة، فوضعتهما فأراد موسى أن يلتقط ~~اللؤلؤة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها في فيه فأحرقت لسانه، فمن ~~ثم كان فيه رتة، فجينئذ ترك فرعون قتله، وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل ~~عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده على غفلة، أي بعد نسيانهم خبره لبعد عهدهم ~~به، والصحيح أنه كان مختلطا بفرعون في صباه. # قيل: ولكنه لما شب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم فأخرجه فرعون، ~~وأخافه فلا يدخل قرية إلا على تغفل. # وقال السدي: بل ركب في أثر فرعون لاحقا به في مسير لفرعون، وكان يركب معه ~~إذا ركب، فأدركه وقت القيلولة قبل أن يلحق فرعون في مدينة منف، فدخلها ~~{فوجد فيها رجلين يقتتلان} والطرق خالية، والناس غافلون. # وقوله: {هذا من شيعته} أي ممن يشايعه على دينه، وهم بنو إسرائيل {وهذا من ~~عدوه} ms0792 وهم القبط قوم فرعون؛ لأنهم أعداء لبني إسرائيل. # قيل: الإسرائيلي هو السامري، وإن كان كافرا فهو شايعه. # قال الرازي: والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلما؛ لأنه لا يقال فيمن ~~يخالف الرجل في دينه وطريقه أنه من شيعته، قيل: واسم القبطي فاتون خباز ~~فرعون، كان يتسخر الإسرائيلي بحمل حطب إلى مطبخ فرعون، والعدو يستوي فيه ~~الواحد والجمع. # قال الزجاج: وإنما قال هذا وهذا وليس بمشار إليهما عند نزول الآية على ~~طريق الحكاية كأنه قيل: إذا نظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه ~~{فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} لأن القبطي سخر الإسرائيلي حطبا ~~لمطبخ فرعون، فأبا عليه واستغاث بموسى {فوكزه موسى}. PageV16P245 # قيل: وكزه بعصاه، وقيل: وكزه بكفه، أي دفعه، والوكز الدفع بأطراف الأصابع، ~~وقيل: بجميع الكف، والوكز واللكز واحد. # وقيل: الوكز في الصدر، واللكز في الظهر، ففعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله، ~~وإنما يريد دفعه {فقضى عليه} أي قتله {قال} موسى {هذا} أي قتل الكافر {من ~~عمل الشيطان} أي من وسوسته وأمره {إنه عدو مضل} مغوي {مبين} بين العدواة والغي. # قيل: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذ في تلك الحال؛ لأنها كانت حال كف عن ~~القتال. # وقيل: قبل أن يؤذن، بل لم يبعث حينئذ، وقيل: كان موسى إذ ذاك ابن اثنتي ~~عشر سنة {قال رب إني ظلمت نفسي} بالقتل {فاغفر لي فغفر له} أي تاب عليه، ~~ولما قتله دفنه في الرمل، قاله الواحدي. # ولما قتله ندم وفي وجه استغفاره وتسميته ظلما لنفسه مع أن المقتول كان ~~كافرا وكان قتله على وجه الدفع قولان: # أحدهما: كان عليه أن يستأذن ربه سبحانه، وهذا إن كان موسى حينئذ نبيا، ~~ويمكن أن يقال إنه كان في حكم المستأمن منهم فلم يكن له قتله. # والثاني: أن قتله خطأ، ولم يتعمد قتله، وإنما تاب على هذا، وسماه ظلما ~~لنفسه على عادة الأنبياء والصالحين في تعظيم ما يصدر منهم مما يقرب من ~~الذنب، أو لأنه كان عليه أن يتحرى في الدفع، ويتحرز ms0793 عما لا يقضي إلى التلف، ~~تحريا بليغا، والله اعلم. # وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون، ~~فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به، فاغفر لي واستره علي، ولا يصل خبره إلى ~~فرعون، فغفر له أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا التأويل أنه على ~~عقبه {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} ولو كانت إعانة ~~المؤمن هاهنا سببا للمعصية لما قال ذلك. PageV16P246 # وأما قوله: {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} فلم يقل إني سرت بذلك ضالا، ~~ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ~~ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالا أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه، وما يدين ~~به في ذلك، والله أعلم. # ثم أخبر سبحانه فقال: {إنه هو الغفور} لمن تاب {الرحيم} يقبل التوبة {قال ~~رب بما أنعمت علي} من التوبة والمغفرة {فلن أكون ظهيرا للمجرمين}. # قال الرازي: هذا يدل على أنه قال بما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا ~~أكون معاونا لأحد من المجرمين، بل أكون معاونا للمسلمين، وهذا يدل على أن ~~ما أقدم فيه من إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية، إذ لو كان ~~معصية لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي من تلك ~~المعصية فإني أكون مواضبا على مثل تلك المعصية، انتهى كلامه. # وقيل: هذا إما قسم حذف جوابه، أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة فلن أكن ظهير ~~للمجرمين، أو استعطاف لربه كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من ~~المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين، أي لا أكون ناصرا ومعينا ~~للظالمين. # قال في البرهان: قال ذلك فابتلي؛ لأن صاحبه الذي أعانه دل عليه. # قال ابن عباس: لم يستثن ولم يقل فلن أكون إن شاء الله وابتلي به في اليوم ~~الثاني. # قال بعضهم: وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة، وإنما خاف منه ~~ذلك العدو فقال: ms0794 {إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض} لا أنه وقع منه. # وقيل: أراد بمظاهرة المجرمين، إما صحبة فرعون وتكثير سواده حيث كان يركب ~~بركوبه كالولد مع الوالد، وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم .........، ~~كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل. # قال الواحدي: هذا يدل على أن الإسرائيلي كان كافرا وهو قول مقاتل. PageV16P247 # وقيل: معناه بما أنعمت عليه من القوة فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك، ~~ولا أدع قبطيا يغلب أحدا من بني إسرائيل. # ثم قال تعالى: {فأصبح في المدينة خائفا} يعني من قتل النفس التي يؤخذ ~~بها، ومعنى: {يترقب} أي ينظر ويتلفت متى يعدى عليه في ما فعل، ويتوقع ما ~~يخاف من القود، أو رفع حديثه إلى فرعون وقومه {فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه} أي يستعينه، ويصرخ به، يعني الإسرائيلي الذي كان خلصه بالأمس ووكز ~~من أجله حتى قتله، استصرخه واستعانه على رجل آخر من القبط خاصمه يريد أن ~~يستسخره فاستغاث الإسرائيلي بموسى {قال له موسى إنك لغوي} أي كثير الغواية ~~حيث قاتلت من لا تطيق دفعه، أو حيث كنت سبب قتل الرجل بالأمس، وتريد أن ~~تكون سبب قتل آخر اليوم، ومعنى: {مبين} بين الغي، وصفه بما هو نقيض الرشد؛ ~~لأنه كان سبب الأول، ولا يريد بالغي الغي عن الدين، إذا لم يرد إعانته. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يمكن أن يكون عنا الذي من شيعته، ~~ويمكن أن يكون عنى الآخر، والله أعلم. # وقال في البرهان: إنما قال ذلك للقبطي، فظن الإسرائيلي أنه عناه فخافه ~~{فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} وهو القبطي؛ لأنه ليس على ~~دينهما، ولأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، والبطش للأخذ بعنف. # قال في البرهان: لأن موسى أخذته الرقة على الإسرائيلي، {قال} الإسرائيلي ~~{ياموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس} فيه قولان: # أحدهما: أن الإسرائيلي رأى غضب موسى عليه السلام، وقوله: إنك لغوي مبين ~~فخاف أن يقتله، فقال: أتريد أن تقتلني. # والثاني: أن الإسرائيلي خاف أن يكون موسى ms0795 يقتل القبطي فيقتل به ~~الإسرائيلي فقال ذلك دفعا لموسى عن قتله، فانطلق وأشاع أن المقتول قتله ~~موسى بالأمس، انتهى. PageV16P248 # ولم يكن قد علم أحد من قوم فرعون قبل ذلك أن موسى الذي قتل القبطي، وسمع ~~القبطي الآخر ذلك، فأتى فرعون فأخبره، وقيل: بل القائل لموسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إنما هو القبطي المتسخر للإسرائيلي، ثم قال: ~~{إن تريد إلا أن تكون جبارا} أي قتالا {في الأرض} وآية الجبابرة القتل بغير ~~حق، وهو الذي يفعل ما يشاء من قتل وغيره، ولا ينظر في العواقب، ولا يدفع ~~بالتي هي أحسن. # وقيل: الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى {وما تريد أن تكون من المصلحين} أي ~~ما هكذا يكون الصلاح، ولما قال هذا أفشى على موسى، فانتشر الحديث في ~~المدينة، ورقي إلى فرعون وهموا بقتله. # قوله: {وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى}. # قال في الكشاف: يسعى يجوز ارتفاعه وصف الرجل وانتصابه حالا عنده؛ لأنه قد ~~تخصص بقوله: {من أقصى المدينة يسعى} وأكثر المفسرين على أن هذا الرجل مؤمن ~~من آل فرعون، واسمه شمعون، وكان ابن عم لفرعون، فجاء يسعى. # قال الكلبي: سرع في مشيه لينذر موسى. # وقال مقاتل: يمشي على رجليه لما أرسل فرعون على الذباحين لقتل موسى، وأخذ ~~الطريق الأعظم اختصر الرجل وجاء طريقا أقرب سبقهم إلى موسى فأنذره فسلك ~~موسى طريقا آخر {قال ياموسى إن الملا} أي فرعون وأشراف قومه {يأتمرون بك ~~ليقتلوك} أي يتشاورون في قتلك، ويقال: الرجال يأتمران؛ لأن كل واحد منهما ~~يأمر صاحبه بشيء ويشير عليه بأمر، والمعنى يتشاورون بسببك. PageV16P249 # وقيل: معناه يأمر بعضهم بعضا بقتلك، ومنه: وائتمروا بمعروف، أي ليأمر بعضكم ~~بعضا {فاخرج} من المدينة هاربا {إني لك من الناصحين، فخرج منها خائفا ~~يترقب} على نفسه من آل فرعون، أي يترقب ما يتعرض له في الطريق من المكروه، ~~وأن يلحق فيؤخذ، فلما التجأ إلى الله تعالى لعلمه أنه لا ملجأ سواه {قال رب ~~نجني من القوم الظالمين} لأنفسهم بالكفر والمعاصي، وهم القبط. # ثم قال تعالى: ms0796 {ولما توجه تلقاء مدين} أي قصدها ونحوها، وهي قرية شعيب، ~~سميت بمدين بن إبراهيم، ولم تكن في ملك فرعون، وبينهما وبين مصر مسير ثمان ~~ليال، ولم يكن موسى يعرف الطريق الأحسن، ظن بربه. # قيل: عرض لموسى أربع طرق فلم يدر أيها يسلك {قال عسى ربي أن يهديني سواء ~~السبيل} أي حقيقة الطريق إلى مدين، ومدين كان عليه قوم شعيب، ومعنى عسى ~~الطمع والرجاء. # قيل: خرج حافيا لا يعيش إلا بورق الشجر، فما وصل حتى سقط خف قدمه، وجئاء ~~ملك على فرس بيده عنزة، العنزة عصاة أسفلها حديد، فانطلق به إلى مدين {ولما ~~ورد ماء مدين} أي ماءهم الذين يسقون منه، وكان بيرا ووروده وصوله {وجد عليه ~~أمة} أي على شفيره ومستقاه، أمة أي جماعة كثيرة {من الناس يسقون} غنمهم ~~ومواشيهم {ووجد من دونهم} في مكان أسفل من مكانهم {امرأتين تذودان} غنمهما؛ ~~لأن على الماء من هو أقوى منهما، فلا يتمكنان من السقي. # وقيل: كانا يكرهان مزاحمة الرجال على الماء، وقيل: يذودان عن وجوههما نظر ~~الناظر ليسترهما. # وقيل: يذودان الناس عن غنمهما، أو يمنعان غنمهما أن تختلط بأغنام الناس، ~~ومعنى يذودان يحتبسان، قال الشاعر: # أذود على باب القوافي كأنما # أذود بها سربا من الوحش نزعا # ويجوز أن يكون بمعنى يمنعان، كما قال الشاعر: # ولقد سلبت عصاك بنو تميم # فما تدري بأي عصا تذود PageV16P250 {قال} موسى لهما {ما خطبكما} أي ما شأنكما وما خبركما، إعجابا بورعهما، ~~ورحمة منه عليه السلام بهما، وفي الخطب تفخيم الشيء، ومنه الخطبة لأنها من ~~الأمر المعظم، المخطوب خطبا، كما سمي المشؤن شأنا في قولك: ما شأنك، يقال: ~~شأنت شأنة، أي قصدة قصدة {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء} والصدر الانصراف ~~عن الماء، ومنه الصدر؛ لأن التدبير يصدر عنه، والمصدور لأن الأفعال تصدر ~~عنه الرعاء -بكسر الراء- جمع راع قياسي كضيام، وبضمها اسم جمع كرجال، أي ~~حتى يصدروا غنمهم، والاصدار نقيض الايراد، أي قالت السبب في الذود أنا ~~امرأتان مستورتان لا نطيق تزاحم الرجال، فنتأخر حتى يفرغوا {وأبونا شيخ ms0797 ~~كبير} لا يقدر أن يسقي ماشيته. # قال في البرهان: وفي قولهما ذلك وجهان: # أحدهما: قالتا اعتذارا إلى موسى من معاناتهما سقي الغنم بأنفسهما. # والثاني: وهو الأولى أنهما قالتا ذلك لموسى ترفيقا ليعاونهما {فسقى لهما} ~~قبل صدور الرعاء، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد، وفي كيفية السقي قولان: # أحدهما: أنه زاحم القوم حتى سقى لهما. # والثاني: أتى بيرا عليها صخرة لا يقلبها من أهل مدين إلا عشرة فاقتلعها ~~بنفسه، وسقى لهما، وإنما فعل هذا رغبة في المعروف، وإغاثة للملهوف، وليس ~~بيان ذلك في القرآن، ولكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة، فدل على ~~أنها شاهدت ما يدل على فضل قوة. # قال تعالى: {ثم تولى إلى الظل} يعني ظل شجرة، ذكر أنها سمرة، ذكره في ~~البرهان، أي تنحى إلى جنبها، فدعى ربه {فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير ~~فقير} أي خير كان مما يدفع به الضرورة ما سأل الله إلا أكله، ومعنى فقير، ~~أي محتاج إلى ذلك وقد لصق بطنه بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل ترى في بطنه ~~من الهزال {فجاءته إحداهما} قيل هي الكبرى واسمها صفراء، واسم الصغرى صفيرا. PageV16P251 # وقوله: {تمشي على استحياء} في موضع الحال، أي على حياء وعفة وطهارة، والعرب ~~تقول: فلان رجل حي ومستحي، قال الشاعر: # فتا هو أحيا من فتاة صبية # قيل: إن أباهما استنكر سرعة عودهما وصدرهما بغنهمهما فقال لهما: إن لكما ~~اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، وأثنتا عليه خيرا، فأمر الكبرى تدعوه ~~فذهبت مستحية متخفرة، وقيل: قد استترت بكم درعها لم يبين من وجهه ولا قدمها ~~شيء {قالت إن أبي يدعوك} يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول؛ لأن ~~الكريم إذا دعى غيره إلى الضيافة يستحيي لا سيما المرأة، ثم قالت: {ليجزيك ~~أجر ما سقيت لنا} يعني ليكافيك على ما سقيت لنا. # وروي أن موسى عليه السلام قال لها: إني لا أستحل إزارك مولية، ولكن امشي ~~ورائي وخلفي، فإن جهلت الطريق فقولي يمينا أو شمالا، خوفا منه -صلوات الله ~~عليه- أن يطع ms0798 نظره إلى شيء من محاسنها، ويسهوا فينظر حسن قوامها. # قال بعض الملحدين: كيف لم يعني الله نبيه شعيبا عن إخراج حرمة، أو كيف لم ~~يستر شعيب أهله ببعض علمه؟ # فالجواب له في ذلك: أن الله قد سترهم، ولولا ستره عز وجل لهم لما وصف ~~الورع والحياء فيهم، حتى نوه بذلك من شأنهم، وتركه خبرا باقيا عن فضله، ~~وعجبا معجبا عن سني فعلهم-صلوات الله ورحمته عليهم- فلما جاء إلى شعيب إذا ~~بالعشاء مهيئا، فقال له شعيب: تعش، فقال: أعوذ بالله، فقال: ألست بجائع؟ ~~قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا، وأنا من أهل بيت لا نبتغ شيئا من ~~عمل الآخرة بملئ الأرض ذهبا، فقال له شعيب: لا والله، ولكنها عادتي وعادة ~~آبائي، نقرئ ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل، حكاه في التجريد عن الواحدي، وغيره. PageV16P252 # وقوله: {وقص عليه القصص} بمعنى المقصوص من حديثه هو وفرعون، وقصة القبطي، ~~وعرفه أنه من بيت النبوة من أولاد يعقوب عليه السلام {قال} شعيبا {لا تخف ~~نجوت من القوم الظالمين} وهم فرعون وقومه، فلا سلطان لهم في أرضنا، ولسنا ~~في مملكته، وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي، أو عن ما تقتضيه ~~العادة. # قال الراوي: فإن قيل: المفسرون قالوا إن فرعون لما ركب خلف موسى عليه ~~السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا ~~تكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته؟ # قلنا: هذا وإن كان نادرا إلا أنه ليس بمحال. # {قالت إحداهما ياأبت استأجره} هي الذي دعته وتزوجها، وفي البرهان: ~~القائلة: وهي الذي دعته وهي الصغرى، يعني استأجره لرعي الغنم، ثم وصفته ~~فقالت: {إن خير من استأجرت القوي الأمين} أي القوي فيما ولي، الأمين فيما ~~استودع. # يروى أن أباها لما قالت له ذلك، قال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: ~~أما قوته فإنه كشف الصخرة التي على بير آل فلان وكان لا يكشفها إلى دون ~~عشرة نفر. # وأما أمانته فإنه خلفني خلف ظهره ms0799 حين مشى، وكلامهما هذا جامع؛ لأن ~~المستأجر والقائم بالأمر إذا اجتمع فيه الكفاية والأمانة فقد تم المطلوب، ~~وسكنت إليه النفس. # أما قوله: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين} فهذه مواعدة تعقبهما ~~معاينة؛ لأن نكاح المجهولة لا يصح. # قال موسى: أيتها تريد أن تنكحني؟ قال: التي دعتك، فزوجها منه، ثم قال: ~~{على أن تأجرني ثمانية حجج} أي تكون أجيرا إلى ثماني سنين، وفيه دليل على ~~صحة وقوع الإجارة مهرا، وهو مذهبنا وش، وخالف ح. # وفي البرهان: أسقط ذكر العمل، واقتصر على المدة؛ لأنه مفهوم بينهما، ~~والعمل رعي الغنم، وهذه الثماني حجج هي شرط للأب والمهر غيرها، انتهى. PageV16P253 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: إن قال قائل أو سأل عن الإجارة سائل هل ~~يجوز النكاح على الأجرة وهي غرر، وقد حرم الله الغرر بين المسلمين؟ # فالجواب في ذلك وبالله نستعين: أن ذلك لا يجوز، ولا يكون من أخلاق ~~الصالحين، ولكن المعنى في ذلك أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني، أي لتأجرني ثماني حجج، فقامت على مقام اللام، وذلك جائز في اللفظ ~~والكلام؛ لأنه ربما رغبه في الإقامة، ولا يصبر أحد على طول الإقامة، إلا مع ~~الأهل والمقام، وذلك معروف عند أكثر الأنام، ولم يدخل ذكر الصداق في شيء من ~~هذا الخطاب. # دليل آخر: أن المستأجر هو الشيخ عليه السلام وليس له الصداق، وإنما ~~الصدقات للنساء دون الرجل نحلة من الله الواحد ذي الجلال، انتهى. # ثم قال: {فإن أتممت عشرا فمن عندك} أي بفضل، وليس بواجب عليك {وما أريد ~~أن أشق عليك} بالإلزام أتم ا لأجلين، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام ~~يأخذون بالأسمح في المعاملات، فلا يناقشون ولا يمارون، قال: {ستجدني إن شاء ~~الله من الصالحين} بحسن الصحبة. # والثاني: فيما وعده به، وقيل: بحسن المعاملة، ووطأة الخلق، وترك ~~المناقشة، أو يريد الصلاح على العموم، وإنما قال: إن شاء للاتكال على ~~توفيقه ومعونته. # أما قوله تعالى: {قال ذلك بيني وبينك} فاعلم أن ذلك مبتدأ، وبيني وبينك ~~خبره، وهو ms0800 الإشارة إلى ما عداه عليه شعيب عليه السلام يريد ذلك الذي ~~عاهدتني عليه من الرعي ثماني حجج قائم بيننا جميعا، لا يخرج أينا عن ما ~~شرط، ثم قال: {أيما الأجلين قضيت} أي حصلت أي الثماني والعشر {فلا عدوان ~~علي} بأن أطالب بزيادة، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، يعني إن شاء هذا وإن ~~شاء هذا، أو يكون اختيارا لأجل الزائد، موكلا إلى رأيه من غير أن يكون لأحد ~~عليه إجبار. PageV16P254 # وفي الحديث: ((قضى موسى أطولها)) ثم قال: {والله على ما نقول وكيل} أي شاهد ~~ومطلع، الوكيل هو الذي يوكل إليه الأمر، ولما استعمل الوكيل، ومعنى الشاهد ~~عدي بعلي لهذا السبب. # وفي البرهان: روينا عن أبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((إن موسى أجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه، فقيل: أيما الأجلين قضيت، قال: ~~أبرهما وأوفاهما)). # قال تعالى: {فلما قضى موسى الأجل} أي أوفاهما {وسار بأهله} أي بامرأته من ~~مدين لزيارة أمه بفلسطين {آنس} أي أبصر إبصارا بينا {من جانب الطور نارا} ~~الطور الجبل الذي كلم عليه وهو بمدين {قال لأهله امكثوا} أي أقيموا مكانكم ~~{إني آنست} ورأيت {نارا لعلي آتيكم منها بخبر} أي ما نخبر به عن حال الطريق ~~وأهلها، وما يكون من خوفها وأمانها وخصبها، وما نخاف من تعبها وجدبها. # وقيل: ما نخبر به عن الطريق؛ لأنهم ضلوا في الليل لما أظلم عليهم في ~~الصحراء، وهبت ريح شديدة فرقت ماشيته وظل، وأصابهم مطر، فوجدوا بردا شديدا ~~فعنده أبصر نارا، فسار إليها يطلب من يدله على الطريق، وهو معنى قوله: ~~{لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون} أي تدفؤن عليها، ~~وكانوا في ليلة شاتية، وفي قوله تعالى: {آتيكم منها بخبر} دلالة على أنه ~~ظل، وفي قوله: {لعلكم تصطلون} دلالة البرد، والجذوة بالحركات الثلاث على ~~الجيم، وقرئ بهن العود الغليظ كانت في رأسه نار أم لا، وأراد هنا ما فيه نار. # قال في البرهان: فيها ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها شعلة من النار، قال الشاعر: # وألقى ms0801 على قبس من النار جذوة ... شديد عليها حمئها والتهابها # والثاني: شهاب من نار. # والثالث: عود فيه نار ليس فيه لهب، انتهى. PageV16P255 # ثم قال: {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي} جانب وادي الطور الذي اسمه طوى، ~~قال الشاعر: # غبن الحسان فلم يظهرن في النادي # حتى بدين لنا من شاطئ الوادي # أي جانبه. # وقوله: {الأيمن} من اليمن وهو البركة؛ لأن الوادي لا يمين له ولا يد. # وقال المفسرون: جاؤه النداء من عن يمين موسى، فلما قال الأيمن ولم يرد به ~~يمين الجبل. # قال ابن الأنباري: خاطب الله العرب بما يستعملونه، ومن كلامهم عن يمين ~~القبلة وشمالها، يعني عن يمين المقابلة للقبلة وشماله، فنقل الوصف إلى ذلك ~~اتساعا، عند انكشاف المعنى. # ثم قال تعالى: {في البقعة المباركة} مكان النار، ومعنى مباركة أي كثيرة ~~المنافع، لوقوع أمر الدين فيها يعم الناس منافعها، وقوله: {من الشجرة} بدل ~~من شاطئ الوادي بدل الاشتمال؛ لأنها كانت نابتة على الشاطئ، ومن الأولى ~~والثانية لابتداء الغاية أي أتاه النداء من شاطئ الوادي، من قبل الشجرة. # روي أنها كانت خضراء تقد من أعلاها إلى أسفلها، وكانت عوسجة عن الكلبي، ~~ومنها عصا موسى، وهنا قصة البقعة، والمباركة من الشجرة فهو وسطها وفرعها، ~~وحيث كانت النار توقد، وتأجج منها فوقف عليه السلام متعجبا من النار، ~~متفكرا ومستعملا لعقله، معتبرا ليزيده الله بذلك يقينا وحكمة إلى حكمته ~~وتبيينا، إذ ليس من طبع النار أن تخرج أبدا من الأشجار، ثم لا تحرق مع ذلك، ~~فنودي منها {أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين} هذا كلام خلقه الله ناطقا ~~عن النار، فسمعه موسى عليه السلام ولم يكن بين الله وبين موسى مؤد للكلام، ~~وإنما كان الكلام من الله سبحانه خلقا وإيجادا، فسمعه موسى صلوات الله ~~عليه، ذكر معنى هذا الهادي عليه السلام وغيره، ثم قال: {وأن ألق عصاك} أي ~~اطرحها، وقد قيل: إنها من آس الجنة هبط بها آدم منها. PageV16P256 # وعن الحسن ما كانت إلا غصنا من الشجر اعترضها اعتراضا {فلما رآها تهتز} أي ~~تتحرك ms0802 وتضطرب {كأنها جان} أي حنش دون الثعبان، فقوله: {كأنها جان} صريح ~~بأنه تعالى شبهها بالجان، ولم يقل إنه في نفسه جان، فلا يكون مناقضا لكونه ~~ثعبان، بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز والحركة لا من حيث المقدار، ومعنى ~~{ولى مدبرا} أي هاربا، وهي حال مؤكدة، أي ولا العصى دبره كما يفعل المنهزم، ~~خاف أنه أريد به أمرا، ثم قال: {ولم يعقب} أي يرجع عقب المقاتل إذا كر بعد ~~الفرار، فإذا فر المنهزم ولم يرجع على أثره قيل لم يعقب. # ثم قال تعالى: {ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} مما خفت منه {اسلك ~~يدك في جيبك} أي ادخلها مدرعتك أي في ابطك {تخرج بيضاء من غير سوء} أي ~~بيضاء من غير برص، ولكن بياض من نور من الأنوار. # روي أنه كان أسمر أدم اللون فصارت بعد السمرة والأدمة بيضاء منيرة، ذات ~~بهجة وضياء ونور زاهر وبهاء {واضمم إليك جناحك} أي يدك؛ لأن يدي الإنسان ~~كجناحي الطائر، وإذا أدخل اليمنى تحت اليسرى فقد ضم جناحه، وفيه معنيان: # أحدهما: أنه موسى حين انقلب العصى حية ففزع، واتقاها بيده كما يفعل ~~الخائف من الشيء، فقيل له: إن اتقاك فيها غضاضة عند الأعداء، فإذا ألقيتها ~~فكما تنقلب حية فادخل يدك ت حت عضدك مكان الاتقاء بها، ثم اخرجها بيضاء ~~ليحصل الأمر أن ترك الغضاضة وإظهار معجزة أخرى. # الثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلده عند انقلاب العصاء حية حتى لا ~~يضطرب، ويرهب استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف نشر جناحه وإلا فهما ~~مضمومان مستمران، ذكره في الكشاف. # وقوله: {من الرهب} أي من أجل الرهب والخوف، وقيل: الرهب: الكم بلغة حمير ~~وبني حنيفة، والمعنى اضمم يدك واخرجها من الكم؛ لأنه يناول العصى ويده في ~~كمه، كذا في التجريد والتهذيب. PageV16P257 # وقيل: إنه لما هرب من الحية أمره الله أن يضم إليه جناحه ليذهب عنه الفزع ~~قال قال ابن عباس: المعنى اضمم يدك إلى صدرك من الخوف، ولا خوف عليك. # وقال مجاهد: كل من فزع فضم ms0803 جناحه إليه ذهب عنه الفزع، وقيل: الخائف يرتعد ~~فأمر بالانضمام والاجتماع لتزول الرعبة. # وقيل: إنه لما هاله بياض يده وشعاعها أمر أن يدخلها في جيبه فعادا إلى ~~حالتها الأولى، وقيل: إن معنى الكلام سكن روعك، وثبت جأشك، أمر بالعزم ~~والجد، ومثله قوله عليه السلام: # اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا # ولا تجزع من الموت إذا حل واديكا # وقرئ الرهب بفتح الراء والهاء، وبفتح الراء وسكون الهاء، وهي كلها لغات ~~في معنى الخوف والفرق. # ثم قال تعالى: {فذانك برهانان من ربك} أي حجتان نيرتان، وهما العصى واليد ~~المنيرة البيضاء، سميت الحجة برهانا لبياضها وإنارتها، نظيره سميتها سلطانا ~~من السليط وهو الزيت لإنارتها، ومعنى اضمم إليك جناحك واسلك يدك في جيبك ~~واحد، لكن خولف بين العبارتين، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، ~~فإن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء. # والثاني: إخفاء الرهب، ثم قال: {إلى فرعون وملئه} أي أشراف قومه {إنهم ~~كانوا قوما فاسقين} أي خارجين عن الحد في الكفر والظلم. # اعلم أنه تعالى لما قال: فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه، فعند ذلك ~~صب من الله تعالى ما يقوي قلبه، ويزيل خوفه بقوله: {قال رب إني قتلت منهم ~~نفسا} يريد القبطي خباز فرعون {فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني ~~لسانا} أي هو أنطق وأصح بيانا {فأرسله معي ردءا} أي معينا وزيادة، قال ~~الشاعر: # وسمر خطي كان كعوبه # نوى العسب قد أردى ذراعا على العشر # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: قيل في ذلك الردئ هو الذي يرده عند ~~الأسباب ويعينه ويؤازره. # قال القاسم عليه السلام: PageV16P258 # تقول التي أنا ردء لها ... وقا الحوادث دون العداء # انتهى. # والردئ اسم ما يعان به فعل بمعنى مفعول به، كما أن الدفء اسم لما يدفء ~~به، يقال: ردأت الحائط ردئة إذا أدعمته بخشب أو غيره لئلا يسقط، وفي الصحاح ~~وأرادته أي أعنته، يقول: أردأته بنفسي إذا كنت له ردئا وهو العون، قال الله ~~تعالى: {فأرسله معي ردءا يصدقني} وفيه أيضا وردئت على الخمسين ms0804 وأردأت أي ~~زدت ومعنى {يصدقني إني أخاف أن يكذبون} اجعله معي، أي اجعله معي رسولا ~~معينا يخلص لسانه الحق، ويبسط القول فيه، كما يفعل المنطق، حتى يقع التصديق ~~ببرهان قوله، ليقول: صدقت، فإن الفصيح وغيره يستويان في النطق به، وعلل ~~موسى حاجته إلى فصاحة هارون. # قال مقاتل: بل معناه كي يصدقني فرعون، والمعنى ارسله حتى يعاضدني على ~~اظهار الحجة والبيان، فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون. # وأما قوله عز وجل: {قال سنشد عضدك بأخيك} فهو سنعينك، وأصله أن العضد ~~عمود اليد وقوامها، وبشدة العضد تشتد اليد، أي سنقويك به، شبه الرجل باليد ~~في اشتدادها باشتداد العضد، فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة، ثم قال تعالى: ~~{ونجعل لكما سلطانا} أي غلبة وتسلطا، أي حجة واضحة {فلا يصلون إليكما} بسوء ~~يضركما، والمقصود أن الله تعالى أمنه مما كان يحذر. # وقوله: {بآياتنا} يتعلق بسلطانا أي نسلطكما بآياتنا أو يصلون إليكما، أي ~~يمنعون بآياتنا، أو هو قسم، وجوابه لا يصلون وهو محذوف دل على فلا يصلون. # قلت: وقال بعض أئمتنا عليه السلام هذا من التقديم والتأخير، والمعنى فيه ~~{أنتما ومن اتبعكما الغالبون} بآياتنا، أي أنهم يغلبون ويقهرون بالآيات ~~والدلائل البينات، فبآياتنا متعلق بالغالبون، والله أعلم. PageV16P259 # ثم قال تعالى: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى} ~~يفتريه على الله أي يكذبه عليه، وليس بمعجزة من عنده، وكأنهم قالوا: هذا ~~مكذوب من هذا الوجه، ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم: {وما سمعنا ~~بهذا} أي بهذا الدين {في آبائنا الأولين} أي في زمنهم بمعنى أنهم لم ~~يخبروهم بصحة نبوة موسى، أو معناه ما سمعنا بهذا الذي جئت به من السحر أنه ~~قد اتفق مثله في زمن الأولين، بمعنى أنه سحر بليغ {وقال موسى} عليه السلام ~~عند ذلك، وقد عرف منهم العناد {ربي أعلم بمن جاء بالهدى} أي أهله لأن جاء ~~بالهدى {من عنده} يعني نفسه، أي لو كان كاذبا ساحرا لما أرسله؛ لأنه غني ~~حكيم، لا يرسل ms0805 الكذابين، ثم قال: {ومن تكون له عاقبة الدار} أي الدار ~~الدنيا العاقبة المحمودة، وهي الرحمة والرضوان، والعاقبة المحمودة ~~والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار الدنيا، لكن اختصت خاتمة الخير ~~بهذه التسمية دون خاتمة الشر من حيث أن الله سبحانه وضع الدنيا طريقا إلى ~~الآخرة، وأراد من عباده ألا يعملوا فيها إلا الخير، وما خلقهم إلا لأجله، ~~ومن عمل فيها خلاف ما وضعها الله فقد حرف، فإذا عاقبتها الأصلية عاقبة ~~الخير، ذكره في الكشاف. # وفي التجريد: يجوز أن يريد بعاقبة الدار الغلبة، ثم أكد ذلك بقوله: {إنه ~~لا يفلح الظالمون} أي لا يظفرون عند الله ولا يفوزون، أراد لو كان كما ~~زعموا لكان ظالما فلا يفلح، وقد أفلح وفاز عنده. # وروي قال موسى: بغير واو هي قراءة حسنة. # واعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة ~~بشبهة يروجها على قومه، فذكر هاهنا شيئين: PageV16P260 # الأول: قوله تعالى: {وقال فرعون ياأيها الملا} يعني الخلق {ما علمت لكم من ~~إله غيري} أي من سيد غيري تألهون إليه، وسلطان ومالك يملككم تعتمدون في ~~أموركم عليه غيري؛ لأنه لم يدع أنه خالق لهم ورازق، وأتى بلفظ إله مشاكلة ~~لقول موسى عليه السلام. # قال في البرهان: قيل كان بينهما وبين قوله أنا ربكم الأعلى أربعين سنة. # قال في التجريد: يجوز أن يريد به النفي لا يكون له إله غيره، ويجوز أن ~~يريد نفي علمه بوجود إله غيره لا في نفس الأمر بدليل: {وإني لاظنه من ~~الكاذبين}. # الشبهة الثانية: له قوله: {فأوقد لي ياهامان على الطين} أراد عمل الأجر ~~ولم يقل اطبخ لي الأجر؛ لأنه أول من عمل الأجر فهو يعلمه الصنعة؛ لأن هذا ~~أفصح وأشبه بكلام الجبابرة {فاجعل لي صرحا} أي قصرا عاليا من الأجر، وهو ~~أول من صنع له الصرح، ثم قال: {لعلي أطلع إلى إله موسى} أي أعلو عليه لأقرب ~~من السماء فأنبال إله موسى {وإني لاظنه من الكاذبين} في ادعائه إلها غيري. # قال الحسين بن القاسمعليه ms0806 السلام: هذا منه هدر وهبير، ولعب وتهزئ بموسى ~~عليه السلام لأن قصره لا يكون إلا دون جبل من الجبال، ولا يتوهم ذلك الأجهل ~~من الرجال، ولو كان كذلك لما أرسل الله إليهم ولما عذبه، ولا احتج عليه، انتهى. # روي أنه لما أمر ببناء القصر جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء ~~سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الأجر والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، ~~وشيده حتى لم يبلغ ما لم يبلغ بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن ~~يقوم على رأسه يبني، فجاء جبريل عليه السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه ~~فقطعه ثلاث قطع ووقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، وقطعة في ~~البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا هلك. PageV16P261 # ثم قال تعالى: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق} لأن الاستكبار بالحق ~~إنما هو لله تعالى، أي هو المتبالغ في كبرياء الشأن، وكل مستكبر سواه ~~فاستكباره بغير الحق، ومعنى قوله: {وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون} أي إلى ~~جزائنا. # قال الرازي: وهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى، إلى أنهم كانوا ~~ينكبرون البعث، فلأجل ذلك تمردوا وطغوا. # ثم قال عز وجل: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم} أي رمينا بهم في البحر. # قيل: هو بحر يقال له أسناف من وراء مصر أغرقهم الله فيه، وهذا من الكلام ~~الفخم، دل به على عظمة شأنه وكبريائه في سلطانه، شبههم استحقارا لهم، ~~واستقلالا لعددهم وإن كانوا كثيرا بحصبات أخذهن أخذ في كفه فطرحهن في ~~البحر، وليس الغرض منه إلا ويرد كل مقدور، وغن عظم فهو حقير بالقياس إلى ~~قدرته، ثم قال سبحانه: {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} وصفهم بالظلم ~~لأنفسهم تشنيعا. # أما قوله تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار} فمعناه دعوناهم ~~وسميناهم أئمة دعاة إلى النار، من قولك: جعله بخيلا وفاسقا إذا دعاه بذلك، ~~ومنه قوله: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا} والعرب تسمي ~~القائد إماما، قال الشاعر: # فلو صبر الإمام لنا قليلا # لألحقناهم بقضى ms0807 الرمال PageV16P262 يريد لو صبر القائد وهو الأمير، ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى ~~موجباتهم، كما يدعي أئمة الحق أئمة دعاة إلى الجنة، ثم بين تعالى أن ذلك ~~العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه، وهو معنى قوله تعالى: {ويوم ~~القيامة لا ينصرون} كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة، أو معنى جعلناهم ~~خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر، أي منعناهم الألطاف لعلمنا أنها لا تنفع ~~فيهم؛ لأنه لما تركهم من اللطف وخلاهم صاروا أئمة للكفر كما يقال: أخربت ~~دارك، وأصديت سيفك، إذا خليتها حتى صارا إلى الخراب والصدى {وأتبعناهم في ~~هذه الدنيا لعنة} أي طردا وابعادا عن الرحمة {ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين} أي هم المبعدين المطرودين. # قال أبو زيد: يقال: قبح الله فلانا قبحا وقبوحا أي أبعده من كل خير، ~~وقيل: من المهلكين، ويمكن أن يقبح صورهم بعد حسنها. # قال الكلبي: معناه من المشوهين الخلق بسواد الوجوه، وزرقة العين. # قال في البرهان: وقيل ما أهلك الله أمة من الأمم ولا قرنا من القرون، ولا ~~قرية من القرى بعذاب من السماء والأرض منذ أنزلت التورية على وجه الأرض غير ~~القرية التي مسخهم قردة، ألم ترى إلى قوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب} يعني ~~التورية، وهو أول كتاب نزل فيه الفرائض والحدود والأحكام {من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى} أي قوم نوح وثمود وغيرهم، وقوم فرعون؛ لأن الله أعطاه إياه ~~بعد هلاكهم {بصائر} أي أنوار للقلوب؛ لأنها كانت عميا لا تعرف الحق من ~~الباطل، والبصيرة نور القلب الذي يستبصر به، كما أن البصر نور العين الذي ~~يبصر به {وهدى} أي ارشادا {ورحمة} أي نعمة، إذ لو عملو بها وصلوا إلى نيل ~~الرحمة. # أما قوله: {لعلهم يتذكرون} فالمراد لكي يتذكروه. PageV16P263 # قال القاضي: وذلك يدل على إرادته التذكر من كل مكلف سوى اختار ذلك أو لم ~~يختاره، وفيه ابطال مذهب المجبرة الذين يقولون: ما أراد التذكر، إلا ممن ~~يتذكر، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه. # وقيل: لعل للترجي، فاستعيرت للارادة والترجي لموسى ms0808 لتذكرهم. # قلت: وقد مر الكلام في لعل في سورة الجمعة انها تستعمل على وجوه ثلاثة، ~~ثم قال تعالى: {وما كنت} يا محمد {بجانب} الطور {الغربي} إذ نادينا موسى، ~~ولا علمت لو أن أعلمناك، ومعنى الغربي المكان الواقع في شق الغرب، وهو الذي ~~وقع فيه ميقات موسى من الطور، والخلاف هل في ذلك في جبل الطور أو في واد، ~~وقد قيل: هو واد في جبل، فيجمع بين القولين لوروده بهما في القرآن، والذي ~~وقع فيه مناجاة موسى، وكتب الألواح هو الطور، والذي وقع فيه ابتداء كلام ~~موسى ونبوته وهو الوادي المقدس طوى، وهو في جل الطور لقوله تعالى: {آنس من ~~جانب الطور نارا} فصح الجمع بين القولين، والله أعلم، قاله في التجريد. PageV16P264 # قال السهيلي: إذا استقبلت القبلة وانت بالشام كان الجانب الأيمن منك غربيا، ~~فوصفه في قصة موسى بالصفة المشتقة من اليمن والبركة، وقوله: {إذ قضينا إلى ~~موسى الأمر} يراد به الوحي الذي كان إلى موسى، وكتب الألواح، وإرساله إلى ~~فرعون، وقضا الأمر عبارة عن تمامه، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقوله سبحانه: {وما كنت من الشاهدين} للوحي إليه، يقول: وما كنت حاضر ~~المكان الذي أوحينا إلى موسى عليه السلام وما كنت من جملة الشاهدين إلى ~~الوحي إليه وهم النقباء الذي اختارهم موسى لميقاتنا، وهو في معنى وما كنت ~~بجانب الغربي، كرر تأكيدا، ثم قال تعالى: {ولكنا أنشأنا قرونا} أي أمما ~~كبيرة بعد عهد الوحي إلى عهدك، ولعل مراده بعد عهد الوحي إلى موسى إلى عهدك ~~أي زمانك أي أنشانا قرونا في ما بين موسى وبينك {فتطاول عليهم العمر} أي ~~على آخرهم وهو القرن الذي أنت فيهم، ومعناه فتطاول أمد انقطاع الوحي، ~~واندرست العلوم فوجب ارسالك إليهم، فأرسلناك وأعلمناك بقصص الأنبياء، وقصة ~~موسى كأنه قال: وما كنت حاضرا قصة موسى، ولكن أوحيناها إليك، فذكر سبب ~~الوحي وهو طول الفترة، ودل به على المسبب وهو الإرسال والوحي اختصارا، فهذا ~~معنى الاستدراك. # وقيل: معنا فتطاول عليهم العمر قال: إمهالهم فنسوا ms0809 عهد الله ونسو أمره، ~~وهذا يدل على أنه قد عهد إلى موسى وقومه في أمر محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والإيمان به، فلما طال إمهالهم أعرضوا عن مراعاة العهود. # واعلم أن هذا تنبيه على المعجز، كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء ~~من غير حضور ولا مشاهدة، ولا تعلم من أهله دلالة ظاهرة على نبوتك، كما قال: ~~أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى. PageV16P265 # ثم قال تعالى: {وما كنت ثاويا} أي مقيما {في أهل مدين} هم شعيب والمؤمنون ~~معه {تتلوا عليهم آياتنا} أي قصة شعيب وقومه، أي لم نقرأها عليهم تعلما ~~منهم {ولكنا كنا مرسلين} أي أرسلناك وأعلمناك إياها بالوحي؛ لأنك لم تتصل ~~بزمان كذلك، ومعناه أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ~~ذلك لما علمتها. # ثم قال تعالى: {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك} أي حين ~~ناجينا موسى وكلمناه ليلة المناجاة، وظاهره أنه تكرير لقوله: {وما كنت ~~بجانب الغربي} وإذا أمكن حمل أحدهما على مناداة موسى عند ابتداء نبوته، وهو ~~هذا، وحمل الآخر على معاودته لميقات ربه أربعين ليلة وهو الأول كان أولى، ~~والله أعلم. # والنداء المذكور هو نداء موسى من الشجرة المباركة: {إني أنا الله رب ~~العالمين} وهو قول الأكثرين. # وقيل: إن الله نادى يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، واستجبت لكم قبل ~~أن تدعوني، ولا تعلق لهذا النداء بجانب الطور إلا أن يكون المراد أن الله ~~تعالى نادى بذلك مع موسى في الطور، وفيه بعد. PageV16P266 # واعلم أن الله تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله: {وما كنت بجانب الغربي} {وما كنت ثاويا في أهل مدين}{وما كنت ~~بجانب الطور} فجمع تعالى بين كل ذلك؛ لأن هذه الثلاثة من الأحوال العظيمة ~~التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله: {إذ قضينا إلى موسى الأمر} ~~إنزال التورية، حتى تكامل دينه، واستقر شرعه، والمراد بقوله: {وما كنت ~~ثاويا} في أول مرة، والمراد إذ نادينا ms0810 في وسط أمره وهو ليلة المناجاة، ولما ~~بين أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين تعالى ~~أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين، ثم فسر تلك الرحمة فقال سبحانه: ~~{لتنذر قوما} هم قريش {ما أتاهم من نذير من قبلك} أي في زمان الفترة بينك ~~وبين عيسى وهي خمسمائة وخمسون سنة، واختلف فيهم فقال بعضهم: لم يبعث إليهم ~~نذيرا منهم. # وقال بعضهم: حجة الأنبياء قائمة عليهم، لكنه ما بعث إليهم من يحدد تلك ~~الحجة عليهم. # وقال بعضهم: لا تبعد وقوع الفترة في التكاليف، فبعثه الله تقريرا ~~للتكاليف، وإزالة لتلك الفترة، ومعنى: {لعلهم يتذكرون} أي لكي يتفكروا في ~~عاقبتهم فيعملون بها، ثم قال تعالى: {ولولا أن تصيبهم مصيبة} جواب لولا ~~محذوف، أي ولولا كراهة أن يقولوا إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي، ~~هلا أرسلت إلينا محتجين علينا لما أرسلنا عليهم. PageV16P267 # وقال الواحدي: ولولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة ~~بكفرهم {بما قدمت أيديهم} لما كان أكثر الأعمال بالأيدي، عبر عن كل عمل ~~باكتساب الأيدي، وإن كان من أعمال القلوب وغيرها اتساعا، وتغليبا للأكثر ~~{فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} أي ~~المصدقين للرسل، أي يقولون محتجين به على الله تعالى، والمعنى أن إرسال ~~الرسل لا ليلزموا الحجة لا ليلزموها. # قال في الكشاف ما معناه: لولا الأولى شرطية امتناعية وجوابها محذوف، ~~والثانية تخصيصيه بمعنى هلا، والفاء في قوله: فيقولون للعطف، وفي قوله: ~~فنتبع جواب لولا لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل، ~~والباعث والمخصص من واد واحد، ثم قال فيه: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلنا ~~العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليه دونه. # قال: القول هو المقصود بأن يكون سببا لارسال الرسل، ولكن العقوبة لما ~~كانت هي السبب وكان وجوده بوجودها، دخلت العقوبة كأنه سبب الإرسال بواسطة ~~القول، فأدخلت عليها لولا، وجب القول معطوفا عليها بالفاء المعطية، معنى ~~السببية، ويؤل معناه إلى ms0811 قولك، ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما ~~أرسلنا، انتهى. # يعني أنا أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر، وهو كقوله: {لئلا يكون للناس ~~على الله حجة من بعد الرسل أن يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير}. PageV16P268 # واعلم أنه تعالى لم يقل: ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا، بل قال: ~~{ولولا أن تصيبهم مصيبة} فيقولوا هذا العذر لما أرسلنا، وإنما قال لنكتة ~~وهي أنهم لولم يعاقبوا مثلا، وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك، بل إنما ~~يقولون ذلك إذا نالهم العقاب، فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر تأسفا ~~على كفرهم، بل لأنهم ما أطالوا العذاب، وفيه تنبيه على استحكام كفرهم، ~~ورسوخه فيهم، كقوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أن عند خوف المصيبة قالوا: هلا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع، بين أيضا وأخبر أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة، قالوا: لولا ~~أؤتي مثل ما أؤتي موسى بقوله سبحانه: {فلما جاءهم الحق من عندنا} وهو ~~القرآن والرسول المصدق بالمعجزات، وقطعت معاذيرهم {قالوا لولا أوتي} محمد ~~{مثل ما أوتي موسى} من قلب العصا حية وفلق البحر وغيرهما من آياته، فاحتج ~~الله تعالى عليهم بقوله: {أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل} الاستفهام ~~لتقرير الكفر، ومن قبل أي ومن قبل الكفر بما أؤتي محمد، يريد فقد كفروا ~~بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد، وفي ضمير يكفروا قولان: # أحدهما: أنه لقريش، وأن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة، والذين ~~كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام إلاأنه تعالى جعلهم ~~كالشيء الواحد؛ لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد. # والثاني: أنه لليهود الذين كانوا في عصر النبي محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفي كيفية كفر هؤلاء اليهود وجهان: # أحدهما: أن المراد أمثالهم في العناد والكفر من الذين كانوا في زمن موسى ~~ممن كفر به. # والثاني: آباؤهم، وفي كيفية كفر قريش وجوه، هذان الوجهان. # قال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام موسى، فعلى هذا أو ms0812 لم يكفر آباؤهم. PageV16P269 # والثالث: أن قريشا بعثوا إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأخبروهم أنهم يجدون نعته وصفته في كتابهم، فقالت قريش ~~عند ذلك كما أخبر الله عز وجل: {قالوا سحران تظاهرا} أي تعاونا فيمن أراد ~~بقولهم ساحران قولان: # أحدهما: أنهما موسى ومحمد، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير. # وثانيهما: أنهما موسى وهارون، عن مجاهد. # وقرئ سحران ويرجع إلى القرآن والتورية {وقالوا إنا بكل كافرون، قل} أي ~~بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام، ومعلوم أن هذا لا ~~يليق إلا بالمشركين لا باليهود، وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى ~~عليه السلام كذبوه، فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وآله وإن ~~ظهرت حجته. # وقيل: يعني أن كفار زمان موسى كفروا به، وبما أؤتي وجمعوا في اللفظ ~~إجماعهم في الكفر، ولما أجاب تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم: {فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} أي مما ~~أنزل عليهما على قراءة ساحران، أو أهدى من الكتابين على قراءة سحران، ومعنى ~~{أتبعه} أي أعمل بما فيه، والمعنى أهدى مما أنزل على موسى وما أنزل علي، ~~وهذا قطع لاحتجاجهم، وتهكم بهم، حيث كفروا بما لا شك فيه، ثم قال: {إن كنتم ~~صادقين} أنهما كانا ساحرين، وهذا شرط المذل بالأمر، المتحقق نصيحته؛ لأن ~~انتفاهما هو أهدى منهما معلوم، أو هو استهزاء أو تهكم بهم، بدليل حرف الشك، ~~الذي هو إن، ثم قال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك} أي لم يجيبوك إلى الإتيان ~~بما هو أهدى. # قال مقاتل: معناه وإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما. PageV16P270 # وقال ابن عباس: فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحج {فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم} أي قد ألزموا ولم يتبقى لهم حجة إلا اتباع الهوى، ثم زيف طريقهم ~~بقوله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} يعني بغير لطف؛ ~~لأنه مخذول لا يقبل ms0813 اللطف أي لا أحد أكثر ضلالا منه، وهذا من أعظم الدلائل ~~على فساد التقليد، وأنه لابد من الحجة والاستدلال، ومعنى قوله سبحانه: {إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يزيدهم هدا كما زاد المهتدين، أو لا ~~يلطف بهم لعدم اللطف لهم؛ لأنهم لا يقبلون اللطف كهؤلاء، أو لا يحكم لهم ~~بالهدى، ولا يسمهم به، أو لا يثيبهم فلا يهديهم يوم القيامة طريق الجنة. # ولما بين الله سبحانه نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الدلالة ~~قال تعالى: {ولقد وصلنا لهم} أي بينا لهم {القول} توصيل القول هو إتيان ~~بيان بعد بيان، وهو من وصل البعض بالبعض، يعني تابعنا عليهم نزول القرآن ~~مرة بعد مرة، وكررنا عليهم المواعظ فيه، وجعلناه موصلا بالهدى متتابعا ~~متواصلا ووعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا ونصائح. # قال في البرهان: والقول هو ما أخبر الله به عز وجل من أخبار الدنيا ~~والآخرة، وخبر من أهلك من قوم نوح بكذا وقوم هود بكذا {لعلهم يتذكرون} أي ~~يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم، ويجوز أن يكون المعنى يتعظون ~~بالقرآن عن عبادة الأوثان، وبينا الدلالة على كونه معجزة مرة بعد أخرى ~~{لعلهم يتذكرون}. PageV16P271 # ثم إن الله سبحانه لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال تعالى: ~~{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} يعني الذين آتيناهم التورية ~~والإنجيل من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون، فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك، ~~وفيه وجه ثان وهو أن يكون المعنى: والذين آتيانهم الكتاب من قبل محمد هم ~~بمحمد يؤمنون، ثم حكى عنهم ما يدل على كنه إيمانهم فقال تعالى: {وإذا يتلى ~~عليهم قالوا آمنا به} أي صدقنا {إنه الحق من ربنا} عرفوه بما ذكر في كتبهم ~~من بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم {إنا كنا من قبله} أي القرآن أو محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم {مسلمين} لأنا كنا نؤمن به وبكتابه، فقوله: {إنه ~~الحق من ربنا} يدل على التعليل، يعني كونه حقا من عند الله يوجب ms0814 الإيمان به. # قال في البرهان: في سبب نزولها قولان: # أحدهما: نزلت في عبد الله بن سلام وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان ~~الفارسي أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها. # والثاني: أنها نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي ~~صلى الله عليه وآله قبل مبعثه اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، أقبلوا مع ~~جعفر بن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام منهم بحير وإبرهة، ~~والأشرف وعامر، وإدريس ونافع فأنزل الله فيهم هذه الآية، انتهى. # ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال: {أولئك يؤتون أجرهم ~~مرتين} لإيمانهم بالكتاب الأول، وإيمانهم بالكتاب الآخر وإيمانهم بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم قبل بعثته وبعد بعثته. # قال بعضهم: وهذا هو الأقرب؛ لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة ~~وبين أيضا أنهم كانوا مؤمنين به قبل البعثة، ثم أثبت الأجر مرتين، وجب أن ~~ينصرف إلى ذلك، والله أعلم. PageV16P272 # ثم أخبر عز وجل بما استوجبوا ذلك الأجر فقال: {بما صبروا} على طاعة الله ~~واجتناب معصيته، واحتمال الأذى من قومهم على الإيمان {ويدرءون بالحسنة ~~السيئة} أي يدفعون ما تقدم من السيئات بما عملوا من الحسنات، أو يدفعون ~~السفه والأذى بالحلم والصفح، أو يدفعون بالمعروف الذي هو الحسن المنكر الذي ~~هو السئية، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي؛ لأن نفس ~~الامتناع حسنة، ويدفع به ما لولاه لكان سيئة، ويحتمل التوبة، والإنابة ~~والاستقرار عليها. # ثم قال تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} يريد الزكاة، أو هي غيرها كإنفاق ~~الرجل في الجهاد، أو على الأهل والأولاد، ثم لما بين كيفية اشتغالهم ~~بالطاعات والأفعال الحسنة حيث مدحهم أولا بالإيمان، ثم بالطاعة البدنية في ~~قوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} ثم الطاعة المالية في قوله: {ومما رزقناهم ~~ينفقون} بين كيفية اعراضهم عن الجهال، فقال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو} وهو ~~ما لا يغني من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المرؤة إطراحه. # وقيل: الأذى والسب، وقيل: كلمة الشرك {أعرضوا عنه} أي نزهوا أنفسهم ~~بالإعراض عنه. # قال في ms0815 البرهان: وهذه الآية عامة في كل من سمع أو رأى المنكر فلم يقدر ~~على دفعه وإنكاره، أن يعرض عنهم ولا يقرب منه. # وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وكان اليهود يلقونهم بالسب ~~والشتم، فيعرضون عنه، وإذا سمعوا ما غيره اليهود من التورية وبدلوه من نعت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفته أعرضوا عنه وذكروا تبديله. PageV16P273 # وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم لم يكونوا يهودا ولا نصارى، وكانوا على دين ~~أنبياء الله، وكانوا ينتظرون بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ~~سمعوا بظهوره بملكه قصدوه، فعرضوا عليهم القرآن وأسلموا، وكان أبو جهل ومن ~~تبعه من كفار قريش يلقونهم فيقولون لهم إنكم قوم منظور إليكم تبعتم غلاما ~~قد كرهه قومه وهم أعلم به منكم، فإذا قالوا ذلك أعرضوا عنهم {وقالوا لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم} أي لنا ديننا ولكم دينكم، ولنا أحكامنا ولكم أحكامكم ~~{سلام عليكم} أي سلمتم منا لا نجازيكم بالشتم وهو عبارة عن التوديع؛ لأن من ~~عادة المودع أن يسلم على من يودعهم، فكأنه إيذان بأنهم يقومون عنهم، ~~والمراد إذا سبوهم دعواهم لهم وهو من مجازاة السيئة بالحسنة، ثم أكد ذلك ~~تعالى حاكيا عنهم: {لا نبتغي الجاهلين} أي لا نجازيهم على ما يقولون، ولا ~~نتبعهم فيما يفعلون، أو لا نريد مخالطتهم، ولا صحبتهم. # قال بعضهم: نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وهو بعيد؛ لأن ترك المسافهة مندوب ~~وإن كان القتال واجبا. # ثم قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت} هدايته من قومك وغيرهم، أي لا تقدر ~~على إدخاله في الإسلام {ولكن الله يهدي من يشاء} أي يوفق من اهتدى {وهو ~~أعلم بالمهتدين} أي من يهتدي إلى الدين، أي يعلم القابلين الهدى من الذين ~~لا يقبلونه. # قال الهادي عليه السلام: معنا ذلك أن الله سبحانه يخبر نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه لن يستطيع أن يجبر قلب أحد على الهدى حتى يجعل باطن ~~أمره كظاهر أمره، وأخبر سبحانه أنه يقدر على ذلك غير أنه لا يفعله بأحد ms0816 ~~جبرا، وإن كان عليه قادرا، انتهى. PageV16P274 # الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب عند موته، وذلك أنه قال ~~عند موته: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدا ترشدوا، فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم، وتدعها لنفسك)) قال: فما تريد مني ~~يابن أخي؟ قال: ((أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من الدنيا، تقول لا ~~إله الله أشهد لك بها عند الله)) قال: يابن أخي، قد علمت أنك لصادق ولكني ~~أكره أن يقال: حزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ~~ومسبة لقلتها وأقررت بها عينك، لما أرى من شدة نصيحيك، ولكني سوف أموت على ~~ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم، وعبد مناف، ذكر هذا في التجريد. # قلت: وقد روي إسلام أبي طالب المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام ~~وغيره، ومما أنشد في ذلك: # حماه أبونا أبو طالب ... وأسلم والناس لم تسلم # وقد كان يكتم إيمانه ... فأما الولاء فلم يكتم # والله أعلم. # ثم إنه سبحانه لما ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة، وبين لهم وضوح ~~الدلائل اللائحة حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا فقال تعالى: ~~{وقالوا} أي مشركوا مكة {إن نتبع الهدى معك} يا محمد {نتخطف من أرضنا}. # قال المبرز: الخطف الانتزاع بسرعة. # قال في البرهان: نزلت هذه الآية في الحارث بن نوفل بن عبد مناف قال ~~للنبني صلى الله عليه وآله وسلم: نحن نعلم أنك على الحق، لكنا نخاف إن ~~خالفنا العرب واتبعناك ونحن قليلون، أن يتيخطفونا من أرضنا لاجتماعهم على ~~خلافنا. PageV16P275 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا اتفاق حكاه الله من بعضهم، فأسكتهم ~~الله تعالى بقوله: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} ألزمهم الله الحجة بأنه مكن ~~لهم في الحرم الذي أمنه، وأمن سكانه بحرمة البيت، وكانت العرب يتغاورون ~~ويتناحرون وهم آمنون في حرمهم مع كفرهم، فكيف يسلبهم الأمن إذا أضموا إلى ~~حرمة البيت حرمة الإسلام، والمعنى ألم ننزلهم ونحلهم، ونجعل لهم مسكنا ~~ووطنا {يجبى إليه ثمرات ms0817 كل شيء} أي تجلب إليه وتحمل عبارة عن كثرة. # وقوله: {رزقا} مفعول أو مصدر أو حال من الثمرات، أو مخصصة، ومعنى {من ~~لدنا} أي عطاء من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي لا يعقلون ولا يتدبرون، ~~وهو متعلق بقوله: من لدنا، أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله، ~~وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك، ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الأمن ~~والخوف من عنده، فلما خافوا التخطف إذا آمنوا بالله. # قال القاضي: ولولا أن الرسول قال لهم: ((إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان ~~حقا لم يكن عذرا لكم، في أن لا تؤمنوا)) وقد ظهرت الحجة لانقطعوا أيضا، لكن ~~الله تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم، وأنهم يتخطفون من حيث عرفوا ~~من حال البقعة بالعادة أن ذلك لا يجري وإن آمنوا، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه ~~للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا، فلذلك قدمه الله تعالى، والآية دالة على ~~صحة الجاج التي يتوصل بها إلى إزالة شبهة المبطلين. PageV16P276 # واعلم أنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من نعمه أتبعه بما أنزل الله ~~تعالى في الأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا، فلما كذبوا الرسل أزال ~~الله عنهم تلك النعم، وأخبرهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي ~~يزيل النعم لا الإقدام على الإيمان، فقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية} يريد ~~أهل قرية وسكانها {بطرت معيشتها} أي كفرتها وغبطتها، والمعنى بطرت في ~~معيشتها فجذف حرف الجر، وعدي الفعل بنفسه، أو بطرت أيام معيشتها، فجذف ~~المضاف والنزر سواء احتمال الغني وهو أن لا يحفظ حق الله فيه، وهذا تخويف ~~لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم في حفظ العيش، فقابلوا ~~النعمة بالأشر والبطر، فدمرهم الله {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا} من السكنى. # قال ابن عباس: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة، ويحتمل ~~أن شؤم معاصي المهلكين بقى أثره في ديارهم فكل من ms0818 سكنها من أعقابهم لم ييبق ~~فيها إلا قليلا {وكنا نحن الوارثين} لها بعد إهلاك أهلها، أي لم يخلفهم أحد ~~في مساكنهم فبقيت خرابا غير مسكونة. # ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهل تلك القرى لسبب بطر أهلها فكان سائلا أورد ~~السؤال من وجهين: # الأول: لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد؟ # الثاني: لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلوات الله عليه وآله وسلم مع ~~تمادي القول في الكفر بالله تعالى، والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ # فأجاب عن السؤال الأول بقوله: {وما كان ربك مهلك القرى} أي أهلها، أي ما ~~كان عادته أن يهلكها في كل وقت {حتى يبعث في أمها رسولا} أي في أمها التي ~~هي أصلها ومعظمها، وبقية القرى توابع لها. PageV16P277 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى حتى نرسل إلى أممها رسولا، ولكنه ~~أبدل مكان الميم الثانية شديدا، وكذلك قوله: {لتنذر أم القرى} وقد يمكن أن ~~يكون أراد لتنذر أمم القرى ومن فيها من الأمم الحاضرين من حول تلك الأمم من ~~البادين، انتهى. # فبعث الله الرسل مع أنهم لا يؤمنون ليقطع المعذرة أو ما كان في حكم الله ~~أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أم القرى أي مكة رسولا هو محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء {يتلوا عليهم آياتنا} أي يننذرهم بها. # ثم أجاب عن الثاني بقوله تعالى: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} ~~أنفسهم بالشرك، نزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كقوله: {وما كان ربك ~~ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} فنص أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ظلما ~~منه، ولم يجعل علمه بأحوال المهلكين حجة عليهم، بل أرسل، ولما كان حاصل ~~شبههم أن قالوا: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا، بين تعالى أن ذلك خطأ ~~عظيم فقال سبحانه: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} أي فهو ~~إلا تمتيع وزينة، أياما قلائل {وما عند الله خير} من ms0819 ذلك {وأبقى} لأنه ~~دائم، أما أنه خير فلوجهين: # أحدهما: أن المنافع هناك أعظم. # وثانيها: أنها خالصة من الشوائب، ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار، وإما أنها ~~أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة، ومنافع الدنيا منقطعة، ومتى قوبل المتناهي ~~بغير المتناهي كان عدما، ولما نبه سبحانه على ذلك قال: {أفلا تعقلون} ~~توبيخا لهم، أي تختارون المتاع الحقير الفاني، عن الخطير الباقي، كأنكم لا ~~تعقلون. PageV16P278 # ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أن لو قدرنا أن نعم الله كانت ~~تنتهي إلى الانقطاع والفناء، وما كانت تتصل بالعذاب الدائم، لكان صريح ~~العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا، فكيف إذا اتصلت الدنيا بعقاب ~~الآخرة، فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة عليها، وهذا هو المراد ~~بقوله: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه} وهو الثواب؛ لأنه دائم على وجه ~~التعظيم {كمن متعناه متاع الحياة الدنيا} المتاع الانتفاع اليسير كانتفاع ~~سائر الطريق بما يسد فاقته من الطعام والشراب، فشبه به السائر في الدنيا ~~{ثم هو يوم القيامة من المحضرين} إلى النار، والمقصود أنهم لما قالوا: لو ~~تركنا الدين للدنيا فقال الله لهم: ((لو لم تحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب ~~لكان العقل يقتضي ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا، فكيف وهذه الدنيا ~~يحصل بعدها العقاب الدائم)) وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ ~~في الاعتراف بالترجيح، وتخصيص لفظ المحضرين للذين أحضروا للعذاب أمر عرف من ~~القرآن. # قال تعالى: {لكنت من المحضرين} وفي اللفظ إشعار به؛ لأن الاحضار مشعر ~~بالتكليف والإلزام، وذلك لا يليق بمجالس اللذة، إنما يليق بمجالس الضرر ~~والمكاره. # قال في البرهان: نزلت في حمزة بن عبد المطلب، والوعد الحسن الجنة ~~وملاقاتها دخولها، ومتعناه متاع الحياة الدنيا هو أبو جهل، انتهى. # وقيل: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وفي أبي جهل، وقيل: في كل ~~مؤمن وفي كل كافر. # ابن عباس: أهل الدنيا ثلاثة أصناف: المؤمن يتزود، والمنافق يتزين، ~~والكافر يتمتع، ولما بين أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما ms0820 كانوا ~~عليه، وعرفوا صحة التوحيد والنبوة اضطرارا أخبر سبحانه أنه يسألهم يوم ~~القيامة عن ثلاثة أشياء: PageV16P279 # أحدها: قوله تعالى: {ويوم يناديهم} أي يدعو الله الكفرة {فيقول} لهم ~~توبيخا، وتهكما {أين شركائي} أي الأصنام، أو كل معبود سواه، يريد أين ~~شركائي {الذين كنتم تزعمون} أنهم شركائي في مذهبكم وكذبكم علي في ذلك ~~بزعمكم، قال ذلك تقريعا لهم بكفرهم، وتبكيتا بقبيح أمرهم {قال الذين حق ~~عليهم القول} أي وجب عليهم مقتضى كلمة الوعيد وهي: {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} وهم الكفرة والشياطين {ربنا هؤلاء الذين أغوينا} بالدعاء ~~إلى الكفر، أو الوسوسة {أغويناهم كما غوينا} أي أغويناهم فغووا غيا مثلما ~~غوينا يريدون أنا لم نغو إلا باختبارنا، ولم يقهرنا أحد على الغي، فهؤلاء ~~غووا كذلك باختيارهم، ولم يكن منا إلا وسوسة وتزيين من غير قهر، فلا فرق ~~بين غينا وغيهم، وإن كان تسويلنا داعيا إلى الكفر فقد كان قابله دعاء الله ~~له إلى الإيمان بأدلة العقل والشرع، وهذا معنى قول الشيطان: {إن الله وعدكم ~~وعد الحق} إلى قوله: {ولوموا أنفسكم} وقد قدم الله هذا المعنى أول شيء {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} وفي التجريد: يجوز أن ~~يكون المراد حكاية اعتراف الرؤساء بأنهم كانوا مخطئين في دعاء الاتباع إلى ~~دينهم عكس ما كانوا عليه في الدنيا من ادعائهم أنهم على حق، وأنهم يحملون ~~عنهم أوزارهم، ثم قالوا: {تبرأنا إليك} منهم ومن كفرهم {ما كانوا إيانا ~~يعبدون} وإنما كانوا يعبدون أهواءهم ويتبعون شهواتهم، والحاصل أنهم يتبرؤن ~~منهم كما قال تعالى: {تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}. PageV16P280 # وثانيها: قوله تعالى: {وقيل ادعوا شركاءكم} الذين كنتم تدعون من دون الله، ~~أي تستغيثون بهم، وهذا شماتة لهم {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} بما ينفعهم ~~{ورأوا العذاب} في موضع نصرة آلهتهم، والمراد أنهم لو دعوهم لم توجد منهم ~~إجابة في النصرة، وأن العذاب ثابت فيهم، وكل ذلك على وجه التوبيخ، وفي ذكره ~~ردع وزجر في دار الدنيا، ثم قال سبحانه: {لو أنهم كانوا ms0821 يهتدون} قيل: لو ~~شرطية، وجوابها محذوف تقديره لو أنهم كانوا يهتدون بوجه من الحيل لفعلوه، ~~وقيل: تقديره لو كانوا مهتدين مؤمنين لما رأوا العذاب. # وقيل: لو للتمني، أي تمنوا لو كانوا مهتدين، وتمنوا لو يهتدون طريقا ~~يهربون فيها، أو قد آن لهم أن يتدوا لو أنهم كانوا مهتدون إذا رأوا العذاب ~~ويوكد ذلك قوله تعالى{حتى يروا العذاب الأليم}. # الثالث: من الأمور التي يسأل الكفار عنها قوله سبحانه{ويوم يناديهم } أي ~~أذكر يوم يناديهم الله تبكيتا لهم واحتجاجا عليهم بأرسال الرسل {ماذا أجبتم ~~المرسلين} الباكي أي شيئا جئتموهم به، ثم قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء ~~يومئذ} الأنباء هنا الحجج والمعاذير لأن الله قد أعذر إليهم في الدنيا ~~فلايكون لهم حجة فسكتوا أو عميت عليهم الأخبار فصارت كالعمى لاتصل إليهم، ~~والعرب تقول عميت علينا الطرق أي عميت. # قال الشاعر: # ومهمه أطرافه في مهمه # أعمى الهدى بالجهلين العمه # > # {فهم لا يتساءلون} أي لا يسأل بعضهم بعضا عما يحتجون به، كما يتسال الناس ~~في جواب المشكلات لاشتراكهم في العمى عن الأنباء. # وفي البرهان: لا يتساءلون بالأنساب، ويجوز لا يسأل بعضهم بعضا، أي لا ~~يحنل من ذنوبه شيئا. PageV16P281 # واعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم مكن ~~التوبيخ، أتبعه بذكر من يتوب في الدنيا ترغيبا في التوبة، وزجرا عن الثبات ~~على الكفر، فقال سبحانه: {فأما من تاب} من الشرك {وآمن وعمل صالحا} جمع بين ~~الإيمان والعمل الصالح {فعسى أن يكون من المفلحين} أي من الظافرين بالبغية، ~~وعسى من الكرام تحقيق أو يراد به ترجي التائب وطمعه، كأنه قال: فليطمع أن يفلح. # واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى، ويقولون: {وقالوا لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم}، فأجاب الله عنه بقوله: {وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة} هي من التخيير للشيء، وقد تستعمل بمعنى ~~المتخير كمحمد خيرة الله من خلقه، أي الخيرة لله في أفعاله، وهو أعلم بوجوه ~~الحكمة، ليس لأحد أن يختار عليه. PageV16P282 # قيل: السبب فيها ms0822 قول الوليد بن المغيرة: لولا نزل هذا القرآن على رجلين من ~~القريتين عظيم، وما نافية، وقيل: معناه يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، ~~وهو أعلم بمصالحهم منهم، وعلى هذا فالخيرة بمعنى المختار، وما موصولة، أي ~~ويختار ما كان لهم فيه خيرة، فحذف فيه لفهمه، والمعنى لا يخلق إلا ما يختار ~~ويكون فيه المصلحة والخيار؛ لأنه إن نقص أحد من خلقه بما يكرهون، وأعطاهم ~~من المحن ما لا يحبون فإنما يريد بذلك من الخيرة ما لا يعلمون، ولو أعطاهم ~~من اللذات ما يتمنون وأوصلهم من ذلك ما يهون لقتلهم الفرح والطرب، ولشغلهم ~~اللهو واللعب حتى يضرهم ذلك أكثر مما ينفعهم، ويبطل مع ذلك خشوعهم، ويعدم ~~تلذذهم، وإذا عدموا الحزن خربت قلوبهم وعميت لكثرة الشرور ألبابهم، وقل عند ~~الله عز وجل ثوابهم، ثم قال عز وجل: {سبحان الله} تنزيها له من إشراكهم ~~{وتعالى} أي تعاظم وارتفع {عما يشركون} المعنى أن الله بريء من إشراكهم وما ~~يحملهم عليه من الجرأة، واختيارهم عليه ما لا يختار، ثم قال سبحانه: {وربك ~~يعلم ما تكن صدورهم} أي ما تستر وتجن قلوبهم {وما يعلنون} أي ويظهرون من ~~مطاعنهم فيه. PageV16P283 # وقولهم: هلا اختير عليه غيره في النبوة؟ ولما بين علمه بما هم عليه من الغل ~~والحسد والسفاهة، قال عز وجل: {وهو الله} أي المختص بالإلهية، وقوله: {لا ~~إله إلا هو} تقرير وتأكيد لذلك كقولك: الكعبة القبلة لا قبلة إلا هي، ~~ويحتمل أيضا أنه لما بين فساد طريقة المشركين من قوله: {ويوم يناديهم فيقول ~~أين شركائي} ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد، وبيان أن الحمد والثناء ~~لا يليق إلا به، ومعنى قوله: {له الحمد في الأولى} أي يحمده أولياؤه على ~~النعم في الدنيا {والآخرة} وقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده، الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن ، والحمد هناك على وجه اللذة لا الكلفة، كما ترى ~~المغطب يلتذ بالحمد على ما هو فيه من النعمة {وله الحكم} أي القضاء بين ~~عباده {وإليه ترجعون} أي إلى جزائه في الآخرة. ms0823 # قال الرازي: أما قوله: له الحكم فهو ما في الدنيا أو في الآخرة، فأما في ~~الدنيا فجكم كل أحد سواه إنما ينفذ بحكمه، فلولا بحكمه لما نفذ على العبد ~~حكم سيده، ولا على الزوجة حكم زوجها، ولا على الابن حكم أبيه، ولا على ~~الرعية حكم سلطانهم، ولا على الأمة حكم الرسول، فهو الحاكم في الحقيقة. # وأما في الآخرة فلا شك أنه الحاكم الذي يتولى الحكم بين العباد في ~~الآخرة، فينصف المظلومين من الظالمين. # وأما قوله: {وإليه ترجعون} فالمعنى إلى محل حكمه وقضائه ترجعون، فإن كله ~~إلى انتهاء الغاية، وهو تعالى منزه عن المكان والجهة. PageV16P284 # واعلم أنه تعالى لما بين بقوله: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في ~~الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون} فصل عقيب ببعض ما يجب أن يحمد عليه ~~مما لا يقدر عليه سواه، فقال تعالى لرسوله: {قل أرأيتم} أي أخبروني {إن جعل ~~الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة} أي دائما متصلا إلى آخر الدهر، ~~والسرمد الذي لا ينقطع، قال الشاعر: # وآمل أن يدنوا نواك وإنني ... لغالب ظني أن هجرك سرمد # أي لا ينقطع أبدا، ثم قال عز وجل: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي من ~~يقدر على ذلك فنبه على أن الوجه في كون الليل والنهار نعمتان يتعاقبان على ~~الزمان؛ لأن المرء في الدنيا وفي مجال التكليف مدفوع إلى أن يبعث لتحصيل ما ~~يحتاج إليه، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار، ولأجله يحصل الاجتماع فيمكن ~~المعاملات، ومعلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة والسكون بالليل، فلابد منهما، ~~والحال هذه، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب، فلا حاجة لهم إلى الليل، فلذلك ~~يدون لهم الضياء واللذات، فبين تعالى أن لا قادر على ذلك إلا الله، وإنما ~~قال: {يأتيكم بضياء} ولم يقل بنهار تصرفون فيه كما قال بعده: {بليل تسكنون ~~فيه} لأن الضياء هو ضوء الشمس منافعه التي تتعلق به متكاثرة زائدة على ~~التصرف في المعاش، كالكتابة ونحوها، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ms0824 ثم قرن ~~بالضياء، وإنما قال سبحانه: أفلا تسمعون، ولم يقل تبصرون؛ لأن السمع يدرك ~~ما لا يدرك البصر من درك منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل {أفلا تبصرون} ~~لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه، والمعنى أفلا ~~تسمعون سماع تدبر وفهم، وقبول فتستدلوا، والخطاب لأهل مكة، فلما لم ينتفعوا ~~أنزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر. PageV16P285 # ثم قال سبحانه: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي لتستريحوا بالسكون من حركات ~~النهار، وتعب المعاش {أفلا تبصرون} بعقولكم بصر تفكر واعتبار ما أنتم عليه ~~من الخطأ والظلال، فقرن العام وهو الضياء بالعام وهو السمع، وقرن الخاص وهو ~~الليل بالخاص وهو البصر، لقصوره عن السمع في المنافع، ثم قال: {ومن رحمته ~~جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه} أي في الليل{ولتبتغوا من فضله} بالنهار ~~في التصرف بالمعاش بالتجارة وغيرها {ولعلكم تشكرون} زاوج بين الليل والنهار ~~لأغراض ثلاثة، لتسكنوا في أحدها وهو الليل، وتبتغوا من فضل الله في الآخر، ~~ولإرادة شكركم على المنفعتين معا. # واعلم أنه سبحانه لما هجر طريقه المشركين أولا ثم ذكر التوحيد ودلائله ~~ثانيا عاد إلى تهجين طريقتهم مرة أخرى، وشرح حالهم في الآخرة، فقال عز وجل: ~~{ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون} كرر التوبيخ بإتخاذ ~~الشركاء، اعلاما بأن لا شيء أجلب لغضبه من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في ~~مرضاته من توحيده، والمعنى أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم، وأين قولكم ~~بها تقريبا إلى الله زلفى، وقد علموا أن لا إله إلا الله، ويكون ذلك زائدا ~~في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول، ثم قال تعالى: {ونزعنا} أي أخرجنا {من كل ~~أمة شهيدا} وهو نبيهم يشهد عليهم يوم القيامة بالتبليغ، وبما كان منهم. # قال في البرهان: في المعنى وجهان: # أحدهما: أخرجنا من كل أمة رسولا مبعوثا إليها. PageV16P286 # والثاني: أحضرنا من كل أمة رسولا يشهد عليها أن قد بلغ رسالات ربه إليها، ~~وبلغ في ms0825 إيضاحها كل غاية، ليعلم أن التقصير منهم، ومعنى قوله: {فقلنا هاتوا ~~برهانكم} أي احضروا دليلكم وحجتكم على إصابتكم فيما كنتم عليه من الشرك، ~~ومخالفة الرسول تبكيتا لهم على سوء فعلهم{فعلموا أن الحق لله} ولرسوله لا ~~لهم ولشياطينهم {وضل عنهم ما كانوا يفترون} من الباطل والكذب، أي غاب غيبة ~~الضايع، وبطل ولم ينفعهم، قالت الأعرابية: # إلا الله أشكوا لا إلى الناس مشطة # تمشطتها من مرد قوش فضلت # لشيخ ومثل الشيخ خاب ضجيعه # > # إذا الليلة الطخيا طابت وطلت # ثم أخبر تعالى عن قصة قارون فقال تعالى: {إن قارون كان من قوم موسى} وكان ~~ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان قارئا للتورية، ~~ولكن كان عدوا لله، نافق كما نافق السامري، وقال: إذا كانت النبوة لموسى ~~والمذبح والقربان إلى هارون فما لي؛ لأنهم كانوا لا يذبح لهم إلا عالمهم، ~~ليفصل ما يحل من الذبيحة مما لا يحل، والقربان ما يتقرب به إلى الله يدفع ~~إلى هارون كما تدفع الزكاة إلى المصدق {فبغى عليهم} اختلف في الذي بغى به ~~على أقوال: # أحدها: أنه جعل لبغية جعلا على أن تقذف موسى بنفسها ففعلت. # قال ابن عباس: وثانيها: بغي بالكفر بالله، كما مر من نفاقه كالسامري. # وثالثها: تكبر بكثرة ماله وولده، وقيل: زاد عليهم في الثياب شبرا، وطول ~~الثوب من علامات الكبر، ولذلك نهى عنه. # ورابعها: أن فرعون ملكه على بني إسرائيل وهم بمصر فظلمهم، ثم قال تعالى: ~~{وآتيناه من الكنوز} هي الأموال المدخرة، وقيل: وجد كنوزا تحت الأرض. # قال عطاء: أصاب كنزا من كنوز يوسف عليه السلام فكان كما ذكر الله {ما إن ~~مفاتحه} جمع مفتح ما يفتح به. PageV16P287 # وقيل: هي الخزائن، قيل: كانت مفاتيح خزائنه على ستين بغلا، لكل خزانة مفتاح ~~لا يزيد على أصبع، وكانت من جلود الإبل، وقوله: {لتنوء بالعصبة أولي القوة} ~~أي لثقل العصبة، وتميل بهم، والعصبة الجماعة الكثيرة. # قيل: إنها العشرة، وقيل: إلى أربعين، أي لثقلهم من ناؤه الحمل إذا أثقله، قال: # تمشي فتثقلها عجيزتها ms0826 ... مشي الضعيف ينوء بالوسق # أي يرتفع بالحمل الثقيل، وقيل: مأخوذ من الناي وهو البعيد، قال الشاعر: # ينؤن عنا وما تنأ مودتهم # فالقلب منهم رهين حيث ما كانوا # ومعنى أولي القوة أي على الحمل الثقيل، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه ~~من وعظه بأمور: # أحدها: {إذ قال له قومه لا تفرح} أي تنوء بالعصبة حين قال له قومه، وفيه قولان: # أحدهما: أنه قول المؤمنين منهم. # والثاني: أنه قول موسى، ومعنى لا تفرح أي لا ترضى بما أوتيت من الدنيا ~~نصيبا من الآخرة؛ لأنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضا بها واطمأن إليها. # وأما من هم بالآخرة ويعلم أنه مفارق ما هو فيه فلا يحدث نفسه بالفرح، قال ~~المتنبي: # أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا # وأحسن من هذا قوله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم}. # ثم قال تعالى: {إن الله لا يحب الفرحين} أي الذين أبطرتهم النعم، وهذا ~~الفرح المذموم، فأما الفرح الذي لا يبطر ولا يخرج عن الشكر والارتياح ~~فمحمود، والاعتراف بنعمة الله شكرها {وأما بنعمة ربك فحدث}. # وثانيها: قوله: {وابتغ} أي اطلب {فيما آتاك الله الدار الآخرة} بأن تفعل ~~فيه من الخيرات من أصناف الواجب والمندوب. # وثالثها: قوله: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} قيل: هو ما يصلحك ويكفيك، ~~وقوتك من الحلال، وزاد بعضهم وقوت أهلك، وفي معناه ما قال بعضهم: أن تقدم ~~الفضل لآخرتك، وتمسك ما يكفيك. PageV16P288 # وقيل: الكفن، وقيل: المعنى لا تترك أن تعمل في دنياك لآخرتك، قاله ابن ~~عباس، والجمهور، وأشار إليه في البرهان. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه المروة والمعروف، ويحتمل وجها ~~آخر، لا تنسى نصيبك من الحلال، ولكن در عنك الحرام، والنصيب هو الحق الذي ~~قسم الله، وهو ما قسم للعبد، تقول العرب: ما لنا نصيب في فلان، أي مالنا ~~عنده حق ولا حظ، قال الشاعر: # أراى الإقبال منك إلى رفيقي # أما لي في حديثكما نصيب # ورابعهما: قوله: {وأحسن} في ما افترض الله عليك {كما ms0827 أحسن الله إليك} ~~بالنعم، ويجوز أن يكون المعنى، واعط فضل مالك كما زادك على قدر الحاجة. # قال الرازي: لما أمره بالإحسان بالمال، أمره بالإحسان مطلقا، ويدخل فيه ~~اللعان بالمال والجاه، وطلاقة الوجه، وحسن اللقاء، وحسن الذكر، وإنما قال ~~كما أحسن الله إليك تنبيها على قوله: {لئن شكرتم لازيدنكم}. # وخامسها: قوله: {ولا تبغ الفساد في الأرض} بالظلم والمعاصي {إن الله لا ~~يحب المفسدين} أي يحب ثوابهم. # وقيل: القائل بهذا هو موسى عليه السلام. # وقال آخرون: بل مؤمنوا قومه، وكيف ما كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل ~~لم يكن عليه مزيد، لكنه أبا أن يقبل، بل زاد عليه بكفر النعمة حيث قال: ~~{قال إنما أوتيته على علم عندي} وفي معناه أقوال: # أحدهما: على علم عندي، بصنعة الذهب عن ابن عباس. # قال الزجاج: وهذا ضعيف؛ لأن الكيمياء باطل لا حقيقة له. # والثاني: على فضل عملي. # قال الزجاج: ادعى أنه أعطي المال لعلمه بالتورية، وكان يقال أنه أقرء بني ~~إسرائيل للتوراة. PageV16P289 # والثالث: على علم عندي بوجوه المكاسب، وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: ~~معناه أنه ظن أن الله أعطاه المال على علم، كما اعطى الأنبياء النبوة على ~~علم، وأخطأ في ظنه، وقدر أن الله أعطاه ذلك لعلمه أنه يستحق ما أعطاه، ~~وإنما أنعم الله عليه بذلك وابتلاه واختبره بالنعم، والملك وابتداه، وقد ~~قيل في هذا الآية بقول آخر، والمعمول عليه ما ذكرنا، انتهى. # ثم أجاب الله عن كلامه بقول تعالى: {أولم يعلم} قارون فيما عنده من علم ~~التوراة {أن الله قد أهلك من قبله من القرون} أي من الأمم المتقدمة {من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا} منه للأموال، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته، وأكثر ~~جماعة وعددا لما كذبوا رسولهم، ويجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك؛ لأنه قال: ~~أؤتيته على علم عندي، فتصلف بالعلم، وتعظم به. # قيل: أعنده مثل العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم ~~يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين، وحاصل ms0828 الجواب أن ~~اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم، وأنه تعالى إذا أراد إهلاكه ~~لم ينفعه ذلك، ولا ما يزيد عليه أضعافا، ثم قال تعالى: {ولا يسأل عن ذنوبهم ~~المجرمون}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى فيه ~~لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم أي لا يسألهم الله سؤال جهل، ولكن سؤال توبيخ ~~وتبكيت، وتقرير وتوقيف، انتهى. # وقيل: إن الملائكة تعرفهم بسيماهم ولا تسألهم عن ذنوبهم لمعرفتهم بها. PageV16P290 # قال أبو مسلم: السؤال قد يكون للمحاسبة، وقد يكون للتكرير والتبكيت، وقد ~~يكون للاستعتاب، فأليق الوجوه بهذه الآية الاستعتاب كقوله: {ثم لا يؤذن ~~للذين كفروا ولا هم يستعتبون} {هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون} ~~انتهى، أو أن هذا في بعض الموافق؛ لأن من الموافق لا يسأل أحد فيه عن ذنبه، ~~كما مر في المقدمة عن علي عليه السلام، وهذا تهديد لقارون لما وعظ بهلاك من ~~قبله ممن كان أقوى منه. # وقوله: {فخرج على قومه في زينته} يدل على أنه خرج بأظهر زينة وأكملها، ~~وليس في القرآن إلا هذا القدر، إلا أن الناس ذكروا وجوها مختلفا في كيفية ~~تلك الزينة. # قال في البرهان: في حشمه وتبعه عليهم المعصفرات، انتهى. # وقيل: في الحمرة والصفرة، قيل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب، ~~ومعه أربعة آلاف على زية، عليه وعليهم الأرجوان، أي ثياب حمر، والأرجوان ~~شجر أحمر الزهر. # وقيل: عليهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ~~ثلاثمائة جارية بيض، عليهن الحلي والديباج. # وقيل: خرج في تسعين ألفا عليهم المعصفرات وهو أول يوم رأي فيه المعصفر، ~~ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة {قال الذين يريدون الحياة الدنيا ~~ياليت لنا مثل ما أوتي قارون} تمنوا مثل ما له رغبة في الدنيا. # قيل: المتمنون مسلمون، وإنما تمنوه رغبة في اليسار كما هو عادة البشر. # وعن قتادة: يتقربوا به إلى الله تعالى، وقيل: كانوا كفارا، ومعنى: {إنه ~~لذو حظ عظيم} أي لذو درجة عظيمة، وجد عظيم. PageV16P291 # وقيل: أي ذو ms0829 بخت ونصيب وافر {وقال الذين أوتوا العلم} أي العلماء الصالحون، ~~قالوا للذين تمنوا هذا {ويلكم ثواب الله خير} مما أؤتي من هذه الزينة ~~الفانية، وقوله: ويل زجر لهم مما تمنوه، وأصل الويل الدعاء بالهلاك، ثم ~~استعمل في الزجر والبعث على ترك ما لا يرتضى، ثم أخبر عن المستحق لذلك ~~الخير فقال: {لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها} أي كلمة العلماء، وهي ثواب ~~الله خيرا، والمثوبة والجنة، أو الطريقة والسيرة، وهي الإيمان، والعمل ~~الصالح {إلا الصابرون} على الطاعات وعن المعاصي، وعلى ما قسم من قليل أم ~~كثير، وعن زينة الدنيا، والصبر هو حبس النفس على طاعة الله، وإيثار مرضاته. # ثم قال تعالى: {فخسفنا به} أي بقارون {وبداره الأرض}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه هدمنا به وبداره، وأهبطنا ~~موقعه في بعض الأرض بعد قراره؛ لأن موسى شكا إلى الله عز وجل أمر قارون ~~وشيعته وفساده، فخسف الله بقارون وكنوزه، وأهل ولايته. PageV16P292 # قيل: كان يؤذي موسى كل وقت وهو يداريه للقرابة، حتى نزلت آية الزكاة فصالحه ~~على ألف دينار وألف درهم على دينار ودرهم فجسبه فاستكثره فجمع بني إسرائيل ~~وقال: إن موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا فمرنا بما ~~شئت، قال: نتوصل إلى فلانة البغي حتى تنسبه إلى نفسها فيرفضه بنو إسرائيل ~~فجعل لها ألف دينار، وقيل: طشتا من ذهب مملوء ذهبا على أن ترميه بنفسها، ~~فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعناه، ومن زنا ~~وهو غير محصن جلدناه، وإن كان أحصن رجمناه، فقال: وإن كنت أنت؟ فقال: وإن ~~كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يقولون: إنك فجرت بفلانة، فأحضرت فناشدها ~~موسى بالذي فلق البحر أن تصدق، فقالت: كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن ~~أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، وقال: يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي، ~~فأوحى الله إليه أن أمر الأرض بما شئت، فقال: يا بني إسرائيل، من كان معه ~~فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا ms0830 غير رجلين، فقال: يا أرض خذيهم. PageV16P293 # وفي التجريد يروى أن قارون أرشا امرأة بغيا خريطتين من ذهب عليهما خاتمه ~~على أن تقذف موسى بنفسها، فقالت: نعم، ثم ندمت فقالت: يا ويلها قد عملت كل ~~فاحشة فما بقى إلا أن افتري على نبي الله، فلما أصبحت أقبلت ومعها ~~الخريطتان حتى قامت بين بني إسرائيل فقالت: إن قارون أعطاني هاتين ~~الخريطتين، على أن آتي جماعتكم فأزعم أن موسى يريدني على نفسي، ومعاذ الله ~~أن أفتري على نبي الله وهذه دراهمه عليها خاتمه، فعرف بنو إسرائيل ذلك وغضب ~~موسى، فدعا على قارون، فأوحى الله إلى موسى أني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها، ~~فقال موسى: يا أرض خذيه، وهو على سريرته وفرشه، فأخذته حتى غيبت سريره فلما ~~رأى ذلك قارون ناشده بالرحم، فقال موسى: يا أرض خذيه فأخذته حتى غيبت ~~قدميه، ثم قال: يا أرض خذيه فأخذته حتى غيبت ركبتيه، ثم قال: خذيه فأخذته ~~حتى غيبت حقويه، وهو في ذلك يستغيث بموسى، ثم قال: خذيه فأخذته فوارته في جوفها. # قال قتادة ومقاتل: فهوى يتخلل في الأرض قامة إلى يوم القيامة. # وقال سمرة بن جندب: إنه يخسف به كل يوم قامة، فتبلغ به إلى السفلى يوم ~~القيامة، وأوحى الله إلى موسى ما أفظك، وعزتي وجلالي لو استغاث بي لأغثته. # وعن مقاتل: لما هلك قارون قال بنو إسرائيل إنما أهلكه موسى ليأخذ ملكه ~~وداره، فخسف الله بداره وماله بعده ثلاثة أيام، فهو معنى قوله: {فخسفنا به ~~وبداره الأرض}. # قال الرازي: وإن كان لا يمنع ما روي على وجه المبالغة في الزجر، وأما ~~قولهم أنه تعالى قال: لو استغاث بي لأغثته فإن صح حمل على استغاثة مقرونة ~~بالتوبة، فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى الذي حكم بذلك الخسف؛ ~~لأن موسى عليه السلام ما فعله إلا عن أمره فبعيد، وقولهم: يتخلل في الأرض ~~أبدا فبعيد؛ لأنه لابد له من نهاية. PageV16P294 # قال: والذي عندي في مثال هذه الحكآيات أنها قليلة الفائدة؛ لأنها من باب ~~أخبار ms0831 الآحاد، فلا يفيد اليقين، وليست المسألة مسألة عملية، حتى يكتفى فيها ~~بالظن، ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها، والاكتفاء بما ~~دل عليه نص القرآن، وتفويض سائر التفاصيل إلى علم الغيب. # ثم قال سبحانه: {فما كان له من فئة ينصرونه} أي من جماعة وعشيرة يدفعونه ~~عنه أمر الله، وقوله: {من دون الله} أي من دون نصر الله، بل ذهب عنه نصر ~~الله ونصر عباده {وما كان من المنتصرين} أي من الممتنعين من عذاب الله، ~~يقال: نصره من عدوه فانتصر، أي منعه فامتنع، أو من المنتقمين من موسى، ثم ~~أخبر الله تعالى عن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزلوا ~~به من الخسف صار ذلك زاجرا لهم من حب الدنيا، ومخالفة موسى عليه السلام، ~~وداعيا إلى الرضى بقضاء الله تعالى وقسمه، وإلى إظهار الطاعة والانقياد ~~لأنبياء الله ورسله فقال تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} أي ~~منزلته من الدنيا{بالأمس} أي بالوقت القريب، وقد يذكر الأمس ولا يراد به ~~اليوم الذي قبل يومك، لكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة. # وقوله: {يقولون ويكأن الله} يعني ويلك ألم تعلم أن الله {يبسط الرزق} أي ~~يوسع {لمن يشاء من عباده ويقدر} معناه ويقدر أي يضيق على من يشاء بحسب ما ~~تقتضيه الحكمة. # قال في البرهان: فإن كان الغنى خيرا له أغناه، وإن كان الفقر خيرا أفقره. # وأما ويكأن الله فتقدير الكلام وكان الله، والياء زائدة صلة، غير أن ~~الياء جعل للتشبيه، وقيل: معنى ويك أن الله يفصل بين الكاف والألف والياء، ~~وجعل ويك بمعنى ويح، ومنه قال الشاعر: # ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها ... قتل الفوارس ويك عنتر أقدم PageV16P295 قال الرازي: أما قوله ويك أن الله فاعلم أن قوله وي كلمة مفصولة عن كان وهي ~~كلمة مستعملة عند التشبيه للخطاب، وإظهار الندم، فلما قالوا: يا ليت لنا ~~مثل ما أؤتي قارون، ثم شاهدوا الخسف تنبهوا لخطابهم وقالوا: وي ثم قالوا: ~~كأنه يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب مشيئته وحكمة لا ms0832 لكرامته عليه، ~~ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه بل لحكمة وقضائه ابتلاء وفتنة، ثم ~~قال: {لولا أن من الله علينا} بالعفو عن تمنينا {لخسف بنا} لما خسف بقارون ~~{ويكأنه لا يفلح الكافرون} وهذا تأكيد لما قبله، أي لا يظفرون بخير. # قال سيبويه: سألت الخليل عن هذا الحرف فقال: إن وي مفصولة من كان، وهما ~~حرفان وصلت بالكاف في اللام للكثرة، ومعناها التنبيه على الخطأ والندم، وأن ~~القوم قد تنبهوا على خطابهم في التمني، وتندموا، ثم قالوا: كأنه لا يفلح ~~الكافرون أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح. PageV16P296 # وقيل: معنى كأنه أعلمه كما تقول: كأنك بالفرج قد أقبل، وقيل: ويك كلمة ~~واحدة بمعنى ألم تر أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، أو يكون الكاف ~~للخطاب ضم إلى وي، كقوله: ويك عنتر أقدم، وأنه في الآية بمعنى لأنه، واللام ~~لبيان من قيل لأجله هذا القول أي لأنه لا يفلح الكافرون، كان ذلك الخسف ~~بقارون، ومنهم من يقف على وي ويبتدي كأنه، ومنهم من يقف على ويك، وقوله: ~~{تلك الدار الآخرة} يعني الجنة، فقوله: تلك تعظيم وتفخيم لشأنها أي تلك ~~التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها {نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} ~~يعني بغيا وتجبرا فلا يجزعون من ذلها، ولا يتنافسون في عزها، ثم قال: {ولا ~~فسادا} أي ظلما وجورا بالغ في ذلك، فلم يعلق الموعد بتركهما، لكن بترك ~~إرادتهما وميل القلوب إليهما .......... علي عليه السلام إن الرجل ليعجبه ~~أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها الفضيل ذهبت ~~الأماني هاهنا. # وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يرددها حتى قبر، ومن الطاعة من يجعل العلو ~~لفرعون والفساد لقارون، لقوله: {إن فرعون علا في الأرض} {ولا تبغ الفساد في ~~الأرض} ويقول: من لم يكن كفرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ويقول: هذه ~~الآية نزلت في أهل العدل والتواضع من الولاة، وأهل المقدرة من سائر الناس، ~~ولم يتدبروا قوله: {والعاقبة للمتقين} كما تدبره علي والفضيل؛ ms0833 لأن المعنى ~~والعاقبة المحمودة هي الجنة للذين يتقون عقاب الله بأداء فرائضه، وبترك ~~جميع محارمه وإرادتهما، ومن جملة ذلك إرادة العلو والفساد. PageV16P297 # واعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض أو ~~فسادا بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: {من جاء بالحسنة} أي ~~الطاعة {فله خير منها} أي ثواب مضاعف {ومن جاء} إلى آخره {بالسيئة} أي ~~المعصية {فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} غير مضاعف، ~~وهذا من فضله وكرمه، ورحمته يجزي بالحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ~~ولا يجزي بالسيئة إلا مثلها، إن قيل: قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ~~وإن أسأتم فلها} كرر ذلك الإحسان واكتفى في ذكر الاساءة بمرة واحدة وفي هذه ~~الآية كرر ذكر الاساءة واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة فما السبب؟ # قال بعضهم: لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة، فكانت المبالغة ~~في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب؛ لأن المبالغة في الزجر عن المعصية ~~مبالغة في الدعوة إلى الآخرة. # وأما الآية الأخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى، ثم ~~إنه سبحانه لما شرح لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمر القيامة، واستقصى ~~في ذلك شرح له صلوات الله عليه وآله ما يتصل بأحواله فقال تعالى: {إن الذي ~~فرض عليك القرآن} أي أوجب عليك تلاوته، والعمل بما فيه، وحملك تأديته ~~وتبليغه {لرادك إلى معاد} أي معاد وإلى معاد ليس لغيرك من البشر، وتنكير ~~المعاد لذلك أي لمثيبك على ما حملك ثوابا لا يحيط به وصف، فالمراد بالمعاد ~~الحياة حتى تعود حيا بعد موتك، وقيل: يريد بالمعاد مكة بعد الفتح. PageV16P298 # واعلم أن الله تعالى لما وعد رسوله الرد إلى معاد قال: {قل} للمشركين {ربي ~~أعلم من جاء بالهدى} يعني نفسه، وما يستحق من الثواب في معاده {ومن هو في ~~ضلال مبين} يعني المشركين، وما يستحقون من العقاب في معادهم بضلالهم، ثم ~~قال لرسوله: {وما كنت ترجوا أن يلقى إليك ms0834 الكتاب إلا رحمة من ربك} ~~الاستثناء على النعماء، كأنه قيل: وما ألقي عليك إلإ رحمة من ربك، أو تكون ~~إلا بمعنى لكن، أي ولكن رحمة من ربك ألقى إليك، ثم قال تعالى: {فلا تكونن ~~ظهيرا} أي مظاهرا ومعينا {للكافرين} ومثل هذا النهي من باب الهاب الغضب ~~لله، والتهيج للحمية على دين الله، وعلى الثبات عليه، وكذا قوله: {ولا ~~يصدنك} أي لا يصرفنك المشركون {عن آيات الله} أي عن اتباعهما والعمل بهما ~~{بعد إذ أنزلت إليك} أي بعد وقت إنزالها. # قال في التجريد: نزلت حين دعاه قومه إلى الرجوع إلى دين آبائه، فذكره ~~الله نعمته عليه، ونهاه عن مظاهرتهم، وأمره بالدعاء فقال: {وادع إلى ربك} ~~أي إلى دين ربك، وأراد التشديد في دعاء الكفار والمشركين {ولا تكونن من ~~المشركين} لأن من رضا بطريقتهم، أو مال إليهم كان منهم، وهذا من التهييج ~~والالهاب. # وقال ابن عباس: الخطاب للنبي في الظاهر، والمراد به أهل دينه كأنه قال: ~~ولا تكونوا{ولا تدع مع الله إلها آخر} ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه ~~السلام، وأنشد قول الشاعر: # وأريد قتلك لا محالة عنوة # ولك السلامة لا تكون كذلك # قيل: ويجوز النهي لمن لا يفعل المنهي عنه تأكيدا، ولولا ذلك لما صح أن ~~يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحو لا تترك ما أنت عليه من الدعاء ~~إلى الله. # ثم قال: {ولا تدع مع الله إلها آخر} لا تعبد معه غيره. PageV16P299 # قال الرازي: وهذا وإن كان واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا ~~للتعظيم. # فإن قيل: الرسول كان معلوما منه أنه لا يفعل شيئا من ذلك البتة فما فائدة ~~هذا النهي؟ # قال: قلنا لعل الخطاب معه والمراد غيره، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد ~~على غير الله، ولا تتخذ غيره وكيلا في أمورك، ثم بين {لا إله إلا هو} أي لا ~~معبود على الحقيقة غيره، ولا نافع ولا ضار، ولا معطي ولا مانع إلا هو، ثم ~~قال: {كل شيء هالك} أي فان {إلا وجهه} ms0835 أي إلا إياه، والوجه يعبر به عن ~~الذات، قال الشاعر: # أعوذ بوجه الله من شر معقل # أمعقل راح البقيع وهجرا # لأن العرب تعبر بالوجه، وتريد به نفس الشيء، تقول: هذا وجه الرأي، وقيل: ~~الوجه العمل، شعر: # استغفر الله ذنبا لست مخطئه # رب العباد إليه الوجه والعمل # وفي البرهان: له الحكم أي القضاء في خلقه بما يشاء من أمره. # والثاني: ليس لعباده أن يحكموا إلا بأمره، انتهى. # ومعنى: {له الحكم} أي القضاء والفصل بين عباده ليس لسواه {وإليه} أي إلى ~~جزائه {ترجعون} أي لا ترجعون في الآخرة إلى إليه، فيثيب المحسن ويعاقب ~~المسيء، والحمد لله رب العالمين. PageV16P300 ### || AUTO سورة النمل # أربع وسبعون آية في البصري، وخمس في المكي والمدني، وثلاث في الكوفي مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {طس} قد مر تفسير مثله، وقوله: {تلك} إشارة إلى آيات السورة ~~والقرآن، أي هذه {آيات القرآن وكتاب مبين} للناظرين، والكتاب هو القرآن، ~~فجمع له بين الصفتين بأنه قرآن، وأنه كتاب، والمبين الذي يبين له فيه أمره ~~ونهيه، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده، فإن قيل: ما وجه عطف كتاب مبين على ~~القرآن إذا أريد به القرآن قيل له كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى، نحو ~~قولك: هذا فعل النخي والجواد الكريم، وفيه وفي تنكيره تعظيم وتأكيد { هدى} ~~يهديهم إلى الصواب {وبشرى للمؤمنين} يبشرهم بالثواب، وخص المؤمنين؛ لأنهم ~~المنتفعون بها. # وفي البرهان: يعني هدا إلى الجنة، وبشرى بالثواب، ويحتمل هدى من الضلال ~~وبشرى بالجنة. # أما قوله: {هدى وبشرى للمؤمنين}فهو يحتمل النصب والرفع، فالنصب على ~~الحال، أي هاديه ومبشره والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة والرفع على ~~ثلاثة أوجه على هي هدى وبشرى على البدل من الآيات، وعلى أن تكون خبرا بعد ~~خبر، أي جمعت آياتها آيات الكتاب،وأنه هدى وبشرى. # وأما قوله: {الذين يقيمون الصلاة} والأقرب أنها المفروضة؛ لأن التعريف ~~بالألف واللام يقتضي ذلك، ومعنى إقامتهم لها أي يفعلونها كاملة قائمة ~~الأركان. # قال في البرهان: في إقامتها وجهان: # أحدهما: إقامة شرائطها واستيفاء فرائضها وسننها. # والثاني: ms0836 المحافظة على مواقيتها {ويؤتون الزكاة} وهي زكاة الأموال ~~المفروضة، وقوله: {وهم بالآخرة هم يوقنون} جملة اعتراضية، كأنه قيل: وهولاء ~~الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهم ~~الموقنون بالآخرة، والدليل عليه أنه عقد جملة ابتدائية، وكرر فيها المبتدى ~~الذي هو هم، وفائدة تكريره اختصاصهم بذلك، أي ما يوقن بالآخرة حق الإيقان ~~إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان، والعمل الصالح؛ لأن خوف العاقبة تحملهم ~~على تحمل المشاق. PageV16P301 # واعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكافرين من ~~سوء العذاب فقال: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم} اسناد ~~التزيين إلى الله مجازا، إما استعارة بمعنى أنه لما أجزل لهم النعم الواجب ~~شكرها وضعوا كفرها موضع شكرها، وتوصلوا بها إلى المعاصي، فكأنه زين لهم ~~بذلك وإلى ذلك أشارت الملائكة عليهم السلام بقولهم: ولكن متعتهم وآباؤهم ~~حتى نسوا الذكر، أي حتى توصلوا إلى النسيان له. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه أملينا لهم حتى تزين لهم كفرهم، ~~فمن هذا الوجه قال: زينا، ويمكن أن يكون زين لهم ذلك بالهوى ليفرق به بين ~~من أحسن وأساء ليثيب الصالحين على صبرهم، ويعاقب الطالحين على كفرهم، ولم ~~يأمر بالقبح من فعلهم، انتهى، أو لأنه لما أمهل الشيطان وخلا بينهم وبينه ~~امتحانا فكأنه المزين، ويحتمل أن المراد زينا لهم أعمالهم أعمال الخير بوعد ~~الثواب عليها، فلم يقبلوا إلا ما زينه الشيطان {فهم يعمهون} أي فهم يتحيرون ~~ويترددون، ويفسقون ولا يهتدون طريقا، ولا يرشدون، كحال الضال عن الطريق، ~~والعمة عمي الرأي خاصة، قال الشاعر: # ومهمه أطرافه في مهمهه # أعمى الهدى بالجهالين العمه # وقال آخر: # أراني قد عمهت وشاب رأسي # وهذا اللعب شر بالكبير # ثم قال:{أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي أشده وأفضعه، قيل: هو القتل ~~والأسر يوم بدر، والأولى أنه لا يخص سوء العذاب بالقتل والأسر، بل مطلق ~~العذاب سواء كان في العذاب أو في الآخرة، والمراد بالسوء شدته وعظمه. # وأما قوله: {وهم في الآخرة هم الأخسرون} ففيه وجهان: # الأول: أنه ms0837 لا خسر أعظم من أن يخسر المرء نفسه بأن سلب الصحة بالدنيا، ~~وإسلامه إلى العذاب العظيم. # الثاني: المراد أنهم خسروا منازلهم في الجنة لو أطاعوا، والأخسرون بمعنى ~~هم الخاسرون. PageV16P302 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والأفعل والفاعل سواء في اللغة، مثل ~~الأكرمين والأكثرين، أرادهم الكرام، فخرج الأكرمون والأكثرون والأخسرون على ~~وزن واحد، ثم قال تعالى: {وإنك لتلقى القرآن} هو معطوف على جواب القسم إذا ~~جعل طس قسما، ومعنى: {لتلقى} أي لتناول وتؤتى {القرآن} وتعطاه، والتلقي هو ~~التناول وهو من ألقاء الشيء إليك وتركه في يدك، ومعنى: {من لدن} أي من ~~عند{حكيم} أي عظيم الحكمة في أمره {عليم} بخلقه، واسع والعلم يوجده الصواب. # قال الرازي: المعنى فيه لتؤتاه وتلقاه من عند أي حكيم وأي عليم وهذا معنى ~~مجيئها بكربين، وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من ~~الأقاصيص. # واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعا من القصص. القصة الأولى ~~قصة موسى عليه السلام فقال سبحانه: {إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا} يعني ~~أحسست نارا، والإيناس الإحساس من جهة يونس بها، أي أدركت بصري؛ لأن الإيناس ~~والإبصار والبين، وهذا وقت خروجه من شعيب إلى أمه، وإذ منصوب بمضمر تقديره، ~~واذكر يا محمد حين قال موسى لأهله كأنه قال: خذ من آثار حكمته، وعلمه، قصة موسى. # روي أنه لم يكن معه غير امرأته بنت شعيب، وكنى الله عنها بالأهل وهو يفيد ~~الجمع، فتيع ذلك وزور الخطاب على لفظ الجمع كقوله: {سآتيكم منها بخبر} وفي ~~طه مثله، يعني سأخبركم عنها بعلم يريد عن حال الطريق أي ممن هو عندها، وكان ~~قد ظل عن الطريق ليلا {أو آتيكم بشهاب قبس} أي عود فيه نار، والشهاب الشعاع ~~المضيء، قال الشاعر: # فهي تلظى كشهاب القبس # ومنه قيل للكوكب الذي يمد ضوءه في السماء شهاب، وقال آخر: # في كفه صعدة مثقفة # فيها شعاع كشعلة القبس # والقبس هو القطعة من النار، والقابس عند العرب هو الذي يأخذ النار ~~ويقبسها، قال الشاعر: # يرى القابس العجلان ms0838 ميا مليحة ... ومي إذا ردت لها العين أملح PageV16P303 وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس {لعلكم تصطلون} أي لتصطلوا ~~ولكن لعل وعسى ربما كانتا يقينا، يعني ستدفؤن وكان الوقت شتاء، {فلما ~~جاءها} يعني ظن أنها نار وهي نور، فلما رأى موسى النار وقف قريبا منها ~~فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة، يقال لها: العليق لا تزداد ~~النار إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا فعجب منها وأهوى ~~إليها بضغث فمالت إليه فخافها فتأخر عنها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها إلا ~~أن وضع أمره إلى أنها مأمورة مسخرة إلى أن {نودي أن بورك من في النار} أن ~~مفسرة لمعنى الندى، ومعنى بورك أي جعل الخير والبركة في الكلام الذي أوجده ~~في الشجرة وفي النار، وتقدير الكلام بوركت النار، ومن زائدة، قال الشاعر: # فبورك في بنيك وفي بنيهم # إذا ذكروا ونحن لك الفداء # وقوله: {ومن حولها} يراد به موسى عليه السلام ، وقيل: المعنى بورك من في ~~مكان النار، ومن حول مكانه. # وقيل: يعني موسى والملائكة الحاضرين، والظاهر العموم لكل من كان في تلك ~~الأرض ومن حولها، أي حول مكانها وهو المراد بالبقعة المباركة وما حواليها ~~من أرض الشام بكثرة خيراتها، وقال تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين} لأنها مبعث الأنبياء، وكفى بهم أحياء وأمواتا، وسبب ~~بركة هذه البقعة حدوث أمر ديني فيها يعم بقعة الناس، وهو تكليم الله موسى، ~~ثم قال تعالى تنزيها له واستعانة بالله جل وعلى: {وسبحان الله} أي ونودي أن ~~سبحان الله تعجيب لموسى، وإيذانا بحدوث أمر عجيب {من رب العالمين}. # وأما الكلام فإن الله خلق في الشجرة كلاما حتى سمعه موسى عليه السلام. PageV16P304 # قوله: {ياموسى} أي قال الله: يا موسى {إنه أنا الله العزيز} أي القوي ~~{الحكيم} أي أنا القادر على ما يبعد من الأوهام، كقلب العصاء حية، كلما ~~أفعله بحكمة وتدبير. # قال في الكشاف: الهاء في إنه يجوز أن تكون ضمير الشأن، والشأن أنا الله ~~مبتدأ وخبر، ms0839 والعزيز الحكيم صفتان للخبر، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما ~~قبله، يعني أنا مكلمكم انا الله بيان لأنا، والعزيز الحكيم صفتان للمبين، ~~انتهى. وهذا تمهيد لما أراد تعالى أن يظهره على يد موسى عليه السلام من ~~المعجزة فقال عز وجل: {وألق عصاك} أي اطرحها، يعني قيل له: الق وهي معطوف ~~على بورك؛ لأن المعنى نودي أن بورك وأن ألقي عصاك كلاهما تفسير لنودي، قيل: ~~إن موسى عليه السلام ظن أن الله تعالى أمره بلفظها {فلما رآها تهتز كأنها ~~جان} أي حية تنزهوا في الهوى وهي دون الثعبان كأنه في أولها جان، ثم يعود ~~ثعبانا أي حنشا. # قال في البرهان: والجان الحية الصغيرة سميت بذلك لاجتنانها، واستتارها، ~~وكانت العصى قد أعطاها إياها ملك من الملائكة حين توجه إلى مدين، وكانت من ~~عوسج واسمها ماشا، انتهى {ولى مدبرا} هاربا موليا دبره خاف أنه أريد به ~~أمرا {ولم يعقب} أي يلتفت، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار. # قال: # فما عقبوا إذ قيل هل من معقب # ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا # وقوله: {ياموسى} أي قال الله له:{ ياموسى لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون} قيل: أراد لا تخاف في الموضع الذي أوحي إليهم فيه، من غيري بمعنى ~~أن الله تعالى إذا أمنه بالنبوة من عذابه فلا ينبغي أن يخاف من حية، ~~والأولى على هذا الوجه أن يراد لا ينبغي لهم أن يخافوا غير الله في حال ~~خطابه،كما روي أن بعض الصالحين لدغته العقرب مرارا وهو يصلي فلم يحفل بذلك ~~ومضى في صلاته. PageV16P305 # وقيل: لا يخاف لدي في موضع حسابي يوم القيامة، وقوله: {إلا من ظلم} استثناء ~~منقطع، أي لكن من ظلم منهم ففرطت منه صغيرة كما فرط من آدم ويونس وداود ~~وسليمان وإخوة يوسف. # قلت: والصحيح ما قاله بعض علماء أهل البيت عليهم السلام أما إخوة يوسف ~~فمعصيتهم كبيرة وكانت وهم غير أنبياء، وقد اختلف في نبوتهم من بعد التوبة، ~~وأما معصية غيرهم من الأنبياء عليهم السلام فلا تكون إلا ms0840 على جهة التأويل ~~لا التعمد، فلا يجوز عليهم -صلوات الله عليهم- تعمد عصيان الله سبحانه، انتهى. # قلت: وهذا هو قول كثير من ائمتنا عليهم السلام وقد مر للهادي عليه السلام ~~شيء من ذلك، وسيأتي إن شاء الله له أيضا ولغيره في غير موضع في كتابنا هذا. # أما قوله: {ثم بدل حسنا} وهو التوبة {بعد سوء} قيل: كما فرط منك من قتل ~~القبطي، ثم تعقبه الندم والاستغفار {فإني غفور رحيم} به. # وقال الفراء: كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون إنما الخوف على غيرهم إلا ~~من ظلم من غيرهم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف، ومثله قال ابن جرير، ~~قال في الآية محذوف تقديره إلا من ظلم ممن ظلم، ثم بدل حسنا فإني أنا ~~الغفور الرحيم، والاستثناء على هذا متصل، ثم قال: {وأدخل يدك في جيبك} أي ~~في فقرة مدرعتك وكانت من صوف ولا كم لها. # قال في التجريد: الجيب الذي يجاب من القميص أي يقطع، وكأنه الموضع الذي ~~يدخل منه الرأس، وإنما لم يقل في كمك لأنه كان عليه مدرعة من صوف ليس لها كم. # وعن ابن عباس: كان عليه زر مانقة من صوف كماها إلى مرفقيه، ولم يكن لها ~~إزارا، وأدخل يده في جيبها وأخرجها فإذا هي تبرق مثل البرق، وذلك قوله: ~~{تخرج بيضاء} بياضا عجيبا يغلب شعاعه شعاع الشمس وسد الأفق. PageV16P306 # وقوله: {من غير سوء} أي لا بياض برص مستتنكر، ثم قال: {في تسع آيات إلى ~~فرعون وقومه} يجوز أن يراد مع تسع آيات من غير ها بين الآيتين فتكون الآيات ~~إحدى عشرة، اثتنتان منها اليد والعصى والتسع الفلق والطوفان، والجراد ~~والقمل والضفادع، والدم والطمسة والجدب في نوادبهم، والنقصان في مزارعهم، ~~ذكره الرازي، والله أعلم. # ويجوز أن يكون المعنى وألقي عصاك أو ادخل يدك في جيبك في تسع آيات أي من ~~جملة تسع آيات. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى تسع آيات فقامت في مقام الباء ~~الزائدة، وقيل: في تسع آيات كلام مستأنف، أي اذهب في تسع ms0841 آيات وهي العصى، ~~واليد، وفلق البحر والجراد، والقمل أي كبار القردان، والضفادع والدم، ~~والطوفان الطمسة أي ذهاب المال بدعوة موسى: {ربنا اطمس على أموالهم} ومعنى ~~قوله: {إنهم كانوا قوما فاسقين} أي خارجين عن الحد في الكفر {فلما جاءتهم ~~آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: مبصرة للناس تبصيرا على وزن مفعلة، ~~وهي في القراءة مخصصة وفي المعنى والتفسير مثقلة، انتهى. أي كأنها تبصر ~~فتهدي؛ لأن العميا لا تقدر على الإهتداء فضلا أن تهتدي، ومنه قولهم: كلمة ~~عينا وكلمة عوراء؛ لأن الحسنة ترشد والسيئة تغوي، أو معنى مبصرة ظاهرة بينة ~~جعل الإبصار لها مجازا وهو في الحقيقة لمتأمليها؛ لأنهم لابسوها، ثم قال: ~~{وجحدوا} أي كذبوا {بها} وقوله: {واستيقنتها أنفسهم} بيان لحالهم عند ~~الجحود أي جحدوها وقد استيقنتها أنفسهم، وحققت صحتها علما يقينا. PageV16P307 # أما قوله: ظلما وعلوا، فأي ظلم أفحش من ظلم استيقن أنها آيات بينة من عند ~~الله، ثم كابر تسميتها سحرا بينا، والعلو فهو الكبر، والمعنى جحدوها كبرا ~~وترفعا عن الإيمان بما جاء به موسى {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} أي عقاب ~~إفسادهم، وهو إغراقهم في البحر. # ثم ذكر القصة الثانية قصة داود وسليمان عليهما السلام فقال تعالى: {ولقد ~~آتينا داوود وسليمان علما} داود هو ابن إيشا من أولاد يعقوب بن إسحاق. # قوله: {علما} أراد علما عظيما، ويجوز أن يراد نوعا من العلم. # قال ابن عباس: هو العلم بالقضاء وبكلام الطير والدواب وتسبيح الجبال. # قال في البرهان: يعني فهما وفصل القضاء بين الخصوم، ومعرفة منطق الطير، ~~{وقالا الحمد لله} كان القياس فقال قولك أعطيته فشكر، لكن جيء بالواو ~~للإشعار بمحذوف من بعض ما أحدث فيهما إيتآء العلم فأظمر ثم عطف عليه ~~التحميد، أي فعملا به وعلماه {وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين}. PageV16P308 # قال الرازي: إن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان مسبوقا بعمل القلب ~~وهو العزم على فعل الطاعات، وترك المعصية، وبعمل الجوارح، والاشتغال ~~بالطاعات، فإذا كان الشكر باللسان يجب ms0842 كونه مسبوقا بهما فلا جزم صار كأنه ~~قال: ولقد آتيناهما علما فعمل به قلبا وقالبا، وقالا باللسان الحمد لله ~~الذي فعل كذا وكذا، انتهى. وحمدهما لله تعالى شكرا على نعمه، والذي فضلهما ~~به علىكثير من عباده النبوة والملك، والعلم من لم يؤتى علما، أو لم يؤتى ~~مثل علمهما، وفيه دليل على شرف العلم وأهله، وأنه من أجل النعم فيجب شكرها، ~~وما سماهم صلى الله عليه وآله وسلم ورثة الأنبياء إلا لقربهم منهم في الشرف ~~والمنزلة لقيامهم بما بعثوا به، وفيها أنه يلزمهم حمد الله على فضلهم على ~~غيرهم، وفيها التذكير بالتواضع، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير فقد ~~فضل عليه كثير. # قال الرازي: الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ليست إلا ذلك العلم، ثم العلم ~~بالله وبصفاته أشرف من غيره، فوجب أن يكون هذا الشكر ليس إلا على هذا ~~العلم، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين فيستحيل أن يكون ذلك سببا ~~لفضلهم على المؤمنين، فإذا ما هو الفضيلة أن يصير العلم بالله وبصفاته جليا ~~بحيث يصير المرء مستغرقا بحيث لا يخطر بباله شيء من الشبهات، ولا يغفل ~~القلب عنه في حين من الأحيان، ولا ساعة من الساعات، ثم قال تعالى: {وورث ~~سليمان داوود} ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه، وكانوا تسعة عشر رجلا، ~~ولو كان وراثة المال لكانت بنوه سواء، وإنما خص سليمان لأنها وراثة نبوة وملك. # قال مقاتل: كان داود أشد عبادة من سليمان، وكان سليمان أعلم بالقضاء ~~وأشكر لنعم الله، وأعظم ملكا وأفطن. PageV16P309 # وروى الواحدي عن أبي هريرة قال: نزل كتاب من السماء إلى داود عليه السلام ~~مختوما فيه عشر مسائل إن سئل ابنك سليمان فإنه أخرجهن فهو الخليفة بعدك ~~قال: فدعا داود سبعين قسيسا، وسبعين حبرا، وأجلس سليمان بين أيديهم وقال: ~~يابني نزل كتاب من السماء فيه عشر مسائل أمرت أن اسألك عنهن، فإن أنت ~~أخرجتهن فأنت الحليفة من بعدي، فقال سليمان: ليسأل نبي الله عما بدا له، ~~قال: أخبرني ما أبعد الأشياء وما ms0843 أقرب الأشياء، وما آنس الأشياء وما أوحش ~~الأشياء، وما القائمان وما المختلفان، وما المتباغضان وما الأمر إذا ركبه ~~الرجل حمد آخره، وما الأمر إذا ركبه ذم آخره؟ فقال سليمان: أما أقرب ~~الأشياء فالآخرة، وأما أبعد الأ شياء فما فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء ~~فجسد فيه روح، وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما القائمان فالسماء ~~والأرض، وأما المختلفان فالليل والنهار، وأما المتباغضان فالموت والحياة، ~~وأما الأمر إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم على الغضب، وأما الأمر إذا ركبه ~~ذم آخره فالحدة على الغضب. # قال: ففك داود الخاتم فإذا المسائل كما قال سليمان: فقال القسيسون ~~والأحبار : لا نرضى حتى نسأله نحن عن مسألة فقال: سلوا، فقالوا: ما الشيء ~~إذا صلح صلح كل شيء وإذا فسد فسد كل شيء؟ فقال سليمان: هو القلب، قالوا: ~~صدقت أنت الخليفة من بعده، ودفع داود إليه قضيب الملك ومات من الغد. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أعطى سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ~~ومغاربها فملك سبعمائة سنة وستة أشهر ملك أهل الدنيا كلهم من الجن والإنس، ~~والشياطين والدواب، والطير والسباع، وأعطي علم كل شيء ومنطق كل شيء، وفي ~~زمانه صنعة الصنائع المعجبة، وقد ذكر جار الله في تفسير سورة سبأ أن ملكه ~~كان أربعين سنة، ذكر هذا في التجريد عن الواحدي وغيره. PageV16P310 # وأما قوله: {وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير} فالمقصود منه تشهير نعمة ~~الله تعالى والاعتراف والتنويه بها، ودعا الناس إلى التصديق بذكر المعجزة ~~التي هي علم منطق الطير. # قال جار الله: أي ما يتنطق به مما يفيد، والمنطق كل ما يصوت به من المفرد ~~والمؤلف وغير المفيد، وكل صنف من الطين تتفاهم أصواته، يحكى أنه مر ببلبل ~~يحرك رأسه ويميل ذنبه، قال يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفى، وصاحت ~~أخته أي حمامة فقال تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، وصاح طاؤس فقال يقول: كما ~~تدين تدان، وصاح هدهد فقال يقول: استغفروا الله يا مذنبون، وصاح طيطوا فقال ~~يقول: كل حي ms0844 ميت وكل جديد بال، وصاح خطاف فقال يقول: قدموا خيرا تجدوه، ~~وصاحت رخمة فقال قالت: سبحان ربي الأعلى، ملء سماواته وأرضه، وصاح قمري ~~فقال: سبحان ربي الأعلى، وقال الحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطأة ~~تقول: من سكت سلم، والبغاء وهي الذرة تقول: ويل لمن الدنيا همه، والديك ~~يقول: اذكروا الله يا غافلون، والنسر يقول: يابن آدم عش ما عشت آخرك الموت ~~والعقاب، والعقاب يقول في البعد من الناس أنس، والضفدع يقول: سبحان ربي ~~القدوس. # وفي الثعلبي أن الهدهد يقول: من لا يرحم لا يرحم، والغراب يقول: اللهم ~~العن العشار أي الجباء، والقنبر يقول: اللهم العن مبغضي آل محمد. # وأما قوله: {وأوتينا من كل شيء} والمراد كثرة ما أؤتي لا الإحاطة بكل ~~شيء، كما يقال: فلان يقصده كل أخدير إذا كثره فأصده، وذلك لأن الكل والبعض ~~الكبير يشركان في صفة الكثرة والمشاركة سبب لجواز الاستعارة، فلا جزم يطلق ~~لفظ الكل على الكثير، ومثله أوتيت من كل شيء. PageV16P311 # وأما قوله: {إن هذا لهو الفضل المبين} فهو تقرير لقوله: {الحمد لله الذي ~~فضلنا} والمقصود منه الشكر والمحمدة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) وهذا على سبيل الشكر لله تعالى، والنون في ~~علمنا ليست للعظمة؛ لأنه أراد نفسه وأباه، وأراد التهيب لضرب من مصالح ~~الدين، او لكونه ملكا مطاعا فكلم أهل طاعته على صفته، وهذه النون يقال لها: ~~نون الواحد المطاع، وكان مطاعا، وليس ليكثر من لوازم ذلك، ثم قال تعالى: ~~{وحشر لسليمان جنوده} يعني جمع له جموعه، أي عسكره ومن سخر له {من الجن ~~والإنس والطير فهم يوزعون} أي يفرقون فرقا وأمما أمة بعد أمة، وجماعة بعد ~~جماعة، كل صنف نوع، ويفصل وحده، قال الشاعر: # أقوى وأصبح دارهم يتوزع # أي يقسم ويفرق، أو معنى يوزعون يوقف أول العسكر حتى يلحق آخرهم ليجتمعوا ~~وذلك لكثرة العظيمة. # قال في البرهان: يوزعون يعني يرد أولهم إلى آخرهم مأخوذ من وزعه على ~~الظلم أي كفه عنه. # وقيل: لابد ms0845 للدين من وزعة، أي من قنع الناس منه ومنه قول النابغة: # على حين عاينت المشيب على الصبا # فقلت ألما يصح يوزع والشيب وازع # انتهى. PageV16P312 # وروي والله أعلم أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، فخمسة وعشرون للجن، ~~وخمسة وعشرون للإنس وخمسون وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكأن له ألف ~~بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية، وقد نسجت له ~~الجن بساطا من ذهب وابريسم، أي حرير، فرسخا في فرسخ يوضع منبره في وسطه، ~~وهو ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على ~~كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن ~~والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصباء ~~البساط، فتسير به مسيرة شهر، ويروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويحمل ~~الريح الرخاء أي السهلة تسيره، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض ~~إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك فمر بحراث ~~فقال: لقد أؤتي آل داود ملكا عظيما فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت ~~إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك ~~خير مما أؤتي آل د اود، ثم قال سبحانه: {حتى إذا أتوا على وادي النمل} وهو ~~واد بأرض الشام. # وقيل: بالطائف كثير النمل، وقال: ................لأنه أتاه من فوق؛ لأن ~~معناه الاستعلاء، أو لأنه أراد قطع الوادي، وبلوغ آخره من قولهم: أنا على ~~الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره، أي ما زالوا يوزعون إلا أن أرادوا النزول، ~~كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي؛ لأنهم ما دامت الريح تحملهم في ~~الهوى لا يخاف حطمهم، ذكر هذا في الكشاف. # أما قوله تعالى: {قالت نملة} فالمعنى أنها تكلمت بذلك، قيل: كانت النملة ~~المتكلمة عرجاء، تمشي وهي تتكاوش فنادت {ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم} أي ~~بيوتكم. # قال في البرهان: قيل كان للنملة جناحان فصارت من الطير فلذلك علم منطقها، ~~ولولا ذلك ما ms0846 علم. PageV16P313 # وقوله: {لا يحطمنكم} جواب الأمر أو النهي بدل منه؛ لأنه في معنى لا يكون ~~حيث أنتم فيحطمكم من الحطم وهو الكسر والاهلاك، أي لا يطأكم على طريقة لا ~~أريك هاهنا، والمراد لا يحطمنكم جنود سليمان فجاء بما هو أبلغ، ونحوه عجبت ~~من نفسي ومن إشفاقها، والمعنى لا يهلكنكم {سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} أي ~~ولو شعروا لم يفعلوا لعدل سليمان، وسميت النملة نملة لتنملها، وهو كثرة ~~حركاتها وقلة قرارها. # وقيل: إن النملة أكثر حسة حسا؛ لأنه إذا التقط الحبة من البر والشعير ~~قطعها نصفين لئلا تنبت، وإن كانت كزبرة قطعتها أربع قطع؛ لأنها تنبت إذا ~~قطعت قطعتين، فألهم بحسه فرق ما بين الأمرين، فلهذا الحسن قالت: لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده لصغركم؛ لأن الورع التقي من الصالحين لا يتعمد وطئ النمل ولا ~~غيره من الحيوان رحمة وخوفا للواحد الرحمن. # وروي أن المرتضى عليه السلام مر على طريق النمل ومعه جماعة من الناس فرجع ~~من ذلك الموضع وصرف الناس إلى طريق غير تلك الطريق خوفا على قتل بعضهن ~~ورحمة لهن، وكلام هذه النملة يحتمل أنه كلام أجراه الله فيها، وأنه كلام ~~لها قالته الهمها الله معرفة سليمان وعدله، ومعرفة مضرة الحطم، ولا يلزم أن ~~يكون ذلك لسائر نملها وإن كان نداؤها إياهم يدل على أنهم ينفعون بذلك ~~الإنذار. # ثم قال تعالى: {فتبسم ضاحكا من قولها}. # قال في البرهان: يعني تبسم من حذرها بالمبادرة واستباقها للنمل، فوقف ~~سليمان بجنوده حتى دخل النمل مساكنه، انتهى. # ومعنى فتبسم أي شارعا في الضحك؛ لأنه قد تجاوز حد التبسم، وكذلك ضحك ~~الأنبياء عليهم السلام وأضحكه شيئان، ما دل من قولها: {وهم لا يشعرون} على ~~رحمته وشفقته، وشهرة حاله في باب التقوى. PageV16P314 # والثاني: سروره بما خصه الله من سماع ما همس به بعض الحكل الذي مثل في ~~الصغر، والقلة وإحاطته بمعناه، ومعنى قوله: {وقال رب أوزعني} أي الهمني {أن ~~أشكر نعمتك} أي اجعلني ارع شكرها عندي وأكفه وارتبطه لا ينقلب عني حتى لا ~~انفك شاكرا لك نعمتك ms0847 {التي أنعمت علي وعلى والدي} لأن النعمة على الولد ~~نعمة على الوالد، فإذا كان تقيا نفعهما بدعائه، وبدعاء المؤمنين لهما كلما ~~دعوا له، وقالوا: رضي الله عنك وعن والديك. # وقال الزجاج: والتقدير أوزعني لأن أشكر {وأن أعمل صالحا ترضاه} فطلب ~~الدعاء به في الشكر وفي العمل الصالح، وأصل الإيزاع الإغراء بالشيء، أوزعته ~~بكذا إذا أغريته به، وهو موزع به مولع به، ولما طلب في الدنيا الإعانة على ~~الخيرات طلب ان يجعل في الآخرة من الصالحين من قوله: {وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين} أي في الجنة. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد مع عبادك فقامت في مقام ~~مع؛ لأنهما من حروف الصفات، قال الشاعر: # وما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن ادل دلوك في الدلاء # وإنما أراد مع الدلاء، انتهى. # واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرةأولا، ثم ~~طلب ثواب الآخرة ثانيا، ثم قال تعالى: {وتفقد الطير} أي نظرها وتبصرها، ~~وتطلع إليها، قال الشاعر: # ولقد وقفت بقصر يحيى باكيا ... وسألته عن حاله يتفقد PageV16P315 قال في البرهان: قيل: إن سليمان كان إذا سافر أظله الطير من الشمس، فأخل ~~الهدهد بمكانه فبان بطلوع الشمس بعده، وكان دليلا لهم على الماء، فكانوا ~~إذا سافروا نقر لهم الهدهد عن قرب الماء في الأرض انتهى {فقال} سليمان {ما ~~لي لا أرى الهدهد} يعني هذا الهدهد الذي سخره الله عز وجل وهو بمنزلة هذه ~~الهداهد المعروفة، ويمكن أن يكون سمي هدهدا لحكاية صوته، لأنة تشبه ذلك، ~~ومعناه انتقل عن مكانه أم غاب، أو على معنى أنه لا يرى الهدهد، وهو حاضر ~~لساتر ستره ونحو ذلك، ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وقال: {أم كان من ~~الغائبين} كأنه قال: بل أهو غائب وهو يسأل عن صحة ما لاح له، وأم منقطعة بل ~~أكان من الغائبين، وفيه إنكار لغيبته وتوبيخا له، وكان من قصة الهدهد أن ~~سليمان لما تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشره فوافا الحرم وأقام به ما ~~شاء، ms0848 وكان يقرب كل يوم طول مقامه بخمس ألف ناقة وخمس ألف بقرة، وعشرون ألف ~~شاة، ثم عزم على المسير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يوم سهيلا، فوافى ~~صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء فأعجبته خضرتها فنزل ~~ليتغدى ويصلى فطلب الهدهد ليدلهم على الماء، ولما أراد سليمان النزول أرتفع ~~الهدهد في الهواء فرأى بستانا لبلقيس أعجبته خضرته فمال إليه فلقيه هدهد ~~فاستخبره فقال أنا من هذه البلد وهى بلد بلقيس، ووصف له ملكها، وقال: أذهب ~~معي حتى ترى ملكها؟ # قال: إني أخاف أن يفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء، ووصف له ~~ملك سليمان وما سخر له من كل شئ، فقال إنه بشره أن يأتيه بخبر هذه الملكة ~~فانطلق معه، وكان مكثه من وقت الزوال إلى وقت العصر، وكان الهدهد يرى الماء ~~من تحت الأرض كما يرى الماء من فوق الزجاجة، فتجيء الشياطين فيسلحونها كما ~~يسلح الأهاب ويستخرجون الماء ففقده بذلك وقال: {لاعذبنه عذابا شديدا}. PageV16P316 # قال في البرهان: يعني بالعذاب نتف ريشه حتى لا يمنع من شئ، انتهى. # قيل: كان عذاب الطير أن ينتف ريشه ويشمسه. # وقيل: يطلى بالقطران ويشمس، وقيل ايداعه القفص، وقيل التفريق بينه وبين ~~إلفه، وقيل لألزمنه الاضداد، وقيل بخدمتة أقرانه. # قالوا: ويجوز لسليمان أن يفعل ما لا يجوز لغيره؛ لأنها كانت مسخرة له ~~فلابد من تأديبه لها لترهب وتأتمر، ويكون الله قد أباح له ذلك، كما أباح ~~لنا ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع، والله أعلم. # ثم قال: {أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} أي بحجة واضحة بينه {فمكث} ~~أي وقف الهدهد في الغيبة {غير بعيد} أي غير زمان بعيد، وصف مكثه بالقصر ~~دلالة على اسراعه خوفا من سليمان، ثم جأه فتهدده. # وقيل: لما وقف الهدهد بين يديه أخذ بمقدم رأسه فقال ما الذي غيبك؟ # فقال: يانبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله فارتعدت فرائص سليمان فعفى ~~عنه، ويجوز أن يكون المراد به سليمان، أي مكث سليمان غير بعيد، فجأه { أحطت ms0849 ~~بما لم تحط به} علما يعني بلغت مالم تبلغه، وعلمت مالم تعلمه ولا أخبرك به ~~الجن ولا الأنس، وفيه دليل على أن سليمان ماكان قد علم أمر بلقيس على عظم ~~حالها، ولعل الله تعالى أخفاه عنه كما أخفا على يعقوب مكان يوسف عليه ~~السلام، وفيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علما ~~بمالم يحط به، فيكون ذلك لطفا له في ترك الاعجاب والاحاطة بالشئ علما أن ~~يعلم من جميع جهاته. # وقوله: {وجئتك من سبإ} اسم رجل وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود ~~على رواية نشوان الحميري، سمى به لأنه أول من سبا سميت مدينة مأرب باسمه، ~~بينها وبين صنعاء ثلاثة أميال، ومعنى {بنبإ يقين} أي بخبر صدق. # وقال في البرهان: في سبأ قولان. # أحدهما: مدينة بأرض اليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء ثلاثة ليال. PageV16P317 # وروينا أن الله سبحانه بعث إلى سبأ اثنى عشر نبيا، شعر: # من سبأ الحاضر من مأرب ... إذ تبنون دون سيلة العرما # والثاني: أن سبأ حي من أحياء اليمن، انتهى. # قال: {إني وجدت امرأة تملكهم} أي قبيلة سبأ وهي بلقيس بنت شرحبيل، وكان ~~أبوها ملك أرض اليمن كلها، وقد ولده أربعون ملكا، ولم يكن له ولد غيرها، ~~فغلبت على الملك وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس. # قال مجاهد: كانت تحت يدها اثنى عشر ألف قيل، والقيل الملك بلغتهم تحت يد ~~كل قيل ألف مقاتل. # وفي البرهان: كان أولوا مشورتها ثلاث مائة واثنى عشر رجلا كل رجل منهم ~~على عشرة ألاف رجل {وأوتيت من كل شيء} يعنى من كل نوع من أنواع الدنيا كلها انتهى. # والمراد كثرة ما أوتيت من أسباب الدنيا. # ثم قال: {ولها عرش عظيم} أي قصر عظيم، وقيل ملك عظيم. # وفي البرهان: يعنى سرير عظيم، قيل كان مرصعا بالجوهر مسترا بالديباج ~~والحرير، وكل ذلك جائز في اللغة غير معدوم. # قيل: كان ثمانين ذراعا في ثمانين وسمكه ثمانون، وكان من ذهب وفضة مكللا ~~بأنواع الجواهر قوائمه ms0850 من ياقوت أحمر وزمرد، ودر، واستعظم الهدهد العرش ~~لإستصغار حالها إلى حال سليمان، ويجوز ألا يكون لسليمان مثله وإن عظمت ~~مملكته. # ثم قال: {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون، ألا يسجدوا لله} قراءه الأكثرين ~~بالتشديد وأن مصدرية ولا زائدة، والتقدير فصدهم أن يسجدوا لله أو تتعلق بلا ~~يهتدون أو يزين ولا غير زائدة أو زين لهم ألايسجدو لله أو يصدهم ويكون ~~تعليله أي فصدهم لئلا سجدوا ، وقرأ الكسائي ألا يسجدوا، ويخففها تقديره ألا ~~يا هولاء اسجدوا. # قال الفراء: فعلى هذه القراءة هي سجدة، وعلى قرأة من شدد ينبغي أن لا ~~تكون سجدة. PageV16P318 # وقال جار الله: السجدة في القراءتين جميعا ولا وجه للفرق بينهما {الذي يخرج ~~الخبء} أي الذي يستخرج بعلمه ما أختبأ وغاب {في السماوات والأرض} سمى ~~المخبوء بالمصدر، وخبئ السماء المطر، وخبء الأرض النبات وغير ذلك مما خبأ ~~الله فيهما من غيوبة، والآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما ~~القدرة فقوله: {يخرج الخبء في السماوات والأرض} وهويتناول جميع أنواع ~~الأرزاق والأموال، وإخراجه من السماء بالغيث ومن الأرض بالنبات، وأما العلم ~~فقوله: {ويعلم ما تخفون وما تعلنون}. # واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة ~~أن الإله يجب أن يكون قادرا على إخراجد الخباء وعالما بالخفيات والشمس ليست ~~كذلك فهي لاتكون إلها وإذا لم تكن إلهالم يجز السجود لها. # وفي معنى الخبأ يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: الخبأ فهو السر والغيب ~~الذي لا يستخرج علمه إلا الله ولايطلع على مكنون سره غيره انتهى. # قال في البرهان: وفي قول الهدهد لذلك وجهان. # أحدهما: أنه إن لم يكن ممن علم وجوب التكليف بالعقل فهو ممن قد تصور ~~بمالهم من طاعة سليمان أنه نبي مطاع لايخالف في قول ولا فعل. # والثاني: أنه كالصبي متراهق وقدر على عباد الله عز وجل بصور إنما خالفها ~~الهدهد في تصوره إنما خالف فعل سليمان باطل. # وفي التجريد: فإن ms0851 قلت من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله عز وجل وجوب ~~السجود له وإنكارسجودهم للشمس، وإضافته إلى الشيطان وتزينه. # قلت لايبعد أن يلهمه الله ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان ~~المعارف اللطيفة التي لايكاد العقلا الرجاح العقول يهتدون لها. PageV16P319 # واعلم أنه ينبغي أن يكون هذا الفهم خاصا بذلك الهدهد دون غيره من سائر ~~الهداهد، وقد اشتملت معجزة سليمان على معرفة منطق الطير، وفيما حكى عنها ~~أنها بقوله غرابة وأغرب من ذلك كلام النملة، واغرب منه كلام الهدهد فإنه ~~كلام طويل ومراجعه وإرسال بأمور تحتاج فهم. # وقد قيل أن قوله {وزين لهم الشيطان} إلى أخره من كلام الله لاحكاية عن ~~الهدهد. # وأما قوله{الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} فالمراد أنه سبحانه ~~وتعالى لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعدذلك أن ~~ماهو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومرتوبة، وذلك يدل على أنه سبحانه هو المنتهي ~~في القدرة والربوبية إلى ما لامزيد عليه، ومعنى قوله{رب العرش العظيم} أي ~~رب الملك العظيم، والملك في هذا الموضع هوالخلق جميعا. # وقد قيل أن هذا يعني من احطت إلى العظيم من كلام الهدهد، وقد قيل من كلام ~~الله تعالى، فلما سمع سليمان عليه السلام ذلك الكلام من الهدهد {قال سننظر ~~أصدقت أم كنت من الكاذبين} شك سليمان في صدق الهدهد، وهذه العبارة أبلغ من ~~أن تقول أصدقت أم كذبت، ثم قال: {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم} أي بلقيس ~~وقومها فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره فأتى به مجلسها فجعل يدور فيه حتى ألقى ~~الكتاب إليها، ومعنى قوله {ثم تول عنهم} أي تنح إلى مكان خفي قريب منهم ~~لتسمع قولهم {فانظر ماذا يرجعون} أي يريدون من القول ومايرجع بعضهم إلى بعض ~~من القول. # وقال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: إذا تولى عنهم كيف ينظر، ولكن ~~المعنى على التقديم والتأخير {اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون}. PageV16P320 # ثم قال تعالى {قالت ياأيها الملا} أرادت أشراف قومها الحاضرين {إني ألقي ms0852 ~~إلي كتاب كريم} أي طرح إلي كتاب رفيع حسن عظيم، إنما وصفه بالكرم؛ لأنه حسن ~~مضمون ومافيه أو الكرم صاحبه وتسخير الطير له أو لأنه مختوم من قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كرم الكتاب ختمه أو لأنه مصدر بسم الله الرحمن الرحيم ~~وقولها {إنه من سليمان} ولم يكن في الكتاب وإنما أجابت به من سألها من هو ~~وما هو؟ # فقالت {وإنه باسم الله الرحمان الرحيم} أي وأنه هذا الكلام وما بعده إلى ~~مسلمين. # وقيل: أنه من نسخته، وروي أن نسخة الكتاب من عبد الله سليمان بن داود إلى ~~بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى أما بعد {ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين}. # قال في البرهان: وقيل أنه أول من استفتح بهذا الإبتداء وأما قوله {ألا ~~تعلوا علي} فهكذا كانت كتب الأنبياء موجزة مختصرة مقصورة على الدعاء إلى ~~طاعة الله من غير بسط ولا أسهاب، ومعناه لا تتكبر وا علي ولا تمتنعوا مني ~~{وأتوني مسلمين} أي موحدين الله عز وجل، ويجوز أن يكون بمعنى طائعين مخلصين ~~منقادين إلى الإسلام، وكانت قارئة عربية، ويروى أن الأبواب كانت مغلقة ~~عليها والمفاتيح تحت رأسها وكانت راقدة في قصرها فدخل الهدهد من كوة وطرح ~~الكتاب علوا نحرها وهي مستلقية، وقيل نقرها فانتبهت فزعة. # قال الرازي: ويقال لم قدم سليمان اسمه علىقوله{بسم الله الرحمان الرحيم}. # قال: جوابه حاشاه من ذلك بل ابتدا هو {بسم الله الرحمان الرحيم} وإنما ~~ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان. PageV16P321 # ثم حكت مافي الكتاب والله سبحانه حكى كذلك فالتقديم واقع في الحكاية، وهذا ~~الكتاب مشتمل على تمام المقصود فقوله {بسم الله الرحمان الرحيم} مشتمل على ~~إثبات الطبائع سبحانه وتعالى، وإثبات كونه عالما قادرا حيا مريدا حليما ~~رحيما، فإن قيل النهي عن الإستعلاء والأمر بالإنقياد قبل إقامة الدلالة على ~~كونه رسولا يدل على الإكتفاء بالتقليد. # قال: جوابه معاذ الله أن يكون هناك تقليد وذلك لأن رسول سليمان إلىبلقيس ~~كان الهدهد، ورسالة هدهد معجز والمعجز يدل على وجود الصانع وعلى صفاته، ms0853 ~~ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة ~~لاجرم لم يذكر في الكتاب دليلا أخر. # ثم قال تعالى:{ قالت ياأيها الملا أفتوني في أمري} الفتوى الجواب في ~~الحادثة أي أخبر وني وأجيبوا سؤالي وأشيروا علي في هذا الأمر الذي نزل بي. # وقيل: هي أول من وضعت المشاور {ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدوني} أي ~~تحضرون، والشهادة في سبيل الله أصلها الحضور للقتال، قال الشاعر: # قد أشهد الغارة الشعوا تحملني ... قبا معروفة اللجين سرجوب # ...أي قد أحضر الغارة. # وقيل: كانوا أهل مشورتها ثلاثمئة وثلاث عشر كل واحد منهم على عشرة آلاف ~~وقصدت بالأنقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطبيعا لعلومهم ، فلما طلبت منهم ~~المشورة {قالوا نحن أولوا قوة} في الأجساد والألآت والعدد {وأولوا بأس ~~شديد} أي أهل شدة في الحرب وظفر، وكأنهم أشاروا بالمحاربة، ثم فوضوا الأمر ~~إليها تواضعا. # فقالوا {والأمر إليك فانظري}أي تدبري {ماذا تأمرين} أي أي شئ تأمرينا به ~~نتبع رأيك، أوأرادوا نحن من أبنا الحرب لامن أبنا الرأي، وحاصل الجواب أن ~~القوم ذكروا أمرين. # أحدهما: إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن أرادتهم للدفع ~~والحرب وجدتهم حيث تريد. PageV16P322 # والأخر: قولهم والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين،وفي ذلك إظهارالطاعة لها إن ~~أرادت السلم، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا. # واعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها، وقالوا ما تقدم أظهرت ~~رأيها وهو أن {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} يعني أخذوها عنوة ~~وأفسدوها وأذلوا، أعزتها وأهانوا أشرافها لما أحست ميلهم إلى الحرب، وقد ~~مالت إلى خلافه رتبت عليه الجواب، وأرتهم الخطأ في رأيهم بما قالت، ومن ~~استباح الظلم بهذه الآية فقد كفر كفر استباحة الحرام وتحريف القرآن {وجعلوا ~~أعزة أهلها أذلة} أي أشرافهم وعظماؤهم {وكذلك يفعلون} أرادت أن هذه عادتهم ~~المستمرة؛ لأنها كانت من بيت الملك القديم فسمعت من ذلك ورأت، وكذلك يفعل ~~سليمان وجنوده. # وقيل: أنه من كلام الله سبحانه تصديقا لقولها، والأقرب أنه من كلامها ~~فإنها ذكرته تأكيدا لما وضعت من حال ms0854 الملوك والله اعلم. # قالت: {وإني مرسلة إليهم بهدية} أي أصانعه بها عن ملكي، والمصانعة الرشوة ~~{فناظرة بم يرجع المرسلون} أي ناظرة مايكون منه فاعمل على حسب ذلك. # قال الرازي: وقولها {فناظرة بم يرجع المرسلون} فيه دلالة على أنها تتلق ~~بالقبول، وجوزت الرد وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان. # وفي التجريد: أرادت بإرسال الهدية أن سليمان إن كان ملكا قبل الهدية ورضى ~~بالحمل، وإن كان نبيا لم يقبل إلا الإسلام، وأرادت أن تعرف حاله مع الرسل. PageV16P323 # روي أنها بعثت بخمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن راكبي خيل مغشاة ~~بالديباج محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر وخمسمائة جارية على ~~رماك في زي الغلمان، وألف لينة من فضة وذهب، وتاجا مكلكل بالدر والياقوت، ~~وحقا فيه درة غير مثقوبة، وجزعة معوجة النقب، وبعثت رجلين حليمين من أشراف ~~قومها وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا ~~مستويا، وسلك في الخرزة خيطا، فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الشياطين أن ~~تفرش على طريقهم لبن الذهب من ثمانية أميال إلى مجلس سليمان، فقطعوا الصخور ~~وطلوها بالذهب وفرشوها، فلما رأت ذلك الرسل استحقروا هديتهم. # قال في البرهان: وقالت للرسول إن نظر إليك غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن ~~رأيته بشا لطيفا فهو نبي لا طاقة لنابه، وقيل أنها أنفذت مع رسولها بعصا ~~كانت ملوك حمير يتوارثونها. # وقالت: أريد أن يعرفني رأس هذه من أسفلها وبقدح قالت: يملأه ماء روا ليس ~~من ماء الأرض ولامن ماء السماء، وكان الهدهد قد سبق إلى سليمان فأخبره ~~بالهدية والرسل، فتأهب سليمان لهم فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة بين ~~يديه في ميدان طوله سبعة فراسخ تروث الدواب عليه، فلما دنى رسلها من سليمان ~~ونظروا إلى الدواب تروث على لبن الفضة تقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ~~فلما وصلوا وقابلهم بوجه طلق أخذ سليمان الدرة فأمر الأرضة فأخذت شعرة ~~ونفذت فيها، وأمر دودة بأن تجعل خيط في فمها ونفدت في الجزعة المعوجة، وميز ~~بين الجواري والغلمان، وفي الذي ميز ms0855 به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه أمرهم بالوضوا فبداء الغلام من مرفقه إلى كفه، وبدأت الجارية ~~من كفها إلى مرفقها، فميزهم بهذا، قاله سعيد بن جبير. # وثانيها: أن الغلمان بدؤا بغسل ظهور السواعد قبل بطونها، والجواري على ~~العكس، قاله قتادة. # وثالثها: أن الغلام أغترف بيده والجارية أفرغت على يدها، قاله السدي. PageV16P324 # وهذا يجوز أن يجعله له أمارة وتقوى دواعي الغلمان والجواري على فعلها لاأنه ~~مطرد في كل زمان وفي كل شخص والله أعلم. # ثم قال تعالى {فلما جاء سليمان } يعني فلما جاءت هداياها إلي سليمان، ~~ووصلت رسلها إليه {قال} سليمان {أتمدونني بمال} يعني أتزيدونني مالا إلى ما ~~تشاهدونه من أموالي {فما آتاني الله خير مما آتاكم} أي ما أتاني الله من ~~النبوة والملك خير مما أتاكم من المال {بل أنتم بهديتكم تفرحون} أي بما ~~يهدون إليكما؛ لأن همتكم مقصورة على منافع الدنيا، والمعنى أن الله أتاني ~~الدين الذي هو السعادة القصوى، وأتاني من الدنيا مالا مزيد عليه فكيف ~~يستمال مثلي بمثل هذه الهدية، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم لكن حالي خلاف ~~حالكم، ويجوز أن يكون المراد بل أنتم بهديتكم هذه تفرحون افتخارا. # ثم قال للرسول {ارجع إليهم} بما جئت من الهدايا. # وقيل: خطاب للهدهد محملا كتابا آخر، فرد سليمان عليهم المال وميز الغلمان ~~من الجواري، وأرسل العصاء إلى الهوى. # وقال: أي الراسين سبق فهو الأصل، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت، وملأ ~~القدح من عرقها. # وقال: ليس هذا من ماء الآرض ولا من ماء السماء، فهال الرسل ماشاهدوا ~~فرجعوا إليها وقالوا هو نبي لا طاقة لنا به. # قالت: والله عرفت ماهذا بملك ومالنا به من طاقه، ثم بعثت إليه أني قادمة ~~إليك بملوك قومي، ثم نهضت في اثنى عشر ألف. # قيل: من ملوك اليمن تحت يد كل قيل ألوف، وجعلت عرشها وراى سبعة أبواب، ~~وقيل: جعلته في سبعة بيوت كل بيت في وسط بيت على كل بيت باب وحرس يحرسونه، ~~وقوله: {فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} أي لا طاقة لهم ms0856 بها أي بمحاربتها ~~وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة يعني لايقدرون أن يقابلوهم. PageV16P325 # ثم قال: {ولنخرجنهم منها} أي من سبأ وهي مدينة مأرب {أذلة وهم صاغرون} ~~اخبارا لهم عما يصنعه بهم ليسارع إلى الإيمان، من قوله هذه سنة كل نبي، ~~ومعنى صاغرون أي في أسر واستعباد، وهذا الذي خافته ودبرته، ولما عزمت على ~~اللحوق بسليمان {قال} سليمان حين قدومها عليه {ياأيها الملا} يعني أشراف ~~مجلسه {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين}. # قال المفسرون: ولما شخصت إلى سليمان لم يعلمه أحد بمسيرها؛ لأنه كان ~~مهيبا لا يتبدى بشيء حتى يسأل عنه، فلما قربت جلس سليمان يوما على سريره ~~فرأى رهجا قريبا منه فقال ما هذا؟ # فقالوا: بلقيس، قد صارت على قدر فرسخ. # فقال: عند ذلك {أيكم يأتيني بعرشها} وأختلف في الوجه الذي لأجله طلب ~~إحضار عرشها قبل وصولها. # فقيل: لأنه قد كان بلغه اشفاقها عليه فأراد أن يريها معجزة ودليلا لها ~~على صدق نبوته، لأنها خلفته في دارها وأوثقته في حرزها، ثم جآت إلى سليمان ~~فوجدته قد تقدمها، فأراد أن يريها بعض ماخصه الله من العجائب مع اطلاعها ~~على عظيم قدرة الله وما يشهد لسليمان بالنبوة. # وقيل: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم إذ لا يحل له بعد إسلامها. # وقيل: ليختبر عقلها وفطنتها أتعرفه أم تنكره {قال عفريت من الجن أنا ~~آتيك} والعفريت المارد القوي. # وقيل : هو المبالغ في كل شئ، مأخوذ من قولهم فلان عفريت إذا كان مبالغا ~~في الأمور. # وقيل: هو من العفر وهو السديد زيدت فيه التاء والعفر والعفرية يطلق على ~~الخبيث من الإنس المنكر الذي يعفر أقرانه أي يغلبهم يلصقهم بالعفر أي ~~التراب، وعلى الخبيث المارد من الشياطين وهو المراد هنا. PageV16P326 # قيل: اسمه ذكوان وقوله: {قبل أن تقوم من مقامك} أي من مجلسك، وسمي مقاما ~~لإقامة صاحبه فيه، كما قال تعالى: {إن المتقين في مقام أمين} وكان سليمان ~~يجلس للقضاء من غدوه إلى نصف النهار. وقيل: من وقت الفجر إلى طلوع الشمس. # ثم قال: {وإني عليه لقوي أمين} ms0857 أي قوي على حمله، أمين على ما فيه من ~~الجوهر ولا أبدل العرش بغيره. # قال سليمان: أريد أسرع من ذلك؛ لأن بلقيس قد قربت منه {قال الذي عنده علم ~~من الكتاب أنا آتيك به} أي بالعرش . # قال في البرهان: وغيره يعني بالذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه ~~السلام. # وقيل: ملك أيد الله به سليمان عليه عليه السلام، وقيل: غير ذلك. # وأماقوله: {قبل أن يرتد إليك طرفك} فقال الرازي: أختلفوا في ارتداد الطرف ~~على وجهين: # الأول: أن يجريه على ظاهره، فالطرف تحريك الأجفان عند النظر فإذا فتحت ~~الجفن فقد يتوهم أن نور العين أمتد إلى المرئ فإذا غضت الجفن فقد يتوهم أن ~~ذلك النور يرتد إلى العين فهذا هو المراد من ارتداد الطرف. # قلت: والمعنى أنك ترسل طرفك إلى الشئ فقبل أن ترده أبصرت العرش. # والثاني: أنه أراد المبالغة في السرعة فيكون مثلا في استقصار مدة المجئ ~~به كما يقول أفعل ذلك في لحظة، وفي ردة طرف ترتد السرعة. # قلت: وهذان الوجهان في الكشاف. # وقال في البرهان: يعني قبل أن يعود طرفك من مجلسك. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه قبل أن يرجع إليك نظر عينك ~~وقبل أن تفتح عينك من نومك، وذلك في ليلة واحدة، ويمكن أن يكون أراد قبل أن ~~ترقد ويرجع إليك بصرك وإغماضك في بعض ليلة، وأما العفريت فقال: قبل أن تقوم ~~من مقامك أي قبل أن تسير من بلدك ومقامك عند أهلك وأنا أكفيك الوصول إلى هناك. PageV16P327 # وقيل: أيضا في ذلك أن العفريت أراد أن يأتي به من قبل أن يقوم من مجلسه وأن ~~جبريل عليه السلام أتابه قبل أن يتحرك طرف النبي عليه السلام، والله اعلم ~~بصحة ذلك، وما أحسب والله علم أن التفسير إلا ما ذكرنا أولا، وأن يكن غير ~~ذلك فلا ينكر قدره على ما أراد، والطرف هو البصر. قال الشاعر: # نظرت بعين لم تخنها غشاوة ... ولا رمد والطرف غير كليل # انتهى. # ثم قال تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده} قبل ms0858 أن يرتد إليه طرفه {قال هذا} ~~أي المعجز {من فضل ربي} يعني وصول العرش إلي قبل أن يرتد إلي طرفي. # ثم قال عليه السلام: {ليبلوني أأشكر} أي ليختبرني في شكري هذه النعمة، ~~قال الشاعر: # اليوم أبلوك وتبتليني ... واليوم تبلوا غلظي وليني # أي تختبر ذلك. # قال في البرهان: يعني أشكر على العرش الذي أوتيته في سرعته {أم أكفر} أي ~~أجحد فلا أشكر. # قيل: الشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة، ثم قال: {ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه} لأن فائدة الشكر تعود إليه؛ لأنه تأدية حق، وساتدعاء ~~مزيد، وقال:{ ومن كفر فإن ربي غني} عن الشكر {كريم} بالإنعام على كافرها، ~~وقال فيه: وهذه معجزة لسليمان عليه السلام أجراها الله سبحانه على يد من ~~اختصه من أوليائه، وكان العرش باليمن وسليمان بالشام، فقيل أن الله خرق به ~~الأرض حتى صار بين يدي سليمان {قال نكروا لها عرشها} أي غيروه يعني ما كان ~~عليه من اللباس غير، فجعل ماكان أحمر أبيض وماكان أبيض أسود، انتهى. # وقيل: أنهم وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلا أسفله. # أما قوله: {ننظر} فتوجيهه في المقاليد بالرفع على الاستئناف، ونهي بالجزم ~~على الجواب، والمعنى تنظر {أتهتدي} إلى الحق بعقلها والإيمان بسليمان إذا ~~رأته عنده وقد غلقت عليه الأبواب. PageV16P328 # وقيل: لمعرفته أو للجواب الصواب إذا سئلت {أم تكون من الذين لا يهتدون} أي ~~لا يعقلون {فلما جاءت قيل أهكذا عرشك} ولم يقل أهذا عرشك لئلا يكون تلقينا ~~{قالت كأنه هو} وإنما قالت ذلك لأنها خلفته ورأها فوجدته أمامها، وكان ~~معرفتها له تمنع من إنكارها وتركها له ورأها يمنع من إثباته. # وقيل: أنها وجدت فيه ما بدل وغير فلذلك لم تثبته، وقيل: شبهت ولم تقطع ~~لرجاحة عقلها، وقيل: بل قطعت بأنه هو، ولكنها شبهت عليهم كما شبهو عليها، ~~ولو قيل أهذا عرشك، قالت نعم، قاله مقاتل. # قال في البرهان: قوله {وأوتينا العلم من قبلها} هذا قول سليمان، والعلم ~~معرفة الله وتوحيده والنبوة. # قال في الكشاف: وهو معطوف على محذوف دل عليه قرينة المقال، ms0859 كأنهم قالوا ~~عند جوابها السديد قد أصابت في جوابها وهي لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت ~~نبوة سليمان بالآيات المتقدمة، وبهذه الآية العجيبة من عرشها، فعطفوا على ~~هذا قولهم وأوتينا العلم نحن بالله وقدرته من قبل علمها، ويجوز أن يكون من ~~كلام بلقيس. # والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة، ~~وقيل هذه الحاله تعني ما تبينت من الآيات عند وفده النذر ودخلنا في ~~الإسلام. # قال في البرهان: ومعنى قولهم {وكنا مسلمين} أي طائعين لله بالإسلام ~~مخلصين له بالتوحيد، انتهى. # أي لم نزل على دين الإسلام، وهذا منهم شكر لله عز وجل على سبقهم لهذا بذلك. # أما قوله: {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} ففيه وجهان: # الأول: المراد وصدها عبادتها لغير الله وهي عبادة الشمس عن الإيمان. # والثاني: وصدها الله أو سليمان عن ما كانت تعبد، فجذف الجار وقرئ قوله ~~تعالى: {إنها كانت من قوم كافرين} على معنى لأنها أو على أنه يدل من فاعل صده. PageV16P329 # واعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر ~~أن سليمان أظهر من الأمر ما صار داعيا لها إلى الإسلام وهو قوله: {قيل لها ~~ادخلي الصرح}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والصرح صخر الدار، يقال صرحت الدار، ~~وباحة الدار، وساحة الدار، وقاعة الدار كلها بمعنى واحد، وهو مأخوذ من ~~التصريح، ومنه صرح الأمر إذا أظهره. # وقيل: هو القصر. # قال الهذلي: # بهن مقام بناه الرجال ... تحسب أعلامهن الصروحا # أي القصور، والأعلام هي الجبال فشبهها لبعدها بالقصور، والله اعلم. انتهى. # وقال مجاهد: كانت بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير. # وقال مقاتل: كان قصر من قوارير مبني على الماء. # قال جار الله: وكان سليمان قد بنا لها قبل قدومها قصر من زجاج أبيض، ~~وأجرى تحته الماء، وألقى في الماء من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره ~~في صدره فجلس عليه فعكفت عليه الطير، والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليريها ~~من دلائل النبوة ومعجزاته، انتهى. # {فلما رأته ms0860 حسبته لجة} أي ماء ملتجا من لجج البحر وأمواجه. قال الشاعر: # تهوي بهم في لجة البحر # أي في غمرة البحر، فلما أبصرت ذلك وضنته ماء راكدا {وكشفت عن ساقيها قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير} أي من زجاج. # قال في البرهان: وكانت فيه أمثال الحيتان من الزجاج، وإنما أراد بما فعل ~~سليمان يختبر عقلها ومعرفتها، وهل تعلم بماقد عملوه من الصرح، انتهى. PageV16P330 # وقد زعموا أنه أراد أن يتعرف ساقها، وزعموا أن ألجن كرهت أن يتزوجها سليمان ~~فيولد له منها ولد فيكون في ملكه، فقالوا لسليمان: إن في عقلها شيئا، وهي ~~شعر الساقين، ورجلها كحافر الحمار، فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ~~ليتعرف ساقها ورجلها، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء، فكشفت ~~عن ساقيها لتدخل الماء وتخوضه، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها ~~شعرا، ثم صرف بصره وناداها أنه صرح ممرد، والممرد المملس، ومنه الأمرد ~~لملوسة خده، وقيل: هو الواسع في طوله وعرضه. قال الشاعر: # غدوت صباحا باكرا فوجدتهم ... قبيل الضحى في البا بلي الممرد # جحخ # أو معنى ممرد هو عمله مردة الشياطين. # قال الرازي: وهذا على طريقة من يقول تزوجها. # وقال آخرون: كان المقصود من الصرح تهويل المجلس وتعظيمه، وحصل كشف الساق ~~على سبيل التبع، فلما قيل لها إنه صرح ممرد من قوارير، سرت وعجبت من ذلك، ~~واستدلت به على التوحيد والنبوة {قالت رب إني ظلمت نفسي} وفيه قولان: # أحدهما: بالشرك الذي كانت عليه. # والثاني: بالظن الذي توهمته في سليمان؛ لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته ~~لجة، وأن سليمان يريد تغريقها، فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت ~~أنها ظلمت نفسها بذلك الظن، ثم قالت: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} ~~يعني استسلمت طائعة لله رب العالمين مع سليمان، وأخلصت لله التوحيد. # قيل: وتزوجها سليمان وأقرها على ملكها، وأمر الجن فبنوا لها عمارات، ~~وقيل: بل زوجها ذا تبع ملك اليمن. # ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها أختاري من قومك من أزوجك؟ ms0861 # فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني. # فقال: النكاح من الإسلام. # فقالت: إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه، ثم ردهما إلى ~~اليمن، والله اعلم. PageV16P331 # القصه الثالثة: قصة صالح عليه السلام وهي قوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ~~ثمود أخاهم صالحا} لأنه منهم {أن اعبدوا الله} أن مفسرة لما دل عليه، أي ~~أرسلناه فأنذرهم أن اعبدو الله أي خصوه بالعبادة {فإذا هم فريقان يختصمون} ~~فريق مؤمن وفريق كافر كل يقول الحق معي. # وقيل: الفريق المؤمن صالح وقومه قبل أن يؤمن أحد منهم. # قال الرازي: فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا في حجته ~~فعرفوا صحتها، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكونوا خصما لمن لم يقبلها، وإذا ~~كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين حق، وفيه ~~إبطال التقليد. # واعلم أن الذين كذبوا صالحا لما لم ينفعهم الحجاج توعدهم صالح عليه ~~السلام بالعذاب، فقالوا ائينا بعذاب الله إن كنت من الصادقين على وجه ~~الاستهزاء، فعنده {قال} صالح {ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} أي ~~العذاب قبل الرحمة، وذلك أنهم قالوا إن كان ما قلت حقا فأتنا بالعذاب، وذلك ~~تكذيب منهم. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لم تستعجلون سؤ الظن قبل حسن ~~الظن؛ لأن العاقل إذا ورد عليه سبب لم يستعجل ولم يكابر ولم يسيء ظنه، وفي ~~الخبر لا تحمل أمر أحد على الشر ما وجدت له من الخير متحمل. # قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: لأن أخطي في العفو أحب إلى من أن ~~أخطئ في العقوبة، كل ذلك تجنب الظن منه عليه السلام، وذلك أشبه بأخلاق ~~الصالحين وأفعال أهل الورع الراحمين. # قال في الكشاف: فإن قلت مامعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة وإنما يكون ~~ذلك إذا كانتا متوقعتين إحداهما قبل الأخرى؟ # قلت: كانوا يقولون أن العقوبة التي يعدها صالح وإن وقعت على زعمه تبنا، ~~معتقدين أن التوبة حينئذ مقبولة، وإن لم فنحن على ما نحن عليه، انتهى. PageV16P332 # ثم قال: {لولا ms0862 تستغفرون الله} أي توبون إليه {لعلكم ترحمون} أي هلا ~~تستغفرونه قبل العذاب لترحموا بالنجاة من عذابه، ثم إن صالحا عليه السلام ~~لما قرر هذا الكلام الحق أجابوا بجواب فاسد حيث {قالوا اطيرنا بك} أي ~~تشاءمنا بك {وبمن معك} وكانوا قد قحطوا، وأصل أطيرنا تطيرنا فأدغمت التاء ~~في الطا فسكنت فاجتلبت همزة الوصل، وفي تطيرهم به وجهان: # أحدهما: لافتراق كلمتهم. # والثاني: الشرالذي نزل بهم، كان الرجل يخرج في السفر فيمر بطائر فيزجره، ~~أي يهيجه للطيران فإن مر سانحا أي ولاه ميامنه تيمن، وكذا الظبي ونحوه، وإن ~~مر بارحا أي ولاه مياسره تشأم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير ~~لم كان سببهما بقدرة الله عز وجل وقسمته، أو من عمل العبد الذي هو السببب ~~في الرحمة والنقمة، ومنه قالوا طائر الله لا طائرك، أي قدرة الله الغلب ~~الذي ينسب إليه الخير والشر لا طائرك الذي تشأم به وتيمن، فلما قالوا ~~أطيرنا بك {قال} صالح عليه السلام {طائركم عند الله} أي شؤمكم عند الله ~~وعذابكم. # والتطير عند العرب هو الشؤم بالشيء، وقد يتطيرون ويتذاكرون أيضا. قال ~~الشاعر: يهجوا رجلا من الجزارين قارب ناقته فتشئم به. # تطيرت منه يوم ألصق بطنه ... إلى جنب مفخاذ عظيم حلابها # أي تشأمت به، ومعنى طائركم أي سيئكم الذيي يجيء منه خيركم وشركم عند ~~الله، وهو قدرة الله وقسمته إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم، أو أراد عملكم ~~مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وفتنة، ثم بين أن هذا جهل ~~منهم بقوله: {بل أنتم قوم تفتنون} أي تعذبون، ويمكن أن يكون تمتحنون ~~وتختبرون بطاعة الله عز وجل، أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم بالطيرة، وصح ~~تفسير الفتنة بالثلاثة؛ لأنها تطلق على كل منها. PageV16P333 # قال الله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي بلوى واختبار ومحنة، ~~والعرب تقول فلان فتن بمحبة أهله، أي بلى بذلك وهويه، قال الشاعر: # لأن فتنتني لهي بالأمس فتنت سعيدا ... فأضحى قد قلا كل مسلم # ثم أخبر سبحانه عن الرهط فقال: {وكان في ms0863 المدينة تسعة رهط} من ثمود وقوم ~~صالح، وهم عاقروا الناقة، وكانوا بأرض الحجر وهي أرض الشام، والحجر وادي ~~بين المدينة والشام، وكانوا من أشراف قومهم، وعتاة قوم صالح، والرهط من ~~الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من السبعة إلى العشرة، والنفر من الثلاثة إلى ~~التسعة، وهؤلاء الذين سعوا في عقر الناقة قد سماهم السهيلي. # وعن وهب: هم الهذيل بن عبد رب، وغنم بن غنم، وريان بن مهرج، ومصدع بن ~~مهرج، وعمير بن كرديه، وعاصم بن مخرمة، وسبيط بن صدقة، وسمعان بن صفي، ~~وقدار بن سالف، ومعنى {يفسدون} أي عادتهم الإفساد {في الأرض ولا يصلحون} ~~يعني يفسدون بالمنكر ولا يصلحون بالمعروف، أو يفسدون بالمعاصي ولا يصلحون ~~بالطاعة. # وقيل: معناه شأنهم الافساد البحت لا يخلط بشيء من الصلاح، ثم أخبر تعالى ~~أن من جملة ذلك ما هموا به في أمر صالح عليه السلام حيث {قالوا تقاسموا} أي ~~قال بعضهم لبعض تحالفوا وتعاهدوا، يحتمل أن يكون أمرا وخبرا ماضيا في محل ~~الحال بتقدير قد، أي قالوا وقد تقاسموا {بالله لنبيتنه وأهله} البيات ~~مباغتة العدو ليلا، أي لنهجمن عليهم في الليل على غرة، ولنقتلنه وأهله، ~~والبيات هو القتال بالليل، قال: # علينا عند البيان ألا نفر PageV16P334 أي عند القتال في الليل والمبيت {ثم لنقولن لوليه} ووليه رهط صالح، أي ولي ~~دمه، وكانوا ذوي شوكة {ما شهدنا مهلك أهله} أي ماحضرنا قتله أو موضعه، ~~والضمير في أهله يعود إلى وليه {وإنا لصادقون} في إنكارنا لقتله، فاحتالوا ~~كأنهم لما أعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ~~ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا أحدهما كانوا صادقين؛ لأنهم فعلوا ~~البياتين جميعا لا أحدهما، وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند من لا ~~يعرف الشرع ونواهيه، ولا يخطر بباله، ثم قال تعالى: {ومكروا مكرا} أي أخفوا ~~حيلا وشرا، وهو ما هموا به من قتل صالح {ومكرنا مكرا} أي أخفينا لهم عذابا، ~~وهو أن رماهم بالحجارة فأهلكوا بها، روي أنه كان لصالح مسجد في الحجر في ~~شعب ms0864 يصلي فيه، فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ بنا إلى ثلاث، فنحن نفرغ مسنه ومن ~~أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا ~~إلى أهله فقتلناهم، فأرسل الله عليهم صخرة طبقت عليهم فم الشعب ولم يدروا ~~مافعل بقومهم، ونجا الله صالحا ومن آمن معه. # وقيل: جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم إلى دار صالح، فأرسل الله الملائكة إلى ~~دار صالح، فدمغوهم بالحجارة ولا يرون راميا. # ثم قال سبحانه: {وهم لا يشعرون} بمكرنا وقد شعرنا بمكرهم، شبه هلاكهم من ~~حيث لا يعلمون بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. PageV16P335 # وقيل: وهم لا يشعرون بالملائكة الذي أنزل الله على صالح ليحفظونه من قومه ~~حتى دخلوا عليه ليقتلوه، فرمي كل منهم بحجر حتى قتلوا جميعا، وسلم صالح من ~~مكرهم، ثم قال: {فانظر} يامحمد{كيف كان عاقبة مكرهم} ثم أخبر سبحانه ~~بهلاكهم فقال: {أنا دمرناهم وقومهم أجمعين} أي أهلكناهم في مكانهم بصيحة ~~جبريل عليه السلام، فأهلك الله كلا من الرهط ومن قومهم في مكانه لم يدر أحد ~~منهم بالآخر، وقوله: {أنا دمرناهم} استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من ~~العاقبة أوخبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدميرهم، أو نصبه على معنى لأنا، أو ~~على أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار، ثم قال عز وجل: {فتلك بيوتهم ~~خاوية}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى خاويه فهو متهدمة متجافية، ~~والعرب تقول خوى البعير إذا برك متجافيا عن الأرض، قال الشاعر: # خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس # ويمكن أن يكون معنى خاوية أي ساقطة هاوية، قال الشاعر: # قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري # أي في الليل عند هوي النجوم وخويها، وسقوطها وهويتها، ويمكن أن يكون عنا ~~خاوية من السكان، انتهى. # وقوله خاوية، حال عمل فيها مادل عليه تلك، وقرأ عيسى بن عمر خاوية بالرفع ~~على خبر المبتدأ المحذوف، والله اعلم. # ثم بين سبب ذلك فقال: {بما ظلموا} أنفسهم {إن في ذلك} المذكور من قصتهم ~~{لاية} أي عبرة وموعظة {لقوم يعلمون} فيعملون بمقتظى علمهم ms0865 وبكفرهم؛ لأن من ~~لا يعتبر كالبهائم التي لا تعلم. # ثم قال عز وجل: {وأنجينا الذين آمنوا} وهم صالح ومن معه، وقوله: {وكانوا ~~يتقون} إلى إشارة إلى سبب نجاتهم. PageV16P336 # ثم ذكر تعالى القصة الرابعة قصة لوط عليه السلام فقال سبحانه: {ولوطا إذ ~~قال} أي واذكروا لوطا وقت قال {لقومه أتأتون الفاحشة} هي الفعله المتزايدة ~~في القبح المتجاوزة للحد، وهذا على وجه النكير، وإن كان بلفظ الاستفهام، ~~وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ. # ثم قال: {وأنتم تبصرون}أي تعقلون غير مجانين ولا خبلان فتعتذرون، أو معنى ~~تبصرون يرى بعضكم بعضا حين تركبون الفاحشة، وهذا غاية القبح أو تبصرون ~~بقلوبكم، أي تعرفون أنها فاحشة، وقوله: {أئنكم لتأتون الرجال} استفهام ~~إنكار، ومعنى {شهوة من دون النساء} أي تابعين لشهوتكم غير ملتفتين إلى قبح ~~مجاوزة النساء إلى الرجال. # ثم قال: {بل أنتم قوم تجهلون} أي تفعلون فعل الجاهلية مع علمكم لذلك، أو ~~تجهلون عاقبة المعصية، أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، ~~وقرئ بالتاء دون الياء مع أن لفظ قوم لوط غائب؛ لأن الغيبة والمخاطبة قد ~~اجتمعت فغلبت المخاطبة؛ لأنها أرسخ وأقوى من الغيبة، وكذا بل أنتم قوم ~~تفتنون. # ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا ~~يصح أن يكون جوابا له فقال سبحانة: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ~~آل لوط من قريتكم إنهم أناس} أي ناس {يتطهرون} أي يتنزهون عن معاصي الله، ~~ويتباعدون عن القاذورات، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيضنا إنكارهم. # ابن عباس هو استهزاء وسخرية بتطرههم. # ثم أخبر سبحانه أنه نجاه وأهله إلا امرأته، وأهلك الباقين فقال: ~~{فأنجيناه وأهله} مما نزل بهم من العقوبة {إلا امرأته} لأنها كانت موالية ~~لأهل سدوم، روي أنها خرجت معهم، والتفتت تبصر قومها فأصابها حجر. PageV16P337 # وروي أنها بقيت معهم، ومعنى{قدرناها} أي قدرنا كونها {من الغابرين} أي ~~جعلناها في قدرتنا وتدبيرنا من الهالكين الغابرين في عذابنا الماضيين، أو ~~من الباقين في العذاب كقوله تعالى: {قدرناها من الغابرين} لأن ms0866 التقدير واقع ~~على الغبور لا عليها، أي قدرنا كونها من الباقين في العذاب غير الناجين من ~~غبر إذا بقى. # وقال: قدرنا؛ لأن الغبور في العذاب لم يكن صفتها وقت تنجيتهم؛ لأن ~~التنجية كانت بخروجهم وهو متقدم على نزول العذاب بقوم لوط، وتقدير الله ~~اعلم محقق لا كعلمنا كأنه قيل لم استثنى أمراته، فقيل قدرنا أي علمنا أنها ~~من الهالكين، وقوله: {وأمطرنا عليهم مطرا} يعنى مخصوصا، وهي الحجارة من ~~الطين التي رموا بها أي على الغائبين عن القرى. # وقيل: لم يرض الله بالانتقال حتى أتبعه مطرا من حجارة، ثم قال: {فساء مطر ~~المنذرين} أي بئس مطرهم، معناه قبح مطر المحذرين الذين أنذرهم ا من العذاب ~~المهين. # وهاهنا آخر القصص في السورة، ثم أتبعه القول في خطاب الله عز وجل مع محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى} أي اختار، في هذه الآية قولان: # الأول: أنه متعلق بما قبله من القصص، وأنه خطاب للوط عليه السلام، ~~والمعنى الحمد لله على هلاكهم، وسلام على عباده الذين اصطفى بأن أرسلهم ~~ونجاهم. # والثاني: أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام، ~~وكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم كالمخالف لمن قبله في أمر العذاب؛ لأن ~~عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه ~~النعم، وأن سلم على الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة. PageV16P338 # قال في الكشاف: هذا أمر له صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتلو هذه الآيات ~~الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شئ، وأن يستفتح بتحميده ~~والسلام على أنبيائه، والمصطفين من عباده، ويستظهر على قبول ما يلقي ~~للسامعين إليه، وفيه تعليم لغيره، وبعث على التبرك بهذين الذكرين، والتقوي ~~بهما على قبول ما يلقي للسامعين وامتثاله، وعلى هذا جرت عادت العلماء ~~والخطباء والوعاظ، ومعنى قوله: {أالله خير أما يشركون} أي أيهما خير، ولا ~~خير فيما أشركوا به حتى تفاضل بينهما، وإنما تهكم بحالهم وتبكيت ms0867 لهم على ~~إيثارهم عبادة الأصنام التي لا خير فيها على عبادته. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد أهو خير أم الذين يشركون معه ~~المخلوقين، فقامت أم مقام الذين، وادغمت أم في ما فلم تبين أم وصار موضعها ~~في اللفظ تشديدا، وكذلك قوله: {أمن خلق السماوات والأرض} أدغمت أم في من، انتهى. # ومعناه بل أمن خلق السموات والأرض {وأنزل لكم من السماء} هذا الاستفهام ~~للتقرير بأن من قدر على ذلك خير من جماد لا يقدر على شيء. # قال جار الله: الفرق بين أما وأم في أما تشركون، وأم من خلق أن الأولى ~~متصلة؛ لأن المعنى بهما خبر وهذه منقطعة بمعنى بل، وقوله: {ماء فأنبتنا به ~~حدائق} جمع حديقة وهي البستان عليه حائط من الإحداق وهي الإحاطة، أي حظائر ~~وحوائط، وقيل: أنها النخل. PageV16P339 # وقوله: {ذات بهجة} يعني ذات نضارة وحسن وبها؛ لأن الناظر يتبهج به، وإنما ~~التفت عن الغيبة إلى التكلم لتأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته تعالى، ~~والإيذان بأن انبات الحدائق الموصوفة لا يقدر عليه غيره ولذلك أتبعه بقوله: ~~{ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أي ماكان في قدركم أن تخلقوا، ولا صح ولا ~~أستقام ذلك منكم، أي هو محال، وقوله: {أئله مع الله} لفظه لفظ الاستفهام ~~ومعناه معنى التقرر والإفهام، أي أأله مع الله يفعل مثل هذا الفعل، إنكار ~~أن يكون معه إله مع هذا الدليل، ثم قال {بل هم قوم يعدلون} أي يميلون عن ~~الحق الذي هو التوحيد، ويشركون بالله عز وجل أو يعدلون بالذي يخلق من لا ~~يخلق، فيجعلون له عدلا، أي مثلا، وقوله بل هم بعد الخطاب أبلغ في تخطية ~~رأيهم، ثم ذكر تعالى ما يتعلق بمنافع الأرض فقال: {أمن جعل الأرض قرارا} أي ~~سواها للعباد للاستقرار عليها {وجعل خلالها} أي بينها في مسالكها ونواحيها ~~{أنهارا} يعني عيونا جارية ينبت بها الزرع ويحى فيها الخلق {وجعل لها ~~رواسي} يعني جبالا هي ممسكة، والأرض بها ثابته من الإضطراب؛ لأنها كانت ~~تضطرب قبلها {وجعل بين البحرين} العذب والملح {حاجزا} ms0868 أي مانعا من اختلاطها ~~بقدرته، ولازما من أمره، يلزم كل واحد منهما عن ممازجة صاحبه. # ثم إنه سبحانه لما بين أنه المختص بالقدرة على خلق السماوات والأرض التي ~~فيها هذه المنافع الجليلة قال: {أئله مع الله} يقرن به، ويجعل له شريكا، ~~ونبه بقوله تعالى: {بل أكثرهم لا يعلمون} على عظم جهلهم بالذهاب عن هذا ~~التفكر، والضمير في قوله: {بل أكثرهم} إلى الناس، أو الكفار، وعبر عن الكل ~~بالأكثر، ومعنى لا يعلمون أي لا يعقلون، ولا يعلمون توحيد الله عز وجل، ولا ~~يفكرون في خلقه لاعراضهم عن هذه الأدله. PageV16P340 # ثم ذكر سبحانه مايتعلق باحتياج الخلق إليه وهو قوله: {أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه} والمضظر هو الذي وقعت معه ضرورة محوجه إلى الالجاء والتضرع، وقد يدعو ~~المضطر فلا يجاب، إذ الإجابة موقوفة على المصلحة، فلذلك لا يحسن الدعاء إلا ~~بالشرط، وأيضا فإنه تعالى وعد بالاستجابة، ولم يذكر أنه يستجيب في الحال، ~~وللمرتضى عليه السلام في هذا كلام شاف سيأتي إن شاء الله تعالى في قول الله ~~سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني} الآية. # قال في البرهان: وإنما خص المضطر لأمرين: # أحدهما: أن رغبتة أقوى وسؤاله أخضع. # والثاني: لأن إجابته أعم وأعظم؛ لأنها تضمن كشف بلوى وأشد نعما، انتهى. # وأما قوله: {ويكشف السوء} أي يزيل المكروه من المضطر فهو كالتفسير ~~للإستجابة، فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى، ومرض إلى ~~صحة، وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا ينازع. # قال في البرهان: وكشف السوء يحتمل أن يكون عمن تولاه فلا ينزل به، انتهى. # ومعنى قوله: {ويجعلكم خلفاء الأرض} أي ولات الأرض بعد من مضى من أهلها، ~~يعني خلقا بعد خلق، لأن الأولاد خلق من الآباء، ويجوز خلقا من الكفار بنزول ~~أرضهم، وطاعة الله تعالى بعد كفرهم، ثم بين أنه المختص بذلك بقوله عز وجل: ~~{أئله مع الله قليلا ما تذكرون} أي ما أقل تذكركم لنعم الله عز وجل، ويحتمل ~~أن ما زائدة، وأراد بالقلة ms0869 العدم؛ لأنها تستعمل بمعنى نفي التذكر، ثم نبه ~~على أمرين بقوله تعالى: {أمن يهديكم} في أسفاركم بالنجوم في السماء، ~~والعلامات في الأرض {في ظلمات البر والبحر} إذا سافرتمم في الليل فيهما، ~~يعني من يرشدكم في مسالك البر والبحر، ويخلصكم من أهوالها، والبر الأرض ~~والبحر الماء. PageV16P341 # والثاني: قوله سبحانه: {ومن يرسل الرياح بشرا} جمع نشور أي محيية لأنها تحي ~~الأرض بدعائها المطر، أي تنشر السحاب في الهواء نشرا. # وفي البرهان: يعني ملقحا وقرئ بالباء ومعناها مبشرة {بين يدي رحمته} أي ~~أمام الغيث استعارة من المتقدم بين يدي غيره، والرحمة المطر، وقوله: {أئله ~~مع الله} إنكار للشركاء أي غير الموصوف بهذه النعم بجعل له شريكا وهولا ~~يقدر على شيء {تعالى الله عما يشركون} أي أرتفع شأنه وتنزه عما أشركوا به ~~من عبادة الأوثان. # واعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا أتبع ذلك بنعم الآخرة بقوله: {أمن ~~يبدأ الخلق ثم يعيده} في الآخرة؛ لأن نعم الآخرة بالثواب لا يتم إلا ~~بالإعادة بعد الابتداء والابلاغ إلى حد التكليف، وإنما ذكر لهم الإعادة وهم ~~منكرون لها لأنهم لما مكنوا من المعرفة وقد نصب لهم الأدلة الواضحة على ~~الإعادة فكأنهم مقرون، ويحتمل أن يراد القياس على الأبد، أي من يبدء الخلق ~~وإذا أبداه فهو يعيده فقد تضمن الكلام كل هذه النعم، ومعلوم أنها لا تتم ~~إلا بالأرزاق، فلذلك قال سبحانه: {ومن يرزقكم من السماء والأرض} بالنبات، ~~ثم قال: { أئله مع الله} منكرا لما هم عليه من الشرك، ثم بين بقوله: { قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} أن مع الله شريكا أن لا برهان لهم، فإذن هم ~~مبطلون، وهذا يدل على أنه لابد في الدعوى من البرهان وعلى فساد التقليد. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بعلم الغيب فقال عز وجل: {قل لا يعلم ~~من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون}. # قال في الكشاف: فإن قلت لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في ~~السموات والأرض؟ # قلت: حاء على لغة ms0870 بني تميم، يقولون ما في الدار أحد إلا حمار، كان أحد لم ~~يذكر، ومنه قوله: PageV16P342 # عشية ما تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشي في المصمم # وقولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه، وكان ~~القياس في اسم الله النصب على الحجازية في يريد نصب الاستثنا المنقطع، وأما ~~بنو تميم فيجوزون البدل في الاستثناء المنقطع، وهذه الآية حجة لهم. # قال: لكن اختيرت التميمية لكنه سرية في المعنى، وهو أن التقدير إن كان ~~الله ممن في السماوات فهم يعلمون الغيب، بمعنى أن علمهم الغيب في الاستحالة ~~أن يكون الله منهم، فلهذا اختيرت التميمية في الأبدال، كذلك قوله ليس بها ~~أنيس إلا اليعافير، أي إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس......... للقول ~~يخلوها عن الأنيس. # فإن قلت: هلا زعمت أن الله ممن في السماوات والأرض على طريقة قول ~~المتكلمين أن الله في كل مكان، على معنى أن علمه في الأماكن كلها حتى لا ~~تحمله على مذهب بني تميم. # قلت: يأبا ذلك أن كونه في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، ~~وإرادة المتكلم بكلمة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيحة على أن قولك من في ~~السماوات والأرض وجمعكم بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام تسوية، ~~والإيهام مزال عنه سبحانه وتعالى. # ألا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام لمن قال ومن يعصهما فقد غوى: ((بئس ~~خطيب القوم أنت)) انتهى. # قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: المنع أن يجمع ضميره جل وعلا مع غيره. PageV16P343 # كما قال الخطيب: ومن يعصهما فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~ذلك، وكما أفرد الضمير في قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} ولم يقل ~~جل وعلا أن يرضوهما، وأما اسم العام فلا يمتنع أن يطلق اسم عام للخالق جل ~~وعلا والمخلوق، وقد ورد به القرآن، قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~وقوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم} ولفظ من في ~~الآية جار مجرى اسم العام، وإطلاق ms0871 اللفظ على الحقيقي والمجاز لا مانع منه، ~~والله اعلم، انتهى. # قلت: وهذا هو الحق وهو قول كثير من العلماء. # قال بعضهم: لأنا نقول كونهم في السماوات والأرض كما أنه حاصل حقيقة، وهو ~~حصول ذواتهم في تلك الأخبار، فكذلك حاصل مجازا، وهو كونهم عالمين بتلك ~~الأمكنة، وإذا حملنا هذه اللفظة على المعنى المجازي، وهو الكون فيها بمعنى ~~العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فيصح الاستثناء. # أما قوله: {وما يشعرون} فهو صفة لأهل السماوات والأرض، نفي أن يكون لهم ~~علم الغيب، وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله: {أيان يبعثون} فأيان بمعنى ~~متى، وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت، وقرئ بكسر الهمزة، ثم قال ~~تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة} أدارك أصله تدارك، فأدغمت التاء في ~~الدال، أي تكامل واستحكم علمهم بالآخرة، وقرئ بل ادارك، أي الحق علمهم بأن ~~الساعة والبعث حق في الآخرة حين لا ينفعهم ذلك. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه تلاحق وتتابع واجتمع علمهم في ~~الآخرة، وأيقنوا بها عند معاينتهم لها، وأما في الدنيا فهم في شك منها كما ~~قال عز وجل: {بل هم في شك منها} أي الآخرة {بل هم منها عمين} أي لكنهم عنها ~~عمى لا يبصرون، انتهى. # قلت: وهذا هو الفرق بين علمهم في الآخرة وشكهم منها وهم فيها عمون. PageV16P344 # قال في الكشاف: ويحتمل أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكما بهم، ~~كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزو، وذلك حيث شكوا وعموا عن ~~إثبات الطريق الذي إلى علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق ~~إلا معرفته. # قال الرازي: فإن قلت هذه الاضرابات الثلاث ما معناه؟ # قلت: ماهي إلا بيان درجاتهم، وصفهم أولا بأنهم لايشعرون وقت البعث، ثم ~~أنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم أنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو ~~أسوى حالا وهي العمى، وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة مبتدأ أعمالهم، ~~فلذلك عداه لمن دون عن؛ لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو ms0872 الذي جعلهم ~~كالبهائم. PageV16P345 # قال تعالى: {وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون} أي من ~~الأرض، أو من الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على إذا وإن ~~جميعا على القراءة بذلك؛ لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلامن الشك في كمال ~~القدرة أو في كمال العلم، أو إذا أثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات، ~~وعالم بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من ~~المكلفين عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادرا على أن يعيد التركيب والحياة ~~إليها، وإذا اثبت إمكان ذلك ثبت صحة القول بالحشر، فلما بين الله تعالى ~~هذين الأصلين فيما قبل هذه الآية لا جرم تكلم بعده في هذه المسألة، فجكى ~~عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم أحياء، وقد صاروا ترابا وقالوا: {لقد وعدنا ~~هذا} الإخراج من القبور {نحن وآباؤنا من قبل} أي حين زعم قوم أنهم رسل الله ~~للإنذار بالإخراج من القبور والبعث، ثم قال: {إن هذا} أي ما الذي وعدنا به ~~{إلا أساطير الأولين} اسطورة أي ماسطر الأولون وكتبوه مما لاحقيقة له، ~~أرادوا أن الكلام مما قيل لنا فقد قيل لمن قبلنا، ولم يظهر له أثر، فهو إذا ~~من أساطير الأولين، يريدون مما لا يصح من الأخبار أنه سبحانه كان قد بين ~~الدلالة على هذين الأصلين، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف صحة ~~الحشر والنشر، ثبت أنهم عرضوا عنها ولم يتأملوها، وكان سبب ذلك الإعراض حب ~~الدنيا وحب الرئاسة والجاه، وعدم الانقياد للغير، لا جرم اقتصر على بيان أن ~~الدنيا فانية، فقال تبارك وتعالى: {قل سيروا في الأرض} للنطرة والإعتبار ~~{فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} أي الكافرين، وإنما عبر عنهم بلفظ ~~الإجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك الجرائم، والمراد منه أن تحصيل التخويف ~~لكل العصاة، ثم إنه تعالى صبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فما يناله من ~~هؤلاء الكفار PageV16P346 فقال سبحانه: {ولا تحزن عليهم} أي على فوت إيمانهم، يريد قريشا حيث لم ~~يتبعوه فيسلموا {ولا تكن ms0873 في ضيق} أي ضيق ........... أو ضيق أمر {مما ~~يمكرون} يريد من مكرهم .......... لا تخفهم فإن الله يعصمك من الناس وينصرك ~~عليهم، فجمع بين إزالة الغم عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم، وذلك ~~كالتكفل لنصرته عليهم، يقال ضاق ضيقا وتكسر أيضا وقرئ بهما. # ثم قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد} أي وعد العذاب الذي وعدتم به {إن ~~كنتم صادقين} أن العذاب نازل بمن كذب، ولما استعجلوا العذاب الموعود بوقوعه ~~دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية، فأمر تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يقول لهم: {قل عسى أن يكون ردف لكم} أي ردفكم بعضه هو عذاب ~~يوم بدر، واللام مزيده للتأكيد؛ لأن معناه تبعكما ولحقكما، أو ضمن ردف، ~~معنى دنا لكم وعسى ولعل وسوف في الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده، ~~وأنه لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون ~~بالانتقام لإذلالهم بالقهر، وثقتهم بأن عدوهم لا يفوتهم، وأن الرمز إلى ~~الأغراض كافية من جهتم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده. # قلت: ويؤيد هذا القول كثير من أئمتنا عليهم السلام. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى عسى هو يقين غير شك، والعرب ربما ~~استعملتها في اليقين، تقول العرب هلموا عسى أن يشاوركم وهم لا يشكون في ~~ذلك، ومثل هذا ذكر المرتضى وغيره من أئمتنا عليهم السلام. # ومعنى ردف لكم، أي تبعكم وسار العذاب وراءكم حتى يوشك أن يأخذكم. # قال أبو ذوئيب: # عاد السواد بياضا في مفارقة ... لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا # ...وقال آخر: # إذا الجوزاء ردفت الثرياء PageV16P347 أي سارت وراءها وتبعها، والعرب تقول: أردفوا المشاة وراء ظهوركم، وقد قيل ~~معنى ردف لكم هو دنى واقترب {بعض الذي تستعجلون} هو الموت والقتل، وهما بعض ~~العذاب الذي ردف لهم، وتبعهم وهم هاربون من ذلك حائدون، وله أبدا محاذرون ~~ومجتهدون، وهؤلاء لابد يلحقهم ويدركهم أينما ذهبوا وينالهم. # ثم إنه سبحانه بين السبب في ترك تعجيل العذاب، فقال {وإن ربك لذو فضل على ~~الناس} ms0874 أي متفضل عليهم بتأخير العقوبة وغير ذلك {ولكن أكثرهم لا يشكرون} ~~لجهلهم حق النعمة، فلا يعرفونها ولا يشكرونها، فهم يستعجلون العذاب، ~~والمراد قريش، وهذه الآية تبطل قول من قال أنه لا نعمة لله على الكفار، ثم ~~أخبر سبحانه أنه مطلع على ما في قلوبهم فقال: {وإن ربك ليعلم ما تكن ~~صدورهم} أي تستر من الكفر، وما يخفون من عداوة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم {وما يعلنون} أي يظهرون من ذلك، وهو وعيد لهم ووعد لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال تعالى: {وما من غائبة في السماء والأرض ~~إلا في كتاب مبين}. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه في علم الله العليم، ~~والكتاب مثل من الأمثال يستدل به على حفظ الله ذي الجلال. # قال في البرهان: والغائبة كل ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض. # وقيل: الغائبة القيامة، وهي عامة في كل ما غيبه الله من خلقة وأخفاه. # قال جار الله: سمى الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، فكانت التاء ~~فيهما بمنزلتها في العاقبة، والعافية ونظائرهما النطيحة والرمية، والذبيحة ~~في أنها أسماء غير صفات، ويجوز أن يكونا صفتين، وتاؤلهما للمبالغة كالرواية ~~في قولهم ويل للشاعر من رواية السوء، كأنه تعالى قال وما من شيء شديد ~~الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله تعالى وأحاط به. PageV16P348 # واعلم أنه سبحانه لما تمم الكلام في إثبات المبتدأ والمعاد ذكر بعد ذلك ~~مايتعلق بالنبوة فقال تعالى: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم فيه يختلفون} لما كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم هي القرآن لاجرم أخبر الله تعالى أولا كونه معجزة من وجوه: # أحدها: أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في ~~التورية والإنجيل، مع العلم بأنه صلوات الله عليه وآله كان أميا، وأنه لم ~~يخالط أحد من العلماء، ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم، فإذن لا يكون إلا ~~من قبل الله تعالى، والمعنى أن هذا القرآن يبين قصة ms0875 ما اختلفوا فيه من أمر ~~المسيح وغيره؛ لأن اليهود والنصارى اختلفوا في المسيح، فقالت النصارى هو ~~إله، وقالت اليهود هو ساحر، حتى لعن بعضهم بعضا. # فقال عز وجل: {إن هذا القرآن} ليبين لهم الهدى فيما اختلفوا فيه لو ~~أنصفوا وأسلموا وأخذوا به. # وثانيها: قوله {وإنه} أي القرآن {لهدى} إلى الحق {ورحمة} نعمة لما فيه من ~~المنافع {للمؤمنين} لمن أنصف وآمن من بني إسرائيل؛ لأن الكلام فيهم، أو ~~أراد لكل من آمن بالقرآن عموما، وذلك كما قال بعضهم إنا لما تأملنا في ~~القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد، والحشر والنبوة، وشرح ~~صفات الله تعالى، وبيان نعوت جلاله مالم نجده في شيء من الكتب، ووجدنا ما ~~فيه من الشرائع مطابقة للعقول موافقة لها، ووجدناه مبرءا عن النقائص ~~والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الجهات، ووجدنا القوى البشربه قاصرة عن ~~جمع كتاب على هذا الوجه، فعلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى، وكان ~~القرآن معجزا من هذه الجهة. # وثالثها: أنه هدى ورحمة للمؤمنين لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عحزوا عن ~~معارضته وذلك معحز، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجز دل على الرسالة، ذكر ~~بعده أمرين: PageV16P349 # الأول: قوله سبحانه: {إن ربك} يامحمد {يقضي بينهم} أي بين بني إسرائيل فيما ~~اختلفوا فيه أو بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، وقوله: {بحكمه} أي بعدله، ~~سمي المحكوم به حكما فلا يقال القضاء والحكم شيء واحد؛ لأن معنى قوله بحكمة ~~أي ما يحكم به وهو عدله؛ لأنه لا يقضي إلا بالعدل أو أراد بحكمته، دل عليه ~~قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة. # ثم قال: {وهو العزيز} فلا يرد قضاؤه {العليم} بما يقضي له وعليه. # الثاني: أنه سبحانه أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على الله، ولا ~~يلتفت إلى أعداء الله، ويشرع في تشييد مهمات الرسالة بقلب قوي فقال: {فتوكل ~~على الله إنك على الحق المبين} علل التوكل بأنه على الحق الأبلج، وفيه أن ~~صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصر الله، وأن مثله لا ms0876 يخذل، وقوله: {إنك لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء} تعليل آخر وجهه أن الأمر بالتوكل حصل سببا ~~عما كان يغيظه صلى الله عليه وآله وسلم من جهة المشركين وأهل الكتاب من ترك ~~اتباعه ومن أذاه، فعلل الأمر بالتوكل بأن اتباعه قد أيس منه فلم يبق إلا ~~الاستنصار عليهم، واستكفاء شرورهم وأذاهم ، وشبهوا بالموتى لأنهم لا يسمعون ~~بما يتلى عليهم، فلا يفهمون ولا يبصرون، ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، ~~فهم كالموتى وكذا تشبيههم بالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون، وبالعمي حيث ~~يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم ويجعلهم هداة بصراء إلا الله تعالى. PageV16P350 # وقوله تعالى: {إذا ولوا مدبرين} تأكيدا لحال الأصم؛ لأنه إذا أدبر عن ~~الداعي وتولا عنه كان ذلك أبعد عن إدراك صوته؛ لأن الأصم إذا قابل فقد يفهم ~~الإشارة، وشبههم بالعمي حيث ضلوا طريق الهدى، فقال تعالى: {وما أنت بهادي ~~العمي عن ضلالتهم} وهذا كله تشبيه على سبيل الإستعارة لمن أبا قبول الحق ~~وعمى وصم، ومات قلبه عن الصدق، ومعنى قوله: {إن تسمع} أي ماتسمع سماع قبول ~~وإفهام {إلا من يؤمن بآياتنا} أي أدلتنا {فهم مسلمون} أي منقادون أو مخلصون ~~من قوله {بلى من أسلم وجهه لله} يعني جعله سالما خالصا له. # واعلم أن الله بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم، ثم فرع ~~عليهما القول بإمكان الحشر، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزا، ثم فرع عليه ~~نبوء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تكلم بعد ذلك في مقدمات قيام ~~القيامة، فقال سبحانه: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض}. # اعلم أن القول هو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب ووقوعه وحصوله، ~~والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها، وحين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل. # واعلم أنه تعالى ذكر تارة ما يكون كالعلامه بقيام الساعة، وتارة للأمور ~~التي تقع عند قيام القيامة، وذكر أولا من علامات القيامة دابة الأرض والناس ~~قد تكلموا فيها من وجوه، ولا دلالة له ms0877 في الكتاب على شيء بما ذكره، فإن صح ~~فيه خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل، وإلا لم يلتفت إليه من ~~ذلك ماحكاه في التجريد. # قال: الدابة هي الحساسة جاء في الحديث أن طولها ستون ذراعا لا يدركها ~~طالب، ولا يفوتها هارب. # وروي أن لها أربع قوائم وزغب، وريش وجناحان. PageV16P351 # وعن ابن جرج: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إيل وهو ذكر ~~الأوعال، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصر هر، وذنب كبش، وخف بعير، ~~ومابين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم. # وعن أبي هريرة: فيها من كل لون وما بين قرنيها فر سخ للراكب، وروي لا ~~يخرج إلا ثلثها، وقيل تخرج كلها. # واختلف في الموضع الذي تخرج منه، فقيل من الصفا، وقيل من شعب أجناد، ~~وقيل: ما بين الصفاء والمروة. # وروي تخرج ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما ~~بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشوا تلك النكتة في وجهه حتى يضئ ~~لها، أو فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر ~~بالخاتم في أنفه فتفشوا تلك النكتة في وجهه حتى يسود لها وجهه، وتكتب بين ~~عينيه هو كافر، ثم تقول لهم يافلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار. # وأما قوله: {تكلمهم} بتشديد اللام من الكلام، وفي تكليمهم به ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها تقول لهم: {أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} قاله قتادة. # والثاني: تكلمهم ببطلان الأديان كلها إلا دين الإسلام، قاله السدي. # والثالث: تقول هذا مؤمن، وهذا كافر. # وعن بن عمر: تستقبل المغرب فتصرخ صرخه فتنفذه، ثم تستقبل المشرق كذلك، ثم ~~اليمن كذلك. # فإن قلت: إذا كان حكاية لقول الدابة فكيف قيل بآياتنا؟ # قلت: قولها حكاية لقول الله تعالى، أو على معنى بآيات خروجنا، أو بآيات ~~ربنا فجذف المضاف، أو لاختصاصها بالله تعالى، كما يقول بعض عبيد الملك ~~خيلنا وداوبنا، وإنما هي خيل مولاه ودوابه، انتهى. PageV16P352 # وقال الإمام الحسين بن القاسم ms0878 عليهم السلام في تفسيره لهذه الآية ما لفظه: ~~يعني بهذه الآية المهدي من ولد الحسن بن الحسن عليهم السلام، يقول إذا وقع ~~الوعيد بالعذاب عليهم، وحق بهم قول الله في كفرهم أخرجنا رجلا يدب إليهم ~~ويكلمهم، والكلام هو الخطاب الذي به يخاطبهم ويأمرهم، وينهاهم ويعلمهم، ~~ويوضح ويبين لهم. # وقيل: يكلمهم، أي يقتلهم إذا لم يجيبوه إذا دعاهم إلى الحق فلم يطيعوه، ~~والكلوم هي الجراح في لغة العرب قال الشاعر: # ولسنا على الأعقاب تدما كلومنا ... ولكن أقدامنا تقطر الدماء # يقول أن جراحنا لاتدما على أعقابنا ولا نجرح في القتال على ظهورنا، ولكن ~~على أقدامنا تقطر الدماء من وجوهنا لاقبالنا إلى القتال وصبرنا، ومعنى أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون به ولا بغيره من الآيات، ولا ينتفعون ~~بدلالته ولا بسائر الدلالات، يعني بذلك الفاسقين والكفرة وغيرهم من ~~المنافقين، الذين لايفلحون أبدا ولا يوقنون، ولا يحكمون عقولهم ولايؤمنون. # وإنما سماه الله دابة لدبيبه في الأرض ومشيه، وكل مادب دبيبا وسار سمي دابة. # قال الله عز وجل: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} ~~فسمى الناس دوابا. # وقال عز وجل: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} ~~أي ماترك على الأرض من إنسان فسمى الناس دوابا لدبيبهم ومشيتهم، انتهى. PageV16P353 # قلت: ومثل هذا ذكر الإمام أبو الفتح الديلمي عليه السلام: في برهانه، ثم ~~قال فيه ومن الأرض بعض بقاع اليمن، وتكلمهم من الكلم وهوالجروح، روينا عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تخرج الدابه فتسم الناس على ~~خراطيمهم، وخروجه إظهار كفر الكافر وإبانة نفاق المنافقين؛ لأنهم لا يكونون ~~قبله متسترين بالإيمان حتى يكشف سؤات نفاقهم، ويبدئ عورات كفرهم ينبئهم ~~فيقول هذا مؤمن وهذا كافر)) وهو معنى قوله: {أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون}. # ثم أخبر عز وجل عن الأمور الواقعة بعد قيام القيامة فقال سبحانه: {ويوم ~~نحشر من كل أمة فوجا} الفوج هو الجماعة الكثيرة، ثم قال: {ممن يكذب ~~بآياتنا} وهذا وإن احتمل معجزات ms0879 الرسل كما قال بعضهم، فالمراد كل الآيات ~~فيدخل فيه الكفار الذين كذبوا بآيات الله أجمع أو بشيء منها، والفرق بين من ~~الأولى والثانية، أن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين، كقوله من الأوثان، ~~ومعنى {فهم يوزعون} أي يجمعون ويرد أولهم آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكوا ف ~~يالنار، ويقتسمون فرقا، وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، ثم قال: ~~{حتى إذا جاءوا} إلى موضع الجزاء {قال} الله تبيكيتا لهم {أكذبتم بآياتي} ~~وقوله: {ولم تحيطوا بها علما} الواو للمحال أو للعطف، والمعنى أكذبتم ~~بآياتي قبل أن تحيطوا بها علما، بل بادرتم إلى التكذيب أو فعلتم التكذيب في ~~الجهل بها قبل النظر المؤدي إلى إحاطة العلم بتحقيقها الدال على التصديق أو ~~التكذيب. # وأما قوله: {أماذا كنتم تعملون} فالمراد لما لم تشتغلوا بذلك العمل ~~المهم، فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك، كأنه قال كل عمل سواه فليس بعمل، ~~وهذا للتبكيت لا غير؛ لأنهم لم يكونوا يعملون إلا التكذيب. PageV16P354 # ثم قال: {ووقع القول عليهم} أي وجب مقتضى القول عليهم وهو العذاب الموعود، ~~والقول العدة بالعذاب، ثم بين سبب وقوع العذاب بقوله: {بما ظلموا} من ~~التكذيب بآيات الله تعالى { فهم لا ينطقون} لشغلهم بالعذاب عن النطق ~~والاعتذار كقوله: {هذا يوم لا ينطقون} وقيل: لا ينطقون بما ينفعهم. # وقيل: هذا حين يختم على أفواههم، ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال ~~القيامة ذكر كلاما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد، وعلى الحشر، وعلى ~~النبوة، مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر، فقال تعالى: {ألم ~~يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه} من حركات النهار ليستريحو {والنهار ~~مبصرا} أي ليبصروا فيه. # أما وجه دلالته على التوحيد فلما ظهر في العقول أن التقليب من النور إلى ~~الظلمة، ومن الظلمة إلى النور لا يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية، وأما وجه ~~دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت قدرته تعالى على هذه الصورة على القلب من ~~النور إلى الظلمة وبالعكس فأي امتناع في ثبوت قدرته على القلب من الحياة ~~إلى الموت مرة، ومن الموت إلى ms0880 الحياة أخرى. # وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار لمنافع ~~المكلفين، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة، فما المنافع في ~~بعثهم إلى الخلق لأخذ تحصيل تلك المنافع فقد ثبت أن هذه النكتة كافية في ~~إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة التي منها كفرهم واستحقاقهم ~~للعذاب، وإنما جعل النهار مبصر ليمكن طلب الرزق فيه جعل الإبصار للنهار وهو ~~لأهله على جهة المجاز. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعنى مبصر أي مبصرا في التأويل وهو ~~مخفف في التلاوة والتنزيل، وتخفيف المثقل وتثقيل المخفف جائز عندهم مستعمل ~~موجود في لغتهم، انتهى. PageV16P355 # ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات} أي دليل عظيم القدرة وجليل النعمة {لقوم ~~يؤمنون} أي يصدقون خص المؤمنون بما ذكروا، وأن كان أدلة للكل من حيث اختصوا ~~بالقبول والانتفاع. # والعلامة الثانية: قوله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور} يعني تعاد الأرواح ~~إلى الصور، والمراد بالصور جمع صور وهي صور المخلوقين، والنفخ فيها عبارة ~~عن إحياها، وهذا قول الهادي إلى الحق وغيره من أئمتنا عليهم السلام وهو ~~الموت، وهي أيضا قول قتادة وأبي عبيدة. # قال في التجريد: اختلف في النفخ فقيل ليس إلا نفختان. # الأولى: نفخة الصعق وهو الموت وهي أيضا نفخة الفزع بفرعون، ثم يموتون. # والنفخة الثانية: نفخة الإحياء والبعث والقيام لرب العالمين. # قال في البرهان: قوله يوم ينفخ في الصور يعني تعاد الأرواح إلى الصور، ~~أما قوله: {ففزع من في السماوات ومن في الأرض} فقال الحسين بن القاسم ~~عليهما السلام: الفزع الروع، وأما أهل اليمن فمنهم من يسمى الانتباه من ~~النوم فزعا. # قال الرازي: في الصور وجوه: # أحدها: أنه شيء يشبه القرن وأن إسرافيل عليه السلام ينفخ فيه بإذن الله ~~فإذا سمع الناس ذلك الصوت وهو في الشدة بحيث لا تحمله طبايعهم يفزعون عنده ~~ويصعقون ويموتون. # وثانيها: يجوز أن يكون تمثيلا لدعاء الموتى، فإن خروجهم من قبورهم كخروج ~~الجيش عند سماع صوت الألة. PageV16P356 # وثالثها: أن الصور جمع الصورة، وجعلوا النفخ فيها نفخ الروح، وإنما قال ms0881 ~~تعالى ففزع ولم يقل فيفزع للإشعار بتحقيق الفزع وثبوته أنه كائن لا محالة؛ ~~لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعا به، والمراد فزعهم عند ~~النفخة الأولى، وقوله: {إلا من شاء الله}...من الملائكة، وقيل من الشهداء ~~في سبيل الله، وقيل الحور، وقيل خزنة النار، وقيل غير ذلك، وليس في الكل ~~خبر مقطوع، والكتاب إنما يدل على الجملة، ثم قال: {وكل} من أهل السماوات ~~والأرض {أتوه} أي أتو الله يريد موضع جزائه، ومعنى: {داخرين} أي صاغرين ~~خاضعين، ثم ذكر العلامه الثالثة وهي قوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها ~~جامدة} أي تظنها ساكنة واقعة في أماكنها من جمد في مكان إذا لم يبرح، ~~والجمود هو السكون. قال الشاعر: # ولمثلة جمدت فلم تجري # قيل: تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب الناظر واقفة، وهكذا ~~الأجرام المتكاثرة لا يكاد تبين حركتها وهو معنى قوله: {وهي تمر مر السحاب} ~~أي مرا حيثا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تسير وتحرك مثل مر السحاب، ولكنه ~~حذف مثل، ثم قال تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} أي أحكم كل شيء من ~~صنعه صنع الله، مصدر مؤكد كوعد الله، إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ~~ينفخ، والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسن وعاقب ~~المسيء، ثم قال: صنع الله يريد الإثابة والمعاقبة، أي مقابلة الحسنة ~~بالثواب والسيئة بالعقاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، والمعنى أنه لما قدم ~~ذكر هذه الأمور التي لايقدر عليها سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي ~~أتقنها على الحكمة والصواب، ثم قال تعالى: {إنه خبير بما تفعلون} فيكافي ~~على حسب الفعل إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. PageV16P357 # واعلم أنه تعالى لما تكلم في علامات القيامة شرح بعد ذلك أحوال المكلفين ~~بعد قيام الساعة فقال سبحانه: {من جاء بالحسنة} هذا عام في كل حسنة لا تكون محبطة. # وقال في البراهان: يعني التوحيد والإخلاص بطاعة الله، انتهى. {فله خير ~~منها} لأنه يعطى بالحسنة عشرا، ولأن العمل ينقضي، ms0882 والثواب يدوم، وشتان ما ~~بين فعل العبد وفعل السيد، وقيل فله خير أي خير حاصل له من جهتها وهو ~~الجنة، ثم قال: {وهم من فزع يومئذ آمنون}. # قال في التجريد: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتنوين فزع، وقرأ الباقون ~~بإضافته، واختلف فقال الفارسي معنىالقراءتين واحد؛ لأنه إذا نون جاز أن ~~يراد به الكثرة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وكذا إذا أضيف ~~فالقراءتان سواء. # وقال غيره قراءة التنوين لا تدل على العموم؛ لأن المصادر وغيرهما لا تعم ~~إلا إذا كانت معرفة بلام الجنس، أو كانت في سياق النفي، وأما قراءة الإضافة ~~فتفيد العموم؛ لأن المصادر إذا أضيفت عمت كما إذا دخلتها لام الجنس، فعلى ~~هذا قراءة الإضافة تفيد نفي كل فزع عن المؤمنين، وقراءة التنكير لا تفيده، ~~ونظير الإضافه في المعنى لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ونظير ~~التنكير لا يحزنهم الفزع الأكبر انتهى. # آمن يعدى بالجار وبنفسه كقوله: {أفآمنوا مكر الله} ومعنى يومئذ أي يوم ~~هذا الوقت الذي وقعت فيه هذه الواقعات، قيل: والفرق بين هذا الفرع والفرع ~~الأول هو مالا يخلوا منه البشر عند إحساس شدة تقع من رعب وهيبة، وإن كان ~~المحسن يأمن من لحاق الضرر به كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب ~~وجاب، وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة، والفزع الثاني من النار والعذاب، ويحمل ~~على أول ما في الأخبار من لحوق المؤمن رعب وتهييب، لما يرى من شدة الأهوال، ~~قاله في الكشاف. PageV16P358 # قلت: وبالله التوفيق المؤمنين لا يفزعون أبدا، ولا يجربون قطعا؛ لأن المكلف ~~إما يكون مطيعا أو عاصيا، أما المطيع فهو الذي جاء بالحسنة وله أمران: # أحدهما: أن له ماهو خير منها وهو الثواب. # والثاني: أنهم آمنون من كل فزع، لا كما قال بعضهم أن أهوال القيامة تعم ~~المؤمن والكافر، والله جل وعلا يقول في وصفه للمؤمنين يومئذ: {لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة} الآية، وقال تعالى: {وهم من فزع يومئذ ~~آمنون} وفي ذلك يقول المرتضى عليه السلام ما هذا لفظه: ليس يخرج ms0883 عبد من ~~الدنيا حتى يرى محله، ويعرف من الآخرة مكانه، بأخبار الملائكة عليهم السلام ~~له عند قبض روحه وخروج نفسه، فإن كان فاسقا أيقن بالنيران وبالمصير إلى سوء ~~دار، وإن كان مؤمنا تلقته الملائكة بالبشارة والكرامة، ألا تسمع كيف يقول ~~سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} فأخبر سحانه ببشارة ~~الملائكة للمؤمنين عند خروج أنفسهم، وتطمينهم لهم بما يطلعونهم عليه، ~~انتهى. {ومن جاء بالسيئة} يعم كل كبيرة. # وعن ابن عباس أراد الشرك ومثله في البرهان، والمراد بالمجيء مجيء يوم ~~القيامة وهو أن يوافي بالحسنة والسيئة يوم القيامة، فأما من أبطل الحسنة في ~~حياته أو السيئة قبل مماته فليس بمراد. # أما قوله تعالى: {فكبت وجوههم في النار} فاعلم أنه يعبر عن الجملة ~~بالوجه، الرأس والرقبة، كأنه قال وكبوا في النار، كقوله فكبكبوا فيها، ~~ويحتمل أنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين. # قال الحسين بن القاسم عليهم السلام: معناه جعلت على النار وطرحت، وكفيت ~~عند إسقاطها وجفيت. PageV16P359 # وأما قوله: {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} فتجزون فيه العقاب، وحكاية ~~مايقال لهم عند الكب باضمار القول، أي يقال لهم ذلك عند الكب توبيخا، ومعنى ~~قوله: إلا ماكنتم أي إلا بماكنتم تعملون فجذف البا. # واعلم أنه سبحانه لمابين المبدأ والمعاد، والنبوة ومقدمات القيامة، وصفة ~~أهل القيامة من أهل الثواب والعقاب، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ~~ختم الكلام بخاتمة لطيفه فقال تعالى: {إنما أمرت} أي قل إنما أمرت {أن أعبد ~~رب هذه البلدة} يعني مكة أي أخلص العبادة لمالكها وخصها بالذكر؛ لأنها أحب ~~بلاده إليه، فقد وصف الله سبحانه بأمرين: # أحدهما: أنه رب هذه البلدة، ثم وصفها بالتحريم بقوله: {الذي حرمها} أي ~~جعلها حرما، وشرفها لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، واللاجئ إليها آمن، ~~وأشار إليها إشارة تعظيم وتقريب. # والثاني: قوله {وله كل شيء} أي مع مكة، جعل دخول كل شيء تحت ملكوته ~~كالتابع لدخولها تحته، ثم قال: {وأمرت أن أكون ms0884 من المسلمين} المخلصين لله ~~في توحيده ونفي الشرك عنه {وأن أتلو القرآن} أي أمرت أقرأه من التلاوة، أو ~~من التلو، وهو الإتباع كقوله: {واتبع ما يوحى إليك} {فمن اهتدى} به وبما ~~أدعوه إليه من الإيمان {فإنما يهتدي لنفسه} أي إنما يعود نفع ذلك إلى نفسه ~~{ومن ضل} عن طريقي فلم يتبعني {فقل إنما أنا من المنذرين} أي فما علي إلا ~~الإنذار. PageV16P360 # ثم إنه سبحانه ختم هذه الخاتمة بنهاية الحسن وهي قوله: {وقل الحمد لله} على ~~ما أعطاني من نعمة العلم والحكمة، والنبوة التي هي عظيم النعم/ أو على ما ~~وفقني من القيام بأدا الرسالة وبالإنذار، وقوله: {سيريكم آياته فتعرفونها} ~~تهديدا لهم بما يريهم من آيات الآخرة الملجية لهم إلى المعرفة، حين ~~لاينفعهم في الآخرة فيعرفونها على ما قال في الدنيا، أو يريكم في الدنيا، ~~وهو ماترون من الآيات في السماء والأرض تيعرفونها أنها حق، ثم قال سبحانه ~~{وما ربك} يامحمد {بغافل عما يعملون} من خير أو شر فيجازيكم عليه؛ لأن ~~السهو والغفلة لا يجوزان عليه، وتقرأ بالتاء لنافع، وابن عامر، وحفص، ~~والباقون باليا. # قال في التجريد: من قرأه بباء الغيبة فهو وعيد لهم، ومن قرأه بيا الخطاب ~~فهو وعد ووعيد، أي عن ماتعمل يامحمد من دعائهم والصبر عليهم، وعن مايعملون ~~من الكفر والتكذيب لك، فهو مجازيهم ومنصف لك، والله اعلم. PageV16P361 ### || AUTO سورة الشعراء # مئتان وست آيات وعشرون آية في المكي، والبصري، والمدني الأخير، وسبع ~~وعشرون في الأول والكوفي، والشامي، مكية كلها إلا قوله: {والشعرا} إلى آخر ~~السورة، فإنهن نزلن في المدينة. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {طسم} قال في البرهان: هي من الفواتح التي افتتح الله بها كتابه، ~~انتهى. {تلك آيات الكتاب المبين} المراد بالكتاب القرآن أو السورة هذه، ~~والمبين الظاهر إعجازه وكونه من عند الله، والمعنى أن آيات هذا المؤلف من ~~الحروف المبسوطة، هي آيات الكتاب المبين الذي عجزوا عن الإتيان بمثل أقصر ~~سورة منه، مع أنه من جنس ما ينظمون منه كلامهم، والمبين وإن كان في الحقيقة ~~هو ms0885 المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين به عند النظر فيه، ولما ذكر ~~تعالى أنه بين الأمور قال بعده: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} أي ~~لامتناع إيمانهم، أو خيفة أن لا يؤمنوا منبها بذلك على أن الكتاب وإن بلغ ~~في البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان، ومعنى لعل الإشفاق أي الخوف ~~والبخع أن يبلغ الذابح البخاع وهو عرق مستبطن للفقار، وذلك أقصى الذبح، أي ~~أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك، ونظير هذه الآية ~~قوله تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وقوله في سورة الكهف: {فلعلك باخع ~~نفسك} والباخع نفسه هو المهلك لنفسه بالغم والحزن، والبخع القتل، قال ~~ذوالرمة: # ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء تحثه عن يديه المقادر # ثم أخبر سبحانه أنه قادر على أن ينزل آية يذلون لها ويخضعون فقال تعالى: ~~{إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية} ملجية إلى الإيمان كشق الجبل على بني ~~إسرائيل {فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي ذليلين وخاضعين من جموع العقلاء، ~~وأصله ظلوا خاضعين فزيدت الأعناق لبيان موضع الخضوع. # وقيل: أعناق الناس رؤساهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما قال هم الرؤس ~~والصدور. # وقال في البرهان: أي أصحاب الأعناق فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه ~~مقامه، ويحتمل أن تكون الأعناق الجماعات، انتهى. PageV16P362 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وهو لعمري موجود في لغة العرب، ولكنهم ~~اعتلوا في ذلك بأن الأعناق هي الرقاب، وهي غير مذكر، فقالوا لوأراد الأعناق ~~المعروفة لقال خاضعات، وأحسب أنهم قد توهموا في ذلك والله اعلم وأحكم؛ لأن ~~العنق مدكر إذا قيل عنق وأعناق، والتأنيث للرقاب في اللفظ والمعنى واحد، ~~قال الشاعر: # إذ مابنوا نعش دنوا فتصوبوا # والمعنى عندهم إذا ما بنات نعش دنون فتصوبن، والكلام واسع وليس يقبل كل ~~ما قيل، والخضوع هو الذل والإصغاء، قال الشاعر: # صبحنا وأعناق المطى خواضع # أي مسفة إلى الأرض متضعفة لشدة السير والعرب تقول أخضع البعير وأسف ~~برقبته إلى الأرض، ومن عرب اليمن من يقول أدب البعير ms0886 إذا خضع، قال الشاعر: # وإن خضوع العيش بعد كلالها ... على ركبتيها بالفتاء لمليح # انتهى. # ثم قال تعالى: {وما يأتيهم من ذكر} أي موعضة وتذكير{من الرحمان محدث} وهو ~~القرآن {إلا كانوا عنه معرضين}. # قال الرازي: هذا من تمام قوله إن يشاء ينزل عليهم، فنبه تعالى أنه مع ~~قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالالجاء رحيم بهم، من حيث يأتيهم حالا بعد حال ~~بالقرآن وهو الذكر قد كرره عليهم، وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض ~~والتكذيب والإستهزاء، ثم عند ذلك زجر وتوعد؛ لأن المراد أنه إذا استمر على ~~كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد، فلذلك قال تعالى: {فقد كذبوا} ~~بالقرآن يعنى بلغوا النهاية في آيات الله {فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون} أي القرآن سيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم، وهو ~~وعيد لهم بعذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة. PageV16P363 # ثم إنه تعالى أخبر عن آية أخرى مع إنزاله القرآن فقال: {أولم يروا إلى ~~الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} الهمزة لتقرير ما رأوا وكم للتكثير، ~~وإنما وصف الزوج بالكريم؛ لأن النبات على نوعين، نافع وضار، فذكر سبحانه ~~كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك الضار، فمعناه من ~~كل صنف كريم معه قرينة من أبيض وأحمر، وحلو وحامض، والكريم هو الحسن وهو ما ~~يأكل الناس، والأنعام، والزوج الصنف من النبات، والكريم صفة لكل ما يرضى ~~ويحمد في بابه، يقال وجه كريم أي مرضي في حسنه، وكتاب كريم في معانيه، ~~ونبات كريم مرضي في منافعه، وقيل: المراد به الناس؛ لأنهم نبات الأرض كما ~~قال الله عز وجل: {والله أنبتكم من الأرض نباتا} فمن دخل الجنة فهو كريم، ~~ومن دخل النار فهو لئيم، قاله في البرهان، وغيره، ثم قال: {إن في ذلك لاية} ~~أي دلاله على أن منبتها قادر على إحياء الموتى، أو علامة ودلالة على توحيد ~~الله وصفاته ونبؤة أنبيائه، ومعنى قوله: {وما كان أكثرهم مؤمنين} أي أكثر ~~الناس أو أكثر أمة محمد، أو ms0887 أكثر قريش، يريد ومع هذا قد علم الله أن أكثرهم ~~مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون، وإنما قال سبحانه: {وإن ربك لهو العزيز} أي ~~الغالب في إنتقامه من الكفرة؛ لأنه لولم يقدمه لكان، ربما قيل أنه يرحمهم ~~لعجزه عن عقوبتهم فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر، ومع ذلك ~~فإنه {الرحيم} لمن تاب وآمن وعمل صالحا، وقال تعالى: {وإذ نادى} أي واذكر ~~يامحمد وقت نادى ربك موسى {أن ائت القوم الظالمين} لأنفسهم ولبني إسرائيل، ~~هذا تفسير لندائه شنع عليهم بذكر الظلم، كأنه علم يعرفون به، وقوله: {قوم ~~فرعون} عطف بيان للظالمين. PageV16P364 # وأما قوله: {ألا يتقون} فهوكلام مستأنف تقديره ألا تتقوني وتخافون عقابي، ~~فجذف النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة، ومعناه الإنكار عليهم ~~في الإعراض عن تقوى الله تعجيبا لموسى عليه السلام؛ لأنه المخاطب. # قال الرازي: ويحتمل ألا تتقوني حالا من الضمير في الظالمين، أي يظلمون ~~غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. # ووجه ثالث: وهو أن يكون المعنى الإياس من أن تتقوا كقوله: {ألا يسجدوا} ~~وأما من قرأ ألا تتقون على الخطاب فعلى طريقة الالتفات إليهم وضروب وجوههم ~~بالإنكار والغضب عليهم، كما ترى من يشكوا من ركب جناية والجاني حاضر، فإذا ~~اندفع في الشكاية وحمى غضبه قطع شكاية صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف ~~به، ويقول له: ألم تتق الله ألم تستحي من الناس، فإن قلت: ما فائدة هذا ~~الالتفات والخطاب مع موسى عليه السلام في وقت المناجاة والملتفت إليهم ~~غائبون لا يشعرون؟ # قلت: أجرى ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم، وأجراه في ~~مسامعهم؛ لأنه مبلغهم ومنهيه إليهم، وله فيه لطف وحث على تأدية التقوى، وكم ~~من آية نزلت في بيان الكفار وفيها أوفر نصيب للمؤمنين، تدبرا لها واعتبارا ~~لمواردها. # واعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى قوم فرعون طلب ~~موسى عيه السلام أن يبعث معه هارون عليه السلام، ثم ذكر الأمور الداعية إلى ~~ذلك السؤال فقال تعالى حاكيا عنه: {قال ms0888 رب إني أخاف أن يكذبون، ويضيق صدري} ~~عن تحمل الرسالة إليهم وحدي، وهو عطف على خبران، أي وأخاف أن يضيق صدري ~~وقلبي {ولا ينطلق لساني} أي لا يفصح بالكلام للعقدة التي فيه، ولعل هذا قبل ~~الدعوة بحلها وقبل الاستجابة، أو أراد القدر اليسير الذي بقى منها، أو ولو ~~أنحلت ولم تكن من الفصحاء المصاقع، وهارون كان بهذه الصفة. PageV16P365 # أما قوله: {فأرسل إلى هارون} ليكون معي رسولا فليس في الظاهر ذكر من يرسل ~~إليه، فيحتمل أن المراد أرسل جبريل إلى هارون واجعله نبيا ووزيرا لي يعينني ~~على التبليغ، ويحتمل ماروي في الخبر أن الله تعالى أرسل موسى إليه. # قال الرازي: أن موسى عليه السلام لما سار بأهله إلى مصر والتقا بهارون، ~~وهو لا يعرفه فقال: أنا موسى فتعارفا، وأمره ينطلق معه إلى فرعون لأدا ~~الرسالة، فصارت أمهما في أعظم الخوف أنفا عليهما فذهبا إليه، والله اعلم. # قال في الكشاف: كيف وقد ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره الله بأمر فلا ~~يقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله عز وجل من ورائه؟ # قلت: قد أمتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه، ولم يطلب ~~الإقالة من الرسالة. # قال الرازي: ليس في التماس موسى عليه السلام أن يضم إليه هارون ما يدل ~~على أنه استعفا من المضي إلى فرعون، بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب ~~على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد، ثم قال: {ولهم علي ذنب} وهو قتل ~~القبطي خباز فرعون، وإنما سماه ذنبا لأنه يعلم أن الله تعالى إذا بعثه ~~رسولا تكفل بمعونته على تأدية الرسالة. # واعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين. # الأول: أن يدفع عنه شرهم. PageV16P366 # والثاني: أن يرسل معه هارون فأجابه الله تعالى إلى الأول حيث قال: {كلا} أي ~~ارتدع عن الخوف، فأنا أدفع عنك بلاهم، وأجابه إلى الثاني بقوله: {فاذهبا ~~بآياتنا} أنت وهارون الذي طلبته، وهذا يدل على أن ما طلبه موسى ليس بتعلل، ~~إنما طلب الحفظ من الله ms0889 والمؤازرة، فجمع له بين الاستجابتين بقوله: {كلا ~~فاذهبا} أي ليس عليكما بأس {إنا معكم مستمعون} نسمع ما يجري بينكما وبينه، ~~فننصركم عليه كما يفعل الناصر إذا حضر واستمع، هذا مجاز لأن الحضور يقتضي ~~المكان، والاستماع بمعنى الإصغاء، ثم قال تعالى: {فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين} أفرد الرسل هنا بمعنى الرسالة فيستوي في الوصف به الواحد ~~والاثنين فصاعدا، قال الشاعر: # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم # ... بشيء ولا أرسلتهم برسول # فيكون المعنى أنا ذو رسالة رب العالمين، وحيث قال رسولا ربك بمعنى المرسل ~~فثنى وجمع، أو لأنهما في حكم الواحد لأخوتهما، فكأنهما واحد. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا جائز عند العرب أن يوحد الاثنين ~~وتوحد الجماعة. # قال الشاعر: # فقلت لهم أنا أخوكم فوادعوا ... ولا تحملوا منا الدما ولا الحقدا # بخفظ الحا. # قال في البرهان: ويحتمل أن يكون المعنى كل واحد منهما رسول رب العالمين، ~~ومعنى قوله: {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي أطلقهم وخلهم يذهبوا معنا إلى ~~فلسطين وكانت مسكنهما. PageV16P367 # واعلم أنهما لما أتيا فرعون قالا له ما أمر الله به، فعند ذلك {قال ألم ~~نربك فينا وليدا} يعني ألم نغذك ونكفلك من جملة أولادنا، وأهل اليمن يسمون ~~التربية البزاية، ومعنى وليدا، أي صبيا مولود القربة من الولادة؛ لأنه كان ~~لقيط لقطته امرأة فرعون، والمعنى ألم نحسن تربيتك معنا، والهمزة للتقرير ~~والتحقيق لما أنعم عليه في الصغر على وجه الامتنان، ثم قال: {ولبثت فينا من ~~عمرك سنين} قيل: ثلاثين سنة، وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشر سنة وفر ~~أثرها، ولما عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال أكد ذلك بما جرى ~~على يده من قتل خبازه وعظم ذلك بقوله: {وفعلت فعلتك التي فعلت} يعني من قتل ~~النفس {وأنت من الكافرين} لإحساني إليك وفضلي عليك، أي كفر لي النعمة ولم ~~تشكر لي، هذا قول فرعون اللعين لموسى عليه السلام، وليس يريد الكفر بالله ~~تعالى؛ لأنه لا يجوز على الأنبياء. # واعلم أن فرعون لما ذكر التربية وذكر ms0890 القتل وقد كانت تربيته معلومة ظاهرة ~~لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها، ولم يشتغل بالجواب عنها؛ لأنه تقرر ~~في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون ~~المرسل إليه أنعم عليه أولم يفعل ذلك، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر البتة. # ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى، لكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ ~~منه في الجواب، وهو قوله: {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} أي من ~~الجاهلين، والعرب تقول ضل فلان إذا جهل الطريق ولم يعرفها، أو من الفاعلين ~~فعل ذي الجهل، وقيل: من الضالين، أي من الناسين، كما قال أن تضل إحداهما، ~~أو من المخطئين كمن يقتل خطأ من غير عمد، ووضع الضالين موضع الكافرين ردا ~~على فرعون؛ لأن الله عصم الأنبياء من الكبائر وبعض الصغائر، فكيف الكفر. PageV16P368 # قال في الكشاف: فإن قلت إذا جواب وجزا معا، والكلام وقع جوابا لفرعون فكيف ~~وقع جزءا؟ # قلت: قول فرعون {وفعلت فعلتك} فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال ~~له موسى نعم {فعلتها} مجازيا لك تسليما لقوله؛ لأن نعمته كانت عنده جديرة ~~بأن تجازى بنحو ذلك، انتهى. # ثم قال: {ففررت منكم لما خفتكم} أي حين خفتكم هربت من خوفكم، والمراد أني ~~فعلت ذلك الفعل، وأنا ذاهل عن كونه مهلكا، أو كان مني في حكم السهو فلم ~~أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك ففرت منكم لما خفتكم عند قولكم: ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فبين بذلك أنه لا نعمة عليه في باب تلك ~~الفعلة، بل أن يكون مسيئا فيه أقرب من حيث خوف تخويفا أوجب الفرار، ثم بين ~~نعمه عليه بعد الفرار بقوله: {فوهب لي ربي حكما} أي علما بوحي النبوة ~~{وجعلني من المرسلين} فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي، ثم أجاب عن امتنانه ~~بالتربية فقال: {وتلك نعمة تمنها علي} أي نعمة في زعمك وتلك إشارة مبهمة ~~مفسرة، وعلى معصيتك وحكمك فيهم بغير الحق وظلمك أي ليست نعمة إنما هي ms0891 نقمة، ~~ولو لم تفعل ما فعلت من تعبيدهم وقتل أبنائهم لكفلني أهلي ولم يلقوني في ~~اليم خوفا منك، فتعبيدك إياهم أي تذليلك لهم هو سبب التربية والنعمة ~~المزعومة. # قال في البرهان: ولم يكن بالحقيقة لفرعون على موسى نعمة؛ لأن الذي رباه ~~بنو إسرائيل بأمر فرعون لاستعباده لهم، فأبطل موسى نعمته لبطلان استرقاقه، ~~والتعبد الاسترقاق يسمى بذلك لما فيه من الاذلال، من قولهم طريق معبد أي مذلل. # قال في الكشاف: ومحل أن عبدت الرفع عطف بيان لتلك، ونظيره قوله تعالى: ~~{وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} ويجوز أن يكون في موضع ~~نصب، أي إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسرائيل، انتهى. PageV16P369 # قال الوالد العلامة شمس الدين أحمد بن محمد بن صلاح حفظه الله: ويحتمل أن ~~يكون قوله وتلك إشارة إلى التربية التي دل عليها قوله: {ألم نربك فينا ~~وليدا} ومحله الرفع، وخيره نعمة، والمعنى على الإنكار أي تلك نعمة وسببها ~~تعبيد بني إسرائيل فهي على الحقيقة بلاء ومحنة لا نعمة، والله اعلم. # قال جار الله: إنما جمع الضمير في منكم وخفتكم مع إفراده في منها وعبدت؛ ~~لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملأه المتأمرين بقتله ~~بدليل قوله تعالى: {إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك} وأما الامتثال فمنه وحده، ~~وكذلك التعبيد. # واعلم أنه لما دعى موسى فرعون إلى طاعة رب العالمين {قال فرعون وما رب ~~العالمين} أي شيء هو، كأنه منكر أن يكون رب العالمين سواه لادعائه ~~الربوبية، قال ذلك لما قال له بوابه إن هنا من يزعم أنه رسول رب العالمين، ~~وكان هذا بعد أن وقف موسى وهارون على بابه سنه لطلب الإذن. # قال في التجريد: وإنما أتى بما لا يعلم، إما لأنه أراد السؤال عن صفة ~~الله تعالى وما يستفهم بها عن صفة أولي العلم، وإما لأنه جاهل بالله تعالى ~~وبأنه عالم، انتهى. # ولما كان أظهر آثار دلائل وجود الباري تعالى هو هذا العالم المحسوس، وهو ~~السموات والأرض وما بينهما ثبت أنه لا ms0892 جواب البتة لقول فرعون وما رب ~~العالمين إلا ما قاله موسى عليه السلام حيث قال: {قال رب السماوات والأرض ~~وما بينهما إن كنتم موقنين} أي إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إليه ~~النظر الصحيح نفعكم هذا الجواب، وإلا لم تنفع إجابة بما يمكن الاستدلال به ~~عليه من أفعاله الخاصة ليعرفه أنه ليس شيء مما شوهد، وعرف من الأجرام ~~والأعراض، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء. PageV16P370 # قال الرازي مامعناه: إن أيقنتم بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب ~~الوجود، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته؛ لأنكم لما سلمتم انتهاء ~~هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، وثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن ~~الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لابد وأن تكون ~~أظهر آثاره وأبعدها عن الخفاء، وما ذاك إلا السماوات والأرض ومابينهما، فإن ~~أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب. # ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون {لمن حوله ألا ~~تستمعون} وكانوا من أشراف قومه، قيل: وكانوا خمسمائة رجل عليهم أسورة الذهب ~~وكانت للملوك خاصة، وقوله: {ألا تستمعون} تعجيب لهم من نسبة الربوبية إلى غيره. PageV16P371 # واعلم أنه لما أظهر فرعون التعجب وعجب الحاضرين اتبع موسى دليلا أظهر من ~~الأول، وهو أن الله تعالى خلقهم وخلق آباؤهم الأولين فكان جوابه بأن {قال ~~ربكم ورب آبائكم الأولين} عم أولا ثم خصص، فكان هذا أظهر؛ لأن أقرب المنظور ~~فيه من العاقل نفسه، ومن ولد منه؛ لأن الجاهل قد يدعي قدم السماوات والأرض، ~~فأتى بما لا يدعى فيه القدم وهو خلق من قد هلك من الأمم، إذ القديم لا ~~يتغير ولا يعدم، فقابله فرعون بإنكار أشد حيث نسبه إلى الجنون، وأكد ذلك ~~بأن والام إذ قال لقومه استهزاء بموسى {إن رسولكم الذي أرسل إليكم} أي الذي ~~يرجى أنه مرسل إليكم {لمجنون} لأنه يتكلم بما لا يعرف صحته، فلما رآه موسى ~~لا يرعوي، أتبع دليلا أظهر من الأول وقال: {رب ms0893 المشرق والمغرب وما بينهما ~~إن كنتم تعقلون} أي إن كنتم ذوي عقول ولم تكونوا من البهائم، أو إن كان لكم ~~عقول صحيحة نفعكم كلامي، وخص المشرق والمغرب لوضوح الإستدلال بطلوع الشمس ~~من أحدهما، وغروبها من الآخر على تقدير مستقيم، لا يختلف في فصول السنة، ~~قكان الأمر ظاهرا في هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب، ولأنه يشاهد كل ~~يوم، ولأنه يبعد فيه ادعا سبب من طبع ونحوه، كما يقال في الولد أنه من ~~النطفة، ولذلك انتقل إليه إبراهيم عليه السلام في محاجة النمرود فبهت الذي ~~كفر، فقابله فرعون بما هو أغلظ، وعدل إلى الوعيد لما لم يجد سبيلا إلى ~~الحجة حيث {قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين} ولم يقل لأسجننك ~~مع أنه أحصر؛ لأنه أراد لأجعلنك ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته ~~أنه يأخذ من يريد سجنه فيجعله في هوة بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا ~~يسمع، وكان ذلك أشد من القتل. PageV16P372 # قال في الكشاف: والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام أن يكون سؤاله هذا ~~إنكارا بأن يكون للعالمين رب سواه لادعائه الالهية. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: قيل أن الملعون أدعى الإلهية التي هي ~~السودد والربوبية، ولم يدع أنه خالق لأحد من البرية. # وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في كتاب الدليل الكبير مالفظه: وكذلك ~~هو كما قال، وإلا فمن سحره يعني البحر هل أدعى تسحير ذلك أحد أو ذكره، لا ~~ولو ادعاه مدع لكان كذبه مكشوفا، ولكان كذبه في كل قرن خلا أو بقى من ~~القرون موصوفا، وما ادع ذلك فرعون في جهله وعتابه، ولقد ادع غيره من ملكه ~~لنظرائه وما ادعا لهم خلقا ولا صنعا، ولا ادعاه لكان ذلك كذبا مستشنعا، ~~وإنما تأويل قول فرعون {أنا ربكم الأعلى} أنا سيدكم ومليككم، لاما قال موسى ~~فلم يرد أنا لكم رب خلاق، ولا أنا لكم إله رزاق إلى آخر كلامه عليه السلام. # قال بعض علمائنا عليهم السملام: وهذا هو الحق والله أعلم. # وأما ms0894 قول فرعون {لئن اتخذت إلها غيري } فإنما أراد لئن اتخذت ربا غيري ~~وإنما أتا بلفظ إله مشاكلة لقول موسى. والله اعلم. # ويدل على هذا قوله تعالى في سورة الزخرف {ونادى فرعون في قومه قال ياقوم ~~أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} إلى قوله تعالى حاكيا: {فلولا ~~ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} وقوله في سورة ~~الأعراف: {وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك ~~وآلهتك} والله اعلم. PageV16P373 # فلما علم موسى أنه لا ينفع فيه الوعظ والتعليم {قال أولو جئتك} أي أتفعل ~~ذلك ولو جئتك {بشيء مبين} أي ظاهر الإعجاز والدلالة على صدقي أني رسول، ~~وكذب ماتدعي { قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى} موسى{عصاه} أي طرحها ~~من يده وكانت من عوسج، وكان طولها عشرة أذرع {فإذا هي ثعبان مبين} ظاهر ~~الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان، كما تكون الأشياء المزورة، والثعبان الحية ~~الذكر وهي من أعظم الحيات، وهو الحنش بلغة اليمن، فالثعبان آية وبرهان، ~~وكان فرعون قد هم بموسى فلما صارت العصاء ثعبانا قصده فأغرا فاه فخافه فلاذ ~~بموسى مستجيرا وولا قومه هربا حتى وطئ بعضهم بعضا. # قال في التجريد: روي أنها لما تقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم ~~تخطت مقبلة إلى فرعون، وهي تقول ياموسى مرني بما شئت، وصرخ فرعون وجعل يقول ~~أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فأخذها فعادت عصا، فإن قيل كيف قال ثعبان ~~مبين، وفي آية آخرى {فإذا هي حية تسعى} وفي آية ثالثة {كأنها جان} والجان ~~مائل إلى الصغر، والثعبان مائل إلى الكبر؟ # قال الرازي: جوابه أما الحية فهي اسم الحنش، ثم إنها لكبرها كانت ثعبانا ~~وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها، فيصح الكلامان، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان ~~لقوله تعالى: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} ويحتمل أنها كانت صغيرة ~~كالجان، ثم عظمت فصارت ثعبانا، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية ~~قال له فرعون هل غيرها؟ # قال: نعم {ونزع يده} فقال ms0895 له ماهذه؟ PageV16P374 # قال: يدك فما فيها من آية، فأدخلها موسى في إبطه، ثم نزعها ولها شعاع يكاد ~~يغشي الأبصار ويسد الأفق، فلما رأى ذلك فرعون، وأراد تعمية هذه الحجة على ~~قومه {قال للملا حوله} وهم عظماء أصحابه وجماعة إخوانه {إن هذا لساحر عليم} ~~أي بلغ الصنعة فيه، وذلك أن الزمان كان زمان سحرة، وكان عند كثير منهم أن ~~الساحر قد يجوز أن ينتهي سحره إلى هذا الحد، فلهذا روج عليهم هذا القول، ثم ~~قال: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} وهذا يجري مجرى التنفير عنه، لئلا ~~يقبلو قوله، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات ~~فيفرق جمعكم، ومعلوم أن مفارقة الوطن أعظم الأمور فيلزمهم بغضه بذلك، وهذا ~~نهاية ما يفعله المبطل في التنفير من المحق، ثم قال بعد هذين الأمرين: ~~{فماذا تأمرون} أي تشيرون من المؤامرة وهي المشاورة أو من الأمر ضد النهي، ~~أي: أي رأي تشيرون به، أو أي أمر تأمرونني به، رجع من دعوة الإلهية إلى أن ~~جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا لشدة فزعه وبهته يظهر من نفسه أني متبع ~~لرأيكم ومنقاد لقولكم، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن ~~العدو، فلما قال هذه الكلمات واتفقوا على جواب واحد: {قالوا أرجه وأخاه} ~~هارون، أخره، ومناظرته حتى يجتمع السحرة من الارجاء وهو التأخير يهمز ولا ~~يهمز، ومنه المرجه يهمز ولا يهمز أيضا، وقيل: احبسه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه خله واتركه. # قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: # إذا تعسرت الأمور فارجها ... وعليك بالأمر الذي لم يعسر PageV16P375 قال في البرهان: وإنما أشاروا عليه أن لا يقتله ونهوه عن ذلك لما شاهدوا من ~~فعله بهر عقولهم، فخافوا الهلاك من قتله، والاقدام عليه مع ذلك، فإن الله ~~عز وجل صرفهم عنه تثبيتا لدينه، وتأييدا لرسله، ثم قالوا: {وابعث في ~~المدائن حاشرين}أي ارسل في القرى جامعين، والبعثة هي الرسالة، قال الشاعر: # بعثت إليها مذعنة إذا # ... رامت القول لم تخطل # ومعنى حاشرين أي جامعين للسحرة الخادعين، أشاروا ms0896 عليه بحشرهم وجمعهم ظنا ~~منهم إذا كثروا غلبوا وكشفوا حاله، وعارضوا أمره، ولما أرادوا تطيب قلبه، ~~وتسكين بعض قلقه جاؤا بكلمة الإحاطة، ونصفة المبالغة فقالوا: {يأتوك بكل ~~سحار} مبالغة في ساحر{عليم} أي ما هو في السحر. # واعلم أن القوم لما أشاروا بتأخير أمره، وبأن يجمع له السحرة، ويظهر عند ~~قولهم فساد قول موسى عليه السلام رضي فرعون بما قالوا، وعمي عما شاهدوا، ~~فحب الشيء يعمي ويصم {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} وهو يوم الزينة، قيل: ~~يوم عاشورا، وقيل: يوم النيروز عيد النصارى، وميقاته وقت الضحى؛ لأنه الوقت ~~الذي وقته لهم موسى من الزينة في قوله: {موعدكم يوم الزينة} والميقات ما ~~وقت به، أي حدد من زمان أو مكان، ومنه مواقيت الإحرام. # قيل: وافق ذلك يوم السبت أول يوم من السنة بالاسكندرية، ولما ألقى العصى ~~كان رأسها عندهم وذنبها وراء البحيرة، ثم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما ~~يكون من الجانبين بقوله: {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} للنظر إلى مناظرة ~~موسى والسحرة، وفيه استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد استعجالهم ~~واستحثاثهم، كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحرك منه ~~ويحثه على الانطلاق، ومنه قول: تأبط شرا: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن محراق # دينار وعبد رب اسماء رجلين. PageV16P376 # وروى سيبويه: عبد رب بالنصب عطف على محل دينار، ثم قالوا: {لعلنا نتبع ~~السحرة} في دينهم {إن كانوا هم الغالبين} وغرضهم الكلي أن لا يتبعوا موسى ~~في دينه، فساقوا الكلام مساق الكناية؛ لأنهم إذا تبعوهم لم يكونوا متبعين ~~لموسى، وليس غرضهم اتباع السحرة {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا ~~لاجرا إن كنا نحن الغالبين} أي هل لنا جزاء، معناه جعلا ورشوة، وإجارة ~~وعطا، قال الشاعر: # قياما لديه يعملون بالأجر # أي بلا جعل ولا رشوة. # وقوله: {أئن لنا} في معنا جزاء الشرط، ولهذا دخلت إذا في إذا لمن ~~المقربين؛ لأن معناه الجواب والجزاء على الشرط، ولما ابتدؤا بطلت الجزم وهو ~~إما المال وإما الجاه بذل لهم ms0897 ذلك حيث {قال نعم} وأكده بقوله: {وإنكم إذا ~~لمن المقربين} لأن نهاية مطلوبهم منه البذل ورفع المنزلة، فبذل كلا ~~الأمرين. # قيل: وعدهم مع الأجر أن يكونوا أول من يدخل عليه وآخر من يخرج عنه. # واعلم أنهم لما اجتمعوا كان لابد من ابتداء موسى أو يبدؤا، ثم إنهم ~~تواضعوا له فقدموه على أنفسهم وقالوا: {إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ~~ألقى} فلما تواضعوا له: {قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون}. # قال الرازي: فإن قيل:كيف جاز لموسى عليه السلام أن يأمر السحرة بإلقاء ~~الحبال والعصي، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ # أجاب فقال: لا شبهة أن ذلك ليس بأمر؛ لأن مراد موسى عليه السلام منهم كان ~~أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المغالبة، إذا ثبت هذا وجب ~~تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه: # أحدها: ذلك الأمر كان مشروطا، والتقدير ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم ~~محقين، كما في قوله تعالى: {فاتوا بسورة من مثله إن كنتم صادقين}. # وثانيها: لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار جائزا. PageV16P377 # وثالثها: أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد، أي إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله. # ورابعها: ما ذكرنا أنهم لما تواضعوا له، وقدموه على أنفسهم هو قدمهم على ~~نفسه، على رجاء أن يصير ذلك التواضع سبيل إلى قبول الحق، ولقد حصل ببركة ~~ذلك التواضع ذلك المطلوب، وهذا سببه على أن اللائق بالمسلم في كل الأحوال ~~التواضع؛ لأن مثل موسى عليه السلام لم يترك التواضع مع أولئك السحرة، فبأن ~~يفعله الواحد منا أولى. # ثم قال سبحانه: {فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن ~~الغالبون} أقسموا بعزته ليغلبن. # روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي أمثال الحيات، وملأت ~~الأرض، وركب بعضها بعضا، روي أنهم جعلوا فيها الزئبق فيخيل لمن يراها أنها تحرك. # قيل: كانت وقر ثلاثمائة بعير، وفي رواية ابن عباس أنهم لما ألقوا حبالهم ~~وعصيهم، وكانت الحبلة مطلية بالزئبق والعصي مملوءة من الزئبق فلما حميت ~~اشتدت ms0898 حركتها فصارت كأنها حية تدب من كل جانب، فهاب موسى عليه السلام ذلك، ~~فقيل له: {ألق ما في يمينك } {فألقى موسى عصاه}{فإذا هي ثعبان مبين}، ثم ~~فتحت فاها، فابتلعت كلما رموه من حبالهم وعصيهم، وهو معنى قوله: {فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون} أي تزقف وتلقا بفيها وتأكل حبالهم وعصيهم، فعلموا أن ذلك ~~من الله عز وجل؛ لأن السحر حيل وحركات، ولا يعدم العصى والحبال إلا رب ~~العالمين، ومعنى يأفكون أي ما يقلبونه عن حقيقته بسحرهم، والإفك القلب، ~~ومنه سمي الكذب إفكا. # روي أنها تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال، ورفعها موسى فعادت عصا، ~~وعدمت تلك الأجرام العظيمة، فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا بقيت حبالنا ~~وعصينا. PageV16P378 # وأما قوله: {فألقي السحرة ساجدين} فالمراد سقطوا لله ساجدين، ومن خشيته ~~وخوفه مرعوبين، عبر عن السقوط والخرور بالالقاء؛ لأنه ذكر مع الالقآت ~~للمشاكلة أو حين رأوا ما رأوه رموا بأنفسهم ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا، ~~وفاعل الالقاء هو الله بتوقيفه لهم، أو إيمانهم، أو ما عاينوا من المعجزة. # وقال بعض علمائنا عليهم السلام: فاعل الالقاء هم حقيقة، ولكنهم لما خروا ~~سجدا شبهت حالهم بحال من ألقاه غيره على وجهه في السرعة، وكون خرورهم ~~كالدفعة الواحدة، والله أعلم، انتهى. # وقال المرتضى عليه السلام: معناه فهو خروا لله سجدوا لما عاينوه من قدرة ~~أرحم الراحمين، وذلك أنهم لما رأوا فعل العصا وما أحدث الله فيها من ازدراد ~~حبالهم وعصيهم هالهم ذلك وأفزعهم، وخروا لله ساجدين، وعلموا أن ذلك لا يكون ~~إلا من الله سبحانه، أو أن موسى لم يأت إلا بحق ساطع، وللباطل مدحض قاطع، ~~إذ رأوا في العصا ما لا يمكن من فعل الآدميين، ولا يقدر عليه أحد من ~~العالمين، فلما أيقنوا بذلك وكان ما عاينوه من قدرة الله هو الذي دعاهم إلى ~~السجود والإيمان، قال سبحانه: {فألقي السحرة ساجدين} والذي ألقاهم ساجدين ~~فهي هذه الآية التي رأوها، فقهرت سحرهم، وبهرت عقولهم، فخروا لله ساجدين، ~~وهذا في لغة العرب كثير موجود، مثل الرجل يحاكم في السبب، ms0899 والمعنى ثم يأتي ~~من قد عرف أمره قيبين له ويقطع حجته، حتى لا يكون له كلام، فيقول من حضره ~~جزاك الله عنا خيرا، قطعت عنا لسانه، ولم يريدوا أنه قطع اللسان، وإنما ~~أرادوا فلجته وأسكته إذا قطعت حجته، ووقف عما كان عليه من كلامه، كذلك أيضا ~~لما قامت الحجة على هؤلاء السحرة وبهرتهم أسجدتهم بما بان من فلجها، ~~وقهرتهم بما أظهر الله فيها، انتهى. PageV16P379 # فلما رأوا ما شاهدوا خارجا عن جلب السحر، ولم يتمالكوا أن رموا أنفسهم إلى ~~الأرض ساجدين {قالوا آمنا برب العالمين} وقولهم: {رب موسى وهارون} بيان لرب ~~العالمين؛ لأن فرعون -لعنه الله- كان يدعي الربوبية، وأضافوه إليهما؛ ~~لأنهما الداعيان إليه، ثم إنهم لما آمنوا بأجمعهم {قال} فرعون: {آمنتم له ~~قبل أن آذن لكم} وأطلق الأمر الكلي في الإيمان له أي صدقتم لموسى، على أن ~~البا مع الإيمان بالله، واللام مع الإيمان لغيره، كقوله: يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين. # واعلم أن السحرة لما آمنوا لم يأمن فرعون أن يقول قومه إن هؤلاء السحرة ~~على كثرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون مثل ~~طريقتهم، فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى بوجوه: # أولها: قوله {آمنتم له قبل أن آذن لكم} وهذا فيه إيهام أن مسارعتكم إلى ~~الإيمان به دالة على أنكم كنتم مايلين إليه، وذلك طريق التهمة إليهم فلعلهم ~~قصروا بالسحر حبا له. # وثانيها: قوله: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وهو من قول أهل مكة ~~للمعلم أمرني كبيري، وهذا تصريح لما رمز به أولا، وغرضه منه أنهم فعلوا ذلك ~~عن مواطأة بينهم وبين موسى عليه السلام، وقصروا في السحر ليظهر أمر موسى، ~~وإلا ففي السحر أن يفعلوا مثل ما فعل موسى عليه السلام، وهذه شبهة قوية في ~~تنفير من فعل نظيره. # وثالثها: قوله: {فلسوف تعلمون} عقوبة فعلكم، وهو وعيد مطلق، وتهديد شديد. PageV16P380 # ورابعها: قوله: {لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين} هذا هو ~~هو الوعيد المفصل، ومعنى من خلاف أي من شق إحدى اليدين، ومن ms0900 الشق الآخر ~~إحدى الرجلين، واليد اليمنى والرجل اليسرى؛ لأن اليد خلاف الرجل، واليمين ~~خلاف الشمال، الصلب أن يمد الرجل على خشبة حتى تتناثر عظامه، فحينئذ {قالوا ~~لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون} أي لا ضير علينا فيما توعدنا به من القتل؛ ~~لأنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهونها ~~وأقربها إلى الغفران؛ لأنه شهادة فيثيبنا على الصبر. # واعلم أن الضر والضير واحد، وليس المراد أن ذلك وقع ولم يضر، وإنما عنوا ~~بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لا ضر في ذلك عندنا، ولا ~~مساءة في ظلمك إن أطعنا خالقنا وسيدنا، قال الشاعر: # أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر # انتهى. # والصبر والضرر واحد، أي لا ضرر في ذلك علينا لما لنا فيه من الثواب ~~بالصبر عليه من الإعراض فيما يفعل بنا، وقولهم: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا} إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما، والطمع في هذا الموضع ~~اليقين، كقول إبراهيم عليه السلام:{ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين}، ويحتمل الظن أي نرجوا أن يغفر لنا ذنوبنا أو ما لم نتعمد {أن كنا ~~أول المؤمنين} أي لأن كنا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، أو من رعية فرعون. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أن هاهنا تقوم مقام إذا، أي إذ كنا ~~أول من آمن من بني إسرائيل فقال سبحانه: {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} ~~أي أسر ببني إسرائيل في الليل، قرئ بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى بمعنى واحد. PageV16P381 # وقوله: {إنكم متبعون} تعليل للأمر بالأسر، والمعنى أني بنيت تدبير أمركم ~~وأمرهم أن تتقدموا ويتبعوكم حتى يسلكوا مسلككم في طريق البحر فأطبقه عليهم ~~فأهلكهم وأسلمكم. # فروي انه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد فاشتغلوا ~~بموتاهم حتى خرح موسى بقومه {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين} أي جامعين ~~ليلحقوهم، والذي أرسل في أثر موسى ألف ألف وخمسمائة ملك مسور، ms0901 مع كل ملك ~~ألف، وخرج فرعون بعد ذلك في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبع مائة ألف كل رجل ~~على حصان، وعلى رأسه بيضة. # ابن عباس: خرج في ألف ألف حصان سوى الإناث، فلذلك استقل موسى بقوله: {إن ~~هؤلاء لشرذمة} أي لجماعة {قليلون} . # اعلم أنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ~~ووصف قوم نفسه بصفة المدح. # أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم فالصفة الأولى قوله: {إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون}. # قال في البرهان: والشرذمة العصبة القليلة من عصب كثيرة، وشرذمة كل شيء ~~بقيته القليلة، وكان عدد بني إسرائيل حين قال لهم فرعون {إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون} ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعد ابن عشرين لصغره، ولا ابن ستين ~~لكبره، وإنما استقل هذا العدد لكثرة ما كان معه.حكي أنه كان على مقدمته ~~هامان في ألف ألف حصان وسبعمائة ألف، انتهى. # والصفة الثانية: قوله: {وإنهم لنا لغائظون} يعني لخروجهم من رقه وخلوصهم ~~من إذلالهم واستخدامهم، أو يفعلون ما يغيظنا ويضيق صدورنا. # أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله: {وإنا لجميع حاذرون} أي خايفون، ~~وقرئ حاذرون ومعناهما واحد، قال الشاعر: # وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر PageV16P382 وقيل: الحذر المطبوع على الحذر والحاذر الفاعل للحذر، والمعنى عادتنا ~~استعمال الحذر، فإذا خرج إلينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهذه معاذير إلى ~~أهل المدائن لئلا يظنوا ما يكسر من قهره وسلطانه. # قال تعالى: {فأخرجناهم من جنات} أي بساتين مصر {وعيون} الأنهار{وكنوز} ~~أموال الذهب والفضى عن مجاهد، سماها كنوز لأنهم لم ينفقوا منها في سبيل ~~الله، ثم قال: {ومقام كريم} المقام المكان، يريد المنازل الحسنة البهية. # وعن الضحاك: المنابر، وقيل: السرور في الحجال، ومعنى كريم، أي موضع عزيز ~~رفيع عظيم. # قال في البرهان: هي المنابر ومواضع الأئمة، وقوله: {كذلك} تأكيد أو وصف ~~أي الأمر كذلك، وقيل: التقدير كذلك أفعل بمن عصاني. # ثم قال سبحانه: {وأورثناها} أي ممالكهم هذه التي أخرجناهم منها {بني ~~إسرائيل} أي جعلناهم ms0902 خالفين لهم فيها، كما يخلف الوارث مورثه، وذلك أن الله ~~ردهم إلى مصر بعد أن غرق فرعون، وأعطاهم ما كان لفرعون وقومه من المساكن ~~والأموال، ومعنى قوله: {فأتبعوهم مشرقين} أي داخلين في وقت شروق الشمس ~~وبياضها. PageV16P383 # وفي البرهان حين أشرقت الأرض بالضياء، والسبب في تأخر فرعون وقومه عن موسى ~~وبني إسرائيل حتى أشرقوا أن الله سبحانه أظلهم بظلام فخافوه، فلما أصبحوا ~~انقشع عنهم، ثم قال تعالى: {فلما تراءى الجمعان} يعني جمع المؤمنين وجمع ~~الكافرين، أي تباصروا ورأى كل صاحبه {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} من ~~فرعون، أي ملحقون، وأيقنوا بالهلاك؛ لأنهم رأوا البحر أمامهم، وفرعون ~~وراءهم إذ لا مهرب حينئذ من الظالمين، ولا ملجأ إلى الله رب العالمين، { ~~قال} موسى عليه السلام {كلا} أي ارتدعوا من قولكم هذا ما أنتم ملحقون {إن ~~معي ربي} حافظي وناصري ولا تغيب نصرته كما لاتغيب نصرة الحاظر مع الشاهد ~~{سيهدين} أي سيرشدني إلى طريق النجاة فلا تخافوا، ويكفيني ما يهم من ~~الأمور. # قال في البرهان: وحكي لنا أن موسى لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم ~~عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ ~~علينا موثقا، لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، فقال لهم موسى: وأيكم ~~يدري قبره؟ قالوا: ما تعلمه إلا عجوز من بني إسرائيل فأرسل إليها فقال: ~~دليني على قبره، قالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال لها: وما حكمك؟ ~~قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فأعطاها حكمها، فدلتهم عليه فاحتفروه ~~واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها إذا الطريق مثل ضوء النهار. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل بأعرابي فأكرمه فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما حاجتك))؟ قال له: ناقة أرحلها ~~وأعنزا حتلبها، فقال له رسول صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعجزت أن تكون مثل ~~عجوز من بني إسرائيل)) فقال له أصحابه: من عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال ~~هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن ms0903 تكون معه في الجنة، انتهى. PageV16P384 # ثم اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله: {إن معي ربي ~~سيهدين}بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه وأهلك أعداه بذلك التدبير الجامع ~~لعلم الدين والدنيا، فقال سبحانه: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر} ~~قيل: هو بحر القلزم، ويقال: هو بحر الروم، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال ~~له أساف، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرت يا كليم الله، ~~فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا، فقال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء، ولم ~~تزل حوافر دابته في الماء، وأبى بنوا إسرائيل أن يفعلوا كما فعل يوشع، فعند ~~ذلك أمره الله أن يضرب بعضاه البحر فضرب {فانفلق} الماء {فكان كل فرق} وهو ~~الجزء المتفرق من البحر {كالطود العظيم} أي كالجبل العظيم. # قال في البرهان: وروينا أن موسى بلغ البحر فاتبعه فرعون، فأتاه يوشع بن ~~نون فقال: أين أمرك ربك؟ # قال: أمامك تسير إلى البحر ثم ذكر أنه أمر أن يضرب بعصاه البحر فضربه ~~فانفلق له اثنا عشر طريقا وكانوا اثني عشر سبطا لكل سبط طريق وكان الإسباط ~~لايرى بعضهم فقال كل سبط قد هلك أصحابنا، فدعى موسى ربه فجعل في كل حاجز ~~مثل الكوى لينظر بعضهم بعضا. # وقيل: كان طول الطريق فرسخا وعرضه فرسخين. # وروينا أن موسى ضرب البحر بعصاه، وقد مضى من النهار أربع ساعات، وكان يوم ~~الاثنين العاشر من المحرم وهو يوم عاشورا. # وقيل: أن البحر هو نهر النيل ما بين إيلة ومصر، وقطعوه في ساعتين، فصارت ~~ست ساعات، انتهى. # وروي أن موسى عليه السلام قال عند البحر: يا من كان قبل شيء والمكون لكل ~~شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا فرجا ومخرجا، فأوحى الله{أن اضرب بعصاك ~~البحر}. PageV16P385 # وروي مرفوعا أنه قال اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وبك المستعان، وأنت ~~المستعان، ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم، ومعنى قوله: {وأزلفنا ~~ثم الآخرين} يعني قربنا فرعون وقومه إلى البحر، وموضع الغرق، وظنوا انه ~~موضع من الساحل، ms0904 فدخلوا مسرعين، ولموسى وأصحابه متبعين، فلما حصلوا في ذلك ~~الموضع ألقا الماء عليهم، وموسى وأصحابه ينظرون، وقرئ وأزلفنا من زلف ~~الإقدام، وأغرق الله قوم فرعون حتى أزلقهم في طينه الذي في قعره. # وقيل: المعنى قربناهم من بني إسرائيل حتى لا ينجوا منهم أحد، ثم قال عز ~~وجل: {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين} قوم فرعون. # وروي أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون، وكان يقول ~~لبني إسرائيل رويدكم ليلحلق آخركم بأولكم، ويستقبل القبط فيقول: رويدكك ~~يلحق آخركم، فلما انتهى إلى البحر قال له مؤمن آل فرعون، وكان بين يديه. # وروي يوشع كما أمر أمرت بهذا البحر وقد غشيك آل فرعون. # قال أمرت بهذا البحر ولايدري موسى ما يصنع فأوحى الله إليه أن أضرب بعصاك ~~فضربه فصار اثنى عشر طريقا لكل سبط طريق، والمراد أنه تعالى جعل البحر يبسا ~~فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك فضربه فصار فرعون ومن معه؛ لأنه لما تكامل ~~دخولهم البحر انطبق عليهم الماء فغرقوا في ذلك الماء. # فإن قيل: إن فرعون كان عاقلا بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار إلقاء ~~نفسه في التهلكة، فإنه كان يعلم من نفسه إن انفلاق البحر ليس يأمره، فعند ~~هذا ذكروا وجهين: PageV16P386 # أحدهما: زعموا أن جبريل كان على ..........فتبعه فرس فرعون، ولقائل أن ~~يقول: إن هذا بعيد؛ لأنه يبعد أن يكون دخول الملك مقدما في امتثال هذه ~~المواضع على جميع العسكر، وأيضا فلو كان الأمر على ما قالوه لكل فرعون في ~~ذلك الدخول كالمخبر، وذلك مما يزيده خوفا، ويحمله على الاحتيال في أن لا ~~يدخل، وأيضا فأي حاجة لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة، وقد كان يمكتنه ~~أن يأخذه فرسه ويرميه إلى الماء ابتداء بل الأولى أن يقال: إنه أمر مقدم ~~عسكره بالدخول، وما عرفوا فغلب على ظنه السلامة، فلما دخل الكل أغرقهم الله ~~تعالى، والله أعلم. PageV16P387 # ثم قال تعالى: {إن في ذلك} المذكور في قصتهم وتدبير أمرهم {لاية} عجيبة من ~~الآيات العظام، الدالة ms0905 على قدرته؛ لأن أحدا من البشر لا يقدر عليه وعلى ~~حكمته من حيث وقع عبرة ودلالة على انتقام الله من العصاة، ونصره أوليائه ~~وعلى صدق موسى عليه السلام من حيث كان معجزة له، وعلى اعتبار المعتبرين به ~~أبدا فيصير تحذيرا من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى، وأمر رسوله ويكون ~~فيه اعتبار لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه قال عز وجل عقيب ذلك {وما ~~كان أكثرهم مؤمنين} وقد عاينوا هذه الآية وشاع أمرها ورآها بنو إسرائيل ~~الذين نجو مع موسى ومع ذلك سألوه بقرة يعيدونها، واتخذوا العجل وطلبوا رؤية ~~الله جهرة، وفي ذلك تسلية لهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله تعالى بهذا الذكر على ~~أن له أسوة بموسى عليه السلام وغيره، فإن الذي ظهر على موسى من المعجزات ~~العظام التي تنهي العقول لم تمنع أن أكثرهم كذبوه وكفروا به مع مشاهدتهم ~~لما شاهدوه في البحر وغيره، فكذلك يا محمد لا تعجب من تكذيب أكثرهم لك، ~~واصير على إنذارهم فلعلهم يصلحوا، وفي هذا الصبر تأكيد الحجى عليهم، ثم قال ~~تعالى: {وإن ربك لهو العزيز} المنتقم من أعدائه {الرحيم} بأوليائه حيث أنجى ~~موسى أو حيث لم يعاجل بالعقوبة، ويجوز أن يراد بقوله: وما كان أكثرهم قرسش ~~لتقدمه في أول السورة. # وقال الرازي: وجه تعلقه بما قبله أن القوم مع مشاهدة هذه الآيات الباهرة ~~كفروا، ثم إنه تعالى كان عزيزا قادرا أن يهلكهم، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل ~~أفاض عليهم رحمته، فدل ذلك على كمال رحمته وتأكيد حجته. PageV16P388 # واعلم أن الله تعالى لما ذكر في أول السورة شدة حزن محمحد صلى الله عليه ~~وآله وسلم بسبب كقر قومه ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمدا أن مثل تلك ~~المحنة كانت حاصلة لموسى، ثم ذكر عقيبها قصة إبراهيم عليه السلام ليعرف ~~محمدا أن حزن إبراهيم عليه السلام بهذا السبب كان أشد من حزنه، فقال ~~سبحانه: {واتل عليهم} أي على ms0906 قومك {نبأ إبراهيم} هو حديثه وقصته {إذ قال ~~لأبيه وقومه ما تعبدون} أي حين قال لهم وسألهم ماذا تعبدون مع علمه، ليريهم ~~أنها غير مستحقة للعبادة وهو سؤال توبيخ، وهم فهموا ما أراد من النهجين، ~~فأجابوه بتعظيمها، والعكوف في عبادتها {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} ~~أي فاعلين العكوف لها وعليها محتسبين ولعبادتها مقيمين، قال الشاعر: # تركت الخيل عاكفة عليه # مقلدة أعنتها صفوفا # أي مقيمة عند مقتله ومصرعه، وقالوا: فنظل؛ لأنهم كانوا يعبدونها النهار ~~دون الليل. PageV16P389 # وقال الرازي: كان يكفيهم في الجواب أن يقولوا نعبد أصناما، ولكنهم ضموا ~~إليه زيادة على الجواب، وهي قوله: فنظل لها عاكفين، وإنما ذكروا هذه ~~الزيادة إظهار لما في نفوسهم من الابتهاج، والافتخار بعبادة الأصنام، فلما ~~أراد إبراهيم عليه السلام التنبيه على فساد مذهبهم {قال هل يسمعونكم} أي ~~يسمعون دعائكم {إذ تدعون} أي حين تدعونهم وتضرعون إليهم، أو حين تدعونهم ~~لحوائجكم {أو ينفعونكم أو يضرون} والمعنى إذا كان من تعبدونه لا يسمع ~~دعاؤكم حتى لا يعرف مقصودكم ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضر ~~فكيف تستجيرون أن تعبدوا ما هذا وصفه فعند هذه الحجة الفاخرة لم يجد أبوه ~~وقومه ما يدفعون هذه الحجة فلما لزمهم {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} ~~أجابوا بالتقليد الذي لا يقبل وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد، ~~ووجوب التمسك بالاستدلال إذ لو قبلنا الأمر فمدحنا التقليد، وضمنا ~~الاستدلال لكان ذلك مدحا لطريقة الكفار التي ذمها الله تعالى، وذما لطريقة ~~إبراهيم عليه السلام التي مدحها حيث {قال أفرأيتم} أي أخبروني {ما كنتم ~~تعبدون} كأنه قال: لما أجابوه بالتقليد فأخبروني عن الدليل على صحة عبادتكم ~~وعبادة آبائكم الأقدمين، فإن التقدم والأولية لا يكون برهانا على الصحة ~~والاطل لا ينقلب حقا بالفذم فهل من برهان على ذلك فإني ما أرى عبادة هذه ~~الأصنام الا عبادة أصنام له، وإنما قال: {فإنهم عدو لي} لأن العدو والصديق ~~يجيئان في معنى الواحدة كالجماعة، قال: # وقوم علي ذوي ميرة ... أراهم عدوا وكانوا ms0907 صديقا PageV16P390 وقوله: {إلا رب العالمين} استثناء منقطع أي لكن رب العالمين فهو يهدين، ~~وإنما قال عدو لي أي لو عبدتها تصوير للسمألة في نفسه على معنى أني فكرت في ~~أمري فرأيت عبادة العدو فاجتنبتها وأثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم ~~بذلك أنها نصيحة لنفسه أولا لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إلإ بما نصح به نفسه ~~ليكون أدعى لهما إلى القبول، ولو قال فهم عدو لكم لم يكن بتلك المثابة. # واعلم أن الله سبحانه لما حكى أنه استثنى رب العالمين حكى عنه أيضا ما ~~وصفه به مما يستحق العبادة لجله{الذي خلقني فهو يهدين} عقب الخلق بالهداية ~~بلا مهلة، أي يدلني ويعينني على مصالحي في المعاش والمعاد، فهداه أولا إلى ~~مص دم محيص في بطن أمه، وإلى معرفة الثدي عند الولادة، وإلى كيفية الاتضاع، ~~ولهم جرا، ثم قال: {والذي هو يطعمني ويسقين} وإنما قال: {وإذا مرضت فهو ~~يشفين} ولم يقل أمرضني؛ لأن كثيرا من المرض يكون بأسباب من الإنسان في ~~كطاعمه ومشاربه، ثم قال: {والذي يميتني ثم يحيين} في الآخرة. # وأما قوله: {والذي أطمع} أي أرجو {أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ما يفرط ~~من الصغائر؛ لأن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر. # وقيل: هي قوله: إني سقيم بل فعله كبيرهم وهي أختي أي سارة حين خشيء أن ~~ياخذها الجبار، وما هي إلا معاريض وليست بخطايا، واستغفار الأنبياء تواضع، ~~وهظم لأنفسهم، وإنما قال: يوم الدين؛ لأن أثرها يبين فيه، وهو الآن خفي ~~وإلا فهي يغفر في الدنيا. # واعلم أن الله تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام ثناؤه على الله ~~تعالى ذكر بعد ذلك دعاه ومسألته فقال: {رب هب لي حكما} أي حكم ة وهي العلم ~~أي المعرفة بالله، وبحدود أحكامه. # وقيل: الحاكمين بين الناس بالحق. PageV16P391 # وفي البرهان: يعني النبوة والرأي الصائب والعلم، ومعنى قوله: {وألحقني ~~بالصالحين} وفقني لعمل به أدخل فيهم أو أجمع بيني وبينهم في الجنة، وقد ~~استجاب له حتى صادر قدوة يدعيه أهل الأديان، وقال: لإنه في الآخرة لمن ms0908 ~~الصالحين، ثم قال: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي ثناء حسنا، وذكرا ~~جميلا في الأمم وولدا يقوم بعده بالحق. # قال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك بقوله: {وتركنا عليه في الآخرين} ~~ويحتمل أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى الله ~~تعالى، وذلك هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالمراد من قوله: {واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين} بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أنه لما طلب سعادة الدنيا طلب بعدها سعداة الآخرة فقال: {واجعلني ~~من ورثة جنة النعيم} أي بق علي نعيمها كما يبقا على الوارث مال الموروث، ~~فهو دعاء بالتخليد في نعيمها. # واعلم أنه لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد ~~الناس التصاقا به، وهو أبوه، فقال: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} عن ~~طريق الحق، وكان ذلك الاستغفار قيل منع الشرع إذ كان جائزا في العقل، أو ~~مشروطا بإيمانه، فقوله: واغفر لأبي يرجع حاصله إلى أنه دعا بهذا الشرط جائز ~~للكافر، فلو كان دعاؤه مشروطا لما منعه الله عنه. # وقال المرتضى عليه السلام: إبراهيم -صلوات الله عليه- كان وعدها إياه، ~~وكان يؤمل رجعته فلما تبين له كما قال الله أنه عدو الله تبرأ منه، فلم يدع ~~له بعد ذلك. # ثم قال: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي العباد والصالحون، والخزي الهوان وهذا ~~نحو استغفار الأنبياء مما علموه مغفورا كالخطأ والنسيان، أو ما صدر منهم ~~على وجه التأويل من غير تعمد. PageV16P392 # وقيل: استغفارهم تواضع منهم، ثم قال: {يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من ~~أتى الله بقلب سليم} يعني سليم من الشرك والريب مخلص في طاعة الله، خالث من ~~آفات المعاصي أو صحيح؛ لأن قلب المنافق مريض، وعكسه قلب المؤمن صحيح، وفي ~~الاستثناء وجوه: # أحدها: أنه إذا قيل لك هل لزيد مال وبنون، فيقول ماله وبنوه سلامة قلبه ~~يريد نفي المال والبنين عنه، واثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك فكذا في ~~هذه الآية. # وثانيها: أن ms0909 نجعل المال والبنين معنى الغنى كأنه قيل: يوم لا ينفع غنا ~~إلا غنى من أتى الله بقلب سليم؛ لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن ~~أغناه في دينه بماله، والاستثناء منقطع، وقد جعل متصلا ومن مفعولا لينفع أي ~~لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سليم قلبه من الرياء حيث أنفق ماله ومع بنيه ~~حيث أرشدهم إلى الدين، أو سلم من فتنة المال والبنين. # واعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر في وصف هذا اليوم أمور: # أحدها: قوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} أي قرنت لهم لينظروا إليها يغتبطون ~~بأنهم المحشورون إليها {وبرزت الجحيم} وهي النار الشديدة {للغاوين} أي خرجت ~~للضالين، وأظهرت للأشقياء ليتحسرووا على أنهم المسوقون إليها فيكون أهول ~~لهم، وهذا يكون وقت الحساب. # وثانيها: قوله: {وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون، من دون الله} وهذا سؤال ~~توبيخ {هل ينصرونكم} أي هل ينفعونكم بنصرهم لكم من عذاب الله {أو ينتصرون} ~~أي ينعفون أنفسهم؛ لأنهم وآلهتهم وقود النار، ومعنى قوله: {فكبكبوا فيها} ~~أي طرحوا في النار على وجوههم بعضهم على بعض متكسين على رؤسهم، قال الشاعر: # يناديهم رسول الله لما # طرحناهم كباكب في القليب # أي طرحنا بعضهم على بعض في البير. # وقوله: {هم} يعني الآلهة التي يعبدون {والغاوون} عبدتها الذين برزت لهم ~~الجحيم. PageV16P393 # قال في البرهان: وفي الغاوين قولان: # أحدهما: المشركون. # والثاني: أحبار المشركين ورؤساؤهم، انتهى. # قال: {وجنود إبليس أجمعون} أي شياطينه وأعوانه، أو متبعوه من عصاة الجن ~~والإنس، والكبكبة تكرير الكب. # قوله: {قالوا وهم فيها يختصمون، تالله إن كنا} أي أنا كنا {لفي ضلال} عن ~~الحق {مبين} يجوز أن ينطق الله الأصنام فتخاصم، أو يجري ذلك بين العصاة ~~والشياطين، وقوله: تالله قسم من الجميع فيه معنى التعجب من بيان ضلالهم. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: ومعنى أن كنا أي لقد كنا، فقامت إن ~~الخفيفة مقام لقد. # وقوله: {إذ نسويكم} بيان لوقت ضلالهم، أي لفي ضلال حين سويناكم {برب ~~العالمين} أي في الطاعة، يعنون كبراؤهم وإن أرادوا الشياطين، فمعنى التسوية ~~أنهم ms0910 أطاعوهم كما يطاع رب العالمين، أو معناه جعلنا أمثالا له في الإلهية ~~مستوين فيها، ثم قالوا: {وما أضلنا إلا المجرمون} أي كبراؤنا ورؤساؤنا، ~~أرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجن والإنس. # وقيل: الأولون الذين اقدتوا بهم، ثم قالوا: {فما لنا من شافعين} كما نرى ~~المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين، عكس الله ظنهم في شفاعة الأصنام، ~~ثم قالوا أيضا: {ولا صديق حميم} كما نرى لهم أصدقاء؛ لأنه لا يتصادق في ~~الآخرة إلا المؤمنين، وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله ~~تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}. # قال في البرهان: والحميم هو القريب والشقيق أيضا، يقال: حم الشي إذا قرب، ~~ومنه الحما؛ لأنها تقرب من الأجل، وإنما سمي القريب حميما لأنه يحيم ~~لصاحبه، ويغصب لغضبه، فجعل مأخوذ من الحمية، انتهى. # وقيل: الحميم من الاحتمام وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من ~~الحامة بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. PageV16P394 # وقيل: من الحمى، والحميم الذي هو الماء الحار؛ لأنه يحم لأجل صديقه عند ~~النوائب، ثم حكى تعالى تمنيهم في الآخرة بقوله: {فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين} أي ليت لنا رجعة إلى الدنيا، أو تكون لو على أصلها، وتحذف الجواب ~~للعلم به، وتقديره لأطعنا وآمنا. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: معنى كرة أي مرة، ولو في هذا الموضع ~~حرف تمني، والعرب إذا تمنت شيئائ قالوا: لو أن لنا كذا وكذا لفعلنا ذا وذا، ~~قال الشاعر: # فلو ثم لو ثم لو دنت ... بمية دار كنت أول زائره # ثم قال سبحانه: {إن في ذلك} المذكور من حديث إبراهيم وقومه، وتخاصم أهل ~~النار وندمهم {لاية} وعبرة لمن يريد يستدل بذلك، وموعظة لا زيادة عليها، ثم ~~قاتل: {وما كان أكثرهم مؤمنين} بالله ولا معتدين بهذه الآية، وقال أكثرهم ~~لأن المؤمنين هم الأقلون، والأكثرون من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ~~أخبر تعالى أن مه كل هذه الدلائل فأكثر قومه لم يؤمنوا به، فيكون تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما ms0911 يجده من تكذيب قومه. # وأما قوله: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} فمعناه أنه الغالب القادر على ~~تعجيل الانتقام من أعدائه، لكنه حكيم بالإمهال لكي يؤمنوا، رحيم بأوليائه. PageV16P395 # واعلم أنه تعالى لما قص عليه أيضا نبأ قوم نوح فقد كان نباه أعظم من نبأ ~~غيره؛ لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع ذلك كذبه قومه، فقال ~~تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} يجوز أن يريد نوحا وجده، وعظمه بالجمع، أو ~~لأن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم يصدق بعضهم بعضا، وذلك أن ~~تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره؛ لنه لما كان طريفه معرفة الرسل لا ~~يختلف من حيث المعنى، حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين، أو لأنهم كانوا من ~~الزنادقة، أو من البراهمة، ومعنى قوله سبحانه: {إذ قال لهم أخوهم نوح} أي ~~حين قال لهم، وإنما قيل أخوهم لأنه كان منهم، والعرب تقول يا أخا بني فلان، ~~أي يا واحدا منهم، كما قال الشاعر: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # لا أنها إخوة الدين؛ لأنهم كفار. # ثم إن الله سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولا خوفهم، وثانيا: أنه ~~وصف نفسه، أما التخويف فهو قوله: {ألا تتقون} الله بترك الكفر والمعاصي، ~~ومخالفتي، وأما وصفه نفسه فذلك بأمرين: # أحدهما: قوله: {إني لكم رسول أمين} وكان مشهور بينهم بالأمانة كمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قريش {فاتقوا الله وأطيعوني} فيما أدعوكم إليه من الحق. # وثانيها: قوله: {وما أسألكم عليه من أجر} على ما أنا فيه من دعائي لكم ~~إلى الحق، وأداء الرسالة، ثم قال: {إن أجري إلا على رب العالمين} فلا تظنوا ~~في طمعا {فاتقوا الله} يطاعته وطاعتي. # وأما قوله: {وأطيعوني} فإنما كرر الأمر بالتقوى والطاعة للتأكيد مع ~~التعليل بترك الطمع، والأول معلل بالأمانة. PageV16P396 # وقال الرازي: بل لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي، وأنا رسول الله، ~~وفي الثاني ألا تتقون مخالفتي ولست أخذ منكم أجرا، فهو في المعنى مختلف، ~~ولا تكرار فيه، وقد ms0912 يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك ~~صغيرا، ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا، انتهى. # ثم إن نوحا عليه السلام لما قال لهم ذلك {قالوا أنؤمن لك} أي نصدق لك ~~{واتبعك الأرذلون} أي الأخشا من سفلة الناس وأراذلهم، أي كيف نؤمن لك حتى ~~نكون مثل من اتبعك من الأنذال الأقلين، هذا انتقاص منهم أخيار المسلمين، ~~وفقراء عباد الله الصالحين، وتكبر من الفاسقين العتاة الأنجاس والأرجاس ~~الجبارين. # قيل: واسترذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل ~~الصناعات الدنية، وهذه لا تزري بالديانة، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى ~~صارت من علاماتهم. PageV16P397 # قال جار الله: قرئ واتباعك الأرذلون جمع تابع، كشاهد وأشهاد، أو جمع تبع ~~كبطل وأبطال، والواو للحال وحقها إن تضمر بعدها قد في واتبعك، وقد جمع ~~الأرذال على الصحة وعلى التكسير، وقولهم الذين لهم أراذلنا، فأجابهم نوح ~~عليه السلام حيث {قال وما علمي بما كانوا يعملون} أي أي شيء علمي، والمراد ~~انتفاء علمه، أي لا علم لي بإخلاص عملهم لله، وإنما قال ذلك لأنهم طعنوا في ~~إيمانهم كما طعنوا في أنسابهم مع استرذالهم، يدل عليه قولهم في غير هذا: ~~بادئ الرأي، زعموا أنهم آمنوا بادئ الرأي بغير نظر وبصيرة، ويجوز أن يتغابا ~~لهم نوح عليه السلام فيفسر قولهم الأرذلين بما هو الرذالة عندهم من سوء ~~الأعمال، وفساد العقائد، وهو مثل قول الشنفري للحجاج لما قال له الحجاج ~~متوعدا: لأحملنك على الأدهم، فقال الشنفري، مثل الأمير حمل على الأدهم ~~والأشقر، ولا يلتفت إلى ما هو الرذالة عندهم، ثم بني جوابه على ذلك، ثم ~~قال: {إن حسابهم إلا على ربي} أي ما على الأتباع الظاهر دون التفتيش على ~~الأسرار فهو إلى ربي، ولما قال إن حسابهم إلا على ربي وكانوا لا يصدقون ~~بذلك أردفه بقوله: {لو تشعرون} أي تعلمون، لكنكم تجهلون فتناقشون، وقصد رد ~~اعتقادهم وإنكار أن سمي المؤمن رذلا، وإن كان فقيرا وضيعا، فالغني غني ~~الدين والنسب التقوى، ثم قال: {وما أنا بطارد ms0913 المؤمنين} اتباعا لشهوتكم ، ~~وطمعا في إيمانكم؛ لأنهم طلبوه أبعادهم أو ليكونوا أقرب إلى ذلك، فبين أن ~~الدين يمنعه عن طردهم، وقد آمنوا به، ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة لم ~~يمنع من ذلك بقوله: {إن أنا إلا نذير مبين} لكم موضع للدليل لا أني أطرد من ~~صح إيمانهم لتؤمنوا، ثم إن نوحا عليه السلام لما تم هذا الجواب لم يكن منهم ~~إلا التهديد حيث {قالوا لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين}. PageV16P398 # قال في البرهان: أي المرمين بالشتم، وبه قال الضحاك. # وقال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالرجم بالحجارة؛ لأنه أشنع القتل، ~~فلما حصل عند ذلك اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم {قال رب إن قومي كذبون} ~~لم يرد إخبار الله بتكذيبهم إذ هو عالم، ولكن أراد لا أدعوك عليهم لما ~~غاظوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولتكذيبهم إياي في وحيك ورسالتك ~~{فافتح بيني وبينهم فتحا} أي أقض واحكم بيني وبينهم قضاء وحكما، والفتاحة ~~الحكومة، والفتاح الحاكم، لأنه يفتح المستغلق، والمراد من هذا الحكم إنزال ~~العقوبة عليهم؛ لأنه قال عقيبه: {ونجني ومن معي من المؤمنين} فأراد بالحكم ~~الدعاء عليهم بالغرق، ولنفسه ومن معه بالنجاة، ولولا أن المراد إنزال ~~العقوبة لم يكن لذكر النجاة بعده معنى، ثم قال تعالى: {فأنجيناه ومن معه في ~~الفلك المشحون} بنوح ومن معه من الناس والطير والحيوانات كلها، والفلك ~~السفينة للواحد والجمع، والمشحون المملوء في لغة العرب، قال الشاعر: # شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # يريد ملأنا أرضهم حتى تركناها أذل من الطريق، والشاحن من السفن هي ~~المملوءة، والماخر هي الفارغة فيما روي عن القاسم العالم صلوات الله عليه ~~فدل ذلك على أن الذين نجو معه كان فيهم كثرة، وأن الفلك قد امتلأ بهم وبما ~~صحبهم، وأخبر تعالى أنه بعد إنجائهم أغرق الباقين بقوله: {ثم أغرقنا بعد ~~الباقين} ممن على وجه الأرض. # ثم قال: {إن في ذلك} المذكور من قصة نوح {لاية} أي دلالة عظيمة على ~~القدرة، وعبرة زاجرة عن الكفر وتكذيب الرسل. ms0914 # ثم قال سبحانه: {وما كان أكثرهم مؤمنين} بالله مع ظهور هذه الآية وغيرها ~~{وإن ربك لهو العزيز} الغالب لأعدائه {الرحيم} بأوليائه، فهو المنتصر لهم ~~لا محالة. PageV16P399 # ثم أخبر تبارك وتعالى عن القصة الرابعة قصة هود عليه السلام فقال: {كذبت ~~عاد المرسلين} أي هودا لما مر، وعاد قوم هود، وهم عاد بن عاص بن ارم بن سام ~~بن نوح. # واعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح واحدة فلا فائدة في إعادة ذلك. # ثم إنه سبحانه ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام معهم فقال: {إذ ~~قال لهم أخوهم هود ألا تتقون} بترك الكفر والمعاصي، وقال أخوهم لأنه منهم ~~كما مر في نوح عليه السلام، ومعنى قوله: {إني لكم رسول أمين} أي مشهور فيكم ~~بالأمانة والصدق فصدقوني {فاتقوا الله} يطاعته وطاعتي {وأطيعوني} نصحب لكم ~~بالدعاء إلى الحق {وما أسألكم عليه} أي التبليغ ودعائي لكم إلى الحق {من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين} فلا تظنوا في طمعا، فاتقوا الله بطاعته ~~وطاعتي، وكرر قوله وأطيعون للتأكيد مع التعليل أيضا لوجوب طاعته لما فيه من ~~قطع المطامع منهم؛ لأن الطاعة مع ذلك أوجب، فأول تلك الأمور قوله: {أتبنون ~~بكل ريع آية تعبثون} قرئ بكل ريع -بكسر الراء وفتحها شاذ- ومعناهما المكان ~~المرتفع، ومنه قولهم: كم ريع أرضك، وهو ارتفاعها، والآية العلم، أي علامة ~~وقصور تعبثون بذلك وتلعبون، ثم فيه وجه: # أحدها: عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علما يعبثون بمن يمر الطريق ~~إلى هود عليه السلام. # والثاني: أنهم كانوا يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخرا ~~فنهو عنه، ونسبوا إلى العبث. # والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتخذوا في طرقهم ~~أعلاما طوالا فعبثوا بها؛ لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم. PageV16P400 # وعن مجاهد بنو بكل ريع بزوج الحمام وكانوا يوالفونها ليعبثوا بتطيرها، وفي ~~تفسير الرابع يقول محمد بن القاسم عليه السلام: الريع الموضع يكون بين ~~جبلين صغيرين أو في طرف الجبل الصغير مستوي المكان يتهيأ ويحسن فيه ~~البنيان. # وفي البرهان: ms0915 الريع الطريق، ومنه قول...........: # والآل يحفظها ويرفعها ... ريع يلوح كأنه سجل # والسجل الثوب الأبيض، وقيل: هو المكان المشرف، انتهى. # وثانيها: قوله: {وتتخذون مصانع} وهي القصور المشيدة في الحصون. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: واحدها مصنعة وهي في لغة أهل اليمن ~~اليوم خاصة، قال الشاعر: # تركنا ديارهم منهم قفارا # وهدمنا المصانع والبروجا # وقيل: إنها مآخذ للماء تحت الأرض، ومنه قول لبيد: # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع # وقوله: {لعلكم تخلدون} أراد به التعليل، أي لتخلدوا في الدنيا، والمعنى ~~كأنكم تخلدون بإتخاذ هذه الأبنية؛ لنهم إنما عملوا ذلك ليخلدوا، ويقيموا في ~~هذه الدينيا، ولا يبيدوا جهلا منهم وعماية عن اليقين، وتجاهلا وميلا إلى ~~الظنون، وطول الأمل والاطمئنان إلى الدهر الخؤون فشبه حالهم بحال من يرجو ~~الخلود؛ لأنهم كانوا يرجونه على الحقيقة، فإن كان عاقل يعلم أنه يموت. # وثالثها: قوله: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أي عاقبتم أقوياء، والبطش ~~الضرب والقتل بغير حق، أي فعلتم ذلك بغيركم ظلما وعلوا بغير حق ولا ثبت، ~~وقيل: الجبار من يضرب ويقتل على الغضب ويفعل ما يريد ولا ينظر في العواقب، ~~والبطش أيضا جمع العمل والتحرك والتصرف، وهم كذلك في تصرفهم جبارين متكبرين ~~عن الخشوع كافرين، قال الشاعر: # ونبطش حين نبطش قادرينا PageV16P401 وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية تدل على حب ~~العلو، واتخاذ المصانع على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، ~~فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو، وهذه صفات ~~الإلهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولة ~~عليهم، بحيث استغرقوا فيه، خرجوا عن حد العبويدية، وحاموا حول دعاء ~~الربوبية، وكان ذلك ينبه على أن حب الدينيا رأس كل خطيئة، وعنوان كل كفر ~~ومعصية، ثم لما ذكر هود عليه السلام هذه الشياء قال: {فاتقوا الله ~~وأطيعوني} زيادة في دعائهم إلى الخير، وزجرا لهم عن حب الدنيا، والاشتغال ~~بالشرف والحرص، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول، وهو التنبيه على نعم ~~الله ms0916 تعالى عليهم بالإجمال أولا، ثم بالتفصيل ثانيا، فأيقظهم عن سنة غفلتهم ~~عنها حين قال: {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون} من المدد وهو الزيادة فيما ~~تصرفون فيه من نعمة أجملها، ثم فصلها من بعد بقوله: {أمدكم بأنعام وبنين} ~~قرن البنين بالأنعام؛ لأنهم الذين يعينونهم على حفظها {وجنات وعيون} ~~البساتين والأنهار {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي يوم القيامة، أو يوم ~~هلاكهم في الدنيا، فلما بلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب، والتخويف والبيات ~~النهاية {قالوا} في جوابهم {سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} لو ~~قيل أوعظت أم لم تعظ كان أخصر، لكن هذا أبلغ؛ لأن المراد سواء علينا أفعلت ~~هذا الوعظ أم لم تكن من أهل الوعظ فهو المنع من قلة اعتدادهم بوعظه من ~~قولك: أم لم تعظ، ثم احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقوله: {إن هذا إلا ~~خلق الأولين} أي طبع الماضين وسيرتهم، وشبههم وسجيتهم، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى كذب الأولين. PageV16P402 # قال في التجريد: من قرأه بفتح الخاء فمعناه أن ما جئت به اختلاق الأولين، ~~أي كذبهم، كقوله: أساطير الأولين، أو تريد ما خلقنا هذا إلا مثل خلق القرون ~~الماضية، نحيا كما حيوا ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا حساب، ومن قرأه بضم ~~الخاء وحدها أو مع اللام فمعناه ما هذا الذي نحن فيه من الدين إلا عادة ~~الأولين ودينهم، ونحن بهم مقتدون، أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة ~~والموت إلا عادة لم يزل عليه الناس في قديم الدهر، أو ما هذا الذي جئت به ~~من الكذب إلا عادة الأولين من الكذابين، انتهى. # ثم قالوا: {وما نحن بمعذبين} ردا منهم لقوله: إني أخاق عليكم عذاب يوم ~~عظيم، أظهروا بذلك تقوية نفوسهم {فكذبوه فأهلكناهم} بعث الله عليم السموم ~~وهي ريح حارة، فكانت تدخل أنوفهم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا، ~~والمشهور انهم أهلكوا بالريح العاصف الصرصر الريح العقيم، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك} الإهلاك {لاية} يعني موعظة عظيمة وعبرة كافية ~~{وما كان أكثرهم} أي العباد ms0917 {مؤمنين} بالله وآياته مع وضوح دلائله ومعجزاته ~~{وإن ربك لهو العزيز} الغالب المنتقم من أعدائه {الرحيم} بأوليائه وأحبابه. # ثم أخبر تعالى عن القصة الخامسة قصة قوم صالح عليه السلام فقال سبحانه: ~~{كذبت ثمود المرسلين} أي صالح كما مر في نظائره {إذ قال لهم أخوهم صالح ألا ~~تتقون} الله {إني لكم رسول أمين} مشهور الأمانة فيكم {فاتقوا الله ~~وأطيعوني، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} قد مر ~~تفسيرها في نظائره فيؤخذ من هناك. # واعلم أن صالحا عليه السلام خاطب قومه بأمور: PageV16P403 # أحدها: قوله: {أتتركون في ما هاهنا آمنين} هذا إنكار لتركهم مخلدين في ~~نعيمهم، أو تذكيرهم بتالنعمة في تخلية الله إليهم، وما يتنعمون فيه من ~~الجنات مع الأمن والدعة. # وقوله: هاهنا أي في الذي استقر في هذا المكان من النعم، ثم فسره بقوله: ~~{في جنات وعيون، وزروع ونخل طلعها هضيم} الطلع مشتق من الطلوع، وهو الظهور ~~ومنه طولع الشمس والنبات، وأصل الهظم في ما قيل هو تلازق بعض الشيء إلى ~~بعض، قال الشاعر: # على هظيم الكشح ريا المخلخل # أي مضمرة الجنب، والهظيم هو الذليل المتراخي، ويمكن أن يكون الطلع والثمر ~~هظيما، لقربه وتراخيه ودنوه، قال الشاعر: # ومن تهضم مأكول ومشروب # وإنما خصوا النخل بعد دخوله في ذكر الجنات لفضيلته عليها خاصة، والطلعة ~~التي تطلع من النخلة، كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج ~~من الجذع، كما هو بعجرونه وشماريخه، والقنو في النخل كالعنقود في العنب، ~~والعرجون العود كله بما فيه من الشماريخ، والهظم اللطيف الضامر، وطلع إناث ~~النخل فيه لطف، وفي طلع الذكور جفا، وكذلك طلع........ألطف من طلع اللون، ~~فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود الثمر وأنفعه؛ لأن الاناث ولادة، أو ~~يريد نخيلهم أصابت جودة المنابت وسعة الماء، وسلمت العاهات، فجملت الكثير، ~~فإذا كثر الحمل هضم أي لطف، وإذا قل جاء فاخرا. # وقيل: الهضيم اللين النضيج، كأنه قال: ونخل رطب ثمرة. # وثانيها: قوله: {وتنحتون} أي تبنون {من الجبال بيوتا} طالت أعمارهم، فكان ms0918 ~~الرجل منهم يبني يالبناء المحكم فينهدم فلذلك نحتوا البيوت في الجبال، ~~ومعنى {فارهين} أي أشرين بطرين غير حامدين، ولا شاكرين هذا روي عن المرتضى ~~عليه السلام، وقرئ فاريهن أي حاذقين بنحتها. PageV16P404 # قال محمد بن القاسم عليه السلام: الفرهون كلمة عربية تقوم مقام فرحين، ~~والفره الفرح المفرط في فرحه، والفرح فعل وخلق يكرهه الله من أهل الدنيا، ~~قال الله سبحانه: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} انتهى. # والفراهة الكيس والنشاط، ومنه خيل فرهة ساتعير لامتثال الأمر، وارتسام ~~طاعة الأمر المطاع، أو جعل الأمر مطاعا علىالمجاز الحاكمي، والمراد ومنه ~~قوله تعالى: {وأطيعوا أمري}. # واعلم أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات ~~الخالية وهي طلب الاستعلاء والتفرد والتخيير، والغالب على قوم صالح هو ~~اللذات الحسية، وهي المأكول والمشروب، والمساكن الطيبة الحصينة. # وثالثها: قوله: {فاتقوا الله} بطاعته وطاعتي {وأطيعوني، ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين} المجاوزين عن الحد في الظلم. # وقوله: {الذين يفسدون في الأرض} يعم جميع أنواع الظلم؛ لأنه نقيض الصلاح، ~~وقائدة قوله: {ولا يصلحون} أن فسادهم ليس فيه شيء من الصلام، كما يكون حال ~~بعض المفسدين محلوطة بشيء من الصلاح، ثم إن القوم اجابوه بأن {قالوا إنما ~~أنت من المسحرين} الذين سحروا كثيرا حتى غلب على المغفلين المسحورين ~~المخدوعين. # وفي البرهان: المسحرين يعني ممن يأكل ويشرب، قال لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر PageV16P405 أي المعلل بالطعام والشراب، أرادوا أنه بشر لا أنه ملك، فلذلك قالو: {ما ~~أنت إلا بشر مثلنا} فكيف ترسل إلينا ولا فضل لك علينا، ويحتمل أن يكون ~~مرادهم أنك بشر مثلنا، ولابد لك من إثبات نبوتك من الدليل، فلذلك قالوا: ~~{فأت بآية} أي معجزة تدل على صدقك {إن كنت من الصادقين} في دعواك الرسالة، ~~فلما اقترحوا ذلك على صالح عليه السلام {قال هذه ناقة لها شرب} أي نصيب من ~~الماء، ومعنى الشرب هو المشروب. # روي أنهم قالوا: نريد ناقة عشرا تخرج من هذه الصخرة فتلد ms0919 سقب، فصلى صالح ~~ركعتين وسأل الله ذلك فخرجت الناقة من الصخرة وهم ينظرون، وبركت بين ~~أيديهم، ونتجت سقبا يجانسها في العظم. # وعن أبي موسى: رأيت مصدر الناقة فذرعته ستين ذراعا. # وعن قتادة: كانت تشرب ماؤهم كله يوم شربها، فلذلك قسم بينهم، ووصاهم صالح ~~عليه السلام بأمرين: # الأول: قوله: {لها شرب} أي نصيب من الماء، ومعنى الشرب هو المشروب {ولكم ~~شرب يوم معلوم} لا تشرب فيه الماء، وإذا كانت يوم شربها شربت الماء كله، ~~وكانوا يحتلبون منها ما شاؤا يوم شربها فتمتلئ أوانيهم ويشربون ويدخرون. # والثاني: قوله: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} وصف اليوم ~~بالعظم أبلغ من وصف العذاب؛ لأنه إنما عظم بسببه، ثم إن الله تعالى حكى ~~عنهم أنهم عقروها، وإنما عقرها منهم اثنان مسطح رماها بسهم في رجلها فسقطت، ~~ثم ضربها قدار، ولكنهم رضوا كلهم بعقرها، فلذلك قال تعالى: {فعقروها ~~فأصبحوا نادمين، فأخذهم العذاب} وإنما أخذهم العذاب وقد أصبحوا نادمين؛ ~~لأنهم ندموا خوفا من العذاب المعجل لا توبة، أو كان توبتهم عند معاينة ~~العذاب والإلجاء واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم. PageV16P406 # قيل: صاح جبريل عليه السلام ففطر قلوبهم، فهلكوا عن آخرهم، ثم قال تعالى: ~~{إن في ذلك لاية} أي عبرة ودلالة على اقتدار الله وانتقامه، من أعدائه {وما ~~كان أكثرهم} أي الناس {مؤمنين} بالله تعالى مع ظهور هذه القدرة لله تعالى ~~{وإن ربك لهو العزيز} الغالب المنتقم من أعدائه {الرحيم} بأوليائه. # ثم أخبر عز وجل عن القصة السادسة قصة قوم لوط عليه السلام فقال: {كذبت ~~قوم لوط المرسلين} أي لوط كما مر نظيره وهو ابن أخت إبراهيم عليه السلام، ~~وكان آمن به وهاجر معه إلى فلسطين {إذ قال لهم أخوهم لوط} لأنه كان منهم ~~كما مر نظيره {ألا تتقون} أي تخافون الله تعالى {إني لكم رسول أمين} مشهور ~~بالأمانة فيكم فلزمكم تصديقي {فاتقوا الله} بطاعته وطاعتي {وأطيعوني، وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} كل هذا قد مر تفسيره في ~~نظائره، ms0920 قوله: {أتأتون الذكران من العالمين} أي الناس أي تأتون من بين ~~أولاد بني آدم على كثرتهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة، كان الإناث ~~قد أعوزتكم، أو تأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران، أي أنتم ~~مخصوصون بهذه الفاحشة من بين أولاد آدم، بل من بين كل العالمين والعالمون ~~على هذا كل ما ينكح من الحيوان؛ لأن من عداهم من العالمين لا ينكح فيه إلا ~~الأنثى. PageV16P407 # وأما قوله: {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} فيجوز أن يراد بقوله من ~~أزواجكم للتبعيض، وكأنهم كانوا يأتون أزواجهم في أدبارهن، ومعناه أتركبون ~~هذه المعصية على عظمها {بل أنتم قوم عادون} والعادي هو المتعدي في ظلكه، أي ~~ظالمون معتدون متجاوزون الحد في جميع المعاصي، فهذا من جملة ذلك، وانتم قوم ~~أحقا بأن توصفوا بالعدوان حيث أتيتم من هذه العظيمة، ثم {قالوا} له عليه ~~السلام: {لئن لم تنته يالوط} عن نهينا وتقبيح أمرنا {لتكونن من المخرجين} ~~ممن أخرجناه وطردناه من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال ~~من تعنيف واحتباس لأملاكه، فلما تهددوه بذلك {قال إني لعملكم من القالين} ~~أي من المبغضين الماقتين، قال الشاعر: # صرفت القلا عنهن من خشية الردى # ولست بمقلي الخلال ولا قالي # والقلا هو البغض الشديد؛ لأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد، أي يحرقهما، ~~والمراد القلا من حيث الدين، وقد توقى همه الدين حتى نفرت كراهته للمعاصي ~~من الكراهة الطبيعية لأجل التقوى فقال: {رب نجني وأهلي مما يعملون} أي من ~~عقوبة عملهم، وأراد اعصمني من عملهم القبيح، ثم قال تعالى: {فنجيناه وأهله ~~أجمعين، إلا عجوزا في الغابرين} أي الباقين في العذاب وهي امرأة لوط عليه ~~السلام؛ لأنها بقيت غير مسري بها. # قال في الكشاف: فإن قلت إلا عجوزا في الغابرين صفة لها كأنه قيل: إلا ~~عجوزا غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيهم؟ # قلت: معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها، والمعنى الغابرين في العذاب والهلاك ~~غير الناجين. # قال بعض علماؤنا عليهم السلام: يحتمل أن يكون في الغابرين خبر ms0921 مبتدأ ~~محذوف إلا عجوزا، فهي في الغابرين، والله أعلم. PageV16P408 # وقوله: {ثم دمرنا الآخرين} أي بالائتفاك بهم أي انقلاب قراهم عليهم حين ~~قلبها جبريل عليه السلام {وأمطرنا عليهم مطرا} مخصوصا وهي الحجارة التي ~~رموا بها. # قتادة: أمطر الله على شذاذهم الذين كانوا في الآفاق الحجارة. # وعن ابن زيد: لم يرض بالائتفاك حتى أتبعهم مطرا من حجارة، أي جمع عليهم ~~الرمي بالحجارة، والقلب {فساء مطر المنذرين} لم يرد بالمنذرين قوما ~~بأعيانهم، إنما أراد جنس المنذرين، والمخصوص محذوف وهو مطرهم {إن في ذلك} ~~المذكور من القصة {لاية} أي دلالة عظيمة على قدرة الله وانتقامه من أعدائه ~~{وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز} الغالب لمن عاداه {الرحيم} ~~لمن أحبه ووالاه، وقد تكرر تفسير مثل هذا غير مرة. # ثم أخبر سبحانه عن القصة السابعة قصة شعيب عليه السلام فقال تعالى: {كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين} وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان قد أرسل إليهم ~~وإلى مدين. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والأيكة اسم لمعبودهم وصنمهم، ويمكن ~~أن تكون أسماء لبلدهم وقريتهم ودارهم، ومحلهم ومسكنهم، انتهى. # وكانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم، ويسمى البهش والمقل يشبه ~~النخل، وثمره كثمر الرمان، له عجم، وقوله الأيكة قرئ بتخفيف الهمزة ~~والقائها على لام التعريف، وكتبت في المصحف بغير ألف فتوهم بعضهم أن ليكة ~~بوزن ليلة اسم بلدة وهو خطأ، ولا تعرف بلد اسمها ليكة، قاله جار الله، يشير ~~إلى كلام الثعلبي فإنه قال: ليكة والأيكة لغتان ويرد على كلام جار الله ~~امتناع ليكة من الجر وما فيه الألف واللام يجر، وقد أجيب بأنهم اتسعوا ~~فمنعوه الصرف مع لام التعريف كقول من قال: مررت بالأحمر مع المعرفة {إذ قال ~~لهم شعيب ألا تتقون، إني لكم رسول أمين} ولم يقل أخوهم كغيره إذ لم يكن منهم. PageV16P409 # وفي الحديث: ((إن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة)). # أما قوله: {فاتقوا الله وأطيعوني، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا ~~على رب العالمين} فكل هذا قد مر تفسيره ms0922 في نظائره أن شعيبا عليه السلام ~~أمرهم بأشياء: # أحدها: قوله: {أوفوا الكيل} أمر بالواجب وهو الإيفاء، وقوله: {ولا تكونوا ~~من المخسرين} للناس، نهى عن المحرم وهو التطفيف ولم يذكر الزائد؛ لأنه حيث ~~أنه فعله ققد أحسن، وإن لم يفعله فلا عليه، ثم لما أمر بالإيفاء بين كيف ~~يفعل فقال: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} أي العدل الثابت من الأشياء، وهو ~~عربي وأصله من القسط، ومنه قوله: قائما بالقسط، أي بالعدل. # وروي أن القسطاس ميزان كان بالشام من أعدل الموازين، فأراد الله من ~~الخلوقين أن يقتدوا بعدل ذلك الميزان في جميع ما به يتعاملون. # قلت: ومثل هذا ذكر المرتضى عليه السلام في الإيضاح، وقيل: هو الميزان ~~الذي له كفتان ولسان. # وقيل: الرسطون الذي من حديد، وفيه رمانة، وكفة -بكسر الكاف- فيما استدار ~~وضمها فيما استطال ككفة الثوب والرمل كذا في شمس العلوم عن الأصمعي. # وثانيها: قوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم أموالهم ~~وحقوقهم، والبخس هو النقس، والنهي عام لكل نقص في ملك أو حق، فقال أشياءهم. # وثالثها: قوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي تمشوا فيها بالمعاصي، ولا ~~تفسدوا فيها بعد إصلاح. # وقيل: العثا أشد الفساد، كقطع الطريق والغارة، وإهلاك الزرع، وكانوا ~~يفعلون ذلك مع توليهم أنواع الفساد. # ورابعها: قوله: {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} أي الخليقة، والخلق ~~الأولين، قال الشاعر: # والموت أكثر حادث ... مما يمر على الجبلة PageV16P410 أي مما يمر على الخلق، والمراد به المتفضل بخلقهم وخلق من تقدمهم ممن لولا ~~خلقهم لما كانوا مخلوقين، فلم يكن للقوم جواب إلا ما لو تركوه لكان أولى ~~لبهم وهو من وجهين: # الأول: حيث {قالوا إنما أنت من المسحرين} الذي سحر كثيرا حتى زالت عقولهم ~~بالسحر {وما أنت إلا بشر مثلنا} لآدمي لا ملك، جاء هاهنا بالواو دون فيره، ~~والفرق أنها تؤذن بقصد معنيين كلاهما مناف للرسالة عندهم التسحير والبشرية، ~~وأنهما لا يكونان في الرسل، وإذا تركت فلم تقصد إلا معنى واحد وهو التسحير. # الثاني: قولهم {وإن نظنك} أي وإنا نظنك {لمن الكاذبين، فأسقط ms0923 علينا كسفا} ~~قرئ بسكون السين وفتحها، من كسفه إذا قطعه، وكلاهما جمه كسفه نحو قطع في ~~قطعة وسدر في سدرة. # وقيل: الكسف والكسفة كالربع والربعة، أي ليس يجمع، وقوله: {من السماء} ~~يعني عذابا من السماء، أي السحاب، والمظلة. # وقيل: الكسف الفظيع {إن كنت من الصادقين} أي إن كنت صادقا في أنك رسول، ~~فادع الله ينزل علينا فطعا من السماء لنعلم صدقك، وما كان طلبهم ذلك إلا ~~لتصميمهم على الجحود والتكذيب، ولو فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ~~ببالهم، فضلا عن أن يظنوه وهم ربما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوه، فظنوا أنه ~~إذا لم يقه ظهر كذبه، فلما طلبوا ذلك من شعيب عليه السلام {قال ربي أعلم ~~بما تعملون، فكذبوه} أي أصروا على تكذيبه {فأخذهم عذاب يوم الظلة} فالظلة ~~ما أظل الناس وجاء من فوق رؤسهم وأشرف عليهم، عاقبهم الله بجنس ما اقترحوه ~~من العذاب، إن أرادوا بالسماء السحاب، وإن أرادوا المظلة فقد خالف بهم عن ~~مقترحهم. PageV16P411 # روي أن الله حبس عنهم الريح سبعا، وسلط عليهم الرمد أي حر الليل، فأخذ ~~بانفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شرب فاضطروا إلى أن يخرجوا إلى البرية، ~~فاظلتهم سحابة وجدوا بها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا، ~~فاحترقوا. # وقيل: الظلة قطعة من جبل وقعت عليهم. # وروي أن شعيبا أرسل إلى أمتين أصحاب مدين والأيكة، فأهلكت مدين بصيحة ~~جبريل، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة. # ثم قال: {إنه كان عذاب يوم عظيم} وصف اليوم بالعظم على العظيم العذاب فيه ~~أبلغ من وصف العذاب به {إن في ذلك لاية} عظيمة {وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ~~ربك} يا محمد {لهو العزيز الرحيم}. # واعلم أنه إنما كرر في السورة أول قصة وآخرها ما كرر؛ لأن كل قصة منها ~~كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، ولتقرير المعاني في ~~الأنفس وتثبيتها كالترديد بما يتحفظه كلما أراد ترديده رسخ في الفهم، وبعد ~~عن النسيان، ولأنها طرقت بها أذان وقر عن الانصات للحق، وقلوب غلف عن ~~تدبره، فكوثرت ms0924 بالوعظ، لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا، أو يصقل عقلا، ~~وهاهنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ~~تسلية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما ناله من الغم الشديد. # واعلم أنه تعالى لما ختم ما اقتصه من خبر الأنبياء تسلية وإزالة للحزن عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر بعد ذلك ما يدل على نبوته صلوات ~~الله عليه وآله وسلم من وجهين: # الأول: قوله: {وإنه لتنزيل رب العالمين} أي ما نزل منه، فقوله: وإنه أي ~~ما نزل من القصص والآيات، أو الضمير للقرآن، وذلك لأن فصاحته معجز، فيكون ~~ذلك من رب العالمين. # وأما وجه الأول فلأنه اخبار به عن القصص الماضية من غير تعلم البتة، فلا ~~يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى. PageV16P412 # وقوله بعده: وإنه لفي زبر الأولين كأنه مؤكد لهذا الاحتمال، وذلك لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما ذكر هذه القصص السبع على ما هي موجودة في زبر ~~الأولين من غير تفاوت أصلا مع أنه لم يشتغل بالعلم والاستفادة، دل ذلك على ~~أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فهذا هو المقصود من الآية. # وأما قوله: وإنه لتنزيل من رب العالمين فالمراد بالتنزيل المتنزل، ثم كان ~~يجوز في القرآن، وهذه القصص أن تكون تنزيلا من الله تعالى إلى محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم بلا واسطة، فقال تعالى: {نزل به الروح الأمين} والباقي ~~قوله نزل به، ونزل به على القراءتين للتعدية، جعل الله الروح نازلا به على ~~قلبك، أي فهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات من لا ينسى، كقوله تعالى: {سنقرئك ~~فلا تنسى} والروح الأمين يعني جبريل عليه السلام سمي روحا؛ لأن الدين يحيى ~~به، وبما ينزل كما يحيى الجسد بالروح، وسمي أمينا لأن الله ائتمنه على الوحي. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما سماه الله روحا لأنه يحيى بعلمه ~~وعقله وفهمه، ولا يزداد كل يوم حياة قلبه من الجهل إلا بعدا، وكذلك يحي ~~بعلمه من ms0925 شاهدعه وبدله بذلك على ربه، فمن هذا الوجه سماه الله روحا، لما ~~كان عنده أمينا عالما نصوحا، فزاده الله قدرا إلى قدره، وعلما ونور إلى ~~نوره، وزاده فضلا وشرفا في كل أموره، انتهى. # وإنما قال تبارك وتعالى: {على قلبك} وإن كان إنما أنزله ليؤكد به أن ذلك ~~المنزل محفوظ للرسول ممكن في قلبخه، لا يجوز ال...........فيوثق بالإنذار ~~الواقع منه الذي بين الله تعالى، أنه هو المفثود، ولذلك قال: {لتكون من ~~المنذرين} لأمتك، فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى كل واحد من علم وعمل، ~~والمنع من كل قبيح، يدخل الخوف من العقاب. PageV16P413 # قال في البرهان: وإنما قال سبحانه: {بلسان عربي مبين} لأن المنزل عليه ~~عربي، والمخاطبون به عرب، ولأنه تحدى بفصاحته العرب، وهو لسان قريش، انتهى. # قوله: بلسان إن تعلق حرف الجر بالمنذرين، فالمعنى ليكون ممن أندر بهذا ~~اللسان وهم خمسة هود وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وإن تعلق بنزل فمعناه نزله بلسان عربي لتنذر به العرب، إذ لو نزل ~~بالعجمي لقالوا ما نصنع بما لا نفهمه، ثم قال سبحانه: {وإنه لفي زبر ~~الأولين}. # قال في البرهان: ومعنى إنه أي خبر القرآن، ونعت محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم في كتب الأولين من التوراة والإنجيل. # قال في التجريد: وذلك متأول على وجهين: # أحدهما: أن يريد أن صحته وفصله وصفته ونحو ذلك مذكورة في كتب الله ~~المنزلة على أنبيائه. # والثاني: أنه يريد معانيه فيها، وذلك ما لا تختلف فيه الشرائع، مثل توحيد ~~الله ووحوب طاعته، وتصديق رسله، والأمر بالعدل والإحسان، والنهي عن الفجشاء ~~والمنكر، وإن اختلفت الكتب في تفاصيل الشرائع، وإنما احتيج إلى التأويل بما ~~ذكر؛ لأن القرآن عربي والكتب المتقدمة عجمية، انتهى. PageV16P414 # ثم ذكر الله سبحانه الحجة الثانية على نبوته صلوات الله عليه وآله وسلم ~~فقال تعالى: {أولم يكن لهم} أي المنكرين للمنزل {آية} أي دليلا واضحا {أن ~~يعلمه} أي المنزل، أو محمد صلى الله عليه وآله وسلم {علماء بني إسرائيل} ~~وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل ms0926 أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة ~~والإنجيل ذكر فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بصفته ونعته، وقد كان ~~مشركوا قريش يذهبون إلى اليهود، ويتعرفون منهم الخبر، وهذا يدل دلالة ظاهرة ~~على نبوته؛ لأن تطابق الكتب الإلهية على نعته ووصفه تدل قطعا على نبوته، ~~وفي تفسير هذه الآية يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: هذا توقيف من الله ~~سبحانه للمكذبين الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء ~~به عن الحق المبين، بما كانوا يسمعون في ذكر النبي ومبعثه من علماء بني ~~إسرائيل قبل بعث الله لنبيه؛ لأن من كان يحاور قريضا والعرب باليمن والواد ~~وخيبر ويثرب من علماء بني إسرائيل كانوا يذكروان أمر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ويرونه ويجدونه في كتبهم أن الله يبعثه من بني إسماعيل، وأنه ~~يخرج من مكة، وفي هذا وسماعهم له قديما قبل بعثة النبي آية وحجة بينة قوية، انتهى. PageV16P415 # واعلم أنه تعالى لما بين بالدليلين المذكورين نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وصدق لهجته بين بعد ذلك أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل والبراهين ~~فقال سبحانه: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} الأعجم من لا يفصح، وفي لسانه ~~عجمة، والأعجم مثله إلا أن فيه زيادة تأكيد لزيادة با النسبة، ثم قال: ~~{فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} أي قرأه الأعجمي، هكذا فيصحا معجزا كفروا ~~به كما كفروا من قبل، ولتطلبوا أن ............ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ~~وسموه سحرا وشعرا كما قال تعالى: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم} ويحتمل أن يريد الامتنان بكون القرآن غريبا مفهوما، وأنه لو نزل ~~أعجميا ما فهموه ولا آمنوا، ثم قال عز وجل: {كذلك سلكناه} أي مثل ذلك السلك ~~سلكناها فيه من الوعد والوعيد {في قلوب المجرمين} أي أدخلناه في قلوبهم ~~ليكون حجة عليهم. PageV16P416 # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام: يعني والله أعلم ما سلك الله من ذكر ~~نبيه وأخباره ومبعصه في أذان المشركين وقلوبهم قبل بعصته حتى وقع ذكر ~~مبعثه، وهذا بما كان ms0927 يروي علماء بني إسرائيل لهم قديما من الله في الاحتجاج ~~عليهم، انتهى، ثم أخبر أنهم {لا يؤمنون به} وهذا موضح لما قبله من ثباته، ~~مكذبا في قلوبهم أو خال أي سلكناه غير مؤمن به {حتى يروا العذاب الأليم} أي ~~لا يزالون على تكذيبه حتى شاهدوا عذاب يوم القيامة {فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون} بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة، فقال تعالى حاكيا: {فيقولوا ~~هل نحن منظرون} وليس المعنى ترادف رؤية العذاب، ومفاجأته، وسؤال النظرة فيه ~~في الوجود، وإنما المعنى يرادفها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن، ~~حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم، فما أشد منه وهو ~~سؤالهم النظرة، مثاله: أن تقول لمن تعظه إن أسأتك مقتك الصالحون فمقتك ~~الله، فإنك لا تقصد الترتيب أن مقت الله سبحانه يوجب عقيب الصالحين، وإنما ~~قصدم إلى ترتيب شدة الأمرة، وترى ثم يقع في هذا الأسلوب. # ثم أخبر تعالى أنهم كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب مع أن حالهم عند ~~نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين، فقال عز وجل: {أفبعذابنا ~~يستعجلون} وهذا تبكيت لهم بغنكار وتهكم، أي كيف يستعجل العذاب من هو معرض ~~لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من النظرة والامهال طرفلة عين، فلا ~~يجاب إليها. PageV16P417 # ثم أخبر سبحانه أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا ~~في الدنيا فقال تعالى: {أفرأيت} أي أخبرني {إن متعناهم} أي كفار مكة {سنين} ~~أي بلغناهم سنين كثيرة طالت فيها أعمارهم، هلة أغنى عنهم ذلك، أو دفع عنهم ~~العذاب، والمتاع هو البلاغ في الدنيا بطول الأعمار، وطول العيش {ثم جاءهم ~~ما كانوا يوعدون} من عذاب الآخرة {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} أي ما ~~نفعهم ما مضى من طيب المعاش، وطول العمر في النعم، وأغنى من الغنى بمعنى النفع. # وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاؤه فقال له: ~~عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال ميمون: لقد وعظت ms0928 فأبلغت. # ثم أخبر سبحانه أنه لم يهلك أهل قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة، ~~فقال تعالى: {وما أهلكنا من قرية} ظالمة {إلا لها منذرون} يريد أهل قرية ~~بعد أن ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ثم قال: {ذكرى} أي ليكون ~~إهلاكهم تذكرة وموعظة لغيرهم، فلا يعصوا كعصيانهم، ويحتمل أن تكون ذكرى ~~منصوبة بمعنى تذكرة؛ لأن أنذر وذكر متقاربان، فكأنه قيل مذكرون بذكره وهي ~~حال من الضمير في منذرون، أي ينذرونهم ذوي تذكرة، ووجه آخر هو أن تكون ذكرى ~~متعلقة بأهلكنا مفعولا له، والمعنى وما أهلكنا من قرية ظالمين إلا بعد ما ~~ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، ~~فلا يعصوا مثل عصيانهم {وما كنا ظالمين} فنهلك قوما غير ظالمين، أو قبل أن ~~نرسل إليهم، وفيه دلالة على وجوب البعثة. # قال الرازي: فإن قيل: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في ~~قوله: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم}؟ # قال: قلت الأصل عزل الواو؛ لأن الجملة صفة لقرية، وإذا زيدت فلتأكيد وصل ~~الصفة بالموصوف، والله أعلم. PageV16P418 # ثم اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكون ~~القرآن تنزيل رب العالمين، وإنما يعرف ذلك لوقوعه في الفصاحة النهاية ~~القصوى، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت، مع أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يشتغل بالتعلم والاستفادة، فكان الكفار يقولون: لم لا يجوز أن ~~يكون هذا من الجن الشياطين كسائر ما تقول على الكهنة؟ فأجاب الله تعالى عنه ~~فقال تكذيبا لهم: {وما تنزلت به} أي القرآن {الشياطين} كما يقولون ويزعمون ~~أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كاهن، وما يتنزل عليه من جنس، وما يتنزل ~~به الشياطين على الكهنة، ثم قال: {وما ينبغي لهم} أي لا يتهيأ ولا يتسهل ~~لهم {وما يستطيعون} ولا يقدرون عليه. # وقوله تعالى: {إنهم عن السمع لمعزولون} تعليل لنفي الاستطاعة، أي معزولون ~~عن استماع كلام أهل السماء بالرجم بالشهب، أي مصروفون مبعدون. # ثم إنه ms0929 تعالى لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: {فلا تدع} يا محمد {مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} قد علم ~~الله أن ذلك لا يكون منه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أراد التحريك منه ~~لازدياد الاخلاص، وفيه لطف لغيره؛ لأن الوعيد إذا لحقه مع عظم محله إن فعل ~~ذلك فكيف بمن دونه. # قال ابن عباس: يحذر منه غيره، ومعناه أنت أكرم الخلق على الله، ولو أشركت ~~لعذبك، وذلك حين دعاه المشركون إلى الرجوع إلى دين آبائه، ويجوز أن يكون ~~نهيه تأكيدا كما ذكر في نظائره، نحو ولا تكونن من المشركين، ولا تكونن من ~~الممترين. # واعلم أن مثل هذا في الحقيقة خطاب لغيره صلوات الله عليه وآله؛ لأن من ~~شان الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر، ~~وإن كان المقصود بذلك هم الأتباع؛ لأنه تعالى أراد أن يتبعه ما لا يليق ~~بذلك، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة، والله أعلم. PageV16P419 # ثم اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما بالغ في تسلية رسوله أولا، ثم أقام ~~الحجة على نبوته ثانيا، ثم أورد سؤال المنكرين، وأجاب عنه ثالثا أمره بعد ~~ذلك بما يتعلق بباب التبليغ والرسالة، فأمره بأمور ثلاثة: # الأول: قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} أي رهطك الأدنين، وغنما خصهم ~~لأمرين: # أحدهما: أن حقهم اوجب فبدأ بهم. # والثاني: لئلا تأخذه لهم محاباة ولا يتكلموا على القرابة من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله ~~إلها آخر، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب، وذلك لأنه إذا شدد على نفسه أولا، ~~ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا ولم يكن لأحد فيه طعن البتة، وكان قوله أنفع، ~~وكلامه أنجع. # وروي أنه لما نزلت نادى بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، فبدأ بمن هو أولى ~~بالبدأة، ثم بمن يليه، وأن يقدم إنذارهم على غيرهم، وأمر أن لا يأخذه ما ~~يأخذ القريب من العطف والرأفة، ولا يحابيهم في الإنذار. # روي أنه صعد ms0930 الصفاء ينادي بالأقرب فالأقرب قال: ((يابني عبد المطلب، يا ~~بني هاشم، يا بني عبد مناف، يا عباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إني ~~لا أملك لكم من الله شيئا)). PageV16P420 # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكلاني لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعين رجلا، الرجل منهم ~~يأكل المشنة ويشرب العس من اللبن، فأمر عليا عليه السلام فأتى برجل شاة ثم ~~قال لهم: ((ادنوا باسم الله، فدنى القوم عشرة عشرة، فأكلوا وشبعوا، ثم دعا ~~بقعب من لبن فشرب منه، ثم قال: اشربوا على اسم الله، فشربوا حتى رووا)) ~~فبدرهم أبو لهب وقال: هذا ما يسحركم به الرجل، فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولم يتكلم، ثم أنذرهم ودعاهم إلى الإيمان فقال: ((يابني عبد ~~المطلب، أنا النذير لكم من الله عز وجل، والبشير جئتكم بالدنيا والآخرة، ~~فاسلموا وأطيعوا تهتدوا، ومن يؤازرني ويؤاخيني، ويكون وليي ووصيي من بعدي، ~~وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني، فسكت القوم، فقال علي: أنا، فأعاد القول ~~ثلاثا، والقوم سكوت، وعلي يقول كل مرة: أنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ~~في المرة الثالثة: أنت)) فقاموا وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمره ~~عليك، وذكر هذا الخبر أيضا الحاكم أبو سعيد في كتاب (تنبيه الغافلين) وغيره. # وفي رواية أنه دعاهم من الغد على مثل ذلك الطعام والشراب، فأكلوا وشربوا، ~~ثم قال: ((يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفج هذا الجبل خيلا أكنتم ~~مصدقي؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذيركم بين يدي عذاب شديد)). # والثاني: قوله تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} يريد جناح ~~أخلاقك، وحسن عشرتك، قال الكميت: # خفضت لهم مني جناحي مودة # إلى كنف عطفاه أهل ومرحب # وأصله أن الطائر إذا أراد الوقوع على الأرض والانحطاط كسر جناحه وخفضه، ~~وإذا أراد النهوض للطيران رفعه، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع، ولين ~~الجانب؛ لأن الجانب استعارة حسنة. # وقوله: {فإن عصوك} راجع إلى عشيرتك؛ لأن المؤمنين ms0931 لا يعصونه {فقل إني ~~بريء مما تعملون} من الشرك بالله وبغيره. PageV16P421 # قال أبو علي الجبائي: هذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان بري عن ~~معاصيهم، وذلك يوجب أن الله تعالى أيضا بري من عملهم، فكيف يكون فاعلا له ~~ومريدا له؟ # أجاب عنه الرازي فقال: إنه تعالى بري من المعاصي، بمعنى أنه ما أمر بها، ~~بل نها عنها، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم، والدليل عليه أنه علم ~~وقوعها، وعلم ما هو معلوم الوقوع فواجب الوقوع وإلا لانقلب علمه جهلا، وهو ~~محال، تم كلامه. # قلت: أما شبهته التي زعمها دليلا حيث قال أنه علم وقوعها إلى آخره، ~~فجوابه ما ذكره أئمتنا عليهم السلام أن علمه تعالى سابق، وليس سابق لحصول ~~الفعل، فعلمه بذلك لم يناف يمكن العاصي من الفعل أو الترك، وإن سلم فعلم ~~الله ساقه إلى التمكن من الفعل أو الترك، إذ هو عالم أن العاصي ممكن، وذلك ~~إبطال للخبر الذي افتراه على الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # وأما قوله: وإلا لانقلب علمه جهلا وهو محال فالجواب عنه أن الله تبارك ~~وتعالى عالم بالكفر من الكافر، وشرطه هو اختباره مع التمكن من فعله، وعالم ~~بالإيمان وشرطه وهو اختياره مع التمكن من فعله أيضا، فمن أين ينقلب علمه ~~جهلا يا ضلول إلى حبث كان لا يعلم إلا أحدهما، وهو محال، وما أدى إلى ~~المحال فهو محال. # والأمر الثالث: قوله: {وتوكل على العزيز} الغالب الذي يقهر أعداك بعزته ~~{الرحيم} بك الذي ينصرك عليهم برحمته، أو الرحيم حيث لبم يعاجلهم بالعقوبة، ~~والتوكل تفويض الأمر إلى من يملكه، ويقدر على النفع والضرر، وقالوا: ~~المتوكل من إذا دهمه امر لم يحاول دفع بمعصيته تعالى، فإذا وقع في محنة، ثم ~~سأل غيره خلاصه لم يخرج عن التوكل. # ثم قال عز وجل: {الذي يراك حين تقوم} وفيه وجوه: # أحدها: حين تقوم إلى الصلاة، ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو كالسبب ~~لتلك الرحمة بقوله: {وتقلبك في الساجدين}. PageV16P422 # قال الحسين بن القاسم ms0932 عليهما السلام: معناه توددك وقيامك، وقعودك وخشوعك مع ~~الساجدين فقامت في مقام مع. # قال في البرهان: يعني قائما وجالسا، وعلى سائر حالاتك في الصلاة والركوع ~~والسجود، انتهى. # والمعنى يراك وحدك، ويراك في الجماعة، فإنه لا يخفى عليه حالك كل ما قمت ~~وتقلبت مع في كفاية أمور الدين، وقيل: تصفحك أحوال المصلين من أصحابك كان ~~يفعل ذلك ليطلع عليهم من حيث لايشعرون ليعلم سرائرهم في عبادة الله تعالى ~~بالليل. # وقيل: معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة، وتقلبه في الساجدين ~~تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه، وسجوده وقعوده، إذا أمهم. # وقيل: هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه، من قوله: ((أتموا الركوع، فوالله إني ~~لأراكم من خلف ظهري)) ثم قال: {إنه هو السميع} لما تقوله {العليم} بما ~~تنويه وتعمله. # واعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين: # الأول: قوله سبحانه: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} هذا رد على قولهم ~~إن الشياطين تنزل بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي هل ~~أخبركم على من تنزل المردة من البعداء المتعدين {تنزل} أي تهبط {على كل ~~أفاك} أي عظيم الكذب {أثيم} عظيم الاثم، أي الكهنة كشق وسطيح، والمتنبية ~~كمسيلمة وطليحة. PageV16P423 # الثاني: قوله: {يلقون السمع} أي الشياطين، يصغون أسماعهم إلى الملائكة ~~الطاهرين ليسمعوا، كان الشياطين قبل منعهم من السماء بالشهب يصغون بأسماعهم ~~إلى الملائكة فيتخطفون بعض ما يتكلمون به، مما اطلعوا عليه من علم الغيب، ~~ثم يوحون إلى أوليائهم الكهنة مما يوحون إليهم؛ لأنهم يسمعونهم ما لم ~~يسمعوا، أو يجوز أن يراد بالسمع المسموع، أي يلقون ما سمعوه من الكهنة ~~{وأكثرهم كاذبون} أي وأكثرهم يكذبون في قولهم، ويحدثون بالمحال إخوانهم، ~~ويوهمون على الفاسقين أحد أنهم لا يحيطون به علما، ولم يوقنوا به من ~~إخبارهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعناه الكلمة يحفظها الجني، فيقرأها ~~في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة، والضمير في أكثرهم للشياطين. # قال الرازي: واعلم أن الكفار لما قالوا: لما لا يجوز أن تقال ms0933 أو أن يقال: ~~إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد، كما أنهم ينزلونه بالكهانة على الكهنة، ~~وبالشعر على الشعراء. # ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين الكهنة، فذكر ~~ما يدل على الفرق بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين الشعراء فقال: ~~{والشعراء يتبعهم الغاوون} وذلك لأن الشعراء إذا غضبوا أساؤا، وإذا قالوا ~~كذبوا، ويتبعهم الغاوون على باطلهم وكذبهم، وفضول قولهم من هجا الناس ~~والقدح في أنسابهم، والتشبيب بالحرم، ومدح من لا يستحق، والغاوون هم ~~الضالون عن الحق من المشركين والمنافقين، ويتعلمون منهم ما يقولون من كذبهم ~~وتمزيقهم أعراض الناس ليتلهوا بذلك عن ذكر رب العالمين، ومعنى تبعيتهم لهم ~~أنهم يميلون إلى قولهم ذلك، ويحبوه. # وقيل: المراد بالغاوين رواتهم من الناس، وقيل: الشياطين والشعراء لفظ ~~عموم في كل شاعر إلا من استثنى. PageV16P424 # وقيل: المراد بهم شعراء قريش، الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويحرضون على حربه، ويفتخرون للمشركين، كابن الزبعراء وأبي عزة ~~الجمحي وغيرهم فيجتمع إليهم غواة الناس، ثم بين تلك الغواية بأمرين: # الأول: قوله تعالى: {ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون} أي في كل فن من فنون ~~اللغو يذهبون، وفي كل لغو من الكلام يخوضون، ومعنى يهيمون أي يسيرون، ~~ويمضون، ويتبعون أهواؤهم ويعمهون، يقال: هام يهيم هيما وهيمانا إذا ذهب على ~~وجهه، قال الشاعر: # هام بها قلبي وقلبي لم يثب # منها قتيلا غير أعراض الوصب # أي هام قلبه في ذكرها، وذهب ذهابا طويلا في حبها، ومنه قول الشاعر ~~المعتذر: # إليك من الذي أسديت إذ ... أنا في الضلال أهيم # وهيمانهم يمدحون بباطل، ويذمون بباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، ~~وأشحهم على حاتم، ويبهتوا البري، ويفسقوا التقي. # وأما قوله: وهم في كل واد يهيمون، فالمراد منه الطرق المختلفة كقولك: أنا ~~في واد وأنت في واد، هذا تمثيل لحالهم بحال من ضل عن الطريق، وتاه في أودية ~~متشعبة، والهيام داء يصيب الإبل تشرب فلا تروى، ولعله أخذ منه؛ لأنهم لا ~~يقفون على حد، ms0934 وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه، وبالعطف قد يعظمونه ~~بعد أن استحقروه، وبالعكس. # والثاني: قال تعالى: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} يعني ما يذكرونه في ~~أشعارهم من الكذب في مدح أو ذم أو تشبيه، أو تشبيب، ثم إنهم لا يرتكبون إلا ~~الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. # ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق ~~استثنى عنهم الموصوفين بأمور: # أحدها: الإيمان. PageV16P425 # وثانيها: العمل الصالح، وهو قوله: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~تقديره فإنهم لا يتبعونهم، ولا يقولون ما لا يفعلون، ولا يستحلون بالكذب ~~فيما يقولون، وإنما كلامهم حكمة وحجة لرب العالمين، مثل أشعار أمير ~~المؤمنين، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، وزيد بن علي، والقاسم بن ~~إبراهيم، ومحمد بن القاسم، والهادي إلى الحق، والمرتضى، وغيرهم من أئمة ~~الهدى، والصالحين صلوات الله عليهم أجمعين. # قال في البرهان: لما أنزل الله هذه الآية أتى عبد الله بن رواحة وكعب بن ~~مالك، وحسان بن ثابت، وقالوا: أهلكنا يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فقرأ الآية عليهم، فلما بلغ إلى قوله: {إلا ~~الذين آمنوا} فقال: ((أنتم)) انتهى. # وهذا عام في كل من اتصف بما ذكر من الإيمان، وعمل الصالحات. # وثالثها: قوله سبحانه: {وذكروا الله كثيرا} في كلامهم وأشعارهم من وصفه، ~~من وصف بالتوحيد والعدل، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والمدح ~~بما لا بأس به بما هو حق، وعلى الجملة فالشعر كلام ما جاز في الكلام جاز في ~~الشعر، وما قبح في الكلام قبح في الشعر. # قال الواحدي: ومعنا وذكروا الله كثيرا لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، ولا ~~كان أكثر همهم. # ورابعها: قوله تعالى: {وانتصروا من بعد ما ظلموا} انتصروا بمعنى ردوا على ~~المشركين ما كانوا يهجون به المؤمنين، وكان هجاهم انتصارا وانتقاما ممن ~~يهجوهم من غير اعتداء ولا زيادة في الجواب من تعد إلى أبا الهادي ونحوهم، ~~ونحوه {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} {فمن اعتدى عليكم ms0935 ~~فاعتدوا عليه} الآية. PageV16P426 # وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((اهجهم، ~~فوالذي نفسي بيده له أشد عليهم من رشق النبل)) وكان يقول لحسان بن ثابت: ~~((قل وروح القدس معك)). # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من الدلائل العقلية، ومن أخبار الأنبياء عليهم ~~السلام المتقدمين، ثم ذكر الدلالة على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~ذكر سؤال المشركين في تشبيههم محمد صلى الله عليه وآله وسلم تارة بالكاهن، ~~وتارة بالشاعر، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولا، ثم بين ~~الفرق بينه وبين الشاعر ثانيا، ختم السورة بالتهذيد العظيم فقال تعالى: ~~{وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} وعيد شديد لكل ظالم لنفسه أو لغيره، ~~وأطلق الظلم ليعم جميع أنواعه من شاعر وغير شاعر، وكان السلف يتواعظون بها، ~~ويتناذرون بها، يعني الذي ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات، ~~والتأمل في هذه البيانات فإنهم يعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون، معناه أي ~~مرجع يرجعون، وإلى أي مصير يصيرون؛ لأن مصيرهم إلى النار، وهو شر مصير، ~~ومرجعهم إلى جهنم شر مرجع، وأبهم المنقلب لعظمه وهوله، ومن حملها على ~~المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد خرج عن ~~الظاهر، وتفسير الظلم بالكفر لا معنى له، ولأن تخاف فيبلغ الأمن خير من أن ~~تأمن فيبلغ الخوف. # وحكى الرازي عن الجمهور أن المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصفت بها ~~هؤلاء الشعراء. # قال: والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها، والله أعلم، والحمد ~~لله رب العالمين. PageV16P427 ### || AUTO سورة الفرقان # سبع وسبعون آية إجماعا، مكية كلها إلا ثلاث آيات منها نزلت في المدينة من ~~قوله: {لا يدعون مع الله إلها آخر} إلى قوله: {وكان الله غفورا رحيما}. # قال في البرهان: قوله: بسم الله الرحمن الرحيم {تبارك الذي نزل الفرقان ~~على عبده} معنى قوله تبارك هو تعالى وهو ms0936 تفاعل من البركة وهي كثرة الخير ~~وزيادته. # قال الزجاج: والمعنى تزايد خيره على العباد، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى ~~عنه في صفاته وأفعاله. # وأما قوله: {الذي نزل الفرقان على عبده} فلا نزاع أن المراد من العبد ~~هاهنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والفرقان القرآن، سمي بذلك لفرقه وفصله ~~بين الحق والباطل، أو لأنه نزل مفرقا. # وقيل: إنه اسم لكل كتاب منزل، كما قال: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} ~~وهو كل ما فرق بين الحق والباطل، قال الشاعر: # ألستم إخوتي في كل أمري # ولا فرقان بين بني أبينا # ثم قال تعالى: {ليكون للعالمين نذيرا} الضمير في قوله: ليكون راجع إلى ~~عبده أو الفرقان، والمراد بالعالمين هنا الجن والإنس، ومعنى نذير أي منذر ~~أو إنذارا، كالنكير بمعنى الإنكار، والنذير المحذر من الهلاك، قال الشاعر: # فلما تلاقينا وقد كان منذر # نذيرا فلم تقبل نصيحة ذي النذر # قال الرازي: هذه الآية تدل على أحكام: # الأول: أن العالم كل من سوى الله، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس ~~والملائكة، لكنا أجمعنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن رسولا إلى ~~الملائكة، فوجب أن يبقى رسول الله إلى الجن والإنس جميعا، وبطل بهذا قول من ~~يقول: أنه كان رسولا إلى البعض. # الثاني: أن لفظ العالمين يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول ~~إلى الخلق إلى يوم القيامة، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل. # الثالث: دلتنا الآية على أنه سبحانه أراد بالإيمان والطاعات من الكل؛ ~~لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيرا للكل، وإنما يصح كونه نذيرا للكل، لو ~~أراد عن الكل الاشتغال بالحسن والاعراض عن القبح، ثم إنه تبارك وتعالى وصف ~~ذاته جل وعلا بأربعة أنواع من صفات الكبرياء: PageV16P428 # أولها: قوله سبحانه: {الذي له ملك السماوات والأرض} وهذا كالتنبيه على ~~الدلالة على وجوده سبحانه؛ لأنه لا طريق إلا إثباته إلا بواسطة احتياج ~~أفعاله إليه، وكان تقديم ذكر هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب، ~~فقوله: {له ملك السماوات والأرض} إشارة إلى احتياج ms0937 هذه المخلوقات إليه ~~سبحانه في زمان حدوثها، وزمان بقائها في ماهياتها وفي وجودها؛ لأنه سبحانه ~~هو المالك لذلك كله، المتصرف فيه كيف يشاء. # وثانيها: قوله تعالى: {ولم يتخذ ولدا} فبين سبحانه أنه المعبود أبدا، ولا ~~يصح أن يكون غيره معبودا، وارثا للملك عنه، فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله ~~تعالى: {تبارك الذي له ملك السماوات والأرض} وهذا كالرد على النصارى. # وثالثها: قوله سبحانه: {ولم يكن له شريك في الملك} والمراد أنه هو ~~المتفرد بالإلهية وهذا كالرد على الوثنية والقائلين بعبادة النجوم، ~~والقائلين بعبادة الأوثان. # ورابعها: قوله: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}. # اعلم أن الخلق في أصل اللغة بمعنى التقدير، ويستعمل في الإيجاد بغير إله، ~~وفي تقدير الشيء على حسب المصلحة من غير زيادة ولا نقصان، إن قيل في الخلق ~~معنى التقدير فظاهره وقدر كل شيء فقدره. # قلنا: هذا غير مراد، وإنما المعنى أحدث كل شيء مراعا فيه التقدير ~~والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له كإنسان خلقه على هذا الشكل الذي نراه، ~~فقدره للتكاليف في المصالح المنوطة به في الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان ~~وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة، فقدره لأمر ما ~~مطابقا لما قدر له. # وقيل: فقدره جعله غاية ومنتها، أي قدره للبقاء إلى أمد معلوم. PageV16P429 # واعلم أنه سبحانه لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة أردف ذلك بتزييف مذهب ~~عبدة الأوثان، وبين نقصانها، فقال تعالى: {واتخذوا} أي الكفار{من دونه ~~آلهة} أي اتخذ الكفار من دون الله أصناما {لا يخلقون شيئا} أراد به لا ~~يعطون شيئا ولو بآلة، ومعناه أنهم آثروا بالعبادة من لا يقدر على شيء من ~~أفعال الله تعالى، ولا من أفعال العباد، إذ هم جماد {وهم يخلقون} أي ~~يصنعون؛ لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحت والتصوير؛ لأنها إما متخذة من نحاس ~~ونحوه، وإما من عود أو حجر، ثم قال تعالى: {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} أي ولا حياة، ولكن جاز تكرير ~~الحياة لاختلاف اللفظ، مثل قوله تعالى: {العليم الخبير} ms0938 معناهما واحد إنما ~~جاز في تكريرهما لاختلاف لفظهما، وصفهم الله تعالى أولا بالعجز عن صفة ~~الخالق، ثم ثانيا بعكس صفة الخالق، فأخبر سبحانه ببطلانها، من هذه الوجوه ~~التي أحدها أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق ~~والإيجاد. # وثانيها: أنها مخلوقة، والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنيا. # وثالثها: أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا، ومن كان كذلك فهو لا يملك ~~لغيره أيضا نفعا، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته. # ورابعها: أنها لا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا، أي لا تقدر على الإحياء ~~والإماتة في دار التكليف في زمان المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلها ~~وكيف تحسن عبادته. PageV16P430 # واعلم أنه سبحانه لما تكلم أولا في التوحيد، وثانيها في الرد على عبدة ~~الأوثان تكلم في مسألة النبوة فحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: {وقال الذين كفروا} يعني من قريش، أطلق ~~اسم الكل على البعض وهو النضر بن الحارث لأنهم راضون بقوله: {إن هذا إلا ~~إفك} أي ما هذا إلا كذب {افتراه} والإفك هو الكذب، وافتراه كذبه، والفري ~~بمعنى القطع، ومعناه أنه قطعه من جهة نفسه من غير أن يكون له أصل صحيح، ثم ~~قالوا: {وأعانه عليه قوم آخرون} وهم اليهود؛ لأنهم أهل كتاب. # وقيل: عداس نصراني مولى حويطب بن عبد العزا، ويسار مولى العلا بن ~~الحضرمي، وابن فكيهة الرومي، ثم قال تعالى: {فقد جاءوا ظلما وزورا} أي أتوا ~~ظلما وكذبا، ظلمهم أن جعلو العربي الفصيح يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز ~~جميع الفصحاء، والزور أن بهتوه بالكذب على الله تعالى، وبنسبة ما هو بري ~~منه إليه، فهذه الشبهة الأولى حكاها سبحانه عنهم. # والثانية: قوله تعالى حاكيا: {وقالوا أساطير الأولين} جمع اسطورة، أي ما ~~سطره الأولون من نحو أحاديث رستم واسفنديار ملكان من الفرس، لهما قصص يتعجب ~~منها، فمعنى أساطير الأولين أقاصيص أخبارهم {اكتتبها} محمد أي اكتتبها أي ~~كتبها له كاتب؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ms0939 كان أميا لا يكتب {فهي تملى ~~عليه} أي تلقا عليه من كتابه يتحفظها، والإملاء على الحافظ كالإملاء على ~~الكاتب {بكرة} أول اليوم {وأصيلا} آخر اليوم، أي دائما مستمرا، أراد ~~بذكرهما الدوام أو الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى منازلهم. # وقال الضحاك: مما يملى عليه بكرة ويقرأه عليكم عشية، ومما يملى عليه عشية ~~يقرأه عليكم بكرة. PageV16P431 # وقال الحسن: قوله: {فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} كلام ذكره جوابا على قولهم، ~~كأنه تعالى قال هذه الآيات تملى عليه بالوحي، حالا بعد حال، فكيف ينسب إلى ~~أنه أساطير الأولين. # وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم، وأرادوا به أن ~~أهل الكتب أملوا عليه في هذه الأوقات بهذه الأشياء، ولا شك أن هذا القول ~~أقرب لشدة تعلق هذا الكلام بما قبله، فكأنهم قالوا: اكتتب أساطير الأولين، ~~فهي تملى عليه، ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {قل أنزله الذي ~~يعلم السر} أي كل سر خفي {في السماوات والأرض} ومن جملته ما يسترونه من ~~الكيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علمكم أنه صادق، بري مما ~~تتهمونه به، وهو يجازيكم ويجازيه، ومنهم من قال: إن العالم بكل شيء في ~~السماوات والأرض، هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب. # وقال أبو مسلم: المعنى أنه أنزله من يعلم السر، فلو كذب لانتقم منه، ~~كقوله: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه ~~الوتين} وقوله: {إنه كان غفورا رحيما} تعليل لإنزال القرآن، أو تنبيه على ~~أنهم قد استوجبوا تعجيل العقاب، لولا أن الله غفور رحيم، فلم يعاجلهم ~~بالعذاب مع استحقاقهم، أو ما تقدم في معنى الوعيد، فعقبه بما يدل على ~~القدرة عليه، إذ لا يوصف بالمغفرة إلا القادر على العقوبة. # والشبهة الثالثة: ذكروا له صفات خمس، فزعموا أنها تخل بالرسالة: PageV16P432 # أحدها: قوله تعالى حاكيا عنهم: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام} أي ~~الزاعم أنه رسول، ووقعت اللام مفصولة في مصحف على خلاف قياس الخط العربي، ~~وخط المصحف ms0940 سنة لا يغير، وتسميته بالرسول سخرية منهم،............ ونحوه ~~قول فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} وأرادوا إن كان كما يزعم ~~رسول فما لحاله مثل حالنا. # وثانيها: قوله: {ويمشي في الأسواق} لطلب المعاش، أي فكان يجب أن يكون ~~ملكا عن الأكل والتعييش. # وثالثها: أنهم نزلوا عن ذلك إلى اقتراح أن يكون معه ملك يتعاونان في ~~الإنذار، ويشهد بصحة ما يقول، فقال: {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} ~~معينا له في الإنذار. # ورابعها: أنهم نزلوا عن ذلك فقالوا: {أو يلقى إليه كنز} أي إن لم يكن ~~ملكا ولا مرفودا بملك، فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء. PageV16P433 # وخامسها: ثم نزلوا فقالوا: {أو تكون له جنة يأكل منها} ما قنعوا بأن يكون ~~رجل له بستان يأكل منه، أي يرتزق منه ويثرى به، أي يستغني كمياسير الناس، ~~وجهلوا خيره في البلوى، ثم قال تعالى حاكيا: {وقال الظالمون} أي وقالوا هم ~~ولكنه ذمهم بالوصف بالظلم {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} سحر فغلب على عقله ~~فادعى النبوة، وإنما وصفهم بالظلم مع هذا القول دون ما قبله؛ لأنه أبين ~~ظلما لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث جننوه واستخفوا به، ~~والأول إنما هو طلب حالة يزعمون أنها أعلا، ثم أجاب الله تعالى عن هذه ~~الشبهة فقال: {انظر} يا محمد {كيف ضربوا لك الأمثال} أن قالوا فيك تلك ~~الأقوال والأحوال النادرة، والصفات الغريبة من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، ~~وإلقاء كنز وغير ذلك، أو الاشباه شبهوك بالمحسور والمجنون، وبالمحتاج ~~المتروك، والناقص عن القيام بالأمور {فضلوا} عن الحق، وذهبوا عن الصواب ~~{فلا يستطيعون سبيلا} فبقوا متحيرين لا يجدون قولا يستقرون عليه، أو فضلوا ~~عن الحق فلا يجدون طريقا إليه. PageV16P434 # إن قيل: كيف يصلح أن يكون هذا جوابا عن تلك الشبهة فبيانه أن الذي يميز ~~الرسول عن غيره هو المعجز، وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء منها في ~~المعجزات، فلا يكون شيء منها قادحا في النبوة، فكأنه تعالى قال: انظر كيف ~~اشتغل القوم بضرب هذه ms0941 الأمثال التي لا فائدة فيها؛ لأجل أنهم لما ظلوا أن ~~أرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلا القدح فيها سبيلا البتة، إذ الطعن عليه ~~إنما يكون بما يقدج في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول، ثم ~~ذكر سبحانه الجواب الثاني عن هذه الشبهة فقال تعالى: {تبارك الذي إن شاء ~~جعل لك خيرا من ذلك} الذي اقترحوه من القاء الكنز وجعل الجنة، وهو أن يجعل ~~لك مثل ما أوعدك في الآخرة، ثم بينه بقوله: {جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيه إياها في الآخرة، فلا وجه للشرط، ~~ذكره المفسرون {ويجعل لك قصورا} أي في الدنيا، عطف على محل الجزاء بالجزم، ~~وبالرفع على الاستئناف والغاية؛ لأن لفظ المعطوف عليه غير مجزوم، فنبه بذلك ~~سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه؛ لكنه تعالى يزيدي ~~عباده بحسب المصالح، وفي الثعلبي: يروى أن رضوان خزان الجنان نزل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال: ربك يقرئك ~~السلام ويقول: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينقص لك من الأجر جناح ~~بعوضة، فنظر النبي صلى الله عليه وآله إلى جبريل كالمستشير له فقال: تواضع ~~لله، فقال صلى الله عليه وآله: ((يا رضوان الفقر أحب إلي، وأن أكون عبدا ~~شكورا)) فقال رضوان: أصبت، أصاب الله لك. PageV16P435 # وفي تفسير الرازي عن طاؤس عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وآله جالس، وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل: هذا ملك قد نزل من السماء، ~~استأذن ربه في زيارتك، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وقال: إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم ~~يعطها أحدا قبلك ولا يعطها أحدا بعدك من غير أن ينقص مما ادخر لك شيئا، ~~فقال صلوات الله عليه وآله وسلم: ((بل يجمعها لي في الآخرة)) فنزل قوله: ~~{تبارك الذي إن شاء} الآية. ms0942 # وعن ابن عباس: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عرض علي جبريل بطحاء مكة ~~ذهبا، فقلت بل شبعة وثلاث جوعات، وذلك أكثر مسألتي لربي)) وفي رواية صفوان ~~بن سليم بن عبد الوهاب قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أشبع يوما وأجوع ~~ثلاثا فأحمدك إذا شبعت، وأتضرع إليك إذا جعت)). # وعن الضحاك: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفاقة ~~حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزل جبريل عليه السلام معزيا له ~~وقال: إن الله يقرؤك السلام ويقول: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام} الآية، قال: فبينا جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يتحدثان إذ افتتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك اليوم ~~ثم قال: ابشر يا محمد، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك، فسلم ~~عليه وقال: إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين أن تكون نبيا عبدا، ~~ومعه سفط من نور يتلألأ، ثم قال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير ~~أن ينقصك الله مما أوعدك في الآخرة جناح بعوضة، الخبر انتهى. PageV16P436 # ثم قال سبحانه: {بل كذبوا بالساعة} أي بل أتوا بأعجب من أقوالهم فيك، وفي ~~تكذيبهم بالساعة وهي يوم القيامة، ثم قال تعالى: {وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا} نارا شديدة الاستعار أي التلهب. # وعن الحسن: هو اسم من أسماء جهنم، ثم قال: {إذا رأتهم من مكان بعيد} هذا ~~مجاز، والمعنى قابلتهم وكانت منهم برأي الناظر في البعد، ولا يصح قول من ~~حمله على ظاهره، وهو أن لجهنم عينين ولسانا، وقوله: {سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا} أي سمعوا صوت غليانها وتوقد لهبها، شبه بصوت المتغبط الزافر، أي ~~المخرج نفسه، والزافر والزفير صوت من الصدر، أو إذا رأتهم زبانيتها زفروا ~~وتغيطوا على الكفار، إرادة الانتقام منهم. # والعم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار بالبعد من جهنم، ووصف حالهم ~~عندما يلقون فيها نعوذ بالله من ذلك بما لا أبلغ منه، فقال تعالى: {وإذا ms0943 ~~ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين} لأنهم يدفعون في النار، كما تدفع الوتد في ~~الجدار، فيجتمع الكرب مع الضيق؛ لأن الله جمع لأهل النار أنواع التعب، منها الضيق. # عن ابن عباس: يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، ثم إن أهل النار مع هم ~~فيه من العذاب الشديد يكونون مقرنين في السلاسل، تقرن أيديهم إلى أعناقهم ~~أي تربط جوارحهم بعضها إلى بعض. PageV16P437 # وقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، وفي أرجلهم الأصفاد، وقيل: يؤخذوا ~~بالنواصي والأقدام، فتربط رؤسهم إلى أقدامهم والله أعلم بذلك، وفي جهنم لهم ~~كفاية، ثم إنه سبحانه لما حكى عن أهل النار أنهم حين يشاهدون هذا النوع من ~~العذاب الشديد {دعوا هنالك} أي في المكان الضيق {ثبورا} يعني ويلا وهلاكا، ~~وتأسفا على ما فاتهم من طاعة الله عز وجل ودعاؤهم أن يقولوا وا ثبوراه، أي ~~تعال فهذا زمانك، فيقال لهم: {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا} أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، وإن لم يكن، ثم قول: أي إنكم وقعتم ~~في ما ليس ثبوركم فيه، واحدا، وإنما ثبورا كثيرا لكثرة أنواع العذاب، لك ~~نوع منها ثبور لشدته. PageV16P438 # واعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد ~~الحسرة والندامة، فقال لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قل أذلك} الذي ~~وعدوا به {خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون} الخلد البقاء الذي لا انقطاع ~~له، وفائدة الاستفهام التجهيل والتوبيخ على اختار الضار على النافع، وإلا ~~فعذاب السعير لا خير فيه، ومعنى قوله تعالى: {كانت لهم جزاء ومصيرا} أي ~~مرجعا لهم، وقال سبحانه: كانت لأن ما وعد الله تعالى فهو في تحققه كأنه قد ~~كان، ثم قال: {لهم فيها ما يشاءون} من النعيم، فأما المعاصي فشهواتهم عنها ~~مصروفة، ثم أخبر تعالى أن نعيم الجنة يكون دائما بقوله: {خالدين} في الثواب ~~كخلود أهل النار في العقاب، ومعنى قوله: {كان على ربك} أي كان ما يشاؤن على ~~ربك {وعدا مسئولا} أي ما سألوا الله تعالى ms0944 في الدنيا من الجنة، ورغبوا إليه ~~في الدعا من نحو: وائتنا ما وعدتنا على رسولك، فأجابهم في الآخرة إلى ما ~~سألوا، وأعطاهم ما طلبوا، وقيل: واجبا حقيقا أن يسأل ويطلب؛ لأنه أجر ~~مستحق، ثم قال تعالى: {ويوم يحشرهم} هو يوم القيامة {وما يعبدون} المحشورون ~~الذين عبدوهم {من دون الله} أي الملائكة والمسيح، والأصنام، ينطقها الله، ~~فيجوز أن يكون عاما لهم. PageV16P439 # قال الرازي: وأما الأكثرون فيزعمون أن المراد هو الملائكة، وعيسى وعزير ~~عليهم السلام قالوا: ويتأكد هذا القول يقوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم ~~يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} وحاصل الكلام أن الله يحشر ~~المعبودين، ثم يقول: أنتم أوقعتم عبادي في الضلالة عن طريق الحق، أم ظلوا ~~أنفسهم؟ فيقول الله لهم: {فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل} أي عن طريق الحق بأنفسهم، وهذا تقرير لاكذاب من ادعا ذلك عليهم، ~~وإن خرج مخرج الاستفهام، وفائدة السؤال والله تعالى عالم بتبكيت عبدتهم ~~بتكذيبهم إياهم، فيبهتون ويقع بينهم التباين والتبرأ، فأجابوا بأن {قالوا ~~سبحانك} تعجب مما قيل لهم؛ لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، فما أبعدهم عن ~~الإضلال المختص بإبليس، أو أرادوا تنزيهه من ملك أو نبي، أو غيرهما، ~~وقولهم: {ما كان ينبغي لنا} أي ما كان يصح ولا يستقيم لنا، ونحن معصومون ~~{أن نتخذ من دونك من أولياء} فيكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا أن يتولونا دونك ~~{ولكن متعتهم وآباءهم} بطول العمر والأموال والأولاد يفضلا بالنعم من غير ~~سبيل بسبب استحقوها به ووضعو فوضعوا الكفر موضع الشكر {حتى نسوا الذكر} أي ~~تركوا القرآن، وغفلوا عن طاعة الله عز وجل، وتناسوا الإحسان إليهم، ~~والإنعام عليهم {وكانوا قوما بورا} جمع بائر أي هالك كعائذ وعوذ، والبوار ~~الهلاك، قال الشاعر: # فبار أبو حكم في الوغاء ... هناك وأسرته الأرذلونا # ويجوز أن يكون مسطر وصف به، وفيه كسرتين قول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده. PageV16P440 # ثم قال: {فقد كذبوكم} أي أن الملائكة والرسل قد كذبوا الكفار {بما تقولون} ~~أي بقولكم أنها آلهتكم، وهو التفات من ms0945 الغيبة إلى الخطاب {فما تستطيعون ~~صرفا} للعذاب عنكم {ولا نصرا} أي إغاثة لكم من معذبكم، ويحتمل أن يكون ~~المعنى ما يستطيعون صرفكم يا محمد عن الحق، ولا نصر أنفسهم من عذاب ~~التكذيب، قرئ بتاء الخطاب في يقولون ويستطيعون، وبياء الغيبة فيهما، فإن ~~قرئ بياء الغيبة فقد كذبكم المعبودون بقولهم سبحانك، والخطاب في كذبوكم ~~للكفرة، وقيل: للمؤمنين، أي كذبوكم المشركون بما يقولون أن محمد غير رسول، ~~وإن قرئ تقولون بتاء الخطاب فمعناه فقد كذبوكم أنهم آلهة والخطاب في كذبوكم ~~للكفرة أيضا، والصرف صرف العذاب، أي ردة، وقيل: الصرف التوبة، وقيل: الحيلة ~~من قولهم: إنهم ليتصرف أي يحتال، وأما قوله تعالى: {ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا} فهو خطاب عام للمكلفين. # ثم قال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق} أي آكلين وماشين كالناس، وفيه حذف تقديره وما أرسلنا ~~قبلك أحدا إلا موصوفا بهذه الجملة وهي أنهم لا يأكلون، ونحو: {وما منا إلا ~~له مقام معلوم} وهو احتجاج على من قال: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق، ثم قال: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} أي محنة وابتلاء، والمعنى ~~يحتمل وجوها: # أحدها: أن يراد المرسلين والمرسل إليهم. PageV16P441 # وثانيها: أن يراد به ابتلاء الأغنياء بالفقراء، والأصحاء بذوي العلة، أو ~~عكسه، ومعنى ابتلاء الرسل بأقوامهم أنهم أمروا بالصبر عليهم، وأداء ~~الرسالة، وابتلاء الأقوام بالأنبياء هل يؤمنون أم يكفرون، والأغنياء ~~بالفقراء هل ينفقون عليهم، والفقراء بالأغنياء هل يصبرون على الفقر، ~~والأصحاء بذوي العلة هل يشكرون على الصحة، ويقومون بما يجب بذوي العلة ~~عليهم، والمعلولين هل يصبرون على الأمراض. # وثالثها: أن يراد العموم، وفي تفسير هذه الآية يقول محمد بن القاسم ~~عليهما السلام: يعني سبحانه أنه جعل المرسلين والمرسل إليهم أجمعين فتنة ~~بعضهم لبعض، والفتنة هاهنا اختبار ومحنة، امتحن صبر المرسلين وطاعتهم بأداء ~~الرسالة وتبليغها، وامتحن الذين أرسل الرسول إليهم بالإيمان والتصديق ~~برسالتهم، وما جاؤا به من الحجج البينة الدالة على النبوة، وبما امتحنهم به ~~مع رسلهم على أيديهم من ms0946 فرائض دينهم وطاعته، والانتهاء عما نهى عنه من ~~معصيته، فبعضهم كما قال الله سبحانه لبعض فتنة، والفتنة هاهنا اختبار كما ~~قلنا، ومحنة كما قلنا في موضع غير واحد، وكرره تكريرا من البلوى منه، ~~والاختبار للعصاة الكفرة، والمطيعين الأبرار {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين ونبلو أخباركم} انتهى. # وقد مر للمرتضى عليه السلام تفسير الفتنة في سورة العنكبوت وأنها على ~~أربعة وجوه. PageV16P442 # ثم قال سبحانه: {أتصبرون} فيثبكم على صبركم، فقد علمتم بما وعد الصابرون، ~~أم تجزعون فيعاقبكم على كفركم، وهذا تصبير له صلى الله عليه وآله وسلم على ~~ما استبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد ما احتج عليهم بسائر ~~الرسل، وذلك أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى منهم من حيث أنهم ~~استبدعوه، ومن حيث أنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد، وما كانوا ~~يفهمون الجواب الجيد، ولا جرم صبره الله تعالى على تحمل تلك الأذية، وبين ~~أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض. # ثم قال سبحانه: {وكان ربك بصيرا} في الابتلاء وغيره، عليما بمن يصبر ممن ~~يجزع، فلا يضيقن صدرك، ففي صبرك فوزك في الدارين، ثم حكى تعالى الشبهة ~~الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {وقال الذين لا ~~يرجون لقاءنا} أي لا يأملون لقاءنا بالخير؛ لأنهم كفروا أو لا يخافون ~~لقاءنا بالشر والرجاء في لغة تهامة الخوف، جعل المصير إلى جزائه بمنزلة ~~لقائه، لو كان ملقيا لا يرجون لقاءنا، يعني لا يخافون ولا يخشون، وهذا من ~~الاضطهاد، ومنه قول الشاعر: # إذا لسعته النوب لم يرجوا لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل # وقيل: معناه يبالون كما قال: # لعمرك ما أرجوا إذا كنت مسلما ... على أي حال كان في الله مصرعي # أي ما أبالي. # والثالث: معناه ما يأملون، قال الشاعر: # أترجوا أمة قتلت حسينا # شفاعة جده يوم الحساب PageV16P443 وإن قيل: الرجاء في الخير كالأمل وعكسه الإشفاق والخوف في الشر، ولقاء الله ~~للكفرة مخوف، فكيف جيء بالرجاء فيه، قيل له: إن الرجاء هنا في الشر مجاز، ~~والأمل في ms0947 الخير في أصله أو أنه قد يستعمل في المخوف حقيقة، فيكون مشتركا، ~~وهي لغة تهامة كما مر، وقيل: لا يرجون جزاء بالخير لمن يستحقه، ومعنى ~~قولهم: {لولا أنزل علينا الملائكة} أي هلا أنزلت لتخبرنا أن محمدا نبي، ~~ويكونوا رسلا إلينا من ربهم {أو نرى ربنا} فيأمرنا باتباع محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتصديقه جهلا منهم بالله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى عما ~~يقولون لا يدرك بالأبصار، وهو أجل وأعظم من أن تحيط به الأقطار، ويحتمل ~~أنهم عالمون بأن هذا لا يكون، لكن عقلوا إيمانهم بالمستحيل حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط، قطعا لرجائه الإسلام منهم، ثم قال تعالى: {لقد استكبروا في ~~أنفسهم} أي استعظموها، كقولك: تعظم في ملكه، أو أنهم أضمروا الاستكبار عن ~~الحق، وهو الكفر والعناد، في قلوبهم، واعتقدوه {وعتوا عتوا كبيرا} أي تجاوز ~~الحد في الظلم. PageV16P444 # قال في البرهان: والعتو السرف في الظلم والتجبر والعصيان، والنفور عن ~~الهدى، وقيل: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أمية بن المغيرة، وفي جماعة ~~قريش، ثم أجاب تعالى عن لولا أنزل علينا الملائكة بقوله عز وجل: {يوم يرون ~~الملائكة} يريدون ملائكة العذاب يوم القيامة أو ملائكة الموت {لا بشرى} أي ~~لا سرور ولا بشارة {يومئذ للمجرمين} أي لهم بالجنة؛ لأنه إذا كان يوم ~~القيامة تلقى المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى الكافر ذلك تمناه فلم يره من ~~الملائكة، أو المعنى أنهم اقترحوا نزول الملائكة وهم إذا رأوهم فزعوا ~~وعدموا البشرى؛ لأنهم يتلقونهم بما يكرهون وهو يقيض لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة يقابلون بنقيض ما يقابل به المؤمنون {ويقولون حجرا ~~محجورا} أي حراما محرما عليكم الغفران والجنة، وأن تكون لكم البشرى يومئذ ~~أي جعل الله ذلك عليكم حراما كما قال الشاعر: # وقاربت أبواب الكريم بن صاغر ... من الليل لم يحجر علي المسالكا # يريد لم يخطر ولم يحرم علي الطريق، والضمير في يقولون للملائكة عليهم ~~السلام، وقيل: الضمير للمجرمين، وحجرا محجورا كلمة يتكلم بها العرب ~~للاستفادة عند لقاء مكروه من حجره ms0948 إذا منعه، والمعنى عند العرب أسأل الله ~~أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا، ووصفه بمحجور للتأكيد، كقولهم: ذبل ذابل، ~~وموت مائت، أي يقول المجرمون عند رؤية الملائكة ما يقولونه عند لقاء ~~المكروه. # وقال الرازي: اختلف في الذين يقولون حجرا محجورا منهم على ثلاثة أقوال: # الأول: أنهم الكفار، وذلك أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، ثم إذا ~~رأؤهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاؤهم، وفزعوا منهم؛ لأنهم لا ~~يلقونهم إلا بما يكرهون فقالوا ذلك عند رؤيتهم، وكانوا يقولونه عند لقاء ~~العدو ونزول الشدة. PageV16P445 # الثاني: أن القائلين هم الملائكة، ومعناه حراما محرما عليكم الغفران والجنة ~~والبشرى، أي جعل الله ذلك عليكم، ثم اختلفوا على هذا القول، فقال بعضهم: إن ~~الكفار إذا خرجوا من قبورهم قالت الحفظة لهم: حجرا محجورا. # وقال الكلبي: الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة، ويقولون ~~للمشركين حجرا محجورا. # وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى، وإذا ~~رأى الكفار ذلك قالوا لهم: بشرونا، فيقولون حجرا محجورا. # الثالث: وهو قول القفال والواحدي، ومروي عن الحسن أن الكفار يوم القيامة ~~إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذونه ويقولون حجرا محجورا. # وأما قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل} فيحتمل أن المراد قدوم ~~الملاكة إلى موضع الحساب في الآخرة، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقال: ~~قدمنا على سبيل التوسيع، ونظيره قوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم}. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه قدم أمرنا إلى الحساب لهم، ~~ووصل حسابنا وخطابنا إليهم، حتى أهلكنا عند ذلك عملهم، وأبطلنا ما كان في ~~الدنيا من أفعالهم القبائح، ومن العمل الذي أفسدوه من العمل الصالح، انتهى، ~~كصلة الرحم، وقراء الضيف، ومعنا: {فجعلناه هباء منثورا} أي غبارا منثورا لا ~~ينفع ولا يدفع، وهذا مثل مضروب بالهباء الذي لا ثبات له، ولا وزن. # وقال في البرهان: روينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الهباء هو ~~رهج الدواب، وقيل: ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس، شبهه بالغبار، ثم وصفهم ~~بأنه منظور مبالغة في قلته ms0949 وحقارته، وقيل: منثورا أي متفرقا؛ لأنه يرى ~~منتضما مع الضوء، وإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، مثلت حالهم ~~وأعمالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم، فقدم إلى أشياؤهم وقصد إلى ما تحت ~~أيديهم فأفسدها، ومزقها كل ممزق. PageV16P446 # واعلم أن الله سبحانه لما بين من حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة ~~التامة، شرح وصف أهل الجنة منبها على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله، فقال ~~تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ} أي يوم لقاء الملائكة {خير مستقرا} يعني في ~~الجنة من مستقر الكفار في النار {وأحسن مقيلا} يعني بالمقيل موضع العائلة ~~للدعة، وإن لم يقيلوا، ومعناه مستظلا، قال الشاعر: # وهمكما أدنى مقيل بقيلة ... وهم الفتى لو تعلمان بعيد # وقيل: المستقر الذي يكونون فيه في أكثر أحوالهم، والمقيل مكان الاستراحة ~~إلى أزواجهم ومغازلتهن، روي أنه يفرغ من الحساب في نفس ذلك اليوم، فيقيل ~~أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ولا يوم في الجنة، وإنما سمي مكان ~~استرواحهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه، ولا حسن في مستقر أهل النار ~~ولا في مقيلهم، وإنما أراد الاستهزاء بهم نحو: {فبشرهم بعذاب أليم} أو أراد ~~التفضيل على مستقر المترفين في الدنيا، وعلى مقيلهم. # أما قوله عز وجل: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا} فاعلم ~~أن هذا الكلام على ما استدعوه من انزال الملائكة فأخبر سبحانه أنه يحصل ذلك ~~في يوم له صفات: # الأولى: أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام، يريد بسببه أي بسبب ظهوره ~~منها، فجعل كأنه الذي تشقق به السماء، كما تقول: شق السنام بالشفرة وانشق ~~بها، والمعنى أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها وهو السحاب الأبيض الرقيق، ~~وفي الغمام الملائكة، وتشققها به من آيات الله العظيمة، وحينئذ تنزل ~~الملائكة وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، ومعنا تنزيل توكيد للنزول، ودلالة ~~اسراعهم فيه. PageV16P447 # قال ابن عباس: تنشق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من ~~الجن والإنس، فيحيطون بمن في الأرض، ثم تنشق الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ~~ممن في السماء ms0950 الدنيا ومن الجن والإنس ويحيطون بأهل السماء الدنيا وبأهل ~~الأرض، ثم تنشق الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر ممن قبلهم فيحيطون بهم، ثم ~~كذلك كل سماء إلى السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على من قبلهم فيحيطون بمن ~~قبلهم، ويفهم منه أن هذا النزول ليس نزولا لحساب الثقلين، وإنما هو الحشر ~~والبعث، ونزولهم بالصحائف غير هذا؛ لأن الذي ينزلون بها هم بعض الملائكة ~~وهم الحفظة، فيكون هذا وجها غير الأول، والله أعلم، قاله في التجريد. # الصفة الثانية لذلك اليوم قوله تعالى: {الملك يومئذ الحق} الثابت ~~{للرحمن}. # قال الزجاج: الحق صفة، وتقديره أن الملك الحق يومئذ للرحمن، ويجوز الحق ~~بالنصب، ولم يقرأ به على أعين، ومعنى كونه حقا أنه لا يزول ولا يتغير؛ لأن ~~كل ملك يزول يومئذ ولا يبقى إلا ملكه. # الصفة الثالثة: قوله: {وكان يوما على الكافرين عسيرا} أي صعبا مر المذاق، ~~لما يعاينون فيه من صدق الوعيد الذي كانوا ينكرون، ووقع ما كانوا يكذبون به ~~مما يحذرون، ووقع الحديث أنه لا يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخف ~~عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا. # والرابعة: قوله تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا} عض اليدين ونحوه عبارة عن الغيظ والندم؛ لأن التحسر سبب في ~~العض، فتذكروا الرادفة، ويدل بها على المردوف، فيرتفع الكلام في طبقات ~~الفصاحة، ويوجد له في النفس ما لا يوجد عند لفظ المكني عنه، والظالم عام ~~للكافر والفاسق، وقيل: هو عقبة بن أبي أمية بن عبد شمس. PageV16P448 # قال ابن عباس: كان لا يقدم من سفر إلا صنع فيه طعاما يدعو إليه جيرته من ~~أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول، ويعجبه حديثه، فصنع طعاما ودعا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يأكل طعامه حتى يقول ~~الشهادتين ففعل، وكان أبي بن خلف صديق له، فقال: استحييت منه وهو في بيتي ~~فشهدت له، وليست شهادة في نفسي، فقال: وجهي عليك حرام إن لقيت محمدا فلم ~~تطأ ms0951 قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا ففعل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت بالسيف)) فقتل ببدر بأمره صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وطعن صلى الله عليه وآله وسلم أبيا بأحد فرجع إلى مكة فمات، ~~ومعنا قوله: {سبيلا} أي طريقا واحدا إلى النجاة وهو طريق الجنة، ولم يتشعب ~~به طرق الضلالة، أو أراد أني كنت ظالا ولم يكن لي سبيل قط، فليتني جعلت ~~لنفسي في صحبة الرسول سبيلا، وفعلا جميلا، يعني عقبه. # ثم أخبر تعالى أنه يقول: {ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} أي صاحبا ~~وهو أمية بن خلف {لقد أضلني عن الذكر} أي صرفني عن ذكر الله أو القرآن، أو ~~موعظة الرسول، أو إرادة نطقه بشهادة الحق التي نطق بها، وعزم على الإسلام، ~~والمعنى أغواني عن الحق، وعن القرآن والصدق {بعد إذ جاءني} وقوله: {وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا} يحتمل أنه من كلام الظالم، ويحتمل أنه من كلام الله ~~والشيطان، ويحتمل أنه خليل أبي بن خلف سماه شيطانا؛ لأنه أظله كما يظل ~~الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة أو أراد إبليس؛ لأنه حمله على ~~مخالفة المضل، ومعنى قوله: {خذولا} أي تاركا خاذلا له في الآخرة، لا يعين ~~ولا ينفع، قال الشاعر: # ومن يخذل أخاه فقد الأمل PageV16P449 قال في البرهان: وذكر أن سبب ذلك أن عقبة وأمية كانا خليلين، وكان عقبة ~~يغشى مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أمية بن خلف: بلغني أنك ~~صبوت إلى محمد، فقال: ما صبوت، فقال: وجهي عليك حرام حتى تأتيه فتتفل في ~~وجه، فأتى عقبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتفتل في وجهه وتبرأ ~~منه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله فيه ~~مخبرا عنه بما هو صائر إليه: {ويوم يعض الظالم على يديه} والتي بعدها، انتهى. # وإن أريد بالظالم الجنس ففلان كناية عن اسم علم لكل من اتخذ من المضلين ~~خليلا، ودعا بالويل، وقرأ يا ويلتا وهو الأصل؛ ms0952 لأن الرجل ينادي يا ويلته أي ~~هلكته، أي تعال فهذا حينك. # واعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة، ووجوه التعنت ضاق صدر ~~الرسول صلى الله عليه وآله وشكاهم إلى الله، فقال سبحانه حاكيا: {وقال ~~الرسول يارب إن قومي} وهم قريش{اتخذوا هذا القرآن مهجورا} أي مبغضا متروكا ~~باعراضهم عنه، وقولهم القبيح فيه حيث زعموا أنه سحر وشعر وأساطير الأولين. # وفائدة هذه الحكاية تعظيم الشكاية، وتخويفهم؛ لأن الأنبياء عليهم السلام ~~كانوا إذا شكوا قومهم إلى ربهم حل بهم العذاب، وقيل: قال الرسول يوم ~~القيامة فهو حكاية لما سيقوله. # ولما شكى صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا إلى ربه هجر قومه للقرآن ~~سلاه سبحانه عن ذلك بقوله: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} فبين ~~ذلك أن له أسوة بسائر الرسل، فليصبر على ما تلقاه من قومه، كما صبروا، ~~وقوله: وكذلك أي مثل ذلك الابتلاء الذي وقعت فيه من عداوة قومك، جعلنا. PageV16P450 # قال الهادي عليه السلام: الجعل هاهنا فهو الحكم من الله على الأنبياء ~~بعداوة أهل الفسق والردى، من المجرمين الكفرة، العاصين، ألا تسمع كيف يقول ~~سبحانه: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} هذا في المؤمنين، فكيف بالأفضل من النبيين ~~صلوات الله عليهم أجمعين، ومن حرمت موادته فقد حلت وفرضت معاداته ومنابذته، انتهى. # ثم قال تعالى: {وكفى بربك هاديا ونصيرا} يهديك وينصرك عليهم، فلا تبال ~~بعداوتهم. # ثم حكى الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ~~تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} معنى نزل أي ~~أنزل؛ لأن نزل يقتضي التفريق، وليس غرضهم. # قال في البرهان: في تأويل ذلك من الكفار قولان: # أحدهما: أنهم كفار قريش. # والثاني: أنهم اليهود، قالوا حين رأوا نزول القرآن مفرقا: هلا نزل عليه ~~جملة واحدة، انتهى. يريدون في وقت واحد كالكتب المتقدمة، وهذا من ~~اجتراحاتهم، وهذا فضول من القول؛ لأن أمر الاعجاز والاحتجاج به لا يختلف ~~بنزوله جملة أو ms0953 مفرقا، فأجاب الله بقوله: {كذلك} أي التنزيل، أنزلناه مفرقا ~~في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين سنة {لنثبت به فؤادك} وفيه وجهان: # أحدهما: أنه كان أميا، ولم ينزل القرآن مكتوبا، وكان نزوله مفرقا، أثبت ~~في فؤاده وأعلق بقلبه بخلاف من تقدم، وكانوا قراء فنزل عليهم جملة واحدة. PageV16P451 # والثاني: {لنثبت به فؤادك} بإيضاح الوحي ومداومة نزول القرآن، فلا يصير ~~بانقطاع الوحي مستوحشا، ولو أنزل جملة لثقل عليك، ولتعبت به، وأيضا كان ~~ينزل على حسب المصالح، وجوابات السائلين، ولأن فيه ناسخا ومنسوخا فلابد من ~~التفريق، وقيل: إن قوله كذلك من تمام كلام المشركين، أي جملة واحدة، أي ~~كذلك أي كالتوراة، والإنجيل ومعنى قوله تعالى: {ورتلناه ترتيلا} أي كذلك ~~فرقناه ورتلناه أي نزلناه تنزيلا قليلا قليلا شيئا بعد شيء ، وقدرناه آية ~~عقيب آية، أو بمعنى فصلناه تفصيلا وبيناه تبيينا أو أمرنا بقراءته مرتلا ~~كقوله {رتلوا القرآن ترتيلا}، وأصل الترتيل في ......... وهو تباعدها ، ~~فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على إثر بعض، على توده وتمهل. # ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح، قال تعالى: ~~{ولا يأتونك بمثل}أي سؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة، كأنه مثل في البطلان ، ~~وقيل: بمثل يضربونه لك في إبطال أمرك، ومخاصمتك {إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا}أي لا يضربون لك مثلا مستحيلا إلا جئناك بالحق وأحسن من تأويلهم ~~تأويلا عن معنى الشيء ، ووضع موضع المعنى لما كان يحصله. # أما قوله: {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا} ~~فالأقرب أنهم صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت، وإن كان ~~غيرهم من أهل النار يدخل معهم، والحشر: الجمع أي يجمعون في النار على ~~وجوههم، ومعنى شر مكانا، أي الذي بمكان محمد عندكم ، وذلك أنهم كانوا ~~يضلوان سبيله ، ويحتقرون مكانه، فقيل : لو علمتم أنكم تسحبون على وجوهكم ~~لعلمتم أنك شر مكانا وسبيلكم أضل لأنكم تسحبون على وجوهكم إلى جهنم. PageV16P452 # وعن النبي صلى الله عليه وآله ((يحشرون الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث، ~~ثلث على الدواب، وثلث ms0954 على وجوههم، وثلاثة على أقدامهم ينسلون نسلا)). # واعلم: أنه تعالى لما قال: {وكذلك جعلنا لكل نبي}أتبعه بذكر جماعة من ~~الأنبياء ، وعرفه ما نزل على من كذب من أممهم ، فقال سبحانه: {ولقد آتينا ~~موسى الكتاب} التورية {وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا}أي معينا وموازرا. قال ~~الشاعر: # رأيت الملك أضحى في بلاد # بها ملك العراق مع الوزير # قد استويا بملكهما جميعا # على ملك العراق بغير زور # وهو أيضا نبيء، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة، فقد يبعث في الزمن ~~الواحد، ويؤمرون بالتوازر، فلا وجه لقول من قال في قوله تعالى: {فقلنا ~~اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا} إنه خطاب لموسى وحده، بل يجري مجرى ~~قوله: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} والمراد هنا فذهبنا فكذبوهما. # {فدمرناهم تدميرا} التدمير الهلاك، وفيه اختصار وإحالة على المعنى ، لأن ~~إيتاء الكتاب لم يكن إلا بعد هلاك فرعون وقومه، لذلك قال: {اذهبا إلى القوم ~~الذين كذبوا}، لأن تكذيبهم بما أوتي متقدم على إيتاء الكتاب ، لكنه اختصر ~~القصة، فذكر طرفيها إذ هما المقصود وهما إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق ~~التدمير بتكذيبهم. # القصة الثانية : قصة نوح عليه السلام . PageV16P453 # قال تعالى: {وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم} يريد كذبوا نوحا، فإنهم ~~كذبوا نوحا، ومن قبله صريحا، أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع، أو ~~لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة ، ثم قال عز وجل، {وجعلناهم للناس آية} ~~أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم آية أي موعظة وعبرة، {وأعتدنا}، أي أحصرنا، ~~وقربنا {للظالمين}أي لهم لكن قصد تظليمهم فأظهروا المعنى أعتدنا في الآخرة ~~لهم ، ولكلمن سلك سبيلهم في تكذيب الرسل {عذابا أليما} وسواء ما حل بهم في ~~الدنيا. # القصة الثالثة: قصد عاد. # فقال تعالى: {وعادا}، عطف عادا على ضمير جعلناهم أو على الظالمين؛ لأن ~~المعنى ووعدنا الظالمين وعادا {وثمود وأصحاب الرس}، هم قوم شعيب، والرس ~~البير غير المطوية. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه أصحاب البير الذين قتلوا ~~نبيهم صلوات الله عليه في الرس، وهي البير القليلة الماء إذا حفرت، ولم تطو ~~فهي الرس، قال ms0955 زهير: # بكرن بكورا واستحرن بسحره ... فهي ووادي الرس كاليد في الفم # انتهى. # وقيل: إن الرس قرية من قرى اليمامة يقال لها: الفلح، وقيل: بلد بين ~~حضرموت ونجران، والسهل في قاع منحرف لا يدرك غوره إذا ظل فيه الركبان لم ~~يهتدوا لسعته، وفيه قرية الرس، والله أعلم. # قيل: كانوا عبدة أصنام كذبوا شعيبا لما بعث إليهم ليسلموا، فبينا هم حول ~~الرس وهم أصحاب آبار ومواشي انهارت بهم. # وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس الأخدود، وقيل: الرس أنطاكية قتلوا فيها ~~حبيب النجار. PageV16P454 # واعلم أن القول ما قال أبو مسلم، وهو أن شيئا من هذه الأقوال غير معلوم ~~بالقرآن، ولا بخر قوي الإسناد، ولكنهم كيفما كانوا فقد أخبر الله عنهم أنهم ~~أهلكوا بسبب كفرهم، ثم قال تعالى: {وقرونا بين ذلك كثيرا} أي وأمما بين ذلك ~~المذكور، أهلكناهم بما كذبوا الرسل {وكلا} من المهلكين {ضربنا له الأمثال} ~~المستغربة غرابة المثل، أي بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين، وتكذيبهم ~~لرسلهم وما جرى عليهم من عذاب الله تعالى. # ثم قال عز وجل: {وكلا} منهم {تبرنا تتبيرا} التتبير الابطال والتدمير، أي ~~أهلكنا ودمرنا تدميرا، قال الشاعر: # وما الناس إلا عاملان فعامل # يتبر ما يبني وآخر رافع # القصة الرابعة: قوله تعالى: {ولقد أتوا} أي قريش {على القرية} وهي سدوم، ~~وقرية لوط {التي أمطرت مطر السوء} أي الحجارة التي رموا بها، يعني أن قريشا ~~مروا كثيرا في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من ~~السماء {أفلم يكونوا يرونها} فيعتبروا {بل كانوا لا يرجون نشورا} أي لا ~~يأملون ولا يظنون النشور الذي أخبرهم الله عنه، والبعثة لأبدانهم من ~~القبور، كما يأمل المؤمنون، أو لا يتوقعونه، فوضع الرجاء موضع التوقع، أو ~~لا يخافونه على اللغة التهامية. PageV16P455 # واعلم أنه تعالى لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته صلى الله عليه ~~وآله وسلم وفي إيراد الشبهات في ذلك أخبر بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول ~~صلوات الله عليه وآله وسلم اتخذوه هزوا، فلم يقتصروا على ترك الإيمان به، ~~بل زادوا ms0956 عليه بالاستهزاء والاستخفاف، فقال سبحانه: {وإذا رأوك إن يتخذونك} ~~أي ما يتخذونك {إلا هزوا} أي موضع هزوا، أي يستهزؤن يقولون: {أهذا الذي بعث ~~الله رسولا} على وجه الاستهزاء، وجواب إذا هو ما أضمر من القول، يعني وإذا ~~رأوك مستهزئين قالوا: أبعث الله هذا رسولا، وقوله: {إن يتخذونك} جملة ~~اعترضت بين إذا وجواب ثم قالوا: {إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا ~~عليها} أي على ملازمتها، أي على ملازمة عبادتها. # قال جار الله: إن هي المخففة من الثقيلة، واللام في ليضلنا الفارقة ~~بينهما، أي قارب إضلالنا عن عبادة الأصنام، وفيه دليل على فرط مجاهدته صلى ~~الله عليه وآله وسلم في دعوتهم حتى شارفوا بزعمهم على ترك دينهم. # ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا الكلام زيف طريقهم في ذلك في ثلاثة أوجه: # أولها: قوله تعالى: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب} يوم القيامة أو عند ~~الموت {من أضل سبيلا} أي طريقا أهم أم نبيهم الذي نسبوه إلى الضلال، فأخبر ~~سبحانه أنه سيظهر لهم من المضلون من الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا تخلص ~~لهم منه، وسوف لتأكيد الوعيد لدلالتها على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة ~~الإمهال فهو وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر. PageV16P456 # وثانيها: قوله: { أرأيت} أي أخبرني {من اتخذ إلهه هواه} قوله: أفرأيت كلمة ~~تصلح للإعلام والسؤال، وهي هاهنا تعجب من جهل من هذا وصفه ونعته، ومعنى ~~قوله: {من اتخذ إلهه هواه} أي يطيع هواه في دينه كما يطاع الرب، فلا يعبد ~~إلا ما يهوى، ولا يتبع الدليل، بل اتخذ هوى نفسه معبودا، فكل ما خطر على ~~باله وساوس تبعه، وكل ما طمحت نفسه إلى عبادة جسم من الأجسام عبده. # قال في البرهان: إن الجاهلية كان الرجل يعبد حجرا قد استحسنه، فإذا رأى ~~أحسن منه عبده وترك الأول، والآية عامة في كل من تبع هواه، في كل ما دعاه ~~إليه، انتهى. # قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. # وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الصنم، ms0957 فإذا رأى أحسن منه ~~رماه وأخذ الآخر وعبده، والمعنى هذا الذي لا يتبع الدليل، وإنما يتبع الهوى ~~كيف تستطيع يا محمد أن تدعوه إلى الهدى {أفأنت تكون عليه وكيلا} أي حفيظا ~~تتوكل عليه وتجبره على الإسلام، ولا إكراه في الدين. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى في لست يا محمد وكيلا موكل ~~بحسابه، وإنما عليك الإنذار والبيان وليس عليك أن تغتم عليهم من العذاب ~~والهوان؛ لأنه أوقع نفسه في العذاب والنيران، انتهى، وهذا تسلية للرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم. PageV16P457 # وثالثها: قوله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون} إنما قال ~~أكثرهم؛ لأن منهم من لا يمنعه من الإسلام إلا حب الرئاسة؛ لأنه كان فيهم من ~~يعرف الله تعالى ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب اللذات الحاضرة ~~رئاسة وغيرها لا لجهل، وأم بمعنى بل كان هذا الذم أشد مما تقدمه، فأضرب عن ~~الأول إلى ما هو أعظم منه، وهو كونهم مسلوبي الأسماع والعقول؛ لأنهم لا ~~ينتفعون بأسماعهم ولا يعقلون، فإن قيل: إن نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم ~~عن الإعراض عن الدين؟ وكيف بعث الرسول إليهم؟ فإن من شروط التكليف العقل؟ # قيل له ولا قوة إلا بالله: ليس المراد أنهم لا يعقلون، بل إنهم لا ~~ينتفعون بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى ~~وأصم، ولذلك ضرب لهم تعالى مثلا فقال: {إن هم إلا كالأنعام} من الإبل ~~والبقر والغنم في الغفلة؛ لأنها مثل في الضلالة. # ثم قال سبحانه: {بل هم أضل سبيلا} أي طريقا؛ لأن الأنعام تنقاد لأربابها ~~وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتميز من يحسن إليها ويسيء، وهم لا ~~يطلبون الثواب ولا يجتنبون العقاب الذين هما أعظم المنافع والمضار، بل ~~ينقادون لعدوهم الشيطان. # واعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرض عن دلائل الله تعالى، وفساد طريقتهم ~~في ذلك، ذكر بعده أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع: PageV16P458 # النوع الأول: الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغييره من حال إلى ~~حال ms0958 فقال سبحانه: {ألم ترى إلى ربك كيف مد الظل} أي ألم تنظر إلى صنع ربك ~~وقدرته كيف مد الظل، أي جعله يمتد وينبسط، فينتفع به الناس، ويحتمل أن ~~الرؤية بمعنى العلم وهو اختيار رجاح، فالمعنى ألم تعلم، والمخاطب بهذا ~~الخطاب وإن كان هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحسب ظاهر اللفظ، ولكن ~~الخطاب عام في المعنى؛ لأن المقصد بالآية بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع ~~المكلفين مشتركين في أنه يجب تنبيههم لهذه النعمة، وتمكنهم من الاستدلال ~~بها على وجود الصانع، ثم أشار إلى ما في ذلك من المنافع لقوله تعالى: {ولو ~~شاء لجعله ساكنا} أي دائما لاصقا بأصل كل مظل غير منبسط، فلم ينتفع به سمي ~~امتداده تحركا وعدم ذلك سكونا، ومعنى {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} أي دليلا ~~على تأثيرنا فيه، أو يستدل الناس بأحوالهما في مسيرها على أحوال الظل، من ~~كونه ثابتا في مكان، وزائل ومتسع ومتقلصا، فيبنون حاجاتهم إلى الظل، ~~واستغناؤهم عنه على جسب ذلك {ثم قبضناه إلينا} أي نسخناه ببياض الشمس {قبضا ~~يسيرا} أي سهلا على مهل وتوده، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من ~~المنافع ما لا يعد، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر المناع بالظل والشمس ~~معا، وموقع ثم في الموضعين لبيان تفاضل الأمور الثلاثة، كان الثاني أعظم من ~~الأول، والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين ~~الحوادث في الوقت، ويحتمل أن يريد بقبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، أي ~~إزالة كل منتصب، ويحتمل أنه مد الظل حين بنا السماء كالقبة المضروبة، ودحا ~~الأرض تحتها فألقت ظلها على الأرض فينا تاما في أديمه جواب لعدم النير، ولو ~~شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل، ~~أي سلطها عليه ونصبها PageV16P459 دليلا متبوعا له، كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد فيها وينقص، ثم نسخه ~~بها فقبضه قبضا سهلا. # قيل: ويحتمل أن يراد بالظل الليل ومده بسطه في الأرض ولو شاء لجعله ساكنا ms0959 ~~أي باقيا على حاله، فلا يكون نهار، يقال ليل ساكن، كما يقال ساج، ونظير ~~هذا: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة} وقوله: ~~{ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} فيه وجهان: # أحدهما: أن المعنى ثم سلطنا الشمس عليه تزيله ليكون ذلك دليلا على الصانع ~~المختار القادر على كل مقدور، ودليلا حال. # وثانيهما: أن يراد أن الشمس تدل على الليل من حيث أنها إذا غربت جاء ~~الليل، وإذا طلعت جاء الليل، وقوله: {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} أي سهلا ~~قليلا قليلا، وذلك من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولم يذهب مرة واحدة، كما ~~يذهب الظلام في البيت إذا أدخل السراج فيه، وقوله: {ثم قبضناه إلينا} تمثيل ~~بمن يكون في جهة مادا لحبل أو نحوه، فقبضه قليلا قليلا. # النوع الثاني: قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} يعني غطاء؛ ~~لأنه يستر كما يستر اللباس، شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس من الساتر، ~~وقوله: {والنوم سباتا} فيه وجهان: # أحدهما: أنه مسبوت، لا يعقل كالميت والسبات الموت، والميت مسبوت؛ لأنه ~~مقطوع الحياة، والمعنى سكونا وخفاتا، كما قال الشاعر: # لا تمنعاها الزجر والأصواتا ... ولا تموتا حولها سباتا PageV16P460 والثاني: أراد به الراحة لقطع العمل فيه عن الحركة، والروح في جسده، ومنه ~~سمي الميت؛ لأنه يوم راحة بترك العمل، ورجح الأول بأنه ذكر في مقابلة ~~النشور إذ قال: {وجعل النهار نشورا} أي حياة ينتشرون فيه لحوائجهم، كما ~~تنشر الأموات، أي حياة للعباد وانتشارا، ومسيرا في طاعة الله إقبالا ~~وإدبارا؛ لأنه لم يجد ما أوجد إلا لطاعته، ولم يخلق شيئا إلا لعبادته، ولم ~~يخلق شيئا قط لمعصيته. # وقيل: نشورا، الانتشار الروح باليقضة مأخوذ من نشر البعث. # والثالث من أنواع الدليل: قوله تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح} وهي الجنوب ~~والشمال، والصبا؛ لأنها لواقع، وريح العذاب واحدة وهي الدبور؛ لأنها لا ~~تلقح، وقرئ نشرا بالنون جمع نشور وهي المحيية؛ لأنها تحي الأرض بدعائها ~~المطر، وقرئ بشرا بالباء، فمن قرأ بالنون فمعناه حياة لخلقه كحياتهم ~~بالنشور، ms0960 ومن قرأ بالياء ففيه وجهان: # أحدهما: أنها بشرا بالمطر. # والثاني: لأن الناس يستبشرون بها. # وقوله: {بين يدي رحمته} استعارة مليحة، أي قدام المطر؛ لأن البشر يتقم ~~بين يدي المبشر به، ورحمة الله المطر؛ لأنه رحمة الله لخلقه. # ثم قال تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} أي بليغا في طهارته، طاهرا ~~في نفسه مطهرا لغيره. # قال الرازي: هذا نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء لا من السحاب، ~~وقول من يقول: السحاب سماء ضعيف؛ لأن ذلك بحسب الاشتقاق، وأما بحسب وضع ~~اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم، فصرفه عنه ترك للظاهر. # قلت: وهذا منه دعوى على أهل اللغة بلا برهان، وإن سلم فقدمنا ما رواه ~~الهادي عليه السلام عنهم في سورة نوح أن المراد بالسماء السحاب الذي يكون ~~فيها المطر، لا السماء الخضراء التي هي السماء العليا. PageV16P461 # وروي عن العرب أنها تسمي السحاب سماء، تقول: كانت على بلد كذا وكذا سماء ~~حسنة، يريدون سحابا حسنا، والقرآن الكريم نزل على لغتهم، والهادي عليه ~~السلام إن لم نقل أنه من أهل اللغة فروايته عنهم أرجح، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الماء أمرين: # أحدهما: ما يتعلق بالنبات. # والثاني: ما يتعلق بالحيوان. # أما النبات فقوله سبحانه: {لنحيي به بلدة ميتا} أي مجدبة، وقال: ميتا لأن ~~البلدة في معنى البلد. # وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه: {ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} ~~أي كثير من الناس، ومن العرب من يقول: أناس وأنسي وإنسان وأنسيان، ويقولون ~~في الجماعة: ناس وأناس وأنس وأناسي، كل ذلك جائز عندهم بمعنى واحد، والأصل ~~أناسين قلبت النون الأخيرة باء كما قالوا: أظرابي في ظربان، وقدم إحياء ~~الأرض، وسقي الأنعام؛ لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم، وخص الأنعام ~~لأن النعمة على الأناسي بسقيها كالنعمة بسقيهم، لعظم منافعها لهم، ولأن ~~الطير والوحوش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام الإبل ~~والبقر والغنم. # ثم قال تعالى: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} أي يعتبروا ويعرفوا حق النعمة ~~فيه ويشكروا، ثم اختلفوا في ms0961 أن الهاء في قوله: {ولقد صرفناه} إلى أي شيء ~~ترجع، وذكروا ثلاثة أوجه: # أحدها: الذي عليه الجمهور أنه يرجع إلى المطر، ثم من هؤلاء من قال: معنا ~~صرفناه أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب والزراعات، وأنواع المعاش، ~~وقال آخرون: معناه أنه سبحانه نزله في مكان في عام، ثم في العام الثاني ~~الذي يقع بخلاف ما وقع في العام الأول. # قال ابن عباس: ما عام بأكثر مطر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم ~~قرأ هذه الآية. PageV16P462 # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من عام بأمطر من ~~عام، ولكن لما عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعا ~~صرف الله ذلك إلى الفيافي)). # وثانيها: وهو قول أبي مسلم أن قوله: {صرفناه} راجع إلى المطر والرياح، ~~والسحاب، والأظلال، وما ذكره الله تعالى من الأدلة. # وثالثها: ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن، وفي سائر الكتب ~~والصحف التي أنزلت إلى الرسل وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال القطر، ليتفركوا ~~ويستدلوا به على الصناع، والوجه الأول أقرب المذكورات إلى الظمير. # وقال في البرهان: صرفنا يعني قسمناه بينهم أي المطر، فلا يدوم على مكان ~~فيهلك، ولا ينقطع عن مكان فيهلك. # والثاني أنه يصرفه في كل عام من مكان إلى مكان. # وروينا عن بعض السلف أنه قال: ليس عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه بين ~~عباده {ليذكروا} أي ليتذكروا النعمة بنزوله، وليذكروا النعمة بانقطاعه، انتهى. # وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر في كل عام؛ لأنه لا يختلف، ولكن تختلف ~~فيه البلاد. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنا صرفناه بينهم أي قلبناه يمينا ~~وشمالا، يعني الكتاب {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} يريد كفرا وجحودا للنعمة، انتهى. # وقيل: صرفنا المطر عنهم في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، وعلى ~~صفات متفاوتة من وابل وطل، وجود ورذاذ، وديمة ورهام، فأبوا إلا أن يقولوا: ~~مطرنا بنو كذا، ومن نسب الأمطار إلى الأنواء وكان لا يراها إلا منها، ويجحد ~~أن يكونا معا ms0962 من خلق الله كفر، وإن كان يرى أن الله خالقها، وقد نصب ~~الأنواء دلائل وأمارات عليها لم يكفر. PageV16P463 # قال في البرهان: وروينا في الخبر أن الناس مطروا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذات ليلة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أصبح ~~الناس فيها رجلين، شاكر وكافر، فأما الشاكر فيحمد الله على سقياه، وأما ~~الكافر فيقول مطرنا بنو كذا وكذا)). # وقوله تعالى: {ليذكروا} يدل على أنه تعالى مريد من الكل أن يذكروا أو ~~يشكروا، ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من ~~قال: إن الله مريد للكفر ممن يكفر، ودل قوله تعالى: {فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا} على قدرتهم على فعل هذا التذكر، إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: ~~أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبا أن يسعى، ثم قال تعالى: {ولو ~~شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا} وخففنا عنك نذارت جميع القرى، ولكنا قصرنا ~~الأمر عليك، وعظمناك وفضلناك على سائر الرسل، يريد سبحانه الامتنان على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه جعله نذيرا للبشر عموما، وأمره أن ~~يقابل هذه النعمة بالشكر، وهو الاستمرار على مخالفة الكفار فيما طلبوه منه، ~~وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه على أن يفعلوا له أمورا مذكورة في صدر سورة ~~الأحزاب، وآخر سورة القصص، ولذلك أتبعه بقوله تعالى: {فلا تطع الكافرين} ~~فيما يريدونك من تضعيف أمرك، والمراد تهييجه هو والمؤمنين، ثم قال: ~~{وجاهدهم به} أي بالقرآن، والباء في به للسببيه، ومعنى قوله: {جهادا كبيرا} ~~أي جامعا لكل مجاهدة، ولما تحمل فيه من المشاق العظام، وإنما قال: {جهادا ~~كبيرا} لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجب على كل نذير مجاهدة قريته، ~~فاجتمعت على رسول الله صلى الله عليه تلك المجاهدات، فكبر جهاده من أجل ذلك ~~وعظم، فقال له: {وجاهدهم به} بسبب كونك نذيرا كافة القرى، جهادا كبيرا ~~جامعا لكل مجاهدة. PageV16P464 # ثم ذكر تعالى النوع الرابع من دلائل التوحيد فقال: {وهو ms0963 الذي مرج البحرين}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه خلط أطرافهما، والمرج يحمل على وجهين: # أحدهما: خلط الشيء ومزجه. # والوجه الآخر: عزل الشيء من الشيء وإخراجه، فمن حمله على الخلط وإنما ~~يريد خلط أطرافهما، ومن حمله على معنى الإخراج فإنما يريد المنع من ~~تمازجهما. # قال في البرهان: أصله من التخلية من قولهم: مرجت الشيء إذا حليته، ومرج ~~الوالي الناس إذا تركهم، وأمرجت الدابة إذا تركتها ترعى، ومنه قول العجاج: # رعاتها مرج ربيع ممرجا # المعنى خلاهما متجاوزين متلاصقين غير متمازجين، ثم قال: {هذا عذب فرات} ~~الفرات بليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة، وقيل: بارد {وهذا ملح} أي مالح، ~~وقيل: حار {أجاج} قيل أنه المر، وقيل: الأجاج الملح، وقيل: نقيض العذب. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: الأجاج الذي قد بلغ في شدة الملوحة ما ~~يخرج به إلى المرارة، ثم قال سبحانه: {وجعل بينهما برزخا} أي حاجزا لازما، ~~والبرزخ هو كل ما بين الشيئين، يعني حايدا من قدرة الله يمنعها من التمازج ~~والاختلاط {وحجرا محجورا} أي مانعا محظورا أن يختلط العذب بالملح، كما قال ~~الشاعر: # قرب ذي سرادق محجور ... سرت عليه من أعالي السور # والمعنى حراما محرما أن يغلب أحدهما صاحبه، وهذه كلمة كانوا يقولونها عند ~~لقاء عدو موتور، أو نجوز نازلة، يضعونها موضع الاستغاثة وهو من حجره إذا ~~منعه؛ لأن المستغيث طالب من الله منع المكروه أن يلحقه، وهي هنا مجاز؛ لأن ~~كل واحد منهما يتعوذ من صاحبه يقول له حجرا محجورا، كما قال: {لا يبغيان} ~~أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة. # ثم ذكر سبحانه النوع الخامس من دلائل التوحيد فقال تعالى: {وهو الذي خلق ~~من الماء} أي النطفة {بشرا} أي إنسانا. PageV16P465 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لحما ودما، وأحسب والله أعلم أن ~~البشر إنما سمي بشرا لسرعة مباشرته للأشياء كلها من الحر والبرد والألم، ~~وغير ذلك من اللذات والنعم، انتهى {فجعله نسبا} أي ذي نسب، قسم البشر قسمين ~~ذوي نسب، أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال: فلان ms0964 ابن فلان وفلانة بنت فلان. # والثاني: قوله: {وصهرا} أي ذوات صهر أي إناثا، عبر عن الذكر بالنسب؛ لأن ~~الانتساب إلى الذكور، والإناث بصهارتهن كقوله: {فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى} فذكر النسب وأراد المنسوب إليه، وكذلك الصهر، وأراد المصاهرة، ~~والصهر هو المزوج والمتزوج، وأهل اليمن يسمونه الختن المخاتن. # وفي البرهان: النسب هو من يناسبك بوالد وولد، وكل شيء إضفته إلى شيء ~~عرفته به، فهو مناسبة، والصهر فيه وجهان: # أحدهما: أنه الرضاع. # والثاني: المناكح. # وأصل الصهر الاختلاط، فسمي المناكح صهرا؛ لاحتلاط الناس، ومنه قوله ~~تعالى: {يصهر به ما في بطونهم والجلود} انتهى. # ثم قال سبحانه: {وكان ربك قديرا} أي قادرا حيث خلق من النطفة الواحدة ~~نوعين ذكر وأنثى. # واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة ~~الأوثان فقال عز وجل: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم} إن عبدوه {ولا ~~يضرهم} إن لم يعبدوه، وهي الأصنام، ويعرضون عن عبادة من مرت أوصافه الباهرة ~~{وكان الكافر على ربه ظهيرا} أي عوينا، يظاهر على ربه، ويعين الكافرين على ~~إهلاك دينه، وظهيرا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك. PageV16P466 # روي أنها نزلت في أبي جهل لعنه الله تعالى، والأولى حمله على العموم؛ لأن ~~خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق لظاهر قوله: {ويعبدون من دون ~~الله} ولما كان الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله أخبر الله ~~تعالى أنه بعث رسوله لينفعهم؛ لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على ~~المعصية فيستحقوا الثواب، ويحترزوا من العقاب، فقال سبحانه: {وما أرسلناك ~~إلا مبشرا} للمطيع بالثواب {ونذيرا} للعاصي بالعقاب {قل ما أسألكم عليه} أي ~~تبليغ التبشير والإنذار، أو على الدعاء إلى الإسلام {من أجر} فيقولوا: هو ~~يطلب أموالنا {إلا من شاء} أي إلا فعل من شاء {أن يتخذ إلى ربه} بالإيمان ~~والطاعة {سبيلا} أي طريقا إلى رضاه، وسمي التقرب إليه وطلبهم عند الله ~~الفوز أجرا لاستثنائه لفائدتين: # أحدهما: قطع الطمع في الجزاء على هدايتهم. # والثانية: إظهار شفقته عليهم بحيث أنه صلى الله ms0965 عليه وآله وسلم يعد سعيهم ~~فيما يسعدهم جزاء له، مثال إلا من شاء واستثنائه عن الأجرة قول ذي شفقة ~~عليك قد تسعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابها على ما سعيت إلا أن تحفظ ~~هذا المال ولا تضيعه، وليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ولكن صوره هو ~~بصورة الثواب، وسماه باسمه. # قال في الكشاف: ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه، وأمره بأن لا ~~يطلب منهم أجرا البتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب ~~المنافع، فقال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} أي ثق به واسند أمرك ~~إليه في استكفاء شرورهم {وسبح بحمده} أي وتمسك بقاعدة التوكل وهي طاعته ~~وعبادته، وتنزيهه وتمجيده، واعتراف أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل ~~عليه دون غيره من الأحياء. PageV16P467 # عن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، ثم ~~قال: {وكفى به بذنوب عباده خبيرا} وهذه كلمة يراد بها المبالغة، يقال: كفى ~~بالعلم جمالا وكفى بالأدب مالا، وهي بمعنى حسبك أي لا تحتاج معه إلى غيره؛ ~~لأنه خبير بأحوالهم، كاف في جزاء أعمالهم، وليس إليك من أمورهم شيء آمنوا ~~أم كفروا، وذلك وعيد شديد. # واعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور: # أولها: بأنه حي لا يموت وهو قوله: {وتوكل على الحي الذي لا يموت}. # وثانيها: أنه عالم بجميع المعلومات وذلك قوله: {وكفى به بذنوب عباده ~~خبيرا}. # وثالثها: أنه قادر على كل الممكنات، وذلك قوله تعالى: {الذي خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما} فقوله: الذي خلق متصل بقوله: الحي الذي لا يموت؛ لأنه ~~سبحانه لما كان الخالق للسماوات والأرضين، ولكل ما بينهما ثبت أنه القادر ~~على جميع وجوه المنافع، ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فجينئذ لا ~~يجوز التوكل إلا عليه، وقوله: {وما بينهما} أي ما فوق الأرض وما تحت ~~السماء، وأراد بالأرض الجنس أي الأرضين السبع، وقال: {وما بينهما} وقد جمع ~~السماوات لأنه أراد جنس ms0966 السماوات والأرض، وقوله: {في ستة أيام} أي في مدة ~~هذا قدرها؛ لأنه لم يكن هناك نهار ولا ليل {ثم استوى على العرش} العرش في ~~الأصل سرير الملك، والاستواء عليه كناية على الملك الكامل؛ لأن استواء ~~الملك على السرير من توابع الملك، والمعنى استولى على الملك كما قال ~~الشاعر: # قد استوى بشرا على العراق # من غير ما زور ولا نفاق PageV16P468 وقوله: {الرحمان} بالرفع خبر الذي خلق، وبالجر صفة للحي، ومعنى {فاسأل به ~~خبيرا} أي اسأل عنه عالما خابرا بعدله وتوحيده، ودلائله ومعرفته وتمجيده، ~~يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله فرض سؤال نبيه عن عدله ~~وتوحيده، فسأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إمام الميتقين، واستفاد ~~معرفة الله من خاتم النبيين، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، ثم ~~هذه الآية فرض لازم لجميع الأنام أن يسألوا من كان خبيرا بذي الجلال ~~والإكرام، ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام. # وقيل: اسأل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو خبيرا به وبرحمته، فعلى ~~الأول يتعلق حرف الجر باسأل. # وعلى الثاني: يتعلق بخبير، أو يجوز أن يراد فاسأل بسؤاله خبيرا كقولك: ~~رأيت به أسدا أي برؤيته، والمعنى إن سألته وجدته خبيرا، وقيل: الرحمان اسم ~~لله في الكتب المتقدمة، ولم يكونوا يعرفونه، فقيل اسأل بهذا الاسم من يخبرك ~~من أهل الكتب لتعرف من تنكره، ولهذا قال سهيل بن عمرو: وما نعرف الرحمن إلا ~~الذي باليمامة يعني مسيلمة لعنه الله تعالى. # وأما قوله سبحانه: {وإذا قيل لهم} أي هؤلاء المشركين {اسجدوا للرحمان ~~قالوا وما الرحمان} فهو خبر عن قوم قالوا هذا القول، يحتمل أنهم وإن ~~اعترفوا به لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى، وكثير من ~~المفسرين على هذا القول الأخير. # قيل: ويجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفون الله بهذا ~~الاسم، وعن معنى الرحمن؛ لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم، أو لأنهم أنكروا ~~إطلاقه على الله عز وجل. PageV16P469 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: يمكن أن يكون ms0967 قولهم: وما الرحمن على ~~سبيل المرادة والاستخفاف بالله، والاستحقار لرسول الله، والرد لما جاء به، ~~وإن لم يكونوا ينكرون الله تعالى، ويمكن أن يكونوا تجاهلوا وتلعبوا، ويمكن ~~أن يكونوا لحدوا في الله وجحدوا، ثم قالوا إنكارا واستكبار {أنسجد لما ~~تأمرنا} أنت يا محمد، فالهمزة للإنكار. # قلت: ويقوي هذا وكون اسم الرحمن معروفا بينهم قول بعض العرب: # ألا ضربت تلك الفتاة هجينها # ألا ضرب الرحمن ربي يمينها # ثم قال تعالى: {وزادهم نفورا} أي زادهم الوعظ الحسن عن الإيمان فرارا ~~وبعدا عن الحق، وإدبارا وولو عن ذكر الله وتوحيده، نفارا، وأظل النفور نفور ~~الإبل وفرارها وذعرها وإدبارها، استعمل ذلك واستعير في الناس إذا ولوا ~~وأدبروا ولم يقبلوا إلى الحق، ونفروا. # قال الضحاك: ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد ~~مستهزئين، فهذا هو المراد من قوله: وزادهم نفورا، أي زادهم سجودهم نفور. # واعلم أن الله سبحانه لما حكى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ذكروا ما ~~لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن، فقال تعالى: {تبارك ~~الذي جعل في السماء بروجا} معنى قوله تبارك أي تعالى عن كل شيء في صفاته ~~وأفعاله، أو تزايد خيره؛ لأن البركة كثرة الخير، ومعنى الذي جعل في السماء ~~بروجا أي الذي جعل نجوما، والبروج منازل الكواكب السيارة، وهي الحمل ~~والثور، والجوزاء والسرطان، والأسد والسنبلة، والميزان والعقرب، والقوس ~~والجدي، والدلو والحوت، وسميت بالبروج التي هي القصور العالية؛ لأنها لهذه ~~الكواكب كالمنازل لسكانها. # قيل: واشتقاقها من التبرج بمعنى الظهور. # وقال مجاهد: البروج النجوم الكبار، وسميت بذلك لظهورها، والله أعلم. # ثم قال: {وجعل فيها سراجا} يعني الشمس {وقمرا منيرا} وقرئ سرجا فيكون ~~المراد الشمس والكواكب الكبار. PageV16P470 # أما قوله: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} فيه قولان: # الأول: أنها عبارة عن كون الشيئين، بحيث أحدهما يخلف الآخر، ويأتي خلفه، ~~فالخلف من خلف كالركبة من ركب، وهي الحالة التي تخلف عليها الليل والنهار ~~كل واحد منهما الآخر. # الثاني: وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي: يقال لكل شيء اختلفا هما خلفان، ~~أي ms0968 مختلفين غير متفقين، قال الشاعر: # بها العين والآرام يمشين خلفه # واطلاؤها ينهض من كل مجثم # أي بعضهن مقبل وبعضهن مدبر مختلفان، وإنما سميا خلفة لأن ما فات من ~~أحدهما خلفه في مكانه الآخر، أو لأنه جعل كل واحد منهما مخالفا لصاحبه، إذا ~~مضى هذا جاء ذاك، ومنه قول زهير: # بها العين والآرام... البيت # ومعنى: {لمن أراد أن يذكر} هو لمن أراد أن ينظر في اختلافها، ويتعض بما ~~جعل من الآيات فيهما، ليعتبر الناظر، ويعلم أنه لابد لهما من قادر أبدل ~~أحدهما مكان الآخر {أو أراد شكورا} للنعمة فيهما، من السكون بالليل والتصرف ~~بالنهار، أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته ورده من عباده في ~~أحدهما، قام به الآخر، وقوله: أن يذكر راجع إلى كل ما تقدم من النعم، بين ~~تعالى أن الذين قالوا وما الرحمن لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها استدلوا ~~بذلك على عظم قدرته ووجوب شكر نعمته فيهما من السكون بالليل والتصرف في ~~النهار، كما قال تعالى: {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} والشكر مصدر شكر يشكر شكرا، ثم قال تعالى: ~~{وعباد الرحمان} أي عباده حقا أضافهم إلى الرحمن تخصيصا، ثم وصفهم بتسعة ~~أنواع من الصفات: PageV16P471 # الأولى: قوله: {الذين يمشون على الأرض هونا} أي علماء حلماء، أعفاء أتقياء، ~~والهون هو المشي الهين بالسكينة والوقار، غير متكبرين على عباد الله؛ لأنه ~~الهون هو الرفق واللين، وهو بيان لحالهم في المشي، أي هينين، أو صفة لمشيهم ~~أي مشيا هينا، لا يضربون بأقدامهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء ~~الركوب في الأسواق، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة عظيمة. # الثانية: قوله تعالى: {وإذا خاطبهم الجاهلون} أي كلمهم السفهاء بالأذى ~~والجهل مما يكرهون {قالوا سلاما} أي قولا سالما ليس فيه افجاش، ولا أذى ~~ليستعطفوا بذلك قلوبهم، ويردهم بالحلم عن جهلهم، فأما إذا لم يقبلوا إلى ~~الحق، وأبوا إلا التمادي في الضلال والفسق فلا بأس بالغلظ عليهم. # وقيل: سلاما أي نتسلم منكم تسليما لا ms0969 نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا ~~شر، فأقيم السلام مقام التسليم. # قال المرتضى عليه السلام: هذا ذكر من الله عز وجل لأوليائه الذين خاطبهم ~~الجاهلون بقبيح القول، وسمع اللفظ والافجاش في الكلام، قالوا سلاما والسلام ~~فهو القول الحسن السالم من القبيح والعيب المسلم من غضب الله، فذكر سبحانه ~~أنهم لا يقولون إلا سلاما وحسنا جميلا، انتهى. # والثالثة: قوله تعالى: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}. # اعلم أنه لما أخبر سبحانه عن صفة سيرتهم مع الخلق في النهار بين في هذه ~~الآية سيرتهم في الليل عند الاشتغال بطاعة الخالق، وهو كقوله: {تتجافى ~~قلوبهم عن المضاجع} ومعنى يبيتون لربهم أي يكونون في لياليهم مصلين، ثم ~~اختلفوا فقال كثير من المفسرين من قرأ شيئا من القرآن في صلاة الليل وإن قل ~~فقد بات ساجدا وقائما، وقيل: هما الركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ~~وقيل: أربع، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره، يقال: فلان يظل ~~صائما ويبيت قائما. PageV16P472 # قال الحسن: يبيتون لله على أقدامهم، ويفرشون له جباههم، وتجري دموعهم على ~~خدودهم خوفا من ربه. # الصفة الرابعة: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما}. # قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول. # قال الحسن: خشعوا بالنهار، وبكوا بالليل، خوفا من عذاب جهنم. # وقوله عز وجل: {غراما} أي عذابا شديدا، وهوانا وهلاكا، وخسرانا، قال ~~الشاعر: # فما أكلة إن نلتها بغنيمة # ولا جوعة إن جعتها بغرام # أي بهوان شديد وعذاب، وقيل: معنى {غراما} أي لازما، ومنه سمي الغريم ~~لملازمته، وسميت شدة المحبة غراما، وقيل: إنه الثقيل، لقوله: {فهم من مغرم ~~مثقلون}. # واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبهم بذكر ~~دعوتهم هذه إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف ~~العذاب عنهم، كقوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}. # أما قوله: {إنها ساءت} فهو بئست {مستقرا} يستقر بها {ومقاما} يقام فيها، ~~وفي قوله: ساءت ضمير منهم تفسيره مستقرا، والمخصوص بالذم محذوف، معناه ساءت ~~مستقرا ومقاما، ومستقر حال ms0970 وتمييز. # الصفة الخامسة: قوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} أي لم ينفقوا ~~في معصية الله، والإسراف الإنفاق في المعاصي، وكل نفقة في غير حق فهي ~~إسراف، وقيل: معناه لم يكثروا {ولم يقتروا} أي يقلوا، وصفهم بالتوسط كما ~~أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط}. PageV16P473 # وقيل: وصفهم بالزهد والتوسط في الإنفاق على أنفسهم كما قال عمر: كفى بالمرء ~~اثما أن يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله، والأول هو الأولى لأن الإنفاق في ~~المعاصي، وإن قل إسراف، والإقتار هو الإمساك عن الإنفاق الواجب، فمعنى ولم ~~يقتروا: لم يمنعوا حقوق الله عز وجل، فإن منع حق الله اقتار، ومن الاقتار ~~التضييق، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة، وإنفاق ما يستغنى عنه، ولا تدعوا ~~الجماعة إليه. # قال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والضحاك: إن الإسراف في معصية الله تعالى، ~~والإقتار منع حق الله تعالى. # قال مجاهد: ولو أنفق رجل مثل أبي قيس ذهبا في طاعة الله لم يكن سرفا، ولو ~~أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا. # قال الحسن: لم ينفقوا في معاصي، ولم يمسكوا عن ما ينبغي، وذلك قد يكون في ~~الإمساك عن حق الله، وهو أقبح التقتير، وقد يكون عما لا يجب، وذلك يكون ~~مندوبا مثل الرجل الغني الكثير المال، إذا منع الفقراء من أقاربه، وقيل: هم ~~الصحابة كانوا لا يأكلون للتنعم واللذة، ولا يلبسون للجمال والزينة، وإنما ~~كانوا يلبسون بحسب الضرورة، {وكان بين ذلك} أي الإسراف والإقتار {قواما} ~~يعني عدلا؛ لأنه تبذيرا فيه، ولا تقتير، وإن ينفق في طاعة الله عز وجل ويكف ~~عن محارمه، وقيل: قواما هو ما يقيم أنفسهم من القوت الحلال، وقيل: هو العدل ~~بين الشيئين لاعتدال الطريقين، أي متوسطا معتدلا. # الصفة السادسة: قوله تعالى: {والذين لا يدعون} أي يعبدون {مع الله إلها ~~آخر} يعني انهم لا يجعلون لله شريكا، ولا يجعلون في العبادة بينهم وبينه ~~وسطا، ولا يسمون غير الله إلها يدعونه في حوائجهم. # ثم قال سبحانه: ms0971 {ولا يقتلون النفس التي حرم الله} قتلها، وهي نفس المؤمن ~~والمعاهد {إلا بالحق} أي إلا قتلا متلبسا بالحق. PageV16P474 # قال في البرهان: والحق المستباح بها قتلها ما روينا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد ~~إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق)) انتهى. # ثم قال تعالى: {ولا يزنون} والزنا إتيان النساء المحرمات، فجمع في هذه ~~الآية بين ثلاث كبائر، فحكم من أتى البهيمة كحكم الزنا. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل فقيل له: أي الذنب أعظم ~~عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقكم)) قال: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ~~ولدك خيفة أن يطعم معك)) قال: ثم أي؟ قال: ((أن تزني بحليلة جارك)) فأنزل ~~الله تعالى تصديق ذلك في كتابه: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى ~~قوله: ومن يفعل ذلك} أي الثلاث أو بعضها {يلق أثاما} والأثام العقوبة، ~~وجزاء الاثم كالوبال، ومنه قول بلعا بن قيس: # جزا الله ابن عروة حيث أمسى # عقوقا والعقوق له أثام # وقيل: الأثام بمعنى الاثم، فيقدر مضاف أي جزاء تام، وقوله: {يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة} بدل من يلق أثاما؛ لأنهما في معنى واحد، وقرئ: وضعف ~~ونضعف له العذاب بالنون يعني عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وكذلك استدامة ~~العذاب من المضاعفة، وقيل: المشرك إذا عصى مع الشرك عذب على الشرك وعلى ~~المعصية، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. # ومعنى قوله: {ويخلد فيه} أي يدوم في العذاب {مهانا} أي مخزي مذل، لا ~~ينقطع عنه، والهوان هو الذي لا راحة له ولا فرح، وإلا فالهوان هو الشقاء ~~والعذاب، قال الشاعر: # ألا رب بيضاء قد جعلت محلها ... يستطير في وعر ودار هوان # وقوله: {ويخلد فيه مهانا} إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة ~~المقرونة بالإذلال والإهانة، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة ~~بالتعظيم. PageV16P475 # وأما قوله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} من بعد السيئات ~~{فأولئك ms0972 يبدل الله سيئاتهم حسنات} فاختلف المفسرون من أئمة أهل البيت عليهم ~~السلام وغيرهم في كيفية التبديل، فقال الإمام أبو الفتح الديلمي عليه ~~السلام في البرهان: يعني تثبت حسانته بإحباط سيئاته، أي يمحوها بالتوبة، ~~وتثبت مكانها الحسنة، انتهى. # وقال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: لا مانع من بقاء الآية على ~~ظاهرها؛ لأن ندمه قد وقع عن كل معصية ارتكبها، فإن قيل: يلزم على هذا ~~التساوي بين رجل بارز الله تعالى بأنواع الكفر والعصيان ثم تاب ومات، ورجل ~~فعل معصية واحدة ثم تاب ومات، بل الأكثر عصيانا أكثر ثوابا؛ لأن الله تعالى ~~بدل مكان سيئاته حسنات. # قلنا: قد أخبر الله سبحانه أنه يبدل السيئات حسنات؛ لأنه قد وقع مكان كل ~~معصية بعينها توبة، والتوبة من أعظم الحسنات فلا ملجي لتأويل ذلك إن سلمنا ~~الاستواء، وإلا فيمكن أن الذي أكثر من السيئات تاب توبة بالغة، فتزايدت ~~غمومه وأحزانه في الدنيا بسبب تزايد معاصيه زيادة فوق القدر المشترط في ~~التوبة الصحيحة، فيثاب على هذه الأحزان والغموم ثوابا كبيرا، ربما يزيد على ~~ثواب الذي لم يعص الله والله أعلم. # وقد حكى هذا التأويل الإمام محمد بن المطهر في عقود العقيان وغيره عن زين ~~العابدين عليه السلام وسلمان الفارسي، وسعيد بن المسيب، وأكده واحتج له ~~بأخبار رواها. # منها أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت ~~رجلا عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئا إلى قوله: هل لذلك من توبة؟ قال: ~~((هل أسلمت؟ قال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: نعم ~~يفعل الخيرات ويترك السيئات، يجعلهن الله خيرات كلهن)) فقال: الله أكبر، ~~فما زال يكبر حتى توارى. PageV16P476 # وقال الإمام الناصر عليه السلام في كتاب البساط في معنى التبديل: اعلمنا ~~الله سبحانه أن العبد إذا تاب رد عليه ما بطل من عمله، وجعل بدل سيئاته حسنات. # قلت: ومثل هذا ذكره الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام ~~فإنه قال: إن سقوط ما يستحقه من ms0973 الثواب كان سوء فسمي سيئة، فلما تاب رجع له ~~فسمي حسنة، فهذا معنى التبديل والله أعلم. # وقال الحاكم في التهذيب في تفسير هذه الآية: يمحو الله السيئات بالتوبة، ~~ويكتب ثواب التوبة بدلها. # وفي الكشاف: وإبدال الحسنات بالسيئات أن يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها ~~الحسنات، الإيمان والتقوى والطاعة، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من الاختصار؛ لأن السيئة لا ترجع ~~حسنة أبدا، وإنما المعنى يبدل مكان سيئاتهم حسنات، فعلوها بعد توبتهم، ~~انتهى، بمعنى أن الله تعالى يبدلهم في الدنيا طاعة الله بعد عصيانه، وذكره ~~بعد نسيانه، والخير يعملونه مكان الشر، كالعدل مكان الظلم، والعفة مكان ~~الزنا، وقتل المشركين مكان قتل المسلمين، والمعنى أنه ما نقلهم إلا إلى خير ~~مما كانوا عليه، أو أنه يلطف بهم بعد التوبة، ويصحح الإنابة، حتى يفعلوا ~~هذه المحاسن. # ثم قال سبحانه: {وكان الله} للتائبين {غفورا} لما تقدم قبل التوبة ~~{رحيما} بعدها، يتقبل توبتهم ونيتهم عليها، وكان للاشعار بأن المغفرة ~~والرحمة عادة ثابتة في الماضي كما في المستقبل. # وأما قوله: {ومن تاب وعمل صالحا} فقيل أنه الأول، لكن أعيد لفائدة زائدة، ~~وهي ما ذكر بعده، يعني ومن تاب أي ترك المعاصي وندم عليها، ويدخل في العمل ~~الصالح {فإنه يتوب إلى الله متابا} أي فإنه يرجع إلى الله مرجعا محمودا، ~~مرضيا مكفرا للخطايا، محصلا للثواب، ومعنى المتاب التوبة، وقيل: إنهما ~~غيران؛ لأن العطف يقتضي ذلك. PageV16P477 # قالوا: ويراد بالأول التائب بعد المعصية، وبهذا التائب التارك للمعصية فإنه ~~سمي تائبا وهو أفضل، وقيل: هذا تائب من الشرك، ولم يكن قد وقع منه معصية ~~أخرى من قتل وزنا وغير ذلك، والأول تاب من الشرك ومما كان قد فعل من القتل، ~~والزنا ونحو ذلك، ومعنا {فإنه يتوب إلى الله} أي فإن توبته إلى الله الذي ~~يعرف حق التائبين، ومتابا معناه متاب عظيم، أو من تاب فإنه يرجع إلى الله ~~مرجعا حسنا، فيراد بالمتاب معناه الأصلي وهو الرجوع. # الصفة السابعة: قوله: {والذين لا يشهدون الزور} أي لا يحضرون أهل الزور، ~~أو مجالس ms0974 الزور، وقيل: لا يشهدون شهادة الزور، أي لا ينطقون بالزور، وحذف ~~الباء والحذف جائز عند العرب، والزور الباطل لازوراره عن الحق. # وفي البرهان: الزور المجلس الذي كان يشتم فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وكذلك يحتمل أن يكون بمعنى الكذب، انتهى. # والمعنى لا يحضرون مجالس الكذب، والخطابين صيانة لدينهم؛ لأن مشاهدة ~~الباطل شركة فيه، ولذلك قيل: لا يجوز النظر إلا كل ما لم يسوغه الشرع؛ لأنه ~~دليل الرضا وسبب في زيادته؛ لأن الذي سلط على فعله استحسان النظارة له، فهم ~~شركاء فيه {وإذا مروا باللغو} أي بأهله {مروا كراما} واللغو المعاصي كلها، ~~وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح، وقيل: إذا ذكروا النكاح كنوا عنه، يريد أنهم ~~إذا مروا وأجازوا على اللهو والكلام القبيح مضوا عنه معرضين، كراما عند ~~الله سالمين، ومرهم بها كراما يريد في تركهم لها، واعراضهم عنها، مكرمين ~~أنفسهم عن الوقوف معهم. PageV16P478 # الصفة الثامنة: قوله تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم} أي وعظوا ~~بالقرآن وغيره {لم يخروا عليها صما وعميانا} أي سمعوا الوعظ فلم يصموا ~~عنه،، وأبصروا الرشد فلم يعموا عنه، بخلاف من أصمه الشرك عن الوعظ، وأعماه ~~عن الرشد {لم يخروا} أي لم يتغافلوا، أو ليس بنفي للخرور وإنما إثبات له، ~~ونفي للصمم والعما عن حالهم التي هم عليها عند التذكير، أي إذا وعظوا بها ~~أكبوا عليها، حراصا على استمعها، والخرور هو السقوط على الوجه للسجود، ~~وأراد هنا الإكباب للحرص على الاستماع. # الصفة التاسعة: قوله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين} أي أهل طاعة، تقر بهم أعياننا في الدنيا بصلاح، وفي ~~الآخرة بالجنة، يسألوا أن يرزقهم أزواجا وأولادا وأعمالا لله تقر بهم ~~عيونهم، من القر وهو البرد، ومعنى أقر الله عينك بردها، وهو كناية عن ~~الفرح، وأسخن الله عينه كناية عن الحزن، أو من القرار والسكون، والمسرور ~~طيب النفس، يوصف بقرار العين؛ لأن من رأى ما يعجبه سكن نظره إليه وأدامه. # وعن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن ms0975 من أن يرى زوجته وأولاده ~~مطيعين لله. PageV16P479 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنا سؤالهم لله عز وجل أن يهب لهم من ~~أزواجهم وذرياتهم قرة أعين يدل على كراهتهم للأزواج الفاسقات وعلى بغضهم ~~للذريات الفاسقين، فمدحهم على بغضهم لمن كفر بآياته، وحمدهم عز وجل على ~~طلبهم لقرة العين، والفرح والسرور، والخفة مع الدين والحبور؛ لأن سرور ~~أولياء الله لا يكمل إلا بالدين، ولا يوافقهم شيء من زينة الدنيا إلا ~~باليقين، والطهارة واتباع الحق المبين، ويمكن أن يكونوا سألوا الله أن ~~يرزقهم أزواجا وذرية، تخف على قلوبهم، ولا تثقل أزواجهم عليهم؛ لأن ذلك ~~يعينهم على أمورهم، ويسرهم ويقويهم على طاعة ربهم؛ لأن سرور المؤمن ينشطه ~~في عمل الصالحات، وسرور الكافر ينشطه إلى القبائح الفاضحات، وإنما أرادوا ~~أن يخف عليهم الحلال حتى يزدادوا بعدا من الحرام، ويكون ذلك أبعد لهم من ~~الأثام، انتهى. # وقوله: {من أزواجنا} يحتمل أن تكون من بيانية، مفسرة كأنه قيل: هب لنا ~~قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله: {من أزواجنا} وهو من قولهم: رأيت منك ~~أسد، أي أنت أسد، وأن تكون من ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به ~~عيوننا من طاعة وصلاح. # ثم قال تعالى حاكيا: {واجعلنا للمتقين إماما} أي قدوة إلى الخير، ومؤتما، ~~معناه أئمة يهتدى بنا في الخير، فيثابون لذلك، فاكتفى بالواحد لدلالته على ~~الجنس، لعدم اللبس، أو أراد اجعل واحدا منا أو أراد واجعلنا إماما واحدا ~~لاتحادنا واتفاق كلمتنا، وقيل: هو من المقلوب، أي اجعل المتقين لنا إماما، ~~نأتم بهم. # قال في البرهان: وهذه الآية خاصة، فللأئمة عليهم السلام وهم القدوة بأمر ~~الله لجميع الأنام. # وفي الكشاف: قيل هي تدل على أن الرئاسة في الدين يجب أن يطلب ويرغب فيها، ~~ويمكن أن يقال: سألوا ربهم اللطف حتى ينتهوا إلى من يأتم بهم المتقون. PageV16P480 # واهلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفة المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع ~~إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين المنافع والتعظيم. # أما المنافع فهي قوله تعالى: {أولئك ms0976 يجزون الغرفة بما صبروا} على الطاعة ~~وعن الشهوات. # واعلم أنه ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ليعم كل نوع، فيدخل فيه صبرهم ~~على مشاق التعكر والاستدلال، في معرفة الله، وعلى مشاق الطاعات وعلى مشاق ~~ترك الشهوات، وعلى مشاق أذى المشركين، وعلى مشاق الجهاد والفقر، ورياضة ~~النفس، فلا حاجة لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة؛ لأن هذه ~~الصفات إذا حصلت مع الغنا استحق من يختص بها الجنة، كما يستحقه الفقير، ~~ومعنا يجزون هو يكافؤن بالمنازل الرفيعة، والدرجات السامية، والغرفة أعلا ~~مساكن الجنة، والغرفات هي العلالي المرتفعة في الجنة، والغرف هي الخلوات في ~~لغة أهل اليمن، وهي العلالي في لغة أهل الحجاز، وأفرد اكفتاء بالواحدة ~~لدلالته على الجنس، وقوله: {أولئك يجزون الغرفة} هو الخبر عن قوله: {وعباد ~~الرحمن} ويجوز أن يكون خبره الذين يمشون وأولئك مبتدأ وخبر. PageV16P481 # وأما التعظيم فهو قوله تعالى: {ويلقون فيها تحية وسلاما} قرئ يلقون، كقوله: ~~{ولقاهم نظرة وسرورا} ويلقون كقوله: ويلقى أثاما، والتحية دعا بالتعمير، أي ~~بشارة بالبقاء الدائم والملك العظيم، وسلاما دعا بالسلامة من الملائكة أو ~~من بعضهم لبعض، أو يعطون التبقية والتخليد مع اجتماع السلامة من كل آفة، ~~فرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقيا يغير منقطع، ويرجع السلام إلى ~~كون ذلك النعيم خالصا من شوائب الضرر، ولما وعد سبحانه بالمنافع اولا، ~~وبالتعظيم ثانيا بين أنه من صفات الدوام وهو المراد من قوله تعالى: {خالدين ~~فيها} ومن صفتها الخلوص أيضا، وهو المراد من قوله سبحانه: {حسنت مستقرا ~~ومقاما} أي حسن وعظم القرار فيها، وهو مدح نقيضه ساءت، ومقاما معناه ملحت ~~وتم حسنها للمقام ابداء مكافأة لهم على قبولهم الهدى، ثم قال تعالى: {قل ما ~~يعبأ بكم} أي ما يبالي ولا يعتد بكم {ربي لولا دعاؤكم} أي عبادتكم له، فلو ~~لم تعبدوه لم تكونوا عنده شيئا. # قال الرازي: فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما ~~كلفهم لينتفعوا بطاعتهم، انتهى. # وما نافية واستفهامية أي أي عبء يعبء لولا دعاءكم، أي لا ms0977 تستاهلون شيئا ~~من العبء بكم لولا عبادتكم. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: يراد لا يعبء بهم، لولا دعاؤه بهم ~~إلى ما هو خير لهم، ومعنى يعبأ هو يخوض في هدايتهم؛ لأنه عز وجل أحرص على ~~توبة عباده من المضل على وجود ضالته، وأحرص من الطبيب على برء ذوي العلة من ~~علته، وحرص الله عز وجل هو مبالغته في الهدى، وزجره عن الجهل والردى، ~~والعرب تقول فلان أحمق لا يعبء به، ولا يلتفت إليه، ولا يحفل به، ثم قال ~~تعالى: {فقد كذبتم} بهذا الدعاء الذي أتاكم من الله {فسوف يكون لزاما} أي ~~لزوما لكم وعقوبة ونقمة تحل بكم، انتهى. PageV16P482 # والخطاب عام للناس ومنهم مؤمنون ومكذبون، فخوطبوا بما وجد من جنسهم من ~~العبادة والتكذيب، واللزام قيل هو القتل يوم بدر، وقيل: هو عذاب الآخرة، أي ~~ألزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار، والتقدير فسوف يكون عذابكم لازما ~~أي متصلا بعذاب الآخرة، أو متلازما دائما لم ينطق باسم كان بعدما علم أنه ~~مما توعد به للابهام، وتناول ما يكتنهه الوصف، وفي تفسير هذه الآية يقول ~~المرتضى عليه السلام: قل ما يعبأ بكم ربي يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: قل لهم ما يصنع بكم لولا دعاؤكم، فهو يدعوكم إليه، ويأمركم به، ~~ويدلكم عليه، من الخير والطاعة والاتباع لأمره، والنهي عن نهيه، وكل ذلك ~~فقد دعاهم عز وجل وحظهم عليه، وأرسل الأنبياء فيه، فقال سبحانه: لولا هذا ~~الدعاء والأمر والنهي الذي به تستبين طاعتكم ما خلقكم ربي ولا عبء بكم. # ثم قال: {فقد كذبتم} بهذه الدعوة {فسوف يكون لزاما} يقول: تؤخذون بتركها، ~~وتلزمون من التنكيل بما أخبرهم من رفضها، انتهى. PageV16P483 ### || AUTO سورة النور # اثنتان وستون آية في الحجازي وأربع في العراقي والشامي مدنية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {سورة} أي هذه السورة {أنزلناها} أو هي مبتدأ موصوف، والخبر ~~محذوف، أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها؛ لأنها في معنى سورة عظيمة ~~ونحوه، كقولهم: شر هر ذا ناب وقرئ بالنصب شاذة، أي ms0978 أنزلنا سورة أنزلناها، ~~أو اتبعوا سورة، والسورة ما له أول وآخر. # قال في البرهان: وإنما خصت بهذا الافتتاح؛ لأن المقصود بها الذكر ~~والوعيد، فافتتحت بالرهبة كسورة التوبة والسورة الشريفة، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وزعموا أن السورة إنما سميت اشتقاقا ~~من اسم السور وهو درب المدينة من المدن، وهذا شيء لم يكلفنا الله عز وجل، ~~وإنما المعلوم المشهور أن السورة هي الفصل المعروف الذي يبتدأ به من أوله ~~إلى آخره، ولم يتعبدنا الله بمعرفة اشتقاقه. PageV16P484 # قال الحسن أحمد الناصر بن يحيى......إلى الحق عليهم السلام معنى سورة فهو ~~ما انضمت عليه، وجمعت معانيه، واتسق تأليفه، وتتابعت حروفه. # أما قوله: {وفرضناها} فهو الفرض الذي فيه من الأحكام والحلال والحرام، ~~والسنن والحدود، وما أوجب من أكيد الفروض، وأصل الفرض القطع أي جعلناها ~~واجبة مقطوعا بها، أو فرضنا عليك تبليغها، وعلى غيرك قبولها وتصديقها، وقرئ ~~بالتشديد والتخفيف، أي قدرنا فيها الحدود من قوله: {فنصف ما فرضتم} أي ~~قدرتم من شدد أراد يتميز ما فيها من الحلال والحرام. # ثم قال تعالى: {وأنزلنا فيها آيات بينات} قال عليه السلام: والآيات من ~~القرآن ما يقف عليه القارئ من فصول الخطاب، وبينات يقول واضحات منيرات ~~لطالب الحق والدلالات. # قيل: هي دلائل التوحيد التي هي في السورة، وقيل: آيات الأحكام الشرعية من ~~الحدود والحجاب، وسائر ما فيها من الأحكام {لعلكم تذكرون} يقول: لتذكروا ما ~~يجب عليكم من الأمر، وما تخافوا الغفلة عن الذكر. # قال الرازي: إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعا من الأحكام، ~~والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد، فقوله: وفرضنا إشارة إلى الأحكام التي ~~عينها أولا، ثم قوله: {وأنزلنا فيها آيات بينات} إشارة إلى ما بين من دلائل ~~التوحيد، والذي يؤكد هذا التأويل قوله: {لعلكم تذكرون} فإن الأحكام ~~والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها. # أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لظهورها فأمروا بتذكرها، انتهى. # ولعل كلمة للعرب تقيمها في بعض كلامها مقام الشك، وفي بعضه مقام الإيجاب، ~~قال الشاعر: # أريني جوادا مات هزلا لعلني ms0979 # أرى ما تريني أو بخيلا مخلدا # قال القاضي: لعل بمعنى كي، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن ~~يتذكروا. # واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاما كثيرة: PageV16P485 # الحكم الأول: قوله تعالى: {الزانية والزاني} أي ما فرض عليكم جلد الزانية؛ ~~لأن الشهوة منها أغلب وأكثر، بخلاف السارق والسارقة. # وقيل: إن المرأة في الزنا هي الأصل؛ لأنها مقرة، ولأن عارها في عادة ~~الناس أكثر {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} مع الحرية والبكارة، وهو ~~أكبر حدود الجلد؛ لأن فعل الزنا أغلظ وأشد من القذف بالزنا. # وأما المحصنات فجدهما الرجم بالسنة والجلد بالكتاب، والمملوك ينصف عليه ~~الجلد دون الرجم، وهذه الآية في جلد الزاني محكمة غير منسوخة، وإنما دخلت ~~الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي، وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت ~~والذي زنا فاجلدوهما كما تقول في من زنا فاجلدوه. # وقوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} نهى عن الرقة لهما، وإيجاب ~~التصلب في دين الله، والحد فيه، بمعنى لا ترحموها في حكم الله، والرأفة هي ~~الرحمة والرقة، وهي أن تدعوا الرحمة، إما إلى تخفيف الضرب أو إلى إسقاط ~~الحد حتى لا يقام عليه، وفيما حث على إقامته عليهما، قوله: {إن كنتم ~~تؤمنون}. # قال الحسن عليه السلام: يقول إن كنتم تصدقون {بالله واليوم الآخر} يريد ~~يوم البعث والحساب، وما أعد فيه من الثواب الدائم والعقاب اللازم، اسمع ~~أيها الطاعن في آيات الله، والمضيف المنكرات إلى الله كيف نهى وأمر، وحذر ~~وزجر، وأعذر وأنذر، ولم يأخذ أحدا بغير ما عمل واجترح، إلا بسوء ما قدم ~~وكدح، إذا كان لا يسمى الزاني زانيا حين بوجد في الأرص حتى يأتي من الفعل ~~ما يغير به مرسوم الفرض، وكم آية تشهد مبرهنة للدليل، وموضحة للتنزيل، على ~~أن الله تعالى لم يظلم ولم يغشم، ولم يعن عاصيا فيما ارتكب، وأنه لا يحمل ~~على فعل ثم يعذب عليه، ولا أمر ثم يؤاخذ فيه، تنزه الله وتقدس وعلا، عما ~~ينسب إليه المبطلون، انتهى. # وهذا الشرط من ms0980 باب التهييج والإلهاب، والغضب لله. PageV16P486 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((لو سرقت فاطمة بنت محمد لطقعت يدها)) ~~وقيل: لا تترحموا عليهما حتى لا تبطلوا الحدود، وحتى لا توجعوهما ضربا، وفي ~~الحديث: ((يؤتى بوال ينقص من الحد سوطا فيقول: رحمة لعبادك ، فيقال له: أنت ~~أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطا فيقول: لينتهوا عن ~~معاصيك فيؤمر به إلى النار)). # أبو هريرة إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، وتجلد المراة ~~قاعدة ويفرق الضرب على الأعضاء، إلا الوجه والرأس والفرج والمراق التي يخشى منها. # قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} أمر وظاهره الوجوب، ~~والطائفة هي الجماعة الملمة بالموضع، المقيمة على المكان الواحد، وأقل ~~الطائفة الشهود الأربعة، والإمام والجلاد، ثم الطائفة من بعد ذلك تقل ~~وتكثر، والغرض في ذلك كله فضيحة الزاني ليكون ذلك زيادة في نكاله، وبينة في ~~إقامة حده. # ثم ذكر الحكم الثاني فقال تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ~~يقول: لا تطاوعه على الزنا إلا زانية أو مشركة تفعل مثل فعله، وتستحق ~~بالحكم مثل استحقاقه، وكان أهل الشرك على غير ديانة ثابتة، ولا طريقة ~~مستقيمة، ولا حفظ كتاب ولا سنة، يخفون الزنا ويستهجن به، أو الفاسق الخبيث ~~الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح اللواتي خلاف صفته، وإنما يرغب ~~في خيبته من شكله. # قال في البرهان: النكاح هنا بمعنى الزنا أي الزاني لا يزني إلا بزانية، ~~والزانية لا تزني إلا بزاني {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} أي ~~والفاسقة الخبيثة كذلك لا يرغب فيها الصلحاء، وإنما يرغب فيها من هو من ~~شكلها من الفسقة والمشركين. PageV16P487 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه الزانية لا يطأها ولا يستحل الدنو ~~منها إلا زان فاسق من الملتين، أو مشرك مستحل لما حرم الله من الكافرين ~~{وحرم ذلك} أي الزنا {على المؤمنين} لأن المؤمن لا يغشى ما حرم رب ~~العالمين، انتهى. # ومعنى حرم حظر ولم يطلق لهم فعله، وقوله: {على المؤمنين} ms0981 فإنما هو من ~~الكلام الذي يخرج مخرج الخصوص في اللفظ، ويجري مجرى العموم في الحكم، ولو ~~كان هذا لم يحرم إلى على المؤمنين لكان قد أطلق للكافرين، ومحال أن يحرم ~~الله على متعبدين أمرا في ساعة واحدة، ويحله في ساعة واحدة، ولكنه مما مدح ~~به المؤمنين، وهو محرم على جميع من خصه الأمر والنهي من البالغين، بقوله: ~~{ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} ولأن نكاح المؤمن الممدوح عند ~~الله الزانية، ورغبته فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا ~~محرم عليه، محظور لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة والتسبب ~~لسوء القالة فيه، والتعرض لأنواع المفاسدة، ومجالسة الخطأ بين كم فيها من ~~التعرض لاقتراف الآثام، فكيف بمزواجة الزواني والقحاب. # وقيل: كان في المدينة بغايا موسرات فرغب فقراء المهاجرين في نكاحهن ~~فنزلت، وفي المقاليد أن العقد على الزانية محرم أول الإسلام فنسخه قوله ~~تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم}. # وقيل: الإجماع، والصحيح أنه لا نسخ بل نكاح الزانية محرم أبدا. # وعن علي عليه السلام أنه يفسخ نكاح من زنت. # قال الرازي: قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان، أما أولا فلأنه ثبت في ~~أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وايضا فالاجماع الحاصل عقيب ~~الخلاف لا يكون حجة، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر ~~وعلي، فكيف يصح. PageV16P488 # أما قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وقوله تعالى: {وأنكحوا ~~الأيامى منكم} فهو لا يصلح أن يكون ناسخا؛ لأنه لابد من أن يشرط فيه أن لا ~~يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما، ولقائل أن يقول: لا ~~يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن ~~الأخ، ويقول: إن للزنا تأثيرا في الفرقة ما ليس لغيره، ألا ترى أنه إذا ~~قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه، ولا يجب مثل ذلك في سائر ما ~~يوجب الحد؛ لأن من حق الزنا أن يورث العار، ويؤثر في الفراش، ففارق غيره، انتهى. ms0982 # ثم ذكر سبحانه الحكم الثالث وهو القذف فقال تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات} اللواتي أحصن فروجهن من الزنا، أي يرمونهن بالزنا وهو القذف ~~بالريبة أو القبيح، قال الشاعر: # ألا لا أبالي من رماني بريبة # إذا كنت عند الله غير مريب # وقال آخره: # رموني بحد ثم زكوا شهادتي ... وكيف يرد الدر في الضرع حالبه # قال الرازي: اعلم أن ظاهر الآية تدل على الشيء الذي به رموا المحصنات، ~~وذكر الرمي لا يدل على الزنا إذ قد يرميها بسرقة، وشرب خمر وكفر، بل لابد ~~من قرينه دالة على التعيين، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالرمي بالزنا ~~في الآية قراين تدل عليه: # إحداها: تقدم ذكر الزنا. # وثانيها: أنه تعالى ذكر المحصنات وهي العفايف، فدل على أن المراد بالرمي ~~رميها بضد العفاف. # وثالثها: قوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} على صحة ما رموه به، ومعلوم ~~أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا. # ورابعها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا، فوجب ~~أن يكون المراد هو الرمي بالزنا، إذا عرفت هذا فالكلام في الآية يتعلق ~~بالرمي والرامي، انتهى. PageV16P489 # وألفاظ القذف تقسم إلى صريح وكناية، وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية، أو ~~تقول لمحصن يا زاني، وتفصيل ذلك وأمثلته ظاهر في كتب الفقه، والإحصان هو ~~المنع والإحراز، والعرب تقول: محصنة وحصان بنصب الحاء، يريدون بذلك التحصين ~~لأنفسهن من القبح، والإحصان أيضا على وجوه أخر وهو إحصان الزوج للمرأة، ~~وإحرازه ومنعه وحوزه، والأصل في ذلك واحد، وهو المنع والتحصين، ومن ذلك سمي ~~الحصن والدرب لعلة ما ذكرنا من المنع والإحراز، وبه قلنا. # والمراد بالمحصنات في الشرع ما جمعن شروط البلوغ والحرية، والعقل والوطئ، ~~ونكاح صحيح، واشترط أبو حنيفة ومالك الإسلام وهو المذهب، والمحصن كذلك، ~~والمحصنات أيضا ذوات الأزواج. # قال الرازي: اختلفوا فيما إذا قذف العبد حرا فقال الشافعي وأبو حنيفة، ~~ومالك، وأبو يوسف، ومحمد وزفر، وعثمان: القن عليه أربعين جلدة. # وروى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليا قال: يجلد ms0983 في القذف ~~أربعين. # وعن عبد الله قال: أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن تقدم من الخلفاء، وكلهم ~~يضربون المملوك في القذف أربعين. # وقال الأوزاعي: يجلد ثمانين، وهو مروي عن ابن مسعود. # وروي أنه جلد عمر بن عبد العزيز الفرية ثمانين، ومدار المسألة على أن حد ~~الأمة في الزنا نصف حد الحرة، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، ~~ثم قاسوا بنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه، فرجع حاصل الأمر ~~إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس، ثم قال: اتفقوا على دخول الكافر تحت ~~عموم قوله: {والذين يرمون المحصنات} لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فاليهودي ~~إذا قذف المسلم يجلد ثمانين، والله أعلم. PageV16P490 # ثم إن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء أمورا ثلاثة بقوله ~~تعالى: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} يشهدون على قذفهم بالزنا، ولا يشترط ~~الأربعة إلا في حد المرمي بالزنا {فاجلدوهم ثمانين جلدة} يريد القاذفين إذا ~~نقصوا من الأربعة، فإن كملوا الأربعة عدولا وجب الحد على المقذوف، وفائدة ~~حد القاذف صيانة الأعراض عن الهتك. # قال في البرهان: وهذا حد أوجبه الله تعالى على القاذف للمقذوف يجب بطلبه ~~ويسقط بعفوه، وهو من الحقوق المشتركة بين حقوق الله، ولا يكمل القذف إلا ~~بعد البلوغ والعقل، وإلا بحريتهما، وإسلام المقذوف وعفافه، فإن كان المقذوف ~~كافرا أو عبدا عزر قاذفه ولم يحد، وإن كان كافرا حد حدا كاملا، وإن كان ~~عبدا حد نصف الحد. # ثم قال تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} وهذا مما ~~أغلظ الله تعالى به القذف، وحتى علق به من التغليظ ثلاثة أحكام: وجوب الحد ~~والتفسيق، وسقوط الشهادة، وعند أبي حنيفة رد الشهادة عنده معلق باستيفاء ~~الحد، فإذا شهد قبل إكماله قبلت، وإذا استوفى لم تقبل أبدا، وإن تاب وكان ~~من الأبرار، وجعل قوله: {وأولئك هم الفاسقون} مستأنف غير داخل في جملة ~~الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد تمام الكلام. PageV16P491 # وقوله: {إلا الذين تابوا} الاستثناء من الفاسقين عنده، ms0984 ومذهب أهل البيت ~~عليهم السلام أن رد شهادة القاذف معلق بنفس القذف، والتأبيد منصرفا إلى مدة ~~كونه قاذفا، فإذا تاب عن القذف قبلت شهادته، وهو قول الشافعي؛ لأن ظاهر نظم ~~الآية أن تكون الجمل الثلاث جزاء الشرط، كأنه قيل: والذين قدموا المحصنات ~~ولم ياتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، واجمعوا لهم ~~الجلد، والرد والتفسيق {إلا الذين تابوا} تابوا عن القذف، وإذا كان الله عز ~~وجل يقبل توبته فالخلق أولا أن يقبلوا شهادته {من بعد ذلك} القذف {وأصلحوا} ~~ما أفسدوا من أحوالهم بالتوبة، وقد يروى أنه قيل توشكون أن تعرفوا خياركم ~~من شراركم بالثناء القبيح من الثناء الحسن. # وأما قوله: {فإن الله غفور رحيم} فالمعنى أنه لكونه غفورا يقبل التوبة ~~إذا تابوا وأصلحوا وندموا على بهتانهم، وما كان من خطاياهم كفر ذنبوهم، ~~وعطف عليهم برحمته، والتوبة من القذف ترفع الفسق ولا يسقط الخد إلا حيث تاب ~~قبل ثبوته. # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر قذف الأجنبيات وعقبه بأحكام قذف الزوجات ~~فقال تعالى: {والذين يرمون} بالزنا {أزواجهم} أي نساؤهم {ولم يكن لهم ~~شهداء} على صحة ما قالوا {إلا أنفسهم} أي الأزواج، فإن أتوا بهم فلا لعان ~~وتحد المرأة حد الزنا {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} ~~أي يقول: أربع مرات أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ~~وهذا حكم خص الله تعالى الأزواج به في قذف نسائهم أن يلاعنوا فيسقط الحد عنهم. PageV16P492 # قال في البرهان: وسبب ذلك أن هلال بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو جالس مع أصحابه، فقال يا رسول الله: إني رأيت بعيني وسمعتت ~~بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أتى به وثقل عليه حتى ~~أنزل الله فيه هذه الآية {والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين} ~~فيما رماها به من الزنا، واللعنة البعد من حرمة الله {ويدرأ عنها العذاب} ~~أي يدفع عنها الحد الواجب بالشهادة {أن تشهد أربع شهادات بالله إنه} الزوج ms0985 ~~{لمن الكاذبين} فيما رماها به من الزنا، وتكرر ذلك أربع مرات، وظاهر قوله: ~~ويدر عنها العذاب أن تشهد مع المؤيد بالله عليه السلام أنها إذا لم تشهد ~~بعد شهادة الزوج أنها تحد لقيام شهادته مقام أربعة شهود، ومذهب الهدوية ~~أنها لا تحد إلا أن يقر أربع مرات، ولعل المراد بالعذاب على قولهم الافتضاح ~~بالقذف؛ لأنه يرتفع بشهادتها أو الحد الذي يجب بإقرارهما لو أقرت أو الحبس ~~إن امتنعت من الملاعنة والإقرار وهو خلاف الظاهر، واختلف فقيل: إيمان ~~المتلاعنين أيمان ولا يقدح فيها ذكر الشهادة بدليل قوله بالله؛ لأنه يقال: ~~حلف بالله وأقسم بالله ولا يقال شهد بالله. # وقيل: هي شهادات الظاهر الآية فلابد من أن يقول: أشهد أني الصادق، وقيل: ~~بل يجمع فيقول: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنا، وتقول ~~المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني له من الزنا. PageV16P493 # وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ آية القذف لما نزلت على المنبر فقام ~~عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك يا رسول إن وجد رجل مع امرأته ~~رجلا فأخبر جلد ثمانين جلدة، وردت شهادته وفسق وإن ضربه بالسيف قتل وإن سكت ~~سكت على غيظ إلى أن تجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته، ومضى اللهم ~~افتح، وخرج فاستقبله هلال بن أمية فقال: وجدت على بطن امرأتي خولة وهي بنت ~~عاصم شريك بن شحما نزيلهم، فقال عاصم: هذا والله سؤال ما أسرع ما أبقيت به ~~في ابنتي، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره عاصم فنزلت، ~~وفي رواية أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بينتك وإلا فالجلد)) فقال: ~~رأت عيناي، وسمعت أذناي، ما كان ليجلد ظهري، فقال: الأنصاري: تجلد العشية، ~~فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إيش قد أنزل الله فيك وفي ~~صايحبتك، ثم تلى عليه والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~إلى آخر القصة، ثم لاعن رسول الله صلى الله عليه ms0986 وآله وسلم بينهما بعد أن ~~رردده على شهادته ورددها على شهادتها، ولو نكل عن شهادته، وقوله لحده في ~~قذفه ولم يكن عليها حد، ولو نكلت عن شهادتها لحدها، ولم يكن عليه حد، وهذه ~~الملاعنة لا تكون إلا بين يدي الحاكم؛ لأنها فرقة لا يرجعان بعدها، والولد ~~إن كان ولد الملاعنة ينسب إلى أمه، ولا ينسب إلى أبيه، وعصبته عصبة أمه ~~يرثهم ويرثونه على مجرى السهام، وإن كان اللعان وقد دخل بها فعليه المهر ~~كاملا، وإن لم يكن دخل بها فلها نصف المهر، وإن قذف هذه الملاعنة قاذف ولم ~~يأت على قوله بأربعة شهداء جلد لها الحد، وإن عاد الزوج بعد الملاعنة ~~والفرقة بها بالقذف جلد لها الحد، والملاعنة قد تقع بحمل وغير حمل ~~{والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} فيما رماها به من الزنا ~~والغضب أعظم من اللعنة، فلذلك كان في يمينها؛ لأنها أصل الفجور، وغضب الله ~~هو النار PageV16P494 نعوذ بالله منها. # قال في البرهان: والغصب في لعانها بدل من اللعنة في لعان زوجها، فإن ~~استبدل الزوج باللعن غضبا واستبدلت هي بالغضب لعنه لم يجز، وإذا وقع اللعان ~~وقعت الفرقة. # واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا، ~~وكان ذلك من المرحمة والنعمة لاخفائه؛ لأنه تعالى جعل باللعان لكم سبيلا ~~إلى مراده، ولها سبيل إلى دفع العذاب عن نفسها، ولهما السبيل إلى التوبة ~~والإنابة، فلأجل هذا بين تعالى بقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} فضل ~~الله مننه ورحمته نعمته فما بينه من هذه الأحكام، وفيما أمهل وأبقى، ومكن ~~من التوبة، ولا شبهة في أن في الكلام حذف فجواب لولا محذوف للدلالة على أنه ~~أمر عظيم، ورب مسكوت أبلغ من منطوق، تقديره لأهلككم أفظع الهلاك بسبب ~~ذنبوكم أو لنال الكذاب منكم أمر عظيم {وأن الله تواب} أي كثير قبول التوبة ~~على من تاب يقول الله تاب عليكم فمستركم بما أظهر من يراه هذا الصادق، ~~والمخرج الذي جعله له وأجره حكما فيمن قال كقوله: {حكيم} ms0987 يقول ليس في ~~تدبيره تفاوت ولا فساد، أو حكيم في إيجاب الحدود، وفضل الله لا يحصى ولا ~~يوقف على حد غير أن من فضله في هذا الموضع ما أزاح من الحدود الواجبة ~~بالأيمان، وأظهر من الحكم بالدعوى مع اليمين إذا عدمت البينات، ووقعت ~~الشبهات. # ثم ذكر سبحانه الحكم الخامس فقال تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة ~~منكم} الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والإفتراء. # وقيل: البهتان لا تشعر به فما قاربها وزاد عليها إلى الأربعين وكذلك ~~العصابة وسميت العصبة باجتاماع بعضها إلى بعض، وكانت هذه العصبة من ~~المهاجرين والأنصار وه م عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان ~~بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. PageV16P495 # أما قوله تعالى: {لا تحسبوه شرا لكم} فالخطاب لمن ساءه ذلك من المؤمنين ~~خاصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة، وأبوها صفوان، ثم قال: {بل ~~هو خير لكم لكل} يقول: لا تعدوا هذا القذف شرا لكم بل هو خير لكم لما غي ~~عاقبته من البيان، والحكم والرحمة والعمل، وما يتلى في البراءة منه من ~~القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولما فيه من الثواب ~~العظيم؛ لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة نزل فيها ثمانية عشرة آية تعظيما ~~لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسلية وبراءة لزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وأظهر طهارتها من قذف القاذفين، وعيب المرجفين، ~~وبهتان المعتدين، فتاب من كان صاحب شك، وازداد هلاكا ونصرة من كان صاحب إفك ~~على المعاندين لليقين، والترك، وعظمت المنة فيما أنزل الله، وارتدع ~~الخائضون، وزال الشك، وغلب الحق، وبطل ما زوروا من الكذب. # وقوله: {امرئ منهم} أي من القاذفين لعائشة بذلك الإفك {ما اكتسب من ~~الإثم} أي عقاب ما اكتسب واقترف، وارتكب من الاثم والزور والحرام مما أفكها به. # وأما قوله تعالى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} فقال بعض أئمتنا ~~عليهم السلام أنه مسطح بعد أن قذف ms0988 عائشة بالزنا، وكان بذلك ممن تولا كبره، ~~أي كبر الأمر وهو معظمه وجملة من تولى كبره ثلاثة نفر: حسان بن ثابت، ومسطج ~~وحمنة بنت جحش؛ لأنهم صرحوا بقذفها، وجلدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الحد مل واحد ثمانين، وقال في ذلك شاعر المسلمين: # لقد ذاق حسان الذي هو أهله # وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح # .......................................... # وسخطة ذي العرش الكريم وأبرحوا # فصب عليهم محصبات كأنها # شآبيب قطر من ذرى المزن تستطح PageV16P496 وقيل: الصحيح أنه عبد الله بن أبي تحمل معظم الإفك فبدأ بالخوض فيه، وكان ~~صاحب القول العظيم، والمعنى أنه يصب كلا ممن خاض فيه من الإثم بقدر اثمه ~~وخوضه، وعبد الله بن أبي، وإنما قال عز وجل له عذاب عظيم؛ لأن معظم الشيء ~~كان منه؛ لأنه فعل أكبر الشتم، وولي فعله بنفسه، وتحيل في ذلك بوهمه وفكره، ~~وتقحم بالقذف والتشنيع بسوء ظنه وجهله. # قيل: والعذاب هو الجلد في الدنيا والنار في الآخرة. # [حديث الإفك] # ومن قصة حديث الإفك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ارتحل من منزل نزله ~~في منصرفهم من غزوة بني المصطلق، وكانت عائشة معهم في هودج، وكان ارتحالهم ~~ليلا، فجاؤا فرحلوا هودجها وهم يظنون أنها فيه، وقد كانت خرجت منه لبعض ~~شأنها، ثم ساروا وبقيت عائشة وراهم في المنزل الذي كانوا نزلوه، فجاء صفوان ~~بن المعطل رجل من الأنصار، وكان تخلف وراء الناس فوجدها متجلببة في ردائها ~~فقال هذه عائشة لا حول ولا قوة إلا بالله، فأناخ جمله ثم تنحى وقال لها: ~~اركبي وركبت وسار بها حتى لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ومر ~~صفوان بهودحها على ابن أبي في ملأ من قومه فقال من هذه؟ # قالوا: عائشة، فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم ~~باتت مع رجل حتى أصبح ثم جاء يقودها. # والسبب قالت: خرج سهمي في غزوة بني المصطلق فخرجت معه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد نزول الحجاب، فكنت في هودح فلما قربنا من المدينة راجعين ms0989 أذن ~~النبي بالرحيل فخرجت من الجيش لبعض شأني، فلما رجعت لمست صدري فإذا عقد من ~~جزع ظفار قد انقطع، فرجعت له فرحلوا هودجي يحسبوني فيه، فرجعت بعقدي إلى ~~مكاني وقد مر الجيش فوقفت وظننت أنهم سيرجعون لي، وكان صفوان وراء الجيش ~~فمر بي وهو يعرفني من قبل الحجاب فأناخ راحلته فهلك من هلك في شأني. PageV16P497 # وروي أن صفوان بن المعطل كان إذا سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسار ~~المؤمنون مبيتهم مكث حتى يصبح فينظر ما أسقط الناس من متاعهم في منازلهم ~~إذا ارتحلوا، فيحمله فيقدم به العسكر فيعرفه، فكان يفعل ذلك، وأن عايشة لما ~~نودي في الناس بالرحيل فرحل بها جملها فركبت ودخلت هودجها، ثم ذكرت قلادة ~~لها من جزع فنزلت، ولم يشعر صاحب الجمل، وكانت خفيفة الجسم حدث السن، فلم ~~يتبين الهودج من خفته لقائده، فبعث الجمل وسار ولا يدري، إلا أن عائشة في ~~هودجها، فساروا حتى نزلوا بعد ما أصبحوا، وعائشة في أثر الجمل بعد ما أصابت ~~قلادتها، وسبقها الناس، وأصبح صفوان بن المعطل في الدار يلتمس ما أسقط ~~الناس، ثم ركب بعيره وانطلق يسير على أثر الناس، فإذا بعائشة تمشي فلما ~~سمعت الجلبة من خلفها غطت وجهها، فقال صفوان: هذه عائشة، وكبر ذلك عليه ~~وضاق به ذرعا، ولم يجد بدا أن يقول: ما شأنك يا أم المؤمنين حدثيني الحديث ~~على وجهه، فجدثته فأتاها ببعير فأقسم عليها لتركبن الرحل، فأبت عليه فركبت ~~عجز البعير تسترا، وركب ابن المعطل الرحل، ونزل الناس وفقدت عائشة، وضرب ~~لها من كل وجه، ولم يعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفقدها فدخل علي بن ~~أبي طالب عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول ~~الله إن عائشة قد فقدت، ولا ندري أين ذهبت، فبينا هم كذلك إذ طلع صفوان ~~مردفا عائشة، فرماها الناس، والذي رميت به صفوان بن المعطل السلمي يقال أنه ~~كان رجلا حصورا لا يصل النساء، وكان رجلا صالحا، وقتل شهيدا، وكان النبي ~~صلى ms0990 الله عليه وآله وسلم شديد الغيرة فقال: ((لا تدخلن عائسة لي رحلا)) ~~فلما انتهت إلى منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج علي بن أبي طالب ~~عليه السلام فقال لها: إن النبي قد بلغه عنك الذي يكره فالحقي بأهلك، ~~فاسترجعت عائشة ثم خرجت تبكي حتى أتت رحل أبيها أبي بكر، فقال لها: مالك يا ~~عائشة؟ فقالت: أخرجني النبي صلى PageV16P498 الله عليه وآله وسلم، قال: أنا أحق أن أخرجك، لا والله لا تدخلين لي رحلا ~~حتى ينزل عذرك إن كان عذرا، أو يرضى عنك النبي، فانطلقت تجول في العسكر لا ~~يؤيها أحد من الناس وهي تدعو الله وتبكي، وتسأله أن ينزل عذرها وبراءتها، ~~فنزل جبريل عليه السلام بعذرها من الله، وعاتب المؤمنين في الذي خاضوا فيه ~~من أمرها، وجعل اللعنة على من تولى كبره منهم له عذاب عظيم، فضرب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ابن أبي وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، ويقال أنه ضرب ~~حمنة بنت جحش حد القذف، وأكذب حسان بن ثابت نفسه فقال في عائشة: # حصان رزان لا تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # لأن كنت أهجوكم كما قد زعمتم # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # وكيف وودي ما حييت ونصرتي # لآل رسول الله زين المحافل PageV16P499 ومن رواية الرازي ما لفظه: أما سبب النزول فقد روى الزهري، عن سعيد بن ~~المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن أبي وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، قالت: ~~فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل بني المصطلق، فخرج فيها اسمي فخرجت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بعد آية الحجاب، فجملت في هودج فلما ~~انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرب من المدينة نزل منزلا، ثم ~~أذن بالرحيل، فقمت حين أذن بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما ms0991 قضيت شأني ~~وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت والتمست ~~عقدي، وحبسني طلبه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فجملوا هودجي وهم ~~يحسبون أني فيه لخفتي، فإني كنت جارية حديثة السن، وظنوا أني في الهودج لما ~~عرفوا من خفتي وذهبوا بالبعير، فلما رجعت لم أجد في مكاني أحدا فجلست، ~~وقلت: يعودون في طلبي فنمت وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر ويتتبع ~~أمتعة الناس، فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني ~~عرفني، وقال: ما خلفك عن الناس؟ فأخبرته، فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد ~~البعير، وافتقدني الناس حين نزلوا، وباح الناس في ذكري، فبينما الناس في ~~ذلك إذ هجمت عليهم، فتكلم القوم وخاضوا في حديثي، وقدم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم المدينة، ولحقني وجع ولم أر منه صلوات الله عليه وآله وسلم ~~ما عهدته من اللطف الذي أعرف منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم يقول: ((كيف تيك)) فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى ~~خرجت بعدما تقهمت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا فعثرت في مرطها ~~فقالت: تعس مسطح، فأنكرت ذلك فقلت: أتسبين رجلا شهد بدر، فقالت: وما بلغك الخبر؟ # قلت: وما هو؟ PageV16P500 # قالت: أشهد أنك من المؤمنات الغافلات، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك، فزدت ~~مرضا إلى مرضي فرجعت أبكي، ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال: ((كيف تيك)) قلت: أتاذن لي أن آتي أبواي فأذن لي، فجئت فقلت لأمي: يا ~~أماه ماذا يتحدث الناس؟ قالت: بنيه هوني عليك، فولله ما كانت امرأة وضية ~~عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، قالت: فبكيت تلك الليلة، ثم ~~أصبحت أبكي، فدخل علي أبي وأنا أبكي، فقال لأمي: ما يبكيها، قالت: لم تكن ~~علمت ما قيل فيها حتى الآن، فأقبل يبكي ثم قال: اسكتي يا بنية، ودعا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي ms0992 طالب عليه السلام وأسامة بن زيد، ~~واستشارهما في فراق أهله، قال أسامة: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا ~~خيرا، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل ~~الخادمة تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بريرة وسألها عن ~~أمري قالت بريرة: يا رسول، والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت عليها أمر قط ~~أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، ~~قالت: فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا على المنبر فقال: ((يا ~~معاشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي-يعني عبد الله بن أبي- ~~فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، ~~وما كان يدخل مع أهلي إلا معي)) فقام سعد بن معاذ فقال: أعذرك يا رسول الله ~~منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا ~~فعلناه، فقام سعد بن عبادة، وكان سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن أخذته ~~الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله ما لا تقدر على قتله، فقام أسيد بن ~~حصين، وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال: كذبت لعمر الله لنقتله، وإنك المنافق ~~تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول ~~الله على المنبر، فلم يزل PageV17P001 يسكتهم حتى سكتوا، قالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقى لي دمع، وأبواي يضنان أن ~~البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل، ~~وقد لبثت شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء، ثم قال: ((أما بعد يا عائشة، فإنه ~~بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب ~~فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه)) قالت: فلما ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص ms0993 دمعي، ثم قلت لأبي: أجب ~~عني رسول الله، فقال: والله ما أدري ما أقول، فقلت وأنا جارية حديثة السن ~~ما أقرأ من القرآن كثيرا، إني والله لقد عرفت أنكما قد سمعتم بهذا حتى ~~استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، وإن اعترفت ~~لكم بأمر والله ما يعلم أني بريئة لتصدقوني، ووالله لا أجد لي ولكم مثلا ~~إلى كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه: {فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون}. PageV17P002 # قالت: ثم تحولت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني، ~~ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولا شأني كان أحقر في ~~نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجوا أن يرى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فوالله ما رام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى ~~أنزل الله على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من برحا الوحي، حتى أنه لينحدر منه ~~مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي فيسجى بثوب ووضعت وسادة ~~تحت رأسه، والله ما فزعت وما باليت لعلمي ببرائتي، وأما أبواي فوالله ما ~~سرى عن رسول الله حتى ظننت أن نفس أبوايي سيخرجان فرقا من أن يأتي الله ~~بتحقيق ما قال الناس، فلما سري عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن ~~قال: ((أبشري يا عائشة، أما والله لقد برأك الله)) فقلت: لا نحمدك ولا نحمد ~~أصحابك، فقالت أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا ~~الله الذي برأني، فأنزل الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} عشر ~~آيات، فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح بعد هذا، وكان ينفق عليه ~~لقرابته منه وفقره، وأنزل الله: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} إلى قوله: ~~{ألا تحبون أن يغفر الله لكم} فقال أبو بكر: بلى ms0994 والله إني لأحب أن يغفر ~~الله لي فرجع إلى النفقة على مسطح. # قالت: فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر ~~فذكر ذلك وقرأ القرآن، فلما نزل ضرب عبد الله بن أبي ومسطح، وحمنة وحسان ~~الحد، انتهى. # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة ذكر حال المقذوفين والقاذفين ~~عقبها بما يليق بها من الآداب والمزاجر، وهو أنواع: PageV17P003 # الأول: قال تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ~~وقالوا هذا إفك مبين} فيه وجهان: # أحدهما: ظن المؤمنون والمؤمنات بالذين رموا خيرا وسماهم أنفسهم؛ لأن ~~المؤمن عند المؤمن كنفسه ونحوه {ولا تلمزوا أنفسكم} ولم يقل ظننتم لأنه ~~التفت إلى الغيبة من الخطاب ليبالغ في التوبيخ على ترك التكذيب بصورة ظن ~~الخير، كما روي في قصة أبي أيوب وأم أيوب. # وثانيهما: ظنوا بأنفسهما الحقيقة خيرا، وقاسوا غيرهم من المؤمنين على ~~أنفسهم، وتفسيره ما روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما ~~يقال، فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم سوءا؟ قال: لا؟ # قالت: ولو كنت أنا مكان عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فعائشة خير مني وصفوان خير منك. # وروي معكوسا وهو أن أبا أيوب القائل: لو كنت مكان صفوان، والقائل صفوان ~~خير مني وعائشة خير منك، وإنما عدل إلى الخطاب إلى الغيبة، ومن المضمر إلى ~~الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على ~~أن الاشتراك فيه أن لا يظن بالمسلمين إلا خيرا، والمعنى في هذا توبيخهم على ~~ترك التصريح بالتكذيب، أي هلا ظننتم بمنهم كأنفسكم خيرا، وقلتم هذا كذب ~~ظاهر، وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا قاله في أخيه أن يقول بملء فيه هذا ~~إفك مبين، مصرحا ببراءة ساحته بناء على ظنه الخير به، كما يقول المطلع على ~~حقيقة الحال. # وقيل: القائل بذلك الأدب، وليتك تجد من يسمع ويسكت ولا يشيع ما سمعه ~~بإخوانه. PageV17P004 # النوع الثاني: قال ms0995 تعالى: {لولا جاءوا عليه} أي الإفك {بأربعة شهداء} ~~يشهدون بصحة ما زوروا إن كانوا صادقين، ففرق عز وجل بين الخبر والشهادة، إذ ~~لكل واحد منهما وجه غير صاحبه، فالشهادة لا تكون إلا على علم، وكثير من ~~الأخبار قد تكون عن الحدس والظن، والرجم والتوهم، والخبر الضعيف الذي لا ~~يصدق عند الفجص{فإذ لم يأتوا بالشهداء} أي فجيذ لم يأتوا بهم {فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون} أي الكاملون في الكذب، أي الكاذبون في حكم الله، الذي ~~شرعه، لا في نفس الأمر، ولولا في قوله: {لولا إذ سمعتموه} {لولا جاءوا ~~عليه} للتخصيص، ومعناه هلا وذلك كثير في اللغة، إذا كان ليل الفعل، كقوله: ~~{لولا أخرتني} وقوله: {فلولا كانت قرية آمنت} فأما إذا ولى الاسم فليس كذلك ~~كقوله: {لولا أنتم لكنا مؤمنين}. # وأما لولا في قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم} فهي لامتناع الشيء لأجل ~~وجود غيره، يريد سبحانه ولولا فضل الله بقبول التوبة {ورحمته في الدنيا ~~والآخرة} بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، والترحم عليكم في ~~الآخرة بالمغفرة {لمسكم في ما أفضتم} أي خضتم{فيه} من الكلام القبيح من ~~حديث الإفك {عذاب عظيم} أي لعاجلك بالعقاب والعذاب العظيم، وهذا تهدد ~~للسامعين التاركين للنكير، المصغين إلى القائلين، المنصتين إلى أخبار ~~المجترين في الطعن على المؤمنين، وهذا في أمر عائشة وخوض من خاض في قذفها ~~وسمعه فلم يغير ولم ينكر، وهذا هو النوع الثالث من باب الزواجر أيضا. # والنوع الرابع: قوله تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم}. # قال في الكشاف: إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم، ومعنى تلقونه أي يأخذه بعضكم من ~~بعض، كان الرجل يلقى الرجل فيقول ما وراءك فيحدثه بحديث الإفك، حتى شاع ~~وانتشر، فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه. PageV17P005 # وفي البرهان: هو أن يتحدث به الإنسان ويلقيه بين الناس حتى ينتشر، وفيه وجه ~~آخر، هو أن يلقاه بالقبول إذا حدث به، ولا ينكره، وقرئ: إذ تلقونه -بكسر ~~اللام مخففة- أي تسرعون إلى الكذب من قولهم: ولق يلق إذا أسرع في الكذب ~~وغثيره، قال الزاجر: ms0996 # جاءت به عيس من الشام تلق # أي تسرع، كأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة، وذلك من العظائم، ولأنهم كانوا ~~يتكلمون بما لا علم لهم به، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع ~~العلم، فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عن ما علم كذبه في ~~الحومة، ونظيره قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} فإن قيل: ما معنى ~~قوله سبحانه: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم}؟ # قال بعضهم: معناه أن الشيء المعلم يكون علمه في القلب فترجم عنه باللسان، ~~وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به، ~~فقوله: {ما ليس لكم به علم} أي ما ليس في قلوبكم، وإنما تذرون بأفواهكم من ~~غير ترجمة عن علم، كقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ثم قال: ~~{وتحسبونه} أي خوضكم في الإثم، وتلقيكم له {هينا} أي صغيرة {وهو عند الله ~~عظيم} أي كبيرة مفسقة، وصفهم تعالى بارتكاب ثلاثة آثام، وعلق من العذاب بها: # أحدها: تلقيه بألسنتهم. # والثاني: التكلم بما لا علم لهم به. # والثالث: استصغارهم لذلك، وهو من العظائم. # قال الرازي: ويدل على ذلك أمور ثلاثة: # الأول: يدل على أن القذف من الكبائر، لقوله تعالى: {وهو عند الله عظيم}. # والثاني: نبه بقوله: {وتحسبونه هينا} على أن عظم المعصية لا تختلف بظن ~~فاعله وحسبانه، بل ربما كان مؤكدا لعظمه من حيث جهل كونه عظيما. PageV17P006 # الثالث: الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه إذ لا يأمن ~~أنه من الكبائر، وقيل: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، انتهى. # النوع الخامس: قوله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم ~~بهذا} ولم نره بأعيننا، وهذا توبيخ آخر، أي هلا قلتم ما ينبغي ولا يصح أن ~~نتكلم به. # قال الرازي: وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه: # أحدها: أن المقتضي لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين، ولم ~~يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين ms0997 للمعصية، أقوى ظنهم فاعلين، ~~فلو أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح، وهو غير جائز. # وثانيها: وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب اللعن لقوله تعالى: {الذين ~~يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}. # وثالثها: أنه سبب الإيذاء لعائشة، وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب ~~عرف إقدامهم عليه، ولا جناية عرف صدرها عنهم وذلك حرام. # ورابعها: أنه أقدم على ما يجوز كونه سببا للضرر مع الاستغناء عنه، والعقل ~~يقتضي التباعد؛ لأن القاذف بتقدير كونه صادقا لا يستحق الثواب على صدقه بل ~~يستحق العقاب؛ لأنه أشاع الفاحشة، وبتقدير كونه كاذبا كونه يستحق العقاب ~~العظيم، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه إلى قوله: فهذه الوجوه ~~توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه، وأن يجتهد في الاحتراز عن ~~الوقوع فيه، فإن قيل: كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف؟ # قال: قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أولا ما سمعوا ~~بالإفك عن التكلم فيه، انتهى. # وأما قوله تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} والبهتان هو الكذب الذي يبهت، ~~ويفزع المشتوم، ويسكت حتى لا ينطق من الغم والحزن، فقال سعد بن معاذ الأوسي ~~أحد النقباء حين سمع ذلك من الناس: سبحانك هذا بهتان عظيم. PageV17P007 # قال في التجريد: في دخول التسبيح مع أنه تنزيه الله وجهان: # أحدهما: أنه قد خرج من أصله وهو التنزيه إلى التعجب، كأنه تعجب من عظيم ~~الأمر، والأصل انه يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل ~~في كل متعجب منه. # وثانيها: أن يراد به تنزيه الله عن أن يتنبأ من امرأته فاجرة إذ فيه ~~تنفير عظيم، بخلاف كونها كافرة، فلا ينفر كامرأة نوح وامرأة لوط. # قال الأعشى في معنى سبحانك: إنها براءة من الشيء: # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقه الفاخر # أي برأه من علقة الفاخري وتنزيها. # النوع السادس: قوله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} الوعظ هو ~~التذكير والأمر بطاعته، والتنبيه ms0998 والنصيحة، أي يزجركم لئلا تعودوا لمثل ~~الذي توعدكم عليه بالعذاب العظيم، وقوله: {أبدا} أي ما دمتم أحياء، وقوله: ~~{إن كنتم مؤمنين} تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود وهو ~~اتصفاهم بالإإيمان الصادق، الصاد عن كل قبيح، والمعنى يعظكم الله بهذه ~~المواعظ التي بها تعرفون عظيم الذنب، وأن فيه الحد والنكال في الدنيا، ~~والعذاب في الآخرة، لكي لا تعودوا لمثل هذا الفعل أبدا، وقد دخل تحت ذلك من ~~قال ومن سمع فلم ينكر؛ لأن خيالهما سواء في أن فعل ما لا يجوز، وإن كان من ~~أقدم عليه أعظم ذنبا، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن لا يعودوا ~~إلى مثل ما تقدم منهم، ودل قوله: {إن كنتم مؤمنين} على أن ترك القذف من ~~الإيمان، وعلى أن فضل القذف لا يبق معه الإيمان؛ لأن المعلق على الشرط عند ~~عدم الشرط، ودلت الآية على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا؛ لأن ~~قوله: {يعظكم الله أن تعودوا} معناه لكي لا تعودوا لمثله، وذلك دلالة ~~الإرادة خلاف ما يزعمه المجبرة. PageV17P008 # ثم قال تعالى: {ويبين الله لكم الآيات} الدالات على علمه وحكمته بما ينزل ~~عليكم من الشرائع والآداب الجليلة، والمواعظ الشافية {والله عليم حكيم} ~~فاعل على مقتضى الحكمة والصواب، والحكيم هو الذي لا يفعل القبائح لكونه ~~عالما بكل المعلومات، غنيا عن كل شيء، فتدل الآية على أنه لو كان خالقا ~~للقبائح كما افترته المجبرة لما جاز الاعتماد على قوله، وقوله يبين لكم ~~معناه لأجلكم، وهذا يدل على أن أفعاله معللة بالأغراض؛ لأن قوله: لكم لا ~~يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه ليس الغرض نفس ذواتهم، بل الغرض حصول انتفاعهم ~~وطاعتهم وإيمانهم، فدل هذا على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل عكس ما ~~تفتريه على الله المجبرة أقماهم الله تعالى. PageV17P009 # واعلم أنه سبحانه لما بين ما على الإفك على من سمع منهم، وما ينبغي أن ~~يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بالنوع السابع فقال تعالى: {إن الذين يحبون ~~أن تشيع الفاحشة} أي تنشر ms0999 الشناعة وتذيع {في الذين آمنوا} أي يشيعونها عن ~~قصد الإشاعة، وفشو الزنا فيهم فأوعدهم بقوله تعالى: {لهم عذاب أليم في ~~الدنيا} وهو الاتباع بالقول القبيح، والضرب كالحد، ولقد ضرب ابن أبي وحسان ~~ومسطح، وضرب صفوان حسانا بالسيف {والآخرة} وهو النار لمن لم يتب، والمراد ~~المنافقون كانوا يشيعون هذا، وإنما قال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا} ليعلم أن من أحب ذلك قد شارك في هذا الكلام الذم، ~~كما شارك فيه من فعله، ومن لم ينكره، وليعلم أن أهل الإفك عليهم العقوبة ~~فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العذاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في ~~المؤمنين، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين، كوجوب كف الجوارح، ~~والقول عما يضرهم، ومما قالت العدلية للمجبرة هاهنا: إن الله تعالى بالغ في ~~ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان ~~مشيع الفاحشة إلا هو، فكان أن يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا ~~هو؛ لأنه هو الذي فعل تلك الفاحشة وغيره لم يفعل شيئا، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. # ثم قال سبحانه: {والله يعلم} ما في القلوب من الإسرار {وأنتم لا تعلمون} ~~بأنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه، أو هو العالم بالأمور كلها ~~لا بتعليم، وأنتم تظنون الأمر في ذلك سهلا وهو عند الله عظيم. # النوع الثامن: قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم} هو نعمته بالإمهال ~~{ورحمته} عفوه {وأن الله رءوف رحيم} أي عظيم الرأفة والرحمة، وجواب لولا ~~محذوف، أي لعاجلكم بالعقاب على محبة الإشاعة. PageV17P010 # النوع التاسع: قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات} أي آثاره ~~ومواضع سيره، والواحدة من الخطوات خطوة، وهو مثل مضروب بالمشي أثر المضل ~~الذي لا يسلك سبيل خير، ولا يهتدي، ومعنى خطواته زلله وخطيئاته وما دعى ~~إليه الناس من الأباطيل والوسوسة، فلا تستنوا بسنته ولا تتبعوا فيما يأمركم ~~مقتدين به، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين، يدل ~~على ذلك ms1000 قوله تعالى: {ومن يتبع خطوات الشيطان} يقول: من يتبع أمره وزلله من ~~تخطيه الحلال إلى الحرام، والطاعة إلى المعصية {فإنه} أي الشيطان {يأمر ~~بالفجشاء والمنكر} الفجشاء والفاحشة ما أفرط قبحه، والمنكر ما تنكره العقول ~~فتنفر عنه لقبحه، وأمره بذلك تزيينه والإغراء به، أخبر سبحانه بما يأمر به ~~إبليس وأن مراده الجنس الذي تدعوا إليه المعصية، ثم قال تعالى: {ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته} بالتوبة وقبولها، يعني القاذفين والمستمعين الراضين، ~~والخائضين المحبين لذلك {ما زكا منكم من أحد أبدا} أي ما إذا طهر ولا طاب، ~~ولا صلح أبدا من الذين خاضوا في الإثم أبدا، أي إلى آخر الدهر من دنس إثم ~~الإفك، فلولا هداية الله لما أفلح أحد من الناس، ولا أصاب {ولكن الله يزكي} ~~أي يطهر {من يشاء} من المؤمنين التائبين من الإثم، ويحكم له بالطهارة دون ~~الفاسقين، ثم قال سبحانه: {والله سميع} لقولهم {عليم} بضمائرهم وإخلاصهم، ~~وهو عليم بما في قلوبهم من محبة إشاعة الفاحشة، ومن كراهتها، وإذا كان كذلك ~~وجب الاحتراز عن معصيته، فلما نزل عذر عائشة حلف أبو بكر وأناس من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وساءهم الذي كان، فقالوا: والله لا ننفع ~~رجلا من الذين قالوا لعائشة ما قالوا، ولا نظلهم ولا ننفعهم، وكان مسطح بن ~~أثاثة بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، وأقبل PageV17P011 مسطح إلى أبي بكر ليعتذر إليه، فقال مسطح: أي خال جعلني الله فداك، والله ~~الذي أنزل الكتاب على محمد ما قذفتها ولا تكلمت بشيء مما قيل لها، فقال أبو ~~بكر: ولكنك قد أعجبك الذي قيل لها، فقال لعله قد كان بعض ذلك، فأنزل الله ~~في شأن مسطح: {ولا يأتل أولوا الفضل} أي التفضل {منكم} هو أبو بكر{والسعة} ~~الجدة وهو المال {أن يؤتوا} أي على أن لا يؤتوا {أولي القربى} أي على أن لا ~~يحسنوا إليهم {والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} أي رضاه، يريد لا يحلفوا ~~على أن لا يحسنوا إلى المستحقين الإحسان. # قال في البرهان: وهذه عامة في ms1001 كل من حلف أن لا يفعل فعلا من أفعال الخير، ~~فعليه أن يفعل وأن يكفر، وقرئ: ولا يتأل وفي اختلاف القراءتين وجهان: # أحدهما: أن معناهما واحد، وهو بمعنى لا يحلف مأخوذ من الإلية وهي اليمين. # والثاني: أن معناهما مختلف فمعنى يتأل أي يألوا، ويقصر أي لا يقصر ذوي ~~الفضلات منكم والسعات الأموال، والجدة والغنى والمال، أن يعطوا ذوي أرحامهم ~~ما يجدون من فضلات أموالهم، وكذلك المساكين والمهاجرين لهم جزء واحد في ~~أموال المسلمين، والمؤتل في اللغة هو المقصر، قال الشاعر: # حريص على تعذاله غير مؤتل # أي غير مقصر في العذل والتعنيف واللوم، والمعنى لا تقصروا في أن تحسنوا ~~إليهم، وإن كانت بينكم شحناء بخيانة منهم، نزلت في مسطح بن أثاثة، وكان ابن ~~خالة أبي بكر، وكان بدريا، ومن فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، ~~فلما فرط منه ما فرط في عائشة حلف لا ينفق عليه، فنزلت فرجع أبو بكر ~~بالنفقة مضاعفة وقال: لا أنزعها منه أبدا. # ثم قال تعالى: {وليعفوا} عن المسيء، ولا يعجلوا بعقوبته {وليصفجوا} عن ~~جرمه، والصفج هو العفو أيضا، قال الشاعر: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه # من العفو لم يعرف من الناس مجرما PageV17P012 وقيل: أي ليفعلوا كما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع كثرة خطاياهم {ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} بعفوكم عنهم، وعودكم عليهم بالإحسان ~~والاستفهام للتقرير. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه أليس تحبون أن يغفر الله لكم، ~~فإذا كنتم تحبون ذلك فتقربوا إليه بالعفو عمن أساء إليكم، واغفروا كما ~~تحبون أن يغفر الله لكم، واعطفوا كما تحبون أن يعطف عليكم، والطفوا بالناس ~~كما تحبون أن يلطف بكم، وليس يضيع ذلك عند الله لكم، ولا يبطل الله عز وجل ~~بكرمه سعيكم، بل يعطيكم أكثر وأوفر من عملكم لكرمه ورحمته لضعفكم وفقركم، انتهى. # ثم قال تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات} العفائف أي يقذفونهن بالزنا ~~{الغافلات} عن المنكر، المشتغلات بذكر الله الأعز الأكبر. # وقيل: الغافلات عن المكر والدهاء؛ لأنهن لم يجربن الأمور ms1002 {المؤمنات} ~~السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي لا يفطن لما يفطن المجربات ~~للأمور، وكذلك البله من الرجال، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثر أهل ~~الجنة البله)) ومعنى قوله تعالى: {لعنوا} أي طردوا، وبعدوا عن رحمة الله ~~{في الدنيا والآخرة} وحكم عليهم بالعذاب في الدنيا بالحدود وإسقاط الشهادة ~~ما لم يتوبوا {ولهم عذاب عظيم} في الآخرة، وهذا تهدد للسامعين، نزلت في شأن عائسة. # وقيل: نزلت في مشركي مكة، كانت المرأة إذا خرجت مهاجرة قذفها المشركون ~~وقالوا: هي خرجت لتفجر، قاله الثعلبي، وقد اختلفوا في قوله: والذين يرمون ~~المحصنات الغافلات، هل المراد منه كل من كان بهذه الصفة؟ أو المراد منه ~~الخصوص؟ PageV17P013 # أما الأصوليون فقالوا: الصيغة عامة، ولا مانع من إجرائها على ظاهرها، فوجب ~~حمله على العموم، فيدخل فيه قذف عائشة، وقذف غيرها، ومن الناس من خالف فيه، ~~ثم أخبر عز وجل عن وقت ذلك العذاب العظيم بقوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ~~ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} من القبائح التي أعظمها ما ~~بهتوا به عائشة، ومعنى {يومئذ} أي يوم تشهد عليهم جوارحهم {يوفيهم الله ~~دينهم الحق} أي جزاؤهم العدل الواجب الذي هم أهله؛ لأن الدين قد يكون بمعنى ~~الجزاء، ويراد جزاء دينهم، أي جزاء ما كانوا يدينون به. # وأما قوله تعالى: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} فمعناه ذو الحق أي ~~العدل المبين، الظاهر عدله؛ لأنه قد بين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. # ثم قال تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات} اعلم أن الخبيثات ~~تقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، وتقع على الكلام الذي ~~هو كالذم واللعن، ويقع أيضا على الزواني من النساء، وفي هذه الآية كل هذه ~~الوجوه محتملة، فالمعنى أن الخبيثات من الكلام أو من النساء للخبيثين من ~~الرجال أو من النساء أن تقالهم أو تعدلهم، والخبيثون منهم يتعرضون للخبيثات ~~من الكلام {والطيبات} من الكلام {للطيبين} من الناس {والطيبون للطيبات}. # قال الحسين بن أحمد الناصر بن يحيى الهادي إلى الحق عليهما السلام: يقول ~~الطيبون ms1003 من الكلام والطيب من الكلام فهو الصواب المبين، والحق الحسن ~~الجميل، والخبيث من الكلام الفاحش المتروك المذموم، ألا تراه يقول: ومثل ~~كلمة خبيثة كشجرة خبيثة، انتهى. # قال الزجاج: معناه لا يتلكم بالكلم الخبيثات إلا الخبيث من الرجال ~~والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب منهم. PageV17P014 # وقال في البرهان: يعني الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الرجال، والخبيثون ~~من الرجال للخبيثات من الأعمال، والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، ~~والطيبون من الناس للطيبات من الأعمال. # قال الحسين بن القاسمعليه السلام: وأصل الخبيث في لغة العرب هو النجاسة ~~والنتن، والوسخ، ولا خبث، والحمد لله أخبث من الكفر بالرحمن، ولا أقبح من ~~عمل يورد في الهوان، ويبعد من عمله عن الجنان، ولا طيب أطيب من الإيمان، ~~ومفاتيح الرحمة والأمان، وسبب أسباب الإحسان، وقائد أهله إلى الجنان، ~~وذائدهم عن الخزي والنيران، انتهى. # وقوله: {أولئك} إشارة إلى الطيبين، وأنهم {مبرءون مما يقولون} الخبيثون، ~~أي منزهون مما يقول الكافرون، مبعدون عن الفواحش، مطهرون من خبيثات الكلم، ~~وعلى أن الخبيثات والطيبات النساء، فالمراد أن الخبائث يتزوجن الخباث، ~~والخباث بتزوجون الخبائث، وكذلك أهل الطيب، وقد يقال: إن الطيبين هم الذين ~~لم يخوضوا في ما خاض فيه أهل الإفك، ولم يسمعوا له استماع قبول، ولا تصديق ~~فبرأهم الله من المذمة التي لحقها غيرهم. # ثم أخبر تعالى أن {لهم} أي الطيبين من الرجال والنساء {مغفرة} يقول: ~~غفران بحسن ضمائرهم {ورزق كريم} أي جزاء مرضي على أفعالهم وهو الجنة، وكل ~~شيء وصف بالكرم فهو مرضي في باب، انتهت قصة عائشة. # الحكم السادس في الاستئذان # اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ~~ما يليق به؛ لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت ~~الخلوة فصارت كأنه طريق التهمة، فأوجب تعالى أن لا يدخل المرء ييت غيره إلا ~~بعد الاستئذان والسلام؛ لأن في الدخول على هذا الوجه وقوع التهمة، وفي ذلك ~~من المضرة ما لا خفا به، فقال تبارك وتعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ms1004 ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا} فسروا تستأنسوا بتستأذنوا وله وجهان: PageV17P015 # أحدهما: أنه من الاستئذان الذي هو خلاف الاستيحاش؛ لأن من أذن له فقد ~~استأنس، ومن لا يدري أي يؤذن له أم لا فه مستوحش من خفاء الحال عليه، فوضع ~~الاستئناس موضع الإذن على سبيل الكناية لما كان يلازمها، ويجوز أن يكون من ~~الأنس، وهو أن يتعرف هل ثم إنسان. # والثاني: أنه من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف من أنس الشيء ~~إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، والمعنى حتى تستعملوا هل يراد دخولكم أم لا، فإذا ~~عرف أن في البيت أحدا استأذن وسلم، ومنه قوله: {فإن آنستم منهم رشدا} أي ~~علمتم فيه، وصفة الاستئذان عن أبي أيوب قلنا: يا رسول الله، ما الاستئذان؟ ~~قال: ((يتكلم الرجل بالتسبيحة الكبيرة والتحميدة ويتنحنح ليؤذن أهل البيت، ~~فإن لم يجب أعاد حتى يفعل ذلك ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع)). # ومثل هذا في البرهان وقال فيه: فقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((رسول الرجل إذنه، فإن استأذن ثلاثا فلم يؤذن له ولا ~~ولم يراجع)) لأنا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع؛ لأن الاستئذانة الأولى إذن، ~~والثانية مؤامرة، والثالثة عزمة، إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا)). # وأما قوله تعالى: {وتسلموا على أهلها} فالسلام ندب والاستئذان حتم، وهو ~~مسنون بعد السلام، والأولى أن ينظر فإن وقعت العين على العين قبل الإذن ~~فالأولى تقديم السلام على الاستئذان، فإن لم تقع العين على العين قيل ~~فالأولى تقديم الاستئذان على السلام، انتهى. PageV17P016 # وإنما وجب الاستئذان للحكمة التي نبه الله تعالى عليها في قوله: {ليس عليكم ~~جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول ~~إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن متى يهجم عليها بغير ~~استئذان، أي يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، وعلى ما لا يحب ~~القوم أن ms1005 يعرفه غيرهم من الأحوال، وهذا من العلل المنبه عليها بالنص، ولأنه ~~تصرف في ملك الغير فلابد وأن يكون برضاه، وإلا اشتبه بالغصب. # قال في البرهان: وأما الاستئذان على منازل الأهل فإن كانوا ذوي محارم فإن ~~كان المنزل مشتركا هو فيه وهم ساكنون لزمه في دخوله إيذانهم ما يوطي مسموع ~~أو بنحنحة منبهة إلا الزوجة فلا يلزم ذلك في حقها بحال لارتفاع العورة ~~بينهما، وإن لم يكن منزلا مشتركا كان الإذن عليهم كالاستئذان على الأجانب. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا قال له: استأذن على ~~أمي؟ فقال: ((نعم)) قال: إني أخدمها، قال: ((استأذن عليها)) فعاوده ثلاثا، ~~قال: ((أتحب أن تراها عريانة))؟ قال: لا، قال: ((استأذن عليها)) انتهى. # وقوله: {ذلكم} أي الاستئذان والتسليم {خير لكم} من تحية الجاهلية، ~~والدخول بغير إذن، وكان الرجل في الجاهلية يقول إذا دخل غير بيته حييتم ~~صباحا أو مساء، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، ~~وعلم الأحسن الأجمل، ومعنى تسلموا فهو تحيوا أهلها بالسلام، والسلام هاهنا ~~التحية، قال الشاعر: # ألا يانخلة من ذات عرق # عليك ورحمة الله السلام # ومعنى {لعلكم تذكرون} أي لتذكروا ما يجب عليكم، وتتعظوا، إن قيل لكم هذا ~~فتعلموا أن ما أمرتم به في باب الاستئذان، وفي الحديث: ((من سبقت عينه ~~استئذانه فقد دمر -أي هلك-)) من الدمار. PageV17P017 # ثم قال سبحانه: {فإن لم تجدوا فيها أحدا} أي في البيوت يأذن لكم {فلا ~~تدخلوها} لأن العلة في الصورتين واحدة، وهي جواز أن تكون هناك أحوال ~~مكتومة؛ لأن الاستئذان شرع لأمرين: # أحدهما: أن لا يطلع على عورة من فيها إذا كان. # وثانيهما: أن لا يطلع على أحوال يكتمونها {حتى يؤذن لكم} في ذلك إلا يعرض ~~حريق أو هجوة سارق، أو إزالة منكر فذلك مستثنى، ولا يجوز أن يطلع إلى ~~المنزل ليرى من فيه إذا كان الباب مغلقا لقول النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إنما جعل الاستئذان لأجل البصر، فإذا كان الباب مفتوحا فيجوز إذا ms1006 ~~كان خارجا منه أن ينظر لأن صاحبه بالفتح قد أباح النظر)). # ثم قال تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} فلا تدخلوا بعد أن منعتم، ~~ولا تلحوا في طلب الإذن، وما يستكره من طول القيام على الباب وقرعه بعنف، ~~والتصويت لصاحب الدار بشدة؛ لأن هذا مما يكرهه المستأذن عليه، خصوصا إذا ~~كانوا ذوي مروة في البرهان ينظروا حيث قيل: ارجعوا، فإن كان بعد الدخول عن ~~الإذن لزم الإنصراف وحرم اللبث، وإن كان قبل الدخول فهو رد الإذن ومنع من ~~الدخول فيرجع من فوره إذا كان بفناء باب المانع، وذلك لأنه كما يكون الدخول ~~قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه فلا جرم كان الأولى ~~والأزكى له أن يرجع لإزالة الإيحاش والإيذاء، كما قال سبحانه: {هو} أي ~~الرجوع {أزكى لكم} أي أطيب وأطهر لما فيه من سلامة الصدور، والبعد عن ~~الريبة {والله بما تعملون عليم} رغب بأنه عالم ما يأتون وما يذرون، فموفي ~~عليكم ولكم جزاء أعمالكم. # ولما ذكر الله تعالى حكم الدار المسكونة ذكر بعده حكم الدار التي هي غير ~~مسكونة فقال سبحانه: {ليس عليكم جناح} أي إثم ولا حرج {أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة} كالفنادق وهي السماسر، وهي الحانكات أيضا. PageV17P018 # قال في البرهان: وهي دور النزل في منازل الأسفار، ومناخات الرجال التي ~~يرتفقونها مارة الطريق في أسفارهم، انتهى.وكالربط وحوانيت البياعين الخالية ~~التي تعد لذلك من غير استئذان، ومعنى {فيها متاع لكم} أي منفعة كالاستكنان ~~من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع، والبيع والشرى، فاستثناها مما يجب ~~فيه الاستئذان. # وفي البرهان: متاع لكم يعني عروض الأموال التي هي متاع التجار، انتهى. # والمتاع فهو البلغة، وقد يكون فيها متاع من أمتعة الحرم. # وأما قوله: {والله يعلم ما تبدون} يعني تظهرون {وما تكتمون} فهو وعيد ~~للذين يدخلون الدور الخالية، والخرابات لما لا يرضى، فإنهم مجازيهم عليه. # الحكم السابع حكم النظر # قال تعالى: {قل} يا محمد {للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}. # قال في البرهان: من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، وقصره على ms1007 ما ~~يحل، ويجوز أن تكون من في هذا الموضع صلة، وتقديره، قل للمؤمنين يغضوا ~~أبصارهم عما لا يحل لهم من النظر. # وروينا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ابن آدم لك أول ~~نظرة فما بال الثانية)). # قال الحسين بن أحمد الناصر بن يحيى الهادي عليهما السلام: فهذا أمر من ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن اتبعه من المؤمنين، ومن وصل به خيره من ~~الخلق أجمعين، أن يغضوا أبصارهم ولا يحدوا النظر إلى ما حرم الله عليهم، ~~وغض البصر فهو كسره عن النظر، قال الشاعر: # فغض الطرف أنك من نمير ... فلا كعب بلغت ولا كلابا # يقول: احفظ بصرك ممن لا يجوز لك النظر إليه {ويحفظوا فروجهم} عن الزنا ~~والتكشف، وحفظها فهو رعايتها وصيانتها من الحرام، وما قد نها عنه من ~~الآثام، وحفظ الشيء صيانته عن التضييع وإحرازه، انتهى، ودخل التبعيض في ~~الغض دون الفرج؛ لأن أمر البصر أوسع أن ينظر إلى شعور المحارم ومواضع ~~زينتهن. PageV17P019 # وأما الفرج فمضيق، ثم قال: {ذلك} الغض والحفظ {أزكى لهم} أي أطهر وأطيب، ~~ومعنى قوله تعالى: {إن الله خبير بما يصنعون} أي عليم بأفعالهم من الغض ~~والتحفظ، فهو مجاز عليهم، فليكونوا على تقوى منه وحذر في كل حركة، وسكون في ~~جوارحهم. # ثم قال تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} أمرن النساء بغض البصر ~~عما يحرم كما أمر الرجال، وأما إذا أعرضت شهوة فلا فرق فيهم وفيهن بين محرم ~~وغيره في التحريم على المختار، بل هو إجماع، والرواية عن الإمام يحيى عليه ~~السلام والفقهاء سهوا وغلط، والتحريم مع الشهوة صريح في كتبهم فانظرها، ولا ~~تقلد تهلك، ومحال أن يجهلوا معنى قل للمؤمنين. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((النظرة سهم مسموم)). # وقوله: ((لك الأولى وليس لك الثانية)) وإنما خلافهم مع عدم الشهوة كما ~~نظر صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخثعمية لا معها كما صرف وجه الفضل عنها. # وأما قوله تعالى: {ويحفظن فروجهن} فكما مر أن المراد عما لا يحل. # وعن ابن زيد: ms1008 كل ما في القرآن من حفظ الفرج فالمراد به المنع من الزنا، ~~والصحيح أن المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله من الزنا والمس والنظر، وإنما ~~قدم غض البصر على حفظ الفرج؛ لأن النظر قائد الزنا، ورائد الفجور، والبلوى ~~فيه أشد وأكبر، ولا يكاد يقدر على الاحتراز منه. # اعلم أنهم لما اتفقوا على تخصيص قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها} بالحرائر دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلابد ~~من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على ~~الاستقصاء، بخلاف الحرة. # قال الهادي عليه السلام: وإظهارهن الزينة فهو ما لابد منه من الكحل ~~والخاتم. PageV17P020 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنا الآية لا يبدين لذوي قرابتهن من ~~الآباء والأبناء إلا ما ظهر من الزينة، مثل خضاب اليد والخواتيم، والكحل ~~والثياب، انتهى. # وقيل: لا بأس بابدائه للأجانب، وابداء مواقعه وهو الوجه والكفان ~~والقدمان، فالوجه موضع الكحل، والكف والقدم موضع الخاتم والخضب، والظاهر ~~المسامحة في هذه، لما في سترها من الحرج، فالمرأة لا تجد بدا من مزاولة ~~الأشياء بيدها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، وإلى المشي في الطرقات، فتظهر ~~قدماها خاصة الفقيرات. # قال بعض علمائنا الأعلام من مشائخ العترة عليهم السلام: وهذا مصادم ~~للأدلة. # وروي عن القاسم عليه السلام وهو الأظهر من كلام الأئمة أن المواقع لا ~~يجوز النظر إليها إلا لحاجة جمعا بين الآية وحديث الخثعمية، وظاهر كلام ط ~~وم، وأنه يجوز للمرأة كشف وجهها وإن كان النظر إليه لا يجوز، وما خفى من ~~الزينة وهو كالسوار والخلخال، بفتح الخائين وهو من الساقين، والدملج ~~والقلاد والإكليل والوشاح، والقرط فلا تبديه المرأة إلى لمن سنذكر، وذكر ~~الزينة دون مواقعها ومبالغة في الستر؛ لأنها واقعة على مواضع لا يحل النظر ~~إليها لغير هؤلاء، وهو الذراع والساق، والعضد والعنق، والرأس والصدر، ~~والأذن، فنهى عن ابداء الزينة نفسها، ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها ~~لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها، لا يقال ms1009 في ~~حله كان النظر إلى مواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة، ~~شاهدا على أن حق النساء أن يحتطن في سترها، ويتقين الله في الكشف عنها، ~~وأجاز في الكشاف النظر إلى القراميل، أي الجرس في الرأس، قال: لأنه يخالف ~~الحلي، ولأنه لا يقع إلا فوق اللباس، ومقتضى المذهب التحريم كشعر الرأس. # وفي الثعلبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيما امرأة تزينت ~~وتطيبت ثم خرجت لتفتن الناس فهي زانية)). PageV17P021 # ثم قال سبحانه: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} فالخمر جمع خمار ما يستر به ~~الوجه، كالمصون والجيب الفقرة، وكانت فقرهن واسعة لا يسترن ما وراؤهن، أي ~~ليرخين خمرهن على رؤسهن وأعناقهن حتى يفيض على صدورهن مواضع الجيوب وهي ~~القمص، وكن يسدلن الخمور وراؤهن فتبقى نحورهن مشكوفة. # وقيل: كانت قمصونهن مكفرجة الجيوب كالدراعة تبدوا منهن صدورهن، فأمرن ~~بإلقاء الخمر عليها لسترها، وكنى عن الصدر بالجيوب؛ لأنها ملبوسة عليها، ~~وفي لفظة الضرب مبالغة في الألقاء تشلبه بالإلصاق. # واعلم أنه سبحانه لما تلكم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية ~~التي نهاهن عن إبدائها للأجانب، فقال تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن} أي أزواجهن، والعل الزوج المالك. # قال في البرهان: يعني الزينة الباطنة، ويجوز أبداؤها للزوج استدعاء لميله ~~وتحريكا لشهوته، فلذلك لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السلتاء ~~والمرها ، والسلتا التي لا تختضب، والمرها التي لا تكتحل، وتفعل ذلك ~~لانصراف شهوة الزوج عنها، وأمرها بذلك استدعاء لشهوته، ولعن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم المسوفة والمفسلة، فالمسوفة هي التي إذا دعاها زوجها ~~قالت: إني حائض وهي يغير حائض، انتهى. # وفي النهاية والشفاء: المفسلة هي التي إذا أرادها زوجها قالت له سوف ~~أفعل، ولم تطاوعه، والتسويف التأخير والمطل، والمفسلة هي التي إذا طلبها ~~زوجها للةطئ قالت إني حائض وليست بحائض، فيفسل زوجها من الفسولة وهي ~~الفتورة في الأمر، فبين سبحانه أن هذه الزينة الخفية يجب إخفائها عن ~~الكلام، ثم استثنى اثنى عشر صورة: # أحدها: أزواجهن. # وثانيها: قوله: ms1010 {أو آبائهن} والخطاب مجمل في جميع الآباء من الرضاعة ~~والنسب، وإن علو من جهة الذكران والإناث، كآباء الآباء والأمهات. PageV17P022 # وثالثها: قوله تعالى: {أو آباء بعولتهن} فهذا حما المرأة أي آباء أزواجهن. # ورابعها: قوله سبحانه: {أو أبنائهن} من الرضاعة والنسب وإن سفلو، ويدخل ~~فيه أولاد الأولاد وإن سفلو من الذكران والإنثا، وبني البنات. # وخامسها: {أو أبناء بعولتهن} فهم أبناء زوج المرأة الذي هم من غيرهم، ~~والبعولة هم الأزواج، واحدهم بعل، قال الشاعر: # وإن رجالا زوجوكم فتاتهم # لقوم حراص أن يكون لها بعل # وسادسها: {أو إخوانهن} سواء كانوا من الأب أو من الأم، أو منهما. # وسابعها: {أو بني إخوانهن}. # وثامنها: {أو بني أخواتهن} كذلك قال في البرهان وهؤلاء كلهم ذووا محارم ~~بما ذكر من الأنساب والأسباب تجوز ابداء الزينة لهن، ويجوز لهم النظر إليهن. # وروينا عن آبائنا عليهم السلام أن الحسن والحسين كانوا يدخلان على أختهما ~~أم كلثوم وهي تمشط. # وتاسعها: قوله تعالى: {أو نسائهن} اختلف في معنى الإضافة هذا فقيل: يراد ~~كل النساء، ووجه الإضافة التخصيص بمن حصرهن من النساء. # وقيل: أراد المؤمنات كقوله: {شهيدين من رجالكم}. # قلت: وهذا هو تفسير الهادي وغيره من أئمتنا عليهم السلام، وسيأتي الآن ~~لفظه إن شاء الله تعالى، وقد مر أيضا شيء منه في سورة الأحزاب. # قال الرازي: وهذا قول أكثر السلف. # قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة، ولا تبدي ~~للكافرة إلا ما تبدي للأجانب، إلا أن تكون أمة لها، لقوله تعالى: {أو ما ~~ملكت أيمانهم} من الإناث، وصغار العبيد الذين لم يطلعوا على عورات النساء. # وأما الكبار منهم فليس يجوز لهن أن ينظرن إليهم أو يبدين من زينتهن ~~الباطنة شيئا، وحكم الكبار من العبيد كحكم الأجانب، وهذا عاشرها. # وحادي عشرها قوله تعالى: {أو التابعين} لكم ليصيبوا من فضل طعامكم. PageV17P023 # قيل: وهم المجانين الذين يتبعون ويسيرون مع الناس كالبهائم لا يعقلون، وهم ~~أهل البلاهة من الغلمان الذين لا يفهمون ولا يعرفون أمور النساء، ولا ~~يميزون. # قال الإمام أحمد بن سليمان ms1011 عليه السلام: التابعون هاهنا هم أهل الرضاعة؛ ~~لأن الرضاع يتبع النسب. # وأما قوله تعالى: {غير أولي الإربة من الرجال} فاستثنى منهم من ينظر ~~للشهوة ولم يستثن ذلك في ذوي الأرحام؛ لأن الرحم يلزم ما لا يلزم الرضاع، انتهى. # وقال في البرهان: يعني أولي الإربة الشيخ الهم الذي قد رجع إلى حال ~~الطفولية في ذهاب العقل والتمييز، وضعف السمع والبصر، وزوال الشهوة، وفي ~~معنى الإربة قولان: # أحدهما: أنه مأخوذ من العقل من قولهم: رجل أريب إذا كان عاقلا، والأرب هو ~~العقل واللب، قال الشاعر: # فقد أفادت له حلما وموعظة # لمن يكون له أرب ومعقول # انتهى. # وفي اللغة العربية من السعة ما لا يحصى، قال الشاعر: # فقلت في بعض رسالات الكتب ... سر إليها من أديب ذي أرب # والثاني: مأخوذ من الأرب وهو الحاجة إلى النساء، وإلى جماعهن، وإذا احتاج ~~الرجل إلى الشيء قال لي فيه أرب، وإذا كان له حوائج قال لي فيه مأرب، قال ~~تعالى: {ولي فيها مآرب أخرى}. # وأما الخصي والمجبوب فجكمهما في تحريم النظر كأحكام غيرهما ممن هو صحيح ~~الآلة، فإن المعلوم أن الخصي والعنين ومن شاكلهما قد لا تكون له إربة في ~~نفس الجماع، وتكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون ~~المراد فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه أنه لا إربة له في سائر ~~وجوه التمتع إما لفقد الشهوة وإما لفقد المعرفة، وإما للضر والمسكنة. PageV17P024 # وثاني عشرها: قوله تعالى: {أو الطفل} أراد الجنس الذي هو بمعنى الجمع، ولذا ~~قال: {الذين لم يظهروا على عورات النساء} أي لا يميزون بين العورة وغيرها، ~~ولا يقدرون على الوطئ، من ظهر على الشيء اطلع عليه، أو من ظهر عليه قدر ~~عليه، ولم يذكر الأعمام والأخوال لئلا يصفوهن لأبنائهم فيداني تصورهم لهن ~~نظرهم وهو من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر، وسميت ~~العورة عورة لقبح ظهورها وغض الأبصار عنها مأخوذ من عور العين. # ثم قال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ms1012 زينتهن}. # قال ابن عباس وقتادة: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب الأرض برجلها ليتقعقع ~~خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فنهو عن ذلك؛ لأنه أبلغ في الستر. # وقيل: كن نساء يلبسن الخلاخل في أرجلهن، فإذا مررن بمجلس ركضن بأرجلهن ~~فسمع صوت الخلاخل فسمعهن أهل الريب، ويعلمون أنهن متبرجات غير عفيفات، فأدب ~~الله النساء بأدب حسن، ووفقهن على هدي كريم فيه الستر والخفر. # وفي البرهان: يحتمل فعلهن أمرين، إما أن يفعلن ذلك فرحا بزينتهن ومرحا، ~~وإما أن يعرض بالرجال، وكلا الأمرين فالمنع منه واجب، وفي معنى هذه الآية ~~من أولها يقول الهادي إلى الحق عليه السلام ما لفظه: الغض من البصر هو أن ~~لا ترفع بصرها إلى من لا يجوز لها النظر إليه، وحفظ الفرج فهو حفظها عما ~~حرم الله عليها، وما ظهر من الزينة فهو ما لابد منه من الكحل والخاتم، فهذا ~~ما لا يقدرن أن يسترنه، والضرب بالخمر على الجيوب فهو رخاء الخمر على ~~الجيوب حتى تبلغ الصدور، وتستر الوجوه كلها، والخمر فهي المقانع. PageV17P025 # وأما قوله: {أو نسائهن} فيقول أهل ملتهن من النساء المسلمات لا من الذميات ~~والمشركات، وهذه الآية تحرم على المسملة إظهار زينتها، والتبذل للذمية{أو ~~ما ملكت أيمانهن} فهن الذميات المملوكات، فيقول: لا جناح عليها أن تبديها ~~للمذية إذا كانت مملوكتها دون الحرة منهن {أو التابعين غير أولي الإربة} ~~فقد قيل: أنهم العنانة الذين لا يأتون النساء، ولا يقدرون عليهن، ولا ~~يرغبون فيهن، ولا لهم أرب في مجامعتهن، والطفل فهو الصغير من الغلمان أبناء ~~الخمس والست والسبع الذين لم يظهروا على عورات النساء، فهم الذين لم يعلموا ~~ما يكون بين الرجال والنساء، ولم يفهموا ذلك ولم يقفوا عليه بعد، والضرب ~~بالأرجل الذي نهين عنه كان النساء المتبرجات في الجاهلية يفعلنه حتى تتحشحش ~~الحلي ويصلصل الخلخال في أرجلهن فيسمع الرجال فيعلمون أن في أرجلهن حليا، ~~فأمر الله سبحانه أن لا يفعلن من ذلك شيئا، انتهى. # قال الرازي: ومعلوم أن الرجل تغلب عليه شهوة النساء، أنه إذا سمع صوت ~~الخلخال يصير ms1013 ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل تعالى ذلك قال: ~~{ليعلم} فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن تعلم زينتهن من الحلي وغيره، ~~وفي الآية فوائد: # الأولى: لما نهى عن سماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع ~~من إظهار الزينة أولى. # الثانية: أن المرأى منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب، ~~إن كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء؛ ~~لأنه يحتاج إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عن ذلك. PageV17P026 # الثالثة: تدل الآية على حظر النظر إلى وجهها بالشهوة، وإذا كان ذلك أقرب ~~إلى الفتنة، ثم قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} أي ~~المصدقون بقولهم: مما كنتم تفعلونه في الجاهلية، أو من تقصيركم فيما أمرتم ~~به، فالعبد الضعيف وإن ضبط نفسه لا يخلو من تقصير أو أراد ما يقول العلماء ~~أن من أذنب ثم تاب يلزمه كل ما ذكره أن يجدد عنه التوبة؛ لأنه يلزمه أن ~~يستمر على ندمه وعزمه حتى يلقا ربه عز وجل. # ومعنى قوله سبحانه: {لعلكم تفلحون} أي لتفلحوا وتسعدوا في الدنيا ~~والآخرة، خوف المؤمنين أن يكون بهم أمور لا يعلمونها، فأمرهم بالتوبة منها. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني لأرجو أن أكون ~~أملككم لأربه، وإني لأتوب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة)) هذا من لطف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمته، رأفة بهم وشفقة، وكريم خلقه، ومنير ~~دلالته على الخير ودعوته. # الحكم الثامن: ما يتعلق بالنكاح # اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن ~~الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال ~~سبحانه: {وأنكحوا} أي زوجوا {الأيامى منكم والصالحين من عبادكم} أي ~~غلامانكم {وإمائكم} جواريكم، وهذا أمر ندب بإنكاح العبيد والإماء إذا كانوا ~~صالحين، كما أمر بإنكاح الأيامى لاستحقاق السيد لولاية عبده وأمته، فإن دعت ~~الأمة سيدها أن يزوجها لم يلزمه؛ ms1014 لأنها فراشا له، وخص الصالحين من الأرقاء، ~~ليحصن دينهم، ويحفظ صلاحهم؛ لأنهم الذين يشفق عليهم مواليهم، وينزلونهم ~~منزلة أولادهم. # وأما المفسدون فجالهم عندهم على عكس ذلك، وأريد بالصلاح القيام بحقوق ~~النكاح. PageV17P027 # وقال في التجريد: إنما قيد بالصلاحي في المماليك لاظهار مزية النكاح عند ~~الله تعالى، كأنه لا يريده إلى من كان صالحا، وخصوصا من المماليك، وأنه ~~يغلب فيه من الوقوع في الزنا، كما قال تعالى: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا ~~يؤذين} وكأنه قيل والصالحين بإرادة النكاح أولى؛ لأن الاهتمام بالصالحين من ~~الأرقاء أوفر. # قال في البرهان: والأيامى جمع أيم وهو اسم لمن لم يتزوج من رجل وامرأة ~~بكرين كانا أو ثيبين، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى ~~عن الأيمة وهو العزبة، قال الشاعر: # ألا واحذري ثم احذري ثم حاذري # جبانا إذا ما صاح بالروع صايح # وكوني حبيسا أيما وتربصي # لخرق تخاططه الليالي الشحائح # وقال: حبيسا أيما لا زوج لها، وأيامى أصله أيائم، فضربت وذلك يتامى، ثم ~~قال فيه وفي هذا الخطاب قولان: # أحدهما: خطاب للأولياء أن ينكحوا أياماهم من كفائهن إذا دعون إليه؛ لأنه ~~خطاب خرج مخرج الأمر الحتم، فلذلك توجه الأمر إلى الولي دون الزوج. # والثاني: أنه خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة، وهذا الأمر ~~للمحتاج على الاستحباب، انتهى. وعند أهل الظاهر النكاح واجب. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان له مال يتزوج به فلم يتزوج فليس منا)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا تزوج أحدكم عج شيطانه، يا ويله عصم ~~مني ثلثي دينه)) وربما كان الواجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. # وفي الحديث: ((يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية، ~~فإذا كان ذلك حلت العزبة)). # ثم قال تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}. # قال في البرهان: إما بعقيدة الصالحين، وإما باجتماع الرزقين. PageV17P028 # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اطلبوا الغنى في ~~هذه الآية: {إن يكونوا فقراء يغنهم ms1015 الله من فضله})) انتهى. أي بسبب النكاح ~~إن شاء أي بشرط المصلحة، وقد نص على الشرط في سورة التوبة: {وإن خفتم عيلة} ~~أي فقرا {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} ومن لم تيسر هذه الشريطة لم ~~ينتصب معترضا بعزب كان غنيا فأفقره النكاح، ولا على قوله: {ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا} الآية، بفاسق تاب واتقى، وكان له شيء فغنى وافتقر، فأطلق ~~سبحانه تزويج الإماء وتزويج الفقراء بقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله} عطف بهذا القول بعضهم على بعض، يقول: لا يمتنع من تزويج الفقراء فإن ~~الله يغنيهم من فضله، ولا تزهد في المرأة لفقرها، وارغب في صلاحها، كما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تزوج المرأة لجمالها، تزوج ~~المرأة لنسبها، تزوج المرأة لمالها، تزوج المرأة لدينها، فعليك بذات الدين ~~تربت يداك)) ثم قال: {والله واسع عليم} أي واسع الرزق، عليم بأحوال الخلق، ~~يقبض ويبسط على حسب المصلحة. # واعلم أنه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال ~~تعالى: {وليستعفف} أي وليعف {الذين لا يجدون نكاحا} والعفة في العرف ~~الامتناع من الزنا، وإن جاز أن تستعمل في الامتناع من كل فاحشة، والمعنى ~~ليجتهد في العفة من لا يستطيع تزوجا، أي مالا ينكح به، أو لا يجد الرجل ~~زوجة والمرأة زوجا، والسين للطلب كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف، ~~وحاملها عليه. # وقوله: {حتى يغنيهم الله من فضله} وعد للمتعففين بالفضل والغنى ليكون ذلك ~~لطفا في استعفافهم وصبرهم إلى وقت الإمكان والجدة. # الحكم التاسع: في الكتابة PageV17P029 اعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع ~~الرق، بعثهم على أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحرارا فيتصرفون في ~~أنفسهم كالأحرار، فقال سبحانه: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم} ~~وهي أن يقول لمملوكه: كاتبتك على ألف مثلا في نجمين أو نجم كذا، ثم يقول: قبلت. # وقيل: تصح معجلة. # وقال في الكتاب: أي المكاتبة كالعتاب والمعاتبة، وهو مأخوذ من كتب ms1016 بمعنى ~~وجب؛ لأن السيد يوجب على نفسه العتق على أداء المال، والعبد يوجب على نفسه ~~أداء المال، أو من كتابة القرطاس؛ لأن العادة جارية بتسطير رقعة في نحو ذلك. # وقوله: {والذين يبتغون} مرفوعا على الابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره ~~قوله تعالى: {فكاتبوهم} كقولك: زيدا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. # ثم قال سبحانه: {إن علمتم فيهم خيرا} أي دينا وتقوى، ووفاء. # قال الهادي عليه السلام: وليس هذا بأمر فرض ولكنه أمر ندب وترغيب. PageV17P030 # قال في البرهان: فإن تراضى السيد والعبد عليها جاز، وإن دعا السيد إليها لم ~~يجبر العبد عليها، وإن دعا العبد إليها وعلم السيد فيه خيرا أجبر السيد ~~عليها، فإذا انعقدت الكتابة لزمت من جهة السيد، وكان المكاتب فيها مخيرا ~~بين المقام أو الفسخ، وسبب نزول هذه الآية أن عبدا لحويطب بن عبد العزى ~~سأله أن يكاتبه فامتنع حويطب فأنزل الله تعالى فيه، وفي تفسير هذه الآية ~~يقول الهادي عليه السلام: والذين يبتغون الكتاب هم العبيد والإماء يطلبون ~~المكاتبة فيكاتبون إذا علم فيهم خير، والخير فهو الدين والتقوى، والوفاء ~~والإعفاء، والاهتداء والورع، لا ما يقول غيرنا من أنه المال، ويقيسون ذلك ~~بقول الله: {إن ترك خيرا الوصية} وليس ذلك كذلك، وإن اشتبه في اللفظ فهو ~~مخالف في المعنى، وكيف يكون ذلك هو المال ومال العبد لسيده، وهو لو علم ~~بمال عند عبده فأخذه لكان ذلك له، فكيف يبيعه نفسه بمال هو له، ألا تسمع ~~كيف يقول: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} يريد من ماله الذي جعله في ~~أيديكم لهم، من الصدقات وأجراه على أيديكم لهم، وجعلكم المستخرجين له من ~~غيركم؛ لأنه أعطاهم كما أعطاهم غيره من الأشياء مثل جزء الرسول من خمس ~~الغنائم الذي جعل أمره إلى الإمام يحكم فيه بما يرى من الحكام، ويأكل ويشرب ~~وينكج فيه، ويركب ويلبس، ويتكل في أموره عليه، ومثل نصيبه في الفيء ومثل ما ~~جعله له مما أجلى عنه المحاربون من غير أن يجلب عليهم المؤمنون، فكل ما ~~ذكرنا من ms1017 ذلك فللإمام كله، والانتفاع به. # وأما ما ذكر الله من الصدقات اللواتي أمر الله الأئمة بأخذها من ذوي ~~المقدرات وجعلها في الرقاب وغيرها من الثمانية الأصناف فلا ييحل لإمام ~~المسلمين، ولا لأهل بيته أجمعين أكل ولا شرب ولا غير ذلك من المنافع. PageV17P031 # قال الله سبحانه: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} والرقاب ~~فهم المكاتبون المذكورون في الصدقات المفروض لهم ثمن ما جبي من الجبآيات ~~إلا أن لا يكون منهم من يستعين في مكاتبته، ولا يجد الإمام ذلك في ولايته، ~~فيصرف جزأهم في أحق الأصناف السبعة الباقية، فأما ما يقول العامة من أن ~~المأمورين بأن يؤتوهم هو من كان كاتب عبده، وأنه يجب أن يطرح عنه جزءا مما ~~عليه، فليس ذلك بشيء، وليس على من باع شيئا ورضي المشتري بما ابتاع واشترى ~~ربع درهم مما عليه افترق، ومضى عليه وبه الشرى، فأما من لم يؤمن بوائقه ~~وشره ولم يرج رشده وخيره فلا تجوز مكاتبته ولا عتقه؛ لأن في ذلك له راحة من ~~الملك القاسر له عن كثير من أفعال العاصين، ومتى تخلصت رقبته من الرق تزايد ~~في أقعال الفاجرين، وتفرغ لمعاونة الظالمين، ومعاندة رب العالمين، وكان من ~~أعتقه أو كاتبه معينا له على معاصيه لما أطلق من حباله، وأسلس من عنانه، ~~وقد علم بفجوره وعصيانه، انتهى. # فقوله: {وآتوهم} أمر وجوب، أوجب على المسلمين أن يؤتوهم سهمهم من الصدقة ~~المذكور في قوله: {وفي الرقاب} وهذا قول أهل البيت عليهم السلام وعند ~~الشافعي هي أيجاب على الموالي أن يحطوا عنهم من مال الكتابة، وإلا أجبروا. # الحكم العاشر: الاكراه على الزنا PageV17P032 اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم، أتبع ~~ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور فقال تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم} ~~جواريكم {على البغاء} الفجور بالزنا {إن أردن تحصنا} أي عفة، كأن إماء ~~الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبي رأس المنافقين ست جوار ~~يكرههن على البغاء، ms1018 وضرب عليهن ضرائب، فشكت منهن معاذة ومسكة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت، وإنما أدخل: {إن أردن تحصنا} لأن الإكراه ~~لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، أي العفة، وأمر الطيعة بالبغاء لا يسمى كرها ~~ولا أمره إكراها وإيثار أن التي للشك على إذا للإعلام بأن الساعيات كن ~~يفعلن ذلك برغبة، وإنما وجد من مسكة ومعاذة من الشكوى هو من الشاذ النادر. # وقيل: المراد بفتياتكم المرأة الحدثة. # قلت: وهذا قول المنتخب الحسن بن أحمد الناصر بن يحيى الهادي عليهما ~~السلام. # قال: ومعنا هذا أن يقول الرجل: لا أزوج حرمتي إلا من ذي شرف ومال، ويسار ~~وحسن حال، فيدعوها المنع من التزويج إلى ما حرم الله عليها، فنهاه الله عن ~~تعريضها للفتنة، وأمره بتزويجها، والفتاة المرأة التي لم تزوج الحدثة، ~~والإحسان إليهن والتأدب بأدب الله خير من حمية الجاهلية، والبغاء الزنا ~~المشتهر بعلامة تكون لصاحبته، انتهى. # ثم قال سبحانه: {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} من الشرف والمال، واليسار ~~وحسن الحال، أو ما يؤخذ من أجورهن من المال بسبب البغاء شبه بالحركة ~~والسكون، لحقارته وسرعة زواله وعقابه لا يزول. # ثم قال تعالى: {ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} لهم ولهن ~~أو لهم معا إذا تابوا، فإن قيل: المكرهة على الزنا مغفور لها بخلاف الرجل ~~المكره عليه فما وجه تعليق المغفرة بالإكراه؟ PageV17P033 # قالوا: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة بقتل أو ما يؤدي إلى تلف أو ~~ذهاب عضو حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عما تعذر فيه فيأثم؛ لأن المكرهة ~~على الزنا غير آثمة بخلاف المكره وهذا على رأي بعض المتكلمين، أن إكراه ~~المرأة يصح إذ لا تحتاج إلى التمكين بخلاف الرجل، فإن الخوف يمنعه من ~~الانتشار والمذهب خلافه، واستبعد الأخوان أن الخوف يمنع الانتشار إذ الرجل ~~يشتهي، والمكره يحد عند م بالله. # وعن السيد الأزرقي: لا يحد وهو قول أبي يوسف ومحمد. # وعن بعض المتأخرين من أهل المذهب أن المكره إذا لم يبق له فعل لم يحد ms1019 ~~اتفاقا بينهم، والخلاف في حد المكره متأول بأنه بقى له فعل. # اعلم أنه سبحانه لما ذكر في هذه السورة الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاثة: # أحدها: قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} هي التي بينت في هذه ~~السورة، وأوضحت في معاني الأحكام. # وقيل: تعم ما في آيات القرآن فإنها بينة الاعجاز وبينة الدلالة على ما ~~يراد بها من توحيد ووعظ وغير ذلك. # وثانيها: قوله: {ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} أي قصة عجيبة في غرابتها، ~~كالمثل يقول: وضربنا لكم الأمثال كقصة يوسف ومريم، وأنزلنا مثلا من أمثال ~~من قبلكم. # وقيل: أراد أنه أنزل في القرآن مثل مثل ما أنزل في التوراة من إقامة ~~الحدود، وقيل: أراد شبها من المكذبين الذين خلو بحالكم لتعتبروا. PageV17P034 # وثالثها: قوله: {وموعظة للمتقين} يريد زجرا ينزجر به المتقون لعذاب الله، ~~وخصهم؛ لأنهم المتقون بالوعظ، أي ما وعظوا به من الأحكام، وآيات الإفك ~~المنزهة لعائشة، كقوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} و{لولا إذ ~~سمعتموه} {يعظكم الله أن تعودوا لمثله} والمراد به الوعيد والتحذير من فعل ~~المعاصي، ولا شبهة في أنه موعظة للكل، لكنه تعالى خص المتقين بالذكر للعلة ~~التي مر ذكرها، وهاهنا آخر الكلام في الأحكام. # القول في دلائل التوحيد # اعلم أنه تعالى ذكر مثلين: # أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور. # الثاني: في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفا. # أما المثل الأول فهو قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء}. # اعلم أن النور هو الضياء، ولا يجوز إطلاقه على الله تعالى؛ لأنه جسم أو ~~عرض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض، فيجب التأويل. # قيل: وفي تأويله وجهان: # أحدهما: أن يقدر مضاف، ويراد الله ذو نور السماوات والأرض، أي صاحب ~~نورها، فجذف المضاف، وأن يراد بالنور ms1020 على هذا الشمس والقمر، وسائر النيرات، ~~فكأنه قيل: الله خالق أنوار السماوات والأرض. # وثانيهما: أن يراد تشبيه عدل الله بالنور، كما شبهوا الظلمة بالظلمات. # اعلم أنه لابد في التشبيه من أمرين: المشبه والمشبه به، اختلف الناس في ~~أن هاهنا المشبه أي شيء هو، وذكروا وجوها: PageV17P035 # أحدها: أن المراد تشبيه هدي الله الذي يهدي به الحيوانات عموما، والمكلفين ~~خصوصا، وهذا أقرب ملاءمة لقوله: {مثل نوره} وما بعده من قوله: {يهدي الله ~~لنوره من يشاء} وتقديره الله هادي أهل السماوات والأرض، ويعم سائر الهدايات ~~التي هدى الله بها خلقه. # وثانيها: أن المراد بالنور القرآن، شبه بالنور في ظهوره وبيانه، وأضاف ~~النور إلى السماوات والأرض، إما للدلالة على سعة إشراقه، وانتشار إضائته ~~حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما أن يراد أهلها؛ لأنهم مستضيئون به. # وثالثها: أن المراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه المرشد، ولأنه ~~قال تعالى في صفته: {وسراجا منيرا} وهو قول عطاء. # ورابعها: {الله نور السماوات والأرض} فهو المظهر للحجج القاهرة، والأعلام ~~النيرة الباهرة، والدلالات الواضحة المنتشرة مما تدل أنه رب البرايا، ومنشء ~~الأشياء ومبين الحق، والقائم بالقسط، وأنه منير السماوات والأرض بذلك، لا ~~على أنه نور من الأنوار، فتضاده الظلمة، وتحويه الأمكنة، وتحويه الأزمنة، ~~ليس بنور ضوء فيزول، ولا بنور حر فيحول، ولكنه الدال بالحق المبين الذي لا ~~شبهة فيه، ضربه مثلا حيث يقول: {مثل نوره} ولم يقل مثله إذ لا مثل له ولا ~~شكل، ولا عديل، والنور يخرج من كلام العربي مخارج كثيرة. # منها أن يقال: كلام فلان نور، وقوله نور وفعله، والفعل والقول ليسا بنور ~~إلا على المثل السائر، والله لا تلحقه صفات الحدث، ولا تدرك الحواس ولا ~~الفكر، قال الشاعر: # وقد جاء نور في الكتاب مبينا # جلى الشك عنها والظلام فنورا # ومعنى مثل نوره يقول مثل احتجاجه وبرهانه وتبيينه لخلقه الدليل، ونصبه ~~السبيل {كمشكاة فيها مصباح} والمصباح السراج المتوقد في الذبال المفتول، ~~والزجاج القنديل، استنغنى باسم الزجاجة عن القنديل لمعرفة المخاطب بذلك، ~~قال الشاعر: # نظرت إليها ms1021 والنجوم كأنها ... قناديل ربان تشب لقفال PageV17P036 {كأنها كوكب دري يوقد} أبيض شديد البياض، شبه بالدر وهو اللؤلؤ، قوله: ~~{يوقد} يقول توقد النار من دهن {شجرة مباركة} ثم أخبر ما هي وفسر فقال: ~~{زيتونة} مباركة يقول بارك فيها، فأخرج منها حملها تاما صافيا لا فساد فيه، ~~ولا تغيير في حبه {لا شرقية ولا غربية} يقول لم تكن في ظل المشراق ولا ظل ~~المغرب، فتستولي عليها إحدى الناحيتين ضحت للشمس وصحت من كل آفة {يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} لشدة صفائه {نور على نور} يقول: نور الزيت ~~الصافي من السواد والعكر، والمتسخرج من خير معدن، ومعتصر ونور النار الممدة ~~بخير الأدهان الموقدة في أحرز مكان المصفاة من الشواظ والدخان، ونور ~~الزجاجة المصفاة من الجوهر النفيس الخالص من اللون اللبيس، فكذلك حجج الله ~~وآياته وبرهانه {نور على نور} بيان لأهل السماء والأرض، ومفصل للحق والفرض، ~~فهو لأهل السماء برهان، وعليهم حجة، ولأهل الأرض نور وعليهم حجة، وفيما بين ~~ذلك نور وحجة، فكل ذلك نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، يقول: لدينه ~~من اهتدى أي يزيد من اهتدى هدى؛ لأنه يشاء أن يهدي المهتدين ويضل الضالين، ~~فهدى المهتدين بهداهم، وأضل الضالين بضلالتهم، وفي ذلك قوله تعالى: {والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} أي عرفهم بما يتقولن، وقال: {ويضل الله ~~الظالمين} انتهى. ومثل هذا الوجه ذكر القاسم عليه السلام. PageV17P037 # وقال في سائر الوجوه المذكورة أنه قد يجوز ذلك، وأن يكون الله عناها، وهذه ~~أمثالا ضربها الله للناس لعلهم يتفركون، هذه الثلاثة الوجوه داخلة في القول ~~الأول؛ لن من جملة أنواع الهداية إنزال الكتب، وبعثة الرسل، وظهور الحجج، ~~والمعنى أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلا إلى أقضى الغايات، وصارت ~~في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد ~~بزيت بلغ النهاية في الصفاء. # قال في البرهان: قوله تعالى: {كأنها كوكب دري} بضم الدال وترمك الهمز، ~~وتأويلها أنه يشبه الدر لصفاته ونقائه، وقرئ دري بضم الدال والهمز ms1022 أي أنه ~~مضي، وقرئ دري بكسر الدال والهمز وتأويلها أنه متدافع؛ لأنه بالتدافع ~~يصير..........فيكون أقوى بضوئه، مأخوذ من درأ يدرأ أي يدفع. # والرابعة دري بكسر الدال من غير همز وتأويلها أنه جار كالنجوم الدراري ~~ماخوذ من درا الوادي إذا جرى. # قال فيه: وروينا أن المراد بالشجرة المباركة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وخيار ولده، والمصباح أمير المؤمنين علي عليه السلام يشتعل من ~~دهن شجرة، أي ينفع الناس بالعلم، ويهديهم إلى الرشد، كما يهدي المصباح الذي ~~يشتعل الضلال إلى الطريق، والتوقد من شجرة أي من علم شجرة فجعل بمنزلة ~~الدهن الذي يشتعل منه المصباح {لا شرقية} أي أنها مؤمنة، لا تصلى إلى ~~المشرق كما يفعل النصارى {ولا غربية} أي ليست بيهودية تصلي إلى المغرب ~~{يكاد زيتها يضيء} أي علمها يكاد تنبت وتنتشر كانتشار الضياء، ولو لم يطلبه ~~طالب، وهذا معنى قوله: {ولو لم تمسسه نار نور على نور} أي نبي من نسل نبي، ~~أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نسل إبراهيم والحسن والحسين من نسله ~~والأئمة الهداة من نسلها، فنور على نور نبي من نبي من إمام {يهدي الله ~~لنوره من يشاء} أي يهدي الله لخيار خلقه من يشاؤ من أوليائه، انتهى. PageV17P038 # فمعنى يهدي أي يوفق لهذا النور الثاقب من يشاء من عباده لإصابة الحق وهو من ~~نظر وتدبر بعين عقله، ومن لم يتدبر فهو كالأعمى سواء عليه جنح الليل الدامس ~~وضحوة النهار الشامس، وهذا مثل ضربه الله في وضوخ الحث والدين لأهله وفيهم، ~~ولذلك قال سبحانه: {ويضرب الله الأمثال للناس} ليهتدوا بها كما ضرب مثلا ~~للحق {والله بكل شيء عليم} يقول هو العالم بالأشياء كما لا يخفى عليه شيء ~~منها، أو فهو يعلم كيف يضرب لهم الأمثال. # فإن قيل: لم شبه بذلك وقد علمنا أن ضوء الشمس أبلغ في ذلك بكثير؟ # قيل في الجواب: إنه سبحانه لما أراد أن يضف الضوء الكامل الذي يلوح وسط ~~الظلمة؛ لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم أنما هو الشبهات التي ms1023 هي ~~كالظلمات، وهداية الله فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين ~~الظلمات وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس؛ لأن ضوؤها إذا ظهر امتلأ ~~العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلآ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم ~~كان هذا المثل هاهنا أليق. # قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام في تفسيره لهذه الآية الكريمة جعل ~~الله له على المتعبدين حججا ثلاثا، وهي الكتاب المنير والرسول البشير ~~النذير، والعقل الكامل واللب الحاصل، قال عز من قائل: {الله نور السماوات ~~والأرض} الآية، قمثل بهذه الأنوار التي هي أجلا من ضوء النهار، فمثل ~~السماوات والأرض بمحراب الراهب يكون فهي مصباح في زجاجة والمشكاة هي محراب ~~الراهب، قال الشاعر: # ضبت عليه الخوف حتى كأنما # جعلت عليه الأرض مشكاة راهب PageV17P039 ومثل القرآن بالمضباح ومثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالزجاجة؛ لأنه ~~يحمل القرآن والزجاجة تحمل المصباح، ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالنور فقال: الزجاجة كأنها كوكب دري، وقد قال فيه عز من قائل: {ياأيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا} ومثل العقل بالدهن الذي يخرج من الزيتون، وبالغ في وصف الزيتون ~~فقال: {لا شرقية ولا غربية} ومن المعروف أن الزيتون لا يصلح إلا في سراة ~~الأرض وحبالها، ولا يصلح في مشارف الأرض ومغاربها، وقد قال الله تعالى فيه: ~~{وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} ثم قال: {يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور} يريد أن العقل يكاد أن يعرف الحق ولو ~~لم ينزل عليه قرآن، ولما كان المصباح لا ينبت إلا بالدهن فكذلك القرآن لا ~~يفقه إلا بالعقل، ولا يعرفه من لا عقل له، فكذلك الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا يعرفه من لا عقل له، فكان العقل قواما لمعرفة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والكتاب، كما أن الدهن قوام للمصباح، ثم وصف الله سبحانه ~~القائمين بهذه الحجج، والعارفين للصراط المستقيم، والمنهج الذي هداهم الله ~~إلى ms1024 طاعته، وأنعم عليهم بالدخول في عبادته، وجعلهم من حزبه وأهل ولايته، ~~وذكر المواضع التي يعبدونه فيها، ويجتمعون في ليلهم ونهارهم إليها، انتهى. ~~فقال تعالى: {في بيوت} هذا متعلق بما قبله، أي المشكاة في بعض بيوت الله، ~~وهي المساجد التي تبنى للذكر ودراسة العلم والصلاة، وتعلم الخير، ويجوز أن ~~يكون كلاما مستأنفا متعلقا بتبسيح، ومعنى قوله: {أذن الله أن ترفع} أي أذن ~~أن تبنى، ورفعها بناؤها، وأمر الله أن ترفع من الأنجاس والمعاصي، وتطهيرها، ~~والرفع لها هو الإجلال والتعظيم، PageV17P040 ليعرف بينها وبين غيرها في حكم الحكيم، ثم قال سبحانه: {ويذكر فيها اسمه} ~~أي يتلى فيها كتابه، وتذكر فيعها اسماؤه الحسنى بما يجب من التنزيه والمدح ~~والتسبيح، وهو عام في كل ذكر، وأصله العلم وتلاوة القرآن، قوله: {يسبح له ~~فيها} التسبيح التنزيه، ويكون التسبيح بمعنى الصلاة، ثم قال تعالى: ~~{بالغدو} أي في صلاة الصبح {والآصال} في صلاة العصر جمع أصيل وهي العشايا، ~~والعشاء آخر اليوم {رجال} أي قوم من المؤمنين. # قال الزجاج: رجال مرفوع؛ لأنه لما قال يسبح له فيها، فكأنه قيل: من يسبح، ~~فقيل: يسبح رجال، ثم وصفهم فقال: {لا تلهيهم تجارة} تعم البيع والشراء؛ لأن ~~التجارة جنس يدخل تحته الشراء والبيع. # وأما قوله: {ولا بيع} فمثل قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} ذكر ثانيا؛ لأنه أدخل في الإلهاء من حيث أن الربح قد تعين فيه، ~~والشراء شيء يتوقع ربحه، ويجوز أن يراد بالتجارة الشراء فقط. # وقال في البرهان: التجار هم الجلاب المسافرون والباعة المقيمون. # وقوله: {عن ذكر الله} يعني عن ذكره بأسمائه الحسنى. # أما قوله: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} فهو حفظوا حدودها وأتوا بها في ~~أوقاتها على رسومهما، قاله ابن عباس، قيل: ويجوز أن يكون قوله: {وإقام ~~الصلاة} تفسيرا لذكر الله، فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة، ثم بين ~~سبحانه أن هؤلاء الرجال وإن تشددوا في الذكر لله والطاعات، فإنهم مع ذلك ~~موصوفون بالوجل والخوف فقال تعالى: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار} أي تتغير فتضطرب فيه القلوب ms1025 من الهول، وتشخص فيه الأبصار فلا تقر ~~في أماكنها من الفزع، وتتغير أحوالها حالا بعد حال على قدر الحوادث ~~والهوال، والحساب، فتفقد القلوب بعد الطبع، وتبصر الأبصار بعد العمى عن الهدى. PageV17P041 # ثم قال سبحانه: {ليجزيهم الله} أي يسبحون ويخافون ليجزيهم الله {أحسن ما ~~عملوا} أي جزاء أعمالهم، يزيد ثوابهم مضاعفا {ويزيدهم} على الثواب {من ~~فضله} تفضلا، ثم قال تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} أي تفضلا، فأما ~~الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق. # قال الهادي عليه السلام: إن قال قائل ما معنى قوله: {بغير حساب} وهو قد ~~يحاسبهم في الآخرة؟ ويسألهم عما أنفقوا من أموالهم فيه؟ ويحاسبهم ويسألهم ~~على ما........؟ قيل له: إن المحاسبة فيه لهم ليست تكون على انفاق نفس تلك ~~الأموال التي رزقهم، وإنما يحاسبهم على ما اكتسبوه وفعلوه، وما كنزوه بها، ~~وبأسبابها لا عليها هي في أنفسها، ألا ترى أنه إنما يحاسب من صرف رزق الله ~~في الحرام دون الحلال، لا من صرف رزقه في الحلال دون الحرام، ولو كان ~~المحاسب منه تقع على الأموال أنفسها، لكان الحساب يقع على المنفق لها ~~بالطاعة والمنفق لها في المعصية، فمن صرف رزق الله فيما له رزقه إياه كان ~~غير محاسب له عليه، ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه لنبيه سليمان عليه ~~السلام: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} يقول: غير مسؤل ولا محاسب، ~~وقد يخرج معنى قوله بغير حساب على معنى آخر زرقه فيمن يرزقه من عباده، ليس ~~من شيء مجموع معد لذلك مصنوع، يخرج منه أجزاء محسوبة من أجزاء، وتبقى منه ~~أجزاء فاضلة عن أجزاء، فأخبر أن رزقه من سعة لا تحصى، وأنه إذا شاء أن يعطي ~~عباده أعطا، ولو كان يرزق من شيء مجموع لكانت أرزاقه تنقص إذا أصلها الذي ~~يخرجها منه ينقص بخروجها عنه، فتبارك الله رب العالمين، وتقدس أكرم ~~الأكرمين، انتهى. # ثم ذكر أضداد هذه الأموال وأضداد هؤلاء الأخيار بما ذكر من الظلم ~~المتناهية وأهلها الأشرار فقال تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب ms1026 بقيعة}. PageV17P042 # اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن في الدنيا بكونه في النور وبسببه يكون ~~متمسكا بالعمل الصالح، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزا بالنعيم المقيم ~~والثواب العظيم، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد ~~الخسران، وفي الدنيا في أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلا. # أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله تعالى: {والذين كفروا إلى ~~قوله: والله سريع الحساب}. # أما السراب فهو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه ~~الأرض كأنه ماء يجري، ومعنى {بقيعة} أي بقلة، والقيعة فالموضع من الأرض ~~الذي لا نبات فيه، أو هو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض، أي كسراب ~~في قيعان وهو خيال ليس فيه حقيقة عند فحصه، وهو أشبه شيء بالماء في رأي ~~العين من البعد إذا امتدت به القيعان، وقيل: إنه إذا اجتمع الهواء والنسيم ~~والبعد والقاع وضوء النهار جاء سرابا، فإذا قرب منه الإنسان لم يجد لما رآه ~~حقيقة، ولم يجد إلا الهواء والقاع وضوء النهار، وإنما ذلك لضعف حاسة البصر، ~~وانحسارها عن الدرك في البعد، فإذا عرضت هذه العوارض أدرك البصر خيالا غير ~~صحيح عند صحة الدرك، ولذلك أمثال ونظائر كثيرة تدل على أن درك الحواس ضعيف، ~~لا يتكلم عليه إلا بحكيم العقول؛ لأن درك العقل صحيح عظيم جليل، ~~ومعنى{يحسبه الظمآن ماء} أي يظنه العطشان ماء، قال الشاعر: # هراق الماء واتبع السرايا PageV17P043 {حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} كما أن الآتي إلى السراب لم يجده شيئا وهو شيء ~~في نفسه، ولكن لم يجده كما يتوهم من الماء، ومن هذا الوجه ضربه الله مثلا ~~للعمل الرديء الذي لا خير فيه عند فجصه، ولا فائدة له عند فجصه، فإذا قدم ~~على الله وجد عمله بالكفر محيطا، وحيث عمل بغير بصيرة، وركب الهوى وترك ~~الهدى {ووجد الله عنده} أي وجد أمر الله عند حقيقة اليقين أن عمله باطل، ~~عندما صار إلى الله {فوفاه حسابه} الذي يستحق من العقاب، ms1027 فجازاه على كفره ~~بما أوعده به {والله سريع الحساب} يقول: حاسبه حسابا سريعا، لا يشغله شأن ~~عن شأن، أو يوشك أن يقيم القيامة فيوفيكم حسابكم، فاغتنموا بالإيمان ما ~~تجدون نفعه في الآخرة. # وفي البرهان: سريع الحساب يعني حسابه آت، وكل آت سريع، وقيل: إن هذه ~~الآية نزلت في شبيب بن ربيعة كان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف، ويطلب ~~الدين فكفره في الإسلام، انتهى. # ثم عطف على ذكر أعمالهم التي هي كسراب بقيعة المثل الثاني وهو قوله ~~تعالى: {أو كظلمات} أي أو أعمالهم في ظلمتها لكونها باطلة وخالية عن نور ~~الحق كظلمات {في بحر لجي} اللجي هو البحر الواسع، البعيد القعر، الذي لا ~~يرى ساحله، ولجت البحر وسطه، منسوب إلى اللج وهو معظم البحر، ومعنى {يغشاه} ~~أي يغشى البحر {موج من فوقه} أي فوق الموج {موج} آخر، فيكون الموج يتبع ~~بعضه بعضا، حتى كان بعضه فوق بعض وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ~~والموج فهو الذي تصفقه الرياح في الماء، يكون في البحر اللجي كأمثال ~~الجبال، وقيل: من فوق الموج ريح من فوق الريح سحاب فيجتمع خوف الموج وخوف ~~الريح وخوف السحاب، وقيل: {من فوقه} أي الموج الآخر {سحاب}. # قال في البرهان: وهو أعظم الخوف من وجهين: # أحدهما: أنه قد غطى النجوم التي يهتدى بها. PageV17P044 # والثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب {ظلمات بعضها فوق بعض} من قرأ ظلمات ~~بالرفع والتنوين فهو كلام مستأنف أي هي ظلمات وهي ظلمة الليل وظلمة البحر ~~وظلمة الأمواج المتراكمة، وقيل: ظلمة السحاب عوض ظلمة البحر، ومن أضاف ~~السحاب إلى الظلمات جعل الظلمات سحابا مجازا، ومن أقر بتنون ظلمات وكسرها ~~جعلها بدلا من ظلمات في قوله: أو كظلمات، ومعنى قوله سبحانه: {إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها} أي لم يقارب، أي يرى يده فضلا أن يراها لشدة الظلم، وهذا ~~المثل مضروب أيضا للكافر أنه لا يرى ثواب عمله إذا كان لغير الله عمله، ثم ~~قال تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا} أي نور توفيقه ms1028 وعصمته، فلم يؤته ~~لكفرة وعدم صلاحه وعدم انتفاعه {فما له من نور} إنما هو في ظلمات الباطل. # قال الهادي عليه السلام: النور هاهنا فهو زيادة الله للمهتدين هدا في ~~هداهم، وما يؤتهم الله سبحانه من تقواهم، فأخبر الله سبحانه أن من لم يقبل ~~الهدى المبتدأ لم يجعل له نور، بزيادة الهدى، فالذين لم يجعل لهم نورا فهم ~~الذين لم يقبلوا هدى الله ودينه، وهم المستوجبون للخذلان، المتكمهون في ~~الضلال، وهم الذي ذكر الله عز وجل أنه لم يجعل لهم نورا. # وقال في البرهان: يعني من لم يجعل الله له سبيلا إلى النجاة في الآخرة ~~فما له من سبيل إليها، وهذا المثل ضربه الله للكافر، فالظلمات ظلمة الشرط ~~وظلمة الشك، وظلمة المعاصي، والبحر اللجي هو قلب الكافر، ويغشاه موج من ~~فوقه موج وهو عذاب الدنيا من فوقه عذاب الآخرة، انتهى. # واعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ~~ذلك بدلائل التوحيد فذكر سبحانه منها أنواعا ثلاثة: PageV17P045 # الأول: قوله تعالى: {ألم ترى أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات} معنى قوله: ألم ترى أي ألم تعلم، وهذا الكلام وإن كان ظاهره ~~استفهاما فالمراد التقرير والبيان، فدل تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من ~~في السماوات والأرض يسبح له، وكذلك من في الأرض، ولما ذكر أن أهل السماوات ~~يسبحون وأن أهل الأرض يسبحون ذكر الذي استقروا في الهوى الذي بين السماء ~~والأرض، وهو الطير صافة لأجنحتهن في الهواء تسبح الله تعالى، والتسبيح هو ~~التبعيد لله من شبه خلقه والأشياء كلها تبعده من شبهها بما فيها من الصنع ~~الذي لا يخفى، والنور البين الذي لا يطفا، فمن كان من المأمورين المنهيين ~~من الملائكة والنبيين والإنس والجن أجمعين، فسبح وصلى الله عليهم بفعله غير ~~مضيع حقه فيه، ومن لم يسبحه لعتوه وكفره أو لبلهه، أو لضغره وعحزه، أو كان ~~غير ناطق، أو كان مواتا فآثار الصنعة فيه ثابتة، وهو بالخضوع والمذلة لله ~~شاهد على نفسه، بالربوبية فقد ms1029 دخلوا جميعا في التسبيح والخضوع من هذه ~~الجهة؛ لأن الصلاة قد تصرف على الركوع والسجود، ويكون ممن لا يفعل الحمد ~~كما قال سبحانه: {والنجم والشجر يسجدان} قال الشاعر: # تسبح بظل البلق في حجراته # ترى الأكم منه سجدا للحوافر # قال في التجريد: الأولى أن يحمل العقلاء على المجاز، ليصح عطف تسبيح ~~الطير المجازي عليه؛ لأنه لا يراد ما لفظه حقيقتها ومجازها، أو يكون من عطف ~~حمده على جملة. # قلت: الأصح ما ذكره في الفصول حيث قال القاسمية والشافعي: ويصح أن يراد ~~باللفظ حقيقته ومجازه كالمس إذ لا مانع عقلي ولا لغوي، كيف وذلك شائع في ~~اللغة كالاستخدام في قول الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # والله أعلم. PageV17P046 # ثم قال: {كل} أي من العباد والطير {قد علم} أي المسبح أو الله {صلاته ~~وتسبيحه} أي دعاؤه وتنزيهه لله، والمراد دلالته على الصلاة والتسبيح. # وفي البرهان: أي كل قد علم من ذوي العقول إذا أبصرها كيف تسجد لله، ~~وتسبحه على ما فطرها. # قيل: ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاؤه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم ~~الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، ولم يكن إلا إلهام النحل ~~صناعتها. # وقال مجاهد: الصلاة العبادة المعروفة، وهي للإنسان والتسبيح لغيره مما لا ~~يصلي {والله عليم بما يفعلون} لا تعزب عنه صغيرة ولا كبيرة، ومعنى: {ولله ~~ملك السماوات والأرض} فهو الملك الذي لا مالك لهما غيره، ولا خالق لها ~~سواه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ثم قال سبحانه: {وإلى الله المصير} ~~يقول: المرجع والمآب في الآخرة. # ثم ذكر تعالى النوع الثاني من الدلائل فقال سبحانه: {ألم ترى أن الله ~~يزجي سحابا} أي يسوقه، والهمزة هنا وهي الأولى لتقرير علمه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو للتعجب بما بعدها، والسحاب تكون مفردا أو جمعا {ثم يؤلف ~~بينه} يجمع بعضه إلى بعض، وتأليف الواحد أنه يكون قزعا فيضم بعضه إلى بعض، ~~ويؤلف بين أجزائه {ثم يجعله ركاما} والركام المتراكب بعضه على بعض، وهو ~~السحاب الغليظ ms1030 الكثيف المثقل بالماء {فترى الودق} وهو المطر {يخرج من ~~خلاله} جمع خلل، أي من فتوقه ومخارجه، يريد من خلال السحاب ومن بينه، قال ~~الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا الأرض أثقل أثقالها PageV17P047 ثم قال تعالى: {وينزل من السماء من جبال فيها} أي في السماء {من برد} لفظ ~~من للبيان والتي قبلها للتبعيض والتي قبلها لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون ~~هذه للتبعيض والأوليان للابتداء، وكل ما ارتفع وعلا فهو سماء، والسحاب سماء ~~من دون السماء، وقيل: الظاهر أن السماء هي المظلمة، وأن فيها جبالا من برد، ~~وأنه ينزل منها إلى السحاب ثم إلى الأرض. # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام: السماء هنا السحاب والجبال، والله ~~أعلم ما كثف من السحاب وعظم، وقد زعم بعض من يقول من العامة أن في السماء ~~جبالا من البرد، والتأويل الأول والله أعلم أشبه بالصواب والقصد. # قلت: ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه السلام واستشهد بقول الشاعر: # وصيب هاطلة سماؤه ... .........حينا وثج ماؤه # وراعد تمده ظلماؤه # {فيصيب به} بالبرد {من يشاء} أي من اقتضت الحكمة أصابته عقوبة {ويصرفه عن ~~من يشاء} برحمته فتكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة {يكاد سنا برقه} أي ضوء ~~برقه ولمعانه، والضوء حادث عند اللمعان، كما قال امرء القيس: # يضيء سناه أو مصابيح راهب ... وإما السليط بالذبال المفتل # {يذهب بالأبصار} أي يقارب نور قلبه يذهب بالأبصار، أي يخطف من شدة توقده ~~بلمعانه، وتغشيها بتتابع وميضه. PageV17P048 # وجه الاستدلال بقوله تعالى: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} إذ البرق الذي ~~تكون صفته ذلك لابد وأن تكون نارا عظيمة خالصة، والنار ضد الماء، والبرق ~~ظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم، ثم قال ~~سبحانه: {يقلب الله الليل والنهار} أي يعاقب بينهما، ويخالف في الطول ~~والقصر {إن في ذلك لعبرة} أي موعظة ودليل على وجود الباري وقدرته لمن نظر ~~وتفكر، ومعنى {لأولي الأبصار} يعني عبرة للبصير العارف المتذكر المنصف؛ ~~لأنه إذا أاد الليل بعد ذهابه والنهار بعد انصرافه غير عاجز عن ms1031 إعادة العبد ~~بعد موته، والخلق جميعا بعد فوته، فيكون حيا بعد أن كان ميتا، كما كان ميتا ~~بعد أن كان حيا، وكما أنشأ سحابا فجمعه بعد تفرقه، وفرقه بعد التفاف قزعه، ~~وأرسلت السماء ودقها بعد امتناع، ثم امتنعت بعد قلة الاقلاع، كل ذلك آيات ~~معجزات واضحات، شاهدات لمن أبدأهن بالقدرة على إعادتهن وأنه الواحد القهار ~~الذي لا شبه له وهو على كل شيء قدير، وزير له ولا ظهير ولا معين ولا مشير، ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. PageV17P049 # ثم ذكر سبحانه النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية فقال تعالى: {والله ~~خلق كل دابة من ماء} اسم لكل ما يدب، ثم غلب العقلاء فلذلك قال: {فمنهم من ~~يمشي} وإنما نكر الماء لأن المعنى من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو ~~خلقها من ماء مخصوص، وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات فمنها هوام ومنها ~~بهائم ومنها ناس، قيل: أجناس الحيوان من الماء، وإن تخللت وسائط، قالوا: ~~خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب ~~خلقه منه، ويجوز أن يكون على الأعم الأكثر، وعلى الجمهور الأشهر؛ لأنه ~~تبارك وتعالى قد أخبر أنه خلق آدم من غير ماء، وحوى من غير ماء، وقال: {إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} ويروى أن ناقة صالح صلى الله ~~عليه من غير ذلك، ولكن الأعم الكثير من ماء دافق {فمنهم من يمشي على بطنه} ~~وهي الهوام ونحوها كالحية والحوت {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنسان ~~والطير، واستعير المشي للزحف على البطن {ومنهم من يمشي على أربع} كالخيل ~~والبغال، والحمير والجمال، وغير ذلك من الأنعام والدواب، ومنهم من يمشي على ~~أكثر من ذلك، فذكر الله الأعم الأكثر، وترك القليل المغمور، إذا كان ضئيلا ~~في جنب الكثير المشهور، مع أن من كان يمشي على أكثر من ذلك فقد يمشي على ~~أربع وعلى رجليه، وقيل: نبه عليه بقوله: {يخلق الله ما يشاء} يقول: يقدر ما ~~يشاء، وكل ما ms1032 قدر فهو مخلوق {إن الله على كل شيء قدير} لا يعجزه شيء، ولا ~~يمتنع منه شيء. PageV17P050 # أما قوله تعالى: {لقد أنزلنا آيات} فالآيات القرآن وما أتى به محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الدلالات {مبينات} أي موضحات، يتبين بها الحق ~~{والله يهدي من يشاء} من اقتضت الحكمة هدايته، وهو الذي ينتفع بالهدى ~~فيهديه {إلى صراط مستقيم} أي الطريق الذي استقام بأهله الذي أمروا به، قال جرير: # أمير المؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم # واعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين ~~بألسنتهم ولم يقبلوه بقلوبهم، فقال تعالى في صفتهم: {ويقولون آمنا بالله ~~وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك} القول، أي يعرض عن قبول ~~حكمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في بشر رجل من المنافقين كان بينه وبين ~~رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف؛ لأن الحق إذا كان متوجها على المنافق دعا إلى ~~غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسقطه عنه، وإذا كان له حاكم إليه ~~يستوفيه منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. PageV17P051 # ثم قال: {وما أولئك بالمؤمنين} يقول: بالمصدقين الذين صدقوا أقوالهم ~~بأعمالهم، وتموا على ما أظهروا من انتحالهم، فليسوا الثابتين على الإيمان ~~الموصوف في قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} ~~ثم أخبر تعالى عن صفتهم بقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا ~~فريق منهم معرضون} عن ذلك، مخافة أن يحكم عليه، وتكون عليه الحجة، والمعرض ~~عن الشيء المائل عنه، المنحرف منه انحراف الكراهة لعلمه أنه ليس معك إلا ~~الحق المر، فيزور عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق {وإن يكن لهم الحق} أي ~~يدعونه على غيرهم {يأتوا إليه} أي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~{مذعنين} أي مسرعين، والمعنى أنه إذا كان الحق لهم وعرفوا أنهم غالبون ~~بالحجة جاؤا إلى ms1033 محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا كان الحق عليهم كرهوا ~~إتيانه خشية أن ينزع منهم الحق، فلو كان عندهم أنه يحيف ما حكموا إليه حيث ~~يكون الحق لهم، ومعنى {مذعنين} مبلسين مطيعين غير معاسرين، قال الشاعر: # وخرق بعيد قد قطعت نياطه ... على ذات لوث سهلة السير مذعان # يريد مطيعة لينة مواتية. # قال في البرهان: وهذا دليل على أن من دعا إلى حاكم عدل فلم يجب وتأخر حرج. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من دعي إلى حاكم ~~من المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له)) انتهى. PageV17P052 # ثم قال سبحانه: {أفي قلوبهم مرض} يريد مرض النفاق، وإعراض النفاق والشقاق، ~~ومرض القلب شكوكه في الشيء {أم ارتابوا} يعني شكوا في نبوته، وتحيروا في ~~دينهم {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} أي يظلمهم في الحكم، ويتعدى ~~عليهم رسول الله غير ما في الرسم، فهم يحذرون ويخشون أن يجور الله عليهم في ~~ما أنزل من الحكم، أو أن يتعدى عليهم رسول الله فيمتنعون من هذه الجهة، ~~ويكرهون حكومته، ثم بين بطلان قولهم عليه بقوله تعالى: {بل أولئك هم ~~الظالمون} أي لا يخافون الحيف منه، لعلمهم بحاله، وإنما يريدون ظلم من له ~~الحق، وعلموا أن ذلك لا يمكنهم مع المحاكمة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ويجوز أن يراد الظالمون لنفوسهم أو لمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قوله: إنه يحيف عليهم. # اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالواه وما فعلوه أتبعه بذكر ~~ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: {إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} أي ~~ما صح منهم إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أن يقولوا إلا سمعنا وأطعنا، وكذا ~~الدعاء إلى حكام المسلمين. # قال بعضهم: تجب الإجابة إلى قريب أو بعيد وهو ظاهر الآية. # وقال بعضهم: إلى البريد فما دون هذا، إذا كان الحاكم مجمعا ms1034 عليه، فإن ~~تشاجرا في الحاكم المختلف فيه ترافعا إلى مجمع عليه ليصرفها إلى ما يرى. # قالوا: وهذا إذا لم يعلم من قصد المدعي الضرر أو كانت الإجابة تؤدي إلى ~~الاجحاف بنفقة عياله، وعلى كل حال فالأحوط الإسراع إلى الإجابة والامتثال. # ثم قال سبحانه: {وأولئك هم المفلحون} في أعمالهم، الظافرون بمطلوبهم، ~~الباقي ذكرهم في المواطن التي تحمد منهم. PageV17P053 # ثم قال: {ومن يطع الله} في فرائضه {ورسوله} في سنته {ويخش الله} على ما مضى ~~من ذنوبه، والخشية الخوف من الله سبحانه {ويتقيه} فيما استقبل، واتقاه ~~المحاذرة من الله والتوقي لمحارمه {فأولئك هم الفائزون} بكل سعادة، ~~الظافرون بالبغية، والفائز فهو المبعد من عذاب الله، والصائر إلى رحمته ~~نالوا فوق المنى، ففازوا بمنزلة لا يقربها العذاب ولا يحلها الفناء، وقد ~~روي أن هذه القصة من قوله تعالى: {إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} ~~إلى هذا الموضع نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وعثمان بن عفان في ~~الأرض التي أعطا رسول الله عليا وعثمان، وقسماها بالمدينة فصار لعثمان خير ~~النصيبين، فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: أشتري مني نصيبي أو بعني ~~نصيبك، فاشترى عثمان نصيب علي بن أبي طالب، فلما اشتراه ندم عثمان فقال ~~علي: قد اشتريت ورضيت، فالحق أخاصمك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال الحكم بن أبي العاص والمغيرة بن أبي العاص لعثمان: لا تخاصمه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن إلى غيره، فأنزل الله فيه ما ~~أنزل، وهذا إن كان الحكم فيه أول مرة خاصا في بعض دون بعض، فإنه باق مثبت ~~واجب على كل من كره المخاصمة إلى كتاب الله تعالى وإلى أوليائه وأئمة الحق ~~من عباده. # ثم قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي حلفوا أشد قسمهم وأكبره، ~~أي بلغوا ربع غاية شدتها مستعار من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ أقصا وسعها، ~~وذلك أنه بالغ في اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها، قال الشاعر: # وأفسم أن لو ألتقينا وأنتم ... لكان ms1035 لكم يوم من الشر مظلم PageV17P054 فهذا القسم يمين أحلفوا {لئن أمرتهم ليخرجن} أي لئن أمرتم بالخروج لشيء من ~~أمور الدين ليطيعوا، أو لئن أمرتهم بشيء ليخرجن من عهدة الأمر، ويمتثلن، ~~وقيل: لئن جزمت عليهم بالأمر ليخرجن من الحق الذي يطالبون به، ثم لما بين ~~الله تعالى كراهة المنافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ~~والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لنخرجن، وإن أمرتنا ~~بالجهاد جاهدنا، ثم إنه أمر رسول الله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله تعالى: ~~{قل لا تقسموا طاعة معروفة} أي المطلوب منكم طاعة كطاعة المؤمنين الخلص، أو ~~طاعة معروفة أولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة {إن الله خبير بما تعملون} أي ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون، فهو مخاصمكم على ما نفاقكم {قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} الطاعة اتباع الأمر ومراعاته ولزومه {فإن تولوا} أعرضوا، ~~والتفت من الغيبة إلى الخطاب، وهو أبلغ في تبكيتهم {فإنما عليه ما حمل} من ~~أداء الرسالة، وقد خرج عن عهدته {وعليكم ما حملتم} من التلقي والإذعان فإن ~~توليتم فقد تعرضتم لسخط الله، والمعنى أن كلا مأخوذ بجرمه لا يسألون عن ~~عمله، ولا يؤخذون به، ولا يسأل عن أعمالكم ولا يؤخذ بها عدلا ورحمة، ومنة ~~ونعمة {وإن تطيعوه تهتدوا} طريق الحق؛ لأنه يرشدكم الطريق، ويبين لكم ما ~~عليكم من فرض ربكم في كل ساعة وضيق، والنفع والضرر عائدان إليكم {وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين} من أداء الرسالة المقرون بالمعجزات، والتبيين ~~لما كلف من النصيحة، وما له نفع في قبولكم، ولا ضرر في توليكم. PageV17P055 # ثم قال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم} أي صدقوا أقوالهم بأفعالهم ~~{وعملوا الصالحات} يعني المفروضات من البر والنوافل في كل خير {ليستخلفنهم ~~في الأرض} أي ليمكنهم في الأرض، وليدعوهم إلى الجهاد بالفرض {كما استخلف ~~الذين من قبلهم} من الأمم قبل بني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد هلاك ~~الجبابرة {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} وهو دين الإسلام، أي يعليه ~~ويظهره ويؤيده وينصره ms1036 على الأديان حتى يكون ممكن القرار، مؤيد الأنصار. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وأمير المؤمنين علي عليه السلام، وخيار أهل بيتهما من سائر من سار بسيرتهما ~~وتبع طريقتهما إلى يوم القيامة؛ لأنهم ورثة الكتاب والعاملون به، لهم ~~الخلافة في الأرض إلى يوم العرض، والأرض عنا بها أرض العرب والعجم، وذلك ~~لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا تبقى على ~~الأرض بيت مذر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بعز عزيز أو ذل ذليل، ~~إما يعزهم الله تعالى فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون بها)) {كما ~~استخلف الذين من قبلهم} يعني داود وسليمان {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم} يعني دين الإسلام، وذلك عند ظهور حجة الله القائم، وتمكينه أن يظهره ~~على الدين كله {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} لأنهم كانوا مطلوبين فطلبوا، ~~ومقهورين فقهروا {لا يشركون بي شيئا} أي لا يعبدون إلها غيري، ولا يراؤون ~~بعبادتي، انتهى. # ومثل هذا ذكره محمد بن القاسم والحسين بن القاسم عليهم السلام، ويؤيد ذلك ~~ما رواه الحاكم أبو القاسم الحسكلاني بإسناده رفعه إلى ابن عباس قال: نزلت ~~هذه الآية في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم. PageV17P056 # وفي رواية عن القاسم بن عوف قال: سمعت عبد الله بن محمد يقول: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} الآية، قال: هي.........أهل البيت، ~~ومعنى {ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} أي يعوضهم من الخوف أمنا حتى يعبدوه ~~عبادة ظاهرة مكشوفة، لا يتاقون فيها أحدا {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} أي ~~لا يجعلون في عبادتهم معي شركاء {ومن كفر بعد ذلك} يعني من بعد هذه النعمة ~~التي من تغطا واستتر بعد الوعد الذي أنجز لهم {فأولئك هم الفاسقون} أي ~~الكاملون في فسقهم، الخارجون عن أمر الله وحدوده لفكرهم تلك النعمة ~~العظيمة، قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} عطف على أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول أي أقيموا الصلاة المفروضة، والزكاة الواجبة، وإقامة بذلك ~~فتأديته ms1037 وإيتاؤه في وقته ومواضعه {وأطيعوا الرسول} كرر طاعة الرسول تأكيدا ~~لوجوبها {لعلكم ترحمون} يقول: اتبعوا الرسول لترحموا، والرحمة وجوب النصر، ~~ووقوع الثواب، والحكم لهم بالنجاة من العقاب. # ثم قال: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين} أي غالبين لنا {في الأرض} والنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا يحسب ذلك، ولا يظنه، ولكن الخطاب له، والمعنى ~~سواه، ولهذا نظائر في كتاب الله. # وقيل: خطابه خطاب لأمته، أو خطاب لكل أحد يجوز ذلك، وقرئ بالياء لا يحسبن ~~أي الذين كفروا أحدا يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في ذلك {ومأواهم ~~النار} عطف على لا تحسبن الذين كفروا، كأنه قال: لا يفوتون الله في الأرض ~~{ومأواهم النار} أي مصيرهم ومرجعهم {ولبئس المصير} يقول: بئس الدار ~~والمنزل، والمراد بهم المقسمون جهد أيمانهم. PageV17P057 # قال بعضهم: أما قوله تعالى: {ومأواهم النار ولبئس المصير} قد يحتمل أن يكون ~~متصلا بقوله: {لا تحسبن} لأن ذلك نفي وهذا إيجاب فهو إذا معطوف بالواو على ~~مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض، بل هم مقهورون ~~ومأواهم النار. # ثم قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} وهم ~~العبيد والإماء، يجب على العبيد أن يستأذنوا على سادتهم، وعلى الإماء أن ~~يستأذن على سيداتهن في الدخول عليكم. # قال الرازي: قال القاضي قوله تعالى: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} وإن ~~كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء؛ لأن التذكير يغلب على ~~التأنيث. # قال الرازي: والأولى أن الحكم عندي ثابت في النساء، بقياس جلي، وذلك لأن ~~النساء في باب حفظ العورة أشد خللا من الرجال، فهذا الحكم لما ثبت في ~~الرجال فثبوته في النساء يطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس ~~الجلي على حرمة التأفيف، انتهى. PageV17P058 # وقوله تعالى: {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} هم الصغار الأحرار قبل ~~الاحتلام، فمن كان منهم غير مميز لا يصف ما رأى فليس من أهل الاستئذان، ومن ~~كان مميز يصف ما يرى أو يخفي ما شاهد فهو المعني بالاستئذان، وهذا غير ~~الاستئذان الذي مر في ms1038 قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} وأمر الأطفال أمر ~~لأوليائهم ليحملوهم على ذلك، ثم قال: {ثلاث مرات} في اليوم والليلة، وهي: ~~{من قبل صلاة الفجر} وقت الانتباه من المضاجع وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب ~~اليقضة {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} وهو وقت الخلوة لنوم القائلة، ووضع ~~ثيابهم {ومن بعد صلاة العشاء} يعني الآخرة وقت التجرد من ثياب اليقضة ولبس ~~ثياب النوم، وقد سمتها العامة التعمة، وسمتها العشاء؛ لأن الظلام يعشي ~~البصر، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنها أوقات خلوات الرجال مع نسائهم، ~~ولأنه ربما بدأ منه فيها عند خلوته ما يكره أن يرى من جسده. PageV17P059 # ثم قال: {ثلاث عورات لكم} يعني هذه الساعات الثلاثة هي أوقات العورات، ~~فسارت من عورات الزمان، فجرت مجرى عورات الأبدان، فلذلك خصت بالإذن، ذكر ~~هذا في البرهان، والعورة الخلل، ومنه أعور المكان إذا اختل، والأعور المختل ~~العين، وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله ~~سبحانه للمسلمين وتأديب، فأمر بأن يستأذن في هذه الأوقات على الرجال ~~وأزواجهم إذا خلوا بهن في منازلهن من سماه مما ملكت الأيمان، والذين لم ~~يبلغوا الحلم فهو الذي لم يبلغ ممن كان يدخل المنازل من الصبيان من الأولاد ~~وغيرهم في هذه الثلاثة الأوقات، وذلك أن المسلمين كانوا يختارون المجامعة ~~والمداناة لنسائهم في هذه الثلاثة الأوقات، ليكون غسلهم مع وقت الطهور ~~للصلاة ولأوقات الصلاة، فكره الله سبحانه الدخول على الرجل وامرأته في هذه ~~الثلاثة الأوقات بلا إذن لما لا يؤمن من الهجوم والدخول على الزوجين في ~~مداناة وغشيان، وأطلق للإيماء والصبيان الدخول بغير إذن في غير هذه الثلاثة ~~الأوقات التي كانوا يختارون المجامعة فيها، والمداناة للنساء، فقال سبحانه: ~~{ليس عليكم ولا عليهم جناح} أي اثم في ترك الاستئذان {بعدهن} أي بعد هذه ~~المرات، وبين وجه العذر في قوله: {طوافون عليكم} انتهى؛ لأنه تعليل لنفي ~~الجناح فيما عدا المرات الثلاث، أي هؤلاء المذكورون وهم الذين ملكت ~~أيمانكم، والصبيان يطوفون عليكم، يعني بكم وبهم حاجة إلى المخالطة، يطوفون ~~عليكم ms1039 للخدمة {بعضكم على بعض} أي بعضكم طائف على بعض {كذلك} أي مثل ذلك ~~البيان الظاهر {يبين الله لكم الآيات} بالنازلة، ومصالحكم، ويوضح طريق ~~النجاة وأسباب الدلالات {والله عليم} بأعمالكم وما يصلحكم فيأمركم به، أو ~~بما يقع منكم من التفريط، فيأمركم به {حكيم} في تدبيراته، ثم أوجب على من ~~بلغ من الصبيان الاستئذان إذا احتلموا، وبلغوا PageV17P060 بأنهم صاروا بالبلوغ في حكم الرجال فقال سبحانه: {وإذا بلغ الأطفال منكم ~~الحلم} أي الاحتلام، والمراد الأحرار {فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم} يعني الرجال في قوله: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} حتى تستأنسوا في ~~جميع الأوقات كالبالغين، وسن البلوغ خمس عشر سنة في الغلام والجارية، وعند ~~ح ثماني عشر سنة في الغلام، وسبع عشر في الجارية. # وعن علي عليه السلام: خمسة أشبار، وبسط ذلك في الفقه {كذلك يبين الله لكم ~~آياته والله عليم} بمصالحكم {حكيم} فيما يكلفكم. # ثم قال سبحانه: {والقواعد من النساء} القواعد التي قعدت عن الحيض والولد، ~~ولأنهن يكثرن القعود إذا كبرن {اللاتي لا يرجون نكاحا} أي العجائز التي ~~يئسن من البعولة فلا يردن الرجال ولا يريدوهن، وقيل: معنى لا يرجون أي لا ~~يخفن نكاحا، كما قال الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل # ومعنى {فليس عليهن جناح} أي حرج واثم {أن يضعن ثيابهن} الظاهرة كالمحلفة ~~والجلباب الذي فوق الخمار {غير متبرجات بزينة} بالتبرج تكلف إظهار ما يجب ~~إخفاؤه، وهو أن تظهر من زينتها ما يستدعي النظر إليها، فإنه في القواعد ~~وغيرهن محبوب، وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن ما لم ~~يعد شيء من عوراتهن {وأن يستعففن خير لهن} يريد وإن يستعففن عن وضع ~~جلابيبهن، وأن يستترن خير لهن من وضعها، وإن سقط الحرج عنهن فيه. # وقيل: يستعففن بترك إبداء الزينة خير لهن من الوضع والتبرج، هنا تكشف ~~المرأة للرجل بإبداء زينتها وإظهار محاسنها من قولهم: سفينة بارج لا غطاء ~~لها، والبرج سعة العين. PageV17P061 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما الرخصة عند الحاجة إلى ms1040 الخروج ~~بأنفسهن والتستر عن أعين الرجال خير لهن، وكذلك يجوز الخروج لذوات الشباب ~~عند الحاجة إلى ذلك، ولكن الله تعالى لم يرخص لهن، كذلك ما يجب عليهن أن ~~يدنين عليهن من جلابيبهن ويسترن وجوههن بغاية جهدهن. # وأما النظر إلى الرجال فلا يحل لقاعد ولا ذات جمال، ووضع الخمر من ~~القواعد عن الوجوه هو ستر الوجه منها، وترك التغطية للوجوه، قال الشاعر: # تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام # أي لا تستر فاها باللثام، إعجابا منها بحسنه وجماله، والخرقاء من النساء ~~هي الكريمة التي لا تلزم المال من شدة كرمها، والخرق من الرجال هو كذلك، ~~قال الشاعر: # لعمرك ما الرزية في المطايا # ولا الخيل العراب ولا العبيد # ولكن الرزية كل خرق # من الفتيان متلاف مفيد # وقوله جل جلاله: {والله سميع عليم} وعيد لهن على التبرج، أي لا يغيب عنه ~~شيء من أقوالهن وأفعالهن فيجازيهن عليه. # ثم قال تعالى: {ليس على الأعمى حرج} أي ليس عليه ضيق في دينه، والحرج هو ~~الضيق والمأثم، قال الشاعر: # يا ليتني يقد زرت غير خارج ... ذات الوشاح الكرة الدمالج # يريد غير اثم عند الله {ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}. # قال في البرهان: هذه الآية نزلت في إسقاط الجهاد على من هو بهذه الصفة، ~~قال: وهذا جواب مسألة كانت من بعض المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أو خبر ابتدأهم به، يدل على سقوط فرض المجاهد بالقتال في سبيله على ~~الأعمى والأعرج والمريض الممنوع بمرضه. PageV17P062 # وقال الحسين بن أحمد الناصر عليهما السلام: ويقال أنها نزلت في قوم من ~~الأنصار تورعوا عن الأكل مع الأعمى والأعرج والمريض، وقالوا: إنا نأكل أكثر ~~من أكلهم إذا اجتمعنا، وكان الأنصار أهل كرم وتنزه، فقالوا: إن الأعمى لا ~~يبصر أطيب الطعام، وإن الأعرج لا يستيطيع الزحام عند الطعام، وأن المريض لا ~~يأكل كما يأكل الصحيح، فعزلوا لهم طعامهم على ناحية، وكانوا يرون أن عليهم ~~في مؤكلتهم جناحا، وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون: لعلنا نؤذيهم إذا ms1041 ~~أكلنا معهم، فاعزلوهم واتركوا مؤاكلتهم، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم سألوه عن ذلك، فأنزل الله عليه ما أنزل وعلى في قوله: على الأعمى ~~بمعنى مع لأنها من حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، كأنه قال: مع الأعمى، انتهى. # ومعنى قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} يعني من أموال عيال ~~عيالكم وأزواجكم؛ لأنهم في بيوتكم، ويجوز أن يكون المراد الأولاد، لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنت ومالك لأبيك)) ولذلك لم يذكر الله تعالى ~~بيوت الأبناء حين ذكرت بيوت الآباء والأقارب اكتفاء بهذا الذكر. # ثم قال: {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت ~~أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم}. PageV17P063 # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: يخبر سبحانه عن أنفس المؤمنين أنه لا ~~جناح عليهم في الأكل في بيوت الأصدقاء من غير إذن من ذكر من ذوي القربا ~~والأرحام والأقربين لما أسقط الله بالأخوة في الإسلام، والصداقة المحفوظة ~~عند الأحرار الكرام، والقرابة التي جعلها بين ذوي الأرحام من الحشمة ~~والوحشة في تناول الطعام إذا احتاج المؤمن إليه أخذه بإذن الله فيه، ودعائه ~~بلا توحش ولا تحشم، وإنما هذا مما يحتاج إليه من الأكل عند غشيان بيوت ~~هؤلاء المذكورين من ذوي الرحم والأخوة والصداقة، لا إذن في ادخار طعام ولا ~~نقله، ولا أخذ ورق ولا ذهب بغير إذن، ولا نفقة ولو كان ما يحل من بيوت ما ~~ذكر الله سبحانه من القرابة والأصدقاء، إنما أحله بالإذن منهم لكان الإذن ~~أيضا يحل به طعام أهل البعد والأعداء، ولم يكن لقوله سبحانه: لا جناح عليكم ~~خاصة إذن في طعام من سمي؛ لأن أكل كل قريب وبعيد، وولي وعدو بعد الإذن يكون ~~جائزا، انتهى. # قال الحسن بن أحمد الناصر عليهما السلام: كانت حالهم أن يأكلوا من جميع ~~هذه البيوت المسماة، والمنازل الموصوفة فقالت اليهود: ليس لكم أن تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم فتأكلوا من طعامه وهو غير حاضر، فأعلمهم الله ms1042 أن ذلك ~~جائز؛ لأن كل ما كان في هذه الحال مطلق لهم حتى يحضره أمر من الله، أو ~~ينهاهم عن أكله. # قال في البرهان: فأباح الله الأكل في بيوت هؤلاء لمكان النسب من غير ~~استئذانهم في الأكل إذا كان الطعام مبذولا، فإن كان محرزا دونه لم يكن لهم ~~هتك حرزه، ولا يجوز أن يتجاوز الأكل إلى الادخار والاطعام ولا إلى بما ليس ~~بمأكول، وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن، انتهى. # وقيل: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم ~~وأولادهم وقراباتهم وأصدقاؤهم فيطعمونهم فيها، فخالج المطعمون ريبة وخافوا ~~الحرج، وأن يكون أكلا بغير حق، فقيل لهم ليس على الكل حرج. PageV17P064 # وأما قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} فقد قيل: عني به أكل السيد من مال عبده ~~وماله مال العبد لسيده. # وقيل: المراد وكيل الرجل في حفظ ماله، فله أن يأكل من تمر بستانه ويشرب ~~من لبن ماشيته، وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه، والأول أظهر، والكل حسن ~~جميل، إذا عرف رضى المالك في ............ أو جرى به عرف كالحماة ما خلا ~~مال اليتيم والوصايا المعينة فلا عرف فيها، ثم قال سبحانه: {أو صديقكم} أي ~~بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحدا وجمعا، فيجوز أن يدخل على صديقه فيأكل ~~من غير استئذان، وإذا دلت الحال على رضا المالك قامت مقام الإذن. # ابن عباس: الصديق أعظم من الولد؛ لأن أهل جهنم لم يستغيثوا بالأقارب، ~~إنما قالوا: {ولا صديق حميم} وربما سمع الاستئذان كمن الضيف إذا قرب إليه ~~الطعام، والمعنى ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها، ~~وإن لم تحضروا ولم تعلموا، وهذه رخصة من الله تعالى لعباده. # ثم قال: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} أو مجتمعين أو ~~متفرقين، قيل: نزلت في قوم من الأنصار، كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون ~~إلا معه، وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف حرجوا أن يتركوه وحده حتى يأكلوا معه. # وقيل: تحرجوا على الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة ~~بعضهم ms1043 على بعض، وزيادة بعضهم على بعض نصب على الحاء، ثم قال تعالى: {فإذا ~~دخلتم بيوتا} من هذه البيوت لتأكلوا{فسلموا على أنفسكم} أي على أهلها الذين ~~هم منكم دينا وقرابة. PageV17P065 # وفي البرهان: يعني إذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلموا على أهليكم وعيالكم، ~~ويحتمل إذا دخلتم بيوتا أو مساجد فارغة فسلموا على أنفسكم فتقولون السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإذا سلم الواحد من الجماعة ناب عن جميعهم، ~~ولا يسلم الرجل على النساء، ولا النساء على الرجال، بل الرجال يسلمون على ~~الرجال، والنساء يسلمن على النساء، وقوله: {تحية من عند الله} نصب على ~~المصدر يعني أن التحية بالسلام أمر من أوامر الله عز وجل، ومعنى التحية ~~والتسليم طلب حياة وسلامة للمسلم عليه والمحيا من عند الله، ثم وصفها ~~بالبركة فقال: {مباركة} لأنها دعوة يرجا به زيادة الخير وطيب الرزق، ~~والبركة كثرة الخير، وقوله: {طيبة} يحتمل وجهين: # أحدهما: لما فيها من طيب العيش بالتواصل. # والثاني: لما فيها من طيب الذكر والثناء، علمهم الله ذلك لتعظم لهم ~~البركة، ولا ينسوا ذكر الله في كل حالة، وقالوا: إن لم يكن في البيت أحد ~~فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة ~~الله، ومعنى قوله سبحانه: {كذلك} أي مثل ذلك البيان العظيم {يبين الله لكم ~~الآيات} المنزلة لمصالحكم {لعلكم تعقلون} أي يوضح الآيات لتعقلوا، ويفصل ~~شرائعه لتفهموا عن الله تعالى أمره ونهيه فتعلموا، والعاقل فهو المميز ~~للأمور، والمستدل بما يرى على النظائر من التقدير. PageV17P066 # ثم قال تعالى: {إنما المؤمنون} أي الكاملون {الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع} وصف الأمر بالجامع، والأمر الجامع هو الجهاد وسائر ~~طاعات الله عز وجل التي تجمع المؤمنين، كمقاتلة عدو أو تشاور في مهم، قد ~~جمعهم له ودعاهم إليه {لم يذهبوا} عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~{حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} يأذن ~~لهم، جعل ترك الذهاب حتى يستأذن ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله والأمر ~~في الإذن مفوض ms1044 إلى الرسول، وكذلك الإمام له من ذلك ما كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} أي لعارض يهمهم ويغمهم ~~{فأذن لمن شئت منهم} جعل الأمر إليه في الاذن لهم على قدر الحاجة إليهم، ~~والغنا عنهم، ثم أمره أن يدعوا لهم بالمغفرة فقال: {واستغفر لهم الله} يعني ~~لمن أذن له من المؤمنين، ليزول عنهم باستغفاره ملاءمة الانصراف، لا أن ~~استئذانهم ذنب يستغفر منه {إن الله غفور رحيم} وصف أنه عز وجل انه غفور لمن ~~تاب، رحيم لمن أناب، ثم قال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا} يقول: إذا دعاكم فجمعكم لأمر فلا تتفرقوا عنه بغير إذنه، ولا ~~تقيسوا دعاؤه إياكم كدعاء بعضكم بعضا في افتراقكم عن الجمع بغير إذن ~~الداعي، والإمام في منزلة النبي في امتثال أمره، أو لا تجعلوه تسميته ~~ونداؤه بينكم كما يسمي بعضكم بعضا، ويناديه باسمه، فلا تقولوا يا محمد ولكن ~~يا نبي الله، يريد عز وجل التأديب للمؤمنين والتحكيم لعقول المسلمين، ~~والاجلال منه للرسول الأمين، فنهى عز وجل عن ندائه، وزجر المؤمنين عن دعائه ~~لما في ذلك من الاستخفاف بحقه، وترك الفرق بينه وبين غيره، ويحتمل أنه نهي PageV17P067 من الله عن الابطاء عند أمره، والتأخر عند استدعائه لهم إلى الجهاد، ولا ~~يتأخرون كما يتأخر بعضهم عن إجابة بعض. # وقيل: لا تجعلوا دعاؤه ربه كما يدعوا صغيركم كبيركم، وفقيركم غنيكم، ~~يسأله حاجة فربما أجابه وربما رده، فإن دعوات رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم مستجابة، والاحتمال الأول أقرب، والدليل عليه من وجهين: # الأول: قوله تعالى: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم} والمتسلل المنصرف ~~في خفية وغفلة، ومعنى {لواذا} يقول: يلوذ بالفرار من الجهاد، ويستتر به ~~ويلوذ بغيره، وقوله تعالى: {قد يعلم الله} معناه التهديدة بالمجازاة، ~~ويقال: إنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يحضرون الجمعة ثم يتسللون من ~~قبل الصلاة، فينصرفون، والمعنى يلوذ بعضهم ببعض وينضم بعضهم إليه استتارا ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لم ms1045 يكن على المنافقين أثقل من ~~يوم الجمعة، وحضور الخطبة والجهاد، فنزل فيهم، وذلك لأنهم كانوا يتسللون ~~فيه، وقيل: نزلت في حفر الخندق، كان قوم يتسللون بغير إذن. PageV17P068 # والثاني: قوله تعالى عقيب هذا: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} أي عن أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن مخالفة أمره مخالفة لأمر الله عز ~~وجل، وأمره جميعا ما يأمر به من أمر الدنيا والآخرة، يقال: خالفه إلى أمر ~~ذهب إليه دونه، ومنه: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} وخالفه عن ~~الأمر صده عنه، ومعنى {أن تصيبهم فتنة} فهو محنة أي بلاء ينزل بهم، يظهر ما ~~في قلوبهم من النفاق، وقيل: زلازل وأهوال، وقيل: يلسط عليهم سلطان جائر {أو ~~يصيبهم عذاب أليم} أي مؤلم موجع، أي القتل في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة، ~~نستجير بالله من غضبه وعذابه، وشدة نكاله وعقابه، ثم دل سبحانه على كمال ~~قدرته وعلمه بقوله تعالى: {ألا إن لله ما في السماوات والأرض} يقول: هو ~~مالك ما فيهما، ومختص به خلقا وملكا وعلما، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين ~~وإن اجتهدوا في سترها، ثم قال: {قد يعلم ما أنتم عليه} قد يؤكد علمه بما هم ~~عليه من النفاق والمخالفة عن الدين، ومرجع توكيد العلم الوعيد، وذلك أن قد ~~إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما فوافقت ربما في خروجها إلى معنى ~~التكثير في نحو قوله: # فإن يمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود PageV17P069 وقوله تعالى: {ويوم يرجعون إليه} يحتمل أن يكون الخطاب والغيبة في قوله ~~تعالى: {قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه} للمنافقين على طريقة ~~الالتفات أو الخطاب فيما أنتم عليه عام، ويرجعون للمنافقين {فينبئهم} أي ~~يخبرهم يوم القيامة {بما عملوا} أي بما أبطنوا من سوء أعمالهم، ومجازيهم حق ~~جزائهم {والله بكل شيء عليم} بذلك اليوم لا تخفى عليه خافية، سرا كانت أو ~~علانية، فلا فرق بين ما أبطنتم وما أظهرتم في استواء علمه به، يعلم ما كان ~~وما سيكون، وهو العالم ms1046 بنفسه الذي لا يحتاج إلى تعلم، ولا يوصف بجهل سبحانه ~~وتعالى علوا كبيرا، ما أظهر حكمته، وأبين دلالته، وأوضح حجته، وأبعد من ~~الحد صفته، القائم على كل نفس بما كسبت، وهو سريع الحساب، ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير، وصلى الله على محمد وآله وسلم الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس وحكم لهم بالتطهير. PageV17P070 ### || AUTO سورة المؤمنون # مائة وتسع وعشرون آية في البصري والحجازي والشامي، وثماني عشرة آية في ~~الكوفي، مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # {قد أفلح المؤمنون} يعني قد إثبات ما يتوقع، وكان المؤمنون متوقعين لمثل ~~هذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بثباته وهو الظفر ~~بالمراد، أي فازوا وسعدوا، ومنه قول لبيد: # فاعقلي إن كنت لما تعقلي # ولقد أفلح من كان عقل # وقيل: معناه البقاء في الخير. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الفلاح هو البقاء، والربح والنجاح، ~~قال الشاعر: # أفلح من صلى على ارتحالي PageV17P071 والمؤمنون هم الذين أمنوا أنفسهم من العذاب، وتعلقوا بالحكمة والحق ~~والصواب، ويحتمل الإيمان وجها آخر وهو أن الله سبحانه سماهم مؤمنين؛ لأنهم ~~به مصدقون موقنون، والإيمان في لغة العرب هو التصديق والإقرار، ووجه آخر ~~أنه سماهم مؤمنين لما فكوا أيديهم ولزموا عن الظلم أنفسهم، حتى أمن عباد ~~الله غشمهم، ولم يخف أحد من أولي الألباب جورهم، ولا ظلمهم، والإيمان مشتق ~~من الأمان، وله وجوه كثيرة في عربي اللسان، والإيمان عند مشائخنا صلوات ~~الله عليهم قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، ولا يكون أحد من الناس ~~مؤمنا على الحقيقة حتى يكون على ما وصفنا، وبه من قول من أمير المؤمنين ~~وأولاده. # قلنا: انتهى؛ لأن المؤمن في الشريعة من جمع الصفات المذكورة؛ لأنه سبحانه ~~حكم بحصول الفلاح لمن كان مستحقا لصفات سبعة: # الأولى: قوله: {المؤمنون} وهو صفة مدح، ولا يستحقها إلا البر التقي. # الصفة الثانية في هؤلاء المؤمنين الذين عنده وفي حكمه مفلحون قوله: ~~{الذين هم في صلاتهم خاشعون} أي ساكنون متواضعون، والخشوع في الصلاة خشية ~~القلب، وسكون الأعضاء، وإلزام البصر موضع السجود من الأرض، ms1047 لا يجوز بصره مصلاه. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلي رافعا بصره إلى السماء، ~~فلما نزلت رمى بصره نحو مسجده، والخشوع يجمع أمرين: خشوع القلب، وخشوع ~~الجوارج، وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها. PageV17P072 # قال الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام: وحدثني محمد بن حاتم قال: قال ~~أبو محمد، قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لعبد الله بن جعفر: إذا قمت ~~إلى الصلاة فارفع موضع سجودك، ثم استفتح بالقراءة، فتجعل لسانك ترجمانا ~~لقلبك، لا يغيب قلبك مما يقول لسانك، لا تعبأ بشيء من شأنك إلا ما أنت فيه ~~من صلواتك، لا تذكر في تلاوتك غير ما تتلوه، ويكون همك الآية التي تتلوها، ~~فإذا فرغت من القراءة وصرت إلى الركوع لم تذكر إلا التكبير، وحسن الخضوع، ~~وكذلك إذا اعتدلت في القيام لم تذكر إلا الركوع، وكان ذكرك السجود، فإذا ~~فرغت من ركعة حفظتها، ثم ابتدأت الأخرى تصنع فيها كما صنعت في الأولى، لا ~~تذكر غير قرائتك وغير حفظك؛ لأن الصلاة لابد لها أن تحصى، لا يزاد فيها ولا ~~ينقص منها حتى تؤدي إلى الله عز وجل فرضك كما أمرك بعونه وتوفيقه، انتهى. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} اللغو الباطل ~~والكذب. # وقيل: اللغو ما لا يغنيك من قول أو فعل، وهو ما يوجب الشرع أو المرؤة ~~الغاؤه واطراحه كاللعب والهزل، وصفهم بالجمع بين الفعل والترك الشاقين على ~~الأنفس الذين هما قاعدة التكليف. # الصفة الرابعة: قوله تعالى: {والذين هم للزكاة فاعلون} أي مؤدون للتزكية ~~التي هي فعل المزكي؛ لأن الزكاة اسم مشترك بين ما يخرج من النصاب وبين فعل ~~المزكي، وهو المراد هنا؛ لأن الأول جسم لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # وقيل: فاعلون للتزكية، وهو ما يكونون به زاكين عند الله من أفعال الخير، ~~والزكاة بمعنى الطهارة أو النمو. PageV17P073 # الصفة الخامسة: قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} يحفظونها عن ~~المعاصي {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} من الإماء، والمعنى حافظون ms1048 ~~لها في كل حال، إلا في حال تزوجهم أو تسريهم، وقال: أو ما وما لما لا يعقل؛ ~~لأنه أراد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهي الإناث {فإنهم غير ~~ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك} أي من طلب غير ذلك الحد مع سعته وهو أربع من ~~الحرائر، وما شاء من الإماء {فأولئك هم العادون} المتناهون في العدوان، ~~وقامت وراء مقام غير. # الصفة السادسة: قوله تعالى: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي للشيء ~~الذي ائتمنوا عليه {وعهدهم} الذي عوهدوا عليه {راعون} سمي لبشيء المؤتمن ~~عليه والمعاهد أمانة وعهدا، ومعنى {راعون} قائمون عليها بالحفظ، وافون بها، ~~يحتمل العموم في كل ما أوتمنوا عليه وعوهدوا عليه من الله تعالى، ومن ~~الخلق، ويحتمل الخصوص في أمانة الناس وعهودهم معاهدة الله، وأماناتهم ~~تكليفه لعباده، وطاعته كأنه ائتمنهم عليه وعاهدهم بما أظهر من الأدلة، ~~وأمانات الناس عام في كل ما استكتموا عليه من الأسرار، ومعاهدتهم بالخلف ~~والمواعيد. # الصفة السابعة: قوله تعالى: {والذين هم على صلواتهم يحافظون} أي لا يسهون ~~عنها، ويؤدونها في أوقاتها، مجتهدين فيما تتم به أوصافها، وأفردت أولا ~~ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أي صلوا كما كانت، وجمعت آخرا ليفاد المحافظة ~~على أعدادها الخمس، وسنتها الوتر والجمعة، والعيدين وسائر النوافل. PageV17P074 # ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال: {أولئك هم الوارثون} أي ~~الأحقاء بأن يسموا وراثا لأرض الجنة، كما يملك الوارث ميراثه، ثم بين ما ~~يرثون فقال: {الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} الفردوس الجنة، ولذلك ~~أنثها بعد وهي البستان الواسع الجامع أصناف الثمر. # وفي البرهان: الفردوس حظائر العنب، وقيل: إن الجنة إنما سميت الفردوس ~~لرفعتها وحلها وفخامتها، قال الشاعر: # لهم جنات من الفروس طيبة # لا يعتريهم بها حر ولا برد # روي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل ~~خلالها المسك الأذفر، وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان. # ثم اعلم أنه سبحانه لما أمرنا بالعبادات في هذه الآية، والاشتغال بعبادة ~~الله تعالى، لا يصح إلا ms1049 بعد معرفته، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده ~~واتصافه بصفات الجلال والوحدانية، فذكر من الدلائل أنواعا: # النوع الأول: الاستدلال في أدوار الخلقة وأكوار الفطرة # وهي تسع مراتب: # الأولى: قوله سبحانه وتعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} اختلف ~~من المراد بالإنسان؟ فقيل: هو آدم، والسلالة الخلاصة؛ لأنها تسل من بين ~~الكدر، كأنها من أجود الطين، وفعاله من أبنية القلة كالقلامة والقمامة، ~~والمعنى أنه خلق آدم من خلاصة الطين. # وقيل: المراد جنس بن آدم، والسلالة صفوة النطفة؛ لأنها استلت منها. # وقيل: النطفة لأنها سلت من الظهر. # وقال في البرهان: يعني أن الإنسان لا يرجع إلا إلى آدم خلق من سلالة من ~~طين، والسلالة صفوة كل شيء، التي تسل منه، وقد سمي الولد سلاسة والنطفة سلاسة. # الثانية: قوله تعالى: {ثم جعلناه} أي جعلنا أصله بعد ذلك {نطفة} وهي ~~المني {في قرار} مستقر وهو الرحم {مكين} أي متمكن، وتمكنه كونه حرزا وسطا. PageV17P075 # الثالثة: قوله تعالى: {ثم خلقنا النطفة علقة} وهي قطعة الدم الحمراء ~~الجامدة، وجماعتها علق من الدم الأحمر. # الرابعة: قوله تعالى: {فخلقنا العلقة مضغة} أي لحمة صغيرة قدر ما يمضع؛ ~~لأن المضغة في لغة العرب هي القطعة من اللحم إذا مضغت بالطواحن من الأسنان، ~~حتى تلين وتضعف في فم الإنسان، وتصير منفركة...........من الضعف والهوان، ~~فشبهها الله عز وجل بالمضغة التي خلق منها الإنسان. # الخامسة: قوله تعالى: {فخلقنا المضغة عظاما} أي صيرناها كذلك، وقرأ ابن ~~عامر عظما والمراد منه الجمع، كقوله: {والملك صفا صفا}. # السادسة: قوله تعالى: {فكسونا العظام لحما} أي غطيناها به كما يغطى ~~العاري بالكسوة. # قال في البرهان: وإنما بين الله عز وجل للإنسان تنقل أحواله حتى استكمل ~~خلقه ليعلم نعمته عليه وحكمته، وأن بعثه بعد الموت أهون من إنشائه، ولم يكن ~~شيئا {خلقا آخر} أي نفخ الروح فيه، وانبات الشعر والتذكير والتأنيث، انتهى. # السابعة: قوله تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} أي أتممناه بعد كسوة اللحم ~~لخلق خلقناه آخر، وزدنا فيه زيادة أخرى بعد نقصانه من حيث جعله ms1050 حيوانا وكان ~~جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه ~~وظاهره من عجائب الفطرة وغرائب الحكمة مما لا يدرك بوصف الواصف، بل أودع ~~سبحانه كل عضو من أعضائه، وكل جزء من أجزائع عجائب فطره، وغرائب حكمة، لا ~~يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين. # ثم قال سبحانه: {فتبارك الله} أي تعالى أمره وقدرته وعلمه {أحسن ~~الخالقين} أي أحسن المقدرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه. # قال الهادي عليه السلام: لا خالق إلا الله تبارك وتعالى، ولا موجود غيره، ~~والعرب فقد تسمي العامل خالقا، قال الشاعر: # حروب دهت منا الجميع وفرقت ... كما فرقت أيدي الأديم الخوالق PageV17P076 والشاهد لذلك من كتاب الله قوله تعالى: {وتخلقون إفكا}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه تعالى أحسن الخالقين خلقا، ~~ولكنه اختصر، والله يتعالى عن الحسن؛ لأن الحسن غرض متعلق بالأجسام الحسان، ~~والحسن ومحله شيئان مجموعان ومختلفان بمشيئة الله مصنوعان، والله سبحانه ~~يتعالى أن يكون موصوفا بالائتلاف، أو منعوتا بالتغاير والاختلاف، إذا لكان ~~له صانع ألفه وجمعه، وغائر بين صفاته وصنعه، ولو كان كذلك لما خلق خلقا ~~ولكان كغيره فقيرا مخلوقا، فيجب أن يحمل المتشابه من قول ربنا على أحسن ~~الأمور وأبعده من الفساد والشرور، وكذلك كتب الأئمة صلوات الله عليهم ~~تشابه، منها ما يحمل على التأويل، وترد إلى محكم قولهم، وأصل مذهبهم ودينهم انتهى. # الثامنة: قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك} الإنشاء بالتدريج العجيب ~~{لميتون}. # التاسعة: قوله تعالى: {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} جعلت الإماتة التي هي ~~إعدام الحياة، والبعث الذي هو إعادة ما أفنا دليلا أيضا على اقتدار عظيم ~~بعد ذلك الاختراع. # النوع الثاني من الدلائل: الاستدلال بخلقة السماوات # وهو قوله تعالى: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} أي سبع سماوات؛ لأنها ~~طرائق بعضها فوق بعض، كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقه، يقال: ~~طارق الرجل نعليه إذا أطبق نعلا على نعل، وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوبا على ~~ثوب، هذا هو قول الخليل والزجاج، والفراء. # قال في ms1051 البرهان: سميت بذلك لأن كل طبقة طريقا للملائكة، وهي مع ذلك بعضها ~~فوق بعض، أي متطابقة. # ثم قال عز وجل: {وما كنا عن الخلق غافلين} عن حفظهم من سقوط السماء ~~عليهم، أو أراد بالخلق الناس، وأنه خلقها لينزل منها أرزاقهم ومنافعهم. # النوع الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار PageV17P077 اعلم أن الماء في نفسه نعمة، وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم، فلا جرم ذكره ~~الله تعالى أولا، ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا، فقال سبحانه: {وأنزلنا ~~من السماء ماء بقدر} أي بمقدار ما علمنا من حاجتهم ومصالحهم، أو بتقدير ~~بسلمون فيه المضرة، ويصلون إلى المنفعة {فأسكناه في الأرض} أي أثبتناه ~~فيها، وجعلناه باقيا نفعه. # وقيل: جعلناه ينابيع فيها، وقيل: إنها خمسة أنهار، سيحون نهر الهند ~~وجيحون نهر بلخ، ودجلة والفرات نهرا العراق، والنيل نهر مصر، أنزلها الله ~~من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، منافع ~~للناس في أصناف معايشهم. # ثم قال عز وجل: {وإنا على ذهاب به لقادرون} كما قدرنا على إنزاله فعلى ~~العباد أن يستعظموا النعمة في بقاء الماء، ويقيدوها بالشكر، ونظيره قل: {قل ~~أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين}. # ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة ~~من الماء فقال: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة} ~~ما يتفكه به {ومنها تأكلون} وصف النخل والعنب بالجمع بين أمرين، فاكهة ~~يتفكه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، رطبا وعنبا وتمرا وزبيبا. # وقوله تعالى: {وشجرة} يعني شجرة الزيتون، وخصت بالذكر لكثرة منافعها، ~~وقلة تعاهدها، ثم وصفها فقال: {تخرج من طور سيناء} أي الكثير الشجر، وقيل: ~~معنا سينا البركة، أي جبل البركة، وخص هذه الأشجار الثلاث لأنها أفضل ~~الشجر، وأجمعها للمنافع، وطور سينا اسم للجبل الذي كلم عليه موسى عليه ~~السلام. # وقيل: هو جبل فلسطين، وقيل: بين مصر وإيلة، ومنه نودي موسى. PageV17P078 # أما قوله: {تنبت بالدهن} فهو ثمر الدهن، والباء زائدة، والدهن في موضع ~~الحال، أي ms1052 تنبت الدهن وفيها الدهن. # قوله: {وصبغ للآكلين} عطف على الدهن، أي ما يصطبغ به الآكلون، وقد روينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الزيت شجرة مباركة ~~فأتدموا به وادهنوا)) وجملة القول أنه تعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة، ~~وأنها تخرج من هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة، وبأن ~~تعصر فيظهر الزيت منها، وتعظم وجوه الانتفاع به. # النوع الرابع: الاستدلال بأنواع الحيوانات # وذلك قوله تعالى: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} يريد فيها موعظة واعتبار، ~~ثم وجوه الانتفاع بها بقوله تعالى: { نسقيكم مما في بطونها} من الألبان، ~~ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع، ويخلص من بين الفرث والدم بإذن ~~الله تعالى، فيستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم موافق للشهورة، فيصير غذاءا، ~~فمن استدل بذلك على قدرة الله تعالى وحكمته كان ذلك مودا في النعم الدينية، ~~ومن انتفع به فهو نعمة في الدنيا، وأيضا فهذه الألبان التي تخرج من بطونها ~~إلى ضروعها تجدها شرابا طيبا، فإذا ذبحتها لم تجد لها أثرا، وذلك يدل على ~~عظيم قدرة الله تعالى. # وثانيها: قوله تعالى: {ولكم فيها منافع كثيرة} من الركوب والحمل وغير ~~ذلك، كمنافع ما لا يؤكل لحمه من الخيل والبغال والحمير، وكذلك بيعها، ~~والانتفاع بأثمانها، وما يجري مجرى ذلك. # وثالثها: قوله سبحانه: {ومنها تأكلون} أي وفيها منفعة زائدة وهي الأكل ~~الذي هو الانتفاع بذواتها، والمراد بالأنعام الإبل لقوله في الرابع من ~~الوجوه {وعليها وعلى الفلك تحملون} لأنها هي المحمول عليها عادة، ولأنه ~~قرنها بالفلك التي هي السفائن؛ لأنها سفن البر تحمل عليها كسفائن البحر. PageV17P079 # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو ~~العادة في سائر السور، فقال في القصة الأولى # قصة نوح عليه السلام # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله} وحده فالمعنى أنه ~~سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده، وأن لا يجوز يدعوهم إلى ~~ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته، أو لأن عبادة من لا يكون معلوما غير ms1053 جائزة، ~~وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة. # أما قوله: {ما لكم من إله غيره} فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز، إذا ~~لا إله سواه. # ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى ~~حذرهم بقوله: {أفلا تتقون} أي أفلا تخافون حيث ترفضون عبادته، وتعرضون عن ~~شكر نعمته، وتعبدون ما لا يستحق العبادة؛ لأن ذلك جزاء ووعيد بإتا العقوبة، ~~لينصرفوا عنما هم عليه، ثم أنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح ~~عليه السلام. # الشبة الأولى: قوله {فقال الملا الذين كفروا من قومه} الملاء الأشراف ~~والرؤساء قالوا: {ما هذا إلا بشر مثلكم} أدمي مثلكم، من جنسكم {يريد أن ~~يتفضل عليكم} أي يطلب أن يكون له الفضل عليكم والرئاسة. # الشبهة الثانية: قولهم {ولو شاء الله} أن يرسل إليكم رسولا{لانزل ملائكة} ~~رسلا، لأنهم أنكروا أن يكون الرسول بشر. # الشبهة الثالثة: قولهم {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} دل على أنهم ~~وأباهم كانوا في فترة متطاولة، أو يكذبوا ذلك ليدوا الحق بماعن لهم بلا ~~تمييز بين صدق وكذب، ألاترى أنهم كيف جننوه، وقد علموا أنه أرجح الناس ~~عقلا، فقالوا في شبهتهم الرابعة: {إن هو} أي ماهو {إلا رجل به جنة} أو به ~~جن يخبلونه. PageV17P080 # الشبهة الخامسة: قولهم: {فتربصوا به} أي انتظروا أمره {حتى حين} أي حسن ~~يموت، أويستبين أمره أي إلى زمان حتى يتجلا أمره، فإن أفاق من جنونه وإلا ~~قتلتموه، ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه ~~إ ن كان نبيبا فالله ينصره ويقوي أمره، فنحن حينئذ نمنعه، وإن كان كاذبا ~~فالله يخذله ويبطل أمره، فجينئذ نستريح منه، فهذه مجموع الشبه التي حكاها ~~الله تعالى عنهم. # واعلم أنه سبحانه ماذكرالجواب عنها لركاكتها ووضوح فسادها. # ثم قال سبحانه حاكيا عن نوح عليه السلام {قال رب انصرني بما كذبوني} أي ~~أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، حين قال لهم {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}. # ولما أجاب الله دعاه قال تعالى:{ فأوحينا إليه أن اصنع الفلك} أي ms1054 ~~السفينة{بأعيننا} أي بحفظنا، كان معه من الهل عيونا حفاظا يكلؤنه بعيونهم ~~لئلا يتعرض له، ولا يفسد عليه قوله تعالى{بأعيننا ووحينا} أي وبوحينا إليك، ~~كيف تصنع، روي أنه اوحى الله إليه أن يصنعها على مثال جوجؤا الطائر، أي ~~صدره، ثم قال تعالى:{ فإذا جاء أمرنا} بنصرك {وفار التنور} أخبرته امرأته ~~فركب وقيل: كان تنور أدم، وكان من حجارة، قيل: مكان التنور في مسجد الكوفة ~~عن يمين الداخل، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد، وقيل: بالشام، بموضع ~~يقال له عين وردة، وقيل: بالهند. # وقال في البرهان: روينا عن علي عليه السلام: أن قوله{وفار التنور} المراد ~~به الفجر. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ويمكن أن يكون التنور هو تنور من ~~تنانير العيون، والعيول فار بالما وانفجربه ليركب رسول الله في سفينه، وهذا أحسن. # قال الشاعر: في ذلك يعينه # ونادى صاحب التنور نوح # وصبت عليهم منه البوار # وضجوا عند جيئته إليهم # ولاينجى من القدر الفرار # وقال آخر: # فلما أستفار الله تنور أرضه PageV17P081 ففار وكان الماء في الأرض ساجيا # دعا بابنه نوح ألا اركب فإنني دعوتك لما أقبل الماء طاميا. # ابن عباس التنور وجه الأرض، وأما قوله {فاسلك فيها} أي ادخل فيها، يقال ~~سلك فيه دخله، وسلك غيره وأسكله، والمعنى ادخل في السفينة من كل صنف زوجين ~~من الذكور والإناث، قيل: لأنه لوحمل على ظاهره لكان كقولك من كل اثنين وفيه ~~ركة، فيجب التأويل إما بتقدير مضاف أي أمة زوجين، أو من كل جماعتين زوجين، ~~وهما جماعة الذكر، وجماعة الأنثى انثنين أي فردين مزوجين كالجمل والناقة، ~~والحصان، والرمكة روي أنه لم يحمل في السفينة إلاما يلد أو يبيض، فروي ~~والله اعلم أن الله ارسل الرياح فجلبت إليه أصناف الحيوانات فكان بزعمهم ~~أكبرما في السفينة الفيل، وكان أصغر مافيها الذرة، ومعنى قوله ~~تعالىلآ{وأهلك} أي واسلك أهلك{إلا من سبق عليه القول} أي قولي للملائكة، أو ~~سبق عيه الكتاب، أي الحكم من الله تعالى بأنه من أهل النار لسؤا اختياره، ~~لالتقديره، قيل: أراد أبنه كنعان، وامرأته الكافرة، ms1055 وقوله {منهم} بيان لمن ~~سبق عليه وهو من ذكر، ثم قال: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} أي لاتدع لهم ~~بالنجاة { إنهم مغرقون} لامحالة لما في إغراقهم من المصلحة، ثم قال تعالى:{ ~~فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين} أي أحمد الله على هلاكهم، والنجاة منهم، وهذا مبالغة عظيمة في ~~تقبيح صورتهم، حيث اتبع النهي عن الدعالهم، الأمر بالحمد على هلاكهم ~~والنجاة منهم كقوله تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين} وإنما جعل الهل سبحانه استوائهم على السفينة نجاة من الغرق، لأنه ~~سبحانه كان عغرفه بذلك ينجيه ومن معه، ثم أنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد ~~على هلاكهم أمره أ، يدعوا لنفسه PageV17P082 فقال:{ وقل رب أنزلني منزلا} بضم الميم وفتح الزاي، أي انزالا، وقرئ بفتح ~~الميم وكسر الزاي، فالمنزل بالضم، فعل النزول، والمنزل بالفتح موضع النزول، ~~ومعنى {مباركا} كثير المنافع تعطيني فيه خير الدارين، {وأنت خير المنزلين}. # قال في البرهان: وروينا أن نوحا عليه السلام قال ذلك عند نزوله في ~~السفينة، وروينا أنه قاله وقت نزوله من السفينة، ثم قال تعالى:{ إن في ذلك ~~لايات} بين سبحانه أن فيما ذكر من قصة نوح وقومه لأيات، وعبر بالدعاء إلى ~~الإيمان والزجر عن الكفر، فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها ~~لايقدر عليه إلاالقادر على كل المقدورات وظهورتلك الواقعة على وفق قول نوح ~~عليه السلام يدل على المعجز العظيم، وإفنا الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين ~~والطاعة من اعظم أنواع العبر، وقوله:{ وإن كنا لمبتلين} إن هي المخففة من ~~الثقيلة، والمعنى فإنا كنا مبتلين، أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه وإنا لمبتلون ومختبرون، ~~ومعنى الإختبار من الله عزوجل لعباده هو إظهاره لإفعالهم بالإختبار، فأما ~~هو فلايحتاج إلى اختبارهم ولكن ليثبت أوليائه على صبرهم ويظهر الحسن من ~~فعلهم، ويفضح الكافرين بكفرهم، ويعاقبهم بقلة شكرهم. # قصة هود وصالح عليهما السلام # قوله تعالى:{ ثم أنشأنا من بعدهم} أي ms1056 من بعد قوم نوح {قرنا} أي أمة ~~{آخرين} هم عاد قوم هود {فأرسلنا فيهم} في عاد { رسولا منهم} هود عليه ~~السلام {أن اعبدوا الله} أن مفسرة لأرسلنا، أي قلنا لهم على لسان الرسول ~~اعبدوا الله {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أي تخافونه حيث ~~أرضتم عن عبادته وأقبلتم على عبادة مالايضر ولاينفع. PageV17P083 # قال الرازي: اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضى ~~الله عنه وأكثر المفسرين، واحتجوا عليه بحكاية الله عزوجل قول هود{واذكروا ~~إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة ~~الأعراف وسورة هود والشعرآ. # وقال بعضهم: المراد صالح وثمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا ~~بالصيحة، أما كيفية الدعوة فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام. # ثم اعلم أن الله سبحانه حكى صفات أولئك القوم، ثم حكى كلامهم فقال ~~عزوجل{وقال الملا من قومه الذين كفروا} أي رؤساؤهم والذي تقدم من مقالة قوم ~~هود في سورة الأعراف بغير واو، وهاهنا بالواو، والفرق أن الذي بغير واو على ~~تقدير سؤال كأنه قيل فما قال قومه فقيل قالوا كيت وكيت، والذي مع الواو ~~معطوف على ماقاله هود، ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل، ~~ذكر معناه في الكشاف، أما الصفات فأولها الكفر بالخالق سبحانه، وهو المراد ~~من قوله كفروا. # وثانيها: الكفر بيوم القيامة، وهو المراد من قوله: {وكذبوا بلقاء الآخرة} ~~يريد بلقاء مافيها من الحساب والثواب والعقاب. # وثالثها: الإنغماس في حب الدنيا وشهواتها، وهو المراد من قوله تعالى: ~~{وأترفناهم في الحياة الدنيا} معناه نعمناهم فأبطرتهم النعمة. # وأما شبهات القوم فقولهم: {ما هذا إلا بشر مثلكم} تحشرون عقولكم، وتعبثون ~~في رأيكم، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر بقولهم: {أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون} من قبوركم، وثنى أنكم لتأكيد الأول، وحسن ~~ذلك للفصل بينهما بالظرف وهو إذا، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا ~~به الاستبعاد العظيم، وهو قولهم: {هيهات ms1057 هيهات} أي بعدا بعدا {لما توعدون} ~~والعرب تقول: هيهات ما أبعد هذا، ثم قال الشاعر: PageV17P084 # فقلنا لها هيهات شطت به النوى # ومن يغترب يسلوا ولو كان موجعا # والمعنى بعدا لما توعدون من الإخراج من القبور إحياء للحساب يوم البعث ~~والنشور، ودخلت اللام كما تدخل في قولك: بعدا لما توعدون؛ لأنه بمعناه. # وقيل: هي مثله في هيت لك لبيان المستبعد، ثم أكدوا الشبهة بقولهم: {إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا} هي ضمير لا يعلم ما يعنى إلا بما يتبعه، وأصله أن ~~الحياة الدنيا إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل ~~عليها، ومعنى قولهم: {نموت ونحيا} أي يموت بعض منا ويموت بعض أبدا لا ~~انقطاع لذلك، وأنه لا إعادة ولا حشر، فلذلك قالوا: {وما نحن بمبعوثين} من ~~قبورنا، ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر ثنو عليه الطعن في نبوته فقالوا: ~~{إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} أي ما هو إلا مفتري فيما يدعيه من ~~النبوة، وفيما يعدنا من البعث {وما نحن له بمؤمنين} أي بمصدقين. # واعلم أن ذلك الرسول لما أيس من قبول الأكابر والأصاغر {قال رب انصرني ~~بما كذبون} أي اهلكهم بسبب تكذيبهم {قال} الله جوابا له { عما قليل} أيعن ~~زمان قليل أقسم {ليصبحن نادمين} على التكذيب وترك الإيمان، وقليل صفة ~~لزمان، وما زائدة لتوكيد قلة المدة، وبين تعالى الهلاك الذي نزل عليهم ~~بقوله: {فأخذتهم الصيحة} صاح بهم جبريل فدمرهم. # وقيل: هي الريح وهو المشهور من عذابهم، والصيحة اسم للعذاب المصطلم، قال ~~الشاعر: # صاح الزمان بال برمكم صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان PageV17P085 ومعنى قوله: {بالحق} فهو بالوجوب لاستيجابهم الهلاك، أو بالعذاب من الله، ~~والمعنى أنه عز وجل دمرهم بالعدل من قولك: فلان يقضي بالحق إذا كان عادلا ~~في قضاياكم، ثم قال تعالى: {فجعلناهم غثاء} أي هلكا كالغث، وهو ما تحمله ~~السبل بما بلي واسود من العيدان والورق، ومنه: {غثاء أحوى} أي أسود، قال ~~الأخطل: # كنت الغثاء في لج أكدر # مزبد قذف الإبانة فضل ضلالا # {فبعدا ms1058 للقوم الظالمين} أي فبعدا لهم من الرحمة، أي المشركين وصفهم ~~بالظلم، تشنيعا عليهم، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستحقاق والإهانة ~~لهم، وقد نزل بهم العذاب دالا بذلك أن الذي ينزل بهم في الآخر من البعد عن ~~الخير، والنعم والثواب أعظم من جزائهم عاجلا ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم. # القصة الثالثة: قوله تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين}. # اعلم أنه سبحانه يقص في القرآن تارة على التفصيل كما تقدم، وأخرى على ~~سبيل الإجمال كهاهنا، وقيل: المراد قصة قوم صالح ولوط، وشعيب وغيرهم. # وعن ابن عباس: هم بنو إسرائيل، ثم قال سبحانه: {ما تسبق من أمة أجلها} أي ~~الوقت الذي حد لهلاكها، أي لا تهلك قبله {وما يستأخرون} عنه. # أما قوله تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى} فالمعنى أنه كما أنشأ بعضهم دون ~~بعض أرسل إليهم الرسل على الجد. # قرأ ابن كثير: تترى منونة على أن ألفه بغير التأنيث، والباقون بغير ~~تنوين، وهو اختيار أكثر أهل اللغة؛ لأنها فعالا من المواترة، وهي المتابعة، ~~أي تتابع إليهم. # قال في البرهان: يعني متواترين يتبع بعضهم بعضا، بين كل اثنين وهو طويل، ~~واشتقاق تترى من وتر القوس لاتصاله به، وقيل: من الوتر وهو الفرد، انتهى. PageV17P086 # وقيل: أصله وترى فقلبت الواو تاء، ونظيره تقوى أي متواترين واحد بعد واحد ~~من الوتر الذي هو الفرد، والتاء بدل من الواو، ثم أخبر تعالى أنهم سلكوا في ~~تكذيب أنبياؤهم مسلك من تقدم، ذكره ممن أهلكه بالغرق والصيحة فقال سبحانه: ~~{كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} بعد لزوم الحجة بالمعجزات {فأتبعنا بعضهم ~~بعضا} في الهلاك {وجعلناهم أحاديث} أخبارا يسمر بها وهي اسم جمع للحديث، ~~ويكون أيضا جمعا لاحدوثه كأضحوكة وهي ما يتحدث به الناس تليها، والمراد ~~هنا، ومعنا {فبعدا} دعا عليهم أي هلاكا {لقوم لا يؤمنون} أي لا يصدقون ~~الرسل الصادقين بالمعجزات، فدل بذلك على أنهم كما هلكوا عاجلا فهلاكهم ~~بالتعذيب آجلا على التأديب مترقب، وذلك وعيد شديد. # القصة الرابعة: قصة موسى عليه السلام # قوله تعالى: {ثم أرسلنا ms1059 موسى وأخاه هارون بآياتنا}. # قال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا واليد، والجراد والقمل، ~~والضفادع والدم، والسنين ونقص من الثمرات، وقوله: {وسلطان مبين} أي وحجة ~~بينة {إلى فرعون وملئه} هم أشراف قومه من القبط، ويجوز أن يراد بالسلطان ~~العصا؛ لأنها كانت أم الآيات، وقد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية، ~~وتلقفها إفك السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربها، ~~وكونها حارسا له إذا نام وشمعة وشجرة خضرا مثمرة، ودلوا ورشا جعلت كأنها ~~ليست عصا لما استبدت به من الفضل، فلذلك عطفت عليها. # واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام معجزات هارون أبضا، ~~وأن النبوة كما كانت مشتركة بينهما فكذلك المعجزات، ثم إنه سبحانه حكى عن ~~فرعون وقومه صفتهم، ثم ذكر شبههم. # أما صفتهم فأمران: # أحدهما: الاستكبار والأنفة، وهو المراد بقوله سبحانه وتعالى: {فاستكبروا} ~~عن الإيمان بها. PageV17P087 # والثاني: {وكانوا قوما عالين} متطاولين على الناس، قاهرين لهم بالبغي ~~والظلم. # قال في البرهان: لأن بني إسرائيل كانت تعبد فرعون، وفرعون كان يعبد ~~الأصنام. # وأما شبههم فهي قولهم: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما} بنو إسرائيل ~~{لنا عابدون} أي كانوا يعبدوننا تذللا، انتهى. # والشبهة مبنية على أمرين: # أحدهما: كونها من البشر. # والثاني: أن قوم موسى وهارون كانوا كالخدم والعبيد لهم. # قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابدا له، ويحتمل أنه كان يدعي ~~الإلهية، فادعى للناس العبادة، وأن طاعتهم له عبادة حقيقة، ثم بين سبحانه ~~أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم، صرحوا بالتكذيب، وهو المراد من قوله ~~تعالى: {فكذبوهما فكانوا من المهلكين} بالغرق، ولما كان ذلك التكذيب كالعلة ~~لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه بفاء التعقيب، ثم قال تعالى: {ولقد آتينا ~~موسى} أي قومه بني إسرائيل {الكتاب} هو التوراة {لعلهم يهتدون} أي ليهتدوا ~~ويعملوا بشرائعها ومواعظها، وذلك لأن التورية إنما أتيت بني إسرائيل بعد ~~إغراق فرعون وملأئه، بدليل قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} من بعد ما ~~اهلكنا القرون الأولى، فذكر موسى، والمراد آل موسى، كما يقال: ms1060 هاشم وثقيف، ~~والمراد قومهم. # القصة الخامسة: قصة عيسى ومريم عليهما السلام # قوله تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} عبرة، ويحتمل وجعلناهما آية ~~واحدة من حيث أنها ولدته من غير أب، فالآية إنما هي بهما معا، ولو قيل: ~~آيتين لكان له وجه. # قال في البرهان: فآية أنه خلق من غير ذلك، وآيتها أنها حملة من غير فجل، ~~ثم تكلم في المهدي، وكان كلامه آية له وبراءة لها، انتهى. PageV17P088 # وكان عليه السلام يحيي الموتى مع معجزات أخر، واللفظ يحتمل للتشبيه، أي ~~وجعل ابن مريم آية وأمه آية، فجذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، ثم نبه ~~سبحانه على كمال نعمه عليهما بقوله: {وآويناهما} أي هديناهما {إلى ربوة} ~~الربوة هو الموضع المرتفع من الأرض. # قال في البرهان: قيل إنها دمشق، وقيل: إنها بيت المقدس. # وروينا أنها أقرب البقاع إلى السماء، انتهى. # ومعنى {ذات قرار ومعين} أي مستقر من الأرض، مستو معتدل، والمعين هو الماء ~~السائل على وجه الأرض، قال الشاعر: # كما سال من ماء الرصين معين # وقيل: ذات ثمار وماء، أي لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها، ثم قالوا: وسبب ~~الإيواء أنها فرت بابناء عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنى عشر سنة، وإنما ~~ذهب بهما ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم، وهاهنا آخر ~~القصص، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات} ما حل وطاب، أو مستلذات ~~المأكل والفواكه. # وقيل: طيبات الرزق ثلاثة: حلال وهو ما لا يعصى الله فيه، وصاف وهو ما لا ~~يعص الله فيه، وقوام وهو ما يمسك النفس، ويحفظ العقل، والمعنى الإعلام بأن ~~كل رسول نودي في زمانه بهذا النداء ليرغب السامع في الأخذ به، والعمل عليه، ~~ولم يرد في وقت واحد؛ لأنه أرسلوا في أزمنة متفرقة، ثم قال: {واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم} فأجازيكم عليه؛ لأن قوله: {إني بما تعملون عليم} ~~تحذير من مخالفة ما أمرهم به، فإذا كان تحذيرا للرسل مع علو شأنهم، فبأن ~~يكون تحذيرا لغيرهم أولى. # ومعنى قوله سبحانه: {وإن هذه ms1061 أمتكم} أي ولأن هذه أمتكم، أي ملتكم، وهي ~~ملة الإسلام {أمة واحدة} متفقة غير مفترقة. PageV17P089 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يقول عز وجل: إن دينكم دين واحد وهو ~~التوحيد والعدل، وإثبات الوعد والوعيد، والنبوة والإمامة، فهذا دين واحد ~~ليس فيه اختلاف بين أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم وغيرهم من المسلمين، ~~والأمة هاهنا هي الدين والملة والمذهب {وأنا ربكم فاتقون} خافون، ولا ~~تخرجون من ملة الإسلام. # قال ابن الجوزي: عن الفراء في الفتج وجهان: # أحدهما: أن يكون معطوفا على بما تعملون عليم أي وعليم بأن أمتكم واحدة. # والثاني: أن ينتصب بتقدير فعل، أي اعلموا أن أمتكم أمة واحدة، معناه ما ~~ربكم إلا انا فاتقوني وحدي، ولا تشركوا ومن كسر استأنف. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: الأمة في لسان العرب القصد، تؤتم بقول ~~الله سبحانه: إن قصدكم الذي تقصدون، وأمتكم التي تأمون واحدة، يعني سبحانه ~~طريقا واحدا غير اثنين، إذ كلهم مأمور بعبادة الله وحده، والسلوك في سبيله ~~وقصده، وخلع الأنداد من دونه، والشهادة له بواحدانيته، أنه لا إله ولا رب ~~غيره، فربهم الله ومعمدهم، وأمتهم الذي هو قصدهم سبحانه وتعالى، وله المثل ~~الأعلى. # ثم قال عز وجل: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} أي تقسموا أمر دينهم، وجعلوه ~~أديانا مختلفة، زبرا جمع زبور وهو الكتاب، أي جعلو دينهم أديانا، وأحدثوا ~~كتبا متفرقة فيحتج كل لمذهبه، وفي قوله: {فتقطعوا} معنى المبالغة في شدة ~~اختلافهم. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: معناه فتقطعوا عن مذاهبهم، واختلفوا ~~في مقالتهم، ومعنى {زبرا} أي قطعا عن الجماعات مفترقين في الدين، سالكين في ~~ضلالهم في طرقهم مختلفات، لا ينصفون حجج الله وما دعاهم إليه رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فيتوبون، انتهى، والضمير في تقطعوا الأمم الرسل. # قال في البرهان: وقرئ زبرا بضم الباء أي كتبا، فأخذ كل فريق منهم كتابا ~~آمن به، وكفر بمن سواه، يعني من كتب الله المنزلة، انتهى. PageV17P090 # ثم قال: {كل حزب} أي فرقة {بما لديهم فرحون} بباطلهم، لاعتقادهم أنهم على ~~الحق، ms1062 ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم، أتبعه بالوعيد فقال: ~~{فذرهم في غمرتهم} معناه في ظلالهم الذي قد غمرهم، وجهلهم الغامر لهم، وأصل ~~الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من الجهل، ~~فكان ماؤهم فيه ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامرا ساترا لعقولهم، أو ~~شبهوا باللاعبين في غمرة الماء، ومعنا {حتى حين} أي إلا وقت أن يقتلوا أو ~~يموتوا، سلي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ونهي عن الاستعجال بعذابهم، ولما ~~كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب ~~المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك فقال: {أيحسبون ~~أنما نمدهم به} أي نزيدهم ونقويهم {من مال وبنين} في هذه الحياة الدنيا ~~{نسارع لهم في الخيرات} أو تكون ما مصدرية، والتقدير أيحسبون أن إمدادنا ~~مسارعة لهم في الخيرات، والخيرات النفع أو يريد في جزاء الخيرات، وهي ~~الأعمال الصالحة، أي نعطيهم ذلك ثوابا كما نفعل للمؤمنين، والهمزة للإنكار، ~~أي أيضنون ذلك، وهي كلمة توبيخ، والمعنى أن هذا الإمداد من الأموال ~~والآولاد ليس إلا استدراج لهم إلى المعاصي، وزيادة الإثم، وهم يحسبون ~~مسارعة لهم في الخيرات، ومعاجلة لهم بالثواب، ومعنى الاستدراج هنا أنه ~~تعالى وسع عليهم ليشكروا لا ليزدادوا في المعاصي، فلا يوجد منهم إلا الكفر ~~موضع الشكر، فتكون زيادة النعم سببا لزيادة الاثم إلى أن يأخذهم الموت في ~~غمرتهم، فإذا أعرضوا عن الحق، والحالة هذه كان لزوم الحجة عليهم أقوى، ~~فلذلك قال: {بل لا يشعرون} أي لكن لا يعلمون حقائق أفعالنا، وعجائب حكمتنا، ~~وبل للإضراب عما حسبوه إلى إخبار بحالهم، أي بل هم أشباه البهائم لا فطنة ~~لهم حتى يتأملوا أهو استدراج أم مسارعة في الخير. PageV17P091 # ثم عقب المستدرجين بالمهتدين الذي هم على خلاف صفتهم فقال عز وجل: {إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي خائفون عذابه. # اعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره في قوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين، نسارع ms1063 لهم في الخيرات} ثم قال: {بل لا يشعرون} بين بعده صفات من ~~يسارع في الخيرات ويشعر بذلك، وهي أربع: # الصفة الأولى: قوله: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} فإن قيل: ~~الاشتقاق بمعنى الخشية فيؤدي إلى التكرار فجوابه من وجوه: # أحدها: إن الاشتقاق أكثر من الخشية؛ لأن المشتق الذي رق قلبه من شبه ~~الخوف، فيصير مثل قوله: من خشية ربهم باكون. # وثانيها: أنه تجوز بالخشية عن العذاب الذي هو سببها، وكأنه قيل: الذين هم ~~من عذاب ربهم مشفقون. # وثالثها: أنها تجوز بالإشفاق عن ملازمة الطاعة، وكأنه قيل: من خشية ربهم ~~دائمون في طاعته ملازمون، والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلا حد الإشفاق، ~~وهو كمال الخشية كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلا، ومن عقابه آجلا، ~~فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي. # الصفة الثانية: قوله تعالى: {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} أي يصدقون. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون}. # قال الرازي: وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد، ونفي الشرك لله تعالى؛ ~~لأن ذلك داخل في قوله تعالى: {والذين هم بآياتنا يؤمنون} بل المراد منه نفي ~~الشرك المخفي، وهو أن يكون مخلصا في العبادة، ولا يقدم عليها إلا لوجه الله ~~تعالى، وطلب رضاه، والله أعلم. PageV17P092 # الصفة الرابعة: قوله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا} أي يعطوا ما أعطوا لوجه ~~الله تعالى، فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه كان ذلك من حق الله تعالى، كالزكاة ~~والكفارة وغيرهما، أو من حقوق الآدميين كالودائع والديون، وأصناف االإنصاف ~~والعدل، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا وصلوه {وقلوبهم وجلة} خائفة أن لا يقبل ~~الله منهم الصدقات وسائر الطاعات، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي ~~علمهم برجوعهم إلى جزاء ربهم فقال تعالى: {أنهم إلى ربهم راجعون} أي ~~خشيتهم؛ # هم إلى جزائه صائرون، ولا يكون مفعولا لوجله، بل متعلقا محذوف تقديره ~~وجلة، أن لا تقبل منهم كما جاء مصرحا به في الحديث عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((هو الذي يصلي ويصوم، وهو مع ms1064 ذلك يخاف أن لا تقبل منه، وهو في تلك ~~الحال خائف ............لا يدري ما يصنع الله تعالى بها لأجلها)) وهل وقعت ~~مخلصة له عن عهده ما لزمه فيستحق عليها الثواب أم على غير ذلك الوجه فيستحق ~~عليها العقاب، وفي هذا تنبيه على أن العبد لا يتمكن من العلم بأنه من أهل ~~الجنة مع بقاء التكليف، هذا الأمر يشعل نار الخوف في قلب كل عاقل. # ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات للمؤمنين المخلصين قال بعده: {أولئك ~~يسارعون في الخيرات} أي يستكثرون منها؛ لأن المسارع إلى الشيء مستكثر وراغب ~~فيه أشد الرغبة. # وقيل: يتعجلون في الدنيا المنافع ووجوه الإكرام، كقوله: {فآتاهم الله ~~ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين} لأنهم إذا سورع لهم بها، فقد سارعوا في نيلها، وهذا أحسن طباقا ~~للآية الأولى؛ لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين. PageV17P093 # وأما قوله: وهم لها سارعون فقال الحسين بن القاسم عليهم السلام: معناه وهم ~~بها سابقون لغيرهم فقامت اللام مقام الباء الزائدة، روي ذلك عن بعض أئمتنا، ~~وكذلك أكثر كلامنا مأخوذ من تفسير سلفنا. # قلت: لعله أشار إلى تفسير الهادي إلى الحق عليه السلام في هذه الآية إذ ~~يقول: إن قال قائل: كيف يسبق الشيء من فعله؟ # قيل له: المعنى في ذلك أنه أرادوهم بها إلى الله سابقون، وذلك قوله ~~سبحانه: {والسابقون السابقون، أولئك المقربون} وضروب الصفات يعاقب بعضها ~~بعضا فقامت اللام مقام الباء، ومثل ذلك في كتاب الله كثير من ذلك قوله عز ~~وجل: {ولاصلبنكم في جذوع النخل} قال الشاعر: # لقد نلت لم تكن لتناله ... ولكن لفضل الله ما نلت ذلكا # فقال: لفضل الله، وإنما أراد بفضل الله فأقام اللام مقام الباء، انتهى. # وقيل: فاعلون السبق لأجلها، أو إياها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة، حيث ~~أجلت لهم في الدنيا، ثم اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين ~~المخلصين، ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد، فالأول قوله تعالى: {ولا نكلف ~~نفسا إلا وسعها} ms1065 وفي الوسع قولان: # أحدهما: أنه الطاقة. # والثاني: دون الطاقة. # أخبر أن أولئك المخلصين لم يكلفوا ما لا يطيقون، والحكم الثاني قوله ~~تعالى: {ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون} قيل: الكتاب صحائف الأعمال، ~~فيه ما علموا من خير وشر، وفيه عمل السابق والمقتصد، فإن قيل: هؤلاء الذين ~~يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى، أو ~~مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول، سواء وجد ~~الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك لتجويزهم أنه سبحانه ~~وتعالى كتب فيه خلاف ما يحصل، فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب ~~أجابوا على أنه لا يبعد أن يكون مصلحة للمكلفين من الملائكة. PageV17P094 # قلت: فائدة ذلك تعجيل مسرة المؤمنين بنشر الحسنات، وتعجيل عقوبة العصاة ~~بكشف السيئات، ألا تسمع حيث قال تعالى حاكيا عن المؤمن المحاسب حيث يقول ~~لمن يحاسبه: {هاؤم اقرأوا كتابيه} فهو حظ على أن يقرؤه استبشارا منه بجزاء ~~عمله، وثقة منه بعدل ربه، وأما العاصي فقال عز وجل فيه: {وأما من أوتي ~~كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه} فهذا قول من ~~استحق الوعيد من ربه عند معاينة جزاء فعله وسعيه، والله أعلم. # وقالوا: الكتاب هو اللوح. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام: الكتاب يكون على ثلاث معان، فكلها ~~والحمد لله منير عند من رزقه الله المعرفة بالكتابة والتفسير، فمنها العلم ~~وهو ما سألت عنه، وما كان في الكتاب، مثل قوله: {فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون} يريد بكاتبين عالمين، ومن مثل قوله ~~في آخر الحج: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب ~~إن ذلك على الله يسير} يريد سبحانه وجل عن كل شأن شانه بقوله: {في كتاب} أي ~~في علم معلوم عند الله غير مكتوم. PageV17P095 # والثاني: معنى الحكم من الرحمن، وفي ذلك ما يقول في واضح الفرقان {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} إلى ms1066 قوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} فقال في ~~الكتاب وإنما أراد في حكم الله، وكذ لك: {والطور، وكتاب مسطور} يقول في ~~الحكم معنا مفروضا من ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس} يريد وحكمنا عليهم فيها، فذكر أنه حكم على بني إسرائيل بما ~~ذكر أن النفس بالنفس، ومعنا قوله: فيها أي في التورية التي أنزلها على موسى ~~صلى الله عليه وسلم وما أشبه ذلك في القرآن مما أراد به الحكم على الإنسان. # والمعنى الثالث فهو اسم الكتاب المنزل نفسه مثل قوله: ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء، وهدا ورحمة وبشرى للمسلمين، فأراد بذلك الكتاب الكريم الذي ~~يخط في المصحف والدفاتر، وتعيه وتنطوي عليه الصدور والضمائر، ومثل قوله وما ~~أقسم به في كتابه، وتنزيله حين يقول: {وكتاب مسطور} وما كان في الكتاب مثل ~~هذا وغيره مما أراد به تفسير تنزيله ووحيه، فعلى هذه الثلاثة المعاني يخرج ~~معنى الكتاب، ولن يوجد معنى رابع بسبب من الأسباب، انتهى. # ثم قال عز وجل: {بل} أي الكفرة {في غمرة} أي غفلة مغمورة {من هذا} العمل ~~الذي يعمله الصالحون {ولهم أعمال من دون ذلك} أكدى وصف به المؤمنون أي ~~متجاوزة متخطية له {هم لها عاملون} معتادون لها، لا يفطمون عنها، حتى ~~يأخذهم العذاب. PageV17P096 # قال محمد بن القاسم عليه السلام: معنا قلوبهم في غمرة الغمرة مثل الغريق ~~بغمرة الماء، فمثل قلوبهم بالغمرة التي ما وقع فيها غرق، وذلك لغفلتهم ~~وإعراضهم بأنهم لما سمعوا من الحق فقلبوهم عن ذلك في غمرة، وأعمالهم التي ~~هم لها عاملون، فاشغال دنياهم، وإيثارهم شهواتهم، وأوهواؤهم التي هم لها ~~على دين الحق مؤثرون، فهم من ذلك كله في لجة فيها قلوبهم في غمرة كغمرة ~~الماء غرقه فهم فيها غرقون، انتهى. # ثم إنه سبحانه وصف الكفار المنغمين منهم إذا نزل بهم العذاب فقال عز وجل: ~~{حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب} جمع مترف ومترفوهم رؤساؤهم الذين أبطرتهم ~~النعمة، حيث وسع عليهم بالخصب والمال والولد، والمعنى أنهم لا يردعون عما ~~هم عليه، ms1067 إلا أن يأخذهم الله بالعذاب، وهذه الآية نزلت في قتلاء بدر، قاله ~~في البرهان. # وقيل: الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~((اللهم اشدد وطأتك على مضر)) فقتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب، ~~والعظام والمخرقة والقد، والأولاد ، ثم قال: {إذا هم يجأرون} أي يصرخون ~~مستغيثين ويصيحون ويصيحون عند نزول العذاب، قال الشاعر: # ولما أن أراد الله أمرا # ومضى والمشركون لهم جؤار PageV17P097 جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أنشدك الله ~~والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعاملين؟ قتلت الآباء بالسيف، والأبناء ~~بالجوع، والظاهر أن المراد عذاب الآخرة، وأن جؤارهم فيها، ولما بين الله ~~سبحانه أن القوم عند هذا العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة والضجيج، ~~لشبه ما هم عليه، أخبر عز وجل أنه يقال لهم على وجه التبكيت: {لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي لا تغاثون منا ولا تلحقكم من جهتنا إعانة ولا ~~نصر، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من ~~الحسرة والندامة، وهو كالباعث لهم في الدنيا على ترك الكفر، والإقدام على ~~الإيمان، فإنهم الآن ينتفعون بذلك. # ثم اعلم أنه سبحانه أنه لما بين أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك ~~وهي قوله تعالى: {قد كانت آياتي تتلى عليكم} أي تقرأ عليكم لتذكروا بها، ~~وهذا من جملة ما يقال لهم توبيخا {فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي ترجعون ~~وتقهقرون عن قول الحق، قال الشاعر: # فولا معاوية بن صخر قف # اه في معاشر ناكصين # وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد بمعنى قوله: {فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون} أي تفرون عن تلك الآيات وعن من يتلوها، كما يذهب الناكص ~~على عقبيه بالرجوع إلى ورائه، ثم قال: {مستكبرين به} أي بسببه، يريد القرآن ~~{سامرا تهجرون}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: السامرون هم الذين يسمرون ويتحدثون في ~~أمر القرآن بالليل خاصة؛ لأن السمير عند العرب في لغتهم لا يكون إلا ~~بالليل، قال الشاعر: ms1068 # وباتوا بشعب لهم سامرا # إذا ما خبت نارهم أوقدوا PageV17P098 وقيل: الضمير في به يرجع إلى آياتي، وذكر لأنها في تأويل كتابي أو للبيت أو ~~الحرم؛ لأنهم كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم، وأظمر من ~~غير تقدم ذكر شبهتهم بالاستكبار به، واستكبارهم في القرآن تكذيبهم به ~~استكباراة ضمن مستكبرين معنى مكذبين، فلذلك قيل به سامرا، اسم جمع كحاضر أي ~~سمار، وكانوا يجتمعون بالليل حول البيت، وعامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه ~~بأنه شعر وسحر، وسب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # وقال الهادي عليه السلام: معنى تهجرون فهو تهذون وتكلمون بما لا تعقلون، ~~انتهى. أي تقولون الهجر وهو بالضم الفجش بالكلام، والهجر بالفتح الهذيان، ~~ويجوز أن يتعلق بسامر أي تسمرون بغير القرآن. # قال في البرهان: وهذا إنكار من الله تعالى عليهم حين تسامروا على الحق، انتهى. # ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه ~~الأمور، لابد أن تكون لأحد أمور أربعة: # أحدها: قوله تعالى: {أفلم يدبروا القول} أي القرآن، ليعلموا أنه الحق ~~ليصدقوا به لاعجازه. # وثانيها: أن يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة، وهو المراد من ~~قوله سبحانه: {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} فلذلك أنكروه، كقوله: ~~{لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم} الأولين {فهم غافلون} والمعنى {أفلم يدبروا ~~القول} يخافوا مثل ما نزل من قبلهم {أم جاءهم} من الأمن {ما لم يأت آباءهم} ~~حين خافوا الله فآمنوا به، وبكتبه {آباءهم} إسماعيل عليه السلام وأعقابه. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن سب مضر وربيعة، وقيس والحارث بن ~~كعب، وأسد بن خزيمة، وتميم بن مرة، وقال: ((إنهم كانوا على الإسلام)). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن ~~تبعا كان مسلما)). PageV17P099 # وثالثها: أن لا تكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل دعاية النوبة، وهو ~~المراد من قوله: {أم لم يعرفوا رسولهم} محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وصحة ~~نسبه وصدقه، وأمانته وعقله، ms1069 وشهرته بأنه خير فتيان قريش {فهم له منكرون} أي ~~بسبب ذلك هم له منكرون، أي مثله لا ينكر، لكنهم جعلوا سبب التصديق سبب ~~الإنكار. # ورابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولون: إنما حمله على ادعاء الرسالة ~~جنونه وهو المردا من قوله تعالى: {أم يقولون به جنة} أي جنون أو جن ~~يخبرونه، وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا، لكن لما جاءهم بما خالف أهواؤهم ~~بهتوه بالجنون، والسحر والشعر. # ثم إنه سبحانه بعد أن عدد هذه الوجوه ونبه على فسادها قال: {بل جاءهم ~~بالحق} أي القرآن الذي خالف ما سيط به لحومهم ودماؤهم {وأكثرهم للحق ~~كارهون} من حيث تمسكوا بالتقليد، ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم لزالت مناصبهم، ولاختلت رئاستهم، فلذلك كرهوه، وإنما ~~قال أكثرهم ؛ لأن أقلهم كان لا يكره الحق، لكن تركوا الإيمان به أنفة ~~واستكبارا من توبيخ قومهم. # وفي التجريد: يحتمل أن أكثرهم بمعنى كلهم، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى شيء ~~يعم المؤمنين والمشركين، فتحرز بالأكثر عن المؤمنين، نحو أن يريد أكثر قومك ~~أو أكثر قريش أو العرب، والحق يراد به التوحيد وشرائع الإسلام. # ثم أخبر سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى بل الواجب على المكلف أن يطرح ~~الهوى ويتبع الحق، وبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم ~~فقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم}. PageV17P100 # قال في البرهان: والحق هو الله عز وجل، أي لو اتبع الله ما يشتهون {لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن} أي لذهب ما يقوم به العالم، فلا يبق له بعده ~~قوام، وهذا يدل على عظم شأن الحق، وأن السماوات والأرض ما قامت ولا من فيهن ~~إلا به، أو معناه انقلب الحق باطلا، وأراد بالحق ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم أي لو انقلب الإسلام شركا لجاء الله بالقيامة ولفسدت ~~السماوات والأرض. # ثم قال سبحانه: {بل أتيناهم بذكرهم} يعني بيان الحق لهم، أي بالكتاب الذي ~~هو ذكرهم، أي وعظهم أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه بقولهم: {لو أن عندنا ذكر ~~من ms1070 الأولين} {فهم عن ذكرهم معرضون} ويجوز أن يكون الذكر بمعنى الشرف، أي ~~فهم عن شرفهم وفخرهم معرضون. # ثم بين سبحانه أنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك ~~سببا للنفرة، فقال تعالى: {أم تسألهم خرجا} أي اجرا وعطاء قليلا على هدائتك ~~لهم {فخراج ربك خير} أي فرزق ربك خير من الدنيا، أو المعنى فالكثير من عطاء ~~الخالق خير من عطائهم؛ لأنه فان فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة تصده ~~عنه، فلا يجوز أن ينفروا عن قوله لأجلها، فبين سبحانه بهذه الآيات أنهم ~~يغير معذورين البتة، وأنهم محجوجون من جميع الوجوع، ثم قال تعالى: {وهو خير ~~الرازقين} رزقا وخراجا، وقرئ خرجا خارجا فقيل: الخرج والخراج واحد، وهو ما ~~يخرج إلى الإمام من زكاة ونحوها. # قال في البرهان: والفرق بين الخرج والخراج أن الخراج من الرقاب، والخرج ~~من الأرض، انتهى. # وقيل: الخرج ما تخرجه إلى الإمام من زكاة أرضك إلى كل عامل من أجرته وجعله. PageV17P101 # وقيل: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما ألزمك أداؤه، ومعنى {أم تسألهم خرجا} ~~هو تقرير وتفهيم لهم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلب منهم خرجا ~~من أموالهم فيخرجوه، ولم يسألهم عن ذلك إجارة ومشقة، فيعصوه وإنما سألهم أن ~~يعبدوا الله، ولا يشبهوه بعباده ولا يمثلوه. # ثم اعلم أنه سبحانه لما زيف طريقة القوم، أتبعه ببيان صحة ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: {وإنك لتدعوهم إلى صراط ~~مستقيم} أي إلى طريق ثابت موصل إلى الفوز والنجاة، {وإن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة عن الصراط لناكبون} معناه لعادلون عن الطريق المذكور وهو دين ~~الإسلام ما يلون عنه، مجنبون، قال الكميت بن زيد: # إذا أشرعوا يوما على الغير سنة ... طريقهم فيها عن الحق أنكب # أي جنبوا، وأحسن من هذا قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: # سلكوا بنيات الطريق فأصبحوا # متنكبون عن الصراط الأنور # ثم قال تعالى: {ولو رحمناهم} يعني قريشا {وكشفنا ما بهم من ضر} ms1071 أي الهزال ~~والجوع والقحط الذي أصابهم، وسائر مضار الدنيا {للجوا في طغيانهم} أي ~~أكثروا وبالغوا في ظلمهم بعداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~واللجاج هو التصميم والمضي، قال الشاعر: # لج في القلب لجاجا بسلمى والرباب # ومعنا {يعمهون} فهو يسبحون في جهالتهم، والعمه العمى في الرأي، وقيل: ~~معناه لتمادوا في ظلالهم وهم متحيرون. PageV17P102 # ثم قال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب} هو القتل والأسر في بدر {فما ~~استكانوا لربهم} أي ما خضعوا ولا رجعو {وما يتضرعون} أي ما يطلبون ولا ~~يتذللون، والتذلل الدعاء بضراعة وهي الذلة، والاستكانة إظهار الضعف، أي فما ~~استكان من بقى منهم سالما من القتل، وما يتضرعون بالدعاء {حتى إذا فتحنا ~~عليهم بابا ذا عذاب شديد} باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر، وهو أطم ~~العذاب. # وفي البرهان: قيل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليهم فقال: ~~((اللهم اجعل عليهم سنين كسنين يوسف عليه السلام)) فأقحطوا سبع سنين. # وقيل: هو عذاب جهنم، وقوله: {إذا هم فيه مبلسون} الإبلاس اليأس من كل ~~خير، وقيل: السكوت مع الحيرة، المعنى لو رحمهم الله فكشف عنهم ذلك الضر ~~والقحط لرجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، واستشهد على ذلك أنه أخذهم ~~بعذاب يوم بدر فما استكانوا ولا تضرعوا، حتى إذا فتح عليهم باب الجوع ~~فأبلسوا الساعة، وجاء أعتاهم يستعطف ويتملق، أي امتحناهم بكل محنة من القتل ~~والجوع فما أثر فيهم، حتى إذا عذبوا بنار جهنم، فجينئذ يبلسون، كقوله: ~~{ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} ولما بين مبالغة الكفار في الاعراض عن ~~سماع الأدلة، ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال سبحانه: {وهو الذي أنشأ ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة} هي القلوب، وخص هذه لعظم ما يتعلق بها من ~~المنافع في الدين والدنيا، لكنه لم يعملوها في آيات الله، فكأنهم عادمون لها. # واعلم أنه سبحانه بين عظم نعمه من وجوه: # أحدها: بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة، ثم أخبر تعالى بأنه نقل منهم ~~الشاكرون بقوله: {قليلا ما تشكرون} معناه تشكرون شكرا قليلا، وما زائدة ~~للتأكيد ms1072 بمعنى حقا، أو المراد بالقلة العدم. PageV17P103 # وثانيها: قوله تعالى: {وهو الذي ذرأكم في الأرض} أي خلقكم وبثكم بالتناسل ~~{وإليه تحشرون} أي تجمعون يوم القيامة بعد تفريقكم، أي إلا دار لا حاكم ~~فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه، لا بمعنى المكان. # وثالثها: قوله سبحانه: {وهو الذي يحي ويميت} أي هو المختص بنعمة الحياة، ~~وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة، وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود ~~منها الانتقال إلى دار الثواب. # ورابعها: قوله تعالى: {وله اختلاف الليل والنهار} أي هو المختص بالقدرة ~~على تصريفهما، وتدبيرهما بالزيادة والنقصان وتكررهما يوما بعد ليلة، وليلة ~~بعد يوم، وعلى الإحياء والإماتة، لا يقدر على ذلك غيره. # ثم بين أنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: {أفلا تعقلون} ~~فتعملون بمقتضى عقولكم فتؤمنون، كأنكم لا عقول لكم؛ ؛ لأن ذلك دلالة الزجر ~~والتهديد. # ثم اعلم أنه سبحانه لما أوضح القول في دلائل التوحيد اعقبه بذكر المعاد ~~فقال تعالى: {بل قالوا} أي قريش {مثل ما قال الأولون} أي الكفار قبلهم في ~~استبعادهم البعث، ثم ذكر قولهم فقال: {قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون} على زعمكم هذا على وجه التكذيب، ثم قالوا: {لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا} أي بالوعد في البعث {من قبل} مجيئكم ووعدكم، وقد واعد آباؤنا ~~قوم زعموا أنهم رسل بالبعث، فلم نرى له حقيقة، وقالوا: {إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} أي أكاذيبهم، جمع اسطورة، وهي ما كتبه الأولون ليتلهى به، ويتعجب ~~منه كالأضحوكة. # ثم اعلم أن القوم لما كانوا مقرين بالله حيث قالوا: نعبد الأصنام لتقربنا ~~إلى الله تعالى زلفى، احتج عليهم سبحانه بأمور ثلاثة: # أحدها: قوله تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها}. PageV17P104 # اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذا الرد على منكري الإعادة، وأن يكون ~~المقصود الرد على عبدة الأوثان، وجه الاستدلال به على الاعادة أنه تعالى ~~لما كان خالقا للأرض ولمن فيها من الأحياء، وخالقا لحياتهم وقدرهم وغيرها ~~وجب أن يكون قادرا على أن يعيدهم بعد ms1073 أن أفناهم. # ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقكم وخلق ~~الأرض وكل ما فيها من النعم هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع، ~~ولذلك قال تعالى: {إن كنتم تعلمون} أي إن كان عندكم علم، وفيه استجهال لهم ~~أي من جهل الديانات جاز عليه جهل هذا الظاهر البين. # ثم أخبر سبحانه أنهم {سيقولون لله} لأنهم يعترفون بذلك، وقوله: {أفلا ~~تذكرون} ترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه، والمراد فلا تتفكرون ~~فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها اختراعا قادرا على البعث. # وثانيها: قوله تعالى: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} قيل: ~~العرش الكرسي، وقيل: هو بين يدي العرش، كأصغر شيء إليه دونه السماوات ~~والأرض، والصحيح أن العرش والكرسي من أمثال القرآن، وذلك قوله سبحانه: ~~{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وقد ذكر الله الأمثال ~~في كثير من القرآن. PageV17P105 # قال الهادي عليه السلام: المعنى في العرش والكرسي والوجه سواء، ليس بينهما ~~فرق، والمعنى فيها واحد وليس شيء من هذه الثلاثة الأمثال، العرش والكرسي ~~والوجه يوجد أبدا بصفة من الصفات، ولا بحيلة من الحيلات، فالعرش اسم يدل ~~على الله في ارتفاعه وعلوه فوق خلقه من أهل سماواته وأرضه؛ لأن العرش من ~~صفات الملك، وليس هو عرش مخلوق إنما هو اسم من أسماء الملك يدل على ملك ~~الله سبحانه، والكرسي الذي ذكره الله في كتابه هو اسم يحكي عن صفات الله في ~~ذاته؛ لأنه الكرسي؛ لأن الكرسي يدل على الله وهو اسم من أسماء الله، وليس ~~ثم شيء سوى الله؛ لأنه في غاية المعنى أن العرش علو الله على جميع الأشياء ~~بنفسه، وإنما مثل الله علوه في جميع الأشياء، وإحاطته بها كعلو الملك على ~~سريره إذا استقر عليه واستعلا فوقه في المثل لا غيره، وليس في الشبه والصفة ~~إلا في المثل الذي ضربه الله لعباده مثلا في العرش والكرسي، فمن زعم أن لله ~~عز وجل عرشا في السماء محيطا به فقد ms1074 زعم أن العرش منه أوسع وأعظم، وأقوى ~~وأجسم، فزعم أن العرش هو المحيط بالأشياء ليس الله، وأن العرش هو القوي ليس ~~الله، إلى آخر كلامه عليه السلام في هذا المعنى، وهو بسيط جدا. # وقوله: {سيقولون لله} قرئ بلام في هذين الأخيرين جواب على المعنى، إذ ~~قولك من ربه ولمن هو في معنى واحد، وقرئ بغير لام جواب على اللفظ. # وأما الأول فباللام لاغير. PageV17P106 # وأما قوله تعالى: {قل أفلا تتقون} فمعناه أفلا تخافون، فلا تشركوا به ~~وتعصوا رسله، ولما ذكر سبحانه الأرض أولا والسماء ثانيا، عم الحكم في ~~احتجاجه عليهم بالأمر الثالث فقال تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء} أي ~~ملك وملك التصرف فيه، وزيادة التاء والوا للمبالغة، أي أعظم الملك. ثم قال: ~~{وهو يجير} أي يمنع من استجار به من العذاب ويغيث من شاء ممن يشاء {ولا ~~يجار عليه} أي لا يمنع أحد منه أحد، يقال: أجرت فلانا على فلان، إذا معنته ~~وأغثته منه. # قال في البرهان: فاحتمل ذلك وجهين: # أحدهما: في الدنيا لمن أراد هلاكه لم يمنع منه مانع، ومن أراد نصره لم ~~يدفع عن نصره دافع، وإنما قال سبحانه: {إن كنتم تعلمون} لأن كل ذي علم وعقل ~~يعلم أن ذلك بقدرة الله لذلك. # قال تعالى: {سيقولون لله} أي الملكوت في ذلك كله لله. # أما قوله تعالى: {قل فأنا تسحرون} فالمعنى كيف تخدعون في طاعته وتوحيده، ~~والخادع هو الهوى والشيطان. # ثم بين تعالى بقوله: {بل أتيناهم بالحق} بأن نسبة الولد إليه محال، ~~والشرك باطل، وأنه تعالى قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات وغيرها ~~{وإنهم} مع ذلك {لكاذبون} في ادعائهم له ولدا وشريكا. # ثم نفى تعالى أمرين بقوله: {ما اتخذ الله من ولد} وهو كالتنبيه على أن ~~ذلك من قول هؤلاء الكفار، فإن جمعا منهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله. # والثاني: قوله سبحانه: {وما كان معه من إله} وهو قولهم باتخاذ الأصنام ~~آلهة، ويحتمل أن يريدوا به ابطال قول النصارى والثنوية. # ثم إنه تبارك وتعالى ذكر الدليل المعتمد ms1075 بقوله: {إذا لذهب كل إله بما ~~خلق} وانفرد كل إله بخلقه، وتميز عن خلق الآخرين، كملوك الدنيا {ولعلا ~~بعضهم على بعض} بالغلبة كما ترون ملوك الدنيا. PageV17P107 # وقوله: {إذا} جزاء وجواب الشرط محذوف تقديره، لو كان معه إله، وحذف لدلالة ~~وما كان معه من إله، ثم نزه نفسه بقوله عز وجل: {سبحان الله عما يصفون} أي ~~تنزيها له عما يصفون من الأنداد والأولاد {عالم الغيب والشهادة} أي ما غاب ~~عن العباد، والشهادة ما شاهدوه، قرئ بالجر صفة لله، وبالرفع خبر مبتدأ ~~محذوف، والمعنى أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، وذلك كالوعيد لهم، فلذلك ~~قال: {فتعالى عما يشركون} من الأصنام، ثم أمره بالانقطاع إليه، وأن يدعوه ~~بقوله سبحانه: { قل رب إما تريني} أي إن تريني، وما زائدة {ما يوعدون} من ~~العذاب في الدنيا أو في الآخرة. # الحسن أخبره أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفي حياته أم بعد موته {رب فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين} أي قرينا لهم، ولا تعذبني بعذابهم، أمره الله ~~بهذا الدعا، ولن يجعل نبيه المعصوم من الظالمين، لكن يجوز أن يسأل العبد ~~ربه ما علم أنه يفعله، ويستعيذه مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية ~~والتواضع، واستغفاره صلى الله عليه وآله وسلم في مجلسه سبعين مرة، لهذا ~~المعنى، وكانوا ينكرون الموعد بالعذاب، ولذلك استعجلوه بقولهم: {أمطر علينا ~~حجارة من السماء} وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة ~~في التضرع، ولما كانوا ينكرون الموعد ويضحكون منه قال تعالى: {وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم} من العذاب {لقادرون} فما وجه انكارهم. # ثم أمره صلى الله عليه وآله وسلم باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب ~~الأذى، وأن يدفعه بالكلام الجميل فقال تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} ~~هذا أبلغ من ادفع بالحسنة؛ لأن المراد بالحسنة الإحسان وبالسيئة الإساءة. PageV17P108 # وأما التي هي أحسن فالمراد بها المفضلة في الحسن، الفائقة فيه، كأنه قيل: ~~ادفع بأبلغ الإحسان الإساءة، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن ~~من الإحسان، حتى إذا ms1076 اجتمع العفو عن الإساءة وما هو أحسن منه وهو مقابلة ~~الإساءة بالإحسان كانت حسنة مضاعفة في مقابلة سيئة، وهذا معنى قوله: {ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة}. # ابن عباس: هي شهادة أن لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. # عن مجاهد: هو السلام عليه إذا لقيته، وقيل: الاغضاء والصفج، واختلف فقيل: ~~هي منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة؛ لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤدي ~~إلى ثلم دين، أو ازدراء بمروة. # وقال في البرهان: يعني ادفع المنكر بالموعضة، وامح السيئة بالحسنة، وهذا ~~وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فالمقصود به جميع الأمة، انتهى. # ثم قال تعالى: {نحن أعلم بما يصفون} من أحوالك، بخلاف صفتها، والله اعلم ~~بذلك منك، وأقدر على جزائهم. # ثم اعلم أنه تعالى لما أدب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ~~{ادفع بالتي هي أحسن السيئة} أتبعه بما به يقوى على ذلك، وهو الاستعاذة ~~بالله من أمرين: # أحدهما: قوله تعالى: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين}. # قال في البرهان: يعني إغوائهم وأذاهم، الهمزات جمع الهمز وهو الدفع ~~والتحريك الشديد، وهو الهز والأز، وهمزاته في كيده بالوسوسة، ومعلوم أن من ~~انقطع إلى الله تعالى، ويسأله أن يعينه من الشيطان فإنه يجب أن يكون متذكرا ~~متيقظا فيما يأتي ويذر، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله داعية للتمسك ~~بالطاعة، وزاجرة عن المعصية. PageV17P109 # وثانيهما: قوله تعالى: {وأعوذ بك رب أن يحضرون} يعني يشهدون ويقاربون في ~~أحوالي ومتصرفاتي، وهمزاتهم إغراؤهم بالمعاصي، وحثهم عليها، من همز الرايض ~~الدابة إذا نخسها بالمهماز حثا لها، أمر أن يتعوذ من إغرائهم بالمعصية، ومن ~~حضورهم له أصلا، ليكون أبعد من الشر. # ابن عباس: أمر بهذا التعوذ عند تلاوة القرآن. # وعن عكرمة: عند النزع، وأعوذ أي استجير واعتصم، فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل، زيادة في التواضع. # ثم قال تعالى: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} إلى الدنيا، فعلق ~~قولهم هذا بحال حضور الموت، وهو حال المعاينة. ms1077 # قال في الكشاف: حتى تتعلق بيبعثون، أي لا يزالون على سوء ذكرك إلى أن ~~يأتي أحدهم الموت، وما بينهما فاصل لتأكيد الحث على الاغضاء عنهم، مع ~~الاستعانة بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم، ويغريه عن الانتصار منهم، ~~وخطاب الله بلفظ الجمع للتعليم، أي إذا أيقن بالموت أدركته الحسرة على ما ~~فرط من الإيمان والعمل الصالح، فيسأل ربه الرجعة، فيقول: رب ارجعون { لعلي ~~أعمل صالحا فيما تركت} من الإيمان، واعمل فيه صالحا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه غير ما تركت وضيعت من العمل ~~الصالح، وخالفت، ويحتمل وجها آخر اعمل صالحا فيما تركت من المال وخالفت، انتهى. PageV17P110 # فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: {أعمل صالحا} فيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك، ~~فجوابه ليس المراد بلعل الشك، فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على ~~الطاعة إن أعطي ما سأل، بل هو مثل من قصر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك ~~التقصير، فيقول: مكنوني من التدارك لعلي أتدارك، فيقول هذا الكلمة مع كونه ~~جازما بأنه سيتدارك، ويحتمل أيضا أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أو ردوا ~~الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين، فقد قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه}. # وأما قوله تعالى: {كلا} فهو كالجواب لهم في المنع مما طلبوا كما يقال ~~لطالب الأمر المستعد هيهات، ومعنى كلا فهو ردع له من طلب الرجعة، أي لا ~~ترجع إلى الدنيا بعد حضور أجلك، ثم ابتداء فقال سبحانه: {إنها كلمة هو ~~قائلها} لا محالة أخبر الله تعالى أنه لا بد له من القول بهذه الكلمة، وإن ~~عرف أنه لا يرد فهو لا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه، ومعناه لو رجعت ~~لترجعت إلى الحق ولتبت وأنفقت، ولعله لورده الله لما أفلح ولا أطاع، ولا ~~صبر ولا ...........، ولكنه يندم حين لا ينفعه الندم، وحين زلت به إلى ~~النار القدم، ثم قال: {ومن ورائهم} أي أمام الطالبين للرجعة {برزخ} حائل ~~بينهم وبين الرجعة {إلى يوم يبعثون} وهو إقناط كلي؛ لأن هؤلاء ms1078 صائرون إلى ~~حالة مائعة من التلاقي حائرة عن الإجتماع، وذلك هوالموت وليس المراد أنهم ~~يرجعون يوم البعث. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والبرزخ مابين الآخرة والدنيا، وهو ~~القبر الذي بين الحياة الدنيا وبين حياة الآخرة، ومثله في البرهان. PageV17P111 # ثم اعلم أنه سبحانه لما قال: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} ذكر أحوال ~~ذلك اليوم فقال تعالى: {فإذا نفخ في الصور} يعني إذا نفخت الأرواح في ~~الصور، والصور جمع صورة {فلا أنساب بينهم يومئذ} أي يوم القيامة لافتراقهم ~~مثابين ومعاقبين، فيقع التقاطع وتبطل الأنساب أو لا أنساب بينهم يعتد بها ~~لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب اذ يفر المرء من أخيه للهول الذي قد ~~أذلهم، ولا يتواصلون فيه {ولا يتساءلون} أي لا يسأل بعضهم بعضا، ولا ~~يتعارفون لشدة الفزع. # أما قوله سبحانه: {ينصرونهم} الآية، فإن يوم القيامة مواقف كثيرة ~~يتساءلون ويتعارفون في بعضها، وفي بعض لا يفطنون لذلك لشدة الفزع. # قلت: ظاهر هذا القول العموم في المؤمنين والمجرمين، وليس كذلك لقوله ~~تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} الآية وغيرها. # ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله: {فمن ثقلت موازينه}. # قال ابن عباس: الموازين جمع موزون أي موزونات من الأعمال الصالحة التي ~~لها وزن عند الله تعالى {فأولئك هم المفلحون} الظافرون بالمطلوب، والأولى ~~أن نقول الموازين عبارة عن ارتفاع قدرها، إذ لم يرد حقيقة الوزن. # قالوا: قوله: {ومن خفت موازينه} مشعر بأنه أراد حقيقة الوزن؛ لأنه قابل ~~للرجحان بالخفة، ولأن الأشقياء لا وزن لأعمالهم عند الله، فلا يصح أن يراد ~~بموازينهم ما له قدر. # قلنا: لا دلالة فيها على حقيقة الوزن، وخفة الموازين عبارة عن عدم ~~الطاعات، وثقلها عبارة عن وجودها، وهذا معنى ما ذكره القاسم عليه السلام في ~~سورة القارعة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وهذا مثل معروف، قال الشاعر: # لا تأخذ القوم عن طول وعن قصر # وزن حصاهم فليس القوم كالحرز # أي زن أفعالهم، وميز بعقلك أمورهم، انتهى. # وأما الأشقياء فقد وصفهم الله تعالى بأمور أربعة: PageV17P112 # أحدها: قوله: {فأولئك الذين ms1079 خسروا أنفسهم} يعني خسروها بوقوعها في العذاب. # وقال ابن عباس: بأن صارت منازلهم للمؤمنين. # وثانيها: قوله تعالى: {في جهنم خالدون}. # قال في الكشاف: في جهنم خالدون من خسروا أنفسهم، أو خبر بعد خبر لأولئك، ~~أو خبر مبتدأ محذوف. # وثالثها: قوله تعالى: {تلفج وجوههم النار} اللفج هو المباشرة، والكفج أي ~~يسفج ويحرق. # قال ابن عباس: أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم. # قال الزجاج: اللفج والنفج واحد، إلا أن اللفج أشد تأثيرا. # ورابعها: قوله عز وجل: {وهم فيها كالحون} أي قد خرجت أسنانهم، وانتفتخت ~~من الألم والغم أفواههم؛ لأن الكلوح تشمر الشفتين وتقلصهما عن الأسنان كما ~~ترى الرؤس المشوية. # مالك بن دينار: كان سبب توبة عتبة الغلام أنه مر في السوق برأس أخرج من ~~التنور فغشي عليه ثلاثة أيام. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((تشويه النار فتقلص شفته العلياء إلى وسط ~~رأسه، والسفلى إلا سرته)). # ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم حكى ما يقال لهم عند ذلك تقريعا وتوبيخا، ~~فقال تعالى: {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون} مع وضوحها فلا ~~جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم. # ثم ذكر تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا بقوله حاكيا عنهم بقوله: {قالوا ~~ربنا غلبت علينا شقوتنا} أي شقاوتنا، أي سوء عاقبتنا التي علم الله أنهم ~~يستحقونها بسوء أعمالهم الخبيثة {وكنا قوما ضالين} عن طريق النجاة {ربنا ~~أخرجنا منها} أي النار أو شقوتنا {فإن عدنا فإنا ظالمون} لأنفسنا بالعود ~~إلى ما كنا عليه، وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم، ولكنه ~~اعتراف بقيام الله حجة الله عليهم في سوء صنعهم. PageV17P113 # ثم إن القوم لما اعترفوا بقيام حجة الله عليهم {قال} لهم سبحانه {اخسئوا ~~فيها} أي ذلوا فيها وانزجروا، كما تنزجر الكلاب، أي أبعد وأبعد الكلاب، ~~وهذه كلمة تستعملها العرب للكلاب خاصة، ثم يستعيرونها للناس، ثم قال: {ولا ~~تكلمون} في رفع العذاب. # قيل: لا يجبهم بهذا إلا بعد أربعين ألف سنة، وهو آخر الكلام منهم، وما ~~بعده إلا الشهيق ms1080 والعواء. # ثم وصف تعالى أحد ما لأجله عذبوا وبعدوا من الخير فقال عز وجل: {إنه كان ~~فريق من عبادي يقولون} في دعائهم {ربنا آمنا} بك وبكتبك {فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الراحمين} رحمة الله لعباده إنعامه عليهم، ومغفرته لهم ~~{فاتخذتموهم سخريا} أي هزوا، وتشغالتم بهم ساخرين منهم، قرئ السين بضمها ~~وكسرها فمن ضم أراد السخرة والاستبعاد، وبالكسر أراد السخرية والاستهزاء ~~{حتى أنسوكم ذكري} أي حتى تركوكم من ذكري لما أيسوا من طاعتكم، وسمعوا ~~بلعبكم بوحي وكتابي ورسله، فمعنى نسوكم هاهنا هو الترك، وليس هو من النسيان ~~الذي هو ضد الذكر والعرفان، أي تركوكم من التذكرة لشدة سخريتكم واستهزائكم، ~~ثم أكد ذلك بقوله: {وكنتم منهم تضحكون} سخرية منهم. PageV17P114 # قيل: هم الصحابة، وقيل: أهل الصفة، ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف ~~والحسرة بأن وصف ما جازا به أولئك المؤمنين فقال عز وجل: {إني جزيتهم اليوم ~~بما صبروا} في الدنيا على إيذائكم وغيره {أنهم هم الفائزون} قرئ أنهم ~~بالفتح أي جزيتهم فوزهم بالكسر على أنه كلام مستأنف، ولما كانوا ينكرون ~~البعث ولا لبث في الآخرة أصلا، ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا، ويضنون ~~أن بعد الموت يدور الفنا ولا إعادة {قال} تعالى توبيخا لهم وتبكيتا {كم ~~لبثتم في الأرض عدد سنين} تنبيها لهم على أن ما ظنوه دائما طويلا فهو يسير ~~بالإضافة إلى ما أنكروه، فجينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في ~~الدنيا من حيث أيقنوا خلافه، فليس الغرض السؤال، بل الغرض ما ذكرنا، واختلف ~~عن أي لبث وقع السؤال، فقيل: عن لبثهم في قبورهم أمواتا لقوله في الأرض، ~~ولم يقل على الأرض، وهو سؤال توبيخ؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث من القبور، ~~وقيل: وقع السؤال عن لبثهم أحياء مكلفين؛ لأنهم لما حصلوا في النار وأيقنوا ~~في الخلود فيها قيل لهم: كم لبثتم في الأرض؟ تنبيها لهم على الخطأ فيما ~~كانوا يظنونه، وضمير قال لله تعالى أو للمأمور بسؤالهم من الملائكة، وقرئ ~~قل ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار، ms1081 ولما استقصروا مدة لبثهم في الدنيا ~~بالإضافة إلى خلودهم في النار {قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم} إذ الممتحن ~~يستطيل أيام محنته ويستقصر أيام دعته ونعمته؛ لأن أيام السرور قصار، أو لأن ~~المتقضي في حكم ما لم يكن، ثم قال تعالى: {فاسأل العادين} أي من يطيق عدها، ~~ومن يقدر أن يرقى إليهم فكره، أما نحن فلا نعرف إلا استقلاله، وحسبانه يوما ~~أو بعض يوم، وما يطيق أن نعدكم هي. # وقيل: المراد فاسأل الملائكة الذين يعدون أعمار العباد، ويحصون أعمالهم. PageV17P115 # وأما قولهم: {قال إن لبثتم} فمعناه لبثتم{إلا قليلا} في جنب لبثكم في ~~النار، صدقهم في استصغار لبثهم في الدنيا، ثم وبخهم على غفلتهم التي كانوا ~~عليها بقوله: {لو أنكم كنتم تعلمون} أي لو اتبعتم دليلي العقل والسمع لما ~~أخترتم الباطل على الحق، ولعلمتم أن الدنيا ساعة يجب أن تكون طاعة، فما ~~الدنيا في جنب الآخرة إلا قليل. # ثم بين تعالى ما هو في التوبيخ أعظم بقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} ~~يجوز أن يكون خطابا للمشركين في الدنيا وأن يكون لهم في الآخرة، والعبث ~~الفعل الذي لا غرض فيه، ويراد بها هنا خلقهم لا للجزاء والبعث، وقيل: العبث ~~نقيض الصواب وهو ما لا حكم فيه، وهو إنكار لما حسبوا، أي ما خلقناكم إلا ~~لحكمة اقتضت ذلك، وهي أن يتعبدكم ويكلفكم الشاق من الطاعات وترك المعاصي، ~~ثم يرجعكم إلى دار الجزاء فيثيب المحسن ويعاقب المسيء. # وأما قوله تعالى: {وأنكم إلينا لا ترجعون} فالمراد إلا حيث لا مالك ولا ~~حاكم سواه، لا أنه رجوع من مكان إلى مكان، لاستحالة ذلك على الله تعالى، ~~وهم إن لم يحسبوا أن الله تعالى خلقهم عبثا فمذهبهم في إنكار البعث يقتضي ذلك. # ثم نزه الله عز وجل ذاته عن أن يخلق الخلق عبثا وأن لا يجازيهم ويناصف ~~بينهم فقال: {فتعالى الله} أي ارتفع عن ظلم العباد، وعن البعث واللعب ~~{الملك الحق} أي الذي ملكه حق وعدل وحكمة، لا يظلم ولا يعبث، أو الذي يحق ~~له الملك؛ لأن كل ms1082 شيء منه وإليه، أو الثابت الذي لا يزول ملكه. PageV17P116 # ثم أخبر أنه لا إله سواه، وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء، وما يفنا لا يكون ~~إلها، فقال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} أي ~~مالك الصنع، الرفيع العظيم، وصف العرش بالكرم؛ لأن الرحمة والخير والبركة ~~منه، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال: بيت كريم إذا كان ساكنوه ~~كرماء، وقيل: الكريم الفائق في حسنه، يقال: فرس كريم إذا كان فائقا في الحسن. # واعلم أنه سبحانه لما بين أنه الملك الحق لا إله لا هو أتبعه بأن من ادعى ~~إلها آخر فقد ادعى باطلا فقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان ~~له به} أي لا دليل على صحة دعواع، فنبه بذلك على أن كل ما لا برهان فيه لا ~~يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد، وهذا تأكيد لأن كل إله ~~غير الله لا يجوز عليه برهان، وهي صفة لازمة نحو قوله: يطير بجناحيه؛ لأنه ~~لا يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان. # ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله تعالى: {فإنما حسابه ~~عند ربه} وهذا وعيد شديد، أي فما حسابه إلى عند ربه الذي لا يفوته عمل ~~عامل، فهو تعظيم لمجازاته، أي لا يعلم جزاؤه إلا الله، كأنه قال: إن عقابه ~~بلغ من حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى. # وقيل: ليس هذا الذي شرعه في الدنيا على المشرك وهو القتل والسبي ونحوه من ~~عذاب الدنيا جزاءا كاملا، إنما جزاؤه في الآخرة عند ربه، ثم قال عز وجل: ~~{إنه لا يفلح الكافرون} معناه لا يسعدون ولا يظفرون، وأراد بالكافرين من ~~يدعو؛ لأن من في معنى الجمع؛ جعل فاتحة السورة قد أفلح المؤمنون وخاتمتها ~~أنه لا يفلح الكافرون، فسيان ما بين الفاتحة والخاتمة. PageV17P117 # ثم أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله سبحانه: {وقل رب اغفر} ذنوبي، ~~أي خالف الكافرين بالتضرع إلى ربك ms1083 {وارحم} أي أتمم علي نعمتك، وأن يثني ~~عليه بقوله: {وأنت خير الراحمين} أي خير لعبادك رحمة، وإنما اتصلت هذه ~~الخاتمة بما قبلها؛ لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا، ~~وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله تعالى، والالتجاء إلى ذيل غفرانه ~~ورحمته، فإنهما العاصمان من كل الآفات والمخافات، والله أعلم. PageV17P118 ### || AUTO سورة الحج # سبعون وثمان آيات في الكوفي، وسبع في المكي، وست في المدني، واربع في ~~الشامي وخمس في البصري، مدنية كلها إلا أربع آيات مكيات في قوله: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول} إلى آخر الأربع، قاله في البرهان. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل: {ياأيها الناس اتقوا ربكم} أي أطيعوه. # واعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل مجرم، ويتقي ترك ~~كل واجب، وإنما دخل فيه الأمران؛ لأن المتقي إنما يتقي من يخاف من عذاب ~~الله فيدعو لأجله المجرم، ويفعل لأجله الواجب، ولا يكاد يدخل فيه النوافل؛ ~~لأن المكلف لا يخاف بتركها، وإنما يرجو بفعلها الثواب، وإذا قال اتقوا ربكم ~~فالمراد اتقوا عذاب ربكم. # واعلم أنه سبحانه لما أمر الناس بالتقوى علل وجوبها عليه بذكر الساعة، ~~ووصفها بأهول الصفة فقال تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} أي أمر هائل، ~~والزلزلة شدة التحريك للشيء فلا يقر، وهو من زليل الأشياء عن مقارها، ~~والزلزلة هي التي في سورة الزلزلة، والساعة القيامة؛ لأنها تحدث في ساعة، ~~عن غفلة، واختلف في وقتها. # قال في البرهان: زلزلتها هي أشراط ظهورها، وآيات مجيئها، انتهى. # وعن الحسن: يوم القيامة. PageV17P119 # وعن الشعبي: قبل طلوع الشمس من مغربها، وإنما أمر الله بني آدن بالتقوى، ثم ~~علل وجوبها عليهم بذكر الساعة، ووصفها بأهول صفة لينظروا إلى تلك الصفة ~~ببصائرهم، حتى يرحموا نفوسهم من شدائد ذلك اليوم بامتثال ما أمرهم به من ~~التقوى التي لا تؤمنهم من تلك الأفزاع إلا هي، مع أن الله وصف الزلزلة ~~بالعظم، ولا عظم أعظم مما عظم الله. # روي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني ms1084 المصطلق فقراهما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرى أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم ~~يحطوا السروج عن دوابهم، ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا، وكانوا بين ~~حزين وباك ومفكر. # أما قوله تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} فالضمير في ترونها ~~يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة، وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما، والأقرب ~~رجوعه إلى الزلزلة؛ لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد. # واعلم أنه سبحانه وجل عن كل شأن شأنه ذكر من أهوال ذلك اليوم أمورا: # أحدها: قوله: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} أي تذهلها الزلزلة، ~~والذهول الذهاب عن الأمر مع دهش وفزع، والمرضعة التي هي في حال الإرضاع ~~ملقمة ثديها، والمرضع التي من شأنها أن ترضع، وإن لم يكن مباشرة له حال ~~وصفها به، فجيء هنا بمرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ~~ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى تذهل كل مرضعة، أي تشتغل كل ~~والدة عما ولدت. # قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم برز للحارث بن عمرو الكتابي: # إذا رأيت الصافنات تصهل ... قد ثار من أفواههن القسطل # أنا علي لست عنها أذهل PageV17P120 يريد عليه السلام أنه لا يشغل فكره، ولا يضل عقله عند الشدة والفزع، وقيل ~~أيضا: إن معنى تذهل تسلو كل والدة عن ولدها، والشغل أبينهما، قال الشاعر في ~~ذلك أيضا وهو قريب من المعنيين الأولين: # أذاهل أنت عن سلمى إذ برحت ... أم لست ناسيها ما حنت النيب # يريد أتسلو عنها وتنسى ذكرها أم لا تنساها، والنسيان والسلو والشغل قريب ~~من قريب، والمعنى فيه ما ذكرنا أولا، وهو أحسن الوجوه، والله أعلم. # وكل حسن لا بأس به، والكلام في اللغة العربية واسع لا يحاط به غير أن قول ~~أمير المؤمنين عليه السلام أحسن من قول غيره. # وقال أيضا سيد العابدين قولا موافقا لقول أمير المؤمنين عليه السلام: # وإن امرء يسعا لدنياه جاهدا ms1085 ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر # وقال أبو طالب: # كلا وبيت الله نترك أحمدا # ولم نطأ عن دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله # ونذهل عن أبنائنا والحلائل # أي نشتغل بالقتل عن أبنائنا والزوجات، انتهى. # وقوله: أرضعت أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته، وهو الطفل، فتكون بما ~~بمعنى من على هذا التأويل. # وثانيها: قوله تعالى: {وتضع كل ذات حمل حملها} هو يوم تذهل الأم عن ولدها ~~بغير فطام وتلقي الحامل ما في بطنها بغير تمام. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه فهو تضع كل وازرة وزرها، وتضع ~~كل نفس ما حملت من ذنوبها وكفرها، انتهى. # ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد ~~تأول قوله: {يوما يجعل الولدان شيبا}. PageV17P121 # وثانيها: قوله تعالى: {وترى الناس سكارى} من الخوف {وما هم بسكارى} من ~~الشراب، وقيل: المراد ونظن الناس سكارى على الحقيقة من الخمر، ولكن الخوف ~~أطار عقولهم، وجعلهم كالسكارى من من الشراب {ولكن عذاب الله شديد} فهم ~~يخافونه فلذلك الخوف الذي اذهب عقولهم ويجوز أن تكون الرؤية بمعنى العلم ~~وإنما قيل {يوم ترونها} ثم قيل وتري على الافراد ؛ لأن الرؤية أولا علقت ~~بالزلزلة فجع الناس جميعا رائين لها وهي معلقة اخيرا يكون الناس علىحال ~~السكر فلابد وأن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم، ثم قال عزوجل {ومن الناس ~~من يجادل في الله بغير علم} أخبر سبحانه أنه مع هذا التحذيرالشديد يذكر ~~زلزلة الساعة وشدائدها، إ ن من الناس من يجادل في الله بغيرعلم أي بغير ~~دليل نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله والقرآن ~~أساطير الأولين، والله غير قادر على احياء من بلى وصار ترابا، وهي عامة في ~~كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله تعالىومالا يجوز، ولايرجع إلى علم ~~ولايعض فيه بظرس قاطع، وليس فيه اتباع برهان، ثم قال{ويتبع} في ذلك ~~وسوسة{كل شيطان مريد} أي عات خارج عن طاعة الله تعالى، فهى عن الخير من ~~قولهم شجرة مرد الاوراق ms1086 فيها، أما قوله {كتب عليه} فهو علم من حاله وظهر ~~وتبين عليه أي الشيطان، {أنه من تولاه} أي جعله وليا {فأنه يضله} عن طريق ~~الجنة، قوله فإنه عطف على أنه وهو فاعل كتب وقرى فإنه بالكسر قاله في ~~الكشاف، ومعنى كتب فهو حكم عليه أنه من تولاه فقد ضل بولايته {ويهديه إلى ~~عذاب السعير} أي فإنه مهدي إلى النار والكتبة عليه مثل أي كأنما كتب عليه ~~وأوجب لظهوره في حاله. # ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم الجدال بغير علم في إثبات الحشر ~~وذمهم عليه أورد سبحانه الدلاله على صحة ذلك من وجهين. PageV17P122 # أحدهما: الأستدلال بخلقة الحيوان أولا، فقال تعالى {ياأيها الناس إن كنتم ~~في ريب من البعث} أي في شك من صحته ووقوعه فمزيل ريبكم أن تنظروا في ابتداء ~~خلقكم وتدريجه. # ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعه. # المرتبة الأولى: قوله سبحانه {فإنا خلقناكم من تراب} أي أباكم آدم الذي ~~هو أصل البشر. # الثانية: قوله {ثم من نطفة} أي خلقنا ذريته من نطفة وهي المني، والنطفة ~~أسم للماء القليل، أي ماكان وهو هاهنا ماء الفجل. # الثالثة: قوله تعالى {ثم من علقة} والعلقة قطعة الدم الجامدة. # الرابعة: قوله {ثم من مضغة} أي لحمة صغيرة قدر مايمضغ في الفم، ومعنى ~~{مخلقة} مصورة تامة الخلق، والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب ~~يقال خلق السواك والعود سواه وملسه، ومنه صخرة خلقا أي ملسا {وغير مخلقة} ~~وهي ماكانت على عكس ذلك، وماتمجه الأرحام دما أي السقط كان الله سبحانه ~~يخلق المضغ متفاوته منها ماهو سالم من العيوب كامل، ومنها ماهو على عكس ذلك ~~فيتبع ذلك التفاوت تفاوتهم في الخلق من طويل، وقصير، وتام، وناقص، وحاصل ~~الإختلاف في المخلقة على أقوال. # أحدهما: المخلقة ماصار خلقا زائدا على النطفة. # وثانيها: ما أكمل صورته وخلقه. # وثالثها: ما أكملت شهوره، ثم قال سبحانه {لنبين لكم} يعني درجاتكم بهذا ~~التدريج في الخلق لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا على البعث من وجهين. # أحدهما: إخراجكم في خلق ms1087 من بعد خلق، إذ فيه تكثير التخليق. # وثانيها: إن في الترتيب أبطال المؤتمر الموجب أن من قدر على خلق البشر من ~~تراب ثم من نطفة وبينهما تباين ظاهر ثم جعل العلقة مضغة والمضغة عظاما قدر ~~على إعادة ما أبداه، بل هو أدخل في القدرة من تلك في القياس، لأن الإعادة ~~لها مثال بخلاف الإبتداء. PageV17P123 # ثم قال عزوجل: {ونقر في الأرحام ما نشاء} من النطف والحمل ما لايكون سقطا ~~{إلى أجل مسمى} أي إلى التمام وقت الوضع وما لانشاء أقراره مجنة الأرحام، ~~أو أسقطه. # قال في الكشاف: ونقر بالرفع وفرئ بالنصب، وكذا نخرجكم بالقراءة بالرفع ~~إخبار وبالنصب تعليل، معناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين. # أحدهما أن نين قدرتنا. # والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتبلغوا احد التكليف، ~~فأكلفهم. # الخامسة: قوله تعالى {ثم نخرجكم طفلا} وحده ليدل على الجنس فاكتفى ~~بالمفرد عن الجمع، أو أراد نخرج كل واحد طفلا أي صغيرا. # السادسة: قوله {ثم لتبلغوا أشدكم} الأشد كمال القوة والعقل والتميز، وهو ~~من الجموع التي لاواحد لها كالأشده والفتوة والأباطيل، وقوله {لتبلغوا} ~~معطوف على لنبين لكم. # وقيل: لنعمكم {لتبلغوا} ثم يسهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا لتبلغوا ~~أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد. PageV17P124 # السابعة: قوله تعالى:{ ومنكم من يتوفى} قيل بلوغ الأشد، أوقيل البلوغ إلى ~~أرذل العمر،{ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي إلى أشره وأنذله، فأرذل ~~العمرهو الهرم، والخرف، حتى يعود كحاله أول طفوليته ضعيف البنية سخيف ~~العقل، بين عزوجل أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة إلى التمام ~~فهو قادر على أن يخطه إلى الحالة السفلاء {لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} أي ~~ليرجع بعد علمه جاهلا لايستفيد علما وينسى ماقد علم، فلايعلم شيئا عند هرمه ~~وضعف عقله، وقيل: لليسرع في نسيان ما علم يخبر الشيء فما يلبث لحظة إلا سأل ~~عنه مرة آخرى، والمعنى أنه يرد لهذا الغرض، وهو أن يرجع نسأ أن كان ذاكرا ms1088 ~~وإنما جعل ذلك غرضا لأنه بين به أنه تعالى قادر مختار وليس ذلك من تأثير ~~موجب، وهذا تمام الإستدلال بخلقه الحيوان على صحة البعث. # ثم ذكر تعالى دلالة أخرى على البعث وهي الوجه الثاني من الإستدلال بحال ~~خلقه النبات على ذلك ولكونها مشاهدة كررها في كتابه فقال تعالى: {وترى ~~الأرض هامدة} أي ساكنة ميتة يابسة متهشمة لاتنبت شيئا دارسة والهمود الدروس ~~ومنه قوله الأعشى: # قالت فتيلة ما لجسمك شاحبا # وأرى ثيابك بالبيات همدحا # وقال آخر: # بين القصور الخاويات الهمد # {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي تحركت بالنبات واهتز نباتها واهتزازه ~~شبه حركته كما قال الشاعر: # تثني إذا قامت وتهتز إن مشت # كما اهتز غصن البان في ورق خضر # ومعنى قوله {وربت} أي اتفخت وقرئ ربأت أي أرتفعت بالنبات، لأنه يرفع ما ~~فوقه من التراب، وأما قوله {وأنبتت من كل زوج بهيج} فهو مجاز ؛ لأن الأرض ~~ينبت فيها والله تعالى هو المنبت لكنه يضاف إليها توسعا. PageV17P125 # ومعنى {من كل زوج بهيج} فالزوج من أصناف النبات وألوا نه بالخضرة، والصفرة، ~~والحمرة، البهيج حسن الصورة السار الحسن بهته من كل وصف حسن جميل. # ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ماهو المطلوب والغرض ~~المقصود، فذكر أمورا خمسة. # أحدها: قوله تعالى {ذلك بأن الله هو الحق} أي ذلك الذي ذكرنا من اختلاف ~~خلق الإنسان مع مافيه من أصناف الحكم واللطائف حاصل بأن الله هو الحق، أي ~~الثابت ولولاه لمم يتصور. # وثانيها: ثوله تعالى {وأنه يحي الموتى} أي وسبب أنه قادر على إحياء ~~الموتى كقدرته على ذلك، فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الأدلة إجاد ~~هذه الأشياء فكيف تستبعد منه إعادة الأموات. # وثالثها: قوله سبحانه {وأنه على كل شيء قدير} وبسبب أنه قدير على كل شيء ~~مقدور فهذه الدلالة أيضا تشتمل على دلالات إنشا السحاب وإنشا المطر وإنشا ~~النبات مع دلالة اختلاف أصنافه، بل اختلاف الصنف الواحد إلى أعواد وأوراق، ~~وتمار، وأزهار، وطعوم مختلفة، وألوان مختلفة تدل على القادر المختار، ومن ms1089 ~~ذلك إيجاد الأصاوت الشديدة في السحاب الذي هو اجسام رخوة لا يتولد المصوت ~~باصطكاكها وإيجاد النار القوية ف السحاب الذي فيه الماء وإيجاد الماء وحمل ~~السحاب الذي هو غير رصين للماء الذي لايقره إلا الأالأنية الرصينة. # ولهذا قال المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: أعجوبة يعجب منها ~~من عجب من حملة الما قلم لاينسكب. # ورابعها: قوله تعالى{وأن الساعة آتية} أي أنها ستأتي لاريب فيها أي وبسبب ~~أن تعلموا أن الساعة أتية لاريب فيها. # وخامسها: قوله {وأن الله يبعث من في القبور} أو بسبب أنه حكيم لايخلف وقد ~~وعد بالساعة والبعث فلابد أن يفي. PageV17P126 # والمعنى أنه سبحانخ لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه ~~سبحانه قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادرا على الإعادة، وإذا ثبت ~~الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه وجب القطع بوقوعه. # ثم قال تعالى:{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} ضروري لايفتقر إلى ~~دليل لظهوره. # قيل: هو أبوجهل، وقيل: النضر، لكن كرر كما كررت الأقاصيص في القرآن، ~~وقيل: الأولى في المقلدين، وهذه في المقلدين. # ثم قال: {ولا هدى} يعني علما استدلاليا لأنه يهدي إلى المعرفة {ولا كتاب ~~منير} أراد الوحي، أي هو يجادل بظن وتخمين لابأحد هذه الثلاثة، يعني أنه ~~يجادل من غير مقدمة ضرورية، ولانظرية، ولاتسمية، وهو كقوله {ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } {ولا هدى ولا كتاب منير} ~~ومعنى قوله {ثاني عطفه} أي لاوي عنقه إعاراضا عن الله ورسوله وعدولا بجانبه ~~كبرا عن الإجابة، وقوله{ليضل عن سبيل الله} تعليل للمجادلة لما آدى جداله ~~إلى الإضلال كأنه عرضه وسبيل الله ودين الله الإسلام، هذا إن قرئ بضم اليا ~~فهى لام الغرض وإن فتحت فهى لام العاقبة. # ثم إنه سبحانه شرح حاله فيالدنيا وفي الآخرة. # أما في الدنيا فقوله عزوجل {له في الدنيا خزي} وهو ماأصابه يوم بدرمن ~~القتل والصغار، وأما الآخرة فقوله عزوجل {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} ~~أي غليظ النار. ms1090 # ثم قال تعالى {ذلك} أي العذاب في الدنيا والآخرة {بما قدمت يداك }، فبين ~~تعالى أن هذا الخزي المعجل وذلك العقاب المؤجل لأجل ونسبب ذلك إلى اليدين ~~لما كان أكثر الأعمال بهما. PageV17P127 # ثم قال سبحانه {وأن الله ليس بظلام للعبيد} يريد بسبب ما قدمت يداك وبسبب ~~أن الله ليس بظلام للعبيد بنقص ثواب ولازيادة عقاب وعدل الله في إثابة ~~الصالحين ومعاقبة الفجار بعد إخباره تعالى أنه يفعل بهم مايستحقونه. # واعلم أن هذه الآية تدل على أحكام دلت تصريحها على أنه إنما وقع في ذلك ~~العذاب بسبب عمله فلواكان فعله خلقا لله تعالى لكان حين خلقه الله تعالى ~~استحال منه أن يتصف به فلايكون ذلك العقاب بسبب فعله، إذا عاقبه عليه كان ~~محض الظلم، وذلك على خلاف النص. # الثاني: أن قوله تعالى بعد ذلك{وأن الله ليس بظلام للعبيد} دليل على أنه ~~لايجوز تعذيب الأطفال بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلا يستحق به ~~ذلك العذاب، وذلك يدل على أنه لوعاقبه لابسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالما، ~~وهذا يدل على أنه ريجوز تعذيب الأطفال يكفي أبائهم. # الثالث: أنه يدمح أنه سبحانه لايفعل الظلم فوجب أن يكون قادرا عليه بخلاف ~~ما يقوله النظام. # ثم اعلم أن الله عزوجل لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ~~ماذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال سبحانه:{ ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف} أي طرق الدين غير ثابت فيه، أي على غير ثبات ولااستقامة، وهذا مثل ~~لأنهم لكونهم على قلق كالذي على طرف من العسكر فإن أحسن يظفر فرد الإطالة ~~وفر قالوا نزلت في اعاريب نزلوا المدينة واسلموا وكان أحدهم إذا صح بدنه ~~وكثر ماله وماشيته اطمأن، وإن كان بخلافه تطير بالإسلام وانقلب. PageV17P128 # وقيل: أسلم رجل من اليهود فأصابته مصائب فأتى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال أقلني،فقال صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الإسلام لا يقال)) ~~فنزلت، وذلك ؛ لأن الثبات في الدين إنما يكون لوكان الغرض منه إصابة الحق ~~وطاعة الله والخوف من عقابه، ms1091 فاما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر ~~الدين عند السر، أو يرجع عنه عند الضراء، ولايكون إلامنافقا مذموما، هيذا ~~مثل قوله {مذبذبين بين ذلك} وقوله{فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن ~~معكم} فإن قلت إذا كان هذه الآية في المنافقين فما معنى قوله سبحانه {انقلب ~~على وجهه} وهو في الحقيقة لم سلم حتى ينقلب ويرتد، فالجواب أن المراد أنه ~~أظهر بلسانه خلاف ما كان يظهره، فصار يذم الدين عند الشدة، وكان من قبل ~~يمدحه، وذلك انقلاب في الحقيقة وهذا المراد بقو له تعالى{إن أصابه خير} بأن ~~صح بدنه، وكثر ماله، وماشيته، وولده بنون {اطمأن به} أي قروسكن قلبه، {وإن ~~أصابته فتنة} محنة عكس الأول {انقلب على وجهه} أي رجع إلى الكفر، أي ارتد ~~عن دينه ولم يصبر على محن الصالحين التي هي بمنزلة الدواء الفضيع الكربة من ~~أنصح الناصحين ليعقبه من النعمة أكثر مما ناله من التعب والمحنة ولكن أكثر ~~هؤلأ الناس لايفلحون ولايمزون أمور الحكيم، ولايعقلون، ولا يحسنون به الظن، ~~ولايعلمون كل ذلك اتباعا منهم للهوى وحمقا وميلا إلى عاجل الدنيا، ولوصبروا ~~قليلا لأقبلت إليهم البشارات والسرور، ولنالهم من النعم والخير والحبور ~~أكثر مما نالهم في الأختبار والمحنة من الأمور، فيحمد الله على محنة ~~واختياره كحمدنا له على نعمه وإحسانه، لأنه عزوجل أحرص على عافيتنا وحياتنا ~~من الطبيب الحريص على برئنا وسلامتنا، ولكن هذه الأمة اشتغلت بحرث الدنيا ~~ولهوها عن طلب الحكمة وعجائبها واسرارها. PageV17P129 # ثم قال تعالى{خسر الدنيا والآخرة} بأن ذهب مايصيب به غير مأجور، وذهب عنه ~~ثواب الصابرين في الآخرة وفاتته الدنيا وزالت عنه ولم يظفر بنعم الآخرة، ~~وذلك لأنه يخسر في الدنيا العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة ~~والقضا والإمامة، ولايبقى ماله، ودمه مصونا، وأما في الآخرة فيفوته الثواب ~~الدائم ويحصل له العقاب الدائم، فقال تعالى:{ ذلك هو الخسران المبين} أي ~~البين الواضح لفساد عاجلته وذهاب أجلته، ويعني قوله تعالى: {يدعوا من دون ~~الله} أي يعبد الكافرمن دون الله {مالايضره} إن عصاه{وما لا ينفعه} ms1092 إن ~~أطاعه، يريد الأصنام وزعمهم أنها تشفع وتدفع. # ثم قال سبحانه:{ ذلك هو الضلال البعيد} استعير الضلال البعيد من ضلال من ~~ذهب عنه منزله أو عن الطريق فبعدت مسافته واستعير هنا للذهاب عن الصواب، ~~وأما قوله تعالى:{ يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه} أثبته ضارا منع نفيه الضر ~~والنفع قلبها، فمعناه أنه لايضر ولايشفع في الدنيا وفي الآخرة ضره أقرب وهو ~~العقاب الحاصل بسبب عبادته، أقرب من نفعه بالشفاعة التي كانوا يزعمون ، أي ~~يقول هذا الكافر يوم القيامة بدعا وصراخ حين يرى استظراره بالأصنام ودخوله ~~النار بعبادتها ولايرى الشفاعة التي ادعاها لها {لمن ضره أقرب من نفعه}. # وقيل: يدوعنا كيد للأول ولمن ضره أقرب كلام مبتدأ خبره{لبئس المولى}. # وقيل: اللام في لمن زائدة أي يدعو من دون الله، وقيل: المراد رؤسائهم ~~الذين كانوا يفزعون إليهم، لأنه يصح منهم أن سضروا. PageV17P130 # قال الرازي: واعلم أن هذا الوصف بالرؤسا أليق؛ لأن ذلك لايكاد يستعمل في ~~الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلونعن عبادة الله التي تجمع خير الدنيا ~~والآخرة، إلى عبادة الأصنام وإلىطاعة الرؤسا، ثم ذم الرؤسا بقوله عز وجل ~~{لبئس المولى} أي المولاء الناصر{ولبئس العشير} هو الصاحب كقوله {فبئس ~~القرين} والمراد ذم من انتصربهم والتجاء إليهم وبئس كلمة ذم، قال الشاعر: # أبوك في الركب وبئس الأب # إذا تغد لم يقل جاع الصبي # ثم اعلم أنه سبحانه لما بين في الآية الثالثة حال عباده المنافقين وحال ~~معبودهم بين صفة المؤمنين وصفة معبودهم فقال تعالى:{ إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} فهذا إخبار بحال ~~المؤمنين لمنافاته لتلك الحال والله يكرمهم لأنهم عبدوه. # أما قوله سبحانه {إن الله يفعل ما يريد} فهو من إثابة الأبرار ومعاقبة ~~الفجار. PageV17P131 # ثم قال {من كان يظن} من حاسدي الرسول وأعدائه {أن لن ينصره الله} يعني لن ~~ينصرالله محمدا على أعدائه {في الدنيا والآخرة} النصرة في الدنيا بالغلبة، ~~وفي الآخرة بظهور الحجة على أعدائه، فمن كان يظن خلاف ذلك من أعدا رسول ~~الله ويغيظه نصر ms1093 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {فليمدد بسبب إلى ~~السماء ثم ليقطع} أي فليخنق نفسه خنقا وغيظا بأن يمد بسببا أي حبلا إلى ~~السماء بينه وهو سقفه، ثم ليقطع أي ليختنق، سمى الإختناق قطعا لأنه يقطع ~~نفسه بحبس مجارته، أي فليستقص وسعه في إزالة مايغيظه كما يفعل من بلغ به ~~الغيظ كل مبلغ حتى خنق نفسه بالحبل المذكور{فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} ~~أي مايغيظه من نصر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وسمى فعله كيدا لأنه ~~وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل التهكم لأنه لم يكد ~~محسوده وإنما كاد نفسه. # وقيل: إن الضمير الذي هو إلها في نصره لمن الشرطية والنصر بمعنى الرزق ~~كما قال الأعشى: # أبوك الذي أجرى علي بنصره # فانصت عني بعده كل قائل # ويقال للأرض الممطورة منصورة، والمعنى من كان يظن أن لن يرزقه الله ولم ~~يرض بقسمته ليبلغ غاية الجزع فليلختنق، والمراد أن الأرزاق بيد الله لاتنال ~~إلابقسمته، وعلى العبد الرضى بما قسم له، وما احسن قول أيمتنا عليهم السلام ~~في ذلك. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى فليمدد بسبب أي يمدد ~~بإنصاره واعوانه إلى السماء حتى يقطع مادة الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم. # وإنما هذا على وجه الوعيد والزجر والتهديد والغلظة والهجر {ولينظر هل ~~يذهبن كيده ما يغيظ} ويخنقه ويغمة من نصرة الله لنبيه وحبيبه المصطفى ووليه. PageV17P132 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: يريد سبحانه بذلك التوقيت لمن كان شاكا ~~في نصرة الله لنبيه وإعلامهم أنه لا يغني كيدهم لنبي الله شيئا، فضرب لهم ~~هذا المثل بقول من كان شاكا في أمره حاسدا له مغتاظا عليه {فليمدد بسبب إلى ~~السماء} إن قدر على ذلك {ثم ليقطع} ومعنى ليقطع فهو ينفذ ما قدر عليه من ~~كيده لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم لينظر هل يذهب ذلك الفعل ~~إن قدر عليه، وهذا الكيد الذي يكيد به رسول الله صلى الله عليه وعلى ms1094 آله ~~وسلم ما يغيظه من أمر النبي ويغمه، ولن يقدر لو فعل ذلك وناله على إذهاب ~~شيء مما يغيظه من امر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ السبب الذي ~~أغاظه منه هو من الله سبحانه عطاء لنبيه وكرامة وإحسانا منه إليه ورحمة، ~~فلن يزيله كيد كائد ولا عناد معاند، انتهى. # وذلك أن حساده وأعداؤه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وألا يعليه على ~~أعدائه فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك، وأما قوله تعالى{وكذلك ~~أنزلناه} فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن {آيات بينات} لاخفا بهن في ~~معانيهن{وأن الله يهدي من يريد} أي ولأن الله يهدي به من علم أنهم مؤمنون ~~وهم الذي يعتبرون بغيره أو يثيب الذين أمنوا ويزيدهم هدى. # ثم قال تعالى {إن الذين آمنوا} صدقوا في الإيمان {والذين هادوا} دخلوا في ~~اليهودية هاد يهود اذا تهود {والصابئين} فرقة من فرق المشركين. # وقيل: إن الصبو في لغة العرب هو الخروج من دين إلى دين، قال شاعر ~~المشركين: # تميم قد صبا إلىمحمد # وأظهرالإسلام بالتهجد # وخالف الأشياخ بالتمرد PageV17P133 يريد أنه خرج إلى دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا قول بعض المشركين ~~عباد الأصنام الجهلة الكافرين {والنصارى} الذين نصروا عيسى عمهم الأسم، وإن ~~كانوا كفارا {والمجوس} قوم من الملل الخارجة عن الإسلام يتزوجون أرحامهم ~~{والذين أشركوا} عبدة الأصنام، أما قوله سبحانه {إن الله يفصل بينهم يوم ~~القيامة} فهو خبر لقوله إن الذين أمنوا كما يقول أن أخاك إن الدين عليه لكثير. # قال جرير: # إن الخليفة إن الله سربله # سربال عزبه يرجى الخواتيم # والمعنى يفصل بينهم وبين المؤمنين، وفي مابينهم أيضا لأنهم يكفر بعضهم بعضا. PageV17P134 # وقيل: يفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا فلايجازيهم جزا واحد بغير ~~تفاوت {إن الله على كل شيء} من أفعالهم {شهيد} أي مطلع فهو مجازيهم بسبب ~~ذلك، ومعنى قوله تعالى {ألم ترى} أي ألم تعلم {أن الله يسجد له من في ~~السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير ~~من الناس} ms1095 فإن قيل قوله {ولله يسجد من في السماوات والأرض} لفظ العموم ~~فيدخل فيه الناس فلم قال {وكثير من الناس} فجوابه أنه لو اقتصر على ماتقدم ~~لأوهم أن كل الناس يسجدون، كما أن الملائكة يسجدون، فبين أن كثير منهم يسجد ~~طوعا دون كبر منهم، فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق علهيم العذاب، غيرهم ~~فالمراد بالسجود من هذه الأشياء إنقيادها لأمر الله فيما يحدث فيها من ~~أفعاله ويجريها عليه من التدبير والتسخير، سمي ذلك سجود تشبيها لمطاوعتها ~~بابلغ أفعال المكلفين في الطاعة وهو السجود الذي كل خضوع دونه ولايحمل على ~~السجود بمعنى الوقوع بالجبهة على الأرض ؛ لأن ذلك لايصح من الشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب، فإن قيل: فإذا حمل على هذه لم يصح أن يعطف ~~عليه وكثير من الناس، لأنه يوهم أنهم لاينقادون ولايخضعون لما أرادوا بكونه ~~فيهم، وليس كذلك. # قيل: يقدر ويسجد له كثيرمن الناس سجود الجبهة ويكون ذلك من باب الحذف ~~كقوله غلفتها تبنا وماء باردا، وهذا قول من يمنع من أن يراد باللفظة ~~المشتركة كلامعنيها أو يراد حقيقتها ومجازها شوالصح ف ذلك أنه لامع منه وقد ~~مصرح به ف الفصول الأولية حيث قال: # فصل: ويصح أن يراد بالفظ حقيقته ومجازه كالعكس إذلامانع عقلي ولالغوي، ~~وقال فيها أيضا ويصح المشير مالفظه أئمتنا والجمهور، ويصح إطلاقه على كل ~~معانية غير المتنافية مطلقا، انتهى. PageV17P135 # ويجوز أن يكون المعنى وكثير من الناس مثاب وحذف لدلالة ما بعده عليه وهو ~~قوله {وكثير حق عليه العذاب} أي بترك السجود. # ثم قال سبحانه {ومن يهن الله فما له من مكرم} أي من أهانه الله من الذين ~~حق عليهم العذاب فليس له مكرم يمنعه من العذاب ولايكرمه من النار والعقاب، ~~ثم أخبر سبحانه أنه الذي يصح منه الأكرام والهوان يوم القيامة بالثواب ~~والعذاب، فقال {إن الله يفعل ما يشاء} ن الإكرام والإهانة على حسب عمل ~~العاملين. # واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق ~~عليه العذاب، ذكر بعده ms1096 كيفية اختصاصهم فقال تعالى:{هذان خصمان} الخصم يطلق ~~على الواحد والجمع، فلذلك قال: {اختصموا في ربهم} حملا على المعنى ونظيره ~~{هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} والمراد المؤمنين والكافرين فقال: ~~المسلمون على الله بالعدل والتوحيد. # وقالت النصارى عليه بتشبيه العبيد، وكذلك قالت المجبرة: بالظلم عليه ~~والجور والجحود وكل من وافق النصارى فهو منهم في الكفر والعنود من المليين ~~كان أو من اليهود، أو من المشركين الكفرة الجاحدين. # وقيل: أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبيا. # وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بالله وبمحمد وبنبينا وبكتابنا ~~وبكتابكم، وكل كتاب ونبي، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه حسدا فهذه ~~خصومتهم في ربهم. # وقال في البرهان: هذه الآية نزلت في ثلاثة من المسلمين قتلوا ثلاثة من ~~المشركين يوم بدر، ومنهم أمير المؤمنين علي عليه السلام، قتل الوليد بن ~~عتبة، وحمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة ~~بن ربيعة، انتهى. PageV17P136 # ويؤيد هذا مارواه الحاكم أبوا القاسم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل عن ~~علي عليه السلام أنه قال: أنا أول من يحشر بين يدي الرحمان للخصومة يوم ~~القيامة. # قال قيس: وفيهم نزلت هذه الآية، {هذان خصمان اختصموا}. # قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ~~ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. # وروي أيضا عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم بالله لنزلت هذه الآية ~~في حمزة، وعلي، وعبيدة، وفي عتبة، وشيبة ابنى ربيعة، والوليد بن عتبة، ~~وكانوا يتبارزوا يوم بدر،{ هذان خصمان اختصموا في ربهم }. # ثم روى الحاكم طرقا كثيرة لهذا المعنى، ثم بين تعالى حكمه في الكفار فذكر ~~من أحوالهم أمورا ثلاثة. # أحدها: قوله عزوجل{فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} وهو فصل الخصومة، ~~المراد بقوله {إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} أي قطعت لهم ثياب من نار ~~كما تقطع الثياب الملبوسة على مقادير جثثهم، أو المراد بالثياب إحاطت النار ~~بهم كقوله {لهم من جهنم ms1097 مهاد ومن فوقهم غواش}. # وقال سعيد بن جبير: من نحاس أذيب بالنار من قوله عزوجل {سرابيلهم من ~~قطران}. # وثانيها: قوله عزوجل{ يصب من فوق رؤوسهم الحميم} هو الماء الحار عن ابن ~~عباس، ولوسقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، ومعنى {يصهر به ما في ~~بطونهم} أي يذاب، ومنه صهرت الشحم إذا أذبته. # ثم قال {والجلود} يعني إذا صب على رؤسهم كأن تأثيره في الباطن نحو تأثيره ~~في الظاهره، فيذيب أحشاؤهم وأمعاؤهم كما يذيب جلودهم. PageV17P137 # وثالثها: قوله عزوجل: {ولهم مقامع من حديد} المقامع السياط رؤسها معوجة ~~{كلما أرادوا أن يخرجوا منها} أي من النار{من غم} من عذاب يغمهم {أعيدوا ~~فيها} أي ردوا إليها بالمقامع، ومعنى الخروج، إن النار تضربهم بلهبها ~~فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، ~~ثم قيل لهم {وذوقوا عذاب الحريق} وهو الغليظ من النار المنتشر العظيم ~~الإهلاك. # ولما فرغ من بيان ما استحقه أهل العذاب من الخصمين بين ما استحقه الخصم ~~الآخر وهو المؤمنون من الثواب من أربعة أوجه. # أحدها: المسكن وهو قوله {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار}. # وثانيها: الحلية وهو قوله تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} ~~فبين تعالى أنه يوصلهم الآخرة إلى ما حرمع عليهم في الدنيا من هذه الأمور ~~وإن كان من أجله له أيضا شاركهم فيه ؛ لأن الحلل للنساء في الدنيا يسير ~~بالإضافة إلى ما يستحل لهم في الآخرة، ومعنى قوله {ولؤلؤا} أي ويؤتون ~~لؤلؤلا، والأساور جع أسوره، وأسوره جمع سوار لما كان في اليد من الحلية. # وثالثها: الملبوس وهو قوله تعالى {ولباسهم فيها حرير} وهو الديباج{وهدوا ~~إلى الطيب من القول} أي هداهم الله إلى أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا ~~وعده بالثواب وصالح الأعمال {وهدوا إلى صراط الحميد} أي صراط الله تعالى ~~إلى طريق الجنة، وأضيف الصراط إلى الله لأنه الذي رضيه ودعاه إليه. # وقال في البرهان: الطيب من القول يهو الإيمان، وذكر يسالله عزوجل ~~والقرآن. PageV17P138 # واعلم أنه سبحانه ms1098 بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظيم حرمة البيت ~~وعظيم كفر هؤلاء فقال تعالى: {إن الذين كفروا} بما جاء به محمد {ويصدون عن ~~سبيل الله} يمنعون الناس سبيل الله، وهو عام في كل خبر الإسلام وغيره، وخبر ~~إن محذوف لدلالة الشرط عيه تقديره إن الذين كفروا إلى آخره نذيقهم عذاب ~~أليم، ومن التقدير إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ومن يرد فيه بإلحاد ~~ظلم نذقه من عذاب أليم، فهو وعيد راجع إلى كلاالجملتين. # ثم قال سبحانه: {والمسجد الحرام} يعني ويصدون عن المسجد الحرام {الذي ~~جعلناه للناس} كلهم لم نخص به بعضا دون بعض، أي جعلناه قبلة لصلاتهم ومنسكا ~~لحجهم وكان المشركونن يمنعون المسلين عن الصلاة في المسجد، وعن الطواف ~~بالبيت، وقيل: المراد بالمسجد الحرام مكة لاالمسجد وحده وسبيت باسمه لأنه ~~أشرفها وهي مانعة له، وقيل: معنى الحرام ؛ لأن الله حرم التعرض له ولادلالة ~~في الآية على أن المراد بالمسجدالحرام مكة، والأظهر أن المراد به الكعبة ~~والله اعلم. # وقوله {سواء العاكف فيه والبادي} ابتداء كلام على قرأة من رفع وهم أكثر ~~القراء، ومن نصب فموضع وقف التمام على والباد والعاكف المقيم والبادي من ~~كان من أهل البادية فيه لحج أو عمرة أو غيرها فكلهم سوا ليس بعضهم أولى ~~بالصلاة فيه من بعض، وهم سوا في الطواف والصلاة والمقاعد وهو لكم مسجد ~~لايتعدا فيه أحد، ولايستحقه قوي دون ضعيف سوا ألمحقور والمعظم الشريف، انتهى. # وقد احتج أصحاب على امتناع بيع دور مكة بهذه الآية وإجارتها وهو المذهب ~~خلاف س لقوله تعالى{الذين أخرجوا من ديارهم} فنسب الديار إليهم ولعله يقول ~~لم يرد المسجد إلاالمشهور من لفظه. PageV17P139 # ثم قال سبحانه:{ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} الإحاد العدول ~~عن القصد وأصله إلحاد الحفر وقوله بظلم بدل منه أي إلحاد بظلم وهو أن يميل ~~إلى الظلم، ومفعول يرد متروك، كأنه قال ومن يرد فيه أن يضبط نفسه ويسلك ~~طريق السداد والعدل في جميع مايهم به ويقصده. # قال في البرهان: والباء ms1099 زائدة كزيادته في قوله تعالى:{ تنبت بالدهن} وكما ~~قال الشاعر: # نحن بنوا جعدة اصحاب الفلح # نضرب بالسيف ونرجوا بالفرح # أي نرجوا الفرح والإلحاد، والظلم هو الشرك بالله تعالى وأن يعبدوا غير ~~الله عزوجل واستحالة الحرام معتمدا. # وروينا أن هذه الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عمرته عام الحديبية، انتهى. # ثم صالحوه إلى أن يعود في العام القابل. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: في قوله ومن يرد فيه بإلحاد معناه ~~ومن قال بالإحاد والظلم ونسبه إلى غير حكمة الله على إلحاده وجازاه ~~بالعبذاب على جحده، ومعنى قول القائل ألحد هو إلجا فعل الله إلى غيره وجحدو ~~إنما سمى اللحد لحدا لأنه جعل ملجأ للميت ومسندا يلجأ إليه ويسند ويصير ~~ويلحد، ومن العرب من يقول الحدنا اليوم فنحن اليوم ملحدون، أي فقراء ~~محتاجون ملحون، وهي لغة عربية مشتقة، وأكثر من يقول ذلك نفر من بكيل، انتهى. # ومعنى قوله تعالى {وإذ بوأنا} أي واذكر {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} ~~أي وطأنا له وأحللناه مكان البيت وعرفناه بمكانه بعلامة استدل بها، قيل: ~~وهي الريح فكشفت ماحول البيت. PageV17P140 # روي أنه رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوته حمراء فأعلم ~~الله إبراهيم بمكانه بريح أرسلها يقال ......كنست ما حوله فبناه على أسه ~~القديم، أما قوله {أن لا تشرك بي شيئا} فإن هي المفسرة أي أمرناه أن لايشرك ~~بي شيئا{وطهر بيتي} من الأصنام والأوثان والأقذار أن يطرح حوله. # قال في الكشاف: فإن قلت كيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت ~~تفسيرا للتبوئة. # قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة فكأنه قيل تعبدنا إبراهيم، قلنا ~~له لاتشرك بي شيئا وطهر بيتي{للطائفين}. # قال في البرهان: أما الطائفون فالمراد به بالبيت {والقائمين} في الصلاة ~~وبجميع ما أمرهم الله تعالى من الطاعات، انتهى. # {والركع السجود} أي المصلين ؛ لأن الركوع والسجود صفتهم {وأذن في الناس ~~بالحج} أي اعلمهم وناد فيهم بالحج. # قيل: أن هذا الخطاب لرسول ms1100 الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر الناس ~~بحج البيت والذي عليه أكثر المفسرين أنه إبراهيم عليه السلام، وأما الذين ~~قالوا إن هذا الخطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر الناس بحج ~~البيت فاحتجوا عليه بأن ماجا في القرآن وأمكن حمله على أن محمدا هو المخاطب ~~به فهو أولى، وتقدم قوله {وإذ بوأنا لإبراهيم} لايوجب أن يكون قوله وأذن ~~إليه يرجع إذ قد بينا ان معنى قوله وإذبوأنا أي وأذكر يامحمد إذ بوأنا فهو ~~في حكم المذكور فإذا قال تعالى فأذن فإليه يرجع الخطاب والله اعلم. # قال محمد بن القاسم عليه السلام: يقول سحانه اعلم في الناس وصوبهم واسمع ~~بهم وأظهر فريضة الله في الحج عليهم، انتهى. # {يأتوك رجالا} مشاة على أرجلهم {وعلى كل ضامر} من الخيل والأبل، والضمور ~~هو خمص بطن الفرس والبعير، وذلك لطول السفر والمسير حتى يخف الدواب إذا ~~ضمرت ويذهب ثقل أبدانها إذا سافرت، ويكون ذلك أقوى لسيرها إذا سيرت. # قال الشاعر: PageV17P141 # خليلي عوجا بالأزمة ضمرا # قوله تعالى {يأتين من كل فج عميق} صفة للضوامر، وقرئ يأتون صفة للرجال ~~والركبان، والفج الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعا، ~~والفج أيضا مكان واسعا، والعميق البعيد، قال الشاعر: # ولعت أيديهن بالحريق # مدا نياط نازح عميق # والمعنى وأذن فأنهم يأتوك على هاتين الصفتين. # واعلم أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله { وأذن في الناس بالحج} ذكر حكمة ~~ذلك الأمر بقوله سبحانه:{ ليشهدوا منافع لهم} أي ليحضروا منافع لدينهم ~~ومنافع لدنياهم. # قال في البرهان: يعني شهود الموقف وقضى المناسك والتجارة في الدنيا ~~والآخرة، وقوله {ويذكروا اسم الله} كنايه عن الذبح والنحر، لأنه يذكر عليه ~~اسم الله ؛ لأن أهل الإسلام لاينفكون عن اسمه إذا نحروا وذبحوا، ثم اختلف ~~{في} قوله {أيام معلومات} لحرص الناس على حسابها من أجل وقت الحج لأنه في ~~آخرها ولايقال الذبح والنحر لايكون فيها لأنا نقول هو بعضها وهو اليوم ~~العاشر وماكان في بعض الشيء فهو فيه. # وقال أبوا يوسف ومحمد: هي ms1101 أيام النحر واختاره الزجاج ؛ لأن المراد بذكر ~~الله الذبح فهو مختص بأيام النحر. # وقال مقاتل المعلومات أيام التشريق، والذكر تكبير التشريق، والأول المذهب ~~وعليه أكثر العلماء فإنهم صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة، ~~والمعدودات أيام التشريق. PageV17P142 # وقال سبحانه {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} يعني على مارزقهم من بهائم ~~الأنعام وهي الضحايا والهدايا، والبهيمة مبهمة في كل ذوات الأربع في البر ~~والبحر، فبينت في الأنعام وهي الأبل، والبقر، والضأن، والمعز؛ لأن البهيمة ~~إذا لم تضيف إلى الأنعام لكل ذات أربع في البر والبحر، وأما قوله {فكلوا ~~منها} فأمر إباحة، ويجوز أن يكون نبدا لما فيه من التواضع بمساواة الفقرا ~~في الأكل والمخالفة الجاهلية وكانوا لايأكلون من نسائكهم، وقيل: إنه أمر ~~وجوب لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء. # ثم قال سبحانه:{ وأطعموا البائس الفقير} معنى البائس هو معنى الفقير، ~~ولافرق بين ذلك عند أهل اللغة في زعمهم والله أعلم. # قال الشاعر: # ونحن قتلناكم على عهد كبشكم # وكم من غني قد قتلنا وبائس # أي كم من غني وفقير. # وقيل: البائس الذي أصابه بؤس، أي شدة، والفقيرالذي أضعفه الإعسار، قوله ~~تعالى:{ ثم ليقضوا تفثهم} قالوا التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر ~~والأظفار والشعث وقضاؤه ونقضه وإزالته بقص الشارب ونتف الإبط، والإستحداد ~~أي حلق العانة. # قال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. # قال القفال: قال نفطوية سألت اعرابيا فصيحا ما معنى ثم ليقضوا تفثهم؟ # قال ما أقراء القرآن ولكنا نقول للرجل ما أنفثك وما أدرنك، والمراد قضا ~~إزالة التفث. # وقال الهادي عليه السلام: التفث هو طواف الزيارة، وهو طواف النساء الذي ~~يحل بعده الدنوا منهن ويحرم قبله جماعهن، رواه عنه الحسين بن القاسم عليه ~~السلام في تفسيره. # وقوله {وليوفوا نذورهم} واجب حجهم، والنذر هو الواجب، قال الشاعر: # على نذورهم واجبات أصونها PageV17P143 أو ما نذروه لله في حجهم من اعمال البر ذبيحة أوصدقة، وربما يكون على الرجل ~~نذر فالأفضل صرفه في مكة، ويحتمل ذلك ما ms1102 أوجبه الدخول في الحج من أنواع ~~المناسك، وقوله {وليطوفوا بالبيت العتيق} طواف الزيارة الذي هو أحد أركان الحج. # وقيل: طواف، الوداع والبيت أسم للكعبة، والعتيق القديم لأنه بيت وضع للناس. # وقيل: لأنه أعتق من الجبابرة لايقصده أحد بمكروه إلامنعه الله، وقيل: لم ~~يملك قط، وقيل: أعتق من الغرق، وأما تسليط الحجاج فلم يقصده وإنما قصد ابن ~~الزبير لما تحصن فاحتال في لإخراجه، ثم بناه. # وقال الحسين بن القاسم: معنى بالبيت العتيق أي البيت الرفيع المجيد ~~الكريم، وكلما كأن جيدا كريما سمى عتيقا قال الشاعر: # ليس مطايا مصر بالحقائق # ولا الملاميس ولا العتائق # إلا ذوات الفخذ العنائق # أي الجياد الكرام، انتهى. # ثم قال تعالى {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو} التعظيم {خير له عند ربه}. PageV17P144 # قال في الكشاف: ذلك خبر مبتدأ، أي الأمر من أعمال الحج وهذا كما يقدم ~~الكاتب جملة من كتابة في بعض المعاني أو إذا أراد الخوض في معنى آخر، قال ~~هذا أو قد كان كذا، ومعنى تعظيم حرمات الله العلم بها فيتجنبها تعظيما لأمر ~~الله، والحرمة مالايحل هتكه وهو عام في كل التكاليف في العلم بوجوبها ~~والحفظ لها والمراعاة لحقها، وقيل: خاض فيما يتعلق بالحج، وعن زيد بن أسلم: ~~الحرمات خمس، الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر ~~الحرام، والمحرم محرم حتى يحل، وقوله عند ربه يدل على الثواب المدخر، لأنه ~~لايقال عند ربه إلافيما حصل من الخيرات، ثم إنه تعالى عاد إلى حكم الحج ~~فقال{وأحلت لكم الأنعام} الأزواج الثمانية{إلا ما يتلى عليكم} المتلوا ~~لايستثني من الأنعام ولكن المعنى إلاما يتلى عليكم آية تحريمه، وذلك قوله ~~في سورة المائدة {حرمت عليكم الميتة} والمعنى أحل الله لكم الأنعام كلها ~~إلا ما استثنى في كتابه فحافظوا على حدوده، ولما حث سبحانه على تعظيم ~~حرماته وأحمد من يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان، وقول الزور، فقال ~~سبحانه: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} وتقدير الكلام واجتنبوا الأوثان الرجس ~~ورجسها عبادتها، أي فاجتنبوا عبادة الأوثان فإنها من الرجس {واجتنبوا قول ~~الزور}. # قال في البرهان: ms1103 الزور الكذب، وشهادة الزور، وروينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال ((عدلت شهادة الزور الشرك بالله مرتين)). ثم ~~قرئ واجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور، انتهى. PageV17P145 # ولذلك جمع الشرك وقول الزور في قرن واحد ؛ لأن الشرك من باب الزور لزعم ~~المشرك أن الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال اجتنبوا رأس الزور وهو عبادة ~~الأوثا، واجتنبوا قول الزور كله ؛ لأن توحيد الله وصدق القول أعظم الحرمات، ~~وسمى الاوثان رجسا وكذا الخمر والميسر والأزلام على طريق التشبيه بالرجس ~~المنفور عنه في الطبع، وهو النجس والعذاب، ومعنى قوله {حنفاء لله} أي ~~خاشعين لله ثابتين علىدينه، والحنيف هو المعتدل المستقيم قال الشاعر: # إلى الإسلام والدين الحنيف # أي الثابت أو ما يلين عن كل دين إلى دين الإسلام {غير مشركين به} وهذا ~~يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه العبادة والإخلاص، ولما ~~صار الكافر بنفسه غير نافع لها بين تعالى مثلين للكفرلامزيد عليهما فقال ~~سبحانه:{ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير} معناه أن من ~~أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا بالغا كحال من خر من السماء، فتخطفه الطير ~~في الهواء أو تفرقه في حواصلها {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} معناه أو ~~كحال من عصفت به الريح حتى القته في بعض المطاوح السحيقة، أي البعيدة، ~~والسحيق البعيد قال الشاعر: # ضل سيف القيسي لما التقينا # فوجدناه بالمكان السحيق # أي بالمكان البعيد. PageV17P146 # قال في الكشاف: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان ~~تشبيها مركبا فكأنه قال من أشرك بالله فقد أهلك نفسه هلاك ليس بعده بأن صور ~~حاله بصورة حال من خرمن السماء فاختطفته الطير فتفرقة أجزاؤه في حواصلها أو ~~عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مغرقأ فقد شبه ~~الإيمان في علوه بالسماء والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء ~~والأهوا التي تتوزع بأفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي طوح به في وادي ~~الضلالة بالريح ms1104 التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة، انتهى. # ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال {ذلك ومن يعظم شعائر الله} أي الأمر ذلك، ~~ومعنى يعظم أي يجل وينزه معالم دين الله، وقيل: شعائر الله هي الهدايا ~~لأنها من معالم الحج {فإنها من تقوى القلوب}أي من حشية القلوب وإخلاصها، ~~أراد فإن تعظمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، وأضيف التقوى إلى القلوب لأنها ~~مراكزه ومحله. # قال الرازي: فحذفت هذه المضافات ولايستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لابد ~~من راجع من أجزا إلىما ارتبط به، وإنما ذكرت القلوب ؛ لأن المنافق قد تظهر ~~التقوى من نفسه، ولكن لما كان قلبه خاليا عنها لاجرم لايكون مجدا في أدا ~~الطاعات على سبيل الإخلاص، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه ~~فإنه يبالغ في أدا الطاعات على سبيل الإخلاص، انتهى. # ثم قال تعالى {لكم فيها} أي في الشعائر {منافع} في دينكم ودنياكم بركوبها ~~وشرب لبنها إن احتيج إليه {إلى أجل مسمى} أي إلى أن تنحر وتصدق بلحمها ~~وتؤكل منها {ثم محلها إلى البيت العتيق} أي محل نحرها من حلول الدين أي ~~وجوبه، والمعنى وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت العتيق، والمراد الحرم ~~الذي هو في حكم البيت ؛ لأن البيت لاينحرفيه لنجاسةالدماء، فيحمل على جميع ~~الحرم لأنه حرم البيت ذكره جار الله وغيره. PageV17P147 # قال: ومعنى ثم للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال لتباعد ما ~~بينها من التفاصيل، أراد انما بعد ثم أبلغ مما قبلها وأكثر نفعا كأنه قيل ~~وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت، أي وجوب نحرها. # وقال في البرهان: المنافع الأخر والأجل المسمى يوم القيامة، ومعنى قوله ~~ثم محلها، أي محل الحج والعمرة إلى البيت العتيق أي بالطواف به، ومعنى قوله ~~تعالى {ولكل} أي لكل أمتة من الأمم السابقة من عهد إبراهيم عليه السلام ~~{جعلنا منسكا} هم ناسكوه، أي دينا، قال فيه يعنى حجا، والمنسك هو الموضع ~~المعتاد،ومنه سميت مناسك الحج لإعتياد مواضعها، انتهى. # وقيل: منسكا هو النسك أي شرع الله أن تنسكوا له ms1105 أي تذبحوا الوجهة على وجه ~~التقرب إليه، ثم بين الغرض منه فقال {ليذكروا اسم الله} فجعل العلة أن ~~تذكروا اسمه تقدست أسماؤه على النسائك {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} قد ~~مر أنفا تفسير هذا، ثم قال {فإلهكم إله واحد} فلاتذكروا في ذبائحكم غير اسم ~~الله {فله أسلموا} أي أخلصلوا له الذكر ولاتشركوا به واجعلوا خالصا لوجهه ~~{وبشر المخبتين} المتواضعين لله من الخبث وهو المطمئنين من الأرض بعين ~~المطيعين الخاشعين، ثم وصفهم فقال {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي ~~خافت وفزعت هيبة لجلالة وبطشة بالعصاة فتقشعر أجسامهم من خشية الله تعالى{ ~~والصابرين على ما أصابهم} من المصائب والمحن{والمقيم الصلاة} أي يفعلونها ~~قائمة الأركان كاملة الفرائض والشرائط {ومما رزقناهم ينفقون} يريد الزكاة ~~أو هي وغيرها، ومن للتبعيض لايسرفون في الإنفاق قوله {والبدن} جمع بدنة ~~لعظم بدنها. # قال في البرهان: والبدن فهي الأبل وسميت بدنا لأنها مبدنة بالسمن، انتهى. PageV17P148 # ومعنى {جعلناها لكم من شعائر الله} أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله ~~تعالى وأضافها إلى اسمه تعظيما لها ثم قال {لكم فيها خير} في الدنيا ~~والآخرة مثل قوله لكم فيها منافع. # واعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأمر بأن تهدي في الحج جاز أن يقول ~~جعلناها لكم من شعائر الله، وإذا كان قوله لكم فيها خير كالترغيب فالأولى ~~أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله ~~تعالى أن فيه خيرا وبأن فيه منافع، أما قوله {فاذكروا اسم الله عليها صواف} ~~فقال المفسرون الذكر هو أن يقول عند النحرالله أكبر لا إله إلا الله والله ~~أكبر اللهم منك وإليك، وصواف قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وفي البرهان ~~يعني مصطفة، وقرئ صوافن أي مصفوفة وهي أن يعقل إحدى يديها حتى تقف على ثلاث ~~يقال صفن الفرس إذا وقف على إحدى يديه حتى وقف على ثلاث، ومنه قوله ~~الصافنات الجياد، قال الشاعر: # ألف الصفون فلايزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسير # وفي تفسير هذه يقول محمد بن القاسم ms1106 عليهما السلام: الصواف القيام كانت في ~~قيامها مشدودة الأيدي بالعقل أو إطلاقا غير معقولة وإذ أقيمت صفا عنه نحرها ~~من جهة القبلة ثم قام ينحرها إليها، فالواجب ذكر اسم الله عليها وهي صواف ~~إذا هوى للباتها ناحرا عند نحرها، وقيل: وقوع النحر عليها {فإذا وجبت ~~جنوبها} يعنى فإذا خرت سقوطا إلى الأرض ومالت واجبة جنوبها وكلوا حينئذ ~~منها{وأطعموا البائس الفقير}، فذكر الأجر فيه وعليه من أعظم مافيها من ~~الخير، انتهى. PageV17P149 # قيل: ولايبعد أن تكون الحكمة في صطفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس ~~المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجرا وأقرب إلى ظهور التكثر ~~وإعلا اسم الله وشعائر دينه، وأما قوله {فكلوا منها} فأمر إباحة، والأكل ~~منها مستحب إذا تطوع بها، وإنما ورد الأمر بعد حظر لأن أهل الجاهلية كانوا ~~يحرمونها على نفوسهم{وأطعموا القانع والمعتر} القانع، قيل: هو السائل ~~والمعتر المستعرض بغير سؤال. # وقيل: الراضي بما عنده وإنما يعطي من غير سؤال، والمتعر المتعرض بالسؤال. # قلت: وإلى هذا القول أشار القاسم بن إبراهيم عليه السلام: في قوله # فقلت لها وهي لوامة # وفي عيشها لو سخت ما كفى # ذريني هديت أنال الغنى # بيأس الضمير وهجر المنى # كفاف امرء قانع قوته # ومن يرضى بالقوت نال الغنى # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: القانع هو الذي قنع بقوته ولم يطلب ~~ولم يسأل وهو محتاج مع ذلك، قال الشاعر: # لمال المرء يصلحه فيغني له عندي # له عندي # أعف له من القنوع # ثم قال سبحانه {كذلك} أي مثل ذلك التسخير{سخرناها لكم} أي ذللناها ~~تأخذونها سهلة ذليلة، والمعنى أنها جسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما ~~يمتنع علينا التمكن منه والله تعالى جعل الأبل والبقر بالصفة التي تمكنا ~~تصريفها على ما نريد، وذلك نعمة عظيمة من الله سبحانه في الدين والدنيا، ثم ~~لما بين تعالى هذه النعمة، قال بعدها {لعلكم تشكرون} أي لتشكرو النعمة في ~~تسخيرها، ولما كان عادة الجاهلية على ماروي في الأخبار أنهم يلوثون بدمائها ~~ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ماهو المقصود من ms1107 النحر فقال {لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها} معناه لن ينال رضاه والقربى لديه المتصدق بها ~~ولاالدماء المهراقة بالنحر، والمراد أصحاب اللحوم والدماء {ولكن يناله} ~~ويصل إلى رضوانه {التقوى} واليقين {منكم}. PageV17P150 # قال في البرهان: يعني العمل منكم بما أوجبه التقوى من إخلاص النية، والمعنى ~~لن يرضى المضحون ربهم إلا بمراعات النية والإخلاص والإحتياط بشروط التقوى ~~في حل ما قرب به وغير ذلك من أوامر الشرع والورع، فإذا لم يراعوا ذلك لم ~~يغن عنهم التضحي والتقرب وإن كثر، وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أبدنهم ~~فاستقبلوا الكعبة بدمائها، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله {لن ~~ينال الله} تعالى الآية. # ثم قال {كذلك سخرها لكم} أي مثل ذلك التسخير الذي ترون تأخذونها منقادة ~~فتعقلونها ثم تطعنون لبنها بتسخير الله وتذليله لها لكم، وكرر تذكير النعمة ~~التسخير والمراد لما سخرها كذلك {لتكبروا الله على ما هداكم} لإعلام دينه ~~ومناسك حجه فتكبروه وتجلوه وتشكروه وتعظموه، فأختصر الكلام بأن ضمن معنى ~~التكبير معنى الشكر فأتى بعده بعلى التي تأتي بعد الشكر، ثم قال بعده على ~~وجه الوعد لمن امتثل أمره {وبشر}يامحمد {المحسنين} بكل خير. # ثم اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم في الحج ومناسكه ومافيه من منافع ~~الدنيا والآخرة وقد ذكر من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك بيان ما يزيل الصد ~~ويؤمن وتمكن من الحج. # فقال سبحانه:{ إن الله يدافع عن الذين آمنوا} يريد بالأمر لابالجبر ولله ~~بعد ذلك ماشاء من العون والنصر. # وقيل: تبالغ في نصرتهم والدفع لكل أذى عنهم وخص المؤمنين لفضيلة الإيمان ~~وإنما ذكر أن الله يدافع عن الذين أمنوا ولم يذكر ما يدفعه ليكون أفخم ~~وأعظم وأعم وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين لذالك قال بعده: {إن ~~الله لا يحب كل خوان} لله وللرسول، ولأماناتهم يريد كل غاش خائن مفسد غير ~~ناصح ولامجتهد ولا مرشد، قال الشاعر: # كذلك كان نوح لايخون PageV17P151 ومعنى{كفور} أي جحود لنعم الهل تعالى، فنبه بذلك أنه يدفع عن المؤمنين كيد ~~من هذا صفته ms1108 وجعل سبحانه العلة في أنه يدافع عن الذين آمنوا أنه لايحب صدهم ~~وهو الخوان الكفور. # ثم قال تعالى:{ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} أي أذن لهم في القتال ~~بسبب أنهم مظلومون وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مشركوا ~~مكة يؤذونهم أذا كبيرا، وكانوا يأتونه صلى الله عليه وآله وسلم بين مضروب ~~ومشجوج، ويسألونه الأذن في الجهاد فيقول ((اصبروا فلم أؤمر بالقتال ~~وانتظروا الأذن من الله تعالى)). حتى هاجر فنزلت وهي أول آية أذن فيها ~~بالقتال بعد مانهى عنه في نيف وسبعين آية. # وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن لهم في ~~مقاتلتهم، قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير}وعده بنصره لهم، وأرد علىسنن ~~كلام الجبابرة وما مر من دفعه عن الذين آمنوا مؤذن بمثل هذه العدة أيضا. # واعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فسر ~~ذلك الظلم بقوله تعالى:{ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ~~ربنا الله} أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون سبب الإقرار ~~والتمكين لا الإخراج كقوله {وما تنقم منا إلا أن آمنا} بالله، فبين تعالى ~~ظلمهم بهذين الوجهين. # أحدهما: أنهم أخرجوا من ديارهم. # والثاني: أنهم أخرحوا بسبب أنهم قالوا ربنا الله، كل واحد من الوجهين ~~عظيم في الظلم، ثم بين سبحانه بقوله{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} أن ~~عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر. # قال في البرهان: يعني لولا دفع الله عن الدين بالإئمة والمجاهدين من ~~أوليا ئهم {لهدمت صوامع} والواحدة صومعة من صوامع مساجد الرهبان. PageV17P152 # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صومعة الرجل بيته)) ~~{وبيع} وهى كنائس اليهود، وقيل: مساجد النصارى، والصوامع لرهبانهم والواحدة ~~منها بيعة، قال الشاعر: # ........ أطوف بها لاأرى غيرها # كما يطاف بالبيعة الراهب # {وصلوات} أي وتركت صلوات، وقيل: مساجد اليهود، وسميت الكنيسة صلوة لأنها ~~يصلي فيها، ومساجد للمسلمين {يذكر فيها اسم الله كثيرا} أي ذكرا كبيرا. # قال الحسين بن ms1109 القاسم عليه السلام: في هذا تقيد وتآخير واختصار، المعنى ~~في هذا لهدمت صوامع وبيع ومساجد وعطلت، ولكنه اختصر، انتهى. # فالمعنى أنه لولاذلك الدفع لانقطعت الصلاة وخربت المساجد، وفي تفسير هذه ~~يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: يخبر الله سبحانه عما وقع بتخليته ~~للناس وتمكينه لهم من الإختيار فيما يفعلون من فعل الشر وما يحتالون من فعل ~~البر أن ذلك مما وقع به التبار والتعاوي بينهم وأن في تضارهم وتمانعهم دفعا ~~من الله بعضهم بعض عن الفساد والإيعاث في الأرض الذي فيه هدم البيع ~~والصلاوت وتخريب المساجد التي تذكر فيها اسم الله بالغدوا والعشيات، فدفاع ~~الله بعضهم ببعض هو المانع لهم من تخريب المساجد والبيع والصلوات الذي هو ~~تعطيلها والتدافع الذي بينهم والتمانع هو الذي به شغلوا عن هذه البيع ~~والصلوات، والصوامع فهي التي تكون فيها الرهبان، وهي معروفة لمترهبي ~~النصارى في البلدان، انتهى. # وقيل: لولا ذلك استولى أهل الشرك على الملل المختلفة فأخربوا متعبداتهم ~~أو لعب المشركون في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين وعلى ~~أهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهذا من متعبدات الفريقين، ثم قال عزوجل:{ ~~ولينصرن الله من ينصره} أي وأقسم لينصرن الله من ينصردينه وأوليائه. PageV17P153 # قال محمد بن القاسم عليه السلام: النصرة من الله قد تكون منه سبحانه ~~بالعلوا في الدنيا والغلبة، وقد يكون النصر منه تعالى بإظهار العلم ~~والبرهان والحجة، ويكون تأخير النصر في الدنيا عن أوليائه زيادة لهم في ~~الدرجات والمثوبة، انتهى. # وفيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر، ثم اخبر سبحانه أنه قوي على ~~هذه النصرة التي وعدها المؤمنين، وأنه لايجوز عليه المنع فقال عزمن قائل:{ ~~إن الله لقوي} على النصرة لأوليائه {عزيز} غالب قاهر لإعدائه معنى العزيز ~~هو الذي لايظام ولايمنع مما يريده، ثم أنه سبحانه وصف الذين أذن لهم في ~~القتال في الآية الأولى فقال تعالى{الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} مكناهم أي بسطنا لهم فيها ~~فتمكنوا من إنفاذ الأمر ms1110 فيها يعني الأئمة الذين مكنهم من الأحكام وقلدهم ~~جميع أمور الأنام فهذا إخبار من الله عزوجل بضهر الغيب عما سيكون عليه أئمة ~~الهدى ومصابيح الدجى ونجوم الإهتداء وسفن النجاء من ذرية المسطفى صلى الله ~~عليه وآله وسلم إن مكنهم في الأرض كيف يقومون بالسنة والفرض # ثم قال عزوجل:{ ولله عاقبة الأمور} أي مرجعها إلى حكمه وتقديره، وفيه ~~تأكيد لما وعد من إظهار أوليائة. # واعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير ~~حق وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول النصرة، وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه ~~بما يجري مجرى التسلية للرسول بالصبر على ماهم عليه من أذيته وأذية ~~المؤمنين بالتكذيب وغيره فقال:{ وإن يكذبوك} يا محمد {فقد كذبت قبلهم قوم ~~نوح وعاد} قوم هود{وثمود} قوم صالح{وقوم إبراهيم وقوم لوط} {وأصحاب مدين } ~~قوم شعيب{وكذب موسى} فهذه تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم. PageV17P154 # والمعنى لست بأوحدي في التكذيب فقد كذب الرسل من قبلك أقوامهم، وكفاك بهم ~~أسوة، وإنما قال وكذب موسى ولم يقل قوم موسى لأن قومه بنوا إسرائيل لم ~~يكذبوه وإنما كذبه القبط، وشيء آخر كأنه قيل وكذب موسى أيضا مع عظم آياته ~~ووضوح معجزاته فما ظنك بغيره {فأمليت للكافرين} أي أمهلتهم ولم أعاجلهم، أي ~~مددت لهم في العمر والرزق من أملي للدابة إذا أرخى رسنها، {ثم أخذتهم} ~~بالعقوبة وقوله{فكيف كان نكير} استفهام تقرير، أي كيف إنكاري عليهم بالعذاب ~~وتغييري حيث أبدلتهم بالنعمة محنة ونقمة بالكثرة قلة وبالحياة موتا ~~وبالعمارة محرابا، ألست أعطيت الأنبيا جميع ماوعدتهم بالنصر على أعدائهم ~~وبالتمكين لهم في الأرض، فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، وأنه ~~تعالى إنما يمهل للمصلحة والحكمة، فلابد من الرضا والتسليم، ن شق ذلك على القلب. # واعلم أن بدون ذلك تحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول، فكيف بذلك مع ~~منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزد غما، فأجرى الله عادته ~~بأن نصرهم حالا بعد حال، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس ms1111 من عذاب ~~الإستيصال هلكوا. # ثم لما بين تعالى حال قوم من المكذبين أنه أمهلهم ثم أهلكهم أتبعه بمادل ~~على أن ذلك كذلك إجمالا فقال عزوجل: {فكأين من قرية أهلكناها} معنى كأين ~~التكثير مثل كم، أي وكثير من القرى أهلكناها، يريد أهلكنا أهلها {وهي ~~ظالمة} حال ظلمها بالتكذيب {فهي خاوية} أي ساقطة {على عروشها} من خوى النجم ~~إذا سقط، وخالية من خوى المنزل إذا خلى من أهله، أي القرى خالية من السكان ~~وهي قائمة العمارة تقرب عهدها بهلاك أهلها، وذلك أوحش وأكثر غبرة، وعروشها ~~سقوفها وكل مرتفع من سقف بيت، أوخيمة، أو عنب، فهو عرش، والمعنى أن عروشها ~~سقطت على الأرض أولا ثم تهدمت الحيطان عليها ثانيا. PageV17P155 # قال في الكشاف: فإن قلت ما محل الجملتين من الإعراب، أي وهي ظالمة فهي خاوية. # قلت: الأولى في محل النصب على الحال. # والثانية: لامحل لها لأنها معطوفة على أهلكناها، وهذا الفعل ليس له محل. # ثم قال {وبئر معطلة} أي وكم من بئر معطلة لايستقى منها لهلاك أهلها مع ~~أنها عامرة بالماء وآلات الإستسقاء {وقصر مشيد} أي وكم من قصر مشيد أي ~~أخلناه عن ساكنه فترك ذلك لدلالة معطلة عليه، والمعنى أنه تعالى بين أن ~~القرية مع تكلف بنائهم لها وإغطباطهم بها جعلت لأجل كفرههم بهذا الوصف، ~~وكذلك البئر الذي تكلفوها صارت معطلة بلا شارب ولاوارد، والقصر الذي أحكموه ~~بالجص وطولوه وصار خاليا ظاهرا بلا ساكن، وجعل تعالى ذلك عبرة لمن اعتبر وتدبر. # قال محمد بن القاسم عليه السلام: والمشيد العالي المشرف الرفيع المزخرف. # قال عدي بن زيد: # ....مرمرا وجلله كلتا # فللطير في داره وكور # فأخبر الله سبحانه عن القصرالمشيد الذي كان سماكيه عامر أو الماء من ~~البئر المعطلة الذي كان موردا مرة أهله، وعن تعطيلها وخرابها وزوال عامرها ~~تذكيرا بزوال الدنيا وفنائها، وتحذيرا للإغترار بسرابها، انتهى. # وقيل: أن المشيد المحصن، ومنه قول امراء القيس: # وتيمالم نترك بهاجذع نخلة # ولاأطما إلامشيدا يجندل # وروي أن هذه بئر بحضرموت نزل عليها صالح مع أربعة ألاف ممن أمن ms1112 به ونجاه ~~الله من العذاب وإنما سميت بذلك ؛ لأن صالحا عليه السلام لما حضرها مات، ~~وعند البئر بلده اسمها حاضورا بناها قوم صالح وأقاموا زمانا، ثم عبدوا صنما ~~فأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان عليه السلام فقتلوه، فأهلكهم الله وعطل ~~بئرهم وخرب قصورهم. # وقال في البرهان: والبئر المعطلة التي غار ماؤها وهلك أهلها، وإنما هذا ~~مثل ضربه الله تعالى للمؤمن النافع بالقصر المشيد للإنتفاع به وللكافر ~~الضار بالبير المعطلة التي لاتنفع، ولما كانت الرؤية الحظ العظيم في ~~الأعتبار، وكذلك استماع الأخبار. PageV17P156 # قال تعالى:{ أفلم يسيروا} أي كفار مكة {في الأرض} المهلكة بسبب الكفر ~~فيعتبروا بمسارعتهم {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} يعني يعقلون بها، فهو ~~يعتبرون بها {أو آذان يسمعون بها} أي يفهمون بها مايجب سماعه من الوحي ومن ~~أخبار القرون السالفة؛ لأن من عاين وسمع، ثم لم يتدبر ولم يعتبرلم ينتفع ~~البتة ومن تفكر بلا رؤية ولاسماع لم ينتفع، فلهذا قال سبحانه {فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} المعنى ابصارهم صحيحة لاعمى ~~بها وإنما العمى بقلوبهم. # قال في البرهان: القلوب في الصدور لايصح عليها العمى ولكن إذا لم يحفظ ما ~~ينفعها صارت بمنزلة العيون العمى التي لاينتفع في النظر، انتهى. # أو المعنى أنه لايعتد بعمر الأبصار كأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمي ~~القلوب يحتمل أنهم لم يسافر وا فحثو على السفر ليعتبروا بمصارع المهلكين، ~~ويحتمل أنهم سافروا ورأو ذلك ولكن لم يعتبروا وذكر الصدور لتكأيد ما ~~استعاره من عمي القلوب كما تقول ليس المضى بالسيف ولكنه للسانك عن سهو مني ~~ولكن تعمدا. PageV17P157 # واعلم أنه تعالى لما حكى من عظيم ماهم عليه من الكفر حكى أنهم يستهزون منهم ~~كانوا يقولون {أتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} فقال {ولن يخلف الله ~~وعده} الذي وعدكم إهلاككم، أي لن يؤخر الله عذابه عن وقته بالنظرة ~~والإهمال، إما أن يراد يوم القيامة أو عذاب الإستئصال في الدنيا، ثم توعدهم ~~بعذاب الآخرة فقال {وإن يوما عند ربك} من أيام عذابهم في ms1113 الآخرة {كألف سنة ~~مما تعدون} من أيام الدنيا وترونه عندكم كثيرا وإن ألم العذاب في يوم من ~~أيام الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا في الشدة، فكذلك النعم، ذكر معنى هذا ~~في البرهان: فيكون ذلك عباره عن كثرة الأمم وشدتها لاعن حقيقة طول مدة ~~العذاب، فبين سبحانه أنهم لوعرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما ~~استعجلوه، وأما العذاب فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه ~~بهذا الوصف لما استعجلوه، وأما الهادي إلى الحق عليه السلام: فقال المعنى ~~في ذلك أنه إخبار من الله سبحانه عن نفاذ قدرته وإمضا مشئيته وسرعة فعله ~~يخبر سبحانه أنه ينفذ في يوم واحد ماينفذه جميع الخلق إذا اعتنوا عليه في ~~ألف سنة من محاسبة المحاسبين وتوقيف الموقفين على ماتقدم منهم من أعمالهم ~~في دنياهم وحياتهم، انتهى. # قلت: وقد مر هذا المعنى له وللقاسم عليهما السلام في سورة الجرز. وقيل: ~~معناه أن وعده ليصيبهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حكيم لايعجل ومن حلمه ~~ووقاره واستقصاره المدد الطوال أن يوما عنده كألف سنة عندكم، أوكيف ~~يستعجلون بعذاب من يوم عذابه في طول ألف سنة من سنينكم؛ لأن أيام الشدائد ~~مستطالة، وعلى هذا يحتمل أن يراد بقوله ولن يخلف الله وعده إن العذاب واقع ~~بهم في الدنيا ويراد يوم بدر. PageV17P158 # عن ابن عباس وقوله وأن يوما عند ربك وعيد لهم بعذاب الآخرة كأنه قال لهم ~~عذاب في الدنيا وفي الآخرة ما هو أشد، ويحتمل أن يراد ولن يخلف الله وعده ~~بذاب الآخرة، فأما عذاب الدنيا فهو مرفوع، ثم بين شدة عذاب الآخرة بقوله ~~{وإن يوما عندربك} أولن يخلف الله وعده بالإمهال في الدنيا لأنه تعالى قد ~~وعد هذه الأمة برفع عذاب الإستئصال في الدنيا، ثم توعدهم بعذاب الآخرة، أما ~~قوله{وكأين من قرية} فالمراد وكم من أهل قرية، ومعنى كأين التكثير كمامر، ~~وقوله {أمليت لها} فهو أنظرت أهلها وأمهلتهم {وهي ظالمة} أي حال ظلمها ~~مثلكم {ثم أخذتها} بأن أنزلت العذاب بهم ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا ms1114 صاروا ~~إلي وهوتفسيرقوله سبحانه{وإلي المصير} أي إلي المرجع والمأب، أما قوله {قل ~~ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين} فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن ~~يديم لهم التخويف والإنذار وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذارفاستهزوا، وكم ~~بذلك لايغني منه. # ثم اعلم أنه تعالى لما بين للرسول أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين، ~~أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم؛ لأن الرجل إنما يكون منذر بذكر الوعيد ~~للمطيعين، والوعيد للعاصين، فقال سبحانه في شرح حال المؤمنين {فالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} ناجون من العقاب لجمعهم بين هذين الوصفين، ولذلك أخبر ~~سبحانه أن المعفرة والرزق الكريم لمن جمع بينهما بقوله{لهم مغفرة} ~~لذنوبهم{ورزق كريم} بالجنة التي هي أكرم الأرزاق، وأما شرح حال الكفار فقال ~~سبحانه:{ والذين سعوا في آياتنا} أي اجتهدوا في إبطال دلائلنا {معاجزين} أي ~~مغالين ليعجزوا رسلنا أو سعوا في معناها بالفساد حيث سموها سحرا وشعرا، أو ~~أساطير الأولين، وثبطوا عنها مقدرين أنهم يعجزونا ويفوتنا. PageV17P159 # قال في البرهان: وقرئ معجزين فمن قرأ معجزين فمعناه مثبطين في أتباع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قرأ معاجزين فمعناه متسارعين يظنون أنهم ~~يعجزون الله هربا، ثم قال {أولئك أصحاب الجحيم} ووقودها فشبههم من حيث ~~الدوام بالصاحب، أما قوله تعالى{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} فهذا ~~استدل به على اختلاف معنى الرسول والنبي وهو قول كثير من العلماء. # قال في البرهان: والرسول والنبي معناها مختلف، والرسول أعلى مرتبة من ~~النبي؛ لأن الرسول هو الذي ينزل عليه الملائكة بالوحي، والنبي هو الذي يوحي ~~له في نومه، وقيل: أن الرسول هو المبعوث بالشرائع، والنبي هو الذي يحفظ ~~الشرائع، انتهى. # ويؤيد هذا ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الأنبيا ~~فقال مائة ألف واربعة وعشرون ألفا. # قيل: فكم الرسل فقال ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا، فالرسل من جمع ~~إلىمعجزاته الكتاب المنزل عليه والنبي من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن ~~يدعوا الناس إلى شريعة من قبله، أما قوله {إلا ms1115 إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته}ومثله في البرهان. # فقال الهادي عليه السلام: معنى إذا تمنى فهو إذا قرأ، ومعنى أمنيته فهو ~~قرأته، ومعنى ألقا الشيطان فهو وسوسته التي شغل بها القارئ حتى تتخلط عليه ~~قرأته، ومعنى نسبح الله لما يلقي الشيطان فهو إذهابه له من قلب القارئ بعد ~~وقوعه فيه وشغله به إلى آخر كلامه، ومثله لجده القاسم عليهما السلام: ومثله ~~في البرهان، قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخره لاقي حمام المقادر PageV17P160 وقال في الكشاف: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لماشاقه قومه ~~ولم يبايعوه تمنى لفرط حرصه على اسلامهم أن لاينزل عليه ماينفرهم طالبا ~~لاستمالتهم إلى الإسلام فاستمر ذلك حتى نزلت سورة النجم، وهو في نادي قومه ~~وذلك التمني نفي نفسه، فأخذ يقرأها فلما بلغ ومناة الثالثة الآخرى ألقى ~~الشيطان في أمنيته التي تمناها أي وسوس إليه فسق لسانه سهوا وغلظ أن قال ~~تلك الغرانيق العلى، أو أن شفاعتهم لترتجي ولم يفطن حتى أدركه العصمة فتنبه ~~وقد نبهه جبريل، وقيل: ألقى الشيطان في أمنيته أن يتكلم بذلك فأسمعه الناس، ~~فلما سجد في آخرها سجد من كان معه في النادي وطابت نفوسهم، وكان تمكين ~~الشيطان محنة وابتلاء أزداد المنافقون بها شك والمؤمنون إيقانا، والمعنى أن ~~الأنبيا قبلك كانت عادتهم كذلك أراده امتحان من حولهم ولله أن يمتنحن عباده ~~بما شاء من صنوف المحن ليضاعف الثواب والعقاب، انتهى. # وما أحسن قول إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد بن رسول الله رحمة ~~الله عليه، في تأويلها حيث قال: جوابا لمن سأله ما صحة ما في الكشاف من ~~تفسيرها فقال عليه السلام: ما هذا لفظه. # اعلم أن التمني مصدر والأمنية وأحدة، والأماني وهي اسم من التمني وهو ~~مشترك، وكذلك الأمنية لأنها فرعه، والمراد بهما في الآية الكريمة القرائة ~~وهي أحد معانيها. # قال تعالى:{ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} أي إلاقرائة من دون ~~فهم ما أراد الله به. # وقال كعب بن مالك: # تمنى كتاب الله أول ليلة ms1116 البيت PageV17P161 أي قرأ، وبذلك فسر كثير غير جار الله وهي من واقعه، ففسره بالتمني المعروف ~~الذي هو محبة النفس لشيء غير حاصل، والصحيح الأول وسأبين لك وجهة في أثنا ~~جوابي إن شأ الله تعالى، ثم اختلفوا في تأويل ألقى الشيطان في أمنيته فذهبت ~~الحشوية وتابعهم جار الله إلى أن الشيطان لعنه الله ألقى على لسان رسول ~~الله، وحاشاه عن ذلك بعد تلاوته في سورة النجم، قوله تعالى{أفرأيتم اللات ~~والعزى، ومناة الثالثة الأخرى} قالوا كان ذلك في حال سهو كان من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم واعتذر جار الله بقوله وكان تمكين الشيطان محنة من ~~الله عزوجل وابتلاء زاد المنافقون شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا، وذلك ~~باطل؛ لأن الله سبحانه يقول {وإنا له لحافظون}وقال تعالى: {لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه} ويقول {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين}ويقول تعالى {ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون،إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}، فإذا كان كما ~~يفترون وقد تمكن أبليس لعنه الله من خلطه برجسه فإين حفظه ومتى لايأتيه ~~الباطل من بين يديه ولامن خلفه وقد تمكن عدو الله أبليس لعنه الله من حرف ~~قوله تعالى {أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى} عن أحكامها إلى ~~أبطل الأباطيل لما جعله لعنه الله صدر مدح الأصنام على لسان سيد الأنام، ~~طهرهما الله عن ذلك، ومن أين لاسلطان له على المؤمنين وقد تمكن من رسول ~~الله قدسه الله عن ذلك دس على لسانه أرجس الزور من مدح الأوثان ورسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم هو رأس المؤمنين وزعيمهم. PageV17P162 # ثم العجب من اعتذار جار الله كيف جعل كلام أبليس شبها بسور القرآن حيث أراد ~~المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا ولانعلم شيئا، كذلك إلاما ~~يقول الله تعالى {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ~~فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض ms1117 ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} وإذا كان كلامه نورا للمؤمنين ~~فقد صار صديقا لهم لما منحهم منه من اليقين الحاصل بسببه، وإذا كان صديقا ~~فما معنى قوله تعالى {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ~~ليكونوا من أصحاب السعير} فليس هوعدوا لحزبه خاصة ولوفي وقت ما فيا لله من ~~أمة ظلت عن هداتها وذهب أيمئة أهل البيت صلوات الله على جدهم وعليهم إلى أن ~~معنى الآية غير ذلك ؛ لأن الأنبيا صلوات الله عليهم لايجوز عليهم السهو ~~والغلط في مثل ذلك وإلا لم يأمن وقوعه في ساسئر الشرائع وقد وقفت على تفسير ~~لبعضهم عليهم السلام مجملا ولم أقف على تفسير حال رقمي هذا الجواب مفصلا ~~لأحد منهم وقد تأولت ذلك تأويلا مطابقا للعقل والكتاب بمالم يخرج الكلم عن ~~بعض وجوه معانيها في العربية، وذلك أن معنى قوله تعالى تمنى في الآية ~~الكريمة قرأ وألقى الشيطان وساوسه في قلوب السامعين كي يشكك عليهم لكيفروا ~~ولايقبلوا كلام الله في أمنيته، أي في قرأته، وفي للتعليل أي لأجل قرأته، ~~ومنه الحديث أن امرأة دخلت النار في هرة، وأن امرأة دخلت الجنة في كلبة، أي ~~لأجل هرة ولأجل كلبة ، ويحتمل أن في على بابها للظرفية وهي مضمن معنى شكك، ~~أي شكك أبليس لعنه الله في قرأة النبي حال إلقائه الوسواس، ومنه قول ~~الشاعر: # إذا تغنى حمام الورق هيجتني # ولو تعزيت عنها أم عمار PageV17P163 ينصب أم عمار على معنى ذكرني، وأم عمار مفعول ذكرني المضمن، ومفعول ألقى ~~على الوجهين محذوف للعلم به، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب جائز {فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان} أي يميطه وتزيله عن آياته ومن قلوب المؤمنين؛ لأن النسخ ~~لغة الإزالة، يقال نسخت الريح أثار بني فلان، أي أزلتها{ثم يحكم الله ~~آياته} أي يحفظها ويحرسها أن يعتريها الشكوك والريب فيكون على هذا معنى هذه ~~الآية الكريمة كمعنى قوله تعالى{فإذا أنزلت سورة} فمنهم من يقول {أيكم ~~زادته هذه إيمانا}...إلخ. # وإنما كانت السورة زائدة للرجس من باب المجاز المرسل ms1118 لماكان الشيطان ~~حريصا عند نزولها وعند التلاوة أن لايقبلها أحد إلامن عصم الله تعالى ليجعل ~~ما يلقي الشيطان، أي ليجعل الشيطان وساوسه وتشكيكه فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض، والقاسية قلوبهم تصرفهم تلك الفتنة عن أن يؤمنوا، وذلك من باب التنازع ~~كما يقول دعاني وأكرمني زيد والله أعلم وأحكم، انتهى. PageV17P164 # ويؤيد ماذكره عليه السلام من عدم صحة ماذكره صاحب الكشاف، قول القاضي عياض ~~فإنه قال في الشفا حديث سورة النجم تلك الغرانيق العلى إلى آخره تكفيك فيه ~~أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحاح ولارواه فقه بسند متصل، إنما أولع به ~~وبمثله المفسرون والمؤرخون والمولعون بكل غريب الملتقون من الصحف كل صحيح ~~وسقيم، ولأنه بعيد الإلتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم متخاذل ~~التأليف والنظم، وماكان صلى الله عليه وآله وسلم ولامن حضره من المسلمين ~~وصناديد المشكرين يخفى عليه ذلك ولاعلى أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حمله ~~وأتسع في باب البيان ومعرفه، فصح الكلام علمه ولو كان لوجد المشركين ~~واليهود الصولة على المسلمين وشغب المعادي، فلما لم يكن شيء من ذلك ولاشبهة ~~على مسلم كما كان في الإسراء أو القضية على بعد الفرق بينهما في الفتنة لو ~~صحت دل على إجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شايطين الأنس والجن على ~~الحديث على بعض مغفلي المحدثين ليلبس على ضعفة المسلمين، انتهى بحروفة. # ثم قال سبحانه {والله عليم} بحال من يثبت ومن لايثبت {حكيم} عدل في ~~جزائهم على حسب أعمالهم وثباتهم وزيغهم، ثم إنه سبحانه شرح تلك الوسوسة في ~~حق الكفار أولا ثم في حق المؤمنين ثانيا. PageV17P165 # أما في حق الكفار فهو قوله تعالى:{ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة} الجعل من ~~الله ذلك هو الترك والمحنة والتخلية بينه وبينهم، لأنه عزوجل لايرضى بفعل ~~الشاطين ولكنه خلاه وتركه على من تبعه من الإخوان، أما قوله {للذين في ~~قلوبهم مرض} فيعني المنافقين والشاكين؛ لأن اعتقادهم الفاسد أفة في الدين ~~شبيهة بالمرض أو المراد بالمرض هو الشك والحيرة، والحسد له صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقوله {والقاسية قلوبهم} ms1119 هم الجهال الكافرين المشركين المكذبين ~~؛ لأن قلوبهم كالحجارة في القساوة لاتلين بمواعظ الآي ولاتخشع ولاترحم ~~المسلمين، ولاتواضع {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}أي عدواة لله ولرسوله ~~وخلاف بعيد المسافة عن الإسلام، والشقاق من الشق؛ لأن كلا من المتعادين في ~~شق خلاف شق صاحبه، والمراد بقوله وإن الظالمين أي وإنهم، فوضع الظاهر موضع ~~الضمين قضائا عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة، والمعادة، والمباعدة سوأ. # وأما في حق المؤمنين فهو قوله {وليعلم الذين أوتوا العلم} والعمل وهم ~~المؤمنون {أنه الحق من ربك} وفي الكناية ثلاثة أوجه. # أحدها: أنها عائدة إلى نسخ الله ما ألقاه الشيطان عن الكلبي. # وثانيها: أنه الحق، أي القرآن هو الحق عن مقاتل. # وثالثها: أن تمكن الشيطان من الإلقاء هو الحق أي العدل والحكمة فعله ~~للإختبار والمحنتة {فيؤمنوا به} أي يزدادوا إيمانا وتصديقا، {فتخبت له ~~قلوبهم} أي تخشع وتواضع لذكر الله وتلين لاكالمشركين القاسية قلوبهم، {وإن ~~الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} أي طريق ثابت وهي أن يتأولوا ~~ماتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، فلاتزل أقدامهم عند الشبهة ويطلبوا ~~ما أشكل من المجمل عنه الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتىلاتلحقهم حيرة ~~ولاتعتر بهم شبهة. PageV17P166 # ولما بين سبحانه حال الكافرين أولا، ثم حال المؤمنين ثانيا، عاد إلى شرح ~~حال الكافرين مرة آخرى، فقال تعالى:{ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه} ~~يعني في شك من القرآن أو الرسول {حتى تأتيهم الساعة بغتة} يعني ساعة ~~القيامة. # وقيل: ساعة موتهم. # ومعنى بغته، أي فجأة من غير استعداد وهم على غفلة، ثم جعل الساعة غاية ~~لكفرهم وأنهم يؤمنون عند اشراط الساعة على وجه الإجا، أما قوله تعالى: {أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم} فقيل يوم بدر، لأنهم عذبوا فيه بالقتل. # وقال في البرهان: هو يوم القيامة، والعقيم الشديد هو الذي لامثل له ~~ولاعديل، انتهى. # فإن قيل: لم ذكر الساعة، فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم ~~التكرار. # قيل: له ليس كذلك ؛ لأن الساعة مقدمات القيامة، واليوم العقيم هو نفس ذلك ~~اليوم، وعلى أن الأمر لوكان كما قاله ms1120 لم يكن تكرار إلا أن في الأول ذكر ~~الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: العقيم هو المعقوم الممنوع من رحمة ~~الله الكريم. # وقيل: وصف يوم الحرب بالعقم؛ لأن أولاد النسا يقتلون فيه، ومنه ريح عقيم ~~لامطر فيها، أي لاينشئ سحابا ولاتلقح شجرا {الملك يومئذ لله} أي الملك كله ~~يوم تزول مرتبتهم ويؤمنون بالله وحده، والمراد أنه لامالك في ذلك اليوم ~~سواه، فهو بخلاف أيام الدنيا. # ثم أخبر سبحانه عن كيفية الحكم والقضاء بين عباده بقوله {يحكم بينهم}يعني ~~المؤمنين والكافرين، وتفسير الحكم ما بعده من ذكر الفريقين وجزاء كل منهما ~~حيث قال: {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم، والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين}. PageV17P167 # ثم اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل ~~المؤمنين الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين وأفردهم بالذكر تفخيما ~~لشأنهم فقال عزمن قائل: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا} أي ما أعده لهم من جنته وسبيل الله عام في كل ~~خير، ولما جمعتهم المهاجرة من أوطانهم في سبيل الله سوى تفضلا بين من مات ~~وقتل فيما وعد. # روي أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم قالوا ~~هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن ~~نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك، فأنزل الله تعال هاتين الآيتين ~~ولايلزم ساوى من مات في سبيل الله على فراشه ومن قتل في تفضيل الأجر، وإنما ~~والمراد تساويهم في حسن الرزق الحسن، وقد اختلف فيه فقيل هو نعيم الجنة، ~~وقال الأصم هو العلم والفهم في الدنيا وفي الآخرة الجنة، {وإن الله لهو خير ~~الرازقين} وفسر الرزق بقوله {ليدخلنهم مدخلا يرضونه} أي موضعا في الجنة ~~يرضونه لاتميل أنفسهم إلى غيره لعلوه فوق ما يظنون، وإحاطته بما لايتوهمون ~~{وإن الله لعليم} # بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم {حليم} عن تفريط ms1121 المفرط منهم كرمه. # ثم قال تعالى:{ ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به } أي الأمر ذلك كما قصصنا ~~عليك، ومعنى عاقب، أي جازى بمثل ما جنى عليه، وقوله عوقب تسمية للإبتداء ~~بالجزاء لملابسته له كما يسمى جزاء العدوان عدوانا في قوله تعالى:{ فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} للملابسة ووجهها أن أحدها بسبب. # والثاني: مسبب، فيصح أن يسمي أحدهما بالثاني. PageV17P168 # أما قوله {ثم بغي عليه لينصرنه الله} فالمعنى والله اعلم أن من اقتص فأخذ ~~مثل ما أخذ عليه في نفس أومادونها مما فيه قصاص، ثم بغي عليه المقتص منه أو ~~أوليائه بأن أخذ منه مثل ما أخذ بالقصاص الشرعي فإن الله ينصره في الدنيا ~~بأن جعل له أن يقتص ثانيا من هذا الباغي. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في قوم من المشركين قتلوا بقوم من ~~المسلمين قتلوهم بواحد فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثله، ~~فنزل قوله{ذلك بأن الله هو الحق} أي ذوا الحق وتقبلاته وطاعته طاعة ذي الحق. # ثم قال سبحانه:{ إن الله لغفور} لايلومه على الإنتصار وترك الأفضل ~~والمندوب وهو العفو لقوله تعالى {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} أو دل بذكر ~~العفو على أنه قادر على العقوبة لأنه لايوصف بالعفو إلا القادر على ضده، ~~أما قوله تعالى {ذلك بأن الله} فمعناه ذلك النصر بسبب أن الله قادر، ومن ~~أيات قدرته أنه {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أو بسبب أنه ~~خالقها ومصرفها، فلايخفى عليه ما يجري فيهما من عبادة من الخير، والشر، ~~والبغي، والإنصاف، {وأن الله سميع} بما يقولون {بصير} بما يفعلون، وقد يكون ~~ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز من المسموع والمبصر، ثم قال تعالى ~~{ذلك بأن الله هو الحق} فمعنى قوله ذلك، أي الوصف بخلق الليل والنهار ~~والإحاطة بما يجري فيهما وإدراك كل قول وفعل بسبب أن الله هو الحق الثابت ~~الإلاهية وأن كل إله سواه باطل وهو معنى قوله {وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل وأن الله ms1122 هو العلي الكبير} أي بسبب أنه لاأعلامنه شأنا ولاأكبر منه ~~سلطانا، نبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغما ~~بذلك في عبادته زاجرا عن عبادة غيره. PageV17P169 # واعلم أن الله تعالى لما دل على قدرته من قبل ماذكره من ولوج الليل في ~~النهار نبه على نعمه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته، وهي ستة. # أولها: قوله سبحانه:{ ألم ترى أن الله أنزل من السماء}. # قال بعضهم ذكروا في قوله وجوها ثلاثة. # أحدها: أن المراد هو الرؤية الحقيقية، وقالوا أن الماء النازل من السماء ~~يري بالعين، وأخضرار النبات على الأرض مرئيين، وإذا أمكن حمل الكلام على ~~حقيقه فهو أولى. # وثانيها: المراد ألم تر يخبر على سبيل الإستفهام. # وثالثها: المراد لم تعلم، والقول الأول ضعيف ؛ لأن الماء وإن كان مرئيا ~~إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على ~~العلم؛ لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم؛ لأن الرؤية إذا لم يقرب بها ~~العلم كانت كأنها لم تحصل. # أما قوله: {فتصبح الأرض مخضرة} فمعناه تصير مخصبة ذات نبات أخضر بسبب ~~الماء وقال فتصبح ولم يقل فأصبحت، ليفيد ها أثر المطر زمانا بعد زمان كما ~~يقول أنعم على فلان عام كذا، فأغدوا وأروح شاكرا. # ولوقلت: فرحت وغدوت لم يقع الموقع، ورفع فتصبح إذا لو نصب لأعطاء عكس ~~المراد؛ لأن المعنى إثبات الأخضرار فينقلب فائت ناف لشكره شاكر تفريطه، وإن ~~رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يقتضي تفضل علم الإعراب وتوقير ~~أهله، والهمزة لتقرير الرؤية فأورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة، ~~ويحتمل أنه نبه به على قدرته وأوسع نعمته، ثم قال:{ إن الله لطيف} وأصل ~~علمه إلى كل شيء من اللطافة وهو مجاز أووصل فضله إلى كل شيء أن أخذ من ~~اللطيف بالمكلف، فكل شيء منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه{خبير} بمصالح ~~الخلق ومنافعهم. PageV17P170 # الدلالة الثانية: قوله تعالى:{ له ما في السماوات وما في الأرض } خلقا ~~وملكا، فكل ms1123 شيء منقاد له غير ممتنع من التصرف {وإن الله لهو الغني الحميد} ~~المستوجب للحمد من عباده وإن لم يحمدوه فهو مستحق له. # الدلالة الثالثة: قوله سبحانه {ألم ترى أن الله سخر لكم ما في الأرض } ~~جميع ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أشد من من الحديد، ولاأكبر من هيبة من ~~النار، وقد سخرناها لكم وسخرنا لكم الحيوان أيضا حتى ينتفع بها من حيث ~~الأكل والركوب والحمل عليها والإنتفاع بالنظر إليه، فلولا تسخيره تعالى ~~الأبل والبقر من قوتها فذللها للضعيف من الناس ويتمكن منهما لماكان ذلك نعمة. # الدلالة الرابعة: قوله سبحانه{والفلك تجري في البحر بأمره } المعنى وسخر ~~السفن تجري في البحر وكيفية تسخير الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح تجري ~~بها فلولا صفتها على ماهما عليه لما جرت بل كانت تغوص، أوتقف ، فنبه تعالى ~~بذلك على قدرته ونعمته، وبأن خلق ما تعمل منه السفن، وبين تعمل وإنما قال ~~بأمره لأنه سبحانه لماكان هو المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسيطا ؛ ~~لأن ذلك يفيد تعيظيمه بأكثر مما يفيد، لوأضاف إلى فعله بناء على عادة ~~الملوك في مثل هذه اللفظة. # الدلالة الخامسة: قوله عزوجل:{ ويمسك السماء أن تقع} أي ليئلاء تقع {على ~~الأرض} أوكراهة أن تقع {إلا بإذنه } أي إلابمشيئتة وقوعها. # ثم قال {إن الله بالناس لرءوف رحيم} أي عظيم الرأفة والرحمة، والمعنى إن ~~المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدين والدينا، قد بلغ الغاية في الإحسان ~~والنعم، فهو إذا رؤف رحيم. PageV17P171 # الدلالة السادسة: قوله تعالى{وهو الذي أحياكم} يوم البعث، والمعنى أن من ~~سخرله هذه الأمور وأنعم بها عليه فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على ~~إنعامه في الدنياء بكل منا تقدم، ونبه بالإماته والإحياء الثاني على نعم ~~الدين علينا، وإلالم يكن للنعم على هذا الوجه معنى يبين ذلك أنه لولا أمر ~~الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولالركوب الحيوان وذبحها إلى غير ذلك معنى ~~بل كان يفال بخلقه ابتداء من غير تلكف للزرع والسقي، وإنما أجرى العادة ~~بذلك ليعتبر به في ms1124 باب الدين. # ولما فصل تعالى هذه النعم قال: {إن الإنسان لكفور} أي جحود لما أفاض عليه ~~من ضروب النعم وهذا كما قد تعدد المرء نعمه على ولده، ثم يقول إن الإنسان ~~لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران وبعثا له على الشكر فلذلك أورد تعالى ~~ذلك في الكفار، وبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع ~~وضوح أمرها، ولما قدم تعالى ذكر نعمه وأخبر أنه رؤف رحيم يعباده وإن كان ~~فيهم من يكفر ولايشكر لنعمه، ذكر نعمه بما كلف فقال تعالى:{ لكل أمة جعلنا ~~منسكا} متعبدا، أي شريعة هم ناسكوه، معناه دينا هم داينوه. # قال محمد بن القاسم عليه السلام: النسك هو ماتقرب بفعله إلى الله ن آدا ~~معلوم فرائضه في الدين، فليس من أمة من أمم الأنبيا عليه السلام إلاوقد فرض ~~الله عليهم شريعة منسكا يكونون فيه بطاعة الله ناسكين. # وفي البرهان: منسكا وهو الموضع المعتاد للعبادة في مناسك الحج والعمرة ، انتهى. # وقيل: المنسك هنا مايتقرب إلى الله تعالى بذبحه أو نحره، ومعنى قوله ~~تعالى {فلا ينازعنك في الأمر} أي أرم الدين وهو زجر لهم عن التعرض له ~~بالمنازعة في الدين. # وقال الزجاج: هو نهي له عن منازعتهم كما يقول لايضاربك فلان، أي ~~لاتضاربه، وهذا جائز في الفعل، الدين لايكون إلابين اثنين. PageV17P172 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هبذا نهي لهم عن منا زعة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومجادلته في الحق، انتهى. # أولا يلفت إلى منازعتهم، أي كما جعلنا الأنبيا المتقدمين شرائع ونسخ ~~بعضها بعضا، وكان الرسل بشرا كذلك أنت فلا تلتفت إلى منازعة اليهود في ~~النسخ ولاإلى منازعة قريش في استبعاد أن يكون الرسول من البشر. # وقيل: هو راجع إلى النسائك، نهي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لايلتفت ~~إلى قولهم ولايمكنهم أن ينازعوه وهم جهال لاعلم لهم وهم كفار خزاعة. PageV17P173 # روي أن بديل بن ورقاء وغيره من خزاعة قالوا للمسلمين مالكم تأكلوا ما ~~قتلتم، أي بالذبح ولأتأكلوا ما قتله الله، أي الميتة، ms1125 والمراد التثبيت له ~~صلى الله عليه وآله وسلم بما يهيج حميسته ويلهب غضبه لله، أي شرع لكل أمة ~~أن يتقربوا إليه بأن يذكروا اسمه على ماذبحوه أو نحروه ليحل لهم؛ لأن الذكر ~~شرط التذكية إلا أن ينسى أو يجهل وجوبها، وقوله هم ناسكوه، فيه إسناد فعل ~~البعض إلى الكل كقولهم قتل فلانا بنوا تميم، والقاتل واحد؛ لأن معنى هم ~~ناسكوه أي فاعلوه، وإن أريد المسلمون فظاهر، وجا هنا لكل أمة بغير واو، وفي ~~أول السورة بالواو؛ لأن تلك وقعت مع ما يناسبها من الآي الوردة في النسائك ~~فعطفت على خواتها، وأما هذه فلم يتقدمها مايقرب من معناها، فلم يحسن العطف، ~~وذكر الرازي وجها آخر وهو أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك، وقد ~~استقر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل ماعداه فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت ~~منها بقية أن تستمر على تلك العادة وألزمها أن تحول إلى معرفة ربك وعبادته ~~{إنك لعلى هدى} أي دليل رشد يهدي إلى الفوز والنجاة {مستقيم} ثابت لازيغ ~~فيه {وإن جادلوك} أي نازعوك بعد اجتهادك في الأعراض عنهم وذلك لألجاجهم ~~{فقل الله أعلم بما تعملون} أي بأعمالكم وقبحها فهو مجازيكم، وهذا وعيد ~~وإنذار لكن برفق ولين {الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون} ~~لأنه ليس بعد إيضاح الدلالة إلاهذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير ~~من حكم يوم القيامة، والخطاب للمؤمنين والكافرين، أي يفصل بينكم في الثواب ~~والعقاب، وفيه مسلاة له صلى الله عليه وآله وسلم مما يلقى منهم. # ولما أخبر تعالى بقوله{الله يحكم بينكم يوم القيامة}اتبعه بمابه يعلم أنه ~~سبحانه عالم بماسيتحقه كل أحد فيقع الحكم منه بالعدل لابالجور. PageV17P174 # فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السماء والأرض} فهذا تحقيق لعلمه صلى الله عليه وآله وسلم ومن تمام ~~التسلية، أي كيف يخفى عليك وأنت تعلم أنه يعلم جميع ما يحدث في السموات ~~والأرض {إن ذلك في كتاب} أي أن ذلك في علم ms1126 الله ولكنه ضرب الكتاب مثلا ولله ~~المثل الأعلى. # قال أبومسلم: أن معنى الكتاب الحفظ، والضبط، والشد، يقال كتبت المزد ~~أكتبها إذا أحررتها، وحفظت مافيها، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ~~مايتعذر عليه شيء، لأنه عالم الذات. # ثم أخبر سبحانه بما الكفار عيه مع عظيم نعمه ووضوح دلائله. # فقال تعالى:{ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا} أي عيه دليل ~~سمعي وهو الوحي النازل من السماء {وما ليس لهم به علم} الجاهلية إلى عبادة ~~الأصنام ولاحملهم عليها دليل عقلي، فبين سبحانه أن عبادتهم لغير الله ليس ~~مأخوذة عن دليل سمعي ولاعن عقلي، وإذا لم تكن كذلك فهو من تضليل أو جهل أو ~~شبهة، فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا. # ثم قال عزوجل {وما للظالمين من نصير} ينصرهم ويصوب مذهبهم {وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات} أي واضحات في صحة ما تدعوهم إليه {تعرف في وجوه الذين ~~كفروا المنكر} أي العبوس والأسوداد لشدة الغيظ، أي يعرف الإنكار في وجوههم ~~قبل ألسنتهم، ويجوزأ، يراد المصدر، أي الإنكار فاخبر أنهم مع جهلهم إذا ~~نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة ~~الغيظ والغضب، فلذلك قال {يكادون} أي يقاربون {يسطون} أي يبطشون ويقعون ~~{بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي القرآن،ثم أمر رسوله أن يقابلهم بالوعيد. PageV17P175 # فقال تعالى {قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار} معناه الإنكار، أي فاخبركم ~~بشرمن غيظكم على الناس وسطوتكم عليهم، بشر مما أصابكم من الضجر بسبب ماتلي ~~عليكم هو النار{وعدها الله الذين كفروا} فأعدها لهم {وبئس المصير} أي ~~المرجع الذي يصيرون إليه. # واعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم ~~ولاعلم، ذكر مايدل على إبطال قولهم بقوله تعالى {ياأيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له} سميت الصفة أو القصة الغريبتان مثلا تشبيها ببعض الامثال ~~المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة عنده؛ لأن حجج الله سبحانه عليهم بضرب ~~الأمثال لهم أقرب إلى إفهامهم وأختلف فقيل: هذا مثل للإصنام وهو أنها عاجزة ~~لايقدر ms1127 أن تخلق ذبابا وهو أصغر المخلوقات وأحقرها، بل لايقدر على مقدور ~~رأسا من مقدور أضعف العباد، وهو استنقاذ ما يسلبها الذباب، والذباب مثل في ~~القلة والحقارة، فكيف تعبدون ماهذا حاله وتعدلون عن عبادة القادر على كل مقدور. # وقال الأخفش: المعنى ضرب لله مثل، أي شبيه وهي الأوثان، فاسمعوا لصفة هذا ~~المثل هل هي كصفة الله سبحانه، ثم بينها بقوله مع أنه أحقر خلق الله ~~وأصغره، فكيف تصفوه بالإلهية التي تقتضي الإقتدار على المقدورات بخبر تعالى ~~أنه لن يفعل أحد فعله، وكيف يفعل ذلك ن ليس مثله، وإنما يكون تشابه الأفعال ~~بين النظر والأمتثال، والله سبحانه ليس يله مثل ولاشبيه، كما ليس بين صنعه ~~ولاصنع غيره تمثيل ولاتشبيه. # ثم زاد عزوجل في وصفهم بالضعف والجز فقال:{ وإن يسلبهم الذباب شيئا} ~~اختطفه منهم {لا يستنقذوه منه}لايقدرون وإن اجتمعوا على استخلاصه، وهذا أدل ~~من الأول على عجزهم وانتفا قدرتهم كأنه سبحانه قال:اترك أمر الخلق ~~والإتخاذ، أتلكم فيما هو أسهل منه فإن الذباب إن سلب منها شيئا فهي لاتقدر ~~على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب. PageV17P176 # قال في البرهان: يعني ألمه في فرض ابدانهم حتى تسلبهم الصبر عليها والوقار معها. # وقيل: في تفسير الشيء الذي يسلبهم الذباب إن اصنامهم كانت ثلاث مائة ~~وستين حول الكعبة، وكانوا يطلونها بالزعفران ورؤسها بالعسل، ويغلقون عليها ~~الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فتأكله، عن ابن عباس قال: بعضهم كأنه سبحانه ~~قال: أترك أمر الخلق والإتخاذ وأتلكم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب ~~منها شيئا فهي لاتقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذ...باب. # أما قوله: {ضعف الطالب} فقيل أراد به الأصنام لأنها تطلب خلق الذباب أو ~~الإستنقاذ منه{والمطلوب} الذباب. # وقيل الطالب الذباب يطلب استيلابها والمطلوب الاصنام، وهذا الاقرب إلى ~~الحقيقة؛ لأن الأصنام لاتكون طالبة، والأول كالتسوية بينهم وبين الذباب في ~~الضعف وفي التحقيق الطالب أضعف واضعف، لأنه جماد، والذباب حيوان. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: إن قال قائل كيف ذكر الله هاهنا مثلا ~~ثم لم يأتنا به؟ # قيل: ms1128 له إن المثل لم يضرب به فيأتي به وإنما أخبر عن جهل من ضربه وهم ~~الذين ضربوا لله الأمثال وجعلوا له الأنداد، وعبدوا من دونه الأصنام، فأخبر ~~سبحانه عن تلك الأصنام التي جعلت لله مثلا وعبدت مع الله فقال سبحانه: {إن ~~الذين تدعون من دون الله} لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ثم قال: {ضعف ~~الطالب والمطلوب} يريد ضعف وسخف فلم يعقل من طلب من غير الله طلبه أو أشرك ~~مع الله غيره في العبادات، وقوله {ضعف الطالب والمطلوب} فمعناه ضعف المطلوب ~~إليه والمرغوب إليه والمعبود دون الله على أن يعطي سائله أو يجازي بخير ~~عابده، أو يقضي له حاجة لعجزه عن ذلك وقلته أن يكون كذلك، انتهى. PageV17P177 # وفي البرهان: فإذا كان هذا هو أحقر الحيوان وأضعفه لايقدر من عبده من دون ~~الله على خلق مثله، ثم دفع أذيته، فكيف يجوز لهم أن يكونوا آلهة معبودين، ~~وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان. # ثم قال سبحانه:{ ضعف الطالب والمطلوب} يعني العابد والمعبود، انتهى. # ومعنى الكلام ضعف الطالب عن القدرة والمطلوب عن النصرة، ولما جعلوا هذه ~~الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في العبودية. # قال تعالى: {ما قدروا الله حق قدره} يعني ما عظموه حق تعظيمه ولاعرفوه حق ~~معرفته حين سموا بأسمه ما هو منسلخ عن جميع صفاته وجعلوها له شريكا {إن ~~الله لقوي عزيز} قادر غالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها له، قوله ~~تعالى:{ الله يصطفي} أي يختار {من الملائكة رسلا } مثل جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل {ومن الناس} أي من النبيين عيليهم السلام. # هذا رد لما أنكره من كون الرسول بشر، أو بيان أن رسل الله ملائكة وبشر. # ثم بين سبحانه أنه يعلم مايقولون وما يفعلون بقوله تعالى{إن الله سميع} ~~لقول عباده {بصير} بكل مبصر لايفوته مايقولون ولا ما يفعلون، فيجازيهم ~~عليه، ولذلك أتبعه بيان علمه بأحوال المكلفين ما مضى منها وما يستقبل فقال ~~عزوجل{يعلم ما بين أيديهم} ما مضى من أحوا ل المكلفين {وما خلفهم}من أمر ما ~~بقى منها. ms1129 # وقال في البرهان: ما بين أيديهم ما كان من خلق الأنبياء والملائكة وما ~~يكون بعد خلقهم ويجوز أن يكون أول أعمالهم وأخرها وما بين ايديهم من أرم ~~الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا، انتهى. # والمعنى أنه سبحانه دراك للمدركات كلها، ومن هذه الصفة لايسأل عما يفعل ~~وليس لأحد أن يعترضه في تدابيره واختبار رسله. # ثم أتبعه بقوله {وإلى الله ترجع الأمور} أي أمور الخلق كلهم، فقوله يعلم ~~مابين أيديهم إشارة إلى العلم التام. PageV17P178 # وقوله: {وإلى الله ترجع الأمور} إشارة إلى القدرة والتفرد بالإلهية والحكم، ~~ومجموعمها يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية. # واعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات، ثم في النبوات أتبعه بالكلام في ~~الشرائع فقال: {ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} أي صلوا وعبر عن الصلاة ~~ببعض أركانها. # وقيل: كان الناس أول الإسلام يسجدون بلا ركوع فأمروا بمجموعمها {واعبدوا ~~ربكم} بغير الصلاة كالصوم، والحج، والغزو. # وقيل: واعبدوا أقصدوا بصلاتكم وجه الله تعالى {وافعلوا الخير} عم بالحث ~~على سائر الخيرات، ابن عباس الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق {لعلكم ~~تفلحون} أي افعلوا هذا كله لكي تفلحوا، أو وأنتم راجون للفلاح طامعون فيه ~~غير مستيقنين ولاتتكلوا على أعمالكم، فإن الإنسان قبل ما يخلو في أدا ~~فرائضه من تقصير، وليس هو على يقين من أن الذي أتى به مقبول عند الله، ~~والعواقب مستورة أيضا وكل ميسر لما خلق له. # ثم قال عزوجل: {وجاهدوا في الله حق جهاده} أي جهادا حقا، أي في ذاته ومن ~~أجله لا لأمر آخر، وهو أمر بالغزو، وبمجاهدة النفس والهوى، والمراد ~~استفرغوا ما في وسعكم في إحيا دين الله وإقامة حقوقة بالحرب باليد واللسان ~~وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رجع من بعض الغزوات فقال: ((رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)). PageV17P179 # ثم قال سبحانه:{ هو اجتباكم} أي رفعكم وأدناكم، وقربكم إلى رحمته، واصطفاكم ~~لدينه ونصره {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي مشقة، بل فتح باب التوبة ~~للمجرمين، ms1130 ونسخ وفسح بأنواع الرخص بالكفارات والديات والأروش وغيرذلك، { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} والرخص مثل استعمال التراب عند ~~الخشية من الماء وصلاة القاعد خوف ضرر القيام، وقوله تعالى:{ ملة أبيكم ~~إبراهيم }. # قال في البرهان: هي دينة لازمة لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، انتهى. # وقيل: أراد وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، فحذف المضاف وأقام المضاف ~~إليه مقامه، ولم يكن إبراهيم أبا لكل الأمة. # قالوا لكنه لما كان أبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أبا ~~لأمته؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده. # قلت: وهذا خلاف الظاهر، فصرفه عنه بلا ملجي ولادليل لايجوز، بل هو من ~~تحريف الكلم عن مواضعه والحق الذي عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام ~~وشيعتهم رضى الله عنهم، أن المراد بهذه الآية أهل البيت عليهما السلام. # قال الإمام أبو الفتح الديلمي: في تفسيره وهذه الآية نزلت في رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان على منهاجه من عترة رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم، انتهى. # ويدل على هذا قوله تعالى:{ هو سماكم المسلمين}والضمير لإبراهيم عليه ~~السلام، أشار بذلك إلى قول إبراهيم {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ~~مسلمةلك} وقد ذكر معنى هذا زيد بن علي عليه السلام، في كتاب الصفوة. PageV17P180 # قال الإمام المنصور بالله عليه السلام: في الشافي أما قوله إن الآية واردة ~~في جميع المؤمنين فالجواب أنه ليس في الآية إلا لفظ الجميع، ومن ذكرنا من ~~ولد إبراهيم عليه السلام، يدخلهم لفظ الجمع، وكيف يقول إنها في جميع ~~المؤمنين وقد خص الله تعالى بها أولاد إبراهيم عليه السلام ومن المؤمنين من ~~ليس بولده عليه السلام وكل من قصرها على ولده عليه السلام ولم يرها نشبت في ~~جميعهم؛ لأن منهم اليهود والنصارى. # قال بأنهم أهل البيت عليهم السلام، فالقائل بخلاف ذلك مخالف للإمة في هذه ~~المسئلة، لأنه استحدث قولا لاقائل به، بل قد وقع الإجماع على خلافه، انتى. # وقد مر في مقدمة كتابنا هذا من ms1131 كلامه عليه السلام في وجه دلالة هذه الآية ~~ما يغني عن إعادته. # ومعنى {سماكم المسلمين } أي المخلصين دينهم لله وحده. # ومعنى قوله {من قبل} أي قبل القرآن في سائر الكتب المتقدمة وفي هذا ~~القرآن أي فضلكم فيه وسماكم بهذا الأسم{ليكون الرسول شهيدا عليكم} بأنه قد ~~بلغكم رسالات ربه إليكم {وتكونوا شهداء على الناس} بأن الرسل قد أبلغتهم؛ ~~لأن ذلك في كتابكم، وقد روى المنصور بالله عليه السلام: في الشافي عن الحسن ~~بن علي عليهما السلام، أنه صعد المنبر بعد وفاة أمير المؤمنين فقال: الحمد ~~لله وهو للحمد أهل، الذي من علينا بالإسلام وجعل فينا النبوة والكتاب، ~~واصطفانا على خلقه، فجعلنا شهدا على الناس، وجعل الرسول علينا شهيد، انتهى. # ثم ذكر سبحانه شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى بقوله تعالى: {فأقيموا ~~الصلاة} يعني المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجبة{واعتصموا بالله} يعني تمسكوا ~~بدين الله، وامتنعوا به. # قال ابن عباس: سلو الله العصمة عن كل المحرمات. # قال القفال: أي اجعلوا الله عصمة لكم مما تجدون{هو مولاكم} أي ناصركم ~~ومتولي أموركم {فنعم المولى} حين لم يمنعكم الرزق. # لما عصيتموه {ونعم النصير} فلا تطلبوا النصرة والولاية إلامنه فهو خير ~~مولا، وخير ناصر، والله اعلم. PageV17P181 ### || AUTO سورة الأنبياء عليهم السلام # مكية وهي مائة واثنتا عشر آية في الكوفي، إحدى عشرة آية في عدد الباقين، ~~والله اعلم. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى {اقترب للناس حسابهم } يعني مشركي مكة، أطلق اسم الجنس على ~~بعضه للدليل القائم وهو مايتلوه من صفات المشركين، والمراد اقتراب الساعة، ~~لأنها إذا اقتربت فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب، والمراد اقترب عند ~~الله؛ لأن المنية وإن طالت بعد النزول فهي عنده قصيرة، {وإن يوما عند ربك ~~كألف سنة مما تعدون} ؛ لأن كل آت قريب، أو إنما بقى من الدنيا أقصر مما ~~مضى؛ لأن المعاملة إذا كانت مؤجلة ثم انقضى منها شهر فإنه يقال اقترب الأجل. # فعلى هذا الوجه قال العلماء فيه دلالة على قرب القيامة، وعلى هذا الوجه. # قيل: أنه صلى الله ms1132 عليه وآله وسلم ختم به النبوة، كل ذلك لأجل أن الباقي ~~من مدة التكلف أقل من الماضي. # ثم وصفهم بأمرين. # أحدهما: قوله: {وهم في غفلة} بالدنيا عن حسابهم، لايتفكرون في عاقبتهم ~~معرضون، أي عن الآخرة إذا نبهوا بالآيات والنذر أعرضوا أو نفروا، أو وسدوا ~~أسماعهم. # ثم قال تعالى:{ ما يأتيهم من ذكر} طائفة من القرآن من قديم يحدثه الله ~~آية بعدآية، وسورة بعد سورة، ليكرر على أسماعهم التنبيه والمواعظ، فما ~~يزيدهم إلالعبا وتلهيا، أي ذهولا، ووصفه بالحدوث والتجديد، لأنه ادعى إلى ~~الإستماع والإتعاض معنى قوله {إلا استمعوه وهم يلعبون} أي يلهون ويشتغلون ~~بما لايفيد، وذلك عام للكفار، وزجر لغيرهم عن مثله. # ثم أكد تعالى ذمهم بقوله {لاهية قلوبهم } من لها إذا غفل، أي غافلة ~~باللهو عن الذكر ومشتغلة بالباطل عن الحق، ومنه قول امراء القيس: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول PageV17P182 أي شغلتها عن ولدها، والمراد أنهم وإن فطنوا في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم ~~يفطنوا أصلا ويثبتوا على غفلتهم عن التأمل. # قال في الكشاف: قوله {وهم يلعبون، لاهية قلوبهم} حالان مترادفان، أو ~~متداخلان، ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة؛ لأن لاهية قلوبهم خبر بعد ~~خبر، لقوله {وهم } ثم قال سبحانه:{ وأسروا النجوى} يعني التناجي، بالغوا في ~~إسرارهم، وهو الكلام الخفي، ويحتمل أن يكون المعنى اظهروه؛ لأن السر يستعمل ~~في الأمرين جميعا في الإظهار والإخفا، والإظهار يستعمل في الإخفا. # وقوله: {الذين ظلموا} بدل من المسرين، أي بيان لهم وفائدة الإعلام بأنهم ~~المشهورون بالظلم الفاحش، وجا على لغة أكلوني البراغيث، أي أسروا الخطاب ~~بينهم والمناجاة، وقالوا لعنهم الله {هل هذا إلا بشر مثلكم } يعنون محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، إنكارا منهم لمتميزه عنهم بالنبوة، أي أسروا هذا ~~الحديث واعتقدوا أن الرسول لايكون إلا ملكا، وأن مدعى الرسالة من البشر، ~~وإن جاء بالمعجز ساحر، وإن معجزته سحر، ولذلك قالوا على سبيل ~~الإنكار{أفتأتون السحر} أي تحضرونه، أي القرآن {وأنتم تبصرون} تعاينون أنه ~~سحر، أي افتعتقدون السحر وأنتم تعلمون ms1133 أنه سحر وتنحرفون إلى الباطل وأنتم ~~تعرفون الحق، أو ترتدون وأنتم بصراء بالامور، حلما. PageV17P183 # قال في الكشاف: هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى، أو أسروا هذا ~~الحديث، ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام، ولما ~~أخفوا قولهم وطعنهم في كتاب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر ~~تعالى رسوله أن يقول لهم بما هو كالجواب لما قالوه فقال سبحانه: {قال ربي ~~يعلم القول في السماء والأرض} هذا وعيد عظيم، أي هو عالم بما يتشاورون به ~~ومجازيهم عليه، ولم يقل يعلم السر؛ لأن القول يعم السر والجهر، فهو أكد في ~~بيان الإطلاع وأسروا ذلك ؛ لأن عادة المتشاورين في مهم أن لايشركوا أعدائهم ~~ويجتهدو في طي سرهم ليصلوا إلى غرضهم، وهو السميع لكل مسموع، العليم بكل ~~معلوم، فكيف تخفى عليه تناجيهم وسرهم، ولما عاد تعالى إلى حكاية قولهم ~~المتصل بقوله {هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر} قال بل قالوا اضغاث ~~أحلام هي أهاويل المنام وتخالط الأحلام. # ومنه قول الشاعر: # كضغث حلم عز منه حالمه # والأحلام كل مالم يكن لها تأويل ولاتفسير، وهي الرؤيا الكاذبة، ومنه قول ~~الشاعر: # أحاديث طسم أو سراب بفد # فدير فرق للساري وأضغاث حالم PageV17P184 ثم قالوا {بل افتراه بل هو شاعر} بل معناه الإضراب أضربوا عن قولهم هو سحر ~~إلى أنه يخالط أحلام، أي منامات رأها في النوم، ثم إلى أنه كلام مفترى من ~~عنده، أي مكذوب على الله، ثم إنه قول الشاعر، ولما فرغوا من هذه الأقاويل ~~قالوا{فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} بالآيات التي اقتروحها عليهم قومهم ~~لما لم يعتذروا بما جاء به طلبوا أية تعنتا منهم، قيل طلبوا آية مثل عصى ~~موسى وناقة صالح، ولم يعتدوا بالقرآن، فرد الله عليهم بقوله {ما آمنت قبلهم ~~من قرية أهلكناها} أي ما أمن قبلهم أهل قرية أهلكناها، يريد الذين اقترحوا ~~على أنبائهم المجزات، وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جائتهم نكثوا فأهلكهم ~~الله تعالى{أفهم } أي قومك يامحمد يؤمنون قهم أعتى من أولئك، فلو أعطيناهم ms1134 ~~مايقترحون لكانوا أنكث منهم. # قال الحسن رحمه الله: إنما لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد ~~الإجابة إلى ما اقترحه من الآيات فلابد أن ينزل به عذاب الله بالإستيصال، ~~وقد مضى حكمه في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة بخلافه، فلذلك لم يجبهم. PageV17P185 # واعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم {ما هذا إلا بشر مثلكم } بقوله سبحانه {وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} لا ملائكة، فبين أن هذه عادة الله في ~~الرسل من قبل مجئ محمد، ولم يمنع ذلك من كونهم رسلا للآيات التي تظهرت ~~عليهم، فإذا صح ذلك فيهم وقد ظهر على محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ~~آياتهم فلامقال عليه في كونه بشرا، وأما قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون} فقيل أهل الذكر أهل الكتابين أو الكتب المتقدمة من اليهود ~~والنصارى وغيرهم، قالوا وإنما أمروا بسؤالهم لأنهم كانوا موافقين لهم في ~~عداوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاسألوهم حتى يعلموكم أن رسل ~~الله ماكانوا ملائكة بل كانوا بشرا. # وقيل: المراد مؤمنهم، وقيل: علماء الإسلام؛ لأن المراد بأهل الذكر أهل ~~القرآن ؛ لأن فيه قصص الأنبيا المتقدمين، وهو معجز يعلمه المتدبر له ممن لم ~~يكابر عقله أنه من عند الله، وأهل القرآن هم أهل البيت عليهم السلام لما سيأتي. # وأما اليهود والنصارى فإنهم من أعدا الخلق لرسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم، فكيف يؤمر بسؤالهم وقد أخبر تعالى عن اليهود أنهم يحرفون الكلم ~~عن مواضعه، وأما من آمن منهم فقد ضعف بأن المشركين لايعتدون بشهادة من آمن ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم أعداؤهم. # قال في البرهان: فأسلوا أهل الذكر وهم العلماء من آل الرسول عليه وعلى ~~آله الصلاة والسلام. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: فأسلوا أهل الذكر أي أهل الرسول، ~~والذكر على وجوه شتى. # أحدها: الرسول وذلك قوله عزوجل{قد أنزل الله إليكم ذكرا، رسولا } فسمى ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا ms1135 رسولا، ثم أمر بسؤال أهله وذريته فقال: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومنعى إن كنتم فهو إذا كنتم، فقامت ~~إن مقام إذا، انتهى. PageV17P186 # واعلم أن الذي عليه أيمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم أن المراد بسؤالهم ~~وأنهم أهل الذكر، والذكر الرسول أو القرآن، وهم أهل الرسول وتراجمة القرآن. # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكلاني بإسناده إلى الحارث، قال سألت عليا ~~عليه السلام في هذه اسألوا أهل الذكر، قال والله إنا لنحن أهل الذكر ونحن ~~معدن التأويل والتنزيل، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~((أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه)) وروى أيضا ~~بإسناده عن أبي جعفر، قال نحن أهل الذكر. # وروي أيضا بإسناده إلى جابر عن محمد بن علي قال: لما نزلت هذه الآية ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. # قال علي عليه السلام: نحن أهل الذكر الذين عنانا الله جل وعلا في كتابه. # وروي روايات أخر عن أبي جعفر أيضا مثل هذا سوا، انتهى. # قلت: ويزيد هذا المعنى وضوحا قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام قوة في وصيته لأبنه الحسن عليه السلام، فإنه قال:ما لفظه، وأمركم أن ~~تسألوا أهل الذكر ونحن والله أهل الذكر لايدعي ذلك غيرنا إلا كاذب، يصدق ~~ذلك قوله عزوجل {أنزل الله إليكم ذكرا، رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ~~ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} ثم قال{فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، فنحن أهل الذكر فأقبلوا أمرنا وأنتهوا إلى ~~نهينا، فإنما نحن الأبواب التي أمرتم بأن تأتوا البيوت منها، فنحن والله ~~أبواب تلك البيوت ليس ذلك لغيرنا ولايقوله أحد سوانا، انتهى. PageV17P187 # وسيأتي إن شأ الله مزيد تحقيق لهذا في سورة النمل، ولما كانوا يقولون مال ~~هذا الرسول يأكل الطعام أجاب الله عنه بقوله سبحانه:{ وما جعلناهم جسدا} ~~يريد بدنا له لحم ودم، والجسد ما لايأكل ولايشرب، فما كان يأكل ويشرب يكون ~~نفسا، يعني الرسل أنه لم يجعلهم أجساما ms1136 جامدة لايأكلون الطعام، فيجعلك كذلك ~~بل ركب أجسامهم على الأغذية كم ركب أجسام غيرهم، ولكن حكمة الله في المأكل ~~حجة عليهم، بل هي نعمة لهم ودلالة على ربهم وإحسانهم في ذلك إليهم، وحد ~~الجنسية لإرادة الجنس، فهذا رد لذلك، ولقولهم أيضا{ما هذا إلا بشر مثلكم } ~~ونبه بذلك على أن الذي صيروا به رسلا غير ذلك وهو ظهور المعجز على أيديهم ~~وبرائتهم عن الصفات القادحة في التبليغ، وأما قولهم {وما كانوا خالدين} في ~~دارالدنيا فيحتمل أن يقولوا إنه بشر يعيش كما نعيش، ويموت كما نموت، أو ~~يقولوا هلا كان ملكا لايطعم ويخلد معتقدين أن الملائكة لايموتون أو يسمون ~~حياتهم المتطاولة خلوة، أفرد قولهم، ومعنى قوله سبحانه {ثم صدقناهم الوعد} ~~أي صدقنا الرسل في وعدنا إياهم بإنجائهم وإهلاك عدوهم، {فأنجيناهم ومن ~~نشاء} من المؤمنين{وأهلكنا المسرفين} في الكفر والمعاصي عن أممهم. PageV17P188 # ثم أخبر تعالى عن عظيم نعمته عليهم بالقرآن في الدين والدنيا فقال سبحانه: ~~{لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} يعني شرفكم وصيتكم أن تمسكتم به وعملتم ~~بما فيه كقوله {وإنه لذكر لك ولقومك} أو فيه من عظتمك التي تذكركم بالآخرة، ~~أوفيه مكارم الأخلاق التي تطلبون بها حسن الذكر كحسن الجوار والوفي بالعهد ~~وصدق الحديث وأد الأمانة، والسخا وما أشبه ذلك، ثم أنكر عليهم فقال: {أفلا ~~تعقلون} أي تستعملون العقل، وهذا حث على التدبر للقرآن، لأنهم كانوا عقلا ~~ولأن الخوف من لوازم العقل، فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الإعتراضات وكانت تلك الإعتراضات ظاهرة ~~السقوط ؛ لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه ~~معجز أو عند ذلك ظهر أن أشغالهم بإيراد ذلك الإعتراض كان لأجل حب الدنيا ~~وحب الرئاسة فيها، فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال {وكم قصمنا من قرية ~~كانت ظالمة} يريد دمرنا وكسرنا أهلها توسيعا لدلالة العقل على أنها لاتكون ~~ظالمة ولا مكلفة، ولسدلالة قوله {وأنشأنا بعدها قوما آخرين}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: القصم في اللغة ms1137 هو الكسر والحطم قال ~~الشاعر: # ألالا يعييني قصم شيء وعيني # وعييني ذووا دلاق لايمنعون الركائبا # ومعنى كم التكثير والآية واردة عن غضب شيء ؛ لأن القصم أفضع الكسر، وهو ~~الذي بين بخلاف القصم، فهو أقل منه، والقرى قيل: هي حضور اليمن، بعث إليهم ~~نبي فقتلوه فلسلط الله عليهم بخت نصر فاستأصلهم، ولعل حضور إحداهما؛ لأن ~~الظاهر الكثرة. # قيل: والمرسل شعيبى بن ذي مهدم بن المقدم بن حضور وهو صاحب المسجد الذي ~~على رأس جبل حضور يزار ويصلى فيه إلى الآن، وليس شعيب بن مدين ذكره في ~~تواريخ صنعاء، وفي الخليل الهمداني وغيرهما. PageV17P189 # ومعنى قوله عزوجل {فلما أحسوا بأسنا} وشاهدوا وسمعوا ولمسوا شدة عذابنا بما ~~سلطنا عليهم أي فلما علموه علم حسن ومشاهدة إذا منها يركضون، أي إذا هم في ~~قريتهم يركضون. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ومعنى الركض هو الأنكاص والهرب، ~~وأصل الركض تحريك الرجل على الدابة أو على الأرض معروف ذلك في لغة العرب. # قال الله عزوجل:{ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب}، انتهى. # ويحتمل أن يركبوا دوابهم ويركضوا بأرجلهم هاربين من قريتهم لما أدركتهم ~~مقدمة العذاب أو شبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين ~~لدوابهم. # ومعنى قوله {لا تركضوا} أي قالت لههم الملائكة أو الله أو من حضر من ~~المؤمنين أو هم أحقا أن يقال لهم ذلك وإن لم يقل، وأما قوله تعالى {وارجعوا ~~إلى ما أترفتم فيه} فهو من العيش الرأفة والحال الناعمة والأتراف ابطار ~~النعمة وهي الترفة، قيل ذلك لهم تبكيتا بسؤا فعلهم، وفي معنى هذه يقول ~~الهادي إلى الحق عليه السلام: هذا إخبار من الله بما كان من الكافرين ~~المجرمين عليه عند نزول العذاب عليهم وأنهم أيقنوا به وهربوا من القرية ~~ولوا مدبرين في الأرض هاربين، فأخبر الله أنه لن يغني عنهم ركضهم ولاهربهم، ~~وأن العذاب يلحقهم ويأخذهم، فقال: {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } يريد ~~ارجعوا إلى الأموال والنعم التي أترفتكم وأطغتكم وأشرتكم، ومصائبكم، يقول ~~وإلى المساكن التي ضننتم بمفارقتها وعصيتم رسلنا وتركتم الجهاد ms1138 في سبيل ~~الله محبة لها وتوقانا إليها {لعلكم تسألون} يقول لعلكم توقون على ماكنتم ~~تنكرون وتدفعون، وبه تكذبون من نزول العذاب عليكم فقد رأيتموه عيانا ~~وأبصرتموه صراحا، انتهى. PageV17P190 # وهذا تهكم بهم أي ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لتسألوا عما جرى عليكم ونزل ~~بأموالكم فتجيبوا عن علم ومشاهدة، وارجعوا إلى مجالسكم كما كنتم، وترتبوا ~~في مراتبكم حتى يسألكم عبيدكم ومن تملكون أمره فيقولوا لكم بما تأمرون وما ~~تأتي وتذر كعادة المنعمين والمخدمين أو يسألكم الواقدون عليكم يستمطرون ~~أكفكم، إما لأنهم كانوا ........أو بخلا فكان تهكما إلى تهكم، فلما رأو ذلك ~~{قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين} تكذيب الرسل نادوا بهلاكهم مقرين حيث ~~لاتنفع التوبة {فما زالت تلك دعواهم } يعني ما تقدم ذكره من قولهم ياويلنا ~~إنا كنا ظالمين. # وفي الكشاف: ما كان أمتناعهم وتضرعهم إلا الدعا بالويل والدعوا بمعنى ~~الدعا، وقوله تلك إشارة إلى ياويلنا لأنها دعوى كناية كما قيل فما زالت تلك ~~الدعوى دعواهم. # قال فيه فإن قلت لم سميت دعوا؟ # قلت: لأنهم دعوا الويل فقالوا يا ويلنا؛ لأن المولول كأنه يدعوا بالويل ~~فيقول تعالى فهذا وقتك. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى دعواهم أي علتهم وما يدعون من ~~الزور والبهتان، انتهى. # قال الفسرون: لم يزالوا يكرروا هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك حتى أهلكهم ~~الله وأبادهم كما قال تعالى:{ حتى جعلناهم حصيدا خامدين} أي بالعذاب والحصد ~~قطع الإستئصال كحصادي الزرع المحصود والمخمود الهمود كخمود النار إذا طفيت ~~أي أمواتا هامدين ساكنين غير متحركين، قال الشاعر: # أسفر وجهي وانجلا غباره # واستوقدت بعد خمود ناره # والمعنى أنه سبحانه شبههم في استئصالهم لهم بالزرع المحصور والنار التي ~~خمدت أي سكن لها وصارت رماد، أي جعلناهم جامعين لمما ثلة الحصيد والخمود، ~~فالمفعولان في حكم المفعول الواحد كجعلته حلوا حامضا، والمراد أنهم هلكوا ~~بذلك العذاب حتى لم يبق لهم حس ولاحركة وجفوا كما يجف الحصاد وخمدوا كما ~~تخمد النار. PageV17P191 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه أهلك كثير من أهل القرى لأجل تكذيبهم أتبعه ~~بما يدل على ms1139 أنه فعل ذلك عدلا منه ومجازاة على مافعلوا فقال سبحانه: {وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما} من أصناف الخلائق وما فيهما من العجائب ~~{لاعبين}أي ماسوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع وما بينهما من ضروب ~~البدائع كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهوا واللعب، وإنما سويناها ~~للنظرة والإعتبار مع مايتعلق بها من منافع العباد العاجلة وتعريضهم لمنافع ~~الآخرة. # ثم قال سبحانه وتعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا} أي من ~~جهت قدرتنا لكن الحكمة صارفة، وإلا فإنا قادرون، واللهو واللعب بمعنى وهو ~~مالايفيد. # وقيل: أن اللهوا يراد به المرأة والولد، لأنهما مما يلهى به وهو رد على ~~النصارى حيث زعموا في مريم والمسيح مازعموا، ورد على اليهود حيث زعموا أن ~~عزير بن الله وقوله {من لدنا} من الحور العين، أو من الملائكة كذا في ~~التجريد ونحوه في البرهان. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لوكنا نلهوا أونشتهي لكنا ~~مثلكما نتخذ اللهوا من عندنا، ولو كان كذلك ماخلقنا ولادبرنا، وأما قوله ~~{إن كنا فاعلين} ففيه وجهان. # أحدهما: أن أن نافية وهو الذي في البرهان: أي ماكنا فاعلين. # وثانيهما: أنها شرطية أي أن أردنا فعل ذلك لكنا لانفعل {بل نقذف} أي نرمي ~~{بالحق على الباطل فيدمغه} يعني نهلكه كالمشجوج دماغه في أم رأسه لهلاكه، ~~وهذا مثل ضربه الله بالدمغ لامن دمع وجب أن لايجي ولايرتفع ولايبقى. # ومعنى بل الإضراب عن اتخاذ اللهوا والتنزيه لذاته. PageV17P192 # كأنه قال سبحانه: أن تخذ اللهوا واللعب بل عادتنا وحكمتنا أن نغلب اللعب ~~بالجد وندحض الباطل بالحق، واستعار لذلك الدمغ والقذف تصورا لإبطاله كأن ~~الحق شيء صلب رمى به على رخو أجوف فدمغه {فإذا هو زاهق} أي زائل ساقط هالك. # ثم ععاد عليهم بالويل وهو الهلاك من أجل ما يقولون ويصفون به الله من ~~اتخاذ الولد والصاحبة فقال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {ولكم الويل مما ~~تصفون} مما لايجوز عليه وعلى حكمته. # واعلم أنه تعالى لما نفى اللعب عن نفسه ونفي اللعب لايصح إلا بنفي ~~الحاجة، ms1140 ونفي الحاجة لايصح إلا بالقدر التامة، لاجرم عقب الآية بقوله تعالى ~~{وله من في السماوات والأرض} لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. # قال الرازي: والأقرب أنه لما حكى كلام الطاعنين في الثواب وأجاب عنها ~~وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وتمرد الإنقياد بين في هذه الآية أنه ~~تعالى منزه عن طاعتهم لأنه المالك لجميع المخلوقات، ولآجل أن الملائكة مع ~~جلالتهم مطيعون له خائفون منه بالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه ~~فالمراد من قوله له مافي السموات والأرض أنه خلق ذلك وهو غني فلا تجوز عليه ~~الصاحبة والولد لغناه، ولأنه لو جاز ذلك عليه لكان جسما، ولو كان جسما ~~لامتنع أن يخلق السموات والأرض وما فيهما؛ لأن الجسم لايقدر على ذلك، {ومن ~~عنده}من الملائكة{لا يستكبرون} يعني لايستنكفون ولايغنون عن عبادته ~~ولايتركونها كما يفعل من دونهم في الشرف، وإنما وصفهم بالعندية لأمرين ~~مجازين. # أحدهما: التمثيل لكرامتهم بحال من يكون عند الملك من خواصه بمكان أي ~~بمنزلة شريفة عنده، فهذه العندية عندية الشرف والرتبة لاعندية المكان ~~والجهة، فكأنه قال الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالهم لايستكبرون عن ~~طاعته، فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته. PageV17P193 # وثانيهما: أن يكون على حذف مضاف أي عند سمواته أو عند أوامره ونهيه ومن ~~عنده مبتداء خبره لايستكبرون {عن عبادته ولا يستحسرون} عنها ولايضعفون عن ~~دوامها. # قال في البرهان: يعني لاينقطعون مأخوذ من الحسر وهو التغير والإنقطاع ~~بالإعيا كما قال الشاعر: # بها جيف الحسر فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # قال في الكشاف: فإن قلت الإستحسار مبالغة في الحسور، وكان الأبلغ في ~~وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. # قلت: في الإستحسار بيان إنما هم فيهم يوجب غاية الحسور وأقصاه وأنهم ~~أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون، انتهى. # ثم وصفهم تعالى بدوام التسبيح في جميع أوقاتهم فقال {يسبحون الليل}اي ~~بالليل {والنهار } ولاكن العرب يجدوا بحذف البا فيبقى الأسم كالمفعول، قال ~~الشاعر: # وبقيت الليل طولا لم أنم # وإنما بقيت بالليل ومعنى {لا يفترون} فهوا دائم لايملون ms1141 لا تخلله فترة ~~بفراغ أو شغل آخر. # واعلم أن الكلام من أول السورة إلى هاهنا في النبؤات وما يتصل بها من ~~الكلام سؤالا وجوابا، وأما قوله تعالى:{ أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون} الآيات إلى قوله {لا إله إلا أنا فاعبدوني} فإنها في بيان التوحيد ~~ونفي الأضداد والأنداد. # قال في الكشاف: أم هاهنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل، والهمزة قد آذنت ~~بالأضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها والمنكر اتخاذهم آلهة من الأرض يعني ~~الأصنام هم يبشرون الموتى، ولعمري أن من أعظم المنكرات أن يبشر الموتى بعض ~~الموات. # فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة ينشرون وهم ما كانوا يدعون ذلك ~~لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى وأنهم كانوا مع إقرارهم لله ~~بأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث ويقولون من يحي العظام وهي رميم ~~فكيف يدعونه للجماد الذي لايوصف بالقدرة. PageV17P194 # قلت: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها ولابد للعبادة من فائدة هي الثواب فأقدامهم ~~على عبداتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب ~~والعقاب فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم يعني إذا كانوا غير قادرين على أن ~~يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة. # وأما قوله من الأرض فقال في البرهان: يعني مما خلق من الأرض هم ينشرون أي ~~يخلقونا ويحيون بعد الموتى، ويقال أنشر الله الموتى فنشروا مأخوذ من النشر ~~بعد الطي، قال الأعشى: # حتى يقول الناس مما رأوا # ياعجبا للميت الناشر # والمعنى أن الأله هو يبتدع الخلق ثم يعيده وينشره بعد موته ولايشاركه في ~~هذه الصفة غيره فهل وجدوا هذه الصفة في آلهتهم التي من الأرض مختصة بهم دون ~~غيرهم وفيه تهكم بهم. # ثم بين امتناع تعدد الخالق المعبود فقال سبحانه {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} أي هلكتا ؛ لأن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يقع بينهما من ~~التغالب والتناكر والإختلاف وإلا المعنى غير أي لو كان فيهما آلهة مغايرة ~~لله تعالى، والله تعالى واحد والمتعدد مغاير للواحد، والمعنى لو تعددت ~~الآلهة ms1142 لفسدت السموات والأرض أي لاختل نظامها لوقوع التمانع فكان يريد أحد ~~الآلهة وجود شيء ويريد الآخر عدمه فيقع التمانع على ماهو محرر في علم ~~الكلام، والمقصود بهذا الكلام إبطال عبادة غيره عن أن يكون إلها لعجزه عن ~~قدرة الله. # ثم أنه سبحانه لما أقام الدلالة على التوحيد قال بعده {فسبحان الله رب ~~العرش عما يصفون} أي هو منزه لأجل هذه الأدلة عن وصفهم بأن معه إلها. # قال الرازي: لقائل أن يقول أي فائدة لقوله {فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون}ولولم يكتفي بقوله فسبحان الله عما يصفون جوابه أن هذه المناظرة إنما ~~وقعت مع عبدة الأصنام إلا أن الدليل ألذي ذكره الله تعالى بعم جميع ~~المخالفين، انتهى. PageV17P195 # وأما العرش فالمفهوم من لغة العرب أنه حقيقة في الشيء المعروش أي المرفوع ~~بداعئم ونحوها. # قال تعالى: { جنات معروشات وغير معروشات } وأنهم إنما أطلقوه على الملك ~~والعز مجاز أو بدل على ذلك قولهم ثل عرشه وهدم عزه مما يلائم الشيء المرفوع ~~وهم لايريدون إلا الملك والعز والله أعلم. # فالعرش عبارة عن ملك الله سبحانه والكرسي عبارة عن علمه تعالى والإضافة ~~في قوله تعالى رب العرش مثلها في قوله جل وعلا رب العزة أي مالك الملك ~~ومالك العزة وصاحب الملك وصاحب العزة، ومالك الشيء ورب الشيء سوا في المعنى ~~فالعرش أسم يدل على الله ؛ لأن العرش من صفات الملك وليس هو عرش مخلوق إنما ~~هو أسم من أسما الملك يدل على ملك الله سبحانه وإنما مثل الله علوه على ~~جميع الأشياء وإحاطته بها، هذا معنى ماذكره القاسم والهادي عليهما السلام. # قال تعالى {لا يسأل عما يفعل} يعني لايسأل الخالق عن فعله في خلقه لأنه ~~لايفعل إلا العدل أي لايعترض فعله لأنه حكمة وصواب إذا كان عادة الملوك ~~والجبابرة أن لايسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم من تدبير ملكهم تهيبا ~~وإجلالا مع جواز الخطا والزلل وأنواع الفساد كان ملك الملوك ورب الأرباب ~~أولى بأن لايسأل مع ما علم واستقر في العقول من أن فعله كله حكمة ms1143 ومصلحة ثم ~~قال {وهم يسألون} أي العباد لأنهم مملوكون خطاؤن فهم أحقا بأن يقال لهم لم ~~فعلتم كذا في كل ما فعلوه. PageV17P196 # واعلم أنه سبحانه كرر قوله تعالى {أم اتخذوا من دونه آلهة} استعظاما ~~لنسيانهم وكفرهم أي وصفهم الله بأن له شريكا، ثم قال سبحانه:{ قل هاتوا ~~برهانكم } أي وصفتم الله بالشرك فهاتوا برهانكم أي حجتكم على الشركا من ~~العقل أو من الوحي فإنكم لاتجدون كتابا من كتب الأولين إلا وتوحيد الله ~~وتنزيهه عن الآنداد مدعو إليه، والإشراك به منهي عنه فإنه سبحانه لما ذكر ~~التوحيد أولا وقرر الأصل الذي عليه تخرج شبهات القائلين بالآلهة. # ثانيا: أخذ يطالبهم بذكر شبهتهم. # ثالثا: أما قوله {هذا ذكر من معي} قالمراد به الوحي الوارد في معنى توحيد ~~الله سبحانه ونفي الشركا عنه كما ورد على جميع الأنبياء. # ومعنى ذكر من معي أي موعظتهم يعني أمته لما يلزمهم من الحلال والحرام ~~{وذكر من قبلي} من الأمم ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك، ويجوز هذا ذكر من ~~معي من إخلاص التوحيد في القرآن وذكر من قبلي في التورية والإنجيل، والمعنى ~~هذا القرآن وهذه كتب الأنبياء تشهد بخلاف ما يزعمون. # واعلم أنه سبحانه لما طالبهم بالدلالة على ما ادعوه وبين أنه لادليل لهم ~~عليه من جهة العقل ولامن جهة السمع قال تعالى:{ بل أكثرهم لا يعلمون الحق ~~فهم معرضون} أي بل عندهم أصل الشر والفساد كله وهو الجهل وعدم التمييز بين ~~الحق والباطل، فمن ثم جاهد الإعراض عن الحق بسبب ماهم عليه من داء الجهل. # وأما قوله تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدوني} فهذه الآية مقررة لما سبقها من آيات التوحيد. # واعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزها عن الشريك والضد ~~والربوبية أردف ذلك ببرأته عن إيجاد الولد فقال تعالى: {وقالوا اتخذ ~~الرحمان ولدا} نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. PageV17P197 # ثم أنه تعالى نزه نفسه عن ذلك بقوله {سبحانه}أي بعدا له عن الولد، ms1144 ولما نزه ~~سبحانه نفسه عن الولد أخبر عنهم فقال {بل عباد مكرمون} أي ليس الملائكة ولد ~~الله بل عباد له، والعباد جمع عبد والعبودية تنافي الولادة، ومعنى مكرمون ~~أي مفضلون على سائر العباد أو مقربون عنده لما خصوا به دون غيرهم من ~~الأحوال ولذلك اغتر من زعم أنهم اولاد. # ثم قال تعالى: {لا يسبقونه بالقول} أي لايقولون شيئا حتى يقوله. # فقولهم تابع لقوله وهو كناية عن كمال الطاعة {وهم بأمره يعملون} أي ~~لايعملون عملا مالم يؤمروا به. # ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال: {يعلم ما بين ~~أيديهم} أي ما قدموا من الأفعال {وما خلفهم } ما أخروا منه وكلما يأتون ~~ويذرون بعين الله تعالى فيجازيهم عليه. # والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات علموا كونه ~~عالما بظواهرهم وبواطنهم، وكان ذلك داعيا لهم إلى نهاية الخضوع وكمال ~~العبودية. # والمعنى أنهم يتقلبون تحت قدرته وملكوته وهو محيط بهم. # وإذا كانت هذه حالهم فكيف يستحقون العبادة وكيف يتقدمون بين يدي الله ~~ويشفعون لمن لم يأذن الله فيه، ثم كشف عن هذا المعنى فقال سبحانه: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى} أي لايملكون أن يشفعون إلا لمن ارتضاه الله وأهله ~~للشفاعة في إزدياد الثواب في التعظيم، وهو رد لقول من يعبد الملائكة ويزعم ~~أنها تشفع لهم عند الله. # ثم قال تعال{وهم من خشيته مشفقون} خائفون حذرون من أن تفرط منهم فرطة فلا ~~يأمنوا مكر الله. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه رأى جبريل عليه السلام: ليلة المعراج ~~ساقطا كالحلس من خشية الله والحلس خرقة تجعل تحت وقا البعير، وخوف الملائكة ~~خوف وهيبة تعظيم لربهم واستقصار لعبادتهم، والمراد أنهم عباد معترفون ~~بالعبودية. PageV17P198 # ثم بين تعالى أنهم مع عظيم خوفهم وقرب درجتهم لو ادعوا الألهية كما يدعيها ~~لهم قوم من المشركين لعذبهم بجهنم فقال سبحانه:{ ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه} أي الله فيدعي لنفسه ما ادعاه المشركون {فذلك نجزيه جهنم} هذا تفظيع ~~لأمر الشرك وتعظيم لشأن التوحيد وإلا ms1145 فقد علم أنه لايكون منهم. # ومعنى قوله {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء {نجزي الظالمين} دلت الآية على أن ~~كل ظالم يجزيه الله جهنم كما توعد الملائكة، وذلك يوجب القطع على أنه تعالى ~~لايغفر لأهل الكبائر في الآخرة حيث ماتوا على غير توبة، خلاف مايدعيه ~~الرازي لأصحابه المجبرة. # ثم اعلم أن الله سبحانه شرع في ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع فذكر ~~سته أنواع من الدلائل. # النوع الأول: قوله تعالى {أولم يرى الذين كفروا} أي يعلموا {أن السماوات ~~والأرض كانتا رتقا ففتقناهما}. # قال الرازي: قرأ ابن كثير أو لم يرى بغير واو، والباقون بالواو وإدخال ~~الواو يدل على العطف لهذا القول على أمر تقدمه، وهذه الآية أيضا دالة على ~~كونه منزها عن الشريك، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم ووجود ~~الإلهين يقتضي وقوع الفساد، فهذه الدلائل تدل من هذه الجهة على التوحيد ~~فيكون كالتوكيد لما تقدم وفيها أيضا رد على عبدة الأوثان من حيث أن الإله ~~القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته ~~إلى عبادة حجر لايضر ولاينفع، فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، وأما ~~المعنى فاختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال. # أحدها: وهو قول الحسن وقتادة، وسعيد بن جبير، ورواية عن عكرمة عن بن عباس ~~أن المعنى كانتا شيئا واحدا مرتوقين كالسماء لاصقة بالأرض لا فضا بينهما، ~~والرتق بسكون التا مصدر وصف به، وبفتح التا صفة لشيء مقدر أي كانت شيئا ~~رتقا، والرتق السد، والفيق الشق. PageV17P199 # قال عبد الرحمن بن حسان: # يهون عليهم إذا يغضبون # سخط العداوة وإرغامها # ورتق الفتون وفتق الرتوق # ونقض العداة وإبرامها # وقال تعالى:{ كانتا } ولم يقل كن ؛ لأن المراد جماعات السموات وجماعة ~~الأرض، والهمزة لتقرير رؤيتهم وتحقيقها، ولم يروها مرتوقتين، لكن لما كان ~~واردا في القرآن الذي هو معجز في نفسه قام مقام المرئي المشاهد وأنهم ~~رأوهما كذلك، أو ان تلاصق الأرض والسماء وما بينهما جائز في العقل فلابد ~~للتباين دون التلاصق من ms1146 مخصص وهو القديم تعالى. # وثانيها: وهو قول صالح، ومجاهد أن المعنى كانت السماوات متلاصقان لافرج ~~بينهن، وكذلك الأرضون ففتقناهما أي ففتحناهما ورفعنا ما بينهما فجعلت سبع ~~سموات، وكذلك الأرضين. # وثالثها: وهو قول بعض ائمتنا عليهم السلام: أن المراد ففتقناهما بالمطر ~~في السماء والنبات في الأرض وكانت السماء لاتمطر والأرض لاتنبت، ومثل هذا ~~في البرهان. # قال الرازي: وهو قول ابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين أن السماوات ~~والارضين كانتا رتقا باالإستواء والصلابة ففتق الله السماء للمطر، والأرض ~~للنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى {والسماء ذات الرجع، والأرض ذات ~~الصدع}ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله تعالى بعد ذلك{وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي} وذلك لايليق إلا وللماء تعلق بما تقدم ولايكون كذلك ~~إلاإذا كان المراد ما ذكرنا، انتهى. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام: إن قال قائل كيف كانتا مرتوقتين وما ~~الرتق وكيف فتقنا وما الفتق؟ PageV17P200 # قيل: له إن الله تبارك وتعالى الخالق لكل شيء والمصور له، والمدبر خلق ~~الماء والهواء، والنار، والرياح، فابتدع هذه الأربعة الأشياء ابتداعا ~~وانتزع تكوين تصويرها انتزاعا من غير ما أصل كان موجودا مع الواحد الرحمن، ~~بل هو الواحد الأحد الموجد لكل ما يوجد، فخلق تبارك وتعالى هذه الأشياء ~~طبائع مختلفة متضادة غير مؤتلفة فجعلها أصولا لكل ما خلق وبراء، وهذا ~~المعنى الذي به تكلمنا ذكر ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله ~~عليه قال: فلما أن خلق الله تبارك وتعالى الماء والرياح أوحى إلى الرياح ~~بأن تصفق وتهيج غوارب الماء وأمواجه فهجت أمواجه وزعزعت ساكنه فارتعدت ~~غواربه فتراكم زبده وعظم أمره. # ثم أوحى الله إلى النار فأحرقت ذلك الزبد فثار منه دخان فصعد في الهواء ~~وبقي حراقه الزبد على ظهر الماء جفا، فخلق تبارك وتعالى الأرض من تلك ~~الحراقة حراقة الزبد، وخلق السماوات من ذلك الدخان كما قال سبحانه {ثم ~~استوى إلى السماء} وهي دخان {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين} فقد يمكن أن يكون معنى قوله ففتقناهما هو ميزناهما من ms1147 أصل ~~واحد وخلقناهما فجعلنا السماء من دخان ذلك الشيء والأرض من حثالته، فهذا ~~عندي من أحسن ما أرى فيه من القول والله سبحانه أعلم. # وبذلك جل جلاله أحكم ولا أتوهم أنه يصح قول خلاف هذا يثبت على المطالبة ~~ويمكن في المظارة، انتهى. # النوع الثاني من الدلائل: قوله تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي}. # قال في البرهان:يعني خلق كل حيوان يدب على الأرض أو يتحرك بشيء من ~~الأشجار من الماء وجعل حياته منه وحفظ صحته. PageV17P201 # قال في الكشاف: أن يعدي جعلنا إلى مفعول واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل ~~حيوان كقوله {والله خلق كل دابة من ماء} فما من حيوان إلا وأصله من ماء ~~النطفة، أو كأنما خلقنا من الماء لفرط احتياجه إليه وقلة صبره عنه لقوله ~~تعالى{خلق الإنسان من عجل} وأن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء في سبب ~~من الماء لابد له منه، وقرئ حيا وهو المفعول الثاني. # أما قوله {أفلا يؤمنون} فتقديره أيشركون فلا يؤمنون أي لايصدقون بما ~~يشاهدون مع رؤيتهم ما يوجب الإيمان. # النوع الثالث: قوله تعالى{وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالا راسية ثابته ~~ترسيها أي تسكنها من الإظطراب، والرواسي إنما سميت بذلك لرسو الأرض بها، أي ~~لثباتها {أن تميد بهم} معناه ؛ لأن لاتميد بهم وتحرك وتسيركما قال الشاعر: # كمتخذ البناء على كثيب # يميد به إذا هطل السحاب # فحذف لاوالام الأولى، وإنما جاز حذف لا لعدم الإلتباس كما قريئ ذلك في ~~قوله لئلا يعلم أهل الكتاب، وقيل: كراهة أن تظضرب ولا تسكن وكانت قبل ~~الجبال تضطرب. # النوع الرابع: قوله تعالى {وجعلنا فيها فجاجا سبلا } أي طريقا واسعة ~~وانتصابها على الحالية لتقدمها على سبيل الموصوف كقوله: # لعزة موحشا ظل قديم # والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسعة بين جبلين. # قال الكميت: # تضيق بها الفجاج وهي قبيح # وتظهر مابها السلم الدفينا # وأما قوله {لعلهم يهتدون} فالمراد لكي يهتدو إلى طريق بلادهم للمسير فيها ~~لمنافعهم ؛ لأن الشك لايجوز على الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى يعتبرون ~~فيوديهم الإعتبار إلىالهداية ms1148 وأمر الدين من توحيد الله تعالى. PageV17P202 # النوع الخامس: قوله تعالى{وجعلنا السماء سقفا محفوظا } يعني مرفوعا محروسا ~~أن يقع على الأرض، أو محفوظا بالشهب أن تسمع الشياطين لما يلقى على ~~الملائكة {وهم عن آياتها} أي دلالاتها على الصانع الحكيم ووحدانيته ~~{معرضون} عن ماوضع فيها من الدلالة والعبر بالشمس والقمر، والنجوم، وسائرها ~~وطلوعها وغروبها على الحساب القويم الدال على الحكمة البالغة، والقدرة ~~الباهرة. # النوع السادس: قوله تعالى:{ وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل ~~في فلك يسبحون} يعني الشمس والقمر والسباحة لاتصح في الليل والنهار والشمس ~~واحدة، والقمر واحد، لكن أراد جنس الطوالع كل يوم وليلة فجمع بإعتبار ~~مطالعها، ولذلك قالوا شمس وأقمار. # قال الرازي: لايجوز أن يقول {كل في فلك يسبحون}، إلا ويدخل في الكلام مع ~~الشمس والقمر النجوم ليتم معنى الجمع، ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن ~~مذكورة أولا كأنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها. # قال في الكشاف: كل التنوين فيه عوض من المضاف إليه أي كلهم في فلك ~~يسبحون، والوافي يسبحون للعقلاء وجيئ بها للوصف بفعلهم وهو السباحة، وهي ~~السعي في المنافع على نظام مستقيم، والفلك موضع سيرها لكل منها فلك، لكن ~~أكتفى بما يدل على الجنس اختصارا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا، أي ~~كل واحد منهم. # قال في البرهان: والفلك هو الفلك المستدير الدائر بما فيه من الشمس ~~والقمر والنجوم، قال الشاعر: # باتت تناجي الفلك الدوارا # والفلك دورة كدورة الرحي وهي استداره في السماء تدورفيها النجوم، انتهى. # وللمفسرون في الفلك أقوال. # أجودها: ما قدمناه في سورة يس عن بعض أئمتنا عليهم السلام، وأما غيرهم ~~فلهم فيه أقوال مختلفة. PageV17P203 # فقيل: هو شيء يكون النيرات موضوعة فيه وهو جسم مستدير يدور على السماء ~~والأرض فيكون فوق السماء وتحت الأرض، والسماء جوهرية، فلذلك لا تحجب ~~النيرات عن الأرض. # وقيل: بل هذا الفلك تحت السماء بينهما وبين الأرض وتحت الأرض. # وقيل: الفلك موج مكفوف تسير فيه النيرات تحت السماء، ولذلك وصفها بالسبح ~~وهو المسير في الماء، وحكى بن الجوزي ms1149 أن الفلك ساقية مستديرة دون السماء ~~وتحت الأرض، فا لأرض وسطها والشمس، والقمر، والنجوم، والليل، والنهار، ~~والفلك يديرها. # وقيل: الفلك هو جريها المستدير ؛ لأن الفلك في اللغة يطلق على كل شيء ~~مستدير، ومنه فلكة المغزل، قالوا والنيرات تدور في السماء من غير أن تكون ~~لها محل آخر، وظاهر الآية أن لكل من الشمس، والقمر، والنيرات، فلكا منفردا، ~~وأهل الأخبار يزعمون أن الأفلاك سبعة، قاله في التجريد. # واعلم أنه سبحانه لما استدل بالأشياء الستة التي ذكرناها وكانت تلك ~~الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الأشياء جعلها ~~لذلك لا لتبقى وتدوم أو تبقى فيها من خلقت الدنيا له بل خلقها سبحانه ~~للإبتلاء والإمتحان ولكي يتوصل بها إلى الآخرة التي هي دار الخلود، فقال ~~تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } يريد البقى الدائم وسموا بني آدم ~~بشرا لظهور بشرتهم بلا شعر يسترها، بخلاف البهائم، أما قوله {أفإين مت فهم ~~الخالدون} قكانوا يقدرون موتة فيشتمون بموته، فنفى الله عنه الشماتة بأن ~~لايخلد في الدنيا بشرا فلا أنت ولاهم إلاعرضة للموت فإن مت أنت فلايبقى ~~هؤلاء، وفي معناه قوله: # فقل للشامتين بنا أفيق # سيلقى الشامتون كما لقينا # ومعنى قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} أي طاعمة لمرارته. # قال الرازي: المراد منه هاهنا مقدماته من الآلام العظيمة ؛ لأن الموت قبل ~~دخوله في الوجود فمنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتا، والميت لايدرك شيئا. PageV17P204 # وأما قوله تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة }، فألابتلاء لايتحقق إلا مع ~~التكليف، فالآية دالة على حصول التكليف بما يحبون وما يكرهون، وبالشدة ~~والرخاء ليعلم شكركم عل ما تحبون وصبركم على ما تكرهون، والمعنى نختبركم ~~بما يجب فيه الصبر من البلاء وبما يجب فيه الشكر من النعم والله أعلم بما ~~سيكون، لكنه في صورة الإبتلاء ، وقوله {فتنة} مصدر مؤكد ليبلوكم من غير ~~لفظة لأنه بمعناه، وأما قوله {وإلينا ترجعون} فمعناه إلى جزآئنا في الآخرة ~~وحكمنا، فنجازيكم على حسب ما يؤخذ منكم في الصبر والشكر، بين بذلك بطلان ms1150 ~~قولهم في نفي البعث والمعاد، ثم رجع إلى تهجين كفرهم فقال تعالى {وإذا رآك ~~الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا} أي يهزؤا بك. # قال السدي ومقاتل نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم وكان أبو سفيان مع أبو جهل فقال أبوجهل لأبو سفيان: هذا نبي بني عبد ~~مناف، فقال أبو سفيان وما ينكر أن يكون نبيا في بني عبد مناف، فسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال لأبي جهل: ((ما أراك تنتهي حتى ينزل ~~بك ما نزسل بعمك الوليد بن المغيرة، أما أنت يا أبو سفيان فإنما قلت الذي ~~قلت حمية، فنزلت هذه الآية)). PageV17P205 # ثم فسر الله تعالى ذلك بقوله: {هذا الذي يذكر آلهتكم} أي يذمها، والذكر ~~يكون بخير وبخلافه فإن نسب إلى صديق فهو مدح وإن نسب إلى عدو فهو ذم، وهو ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدوا آلهتهم، فإذا دلت الحال على احدهما حمل ~~عليه ، ومعنى: {وهم بذكر الرحمان} أي بما بجب أن يذكر من الوحدانية {هم ~~كافرون} لا يصدقون به أصلا نحو {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة} فهم أحق بأن يتخذوا هزوا منك لأنك محق وهم مطبلون، وقيل: ~~هو قلوهم ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة وقولهم: {وما الرحمان} وقيل: بذكر ~~الرحمن أي القرآن، والمعنى أنهم يعيبون عليه ذكرآلهتهم التي لا ينفع بالسوء ~~مع أنهم بذكر الرحمن الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت {كافرون} ولا قول ~~أقبح من ذلك، فيكون الهزو واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون، ثم ~~قال سبحانه: {خلق الإنسان من عجل} أي من استعجال. # قال الزجاج: وتقول العرب لمن يكفر من الشيء: خلق منه، وهو منه كما تقول ~~أنت: من لعب، وخلقت من لعب، يريدون المبالغة، والمعنى خلق وطبع على طبيعة ~~العجل في أمره وقلة المهل. # قال في البرهان: والفرق بين العجلة والسرعة أن العجلة تقديم الشيء قبل ~~وقته، والسرعة تقديم الشيء في أول أوقاته. # قيل: كانوا يستعجلون ms1151 عذاب الله وآياته الملحية إلى العلم والإقرار ~~{ويقولون متى هذا الوعد} بنزول العذاب والقيامة على سبيل التكذيب، فقدم ~~أولا ذم الإنسان على العجلة وأنه مطبوع عليها ثم نهاهم عنها، والمراد ~~بالإنسان الجنس. PageV17P206 # وقيل: نزلت في النظر بن الحارث، وقيل: المعنى ليس يبدع منكم الاستعجال ~~فإنكم مجبولون عليه، وأن أباكم كان مستعجلا، وإنما ذمهم عليه مع كونهم ~~مجبولين عليه؛ لأنه قد أعطاهم القدرة على قمعه كما أعطاهم القدرة التي ~~يتمكنون بها من قمع الشهوة المخلوقة فيهم، وأمرهم أن يغلبوها فكأنه سبحانه ~~نبه بهذا أن ترك الاستعجال حال الشريعة المرغوب فيها، ثم قال تعالى: ~~{سأريكم آياتي} أي الملجية إلى العلم{فلا تستعجلون} وهي إما آيات غلبت ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نحو {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم } وأما أيات العذاب وذلك عند الموت وفي الآخرة، ثم حكى سبحانه قولهم ~~واستعجالهم فقال: {ويقولون متى هذا الوعد} بقيام الساعة {إن كنتم صادقين} ~~أي فاخبرونا بوقتها. # واعلم أن هذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء كقوله: ~~يستعجلون بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب، فبين تعالى أنهم يقولون ~~ذلك لجهلهم وغفلتهم، ثم إنه سبحانه ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب نبيه صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم من وجهين: PageV17P207 # الأول: بأن بين ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد، فقال عز وجل: {لو ~~يعلم الذين كفروا} أي لو يعلمون الوقت الذي يستعجلون عنه بقولهم: {متى هذا ~~الوعد} وهو وقت صعب شديد تحيط بهم في النار ثم فسره بقوله: {حين لا يكفون} ~~أي حين لا يقدرون أن يمنعوا {عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} ومعناه أنها ~~تحيط بهم من وراء وقدام فلا يقدرون على دفعها، {ولا هم ينصرون} أي لا يجدون ~~ناصرا، وجواب لو محذوف تقديره لم يستعجلوا أو لو يعلمون ذلك لما كانوا بتلك ~~الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ثم أنه عز وجل لما بين شدة هذا ~~العقاب بين أن وقته غير معلوم لهم، فقال: {بل تأتيهم} الساعة{بغتة فتبهتهم} ~~أي تغلبهم يقال: ms1152 للمغلوب في الحاجة مبهوت، ومنه {فبهت الذي كفر} والبغتة ~~الفجأة، أو يقطع كلامهم بالرعب ويفزعهم، قال الشاعر: # فما هو إلا أن أراها فجأة # فأبهت حتى لا أكيد أجيب # والمراد أنها تأتيهم بغتة وهم لها غير محتسبين ولاهم لأمرها مستعدين ~~فتبهتهم أي تدعهم حيار من واقفين {فلا يستطيعون ردها} أي وقفها عنهم {ولا ~~هم ينظرون} أي لايمهلون بعد طول الإمهال في دار الدنيا وتكرر المواعظ، ثم ~~إنه سبحانه ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم فقال {ولقد استهزئ برسل من قبلك } يا محمد كما استهزأ به ~~قومك {فحاق بالذين سخروا منهم } أي أحاط بهم ووقع وحل عليهم ولزمهم {ما ~~كانوا به يستهزئون} أي عقوبة استهزائهم سلي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~بهذه عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة وإنما يفعلونه به يحيق أي ~~يحيط بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا. PageV17P208 # واعلم أنه تعالى كما بين أن الكفار في الآخرة لايكفون عن وجوههم النار ~~بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضا لو لاأن الله تعالى يحرسهم ~~ويحفظهم لما بقوا في السلامة، فقال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~{قل} لهؤلاء الكفار الذين يستهزئون ويغترون بما هم عليه { من يكلؤكم بالليل ~~والنهار من الرحمان} أي من بأسه وعذابه إذا نزل بكم، قال الشاعر: # يكلأ الخلق جميعا إنه كالي # الخلق ورازق الأمم # والكالي: الحافظ، فبين سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافاع عن هذه الأمور ~~لو أنزلها بهم، ولولا بفضله يحفظهم لما عاشوا ولا امتنعوا، وإنما ذكر الليل ~~والنهار ؛ لأن لكل واحد من الوقتين آفات تختص به، والمعنى من يحفظكم بالليل ~~إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معائشكم، ثم قال تعالى: {بل هم عن ذكر ~~ربهم معرضون} لا يخطرونه ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه وعذابه، والمعنى أنه ~~تعالى مع نعمه عليهم ليلا ونهارا بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذي هو ~~الدلائل العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون ms1153 فلا يتأملون في شيء منها ~~ليعرفوا أنه لاكالئ لهم سواه، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا حظ لها في ~~حفظهم، وفي الإنعام عليهم، ثم أضرب عن الأمر بالسؤال فقال سبحانه: {أم لهم ~~آلهة} أي بل ألهم آلهة {تمنعهم من دوننا} أي من عذابنا تتجاوز منعنا وحفظنا ~~ثم استأنف وصف آلهتهم بالضعف فقال: {لا يستطيعون نصر أنفسهم} إذا أراد أحد ~~كسرها أو أخذ ما عليها لم تسطتيع منه، فإذا كانت لا تستطيع حماية نفسها عن ~~الآفات وحماية النفس أولى من حماية الغير، فكيف يقدر على غيرها، ثم قال ~~تعالى: {ولا هم منا يصحبون} أي لا يصحبهم الله بنصره وتأييده. PageV17P209 # قال في البرهان: يعني لا يجارون، يقال: إن لك من فلان صاحبا أي مجيرا أي لا ~~صاحب من الله، يمنع من عذابه، ثم بين سبحانه بفضله عليهم مع كل ذلك بقوله: ~~{بل متعنا هؤلاء وآباءهم} أي ما هم فيه من الحفظ والكلأة إنما هو منا لا من ~~مانع يمنعهم من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباؤهم الماضين إلا تمتيعا لهم ~~بالحياة الدنيا، وإمهالا كما متعنا غيرهم من الكفار {حتى طال عليهم العمر} ~~فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا يزول عنهم تمتيعهم. # المعنى ما حملهم على الإعراض إلا الاغترار بطول المهلة، حتى طالت أعمارهم ~~في الغفلة فنسوا عهدنا وجهلوا موقع نعمنا واغتروا بذلك، وبذلك أمل كاذب. # أما قوله تعالى: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} فقد اختلف ~~فيه، فقيل: أرض الكفر بتسليط المسلمين عليها وردها دار الإسلام، وقيل: بموت ~~العلماء، وقيل: بخراب الأرض، وتعم أرض الكفر وغيرها. # وفي البرهان: ننقصها من أطرافها، يعني بالسبي والقتل ونقصان أهلها وقلة ~~بركتها. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه نقص أهلها قرنا بعد قرنا وأمة ~~بعد أمة من أطراف الناس شيئا بعد شيء، والأطراف هي الوالد والولد؛ لأن الله ~~لاينقص الجمادات من اطرافها ولا من أوساطها، وإنما المراد أهلها كما قال: ~~{واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها}، وإنما أعني أهل ~~القرية ms1154 وأهل العير؛ لأن الجمادات لا تسأل، كذلك الإبل، قال الشاعر: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك # إن كنت جاهلة بما لم تعلمي # وقد علم الناس أنه لم يرد بأمرها سوى الخيل وإنما أراد أرباب الخيل، انتهى. # ثم قال: {أفهم الغالبون} أم نحن، وهو استفهام توبيخ لهم وتهكم، أي أفهم ~~الغالبون، حتى أنهم لا يرون ذلك بل هم مغلوبون لكنهم تعاموا. PageV17P210 # ثم اعلم أن الله سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ فيها بالتنبيه ~~عليها على ما تقدم أتبعه بقوله تعالى: {قل إنما أنذركم بالوحي} الصادق، ~~فارتدعوا ولا تظنوا أن ذلك أنه من قبلي بل الله أنذركم به، وأمرني ~~بإنذاركم، فإذا أقمت بما ألزمني ربي ولم يقع منكم القبول والإجابة، قالوا: ~~وبال عليكم يعود، ولما لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه ~~مثلهم بالصم فقال تعالى: {ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون} أي وقت ~~إنذارهم ولا فرق في الأمم بين وقت الإنذار ووقت التبشير في أنه لا يسمع، ~~لكنه أشار بالصم إلى هؤلاء المنذرين، شبههم بالصم الذين لا يسمعون أصلا، إذ ~~الغرض با لإنذار ليس السماع بل التمسك به على إقدام على واجب وتحرز عن محرم ~~ومعرفة الحق، فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع، ثم أخبر الله ~~سبحانه أن حالهم ستصير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما ندروا به ~~فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حيث لا ينتفعون، وهذا هو المراد بقوله ~~تعالى: {ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك} النفحة: اليسير من العذاب، من نفحته ~~الدابة برجلها، وهو رمح يسير أي وأقسم ؛ لأن مستهم ونالهم شيء يسير من ~~العذاب الذي أنذروا {ليقولن ياويلنا} أي هلاكنا {إنا كنا ظالمين}، والمعنى ~~؛ لأن أصابهم شيء قليل من عذاب ربك كالرائحة من الشيء دون جسمه، لتنادوا ~~بالويل ولذلوا وأقرواو اعترفوا على أنفسم بالظلم حين تصاموا وأعرضوا، ثم ~~بين سبحانه أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا وإن ظلموا ~~أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة، ms1155 فقال تعالى: {ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة} وصفت الموازين بالقسط وهو العدل مبالغة كأنها أنفسها قسط أو ~~على حذف مضاف أي ذوات القسط، أي العدل. # وفي المراد بوضعها قولان: PageV17P211 # أحدهما: أنه عبارة عن النصفة والعدل الكامل في الجزاء، فمثل بوضع الموازين، ~~وهو قول قدما أئمتنا عليهم السلام. # وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. # الثاني: أنه يضع الموازين حقيقة، وتزن الأعمال والموزون صحائف الأعمال. # وقيل: نور علامة للحسنات، وظلمة علامة للسيئات. # قلت: وهذا لا يصح؛ لأن وزن الصحائف ظلم، ولا يظلم ربك أحدا، ووزن النور ~~والظلمة غير معقول، مع أن ذلك كله غير الأعمال. # ولهذا قال الحسين بن القاسم عليهما السلام في تفسير الذي رواه عن أئمتنا ~~عليهم السلام: معنى ونضع الموازين القسط أي الحق والعدل، وهذا مثل معروف، ~~قال الشاعر: # لا تأخذ القوم عن طول وعن قصر # وزن حصاهم فليس القوم كالخرز # أي زن افعالهم وميز بعقلك أمورهم، انتهى. # واللام في قول: {ليوم القيامة}، للتأريخ، نحو: جئتك لخمس ليال من الشهر، ~~وقيل: للتعليل أي لأهل يوم القيامة أي لأجلهم، {فلا تظلم نفس شيئا} مما لها ~~وعليها، {وإن كان مثقال حبة من خردل} معناه: وإن كان العمل في حقارة وزن ~~حبة من حب الخردل، هذا على نصب مثقال، {أتينا بها وكفى بنا حاسبين} نحسب ~~الكبير والصغير، وفيه تهديد شديد، والغرض المبالغة في أن شيئا من الأعمال ~~صغيرا كان أو كبيرا غير ضائع عند الله. # وقال بها: والمراد المثقال لإضافته إلى الحبة، لقولهم: ذهب بعض أصابعي. # واعلم أنه سبحانه لم تكلم في دليل التوحيد والنبوة والمعاد، شرع في قصص ~~الأنبياء تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يناله من ضير ~~وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها، وذكر ها هنا قصصا: # القصة الأولى: قصة موسى عليه السلام # فقال تعالى: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان}. PageV17P212 # قال بعضهم: وجه الاتصال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ~~يقول: إنما أنذركم بالوحي أتبعه بأن هذه عادة ms1156 الله في الأنبياء قبله فقال: ~~{ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } وهو البرهان الذي فرق بين حق موسى وباطل ~~فرعون قبل التوراة، لأنها تفرق بين الحق والباطل بما فيها من الشرائع، كما ~~سمى القرآن فرقانا، وقيل: فرق البحر، وقيل: المخرج من الشبهات. # وقوله: {وضياء} يريد التوراة؛ لأن فيها ما يستضيئون به في أمر دينهم، ~~كقوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} {وذكرا للمتقين} يريد التوراة ~~أيضا لأنها ذكر أي موعظة للمتقين، وخصهم لأنهم المنتفعون بذلك، وقيل: شرف، ~~أو لأن فيها ذكر ما يحتاجون إليه في أمر دينهم، وقيل: الفرقان الفتح والنصر ~~عن ابن عباس. # ثم وصف المتقين فقال سبحانه: {الذين يخشون ربهم بالغيب} أي يخشون عذابه ~~غائبين عنه، أو في الخلوات غائبين عن الناس. # وعن ابن عباس: يخشون عذاب ربهم، فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه، ~~وإيمانهم بالله يقيني استدلالي، فالعباد يعملون لله في الغيب، والله لا ~~يغيب عنهم شيء، والمعنى أن خشيتهم من عقاب لازم لقلوبهم، {وهم من الساعة ~~مشفقون} أي وهم من عذاب الساعة وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال ~~مشفقون، فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله، ثم قال: {وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه} يريد القرآن أنه موعظة أو لأن فيه ذكر ما تحتاجون في أمر دينكم أو ~~لأنه شرف، كقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك}، ومعنى مبارك كثير المنافع والخير، ~~{أفأنتم له منكرون} الهمزة لإنكارهم إياه، والمعنى أنه لا إنكار في إنزاله ~~وفي عجائب ما فيه، فقد آتينا موسى وهارون التوراة ثم هذا القرآن معجز ~~لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة، واشتماله على الأدلة العقلية. PageV17P213 # والبيان الرابع: فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنه إنكاره. # القصة الثانية: قصة إبراهيم عليه السلام # قوله تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده } الرشد النبوة أو الاهتداء إلى ~~وجوه الصلاح، معنى إضافته إليه أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن، ومعنى{من ~~قبل} أي من قبل موسى وهارون {وكنا به عالمين} أي بأحاوله الحسنة، وانه أهل ~~لما أعطيناه واختصصناه بأسرار عجيبة لكماله وصلاحه، حتى أهلناه ms1157 للمخالة، ~~وهذا كقول رجل كبير: أنا عالم بفلان، فإن هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه ~~أدل مما لو شرحت حال كماله. # ومعنى قوله: {إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل} يريد صورة الأصنام ~~الممثلة بالحيوان، وفي قوله: ما هذه تحذير لشأن آلهتهم {التي أنتم لها ~~عاكفون} أي فاعلون لها العكوف وهو الإقامة على عبادتها. PageV17P214 # وقوله: {إذ قال لأبيه} متعلق بآتينا أو برشده أو بمحذوف أي اذكر من أوقات ~~رشده، وقت قال لأبيه فجعل عليه السلام هذا القول منه كلام ابتداء لينظر فيه ~~فيما آتاهم به يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم، ولما لم يجدوا في جوابه إلا ~~طريقة التقليد التي توجب مزيد النكير، {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} ~~فأجابوا بالتقليد، وما أقبح التقليد، وكفى أهله شبهة أن عبدة الأصنام منهم، ~~ولأنهم إذا كانوا على خطأ من أمرهم لم يعظمهم من هذا الخطأ أن آباءهم أيضا ~~سلكوا هذه الطريق، فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله: {قال لقد ~~كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} أي أقسم لقد كنتم أنتم وآباءكم في ضلال، ~~أي في ذهاب عن الحق بين، فلما حقق عليه السلام ذلك عليهم، ولم يجد من كلامه ~~مخلصا، ورأوه ثابتا على الإنكار قوي القلب فيه، وكانوا يستبعدون أن يجري ~~مثل هذا الإنكار عليهم مع كثرتهم، وطول العهد بمذهبهم، فعند ذلك: {قالوا ~~أجئتنا بالحق} أي هو جد وحق، {أم أنت من اللاعبين} حسبوا على ما قاله على ~~المزاح والهزل، والهمزة للإنكار عليه، والتعجب من تضليله إياهم، موهمين ~~بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم مع كثرتهم جادا في ذلك، ~~فعنده عزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى بيان التوحيد في قوله تعالى: ~~{قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} أي خلقهم ابتداء، والضمير ~~للسماوات والأرض أو للتماثيل ليكون أدخل في تضليلهم، حيث يعبدون المخلوق ~~ويدعون الخالق. # واعلم أن القوم لما أوهموا أنه كالمازح بما خاطبهم به في أصنامهم أظهر ~~عليه السلام ما يعلمون به أنه مجد في إظهار ms1158 الحق الذي هو التوحيد وذلك ~~بالقول أولا وبالفعل ثانيا. PageV17P215 # أما القول فهو قوله: قال {رب السماوات والأرض} فهذه الدلالة تدل على الخالق ~~الذي خلقهم لمنافع العباد وهو الذي يحسن أن يعبد؛ لأن من يقدر على ذلك يقدر ~~على أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالثواب والعقاب، ويرجع حاصل هذا القول، ~~ومعناه كما ذكره إبراهيم لأبيه في قوله {لما تعبد ما لايسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا}. # أما قوله تعالى: {وأنا على ذلكم من الشاهدين} فمعنى شهادته تصحيح قوله ~~بالحجة كما تصح الدعوى بالشهادة. # المعنى: وأنا على فطرة إياهن من الشاهدين؛ لأن الشهادة تصح عن العلم ~~الاستدلالي كما تصح عن المشاهدة بالحواس، {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}. # وأما الفعل فهو قوله تعالى: {وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} ~~فإن القوم لما لم يقنعوا بالدلالة القولية عدل على أن أراهم عدم الفائدة، ~~فمعنى قوله لأكيدن أي لأحتال في هلاك أصنامكم؛ لأن الكيد الاحتيال في إفساد ~~الشيء، وتا لله قسم واختار التاء لمعنى التعجيب من تسهيل الكيد على يده، ~~ومعنى مدبرين ذاهبين عني مولين في الأدبار. # قال ذلك سرا، وقد سمعه رجل منهم. # روي أن أبا إبراهيم خرج به يوم عيد لهم فدخلوا بيت الأصنام فسجدوا لها، ~~ووضعوا عندها طعاما، وقالوا: إلا أن نرجع من موكبنا، بركة الآلهة على ~~طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم عليه السلام فنظر إلى أصنامهم وكانت سبعين ~~صنما مصطفة، وثم صنم عظيم متسيقل الباب وكان من ذهب في عينيه جوهرتان ~~يضيئان في الليل فكسرها كلها بفاس في يده، ولم يبقى إلا الكبير منها ثم علق ~~الفأس فوق عنقه، فهذا كيده، وهو معنى قوله: {فجعلهم جذاذا} بضم الجيم أي ~~قطعا مقطعة، وقرئ بكسر الجيم أي حطاما من الجذ وهو القطع، قال الشاعر: # نجذ رؤسهم في غير وتر # ولا يدرون ماذا يتقون PageV17P216 وأحسن من قول الشاعر وافتخاره وتلعبه، قول علي بن الحسين بن رسول الله ~~صلوات الله على محمد وآله: # ودنياك التي غرتك ms1159 فيها # زخارفها تصير إلى الجذاذ # أي تصير إلى انقطاع. # أما قوله: {إلا كبيرا لهم} فيحتمل الكبر في الخلقة، ويحتمل في العظم، ~~ويحتمل في الأمرين {لعلهم إليه يرجعون} كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات ~~فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، وأنت صحيح والفأس على عاتقك، وبنى هذا على ~~ما جرب عنادهم واعتقادهم في تعظيم آلهتهم لأنهم إذا رجعوا إليه تبينوا عجزه ~~أو قاله مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم، وقيل: الضمير في إليه، ~~راجع إلى إبراهيم أي إلى دينه وهو التوحيد، أو غلب على ظنه أنهم لايرجعون ~~إلا إليه لما أسمعوه من إنكاره لدينهم فيراجعهم ويوقفهم على فساده وتبكتهم ~~بقوله: {بل فعله كبيرهم هذا}. # قال الرازي: إن قيل: أولئك الأقوام إما أن يقال: أنهم كانوا عقلاء أو ما ~~كانوا عقلاء، فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك ~~الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولاتسمع، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى ~~كسرها أقصى ما في الباب أن يقال: القوم كانوا يعظمونها كما يعظم منا الواحد ~~المصحف والمسجد والمحراب، كسرها لا يقدح في كونها معظمة من هذا الوجه. # وإن قلنا: أنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لاتحسن المناظرة معهم ولا بعثة ~~الرسول إليهم. # والجواب: أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات، ولكن ~~لعلهم كانوا يتعقدون فيها أنها تماثيل الكواكب، وإنما ظلمات موضوعة يجب أن ~~كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله منها ضر شديد. PageV17P217 # ثم إن إبراهيم عليه السلام استخف بها وكسرها مع أنه ما ناله منها ضرر ~~البتة، فكان فعله ذلك دالا على فساد مذهبهم من هذا الوجه، فلما انصرفوا ~~ورأوا أصنامهم مكسورة معثرة {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} ~~عنوا إما بجرأته على الآلهة، الحقيقة عندهم بالتوقير، وإما لأنهم رأوا ~~إفراطا في حطمها والاستهانة بها، قالوا: أي الذين سمعوا قول إبراهيم ~~{لأكيدن أصنامكم} {سمعنا فتى يذكرهم} أي يسبهم ويعيبهم، {يقال له إبراهيم}. # اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام، ms1160 وقيل: أن فاعله إبراهيم، {قالوا ~~فأتوا به على أعين الناس} ينظر إليه الناس، أرادوا شهرته لهم وحضورهم ~~لتعذيبه، والقائل فأتوا به هو نمرود وأشراف قومه {لعلهم يشهدون} عليه بما ~~سمع منه وبما فعله، فيكون ذلك حجة عليه أو يحضرون عقابه ويسمعون حجته. # وروي أن الخبر لما بلغ نمرود وأشراف قومه فأمروا بإحضاره، { قالوا أأنت ~~فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم} ثم طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على ~~إيذائه، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا الخلاص منه، حيث {قال بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} أي يخبرون كما قال الأحوص: # وما الشعر إلا خطبة من مؤلف # لمنطق حق أو لمنطق باطل # فجعل إضافة الفعل إليهم مشروطا بنطقهم تنبيها على فساد اعتقادهم وإلا ~~فكيف الآلهة تعجز عن النطق بالجواب، وهذا السؤال من إبراهيم عليه السلام ~~خرج مخرج الخبر وليس بخبر، ومعناه أن من اعتقد أن هذا إله لزمه سؤاله، ~~فلعله فعله أن يجيبه إن كان آلهة، وهذا منه إلزام قاطع، قاله في البرهان. PageV17P218 # قال في الكشاف: ولم يقصد إبراهيم عليه السلام نسبة الفعل إلى الصنم، إنما ~~قصد تقريره لنفسه على أسلوب تعريض يبلغ غرضه من إلزامهم للحجة وتبكيتهم، ~~وهو من معاريض الكلام، ولطائف هذا النوع لا يغلغل فيها إلا أذهان الراضع من ~~علماء المعاني، وهذا كما لو قال لك صاحبك: لقد كتبت كتابا بخط رشيق، وأنت ~~شهير بحسن الخط، أنت كتبت هذا وصاحبك أي لا يحسن الخط، فقلت له: بل كتبته ~~أنت، فإن قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء لا نفيه عنك، وإثباته ~~للأمي؛ لأن إثباته والأمر دائر بينكما للعاجز منكما استهزاء به وإثبات ~~للقادر، ويجوز أن يكون إسناد الفعل إلى الصنم؛ لأنه لما كان كبيرها كان ~~كأنه السبب في حطمها وتكسيرها، والفعل كما أسند إلى مباشرة يسند إلى السبب ~~الحامل عليه، ويجوز أن يكون حكاية لما يقود إليه مذهبهم كأنه قال: إذا ~~جعلتموها أهلا للعبادة واعتقدتم أنها تضر وتنفع فما أنكرتم لاتفعلوا مثل ~~هذا أو أشد منه. # ويروى ms1161 أنه قال فعله كبيرهم غضب إن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر، ومثل ~~هذا لا يكون كذبا، ولما نبأهم إبراهيم عليه السلام بما أورده عليهم من قبح ~~طريقتهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة وأنهم على غرور وجهل في ذلك. # وهو معنى قوله تعالى: {فرجعوا إلى أنفسهم} أي بالتوبيخ والذم بعد النظر ~~الصحيح ورجع كل واحد إلى نفسه متفكرا فيما قاله إبراهيم، وحاروا عن ما ~~أرادوه من الجواب، فأنطقهم الله بالحق {فقالوا} أي قال بعضهم لبعض: {إنكم ~~أنتم الظالمون} لأنفسكم بعبادة الجماد لا من ظلمتوه أنه كسرها مع أن الفاس ~~بين يدي الكبير، {ثم نكسوا على رءوسهم} أي نكسه. # قال في الكشاف: جعل أعلاه أسفله. PageV17P219 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد نكسهم المحك والعصبية وردهم إلى ~~أقبح أحوالهم حمية الجاهلية، وهذا مثل من الأمثال لمن يكون معتدلا في قيامه ~~ثم يرجع على رأسه وبغير ما كان عليه من حسن حاله، كذلك هؤلاء كانوا قد ~~أنصفوا عقولهم ولاموا أنفسهم وشهدوا عليها بظلمهم، فلما نسوا حالهم نكسوا ~~علىأقبح قبائحهم ورجعوا إلى التجاهل ومكابرة عقولهم فأخذوا في الجدال في ~~الباطل ورجعوا إلى شكهم بعد اعترافهم بالحق، ويحتمل أنهم خفظوا رؤوسهم ~~لأمرين: # أحدهما: انكسارا بانقطاع حجتهم، وإما فكروا في جوابهم فأنطقهم الله تعالى ~~بعد ذلك بالحجة إذعانا لهم وإقرارا فاحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة ~~لإبراهيم عليه أن قالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} أي قالوا: نقسم لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون، فنسألهم ؛ لأن النطق للحيوان وهي الجمادات، فأجابهم ~~إبراهيم بعد اعترافهم بالحجة: {قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم، أف لكم} أف: كلمة تضجر من الناطق بها واللام لبيان المتأفف به، ~~وأف {ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}، أي تختارون الباطل على الحق ~~بعد وضوحه كأنكم لا عقول لكم. # واعلم انه تعالى لما أخبر بما أظهره إبراهيم من دلائل التوحيد وإبطال ما ~~كانوا عليه من عبداة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم، وذلك أنهم لما ~~عجزوا عن ms1162 الحجة {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} أي إن كنتم ~~ناصرين آلهتكم نصرا عظيما فاختاروا له هول العقاب وهو الإحراق بالنار، وإذا ~~فرطتم في نصرتها. PageV17P220 # روي أنهم لما أهموا بأحراقه حبسوه ثم بنوا بيتا كالحضيرة بكوثاء قرية في ~~الكوفة، وجمعوا شهرا أصناف الخشب الصلاب حتى أن المرأة لتمرض فتقول: إن ~~شفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم، ثم أشعلوا نارا عظيمة كادت تحرق الطير في الجو، ~~ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموا به فيها. # قال في البرهان: قيل: أنه لما أوثق عليه السلام ليلقى في النار قال: لا ~~إله إلا أنت سبحانك يارب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فما ~~أحرقت منه إلا وثاقه. # قيل: أنه ألقي في النار وهو ابن ست وعشرين سنة، وقيل: أنهم عملوا مستوقد ~~أوقدوا سبعة أيام، ثم أطبقوا عليه وفتحوه من الغد، فإذا هو عرق أبيض يجري ~~من وجهه لم يحرق. # أما قوله تعالى: {قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم} فالمعنى أنع ~~تعالى جعل النار بردا وسلاما لأنه كان هناك كلام كقوله: أن يقول له كن ~~فيكون، وبهذا قال أبو مسلم الأصفهاني، واحتج عليه بأن النار جماد، ولا يجوز خطابه. # وقال في البرهان: جعل الله فيها بردا يدفع حرها، وحرا يردها فصار سلاما، ~~ولو لم يقل: وسلاما لكان بردها أشد عليه من حرها، انتهى. # ومعنى بردا: أي ذات برد وسلام، أو أبردي فيسلم منك إبراهيم أو ابردي بردا ~~غير ضار فغلب النار كالمأمور للمطيع. # إن قيل: أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل: وسلاما لأتى البرد عليه. # قال بعضهم: ذلك بعيد لأن برد النار لم يحصل منها، وإنما حصل من جهة الله ~~فهو القادر على الحر والبرد، فلا يجوز أن يقال: كان البرد عظيما لولا قوله: ~~سلاما، وإنما ذلك عبارة عن قدرة الله في إذهاب حر النار من غير قول ~~الحقيقة، ونظيره كن فيكون. # وروي أن جبريل عليه السلام قال له حين رمي به في النار: هل لك من حاجة، ~~فقال: أما ms1163 إليك فلا، قال: فأسال ربك حسبي من سؤالي علمه بحالي. # ابن عباس: إنما نجى بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل. PageV17P221 # ثم قال تعالى: {وأرادوا به كيدا} عظيما وهو الإحراق، {فجعلناهم الأخسرين} ~~المغلوبين، وقيل: أقام في النار سبعة أيام، وقال: ما كانت أياما قط أنعم ~~مني في الأيام التي كنت فيها في النار، ثم أخبر سبحانه بتمام النعمة عليه ~~بقوله: {ونجيناه} من الهلكة، وشر الأعداء في الدين، {ولوطا} نجاهما الله من ~~العراق إلى الشام، نزل إبراهيم فلسطين ولوطا المؤتفكة، وبينهما يوم وليلة، ~~ولوط هو ابن أخت إبراهيم، هو أول من آمن به حين رأى النار لم تحرقه، وقيل: ~~هو ابن أخيه. # قلت: وهذا قول محمد بن القاسم عليهما السلام، ذكره في كتاب الهمزة. # أما قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} فقيل: هي أرض بيت ~~المقدس وبركتها أن أكثر الأنبياء بعثوا فيها، فانتشرت شرائعهم في العالمين، ~~والبركة كثرة الخير من المنافع الواصلة إلى العالمين، وقيل: كثرة الخصب ~~وطيب العيش. # قيل: ما من ماء عذب إلا وأصله من تحت صخرة بيت المقدس. # واعلم أنه تعالى بعد ذكره إنعامه على إبراهيم وعلى لوط بأن نجاهما إلى ~~الأرض المباركة أتبعه بذكر غيره من النعم، وإنما جمع بينهما ؛ لأن في كون ~~لوط معه مع ما كان بينهما من القرابة والشركة في النبوة مزيد إنعام. # ثم أنه سبحانه وتعالى ذكر النعم التي أفاضها على إبراهيم، ثم النعم التي ~~أفاضها على لوط. # أما الأول فمن وجوه: # أحدها قوله تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة}. # قال في البرهان فيها وجهان: # أحدهما: النافلة الغنيمة، ومنه قول لبيد: # لله نافلة الأجل الأفضل # وقيل: إنها الزيادة في العطية؛ لأن يعقوب هو النافلة لأنه دعى بالولد ~~فزاده الله ولدا لولد، ويجوز أن يكونا جميعا هما النافلة؛ لأنهما زيادة على ~~ما تقدم من النعمة عليه. # النعمة الثانية: قوله تعالى: {وكلا جعلنا صالحين} أي وكلهم يعني إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب. PageV17P222 # النعمة الثالثة: قوله: {وجعلناهم أئمة} أي قدوة يقتدى بهم في الخير {يهدون ~~بأمرنا} أي يدعون الناس ms1164 إلى الدين ويدلونهم على الهدى بأمرنا لهم بذلك، ~~وفيه دليل على أن من صلح ليكون قدوة في الدين فالهداية محتومة عليه من ~~الله، ليس له أن يخل بها، وأول ذلك أن يهتدي بنفسه؛ لأن الانتفاع بهداه أعم ~~النفوس إلى الاهتداء بالمهتدي أميل. # النعمة الرابعة: قوله تعالى: {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} معناه: أن نفعل ~~وهي عام في كل أعمال البر، ثم خص الصلاة والزكاة لفضلهما فقال: {وإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة} أي وأن يقام الصلاة وتؤتى الزكاة، ثم إنه سبحانه كما ~~بين أصناف نعمه عليهم بين بعد ذلك اشتغالهم بعبوديته، فقال تعالى{وكانوا ~~لنا عابدين} أي لالغيرنا، كما يفعل غيرهم. # القصة الثالثة قصة لوط عليه السلام # اعلم أنه سبحانه وتعالى بعد بيان ما أنعم على إبراهيم اتبعه بذكر نعمه ~~على لوط، كما جمع بينهما من قبل فقال {ولوطا } أي واذكر لوط وقصته. # قال الرازي: في الواو في قوله ولوط قولان: # أحدهما: وهو قول الزجاج، أنه عطف على قوله {وأوحينا إليهم}. # والثاني: وهو قول أبي مسلم: أنه عطف على قوله {آتينا إبراهيم رشده} ولابد ~~من ضمير في قوله {ولوطا} فكأنه قال آتينا لوطا فأخر ذكره، أما أوصاف النعم ~~فهي أربعة: # أحدها: قوله تعالى{آتيناه حكما} أي الحكمة. # قال في البرهان: يعني القضا بالحق وفصلا بين الخصوم أو النبوة، أو ما يجب فعله. # وثانيها: قوله {وعلما} بالتوحيد وفقها في أمور الدين. # وثالثها: {ونجيناه من القرية} وهي سدوم، {التي كانت تعمل الخبائث} أي ~~الفواحش، وإتيان الذكور أعظمها وأفحشها. # ثم بين سبحانه بقوله {إنهم كانوا قوم سوء فاسقين} ما أراده من الخبائث. PageV17P223 # وقوله {فاسقين} يعني خارجين عن الحد في عمل الخبائث. # الرابع: قوله {وأدخلناه في رحمتنا} أي في أهل رحمتنان أو في الجنة، لأنها ~~أعظم رحمة. # وقوله {إنه من الصالحين} تعليل لذلك، وفي تفسير الرحمة قولان: # أحدهما: أنه النبوة، أي أنه لما كان صالحا للنبوة أدخله في رحمته لكي ~~يقوم بحقها عن مقاتل. # والثاني: أنه الثواب، عن بن عباس والضحاك. # القصة الرابعة قصة نوح عليه السلام: # قوله تعالى ms1165 {ونوحا إذ نادى} أي دعا على قومه{من قبل} إبراهيم، أو من قبل ~~هؤلاء المذكورين كأنه يشير إلى قوله {أني مغلوب فانتصر} ويدل عليه أيضا أن ~~الله تعالى أجابه بقوله {فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} أي ~~الغرق بالطوفان، وما كان فيه من تكذيب قومه، والكرب هو الوجع والألم ~~العظيم، فدعاؤه كان بأن ينصره عليهم وبأن يهلكهم، ولذلك قال بعده {ونصرناه ~~من القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني نصرناه عليهم بإجابة دعائه وخلصناه ~~منهم بسلامته دونهم {إنهم كانوا قوم سوء} فساد قبيح {فأغرقناهم أجمعين} ~~بذلك الوجه الذي خلصه منهم. # القصة الخامسة قصة داود وسليمان عليهما السلام # قوله تعالى {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث } أي واذكرهما واذكر وقت ~~حكمها وإذ بدل منهما، والحرث الزرع. # قال الرازي: اعلم ان قوله وداود وأيوب وزكريا وذا النون كله نسق على ما ~~تقدم من قوله: {ولقدآتينا إبراهيم } ومن قوله {ولوطا}. # واعلم أن المقصود ذكر نعم الله تعالى على داود فذكر أولا النعمة المشتركة ~~بينهما، ثم ذكر ما يختص به كل واحد منهما من النعم. PageV17P224 # أما النعم المشتركة فهي قصة الحكومة، ووجه النعمة فيها أن الله زينهما ~~بالعلم والحكم في قوله: {وكلا آتينا حكما وعلما}، ثم هذا ينبه أن العلم ~~أفضل الكمالات وأعظمها، وذلك أن الله تعالى قدم ذكره ها هنا على سائر النعم ~~الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن، فإذا كان العلم مقدما على ~~امثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها. # أما قوله تعالى: {إذ نفشت فيه غنم القوم} فالنفش انتشار الغنم بالليل ~~ترعى بلا راع، قاله ابن السكيت وابن قتيبة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنها انتشرت فيه بالليل كأنها ~~أكلته، فالنفش رعي الليل، والهشيم رعي النهار، ولا يكون النفش في لغة العرب ~~إلا بالليل، قال الشاعر: # نفشت فيه عشاء غنم الرعا # ثم بعد العتمة # وقال آخر: # أجرش لها با ابن أبي كباش # فمالها الليلة من إنفاش # غير السرى السابق النجاشي # ومعنى قوله: {وكنا لحكمهم } أي هما المتحاكمون بذلك {شاهدين} أي عالمين ~~لم ms1166 يغب عن علمنا {ففهمناها} أي الحكومة والفتوى{ سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} # في كيفية القصة وجهان: # أحدهما: قال أكثر المفسرين دخل على داود عليه السلام رجلان، أحدهما صاحب ~~حرث والآخر صاحب غنم، فقال صحاب الحرث غنم هذا دخلت حرثي، وما أبقت منه ~~شيئا، فقال داود فاذهب فإن الغنم لك، فخرجا فمرا على سليمان عليه السلام ~~فقال: كيف قضى بينكما،؟ فأخبراه، فقال: لو كنت أنا أقضي لقضيت بغير هذا، ~~فأخبر بذلك داود عليه السلام فدعاه فقال كيف تقضي بينهما، قال: أدفع الغنم ~~إلى صاحب الحرث ويكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث ~~من العام كهيئة يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها، وقبض صاحب الحرث حرثه ~~الثاني. PageV17P225 # قال أبو مسعود ومقاتل: أن راعيا نزل ذات ليلة بجنب كرم، وقد دخلت الأغنام ~~الكرم وهو لا يشعر، فأكلت القضبان وأفسدت الكرم، فذهب صاحب الكرم من الغد ~~إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الغنم وبين الكرم ~~تفاوت، فخرجا ومرا بسليمان، فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه، فقال: غير هذا ~~أرفق بالفريقين، فأخبر داود بذلك فدعا سليمان فقال له: بحق الأبوة والنبوة ~~إلا أخبرتني بالذي هو أرفق للفريقين، فقال: تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى ~~يرتفق لمنافعها، ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى تصير كما كان، ثم ترد ~~الغنم إلى صاحبها، فقال: إنما القضاء ما قضيت، وحكم بذلك. # قال ابن عباس: حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة، والله أعلم. # واكتفينا بذكر هذين الوجهين إذ هما معنى ما ذكره أئمتنا عليهم السلام. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وقد ذكر هذا وليس بخلاف؛ لأنهما ~~حكما بالقيمة سواء، وإنما أراد سليمان أن تكون القيمة في سبب ومعنى، ولو ~~حكم إمامان في شيء من المستهلكات بالقيمة على أحد من الناس فحكم أحدهما ~~بالقيمة في زرعه وحكم على الآخر بالقيمة من غنمه أو بقرة لما ادعى في ذلك ~~خلافا، وإنما الخلاف أن يحكم أحدهما بالقيمة والآخر بتركها، فحينئذ يبيطل ms1167 ~~أحد القولين ويصح أحدهما، فاعرفوا هذا الأصل فإنه من أجود الأصول وأقربها ~~إلى الحق والصدق والمعقول، ويحتمل هذه الآية وجها آخر: وهو أن يكون الله عز ~~وجل نسخ حكم داود بما علم من سليمان من الحكومة التي ذكرها في القرآن فهذا ~~وجه يمكن ولا يستحيل ولا تنكره بحمد الله العقول. # وقد ذهب قوم إلى جواز الاختلاف، وذلك لو عقلوا بعيدا من الإنصاف وداع إلى ~~الفرقة وترك الائتلاف، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا ~~يختلف عالمان، ولا يقتل مؤمنان)) انتهى. PageV17P226 # وفي تفسير هذه الآية يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: يذكر والله أعلم ~~من قصة هذه الغنم أنها كانت غنما انفلتت ونفشت ليلا والنفش في لسان العرب ~~إنما يكون بالليل من البهائم لا نهارا، فذكروا أنها أكلت بعض ما في الحرث ~~من حبه وثمره، ثم إنهم تحاكموا فيما يقال إلى داود عليه السلام فقضى فيما ~~ذكر بها لأهل الحرث. # قال بعضهم: بل قضى بالقيمة وكانت القيمة أكثر من ثمن الغنم، فذكر أن ~~سليمان عليه السلام أفتى فيها بخلاف ما حكم به أبوه داود عليه السلام من ~~القضى على أهلها أن يجعل لأهل الأرض ما في بطون الغنم من أولادها، ولم يعرض ~~لأصلها وتركها في يد صاحبها، وقضى بالنسل الذي في بطون الغنم لصاحب الحرث ~~إذ كانت إنما أفسدت عليه ثمرة أرضه، وسلم حرثه فقضى في ذلك سليمان بالحكم ~~المصيب الذي رضيه الله وذكر في كتابه فهمه له، وكذلك جاء الحكم، والخبر فيه ~~عن نبيئنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه تحاكم إليه اهل ماشية وأهل ~~ضيعة، أفسدت الماشية عليهم بعض ما فيها من الزرع والثمرة، فقضى رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أهل المواشي بضمان ما أفسدت مواشيهم ~~وقيمته ليلا، وأسقط عليهم الضمان وقيمة الفساد نهارا؛ لأن لاتمتنع البهائم ~~نهارا، وقال:((على أهل المواشي حفظ مواشيهم ليلا، وعلى أهل الحوائط حفظ ~~حوائطهم نهارا)). # فإن قال قائل: قضية داود بخلاف قضية سليمان كان صوابا أم خطأ، ms1168 فإن كان ~~صوابا فيكف يكون الواقع يختلف حكمهما وهما صوابان، وإن يكن خطأ فالنبي لا ~~يخطئ في مثل هذه الجليلة من المسائل. # قيل له: قد حكم داود بوجه من الحكومة مصيب يزيل اسم الخطأ، وحكم ابنه ~~سليمان بما هو أحسن عند الله وأكثر صوابا وأشد في العدل تمكنا وتوسطا، انتهى. # ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك من النعم التي خص بها داود عليه السلام: # الأول: قوله تعالى: {وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن} أي ذللناها بمجاوبته ~~بالتسبيح. PageV17P227 # روي أنه كان يمر بالجبال مسبحا فتنطق بالتسبيح مجاوبة له. # وزعم قوم من المعتزلة أن تسبيح الجبال سيرها معه، وتسبيح الأرض ذهب فيها. # قالوا: لأنه لو فعل فيها التسبيح لكان مضافا إلى الله بالحقيقة؛ لأنه ~~فعله ويحتمل أنه تعالى خلق فيها الكلام كما خلقه في الشجرة، أو أنها لما ~~سارت بتسيير الله حملت من رأها على التسبيح، وأسند التسبيح إليها لكونها ~~سببا فيه. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قيل: أنه كان يبكي على خطيئته ~~ويسبح الله ويحزن بذكر خالقه وتمجيده فأمر الله الجبال أن تجيب عليه ذلك ~~التسبيح ليزداد حزنا وليعظم الله له الحسنى، فلم يزل كذلك حتى نال من رحمة ~~الله أكثر مما يطلب ورجع من ذلك بما كان يحب، وأن يكن ألهم الجبال والطير ~~ذلك، وأنطقها بالتسبيح كذلك وجبرها على توحيد الله وذكره وتسبيحه وتعظيمه ~~وتمجيده فذلك غير مستنكر من الحكيم ولا يستحيل عن الواحد العليم، انتهى. # وإجابة الجبال تسبيح سليمان هو التأديب الذي ذكره الله عز وجل في سورة ~~سبأ، وقد ذكرنا فيه هناك قول الهادي إلى الحق عليه السلام، ومعنى قوله: ~~والطير أي وسخرنا الطير، وتقديره: ويسبحن مع الطير. # قال في الكشاف: يسبحن حال بمعنى مسبحات أو اسئتناف كأن قائلا قال: كيف ~~سخرهم، فقال سبحانه: {يسبحن والطير} إما معطوف على الجبال أو مفصول معه. # فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير. # قلت: ؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز ~~لأنها جماد، والطير حيوان ناطق. # وأما ms1169 قوله: {وكنا فاعلين} أي قادرين على هذا أو على كل شيء، وإن كان ~~عجيبا عندكم. # الإنعام الثاني: {وعلمناه صنعة لبوس لكم} أراد الدروع لأنها تلبس أي ~~علمناه كيف تصنع، وكانت صفائح وهو أول من سردها وخلقها فجمعتا لحفة، ~~والتحصين واللبوس لباس، قال: # ألبس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها وإما بؤسها PageV17P228 ومعنى {لتحصنكم} أي تحرزكم وتمنعكم من بأسكم أي من بأس عدوكم وحربكم في ~~سبيل الله، وفيه دلالة أن أول من عمل الدرع داود عليه السلام ثم تعلم الناس ~~منه، فتوارث الناس عنه، فعمت النعمة كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر، ~~فيلزمهم شكر الله على النعمة، فقال تعالى: {فهل أنتم شاكرون} أنعمه عليكم. # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر النعم التي خص بها داود وذكر النعم التي ~~بها خص بها سليمان. # قال قتادة: ورث الله سليمان بن داود ملكه ونبوته وزاد عليه أمرين: سخر له ~~الريح والشياطين: # فالأول قوله تعالى: {ولسليمان} أي وسخرنا لسليمان {الريح عاصفة} أي شديدة ~~الهبوب، وقد وصفت بالرخاوة، ولعلها كانت رخية كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه ~~أبعدت له مسيرة شهر فهي رخا في نفسها عاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان ~~عليه السلام على حسب ما يريد، وقيل: كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفة على ~~حكم إرادته {تجري بأمره} من عصف ورخاوة {إلى الأرض التي باركنا فيها} وهي ~~أرض بيت المقدس وغيره من البلاد المباركة لكثرة الأنبياء والخصب والسعة. # قيل: هي أرض الشام التي هي أرض المحشر، فكانت الريح تجري لسليمان وأصحابه ~~إلى حيث شاء {وكنا بكل شيء عالمين} أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن تدبر هذا ~~التدبير في رسلنا وفي خلقنا أن نفصل هذه المعجزات الظاهرة فتجري الأشياء ~~على ما تقتضيه حكمتنا. # الإنعام الثاني: {ومن الشياطين} أي الجن ومن الشياطين سخرنا منهم {من ~~يغوصون له} في البحار ويستخرجون الجواهر والدر واللؤلؤ قال الشاعر: # أو درة أخرج الغواص صافية # قد كان جاورها في البحر يعبوب # {ويعملون عملا دون ذلك} ما شاء من المائن والقصور واختراع الصنائع ~~العجيبة. ms1170 # أما قوله: {وكنا لهم حافظين} فهو من أن يرفعوا عن أمره أو يبدلوا أو ~~يغيروا فيما هم مسخرين فيه. PageV17P229 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ويمكن أن يكون رجع إلى ذكر الأنبياء ~~الذين هم أولى بالحياطة من الله والحفظ والسلامة ويمكن أن يريد حفظه ~~بشياطين وجميع ما يعملون من الجهل والضلال، ويتكلمون، ويمكن أن يكون حفظ ~~الشياطين من القرآن بالإبعاد بما أمره به لهم من الأغلال والأصفاد؛ لأن ~~تبرحوا في خدمة سليمان ولا يهملوا في معصيتهكم الرحمن، انتهى. # القصة السادسة: قصة أيوب عليه السلام # واعلم أن في أمر أيوب وما ذكره في شأنه ها هنا وفي غيره من القرآن من ~~العبر والدلائل؛ لأنه مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله وكان ~~عبرة له ولغيره ولسائر الناس ممن سمع بذلك، وتعريفا لهم أن الدنيا مزرعة ~~الآخرة وأن الواجب على المرء أن يعتبر بما ناله من البلاء فيها ويجتهد في ~~القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي السراء والضراء، فمعنى قوله تعالى: ~~{وأيوب} أي واذكر أيوب {إذ نادى ربه} أي وقت ناداه، {أني مسني الضر} مرض في ~~بدنه، والضر بالفتح الضرر في النفس والمال وبالضم في النفس لاغير، {وأنت ~~أرحم الراحمين} فاكشف عني ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ~~تعريضا بطلب الشفاء. # يحكى أن عجوزا قالت لسليمان بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين مشيت جرذان ~~بيتي على العصى، فقال لها: ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها تثبت وقبت ~~الفهود وملآ بيتها حبا، وأيوب كان روميا من ولد إسحاق بن يعقوب وقد استثناه ~~الله وبسط عليه الرزق وكثر أهله وماله، وكان له سبع بنين وسبع بنات، وله ~~أصناف البهائم، وخمسمائة فدان، أي ثوراي ضمدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد ~~امرأة وولدونخيل، فابتلاه الله بذهاب ولده انهدم عليهم البيت، وبذهاب ماله ~~وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشر سنة، وقيل: سبع سنة وقيل: ~~سبعة أشهر، وقيل: سبع ساعات. PageV17P230 # قال في البرهان: روينا أن أيوب أتاه الله ms1171 المال والولد فتلف ماله وهلك ~~ولده، فقال ربي: قد احسنت إلي الإحسان كله، كنت قبل اليوم يشغلني حب المال ~~في النهار، وحب الولد بالليل، والآن فرغ لك سمعي وبصري وليلي ونهاري، ثم ~~ابتلاه الله بما ابتلاه من الدود واشتدت به الحال وكان له أخوان فأتياه ~~يوما ووجدا رائحة فلم يستطيعا أن يدنوا منه، فقالا: لو كان لأيوب عند الله ~~خير ما بلغ به هذا البلاءفجزع من قولهما جزعا شديدا لم يجزع من شيء، فقال: ~~اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شعبان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، قال: ~~فصدقهما وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصين وأنا ~~أعلم مكان عار فصدقني، قال: فصدقني، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى يكشف ما بي. # قيل: فما رفع رأسه حتى كشف الله عز وجل ما به وهو قوله: { أني مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين} الضر المرض الذي كان به، والدود الذي كان في بدنه، ~~وقيل له: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فركض برجله فنبعت عين فاغتسل ~~منها فذهب ظاهر دائه، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها فذهب باطن ~~دائه وعاد إلى حسنه وجماله وقام صحيحا، ثم أخبر سبحانه أنه كشف ما به من ضر ~~فقال: {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله} إحياء أولاده ورزقه ~~{ومثلهم معهم}أولادا آخرين. # قال فيه: قيل: أنه كان لأيوب سبعة بنين وسبع بنات، وكان الله قد أماتهم ~~قبل آجالهم فلما كشف الله عنه الضر أحياهم احيا له بنيه وبناته وولد له بعد ~~ذلك مثلهم، ورزق من نسلهم، انتهى. # ثم إن الله سبحانه رحم امرأته لصبرها معه على البلاء، فأمره أن يضربها ~~بضغث ليبين في عينه، ثم قال: {رحمة من عندنا}. PageV17P231 # أما قوله: {وذكرى للعابدين} ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكروا ~~فيه ليصبروا كما صبر فيثابوا كما اثيب في الدنيا والاخرة، وإنما خص ~~العابدين بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بذلك وقد تقدم ذكر السبب في قصة ms1172 أيوب ~~عليه السلام في سورة ص. # وذكرنا هناك ما رواه أئمتنا عليهم السلام في قصته. # القصة السابعة: قصة إسماعيل عليه السلام # قوله تعالى: {وإسماعيل} أي واذكر إسماعيل {وإدريس وذا الكفل كل من ~~الصابرين} على بلوائه من القيام بأمر الله واحتمال الأذى في نصرة دينه. # قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه أتبعه بذكر ~~هؤلاء فإنهم كانوا صابرين على الشدائد والمحن والعبادة، أما إسماعيل عليه ~~السلام فلأنه صبر على الإنقياد للذبح وصبر على القيام ببلد لازرع فيها ولا ~~ضرع ولابناء، وصبر على بناء البيت، فلا جرم أكرمه الله وأخرج من صلبه خاتم ~~النبيين، وأما إدريس فقال ابن عمر بعث إلى قومه داعيا لهم فأبوا وأهلكهم ~~الله ورفع إدريس إلى السماء السابعة والله اعلم. # وسيأتي إن شأ الله في سورة مريم ذكر قصته، وأما ذوا الكفل فكان نبيا كفل ~~بأمر وفى به فضعف ثوابه قاله في البرهان، وقيل: ذوا لحظ العظيم من الله، ~~قيل: كان له ضعف عمل الأنبياء في ز مانه وضعف ثوابهم، وهو اليأس، وقيل: ~~زكرياء، وقيل: يوشع بن نون، ثم قال تعالى {وأدخلناهم في رحمتنا}اي في أهل ~~رحمتنا، أو في الجنة. # قال مقاتل: الرحمة النبوة. # وقال آخرون: بل يتناول جميع أعمال البر والخير. # ثم علل ذلك بقوله سبحانه{إنهم من الصالحين} أي من أهل الصلاح في الدين. # القصة الثامنة: قصة يونس عليه السلام # قوله: {وذا النون} قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وهو يونس بن متا؛ ~~لأن النون ابتلعه، أي وذا الحوت ؛ لأن الحوت في اللغة هو النون قال الشاعر: # نونان نونان لم يخططهما قلم # لكل نون من النونين عينان PageV17P232 عينان لم يكحل جفونهما # لكل عين من العينين نونان # يريد بقوله نونان في البيت الأول أي حوتان. # قال في البرهان: ومنه أيضا قول الشاعر: # ياحب ذا القصر نعم القصر والوادي # ر # وحب ذا أهله من حاضربادي # نزقي قراقيره، والوحش راتعة # والضب، والنون، والملاح، والحادي # يعني أنه اجتمع فيها صيد البر والبحر وأهل الماء والظهر وأهل البدو ms1173 ~~والحضر. # ومعنى قوله: {إذ ذهب مغاضبا} أي مهاجرا لقومه، أهل نينوى، لما لم يتردعوا ~~عن الكفر ومراغما للحيار الذي كان في وقته وذهب بغير إذن من ربه ظنا منه أن ~~ذلك يسوغ أو اعتقد أن فعله طاعة لله لأنه غضب لله وأنفه لدينه ومسبغضا ~~للكفر وأهله، وكان عليه أن ينتظر الإذن {فظن أن لن نقدر عليه} أي لا نؤاخذه ~~بتوليه، يعني لن نضيق عليه طرقه، من قوله: {ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق عليه ~~وقرئ ونقدر عليه بالتشديد أي حسب أن لن نقدر عليه عقوبة أي لن نورد عليه ~~تقديرا يضره من القدر لا من القدرة. PageV17P233 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فظن أن لن نقدر عليه في معيشه في بطن ~~الحوت، ولم يدر أن ذلك يكون، وتهاون خطيته، ومعنى نقدر عليه في هذا الموضع ~~من قدر المعيشة وحياة النفس مثل قوله: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ~~فيقول ربي أهانني} يريد إذا اختبر العبد من عبيده بقلة الرزق وجعله قدر ما ~~يمسك روحه، فربما لم يشكر على ذلك وليس هذا من القدرة وإنما هو من القدر ~~المقدور، وهو جهد ما يمسك الروح من القوت اليسير فظن أن النبي صلى الله ~~عليه أن الله لايقدر عليه رزقه بتلك الخطيئة ولا يؤدبه، فلما فعل عز وجل ~~فهم حينئذ أن الله أدبه وابتلاه فتاب إلى سيده ومولاه فقبل توبته واجتباه ~~ورفعه عز وجل وتولاه وقربه إليه وأحبه وأدناه وخلصه من بطن الحوت ونجاه، ~~ولم يكن ذلك من النبي صلى الله عليه وعليه على سبيل ما ذهب الجهال إليه من ~~التعمد لمعاصي الله والزهد فيما لديه، ولكنه حسب أنه يجوز له أن يهاجر عنهم ~~وكان يجب عليه أن لا يبرح مقيما يدعوهم ويحاجهم في الله وينابذهم حتى ~~يرجعوا أو يتوبوا إلى ربهم أو يأذن الله له في البعد والاتنزاح عنهم وأن لا ~~يخرجه من دعوتهم إلا الذي أدخله وامتحنه بمناداتهم فأغفل النظر وعجل ولحقته ~~طباع البشرية حتى غفل ثم تاب الله برحمته ms1174 عليه، وقيل: عذر نبيه لما عطف ~~عليه، انتهى. PageV17P234 # وقد أجاب الهادي عليه السلام عمن سأله عن هذه الآية فقال: أما قوله: {إذ ~~ذهب مغاضبا} فإنما كان ذهابه غضبا على قومه واستعجالا منه دون أمر ربه لا ~~كما يقول الجهلة الكافرون على أنبياء الله ورسله من قولهم:أن يونس خرج ~~مغاضبا لربه وليس يجوز ذلك على أنبياء الله صلوات الله عليهم، وإنما كان ~~كما ذكرت من غضبه على قومه ومفارقته لهم واستعجالا دون أمر ربه، وهو قوله ~~سبحانه وتعالى لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم {ولا تكن كصاحب الحوت} ~~وهو يونس يقول لا تعجل كعجلته واصبر لأمري وطاعتي ولا تستعجل كاستعجاله. # هذا معنى قوله: {إذ ذهب مغاضبا}. # وقوله: {فظن أن لن نقدر عليه} أراد ذلك من قوله: فظم أي أفظن أن لن نقدر، ~~وهذا معنى الاستفهام ولم يكن ظن ذلك صلى الله عليه وهذا مما احتججنا به في ~~الألف التي تطرحها العرب وهي تحتاج إثباتها وتثبتها في موضع وإن لم يحتج ~~لها مثل قوله: {لا أقسم}، وإنما معناه ألا أقسم، وقوله: {وعلى الذين لا ~~يطيقونه فدية طعام} وإنما أرادوا على الذين لايطيقيونه فدية فطرح الألف وهو ~~يريدها، قال الشاعر: # نزلتم منزل الأضياف منا # فعجلنا القرى أن تشتمونا # وإنما أراد ألا تشتمونا فطرح الألف وهو يريدها، انتهى. # {فنادى في الظلمات}، فقال في البرهان: يعني ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة ~~جوف الحوت، وقيل: ابتلع حوته حوتا أكبر فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة ~~البحر، ثم فسر النداء بقوله: {أن لا إله إلا أنت سبحانك} تنزيها لك عما لا ~~يجوز عليك. # قيل: قدم التوحيد توسلا إلى الإجابة {إني كنت من الظالمين} لنفسي حين ~~هاجرت بغير إذن منك، فأتوب إليك فتب علي. # الحسن: ما نجاه الله إلا بإقراره. PageV17P235 # وروي أن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (( لما أراد الله حبس يونس أوحى إلى الحوت أن ~~يأخذه ولا يخدش له لحما ولا ms1175 يكسر له عظما، فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ~~فسمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا، فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب ~~البحر، قال: فسبح فسمعت الملائكة تسبيحه فقالو مثله)). # قال في البرهان: ولم يكن التقام الحوت ليونس عقوبة ؛ لأن الأنبياء عليهم ~~السلام لايجوز أن يعاقبوا وإنما كان تأديبا، وقد يؤدب من لايستحق العقاب ~~كالصبيان، {فاستجبنا له} دعائه، والاستجابة ثواب من الله عز وجل للداعي، ~~{ونجيناه من الغم} الذي هو فيه، يعني بطن الحوت. # وروينا أنه لبث في بطن الحوت ثلاثة أيام. # وروي أنه لبث ثلاث ساعات، ثم فتح الحوت فاه فرأى ضوء الشمس فقال: {سبحانك ~~إني كنت من الظالمين}، فلفظه الحوت. انتهى. # ثم قال سبحانه: {وكذلك ننجي المؤمنين} من كربهم إذا دعونا واعترفوا ~~وتابوا، كما تاب. # وعنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا ~~أجيب))، وقد ذكره الهادي عليه السلام من قصة يونس عليه السلام في سورة ~~الصافات. # القصة التاسعة: قصة زكريا عليه السلام # قوله: {وزكريا إذ نادى ربه} أي واذكر زكريا وقت دعائه ربه بقوله: {رب لا ~~تذرني فردا} بلا ولدا سأل ربه أن يرزقه وارثا يرثه العلم والدين. # اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا إلى ربه لما مسه الضر بتفرده وأحب من ~~يتولاه ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويكون قائما مقامه بعد موته، فدعى الله ~~دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك، وإن انتهت الحالة به وبزوجته من كبر ~~وغيره، إلى إلياس، من ذلك بحكم العادة. # وقال ابن عباس: كان سنه مائة وزوجته تسعة وتسعين سنة. # أما قوله تعالى: {وأنت خير الوارثين} ففيه وجهان: PageV17P236 # أحدهما: أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثنى على ربه ~~ليكشف عن غمه بأن قال الأمور إلى الله تعالى # الثاني: معناه أنت خير من ترث العباد، أي إن لم ترزقني من يرثني فأنت خير ~~باق وحافظ لدينك. # قال في البرهان: معنى ليجعل رغبته في الولد لا ضنا بالمال، ولكنه يكون ~~خلفا صالحا، ms1176 وفي النبوة تاليا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: روي أنه كان يخاف إذا هلك أن لا يرث ~~علمه ومقامه أحد من أهل بيته، فدعا إلى الله أن يرزقه وأن يرثه ويحيا بنور ~~هدايته وعلمه ويهدي إلى الحق والجنة به، فرزقه الله يحيى نبيا صلى الله ~~عليهما، فقال سبحانه: {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى}، ونعم الولد كان لم ~~يفعل معصية ولا هم بها فقوله: {ووهبنا له يحيى} كالتفسير للإجابة، {وأصلحنا ~~له زوجه} جعلنا أم يحيى صالحة للولادة بعد عقرها فجعلناها ولودا بعد أن ~~كانت عاقرا؛ لأنها ولدت زكريا ابن اثنين وتسعين سنة، وهي قريبة السن منه، ~~وقيل: جعلناها صالحة من المسلمات وهديناها إلى عجائب الآيات، ويمكن أن يكون ~~أصلح محاسنها وحببها إلى زوجها كرامة منه ورحمة له ولها. PageV17P237 # قال الرازي: واعلم أن قوله تعالى: {ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه} يدل ~~على أن الواو لا تفيد الترتيب؛ لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه ~~أخره في اللفظ، وبين تعالى مصداق ما ذكرنا فقال: {إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات} أي يبادرون في الأعمال الصالحة يعني زكريا وامرأته، وقيل: من تقدم ~~ذكره من الأنبياء أولا فأخبر سبحانه أنه أتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض، ~~من كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله من أكثر ~~ما يمدح به المرء لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة، ثم قال سبحانه: ~~{ويدعوننا} أي يعبدو أو باللسان والتضرع {رغبا ورهبا}أي راغبين في الثواب ~~راهبين العقاب، أو مفعولا لأجله، {وكانوا لنا} أي خاصة، {خاشعين}متواضعين ~~منقادين قبل الخشوع والخوف الدائم، والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات ~~والمسارعة فيها أمرين: # الفزع إلى الله لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. # والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب، فكان الخاشع هو الحذر ~~الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الأثم. # القصة العاشرة: قصة مريم عليها السلام # قوله: تعالى {والتي أحصنت فرجها} أي واذكر التي أحصنت فرجها أي عفت ~~فامتنعت من الفاحشة {فنفخنا فيها من روحنا} ms1177 أي خلقنا في رحمها من أمرنا ~~وصورنا عيسى برحمتنا وفعلنا فنفخ الروح في الجسد عبارة عن إحتياجه. # قال تعالى:{ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}، وإنما أضاف في روحنا إلى ~~الله؛ لأن الحياة أمر عجيب من غرائب مقدورات الله تعالى كأنه قال: من ~~الحياة المختصة بنا العجيبة الشأن فلا ينكر كونه من غير أب. PageV17P238 # ثم أخبر تعالى بأخصر الكلام مراخص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات، ~~فقال سبحانه: {وجعلناها وابنها آية } أي عبرة وعلامة{للعالمين} لأنها ولدته ~~من غير فحل، فذلك موعظة للناس تدلهم على قدرتنا مع كلامه في المهد برأتها ~~من الفاحشة فكانت هذه هي الآية، وهاهنا آخر القصص. # قوله تعالى {إن هذه أمتكم أمة واحدة}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الأمة هاهنا هي الدين الواحد الذي لا ~~اختلاف فيه ومثله في البرهان، وهذه إشارة إلى ملة الإسلام، أي أن ملة ~~الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لاتتحرفون عنها يشار إليها ملة ~~واحدة {وأنا ربكم} أي أنا إلهكم إ له واحد {فاعبدون} اي وحدوني وخصوني ~~بالعبادة وتقطعوا أمرهم بينهم أي اختلفوا وتفرقوا، والأصل تقطعتم، لكن ~~التفت إلى الغيبة كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه في الدين إلى آخرين ويقبح ~~عندهم فعلهم ؛ لأن المعنى جعلوا دينهم بينهم قطعا، كما يقسم الجماعة الشيء ~~لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلا لاختلافهم في الدين ومصيرهم فرقا أجزائا شتى ~~في الأديان والمذاهب، ثم توعد هؤلاء الفرق المختلفة فقال عزوجل {كل إلينا ~~راجعون}فنحاسبهم ونجازيهم على ذلك. PageV17P239 # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الأمة وذكر تفريقهم وأنهم أجمع راجعون إلى ~~أمره حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك قوله {فمن يعمل من الصالحات} المطابقة ~~للكتاب والسنة، وهو عام في سائر اعمال الآخرة{وهو مؤمن} شرط في التقبل {فلا ~~كفران لسعيه} أي لاجحدان لعمله، أي لايبطل عمله والكفران هو الكفر وهو مثل ~~في حرمان الثواب، كما أن الشكر من الله مثل في إعطائه إذا قيل لله شكور، ~~والشكر والكفر حقيقة لايصح إسنادهما إلى الله تعالى، فقوله ولاكفران ms1178 المراد ~~نفي الكفران ليكون في نهاية المبالغة لأن نفي الماهية يلزم نفي جميع ~~أفرادها، وأما قوله {وإنا له كاتبون} والمراد وإنا لسعيه حافظون، لنجازي ~~عليه كاتبون في صحيفته. # وقال الهادي عليه السلام يريد لكاتبين عالمين، وأراد بذلك ترغيب العباد ~~وما يعمل بالطاعة {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} إلى الدنيا كذا ~~في البرهان، وتفسير الحسين بن القاسم عليهما السلام والمعنى {وحرام على ~~قرية أهلكناها}رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله {فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون}وقيل: لايرجعون من الكفر إلى الإسلام إلى أن يموتوا. # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام أعني تبارك وتعالى القرى التي دمرها ~~وأهلكها بالمعاصي فيما مضى أنه محرم عليهم أن يرجع إلى عمارتها وإنما أهلها ~~والسكنى فيها؛ لأنه ليس من قرية أهلكها الله بالانتقام والغضب فلن تعمر ~~أبدا إلى يوم القيامة غضب، والحرام اسم في نفسه وحيث انحرف وانصرف فهو ~~تغليظ المنع وهو المنع نفسه فعنى الله عزوجل بحرام الله منع ممنوع لكل قرية ~~أهلكها من الرجوع بالعمران إلى حالها وأن يرى أحد نسل أهلها وكذلك اللسان ~~العربي فيما حرم الله من جميع الآثام والمعاصي، فإنما معناه المنع بعينه، انتهى. PageV17P240 # قال عز وجل: {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} أي إذا فتح سدهما الذي منعهم به ~~ذو القرنين من الخروج أي لا يزالون على كفرهم إلى هذه الغاية، وهي رؤية ~~العذاب حتى يفتح سدهما، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له، ولكنه غاية من جنس ~~الشيء، كقولك: دخل الحاج حتى المشاة، وحتى ها هنا هي التي يحكي بعدها ~~الكلام، والكلام المحكي هو هذه الجملة من الشرط والجزاء، أعني قوله: {حتى ~~إذا فتحت يأجوج ومأجوج} واقترب الوعد الحق فهناك تحقيق شخوص أبصار الذين ~~كفروا، أو معناه حرام عليهم الرجوع حتى يوم القيامة، فعبر عنها بما هو من ~~آياتها وهو فتح سد يأجوج ومأجوج، والمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول إلى يوم ~~القيامة. # قال في البرهان: وهو من أشراط الساعة. # ورونيا عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وعلى ms1179 آله وسلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام قائما في بيتها فقال: ((لاإله إلا الله ~~ثلاثا، ويل للعرب من أمر قد اقترب، قد فتح اليوم سد يأجوج ومأجوج مثل هذا)) ~~وأشار بيده إلى عقد التسعيه، ويأجوج ومأجوج هما أخوان لآب وأم وهما من ولد ~~يافث بن نوح، وفي اشتقاق اسمهما قولان: # أحدهما: أنه مشتق من أجت النار، والثاني من الماء الأجاج، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هم قبيلتان، ويمكن الله عز وجل ~~سماهما يأجوج لشدة أججهم وهو الحسن، والصوت قال الشاعر: # كأن أجيج الريح في غباهما # نسرين طارا أو جفا كلاهما # وذكر المرتضى عليه السلام مثل هذا وسيأتي في آخر سورة الكهف إن شاء الله ~~تعالى {وهم} أي الناس المسوقون إلى المحشر، وقيل: يأجوج ومأجوج {من كل حدب ~~ينسلون} أي يخرجون. PageV17P241 # قال محمد بن القاسم عليه السلام: الحدب هو كل ما ارتفع من الأرض، واحدودب ~~كالتلاع والربا والآكام، وما أشرف من الأرض فهو حدب، ونسولهم إسراعهم في ~~المشي وعجلهم عند أمر الله النازل في القيامة بهم، انتهى؛ لأن معنى نسل ~~وعسل أسرع قال امرؤ القيس: # فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي # وقال الشاعر: # عسلان الذيب يمشي غارثا # برد الليل عليه فنسل # قال في البرهان: أما قوله: {واقترب الوعد الحق} فلا شبهة أن الوعد ~~المذكور هو الموعود الذي هو يوم القيامة، والواو زائدة لأن اقترب جواب حتى، ~~وقيل: معطوف على فتحت داخل في جملعة الشرط أي لا يزالون على كفرهم إلى فتح ~~السد، واقتراب الوعد. # وقوله: {فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} جواب إذا فتحت، وهي ضمير منهم ~~للشأن فإذا هي إذ المفاجأة تقع في المجازاة سادة مسد الفاء فإذا جاءت الفاء ~~معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والشخوص في الإبصار هو انقلاب ~~البياض على السواد لما عاينوا من الهول في يوم التناد، وقيل: مفتوحة ~~الأجفان مرتفعة النظر، لا تطرق من هول ما ترى فحينئذ ترجعون، وتقولون: ~~{ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا} الهول ms1180 يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا ~~إنه غير كائن، {بل كنا ظالمين} لأنفسنا بتلك الغفلة وبالإعراض عن الله، ثم ~~قال تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله} أي الأصنام وإبليس وأعوانه لأنهم ~~بطاعتهم لهم في حكم العبد لهم. # وقوله: {إنكم} خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان أي يقال يوم القيامة {إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} أي حطبها أن الحصب المحصوب به أي المرمي ~~به؛ لأنهم يحصبوا بهم أي يرمي بهم فيها{أنتم لها واردون} أي داخلون. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى حصب جهنم أي بمنزلةحصبها ~~وحجارتها، والحصب هو الحصى والحجارة، قال الشاعر: PageV17P242 # حلقوا وحصبوا كل الجمر # بالسبع والسبع والسبع الأخر # وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله سبحانه ~~أن كل من عبد من دون الله أحدا وكان المعبود من دون الله راضيا بذلك من فعل ~~العابدين فإنه ومن عبده حصب جهنم فهو حطبها ووقودها {أنتم لها واردون} يريد ~~أنتم إليها صائرون وفيها داخلون، والعبادة فقد تكون على معنيين: # فمنها عبادة ربوبية، ومنها عبادة سمع وطاعة واستقامة من الأمور لأمر ~~الأمر، فأما عبادة الربوبية فهو مثل من قد عبد النجوم والمسيح، وعبد العزيز ~~وعبد اللات والعزى وودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، فهؤلاء يعبدهم من يعبدهم ~~عبادة ربوبية يتخذونهم آلهة من دون الله يتقربون في عبادتهم في قولهم: إلى ~~الله ولا يعبدون الله إجلالا زعموا وإعظاما من أن يعبدوه فاتخذوا هؤلاء ~~أربابا من دون الله يعبدونهم لكفرهم وضلالهم وغيهم وإفكهم، وعبادة الطاعة ~~والاستقامة مثل عبادة من أطاع إبليس فنهاهم الله عز وجل عند عبادته وهي ~~طاعته وذلك قوله: {ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} فاليشطان لعنه الله لم يعبده أحد ~~من الناس عبادة ربوبية وإنما عبادته لهم فيما نهاهم الله في الطاعة له فيما ~~يأمرهم به ويوسوس لهم، وكذلك معنى قوله: {وأن اعبدوني } يريد أطيعوني ولا ~~تطيعوا أمر أبليس اللعين، انتهى. # ومعنى ms1181 قوله تعالى: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} أي يقال لهم لو كان ~~الأصنام أربابا كما تقولون إذا ما عذب هؤلاء المشركون، ولما وردوا جهنم ~~ودخلوها مع الكافرين، ثم أنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة: # أحدها: الخلود، فقال: {وكل فيها} أي كل من العابدين والمعبودين فيها ~~{خالدون} وهو تفسير لقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله}. PageV17P243 # وثانيها: قوله: {لهم فيها زفير}. # قال الخليل: الزفير أن يملأ الرجل صدره غما ثم يتنفس. # قال أبو مسلم: وقوله: لهم، عام لكل معذب فيكون لهم زفير من شدة ما ~~ينالهم. # ثم قال الهادي عليه السلام: أولئك المتجبرون على الله الفراعنة، ~~والطواغيت والكفرة العفاريت الذين أضلوا عباد الله واتخذوهم خولا ~~واستمالوهم إلى عبادتهم بزخرف الدنيا، والعبادة ها هنا هي الطاعة، فأخبر ~~الله أنه من مات من أولئك فإنهم خالدون في جهنم لهم فيها زفير، والزفير فهو ~~التأوه والتوجع، والكرب والتألم للعذاب. # والثالث: قوله عزوجل: {وهم فيها لا يسمعون} أي لا يسمعون صوت بشارة كما ~~بشر المؤمنون ولا صوت لهم فيه سرور ولا فرح، فأما سمعهم في جهنم فجديد، ~~وبلائهم في كل يوم فجديد، انتهى. # وقيل: قد صموا وعموا من حر النار والعذاب، وقيل: يجعلون في توابيت من نار ~~لا يسمعون وهذا ضعيف ؛ لأن أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة ولذلك يستغيثون ~~بهم على ما ذكر الله في سورة الأعراف. # ثم اعلم أن عادة الله سبحانه انه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب ~~الأبرار، ولهذا السبب ذكر عقب هذه الآية قوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى} # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه سبقت لهم منا المواعيد الحسنة ~~والبشارات في القرآن إذا اهتدوا بما شرط الله عليهم في منزل الفرقان. # قال الهادي عليه السلام: يعني وجب لهم منا الحكم بالحسنى في دار الدنيا ~~وتقدم منا في حياتهم الدنيا وجوب الوعد بالحسنى والحسنى فهي الثواب والرحمة ~~ووجوب المغفرة ورفع الدرجة، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح أحوال ثوابهم في ~~الدنيا في أمور خمسة: # أحدها: ms1182 {أولئك عنها مبعدون}. PageV17P244 # قال عليه السلام: يخبر أن هؤلاء الذين وجب لهم من الله في الدنيا ما أوجب ~~من الحسنى عنها مبعدون فهي النار، نعوذ بالله من النار، والذين سبق لهم من ~~الله هذا في الدنيا والآخرة فهم المؤمنون بالله العارفون به المثبتون لعدله ~~وتوحيده القائلون بصدق وعده ووعيده والعارفون بفضل الجهاد في سبيله ~~الموالون لأوليائه والمعادون لأعدائه المؤدون لجميع فرائضه القائمون ~~بطاعته، التاركون معصيته المستقيمون على واضح سبيله، رحمة الله عليهم ونسأل ~~الله أن يجعلنا في حكمه كذلك وأن يرزقنا برحمته ذلك وأن يفعل بنا ما يفعل ~~بأولئك إنه ولي حميد، انتهى. # قال في البرهان: وهذه الآية عامة في كل من سبقت له الحسنى. # الصفة الثانية من الأمور: قوله تعالى: {لا يسمعون حسيسها} أي صوتها الذي ~~يحس بالسمع، والمراد تأكيد بعدهم عنها؛ لأن من لم يدخلها وقرب منها قد يسمع ~~حسيسها. # الصفة الثالثة: قوله سبحانه: {وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون} والشهوة ~~طلب النفس للذة، يعني نعيمها مؤبد. # وقوله: {وهم في ما اشتهت} يدل على أن المراد بالذين سبقت لهم مؤمنوا ~~البشر؛ لأنهم الذين عهد وعهدهم بالجنة وبإدراك الشهوات فيها وتلتقي ~~الملائكة وما ذكر من الصفات. # الصفة الرابعة: قوله: {لا يحزنهم الفزع الأكبر}، يقال: حزنه الأمر وأحزنه ~~بمعنى واختلف في الفزع الأكبر قبل أهوال الآخرة وحين تضيق جهنم على أهلها ~~وقيل: الأكبر النفخة الأخيرة وقيل: الإنصراف إلى النار، وقيل: حين يطبق على النار. # الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وتتلقاهم الملائكة} على أبواب الجنة ~~يهنئونهم ويقولون: {هذا يومكم الذي كنتم توعدون} من ربكم. # قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم، والله أعلم. PageV17P245 # وأما قوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} فالتقدير لايحزنهم ~~الفزع الأكبر، {يوم نطوي السماء} أو تتلقاهم الملائكة {يوم نطوي ~~السماء}وقرئ تطوى السماء على البناء للمفعول. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: كطي السجل أي كطي الورق من القراطيس ~~للكتاب المسطور. # وفي البرهان: السجل: الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتاب. # أما قوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق ms1183 نعيده}، فقالوا: انقطع الكلام عند ~~قوله تعالى: الكتاب، ثم ابتدأ فقال: {كما بدأنا} ومنهم من قال: أنه تعالى ~~لما قال: {وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} عقبه بقوله: {يوم ~~نطوي السماء كطي السجل للكتب}، فوصف اليوم بذلك ثم وصفه بوصف آخر {كما ~~بدأنا أول خلق نعيده}. # قال في الكشاف: أول خلق مفعول نعيد الذي يفسره نعيده، والكاف مكفوفة بما، ~~والمعنى نعيد أول خلق كما بدئنا تشبيها للإعادة بالإبتداء في تناول القدرة ~~فهما على سوى أي كما أوجدناه أولا عن عدم كذلك نعيد ثانيا عن عدم. # فإن قلت: وما أول الخلق حين يعيده كما بدأ؟ # قلت: أوله إيجاده عن العدم فكما لوجوده أولا عن العدم يعيده ثانيا عن ~~عدم، والمعنى أنا قادرون على الإعادة كقدرتنا على الابتداء. # وقوله{وعدا علينا} تأكيد لنعيده، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقلوه: {إنا كنا ~~فاعلين} أي قادرين على ذلك، وفائدة كان الدلالة على أن قدرته على البعث صفة ~~ذاتية ثابتة له في الماضي ثبوتها في المستقبل انتهى. # ثم قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور} زبور داود { من بعد الذكر} أي ~~التوراة وقيل: الزبور اسم الجنس، وما أنزل الله من الكتب، والذكر أم الكتاب ~~أي من بعد كتابته في الذكر. PageV17P246 # وأما قوله تعالى: {أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ففيه وجوه: # أحدها: المراد بالأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون ~~بطاعة الله، فالمعنى أن الله كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام أنهم سيورث ~~الجنة من كان صالحا من عباده، وهذا قول الحسين بن القاسم عليهما السلام، ~~وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية، وهؤلاء ~~أكدوا هذا القول بأمور: # أما أولا: فقوله تعالى: {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}. # وأما ثانيا: فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت. # وأما الأرض الدنيا فإنها للصالح وغير الصالح. # وأما ثالثا: فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة، الأرض ~~التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة. # وأما رابعا: فقد روي في الخبر ms1184 أنها أرض الجنة؛ لأنها بيضاء نقية. # وثانيها: أن المراد من الأرض الدنيا، فإنه سبحانه وتعالى يورثها المؤمنين ~~في الدنيا. # قال في البرهان: والعباد الصالحون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وأهل بيته الطاهرون الذين حكم الله لهم بالأرض وأورثها إلى يوم القيامة، ~~إذا مضى منهم حجة جاءت حجة حتى يملك أولاده المشارق والمغارب، انتهى. # فإن قيل: قد رأينا كثيرا منهم لم ينل من الأرض شيئا. # وقد قلت: أن الله أورثهم إياها إلى يوم القيامة. # قيل له ولا قوة إلا بالله: والمراد حكمه تبارك وتعالى بالأرض لأئمة الهدى ~~لو لم ينالوا منها شيئا؛ لأنها في حكم الله لهم ولو اغتصبها أعدا الله ~~وأعداؤهم وأخذوا من ذلك وتناولوا من الملك الحقير ما ليس لهم ليثيب الله ~~أولياؤه على اجتهادهم ويعذب أعداؤه على ظلمهم، ذكر هذا الهادي عليه السلام. PageV17P247 # وثالثها: هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون ودليلهم قوله تعالى: {وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا}، ثم الآخر ~~يرثها أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند نزول عيسى عليه السلام، ~~والله أعلم. # ثم قال تعالى: {إن في هذا } المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعيد ~~والمواعظ {لبلاغا} أي كفاية تبلغ إلى المقصود {لقوم عابدين} أي مطيعين لله ~~خصهم؛ لأنهم المنتفعون به. # قال في البرهان: يعني في القرآن بلاغ إليهم عن المعصية وتبعتهم على ~~الطاعة ويبلغهم بعد ذلك إلى رضوان الله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} أي ~~نعمة على المحتاجين، وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة على الكافر ~~والمسلم إلا أن يحرم الكافر نفسه من الثواب والطاعة؛ لأنه جاء بما يسعدهم ~~ومن خالف فإنما أتى من قبل نفسه، وقيل: وجه كونه رحمة للفجار تأخيره ~~عقوبتهم ورفع عذاب الاستئصال عنهم في الدنيا. # ثم اعلم أنه تعالى لما أورد على الكفار الحجج في أن لا إله سواه من ~~الوجوه التي تقدم ذكرها وأخبر أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين أتبع ذلك بما ~~يكون إعذارا وإنذارا في مجاهدتهم والإقدام عليهم، ms1185 فقال سبحانه: {قل إنما ~~يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} إنما للحصر والمعنى الوحي مقصور على تفرد ~~الله بالوحدانية وفيها دلالة على أن صفة الوحدانية تصح إن كان بطريق السمع، ~~ثم قال تعالى: {فهل أنتم مسلمون} أي مخلصون التوحيد له والعبادة،{ فإن ~~تولوا} أي أعرضوا عن الإخلاص لله وتنزيهه عن الشركاء، {فقل آذنتكم على ~~سواء} معنها أعلمكم مستوين في الإنذار لم أكتمه عن أحد، والإيذان ها هنا هو ~~الإعلام إذن إذا علم منقول من إذن إذا أعلم، قال الشاعر: # وآذنتك غداة البين إذ رحلت # سلمى وجارتها البيض الغرابيب PageV17P248 أي أعلمتك ثم كثر استعماله في معنى الإنذار، ومعنى قوله: {وإن أدري} أي ما ~~أعلم {أقريب أم بعيد ما توعدون} غلبت المسلمين إياكم وقيل: من القيامة ؛ ~~لأن الله لم يطلعني على وقته وما يعلم ذلك إلا الله {إنه يعلم الجهر من ~~القول} أي ما جهر به الطاعنون في الإسلام {ويعلم ما تكتمون} في صدوركم من ~~الإحن ومجازيكم على الكل، والمقصود من ذلك الأمر بالإخلاص وترك النفاق لأنه ~~تعالى إذا كان عالما بالضمائر وجب على العاقل أن يبالغ في الإخلاص. # قوله: {وإن أدري} كرر نفي العلم تأكيدا، ومعنى {لعله فتنة لكم} أي امتحان ~~واختبار {ومتاع إلى حين} أي تنفيع لكم بالمنافع العاجلة إلى وقت موتكم، ~~المعنى: وما أدري لعل تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون أو ~~تمتيع إلى حين لتقوم الحجة عليكم، وليقع في وقت فيه حكمة. # أما قوله تعالى: {قال رب احكم بالحق}. # قال في البرهان: يعني عجل الحكم وافصل بيننا وبين المشركين بما يظهر به ~~الحق للجميع، انتهى. # قيل: أمر باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر، ومعنى للحق لأتحابهم وشدد ~~عليهم كما هو حقهم، وناقشهم ولا تسامحهم، وكما يقال للحاكم: العدل أقض ~~بالحق، والمعلوم أنه لا يقضي إلابه، ثم قال: {وربنا الرحمان المستعان} على ~~الصبر {على ما تصفون} أي تقولون من الكفر والإيذاء لرسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم، والمؤمنين أو على ما تكتمون أو تكذبون وتصفون من ms1186 ~~ألسنتكم، وكانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه ويطمعون أن تكون لهم ~~الغلبة على المؤمنين فكذب الله ظنونهم ونصر رسوله والمؤمنين عليهم وخذلهم، ~~وخيب آمالهم. PageV17P249 # قال بعض العلماء: ختم الله تعالى هذه السورة بقوله: {قال رب احكم بالحق} ~~لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلغ النهاية في البيان لهم وبلغوا ~~النهاية في أذيته وتكذيبه، فصار أمره سبحانه بذلك تسلية له وتعريفا أن ~~المقصود تعلمهم فإذا ابوا إلا التمادي في كفرهم فعليك الانقطاع إلى ربك ~~ليحكم بينك وبينهم بالحق. # أما تعجيل العقاب بالجهاد أوتغييره أو بتأخير ذلك، فإن أمرهم وإن تأحر ~~فهو كائن، وما هو كائن قريب، وفيما روي أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى امره أن يقول هذا القول ~~كالاستجلاب للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق. والله أعلم. PageV17P250 ### || AUTO سورة طه # مائة وثلاثون وخمس آيات في الكوفي وأربه في الحجازي، وثنتان في البصري، ~~ومائة وأربعون في الشامي، مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {طه}. # قال بعضهم: فيه للمفسرين قولان: # الأول: أنه من حروف الهجاء. # والثاني: أنه كلمة مفيدة. # أما القول الأول فقد مر الكلام فيه وزادوا ها هنا أمورا: # أحدها: قال الثعلبي: ط شجرة طوبى، والهاء الهاوية، كأنه أقسم بالجنة ~~والنار. # وثانيها: عن جعفر الصادق عليه السلام: الطاء طهارة أهل البيت، والهاء ~~هدايتهم. # قلت: رواه المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليهم السلام في الشافي، ~~بإسناد رفعه إلى الثعلبي، قال: قال: في تفسير قوله تعالى: {طه}. # ققال قال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: طه طهارة أهل البيت عليهم ~~السلام، ثم قرأ {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا}، انتهى. # وثالثها: عن سعيد بن جبير: هو افتتاح اسمه الطيب، الطاهر الهادي. # ورابعها: الطاء من الطهارة والهاء من الهداية، كأنه قيل: # ياطاهرا من الذنوب ويا # هاديا إلى علام الغيوب # إلى أن عد أمورا سبعة ثم قال: وقد عرفت فيما تقدم أن امتثال هذه الأقوال ~~لايجب أن يعتمد ms1187 عليها. PageV17P251 # وأما القول الثاني وهو من قال: إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين: # أحدهما: معناه يارجل، وهو مروي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد وسعيد بن ~~جبير وقتادة، وعكرمة، والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير: هو بلسان النبطية، ~~وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشة، وقال الكلبي: بلغة ~~عك، وأنشد الكلبي لشاعر: # إن السفاهة طه من خلائقكم # ولا قدس الله أرواح الملاعين # وحكى في البرهان هذا البيت على لغة طي، قال فيه: ويحتمل أن يكون اسما من ~~أسماء الله، وقسما أقسم به، انتهى. # الوجه الثاني: أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتهجد فقام على إحدى ~~رجليه للإستراحة فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معا. # أما قوله تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}، فقال في الكشاف: جعلت طه ~~تعديدا لأسماء الحروف، فهو ابتداء كلام وإن جعلته اسم السورة، احتمل أن ~~يكون قوله: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} خبرا عنها، وهي موضع المبتدأ ~~والقرآن ظاهرا وقع موضع الضمير؛ لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم، ~~وقرئ ما نزلنا عليك القرآن لتشقى، أي ما أوحينا إليك لنعذبك ولا أنزلناه ~~لنتعبك، وقيل: بالسهر في قيام الليل، وقيل: بكثرة تأسفك عليهم على كفرهم ~~وأن لا يؤمنوا. # قيل: إن أبو جهل والنظر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم: إنك شقي، لأنك تركت دين آبائك. # قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((بل بعثت رحمة للعالمين)). # قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد لا تشق نفسك ولا تعذبها ولا تأسف على ~~كفرهؤلاء لإيفائنا، إنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به من آمن وأصلح فلنفسه، ~~ومن كفر، فما عليك إلا البلاغ، وهو معنى قوله تعالى: {إلا تذكرة لمن يخشى} ~~أي ما عليك إلا التبليغ والوعظ، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لامحالة. # وفي الاستثناء قولان: # أحدهما: أنه استثناء منقطع بمعنى لكن. PageV17P252 # الثاني: التقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتحتمل التبليغ إلا ليكون تذكرة ~~كما يقال: ما شاء فهناك بذلك الكلام لتنادي ألا ليعتبر ms1188 بك غيرك، وإنما خص ~~من يخشى بالتذكرة؛ لأنهم المنتفعون بها، وإن كان ذلك عاما في الجميع وهو ~~كقوله: {هدى للمتقين} ثم قال تعالى: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات ~~العلا} ذكروا في نصب تنزيلا وجوها: # يحتمل أن يكون تأكيدا لفعل مثبت مقدر تقديره: نزلناه تنزيلا، أو يكون ~~مفعولا به ليخشى، أو بدلا من تذكرة. # واعلم أنه سبحانه وتعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن خلق ~~الأرض وخلق السماوات على علوها، وفي وصفها بذلك دلالة على عظم قدرة من يخلق ~~مثلها في بعد مرتقاتها، وإنما قال ذلك؛ لأن تعظيم الله يظهر بتعظيم خلقه ~~ونعمه، وإنما عظم القرآن تعظيما له في تدبره، والتأمل في معاينه وحقائقه ~~وذلك معتاد في الشاهد، فإنه تعظيم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون المرسل ~~إليه أقرب إلى الإمتثال. # قال الرازي: فائدة الانتقال من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب أمور: # أحدها:أن هذه الصفات لاتمكن إلا مع لفظ الغيبة. # وثانيها: أنه قال أولا: أنزلناه فخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع، ثم ~~ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين، انتهى. # أما قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} فمعناه على الملك استوى. # فإن قيل: هذا التأويل غير جائز؛ لأن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد ~~العجز وذلك في حق الله تعالى محالا. # قلنا: أن المراد بالاستيلاء هو الاقتدار وإذا كان كذلك فلا معنى لإيراد ~~هذه الشبهة، والله أعلم. PageV17P253 # قال في الكشاف: العرش في الأصل سرير الملك، ولما كان استواء الملك على ~~العرش من توابع الملك ويدل بالعادة على فراغ الملك من كل شغل وهم، جعل ~~كناية عن الملك إذ هي أبلغ كما جعلوا طول النجاد كناية عن طول القامة، وإن ~~لم يكن ثم سرير ولا استواء ولا كان ثم نجاد، ولا سيف ولا طالت حمائله، ~~فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون ملكه، وإن لم يقعد على سرير البتة، ~~وإنما قالوا ذلك لشهرته في هذا المعنى ومساواته ملك في معناه لكنه أبسط ~~وادل على الصورة وكمال الأمر. # ثم ms1189 اعلم أنه تعالى لما شرح عظمة ملكه بقوله: {الرحمان على العرش استوى} ~~والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم، لا جرم عقبه بالقدرة، ثم بالعلم. # أما القدرة فهي قوله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما} ~~وهو الهواء وما فيه من السحاب والرياح وغيرهما {وما تحت الثرى} الثرى: ~~التراب الندي، وهو الذي يكون تحت الظاهر من وجه الأرض، وقيل: أراد ما تحت ~~الأرضين السبع، وهذا تعظيم لملك المنزل للقرآن، ووصفه بسعة الملك كما وصفه ~~بسعة العلم والإحاطة بكل شيء. # أما العلم فقوله: {وإن تجهر بالقول} أي تظهره وتبينه، {فإنه يعلم السر ~~وأخفى} السر: ما أسررته إلى غيرك وأخفى منه وهو ما أخطرته ببالك، أي يعلم ~~هذا فكيف ما جهر به. # قال الحسين بالقاسم عليهما السلام: معناه يعلم ما أسروا من النجوى بينهم ~~وما يسرونه أيضا في أنفسهم، ويعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما لم يسروه بعد ~~ولم يضمروه، ولم يخطر على قلوبهم قط، ولم يعتقدوه. # وفي البرهان: يعني وإن تجهر بالقول لحاجتك إلى الجهر لا لأن الله تعالى ~~لا يعلم إلا بالجهر، فإنه يعلم السر وأخفى، قد صح عندنا في اللغة أن السر ~~ما حدث الإنسان به غيره، وأخفى ما أضمره في نفسه ولم يحدث به غيره، ويجوز ~~أن يكون المعنى أنه يعلم أسرار عباده وأخفى سر نفسه. PageV17P254 # ولما بين تعالى عظمة ملكه وكمال قدرته وإحاطة علمه، بين أن الموصوف بتلك ~~الصفات العظيمة واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة دون غيره، فقال ~~تعالى: {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} الحسنى: تأنيث الأحسن نحو: ~~يا ألله للرحمن الرحيم للغفور الكريم، وإنما كانت أحسن من غيرها من الأسماء ~~لدلالتها على معاني التقديس والتعظيم والربوبية والأفعال النهاية في الحسن. # ثم اعلم أنه تعالى لما عظم حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه أتبع ذلك ~~بما يقوي قلب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذكر أحوال الأنبياء ~~تقوية لقلبه في الإبلاغ، كقوله سبحانه: {وكلا ms1190 نقص عليك من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك} وبدأ بموسى عليه السلام، لأن المحنة بسببه، وله كانت أعظم ~~ليتسلى الرسول بذلك ويصبر على تحمل المكاره، فقال سبحانه: {هل أتاك حديث ~~موسى} أي قد أذاع فاقتد به في الصبر والتحمل للمشاق {إذ رأى نارا} أي هل ~~أتاك حديثه حين رأى. # روي أن موسى عليه السلام استأذن شعيبا صلى الله عليه في الخروج إلى أمه، ~~وكان في مصر حين خرج هاربا من قتل القبطي إلى شعيب، فخرج بأهله فولد له ابن ~~في الطريق في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته ولا ~~ماء معه، وقدح فصلد زنده أي لم يور نارا فرأى النار عند ذلك. # قيل: كانت ليلة جمعة، {فقال لأهله امكثوا} أي أقيموا في مكانكم {إني آنست ~~نارا} أي أبصرت، والإيناس الإبصار البين، {لعلي آتيكم منها بقبس} والقبس هو ~~النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرها، والمقبسة ما يقبس فيه، {أو ~~أجد على النار هدى}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه علما وخبرا من سفرنا وطريقنا ~~وما ينفعنا من الرفق لأنعامنا، انتهى. PageV17P255 # والهدى: ما يهتدى به، وهو اسم مصدر، فكأنه قال: أجد على النار ما أهتدي به ~~من دليل أو علامة، {فلما أتاها نودي ياموسى، إني أنا ربك}. # روي أنه لما نودي يا موسى، قال: من المتكلم، فقال الله: ((أنا ربك)) فكان ~~وسوس إليه أنه كلام شيطان، فقال: عرفت أنه كلام الله بأني سمعته من جميع ~~جهاتي الست، وجميع أعضائي. # روي أنه رأى شجرة العوسج خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء ~~تقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا فخاف وبهت، ثم نودي وكان كلما دنى أو ~~بعد لم يختلف ما كان يسمع من الصوت. # ومعنى قوله: {فاخلع نعليك} أي انزعهما وافسخهما، فإنما أمره بخلع النعلين ~~لأحد أوجه سنذكرها، والله أعلم. # فمن ذلك: أن يكون أمره بخلع نعليه ليقيم في ذلك الوقت ويترك المسير ~~والسفر، ويمكن أن يكون أمره بذلك ليسير حافيا للتذلل والخشوع ms1191 ومباشرة الأرض ~~بقدمه للخضوع، والشكر لله على ما جاد به عليه، وجعل من الخير والنعيم لديه، ~~ويمكن أن يكون امره بذلك تنزيها للبقعة المباركة كما ينزه المسجد من الوطء ~~بالنعال، وترفع وتطهر لذكر الله ذي الجلال، ذكره الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام. # وفي البرهان: إنما أمره بخلعهما ليباشر بركة الوادي المقدس بقدميه، وهذا ~~رويناه عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، انتهى. # ويدل على ذلك التعليل بقوله: {إنك بالوادي المقدس طوى} المقدس: أي ~~المبارك المطهر، قال الشاعر: # كما شبرق الولد أن ثوب المقدس # وطوى: اسم علم للوادي، وينون بتأويل المكان، ولا ينون بتأويل البقعة، ~~وقيل: أنه مر بواديها ليلا فطواه، ثم قال عز وجل: {وأنا اخترتك} للنبوة، ~~على جميع أهل عصرك، {فاستمع لما يوحى} أي للذي يوحى أو للوحي. PageV17P256 # قال الرازي: قوله: {فاستمع لما يوحى} فيه نهاية الجلالة الهيبة، كأنه قال ~~له: قد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل ذهنك وخاطرك مصروفا إليه، وقوله: ~~{وأنا اخترتك} يفيد نهاية العطف والرحمة. # وقوله: فاستمع، يفيد نهاية الهيبة ليحصل له من الأول نهاية الرجاء، ومن ~~الثاني نهاية الخوف. # وروي أنه قال له: يا موسى، أتدري لما اصطفيتك على الناس، وكلمتك تكليما، ~~قال: يارب، لم؟ # قال: لأني أطلعت على قلوب الناس فلم أجد أشد تواضعا لي من قلبك. # أما قوله تعالى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني}. # فقال الرازي: يدل أن علم الأصول مقدم على علم الفروع؛ لأن التوحيد من علم ~~الأصول والعبادة من علم الفروع، وأيضا الفاء في قوله: فاعبدني تدل على أن ~~عبادته إنما لزمت الإلهية. # واعلم أنه سبحانه بعد أمر بالتوحيد أولا، ثم بالعبادة ثانيا، أمره ~~بالصلاة،ثالثا، فقال: {وأقم الصلاة لذكري} أي بذكري، ولكن اللام الزائدة ~~قامت مقام الباء الزائدة؛ لأنهما بمنزلة واحدة أو لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ~~ويصلى لي أو لتذكرني فيها لاشتمالها على الأذكار، أو لتكون ذاكرا إلى غير ~~ناس، أولذكري خاصة ولا تشوبه بذكر غيري ولا أوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة. # ثم اعلم انه تعالى ms1192 لما خاطب موسى بقوله: { فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} أي ~~لأن تذكرني فأذكرك بالأمانة والكرامة. # قال عقيب ذلك: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه أريد أخفيها ولا أعلم أحدا ~~بوقتها، ولا أبديها، والكيد الإرادة في هذا الموضع، قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة # لولا الوشاة بأن نكون جميعا PageV17P257 قال أبو مسلم: كاد بمعنى أريد، ومنه قوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف}، ومن ~~أمثالهم المتداولة: لا أفعل ذلك ولا أكاد أي ولا أريد أن أفعله، وقيل: كاد ~~صلة في الكلام، والمعنى أن الساعة آتية أكاد اخفيها. # قال زيد الخيل: # سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # فما أن يكاد قرنه يتنفس # والمعنى فما أن تنفس قرنه، وقيل: أكاد أخفيها أي أقارب إلا قول هي آتية ~~لفرط إرادتي إخفائها، ولولا ما في الأخبار بإتيانها مع تعمية، وفيها من ~~اللطف لما أخبرت به. # وفي البرهان: أكاد أخفيها أي لا أظهر عليها أحد من خلقي، قال الشاعر: # فإن تدفن الداء لايخفه # وإن تبعثوا الحرب لانقعد # وقيل: أخفيها بمعنى أظهرها في بعض اللغات من خفاه أظهره. # وقوله: {لتجزى كل نفس بما تسعى} أي بما تعمل يعني سعيها من خير وشر. # قال الرازي: إنه تعالى لما حكم بمجيئ يوم القيامة ذكر الدليل وهو أنه ~~لولا القيامة لما تميز المطيع عن العاصي، والمحسن عن المسيء، وذلك غير خاف، ~~وهو الذي عناه الله تعالى بقوله: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار}، انتهى. # قلت: وقد دلت الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى كما تزعمه ~~المجبرة؛ لأنه لو كان مخلوقا لله تعالى لم يكن للعبد سعي البتة، ثم قال ~~تعالى: {فلا يصدنك عنها} أي عن التصديق بها، وهي الساعة، ويجوز أن يريد ~~الصلاة أي عن فعلها من لايؤمن أي يصدق بها. PageV17P258 # قال الرازي: الخطاب في قوله: {فلا يصدنك عنها} يحتمل أن يكون مع موسى وأن ~~يكون مع محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأقرب أنه مع ms1193 موسى عليه ~~السلام؛ لأن الكلام أجمع خطاب له على كلا الوجهين، فلا معنى لقول الزجاج ~~إنه ليس هو المراد وإنما أريد به غيره، وذلك لأنه ظن أن النبي عليه السلام ~~لما لم يجوز عليه مع النبوة أن يصده أحد عن الإيمان بالساعة لم يجز أن يكون ~~مخاطبا بذلك، وليس الأمر كما ظن؛ لأنه إذا كان مكلفا بأن لايقبل الكفر ~~بالساعة من احد وكان قادرا على ذلك جاز أن يخاطب به ويكون المراد هو وغيره، ~~ويحتمل أيضا أن يكون المراد فلا يصدنك عنها، النهي له عن الميل إليهم ~~ومقاربتهم، انتهى. # قال في الكشاف: المراد نهى موسى عن التكذيب وتأويله أن صد الكافر عن ~~التصديق بها بسبب للتكذيب، فذكر المسبب ليدل على السبب أو إن صدق الكافر ~~مسبب عن رخاوة الرجل في الدين، فذكر المسبب ليدل على السبب، كقولهم: لأرينك ~~ها هنا، المراد نهيه عن مشاهدته؛ لأن ذلك سبب رؤيته فهو نهي عن الرخاوة ~~التي يؤثر فيها صد الكافر، كأنه قيل: لاتكن رخوا بل كن في الدين شديدا صلبا. # أما قوله: {واتبع هواه} فالمعنى أن منكر البعث إنما أنكره إتباعا للهوى ~~لا لدليل، وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد؛ لأن المقلد متبع للهوى، ~~لاللحجة. # قوله: {فتردى} جواب النهي أي فتهلك إن صدك، المعنى فلا يصدنك فتردى أي إن ~~صدوك وقبلت فليس إلا الهلاك والنار. # أما قوله: {وما تلك بيمينك ياموسى} فليس هذا سؤال من الله عزوجل ولا ~~يحتاج إلى سؤال موسى، ولكن الله أراد أن يقرره على أنها عصاه التي يتوكأ ~~عليها ويهش بها، فلما قرره بذلك هداه لعجائبها وعظيم ما يخترعه من الآيات ~~فيها، بعد أن تحقق أنها خشبة يابسة. PageV17P259 # قال صلى الله عليه لمولاه لما وقفه وقرره قبل أن يريه ما أراه: {هي عصاي ~~أتوكأ عليها} أي أتكئ بها على الأرض وأعتمد عليها أستعين بها على تعب ~~السفر، والمشي في البلاد، والمسير، {وأهش بها على غنمي} أي أخبط بها الورق ~~وأبتزه وأحته حتا للغنم، وهي الضأن والمعز، قال الشاعر: ms1194 # أهش بالعصا على أغنامي # من ناعم الآثال والبشام # ثم قال: {ولي فيها مآرب أخرى} أي حوائج ومنافع، قيل: كأنه أحس بأمر عظيم ~~يحدثه الله فيها عقيب هذا السؤال، فجعل جوابه مطابقا للفرض الذي فهمه، أي ~~ما هي إلا عصا ليس فيها إلا منافع حبسها، وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ~~ومحجن، فإذا طال الغصن جناه بالمحجن وإن شاكس لواه بالشعبتين، وإذا شاء ~~ألقاها على عاتقه فعلق بها اداته من القوس والكنانة والجلاب أي الإناء الذي ~~يجلب فيه الغنم وتركزها في البرية، ويعرض الزندين على شعبتيها ويلقي عليها ~~الكساء، ويستظل إذا قصر رساه وصله بها، ويقاتل بهل السباع عن غنمه، وقيل: ~~وفيها من الآيات أنه كان يستسقي فتطول بطول البئر، وتصير شعبتاها دلوا، ~~ويكونان شمعتين بالليل، وإذا ظهر عدوا حاربته، وإذا اشتهي ثمرة ركزها ~~فأورقت وأثمرت وكان يحمل عليها زاده وسقاه، فجعلت تماشيه ويركزها فينبع ~~الماء منها، وإذا رفعها نشب، وكانت بقية الهوام. PageV17P260 # وفي التهذيب: كان يشرب من احد شعبتيها اللبن، ومن الأخرى العسل، وفي تعريف ~~الأعلام كان فيها ثلاثة عشر آية ما ذكر ثم حية تلقفها ما ألقته السحرة، ثم ~~ضرب البحر فانفلق ثم ضرب الحجر في التيه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، ولما ~~قال موسى: هي عصاي قال الله عزوجل: {ألقها} أي اطرحها ياموسى، {فألقاها ~~فإذا هي حية تسعى} أي تتحرك وتجري جريا وتمشي بسرعة، ذكرها بلفظ الحية وهي ~~اسم حنش يقع على الذكر والأنثى، وبلفظ الجان والثعبان، والجان الدقيق من ~~الحيات، والثعبان: العظيم منها، وهذا يناقض التأويل أن فيها صفة الجان وعظم ~~الثعبان، وأنها تكون أولا في دقة الجان ثم يعظم ويتزايد جرمها حتى تصير ~~كالثعبان، فأريد بالجان أول حالها، وبالثعبان مآلها، وقيل: ولها عرف كعرف ~~الفرس، وقيل: كان بين لحيتها أربعون ذراعا. # عن ابن عباس: انقلبت ثعبانا تبتلع الصخر والحجر والشجر، فلما رأه تبتلع ~~كل شيء خاف فهرب ونفر، فقال الله سبحانه: {خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى} لأنه لما رأى ذلك الأمر الهائل ملكه الفزع ما ms1195 يملك البشر عند ~~الأهوال، ومعنى سيرتها الأولى هي الحالة من السير كالركبة من الركوب ونقلت ~~هنا إلى معنى الطريقة أي سيردها إلى طبيعتها سجيتها الأولة من سكونها ~~وصورتها وغير ذلك من حالها حتى تصير عضما يابسة مثل غيرها بمنافعها الأول. # والمعجزة الثانية: قوله تعالى{واضمم يدك إلى جناحك} أي ادخلها تحت العضد ~~وجناح الإنسان جانباه، مستعار من جناحي الطائر لأنه يجنحها أي يميلها. # وفي البرهان: إلى جناحك يعني إلى صدرك، قال الراجز: # أضم الصدر والجناح # {تخرج بيضاء من غير سوء} السواد الردأة والقبح، فكنى به عن البرص، كما ~~كنى عن العورة بالسوء لأنها أبغض شيء عند العرب. PageV17P261 # وروى أن موسى عليه السلام: كان أدم أي في لونه سواد، فأخرج يده من مدرعته ~~بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس تغشي البصرة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى إلى جناحك فهو إلى صدرك وموضع ~~جبينك لأنه قال في موضع آخر وأدخل يدك في جيبك، الجيب الصدر. # وروي أن الله أمره بضم يده إلى صدره وحركة جناح قلبه ليسكن قلبه من الفزع ~~والحركة لما رعب من الحية وكان أكثر قراره من خشية الله ليرحمه إذا فر ~~وأنهزم ولئلا يعاقبه بالحية إذا فر إلى الله واسترحم، فلما ضم يده إلى صدره ~~سكن جناح قلبه من الخفقان وخرجت يده بيضاء كبياض نور من الأنوار في البيان ~~وجعلها الله آية ثانية مع الثعبان، وذلك قوله {آية أخرى}مضافة إلى العصاء، ~~ومعنى قوله {لنريك} أي خذهالنريك{من آياتنا الكبرى} يحتمل أن الكبرا صفة ~~لآياتنا ويكون عائدا إلى الكل، وأنه غير مختص باليد، ويحتمل أن يكون مفعولا ~~بآيتنا، لنريك أي لنريك الكبرى من آياتنا. # قال ابن عباس كانت يد موسى أكبر آياته، ثم أنه عزوجل لما أظهر له هذه ~~الآية عقبها بأن أمره بالذهاب إلى فرعون فقال تعالى:{ اذهب إلى فرعون إنه ~~طغى} فبين تعالى العلة في ذلك وهي أنه طغى أي زاد في الظلم والكبر وجاوز في ~~الفساد كل غاية ليحذره وينذره. # واعلم أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه ms1196 السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ~~ذلك تكليفا شاقا، فلا جرم سأل ربه أمورا ثمانية، ثم ختمها بما يجري مجرى ~~العلة لسؤال تلك الأشياء. # الأول منها قوله تعالى {قال رب اشرح لي صدري} أي فسحه لاحتمل ما كلفت من ~~الإرسال وما عسى أن ترد من الشدائد التي تذهب بصيرة الصابر الحليم، فمعنى ~~أشرح لي صدري أي وسع قلبي، وهذا جائز عند العرب، يذكرون الصدر، وإنما ~~يريدون القلب لأنه في الصدر. # قالت الخنسى في أخيها،............... وكان بليج الوجه منشرح الصدر. PageV17P262 # وأحسن من هذا قول الهادي إلى الحق: يمدح ولده المرتضى عليهما السلام: # ومن يعرف الأقران في الحرب فضله # إذا التفت الأبطال في معرك وعر # ودرأت كؤوس الموت بين حماتها # وأولجت المران في ثغر النحر # فحينئذ تلقى أبا القاسم الذي # له الفخر مقداما بها واسع الصدر # يريد عليه السلام أنه لا يخف قلبه، ولايضيق عند القتال، ولايجبن، ولكنه ~~عند ذلك منشرح القلب ثابت الوهل، واللب ليقينه ومعرفته بالرحمان وسروره ~~بالجهاد والهرب من النيران مع جوده ماركب الله في صدره بالمن والإحسان، ~~وإنما طلب موسى عليه السلام من الله أن يوسع صدره من الضيق والغيض، والحرد، ~~لأنه عليه السلام: حكيم، والحكما لايريدون الحدة لأنفسهم ولالغيرهم، ولا ~~يأمقون ولايهوون ضيق الصدور لما في ذلك من نقصان العقول وقبائح الأمور، ومن ~~ألهم نفسه ضيق الصدر قل ثباته وتغير فكره ومقته الناس وفسد أمره. # ثانيها: قوله {ويسر لي أمري} أي سهل علي شأني وديني وجميع أحوالي من أمر ~~االخلافة والنبوة وما أقاسي من جلائل الخطوب. # وثالثها: قوله {واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي} أي لثغا ورتنا كان في ~~لسانه وذلك موجود في السن كثير من الناس. # وروي أنه كان في لسان محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن صلوات الله عليهم. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحليه بذلك ويصفه ويقول ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما روي والله أعلم: ((ياعلي أصغر ولدك يدرك ~~المهدي))، يعني محمد بن عبد الله النفس ms1197 الزكية من ولد الحسن وكان أصغر ~~أولاد أمير المؤمنين بنت له تسمى فاطمة ابنة أمير المؤمنين، فأوصى أبوها أن ~~تقرأ له عليه السلام. # وروي أنه وجه إليه معها بهدية لا يدري ما هي، فلما بلغ صلوات الله عليه ~~أوصلت إليه الرسالة من امير المؤمنين، وكانت قد عرفته وهو مولود بالخلية ~~والنعت والعقدة التي بلسانه، ولم تكن العقدة مانعة له من الخطب والكلام ~~البليغ بل كان طلق اللسان. PageV17P263 # قالت: الجنان لم يمنع ذلك وربما كان الثغ في بعضهم حسنا يخف على السامعين ~~ويعجب لحسنه من بعض الأر..... # ورابعها: قوله تعالى: {واجعل لي وزيرا من أهلي}. # وخامسها: أن يكون الوزير من أهله أي من أقاربه. # وسادسها: أن يكون الوزير الذي هو من أهله أخوه، وذلك قوله: {هارون أخي}. # وسابعها: قوله: {اشدد به أزري} أي قوتي وأمري، والأزر القوة، وأزره قواه، ~~والوزير وهو المعين الذي يؤازره، وإنما سمي وزيرا لأنه قوة لصاحبه وأزره، ~~وقيل: إنه سمي وزير لحمله عن صاحبه بعض وزره ومؤنته وتعبه؛ لأن السلطان ~~لايستغني عن وزير يعينه على ثقل مؤنة العباد وما لا بد منه من مصالح ~~البلاد. # وثامنها: قوله: {وأشركه في أمري} من النبوة وغيرها، وغير ذلك من النعم ~~العظام عليه لما فيه من وجوه المصالح، ثم قال: {كي نسبحك كثيرا} لأن ~~التعاون يهيج الرغبات والذكر هنا عام، والتسبيح تنزيه الله تعالى في ذاته ~~وصفاته، وأفعاله عما لا يليق به. # وأما قوله: {إنك كنت بنا بصيرا} ففيه وجوه: # أحدها: أنك عالم بأنا لا نريد بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ولا نريد به ~~أحد سواك. # وثانيها: كنت بنا بصيرا بالاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها. # وثالثها: بأنك بصير بوجوه مصالحنا فاعطنا ما هو أصلح لنا، وإنما قيد بهذا ~~إجلالا لربه عن أن يتحكم عليه، وتفويضا بالكلية إليه. # ثم اعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه الأمور الثمانية، وكان في ~~المعلوم أن قيامه بما كلف لا يتكامل إلا بإجابته إليها، لا جرم إجابة الله ~~تعالى إليها ليكون أقدر ms1198 على الإبلاغ على الحد الذي كلف، فقال سبحانه: {قال ~~قد أوتيت سؤلك ياموسى} يعني استجبنا دعائك، ثم قال: {ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى} قبل هذا وهي {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} أي أمرا لا سبيل إلى العلم ~~به إلا بالوحي. PageV17P264 # قال الرازي: أما قوله: {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} فقد اتفق الأكثرون على ~~أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل، فلا يكون المراد من ~~هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء، وكيف يكون ذلك والمرأة لا تصلح ~~للقضاء والإمامة، وعند الشافعي لاتتمكن من تزويج نفسها، فكيف تصلح للنبوة، ~~ويدل عليه قوله تعالى: {وما أرسلنا إليهم قبلك إلا رجالا نوحي إليهم}، وهذا ~~صريح في في الباب، وأيضا قالوا: الوحي جاء في القرآن لا بمعنى النبوة، قال ~~تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} وقال الله تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين}، ~~ثم اختلفوا في المراد من هذا الوحي فقيل: على لسان نبي في وقتها، وقيل: في ~~النوم، وقيل: إلهام. # قال في النهاية: الإلهام نوع من الوحي يخص الله به من يشاء عباده. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: الوحي يخرج على وجوه أربعة: # منها: وحي إلهام وإلقاء في القلوب من ذي الجلال والإكرام، مثل ما ذكر ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سأل جبريل الروح الأمين فقال: ((كيف ~~تأخذ الوحي من رب العالمين))؟ # فقال: آخذه من إسرافيل. # قال: (( كيف يأخذه إسرافيل))؟ # قال : يأخذه من ملك فوقه. # قال: ((كيف يأخذه ذلك الملك)). # قال: يلقى في قلبه إلقاء ويلهمه إلهاما. # والوجه الثاني: وحيه إلى أنبيائه المصطفين بالمشافهة والمكالمة لهم من ~~الملائكة المقربين، ولك قوله: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح... الى ~~قوله: {وآتينا داوود زبورا}. # والوجه الثالث: فهو الجعل والتقدير للإصلاح والتدبير، وذلك قوله سبحانه: ~~{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها...} إلى آخر الآية. PageV17P265 # الوجه الرابع: فوحي الله عز وجل فيما يراه الأنبياء عليهم السلام في منامهم ~~من ذلك قول إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما ms1199 السلام: {يابني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك} فكان في ذلك وحي من الله وأمر، والدليل على ذلك قول إسماعيل: ~~{ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}، فدل بذلك على انه ~~وحي وأمر، وما روي، وقيل: وحي الله إلى أم موسى أنه كان في المنام أرته، ~~فإن يكن ذلك كذلك فهو داخل في ذلك وإن لم يكن كذلك كان من الله سبحانه ~~إلهاما ألهمها إياه، فذلك ما لانشك فيه؛ لأن الله على كل شيء قدير، ولا ~~أحسب والله أعلم إلا أنه كان وحيا في منامها؛ لأنه عز وجل يقول: {يأخذه عدو ~~لي وعدو له}، وهذا القول، فإن يكن إلهاما؛ لأنه خبر وقصص. # وقول: وإنما يلهم من الأشياء ما كان فعلا يدرك بالعقول وتميز المعقول، انتهى. # اعلم أن المنن المذكورة ها هنا ثمانية: # الأولى: قوله: {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى}، إلى قوله: {يأخذه عدو لي ~~وعدو له}. # وأما قوله: {أن اقذفيه} يعني موسى أي ألقيه وضعيه في التابوت فإنه فسره؛ ~~لأن الوحي بمنزلة القول، والقذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع، ومنه قوله: ~~{وقذف في قلوبهم الرعب}، ثم قال: {فاقذفيه في اليم} أي بحر النيل لما خافت ~~عليه من فرعون أوحى إليها بذلك، فجعلته في تابوت وجصصته، وقيرته ثم طرحته ~~في اليم {فليلقه اليم} بأمرنا {بالساحل} أي على الساحل، وهو البر المتصل ~~بالبحر؛ لأن الماء يسحله أي يقشره. # قوله: {فليلقه اليم} أمر للبحر على سبيل المجاز لما كان الإلقاء هناك ~~كائن لا محالة، فجعل كالمأمور المطيع الممتثل لما رسم. # وقوله: {ياخذه} جواب الأمر أي اقذفيه {يأخذه عدو لي وعدو له} أي فرعون. PageV17P266 # المنة الثانية: قوله سبحانه: {وألقيت} منهم { عليك محبة مني} أي وضعت وجعلت ~~عليك خفة وحلاوة من فضلي ورحمتي لك حتى إذا نظرك فرعون أحبك ولم يسمح ~~بفراقك، وقبلك في حال طفولتك وصغرك، وإنما أراد الله عزوجل أن يغيضهم ~~بمحبته وخفة روحه، وحلاوته ليرغبوا فيه ولا يسخوا بمفارقته، ولا تطاوعهم ~~انفسهم إلى قتله وهلكته، فلما وجده فرعون ms1200 في التابوت مطروحا فتن بمحبته ~~وهواه واتى به إلى أهله وآواه، فلما راته زوجة فرعون رغبت في اتخاذه ولدا ~~ولم ترى مثله قط مولودا. # المنة الثالثة: قوله: {ولتصنع على عيني} أي جعلت لك تلك المحبة لترني ~~ولتكون ولتغذا بعيني أي بعلمي ومشهادتي فأنا مراعيك كما يراعي الرجل ما ~~يعتني بحفظه بعينه. # وفي البرهان: يعني لتصنع أمك بك ما صنعت على عيني. # والمنة الرابعة: قوله: {إذ تمشي أختك} أسمها مريم جأت متعرفة خبره، ~~فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها. # روي أنه لما فشى الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما وجدوه في النيل وكان ~~لايرضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير ~~أمه إضطروا إلى تتبع النساء، فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت تمشي إليهم متنكرة ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله أي يرضعه، قالوا نعم، فجاءت بالأم فدفع إليها ~~فقبل ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير وهو معنى ~~قوله تعالى{فرجعناك إلى أمك} أي رددناك إليها{كي تقر عينها} أي تطيب نفسها ~~ولاتحزن لفراقك والشجن من أجلك. # المنة الخامسة: قوله تعالى: {وقتلت نفسا} أي نفس القبطي الذي استغاثه ~~عليه الإسرائيلي قتله وهو أبن اثنتي عشرة سنة واغتم بسبب القتل خوفا من ~~عذاب الله وإن كان قبل بلوغه كما هو عادة الصالحين في صغرهم، أو خوفا من ~~فرعون {فنجيناك من الغم} نجاه الله من عقابه باستغفاره ومن فرعون بالمهاجرة ~~إلى مدين. PageV17P267 # قال الرازي: في قوله {وقتلت نفسا} المراد قتلت بعد كبرك نفسا. # قال فحصل له الغم من وجهين، من عقاب الدنيا وهو إقتصاص فرعون على ما حكى ~~الله عنه فأصبح في المدينة خائفا يترقب، والآخر من عقاب الله حيث قتله لا ~~بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغم. # المنة السادسة: قوله سبحانه{وفتناك فتونا} أي ضروبا من الفتن والمحنة، ~~ومعناه في لغة العرب إختبرناك إختبارا، قال الشاعر: # فتنا تبركم فأبا خلوصا # وعودك حنيناه فخارا # وقيل: معناه خلصناك من محنة بعد محنة. ms1201 # الأولى: أنها ولدته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال، ثم ~~إلقاؤه في اليم، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جرة لحية فرعون حتى هم ~~بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبر بما ~~عزموا عليه من قتله. # المنتة السابعة: قوله تعالى {فلبثت سنين في أهل مدين} أعلم أن ~~التقدير{وفتناك فتونا} فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم، ومدين ~~قرية شعيب عليه السلام، على عشر مراحل من مصر، واختلف في مدة اللبث فقيل: ~~لبث في مدين عشر سنين مدة الإجارة، أو فى الآجلين. # وعن وهب: لبث عنده ثمانيا وعشرين سنة منها مهر إبنته قضى أوفى الآجلين ~~وتزوج كبر البنتين صغرى، {ثم جئت على قدر ياموسى} أي جئت من مدين على وقت ~~القيام وفي عين غاية الكمال والتمام يعني على قدر الرسالة والنبوة، ويجوز ~~أن يكون على موعد، قال الشاعر: # نال الخلافة أو كانت له قدر # كما آتى ربه موسى على قدر # المنتة الثامنة: {واصطنعتك لنفسي}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: الإصطناع هو الإفتعال، وهو الفعل له ~~والتصوير، والله المتولي كما ذكر لصنع تدبيره، ومعنى لنفسي فهو بنفسي ~~وقدرتي، ولكن اللام قامت مقام الباء. # وفي البرهان : {واصطنعتك لنفسي} أي لرسالتي. PageV17P268 # قال في التجريد: هو تمثيل لما كرمه الله به من التكليم واختياره له من ~~الرسالة بحال من يرا بعض الملوك أهلا للتعريب بجوامع خصال فيختصه لنفسه فلا ~~يبصر إلا بعينه ولايسمع إلا بأذنه، ولايأمن على سره غيره، ويحتمل أنه من ~~الصنعة، أي صنعتك لنفسي على جهة التمثيل، وقيل: لنفسي بمعنى عن نفسي، أي ~~تبلغ العباد عني الرسالة. # ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد المنن الثمانية في مقابلة الأمور ~~الثمانية اتبع ذلك أمرا ونهيا. # أما الأمر فإنه سبحانه أعاد الأمر الأول فقال عزوجل {اذهب أنت وأخوك} ~~هارون{بآياتي} إلى فرعون، اختلفوا في الآيات المذكورة هاهنا على ثلاثة أقوال: # أحدها: اليد والعصاء لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر ~~المواضع التي ms1202 اقتص الله فيها حديث موسى عليه السلام، فإنه تعالى لم يذكر في ~~شيء منها أنه عليه السلام قد أوتيى قبل مجيئه إلى فرعون ولابعد مجيئه حتى ~~لقى فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين، قال تعالى: {فأت به إن كنت من ~~الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء ~~للناظرين} وقال {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه} فإن قيل لهؤلاء كيف ~~يطلق لفظ الجمع على الآيتين، أجابوا أن العصاء ماكانت آية واحدة، بل كانت ~~آيات، فإن إنقلاب العصاء حية آية، ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة كقوله ~~تعالى{تهتز كأنها جان} ثم كانت تعضيم، وهذا آية أخرى، ثم كانت تصير ثعبانا ~~وهذا آية أخرى، ثم أن موسى عليه السلام كان يدخل يده في فمها فما كانت تضر ~~موسى عليه السلام وهذا آية أخرى. # ثم كانت تنقلب عصاء وهذا آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعائها ~~آية، ثم زوالهما بعد حصولهما آية، فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لاآية واحدة. PageV17P269 # القول الثاني: أن قوله {اذهب أنت وأخوك بآياتي} معناه أني أمدكما بآياتي ~~وأظهر على أيديكما من الآيات ما يزاح به العالم من فرعون وقومه فاذهبا فإن ~~آياتي معكما، كما يقال اذهب فإن جندي معك، أمدك به متى إحتجت. # القول الثالث: أن الله تعالى آتاه اليد والعصاء وحل عقدة لسانه وذلك أيضا ~~معجزة، فكانت الآيات ثلاثة، فهذا شرح الأمر، أما النهي فهو قوله تعالى {ولا ~~تنيا في ذكري} أي لا تفترا في أمري ولا تضعفا في رسالتي، وقيل: لا يغيب ~~ذكري عن قلوبكما فإنه سبب المعونة على تبليغ المراد، أو أراد بالذكر تبليغ ~~الرسالة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وهذا تأكيد من الله سبحانه وتسديد في ~~إنفاذ أمره وإبلاغ حجته وذكره، وقد علم عزوجل أنهما غير مفرطين، ولكنه علم ~~أن الحض أقوى لعزيمتهما، وأكثر لثوابهما وأجرهما، ثم قال بعد ذلك {اذهبا ~~إلى فرعون إنه طغى} أي زاد في الظلم والكفر، {فقولا له قولا لينا} أي لطيفا ms1203 ~~رقيقا وقولا حسنا يخف عليه حتى ينعطف قلبه ويقبل إليه، وليكون أكمل للحجة ~~عليه وأبلغ في الإنذار، فإن لم يفعل كان أعظم لعذابه وأشد لنقمته وعقابه. # وقيل: ألطفا له لما له من حق التربية على موسى ولما ثبت له من حق الأبوة. # وقيل: كنياه بيا أبا العباس، وكانت إحدى كناه أو يا ملك، ثم قال عزوجل:{ ~~لعله يتذكر} أي يتأمل الحق ويتذكر الأدلة وما كان عليه أصله من نطفة، ثم من ~~علقة، ثم من مضغة، {أو يخشى} أي يخاف ما حذرتماه من العقوبة فينقاد، ~~والترجي لهما وأرسلهما مع علمه أنه لايؤمن إلزاما للحجة ليمكنه من الإيمان ~~ومن البقاء على الكف والطغيان. PageV17P270 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى لعله يتذكر أي يتذكر ويخشى لأن ~~الله عزوجل لا يشك تبارك وتعالى، وإنما أراد الله بلين كلامهما أن يكون ذلك ~~حجة عليه لله ولهما، ولئلا يحتج بين يدي الله عليهما فيقول ياربي غلظ علي ~~في دعوتهما ولين الكلام واللطف على الأئمة بعدهما واجب. # فأما إذا أبوا إلا التمادي في ضلالهم المكابرة وترك النصفة لعقولهم فلا ~~بأس بالغلظة عليهم، لأن الذي أحل الله حينئذ من قبلهم أكبر وأعظم من ~~منابذتهم، وكذلك ينبغي للمسلمين أن يلطفوا بالخلق أجمعين ويتعطفوا على ضعفة ~~المخلوقين، ولايتركوا الرفق بالمتعلمين، ولايعجلوا لمنابذة أحد من ~~الفاسقين، ويقدموا إليهم مواعظ رب العالمين، انتهى. # وفي معنى لعل ونحوها يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: لايتوهم أحد لعل ~~من الله وعسى شكى منه سبحانه، ولاامتراء، وذلك مخرجه عدل في الحكم، وما ~~يجوز عند الإمتحان من هذا الأسم، فلما كان الله تبارك وتعالى إنما يعذب ~~ويعاقب بعد الأعذار والحجة، وكان الرسول موسى صلى الله عليه لايحيط بما ~~يحيط به الله في كل غيب وشهادة، وكان عالما أن الحجة إنما تجب على فرعون ~~بتبليغ موسى له الرسالة، كان مخرج موسى تسهيلا علىموسى لمحنة الكلفة في ~~تبليغ فرعون مع عتوه وخوفه له ما أمره به من الرسالة وصحت لعل في المقالة ~~لإنه وإن علم أن فرعون ms1204 لايكون مؤمنا فقد علم أنه لو اختار الإيمان لكان ~~ممكنا، فطوى الله سبحانه القلم فيها عن موسى بأنه لايؤمن بقوله لعل في ~~المستطاع الممكن، وكذلك قول الله سبحانه {عسى الله أن يتوب عليهم } فقد علم ~~تبارك وتعالى أنهم إذا أحسنوا وتابوا تيب وأتيبوا ولكن عسى هاهنا مخرجها ~~مخرج تأديب من الله وترهيب وتنمبيه على ترك الثبات ممن أحسن على إحسانه ~~إتكالا على ما مضى في وقت من الأوقات من صالح عمله، وليكون العبد وجلا مع ~~رجائه وأمله، انتهى. PageV17P271 # ثم قال تعالى: {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} أي يعجل بالعقوبة فيحول ~~بيننا وبين ما نريد من تبليغ الرسالة، وقرئ {يفرط} ويفرط. # قال الراجز: # قد فرط الفلح علينا وعجل # {أو أن يطغى} يقول يسرف ويجاوز الحد فيقول فيك مالا ينبغي، وقيل: يقتلنا ~~معا، فلما قال ذلك قال الله تعالى: {لا تخافا} مما عرض في قلوبكما من ~~الإفراط والطغيان {إنني معكما} على سبيل العون والتوفيق والتسديد في جميع ~~أحوالكما بالحفظ والحياطة، والنصرة، {أسمع وأرى}ما يجري بينكما وبينه من ~~قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصرتي، وسمع الله وبصره علمه، وإحاطته، ~~وذلك هو النهاية في إزالة الخوف، ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال ~~{فأتياه} لأنه تعالى قال في المرة الأولى{لنريك من آياتنا الكبرى، اذهب إلى ~~فرعون} وفي الثانية {اذهب أنت وأخوك} وفي الثالثة قال {اذهبا إلى فرعون} ~~وفي الرابعة قال{فأتياه فقولا إنا رسولا ربك} إليك بما يدعوك إليه، {فأرسل ~~معنا بني إسرائيل} إلى العبادة والطاعة أي خلهم ولا تستسخرهم وذرهم من ~~عذابك وظلمك واضطهادك، ولا تعذبهم بالأعمال الشاقة من الحفر والبناء ونقل ~~الحجارة مع قتل الولدان واستخدام النساء {قد جئناك بآية من ربك } أي حجة ~~على ما ادعيناه {والسلام على من اتبع الهدى} أي سلام خزنة الجنة على ~~المهتدين، وتوبيخ خزنة النار على المكذبين، وأفردت الآية وهما ثنتان العصاء ~~واليد، لأن المراد هنا تثبيت الحجة من غير نظر إلى التعداد، كأنه قيل قد ~~جئناك بمعجزة وحجة، والسلام يحتمل أن يكون كلاما ms1205 يختم به الكلام، وليس تحية ~~للكافر، ويحتمل أن يكون تحية ودعاء مشروطا بالتباع الهدى {إنا قد أوحي ~~إلينا} أن العذاب واقع على من كذب بالحق وتولى، أعرض عنه مع ضهوره. PageV17P272 # واعلم أنهما عليهما السلام لما قالا {رسولا ربك} {قال} لهما{فمن ربكما ~~ياموسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}. # اعلم أن موسى عليه السلام لما دعاه إلى الله عزوجل لم يشتغل معه بالبطش ~~والإيذاء بل خرج معه لما دعاه إلى الله تعالى في المناظرة فاشتغل بإقامة ~~الدلالة على وجود الصانع. # أما قوله {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} فقال محمد بن القاسم عليهما ~~السلام: يعني بكل شيء جميع ما أنعم الله به عليهم وأعطاهم من عطايا النعم ~~بما هو عليه من رحمتهم، والرأفة بهم، والجود والكرم، وأعطاهم جميع النعم ~~التي أتاهم ولم يكتصر على ذلك حتى فهمهم الحق في دينه وهداهم فأتاهم من ~~الهدى أعظم النعم كلها عظما لما يثيبهم على الهدى من نعيم جنته فضلا وكرما، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: المعنى فيه {ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه}كل شيء من المصالح {ثم هدى}إلى الحق والنصائح، وهذا من التقديم ~~والتأخير، انتهى. # وقيل: أعطى كل شيء خلقه صورته وشكله المطابق للمنفعة المنوطة به كما أعطى ~~العين الهيئة المطابقة للإبصار، وكذى الأذن، والأنف، واليد، والرجل، ~~واللسان ونحوها، وأعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، وأعطى كل حيوان نظيره ~~في الصورة، فجعل الحصان والحجرة وهي أنثى الخيل زوجين، والبعير والناقة، ~~والرجل والمرأة، وقد قرئ بفتح اللام، {ثم هدى} أي عرف المعطي كيف ينفع بما ~~أعطى، ويتوصل إليه. # وقيل: المراد {ثم هدى} إلى الإستدلال بجميع ذلك على إثبات الصانع وصفاته، ~~أي هدى العقلاء بالعقل الذي يستدلون به وبهذه الآية. PageV17P273 # واعلم أن موسى عليه السلام لما قرر عليه أمر المبداء {قال}فرعون{فما بال ~~القرون الأولى} أي فما خبرهم وما شأنهم، ما أمنوا به وتركوه، وكان موسى ~~عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون في تلك ~~الدلالة بقوله ms1206 إن كان الأمر في قوة هذه الدلالة على ما ذكرت وجب على أهل ~~القرون الماضية ألا يكونوا غافلين عنها، معارضة للحجة بالتقليد، ومارده فما ~~بال القرون الماضية أن لايكونوا غافلين عنها معارضة للحجة بالتقليد ومراده ~~فما بال القرون الأولى نحو قوم نوح، وعاد، وثمود، لايقولون بمثل مقالتك في ~~التوحيد. # قال في البرهان: والقرون جمع قرن، والقرن أهل كل عصر مأخوذ من اقترانه، ~~وهو عبارة عن كل عصر يكون فيه نبي، أو إمام، يقترن بهم أهل ذلك الوقت، ~~وإنما سأل فرعون موسى عليه السلام عن القرون الأولى هل كانوا على ما دعاء ~~إليه موسى من الإقرار بالله وتصديق رسله، أو كانوا بخلافه، انتهى. # ولما كان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم ~~الغيوب، حيث قال {علمها عند ربي في كتاب } أي في علمه المحيط بكل شيء {لا ~~يضل ربي ولا ينسى} أي لايجهل ربي ولاينسى، ولايغفل تعالى ربنا عن الغفلة ~~والنسيان وجل عن السهو والضلال والجهل والنقصان. # ومعناه أن هذا علم غيب اختص الله به فلا علم لي به. # واعلم أن موسى عليه السلام: لما ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة ~~بتناول جميع مخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات، وأنواع النبات والجمادات، ~~ذكر بعد بذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة: # أولها: قوله تعالى {جعل لكم الأرض مهدا} أي فراشا كالمهد للصبي. # وثانيها: قوله {وسلك لكم فيها سبلا} أي ادخل لكم طرقا بين الجبال ~~والأودية، والبراري. # وثالثها: قوله: {وأنزل من السماء ماء} المطر وتم جواب موسى هاهنا. PageV17P274 # وقيل: {الذي جعل لكم الأرض مهدا} ومابعده من كلام الله تعالى، وقوله عزوجل: ~~{فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} إلتفات من الغيبة إلى التكلم للإفتتان في ~~الكلام والدلالة على إنقياد المختلفات لأمر المتكلم، ومعنى{أزواجا } أي ~~أصنافا سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها مع بعض من نبات شتى، جمع ~~تشتيت، أي مختلفة النفع ، والطعم، واللون، والرائحة، والشكل، بعضها يصلح ~~للناس، وبعضها للبهائم. # ومن نعمته تعالى أن جعل أرزاق العباد بعمل البهائم، وجعل رزقها ms1207 ما فضل ~~عنهم، هذا كلام الكشاف. # قال الرازي: واعلم أن قوله {فأخرجنا} إما أن يكون من كلام موسى أو من ~~كلام الله، والأول باطل، لأن قوله بعد ذلك {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك ~~لايات لأولي النهى، منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} ~~لايليق بموسى وأيضا فقوله {فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} لايليق بموسى ~~لأن أكثر ما في قدرة موسى صرف المياه إلى سقي الأرض، فأما إخراج النبات على ~~اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام، فثبت أن هذا كلام الله ~~تعالى، ولايجوز أن يقال كلام الله ابتدأ من قوله {فأخرجنا به أزواجا} لأن ~~الفاء متعلق بما قبله، فلا يجوز جعل هذا كلام الله، وجعل ماقبله كلام موسى، ~~فلم يبقى إلا أن يقال كلام موسى عليه السلام عند قوله {لا يضل ربي ولا ~~ينسى} ثم ابتدأ كلام الله من قوله {الذي جعل لكم الأرض مهدا} ويكون التقدير ~~هو الذي جعل لكم الأرض مهادا، فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف، ويكون الإنتقال ~~من الغيبة إلى الخطاب إلتفاتا، انتهى. # قلت: وهذا جيد جدا، لا معدل عنه. PageV17P275 # ومعنى قوله تعالى{كلوا وارعوا أنعامكم} أي أخرجنا لكم النبات قائلين كلوا، ~~أي مبيحين لكم الأنتفاع، وقوله {إن في ذلك} أي فلما ذكرت من هذه النعم ~~لآيات، أي دلائل على عظم القدرة والرحمة {لأولي النهى}، أي ذوي العقول ~~والحجى. # قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: واتلوا القرآن فإن فيه بصيرة لأولي ~~الإنابة والنهى، فتدبر، يعني لأولي العقل، وإنما سموا بذلك لأنهم ينهون ~~النفوس عن القبح، وينتهون إلى أوامر الله. # واعلم أن الله سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء أخبر أنها غير مطلوبة ~~لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال تعالى{ منها} أي ~~الأرض{خلقناكم} أي أصلكم آدم عليه السلام، {وفيها نعيدكم} أي في القبور عند ~~الموت، {ومنها نخرجكم } أي من القبور عند البعث، {تارة أخرى} أي يؤلف ~~أجزائهم المختلطة بالتراب، ثم نحيهم ونخرجهم إلى المحشر، كقوله {يوم يخرجون ~~من الأجداث سراعا }. # واعلم ms1208 أن الله عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها لهم ~~فراشا ومهادا يتقلبون عليها، وسوى لهم منها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا ~~وانبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم، وعلف الدواب، وهي أصلهم الذي ~~منه تفرعوا، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا. # ومن ثم قال عليه السلام: تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة، ثم قال تعالى ~~{ولقد أريناه} يعني فرعون {آياتنا كلها} يعني التي آتاها الله موسى، أي ~~عرفناه ويقناه صحتها{فكذب وأبى} أي فكذب الخبر وأبى الطاعة لظلمه كقوله ~~{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} واختلفوا في المراد بالآيات ~~فقال بعضهم أراد كل الأدلة ما يتصل بالتوحيد وما يتصل بالنبوة. PageV17P276 # أما التوحيد ما ذكر في هذه السورة من قوله {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم ~~هدى} وقوله {الذي جعل لكم الأرض} ...إلخ. # وما ذكره في سورة الشعراء{قال } فرعون {وما رب العالمين، قال رب السماوات ~~والأرض} وأما النبوة فيهي الآيات التسع المختصة بموسى عليه السلام وهي ~~العصاء، واليدن وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم ، ~~ونتق الجبل، وقوله {كلها} تأكيدا أو يريد كل آية مبالغة كما يقول رأيت كل ~~أحد في مقام التكثير. # ثم حكى الله بها شبهة فرعون وهي قوله تعالى {قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك ياموسى} أي الذي تدعي أنه آيات وكلامه يدل على أن فرائضه ترعد مما ~~جاء به موسى، لإيقانه أنه على الحق ولكنه أورد شبهة وهي أنه ألقى في ~~مسامعهم مايصيرون به مبغضين له جدا وهو قوله{أجئتنا لتخرجنا من أرضنا} وذلك ~~لأن هذا مما يشق على الإنسان في الغاية، ولذلك جعله مساويا للقتل في قوله ~~{اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } ثم لما صاروا في نهاية البغض له أرود ~~الشبهة الطاعة في نبوته عليه السلام، وهي إنما جئتنا به السحر لا معجز، ~~ولما علم أن المعجز إنما يتميز عن السحر بكون المعجز مما تعذر معارضته، ~~والسحر مما يمكن معارضته. # قال: {فلنأتينك بسحر مثله} في العظم،{ فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا ms1209 أنت} أراد بالموعد موضع الإجتماع وهو قوله {مكانا سوى} اليوى ~~المكان المستوي البارز في الأرض الذي لايخفى حتى يتبين للناس ما بينا فيه. # وقيل: سوى، أي عدلا وسطا بيننا وبينك في نصف الطريق من الأستواء لأن ~~المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية. # وقيل: وهدى، قال الشاعر: # وجدنا آبائنا كان حل ببلده سوى # بين قيس وغيلان والقرر PageV17P277 قال موسى عليه السلام: {موعدكم يوم الزينة }. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: يوم الزينة يوم عيدهم الذي فيه ~~يتزينون فيحفلون، ووعدهم من يوم عيدهم من أوله وضحوته قبل افتراق الناس عن ~~مجمعهم ورجوع من يرجع منهم إلى بيته، وكأنه أراد بذلك فضيحتهم على رؤوس ~~الملأ، وكان الأعياد لم تزل في أول النهار، لأمن صدر النهار أفضل من آخره، انتهى. # وقيل: هو يوم عاشورا، وقيل: يوم النيروز، وهو عيد النصارى. # وقيل: يوم سوق، كانوا يتزينون فيه. # والسؤال في قوله إجعل، وقع عن المكان لاالزمان، وطابقه قوله يوم الزينة ~~من حيث المعنى لا اللفض، وذلك أنهم لابد لهم من مكان يجتمعون فيه يوم ~~الزينة علم ذلك المكان لشهرته بالإجتماع فيه. # ثم قال {وأن يحشر الناس ضحى} أي حين يجتمع الناس وقت الضحى. # واختار موسى ذلك ليكون علو كلمة الله، وكبت عدوه على رؤوس الأشهاد ليقوي ~~رغبة من رغب في الحق، ويكل حد المبطلين، ويشيع الخبر {فتولى فرعون } أي ~~أعرض عن الإيمان وعن خطاب موسى للجمع {فجمع كيده } أي وجمع أسباب كيده ~~وحيلة وهم السحرة، والكيد المكر الخفي، ثم أتى كيده في يوم الزينة. # قال الرازي: اعلم أن التولي قد يكون إعراضا، وقد يكون إنصرافا والظاهر ~~هاهنا أنه بمعنى الإنصراف، وهو موافقة موسى عليه السلام على الموعد الذي هو ~~مواعدة الإجتماع، ثم إنه اتى الموضع بالسحرة وبالقوم، وبالآلات. # قال بن عباس كانوا اثنين وسبعين ساحر، مع كل واحد منهم حبال وعصي # وقيل: كانوا أربع مائة، وقيل: أكثر من ذلك. # ثم ضربة لفرعون قبة فجلس فيها ينظر إليهم، وكان طول القبة سبعون ذراعا، ~~ثم أخبر تعالى أن ms1210 موسى قدم على كل شيء الوعيد، والتحذير مما قالوه وأقدموا ~~عليه، فقال تعالى: {قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا} بادعائكم ~~معجزاته وآياته سحرا فتهلككم معارضتي، والويل الهلاك. PageV17P278 # ومعنى قوله {فيسحتكم } أي يستأصلكم {بعذاب} شديد{وقد خاب} أي خسر ولم يظفر ~~{من افترى}. # قال في البرهان: يعني لاتكذبوا عليه {فيسحتكم بعذاب} أي يستأصلكم ويهلككم ~~كما قال الفرزدق # وعض زمان يابن مروان وإن لم يدع # ان # من المال إلا مسحه أو محلف # ثم أخبر سبحانه أنه لما قال موسى عليه السلام، ذلك أعرضوا عن قوله ~~وتشاورا{فتنازعوا} أي السحرة {أمرهم بينهم } أي تجاذبوا أطراف القول في ~~تدبير أمرهم وتشاورهم{وأسروا النجوى} أي التناجي، يعني أخفوا التشاور ~~وتكلموا سرا من فرعون، إبن عباس نجواهم أن قالوا إن غلبنا موسى تبعناه. # قتادة إن كان ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر، والضاهر أنهم ~~تشاورا سرا {قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما } ~~فكانت نجواهم في تلفيق هبذا الكلام وتزويره خوفا من غلبتهما، وقرئ أن هذين ~~على القياس، وأن هذان وإن دان، وقيل: أن بمعنى نعم، وساحران خبر مبتدأ ~~محذوف، واللام داخلة على الجملة التقدير لهما ساحران، قالوا وأعجب بهذا ~~الزجاج. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: أن آل محمد عليهم السلام قرأو ~~بالرفع أن هذان وقفوا على مصحف علي بن أبي طالب صلوات الله علي ولم يختلف ~~في القراءة بالرفع أحد من المسلمين، انتهى. # ثم إنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى عنهم ما أظهروه ~~سمعوه مما يدل على التنفير عن موسى ومتابعتهم دينه. # فأحدها: قولهم أن هذان لساحران وهذا طعن منهم في معجزات موسى، ثم مبالغة ~~في التنفير عنهز PageV17P279 وثالثها: قوله تعالى{ويذهبا بطريقتكم المثلى} أي الفضلى، وهذا أيضا له ~~تأثير شديد في القلب، وأن العدوا إذا جآء واستولى على جميع المناصب ~~والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على القلب، فهم ذكروا ~~هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره. ms1211 # قال في البرهان: يعني يذهب بأهل الشرف والعقل والتقدم، والمثلى تأنيث ~~الأمثل. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه بدينكم الأمثل، وهو الأجود، ~~والأفضل، والعرب تقول فلان أمثل أصحابه أي خيرهم وأفضلهم، قال الشاعر: # ألا أيه الليل الطويل ألا أنجلي # بصبح وما الإصباح عنك بأمثل # أي ليس بخير له في ما زعم، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {فأجمعوا ~~كيدكم } أي ازمعوا واجعلوه مجمعا عليه لايختلف عنه أحد، {ثم ائتوا صفا} أي ~~مصتطفين لأنه أهيبنا في صدور الرائين. PageV17P280 # روي أنهم كانوا سبعين ألفا مع كل واحد حبل وعصاء، وقد أقبلوا قبالة واحدة، ~~وقيل: اجتمعوا سبعمائة ألف رئيسهم أعمى، قوله {وقد أفلح اليوم من استعلى} ~~إعتراض بمعنى وقد فاز، وظفر، وربح، من على بالقهر والغلبة واستعلى، وكانوا ~~يقوون بذلك نفوسهم فيما اجتمعوا عليه من إظهار ما يظهرونه، فلما حضروا ذلك ~~الموضع {قالوا ياموسى إما أن تلقي} عصاك إلى الأرض {وإما أن نكون أول من ~~ألقى} يعنون حبالهم وعصيهم، وهذا التخيير منهم أدب مع موسى وتواضع له وخفض ~~جناح، ثم أن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب كما حكى الله عنه بقوله ~~تعالى {قال بل ألقوا} فألقوا فنظر إليها على هذه الصفة {فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه} تشبه لموسى {من سحرهم أنها تسعى} إلى من حضره، والمعنى أنهم ~~بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى أنها تسعى كسعي ما يكون حيا ~~قادرا من الحيات، لأنها كانت حية في الحقيقة. # قال في الكشاف: ومعنى إذا للوقت أي ففاجئ موسى وقت تخييل سعي حبالهم يعني ~~أن موسى فاجئ حبالهم وعصيهم مخيلة إليه السعي. # قال في البرهان: وفي أمر موسى عليه السلام للسحرة بالإلقاء قولان: # أحدهما: أن الأمر وارد بلفظه وأن معناه الخبر، وتقديره إلقوا إن كان ~~إلقاؤه عندكم حجة. # والثاني: أمرهم على وجه الإعتبار لتظهر صحة نبوته ووجوب حجته وإنما أبطل ~~السحر ولم يكن سحرا، وعدة السحرة كانوا ثلاثمائة ألف ساحر، انتهى. # ويقال أنهم خشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ms1212 ويتحرك، وقيل: لطخوا ~~حبالهم وعصيهم بالزئبق، فلما أصابتها الشمس اضطربت وتحركت حركة عظيمة، ~~فأوهمته أنها تسعى نحوه. # أما قوله تعالى {فأوجس في نفسه خيفة موسى} فقيل أضمر بعض خوف لطبع البشر ~~ألذي لايخلوا، وخاف تلبيسهم على الناس فيحسبون ذلك صحيحا فلا يتبعوه. PageV17P281 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: في هذا تقديم وتأخير، والمعنى فأوجس ~~موسى خيفة في نفسه، ومعنى أوجس وجد وأدرك في نفسه خوفا ولم يخفي عليه ~~السلام أن السحرة تغلب حكم الله وحاشى لله أن يكون توهم ذلك ولكن خاف أن ~~يصدقوه ولا يلتفوا إلى قهره، ولايطيعوه، ثم أنه تعالى أزال ذلك الخوف ~~بالإجمال أولا والتفصيل ثانيا. # أما الإجمال فقوله تعالى{قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى} فأمنه الله سبحانه ~~بذلك وفيه أنواع من المبالغة: # أحدها: ذكر كلمة التأكيد وهي أن ثانيها تكرر الضمير. # وثالثها: لام التعريف. # ورابعها: لفظ العلوا وهو الغلبة الظاهرة. # وأما التفصيل فقوله تعالى {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا} أي تبتلع ما ~~زوروا، ثم أخبر سبحانه أن الذي معك ياموسى معجزة إلهية، والذي معهم تمويهات ~~باطلة، فقال تعالى {إنما صنعوا كيد ساحر } فكيف يحصل التعارض، ثم قال {ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى} يعني أين ما كان ...... # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى قوله {تلقف ما صنعوا} أي ~~تأخذها بفمها إبتلاعا وتأكل وتلتقم عصيهم وحبالهم. # قال في البرهان: قيل أن عدد الحبال والعصي حمل ثلاثمائة بعير، ثم أخذها ~~موسى ورجعت في يده إلى ماكانت، انتهى. # وقال ما في يمينك ولم يقل عصاء، إما تصغيرا لها، أي لاتبالي بكثرة حبالهم ~~وعصيهم، وألقي العويد الصغير أو تعضيما لها، أي أن يمينك شيئا أعظم مما رأيت. PageV17P282 # قال بن عباس: ألقوا حبالهم وعصيهم ميلا من هذا الجانب، وميلا من هذا ~~الجانب، فخيل إلى موسى عليه السلام أن الأرض كلها حيات وأنها تسعى فخاف، ~~فلما قيل له {وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا } فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~أعظم من حبالهم، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي، ms1213 ثم صعدت حتى علقت ~~ذنبها بطرف القبة، ثم هبطت فأكلت كل ماعملوا والناس ينظرون إليها لايحسبون ~~إلا أنها سحر، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا، فصاح ~~بموسى عليه السلام فأخذها فإذا هي عصاء، ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من ~~حبالهم وعصيهم شيئا إلا أكلته، فعرفوا أنه ليس بسحر، وقالوا أين حبالنا ~~وعصينا لوا كانت سحرا لبقيت، فخروا خاضعين وهو معنى قوله تعالى {فألقي ~~السحرة ساجدين} طاعة لله عزوجل وتصديقا لموسى فيما جاء به وبناه لما لم يسم ~~فاعله مبالغة كان ملقيا ألقاهم لأنهم لم يتمالكوا إن سجدوا حين رأوا الآية ~~الباهرة. # قال في الكشاف: ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفروالجحود، ثم ~~ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقائين، انتهى. # قال بن عباس: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء، ثم أنهم ~~لما اخبروا عن إيهامات فرعون لا جرم {قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى ~~وهارون} أي بالرب الذي دعى إليه هارون وموسى لأنه رب لهما ولجميع الخلق لا ~~بفرعون الكافر، وفي قولهم هذا فائدتان: PageV17P283 # الأولى: أن فرعون ادعى الربوبية في قوله {أنا ربكم الأعلى} والإلهية في ~~قوله {ما علمت لكم من إله غيري } فلوا أنهم قالوا {آمنا برب العالمين} لكان ~~فرعون يقول أنهم آمنوا بي لابغيري، ولقطع هذا التوهم، اختاروا هذه العبارة ~~والدليل عليه أنهم قدموا ذكر هارون على موسى لأن فرعون كان يدعي ربوبية ~~موسى بناء على أنه رباه في قوله {ألم نربك فينا وليدا } ثم أن فرعون لما ~~شاهد منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سببا لإقتداء سائر الناس بهم في ~~الإيمان بالله وبرسوله، ففي الحال ألقى شبهة آخرى حيث قال {آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } أي أسحركم وأعلاكم درجة فيه، أو ~~لمعلمكم من قول أهل مكة أمرني كبيري أي أسيادهم. # وفي البرهان: قيل: أن امرأة فرعون كانت تسأل عمن غلب فقيل لها موسى ~~وهارون، فقالت: آمنت برب موسى ms1214 وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: خذوا أعظم ~~صخرة تجدونها فإن أقامت على قولها فألقوها عليها، فلما أتوها رفعت بصرها ~~إلى السماء وتشهدت وخرج روحها إلى الجنة، وألقيت الصخرة على جسدها وليس فيه روح. # قال الرازي: وهذا الكلام يعني كلام فرعون مشتمل على شبهتين: # أحدهما: قوله {آمنتم له قبل أن آذن لكم} وتقريره أن الإعتماد على الخاطر ~~الأول غير جائز، بل لابد فيه من البحث والمناظرة، فلما لم يفعلوا شيئا من ~~ذلك بل في الحال آمنتم به، دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة بل عن سبب آخر. PageV17P284 # وثانيهما: قوله {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } يعني أنتم تلامذته ~~فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم، ترويجا لأمره وتقبيحا لشأنه، ثم ~~بعد إراد الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيرا لهم عن الإيمان، وتنفيرا لغيرهم عن ~~الإقتداء بهم في ذلك فقال {لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف} اليد اليمنى، ~~والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين خالف الآخر، ثم قال:{ ولاصلبنكم في ~~جذوع النخل} أي على جذوع النخل، فقامت في مقام على، قال الشاعر: # هم صلبوا العبدي في جذع نخلة # فلا عطشت شيبان إلا بأجذعا # والصلب مد المصلوب على جذع، وشبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الوعاء في ~~وعائه، ثم قال{ولتعلمن أينا أشد عذابا } يريد نفسه لعنه الله تعالى، وموسى ~~عليه السلام، ولم يكن موسى يعذب وإنما قاله تهكما بموسى. # ومعنى {وأبقى} أي أبقى حياة وعمرا حين توهم العين أنه يهلكهم ويبقى طول ~~عمره بعد هلاكهم ولايشقى، فنجاهم الله وأهلك عدوهم ولم يبلغه ما أمل فيهم ~~وفي كلامه هذا تكبر وإعجاب بإقتداره، وما ألفه من تعذيب الناس واستهزاء ~~بموسى حيث لم يكن في التعذيب في شيء. PageV17P285 # واعلم أنه تعالى لما حكى تهديد فرعون لأؤلئك المؤمنين، حكى جوابهم عن ذلك ~~ما يدل على حصول اليقين التام، والبصيرة الكاملة لهم في أمر الدين فقال ~~تعالى: {قالوا لن نؤثرك } أي لن نقدم دينك وطاعتك على {على ما جاءنا من ~~البينات} بل نؤثر ما جائنا من البينات عليك، وذلك ms1215 يدل على أن فرعون طلب ~~منهم الرجوع عن الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا لن نؤثرك جوابا لما ~~قاله وهو العلة، وهي أن الذي جاءهم ببينات وأدلة والذي يذكره فرعون محض ~~الدنيا ومنافع الدنيا ومضارها لاتعارض منافع الآخرة ومضارها، ومعنى قوله: ~~{والذي فطرنا} أي لن نؤثرك على الذي ابتدأنا وخلقنا ولكنه إكتفى بواو العطف ~~عن إعادة الكلام، وقيل: هو قسم كما يحلف الرجل ويقسم، فيقول والذي خلقني ~~لافعلت ما أمرتني به. # واعلم أنهم لما علموا أنهم متى أصروا على الإيمان فعل فرعون بهم ما ~~أوعدهم به فقالوا ما حكى الله عنهم {فاقض ما أنت قاض} أي اصنع ما أنت صانع، ~~واحكم ما أنت حاكم، المعنى افعل ماشئت من التعذيب، وما موصولة، والقضاء فهو ~~القطع بين الناس في السؤال وفصل ما يحتاجون إليه من الأموال وغير ذلك من ~~جميع الأحوال. # وقولهم اقض ما أنت قاض لاعلى معنى أنهم أمروه بذلك ولكن أظهرو أن ذلك ~~الوعيد لايزيلهم البتة عن إيمانهم وعن ما عرفوه من الحق علما وعملا، ثم ~~بينوا ما لأجله يسهل عليهم إحتمال ذلك، فقالوا {إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيا} أي في هذه اليحاة الدنيا فقط، يعني لاسلطان لك إلا في هذه الفانية، ~~ثم نعود إلى ثواب ربنا في الدار الباقية، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني ~~المتوصل به إلى السعادة الباقية. # ثم قالوا: {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} التي أعظمها الكفر ~~والإيمان بك لما كان أقرب خطاياهم عهدا ما أظهروه من السحر، قالوا {إنا ~~آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا}. PageV17P286 # روي أنه أكرههم على تعلم السحر. # وقيل: لما رأوي موسى نائما والعصاء تحرسه عرفوا أنيه ليس بساحر، وأرادوا ~~أن يعارضوه فأكرههم فرعون على معارضته لأن الساحر إذا نام بطل سحره. # ثم قالوا: {والله خير} منك ثوابا لمن أطاعه وعذابه أشد من عذابك لمن عصاه ~~{وأبقى} منك لأنك عبد ذليل هالك، وهذا لارد لقوله أنا أشد عذابا وأبقى. # قال الحسين:سبحان الله لقوم كفار وهم أشد الكافرين ثبت في قلوبهم الإيمان ~~طرفة ms1216 عين، فلم يتعاظم عندهم أن قالوا اقض ما أنت قاض في ذات الله والله إن ~~أحدهم اليوم ليصح القرآن ستين عاما ثم ليبيع دينه بثمن عنز، ثم ختم هذا ~~الكلام بشرح أحوال المجرمين وأحوال المؤمنين في عرصات القيامة فقال في ~~المجرمين {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها} فيستريح {ولا ~~يحيا} حياة طيبة تنفعه، ومعنى مجرما أي مذنبا، قال الشاعر: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه من العفو # لم يعرف من الناس مجرما # أي مذنبا، ومعنى يأتي ربه، أي يوافيه القيامة. # قيل: هو خبر من الله معترض بين القصة، وليس بحكاية. # وقيل: هو حكاه عن السحرة، ثم ذكر أحوال المؤمنين فقالوا {ومن يأته مؤمنا ~~قد عمل الصالحات } أي ضم إلى الإيمان الإتيان بالواجبات وإجتناب المقبحات ~~أجمع {فأولئك لهم الدرجات العلا} في الجنة إذا لا أعلى منها. PageV17P287 # واعلم أن قوله قد عمل الصالحات يقتضي أن يكون أتيا بكل الصالحات، وذلك ~~بالإنفاق غير معتبر ولا ممكن فينبغي أن يحمل ذلك على آدا الواجبات، ثم ذكر ~~أن من أتى بالإيمان والأعمال الصالحات كانت له الدرجات العلى من الجنة، ثم ~~فسرها فقال:{ جنات عدن } أي إقامة، وهي بدل أو بيان للدرجات تجري {تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} أي تظهر من أدناس الذنوب، ~~فهذه الآيات الثلاث حكاية عنهم أو جبر من الله كما مر، ثم قال تعالى: {ولقد ~~أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} بني إسرائيل، أي اسري بهم ليلا من أرض مصر ~~إلى البحر فقد دبر الله هلاك فرعون ونجاتكما. # قال الرازي: اعلم أن في قوله أن اسر بعبادي دلالة على أن موسى عليه ~~السلام في تلك الحال كثر متبعوه وأراد الله تميزهم من طبقة فرعون، فأوحى ~~إليه أن اسر بهم ليلا والسر أسير الليل، والأسر أمثلة، وقد ذكروا في وجه ~~الحكمة في أن سري بهم ليلا وجوها: # أحدها: أن يكون إجتماعهم لا بمشهد من العدو فلا يمنعهم عن استكمال مرادهم ~~في ذلك ليكون أقرب إلى ms1217 أن لا يطلبه فرعون ويتبعه. # وثالثها: ليكون إذا تقارب العسكر أن لا يرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا ~~يهابوه، ثم قال تعالى{فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا} أي يابسا يريد فجعل ~~لهم من قولهم ضرب له في ماله سهما وضرب اللبن عمله، ثم أخبر تعالى أن جميع ~~أسباب الأمن كان حاصلا في ذلك الطريق. # أحدهما: أنه كان يبسا قرئ يابسا ويبسا بفتح الياء وتسكين الباء، فمن قرئ ~~يابسا جعله بعثا للطريق، وقرئ يبسا بتحرك الباء، واليبس شيء واحد، والمعنى ~~طريقا إذا يبس، ومن قرأ يبسا بتسكين الباء فهو مخفف عن اليبس، والمراد به ~~ماكان فيه وحل ولا بلة، فضلا عن الماء. PageV17P288 # وثانيها: قوله {لا تخاف دركا} هو اسم بمعنى الإدراك أي اللحوق، أي لايخاف ~~لحوقا وإدراكا من فرعون أن يصلك، فإني سأحول بينك وبينه ولا {ولا تخشى} في ~~البحر، ولاتخشى دركا، ولاتنكروها، ثم قال تعالى {فأتبعهم فرعون } أي لحقهم ~~{بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم } أي علاهم من البحر شيء عظيم لايعلم كنهه ~~إلا الله تعالى، ثم قال سبحانه{وأضل فرعون} عن طريق النجاة{وما هدى} أي وما ~~هداهم إليها وفيه تهكم به حيث قال وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وهذه الآية ~~تنفي شبه المجبرة حيث نسبوا ضلال الخلق إلى الله سبحانه وتعالى عما يقولون ~~علوا كبيرا، وذلك أنه لولا أن الضلال من الخلق لما جاز أن يقال {وأضل ~~فرعون} بل وجب أن يقال الله أضلهم، ولأن الله ذمهم بذلك، فكيف يجوز أن يكون ~~خالقا للكفر ولأنه من ذم غيره بشيء لابد وأن يكون هو فاعلا لذلك، لأنه ~~يستحق الذم، ثم ذكر سبحانه منته على بني إسرائيل وذكرهم أنواع تلك النعم، ~~وقال عزوجل {يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم } أشارة إلى إزالة الضرر ~~فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الضلم من قتل وإذلال، وإخراج، وأتعاب في ~~العمل، ثم ثنى يذكر المنفعة الدينية وهي قوله {وواعدناكم} أي نبيكم موسى ~~للمناجاة والتورية {جانب الطور الأيمن} نقيض الأيسر، أو من الأيمن، وهو ~~البركة وعد ms1218 الله موسى أن يأتي هذا المكان فيؤتية كتابا فيه الحلال والحرام ~~وجميع أصول الأحكام،ووعدهم موسى ذلك عند ذهابه عنهم، وأضاف المواعدة إليهم ~~لأتصالها ولكونها لنبيهم وتقيانهم وإليهم رجعت منافعها في دينهم، ثم ثلث ~~يذكر المنفعة الدنيوية وهي قوله تعالى {ونزلنا عليكم المن والسلوى} المن ~~.......كالملح، وقيل: كالسكر ، وطعمه ينزل لهم على الشجر من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس، والسلوى طائر كالحمام يسمى PageV17P289 السماني. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ويمكن أن يكون المن سمي منا لمن الله ~~به وتفضله، والمن في اللغة هو التفضل، ويمكن أن يكون الطائر سمي سلوى مأخوذ ~~من السلو به عن غيره لمن قنع به عن سائر اللحوم ورضي برزق الله الواحد ~~القيوم، انتهى. # قوله تعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم } أمر إباحة ككقوله {وإذا حللتم ~~فاصطادوا} ثم زجرهم عن العصيان بقوله ولاتطعها فيه أي الرزق بأن يعد، ~~والحدود ومن الطغيان إنفاقه في المعاصي والإسراف ومنع الفقراءء حقوقهم ~~{فيحل عليكم غضبي} قرئ بكسر الحاء أي يجب من حل الدين يحل إذا واجب أداؤه ~~ويضمها أي ينزل أي عقوباته. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ويحل بكسر الحاء هو يجب ولاي حرم، ~~وإنما يحل عذاب الله بأعدائه ولا يحل له أن يعذب أحدا من أوليائه وليس هذا ~~من الحلول الذي هو المقام بالموضع والنزول،ولو كان كذلك لكان الحاء مرفوعا، ~~والحلول بالرفع هو الإقامة والنزول، والهجوم فافهم الفرق بينهما وتبين في ~~معانيهما ، {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى} أي سقط في النار وتردى، وأصله أن ~~يسقط الرجل من جبل ونحوه، يقال هوى يهوي هويا إذا سقط من علو إلى أسفل. # ثم أخبر سبحانه أن من عصى ثم تاب كان مقبولا عند الله بقوله {وإني لغفار ~~لمن تاب} أي ندم ورجع عن القبائح، ومن صدق بما يجب {وعمل صالحا}مطابقا ~~لإرادة الله تعالى. # قال في البرهان: يعني العمل بأوامره والوقوف عند نواهيه {ثم اهتدى} استمر ~~على التوبة والإيمان، والعمل الصالح إلى الموت، لأن المهتدي في الحال ~~لايكفيه ذلك للفوز بالنجاة ms1219 حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه، ويؤكده ~~قوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}. PageV17P290 # قال في الكشاف: ودلت على تباعد المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين أي ~~منزلة الإستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه لأنها أعلى وأفضل. # وفي البرهان: {ثم اهتدى} يعني لم يشك في إيمانه حتى يموت ملتزما ~~بالهداية. # وقيل: {ثم اهتدى} إلى ولاية أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى اهتدى أي يعلم التوحيد الذي ~~يهتدي به العبد أحسن الهدى وينجوا به من الكفر والردى، أذ لاهدى عند الله ~~أحسن من توحيده ولاأفضل في اليقين لعبيده، لأن الهدى إلى معرفة الله أشرف ~~العلوم وأقربها إلى الحي القيوم، انتهى. # ثم قال تعالى {وما أعجلك عن قومك ياموسى} أنكر عليه تقدمه للنقباء ~~السبعين المختارين، وقد كان مضى مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب، ~~ثم تقدمهم شوقا إلى كلام الله وظن أن ذلك أقرب إلى رضى ربه، وينجز ما وعد به. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا استخراج من الله لكلام عبده من ~~غير حاجة من الله إلى سؤاله ولكنه أراد إظهار فضله وإذاعة ما استتر من أمره ~~وعجلته إلى طاعة ربه، انتهى. # {قال هم أولاء على أثري} وفتح الهمزة أفصح أي هم خلفي ليس بيني وبينهم ~~إلا مسافة يسيرة يتقدم بها رأس القوم{وعجلت إليك رب لترضى} أي تزداد رضا، ~~قيل والقياس تقديم هذا على الذي قبله إذا هو المطابق للسؤال لكنه على زعمهم ~~أذهله العتاب عن ترتيب الجواب على نهج الصواب. PageV17P291 # واعلم أنه تعالى لما أراد يعرف موسى ما حدث من القوم بعد أن فارقهم، {قال ~~فإنا قد فتنا قومك من بعدك} أراد بالقوم المخلفين مع هارون وكانوا ستمائة ~~ألف وما نجى من عبادة العجل إلا أثني عشر ألف وهم الذين أمروا بقتل العبدة ~~للعجل، ومعنى فتنا فهو أتيانهم بالسامري واختبرناهم ماكان من هبيب الرياح ~~في العجل واحتيال السامري اللعين، ففتنهم الله اختبرهم بتركه إذا لم يمنعه ms1220 ~~ولم يحل بينكم وبين فعله {وأضلهم السامري} أي أغواهم إسمه موسى بن ظعن ~~منسوب إلى قبيلة من بني إسرائل يقال لها السامرة. # وقيل: قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم، وقيل: كان من أهل باجيرا ~~قرية قريبة من الموصل، وقيل: كان علجا أي قويا ضخما من كرمان، وكان منافقا ~~أظهر الإسلام، وكان من قوم بعبدون البقر. # قال في الكشاف: والمعنى أنه أضلهم بعبادة العجل، وقرئ بضم اللام أي أشدهم ~~ضلالا، فإن قلت في القصة أنهم كانوا بعد موسى عشر من ليلة وحسبوها أربعين ~~مع أيامها. # وقالوا قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ذلك فمال التلفيق بين هذا ~~وبين قوله {قد فتنا قومك } في الجواب إن الله تعالى أخبر عن الفينة ~~المترقبة بلفض الماضي على عادته في إخباره، لأن المنتظر فيها كالموجود، ~~لأنه كائن لامحالة، وكان السامري اغتم الفرصة في غيبة موسى فعزم عقيب ~~انطلاقه وأخذ في تدبير ذلك فكان أول الفينة قدوجد عن الإخبار، ثم قال ~~تعالى{فرجع موسى إلى قومه غضبان} بعد أن رجع من الطور بعد ما استوفى ~~الأربعين القعدة وفتح القاف أفصح وعشر ذي الحجة، وكسر الحاء أفصح، ومعنى ~~غضبان اسفا أي شديد الغضب، وقيل: الحزن. # قال في البرهان: والأسف أشد الغضب والندامة، والحزن على محزون فائت، انتهى. PageV17P292 # ثم إنه تعالى حكى أن موسى عليه السلام عاتبهم بعد رجوعه إليهم فقال سبحانه ~~{قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} وهو الوعد بالنصر والظفر،وما قال ~~بأنه غفار لمن تاب، انتهى. # وقيل: لأنهم لما رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون ~~إليه في دينهم وعدهم أن يعطيهم التورية التي فيها هدا ونور، ولا وعد أحسن ~~من ذلك. # روي أنها كانت ألف سورة كل سورة ألف آية تحمل أسفارها سبعون حملا. # وقيل: الوعد الحسن الجنة بشرط التمسك بالدين عن الحسن. # ثم قال {أفطال عليكم العهد} أي الزمان يريد مدة مفارقته لهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد التقرير لهم على قرب عهدهم به ~~وأنهم ms1221 خاطئون في خلاف أمره، والعهد هو العصر والوقت، قال الشاعر: # حتى كان رسوم الدار إذ درست # ظروس على عهد ذي القرنين مكتوب # ومعنى قوله {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } أي عقاب منه {فأخلفتم ~~موعدي} {باتخاذكم العجل} ولم تنتظروا رجوعي إليكم، وكان وعدهم أن يقيموا ~~على أمره فأخلفو، فعند هذا قالوا {ما أخلفنا موعدك بملكنا} يعني بطاقتنا ~~بأن ملكنا أمرنا، ولكن غلبنا السامري بكيده ولم نملك أنفسنا ولامنع السفها ~~ولو خيلنا في رأينا لما أخلفناك. # وقيل: هو من قول المؤمنين الذين لم يعبدوا العجل، ومعناه لم يملك مؤمنونا ~~سفهاؤنا، أولم تملك الحلية التي اتخذ منها السامري العجل. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد ما فعلنا ذلك باختيارنا ولا بملك ~~أمرنا، ولوكنا نملك أنفسنا لما فعلنا، ثم أن القوم فسروا ذلك العذر المجمل ~~فقالوا {ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } أي اثقالا من حلي القبط التي ~~استعاروها منهم قبل خروجهم من مصر ليوم عيدهم، فلما غرق فرعون وقومه بقيت ~~في أيديهم.؟ PageV17P293 # وقيل: أمر موسى باستعارتها فحل لهم الخروج بها، لأنها مال الكفار. # وقيل: كانت حلالا لهم، لقوله {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم}. # وقيل: لما كذفهم البحر أخذوها منهم، ومعنى قولهم {فقذفناها} أي طرحناها ~~في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا بطرحها فيها. # قال لهم السامري إنما حبس موسى لشؤمها، فأحرقوها وخبى في الحفرة ~~......العجل، وقيل: أراد بالأوزار الذنوب لأنهم كانوا معهم في حكم ~~المستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي على أن الغنائم لم تكن تحل ~~لهم، ثم قال تعالى {فكذلك ألقى السامري} أي فمثل إلقائهم ألقى السامري ما ~~معه من الحلي، ثم رجع فأخرج لهم عجلا أي فصاغ لهم عجلا جسدا في اللغة هو ~~الجسم، وهو الشخص، وهو الجرم، وهو الشبح، وله أسماء كثيرة والمعنى واحد، ثم ~~قال له خوار كما تخور العجاجيل أي له صوت مثل صوت التبيع من البقر، وهو على ~~صورته، وذلك أنه جعله أجوف مخرقا، ثم أقبلت الرياح فتولد صوت مثل الخوار، انتهى. ms1222 # ومثل هذا في البرهان: قوله {فقالوا} أي السامري ومن تابعه بعد فراغه منه ~~{هذا إلهكم وإله موسى فنسي} أي موسى أن يطلبه هاهنا، وذهب يطلبه في الطور، ~~وقيل: نسي السامري أي ترك ما أظهر من الإيمان ومثله في البرهان. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: بل يريدون أن موسى سبه وتركه عندهم. # قال الرازي: وهو قول الأكثرين ويحتمل أنه كلام الله تعالى كأنه سبحانه ~~أخبر عن السامري أنه نسي الإستدلال على حدوث الأجسام وأن الأله لايحل في ~~شيء ولا يحل فيه شيء، ثم أنه سبحانه بين المعنى الذي يجب الإستدلال به وهو ~~قوله {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} أي يرد إليهم جواب قول خاطبوه به ~~لأنه بهيمة عجمى. PageV17P294 # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: معناه فنسي هارون أن يذكرهم بأنه لايرجع ~~إليهم قولا تذكير كزينتها {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي لايقدر على نفع ~~ولاضر، انتهى. # ثم قال تعالى {ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل أن يقول لهم ~~السامري ما قال كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة إفتتنوا ~~به واستحسنوه فقبل أن ينطق السامري بادرهم هارون بقوله {ياقوم إنما فتنتم ~~به} أي ابتليتم بالعجل ليعلمن من يثبت ومن يضل،{ وإن ربكم الرحمان فاتبعوني ~~} على ديني في التوحيد والإسلام وأطيعوا أمري في الثبات على الإيمان الذي ~~وعدتم به موسى. PageV17P295 # قال الرازي: واعلم أن لهارون عليه السلام في هذا الوعض أحسن الوجوه لأنه ~~زجرهم عن الباطل بقوله {إنما فتنتم به} ثم دعاهم إلى معرفة الله ثانيا ~~بقوله {وإن ربكم الرحمان } ثم دعاهم ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله ~~{فاتبعوني} ثم دعاهم رابعا إلى الشرائع بقوله {وأطيعوا أمري} وهذا هو ~~الترتيب الجيد لأنه لابد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة ~~الشبهات، ثم معرفة الله تعالى بأنها الأصل، ثم النبوة، ثم بالشريعة، فثبت ~~أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه وإنما قال {وإن ربكم الرحمان } فخص هذا ~~الموضع بسم الرحمان كأنه نبههم على ms1223 الأثم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه ~~هوالرحمان الرحيم، ومن رحمته أن خلصهم من أفات فرعون ثم قابلوا هذا الترتيب ~~الحسن في الإستدلال بالتقليد والجحود،وحيث قالوا {لن نبرح عليه عاكفين } أي ~~مقيمين على عبادته {حتى يرجع إلينا موسى} من الطور، فلما رجع موسى {قال ~~ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا} أي أخطأوا الطريق في عبادة العجل، وقوله ~~{ألا تتبعني} لا زائدة والمعنى ما منعك من إتباعي، قيل من اتباع طريقي في ~~الغضب لله وهلا قاتلت من كفر بمن آمن وتباشر الأمر كما كنت أباشره لو كنت ~~شاهدا . # وقيل: ما منعك من خوفي لتعلمني بما كان أو مهاجرا عنهم {أفعصيت أمري} حيث ~~أقمت فيهم وهم يعبدون غير الله، ولما أقبل موسى عليه السلام وهو غضبان على ~~قومه أخذ برأس أخيه وجره إليه كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب، ~~فإن الغضبان المفكر يعض على شفتيه ويفتل أصابعه، ويقبض على لحيته، فأجرى ~~موسى عليه السلام أخاه هارون مجرى نفسه، فأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما ~~يصنع الرجل بنفسه في حال الفكر والغضب. PageV17P296 # وأما قول هارون لموسى حيث {قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } فلا يمتنع ~~أن يكون عليه السلام خاف أن يتوهم بنوا إسرائيل بسوء نظرهم أنه منكر عليه ~~معاقب له. # وفي الكشاف: إنما قال هارون ذلك ليراق موسى بذكر عجوزه ويرحم أخاه عند ~~ذكرها لما كان يعرف من شفقتها ورحمتها فاستعطفه بذكر الأم لأنها أشفق ~~الوالدين، وإلافقيل هو أخوه لأبيه وأمه. # قال فيه وكان موسى مجبولا على الحدة والخشونة،والغضب لله فلم يتمالك حين ~~رأهم يعبدون عجلا من دون الله أن ألقى ألواح التورية لما غلب ذهنه من ~~الدهشة غضبا وحمية، وعنف أخيه، فأقبل عليه كالعدوا قابضا على شعر رأسه وكان ~~أقرع، وعلى شعر وجهه، انتهى. # ثم أخذ هارون عليه السلام في شرح القصة فقال {إني خشيت أن تقول فرقت بين ~~بني إسرائيل} لو قاتلت الكافر بالمؤمن ........ أفرأيت أن يكون المتدارك ~~لهم، ثم قال {ولم ترقب قولي} أي تحافظ ms1224 على وصيتي في قولي لك {اخلفني في ~~قومي وأصلح} ولم تعمل بموجبها في ضم مانشر من أمره بني إسرائيل، والتأليف ~~بينهم ولم يكن بد من رقبتها لأنه لما قال موسى ما منعك ألا تتبعني. # قال لأنك إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد، فلو جئتك مع حصول ~~الفساد ما كنت مراقبا لقولك. # حكى الرازي عن بعضهم أنه قال الهداية أنفع من الدلالة، فإن السحرة كانوا ~~أجابوا للإيمان، وما رأوا إلا آية واحدة وتحملوا العذاب الشديد في الدنيا ~~ولم يرجعوا عن الإيمان. PageV17P297 # وأما قومه يعني موسى عليه السلام فإنهم رأوا انقلاب العصاء ثعبانا، وأنه ~~إلتقم كل ما جمعه السحرة، ثم عاد عصاء، ورأوا إعتراف السحرة بأن ذلك ليس ~~بسحر، وأنه أمر إلهي،ورأوا الآيات التسع مدة مديدة، ثم رأوا إنفلاق البحر ~~إثنى عشر طريقا وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك أعدائهم مع كثرة ~~عدوهم، ثم أن هؤلاء مع ما شاهدوا من الآيات كما خرجوا من البحر ورأوا قوما ~~يعبدون البقر،{ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ولما سمعوا صوتا من العجل ~~عكفوا على عبادته وذلك يدل على أنه لايحصل الغرض بالدلائل بل بالهداية. # واعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من مخاطبة هارون وعرف العذر له في ~~التأخر أقبل على السامري فقال تعالى حاكيا عنه{قال فما خطبك ياسامري} أي ما ~~خبرك وما شأنك وما أمرك، وقيل: فما طلبك من خطب الأمر إذا طلبه، والمعنى ~~ماقصتك فيما فعلت{قال بصرت بما لم يبصروا به} قيل معناه علمت مالم تعلموه. # قال موسى: وما ذاك؟ # قال رأيت جبريل على فرس الحياة فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ~~ألقيته على شيء إلا صار له روح، ولحم، ودم. # قلت: وأحسن من هذا وأصح ما قاله الحسين بن القاسم عليهما السلام: حيث قال ~~المعنى فيه {بصرت بما لم يبصروا به} من الإحتيال وعمل الصنعة ~~والإعتمال{فقبضت قبضة من أثر الرسول} أي من علمه وخبره {فنبذتها} أي طرحتها ~~ولم أعمل بها، {وكذلك سولت لي نفسي} أي سألتني ومنتني ms1225 وزعم بعض الجهال أنه ~~قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام وزعموا بجهلهم وضعف تمييز عقولهم ~~أنه لما وضع القبضة في جوف العجل خار، وجبريل عليه السلام لايحتاج إلى ~~الركوب ولو ركب أيضا لما خار العجل من كف التراب، ولايقول بهذا أحد من ذوي ~~الألباب، انتهى. # ثم أن موسى عليه السلام لما سمع من السامري أجابه بأن بين حاله في الدنيا ~~والآخرة وبين حال إلهه. PageV17P298 # أما حاله في الدنيا فحيث{قال} له {فاذهب} أي امضي لشأنك {قال فاذهب} أي ما ~~دمت حيا {أن تقول لا مساس} أي لاتخالط أحد ولايخالطك، وأمر موسى بني ~~إسرائيل إلا يخالطوه، عوقب في الدنيا بأن منع مخالطة الناس، وحرم عليهم ~~ملاقاته ومكالمته، ومواجهته،وكلما يعاشر الناس به بعضهم بعضا فلا يلامسه ~~أحد إلا جاء معا فتحاموه وصار في الناس أوحش من القاتل، ويقال إن قومه باق ~~فيهم ذلك إلى اليوم، قال الشاعر: # تميم كرهط السامري # وقوله: # ألا لايريد السامري مساس # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما تركه الله عزوجل كذلك ليجزيه في ~~الحياة الدنيا بذلك، وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإخوان ~~السامري من اليهود ولم يأمر بجبرهم ولابردهم عن الجحود، بل أذم عليهم بأمر ~~الله عزوجل وأخزاهم بالجزية التي أحل، وتركهم على دينهم وأملالهم وأمهل حتى ~~يعذبهم الله في الآخرة أشد العذاب ويعاقبهم بكفرهم أشد العقاب، انتهى. # أما شرح حاله في الآخرة فهو قوله {وإن لك موعدا } في الإمهال إلى وقت ~~العذاب {لن تخلفه } أو لن يخلفك الله ما وعدك على الشرك من عذاب الآخرة، ~~يعني عذابك في الدنيا، والموعد بمعني الوعد، أي هذا عقوبتك في الدنيا، ثم ~~لك الوعد بالمصير إلى عذاب الآخرة، وذلك وذلك هو الخسران المبين. # وأما شرح حال إلهه فهو قوله {وانظر إلى إلهك } العجل بزعمك {الذي ظللت ~~عليه عاكفا } الذي دمت عليه مقيما تعبده {لنحرقنه } أي لنطرحه في النار حتى ~~يذوب ويحترق، {ثم لننسفنه في اليم نسفا} أي تطيره الرياح بعد تحريقه، ~~فتغرقه في البحر، وقوله ms1226 {نسفا} تأكيد. PageV17P299 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: لما اشتبك من التحريق أمر به عليه ~~السلام فبرد بالمبارد وهي المساحل، حتى صار ترابا، ثم طرح في البحر ونسف ~~نسفا، يريد موسى عليه السلام أن يبين لهم ذل معبودهم إذ لايمتنع، انتهى. # فكيف يجوز أن يكون من يفعل هذا ولاينتصرللخلق إلها هذا لايكون أبدا، ~~ولايتوهمه إلا غير ذي هدى، فبذلك تزول الشبهة وتضح للعامة إستحالة أن يكون ~~الجسم إلها. # واعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه السامري أقبل ~~إلى بيان الدين الحق فقال {إنما إلهكم الله } أي المستحق للعبادة والتعضيم ~~هو {الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} أي علم كل شيء من ~~.......للشيء حتى لايخرج منه قليل ولاكثير، أي أحاط علمه بجميع المعلومات ~~فلا يغيب شيء من علمه. # واعلم أنه سبحانه لما شرح قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولا ثم مع ~~السامري ثانيا أتبعه بقوله تعالى {كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق} من ~~أخبار الأمم الماضية وأحوالهم الممغيبة عنك زيادة في معجزاتك وتكبيرا ~~لشأنك، وليكثر الإعتباروالإستنصار للمكلفين في الدين،{ وقد آتيناك من لدنا ~~ذكرا} أي قرآنا عضيما لشتماله على هذه الأخبار الحقيقة بالأعتبار، وكما بين ~~تعالى نعمته بذلك بين شدة الوعيد في من أعرض عنه ولم يؤمن به من وجوه: # أولها: قوله {من أعرض عنه } أي لم يؤمن به ولم يعمل بما فيه{فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا} أي عقوبة ثقيلة تشبيها بالوزر الذي هو الحمل الثقيل ~~المتعب لحامله. # ثم بين تعالى صفة ذلك الوزر من وجهين: # أحدهما: أن يكون مخلدا مئبدا، وهو معنى قوله {خالدين فيه} أي في عذابه. PageV17P300 # والثاني: قوله {وساء لهم يوم القيامة حملا} أي ما أسوأ هذا الوزر حملا ~~محمولا، فقوله سأكيس في الذم، وحملا تميز، أي بيان للمقصود بالذم، ولهم ~~بيان لمن نسب إليه الحمل، أي يئس حملا وزر من أعرض حتى كفر به، ثم قال {يوم ~~ينفخ في الصور} أي صور الآدميين، والنفخ عبارة ms1227 عن إحياء الله الموتى، وقد ~~مر الكلام في ذلك في غير موضع. # الصفة الثانية: قوله {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} أي زرق العيون، والزرقة ~~في العيون أبغض شيء إلى العرب، لأن الروم أعدائهم، وهم زرق العيون. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هي زرقة شنيعة لاتشبه زرق الناس في ~~هذه الدنيا، بل على غاية من القباحة من تشويه خلقهم بزرق أعيانهم،وسواد ~~وجوههم، وإنما ذكر الله عزوجل زرقهم بالآخرة، لأن الزرق مكروه يتسامحه ~~الناس، فأراد الله عزوجل أن يحذرهم في الآخرة ما هو عندهم مكروه في الدنيا، ~~وكذلك أراهم الدعج والبياض في الدنيا، ليبدلهم على حسن الآخرة، ويرغبهم في ~~نعيمها، أراد عزوجل أن يحسن المؤمنين في الآخرة ويزينهم ويقبح الفاسقين في ~~ذلك اليوم، ويعذبهم، وتبيض وجوه المؤمنين ويكحلهم ليفرق بين أوليائه ~~وبينهم. PageV17P301 # ثم أخبر سبحانه عن الصفة الثالثة من صفات المجرمين فقال {يتخافتون بينهم } ~~أي يتشاورون لما يملاء صدورهم من الرعب والهول يقولون {إن لبثتم} في ~~الدنيا{إلا عشرا} على التقليل لما شاهدوه ومن سرعة الجزاء والأهوال، أي ما ~~أقمتم في الدنيا إلا عشر ليال، يستقلون لبثهم فيها لما يعانون من الشدائد ~~التي تذكرهم أيام السرور، فصاروا أو لنقضيها والمنقضي قصير وإن طال، أو ~~يتشاورون بذلك في ذات بينهم ويتخابرون من لبثهم بعد الموت ومقامهم، ويدل ~~على الأول قوله تعالى {كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم } ثم قال تعالى {نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة } أي ~~أوقرهم عقلا وأكبرهم، وقيل: أصوبهم قولا ومذهبا، {إن لبثتم إلا يوما} لأنه ~~كان عندهم أقصر زمانا وأقل لبثا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى أمثلهم أي امثلهم طريقة في ~~الكفر،ويمكن أن يكون أمثلهم في الكفر لأن قولهم في عدد العشرات كذب منهم، ~~وضن صاحب اليوم أمثل علىكل حال من ضنهم لأنه لم يدرك إلايومه الذي مات فيه، ~~ثم رأى يوم بعثه فحسب أنه ثانية وهؤلاء متعمدون للكذب في عشرهم متعسفون ~~للوهم في كل أمر. # واعلم أنه تعالى لما ms1228 وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر ~~فقال عزوجل {ويسألونك عن الجبال } قالوا كيف يكون يوم القيامة؟ # قال الرازي: في تقرير هذا السؤال وجوه: # أحدها: قالوا يا محمد إن قوله يتخافتون وصف من الله تعالى لك المجرمين ~~بذلك، فكأنهم قالوا كيف يصح ذلك والجبال حائلة ومانعة من هذا التخافت؟ # وثانيها: قال الضحاك: نزلت في مشركي مكة، قالوا يا محمد كيف تكون الجبال ~~يوم القيامة؟ # وكان سؤالهم علىسبيل الإستهزاء. PageV17P302 # وثالثها: لعل قوما قالوا يا محمد إنك تدعي أن الدنيا ستنقضي فلو صح ما قلته ~~لوجب أن يبتدئ أولا بالنقصان ثم ينتهي إلى البطلان، لكن أحوال العالم باقية ~~كما كانت أول الأمر، فكيف يصح ما قلته من خراب الدنيا، وهذه شبهة تمسك بها ~~جالينوس، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالجواب عن هذا ~~السؤال وضم إلى الجواب أمورا أخر في شرح أحوال القيامة وأهوالها، فقال ~~عزوجل في الصفة الأولى {فقل ينسفها ربي نسفا} وإنما قال فقل مع، فالتعقيب ~~لأن مقصودهم من هذا السؤال الطعن في الحشروالنشر، لاجرم أمره بالجواب ~~مقرونا بفاء التعقب، لأن تأخير البيان في هذه المسألة الأصولية غير ~~جائز،وقوله {نسفا} تأكيد أي يجعلها كالرمل، ثم يفرقها بالرياح ينسفها ~~ويذريها كما يذري الطعام، {فيذرها} أي مقارها، أو الأرض {قاعا صفصفا} ~~ممبصطا مستوي، والقاع الموضع السهل الصليب من الأرض المستوي الذي لانبات ~~فيه كأنه على صفة في استوائه، قال الشاعر: # ياليتني والسكسكي نلتقي # بالقاع من بطن .... السملق # والصفصف المعتدل المصطف، قال الشاعر: # وهي ترى ما صفصفا عن صفصف # وقال آخر: # علومه شهبا لوقذفو بها # شماريخ من رضوا إذا عاد صفصفا # ورضوا جبل بالحجاز، ثم قال سبحانه: {لا ترى فيها عوجا ولا أمتا}. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: العوج في الأرض الألتواء والإرتفاع، ~~والإنخفاض الفاحش، والأمت القليل اليسير من التعادي والإختلاف الذي ليس ~~بكثير، انتهى. # قالوا: العويج بالفتح مختص بالأعيان بالكسر مختص بالمعاني. PageV17P303 # والأرض عين وإنما اختير لها ذلك لأنه أبلغ في وصفها بالإستواء، لأنه ms1229 متضمن ~~نفي ما يدرك بالبصر،وما يدرك بالقياس الهندسي، والمساحة، ودقة النظر، لأنه ~~يدرك بالمساحة من التفاوت مالايدك بالبصر والتقدير، فنفي الله العوج الذي ~~دق ولطف عن الإدراك إلا بالقياس الهندسي، وذلك الإعوجاج لم يدرك لأنه دون ~~الحواس لحق بالمعاني، فقيل فيه عوج بالكسر. # الصفة الثانية ليوم القيامة: # قوله: {يومئذ} أي يوم تنشق الجبال {يتبعون الداعي} إلى المحشر، يمكن أن ~~يكون الداعي هو الناقور الذي لا يعوجون عنه، ولا يقفون،ولايرجعون، ويمكن أن ~~يكون من الملائكة عليهم السلام، ويمكن أن يكون شيئامن حكم الله يدعوهم. # ومعنى لاعوج له، أي لاعوج عنه ولارجوع عنه، قال الشاعر: # لولازمام البر الوثيق # والخبز ما عجن علىدقيق # والمعنى لايعوج له مدعوا ولاينحرف عن صوته. # الصفة الثالثة: قوله تعالى{وخشعت الأصوات للرحمان } أي تواضعت وضعفت ~~وخفضت من شدت الفزع وخفيت {فلا تسمع إلا همسا} أي وطيا خفيفا وحسا، والهمس ~~هو الصوت الخفي، وقيل: هو همس الأبل شبه خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر ~~بصوت أخفاق الأبل، قال الشاعر: # والعيس تمشي ولها همس # وقال آخر: # همسا وأخفى من نجي الهمس # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: الهمس الوطي الخفي، كوطي اخفاق الإبل ~~التي همس مشيتها ليس بذي صوت علي فالناس في حشرهم ولما هم فيه من فزعهم ~~وذعرهم، وانحلال قواهم لما عانوا ماهاهم مشيهم همس خفي، وأصواتهم متقطعة ~~فلا يتكلمون،ولايسمع لخرس ألسنتهم إلا حس أقدامهم إذ يمشون، انتهى. PageV17P304 # الصفة الرابعة: قوله {يومئذ} أي يوم القيامة {لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمان } أي لاتنفع إلاشفاعة من أذن له الرحمان، أو إلا من أذن لأجله ~~{ورضي له قولا} أي للشافع أو المشفوع له، أي لأجله، ويراد بمن في الوجه ~~الأول الشافع على تقدير مضاف كما مثلنا، ويراد بمن في الثاني المشفوع لهم، ~~أي لاينفع أحد إلا الذين أذن لهم، أي أذن لأن يشفع لهم. # وفي قوله{ورضي له قولا} وجهان: # أحدهما: أن يريد بالقول قول الشفاعة، أي ورضي له أن يقوله بالشفاعة. # وثانيهما: أن يراد قول المشفوع لهم والقول هو قول لاإله ms1230 إلا الله عن بن عباس. # قال في الكشاف: من يصلح أن يكون مرفوعا ومنصوبا فالرفع على البدل من ~~الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أي لاتنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له ~~الرحمان، والنصب على المفعول له. # قال الرازي: وأقول الأحتمال الثاني أولى لوجوه: # أحدها: أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار وتغير الإعراب. # والثاني: لايحتاج فيه إلى ذلك. # وثانيها: أن قوله تعالى{لا تنفع الشفاعة } يراد به من ينتفع بها، ~~والإستثناء يرجع إليهم، كأنه قال لاتنفع الشفاعة أحدا من الخلق إلا شخصا مرضيا. # وثالثها: وهو أن من المعلوم بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهي ~~لاتحصل إلا لمن أذن الله له فيها وكان عند الله مرضيا، فلو حملنا الآية ~~علىذلك صارت جارية مجرى إيضاح الواضحات، وكان ذلك أولى. # الصفة الخامسة: قوله تعالى {يعلم ما بين أيديهم} ما تقدمهم من الأحوال ~~{وما خلفهم } ما يستقبلونه. # قال الكلبي: ما بين أيديهم من أمر الآخرة، وما خلفهم من أمر الدنيا. PageV17P305 # قال بن عباس: يريد ماقدموا وما خلفوا، أي وما تركوا وما قدموا للآخرة وما ~~تركوا من الأموال، ويعود ضمير أيديهم وخلفهم للذين يتبعون الداعي وهم ~~المحشورون وهم كل الخلائق، ويجوز أن يكون الضمير للشافعين، أو المشفوع لهم، ~~أو لهم جميعا، ثم قال عزوجل {ولا يحيطون به علما} أي لايحيط علمه ~~بمعلوماته. # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام: معناه لايدركه علمهم إلا بما علمهم ~~وفهمهم من تثبيت أسمه وربوببيته، وأنه لايشبهه شيء من خليقته. # الصفة السادسة: # قوله تعالى{وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب } أي خسر ولم يظفر من حمل ~~ضلما أي شيئا من الظلم فيدخل الكفروغيره من الكبائر، ومعنى وعنت الوجوه أي ~~صارت عانتة، أي ذليلة أي خاشعة من عنا يعنوا إذا خضع، ومنه العاني الأسير ~~لذلة أي ذلة الوجوه وخشعت وأطاعة، قال الشاعر: # ملك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنوا الوجوه وتسجد # المعنى أن وجوه العصاة يوم القيامة كوجوه العتاة،وهم الأسارى، وذكر ~~الوجوه وأراد المكلفين أنفسهم، لأن قوله وعنت من صفات الوجوه وإنما خص ~~الوجوه بالذكر ms1231 لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر،ومعنى للقيوم أي للباقي ~~الذي لايجوز عليه الفنا الدائم القائم بتدبير الخلق كلهم القائم على كل نفس ~~بما كسبت. # أما قوله {وقد خاب من حمل ظلما} فالمراد بالخيبة الحرمان، أي حرمان ~~الثواب، والمراد من أتى بالظلم ولم يتب عنه. # وأ علم أنه تعالى لما شرح أحوال القيامة ختم الكلام فيها بشرح أحوال ~~المؤمنين فقال تعالى{ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } تائب حال العمل ~~لاتحطه {فلا يخاف ظلما } هو أن يؤخذ منه فوق ما عليه {ولا هضما} بالإنقضاض ~~من حقه والبخص من حسناته، وقد قيل في فاعل الظلم والهضم وجهان: # أحدهما: أنه الله تعالى أي فلايخاف أن يظلمه الله ولا أن يهضمه. PageV17P306 # والثاني: أنه العامل المؤمن أي لايخاف من ظلم فعله ولامن هضم فعله يعني ~~فلايخاف جزاء ظلم ولاهضم، لأنه لم يظلم ولم يهضم، قوله {وكذلك أنزلناه} عطف ~~على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال أو فكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات ~~المتضمنة للوعيد {أنزلناه قرآنا عربيا} لتفهمه العرب، فيقفوا على إعجازه ~~ونضمه وخروجه من جنس كلام البشر،ومعنى قوله{وصرفنا} أي رددنا وكررنا فيه أي ~~القرآن من الوعيد أي أنزلنا القرآن علىهذه الطريقة مكررين فيه الوعيد ~~وفصلناه {لعلهم يتقون } أي لعلهم بما خوفهم الله به من وعيده في كتابه ~~يتقون المعاصي،وقد مضى الكلام في لعل،والمعنى إنما انزلنا القرآن لأجل أن ~~يصيروا متقين متحررين عما لاينبغي {أو يحدث لهم ذكرا}فيتفكرون ويتذكرون أي ~~يحدث لهم طاعة وعبادة، لأنها ثمرة التتدبر والتذكر. # وفي البرهان: ذكرا يعني شرفا بإيمانهم، ثم أنه سبحانه لما عضم أمر القرآن ~~أردفه بأن عضم نفسه، فقال تعالى {فتعالى الله الملك الحق} تنبيها علىمايلزم ~~خلقه من تعظيمه وتعالى تفاعل من العلوا أي ارتفع عن صفات المخلوقات وعلى ~~وقهر، وملك، وقدر، واستعلى. # أما قوله تعالى{ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } ففي تعلقه ~~بما قبله وجهان: # الأول: قال أبومسلم: إن من قوله {ويسألونك عن الجبال} إلى هاهنا يتم ~~الكلام وينقطع، ثم قوله {ولا تعجل بالقرآن } خطاب مستأنف، ms1232 فكأنه قال ~~{ويسألونك}{ولا تعجل بالقرآن }. # الثاني: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخاف أن يفوته فيقرأ مع الملك ~~فأمره بأن يسك حال قراءة الملك ويأخذ بعد فراغه في القرأءة. # قال في البرهان: يعني لاتعجل بتلاوته من قبل أن يفرغ جبريل عليه السلام ~~من إبلاغه، ويحتمل لاتلقه إلى الناس قبل أن يجيئك تأويله وبيانه، انتهى. PageV17P307 # ومعناه لاتعجل بتلاوته من قبل أن نعلمك وحي تأويله، لأنك إذا عجلت بتلاوته ~~سئلت عن تفسيره فلم تعلم ذلك فقف عن تلاوته على الناس حتى يعلمك ويفضي إليك ~~وحي تفسيره ويفهمك. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: معناه لاتعجل بالإنذار بالسورة أو ~~الآيات المذكورة فيها القصة والقصص أو الموعظة من قبل تمامها وكمالها ~~وقضاياها، وأمرك بتبليغ .....،انتهى. # ثم قال تعالى {وقل رب زدني علما} قيل معناه زدني فهما. # وقيل: حفظا، والمراد أنه سبحانه أمره بالفزع إلى الله في زيادة العلم ~~بتمام القرآن وتبيان ما نزل عليه. # قيل: ما أمر الله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. # قال في البرهان: يعني زدني علما من علم ما أحتاج إليه لنفسي ولأمتي، ~~وزدني صبرا علىطاعتك وجهاد أعدائك لأن الصبر يسهل بوفور العلم،وفيه تواضع. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه علمتني علما وأدبا جميلا فزدني ~~علما إلىعلم على أن الله عزوجل يحب من الناس أن لايكتفوا بعلمهم ولايتركوا ~~طلب العلم إلى حين موتهم، ولو كان أحد إكتفى من العلم باليسير لاكتفى رسول ~~الله بعلمه الكثير، فلما وجدنا الله سبحانه يأمره بالسؤال والدعاء إليه في ~~طلب الزيادة وفرض ذلك عليه، علمنا أن غيره أجدر ألايكتفي أبدا وأن لايزال ~~في طلب الحكمة جاهدا. PageV17P308 # وقال تعالى:{ وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا} أردفه ~~بقصة آدم عليه السلام فقال سبحانه: {ولقد عهدنا} أي أقسم لقد عهدنا أي ~~أمرنا ووصينا إلى آدم باجتناب الشجرة من قبل وجود بنيه، فخالف إلى ما نهي ~~عنه، والمعنى كأنه قال أن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه ~~أمر قديم، فإنا ms1233 عهدنا إلى آدم من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد، ~~وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا أن {إن هذا عدو لك ولزوجك} فنسي أي فترك العهد ~~للسهو والنسيان، فأمر البشر في ترك التحفظ أمر قديم، ثم اختلف فقيل هو آثم ~~بذلك النسيان، أي بتسهيله في التذكر الذي كان سبب النسيان، وإن كان النسيان ~~ليس من فعله، وقيل هو غير آثم. # أما قوله تعالى {ولم نجد له عزما}فقال في البرهان: يعني حفظا لما عهد ~~إليه وتماما وصبرا عليه، انتهى. # وقيل: معنى عزما أي تصميما ومضيا على ترك الأكل منها، أي لم تتصلب تصلبا ~~......الشيطان من التسويل، فأساس ابن آدم مبني على المخالفة واتباع الهوى. # قلت: وهذا والله اعلم لايصح لأن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون من ~~تعمد الخظاء، ولايرسل الله سبحانه من يعلم أومن يعلم أنه لايصمم على ترك ~~المعصية وإنما المراد لم نجد له عزما على أكل الشجرة المنهي عنها وتعمد ~~العصيان. PageV17P309 # قال الهادي عليه السلام: قد نفى الله سبحانه عن آدم عليه السلام تعمد ~~المعصية، قال الله تعالى:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما} أي لم نجد له عزما على أكلها، واعتماد الشجرة بعينها، فإن قال قائل ~~إذاكانت معصية آدم عليه السلام خطئا ونسيانا فكيف وجب عليه من الله العقوبة ~~وقد أجمعت الأمة على أنه إذ نسي الرجل فشرب في نهار رمضان وهو ناس أو أكل ~~وهو ناس، أو ترك صلاته حتى يخرج وقتها وهو ناس أو جامع الرجل امرأته في ~~طمثها وهوناس لم تجب عليه في ذلك عقوبة عند الله، فكيف تجب على آدم صلوات ~~الله عليه العقوبة ف أكل الشجرة ناسيا. # فقال عليه السلام: إنما عوقب آدم في استعجاله في أكل الشجرة وذلك أن الله ~~تبارك وتعالى لما نهاه عن أكل الشجرة وهي البر وأمره بأكل الشعير ولم يحضر ~~عليه، فكان يأكل من شجرة الشعير وهي ورق لم تحمل ثمرا فلما أن صار فيها ~~الحب والثمر اشتكل عليه أمرهما فلم يدري أيهما نهي ms1234 عنها فأتاه العين إبليس ~~فخدعه وغره وقاسمه على ماذكره الله في كتابه فقال {وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} فاستعجل آدم وأكل من ~~الشجرة ولم ينتظر الوحي في ذلك من عند الله، فعوقب لاستعجاله وقلة صبرة ~~لانتظار أمر ربه، انتهى. # ومعنى قوله تعالى {وإذ قلنا} أي واذكر وقت {للملائكة اسجدوا لآدم} أي من ~~أجل آدم والسجود لله عزوجل {فسجدوا إلا إبليس أبى } أي امتنع تكبر وهو جواب ~~قائل قال لما لم يسجد قيل أبى، وصح دخوله معهم في الأمر لأنه حاضر له فأمر ~~بالسجود معهم ذكره الهادي عليه السلام. # وقيل: صح استثناؤه منهم وليس منهم تغليبا كقولك خرجوا إلا فلانه لامرأة ~~بين رجال. PageV17P310 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه في هذه الآية أنه أمر الملائكة ~~والجن فسجدوا إلا إبليس ولكنه اختص واكتفى بذكر إبليس اللعين عن ذكر ~~اصحابه، كما يكتفي بذكر الرئيس دون عشيرته وقومه. # قلت: ويدل على هذا قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال ~~فيسجدوا إلا إبليس وقبيله والله أعلم. # قال سبحانه{فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك} حواء {فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى} بأن تأكل من كسب يديك فتشقى أنت وزوجك، ولم يقل فتشقيا ~~لأمرين. # أحدهما: أنه المخاطب دونها. # والثاني: لأنه الكاد عليها والكاسب لها فكان بالشقاء أخص. # قال في البرهان: وقيل لأن في شقاء قيم البيت شقاء أهله، كما أن في سعادته ~~سعادتهم فاختصر مع مراعات الفاصلة وأريد بالشقاء التعب في طلب القوت وهو ~~معصوب بالرجل يؤيده ما روي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث ويمس العرق ~~من جبينه، ثم ذكر الله عزوجل ماله في جنته من الشبع والري والكسوة،والكن ~~التى تدور عليها أمر الإنسان، فقال سبحانه{إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ~~وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} فذكره الله سبحانه حصول هذه الأشياء له في ~~الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب،وإنما خص هذه الأربعة الشبع، والري، ~~والكسوة، والكن، ms1235 لأنها أقطاب ما يدور عليها كفاف الإنسان. PageV17P311 # ولما ذكرها بلفظ النفي لأضدادها التي هي الجوع، والعرى، والضماء،والضحى، ~~أسمعه أسامي أصناف الشقوة، فحذره منها حتى يبالغ في الإحتراز عن السبب الذي ~~يوقع فيها،وهذه الأشياء كلها تفسير الشقي المذكور في قوله { فتشقى} ثم قال ~~تعالى{فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة وهي الكلام الخفي، وسوس ~~له أي لأجله {قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد} أراد من أكل منها خلد ولم ~~يمت، {وملك لا يبلى} خديعة من اللعين وحيلا،{ فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما }. # قال الهادي عليه السلام: معنى بدت سوآتهما فهو سوء فعلهما لاكما يقول من ~~جهل العلم وقال بالمحال أن الله تبارك وتعالى كشف عورة نبيه وهتكه، وكيف ~~يجوز ذلك على الله في أنبيائه والله لايحب أن يكشف عورةكافربه فكيف يكشف ~~عورة نبيه. # ومثل هذا ذكرالحسين بن القاسم عليهما السلام: في تفسيره ثم قال ومعنى ~~{وطفقا}أي جعلا وعلقا، قال الشاعر: # طفقت تلوم ولات حين ملام # أي جعلت تلوم، ومعنى {يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يوصلان ورق الجنة ~~عليهما وذلك من نحر الشمس وذلك عند أمر الله لهما بالخروج منها، والخصف هو ~~التوصيل، والخصف بنصب الصاد معروف بالحجاز من سقف النخل ، وخوصه، وأهل ~~اليمن يسمونه حصيرا،ولعل آدم وحواء عملا ذلك أو ما اشبهه عند خياصتهما، ~~ولعل الورق الذي خصف منه ورق النخل من الخوص، فهو أشد ورق رأيته ~~يعمل،والعرب تقول خصفنا النعل خصفا وثيقا، إذا وصورها ورقعوها بالخراز ~~وأحكموها، قال الشاعر: # إني أرى رجلا في كفه كتف # أو يخصف النعل لهفي أينا صنعا # {وعصى آدم ربه فغوى} أي فتعب ولقي تعبا ونصبا، هذا تأويل قوله {فغوى} قال ~~الشاعر: # فمعطفه الآبناء ليس فصيلها # ترابها در ولا ميت غوى PageV17P312 والعرب تقول غوى، وغوى الجدي أي ظمئ وتعب، والغواية في لغة العرب على وجوه ~~لاتليق بآدم عليه السلام{ثم اجتباه ربه} أي قبله بعد التوبة وتولاه،ورفعه، ~~وقربه إليه وأدناه، {فتاب عليه وهدى} يقول وفقه لحفظ التوبة وغيره من أسباب ~~التقوى، ومعنى قوله تعالى{قال اهبطا ms1236 منها} ينعي من الجنة، أي انتقلا ~~وتتحولا إلىغيرها {جميعا} أي حال الهبوط وهو يريد بذلك نقلهما من الجنة ~~التي أنزلهما منها،وهي جنة من جنات الدنيا، ذكر هذا الحسين بن القاسم، وهو صريح. # قول الهادي عليه السلام: أما قوله {بعضكم لبعض عدو} فالمراد به آدم ~~وذريته وأبليس، حشر يوم القيامة علىضلا لة الذي يريد ما يوقع بينهم من ~~العدواة لأنه إذا أثر في من هو معصوم مع التحذير البليغ ففي من ليس بمعصوم ~~أولى وأحق، ثم قال تعالى {فإما يأتينكم مني هدى} أي إما يأتينكم مني كتاب ~~وشريعة،وأراد أي كتاب وشريعة. # وقيل: أراد القرآن وشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وقيل: إنما كان خطاب جماعة وهما إثنان، لما كانا أصل البشر وسبب نشورهم، ~~ومنها تفرعوا، خوطبنا خطابه ونظيره إسناد الفعل إلى السبب، وهو في الحقيقة ~~إلى المسبب {فمن تبع هداي } أي كتابي فلايظل في الدنيا عن طريق الدين ~~ولايشقى في الآخرة بعقاب الضلال لأن الشقاء في الآخرة عقاب من ضل في الدنيا ~~عن طريق الدينز # قال في البرها: روينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: ضمن ~~الله لمن قرئ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولايشقى في الآخرة، انتهى. PageV17P313 # ولما وعد الله من تبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض فقال عزوجل:{ ومن أعرض ~~عن ذكري} أي عن كتابي الذي فيه هداي، ويجوز أن يريد أي ذكر كان من مواعض ~~الله وتذكيراته، ويجوز أن يراد بالذكر المعرفة بالله وبنبواته وشرائعه، ~~{فإن له معيشة ضنكا} الضنك مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، ومعناه ~~الضيق والشدة، وقرئ شاذا ضنكا، بألف على أنها صفة مثل شكري، والمعيشة ~~مايعاش به، والمعنى حياة ضيقة في الدنيا، إما بالفقر وإما بأخيه، الحرص ~~الذي لايدعه يستريح، والشح الفاضح، والمؤمن عكسه، إما باليسار المربح، وإما ~~بأخيه الرضاء والتوكل،والقناعة،والسماحة، وجاء مرفوعا أنه عذاب القبر. # وفي البرهان: {معيشة ضنكا} يعني إنفاق مالا يوقن عليه بالخلف في دار ~~الدينا وطعام الضريع والزقوم في الآخرة في جهنم، والضنك ms1237 في كلام العرب ~~الضيق، قال عنترة: # إن المنية لو تمثل مثلت # بضنك المنزل # انتهى. # ثم قال عزوجل: {ونحشره يوم القيامة أعمى} أي عن الحجة وجهات الخير، أو ~~لايرى ماتقر به عينه. # وقيل: أعمى على الحقيقة ويأباه قوله تعالى:{ يوم يرونها } {يوم يرون ما ~~يوعدون } ونحو ذلك،{ قال رب لم حشرتني أعمى} أي بعثتني إلى المحشر أعمى وقد ~~كنت بصيرا في الدنيا بحجتي أو غيرها،{ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} أي ~~مثل ذلك فعلت أنت، فعلل الله تعالى حصول العمى في الآخرة بالإعراض عن ~~الدلائل في الدنيا، ثم فسره بأن آياتنا أتتك واضحة فلم تنضرإليها بعين ~~المعتبر ونسيتها{وكذلك اليوم تنسى} أي تترك على عماك أو تترك من الخير،وليس ~~هذا من النسيان وإنما هو من الإنساء والترك. # قال العلوي: # راح الحجيج بأوجه مسودة # ونسوا الأحمد حرمة وذماما PageV17P314 أي تركوا حرمة وذماما وليس يريد أنهم قتلوا آل محمد عليهم السلام وهم ~~ناسون،بل قتلو أئمة الهدى وهم متعمدون، وبحرمة حق رسول الله تاركون. # وماروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((عرضت علي ذنوب أمتي فلم أرى أعضم ~~من آية أوتيتها رجل ثم فنسيها)) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في أخرى ~~((فلم أرى شيئا أعظم من رجل تعلم سورة ثم نسيها)) وعنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ((من تعلم القرآن ثم نسيه بعثه الله أجذم)) أي مقطوع اليد، فالمراد ~~بالنسيان هنا ترك الأحكام من الحلال والحرام. # ويحتمل أن يريد بالآيات الدالة على معرفة الله تعالى وصفاته ونبؤته ~~وشرائعه، والنسيان لها تركها أن يعمل بها، ثم قال {وكذلك} ومثل ذلك ~~الجزاء{نجزي من أسرف} أي بالغ في المعاصي،وقد بين تعالى المراد بذلك ~~بقوله{ولم يؤمن بآيات ربه} لأن ذلك كالتفسير لقوله أسرف. # وأما قوله: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} فكأنه قال وللحشر على العمى الذي ~~لايزول أشد وأبقى من ضيق العيش المنقضي إذا كان العمر حقيقة، وقد ثبت أنهم ~~يبصرون ما في صحائفهم،ولعل المعنى ولتركنا أباه في العمى {أشد وأبقى} من ~~تركه لإيآتنا أو لعذاب الآخرة بالنار أشد ms1238 وأبقى من عماه. # أما الأشد للعضمة، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع. # ثم اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة ~~أتبعه بما يعتبر به المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل، ~~قال عزوجل {أفلم يهد لهم} يعني قريشا، أي أفلم يبين لهم هذا الكلام وهو {كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } أي الأمم الماضية كعاد وثمود، فقوله{كم ~~أهلكنا}...إلخ فاعل، ألم يهدي لهم. # قال الزجاج: يعني أولم يبين لهم زمانا بيانا يهتدون به لو تدبروا ~~وتفكروا. PageV17P315 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد أفلم يدلهم ويبين لهم مأخوذ من ~~هداية الطريق، والخبر عن الشيء والدلالة عليه والله أعلم وأحكم، غير أنا ~~روينا ذلك وهو غير بعيد عن الحق، ثم أخبر سبحانه أن قريشا كانوا يشاهدون ~~تلك الآيات العضيمة الدالة على ماكانوا عليه من النعيم وماحل بهم من ضروب ~~الهلاك فقال تعالى {يمشون في مساكنهم } أي في الديار التي كانوا يسكنونها، ~~أوفي أثار مساكنهم، لأن قريشا كانت تسير في متاجرها على ديار ثمود ~~وعاد،ويعانون أكثر ما أصابهم بسبب إعراضهم عن الحق. # وقيل: مساكنهم قبورهم، لأنها مساكن الموتى يمشون فيما بين مساكنهم التي ~~هي القبور. # ثم قال: {إن في ذلك} المشاهد {لايات } أي عبرودلائل {لأولي النهى} أي ~~لأولي العقول الصحيحة، جمع لهية. # قال الرازي: والأقرب أن للنهى مزية على العقول ولايقال إلا فيمن له عقل ~~ينتهي به عن القبائح، كما أن لقولنا أولو العزم والجزم مزية، فلذلك قال ~~بعضهم، هم أهل الورع،وأهل التقى، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله لاينزل ~~العذاب معجلا على من كذب بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله {ولولا كلمة ~~سبقت من ربك } وهي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة {لكان لزاما} أي لكان ~~عذابا لازما، أو لكان مثل هلاكنا عادا وثمودا لازما لهؤلاء. # وأما قوله: {وأجل مسمى} فيحتمل أن يكون معطوف على كلمة،ومعناه كما قال في ~~البرهان : في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما} ومثل هذا ذكر ms1239 الحسين بن القاسم عليه السلام. # ثم قال والكلمة التي سبقت هي كلمة الوعيد بيوم القيامة، وذلك الوقت هو ~~الأجل المسى،ولولاذلك لكان العذاب لزاما لازما. # قال الشاعر: # لازال محتملا علي ضغينة # حتى الممات يكون منك لزاما PageV17P316 ويحتمل أن يكون معطوفا على الضمير في كان، أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى، ~~لازمين لقريش لزومها لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل، ~~والمراد بالأجل الموت، وبالمسمى المعلوم وقته، والأول أصوب والله أعلم. # ثم أنه تعالى لما أخبر نبيه بتأخير عذابهم إلى الأجل المسمى أمره بالصبر ~~على ما يقولون، فقال سبحانه: {فاصبر على ما يقولون } من الأذى والتكذيب ~~والإفتراء. # قيل: وهذه منسوخة بأية السيف، والأولى عدم النسخ إذ لامنافاة بينهما، ~~ولأنه لاشبهة في أن المراد أن يصبر على مايكرهه من أقوالهم، فيحتمل أن يكون ~~ذلك هو قول بعضهم أنه ساحر ومجنون وشاعر إلى غير ذلك. # ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة. # ويحتمل أيضا تركهم القبول منه، لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه، فرغبه الله ~~تعالى في الصبر، وبعثه على الإدامة في الدعاء إلى الله وإبلاغ ماحمل من ~~الرسالة، وأن لايكون ما يقدمون فيه صارفا له عن ذلك. # وأما قوله {وسبح بحمد ربك } فهو كقوله تعالى{واستعينوا بالصبر والصلاة} ~~وقوله بحمد ربك في موضع الحال أي سبح وأنت حامد ربك، على أن وفقك للتسبيح ~~وأعانك عليه. # والمراد بالتسبيح الصلاة أو على ضاهرة، وإنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح، ~~لأن ذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة، إذ لاراحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى. # والمراد بقوله عزوجل {قبل طلوع الشمس } طلوع الفجر،{ وقبل غروبها} الظهر ~~والعصر، {ومن آناء الليل} ساعاته، أي ومن ساعات الليل فسبح أي فصلي المغرب ~~والعشاء الآخرة وأطراف النهار وتعمد آنا الليل وأطراف النهار مختصا بصلاتك ~~أنت لأن أفضل الذكر ماكان بالليل لاجتماع القلب وهدؤ الرجل بالخلو بالرب ~~وتناول التسبيح آناء الليل صلاة العتمة وأطراف ا لنهار المغرب والفجر على ~~التكرار للفجر أراده الإختصاص. PageV17P317 # وقال أطارف النهار وليس الأطرفان بالعلم ms1240 بذلك وأمن اللبس، وقد قرئ نحو ~~أطراف عطفا على آناء الليل. # قال في البرهان: فقبل طلوع الشمس صلاة الليل وقبل غروبها صلاة العصر، ومن ~~آناء الليل أي من ساعاته، وأحدها أنا وهي كل صلاة صلت بالليل وأطراف النهار ~~صلاة العصر لأنها آخر النصف الأول، وأول النصف الثاني، أما قوله {لعلك ~~ترضى} فلعل من الله إيجاب بمعنى إفعل ذلك ترضى، وقيل: تزح للمخاطب أي أفعل ~~ذلك رجاء أن تنال ما يرضي نفسك. # واعلم أنه تعالى لما صبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله على ما يقولون ~~وأمره بأن يعد إلى التسبيح أتبع ذلك بنهيه عن مد عينه إلى ما متع به القوم. # قال سبحانه{ولا تمدن عينيك } أي نظرها {إلى ما متعنا به أزواجا منهم } أي ~~أشكالا وأصنافا من الكفرة مأخوذ من المزاوجة، والنظر المنهي عنه هو أن يطو ~~ل نظره إستحسانا وإعجابا بالمنظور إليه وتمنيا له كنضارة قارون {ياليت لنا} ~~الآية لامناداة فقط، وقد شدد علماء التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية ~~الضلمة وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغيرها، لأن الناظر إليها محصل ~~لغرضهم التي اتخذوها له من الإفتخار بها في عيون النضارة وكالمعزي لهم عليها. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام : معناه لا تشتغل بمد بصرك إلى متاع ~~هؤلاء الفاسقين ولا تلهم نفسك الرغبة إلى حطامهم، ومعنى {متعنا به} أي ~~جعلناه بلغة تمتعهم إلى حين موتهم،والأزواج هي الأصناف من الرجال والنساء. # ومعنى {زهرة الحياة الدنيا } أي ذوي زهرة على أنه وصف للأزواج بأنهم ~~أصحاب زهرة، أو تقديره أذم زهرة الحياة الدنيا. PageV17P318 # قال الرازي: في إنصاب زهرة أربعة أوجه على الذم وهو النصب على الإختصاص ~~وعلى تضمين متعنا معنى اعطينا،وكونه مفعولآ ثانيا وعلى إبداله بمحل الجار ~~والمجرور على تقدير ذوي، ثم قال تعالى{لنفتنهم فيه } يعني أي لنبلوهم فيما ~~متعناهم به من هذه الزهرة حتى يستوجبوا العذاب لكفرهم وعدم شكرهم أو ~~ليعذبهم في الآخرة بسببه، ثم قال تعالىلرسوله صلى الله عليه وآله {ورزق ربك ~~خير وأبقى} مما متعناهم به أي ms1241 ثواب ربك وكرامته من نعيم الآخرة خير من هذا ~~الحطام الذي يفنى ويكون عن قليل ترابا وعدما، وأراد برزق ربك نعمة الإسلام ~~والنبوة، أو ما رزق المؤمنين من الحلال لأن الغالب على ما مع الكفرة ~~الحرام. # قال في البرهان: وسبب نزولها ما روينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم استلف من يهودي طعاما فأبا أن يسلفه إلا برهن فحزن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقال ((إني لأمين في أهل السماء وفي أهل الأرض أحمل درعي ~~إليه)) فنزلت هذه الآية. # وروينا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية أمر مناديه فنادى ~~من لم يتأدب بأدب الله تقطعت نفسه على الدنيا حصرات. # وفي تفسير الرازي قال أبو رافع: نزل ظيف برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعثني إلى يهودي لبيع أو سلف فقال والله لا افعل ذلك إلا برهن فأخبرته ~~بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه لذلك فنزلت قوله تعالى {ولا تمدن عينيك } وقال ~~تعالى {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} أي أقبل عليها أنت مع أهلك ~~واستعينو بها على حوائجكم وخصاصتكم. PageV17P319 # قال فيه: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب ~~إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول ((الصلاة الصلاة)) وكان يفعل ~~ذلك أشهر، أو من رواية إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه ~~عن كتاب شواهد التنزيل للحاكم الإمام أبي القاسم الحسكاني المحدث ~~النيسابوري رحمة الله عليه، عند ذكر قوله تعالى {إنما يريد الله} الآية. # قال: وقد كثرت الرواية فيها فمنها رواية أنس بن مالك، أخبرنا محمد بن ~~موسى بن الفضل، قال أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف، قال حدثنا محمد بن ~~إسحاق، قال حدثنا عفان بن مسلم ، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا علي ~~بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب ~~فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: ((الصلاة يا أهل البيت{ ms1242 إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)) رواه جماعة عن ~~عفان، رواه عنه عبيد بن حميد في تفسيره وتابعه جماعة عن حماد منهم إبراهيم ~~الشامي، أخبرنا أبو عبد الرحمان بن عبدالله البالوي. PageV17P320 # أخبرنا أبو سعيد القرشي، قال حدثنا: يوسف بن عاصم الرازي، قال حدثنا ~~إبراهيم بن حجاج الشامي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أنس بن ~~مالك أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمر ستة أشهر بباب فاطمة عند صلاة ~~الصبح ويقول ((الصلاة يا أهل البيت)) الصلاة ثلاث مرات(({إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} والأسود بن عامر ولقبه ساذان ~~أخبرنا أبو نصر المفسر، قال أخبرنا أبو عمر بن مظر، قال حدثنا أبو إسحاق ~~المفسر، قال حدثنا هارون بن عبدالله، قال حدثنا الأسود بن عامر، قال حدثنا ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس بن مالك، قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله يمر ببيت فاطمة لستة أشهر إذا خرج إلى الفجر يقول((الصلاة يا أهل ~~البيت{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وحجاج ~~بن منهال البصري الأغالي، أخبرنا أبو الحسن، قال أخبرنا أبو الحسن، قال ~~حدثنا أبو مسلم، قال حدثنا حجاج بن منهال، وحدثنا أبو نصر المفسر، قال ~~أخبرنا أبو الحسن الكارزي، قال أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي، قال حدثنا ~~حجاج بن منهال الشلبي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن بن زيد عن أنس بن مالك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج ~~إلى صلاة الفجر ويقول ((الصلاة يا أهل البيت الصلاة {إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا})). # وقال أبو مسلم صلاة الصبح وهو يقول (( لصلاة الصلاة {إنما يريد الله})) ~~والباقي واحد. PageV17P321 # ورواه عن حجاج جماعة،وعبد الله بن محمد العبسي أخبرنا أبو عثمان الخيري، ~~قال أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ببغداد، وقال حدثنا العاصي أبو ~~محمد ms1243 عبدالله بن الحسين إملاء قال أخبرنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمان ~~ببغداد إذ قالا حدثنا أبو القاسم بن منيع البغوي، قال حدثنا عبيد الله بن ~~محمد العبسي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر بباب فاطمة بعد أن بنى بها علي بن أبي ~~طالب ستة أشهر فيقول ((الصلاة أهل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا})) لفظ الدارقطني. # وقال بن المخلص بباب فاطمة وستة أشهر، والباقي سواء، رواه جماعة عن ~~البقري، أخبرنا القاضي أبو بكر الخيري، قال حدثنا أبو الحسن محمد بن نافع ~~بن إسحاق الخزاعي بمكة، قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال حدثنا عبد ~~الله بن محمد العبسي، قال حدثنا حماد به، وقال بعد ما بنى بها على ستة، ~~والباقي كلفظ الدارقطني سواء. # قال أخبرنا: علي بن أحمد، قال أخبرنا أخمد بن عبيد، قال حدثنا محمد بن ~~عيسى بن أبي قماس الواسطي، قال حدثنا: بن عائشة، قال حدثنا: حماد بن علي بن ~~زيد عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمر بمنزل فاطمة ~~وذكر نحوه موسى بن إسماعيل التبوكي، أخبرنا الحارث، قال أخبرنا الصفار، قال ~~حدثنا: ثمثام، قال حدثنا: موسى بن إسماعيل، قال حدثنا: حماد بن سلمة عن علي ~~بن زيد عن جدعان، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر ~~ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول((الصلاة يا أهل بيت محمد ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}))، انتهى. PageV17P322 # وقد قدمنا في آية التطهير قسطا من حديث الكسى وأنه مما تواتر معنى، ثم قال ~~سبحانه{لا نسألك رزقا} أي لانسألك أن تشتغل بطلب الرزق عن الهداء {نحن ~~نرزقك} فلا تهتم بأمر المعيشة فإنك مكفي نحن رازقوك فلا نسألك أن ترزق نفسك ~~ولا أهلك، فافرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي معناه قول الناس من كان في عمل ms1244 ~~الله كان الله في عمله. # قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل بأهله ~~ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلى هذه الآية. # وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ {لا تمدن عينيك} ~~الآية، ثم ينادي ((الصلاة الصلاة يرحمكم الله)). # وعن بكر بن عبد الله المزني كان إذا اصاب أهله خصاصة قال((قوموا فصلوا ~~بهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)) ثم قال سبحانه {والعاقبة ~~للتقوى} أي والعاقبة المحمودة وهي الجنة لأهل التقوى. # ثم أنه تعالى بعد هذه الوصية حكى عنهم شبههم بقوله سبحانه{وقالوا } أي ~~قريش{لولا يأتينا بآية من ربه} أي معجزة دالة على نبوته أوهموا بهذا الكلام ~~أنه يكلفهم الإيمان من غير آية. PageV17P323 # وقالوا: في موضع آخر {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون} فقال الله ردا عليهم ~~{أولم تأتهم بينة} أي بيان {ما في الصحف الأولى} أي الكتب المتقدمة وبينتها ~~القرآن لأنه بينها وبرهان ما فيها، لأنه معجزة، وذلك لأنه إذا وافق ما في ~~كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يشتغل بالدراسة والعلم، وما ~~رأى إسناد البتة، كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزة، وأيضا أنه لايمكن ~~فيه زيادة ولانقصان بخلافها فهي مفتقرة إلى شهادته بصحة ما فيها، والمعنى ~~أنهم لم يعدوا القرآن آية، وطلبوا آية غيره منكرين لأن يكون آية، فقال{أولم ~~تأتهم بينة} أقوى الآيات وهو الشاهد على الكتب السماوية، ثم أخبرتعالى أنه ~~أزال عنهم كل عذر وعلة في التكذيب فقال {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } ~~أي قبل البينة وهي القرآن {لقالوا}يوم القيامة{ ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا} يوقظنا ويهدينا بما أوحي إليه من الحق والبرهان {فنتبع آياتك} التي ~~أرسلته بها إ لينا {من قبل أن نذل} بالعذاب{ونخزى} بالفضيحة على رؤوس ~~الأشهاد، والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم، فأما الآن وقد ~~أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة، بل الحجة ~~عليهم، وإنما ذكر الضمير ms1245 الراجح إ لى البينة في قوله {من قبله } لأنها في ~~معنى البرهان، والدليل والله أعلم، ثم أن الله تعالى ختم السورة بضرب من ~~الوعيد فقال عزوجل{قل كل متربص} أي قل يامحمد كل منا ومنكم منتظر للعاقبة ~~وما يؤول إليه أمرنا وأمركم من الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وأنتم ~~متربصون بنا الهلاك وعدم الظهور {فتربصوا} سوء عاقبتكم {فستعلمون } في ~~الآخرة{من أصحاب الصراط السوي} أي الصراط المستوي الثابت على الحق والنجاة، وقرئ # شاذا السوى بمعنى الوسط والجيد {ومن اهتدى} من الضلالة أنحن أم أنتم، ~~وقرئ {فتمتعوا فسوف تعلمون} فكان فتربصوا ومعناه على هذه التخلية والوعيد ~~بالعذاب الشديد والله أعلم. PageV17P324 ### || AUTO سورة مريم عليها السلام # تسعون وتسع أيات عند بن كثير وهو في عدد المدني قال في التبيان: وتسعون ~~وثمان في الأكثر مكية. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله{كهيعص} قال في البرهان: قد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~عليه السلام أنه قال هو اسم من أسماء الله عزوجل فالكاف من كبير والهاء من ~~هادي، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، وقد تقدم الكلام في ~~ذكر الحروف في غير موضع للهادي عليه السلام وغيره،ونذكرها هنا في ذلك قول ~~الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام: في جوابه لمن سأله عن ذلك مالفظه، ~~وسألت عن قول الله عزوجل {كهيعص} و{حم} و{الر} وما أشبه ذلك من أوائل السور. # واعلم أعاننا الله وإياك على طباعته أن هذه الأحرف أحرف لم يتعبد الله ~~أحدا بأكثر من الإقرار بها كن الله تفسيرها عن نبيه فضلا عن غيره وأطلع ~~عليها نبيه أطلع عليها وصيه ولو أطلع عليها وصيه إذا لعرفها أهل بيته، فلما ~~أن لم يوجد ذلك مفسرا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا اللغة ~~المستدل بها علمنا أن هذه الأحرف وأحرف لم يكلف الله تفسيرها إذ ترك اطلاع ~~نبيه عليها غير أنه قد تكلم متكلمون وخبط خابطون بغير معرفة ولابصيرة نافذة ~~تكلمها منهم عمى، فأنكرنا ذلك من فعلهم وكرهناه من عملهم ms1246 فخشينا إن فسرنا ~~أن يقع فيما كرهنا ونصير إلى ما أنكرنا فتركنا المنكر عندنا لما بان من ~~الصواب لدينا، انتهى. # ومعنى قوله تعالى {ذكر رحمة ربك} أي هذا المتلو من القرآن {ذكر رحمة ربك ~~عبده زكريا} بإجابة دعائه وبشارته بيحي {إذ نادى ربه} أي وقت دعاه وسأله ~~هبة الولد. PageV17P325 # قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد من قوله {رحمة ربك} هو نفس زكريا، ثم في ~~كونه رحمة وجهان: # أحدهما: أن يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلىأمته ~~لأن الله تعالى لما شرح لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم طريقة في الإخلاص ~~والإبتهال في جميع الأمور إلىالله تعالىصار ذلك لطفا داعيا له ولأمته إلى ~~تلك الطريقة، وكان زكريا رحمة، ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ~~ذكر الرحمة التي رحم بها عبده زكريا، وقوله {نداء خفيا} إنما أخفى دعوته ~~لستواء الجهر والإخفاء عند الله لأنه سبحانه يعلم القلب التقى وسمع الصوت ~~الخفي فأخفى زكريا نداه لأن الجهر والإخفاء عند الله شيئان ولئلا ينسب فيه ~~إلى الرياء والهزو فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد، وقيل: أشر من ~~مواليه الذين خافهم، ثم بين سبحانه نداء زكريا عليه السلام بقوله{قال رب ~~إني وهن العظم مني } أي ضعف ورق وإنما ذكر العضم لأنه عمود البدن وبه قوامه ~~فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد عاقبة وأصلبه، فإذا أوهن كان ما ~~وراه أوهن، ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية وقصده إلى أن هذا ~~الجنس الذي هو العمود والقوام قد أصابه الوهن،ولو جمع لكان قصدا إلى معنى ~~آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عضامه ولكن كلها، ثم قال {واشتعل الرأس شيبا} ~~شبه الشيب بلهب النار في بياضه وانتشارة في الشعر تشبيها على وجه الإستعارة ~~وهذا من أحسن الإستعارات لأن الشيب قد انتشر في الرأس مثلما انتشر في الحطب ~~شعاع النار {ولم أكن بدعائك رب شقيا} يعني خائبا كنت تجيبني إذا دعوتك ولا ~~تحرمني الإجابة. # قال في الكشاف: توسل إلى ms1247 الله بما سلف له من الإستجابة أي عادتي منك ~~إجابة الدعاء. # وروي أن محتاجا قصد معن بن زائدة وقال أنا الذي أحسنت إلي وكت كذا فقال ~~مرحبا بمن توسل بنا إلينا. PageV17P326 # وقال محمد بن القاسم عليهم السلام: المعنى في ذلك أني لم أكن لما أعلم من ~~رحمتك ورأفتك واستجابتك لمن دعى بما نعطيه عند الدعاء من مواهب نعمتك بأشقى ~~خلقك في سعة رحمتك بأن تجيبني من الإجابة عند دوعتك تواضعا من زكريا صلى ~~الله عليه لايزكي نفسه ولا يوجب لها الإجابة من الله إلا بإحسانه وفضله ~~وامتنانه وأنه لم يوجب على الله إجابته في دعائه إلابفضل الله ورحمته وجوده ~~في عطائه،هذا وزكريا نبي من أفاضل الأنبيا في طاعة الله وعمل البر والتقى، انتهى. # ثم قال {وإني خفت الموالي من ورائي} أي من بعد موتي،والموالي هم ~~الأقارب،والموالي بني العم وكانوا أشرار بني إسرائيل خافهم على الدين أن ~~يغيروه ويبدلوه قال الشاعر: # موالي حلف لأموالي قرابة # فطلب عقبى من صلبه صالحا يقتدي به في الدين. # قال الهادي عليه السلام: الموالي فهم العصبة الوارثون. # وقوله: {خفت الموالي} فهو خفتهم على دينك أن يعصوه من بعدي ويرفضوه ~~بعدوفاتي ولايقوموا بما أوصيتني وأمرتني به، فسأل ربه أن يهب له عقبا ولدا ~~ذكرا آثرته حكمته وعلمه، ويرث حكمه آبائه وأجداده آل يعقوب، فأجابه الله ~~فوهب له يحي صلى الله عليهما، انتهى. # ومثل هذا في البرهان: ثم قال {وكانت امرأتي عاقرا} أي عقيما ~~لاتلد،ولاتحمل ولدا. # وقيل: عجوزا لاتصلح للولادة. # واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورا ثلاثة: # أحدها: كونه ضعيفا. # والثاني: أنه تعالى ما رد دعائه البتةز # والثالث: كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفة في الدين ثم بعد تقرير هذه ~~الأمور الثلاثة شره في السؤال بقوله {فهب لي من لدنك} أي من عندك {وليا، ~~يرثني} أي ولدا صالحا مرضيا، وقوله من لدنك تأكيدا لكونه وليا مرضيا لكونه ~~مضافا إلى الله تعالى صادرا من عنده، وإلا فهب لي وليا يرثني كاف. PageV17P327 # والمراد أرث الشرع والعلم والدين كما ms1248 مر، ثم {ويرث من آل يعقوب} أي النبوة، ~~وقيل: من للبغيض لأن أولاد يعقوب لم يكونوا أنبياء ولا علماء وكان زكريا من ~~نسل يعقوب بن إسحاق، {واجعله رب رضيا} أي مرضيا، فاستجاب الله دعاه وناداه ~~فقال {يازكريا إنا نبشرك بغلام} أي بولد ذكر {اسمه يحيى} لأنه يحي بالعلم ~~والطاعة والزهد{لم نجعل له من قبل سميا} أي لم نسمي أحد قبله أو لم يكن له ~~مثل في أنه لم يعصي الله ولم يهم بمعصية، وقيل: للمثل سمي لأن كل متشاكلين ~~يسمى كل واحد منهما باسم المثل والشبه، فكل واحد منهما سمي لصاحبه، ولما ~~بشر زكريا عليه السلام بالولد واستعظم ذلك على سبيل التعجب {قال رب أنى ~~يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا} معنى عاقرا أي ~~كانت على صفة العقر حين أنا شاب يولد لمثلي فأرزقت ولدا فكيف مع انظمام ~~كبري إلى كبرها، وعقلها، وإنما طلب مع علمه بحالهما فلما أجيب استبعد ~~واستعجب ليجاب بما يجاب به فيزداد المؤمنون إيقانا ويرتدع المبطلون،وإلا ~~فاعتقاده أولا وأخرا واحد، وهوأن الله سبحانه غني عن الأسباب،ومعنى ~~قوله{عتيا} أي يبسا وجساوة في المفاصل والعظام كالعود القاحل يقال عتى ~~العود إذا يبس من الكبرز # قال محمد بن القاسم عليمها السلام: الغني القديم الذي قد بلغ صاحبه غاية ~~ما يكون من قسوته ويبسه وشدته عند الهرم. PageV17P328 # قال في البرهان: قيل له خمس وتسعون سند وقرئ {وقد بلغت من الكبر عتيا} من ~~قولهم الشيخ إذا كبر قد عتي وعتى،ومعناهما واحد، وقوله تعالى {قال كذلك} أي ~~الأمر مثل ذلك تصديقا له فيما قال من الكبر فيهما، ثم ابتداء فقال {قال ~~ربك} ويحتمل أن المراد لاتعجب، فإن كذلك،قال ربك، ويحتمل أن يكون الكاف ~~منصوبا وذلك إشارة إلى منهم يعتبرون {هو علي هين} ونحوه، وقضينا إليه ذلك ~~الأمر {أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}ومعنى هين أي سهل يسير ارد قوتك على ~~الجماع وأفتق رحم امرأتك بالولد. # قال الرازي: الجمهور على أن قوله تعالى {قال كذلك قال ربك} يقتضي أن ms1249 ~~القائل لذلك ملك، مع الإعتراف بأن قوله {يازكريا إنا نبشرك} قول الله ~~تعالى، وقوله {علي هين} وهذا بعيد لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده ~~قول الله تعالى فكيف يصبح إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، ~~والأولى أن يقول قائل هذا القول أيضا هو الله تعالى، كما أن الملك العظيم ~~إذاوعد عبده شيئا عظيما فيقول العبد من أين يحصل لي هذا؟ PageV17P329 # فيقول إن سلطانك ظمن لك بذلك، كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطانا وأنه يوجب ~~الوفاء بالوعد، فكذا هنا، ثم قال سبحانه{وقد خلقتك من قبل} أي من قبل يحيي ~~{ولم تكن شيئا} لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئا لا يعتد به وهو النطفة، ~~فالقادر على خلقك مع ضعف السبب قادر على الخلق بغير سبب كما خلق آدم وعيسى ~~عليمها السلام، ولما وقعت البشارة لزكريا بالولد مطلقه لايعرف وقتها بمجرد ~~البشارة، {قال رب اجعل لي آية} أي دلالة على حملها وعلامة أعلم ما بشرت به ~~من الولد لأتعجل السرور، {قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال} أي وثلاثة ~~أيام لقوله عزوجل في سورة آل عمران {ثلاثة أيام} وقوله {سويا} بيان لحاله ~~أي علامتك أن تمنع من الكلام فلاتطيقه ثلاث ليال وأنت سليم الجوارح سوي ~~الخلق ما بك خرس ولابكم أي عجم. # قال الحسين بن القاسم عليمها السلام: فلما حملت أصمت وانقطع كلامه ثلاث ~~ليال سويا أي صحيحا مستوي الحال لم ينقطع كلامه من سوء ولم يمنع من مرض، بل ~~هو حي سوي، قال الشاعر: # خودى ضناكا خلقها سوي # أي صحيح معتدل فهو حسن. # قال الرازي: أتفقوا علي أن تلك الآية هي تعذرالكلام عليه، فإن مجرد الكون ~~مع القدرة لايكون حجة، ثم اختلفو على قولين: # أحدهما: أنه اعتقل لسانه أصلا. PageV17P330 # والثاني: أنه امتنع عليه الكلام مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان ~~متمكنا من ذكر الله ومن قرائة التوراة والأنجيل، وهذا القول عندي أصح لأن ~~اعتقال اللسان مطلقا قد يكون بمرض وقد يكونه من فعل الله تعالى ms1250 فلا يعرف ~~زكريا عليه السلام أن ذلك الإعتقال كان معجزا إلا إذا عرف أنه ليس لمرض بل ~~لمحظ فعل الله تعالى مع سلامة الألات، وهذا مما لايعرف إلا بدليل آخر، ~~فيفتقر تلك الدلالة إلى دلالة آخرى، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام مع القوم ~~مع اقتداره على التكلم بذكر الله وقراءة التوراة والأنجيل علم بالضرورة أن ~~ذلك الإعتقال ليس لعلة ومرض بل هو لمحض فعل الله تعالى فيتحقق كونه آية ~~ومعجزة، ومما يقوي ذلك قوله {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} خص ذلك ~~بالتكلم مع الناس وهذا بطريق المفهوم يوفيد أنه قادر على التلكم مع غير ~~الناس، وقوله {سويا} صفة لزكريا، المعنى آيتك ألاتكلم الناس في هذه المدة ~~مع كونك سويا لم يحدث بك مرض. # وقيل: هو صفة لليالي الثلاث والله أعلم. # ثم قال تعالى {فخرج على قومه من المحراب}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: أي خرج إليهم من المسجد {فأوحى ~~إليهم} أن ألقي كلاما خفيا، وهو الوحي في لغة العرب، قال الشاعر: # يوحي إليها شبه الموسوس # انتهى. # وقومه بنوا إسرائيل، والمحراب قيل: غرفة بناها لمريم عليها السلام وكانوا ~~ينتظرونه فخرج ولم يقدر أن يكلمهم. # وفي البرهان: المحراب مأخوذ من مجلس الأشراف الذي تجارب دونه ذبا عن ~~أهله، فكأن الملائكة كانت تنيب عن الأنبيا وهم في محاريبهم، ومعنى أوحي ~~إليهم أي أوصى إليهم وأشار، وقد يكون الوحي بمعنى الكتابة، قال الشاعر: # تقية وحي في بطون ا لصحائف PageV17P331 واعلم أنه لايجوز أن يكون المراد من قوله {فأوحى إليهم} الكلام لأنه كان ~~ممتنعا عليه، فأذن المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك، إما بالإشارة أو ~~برمز مخصوص، أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد ويرجح كون المراد بالآية ~~الإشارة، قوله تعالى في آل عمران{ثلاثة أيام إلا رمزا } والرمز لايكون ~~كتابة والله أعلم. # ومعنى قوله {أن سبحوا} أي صلوا وهو على ظاهره أمر بالتسبيح {بكرة} من ~~طلوع الفجر إلى الضحى{وعشيا} من زوال الشمس إلى مغيبها، وإن إريد الصلاة ~~فهو جامع ms1251 للأوقات، وإن إريد التسبيح فلأن في الذكر في هذه الأوقات مزيد ~~فضله، ولم يكن حبس لشأنه إلاعن غير الذكر للتوفر عليه هذه المدة،وفيه دليل ~~علىفضيلة الذكر والصمت عما لايعني. # قال الرازي: اتفق المفسرون على أنه من أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز في ~~اللغة يقال سبحه الضحى. # وعن عائشة في صلاة الضحى إني لأسبحها، أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي ~~عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر، والعشي صلاة العصر، ويحتمل أن يكون ~~إنما صلوا معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه، ~~فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته بغير كلام والله أعلم. # ثم أخذ في صفات يحيي وحديثه،وقدوصفه في هذا الآية بصفات تسع: # الصفة الأولى: قوله تعالى{ يايحيى خذ الكتاب} أي التوراة {بقوة}ليس ~~المراد منه القدرة على الأخذ لأن ذلك معلوم لكل أخذ فيجب حمله علىمعنىيفيد ~~المدح، وهو بجد وعزيمة علىاحتمال تكاليفه ومشاقه مستظهرا بتوفيق الله. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: القوة هاهنا ما وهب الله لحيي من فضل ~~اللب والفهم والحكمة، فكانت القوة التي جعلها فيه من ذلك قوية،ونعمة ذكرها ~~الله أنعم بها عليه شريفة سنية من فضل قوته وما آتاه الله في الصباء من ~~حكمته، فكان في ذلك على أفضل مايكون عليه الكبير ا لكا مل من الأنبياء في ~~كمال سنه وإطاقته PageV17P332 الصفة الثانية: قوله {وآتيناه الحكم صبيا} أي في حال صباه وهو ابن سبع ~~سنين، وقيل: ثلاث سنين، فإن قيل: كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال ~~الصباء؟ # قلنا: هذا السائل إما أن يمنع من خلق العادات أو لايمنع منه، فإن منع منه ~~فقد انسد باب النبوات لأن بنا الأمر فيها على المعجزات، ولامعنى لها إلا ~~خلق العادات، وإن لم يمنع فقد زال هذا الإستبعاد فإنه ليس استبعاد صيروه ~~الصبي عاقلا أشد من استبعاد إنشقاق القمر، وانفلاق البحر. # وقيل: من أوتي القرآن قبل الحلم فقد أوتي الحكم صبيا. # والحكم الحكمة، وهي العلم وفهم التوراة والفقه في الدين، عن بن عباس، ~~وقيل: النبوة. ms1252 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام:معناه الحكمة في الأحكام وعلم الحلال ~~والحرام وغير ذلك من شرائع الإسلام مع العمل بطاعة ذي الجلال والإكرام. # ومثل هذا في البرهان قال فيه: لأن الصبيان قالوا له إذهب بنا نلعب. # قال ما للعب خلقنا، وكان يومئذ بن ثلاث سنين. # الصفة الثالثة: قوله {وحنانا من لدنا} يعني واتيناه حنانا أي رحمة من ~~عندنا لايملك إعطاؤه غيرنا، ويحتمل أن يكون الحنان بمعنى التحنن على ~~العباد. # قال الكميت بن زيد: # حنانيك رب الناس من أن يغرني # كما غرهم ورد الحياة المنصب # أي رحمتك يارب الناس، وحن بمعنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف ~~والرأفة. # وقيل: لله حنان مما قيل رحيم على سبيل الإستعارة. # واعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الإرتياح والجزع للفراق، كما يقال ~~حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها، ذكره الخليل. # وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي إلى جذع في المسجد فلما ~~اتخذ له المنبر فتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها، فهذا هو الأصل. # ثم قيل: تحنن فلان على فلان إذا عطف عليه ورحمه # الصفةالرابعة: قوله {وزكاة} أي طهارة من الذنوب. PageV17P333 # وفي البرهان: وذكاة، يعني العمل الزكي الصالح، ويحتمل من التزكية التي هي ~~المدح والثنا الحسن، فبين تعالى انه أتاه زكاة،ومعناه ألاتكون شفقته داعية ~~إلى الإخلال بالواجب، لأن الرأفة واللين ربما أرثنا ترك الواجب، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فالمعنى أنا جمعنا له ~~التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات # الصفة الخامسة: قوله {وكان تقيا} أي متقيا من الذنوب مطيعا خائفا لله ~~علام الغيوب، وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح فإنه هو الذي يتقي نهي الله ~~فيجتنبه ويقي أمره فلايهمله، وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعصي الله ولا ~~يهم بمعصية وكان يحيي عليه السلام كذلك، فإن قيل ما معنى {وكان تقيا} وهذا ~~ابتداء تكليفه، فجوابه أنه إنما خاطب الله بذلك الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأخبر سبحانه ms1253 عن حاله كيف كان، كما أخبر عن نعم الله. # الصفة السادسة: قوله{وبرا بوالديه} أي لطفا بهما رحيما شفيقا عليهما كثير ~~المراعاة في طاعتهما،وذلك لأنه لاعبادة بعد تعضيم الله مثل تعضيم الوالدين ~~ولذلك قال تعالى{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}. # الصفة السابعة: قوله سبحانه{ولم يكن جبارا عصيا} أي لم يكن متكبرا عصيا، ~~والمتكبر من طاعة الله الذي عصى أمره ولم يطع خالقه ولم يتب من ذنبه، أو ~~جبارا لايتواضع، والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب،وذلك من صفات المؤمنين، ~~ولأن رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعضمة والكمال، ~~ومن عرف نفسه بالذل كيف يليق به الترفع والتجبر،وكذلك إبليس لما تمرد وتجبر ~~صار مبعدا عن رحمة الله PageV17P334 الصفة الثامنة: قوله{عصيا} أي بليغ العصيان، وهو الذي يفعل مايشاء من ~~الظلم،ولاينظر في العواقب،وقيل: الجبار القتال، والعصي كثير المعصية لله ~~تعالى،وإنما جاء به علىصيغة المبالغة للفاصلة. # الصفة التاسعة: قوله تعالى {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا} ~~دعى له بالسلامة في هذه المواطن الثلاث. # قال بن قتيبة: لأنها أوحش المواطن،والمعنى سلامة له وعليه في حال صغره ~~عند بلوغه وكماله من الذنوب وسلامة له عند موته وبعثه من الفواحش والعيوب، ~~وحيا وصف لحاله عند البعث. # القصة الثانية قصة عيسى عليه السلام وكيفية ولادة عيسى # إعلم أنه تعالى لما قدم قصة يحي على قصة عيسى لأن خلق الولد من شيخين ~~فانيين أقرب إلىمنهاج العادات من خلق الولد من غير الأب البتة، وأحسن الطرق ~~في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فألاقرب مترقيا إلى الأصعب فألاصعب، ~~فقال تعالى{واذكر في الكتاب} أي القرآن {مريم} أي أخبر يامحمد الناس بقصة ~~مريم لما فيها من العجائب والحكم. # قيل:لم يذكر امرأة باسمها إلا مريم، لدقيقة في البصائر، قوله {إذ انتبذت} ~~بدل من مريم أي اعتزلت من أهلها وانفردت وتخلت للعبادة، واتخذت {مكانا ~~شرقيا}، أي في ناحية المشرق، قيل: شرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها، {فاتخذت ~~من دونهم} أي أهلها{حجابا}. # قال في البرهان: يعني اتخذت مكانا تعتزل فيه أيام حيظها. ms1254 # قال محمد بن القاسم عليه السلام:معنى حجابا أي موضعا يحجبها ويسترها من ~~أبصارهم، ولم تفعل ذلك برأي نفسها ولاكن فعلته بأمر خالقها، انتهى. # {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبريل عليه السلام، وفي تسمية الله عزوجل له ~~روحا وجهان: # أحدهما: أنه روحاني ولا يشوبه شيء غير الروح،وأضافه إليه. # والثاني: أنه يأتي من قبل الله بما تحي به الأرواح، قاله في البرهان. PageV17P335 # وقيل: لأن الدين يحيى به وبوحيه كما يحيي الجسد بالروح، أو سماه الله روحا ~~مجازا محبة له وتقريبا، كما تقول لجليسك أنت روحي، ومعنى قوله {فتمثل لها ~~بشرا} أي تصور وتشبه، والتمثيل التشبيه، ومعنى{سويا} أي معتدلا مستوي الخلق ~~لم ينقص من الصورة الآدمية شيئا شابا أمرد جعد الشعر لتستأنس به ولاتنفر ~~عنه لأنه لو جاء في صورة الملك استوحشت ولم تقدر على استماع كلامه، وإنما ~~مثل لها في تلك الصورة حيث بدى جميلا فائق الحسن ابتلاء لها وسترا لعفتها، ~~ثم قال تعالى حاكيا {قالت إني أعوذ} أي استجير {بالرحمان منك} أي من شرك، ~~تعوذت من تلك الصورة الفائقة الجميلة. # ومعنى {إن كنت تقيا} أي إن كنت تقيا خائفا لله تتقي عذابه وتخاف عقابه، ~~وترجو ثوابه، أو إن كنت تقيا أي يرجى منك تقوى الله وحسبته، وتحفل ~~بالإستعاذة، أرادت أنه لايحفل بالإستعاذة إلا المتقون. # وقيل:{إن كنت تقيا} أي إن كنت ممن يتقى ويخاف شره فهو فعيل بمعنى مفعول. # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه ما لفظه: وتقيا ~~هنا فعيل بمعنى مفعول، كبغيا في قوله تعالى {وما كانت أمك بغيا} أي مبغية، ~~و{رطبا جنيا} أي مجنيا، فصير المعنى {أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا} أي ~~يجب أن تتقي وتدفع، وتأويله بغير ذلك تعسف ولايمتنع ذلك لمجئ تقي بمعنى ~~فاعل، فيقال تقي للمتقي، لأن الإشتراك في العربية باب واسع كمضار ومظطر، ~~فإنهما يصلحان للفاعل والمفعول والله أعلم، فتأمل. # انتهى مانقلته من خطبته المباركة. # ولما علم جبريل عليه السلام خوفها {قال إنما أنا رسول ربك} الذي استعذت ~~به {لأهب لك غلاما ms1255 زكيا}. PageV17P336 # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: هذا من الإختصار،والمعنى في ذلك إنما ~~أنا رسول ربك، وقال ربك أرسلته {لأهب لك غلاما زكيا}وأمرته أن يبشرك ~~بماوهبت لكي ولكنه اختصر لعلم السامع، وهذا مثل قوله{وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم} ولكنه اختصر ولم يتم المعنى. # ومعنى {زكيا} أي طاهرا نقيا، ولابد أن يكون قد أظهر لها من باطن أمره ما ~~عرفت به أنه ملك، فلما علمت أنه جبريل عليه السلام واطمأنت {قالت أنى يكون ~~لي غلام} أي كيف يكون لي غلام {ولم يمسسني بشر} المسيس كناية عن النكاح ~~الحلال، ولايقال في الزنا إلا في .....ونحوه، وليس بأهل لأن تراع فيه ~~الكنايات، {ولم أكن بغيا} أي فاجرة تبغي الرجال. # ثم أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله {قال كذلك} أي الأمر كما وصفت ~~تصديق لقولها في نفي المسيس ونفي كونها بغيا، ثم ابتداء الإخبار فقال {قال ~~ربك هو علي هين} أي سهل خلقه من غير فحل، {ولنجعله آية للناس} أي علامة على ~~قدرتنا لما فيه من العجائب والعبر، وهو تعليل معللة محذوف أي ولنجعله، ~~فعلنا ذلك او معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية {ورحمة ~~منا} بالشرائع، أو لمن آمن به رحم عباده بإظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل ~~صدقه أبين فيكون قبول قوله أقرب. # ومعنى قوله {وكان} أي أمرم عيسى وحمل مريم به {أمرا مقضيا} أي أمرا نافذا ~~فيه المشيئة، لابد من أن تكون فيه الآية التي أراد الله مقضية. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: وقيل معناه كان أمرا حقيقيا بأن يكون ~~ويقضي لكونه آية ورحمة وماكان كذلك فهو حقيق بالتكوين، وقيل: كانت مدة ~~الحمل ستة أشهر ، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. PageV17P337 # وقيل: تسعة أشهركحمل سائر النساء، وقيل: ثلاث ساعات، وبهذا قال المنصور ~~بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: حملته في ساعة وصور في ساعة، وولدته ~~في ساعة، حين زالت الشمس من يومها، قيل: وحملته وهي بنت عشرسنين، وقيل: ms1256 ~~ثلاثة عشرة سنة، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل به. # قالوا: ما من مولود إلا ويستنهل أي يصيح ويبكي عند يولد إلا عيسى عليه ~~السلام. # ثم قال تعالى{فحملته فانتبذت به} أي اعتزلت وهو في بطنها {مكانا قصيا} أي ~~خرجت به من بعد تمامه مكانا بعيدا من الحي وراء الجبل، وقيل: أقصى الدار. # قال في البرهان: وسبب الحمل أنه ماكان إلا أن حملته فولدته بعد ستة ~~أشهر{فأجاءها المخاض} أي ألجاها وأصله جاء، فعدي بالهمزة إلا أن استعماله ~~قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، أي ألجأها الولادة، قال الشاعر: # وشددنا شدة صادقة # فأجئناك إلى سفح الجبل # قال زهير: # وجار سار معتمدا علينا # أجته المخافة والرجاء # والمخاض بمخض الولد في البطن، أي وضع حركة الولد للخروج مخض الشقا حركة، ~~ولمخاض الولاد، قال الشاعر: # لم تمخض بولاد إنما # الحسنى المخاض الولد # ومعنى قوله {إلى جذع النخلة} أي أصل عودها وخشيتها طلبته لتستتر به ~~وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في السحراء ليس لها رأس ~~ولاثمرة ولاخضرة، وكان الوقت شتاء، وكان الله إنما ارشدها إلى النخلة ~~ليطعمها منها الرطب الذي هو أصلح طعام النفساء، ولما كانت في نهاية الشهر ~~بالزهد في بني إسرائيل، ثم وقعت معها هذه الوقعة {قالت ياليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا} استحياء من الناس أن يضنوا بها سوء أي ياليتني لم أخلق ~~ولم أكن شيئا مذكورا. # وقيل: المنسي هو السقط. PageV17P338 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: إنما قالت ذلك سؤالا ولم تقله نكرة ~~على الله ولا تعنيفا بل سألته وتمنت أن يقبض روحها قبل أن يروا ولدها وقبل ~~أن يعلمو بخبرها، ومعنى قولها {قبل هذا} أي قبل أن يروا هذا الولد ولن تلد ~~قبل أن يخلق، وحاشا لها من إنكار حكمة الله عزوجل، ومعنى قولها {وكنت نسيا ~~منسيا} أي شيئا لايذكر، والمنسي هو الشيء الحقير الذي غفل ونسي ولم يذكر ~~لقلته ومحقرته عن الناس وذلته، والنسي بكسر النون وفتحها عام في كل حقي ~~يستحق أن يطرح ms1257 وينسى لحقارته، {فناداها من تحتها ألا تحزني} أما قوله ~~فناداها فقال في البرهان: يعني ولدها عيسى عليه السلام كان المنادي، وقيل: ~~أن الندى من جبريل عليه السلام كأنها على رابية واكمة، وهو أسفل منها، وقيل ~~الضمير في تحتها للنخلة عن قتادة. # وأما قوله {قد جعل ربك تحتك سريا} فقال محمد بن القاسم عليهما ~~السلام:السري هاهنا الولد الذي وهبه الله لها البر التقي، ومن أسر أو أنبل ~~أو أتقى من عيسى صلى الله عليه، وأي عطية أو ولد وهبه أفضل مما وهبه الله ~~وجعل تحتها منه. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: وقيل أن السري هاهنا هو النهر السري، ~~وما أحسب والله أعلم إلا أن هذا جهل وغلط في التفسير، وإنما السري هو الجيد ~~الحسن الذي يسر الناظرين ويعجب كل من نظر من الناس أجمعين، ولانعلم أسرمن ~~سيدنا عيسى ومن كان مثله، ولاأجهل ولا أعمى من جهل فضله. PageV17P339 # ونحن نعلم أشياء كثيرة في لغة العرب وأشعارهم، ولكن الله لم يردها كما ~~توهموا في تفسيرهم مثل قولهم وتأويلهم لقول الله عزوجل {ولكن لا تواعدوهن ~~سرا} فزعموا انه أراد لاوتواعدوهن نكاحا، والسر لعمري هو النكاح في لغة ~~العرب، ولكن لم يرد ذلك وما عليهن لو واعد وهن نكاحا{إذا بلغن أجلهن} وإنما ~~حرم الله عقدة النكاح في السر من قبل أن تنقضي عدتهن، ونهى عن زواج الخفي ~~قبل أجلهن، وهذا مثله لايتكل عليه من قولهم وقد وقعنا على كتبهم وتفسيرهم ~~فوجدناهم يكثرون التعسف والخبط في الظلال ويتكلفون مالاخير فيه من المحال ~~إلى آخر كلامه عليه السلام. # ثم قال تعالى{وهزي إليك بجذع النخلة} أي حركي إلى جهتكي أصلها {تساقط ~~عليك رطبا جنيا} غضا طريا، الرطب الجني هو التمر الرطب المجني الذي قد ~~استحق الإجتنا والأخذ والإكتساب والتناول، ومن ذلك يقال قد جنا حربا ~~واكتسبها. # وفي البرهان: وقيل لم يكن للنخلة رأس، وكان ذلك في الشتاء فجعله الله ~~تعالى آية. # روي أنها أخضرت وهي نتظر وحملت وهي تنظر، ثم نضجت وهي تنظر،انتهى. # قالوا: والتم رللنفساء والتحنيك ms1258 به عادة من ذلك الوقت،وكان من العجوة وهي ~~أجود التمر، سمع أنها لاتثمر إلا بعد أربعين سنة، قيل: ما للنفساء خير من ~~الرطب، ولاللمريض خير من العسل. # قيل: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، وقوله {رطبا} تمييز ~~أو مفعول على حسب القراءة والجني المأخوذ طريا {فكلي} من الرطب ~~الجني{واشربي}وهو أمر إباحة، وقرئ عينا بالود. PageV17P340 # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: قرة العين هي السرور، ويمكن أن يكون ~~الأصل في قرة العين قرارها ووقوفها من الدموع، أي طيبي نفسا بكونهما ~~معجزتين تشهدان بعضتك ولاتعتمي واطرحي عنكي ما أهمك، وطيب النفس يوصف بقرار ~~العين قوله {فإما ترين من البشر أحدا} إما للإنكار وإما للسؤال عنك، ~~والمعنى أن تري وما تأكيد أي إن رأيتي أحدا فسألك عن ولدك ولامك عليه ~~{فقولي إني نذرت للرحمان صوما}. # قال في البرهان: أي صمتا، ويجوز أن يكون صوما عن الطعام والشراب والكلام، ~~وإنما كان امتناعها عن الكلام ليتكلم عنها ولدها فتكون فيه براءة ساحتها، ~~وقيل: أن من صام في ذلك الزمان لم يكلم الناس، فأذن لها في ذلك المقدار من ~~الكلام ، وفي معنى الصوم هنا يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: الصوم هو ~~المعروف من صيام الأيام،وهو الإمساك عن الشراب والطعام،غير أنه كان من ~~معروف صوم العباد من بني إسرائيل مع الإمساك عن الطعام والشراب، الوقو ف ~~بالصمت عن الكلام لأتقاء اللغوا واللفظ بالآثام، انتهى. # فعلى هذا أنهم كانوا لايتكلمون في صيامهم وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم عن صوم الصمت،وقد نسخ في أمتهز # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام: معنى {إني نذرت للرحمان صوما} أي ~~صوما عن الكلام والخطاب، وهذا يدل على أن الله أمرها بالنذر وهو الإيجاب عن ~~نفسها لترك الإكثار في المنطق، فإذا قالت لهم وأخبرتهم بنذرها وأمرتهم ألا ~~يسألوها بعد عذرها وجب أن لا تتكلم بعد ذلك بشيء من أرمها، والصيام هاهنا ~~من الإمساك عن الكلام، ولم يكن الله لويجب عليها في تلك الحال شيئا من ms1259 ~~الصيام، قال الشاعر: # متا ما ادع في اسد يجبني # ضراعمه على خيل صيام # وإنما أمرها الله بنذر الصيام عن الكلام ليوخلصها عن الصداع ومخاصمة ~~الآثام،وقلة الكلام بمنزلة الصيام وأرضى لذي الجلال والإكرام، انتهى. PageV17P341 # لأن عيسى عليه السلام يكفيها، وكراهة لمجادلة السفها وفيه وجوب الصمت عن ~~السفيه ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها. # قال رجل: لبعض السلف لو قلت واحدة لسمعت عشر، فقال ولو قلت عشرا لما سمعت واحدة. # وقيل: ما قذع السفينة بمثل الإعراض، ولا أطلق عنانه بمثل العراض. # أما قوله تعالى حاكيا {فلن أكلم اليوم إنسيا} فاختلف في معناه فقيل ~~المعنى وإنما أكلم الملائكة دون الإنس، وقيل: أخبرتهم بالإشارة. # وقيل: سوغ لها النطق بذلك فقط، وهذا هو الأظهر لقوله {فقولي إني نذرت} ثم ~~قال تعالى {فأتت به قومها تحمله} بعد ظهورها من نفاسها. # قال بعضهم: أنساها كرب البلاء وما سمعته من الناس، ما كان من كلام ~~الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك، ولما ~~احتملته وأقبلت به إلى قومها {قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا} أي بدعة ~~وفعلا قبيحا دنيا، الفري البديع،وهو من فري الجلد، قيل أنه القبيح من ~~الأنثى، أو قيل أنه الأمر العجيب، وهو العضيم من الأمر {ياأخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء } قيل: أن هارون كان أخاها من أبيها من أمثل بني إسرائيل، ~~والمراد أنكي كنت في الزهد كهارون فكيف صرت هكذا، وقيل: أخو موسى عليه ~~السلام. # وعنه صلى الله عليه وآله ((إنما عنوا هارون النبي وكانت من أعقابه بينهما ~~ألف سنة وأكثر)) وهو كما يقال يا أخا همدان أي واحد منهم. # وفي البرهان: قيل: أن هارون الذي نسب إليه أنه كان رجلا صالحا في بني ~~إسرائيل ينسب إليه كل من يعرف بالصلاح، أي كنت عندنا مثله ولم يكن أبوك رجل ~~سوء، انتهى. # والعرب تقول للرجل أمر ومر. PageV17P342 # قال القاسم عليه السلام: إني أمرء ديني التوحيد، أخلصه والعدل أضمره ~~سراوأبديه، ثم قالوا {وما كانت أمك بغيا} أي زانية، سميت الزانية ms1260 بغية ~~لأنها تبغي أي تطلبه، وإنما ذكروا ذلك ونشروا فضائل أهلها ونفوا الزناء عن ~~أبيها وأمها عندما رأوا ولدها ولازوج حينئذ لها، وكان أهل مريم أهل صلاح، ~~فلما دخلت بعيسى عليهم تباكوا وقالوا لها ذلك، ولما بالغوا في توبيخها سكتت ~~وأشارت إلى عيسى عليه السلام وهو المراد بقوله سبحانه{فأشارت إليه} أي ~~كلموه وهو الذي يجيبكم،وأحالت الجواب إليه استكفافا وليكون كلامه برهانا، ~~وقد كان عيسى عليه السلام كلم أمه قبل ذلك في الطريق فقال يا أماه أبشري ~~فإني عبد الله ومسيحه، فلذلك أشارت إليه فغضبوا وقالوا لسخريتها أشد من ~~زناها،ولذلك {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} لايعتاد من مثله ~~الكلام، والمهد ما يمهد للصبي من الفراش، وكان في هذا الموضع زائدة صلة. # روي أنه لما سمع ذلك وكان يرضع ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأي على ~~يساره وأشار بسبابته وتكلم،{ قال إني عبد الله} أنطقه الله أولا بأنه عبد ~~الله ردا لقول النصارى لأنه تنصيص في العبودية. # واعلم أن مذهب النصارى مخطبت جدا وقد اتفقوا على أنه ليس بجسم ~~ولابمتحيز،ومع ذلك فإنهم يذكرون شخصا خاصا فيبطل مذهبم على جميع الوجوه. # ثم اعلم أن عيسى عليه السلام وصف نفسه بصفات: # الصفة الأولى: قوله {إني عبد الله }. # الصفة الثانية: قوله {آتاني الكتاب} أي ....... الأنجيل وقيل: التوراة، ~~وقيل: الخط. PageV17P343 # الصفة الثالثة: قوله {وجعلني نبيا} أي سيجعلني نبيا والكلام في المهد من ~~مقدمات نبوته، والقائلون بهذا القول يقولون لما تكلم بذلك الكلام سكت وعاد ~~إلى حال الصغر، ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبي، وقيل: أكمل عقله وبعثه ~~لظاهر الآية، وقيل: جعلني في سابق فضائه، وجعل الآتي لامحالة كأنه قدوجد. # الصفة الرابعة: قوله {وجعلني مباركا أين ما كنت} أي نفاعا أمرا بالمعروف ~~ناهيا عن المنكر معلما للخير، وقيل: مباركا على الناس من حيث يحصل بسبب ~~دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، عن قتادة رأته امرأة وهو يحي ~~الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص فقالت طوبى لبطن حملك وثدي أرضعك، فقال عيسى ~~مجيبا لها طوبى لمن ms1261 تلا كتاب الله واتبع مافيه ولم يكن جبارا شقيا. # الصفة الخامسة: قوله{ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} أي بالمحافظة ~~عليهما. # قال في البرهان: يعني الصلاة ذات الركوع والسجود، ويجوز أن تكون الصلاة ~~بمعنى الإخلاص والدعاء والزكاة زكاة الأموال، ويجوز أن يكون تطهير الذنوب. # الصفة السادسة: {وبرا بوالدتي} أي وجعلني برا غير عاق لوالدتي، جعل ذاته ~~برا لفرط بره، وفيه إشارة إلىتبرئة أمه عن الزنا إذ لوكانت زانية لماكان ~~الرسول المعصوم مأمورا بتعضيمها. # الصفة السابعة: قوله{ولم يجعلني جبارا} ظالما لاينظر في عواقب ظلم ~~الناس،وقيل: هو المتكبر {شقيا} عظيم الشقاوة يغضب الله تعالى. # الصفة الثامنة: قوله{والسلام علي} أي السلامة لي من الخطايا والذنوب{يوم ~~ولدت ويوم أموت ويوم أبعث} من الظلالة ومن العمى {حيا} ذكر هذا في البرهان. # قيل: أدخل اللام في السلام لأنه قد تقدم ذكره، وهي لام العهد كأنه أراد ~~السلام الموجه إلى يحيي في المواطن الثلاثة. # وقيل: اللام للإستغراق كأنه قال وكل السلام علي. PageV17P344 # وقيل: جنس الكلام الذي معناه رضى الله والأمان من غضبه علي وهو تعريض بأن ~~ضده من اللعنة والعذاب على من اتهمه وأمه من اليهود كقوله{والسلام على من ~~اتبع الهدى} أي العذاب على من كذب وتولى فلما قال ذلك علموا أنه نبي من ~~أنبيا الله وأمسكوا ولم يعيدوا كلاما وأيقنوا. # وروي أنه لم يتكلم حتى بلغ مبلغ الكلام، ثم قال تعالى {ذلك عسى ابن مريم} ~~أي ذلك الموصوف بهذه الصفات هو عيسى بن مريم إشارة إ لى انه ولد هذه ~~المرأة، وأنها أمه لا ماتقوله النصارى من أنه إله أو أبن الله،ومعنى {قول ~~الحق} أي كلمة الحق، والحق الله عزوجل. # وفي التجريد: يحتمل أن يارد بالحق الصدق والثبات، وقول الحق إرتفاعه على ~~أنه خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتداء محذوف،وأما انتصابه فعلى المدح إن ~~فسر بكلمة الله وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الثبات ~~والصدق كقولك هو عبد الله حقا، وإنما قيل لعيسى قول الحق وكلمة الله لأنه ~~لم يولد إلا ms1262 بقول كن من غير أب، ويحتمل أن أريد بقول الحق عيسى أن يكون ~~الحق اسم الله عزوجل، وأن يكون بمعنى الثبات والصدق. # قال بعض علمائنا عليهم السلام: الأوجه أن يكون قوله تعالى قول الحق خبر ~~مبتداء محذوف، أي ماقصصنا من قصة عيسى عليه السلام قول الحق،ولايستقيم أن ~~يكون بدلا ولاخبرا بعد خبر إلا أن يجعل قول الحق أسم عيسى عليه السلام وهو ~~بعيد والله اعلم،انتهى. # ويحتمل أن يكون المعنى{ذلك عسى ابن مريم} القول الحق إلا أنك أضفت ~~الموصوف إلى الصفة فهو كقوله {إن هذا لهو حق اليقين} وفائدة قولك القول ~~الحق ما ذكرت أولا من كون عيسى أبنا لمريم والله أعلم. PageV17P345 # فأخبر سبحانه أن أمره الذي فيه يترون حق يقين وهم فيه شاكون،والمراد به ~~الشك، فأما امتراؤهم في عيسى عليه السلام فقال في البرهان: يعني يشكون ~~ويختلفون لأنهم اختلفو في الله تعالى وفي عيسى فقال بعضهم هو الله ~~تعالى،وقال آخرون هو ابن الله،وقال آخرون هو ثالث ثلاثنة، وهذه الأقاويل ~~الثلاثة للنصارى، فقلنا لهم هو عبد لله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~ونسبه اليهود إلى غير رشده {الذي فيه يمترون}، انتهى. # روي أن عيسى عليه السلام لما رفع اجتمع أربعة من أكابر علمائه فقيل لاقول ~~ما نقول في عيسى عليه السلام؟ # فقال هو الله هبط إلي الأرض فخلق وأحياء ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك ~~خلق كثير هم اليعقوبية، فقيل للثاني ما نقول؟ # فقال هو الله، فتابعه النسطورية، وقيل للثالث مانقول؟ # قال هو الله إله وابنه إله، فتابعه على ذلك خلق وهم الإسرائلية. # وقيل للرابع ما نقول؟ # فقال هو عبد الله ورسوله وهو المؤمن المسلم، وقال أما تعلمون ان عيسى كان ~~يطعم وينام وأن الله لايجوز ذلك عليه فخصهم،ثم اخبر تعالى أنه ليس له هذا ~~الإتخاذ وأن ثبوت الولد محال، فقال سبحانه وتعالى {ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد} يريد ماكان ذلك ليكون منه تعالى عن ذلك لأنه يجل ويعضم أن يكون ذلك، ~~والمعنى ماصح منه تعالى اتخاذ الولد ms1263 لاستحالته لمخالفة ذاته هذه الأجسام ~~التي تحدث منها الولد وغيرها من جميع الأشياء {سبحانه} أي تنزيها له عن ذلك ~~{إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} كما قال لعيسى كن فكان. PageV17P346 # اعلم أن من الناس من أجرى الآية على ظاهرها، وقال إنه تعالى إذا أحدث شيئا ~~قال له كن، وهذا ضعيف لأنه إما أن يقول له كن قبل حدوثة أو حال حدوثه، فإن ~~كان الأول كان ذلك خطابا مع المعدوم وهو عبث، وإن كان الثاني فهو حال حدوثه ~~قدوجد بالقدرة والإرادة، فأي تأثير لقوله كن فيه فوجب حمل القول هنا على ~~المجاز، ومعناه أن إرادته للشيء يتبعها كونه من غير توقف، شبه ذلك بأمر ~~الأمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: يريد سبحانه وجل عن كل شنئان شأنه إذا ~~فعل فعلا وخلق صنعا كونه فكان،والقضاء في هذا المكان من قوله {إذا قضى ~~أمرا} هو قضى خلق وفعل مثل قوله{فقضاهن سبع سماوات} والقضاء على وجوه شتى، ~~وليس قوله للشيء قول خطاب، ولايتوهم ذلك أحد من ذوي الألباب لأن الحكيم ~~لايخاطب العدم ولا الجمادات وإنما هذه عبارة وتفسير عن فعله ~~للمفعولات،والعرب تقول قالت الإبل وقال المطر عبارة عن كون ذلك، وفي ذلك ما ~~يقول الشاعر: # وقد وردت تقول هل من اشتياق # تقول يا لهفا على الرفاق # الواردين الماء مع الإشراق والأنعام لاتقول ولالكن هو عبر وفسر عما تريد ~~الأنعام، وقال آخر: # وقالت له العينان سمعا وطاعتا # فهذا يدل على أن القول في اللغة قد يكون بغير الكلام، انتهى. PageV17P347 # أما قوله {إن الله ربي وربكم} هو راجع إلي وأوصاني أي أوصاني بأن الله ربي ~~وربكم، معناه لأنه ربي وربكم {فاعبدوه} أي أطيعوه ووحدوه، وقراء الكوفيون ~~وأبو عبيد بكسر إن على الإبتداء والتقدير، فقل يامحمد إن الله ربي وربكم ~~بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله ثم قال {هذا صراط ~~مستقيم} أي هذا الذي ذكرت لك طريق ثابت فلاتخرجوا عنه واثبتوا عليه، وإنما ~~سمى ms1264 هذا القولا الصراط المستقيم تشبيها للطريق لأنه المؤدي إلى الجنة ثم ~~قال عزوجل {فاختلف الأحزاب من بينهم} أي من بين الناس، يعني اختصوا ~~بالإختلاف فيه، ومن زائدة، قيل الأحزاب اليهود والنصاى. # قالت اليهود هو لغير رشده،والنصارى مالا يليق به. # وقيل: هم النصارى لتحزبهم ثلاث فرق نسطورية، ويعقوبية،وملكانية. PageV17P348 # وعن الحسن الذين تحزبوا على الأنبيا أي تجمعوا لماقص عليهم قصة عيسى اختلفو ~~فيه من بين الناس، وقيل: الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم،ومعنى قوله{فويل} أي هلاك {للذين كفروا} من هؤلاء المختلفين فيه {من ~~مشهد يوم عظيم} أي محضر ذلك اليوم العظيم أي شهوده هول الحساب يوم القيامة، ~~أو مما قالوه وشهدو أنه في عيسى وأمه، ويحتمل أن يكون من شهد على كذا إذا ~~تكلم فيه عند الحاكم أي من شهادة الملائكة والأنبيا عليهم السلام في ذلك ~~اليوم ومن شهادة جوا.............ثم قال تعالى {أسمع بهم وأبصر يوم ~~يأتوننا} أي يقال فيهم ما أسمعهم يوم القيامة لما كانوا لايسمعونه من ~~الموعظة والقرآن في الدنيا وما أبصرهم لما كانوا لايبصرونه من الهدى وهو ~~تعجب من أسماعهم وأبصارهم أي ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة،وأطلقهم بأن ~~عيسى ليس هو الله ولا إبنه وذلك لاينفعهم ذلك اليوم والتعجب لايصح من الله، ~~لأنه لما خفى نسبه وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يتعجب منهما ~~بعد ما كانوا صما عميا في الدنيا. # قال في البرهان: في ذلك وجهان: # أحدهما: لأن كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق فما أسمعهم له وأبصرهم به ~~يوم القيامة. # والثاني أسمع بهم اليوم وأبصر كيف يسمع بهم غدا يوم القيامة يوم يقال ~~لعيسى{أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} والعرب تقول أكرم ~~بفلان أي ما أكرمه أخسر بفلان أي ما أخسره وأقل ربحه، قال الشاعر: # أخسر بها من صفقة لم تستقل # تبت يدا صاحبها ماذا فعل # أي ما أخسرها من صفقة وما أقل ربحها على وجه التعجب لهم، ثم قال سبحانه ~~{لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} وفي ms1265 الآخرة يعرفون الحق، أو هم اليوم في ~~ظلال عن الجنتة بخلاف المؤمنين. PageV17P349 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه هم في يومهم هذا أو في عصرهم في ~~ظلال وجهل مبين، لايسمعون في هذا الوقت ولايبصرون ولاينظرون لأنفسهم ~~ولايدبرون قد بان جهلهم وظلالهم عن الحق في وتبين لهم ولغيرهم أنهم على ~~الفسق، انتهى. # وضلالهم هو إغفالهم النظر والإستماع، وأوقع الظالم وهو الظالمون موقع ~~الضمير تشنيعا عليهم وإعلاما بأن لاأشد من ظلمهم بإغفال النظر والإستماع ~~حيث يجدي عليهم ويسعدهم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~ينذر من في زمانه، فقال {وأنذرهم يوم الحسرة} أي يوم القيامة لأنه يوم ~~التحسر، وقوله {يوم الحسرة} مفعول به لأنه لاظرف، وسمي بذلك لأنه يكثر ~~التحسر من أهل النار {إذ قضي الأمر} أي فرض من الحساب وتصادر الفريقان إلى ~~الجنة والنار، وفي البرهان: يعني إذا قضى عليهم العذاب وانقطعت التوبة ~~واستحقوا العقاب فكأنه تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات {وهم في غفلة}في ~~الدنيا عن ذلك اليوم وعن كيفية حسراته، {وهم لا يؤمنون} أي لايصدقون،وقوله ~~{وهم في غفلة} متعلق بأنذرهم، ثم قال تعالى بعده {إنا نحن نرث الأرض ومن ~~عليها} أي نميتهم ونخرب ديارهم وتبقى كما يبقى الوارث بعد الموروث وقت ~~الإفناء، ويبقى بعد ذلك، ومعنى قوله {وإلينا يرجعون} أي إلى محل جزائنا ~~بالثواب والعقاب، فإنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهو ~~تحذير عظيم وزجر بليغ للعصاه، ثم أمر الله عزوجل في القصة الثالثة نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بأن يتلو قصة إبراهيم على الناس ويبلغهم إياها، وإن ~~كان تعالى هو الذاكر والمورد للقصة في كتابه فقال سبحانه {واذكر في الكتاب ~~إبراهيم} أي اذكر يامحمد في القرآن قصته لما فيها من الفوائد والحكم. PageV17P350 # قال الرازي: واعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة ~~والحشر،والمنكرون للتوحيد هم الذين اتبعوا معبودا سوى الله تعالى،وهؤلاء ~~فريقان منهم من أثبت معبودا غير الله حيا عاقلا فاهما، وهم النصارى،ومنهم ~~من أثبت معبودا غير الله ms1266 جمادا ليس بحي ولاعاقل، ولافاهم، وهم عبدة ~~الأوثان، والفريقان وإن اشتركا في الظلال إلا أن ظلال الفريق الثاني أعظم، ~~فلما بين الله تعالى ظلال الفريق الأول تكلم في ظلال الفريق الثاني، وهم ~~عبدة الأوثان فقال {واذكر في الكتاب} والواو في قوله واذكر عطف على ~~قوله{رحمة ربك عبده زكريا} لما انتهت قصة زكريا وعيسى عليهما السلام قال قد ~~ذكرت حال زكريا وعيسى، فاذكر حال إبراهيم عليه السلام، وإنما أمره بالذكر ~~لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالتعلم ~~ومطالعة الكتب، فإذا أخبر عن هذه القصة كما كانت من غير زيادة ولانقصان كان ~~ذلك إخبارا عن الغيب ومعجزا قاهرا دالا على نبوته،وإنما شرع في قصة إبراهيم لوجوه: # أحدها: أن إبراهيم عليه السلام كان أبا العرب وكانوا معترفين بعول شأنه ~~وطهارة دينه، على ما قال تعالى {ملة أبيكم إبراهيم} وقال {ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم إلا من سفه نفسه} وكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم من المقلدين ~~لأبائكم على ماهو قولكم {إنا وجدنا آباءنا على أمة} فمعلوم أن أشرف أباءكم ~~وأجلهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام، فقلدوه في ترك عبادة الأوثان، وإن ~~كنتم من المستذلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم على السلام، ~~لتعرفوا فساد عبادة الأوثان، وبالجملة فاتبعوا دين إبراهيم إما تقليدا أو ~~استدلالا. PageV17P351 # وثانيها: أن كثيرا من الكفار في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا ~~يقولون كيف نترك دين أباءنا وأجدادنا فذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه ~~السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل، ورجح متابعة الدليل على ~~متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب الدليل ربط على الأب ~~الأشرف الاكبر وهو إبراهيم عليه السلام. # وثالثها: إن كثيرا من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الإستدلال ~~على ما قال سبحانه {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين}ثم حكى الله سبحانه صفة ~~إبراهيم عليه السلام وقال {إنه كان صديقا نبيا} بليغ التصديق بجميع غيوب ~~الله وآياته وكتبه ورسله، {إذ قال لأبيه} ms1267 أي اذكر وقت قال، وإذمتعلق بكان، ~~أو بصديقا نبيا، أي جامعا لخصائص الصديقين الأنبيا، حيث خاطب أباه تلك ~~المخاطبات. # قال في الكشاف: هذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله، اعني ~~إبراهيم، وإذ قال ونظيره قولهم رأيت زيدا ونعم الرجل. # واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تكلم مع أبيه بأربعة ~~أنواع من الكلام. # النوع الأول: قوله {لم تعبد ما لا يسمع} دعاؤك وثناؤك عليه وهي الأصنام، ~~{ولا يبصر} هيأت خضوعك أو العبادة{ولا يغني عنك شيئا} من البلاء، فأي فائدة ~~في عبادتها، وأيضا أن الدعا مخ العبادة، فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي ~~فأي منفعة في عبادته، وإذا كان لاتنصر ولاتعرف من يتقرب إليها، فأي منفعة ~~في ذلك التقرب، وأيضا أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن ~~كل ذلك، والإنسان موصوف بكل هذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن، فكيف ~~يليق بالأفضل عبودية الأحسن. PageV17P352 # النوع الثاني: قوله {ياأبت إني قد جاءني من العلم} أي علم الدلائل على طريق ~~النجاة والهداية لسالكها، {ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} أي طريقا ~~مستويا لاتضل فيه، المعنى معي طائفة من العلم ليست معك وهي علم الدلائل على ~~الطريق السوي، فلا تسنكف. # النوع الثالث: {ياأبت لا تعبد الشيطان} أي لاتطعه ولاتكون له عبدا بطاعتك ~~له في عبادة الأصنام{إن الشيطان كان للرحمان عصيا} عظيم العصيان فلاتطعه ~~لأنه عاص لله مفر بهذه الصفة عن القبول منه لأنه أعظم الخصال للنفرة. # النوع الرابع: قوله{ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان} أي نوع من ~~العذاب، وقال أخاف ولم يفرح بلحوق العقاب به رعاية لحسن الأدب، وكرر يا ~~أبتي توسلا إليه بالإستعطاف بذكر الأبوة. # أما قوله{فتكون للشيطان وليا} فمعناه صديقا أو قرينا له في النار. # وقال الرازي: واعلم أن إبراهيم عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن ~~لأنه نبه أولا على مايدل على المنع من عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في ~~النظر والإستدلال وترك التقليد، ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير ms1268 جائزة في ~~العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر على الإقدام على مالا ينبغي، ثم أنه ~~عليه السلام أورد هذا الكلام الحسن مقرونا باللطف والرفق، فإن قوله في ~~مقدمة كل كلام يا أبتي دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب ~~وإرشاده إلى الصواب، وختم الكلام بقوله {إني أخاف} وذلك يدل على شدة تعلق ~~قلبه بصالحه، وإنما فعل ذلك لوجوه: # أحدها: قضى لحق الأبوة على ما قال تعالى {وبالوالدين إحسانا} والإرشاد ~~إلى الدين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا نضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ~~ذلك على نور. PageV17P353 # وثانيها: أن الهادي إلي الحق لابد أن يكون رفيقا لطيفا يورد الكلام لاعلى ~~سبيل العرف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب في إعراض المستمع ويكون ~~ذلك في الحقيقة سعيا في الإغواء. # وثالثها: ماروى أبو هريرة قال صلى الله عليه وآله وسلم ((أوحى الله إلى ~~إبراهيم أنك خليلي حسن الخلق ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي ~~سبقت لمن حسن خلقه أضله تحت عرشي وأسكنه حضير قدسي وأدنيه من جواري)) ثم ~~اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما دعى أباه إلى التوحيد وذلك الدلالة على ~~فساد عبادة الأوثان وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ وأورد ذلك مقرونا ~~باللطف والرفق، قابله أبوه بجواب أيضا ذلك فقابل حجته بالتقليد فإنه لم ~~يذكر في مقابلة حجته إلا قوله {قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم} أي أكاره ~~أنت لعبادتها، وقدم الخبر على المبتداء بكونه أهم عنده، وإنما حكى الله ~~تعالى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلية عن ماكان يلقى من قومه. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد أنت زاهد في ألهتي يا إبراهيم، ~~والرغبة عن الشيء هي الزهد فيه، قال الشاعر: # فإن ترغبي عني في عنك رغبة # وإن تهزئي عني فمنك أطير # والرغبة في الشيء هي المحبة له فافهم الفرق بينهما، انتهى. # ولما أصر على ادعاء آلهية الجماد قابل وعظه بالسفاهة فقال {لئن لم تنته ~~لارجمنك} قيل: بلساني يعني الشتم. # وقال في البرهان: يعني ms1269 بالحجارة حتى تتباعد مني أو لأقتلنك من رجم ~~الزاني، وقوله {واهجرني} معطوف على محذوف دل عليه لأرجمنك أي ~~فاحذرني{واهجرني مليا} أي زمانا طويلا، أو مجتهدا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ومن الناس من يذهب إلى أن الملأ ~~مشتق من الإملاء،والترك زمانا وهو حسن والله أعلم، انتهى. # ثم أن إبراهيم عليه السلام لما سمع من أبيه ذلك أجاب بأمرين: PageV17P354 # أحدهما: أنه وعده بالتباعد منه وذلك بأن أباه لما أمره بالتباعد منه أظهر ~~الأنقياد لذلك الأمر بقوله {سلام عليك} سلام توديع ومتاركة، كقوله{سلام ~~عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي نسلم منكم تسليما لانقابل الجهل بمثله، بل ~~بالحلم فأقيم السلام مقام التسليم. # وفي البرهان: قابل جفوة أبيه بالزيادية لحق الأبوة وشكرا لسالف التربية، ~~ثم لما أودعه بقوله {سلام عليك} ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وعده ~~الإستغفار وإن بعد عنه، انتهى. # وهو قوله {سأستغفر لك ربي} يعني سأستغفر لك إن تركت عبادة الأوثان وأدعوا ~~لك بالهداية التي تقتضي الغفران، ا نتهى. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: هذه الكلمة تقال عند جهل الجاهل ~~يقولها عند طيش الجاهلين الحكماء من المتقين وتوقير إبراهيم عليه السلام ~~لأبيه في أبوته وبره بالوالد قبل أن يتبين عنده ما بان له من مشاقته لله ~~وعداوته هذه الكلمة منه صلى الله عليه وآله مخرجها مخرج توقير ورفق بأبيه ~~عند دعائه من أمر الله إلى ما دعاه إليه، فلما عصاه واستكبر عن الهدى والحق ~~فأباه وبان له أنه عدو لله، كان من إبراهيم ما ذكر الله عزوجل في كتابه من ~~ترك الإستغفار له والتبرء منه وقطع الولاية بينه وبينه، والإعراض، قال ~~سبحانه {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم}، انتهى. PageV17P355 # وقد قيل سأستغفر لك قوله {واغفر لأبي} الآية،وجاز منه لأنه أراد اشتراك ~~التوبة كما ترى الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار، والمراد اشتراط ~~الإيمان، وكأمر المحدث بالصلاة والفقيه بالزكاة، ويراد اشتراط الوضوء ~~والنصاب، وقيل: كان قبل ورود السمع بالنهي بنائا على قضية العقل دل ms1270 عليه ~~قوله تعالى {إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك} فلو كان شارطا ولم يكن ~~مستنكرا معنى {إنه كان بي حفيا} أي بليغا في البر رحيما لطيفا، قال الشاعر: # إذا لم يكن للمرء أم حفية # ولازوجة ضاقت عليه المسالك # أي أم رحيمة لطيفة رفيقة، والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه علي عودني ~~الإجابة فإذا أنا أستغفر لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن تاب، ~~هو أن يحصل الغفران. # والثاني من الجواب قوله {وأعتزلكم وما تدعون} أي تعبدون، وأعتزلكم أراد ~~هجرته إلى الشام وكان بالعراق، والمراد أني أفارقكم في المكان، وأفراقكم في ~~طريقكم أيضا، وأبعد عنكم وأنشغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر،والذي خلقني ~~وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك، فواجب علي مجانبتكم ~~{وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} أرجو أن لا أكون كذلك، والدعاء ~~بمعنى العبادة، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله {والذي أطمع أن يغفر} ~~وقوله {شقيا} مع ما فيه من التواضع لله ففيه تعريض منه بشقاوتهم بدعاء ~~آلهتهم. PageV17P356 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لعلي أن لا أكون في دعاء ربي ~~معذبا وأنا أرجو أن لا أكون في سؤالي له مغضبا، والشقاء هو العذاب، ومن ~~دعاء الله وطلبه من فضله لم يعذبه في ذلك لعدله ولم يحاسبه على حسن قوله، ~~لأن الدعاء إلى الله حسن جميل وخلق محمود كريم نبيل، ثم قال سبحانه {فلما ~~اعتزلهم} أي هاجر إلى الشام {وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وكلا جعلنا}. # اعلم أنه ما خسر على الله أحد، فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في ~~دينهم وبلدهم واختار الهجرة إلى ربه وإلى حيث ما أمره لم يضره ذلك دينا ~~ودنيا، والإنقياد له مع ما يحصل فيه من عظيم المنزلة في الآخرة فجعله الله ~~أبا للأنبياء ونبيا وذلك من أعظم النعم في الدنيا والهجرة، ثم قال سبحانه ~~{ووهبنا لهم من رحمتنا} قيل: النبوة والمال والولد، والصحيح أنها عامة في ~~كل خبر ديني ودنيوي أباه ms1271 إياه، فأخبر سبحانه أنه مع ذلك وهب له من رحمته أي ~~وهب لهم مع النبوة ما وهب، ويدخل فيه المال والجاه، والأتباع، والنسل ~~الطاهر والذرية الطيبة، ثم قال تعالى{وجعلنا لهم لسان صدق عليا} أي جعلنا ~~لهم ذكرا عاليا مشتهرا، وثناءا حسنا حميدا، وعبر باللسان عما يوجد به، كما ~~عبر باليد عما يوجد بها من العطية، وقد استجاب له دعوته، وجعل له لسان صدق ~~في الآخرين، فصيره قدوة يدعيه أهل الأديان كلهم. PageV17P357 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام:واللسان هاهنا هو الكلام، والقول قال ~~الله عزوجل{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} أي بكلام قومه وعشيرته، أي ~~جعلنا قولهم قولا صادقا، وهذا جعل تصديق وتسنية، لأنه سمى قولهم صادقا ~~وجعله بتسنيته حقا، لأن كلامهم صلوات عليهم غير مجاوز للحق ولاخارج من ~~الصواب والصدق، ويمكن أن يكون أراد الكلام لهم من قوله الرحمان، ولاصدق ~~أصدق مما أنزل الله من النور والبرهان، انتهى. # القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام # قوله تعالى: {واذكر في الكتاب موسى} أي قصته. # اعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور: # أحدها: قوله تعالى{إنه كان مخلصا} بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك ~~والرياء، وبالفتح الذي أخلصه الله فاجتباه واصطفاه. # وثانيها: قوله تعالى{وكان رسولا نبيا} الرسول الذي معه كتاب، والنبي الذي ~~ينبئ عن الله، وإن لم يكن له كتاب كيوشع عليه السلام، وقيل: غير ذلك، وقيل: ~~هما سواء، وقد مر الكلام في ذلك في سورة الحج،ولما ذكر كونه رسولا نبيا ~~أتبعه بذكر ما به، صار كذلك،وهو قوله في ثالثها {وناديناه من جانب الطور ~~الأيمن} الطور جبل بالشام معروف بين مصر ومدين، ناد الله تعالى إي خلق ~~النداء من الذي يكون محاديا ليمين المستقبل لهز # ورابعها: قوله {وقربناه نجيا} يعني شرفناه وعظمناه في المناجاة وسماع ~~الكلام، والنجوى هو الكلام الخفي، والمعنى حال كونه مناجيا، شبهه بمن قربه ~~بعض العظماء للمناجاة حيث كلمه بغير واسطة ملك، أي تقريب منزلة ومكانة، ~~لامنزل ومكان. # الخامسة قصة إسماعيل عليه السلام # قوله تعالى {واذكر في الكتاب} ms1272 أي القرآن {إسماعيل} أي قصته المرضية،وهذا ~~من قبيل الثنى على إبراهيم، فإن الله أثنى عليه ووصفه بأمور: PageV17P358 # الأول: قوله {إنه كان صادق الوعد} ذكره بالصدق وإن كان في غيره من الأنبيا ~~تشريفا له يمكن أن يكون المراد صادق الوعد فيما بينه وبين ربه، ويمكن أن ~~يكون المراد فيما بينه وبين الناس، لأنه المشهور من خصاله، عن بن عباس أنه ~~وعد صاحبا له إلى مكان فانتظره فيه سنة، وناهيك وعده من نفسه الصبر على ~~الذبح فوفى به. # وثانيها: قوله {وكان رسولا نبيا} إلى جرهم، وقد مر تفسيره. # وثالثها: قوله{وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} أي بداء بهم بالإحسان ~~الدنيوي والديني أولى. # أما الزكاة فعن بن عباس أنها طاعة الله والإخلاص فكأنه تأوله على ~~مايزكونه الفاعل عند ربه، والظاهر أنه إذا قربت الزكاة إلى الصلاة أن يراد ~~بها الصدقات الواجبة، وكان يعرف من خاصة أهله أنه يلزمهم الزكاة فأمرهم ~~بذلك أو أمرهم أن يتبرعوا الصدقات على الفقراء. # ورابعها: قوله عزوجل{وكان عند ربه مرضيا} أي مرضي الأعمال، وهو نهاية ~~المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل غاية بأعلى الدرجات. # القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام # قوله تعالى {واذكر في الكتاب إدريس} هو أخنوخ جد أبي نوح عليه السلام أول ~~مرسل بعد آدم أنزل عليه ثلاثون صحيفة،وهو أول من خط بالقلم، ونظر في علم ~~النجوم والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود واتخذ ~~الموازين والمكايل والأسلحة ............قيل: سمى إدريس لكثرة دراسته وصفه ~~الله بأمور: # أحدها: قوله {إنه كان صديقا نبيا} أي كثير التصديق بكتب الله ورسله. # وثانيها: قوله {نبيا} وقد تقدم القول فيهما. # وثالثها: قوله {ورفعناه مكانا عليا} يعني مكانا من ألفضل عاليا أي رفيع ~~المنزلة كقوله تعالى {ورفعنا لك ذكرك} أي شرف النبوة والزلفي. PageV17P359 # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام:قيل أن الله رفع إدريس صلى الله عليه ~~إلى السماء فكان سماويا وهذا .......لاينكره أحد يعقل من المؤمنين أن يفعل ~~الله ذلك بمن يشاء من أنبيائه الصالحين، انتهى. # قيل: رفع إلى ms1273 السماء الرابعة، عن أنس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقيل: إلى السادسة. # وروي إلى الجنة ولاشيء أعلى منها، وقيل: هو حي لم يمت، وقيل: رفعه ثم قبض روحه. # واعلم أن الله تعالى إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة أن ~~لا يرفع إليها إلامن كان عظيم المنزلة، ولذلك قال في حق الملائكة {ومن عنده ~~لا يستكبرون عن عبادته} وهاهنا آخر القصص. PageV17P360 # ثم اعلم أنه تعالى لما أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من ا لأنبياء جمعهم ~~آخرا فقال سبحانه {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} ~~أولئك إنشاره إلى المذكورين في السورة من زكرياء إلى إدريس وهو مبتداء ~~يحتمل أن يكون خبره الذين أنعم الله عليهم،ويكون قوله {إذا يتلى عليهم} ~~كلاما مستأنفا ويحتمل أن يكون الذين صفة وإذا تتلى الخبر أنعم الله عليهم، ~~أي بالنبوة وشرف الدارين من الأولى للتبيين كأنه قال الذين هم النبيون،ومن ~~الثانية للتبعيض لأن إدريس من ذرية آدم لقربه منه، إذ هو جد أبن نوح، ثم ~~جمعهم في كونهم من ذرية آدم ونقض بعضهم بقوله تعالى {وممن حملنا مع نوح ومن ~~ذرية إبراهيم وإسرائيل} كأنه قال بعض ذرية نوح فقد كان سابقا على نوح على ~~ماثبت في الأخبار وإبراهيم من ذرية من نحمل مع نوح، لأنه نمن ولد سام بن ~~نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم، وموسى وهارون وزكرياويحيي من ذرية ~~إسرائيل،وكذا عيسى لأن مريم من ذريته، وقوله {وممن هدينا واجتبينا} يحتمل ~~العطف على من الأولى، والثانية، أي هم من الذين هدينا إلى الحق أعظم ~~الهداية وتولينا أو رفعنا فرفع الله سبحانه أحوال الأنياء الذي ذكرهم الله ~~على هذا الترتيب منبها على أنهم كما فضلو بأعمالهم فلهم منزلة في الفضل ~~بولا دتهم من هؤلاء الأنياء، ثم أخبر أ،نهم ممن هدينا واجتبينا منبها بذلك ~~على أنهم اختصوا بهذه المنازل.....الله لهم، ولأنه اختارهم للرسالة، ثم ~~قاتل تعالى{إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا} خضوعا وخشوعا ~~وخوفا،والمراد من آيات الله ms1274 ماخصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم، ~~وأما بكيا فقال الجاج: البكي الباكون جمع باك. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا ~~فتباكوا)). PageV17P361 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ((إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه ~~فتحازنوا)). # قال محمد بن القاسم عليهما السلام:مدحهم الله بسقوطهم في السجود ومدح ~~بكائهم من خشية الواحد المجيد وخوفهم من العذاب الشديد ليقتدي جميع الناس ~~ويحزنوا ويبكوا على ما تقدم من ذنوبهم ويخشعوا متواضعين لربهم لغير ماحاجة ~~منهم إلى تواضعهم ولكن ليرحمهم على تذللهم وضعفهم فنسأل الله أن يرحمنا وأن ~~يعطف فضله على ضعفنا فمانحن تحت سلطانه إلا كالفراش أو كالذر المنتشر ~~الطياش. # ثم اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيبا لنا في ~~التأسي بطرقيتهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال تعالى {فخلف من بعدهم ~~خلف} بتسكين اللام في الذم، والخلف بتحريك اللام في المدح والحمد يقال خلفه ~~إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير خلف بفتح اللام، وفي عقب السوء خلف بسكونها ~~كما قالوا وعد في الخير ووعيد في الشر. # وفي الحديث في الله خلف من كل فائت. # وفي الشعر # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # أي فخلف بعد النبيين أولأد سوء، ثم وصفهم تعالى فقال {أضاعوا الصلاة} ~~بتأخيرها عن وقتها {واتبعوا الشهوات} من المحرمات فوصفهم بإضاعة الصلاة ~~واتباع الشهوات في مقابلة قوله {وبكيا} لأن بكاؤهم يدل على خوفهم، واتباع ~~هؤلاء لشهواتهم يدل على عدم الخوف لهم، وظاهر قوله أضاعوا الصلاة عبارة عن ~~تركها، ولكن تركها قد يكون بأن لاتفعل أصلا وقد تكون بأن لاتفعل في وقتها، ~~وإن كان الأظهر هو الأول. # وأما اتباع الشهوات فقال علي عليه السلام: هي البنا المشيد وركوب المنطور ~~وليس المشهور. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: والخلف الذين من بعدهم ذريتهم ~~ونسلهم الذين لم يقتدوا بأبائهم وهم كثير في عصرنا هذا وفي غيره لايلتفتون ~~إلى مواعظ الله وتذكيره، ثم أوعدهم عزوجل بقوله {فسوف يلقون ms1275 غيا} أي تعبا ~~وعذاب، قال الشاعر: PageV17P362 # لقيت المهالك في حربنا # وبعد المهالك لاقيت غيا # وفي البرهان: الغي الذي يلقونه هو الحسرات والخيبة قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغولا يعدم على الغي لايما # وقال الزجاج: معناه يلق جزاء الغي كقوله {يلق أثاما} أي مجازاة الاثام، ~~ثم أخبر سبحانه أن هذا الوعيد في من لم يتب فقال تعالى {إلا من تاب وآمن ~~وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة} لتوبتهم، وجمعهم بين التوبة والأعمال ~~الصالحة {ولا يظلمون} أي ينقصون من جزاء أعمالهم {شيئا} إن قيل قوله {ولا ~~يظلمون شيئا} إنما يصح لو كان الثواب مستحقا على العمل لأنه لوكان بالفضل ~~لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد، ~~قلنا إنه لما شبه الجزاء أجرى عليه حكمه. # واعلم أنه تعالى لماذكر في التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور: PageV17P363 # أحدها: قوله تعالى{جنات عدن} يدخل من الجنة، أو بيان له،وعدن علم لهذا ~~الموضع الذي هو بعض الجنة وهو بمعنى العدن الذي هو الإقامة وصفها بالدوام ~~على خلاف حال الجنان في الدنيا التي لا تدوم، ولذلك فإن حالها لايتغير في ~~نضارتها فليست كجنان الدنيا التي حالها يختلف في خضرة الورق وظهور النور في ~~الثمر، وأخبرتعالى أنها {التي وعد الرحمان عباده} المتقين {بالغيب} وعدها ~~وهي غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها لايشاهدونها، أومعناه بتصديق الغيب ~~والإيمان به، والوجه الأول: أقوى لأنه تعالى أخبر أن الوعد منه سبحانه وإن ~~كان أمرا غائبا فكأنه مشاهد حاصل،ولذلك قال بعده{إنه كان وعده مأتيا} أي ~~يؤتي ما وعده لامحالة، ثانية أنت كما يأتيك هو كائن وعده منجزا بلاشك، ودلت ~~كان على أن هذه الصفة في صدق وعده ثابتة في الماضي كما أنها ثابتة في ~~المستقبل في المقصود بيان ان الو عد منه تعالى وإن كان أمر غائبا فهو كأنه ~~مشاهد حاصل، والراد تقرير ذلك في القلوب. # وثانيها: قوله تعالى{لا يسمعون فيها لغوا} أي قبيحا من القول، وهو فضول ~~الكلم وما لاطائل تحته وفيه تنبيه على ms1276 تجنبه حيث نزه عنه الدار التي لاتكلف ~~فيها، ومعنى {إلا سلاما} أي لكن سلاما من بعضهم لبعض أو من الملائكة عليهم السلا. # وفائدته الإكرام وإن كان ذلك لغوا فلا يسمعون إلا هو من باب. # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بين قلول من قراع الكتائب. # وثالثها: قوله تعالى {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} عبارة عن دوام الرزق ~~وإلا فلا ليل ولانهار ولاينقطع عنهم الطعام متى أرادوه قال تعالى {لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة} وكما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء. PageV17P364 # وقال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر ~~أساور الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي ~~الحجال الم.....على الأسرة، وكانت عادة أشراف اليمن ولاشيء كان أحب إلى ~~العرب من الغداء والعشاء، فوعدهم بذلك # ورابعها: قوله تعالى{تلك الجنة التي نورث} أي نعطي وننزل من عبادنا من ~~كان تقيا، أي صالحا، وذكر االميراث استعارة أي يبقي في الجنة عليه كما يبقي ~~على الوارث مال الموروث، وقيل: أورثوا المساكن التي كانت لأهل النار لو ~~أطاعوا أو أن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها ~~باقية وهي الجنة فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث ~~المال من المتوفى وفيه دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقيا، ~~والفاسق المرتكب للكبائر لايوصف بذلك، ثم قال تعالى حاكيا{وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك} التنزل على معنيين بمعنى النزول على مهل ، وبمعنى النزول على ~~الإطلاق، وهذا أمر أمر الله به الملائكة، أي قولوا ما تنزل إلا بأمر ربك. PageV17P365 # قال في البرهان: قيل إن جبريل عليه السلام تأخر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم اثنتى عشرة ليلة فلما جائة قال لقد رثت علي حتى ظن المشركون كل ~~ظن فنزلت، وقيل: هو حكاية عن قول جبريل عليه السلام حين استبطأه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ماروي أن قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود ~~المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه ms1277 وآله وسلم وهل يجدونه في ~~كتابهم فسألو النصارى فزعموا أنهم لايعرفونه، وقال اليهود نجده في كتابنا ~~وهذا زمانه وقد سألتا رحمان اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف، فسلوه عنهن فإن ~~أخبر بخصلتين منها فاتبعوه، سلوه عن قصة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن ~~الروح فلم يدر كيف يجيب، ووعدهم بذلك فاحتبس عنه الوحي خمسة عشريوما، وروي ~~أربعين يوما، فشق ذلك عليه صلى الله عليه وآله وسلم فقال المشركون ودعه ربه ~~وقلاه، فنزلت سورة الضحى عذرا لجبريل وتسلية له صلى الله عليه وآله، فلما ~~نزل جبريل عليه السلام قال صلى الله عليه وآله وسلم أبطأت عني واشتقت إليك. # قال إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست. # واعلم أن قوله {وما نتنزل إلا بأمر ربك}خطاب جماعة وذلك لايليق إلا ~~بالملائكة الذين ينزلون على الرسول، فهذا أمر أمر الله به ملائكته أي قولوا ~~ما نتزل إلا بأمر ربك، ثم أكدوا ذلك بقولهم {له ما بين أيدينا} أي هو ~~المدبر لنا في كل الأوقات {وما خلفنا} من الجهات وما نحن فيها فلا ننتقل من ~~جهة إلى جهة إلا بمشيئته وهو الحافظ لكل حركة وسكون فأنى لنا أن نتقلب في ~~ملكه إلابأذنه. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: له مابين أيدينا من القيامة وإقبالها ~~وما خلفنا من الدنيا وزوالها، وما بين ذلك من خروج الأرواح وانتقالها. # وفي البرهان: مابين أيدينا هو الدنيا وما خلفنا هو الآخرة، وما بين ذلك ~~إحياء الموتى ونفخ الصور. PageV17P366 # وقال الهادي عليه السلام: أما قوله مابين أيدينا فهو أمامنا، وقد أمنا من ~~يوم الحشر والحساب وما ذكر من الثواب والعقاب، وأما قوله {وما خلفنا} فهو ~~ما تركنا وراء ظهورنا وما يحدث من بعد مماتنا من أحداث الدنيا، وأما قوله ~~{وما بين ذلك} فمعناه سوى ذلك مما كان قبل خلقهم وخلق أبائهم وما كان في ~~وقت إحيائهم وما يكون بعد مقرهم من دار بؤس أو دار شرور ونعمة للنفوس، انتهى. # والمعنى أنه المحيط بكل شيء فلا تخفى ms1278 عليه خافية، ثم قال سبحانه {وما كان ~~ربك نسيا} أي تاركا لك يامحمد إذ لايجوز عليه النسيان، وفي البرهان: يعني ~~مانسيك ربك، أما قوله {رب السماوات والأرض وما بينهما} فالماراد أن من يكون ~~ربا لها أجمع لايجوز عليه النسيان إذا لايجوز أن يمسكها حالا بعد حال، وإلا ~~يطل الأمر ، وفي من يبصر. # قال في الكشاف:{ رب السماوات والأرض} بدل من ربك، ويجوزأن يكون خبر ~~مبتداء محذوف أي هو رب السماوات والأرض فاعبده وحده حين عرفته بهذه الصفة ~~واصطبر لعبادته أي لمشاقها إلى الموت فهو أمر الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الأدلة والإبلاغ وفيما يخصه ~~من العبادة ولم يقل على عبادته لأنه جعلها كالقرن المحارب فلاتهن ولاتضق من ~~إحتياس الوحي، ثم قال سبحانه: {هل تعلم له سميا} أي مثلا مماثلا مفاخرا ، ~~وهذا من المساماه والمفاجرة أو هل تعلم له من سمي باسمه على الحق دون ~~الباطل. # قال في البرهان: يعني لم يتسم أحد بالله عزوجل فريستحق العبادة إلا الله. # قال الرازي: والأقرب أنه ذكر الأسم وارد {هل تعلم له سميا}أي نظيرافيما ~~يقتضي العبادة والذي يقتضيها هو كونه منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق ~~الأجسام واليحاة والعقل وغيرها فإنه لايقدر على ذلك أحد سواه فإنه قد أنعم ~~عليك بغاية الإنعام فوجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة. PageV17P367 # واعلم أنه تعالى لما أمر بالعبادة والمصابرة فكأن سائلا سأل فقال هذه ~~العبادات لامنفعة فيها في الدنيا، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم فلا بد من ~~ذكر الدلالة على القول بالحسن حتى يظهر أن الإشتغال بالعبادة مفيد فلهذا ~~حكى الله قول منكري الحشر فقال عزوجل: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا}قالوا ذلك على وجه الإستنكار وما في إذا ما للتأكيد وكذا اللام في لسوف ~~أي أحقا أنا سنخرج أحياء ، ويحتمل أن يريد بالإنسان بعض الجنس أو الجنس ~~كله، وعلى الأول فأراد الكفرة منه وأسند القول إلى الكل من أنكر البعثم، ثم ~~أن الله تعالى أقام الدلالة ms1279 القاطعة على صحة البعث بقوله {أولا يذكر ~~الإنسان أنا خلقناه من قبل} الواو عطفت أولا يذكر علي يقول وسطت همزة ~~الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف أي يقول ذلك ولايتذكر حال النشأة ~~الأولى {أنا خلقناه من قبل} حاله التي هو فيها على غير نظير فحياة البعث ~~أيسر ليقدم نظيرها التي في الدنيا، وأيظا فليس فيها إلا تأليف الأجزاء ~~المتفرقة الموجودة بخلاف الأولى فإنه خلقه {ولم يكن شيئا}اي يعتد به أو ~~موجودا إذا إذا المعدوم ليس شيءز # قال بعض العلماءك ولو اجتمعت كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذه ~~الإختصارات ما قدروا عليه إذا لاشك أن الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد ~~أولا،ونظيره قوله تعالى{قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} وقوله {وهو الذي ~~يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ثم أنه سبحانه لما قرر المطلوب بالدليل ~~أردفه بالتهديد من وجوه: PageV17P368 # احدحها: قوله عزوجل {فوربك لنحشرنهم} أي لنجمعنهم يوم القيامة يريد منكري ~~البعث، وفي إضافة اسم الله إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وتفخيم لشأنه ~~كما رفع من شأن السماء والأرض في فورب السماء والأرض، ثم قال {والشياطين} ~~المضلين لهم والواو بمعنى مع أي يحشرون مع قربائهم من الشياطين الذين أغوهم ~~مقرنين في السلاسل كل إنسان مع شيطانه في سلسة. # وثانيها: قوله تعالى {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} حول جهنم قيل: عرصات ~~القيامة لأنها تبرز لهم، وحثيا قيل: جمع جثوة أي جماعات ركوما عن ابن عباس ~~وغيرهم، والجثوة من تراب أو حجارة. # قال علي بن الحسين عليهما السلام: قما أن ترى إلا جثا قد ثووا بها مسنمة ~~تسقى عليها الأعاصر، أي جماعات من التراب. # وقيل: جثيا جمع جاث وهو الجاثم على ركبته، والمعنى أنهم يحشرون جاثين على ~~ركبهم ويساقون إلى النار لذلك غير مشاة على أقدامهم على العادة في مواقف ~~المقالات من تجاثي أهلها على الركب من القلق وإطلاق الحياء ولما في ذلك من ~~الإزعاج لهم والإعجال أو لما يدهمهم من شدة الأمر فلا يطيقون القيام على ~~الأرجل فيجثون ms1280 على ركبهم. # وثالثها: قوله {ثم لننزعن}اي لنخرجن {من كل شيعة}أي من كل فرقة من الفرق ~~وطائفة ضالة شايعت ضالا أي تبعته {أيهم أشد على الرحمان عتيا} أي جرئة ~~وتمردا وكفرا وتجبرا وعصيانا وقسوة وتكبرا . PageV17P369 # ثم يكون أولئك {أولى بها صليا} وأحقهم بأشد العذاب مباشرة وكيا وتعبا ونكدا ~~وعذابا وغيا، والمراد أنه يحضرهم أولا حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض ~~فمن كان أشد منهم تمردا في كفره خص بعذاب أعظم، لأن عذاب الضال المضل يكون ~~فوق عذاب من يضل تبعا لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجير كعذاب المقلد، وليس ~~عذاب من يورد الشبهة في الباطل كعذاب من اقتدى به مع الغفلة، قال تعالى ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون} {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } فأخبر الله تعالىأنه ينزع ~~من كل فرقة من كان أشد عتوا وتمردا ليعلم أن عذابه أشد، ففائدة هذا التميز ~~التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب فلذلك قال تعالى في جميعهم {ثم ~~لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا}يعني دخولا فيها ولزوما لها، والمعنى ~~يمتاز أعصاهم فأعصاهم وأعتاهم فاعتاهم، فإذا اجتمعوا أطرحناهم في النار، ~~تقدم الإعتاء والأعتا على الترتيب أو أراد بالذين هم أولى بها صليا ~~المنتزعين كماهم، كأنه قال ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء أولا بالمصلى من بين ~~سائر الضالين ودركاتهم أسفل، وعذابهم أشد، ويجوز أن يريد بأشدهم عتيا رؤسا ~~الشيع وأئمتهم لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالا ومضلين، واختلف في إعراب أيهم ففي ~~الخليل أنه مرتفع على الحكاية تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، ~~وسيبويه على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته حتى لو جئ به لأعرب، وقيل: ~~أيهم هو أشد. PageV17P370 # واعلم أنه تعالى لما قال ن قبل{فوربك لنحشرنهم } وقال ثم {ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم} أردفه بقوله سبحانه {وإن منكم إلا واردها} عن بن عباس الورود قرب ~~الشيء من الشيء، وإن لم يدخله كقوله{ولما ورد ماء مدين} ووردت القافلة ~~البلد. 0 # وفي البرهان: ورودها هو النظر إليها ms1281 من بعيد كما يقال وردنا البلد إذا ~~نظرناه كقول زهير: # ولما وردت الماء زرقا حمامة # وضعن عصى الحاضر المنجم # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام يريد عزوجل إنا إذا نزعنا من كل ~~شيعة أشدهم عتيا لم نذر منكم يامن بقي ن الأدناس والسفل أحد إلا واردها فلا ~~تحسبوا أنا إذا عذبنا المتكبرين تكرنا الهمج من النار وعذابهافلا تطمعوا ~~إيهاالضعفاء أن تسلموا من جهنم ولهبها بل نعذبكم جميعا ونخلدكم فيها ~~وتكونون لكفركم من حطبها، ثم قال{كان على ربك} أي ورودكم إياها {حتما ~~مقضيا} أي أمرا واجبا مفروغا عنه الحكيم عزوجل إذا وعد بشيء كان واجبا عليه ~~لأنه صادق لاينسب الإخلاف البتةز # ثم قال عليه السلام: وقيل أيضا أن تفسير الآية وإن منكم إلا واردها أن ~~الورود ورود إن ورد بالأبدان، وورد بالأعيان. # فأما الفاسقون فيردون بأبدانهم، وأما المؤمنون فيردون بأعيانهم لينظروا ~~ما نزل بأعدائهم وليشكروا الله على السلامة من الهول الذي نجوا به ~~بأعمالهم. # والقول الأول أحسنهما وكلامها حسن والله اعلم. # ثم بين صفة من ينجو بقوله {ثم ننجي الذين اتقوا} بأن يساقوا إلى الجنة ~~عقيب ورود الكفار النار لا لأنهم يردون معهم، ثم يخلصون، وإن أريد منكم ~~العموم فظاهر، ومعنى ننجي أي وننجي الذين اتقوا ولكن ثم تقوم مقام الواو ~~لأنهما من حروفالعطف والنسق. PageV17P371 # قال في التجريد: ويجوزأن تكون ثم للترتيب في الزمان مثلها في قوله {وإني ~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} {ونذر الظالمين فيها جثيا} أي ~~جاثين على الركب، معناه ننجي المؤمنون من ذلك الموضع فنجاوز بهم الصراط إلى ~~الجنة ونترك الظالين على حالهم باركين على ركبهم وهو بيان حالهم في الذلة ~~والصغار، فبين تعالى أن من وعد المتقين أن يذر الظالمين فيها جثيا فثبت أن ~~الفاسق يبقى في النار أبدا لأنه سبحانه لم يخبر إلا بنجاة المتقين فقط. # قال في الكشاف: قوله {ونذر الظالمين فيها جثيا} دليل على أن المراد ~~بالورود الجثو حواليها وأن المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد تجاثهم ~~ويبقى الكفرة في مكانهم ms1282 جاثين. # ثم اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على مشركي قريش المنكرين البعث أتبعه ~~بالوعيد على ما تقدم ذكره حكى عنهم أنهم عاصروا وأحجه الله بكلام فقال ~~سبحانه {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي مبينات المقاصد {قال الذين ~~كفروا} من قريش {للذين آمنوا} الرثة أحوالهم بالفقر وشعث الرؤس وخشونة ~~الثياب، أوقال بعضهم لبعض لأجل الذين أمنوا {أي الفريقين} المؤمنين ~~بالأوثان والجاحدين لها {خير مقاما} بفتح الميم موضع القيام أي موضعا ~~ومكانا. # قال في البرهان: أي منزل إقامة في الجنة أو في النار وبضمها الإقامة ~~{وأحسن نديا} أي مجلسا وهو جمع ناد لأن الندى مجلس القوم وموضع اجتماعهم، ~~قال الكميت: # لامها ذير في الندا # مكاثير ولامسكتون بالأفحام PageV17P372 والمعنى أنهم إذا سمعوا الآيات قالوا أي الفريقين من المؤمنين بالآيات ~~والجاحدين أوفر حظا من الدنيا حتى يجعل ذلك عيادا على الفضل، ويروى أنهم ~~كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون وتزينون ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين ~~أنهم أكرم على الله منهم فقالوا لو كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل ~~لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا لأن الحكيم لايليق به أن يوقع ~~أولياؤه في العذاب والذل وأعداه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، ولما ~~كان الأمر بالعكس فإن الكفار كانوا في النعمة والرحة والإستعلا والمؤمنون ~~كانوا في ذلك الوقت في الخوف والعدم دل على أن الحق ليس مع المؤمنين هذا ~~حاصل شبهتهم في هذا الباب ونظيره قوله تعالى {لو كان خيرا ما سبقونا إليه} ~~ثم أجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} كل أهل عصر ~~قرن لمن بعدهم ليقدمهم عليهم أي كثير من القرون قبل قريش أهلكنا كقوم نوح ~~وهود وثمود وصالح {هم أحسن أثاثا ورئيا} وتقرير هذا الجواب أن يقال أن من ~~كان أعظم نعمة منكم في الدنيا قد أهلكهم اللهوأباؤهم ولو كان حصول نعم ~~الدنيا دليلا للإنسان على كونه حبيباص لله تعالى ووجب في حبيب الله أن ~~لايوصل إليه غما في الدنيا وجب أن لايهلك أحد من ms1283 المتقين في الدنيا وحيث ~~أهلكهم دل ذلك على فساد قولهم وقوله اثاثا الأثاث متاع البيت وقيل ما وجد ~~من الفرش، والحرثى ما ليس منه،والرياء أنه همز فمن الرؤية وهو المنظر ~~والهيئة وأن لم يهمز فكذلك إ لا أنها خففت الهمزة أو من الري بمعنى النعمة ~~والترفة من قولهم ريان من النعم ، وفرئ بالزاي معجمة، ومعناه حسن الهيئة ~~أيضا والمعنى أن المهلكين أحسن هؤلاء حالا ومالا فلم يدفع عنهم الهلاك ذلك ~~ودل على أن الأثاث ف هذه الآية متاع البيت قول الشاعر: # أشاقتك الضغائن يوم باتوا # أبري الجميل من الأثاث PageV17P373 وفي معنى أثاثا يقول الهادي عليه السلام: فهو نعمة ورياشا، والأثاث ما ~~ينتفع به م الفرش والألة وما يحتاجون إليه الخلق في منزالهم وديارهم ، ~~ومعنى ريا فهو نعمة ومنظرا يقول أحسن منظرا ورهيا خلقا منهم ، انتهى. # وقال محمد بن القاسم عليهما السلام: والري في هذه الآية من قولهم أثاثا ~~ورياء هو ضد العطش والضعف، قال الشاعر: # رياء العظام رداح # أي ممتلئة العظام غير رقيقة، وإنما أراد الله أن لايعجبوا بريهم وحسنهم ~~فقد أهلك قبلهم من هو أحسن منهم أثاثا ورياء، فلا تغتروا بزينتهم ولا ~~بقرتهم واجسامهم. # والجواب الثاني: عن تلك الشبهة هو قوله تعالى {قل من كان في الضلالة} ~~التي دعتهم إلى قولهم أي الفريقين {فليمدد له الرحمان} أي يملي ويمد له في ~~العمر والمال ليكون أشد للحسرة والوبال وإنما أمهله في العمر وأملى له وأتى ~~به أمرا إعلاما بوجوب ذلك وأنه كائن لامحالة كالمامور الممتثل لتقطع معاذير ~~الضلال، ويقال يوم القيامة ألم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: هذه دلالة من الله سبحانه على أن من ~~ضل وعصى كلما مدله من التأخير والأجر كان ذلك أردى وأشر وكان عذابه ~~إذلايتوب من خظيئته في طول المدة والمهل أكبر، وأعظم، وأوقر، وأجل ؛لأ نه ~~كلما مد له في مهله كان أكبر لما يرتكب من سيئات ذنوبه وكان أكبر لما يحل ~~الله به من العذاب في معاده، ms1284 انتهى. PageV17P374 # وقوله عزوجل {إذا رأوا ما يوعدون } بيان لغاية ضلالهم أي لاينفكون عنه وعن ~~قولهم ذلك إلى أن تشاهدوا ما وعدوا به وهو{إما العذاب} في الدنيا بغلبة ~~المؤمنين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا {وإما الساعة} أي القيامة ~~ومقدمتها من الموت وغيره، وقوله {فسيعلمون من هو شر مكانا} جواب إذا أي ~~فحينئذ يعلمون أن الأمر على عكس ما قدروه وأنهم شر مكانا أي موضعا عند الله ~~ومصيرا {وأضعف جندا} الأخير مقاما وأحسن نديا، والندي الذي يجمع وجوه ~~قومهم، والجند الأنصار، وقوبل المقام بالمكان والندى بالجند. # واعلم أنه تعالى أخبر بعدذلك أنه كما يعامل الكفار مما ذكره فكذلك يزيد ~~المؤمنين المهتدين هدى كما قال سبحانه {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} أي ~~يزيدهم هدا بالمعونة على طاعته والتوفيق لمرضاته وتححبيبه إليهم الأعمال ~~الصالحة وهو معطوف على معنى فليمدد له أي يمد له ويزيد الذين اهتدوا، ثم ~~إنه تعالى أخبر أن ما عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال سبحانه ~~{والباقيات الصالحات} أعمال الآخرة كلها لأنها التي تبقى أو هي الصلوات ~~الخمس أو هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ذكره أبو ~~الدرداء، قال جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فأخذ عودا ~~يابسا وأزال الورق عنه ثم قال ((إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان ~~الله تحط الخطايا حطا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء ~~قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة)) فكان ~~أبو الدرداء يقول لأعلمن ذلك ولأكثرن منه حتى إذا رأني جاهل حسب أني مجنون. PageV17P375 # والقول الأول: هو الأحسن لأن الله تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من ~~حيث يدوم ثوابها فبعض العبادات وإن كان أنقص ثوابا من العبض فهي مشتركة في ~~الدوام فهي بأسرها باقية صالحة نظرا إلى أثرها الذي هو الثواب، ثم أخبر ~~تعالى أنها {خير عند ربك ثوابا} أي خير جزا من مفاخرة أهل مكة {وخير مردا} ~~أي مرجعا وعاقبة ms1285 وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل غير متناهي يعقبه نفع ~~كبير غير متناهي والذي عليه الضالون نفع قليل متناهي يعقبه ضرر عظيم غير ~~متناهي كل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى وبهذه الطريقة تسقط الشبهة التي ~~عولوا عليها. # قال في الكشاف: فإن قلت فما وجه التفضيل في الخير كأن المفاخر هم شركاء ~~فيه، قلت: هذا من وجيز كلامهم يقولون الصيف أحر من الشتى في برده، فكأنه ~~قيل وثواب الباقيات الذي الجنة خير من ثواب مفاخرات الكفار الذي هو النار ~~أي هو أبلغ منه في بابه لأن ثواب الحسنة عشر والسيئة مثله. # ثم اعلم أن الله تعالى ذكر الدليل أولا على صحة البعث ثم أورد شبهة ~~المنكرون وأجاب عنها ثم أورد عنهم ماذكروه على سبيل الإستهزاء أطعنا في ~~القول بالحشر فقال سبحان{أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا} ~~معنى أفرأيت أي أخبرني والفاء تعقيب كأنه قال أخبرني بقصة هذا الكافر وجعل ~~ذكر حدثه أولئك وإنما غبر عن الإخبار بالرؤية لما كانت مشاهدة الأشياء ~~والعلم بها طريقا إلى صحة الخبر عنها، وقيل: الرءية باقية على أصلها إما من ~~رؤية العين أو من رؤية القلب وهي العلم والذي كفر بآياتنا هو العاص بن وائل ~~السهمي تقاضاه خباب من الأرت دينا فقال لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. # قال خباب: لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولاحين تبعث. # قال إن إذا مت بعثت؟ # قال خباب: نعم. PageV17P376 # قال فإذا بعثت فحينئذ أقضيك فسيكون لي ثم مال وولد، وقيل: صاغ له خباب ~~.........فطلب الآخرة فقال إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهبا وفضة ~~وحريرا فإنا أقضيك ثم فإن لي مالا وولدا، وقيل: الوليد بن المغيرة عن ~~الحسن، وفي البرهان كالأول، ثم فإن لي مالا وولدا نضم الواو وسكون الللام ~~ويقال الولد بفتح الواو وتحرك الللام ، قال الحراث بن حلزة: # فلقد رأيت معاشرا قد # تمر مالا وولدا # ذكر ذلك أي لأوتين في الدنيا مالا وولدا لإقامتي على ديني ودين أبائي ~~ويحتمل أن يكون لو كنت ms1286 على باطل لما أوتيت مالا وولدا، انتهي. # ثم أجاب الله عن عن كلامه فقال عزوجل توفيقا على جهلة أطلع الغيب أي أعلم ~~الغيب حتى علم ذلك ذلك أنه سيؤتيه على كفره مالا وولدا أم{أم اتخذ عند ~~الرحمان عهدا} أي وعدا لازما أكيدا وميثاقا عاهده أن ذلك صائر إليه لقربه ~~منه وعلو شأنه لديه أو يعني عملا صالحا أو قولا عهد به الله إليه صالحا ~~فإذلم يكن ذلك فلم يتلك بالجهل ويميل إلى غير الصواب والعدل، ثم إنه تعالى ~~بين من حاله ضد ما أدعاه فقال كلا ردع وتنبيه على خطيئته وتكذيبه بالعبث أي ~~ليس الأمر كما يقول. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: معناه لاما أطلع الغيب ولا اتخذ عند ~~الرحمن عهدا، ثم ابتداء الوعيد فقال {سنكتب ما يقول} أي سنعلمه يوم القيامة ~~ان كتبنا قوله أي حفظناه على طريقة قوله إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة، أو ~~جرد السين لمجرد الوعيد كما يقال للجاني سوف أنتقم منك بعني أنه لاخل ~~بالإنتصار وإن طال الزمان، ثم قال {ونمد له من العذاب مدا} أي نطول هل فيما ~~يستاهله من العذاب. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: والمد من العذاب هو طول الإقامة الذي ~~لاينقطع أبدا ولايزال مقامه طويلا ممتدا. PageV17P377 # وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي عليه السلام معنى كلا فهو بلا وهي كلا ~~تستعملها العرب فيما توجبه على أنفسها. # ومعنى سنكتب فهو سنحفظ ما يقول ونحصيه حتة نوفقه يوم القيامة عليه ومعنى ~~نمدل له من العذاب مدا فهو نمد من الأملاء مدا طويلا فسمى الإملاء هاهنا ~~عذابا إذا كان إملاؤه له إنما يزاد به إثما ويكسبه في الآخرة عذابا وحزنا، ~~فلما أن كان الإملاء سببا في العذاب جاز أن يقول له نمد له من العذاب، انتهى. # ومنه ما يقول وراثة الله لكلامه خص الكلام وحفظه بعد موته وفي حياته ~~وقيل: معناه مسمى ما يقول أي نزوي عنه مازعم أنه يناله في الآخرة بقى فردا ~~فلذلك قال سبحانه{ويأتينا فردا} لايملك في الآخرة ms1287 مالا ولا ولدا. PageV17P378 # واعلم أنه سبحانه لما تكلم في مسئلة الحشر والنشر تكلم في الرد على عبدة ~~الأصنام فحكى عنهم علة ما اتخذوا ألههة فقال تعالى {واتخذوا من دون الله ~~آلهة} أي أصناما ليكونوا لهم عزا يقول أنهم اتخذوا شياطينهم أربابا من دون ~~الله يطيعونهم ويرجون العزاء بطاعتهم أو يتعززون بكون ألهتهم لهم شفعا أو ~~أنصارا عند الله، وقيل: بسبب عز في الدنيا لأنهم يتعاضدون ويتناصرون بسبب ~~إجتماعهم على دين واحد، ثم أجاب الله تعالى عنهم بقوله {كلا} ردع لقولهم ~~وإنكار لعتعززهم أي لاما يعزونهم ثم ابتداء الخبر عنهم فقال سيكفرون ~~بعنادهم أي سيجحدون أن يكونوا عبدوها لما عاينوا من سؤ عاقبتها كقوله حاكيا ~~عنهم من سؤ عاقبتها كقوله حاكيا عنهم {والله ربنا ما كنا مشركين}قيل ويجوز ~~أن يكون الضمير في سيكفرون للألهة وأن ينطقها يوم القيامة فتبرأ من عبادتهم ~~قائلين والله ما عبدتمونا، ثم قال سبحانه {ويكونون عليهم ضدا} لما قصدوه من ~~العز وهو الذل والهوان أو يكونون على خصوتهم عونا ولهم في النار قرناء، ~~والضد العون يقال من أضدادك أي أعوانك ومعنى كون الألهة عونا عليهم أنهم ~~وقود النار عليهم بما قال تعالى {حصب جهنم} ولانهم عذبوا بسببها، ويجوز أن ~~يكون معنى كون المشركين ضدا للآلهة كفرهم بها بعد أن كانوا عبادا لها. # ثم اعلم أن الله سبحانه لما ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ~~ذكر بعد حالهم مع الشاطين في الدنيا وأنهم يتولونهم وينقادون لهم فقال {ألم ~~ترى أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي خلينا بينهم وبين الكافرين ~~تغريهم على المعاصي وقوله ألم تقرير لما رأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وتعجيب له من تماديهم في الكفر مع وضوح الأدلة. PageV17P379 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى أرسلنا الشياطين أي تركناهم وخلينا ~~بينهم ولم نمعهم بالجبر من إضلالهم لأنهم لايستاهلون الحفظ والكلاية من أجل ~~كفرهم، ومعنى {تؤزهم أزا} أي تحثهم وتجعلهم إعجالا. # قال الشاعر: # أيرومون من محله حجر # لطروب الشوق أزا # أي يحثه ويجعله ms1288 أعجالا، ومثل هذا في البرهان في تفسير هذه الآية يقول ~~الهادي عليه السلام: الإرسال من الله للشياطين هو التخلية بينهم وبينهم ~~وترك الدفع لهم عنهم. # ومعنى تؤزهم فهو تخزيهم إخزاء بما يكون منهم من الإطغاء الذي به يصلون ~~إلى عذاب الهون، والأز فهو كلما كان من طريق الخزي والصغار والإذعان، انتهى. # وقيل: الأز والهز والإستفزاز أخوات وهي التهيج وشدة الإزعاج، وهو هاهنا ~~بالوسواس. PageV17P380 # قال القاضي عبد الجبار والعجب من تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال ~~الكفار من قبله تعلى بأن خلق فيهم الكفر وقدرة الكفر فلا تأثير لما يكون من ~~الشيطان وإذا بطل حمل اللفظ على ظاهره فلا بد من التأويل فنحمله على أنه ~~تعالي خلي بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم ، وهذه التخلية ~~تسمى إرسالا بكليه علينا وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد المحنة فهم ~~متمكنون من أن لايقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل ~~عليه قوله تعالى {ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم } ثم قال تعالى: {فلا تعجل عليهم } من عجلت عليه ~~بكذا إذا استعجلته منه أي لاتعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمين ~~من شرورهم وإنما نعد لهم عدا أي بعد أعمالهم غدا وبعد وقت إنظارهم إلى وقت ~~الإنتقام منهم بالسيف والجهاد من هذه الأيام عددا معدودا فإذا تصرمت أيامهم ~~لقيناهم عذابا وجهدا، فأخبر الله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه أن أحال العصاة ~~الكفرة من العبيد أحال عدد تغني عن قليل وتفيد أنها ليست بأجال بقا وتخليد ~~قاله محمد بن القاسم عليهما السلام، أنه ليس بينك وبين هلاكهم إلا أيام ~~محصورة وأنعاش معدودة تعد لقلتها، انتهى. # ويقال أن المقاس بن آدم في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس نصفها في ~~النوم ونصفها في النهار. # وعن ابن عباس: كان إذا قرأها بكى، وقال آخر العدد خروج نفسك آخر العدد ~~فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. # ثم أخبر سبحانه ما سيظهر ذلك اليوم من ms1289 الفصل بين المتقين وبين المجرمين ~~في كيفية الحشر فقال في كرامة المتقين {يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا} ~~كما يفد الوفاد إلى الملوك منتظرين لكرامته. PageV17P381 # فقال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: الوافد الضيف، ~~والزائر المكرم، وأصل الوفد والوفادة الهدية لافرق عندهم بين قولك أو فدت ~~إليه وبين قولك أهديت إليه، فلما كان الضيف عند العرب لشرف نفوسهم ينزل ~~منزلة الهدية في السرور وسموه وافدا معناه هدية أهديت إلينا، انتهى. # علي عليه السلام يحشرون على نوق رحالها من ذهب وعلى نجائب سرجها من ~~ياقوت، وفي رواية عنه عليه السلام والذي نفسي بيده أن المتقين إذا خرجوا من ~~قبورهم استقبلوا بنوق بيض عليها رحائل الذهب، وذكر من أسما الله تعالى ~~مايدل على الرحمة على طريق المبالغة، وهذه الآية أكد ما تدل على أن أهوال ~~القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الإبتداء يحشرون على هذا النوع من ~~الكرامة فهم آمنون من الخوف فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال وذكر الكافرين ~~بالإهانه فقال عزوجل {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} أي يردون ويدخلون ~~النار عطاشا أفرادا كأنهم أبل عطاش تساق إلى الماء لأن هؤلاء لايمعنون ~~الحوض لأنه لايشرب من الحوض إلا من كان مؤمنا، وحقيقة الورد المسير إلى ~~الماء ثم استعمل في العطاش لأن من يرد الماء لايرده إلا للعطش يساقون إلى ~~النار بإهانة واستخفاف، ثم قال {لا يملكون} العباد {الشفاعة} إن تشفع لهم ~~أي لايلمكون المسالة لله في النجاة ولايعطون ولايشفعون إن طلبوا ذلك، {إلا ~~من اتخذ عند الرحمان عهدا} بما قدم من الآيات والأعمال الصالحة والمراد على ~~حذف مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ أي لايشفع إلا المأذون له، فهذه ثنوى من ~~الله لمن اتخذ عنده عهدا وهم المؤمنون الذين اتخذوا من مواعيده وعدا صادقا. PageV17P382 # واعلم أنه تعالى لما رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولدا ~~فقال سبحانه {وقالوا اتخذ الرحمان ولدا، لقد جئتم شيئا إدا} أي أقسم لقد ~~أرتكبتم أمرا عظيما{قالت اليهود عزير ابن ms1290 الله وقالت النصارى المسيح ابن ~~الله} وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ومنهم من ~~خصه بالعرب الذين اثبتوا الملائكة بكونهم بنات الله.قالوا لأن الرد على ~~النصارى تقدم في أول السورة، إما الآن لا ما رد على العرب الذين قالوا ~~بعبادة الأثوان تلك في أساد قول الذين قالوا بعبادة الملائكة بكونهم بنات الله. # أما قوله {لقد جئتم شيئا إدا}فالأد في اللغة بفتح الهمزة وكسرها، قيل: ~~العجب قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: والأد من الأمور والأقاويل فما ~~امتنع إمكانه في العقول فلم يطق له أحد احتمالا وكان في نفسه فاسدا محالا ~~وهو كما قال الله سبحانه مالا ينبغي، وذلك فما ليس بممكن ولامتأتي. # وفي البرهان{لقد جئتم شيئا إدا} أي منكرا عظيما، قال الراجز: # في لعب منه وختل إدا # انتهى. وقالت الأعرابية # يا أمتا أتيت شيئا إدا # رأيت مشوح اليدين نهدا # أبيض وضاح الجبين جعدا # قلت منه رشدا وبردا # أي فعلت فعلا فضيعا قبيحا شنيعا {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا} أي تسقط وتدك دكا، أي قرب بذلك من هذه الكمة أي كاد الله ~~أن يفعل بها هذا غضبا لولا حلمه أو هو تهويل من فضاعتها في الدين وأثرها ~~فيه كالتأثير في هذه الأمور بالإنشقاق والهد على جهة التمثيل والتخييل. PageV17P383 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام:معناه يقارب أن يكون ذلك منها لولا ~~رحمة الله بهم وإنظاره لمن فعل ذلك منهم ليكون إمهاله وإنظاره أكمل لحجته ~~عليهم، وإنماكان ذلك أن يكون بأذن الله لو فعله لعظم ما أتوبه من الكذب على ~~الله والتشبيه له بخلقه فكاد العذاب أن يقع بهم لولا حلم الله وإنظاره لهم ~~في قولهم إن الله اتخذ ولدا لما في ذلك من التضعيف لله تبارك وتعالى عن ~~قولهم وقوله {أن دعوا للرحمان ولدا} تعليل لما تقدم أي لأن دعوا ويجوز أن ~~يكون بدلا من ألها في منه، وتفسيرا له، ومعنى دعوا أي سموا ونسوا، والتقدير ~~من أن دعوا أو من أجل دعائهم للرحمن ms1291 ولدا والحاصل أنه تعالى بين أن سبب تلك ~~الأمور العظيمة القول، وإنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيها على أنه سبحانه ~~وتعالى هو الرحمن وحده من قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه ثم قال ~~سبحانه{وما ينبغي للرحمان } أي مايتأتي ولايصح أن لآ{أن يتخذ ولدا} أي هو ~~محال لايكون ولايوجد لوبغي وطلب وبحث عنه، ولايجوز عليه أبدا لأن الولد من ~~جنس الوالد وليس لله تعالى جنس لأنه محال. PageV17P384 # ثم وصفهم بأنهم يأتون في حال الخضوع والإعتراف بالعبودية والرق لما يرون من ~~عظيم القدرة ووضوح الحال في معرفة الخالق تعالى الذي لاتتناها له حلاله ~~فقال تعالى {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا} مطيعا ~~منقادا ممن في السماء وهم الملائكة ومن في الأرض كعيسى وعزير والجن أيضا ~~لاخلاف بين أهل التصديق أنهم يأتون يوم القيامة مع الأتين، وإنما خص الآخرة ~~بالعبودية لأن منهم من يمرح في الدنيا تمردا ن حال العبودية وادعاء ~~الربوبية، وذلك اليوم ينطق الجميع فيه على الإعتراف بالملك وقوله {لقد ~~أحصاهم وعدهم عدا} تأكيدا لمعنى الإحصاء أي فهو محيط بهم مهيمن عليهم ~~لايفوته شيء من أحوالهم وفيه وعيد، وكذا قوله {وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا} عن المال والولد والمعين والناصر، والعابدون منفردين عن المعبودين ~~يتبرأ بعضهم من بعض. # واعلم أن الله تعالى لمارد على الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا ~~والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال سبحانه {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} أي جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحة {سيجعل لهم الرحمن ~~ودا} في القلوب بغير تودد منهم بفعل أسبابه. # روى الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: في الشافي ~~بإسناده إلى الإمام المرشد بالله عليه السلام بإسناده إلى البراء بن عازب ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ((ياعلي قل اللهم اجعل لي ~~عندك عهدا واجعل لي عندك ودا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة)) فنزلت في ~~علي بن أبي طالب عليه السلام، انتهى. # ومثله في رواية آخرى ms1292 عن ابن عباس قد ذكرناها في مقدمة كتابنا هذا. PageV17P385 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام:معنى ودا أي حبا يحبهم ويحببهم إلى ~~خلقه، وهذا الحب الذي ذكره الله عزوجل هو في الدنيا والآخرة، فأما الذي ~~جعله الله في الدنيا فهو محبة الملائكة المقربين لهم، ومحبة المؤمنين في ~~ذات بينهم التي فرضها الله لهم وعليهم فذلك كرامة من الله لهم والجعل من ~~الله للمحبة لهم جعل حكم وأمر أمر به وفرض مؤكد من أصول دينه والمحبة التي ~~جعلها في الآخرة لأوليائه هي تركيب وخلق وفعل جعله وصنع وهوى ركبه في ~~قلوبهم لما رزقهم من اللذات في آخرتهم ومودة أزواجهم الحور العين لهم لما ~~ركب في الآخرة عليهم من حسن الصور واعتدالها وزينة الجوارح، وكما لها، انتهى. # ومثل هذا ذكر محمد بن القاسم عليهما السلام: ثم قال وكفى بهذه فضيلة ~~ونعمة جليلة أن تكون من ثوابهم في حياة دنياهم ومرجعهم رضا الله عنهم ووده ~~ومحبته لهم وود أهل سمواته والصالحين ممن في أرضه إياهم، انتهى. # وعن قتادة ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب عباده إليه، وقيل: ~~كان المسلمون في ابتداء الإسلام مبغوضين قليلين فوعدهم الله بأنه يكثرهم ~~ويحببهم إذا انتشر الإسلام، والتبيين في سيجعل للإستقبال لأن السورة مكية. # أما قوله تعالى {فإنما يسرناه} القرآن {بلسانك} أي سهلناه على PageV17P386 ### | AUTO الجزء الثالث من المصابيح الساطعة الأنوار # المجموعة من تفسير الأئمة الأطهار وشيعتهم الأبرار وغيرهم من سائر علماء ~~الأقطار # بسم الله الرحمن الرحمن، وبه أستعين، وصلى الله على سيدنا محمد. ### || AUTO سورة الكهف # مائة وخمس آيات في الحجازي وإحدى عشرة في البصري وست في الشامي. # قال ابن عباس: إنها مكية غير آيتين منها فيها ذكر عيينة بن حصن الفزاري، ~~وعن قتادة هي مكية. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ألا أدلكم على سورة شيعها ~~سبعون ألف ملك حين نزلت وهي سورة الكهف)). # بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب}. # قال المرتضى محمد بن ms1293 يحيى عليهما السلام: معنى الحمد لله فهو الحمد ~~والثناء على الله، والشكر بما أولى، ومعنى الذي أنزل فهو الله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب، وعبده فهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والكتاب فهو هذا ~~الذي فيه النور والشفاء، والحق والهدى، وجميع ما نحتاج إليه من حلال وحرام، ~~ونازلة من نوازل الأيام، انتهى. # ولا شك أن ذلك من أعظم النعم، فإنزال الكتاب على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعبده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم نعمة عليه ونعمة علينا. # أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على ~~أسرار علوم التوحيد والتنزيه، وصفات الجلال والإكرام، وأسرار أحوال ~~الملائكة والأنبياء عليهم السلام وغير ذلك مما لا يحصى. PageV17P387 # وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام، والوعد ~~والوعيد، والثواب والعقاب، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات، وكل ~~أحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه، فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع ~~أمته أن يحمدوا الله عليه، فعلمهم الله كيفية ذلك التحميد، وكيف يثنون، ~~ويحمدونه على أجزل نعمه، وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده صلى الله ~~عليه وآله وسلم من الكتاب وهو القرآن الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم، فقال: ~~{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} ثم أنه تعالى وصف الكتاب بوصفين ~~فقال: {ولم يجعل له عوجا، قيما} أي أنزله قيما ولم يحعل له عوجا، وإذا نفى ~~عنه العوج فقد ثبتت الاستقامة، وفائدة الجمع التأكيد؛ لأن المستقيم ربما لا ~~يخلو من أدنى عوج عند الخيرة، فلهذا قال سبحانه: {ولم يجعل له عوجا} أي ~~شيئا من العوج قط، وهو بالكسر في المعاني كالفتح في الأعيان، يعني كالميل ~~في الأجسام، والمراد نفي الاختلاف والتناقض، وخروج شيء من الحكمة والصفة ~~الثابتة للكتاب، قوله تعالى: {قيما} قال ابن عباس: يريد مستقيما. # قال المرتضى عليه السلام: معنى قيما فهو الثابت المصيب الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكل ما فيه نور ms1294 وحجة، ولمن عقله أكبر ~~الدلالة، قيم بجميع أحواله، قاهر لمن ناظره، فالج لمن جاوله، ولا خلل فيه ~~ولا فساد، تنزيل من ذي العزة والأياد، حكمة بالغة ودلالة قاهرة، انتهى. # قال الواحدي: أجمع أهل اللغة والتفسير على أن هذا من التقديم والتأخير ~~والتقدير، أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا[2]، وذكر النحويون ~~في انتصاب قوله قيما وجوها: PageV17P388 # الأول: قال صاحب الكشاف: لا يجوز جعله حالا من الكتاب؛ لأن قوله تعالى: ~~{ولم يجعل له عوجا} معطوفا على قوله أنزل، فهو داخل في حيز الصلة فجعله ~~حالا من الكتاب يوجب الفصل بين الحال ببعض الصلة، وأنه لا يجوز، قال: ولما ~~بطل هذا أوجب أن ينتصب بمضمر، والتقدير ولم يجعل له عوجا، وجعله قيما. # الوجه الثاني: أن يقال قوله تعالى: {ولم يجعل له عوجا} حال، وقوله:{قيما} ~~حال آخر، وهما حالان متواليان، والتقدير أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له ~~عوجا قيما. # الوجه الثالث: يمكن أن يكون قوله قيما بدلا من قوله لم يجعل له عوجا؛ لأن ~~معنى لم يجعل له عوجا أنه جعله مستقيما، فكأنه قيل أنزل على عبده الكتاب ~~وجعله مستقيما. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أنزل على عبده هذا الكتاب الموصوف بهذه ~~الصفات المذكورة، أردفه ببيان ما لأجله أنزله فقال: {لينذر بأسا شديدا} أي: ~~عذابا عظيما {من لدنه} أي: من عنده، أنذر متعد إلى مفعولين، كقوله: {إنا ~~أنذرناكم عذابا قريبا} إلا أنه اقتصر هاهنا على أحدهما، وأصله لينذر الذين ~~كفروا بأسا شديدا، كما قال في ضده: وبشر المؤمنين والناس، من قوله بعذاب بئس. # قال المرتضى عليه السلام: والبأس فهو العقوبة والتنكيل، والخزي الدائم ~~الطويل، فجعل كتابه حجة على خلقه، ومبينا لجميع ما افترض على عباده، وقص ~~عليهم فيه حلاله وحرامه، وحذرهم ما جعل من أليم عقابه لمن عصاه وخالف أمره ~~سبحانه وهداه، ثم قال تعالى: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا حسنا} أي عطاء وهبة وجزاء، والحسن فهو الكامل من العطا المنج لمن صار ~~إليه من أهل ms1295 الجزاء، انتهى. PageV17P389 # واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين، وبشارة المطيعين، ولما ~~كان دفع الضرر أهم عند أهل العقول من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على ~~التبشير في اللفظ، قوله: {ماكثين فيه أبدا} بمعنى خالدين، وهو حال للمؤمنين ~~في قوله: {أن لهم أجرا}. # قال عليه السلام: وكانت هذه زيادة في البشارة بعدما ضمن لهم من الأجر ~~الحسن، والعطية الكاملة، فأخبرهم أنهم ماكثون فيه غير زائلين عنه، ولا ~~منتقلين منه، إذ كل نعمة زال عنها صاحبها وزالت فليست بغبطة ولا سرور، ~~وإنما هي بلغة إلى حادث من الأمور، وكانت هذا العطية في الآخرة لهم من الله ~~سبحانه دائمة، وعنهم غير منقطعة، ولا يفجعون فيها أبدا بنازلة، انتهى. # ثم قال سبحانه: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} وهم طوائف: # أحدها: كفار العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله. # وثانيها: النصارى حيث قالوا المسيح ابن الله. # وثالثها: اليهود الذين قالوا العزير ابن الله، والكلام في إثبات الولد ~~كفر عظيم، ويلزم منه بحالات عظيمة، ثم قال عليه السلام: فأخبر سبحانه ~~بإنذاره في كتابه على لسان نبيه: {الذين قالوا اتخذ الله ولدا} لئلا يكون ~~على الله حجة بعد الإنذار، والتوقيف على جهلهم، وعظيم ما اجترحوه من كفرهم، ~~ونطقوا به من قبح كلامهم، ثم أنه تعالى أبطل علم القائلين بإثبات الولد من وجهين: # الأول: قوله {ما لهم به[3]} أي الولد وإتخاذه {من علم ولا لآبائهم} وإنما ~~صدر عن جهل وتقليد الآباء من أسلافهم، وهذه مبالغة في كون تلك المقالة ~~باطلة فاسدة، فأخبر سبحانه بجهلهم في ذلك، وتقحهمهم في الزور، وقبيح ما ~~نسبوه إليه سبحانه من الأمور وآباؤهم. # الوجه الثاني: ما ذكره الله في إبطاله، قوله تعالى: {كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم} قرئ كلمة بالنصب على التمييز وبالرفع. PageV17P390 # قال النحويون: والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها ~~كلمة إعظام لتجاسرهم على النطق بها، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في ~~القلوب لا نتجاسر على إخراجه، فذكر سبحانه عظيم ما تكلموا فيه، ونطقوا به ~~من ms1296 أفواههم، وأتوا به من قبيح كلامهم، ثم قال تعالى: {إن يقولون إلا كذبا} ~~والكذب فهو الزور، واجتراح الباطل من الأمور، جرأة وجهلا وعماية وغشما، ~~فأكذبهم الله في قولهم وزجرهم عما أتوا به من زور كلامهم، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون، ونسبه إليه الجاهلون، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم: {فلعلك باخع نفسك} أي: قاتلها تحسرا، ومنه قول ذي الرمة: # ألا يا أيها الباخع الوجد نفسه # بشيء تجئه عن يديه المقادر # ومعنى قوله: {على آثارهم} أي: توليهم وإعراضهم شبهة وآباؤهم، لما لم ~~يؤمنوا بمن فارقته أحبته، فهو يقتل نفسه على آثارهم، ويتساقط حسرات بعدهم ~~{إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} المراد بالحديث القرآن، ومعنى أسفا أي ~~غيظا وحزنا وهو مفعول له، أي لفرط الحزن، ويجوز أن يكون حالا. PageV17P391 # قال عليه السلام: أراد الله سبحانه باخع نفسك أي متلفها غما وأسفا على ما ~~تعاين من تكذيبهم، وصدودهم وشدة كفرهم، ولم يكلفك ذلك فيهم، ولم يفترض عليك ~~أن تتلف نفسك بشدة الحزن والوجد والأسف، وإنما عليك الإعذار والإنذار، ~~والله سبحانه المعاقب لهم، والمجازي بالهلكة على فعلهم من بعد قيام الحجة ~~عليهم، وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتد عليه ما ير من صدودهم، وما ~~يعاني من إقدامهم بالكذب على خالقهم عظم لذلك حزنه، وتأكد وجده، والغم قد ~~يتلف النفس وسيتجلب الأمراض، ألا تسمع كيف أخبر الله سبحانه عن نبيه يعقوب ~~عليه السلام إذا يقول: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} فبلغ به الحزن إلى ~~أن أذهب بصره، وكذلك أيضا أيوب عليه السلام بلغ به الحزن إلى أن ذهب ~~لحمه،.......جلده، وأشرف على الموت لعلته، لولا ما كان من اتقاء الله ~~لنفسه، انتهى. # ثم قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض} من الأموال والبنين وكل ما ~~يستحسن منها {زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} أي لنختبرهم ونمتحنهم فيما ~~خلقنا وجعلنا، أيهم أحسن عند الأمر والنهي طاعة واستقامة، وقيل: أزهد فيها ~~وأبعد عن الاغترار بها. PageV17P392 # قال القاضي: وجه النظم أنه تعالى يقول: ms1297 يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها، ~~وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح، والمقصود من خلقها بما فيها من ~~المنافع ابتلاء للخلق بهذه التكاليف، ثم أنهم يكفرون ويتمردون، ومع ذلك فلا ~~أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت يا محمد لا ينبغي أن تنتهي في الحزن بسبب ~~كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق، وهم وممن خلق على ظهر ~~الأرض مغترين بزينتها، ولما أراد الله سبحانه من إظهار حكمته وتدبيره، وحسن ~~تقديره، وأمره لهم ونهيه فابتلاهم بالأمر والنهي[4] لتبين طاعة المطيعين، ~~فيستوجبون بذلك الثواب من رب العالمين، وتظهر عند الأمر والنهي معصية ~~العاصين، فيستوجبون بذلك العذاب المهين، ثم قال عز وجل: {وإنا لجاعلون ما ~~عليها صعيدا جرزا} الصعيد: التراب، أي يجعلها أرضا بيضاء لا نبات فيها، ~~والجرز: التي جرز نباتها، أي قطع بعد أن كانت خضراء معشبة. # قال في البرهان: الجرز الأرص البلقع اليابسة التي لا نبات فيها، والصعيد ~~الأرض المستوية، قال الراجز: # قد حرقتهن السنون الأجرز # والمراد الزهيد في الميل إلى زينة الدنيا السريعة الزوال، فأخبر سبحانه ~~أنه إنما زين الأرض لأجل الامتحان والابتلاء، لأجل أن يبقى الإنسان فيها ~~منعما أبدا، لأنه زهد فيها بقوله: {وإنا لجاعلون ما عليها} من هذه الزينة ~~صعيدا جرزا. # وقال المرتضى عليه السلام: أراد سبحانه أن جميع الخلق، وما على الأرض ~~يصير صعيدا جرزا، يقول: رفاتا ذاهبا، والجرز: هي الأرض التي ليس فيها مطر، ~~ولا ينبت فيها زرع ولا شجر، فأخبر سبحانه أن حالهم كحال الصعيد، وهي الأرض ~~الجرز التي لا تنبت شيئا، انتهى. PageV17P393 # واعلم أن القوم لما تقحموا من قصة أصحاب الكهف وسألوا الرسول على سبيل ~~الامتحان، قال الله تعالى: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا} أي ليس ذلك آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك، فإن آياتنا ليس فيها ~~عجب، فإن من كان قادرا على تخليق السماوات والأرض، ثم يزين الأرض بأنواع ~~المعادن والنبات والحيوان، ثم يجعلها بعد ذلك صعيدا جرزا خاليا عن الكل، ~~كيف يستبعد من قدرته ورحمته حفظ طائفة ms1298 مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم، ~~هذا هو الوجه في تقرير النظم، وقيل غير ذلك. # قال المرتضى عليه السلام: والكهف فهو كل ما كان في الجبال مجوفا سمي كهفا ~~يسكن فيه، ويوؤى إليه، ويظل من الشمس والأمطار، ويدخل عند وهج النهار. # وأما الرقيم فهو الجبل الذي فيه الكهف، وقد قيل: إنه الموضع الذي فيه ~~الكهف، وأي ذلك كان فهو جائز في المقال، والذي أقول به، والله أعلم: إن ~~الرقيم هو الجبل، وفي (البرهان): أما الرقيم ففيه أقاويل: # أحدها: أنه اسم الكتاب الذي كتب فيه صفاتهم، وقيل: هو اسم جبل الكهف، ~~وقيل: هو اسم لقريتهم، وقيل: هو اسم الوادي، واسم ملكهم دقيانوس، وقيل: ~~الكتاب على لوح من رصاص، وكان في خزائن الملوك لعجيب أمرهم. PageV17P394 # قال المرتضى عليه السلام: {كانوا من آياتنا عجبا} يقول سبحانه: إنهم لم ~~يكونوا من أعظم الآيات، بل كان في آياتنا ما هو أعجب وأعظم من هؤلاء، وإن ~~كان فيهم العجب العجيب لمن فكر وعقل، واعتبر وازدجر، أن يكون قوم ممن قد ~~خلقهم الله كخلق الآدميين، وركب فيهم من الأكل والشرب والروح ما ركب في ~~جميع المخلوقين، ثم أقاموا بلا أكل ولا شرب ثلاثمائة سنة وتسع سنين لم ~~تتغير بمر السنين أمعاؤهم، ولم تذهب بطول المدة لحومهم، ولم تؤثر الأرض في ~~أبدانهم، فهذا من أعظم دلالة لمن أبصر، وأبين حجة لمن تفكر وآمن بالله ~~واعتبر، وكان الناس يتعجبون من نقاتهم، وسلامة أبدانهم على طول هذا المدة، ~~فأخبرهم[5]الله عز وجل أن من آيانه الني ترون ما هو أعظم من ذلك، ثم رجع ~~القصص إلى ذكر الفتية فقال سبحانه: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} تقديره: ~~واذكر إذ أووا إلى الكهف، أي دخلوا فيه ونزلوا، وانضووا إليه وسكنوا، ~~إنكارا على قولهم، واعتزالا لهم، لما أظهروه من شرارتهم وعظيم كفرهم، ~~فخرجوا إلى الله سبحانه هاربين ولقومهم تاركين حتى صاروا إلى الكهف، ثم ~~دعوا ربهم: {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي: من عندك رحمة من خزائن ~~رحمتك وفضلك وإحسانك، رحمة أي مغفرة ms1299 ورزق وأمنا من الأعداء {وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا} معنى وهيئ فهو أصلح...............واجعل بحكمتك، ودبر لنا من ~~أمرنا الذي نحن فيه من مفارقة الكفار، فسألوا الله سبحانه الرحمة لهم، ~~والهداية والرشد والتسديد، فقبل الله ذلك من فعلهم، وشكر ما كان من ~~اعتزالهم، فخفف عليهم المحنة في طول الاعتزال من الناس والوحدة، فضرب على ~~آذانهم كما قال عز وجل: {فضربنا على آذانهم} بالنوم الذي أوقعه عليهم {في ~~الكهف سنين عددا} حتى لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يعوا ولم يعقلوا. PageV17P395 # قال المفسرون: إنه تعالى ضرب على آذانهم حجابا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم ~~الأصوات الموقظة، والتقدير ضربنا عليهم حجابا إلا أنه حذف المفعول الذي هو ~~الحجاب، كما يقال: بنى على امرأته يريدون بنى عليها.........، ثم إنه أخبر ~~أنه إنما ضرب على آذانهم في الكهف وهو ظرف المكان، وقوله: سنين عددا ظرف ~~الزمان، أي ذوات عدد يريد الكثرة أو القلة، لأن الكثير عندنا قليل عنده. # قال المرتضى عليه السلام: والعدد فهو ما ذكر الله سبحانه من عدد ثلاثمائة ~~وتسع سنين، معنى ضربنا فهو ما كان من سباتهم كانوا لا يسمعون ولا يبصرون، ~~لما أراد الله سبحانه في ذلك من العبرة لهم ولغيرهم، ثم قال سبحانه: {ثم ~~بعثناهم} يريد إيقاضهم من نومهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى بعثنا لهم أخرجناهم من نومهم، ~~والبعث هو الإخراج، قال الشاعر: # هوت أمه ما يبعث الصبح عاديا # وماذا يواري الليل حتى يؤوب # أي ما يخرج الصبح، انتهى. # أما قوله سبحانه: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} فاللام لام ~~الغرض، فيدل على أن أفعال الله معللة بالأغراض، والمعنى ليعلم ذلك بعد كونه ~~كما علمناه قبل ذلك، وليثيب من صدق على صدقه، ويعاقب من تكلم بالكذب على ~~سوء فعله. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: والحزبين هنا الجماعتان، جماعة أهل ~~الكهف، والجماعة الثانية هم أهل قريتهم الذين بعثهم الله في زمانهم. PageV17P396 # قال المرتضى عليه السلام: يريد أصحاب الكهف وأهل عصرهم الذين بلغتهم ~~الأخبار في اعتزال أهل ms1300 الكهف من قومهم، ولم يكن قومهم ولا من بعدهم يدرون ~~بأهل الكهف، قد أخفى الله سبحانه موضعهم وستره على أعينهم، فكانوا لا يدرون ~~بمكانهم، فقال عز وجل: {بعثناهم} يريد من رقدتهم التي كانوا فيها، ثم ~~قال:{لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} ولم يحط بذلك علم أحد، بل ظن ~~أهل الكهف أنهم أقاموا ساعة، ولم يعلم من سواهم كم كان لبثهم في الكهف. # واعلم أنه تعالى لما ذكر جملة من واقعتهم[6] قال سبحانه: {نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق} أي قصصنا على وجه الصدق ولا كذب فيه. # قال المرتضى عليه السلام: يقول نخبرك عن أمرهم على صحة؛ لأن أهل الكتاب ~~كانوا يكذبون، ويقولون ما لا يعلمون من أمرهم، فقال عز وجل: {نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق} الذي لا شك فيه يدخله، ولا باطل يخالطه، ثم قال سبحانه: {إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} ذكر سبحانه أنهم آمنوا بربهم وأطاعوه فيما ~~افترض عليهم فزادهم عند ذلك عونا وتوفيقا، وهداية وتسديدا، ثم قال: {وربطنا ~~على قلوبهم} ومعنى الربط منه سبحانه فهو التسديد لهم والتوفيق، حتى تثبت ~~قلوبهم على الحق، فارتبطت به فلم تزل عنه؛ لأن العرب تسمي من يثبت قلبه ~~مرتبط الجنان مرتبط القلب، فلما وفقهم الله عز وجل، وارتطبت قلوبهم وثبتت ~~على الحق عزائمهم، ولم تزغ مع من زاغ من قومهم، فكان ذلك من الله عز وجل ~~عونا لهم على طاعتهم، وتثبيتا على تعلقهم بأمره، فلما كان ذلك ازدادوا نورا ~~إلى نور وخير إلى خير، انتهى. PageV17P397 # ثم قال: {إذ قاموا} أي حين قاموا بين يدي جبارهم دقيانوس لما عاتبهم على ~~ترك عبادة الصنم، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله ~~هؤلاء الفتية وعصمهم من ذلك الجبار، وأقروا بربوبيته، وصرحوا بالبراءة عن ~~الشركاء والأنداد فقالوا: {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه ~~إلها} ويحتمل أنهم قاموا على أقدامهم قائلين: ربنا رب السماوات والأرض، أي: ~~قال بعضهم لبعض في غير مجلس دقيانوس بدليل قولهم: {هؤلاء قومنا} ولم يقولوا ~~أنتم، ms1301 ويحتمل أنه حين خروجهم وهجرتهم، أي قال بعضهم لبعض أو لمن دعوه سرا ~~إلى الإسلام، أو قاموا لله بما يجب عليهم. # قال المرتضى عليه السلام: فأخبر سبحانه بإقرارهم وإيمانهم، وما احتجوا به ~~في وحدانيته، ومعنى {لن ندعو} يقول: لن نتخذ من دونه إلها نعبده وفي طاعة ~~الله نشركه {لقد قلنا إذا شططا} والشطط: فهو المحال من القول المهلك فعله، ~~الباطل في نفسه، انتهى. # والشطط في اللغة مجاوزة، ومنه قوله تعالى: {ولا تشطط} وأصل هذا من قولهم: ~~شطت الدار إذا بعدت، والشطط في القول العدول من الحق، أي قولا ذا شطط وهو ~~الإفراط في الظلم، وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى لقد قلنا إذا قولا ~~شططا، ثم قالوا {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة} هذا من قول أهل الكهف، ~~ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام، وقيل: قومنا أهل بلدنا، ~~وكانوا من أهل الإنجيل، فهذا إخبار منهم بفعل قومهم، وما اجترؤا عليه من ~~عظيم كفرهم، ومعنى {لولا يأتون عليهم بسلطان بين} أي: هلا يأتون على دعواهم ~~بحجة وبرهان، وهذا تبكيت لهم؛ لأن الإتيان به على عبادة الأوثان محال، وهو ~~دليل على فساد التقليد. PageV17P398 # قال المرتضى عليه السلام: واحتجوا عليه بذلك، فقالوا لولا تأتون على ما ~~ادعيتم من هذه الآلهة بحجة واضحة وبينة نيرة، بصدق قولكم فيما ادعيتم من ~~كذبكم، وإيجادكم من دون الله آلهة، دلت هذا الآية أن الاستدلال تقدم الدليل ~~على عدم المدلول طريقة قوية، ثم قال: {فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا}[7] أي لا أظلم منه لنفسه بنسبة الشرك إليه، يعني أن الحكم بثبوت ~~الشيء عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب، وهذا من أعظم الدلائل ~~على فساد القول بالتقليد. # قال المرتضى عليه السلام: والإفتراء فهو الكذب، وقول ما لم يكن في ذلك ~~أنهم كانوا يزعمون أنهم يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله سبحانه، ويقولون ~~إن ذلك له رضى سبحانه، وكان ذلك منهم افتراء على الله وكذبا، ولذلك سأل ~~الفتية البرهان إذ نسبوا ذلك إلى الله سبحانه ms1302 فسألوهم تصديق قولهم؛ لأن ~~الله عز وجل إذا أمر بأمر أو تعبد له كانت معه شواهد تصدقه، وعلامات تؤكده، ~~وحجج تبهر عقول الخلق وتبينه، ثم ذكر عز وجل أمر الفتية، وما كان من قولهم ~~إذ يقول: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله} أي: واعتزلتم ما يعبدون فهو ~~منصوب بالعطف على الضمير المنصوب في اعتزلتموهم، أي تركتموهم وباينتموهم، ~~وما يعبدون من الأصنام إلا الله فإنكم لن تتركوا عبادته، وهو استثناء متصل ~~على ما روي أنهم كانوا مقرين بالله كأهل مكة، أو منقطع أي ولكن يخصوه ~~بالعبادة إن كانوا غير مقرين بالله سبحانه، وقيل هو كلام معترض، إخبار من ~~الله عن الفتية، أنهم لم يعبدوا غير الله، ومعنى قوله: {فأووا} أي صيروا ~~{إلى الكهف}. PageV17P399 # قال الفراء: الفاء هو جواب إذ، كما تقول إن فعلت كذا فافعل كذا، ومعناه ~~اذهبوا إليه واجعلوه ماؤاكم {ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم} ~~أي ييسر ويسهل من أمركم الذي أنتم عليه من فراق الكفار {مرفقا} ما يرتفق به ~~أي ينتفع به، يعني يجعل لكم من أمركم نفعا، والمرفق والرفق: هو النفع ~~والمعونة على طاعة الله سبحانه. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: # وما العيش والإرفاق إلا بلادكم # وإني والله العظيم لصادق # يريد صلوات الله عليه أن الحياة الهنية، والرفق في بلاده وبلاد آبائه ~~التي هي بعيدة من الفاسقين، ومهاجر لأولياء الله المتقين. # قال المرتضى عليه السلام: والمرفق فهو الكفاية في جميع الحالات؛ لأن ~~العرب تقول: ارفق علي بسبب يريد اعطني، فكان المرفق من الله سبحانه العطية ~~لهم وكفاية المهم مع الهدى والتسديد، والعون والتوفيق. # قال في (البلغة): وفي الرواية أنهم سبعة كانوا إخوة، وكانوا من أخص ~~دقيانوس لعنه الله ووزرائه وخزانه، ودقيانوس ادعى الربوبية، وتعبد قومه كما ~~فعل فرعون، فلطف الله تعالى على هؤلاء ألطافا أدتهم إلى النظر والاستدلال ~~بأفعال الله على الله تعالى وحده، وعرفوا عدله وحكمته. PageV17P400 # قال صاحب (البلغة): حدثني الشريف أبو محمد الحسين بن علي قدس الله روحه ، ~~قال حدثنا أبو ms1303 جعفر محمد بن إبراهيم بن عبدان بن جبلة الفهستاني، قال حدثنا ~~أبو سهل حامد بن عبد الله الحلواني، قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن سليمان ~~الطائي، قال حدثنا محفوظ بن ابنوة، قال حدثنا عبد الرزاق، عن معمر بن راشد، ~~عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: أهدي لرسول الله صلى الله[8] عليه ~~وآله وسلم بساط من شعر من قرية يقال لها خدف، قال أنس فبعث إلي من دعاني ~~فأتيته فبعثني إلى علي عليه السلام ، وفي حديث آخر من غير البلغة رواه ~~الفقيه حميد الشهيد رحمه الله تعالى يرفعه إلى أنس بن مالك أيضا، قال: أهدي ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بساط من خندف فقال لي: ((يا أنس أبسطه ~~فبسطته، ثم قال لي: ادع العشرة)) وفي رواية ((ادع الثلاثة أبا بكر وعمر ~~وعثمان)) فلما دخلوا أمرهم بالجلوس على البساط، ثم نادى عليا فناجاه طويلا، ~~ثم رجع علي فجلس على البساط، ثم قال: ((يا ريح احملينا، فحملتنا الريح، ~~قال: فإذا بالبساط يدف بنا دفا، ثم قال: يا ريح ضعينا، ثم قال: أتدرون في ~~أي مكان أنتم؟ قلنا: لا، قال: هذا موضع أصحاب الكهف والرقيم، قوموا فسلموا ~~على إخوانكم، قال: فقمنا رجلا رجلا فسلمنا عليهم رجلا رجلا فلم يردوا ~~علينا، فقام علي بن أبي طالب فقال: السلام عليكم معاشر الصديقين والشهداء، ~~قال: فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال فقلت: ما بالهم ردوا ~~عليك ولم يردوا علينا، فقال لهم علي: ما بالكم لا تردون على إخواني؟ ~~فقالوا: إنا معاشر الصديقين والشهداء لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أو وصيا)) ~~وفي رواية البلغة زيادة: ((لا نكلم إلا نبيا أو وصيا لنبي، وأنت وصي خاتم ~~النبيين))، ثم قال: ((يا ريح احملينا فحملتنا تدف بنا دفا، ثم قال: يا ريح ~~ضعينا فوضعتنا فإذا نحن بالحرة، ثم ركض برجله فإذا نحن بعين فتوضأ ثم قال ~~لنا: توضأوا فإنكم مدركون PageV17P401 الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: يا ريح احملينا ~~فأدركنا ms1304 آخر ركعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم))، وفي الرواية الأخرى ~~قال: فقال علي عليه السلام ندرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ركعة ~~فطوينا وأتينا فإذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في آخر ركعة: {أم ~~حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا} فلما قضينا قال أنس: ~~سبقت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالتفت إلي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: ((يا أنس أحدثك حديثا أو حدثنا، فقلت حدثنا من فيك يا ~~رسول الله أحسن، فحدثنا كأنه شاهد معنا، ثم قال: أشهد بها يا أنس لعلي، قال ~~أنس فاستشهدني علي وهو على المنبر فداهنت في الشهادة)) فقال: إن كنت كتمتها ~~مداهنة من بعد وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأبرصك الله، وفي (نهج ~~البلاغة) فرماك الله بها بيضاء لا تواريها الغمامة، قال: فلم أبرح مكاني ~~حتى برصت، وكان لا يستطيع الصوم في رمضان وغيره من شدة الضمأ، وكان يطعم كل ~~يوم من شهر رمضان حتى فارق الدنيا، وهو يقول: كل ذلك من دعوة علي عليه ~~السلام ، وروي هذا الحديث بعد ستمائة حديث هذا آخرها، وكان لنبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم نيف وأربعمائة معجزة، ففي هذه الرواية حمس معجزات: # أحدها: تسخير الريح كما سخرها لسليمان عليه السلام . # والثاني: كلام أصحاب الكهف. # والثالث: ركض علي عليه السلام برجله وظهور العين. # والرابع: إخبار علي عليه السلام أنهم يدركون الصلاة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فكان كما أخبر. PageV17P402 # والخامس: ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القصة من أولها ~~إلى آخرها كأنه معاين، وما أصاب أنسا بدعوة علي عليه السلام [9]هو مختص به؛ ~~لأنه كأنه قد مضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه عبرة لمن اعتبر، ~~وتذكرة لمن تذكر، ثم رجع القصص إلى ما يتصل به على أهل الكهف فقال: {وترى ~~الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين} أي تميل وقت ms1305 طلوعها عن غارهم ~~ناحية يمينه، وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى، ولكن العادة في ~~المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه أنك لو رأيتهم على هذه الصورة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى تزاور أي تميل عن كهفهم، وتميل ~~من الدخول عليهم، لما أراد الله عز وجل من سترهم، قال الشاعر: # وأزور من وقع القنا بلبانه # وشكى إلي بعبرة وتحمحم # يريد بقوله أزور أي مال من وقع الرماح بلبانه وصدره وانحرف، ثم قال ~~سبحانه: {وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} أي تقطعهم فلا تقربهم، وتجاوز عنهم ~~ناحية شماله، قيل: كان كهفهم بنات نعش من أرض الروم مستقبلا لها، تميل عنه ~~الشمس طالعة وغاربة، لئلا تؤذيهم بحرها وتغير أبدانهم وتبلي ثيابهم. # قال المرتضى عليه السلام: فأخبر الله سبحانه بلطفه لهم في الشمس في ~~طلوعها وغروبها؛ لأنها لو دخلت عليهم لأحرقت أجسادهم، وغيرت ألوانهم، فكانت ~~إذا طلعت تزاور عن كهفهم كما قال سبحانه: {إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} أي تدخل من الكهف دخولا قليلا، والقرض ~~منها لهم هو دخول يسير منها عليهم، والعرب تقول: قرضنا بلد كذا وكذا يريدون ~~أنهم لم يتوسطوا فيها، وأنهم ساروا في جانب يسير منها. PageV17P403 # قال عليه السلام: وكذلك تقول العرب قرضت بني فلان أي أخذت في نسفها، ويقال ~~في الثوب قرض إذا كان في بعضه، وإنما سمي القرض لذهاب الشيء اليسير من ~~الكثير، فلما قرض بعضه وسلم أكثره قيل قرض كذلك الكهف، والله اعلم كان وجهه ~~مقابلا لمغيب بنات نعش وللجدي، انتهى. # واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم برد ~~الريح ونسيم الهوى، فقال: {وهم في فجوة منه} أي: من الكهف، والفجوة: متسع ~~في مكان ينالهم نسيم الهوى فلا يحسون بكرب الغار، والمعنى أنهم في ظل ~~نهارهم كله مع أنهم في مكان واسع معرض لإصابة الشمس لولا أن الله بمنعها ~~عنهم، دل عليه قوله تعالى: {ذلك من آيات الله} أي: عدول الشمس ms1306 عنهم، ~~وازورارها طالعة وغاربة تصير كهفهم من الجهات تصيبه الشمس أي من فيه، ولا ~~تصيب اختصاصا لهم بالكرامة. # وأما على ما قيل أن باب الغار مستقبل بنات نعش فهم في..........أبدا ~~فيكون قوله ذلك من آيات الله، أي شأنهم وحدثهم. # عن ابن عباس أنها تمسهم بقدر ما يصلح الهوى لهم؛ لأن عدمها يفسد الهوى، ~~بدليل تقرضهم؛ لأنه استعار القرض للقلة، ثم قال عز وجل: {من يهد الله فهو ~~المهتدي} هذا ثناء من الله عليهم بأنهم جاهدوا فيه وأخلصوا، فلطف بهم ~~وأعانهم على نيل تلك الكرامة. # وأما قوله: {ومن يضلل} فهو خذلان الله له، وتركه إياه من التوفيق ~~والتسديد، والله عز وجل لا يفعل ذلك إلا بعبد قد عصاه وخالف أمره وهداه، ~~فإذا كان من العبد استوجب من الله الخذلان، ومعنى قوله سبحانه: {فلن تجد له ~~وليا مرشدا} فهو من بعد ترك العبد لطاعة الله سبحانه، ووقوع اسم الضلال ~~عليه، والخذلان من الله لا يجد له وليا مرشدا، ولا إلى الخير داعيا[10]، ثم ~~رجع القصص إلى أهل الكهف فقال سبحانه: {وتحسبهم أيقاظا وهم رقود} أي: ~~تحسبهم منتبهين وهم نيام. PageV17P404 # وروي أن الله عز وجل فتح أعيانهم في حال نومهم، وكانوا يتنفسون ولا ~~يتكلمون، ذكره في البرهان. # قال المرتضى عليه السلام: يخبر الله عز وجل أنه لو نظر إليهم ناظر ظنهم ~~أيقاضا، وقد يقال: إن أعينهم كانت مفتحة، وذلك لما أراد الله من سلامتها؛ ~~لأن الهوى والريح من منافع العين، ولو كانت مغمضة في طول هذه المدة لأحدث ~~فيها طول الإغماض حدثا، فكانت أعينهم مفتحة وهم رقود لا يبصرون شيئا ولا ~~يفهمونه. # قال الرازي: قوله رقود مصدر سمي المفعول به، كما يقال: قوم ركوع وقعود ~~وسجود يوصف الجميع بالمصدر، ومن قال إنه جمع راقد فقد أفسد، ثم قال سبحانه: ~~{ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}. # قال المرتضى عليه السلام: معناه هو تحويله سبحانه لهم من شق إلى شق لطفا ~~من الله سبحانه لهم بذلك، لئلا يحدث في جنوبهم لطول المكث على الأرص فساد، ~~وقد ms1307 يمكن أن يكون عز وجل يأمر بهم ملائكته يقلبونهم ليراوح جنوبهم، ويفعل ~~في ذلك ما شاء، إذا هو سبحانه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، ثم ذكر كلبهم ~~الذي كان معهم فقال: {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} والوسيط باب الكهف. # قال السدي: الوسط الباب والعتبة، والكهف لا يكون له باب ولا عتبة، وإنما ~~أراد أن الكلب منه بموضع العتبة البيت. # وقال قتادة: قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هربوا ليلا من ملكهم فمروا ~~براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه. # وقال كعب: مروا على كلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال ~~لهم الكلب: ما تريدون مني، لا تخشوا جانبي إني أحب أحباء الله فنوموا حتى ~~أحرسكم. PageV17P405 # وقال عبيدة بن عمير: كان ذلك كلب صيدهم، ومعنى باسط ذراعيه أي يلقيها على ~~الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة أنه نهى عن افتراش ~~السبع، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تفرش ذراعيك افتراش السبع)) ثم ~~قال سبحانه: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا}. # قال الزجاج: فرارا منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم فررت منهم، ~~{ولملئت منهم رعبا} أي خوفا وفزعا، لما ألبسهم الله من الهيبة. # قال المرتضى عليه السلام: وذلك أن الله سبحانه طرح عليهم الهيبة والجلال، ~~فكانت هيبتهم تملأ قلب كل ناظر لو نظر إليهم حتى يدعوه ذلك إلى ما ذكر الله ~~سبحانه من الفرار منهم، انتهى، {وكذلك} أي كما أنمناهم كذلك{بعثناهم} أي ~~أيقضناهم تذكيرا بقدرته على الإماتة والبعث جميعا{ليتساءلوا بينهم}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه ليتحدثوا بينهم ويجابروا عن ~~طول رقدتهم أو قليلها، إذ لا علم لهم ولا خبر منها إلا بالظن والاختراص ~~والتوهم لها، انتهى. # والمراد أن يتعرفوا حالهم، وما صنع الله بهم ليعتبروا ويزدادوا يقينا ~~بالله وقدرته، ويشكروا ما أكرمهم به من الخصائص. # قال المرتضى عليه السلام: والتساؤل فهو التجابر بينهم، فكان من كلامهم ما ~~قال الله سبحانه: {قال قائل منهم كم لبثتم} أي كم مقدار لبثنا في هذا ~~{قالوا لبثنا ms1308 يوما أو بعض يوم} فلم يدروا كم لبثوا حتى قالوا يوما، ~~فاستكثروا اليوم حتى قالوا أو بعض يوم، وقد أقاموا المدة الطويلة، ثم رجعوا ~~بالتسليم لله سبحانه {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} يريدون بذلك كمال النوم ~~أو بعضه، انتهى. PageV17P406 # ثم قالوا[11]{فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة} الورق اسم الفضة، سواء ~~كانت مضروبة أو لا، والمدينة فهي مدينتهم التي كانوا فيها، ثم قالوا: ~~{فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه} يريدون أنها أزكى وأطهر، ~~وليشتري لكم منه، وإنما أراد بذلك أي أهل القرية أصلح في إسلامه وأثبت على ~~طاعة ربه، فيشتري لهم من ذبيحته ومما في يده، يريدون بذلك الطهارة والحلال، ~~وقد قيل: أزكى طعاما أي أفضل طعاما، والقول الأول أحب إلينا، ومعنى ~~{وليتلطف} أرادوا في استتار وانكتام عن الناس حتى يأخذ لهم حاجاتهم وينصرف ~~بها إليهم، ثم قالوا: {ولا يشعرن بكم أحدا} أي لا يخبرن بكم وبمكانكم أحدا ~~من أهل المدينة، أو لا يفعل سبب الشعور، ثم قالوا: {إنهم إن يظهروا عليكم} ~~أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم {يرجموكم} بأيديهم استنكارا لكم أو بألسنتهم ~~عيبة لكم وشتما. # قال عليه السلام: فخافوا أن يظهروا عليهم من بعد أن خرجوا من عندهم ~~مغاضبين، ولهم مكفرين، أن يرجموهم بالحجارة، ثم قال: {أو يعيدوكم في ملتهم ~~ولن تفلحوا إذا أبدا} فأخبروا أنهم لو دخلوا في ملتهم لم يكونوا مفلحين، ~~ولا عند الله سبحانه بناجين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم قال عز وجل: ~~{وكذلك} أي وكما أوقفناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة {أعثرنا عليهم ~~ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} الحق هو الصدق الذي لا خلف ~~فيه، وهو البعث؛ لأن حالهم في نومهم وانتباههم بعده كحال من يموت ثم يبعث، ~~وقوله: {ليعلموا} أي الذين أطلعناهم، وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل: ليعلم ~~أهل الكهف بعد بعثهم. PageV17P407 # قال المرتضى عليه السلام: ومعنى أعثرنا أي دللنا عليهم وأوقفناهم على ~~موضعهم لما أراد الله سبحانه من الحجة على أهل دهرهم، من إبقائهم في ms1309 الكهف ~~بلا طعام ولا شراب، فكان هذا دليلا على الله سبحانه وحجة باهرة، وكان ~~للفتية هداية وزيادة في النية والبصيرة، وكان بعث الله لهم من بعد طول هذه ~~المدة تصديقا للساعة التي وعد بها. # فلما خرج الفتية من كهفهم وهم يظنون عند أنفسهم أنهم أقاموا يوما أو بعض ~~يوم، فلما دخل المشتري لهم ببضاعتهم دخل خائفا وجلا فلم يعرف في القرية ~~أحد، وأنكر أهلها جميعا، وأقبل يسألهم عن قوم كانوا بها، وعن ملكهم دقيانوس ~~الذي كان سببا لتكفيرهم فيقولون فنوا أولئك وذهبوا وقرن بعدهم، فلما أنكروا ~~أمره وكان خبر اعتزال هؤلاء الفتية شائعا عند القرن الذين خرجوا فيهم، ~~وفيمن بعدهم من خبر من قبلهم ممن انتهى إليه خبرهم مع إخبار عيسى عليه ~~السلام بهم وذكره لقصتهم، وما يكون من خروجهم، وذلك أن عيسى عليه السلام ~~بعث من بعد اعتزال الفتية لقومهم، فأخبر بأهل الكهف وما يكون من خروجهم ~~وبقائهم، ولم يكن يعلم لهم ببقا من بعد ما كان من اعتزالهم لقومهم حتى أخبر ~~بذلك عيسى صلى الله عليه بإطلاع الله له على أمرهم، فلم يزالوا يسألوه حتى ~~فطنوا له وأيقنوا أنه من أهل الكهف، ثم رجع القصص إلى ما فعل الأولون فقال ~~عز وجل: {إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} أو التنازع هو تنازع الكلام ~~والمحاورة والمجادلة في البنيان عليهم. PageV17P408 # وفي (البرهان) أنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها ~~وطعام استنكر شخصه واستنكرت ورقه لبعد العهد، فأحضر إلى الملك وكان ~~صالحا[12] قد آمن ومن معه، فلما نظر قال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا ~~على عهد دقيانوس الملك، فقد كنت أدعوا الله أن يرينيهم، وسأل الفتى فأخبره ~~فانطلق والناس معه، فلما دنى من الكهف وسمع الفتية كلامهم خافوهم ووصا ~~بعضهم بعضا بدينهم، فلما دخلوا عليهم أماتهم الله ميتة الحق، فحينئذ كان ~~التنازع الذي ذكر الله تعالى فيهم، وكان تنازعهم في دفنهم أو في بناء ms1310 عليهم مسجدا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى بنيانا أي علما على موضعهم، أي ~~باب كهفهم ظنا بتربتهم وحفظا لها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالبناء حتى يعرف موضعهم ويشتهر، فعجب له من رآه وتذكر، ومعنى: ~~{قال الذين غلبوا على أمرهم} أي من وجوه الناس وأكابرهم{لنتخذن عليهم ~~مسجدا} أي: على باب كهفهم يكون علامة وبركة منهم، انتهى. # وقد قيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف، ووقعوا على أحوالهم عاد ~~القوم إلى كهفهم فأماتهم الله، فعند هذا اختلف الناس فقال قوم هم نيام ~~كالكرة الأولى، وقال آخرون: بل الآن ماتوا، ثم قال تعالى ردا لكلام ~~الخائضين في كلامهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب} ظنا من غير حقيقة، رجما أي رميا بالظن ~~والجهل، والله لم يتعبد أحدا بذلك الفعل، وهذان القولان لأهل الكتاب. PageV17P409 # أما قوله: {ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} فهذا قول المؤمنين أصحه الله كأنهم ~~علموا بالوحي نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقوله تعالى: ~~{سيقولون} إخبار من الله تعالى بتنازع يجري في عدتهم، فجرا ذلك في المدينة ~~بين أهل الكتاب والمؤمنين حين قدم وفد نجران، فجرى ذكرهم، فقال السيد وكان ~~يعقوبيا: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان قسطوريا: كانوا خمسة ~~سادسهم كلبهم، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. # قال الرازي: أكثر المفسرين هذا الأخير وهو الحق، وتدل عليه وجوه: # الأول: أن الواو في قوله وثامنهم هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة ~~صفة للنكرة، كما تدخل في الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ~~ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية ~~إلا ولها كتاب معلوم} فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن ~~اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وكانت هذه الواو دالة على أن الذين قالوا كانوا ~~سبعة وثامنهم ms1311 كلبهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات علم وطمأنينة نفس. # الوجه الثاني: أنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد، وهو الواو ~~فوجب أن تحصل منه فائدة زائدة متوفا للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه ~~الفائدة الزائدة قال المراد تخصيص هذا القول بالاثبات والتصحيح. # الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بكونه رجما بالغيب، وأتبع ~~هذا القول الثالث بقوله تعالى: {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل} ~~وهذا يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين لمزيد القوة والصحة. PageV17P410 # الرابع: أن تعالى قال: و{ما يعلمهم إلا قليل} يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم ~~لذلك القليل، وكل من قال من المسلمين قولا في[13] هذا الباب قالوا إنهم ~~كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين ~~قالوا القول كان علي عليه السلام يقول: كانو سبعة. انتهى. # وأما الهادي عليه السلام فقال: هذا أمر لم يطلع الله عليه نبيه؛ لأنه لم ~~يحتاج إلى علمه، ولم يفترض الله على أحد من العباد علمه ولم يتعبد به، ~~فلسنا نحتاج لتكليف ما كفينا فيه، وقد تقحم في ذلك غيرنا بغير معرفة، ولا ~~يجب أن نقحم فيما نذم فيه ولا نحمد، والله أعلم بذلك وأحكم. # فأما القليل الذي ذكر الله أنهم يعلمونهم فإنما هم قليل ممن عرف مخرجهم ~~وعددهم وقت ما خرجوا من القرية هاربين، وأووا في ذلك اليوم إلى الكهف ~~منحازين، وليس القليل العالم بعد استيقاضهم من رقدتهم، وإنما القليل الذي ~~علموهم قبل رقدتهم وعند خروجهم من قريتهم، وقد نهى الله سبحانه نبيه عن ~~المماراة في عدتهم، والقول في ذلك عالم يطلعه الله عليه، وما نهى عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم فنحن منهيون، وما أمر بتركه فيهم فالخلق بذلك مأمورون، ~~لا يسعهم التقحم في شبهه، ولا يحل لهم البحث عما أمروا بتركه، وليس مع واحد ~~من الأولين والآخرين منه يقين معرفة، ولا يتكلم في ذلك أحد إلا بمحال وشبهة ~~لا يسع النظر ولا يجوز الاجتراء عليها. # قلت: ومثل هذا ms1312 ذكره ولده المرتضى، والحسين بن القاسم عليهم السلام . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عن شيئين: عن المراء، وعن الاستفتاء. PageV17P411 # أما النهي عن المراء فقوله تعالى: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} فأمره ~~سبحانه أن لا يمار فيهم إلا مراء ظاهرا، والظاهر فهو ما أمره الله به ~~وأظهره الله عليه في أمرهم؛ لأن كل متكلم تكلم بما لا يعلم كان كلامه على ~~غير صحة ولا بيان رجما في المثال، ويخاطبه بالمحال، فنهاه الله عما عابه ~~عليهم، وأمره بالمخاطبة الواضحة والمقالة الصحيحة. # وأما النهي عن الاستفتاء فهو قوله سبحانه: {ولا تستفت فيهم منهم أحدا} ~~فإنهم لا يصدقون في قولهم ولا يخبرون بحق فيما يتكلمون به، ثم قال سبحانه: ~~{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} أي ما تستقبل من الزمان لا الغد خاصة ~~{إلا أن يشاء الله}. # قال المرتضى عليه السلام: وكان ذلك تأديبا من الله عز وجل لنبيه صلوات ~~الله عليه وآله وسلم ، ودلالة على ما هو أفضل عند محاطبته، إذ دله على ~~استثناء في كلامه، والتسليم لحكم الله في جميع أسبابه، انتهى. # والمعنى إلا أن يشاء الله أن يقوله بأن يأذن لك فيه فهو متعلق بالنهي، أو ~~لا تقولنه إلا أن يشاء الله، أي إلا بمشيئته قائلا إن شاء الله، وهو نهي ~~تأديب له صلى الله عليه وآله وسلم. # ولما سألته قريش بأمر اليهود عن الروح وعن ذي القرنين وأهل الكهف قال: ~~((ائتوني غدا أخبركم ولم يستثني)) فأبطأ عليه الوحي حتى كذبته قريش. # قال الرازي: اعترض القاضي هذا الكلام من وجهين: PageV17P412 # الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عالما بأنه إذا أخبر أنه ~~سيفعل الفعل الفلاني غدا فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائق آخر ~~عن الإقدام على ذلك الفعل غدا، وإذا كان كل هذه الأمور محتملة فلو لم يقل ~~إن شاء الله خرج الكلام مخالفا لما عليه الوجود، وذلك يوجب التنفير عنه، ~~وعن كلام ms1313 النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أما إذا قال إن شاء الله كان ~~محترزا عن هذا المحذور، وإذا[14] كان كذلك كان من التعبيد أن يعد بشيء فلم ~~يقل فيه إن شاء الله. # الثاني: أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة، فيبعد قصرها ~~على هذا السبب. # قال الرازي: ويمكن أن يقال: الجواب عن الأول أنه لا نزاع أن يقول إن شاء ~~الله، إلا أنه ربما اتفق له أن يسيء هذا الكلام لسبب من الأسباب، وكان ذلك ~~من باب ترك الأولى والأفضل، وإن جاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد ~~الكثيرة لا يمنع أن يكون سبب نزوله واحد منها، انتهى. # ثم قال سبحانه: {واذكر ربك إذا نسيت} مشيئة ربك أي قل إن شاء الله إذا ~~فرط منك نسيان لذلك تداركا لها، وقيل إن قوله: {واذكر ربك إذا نسيت} لا ~~تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف معناه واذكر ربك بالاستغفار والتسبيح ~~إذا نسيت كلمة الاستثناء، والمراد منه التغريب في الاهتمام بذكره هذه ~~الكلمة، وقيل: اذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، ثم قال: {وقل ~~عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا}. # قال المرتضى عليه السلام: وعسى هاهنا من الله إيجاب لسيت بشك ولا ارتياب، ~~ومعنى أن يهديني لأقرب من هذا رشدا، يقول لأقرب مما أنتم تمارون فيه، ~~وتتلكمون فهداه الله إلى الصواب، وفهمه فيما كانوا فيه يمترون فيه للجواب، انتهى. PageV17P413 # فقوله لأقرب من هذا رشدا إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف، ومعناه لعل الله ~~يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ~~ادعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد ~~فعل الله ذلك حيث أتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك ~~وأدل، ثم قال تعالى: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا}فأخبر ~~عز وجل عما لبثوا في الكهف من السنين، وهذا بيان لما جمل في قوله: {فضربنا ~~على آذانهم}...الآية، ثم قال عز ms1314 وجل: {قل الله أعلم بما لبثوا} أي قل: الله ~~أعلم بصح مقامهم ولبثهم مما يتكلم بجهله في أمرهم، قال الله سبحانه العالم ~~بما لبثوا لا يعلم ذلك غيره ولا يحيط به سواه، فالحق ما أخبرك به فارجعوا ~~إلى الله دون ما يقوله أهل الكتاب، وقال: {له غيب السماوات والأرض} فهو ~~عالم بغيبها، وما استتر في جوانح أهلها، لا يعزب عنه صغير ولا كبير، ولا ~~يستر عنه ظاهر ولا باطن، علمه بما ظهر وبان كلعمه بما استتر في الجنان، فهو ~~المختص بعلم ما غاب وما خفي فيها، ثم قال سبحانه: {أبصر به وأسمع} وهذه ~~الكلمة دليل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات، ليدل على أن أمره ~~في الإدراك خارج عما عليه إدراك المدركين بالسمع والبصر؛ لأنه عز وجل يدرك ~~ألطف الأشياء كما يدرك كثيفها حجما، ويدرك البواطن كما يدرك الظواهر، ~~والمعنى ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه كل مسموع. # واعلم أن إدراكه حل وعلا لجميع المبصرات والمسموعات بمعنى علمه بها، وهذا ~~قول أهل البيت عليهم السلام جميعا؛ لا أنه تعالى يدرك بإدراك زائد على ~~العلم كما يقوله بعض المعتزلة، فهو خطأ لا يجوز على الله سبحانه لاستلزامه ~~التشبيه. PageV17P414 # وقال المرتضى عليه السلام: معنى أبصر به وأسمع فهو يوم القيامة يقول يبصرون ~~ذلك اليوم البصر الجيد والسمع الثاقب؛ لأن العرب تقول لمن غفل عن النظر في ~~الشيء والاستماع لما يرد عليه فيه إذا وقعت به مصيبة أبصر به اليوم يريدون ~~ما ما أجود بصره من طريق التبكيت والتقريع لما أن غفل عن النظر[15]حتى وقع ~~في العظيم من الأمر، كذلك كان لما أن كان هؤلاء في هذه الدنيا غير ناظرين، ~~ولا للحق مستمعين، ولا بما يرون من الآيات معتبرين، قال الله عز وجل: {أبصر ~~به} يوم القيامة، ومعنى به أي بهم، وذلك جائز في اللغة والمخاطبة، قال الله ~~عز وجل:{ ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} وإنما أراد بها الناس، وقال: ~~{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} وإنما أراد الناس، يريد ms1315 ما ~~أجود أبصارهم وسمعهم عندما يعاينون جزاء ما كانوا به كذبون، وعنه بالشهوة ~~واللعب غفلوا، وقال: {ما لهم من دونه من ولي} يقول: ما لهم في ذلك اليوم من ~~دون الله من ناصر ينصرهم، ولا ولي يدافع عنهم، بل تقطعت بهم الأسباب، وذهب ~~عنهم ما كانوا يتعلقون به من الأسباب، وصاروا بفعلهم إلى شر محل ومآب، ثم ~~قال سبحانه: {ولا يشرك في حكمه أحدا} منهم، وكذلك الله عز وجل له الحكم ~~والأمر لا شريك له في ذلك، أي لا يجعل لنفسه في التدبير للدين شريكا، ولا ~~يدا، انتهى. # وقال الرازي: معناه ولا يسأل أحدا عما أخبرك الله من عدة أصحاب أهل ~~الكهف، واقتصر على حكمه وبيانه، ولا يشرك أحدا في طلب معرفة تلك الواقعة، ~~وهاهنا آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف، ثم قال تعالى: {واتل ما ~~أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا} أعلم أن ~~هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة. PageV17P415 # قال بعضهم: وذلك أن أكابر كفار قريش اجتمعوا، وقالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إن أردت أن نوس بك فاطرد من عندك هؤلاء النفر الذين آمنوا ~~لك، والله تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه، وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان ~~أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل، ثم أنه تعالى جعل الأصل ~~في هذا الباب شيئا واحدا وهو أن يواضب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله ~~إليه، وألزم العمل به، وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين. # قال المرتضى عليه السلام: فأمر سبحانه بتلاوة ما أوحي إليه، والوحي هو ~~الكتاب والحكمة التي أتاه إياها، والدعاء إلى الله عز وجل، وإقامة الحجة، ~~وأمره بإظهار ذلك وإقامته، ثم قال: {لا مبدل لكلماته} أي لا ناقض لحكمه ولا ~~مبدل لشيء من أمره بحجة تقهره، ولا أمر يفسده، بل أمره القاهر وحكمه ~~النافذ، ولا يقدر أحد أن يبدل كلامه باطلا، ولا يجعل حكمه في الكتاب ~~مستحيلا؛ ms1316 لأن الله سبحانه حرس كتابه من الشياطين ببيان حجة للسامعين، ~~وإعجاز الخلق أن يأتوا بمثله أبد الآبدين، ثم جعله بأيدي الأئمة الطاهرين ~~ينفون عن الكتاب أقاويل الملحدين، انتهى. # ومعنى ملتحدا فهو لا يجد من دون الله ملجأ ولا سدا وإنما أسمى اللحد لحدا ~~إذا كان ملجأ للميت ومسندا، والملحد هو الماد أو المذهب والملجأ، ثم قال ~~تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} أي دائبين على ~~الدعاء في كل وقت، أو أراد الفجر والعصر{يريدون وجهه} تعظيمه ورضاه. # قال في البرهان: وروينا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الحديبية، فلما نزلت قال: ((الحمد الله الذي جعل من أمتي من ~~أمرت أن أصبر معه)). PageV17P416 # قال المرتضى عليه السلام: فأمره الله تعالى بالصبر مع المطيعين له، ~~والتعليم لهم والهداية لرشدهم، ثم قال سبحانه: {ولا تعد عيناك عنهم} تفهما ~~من الله[16] سبحانه وتأديبا له، ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم ليزهد ~~فيهم، بل كان لهم محبا وعليهم مشفقا، انتهى. # والمعنى ولا تصرف نضرك إلى غيرهم من ذوي الرتبة، وأصله لا تعدهم عيناك ~~ولا تقحمهم، يقال: غداه إذا جاوزه ومنه قولهم غدا طوره وإنما غدي، يعني ~~ليضمن غدا معنى بلا وعلا في قولك بنت عنه وعملت عنه، إذا أقحمه ولم يعلق ~~به، وفائدة هذا التظمين إعطاء مجموع النهي عن مجاورتهم، والنهي عن ~~إزدرائهم، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد، وهو المجاورة، لو قال لا تعدهم ~~عيناك، ثم قال: {تريد زينة الحياة الدنيا} والزينة فهي ما يعرف من زينة ~~الدنيا وأسبابها التي تقطع عن الله سبحانه فنهى صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يزدري فقراء المسلمين وأن يبينوا عنه عن............طموحا إلى ري الأغنيا ~~وحسن ساداتهم، وإنما هذا الأدب لجميع الخلق أن لا يعرضوا عن فقراء ~~المؤمنين، ولا يؤمروا على أولياء الله زينة هؤلاء الفاسقين الذين هم عند ~~الله أقل الأقلين. # ولما بالغ في أمر مجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات ~~إلى أقوال الأغنياء ms1317 والمنكرين، فقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} ~~بالخذلان أو وجدناه غافلا عنه، أو من قولهم أغقل إبله تركها بغير سمة، وليس ~~المعنى منعناه فقد بطل بقوله تعالى: {واتبع هواه} أي ما دعته إليه نفسه ~~فسبب الاتباع إليه وحده. PageV17P417 # قال المرتضى عليه السلام: وكان هذا أيضا إخبارا لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم من عدم التوفيق من الله بفعله، واستوجب ذلك بمخالفته حتى تبعه هواه ~~{وكان أمره فرطا} والفرط فهو الإفراط في الشيء المجاوز للقدر والإغراق فيه ~~بما لا يجوز، وما يخرج من القصد إلى الإسراف والإغفال فهو الخذلان بما ~~استوجب عند المخالفة والعصيان، مثل من كان من قريش وغيرها من أهل الكتاب ~~فيما كانوا عليه من الإبلاغ في الكفر والإفراط والشرارة، وقول الباطل ~~والزور، وارتكاب الشرور والكفر برب العالمين، وترك ما جاء به خاتم النبين ~~حتى أفرطوا في ذلك وجاوزوا كل حد، انتهى. # وفي سبب نزول الآية يقول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه ~~السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس بين ضعفة أصحابه ~~يعلمهم معالم الدين، ويزهدهم في الدنيا، ويصغر البلاء عندهم حتى قال له ~~عيينة بن حصن الفزاري يا رسول الله إنك رسول الله، وإن العرب أهل أنفة ~~ورئاسة فإذا رأؤك مع هؤلاء المساكين نفرت نفوسهم عن الدين فلم يقبلوه، فلو ~~نحيت هؤلاء عن مجلسك فإن كان لابد منهم فاجعل لهم مجلسا ولنا مجلسا، فكاد ~~كلامه يؤثر في النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر المجلس من حيث زخرفة ~~عدوا الله بالتقرب إلى الدين لكتاب الناس فانتظر الوحي من الله تعالى، فنزل ~~قوله تعالى: {واصبر نفسك}... الآية، إلى قوله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا} وهو عيينة، وأغفلنا قلبه عقوبة له إذ لا يجوز غير ذلك، وقد ~~كان منافقا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحمق مطاع، انتهى. PageV17P418 # واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين ~~قالوا إن طردت الفقراء ms1318 آمنا بك، قال بعده: {وقل الحق من ربكم} أي القرآن أو ~~التوحيد أي جاء الحق وزالت العلل فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم{فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر}[17] أي ما شئتم من طرق النجاة أو طريق الهلاك، وجيء ~~بلفظ الأمر والتخيير؛ لأنه لما مكن من إختيار أيهما شاء فكأنه مأمور بأن ~~يتخذ ما شاء من الطريقين، وإن كان جارحا محرم التخيير فهو على وجه التهديد ~~والوعيد، والتأكيد عليهم في الطاعة والإعذار إليهم في المعصية. # قال المرتضى عليه السلام: وهذا وجه حسن، ثم قال سبحانه: {إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا} فأخبر عز وجل أنه أعد للظالمين المعاندين للحق نارا، ثم وصف ~~تعالى تلك النار بصفتين: # الأولى: قوله تعالى: {أحاط بهم سرادقها} فهو عذابها والتفاف جوانبها، ~~ومصيرهم في قعرها، شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحائط المدير ~~بالشيء، وقيل: دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار، وقيل حائط من نار يطيف بهم. # الصفة الثانية لهذه النار قوله تعالى: {وإن يستغيثوا} من العطش {يغاثوا ~~بماء كالمهل} هو ما أذيب من الحديد أو النحاس، وقيل هو الدم والقيح {يشوي ~~الوجوه} حتى سقط لحمها إذا قدم ليشرب، ثم قال تعالى: {بئس الشراب} شرابهم ~~ذلك {وساءت مرتفقا} أي قيحا غوثا لهم ورفقا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعنى يغاثوا في هذا الموضع مجاز ~~معروف عند العرب، وليس بغياث على الحقيقة، والعرب تقول ذلك على سبيل الذم ~~والوعيد، والتهديد والمجاز. PageV17P419 # قال المرتضى عليه السلام: المهل فهو صفو القطران فيسقون من ذلك عند عطشهم ~~فيشوي وجوههم ويقطع بحره أمعاؤهم، ويتضاعف عند ذلك ما هم فيه من شدة ألمه، ~~ومعنى ساءت مرتفقا فهي جهنم، يقول الله سبحانه سأرفقها، فأخبر عز وجل أن ~~جميع ما فيها من مائها وطعامها وإرفاقها كلها من شيء شديد متعب لا منفعة ~~فيه لطالبه، ولا راحة لمستنفع به عند حاجته، ثم قال تعالى في المؤمنين: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} فأخبر أنه عز ~~وجل أنه لا يضيع أجرهم ms1319 ولا يبترهم شيئا من أعمالهم، بل يضاعف ذلك لهم ~~ويديمه بفضله عليهم، وأولئك خبرين معا، ولك أن تجعل أولئك كلاما مستأنفا ~~بيانا للآخر المبهم. # واعلم أنه تعالى لما أثبت الآخر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه: # أولها: صفة مكانهم وهو قوله: {أولئك لهم جنات عدن} والعدن في اللغة ~~الإقامة فيجوز أن يكون المعنى لهم جنات إقامة، كما يقال: هذه دار إقامة، ~~ويجوز أن يكون اسما لموضع معين من الجنة وهو وسطها وأشرف أماكنها، ثم وصف ~~أنها تلك الجنات فقال: {تجري من تحتهم الأنهار} وذلك لأن أفضل المساكن في ~~الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار، فأخبر تعالى أنه تجري من تحتهم ~~الأنهار، وهي في إكرام ومحل وقرار في الغرف العالية والمنازل المرتفعة. # وثانيها: صفة لباسهم، وذلك أن كل لباس أهل الدنيا إما لباس الستر إما ~~لباس الحلي، فقال تعالى في صفته: {يحلون فيها من أساور من ذهب}. # قال المرتضى عليه السلام: هي هذه الأسورة التي تلبس في الأيدي إكراما من ~~الله لهم، ومكافأة على طاعتهم، انتهى. # والمعنى أن الله يحليهم ذلك أو تحليهم الملائكة عليه السلام . PageV17P420 # قال بعضهم: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية، ~~وسوار من فضة لقوله: {ويحلون أساور من فضة} وسوار من لؤلؤ لقوله:{ولباسهم ~~فيها حرير}[18]. # وأما لباس الستر فقوله تعالى: {ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق} ~~والمراد منه سندس الآخرة واستبرق الآخرة، والأول: هو الديباج الرقيق وهو ~~الحرير، والثاني: هو الديباج الصفيق. # قال عليه السلام: فأخبر سبحانه بلباسهم وما من به عليهم من عظيم جزائه ~~لهم، والسندس فهي الشيء الخضر، كما قال سبحانه وهو اسم سماها الله به، ~~والاستبرق فهي الحمر السرية المرتفعة، وقد قيل إنها جنس من الوشي. # وثالثها في كيفية صفتهم فقال سبحانه: {متكئين فيها على الأرائك} هي السرر ~~في الحجال. # قالوا: أما السرر وحدها فلا تسمى أرائك، وقيل: الفرش في الحجال عن ~~الزجاج. # قال ثعلب: لا تكون الأريكة إلا سرير في قبة عليها ما يحتاج إليه من فرش ونحوه. # والحجال: ms1320 البيوت، وقيل هي السرر، قال الشاعر: # جدود حفت في السير حتى كأنما # يباشرن بالمعراء مس الأرائك # قال الواحدي: وسررهم من ذهب مكللة بالدر والياقوت، وقيل: الحجلة بيت يزين ~~بالثياب، والأسرة والستور وخص الاتكاء؛ لأن هيئة الملوك والمنعمين على ~~أسرتهم. # قال المرتضى عليه السلام: ومعنى على الأرائك فهو في الأرائك؛ لأن على وفي ~~حرفان يعقب أحدهما الآخر، ثم قال تعالى: {نعم الثواب} أي الجنتين {وحسنت ~~مرتفقا} أي حسن وعظم كل شيء فيها، وما جعل الله لأهلها من نعيمه، وعظيم ~~عطاياه وفوائده. PageV17P421 # واعلم أن الكفار لما افتخروا بأموالهم وأبصارهم على فقراء المسلمين أخبر ~~الله سبحانه أن ذلك لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيرا والفقير ~~غنيا، بالذي يوجب المفاخرة به طاعة الله وعبوديته، وهي حاصلة في فقراء ~~المؤمنين، وبين ذلك يضرب المثل فقال تعالى: {واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعناب}. # قال المرتضى عليه السلام: وهذا مثل ضربه الله تعالى للقضية الأولى، وجعله ~~موعضة وتنبيها، وفرقا بين المحقين والمبطلين، انتهى. # قيل: مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل ~~كافر ومؤمن، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر ~~أرضا بألف وبناء دار بألف وتزوج بألف واشترى خدما ومتاعا بألف، وتصدق ~~المؤمن بكل حقه، وطلب من الله بكل ألف في الجنة نظير ما حصل أخوه، ثم احتاج ~~مجلس لأخيه في طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق ~~بماله، فضربهما الله مثلا، أي مثل حال المؤمنين والكافرين بحال رجلين هذه ~~صفتهما، وهو قوله جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب. # واعلم أنه تعالى وصف تلك الجنة بصفات: # الصفة الأولى كونها جنة، وسمى البستان جنة لاستتار ما ستر منها بظل ~~الأشجار، وأصل الكلمة من الستر والتغطية. # والصفة الثانية: قوله تعالى: {وحففناهما بنخل} أي وجعلنا النخل محيطا ~~بالجنتين. # قال في الكشاف: يقال حفوه إذا طافوا به، وحففته بهم أي جعلهم حافين حوله، ~~وهو متعد إلى مفعول واحد ورادته الباء مفعولا ثانيا. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وجعلنا ms1321 بينهما زرعا} أي جعلناها أرضا جامعة ~~للأقوات والفواكه متواصلة، لم يتوسطها ما يقطعها. # قال الرازي: المقصود منه أمور: # أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة[19]للأقوات والفواكه. # وثانيها: أن تكون وسيعة الأطراف متباعدة الأكتاف، ومع ذلك فإنه لم ~~يتوسطها مايقطع بعضها عن بعض. PageV17P422 # وثالثها: ثمر هذه الجنة في كل وقت بمنفعة أخرى وثمرة أخرى، وكانت منافعها ~~متواصلة. # الصفة الرابعة: قوله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} ~~قوله أتت حمل على اللفظ؛ لأن كلتا لفظة مفرد، ولو قيل أتيا على المجاز، ~~وأكلها ثمرها المأكول، قوله: {ولم تظلم منه شيئا} أي لم تنقص، والظلم ~~النقصان، تقول الرجل ظلمني حقي أي نقصني. # الصفة الخامسة: قوله سبحانه: {وفجرنا خلالهما نهرا} أي كان النهر يجري في ~~داخل الجنتين، وفي قراءة يعقوب: وفجرنا خفيفة، وفي قراءة الباقين: فجرنا ~~مشددة، والتخفيف هو الأصل؛ لأنه نهر واحد، والتشديد على المبالغة؛ لأن ~~النهر يمتد فيكون كالأنهار، وخلالهما أي وسطهما وبينهما، والمعنى سقيناهما ~~السقي وهو السح بالماء الجاري. # الصفة السادسة: قوله: {وكان له ثمر} أي نوع من الثمار كثيرة للكافر، من ~~ثمر ماله إذا كثر. # قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد، والثمر جمع، والثمار جمع ثمرة، والثمر ~~جمع الثمار، ثم يخفف ذلك ويثقل، مثل كتاب وكتب، تارة بحركة الثاء وأخرى ~~بسكونها، وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة ~~وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر. # قال قطرب: كان عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد، وأنشد للحارث بن جلزة: # ولقد رأيت معاشرا ... قد أثمروا مالا وولد # وقال النابغة: # مهلا فذلك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد PageV17P423 ولما ذكر الله سبحانه هذه الصفات قال بعده: {فقال لصاحبه} المؤمن، {وهو ~~يحاوره} أي يراجعه الكلام؛ لأنه أخذ بيده يطوف به في الجنتين يريه ما فيهما ~~ويفاخره، فقال: {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} أنصارا وحشما، أو أراد ~~ذكورا؛ لأنهم ينفرون معه دون الإناث، والمعنى أن المسلم كان يحاروه بالوعظ ~~والدعاء إلى الإيمان بالله والبعث، والمحاورة: مراجعة الكلام، من قولهم: ms1322 ~~حارا إذا رجع، قال تعالى:{ إنه ظن أن لن يحور، بلى} فذكر تعالى أن عنده ~~المحاورة قال الكافر: {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا} والنفر عشيرة الرجل ~~الذين يقومون بالذب عنه، وينصرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على ~~المؤمن بماله وجاهه، ثم أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله، فأخبر الله ~~تعالى عن هذه الحالة فقال: {ودخل جنته} وأراه إياها على الحالة الموجبة ~~للبهجة والسرور، وأخبره بصنوف ما يملك من الأموال، وبما انفرد بعد التثنية؛ ~~لأن معناه جنته في الدنيا ماله جنة غيرها، ولم يرد الجنتين ولا واحدة ~~منهما، ثم قال تعالى: {وهو ظالم لنفسه} معجب بما أوتي مفتخرا به، كافر نعمة ~~ربه، معرض نفسه لسخط الله وذلك أفحش الظلم، وهذا اعتراض وقع في أثناء ~~الكلام، والمراد التثنية على أنه لما أغتر بتلك النعم، وتوسل بها إلى ~~الكفار والجحود لقدرته على البعث، كان واضعا تلك النعم في غير موضعها، ثم ~~حكى عن الكافر أنه قال: {قال ما أظن أن تبيد هذه} أي تزول وتفنى {أبدا، وما ~~أظن الساعة قائمة} فجمع بين الكفرين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ~~ولا تبيد أبدا، مع أنها متغيرة متبدلة، والمراد [20] أنها لا تبيد مدة حياة ~~وجوده، ثم قال: {ولئن رددت إلى ربي} أي أقسم فرضا وتقديرا أو على ما يزعم ~~صاحبه لئن رددت {لاجدن خيرا منها PageV17P424 منقلبا} أي مرجعا وعاقبة، يمينا على الله، وادعاء لكرامته عليه، والسبب في ~~وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال والجاه في الدنيا ظن أنه تعالى ~~إنما أعطاه لذلك لكونه مستحقا له، والاستحقاق باق بعد الممات، فوجب حصول ~~العطاء، وذلك فاسد، فإن فتح باب الدنيا للإنسان يكون في أكثر الأمر ~~للاستدراج والتخلية. # قال المرتضى عليه السلام: فكان هذا ابتلاء أيضا لأهل الظلم إذا أنعم الله ~~عليهم بإحسانه، ورزقهم الأرزاق الوافرة، وأصبغ عليهم النعم الظاهرة، فلم ~~يشكروا نعم الله عليهم وإحسانه إليهم، بل زادهم ذلك طغيانا وجرأة وتمردا، ~~ثم ذكر عز وجل ما قال صاحبه المؤمن حين ms1323 يحاروه، انتهى. # فقال جل جلاله: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب} أي ~~أصلك آدم {ثم من نطفة} مني، والهمزة للإنكار {ثم سواك رجلا} أشار إلى خلق ~~الإنسان في الابتداء، أي عدلك وحكمك إنسانا بالغا مبلغ الرجال، ثم أنه لما ~~خلقك هكذا فإنه لم يخلقك عبثا، وإنما خلقك للعبودية، وإذا خلقك لهذا المعنى ~~وجب أن يكون للمطيع ثواب وللمذنب عقاب، وبدل على هذا الوجه قوله: {ثم سواك ~~رجلا} أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف، فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة ~~إهمال أمرك؟ ثم قال المؤمن: {لكنا هو الله ربي} أصله، لكن أنا حذفت همزة ~~أنا وألقيت حركتها على نون لكن فتلاقت النونان وكان الإدغام، ونحوه قول ~~القائل: # وترمشني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقتلني لكن إياك لا أقلى PageV17P425 أي لكن أنا لا أقليك، ثم قال المؤمن: {ولا أشرك بربي أحدا} معناه إني لا ~~أرى الفقر والغنا إلى منه، فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلى، ولا أتكبر ~~عندما ينعم علي، ولا أرى كثرة الأعوان والأموال من نفسي، وذلك لأن الكافر ~~لما اغتر بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكا في إعطاء العز ~~والغناء، أو لعل ذلك الكافر مع كونه منكرا للبعث كان عابد صنم، فبين هذا ~~المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء، أو أن الكافر لما عجز الله عن البعث ~~والحشر فقد جعله مساويا للخلق في هذا العجز، وإذا ظننت المساواة فقد أثبت ~~الشريك، ثم قال المؤمن للكافر: {ولولا إذ دخلت جنتك} أي هلا وقت دخولها ~~{قلت ما شاء الله} اعتراف بالنعم، وأنه شاء تركها {لا قوة إلا بالله} إقرار ~~بأن كل ما قويت به على عمارتها وعلى كل خير هو بمعونة الله، إذا لا يقوى ~~أحد إلا به تعالى، يجوز أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ ~~محذوف تقديره الأمر ما شاء الله، أو شرطية منصوبة المحل، والجزاء محذوف ~~بمعنى شاء الله كان أي شيء. # ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن ms1324 افتخاره بالمال والنفر ~~فقال: {إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا}. # أعلم أن ذكر الولد هاهنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله أعز ~~نفرا الأعوان والأولاد، كأنه يقول له إن كنت تراني الآن أقل مالا وولدا أو ~~أنصارا منك في الدنيا الفانية {فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك} إما في ~~الدنيا أو في الآخرة[21]{ويرسل عليها} على جنتك{حسبانا من السماء} أي ~~مقدارا من العذاب قدره الله وحسبه، وهو مصدر كالغفران. PageV17P426 # وقال الزجاج: عذاب حسبان أي عذاب حساب ما كسبت يداك، وقيل: حسبانا وهي جميع ~~المرامي الكثيرة الواحد حسبان، وهي الصواعق، والمعنى أن الله يرسل عليها ~~حسبانا أي نارا وهلاكا وتلفا، قال الشاعر: # لقيه معشر صبت عليهم # تشابيب من الحسبان شهب # والمعنى {فتصبح صعيدا زلقا} أي فتصبح جنتك أرضا بيضاء لا نبات فيها، يزلق ~~فيها لملاستها {أو يصبح ماؤها غورا} أي يصبح غائرا تحت الأرض أو لا تناله ~~أبدا {فلن تستطيع له طلبا} بذهابه عنك، حيث لا تجده، أو طلبا لا يتعقبه ~~وجود، ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن، فقال: {وأحيط بثمره} ~~وهو عبارة في إهلاكه، وأصله من أحاط به العدو إذا أهلكه، واستولى عليه، ثم ~~استعمل في كل هلاك، ثم قال تعالى: {فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها} وهو ~~كناية على الندم والحسرة؛ لأن النادم يقلب كفيه وهو شيء معروف يفعله ~~النادم، فإن من عظمت حسرته تصفق إحدى اليدين على الأخرى، وإنما فعل هذا ~~ندمه على ما أنفق في الجنة التي له {وهي خاوية على عروشها} أي ساقطة يابسة ~~على أعمالها الذي شرع به الأعناب، تكون تحتها تغرس عليها فهذه العروش سقطت ~~على الأرض، ثم سقطت الجذرات عليها، وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن ~~بطلانها وهلاكها، ثم قال تعالى: {ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا} تمنى ~~هذا لأن لا يهلك بستان، ويجوز أن تكون توبة كأنه تذكر موعظة أخيه. PageV17P427 # قال المرتضى عليه السلام: وقد ذكر هذه الآيات كلها، فهذه الآيات محكمات ~~مفسرات ms1325 لأنفسهن لا يحتجن إلى مفسر لهن، إلا اليسير منه، وقد بينته جعلهن ~~الله عز وجل تنبيها ومثلا ضربه الله فرقا بين الطالح والصالح، ثم قال ~~تعالى: {ولم تكن له فئة} أي جماعة من الذين افتخر بهم {ينصرونه من دون ~~الله} يمنعونه من عقابه، ثم قال: {وما كان منتصرا} أي ممتنعا عن انتقام بأن ~~يسترد بدل ما ذهب منه، ثم قال عليه السلام: وهذه الآيات أيضا مثل للآخرة ~~وما جعل الله فيها لمن أطاعه من الجنات والنعيم، والثواب الكريم، انتهى. # والدليل على ذلك قوله سبحانه: {هنالك الولاية لله الحق} أي النصرة لله ~~وحده، لا يملكها غيره، وهو تكرير لقوله: {ولم تكن له فئة ينصرونه} أو هنالك ~~السلطان والملك لله، والولاية بالفتح، النصرة، والتولي بالكسر، السلطان ~~والملك، أو في مثل تلك الحال الشديدة، يتولى ويؤمن به كل مضطر. # قال في البرهان: هنالك الولاية يعني في يوم القيامة أنهم يتولون الله ~~تعالى، فلا يبقا مؤمن ولا كافر إلا تولاه واعترف بأنه الولي حقا، ثم قال: ~~{هو خير ثوابا} مما يرجى ثوابه؛ لأنه لا يثبت، ثم ألا وهو{وخير عقبا} أي عاقبة. # قال المرتضى عليه السلام: فأخبر أن ثوابه خير الثواب، وطاعته أحسن عاقبة، ~~والدليل على ذلك قوله سبحانه: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} يريد ~~أذهبتم ما جعلت لكم من النعيم والطيبات والعطايا العظيمة في الآخرة في ~~الحياة الدينا؛ لأن الله سبحانه قد جعل ما في الجنة جزاء للمطيعين[22]، ~~ولما عصوه في الدنيا وجانبوا حكمه، واتبعوا أهواؤهم، وتركوا رشدهم، كان ~~إذهابا لطيباتهم التي جعلها الله لهم على الطاعة، انتهى. PageV17P428 # ثم إنه تعالى مثل لهم الحياة الدنيا فقال: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ~~وكان الله على كل شيء مقتدرا}. # أعلم ان المقصود ضرب مثل آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها، والكلام ~~متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين، فقال: {واضرب ~~لهم} أي لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين{مثل ms1326 ~~الحياة الدنيا} ثم ذكر المثل فقال: {كماء} أي هي{كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض} حتى خالط بعضه بعضا، وحينئذ يربو ذلك النبات، ثم بعد ~~ذلك يبس، وإذا يبس صار هشيما وهو النبت المتفتت المتكسر، وإذا صار النبات ~~كذلك طيرته الرياح وذهبت بأجزائه، شبه حال الدنيا وزيف منظرها وما تعقبها ~~من الهلاك بحال النبات أخصر منها منتعما، ثم ييبس فتطيره الرياح كأن لم ~~يكن، وكذلك الناس يحلون في هذه الدنيا وينعمون ثم يسقمون ويموتون ويبلون، ~~فالعجب لمن كان بمنزلة الزرع الذي يصير إلى الحصاد كيف يغفل عن ذكر الموت ~~والمعاد، ويفرط ويقصر عن طلب الزاد، ويميل إلى اللهو واللعب والفساد. PageV17P429 # قال المرتضى عليه السلام: فكان هذا مثلا عظيما منبها موقضا من الغفلة، ~~فأخبر الله سبحانه أن حال الدنيا وأهلها في تزينهم وزينتها لهم كالماء ~~النازل من السماء فاختلط به نبات الأرض، نقول خضرة الأرض وحشيشها حتى يرى ~~مخضرا ناظرا حسنا ويصبح من بعد ذلك هشيما تذروه الرياح يابسا مغيرا، وكذلك ~~الدنيا وما فيها زائل كزوال هذه الخضرة فنهاهم الله عز وجل عن الاغترار ~~بها، والركون إليها، انتهى، ثم قال: {وكان الله على كل شيء مقتدرا} بتكوينه ~~أولا، وتنميته وسطا، وإبطاله آخرا، وأحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في ~~غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد قليلا قليلا، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن ~~تنتهي إلى الهلاك والفناء، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. PageV17P430 # ثم أعلم أنه لما بين الله تعالى أن الدنيا سريعة الانقضاء والانقراض، مشرفة ~~على الزوال والفناء والبوار، أتبعه بالرد على من كان يفتخر بالمال والبنين، ~~وأخبر بأنهما زينة في الدنيا لا تنفع في الآخرة، وكل ما كان من زينة الدنيا ~~فهو سريع الانقضاء والانقراض، فقال سبحانه: {المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا} وبهجة لها يسر بها فيها أهلها، وما كان كذلك سريع الانقضاء ~~والانقراض فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه، أو يقيم له في ~~نظره وزنا، فهذا برهانا باهر على فساد قول أولئك المشركين ms1327 الذين افتخروا ~~على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد، ثم ذكر ما يدل على رجحان أولئك ~~الفقراء على أولئك الكفار الأغنياء، فقال عز وجل: {والباقيات الصالحات} ~~أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان، وقيل: الصلوات الخمس، وقيل: سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقد روى إمامنا المنصور ~~بالله عليه السلام في (الاعتصام) أخبار كثيرة بأسانيد عن آل محمد عليهم ~~السلام وغيرهم من علماء في هذا التسبيح من طرق كثيرة منها، عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم[23] قال: ((سبحان الله والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هي ~~الباقيات الصالحات، وهي كنز من كنوز الجنة)) ومن طريق أخرى عن أبي سعيد، عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((استكثروا من الباقيات الصالحات، ~~التسبيح والتهليل، والتحميد والتكبير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم)). # قال عليه السلام فيه وفي (مجمع الزوائد) عن سعد بن جنادة قال: كنت في أول ~~من أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الطائف إلى قوله فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأسلمت وعلمني الكلمات: سبحان الله والحمد لله، ~~ولا إله الله، والله أكبر، وقال: ((هن الباقيات الصالحات)). PageV17P431 # قلت: وفي (شرح التجريد) عن سعد بن جنادة أيضا في حديث طويل مثله. # قال عليه السلام: وفيه يعني الجامع الكبير للأسيوطي روى ابن عساكر، عن ~~أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن قول لا إله إلا ~~الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله تحط الخطايا كما تحط ورق هذه ~~الشجرة خذها يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، فإنهن الباقيات ~~الصالحات)) إلى غير ذلك مما يطول ذكره. # قال المرتضى عليه السلام: وقد قيل الباقيات الصالحات التسبيح، وهو عندي ~~والله أعلم التسبيح وغيره من الأعمال الصالحة التي تبقى للعبد عند فنائه، ~~وتنفعه في يوم بعثه، ثم قال سبحانه: {خير عند ربك ثوابا وخير أملا} يقول: ms1328 ~~الباقيات خير عطاء وثوابا وأملا، والأمل وهو الرجاء لما في الآخرة من ~~النعيم والزلفة والعطاء، فذكر أن ذلك خير من المال والبنين الذين هما ~~مختلفان متروكان. # ثم أعلم أنه لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة، ~~فقال سبحانه: {ويوم نسير الجبال} أي اذكر يوم نسير الجبال عن وجه الأرض كما ~~نسير السحاب. # قال المرتضى عليه السلام: اليوم فهو يوم القيامة، ونسير الجبال إذهابها ~~ونسفها، والمراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: {وترى الأرض ~~بارزة} ليس فيها شيء يسترها فهي ظاهرة مكشوفة ليس فيها شيء يستر بعضها عن ~~بعض وهي أرض الآخرة التي لا عوج فيها ولا أمتا، ثم قال سبحانه: {وحشرناهم} ~~يعني الخلق أي جمعناهم إلى الموقف {فلم نغادر منهم أحدا} أي لم نترك منهم ~~خلقا، ولم يخلف ممن خلق أحدا حتى رده سبحانه كما كان أولا في دنياه، انتهى. PageV17P432 # ومنه سمي الغدير وهو ما يخلفه السيل ويتركه، وإنما جيء بحشرناهم ماضيا بعد ~~قوله نسير وترى، للدلالة على أن حشرهم قبل السير وقبل البروز ليعاينوا تلك ~~الأهوال والعظائم، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك، ثم قال سبحانه: {وعرضوا على ~~ربك صفا} قيل: صفا واحدا، وقيل: المراد صفوف فاكتفى بالجنس، كقوله تعالى: ~~{نخرجكم طفلا}. # قال في البرهان: قيل إنهم يعرضون صفا بعد صف كصفوف الصلاة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام معناه ظهروا له صفوفا ترى جماعتهم ~~كما يرى كل واحد منهم، لا يحجب أحد أحدا، شبهوا[24] بالجند المعروضين على ~~السلطان. # قال المرتضى عليه السلام: والصف فهو اصطفافهم في يوم حشرهم ووقوفهم في ~~آخرتهم، وعرضوا أي أحضروا للحساب والعقاب والثواب، ويقال لهم: {لقد جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة} لأن الإنسان يخلق فردا لا يملك مالا ولا ولدا، وكذلك ~~يأتي يوم القيامة واحدا مفردا، انتهى. # قال الرازي: وليس المراد المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغار ولا ~~عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنه يقال للمشركين المنكرين المفتخرين ~~في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار تبكيتا لهم {لقد ms1329 جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} {بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا} أي وقتا لانجاز ما وعدتكم به الرسل من البعث، وقد شاهدتم الآن ~~أن البعث والقيامة حق. PageV17P433 # قال المرتضى عليه السلام: يقال لهم ذلك تقريعا لما كان يقول الظالمون ~~المكذبون{أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} فوقفهم الله بقوله: {لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} لا نغادر منكم أحدا عند الإراداة لبعثكم، ~~فكان ذلك تصديقا لقوله سبحانه وتكذيبا لهم، وقد يخرج جئتمونا كما خلقناكم ~~يريدوا علم الله أنه ردهم من بعد فنائهم وتوادهم الذي كانوا يكذبون بالعودة ~~عند كونه لهم، فقال جئتمونا كما خلقناكم يقول رددناكم على ما أنتم عليه ~~أولا من صوركم لم تنقصوا مما كنتم عليه في حياتكم ودنياكم بعد البلاء عند ~~إرادتنا لردكم أحياء، والمعنى الأول فهو الصواب عندي، ثم قال سبحانه: {ووضع ~~الكتاب} أي أحضر الحساب{فترى المجرمين مشفقين مما فيه}. # قال عليه السلام: وليس ثم كتاب مكتوب يقرأ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم؛ ~~لأنهم يعلمون أنما كان في الكتاب موقع غير ضايع، ولا فائت، فأخبرهم الله عز ~~وجل بما يعرفون، وإنما الكتاب هاهنا علم الله سبحانه بأمورهم وإحصاؤه لجميع ~~أفعالهم كبيرها وصغيرها، كما قال سبحانه: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها}. # قلت: وهذا صريح قول جده القاسم بن إبراهيم عليه السلام المذكور في سورة ~~يس، وهو أيضا قول أبيه الهادي إلى الحق وغيره من أئمتنا عليهم السلام ، ~~ويجوز أن يكون المراد أن يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده، إما في ~~اليمين أو الشمال، والمراد........وهو صحف الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} ~~أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة، وخائفين من ظهور ذلك لأهل ~~الموقف فيفتضحون {ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها} الويلة: هي النقمة، والويلات هي النقم، قال الشاعر: # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة PageV17P434 فقالت لك الويلات إنك مرجل # ومعنى لا يغادر أي لا يترك صغيرة ولا كبيرة. # قال في البرهان: ms1330 والصغيرة من الذنوب التي تغفر باحتساب الكبائر، والكبائر ~~فهي الموجبات، ويجب على الإنسان احتساب الصغائر ولا يتهاون بهن؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع ~~على صاحبها حتى تهلكه)) انتهى. # ......ابن عباس الصغيرة التبسم باستهزاء المؤمن، والكبيرة القهقهة بذلك، ~~وكان الفضل إذا قرأها قال: صمو والله من الصغائر قبل الكبائر. # قال بعض العلماء: الكبائر من الصغائر؛ لأن الصغائر هي التي تجرهم إلى ~~الكبائر فاحترزوا من الصغائر حدا، ثم قال: {ووجدوا ما عملوا حاضرا} معلوما ~~كالمثبت من الكتاب، والمعنى وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا لهم {ولا يظلم ربك ~~أحدا}[25] فكتب ما يعمل أو يزيد في عقابه المستحق، أو تعديه بغير جرم كما ~~يزعم من ظله الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، والله سبحانه ~~يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . PageV17P435 # قال المرتضى عليه السلام: فكذلك الله عز وجل لا يظلم أحدا من خلقه، هو ~~المحسن إليهم الرحيم بهم، أرسل إليهم النبيين معذرين ومنذرين، وأبان لهم ~~الحجة، وأزاح عنهم بذلك الظلمة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن ~~بينة، وإن الله سميع عليم، ثم قال:{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} إني ~~أذكر وقت قلنا لهم ذلك لما فيه من التحذير من إبليس وذريته، ثم قال: ~~{فسجدوا} مع كونهم أشرف منه أصلا وعملا، قيل: أصلهم من ريح، وقيل: من نور، ~~وقوله: {إلا إبليس} استثناء متصل؛ لأنه وإن كان من غير جنسهم فقد أمر ~~بالسجود معهم فغلبوا عليه، وأما قوله تعالى: {كان من الجن} فهو كلام مستأنف ~~معناه التضليل، كأن قائلا قال لم يسجدوا، فقيل كان من الجن، والفاء في ~~قوله: {ففسق} أي: خرج {عن أمر ربه} للسبب جعل كونه من الجن سببا في فسقه، ~~أي: ولو كان ملكا لسجد معهم؛ لأنهم معصومون. PageV17P436 # قال الرازي: اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين ~~افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذا لآية المقصود من ذكرها ~~غير هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على ms1331 آدم بسبب أنه افتخر بأصله ~~ونسبه، وقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} فأنا أشرف منه في الأصل ~~والنسب، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين ~~يعني هذه المعاملة فقالوا: كيف نجالس هؤلاء الفقراء المسلمين مع أنا من ~~أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة، ونحن الأغنياء وهم الفقراء، فالله تعالى ~~ذكر القصة هاهنا تنبيها على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس، ثم إنه ~~تعالى حذر عنها، وعن الاقتداء بها في قوله: {أفتتخذونه وذريته أولياء} فهذا ~~وجه النظم، وهو حسن مكين، وذكر القاضي فيه وجها آخر فقال: إنه تعالى لما ~~ذكر من قبل أمر القيامة، وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب، وكان تعالى يريد ~~أن يذكرنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم: {أين شركائي} الذين زعمتم، وقد ~~كان علم أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء، لا جرم ~~قدم قصته في هذه الآية إتماما لذلك الغرض، ثم قال القاضي: وهذه القصة وإن ~~كان الله قد ذكرها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة محدودة، ~~والله اعلم، انتهى. PageV17P437 # قال المرتضى عليه السلام: معنى قوله: {اسجدوا لآدم} فهو من أجل آدم عليه ~~السلام ، فكان السجود لله عز وجل لا لآدم، فلما أن سجدوا لله العظيم، لما ~~رأوا من خلق آدم عليه السلام ، وما أبان الله من قدرته في ذلك جاز أن يقول ~~لآدم كما قال الله سبحانه: {لتنذر أم القرى} فأقامها مقام أهلها، ثم ذكر عز ~~وجل ما كان من جرأة إبليس ومخالفته لأمر ربه، فقال: {إلا إبليس كان من ~~الجن}، وقد قال بعض عوام الناس إن إبليس كان من الملائكة، وقد شرحنا ذلك في ~~كتاب الإيضاح وليس يقول ذلك في الملائكة عليهم السلام إلا جاهل عمي، وظالم ~~غوي، بل هم المكرمون المطيعون، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون من ~~يؤمرون، انتهى. # ومعنى قوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} أي خرج عن طاعته عما أمره به من ~~السجود، وصار فاسقا كافرا من قولهم ms1332 فسقت الرطبة، إذا أخرجت عن قشرها، وسميت ~~الفارة فويسقة لخروجها من جحرها، قال العجحاج: # ........في نجد وغور غائر ... فواسقا عن قصدها جوائرا[26] # ثم قال سبحانه تحذيرا منه لكيد إبليس: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ~~وهم لكم عدو} وكما كان لأبيكم. # قال الرازي: المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع لما ادعا ~~أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك ~~الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم إنكم في ~~هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم، فلما علمتم أن إبليس عدوا لكم ~~فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة، وذلك لأن المشركين كانوا قد سمعوا ~~قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب، واعتقدوا صحتها، وعلموا أن إبليس إنما تكبر ~~على آدم بسبب نسبه، فإذا أورد عليهم هذه القصة كان ذلك زجرا لهم عما أظهروه ~~مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع. PageV17P438 # واعلم أنه سبحانه إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء ~~المسلمين {أفتتخذونه} أي إبليس{وذريته أولياء} من دون الله، لأن الداعي لهم ~~إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو النخوة وإظهار الجاه والعجب، ~~وهذا يدل على أن كل من أقدم على علم أو فسق بنا على هذا الداعي فهو تبع ~~لإبليس حتى أن من كان غرضة في إظهار العلم والمناظرة، والتفاخر والكبر ~~والترفع فهو مقتد بإبليس وقبيله ما يقول الله في تنزيله: {إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم} والجن خلق تسكن الهواء بين الملائكة والإنس، ~~والجن فهما كما قال الله الثقلان، فالملائكة عليهم السلام سماويون، والإنس ~~كلهم جميعا أرضيون، والجن بين السماء والأرض هواويون. # قال الهادي عليه السلام: وليست الجن تتوالد ولا تتناكح؛ لأن التوالد لا ~~يكون إلا من ذي الأجسام الثقيلة، والبطون والأظلاع، ولو كانت الجن كذلك لم ~~يحملها الهواء واحتاجت إلى سكنى الأرض والقرار، وكثير الأغذية والديار، انتهى. # قال المرتضى محمد بن يحيى عليهما السلام: الذي صح عندنا من الرواة ms1333 ونقله ~~لنا من أن الجن لا يتوالدون، وإنما معنى الذرية في هذا الموضع القبيلة ~~والأعوان والشيعة، وذلك واضح في لغة العرب، ثم ذكر عليه السلام كثيرا من ~~أشعار العرب شاهدا على ذلك، انتهى. PageV17P439 # وأما المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام فإنه قال: وقد سئل عما ~~يقال في الجن وسكونهم في الهواء أنه لا مانع من ذلك؛ أن الأصل في إثبات خلق ~~سوي المشاهد من ملائكة أو جن هو السمع فأورد السمع بذلك، قيل إلا أن لا ~~نعلم إلا ما وصلنا من أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسكونهم في ~~الأرض وتناسلهم، وأيده القرآن الكريم بقوله: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا} ولم يقل في الهواء، ولو كان لا يصح قولهم كونهم في ~~الأرض تغيرت الآية عن المعنى، وذلك لا يجوز؛ لأنه لا يقول لن نعجزه حيث ~~يستحيل أن يكون فيه وفيهم رجال، كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن} وقال: {ومن كل شيء خلقنا زوجين} ذكر أهل العلم ~~الأشياء وهم من معظمها، وقد روينا بالإسناد الموثوق إلى الإمام المرشد ~~بالله عليه السلام بإسناد له رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ذكره في باب النبوة قال: كنا مع رسول الله[27] صلى الله عليه وآله في جبل ~~من جبال تهامة إذ وقف عليه إنسان فقال: السلام عليك يا رسول الله، فرفع ~~رأسه صلى الله عليه وآله فقال: ((وعليك السلام، من ~~أنت........الجن........))فقال: يا رسول الله، أنا هامة بن الهيثم بن لاقيس ~~بن إبليس، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما بينك وبين إبليس إلا من ~~ذكرت))؟ قال: ما بيني وبينه إلا من ذكرت، قال: ((فكم مضى لك من البنين))؟ ~~قال: أفنيت الدنيا عمرها إلا القليل، وإني كنت وأنا ابن أعوام آمر بفعل ~~الحرام وارتكاب الآثام، وقطع الأرحام، وشركت في دم الشهيد هابيل بن آدم، ~~قال: فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ((بئس لعمر ms1334 الله فعل ~~فعل الشيخ المتوسم والشاب المثلوم)) قال: يا رسول الله دعني من استعاذك ~~فإني تبت إلى الله إني أتيت نوح فقلت: يا نبي الله إني شركت في دم PageV17P440 الشهيد هابيل بن آدم فهل لي من توبة؟ فقال: ما وجدت فيما أنزل الله ذنبا ~~إلا وعفو الله أكبر منه، قم فتوضأ وصل ركعتين فتوضأت وصليت ركعتين، فقال: ~~ارفع رأسك فقد غفر الله لك، وإني كنت معه في مسجده مع من آمن به من قومه ~~فلم أزل أعاينه في دعوته على قومه حتى نكأوا مكاني، وقال: اللهم إني إليك ~~من التائبين، وأعوذ بك أن أكون من الجاهلين، وإني كنت مع هود في مسجده مع ~~من آمن من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى نكأوا مكاني، وقال: ~~اللهم إني إليك من التائبين وأعوذ بك أن أكون من الجاهلين، وإني كنت مع ~~صالح في مسجده مع من آمن به من قومه فما أزال أعاتبه على دعوته على قومه ~~حتى نكأوا مكاني، وقال: اللهم إني إليك من التائبين وأعوذ بك أن أكون من ~~الجاهلين، وإني كنت......ليوسف، وإني كنت من يعقوب بالمكان المبين، وإني ~~أتيت موسى فقلت يا كليم الله علمني مما علمك الله فعلمني مما علمه الله، ~~وقال: إذا لقيت أخي عيسى فاقره مني السلام، يا رسول الله فإن أخاك عيسى ~~يقرئك السلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أخي السلام ما دامت ~~الدنيا وعليك يا هامة لتأديتك الأمانة، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك ~~الله، فعلمه الحمد لله وذوات قل، وقال: ارفع حوائجك إلينا وزرنا في الحين ~~بعد الحين، فما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدها أبدا، انتهى. PageV17P441 # والهمزة في قوله: {أفتتخذونه} للإنكار والتعجب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه ~~تتخذونه وذريته أولياء مطيعين مطاعين في معصيتي وتستبدلونهم{بئس للظالمين ~~بدلا} أي بئس البدل من الله تعالى إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله، ~~فبئس لهم أن يستبدلوا الشر بالحير، والهلكة بالنجاة، فنعوذ بالله من ms1335 العمى ~~والضلالة بعد الهدى، ثم قال سبحانه: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} أي ~~ما أحضرتهم ذلك، يعني إبليس وذريته لا أعتضدتهم في خلقها فيكونون لي شركاء ~~حتى تشركوهم في الطاعة، ثم قال تعالى: {ولا خلق أنفسهم} أي ولا حتى أشهدت ~~بعضهم خلق بعض، أي تفردت بخلق الأشياء فافردوني بالطاعة {وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا} أي متخذهم أعوانا، لكن وضع الظاهر موضع المضمر، ذما لهم ~~بالإضلال أي ممالكة فتتخذوهم شركاء في العبادة، وقرئ ما كنت بالفتح، أي ما ~~صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي أن تغتر بهم. # قال الهادي عليه السلام: المراد[28] أن لا تتخذ الظالم بطانة ومودا، أي ~~لا تركن إليه، ولا تعتمد عليه. # وأما الاستعانة به في الجهاد ونحوه فجائز. PageV17P442 # واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء ~~ابتدأ بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال القيامة، فقال عز وجل: {ويوم ~~يقول نادوا شركائي الذين زعمتم} وقد علم سبحانه أنه لا شريك له، ولكنه ~~وبخهم ووقفهم على كفرهم وبكتهم أي رغمهم أنهم شركاء آثرتموهم علي، ~~وأشركتموهم في طاعتي، حتى أهلككم ذلك في آخرتكم، واستحققتم به العذاب عند ~~ربكم، فنادوهم ليمنعونكم من عذابي، وأضافهم إليه على رغمهم توبيخا لهم، ~~والتقدير واذكر يوم نقول عطفا على قوله: {وإذ قلنا للملائكة} والمعنى واذكر ~~لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة، إذا نقول لهم: {نادوا ~~شركائي} أي ادعوا من زعمتم أنهم شركائي فدعوهم كما قال عز وجل: {فلم ~~يستجيبوا لهم} وكيف يستجب أو ينصرهم أو يدفع ما نزل بهم من هو في الهوان ~~والعذاب والنيران، والمراد بالشركاء الجن، ثم قال سبحانه: {وجعلنا بينهم ~~موبقا} والموبق الهلكة التي وقعوا فيها، تقول العرب أوبق فلانا أي أهلكه، ~~ثم قال سبحانه: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} فيه وجهان: # أحدهما: أنهم عاينوها في المحشر. # والثاني: علموا بها عند العرض أنهم مواقعوها وقد يعبر عن العلم بالظن؛ ~~لأنه مقدمة العلم، ذكره في البرهان. PageV17P443 # قال المرتضى عليه السلام: معنى فظنوا أنهم مواقعوها فإنما ms1336 هو أيقنوا، وهذا ~~في لغة العرب صحيح، أن يقال ظن في موضع أيقن، يقول القائل ظن أني لأكل فهو ~~لا يظن ذلك بل يوقن أنه يأكل، ويقول القائل: عسى أن أقوم وعسى هي موضع شك، ~~وهو يوقن بأنه يقوم، وكذلك قال الله تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ~~أن لن نقدر عليه} ويونس صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسب إليه جهل، وهو فلم ~~يظن أن الله لا يقدر عليه، بل موقن بذلك، ولكن هذا في لغة العرب جائز، يقول ~~ظن وإنما هو في بعض المخاطبة أيقن، وكان ظنهم إيقانا أنهم مواقعوها ~~ومواقعوها فهو داخلوها صائرون فيها، ومخالطون لها، والشاهد على ما قلناه من ~~قول الله عز وجل في كتابه: {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} فشهد لهم بالإيمان، ~~وقال: فظنوا وإنما هو أيقنوا. # قلت: وهذا أيضا صريح قول الهادي عليه السلام في سورة نوح، ومثله قول ~~الحسين بن القاسم عليهم السلام وغيرهما. # وأما قول الله عز وجل حاكيا عن يونس عليه السلام: {فظن أن لن نقدر عليه} ~~فيحتمل أن يكون معناه أن لن نؤاخذه بتوليه عن قومه، أو أن الله لا يقدر ~~عليه رزقه بتلك الخطيه، ولا يؤدبه كما قدمنا ذلك عن بعض أئمتنا في سورة طه، ~~والله أعلم. # قال عليه السلام: ومعنى قوله تعالى: {ولم يجدوا عنها مصرفا} المصرف فهو ~~المنحرف والذهاب والفرار إلى غيرها، فلا يجدون إلى ذلك سبيلا، وكان عندما ~~عاينوا العذاب كما قال سبحانه: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان ~~قريب} انتهى. PageV17P444 # واعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ~~واتباعهم وبين الله تعالى بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد، وشيهتهم باطلة، ~~وذكر فيه المثلين المتقدمين قال بعده: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من ~~كل مثل} وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، أي كررنا ورددنا ~~وقلبنا وأعددنا من كل مثل وصفة لكل حق وباطل؛ ms1337 لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم ~~التي ذكروها من وجوه كثيرة، وضرب لهم الأمثال تنبيها لهم وتعريفا ليذكروا ~~مع تلك الجوابات[29] الشافية، والأمثلة المطابقة، فهؤلاء الكفار لا يتركون ~~المجادلة له الباطلة، فقال: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} أي خصاما ومماراة ~~وقولا بالباطل، أي أكثر الأشياء التي يتأتا منها الجدل بالباطل، وانتصاب ~~جدلا على التمييز، ثم قال سبحانه: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى} القرآن ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم {ويستغفروا ربهم} أي ما منعهم ~~من الإيمان والاستغفار {إلا}انتظار {أن تأتيهم سنة الأولين} التي سنها الله ~~فيهم وهو الإهلاك، {أو} انتظار {يأتيهم العذاب} أي عذاب الآخرة {قبلا} أي ~~عيانا يقابلونه وينظرونه، والمعنى أن الحجة قد لزمتهم، ولم تبق إلا عقوبة ~~الامتناع من الإيمان والاستغفار، كما وقع بالأولين، وروي بضم القاف والباء، ~~وهو جمع قبيل، ومعناه ضروب من العذاب وأنواع منه، وقيل قوله: {وما منع ~~الناس} هو استفهام، والمراد الإنكار كأنه قيل لا شي يمنعهم من الاهتداء فقد ~~جاءهم الهدى، أشار تعالى إلى أن العبد مراح العلة، لا مانع له من الإيمان، ~~وقوله: إلا أن يأتيهم ليس بأسنا حقيقي، وإنما ذكر الوجهين للعلة بأنهم لا ~~يهتدون، ومن سنة الأولين الاقتداء بفعلهم، والحجة لجحدانهم، ثم قال سبحانه: ~~{وما نرسل المرسلين إلا مبشرين PageV17P445 ومنذرين} فأخبر تعالى أنه أرسلهم مبشرين بالثواب على الطاعة، ومنذرين ~~بالعقاب على المعصية، لكي يؤمنوا طوعا، أرسل معهم بالحق المبين والصدق ~~الزاهر المستبين، وأخبر تعالى أن مع هذه الأحوال يؤخذ من الكفار المجادلة ~~بالباطل لغرض دحض الحق وإبطاله، فقال: {ويجادل الذين كفروا بالباطل} أي ~~القول الذي لا حجة فيه، نحو ما أنتم إلا بشر مثالنا، ولو شاء الله لأنزل ~~ملاكئة {ليدحضوا به الحق} أي يزيلوا بباطلهم الحق الذي أرسل الله وهو الهدى ~~الذي جاءهم، والعرب تقول: دحض فلان أي سقط فأرادوا بإدحاضهم للحق طرحه ~~وتبديله، ثم قال سبحانه: {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا} أي اتخذوا القرآن ~~الذي فيه هداهم وإنذارات الأنبياء من العقاب والعذاب الشديد هزوا. # قال المرتضى عليه ms1338 السلام: معنى آياتي هو ما جاءت به الأنبياء عليهم ~~السلام من المعجزات والآيات الباهرات، هزوا ولعبا، ونسبوها إلى السحر ~~والحيل، فلم يعتبروا بعظيم ما فيها من الرشد، وكان كل ذلك عندهم هزوا يهزؤن ~~به ولا ينتفعون بشيء منه. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات ~~الموجبة للخزي والخذلان. # الصفة الأولى: قوله تعالى: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} القرآن، أي لا ~~ظلم لنفسه أعظم مما ترد عليه الآيات والبينات {فأعرض عنها} ولم يتدبرها، ~~حتى ذكروا معنى عرض فهو ترك الحق، وما أبان له من الصدق حتى أهلكها وفي ~~......عذاب الله أوقعها {ونسي ما قدمت يداه} أي مع إعراضه عن التأمل في ~~الدلائل والبينات نسي ما قدمت يده من المعاصي، وما اجترحه من الذنوب ~~المهلكة وأرتكبه من الخطايا الموبقة، فنسي تلك الذنوب التي قدم ولم ينتفع ~~بما به ذكر، ولو رجع وتاب وأقلع مما هو عليه من قبيح الأسباب لغفر له ذلك. PageV17P446 # الصفة الثاني: قوله سبحانه: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} أي أغطية تمنعهم ~~من {أن يفقهوه} وهذا تعليل لإعراضهم بأنه مطبوع على قلوبهم، كأنهم لشدة ~~إعراضهم خلقوا على هذه الصفة، ومعنى أكنة أي أغطية من الجهل، وإنما تلك ~~الأغطية[30] من الله على سبيل الترك لهم على جهلهم، فلما تركهم من التبصير ~~ولم يكشف جهلهم بالجبر على الهدى أو القسر لهم على التذكير جاز أن يقول ~~جعلنا وسمينا إذ لم يجبرهم على الهدى، ثم قال: {وفي آذانهم وقرا} أي ثقلا ~~لا تسمع، ويحتمل هذا وجها آخر وهو أن يكون على وجه الإنكار عليهم، إذ قالوا ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر، كما قال الهادي عليه ~~السلام في بعض جواباته فقلت: إن قال قائل من المجبرة أو تكلم متكلم فقال إن ~~الله جعل على قلوبهم أكنة حتى لا يفقهوا وفي آذانهم وقرا حتى لا يسمعوا، أو ~~أن ذلك من فعل الله بهم ليشقيهم، قيل له: ليس ذلك لعمره كذلك، ولو كان الله ~~الذي حجب ms1339 قلوبهم وآذانهم عن ذلك لم يبعث الرسل إليهم، ولم يحتج ببرهانه ~~عليهم، وكانوا عنده بتركهم ذلك معذورين، وكانوا على ذلك مثابين، إذ هم لما ~~أرسل إليهم به غير متسطيعين، وقد قال الله سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها} وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} فكيف يكلفهم الائتمار وقد ~~حجب قلوبهم عن الاعتبار، فتعالى الله عن ذلك العزيز الجبار، بل معنى قوله ~~جل جلاله ذلك هو إنكار عليهم لقولهم الذي قالوه حين دعاهم الرسول إلى الحق، ~~وترك ما هم عليه من الباطل والفسق، فقالوا له استهزاء وعبثا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون، ~~فقال الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي قولهم ويرد كذبهم ~~عليهم: {إنا جعلنا} يريد سبحانه {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} كما قالوا PageV17P447 {وفي آذانهم وقرا} كما ذكروا بل الزور في ذلك قالوا، وبالباطل تكلموا، ~~فأراد بذلك معنى الإنكار عليهم والتكذيب الهم، والتقريع لكذبهم، وتوفيق ~~بينهم صلى الله عليه وآله وسلم على باطل قولهم، وجليل ما أتوا به من ~~محالهم، فقال: إنا وهو يريد أنا فطرح الألف استخفافا لها، ~~والقرآن........إلى النور والحق يهدي، والعرب تطرح الألف من كلامها وهي ~~تريدها فيخرج الكلام لفظ إخبار ونفي وهو تقريع وإيجاب................وهي ~~لا ترديها فيخرج الكلام لفظ شك، ومعناه معنى إيجاب في كل ما جاءت به من ~~الأسباب، من ذلك قول الله سبحانه: {لا أقسم بيوم القيامة} وقوله: {لا أقسم ~~بهذا البلد} فقال: لا أقسم، وإنما أراد ألا أقسم فطرح الألف منها فخرج ~~لفظها لفظ نفي وهو قسم وإيجاب، وقال في عبده ونبيه يونس صلى الله عليه ~~{وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} على مائة ألف، فأراد بقوله إنا جعلنا ~~التقريع لهم والتوقيف للتنبيه على كذبهم لا ما يقول الجاهلون أنه خبر عن ~~فعله بهم، ألا ترى كيف يدل آخر الآية على أولها، ومن قوله: {وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} يقول: إن كان الأمر ms1340 على ما تقولون، وكنا قد ~~فعلنا بهم ما يذكرون، فلم أرسلناك تدعوهم إلى الهدى، وتزجرهم عن الردى، لو ~~كانوا كذلك وكنا فعلنا لهم شيئا من ذلك ثم دعوتهم إلى الهدى ألم يطيقوا أن ~~يهتدوا إذا أبدا، فقال: إذا يريد أن كان ما يقولون علينا مما ذكروا أنه على ~~أبصارهم وأسماعهم وقلوبهم فعلا منا بهم فلن يهتدوا إذا بدأ، كنا منعناهم ~~بذلك عن الاهتداء، فكيف نرسلك إلى من لا يستطيع أن يهتدي ولا يفلح ولا ~~يقتدي؟ فهذا ما لا يفعله بك ولا بهم أحد من المخلوقين، فكيف بالله ذي ~~القدرة أرحم الراحمين، انتهى. PageV17P448 # ومثل هذا ذكر المرتضى عليه السلام ، ثم قال تعالى: {وربك الغفور ذو الرحمة ~~لو يؤاخذهم بما كسبوا} بما كسبوه من قبح أفعالهم {لعجل لهم العذاب[31]} أي ~~لأهلكهم، ولكن أملى لهم كما قال في غير هذه السورة، إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما، ثم قال عز وجل: {بل لهم موعد} يعني جعلنا لأهلاكهم وقت موعودا، يعني ~~البعث أو يوم بدر، وهذا استشهاد على عفوه ورحمته بترك مؤاخذة أهل مكة ~~بالعقاب عاجلا من غير إمهال، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم أخبر أن لهم موعدا وهو إما يوم القيامة، وإما في الدنيا{لن ~~يجدوا من دونه موئلا} أي منجا ولا ملجأ، فأخبر عز وجل أنه قد أخر عقوبتهم ~~إلى يوم بعثهم، ثم أخبر تعالى عن من سلف من أهل الظلم والعدوان أنه أهلكهم ~~بما كان منهم من الفسق والعصيان، فقال: {وتلك القرى أهلكناهم} يريد قرى ~~الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم، أشار إليها ليعتبروا قوله تلك مبتدأ، ~~والقرى صفة؛ لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس وأهلكناهم خبر، والمعنى ~~وتلك أصحاب القرى أهلكناهم {لما ظلموا} مثل ظلم أهل مكة {وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} أي وضربنا إهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة ~~يوم بدر، والمهلك الإهلاك ووقته، وقرئ لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو ~~مكسورة أي لإهلاكهم أي وقت هلاكهم، ومع ذلك لم يدع أن ms1341 يضرب له وقتا ليكون ~~إلى التوبة أقرب، والله أعلم. PageV17P449 # ثم إنه تعالى ابتدأ ذكر قصة ثالثة في هذه الصورة وهي قصة موسى عليه السلام ~~مع الخضر فقال: {وإذ قال موسى لفتاه} أي واذكر وقت قال موسى لعبده، وقيل ~~لصاحبه يوشع بن نون سمي فتاه لملازمته إياه في العلم والخدمة، ومعنى {لا ~~أبرح} أي لا أزال أسير {حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} وذلك أن موسى ~~عليه السلام ذهب إلى الخضر ليتعلم منه العلم. # قال الرازي: وهذا وإن كان كلاما مستقلا بنفسه إلا أنه يتعين ما هو ~~المقصود في القصتين السابقتين إما تقع هذه القصة في الرد على الكفار الذين ~~افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، وهو أن موسى مع كثرة ~~علمه وعلو منصبه، واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب ~~العلم، وتواضع له، وهذا يدل على أن التواضع خير من التكبر، فإما تقع هذه ~~القصة في قصة أصحاب الكهف وهو أن اليهود قالوا لكفار مكة إن أخبركم محمد عن ~~هذه القصة فهو نبي وإلا فلا، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبيا من ~~عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع، كما أن موسى عليه ~~السلام نبيا صادقا من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى ~~الخضر ليتعلم منه، فظهر بما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها، ومع ذلك ~~هي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين. # وأما قوله: {حتى أبلغ مجمع البحرين} فهو الموضع الذي يلتقي فيه أطرافها، ~~وروي أنه بناحية البصرة، والبحران هما العذب الفرات والمالح الأجاج. # قال في البرهان: يعنى بحر الروم وبحر فارس، أحدهما قبل المشرق والآخر قبل ~~المغرب، وذكر لنا أنه ليس في الأرض مكان هو أكثر ماء منه. # قال المرتضى عليه السلام: ومجمعهما فهو إنتهاؤهما الذي يجتمعان إلى ~~الانقطاع فيه، وقوله {أو أمضي حقبا} أي أمضي في طلب ذلك دهرا طويلا وسنين كثيرة. PageV17P450 # قال في البرهان: الحقبة ثمانون سنة، وقيل: سبعون ms1342 سنة، انتهى. # وحاصل الكلام أن الله جل جلاله كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه ~~بموضعه بعينه، فقال موسى عليه السلام: لا أزال أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا ~~العالم، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن[32] نفسه على تحمل التعب الشديد، ~~والعناء العظيم في السفر، لأجل طلب العلم، وذلك ينبه على أن المتعلم لو ~~سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق ذلك، ثم قال تعالى: {فلما ~~بلغا مجمع بينهما} أي فانطلقا إلى أن بلغا مجمع البحرين{نسيا حوتهما} قيل: ~~نسيا تفقد أمره وكونه أمارة الخضر، أي نسيا كيفية الاستدلال بهذه الجال ~~المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، وقيل: نسي يوشع أن يقدمه، ونسي موسى أن ~~يأمر فيه، وقيل: إنما قال نسيا والناسي يوشع وجده على نحو يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان، ثم قال سبحانه: {فاتخذ سبيله في البحر سربا} أي جعل الحوت ~~طريقه في البحر، سربا أي مشيا إلى الماء وذهابا..........وجيء الحوت بعد أن ~~كان ميتا لما أراد الله سبحانه من هداية نبيه موسى. PageV17P451 # قال المرتضى عليه السلام: والحوت فهو حوت كان مع رسول الله صلوات الله عليه ~~يأكل منه هو وفتاه، فلما نهضا للرحيل نسيا الحوت فرجع فتا موسى فوجده قد ~~ذهب في البحر سويا، ثم قال تعالى: {فلما جاوزا} أي قطعا ذلك الموضع إلى ~~غيره وعبرا {قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} يعني شدة ~~وتعبا، والغدى طعام الغداة، كما أن العشى طعام العشي، والإنسان إلى الغدى ~~أشد حاجة منه إلى العشى، والمعنى جاوز ذلك المكان الذي ذهب الحوت منه وهو ~~عند الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت، ونسيان يوشع تذكير موسى ما رأى من ~~حياته، قيل: سار بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغداة إلى الظهيرة، وألقى على ~~موسى النصب والجوع حتى جاوز الموعد ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت ~~فطلبه {قال} الفتى {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} يعني حمل ~~الحوت أو نسيت قصته أن أذكرها لك {وما أنساني إلا الشيطان} ms1343 بوسوسته {أن ~~أذكره}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا منه على عادة الناس وقولهم ~~الشيطان ينسي الناس، ولعلهم لم ينسوا إلا من قبيل النفس في أكثر الأوقات، ~~والصخرة التي أويا إليها هي الحجر الكبيرة التي سكنا إليها وجلسا تحتها، ~~وفي البرهان معنى وسوسته وشغله شبهه بالشيطان، وقوله: أن أذكره يدل من ~~الهاء في أنسانيه أي أنساني ذكره، ثم ذكر قصته فقال: {واتخذ سبيله في البحر ~~عجبا} أي سبيلا عجبا، وصدق الله تعالى إنه لعجب عجيب لا ينكره من الناس ~~لبيب، فإن في حياة الحوت ودخوله البحر عجب، وأي ما عجب. # قال في البرهان: يعني أن موسى لما أخبره يوشع بأمر الحوت رجع إلى مكانه، ~~فلما رأى أثر الحوت في البحر ودائرته التي يجري منها عجب منه و{قال} ~~موسى{ذلك ما كنا نبغ}. PageV17P452 # قال المرتضى عليه السلام: أي ذلك ما كنا نريد من آيات الله أن نراها ومثلها انتهى. # معنى حياته بعد موته ودخوله البحر هو الذي كنا نطلب لما في ذلك من الدليل ~~على الله تعالى؛ لأنه أمارة للظفر بالمطلوب من لقاء الخضر، وذلك لأنه قيل ~~لموسى عليه السلام إنك تلقى الخضر في موضع تنسى فيه بعض متاعك، فعلم أن ~~مكان الحوت هو موضع الخضر، ثم قال تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصا} أي ~~رجعا على آثارهما تبعا لطريقهما الأولى. # وفي البرهان: أي رجعا إلى آثارهما يقصان أثر الحوت ويتبعانه، وحاصل ~~الكلام أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذي فيه يسكن هذا العالم ~~رجعا وعادا إليه {فوجدا عبدا من عبادنا} يعني الخضر نبي الله فيما ذكر، ~~والله أعلم. # وقيل غيره من عباد الله {آتيناه رحمة من عندنا} أي الوحي ~~والنبوة[33]{وعلمناه من لدنا علما} أي من لدنا أي مما يختص بنا. PageV17P453 # قال في البرهان: قيل لما اقتص موسى عليه السلام أثر الحوت انتهى إلى رجل ~~راقد قد سجي عليه ثوبه، فسلم موسى عليه السلام فكشف عن وجهه ورد عليه ~~السلام، وقال: من أنت؟ قال: موسى، قال: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، ms1344 قال: ~~وما كان لك في بني إسرائيل شغل؟ قال: أمرت أن آتيك وأصحبك، ثم قال سبحانه ~~مخبرا عن موسى عليه السلام: {قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت ~~رشدا} أي علما ذا رشد أرشد به في ديني، فسأله عليه السلام واستأذنه في ~~التبع له على أن يتعلم من علمه، ويقتبس مما من الله به عليه، ثم أنه تعالى ~~حكى عن الخضر أنه: {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} فأخبره أنه لن يستطيع معه ~~صبرا، ثم قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا} فأخبر أنه لا يقدر على ~~الصبر لعلة إحاطته وحيرته بما يفعله أي لم يعلمه حقيقة، لأنه يتولى أمور ~~منكرة في الظاهر لا يصبر الصالح عنها غضبا لله تعالى، قال الله عز وجل يخبر ~~عن موسى عليه السلام: {قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا} أي ~~لا أسألك عن شيء حتى تكون أنت الذي تخبرني به، وعلقه بمشيئة الله لعلمه ~~بصعوبة الأمر، وأن الحمية التي تأخذ المصلح عند رؤية الفساد شيء لا يطاق، ~~وهذا مع علمه بأن الذي أمر بالسفر إليه بريء عن مباشرة ما ينقص في الدين، ~~فأما من لم يعلم عصمته فهو أشد غضبا {قال} العالم {فإن اتبعتني فلا تسألني ~~عن شيء} أي تفاتحني فيه وتراجعني{حتى أحدث لك منه ذكرا} وهذا من أدب ~~المتعلم مع العالم، والمتبوع مع التابع. PageV17P454 # قال المرتضى عليه السلام: فقال العبد الصالح لموسى: تتبعني فلا تأسلني عن ~~شيء أفعله، ولا تعارضني من الأمر فيما أعمله، حتى أخبرك به وبمعان فيه ~~وتأويله ابتداء مني، وعقدا أمرهما على ذلك، ثم قال الله سبحانه: {فانطلقا ~~حتى إذا ركبا في السفينة خرقها} العبد الصالح فاستنكر ذلك موسى من فعله ~~واستوحش لما عاين من عمله، ولم يقف على ما أمر الله به الخضر في أمرها، ~~وخشي موسى الغرق على أهلها ولم يفهم العلة التي كان خرق السفينة من أجلها، ~~قيل إنه قدم على خرق جدار السفينة لتصير تلك السفينة بسبب ms1345 الخرق معيوبة ~~ظاهرة العيب ولا يتسارع الغرق إلى أهلها، وقيل: لما دخلوا لجة البحر أخذ ~~الخضر الفأس فخرق السفينة مما يلي الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه {قال ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا} أي عجبا مبتدعا منكرا، مأخوذ من ~~الأمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح، وقيل الأمر الداهية العظيمة عن ~~أبي عبيدة وأنشده: # لقد لقي الأقران منه نكرا ... داهية دهيا إدا أمرا PageV17P455 لأنه لما شاهد موسى منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام، لا لأجل ~~أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحا، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال ~~في العجيب الذي لا يعرف سببه أنه أمر، يقال أمر الأمر إذا عظم، وأنه إنما ~~خالف الشرط بنا على النسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه لن يزد ~~على أن: {قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} أي لا تقدر على الصبر ~~والاستطاعة، وهي الطاقة، فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام بقوله: {قال لا ~~تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا} أراد أنه نسي وصيته، ولا يؤاخذه ~~على الناسي أو إخراج الكلام مخرج النهي عن المؤاخذة يوهمه أنه نسي، ولم ينس ~~لكن ليبسط عذره في الإنكار، وهو من معاريض الكلام التي يبقى بها الكذب مع ~~التوصل إلى الغرض، أو أراد بالنسيان الترك لما أوصى قوله ولا ترهقني. # قال المرتضى عليه السلام [34]: معناه لا تكلفني وتحمل علي من أمري عسرا ~~أي شططا وتعبا، انتهى. # والمراد لا تعسر علي في مبايعتك ويسرها بالإغضاء وترك المناقشة، وقرئ ~~عسرا بضمين، ثم قال سبحانه: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله} قالوا: فتل ~~عنقه، وقيل: ضرب برأسه الحائط، وقيل: أضجعه ثم ذبحه. # واعلم أن لفظ الغلام قد تناول الشاب البالغ بدليل أنه يقال رأى الشيخ خير ~~من مشهد الغلام، وذلك يدل على أن الغلام جعل نقيضا للشيخ، وذلك إما يكون في ~~الشباب، وأما تناول هذا اللفظ للصبي الصغير فظاهر، وليس في القرآن ما يدل ~~على أنه كيف ms1346 لقياه هل كان يلعب مع الغلمان أو كان مفردا؟ أو هل كان مسلما ~~أو كان كافرا؟ أو هل كان بالغا أو كان صغيرا؟ وإن كان اسم الغلام بالصغير ~~أليق، إلا أن قوله بغير نفس أليق بالبالغ منه بالصبي؛ لأن الصبي لا يقتل ~~وإن قتل أيضا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى قوله غلاما كقول الأخيلية في ~~الحجاج: PageV17P456 # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # وقال صفوان لحسان: # تلق ذئاب السيف مني فإنني # غلام إذا هوجنت لست بشاعر # وأحسن من هذا قول الهادي عليه السلام: # أنا الغلام الفاطمي الأحمدي # وابن أمير المؤمنين المهتدي # قال المرتضى عليه السلام: وكان موسى صلى الله عليه يرى من أفعال الخضر ~~أشياء ينكرها ولا يقف على ما أمر الله به فيها، فيخاطبه بها ويعاتبه فيها، ~~ولم يكن عنده معرفة أمرها على حقيقتها فيكون منها على بصيرة، وكان العالم ~~يفعل ما أمر الله، وما قد أطلعه عليه وأمره به فيه فعجل موسى صلى الله عليه ~~بالمخاطبة والكلام والإنكار العظيم ما ير فيها، إذ ليس عنده صحة من أمرها، ~~ولا علم بحكم الله سبحانه فيها، فعند هذا قال موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير ~~نفس لقد جئت شيئا نكرا}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى زاكية أي طاهرة لم ير منها ~~سوء، ولم يدر موسى عليه السلام أنها نفس كافرة فاجرة تستوجب القتل من ~~الرحمان على اتباعها لطاعة الشيطان، انتهى. # وقرئ زكية أي نامية لأنها كنت صغيرة لم تبلغ حد التكليف. # وعن ابن عباس أن نجدة الحروري كتب إليه: كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ~~ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. # وأما من زعم أنه كان طفلا صغيرا، وأن الله سبحانه إنما أمر بقتله لما علم ~~جل جلاله ما سيكون من فعله وعاقبة أمره، فذلك لا يجوز من الله سبحانه أن ~~يعاقب طفلا صغيرا على ما ms1347 يعلم منه من عاقبة أمره قبل وحود فعله وظهوره. # قال المرتضى عليه السلام: وقد قيل إن الغلام كان صبيا صغيرا وليس ذلك ~~عندنا بشيء، بل كان الغلام كبيرا بالغا، والعرب تسمي ابن العشرين والثلاثين ~~سنة غلاما، انتهى. PageV17P457 # وفي ذلك أيضا ما يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: إن قال قائل بما استحق ~~الغلام القتل؟ أو قالت المجبرة إنه إنما استحق القتل بعلم الله بعاقبة ~~أمره، فكذلك استحق الكفار العذاب بعلم الله لا بأعمالهم، قيل لمن قال بذلك: ~~سبحان من لا يعذب أحدا بقتل ولا غيره من العذاب إلا من بعد فعله بسبب يستحق ~~ذلك كائنا ما كان. # وأما الغلام فإن العرب تسمي الشاب البالغ غلاما، وتختار ذلك لغة وكلاما، ~~وقد يمكن[35]أن يكون هذا الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام غلاما قد جرت ~~عليه الأحكام والآداب، فقتله بأمر فعله أطلعه الله عليه وأوجب القتل على ~~الغلام فيه، مع ما كان فيه من سوء فعله ورأيه، ونيته في أبويه، انتهى. # ومعنى قوله نكرا فهو لقد جئت شيئا نكرا قبيحا مستنكرا، قالوا: النكر أقل ~~من الأمر؛ لأن قتل نفس واحدة أقل من إغراق السفينة، وقيل: النكر ما أنكرته ~~العقول، ونفرت عنه النفوس، فهذا أبلغ في تقبيح الشيء من الأمر، ولأن الأول ~~خرق يمكن تداركه وهذا لا يمكن، والله أعلم. PageV17P458 # ثم إنه تعالى أخبر عن هذا العالم أنه ما زاد على أن ذكره ما عاهده عليه ~~بقوله: {قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} أو هذا غير ما ذكره في ~~الأول، إلا أنه زاد هاهنا لفظة لك لزيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ~~وتحقيق قلة الصبر، فعند هذا قال موسى: {قال إن سألتك عن شيء بعدها} أي بعد ~~هذه الكرة أو المسألة {فلا تصاحبني} مع العلم بشدة حرصه على مصاحبته، وهذا ~~كلام نادم شديد الندامة، ثم قال: {قد بلغت من لدني عذرا} والمراد أنه زجره ~~بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين أولا وثانيا مع قرب المدة، وقد ~~اعتذرت حين أخبرتني أني ms1348 لا أستطيع معك صبرا، أو فأنت معذور في فراقي، ثم ~~قال تعالى: {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} وهي أنطاكية، وقيل الإيلة بقرب ~~البصرة {استطعما أهلها} سألاهم الطعام {فأبوا أن يضيفوهما} أي لم يقرؤهما، ~~يريد أن أهل القرية بخلوا ولم يطعموا الخضر وموسى، واستثقلوهما وبخلوا ~~بعشاء ليلة واحدة عليهما. # وعنه صلى الله عليه وآله: كانوا أهل قرية لئاما، قيل شر القرى التي لا ~~يضاف فيها الضيف، ولا يعرف لابن السبيل حقه، ثم قال: {فوجدا فيها جدارا} ~~يعني رأيا في القرية حائطا مائلا {يريد أن ينقض} أي قرب وكاد أن يسقط ~~ويتهدم {فأقامه} وبناه بيده، وقيل: أقامه بعمود عمده به، وقيل: نقضه وبناه، ~~وكان طوله في السماء مائة ذراع وقيل مائتين، وفي الأرض ستين ذراعا، وإنما ~~عاتبه موسى على عدم أخذ الأجرة لاضطرارهما، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار ~~بالإرادة مع أن الإرادة من صفات الأحياء؟ قيل له: هذا اللفظ ورد على سبيل ~~الاستعارة وله نظائر في الشعر، قال: # يريد الرمح صدر أبي براء # وترغب في دماء بني عقيل # وأنشد الفراء: # إن دهرا يلف شملي بحم ... لي لزمان يهم بالإحسان # وقال الراعي: PageV17P459 # .....فلقت به هاماتها ... فلق القوس إذا أردن نصولا # ونحو هذا في كلام العرب كثير، ونظيره في القرآن كقوله تعالى: {ولما سكت ~~عن موسى الغضب}. # واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك وكانت الحال اضطرارا إلى الطعام فلأجل ~~تلك الضروف نسي موسى ما قاله من قوله فلا تصاحبني فلا جرم {قال لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا} أي طلبت على عملك أجرة نصرفها إلى تحصيل المطلوب، وتحصيل ~~سائر المهمات، وإنما قال ذلك لما رأى أهل القرية تهاونوا بأمرهم فلم ~~يضيفوهم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وروي في ذلك أن موسى عليه السلام ~~توهم أن الخضر عليه السلام إنما هدم الجدار ليأتجر في هدمه حتى لا يسقط على ~~بعض الناس، فقال لو شئت لاتخذت عند الله أجرا بهدمه، ولم يكن لك حاجة بعد ~~ذلك ببنائه ورفعه[36] ولم يعلم موسى عليه السلام ms1349 بأن ذلك من ربه. # واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال العالم: {قال هذا فراق ~~بيني وبينك} في الإشارة بقوله هذا وجهان: # أحدهما: أن موسى عليه السلام كان قد شرط أنه لو سأله بعد ذلك سؤالا آخر ~~يحصل الفراق حيث قال تعالى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} فلما ذكر ~~هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال: {قال هذا فراق بيني وبينك} أي هذا ~~الفراق هو ذلك الفراق الموعود. # والثاني: أن يكون هذا إشارة إلى السؤال الثالث هذا أي من الاعتراض هو سبب ~~الفراق، وأضيف المصدر إلى الظرف في قوله فراق بيني وبينك، لما انضاف إلى ~~المفعول به، ثم قال العالم لموسى عليه السلام:{سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا} أي سأخبرك بحكم هذه المسائل الثلاث، وتفسير ذلك الذي عتبت علي، ~~ونسبت فيه المنكر والبدع إلي، حتى تعلم أن ذلك صواب، ولم تعلم ولم تقف عليه ~~وأنه رضى عند الله ولديه. PageV17P460 # واعلم أن ذلك العالم أجاب عن المسألة الأولى بقوله: {أما السفينة فكانت ~~لمساكين} وفي المساكين ثلاثة أقوال: # أحدها: لفقرهم وحاجتهم. # والثاني: لشدة ما يعاينونه في البحر، كما يقال لمن عانا بشدة قد لقي هذا ~~المسكين جهدا. # والثالث: قيل كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى أي مرضى، وخمسة{يعملون في البحر} ~~وقوله: {فأردت أن أعيبها} أي أجعلها ذات عيب{وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ~~غصبا} فغيرتها حتى لا تكون صالحة فيأخذها، يريد أنه ما كان مقصودي من ~~تخريقي للسفينة تغريق أهلها، بل كان مقصودي أن ذلك الملك الظالم كان يغصب ~~السفن الخالية عن العيوب، فجعلت هذه السفينة معيبة لئلا يغصبها ذلك الظالم، ~~فإن ضرر هذا الخرق أسهل من الضرر الحاصل من ذلك الغصب، ولابد أن يكون ذلك ~~التخريق واقعا على وجه لا تبطل به تلك السفينة بالكلية، أو لو كان كذلك لم ~~يكن الضرر الحاصل من تخريقها أقل من الضرر الحاصل من غصبها، وحينئذ لم يكن ~~تخريقها جائزا. # وأما قوله: {وكان وراءهم ملك} فمعناه قدامهم وتجاههم وأمامهم، وهذا قول ms1350 ~~الفراء، ونظيره قوله تعالى: و{من ورائهم جهنم} {ومن ورائهم برزخ}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وهذا جائز في اللغة؛ لأن وراء يقوم ~~مقام قدام؛ لأنهما من حروف الصفات، قال الشاعر: # أليس ورائي إن تراخت منيتي # لروم العصا تحنى عليها الأصابع # فقال ورائي، وإنما أراد قدامي لروم العصاء في آخر عمري، وقيل معنى وراهم ~~خلفهم، وكان من طريقهم في رجوعهم عليه، ولم يكن عندهم خبره وتحقيقه أن كل ~~ما غاب عنك فقد توارى عنك، وأنت متوار عنه، وكل ما غاب عنك فهو وراءك وأما ~~الشيء قدامه، إذا كان غائبا عنك فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه، ولهذا قال ~~في البرهان وفي استعمال وراء موضع أمام ثلاثة أقاويل: PageV17P461 # أحدها: يجوز استعماله بكل حال في كل مكان، وهو من الأضداد، قال الله عز ~~وجل: و{من ورائهم جهنم} يعني من أمامهم وقدامهم. # والثاني: أن يستعمل في المواقيت والأزمان؛ لأن الإنسان قد يحوزها فيصير ~~وراءها، ولا يحوز في غيرها. # والثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لها وجه كحجرين متقابلين كل واحد وراء ~~الآخر، ولا يجوز في غيرها، انتهى. # وأما المسألة الثانية: وهي قتل الغلام فقد أجاب العالم عنها بقوله: {وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}[37] قد مر ~~الكلام في الغلام، قيل: وكان بالغا وكان يقطع الطريق، وكان يقدم على ~~الأفعال المنكرة، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع الناس عنه، والتعصب له، ~~وتكذيب من يرميه بسيء المنكرات، وكان يصير ذلك سببا لوقوعهما في الفسق، ~~وربما يؤدي ذلك الفسق إلى الكفر، وأما قوله فخشينا فمعناه أو كرهنا كراهة ~~الخاشي. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا قول نبي الله، وهو الذي خشي أن ~~يلزمهما ولدهما هذا طغيانا وكفرا، وأخاف أن يجبرهما على ذلك ولم يقتله حتى ~~استأذن الله في قتله، فلما أذن الله عز وجل في ذلك وأمره بقتله أنفذ عليه ~~السلام أمر خالقه، ثم قال: {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة} أي ~~طهارة ونقاء من الذنوب{وأقرب رحما} أي رحمة وعطفا، معناه ms1351 يبدلهما ويعوضهما ~~ولدا خيرا منه طهارة وعفة وفضلا، وأقرب لهما رحمة وبرا، والرحم برفع الراء ~~كما ذكر مأخوذ من الرحمة فاعلم ذلك، وليس يريد أن هذا الولد الآخر أقرب من ~~الأول إليهما في النسب؛ لأن النسب واحد، والمعنى كما ذكرنا، قال الشاعر: # أحنا وأرحم من أم رحما ... وأشجع من ذي لبدة ضار # والمراد أبر بوالديه، وأوصل للرحم. # روي أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت له نبيا هدى الله على يديه أمة ~~من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيا. PageV17P462 # وأما المسألة الثالثة: وهي إقامة الجدار، فقد أجاب العالم عنها بقوله: ~~{وأما الجدار فكان لغلامين} أسماؤهما أصرم وصريم {يتيمين في المدينة} التي ~~استطعما أهلها {وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا} ولما كان ذلك الجدار ~~مشرفا على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز، فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ~~ذلك اليتيمين رعاية لحقهما، ورعاية لحق صلاح أبيهما، فأمرني بإقامة ذلك ~~الجدار رعاية لهذا الصالح، وفي الآية فوائد: # الفائدة الأولى: أنه سمى ذلك الموضع قرية حيث قال: {حتى إذا أتيا أهل ~~قرية} وسماها أيضا مدينة حيث قال: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة} وهذا يدل على أن اسم القرية لا ينافي اسم المدينة. # الفائدة الثانية: اختلفوا في هذا الكنز فقيل أنه كان مالا قالوا: وهذا هو ~~الصحيح لوجهين: # الأول: المفهوم من لفظ الكنز هو المال. # والثاني: أن قوله {ويستخرجا كنزهما} يدل على أن ذلك الكنز هو المال، ~~وقيل:إنه كان علما بدليل أنه قال: {وكان أبوهما صالحا} والرجل الصالح يكون ~~كنزه العلم لا المال؛ لأن كنز المال لا يليق بأهل الصلاح، بدليل قوله ~~تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم}. # قال في البرهان: وقيل إن الكنز كان صحفا فيها العلم، وروينا أن الكنز كان ~~لوحا من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن يوقن بالموت كيف ~~يفرح، عجبت لم يوقن بالعدل كيف يحزن، عجبت لمن يوقن بالدنيا وزوالها ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله ms1352 إلا الله محمد رسول الله، انتهى. # الفائدة الثالثة: قوله: {وكان أبوهما صالحا} يدل على أن صلاح الآباء يفيد ~~العناية بأحوال الأبناء. PageV17P463 # وعن جعفر بن محمد عليه السلام: كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة أياد. # عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرا بينهما: ~~بم حفظ الله الغلامين بصلاح أبيهما؟ # قال: فإني وجدي خير منه، فقال: قد أنبأنا الله أنكم قوم[38] خصمون، ~~وذكروا أيضا أن ذلك الأب الصالح كان الناس يضعون الودائع عنده فيردها إليهم ~~بالسلامة، ولما قرر هذا العالم هذا الجواب قال: {فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما} أراد بقاؤه إلى بلوغهما {ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} أي نعمة منه ~~عليهما، ورعاية لأبيهما، ثم قال: {وما فعلته عن أمري} يعني ما فعلت ما رأيت ~~عن رأئي واجتهادي، إنما هو وحي الله تعالى؛ لأن الإقدام على تنقيص أموال ~~الناس وإلى قتل أقربائهم لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع. # قال الرازي: بقي في الآية سؤال وهو أنه قال: {فأردت أن أعيبها} وقال: ~~{فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة} وقال: {فأراد ربك أن يبلغا ~~أشدهما} كيف اختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة وهي قصة واحدة وفعل واحد؟ # والجواب: لما ذكر العيب إضافة إلى إرادة نفسه فقال: فأردت أن أعيبها، ~~ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع بينهما على أنه من العظماء في علوم ~~الحكمة، فلم يقدم على هذا الفعل إلا بحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح ~~اليتيمين لأجل صلاح أبيهما إضافة إلى الله؛ لأن المتكفل بمصالح الأبناء ~~لرعاية حق الآباء ليس إلا الله تعالى. # ثم ذكر القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وقد تقدم ما ذكره ~~اليهود أنهم أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وعن الروح فقال تعالى: {ويسألونك ~~عن ذي القرنين} من هو؟ PageV17P464 # قال في البرهان: روينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أن ذا القرنين لم ~~يكن نبيا، ولكنه ms1353 كان عبدا صالحا، أحب الله وأحبه الله، وناصح الله فنصره ~~فضربوه على قرنه، فمكث ما شاء الله، ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه ~~الآخر، وإنما سمي ذا القرنين لأنه المضروب على جانب رأسه على ما روينا عن ~~أمير المؤمنين، انتهى. # وروي عنه عليه السلام أنه قال: وفيكم مثله، يعني نفسه علي عليه السلام ، ~~وأشار بالمثلية إلى ضربه عمرو بن عبد ود في الخندق وضربه بن ملجم. # قلت: وروى هذا أو مثله الإمام الحسين بن بدرالدين عليه السلام في شرحه ~~لأنوار اليقين، وقيل سمي بذلك لأنه بلغ فرني الشمس مطلعها ومغربها. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قيل هو رجل من الروم فيما ذكر كان ~~حكيما، ومكنه الله في بلاده وعباده، كما مكن أنبياؤه وصفوته من الأئمة ~~وأولياؤه. # قال المرتضى عليه السلام: وذوا القرنين هو رجل من الروم كان عبدا صالحا، ~~واسمه الاسكندر. PageV17P465 # قال الرازي: والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ~~ليس إلا الاسكندر، وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ~~ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى ~~مصر فبنى الاسكندرية، وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل ورد ~~بيت المقدس، وذبح في مذبحة، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبوبا ودانت له ~~العراقيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا وحاربه مرات إلى أن ~~قتله صاحب حرسه، فاستولى الاسكندر على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين ~~وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ثم رجع إلى ~~العراق، ومرض بشهر دور ومات بها، فلما أثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ~~ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما ~~كان إلا الاسكندر، وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الاسكندر بن قيلقوس ~~اليوناني، ولما سألوه عن ذي القرنين، قال تعالى: {قل سأتلو عليكم منه ذكرا} ~~أي سأخبركم منه خبرا[39] وذكرا مشروحا ms1354 بينا، تعرفون به نبوتي، ثم قال ~~سبحانه: {إنا مكنا له في الأرض} أي بسطنا له فيها وملكناه إياها {وآتيناه ~~من كل شيء} من أمره{سببا}. # قال المرتضى عليه السلام: والسبب الذي أتاه الله فهو سبب توفيق وتسديد، ~~ونصر وتأييد، انتهى. PageV17P466 # وقيل: سببا طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو ~~قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب {فأتبع سببا} أي طريقا توصل إليه {حتى إذا ~~بلغ مغرب الشمس} أي مسقطها الذي تغيب فيه عن ظهر الأرض {وجدها تغرب في عين ~~حمئة} أي ذات حمية وهي الطين التي من.........الأسود المتغير من الماء ~~الفاسد، أي تغرب في عين من عيون الماء حمية التراب، فوجدها تغرب في نفس ~~العين كما نراها في وسط البحر، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، عن ~~عاصم: في عين حامئة بالألف من غير همز أي تغرب حارة، عن أبي ذر رحمه الله ~~قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى الشمس حين غابت ~~فقال: ((أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه))؟ قلت: الله ورسوله أعلم، واتفقوا ~~أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامئة فقال ابن عباس حمية، فقال ~~معاوية لعنه الله لعبد الله بن عمر: كيف تقرأ؟ فقال: كما يقرأ أمير ~~المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف الشمس تغرب؟ # قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة، والحمئة ما فيه ماء وحمأة سوداء. PageV17P467 # قال الرازي: إنه لا ينافي بين الحمئة والحامية فجائز أن تكون العين جامعة ~~للوصفين جميعا، ثم قال تعالى: {ووجد عندها} أي عند العين{قوما} يقال لهم: ~~ناسك، وكانوا كفرة، ثم قال تعالى: {قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب} بالقتل ~~إن أبوا الإسلام {وإما أن تتخذ فيهم حسنا} فإن تعفو عنهم لتعلمهم الهدى أو ~~تستنقذهم من العمى، قيل لم يؤمن منهم إلا رجل واحد، كذا في البرهان، ~~والمعنى كأنه خيره الله بين قتلهم وبين دعوتهم إلى الإسلام فاختار الدعوة ~~والاجتهاد في استمالتهم، ويحتمل أن يريد بإما التفصيل أي ms1355 من آمن فله الجزاء ~~الحسنى، ومن كفر فعذبه{قال} ذوالقرنين{أما من ظلم} أي أختار البقاء على ~~الشرك بعد دعائه{فسوف نعذبه} في الدنيا {ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا} ~~أي منكرا في العادة لا في العدل، أو أنكر من عذابنا. # قال المرتضى عليه السلام: كان ذلك من الله عز وجل بسطا لهم في الحكم، ~~وكان قول ذو القرنين رحمة الله عليه في ذلك عدلا، وكلام صدق، رضيه الله ~~منه، ومعنى نكرا فالنكر هو الشديد الذي لا يعرف من عذاب الدنيا لهوله ~~وشدته، انتهى، {وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى} أي المثوبة ~~الحسنى، وهي ما للمؤمنين في الدنيا والجنة في الآخرة، قتادة ~~كان..........من كفر في العدد ومن آمن أعطاه وكساه، قرأ حمزة والكسائي وحفص ~~عن عاصم جزاء الحسنى بالنصب والتنوين، والباقون بالرفع والإضافة، فعلى ~~القراءة الأولى يكون التقدير فله الحسنى جزاء كما يقول لك هذه الثوب هبة. # وأما على القراءة الثانية وهي التفسير وجهان: # الأول: قوله: {فله جزاء الحسنى} والفعلة الحسنى هي الإيمان، والعمل ~~الصالح. PageV17P468 # والثاني: أن يكون التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى، ويكون المعنى فله ~~الجزاء الذي هو المثوبة الحسنى، فالجزاء موصوف والمثوبة الحسنى الموصوفة ~~به، والإضافة إلى الصفة عادة مشهورة كقوله: وله الدار الآخرة و{حق اليقين} ~~ثم قال تعالى: {وسنقول له من أمرنا يسرا} أي قولا ذا يسر/ أي لا نأمره ~~بالصعب الشاق، ولكن بالسهل الميسر، من الزكاة والخراج وغيرهما، كقوله ~~ميسورا، وقرئ يسرأ بضمين. # واعلم أنه تعالى[40] لما أخبر أولا أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من ~~مطلع الشمس، فقال سبحانه: {ثم أتبع سببا، حتى إذا بلغ مطلع الشمس} في أقاصي ~~الأرض{وجدها تطلع على قوم} يقال لهم منسك، وقيل: هم الزنج حفاة عراة {لم ~~نجعل لهم من دونها سترا} يعني لم يجعل من دون الشمس ما يسترهم من جبال ~~وأشجار وغيرها من الساترات والأبنية، فإذا طلعت عليهم رجعوا إلى أسراب لهم، ~~فإذا زالت عنهم خرجوا لصيد ما يقتاتونه من وحش وسمك. # قال الهادي عليه السلام: يقول لم نجعل ms1356 لهم ما جعلنا لغيرهم من الأكنان ~~والبيوت واللباس، وهؤلاء قوم في مطلع الشمس في طرف الأرض، انتهى. # قيل: لأن أرضهم لا تمسك الأبنية، والله أعلم. # وذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال: سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء ~~القوم فقيل بينك وبينهم مسير يوم وليلة فبلغتهم فإذا أحدهم يفترش أذنه ~~ويلبس الأخرى، ولما قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت ~~فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سربا لهم فلما ~~ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحوه في الشمس فينضج لهم، ثم قال ~~تعالى {كذلك} وفيه وجوه: # الأول: أي كذلك فعل ذوي القرنين أتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ كما ~~وصفنا تعظيما لأمره. # والثاني: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما أعلم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في هذا الذكر. PageV17P469 # والثالث: كذلك كانت حاله مع أهل المطلع كما كانت مع أهل المغرب قضى في ~~أولئك من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين. # والرابع أنه تم الكلام عند قوله كذلك، والمعنى أنه تعالى قال في أمر ~~هؤلاء القوم كما وجدهم عليه ذوا القرنين، ثم قال تعالى: {وقد أحطنا بما ~~لديه خبرا}. # قال الهادي عليه السلام: معناه فهو إبقاؤه من وراء هؤلاء القوم مما لم ~~يطأه من الأرض، انتهى. # والمراد إذا أحطنا بما لديه علما يقينا؛ لأنه عطاؤنا، وقيل: المعنى وقد ~~علمنا حين ما عنده من الصلاح لذلك الملك والاشتغال به، فهذان سببان وطريقان ~~أتبعهما، ثم أخبر الله تعالى أنه أتبع سببا وطريقا ثالثا، فقال: {ثم أتبع ~~سببا} أي ثم أراد بلوغ السدين فاتبع سببا يوصله إليه. # قال المرتضى عليه السلام: يقول أتبع سببا من أسباب الله الذي أعطاه إياها ~~ووفقه لها{حتى إذا بلغ بين السدين} أي بلغ بين الجبلين في منقطع أرض الترك ~~مما يلي الشرق سدد ذو القرنين ما بينهما، وقيل في جهة الشمال ما بين ~~أرمينية وأذربيجان، والمعنى أن ذا القرنين لما بلغ المغرب والمشرق أتبع ~~سببا آخر وسلك طريق ms1357 حتى بلغ السدين، وقد أتاه الله من العلم والقدرة أو ما ~~يقوم بهذه الأمور. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ويمكن أن الله تعالى سماهما سدين ~~لتسددهما وملوستهما حتى لا مرتقى لأحد فيهما. # وفي البرهان: السد بالضم من فعل الله عز وجل، والسد بالفتح من فعل ~~الآدميين، ولما بلغ ذو القرنين ما بين السدين{وجد من دونهما} أي من ورائهما ~~مجاوز عنهما {قوما} أي أمة من الناس قيل هم الترك {لا يكادون يفقهون قولا} ~~أي لا يقاربون أن يفقهوا كلاما، فهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم، فما كانوا ~~يفقهون اللسان الذي كان يتكلم به ذوا القرنين إلا لجهد ومشقة كما يفهم البكم. PageV17P470 # قال المرتضى عليه السلام: لا يفقهون ما يكلمون به، وقد يمكن أن يكون منهم ~~لعجمة شديدة أو لبلاهة وشدة.........ونطق، وقد يقول العرب للإنسان إذا كان ~~كذلك ما يفقه شيئا، ثم قال سبحانه يخبر عنهم: {قالوا ياذا القرنين[41] إن ~~يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} قيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون ~~شيئا أخضرا إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلا وأذا شديدا. # قال المرتضى عليه السلام: ياجوج وماجوج اسمان لقبيلتين كما يقال همدان ~~وخولان، وقيل: يمكن أن يكونوا سموا ياجوج وماجوج لكثرة أجنحتهم وعجبهم وشدة ~~صحتهم وموجان بعضهم في بعض، ولذلك سموا بهذين الاسمين، فكانوا يفسدون في ~~الأرض ويعيثون فيها، فسادا وتخريبا، فهم خلق عظيم كثير جدا. # قال في البرهان: وهما من ولد يافث بن نوح. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يموت الواحد ~~حتى يولد من صلبه ألف رجل)) انتهى. # وقيل: ياجوج من الترك، وماجوج من الديلم. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((هما أمتان كل أمة أربعمائة أمة)). # ابن عباس هم عشرة أجزاء، وكل ولد آدم جزء، وهم مكلفون أولا. # قال في التهذيب: يحتمل حالهم الوجهين، ثم قال سبحانه يخبر عنهم: {فهل ~~نجعل لك خرجا} أي مالا نخرجه لك وجعلا من أموالنا{على أن تجعل بيننا وبينهم ~~سدا} تمنعهم من ms1358 الخروج، وقرئ سد بالضم والفتح وقرئ خراجا، قيل: الخراج ~~والخرج واحد، وقيل: هما أمران متغايران، وعلى هذا القول فاختلفوا. # قال في البرهان: الخراج الغلة، والخرج الآخرة، وقيل: الخراج اسم لما يخرج ~~من الأرض، والخرج: هو ما يخرج من المال، انتهى. # وقيل الخرج .......... ألف هو الجعل؛ لأن الناس يخرج عن كل واحد شيئا ~~منه، ويخرج هذا شيئا وهذا شيئا، وهو الذي يجبيه السلطان كل سنة. # وقال الفراء: الخراج هو الاسم الأصلي، والخرج المصدر. PageV17P471 # وقال قطرب: الخرج الجزية، والخراج في الأرض. # قال المرتضى عليه السلام: معنى خرجا أي مالا نسلمه إليك، وعطاء نجزله لك، ~~على أن ترفع عنا شرهم، وتكفنا ما قد أحاط بنا من شرهم، فلما طلبوا منه ذلك ~~{قال ما مكنني فيه ربي} أي ما جعلني فيه مكنا من كثرة المال {خير} مما ~~تبذلون لي من الخراج. # وقال الحسين بن القاسم عليهم السلام: وإنما أراد عليه السلام أن الذي ~~أتاه الله من التدبير والحكمة، ولطف الحيلة، ومعرفة البناء والصناعة خير من ~~المال، وأنفع وأقطع لكيد العدو وأدفع، ثم قال ذو القرنين عليه السلام ~~{فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما} حاجزا حصنا، والردم أكبر من السد. # قال المرتضى عليه السلام: والقوة التي سألهم فهي المعونة، وإحضار ما ~~أمرهم به من زبر الحديد. # قال في البرهان: الردم الحجاب الشديد، وقيل المتراكب بعضه فوق بعض، ثم ~~قال: {آتوني زبر الحديد}...........فهو القطع الكبار، فبناه بقطع الحديد ~~بناء مستويا{حتى إذا ساوى بين الصدفين} أي جانبي الجبلين؛ لأنهما يتصادفان ~~أي يتقابلان. # قال المرتضى عليه السلام: والصدفان فهما الجبلان فردم رحمة الله عليه ~~الحديد بعضه على بعض حتى سد ما بين الجبلين، وبلغ بناؤه بالحديد رؤوس ~~الصدفين، ثم{قال انفخوا} والنفخ فهو إلهاب النار فيه، ونفخهم عليه {حتى إذا ~~جعله نارا} يقول حتى إذا صار نارا تتوقد {قال آتوني أفرغ عليه قطرا} أي أصب ~~على السد قطرا، والقطر النحاس المذاب، فلما أن سكبوا النحاس فيه انسكب هو ~~والحديد معا، وسار الردم قطعة واحدة لا يتزحزح من مكانه ولا ms1359 يطيق أحد ~~طلوعه، انتهى. PageV17P472 # ولم يكن ليأجوج وماجوج طريق إلى الناس غير ما بين الصدفين، قيل: حفر الأساس ~~حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر ~~الحديد بينهما الحطب والفحم أي السود، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ~~ثم وضع المنافيخ، وكانت ثلاثين ألف[42] منفاخ، حتى إذا صارت كالنار صب ~~النحاس المذاب على الحديد المحمى، فاختلط ولصق بعضه ببعض جبلا صلدا، أي ~~أملس، قيل بعد ما بين الجبلين مائة فرسخ وعرضه خمسون فرسخا. # وقال الحاكم: يقال أن ارتفاع السد في السماء مائة ذراع وعرضه خمسون، وعلى ~~السد باب مقفل، وبقربه حصن فيه قوم يحركون الحلقة كل جمعة فتعلم أن هناك ~~حفظة، قال رجل له صلى الله عليه وآله وسلم رأيته أي السد كالبرد المحير ~~طريقه سودا أو طريقه حمرا، قال قد رأيته أي صدقت، وقوله قطرا مفعول آتوني، ~~والتقدير آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإنما ~~سمي النحاس المذاب قطرا لأنه يقطر. # قال بعضهم: واعلم أن هذه معجزة قاهرة، لأن هذه الزبر الكثيرة إذا نفخ ~~عليها حتى صارت كالنار لم يقدر الحيوان على التقرب منها، والنفخ عليها لا ~~يمكن إلا بالقرب منها، فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة على ~~أبدان أولئك النافخين عليها، ثم قال سبحانه: {فما استطاعوا أن يظهروه} أي ~~يعلو عليه لارتفاعه وملاسته {وما استطاعوا له نقبا} يعني من أسفله لصلابته ~~.........، وقيل: إن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك مؤخرهما البحر ~~المحيط، كذا في البرهان. # ولما فرغ من بناء السد {قال هذا رحمة من ربي} أي نعمة لعباده كف به ضر ~~ياجوج وماجوج، والإشارة بقوله هذا إلى السد، يعني عمله رحمة من ربي لعباده، ~~ويحوز أن قدرته على عمله، والتمكين من تسويته، رحمة من ربي لعباده كف به ~~شرهم بالإلهام إليه. PageV17P473 # قال المرتضى عليه السلام معنى رحمة من ربي أي فضل منه وإحسان عليكم في ~~استقامة هذا الردم، ولولا فضل الله جل شأنه ما نلنا ذلك، ms1360 ولا قدرنا عليه، ~~وقد قيل إن جماعة من ياجوج وماجوج هربوا منه عندما أراد أن يسد عليهم فبلغه ~~ذلك، فأمر جماعة يتبعونهم ليردوهم عند تفرقهم فلم يلحقوهم، وعجزوا عن الرد ~~لهم، فقيل له: إنهم قد عجزوا وذهبوا، فقال رحمة الله عليه: أتركوهم ~~أتركوهم، وهم هؤلاء الترك الذين يعرفون فسموا بقوله أتركوهم الترك اشتقوه ~~لهم من الترك. # ثم قال: {فإذا جاء وعد ربي} أي أجله بخروج ياجوجح وماجوج{ جعله دكاء} ~~مدكوكا مبسوطا {وكان وعد ربي حقا} يقول صدق لا خلف فيه. # قال في البرهان: يعني ما وعد به من أشراط الساعة وعلامات الآخرة عند نزول ~~عيسى بن مريم عليه السلام . # وروينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنهم يبدؤن في حفرهم ~~نهارا حتى إذا أمسوا وكادوا ينظرون شعاع الشمس، قالوا نرجع غدا فنحفر ~~بقيته، فيعودون من الغد وقد استوا كما كان، حتى إذا جاء أمر الله قالوا: ~~غدا إن شاء الله ننقب بقيته فيرجعون إليه فينقبونه بإذن الله، فيخرجون منه ~~على الناس فيتحصن الناس في حصونهم، ثم يرمون نبالهم إلى السماء فترجع ~~إليهم، فيقولون قد ظهرنا على أهل الأرض وقهرنا أهل السماء فيرسل الله عليهم ~~عذابا يهلكهم به)). # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: روي أن وعد الله هاهنا هو وعده بهدم ~~السد، بعد وفاة المهدي، ولست أدري ما حق هذا من باطله، ويمكن أن يكون وعد ~~الله يوم القيامة، وهاهنا آخر حكاية ذي القرنين. # ثم قال تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} وقد ذكروا في يومئذ وجوها: # الأول: أن المراد به يوم القيامة، أي الخلق من الإنس والجن يموج بعضهم في ~~بعض، أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى من هول يوم القيامة. PageV17P474 # والثاني: قال المرتضى عليه السلام معنى يموج بعضهم في بعض فهو ما يكون عند ~~فتح ياجوج وماجوج من الهرج والمرج، والفتن والعظائم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه تركنا ياجوج وماجوج ~~وغيرهم[43] من جميع الناس يموجون في الفتن والمصائب، والمجن والجور، وسفك ~~الدماء، وذلك ms1361 عند اقتراب النفخة الأولى، وقيل النفختان في يوم واحد نفخة ~~الهلاك ونفخة البعث، وذلك يوم القيامة، كما روي، وإلا يكن ذلك كالتفسير أنه ~~نفخ عنهم السد يوم القيامة حتى يختلط الناس ويموج بعضهم في بعض، انتهى. # وروي من صفتهم أنهم يأتون البحر فيشربون ماؤه ويأكلون الشجر، ومن ظفروا ~~به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون أنهم يأتون مكة والمدينة وبيت ~~المقدس، ثم يبعث الله عليهم نعقا فتدخل آذانهم فيموتون، والنعق بفتح العين ~~المعجمة وسكونها دود يخرج من آناف الإبل، والمعنى يهلكهم الله على عظمهم ~~بشيء حقير. # والثالث: أن يوم السد ماج بعضهم في بعض لما منعوا من الخروج، وكل ذلك ~~يحتمل أن الأقرب أن المراد الوقت الذي جعله الله فيه دكا، فعنده ماج بعضهم ~~في بعض وبعده كما تعالى: {ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا}. # قال المرتضى عليه السلام: معنى نفح في الصور فهو نفخ في صور الآدميين ~~للبعث، انتهى. # فالنفخ عبارة عن إحياء الموتى من غير نفخ على الحقيقة. # وعن الحسن: الصور جمع صورة، والنفخ فيها عبارة عن إحيائها بالأرواح، ~~ومثله عن أبي عبيدة. # قال المرتضى عليه السلام: معنى فجمعناهم للحساب جمعا مشخصا حتى لا يغادر ~~سبحانه منهم أحدا، انتهى. # قال عز وجل: {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا} أي أظهرناها لهم ~~يشاهدونها إظهارا. PageV17P475 # قال عليه السلام: وعرضها لهم فهو معاينتهم لها ومحاصرتهم إياها وإيقانهم ~~بها، فذلك يجري مجرى عقاب الكفار لما يتداخلهم من الغم العظيم، ثم قال ~~فيهم: {الذين كانت أعينهم في غطاء} أي غشاء يغطيها {عن ذكري} أي آياتي التي ~~نظهرها سبب في ذكري بالتعظيم، وهو القرآن وتأمل معانيه. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى في غطاء عن ذكري أي كانت أعيان ~~قلوبهم في جهل وعمى عن ذكري؛ لأنهم عموا قلوبهم وأصدوها بالإعراض عن الحق، ~~والميل إلى الكفر والفجور والفسق، وفي ذلك يقول المرتضى عليه السلام: ~~والغطاء فهو الغفلة التي كانوا عليها، فلم يكونوا ينتفعون بما رأوا من ~~الآيات، ويعاينون من الأمور الباهرات، وقد شغلهم الهوى ms1362 والميل إلى الدنيا، ~~حتى كانوا من مشهد القيامة في غطاء، والغطاء فهو ما كان عليه من الغفلة ~~والبعد، انتهى. # ثم قال: {وكانوا لا يستطيعون سمعا} أي كانوا صما عنه لا يلقون إليه ~~مسامعهم لإعراضهم عنه، وهذا أبلغ من وصفهم بالصمم؛ لأن الأصم قد يستطيع ~~السمع إذا صح له، وهؤلاء كأنهم أصمت أسماعهم فلا يستطيعون، والمراد منه شدة ~~انصرافهم عن قبول الحق. # قال المرتضى عليه السلام: معنى أنهم كانوا لا يقدرون من البعض للحق ~~والتكذيب له استماعا، وكانوا يبغضون استماعه للذي كانوا عليه من الصدود عن ~~الحق، وقلة استماعهم له، وكانوا يفعلون من ذلك كفعل من لا يستطيع أن يسمع، ~~والسمع هاهنا فهو الطاعة لله ولرسوله، وهذا في لغة العرب موجود، يقول الرجل ~~للرجل اذهب معي إلى فلان فيقول لست أستطيع انظر إليه، يقول من بغضه وهو ~~يستطيع أن ينظر إليه، فلما كان مبغضا له شانيا لأمره جاز أن يقول لا ~~أستطيع، ويقول القائل: لا أستطيع أن أدخل عليك من بغضك وهو يقدر أن يدخل ~~عليه، وكان هذا من بغضهم للحق فغلبتهم أنفسهم مع اتباع الشيطان حتى لا ~~يقدروا أن يسمعوه، ولذلك ضرب الله لهم الأمثال في قلة الاستماع. PageV17P476 # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: هذا من الله عز وجل على طريق الذم لهم، ~~والعتب لهم، أخبر سبحانه أن صدودهم عن الحق[44] وقلة سمعهم له فعال كفعال ~~من لا يستطيع سمعا، والسمع هاهنا فهو الطاعة لله ولرسوله، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين من حال الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر، وعن ~~استماع ما جاء به الرسول أتبعه بقوله سبحانه: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أولياء} أفحسب استفهام على سبيل التوبيخ، وفي العباد ثلاثة ~~أقوال: قول عيسى والملائكة عليهم السلام وقيل: الشياطين يولونهم ويطيعونهم، ~~وقيل: هم الأصنام سماها عبادا كقوله: {عباد أمثالكم} ويحتمل أن يراد ما ~~عبدوه من دون الله من صنم وغيره، والمتخذ لهم الذين كفروا، وكانوا ~~يعبدونهم، واتخاذهم عباد من دونه فهو إيثارهم بالطاعة على الله سبحانه ms1363 حتى ~~اتخذوهم من دونه أولياء، ومعنى أفحسب فهو وعد وتقريع، والمعنى أفحسب الذين ~~كفروا وظنوا أن يتخذوا عبادي أولياء من دوني، ولا أعذبهم على الشرك في ~~عبادتي، ولكنه اختصر، ثم قال تعالى: {إنا أعتدنا} أي هيأنا وأحصرنا ~~وقربنا{جهنم للكافرين نزلا} ومحلا ينزلون عليه، ويصيرون بذنوبهم إليه، في ~~النزل قولان: # الأول: وقال الزجاج إنه المأوى والمنزل. # والثاني: الذي يقام للنزيل وهو الضيف، ونظيره في الاستهزاء {فبشرهم بعذاب أليم}. # قال المرتضى عليه السلام: النزل فهو العطاء والجزاء؛ لأن العرب تقول إذا ~~أنزل الإنسان على ما يكره نزل نزلا قبيحا، فلما أن كان عطاؤه سبحانه في ~~الآخرة، ونزله لهم جهنم، قال: نزلا أي جزاء من الله وتنكيلا، وعذابا شديدا، ~~إذا كان خروجهم من أجداثهم وحضورهم يوم القيامة إلى ربهم طريقا إلى منزل ~~البلاء ومحل الشقاء، انتهى. PageV17P477 # ثم ذكر تعالى ما نبه على جهل القوم فقال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} وليس الأمر ~~كما حسبوا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى المشركين الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا، وبطل عند الله عملهم، وهم يحسبون أنهم محسنون في صنعهم، ~~ويتوهمون أنهم مصيبون في عملهم، قدمهم الله تعالى على حسبانهم وظنهم؛ لأن ~~الله لم يجعل دينه بالظن والحسبان، وإنما جعله بالدلائل والبيان، والشواهد ~~الواضحة والإتقان، انتهى. # وعن أبي سعيد الخدري: يأتي ناس بأعمال يوم القيامة ثم هي عندهم في العظم ~~كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا. # قال المرتضى عليه السلام: فكذلك كل من تعلق بالباطل وترك الحق، ومال ~~بجهده عن القصد، وتوهم أنه على طريق رشد، فكانت الجاهلية تعمل أصناما، ~~وتوقد نيرانا تقول إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، وكانوا يتوهمون أن ~~عبادة الأصنام تقربهم إلى الله سبحانه، وكان هذا من السعي الضال الموجب ~~للنيران، والخزي والهوان، ومثل ما ترى فيه الآن كثير من أهل دهرك ممن هو ~~مكلف ببدعة لهج تصف الغي رشدا، والجور قصدا، فهو ضال عن الحجة، مسترسل في ~~الغفلة، ms1364 غير راجع إلى الحق، ولا طالب للصدق، وذلك ايضا ممن قد ضل سعيه في ~~الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعا. # قال في البرهان: وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال هم ~~الخوراج. PageV17P478 # قلت: وفي رواية الرازي عن علي عليه السلام أن ابن الكرا سأله عنهم فقال: ~~منهم أهل حرورا، والأصل أن يقال هو الذي يأتي بأعمال يظنها طاعات وفي ~~أنفسها معاصي، وإن كانت طاعات لكنها لا تقبل منهم؛ لأجل ما هم عليه من ~~الإنحراف عن الحق، والآية عامة في رفض الأئمة من آل الرسول عليهم السلام ~~الذين أمر الله باتباعهم وطاعتهم، ولو تشلح جبينه من طول العبادة؛ لأن ذلك ~~لا ينفعه مع رفضه لأولياء الله، ثم إنه تعالى بين صفتهم فقال: {أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه}. # قال المرتضى عليه السلام [45] فسماهم كافرين به غير مصدقين بلقائه، ~~واللقاء فهو الآخرة والبعث والحشر، ثم قال: {فحبطت أعمالهم} وحبطت فهي ~~بطلت، وقال {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} يقول: وليس لهم يوم القيامة ~~عمل يعطون عليه، ولا يثابون فيه، كما قال سبحانه: {وأما من خفت موازينه ~~فأمه هاوية} وأراد بالموازين العمل، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى وزنا: أي لا نثبت لهم في الحساب ~~فعلا حسنا، والوزن مثل مضروب، قال الشاعر: # لا تأخذوا القوم عن طول ولا قصر # وزن حصاهم فليس القوم....... # ثم قال سبحانه: {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا} ~~فقوله أي ذلك الذي ذكرناه وفصلناه من أنواع الوعيد، هو جزاؤهم على أعمالهم ~~الباطلة، وقوله جهنم عطف بيان لقوله جزاؤهم، ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء ~~على مجموع أمرين: # أحدهما: كفرهم. # والثاني: أنهم ضافوا إلى الكفر أنهم أعدوا آيات الله هزوا، واتخذوا رسله ~~هزوا، فلم يقتصروا على التمرد عليهم، وتكذيبهم حتى استهزؤا بهم. PageV17P479 # قال المرتضى عليه السلام: والهزوا فهو الاستخفاف والإطراح والتكذيب، فكانوا ~~يتخذون آيات الله العظيمة الباهرة، ورسله الصادقة الطاهرة هزوا، فحق عليهم ~~من الله الوبال، وصاروا بكفرهم إلى شر حال. # واعلم ms1365 أنه تعالى لما ذكر الوعيد وأخبر أن جهنم نزلهم أتبعه بالوعدين غيبا ~~في الإيمان والعمل الصالح، فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كانت لهم جنات الفردوس نزلا} أي كانت لهم جنات الحدائق نزلا ومحلا، فعقب ~~سبحانه الترهيب بالترغيب، والإنذار بالتبشير، أي جمعوا بين الإيمان ~~والأعمال الصالحة بإخلاصها لله تعالى، والفردوس وسط الجنة وأعلاها درجة، ~~فهي أعظم ما وعد الله المؤمنين، وكذلك قال المرتضى عليه السلام: الفردوس ~~فهو اسم لفاخر الجنان وعظيم منزلها، وأكرم محلها، والنزل فهي العطية ~~والكرامة التي ينزلهم الله بها ويحلهم فيها، ثم قال: {خالدين فيها} والخالد ~~فيها الدائم الباقي الذي لا يزول عنها أبدا، ومعنى {لا يبغون عنها حولا} ~~فهم لا يطلبون بها بدلا قد عظم سرورهم بها واشتد جذلهم بدخولها، فهم لا ~~يبغون بها غيرها مخلدون أبدا فيها، انتهى. # وهذا غاية الوصف أو كل النعيم في الدنيا فصاحبه لا يزال يطمح إلى أعلا منه. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات، وشرح ~~فيها أقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن، فقال: {قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} المداد اسم لما عد به ~~الدواة من الحبر، ولما عد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم ~~الله وحكمته، وكان البحر مدادا لها لنفذ قبل أن تنفذ الكلمات، والمراد ~~بالبحر الجنس، أي جميع البحور، ثم قال: {ولو جئنا بمثله مددا} أي مثل البحر ~~لنفذ أيضا، والكلمات غير نافدة. PageV17P480 # قال المرتضى عليه السلام: قد سئل عن هذه الآية جدي القاسم بن إبراهيم ~~عليهما السلام وقد أثبت تفسيره لها وشرحه في كتابي هذا، ما كان يقول به في ~~تأويلها، فأثبته على ما أجاب به، ولم أحب أن أشرح غير شرحه، واجتزيت فيها ~~بقوله صلوات الله عليه: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي، والكلمات فقد ~~تكون المحكمات، وحكمة الله سبحانه لا ينفدها منفد، ولا يقدر على إحصائها ~~كلها أحد، وكيف يحيط بكلمات الله لو كان البحر ms1366 مدادا لنفد قبل نفادها، ولو ~~جيئ بمثله مددا لها إلى أن ينقطع ذلك المدد، انتهى. # قال[46] الحسين بن القاسم عليهما السلام: وإنما اختار للعباد من حكمته ما ~~يفهم ويحاط بظاهره من القرآن ويعلمه. # وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، ~~ثم تقرأون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فنزلت هذه الآية، أي ذلك خير ~~كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. # واعلم أنه تعالى لما بين كمال كلام الله أمر محمدا بأن يسلك طريقة ~~التواضع فقال سبحانه: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} أي مثلكم من البشر ~~لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا في أن الله تعالى أوحى إلي ~~وأكرمني بذلك دونكم أوحي إلي{أنما إلهكم إله واحد} فوحدوه من الإشراك به، ~~وكلمة إنما تفيد الحصر، ثم قال: {فمن كان يرجوا لقاء ربه} في لقائه وجهان: # أحدهما: معناه لقاء ثوابه. PageV17P481 # والثاني: قال المرتضى عليه السلام: اللقاء فهو العود بعد الموت والرجعة من ~~بعد البلاء، والمحاصرة لما قدموه من جميع الأشياء، وحضور القيامة، انتهى. ~~{فليعمل عملا صالحا} مطابقا للسنة والكتاب ينجو به من العذاب، والعمل ~~الصالح فهو ما افترض الله على خلقه، ودلهم سبحانه عليه في كتابه على لسان ~~نبيه من أداء الفرائض، واجتناب المحارم، والتقرب إلى الله سبحانه بما كان ~~من سوى ذلك من النوافل، فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه ويزلف لديه. # ولما كان العمل الصالح قد يؤتى به لله، وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا ~~جرم اعتبر فيه قيدان أن يؤتى به لله وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال عز ~~وجل: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}. # قال عليه السلام: يقول سبحانه لا يشرك في طاعة ربه أحدا غيره من خلقه، ~~وقد يكون ذلك بالطاعة والرياء، انتهى، أي لا يطيع معه سواه، ولا يريد بعمله ~~أحد غيره. # قال الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش عليه السلام في كتاب (البساط) ~~أخبرني محمد بن منصور، قال حدثني سفيان بن ms1367 وكيع، يرفعه عمن سمع مجاهد يقول: ~~جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يارسول الله أتصدق ~~بالصدقة ألتمس بها وجه الله، وأحب أن يقال في خيرا فنزلت {فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اتقوا الشرك الأصغر)). # ومن خط الوالد السيد العلم العلامة شمس الدين أحمد بن محمد بن صلاح رحمه ~~الله تعالى ما لفظه: ومن اللآلئ وفي سماعي ألا أدلكم على ما ينفي الله به ~~قليل الشرك وكثيره، اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لكل ~~ما لا أعلم. PageV17P482 # قال في البرهان: وروينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أتخوف على ~~أمتي الشرك والشهوة الخفية، قيل: أتشرك أمتك بعدك؟ قال: لا، أما إنهم لا ~~يعبدون شمسا ولا قمرا، ولا حجرا ولا قرنا، ولكنهم يراؤون بأعمالهم، فقيل: ~~يا رسول الله وذلك شرك؟ قال: نعم، قيل: وما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح أحدكم ~~صائما فتعرض له الشهوة من شهوات الدنيا فيفطر لها ويترك الصيام)). # قال فيه: وهذه الآية نزلت في جندب بن زهير العامري أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال له: إنا لنعمل العمل نريد به وجه الله فيثني به ~~علينا فيعجبنا، وإني لأصلي الصلاة فأطولها رجاء أن يثني بها علي، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل يقول: ((أنا خير شريك فمن ~~شاركني في عمل يعمله لي أحدا من خلقي تركته وذلك الشريك)) ونزلت فيه هذه ~~الآية: {فمن كان يرجوا لقاء ربه} إلى آخرها، والله أعلم. PageV17P483 ### || AUTO سورة بني إسرائيل # مائة وإحدى عشرة آية في الكوفي[47] وعشر آيات في المصري والحجازي ~~والشامي، مكية إلا ثلاث آيات من قوله: {وإن كادوا # ليفتنونك} إلى قوله: {سلطانا نصيرا}. # قال في البرهان: وهو قول ابن عباس وقتادة. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى الذي باركنا حوله}. ms1368 # قال الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن الحسين صلوات الله عليهم ~~قوله: سبحان يريد بذلك التنزيه لنفسه والتقديس له جل ثناؤه، ولا يجوز ~~التسبيح لأحد غيره، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتسبيح في لغة العرب ~~المعروفة فهو التنزيه، قال الأعشى البكري: # أقول لما جاءني فجره قوله ... سبحان من..............الفاخر # يريد بذلك التنزيه لله عز وجل والتعظيم، وأضمر الله في هذا الموضع ~~لمعرفته بجواز ذلك عند العرب. PageV17P484 # وأما قوله عز وجل: {أسرى بعبده} فإنه يعني محمدا عليه السلام ، والإسراء هو ~~المسير بالليل، ولا يجوز أن يكون الإسراء بالنهار، قال ذو الرمة يصف ~~الإسراء ويذكر أمره: # فإن كنت آثرهم.........فالحقي # ولن يستطيع.......مهاوينا السرى ... بود وإلا فارجعي بسلام # ولا خوض ليل في.......... # وأما قوله: ليلا فإنه معنى قدرته وتعجيل بلوغه إلى الشام من مكة في ليلة ~~واحدة، والمسجد مسجد مكة، والمسجد الأقصى مسجد بيت المقدس المبارك الذي ~~بارك الله فيه عز وجل وفيما حوله، وأعظم النعمة على خلقه، والإحسان إلى ~~بريته، ومعنى قوله: {ليلا} ليلة واحدة؛ لأن قريش لم تفقد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلا ليلة واحدة، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وروي أن الله عز وجل أسرى به ملكا ~~من الملائكة الكرام، فأوصله إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، وهذا عجب عجيب ~~لمن عقل. # وروي أنه أتى إلى أهل مكة بأخبار من سافر منهم إلى الشام، فلما وصل ~~أصحابهم سألوهم عن ذلك فوجدوه حقا، وكان ذلك من الله حجة عليهم، ومعجزة ~~عظيمة أتا بها لهم، ومعنى: {باركنا حوله} أي جعلنا عنده البركة والخير ~~الكثير، وآثار الأنبياء الطاهرين، والوسيلة والتقرب إلى رب العالمين، انتهى. # وقوله: {ليلا} نصب على الظرف. # فإن قيل الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ # قال بعضهم: أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير بقليل مدة الإسراء، أو أنه أسري ~~به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسير أربعين ليلة، وذلك أن التنكير مدة ~~قد دل على معنى البعضية، ثم قال تعالى: {لنريه ms1369 من آياتنا} يعني ما أراده في ~~تلك الليلة من عظمة سلطانه، ونيرات برهانه من العجائب والآيات التي تدل على ~~قدرة الله تعالى، ثم قال: {إنه هو السميع البصير} أي السميع بلا إله، ~~والبصير بلا حاشية، فمعنى السميع البصير هو العليم الخبير. PageV17P485 # واختلف المسلمون في كيفية ذلك الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا ~~على أنه اسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والأقلون أنه أسرى بروحه. # حكى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: ذلك رؤيا، وأنه ما ~~فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما أسرى بروحه، وحكي هذا ~~القول أيضا عن عائشة وعن معاوية. # قلت: ولو كان ذلك كذلك لما كان معجزة معقولة، ولما أكذبه الكفار؛ لأن مثل ~~هذا يصدق في الطارف من الناس، وهذه معجزة تفتقر إلى شرح طويل. # قال الهادي عليه السلام: إنما يكون ذلك في اليقضة؛ لأن الله تعالى إنما ~~أراد بإرقائه إلى السماء كرامته، وليريه من عجائب خلقه ما حجبه[48] عن ~~غيره، ولم يكرم به سواه، وإذا كان كذلك استحال أن يكون نائما كما يقول ~~الجاهلون، انتهى. # قال الإمام الناصر لدين الله أبو الفتح الديلمي عليه السلام في برهانه: ~~ليس ينكر المعراج إلا من ينكر ويدفع معجزات الأنبياء، وكراماتهم، وليس ~~العروج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء ليشاهد ما خلق الله ~~عز وجل من بديع الخلق، وبحكم الصنع بأعظم مما ظهر على يديه من الآيات ~~والمعجزات، والشواهد الصادقة، كالقرآن وتكليم الشجرة، وتسبيح الحصى، إلى ~~غير ذلك مما خصه الله تعالى، ثم مع ذلك إن أهل الإسلام يجمعون على أن عيسى ~~عليه السلام رفعه الله تعالى إلى السماء، وأن محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم أفضل منه قدرا عند الله، فما بالهم يخبرون رفع عيسى عليه السلام إلى ~~السماء، ويمنعون هذه الفضيلة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما يجحد ~~المعراج إلى قليل التدبير والمعرفة بمراتب الأنبياء والمرسلين. PageV17P486 # وعندنا أنه أسري بجسمه وروحه، وأنه دخل ms1370 بيت المقدس وصلى فيه، ثم عرج به ~~منه، ثم رجع إلى المسجد الحرام، وصلى فيه صلاة الصبح من صبيحة ليلته، ثم إن ~~المشركين كذبوا بذلك، وجعلوا يسألونه عن بيت المقدس، وما رأى في طريقه، ~~فوصفه لهم، ثم ذكر لهم صفة إبل كانت لهم في طريق الشام تحمل متاعا، وأنها ~~تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا في ذلك اليوم ~~يستقبلونها، فقال قائلهم: هذه والله الشمس قد شرقت ولم تأت، وقال آخر: هذه ~~والعير يقدمها جمل أورق كما قال محمد، وفي هذا دليل على إسرائه بجسمه ~~وروحه، وقوله: {إلى المسجد الأقصى} يعني بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن ~~داود، وسمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، ثم قال: {الذي باركنا ~~حوله} يعني بمن جعل حوله من الأنبياء والأوصياء، وما خص الله أهله به من ~~الثمار ومجاري الأنهار {لنريه من آياتنا} أي من العجائب التي فيها ~~اعتبار{إنه هو السميع العليم} يعني لما يقولون من تصديق وتكذيب {البصير} ~~فيما يفعل من الإسراء والمعراج، انتهى كلامه عليه السلام . # قلت: ومثل هذا في (كاشفة الغمة) للإمام الناصر لدين الله محمد بن أمير ~~المؤمنين المهدي لدين الله علي بن محمد عليهما السلام وذكر في هذه المعجزة ~~فوائد تركناها لطولها. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية كرامة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن أسرى به ذكر بعده أنه أكرم موسى عليه السلام قبله بالكتاب الذي ~~أتاه فقال: {وآتينا موسى الكتاب} يعني التوارة{وجعلناه هدى لبني إسرائيل}. # قال في البرهان: يجوز أن يكون المراد بهذا موسى، ويجوز أن يكون الكتاب؛ ~~لأن كل واحد منهما هاد، انتهى. # ومعنى قوله: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} أي ربا تكلون إليه أموركم، أي ~~فقلنا لا تتخذوا، وإن مفسرة، كقولك كتبت إليه افعل كذا. PageV17P487 # قال الرازي: اعلم أن الكلام في الآية التي قبل هذه الآية وفيها انتقل من ~~الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة؛ لأن قوله: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده} فيه ذكر الله على سبيل الغيبة، ms1371 وقوله: {باركنا حوله لنريه من ~~آياتنا} ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور، وقوله: {إنه هو السميع البصير} يدل ~~على الغيبة، وقوله: {وآتينا موسى الكتاب} إلى آخره يدل على الحضور، وانتقال ~~الكلام من الغيبة وبالعكس، يسمى صفة الالتفات، وحاصل الكلام في الآية أنه ~~تعالى ذكر تشريف محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء، ثم ذكر عقيبه ~~تشريف موسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه، ثم وصف التوراة بكونه هذا، ثم ~~أخبر أن التوراة إنما كان هدا لاشتماله على أن لا تتخذوا[49] من دونه جل ~~ثناؤه إلها يعبد، ولا ربا يوحد، انتهى. # ثم قال تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح} أي نسلهم وبقيتهم، وخلفهم وذريتهم. # قال في البرهان: يعني موسى وقومه من بني إسرائيل، وكانوا من ذرية من كان ~~في السفينة، وفيه تذكير بالنعمة إذ نجى آباءهم من الغرق، وفي نصب ذرية وجهان: # الأول: أن يكون نصبا على النداء، يعني ياذرية من حملنا مع نوح. PageV17P488 # والثاني: هو منصوب على الاختصاص، وقد يجعل وكيلا ذرية من حملنا مفعولي ~~تتخذوا أي لا تجعلوهم أربابا، ثم إنه تعالى ثنى على نوح عليه السلام ، ~~فقال: {إنه كان عبدا شكورا} لأنه كان كثير الشكر على ما بلاه الله تعالى به ~~من مقاساة قومه، فاقتدوا به كما اقتدأ به آباؤكم، فإن قيل قوله: {إنه كان ~~عبدا شكورا} أما وجه ملائمته لما قبله؟ قيل له: التقدير كأنه قال: لا ~~تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي؛ لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا، ~~وإنما يكون شكورا لو كان موحدا، لا يرى شيئا من النعم إلا من فضل الله، ~~وأنتم ذرية قومه فاقتدوا بنوح كما أن آباءكم اقتدوا به، والله أعلم. # واعلم أن تعالى لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم، ~~وأنه جعل التوراة هدا لهم، أخبر سبحانه أنهم ما اهتدوا بهداه بل وقعوا في ~~الفساد، فقال: {وقضينا إلى بني إسرائيل} أي أوحينا إليهم {في الكتاب} هو ~~التوارة {لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا}. PageV17P489 # قال أئمتنا عليهم السلام وغيرهم: ms1372 معنى وقضينا إلى بني إسرائل أي أخبرناهم ~~في الكتاب عن فسادهم في الأرض مرتين، وعلوهم واستكبارهم وتجبرهم، وهذا أقضا ~~خبر أخبرهم الله به، وليس بقضا جبر ولا قسر؛ لأن الله حكيم، والحكيم لا ~~يقضي بالفساد، والفساد الذي فعلوه قبلهم للناس ظلما، وتغلبهم على أموالهم ~~قهرا، وإخراب ديارهم بغيا، فأعلمهم الله بما سيفعلون وبما يكون، وما ينزل ~~بالظالمين منهم من النقم بعد نزول التوراة لاقضا حتم وخير؛ لأن القضا في ~~القرآن ينصرف على بلائه وجوه، فمنه قضى خير وهو الإعلام، وقضى حتم وهو الذي ~~لا مخرج منه ولا حيلة، وقضى أمر وهو قوله عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه} ولو كان هذا محتوما ما قدر عليه أحد أن يخرج من الطاعة إلى المعصية، ~~ولا قدر أن يعبد الأصنام من دون الله جل جلاله، وأما قضا الحتم فقوله: ~~{فقضاهن سبع سماوات في يومين} وأشباه ذلك في القرآن من القضا بالحتم، ثم ~~قال تعالى: {ولتعلن علوا كبيرا} يعني باتباع أهوائهم، ومخالفة ما جاء به ~~موسى عليه السلام من أحكام التوراة، ثم قال: {فإذا جاء وعد أولاهما} ~~وإخراجهما قتل يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى عليه السلام ، والمعنى أنه ~~إذا جاء وعد الفساد في المرة الأولى {بعثنا عليكم عبادا لنا} أي سلطانا ~~عليكم قوما{أولي بأس شديد} ونجدة وشدة، والبأس القتال، ومنه قوله تعالى:{ ~~وحين البأس} وبعث الله الكفرة تخليته بينهم وبين ما فعلوا، ولم يمنعهم ~~عقوبة لهم، ولذلك أسند البعث إليه، كقوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} ~~والمعنى أن الله عز وجل سلط الملك وأصحابه فقلتوا اليهود بقتلهم ليحيى بن زكريا. PageV17P490 # قال المرتضى عليه السلام: فإنه يعني يحيى صلى الله عليه وصل إلى ~~..........يدعوهم إلى الله سبحانه، وكان فيهم ملك جبار عنيد، فلما أن كان ~~ذات يوم وهو يدعو الخلق إلى الله ويحضهم على طاعته، ويقيم عليهم حجج ربه ~~إذا جازت عليه امرأة على فرس ذات جمال وهيبة قاصدة إلى الملك، فقيل ليحيى ~~عليه السلام إن هذه امرأة يفسق بها هذا الظالم[50] ms1373 وهي تختلف إليه للفجور، ~~فوثب إليها صلوت الله عليه فرماها بالحصى قال: يا عدوة الله تضاهرين ~~بالمعاصي، فوعظها مع كلام طرحه عليه السلام ، فلما أن دخلت على ملكهم دخلت ~~غضبانة فسألها عن خبرها فأخبرته بفعله، وامتنعت عن الوقوف عنده والانبساط ~~إليه حتى يقتل لها يحيى صلوات الله عليه ، فأرسل الطاغية فنشره بالمنشار ~~طلبا لرضاها، وتغيير لما كان من فعله بها، ولإنكاره الفاحشة عليها، فلم ~~يمنع الطاغية أحد من أهل ذلك الدهر، ولم ينكر فعله عليه، فأقام دمه عليه ~~السلام يغلي على الأرض دهرا، فلما أن ثار بخت نصر وظهر على البلد، قال: ما ~~بال هذا الدم الذي يغلي؟ فقيل له: إنه على ما نعاين منذ دهر وحين فأعلموه ~~بالسبب فقال: إن لهذا الدم لأمر، أو شأنا فلأقتلن أهل البلدة به، فأقبل ~~يقتلهم على الدم والدم يطفح على دمائهم ويغلي حتى قتل مائة ألف إلا واحدا، ~~والدم على حاله يعلوا على الدماء ويغلي على حاله، فقال: اطلبوا؟ فقيل:لم ~~يبق أحد من القوم، فأمر بالطلب فلم يزالوا يطلبون حتى وجدوا رجلا متحجر في ~~غار فضربوا عنقه على الدم فلما أن قتل سكن الدم عند كمال مائة ألف، هذا ~~الذي نوقن به ونصححه من خبره، وقد كثرت في ذلك الأخبار، واختلف المحدثون، انتهى. # وقيل: المبعوث عليهم في هذه المرة الأولى جالوت الذي قتله داود، وقيل: ~~سنحاريب من أهل الموصل، وكان في ستمائة ألف راية، ثم قال تعالى: {فجاسوا ~~خلال الديار} أي وسط ديارهم للفساد، والجوس التردد في الاستقصاء للفساد. PageV17P491 # قال الليث: الجوس والجوسان التردد خلال الديار، والثبوت في المغارة، ~~والخلال الانفراج بين الشيئين، والديار ديار بيت المقدس، واختلفت عبارة ~~المفسرين في جاسوا، فعن ابن عباس: فتشوا. # وقال أبو عبيدة: طلبوا من فيها. # وقال ابن قتيبة: عاثوا وأفسدوا. # وقال الزجاج: طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه، وكذلك يحتمل كل ما قالوا. # وقال في البرهان: فجاسوا خلال الديار، يعني قتلهم بين الدور والمساكن، ~~وعلى هذا قول حسان: # ومنا الذي لاقى بسيف محمد # فجاس ms1374 به الأعداء عرض العساكر # وقيل: معناه نزلوا خلال الديار، ومنه قول الشاعر: # فجسنا ديارهم عنوة ... وابناء سادتهم موثقينا # ثم قال تعالى في عقابهم بهذه الوقائع: {وكان وعدا مفعولا} أي قضا لابد ~~منه، وقال تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} أي الدولة والغلبة حين تبتم ~~عن الفساد والعلو، يريد أهلكنا أعداؤكم الذين بعثوا عليكم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: أي رددنا لكم الدولة عليهم بما ~~أعطيناكم من المادة والزيادة في الأموال والأنفس، انتهى. # وهو معنى قوله تعالى: {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} أي ~~أكبر عددا من عدوكم، والنفير العدد من الرجال، وأصله من نفر مع الرجل من ~~عشيرته وقومه، النفير والنافر واحد كالقدير والقادر. # قال عليه السلام: النفير هم الجماعة، قال الشاعر: # بنو عامر فهم الأكرمون ... والأكثرون حصا أو نفيرا PageV17P492 واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما غضوا سلط الله عليهم أقواما قصدوهم ~~بالقتل والنهب والسبي، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة، وأعاد عليهم ~~الدولة فعند ذلك أنهم أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصروا على المعصية ~~فقد أساءوا إلى أنفسهم، وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسين ~~مطلوب، وإن الإساءة إليها[51] قبيحة، فلهذا المعنى قال تعالى: {إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها}. # قال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله تعالى بأن كل فعل من واحد من ~~الخلق فهو له وعليه، من خير أو شر، لا يجوز ذلك نفسه ولا يشركه فيه غيره. # وأما قوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} فهي المرة الثانية الآخرة من المرتين، ~~وهو فتح بيت المقدس الذي فتح بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فطرد ~~الإسرائليين الروم منه وساؤا وجوههم بذلك، انتهى. # والمعنى إذا جاء وقت المرة الأخيرة من إفسادكم وخراب، وجواب إذا محذوف أي ~~بعثناهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد أنكم يا معاشر اليهود، إذا كان ~~ذلك منكم جاء أعداؤكم الذين كانوا دخلوا المسجد في المرة الأولة، انتهى. # {ليسوءوا وجوهكم} أي ليجعلوها بادية المساءة والغم، بسبي ذراريكم وإخراب ms1375 ~~مساجدكم وإحراق كتبكم {وليدخلوا المسجد} يعني بيت المقدس {كما دخلوه أول ~~مرة} وخربوه الروم، فقتل منهم مائة ألف وثمانين ألفا، وقيل: هو الذي خرب ~~بيت المقدس، ثم بناه عمر في مدته، ثم قال تعالى: {وليتبروا ما علوا ~~تتبيرا}. # قال الهادي عليه السلام: معناه فهو تبروا عزهم الذي بنوه وجعلوه وأسسوه، انتهى. # وقيل: ليهدموا ما ملكوا من بلدكم ومنكم، والتتبير الهدم والهلاك، قال ~~الشاعر: # وما الناس إلا عاملان فعامل # يتبر ما يبني وآخر رافع # أي يهدم ما يبني وآخر يرفع بناه ويصلح ولا يهدم، وهو مثل مضروب لمن يفسد ~~عمله، والمرء لا يفسد فعله. PageV17P493 # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: أما التتبير فمعروف في لغة ~~العرب، وهو ضرب من الدمار والتبار، قال الشاعر: # إن العهود التي لم توف مدتها # قد أورثتك تبارا آخر الأبد # معنى أنها قد أورثته دمار آخر عمره، ثم قال عز وجل: {عسى ربكم أن يرحمكم} ~~إن تبتم من سوء فعلكم، وقيل: إن الله تعالى أراد بعسى في كل ما ذكر من ~~الرحمة والمغفرة أن يطمع ويرهب، فجعلها كلمة يرجون معها، ويخافون لئلا ~~يتلكوا على قليل العمل، والمعنى لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه ~~منكم يا بني إسرائيل، ثم قال: {وإن عدتم عدنا} أي إن رجعتم إلى الفساد ~~رجعنا إلى العقاب، والمعنى أنا بعثنا عليكم من بعثنا، ففعلوا بكم ما فعلوا، ~~عقوبة لكم وعظة، لينتفعوا به ويزجروا عن ارتكاب المعاصي، ثم رحمكم فأزال ~~هذا العذاب عنكم، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم ~~في الدنيا مرة أخرى. # قال القفال: وإنما حملنا هذه الآية على عذاب الدينا لقوله تعالى في سورة ~~الأعراف خبرا عن بني إسرائيل: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب} وإنهم عادوا إلى فعل ما لا يبتغي وهو التكذيب لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله ~~عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النظير وقريضة ms1376 وبني قينقاع ~~ويهود خيبر ما جرى في القتل والجلا، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية، لا ~~ملك لهم ولا سلطان، فهم يعطون الجزية على يد وهم صاغرون، فهم في عذاب إلى ~~يوم القيامة هذا في الدنيا، ثم قال: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} أي حبسا ~~محصرون فيه حصرا، ويحبسون حبسا، يقال للسجن محصر وحصير. PageV17P494 # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: معنى حصيرا يقول سجنا ~~لأعداء الله عز وجل، لا يخرجون منه أبدا، تقول العرب: فلان محصور إذا حصر ~~عن الشيء وهو حصير وحبيس إذا كان محبوسا عن شيء لا يناله، ولا يقدر[52] فيه ~~على حيلة، وهو المسجون، قال الشاعر: # فقولوا تركنا الهاشمي ابن صالح # تعداد حبسا بين راج وخائف # انتهى. # واعلم أنه تعالى لما شرح من فعله في حق عباده المخلصين وهو الإسراء برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيتاء الكتاب لموسى عليه السلام ، وما فعله ~~في حق العصاة والمتمردين، وهو تسليط أنواع البلاء عليهم، كان ذلك تنبيها ~~على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة، ومعصيته توجب كل بلية وغرامة لا جرم ~~أثنى على القرآن فقال سبحانه: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. # قال في البرهان: يعني بما تضمنه من الأوامر والنواهي الدالة على الصواب ~~والحق، في الكشاف يرشد إلى الحالة التي هي أقوم، وهي توحيد الله، والإيمان ~~برسله، أو للملة التي هي أصوب الملل للطريقة التي هي أحسن الطرق، وإنما ~~وردت لم تجد مع الإثبات دون البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في إيهام ~~الموصوف وحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه، انتهى. # واعلم أن الله تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات: # أولها: أنه يهدي للتي هي أقوم، وقد مر تفسيره. # والصفة الثانية: في قوله تعالى: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا}. PageV17P495 # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: يعني الذين يؤدون الفرائض على وجهها، ~~ويجتنبون المحارم وقربها، والأجر الكبير والثواب العظيم الذي لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولم يخطر على قلب بشر، ms1377 يصدق ذلك قوله عز وجل: {وأن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما} يقول الله عز وجل أعد لأعدلائه ~~المخالفين لأمره، والعادلين عن طاعته عذابا أليما، والأليم فهو الغاية ~~القصوى من العقاب، والأشد من العذاب، نعوذ بجلال الله من أليم عذابه ~~والمحذور من عقابه إنه منان كريم، انتهى. # واعلم أن قوله: {وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة} عطف، ولما كان الإنساب بعد ~~أن أنزل الله عليه هذا القرآن، وخصه بهذه النعمة العظيمة، والمكرمة ~~الكاملة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه، والرجوع إلى بيناته، وتقدم على ما لا ~~فائدة فيه، قال تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} أي يدع الله عند ~~غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله كما يدعو لهم بالخير. # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: فالذي جاء في الرواية أن ذلك ~~الإنسان عنى به النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار، وكان الذي ~~دعا على نفسه وهو الذي ذكره الله تعالى حيث يقول: {اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} انتهى. # فأجاب الله دعاه وضربت رقبته فكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون ~~يقولون: {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وإنما فعلوا ذلك للجهل والاعتقاد ~~أن محمد كاذب فيما يقول. PageV17P496 # قال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: وهذا موجود في جهال الناس إذا ~~غضب أحدهم دعا بالشر والقبيح كما يدعو في رضاه بالرحمة والخير، فمقت الله ~~عز وجل ذلك ونها عنه من كان كذلك، وأراد من عباده أن تكون عقولهم في حال ~~غضبهم كمثلها سواء في حال رضاهم؛ لأن من دعا بالشر لنفسه في حال غضبه، فقد ~~صار بمنزلة من لا يعي ولا يعقل لسوء أدبه، وتخرج الآية على وجه آخر: وهو أن ~~الإنسان ربما تمنى الشيء ودعى به ودعى إلى الله أن يرزقه إياه، ولعله ربما ~~كان شرا لم يدر به، وقد رأينا ذلك في بعض الأوقات، وكم من فقر كان سببا ~~للسلامة، وغنا كان للحسرة ms1378 والندامة، فمن دعا إلى [53] الله فليدع بالخيرة ~~والتوفيق والتسديد، ثم لا يبالي بعد ذلك، انتهى. # وفي البرهان في هذا الدعاء بالخيرة وجهان: # أحدهما: أن يطلب النفع في العاجل بالضراء العائد عليه في الأجل. # والثاني: أن يدعو عند ضجره أو غضبه على نفسه وولده بالهلاك، ولو استجيب ~~لهلك {وكان الإنسان عجولا} أي عجولا في الدعاء على نفسه وولده عند غضبه، ~~انتهى، أي تسرع إلى طلب كل ما يخطر بباله ولا يتأنى فيه تأني المبصرين. PageV17P497 # واعلم أنه تعالى لما بين ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ~~ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا، فقال: {وجعلنا الليل والنهار آيتين} ~~وقيل في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد ~~والنبوة، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد، وهو عجائب العلم، أي جعلنا ~~الليل والنهار علامتين يدلان على قدرة خالقهما، ويكون المراد من الآيتين ~~نفس الليل والنهار، والمعنى أنه تعالى خلقهما دليلين للخلق على مصالح الدين ~~والدنيا، أما في الدين فلأن كون كل واحد منهما مضاد للآخر مغائر له مع ~~كونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين ~~لذاتهما، بل لابد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة. # وأما في الدنيا فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار، فلولا ~~الليل لما جعل السكون والراحة، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه ~~المعاش، ثم قال تعالى: {فمحونا آية الليل} أي جعلنا الليل ممحو الضوء ~~مطموسه مظلما لا يستبان فيه شيء {وجعلنا آية النهار مبصرة} أي تبصر فيه ~~الأشياء وتستبان، وعلى هذا تكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين ~~كإضافة العدد إلى المعدود، أي فمحونا الآية التي هي آية الليل وجعلنا الآية ~~التي هي آية النهار مبصرة، ويراد بالآيتين الشمس والقمر، أي وجعلنا نيري ~~الليل والنهار آيتين، معنى محو القمر أنه لا شعاع له كالشمس ترى به الأشياء ~~بينة، ومعنى ms1379 الشمس مبصرة أي ذات شعاع تبصر به كل شيء. PageV17P498 # قلت: ويؤيد هذا ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أن محو آية الليل ~~هي اللطجة السوداء التي في القمر ليكون ضوء القمر أقل من ضوء الشمس، فيتميز ~~به الليل من النهار، وجعلنا آية النهار مبصرة يعني الشمس أنها مضيئة ~~للأبصار، وكذلك قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام يعني بذلك عز وجل ما ~~خلق من الشمس والقمر، وما جعل بينهما من الفرق الواضح، وما فصل به ضوء ~~النهار على ظلمة الليل، وما أتقن به من الصنع والتدبير لعمارة الدنيا، ~~ومصالح الخليقة، وذلك قوله: {لتبتغوا فضلا من ربكم} يعني تصرفهم في طلب ~~المعاش وقوام الحياة {ولتعلموا عدد السنين والحساب} فهذا ما لا يخفى على ~~أحد من عدة الأيام والشهور والسنين، نعمة منه عز وجل ورحمة، ليعرفوا ~~الأوقات والمدد، والحساب والعدد، والصيام في وقته، والحج في وقته، والآجال ~~بينهم في معاملاتهم وأحكامهم، وأعيادهم ونكاحهم، وجمعهم ودنوهم، وأسفارهم ~~ومزارعهم، والأسباب التي لا غنى لهم عنها ولا قوام لهم إلا بها، انتهى. # ثم قال: {وكل شيء فصلناه تفصيلا} أي فصلنا كل شيء وحده فصلا، وعزلنا كل ~~سبب عزلا، وبيناه تبيينا. PageV17P499 # والمعنى أنه تعالى لما ذكر أحوال الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان ~~على التوحيد، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا، ~~فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيها من وجوه الدلالة على الخالق، ومن ~~وجوه النعم على الخلق، كان ذلك تفصيلا نافعا، وبيانا كاملا، فلا جرم قال: ~~{وكل شيء فصلناه تفصيلا} أي كل شيء لكم إليه حاجة في مصالح[54] دينكم ~~ودنياكم، فقد قلناه وشرحناه، وهو كقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ~~وقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} وإنما ذكر المصدر وهو قوله ~~تفصيلا لأجل تأكيد الكلام وتقريره، وكأنه قال: فصلناه حقا وفصلناه على ~~الوجه الذي لا مزيد عليه، والله اعلم. # واعلم أنه تعالى لما قال شيء فصلناه تفصيلا كان معناه كل ما يحتاج إليه ~~من ms1380 دلائل التوحيد، والنبوة والمعاد، فقد صار مذكورا، وكل ما يحتاج من دلائل ~~التوحيد، ومن شرح أحوال الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فقد صار مذكورا، ~~وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار وأزيلت العلل، فلا جرم قال سبحانه: ~~{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} أي ألزمناه عمله في عنقه، والطائر هاهنا ~~هو العمل من الخير والشر، روي ذلك عن القاسم عليه السلام . PageV17P500 # قال الرازي: ويحتمل وجه النظم أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف ~~الأشياء النافعة لهم في الدين والدنيا، مثل أتي الليل والنهار وغيرهما، كان ~~منعما عليهم بأعظم وجوه النعم، وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم برعاية حقه ~~وطاعته، فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤلا عن أعماله ~~وأقواله، ويحتمل في تقرير النظم وجها ثالثا، وذلك أنه تعالى أخبر أنه ما ~~خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته، كما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} فلما شرح أحوال الشمس والقمر، والليل والنهار، كان المعنى إنما ~~خلقت هذه الأشياء لينتفعوا بها فيصيروا ممكنين من الاشتغال بطاعتي، وإذا ~~كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الطاعة أو تمرد ~~وعصى وبغى فهذا هو الوجه في تقرير النظم. # قلت: قول الرازي هذا يناقض قول المجبرة ويهدم أصولهم كما ترى، فإن تفسيره ~~مشحون بمثل هذا مما هو حجة عليهم من نسبة أفعال العباد إليهم، وتمكينهم من ~~اختيار الفعل وتركه، فما أحسبه مات مصرا على مذهبهم، بل كما روى الإمام عز ~~الدين بن الحسن عليه السلام وقد حكى من أقواله الباطلة سببا ما لفظه: وليس ~~القصد إساءة الظن به، فإن بركات العلم والإسلام قد أدركته ولله الحمد، فتاب ~~عن جميع ذلك، ثم روى عليه السلام أنه ما أثبته في وصفه مما يشهد بتوبته، ~~والله أعلم. PageV18P001 # أما قوله: {طائره في عنقه} فمعناه عمله لازم له لزوم القلاد أو الغل لا ~~ينفك عنه، وأصله أن الرجل إذا خرج مسافرا فمر بالصيد أو غيره حركه للطيران ~~وهو الزجر، فإن مر سائحا أي ولاه ms1381 ميامنه تيمن به، وإن مر نازحا أي ولاه ~~مياسره تشاءم به، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير لما كان من فعل ~~الله وقسمه، أو من فعل العبد خيرا أو شر، وقيل هو من طار له سهم إذا خرج أي ~~ألزمناه ما طار من عمله وكتبنا عليه ما يعمل، فهو لازم، ومنه مثل العرب ~~يقلدها أي العقلة طوق الحمامة، أي لزمته كما لزم الحمامة طوقها، ومنه الموت ~~في الرقاب. # قال أهل المعاني: وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى؛ لأن ~~الذي يكون عليه إما أن يكون خيرا يزينه أو شرا يشينه، وما يزين يكون كالطوق ~~والحلي، والذي يشين فهو كالغل، فهاهنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له، ~~وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته، ثم قال تعالى: {ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا} غير مطوي ليقرأ ما فيه من أعماله لا يغيب منها شيء. # قال الإمام الناصر عليه السلام [55] معناه لم تسقط منه صغيرة فتخفى ولا ~~كبيرة فتنسى، وذلك قوله عز وجل: {ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} والمغادرة ~~في لغة العرب فهو الأمر الذي لا يترك منه شيء قل أو كثر، قال الشاعر: # قتلنا بالرجال فلم نغادر # لهم بالدار من يحمي السواما # يقول:لم نترك من رجالهم من يمنع عن نعمهم وأموالهم أحدا إلا قتلناه، انتهى. # ثم يقال له: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} أي كفت نفسك في ~~محاسبتك فحاسبها. # وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. # قال الحسن: يقرأه أميا كان أو غير أمي. PageV18P002 # وقال في البرهان: يعني يلقى أعماله كلها محصورة منشورة معلومة من خير أو شر ~~كما يجد الإنسان الشيء المكتوب في الكتاب معلوما منشورا إذا رجع إليه، ~~وإنما يحتاج إلى كتابة الأعمال وإثبات الأفعال من يخشى عليها السهو ~~والنسيان، فأما الباري عز وجل فهو عالم بالأشياء، قبل كونها، وهي معلومة ~~لنا ms1382 بعد كونها {اقرأ كتابك} يعني انظر إلى أعمالك {كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا} يعني شاهدا وحاكما عليك بعملك من خير أو شر، ولقد أنصف وعدل من جعل ~~الإنسان حسيب نفسه، تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # قال الرازي: واعلم أنه تعالى لما قال: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} ~~ومعناه أن كل واحد يختص بعمل نفسه، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى ~~الأفهام، وأبعد عن الغلط، فقال سبحانه: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها} معنى أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، وعقاب الذنب مختص ~~بفاعله، ولا يتعدا منه إلى غيره، ويتأكد هذا بقول: {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى، وأن سعيه سوف يرى} انتهى. # قلت: ولما كانت هذه الآية الكريمة صريحة في الدلالة على أن العبد ممكن من ~~الخير والشر، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلا، صرح الرازي في تفسيرها ~~لما كانت لا تحتمل التأويل بما يزيد هدما لقاعدتهم المنهدة؛ لأن قوله ~~سبحانه: {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها} إنما يليق ~~بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء، وأراد أما المجبور على أحد الطرفين ~~الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به، والله اعلم. PageV18P003 # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: فنقول أن هذه الصفة يدخل فيها كل أحد ~~من الناس، وقال غيرنا أنه يعني الوليد بن المغيرة أنه هو الذي ضل، وأن الذي ~~اهتدى أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر ~~عمل نفسه فقال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يعني بذلك أن أحدا لا يدفع عن ~~أحد، وأن أحدا لا يحمل ذنب أحد أبدا، أي لا يحتمل نفس من الأعمال عمل نفس أخرى. # قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: # ولا يعذب طفلا غير مجترم # بكفر آبائه في النار شقيه # ولا تكلف نفسا فوق طاقتها # ولا تعاقب إلا بعد تنبيه # انتهى. # والوزر الحمل من الذنوب، أي كل نفس حاملة وزرا، وإنما تحمل وزر ms1383 نفسها لا ~~وزر أخرى، ثم قال تعالى: {وما كنا معذبين} أي على الشرائع الدينية {حتى ~~نبعث رسولا} مبينا؛ لأنه لا يجوز العذاب إلا بعد الإنابة، والعذاب فيه وجهان: # أحدهما: عذاب الآخرة. # والثاني: يجوز أن يكون عذاب الدنيا، كذا في (البرهان)، والمعنى حتى نبعث ~~رسولا يلزمهم الحجة، وكانت لازمة لهم قبل البعثة؛ لأن معهم أدلة العقل التي ~~بها يعرف الله[56] لكن بعثه الرسول من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ ~~لئلا يقولوا كنا غافلين، فلو نبهنا برسول. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: يقول جل ثناؤه أنه لم يكن ~~ليعذب خلقه قبل إيجاب الحجة والإبلاغ في المعذرة، وإرسال الرسل، وإنزال ~~الكتب والإعذار والإنذار تفضلا منه ورحمة، وإمتنانا وكرما وإحسانا، فإذا ~~بلغت الرسل وجاءت المعجزات، والدلات الباهرات، والآيات الشافيات، وجبت ~~الحجة، وقام العذر، وثبت الحق، واستحق النكال والبوار، انتهى. # ثم قال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية} أي إذا قرب وقت هلاك ~~أهلها{أمرنا مترفيها} المنعمين الذي أبطرتهم النعمة، وهم الجبارون والملوك، ~~وخصهم بالأمر؛ لأن غيرهم تبع لهم. PageV18P004 # قال في (البرهان): وإذا فيها قولان: # أحدهما: وإن أردنا أن نحكم بهلاك قرية. # والثاني: إذا أهلكنا قرية وأردنا صلة زائدة، وأمرنا مترفيها معناه ~~أمرناهم بالطاعة؛ لأن الله تعالى لا يأمرهم إلا بها {ففسقوا فيها} أي فعصوا ~~بالمخالفة {فحق عليها القول} يريد استوجبت العذاب {فدمرناها تدميرا} أي ~~أهلكناها هلاكا، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} وقوله: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} وقوله: ~~{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} فلما حكم تعالى في هذه ~~الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر الله، فلا جرم ذكر هاهنا ~~أنه يأمرهم، فإذا خالفوا الأمر فعند ذلك استوجبوا الهلاك المعبر عنه بقوله: ~~{فحق عليها القول} وقوله: {فدمرناها تدميرا} أهلكناها هلاكا الاستئصال ~~والدمار، ولما كان المراد هنا الأمر بالفعل، ثم إن لفظ الآية لا يدل على ~~أنه تعالى عاد بأمرهم اختلفوا، فقال أئمتنا عليهم السلام والأكثر من غيرهم ms1384 ~~معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات والخيرات، ثم إنهم يخالفون ذلك الأمر ~~ويفسقون، فأما غيرهم. PageV18P005 # قال في الكشاف: الأمر هنا مجاز؛ لأن الحقيقة أن تقول أفسقوا وهذا لا يكون، ~~والمعنى أنه صب عليهم النعمة فجعلوها ذريعة إلى المعاصي بالشهوات، وكأنهم ~~مأمورون؛ لأن الله مكنهم من السبب، وهو النعم التي توصلوا بها إلى الفسق، ~~وإنما أعطاهم ليشكروا كما خلقهم أصحا أقويا، وطلب منهم إيثار الطاعة فآثروا ~~المعصية على ما أراد منهم من الشكر، وما قيل من أن التقدير أمرناهم بالطاعة ~~ففسقوا، فهو حسن من طريق المعنى، لكن فيه حذف لا دليل عليه في النظم، وهو ~~غير سديد، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما ~~حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض، يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ، لا ~~يفهم منه إلا أن المأمور به قام أو قرأه، ولو ذهبت غيره لقد رمت من مخاطبك ~~علم الغيب، ولا يلزم على هذا قولهم أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري، إن ~~ذلك مناف للأمر مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به، وكان محالا ~~أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور في هذا الكلام، غير مدلول عليه ولا ~~منوي، انتهى. # قلت: والأقرب إلى الحق ما قاله أئمتنا عليهم السلام وغيرهم؛ لأن لقائل أن ~~يقول: بل هو مثل قولك أمرته فعصاني سؤالان العقل والسمع دالان على أن الله ~~سبحانه لا يأمر بالفسق، فكما أن العصيان مناقض للمأمور به كذلك الفسق مناقض ~~للمأمور به من جهة العقل والسمع، وليس مثل قولهم أمرته فقام؛ لأنه هناك صح ~~تقدير القيام، وهنا لا يصح تقدير الفسق ولا حاجة بنا إلى المجاز على ما ~~ذكره في قوله تعالى: {ففسقوا فيها} فإنه أقامه مقام عضوا[57]؛ لأن الفسق ~~العصيان، فكأنه قال: أمرنا مترفيها فعصونا فهو من إقامة السبب مقام المسبب. PageV18P006 # قال الهادي عليه السلام في هذه الآية: هذا إخبار منه سبحانه أنه لا يريد ~~إهلاك قرية إلا من بعد العصيان منها له، والمخالفة لأمره، وقوله: {أمرنا ms1385 ~~مترفيها ففسقوا فيها} يقول أمرناهم بالطاعة فأتوا بالفسق والمعصية {فحق ~~عليها القول} منا وهو الحكم بموافقة الوعيد لهم، ووقع العذاب بهم {فدمرناها ~~تدميرا} يريد أهلها لا جدرها وأبنيتها، انتهى. # وقال ولده الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني جل ثناؤه وقهر ~~سلطانه أن أمره هذا الذي عنى في هذا الموضع أي أمرنا فيها بأمرنا فتركوه ~~وفسقوا فيها، وهذا الكلام هو المضمر في لغة العرب الذي لا يجهله ذو لب ولا ~~ينكره من كان له في العربية أدنا حسب، قال الشاعر: # تذكر الأظما في الكلام.........عن موضعه # لعلم العرب به وصحته عندما # فإن المنية من يخشها # فسوف يصادفها أين ما # يريد أين ما كان من جميع الدنيا أدركته المنية، وأضمر ذلك لعلمه أن العرب ~~قد علمت ما أراد، وقال أيضا امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان من أهل نجد: # لعمرك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا PageV18P007 فأضمره، وقال الله عز وجل: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب ~~حكيم} ثم وقف الكلام، وقد علمت العرب أن.........لكان كذا وكذا من العقاب ~~فأضمره ولم يذكره، وقال في قصة يوسف عليه السلام: {وقال الذي نجا منهما ~~وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني، يوسف أيها الصديق} فأضمر، ~~فالذي يعرف العرب أنه أراد أنه عنا ارسلون إلى يوسف الذي في السجن، فأضمر ~~إلى يوسف وأضمر الإرسال، وأضمر المصير إليه، فلم يذكر ذلك الاستغناء عن ~~العرب عنه بقوله: {يوسف أيها الصديق} ومثل هذا في القرآن كثير في سورة يوسف ~~وغيرها من السور يطول بشرحه الكتاب، ولولا كثرته لفسرناه على جهة معانيه ~~وشواهده من أشعار العرب ولغاتها، وفيما قلنا كفاية وشفاء إن شاء الله، ~~والله عز وجل لا يأمر أحدا من جميع خلقه بفسق ولا فساد، ولا معصية ولا ~~إلحاد، ولا يصدهم عن خير ولا رشاد، جل عن ذلك وعلا علوا كبيرا، انتهى. # وقال الرازي: وقد حكى كلام صاحب الكشاف، ولقائل أن يقول: كما أن قوله ~~أمرته فعصاني يدل على أن المأمور ms1386 به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن ~~الإتيان بصد المأمور به، فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به، كما أن كونه ~~معصية ينافي كونها مأمورا بها، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ~~ليس بفسق، وهذا الكلام في غاية الظهور، فلا أدري لم أصر صاحب الكشاف على ~~قوله مع ظهور فساده، فثبت أن الحق ما ذكره الكل، وهو أن المعنى أمرناهم ~~بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة، والقوم خالفوا ذلك الأمر عنادا، أو ~~أقدموا على الفسق، انتهى كلامه. PageV18P008 # ثم أخبر بعادته عز وجل مع الذين يفسقون ويتمردون مما قد مضى من القرون، ~~فقال تعالى: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} والقرن مائة سنة، وقيل: ~~مائة وعشرون، والمراد الأمم، ومعنى كم التكثير، فأخبر أن المراد أن الطريق ~~الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين ~~كانوا بعد نوح، وهم عاد وثمود وغيرهم، ثم إنه تعالى خاطب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بما يكون بالعبرة ردعا وزجرا للكل فقال: {وكفى بربك ~~بذنوب عباده خبيرا بصيرا} نبه على أن الذنوب[58] أسباب الهلكة لا غير، وأنه ~~عالم بها معاقب عليها. # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: فقوله كفى به عز وجل عالما بجميع ~~الأشياء، أنه لا تخفى عليه خافية، ولا تغب عنه غائبة، ولا يحجب عنه مستور، ~~وكيف يكون ذلك وهو القائل جل ثناؤه: {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} فقد ~~علم بذنوبهم من قبل خلقه السماوات والأرضين، وإلى ما هم عليه من إختيارهم ~~صائرون، ثم قال تعالى: {من كان يريد العاجلة} في الدنيا دون الآخرة ~~كالكافر{عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} قيد الأمر بقيدين: # أحدهما: تقييد المعجل بمشيئة الله. # والثاني: تقيد المعجل له بإرادته هكذا، أمرا كبيرا يتمتنون ما لا يعطون ~~إلا بعضا منه، وكثيرا يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا ~~والآخرة، فأما التقي فقد اختار مراده وهي الآخرة، فما يبالي أوتي من الدنيا ~~حطام أم لم يؤت، فإن ms1387 أوتي وإلا قر بما كان الفقر خير له وأعون. # قال بعض المفسرين: هذه الآية داخلة في معنى قوله: {وكل إنسان ألزمناه ~~طائره في عنقه} ومعناه أن العمال في الدنيا قسمان: PageV18P009 # أحدهما: يريد بعمله في الدنيا ومنافعها والرئاسة فيها، فهذا يأنف من ~~الإنقياد للأنبياء عليهم السلام ، والدخول في طاعتهم، والإجابة لدعوتهم، ~~إشفاقا من زوال الرئاسة، فهذا قد جعل طائر نفسه شؤما؛ لأنه في قبضة الله في ~~الدنيا قدرا لا كما شاءه ذلك الإنسان، بل كما شاء الله سبحانه {ثم جعلنا له ~~جهنم يصلاها} أي يدس بين نارها {مذموما مدحورا} منفيا مطرودا، معنفا مبعدا ~~من رحمة الله تعالى، وفي لفظ هذه الآية فوائد: # الأولى: أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم، فشرط أن تكون ~~دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله: و{جعلنا له جهنم يصلاها} إشارة إلى ~~المضرة العظيمة، وقوله: {مذموما} إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله: {مدحورا} ~~إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن ~~شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبذل بالراحة والخلاص. # الثاني: أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها، وظن أن ذلك لأجل ~~كرامته على الله تعالى، وأنه تعالى بين أن مساعدة الدنيا لا ينبغي أن يستدل ~~بها على رضى الله تعالى عنه؛ لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها هي المصير ~~إلى عذاب الله وإهانته، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر الشر في لزومها له، ~~وكونها سائقة إلى أشد العذاب. # الثالثة: قوله تعالى: {لمن نريد} يدل على أنه لا يحصل الفوز بالدنيا لكل ~~واحد، بل كثير من الكفار والضلال معرضون عن الدين لطلب الدنيا، ثم يبقون ~~محرومين عن الدنيا وعن الدين، وهذا أيضا فيه زجر عظيم لهؤلاء الكفار ~~والضلال الذين يتركون الدين لطلب الدنيا، فإنه ربما فاتتهم الدنيا فهم ~~الأخسرون أعمالا، الذين ضل سعيهم في الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. PageV18P010 # وأما القسم الثاني وهو قوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن} فشرط تعالى فيه شروطا ms1388 ثلاثة: # أحدها: أن يريد بعمله الآخرة، أي ثواب الآخرة، فإنه إن لم تحصل هذاه ~~الإرادة وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل، لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى} ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)). # والشرط الثاني: قوله: {وسعى لها سعيها} يعني الجنة، أي اجتهد لها ووفاها ~~حقها، وأعد لها عدتها من الأعمال الصالحة، والسعي لها هو الأداء لجميع ~~الفرائض والاجتناب لجميع المحارم، فهذا السعي لها. PageV18P011 # والشرط الثالث: قوله تعالى: {وهو مؤمن} لأن الله تعالى لا يقبل حسنة إلا من ~~مؤمن، ثم إنه[59] تعالى أخبر عن حصول هذه الشرائط أن يصير السعي والعمل ~~مبررا، فقال: {فأولئك كان سعيهم مشكورا} وشكر الله مجاز وهو الثواب على ~~الطاعة، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلا، كانوا مشكورين على طاعاتهم من ~~قبل الله تعالى، قال الله عز وجل: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء} أي كل واحد من ~~فريقي العاجلة والآجلة نزيدهم {من عطاء ربك} أي من رزقنا، نجعل المستقبل ~~منه مددا للماضي لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي تفضلا، فأما أولياؤه ~~فأمدهم بما يستعينون به على طاعته، وأما أعداؤه فأمدهم لكمال حجته، ثم قال: ~~{وما كان عطاء ربك محظورا} في الدنيا أي ممنوعا، لا يمنعه العاصي لعصيانه ~~لحقارتها عليه تعالى، فالله عز وجل قد يعطي المشركين ومن يعصيه من زخرف ~~الدينا وعصارتها ما تكون له به عليهم الحجة، ويعطي المؤمنين الفضل فيما ~~أنعم به عليهم من الهداية إلى الدين، واتباع المرسلين، ثم قال تعالى: {انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض} المعنى انظر بعين الاعتبار أي عطائنا المباح ~~للفريقين في الدنيا، وفي الرزق، والشرف، {كيف فضلنا بعضهم على بعض} ~~فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر ~~آخر، قد بين تعالى وجه الحكمة في هذا التفاوت، فقال: {نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا} وقال في آخر سورة الأنعام: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم} ثم قال ms1389 سبحانه: {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} لأنها دار ثواب ~~وأعواض وتفضيل، وكلها متفاوتة؛ ولأن درجات PageV18P012 المؤمنين في الآخرة ما لا يبلغه وهم متوهم، ولا يصفه لسان متكلم، الجليل ~~خطره، وعظيم شأنه، وشرف قدره، وكذلك ما يحل باعداء الله عز وجل أهل النار ~~من النكال العظيم، وظل اليحموم، وأكل الزقوم، وشراب الحميم. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط ~~وهم أهل العقاب والعذاب، ومنهم من يريد طاعة الله وهم أهل الثواب، ثم شرط ~~ذلك بشرائط ثلاثة: # أولها: دار الآخرة. # وثانيها: أن يعمل عملا ويسعى سعيا موفقا لطلب الآخرة. # وثالثها: أن يكون مؤمنا، لا جرم فضل تلك المجملات فبدأ أولا بشرح حقيقة ~~الإيمان وأشرف أجرا الإيمان هو التوحيد، ونفي الشركاء والأضداد، فقال ~~سبحانه: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} فتجمع على نفسك ~~الذم وما يتبعه من الهلاك والخذلان، والعجز عن نصرة من جعلته شريكا له، ~~فأمره الله جل ثناؤه ومن أتبعه أن لا يجعلوا معه إلها، ولا يشركوا بعبادته ~~أحدا، وأن من فعل ذلك فقد استوجب الذم والحذلان في الدنيا والآخرة، ~~والمخذول هو المتروك من التوفيق والتسديد، والعون والنصر والتأييد. # قال المفسرون: هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ~~المعنى عام لجميع المكلفين، كقوله: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء} ويحتمل ~~أيضا أن يكون الخطاب للإنسان كأنه قيل ياأيها الإنسان لا تجعل مع الله إلها آخر. PageV18P013 # قال بعضهم: وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه تعالى عطف عليه، وقوله: {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه إلى قوله: إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} وهذا لا ~~يليق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده، ~~فعلمنا أن الخطاب بهذا هو نوع الإنسان، ومعنى: {وقضى ربك} أي أمر ربك أمرا ~~مقطوعا به {ألا تعبدوا إلا إياه} أمر...............[60] لا قسر، فلمن ~~أطاعه الجنة ولمن عصاه النار. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ولو كان الله قضى ذلك عليهم قضى جبر ms1390 ~~وحتم واجب وقسر لكان الناس كلهم مطيعين، ولما كانوا له أبدا معاندين، ولا ~~بشيء من دينه كافرين، وهذا دليل على حالة قول الجبر وكفرهم وكذبهم على الله ~~وضلالهم. # ثم اعلم أنه تعالى لما أمر بعبادة نفسه أتبعه بالأمر ببر الوالدين فقال ~~سبحانه: {وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر} أي المشيخ وقلة الطاقة، ~~وأما هي الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها، أي أن يبلغ عندك الكبر {أحدهما ~~أو كلاهما فلا تقل لهما أف} وهو صوت يدل على تضجر واستثقال من غير ذم، أي ~~إذا عظم ضجرك منهما أو توليت منهما في كبرهما ما توليا منك في طفولتك فأنت ~~مأمور بلين الجانب والصبر، فلا تقل لهما أف فضلا عما يزيد على ذلك. # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: هذه وصية من الله سبحانه في ~~الوالدين، أن لا يقطعا ولا يجفا بهما، وأن يحسن إليهما جزاء بما أحسنا، وأن ~~يحفظا كما حفظا ويكرما كما أكرما، ويربيا كما ربيا رحمة منه عز وجل، ~~وتأديبا لخلقه، وتنبيها على الصواب، ليجزيهم على ذلك الجنة، ويوجب لهم ~~الكرامة، فلا تقل لهما أف، والأف هو التأفيف في لغة العرب المعروفة، وهو ~~التأذي والاستثقال، قال الشاعر: # حللنا بكم حتى إذا طال مكثنا # بدا لي تأذ منكم وتأفف PageV18P014 فطال بوانا عندكم فمللتم # وإنا بقينا فاعلموا سنخفف # انتهى. # واعلم أن لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة، كل واحد منها يوجب المبالغة في ~~الإحسان إلى الوالدين: # أحدهما: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: {ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية ~~المشتملة على الأعمال التي يواستطها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من ~~جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي ~~تفيد سعادة الآخرة. # وثانيها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد، وثانيا بطاعة الله، وثالثا ~~بالبر بالوالدين، وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في معظم هذه الطاعة. # وثالثها: أنه تعالى لم يقل وإحسانا بالوالدين، بل قال: {وبالوالدين ~~إحسانا} فتقديم ms1391 ذكرهما يدل على شدة الإهتمام. # ورابعها: أنه قال إحسانا بلفظ التكثير، والتكثير يدل على التعظيم، ~~والمعنى وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا، وذلك لأنه ~~لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة، وجب أن يكون إحسانك إليهما ~~كذلك على جميع التقديرات، ولا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك كان على ~~سبيل الابتداء. # فائدة # روي أن بعض التابعين أنه قال: من دعا لأبويه كل يوم خمس مرات فقد أدا ~~حقهما؛ لأن الله تعالى قال: {أن اشكر لي ولوالديك} فشكر الله أن تصلي كل ~~يوم خمس مرات. # وروي عن بعض الصحابة أنه قال: ترك الدعاء للوالدين يضيق العيش عن الولد. # وقال بعض الحكماء: من عصى والديه لم ير السرور من ولده. # وروي أن رجلا ضرب أباه في موضع فقيل للولد ما هذا؟ فقال الأب: تنحوا عنه ~~فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع، فابتليت بابني فضربني، والأثر: ((من عق ~~والديه لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا)) يعني الفرائض والنوافل. PageV18P015 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة بعد هذا الذكر كلف الإنسان في حق ~~الوالدين بخمسة أشياء: # الأول: قوله[61] {فلا تقل لهما أف} وفيه ما مر. # والثاني من الأشياء قوله تعالى: {ولا تنهرهما} أي تزجرهما عما لا يعجبك ~~مما أرادا، يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، والانتهار هو ~~الصياح بالغضب والكلام الغليظ، قال الشاعر: # بدالي من أبي زيد شنار ... وجاني من رسائله انتهار # والثالث: قوله سبحانه: {وقل لهما قولا كريما} جميلا كما يقتضيه حسن ~~الأدب، والقول الكريم الذي أمر الله به عز وجل فهو اللين الجميل الحسن من ~~القول، المقرون بأمارات التعظيم والاحترام. # والرابع: قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي جناحك الذليل، ~~أو جعل لذله لهما جناحا خفيضا أي منخفضا غير مترفع، مبالغة في التذليل لهما ~~والتواضع، وخفض الجناح مثل مضروب. # قال الكميت: # خفضت لهم مني جناحي مودة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرجب # وذلك أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض جناحه، فلهذا السبب ms1392 ~~صار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه، وإنما أضاف الجناح إلى ~~الذل، والذل لا جناح له لوجهين: # الأول: أنه أضاف الجناح إلى الذل كما يقال حاتم الجود، وكما أن المراد ~~هنا حاتم الجواد، فذلك هاهنا المراد واخفض لهما جناحك الذليل. # والثاني: أن مدار الاستعارة على الخيالات، فهاهنا يخيل للذل جناحا، وأثبت ~~لذلك الجناح تكميلا لأمر هذه الاستعارة، كما قال لبيد: # إذا ضحت بيد الشمال زمامها # فأثبت للشمال يدا ووضع زمامها في يد الشمال، فكذا هاهنا. # الخامس: قوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} لأجل قيامهما ~~بتربيتي وتعبهما في حفظي وصلاحي. PageV18P016 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه كما غذواني طفلا، والتربية هي ~~الغذاء والكفالة والحضانة في لغة أهل الحجاز، وهي البزاية في لغة أهل ~~اليمن، والمراد ادع لهما بالرحمة الباقية من الله جزاء لرحمتهما عليك في صغرك. # ثم قال تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين} قاصدين الصلاح ~~والبر، ثم إن فرط حال الغضب وما لا يخلو منه البشر ما يؤدي إلى أذاهما ثم ~~تبتم.........{فإنه كان للأوابين} الراجعين عن معاصيه {غفورا} مغفر ما فرط منهم. # وعن سعيد بن جبير: هي البادرة يكون من الرجل إلى أبيه فإذا رجع غفر الله ~~له، والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى، ~~وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص ~~في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فاعلموا أن الله مطلع على ما في نفوسكم، بل ~~هو أعلم بتلك الأحوال منكم؛ لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان، ~~وعدم الإحاطة بالكل، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال، وإذا كان ~~الأمر كذلك كان عالما بكل ما في قلوبكم، والمقصود منه التحذير عن ترك ~~الإخلاص، ثم قال: {إن تكونوا صالحين} أي إن كنتم برآ عن جهات الفساد في ~~أحوال قلوبكم، وكنتم أوابين رجاعين إلى الله، منقطعين إليه في كافة الأعمال ~~وسنة، الله وحكمه في الأوابين إنه غفور لهم يكفر عنهم سيئاتهم، ms1393 والأواب هو ~~الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله، والالتجاء إلى فضله، ولا يلجي ~~شفاعة شفيع لما يفعله المشركون، وفي ذلك يقول الإمام أحمد الناصر عليه ~~السلام والله عز وجل المطلع على ضمائر النفوس وسرائر الصدور، فمن كان صالحا ~~أثيب، ومن كان عاصيا عوقب، والأوابون فهم التائبون المفلحون الذين يستوجبون ~~من الله جل ثناؤه الغفران، وينجون من النيران، تقول العرب: قد آب فلان[62] ~~من سفره أي رجع من سفره، قال الشاعر: PageV18P017 # وآب إليك مالك بعدما غدى # على حد صرم لا يريد رجوعا # ثم قال تعالى: {وآت ذا القربى حقه}. # قال في البرهان: روينا عن آبائنا، عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: ~~الآية خاطب الله بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤتي ذوي قرباه ~~حقوقهم من الخمس والغنيمة، والفيء، والخطاب بعده يتوجه إلى الآئمة القائمين ~~مقامه، العاملين بسيرته، انتهى. # فأمره الله أن يؤتي أقاربه الحقوق التي وجبت لهم، ثم قال: {والمسكين وابن ~~السبيل} المسكين فهو الذي لا مال له، وابن السبيل فهو مار الطريق المسافر ~~المنقطع، وهما اللذان يجب مواساتهما والإحسان إليهما، وحقهما من الزكاة، ثم ~~قال تعالى: {ولا تبذر تبذيرا} والتبذير في اللغة إفساد المال وإنفاقه في ~~السرف، وهو أن ينفق فيما لا يرضى الله ومنه الإسراف أي الإكثار في الإنفاق ~~فيما لا حاجة إليه من المباحات لقوله: و{لم يسرفوا ولم يقتروا}. # قال في البرهان: هو الإنفاق في غير حقه، ولو أنفق الرجل في أقل القليل في ~~غير الحق كان مبذرا. # وقال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: التبذير هو ضرب من الفساد وكثرة ~~الإنفاق، فأمر عليه السلام بالإقتصاد؛ لأن من أنفق في غير طاعة الله عز وجل ~~صار مواليا للشيطان، انتهى. PageV18P018 # ولذلك نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته إياه إلى أفعال الشياطين، فقال: ~~{إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي أمثالهم في الشرارة، والمراد من هذه ~~الأحوال التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لأن العرب يسمون اللازم ~~للشيء أخا له، فيقولون: فلان أخو الكرم ms1394 والجود، وأخو السفر إذا كان مواضبا ~~على هذه الأعمال، وقيل: قوله إخوان الشياطين أي قرناهم في الدنيا والآخرة، ~~كما قال: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} ثم بين تعالى ~~صفة الشيطان فقال: {وكان الشيطان لربه كفورا} ومعنى كون الشيطان كفورا لربه ~~هو أن يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض، والإضلال للناس، وكذلك كل ~~من رزقه الله تعالى مالا وجاها، فصرفه إلى غير مرضاة الله تعالى، كان كفورا ~~لنعمة الله، والمقصود أن المبذرين إخوان الشياطين بمعنى كونهم موافقين ~~للشياطين في الصفة والفعل، وإذا حكم عز وجل بمثل هذا الحكم لخيرته من خلقه ~~عليه السلام فأعلمه أنه إن بذر خرج وأثم، وأن من بذر أخ الشيطان كافر مثله، ~~فما يكون حال غيره إذا عصاه. # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: وقال غيرنا إنه عني بكفور أي أنه ~~جاحد، وليس ذلك عندنا، بل كفر إبليس اللعين وهو يعلم أن الله عز وجل ربه ~~وخالقه، والدليل على ذلك قوله عز وجل مخبر عنه: {خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} فأقر أن الله جل ثناؤه خالقه، ولم يجحده ذلك، انتهى. PageV18P019 # قال تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} أي انتظار رزق ~~الله يأتيك من الله سبحانه، والمراد بالإعراض عدم الإعطاء، والمعنى أنك إن ~~عرضت عن ذي القربا والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد بسبب الفقر ~~والعلة {فقل لهم قولا ميسورا} أي سهلا ولينا، مباركا نبيلا، وعذرا يسيرا ~~مقبولا، والمراد أن عند حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل ~~والكلام، بل تعدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر، وهو حصول القلة وعدم ~~المال، أو تقول الله يسهل. # قال في البرهان: إن الله سبحانه أكد على نبيه في هذه[63] بالوصاية بذوي ~~قرباه، فقال: إن أعرضت عنهم ابتغاء رزق ونعمة ترجوها من عند الله فعدهم ~~خيرا ورد عليهم جميلا. # وقال الإمام محمد بن القاسم عليهما السلام في هذه الآية: الإعراض منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم هوالاشتغال بذكر ربه ms1395 في بعض الأوقات دونهم، فأمره إذا ~~أعرض عن الاشتغال بهم وخلا نفسه من عبادة الله وذكره دونهم أن يقول لهم ~~قولا ميسورا، والميسور هاهنا اليسر من القول، وهو القول الحسن اللطيف ~~المقبول، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمره بالإنفاق علمه بعد ذلك آداب الإنفاق فقال: {ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي تمسكها عن البذل كل الإمساك حتى كأنها مقبوضة ~~إلى عنقك {ولا تبسطها كل البسط} في النفقة والعطية، وهذا تمثيل لمنع الشحيح ~~وإعطاء المسرف، وأمر بالإقتصاد. PageV18P020 # واعلم أنه تعالى شرح وصف عباده المؤمنين في الإنفاق في سورة الفرقان فقال: ~~{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} فهاهنا أمر ~~رسوله بمثل ذلك الوصف، فقال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي لا تمسك عن ~~الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يديك شيء {فتقعد ملوما محسورا} أي ~~فتصير ملوما إما أنه يلوم نفسه على تضييع المال بالكلية، وإبقاء الأهل ~~والولد في الضرر والمحنة، وإما أن يصير ملوما عند الناس إذا لم يجد لهم ~~شيئا، ويصير محسورا منقطعا، والمحسور هو المنقطع المنهور، وإنما أفقر الله ~~أولياؤهم وامتحنهم بالفقر ليعطيهم على صبرهم بذلا جزيلا، ويثيبهم على ذلك ~~ثوابا جليلا أجل من الغنى، وأنبل وأحسن في العاقبة من المال، وأجمل. # قال الفراء: يقول للعرب للبعير هو محسور إذا انقطع سيره، وحسرت الدابة ~~إذا سيرتها حتى ينقطع سيرها. # قال القفال: المقصود تشبيه حال من أنفق كل ماله ونفقاته بمن انقطع في ~~سفره بسبب انقطاع مطيته؛ لأن ذلك المقدار من المال كأنه مطية يحمل الإنسان ~~ويبلغه إلى آخر الشهر والسنة، كما أن ذلك البعير يحمله ويبلغه إلى آخر ~~المنزل، فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا، ومن فعل ~~لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب سوء تدبيره، وترك ~~الحزم في مهمات معاشه وأموره، والسبب في الآية قصة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # روي في الكشاف عن جابر بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1396 إذا جاءه ~~صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعا، فقال: ((من ساعة إلى ساعة تظهر فعد إلينا)) ~~فذهب إلى أمه فقالت له: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل داره ~~ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، وأذن بلال وانتظر فلم يخرج للصلاة، انتهى. PageV18P021 # ثم قال تعالى: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يضيق على حسب ~~المصلحة؛ لا أن من أنزل به الفقر لهوانه عليه، والمقصود أنه عرف رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كونا ربا والرب يربي المربوب ويقوم بإصلاح مهماته، ~~ودفع حاجاته على مقدار الصلاح، والصواب، ثم قال: {إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا}[64] فهو يوقع بالبسط والقبض على ما يعلم من الصلاح فالتفاوت في ~~أرزاق العباد ليس لأجل البخل، بل لأجل رعاية المصالح. # وقال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: معنى أنه لو أراد لبسط عليه الرزق، ~~وأن يجعل الجبال كلها ذهبا وفضة له إن ذلك عليه إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا، يقول: لكرامتك وعظيم قدرك الذي حميتك عن تافه الدنيا، وجعلت لك ~~كرامة الآخرة، وقد جاء في الأخبار أن الله عز وجل يحمي عبده الكريم عليه في ~~الدنيا كما يحمي الطبيب الرجل العليل من الأشياء التي تتوق إليها نفسه لما ~~يريد له من دائم الكرامة في الجنة. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه المتكفل بأرزاق العباد حيث قال: {إن ربك ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أتبعه بقوله سبحانه: {ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق نحن نرزقهم وإياكم} وقيل في وجه النظم أنه تعالى لما علم كيفية البر ~~بالوالدين في الآية المتقدمة، علم في هذه الآية كيفية البر بالأولاد، ولهذا ~~قال بعضهم: إن الذين يسمون بالأبرار إنما سموا بذلك لأنهم بروا الآباء ~~والأبناء. # والعرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب وقدرة البنين عليه، ~~بسبب إقدامهم على النهب والغارة، وأيضا كانوا يخافون أن فقرها ينفر كفؤها ~~عن الرغبة فيها، فيحتاجون إلى نكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، ~~فقال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم} وهذا لفظ عام الذكور والإناث. ms1397 PageV18P022 # قال الإمام أحمد الناصر عليه السلام: وذلك أن العرب كانت تقتل أولادها من ~~البنات خاصة على ضربين: # أحدهما: فكان من خشية الفقر. # وأما الآخر: فكان من الغيرة والحمية، والإملاق في لغة العرب فهو الفقر، ~~وقلة ذات اليد، والضيق في المعاش، تقول العرب رجل مملق أي فقير، قال ~~الشاعر: # إننا معشر نجود على الضيف # على حالنا من الإملاق # يعني على حالهم من الفقر، فيجودون ويطعمون، وهم في غير سعة لكرمهم وسعة ~~أخلاقهم، وقال آخر أيضا: # وإني على الإملاق يا قوم ماجد # أعد لأضيافي الشواء المصهبا # ثم قال تعالى: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} والخطأ العدول عن الصواب تعمد، ~~والخطأ العدول عنه بسهو، وقيل: الخطأ ما كان إثما، والخطا ما لا إثم عليه، ~~وإنما قال هنا نحن نرزقهم وإياكم؛ لأنه خطاب للأغنياء بدليل خشية الإملاق ~~على رزقهم؛ لأنه حاصل وعكس في سورة الأنعام فقدم المخاطب هناك على الغائب؛ ~~لأن الخطاب للفقراء بدليل من إملاق، فحسن تقديم وعدهم؛ لأنه أهم من رزق ~~أولادهم، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها، أتبعها بذكر ~~النهي عن أشياء: # أولها: أنه تعالى نهى عن الزنى، فقال: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة} ~~قبيحة زائدة على حد القبح. # قال القفال: إذا قيل للإنسان لا تقرب هذا فهو أكد من أن تقول له لا ~~تفعله، ثم علل هذا النهي بكونه فاحشة {وساء سبيلا}. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني سواء السبيل إلى النار، وقد ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((في الزنى ست خصال: ~~ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما اللواتي في الدنيا فإنه يذهب البها، ~~ويورث الفقر، ويقطع العمر، وأما اللواتي في الآخرة فيوجب سخط الرحمن، وسوء ~~الحساب، والخلود في النار)) انتهى. PageV18P023 # ثم ذكر سبحانه النوع الثاني من الأشياء التي نهى عنها في هذه[65] الآية ~~فقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} يعني إلا من قتل بحق في ~~جميع الأسباب التي يحل بها ms1398 القتل، من بين قود أو حد من حدود الله عز وجل ~~مما أوجب الله عز وجل قتله ممن عاند المسلمين من المشركين، وغيرهم من ~~الباغين والظالمين، والمرتدين وأهل الكتابين، حتى يعطوا الجزية وهم صاغرون، ~~ذكره أحمد بن يحيى عليهما السلام {ولا تقتلوا} نهي وتحريم، وقوله: {حرم ~~الله} إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ثم إن مجرد قوله: {إلا بالحق} ~~مجمل؛ لأنه ليس فيه شأن أي ذلك الحق ما هو وكيف هو؟ ثم إنه تعالى قال: {ومن ~~قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} يعني في استيفاء القصاص عن القاتل، ~~وهذا الكلام يصلح جعله بيانا لذلك المجمل، وتقديره كأنه قال تعالى:{ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} وذلك الحق هو أن من قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا في استيفاء القصاص. # قال في البرهان: يجوز أن يكون السلطان القود، ويجوز أن يكون الخيار بين ~~القود والدية أو العفو، انتهى. # وأما إن قلنا إن قوله: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} ليس ~~تفسيرا لقوله إلا بالحق فنقول: قد دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ~~ثلاثة، وذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل دم امرء مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق)) فحينئذ يصير ~~هذا الخبر مفسرا للحق المذكور في الآية، والله أعلم. # أما قوله تعالى: {فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} فالإسراف يحتمل وجوها: PageV18P024 # الأول: هو أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحدا ~~من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول كانو يقتلون خلقا من القبيلة الدنيئة، ~~فنهى الله عنه، وأمر بالاتصار على قتل القاتل وحده. # والثاني: هو أن لا يرضى بقتل القاتل، فإن أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشرف ~~قبائل القاتل، ثم كانوا يقتلون منهم قوما معينين ويتركون القاتل. # والثالث: هو أن لا يكتفي بقتل القاتل، بل يمثل به وتقطع أعضاؤه. # قال القفال: ولا يبعد حمله على الكل إن حمله هذه المعاني مشتركة في كونها ms1399 ~~إسرافا، ثم قال: {إنه كان منصورا} أمر الله أوجب له القصاص فلا يطلب زيادة. # قال في البرهان: يعني الولي كان منصورا ليمكنه من القود، ويجوز أن يكون ~~المقتول منصورا لقتل قاتله، واعلم أن على القول الأول والثاني ظهر أن على ~~المقتول وولي دمه يكون منصورا من عند الله؛ لأن الله ينصره في الدنيا ~~بالقصاص وفي الآخرة بالثواب. # ثم ذكر تعالى الثالث من الأشياء التي نهى عنها في هذه الآيات فقال: {ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} بالخصلة التي هي أحسن الخصال، وهي ~~حفظه وتثميره {حتى يبلغ أشده} يعني حتى يبلغ قوته على أمره، والطاقة للقيام ~~بماله، وقيل: البلوغ الشرعي على حسب الخلاف. # قال الرازي: واعلم أنا ذكرنا أن الزنى يوجب اختلاط الأنساب، وذلك يوجب ~~منع الاهتمام بتربية الأولاد، وذلك يوجب انقطاع النسل، وذلك يوجب المنع من ~~دخول الناس في الوجود. PageV18P025 # وأما القتل فهو عبارة عن إعدام الناس بعد دخولهم في الوجود، فثبت أن النهي ~~عن الزنى والنهي عن القتل يرجع حاصله إلى النهي عن إتلاف النفوس، فلما ذكر ~~الله تعالى ذلك أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال، ولأن أعز الأشياء بعد ~~النفوس والأموال وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم؛ لأنه لصغره ~~وضعفه، وكمال.............بإتلاف ماله، فلهذا السبب خصهم الله تعالى بالنهي ~~عن إتلاف أموالهم فقال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ونظيره ~~قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن[66] كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} وفي هذه الآية يقول الإمام الناصر ~~أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني جل جلاله لا تقربوا ماله إلا بما فيه له ~~الصلاح، وإدخال الموافق، وإزاحة الضرر عنه، فقد قال عز وجل في سورة البقرة: ~~{ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم} يعني في البيع ~~والشراء، والتزويج والعارية، وما أشبه ذلك {فإخوانكم والله يعلم المفسد من ~~المصلح} يعني في مال اليتيم {حتى يبلغ أشده} يعني مبالغ الرجال، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمر بخمسة أشياء ونهى ms1400 عن الزنى والقتل إلا بالحق، ~~وعن قرب مال اليتيم إلا بالأحسن، أتبعه بأوامر ثلاثة: # فالأول قوله سبحانه: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} أي مطلوبا من ~~المعاهد الوفاء به يوم الحساب، والعهد هو اللازم في جميع الأسباب كاليمين ~~والبيعة، ومنه أوامر الله ونواهيه. PageV18P026 # قال عليه السلام: يعني أفوا بعهد الله عز وجل وبذمتكم؛ لأن الوفاء بالعهد ~~أجمل بالمؤمنين وأحسن بالصالحين، وقد بلغك كيف كانت قصة ثعلبة بن حاطب، وما ~~ذكر الله من خبره في سورة براءة، حيث قال: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} ثم لم يف بعهده ولا بما أعطا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه، فأعقبه ذلك نفاقا في قلبه إلى أن ~~يلقى ربه، وقد فسره الهادي إلى الحق صلوات الله عليه في كتاب الأحكام فأغنى ~~بذكره عن إعادته، انتهى. # النوع الثاني من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وأوفوا ~~الكيل إذا كلتم} والمقصود منه إتمام الكيل، وكرر الوعد الشديد في نقصانه في ~~قوله: {ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم يخسرون}. # النوع الثالث من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله سبحانه: {وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم} فالآية المتقدمة في إتمام الكيل وهذه الآية في إتمام ~~الوزن، ونظيره قوله تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} ~~وقوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. PageV18P027 # واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل، والوعيد الحاصل ~~عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الإحتراز منه، وإنما عظم الوعيد فيه؛ لأن ~~جميع الناس يحتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، وقد يكون الإنسان غافلا ~~لا يهتدي إلى حفظ ماله، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان سعيا في ~~إبقاء الأموال على الملاك، ومنعا من تلطخ النفس بسرقة ذلك المقدار الحقير، ~~والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه في الاستهزاء في السنة ~~العامة، إنه.........وهو مأخوذ من القسط، وهو الذي تحصل فيه الاستقامة ~~والاعتدال، وبالجملة فمعناه المعتدل ms1401 الذي لا يميل أحد الجانبين. # وروي عن بعض الأئمة عليهم السلام أنه قال: القسطاس هو ميزان كان بالشام ~~وكان من أعدل الموازين، فأمرهم الله أن يكون وزنهم كوزن ذلك في العدل والحق ~~المستقيم، ثم قال تعالى: {ذلك} أي الإبقاء التمام والكمال {خير} من التطفيف ~~القليل، من حيث أن الإنسان يتخلص عن الذكر القبيح في الدنيا، والعقاب ~~الشديد في الآخرة {وأحسن تأويلا} والتأويل ما يؤل # إليه الأمر، كما قال في موضع آخر: {خير مردا}{خير عقبا}{خير أملا} وإنما ~~حكم الله تعالى أن عاقبة هذا الأمر أحسن العواقب؛ لأنه في الدنيا إذا اشتهر ~~الاحتراز عن التطفيف عول[67] الناس عليه، ومالت القلوب إليه، وحصل له ~~الاستغناء، وكم قد رأينا من الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة، ~~والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب إليهم، وحصلت الأموال الكثيرة لهم في ~~المدة القليلة، وأما في الآخرة فالفوز بالثواب العظيم، والخلاص من العذاب ~~الأليم. # واعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة عاد بعده إلى ذكر النواهي، فنهى ~~عن ثلاثة أشياء: PageV18P028 # أولها قوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} أي لا تتبع التقفي بالأوهام ~~والحدس، وأصل التقفي التتبع للأثر، فنهى الله عز وجل عن تتبيع الوهم، وأنكر ~~في اتباعك ما لا علم لكم به من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا يدري أنه ~~يوصله إلى مقصده فهو مال، والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، أو ~~يعمل بما لا يعلم صحته، ويدخل فيه التقليد. # قال الرازي: وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما، وهذه ~~قصة كلية تندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحدة من ~~تلك الأنواع. # قال: واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقييد، والله اعلم. # ثم قال تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: فأمره كما يسمع أن لا يقول إلا ~~ما يعلم، ولا يشهد إلا بما أيقن، إذا كان الله عز وجل لابد أن ms1402 يسأل البصر ~~عن فضله والفؤاد عن فعله، وجميع الجوارح عن أفعالها فلا يجوز عنده عز وجل ~~إلى الحق، ولا يقوم لديه إلا الصدق، ولا يجوز إلا الحق، وقد ينبغي لكل مسلم ~~أن يحافظ على حواسه، ويحول بينها وبين الهوى بجهده وطاقته، فلا يقفو من ~~الأمور كلها إلا صحيحا، ولا يتعاطا منها محرما قبيحا، ولا يقول إلا حقا ~~مشروحا، والقفاوة في لغة العرب فهو التتبع لكل شيء من خلقه فما تتبعته من ~~خلقه فقد قفوته وفقرته؛ لأن العرب تقول تقف الأثر وتقفر الأثر، وتقول العرب ~~تقفو آثار الخيل وآثار الإبل، وآثار الناس، ونحن نقفر سير فلان وفعله، ونحن ~~نقف آباءنا وأجدادنا يريدون بذلك أنا نتبع آثارهم ونقفوا مكارمهم، قال ~~الشاعر: # لمن ضعن غدون مقفيات # على أثر الخليط متبعات # قفوت حدودهن وقد تولت # وحال الآل دون الناكرات PageV18P029 ويجب مع ذلك غض البصر، وكف جميع الجوارح عن كل مأثم ديانة وتكرما، وقد كانت ~~الجاهلية على كفرها تأنف من العيب، وتكره الأمور القبيحة، فكيف بأهل ~~الإسلام الذي عظمه الله عز وجل، وطهره وطهر أهله، ألا تسمع إلى قول عنترة ~~بن شداد العبسي حيث يقول وهو مشركي جاهلي: # وأغض طرفي إن بدت لي جارتي # حتى يواري جارتي مأواها # انتهى. # فبين الله عز وجل أن المكلف يسأل عما أصغى إليه سماعا مما لا يحل وما ~~فعله بصره مما خطر عليه، وما اعتقده عليه مما حرم عليه اعتقاده، وهذا وعد صعب. # وقال رجل لجعفر بن محمد عليهما السلام: إني ربما أدخل الخلا ولي جار فاسق ~~فيتفق لي وقت يضربون العود فيقع ذلك في سمعي، فقال له: ألا تسمع إليه، ~~فقال: ليس ذلك بعمدته، فقال: لا تسمع إليه، أما سمعت الله يقول: {إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} فقال الرجل: كأني لم أقرأ هذه ~~الآية في كتاب الله عز وجل. # والنوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات قوله تعالى: ~~{ولا تمش في الأرض مرحا} بطرا وكبرا، وامش خاشعا متواضعا، والمرح من ms1403 شدة ~~الفرح، يقال مرح يمرح[68] مرحا فهو مرح، أي لا تمش صاحب مرح، وقرئ بكسر ~~الراء وهو حال من الضمير في تمش، والأول حال من المشي المنهي عنه، والمراد ~~من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة، ثم إنه ~~عز وجل أكد النهي عن الخيلا والتكبر فقال تهكما: {إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا} والمراد من الخرق هنا نقب الأرض، وذكر فيه وجهين: PageV18P030 # الأول: أن الشي إنما تم بالإرتفاع والإنخفاض، فكأنه قيل: إنك حال الانخفاض ~~لا تقدر على خرق الأرض ونقبها، وحال الإرتفاع لا تقدر على أن تصل إلى رؤوس ~~الجبال، والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا، فلا يليق به التكبر، وقد ~~ذكر الله عز وجل ذلك من خلقه، وأمرهم أن لا يفعلوه؛ لأنهم عبيد أذلة لجبار ~~متكبر، قدوس متعظم، حي لا يموت، ولا يزول ملكه، فأما من يموت ويأكل الطعام ~~فهو عاجز بين العجز، فكيف يتكبر من هذه صفته، وهو الذليل الضعيف المقهور. # والثاني: المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها، وفوقك الجبال ~~التي لا تقدر على الوصول إليها، فأنت محاط من فوقك، وتحتك بنوعين من ~~الجماد، وأنت أضعف منهما بكثير، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر، فكأنه ~~قال تواضع ولا تتبكر فإنك خلق ضعيف من خلق الله المحصور بين حجارة وتراب، ~~فلا تفعل فعل المقتدر القوي، ثم قال تعالى: {كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها} والمراد بهذه الأشياء الأخيرة التي نهى الله عنها، أو المراد بقوله ~~كل ذلك أي كل ما نهى الله عنه فيما تقدم، والسيئة المكروهة لا تخفى على ~~أحد، ويحتمل أنه من التقديم والتأخير، وتقديره كل ذلك كان سيئه مكروها عند ~~ربك، ثم قال تعالى: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} بقوله ذلك أي الذي ~~تقدم من قوله، ولا تجعل مع الله إلها آخر إلى هذه الغاية، وقوله من الحكمة ~~أي من القرآن ومواعظه؛ لأنه كلام محكم لا مدخل للفساد فيه. # قال بعضهم: اعلم ms1404 أنه تعالى جمع في هذه الآيات خمسة وعشرين نوعا من ~~التكاليف. # فأولها: قوله ولا تجعل مع الله إله آخر، وقوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه} مشتمل على تكليفين: الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة غير الله، ~~فكان المجموع ثلاثة. PageV18P031 # وقوله: {وبالوالدين إحسانا} وهو الرابع، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان حسنة ~~أخرى وهو قوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما} فيكون المجموع تسعة، ثم قال: ~~{وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} وهو ثلاثة فيكون المجموع اثني ~~عشر، ثم قال: {ولا تبذر تبذيرا} فتصير ثلاثة عشر، ثم قال: {وإما تعرضن عنهم ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} وهو الرابع عشر، ثم قال: ~~{ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} وهو الثامن عشر، ثم قال: {فلا ~~يسرف في القتل} وهو التاسع عشر، ثم قال: {وأوفوا بالعهد} وهو العشرون، ثم ~~قال: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} وهو الحادي والعشرون، ثم قال: {وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم}وهو الثاني والعشرون، ثم قال: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} وهو الثالث والعشرون، ثم قال: {ولا تمش في الأرض مرحا} وهو الرابع ~~والعشرون، ثم قال: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} وهو الخامس والعشرون، فهذه ~~خمسة وعشرون نوعا من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواهي، جمعها الله تعالى ~~في هذه[69] الآيات، وجعل ما تحتها قوله: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا} أي مطرودا من رحمة الله. # .....ابن عباس أن هذه الآيات كانت مكتوبة في الواح موسى جعل ما تحتها ~~وخاتمها النهي عن الشرك، انتهى. PageV18P032 # لأن التوحيد رأس كل حكمة، ومن عدمه لم ينفعه حكمه وعلومه، ~~وإن............الحكماء...........السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار ~~الحكم، وهم عن دين الله من أصل النعم، ثم قال تعالى منكرا ومنبها على كمال ~~جهل الذين قالوا الملائكة بنات الله {أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من ~~الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما} أي عظيم الشناعة بإضافتكم ms1405 الأولاد ~~إليه وهي خاصة الأجسام، ثم تفضيلكم أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ~~ثم بحط الملائكة وهم أعلا خلق الله إلى دون خلق الله وهي الإناث. # قال أبو عبيدة في قوله: {أفأصفاكم ربكم} أي أخصكم، يقال اصطفاه بالشيء ~~إذا آثره به. # قال النحويون: هذه الهمزة همزة تدل على الإنكار على صيغة السؤال عن مذهب ~~ظاهر الفساد لا جواب لصاحبه إلا بما فيه أعظم الفضيحة، والمعنى أفخصكم ~~بأفضل الأولاد البنون ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه، واتخذ دونهم وهي البنات، ~~وهذا خلاف الحكمة، ومعقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء، ~~ويكون أرذلها للسادات. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يريد بهذا القول المشركين الذين ~~زعموا أن الملائكة إناث افتراء منهم على الله عز وجل وعبثا، وقد ذكر بعض ~~أهل العلم أن الذي قال ذلك من العرب قوم يقال لهم خزاعة، وهم كانوا حول مكة ~~فذكروا عنهم أنهم قالوا: الملائكة بنات الله عز وجل وتنزه عما قالوا، وتقدس ~~وعلا علوا كبيرا، ثم قال تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا}. PageV18P033 # اعلم أن لفظ التصريف كناية عن النبيين؛ لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف ~~كلامه من نوع إلى نوع آخر، ومن مثال إلى مثال آخر، ليكمل الإيضاح، ويقوة ~~البيان فقوله: {ولقد صرفنا} أي بينا في هذا القرآن من كل ما يوجب الاعتبار، ~~أو كررنا فيه الدلائل على إبطال إضافتهم البنات إلى الله تعالى؛ لأنه كرر ~~في مواضع ليذكروا ويتعظوا، أو المراد من التذكير هنا التدبر والتفكر، وليس ~~المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان. # قال عليه السلام: يقول: ولقد بينا لهم من كل شيء فيه منفعة وهدا، ولهم ~~فيه نجاة ورحمة، فأعلمناهم بما كان قبلهم، وما هو كائن بعدهم فأبوا، ~~انتهى.{وما يزيدهم} تصريف القرآن {إلا نفورا} عن الحق، والآية تدل على أنه ~~تعالى إنما أنزل هذه القرآن وأنما أكثر فيه من ذكر الدلائل إلا أنه تعالى ~~أراد منهم فهمها، والإيمان بها، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل ~~سواء ms1406 آمنوا أو كفروا، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {قل} يا محمد{لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ~~ذي العرش سبيلا} أي لو كان معه آلهة وأرباب من المخلوقين، كما يقولون إذا ~~لكانوا له مطيعين، ولطلبوا إلى رحمة ذي الملك والسلطان سبيل، كما يطلبون، ~~ولكن الحجارة لا تعقل الطلب من رب العالمين، فلم يعتدون ويجلون ما لا يعقل ~~إجلال خالق المخلوقين، وقال عليه السلام: يقول لو كان لله عز وجل شركاء كما ~~قلتم أو نظراء كما كذبتم، أو مشاقون كما زعمتم لطلبوا سبيلا إلى إزالته، ~~واحتالوا بكيدهم في إزاحته، قدوس قدوس رب الملائكة والروح، الذي لا شريك له ~~ولا[70] نظير إلى قوله عز وجل، فقد غلب عزه كل عز، وقهر فأذل سلطانه كل ~~قاهر، ودام فأفنى دوامه كل دائم، سبحانه وتعالى لا إله غيره، ولا معبود ~~سواه، ولا خالق ولا رازق إلا إياه، وهو رب العرش العظيم، انتهى. PageV18P034 # ولما قام الدلبل القاطع على كونه منزها عن الشركاء، وعلى أن القول بإثبات ~~الآلهة قول باطل أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال: ~~{سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن ~~تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ومعنى تعالى أي ارتفع شأنه عن سلطانه، ~~والمراد البراءة والنزاهة والعلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة، والبعد ~~مما وصفوه به، ثم قال تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض} أي تسبح ~~بلسان الحال، حيث يدل على الصانع وقدرته وحكمته، وكأنها تنطق بتنزيهه عما ~~لا يجوز عليه، ثم قال: {ومن فيهن} من الملائكة والثقلين، واعلم أن الحي ~~المكلف يسبح لله بوجهين: # أحدهما: بالقول كقوله باللسان سبحان الله. PageV18P035 # والثاني: بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى، وقدسه وعزته، فأما الذي لا ~~يكون مكلفا مثل البهائم، ومن لا يكون حيا مثل الجمادات، فهي إنما تسبح لله ~~تعالى بالطريق الثاني؛ لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم ~~والعلم، والإدراك والنطق، وكل ذلك في الجماد محال، فلم يبق حصول التسبيح في ms1407 ~~حقها إلا بالطريق الثاني؛ لأنها تنزهه وتبعده من صفات المحدثات بما يرى ~~فيها من أثر التدبير والآيات، ويسبح من فيهن وهو تنزيه أهلهن لله وإجلالا ~~لهم، وتسبيحهم المعروف وكلامهم، ثم قال جل جلاله: {وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده} أي ينزهه بما فيه من الدلائل عليه، وعلى قدرته وحكمته {ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم} أي لا تفهمون ولا تستخرجون بتعبدهم لله من شبه خلقه، ولا ~~تدرك عقولكم عجائب صنعه، ولذلك أمركم بسؤال أهل بيت نبيه، ومعدن عجائب ~~آياته وحكمته، وهذا هو معنى تفسير الأئمة عليهم السلام للتسبيح، من ذلك قول ~~الهادي عليه السلام فإنه قال: واعلم أن معنى هذا أو أحسن ما يؤول في فهمنا ~~أن الله تبارك وتعالى أراد بذلك أنه ليس من شيء إلا وفيه أثر صنعه وتدبيره ~~وقدرته، ما يدل على جاعله ومصوره، ويوجب له سبحانه على من عرف أثر صنعه فيه ~~التسبيح والتهليل، والإقرار بالواحدانية والتبجيل، عند تفكر المفكر واعتبار ~~المعتبر، بما يرى من عجائب فعله جل جلاله، فيما خلق من عروق الأشجار ~~الضاربة في الثرى، وفروعها الباسقة في الهواء، وما يكون فيها من ثمار ~~مختلفة شتى، فإذا نظر إلى أثر تدبير الجبار فيها أيقن بالصانع، وإذا استدل ~~على الصانع ثبتت معرفته في قلبه، ورسخت وحدانيته في صدره، فإذا ثبتت ~~المعرفة في قلب المعتبر وصحت في جوارح الناظر، نطق لسانه بالتسبيح لجاعل ~~الأشياء، وظهرت منه العبادة لخالقها، فلما كان في الأشياء كلها الدليل على ~~جاعلها، وفي الدليل على جاعلها ما يوجب الإقرار به، وفي الإقرار به ما يوجب ~~ذكره بما PageV18P036 هو أهله من التقديس والتبجيل، والتسبيح والمعرفة به، والإقرار بقدرته، جاز ~~أن يقال تسبيح إذا كان سببه التسبيح من المسبح المستدل على ربه فما سير له ~~في كل شيء من أثر صنعه، وكذلك قوله سبحانه: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ~~يريد وإن من شيء إلا وهو يوجب التسبيح على من اعتبر ونظر في أثر صنعنا فيه، ~~فجاز أن يقول وإن من شيء إلا يسبح بحمده لما ms1408 كان أثر الصنع فيه موجبا {إنه ~~كان حليما غفورا} حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على جهلكم وغفلتكم، وذكر الحليم ~~الغفور هاهنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون[71] ذلك التسبيح وذلك جرم ~~عظيم صدر عنهم، وهذا إنما يكون جرما إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها ~~دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا ~~وجه دلالة تلك الدلائل. # واعلم أنه تعالى لما تكلم في المسائل الإلهية تكلم بعد ذلك فيما يتعلق ~~بتقرير النبوة فقال سبحانه: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام أي جعلنا بينكم وبينهم حجة تسترك من ~~كيدهم حتى لا يقدروا على إدحاض حجتكم بجهدهم، ومثل هذا ذكر الإمام أحمد بن ~~يحيى عليهما السلام ، ويجوز أن يكون حكاية لما كانوا يقولون قلوبنا في أكنة ~~ومن بيننا وبينك حجاب، كأنه قال: {وإذا قرأت القرآن جعلنا} على رغمهم {بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا} كما مر في سورة الكهف، وقال ~~سبحانه: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} أي إذا قرأت القرآن جعلنا على ~~قلوبهم أغطية على زعمهم كراهة أن يفقهوه، أو لئلا يفقهوه على مذهب الكوفيين ~~{وفي آذانهم وقرا} أي ثقلا لا تسمع. PageV18P037 # وأما الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام فقال هاهنا: واعلم أرشدك الله أن ~~الجعل في كتاب الله عز وجل يخرج على وجهين ليس لهما ثالث: # أحدهما جعل حتم وهو الخلق، وذلك قوله عز وجل: {وجعلنا السماء سقفا ~~محفوظا}{وجعلنا الليل والنهار آيتين}{وجعل القمر فيهن نورا} وما أشبه ذلك ~~في القرآن فهو جعل خلق وحتم. # وأما الجعل الآخر وهو جعل حكم وتسمية مثل قوله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه} ومثل قوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا} {وجعلناهم أئمة ~~يدعون إلى النار} فهذا وما كان مثله في القرآن جعل حكم وتسمية، لا جعل خلق، ~~والوقر وهو الصم، معروف في لغة العرب غير منكر، وقال في موضع آخر كأن في ~~أذنيه وقرا فبشره ms1409 بعذاب أليم، يعني بذلك كأن في أذنيه صمما، قال الشاعر: # وقفنا بدار الحي نسأل عنهم # فردت علينا أن في سمعها وقرا # والأكنة ما ستر الشيء وحال دونه، وهو مثل قوله: {وعلى أبصارهم غشاوة} ~~وذلك كله حكم وتسمية؛ لا أن الله غطى على قلب أحد ولا غشا على بصره، ولا ~~حال بينه وبين هداه، انتهى. PageV18P038 # ثم قال تعالى: {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} ولم تذكر معه آلهتهم {ولوا ~~على أدبارهم نفورا} يعني أنهم ينفرون من توحيد الله عز وجل، ونفورا مصدر، ~~والمعنى ينفرون نفورا، وولوا نافرين نفورا، ويحتمل أن يكون نفورا جمع نافر ~~ونصبه على الحال، ثم قال: {نحن أعلم بما يستمعون به} أي نحن أعلم بالوجه ~~الذي يستمعون به القرآن، وهو الهزو والتكذيب بك وبه، كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا قرأ قام رجلا عن يمينه ورجلان عن يساره فيصفقون ~~ويصفرون، ويخلطون عليه بالأشعار، ومعنى قوله: {إذ يستمعون إليك} أي وقت ~~يستمعون {وإذ هم نجوى} أي وهم أعلم بما يتناجون به وقت كونهم أصحاب نجوى، ~~وهو التناجي والتشاور. # قال في البرهان: هذه الآية نزلت في جماعة من قريش منهم الوليد بن ~~المغيرة، كانوا يتناجون بما ينفرون به الناس عن اتباع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكانت نجواهم أنه مجنون وأنه ساحر، وأنه يأتي بأساطير ~~الأولين، والمناجاة فهي المسارة والمخافتة بالسر من الكلام، قال الشاعر: # يتناجون حتى لا يبين كلامهم # سرارا لئلا يعلم الناس ذلكا # {إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} فقوله: إذ يقول الظالمون ~~بدل من قوله: وإذ هم نجوى[72]. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام يقول هذا بعضهم لبعض، والمسحور ~~عند العرب يخرج في لغتهم على وجهين: # أحدهما: أنهم فيما يقولون هم أن الرجل ترقا له الرقا، وتعقد له العقد حتى ~~يزول عقله، ويختلط عليه أمره. PageV18P039 # والوجه الآخر: من السحر عندهم فهو السحر بالكلام الذي يعمل فيه الناس من ~~الكذب والحيل، والمكائد والمكر، حتى يرفعوا عقل الإنسان، ويصدوه عن طريقه، ~~ويتعملون ms1410 عليه في قطع قريبه، ومفارقة خليله، وطلاق زوجته، والرجوع عن رأيه، ~~والصد عن هواه، فقد يكون كبيرا في الناس اليوم وقبل اليوم، وهو السحر عند ~~العرب، يقول الرجل لصاحبه إذا خدعه سحرني فلان. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن من البيان لسحر)) ~~في حديث طويل، وقد كانوا أيضا يقولون في رسول الله الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه مجنون، وأنه كاهن، وأنه محتال، وكان الله عز وجل المتولي لتصديقه، ~~والمظهر لنزاهته، والدال على معجزاته، والمكذب لهم ببيان الحجة عنه، ووضوح ~~الطريقة حتى قامت الحجة، وغلب الحق، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، انتهى. # ثم قال عز وجل: {انظر} بقلبك يا محمد في ضلالهم {كيف ضربوا لك الأمثال ~~فضلوا} في جميع ذلك عن الحق، والطريق المستقيم {فلا يستطيعون سبيلا} يقول: ~~إنهم لا يريدون الهدى ولا الرجوع إلى الحق. # واعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الالهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في ~~النبوات ذكر بعده شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة، فقال ~~سبحانه: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا} متحطمة بالية {أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا} كما كنا في الدنيا، إنكارا للبعث، ومعنى رفاتا أي عظاما بالية ~~وفتاتا، والرفات هو الفتات، وهو التراب.....قال الشاعر: # تركناهم غداة الخيل تردي ... هشيما بالأسنة أو رفاتا PageV18P040 والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء تكسر، وقوله تعالى: {قل كونوا حجارة أو ~~حديدا} ليس المراد منه الأمر، بل المراد لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله ~~تعالى عن الإعادة، فلن يعجزه بعثكم وحياتكم، إذا كان عز وجل هو المبتدع ~~لشأنكم، ثم قال: {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} ويعظم بزعمكم على الخالق ~~إحياؤه فإنه يحييه، ثم قال تعالى: {فسيقولون من يعيدنا} أي يبعنثا في ~~الآخرة، والمعنى أنه لما قال لهم كونوا حجارة أو حديدا أو شيئا أبعد في ~~قبول الحياة من هذين الشيئن، فإن إعادة الحياة إليه ممكنة، فعند ذلك قالوا: ~~من هذا الذي يقدر على إعادة الحياة إليه؟ قال تعالى: {قل} يا محمد {الذي ms1411 ~~فطركم} أي ابتدأ خلقكم {أول مرة} في الدنيا أي فالإعادة عليه أهون، ثم قال ~~تعالى: {فسينغضون إليك رءوسهم} تعجبا واستهزاء. # قال الفراء: يقال فلان أنغض رأسه، ينغصه انغاضا إذا حركه إلى فوق وإلى ~~أسفل، وسمي الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه. # وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر شيء فحركه رأسه إنكارا له قد أنغض ~~رأسه وهو شيء يفعله الموئس من الشيء ويباعد كونه ويكذب به، قال الشاعر: # أنغضت رأسك مويسا من نصرنا ... فأتاك مثل الأسد للميعاد # ثم قال تعالى: {ويقولون متى هو} أي البعث {قل عسى أن يكون قريبا} وعسى من ~~الله واجبة، معناه أنه قريب، ثم قال تعالى: {يوم يدعوكم} أي هو للبعث، وهذا ~~يذكر في معرض التهديد، والدعاء والاستجابة مجاز، ثم قال: {فتستجيبون بحمده} ~~أي حامدين له، وهي مبالغة في انقيادهم للبعث، وهذا يذكر في معرض التهديد ~~والدعاء، والاستجابة مجاز، ثم قال: {وتظنون إن لبثتم} في الدنيا {إلا ~~قليلا} لما ترون من الهول تحسبون مدتها يوما أو بعض[73]يوم. PageV18P041 # وقال في البرهان: معنى يوم ندعوكم إلى المحشر والمحاسبة فتستجيبون أي ~~خاضعين لله بألسنتكم، وقوله: إن لبثتم إلا قليلا، يعني به تقريب الوقت، كما ~~قيل في المثل كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل، قوله تعالى: {وقل ~~لعبادي يقولوا التي هي أحسن} فيه قولان: # الأول: قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام يعني بذلك أولياؤه، يقولون ~~التي هي أحسن، وهي قول لا إله إلا الله. # قال بعض المفسرين: وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص ~~بالمؤمنين، قال تعالى: { فبشر عبادي، الذين يستمعون القول} وقال: {فادخلي ~~في عبادي} وقال: {عينا يشرب بها عباد الله} إذا عرفت هذا فنقول أنه تعالى ~~لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك، وهو قوله: {لو كان معه آلهة كما ~~يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد ~~وهو قوله: {قل الذي فطركم أول مرة} وقال في هذه الآية: قل يا محمد لعبادي ~~إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا ms1412 تلك الدلائل بالطريق الحسن، ~~وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب، ونظير هذه الآية قوله: {ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} وقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن} ذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم ~~بمثله كما قال: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم} ويزداد الغضب وتتكامل النفرة، ويمنع حصول المقصود، أما إذا وقع ~~الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في ~~القلب تأثيرا شديدا، فهذا هو المراد من قوله: {قل لعبادي} ثم إنه تعالى نبه ~~على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال: PageV18P042 # {إن الشيطان ينزغ بينهم} أي يغري ويوسوس لهم، قال: # فمن لي بنفس لا تزال غوية # ونزعة شيطان يريد ضلالها # والمراد أنه يغري بينهم ويحرك المرء ليقع الفساد {إن الشيطان كان للإنسان ~~عدوا مبينا} أي بين العداوة. # القول الثاني: أن المراد من قوله قل لعبادي الكفار، وذلك لأن المقصود من ~~هذه الآيات الدعوة فلا يبعد في هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن، ليصير ~~ذلك سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق. # أما قوله تعالى: {ربكم أعلم بكم} فتفسير للتي هي أحسن وما بينهما فاصل ~~للتأكيد في التحذير من عداوة الشيطان، المعنى قل للمؤمنين يقولون للمشركين ~~ربكم أعلم بكم، أو نحو هذه الكلمة، ولا يقولون أنتم من أهل النار، ونحو ذلك ~~مما يغيضهم ويهيجهم على الشر، أي ربكم أعلم بما تستحقون، والمقصود من هذه ~~الكلمات إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة، فإن ذلك هو الذي يؤثر في القلب ~~ويفيد حصول المقصود: {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} بالتوفيق إن فعلتم سبب ~~الرحمة فتؤمنوا {أو إن يشأ يعذبكم} إن بقيتم على سبب العذاب وهو الكفر. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: معنى قوله إن يشاء يرحمكم فهو ~~يريد أن يرحمكم ويتفضل عليكم، فهو الوالي لذلك والقادر، ولا مانع له لذلك، ~~ولا حائل دونه، ولا راد لرحمته، وإن ms1413 يشاء يعذبكم فهو القادر على ذلك، لا ~~مانع له ولا صاد له عنه رب الأرباب وسيد العباد، والمنفذ لما يشاء في جميع ~~الأسباب، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وما أرسلناك عليهم وكيلا} ~~أي ربا موكولا إليه أمورهم. PageV18P043 # قال عليه السلام: الوكيل في لغة العرب فهو الذي يوكل لأخذ الشيء وقبضه، ~~وتوكله العرب أيضا على حقوقها وأموالها في الحق يقتضيه، فأعلمنا الله عز ~~وجل أنه لم يجعل محمد عليه السلام وكيلا في عقوبة عباده التي جعلها في ~~الآخرة، وأن ذلك شيء هو إلى [75] الله سبحانه من رحمته في آخرته وعذابه، ~~وأنه إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا، ومعذرا ومنذرا، وقائما بأحكام الدنيا بالحق فيما ~~بين العباد لا غير، فبين الله لنا سبحانه أنه لم يجعل محمدا ولا أحدا من ~~الأنبياء عليهم السلام وكيلا في عفوه ولا عقابه، وأنه المتولي لما أراد من ~~أمره سبحانه لا إله إلا هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وذلك قوله ~~سبحانه: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} ثم قال عز وجل لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم: {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} يريد أنه خلقهم ولا ~~يخفى عليه شيء من أمورهم وأحوالهم وما يشاء واحد منهم، وهذا رد على أهل مكة ~~في استبعادهم أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون العراة الجوع أصحابه ~~كصهيب وبلال وخباب دون أن يكون ذلك في أكابرهم، ثم قال: {ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض} فالله عز وجل قد فضل بعض رسله على بعض منهم، من جعله من ~~أصحاب الشرائع والكتب، ومنهم من كلمه، ومنهم من اتخذه خليلا، وغير ذلك من ~~التفضيل، وفيه إشارة إلى تفضيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقوله تعالى: ~~{وآتينا داوود زبورا} دلالة على وجه تفضيله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه ~~خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم؛ لأن ذلك مكتوب في زبر داود، قال ~~سبحانه: {ولقد كتبنا في الزبور من ms1414 بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون} أي أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي معنى هذه الآية PageV18P044 يقول المرتضى عليه السلام تفضيله لهم فهو بما تكلف بعضهم دون بعض من أمره ~~ونهيه فيهم صلوات الله عليهم من أرسله إلى قومه لا غير، ومنهم من أرسل إلى ~~قومه وغيرهم، وكان المرسل إلى غير قومه مع قومه أكبر تكليفا، وأشد محنا ~~وأعظم، فلما كان ذلك كذلك كان من كان لذلك في العطاء والتفضيل يستوجب من ~~الله المواد والعون والثواب أكبر من غيره، فيكون تفضيلا إذ المحنة عليه ~~أعظم، والتعب أكبر، ومثل هذا كثير يجري قليله عن كثيره {وآتينا داوود ~~زبورا} أي أعطينا داود الزبور الذي أنزله الله عليه، ولم ينزل على كل ~~الأنبياء كتابا، وكان هذا أيضا لداود فضيلة في العطاء ولغيره من الأنبياء ~~الذين أعطوا الكتب، وخصوا بها جميع الأنبياء، انتهى. # ثم قال تعالى ردا على المشركين: {قل ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة ~~تعبدونهم {من دونه} وهم الملائكة، وقيل: عيسى ومريم وعزير، وقيل: إن قوما ~~عبدوا نفرا من الجن فأسلم النفر من الجن وبقى أولئك الناس متمسكين بعبادتهم ~~فنزلت الآية، ثم إنه تعالى لما احتج على بطلان قولهم في هذه الآية بقوله: ~~{قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} بين سبحانه فساد مذهب هؤلاء بقوله: {فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا}. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني بذلك الذين يدعونهم من دونه ~~لا يقدرون أن يكشفوا عنهم الضر من السقم، ولا الضر من الفقر، ولا الضر من ~~غير ذلك، ولا يحولونه إلى الغنى والصحة لعجزهم عن ذلك، وأنهم لا يقدرون لهم ~~ولا لأنفسهم على نفع ولا ضرر. PageV18P045 # قال عليه السلام: وكل زعم في كتاب الله عز وجل فهو كذب من قائله مثل قوله: ~~{زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} ومثل قوله: {بل زعمتم ~~ألن نجعل لكم موعدا} ثم ذكر عز وجل أولياؤه وأهل طاعته فقال: {أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} يقول ms1415 عز وجل يتضرعون إلى الله جل ثناؤه في ~~طلب الجنة والدرجة العلياء {أيهم أقرب} أي يتقربون إليه بالأفضل الزكي من ~~الأعمال {ويرجون رحمته ويخافون عذابه}[75] قال: يخافون أن يعذبهم الله جل ~~ثناؤه على لفظهم، وعلى الرديء من فعلهم، وعلى الغصب والمنع، انتهى. # وقوله: أولئك مبتدأ، ويدعون صفته، ويبتغون خبره، والمراد أن أولئك الذين ~~يدعون أي يعبدونهم ويسمونهم آلهة هم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي يطلبون ~~التقرب إليه بالعمل الصالح، والوسيلة القربة إلى الله تعالى والشفاعة، وقيل ~~الحاجة، ومعناه أنهم معترفون لله بالعبودية، متبرؤون مما يزعم عبدتهم، فكيف ~~يزعمون أنهم آلهة من دون الله، ثم قال تعالى: {إن عذاب ربك كان محذورا} ~~يعني حقيقا بأن يحذره كل واحد من ملك مقرب ونبي مرسل، فكيف غيرهم! فإن لم ~~يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه.........يجب الحذر منه. # واعلم أنه تعالى لما قال: {إن عذاب ربك كان محذورا} أخبر أن كل قرية ~~فلابد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إما الهلاك وإما التعذيب، فقال عز ~~وجل: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا ~~شديدا} بالقتل وأنواع العذاب من قتل كبرائهم، وتسليط المسلمين عليهم، ~~بالسبي واغتنام الأموال، وأخذ الجزية. PageV18P046 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني أنه يهلك أهل القرية الظالمين ~~منهم بالنقم، والمؤمنين بالموت؛ لأنه ليس من أهل قرية إلا وهم فانون ذاهبون ~~إلى الله جل ثناؤه وصائرون، ولم يعن عز وجل بهلاك القرى الجدر ولا الخشب، ~~وإنما عني الناس خاصة؛ لأن القرى لا عذاب عليهما، وإنما القرى في لغة العرب ~~أهل القرى، قال الله عز وجل: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها} يريد أهل القرية وأهل العير، إذ كانت القرية والعير لا ~~يتكلمان، والإهلاك هو الموت، والعذاب فهو ما نزل بالأولين من النقم والجوع، ~~وما هو نازل بالآخرين مثل ما أصاب أهل مكة في أيام النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ومثل قوله: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين، يغشى الناس ms1416 هذا ~~عذاب أليم} فهو الذي أصابهم من شدة الجوع، كانوا يرون الدخان بينهم وبين ~~السماء، ثم قال: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} يعني يوم بدر، وما ~~حل بهم فيه من القتل والأسر، انتهى. # ثم أخبر تعالى أن هذا الحكم مجزوم به واقع فقال: {كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا} أي في الحكم من الله متقنا، والكتاب أيضا فقد يكون مثلا مضروبا ~~بالإحاطة علم الله تعالى كالمسطور في الكتب. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد ~~بذكر مسألة النبوة فقال: {وما منعنا أن نرسل بالآيات} التي اقترحتها قريش ~~من قلب الصفاء ذهبا وغيره {إلا أن كذب بها الأولون} وذلك لأن كفار قريش ~~اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة ~~كما حكى عنهم قالوا: {لولا أن تأتينا بآية كما أرسل الأولون}. # وقال آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا. PageV18P047 # وعن سعيد بن جبير: إن القوم قالوا إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من ~~سخرت له الريح، ومنهم من كان يحي الموتى، فاتنا بشيء من هذه المعجزات، ~~فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن ~~كذب بها الأولون}. # وقال عليه السلام: يعني بذلك الآيات التي كانت مع موسى عليه السلام وهي ~~تسع آيات منها العصا والحجر، واليد وفلق البحر، وتلك العجائب التي لا تخفى ~~على أحد، إلا أن كذب بها الأولون مثل فرعون وقومه، انتهى. # استعير المنع لترك إرسال الآيات[76] من أجل صارف الآيات، أي وما منعنا من ~~إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين الذين قد مضت عادة الله فيهم أن من اقترح ~~آية فأجيب، ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال كعاد وثمود، وهؤلاء ~~أمثالهم في الطبع على قلوبهم، فلو أرسل ما اقترحوه وجب العذاب المستأصل؛ ~~لأنهم يكذبوا بها تكذيب أولئك، وقد حكمنا أن نؤخر من تعنت فيهم إلى يوم ~~القيامة. # وعن علي عليه السلام: أمهلوا لعلم الله ms1417 سبحانه أن فيهم من يؤمن، أو يلد ~~مؤمنا، ثم ذكر عز وجل واحدة من آيات الأولين الذين أهلكوا لما أنزلت فقال: ~~{وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} أي كفروا بها ولم يؤمنوا، وظلموا ~~أنفسهم بعقرها، وخص الناقة بالذكر؛ لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم ~~يبصرونها صادرهم وواردهم. PageV18P048 # قال عليه السلام: وكان لهم عونا على دهرهم ورحمة من فاقتهم، ومنفعة ~~لعيالاتهم، يشربون منها لبنا خالصا بلا تعب ولا نصب ولا غم، في حفض ودعة ~~وعظم نعمة، فظلموا بها، أي كذبوا نبي الله تبارك وتعالى، وهو صالح صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وعقروا الناقة الكافية، وعصوا ربهم فحل بهم البلاء ~~والدمار، وقوله: مبصرة يعني أنها إحدى البصائر الدالة {وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا} يعني ليزدجر الخلق ويكفوا عن معاصي الذي خلقهم وليخافوا عذابه، ~~ولم يزدادوا إلا طغيانا كبيرا، انتهى. # وإنذار آيات القرآن وغيره سواء، وإن أريد الآيات المقترحة والمعنى إلا ~~تخويفا من العذاب العاجل. # واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات ~~القاهرة، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة، صار ذلك سببا لجراءة ~~أولئك الكفار بالطعن فيه، وأن يقولوا له لو كنت رسولا حقا من عند الله ~~تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك كما أتى بها موسى وغيره من ~~الأنبياء، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال ~~سبحانه: {وإذ قلنا لك} يا محمد، أي اذكر وقت أوحينا إليك {إن ربك أحاط ~~بالناس}. # قال الهادي عليه السلام: معنى قوله أحاط بالناس فهو أحاط بعلم أخبارهم ~~وعلم ضمائرهم، ثم قال تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس}. PageV18P049 # قال عليه السلام: ومعنى أريناك فهو التي أخبرناك بها وأعلمناك، فهو ما وعده ~~من فتح مكة، وقد قيل خيبر، والفتنة فهو بما كان من سؤالهم وتقاصصهم لنبيهم ~~ما وعدهم من الفتح على لسان نبيه، فكانوا يتقاصونه ذلك ويقولون له: يا رسول ~~الله قلت لنا كذا، ووعدتنا بالفتح وقد أبطأ ذلك، وكان صلى الله ms1418 عليه وآله ~~وسلم يقول: ((لم أوقت لكم موقتا، ولم أذكر لكم وقتا، وإنما وعدتكم أمرا ~~وستصلون إليه)) وكان تأخير الموعد بالفتح فتنة للناس لما كان يقع في قلوبهم ~~من استبطاء الفتح، وكان في قلوب المنافقين أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يصدقهم، فهذا معنى ما ذكر الله من الفتنة في هذا الموضع من المؤمن ~~والكافر {والشجرة الملعونة في القرآن} فهم بني أمية، انتهى. # قال ولده أحمد الناصر عليه السلام: وقد اختلف الناس في الرؤيا، وقالوا ~~فيها بأقاويل، غير أن إجماعنا وإجماعهم في الرواية على أنه عليه السلام رأى ~~رجالا من قريش يرقى منبرا........... يتداولونه بالظلم كما يتداول الصبيان ~~الكرة، وهذا الخبر فقد رواه الجميع، وله تفسير يطول به الكتاب، ونحن نفسره ~~في وقت فرغه إن شاء الله تعالى، والشجرة الملعونة في القرآن فهو بنو ~~أمية[77] لعنهم الله، انتهى. # ثم قال تعالى: {ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} والمقصود منه ذكر ~~سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر التي اقترحوها، وذلك لأن هؤلاء خوفوا المخاوف ~~في الدنيا والآخرة، فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا، وذلك يدل على ~~قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان، وإذا كان الأمر كذلك فتقدير أن ~~يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها، ولا يزدادون إلا ~~تماديا في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ~~ما اقترحوه من الآيات والمعجزات، والله اعلم. PageV18P050 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى يزيدهم طغيانا أي ما يزيدهم ~~التخويف............وضغنا، وهو لم يزدهم على الحقيقة ولكنهم لما أرادوا ~~أنفسهم من أجله صار هو الذي زادهم على المجاز، والعرب تجيز ذلك، قال الشاعر ~~يصف بئرا غزيرة الماء: # ويزيدها فحج الدلاء حموما # والدلا على الحقيقة تنقص الماء، ولكن جاز ذلك لما زاد الماء ولم ينقص، ~~وإنما زاد من قبل غزر البحر لا من قبل الدلا، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في ~~محنة ms1419 عظيمة من قومه وأهل زمانه، أخبر أن حال جميع الأنبياء مع أهل زمانهم ~~كذلك، ألا تر أن أول الأنبياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس ~~فقال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} أو يقال في كيفية ~~النظم أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاندوه ~~واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين: الكبر، والحسد. # أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد. # وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما أتاه الله من النبوة والدرجة ~~العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج ~~من الإيمان، والدخول في الكفر والعصيان، فمعنى قوله: وإذ قلنا أي واذكر وقت ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: قوله اسجدوا فهو أمر من الله ~~سبحانه للملائكة بالسجود لآدم طاعة لله جل ثناؤه، وإنقيادا لأمره بالسجود ~~لله عز وجل، وهو تعظيم لآدم عليهم السلام جميعا، إلا إبليس، استثناه وهو من ~~الجن لا من الملائكة، لكنه أمر معهم بالسجود فغلبه. PageV18P051 # وقال الهادي عليه السلام: لما كان حاضرا للأمر من السجود معهم، ثم ذكر ~~سبحانه شبهة إبليس في الامتناع من السجود بقوله: {قال أأسجد لمن خلقت طينا} ~~أي خلقته حال ما كان طينا، فهو حال من من الموصولة وعامله اسجد، وقيل تمييز ~~أي خلقت من طين، وقوله: أأسجد إنكار للسجود له لزعمه أنه خير منه؛ لأنه من ~~نار، ولم ينظر في إمتثال من هو أشرف منه وهم الملائكة عليهم السلام . # قال إبليس: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} أي فضلته علي، وأنا خير منه ~~فاختصر الكلام، والكاف زائدة توكيد للخطاب، والمعنى أخبرني عن هذا الذي ~~كرمته علي لم كرمته وأنا خير منه، ثم قال تعالى حكاية عنه: {لئن أخرتني إلى ~~يوم القيامة لاحتنكن ذريته} أي استأصلهم بالإغواء، أو متولين عليهم من ~~قولهم احتنك الجراد الأرض أكل ما عليها. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الاحتناك هو اللزوم، أي لأحوزنهم ~~ولأملكنهم {إلا قليلا} هم ms1420 الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان} وعلم هذا وهو غيب لما سمعه من الملائكة أو خرجه من قوله: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها} أو توسم في محابل آدم[78] أنه خلق شهواني، أو ~~لما عملت وسوسته فيه، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة، والله أعلم. # قال في البرهان: لأحتنكن ذريته: أي لأقطعنهم، قال الشاعر: # نشكو إليك سنة قد أجحفت ... جهدا إلى جهدينا وأضعفت # واحتنكت أموالنا وخلفت # وقيل: معناه لأقودنهم إلى المعصية كما تقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه ~~حبل........انتهى. PageV18P052 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه بقوله سبحانه: {قال اذهب ~~فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} وافرا كاملا، وقوله تعالى له ~~اذهب ليس هذا من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، وإنما معناه امض لشأنك الذي ~~أخبرته أمر خذلان وتخلية، أي انتظر إلى يوم القيامة، فإن قيل ليس الأولى ~~بأن يقال فإن جهنم جزاؤهم ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله فمن تبعك. # قال بعضهم: فيه وجوه: # الأول: التقدير، فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب، ~~فقيل: جزاؤكم. # والثاني: يجوز أن يكون هذا الخطاب مع المتابعين على طريقة الالتفات. # والثالث: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من سن سنة فعليه وزرها ووزر ~~من عملها إلى يوم القيامة)) وكل معصية توجد فتحصل لإبليس مثل وزر ذلك ~~العامل، فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو ~~إبليس، ثم قال جزاء موفورا، وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما، فعلى ~~التقدير الأول يكون المعنى جزاء موفورا، وعلى الثاني كون المعنى جزاء ~~وافرا، وانتصب قوله جزاء على المصدر. # واعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ~~ذرية آدم فالله تعالى ذكر له أشياء: # أولها: قوله: اذهب ومعناه أمهلتك هذه المدة. # وثانيها: قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} يقال: أقره الخوف، ~~واستقره أي أزعجه واستخفه. # قال الحسين بن القاسم عليهما ms1421 السلام: معنى واستفزز أي وافزع وانفر، ويقال ~~نفرت قلوب الناس إذا فزعت قلوبهم ونفرت، قالت الخنساء: # وأفنا رجالي فنادوا معا # فأصبح قلبي لهم مستفزا # انتهى. # وصوته قيل: دعاؤه إلى معصية الله، وقيل: الوسوسة، وقيل: أراد بصوتك الغنا ~~واللهو، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد، كما يقال اجهد جهدك فسترا ما ينزل بك. PageV18P053 # وثالثها: قوله تعالى: {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} معنى واجلب عليهم أي صح من ~~الجلبة وهي الصياح، والإجلاب هو الغارة كما قال الكميت: # وإن ألجموا طرا علي وأجلبوا........البيت # وقوله: ورجلك اسم جمع للراجل، أي كل راكب وماش في معصية الله، وهو وارد ~~مورد التمثيل مثلت حالته في تسليطه على من يغويه فأفزعهم بصوته، وأجلب ~~عليهم بجنده من خياله ورجاله. # قال الهادي عليه السلام: هذه كلها أمثال ضربها الله لا أن ثم خيلا ولا ~~ركابا، والعرب تقول بعضها لبعض إذا اختصمت وتحاجت وتناظرت قالت لمن لا خيل ~~له ولا رجال أجلب علينا بخيلك ورجلك، تريد أجهد علينا بغاية طاقتك، فعلى ~~هذا يخرج معنى قول الله اجلب عليهم بخيلك ورجلك، أي اجتهد فيهم جهدك، انتهى. # والرابع من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله: {وشاركهم في ~~الأموال والأولاد} أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في ~~المال، سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه، أو وضعه في غير حقه، ~~ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة، والمعاملات الفاسدة. # قال الحسين بن القاسم[79] عليهما السلام: وهذا على سبيل الوعيد والزجر، ~~لا على ما يتوهم أهل التشبيه من القضا والجبر، وإنما يريد سأعذبك على ~~مشاركتهم في أموالهم وأولادهم، ولم يأمره تعالى بمشاركتهم، ولكنه أوعده ~~وحذره وتهدده، ونهاه عن ذلك وزجره، ومعنى مشاركته لهم في أموالهم وأولادهم ~~أن أموالهم تنفق فيما يرضيه، فصار بذلك شريكا، وإن لم يكن لشي من الأموال ~~مليكا، وكذلك الأولاد يخدمون آباؤهم مرة، ويطيعون إبليس مرة أخرى، فبذلك ~~صار في الأولاد شريكا، انتهى. # أما قوله تعالى: {وعدهم} فمعناه أن وعيد الكاذب من شفاعة الأصنام، وتسويف ~~التوبة والغفران بدونها، ms1422 والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول في الكبائر ~~والخروج من النار. PageV18P054 # واعلم أن الله تعالى لما قال: {وعدهم}أردفه بما يكون زجرا عن قبول وعده ~~فقال: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي باطلا وكذبا، والسبب فيه أنه إنما ~~يدعو إلى أحد أمور ثلاثة: قضاء الشهوة، وإمضاء الغضب، وطلب الرئاسة، ولا ~~يدع البتة إلى معرفة الله تعالى وإلى طاعته. # واعلم أنه تعالى لما قال: افعل ما تقدر عليه بين ذلك فقال سبحانه: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي ليس لك عليهم قوة تقهرهم بها، وإنما يطيعك ~~بالاختيار من شاء ذلك منهم، ثم قال تعالى: {وكفى بربك وكيلا} أي حافضا ~~ووكيلا لهم، أي يتكلون عليه في الاستعاذة منك. # واعلم أنه لما كان المقصود الأعظم تقرير دلائل التوحيد، عاد إلى ذكر ~~الدلائل الدالة على قدرته، وحكمه وحكمته ورحمته، فقال سبحانه وتعالى: {ربكم ~~الذي يزجي} أي يجري ويسير {لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله} بالتجارة ~~وسائر منافعكم، يحفظكم من الغرق وغيره، الفلك: هي السفن في الواحد والجمع ~~سخرها الله عز وجل، وجعل لها سائقا بالرياح فسخرها وأجراها بقدرته. # واعلم أن المذكور هاهنا من الوجوه المستنبطة من الإنعامات في أحوال ركوب ~~البحر أنواع: # الأول: كيفية حركة الفلك على وجه البحر، وهو قوله: {ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك} الإزجاء سوق الشيء حال بعد حال، قال الشاعر: # ياأيها الراكب المزجي مطيته ... بلغ بني أسد ما هذه الصوت # ثم قال: والمعنى ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر{لتبتغوا من فضله} في ~~طلب التجارة، والخطاب في قوله: {ربكم} وفي قوله: {إنه كان بكم رحيما} عام ~~في حق الكل، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها. PageV18P055 # والنوع الثاني: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر} من خوف الغرق {ضل من ~~تدعون إلا إياه} أي ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم من آلهتكم، أن ~~لا يسأل في تلك الحالة إلا بتضرع إلى الصنم والشمس والقمر، والملك الفلك، ~~وإنما يتضرع إلى الله تعالى، ولا يذكر في ذلك الوقت غيره، يقدر على ms1423 إعانتكم ~~{فلما نجاكم} من البحر{إلى البر أعرضتم} عن الإيمان والإخلاص، وعن توحيد ~~الله، والفزع إليه، وعدتم إلى الشرك، ونسيتم نعمة الإنجاء {وكان الإنسان ~~كفورا} أي عظيم الجحود لنعمة ربه. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: وقد قال قوم أنه عنى بهذا ~~المشركين من أهل مكة خاصة، وهو عندي يدخل فيه جميع من ركب البحر، ودعى إلى ~~الله عز وجل إذا خاف، فإذا نجى وسلم أعرض عن أمر الله عز وجل، وصد عن ~~طاعته، انتهى. # والنوع الثالث: قوله تعالى: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} إنكار ~~لأمنهم، وفيه حذف أي نجوتم فأمنتم أن يخسف بكم جانب البر، أي يفلته وأنتم ~~عليه أي الجوانب كلها في قدرته[80] برا أو بحرا، إذ أسباب الهلكة بيده، ~~فالخسف في البر كالغرق في البحر؛ لأنه تغييب. # قال عليه السلام: والخسف فهو انخساف الأرض، وإنحرافها إلى الأسفل، فأخبر ~~الله تعالى أنه كما قدر على أنه يغيبهم في الماء فهو قادر على أن يغيبهم في ~~الأرض، ثم قال تعالى: {أو يرسل عليكم حاصبا} أي حجارة يحصبون بها، والحاصب ~~أيضا في اللغة هي الرياح التي ترمي بالحصى وتكسح به لقوتها وشدة زعزعتها ~~فيما قيل، والله أعلم، انتهى. PageV18P056 # وتقدير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول ~~البحر، فلما نجاهم آمنوا، فقال: هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من ~~هول البر، فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت ومن ~~جانب الفوق، أما من جانب التحت فبالخسف، وأما من جانب الفوق فبإمطار ~~الحجارة عليكم، فكما لا يتضرعون إلى الله تعالى عند ركوب البحر فكذلك يجب ~~أن لا يتضرعوا إلى إليه في كل الأحوال، وقوله: {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} ~~يعني لا تجدوا ناصرا ينصركم ويصونكم من عذاب الله، ثم قال تعالى: {أم أمنتم ~~أن يعيدكم فيه} أي في البحر {تارة أخرى} يعني مرة أخرى. # قال عليه السلام: والعرب تعرف التارة في لغتها وهي مشهورة عندها أنها مرة ~~أخرى، تقول ms1424 العرب كرة أخرى وطرفة أخرى ووقعة أخرى، وتارة أخرى، وفينة أخرى، ~~كل ذلك في معنى واحد، قال الشاعر: # فتارة نحن في حفظ وفي دعة # وتارة تحت أطراف القنا الذبل # انتهى. # والمعنى أمنتم أن تنكسر أو التي لا تمر بشيء إلا قصفته {فيغرقكم بما ~~كفرتم} أي بسبب كفركم {ثم لا تجدوا لكم علينا به} أي بالإغراق{تبيعا}. # قال عليه السلام: يقولون نصيرا، والعرب تسمي طالب الثأر تبيعا؛ لأنه يتبع ~~بطلب الدم، وينصر من ظلم من قومه، ويتبع ثأره، قال الشاعر: # ونحن المدركون لكل وبر # إذا ظل القتيل عن التبيع # يقول: نحن ندرك بدمائنا إذا لم يدرك التبيع بثأره وظل دمه، انتهى. # واعلم أنه تعالى ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله على الإنسان ~~فقال: {ولقد كرمنا بني آدم} بالعقل والنطق والحظ، والصورة الحسنة، والقامة ~~المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، أو بتسليطهم على ما في الأرض، ~~وتسخيره لهم، وقيل: بالأصابع وغيرهم.......، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في ~~هذه الآية من الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره أربعة أنواع: PageV18P057 # الأول: قوله: {ولقد كرمنا بني آدم} أي فضلناهم وأنعمنا عليهم، وأكرمناهم. # النوع الثاني من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وحملناهم في ~~البر والبحر} على الإبل ونحوها، وعلى السفن. # قال ابن عباس: في البر على الخيل والبغال، والحمير والإبل، وفي البحر على ~~السفن، وهذا أيضا من مؤكدات المذكور أولا؛ لأنه تعالى سخر هذه الدواب له ~~حتى يركبها، ويحمل عليها ويغزوا، ويقاتل ويذب عن نفسه، وكذلك تسخير الله ~~تعالى المياه والسفن وغيره يركبها، وينقل عليها، ويتكسب بها مما يختص به ~~ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع ~~والملك المطاع، وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له. # النوع الثالث من المدائح قوله تعالى: {ورزقناهم من الطيبات} يعني ما تفضل ~~به عز وجل من نفيس الثمار، وجميع الحبوب، ولحوم الأنعام وسمنها، وصيد البر ~~والبحر، والعسل واللبن، والماء، والنعم التي لا تحصى، وذلك قوله تعالى: ~~{وإن تعدوا نعمة الله ms1425 لا تحصوها}. # النوع الرابع قوله: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} صدق الله جل ~~ثناؤه لقد[81] فضل بني آدم عل سائر الحيوان، وأعظم عليهم المنة، وأجزل لهم ~~العطية، فله الحمد على نعمه كثيرا، كما هو أهله ومستحقه. # قال الرازي: وهاهنا بحثان: # الأول: أنه قال في الآية ولقد كرمنا بني آدم، وقال في آخرها: وفضلناهم، ~~ولابد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل، وإلا لزم التكرار، والأقرب أن ~~يقال أنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، ~~مثل العقل، والنطق، والحظ، والصورة الحسنة، والقامة المديدة، ثم إنه تعالى ~~غرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الخفية، والأخلاق الفاضلة، ~~فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل. PageV18P058 # البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل وفضلناهم على الكل، بل قال وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا، فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شيء لا ~~يكون الإنسان مفضلا عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة، ~~فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملك، بل الملك أفضل من الإنسان، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرمات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته ~~التي في الآخرة، فقال سبحانه: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} أي اذكر يوم يدعو ~~جميع الناس يوم القيامة بإمامهم. # قال في البرهان: يعني بأنبيائهم وأئمتهم الذين كانوا يأتمون بهم في ~~الدنيا. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يريد بهذا جميع الخلق فليس من ~~أحد إلا وله إمام، إما إمام هدى وإما إمام ضلالة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى قوله بإمامهم أي مع إمامهم، ~~فمن كان مع إمام جائر حشر معه إلى العذاب، ومن كان مع إمام عادل حشر معه ~~إلى الثواب، وحضر معه في موقف الأمان عند الحساب، ثم جعل كل في منزله، ورزح ~~إلى موضعه ومحله وداره ومسكنه، وأهله، فيسأل الله خير ما يقدم عليه، ثم قال ~~تعالى: {فمن أوتي كتابه بيمينه} فقد نجى وأفلح، ومن أوتي كتابه بشماله فقد ~~هوى، وصار في ms1426 سجن لظى، حيث لا راحة ترجى ولا أسير يفدى، ثم قال سبحانه: ~~{ولا يظلمون فتيلا} أي لا يظلمون شيئا قليلا. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: والفتيل في لغة العرب، والمعروف ~~عندها في كلامها وخطابها، والنقير والقطمير كل ذلك في النواة موجود، ~~والنواة فهي العجمة التي تكون في جوف التمر، فالشق الطويل الذي يكون في بطن ~~النواة اسمه عند العرب الفتيل، والنقير فهو ذلك النقير الذي يكون في وسط ~~ظهر النواة مثل الخردلة، ومنه يكون انتشار نباتها إذا نبتت. PageV18P059 # وأما القطمير فهو الذي يكون على النواة غلافا لها، وهو قشرة بيضاء رقيقة ~~شديدة الرقة، فذلك القطمير وكل ذلك يعرفه العرب وتخاطب به، وتذكره في ~~لغاتها وأشعارها، قال الشاعر: # لسنا نبيعكم فتيلا بعدما # جرت الحكومة بيننا في المقسم # وقال آخر يذكر النقير: # لسنا نخلف قطميرا لظالمنا # ولا تضل دمانا عند أعدانا # فذكر الله عز وجل ذلك كله فقال: {ولا يظلمون فتيلا} أي لا ينقصون قدره. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وكل ذلك مثل مضروب، وأما الأصل في ~~ذلك فإن الفتيل الشيء الحقير القليل، سواء كان في النواة أو في غيرها، ولا ~~يلتفت إلى قول الحشوية وتأويلها، قال الشاعر: # فخاللته ثم أكرمته فلم # أستفد من لديه فتيلا # ثم قال تعالى: {ومن كان في هذه أعمى} عن الحق[82]{ فهو في الآخرة أعمى} ~~عن الثواب وطريق النجاة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه من كان في الدنيا أعمى عن ~~الحق فهو في الآخرة أشد عما وأضل سبيلا، ولهذا الوجه أكرم الله الجنة عن ~~الفاسقين فطهرها عن سبيل الظالمين، ولو أدخلهم الجنة لما ازدادوا إلا بطرا، ~~ولكن الله أحسن تدبيرا ونظرا، ومثل هذا ذكر الإمام أحمد بن يحيى عليهما ~~السلام ثم قال: {وأضل سبيلا} من الأعمى، والأعمى مستعار لمن لا يهتدي إلى ~~طريق النجاة في الدنيا لفقد النظر وشدة الغفلة عن الطاعة، وفي الآخرة؛ لأنه ~~لا ينفعه النظر هناك فكأنه أعمى. # قال في البرهان: يعني من كان في الدنيا أعمى عن الطاعة ms1427 فهو في الآخرة ~~أعمى عن الاعتذار. # واعلم أنه تعالى لما عدد نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في ~~الآخرة، وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري عليه مجرى تحذير السعداء من ~~الإغترار بوساوس أرباب الضلال، والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر ~~والتلبيس، فقال سبحانه: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ~~علينا غيره}. PageV18P060 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى وإن كادوا أي وقت أرادوا أن ~~يفتنوك ويضلوك، والكيد هاهنا هو الإرادة، قال الشاعر: # كادت وكدت وتلك خير إرادة # لولا الوشاة بأن نكون جميعا # والفتنة هي الضلال، قال الشاعر: # يا عمرو إنك في الضلالة فاتني # أي مضلي. # وأما قوله: {وإذا لاتخذوك خليلا} فالخليل هو الصاحب، قال الشاعر: # خليل لي أبحت إليه سري # وإنما قال الله عز وجل لهم أنهم كادوا وأرادوا ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يكد ولم يحب أن يضل ولم يرد، انتهى. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: قد قالوا أنهم وفد ثقيف، وقالوا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حاصر ثقيفا بعد فتح مكة وهوازن ~~في ذي القعدة بضعا وعشرين يوما ثم انصرف عنهم. PageV18P061 # وقال عليه السلام: ((نهيت عن قتل ثقيف)) وقد كانوا قتلوا من أصحابه أربعة ~~عشر رجلا، منهم ابن أبي بكر بن قحافة، وعبد الله بن أمية زاد الراكب وهو ~~ابن عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وهو ~~أخو أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد الله بن عامر بن ~~ربيعة، وعبدالله بن الحارث بن قيس بن عدي بن عطية، وسعد بن سعيد بن العاص ~~بن أمية، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه وفد ثقيف بنو ~~عمير بن عبد مناة بليل، وقد كانوا أوفدوا إليه من كل بطن رجلا لشدة شوكتهم ~~وحربهم على الله عز وجل، وكان فيهم عثمان بن أبي العاص، فأتوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فشهد رسول الله صلى الله ms1428 عليه وآله وسلم بمجيئهم، ~~فسألوا النبي أن يمتعهم باللاة سنة وسألوه أشياء كثيرة منها: ألا تجيء ~~نساؤهم في الصلاة، وأن يحرم واديهم كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها، ~~فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ما يصلح ويجوز من مسائلهم، ~~إلا ترك الصلاة والتمتع باللاة وتحريم الوادي، فجعلوا يردون عليه ويقولون ~~سنة واحدة حتى يعرف العرب فضلنا عليهم، فأمسك عنهم في الثانية ولم يرد ~~عليهم جوابا فداخلهم الطمع فيما طلبوا فأنزل الله عليه: {ولولا أن ثبتناك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} أي لولا أن ثبتناك بالعصمة لقد كدت أي ~~قاربت الميل إلى خدعهم. PageV18P062 # قال عليه السلام: وقد جاء في الرواية أن قريضة والنظير وبني قينقاع ~~اجتمعوا[83] إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث هاجر فقالوا: يا أبا ~~القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وأنت مذ عرفت مهاجر ~~إبراهيم كان إليها، وكان بها إسحاق ويعقوب والأسباط وعمران يعنون أبا مريم ~~ابنة عمران، وزكريا وموسى، وهارون وعيسى، ويحيى، وجميع الأنبياء إلا قليلا ~~منهم، ولو أنك خرجت إلى الشام صدقناك وآمنا بك واتبعناك، قال: فوقع في قلب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لما يحب من إسلام الناس، قال فأنزل ~~الله عز وجل: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض} الآية. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى لولا أن ثبتناك أي لولا أن ~~حبسناك عن التعلم لدينهم لقد قاربت أن تعلم منهم دينهم وكتبهم، لولا أن ~~لزمناك عن الدخول في دينهم لركنت إليهم، وإنما ثبته الله عن التعلم ~~لمذهبهم؛ لأنه لو فعل ذلك لارتاب المبطلون، وإذا لجعلوا ذلك حجة على رب ~~العالمين، وإذا لادعا ذلك كثير منهم أنه كسب ذلك من الكتابين، ومن علماء ~~اليهود والنصارى والكافرين، ولكن الله منعه من التعليم؛ ليقطع قولهم ويبطل ~~دعاويهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعللهم، وأي دليل أدل على ~~ثبوته من حفظه لجميع هذا القرآن، واشتغاله عن اللذات بمعانات الفرقان صلوات ~~الله عليه وآله وسلم انتهى. # وقوله: ms1429 {شيئا قليلا} عبارة عن المصدر أي ركونا قليلا. # قال ابن عباس: يريد حيث أمسكت عن جوابهم. # قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اللهم لا تكلني إلى نفسب طرفة عين)) ثم توعده في ذلك أشد الوعيد، فقال: ~~{إذا لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} أي ضعف ~~عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي العذاب ~~المضاعف. PageV18P063 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لو عصيتنا وتعلمت منهم ولم ~~تقبل.......... لعذبناك ضعفا من العذاب في الحياة وضعفا عند الممات، والضعف ~~هو الزيادة على العذاب، ولكنك أطعت ولم تعصنا فيما به أمرت فرشدت إلى ~~النحاة من العذاب وسلمت، انتهى. # قال بعض العلماء: وإنما حسن إضمار العذاب في قوله ضعف الحياة وضعف الممات ~~لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: {ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار} وقال: {لكل ضعف ولكن لا تعلمون} وحاصل الكلام ~~أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه همك، لاستحققت ~~بذلك تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك ~~في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أقسام نعم ~~الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام أكبر، وكانت ذنوبهم أعظم فكانت ~~المستحقة عليها أكبر ونظيره قوله تعالى: {يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} ويمكن أيضا تأويل هذه الآية من غير تقييد ~~بسبب يضاف نزولها فيه؛ لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا ~~يقولون إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: {قل ياأيها الكافرون، ~~لا أعبد ما تعبدون} وقوله: {لو تدهن فيدهنون} وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، ~~والنسوان الجميلة، ليترك دعا النبوة، فأنزل الله تعالى: {ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به} ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، ms1430 فأنزل الله تعالى قوله: ~~{ولا تطرد الذين يدعون ربهم} فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، ~~وذلك أنهم[84] قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزلوه عن PageV18P064 منهجه، فبين الله تعالى أنه ثبته على الدين القويم، والمنهج المستقيم، وعلى ~~هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيء من تلك الروايات، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض} وإن كادوا يعني أهل مكة، ~~وقيل اليهود، ليتفزونك أي يزعجونك بمكرهم وعداوتهم من الأرض أي أرض مكة، ~~وأرض العرب {ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} ثم يهلكهم الله، ~~وكان كما قال فقد اهلكوا ببدر. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في قريش حين همت بإخراج النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من مكة قبل هجرته، وقرئ خلفك وخلافك، فأما خلفك فبعدك إلا ~~قليلا، يعني أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم ~~بدر هي قليلة، ثم قال تعالى: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي أجرى ~~الله العادة بإهلاك كل قوم أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم، والمعنى سن الله ~~ذلك سنة، فقوله سنة نصب على المصدر المؤكد، أي سببا ذلك سنة فيمن قد أرسلنا ~~قبلك، ثم قال: {ولا تجد لسنتنا تحويلا} يقول: إن هذه سنته فمن كذب رسله ~~وعصى أمره فافترا عليه الباطل، ومعنى لسنتنا أي سيرتنا وفعلنا فيمن مضى ~~قبلك من رسلنا. PageV18P065 # واعلم أنه تعالى لما قرر أمر الإلهية والمعاد، والثواب والنبوات، أردفها ~~بذكر الأمر بالطاعات وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا السبب أمر ~~بها فقال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} أو يقال في وجه النظم ~~أنه تعالى لما قال: وإن كادوا ليستفزوك من الأرض أمره تعالى بالإقبال على ~~عبادته لكي ينصره عليهم، فكأنه قال: لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدك ولا ~~تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله تعالى، وداوم على الصلوات فإنه تعالى يدفع ~~مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك عاليا على أديانهم، ونظيره ms1431 ~~قوله في سورة طه: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} وقال: {ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين} ودلوك الشمس زوالها، واشتق من الدلك الدلوك والدلك الميل؛ لأن ~~الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها. # قال في البرهان: والصلاة المأمور بها صلاة الظهر، وذلك لما روينا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت ~~فصلى بي الظهر)) وأما الغسق ففيه تأويلان: # أحدهما: ظهور ظلامه، قال زهير: # طلب........يداها وهي طاهرة # حتى إذا جنح الظلام والغسق # والصلاة المأمور بها العصر والمغرب فرض الله تعالى من زوال النهار إلى ~~زوال الليل أربع صلوات، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة، وأفرد صلاة ~~الفجر بقوله تعالى: {وقرآن الفجر} أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح، ~~وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله: {أقم الصلاة} والتقدير أقم الصلاة ~~وأقم قرآن الفجر. PageV18P066 # قال في البرهان: فسماها قرآنا لتأكيد القراءة في الصلاة. # قال في البلغة: معناه وعليكم بقرآن الفجر، وهو القرآن في صلاة الفجر، ~~وبين العلة في إيراده بأن قال عز وجل: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} يعني ~~تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهذا التأويل مروي عن جعفر[85]بن محمد ~~الصادق عليهما السلام فحث الله تعالى على محافظة وقت الفجر للصلاة، فدل ذلك ~~على أن صلاة الفجر يجب إقامتها في أول الوقت؛ لأنه وقت نزول حفظة النهار ~~وانصراف حفظة الليل، وفي هذا دليل أنها ليست من صلاة الليل ولا من صلاة ~~النهار. # قال الحسين بن القسم عليهما السلام: معنى قوله: {كان مشهودا} أي كان الله ~~له شاهدا، أو كذلك ملائكة الله تشهد أعمال البر المفروضة وغيرها؛ لأن الله ~~أمرهم بشهادة أعمال العباد، وحضور كل ما يأتون من البر والرشاد، وغير ذلك ~~من الكفر والعنود والفساد، فالله وملائكته لذلك شاهدون، وله بأمر الله عز ~~وجل حافظون حتى يوقف على كل فعل ms1432 في يوم الحساب، ومكافأ على ما فعل من جميع ~~الأسباب، فنستغفر الله على ما شهدوا عليه من تقصيرنا، ونستعين بالله على ~~جميع أمورنا، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الأمر والإشارة أردفه ~~بالحث على صلاة الليل فقال: {ومن الليل فتهجد به} بالقرآن{نافلة لك} زائدة ~~على الصلوات الخمس والتهجد بعد النوم، وهو أيضا ترك النوم، وهو المراد هنا ~~أي أقم القرآن بعد نومك، وصل به. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني تهجد به أي تنبه من نومك، فإذا ~~انتبه النائم من هجوده قيل تهجد، وإنما يريد الله تعالى ..........بالقرآن ~~نافلة لك. # قال في البرهان: أما الهجود فهو النوم، قال الشاعر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود # فباينت فعلات النوال يجود # وأما التهجد فهو السهر بعد النوم، وإنما خص عليه السلام بالترغيب فيها ~~ليسبق إلى حيازة فضلها لاختصاصه بكرامته. PageV18P067 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: معنى قوله: { نافلة لك} يقول فضيلة ~~لك، وقد قال غيرنا أن ذلك فريضة ليس ذلك عندنا إلا نافلة فضله بها ودله على ~~الرشد فيها، ثم قال سبحانه: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وعسى من الله ~~عز وجل واجبة، وهو المقام الذي يعطيه الأولون والآخرون، فزاده الله شرفا ~~وعلوا، وعرف بيننا وبينه في ذلك المقام المحمود العظيم حيث شاء عليه السلام ~~فيعطا ويشفع ويشفع، انتهى. # وفي البرهان: والمقام المحمود هو ما أعطاه الله عز وجل من الدرجات ~~الرفيعة، والمنازل السنية، والشفاعة للمؤمنين. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: روي عن علي عليه السلام أنه يقوم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة فيمدح الله والملائكة ~~والنبيين والمؤمنين ويثنى عليهم ثناء ما سمع قط مثله، ولا يأتي أحد معه ~~بمثله، والمقام المحمود عندي فقد يكون قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر الذي يحمده الله عليه؛ لأن قيامه في الدنيا ومدحه الله أنفع للناس ~~من مقامه في ذلك اليوم الذي يستغني فيه جميع الخلق عن الخطب والكلام ~~والمدح؛ لأنهم في هذه الدنيا أحوج ms1433 منهم إلى الحكمة في ذلك اليوم، ولست أدري ~~ما صحة هذا عن أمير المؤمنين، وكل ذلك جائز، انتهى. # ثم قال تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} قال في ~~البرهان: يعني أدخلني فيما أمرتني به من طاعتك مدخل صدق، وأخرجني مما ~~أمرتني به مخرج صدق، والثاني أدخلني مدخل صدق فيما أرسلتني به من النبوة، ~~واخرجني مخرج صدق تبليغ الرسالة، انتهى. # يعني مؤديا لما كلفه من غير تفريط، أو هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ~~من أمر ومكان، أي إدخالا مرضيا. PageV18P068 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: وقد جاء في الرواية أنه عني ~~بالمدخل الصدق مكة يدخلها بالفتح والقوة، والقدرة والسلطان، والحجة البالغة ~~على جميع من عانده[86] عليه السلام ، واخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة ~~يقول لا ألقى إلا مؤمنا ولا ألقى مشركا ولا كافرا، انتهى. # ثم قال: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} يعني حجة ظاهرة تنصرني بها على ~~جميع من خالف أمري، وبالجملة فقد سأل الله أن يرزقه التقوية بالحجة، والقهر ~~والقدرة، وقد أجاب الله تعالى دعاه، وأعلمه بأنه يعصمه من الناس، فقال: ~~{والله يعصمك من الناس} وقال: ألا إن{حزب الله هم الغالبون}، وقال: {ليظهره ~~على الدين كله} ولما سأل الله النصرة بين الله أنه أجاب دعاه فقال: {وقل ~~جاء الحق وزهق الباطل} أي خرج وسقط، ولم يثبت ولم يستقم {إن الباطل كان ~~زهوقا} أي ذاهب مضمحلا في كل وقت. # قال في البرهان: وروينا أن رسول الله لما نزلت هذه الآية دخل الكعبة فرأ ~~فيها التصاوير أمر بثوب فبل بالماء، وجعل يضرب به تلك التصاوير ويمحوها، ~~ويقول: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}. PageV18P069 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: وقالوا إن ذلك كما يزهق السهم عن ~~نفس الغرض، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك بالأصنام، ~~فخرت ساقطة على وجوهها، ذكروا أن رجلا من أصحابه كان معه حين واجه الأصنام ~~فقال الرجل للأصنام: يا معشر ms1434 الأصنام هذا أحمد إن كان حقا للإله فاسجدوا ~~فخرت الأصنام على وجوهها ساقطة، وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فكسرت، وذكر أنه كان حول الكعبة ستون وثلاثمائة صنم يوم فتح مكة ~~فأزاحها عليه السلام كلها، فذلك قوله: {جاء الحق وزهق الباطل} وكان الله هو ~~الحق خالق كل شيء وباريه، يعبد وحده ويكفر بما سواه من الأصنام وغيرها، ~~فأذهب الله عز وجل بمحمد عليه السلام الأصنام، وجميع ما عبد من دون الله، ~~وعبد الله وحده، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات، والحشر والبعث، ~~أتبعه بالأمر بالصلاة، ونبه على ما فيها من الأسرار، ولما ذكر كل ذلك أتبعه ~~ببيان كون القرآن سفاء ورحمة فقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين} أي كل شيء نزل به فهو شفاء لهم في دينهم من داء الجهل، فوقعه ~~منهم موقع الشفاء من المرضى، ومن للتبيين أو للتبعيض. # قال في البرهان: معنى شفاء من الضلال لما فيه من الهدى، وشفاء من ~~الانتقام لما فيه من البركة، ويجوز شفاء في الفرائض لما فيه من البيان. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: وهذه خاصة للمؤمنين دون غيرهم من ~~أعدائه عز وجل شفاء لكل عمى، وبرؤ لكل داء، وهدا من كل ضلالة، ونور من كل ~~ظلمة، ونجاة من كل هلكة. PageV18P070 # واعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سببا ~~للخسار والضلال في حق الظالمين، فقال: {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} يقول: ~~لا يزييدهم إلا بلاء في الدنيا والآخرة، كما أعرضوا عنه، وهم قادرون على ~~اتباعه والعمل به، ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجاهلين ~~الضالين في أودية الضلال، ومقامات الخزي والنكال، وهو حب الدنيا والرغبة في ~~المال والجاه، وإعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واحتهادهم، فقال: ~~{وإذا أنعمنا على الإنسان} بالصحة والسعة {أعرض} عن شكر النعمة كأنه مستغن ~~عن الله تعالى {ونأى بجانبه} هو أن يلوي ms1435 عنه عطفه ويوليه ظهره، وهو تأكيد ~~الإعراض عن الشيء أن يوليه ظهره، أو أراد به الاستكبار؛ لأن ذلك عادة ~~المستكبرين. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا من[87] التقديم والتأخير، ~~والمعنى فيه أعرض بجانبه ونآ، والإعراض بالجانب هو ميلان الإنسان بشقه ~~وجنبه عن الحق وإدباره، ونآ أي بعد عن الحق. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: والمعرض في لغة العرب هو الصاد، ~~والناي هو المساعد بجانبه، وكل من ساعد فقد نآ، قال الشاعر: # نأت دارها عنا فيا رب ليلة # لهونا بسلمى والمزار قريب # وجاء في الرواية أنه عنى بهذا النائي بجانبه الوليد بن المغيرة، انتهى. PageV18P071 # ثم قال تعالى: {وإذا مسه الشر} من فقر أو مرض {كان يئوسا} شديد اليأس من ~~روح الله، أي فرجه، والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اعتز بها فنسي ذكر ~~الله تعالى، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن، ولم ~~يقرع لذكر الله تعالى، فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله تعالى، ونظيره ~~قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه} إلى قوله: ~~{فيقول ربي أهانني} وكذلك قوله: {إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر ~~جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا} ثم قال تعالى: {كل يعمل على شاكلته}. # قال الزجاج: الشاكلة: الطريقة، والمذهب، والدليل عليه أنه يقال: هذا ~~طريق........وشواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة، أي كل يعمل على مذهبه وطريقته. # قال في البرهان: يعني على دينه وعادته. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: تقول كل يعمل على طريقته وما ~~يشتهيه، ومثل قوله: {وآخر من شكله أزواج} يقول من مثله، والشاكلة المثل ~~والشبه، وقد قالوا أنه ناحية، والقول الأول أحب إلينا وهو الصواب عندنا، انتهى. # ثم قال: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} يقول: إنه أعلم بمن هو أهدا دينا ~~فهو يجري بحسب اختياره، ثم قال تعالى: {ويسألونك عن الروح} الأكثر أنهم ~~سألوه عن حقيقة الروح الذي في الحيوان، فأخبر أنه مما استأثر الله بعلمه. # وعن أبي بريدة: لقد مضى رسول ms1436 الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يعلم الروح. PageV18P072 # قال في البرهان: ويجوز أن يكون السؤال عن روح الإنسان، وسائر الحيوان، وهي ~~مشتقة من الريح، وإنما سأله عنها قوم من اليهود، وقيل: إن في كتابهم إن ~~أجاب عن الروح فليس بنبي ربهم، فقال الله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} أي ~~من فعله ومخلوقاته ولم يجبهم عنها، فاحتمل ذلك أربعة أوجه: # أحدها: تحقيق الشيء إن كان في كتابهم. # والثاني: لأنهم قصدوا به الاعنات كما قصدوا به اقتراح الآيات. # والثالث: لأنه مما قد يوصل إلى معرفته بالعقل دون السمع. # والرابع: لكيلا تكون ذريعة إلى سؤاله ما لا يعني. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: والروح عندنا على معنين: # أحدهما: جبريل عليه السلام ، وقد قال غيرنا أنه ملك أعظم من جبريل، ونحن ~~نقول إنه جبريل صلى الله عليه لقوله عز وجل: {نزل به الروح الأمين، على ~~قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين} والذي كان ينزل عليه بالوحي فهو ~~جبريل عليه السلام لا غير، ولذلك قلنا إنه جبريل دون غيره، والروح الآخر ~~فهو الروح الذي به تقوم الأبدان، وهو قوله سبحانه: {ويسألونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي} ولم يفسره، انتهى. # فهذا جواب الله عز وجل عن الروح الذي في الأبدان، وفيه كفاية لكل سائل ~~سأل عن البيان والروح، فهو لابد جسم من الأجسام، ولكن الله علم أن لاحاجة ~~إلى علم ذلك لأحد من الأنام، إذا علموا أنه من صنع الله ذي الجلال ~~والإكرام، ثم قال تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}. # قال في البرهان: يعني إلا[88] قليلا في معلومات الله عز وجل؛ لأنكم ~~تعلمون ما تدعون إليه من حاجاتكم حالا فحالا. PageV18P073 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد أن عنده تعالى من العلم أكثر مما ~~يدعي المشركون، وأنه قد أتى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مما يعلمون، ~~وعند الله عز وجل أكثر مما أتى جميع المرسلين، وإنما أعطاهم قدر ما يحتملون ~~ويدينون الله ويعرفون، انتهى. # والخطاب ms1437 له صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين ولليهود. # قال المفسرون: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: ~~نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نحن ~~وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا)) فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول من أوتي ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وساعة تقول هذا، ونزل قوله: {ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام} إلى آخره. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلى القليل بين أنه لو ~~شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضا لقدر عليه، فقال سبحانه: {ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك} يقول عز وجل: ولو شئنا لأنسيناك ما أوحينا إليك ~~ولأذهبناه منك حتى لا تجد منه قليلا ولا كثيرا {ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا} أي باسترداده، وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة ~~عليه بتنزيله وتحفيظه، فعلى كل ذي علم الإجتهاد في شكر ذلك. PageV18P074 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: والوكليل هو المطالب بقول: لا تجد ~~بذلك علينا تابعا ولا رادا سوانا، يريد به ليس لك حافظ يحفظك غيري، ثم قال: ~~{إلا رحمة من ربك} فيرده عليك، ويكون على الاستثناء المنقطع، يعني ولكن ~~رحمة من ربك..........غير مذهوب به {إن فضله كان عليك كبيرا} أي بسبب أنه ~~جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين، وأعطاك المقام المحمود، فلما كان كذلك ~~لا جرم أنعم عليك أيضا بإبقاء القرآن والعلم عليك، فجعل القرآن لا يذهب كما ~~تذهب معجزات غيرك، ثم قال سبحانه: {قل} يا محمد {لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} في نظمه وبلاغته {لا يأتون بمثله} وهم أرباب ~~اللسان والفصاحة، وقوله: لا يأتون بمثله جواب القسم، ولولا اللام الموطية ~~لجاز أن يكون جوابا للشرط كقوله: # لا عائب مالي ولا جرم # لأن الشرط وقع ماضيا، ثم قال: {ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي معينا ~~ونصيرا. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يقول ms1438 إن جميع من خلق الله من ~~خلقه لو اجتمعوا أن يأتوا بقرآن مثل هذا القرآن لا يقدرون على ذلك أبدا، ~~ولو أعان بعضهم بعضا، وتظاهروا على ذلك وتوازوا، والظهير في لغة العرب فهو ~~المعين والممد، والنصير والمكاتف، تقول العرب ظاهرنا فلانا على بني فلان أي ~~أعانوهم ونصروهم، وأمدوهم وكاتفوهم، كل ذلك معنى واحد، قال الشاعر: # يظاهرنا بنو أسد لأنا ... وهم من خندف لب اللباب # ثم قال سبحانه: {ولقد صرفنا} أي كررنا ورددنا {للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل} أي من كل معنى هو في غرابته وحسنه كالمثل. # قال عليه السلام: معنى فاضرب لهم من الأمثال النيرة، والدلائل الشافية ~~{فأبى أكثر الناس إلا كفورا} أي جحودا للحق، انتهى. PageV18P075 # والمعنى أنا أخبرناهم بالذين بقوا مصرين على الكفر، مثل قوم نوح، وعاد ~~وثمود، كيف ابتلاهم الله بأنواع البلاء، والذين انقادوا وأظهروا الطاعة كيف ~~أتاهم الله الدولة في الدنيا، والخير في الآخرة، ثم إن هؤلاء الأقوام يعني ~~أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان، بل بقوا مصرين على الكفر، ويحتمل أن يكون ~~المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد، ونفى الشركاء[89] والأضداد في هذا ~~القرآن مرارا كثيرة، وكذكر شبهات منكري النبوة والمعاد مرارا وأطوارا، ~~وأجاب عنها، ثم........ بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة والمعاد، ثم ~~إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرين على الشرك، وإنكار ~~النبوة، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، يريد أكثر أهل مكة، وذلك أنهم أنكروا ~~كون القرآن معجزات بعد أن ظهر بالدليل كونه معجزا، واقترحوا من الآيات ~~والمعجزات ما لا حاجة إلى إظهارها. # واعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، وظهر هذا المعجز على ~~وفق دعواه، وكل من كان كذلك فهو نبي صادق، فهذا يدل على أن محمدا صادق، ~~وليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكبيرة وتواليها؛ لأنا لو ~~فتحنا هذا الباب لزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عند غياب ~~المعاندين، وتعنت الجاهلين، ثم إنه تعالى حكى عن الكفار بعد ظهور كون ~~القرآن ms1439 معجزا أنهم التمسوا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ستة أنواع من ~~المعجزات القاهرة: # أولها: قوله سبحانه: {وقالوا لن نؤمن لك} أي نصدقك يا محمد {حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا} أي أنهار في جبال مكة وأوديتها. # عن ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا: يا محمد أرض مكة صبقة فسير لنا جبالها ~~الينبع فيها، وفجر لنا فيها ينبوعا أي نهرا وعيونا نزرع فيها فقال: لا أقدر عليه. PageV18P076 # وثانيها: قال قائل منهم: {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ~~خلالها تفجيرا} وهو خروج الماء الكثير، فقال لا أقدر عليه، والتقدير كأنهم ~~قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها لنفسك. # وثالثها: قولهم: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} أي قطعا، يعنون ~~قوله تعالى: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي ~~العذاب. # ورابعها: { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} أي كفيلا بما تقول، شاهدا ~~لصحته، يريد أو تأتي بالله قبيلا وبالملائكة قبيلا، وقيل: قبيلا بمعنى ~~المقابل كالعشير يعني العاشر، أي مقابلين لنا نشاهدهم، كقوله تعالى: {أرنا ~~الله جهرة} فقال: ((لا أقدر عليه)) فقيل له: أما تستطيع أن تأتي قوم بما ~~يسألونك؟ فقال: لا أستطيع، فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر ~~فاسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا بالعذاب، فقال عبد الله بن أمية ~~المخزومي وأمه عمة رسول الله لا والدي يحلف به لا أومن لك حتى.....سلما ~~فتصعد فيه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ~~ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا، فهذا شرح هذه القصة، كما رواها ابن عباس رضي ~~الله عنه . # وخامسها: قوله: {أو يكون لك بيت من زخرف} الزخرف الزينة، وقيل: أصل ~~الزخرف هو ما الذهب. # قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله، أو يكون ~~لك بيت من ذهب. # قال الزجاج: الزخرف الزينة ms1440 يدل عليه قوله تعالى: {حتى إذا أخذت الأرض ~~زخرفها} أي أخذت كمال زينتها ولا شيء في تحسين البيت وتزينه كالذهب. PageV18P077 # وسادسها: {أو ترقى في السماء} أي في معارجها، والمعراج السلم، فحذف المضاف ~~أي في معارج السماء، ثم قالوا: {ولن نؤمن لرقيك} أي لأجل رقيك {حتى تنزل ~~علينا كتابا} من السماء في تصديقك {نقرؤه} وما أرادوا إلى المكابرة، ولو ~~جاء لم يؤمنوا. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: قالوا يكون الكتاب من الله إلى ~~فلان بن فلان. # وفي البرهان[90]: والذين سألوا ذلك هم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ~~وأبو سفيان، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن ~~المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، والعاص بن وائل، وأمية بن ~~خلف،.... ومنبه أبنا الحجاج. # ولما حكى الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات، قال لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} كسائر الرسل، لا ~~يأتي قومه إلا بما يظهره الله من الآيات وليس شيء مما يخبرون، ومعنى قل ~~سبحان ربي، أي عظم ونزه وسبح تعجبا من تعنتهم، وهذه الآية من أدل الدلائل ~~على أن المجيء والذهاب على الله محال؛ لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ~~ينبغي، فقوله سبحان ربي تنزيه لله عن شيء لا يليق به، ونسب إليه فيما تقدم ~~ذكره، وليس مما تقدم ذكره شيء لا يليق بالله تعالى إلا قولهم أو تأتي ~~بالله، فدل هذا على أن قوله سبحان ربي تنزيه الله تعالى عن الإيتان ~~والمجيء، وذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن الله تعالى يجيء ويذهب، فإن ~~قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يحكم عليه ~~المتحكمون في اقتراح الأشياء؟ PageV18P078 # فالجواب والله أعلم: إن القوم لم يحكموا على الله تعالى وإنما قالوا للرسول ~~إن كنت نبيا صادقا فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات، فالقوم تحكموا ~~على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما تحكموا على الله، فلا يليق ms1441 حمل ~~قوله سبحان ربي على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله. # واعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في المعجزات الزائدة وأجاب عنها حكى ~~عنهم شبهة أخرى وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من ~~البشر، بل اعتقدوا أن الله تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك ~~الرسول من الملائكة، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه: # الأول: قوله سبحانه: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا}. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني أهل مكة ما منعهم أن يؤمنوا ~~بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءهم بالبينات والحق من الله ~~عز وجل، إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا، أي لانكارهم أن يكون الرسول ~~بشرا، أي هلا كان ملكا. # والمعنى في هذا الجواب أن تقدير أن يبعث الله ملكا رسولا إلى الخلق، ~~فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولا من عند الله، لأجل قيام المعجز الدال على ~~صدقه، وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في إدعاء رسالة ~~الله تعالى، والمراد من قوله تعالى إذا جاءهم الهدى هو المعجز، فإذا ثبت ~~هذا فنقول لما كان الدليل على الصدق وهو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر ~~على الملك أو على البشر وجب الإقرار برسالته، فثبت بأن قولهم بأن الرسول ~~لابد أن يكون من الملائكة بحكم فاسد وتعيين باطل. PageV18P079 # والوجه الثاني من الأجوبة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية عن هذه ~~الشبهة قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قل لو كان في الأرض ~~ملائكة يمشون} على أقدامهم {مطمئنين} أي قارين في الأرض كالإنس ولا يطيرون ~~بأجنحة إلى السماء فيعلموا ما يجب علمه {لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا} يهديهم إلى الرشد؛ لأن من حق رسول الأمة أن يكون من جنسهم؛ لأنهم به ~~أنس خلاف ما زعموه من الملك؛ لأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن ms1442 يكون ~~رسولهم من جنسهم؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل. # والوجه الثالث من الأجوبة المذكورة في الآية قوله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم}[91]على أني بلغت ~~الرسالة، وأنكم كذبتم وكابرتم، والمعنى أن الله تعالى لما ظهر المعجز على ~~وفق دعو أي كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقا ومن شهد الله على ~~صدقه فهو صادق، فعند ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا لا إنسانا ~~بحكم فاسد لا يلتفت إليه، ولما ذكر تعالى هذه الأجوبة الثلاثة أردفه بما ~~يجري مجرى التهديد والوعيد، فقال عز وجل: {إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي ~~عالما بأحوال المنذرين، والمنذرين فهو مجاز لهم بما يستحقون، فهذه تسلية له ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ووعيد للكفرة لعلمه تعالى من قلوبهم أنهم لا ~~يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد وحب الرئاسة، والاستنكاف من الإنقياد ~~للحق، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوات وأردفها ~~بالوعيد الإجمالي، وهو قوله تعالى إنه كان بعباده خبيرا بصيرا، ذكر بعده ~~الوعيد الشديد على سبيل التفضيل، فقال عز وجل: {ومن يهد الله} أي يوفق ~~ويلطف {فهو المهتدي} حقا أي السعيد الذي لا يضل{ومن يضلل}. PageV18P080 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يريد من سماه وحكم عليه بالضلالة ~~بفعله انتهى، {فلن تجد لهم أولياء} ينصرونهم {من دونه}. # أما قوله سبحانه: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما} ~~فمعناه أنهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: {يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم}. # وأما عميا وبكما وصما فاعلم أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنه: أليس ~~أنه تعالى قال: {ورأى المجرمون النار} وقال: {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} ~~وقال: {دعوا هنالك ثبورا} وقال: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} وقال ~~حكاية عن الكفار: {والله ربنا ما كنا مشركين} فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ~~ويسمعون ويتكلمون، فكيف قال هاهنا عميا وبكما وصما؟ # أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه، فقال ms1443 ابن عباس: عميا لا يرون شيئا ~~يسرهم، صما لا يسمعون شيئا يسرهم، بكما لا يينطقون بحجة. # الثاني: قال في رواية عطاء عميا عن النظر إلى ما جعل الله تعالى ~~لأوليائه، وبكما عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقربين صما ~~عن.......الله إليهم. # الثالث: قال مقاتل: إنه حين يقال لهم: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} يصيرون ~~عميا وبكما وصما، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون. # الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف، ولولا ذلك لما قدروا ~~على أن يطالعوا كتبهم، ولا أن يسمعون إلزام حجة الله عليهم، إلا أنهم إذا ~~أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عميا بكما وصما. PageV18P081 # والجواب الأول هو الأولى، ومعناه عميا لا يبصرون ما يقرأ عنهم كما كانوا في ~~الدنيا عميا عن الاستبصار بالحق، وبكما لا ينطقون بما يقبل منهم، كما كانوا ~~يتصامون في الدنيا، وصما عما يلذ مسامعهم، كما قال في تفسير هذه الآية نجم ~~آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليهم السلام تأويل قوله على وجوههم فهو على ~~صورهم التي فارقوا الدنيا عليها،...........يحشرون، وعلى ما كانوا عليه في ~~الدنيا من الهدى والضلال يبعثون، وليس تأويل على وجوههم ما يذهب إليه أهل ~~الجهالات من تبديل الله في يوم القيامة للخلق والهيئات التي كانوا عليها في ~~الدنيا.....، وكيف يتوهمون صما وبكما وعميا والله سبحانه يقول في ذلك اليوم ~~{ولا يسأل حميم حميما، يبصرونهم} وهو يرونهم وكيف يتوهمون صما بكما خرسا، ~~وهم يقولون{يا [92] ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} وكيف ~~لا يتوهمون ذلك وهم يقولون في يوم الحساب: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا} فكفى بما بين الله من هذا بيانا لقوم يعقلون، انتهى. # ثم قال سبحانه: {مأواهم جهنم كلما خبت} أي كلما طفيت جلودهم {زدناهم ~~سعيرا} لأن النار لا يجوز أن تخبو، وإنما يخبو ويضعف ويطفأ من النيران ما ~~كان منها قليلا ضعيفا، قال الشاعر: # وباتوا بسغب لهم سامرا # إذا ما خبت نارهم أوقدوا PageV18P082 أي طفيت، وكذلك جلودهم تصير نارا توقد، ثم إذا نضجت ms1444 وصارت رمادا خبت وطفيت، ~~ثم انشئت بعد احتراقها وجددت، فهم كما قال الله تعالى: {كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها} فرجعت ملتهبة، ولما ذكر أنواع هذا الوعيد، قال عز ~~وجل: {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} يقول لما كفروا بمحمد عليه السلام ~~وما جاء به من الأحكام والفرائض الراشدة، والحلال والحرام، وكذبوا بالإعادة ~~بعد الإفناء جعل ذلك جزاؤهم. PageV18P083 # واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكري النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكري ~~الحشر والنشر ليجيب عنها، فقال تعالى: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا} أي ~~دامرة {أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} كما كنا في الدنيا، فقال تعالى: {أولم ~~يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم} أي على ~~عادتهم بأعيانهم كما كانوا، ويراد بمثلهم خلق آخرين يوحدونه ويعبدونه ولا ~~يعصونه، ويقرون بكمال حكمته وقدرته، ولا يعدلون به شيئا، ويتركون ذكر هذه ~~الشبهات الفاسدة، وتلك الشبهة هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتا ورميما بعد ~~أن يعود هو بعينه، فأجاب الله تعالى عنه بأن من قدر على خلق السماوات ~~والأرض لم يبعد أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم، ولما بين الله تعالى بالدليل ~~المذكور أن البعث والقيامة أمر ممكن الوجود في نفسه أردفه ببيان أن لوقوعه ~~ودخوله في الوجود وقتا معلوما عند الله، فقال سبحانه: {وجعل لهم أجلا لا ~~ريب فيه} وهو معطوف على قوله: {أولم يروا} لأن معناه قد علموا بدليل العقل ~~أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، ومعنى قوله ~~أجلا لا ريب فيه يريد لا شك فيه، معنى أجل الموت وأجل القيامة، ثم قال: ~~{فأبى الظالمون إلا كفوا} أي بعد هذه الدلائل الظاهرة أبو إلا الكف والجحود ~~لنعم الله تعالى. # واعلم أن الكفار لما قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ~~فطلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم، وتتسع معيشتهم، قال ~~الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قل لو أنتم تملكون خزائن ~~رحمة ربي إذا لامسكتم خشية ms1445 الإنفاق} فأخبر الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن ~~رحمة الله لبقوا على شحهم وبخلهم، وما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد. PageV18P084 # قال الرازي: لو أنتم فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان، وهو ~~أن كلمة لو من شأنها أن تختص بالفعل؛ لأن كلمة لو تفيد انتفاء الشي ~~لا.....غيره، والاسم يدل على الذوات، والفعل هو الذي يدل على الآثار ~~والأحوال، والمنتفى هو الأحوال والآثار لا الذوات، فثبت أن كلمة لو مختصة ~~بالأعال، وأنشد قول المتلمس: # ولو غير أحوال أرادوا نقيصتي # جلعناهم فوق العرابين ميسما[93] # والمعنى لو أرادوا غير أحوالي. # وأما البحث المتعلق بعلم المعاني فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص ~~بقوله: {لو أنتم تملكون} دلالة على أنهم المختصون بهذه الحالة الخسيسة، ~~والشح الكامل، ولما كانت خزائن الله وفضل الله ورحمته غير متناهية كان ~~المعنى لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها..........على الشح ~~والدناءة، وهذه مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشح، ثم قال تعالى: {وكان ~~الإنسان قتورا} أي بخيلا، قال الشاعر: # وقد علمت هند بأني ماجد ... وإن حل أضيافي فلست بمقتر # فالقتور هو المقتر الذي لا يعطي خير لبخله ولؤمه، ونكده وحساسته، وحرصه ~~على جمع الأموال، واتباعه الظلمة الأنذال، ولشدة ما أوزع نفسه من البخل ~~والتقصير، واليأس من رحمة الله العليم الخبير. # قال الرازي: والمراد بهذا الإنسان المعهود السابق، وهم الذين قالوا: {لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما حكى قول الكفار لن نؤمن لك حتى تأتينا بهذه المعجزات ~~القاهرة، قال الله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} واضحات، يعني ~~تسع دلائل معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها وأعظم. PageV18P085 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يريد بذلك المعجزات التي جاء بها ~~موسى عليه السلام مثل العصا، والبحر، والحجر، والضفادع، والجراد، واليد، ~~والطوفان، والقمل، والدم، ونتق الجبل نتقه على بني إسرائيل، انتهى. # اتفقوا على سبع وهي: العصا واليد، والطوفان والجراد، والقمل والضفادع، ~~والدم، واختلفوا في ms1446 اثنتين، فقيل: الحجر ونتق الجبل الذي قلعه على بني ~~إسرائيل ورفعه فوقهم، حتى ظنوا أنه واقع بهم، وقيل: لسانه والبحر، والمراد ~~بلسانه حل عقدته، وبالبحر فلقه، وقيل غير ذلك. # قال في البرهان: وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءه قومه ~~من اليهود فسألوه عنها فقال: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرفوا ولا تزنوا ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ~~ولا تمسوا بالتمائم، ولا تقذفوا محصنة، ولا تنفروا من الزحف، وأنتم يا يهود ~~عليكم خاصة لا تعتدوا في السبت فقبلوا يده ورجله، انتهى. # قوله: {فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم} موسى أي فقلنا له سلهم حين جاءهم ~~موسى، وقيل: سألهم عن إيمانهم، أو فاسل يا محمد بني إسرائيل، أي المؤمنين ~~كعبدالله بن سلام أي سألهم عن الآيات ليزدادوا يقينا، وعلى هذا التقدير ~~فليس المطلوب من سؤل بني إسرائيل أن يستعيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن ~~يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: فاسأل يا محمد بني إسرائيل يعني ~~بني قريضة والنظير وبنو قريظة والنظير كانوا قريبا منه، مثل عبد الله بن ~~سلام ومن كان معه من قومه، إذ جاءهم موسى، انتهى. PageV18P086 # والذي جاءهم موسى عليه السلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا ~~في زمان محمد لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان موسى حسنت هذه ~~الكناية إذ جاءهم موسى {فقال له فرعون إني لاظنك ياموسى مسحورا} مثل ما ~~قالوا لمحمد عليه السلام إنه مسحور وساحرا، أي قد سحرت لا تحمل عليه نفسك ~~هذا القول أو الفعل المستعظم. # قال محمد بن جرير الطبري: معناه[94] أنه أعطى علم السحرة فهذه العجائب ~~التي يأتي بها من ذلك السحر، ثم أجابه موسى عليه السلام بقوله: {قال لقد ~~علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} أي حججا نيرات، ودلائل ~~بينات، كأنها ms1447 بصائر للعقول مكشوفات، يعني أن هذه الآيات ظاهرة وهذه ~~المعجزات قاهرة، ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله تعالى، وفي أنه ~~تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي فأنت منكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا ~~الحسد والعناد، والغي والجهل والفساد، ثم حكى تعالى أن موسى عليه السلام ~~قال لفرعون: {وإني لاظنك يافرعون مثبورا} أي هالكا مغلوبا فقابل ظنه بظنه. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه وإني لأوقن أنك مثبورا، ~~والظن في بعض القرآن معناه نفي، والمثبور هو المخذول الملعون، قال الشاعر: # فمن يعادينا...........لثبور PageV18P087 أي الخذلان والويل، ثم قال تعالى: {فأراد أن يستفزهم من الأرض} يعني أراد ~~فرعون أن يخرجهم من أرض مصر، أو يقتلهم {فأغرقناه ومن معه جميعا، وقلنا من ~~بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض} بيت المقدس وما حوله، وأرض مصر الذي أراد ~~أن يستفزكم منها، والمعنى ما ذكره الله تعالى في قوله: {ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله} أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر ليخاص له تلك البلاد، ~~والله تعالى أهلك فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال لبني ~~إسرائيل اسكنوا هذه الأرض المقدسة خالصة لكم خالية عن عدوكم، ثم قال تعالى: ~~{فإذا جاء وعد الآخرة} يريد القيامة {جئنا بكم لفيفا} أي جميعا، مع من ~~هاهنا وهاهنا، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدنيء، ~~والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف، والمسلم والكافر، والبر والفاجر، ثم يحكم بينكم. # واعلم أنه تعالى أخبر أن القرآن معجز قاهر، دال على الصدق في قوله: {قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن} ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل ~~طلبوا سائر المعجزات، ثم أجاب الله تعالى بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر ~~المعجزات، وبين ذلك بوجوه كثيرة، منها أن قوم موسى عليه السلام أتاهم الله ~~تسع آيات بينات فلما جحدوا بها، ثم كفروا وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، ~~وذلك غير جائز في الحكمة، لعلمه تعالى بأن فيهم من يؤمن والذي لا يؤمن ~~فسيظهر من نسله من يصير مؤمنا، ولما ms1448 تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال ~~القرآن، وجلال درجته فقال عز وجل: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}. PageV18P088 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يقول أنزلناه حقا من عندنا ~~وبالصدور الحق الذي أراده الله من خلقه من طاعته يقول بالحق أنزلناه أي بحق ~~أنزلناه وبالحق الذي أردناه نزل من الفرائض والأحكام التي جاء بها محمد ~~عليه السلام ، كما قال سبحانه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد} انتهى. # وليس بتكرير لأن المعنى وبسبب الحق الذي هو توحيد الله وهداية العباد ~~أنزلناه، ثم قال وبالحق نزل فالأول صفة للإنزال، والثاني للمنزل، والتقديم ~~فيهما يفيد الحصر، ثم قال تعالى: {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} يعني ~~مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي ونذيرا لأعدائي وأهل معصيتي، والمقصود أن هؤلاء ~~الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك ~~من كفرهم، وليس عليك إكراههم في الدين، ثم قال تعالى[95]: {وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث} قرآنا منتصب بفعل فسره فرقناه، أي قطعناه ~~ونزلناه مفرقا منجما شيئا بعد شيء، وفصلناه، وقرئ مشددا، وقيل: فرقناه يعني ~~لما فيه من الفرق بين الحق والباطل، ومعنى على مكث أي على مهل وتوده وتثبت ~~ليفهموه. PageV18P089 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يريد بالناس أي جميع الخلق كلهم، ~~وقوله على مكث يعني به مدة تكون من بعد لامتك يتعاطفون به ويتواصفون لحكمه ~~وشرفه، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويتدبرون عجائبه المحكمة ودلائله ~~المتقنة، ويقفون عند متشابهة إذا لم يعلمه منهم من لم يعلمه ويؤمنون بكله ~~وينتهون عما نهاهم عنه، ......... كله من حكمة ربنا وتنزيله، ثم قال: ~~{ونزلناه تنزيلا} يقول شيئا بعد شيء، يقول نجوما بعد نجوم، مثل قوله: {فلا ~~أقسم بمواقع النجوم}يقول بنزول القرآن، مثل قول جبريل عليه السلام: {وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك} انتهى، فكان ينزل على حسب الحوادث. # قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العلياء إلى ~~السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل ms1449 فيها. # قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، ثم قال تعالى أمرا منه لرسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لأهل مكة:{ قل آمنوا به} أي القرآن {أو لا ~~تؤمنوا} يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على وجه التهديد، أي إنه ~~تعالى أوضح البينات والدلائل، وأزال الأعذار فاختاروا ما تريدون. # قال في البرهان: وهذا من الله عز وجل على جهة التبكيت لهم والتفنيد لا ~~وجه التخيير، ثم قال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله} أي قبل القرآن، وهم ~~ناس من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن ~~نوفل، وهم الذين يعتد بهم لا بأهل الشرك. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: يعني بذلك قوم محمد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنهم إن لم يؤمنوا به وجهلوا فقد عرفه وآمن به من أهل ~~الكتاب من سمي ممن آمن بمحمد صلوات الله عليه وآله وصدق بما نزل من عند ~~الله جل ثناؤه ممن عنده علم الكتاب لما رأوا من الحق، انتهى. PageV18P090 # ثم قال: {إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا} أي يخرون على الأذقان، ~~والأذقان هي مواضع اللحا من الوجوه، قال الشاعر: # وخرت تميم لأذقانها ... سجودا لذي التاج في العمعمة # أي سقطوا على وجوههم في العباد وعقروا وجوههم، وذكر الدقن وهو مجمع ~~اللحيين؛ لأنه أول ما يقع من المساجد على الأرض، وقيل: إن الأذقان كناية عن ~~اللحى، والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخضوع والخشوع ربما مسح لحييه على ~~التراب، فإن اللحية تبالغ في تنظيفها فإذا عرفها الإنسان........بالتراب في ~~معرض المبالغة فقد أتا بغاية التعظيم، وقيل: إن الإنسان إذا استولى عليه ~~خوف الله تعالى ربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه، ومتى كان ~~كذلك كان جرورة على الدقن فقوله: {ويخرون للأذقان} كناية عن غاية ولهه ~~وخوفه وخشيته، ثم أخبر تعالى أنهم يخرون{ويقولون سبحان ربنا} تنزيها له من ~~كل سوء، والمعنى أنهم يقولون في سجودهم سبحان ربنا أي ينزهونه ويعظمونه {إن ~~كان ms1450 وعد ربنا لمفعولا} أي وعده...........بإنزال القرآن، وبعث محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وهذا يدل[96] على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب؛ لأن ~~الوعيد ببعثه محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبق في كتابهم فهم كانوا ينظرون ~~إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: {ويخرون للأذقان يبكون} والفائدة في هذا التكرير ~~اختلاف الحالتين، وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين وخرورهم في حال كونهم ~~باكين عند استماع القرآن، يدل عليه قوله: {ويزيدهم خشوعا} أي لين قلب ~~ورطوبة عين، ويجوز أن يكون تكرير القول دلالة على تكرير الفعل منهم، وقوله ~~يبكون معناه الحال، ويزيدهم خشوعا أي تواضعا. PageV18P091 # قال الرازي: واعلم أن المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والإزدراء ~~بشأنهم، وعدم الإكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه، وأنهم إن لم يدخلوا في ~~الإيمان ولم يصدقوا بالقرآن، وهم أهل جهل وشرك، فإن من كان خيرا منهم وأفضل ~~وهم العلماء الذي قرأوا الكتب، وعلموا ما الوحي، وما الشرائع فقد آمنوا به ~~وصدقوه وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود به في كتبهم، فإذا تلى القرآن ~~عليهم خروا سجدا، وسبحوا لله تعظيما لأمره، ولإنجاز ما وعد به في الكتب ~~المنزلة، وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنزال القرآن عليه. # واعلم أنه لما طالت الكلمات في المناظرة مع المشركين ومنكري النبوات ~~والجواب عن شبههم أتبعها ببيان أنه كيف يدعو الله ويعظمه، وكيف يذكره في ~~وقت الإنشغال بأداء العبودية فقال: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}. PageV18P092 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: فقد ذكره في بعض الروايات أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال وهو ساجد: ((يا الله يا رحمن)) فسمعه ~~أبو جهل اللعين وكان لا يعرف الرحمن فأنزل الله عز وجل:{ أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى} يريد أن أسماؤه كثيرة، وهو الواحد وحده الفرد الذي لا نظير ~~له ولا عديل، ولا مثيل ولا شريك، عز وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، ومثل هذا في ~~البرهان، وفيه أيضا روينا في الآثار أن ذكر الرحمن كان ms1451 في القرآن قليلا، ~~وهو في التوراة كثير، فلما أسلم ناس من اليهود منهم ابن سلام وأصحابه ساءهم ~~قلة ذكر الرحمن في القرآن وأحبوا أن يكون كثيرا، فأنزل الله تعالى: {قل ~~ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فقالت قريش: ما بال محمد كان يدعوا إلها واحدا ~~وهو الآن يدعوا إلهين ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، فنزل قوله: {وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون} ونزل قوله أيضا: {قالوا وما الرحمن} وفرح مؤمنوا ~~أهل الكتاب، وقوله: {الذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه} انتهى. # والمراد ادعوه باسم الله أو ادعوه باسم الرحمن أي ذاكروه بذلك الاسم ~~وتخصيص هذين الاسمين بالذكر يدل على أنهما أشرف من سائر الأسماء، وتقديم ~~اسم الله على اسم الرحمن يدل على قولنا الله أعظم الأسماء، ومعنى حسنها ~~استقلالها بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم، ثم قال تعالى: {ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها} فيه قولان: PageV18P093 # الأول: روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يرفع صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا ما ~~جاء به، فأوحى الله تعالى:{ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}فيسمعه المشركون ~~فيسبون الله عدوا بغير علم {ولا تخافت بها} فلا تسمع أصحابك. # والثاني[97]: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها {وابتغ بين ~~ذلك سبيلا} أي بين الجهر والمخافتة طريقا وسطا بينهما. # قال في البرهان: وإنما نهى عن الجهر بالقراءة في جميع الصلوات، وكذلك عن ~~الإسرار وأمر أن يجهر بصلاة الليل ويسر بصلاة النهار. # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: والسبيل فهو الأوسط من الأمر ~~الذي لا يعلى صوته ولا يسر، يكون بين ذلك وسطا حينا لا رفعا شديدا، ولا ~~حفظا غامضا، مثل قوله في سورة الأعراف بالذكر الخفي، وأمره في سورة بني ~~إسرائيل بأن يتوسط في الصلاة بين الأمرين كما وصفنا، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا تذكر ولا تناد إلا بأسمائه الحسنى علم ~~كيفية التحميد، فقال: ms1452 {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل}. # قال عليه السلام: أما قوله: {لم يتخذ ولدا} فهو تنزيه لنفسه سبحانه عن ~~الأولاد والصواحب، فلا ولد له ولا صاحبة، ولا مثيل ولا شبيه سبحانه وتعالى. # قال في البرهان: في هذا إبطال ما قذفه به المشركون من ولد ولم يكن له ~~شريك في الملك، يعني أنه واحد لا شريك معه في عبادة ولا ملك، ولم يكن له ~~ولي من الذل فينصره من ذل حل به، ولا من عدو ثار عليه جل عن ذلك وتقدس، انتهى. # ثم قال تعالى: {وكبره تكبيرا} فهذا أمر من الله بالتكبير بعد هذا ~~الافتتاح، وهو واجب في الصلاة، فرض من الله ذي الجلال والإكرام. PageV18P094 # قال الإمام أحمد بن يحيى عليهما السلام: كبره تكبيرا يقول عظمه تعظيما؛ ~~لأنه العظيم الذي لا عظيم بعده، والكبير الذي لا شيء أكبر منه، والعزيز ~~الذي لا عزيز أعز منه، فليس يقاس به أحد، ولا يقوم له أحد، وهو الأول الذي ~~لا يسبقه شيء، والآخر الذي لا غاية له ولا منتهى يوقف عليه، وهو مالك يوم ~~الدين، ومصدق المرسلين، ومجازي المؤمنين، ومعاقب الظالمين، وهو ديان الدين، ~~وولي المتقين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين، وعلى آله الطيبين وسلم تسليما. PageV18P095 ### || AUTO سورة النحل # وهي مائة وثمان وعشرون آية، مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي ~~قوله: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} إلى قوله: {ما كانوا يعملون} ~~وقيل: مكية كلها. # عن الحسن وعكرمة وعطاء، وتسمى سورة النعم بكسر النون وفتحها. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} فإنه نازل بكم لا محالة، ومعنى ~~أتى أمر الله أي دنى أمره عز وجل، وهذا جائز في اللغة، والعرب تعبر عن ~~المستقبل بعبارة الماضي، وتعبر عن الماضي بعبارة المستقبل، وهذا مثل قوله: ~~{وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} ولم يساقوا بعد، ولكن سيكون ذلك، ~~وأمر الله ms1453 عذابه. # وقال في (البرهان): فرائضه وأحكامه وحدوده، وما أوعد به المشركين، انتهى. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة ~~وهو القتل والإستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، وتارة بعذاب القيامة الذي ~~يحصل عند قيام القيامة، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا ~~بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب، وقالوا له: ائتنا به. PageV18P096 # وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {اقتربت الساعة} قال الكفار فيما بينهم إن ~~هذا يزعم أن القيامة قد قربت فامسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو ~~كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا، فنزل قوله: {اقترب للناس حسابهم} ~~فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما ~~تخوفنا به، فنزل قوله تعالى:{أتى[98] أمر الله فلا تستعجلوه} فوثب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله تعالى: {فلا ~~تستعجلوه} والمعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أكثر من تهديدهم بعذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة، ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب، فأجاب الله تعالى عن ~~هذه الشبهة بقوله: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} ~~تبرأ وتنزه سبحانه من أن يكون له شريك من آلهتهم، واتصل هذا بما قبله؛ لأن ~~الاستهزاء شرك، وما في قوله عما يشركون يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير ~~سبحانه وتعالى عن إشراكهم، ويجوز أن يكون بمعنى الذي في سبحانه وتعالى عن ~~هذه الأصنام التي جعلوها شركا لله، وهي جمادات خسيسة، فضلا عن أن تحكم ~~بكونها شركا لمدبر الأرض والسماوات. PageV18P097 # واعلم أنه لما كان التقدير أن يقولوا هب أن الله تعالى يفعل ما ذكرت، ولكن ~~كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله؟ وكيف صرت بحيث ~~تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله عز ~~وجل: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه ~~لا إله إلا أنا فاتقون} بالتوحيد ms1454 والطاعة، وقوله بالروح يعنى بالوحي، أي ~~نزلهم بالقرآن بأمره، نظيره قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ~~وقوله تلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده، فسمى القرآن روحا؛ لأنه ~~حياة للقلوب، وقد قيل: إن الروح هاهنا هو جبريل عليه السلام ، والباقي قوله ~~بالروح بمعنى مع قولهم خرج فلان ثيابه أي معه ثيابه، وركب الأمير سلاحه، ~~فيكون المعنى نزل الملائكة مع الروح وهو جبريل عليه السلام ، والأول أقرب، ~~وتقرير هذا الوجه أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم جبريل وحده، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواج من الملائكة، ~~ألا تر في يوم بدر وكثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل قوم من الملائكة، ~~وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملك الجبال وتارة ملك ~~البحار، وتارة الرضوان، وتارة غيرهم، وقوله من أمره، يقول: إن ذلك التنزيل ~~والنزول لا يكون إلا بأمره، ونظيره قوله تعالى: وما نتنزل إلا بأمر ربك، ~~وقوله: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وقوله: {وهم من خشيته مشفقون} ~~وقوله: { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وكل هذه الآيات دالة على ~~أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمره وبإذنه، وقوله: {على من يشاء ~~من عباده} يريد الأنبياء عليهم السلام الذي يخصهم الله برسالته. PageV18P098 # واعلم أنه تعالى لما أمر العباد بتوحيده وهو المراد بقوله: {لا إله إلا ~~أنا} ومعرفة الخير لأجل العمل به، وهي المراد من قوله: {فاتقون} أتبعه بذكر ~~الدلائل على وجوده تعالى وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته، فقال عز وجل: {خلق ~~السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون}. # اعلم أن لفظة الخلق من كل وجه تدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم، وقوله ~~بالحق أي بالحكمة لينتفع بها في الدين والدنيا، والله عز وجل لما احتج ~~بالخلق والتقدير على حدوث السماوات والأرض، قال بعده تعالى عما يشركون، ~~والمعنى أن القائلين بقدم السماوات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكا في كونه ~~قديما أزلا نزه نفسه عن ms1455 ذلك، وبين أنه لا قديم إلا هو، ولما ذكر الله ~~الاستدلال على وحوده، وكمال قدرته وحكمته أتبعه بذكر الاستدلال على هذا ~~المطلوب بالإنسان، فقال تعالى: {خلق الإنسان من نطفة} مني جماد لا حركة ~~به{فإذا هو خصيم [99] مبين} أي ظاهر الخصومة، يجادل عن نفسه بعد أن كان ~~جمادا، أو خصيم منكر على خالقه بقوله من يحيى العظام وهي رميم، والغرض منه ~~وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفر النعمة، والوجه ~~الأول أوفق؛ لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع ~~الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس وعادتهم في الكفر، والله أعلم. # قال في (البرهان): الخصيم: الفصيح في الخصومة، وفي وصفه بذلك ثلاثة أوجه: # أحدها: تعريفه بذلك نعم الله تعالى عليه في إخراجه إلى هذه الحالة، بعدما ~~خلقه من نطفة، وهو كله لا يحصل إلا بتدبير حكيم عليم. # والثالث: تعريفه بأحسن ما ارتكب من تضييع النعمة بالخصومة في الكفر به. PageV18P099 # روينا أن هذه الآية نزلت في أبي بن خلف الجمحي حين أخذ عظماما ناخرة قد ~~رآها وقال أنعاد إذا صرنا هكذا؟ ولما ذكر الله تعالى خلق الإنسان أتبعه ~~بسائر الحيوانات، فقال سبحانه: {والأنعام خلقها لكم}. # اعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية، وهي الضان والمعز، والإبل ~~والبقر، وقد يقال أيضا: الأنعام ثلاثة: الإبل والبقر والغنم. # قال صاحب (الكشاف): وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، وقوله الأنعام ~~منصوب به، وانتصابه مضمر تفسيره الظاهر، كقوله والقمر قدرناه منازل، ويجوز ~~أن يعطف على الإنسان والأنعام. # قال الواحدي: تمام الكلام عند قوله: {لكم} ثم ابتدأ فقال فيها دف، وقيل: ~~أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله خلقها، والدليل عليه أنه عطف عليه، ~~ولكم فيها جمال، والتقدير كله فيها دف ولكم فيها جمال، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بذكر منافعها. # واعلم أن منافع النعم منها ضروية، ومنها غير ضرورية، والله تعالى بدأ ~~بذكر المنافع الضرورية، فالمنفعة الأول قوله: {لكم فيها دفء} وقد ذكر هذا ~~المعنى في آية أخرى ms1456 فقال: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} والدف عند أهل ~~اللغة ما يستدفء به الناس من الأكسية من البرد، ولولا ذلك لهلك أكثرهم، قال ~~الشاعر: # جزاك الله خيرا يا كساء # فأنت الصوف تغزلك النساء # تجملني إذا زرت الغواني # وتدفيني إذا دخل الشتاء # والمنفعة الثانية قوله: {ومنافع} قالوا والمراد نسلها ودرها، وإنما عبر ~~الله عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة، واللفظ الدال على الوصف الأعم؛ لأن الدر ~~والنسل قد ينتفع به في الأكل، وقد ينتفع به بالبيع بالنقود، ونحو ذلك من ~~سائر الضرورات، فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل. PageV18P100 # والمنفعة الثالثة قوله: {ومنها تأكلون} يعني الألبان واللحوم، وإنما قال ~~ومنها تأكلون؛ لأن غالب طعمكم منها؛ لأنكم تحرثون بالبقر فالحب والثمار ~~التي تأكلون منها، وأيضا تكسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها، وألبانها ~~وجلودها، وتسيرون بها جميع أطعمتكم. # واعلم أن هذه المنافع الثلاث هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام، ~~وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور: # المنفعة الأول قول تعالى: {ولكم فيها جمال} زينة وجاه عند الناس {حين ~~تريحون وحين تسرحون} الإراحة رد الإبل بالعشاء إلى مراحها حيث تأوي إليه ~~ليلا، ويقال سرح القوم إبلهم سرحا[100] إذا خرجوها بالغداة إلى المرعى. # قال أهل اللغة: وهذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث، ~~وكثر الكلا وخرجت العرب..........وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت. # واعلم أن وجه التجمل فيها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة ~~ترتبت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وتجاوبت فيها الثغاء والرغاء، ~~وفرح أربابها، وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها، وإنما قدم ~~الإراحة قبل التسريح؛ لأن الجمال في الإراحة أكثر؛ لأنها تقبل ملأ البطون، ~~حافلة الضروع، ثم تجتمع في الحضائر خاصة لأهلها، بخلاف التسريح فإنها عند ~~خروجها تخرج جائعة عادمة اللبن، ثم تأخذ في التفرق والانتشار، وكان الجمال ~~في الإراحة أكبر منه في التسريح. # المنفعة الثانية: قوله سبحانه: {وتحمل أثقالكم} الأثقال جمع الثقل وهو ~~متاع المسافر{إلى بلد} غير بلدكم. PageV18P101 # قال ابن عباس: من مكة إلى ms1457 اليمن والشام وإلى مصر {لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس} والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل لشق عليكم، وخص ابن ~~عباس هذه البلاد؛ لأن متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد، ومن الناس من ~~قال: المراد من قوله والأنعام خلقها الإبل فقط، بدليل أنها وصفها في آخر ~~الآية، بقوله: {وتحمل أثقالكم إلى بلد} وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل، قيل ~~له: المقصود من هذه الآية تعديد منافع الأنعام، فبعض تلك المنافع حاصل في ~~الكل، وبعضها يختص بالبعض دون البعض، والدليل عليه أن قوله ولكم فيها جمال ~~حاصل في البقر والغنم، مثل حصوله في الإبل، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {إن ربكم لرءوف رحيم} حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتسيير ~~هذه المصالح. # واعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في ~~المنافع الضرورية، والحاجات الأصلية، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع ~~الإنسان بها في المنافع التي ليست بضرورية فقال سبحانه: {والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة} قوله: والخيل والبغال والحمير عطف على الأنعام، أي ~~وخلق الأنعام لكذا، وخلق هذه الأشياء للركوب، وقوله وزينة، أي وخلقها زينة، ~~فأشار بقوله: لتركبوها وزينة إلى تحريم أكل لحومها. # قال الزجاج: نصب قوله وزينة على أنه مفعول له، والمعنى وخلقها للزينة. PageV18P102 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أولا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها ~~انتفاعا ضروريا، وثانيا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في الغالب ~~ذكرها على سبيل الإجمال، فقال: {ويخلق ما لا تعلمون} خلقه وهو كثير في ~~العالم؛ لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء، فدل ~~سبحانه على زيادة خلق طوى عنا علمه لمصلحة في طيه، ليزيدنا بإخباره علما ~~بإقتداره، وقيل ما خلق بالجنة والنار مما لا يبلغه وهم أحد، ولما شرح تعالى ~~دلائل التوحيد قال: {وعلى الله قصد السبيل} أي على الله هداية الطريق ~~الموصل إلى الحق. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه عند الله لعباده إن يهدهم، ~~وهو سبحانه الضامن لذلك لهم وعليه..........البيان لقصد الطريق، والقصد ms1458 هو ~~الشأن، قال: # يا ناق ما يغنيك جورا فاقصد # أي فانثني، ثم قال: {ومنها جائر} أي ومن السبيل جائر، أي ماثل عن الحق ~~كالأهواء والبدع التي جارت عن سبيل الله بهم، والجور هو الميل عن ~~القصد[101]، قال الشاعر: # نجور أحيانا وحينا نهتد PageV18P103 وقيل: اليهودية والنصرانية، فدلت الآية على ضمان الله تعالى لعباده، ~~والإرشاد والهداية إلى الدين، وإزاحة العلل والأعذار، ودلت أيضا على أنه ~~تعالى لا يضل أحدا ولا يغويه ولا يصده عن الحق، بل إليه يهديه، وإنما غير ~~اسلوب الكلام في قوله: ومنها جائر لعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين ~~وما لا يجوز، ولو كان الأمر كما زعمت المجبرة، لقيل وعلى الله قصد السبيل، ~~أو وعليه الجائز، ثم أخبر تعالى عن سنته وقدرته فقال: {ولو شاء} مشيئة ~~إلجاء وجبر{لهداكم أجمعين}لكنه بنا التكليف على الاختيار لا الاضطرار، ولما ~~ذكر تعالى الاستدلال بخلق الإنسان والحيوان أتبعه في الاستدلال على وجود ~~الصانع الحكيم بعجائب أحوال البينات فقال: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم ~~منه شراب} تشربون منه {ومنه شجر}ترعاه المواشي{فيه تسيمون} أي ترعون فيه ~~أنعامكم، قال الكميت: # ردافا علينا لم يسموا رعيه ... وهمتهم أن يستدروا فيحلبوا # أي لم يرعوا ولم يشبعوا رعية، والنبات الذي ينبته الله تعالى من ماء ~~السماء قسمان: # أحدهما: معد لرعي الأنعام وإسامة الحيوانات، وهو المراد من قوله فيه ~~تسيمون. # والثاني: ما كان مخلوقا لكل إنسان، وهو المراد من قوله: {ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون} شجر الزيت {والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} أما كلها فلا ~~تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت البعض في الأرض للتذكرة. # قال الرازي: أما الغذاء الثاني فقسمان: حبوب وفواكه، أما الحبوب فإليها ~~الإشارة بلفظ الزرع، وأما الفواكه وأشرفها الزيتون والنخيل والأعناب. PageV18P104 # أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر، لكثرة ما فيه من الدهن، ~~ومنافع الأدهان كثيرة، في الأكل والطلا، وإشعال السراج، وأما امتياز النخيل ~~والأعناب عن سائر الفواكه فظاهر معلوم، كما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات ~~التي ينتفع بها الإنسان على ms1459 التفضيل، ثم قال: ويخلق ما لا يعلمون، فكذلك ~~هاهنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية ومن كل ~~الثمرات تنبيها على أن تفضيل القول في أجناسها وأنواعها، وصفاتها ومنافعها ~~مما لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل، ثم ~~قال: {إن في ذلك} الخلق المذكور {لاية} أي دلالة واضحة {لقوم يتفكرون} ~~فيستدلون بها عليه، وعلى حكمته وقدرته، ثم قال تعالى: {وسخر لكم الليل ~~والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات} لما خلقت له {بأمره}ومشيئته. PageV18P105 # اعلم أن تسخيرها تصييرها نافعة لما يسكنون بالليل وينتفعون من فضله ~~بالنهار، وتعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، وتهتدون بالنجوم، ~~كأنه قيل نفعكم بها في حال كونها مسخرات في التجريد، يحتمل أن يراد وجعل ~~لكم مسخرات، وأن يراد بالتسخير الأول تصييرها نافعة للناس، وبالثاني ~~بدليلها أو يراد بمسخرات المصدر على معنى وسخرها أنواعا من التسخير، من ~~قولهم سخره الله مسخرا أي تسخيرا كقولهم شرحه شرحا، ولما تم هذا الدليل في ~~هذا المقام لا جرم ختم هذه الآية بقوله: { إن في ذلك لايات لقوم يعقلون}جمع ~~الآية هنا وذكر العقلاء؛ لأن الآيات العلوية أظهر دلالة على القدرة ~~الباهرة، وأبين شهادة من دلائل الأرض، والمعنى أنه لما دبر هذه الأشياء على ~~طريقة واحدة موافقة لمصالح العباد[102]صارت شبهة بالعبد المنقاد المطواع، ~~فلهذا المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير بلفظ التسخير، ثم قال تعالى: ~~{وما ذرأ لكم في الأرض} وهو عطف على الليل والنهار، أي فيما خلق لكم في ~~الأرض من حيوان وشجر وثمر، وغير ذلك {مختلفا ألوانه} أي هيأته ومناظره مما ~~ذكرتم، ثم قال:{إن في ذلك لاية لقوم يذكرون} أي ينظرون ويستدلون بها على قدرته. # واعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الصانع الحكيم في المرتبة الأول ~~بأجرام السماوات والأرض، وفي المرتبة الثانية ببذر الإنسان ونفسه، وفي ~~المرتبة الثالثة بعجائب خلق الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب خلق ~~أنواع النبات، ذكر المرتبة الخامسة للاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال ~~البحار وتسخيرها، فقال: {وهو الذي ms1460 سخر البحر}. # اعلم أن منافع البحار كثيرة، والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع: # المنفعة الأولى: قوله تعالى: {لتأكلوا منه لحما طريا} أي رطبا جيدا، قال: # فإن لم يكن لحم فحيتان طري PageV18P106 الطري: مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا لما عرف به من قدرة ~~الله تعالى ما يعرف الطري، فإنه لما خرج من البحر الرعاق الحيوان الذي لحمه ~~في غاية العذوبة، علم أنه إنما يحدث لها بسبب الطبع بل يقدره الله تعالى ~~وبحكمته حيث أظهر........ # المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية} ~~اللؤلؤ والمرجان {تلبسونها} أي نساؤهم لأنهن من جملتهم، ويتزين لهم فكأنها ~~زينتهم ولباسهم. # المنفعة الثالثة: قوله عز وجل: {وترى الفلك مواخر فيه} أي شواق للماء ~~تدفعه، والمخر شق السفينة الماء، ابن عباس مواخر جواري، وإنما حسن هذا ~~للتفسير؛ لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية؛ لأن مخر السفينة شقها ~~الماء عن يمين وشماال بصدرها، وقيل: المخر صوت جريها وهو جمع ماخر. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى مواخر، أي فوارغ في البحر فهي ~~تجري فارغة مواخر كجريه مملوءة شواحن، قال: وهذا التفسير يروى عن القاسم ~~عليه السلام ، انتهى. PageV18P107 # ثم قال:{ ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} يعني لتركبوه للبحار قتطلبوا ~~الربح من فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله وإحسانه فلعلكم تشكرون، أي لكي ~~تشكروا هذه النعمة، ثم ذكر تعالى بعض النعم التي خلقها في الأرض بالنعمة ~~الأولى، قوله عز وجل: {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم} أي لئلا تميد بكم ~~على قول الكوفيين، وكراهة أن تميد بكم على قول البصريين، الميد الحركة ~~والاضطراب يمينا وشمالا، يقال مادا يميد منه، والمشهور عند الجمهور في ~~تفسير هذه الآية أن السفينة إذا ألقت على وجه الماء فإنها تميل من جانب ~~وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفن استقرت على وجه الماء ~~واستوت، قالوا: وكذلك لما خلق الله الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت، فخلق ~~الله عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت ms1461 الأرض على وجه الماء بسبب ثقل هذه ~~الجبال، ومعنى تميد أي تسير وتحرك، وقال الشاعر: # كمتخذ البناء على كثيب ... يميد به إذا هطل السحاب # أي تسير به. # النعمة الثانية: قوله تعالى: {وأنهارا} أي وجعل فيها أنهارا كالنيل ودجلة ~~والفرات. # قال الرازي: وهو معطوف على قوله: وألقى في الأرض رواسي، والتقدير وألقى ~~رواسي وأنهار أو خلق الأنهار..............بالإلقاء، فيقال[103]: ألقى الله ~~في الأرض أنهار، كما قال: وألقى فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، والإلقاء ~~تقارب الإنزال؛ لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلا على الأسفل، إلا ~~أن المراد من هذا الإلقاء الجعل والخلق، قال تعالى: {وألقيت عليك محبة مني}. # النعمة الثالثة: قوله تعالى: {وسبلا} أي طرقا إلى كل بلدة {لعلكم تهتدون} ~~إلى مقاصدكم من البلاد فلا تضلون، وهي أيضا معطوفة على قوله وألقى في الأرض ~~رواسي، والتقدير: وألقى في الأرض سبلا لكي تهتدوا. PageV18P108 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض شيئا بعينه ذكر أيضا أنه أظهر ~~فيها علامات مخصوصة، حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها، فيصل بواستطها إلى ~~مقصوده، فقال سبحانه: {وعلامات} الطرق بالنهار، وهي الجبال أو معالم الطرق، ~~وكما يستدل به جبل أو منهل وغير ذلك، فالمراد من قوله وعلامات أي دلائل على ~~كل سبب من الأسباب، كل ذلك منافع من رب الأرباب، وهي معطوفة على قوله ~~تعالى: وألقى في الأرض رواسي، والتقدير وألقى في الأرض رواسي، وألقى فيها ~~أنهارا وسبلا، وألقى فيها علامات، وهي الأشياء التي بها يهتدى. # قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: وعلامات، وقوله تعالى: {وبالنجم هم ~~يهتدون} كلام منفصل عن الأول، والمراد بالنجم الخنس، كقولهم كثر الدرهم في ~~أيدي الناس. # وعن السدي: هو الثريا والفرقدان وبنات نعش، والجدي، يهتدون إلى الطروق ~~والقبلة في البر والبحر، وقدم النجم للاختصاص أي بالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا، ~~كأنه يريد قريشا، وكان لهم علم زائد بمعرفة النجوم لم يكن مثله لغيرهم، ~~وكان الشكر واجب عليهم. PageV18P109 # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود الإله القادر الحكيم على ~~الترتيب ms1462 الأحسن، والنظم الأكمل، وكان تلك الدلائل كما كانت دلائل، وكذلك ~~كانت أيضا شرحا وتفصيلا لأنواع نعم الله، وأقسام إحسانه، أتبعه بذكر إبطال ~~عبادة غير الله، فقال سبحانه: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} وهي ~~الأوثان، وأطلق عليها اسم أولي العلم؛ لأنهم يسموها آلهة، أو للمشاكلة أي ~~هما سواء حتى تسوي بينهما في العبادة، والمقصود أنه لما دلت هذه الدلائل ~~الباهرة والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم، وبينت أنه ~~المتولي لجميع هذه النعم، والمعطي لكل هذه الخيرات، فكيف يحسن في العقول ~~الاشتغال بعبادة موجود سواه، لا سيما إذا كان ذلك الموجود جمادا لا يفهم ~~ولا يقدر، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون} لتعلموا التفاوت بينهما، وذلك أن العبادة لا تصلح إلا للمالك ~~المنعم الأعظم، وأنتم ترون في الشاهد إنسانا عاقلا، فأيهما ينعم بالنعم ~~العظيمة، ومع ذلك فتعلمون أنه تقبح عبادته بهذه الأصنام جمادات محضة وليس ~~لها فهم ولا قدرة، ولا إحسان، فكيف تقدمون على عبادتها، وكيف تجوزون ~~الاشتغال بخدمتها وطاعتها. PageV18P110 # واعلم أنه تعالى لما بين الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ بين سبحانه أن ~~العبد لا يمكنه الإتيان بعبادة الله تعالى وشكر نعمه، والقيام بحقوق كرمه ~~على سبيل الكمال والتمام، فقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي: لا ~~تطيقوا ضبطها إجمالا، وأما تفصيلا فلا يعلمه إلا الله تعالى، ومما يدل قطعا ~~على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام أنعام الله أن لكل جزء من أجزاء ~~هذه البدن الإنساني لو ظهر فيه خلل لتنغص العمر على الإنسان، ولتمنى أن ~~ينفق[104]كل الدنيا حتى يزول عنه، ثم إن سبحانه تدبر أحوال بدن الإنسان على ~~الوجه الأكمل الأصلح مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا يكفيه ~~مصالحه، ولا يدفع مفاسده، فليكن هذا المثال حاضر في ذهنك حتى تعلم أن عقول ~~الخلق تفنى في معرفة حكم الرحمن في خلق الإنسان، فضلا عن سائر وجوه الفضل ~~والإحسان، ولما أخبر سبحانه أن الإنسان ms1463 لا يمكنه القيام بأداء الشكر على ~~التفضيل، قال: {إن الله لغفور رحيم} حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها، ~~ولا يقطعها عنكم، ولا يعاجل بالعقوبة على كفرانها، ثم قال: {والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون} فيجازيكم على حسبه، وهو وعيد، وقد ذكر في المعنى وجهان: # الأول: أن الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروبا من ~~الكفر ومكائد الرسول، فجعل هذا زجرا لهم عنها. # والثاني: أنه تعالى زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بأنه لا قدرة لها ~~على الخلق والإنعام، وزيف في هذا أيضا عبادتها، بسبب أن الإله يجب أن يكون ~~عالما بالسر والعلانية، وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلا فكيف ~~يحسن عبادتها؟ # واعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة: PageV18P111 # فالصفة الأولى قوله تعالى: {والذين يدعون} أي يعبدون الآلهة {من دون الله ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} أي الله خلقهم أي الناس بالنحت والتصوير، فإن ~~قيل: أليس قوله في أول الآية أفمن يخلق كمن لا يخلق يدل على أن هذه الأصنام ~~لا تخلق شيئا؟ وقوله هاهنا لا يخلقون شيئا يدل على نفس هذا المعنى؟ فكان ~~هذا تكرير محضا، وجوابه أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون لغيرهم، فكان هذا زيادة في المعنى فكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ~~ذواتهم وصفاتهم، أولا أنها لا تخلق شيئا، ثم بين ثانيا أنها كما لا تخلق ~~شيئا غيرها فهي مخلوقة لغيرها. # قال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله سبحانه أن كل ما يعبد ~~الكافرون من دونه لا يخلق شيئا، والله خالقه، وخالق عبيده، فميز تعالى بضعف ~~من كان كذلك وضلاله إذ هو يعبد مخلوقا مثله، وترك عبادة الخالق الذي ليس ~~كمثله شيء، انتهى. # والصفة الثانية: قوله تعالى: {أموات غير أحياء} أي جمادات ميتة، والمعنى ~~أنها لو كانت آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها ~~الموت، كالحي الذي لا يموت، وأمر هذه الأصنام على العكس من ذلك، يعني أن من ~~الأموات ما ms1464 يعقب موتها حياة كالنطف وأجساد الحيوان الذي يبعث. # وأما الحجارة فلا تعقب موتها حياة قط. # الصفة الثالثة: قوله سبحانه: {وما يشعرون أيان يبعثون} أي العبدة لا تشعر ~~الأصنام متى تبعث العبدة فيجازيهم، وفيه تهكم بالمشركين، وفيه أيضا دلالة ~~على أنه لابد من البعث، وأنه من لوازم التكليف. PageV18P112 # واعلم أنه تعالى لما زيف طريقة عبدة الأصنام، وبين فساد مذهبهم بالدلائل ~~القاهرة، قال سبحانه: {فالذين لا يؤمنون بالآخرة} وينكرونها {قلوبهم منكرة} ~~جاحدة للوحدانية {وهم مستكبرون} عن قبول الخق، واتباع الأنبياء، ثم قال ~~تعالى: {لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} فيجازيهم وهو وعيد لهم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى لا جرم أي لا شيء ألزم من الله ~~تعالى ما يسرون في أنفسهم ويعلم ما يظهرون بألسنتهم، أي ليس ألزم ولا أوضح ~~من علم الله بما يعملون، وجرم في اللغة هو الزم، قال الشاعر[105]: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة كلها أن تغضبا # أي ألزمت فزارة أن تغضب، وحملتهم على النكف والغضب، وفزارة عشيرة من ~~العرب، وكذلك قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم} الآية، أي لا يلزمنكم ~~شأنهم وتبغضهم وعنتهم على ألا تعدلوا في الحكم فيهم، انتهى. # وقال غيره: معنى لا جرم أي حقا أن الله يعلم، والمعنى أنه تعالى يعلم ~~إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة لا لأجل شبهة يصورها، ولا إشكال تخيلوه، ~~بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق............بنصرة مذاهب ~~الأسلاف والتكبر والنخوة، فلهذا قال: {إنه لا يحب المستكبرين} أي لا يريد ~~إثابتهم، ولا الرضى عنهم، ولا يمدحهم، وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين. PageV18P113 # واعلم أنه تعالى بالغ في تقرير دلائل التوحيد، وأورد الدلائل القاهرة في ~~شأن إبطال مذهب عبدة الأصنام ذكر بعد ذلك شبهات منكري التوبة مع الجواب ~~عنها، فقال سبحانه، وجل عن كل شنآن شأنه: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين} أي أحاديهم المسطورة وأباطيلهم، أي ليس بوحي، قيل: ~~هذا قول المقتسمين لطرق مكة، يقولون ذلك لوفود الحاج تنفيرا لهم عن ms1465 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما احتج ~~على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزا طعنوا في القرآن، وقالوا إنه أساطير ~~الأولين، وليس هو من جنس المعجزات. # واعلم أنه لما حكى شبهتهم قال تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة} معنى اللام للتعليل من غير أن يكون عرض، نحو قولك: خرجت من البلد ~~مخافة الشر، أو يكون لام العاقبة، وذلك لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير ~~الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه ~~اللام، كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} لأن قولهم في ~~القرآن أداهم إلى ذلك، وقوله: {كاملة} معناه لا يخفف الله من عقابهم شيئا، ~~بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم، ثم قال: {ومن أوزار الذين يضلونهم} أي ~~معنى أوزار من ضل بضلالتهم، وهو وزر الإضلال؛ لأن الضال والمضل شريكان في ~~الوزر، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((أيما داع دع إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من تبعه لا نقص من أجرهم ~~شيء، وأيما داع دع إلى الضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من تبعه لا ينقص من ~~آثامهم شيء)). PageV18P114 # قال الواحدي: ولفظه من قوله: {ومن أوزار الذين يضلونهم} ليست للتبعيض؛ ~~لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن أولئك الأتباع بعض أوزارهم، وذلك غير جائز ~~لقوله صلوات الله عليه وآله وسلم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، ولكنها ~~للجنس أي ليحملوا من جنس أوزار الاتباع، وقوله: {بغير علم} حال من المفعول، ~~أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، يعني بغير علم من الضال أن المضل ضال، ووصف ~~بالضلال، وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله، وأن يميز بين ~~الحق والمبطل، ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله: {ألا ساء ما يزرون} أي بئس ~~ما يحملون من الأوزار، أوزار ضلالهم وإضلالهم، والمقصود المبالغة في الزجر. # واعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة عن ms1466 القوم، ولم يجب عنها لأنه تعالى ~~بين كون القرآن معجز بطريقين: # الأول منهما: أنه صلى الله عليه وآله وسلم تحداهم بكل القرآن، وتارة بعشر ~~سور، وثالثا بسورة واحدة، ورابعا بحديث واحد[106] وعجزوا عن المعارضة، وذلك ~~يدل على كونه معجزا. # والثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى، وهي قوله: {فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا} وأبطلها بقوله: {قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض} ومعناه أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب، وذلك لا ~~يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السماوات والأرض، فلما ثبت كون القرآن ~~معجز بهذين الطريقين لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد، ولم يذكر ~~ما جرى مجرى الجواب عن الشبهة، ثم إنه تعالى بالغ في وصف أولئك الكفار، ~~فقال: {قد مكر الذين من قبلهم} أي قبل قريش احتالوا على أنبيائهم {فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد} وفيه تأويلان: PageV18P115 # أحدهما: أن الإتيان والحركة على الله محال، والمراد أنهم لما كفروا أتاهم ~~الله بزلازل تقلعت بها بينانهم من القواعد والأساس {فخر عليهم السقف} وهو ~~قوله: {من فوقهم} تأكيد {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى فأتى الله بنيانهم من القواعد، ~~أي أتى الله بأمره إلى الموثر والأساس والأصل، فهدم بنيانهم عليهم، وأهلكهم ~~بذلك، ودمرهم، والقواعد هي الأساس، وهو الموثر بلغة اليمن، انتهى. # الثاني: أن هذا تمثيل بمعنى أنهم سووا منصوبان ليمكروا بها الله ورسوله، ~~فجعل هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنو بنيانا وعمدوه بأساطين، فأتى ~~الله البنيان من جهة تلك الأساطين، بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا، ~~ونحوه قوله: ((من حفر لأخيه خبا وقع فيه منكبا)). # ثم قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وهذا مثل مضروب لعملهم الذي رجع ~~وباله ونكاله عليهم، وحل بهم وأهلكهم، انتهى. # وفي المراد بالذين من قبلهم قولان: # الأول: هو قول أهل الأخبار من المفسرين أن المراد منه نمرود بن كنعان، ~~بنا صرحا عظيما طوله خمسة الآف ذراع، وقيل: فرسخان، ومرام منه الصعود إلى ms1467 ~~السماء ليقابل أهلها، والمراد بالمكر هاهنا بنا الصرح لمقابلة أهل السماء. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: وكان نمرود هذا ~~معاصر لإبراهيم عليه السلام ، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه تعالى، فلما غير ~~الله ما به، وفارقه إبراهيم عليه السلام مهاجرا إلى ربه، آتاه الله عز وجل ~~ببنائهم هذا العظيم من القواعد في يوم غيم ومطر، وفي برد ورياح، جمعهم بذلك ~~من كل ناحية تدبير الله تعالى إلى ملجأهم هذا الذي اتخذوه من دونه سبحانه ~~عنادا، فخر عليهم السقف من فوقهم، التأكيد لكونهم تحته إذ قد سقط بنيان ~~القوم فلا يكونون تحته، فيقال انهدم عليهم بنيانهم، ولا يقال من فوقهم حتى ~~يكونوا تحته فتأمل، انتهى. PageV18P116 # والقول الثاني: وهو الأولى أنه عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق ~~الضرر والمكر بالمحقين، والله أعلم، {ثم يوم القيامة يخزيهم} فأخبر تعالى ~~أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر، بل الله تعالى يخزيهم يوم ~~القيامة، والخزي هو العذاب مع الهوان، وفسر تعالى ذلك الهوان بقوله عز وجل: ~~{ويقول أين شركائي} بزعمكم، أين هم ليدفعوا عنكم؟ وأضافهم إلى نفسه حكاية ~~لإضافتهم توبيخا لهم على طريق الاستهزاء، ثم قال: {الذين كنتم تشاقون فيهم} ~~أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم، قرأ نافع بكسر النون تشاقون؛ لأن ~~مشاقة المؤمنين مشاقة لله عز وجل، ثم قال تعالى: {قال الذين [107] أوتوا ~~العلم إن الخزي اليوم} أي الذل والهوان والفضيحة {والسوء على الكافرين}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني بالذين أتوا العلم الملائكة ~~والنبيين، والأئمة الأخيار الطاهرين، انتهى. # والمراد أنهم يشمتون بهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان فلا يجيبون، وقيل: هم ~~المؤمنون يقولون حين يرون جزاء الكافرين في القيامة الخزي اليوم على ~~الكافرين. # قالوا: والفائدة فيه أن الكفار كانوا يتكبرون في الدنيا على المؤمنين، ~~فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافرين، كان وقع ~~هذا الكلام وتأثيره في إبدائه أكمل، وحصول الشماتة أقوى، ثم وصف عذاب هؤلاء ~~الكفار من وجه آخر، فقال: {الذين ms1468 تتوفاهم الملائكة} الموكلون بقبض الأرواح ~~{ظالمي أنفسهم} بالمعاصي {فألقوا السلم} أي طرحوا الذل وسلموا صاغرين، ~~بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الكبر والشقاق، ثم قالوا: {ما كنا نعمل ~~من سوء} جحدوا فرد عليهم الملائكة، وأهل العلم فقالوا: {بلى} قد كنتم ~~عاملين بالسوء والكفر {إن الله عليم بما كنتم تعملون} فيجازيكم عليه. PageV18P117 # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: هذا ومثله وما كان نظيرا له من جحد ~~الظالمين المسببين لظلمهم، وإسائتهم في الدنيا عند معاينة الملائكة ~~ووفائهم، وفي الآخرة إنما هو عند عظيم ما يعاينون ويحل بهم، ويطلعون عليه ~~مما أعد الله من العقوبة لهم، فيبطش منهم عند ذلك الروع والأحلام، وتختلط ~~عند الفزع منهم العقول فيخلطون في الكلام، فيجحدون الإساءة لما يعانيه ~~الشيء من النكال، ويراه كما يجحد المملوك من الآدميين في دار الدنيا عظيم ~~ذنبه، ويحل من كبير العقوبة به، وإن لم ينفعه الجحد روعا وفزعا، واختلاط ~~لعظيم ما يعاين وانقطاعا، انتهى. # ثم صرح بذلك العقاب فقال: {فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها}. # قال الرازي: وهذا يدل على ما يفاوت منازلهم في العقاب، فيكون عقاب بعضهم ~~أعظم من عقاب البعض، وإنما صرح الله تعالى يذكر الخلق ليكون الغم والحزن ~~أعظم، ثم قال: {فلبئس مثوى المتكبرين} عن قبول الحق، قيل: نزلت في قوم ~~أسلموا، ولم يهاجروا فأخرجوا إلى بدر فقتلوا. PageV18P118 # واعلم أنه تعالى لما بين أحكام الأقوام الذين إذا قيل لهم ما أنزل ربكم ~~قالوا أساطير الأولين، وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم، وأخبر ~~أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم، وأخبر أنهم في الآخرة يلقون السلم، وأنه ~~تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم، أتبعه بذكر وصف المؤمنين فقال: {وقيل ~~للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم} أي أي شيء أنزل؟ قيل: كان هذا أيام الموسم ~~يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيقولون إنه أساطير الأولين، ثم يأتي المؤمنين فإذا سألهم عن ذلك {قالوا ~~خيرا} أي أنزل خيرا، أي ثوابا ومنفعة لمن آمن بالله، ثم فسر ms1469 ذلك الخبر، ~~فقال: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} الصحة في الجسم، والكفاف في ~~الرزق، والتوفيق في الخير، أو يكون الذين إلى آخره كلاما مبتدأ عده ~~للقائلين خيرا، أو يكون خيرا من جملة إحسانهم، ثم ذكر سبحانه ما أعده لهم ~~في الآخرة من منازل ودرجات السعادات، ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك ~~فقال: {ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين} أي ولنعم دار المتقين دار ~~الآخرة[108] فحذفت لسبق ذكرها، إذ لم يجعل هذه الآية متصلة بما بعدها، فإن ~~وصلها بما بعدها، قلت ولنعم دار المتقين {جنات عدن يدخلونها} فرجعت جنات ~~على أنها اسم لنعم وبيان لدار الآخرة، كما تقول: نعم الدار دار ننزلها. PageV18P119 # قال الرازي: أعلم أنها إذا كانت موصولة بما قبلها فقد ذكرنا وجه ارتفاعها، ~~أما إذا كانت مقطوعة، فقال الزجاج: جنات مرفوعة بإضمار هي، كأنك لما قلت ~~ولنعم دار المتقين، قيل: أي دار هذه الممدوحة؟ فقلت: هي جنات عدن، وإن شئت ~~قلت نعم دار المتقين خبره، والتقدير جنات عدن نعم دار المتقين، فقوله جنات ~~عدن يدل على القصور والبساتين، وقوله جنات عدن يدل على الدوام، وقوله: ~~{تجري من تحتها الأنهار} يدل على أنه متصل هناك أبنية يرتفعون عليها، وتكون ~~الأنهار الجارية من تحتهم، ثم إنه قال: {لهم فيها ما يشاءون} من كل مطلوب، ~~قيل: يقولون للشيء كن فيكون، ثم قال تعالى: {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء ~~العظيم {يجزي الله المتقين} ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال: {الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين} طاهرين من ظلم أنفسهم بالظلم والمعاصي؛ لأنه في ~~مقابله قوله: {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} وقوله طيبين كلمة ~~مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة، وذلك لأنه يدل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به، ~~واجتنابهم لكل ما نهو عنه، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة، ~~مبرأين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح، وأنه لا ~~يقبض إلا مع البشارة بالجنة، وذلك أنه إذا أشرف المؤمن على الموت جاء ملك ~~فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله ms1470 يقرأ عليك السلام، ويبشره بالجنة، ~~وذلك أنه تعالى أخبر أنه يقال لهم عند هذه الحالة: {يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وقيل: يقال لهم ذلك عند خروجهم من قبورهم، ~~ثم إنه تعالى حكى الشبهة الثانية لمنكري النبوة، وذلك أن القوم لما طعنوا ~~في القرآن بأن قالوا إنه أساطير الأولين، وذكر تعالى أنواع التهديد والوعيد ~~لهم، ثم اتبعه بذكر الوعد لمن وصفه القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا، PageV18P120 عاد إلى بيان أولئك فقال عز وجل: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو ~~يأتي أمر ربك} يعني أن أولئك الكفار لا يزجرون عن كفرهم بسبب البيانات التي ~~ذكرناها، بل كأنهم لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة، إلا أن جاءتهم ~~الملائكة لقبض أرواحهم، أو أتاهم أمر ربك، وهو عذاب الاستصال، والمعنى هل ~~ينتظرون بإيمانهم إلا هذه الأحوال، وفيه إشارة إلى أنهم أمهلوا ليتوبوا ~~وإلا أتاهم ما ذكر، ثم قال تعالى: {كذلك} أي مثل ذلك الفعل من الشرك ~~والتكذيب {فعل الذين من قبلهم} وقيل: من استعجال العذاب، ثم قال: {وما ~~ظلمهم الله} تدميرهم، والتقدير كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك ~~المعجل، وما ظلمهم الله بذلك، فإنه أنزل بهم ما استحقوا بكفرهم {ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون} بفعلهم سبب التدمير {فأصابهم سيئات ما عملوا} أي جزاء سيئات ~~أعمالهم، وهذا مقدم في المعنى، أي كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم، الآية، ~~ومعنى قوله {وحاق بهم} أي وقع ونزل عليهم ولزمهم، وأحاط بهم من جميع ~~الجوانب {ما كانوا به يستهزئون} أي عقاب استهزائهم، ثم إنه تعالى حكى ~~الشبهة الثالثة لمنكري النبوة فقال: {وقال الذين أشركوا} يعني أهل مكة {لو ~~شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا} أي ولكنه شاءه منا، ثم ~~قالوا: {ولا حرمنا من دونه من شيء} البحيرة والسائبة وغيرهما، وهذا من جملة ~~أصناف كفرهم، حيث حملوا ظلمهم على الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ~~وذلك أنهم تمسكوا بشبهة الجبر[109]على الطعن في النبوة، فقال: لو شاء الله ~~الإيمان لو حصل ms1471 الإيمان سواء جئت أو لم تجيء، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل ~~الكفر جئت أو لم تجيء، وإذا كان الأمر كذلك فالأمر من الله، ولا فائدة في ~~مجيئك وفي إرسالك PageV18P121 فكان القول بالنبوة باطلا. # واعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في ~~قوله سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء كذلك كذب الذين من قبلهم. # واعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي ~~أشركوا وحرموا حلال الله، فلما انتهوا نسبوا فعلهم إليه متمسكين بهذه ~~الشبهة، وهذا مذهب المجبرة بعينه، والمعنى أن الله تعالى ما منع أحدا من ~~الإيمان ولا أدخله ولا أوقعه في الكفر والعصيان، ثم قال سبحانه: {فهل على ~~الرسل إلا البلاغ المبين} للحق، وأن الله لا يشاء المعاصي والشرك، ومعنى ~~المبين الواضح بالدليل، فأخبر تعالى أن الرسل ليس عليهم إلا التبليغ، فلما ~~بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة، ~~ثم قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله} أي، يقولوا ~~اعبدوا الله وحده {واجتنبوا الطاغوت} أي طاعته، وهو الشيطان، وكل من دعا ~~أيضا إلى ضلالة. PageV18P122 # روي عن القاسم بن إبراهيم عليه السلام أنه قال: الطاغوت كل ما أطغى، وأضل ~~عن الحق، وقيل: الطاغوت كل ما عبد من دون الله {فمنهم من هدى الله} أي زاده ~~هدا لما اهتدى، حيث قبل هداه {ومنهم من حقت عليه الضلالة} أي تركه الله على ~~ضلاله لما ضل، ولم يقبل هداه فلم يزده هدا لما لم يهتد، وقد عرفه هداه، ثم ~~قال تعالى: {فسيروا في الأرض} للاعتبار {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ~~أي ما فعلت بهم حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أشا الشر حيث أفعل بالأشرار ~~ما أفعل، أو سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل ~~بهم، وما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms1472 حريصا على هداية الناس، ~~ولا سيما قريش، قال تعالى: {إن تحرص} يا محمد {على هداهم فإن الله لا يهدي ~~من يضل} قرأ عاصم وحمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وكسر الدال والباقون لا ~~يهد بضم الياء وفتح الدال والمعنى من يخذله الله لعدم قبوله الهدى فلا تلطف ~~به، أي لا تقدر أنت ولا غيرك على هدايته، وقد علم سبحانه أنه لا يقبل ~~الهدى، ثم قال تعالى: {وما لهم من ناصرين} دال على أن المراد بالإضلال ~~الخذلان الذي هو نقيض النصرة، ثم ذكر تعالى الشبهة الرابعة لمنكري النبوة، ~~فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} كفروا كفرين ~~عظيمين، .......... ذنوبهم على مشيئة الله. # والثانية: إنكارهم البعث مقسمين على ذلك، ثم قال عز وجل إنكار لما نفوه: ~~{بلى وعدا عليه حقا} أي يلي ببعثهم الله، ومعنى حقا أي الوعد بالبعث واجب ~~الوفاء به في الحكمة، وهو مصدر مؤكد، أي وعد البعث وعدا حقا لا خلف فيه، ثم ~~قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنهم يبعثون. PageV18P123 # قال في (الكشاف): أو أنه وعد واجب على الله؛ لأنهم يقولون لا يجب على الله ~~شيء لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة، وقوله: {ليبين لهم} أي يلي ~~بعثهم ليبين لهم {الذي يختلفون فيه} وهم المؤمنون من أن البعث حق، ولا ~~معبود سوى الله، أو بعثنا في كل أمة رسولا ليبين لهم وليعلموا أنهم كانوا ~~على ضلالة {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} في قولهم لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء، وقوله فيما اقسموا فيه لا يبعث الله من يموت، ثم قال ~~تعالى[110]: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه} أي أردنا حدوثه {أن نقول له كن ~~فيكون} قوله تعالى قولنا مبتدأ، وأن نقول خبره، وكن فيكون من كان التامة ~~التي تعني الحدوث والوجود، أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له احدث ~~فيحدث عقيب ذلك من غير توقف. # فإن قيل: قوله كن إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال، وإن ms1473 كان خطابا مع ~~الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل، وهو محال؟ # فالجواب والله الموفق: إن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاناة، وخطاب مع ~~الخلق بما يفعلون ليس خطابا للمعدوم؛ لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على ~~كل حال على ما أراده من الإشراع، ولو أراد خلق الدنيا بما فيها من السماوات ~~والأرض في قدر لمحة البصر لقدر على ذلك، ولكن العباد خوطبوا بما يفعلون، ~~وأن مراد الا يمنع عليه وأن وجوده غير متوقف كوجود المأمور عند الأمر ~~المطاع إذا ورد على المأمور المطيع، ولا قول، ثم وإن كان الأمر كذلك فكيف ~~يمتنع عليه البعث وهو من شق المقدورات. PageV18P124 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على ~~إنكار البعث والقيامة، ذكر سبحانه هجرة المؤمنين عن تلك الديار والمساكن ~~وأخبر ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا والآخرة فقال: {والذين ~~هاجروا في الله} أي في حقه ولوجهه، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه {من بعد ما ظلموا} ظلمهم أهل مكة، ففروا بدينهم إلى الله إلى ~~الحبشة أو إلى المدينة، أو إلى مجموعهما، وقيل: هم المعذبون بمكة بعد هجرة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا كلما أخرجوا أتبعوهم فردوهم. # وقال في (البرهان): وهذه الآية نزلت في المهاجرين الذين عذبوا بمكة منهم ~~عمار بن ياسر، وصهيب، وخباب بن الأرت، وبلال، وسمية أم عمار، كانت قريش ~~تلبسهم أدراع الحديد، ويظهرونهم في الشمس، فبلغ الجهد ما شاء الله أن يبلغ ~~من حر الحديد والشمس، فلما كان ذات يوم جاءهم أبو جهل ومعه.........فجلس ~~يشتمهم ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعنها بالحربة فقتلها وهي أول شهيد استشهد في ~~الإسلام، انتهى. # فبين تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة ومحل المهاجرين، والوجه منه ظاهر؛ ~~لأن سبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، ثم ~~أخبر عز وجل ما لهؤلاء المهاجرين فقال: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} وفيه وجوه: # الأول: أن قوله حسنة صفة المصدر من قولهم لنبوئنهم، والتقدير لنبوئنهم ms1474 ~~بتوبة حسنة، وفي قراءة علي عليه السلام لتبوئنهم ........... حسنة. # والثاني: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ~~ظلموا وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب. PageV18P125 # الثالث: لنبوئنهم مباة حسنة وهي المدينة حيث أواهم أهلها ونصروهم، وهذا قول ~~الحسن، وقتادة، والشعبي، والتقدير لنبوئنهم في الدنيا دار حسنة وبلدة حسنة ~~يعني المدينة، ثم قال تعالى: {ولاجر الآخرة أكبر} وأعظم وأشرف {لو كانوا ~~يعلمون} أي لو علم الكفار أن الله يجمع للمستضعين خير الدنيا والآخرة ~~لرغبوا في دينهم، أو علم المهاجرون ذلك لأزدادوا في صبرهم واجتهادهم، ثم ~~قال: {الذين صبروا} أي هم الذين صبروا على مفارقة الوطن الذي هو حرم الله ~~المحبب في كل قلب، فكيف بقلوب من هو مسقط رؤوسهم، وعلى العذاب والمجاهدة ~~لهؤلاء، وبذل الأرواح في سبيل الله تعالى، وهذا مدح لهم، ثم قال: {وعلى ~~ربهم يتوكلون} وهو الإنقطاع بالكلية عن الخلق، والتوجه بالكلية إليه تعالى، ~~ثم ذكر تعالى الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون[111] الله أعلا ~~وأجل أن يكون رسوله واحد من البشر، بل لو أراد بعثة رسول إلينا كان يبعث ~~ملكا، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله عز وجل: {وما أرسلنا من قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم}. # قال في (البرهان): وهذا خطاب لمشركي قريش أنه ما بعث رسولا إلا من رجال ~~الأمة، وأنه ما بعث إليهم ملكا أنثى، والمعنى عادة الله تعالى من أول زمان ~~الخلق والتكليف أنه لم يبعث إلا رسولا من البشر فهذه العادة مستمرة لله ~~تعالى، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك طعن قديم فلا يلتفت إليه، ~~ودلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النساء، ودلت أيضا على أنه تعالى ~~ما أرسل رسولا من الملائكة إلى الناس، ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} كعلمهم، أو بأن الرسل بشر لا ~~ملائكة. PageV18P126 # قال الإمام أبي الفتح عليه السلام في (البرهان): وأهل الذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم والأئمة من ولده، ms1475 المستحفظون لشريعته، العالمون بفرائض ~~الله وسنته، العارفون بأخبار القرون الماضية. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فاسألوا أهل الذكر، والذكر على وجوه شتى: # أحدهما: الرسول وذلك قول الله عز وجل: {قد أنزلنا إليكم ذكرا رسولا} وسمى ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا رسولا، ثم أمر بسؤال أهله وذريته فقال: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ومعنى إن كنتم فهو إذ كنتم فقامت إن ~~مقام أدوا قوله: {بالبينات والزبر} والبينات هي الدلائل النيرات الواضحات، ~~والزبر هي الكتب، انتهى. # قال في (الكشاف): وفي هذا يتعلق بوحي إليهم وما بينهما، فأصل أي يوحي ~~إليهم بالبينات والزبر، أو متعلق بأرسلنا داخلا تحت حكم الاستثناء مع ~~رجالا، أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، أو بأرسلنا مضمرا، كأنه قيل: ثم ~~ارسلوا فقلت بالبينات، انتهى. # واعلم أن للمفسرين في الآية أقوالا: فقيل المراد بأهل الذكر الكتاب عموما. # عن ابن عباس ومجاهد قالوا: وإن كانوا لا يقرون بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقيل: المراد العلماء بأخبار من سلف عموما من أهل التوراة ~~والإنجيل، والقرآن، وأهل التواريخ يخبرونكم أن الله تعالى ما بعث الأنبياء ~~إلا رجالا، وقيل: المراد بأهل الذكر أهل القرآن، والمراد السؤال عن صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أن الذي عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم أن المراد ~~سؤالهم، وأنهم أهل الذكر، والذكر الرسول أو القرآن، وهم أهل الرسول وتراجمة ~~القرآن. PageV18P127 # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده إلى الحارث قال: سألت عليا عليه ~~السلام في هذه الآية فاسألو أهل الذكر قال: والله إنا لنحن أهل الذكر عن ~~أهل العلم، ونحن معدن التأويل والتنزيل، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من ~~بابه)). # وروى أيضا بإسناده إلى جابر بن عبد الله، عن محمد بن علي قال: لما نزلت ~~هذه الآية: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} قال علي عليه السلام: ~~نحن أهل[112] الذكر الذين عنانا الله ms1476 جل وعلا في كتابه، وروى روايات أخرى ~~عن أبي جعفر أيضا مثل هذا، وسواء قال بعض العلماء من كبار متأخري أهل البيت ~~عليه السلام . # وأما كون المراد بأهل الذكر خصوص علماء أهل البيت أو عموم العلماء، فذلك ~~مرجوع به إلى النقل، وقد استفاض وكثر، واشتهر عن علي عليه السلام وعن ~~الباقر وغيرهما من كبار متأخري أهل البيت النقل على أن المراد بأهل الذكر ~~المذكورون في آي النحل هم علماء أهل البيت خصوصا، ولا بعد في ذلك ولا ~~منافاة لظاهر الآية، لما ذكرته أن المأمور بالسؤال هو من جهل عموما لظاهر ~~الآية، والمسؤل هو علماء أهل البيت خصوصا بالنقل عن علي عليه السلام وغيره ~~من كبار أهل البيت، وعلى هذا فيكون المراد بالذكر المذكور في الآية هو ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بدليل قوله تعالى: {قد أنزل الله إليكم ذكرا، رسولا} وكونه من أسمائه ظاهر ~~لا ينازعه فيه، والله أعلم. PageV18P128 # فإذا عرف كون الآية عامة مخصصة بقول المعصومين من أهل البيت مع قبولها لذلك ~~فذلك منا لا يستبعد في الشرع ولا يستغرب، والمراد بالبينات المذكورة وهي ~~الآيات الدالة على نبوة الأنبياء من المعجزات، وما يستشهد به ويدل به على ~~ذلك، والزبر الكتب المنزلة من عند الله على الأنبياء عليهم السلام ، فأمر ~~الله من جهل ذلك بسؤال من علمه من العلماء منهم عليهم السلام . # قلت: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، يزيده بيانا قول أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب عليه السلام في بعض وصاياه: أمركم أن تسألوا أهل الذكر ونحن أهل ~~الذكر، وأهل الذكر لا يدعي ذلك غيرنا إلا كاذب، يصدق ذلك قوله عز وجل: {قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا، رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور} ثم قالوا: {فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون} فنحن أهل الذكر فاقبلوا أمرنا وانتهوا إلى نهينا، فإنما ~~نحن الأبواب التي أمرتم بأن تأتوا البيوت من ms1477 أبوابها، فنحن والله أبواب تلك ~~البيوت ليس لغيرنا، ولا يقول أحد سوانا، انتهى. PageV18P129 # فإن ورد سؤال وهوا أن يقال: إذا كان المراد بأهل الذكر في هذه الآية أهل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل الذي ذكرتم فمن المأمور بالسؤال في ~~قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} هل المخاطب بذلك من كان منكرا لذلك وجاهلا ~~له في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون الخطاب خاصا لهم فقط، أو ~~المراد كل من جهل ذلك في كل وقت على معنى يا من جهل اسألوا أهل الذكر، فإذا ~~كان ذلك الخطاب خاصا بمن ذكر ممن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يكن الموجود في ذلك الزمان إلا عليا عليه السلام وحده، ومع هذا فليس من أهل ~~النبي إلا مجازا لما أدخله النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال: ((هؤلاء ~~أهل بتي....))الخبر، ولفظ الأهل اسم جمع وهو واحد، وأيضا إذا كان المأمور ~~سؤاله عليا عليه السلام وحده لعدم وجود غيره منهم في ذلك الزمن فمن أين ~~نعرف أن المراد بذلك عموم أهل البيت عليهم السلام ؟ فهذه الإشكالات على ~~الوجه الأول، وهو قصد للخصوص لمن في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر، ~~وإن كان الأمر بالسؤال على كل من جهل ذلك ممن سمعه ممن في زمن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبعده، ولا إشكال إلا في لفظ الأهل، إذ لا يستقيم أن ~~يراد به جميع أهل النبي، إذ ذلك[113] مستحيل أو متعذر، إذ قد كثروا متفرقين ~~في البلاد، وأقطار الأرض، وإن أريد به جماعة منهم معينة ولا دليل عليه في ~~الآية ولا في الدليل الذي ذكر. PageV18P130 # فالجواب والله الموفق: إن حل هذه الإشكالات مبني على مقدمة إذا عرفت لم يبق ~~شيء منها، وهي بيان ما المراد بذكر الأهل في الآية، هل الجميع أو جماعة ~~منهم معينة، أو غير معينة، أو من يحصل به إعلام السائل بما جهل، ولا يستقيم ~~أن يكون المراد بسؤال الجميع لما ذكره السائل من ms1478 التعذر أو الاستحالة وذلك ~~ظاهر، ولا سؤال جماعة معينة شخوصهم أو عددهم لعدم الدليل على ذلك كما ذكر ~~أيضا، فلم يبقى إلا أن المراد من الجاهل سؤال من يرشده إلى مطلوبه منهم، ~~فالمعنى اسألوا يا من جهل من يرشدكم إلى ما جلهتموه من أهل الذكر، وإذا كان ~~معنى الآية هكذا فمن جهل العلم أي زمان كان سأل من يرشده منهم ممن يلتفت ~~إليه من إمام أو عالم منهم، ممن يوثق بعلمه وأمانته وعدالته، فإذا عرف ذلك ~~فلا فرق بين أن يكون السائل والمسؤل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أو بعده، ويكون المسؤل في ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي ~~عليه السلام لعدم وجود غيره منهم، وهو عليه السلام من أهل البيت بنص النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وهو رئيسهم وكبيرهم، ولا يضر كونه من أهل بيت ~~البني صلى الله عليه وآله وسلم مجازا باعتبار اللغة، وبهذا التقدير تندفع ~~كل الإشكالات على جميع الإحتمالات، والله أعلم وأعز وأحكم، انتهى. PageV18P131 # ثم قال: {وأنزلنا إليك الذكر} أي القرآن {لتبين للناس ما نزل إليهم} في ~~الذكر من الحلال والحرام، والوعد والوعيد، ومن ذلك أن الأنبياء من قبلك لم ~~يكونوا إلا رجالا، وفيه تنبيه على أن المراد بأهل الذكر أهل العلم والقرآن، ~~وهم أهل البيت عليهم السلام كما تقدم، وقوله: {ولعلهم يتفكرون} أي لكي ~~يعتبروا ويصغوا إلى تنبيهاته فيتنبهوا، فإن قيل ظاهر هذا الكلام يقتضي أن ~~هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله، والمفتقر إلى البيان مجمل، وظاهر هذا ~~النص يقتضي أن القرآن كله مجمل، فلهذا المعنى قال بعضهم: متى وقع التعارض ~~بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر؛ لأن القرآن مجمل، والدليل عليه هذه ~~الآية، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية، والمبين مقدم على المجمل. # فالجواب وبالله التوفيق: إن القرآن منه محكم ومنه متشابه، والمحكم يجب ~~كونه مبينا، فثبت أن القرآن ليس مجملا، بل فيه ما يكون مجملا، فقوله لتبين ~~للناس ما نزل إليهم محمول على ms1479 تلك المجملات، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {أفأمن الذين مكروا السيئات} المكر في اللغة عبارة عن ~~السعي بالفساد على سبيل الإخفاء، ولابد هاهنا من إضمار، والتقدير المنكرات ~~السيئات، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة، وما مكروا به رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وسعيهم في إيذائه وأصحابه على سبيل الخفية، ثم إنه ~~تعالى أمنهم من العذاب، وذكر تهديدهم أمورا أربعة: # الأول: {أن يخسف الله بهم الأرض} أي: يغيبهم تحتها، كما خسف بقارون. # والثاني: قوله تعالى: {أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} على غرة، ~~والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفاجئهم فيهلكهم بغتة، كما فعل ~~بقوم لوط. PageV18P132 # والثالث: قوله: {أو يأخذهم في تقلبهم} أي متقلبين في مسائرهم ومتاجرهم ~~وأسباب دنياهم {فما هم بمعجزين} أي فائتين، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في ~~السفر، كما أنه قارد على إهلاكهم[114] في الحضر، وهم لا يعجزون الله بسبب ~~ضربهم في البلاد البعيدة، بل يدركهم الله حيث كانوا. # والرابع من الأشياء التي ذكر الله تعالى في هذه الأشياء على سبيل التهديد ~~قوله: {أو يأخذهم على تخوف} هذا خلاف قوله من حيث لا يشعرون، وفي تفسير ~~الخوف قولان بفعل من الخوف، فقال خفت الشيء وخوفته، والمعنى أنه تعالى لا ~~يأخذهم بالعذاب أولا بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده، فيأخذهم وهم متوقعون ~~الأخذ، وهذا قول الحسن والضحاك. # والثاني: أن التخوف التنقص. # قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشمس وتخوفته إذا تنقصته. # وعن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ فسكتوا، فقام شيخ ~~من هذيل فقال: هذه.........التخوف والتنقص، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في ~~أشعارها؟ قال نعم: وأنشد: # تخوف الرجل منها ناسكا فردا # كما تخوف عود ال...............السفن PageV18P133 قال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم، قالوا: وما ديواننا؟ قال شعر الجاهلية ~~يفسر كتابكم، إذا عرفت هذا فالتنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في ~~أطراف بلادهم كما قال تعالى: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} ~~والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب، ms1480 ولكن ينتقص أموالهم في أنفسهم قليلا ~~قليلا حتى يأتي الفناء على الكل، فهذا تفسير الأمور الأربعة، والحاصل أنه ~~تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض، أو بعذاب ينزل من السماء، بآفات تحدث دفعة ~~واحدة، حال ما لم يكونوا عالمين معلوماتها ودلائلها، أو بآفات تحدث قليلا ~~قليلا إلا أن يأتي الهلاك على آخرهم، ثم ختم الآية بقوله عز وجل: {فإن ربكم ~~لرءوف رحيم} حيث لم يعاجلكم مع الاستحقاق بل يمهل في أكثر الأمر؛ لأنه رؤف ~~رحيم، ولا يعاجل بالعذاب. # واعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب ~~أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي، ~~وتدبير أحوال الأوراح والأجسام ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة ~~والقوة الغير المتناهية، لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم، على أحد تلك ~~الأقسام الأربعة، فقال عز وجل: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} له حرم ~~وضل من جبل ونحوه {يتفيأ} أي يرجع {ظلاله} يعني يدور ويتحول من جانب إلى ~~جانب، والرؤية هاهنا بمعنى النظر، وصلت بإلى؛ لأن المراد به الاعتبار، ~~والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله، ~~وقوله: {عن اليمين والشمائل} جمع شمال، أي في أول النهار عن اليمين وفي ~~آخره عن الشمال إذا كنت متوجها إلى القبلة، ولكل جسم ضل لازم لا يقدر على ~~الامتناع، فإن قال قائل: ما السبب في ذكر اليمين بلفظ الواحد والشمائل ~~بصيغة الجمع؟ # قلنا: قد أجيب عنه بأشياء: PageV18P134 # أحدها: أنه وحد اليمين والمراد الجمع، ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد، ~~فقوله تعالى: {ويولون الدبر}. # وثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الأظلال، وإذا ~~جمع ذهب إلى كلها، وذلك أن قوله ما خلق الله من شيء لفظة واحدة ومعناه ~~الجمع على ما بيتاه فيحتمل الأمرين. # وثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغة جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد، كقوله ~~تعالى: {وجعل الظلمات والنور} وقوله: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم}. # وأما ms1481 الشمائل فهي عبارة عن الإنحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها ~~على الأرض، ولذلك عبر الله عنها بصيغة الجمع، والله أعلم[115]. # أما قوله تعالى: {سجدا} ففيه احتمالات أن يكون المراد من السجود ~~الاستسلام والانقياد، يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركض، وسجدة النخل ~~إذا مالت لكثرة الحمل مثل ميلانها بسجودها، ويقال: أسجد لقرد السوء في ~~زمانه، قال الشاعر: # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # أي متواضعة، وقوله: {وهم داخرون} جملة خالية من الضمير في ظلاله؛ لأنه في ~~الجمع وهو ما خلق من كل شيء، والمعنى صاغرون منقادون لما يراد منهم. # قال ذو الرمة: # فلم يبقى إلا داخر في محتبس PageV18P135 وجمع بالواو والنون؛ لأن الدخور من أوصاف العقلاء أو لأن في السجدة من يعقل ~~فغلب، وذكر الأيمان والشمائل إستعارة من يمين الإنسان وشماله، والإحرام ~~أيضا داخلة، وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي عليه السلام: هذا الإخبار من ~~الله سبحانه على عظيم الآية الدخول، وكثير دلائله التي أنزل في الظلال، من ~~تفيئها بالغدوا والآصال ينقلب بقدرة الله، وبما جعل من مسير الشمس في فلكها ~~وتقلبها بقدرة الله في جوزها، ومعنى سجدا فهو سجدا لمن اعتبر به، وقد تقدم ~~شرح السجود في سورة البقرة، ومعنى داخرون فهو صاغرون لما في الذي أسجدهم من ~~الحجج لله والدلائل عليه، لا يجدون بدا من الإقرار به، والمعرفة له، انتهى. # قال تعالى: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} السجود هو ~~الذل والاستعباد، والإمكان لله والإنقياد. # واعلم أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، ~~وسجود هو عبارة عن الإنقياد لله تعالى والخشوع. # قال في (البرهان): والمعنى أن سجوده ظهور ما فيه من قدرة الله عز وجل ~~التي توجب على العباد السجود لها، انتهى. # وإنما اختار ما على من ينعم من يعقل ومن لا. # قال الرازي: من الناس من قال المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود ~~بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس ~~إلا هذا السجود، ومنهم ms1482 من قال المراد بالسجود هنا المعنى الأول؛ لأن اللائق ~~بالملائكة هو السجود بهذا المعنى؛ لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل ~~الحيوانات والنبات والجمادات، ومنهم قال السجود لفظ مشترك بين المعنيين، ~~وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع الملائكة، بمعنى سجود المسلمين لله تعالى. # قال: وهذا القول ضعيف؛ لأنه ثبت أن إستعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع ~~مفهوماته معا غير جائز، انتهى. # والحق أنه يجوز أن يعبر بالكلمة الواحدة، ويراد بها الحقيقة والمجاز ~~كالاستخدام في قوله: PageV18P136 # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعينا وإن كون غضابا # أما قوله: {والملائكة وهم لا يستكبرون} عن عبادته فأفردهم تخصيصا لشرفهم ~~إذ هم أطوع الخلق لخالقهم، وقيل: لخروجهم بما ندب لكونهم ذوي أجنحة تخصيصا، ~~والمقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة، وهي دلالة قاطعة قاهرة على عصمة ~~الملائكة عن جميع الذنوب، ثم أكد نفي الاستكبار عنهم بالخوف منهم فقال: ~~{يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} دلالة على أنهم مكلفون وأنهم بين ~~الخوف والرجاء، ومعنى من فوقهم أي يخافون قوة الله الذي هو أعلا في القوة ~~والقدرة منهم، إن علق بربهم وهو القاهر فوق عباده، أو يخافون أن ينزل عليهم ~~عذابا من فوقهم إن علق يخافون، وقد أحسن بعضهم إذ قال: وإذا بينت هذه الآية ~~كون الملائكة عليهم السلام معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما ~~كان[116] معصوما من الذنوب بل كان كان كافرا لزم القطع بأن إبليس ما كان من ~~الملائكة. # والوجه الثاني في بيان المقصود وأنه تعالى قال في صفة الملائكة: {لا ~~يستكبرون} وثبت أن إبليس تكبر واستكبر، فوجب أن لا يكون من الملائكة، وأيضا ~~لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها ~~في حق هاروت وماروت كلام باطل، ولما شهد الله في هذه الآية على عصمة ~~الملائكة وبراءتهم من كل ذنب وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة بالكلية، ~~كما سيأتي تحقيق بطلان ذلك إن شاء الله تعالى. PageV18P137 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن كل ما سوى الله فهو ms1483 منقاد خاضع لجلال الله ~~وكبريائه أتبعه بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو مالكه وملكه ~~وأنه عني عن الكل فقال عز وجل: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين} فإن قال: ~~كيف قال اثنين وقد قال إلهين فقد أجيب عنه بوجوه أحسنها أن المقصود من ~~تكرير التنبيه تأكيد التنفير عن إتخاذ إلهين، وتكميل وقوف العمل على ما فيه ~~من القبح، وذلك أن الشيء إذا كان مستنكرا مستقبحا من أراد المبالغة في ~~التنفير عنه عبر عنه بعبارة كثيرة؛ ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف ~~العقل على ما فيه من القبح، فالقول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول، ~~ولهذا المعنى فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب ~~والقدم، وصفات الكمال، فقوله: {لا تتخذوا إلهين اثنين} المقصود منه التنبيه ~~على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الإثنينية، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: {إنما هو إله واحد} والمعنى أنه ~~لما دلت الدلائل على أنه لابد للعالم من الإله، وثبت أن القول في وجود ~~الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد، الحق الصمد، ثم قال بعده: ~~{فإياي فارهبون} وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور والتفات منها إلى التكلم؛ ~~لأنه أبلغ في الترهيب من قوله وإياه، وفيه فائدة أخرى وهي أن قوله وإياي ~~فارهبون يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، ولا يرغبوا إلا في فضله ~~وإحسانه، ثم قال بعده: {وله ما في السماوات والأرض} خلقا وملكا، ثم قال ~~بعده: {وله الدين واصبا} الدين هاهنا الطاعة، والواصب الدائم، يقال وصب ~~الشيء نصب وصوبا إذا دام، قال تعالى: {ولهم عذاب واصب} والواصب الواجب ~~الثابت؛ لأن كل نعمة منه، فالطاعة واجبة له تعالى على كل منعم عليه. PageV18P138 # قال في (البرهان): والدين الطاعة والإخلاص، واصبا أي واجبا حالا يدوم ولا ~~يزول، قال الدؤلي: # لا ينتفي الحمد القليل بقاؤه # يوما يدوم الدهر أجمع واصبا # انتهى. # أو معنى قوله واصبا متعبا منصبا فيكون من الوصب، أي وله ms1484 الدين ذا كلفة ~~ومشقة، ولذلك سمي تكليفا، وقوله: واصبا حال والعامل فيه ما في الظرف من ~~معنى الفعل، قال تعالى على سبيل التعجب: {أفغير الله تتقون} أي أفغير ~~الموصوف بهذه الأوصاف تخصونه بالتقوى والعبادة، ثم قال: {وما بكم من نعمة ~~فمن الله}. # أعلم أنه لما بين بالآية الأولى أن الواجب على العاقل ألا يتقي غير الله ~~بين في هذه الآية أنه يجب ألا يشكر أحدا إلا الله؛ لأن الشكر إنما يلزم على ~~النعمة، وكل نعمة حصلت لإنسان فهي من الله تعالى، لقوله: {وما بكم من نعمة ~~فمن الله} ثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحدا إلا ~~الله، وأن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى، ثم قال عز وجل: {ثم إذا مسكم الضر} ~~والضر كل ما ستضر به من قحط أو مرض، أو فقر وأسقام {فإليه تجأرون} أي[117] ~~ترفعون أصواتكم بالاستعانة، وتتضرعون إليه بالدعاء لا تقولون على غيره، ~~واشتقاقه من جؤار الثور وهو صياحه، يقال جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد ~~كصوت البقرة، قال الأعشى يصف راهبا: # براوح من صلوات المليك طورا ... سجودا وطورا جؤارا PageV18P139 والمعنى أنه تعالى أخبر أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد ~~مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله جأر، أي لا يستغيث أحدا إلا ~~الله تعالى، لعلمه أنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين ~~أنتم عن هذه الطريقة حال الرخاء والسلامة، ثم قال بعده: {ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} عقيب كشف الضر بغير فاصل، فيضعون ~~المبادرة بالكفر موضع المبادرة بالشكر، ثم قال تعالى: {ليكفروا بما ~~آتيناهم} من نعمة الكشف، كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز ~~أن يكون ليكفروا{فتمتعوا} من الأمر الوارد في معنى الخذلان والتخلية، ~~واللام لام الأمر، أي فتمتعوا بمنافع دنياكم الفانية {فسوف تعلمون} سوء ~~عاقبة ما أنتم عليه، فتوعدهم عز وجل بقوله: فتمتعوا وهو لفظ أمر، والمراد ~~منه التهديد كقوله: {فمن شاء ms1485 فليؤمن ومن شاء فليكفر}. # قال الرازي في تفسيره: وفي اليوم الذي أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول ~~من محرم سنة اثنين وتسمائة حصلت زلزلة شديدة وهدة عظيمة وقت الصبح، ورأيت ~~الناس يضجون بالدعاء والتضرع، فلما سكنت وطاب الهواء، وحسن الوقت نسوا في ~~الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من أنواع السفاهة والجهالة، ~~وكأن هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة ~~اللازمة للإنسان، انتهى. PageV18P140 # واعلم أنه تعالى لما بين الدلائل الباهرة وفساد أقوال أهل الشرك، شرح ~~تفاصيل أحوالهم، وبين فسادها وسخافتها، فالنوع الأول من كلماتهم الفاسدة، ~~قوله جل جلاله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا} أي آلهتهم التي لا تعلم بما ~~جعلوا بها تقربا بزعمهم، أو الذي لا يعلم هم الجاهلون حيث سمونها آلهة، وهي ~~لا تضر ولا تنفع، والمعنى أنهم يجعلون لما لا يعلمون له حقا، ولا يعلمون في ~~طاعته نفعا، ولا في الإعراض عنه ضرر. # قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وبنفعهم، ثم يجعلون لما لا ~~يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم {نصيبا مما رزقناهم} من أنعامهم زروعهم تقربا ~~إليها، {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} الآية، ويحتمل أن ~~المراد من هذا النصيب البحيرة السائبة، والوصيلة والحام، كما حكى الله عنهم ~~ذلك في سورة الأنعام. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: {تالله لتسألن عما ~~كنتم تفترون} أنها آلهة وأهل للتقرب، وأن الله أمركم بذلك، وهذا في هؤلاء ~~الأقوام خاصة بمنزلة قوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون} ~~فأقسم الله بنفسه أن يسألهم، وهذا تهديد منه شديد؛ لأن المراد أنه سألهم ~~سؤال توبيخ وتهديد، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: # الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، ~~وقيل: عند عذاب القبر. # والثاني: أنه يقع ذلك السؤال في الآخرة وهذا أولى؛ لأنه تعالى قد أخبر ~~بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المساءلة فهو إلى الوعيد أقرب. PageV18P141 # النوع الثاني من كلماتهم الفاسدة قوله سبحانه: {ويجعلون لله ms1486 البنات} ونظيره ~~قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} كانت خزاعة ~~وكنانة تقول: الملائكة بنات الله، ولما حكى الله عنهم هذا القول، قال عز ~~وجل: {سبحانه} وفيه وجوه: # الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه. # والثاني: تعجيب أطلق[118] [نقص من 119إلى 120 في الأصل] يعني قطعا أن لهم ~~النار، وحقا أنهم يعذبون بها {وأنهم مفرطون} أي يعذبون إلى النار، ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا فرطكم على الحوض)) أي يتقدمكم، قال ~~النظامي: # يستعجلون وكانوا من صحائبنا # كما يعجل فراط لوراده # وقرئ بكسر الراء، وتخفيفها، ومعناه مسرفون في الذنوب من الإفراط فيها، ~~وقرئ بكسر الراء وتشديدها، ومعناه من التفريط في الواجب ذكر هذا في ~~(البرهان). # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لا جرم أي لا شيء ألزم من أن ~~لهم النار وأنهم مسرفون، والإفراط هو السرف والمجاوزة للحد، والترفع على ~~سبيل القصد والتفريط في اللغة هو معنى ثان غير الإفراط وهو التواني، فافهم ~~الفرق بينهما. # قال الرازي: وأما قراءة مفرطون بفتح الراء ففيه قولان: # الأول: أنهم متركون في النار. # قال الكسائي: يقال ما أفرطت من القوم أحدا أي ما تركت. # وقال الفراء: تقول العرب أفرطت منهم بأسا أي خلقهم وهيئهم. # والقول الثاني: مفرطون أي يعجلون. PageV18P142 # قال الواحدي: وهو الإحسار، ووجه ما قال أبو زيد وغيره فرط الرجل أصحابه ~~يفرطهم فرطا وفروطا أي يقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء، وأفرط النوم الفارط، ~~وفرطوه إذا قدموه، فمعنى قوله مفرطون على هذا التقدير، كأنهم قد قدموا إلى ~~النار وهم فيها فرط الذين يدخلون بعدهم، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع ~~الذي صدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء ~~المتقدمين عليهم السلام فقال سبحانه: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم} أعمالهم الخبيثة من الكفر والتكذيب، وهذا تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما كان يناله منهم من الغم بسبب جهالات ~~القوم بأنه قد فعل ms1487 بمن قبله من الرسل كما فعلت معه قريش، ثم قال تعالى: ~~{فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم} أي مؤلم، وفيه احتمالان: # الأول: أن المراد منه كفار مكة، يقول: الشيطان اليوم وليهم متولي ~~إغواءهم، وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك، فيكون حكاية للحال الماضية ~~التي زين فيها، أو جعل اليوم عبارة زمان الدنيا، كأن الدنيا والآخرة ~~نهاران. PageV18P143 # والثاني: أنه أراد اليوم يوم القيامة، يقول: فهو ولي أولئك الذين زين لهم ~~أعمالهم يوم القيامة، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم، ~~والمقصود من قوله: فهو وليهم اليوم هو أنه قرينهم وبئس القرين، أو ناصرهم ~~ولا ناصر لهم سواه نفيا للناصر على أبلغ الوجوه، وذلك لأنهم إذا عاينوا ~~العذاب، وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم، ورأوا أنه لا مخلص لهم منه، جاز أن ~~يوبخوا بأن يقال لهم هذا وليكم ، وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم، ورأوا أنه ~~لا مخلص له منه كما لا مخلص لهم منه، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم هذا وليكم ~~اليوم على وجه السخرية، ثم ذكر تعالى إن مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الله ~~الحجة وأزاغ العلة، فقال: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه} من البعث وتوابعه؛ لتقوم عليهم الحجة ببيانك، وكان منهم من ~~يؤمن به كعبد المطلب وبأشياء من التحليل والتحريم، والإقرار والإنكار، ثم ~~قال: {وهدى ورحمة} أي وللهداية والرحمة {لقوم يؤمنون} أي يصدقون. # قال في (الكشاف): قوله هدا ورحمة معطوفان على محل قوله لتبين لهم، إلا ~~أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما؛ لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب، ودخل ~~اللام في قوله لتبين؛ لأنه فعل المحاطب لا فعل المنزل، وإنما ينتصب[121] ~~مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل، وإنما خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم قبلوه ~~فانتفعوا به كما في قوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} لأنه إنما ينتفع ~~بإنذاره هذا اليوم فقط، ثم يرجع إلى تقرير دلائل الإله الحق فقال تعالى: ~~{والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها}. PageV18P144 # اعلم أن ms1488 المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول، وهي الإلهيات ~~والنبوات والمعاد، والمقصود الأعظم من هذه الأصول تقرير الإلهيات، فلهذا ~~السبب كلما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات، فهنا في ~~هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات، قال تعالى: {والله أنزل من ~~السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها} والمعنى أحياها بعد موتها بالجدب، ~~بما يقع فيها من الخصب والنبات بعد الجدب، ويصير ذلك الماء سببا لحياة ~~الأرض، ثم قال: {إن في ذلك لاية} وعبرة {لقوم يسمعون} سماع تدبر وإنصاف؛ ~~لأن من لم يبسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع. # والنوع الثاني من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب أحوال ~~الحيوانات وهو قوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة} أي دلالة على قدرة الله ~~ووحدانيته، كأنه قيل: كيف العبرة، فقال: {نسقيكم مما في بطونه} يعني ~~الأنعام؛ لأن لفظه مفرد، ومعناه الجمع وهو جمع نعم، لكن جمع التكسير يشبه ~~المفرد. # اعلم أنه يجوز في الأنعام وجهين: # أحدهما: أن يكون تكسير نعم كأحبال، وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى ~~الجمع كنعم، ثم قال: {من بين فرث ودم} لأنه متوسط بينهما، ولا حاجز بينه ~~وبينها إلا قدرة الله تعالى، قيل: إذا أكلت البهيمة العلف، واستقر في كرشها ~~طحنته، وكان أسفله فرثا ووسطه لبنا وأعلاه دما، والكبد مسلطة على هذه ~~الثلاثة تقسمها فيجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في ~~الكرش كما هو، فذاك هو قوله تعالى: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} من لونهما ~~وريحهما، فلا يشوبه الدم ولا الفرث، بل هو خالص من ذلك كله، فسبحان من عظمت ~~قدرته ودقت حكمته، روى هذا الكلبي عن ابن صالح، عن ابن عباس، ومعنى {سائغا ~~للشاربين} أي سهل المرور في الحلق، ويقال لم يغص أحدا باللبن قط. PageV18P145 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: في هذا الآية: الفرث هو غذاء الأنعام ~~إذا حصل في بطونها وهو خبث لا منفعة فيه، إذا خرج عند ذبح الأنعام فأراد ~~الله عز وجل أن يعجب ms1489 خلقه من خروج اللبن السائغ الطيب من بين الدم والفرث ~~الخبيثين الذين لا منفعة فيهما لأحد من الناس أجمعين، لما في ذلك من حكمته ~~عند المتوسمين الحكماء، أهل التمييز المفكرين، والفرث هو غذاء الأنعام كما ~~ذكرنا، قال الشاعر في مثل ذلك: # ترك خوارها يعوي عليها # لدى فرث................ # قال في (الكشاف): الفرق بين من الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض؛ لأن ~~اللبن بعض ما في بطونها، كقولك: أخذت من مال زيد ثوبا، والثانية لابتداء ~~الغاية؛ لأن بين الفرث والدم مكان الاستسقاء الذي منه يبتدي فهو صلة ~~ليسقيكم كقوله: سقيته من الحوض، ويجوز أن يكون حالا من قوله لنا مقدما ~~عليه، فيتعلق المحذوف أي كائنا من بين فرث ودم، ألا تر أنه لو تأخر فقيل ~~لبنا من بين فرث ودم كان صفة له، وإنما قدم؛ لأنه موضع العبرة فهو من ~~التقديم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوان ذكر بعد ذلك بعض منافع النبات ~~فقال: {ومن ثمرات [122] النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} ~~فالرزق الحسن ما حل من ثمرته من الخل والرب والتمر والزبيب وغيرهما. # أما السكر فهو الخمر، سميت بالمصدر من سكر أو سكرا نحو رشد رشدا ورشدا، ~~وقوله: {ومن ثمرات النخيل والأعناب} متعلق بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب أي من عصيرها، وحذف لدلالة نسقيكم............ # قال في (الكشاف): ويجوز أن يكون تتخذون صفة لموصوف محذوف تقديره ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب ثم تتخذون منه، ويجوز أن يتعلق ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب تتخذون، ومنه من تكرير الظرف للتأكيد كقولك زيد في النار فيها. PageV18P146 # فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله تعالى في معرض الأنعام؟ قالوا في ~~الجواب عنه: إن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكان ~~نزول هذه الآية في الوقت التي كانت الخمر غير محرمة. # قلت: وهذا ضعيف لعدم الدليل على حلها كما زعموا، فلا حاجة إلى إلتزام هذا ~~النسخ، وإنما هذا جمع بين العتاب بإتخاذ السكر وهو المسكر، وتذكير لمن عقل ~~منهم بالرزق الحسن وهو ms1490 الحلال؛ ليشكروا على ذلك المنعم ذا الجلال حتى ~~يزيدهم على الشكر من الإفضال، فأما هو فغني عن شكرهم في جميع الأحوال، غير ~~محتاج إلى فعل من الأفعال، ولا مفتقر إلى شيء من الفعل والمقال. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام في تفسيره لهذه الآية ما لفظه: هذا ~~إخبار من الله تعالى بما رزقهم من ثمرات الأشجار التي يتخذون منها الأرزاق، ~~ويدخرونها من التمر الزبيب، وغير ذلك من الحبوب، التي هي معيشة لهم وحياة، ~~ويتخذون أيضا السكر الذي نهاهم الله عنه وحرمه عليهم، فوقفهم هاهنا في هذه ~~الآية على كفر من فعل ذلك لنعمه، إذ صرف أرزاقه في السكر الذي حرمه، ثم ~~قال: {إن في ذلك لاية لقوم يعقلون} فأخبر أن فيما فعل وفعلوا من حسن رزقه ~~وجميل فعله بهم وإتخاذهم له سكرا، وصرفهم عن الطاعة إلى المعصية لآية لقوم ~~يعقلون، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر بهذه الوجوه التي هي دلائل من وجه وتقديد للنعم ~~العظيمة من وجه آخر، قال: إن في ذلك لآية لقوم يعقلون، والمعنى أن من كان ~~عاقلا علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، فيحتج ~~بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم، والله أعلم. PageV18P147 # ثم قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ~~ومما يعرشون} أعلم أنه تعالى لما بين أن في إخراج الألبان من النعم، وإخراج ~~السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة، وبينات باهرة، ~~على أن لهذا العالم إلها قادرا، مختارا حكيما، فكذلك في إخراج العسل من ~~النحل دليل قاطع، وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود. # فإن قيل: كيف أوحى الله عز وجل إلى النحل وهي مما لا عقل لها ولا تمييز؟ # قلنا: المراد بالوحي هاهنا الإلهام، وهو أحد وجوهه التي تطلق عليها، ~~وكذلك قال الهادي عليه السلام الوحي يخرج على وجوه أربعة فيهن، وحي إلهام ~~وإلقاء في القلوب من ذي الجلال والإكرام، مثل ما ذكرنا عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه ms1491 سأل جبريل الروح الأمين فقال له: ((كيف تأخذ الوحي من ~~رب العالمين؟ فقال: آخذه من إسرافيل، قال: كيف[123] إسرافيل؟ قال: يأخذه من ~~ملك فوقه، فقال: كيف يأخذه الملك؟ قال: يلقى في قلبه إلقاء ويلهمه إلهاما)) ~~وعلى ذلك يخرج معنى الوحي إلى النحل، ذكر أنه ألقاه إليها. # والوجه الثاني: وحيه إلى أنبيائه المصطفين بالمشافهة والمكالمة لهم من ~~الملائكة المقربين، وذلك قوله: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} إلى ~~قوله: {داوود زبورا}. # والوجه الثالث: فهو الفعل والتقدير للإصلاح والتدبير، وذلك قوله سبحانه: ~~{فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها} إلى آخر الآية. PageV18P148 # والوجه الرابع: فوحي الله عز وجل مما ير الأنبياء عليهم السلام في منامهم، ~~من ذلك قول إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما السلام: {يابني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك} فكان في ذلك وحي من الله وأمر، والدليل على ذلك قول إسماعيل: ~~{ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فدل بذلك على أنه وحي ~~من الله وأمر، وما روي وقيل في وحي الله إلى أم موسى أنه كان في المنام ~~أريته، فإن يكن ذلك كذلك فهو داخل في ذلك، وإن لم يكن ذلك كان من الله ~~سبحانه إلهاما ألهمها إياه، فذلك ما لا يشك فيه؛ لأن الله على كل شيء قدير، ~~ولا أحسب والله أعلم إلا أنه كان وحيا في منامها؛ لأنه عز وجل يقول: {يأخذه ~~عدو لي وعدو له} وهذا القول فلا يكون إلهاما؛ لأنه خبر وقصص وقول، وإنما ~~يلهم من الأشياء ما كان فعلا يدرك بالعقول، وتمييز المعقول، انتهى. # فقوله: وأوحى ربك إلى النحل، فقال: وحى وأوحى وهو الإلهام. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه ألهم النحل وأمرها ودلها، ~~والنحل فهي النوب في لغة اليمن، وهي دواب تمني العسل من بطونها. # قال بعض العلماء: والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه ~~الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وبيانه من وجوه: # الأول: أنها تبني البيوت المسدسة لا يزيد بعضها ms1492 على بعض لمجرد طباعها، ~~والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت، إلا سوى المسدسات فإنه ~~يبقى بالضرورة فيما بين تلك فرج خالية.........، أما إذا كانت تلك البيوت ~~مسدسة فإنه لا يبقى فيما بينها فرج......، فأهدى ذلك الحيوان الضعيف إلى ~~هذه الحكمة الخفية، والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. PageV18P149 # والثالث: أن النحل يحصل فيما بينها واحد كالرئيس للبقية، وذلك الواحد يكون ~~أعظم جثة من الباقي، ويكون نافذ الحكم على تلك البقية، وهم يخدمونه ~~ويحملونه عند الطيران، وذلك أيضا من الأعاجيب، فلما أمتاز هذا الحيوان بهذه ~~الخواص العجيبة الدالة على مزية الذكاء والكياسة، وكان حصول هذه الأنواع من ~~الكياسة ليس إلا على سبيل الإنعام وهو حالة شبيهة بالوحي، ولا جرم قال ~~تعالى في حقها: {وأوحى ربك إلى النحل} أي ألهمها وفطن قلبها. # وفي (الكشاف): أن اتخذي فهي أن المفسرة لأن الإيحاء فيه، معنى القول ~~والمعنى اتخذي بيوتا لك من بعض الجبال وبعض الشجر، وذلك في التي تكون غير ~~مملوكة، بل وحشية في الجبال والشجر، ومعنى مما يعرشون أي الناس أي يبنون ~~ويسقفون، وإن كانت مملوكة أهلية، ولولا إلهام الله لها لما كانت تأوي إلى ~~ما يبني الناس لها ولا إلى الجبال والشجر، فكان العسل لا يجتمع. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى مما يعرشون أي مما يثبتون ~~ويعمدون من المساكن والأشجار التي يعمرون، والعروش قد يكون من البيوت، وقد ~~يكون من الأعناب والأشجار، قال الشاعر[124]: # كما سل من تحت العروش الدعائم # ثم قال تعالى: {ثم كلي من كل الثمرات} التي تشتهيها أو تعتاديها، فإذا ~~أكلتها {فاسلكي سبل ربك ذللا} أي فادخلي طرق ربك ذللا، أي منقادة غير عاصية ~~له فيما أراد عز وجل، والعرب تقول للنفير ذلول......... وانقاد قال: # ذلولا ولم يركبه أدبر غاربه PageV18P150 والمعنى أمضي طرقه التي أفهمك في عمل العسل، أو ارجعي إلى بيوتك إذا أكلت ~~من المواضع البعيدة، لا تتوغر عليك طرق الرجوع ولا تضلين فيها، فربما أحدب ~~عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب......، أو ms1493 فاسلكي ما أكلت ~~في سبل ربك أي في مسالكه التي...... فيها بقدرته العسل الثمر المر عسلا في ~~أجوافك، وقوله ذللا جمع ذلول وهي حال من السبل؛ لأن الله ذللها لها ووطاها ~~وسهلها، كقوله: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} أو من الضمير في اسكلي أي ~~وأنت ذلل منقادة لما أمرت به غير ممتنعة. # أما قوله تعالى: {يخرج من بطونها} فهو رجوع من الخطاب إلى الغيبة، فكأنه ~~تعالى لما خاطب النحل بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال: إنا ألهمنا هذا ~~النحل لهذه العجائب لأجل أن يخرج من بطونها {شراب مختلف ألوانه} أبيض وأصفر ~~وأحمر وأسود تشربه من كل الثمرات فيكون مختلفا في الألوان والحالات. # اعلم أنه تعالى وصف العسل بهذه الصفات الثلاثة الأولى كونه شرابا، والأمر ~~كذلك لأنه تارة يشرب وحده وتارة تتخذ منه الأشربة. # والثانية: قوله مختلف ألوانه، ونظيره قوله تعالى: {ومن الجبال جدد بيض ~~وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} والمقصود منه إبطال القول بالطبع؛ لأن هذا ~~الجسم مع كونه متشابه الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة دل ذلك على أن حدوث ~~تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار، لا لأجل إيجاب الطبيعة. # والصفة الثالثة: قوله: {فيه شفاء للناس} أي دواء للناس من الجوع والبرد ~~والبلغم وغير ذلك من الأدواء التي تعلم أو لا تعلم، وقل ما يوجد معجون من ~~الأدوية لم يذكر فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض لما يليق به ~~كسائر الأدوية. PageV18P151 # وعن ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم ~~بالشفائين القرآن والعسل، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {إن في ذلك لاية ~~لقوم يتفكرون} أي إن في ذلك الإيحاء إلى النحل وإلهامها وتعليهما على وجه ~~لا سبيل لأحد الوقوف عليه في صنعتها ولطفها، وتدبير أمرها،...... فيما ~~يصلحها لآية للمتفكرين؛ لأن في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة، والمعارف ~~الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرنا أمور عجيبة دالة ~~على أن إله العالم بين ترتيبه ونظامه على رعاية الحكمة والمصلحة، والله ms1494 اعلم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر عجائب أحوال الحيوانات ذكر بعده بعض عجائب أحوال ~~الناس فقال عز وجل: {والله خلقكم} أي أوجدكم ولم تكونوا شيئا {ثم يتوفاكم} ~~عند إنقضاء آجالكم فمنكم من لا يبلغ أرذل العمر، وهو الأكبر {ومنكم من يرد} ~~أي يبقيه{إلى أرذل العمر} أي يرد إلى المشيخ الذي هو أرذل عمر الإنسان ~~وأنقص وأحسر ما يكون عليه في الزمان، وهو خمس وسبعون سنة عن علي عليه ~~السلام ، وتسعون عن قتادة؛ لأنه لا عمر أسوء حالا من عمر الهرم، ومعنى قوله ~~تعالى: {لكي لا يعلم بعد علم شيئا} أي لا يعلم بعد علمه شيئا عند الهرم؛ ~~لأن الله عز وجل أهرمه، وأذهب بالكبر والهرم عقله وعلمه، فنسبه إلى حال ~~الطفولية في النسيان[125] يعلم الشيء ثم يسرع في نسيانه، فلا يعلمه إن سئل ~~عنه، ثم قال: {إن الله عليم قدير} أي عليم بكل معلوم، ومن ذلك علمه بتحديد ~~آجالكم، ومن يبلغ أرذل العمر ومن لا، قدير على ما يريده، ومنه توفي بعضكم ~~قبل أرذل العمر ورد بعضكم إليه، كما قدر على إيجادكم من العدم، ثم قال ~~تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}. PageV18P152 # اعلم أن هذا اعتبار حال آخر من أحوال الإنسان، وذلك لأنا نرى أكيس الناس ~~وأكثرهم عقلا يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ~~ونرى أجهل الناس وأقلهم عقلا وفهما تتفتح عليه أبواب الدنيا وكل شيء خطر ~~بباله، ودان في خياله، فإنه يحصل له في الحال، ولو كان السبب هو جهد ~~الإنسان وعقله لوجب أن يكون العاقل أفضل في هذه الأحوال، فلما رأينا أن ~~الأعقل أقل نصيبا وأن الأجهل الأخسر أوفر نصيبا، علمنا أن ذلك بسبب قسمة ~~القسام، كما قال سبحانه: {أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في ~~الحياة الدنيا}. # وفي (البرهان): في تفضيل الرزق وجهان: # أحدهما: السيادة على العبيد. # والثاني: الأحرار فضل بعضهم على بعض لاقتضاء مصالحهم، ثم بين سبحانه ~~عجزنا عن رزق أنفسنا بقوله: {فما الذين فضلوا برادي ms1495 رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم فهم فيه سواء} يعني أن عبيدهم لم يشاركوهم في أموالهم، لم يجز لهم ~~أن يشاركوا الله تعالى في ملكه، وفي هذا دليل على أن العبد لا يملك. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: إنا لا نقدر على ~~رد ما رزقنا على ما ملكت أيماننا بوجه من الوجوه، مع بقاء الملك؛ لأن ما ~~صار في أيديهم وهو مالنا دونهم، ولا يمكننا الخروج عنه لهم مع بقاء ملكهم ~~لنا مع أنه يمكنا إخراجهم وتحريرهم عن رقهم بعتقهم وتمليكهم ما شئنا من ~~أموالنا، ومثل هذا التقدير مستحيل فينا؛ لأنه لا يمكنا تحرير أنفسنا عن ~~ملكه لنا أصلا، بل ذلك مستحيل فينا كما أنه جائز هنا في مماليكنا الذي ~~ملكنا منة منه تعالى علينا، فلا يمكنا أن نملكهم شيئا من رزقنا مع تفارقنا، ~~أما نفقتهم وكسوتهم فهي من قبله تعالى واجبة لهم عندنا، وما عدا ذلك يمكنا ~~إيصاله إليهم حتى يكون رزقا لهم، فكيف يمكننا أن نرزق أنفسنا أو نجحد رزق ~~ربنا ومفاضلته، انتهى. PageV18P153 # والثاني: أنهم وعبيدهم سواء يشاركونهم في أموالهم، لم يجز لهم أن يشاركوا ~~الله تعالى في ملكه، وفي هذا دليل في أن الله تعالى رزق جميعهم، وأنه لا ~~يقدر أحد على رزق عبده، إلا أن يرزقه الله تعالى، كما لا يقدر أن يرزق نفسه. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى فضلوا في الرزق، يعني في ~~المواريث والأمطار وأسباب نيلها بالمقادير، وكذلك فضل المالكين على ~~مماليكهم، فأما رزق الإكتساب فذلك من تصرف العباد واحتيالهم وضربهم في ~~البلاد. # قال الرازي: اعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال، بل هو حاصل في الذكاء ~~والبلادة، والحسن والقبيح، والعقل والأحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن ~~واسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له. # قال: وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير ~~المال والجاه، وكانت الجنائب الكبيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب ~~واحد منها، وربما احضرت الطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده، وما ms1496 كان يمكنه ~~تناول شيء منها، وكان الواحد منهم صحيح المزاج، قوي البنية، كامل القوة، ما ~~كان يجد ملا بطنه طعاما، فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا ~~أن الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب واسع، إذا ~~اعتبره الإنسان عظم تعجبه منها، انتهى. PageV18P154 # قال المرتضى[126] عليه السلام في الإيضاح: قد تكلم في هذا كثير من الناس، ~~وجاءوا فيه بأشياء على غير استقامة، وقد كنت سألت عنها أبي الهادي إلى الحق ~~صلوات الله عليه فقال: هذا إخبار من الله سبحانه وتعالى ببسبط رزقه لعباده، ~~وتفضيل من فضل فيه بالسعة والاتساع، وأن الذين فضلوا بالرزق غير مستطيعين ~~أن يرزقوا ما ملكت أيمانهم، ولا أن يردوا إليهم خيرا، وأنهم في الرزق سواء، ~~يريد عز وجل بقوله فهم فيه سواء، أي أنهم في اجتلاب الرزق إلى أنفسهم سواء ~~المالك والمملوك كلهم لا يقدر أن يرزق نفسه إذا كانوا ينبتون زرعا ولا ~~يعلقون في الأرض النوى، ولا ينزلون غيثا، ولا يخلقون أنعاما، فلما أن كانوا ~~كذلك في الضعف عما ذكرنا كان المالك والمملوك في اجتلاب الرزق إلى نفسه ~~سواء، انتهى. # ثم قال تعالى: {أفبنعمة الله يجحدون} إنكار عليهم، فجعل من جملة جحود ~~النعمة، وقيل: هو مثل ضرب للذين جعلوا لله شريكا، فقيل أنتم لا تسوون بينكم ~~وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون بذلك ~~لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركا؟ ثم إنه تعالى أخبرر عن نوع ~~آخر من أحوال الناس من ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار ~~الحكيم، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم، ~~فقال عز وجل: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا}. # قال بعضهم: المراد أنه تعالى خلق حوى من ضلع آدم، وهذا ضعيف؛ لأن قوله ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا خطاب مع الكل، فخصصه بآدم وحوى خلاف الدليل، بل ~~هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث، والمعنى أنه تعالى خلق ms1497 النساء ~~ليتزوج بهن الذكور. PageV18P155 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ومعنى من أنفسكم أزواجا، يعني من ~~بعضكم، وهذا مثل قوله رسول من أنفسكم، ومثل قوله فسلموا على أنفسكم، أي على ~~بعضكم، ومثل قوله: فاقتلوا أنفسكم، أي قتل بعضكم بعضا في الجهاد غضبا لربكم ~~على من عصاه وعطل دينه منكم، ثم قال تعالى: {وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة} حافد الذي يسرع في الخدمة. # قال عليه السلام: معناه بنين وبنات، اللواتي يحفدن البيوت ويصلحن ~~المنازل، قال الشاعر يصف نساء منعمات: # حفد الولائد حولهن وأسلمت # لأكفهن أزمة الأحمال # انتهى. # وقيل: حفدة جمع حافد، والحافد المشرع في العمل والخدمة، ومنه الدعا: ~~وإليك نسعى ونحفد، أي نشرع في طاعتك، وقيل: الحفدة.............الرجل على ~~بناته أي أزواج البنات، قال الشاعر: # ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت # لها حفد مما يعد كثير # ولكنها نفس علي أبية # عوف لاظهار اللئام قدور # وقيل: هم أولاد المرأة من الزوج الأول، وهم البنون لجمعهم بين البنوة ~~والخدمة لآبائهم، ثم قال تعالى: {ورزقكم من الطيبات} يريد بعضها؛ لأن كل ~~الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا انموذج منها، ولما ذكر تعالى ~~إنعامه على عبيده بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح، وذكر إنعامه عليهم ~~بالمطعومات الطيبة، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة، أو ~~كانت من الحيوان، قال سبحانه: {أفبالباطل يؤمنون}. # قال ابن عباس: يعني الأصنام وما يعتقدون فيها من النفع والبركة والشفاعة ~~{وبنعمة الله هم يكفرون} أي بالتوحيد ونعمه التي لا شبهة فيها لعاقل، ويريد ~~بالباطل أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، مثل البحيرة ~~والسائبة والوصيلة، ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله تعالى عليهم، وهي ~~الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما ذبح على النصب. PageV18P156 # واعلم أنه تعالى لما شرح أنواعا كثيرة في دلائل التوحيد، وتلك الأنواع كما ~~أنها دلائل على صحة التوحيد، فكذلك نذكر بأقسام النعم الجليلة أتبعها بالرد ~~على عبدة الأصنام، فقال: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك[127] لهم رزقا من ~~السماوات والأرض شيئا} أما الرزق من السماء فيعني به ms1498 المطر، وأما من الأرض ~~فهو النبات والثمار التي تخرج منها، وقوله شيئا قال الأخفش: جعل قوله شيئا ~~بدلا من قوله رزقا، والمعنى لا يملكون رزقا كثيرا ولا قليلا، ثم قال: {ولا ~~يستطيعون} فائدة هذه اللفظة أن من لا يملك شيئا قد استطاعه تحصيل الملك، ~~وما عبر عنها لفظ ما اعتبار لما هو الحقيقة في نفس الأمر، وذكر الجمع ~~بالواو والنون اعتبارا لما بعتقدون فيها أنها آلهة، ويحتمل أن يريد الكفار، ~~أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون أولوا الألباب من ذلك شيئا، فكيف ~~بالجماد الذي لا حس به، ثم قال تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} هو تمثيل ~~للإشراك بالله والتشبيه به، أي لا تشبهوه بخلقه؛ لأن ضرب المثل إنما هو ~~تشبيه ذات بذات، أو وصف بوصف، فلا تشبهوا حال الصنم بحاله تعالى، والمراد ~~لا تجعلوا لله الأشباه؛ لأنه عز وجل ليس له شبه ولا مثل ولا نظير يساويه ~~ولا عديل، ثم قال تعالى: {إن الله يعلم} حقيقة شرككم فيجازيكم عليه بما ~~يوازيه في العظم؛ لأن العقاب على مقدار الإثم {وأنتم لا تعلمون} حقيقة فعل ~~قبحكم، ومقدار عقابكم، فذلك تجرأتم عليه، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله ~~الأمثال، إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون، ثم علمهم كيف ~~يضرب فقال: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا ~~رزقا حسنا}. PageV18P157 # اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال فقال مثلكم في ~~إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف وبين حر ~~مالك قد رزقه الله مالا {فهو ينفق منه سرا وجهرا} أي يتصرف فيه وينفق منه ~~كيف شاء. # وفائدة ذكر المملوك ليتميز من الحر؛ لأن اسم العبد يقع عليهما اذهما من ~~عباد الله، وفائدة لا يقدر على شيء الإعلام بأنه غير مكاتب ولا مأذون إذهما ~~قادران، ودلت الآية على أن العبد لا يملك وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ~~خلاف ك، وأحد قولي الشافعي أنه ملك، ثم قال: ms1499 {هل يستوون} أي الأحرار ~~والعبيد، فإذا استووا فبالأولى أن لا تسوى الأصنام بالله تعالى، ومن في ~~قوله ومن رزقناه موصوفة كأنه قيل حرا رزقناه لتطابق عبدا، ولا يمتنع أن ~~تكون موصولة، ولما ذكر تعالى هذا المثل وكان هذا مثلا مطابقا للغرض، كاشفا ~~عن المقصود قال بعده: {الحمد لله} أي المدح كله والثناء له وحده، بين أنه ~~المستحق للحمد دون ما يعبد من دونه. # وقال ابن عباس: معناه الحمد لله على ما فعل بأوليائه، وأنعم عليهم ~~بالتوحيد، ثم قال: {بل أكثرهم لا يعلمون} أن الحمد لي؛ لأن جميع النعم مني ~~وليس شيء منه للأصنام. # واعلم أنه تعالى لما أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا الدليل والمثل ~~أتبعه بدليل ومثل آخر، فقال سبحانه: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم} ~~الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم لعدم السمع والنطق، قال الشاعر: # أصبح صوت عامر خفيا ... أبكم لا يكلم المطيا # وكان حدا فرافريا PageV18P158 {لا يقدر على شيء وهو كل} أي يقل ووبال{على مولاه} الذي يلي أمره ويعوله ~~{أينما يوجه} في طلب حاجة {لا يأت بخير} أي لاينفع ولا يأتي بحجج؛ لأنه ~~عاجز لا يفهم ما يقال، ولا يفهم {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل} أي ومن هو ~~سليم الحواس نفاع، مع رشد وديانة فهو يأمر الناس بالعدل والخير {وهو على ~~صراط مستقيم} أي على سيرة صالحة، ودين قويم، وهذا مثل ضربه الله لنفسه ولما ~~يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته، وألطافه ونعمه الدينية والدنيوية، ~~وللأصنام التي هي أموات لا تضر[128] ولا تنفع، وهذا مروي عن مجاهد وقتادة، ~~وقيل هو مثل للكافر والمؤمن، وهو يروى عن ابن عباس، وفي هذين المثالين يقول ~~الهادي عليه السلام: هذا مثل ضربه الله لأهل الشك والارتياب ممن كان يعبد ~~الأصنام من دون الله، فأخبر الله أن مثل ما هو فيه من الشك في الشك في الله ~~تعالى والعبادة لمن دون الله كهذا المثل، وإنما يعبدون من دون الله كهذا ~~الضعيف الذي لا يقدر على شي، وذلك ضرب ms1500 مثل هذا العبد الأبكم الذي لا يأتي ~~بخير فجعله شبها لأصنامهم التي يعبدونها من دون الله، وجعل الأمر بالعدل ~~والحق مثلا للحق، انتهى. # ثم أخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته فقال: {ولله غيب السماوات والأرض} أي ~~يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه وهو يفيد الحصر؛ لأن ~~العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله، وأما بيان كمال القدرة فقوله: {وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر} والساعة القيامة، سميت ساعة لأنها تفجأ الإنسان في ~~ساعة فيموت الخلق بصوت واحدة، ولمح البصر النظر بسرعة، يقال: لمحه ببصره ~~لمحا ولمحانا، والمعنى وما أمر قيام القيامة في السرعة إلا كطرف العين، ~~والمراد منه تقرير كمال القدرة. PageV18P159 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني بذلك المثل بلمح العين، ويريد ~~تعالى أن سهولة قيام الساعة كسهولة النظرة بالعين عن المخلوقين، ثم قال: ~~{أو هو أقرب} يريد وأما الساعة أقرب من نظرة أحدكم بعينه فقام أو مقام ~~الواو، قال الشاعر: # بنو عامر فهم الأكرمون والأ ... كثرون حصا أو نفيرا # يريد ونفيرا، ثم قال: {إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على أن يقيم ~~الساعة ويبعث الخلق؛ لأنه بعض المقدورات، وقيل: المعنى أن إقامة الساعة ~~وإماتة الأحياء وإحياء الأمة من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت ~~.........؛ لأن الله على كل شيء قدير، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة ~~على وجود الصانع المختار، فقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم} أصله ~~أماتكم إلا أنها زيدت الهاء فيه كما زيدت في ........... ~~فقيل:............. زيادتها في الواحدة في قوله: # امهتي خندف وإلياس أبي PageV18P160 وقوله تعالى: {لا تعلمون شيئا} في موضع الحال، ومعناه غير عالمين شيئا من ~~حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى ~~السعة {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} الأفئدة جمع فؤاد، ~~نحو عربة في عراب، وهي القلوب وما ركب فيكم هذه الأشياء الآلات لإزالة ~~الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته، ~~والقيام بحقوقه، والترقي ms1501 ما يسعدكم، ثم ذكر تعالى دليلا آخر على كمال قدرته ~~وحكمته فقال سبحانه: {ألم يروا} أي الذين تقدم ذكرهم {إلى الطير مسخرات} أي ~~مذللات للطيران، بما خلق لها من الأجنحة وأسباب الطيران {في جو السماء} أي ~~الهوى، وذلك يدل على مسخر سخرها ومدبر مكنها من التصرف، سبحانه فإنه لولا ~~أنه تعالى خلق الطير خلقه معها تمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها يمكنه ~~الطيران فيها، لما أمكن ذلك، فالله تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسر ~~آخر مثل ما يعمله السابح في الماء، وخلق الهوى خلقة لطيفة رقيقة يسهل ~~بسببها خرقه، والنفاد فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا، ثم أخبر تعالى ~~أنه {ما يمسكهن} في قبضهن وبسطهن ووقوفهن {إلا الله} بقدرته، ثم قال تعالى ~~في آخر الآية: {إن في ذلك لايات[129]} دلائل على قدرته ووحدانيته {لقوم ~~يؤمنون} وخص هذه الآيات بالمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وإن كانت هذه ~~الآيات آيات لكل العقلاء، والله أعلم. # ثم أخبر تعالى عن نوع آخر من دلائل التوحيد، وأقسام النعمة والفضل، فقال ~~سبحانه: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} أي موضعا تسكنون فيه من بيوتكم ~~التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها، ويقال للذي يسكن إليه سكن ~~من ألف وغيره. # واعلم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: PageV18P161 # أحدها: البيوت المتخذة مما خلق من الخشب والمدر والآلة التي يمكن بها شقف ~~البيوت، تستر عوراتكم وحرمكم، وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها، بل ~~الإنسان ينتقل إليها. # والقسم الثاني: القباب والخيام والأبنية من الأنطاع والأدم وإليها ~~الإشارة بقوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها} أي ترونها ~~خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل {يوم ظعنكم ويوم إقامتكم} أي يوم ~~ترحلون خفف عليكم حملها ونقلها، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ~~ضربها، أو هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جميعا على أن اليوم بمعنى ~~الوقت، والمعنى أنه تعالى جعل لكم من جلود الأنعام بيوتا خفافا تخف عليكم ~~عند مسيركم وسفركم، وعند إقامتكم وحصركم، ms1502 والضعن هو السفر والمسير، قال ~~الشاعر: # على محمد مني السلام # إن ظعن الحي وإن أقام # ثم قال تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: الصوف هو شعر الضان، والوبر هو شعر ~~الإبل، والشعر هو شعر المعز، وهذا عبارة.......وبيان، فأما العرب فلا تجيز ~~أن تسمي الوبر والصوف شعر، إلا أن الوبر والصوف إنما سميا بذلك للفرق بين ~~الأسماء، قال الشاعر في الصوف: # أقول وقد تسدل جانبا # فأمك نعجة وأبوك كبش ... جزاك الله خيرا يا كساء # وأنت الصوف تغزلك النساء # وقال آخر في الوبر ما يدل على أنه للجمال خاصة: # ولم يشرف على رعن منيف # ولم يتبع ضعائن منجدات ... ولم يعقد بمختصر حزاما # ولم.........لدى وبر حطاما # وأما الشعر فهو للمعز أو الناس، وأسباب أخرى، مشهور ذلك عند الناس. PageV18P162 # وأما الأثاث فهو متاع البيت مثل الأكسية والبسط، والحبال والخيوط، ومعنى ~~إلى حين، أي بلغة ومتعة إلى حين الموت، يمتعون بذلك وينفقون على طاعة الله ~~تعالى؛ لأنه لم يوجد شيئا من الأشيا إلا للعون على طاعته، ويكون أيضا حجة ~~على أهل معصيته، انتهى. # وقيل: معنى إلى حين أي إلا أن تقضوا من أوطاركم، أو إلى أن تبلى وتفنا، ~~فإن قيل: عطف المتاع على الأثاث، والعطف يقتضي المغايرة فما الفرق بين ~~الأثاث والمتاع؟ # قيل: الأقرب أن الأثاث ما يتكسى به المرء ويستعمله في العطا والوطا، ~~والمتاع ما يفرش في المنازل وتزين به، أو كأنه قال: وشيئا ينتفع به، ~~والأثاث والمتاع متقارب، فيصح فيما ينتفع به أن يسمى أثاثا ومتاعا، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {والله جعل لكم مما خلق} من البيوت والشجر والغمام وكل ما ~~له ظل {ظلالا} تستظلون به من الحر {وجعل لكم من الجبال أكنانا} جمع كن وهو ~~ما يستكن به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران، والكهوف والأسراب، من ~~الحر والبرد، ثم قال: {وجعل لكم سرابيل}[130] أي قمصا ودروعا من الثياب ~~والصوف، والكتان والقطن {تقيكم الحر} والبرد؛ لأن ما وقي الحر وقي البرد، ~~فدل ms1503 ذكر الحر على البرد، منه قول الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما ينلني # فكنى عن الشعر ولم يذكره؛ لأنه مدلول عليه، وقيل: إنما لم يذكر البرد لأن ~~الوقاية من الحر أهم عندهم، وقل ما يهمهم البرد بكونه يسيرا محتملا، أو أن ~~القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا ~~أهل برد، فذكر له نعمته عليهم فيما هو مختص بهم، والله أعلم. # والسرابيل: واحدها سربال وهي القمص والدروع، قال الشاعر: # متسربلا أدما على الصدر # قال الزجاج: كل ما لبسه فهو سربال من قميض أو دروع أو جوسن أو غيره، ~~والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل قسمين: PageV18P163 # أحدهما: ما يكون واقيا من الحر والبرد. # والثاني: ما يقا به وهو قوله: {وسرابيل تقيكم بأسكم} يعني دروعا وجواسن ~~من الحديد، تقيكم شركم وقتالكم، وتدفع حدكم ونصالكم، وذلك يدل على أن كل ~~واحد من القسمين من السرابيل. # واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمه قال: {كذلك يتم نعمته عليكم} أي مثل ~~ما خلق هذه الأشياء لكم، وأنعم بها عليكم، فإنه يتم نعمة الدنيا والدين ~~عليكم {لعلكم} يا أهل مكة {تسلمون} أي أعطيتكم هذه النعم لتسلموا وتنقادوا، ~~وتشكروا الله إذا نظرتم في نعمه الفائضة، فتؤمنوا به فتسلموا من عذاب الله، ~~وقرئ يسلمون من السلامة، أي تشكرون فتسلمون من العذاب، وتسلم قلوبكم من ~~الشرك، وقيل تسلمون من الجراح بلبس الدروع، ثم قال تعالى: {فإن تولوا} ~~أعرضوا فلم يقبلوا {فإنما عليك} يا محمد {البلاغ المبين} ذكر سبب العذاب ~~وهو التبليغ؛ ليدل على المسبب وهو العذاب، والمعنى: فإن تولوا يا محمد ~~وأعرضوا، وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والعادات في الكفر فعلى أنفسهم ~~جنوا، وليس ذلك عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام، ثم إنه تعالى ذمهم ~~بأنهم {يعرفون نعمة الله} التي عددها {ثم ينكرونها} بعبادة غير المنعم، ~~ويقولون هي من الله، لكن شفاعة آلهتنا، أو بقولهم أنهم ورثوا ذلك عن ~~آبائهم، أو بقولهم لولا فلان ما أصبت ذلك، ms1504 وذلك نهاية في كفران النعمة، ثم ~~قال تعالى: {وأكثرهم الكافرون} أي الجاحدون غير المعترفين، وهذه السورة ~~تسمى سورة النعم؛ لأن الله تعالى ذكر نعمه على خلقه فيها، وأكثرهم كافرون ~~بهذه النعم، وقيل المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~حق بالآيات، ثم ينكرونها عنادا، و.........نعمه عظيمة، كما قال: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وإنما قال أكثرهم أنه كان فيهم من لم تقم عليه ~~الحجة كمن PageV18P164 لم يبلغ حد التكليف، أو كان ناقص العقل فأراد بالأكثر البالغين الأصحا، أو ~~يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند، وحينئذ إنما قال وأكثرهم لأنه كان ~~فيهم من لم يكن معاندا، بل كان جاهلا بصدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وما ظهر له كونه نبيا من عند الله، ويحتمل أنه ذكر الأكثر، والمراد الجميع؛ ~~لأن أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله: ~~{الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} ومعنى ثم هاهنا الدلالة على أن إنكارهم ~~أمر مستبعد بعد حصول المعرفة؛ لأن من حق من عرف النعمة أن يعترف فلا حق له ~~أن ينكر. PageV18P165 # واعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها، ~~وذكر أيضا من حالهم ان أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد، فذكر حال يوم[131] ~~القيامة فقال: {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} أي نبيا يشهد لهم وعليهم ~~بالإيمان، والتصديق والكفر والتكذيب {ثم لا يؤذن للذين كفروا} في الكلام ~~والاعتذار، أي لا حجة لهم، فدل ترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر {ولا ~~هم يستعتبون} أي لا يسترضون، أي لا يقال لهم ارضوا ربكم؛ لأن الآخرة ليست ~~بدار عمل، والمراد أنه لا يؤذن لهم في الاستعتاب أي الاعتذار؛ لأن ~~الاستعتاب طلب العتاب، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه إذا كان علم عزم ~~أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضى، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه راسخ على ~~غضبه وسطوته، ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال: {وإذا رأى الذين ظلموا ~~العذاب ms1505 فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون} كقوله بل يأتيهم بغتة، فنبهتهم الآية، ~~والمعنى واذكر أن هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم إذا رأوا العذاب ووصلوا إليه ~~فبعد ذلك لا يخفف عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، أي لا يؤخرون ولا يمهلون؛ ~~لأن التوبة هناك غير موجودة، ثم قال أيضا في وعيد المشركين: {وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم} آلهتهم التي عبدوا من دون الله {قالوا ربنا هؤلاء ~~شركاؤنا الذين كنا ندعو} أي نعبد {من دونك} أي أرداوا بالشركاء آلهتهم، ~~فمعنى شركاؤنا آلهتنا التي دعوناها شركا، وإن أرادوا الشياطين فلأنهم ~~شركاؤهم في الكفر، وقرناؤهم في الغي، ثم حكى تعالى أن شركاؤهم يكذبونهم، ~~فقال: {فألقوا إليهم القول} أي أجابوهم وقالوا لهم: {إنكم لكاذبون} لما ~~كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، والدليل عليه قول ~~الملائكة كانوا يعبدون الجنة، يعني أن الجن كانوا PageV18P166 راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون دوننا وكذبوهم في تسميتهم شركاء ~~وآلهة تنزيها لله من الشريك، وإن أريد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا ~~كاذبين في قولهم، إنهم لكاذبون كما يقول الشيطان: أني كفرت بما أشركتموني ~~من قبل، ثم قال تعالى: {وألقوا} يعني الذين ظلموا {إلى الله يومئذ السلم} ~~أي الاستسلام والإنقياد لأمره وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا، ~~والمراد أنه استسلم العابد والمعبود، وأقروا لله تعالى بالربوبية والبراءة ~~عن الشركاء والأنداد {وضل عنهم ما كانوا يفترون} من أن لله شركاء أي بطل ~~عنهم ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى، وقيل: ذهب ~~عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكا وصاحبة وولدا. # واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضم إلى كفره صد ~~الغير عن سبيل الله فقال: {الذين كفروا} في أنفسهم {وصدوا عن سبيل الله} ~~منعوا منه وحملوا غيرهم على الكفر {زدناهم عذابا فوق العذاب} والمعنى أنهم ~~زادوا على كفرهم صد غيرهم عن الإيمان فهم في الحقيقة زادوا كفرا على كفر ~~فلا جرم يزيدهم الله عذابا على عذاب، وأيضا اتباعهم بما اقتدوا ms1506 بهم في ~~الكفر فوجب أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى: {وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم} ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سن سنة سيئة ~~فعليه وزرها ووزر من عمل بها)). # وقيل: في زيادة عذابهم حيات أمثال النجب، وعقارب أمثال البغال تلسع ~~إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا، وقيل: يخرجون من النار إلى ~~الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار، والله اعلم. PageV18P167 # ثم قال تعالى: {بما كانوا يفسدون} أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصل معللا ~~بذلك الصد، وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم عذابه، ~~فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين فقد عظم قدره عند الله تعالى، ثم أخبر ~~تعالى عن نوع آخر من التهديدات الزاجرة للمكلفين عن المعاصي، فقال عز وحل: ~~{ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} أي شاهدا عليهم من الرسل التي ~~أرسلها إليهم، ثم قال: {وجئنا بك} يا محمد { شهيدا على هؤلاء} أي على أمتك، ~~وقد تم الكلام هنا، ثم إنه تعالى لما قال: {وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} بين ~~سبحانه أنه أزاح عليهم فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا معذرة بقوله تعالى: ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} أي بيانا بليغا في أمور الدين نص على ~~البعص، وأحال على السنة بقوله: {وأطيعوا الله ورسوله} وحث على الإجماع ~~بقوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} والاجتهاد بقوله: {فاعتبروا} ثم أمر صلى ~~الله عليه وآله وسلم بالتمسك بأهل بيته فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، ~~وهذا الخبر متلقا بالقبول، أو مجمع على صحته، وقد اجتهدوا وقاسوا، والكل ~~مستند إلى بيان الكتاب، فمن ثم كان بيانا لكل شيء {وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين} بالفوز إن عملوا به وبنصيحة الرسول باتباع أهل بيته. # واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد، والترغيب ms1507 والترهيب ~~أتبعه بقوله سبحانه: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} فجمع في هذه الآية ما ~~يتصل بالتكليف فرضا ونفلا، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا. PageV18P168 # قال في (البرهان): العدل: هو الإقرار بالله وتوحيده، والإحسان: الصير على ~~أمره ونهيه، وطاعته في سره وجهره {وإيتاء ذي القربى} صلة الرحم {وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر} الفحشاء كل ما فحش فعله {والبغي} الكبر والظلم. # قال بعضهم: يريد صلة الرحم بالمال فإن لم يكن فالدعاء. # روى أبو مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن أعجل ~~الطاعة ثوابا صلة الرحم، إن أهل البيت يكونون تجارا فتنمى أموالهم ويكثر ~~عددهم إذا وصلوا إلى أرحامهم)). # واعلم أن الله تعالى لما أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء وهي العدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن ثلاثة أشياء متغايرة، ويجب أن تكون ~~الفحشاء والمنكر والبغي ثلاثة أشياء متغايرة؛ لأن العطف يوجب المغايرات.... ~~أكثر الناس في تفسير هذه الآية، فقال في (البرهان) يحتمل أن يكون العدل هو ~~القضاء بالحق والإحسان بالتفضل بالأنعام وإيتاء ذي القربى صلة الأرحام، ~~وينهى عن الفحشاء هي مايستتر من القبائح، والمنكر ما يتظاهر به منها فينكر، ~~والبغي ما يتطاول من ظلم وغيره، انتهى. # وفي (الكشاف) العدل هو الواجب؛ لأن الله عز وجل عدل فيه على عباده فجعل ~~ما فرضه عليهم واقعا تحت طاقتهم، والإحسان الندب، وإنما علق أمره بهما ~~جميعا؛ لأن الفرض لابد أن يقع فيه تفريط فيجيزه الندب. # قلت: وفيه نظران لأن الفرض لا يجيزه النفل، والفواحش ما جاوز حدود الله، ~~والمنكر ما نكره العدول، والبغي طلب التطاول بالظلم، وحين أسقط من الخطب ~~لعنه الملاعين على أمير المؤمنين رضوان الله عليه أقيمت هذه الآية مقامها، ~~ولعمري أنها كانت فاحشة ومنكرا وبغيا ضاعف الله لمن سنها غضبا ونكالا ~~وحربا، إجابة لدعوة نبيه، وعادى من عاداه وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون. PageV18P169 # روى الرازي في تفسيره لهذه الآية عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون[133] ~~الجمحي قال: ما أسلمت أولا إلا حياء من محمد، ولم يتقرر ms1508 الإسلام في قلبي ~~فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إلا رأيت نظره شخص إلى السماء ثم خفظه عن ~~يمينه، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أحدثكم إذا بجبريل نزل عن يميني ~~فقال: ((يا محمد إن الله يأمر بالعدل شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان ~~القيام بالفرائض، وإيتاء ذي القربى أي صلة ذي القرابة، وينهى عن الفحشاء ~~الزنى، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، والبغي الاستطالة)). # قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته قال: يا معشر ~~قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا، ولئن كان صادقا أو كاذبا ما يأمركم إلا بمكارم ~~الأخلاق، فلما رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من عمه اللين قال: ((يا ~~عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك)) وجهد عليه فأبى أن يسلم، فنزل ~~قوله: {إنك لا تهدي من أحببت}. # وعن ابن مسعود: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية، وليس من خلق ~~شيء إلا نهى الله عنه في هذه الآية. # وروى القاضي في تفسير ابن ماجة، عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله ~~نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على ~~مجلس عليهم الوقار، فقال أبو بكر: فمن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه ~~فإن قريش كذبوه، فقال مقرون بن عمر: وإلى ما تدعونا أخا قريش؟ فتلا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يأمر بالعدل والإحسان....الآية، فقال ~~مقرون: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، ~~وظاهروا عليك. # وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية على الوليد ~~فاستعاده ثم قال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. PageV18P170 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم ~~فاحسنوا القتلة، واحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)) انتهى. # ثم قال تعالى: {يعظكم لعلكم تذكرون} يعني ms1509 يعظكم أي ينهاكم عن هذا كله، ~~ويأمركم بما أمركم به في هذه الآية، وقوله لعلكم تذكرون ليس المراد منه ~~الترجي والتمني فإن ذلك محال على الله تعالى، فوجب أن يكون معناه أنه تعالى ~~يعظكم لكي تذكروا طاعته، وذلك يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل خلاف ~~ما افتراه أهل الجبر. # واعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في هذه الآية على سبيل ~~الإجمال، ذكر بعدها بعض تلك الأقسام فبدأ سبحانه بالأمر بالوفاء بالعهد ~~فقال: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} هو كل ما أمر به تعالى ووصى. # قال ابن عباس: والوعد من العهد. # وقال ميمون بن مهران: من عاهدته فف له بعهده مسلما كان أو كافرا، فإنما ~~العهد لله تعالى. # قال في (البرهان): وهذه الآية نزلت في بيعة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الناس على الإسلام وهي عامة، كل عقد عقده الإنسان في يمين على نفسه ~~مختارا فإنه يجب عليه الوفاء به ما لم تدع ضرورة إلى حله، ثم قال: {ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} أي لا تحنثوا بعدما وكدتموها بالعزم أو بعد ~~توثيقها باسم الله. # قال الزجاج: يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان. PageV18P171 # قال في (البرهان): أهل الحجاز يقولون وكدت اليمين توكيدا، وأهل نجد يقولون ~~أكدت تأكيدا، والأصل الواو، والهمزة بدل، ثم قال: {وقد جعلتم الله عليكم ~~كفيلا} هذه واو الحال، أي لا تنقصوها وقد جعلتم[134] كفيلا أي شاهدا ورقيبا ~~عليكم بالوفاء؛ لأن الكفيل مراع لحال المكفول به مطلع عليه، ثم قال: {إن ~~الله يعلم ما تفعلون} من وفاء ونقص، وفيه ترغيب وترهيب، والمراد فيجازيكم ~~على ما تفعلون إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء ~~وتحريم النقض فقال: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} في إحكامه ~~وإبرامه، والمعنى لا تكونوا في نقض الأيمان كالمرأة التي.........على غزلها ~~بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته أنكاثا، جمع نكث وهو ما ينكث فتله، أي ينتقض ~~بعد الفتل، قيل هي ريطة بنت سعد بن تيم، وكانت ms1510 خرقاء جاهلية حمقا، اتخذت ~~مغزلا قدر ذراع وصبارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي ~~وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. # قال في (البرهان): هذا مثل ضربه الله تعالى، وأراد إن كان هذا الفعل مما ~~علتموه كان عندهم سفها منكرا، فكذلك نقض العهد الذي لا ينكرونه هو منكر. # قلت: ومثل هذا ذكر الرازي قال: لأن المراد بالمثل الوصف دون التعيين؛ لأن ~~القصد بالأمثال صرف المكلف إذا كان قبيحا، والدعا إليه إذا كان حسنا، وذلك ~~يتم من دون التعيين، انتهى. # وفي انتصاب قوله: أنكاثا وجوه: # الأول: قال الزجاج: أنكاثا مصدر وهذا غلط منه؛ لأن الأنكاث جمع نكث، وهو ~~الاسم لا مصدر فكيف يكون قولنا أنكاثا بمعنى المصدر. # الثاني: قال الواحدي: أنكاثا مفعول ثان كما يقول كسره أقطاعا، وفرقته ~~أجزاءا، على معنى جعله أقطاعا وأجزاء، فكذا هاهنا قوله: نقضت غزلها أنكاثا ~~أي جعلت غزلها أنكاثا. # الثالث: أن قوله أنكاثا حال مؤكدة. PageV18P172 # قال ابن أبي قتيبة هذه الآية متصلة بما قبلها، والتقدير فاوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل ~~المرأة التي غزلت غزلا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثا، وقد تم ~~الكلام هاهنا، انتهى. # ثم قال تعالى: {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي دغلا ومفسدة، يعني غشا ~~وخديعة، أي لا تنقضوا أيمانكم متخذين لها دخلا بينكم يدخل بها بعضكم على ~~أموال بعض، والمعنى لا تنقضوا الأيمان إذا رأيتم عدد أعداء المؤمنين أكثر ~~كما فعلت بنو قريظة والنظير حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما رأوا كثرة قريش. # وقال مجاهد: هي عامة، ثم قال: {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أي أكثر، من ~~ربى الشيء يربوا إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في العدد، وفي القوة وفي الشرف. # قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف ~~فينقضون حلف الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز، فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك، وقوله أن ms1511 تكون هي معناه بسبب أن تكون أمة، يعني جماعة من قريش هي أربى ~~أي أزيد عددا وأوفر مالا من أمة، أي جماعة المؤمنين. # قال في (البرهان): يعني أكثر عددا وأزيد مددا، فيطلب بالكثرة أن يعتذر ~~بالأقل، ثم قال: {إنما يبلوكم الله به} أي بما يأمركم وينهاكم، وقد تقدم ~~ذكر الأمر والنهي. # وفي (الكشاف): الضمير لقوله: أن تكون أمة لأنه في معنى المصدر يعني ~~يخبركم بالأمر بالوفاء، أو تكون قريش أكثر عددا ومالا لينظر أتمسكون بحبل ~~الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم ~~وقوتهم، وقلة المؤمنين، وفقرهم وضعفهم. PageV18P173 # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى قوله دخلا بينكم يريد سبحانه ~~أنكم تجعلون أيمانكم مدخلة لبعضكم[135] مع بعض في الإخاء والمودة، لئلا ~~تكون أمة هي أكثر من أمة، يريد تعالى أنكم تحالفون وتعاقدون للمكاثرة في ~~الدنيا، لئلا تكون أمة من الأمم أكثر من أمتكم، ولا أربى ولا أزيد من ~~جماعتكم، وكان ينبغي لكم أن تكون أيمانكم على طاعة ربكم لو غفلتم، ولكن ~~همتكم غير ما أمركم به خالقكم، انتهى. # أما قوله عز وجل: {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون} من دين ~~الحق فهو إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام، والمراد أنه يميز المحق من ~~المبطل لما يظهر من درجات الثواب ودرجات العقاب، والله أعلم. # واعلم أنه عز وجل لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه أخبر سبحانه ~~وجل عن كل شنآن شانه أنه قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء جبرا، أو على ~~إدخالهم في سائر الإيمان قسرا، ولكنه تعالى بنى التكليف على الاختيار، ~~فقال: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} حنيفة مسلمة على طريق الإلجاء ~~والاضطرار {ولكن} الحكمة اقتضت أن {يضل من يشاء} أي يخذل من علم أنه يختار ~~الكفر، ولا يقبل الهدى واللطف {ويهدي من يشاء} أي من علم أنه يقبل الهدى ~~وللطف، ويختار الإيمان، ولما كانوا مختارين للضلال والهدى، عقبه بقوله: ~~{ولتسألن عما كنتم تعملون} من خير وشر، ولو كان سبحانه ms1512 هو المضطر لهم تعالى ~~إلى الضلال والاهتدا لما أثبت لهم عملا فيسألون عنه. # قال الرازي: وأما قول أصحابنا فهو ظاهر، وهذه المناظرة قد تكررت مرات كثيرة. # قال وروى الواحدي: أن عزيرا قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من ~~تشاء، فقال: يا عزير اعرض عن هذا، فأعاده ثانيا، فقال: اعرض عن هذا، وإلا ~~محوت اسمك من النبوة. PageV18P174 # قلت: وهذا الذي ذكره مع أنه تأباه العقول السوية، وتمجه الأسماع، وتنفر عنه ~~النفوس السليمة من الزيغ، استظهر به الرازي لمذهب أصحابه أهل الجبر، فإنهم ~~يعلقوا بهذه الآية ونحوها من متشابه الآيات، والواحب على العاقل أن يرجع ~~إلى عقله إن عدم البصيرة أو إلى مجموعهما، إن كان صاحب بصيرة، وليخف ربه ~~فإنه عليه رقيبا، وليتق الله فكفى به حسيبا، والذي ينبغي أن نذكره هاهنا ~~ونتبرك بذكره وذكر تفسيره من كلام أئتمنا عليهم السلام ما أجاب به عن هذه ~~الفرقة المفترية وأورد عليهم في حل شبهتهم أدلة من الكتاب محصدة، وأركانا ~~موطدة، لا تزعزعها عواصف المشكلات، ولا ترجلها قواصف الشبهات، علامة العترة ~~وقاموس الأسرة، محمد بن القاسم عليهما السلام فإنه قال: قوله عز وجل يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء معنى ذلك أنه يوقع اسم الضلال عليه وينسبه إليه، ويدعوه ~~به، فلما أن كان ذلك جاز أن يقول عز وجل يضل من يشاء أي بإيقاع اسم الضلال ~~عليهم، فلما أن استوجبوا بفعلهم سماهم ضالين، وهذا موجود في لغة العرب، إذا ~~قال رجل لرجل يا ضال قال: فلان ضللني، ويقول السامع: فلان ضلل فلانا، ولم ~~يضلله عن منهح ولا عن حجة، وإنما سماه ضالا، فلما أن سماه ضالا قال: ضلله، ~~فعلى هذا يخرج معنى قوله سبحانه: {يضل من يشاء} أي يوقع اسم الضلال على من ~~يستاهل ذلك بفعله ويستوجبه بجرمه، ولو كان الله عز وجل كما يقول الظالمون ~~ليقض عملهم بالمعاصي قضا حتم، ويقضي عليهم بالطاعة قضا خير، كما قضا عليهم ~~بالخلق فجعل منهم أبيض وأسود، وأسمر وأصفر، وطويلا وقصيرا، كما ذمهم على ms1513 ~~معاصيهم، ولا عاقبهم على فعلهم، ولا حمدهم على أجسامهم، ولا على طاعتهم، إذ ~~كان ذلك[136]منه قضا كما لم يحمدهم ولم يعاقبهم على بياضهم وسوادهم، ~~واختلاف ألوانهم، إذ ليس لهم فعل ما يذمون عليه، ولا يحمدونه فيه؛ لأن ~~المجبور مدخل في فعله غير مجبر في نفسه، ولكن جعلهم الله سبحانه مدبرين في الطاعة PageV18P175 والمعصية متمكنين في الاستطاعة، وأبان لهم طريق النجاة، وأبان لهم طريق ~~الهلكة، ثم قال: ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع ~~عليم، يعاقبهم على اختيارهم للمعصية، وأثابهم على اختيارهم للطاعة، والشاهد ~~على ما قلنا من تخييره لهم وتركيبه الاستطاعة فيهم، وأنهم غير مضطرين ولا ~~مقهورين، قوله الله سبحانه: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ~~وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} فأخبر سبحانه أنهم استحبوا الحياة الدنيا ~~على الآخرة فلو كانوا مجبورين فقضا عليهم ما استحبوا شيئا، ولا قدروا من ~~بعد أن هداهم أن يستحبوا العمى، هذا كتاب الله عز وجل ينطق بخلاف ما قالت ~~المجبرة، ومن ذلك ما قالت الجاهلية به مثل قول المجبرة فسموا وبحروا وحموا، ~~وكان هذا فعلهم في إبلهم وغنمهم، فإذا كان رجل غائب نذر إن رده الله أن ~~يسيب بعض إبله، وكذلك في الحام إذا ضرب في إبلهم الحمل حتى يضرب معه أولاد ~~أولاده حلوه، وقالوا قد حمى ظهره، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم أمرهم أن يأخذوا إبلهم وغنمهم التي قد أرسلوها، وكانت أضرت بالناس ~~تشرب مياههم ويكثر منها ضرهم، فقالوا: يا محمد إن هذا أمر أمرنا الله به، ~~وقضاه علينا ولا يستحل أخذها، فأكذبهم الله عز وجل فيما قالوا فقال: ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، فلو كانت أفعال العباد بقضاء الله عز وجل ~~كما يقول الجاهل ما أكذبهم الله فيما ادعوه عليه، ولكنهم مخيرون في أفعالهم ~~غير مجبورين على أعمالهم، فسبحان من لا يظلم العباد، ولا ms1514 يقض عليهم أبدا ~~بالفساد، وقد يكون أيضا من الضلال الخذلان على ما يكون منهم من الجرأة ~~والعصيان، فإذا كانوا كذلك وقع عليهم اسم الضلال، ولزمهم الخذلان، وليس هو ~~سبحانه يجبرهم على معصيته ولا يخرجهم عن طاعته، ولو كام PageV18P176 ذلك كذلك لكان فعله لا فعلهم، وكانت إرادته لا إرادتهم، ولم يكن لهم في ذلك ~~ذنب فيندمون عليه، ولا عمل فيعاقبون فيه، عز عن ذلك ذي العزة والسلطان، بل ~~هو بريء من أفعال العباد، فتعال عن الظلم والفساد، وكيف يقدر أحد أن ينسب ~~معاصي العباد إلى الله سبحانه، وهو يقول في كتابه: {ألم ترى إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} فلو كان التنزيل من الله عز ~~وجل يقضا عليهم ما نسبه إليه، وفي ذلك يقول سبحانه وجل عن كل شأن شانه: ذلك ~~بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فكان بدؤ ~~النعم والإفضال من الله عليهم، وكان التغيير منهم لا منه، فذكر عز وجل ~~تغييرهم لما أنعم عليهم به، ولو كان منه لنسبه إلى نفسه وما ذمهم على فعله، ~~وفي ذلك ما يقول سبحانه: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه ~~من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} ~~فيقول الكذاب لووا ألسنتهم به، وقضاء عليهم بالكذب عليهم، فإن قال بذلك ~~قائل كان من الظالمين ولعذاب الله من المستوجبين؛ لأن الله سبحانه ينفيه عن ~~نفسه وينسبه إليهم، والله يقول الحق، ويأمر[137] بالصدق، ويذم على الكذب، ~~ويقول عز وجل: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا} فهذا قوله للمخلوقين وذمهم على رميهم بخطابهم المسلمين، فكيف ~~يجوز على رب العالمين أن يقضي على خلقه بقضاء وينزل فيهم أمره وما شاء، ثم ~~ينسبه إليهم ويحيله عليهم ويعذبهم عليه وبذمهم أشد الذم؟ ومن ذلك ما يقول ~~الله سبحانه: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل ms1515 أالله أذن لكم أم على PageV18P177 الله تفترون} فقال: جعلتم منه حرما وحلالا، فلولا أن لهم فعلا وقد تعدوا ~~فيه ما قال جعلتم ولقال خلقت، وما قال عز وجل: {قل أالله أذن لكم أم على ~~الله تفترون} فأخبر تبارك وتعالى بافترائهم عليه، ومخالفتهم له، فكيف يجوز ~~لأحد من المسلمين أن ينسب إلى الله أفعال الظالمين فهو سبحانه يبرئ نفسه من ~~ذلك وكتابه المستبين، فما يقول بذلك إلا من كانت حاله كما قال سبحانه في ~~الظالمين: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله ~~بغافل عما تعملون}. PageV18P178 # ولعمري إن من اتبع المتشابه وحلا بآية متشابهة ثم فسرها بجهله وقاسها ~~بعقله.........الصواب ناء عن الحق والجواب، يخبط أبدا في غشواء مظلمة ويحكم ~~الآيات المتشابهات على الأمهات المحكمات، ولقد أخبر الله سبحانه عنهم، وعن ~~ما يكون من فعلهم فقال: {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله} والفتنة فهي هلاك المسلمين وتضليلهم...........عن الحق فعابهم الله ~~سبحانه بذلك، والكتاب فإنما هو نور وبيان، وهذا برهان يهدي به الله من ~~الحيرة، وينقذ به من الهلكة، وليس من آية متشابهة إلا وفي كتاب الله ~~.........آيات كثيرة محكمات ولها مفسرات، فاعقلوا المحكم وطلبوا المتشابه ~~{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~فأخبر سبحانه أن له مترجمين، ولغامضه عالمين، ولحكمه مصيبين ومفسرين، كل ما ~~ذكر من المتشابه بحجج بينة ودلائل نيرة، ويكتب تحت هذه الآية ~~المتشابهة.............من كتاب الله يشهدون على ما قلنا، ويحكمن بالصدق ~~لنا، ومن حكم له الكتاب فهو المصيب في فعله المحمود في قصده، ولو كان الأمر ~~في أفعال العباد بقضاء من الله سبحانه وقدر كما يقول الجاهل، ثم عاقبهم ~~عليه لكان ظالما لهم متعديا عليهم، إذ لا حيلة لهم في قضائه، ولا مصدر لهم ~~عن مشيئته، ونعوذ بالله أن نقول بذلك في ربنا أو ننسبه إلى خالقنا إنا إذا ~~لمن الجاهلين، وكيف يقول بهذه المقالة عاقل ms1516 فطن أو عارف بالله موقن، والله ~~سبحانه يكذبهم في كتابه حين يقول: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فقال فمن يعمل ~~فلو كان قضاه عليهم ما قال فمن يعمل مثقال ذرة لأنه لا عمل لهم، ولا سبيل ~~إلى شيء إذا قضى عليهم، فدل سبحانه بأنهم مفوضون لا PageV18P179 مجبورون، ثم قال ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا، ثم قال وتلكم ~~الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، فأخبر سبحانه أنهم أورثوها وأعطوها ~~بأعمالهم وحسن طاعتهم، ولو كانوا مجبورين ما جعل لهم أعمالا، إذ العمل لهم ~~لا لغيرهم، ثم قال سبحانه: {فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون} فلوا ~~كانوا مجبورين ما سألوا ولا نسب العمل إليهم كما لم ينسب خلقهم[138] وما ~~جعل الله من رزقهم إليهم ثم قال: {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين} فأخبر أنهم استكبروا وعتوا وكانوا بفعلهم مجرمين، ~~ولعذابه من المستوجبين، ثم قال سبحانه للكافر الظالم الكذاب عند قوله: {لو ~~أن الله هداني لكنت من المتقين} فأكذبه الله في قوله فقال: {بلى قد جاءتك ~~آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين} أفيجوز لأحد من المؤمنين أو من ~~عرف الله من الموحدين أن يقول: إن هذا الكافر قال لو أن الله هداني لكنت من ~~المتقين إذا قضي عليه بالكفر والله سبحانه يكذبه في ذلك، ويلومه فيه، ~~ويعذبه عليه، فإن قال بهذا قائل فقد أكذب كتاب الله وعاند الله سبحانه، وإن ~~قال: إن الكاذب افترا واجترأ في فعله فقد رجع إلى الحق والصواب، ثم قال ~~سبحانه: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} فذلك يدل أنهم مخيرون ~~ومن الاستطاعة ممكنون، ودل أن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، وما ~~كان منهم من إحسان وطاعة وإيمان فلهم، وما كان منهم من معصية وإساءة ~~فعليهم، وجعل لهم سبحانه على الطاعة ثوابا، وأوجد لهم على المعصية عقابا، ~~ولا يجوز في عدل الله الواحد الكريم أن يأمر بطاعته ms1517 ويرسل النبيين معذرين ~~ومنذرين ومبشرين إلا وقد جعل لهم إلى ما أمر به من الطاعة سبيلا، وأبان لهم ~~إليه طريقا، ولا ينهاهم PageV18P180 عن معصيته ويذمهم في مخالفته إلا وقد أمرهم بتركها، ومكنهم من اعتزالها ~~والرفض لها، لأنه سبحانه وجل عن كل شأن شانه، متعال عن ظلم عبيده، رؤف ~~بخلقه، وفي ذلك يقول عز وجل: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} فلولا ~~أنهم قد مكنوا من الطاعة، وخلق الله لهم سبحانه الاستطاعة ما قال: {إن ~~شكرتم وآمنتم} وكيف يقدر على شكر، أو دين أو إحسان من قد منع من ذلك وقضي ~~عليه بضده حتما، أو كيف يندبهم إلى ما قد حال بينهم وبينه وهو الرؤوف ~~الرحيم بهم، المتفضل عليهم، ويقول سبحانه: و{لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب} فقد صفح ذو العزة عنهم في هذه الدنيا، وأملى لهم وأعذر، فكيف ~~يؤاخذهم بما لم يجترموا، وما لهم في أعمالهم ساغة يعملوا، وهذا من المقال ~~فاسد مدخول لا يقبله إلا كل عقل مخيول، إن الله عز وجل نزل كتابه وجعل فيه ~~شفاء الصدور وبيان الأمور، وفيه الحق والبيان، والعدل والإحسان، فلن يضل من ~~تعلق به وعمل بأحكامه، ووقف عند أمره، وهل يقدر أحد أن يقول المعاصي بقضاء ~~من الله وقدر، بعدما بين الله في كتابه، إلا أن يكون مكابرا لعقله، تاركا ~~لتمييزه، فمثله كما قال الله سبحانه: {كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} فأصبح بتركة الحق قد غوى ~~رشده، وترك يقينا قصده، وإلا فمتى يستجاب من قال: إن الله يقضي بالمعاصي ~~ويدعو ربه على ستر العورة، وهو يزعم أن الساتر لها الذي أدخله فيها وجبره ~~عليها، وألزمه إياها، ومن يطلب غفران الذنب وهو يزعم أن الذي يغفره هو الذي ~~أوقعه في الذنب وألزمه الخطيئة، فكيف يستغفر الله من فعله ويتوب إليه من ~~قضائه، هذا قول محال، والله سبحانه منه بريء، وعنه متقدس أن يقضي بالفساد ~~ولا يقض بظلم العباد، فإليه نرغب في ms1518 التوفيق والسداد إنه ولي كل PageV18P181 نعمة، والدافع لكل نازلة، وهو حسبنا ونعم الوكيل مما يسأل عنه[139] من يزعم ~~أن أفعال العباد بقضاء من الله وقدر واستطاعة يحدث عنه الفعل أن يقال له: ~~هل يقدر من كان مثلنا في طولنا وقدرنا أن يلمس السماء ويأخذ القمر؟ فإن ~~قالوا: لا يكون ذلك ولا يمكن، قيل لهم: فإن رفع إلى السماء أو أحدث الله ~~شيا يقدر به على ذلك، فإن قالوا: لا يقدر إلا بما ذكرتم من هذه الأشياء، ~~قيل لهم: أفليس هذه الأشياء غيره فلابد من قول نعم، فيقال لهم: أفيجوز أن ~~يكلف الله الكافر الإيمان ولا يحدث له القوة التي هي غيره، وبنزولها يلحق ~~الإيمان؟ فإن قالوا نعم يلحق الإيمان قبل نزولها، قيل لهم: فكذلك أيضا يجب ~~أن يلحق الإنسان السماء من قبل نزول سبب يقدر به على ذلك، فإن قالوا: لا ~~يمكن الإيمان حتى تحدث القوة ولا يمكن الرقى إلى السماء حتى تحدث استطاعة ~~من الله له في ذلك، قيل لهم: أفيجوز أن يكلف الكافر الإيمان والإيمان لا ~~يكون من الكفار حتى يحدث لهم قوة هي غيرهم؟ كما لا يجوز أن يكلفنا أن نلمس ~~النجوم ونحن لا نقدر على ذلك، حتى يكون السبب الذي هو غيرنا فبينوا لنا ذلك ~~وأفرقوا بين المعنيين فلن يجدوا بدا إلى غيره سبيلا إلا الرجوع إلى الحق. PageV18P182 # ومما يسألون عنه من حكم كتاب الله أن يقال لهم خبرونا عن قول الله تباركت ~~أسماؤه وجل ثناؤه: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} أفليس قد أخبر الله عز وجل أنه إنما يريد ~~البيان لهم والتوبة والهدى، وأراد الكافرون الزيغ والردى؟ فإن قالوا: نعم، ~~رجعوا إلى الحق، وتركوا قول الباطل، وإن قالوا: بل الله أراد الميل وقضى به ~~عليهم، خالفوا الله في قوله ونسبوا إليه ما لم ينسبه إلى نفسه، وصدقوا قول ~~المبطلين، وشكوا في قول رب ms1519 العالمين، فهذا من أقبح مقال وأحول محال، ثم قال ~~سبحانه: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} وزعمت القدرية المجبرة أن الله يقضي ~~بضد العدل والإحسان، ويريد الجور والعصيان، والله سبحانه ينفي ذلك عن نفسه ~~بما بين في كتابه، أفيجوز لمسلم يؤمن بالله أن يصدق الظالمين في كذبهم، ~~وترك ما بين الله سبحانه من إرادته وحكمته وعدله، والله أحق بالصدق والحق ~~منهم، تعالى عما يقول فيه الظالمون، وينسبه إليه الجائرون. PageV18P183 # ويقال لمن قال: إن الله يقضي بخلق أفعال العباد، خبرونا عن قول الله ~~سبحانه: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} أفيقدر أحد أن يقول ~~أنهم صدقوا في قولهم إن الله لم يشاء إيمانهم، فإن قال بذلك قائل كذب الله ~~وصدقهم، ومن قال بذلك فقد كفر، وتعدا وخرج في أمر الله إلى الباطل ~~والاستهزاء، فإن قالوا بذلك كذبوا على الله وقد شاء منهم الإيمان ودعاهم ~~إليه، ولم يشاء منهم الشرك، رجعوا عن قولهم وصاروا إلى الحق في دينهم. # ومما يسألون عنه أن يقال لهم خبرونا عن قول الله سبحانه: {وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} ~~أفيقولون إن شركاؤهم الذين زينوا لهم قتل أولادهم ليردوهم بقتل أولادهم، ~~فإن قالوا نعم هم المزينون[140] لهم رجعوا عن قولهم وقالوا بالصدق على ~~ربهم، وإن قالوا: بل الله قضاء بذلك عليهم وزينه لهم فقد ردوا كتاب الله ~~وتركوا الحق والصواب، وصاروا بقولهم إلى شر مآب. # ومما يسألون عنه أن يقال لهم خبرونا عن قول الله سبحانه: {قاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} فلا يخلو أمره سبحانه لنبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يقاتلهم من أحد المعنين: PageV18P184 # إما أن يكون كفرهم ومعصيتهم بقضاء منه عز وجل قضى ms1520 به عليهم وأدخلهم فيه، ~~فليس في قضاء الله حيلة لهم فقد ظلمهم إذ حال بينهم وبين الإيمان، وقضى ~~عليهم بالكفر والعصيان، ثم يأمر نبيه بقتلهم وقتالهم، وحض على جهادهم على ~~فعله، وعاقبهم على إرادته وقضائه، عز وجل عن ذلك تعالى ربنا الواحد الكريم، ~~أو تكون الطاعة التي أمر بها نبيه بقتالهم حتى يفيؤا إليها، هم عليها ~~قادرون وبها مستمسكون مخيرون، فقتالهم واجب، والفرض فيهم من الله لازم، حتى ~~يتركوا أهواء أنفسهم، ويرجعوا إلى طاعة ربهم، فمن رجع إلى هذا القول صح ~~قوله وسلم من معصية ربه. # ومما يسألون عنه أن يقال لهم خبرونا عن المقعد الذي خلقه الله هل تلزمه ~~الصلاة قائما ولا تحل له غير ذلك؟ وإن صلى قاعدا لزمنا التغيير عليه كما ~~يلزمنا التغيير على من صلى قاعدا وهو يطيق القيام، فإن قالوا: يلزم المقعد ~~أن يصلي قائما فقد كلفوه ما لا يطيق، ولا يجد إليه سبيلا، وإن قالوا: يصلي ~~قاعدا وهو عند الله معذور وعندنا غير مذموم؛ لأنه ممنوع من ذلك لا حيلة ~~إليه؛ لأن الله لم يكلف نفسا إلا وسعها، فقد أصابوا الحق ورجعوا عن الباطل ~~إلى الصدق، فيقال لهم: فما عذرتم هذا المقعد وحكمتم له عند الله بالسلامة ~~إذا كان لا يطيق القيام لما ابتلاه الله له، ولم تعذروا من منعه من الطاعة ~~وقضى عليه بالمعصية، كما قضى على المقعد بالقعود فلم تكن له حيلة، كذلك قضى ~~على العاصي بالمعصية فلم يكن له في الطاعة سبيل، فيجب في عدل الله عز وجل ~~أن لا يعذب من حكم عليه، وقضى بالكفران منعه من الطاعة، ويجب على المسلمين ~~أن لا يكرهوا ما أراد الله، وأن يقوموا بعذر هذا الكافر المقضى عليه، كما ~~قاموا بعذر المقعد في الصلاة إذ لا حيلة له إلى غير ذلك، وإلا فما الفرق ~~بين القضائين والحكمين؟ لا فرق بينهما عند من أنصف وعقل، إلا أن يكابر ~~مكابرة فيشهد بالعجز على نفسه، ولا يجب مناظرته لما بان من جهله وقلة فهمه. PageV18P185 # ومما يسأل عنه ms1521 من قال أن لا يكون مستطيعا للفعل إلا عند الفعل ونزوله ~~خبرونا عن ذلك أعتق عبيدا له متى استطاع أن يعتقهم أفي حال هم فيها مماليك ~~أم في حال هم فيها أحرار، فإن زعموا أنه استطاع أن يعتقهم في حال هم فيها ~~عبيد فقد زعموا أن الاستطاعة قبل الفعل، لا حال العبودية فيهم قبل حال ~~العتق، فإن قالوا بذلك فقد أنصفوا ورجعوا إلى الحق وتركوا قولهم، وإن زعموا ~~أنه استطاع أن يعتقهم في حال هم فيها عبيد فقد زعموا أن الناس يستطيعون عتق ~~الأحرار، وهذا خروج من العقل والصواب، انتهى كلامه عليه السلام . # وفي القرآن الكريم من هذا ما يكثر مما فيه هدى وشفاء، ولكن هذا القدر ~~بحمد الله من كلام أئمتنا عليهم السلام كاف لمن نظر بعين البصيرة، وانقاد ~~لحكم الضرورة، فلا وجه لتطويل الكلام بغيره؛ لأن في هذا القدر بيانا شافيا ~~لمن نصح[141] نفسه ولم يعرها...........المستضعفين ويسهل لنفسه ولهم طرق ~~معاصي الله سبحانه وتعالى عما يفترون. # واعلم أنه تعالى لما حذر عن نقض العهود والأيمان على الإطلاق قال: {ولا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم} كرر النهي عن إتخاذ الأيمان دخلا بينهم تأكيدا ~~عليهم، وإظهار لعظيم ما تركب منه، وقوله دخلا أحد مفعولي اتخذ، يعني ولا ~~تنقضوا أيمانكم .......دخلا بينكم أي مفسدة {فتزل قدم بعد ثبوتها} يعني ~~فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام، استعظم زلل قدم واحد فكيف أقدام، وهذا مثل ~~مضروب بزلة القدم، والمعنى بذلك زللهم في الدين وميلهم بعد ثباتهم عليه، ~~واعتدالهم، كما قال: # ...........قد زلت بأقدامها النعل PageV18P186 ذكره الحسين بن القاسم عليهما السلام وهذا المثل يذكر لكل من وقع في بلاء ~~بعد عافية، ومحنة بعد نعمة، فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات ~~العالية، ووقع في هذه الضلالة، ويدل على هذا قوله: {وتذوقوا السوء} أي ~~العذاب في الدنيا {بما صددتم} أي بصدودكم {عن سبيل الله} وخروجكم عن دينة ~~بنقض البيعة، أو بصدكم غيركم؛ لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وأريدوا لأخذوا ~~نقضها سنة لغيرهم يستنون بها، فكأنهم ms1522 صدوا غيرهم، ثم قال {ولكم} في الآخرة ~~{عذاب عظيم} وعقاب شديد، ثم أكد التحذير فقال: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا} أي ولا تستبدلوا بعهد الله وبيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~غرضا من الدنيا يسيرا، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا {إنما ~~عند الله} من إظهاركم عليهم وتغنيمكم إياهم ومن ثواب الآخرة {هو خير لكم إن ~~كنتم تعلمون} أي ممن يعلم وفيه تجهيل لهم على ميلهم إلى ما زينه الشيطان، ~~وكأنهم قوم ممن أسلم بمكة زين لهم ذلك فثبتهم الله تعالى، وإن كنتم تعلمون ~~التفاوت بين خيرات الدنيا والآخرة، ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند ~~الله خير مما يجدونه من طيبات الدنيا فقال: {ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق} من خزائن رحمته، أي دائم لا ينقطع. # واعلم أن المؤمن إذا آمن بالله فقد التزم شرائع الإسلام والإيمان، وحينئذ ~~يجب عليه أمران: # أحدهما: أن يصير على ذلك الإلتزام، وأن لا يجزع عنه، وأن لا ينقضه بعد ثبوته. PageV18P187 # والثاني: أن يأتي بكل ما هو من شرائع الإسلام ولوازمه، إذا عرفت هذا فاعلم ~~أنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر على ما التزموه، فقال: ~~{ولنجزين الذين صبروا} على أذاء المشركين ومشاق الإسلام الذي التزموه ~~{أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} أي بعملهم الذي هو أحسن الأعمال، حيث صبروا ~~وأخلصوا، وقرئ ولنجزين بالنون والياء، ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم ~~الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال: {من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن} كامل الإيمان بترك الكبائر، وهذا شرط {فلنحيينه حياة طيبة}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني حياة الآخرة، ومثله في ~~(البرهان). # وفي (الكشاف): حياة طيبة يعني في الدنيا وهو الظاهر لقوله: {ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} في مضاعفة الجزاء، كما قال: {من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها} ولا شبهة في أن المراد منه ما يكون في الآخرة، فوعده الله ~~ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: {فآتاهم ms1523 الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} ~~وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا يعيش عيشا طيبا، إن كان ~~موسرا فلا.........فيه، وإن كان معسرا فمعه ما يطيب[142] عيشه وهو القناعة ~~والرضا بقسمة الله عز وجل. # قلت: وقد فسر الحياة الطيبة بالقناعة أمير المؤمنين، وسيد الوصيين علي بن ~~أبي طالب عليه السلام في (نهج البلاغة). PageV18P188 # وأما الآخر في الدنيا فقال عليه السلام في جواب كتبه إلى محمد بن أبي بكر ~~وأهل مصر ما لفظه: اعلموا عباد الله أن المؤمن يعمل بثلاث خصال من الأعمال، ~~منها..........في الأولى والآخرة، والله يصيبه بعمله في دنياه وآخرته، قال ~~تعالى لإبراهيم: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} انتهى. # وقال تعالى: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة}. # وأم الفاجر فأمره على العكس إن كان معسرا فلا إشكال في أمره، وإن كان ~~موسرا فالحرص لا يدعه أن يهنأ بعيشه. # وعن ابن عباس: إن الحياة الطيبة الرزق الحلال. # وعن الحسن: القناعة، وقيل: هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه. # واعلم أنه تعالى لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه وصل بقوله: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ابدأ بالاستعاذة من جملة الأعمال ~~الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب، وإرشاد إلى العمل الذي يه تخلص ~~أعماله عن الوساوس، والمعنى فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، أي المرجوم بالشهب، كقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} وكقولك: إذا أكلت فسم الله. # واعلم أن الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب والاستعاذة مانعة من ~~ذلك، فلهذا السبب أمر الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة، حتى تبقى ~~تلك القراءة مصونة عن الوسوسة، وإن كان الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا أن المراد به الكل؛ لأن الرسول لما كان محتاجا إلى الاستعاذة عند ~~القراءة فغير الرسول أولى بها. PageV18P189 # واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستعاذة من ~~الشيطان، وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، ms1524 أزال ~~الله تعالى هذا الوهم، وأخبر أنه لا قدر له البتة إلا على الوسوسة، فقال: ~~{إنه ليس له سلطان} أي تسلط وولاية {على الذين آمنوا} أي ليس له عليهم حجة ~~في الإغواء؛ لأنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع ~~خطواته {وعلى ربهم يتوكلون} لا يفوضون إلا إليه، ثم قال: {إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه} أي يطيعونه ويميلون إلى قوله فهم أولياؤه، يقال: توليته أي ~~أطعت وتوليت عنه أي أعرضت عنه {والذين هم به مشركون} أي شبه طاعتهم فيما ~~يدعوهم إليه. # قال في (البرهان): والذين هم به مشركون يعني بالله تعالى، ويحتمل أن يكون ~~هم الذيم أشركوا الشيطان في عملهم، انتهى، فسماهم الله مشركين حين أطاعوا ~~الله، أو أطاعوا الشيطان في أعمالهم، انتهى، فسماهم الله مشركين حين أطاعوا ~~الله وأطاعوا الشيطان، أو أطاعوا الشيطان في أعمال عز وجل، ثم إنه تعالى ~~شرع بعد هذا في حكايات شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: {وإذا بدلنا آية مكان آية} أي نسخنا آية بآية أخرى. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: التبديل هو النسخ للأحكام، ~~والتحويل، وإنما يبدا الحكم بالنقل إلى غيره، أو بالزيادة في الفرض، أو ~~بالتخفيف منه، فأما التلاوة فلا تبدل ولا تترك أبدا، ولا تنقل ولا تمحا ~~الآية ولا تبطل، ولكن لا يحكم بها ولا يعمل، انتهى. # قال في (الكشاف): والله ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لأنها مصالح وما كان ~~مصلحة أمس يجوز أن تكون مفسدة اليوم وخلافه[143] مصلحة، والله عز وجل عالم ~~بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما شاء وينسخ ما يشاء بحكمته، انتهى، وهذا معنى ~~قوله: {والله أعلم بما ينزل}. PageV18P190 # قال ابن عباس: كان إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها يقول كفار ~~قريش: والله ما محمد إلا يسحر بأصحابه اليوم يأمر وغدا ينهي، وإنه لا يقول ~~هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى قوله: {وإذا بدلنا آية مكان ~~آية} وقوله: {والله أعلم بما ينزل} اعتراض دخل في الكلام، والمعنى ms1525 والله ~~أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ، والتغليظ والتخفيف، أي هو أعلم بجميع ~~ذلك في مصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم حيث {قالوا إنما أنت ~~مفتر} كذاب على الله تعالى، وجدوا مدخلا للطعن فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم ~~عن العلم بالناسخ والمنسوخ، والمعنى وإذا كان هو أعلم بما ينزل فما بالهم ~~ينسبون محمدا إلى الافتراء والتبديل والنسخ، ثم قال: {بل أكثرهم لا يعلمون} ~~حقيقة القرآن، وفائدة النسخ والتبديل، أن ذلك لمصالح العباد، كما أن الطبيب ~~يأمر المريض بشربة ثم بعد مدة ينهاه عنها، ويأمر بضد تلك الشربة، ثم قال ~~تعالى: {قل} يا محمد {نزله روح القدس من ربك}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: روح القدس هو جبريل عليه السلام ، ~~والقدس العلو والنزاهة، فكذلك جبريل قد نزهه الله ورفع قدره وبارك فيه ~~وطهره فصلوات الله عليه وعلى إخوانه انتهى. PageV18P191 # وأضيف الروح إلى القدس وهو الطهر والمراد الروح المقدس، أي المطهر عن ~~المآثم، كما يقال حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد بالروح المقدس وحاتم ~~الجواد وزيد الخير، وقوله: {بالحق} في موضع الحال أي نزله متلبسا بالحكمة ~~والحق والصواب، يعني أن النسخ من جملة الحق {ليثبت الذين آمنوا} أي ليخبرهم ~~بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق حكم لهم بالثبات وصحة اليقين {وهدى وبشرى ~~للمسلمين} مفعول لهما معطوفان لهما على محل التثبت، والتقدير تبيينا لهم ~~وإرشادا، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم، وقرئ ليثبت بالتخفيف، ~~ثم حكى تعالى شبهة أخرى من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه} ~~اللسان هو اللغة، أي لفظ الرجل الذي يزعمون أنه يعلمك {أعجمي} غي بين ~~{وهذا} القرآن {لسان عربي} بلغة العرب {مبين} أي ذو بيان وفصاحة عجزت العرب ~~على فصاحتهم عن مثله فكيف بالأعجمي. # قال الهادي عليه السلام: كانت قريش ومن معهم من المشركين يتكلمون في رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون أن رجلا كان ينزل بالطائف أعجمي ~~اللسان يعلم ms1526 النبي ما يأتي به عن الله فأكذبهم الله، واحتج عليهم وبين ~~فضيحتهم بما ذكر من عجمة الذين يلحدون إليه أنه يعلم النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فلسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين، يقول هذا ~~القرآن الذي جاء به والذكر عن الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بلسان العربي المبين لا بلسان العجمي، انتهى. PageV18P192 # قال في (الكشاف): عنوا غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه ~~اسمه عائش أو يعيش، وكان صاحب كتب، وقيل: هو حبر غلام رومي كان لعامر بن ~~الحضرمي، وقيل: سلمان الفارسي، وقيل غير ذلك144] في (البرهان)، والذي أراد ~~به المشركون فيما ذكروه من تعليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو سلمان ~~الفارسي. # قلت: وقد اعترض على هذا القول بأن سلمان رضي الله عنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى المدينة، وهذه الآية مكية، فلا يصح هذا القول، والله أعلم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والأصل في تفسير هذا أن المشركين ~~قالوا: لعل محمدا تعلمه من يهودي أو نصراني فرد الله عليهم في قولهم؛ لأن ~~القرآن عربي فيه من الغرائب ما لا تحصى، ومن العجائب والحكمة ما لا يستقصا، ~~وإنما ذكرنا في كتابنا هذا من تأويل القرآن غريب ما حكى الله تعالى في ~~الفرقان، فأما عجائب القرآن وأسراره وآدابه وتوحيده وأخباره، فسنذكر منها ~~إن بلغنا الله ما نؤمل إلى آخر كلامه عليه السلام . PageV18P193 # ولما ذكر الله تعالى هذا الجواب أرفده بالتهديد والوعيد فقال: {إن الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله} أي لا يصدقونها ولا يقبلون هدى الله {لا يهديهم الله} ~~أي لا يلطف بهم؛ لأنهم من أهل الخذلان في الدنيا {ولهم عذاب أليم} في ~~الآخرة، ثم بين تعالى كونهم كاذبين في ذلك القول فقال: {إنما يفتري الكذب ~~الذين لا يؤمنون بآيات الله} لأنهم لا يرقبون عقابا، وهم قريش، وهذا رد ~~لقولهم إنما أنت مفتر، وفي هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر ~~الكبائر وأفحش ms1527 الفواحش، والدليل عليه أن كلمة إنما للحصر، والمعنى أن الكذب ~~والفرية لا يقدم عليه إلا من كان غير مؤمن بآيات الله، وإلا من كان كافرا، ~~وهذا تهديد في النهاية، ثم قال: {وأولئك هم الكاذبون} المفترون تنبيها على ~~أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة، وهذا كما يقول كذبت وأنت كاذب، زيادة ~~في الوصف بالكذب، ومعناه أن يكون كاذبا. # واعلم أنه تعالى لما ذكر تهديد الكافرين ذكر بعده تفصيلا في بيان من يكفر ~~بلسانه لا بقلبه ومن يكفر بلسانه وقلبه معا فقال سبحانه: {من كفر بالله من ~~بعد إيمانه} قوله من كفر بالله من بعد إيمانه مبتدأ وخبره غير مذكور، فلهذا ~~السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوها: # الأول: أن يكون قوله من كفر بدلا من قوله الذين يؤمنون بآيات الله، ~~والتقدير إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم ~~المكره، فلم يدخل تحت حكم الافتراء، وعلى هذا التقدير فقوله: {فأولئك هم ~~الكافرون} اعتراض وقع بين المبدل والمبدل منه. # والثاني: يجوز أن يكون بدلا من الخبر الذي هو الكاذبون، والتقدير أولئك ~~هم الكاذبون، يعني من كفر بالله بعد إيمانه. # والثاني: يجوز أن ينتصب على الذم والتقدير وأولئك هم الكاذبون، يعني من ~~كفر بالله بعد إيمانه. PageV18P194 # الرابع: أن يكون قوله من كفر بالله من بعد إيمانه شرطا مبتدأ وحذف جوابه؛ ~~لأن جواب الشرط المذكور يدل على جوابه، كأنه قيل: من كفر بالله بعد إيمانه ~~فعليهم غضب من الله، ثم استثنى المكره على الكفر، فقال: {إلا من أكره} على ~~لفظ الكفر {وقلبه مطمئن بالإيمان} ساكن إليه {ولكن من شرح بالكفر صدرا} أي ~~اعتقد وطاب به نفسا {فعليهم غضب من الله} على كفرهم بعد إيمانهم، وغضب الله ~~إرادته عقاب العصاة، ثم وصف ذلك العقاب فقال: {ولهم عذاب عظيم} وأما إذا ~~أكره على الكفر فأظهره بلسانه وهو معتقد الإيمان بقلبه ليدفع عن نفسه بما ~~أظهر ......... دينه بما أضمر فهو على إيمانه ولو لم يضمر الإيمان ~~كان[145]كافرا. # وروي أن أناسا من أهل مكة فتنوا ms1528 فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان ~~فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد الإيمان، منهم عمار بن ~~ياسر، وسمية، وصهيب، وبلال، وخباب، وسالم، وعذبوا. # فأما سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجي في قبلها بحربة، وقالوا إنك أسلمت من ~~أجل الرجال فقتلت وقتل معها ياسر، وهما أول قتيل في الإسلام. # وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكره، فقيل يا رسول الله إن عمارا ~~كفر فقال: ((كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان ~~بلحمه ودمه)) فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي، فجعل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه وقال: ((مالك، إن عادوا لك ~~فعد لهم بما قلت)). # ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ثم أسلم مولاه وأسلم وحسن ~~إسلامهما، وهاجرا، رواه صاحب (الكشاف)، وقال: فإن قلت بأي الأمرين أفضل ~~أفعل عمار أم فعل أبويه؟ قلت: فعل أبويه لأن في ترك التقية والصبر على ~~القتل إعزاز للإسلام، وقد روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول ~~في محمد؟ PageV18P195 # قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنت ~~أيضا، فخلاه، وقال للآخر: ما تقول في محمد؟ # قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ما تقول في؟ فقال: أنا ~~أصم فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال: ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع ~~بالحق فهنيئا له)) ثم قال تعالى: {ذلك} أي الغضب والعذاب {بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا} أي اختاروها {على الآخرة} فاستحقوا بذلك الحذلان من الله ~~تعالى، وهو معنى قوله {وأن الله لا يهدي القوم الكافرين} بسبب استحقاقهم ~~للخذلان بالكفر، ثم أكد بيان خذلانهم وتركهم وشأنهم فقال: {أولئك الذين طبع ~~الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} يعني خذلهم بكفرهم حتى صارت قلوبهم ~~باختيارهم كالمطبوع عليها، فلا يدخل الإيمان فيها، وليس الطبع ونحوه يمنع ~~من الإيمان كما يزعمه أهل ms1529 الجبر والعصيان، والدليل على ذلك من وجوه: # الأول: أنه تعالى ذكر في معرض الذم لهم، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان لما ~~استحقوا الذم بتركه. # والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع، ~~ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما فلا يصح أن يكون مؤمنا، فضلا عن ~~طبع يلحقهما في القلب. PageV18P196 # والثالث: وصفهم بالغفلة حيث قال عز وجل: {وأولئك هم الغافلون} أي الكاملون ~~في الغفلة عن تدبير العواقب، ومن منع الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه، فثبت أن ~~المراد من هذا الطبع المجاز عبارة عن سلب الله تعالى الكفار والفساق تنوير ~~القلب الذي خص الله به المؤمنين؛ لأن من أطاع الله نور الله قلبه، وزاده ~~هدا إلى هداه، كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} ~~وكما قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} أي يرده هدا ونورا، ثم قال ~~تعالى: {لا جرم} أي حقا {أنهم في الآخرة هم الخاسرون} الكاملون في الخسران ~~لاستبدالهم الفانية بالباقية، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم، ولما ذكر ~~تعالى سبب الخوف حال من ذكر كلمه الكفر وحال من لم يذكرها ذكر بعده حال من ~~هاجر من بعدما فتن، فقال: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم ~~جاهدوا وصبروا} قرأ ابن عامرفتنوا بفتح الفاء على إسناد الفعل إلى الفاعل ~~أي من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي وأشباهه، وقرأ الباقون بضم الفاء ~~استنادا إلى الفاعل أي من بعد[146] على استناد فعل ما لم يسم فاعله، أي ~~عذبوا وأوذوا، والفتنة هاهنا هي العذاب من المشركين لهؤلاء المؤمنين ~~المستضعفين، ومعنى ثم دلالة على تباعد هؤلاء من حال أولئك، وهم عمار ~~وأصحابه، ومعنى إن ربك لهم إنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم وناصرهم لا ~~عدوهم وخاذلهم كما يكون الملك للرجل لا عليه فيكون محميا منفوعا غير مضرور، ~~ومعنى قوله: {إن ربك من بعدها} أي تلك الفتنة، أو هذه الأفعال التي هي ~~الهجرة والجهاد والصبر {لغفور رحيم} فأخبر سبحانه أنهم إذا هاجروا ms1530 وجاهدوا ~~وصبروا فإن الله يغفر لهم. PageV18P197 # أما قوله سبحانه: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} فقال الزجاج: يوم منصوب ~~على وحهين: # أحدهما: أن يكون المعنى إن ربك من بعدها لغفور رحيم، يوم تأتي كل نفس ~~يعني أنه تعالى يعطي الرحمة والفوز أي في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج ~~الإنسان فيه إلى الرحمة والغفران. # والثاني: أن يكون التقدير وذكرهم يا محمد ذلك اليوم أي يوم القيامة، أو ~~واذكر يوم كذا وكذا؛ لأن معنى القرآن العظة والإنذار والذكر. # وأما قوله: كل نفس تجادل عن نفسها فمعناه يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ~~ذاته لا يهمه شيء غيره، قال تعالى: {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ومعنى ~~المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم هؤلاء أضلونا، ما كنا مشركين، ونحو ~~ذلك، ثم قال تعالى: {وتوفى كل نفس ما عملت} فيه محذوف، والمعنى توفى كل نفس ~~جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان، وهو معنى قوله: {وهم لا يظلمون} بزيادة ~~سيئة أو نقصان حسنة. # واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضا ~~بآفات الدنيا، وهو الوقوع في الجزع والخوف، فقال عز وجل: {وضرب الله مثلا قرية}. # قال الرازي: فهذه القرية التي ضرب الله بها المثل يحتمل أن يكون شيئا ~~مفروضا، ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك إن تكون ~~مكة أو غيرها، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة، والأقرب أنها غير مكة؛ ~~لأنها ضربت مثلا لمكة، ومثل مكة تكون غير مكة. # قال في (الكشاف): وجعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله ~~عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا أو تولوا، فأنزل الله بهم النقمة، فيجوز أن ~~يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن يكون في قرى الأولين قرية كانت هذه ~~حالها فضربها الله مثلا لمكة، إنذار من مثل عاقبتها، ثم ذكر تعالى لهذه ~~القرية صفات: PageV18P198 # الصفة الأولى قوله: {كانت آمنة} أي ذات أمن لا يغار على أهلها، كما قال: ~~{أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس ms1531 من حولهم} والأمر في مكة كان ~~كذلك؛ لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض. # أما أهل مكة فإنهم كانوا أهل حرم الله، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم ~~بالتعظيم والتكريم. # واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن، وإن كان كذلك لأهلها لأجل أنها مكان ~~الأمن، فطرف له والطروف من الأزمنة والأمكنة يوصف لأجلها كما يقال طيب، ~~وحار وبارد. # والصفة الثانية: قوله: {مطمئنة} أي قارة بأهلها لا يزعجهم خوف ولا ضيق عنها. # والثالثة قوله: {يأتيها رزقها رغدا من كل مكان} من أماكن الرزق تجبى إليه ~~ثمرات كل شيء، والسبب إجابة دعواه إبراهيم عليه السلام وهو قوله: {فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات} وقد قال العقلاء ثلاثة ليس ~~لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية، فقوله: آمنة إشارة إلى الأمن، ومطمئنة ~~إشارة إلى الصحة؛ لأن هو ذلك[147] البلد لما كان ملائما لا.......... ~~اطمأنوا إليها واستقروا فيها، وقوله: يأتيها رزقها إشارة إلى الكفاية، ~~ومعنى يأتيها رزقها رغدا أي جما كثيرا، قال الشاعر: # إلا إن معدا ذا بلاد بغيضة # إلي وإن كان المعاش بها رغدا PageV18P199 أي بغيضة إلي وإن كان المعاش بها كثير، ثم إنه تعالى وصف القرية بهذه ~~الصفات الثلاثة، قال: {فكفرت بأنعم الله} جمع نعمة حتى كذبوا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف}من سرايا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كانت تطوف بهم، وعذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى ~~أكلوا الجيف والعظام المحرقة، والعلهز والقد، ونقل ابن الزوايدي قال لابن ~~الأعرابي الأديب هل تذاق اللباس، فقال ابن الأعرابي: لا بأس ولا ناس بابها ~~النساس هب أن محمدا ما كان نبيا أما كان عربيا وكان مقصود اللعين ابن ~~الزوايدي الطعن في هذه الآية، وهو أن اللباس لا يذاق بل يلبس، فكان الواجب ~~أن يقال فكساهم الله لباس الجوع، أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع، وجوابه ~~من وجوه: # الأول: أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان: # أحدهما: أن المذوق هو الطعام، فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع. ms1532 # والثاني: أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا، فصار كانه أحاط من كل جهة فأشبه ~~اللباس الحاصل إنه حصل في ذلك الجوع حاله تشبه الذوق وحالة تشبه الملبوس، ~~فاعتبر الله كل الإعسارين فقال: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} إلا أنه ~~تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم، وقد يستعار فيوضع ~~موضع التفرق وهو الاختيار، يقول: ناظر فلان ودق ما عنده، قال الشاعر: # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها # وسيق إلينا عذبها وعذابها PageV18P200 واعلم أن هذه الآية الكريمة ونحوها من كتاب الله عز وجل الذي نزل على لغة ~~العرب من المجازات والمشابهات التي تعرف معناها، والمراد بها وأنها مجازات ~~واستعارات مبنية على التشبيهات المكتسبة للكلام حلية الفصاحة، وحقيقة ~~البلاغة، وموجب الإعجاز الذي هو آية نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الكبرى، ~~ومعجزاته العلياء، من ذلك ما يعلم كونه جاريا على تلك القواعد ضرورة، وما ~~أحسن قول القاسم بن إبراهيم عليهما السلام في هذا المعنى، حيث يقول: # تدرعت درعا للفتوح حصينة # ولا أرهب الدهر الخؤون لأنه # فأعددت للموت الإله وعفوه ... أصون بها عرضي واجعلها ذخرا # قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا # وأعددت للفقر القناعة والصبرا # وقد علم الناس أن القنوع والصبر والرضى بالقليل من القوت لا يحتاج إلى ~~درع تلبس له، وإنما هذا مثل مضروب، وإنما ضرب الله المثل باللباس لما كان ~~اللباس يغطي ويغمي ...........، وكذلك ضرب القاسم عليه السلام المثل بالدرع ~~لما كان الصبر يدفع ما يهمه ويتقي عنه بمشيئة الله ما يغمه، صار بمنزلة ~~الدرع الحصينة، وقيل: من لم يضرب الأمثال فليس بحكيم، والأصل في ضرب ~~الأمثال التوصل إلى الصفة للموصوفات والمعرفة لجميع المعروفات، وإنما ضرب ~~الله هذا المثل بالقرية تنبيها لأهل مكة وغيرهم، ليرهبوا مثل ذلك قبل ~~أن[148] ينزل بهم. # قال في (الكشاف): أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لسوغها في ~~البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه ~~العذاب، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع. # وأما ms1533 اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من ~~بعض الحوادث. # وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى ~~منهما ويلابس فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو ~~هذا طريقان لابد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما: PageV18P201 # أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له كما نظروا إليه هاهنا، ونحوه قول كثير: # غمر الردى إذا تبسم ضاحكا # علقت لضحكته رقاب المال # استعار الردى للمعروف؛ لأنه يصون عرض صاحبه صون الردى لما يلقى عليه، ~~ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروق والنوال لا صفة الردى، انظر إلى المستعار له. # والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار كقوله: # ينازعني ردائي عبد عمرو # لي الشطر الذي ملكت يميني ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر # ودونك فاعتجر منه بشطر # أراد بردائه سيفه، ثم قال: فاعتجر منه بشطر فنظر إلى المستعار في لفظ ~~الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل كساهم لباس الجوع والخوف، ولقال ~~كثر صافي الردى إذا تبسم ضاحكا، انتهى. # وهاهنا مثال أوضح نظر إلى المستعار نحو جاوزت بحر لا يزال تتلاطم أمواجه، ~~ولا يغيض فيضه، ولا يدرك قعره، هذا نظر إلى المستعار. # وأما النظر إلى المستعار له فنحو جاوزت بحرا ما أكثر علومه، وما أجمعه ~~للحقائق، وما أوقفه على الدقائق، والله أعلم. # ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور وشحوب اللون، ونهكة البدن، ~~وتغير الحال، وكسوف البال، ثم قال تعالى: {بما كانوا يصنعون} من الكفر ~~والإعراض عن شكر النعمة. # قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حين كذبوه ~~وأخرجوه من مكة، وهموا بقتله. # قال الفراء: ولم يقل بما صنعت، ومثله في القرآن كثير، ومنه قوله: فجاجا، ~~بأسنا، بياتا، أو هم قائلون ولم يقل قائلة؛ لأن المراد في الحقيقة أهلها، ~~ولما ذكر الله تعالى هذا المثل، قال: {ولقد جاءهم} يعني أهل مكة {رسول ~~منهم} في اللسان وفي النسب يعرفونه بأصله ونسبه {فكذبوه فأخذهم ms1534 العذاب}. # قال ابن عباس: يعني الجوع الذي كان بمكة، وقيل: القتل يوم بدر. PageV18P202 # وقال الحاكم عن الأصم: ولقد جاءهم يريد أهل القرية، وكانت في الأمم ~~الماضية، فأخذهم العذاب، يريد عذاب الاستئصال {وهم ظالمون} أي في حال ظلمهم ~~لأنفسهم بالكفر والتكذيب. # قال الرازي: وقول ابن عباس أولى؛ لأنه قال تعالى بعده: {فكلوا مما رزقكم ~~الله} يعني ذلك الجوع كان سبب كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا، فلهذا السبب ~~قال فكلوا مما رزقكم الله، لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وصل ذلك ~~بالفاء. # قال ابن عباس: فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد من الغنائم. # وقال الكلبي: إن رؤوساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ~~جهدوا[149]، وقالوا: عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان، وكانت الميرة ~~قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذن لهم في الحمل ~~إليهم فجمل إليهم الطعام، فقال تعالى: {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} ~~أي من الحلال الطيب، نهي لهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم الرديئة في ~~التحليل والتحريم {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون}. # اعلم أن الخطاب إن كان للمشركين فالمعنى إن كنتم تريدون أن تخصون الله ~~بالعبادة، وإن كان الخطاب للمؤمنين فالمعنى إن صحت طاعتكم لله...... عليها، ~~ثم عدد عليهم محرمات الله ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم وجهالاتهم ~~دون اتباع ما شرع الله على لسان نبيه فقال سبحانه: {إنما حرم عليكم الميتة} ~~ما يموت بغير ذكاة {والدم} كانوا يفصدون من الأنعام وينضحون الدم ويأكلونه ~~{ولحم الخنزير وما أهل لغير الله} أي رفع به الصوت عند الذبح. PageV18P203 # قال الرازي: إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة في هذه السورة؛ ~~لأن لفظة إنما تفيد الحصر، وحصرها أيضا في هذه الأربعة في سورة الأنعام، ~~وهو قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} وهاتان ~~السورتان مكيتان، وحصرها أيضا في هذه الآية في سورة البقرة؛ لأن هذه الآية ~~بهذه اللفظة وردت في سورة البقرة، وحصرها أيضا ms1535 في هذه الأربعة في سورة ~~المائدة، فإنه تعالى قال في أول هذه السورة: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ~~ما يتلى عليكم}فأباح الكل إلا ما يتلى عليهم، وأجمعوا على أن المراد بقوله ~~عليكم هو قوله تعالى في تلك السورة: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~وما أهل به لغير الله، فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور الثلاث، ثم ~~قال: {والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} ~~فهذه أشياء داخلة في الميتة، ثم قال: {وما ذبح على النصب} وهو أحد الأقسام ~~الداخلة تحت قوله: {وما أهل لغير الله} فثبت أن هذه السور الأربع دالة على ~~حصر المحرمات في هذه السور الأربع سورتان مكيتان وسورتان مدنيتان، فإن سورة ~~البقرة مدنية وسورة المائدة آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة، فمن أنكر حصر ~~التحريم في هذه الأربعة إلا ما خصه الإجماع، والدلائل القاطعة، كان في محل ~~أن يخشى عليه؛ لأن هذه السور دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربع كان ~~شرعا ثابتا في أول مكة وآخرها، وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور ~~الأربعة قطعا للأعذار وإزالة الشبهة، والله أعلم، انتهى. # قال الحسين بن القاسم: الإهلال بالشيء هو الذكر له والكلام، فكل ذبيحة ~~أهل بها لغير الله وذكر عليها غير اسمه فهي حرام، والإهلال هو الصوت ~~والكلام، قال الشاعر: # أهلوا بذكر الله وامضوا فإنني PageV18P204 مهل بذكر الغانيات وراجع # ثم قال سبحانه: {فمن اضطر} أي فمن ألجئ إلى شيء من الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وذبيحة المشركين {غير باغ ولا عاد} أي غير ظالم لنفسه ولا عاد ~~عليها بالظلم {فإن الله غفور رحيم} به لا يعذبه على ذلك، وأصل العدوان ~~والتعدي هو تعدي الحدود ومجاوزته لها إلى غيرهما مما لا يحل له، ولما حصر ~~تعالى المحرمات في هذه الأربع بالغ في تأكيد ذلك الحصر، وزيف طريقة الكفار ~~في الزيادة في هذه الأربع........، وفي النقصان عنها أخرى، فقال: {ولا ~~تقولوا لما تصف[150] ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} أي لا تقولوا بما ms1536 ~~تصفه ألسنتكم أراد تعالى نهيهم عن تحليلهم وتحريمهم بأهوائهم من غير اتباع ~~شريعة نبي، فإنهم كانوا محرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا ~~يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، فقد زادوا ~~في المحرمات وزادوا في في المحللات، وذلك لأنهم حللوا الميتة والدم ولحم ~~الخنزير، وما أهل به لغير الله، والله سبحانه بين المحرمات في هذه الأربعة، ~~وأخبر أن الأشياء الذين يقولون هذا حلال وهذا حرام كذب وافتراء على الله. # قال في (الكشاف): قوله هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب، ويجوز أن يتعلق ~~بتصف على إرادة القول، أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا ~~حلال وهذا حرام، ولا تقول أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام ذلك أن ينصب ~~الكذب متصف، ويجعل ما مصدرية، ويتعلق هذا حلال وهذا حرام ولا تقولوا أي ولا ~~تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب ومحضه، ثم قال تعالى: ~~{لتفتروا على الله الكذب} المعنى أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم ~~إلى الله تعالى، ويقولون أنه أمر بذلك. # قال الرازي: وأظن أن هذا اللام ليس لام الغرض؛ لأن ذلك الافتراء ما كان ~~غرضا لهم، بل كان لام العاقبة. PageV18P205 # وقال الواحدي: هو بدل من قوله: لما تصف ألسنتكم، ثم أوعد المفترين فقال: ~~{إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} أي لا يظفرون، ثم أخبر أن ما ~~هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم قريب، فقال سبحانه: {متاع قليل} أي ما هم ~~عليه من أفعال الجاهلية، انتفاع قليل في الدنيا {ولهم عذاب أليم} في ~~الآخرة. # قال الزجاج: المعنى متاعهم متاع قليل. # وقال ابن عباس: بل متاع كل الدنيا قليل، ثم يردون إلى عذاب أليم. # واعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما خص ~~اليهود من المحرمات، فقال: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل} ~~أي قبل الذي نحن فيه، وهو الذي في الأنعام، وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر{وما ظلمناهم}فيما حرمنا ms1537 {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} حيث نسبوا لتحريمها ~~بظلمهم كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات} ثم قال ~~تعالى: {ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} أي جاهلين لله ولعقابه، أو ~~غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، وإن كانوا عارفين لكن علم لا يعمل ~~به جهل. # قال مجاهد والسدي: كل من عصى الله فهو جاهل، كأنه تعالى قال: إنا قد ~~بالغنا في تهديد أولئك الذين يحللون ويحرمون بمقتضى الشهوة والفرية على ~~الله تعالى، ثم إنا بعد ذلك نقول إن ربك في حق الذين عملوا السوء بجهالة ~~{ثم تابوا من بعد ذلك} أي من بعد تلك السيئة، وقيل: من بعد تلك الجهالة ~~{وأصلحوا} ما أفسدوا بالتوبة، ثم أعاد قوله: {إن ربك من بعدها} أي التوبة ~~{لغفور رحيم} أي غفور لذلك السوء الذي صدر عنه بسبب الجهالة، رحيم بقبول ~~التوبة. PageV18P206 # واعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء منها قوله ~~بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء عليهم ~~السلام ، وقولهم: لو أرسل الله رسولا لكان ذلك الرسول من الملائكة، ومنها ~~قولهم بتحليل أشياء حرمها، وتحريم أشياء أباحها الله تعالى، فلما بالغ ~~تعالى في إبطال مذاهبهم[151] في هذه الأقوال، وكان إبراهيم عليه السلام ~~رئيس الموحدين، وقدوة الأصوليين، وهو الذي دعى الناس إلى التوحيد، وإبطال ~~الشرك، وإلى الشرائع، والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين بحسن طريقته، ~~مقرين بوجوب الاقتداء به، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة، وحكى ~~عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملا لهؤلاء المشركين على الإقرار ~~بالتوحيد، والرجوع عن الشرك {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن ~~من المشركين}. # اعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بصفات: # الصفة الأولى: أنه كان أمة أي إماما يؤتم به، وداعيا إلى الله، ومعلما ~~للخير يهدي بخيره، وكل شيء كان قدوة سمى الله لأنه مؤتم، وقدوة ومقصد. # قال في (البرهان): وسمي أمة لقيامه بأمر الأمة كلها. # الثانية: كونه قانتا لله، وهو الذي يدوم ms1538 على العبادة لله والطاعة له، مع ~~الإخلاص. # الثالثة: كونه حنيفا، يعني مستقيما على طريق الحق، ونهج الصواب، والحنيف ~~المائل إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول عنه. # الصفة الرابعة: قوله: {ولم يكن من المشركين} معناه أنه كان من الموحدين ~~في الصغر والكبر. PageV18P207 # قال الرازي: والذي تقرر كونه كذلك أن أكثر همه عليه السلام كان في تقرير ~~علم الأصول، فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه، وهو قوله: {ربي الذي ~~يحيي ويميت} ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب، بقوله: {لا أحب الآفلين} ثم ~~كسر الأصنام حتى آل الأمر إلا أن ألقوه في النار، ثم طلب من الله أن يريه ~~كيف يحيى الموتى ليحصل له مزيد الطمأنينة، ومن وقف على علم القرآن علم أن ~~إبراهيم عليه السلام كان.........في بحر التوحيد. # الصفة الخامسة: قوله: {شاكرا لأنعمه} روي أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيفه، ~~فلم يجد يوما ضيفا فأخر غداه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر، ~~فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاما، فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا ~~لله على أنه عافاني وابتلاكم، وفي رواية الرازي: فلولا عزتكم على الله لما ~~ابتلاكم هذا البلاء. # الصفة السادسة: قوله: {اجتباه} أي اصطفاه واختصه بالنبوة. # الصفة السابعة: قوله: {وهداه إلى صراط مستقيم} أي إلى طريق ثابت، وهو دين ~~الإسلام، والدعوة إلى الله، والترغيب في الدين الحق، والتنفر عن الدين ~~الباطل. # الصفة الثامنة: قوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: أي يقينا بالله؛ لأن أحسن ما أتاه ~~الله عباده اليقين. # وقال في (البرهان): الحسنة النبوة والإمامة في ولده، ولسان صدق، وما نوه ~~الله بذكره في الدنيا بطاعته. # وعن قتادة: هي تنويه الله بذكره وصيته، حتى أن أهل كل دين يتولونه ويدعون ~~أنهم على دينه. # أما المسلمين واليهود والنصارى فظاهر. # وأما كفار قريش وسائر العرب فلا فخر لهم إلا به، وتحقيق الكلام أن الله ~~تعالى أجاب دعاه في قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} وقيل: قول المصلي ~~منا كما صليت على إبراهيم ms1539 وعلى آل إبراهيم. PageV18P208 # الصفة التاسعة: قوله: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} أي من أهل الجنة. # واعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية ~~الشريفة، قال: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين}. # قال في (البرهان): واتباعه في التبري من الأوثان والأصنام، والتزين ~~بالإيمان والإسلام، إلا ما أمر بتركه من منسوخ، وقوله حنيفا بيان لحال ~~إبراهيم الممدوح بأن أمر سيد البشر باتباعه. # قال الرازي: قال قوم إن[152] النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان على ~~شريعة إبراهيم عليه السلام ، وليس له شرع هو به منفرد، بل المقصود من بعثته ~~عليه السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام ، وعول في إثبات مذهبه على هذه ~~الآية، وهذا القول ضعيف؛ لأنه وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ~~ما كان من المشركين، فلما قال واتبع ملة إبراهيم كان المراد ذلك. # فإن قيل: النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد ~~بناء على الدلائل القطعية، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن له، فيمتنع حمل قوله ~~أن اتبع على متابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق ~~التراخي والبعد بين ما قبلها وما بعدها، فهي دالة على تعظيم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، مؤذنة بأن أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة ~~اتباع سيد البشر من حيث دلت على تباعد هذا البعث في المرتبة من سائر النعوت ~~التي أثنى الله بها على خليله. PageV18P209 # واعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بمتابعة إبراهيم ~~عليه السلام ، وكان محمد صلوات الله عليه وآله وسلم اختار يوم الجمعة فهذه ~~المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام قد اختار في شرعه يوم ~~الجمعة، وعند أهل المسائل أن تقول فلم اختار اليهود يوم السبت؟ فأجاب الله ~~تعالى عنه بقوله: {إنما جعل السبت} أي عقوبة السبت وهي المسخ {على الذين ~~اختلفوا فيه} حيث أحلوا فيه الصيد تارة، وكان الواجب أن ms1540 يتفقوا في تحريمه ~~على كلمة واحدة بعد أن أوجب الله عليهم تعظيمه والصبر فيه عن الصيد، فقال: ~~سبت اليهود إذا عظمت سبتها، وقيل: المراد إنما جعل السبت أي فرض تعظيمه ~~بترك الاصطياد فيه. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد جعل السبت على اليهود الذين ~~اختلفوا في إبراهيم، أخبرنا الله عز وجل أنهم تكلموا فيه بعين الصواب، ~~واختلفوا فيه بكلام لم يأمرهم به رب الأرباب، ولم يتعبدنا بمعرفة اختلافهم ~~فيه، ولم يخبرنا عن قولهم، ولم يطلعنا عليه، فأبهمنا من ذلك ما أبهم، ~~وفهمنا من قوله ما بين وأفهم، ولم نكلف أنفسنا غير ما به تكلم، ولم نتوهم ~~بعير الحق ما كتم، ولم نستعمل في ذلك الظن والوهم. PageV18P210 # قلت: وفي السبت يقول محمد بن القاسم عليهما السلام: السبت يوم موسى عليه ~~السلام الذي أمر أمته بإعظامه وترك الأعمال فيه، وقد ذكرت اليهود أن في ~~التوراة أن الله خلق الخلائق كلها في الأيام الستة، أولها الأحد، وآخرها ~~الجمعة، وأن يوم السبت كان خاليا من أن يكون صنع الله فيه خلقا مقدسة إذ ~~خلقه يوما منفردا بعد كمال ما خلق من خليفته، وأحدث هذا اليوم بعد كمال ما ~~أظهر في غيره من حكمته، وجعله يوما مقدسا تأول فيه، قالوا: لأنه كان يوم ~~فراغ، فإن يكن في التوراة على ما ذكروا فهو مثل نبهوا به وغيروا ليعلمو أن ~~الله قد أتم ما أراد من خلقه في الستة الأيام، أخبرنا على لسان النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في القرآن فقال: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب} لأنه لما خلق في الستة الأيام التي ~~قبل السبت ما خلق، وكان يوما فرغت فيه القدرة من تمام جميع الخلق وتأصيل ~~الأقوات، وتقدير ما يتوالد من تناسل ذلك بعضه عن بعض فما بين السماوات ~~والأرض إلى يوم القيامة والميقات كان السبت خاليا[153]، واسمه يدل على أنه ~~من خلق جميع ما خلق خلو؛ لأن السبت في لسان العرب من الأشياء هو ما ms1541 كان ~~أجرد فارغا خاليا، ولذلك قيل للجلود التي لا شهر فيها سبيتة، وسميت الجمعة ~~بهذا الاسم لأنها كانت آخر الأيام الستة التي جمعت جميع ما بقي من الخليقة ~~وهي آخر الآيام، ويقال: إن الساعة والله أعلم فيها تقام، وجعل الله السبت ~~يوم أمر موسى عليه السلام بتعظيمه، وأن يكون يوم راحة لكل مشتغل من أمنه من ~~عمله ليذكروا بذلك عجيب ما أخبرهم الله عنه من تمام الخلق في الستة الأيام ~~من قبل كونه، وإنما أمر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والله أعلم ~~بالجمعة بالتبجيل والإعظام؛ لأنه خاتم النبيين، والجمعة خاتمة الأيام، انتهى. PageV18P211 # قال: {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} معنى الحكم ~~فيهم أنه يجازيهم جزاء الاختلاف في كونهم محلين تارة ومحرمين أخرى. # قال في (الكشاف): ووجه آخر وهو أن موسى عليه السلام أمرهم أن يجعلوا في ~~الأسبوع بوما للعبادة، وأن يكون يوم الجمعة فأبوا عليه، وقالوا: نريد اليوم ~~الذي فرغ الله فيه من خلق السماوات والأرص وهو السبت إلا شرذمة منهم قد ~~رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت؛ لأن بعضهم اختاره وبعضهم اختار عليه ~~يوم الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر ~~الله الراضون بالجمعة فكانوا لا يصيدون، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد ~~فمسخهم الله دون أولئك، والمعنى في ذكر ذلك نحو المعنى في ضرب القرية التي ~~كفرت بأنعم الله مثلا، وغير ما ذكر وهو الإنذار من سخط الله على العصاة ~~المخالفين لأوامره والخالعين ربقة طاعته. # واعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بإتباع إبراهيم ~~عليه السلام بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه فقال: {ادع إلى سبيل ربك} أي ~~إلى دين ربك وهو الإسلام{بالحكمة} أي بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهو الدليل ~~الموضح للحق المزيل للشبهة {والموعظة الحسنة} وهي التي لا تخفى عليهم أنك ~~تناصحهم بها وتقصد ما ينعفهم فيها، ويجوز أن يريد القرآن ادعهم بالكتاب ~~الذي هو حكمة وموعظة حسنة، والعلم الذي يضمنه {وجادلهم بالتي هي ms1542 أحسن} أي ~~بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة له من الرفق واللين من غير فضاضة. PageV18P212 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه ادع إلى الله بالكلام الجميل، ~~والقول الحسن اللين النبيل، وتلطف بالجهال، واستعطف بقلوبهم بلين المقال ~~والرفق بهم، والتقدير في الإحلال والمناظرة لهم بالنصفة، وحسن الجدال حتى ~~تستميل قلوبهم بحسن الفعال، ثم قال تعالى: {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين} أي هو أعلم بالفريقين، فهو يأمرك فيهما بما هو الصلاح، ~~فمن فيه خير كفاه الوعظ القليل، ومن لا خير في عجزت عنه الحيل، فكأنك تضرب ~~منه في حديد بارد، والمعنى يا محمد إنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه ~~الطرق الثلاثة، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك، فهو تعالى أعلم بالظالين ~~واعلم بالمهتدين، ثم قال تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~سمى الفعل الأول باسم الثاني للمشاكلة، وهي أن يذكر الشيء باسم غيره لوقوعه ~~في صحته # وأما المزاوجة فهي أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء، كقوله: # إذا ما نهى الناهي فلح به الهوى # أصاخ إلى الواشي فلح به الهجر # والمعنى: إن صنع بكم صنع سوء من قتل أو نحوه فقاتلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه. # قال في (البرهان):[154] وهذه نزلت في كل مظلوم يقتص من ظالمه بمثل ظلمه. # قال في (الكشاف): روي أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد، فرأ صلى الله ~~عليه وآله وسلم حمزة ممثولا به، فقال: ((والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم ~~لأمثلن بسبعين مكانك)) فنزلت فكفر عن يمينه، وكف عما أراد، ونهى عن المثلة، ~~ولا خلاف في تحريمها، وفيها النهي حتى بالكلب العقور. PageV18P213 # قال الرازي: إن حمل هذا على قضية لا تعلق لها بما قبلها يوجب سوء حصول ~~الترتيب في كلام الله تعالى، وذلك تطريق للطعن إليه وهو في غاية البعد؛ لأن ~~الأصوب عندي أن يقال المراد أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة، وهي الحكمة والموعظة ms1543 ~~الحسنة، والجدال بالطريق الأحسن، ثم إن تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن ~~دين آبائهم وأسلافهم، والإعراض عنه، والحكم عليه بالكفر والضلالة، وذلك ما ~~يشوش القلوب ويوحش الصدور، ويحمل أكثر المسمعين على قصد ذلك الداعي بالقتل ~~تارة والضرب أخرى، وبالشتم ثالثا، ثم إن ذلك المحق إذا شاهد تلك السفاهات ~~وسمع تلك المشاعات لابد وأن يحمله طبعه على تأديب أولئك السفهاء تارة ~~بالقتل، وتارة بالضرب، فعند هذا أمر المحقين في هذا المقام برعاية العدل ~~والإنصاف، وترك الزيادة، فهذا هو الوجه الذي يجب حمل الآية عليه، فإن قيل: ~~فهل يقدحون فيما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ترك العزم على المثالة ~~وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية، قلنا: الإجابة إلى القدح في تلك الرواية؛ ~~لأنا نقول تلك الواقعة داخلة في عموم هذه الآية، فيمكن التمسك في تلك ~~الواقعة بعموم هذه الآية، إنما الذي ننازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية ~~على هذه الواقعة؛ لأن ذلك يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى. # واعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه الآية، ورتب ذلك على ~~أربع مراتب: # الأولى: قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} يعني إن رغبتم في ~~إستيفاء القصاص فاقتنعوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه، فإن استيفاء الزيادة ~~ظلم، والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته، وفي قوله: {وإن عاقبتم} دليل ~~على أن الأولى له أن لا يفعل، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض أن الأولى تركه. PageV18P214 # والثاني: الانتقال من التعريض إلى التصريح، وهو قوله تعالى: {ولئن صبرتم} ~~عن المجازاة {لهو} أي الصبر {خير للصابرين} وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك ~~الانتقام؛ لأن الرحمة أفضل من القسوة، والصبر عن الإيقاع أفضل من الإيلام. # قال في (الكشاف): أما أن يرجع الضمير في لهو إلى صبرهم وهو مصدر صبرتم، ~~ويراد بالصابرين المخاطبون، أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع الصابرون ~~موضع الضمير بناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد، ووصفهم بالصفة ~~التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة، وإما أن يرجع ms1544 إلى حسن الصبر، وقد دل ~~عليه صبرتم ويراد بالصابرين جنسهم، كأنه قيل وللصبر خير للصابرين، ونحو ~~قوله عز وجل: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله}{وأن تعفوا أقرب للتقوى}. # والثالثة: وهو ورود الأمر بالجزم بالترك حيث قال سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: {واصبر} فعزم عليه بالصبر؛ لأن في المرتبة الثانية ذكر أن ~~الترك خير وأولى، وفي هذه المرتبة التأكيد صرح بالأمر بالصبر، ولما كان ~~الصبر في هذا المقام شاقا شديدا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال: {وما صبرك ~~إلا بالله} أي بتوفيقه[155] ومعونته وربطه على قلبك وتتثبيته، وهذا هو ~~السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول جميع أنواع الطاعات، ولما ذكر هذا السبب ~~الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال تعالى: {ولا تحزن ~~عليهم} كقوله: {فلا تأس على القوم الكافرين} أو على المؤمنين وما فعل بهم ~~الكافرون، أي لا تحزن على قتلى أحد {ولا تك في ضيق مما يمكرون} وقرئ ولا ~~تكن في ضيق أي لا لا يضقن صدرك من مكرهم. PageV18P215 # والمرتبة الرابعة: قوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ~~أي وهو ولي الذين اتقوا المعاصي، وولي الذين هم يحسنون في أعمالهم، فيما ~~فرض الله عز وجل، فجمع في هذه الآية بين اجتناب المعاصي، وفعل الطاعات. # قال الرازي: وهذا يجري مجرى التهديد؛ لأن في المرتبة الأولى رغبه في ترك ~~الانتقام، فقال: {إن الله مع الذين اتقوا} عن استيفاء الزيادة {والذين هم ~~محسنون} في ترك أصل الانتقام، وأن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين، ~~ومن وقف على هذا الترتيب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ~~يكون في سبيل الرفق واللطف، مرتبة فمرتبة، ولما قال الله لرسوله: {ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ذكر هذه المراتب الأربعة، تنبيها على أن ~~الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه، وعند ~~الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل له. # قال الحسين بن القاسم عليهما ms1545 السلام: ومعنى {إن الله مع الذين اتقوا} ~~الآية أي هو معهم معين وناصر لهم، يغضب لغضبهم ويحب من أحبهم، ويبغض من ~~أبغضهم، ويعذب من عذبهم، ويرفق بمن رفق بهم، ويصل من وصلهم، ويقطع من ~~قطعهم، فكفى بذلك فضلا ورحمة من الله، وفعلا لعباده أهل اللطف والبر ~~والإحسان، وأهل الرحمة والخوف لله والإيمان، انتهى. # وعن بعضهم أنه قيل له حين احتضر أوص، فقال: إنما الوصية من المال، ولا ~~مال لي، ولكني أوصيكم بخواتم سورة النحل، والله أعلم. PageV18P216 ### || AUTO سورة الحجر # تسعون وتسع آيات مكية باتفاق القراء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة ~~من الآيات، أي هذه آيات الكتاب، والمراد بالكتاب والقرآن المبين السورة، ~~وتنكير القرآن للتفخيم، أي تلك آيات الكتاب الكامل في كونه كتابا، أو آي ~~قرآن مبين، كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة في البيان، ثم قال ~~تعالى: {ربما يود الذين كفروا} عند الموت أو يوم القيامة إذا عاينوا حال ~~المسلمين {لو كانوا مسلمين}. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: هذا والله واعلم عندما يرى الكافرون ~~من نصر الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وللؤمنين، وإظهاره على أعدائه، ~~وتمكين ما جاء به من الدين، فربما ودوا أو تمنوا حينئذ أن يكونوا مسلمين، ~~ثم........... غواتهم الاتباع ما جرى من الضلال عليه آباؤهم، انتهى. # اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير. # قال في (التجريد): ومعنى التقليل أن أهوال ذلك اليوم تدهشهم فيبقون ~~مبهوتين، فإن جاءت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك، فلذلك قلل، وقيل: ~~هو كقول العرب لعلك ستندم أو ربما ندم الإنسان على قبح فعله، ولا يريدون ~~التقليل ولا الشك، وإنما يريدون كون الندم مشكوكا فيه، أو قليلا لحق عليك ~~أن لا تفعل، فكيف إذا كان متيقناوكثيرا؛ لأن العقلاء يتحررون من التعرض ~~للغم المظنون كما يتحررون من المتيقن، ومن القليل منه كما في الكثير، وذلك ~~المعنى في الآية[156] لو كانوا يؤدون الإسلام ms1546 مرة واحدة فبالأحرى أن ~~يسارعوا إليه، فكيف وهم يردونه في كل ساعة. # وقال الرازي: لا يصح ما قاله الزجاج، فإنه قال الكافر كلما رأى حالا من ~~أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم ود لو كان مسلما، وهذا الوجه هو الأصح. PageV18P217 # وفي (البرهان): يعني أن المشركين إذا رأوا المؤمنين قد دخلوا الجنة، وصاروا ~~إلى النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، وربما في هذا الموضع مستعملة في ~~التكبير، وإن كانت موضوعة للتقليل، قال الشاعر: # ألا ربما أهدت لك العين نظرة # قصاراك منها أنها عنك لا تجري # انتهى. # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {ذرهم} أي دع الكفار يأخذوا ~~حظوظهم من دنياك فتلك أحلامهم، ولا خلاق لهم في الآخرة، واقطع طمعك من ~~إرعوائهم ودعهم من النهي عما هم عليه، وخلهم: {يأكلوا} كما تأكل الأنعام ~~{ويتمتعوا} بدنياهم {ويلههم الأمل} ويوقع طول الأعمار عن إصلاح آخرتهم ~~{فسوف يعلمون} سوء صنيعهم، فلا تشتغل بما لا طائل تحته حتى ينتهي الحال إلى ~~أنك تأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندما في العاقبة، فإنهم لا ينتهون بحال، وفيه ~~إلزام الحجة ومبالغة في الإنذار والإعذار، وتنبيه على أن إثبات التلذذ وما ~~يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين كما هو عادة أكثر الناس. # وقال بعضهم:........في الدنيا من أخلاق الهالكين. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى ذرهم يأكلوا ...الآية، توبيخ ~~لهم بضعف همهم، وأن همهم المأكل الدني؛ لأن العرب تعيب من لا همة له ولا ~~خير فيه، إذا كان من البهيمة شبها في المأكل، ويستقلونه إذا كان كذلك، ~~ويهجون في أشعارهم ويطعنون عليه ويوبخونه بكلامهم، قال الشاعر يوبخ قوما ~~ويستخف بهم: # لحا الله صعلوكا مناه وهمه # ترى الخمص........وإن يلق شبعه ... من الدهر أن يلقى لباسا ومطعما # يبيت قلبه من قلة الهم مشهما PageV18P218 واعلم أنه تعالى لما زجر من كذب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ~~ذرهم... الآية، أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله: {وما أهلكنا من قرية} ~~بالموت أو العذاب والخراب {إلا ولها كتاب معلوم} ms1547 في الهلاك والعذاب، يعني ~~أجل معلوم وفرض محتوم، قوله ولها كتاب جملة واقفة صفة لقرية، والقياس أن ~~يتوسط الواو بينهما كما في قوله: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} ~~لكنها توسطت لتأكيد الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاني زيد عليه ثوب، ~~وجاءني زيد وعليه ثوب، والكتاب هنا مجاز والمراد به الأجل المعلوم علمه ~~تعالى بالأجل المحدود كالمكتوب في رق أو نحوه. # قال قوم: المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان الله ينزله ~~بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم. # وقال آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع أمرين: نزول عذاب الاستئصال، ونزول ~~الموت؛ لأن كل واحد يشارك الآخر في كونه هلاكا فوجب حمل اللفظ على القدر ~~المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن ~~يغتر به العاقل؛ لأن العذاب مدخر، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب ~~لا يتقدم ولا يتأخر، وذلك نهاية في الزجر والتحذير. # أما قوله تعالى: {ما تسبق من أمة أجلها} فقال في (البرهان): معناه لا ~~يموتوا قبل العذاب فيتركوا ولا يتأخر عنهم فيسلموا، وقيل: ما تقدم الوقت ~~الذي وقت لها[157]{ وما يستأخرون} عنه. # قال الواحدي: من في قوله من أمة زائدة ومؤكدة كقولك ما جاءني من أحد، ~~وقيل: ليست زائدة؛ لأنها تفيد التبعيض، فتكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد. PageV18P219 # واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعد ذلك شبههم في إنكار ~~نبوته صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه: {وقالوا ياأيها الذي نزل عليه ~~الذكر} القرآن أي على زعمك {إنك لمجنون} حين تدعي أن الله نزل عليك الذكر، ~~وهو على جهة الاستهزاء منهم به صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم لو أيقنوا ~~أنه نزل عليه الذكر وشهدوا له بذلك ما سموه مجنونا، وإنما أرادوا لعنهم ~~الله التهزي به واللعب، فحكى الله عز وجل ذلك وأخزاهم إذ لا خزي في الدنيا ~~أخزا من كفرهم وعماهم، ثم إهلاك الله لهم على ظلمهم .........، ثم حكى عنهم ms1548 ~~أنهم قالوا في تقرير شبهتهم: {لو ما تأتينا بالملائكة} أي لو تأتينا، وما ~~زائدة في الكلام. PageV18P220 # وقال في (الكشاف): معناه هلا تأتينا الملائكة يشهدون بصدقك ويقصدونك على ~~إنذارك، كقوله: {لولا أنزل عليه ملك} فيكون معه نذيرا، أو هلا تأتينا ~~بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك {إن كنت من الصادقين} في دعواك النبوة كما ~~كانت تأتي الأمم المكذبة رسلها، فقال تعالى: {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} ~~يعني بالعذاب الذي استحقوه إن لم يؤمنوا، أو بالحكمة ولا حكمة في نزولهم ~~على أهوائكم؛ لأنكم تؤمنون حينئذ مضطرين لا مختارين أو بالحق أي بالوحي، ~~ويدل على الأول قوله: {وما كانوا إذا منظرين} أي لو نزل الملائكة لعجل ~~عذابهم ولم ينظروا أن يمهلوا؛ لأن التكليف يزول عند نزول الملائكة عليهم ~~السلام وقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} ردا لإنكارهم واستهزائهم في ~~قولهم: {ياأيها الذي نزل عليه الذكر} ولذلك قال: إن نحن فأكد عليهم أنه هو ~~المنزل على القطع والثبات، وأنه الذي به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ثم قال: {وإنا له لحافظون} من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل بخلاف ~~الكتب المتقدمة، فالله استحفظها العلماء فاختلفوا فيها حسدا أو وبغيا، ولم ~~يكل القرآن إلى غير حفظه، وقيل: الضمير في قوله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أن القوم لما أساءوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا إنه لمجنون ~~أخبر الله أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبيا هكذا كانت، فلك أسوة في ~~الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا من ~~قبلك في شيع الأولين} أي في فرق الأولين والأمم الخالين، والشيعة الفرقة ~~إذا اتفقوا على مذهب واحد. PageV18P221 # قال في (البرهان): والتشييع التفرق، ومنه قوله تعالى: {أو يلبسكم شيعا} أي ~~فرقا، وأصله من الشياع وهو الحطب الصغار يوقد بها الكبار، وهو عون للنار، ~~ومعنى قوله: {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} أي عادة هؤلاء ~~الجهال مع جميع الأنبياء والرسل. # واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة ms1549 أمور: # الأول: أنهم يستثقلون التزام الطاعات في العبادات، والاحتراز عن الطيبات ~~واللذات. # والثاني: أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم ~~الباطلة، وذلك شاق شديد على الطباع. # والثالث: أن الرسول متبوع مخدوم، والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته، وذلك ~~أيضا في غاية المشقة. # الرابع: أن الرسول قد يكون فقيرا، ولا يكون له أعوان وأنصار ولا مال، ولا ~~جاه، والمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة. PageV18P222 # والخامس: خذلان الله لهم لما هم عليه من الكفر والجهل، فلهذه الأسباب وما ~~يشبهها[158] يقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء في هذه الأعمال القبيحة ~~والأفعال المنكرة، وقوله: ما يأتيهم أي الشيع، وهي حكاية ماضية؛ لأن ما لا ~~يدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وقد قرب من الحال، ~~ثم قال تعالى: {كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به} أي يسلك القرآن ~~ويدخله في قلوبهم ليكون حجة لله عليهم، فقال: سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته ~~إذا أدخلته فيها، أي مثل ذلك السلك سلكه في قلوب المجرمين من أمتك على معنى ~~يلقيه في قلوبهم مكذبا به مستهزءا به غير مقبول، كما لو أنزلت.........حاجة ~~فردها، فقلت كذلك أنزلها باللئام، أي مثل هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة ~~غير مقبولة، والله عز وجل أنزل الذكر إليهم ليفوزوا به، فقال: الله كقول ~~منزل الحاجة باللئيم؛ لأن الله منعهم عن قبوله، وإلا لما ذمهم على التكذيب، ~~وفي هذه الآية يقول الهادي عليه السلام معنى يسلكه فهو يدخله ويثبته في ~~قلوبهم حتى يوقنوا به وبينه له في قلوبهم، فهو الحجة النيرة البالغة، التي ~~نزلها مع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يثبت بها الحق عليهم، وتشهد ~~عقولهم أنه حق، فإذا كابروا بعد ثبات الحق نزل بهم العذاب وذلك قوله: لا ~~يؤمنون به. # وأما قوله: {وقد خلت سنة الأولين} فهو منهاجهم وسبيلهم، والمعنى الذي ~~هلكوا به فهو التكذيب بآيات الله، انتهى. # قوله: لا يؤمنون به محله النصب على الحال، وهو بيان لقوله كذلك ms1550 نسلكه، ~~وقيل: نسلكه نوصل العلم به قلوب المشركين من قريش، كما سلكت معجزات ~~الأنبياء في قلوب أممهم ولا يؤمنون خبر مستأنف. # قال في (البرهان): السنة الطريقة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: # لها من الريم عيناه وسنته # ونخوة السابق المختال إذ صهلا # وفيه وجهان: # أحدهما: قد خلت سنة الأولين بالعذاب لمن أقام على تكذيب الرسل. PageV18P223 # والثاني: لا يؤمنون برسلهم إذا عاندوا، انتهى. # فالأول تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في ~~القرون الماضية، وهو قول الزجاج. # واعلم أن القوم لما طلبوا نزول الملائكة يصرحون بتصديق الرسول في كونه ~~رسولا من عند الله، قال تعالى: {ولو فتحنا عليهم} أي أهل مكة {بابا من ~~السماء فظلوا فيه} بالنهار {يعرجون} أي يطلقون ويصعدون على معراج، أي سلم ~~إلى السماء {لقالوا إنما سكرت أبصارنا} أي حيرت عيوننا عن الإبصار كما يحار ~~السكران، وقرئ مخففا من السكر وهو ما يحبس به الماء، أي احتبست كما يحبس ~~النهر من الجري، وقالوا: {بل نحن قوم مسحورون} للمفسرين في الآية قولان: # أحدهما: أن قوله: فظلوا فيه يعرجون من صفة المشركين. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: أراد عز وجل بهذا القول أنهم كابروا ~~عقولهم فهم لا يوقنون حتى لو أطلعهم إلى السماء، لقالوا ما أطلعنا ولكن ~~سكرنا حتى عميت من السكر أبصارنا، ولكن نحن قد خدعنا وسحرنا حتى أعمينا ~~وسكرنا، انتهى، أي لقالوا قد قد سحرنا محمد بذلك، وهذا شيء نتخيله لا حقيقة له. # قال ابن عباس: وظل المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت ~~الله وقدرته وإلى سلطانه، وإلى عباده الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون في ~~تلك الرؤية، وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من ~~انشقاق القمر، وما خص به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن المعجز، ~~الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله. # والقول الثاني: أن هذا العروج للملائكة[159] وهو الذي في البرهان، ~~والمعنى أنه تعالى لو جعل هؤلاء الكفار بحيث يرون أبوابا ms1551 من السماء مفتوحة ~~وتصعد منها الملائكة، وتنزل لصرفوا عن وجهه، ولقالوا إن السحرة سحرونا ~~وجعلونا نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها. PageV18P224 # واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة، وقد كان يثبت أن القول ~~بالنبوة قول مفرغ على القول بالتوحيد، أتبعه تعالى بدلائل التوحيد، ولما ~~كانت دلائل التوحيد منها سماوية، ومنها أرضية بدأ بذكر الآيات السماوية، ~~فقال: {ولقد جعلنا في السماء بروجا} أي منازل الكواكب كالمنازل لسكانها. # قال في البرهان: والبروج هي منازل الشمس والقمر، ويجوز أن تكون البروج ~~الاثنى عشر برجا، وأصل البرج الظهور، ومنه تبرجت المرأة إذا أظهرت نفسها، ~~قوله: {وزيناها} أي حسناها بالشمس والقمر والنجوم {للناظرين} المعتبرين ~~المستدلين على توحيد صانعها، ثم قال: {وحفظناها} أي السماء {من كل شيطان ~~رجيم} أي مرجوم بالنجوم. # قال في البرهان: في الرجم قولان: # أحدهما: الملعون. # والثاني: أنه المرجوم بقول أو فعل، ومنه قول الأعشى: # يطل رجما لريب المنون # وللسهل في أهله والحزن # قال ابن عباس: كانت الشاطين لا تحجب عن السماوات فكانوا يدخلونها ~~ويستمعون أخبار الغيوب عن الملائكة، فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى ~~عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم منعوا من السماوات كلها، وكلما وجد أحد منهم يريد استراق السمع رمي ~~بشهاب، وذلك قوله عز وجل: {إلا من استرق السمع} أي من حاول استراقه وخطف ~~الخطفة اليسيرة سمعها من الملائكة {فأتبعه شهاب مبين} أي نجم ظاهر للمبصرين ~~وإقدامهم على استرقاق السمع لا تخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم؛ لأنهم ~~ممنوعون من دخولها، وإنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثنى على ~~التحقيق، فوجب أن يكون معناه لكن من استرق السمع فأتبعه. PageV18P225 # قال في الكشاف: وإلا من استرق في محل النصب على الاستثناء والاستثناء ~~منقطع، أي ولكن من استرق أو في محل الجر بدلا من كل شيطان، وفي تفسير ~~الماوردي قيل يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فعلى هذا ~~لا تصل أخبار السماء إلى غير ms1552 الأنبياء. # قال ابن عباس: ولذلك انقطعت الكهانة، وقيل: يقتلون قبل إلقائهم لما ~~استرقوه إلى غيرهم من الجن، ولذلك يعودون لاسترقاقه، وقيل: لا تقتلهم الشهب ~~بل تخرجهم.........وتحرقهم، وفي الشهب التي يرجمون بها قولان: # أحدهما: أنه نور يمتد لشدة ضيائه فيحرقه ولا يعود كما إذا خرجت النار لم تعد. # الثاني: أنها نجوم يرجمون بها، وتعود إلى أماكنها، انتهى كلام الماوردي ~~حكاه في (التجريد). # وقال الثعلبي: الشهاب لا يخطئ الشيطان أبدا، ولكن لا يقتلهم بل يحرق وجهه ~~وجبينه، أو غير ذلك، وقد يخبله فيصير عولا يضل الناس في النوادي، انتهى. # قال ابن الأثير في (النهاية) في تفسير لا غول ولا صفر، الغول أحد الغيلان ~~وهي جنس من الشياطين، والجن كان العرب تزعم أن الغول في الفلاة يتراى للناس ~~فيغول أي يتلون بلونا في صورتي وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل قوله لا غول ليس نفيا لعين الغول ~~ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة وترائيه للناس ~~واغتياله، فيكون المعنى بقوله لا غول أنها لا تضل أحدا وتشهد ~~له[160]الحديث، والآخر لا غول، ولكن السعالي والسعالي سحرة الجن، أي ولكن ~~في الجن سحره لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: ((إذا تغولت الغيلان فبادروا ~~بالأذان)) أي ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها ~~عدمها، ومنه حديث أبي أيوب: كان لي تمر في سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذه، ~~انتهى والله أعلم بصحة ذلك. # قال في..........: السهوة بيت صغير كالخزانة. PageV18P226 # واعلم أنه تعالى لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر ~~الدلائل الأرضية، وهو أنواع: # النوع الأول: قوله تعالى: {والأرض مددناها} أي بسطناها، قيل: إنها بسطت ~~من مكة؛ لأنها أمر القراء. # قال في البرهان: قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. # النوع الثاني من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وألقينا ~~فيها رواسي} وهي الجبال الثوابت، واحدها راسي، والجمع راسية، وجمع الجمع ~~رواسي، وهو قوله تعالى: وألقى في الأرض رواسي أن تميد ms1553 بكم. # قال ابن عباس: لما بسط الله الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة ~~فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال؛ كيلا تميل بأهلها. # النوع الثالث من الدلائل: قوله تعالى {وأنبتنا فيها من كل شيء موزون} ~~بميزان الحكمة، لا يصلح فيها زيادة ولا نقصان، أوله وزن وقدر في أبواب ~~النعمة والمنفعة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني موزون أي لا يجاوز حده، ولا ~~يتعدا ما فعل فيه خالقه، فهو في مقداره عند الله كالموزون الذي لا يزيد ولا ~~ينقص وزنه، انتهى. # لأنه تعالى يعلمه المقدار الذي يحتاج إليه الناس، ولذلك أتبعه بقوله: ~~{وجعلنا لكم فيها معايش}. # قال في البرهان: يعني التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة والانتفاع بما ~~خلق الله في الأرض من الملابس، والمطاعم والمشارب، انتهى. # لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات معيشة لهم من وجهين: # الأول: يجب الأكل والانتفاع بعينه. # والثاني: أن ينتفع بالتجارة فيه، ثم قال: هو الرازق أي جعلنا لكم معايش ~~{ومن لستم له برازقين} من جميع الدواب؛ لأن الله خلقها لينتفع بها كقوله هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، أو يكون معطوفا على الضمير المجرور في ~~لكم، أي وجلعنا لكم معايش ومن لستم له برازقين. # قال في البرهان: يعني من الدواب والأنعام والوحش. PageV18P227 # واعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شيء موزون، وجعل فيها معايش، ~~أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال: {وإن من شيء} أي وما من شيء ينتفع به ~~العباد {إلا عندنا خزائنه} هذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه ~~السورة على تقرير التوحيد، ومعنى قوله سبحانه إلا عندنا خزائنه أي إيجاده ~~وتكوينه وضرب الخزائن مثلا لاقتداره. # قال في البرهان: يعني المطر المنزل من السماء؛ لأن به نبات كل شيء؛ لأن ~~المطر قوام كل شيء من الحيوان. # قال الرازي: وقد تمسك المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شيء. # قال: لأن قوله وما من شي إلا عندنا خزائنه يقتضي أن يكون المراد من تلك ~~الخزائن الموجودة عند الله ms1554 تعالى هي تلك الموجودات من حيث أنها موجودة. # قال: ولقائل أن يجيب عن ذلك ويقول: لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد هاهنا ~~على سبيل المثل والتخييل، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه كونه تعالى قادرا ~~على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود، وعلى هذا ~~أنه مصلحة له. # قال الهادي عليه السلام: معنى ذلك أنه ليس من شيء إلا وهو مقتدر عليه ~~يفعل[161] ما يشاء ويبسط للخلق من أرزاقه كلما يريد كلما يريد، وأنه لا ~~يعجزه ولا يمتنع من شيء، وعنده أصل كل شيء وفرعه والامداد لمن يشاء، وأنه ~~لو لو شاء لبسط للخلق كل ما يحبون وأعطاهم أضعاف ما يريدون، لكنه سبحانه ~~ينزله بقدر معلوم في الحكمة والتقدير، والحسن الذي لا يصلح للخلق غيره، ولا ~~ينتفع فيهم، ولا يغنيهم سواه، ولا يلزم عنهم كل اللزوم فيهلكوا ويموتوا، ~~ولا يبسط لهم كل البسط............. ويفسدوا، انتهى. # ثم ذكر تعالى النوع الخامس من دلائل التوحيد فقال: {وأرسلنا الرياح ~~لواقح}. PageV18P228 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى لواقح أي منفذات لأمرنا، وكل أمر ~~نافذ عند العرب فهو لاقح، من ذلك قولهم: لقحنا الحرب أي أنفذنا الحرب ~~وأنشأناها وأوقدناها، ومثل قولهم: لفح البيع والشرى أي لزم وتم ونفذ، فهذا ~~ومثله كثير موجود في كلام العرب. # قلت: ومثل هذا ذكر الهادي عليه السلام وللمفسرين في قوله لواقح قولان: # الأول: أنه جمع لاقح ويسمى لاقحا تشبيها بالناقة الحامل إذا جاءت بخير من ~~إنشاء سحاب ماطر، كما قيل للتي لا تأتي بخير ريح عقيم، تشبيها بالذي لا ~~يولد له. # والثاني: أن لاقحا بمعنى ملقحة نحو الطوانح جمع طانحة يعني مطحنة أي مهلكة. # قال الواحدي: عن ابن عباس الرياح تلقح فتحمل في السحاب. # وقال النخعي: تلقح السحاب ولا تلقح الشجر. # قال ابن مسعود: بعث الله الرياح فتحمل الماء......في السحاب ثم تمر به ~~كما تذر اللقحة. # وأما قوله تعالى: {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} فقال أبو عبيدة: ~~كلما كان من السماء ففيه لغتان سقاه الله ms1555 وأسقاه الله، وتقول: سقيت الرجل ~~ماء وشرابا من لبن وغيره، وليس فيه إلا إسقاط الهمزة، إذا كان في السقة، ~~وإذا جعلت له شرابا أسقيته وأسقيت أرضه وإبله، ولا يكون غير هذا، فقوله: ~~وأسقيناكموه جعلناه سقيا لكم، وربما قالوا في أسقى سقي كقول لبيد يصف سحابا: # أقول وصوته مني بعيد # سقى قومي بني نجد وأسقى ... يحط السب من تلل الجبال # نميرا والقبائل من هلال PageV18P229 ثم قال عز وجل: {وما أنتم له بخازنين} أي لستم له بحافظين، ولا تقدرون على ~~حفظه في الأرض، ولزمه للشاربين، بل نحن القادرون على ذلك، ولولا لزوم الله ~~له وإثباته إياه وجريه إياه لكم في بطنها إذا لأصبح غورا، ولما وجد إذا في ~~الأرض منه شي، ذكره الهادي عليه السلام ، ثم ذكر تعالى النوع السادس من ~~دلائل التوحيد وهو الاستدلال بحصول الإحياء والإماتة لهذه الحيوانات على ~~وجود الإله القادر المختار، فقال: {وإنا لنحن نحي ونميت} وهذا يفيد الحصر، ~~أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا، وفيه قولان:منهم من يحمله ~~على القدر المشترك بين إحيا النبات والحيوان، ومنم من يقول وصف النبات ~~بالإحياء مجاز، فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان، ولما ثبتت الدلائل العقلية أنه ~~لا قدرة على خلق الحياة إلا لله عز وجل، كان حصول الحياة للحيوانات دليلا ~~قاطعا على وجود الإله الفاعل المختار، ومعنى قوله تعالى: {ونحن الوارثون} ~~أي الباقون بعد هلاك الخلائق استعارة من الوارث الباقي بعد الموروث. # أما قوله: {ولقد علمنا المستقدمين منكم} ولادة وموتا {ولقد علمنا ~~المستأخرين} فقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه علمنا من تقدم من ~~الأولين الماضين، وعلمنا المستأخرين من الأمم الباقين. # قال في البرهان: المستقدمين الذي خلقوا، والمستأخرين الذين لم يخلقوا، ~~ويحتمل أن يكون المستقدمين في الجهاد والمستأخرين عنه، انتهى. PageV18P230 # واعلم أنه[162] لا مانع في حمله على العموم؛ لأنه تعالى لما قال: وإنا لنحن ~~لنحي ونميت أتبعه بقوله: {ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين} تنبيها على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم، فيدخل فيه ~~علمه ms1556 تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث والوجود، وتقدمهم بأنواع الطاعات ~~والخيرات، فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون حالة، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {وإن ربك هو يحشرهم} أي هو وحده القادر على حشرهم وجمعهم، ~~والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم {إنه حكيم عليم} أي ~~باهر الحكمة، وأتبع العلم بفعل كل ما تفعله على مقتضى الحكمة والصواب، وقد ~~أحاط علما بكل شيء. # واعلم أنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد، أتبعه ~~بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب، وهذا هو النوع السابع من دلائل ~~التوحيد، فقال سبحانه: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون}. # قال في التجريد: الصلصال طين يابس غير مطبوخ تصلصل فإذا طبخ فهو فخار، ~~قاله ابن عباس، وقتادة، وأبو عبيدة. # وقال مجاهد والكسائي: هو الطين المتين، يقال صل اللحم إذا تغيرت رائحته. # قال الرازي: وهذا القول عندي ضعيف؛ لأنه تعالى قال: من صلصال من حمأ ~~مسنون، وكونه من حمأ مسنون، يدل على النتن والتغير، فظاهر الآية يدل على أن ~~هذا الصلصال إنما يولد من الحمأ المسنون، فوجب أن يكون كونه صلصالا مغايرا ~~لكونه حمأ مسنون، ولو كان كونه صلصالا عبارة عن النتن والتغيير، لم يبق نتن ~~كون صلصالا وبين كونه حمأ ومسنونا تفاوت. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قيل إن الصلصال هو الذي يتصلصل مثل ~~الحديد إذا حرك وتقلقل من اليبس، ويمكن أن يلين بالماء بعد يبسه وتصلصله، ~~قال الشاعر: # أوهم صاد قد تصلصل جوفه # طوى الصيف خمسا فهو للماء قارب PageV18P231 أي يبس جوفه حتى تقلقل من العطش، وقيل: إن الصلصال يخرج على معنى آخر وهو ~~الخالص من الأشياء، يقول العرب: هذا رجل مصلصل إذا كان خالص النسب، وهذا ~~أحب الوجهين إلي؛ لأن الحمأ هو من خالص الدين وأخف الترب ولينه والمسنون ~~فيما روى عن السلف عليهم السلام هو المتغير الرائحة يدل على صحة ذلك قوله ~~تعالى: {فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} أي لم يتغير، انتهى. # قال الرازي: أجمع المفسرون على أن ms1557 المراد بالإنسان هو آدم عليه السلام ~~خلقه الله تعالى من طين، فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالا ~~كالحرف لا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئا من الصور تشبهه إلى أن نفخ ~~فيه الروح، وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فخف، ~~فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصله، فلذلك سماه الله صلصالا، وقوله من ~~حمأ صفة لصلصال، أي خلقه من صلصال، كأنه كاين من حمأ، ثم قال تعالى: ~~{والجان خلقناه من قبل} آدم {من نار السموم} أي من لهب الشديد النافذ في ~~المسام، ويسمون الرياح إذا هبت في الصيف سموما؛ لأنها تهب بالحر. # قال في التجريد: قيل الجان أبو الجن كآدم أبو الناس، وقيل: الجان بمعنى ~~الجن، واختلف في أبي الجن، فقيل: هو إبليس والجن والشياطين جنس واحد، فمن ~~تمرد منهم وعتى فهو شيطان، قاله الحسن ومقاتل، وقتادة وعطاء، وقيل هما ~~جنسان، وإبليس أبو الشياطين، ولا يموتون إلا مع إبليس. # قال ابن عباس: والجان أبو الجن، ويموتون، ومنهم المؤمن والكافر، ~~وقيل:[163] إبليس من الجن، وليس بأبيهم، وفي هذه الآية يقول الهادي عليه ~~السلام الصلصال هو الطين اليابس الذي يتصلصل ويتقعقع إذا أصاب بعضه بعضا، ~~والحمأ المسنون فهو الطين المتغير اللون والريح، يقول سبحانه: خلقنا ~~الإنسان من طين هذه خلقته. PageV18P232 # فأما الجان فهو الجن فذكر أنه خلقهم من نار السموم فهو مارج النار ومارجها ~~فهو اللهب المنقطع في الهواء الذي ينفصل ويخرج من لسان النار عند تأججها ~~لهبا، ومعنى قوله السموم فهو الهائل المسموم والمسموم فهو الذي فيه التلف ~~لمن قاربه وداناه لما فيه من الجر والإحراق، ومن ذلك اشتق للريح أن تضرب ~~بمثل النار اسم السموم، فسميت سموما اشتق لها هذا الاسم من نار السموم؛ لما ~~فيها من الأذى والحرارة........حتى ربما قتلت من تصيبه هذه الريح، ريح ~~السموم فأهلكته، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول، واستدل بذكره على وجود ~~الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته فقال سبحانه: {وإذ ms1558 قال ربك} أي واذكر ~~إذ قال: {للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون، فإذا سويته} عدلت ~~خلقه وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها، ومعنى: {ونفخت فيه من روحي} أي ~~أحييته وليس ثم نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يجيء به، وأضافه ~~إليه تشريفا، ثم قال: {فقعوا له} أي خروا من أجله لله {ساجدين} تعظيما ~~لخالقه إذ خلقه من أضعف الأشياء، وأقلها عنده وهو الطين، فجاز أن يقال ~~اسجدوا لآدم لما كان السجود من أجل خلقه ذكر معناه الهادي عليه السلام ، ~~وقوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} تأكيدا على تأكيد، قاله سيبويه ~~والخليل، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن ~~يقال سجد بعضهم، فلما قال كلهم زال هذا الاحتمال، وظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ~~ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد، قال: وقول الخليل وسيبويه أجود؛ لأن ~~أجمعون معرفة فلا يكون حالا، ثم قال تعالى: {إلا إبليس} أجمعوا على أن ~~إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إنه كان من ~~الملائكة، ثم استثني بعد التغليب، وإلا فليس منهم. PageV18P233 # قال الهادي عليه السلام: فإنه لما كان حاضرا للأمر أمر بالسجود معهم، وقوله ~~تعالى: {أبى أن يكون مع الساجدين} استئناف، وتقديره كان قائلا قال: هلا سجد ~~فقيل: أبى أي امتنع واستكبر عنه، ثم قال الله تعالى: {ياإبليس ما لك ألا ~~تكون مع الساجدين} أي مالك في أن لا تكون مع الساجدين، ثم أخبر الله عز وجل ~~عن شبهة لإبليس بقوله: {قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون} اللام في لأسجد لتأكيد النفي، أي لا يصح مني وينافي حالي السجود ~~لبشر أنا خير منه، وهذا بعدما عبد الله على ما روي ألفي ألف عام، وكانت ~~السجدة الواحدة فيها هدم ألفي ألف عام، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة، لما ~~امتنع من السجود تكبرا، قال تعالى: {فاخرج منها} أي الجنة، وقيل: السماء، ~~أو من جملة الملائكة {فإنك رجيم} يرجم بالشهب أو مطرود من ms1559 رحمة الله؛ لأن ~~المطرود يرجم بالحجارة، ومعناه ملعون؛ لأن اللعن الطرد من رحمة الله {وإن ~~عليك اللعنة} أي مدعو عليك في السماوات والأرض {إلى يوم الدين} أي يوم ~~الجزاء، لأنه أبعد غاية في كلام الناس، أو يراد أنك مدعو عليك باللعنة إلى ~~يوم الدين من غير أن تعذب، فإذا جادلك اليوم عذبت بما........معه[164] ~~اللعن، ولما جعل الله عز وجل إبليس رجيما ملعونا إلى يوم الدين {قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون} قيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون ~~لئلا يموت؛ لأنه لا يموت يوم البعث أحدا فلم يجب إلى ذلك وانظره إلى آخر ~~أيام التكليف لا غير، وهو المراد بقوله تعالى: {قال فإنك من المنظرين، إلى ~~يوم الوقت المعلوم} لله وحده. PageV18P234 # قال في البرهان: وهذا السؤال من إبليس لم يكن عن ثقة منه بمنزلته عند الله، ~~وأنه أهل أن لا يجاب له دعا، ولكن سأل تأخير عذابه ليكون زيادة في بلائه ~~كفعل الآيس من السلامة، وأراد بالإنظار إلى يوم يبعثون أن لا يعذب، فأجيب ~~إلى ذلك لا لإجابته ولكن لما سبق من قول الله أن العذاب والثواب لهما داران ~~غير هذه، فوافق سؤاله. # وقال في الكشاف: ويوم الدين ويوم يبعثون ويوم الوقت المعلوم في معنى ~~واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكا بالكلام طريقة البلاغة، وأجاب الله دعا ~~إبليس لما فيه من الابتلاء، ولما في مخالفته من الثواب. # قال الإمام القاسم بن علي العياني عليه السلام: وإنما سأل إبليس بالنظرة ~~بالعذاب الذي علم أنه قد استحقه فأنظره الله جل اسمه إلى يوم البعث، ولم ~~يكن استنظار اللعين من موت؛ لأن الجن معمرون خلقهم جميعا ويميتهم إذا شاء ~~جميعا، انتهى. # ثم أخبر الله سبحانه عن إبليس وقسمه بقوله: {قال رب بما أغويتني} أي أقسم ~~بإغوائك إياي {لازينن لهم} القبائح {في الأرض} أي في الدنيا التي هي دار ~~الغرور، كقوله تعالى: {أخلد إلى الأرض واتبع هواه} ثم قال: {ولاغوينهم ~~أجمعين} ويجوز أن لا يكون قسما، ويقدر قسم محذوف وتقديره ~~بسبب.........لإغوائي أقسم ms1560 لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي، ومعنى إغوائه إياه ~~تسببه إياي للغي بأن أمره بالسجود فافض ذلك إلى غيه، وما الأمر بذلك إلا ~~حسن وتقريض للثواب، ولكن اختار الابا والله بريء من غيه ذلك ومن إرادته ~~والرضى به. PageV18P235 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ويمكن أن يكون قسم من الملعون اللعين ~~بقدرة الله التي أغوته وعذبته، والغي هاهنا هو العذاب، ويمكن أن يكون الله ~~أغواه، أي حكم عليه باسم الغواية وسماه، وليس كما يتوهم الجهال من أن الله ~~أضله وأعماه، وكيف ذلك وهو الذي دعاه ونضره وبين له هداه، وأوعده على ~~المعصية ونجاه، وأبعده من أجلها وأقصاه، ثم استثنى إبليس المخلصين وذلك ~~قوله: {إلا عبادك منهم المخلصين} الذين أخلصول دينهم، واستثناهم لعلمه أن ~~كيده لا يعمل فيهم، ثم قال تعالى: {هذا صراط علي مستقيم}. # قال في البرهان: يعني هذا صراط علي مستقيم يصاحبه حتى يهجم به على الجنة ~~علس وإلى يؤدي إلى رضاس وكرامتي، ويحتمل أن يكون بمعنى الوعيد والتهديد، ~~ومعناه أن طريقه إلي ومرجعه علي، كقول القائل لمن يتهدده ويوعده علي طريقك، انتهى. # ويريد هذا طريق علي أن أنتبه وأراعيه ثم بينه بقوله: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان} أي تسلط وقدرة {إلا من اتبعك من الغاوين} بإختياره للغواية، ~~يحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا أي لكن من اختار اتباعك من غير قوة منك ~~وحجة، وقيل: هو متصل، أي لا تقدر إلا على الوسوسة، وهي لا تؤثر إلا فيمن ~~اتبعك من الغاوين. PageV18P236 # قال الرازي: اعلم أن إبليس لما قال لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، ~~إلا عبادك منهم المخلصين أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين ~~لا يكونون من المخصلين، فبين تعالى في هذه الآية[165] أنه ليس له سلطان على ~~أحد من عبيد الله، سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم ~~إبليس باختياره صار تبعا له، ولأن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن ~~إبليس يقهره على تلك المبالغة ويجبره عليها، والحاصل في ms1561 هذا القول أنه أوهم ~~أن له على بعض عباد الله سلطانا فبين تعالى كذبه فيه، وذكر أنه ليس له على ~~أحد منهم سلطانا ولا قدرة أصلا، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس ~~أنه قال: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}. # قال الجبأي: وهذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن ~~يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم، كما تقول العامة، وبما نسبوا ذلك إلى ~~السحره، قال: وذلك خلاف ما نص الله عليه، وفي الآية قول آخر وهو أن إبليس ~~لما قال: {إلا عبادك منهم المخلصين} فذكر أنه لا يقدر على أغواء المخلصين، ~~صدقه الله في هذا الاستثناء فقال: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} فلهذا قال ~~الكلبي المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس. # واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله إلا من اتبعك، استثناء لأن ~~المعنى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، فإن لك عليهم ~~سلطان بسبب كونهم منقادين في الأمر والنهي. # وأما على القول الثاني: فيمتنع أن يكون استثنا بل يكون لفظه: لا معنى ~~لكن، انتهى. # ثم قال تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين}. PageV18P237 # قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه، ومن اتبعه من الغاوين: {لها سبعة أبواب ~~لكل باب منهم جزء مقسوم} فيه دليل على أنه أراد الطبقات، والمعنى أنه تعالى ~~يجزي أتباع إبليس أجزاء بمعنى أنه يجعلهم أقساما، ويدخل في كل قسم من أقسام ~~جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف، والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلط ~~والخفة، فلا جرم صارت مراتب العذاب مختلفة بالغلط والخفة، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أتبعه بصفات أهل الثواب، فقال: {إن ~~المتقين في جنات وعيون} المتقين على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهي ~~عنه، والجنات هي البساتين. # قال الرازي: أما الجنات فأربع لقوله: ولمن خاف مقام ربه جنتان، ثم قال: ~~ومن دونهما جنتان، فيكون المجموع أربع. # قلت: وقد قدمنا في سورة ms1562 الرحمن تفسير أئمتنا عليهم السلام في الجنة ~~والجنان، فارجع إليه موفقا، فأما العيون فيحتمل أن يكون المراد ما ذكره ~~الله تعالى في قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ~~آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى} ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار، ثم ~~أخبر تعالى أنه يقال: {ادخلوها بسلام آمنين} أي بسلامة من الآفات والأسقام، ~~آمنين من الموت والمصائب والآلام. # وقرأ الحسن ادخلوها بسلام آمنين من كل مكروه، أو مسلما عليكم من ~~الملائكة، ويحتمل أن يكون القائل لقوله ادخلوها هو الله، وأن يكون ذلك ~~القائل بعض ملائكته، ثم قال تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} والغل ~~الحقد الكامن في القلب، أي لئن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ~~ذلك من قلوبهم، وطيب نفوسهم. PageV18P238 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه نزعنا كل أذى ومحنة، وغيظ وحزن وغم. # وفي البرهان: ونزعنا ما في صدروهم من غل الجاهلية، روينا هذا القول[166] ~~عن علي بن الحسين عليهما السلام انتهى. # وقوله: {إخوانا} نصب على الحال، وليس المراد الإخوة من النسب، بل الإخوة ~~في المودة والمخالصة، كما قال: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~وقوله: {على سرر} السرير معروف والعدد أسرة، والجمع السرر، وقوله: ~~{متقابلين} التقابل التواجه، وهو نقيض التدابر ولا شك أن التواجه أشرف ~~الأحوال. # قال في البرهان: متقابلين بالوجوه يرى بعضهم بعضا لا يصرف أحد نفسه عن ~~صاحبه تحاببا وتواصلا، ويجوز متقابلين بالمحبة لا يتفاضلون فيها ولا ~~بختلفون. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يتقابلون الدهر جميعا، وإنما هذا ~~عند زيارتهم إخوانهم ومجالستهم لأصحابهم، وقوله: {لا يمسهم فيها نصب} النصب ~~الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب {وما هم منها بمخرجين} أي خالدون أبدا. # واعلم أنه تعالى لما أتم ذكر الوعد والوعيد وذكر أحوال المتقين، ذكر ~~أحوال غير المتقين، فقال سبحانه: {نبئ عبادي} أي خبرهم يا محمد {أني أنا ~~الغفور} ms1563 لمن تاب {الرحيم} لمن أناب {وأن عذابي هو العذاب الأليم} لمن أصر ~~ولم يتب. PageV18P239 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد ليخشوا سخطي، ويحذروا عقوبتي، ~~فلم أوعدهم بذلك إلا ليدخلوا في رحمتي، فنسأل الله أن يرحمنا ويغفر لنا، ~~ولما بالغ سبحانه في تقرير النبوة، وأردفه بدلائل التوحيد، ثم ذكر عقيبه ~~أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء أتبعه بذكر قصص الأبنياء عليهم ~~السلام ليكون مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذرا عن ~~المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه ~~السلام ، فقال تعالى: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} عطف، ونبئهم ~~على.........عبادي ليعتبروا بعذاب قوم لوط، وسيتحققوا أن عذابه كذلك، وقوله ~~تعالى: {إذ دخلوا عليه} أي وقت دخلوا على إبراهيم {فقالوا سلاما} أي يسلم ~~عليكم سلاما أو سلمت سلاما، قال إبراهيم: {قال إنا منكم وجلون} أي خائفون؛ ~~لأنهم دخلوا بغير إذن أو لامتناعهم من الأكل {قالوا لا توجل} أي لا تخف، ~~وقرئ بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه {إنا نبشرك بغلام عليم} عظيم ~~العلم، وقوله إنا نبشرك استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، أرادوا ~~أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل وبشروه بأمرين: # أحدهما: الولد ذكر. # والثاني: أنه يصير عليما في كبره. PageV18P240 # قال في البرهان: وهو إسحاق، وقيل: إسماعيل، وهو الذي يناسب ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى، ولما حكى الله تعالى عن إبراهيم جوابه عن هذه البشرى مستبعدا ~~لها متعحبا منها {قال أبشرتموني على أن مسني الكبر} أي علو السن عند الإياس ~~من الولد {فبم تبشرون} استبشار تعجب من الولد على الكبر، وكان له مائة ~~وعشرون سنة، ولامرأته سارة ثمان وتسعون سنة، وما هي الاستفهامية دخلها معنى ~~النصب، كأنه قال فبأي أعجوبة تبشرون، أو أراد أنكم تبشروني بما هو غير ~~متصور في العادة فبأي شيء تبشرون، يعني لا تبشروني في الحقيقة بشيء؛ لأن ~~البشارة بمثل هذا بشارة بغير شيء. PageV18P241 # وقال في البرهان: وإنما قال ذلك استفهاما لهم هل بشروه بأمر الله تعالى ~~ليكون الشكر {قالوا بشرناك بالحق} أي بالصدق ms1564 إشارة منهم إلى أنه من الله ~~تعالى، ووعده ولا عجب فإنه قادر على الولد من غير أبوين فكيف منهما {فلا ~~تكن من القانطين} أي من الآيسين، نهى إبراهيم عليه السلام من القنوط، ونهي ~~الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهي عنه، كما في قوله: ~~{ولا تطع الكافرين والمنافقين} ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام ~~[167] أنه قال: {قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} عن طريق الصواب، أي ~~لم أستنكر قنوطا من رحمة الله لكن استبعدته في العادة، ثم إن إبراهيم عليه ~~السلام سألهم عما لأجله أرسلهم الله بأن قال: {قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون} أي ما شأنكم وما مطلبكم، والخطب الأمر العظيم، ثم حكى تعالى عن ~~الملائكة أنهم {قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين} أي قوم لوط، وإنما ~~اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة أرسلوا إلى ~~المجرمين، كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم، وأيضا فقوله: {إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين} بنا على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم. # قال في البرهان: وآل لوط من كان على شريعته وسنته من أهل بيته ،استثناهم ~~الله من المجرمين المأمور بهلاكهم فخرجوا من الاستثناء منهم ثم قال: {إلا ~~امرأته} وكانت مستثناة من آل لوط فلحقت بالمجرمين المهلكين، ومثال هذا في ~~الإقرار أن يقول له علي عشرة إلا سبعة إلا أربعة فيكون عليه سبعة؛ لأن ~~الأربعة استثناء يرجع إلى السبعة التي قبلها فصار الباقي منها ثلاثة، وتصير ~~الثلاثة الباقية هي الاستثناء الراجع إلى العشرة فيبقى منها سبعة، فهذا حكم ~~قوله إلا امرأته، قوله: {قدرنا} فيه وجهان: # أحدهما: حكمنا. PageV18P242 # والثاني: علمنا {إنها لمن الغابرين} يعني من الباقين في العذاب مع ~~المجرمين، وقيل معناه مع الماضين بالعذاب، انتهى. # قوله: {إلا آل لوط} استثناء منقطع أو متصل. # قال في الكشاف: إن كان هذا الاستثناء استثناء من قوم كان منقطعا؛ لأنه ~~القوم موصوفين بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين، واختلف الجنسان فوجب ~~أن يكون الاستثناء منقطعا، وإن كان الاستثناء ms1565 من الضمير في مجرمين كان ~~متصلا، كأنه قيل: إلى قوم أحرموا إلا آل لوط وحدهم كما قال: {فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين}، ثم قال: ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين ~~الوجهين، وذلك أن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال؛ لأن على هذا ~~التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، وما أرسلوا إلى آل لوط أصلا. # وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء. # وأما قوله: إلى امرأته فهو استثناء من الضمير المجرور في قوله لمنجوهم ~~أجمعين فليس ذلك من باب الاستثناء؛ لأن الاستثناء إنما يكون فيما اتخذ ~~الحكم فيه، كما لو قيل أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، فأما في هذه الآية ~~فقد اختلف الحكمان؛ لأن قوله إلا قوله إلا آل لوط متعلق بقوله أرسلنا أو ~~بقوله مجرمين، وقوله إلا امرأته قد تعلق بمنجوهم فكيف يكون هذا الاستثناء ~~من استثناء. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى قدرنا الآية أي قدرنا هلاكه ~~تقدير أنها لمن الماضين الذاهبين في لعنة الله السالفين، ويمكن أن يكون ~~أراد أنها لمن الباقين المخلدين في لعنة الله، المعذبين والغابر في اللغة ~~يخرج على وجهين: # أحدهما: الماضي. وأحدهما الباقي، وهما من الأضداد. # قال في الكشاف: فإن قلت لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله قدرنا إنها لمن ~~الغابرين، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ # قلت: ليضمن فعل التقدير معنى العلم، وبذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال ~~العباد بالعلم. PageV18P243 # فإن قلت: فلم أسند الملائكة فعل التقدير وهو الله وحده إلى أنفسهم ولم ~~يقولوا قدر الله؟ قال: قلت: لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس ~~لأحد غيرهم كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك ~~لاهم قوله تعالى: {فلما جاء [168] آل لوط المرسلون}. # اعلم أن الملائكة عليهم السلام لما بشروا إبراهيم عليه السلام وأحبروه ~~بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين، ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وقومه، ولما ~~عرفهم{قال إنكم قوم منكرون} وفي تأويله وجوه: # الأول: إنما وصفهم بأنهم قوم منكرون؛ ms1566 لأنه عليه السلام ما عرفهم فلما ~~هجموا عليه استنكرهم ذلك، وخاف أنهم قد دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه، ~~فقال هذه الكلمة. # والثاني: أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب ~~طلبهم فقال هذه المقالة. # والثالث: أن النكرة ضد المعرفة، فقال: {إنكم قوم منكرون} أي لا أعرفكم ~~ولا أعرف لكم من أي الأقوام ولأي الأغراض دخلتم علي، فعند هذه الكلمة ~~{قالوا} أي الملائكة {بل جئناك} بما فيه فرحك، فلا تنكرنا فقد جئناك {بما ~~كانوا فيه يمترون} أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله؛ لأنه كان يتوعدهم ~~بالعذاب فيكذبونه، ثم أكدوا ما ذكروه {وأتيناك بالحق} أي اليقين من عذابهم ~~الذي لا شك فيه، ثم أكدوا هذا بقولهم: {وإنا لصادقون} ثم قال تعالى: {فأسر ~~بأهلك بقطع من الليل} قيل فاسر بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى. # وروى صاحب الاقليد: فأسر من السير، والقطع ظلمة آخر الليل، وقيل: بعد مضي ~~شيء صالح من الليل. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه في جانب من الليل، قال الشاعر: # أفتحي الباب فانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم PageV18P244 وقوله: {واتبع أدبارهم} أي آثارهم...........، ومعناه سر خلف أهلك، وهم ~~أمامك لئلا يشغلك بآخرهم، والخوف عليهم عن التوقر لشكر الله، وتفريق القلب ~~لذلك، أما قوله: {ولا يلتفت منكم أحد} فقال الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام: معنى لا يلتفت أي لا يبال أحد منكم بهلاكهم، ولا يقف أحد منكم ~~معهم، ولا يلتفت إلى شيء من أمورهم، والعرب تقول: لا تبال بفلان، ولا تلتفت ~~إليه، أي لا تجعل به، وليس يريدون الالتفات المعروف، انتهى. # وعلى هذا جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير، وترك التواني ~~والتوقف؛ لأن من يلتفت لابد له في ذلك من أدنى وقفة، وقيل: إنما نهو عن ~~الالتفات لئلا يروا العذاب بقومهم فيرقوا لهم، أو لئلا يتحسروا على ~~أوطانهم. # قلت: والأول هو قول أئمتنا عليهم السلام من ذلك قول القاسم بن إبراهيم ~~عليهما السلام ، قال: وتأويل لا يلتفت منكم ms1567 أحد لا أحد يخرج منكم ~~أحد.........، وسيروا كلاكم جميعا سرا......... وليس تأويل لا يلتفت ما يظن ~~......الميت من الالتفات في النظر إلى وراء الظهر، أو إلى ما على الميامن ~~والمياسر، ولكنه استحثاث واستعجال كما يقول الرجل المستحث المعجال، إذا ~~أنذر الرجل أحدا وأرسله فاستحثه واستعجله لا تلتفت إلى شيء، ولا تخرج عليه، انتهى. # ثم قال تعالى: {وامضوا حيث تؤمرون} بالمهاجرة إليه، قيل وهو مصر. # وقال ابن عباس: يعني الشام. PageV18P245 # وقال بعض المفسرين: حيث يقول لكم جبريل، وذلك لأن جبريل أمرهم أن يمضوا إلى ~~قرية أهلها ما عملوا مثل ما عمل قوم لوط، قوله: {وقضينا إليه} غدا ~~قضينا........؛ لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل أوحينا إليك مقضيا مبتوتا ~~{ذلك الأمر} الذي أخبرت به الملائكة إبراهيم وهو {أن دابر هؤلاء مقطوع} أي ~~يستأصلون عن آخرهم {مصبحين} داخلين في وقت الصباح، أي هم مهلكون، وفيه وفي ~~إيهامه أولا وتفسيره ثانيا تفخيم الأمر وتعظيم له، ثم قال تعالى: {وجاء أهل ~~المدينة يستبشرون} طمعا في ركوب الفاحشة[169] لما أخبرتهم امرأة لوط أن في ~~بيته قوما مردا حسان الوجوه أي الملائكة والمراد بأهل المدينة مدينة قوم ~~لوط وهي سدوم الذي ضرب بقاضيها المثل في الجور، وليس في الآية دليل على ~~المكان الذي جاءوه، إلا أن القصة تدل على أنهم جاءوا دار لوط. PageV18P246 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى يستبشرون أي يسرون ويفرحون عند ~~دخول الملائكة عليهم السلام في صور الآدميين فرأوا وجوههم تنير، أحسن صور ~~تكون من المخلوقين، فقدمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشعر ~~بخبرهم، ولقي الفاسقين يدافعهم على الباب ويخاصمهم، وكان من قوله ما ذكره ~~الله عنه وعنهم: {قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني} بفضيحة ضيفي؛ لأن من أساء ~~إلى ضيفه أو جاؤه فقد أساء إليه، كما أن من أكرم من يتصل به فقد أكرم، ~~والمعنى أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة لي، ثم ~~أكد ذلك بقوله: {واتقوا الله ولا تخزوني} أي تذلون بإذلال ضيفي من ms1568 الخزي ~~وهو الهوان، فأجابوه بأن قالوا: {قالوا أولم ننهك عن العالمين} أي عن أن ~~تجير منهم أحدا أو تدفعنا عنهم؛ لأنا نريد منهم الفاحشة، وكانوا يقصدون ~~الغرباء، وكان ينهاهم ويحول بينهم وبينهم، فأوعدوه فلما لم يندفعوا: {قال ~~هؤلاء بناتي} فتزوجوهن وخلو أضيافي {إن كنتم فاعلين} أي قائلين ما أقول ~~لكم، وإن كنتم تريدون قضا الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم، قيل إنه عرض ~~عليهم أن يتوبوا ويزوجهم ويعفهم ويدفعهم بذلك عن ضيفه، إذ جهلهم وقدر أنهم ~~من الآدميين وحسبهم، وقيل: إنه أراد أن يتحشمهم بذكر بناته ويقول: إنكم لا ~~تنالون ضيفي حتى تنالون بناتي ولا تقدرون على ذلك، إلا بعد هلاكي، فعند ذلك ~~ناداه الملائكة صلوات الله عليهم وقالوا له: ذرهم يدخلوا فنحن ملائكة ربك، ~~فتركهم عند ذلك فلم يجدوا أحدا، وقيل: إن جبريل عليه السلام لطمهم لطمة ~~واحدة فأعماهم كلهم، والله أعلم بذلك من أمرهم، ثم قالت الملائكة عليهم ~~السلام للوط عليه السلام: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} أي لعمرك ما أقسم به. PageV18P247 # قال في البرهان: وهذا قسم من الله عز وجل بحياة نبيه إكراما لمحله، وعمرك ~~عمرك واحد، إلا أنهم خصوا المفتوح بالقسم لخفته ولكثرته في الألسن، ومعنى ~~في سكرتهم أي في عمايتهم يعمهون، ويتحيرون فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى ~~نصيحتك، ويحتمل أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه تعالى ~~أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله. # قال النحويون: ارتفع قوله لعمرك بالابتداء والخبر محذوف، والمعنى لعمرك ~~فسمى وحذف الخبر؛ لأن في الكلام دليلا عليه، وبأن القسم يحذف منه الفعل نحو ~~بالله لأفعلن، والمعنى أحلف بالله فيحذف أحلف لعلم المخاطب بأنك حالف، ثم ~~قال تعالى: {فأخذتهم الصيحة} أي العذاب، وقيل صاح بهم جبريل عليه السلام ثم ~~قلب بهم الأرض فهلكوا، وقوله: {مشرقين} أي داخلين في الشروق، وهو بزوغ ~~الشمس {فجعلنا عاليها سافلها} يعني قرى قوم لوط منها سدوم، وكانت خمسا جعل ~~جبريل جناحه في أسفلها فرفعها حتى ms1569 سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح ~~الكلاب، ثم قلبها عليهم، واتبعوا الحجارة كما ينزل المطر، وذلك قوله تعالى: ~~{وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل} قيل: من طين عليه كتاب من السجيل، ودليله ~~قوله: {حجارة من طين، مسومة عند ربك} أي معلمه بكتاب. # واعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: # أحدها: الصيحة الهائلة المنكرة. # وثانيها[170]: أنه جعل عاليها سافلها. # وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، ثم قال تعالى: {إن في ذلك لايات} ~~أي دلائل وعبر {للمتوسمين} يعني لمن اعتبر وتفكر، ونظر وتبصر، من أهل ~~التمييز والعقول الذين يعرفونهم بنظرهم، حقيقة الشيء وعلامته، المتفرسين ~~بنظرهم بتثبت وتأمل، قال الشاعر: # وفيهن ملها للقلوب ومنظرا ... يبق لعين الناظر المتوسم PageV18P248 أي المتفرس، ومعنى التفكر والنظر أنهم يعلمون أن من أهلك قوم لوط قادر على ~~أن يهلك الكفار وأهل المعاصي، ولهذا قال عبد الله بن رواحة للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: # إني توسمت فيك الخير أعرفه # والله يعلم أني ثابت البصر # وفي هذه الآية وتأويلها يقول محمد بن القاسم عليهما السلام تأويل هذه ~~الآية في أولها وهو الشاهد على آخرها قوله سبحانه: {فأخذتهم الصيحة مشرقين} ~~إلى قوله: {إن في ذلك لايات للمتوسمين} وهي القرية التي عصى الله أهلها، ~~وكذبوا نبيهم، فأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، كما ذكر، فأهلكهم بها، وطحن ~~ت الحجارة دورهم، وغيرة ما كان من حالهم، ثم قال سبحانه: {إن في ذلك لايات ~~للمتوسمين} فأخبر بما كان من فعله عز وجل بهم، وإمطاره الحجارة عليهم آيات ~~للمتوسمين، والمتوسمين فهو ذووا العقول والفكر والتمييز؛ لأن العرب تسمي ~~المتوسم ما تفكر فيه وتبين وعرف، فيقول: توسمت فيه الخير، ويقول توسمت فيه ~~الشر، فقال عز وجل: إنما فعلت بهؤلاء المبطلين لآيات لمن عقل وفكر، واعتبر ~~وميز من المتوسمين الناظرين، ثم قال عز وجل: {وإنها لبسبيل مقيم} والسبيل ~~فهو الطريق وهي قرية على طريق الشام يختلف الناس عليها من الشام إلى ~~الحرمين، ويرون ما فيها من آثار عقوبة الله سبحانه، ms1570 ما نزل من الخراب ~~والدمار، فحذر الله سبحانه مشركي قريش، ومن قد رأى تلك الدار واختلف عليها ~~ما نزل بأهل البلد وبها عند عصيانهم الله سبحانه، انتهى. PageV18P249 # والضمير في قوله: وأنها عائد إلى مدينة قوم لوط، وقد سبق ذكرها، ومعنى ~~لبسبيل مقيم أي ثابت لم يندرس ولم يخف بنظرها من سلك تلك الطرق من ~~المسافرين، كما ينظرون غيرها من آثار مدائن الأولين، ثم قال: {إن في ذلك ~~لاية للمؤمنين} أي عبرة وتحذير للمؤمنين؛ لأن أهل الإيمان لهم قلوب خاشعة، ~~ونفوس إلى الله مقبلة، فذكر الله عز وجل أنهم يعتبرون ويتفكرون فيما نزل ~~بأهلها. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة قصة آدم وإبليس، وثنى بقصة ~~إبراهيم ولوط عليهما السلام ، ذكر القصة الثالثة وهم أصحاب الأيكة قوم شعيب ~~عليه السلام: {وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين} ومعنى إن واللام التأكيد، وإن ~~هاهنا هي المخففة من الثقيلة، أي وإن كان أصحاب الأئكة لظالمين. # قال في البرهان: يعني في تكذيب شعيب النبي عليه السلام حين أرسل إليهم؛ ~~لأنه بعث إلى أمتين أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأما أهل مدين فاهلكوا ~~بالصيحة، وأما أصحاب الأيكة فاهلكوا بالظلة التي أحرقوا بنارها، والأيكة ~~الغيظة التي التف شجرها، وكان أكثر شجرهم الدوم وهو .......، ومنه قول ~~النابغة الذبياني: # يحلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أشف لسانه بالإثمد # وقيل: الأيكة اسم البلد، والبلد اسم المدينة...........بكة ومكة، ثم قال ~~سبحانه: {فانتقمنا منهم} سلط الله عليهم الحر سبعة أيام، ثم بعث سحابة ~~فاستظلوا بها فأمطرتهم نارا، وقوله: {وإنهما لبإمام مبين} أي طريق ~~مبين[171] واضح؛ لأن الطريق يؤتم به إلى المقصد، والإمام يؤتم به أي يقتدا به. # وفي البرهان: بإمام يعني يقتدا به في الهدى والبيان، والضمير في قوله ~~وإنهما فيه وجهان: # أحدهما: قرى قوم لوط والأيكة. # والثاني: الأيكة ومدين؛ لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما، ودل بذكر الآية على ~~مدين، فجاء بضميرها. PageV18P250 # وأما الهادي عليه السلام فقال: هما قريتان هلكتا ودمرتا لما طغتا وعصتا، ~~وكانتا على طريق قريش في الرحلتين في رحلة الشتاء ورحلة ms1571 الصيف، والإمام فهو ~~الطريق الواضح، والأعلام التي يستدل بها على مسالكها ومياهها، فذكر الله ~~أمرهما احتجاجا على من خالفه ممن يفعل كفعلهم من عصيان ربه/ ومخالفة خالقه، ~~فقال: وإنهما لبإمام مبين، يرونها ويرون في كل رحلة آثار قدرتنا عليهم ~~وأخذنا لهما، بما كان منهما من البغي والعصيان من كل ما أنتم عليه من ~~مخالقة الرحمن، انتهى. # ثم ذكر تعالى القصة الرابعة وهي قصة ثمود قوم صالح فقال: {ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين} والحجر اسم واد كان تسكنه ثمود. # قال في البرهان: وهو بين الحجاز والشام على مرحلة من وادي القرى، روي أن ~~آثارهم فيه وبيوتهم، والمراد بالمرسلين صالح وحده؛ لأن من كذب منهم واحدا، ~~فكأنما كذبهم جميعا، أو لعل القوم كانوا براهمة منكرون كل الرسل. PageV18P251 # وعن جابر قال: مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لنا: ((لا ~~تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرا من أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب هؤلاء)) ثم زجر رسول الله راحلته فأسرع حتى خلفها، ثم قال: ~~{وآتيناهم آياتنا} التي ظهرت في الناقة، وكان فيها آيات كثيرة لخروجها من ~~الصخرة، وعظم خلقها، وظهور نتاجها، وكثرة ألبانها، وأوصاف الإتيان إليهم ~~لاقتراحهم ذلك، وان كان الناقة آية لصالح عليه السلام أو لأنها آيات ~~رسولهم، وقوله: {فكانوا عنها معرضين} ليدل على أن النظر والاستدلال واجب، ~~فإن التقليد مذموم، ثم قال: {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا} لقوتهم وطول ~~أعمراهم وآمالهم، حتى لا تبقا معهم معهم السقوف، فبنوا كهوفا في الجبال ~~{آمنين} من تهدمها أو من تعقب اللصوص، أو من حوادث الدهر، أو من عذاب الله، ~~يحسبون أنها تحميهم {فأخذتهم الصيحة} صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا ~~{مصبحين} حال الصبح {فما أغنى} أي ما نفع ولا دفع {عنهم ما كانوا يكسبون} ~~من بناء البيوت الوثيقة، والأموال والعدد، ثم قال تعالى: {وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} أي لا باطلا وعبثا، أو بسبب العدل ~~والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال. # قال الرازي في وجه النظم: ms1572 اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار، فكأنه ~~قيل الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم الكريم، فأجاب عنه بأني خلقت الحق ~~ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة، فإذا تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة ~~الإلهية تطهير وجه الأرض عنهم، وهذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول ~~المعتزلة. PageV18P252 # قلت: وقد ثبتت بهذا ونحوه عليهم الحجة الواضحة، فإن تفسيره مملوء من مثل ~~هذا الذي لا يمكن دفعه إلا بالمعاندة والمكابرة، وما ذاك إلا لإرادة الله ~~عز وجل إظهار الحق على ألسنتهم وأيديهم حجة عليهم، ثم إنه تعالى لما بين ~~أنه أنزل العذاب على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلى الله عليه ~~وآله[173] وسلم {وإن الساعة لاتية} وإن الله لينتقم لك من أعدائك ويجازيك ~~وإياهم على حسناتك وسيائتهم، فإنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق، والعدل والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك، ثم إنه تعالى لما ~~صبره صلى الله عليه وآله وسلم على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن ~~سيائتهم فقال: {فاصفح الصفح الجميل} أي احتمل ما تلقى منهم، واعرض اعراضا ~~جميلا فلا فحش ولا جزع. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ومعنى الصفح الجميل، هو العفو عن ~~المجرمين عفوا جميلا حسنا، والصفح هو العفو، قال الشاعر: # صفوح عن الإجرام حتى كأنه # من العفو لم يعرف من الناس مجرما # انتهى. # وقيل: إنه منسوخ بآية السيف وهو بعيد؛ لأن المقصود من ذلك أن تظهر للناس ~~حسن العفو والصلح، فكيف تصير منسوخا، ثم قال سبحانه: {إن ربك هو الخلاق} ~~الذي خلقك وخلقهم، وهو {العليم} بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينكم ~~وهو محكم بينكم، وإن ربك هو العليم بأن الصفح مصلحة إلى أن يكون السيف. # واعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ~~ذلك بذكر النعمة العظيمة التي خص الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن ~~الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز، فقال ~~سبحانه: {ولقد آتيناك سبعا ms1573 من المثاني والقرآن العظيم} أي سبع آيات من ~~المثاني من البيان أي الفاتحة؛ لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة. PageV18P253 # قال الزجاج: يجوز أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد أتيناك سبع آيات من ~~جملة الآيات التي تثني بها على الله، وآتيناك القرآن العظيم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وأراد من المثاني أي من القرآن ~~المثنى المردد المكرر. # وفي البرهان: قيل إنها أم القرآن؛ لأنها تثنى في كل صلاة، قال الشاعر: # نشدتكم بمنزل القرآن ... أم الكتاب السبع من مثاني # وقيل: المثاني ما يردد فيها من الخبر والأمثال والعبر، وقيل: المثاني ~~القرآن. # قالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # فقد كان نورا ساطعا نهتدى به # يخص بتنزيل المثاني المعظم # انتهى. # قال في الكشاف: فإن قلت: كيف صح عطف القرآن العظيم على السبع وهل هو إلا ~~عطف الشيء على نفسه؟ # قلت: إذا عني بالسبع الفاتحة والطول فما وراهن ينطلق عليه اسم القرآن؛ ~~لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على الكل، ألا ترى إلى قوله: {بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن} يعني سورة يوسف، وإذا عنيت الأسباع فالمعنى ولقد أتيناك ~~ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي الجامع لهذين النعتين وهو ~~الثناء والبينة والعظم. # واعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهو أنه ~~أتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا، فقال ~~سبحانه: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم} فحظر عليه أن يمد ~~عينيه فنهاه، كأنه قيل له: أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك ~~بالالتفات إلى الدنيا، ومنه الحديث ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) وقيل: ~~وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنظير فيها أنواع البز ~~والطيب والجوهر، وسائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا ~~لتقوينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال الله[173] لقد أعطيناكم سبع ~~آيات خير من هذه القوافل. PageV18P254 # وقال ابن عباس: لا تمدن عينيك أي لا ms1574 تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع الدنيا، ~~وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا تأديب للناس والمخاطب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى سواه، وإنما هذا نهي من الله للعباد أن ~~يمدوا أعيانهم طول الدهر وأنفسهم إلى متاع الناس وحطامهم، وتكبروا واشتغلوا ~~بالتمني عن ذكر الله وسؤاله، ولعل الله لو رزقهم مثل ذلك أن يكون سبب ~~هلاكهم، وسلما إلى ذهابهم، والله أبصر بعباده وبما ينفعهم وهو أولى بالخيرة لهم. # وأما قوله: أزواجا منهم فمعناه أصنافا من الكفار، والزوح في اللغة الصنف، ~~والحاصل قوله: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به} نهي عن الالتفات إليهم، وأن ~~يحصل لهم في قلبه..........، ثم قال تعالى: {ولا تحزن عليهم} حيث لم يؤمنوا ~~فيتقوى بهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون. # وقال في البرهان: ولا تحزن عليهم يعني بما أنعمت عليهم في دنياهم، وروى ~~أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نزل بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ضيف فلم يجد عنده ما يطعمه فأرسل إلى رجل من اليهود يستلف ~~منه طعاما إلى هلال رجب، فقال: لا أسلف إلا برهن، فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض لو سلفني أو ~~باعني لأديت إليه))، فنزلت عليه هذه الآية، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره ~~بالتواضع لفقراء المسلمين، فقال سبحانه: {واخفض جناحك للمؤمنين} خفض الجناح ~~كناية عن اللين والرفق والتواضع أي ألن جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، قال ~~الشاعر: # وحسبك رفعة لعزيز قوم # يمد على أخي نفه جناحا PageV18P255 ولما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين أمره بأن ينذر ~~القوم، فقال تعالى: {وقل إني أنا النذير المبين} على أن عذاب الله نازل ~~بكم، ويدخل تحت كونه مبلغا لجميع التكاليف؛ لأن كل ما كان واجبا ترتب على ~~تركه عقاب، وكل ما ms1575 كان حراما ترتب على فعله عقاب، فكان الإخبار بحصول هذا ~~العقاب داخلا تحت لفظ التدبير، ويدخل تحته أيضا كونه شارحا لمراتب الثواب ~~والجنة والنار، ثم أردفه بكونه مبينا، ومعناه آتينا في ذلك الباب بالبيانات ~~الشافية، والبينات الوافية، ثم قال بعده: {كما أنزلنا على المقتسمين} اختلف ~~المفسرون في المقتسمين منهم على أقوال. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى أنزلنا على المقتسمين أي من ~~النعمة فلم يشكروها، ومتعناهم بالنعم فلم يحمدوها، والمقتسمون هم الذي ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، فكذلك ~~نعم هؤلاء نزول كما زال ما أنزلنا على أولئك. PageV18P256 # وقال الهادي عليه السلام: معنى قوله: كما أنزلنا على المقتسمين، يريد أنا ~~ننزل بهؤلاء من اللعنة والفضيحة والحكم بالكفر، والوعيد بالنار في الآخرة ~~من بعد الهتك لهم في الدنيا مثل ما أنزلنا بالمقتسمين، فقامت على مقام ~~البا، والمقتسمون فهم الذين كانوا يقتسمون بالأزلام من قريش وأتباعها، ~~وهؤلاء الذين مثلوا بالمقتسمين فهم من عصى الله ورسوله، وبغى وطغى ممن عصى ~~بعد أولئك، وأساءوا اجترا على الله ورسوله، واستهزاء بدينه، وأحسب والله ~~أعلم أنهم[174] النفر الذين استهزؤا بأمر الله وبرسوله في غزوة تبوك وهم ~~الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب فأكذبهم الله، وأنزل فيهم ولقد قالوا كلمة ~~الكفر فدعاهم بذلك كافرين، ومعنى قوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} فهي كلمة ~~قريش بقولها وتهزأ فيها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن، كان إذا ~~قرأ عليهم القرآن ووعظهم، قالوا تعضنا بقراءته فيقلبون الضا صادا استهزاء ~~وعبثا وجرأة على الله فكفروا، فأخبر الله بما أنزل عليهم وفيهم من السخط ~~والغضب، فأبدأ من فضيحتهم، وأطلع عليه نبيه من شرهم، وأنزل فيهم هذا العتب ~~في القرآن، انتهى. # قال في البرهان: كما أنزل على المقتسمين، يعني أهل الكتاب الذين اقتسموا ~~كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها وكفر ببعضها، وآمن آخرون منهم بما كفر به غيرهم، ~~وكفر بما آمن به غيرهم، ويحتمل أن تكون الآية في كفار قريش، حين اقتسموا ~~القرآن، فجعل بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه ms1576 كهانة، وبعضه أساطير الأولين. # وقال ابن عباس: الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول ~~الله، ويقرب عددهم من الأربعين. PageV18P257 # وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام ~~الموسم فاقتسموا عقاب مكة وطرقها، ويقولون لمن سلكها لا تغتروا بالخارج ~~منا، والمدعي للنبوة فإنه مجنون، وكانوا ينفرون الناس عنه بأن ساحر، أو ~~كاهن أو شاعر، فأنزل الله بهم حربا فماتوا شر ميتة، والمعنى أنذرتكم ما نزل ~~بالمقتسمين، ومعنى قوله: {الذين جعلوا القرآن عضين} أي أجناسا كما ذكرناها ~~في قولهم هو شعر لا بل سحر فجعل أعضاء كما يعضا الجزور، وعضين جمع عضوما ~~مأخوذ من عضيت الشيء تعضية إذا فرقته، كما قال روبة: # وليس دين الله بالمعضاء # بالمفرق، ولفظ الكشاف عضين أجزا جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة من أعضاء ~~الشاة إذا جعلها أعضاء قال روبة: ... انتهى. # وقيل: العضين جمع عضة وهو البهت، يقال: عضهب الرجل أعضبه إذا بهته؛ أنهم ~~بهتوا كتاب الله عز وجل فيما رموه، قال الشاعر: # إن العضبهة ليست فعل أخيار # وقيل: العضين المستهزئين؛ لأنه لما ذكر في القرآن البعوض الذباب والنمل ~~والعنكبوت. # قال أحدهم: إنما أنا صاحب البعوض، وقال بعضهم: أنا صاحب الذئاب، وقال ~~الآخر: أنا صاحب النمل، استهزاء منهم بالقرآن، والعضة السحر أيضا والعاضهة ~~الساحرة. # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لعن الله العاضهة ~~والمستعضهة، يعني الساحرة والمسحورة)) ثم قال تعالى: {فوربك لنسألنهم ~~أجمعين} سؤال توبيخ وتقريع {عما كانوا يعملون} من تقسيم القرآن على أهوائهم ~~وغيره من أعمالهم. # قال في البرهان: وإنما يسألون عن خلتين عما عبدوا، وبماذا أجابوا الرسل ~~لما دعوهم إلى الله، فإن قيل: كيف الجمع بين قوله لنسألنهم أجمعين وبين ~~قوله: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان}؟ # قلت: قال المرتضى عليه السلام: أراد سبحانه أنهم لا يسألون مسألة استخبار ~~ولا استفهام، بل هو العالم بجميع الأسرار، انتهى. PageV18P258 # وهو أيضا جواب ابن عباس قال: وإن يسألون سؤال توبيخ، فيقال لهم: فعلتم كذا، ~~ويحتمل أن ms1577 يعي السؤال في بعض الأوقات وإتيانه في وقت آخر؛ لأن يوم القيامة ~~مواطن يسألون فيها ومواقف لا يسألون فيه، ويروى هذا عن علي عليه السلام ، ~~والله أعلم. # أما قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} فقال: في البرهان: يعني فامض لما تؤمر. # واعلم[175] ما يوحى إليك حتى تبلغهم وتعرفهم الفرق بين الحق والباطل، ~~وإشفاقه من الصدع، وهو الشق، والناس في الصدوع، وهذا من كلام التبليع ~~القبيح. # قال الرازي: في قوله بما تؤمر وجهان: # أحدهما: أن يكون ما بمعنى الذي أي بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار ~~كقولك: غف # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # والثاني: أن تكون ما مصدرية، أي فاصدع بأمرك وبيانك، قالوا: وما زال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية، ثم قال تعالى: ~~{وأعرض عن المشركين} أي خلهم واجتنب مخاطبتهم ومجالستهم بعد مكابرتهم، ~~وكمال الحجة عليهم. # قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال، وهذا ضعيف؛ لأن معنى الإعراض أنك لا ~~تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة {إنا كفيناك ~~المستهزئين} بك، أي سنكفيك عقوبتهم وقتلهم، حتى تخف عنك مؤنة حربهم، فروي ~~أنه سبحانه قتلهم، وأمر جبريل عليه السلام فعذبهم وأتلفهم، وكانوا خمسة من ~~أشراف قريش، الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والأسود بن عبد ~~يغوث، والحارث بن حنظلة، أهلكهم الله جميعا قبل يوم بدر لاستهزائهم، كل ~~منهم أصيب بمصيبة أهلكته، قيل في يوم وليلة واحدة، وقوله: {الذين يجعلون مع ~~الله إلها آخر} أي الأوثان {فسوف يعلمون} ما ينزل بهم وهو وعيد لهم. PageV18P259 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه، ولا سيما أولئك المقتسمون، ~~وأولئك المستهزؤن، قال له جل جلاله: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} ~~من الطعن فيك وفي القرآن، ومعنى يضيق صدرك أي قلبك؛ لأن الصدر محل القلب ~~فعند هذا قال: {فسبح بحمد ربك} أي قل سبحان الله وبحمده، وقيل: أفزع فيما ~~يأتك إلى الله، والفزع إليه هو الذكر الدائم، وكثرة السجود يكشف عنك الغم، ~~وأمره ms1578 بأربعة أشياء التحميد والتسبيح، والسجود والعبادة؛ لأن الأمثال على ~~هذه الطاعات سبب لزوال ضيق القلب والحزن، وقوله: {وكن من الساجدين} يعني من ~~المصلين الدائمين على العبادة، ثم قال: {واعبد ربك} أي داوم على عبادته ~~{حتى يأتيك اليقين}. # قال ابن عباس: يريد به الموت، وسمي الموت باليقين؛ لأنه أمر متيقن. # وقال في البرهان: يعني الحق الذي لا ريب فيه، الذي لا يحيد عنه. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا جرى به أمر فزع إلى ~~الصلاة، والله أعلم. PageV18P260 ### || AUTO سورة إبراهيم عليه السلام # خمسون وأربع آيات في الحجازي وخمس في الشامي، وآية في البصري مكية. # قال في البرهان: إلا اثنتين منها مدنية، وهي: {ألم ترى إلى الذين بدلوا ~~نعمة الله} والتي بعدها. # قال الرازي: اعلم أن الكلام في هذه السورة مكية أو مدنية طريقة للأخبار، ~~ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام ونزولها بمكة والمدينة سواء، وإنما ~~يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ، فتكون فيه فائدة عظيمة. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله: {الر كتاب} أي هو كتاب، يعني السورة أو القرآن {أنزلناه إليك} أي ~~القرآن {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} أي من الشرك إلى التوحيد، ~~والظلمات والنور، استعارتان للضلال والهدى. PageV18P261 # قال في البرهان: أي من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، وإنما ~~شبه الكفر بالظلمات؛ لأنه نهاية ما يتخير الرجل فيه من طريق الهداية، ~~وشبه[176] الإيمان بالنور؛ لأنه نهاية ما يتخلى به طريق هدايته، ثم قال: ~~{بإذن ربهم} أي بأمر ربهم وتمكينه وتسهيله وتيسيره بما منحهم من اللطف ~~والاذن، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب، وقوله: {إلى صراط العزيز ~~الحميد} بدل من قوله إلى النور، بتكرير العامل، كقوله {للذين استضعفوا لمن ~~آمن منهم} ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل إلى أي نور، فقيل: ~~إلى صراط العزيز الحميد، أي الغالب المستوجب للحمد، والمراد طريقه التي هي ~~حق وما عداها باطل. # قال في البرهان: وروينا أن قوما كانوا آمنوا بعيسى وقوما ms1579 كفروا به، فلما ~~بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفروا به ~~الذين آمنوا بعيسى، فنزلت هذه الآية، قوله تعالى: {الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا. PageV18P262 # قرأ نافع وابن عامر: الله مرفوعا بالابتداء، وخبره ما بعده، وقيل: التقدير ~~هو الله والباقون بالجر عطفا على قوله العزيز الحميد، ولما ذكر الخارجين من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، توعد الكافرين بالويل، فقال: {وويل للكافرين ~~من عذاب شديد} الويل اسم معنى الهلاك؛ إلا أنه لا يشتق منه فعل، وإنما يقال ~~ويل له وهو نقيض الوال، وهو النجاة، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الله ~~الذي هو المالك للسموات والأرض، ولكل ما فيها إلى عبادة ما لا يملك ضرا ولا ~~نفعا، ويخلق ولا يخلق، ولا إدراك لها ولا فعل، فالويل كل الويل لمن كان ~~كذلك، وإنما خص هؤلاء بالويل؛ لأن المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد ~~ويصيحون منه، ويقولون يا ويلاه، ونظيره دعوا هنالك ثبورا، ثم بين تعالى صفة ~~هؤلاء الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب، وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع: # الأول: قوله عز وجل: {الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} أي ~~يؤثرونها عليها ويختارونها ويستبدلونها، والاستحباب هو التعرض للمحبة. # واعلم أنه إنما يكون الإنسان كذلك، إذا كان غافلا عن الحياة الآخرة، وإلا ~~إذا كان غافلا عن معايب هذه الحياة العاجلة، ومن كان كذلك كان في نهاية ~~الصفات المذمومة، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من الغيوب، فلا ~~يحب هذه الحياة إلا من كان غافلا عن معايبها، وكان غافلا عن فضائل الحياة ~~الأخروية، ولذلك قال تعالى: {والآخرة خير وأبقى} وهذه الكلمات جامعة لكل ما ~~ذكرناه، وإنما قال سبحانه: {يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة} لأن فيه ~~إضمارا، والتقدير يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة، فجمع تعالى ~~بين هذين الوصفين ليبين بذلك أن الاستحباب في الدنيا وحده لا يكون مذموما ~~إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة. PageV18P263 # وأما من أحبها ليصل إلى منافع النفس ms1580 وإلى خيرات الآخرة فلن يكون مذموما حتى ~~إذا آثرها على آخرته، بأن يختار منها ما يضره بآخرته فهذه المحبة هي ~~المذمومة. # النوع الثاني من الصفات التي وصف الله الكفار بها، قوله تعالى: {ويصدون ~~عن سبيل الله} أي يعرضون عن دين الله، ويمنعون الناس عن طريق الحق ~~والإسلام. # والنوع الثالث: قوله: {ويبغونها عوجا} أي يطلبون لها زيفا واعوجاجا، ~~ويصفونها بالميل عن الحق لئلا يسلك، وأصله يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل. # واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال[177]، ومن منع الغير من ~~الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل؛ لأن الإضلال على مرتبتين: # الأولى: أن يسعى في صدر الغير ومنعه من الوصول إلى النهج القويم، والصراط ~~المستقيم. # والثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق، ويحاول ~~تقبيح صورته بكل ما يقدر عليه من الحيل، وهذا هو الضلال والإضلال، وإليه ~~الإشارة بقوله: {ويبغونها عوجا} ولما ذكر الله هذه المراتب الثلاثة لأحوال ~~هؤلاء الكفار قال في صفتهم: {أولئك في ضلال بعيد} عن الصواب، ووصف الضلال ~~بالبعد مجاز، والبعد في الحقيقة للضلال؛ لأنه الذي بعد عن طريق الحق، فوصف ~~به فعله لما كان في غاية البعد عن الطريق، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية ~~التباعد مثل السواد والبياض، وكذا هاهنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا ~~الوجه يكون في غاية البعد عن الحق، فإنه لا يعقل ضلال أقوى ولا أكمل من هذا ~~الضلال، وفي البعد أيضا وجه آخر، وهو أن يبعد ردهم عن طريقة الضلالة إلى ~~الهدى؛ لأنه يمكن ذلك من نفوسهم. PageV18P264 # واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور، ثم أخبر سبحانه أنه ما أرسل رسولا إلا بلغة قومه، فقال: ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} أي ليفهموا عنه ما يدعوهم ~~إليه، فلا يكون لهم حجة على الله، فلا يقولوا لم نفهم ما خوطبنا به، كما ~~قال: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته}. # قال ms1581 في الكشاف: فإن قلت لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا {قل ياأيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا} بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم يكن للعرب حجة ~~فلغيرهم الحجة، وإن لم يكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم يكن للعرب حجة. PageV18P265 # قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله ~~بجميع الألسنة؛ لأن الرحمة تنوب عن ذلك، وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان ~~واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم رسول الله؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا ~~عنه وبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهيمه كما نرى الحال ~~ونشاهدها من.........التراجم في كل أمة من أمم العجم ما في ذلك من اتفاق ~~أهل البلاد المتباعدة، وللأقطار المتنازحة، والأمم المختلفة، والأجيال ~~المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعليم لفظه، وتعليم معانيه، وما ~~يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما تتكاثر من أتعاب النفوس، وكذا القرائح ~~فيه من العرب والطاعات والمعصية إلى جزيل الثواب، ولأنه أبعد من التحريف ~~والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف؛ ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها ~~مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم ~~الرسول العربي كل أمة بلسانها لما كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم ~~معجزا، لكان ذلك أمرا قريبا من الإلجاء، وقرى بلسن قومه، واللسن واللسان ~~كالريش والرياش بمعنى في اللغة، وقرئ بلسن قومه بضم اللام والسين مضمومة، ~~أو ساكنة وهو جمع لسان كعماد وعمد على التحقيق. # وأما قوله سبحانه: {فيضل الله من يشاء} فمعناه يخذل من يعلم أنه لا يؤمن، ~~أي يتركه من زيادة الهدى {ويهدي من يشاء} معناه أي من يعلم أنه يقبل اللطف ~~والهدى، فيؤمن فيزيده هذا وينور قلبه. # قال الرازي[178]: تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن الضلال والهداية من ~~الله تعالى. # قال: والآية صريحة في هذا المعنى. # قلت: ومن جواب العدلية في هذه الآية على هؤلاء المجبرة أن هذه ms1582 الآية لا ~~يمكن إجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: PageV18P266 # الأول: أنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك ~~التكاليف بلسانهم، فيكون إدراكهم البيان أسهل، ووقوعهم على المقصود والغرض ~~أكمل، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول ~~الإيمان للمكلفين، وأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك ~~الكلام لهذا المقصود. # الثاني: أنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال لهم إن الله سبحانه يخلق ~~الكفر والضلال فيكم فلهم أن يقولوا فما الفائدة في بيانك، وما المقصود في ~~إرسالك، وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله فينا عن أنفسنا، وحينئذ تبطل ~~دعوة النبوة، وتفسد بعثة الرسل. # الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلا تخليق الله سبحانه أو مشيئته، وجب أن ~~يكون الرضى واجبا؛ لأن الرضى بقضاء الله واجب، وذلك لا يقول به عاقل. # الرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة الآية وهي قوله: ليخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور يدل على مذهب العدل، وأيضا مؤخر الآية يدل عليه، وهو ~~قوله: {وهو العزيز} فلا يغالب على مشيئته {الحكيم} في فعله، فلا يخذل إلا ~~أهل الخذلان، ولا يلطف إلا بأهل اللطف، فكيف يكون حكيما من كان خالقا ~~للكافر والقبائح ومريدا لها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فثبت بهذه ~~الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله فيضل من يشاء ويهدي من يشاء على أنه تعالى ~~يخلق الكفر في العبد فوجب المصير إلى التأويل. # قلت: وقد ذكرنا تأويل نظير هذه الآية في سورة النحل في قوله: {يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء} وما ذكره هناك محمد بن القاسم عليهما السلام في تفسير ~~الهدى والضلال، وما أورده بعد ذلك على أهل الجبر من الحجج الظاهرة، ~~والبراهين النيرة، التي لا يمكن دفعها إلا بمعاندة الحق والمكابرة. PageV18P267 # واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ~~ذلك ms1583 الإرسال، وفي تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء عليهم ~~السلام إلى قومهم، وكيفية مقابلة أقوامهم وكيفيته معهم ليكون ذلك نصيرا ~~للرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أذاء قومه، وإرشادا له إلى كيفية ~~مكالمتهم ومعاملتهم، فذكر تعالى على العادة المألوفة بقصص بعض الأنبياء ~~فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام فقال: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي ~~بالمعجزات {أن أخرج قومك} بني إسرائيل، وهذا تفسير الإرسال، أي أرسلناه ~~وقلنا له: اخرج قومك {من الظلمات إلى النور} أي من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإسلام، وآيات موسى عليه السلام هي العصا واليد، والجراد والقمل، والضفادع ~~والدم، وفلق البحر وإنفجار العيون من الحجر، وإضلال الجبل، وإنزال المن ~~والسلوى. # وقال الجبائي: أرسل الله موسى إلى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي دلالته ~~وكتبه المنزلة عليه، وأمره أن يبين لهم الدين. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: إنه تعالى قال في قصة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، والمقصود ببيان ~~أن المقصود البعث واحد من جميع الأنبياء، وهو أن يسعوا[179] في إخراج الحق ~~من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهداية، والله سبحانه أمر موسى في هذا المقام ~~بسببين: # أحدهما: أن يخرجهم من ظلمات الكفر. # والثاني: قوله تعالى: {وذكرهم بأيام الله} أي بوقائعه في الأمم المكذبين ~~قبلهم كقوم نوح وعاد وثمود، أو بنعمائه في تضليل الغمام، وإنزال المن وفلق ~~البحر والإنجاء وغيره؛ لأن النعم تسمى بالأيام، قال عمرو بن كلثوم: # وأيام لنا عز طول # غصبنا الملك فيها إن بدينا PageV18P268 والمعنى عظهم بالترغيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم ~~الله عليهم، وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من الأيام، والترهيب ~~والوعيد أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل، ثم قال تعالى: ~~{إن في ذلك لايات لكل صبار شكور} الصبار الكثير الصبر، والشكور الكثير ~~الشكر، والمعنى أن في ذلك التذكر والتنبيه دلائل لمن كان صبارا على بلاء ~~الله شكور لنعمائه، وإنما خص الصبار الشكور بالآيات وهي ms1584 للكل لوجهين: # أحدهما: لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صار كأنها ليست آيات إلا لهم ~~كما في قوله: {هدى للمتقين} وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها}. # والثاني: لا يبعد أن يقال الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله ~~إلا لمن كان صابرا وشاكرا، أما الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام أن يذكرهم بأيام الله ~~حكى عن موسى أنه ذكرهم فقال: {وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ~~إذ أنجاكم} أي وقت إنجائكم من {من آل فرعون يسومونكم} أي يعذبونكم {سوء ~~العذاب}. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى يسومونكم أي يعرضون عليكم أشد ~~العذاب، قال الشاعر: # فسامه خطتا خسف وقال له # اختر وما فيهما خط لمختار # أي عرض عليه خطتين من الذل، انتهى. # وأما قوله تعالى هاهنا: {ويذبحون أبناءكم} وفي سورة البقرة يذبحون وفي ~~الأعراف يقتلون بغير واو، فالفرق أن هناك تفسير للعذاب وهنا كأنه جنس غير ~~العذاب أشد منه. PageV18P269 # روي أن كاهنا قال لفرعون يولد في بني إسرائيل مولود يكون ذهاب ملكك على ~~يديه، فقيل: إنه ذبح في طلب موسى سبعون ألف وليد، ومعنى قوله: {ويستحيون ~~نساءكم} أي يطلبون حياتهن للخدمة فلا تذبح، ثم قال: {وفي ذلكم} أي فعل ~~فرعون {بلاء من ربكم عظيم} أي ابتلاء منه حيث مكنهم، وأمهلهم حتى فعلوا ما ~~فعلوا، وفي ذلكم الإنجاء، والابتلاء يكون بالمحنة والنعمة ويبلوكم بالشر ~~والخير منه، وقال زهير: # جزا الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي بلو # إن قيل: إن تذبيح الأبناء كان بلا، أما استحيا النساء كيف كان بلا؟ ~~فالجواب أنهم كانوا يستخدمونهن بالاستحياء، وفي الخلاص منه نعمة، وأيضا ~~أبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار، قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم} ~~من جملة كلام موسى كأنه قال: واذكروا نعمة الله، واذكروا[180] حين تأذن أي ~~أعلم من الإيذان وهو الإعلام، ومنه الاذان لأنه أعلم، قال الشاعر: # فلم نشعر بضوء الصبح حتى ... سمعنا في مجالسنا ms1585 الأذينا # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى وإذا تأذن ربكم، أي تضمن ربكم ~~وحكم بوعده ووعيده، عليكم وأعلمكم بذلك، وبينه لكم وأذنكم به ولم يخفه ~~عنكم، وفي تأذن زيادة ليست في إذن كما أن توعد أبلغ من أوعد، كأنه قيل: وإذ ~~تأذن ربكم إيذانا بليغا، تنفى عنده الشكوك وتزاح الشبه فقال: {لئن شكرتم} ~~نعمة الإنجاء وغيرها بالإيمان والعمل الخالصين {لازيدنكم} نعمة إلى نعمة، ~~ولأضاعفن لكم ما أثبتكم، ثم أوعد بالعذاب على الكفر، فقال: {ولئن كفرتم} ~~يعني وجحدتموها {إن عذابي لشديد} لمن كفر نعمتي. PageV18P270 # واعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر وصاحب الكفران، أما ~~المعبود المشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستنصر بالكفران، فقال ~~ما حكى الله عنه: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله ~~لغني} عن شكركم{ حميد} مستوجب الحمد بكثرة نعمه وأياديه، وإن لم يحمده ~~الحامدون، وإنما ضررتم بأنفسكم وحرمتموها الخير الذي في الأرض جميعا سواء ~~وأنتم إليه محاويج. # واعلم أن قوله تعالى: {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا} سواء حمل على ~~الكفر الذي يقابل الإيمان، أو على الكفر الذي يقابله الشكر، فالمعنى لا ~~تفاوت البتة، فإنه تعالى غني عن العالمين، في كل كمالاته، وفي جميع نعوت ~~كبريائه، ثم قال تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود}. # قال الرازي: ذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا من موسى ~~عليه السلام لقومه، والمقصود أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من ~~تقدم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان قومه يذكرهم أمر القرون ~~الأولى، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل ~~على التقديرات، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتدأ مخاطبة لقوم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أنه تعالى ذكر أقواما ثلاثة وهم قوم نوح وعاد وثمود، ثم قال: ~~{والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} ذكر في الكشاف في احتمالين: # الأول: أن يكون ms1586 قوله: {والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله} جملة من ~~مبتدأ وخبر وقعت اعتراضا. PageV18P271 # والثاني: أن يقال والذين من بعدهم معطوف على قوم نوح وعاد وثمود، وقوله: ~~{لا يعلمهم إلا الله} اعتراض، والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلمهم عددهم ~~إلا الله، أو المراد ذكر أقواما ما بلغنا أخبارهم أصلا، كذبوا رسلا لم ~~نعرفهم أصلا، ولا يعلمهم إلا الله، والقائلون بهذا القول طعنوا في قول من ~~تصل الأنساب إلى آدم عليه السلام ، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: ~~كذب النشابون، وقد نفى الله علمها عن العباد، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ~~{وقرونا بين ذلك كثيرا} وقوله سبحانه: {منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك} ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنهم لما ~~{جاءتهم رسلهم بالبينات} والمعجزات أتوا بأمور: # أولها: قوله تعالى: {فردوا أيديهم في أفواههم} أي رد المرسل إليهم أيدي ~~أنفسهم في أفواه أنفسهم فغطوها غيظا وحنقا مما جاءت به الرسل[181] كقوله ~~عظوا عليكم الأنامل من الغيظ، أو ضحكا واستهزائهم كمن عليه الضحك، فوضع يده ~~على فيه، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم، وما نطقت به من قولهم إنا كفرنا ~~بما إرسلتم به، أي هذا جوابنا لكم وأرادوا اقناطهم من التصديق، وهذا قول ~~قوي لمناسبته لما بعده وهو قولهم إنا كفرنا إلى آخره، أو أنهم وضعوا أيديهم ~~على أفواههم يقولون للأنبيا عليهم السلام أطبقوا أفواهكم واسكتوا أو ردوها ~~في أفواه الأنبياء يمنعونهم من الكلام. # الأمر الثاني من الأشياء التي حكاها الله عن الكفار قولهم: {وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به} والمعنى إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به؛ ~~لأنهم ما أقروا أنهم أرسلوا. # واعلم أنهم أولا سكتوا عن قبول قول الأنبياء، وحاولوا إسكات الأنبياء عن ~~تلك الدعوى، وثانيا أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة. PageV18P272 # والثالث: قولهم {وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب} أي يوقع في الريبة، ~~وهي التهمة وقلق النفس، وأن لا تطمئن إلى الأمر، فإن قيل: إنهم لما ذكروا ~~أنهم ms1587 كافرون برسالاتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة ~~قولهم؟ قيل في الجواب كأنهم قالوا: أما إن نكون كافرين برسالاتكم وأن لم ~~يدع هذا الجرم واليقين، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، ~~وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. # واعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه ~~مريب {قالت رسلهم أفي الله شك} إنكار عليهم في شكهم في الله تعالى أي في ~~صحة الإيمان به، والدعاء إلى توحيده، والمعنى لا شك في ذلك، ثم دل على ~~وحدانيته فقال: {فاطر السماوات والأرض} أي مبتدعهما وخالقهما، فلا ينبغي أن ~~تشك فيه لدلالة ذلك عليك. # قال في الكشاف: أدخلت همزة الإنكار على الظرف؛ لأن الكلام ليس في الشك ~~إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة وشهادتها عليه، ~~ولما أقام الدلالة على وجود الصانع بدليل كونه فاطر السماوات والأرض، وفاطر ~~لأنفسنا وأوراحنا وأرزاقنا، وجميع مصالحنا، وصفه بكمال الرحمة والكرم ~~والجود، وبين ذلك من وجهين: # الأول: قوله تعالى: {يدعوكم} إلى طاعته بالرسل والكتب {ليغفر لكم من ~~ذنوبكم}. # قال في البرهان: أي يدعوكم إلى التوبة ليغفر لكم ما تقدم من معصيته، ومن ~~زائدة وتقديره ليغفر لكم ذنوبكم، وفي الكشاف فإن قلت ما معنى التبعيض في ~~قوله من ذنوبكم؟ # قال: قلت ما أعلمه جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله: {واتقوا الله ~~وأطيعون، يغفر لكم من ذنوبكم} وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك ~~للتفرقة بين الخطابين، وأن لا تسوى بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد به ~~أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله وبين العباد من المظالم ونحوها، انتهى. PageV18P273 # وحكى الرازي عن الواحدي في التسليط قال: قال أبو عبيدة من زائدة، وأنكر ~~سيبويه زيادتها في الواجب، وإذا قلنا إنها ليست زائدة فهاهنا وجهان: # أحدهما: أنه ذكر البعض هاهنا وأريد به الجمع توسعا. # والثاني: من هاهنا للبدل، والمعنى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب، فدخلت ~~من لتضمن المغفرة، معنى البدل من ........... # وقال ms1588 القاضي: ذكر الأصم أن[182] من هاهنا تفيد التبعيض، والمعنى أنكم إذا ~~تبتم فإن الله يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر، فأما التي تكون من الصغائر ~~فلا حاجة إلى غفرانها؛ لأنها في أنفسها مغفورة. # قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم كبائر في أنها ~~لا تغفر إلا بالتوبة، وإنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين من حيث يريد ~~ثوابهم على عقابهم، وأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء ذنوبه صغيرا، ولا ~~يكون شيء منهما مغفورا، ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد نسي بعض ~~ذنوبه وإثابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وثاب منه، فهذا جملة ~~أقوال الناس في هذه الكلمة. # الثاني من الوجهين: قوله تعالى: {ويؤخركم إلى أجل مسمى} أي إلا وقت سماه ~~بلغكموه إن آمنتم وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال قبل ذلك الوقت، ثم حكى أن ~~الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا} ~~لا فضل بيننا وبينكم، ولا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة ويتأولوا رسل ~~الله إلى البشر رسلا لجعلهم من جنس أفضل منهم وهم الملائكة، فهذه شبهة ~~القوم في رسلهم. PageV18P274 # والشبهة الثانية: التمسك بطريقة التقليد، وهي المراد من قوله: {تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} من الأوثان {فأتونا} على صحة ما تدعونا إليه ~~{بسلطان مبين} أي: حجة بينة، قالوا ذلك تعنتا، وإلا قد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات الواضحة، والحجج اللائحة، وإنما أرادوا بالسلطان المبين آية قد ~~اقترحوها تعنتا ولجاجا. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة حكى عن ~~الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها، فقال سبحانه: {قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم} يعنون أنهم مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما ~~كانوا مثلهم، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم، واقتصروا على قولهم: ~~{ولكن الله يمن على من يشاء} أي يتفضل على من يشاء {من عباده} بالتوبة ~~لعلمه تعالى أنهم أهل لها؛ لاختصاصهم بما لم يختص به أبناء ms1589 جنسهم؛ لأنه قد ~~علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون. PageV18P275 # وأما شبهتهم الثالثة وهي قولهم: فاتونا بسلطان مبين، وإنا لا نرضى بهذه ~~المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية، فالجواب عنها ~~قوله: {وما كان لنا} أي وما صح لنا {أن نأتيكم بسلطان} أي حجة مما طلبتم ~~تعنا {إلا بإذن الله} أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحوها ليس إلينا، ~~ولا في استطاعتنا، وما هو إلا أمر متعلق بمشيئة الله تعالى، ثم إنه تعالى ~~حكى عن الأنبياء والرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك: {وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون} أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا أنفسهم قصدا ~~أوليا، وأمر وهابة كأنهم قالوا: ومن.........أن نتوكل على الله في الصبر ~~على معاندتكم ومعاداتكم، وما يجري علينا منكم، ألا ترى إلى قوله: {وما لنا ~~ألا نتوكل على الله} أي عذر لنا في ترك التوكل عليه {وقد هدانا سبلنا} أي ~~طرقنا في الدين، وذلك يوجب التوكل عليه، ثم قالوا: {ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا[183]} بأنواع الأذى من الإهانة، والضرب والتكذيب، فإن الصبر مفتاح ~~الفرج، ومطلع الخيرات والحق، لابد وأن يصير غالبا قاهرا، والباطل لابد وأن ~~يصير مغلوبا مقهورا، ثم إنهم أعادوا قولهم وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ~~والفائدة أنهم أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله: وما لنا ألا نتوكل ~~على الله، ثم لما فزعوا عن أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا: {وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون} أي فليستووا على ما أحدثوه من التوكل بالأمر، في الأول ~~أمر بالإحداث، وفي الثاني الثبات عليه، وقصدوا به أنفسهم كما مر، وقيل في ~~الآية وجه آخر وهو أن قوله تعالى: {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} المراد أن الذين يطلبون المعجزات وجب ~~عليهم أن يتوكلوا في PageV18P276 حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها، وأما قوله في ~~آخر الآية: {ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} المراد ~~منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم، ms1590 وعلى هذا التقدير ~~فالتكرار غير حاصل؛ لأن قوله وعلى الله فليتوكل، وأراد في موضعين مختلفين ~~بحسب مقصودين متغايرين، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم اكتفوا في دفع ~~شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم ~~بالغوا في السفاهة، فقال سبحانه: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنا أو لتعودن في ملتنا} هذا جواب قسم أي ليكون أحد الأمرين لا محالة: ~~إما إخراجكم وإما عودتكم، والسبب أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين، ~~وأهل الباطل يكونون كثيرين، والظلمة والفسقة يكونون متعاضدين متعاونين، ~~فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة، وعاد بمعنى صار هنا إذ لم يكونوا على ~~ملتهم حتى يعودوا فيها، وتلك لغة فاشية لا يكادون يستعملون صار لكن عاد، ~~يقولون ما عدت أراه عاد لا يكلمني ما عاد لفلان مال، أو خاطبوا به كل رسول، ~~ومن آمن معه فغلبوا في خطاب الجماعة على الواحد، ويحتمل أن أولئك الأنبياء ~~إنما نشأوا في تلك البلاد، وكانوا من تلك القبائل، وفي أول الأمر ما أظهروا ~~المخالفة مع أولئك، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة، ~~فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب ~~قالوا: أو لتعودن في ملتنا فتقدير السؤال هنا زائل، والله أعلم. PageV18P277 # واعلم أن الكفار لما ذكرا هذا الكلام قال تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين} لأنفسهم بالكفر أي فبلغوا وصابروا {ولنسكننكم الأرض من بعدهم} أي ~~أرض الظالمين وديارهم ونظيره قوله: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ~~مشارق الأرض ومغاربها} {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم}. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من آذاى جاره أورثه الله داره)). # واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على الله ربه في دفع عدوه كفاه ~~الله أمر عدوه، ثم قال تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي} فقوله: ذلك إشارة إلى ما ~~قضى الله به من إهلاك الظالمين، وإسكان المؤمنين ديارهم، أي ذلك[184] الأمر ~~حق لمن خاف مقامي. ms1591 # قال في البرهان: يعني المقام بين يدي فأضاف ذلك إليه لاختصاصه به والفرق ~~بين المقام والمقام أن المقام إذا ضم فهو فعل الإقامة وإذا فتح فهو مكان ~~الإقامة. # قال الرازي: ووفي قوله مقامي وجوه: # الأول: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأن ذلك الموقف موقف الله الذي يقف فيه ~~عباده يوم القيامة. # الثاني: المقام مصدر القيام، يقال قام قياما ومقاما. # قال الفراء: ذلك لمن خاف مقامي، أي إقامتي العدل والصواب، فإنه تعالى لا ~~يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل، وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ~~ولا ينحرف البتة. PageV18P278 # الرابع: ذلك لمن خاف مقامي أي لمن خافني، وذكر المقام هاهنا مثل ما يقال ~~سلام الله على المجلس العالي، والمراد سلام الله على فلان، فكذا هاهنا، ثم ~~قال: {وخاف وعيد} أي وعيدي بالعذاب، يعني أن الرسل استفتحوا بطلب النصر، أي ~~استنصروا الله على أعدائهم، واستحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة ~~وهي الحكومة، كقوله تعالى: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} والمعنى أن ~~الأنبياء استفتحوا فنصروا وأفلحوا، وخاب أي لم يظفر أعداؤهم بمطلوبهم ~~والخيار من يفعل ما يشاء ولا ينظر في العواقب، والعنيد هو الذي يعند عن ~~الحق وينصرف مدبرا عن الصواب والصدق، وإن قلنا: استفتحوا هم الكفار، وكان ~~المعنى أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق، والرسل على ~~الباطل، وخاب كل جبار عنيد منهم، وما أفلح بسبب استفلاحه على الرسل. # واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارا عنيدا، وصف ~~كيفية عذابه بأمور: # الأول: قوله تعالى: {من ورائه} يعني الجبار أي بين يديه وأمامه {جهنم} ~~قال الشاعر: # ومن ورائك يوم أنت بالغه # لا حاضر معجز عنه ولا بادي # ويحتمل أن معنى من ورائه جهنم خلفه؛ لأن لفظ وراء اسم لما توارا عنك، ~~والقدام والخلف متوار عنك فصح، إطلاق لفظ وراء على كل واحد منها، قال ~~الشاعر: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب # ويقال أيضا: الموت وراء كل أحد. # قال أبو عبيدة وابن ms1592 السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام. # الثاني: من الأمور التي وصف بها كيفية عذاب الكافر قوله تعالى: {ويسقى من ~~ماء صديد، يتجرعه ولا يكاد يسيغه}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لا يقارب ولا يداني أن يستلذه ~~ولا يجده طيبا، ولا يوده، انتهى. PageV18P279 # ويسقى عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد، ~~وهو ما يسيل من جلود أهل النار أي ما يتغير قيح، والعرب تسمي الدم المتغير ~~الفاسد من الجراح صديدا، وقوله من ماء صديد عطف بيان لما قال ويسقى من ماء، ~~فأبهمه إبهاما ثم بينه بقوله: صديدا. # وقال الرازي: معناه من ماء كالصديد، وذلك بأن يخلق الله في جهنم ما يشبه ~~الصديد في النتن والغلط والقذارة، وهو أيضا في نفسه يكون صديدا إلا أن ~~كراهته [185] بعيد عن تناوله، وهو كقوله: {وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} ~~{وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا} ~~ومعنى قوله: يتجرعه أي يتكلف جرعه، أي يشربه جرعة بعد جرعة على تعقب. # وأما قوله ولا يكاد يسيغه، فأدخل كاد للمالغة يعني، ولا يقارب أن يسيغه، ~~فكيف تكون الاستساغة كقوله: لم يكد يراها، أي ولم يقرب من رؤيتا فكيف يراها. # واعلم أن كاد فيه قولان: # أحدهما: أن يكون للمقاربة كما مر. # والثاني: أن كاد فيه إثبات، وإثباته نفي مقولة لا يكاد يسيغه، أي يسيغه ~~بعد ابطاء، لأن العرب تقول: ما كدت أقوم أي قمت بعد إبطا، قال تعالى: ~~فذبحوها وما كادوا يفعلون بعد إبطاء، والدليل على حصول الاستاغة قوله ~~تعالى: {يصهر به ما في بطونهم} ولا يحصل الصهر إلا بعد الاساغة، وأيضا فإن ~~قوله يتجرعه يدل على أنهم أساغوا الشيء، فكيف يصح أن يقال إنه لا يسيغه البتة. # فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الاساغة فكيف الجمع بينه وبين القول ~~الأول، قيل عنه جوابان: # أحدهما: أن المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرع البعض، وما أساغ الجميع. PageV18P280 # الثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما يدل على ms1593 وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف ~~الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة؛ لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في ~~الحلق، على تقبل النفس واستطابة المشروب، والكافر تجرع ذلك الشراب على ~~كراهية، ولا يسيغه أي لا يستطيبه ولا يشربه شربا مرة واحدة، وعلى هذين ~~الوجهين، فصح لا يكاد على نفي المقارنة، والله أعلم بما ذكر معناه الرازي. # والثالث مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله عز وجل: {ويأتيه ~~الموت من كل مكان} أي أتينا به أوصافه كأنها اجتمعت، وأحاطت به من كل ~~الجهات تقطيعا وتهويلا لما يصيبه من الألم. # قال في البرهان: معنى من كل مكان من جسده، ويجوز ويأتيه الموت من كل جهة ~~عن يمينه وشماله، ومن فوقه وتحته، ومن قدامه وخلفه، ويحتمل وتأتيه شدائد ~~الموت، وامتداد سكراته ليكون ذلك زيادة في عذابه. # والرابع قوله: {ومن ورائه} أي قدامه وبين يديه {عذاب غليظ} أي في كل وقت ~~يستقبله يلقى عذابا أشد مما قبله وأغلظ، وقيل: المراد من العذاب الغليظ ~~كونه دائما غير منقطع، وقيل: هو حبس الأنفاس في الأجساد. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم أخبر بعد ذلك أن أعمالهم بأسرها ~~تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال حسراتهم، فقال ~~عز وحل: {مثل الذين كفروا بربهم} معناه ومما نقص عليك مثل الذين كفروا ~~بربهم، أي صفتهم التي هي في غرباتها كالمثل في غرابته، وقوله: {أعمالهم ~~كرماد} يجوز أن تكون جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ ~~فقيل: أعمالهم كرماد {اشتدت به الريح} أي اشتد هبوبها، أو يكون بدلا من مثل ~~الذين كفروا، والتقدير مثل أعمالهم، وقوله كرماد هو الخبر. PageV18P281 # وأما قوله: {في يوم عاصف} فمعناه في يوم عاصفة رياحة، جعل العصف لليوم مجاز ~~لما فيه، كقولهم: يوم ماطر وليلة ساكنة، وإنما السكون لريحها، ومعنى قوله: ~~{لا يقدرون مما كسبوا على شيء} أي على نفع مما كانوا يؤملونه من صلة ~~الأرحام، وعتق الرقاب وغيرهما من مكارمهم، لا يرون لها أثرا من الثواب، ms1594 كما ~~لا يقدرون من الرماد[186] المطير في الريح على شيء، وذلك لبنيانها على غير ~~أساس من معرفة الله والإيمان به. # قال في البرهان: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكافر في أنه لا يحصل ~~على شيء منها بالرماد الذي هو بقية النار الذاهبة، وإذا اشتدت الريح ~~العاصف، وهي الشديدة فأطارته فلم يقدر على جمعة، كذلك الكافر في عمله. # قال الرازي: واعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال هو أن ~~الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزاؤه، بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا ~~خبر، فكذا هاهنا إن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها، بحيث لم يبق من تلك ~~الأعمال معهم خبر ولا أثر، وقيل: إن المراد من تلك الأعمال عبادتهم ~~الأصنام، وما تكلفوه من كفرهم الذي طلبوه إيمانا وطريقا إلى الخلاص، والوجه ~~في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل، لكي ينتفعوا بها فصارت ~~وبالا عليهم، وقيل: المراد من هذه الأعمال كلا القسمين؛ لأنهم إذا أرادوا ~~الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال الذين ظنوها خيرات ~~وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا، وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم، فلا شك ~~أنه تعظم حسرتهم وندامتهم، فكذلك قال تعالى: {ذلك هو الضلال البعيد} قوله ~~ذلك إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الصواب أو الثواب، أو ذلك الذي يمسكوا به ~~من الكفر. # واعلم أنه تعالى لما تم هذا المثال قال: {ألم ترى أن الله خلق السماوات ~~والأرض بالحق}. PageV18P282 # قال الرازي في وجه النظم: إنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضايعة، ~~بين أن ذلك الإبطال والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم، وهو كفرهم بالله ~~وإعراضهم عن العبودية، فإن الله لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء، وكيف يليق ~~بحكمته أن يفعل ذلك، وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا بالحق أتي ~~بالحكمة والغرض الصحيح لا عبثا ولا شهوة، ثم قال تعالى: {إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد} والمعنى أن من كان قادرا على خلق السماوات والأرض بالحق ~~فبات يقدر على إفناء قوم ms1595 وإماتتهم، وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى؛ ~~لأن القادر على الصعب الأعظم فبأن يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى. # قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة يريد أمتكم يا معشر الكفار وأخلق ~~خيرا منكم وأطوع منكم، ثم قال: {وما ذلك على الله بعزيز} أي ممتنع ولا ~~متعذر عليه، بل هو هين يسير لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم ~~وإيجاده بأن يكون قادرا عى إفناء أشخاص مخصوصين، وإيجاد أمثالهم أولى ~~وأحرى، والله أعلم. PageV18P283 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار، ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم ~~تصير محبطة باطلة ذكر بعد ذلك كيفية خجلهم عن تمسك أتباعهم بهم، وكيفية ~~افتضاحهم عندهم فقال: {وبرزوا لله جميعا} أي ظهروا بين يديه في القيامة، ~~ومعنى بروزهم لله تعالى وهو لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له أنهم كانوا ~~يستترون عند الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم ~~القيامة يكشف أن الله لا تخفى عليه خافية، أو برزوا من قبورهم لله أي ~~لحسابه وحكمه {فقال الضعفاء} الأتباع والعوام الذين لا جند لهم ولا سلطان ~~{للذين استكبروا} عن عبادة الله تعالى وهم سادتهم المتبوعون {إنا كنا لكم ~~تبعا}[187] في الدنيا مقلدين لكم، يعني في الكفر حيث.........إليه {فهل ~~أنتم مغنون عنا} أي دافعون {من عذاب الله من شيء} إن لم تقدروا على كله، ~~وغرضهم توبيخهم، ثم إن الرؤوساء لما اعترفوا بالعجز والخزي والذل {قالوا لو ~~هدانا الله} إلى الإيمان {لهديناكم} يحتمل أن يكونوا كأهل الجبر في توريك ~~ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم، وقالوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا، لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء، يقولون في الآخرة ~~كما يقولونه في الدنيا، ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين {يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء} أو يكون ~~المعنى لو كنا من أهل الهداية واللطف فهدانا ربنا واهتدينا لهديناكم. # واعلم أن الرازي حكى هذين الوجهين عن صاحب ms1596 الكشاف ليبطلهما بزعمه، فقال ~~في الأول: # واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة، فكان هذا القول ~~منه يعني صاحب الكشاف مخالفا لأصول مشائخه، ولا يقبل منه. PageV18P284 # وأما الثاني من الوجهين فقال: ذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز ~~حمل هذا على اللطف لأن ذلك قد فعله الله. # ثم قال الرازي بعد هذين الوجهين: والثالث أن يكون المعنى لو خلصنا لله من ~~العقاب، وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم. # قال: والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه إن هذا هو الذي ~~التمسوه وطلبوه، فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى، انتهى كلامه. # قلت: قد تقدم في سورة النحل وغيرها الجواب عن شبهتهم في نظير هذه الآية ~~ما يغني عن إعادته من جواب بعض أئمتنا عليهم السلام ، ونزيد هاهنا بترك ما ~~ذكره المرتضى عليه السلام في هذه الآية حيث يقول: إن قال قائل ما معنى ~~الهدى، وما معنى قولهم لو هدانا الله لهديناكم؟ قيل له: الهدى هدان من ~~الله، فالأول ما دل عليه عز وجل وهدى إليه من الشريعة التي بعث بها محمد ~~خاتم البنيين صلى الله عليه وآله وسلم فهداهم سبحانه إلى سبب لم يكونوا ~~ليعرفوه إلا بالله عز وجل، مع ما ركب فيهم من عقولهم وجعل فيهم من تمييزهم، ~~وجعل لهم به السبل إلى ما به تعبدهم. PageV18P285 # والهدى الثاني: فهو هدى توفيق وتسديد، وذلك قوله سبحانه: {والذين اهتدوا ~~زادهم هدى} فقال: الذين اهتدوا لما أمروا به زادهم هدى، يقول استحقوا ~~التوفيق والتسديد والعون والتأييد، فالهدى الأول من الله تبارك وتعالى ~~ابتداء، إقامة حجة على الخلق وعما، والهدى الثاني مكافأة على فعلهم لما كان ~~من مسارعتهم في طاعة ربهم، فأما قول أهل النار لو هدانا الله لهديناكم، ~~فإنما ذلك كذب منهم، وقول باطل من كلامهم أكذبهم الله في قولهم حين يخبر ~~سبحانه بما يكون من كلامهم، إذ يقول: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل ~~صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه ms1597 من تذكر وجاءكم النذير} ~~يريد عز وجل بالنذير، أي المعذور والمنذر المقيم للحجة، المنبه للغفلة، فدل ~~قولهم نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل على إكذابهم لنفوسهم؛ لأن من كان ~~مجبورا على المعصية لا يقدر على طاعة، ولو ردوا لما كانت المعصية في نفوسهم ~~والظلم من اختيارهم، قالوا ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، ~~عندما بان لهم تفريطهم، وذهب ما كان من كذبهم[188] فزاد العذاب بعيونهم، ~~وحاصروه بنفوسهم حيث لا تنفع الندامة، ولا تقال الزلة، وفي إكذابهم لأنفسهم ~~وشهادتهم بالظلم والتعدي في أفعالهم، ما ذكر الله سبحانه أنهم يقولون لخزنة ~~النار إذ يقول: {ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أو لم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال} فلو علمت الملائكة صلوت الله عليهم أن أهل النار مجبولون على ~~المعصية، مجبورون على ترك الطاعة، ممنوعون من ذلك، ما قالوا لهم: ألم تك ~~تأتيكم رسلكم بالبينات؛ لأن الملائكة تعلم أن الرسل ليبس لها في قضاء الله ~~حيلة، وأن الممنوع من الطاعة PageV18P286 ليس له في نفسه اختيار ولا قول ولا كلام، ولو كانوا مجبورين ممنوعين من ~~الطاعة لكانوا مما نالهم من عذاب جهنم مظلومين متعدا عليهم، إذ لا حيلة إلى ~~الطاعة، ولو كان من الله سبحانه جبرا لهم لكان ما جبرهم عليه، ولم يجعل لهم ~~السبيل إلى غيره، له إرادة وطاعة ولم يكن هذا المجبور على العمل الصالح ~~والطاعة والاستقامة بأحق بالثواب من هذا المجبور على المعصية، إذ هما ~~مجبوران جميعا ممنوعان، فمنع صاحب الطاعة من الأفعال القبيحة، ومنع صاحب ~~المعصية من الأفعال المحمودة، فكلاهما غير محمود ولا مذموم، إذا كان القبيح ~~والحسن قضاء وحتما، وكلاهما مطيع غير خارج من إرادة الله عز وجل، ولا ~~مشيئته التي ركبها فيه، وجبره بحكمه عليها، وأدخله برغمه فيها، فليس تنتظم ~~المعصية أحدا أبدا إذ هم غير مخيرين ولا في أنفسهم مفوضين، لو كان ذلك كذلك ~~ما كان المحسن بأحق بالمدح من المسيء، إذ الفعلان من ms1598 الله سبحانه إذا، ~~والله بريء من الظلم للعباد، متعال عن الجور والفساد، أيجوز عندك على أحكم ~~الحاكمين ورب العالمين أن يكون يحول بين خلقه وبين الطاعة، ويقضي بذلك ~~عليهم قضا ويحتمه، ثم يعذبهم عليه؟ فأي حيلة لهم أو سبيل إلى ما سوى ما قضى ~~عليهم لو أنه جعل لهم فسحة إلى غيره لسلكوا وبه تعلقوا، وقضاء الله سبحانه ~~فلا حيلة فيه، ولا مرد له، فما الذنب لمن قضى عليه؟ ولم جعلت الأحكام تنفذ ~~فيه لو أن أحدنا أمر عبده أن يحرث جربته، وأمر عبده الآخر أن يشرع عنبه ~~فنفذ العبدان ما أمرهما به وأديا العمل على وجهه، ثم ضرب بعد ذلك أحدهما ~~على فعله الذي أمره به، ووهب للآخر وأحسن إليه إذا لكان هذا من فعل المخلوق ~~ظلما وجورا، ولوجب على المسلمين التغيير عليه في فعله إذ هو ظلم وتعد، فإذا ~~كنا نستنكر ذلك من فعل المخلوقين، وننسبه فيه إلى ما ننسب إليه أهل الجور ~~الظالمون، فكيف ننسب ذلك إلى رب العالمين وأحكم الحكامين، عز عن ذلك ذو ~~العظمة والسلطان، والقدرة PageV18P287 والإحسان، ما أبين فساد هذا القول، والله سبحانه يكذبه في كتابه إذ يقول: ~~{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} أفنقول إنهم جبروا على ~~المعصية، والله عز وجل يقول هديناهم، فدل على أنهم مخيرون، ومن أفعالهم ~~متمكنون، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم. # وقال الله سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أفيقدر أحد أن ~~يقول إنهم خلقوا للمعصية؟ فمن قال بذلك فقد رد قول الله صراحا وباينه ~~بالترك كفاحا، ثم قال سبحانه ردا على من يقول بهذه المقالة المخطئة وينسب ~~خطأها إليه، {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها[189] قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} ~~فأكذبهم في قولهم وذمهم على ما كان من فعلهم، فلو كان قضى عليهم بالمعصية ~~حتما وبما دخلوا فيه من الجهالة جبرا ما أكذبهم فيما قالوا؛ لأن ms1599 قوله الحق ~~وأمره الصدق الذي لا شك فيه، ولما نفا ذلك عن نفسه كانوا هم الكاذبين، وفي ~~قولهم المعتدين، ولعذابه سبحانه على مخالفتهم مستوجبين، ثم قال في الجاهلية ~~..... بهذه المقالة التي يقول بها أهل الإسلام إن الله سبحانه جبرهم على ~~أفعالهم، فذكروا لما فعلوه في أموالهم من البحيرة والسائبة بقضاء من الله ~~عليهم، وأمرا أنفذه فيهم، فقالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ما نزل الله سبحانه إكذابا لقولهم، وردا لفعلهم عليهم {ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~وأكثرهم لا يعقلون} أفيقدر أحد أن يقول هذا قضا والله عز وجل يكذبهم، وإنما ~~هذه المقالة قول الغافلين، ومذهب استحسنه كثير من الجاهلين، فنسبوا إلى PageV18P288 الله ما يكرهونه في نفوسهم، وألزموه ما يغضبون منه، لو قيل لهم إذا الله ~~سبحانه على قولهم يقضي بما ينكرون، ويأمرنا بما يسخطون، والله تبارك وتعالى ~~لا يقضي إلا بمشيئته، ولا ينفذ إلا إرادته، فما حال من سخط ما أراد الله، ~~وكره ما أحب؟ فهم في قولهم لله من العاصين، وله من المباينين، إذ كرهوا ~~إرادته وسخطوا مشيئته، إذ ليس من فعل الحكيم أن يقضي بما لا يريد، ولا ينفذ ~~إلا ما يشاء، فلما كان ذلك لا يجوز ولم يجز لهم أن يقولوا إن المعصية لله ~~مشيئة وإرادة، وإذا كانت مشيئة وإرادة فالساخط لها عاص ظالم إن الله سبحانه ~~بريء مما ينسبه إليه الظالمون، بل أمر تخيير أو نهي تحذير، أو كلف بشي ~~وأمكن خلقه من الاستطاعة، وأبان لهم المعصية والطاعة، ثم نهاهم عن معصيته ~~نهي أمر لاحتم، وأمرهم بالطاعة أمر تفويض لا جبر، ولو كان هذان الأمران ~~حتما من الله وقضا ما قال سبحانه: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير} ~~فكيف يعمل ما يشاء من هو ممنوع من مشيئته، فلما أن قال ذلك سبحانه علمنا ~~أنهم مخيرون، وعلى أفعالهم معاقبون ومثابون، والضعفاء الذين ذكروا في أول ~~الآية فهم ضعفاء الرأي وضعفا ms1600 التدبير في نفوسهم الذين تبعوا..........لهم ~~وأسعدوهم في كفرهم حتى دخلوا النار طلبا لرضى كبرائهم وأتباعا لهوى غيرهم، ~~وذلك قول الله سبحانه فينا يخبر عنهم {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ~~فأضلونا السبيل} فلما أن طاعوهم في كفرهم وساعدوهم على غيهم، وتركوا ما فيه ~~النجاة لهم، والسلامة لآخرتهم، كان عاقبة أمرهم خسرا {جهنم يصلونها فبئس ~~المصير} {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته ~~التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، كلا إنها لظى، نزاعة للشوى، ~~تدعوا من أدبر PageV18P289 وتولى، وجمع فأوعى} فانسلوا بعد ذلك بحسرة نفوسهم، وعاينوا عند البعث ~~أفعالهم حيث لا تنفع الندامة، ولا يقدر أحد على استقالة، فرضوا بالكفر في ~~حياتهم وأيام مهلهم، حتى قدموا على أعمالهم، وأخذوا بما قدموه أمامهم، ~~واجتروا عليه من الكفر بربهم، فصاروا بذلك إلى طبقات النيران، والخلود في ~~العذاب والأحزان، لا يقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك ~~نجزي كل كفور، انتهى كلامه عليه السلام . # ثم قالوا[190]: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} أي مستويان علينا الجزع ~~والصبر، والهمزة وأم للتسوية علينا بما قبله. # قال: قلت اصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم. # قال في الكشاف: فإن قلت كيف اتصل قوله سواء علينا بما قبله؟ قال: قلت ~~اتصاله به من حيث أن عتابهم لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا لهم: سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا، يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة ~~التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في ~~الجزع، كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطم، ويجوز أن يكون من كلام ~~الضعفاء والمستكبرين جميعا، انتهى. # ولما قالوا لو هدانا الله طريق النجاة لأغنينا عنكم ولأنجيناكم اتبعوه ~~الاقناط من النجاة، فقالوا: {ما لنا من محيص} أي مالنا من منجاة ومهرب، ~~والمحيص قد يكون معتذر كالمغيب والمسيب ومكانا كالمبيت والمصنف، ويقال: حاص ~~عنه وحاص بمعنى واحد، والله أعلم. PageV18P290 # واعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة ~~الإنس، أردفها ms1601 بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس، فقال ~~سبحانه: {وقال الشيطان لما قضي الأمر} أي أمر الحساب، أي لما فزع منه، وأخذ ~~أهل الجنة طريق الجنة وأهل النار طريق النار، أو صار أهل الجنة فيها وأهل ~~النار فيها، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه، فيقوم ما بينهم خطيبا ~~ويقول توبيخا لهم ما أخبر الله عنه بقوله: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفا لكم بوعده ~~{ووعدتكم فأخلفتكم} أي كذبتكم، والخلف هو الكذب، قال الشاعر: # لعمرك ما يوافقني خليلي # إذا ما كان ذا خلف كنودا # قال الرازي: وفي الآية إضمار من وجهين: # الأول: التقدير أن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم، ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف ~~ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد؛ لأنهم كانوا يشاهدونها، وليس ~~وراء العيان بيان؛ ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في ~~وعد الله. # الثاني: أن قوله وعدتكم فأخلفتكم الوعد يقتضي مفعولا ثانيا، وحذف هاهنا ~~للعلم به، والتقدير وعدتكم أن لا جنة ولا نار، ولا حشر ولا حساب، انتهى. # ثم قال: {وما كان لي عليكم من سلطان} أي قدرة ومكنة، وقهر فأقسركم على ~~الكفر والمعاصي، وألجئكم إليها {إلا أن دعوتكم} إلى الضلالة {فاستجبتم لي} ~~اطعتموني بوسوستي وتزيني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، يعني ما كان ~~مني إلا الدعاء والوسوسة، وكنتم سمعتم دلائل الله، وشاهدتم مجيء أنبياء ~~الله، فكان من الواجب أن لا تغتروا بقولي، ولا تلتفتوا إلي، فلما رجحتم ~~قولي على الدلائل الظاهرة، كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب {فلا ~~تلوموني ولوموا أنفسكم} حيث اغتررتم بي وأطعتموني. PageV18P291 # قال النحويون: وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه من جنس قولهم ما يحيهم ~~إلا الضرب. # قال الواحدي: إنه استثناء منقطع، أي لكن دعوتكم، وهذا دليل على أن ~~الإنسان الذي هو يختار السعادة والشقاوة، وليس من الله إلا التمكين ولا من ~~الشطان إلا لتزين، وإنما يحتج بقول الشيطان هنا لأنه حق، ولو كان ms1602 باطلا ~~لبينه الله، ولو كان كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن ~~الله قضى على كل منكم لما فعل، ثم إن ظاهر هذه الآية تدل على أن الشيطان لا ~~قدرة له على تصريع الإنسان، وتعويج أعضائه وجوارحه، وإزالة عقله عنه، كما ~~يقول العوام والحشوية[191] ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: {ما أنا ~~بمصرخكم} أي بمغيثكم، والإصراخ الإغاثة {وما أنتم بمصرخي} أي بمغيثي. # قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث، يقال: صرخ فلان إذا ~~استغاث، وقال: وا غوثاه فأصرخته أعنته، ثم قال تعالى حكاية عنهم: {إني كفرت ~~بما أشركتموني من قبل} في ما قولان: # أحدهما: أن تكون مصدرية، أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم ~~أي في الدنيا، ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه، كقوله تعالى: {إنا برآء ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم}. # والثاني: أن قوله: {من قبل} متعلق بكفرة، أي كفرة من قبل، حين أبيت أن ~~تسجد لآدم، الذي أشركتمونيه وهو الله تعالى، أي جلعتموني له شريكا، ومعنى ~~إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزين لهم من عبادة الأوثان ~~وغيرها، وهذا آخر قول إبليس، قوله تعالى: {إن الظالمين لهم عذاب أليم} قول ~~الله عز وعلا، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار ~~عن الإغاثة والإعانة. PageV18P292 # قال في الكشاف: وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفا ~~للسامعين في النظر لعاقبتهم، والاستعداد لما لابد لهم من الوصول إليه، وأن ~~يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ~~ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة شرح ~~أحوال السعداء، فقال: {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم} قوله: وأدخل الذين آمنوا على فعل ~~المتكلم على معنى وأنا أدخل، وهذا دليل على أنه من قول الله لا من قول ~~إبليس، وقوله: تأذن ربهم متعلق ms1603 بادخل أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله، ~~ثم قال: {تحيتهم فيها سلام} أي دعا بعضهم لبعض بالسلام والتحية وهي السلام، ~~وهو قول القائل: حيا الله فلانا وسلاما عليه، وأصل الدعا التحية هو مأخوذ ~~من الحياة والسلامة من المصائب والوفاة، فأهل الجنة يحي بعضهم بعضا بهذه ~~الكلمة كما قال: {سلام قولا من رب رحيم}. # وقال في البرهان: والتحية الملك، ومعناها أن ملكهم في الجنة دائم، ~~ونعيمهم فيها سالم من الآفات والعاهات، ومعنى قوله: التحيات لله أي الملك ~~لله، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ذكر مثالا يبين ~~الحال في حكم هذين القسمين فقال: {ألم ترى كيف ضرب الله مثلا} أي وضعه ~~واعتمده، ثم فسره فقال: {كلمة طيبة كشجرة طيبة}. # اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربع، ثم شبه الكلمة الطيبة بها، ~~فالصفة الأولى التي لتلك الشجرة كونها طيبة، وذلك يحتمل أمور: # أحدها: كونها طيبة المنظر والصورة والشكل. # وثانيها: كونها طيبة الثمرة، يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة ~~مستطابة. PageV18P293 # وثالثها: كونها طيبة بحسب المنفعة، يعني أنه كما يستلذ أكلها فكذلك يعظم ~~الانتفاع بها، ويجب حمل قوله شجرة طيبة على مجموع هذه الوجوه؛ لأن ~~باجتماعها يحصل كمال الطيب. # والصفة الثانية: قوله: {أصلها ثابت} أي راسخ باق، آمن من الانقطاع ~~والزوال والفناء، وذلك أن الشيء الطيب إذا كان في معرض[192] الانقراض ~~والانقضاء، وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه، إلا أنه يعظم الحزن بسبب الخوف ~~من زواله وانقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ينقضي ~~فإنه يعظم الفرج بوجدانه، ويكمل السرور بسبب الفورية. # والصفة الثالثة: قوله: {وفرعها في السماء} وهذا الوصف يدل على كمال هذه ~~الشجرة من وجهين: # الأول: أن ارتفاع الأغصان وقوتها من التصاعد يدل على ثبات الأصل ورسوخ ~~العروق. # والثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة عن عفونات الأرض وقاذورات الأفنية ~~كانت ثمراتها نقية طاهرة، طيبة عن جميع الشوائب. PageV18P294 # الصفة الرابعة: قوله: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} والمراد أن الشجرة ~~الموصوفة كانت ms1604 موصوفة بهذه الصفات، وهي أن ثمراتها أبدا تكون حاضرة دائمة ~~في كل الأوقات، ولا تكون مثل الأشجار التي تكون ثمارها حاضرة في بعض ~~الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة الذي ذكرها الله في هذا الكتاب ~~الكريم، ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن ~~تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها فإنه لا يجوز له أن ~~يتغافل عنها، وأن يتساهل في الفوز بها، إذا عرفت هذا فاعلم أن المفسرين ~~اختلفوا في المشيئة، فقيل: هو الإيمان وكلمة التوحيد، فشبه أصل الإيمان ~~وكلمة التوحيد في ثباته بالأدلة الصحيحة بثبات أصل الشجرة الموصوفة، وشبه ~~ما يحصل للمؤمن من الرفعة في الدنيا بفروعها في السماء، وقيل: أصل هذه ~~الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والإخلاص، وإذا تكلم بالشهادة أو عمل ~~صالحا عرجت إلى السماء فلا تحجب، كما قال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه} فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع فروع النخلة وشبه ما ~~يحصل من الثواب الدائم بثمرة هذه الشجرة للمكلف كل حين، والغرض أنه كما ~~يحفظ صاحب هذه الشجرة إياها، ويقوم بعمارتها لكي تبقي كذلك ينبغي للمكلف أن ~~يمسك بالدين ويحفظه، وقيل: شبه نفس المؤمن بهذه الشجرة، وقيل: كل كلمة حسنة. # قال في الكشاف: في نصب كلمة وجهان: # أحدهما: أنه منصوب مضمر، والتقدير جعل كلمة طيبة، وهو تفسير لقوله ضرب ~~الله مثلا. # الثاني: قال: يجوز أن ينتصب مثلا وكلمة تضرب أي ضرب كلمة طيبة مثلا، يعني ~~جعلها مثلا، وقوله كشجرة طيبة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هي كشجرة طيبة، انتهى. PageV18P295 # ثم قال: {ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} أي يتعضون؛ لأن في ضرب ~~الأمثال زيادة إفهام وتذكير، وتصوير للمعاني، والمثل يرى المخيل في صورة ~~المحقق، وذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والفهم، ~~فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس والخيال والفهم تلك المنازعة، ~~وانطبق المعقول على المحسوس، وحصل به الفهم التام، والوصول إلى المطلوب. # وأما قوله تعالى: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة} ms1605 فقال الحسين بن القاسم ~~عليهما السلام: هذا مثل ضربه الله تعالى للكلمة الخبيثة السمجة الفاحشة ~~القبيحة، أنها لا تثبت لصاحبها ولا تنفع، ولكنها تفسد وتخبث وتقطع ليزدجروا ~~عن الكلام القبيح، وكذلك ضرب الله المثل للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي ~~يثبت أصلها وترتفع في الهواء فروعها، وتؤتي أكلها كل حين، وذلك أن الكلمة ~~الطيبة يثبتها الله لصاحبها ويجعل له ثوابا جزيلا، ونعمة عليها، فتكون له ~~بمنزلة الشجرة التي يعيش بثمرها وينتفع[193] بأكلها، وتكون الكلمة الخبيثة ~~بمنزلة الشجرة الخبيثة التي لا ينتفع بها، وتكون ضررا وشرا حتى تقطع وتجتث، ~~والاجتثاث هو القطع للشيء، انتهى. # قال في البرهان: في الكلمة الخبيثة قولان: # أحدهما: الكفر. # والثاني: الكافر نفسه، والشجرة الخبيثة قيل: هي الحنظل، وقيل: كل شجرة لا ~~يطيب ثمرها كالحنظل، وثمرة الكسوب. # قال الرازي: واعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله، فإنه أول الآفات، ~~وعنوان المخافات، ورأس الشقاوات، ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاث: # أولها: أن تكون خبيثة، فمنهم من قال إنها الثوم؛ لأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وصف الثوم بأنه شجرة خبيثة، وقيل: إنها شجرة الشوك. PageV18P296 # قال واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بسبب ~~الرائحة، وقد تكون بحسب الطعم، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر، وقد تكون ~~بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة، والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم ~~تكون موجودة إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في ~~المطلوب. # والصفة الثانية: قوله: {اجتثت من فوق الأرض} وهذه الصفة في مقابله قوله ~~أصلها ثابت، ومعنى اجتثت استؤصلت وأحدث جثها، وحقيقة الاجتثاث أخد الجثة ~~كلها، وقوله: من فوق الأرض معناه ليس لها أصل ولا عرق، فكذلك الشرك بالله ~~ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة. # والصفة الثالثة: قوله: {ما لها من قرار} وهذه الصفة كالمتتمة للصفة ~~الثانية، والمعنى أنه ليس لها استقرار، فقال قرأ الشيء قرارا كقولك ثبت ~~ثباتا، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت. # وقال في البرهان: ms1606 وشبه الكلمة الخبيثة بهذه الشجرة التي ليس لها أصل يبقى ~~ولا ثمر يستحلى، وأن الكافر ليس له عمل في الأرض يبقى ولا ذكر في السماء يرقى. # واعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتا، وصفة ~~الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت، بل تكون منقطعة فلا يكون لها ~~قرار، ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة ~~الله لهم، وثبات ثوابه عليهم، فقال سبحانه: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت} الذي تثبت به الحجة في قلب صاحبه، فاعتقده وسكنت إليه نفسه وثبتهم ~~به {في الحياة الدنيا} أنه إذا ثبتوا في دينهم لم يزلوا كأصحاب الأخدود، ~~حيث اختاروا الحريق على الخروج من دينهم، والذين نشروا بالمناشير، ومشطت ~~لحومهم بأمشاط الحديد، {و}ثبتهم {في الآخرة} أنهم إذا ابتلوا عند مواقف ~~الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم...........ولم يبهتوا ولم يجبرهم أهوال ~~الحشر، وقيل عند سؤال القبر. PageV18P297 # قال في البرهان: ومعنى ثبتهم أي يديمهم الله على القول الثابت، ومنه قول ~~عبد الله بن رواحة: # ثبت الله ما أتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصر كالذي نصرا # والقول الثابت العمل الصالح في الحياة الدنيا، يمعنى أيام حياته فيها وفي ~~الآخرة يوم القيامة {ويضل الله الظالمين} عن الجواب إذا سئلوا في الآخرة، ~~ويضلهم في الدنيا بالزلل في مداحض الفتن، وهم الذبن لم يتمكنوا بحجة، ~~واقتصروا على التقليد {ويفعل الله ما يشاء} أي ما أوجبته حكمته من تثبيت ~~المؤمنين وتأيدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين بالخذلان ~~والتخلية[194] بينهم وبين شأنهم عند زللهم، أو يحكم عليهم بالضلال لما ~~ضلوا، أو يسميهم به. # واعلم أنه تعالى عاد إلى وصف الكفار فقال: { ألم ترى إلى الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا} ألم ترى للتحقيق أو للتعجب من حالهم، يعني قريشا بدلوا ~~نعمة الله عليهم، حيث أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السعة، ~~وأكرمهم بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة؛ لأن ~~شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه ms1607 كفرا. PageV18P298 # قال في البرهان: وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: الذين ~~بدلوا نعمة الله نزلت في الأفجرين من قريش بني أمية وبني مخزوم، فأما بنو ~~أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فاهلكوا ببدر، والآية على عمومها في ~~جميع المشركين، ثم قال: {وأحلوا قومهم} أي أتباعهم على الكفر {دار البوار} ~~أي دار الهلاك، يقال رجل باير وقوم بور، ومنه قوله تعالى: {وكنتم قوما ~~بورا} ثم فسر ذلك البوار بقوله: {جهنم يصلونها} أي يدسون بين نارها، ومنه ~~شاة مصلية وهي التي تدس بين الجمر {وبئس القرار} أي بئس المقر وهو مصدر، ~~ولما حكى سبحانه عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفرا ذكر أشياء من أعمالهم ~~القبيحة، فقال: {وجعلوا لله أندادا} أي أمثالا من الأوثان {ليضلوا عن ~~سبيله} لم يكن غرضهم الضلال، ولكن الإيجاد سبب فيه، فدخلت اللام في ليضلوا ~~كقوله ليكون لهم عدوا وحزنا، ولما حكى الله عنهم هذا قال: {قل تمتعوا} ~~بدنياكم الحاضرة {فإن مصيركم إلى النار} إن بقيتم على الكفر، والمراد أن ~~حال الكافر في الدنيا كيف كانت فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب ~~في الآخرة تمتيع ونعيم، فلهذا المعنى قال تمتعوا، وهذا الأمر يسمى أمر ~~التهديد، ونظيره: {اعملوا ما شئتم} وقوله: {تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار}. PageV18P299 # واعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم ~~الدنيا، أمر المؤمنين بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس ~~والمال، فقال: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم} ~~يقيموا يقول القول أي ليقيموا، قيل: وجاز حذف اللام؛ لأن الأمر الذي هو قل ~~غرض منه، ولو قيل: يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء لم يجز، وقيل المقول ~~محذوف؛ لأن جواب قل يدل عليه وتقديره: وقل لعبادي الذين آمنوا أقيموا ~~الصلاة وانفقوا {سرا وعلانية} وفي انتصاب سرا وعلانية وجوه: # أحدها: أن يكون على الحال، أي ذي سر وعلانية، يعني مسرين ومعلنين. # وثانيها: على الظرف أي وفي سر وعلانية. # وثالثها: على المصدر أي إنفاق سر، وإنفاق ms1608 علانية، والمراد إخفاء التطوع، ~~وإعلان الواجب. # واعلم أنه تعالى لما أمرنا بإقامة الصلاة والزكاة قال: {من قبل أن يأتي ~~يوم لا بيع فيه} فيعطون بدلا ليأخذوا مثله، أي لا انتفاع فيه بمبايعة {ولا ~~خلال} أي لا مخالة فيه بين الأصحاب. # قال في البرهان: يعني لا فدية في المعاصي ولا شفاعة للكافر؛ لأن أحدا لا ~~يقدر فيه على بيع ذنوبه، ولا على اشتراء الجنة، ولا خلال ولا موادة بين ~~الكفار يوم القيامة لتقاطعهم به فيه. # واعلم أنه لما كان الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء بالدلائل ~~الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وقدرته، ذكر بعده عشرة أنواع من ~~الدلائل: PageV18P300 # أولها وثانيها: قوله تعالى: {الله الذي خلق السماوات[195] والأرض} لمنافع ~~العباد، قوله الله مبتدأ، وقوله الذي خلق خبره بتمامه، وإنما بدأ بذكرهما ~~لأنهما الأصلان اللذان تتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك، فإنه ~~قال بعد في ثالثها: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} ~~نعم الأشجار والحبوب، وقوله: من الثمرات بيان للرزق، أي أخرج به رزقا هو ~~ثمرات، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول اخرج، ورزقا حالا من المفعول، أو ~~نصبا على المصدر من اخرج؛ لأنه في معنى رزق. # قال الرازي: في قوله وأنزل من السماء ماء قولان: # الأول: أن الماء نزل من السحاب، وسمي السحاب سماء اشتقاقا من السمو وهو ~~الارتفاع. # قلت: وهذا هو الذي ذكره الهادي والحسين بن القاسم عليهما السلام . # قال الهادي عليه السلام: والسماء هاهنا فهي السحاب الذي يكون في المطر؛ ~~لأن السماء الخضراء التي هي السماء العلياء، والعرب تسمي السحاب سماء، تقول ~~كانت على بلدك كذا أو كذا سماء حسنة يريد سحابا حسنا، انتهى. # والثاني أنه تعالى أنزله من السماء وهذا بعيد؛ لأن الإنسان ربما كان ~~واقفا على تلة جبل عال، ويرى الغيم أسفل منه، فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ~~الغيم ماطرا، وإذا كان هذا أمرا مشاهد بالبصر كان النزاع فيه باطلا. PageV18P301 # ورابعها: قوله: {وسخر لكم الفلك} أي السفن {لتجري في البحر ms1609 بأمره} أي ~~بقدرته وإرادته، وإنما أضاف التسخير إلى أمره؛ لأن الملك العظيم قل ما يوصف ~~بأنه فعل، وإنما يقال فيه أنه أمر بكذا تعظيما لشأنه، فإن قيل: ما معنى ~~وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟ أجاب القاضي عنه ~~فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن، ~~ولولا خلقه للحديد ولسائر الآلات، ولولا تعريفه العباد كيف يتخذونها، ولولا ~~أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة، ~~ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية فيها، ولولا أنه وسع الأنهار، ~~وحصل منها العمق ما يجوز جري السفينة فيه ما وقع الانتفاع بالسفن، فلما كان ~~تعالى هو الخالق لهذه الأحوال وهو المدبر لهذه الأمور المسخر لها حسنت ~~إضافة السفن إليه، انتهى. # والفلك من الجمادات فتسخيره مجاز، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه ~~الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان. # وخامسها قوله: {وسخر لكم الأنهار} تجرونها حيث شئتم. # واعلم أن ماء البحر قل ما ينتفع به في الزراعات، فلا جرم ذكر تعالى ~~إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون، ليبعث الماء منها إلى موضع الزرع ~~والنبات، وأيضا ماء البحر لا يصلح للشرب، والصالح لهذا المهم هو مياه ~~الأنهار. PageV18P302 # وسادسها وسابعها: قوله: {وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} اعلم أن الانتفاع ~~بالشمس والقمر عظيم، وقد ذكره الله في آيات، منها قوله تعالى: {وجعل القمر ~~فيهن نورا وجعل الشمس سراجا} ومنها: و{الشمس والقمر بحسبان} ومنها قوله: ~~{وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا} ومنها قوله: و{هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا} ومعنى دائبين الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة ~~مطردة، يقال دأب يدأب دأبا ودؤبا، والمعنى أنهما يدأبان دائما في سيرهما، ~~وإنارتهما ودفعهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض، والأبدان ~~والنبات. # وثامنها وتاسعا قوله: {وسخر لكم الليل والنهار} يتعاقبان لمعايشكم ~~ونومكم[196]. # قال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز؛ لأنهما غرضان، والأغراض لا ~~تسخر، فمعنى تسخير هذه الأشياء تصريفها في منافع العباد حسب إرادته، ~~كالمسخر الممتثل ms1610 لما يؤمر به لا يقدر على المخالفة. PageV18P303 # وعاشرها قوله: {وآتاكم من كل ما سألتموه} اعلم أنه تعالى لما ذكر تلك النعم ~~العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع ~~والإرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء، فقال: {وآتاكم من كل ما ~~سألتموه} والمفعول محذوف تقديره من مسؤل شيئا، وقرئ من كل بالتنوين، وما ~~نفي ومحله نصب على الحال، أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون ~~ما موصولة، والتقدير وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم، ولم يصلح أحوالكم ~~ومعائشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر هذه النعم ختم هذا الكلام بقوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} أي ~~لا تحصوا عدها على جهة الإجمال، وأما التفصيل فلا يقدر عليه إلا الله ~~تعالى، ثم قال تعالى: {إن الإنسان لظلوم} يظلم النعمة بإغفال شكرها {كفار} ~~شديد الكفران لها، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ~~ويمنع، والمراد بالإنسان هنا الجنس، يعني إن عادة هذا الجنس هو الذي ~~ذكرناه. # واعلم أنه تعالى لما بين الدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه، ~~وأنه لا يجوز عبادة غير الله البتة، حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من ~~الله أشياء: # أحدها: قوله عز وجل: {وإذ قال إبراهيم} أي واذكر وقت قال إبراهيم {رب ~~اجعل هذا البلد آمنا} أي صاحب أمن من أي مخوف، فاجعله آمنا يريد مكة بالحكم ~~بأنه يؤمن من قصده من الحجاج، أو من يدخله خائفا، فلا يقام عليه حد ولا ~~قصاص، وقيل: آمنا بما اختص به مكة من أمن أهلها في الجاهلية والإسلام، ومن ~~أمن الوحش والطير بما يميز به من سائر البلدان وجميع ذلك بلطفه. PageV18P304 # وثانيها: قوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} أي ثبتنا وأدمنا على اجتناب ~~عبادتها، وأراد بنيه من صلبه، وسئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام؟ ~~فقال: ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما، واحتج بالآية، قال: إنما كانت ms1611 أنصاب ~~حجارة لكل قوم، قالوا: البيت حجر فحيث ما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت، ~~فكانوا يدورون لذلك الحجر ويسمونه الدوار، فاستحب أن يقال طاف بالبيت، ولا ~~يقال دار بالبيت، وهذا كلام الكشاف. # قال الحاكم: وهذ بعيد؛ لأنه عليه السلام لم يرد بالدعا إلى عدم عبادة غير ~~الله، فيحتمل أنه دعا باللطف، وقد حصل لهم وإن لم يلطف به من أشرك. # قلت: وهذا هو الأقرب إلى الحق؛ لأنه لا يجوز الدعا إلا بالألطاف والتوفيق ~~والهداية، لا بالإلحاد والقسر على الإيمان؛ لأنه ينافي حكمة التكليف، والله اعلم. # ثم قال: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} فأعوذ بك أن تعصمني وبني من ذلك، ~~وإنما جعلهن مضلات لأن الناس ضلوا بسببهن، فكأنهن أضللنهم، كما تقول فتنتهم ~~الدنيا وغرتهم، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها، واتفق كل الفرق على أن قوله ~~أضللن مجاز؛ لأنها جمادات لا تعقل شيئا البتة، ثم قال: {فمن تبعني فإنه ~~مني} أي هو جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني {ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم} أي: لا تعذب مع رحمتك أحدا إلا بذنب عظيم، وتغفر له ما قد سلف إذا تاب. # واعلم أنه سبحانه حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في ~~دعائه أمورا سبعة[197]: PageV18P305 # الأول: طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: {رب اجعل هذا البلد آمنا} ~~والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعا يدل على أنه أعظم أنواع النعم ~~والخيرات، وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض ~~العلماء أكان الأمن أفضل أم الصحة فإن الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو ~~كسر فخذها فإنها تصح زمانا ثم تقبل على الرعي والأكل، ولو أنها ربطت في ~~موضع وربط بالفرب منها ذيب فإنها تمسك من العلف ولا تتناوله حتى تموت، وذلك ~~يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد. # والمطلوب الثاني: أن يرزقه الله التوحيد ويصونه عن الشرك، وهو قوله: رب ~~اجنبني وبني أن نعبد الأصنام. # والمطلوب ms1612 الثالث: قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي} أي بعض أولادي وهم ~~إسماعيل ومن ولد منه {بواد} وهو مكة {غير ذي زرع} لا يكون فيها زرع قط {عند ~~بيتك المحرم} وذكروا في تسميته بالمحرم وجوها: # الأول: أن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما ~~بمكانه. # الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعا بها من كل جبار، كالشيء المحرم الذي حقه ~~أن يجتنب. # الثالث: سمي محرما؛ لأنه محرم معظم لا يحل انتهاكه. # الرابع: لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا؛ لأنه أعتق منه ~~فلم يستول عليه. PageV18P306 # الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من ~~قبل، ثم قال: {ربنا ليقيموا الصلاة} واللام متعلق بأسكنت أي ما أسكنتهم ~~بهذا الوادي الخلا من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة {فاجعل أفئدة من ~~الناس} أي بعضهم، قيل: لو لم يقل من لازدحموا عليه حتى الروم والترك ~~والهند، أفئدة جمع فؤاد وهو القلب، أي قلوبا {تهوي إليهم} أي تسرع وتطير ~~شوقا، ثم قال: {وارزقهم من الثمرات} بأن تجلب إليهم من البلاد، ثم قال: ~~{لعلهم يشكرون} نعمة الرزق بأنواع الثمرات حاضرة في وادي يباب أي خراب ليس ~~فيه شجر، وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأول ~~العبادات وإقام الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير ~~المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الطاعات، وأداء الواجبات. # المطلب الرابع: قوله {ربنا إنك تعلم ما نخفي} أي نسر من حديث النفس {وما ~~نعلن} أي نظهر، فأنت أعلم بمصالحنا، ولا حاجة إلى دعائنا، وإنما ندعوك ~~إظهارا للعبودية وتخشعا لعظمتك، والنداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى ~~الله تعالى، وقيل: ما نخفي من الوجد الواقع من الفرقة بيننا، وما نعلن من ~~البكاء والدعاء، وقيل: وما نخفي من الحزن المتمكن في القلب، وما نعلن يريد ~~ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله ~~أكلكم، قالت: الله أمرك بهذا؟ ms1613 قال: نعم، قالت: إذا لا نخشى، ثم قال: {وما ~~يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} وفيه قولان: # أحدهما: أنه من كلام الله عز وجل تصديقا لقول إبراهيم، كقوله: {وكذلك ~~يفعلون}. PageV18P307 # والثاني: أنه من كلام إبراهيم، يعني وما نخفي على الذي هو عالم الغيب من ~~شيء في كل مكان، ولفظ من تفيد الاستغراق، كأنه قيل: وما نخفي عليه شيء ما، ~~ثم قال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق}. # اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم هذين الولدين أعني ~~إسماعيل وإسحاق على الكبر[198] والشيخوخة، فأم مقدرا السن فغير معلوم من ~~القرآن، وإنما يرجع فيه إلى الروايات، فقيل: لما ولد إسماعيل كان سن ~~إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنة مائة سنة واثنتى عشرة ~~سنة، وقيل: ولد إسماعيل لأربع وستين وولد إسحاق لتسعين. # وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وتسع عشرة سنة، وإنما ~~ذكر على الكبر؛ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث أن هذا ~~الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة، من وقت اليأس من أعظم ~~النعم؛ لأن الولادة في تلك السن كانت آية لإبراهيم، فإن قيل: إن إبراهيم ~~عليه السلام إنما ذكر هذا الدعا عندما أسكن إسماعيل وأمه هاجر في هذا ~~الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحاق فكيف يمكن أن يقول الحمد لله الذي ~~وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق؟ # قلنا: قال القاضي: هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في ~~زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعا، ويمكن أيضا أن يقال إنه عليه السلام ~~إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق، وإن كان ظاهر الروايات ~~بخلافه. PageV18P308 # واعلم أنه يمكن أن تكون وجه المناسبة بين قوله: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن وما يخفى على الله من شيء} وبين قوله: {الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر إسماعيل وإسحاق} وهو أنه كان في ms1614 قلبه أنه يطلب من الله إعانتهما ~~وإعانة ذريتهما بعد موته، ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل قال: ربنا إنك ~~تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم قال الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل وإسحاق، ولما ذكر هذا الدعا على سبيل الرمز والتعريض، لا على وجه ~~الإفصاح والتصريح، قال: {إن ربي لسميع الدعاء} أي مجيبه، وقد كان سأل الولد ~~فقال: {رب هب لي من الصالحين} وسميع الدعا من قولك سمع الملك كلام فلان إذا ~~اعتد به وقبله، ومنه سمع الله لمن حمده. # المطلب الخامس: قوله {رب اجعلني مقيم الصلاة} أي مديمها حتى الممات، ثم ~~قال: {ومن ذريتي} وإنما بعض لأنه قد علم بإعلام الله أنه يكون فيهم كفارا ~~ظلمة، وذلك قوله: {لا ينال عهدي الظالمين}. # المطلب السادس: أنه عليه السلام لما دعا الله في المطلب المذكور دعا الله ~~أن يتقبل دعاه فقال: {ربنا وتقبل دعاء} أي عبادتي، كقوله: {وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله} أي تعبدون، أو سؤالي الذي دعوت به. # المطلب السابع: قوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين} دعا لهما وكانا ~~كافرين، واختلف في توجيه ذلك فقيل: لأنه جائز في العقل فلا يمتنع إلا ~~بالتوقيف، وقيل أراد آدم وحوى، وقيل: شرط الإسلام، وقيل: دعا باللطف، أي هب ~~لهما لطفا يقود إلى الإيمان، وقيل: كان عن موعد من أبيه بالإيمان، قيل: ~~وكذا أمه، وقيل: بل كانت مؤمنة، وفي قوله: {يوم يقوم الحساب} قولان: PageV18P309 # أحدهما: يقوم أي يثبت، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، والدليل عليه ~~قولهم: قامت الحرب على ساقها، ونظيره قوله: ترجلت الشمس أي أشرقت وثبت ~~ضوؤها، كأنها قامت على الرجل. # الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز، مثل قوله واسأل ~~القرية، والله أعلم. # واعلم أنه لما بين دلائل التوحيد، ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب ~~من الله أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة، وأن يخصه ~~بالمغفرة والرحمة في يوم القيامة، ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود القيامة ms1615 ~~فقال[199]: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} والمقصود منه التنبيه ~~على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون إما غافلا عن ذلك ~~الظالم أو عاجزا عن الانتقام لو كان راضيا بذلك الظلم، لوما كانت الغفلة ~~والعجز والرضى بالظلم محالا على الله، امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من ~~الظالم، فإن قيل: كيف يليق بالرسول أن يحسب الله موصوفا بالغفلة؟ فالجواب ~~عنه من وجوه: # أحدها: أن الله سبحانه يتعالى عن الغفلة والسهو، ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أعلم الناس بذلك، ولكن إن كان الخطاب له فالمراد التثبيت له ~~على ما كان عليه من أنه لا يحسبه غافلا، كقوله: {ولا تكونن من المشركين} ~~{ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله} أي اثبتوا. # والثاني: أن يكون المراد الإخبار بأنه تعالى عالم بفعل الكفار، لا يخفى ~~عليه شيء، وأنه يعاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد. # والثالث: أن يكون المراد لا يحسبه يعاملهم معاملة الغافل لكن معاملة ~~الرقيب المحاسب، وإن كان خطابا لمن يجوز عليه ذلك فلا سؤال. # قال ابن عيينة: هو تسلية المظلوم وتهديد للظالم، ثم بين تعالى أنه إنما ~~يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات: PageV18P310 # الصفة الأولى: قوله عز وجل: {إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} أي ~~أبصارهم، أو أبصار الخلائق، يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا ~~يطرفها، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة. # قال ابن عباس: شحص الخلائق إلى الهواء لشدة هول ما يرون فهم لا يغمضون، ~~وقيل لا يضربون أبصارهم يمينا وشمالا. # الثانية: قوله: {مهطعين} وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة: # أحدها: قال أبو عبيدة هو الإسراع، يقال أهطع البعير في سيرة واستهطع إذا ~~أسرع، وعلى هذا الوجه، فالمعنى أن الغالب على من يبقى بصره شاخصا من شدة ~~الخوف أن يبقى واقفا، فأخبر تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، فإنه مع ~~شخوص أبصارهم يكونون مهطعين أي مسرعين نحو ذلك البلاء. # والقول الثاني في الإهطاع: قال أحمد بن يحيى عليه السلام: المهطع ms1616 الذي ~~ينضر في ذل وخشوع. # والثالث: المهطع الساكت. # والرابع: قال الليث: يقال للرجل إذا أقر وذل قد أهطع. # الصفة الثالثة: قوله: {مقنعي رءوسهم} والإقناع رفع الرأس والنظر في ذل ~~وخشوع، والمعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا ~~يراه، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رؤوسهم، قال ~~الشاعر: # أنغص رأسه نحوه وأقنعا # كأنما أبصر شيئا أطمعا # أو معناه ناكسي رؤوسهم بلغة قريش. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد خاضعين مرخين لرؤوسهم، قال: ~~وقد قيل إن المهطع هو الرافع، وهذا خلاف قول السلف صلوات الله عليهم ~~والاقناع مأخوذ من القناع، وتقنيع الرأس إنما يراد به ستره لا رفعه، وإنما ~~يقنع رأسه من يريد التغطي والتذلل، وكذلك اقناعهم رؤوسهم هو تغطية وجوههم ~~بنكس رؤوسهم إلى الأرض. # الصفة الرابعة قوله: {لا يرتد إليهم طرفهم} أي لا يرجع إليهم من شدة ~~انقلاب أبصارهم وشخوص أعيانهم، فهم لا يطرفون ولا ترجع إليهم العيون. PageV18P311 # الصفة الخامسة قوله {وأفئدتهم هواء} أي خلا فارغة من الأحلام قد خلت من ~~العقول والأوهام، وسكروا حينذ من الهول، وطاشت أفئدتهم، وخفقت حتى صارت ~~مثل[200]الهواء لشدة الخفقان، والهواء الخلا الذي لم تشغله الأجرام، ثم جعل ~~وصفا فقيل قلب فلان هواء إذا كان خاليا. # قال في البرهان: والطرف هو النظر، سميت العين طرفا لأنه بها تكون، ~~وأفئدتهم هواء معناه أنها تردد في أفواههم ليس لها مكان تتسقر فيه وكأنها تهوى. # والثاني: أنها قد زالت عن أماكنها حتى بلغت الحناجر فلا تنفصل ولا تعود. # والثالث: خالية من الخير، قال حسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مخوف هوا # قال الرزي: والمراد أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر ~~والأفكار، لعظم ما نالهم من الحيرة، من كل رجاء وأمل، لما يحققوه من العقاب ~~ومن كل شرور، ولكثرة ما فيه من الحزن، إذا عرفت هذه الصفات الخمس فقد ~~اختلفوا في وقت حصولها، فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر ~~هذه الصفات عقيب وصف ذلك ms1617 اليوم بأنه يوم الحساب، وقيل: بما يحصل عندما ~~يتميز فريق عن فريق فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى النار، وقيل: ~~بل يحصل عند إجابة الداعي، والقيام من القبور، والأول أولى للدليل الذي ~~ذكرنا، والله أعلم. PageV18P312 # ثم قال تعال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وأنذر الناس يوم يأتيهم ~~العذاب} أي حذر أهل مكة هذا اليوم وهو يوم القيامة، والألف واللام في لفظ ~~العذاب للمعهود السائق، يعني وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي ذكره وهو ~~شخوص أبصارهم، وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم، وإنما خص يوم القيامة بيوم ~~العذاب، وإن كان يوم الثواب أيضا؛ لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي، ~~وتضمن ترغيبا للمطيع، ثم حكى الله سبحانه ما يقوله الكفار في ذلك اليوم ~~بقوله: {فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب} أي رددنا إلى الدنيا ~~وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب نتدارك في ما فرط. # قال في البرهان: وهذه فيمن ظهر له الحق في الآخرة، فأراد أن يستدرك فارط ~~ذنوبه، وليست الآخرة دار توبة فتقبل توبتهم، كما ليست دار تكليف فيستأنف ~~تكليفهم. PageV18P313 # وقال بعضهم: بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قوله تعالى: {نجب دعوتك ~~ونتبع الرسل} فأجابهم الله عن ذلك، فقال: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما ~~لكم من زوال} يعني من انتقال عن الدنيا إلا الآخرة، ومعناه ما ذكر الله في ~~آية أخرى، وهو قوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} إلى ~~غير ذلك مما كانوا ينكرون من إنكار المعاد، فقرعهم الله بهذا القول؛ لأن ~~التقريع بهذا الجنس أقوى، وقوله: {مالكم} جواب القسم، وإنما جاء بلفظ ~~الخطاب لقوله: أقسمتم، ولو حكى بلفط المقسمين لقيل ما لنا من زوال، والمعنى ~~أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء، ثم إنه تعالى زادهم ~~تقريعا آخر بقوله: {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر والمعصية ~~من الأمم الخالية الكافرة، أي سكنتم في مساكنهم، ونزلتم في منازلهم طيبوا ~~النفوس، لما كانوا عليه سائرين سيرهم في الظلم والفساد لا تحدثونها بما ms1618 لقي ~~الأولون من أيام الله، وكيف كان عاقبة ظلمهم، فكيف لم تعتبروا بهلاكهم، وقد ~~بين لكم كيف فعلنا بهم، وقد كان ينبغي لكم أن تؤمنوا بالزوال كما زالوا، ~~وتعلموا أنكم منتقلون عن الدنيا كما انتقلوا؛ لأن من يشاهد هذه الأحوال وجب ~~عليه أن يعتبر، فإذا لم يعتبر كان مستوجبا للذم والتقريع، ثم قال: {وتبين ~~لكم} بالأخبار والمشاهدة[201] {كيف فعلنا بهم} أي كيف أهلكناهم وانتقمنا ~~منهم، وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الخزي والوبال والنكال، ثم قال تعالى: ~~{وضربنا لكم الأمثال} في القرآن فلم تعتبروا، أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم ~~وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم. PageV18P314 # قال الرازي: أورده الله في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما ~~قدر على الابتداء، أو قادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، ~~وذلك في كتاب الله كثير، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعه بذكر كيفية مكرهم فقال: {وقد ~~مكروا مكرهم} أي مكرهم العظيم الذي بلغوا فيه جهدهم إلى الرسل، ثم اختلفوا ~~في أن الضمير في قوله وقد مكروا إلى ماذا عاد على قولين: # أحدهما: أن يكون الضمير عائد إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا ~~أنفسهم، وهذا القول صحيح؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات. # والثاني: أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والدليل ~~عليه قوله تعالى: {وأنذر الناس} يا محمد، وقد مكروا مكرهم، وذلك المكر هو ~~الذي ذكره الله تعالى في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك ~~أو يخرجوك} وقوله: {وعند الله مكرهم} فيه وجهان: # الأول: أن يكون المكر مضافا إلى الفاعل كالأول، والمعنى وعند الله علم ~~مكرهم، أي هو عالم إنه لا يخفى عليه، فهو يجازيهم بمكرهم أعظم منه. # والثاني: أن يكون المكر مضاف إلى المفعول، والمعنى وعند الله مكرهم الذي ~~يمكر بهم وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون. # وأما قوله: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} ففيه قولان: # أحدهما: ms1619 أن إن نافية، واللام في لتزول مؤكدة للنفي، ومن سبيلها نصب الفعل ~~المستقبل، والنحويون يسمونها لام الجحد، ومثله قوله: و{ما كان الله ليذر} ~~والمراد وما كان مكرهم أي محال أن تزول الجبال به، الجبال هاهنا مثل لآيات ~~الله؛ لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا، وهو على التحقير لمكرهم. # والثاني: أن إن شرطية ومعناه وإن بلغ مكرهم في الشدة والعظم مبلغا يصلح ~~أن يكون معدا لإزالة الجبال عن أمكنتها. PageV18P315 # قال في البرهان: وفي الجبال قولان: # أحدهما: أجبال الأرض. # والثاني: الإسلام والقرآن؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: ليس يريد سبحانه أن الجبال تزول من ~~جودة رأيهم، ولكن لعظيم جرأتهم على الله وكفرهم، مثل قوله: {لقد جئتم شيئا ~~إدا} إلى قوله: {تخر الجبال هدا} ولولا لطف الله وعلمه عنهم لهدم الجبال ~~عليهم من مكرهم. # وقال الرازي تأييدا للقول الأول: الجبال هاهنا مثل لأمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولأمر دين الإسلام وأعلامه ودلالاته، على معنى أن ثبوتها ~~كثبوت الجبال الراسية؛ لأن الله تعالى وعد نبيه بإظهار دينه على كل ~~الأديان، ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: {فلا تحسبن ~~الله مخلف وعده رسله} أي وقد وعدك الظهور عليهم، والغلبة لهم، والمعنى ما ~~كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه ~~الجبال الراسيات التي هي أعلام دين محمد ودلائل شرعه. # وقرأ علي عليه السلام وعمر: وإن كان مكرهم، والمراد فلا تحسبن أيها ~~السامع. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: المخاطب[202] رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والمعنى سواه لأن رسول الله لا يحسب ذلك ولا يراه ولا يقول ~~به في الله سيده ومولاه. PageV18P316 # قال الرازي: اعلم أنه قال في الآية الأولى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون} وقال في هذه الآية: {فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ~~ذو انتقام} أي انتصار لأوليائه من أعدائه، والمقصود منه التنبيه على أنه ~~تعالى لو لم تقم يوم ms1620 القيامة ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين لزم إما كونه ~~غافلا، وإما كونه مخلفا في الوعد، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك ~~محال، كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلا، وقوله مخلف رسله وعده، يعني ~~قوله: {إنا لننصر رسلنا} وقوله: {كتب الله لاغلبن أنا ورسلي} فإن قيل: هلا ~~قيل يخلف رسله وعده ولم يقدم المفعول الثاني على الأول؟ # قال: قلنا لنعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا، لقوله: {إن الله لا يخلف ~~الميعاد} ثم قال: رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا وليس ~~من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته. # واعلم أنه تعالى لما قال: {عزيز ذو انتقام} بين وقت انتقامه فقال: {يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} عظم من حال ذلك اليوم؛ لأنه لا أمر أعظم ~~في العقول والنفوس من تغيير السماوات والأرض، ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين: ~~إما على الظرف للإنتقام أو على البدل من قوله يوم يأتيهم العذاب. # واعلم أن التبديل يحتمل وجهين: # أحدهما أن يفنى ويعدم الذات الأولى، قيل يبدل أرضا من فضة وسماء من ذهب ~~عن علي عليه السلام ، وقيل: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد ~~خطيئة عن أنس وابن مسعود، فهذا التبديل في الذوات كقولك بدلت الدراهم ~~دنانير، ومنها بدلناهم جلودا وغيرها، وبدلناهم بجنتهم جنتين. # والثاني: أن التبديل في الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتما، ونحو ذلك. PageV18P317 # قال في الكشاف: واختلف في تبديل الأرض والسماوات، فقيل يخلق بدلها أرض ~~وسماوات أخرى، وقيل يبدل أوصافها. # وعن ابن عباس: هي تلك الأرض، وإنما تغير، وأنشد: # وما الناس بالناس الذين عهدتهم # ولا الدار بالدار التي كنت تعلم # قلت: وهذا التبديل في الصفات هو الذي ذكره الهادي والحسين بن القاسم ~~عليهم السلام وغيرهما، ولنتبرك هاهنا بما ذكره الهادي عليه السلام حيث قال: ~~تأويل تبدل هو تغير، وتغيرها فهو نسف ما على وجهها من الجبال، وبعثرة ما ~~فيها من القبور، وبعثرة القبور فهو إخراج ما فيها من الموتى ms1621 وردهم بعد ~~الفنا أجساما أحياء، وتسوية تفاوتها، ودكها دكا دكا، قال الله العلي ~~الأعلا: وتبديل حالها تسوية خلقها وتحديد بهجتها، واستواء أقطارها حتى تكون ~~الأرض مستوية معتدلة الأرجاء، لا تفاوت فيها ولا اختلاف، بل تكون كأنها في ~~ذلك اليوم على غاية الاستواء والائتلاف، لا بناء من أبنية الدنيا فيها، ولا ~~أثر فعل من أفاعيل الدنيا عليها، فهذا تبديل الدنيا وتغييرها، وكذلك تبديل ~~السماوات فهو رد الله لها إلى ما كانت عليه في الابتداء من ردها إلى ما هي ~~عليه اليوم من الاستواء، من بعد أن تصير كالمهل فهو يكون[203]في يوم الدين ~~كالمهل السائل بعد التحسيم الهائل، وهو قوله: {يوم تأتي السماء بدخان مبين، ~~يغشى الناس} يريد أنها تعود إلى ما كانت عليه من الدخان، ثم ترد سماوات ~~مطبقات كما خلقت من الدخان أولا، سماوات مقدورات مجعولات تبيينا منه سبحانه ~~وتعالى لقدرته، وإظهارا لنفاذ أمره فيما أفتطر من فطره، فهذا معنى ما ذكر ~~من تبديل الأرض والسماوات، لا أنه يذهب بهما ويخلق سواهما من غيرهما، وإنما ~~تبديله لهما وتغييره نقلهما من حالة إلى حالة، والأصل واحد مستقيم غير فان ~~ولا معدوم، مثل ذلك مثل خلخال من ذهب أو فضة كسر فغير خلخالا أوسع منه ~~قدرا، فكان قد تبدلت خلقته وغيرت صفته، ونقلت حالته من حال إلى حال، ومن ~~مثال إلى مثال، PageV18P318 فبدل تصويره وأصله........ثابت لم يبدل ولم يغير، وإنما غير منها خلقها ~~وتقديرها وصورتها وتمثيلها، والأصل ثابت دائم موجود مع العدم سالم، كذلك ~~يبدل تبديل ما يبدل من الحديد، فيكون أولا سيفا، ثم يرد خنجرا، ثم يجعل ~~الخنجر سكينا، ثم تبدل السكاكين فتجعل أوتادا أو سككا، فهي تنقل من حال إلى ~~حال، وهو الحديد الأول، لم يغير ولم يبدل، وإنما المتغير منه تصاويره ~~وتقاديره ونقل أحواله، ومقاديره فهو الحديد الثابت يجعله مرة سيفا كما ~~ذكرنا فهو وإن بعثرت أحواله واختلفت مجعولاته الجديدة المعروفة الأولة ~~الأصلية المفهومة، فكذلك ما ذكر رب العالمين في تبديله السماوات والأرضين ~~فهو نقله لهما من حالة في ms1622 التصوير إلى حالة، ومن صفة في التقدير إلى صفة، ~~وهن في أصلهن اللواتي كن عليه لم يبدل أصلهن، ولم يحل ولم ينقل عما كان ~~عليه، ولم يزل فافهم ذلك، انتهى. # ثم أخبر سبحانه عن ظهورهم وخروجهم من قبورهم فقال: {وبرزوا لله الواحد ~~القهار} أي خرجوا من قبورهم لحكم الله وحسبانه، وإنما ذكر الواحد القهار؛ ~~لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد ~~إلى غيره، وكان الأمر في غاية الصعوبة، ونظيره قوله: {لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار} ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم وذلتهم فقال: ~~{وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد} يقال: قرنت الشيء إلى الشيء إذا ~~شددته به ووصلته، والقران اسم للحبل الذي يشد يه شيئان، وجاء بها على ~~التكثير لكثرة أولئك القوم، والأصفاد جمع صفد وهو القيد. # قال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: أن الأصفاد الأغلال، واحدها صفد ومنه قول حسان: # من بين مأسور يشد صفاده ... صقر إذا لاقى الكريهة حام # والثاني: أنها القيود: ومنه قول عمرو بن كلثوم: # فأتوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبناء الملوك مصفدينا PageV18P319 أي مقيدين، والمجرمون المقرونون في الأصفاد هم الكفار يجمعون في الأصفاد ~~كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي. # قال في الكشاف: قرن بعضهم مع بعض، ومع الشياطين، كقوله: {نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين} أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين. # قال ابن زيد: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وقوله في ~~الأصفاد، إما أن يتعلق بمقرنين أي يقرنون في الأصفاد، وإما أن لا يتعلق به ~~فيكون المعنى مقرنين[204] مصفدين. # الصفة الثاني: قوله: {سرابيلهم من قطران} أي لباسهم من قطران، والسرابيل ~~جمع سربال، وهو القميض والقطران فيه قولان: # أحدهما: أنه القطران الذي..........الإبل. # قال الرازي: يجلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ وتطلى به الإبل الجربى، فيحرق ~~الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن بيانه أن يسارع ~~في اشتعال النار، وهو أسود اللوم منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى ~~يصير ذلك الطلى كالسرابيل ms1623 وهي القمص، فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب: ~~لذع القطران وحرقته، وإشراع النار في جلودهم، واللون الوحش ونتن الريح، ~~وأيضا التفاوت بين قطران الدنيا وقطران الآخرة كالتفاوت بين النارين. # والثاني: أن القطران هو النحاس الحامي؛ لأن القطر النحاس، ومنه قوله ~~تعالى: {آتوني أفرغ عليه قطرا} وقرأ بعضهم: من قطران، وهو النحاس، أو الصفر ~~المذاب...........المتناهي حره. # قال أبو بكر الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه، كما لا ~~تهلك النار أجسادهم والأغلال التي عليهم. # الصفة الثالثة: قوله: {وتغشى وجوههم النار} كقوله: أفمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب، وقوله: {يسحبون في النار على وجوههم} لأن الوجه أعز موضع في ظاهر ~~البدن وأشرفه كالقلب في باطنه، ولذلك قال: {تطلع على الأفئدة}. PageV18P320 # ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: {ليجزي الله كل نفس ما كسبت}. # قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون ~~جزاء لأهل الإيمان. # قلت: ولا مانع من إجراء اللفظ على عمومه؛ لأن لفظ الآية يدل على أنه ~~تعالى يجزي كلا بما يليق بعمله وكسبه، فلما كان كسب هؤلاء الكفر والمعصية ~~كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور، ولما كان كسب المؤمنين الإيمان والطاعة ~~كان اللائق بهم الثواب، ولأنه أيضا إذا عاقب المجرمين لإجرامهم على أنه ~~يثيب المطيعين لطاعتهم، ثم قال تعالى: {إن الله سريع الحساب} يحاسب كل واحد ~~في أسرع من طرفة عين، أو هو يحاسبهم عما قريب، ثم إنه تعالى قال: {هذا بلاغ ~~للناس} أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس، أي كفاية في الموعظة، والمعنى ~~أن هذا الذي وصف من قوله فلا تحسبن الله إلى سريع الحساب، بلاغ إليهم ليوصل ~~إليهم ويبلغهم حتى ينتهوا عن معاصي الله، أو يكابروا أمره ونهيه لهم، فيحل ~~عذابه عليهم وينزل بهم، وقيل: بل هذا إشارة إلى كل هذه السورة، وقيل إلى كل ~~القرآن. # وأما قوله: {ولينذروا به} فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا ولينذروا به ~~أي بهذا البلاغ، ثم قال سبحانه: {وليعلموا أنما هو إله واحد} لأنهم إذا ms1624 ~~خافوا ما أنذروا به دعتهم الخشية إلى النظر فيتوصلون إلى التوحيد؛ لأن ~~الخشية أم الخير كله {وليذكر أولوا الألباب} أي يتعظ أصحاب العقول ~~والبصائر. # قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد يشتغل بفعله إن شاء ~~أطاع وإن شاء عصا. # أما أول السورة وهو قوله تعالى: {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} فإنا ~~قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم ~~إلى الدين والتقوى، ومنعهم عن الكفر والمعصية. PageV18P321 # وأما آخر السورة فلأن قوله: {وليذكر أولوا الألباب} يدل على أنه تعالى إنما ~~أنزل هذه السورة، وإنما ذكر هذه النصائح[205] والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق ~~بها، فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، فظهر أن أول هذه ~~السورة وآخرها يتطابقان في إفادة هذا المعنى، والله أعلم. PageV18P322 ### || AUTO سورة الرعد # أربعون وأربع آيات في الحجازي، وثلاث في الكوفي، وسبع في النسائي، مكية ~~إلا قوله: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} وقوله: {ويقول ~~الذين كفروا لست مرسلا} إلى قوله: {ومن عنده علم الكتاب}. # وقال الإمام الناصر أبو الفتح عليه السلام في برهانه: سورة الرعد مدنية. # وقال الأصم: هي مدنية بإجماع، سوى قوله: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال}. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {المر تلك آيات الكتاب} أعلم أنا فد ذكرنا في هذه الألفاظ ما ~~يغني عن إعادته. # قال ابن عباس: معناه أن الله أعلم. # وقال في رواية ابن عطاء: أنا الله الملك الرحمن، وقد........أبو عمرو، ~~والكسائي وغيرهما، وفحمها جماعة منهم عاصم، وقوله: {آيات} إشارة إلى آيات ~~السورة المسماة ب{المر}. # قال في الكشاف: والكتاب السورة الكاملة العجيبة في بابها. PageV18P323 # وفي البرهان: الكتاب هو القرآن، أي أنها آيات الكتاب الذي وعد الله محمدا ~~صلى الله عليه وآله وسلم بأن ينزله عليه، ويجعله باقيا على وجه الدهر، ~~وقوله تعالى: {والذي أنزل إليك من ربك} مبتدأ، وقوله: {الحق} خبره، أي ~~والذي أنزل إليك من القرآن كله هذه وحدها، هو الحق لا مزيد عليه، لا كما ~~يقوله ms1625 المشركون إنك تأتي به من نفسك، ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم حق بين بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} يعني ~~بالقرآن أنه منزل من ربك بالحق، على سبيل الزجر والتهديد. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على ~~صحة التوحيد والمعاد، فقال: {الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها}. # قال في الكشاف: الله مبتدأ، والذي خبره، بدليل قوله: {وهو الذي مد الأرض} ~~ويجوز أن يكون صفة، وقوله يدبر الأمر يفصل الآيات خبر بعد خبر، وينصره ما ~~تقدم من ذكر الآيات، انتهى. # وأما قوله تعالى: {ترونها} ففيه أقوال: # الأول: أنه كلام مستأنف، والمعنى رفع السماوات بغير عمد، ثم قال: ~~{ترونها} أي وأنتم ترون أنها مرفوعة بلا عماد. # الثاني: قال الحسن في الآية تقديم وتأخير، تقديره رفع السماوات ترونها ~~بغير عمد. # واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم ~~والتأخير غير جائز. # والثالث: أن قوله: ترونها صفة للعمد، والمعنى بغير عمد مرئية، أي ~~للسماوات عمد، ولكنا لا نراها، قالوا: أولها عمد على جبل قاف وهو جبل من ~~زبرجد محيط بالدنيا، ولكنكم لا ترونه، وهذا التأويل في غاية السقوط؛ لأنه ~~تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر، ولو كان ~~المراد ما ذكروه لما تمت الحجة؛ لأنه يقال: إن السماوات مستقرة على جبل، ~~فأي دلالة تبقى فيها على وجود الإله. PageV18P324 # قال بعضهم: وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل، وهو أن العماد إنما يعتمد ~~عليه، وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجوء العالي بقدرة ~~الله، وحينئذ يكون عمدها في قدرة الله، فصح أن يقال رفع السماوات بغير ~~عمد[206] ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي إمساك الله ~~وحفظه، وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي، وأنتم لا ترون ذلك التدبير ~~ولا تعرفون كيفية ذلك الإمساك. # وأما قوله سبحانه: {ثم استوى على العرش} فاعلم أنه ليس ms1626 المراد منه كونه ~~تعالى مستقر على العرش؛ لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود ~~الصانع، فالمراد بالعرش هو الملك، والاستواء إنما هو مثل من الله سبحانه ~~لعلوه على جميع الأشياء وإحاطته بها، كعلو الملك على سريره إذا استوى عليه، ~~واستعلا في المثل لا غير. # والنوع الثاني من الدلائل المذكورة قوله تعالى: {وسخر الشمس والقمر} يعني ~~ذللهما لمصالح العباد {كل يجري لأجل مسمى} وفيه قولان: # الأول: قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلا، كل يوم لها منزل، وذلك ~~يتم في ستة أشهر، ثم إنها تعود منه مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر مرة ~~أخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا، فالمراد بقوله: {كل يجري لأجل ~~مسمى} هذا، وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى ~~جهة خاصة، بمقدار خاص من السرعة والبط، ومتى كان الأمر كذلك لو أن يكون لها ~~بحسب كل لحظة ولمحة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك. PageV18P325 # والقول الثاني: أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة، وعند مجيء ذلك ~~اليوم تنقطع هذه الحركات، وتبطل تلك السيرات، كما وصف الله سبحانه ذلك في ~~قوله: {إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت} {وجمع الشمس والقمر} وهو ~~كقوله: {ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده} ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل ~~قال: {يدبر الأمر} أي يصرف أمر ملكوته وربوبيته، أو أمر الدنيا والآخرة. # قال الرازي: وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال ~~العالم، والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام، والإحياء ~~والإماتة، والإغناء والإفقار، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثه الرسل، وتكليف ~~العباد، وفيه دليل عجيب على كمال الرحمة والقدرة، وذلك لأن هذا العالم ~~المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا ~~الله، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها يوضعه موضعه وصفته ~~وطبيعته وحليته ليس إلا من الله، ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير شيء، ~~وأنه لا يمكنه ms1627 تدبير شيء آخر، فإنه يشغله شأن عن شأن، والله عز وجل لا ~~يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير عن تدبير، وذلك يدل على أنه متعال في ~~ذاته وصفاته، وعلمه وقدرته عن مشابهة المحدثات والممكنات، ثم قال تعالى: ~~{يفصل الآيات} أي يبين الآيات الدالة على التوحيد والبعث، وعلى كمال علم ~~الله وقدرته وحكمته، والدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: # أحدهما: الموجودات الباقية الدائمة، كالأفلاك والشمس والقمر، وهذا النوع ~~من الدلائل هو الذي تقدم ذكره. PageV18P326 # والثاني: الموجودات الحادثة للتغيير كالموت بعد الحياة، والفقر بعد الغنى، ~~والهرم بعد الصحة، وكون الأحمق في أهنا العيش، والعاقل في أشد الأحوال، ~~فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم، ظاهرة ~~قاهرة قوية، فقوله: {يفصل الآيات} إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على ~~سبيل التمييز والتفصيل، ثم قال تعالى: {لعلكم بلقاء ربكم توقنون} أي لكي ~~توقنوا بالبعث والجزاء، وبأن هذا المدبر المفصل لابد لكم من الرجوع إليه. # واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع[207]الحكيم فهي أيضا ~~تدل على صحة الحشر والنشر؛ لأن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها على ~~عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى. # روي أن واحد قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إنه تعالى كيف يحاسب ~~الخلق دفعة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم دفعة واحدة، وكما يسمع نداهم، ويجيب ~~دعاهم الآن دفعة واحدة. # واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية ~~فقال: {وهو الذي مد الأرض} أي وسعها وبسطها للاستقرار عليها ردا على من زعم ~~أنها مستديرة كالكرة. # والنوع الثاني: من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال، وإليه الإشارة ~~بقوله: {وجعل فيها رواسي} أي جبالا ثابتة باقية يرسيها أي يسكنها من ~~الاضطراب والميل، ووجه الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع المختار ~~القادر الحكم، خلاف ما يزعمه الفلاسفة، ثم قال: {وأنهارا} وفيها منافع ~~الخلق من شرب الحيوان ونبات الأرض ومغيض الأمطار، ومسالك الفلك. # والنوع الثالث من الدلائل المذكورة في هذه الآية: الاستدلال بعجائب خلقة ~~النبات، ms1628 وإليه الإشارة بقوله: {ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين}. PageV18P327 # اعلم أن الحبة إذا وقعت في الأرض........فيها بداوة الأرض ربت وكثرت وسبب ~~ذلك شق أعلاها وأسفلها، فتخرج من الشق الأعلا الشجرة الصاعدة ومن الشق ~~الأسفل العروق الغائصة في الأرض، وهذا من العجائب؛ لأن طبيعة تلك الحبة ~~واحدة، وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب على زعمهم فيها واحدة، ثم إنه ~~يخرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة حرم صاعد إلى الهواء، ومن الأسفل منه ~~حرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان ~~متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، والمقدر ~~العليم القديم لا بسبب الطبع، ومعنى زوجين اثنين أي ذكر وأنثى كفحول النحل ~~وإناثها، وكذلك كل النبات وإن خفي، والمراد أنه تعالى جعل فيها حين مدها من ~~جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت. # قال في البرهان: والزوج الآخر حلو وحامض، وعذب ومالح، وأبيض وأسود، وأحمر ~~وأصفر، فإن كل جنس من الثمار نوعين فصار كل ثمرة ذات نوعين زوجين، وهي ~~أربعة أنواع، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة والزوج الشفع، والوتر الفرد. # والنوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه الآية: الاستدلال بأحوال الليل ~~والنهار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {يغشي الليل النهار} معناه يغشى ظلمة ~~الليل ضوء النهار، ويغشى ضوء النهار ظلمة الليل، أي يلبسه مكانه، فيصير ~~أسود مظلما بعد أن كان أبيض مصفر، وقرئ يغشى بالتشديد، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر الدلائل النيرة والقواطع القاهرة، قال: {إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون} ~~أي دلائل على عظم قدرته وباهر حكمته، ثم قال تعالى: {وفي الأرض قطع ~~متجاورات} أي بقاع متلاصقة وهي مع ذلك مختلفة إلى شحة وكريمة وصلبة ورخوة ~~وصالحة للزرع لا للشجر، وعكسها مع اتفاقها في حيس الأرضية، وذلك دليل على ~~قادر مريد موقع أفعاله على وجه دون وجه. PageV18P328 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والقطع مثل[208] قطع التراب الذي بعضه ~~لا يشبه بعضا، مثل التراب الأسود والأخضر والأصفر، وغير ذلك مما يحصى ms1629 من ~~ألوان الشجر، وذلك دليل على المخالف بينها، والمدبر الصانع لها، انتهى. # أما قوله: {وجنات من أعناب وزرع ونخيل} فالجنة البستان الذي يجعل فيه ~~الكرم والنخل، والزرع وتحفه تلك الأشجار، والدليل عليه قوله: {جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا} ثم قال: {صنوان ~~وغير صنوان} أي مجتمعة الأصول وغير مجتمعة، والصنو هو الإخراج المقارن، ~~والصنوان الأخوان المقتربان جمع صنو مثل قنوان وقنو، ويجمع أصنا مثل اسم ~~وأسماء، والصنوان النخلة لها رأسان وأصلها واحد، ومنها ما لا يكون كذلك. # قال في البرهان: في الصنوان أربعة تأويلات: # أحدها: أن الصنوان المجتمع وغير الصنوان المفترق. # والثاني: أن الصنوان النخلات يكون أصلها واحد وغير الصنوان أصلها شتى. # والثالث: الصنوان الأشكال وغير الصنوان المختلف. # والرابع: أن الصنوان الفتيل تقطع مراماته فهو معروف، وغير صنوان ما ينبت ~~من هذا النوى فهو غير معروف، ثم قال تعالى: {يسقى بماء واحد} قرأ عاصم وابن ~~عامر يسقى بالياء على تقدير يسقي كله، أو ليغلب المذكر على المؤنث، ~~والباقون بالتا لقوله جنات. # قال أبو عمرو: ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى: {ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل} أي في الثمر، فمنه حلو ومر وحامض ومعتدل، وجيد وردي، وتراها متغيرة ~~في الصورة والألوان والروائح، ثم قال: {إن في ذلك لايات} أي دلائل على كمال ~~القدرة، وإنما قال: {لقوم يعقلون} لأن من لا ينظر ولا يعمل بمقتضى عقله فهو ~~كمن لا عقل له. PageV18P329 # قال في البرهان: يعني أن في اختلاف ذلك اعتبارا بدل ذوي العقول على عظيم ~~القدرة، وبديع الحكمة، ويحتمل أن يكون ذلك مثل ضربه الله لبني آدم، أن ~~أصلهم واحد وهم مختلفون في الخير والشر، والإيمان والكفر، كاختلاف الثمار ~~التي تسقى بماء واحد، انتهى. # وفيما خلق الله من الأرض من الزروع والنخيل والكرم على الصفة التي وصفها ~~لآيات وعبر لمن نظر فيها بعقله، واستدل بها على وحدانية الله جل ذكره، وإذا ~~استدل بها عرف صانعه وخالقه ومالكه، ودلت هذه الآية على بطلان قول من قال ~~بالطبع والخاصة؛ لأنه ms1630 لو صح ما ذهبوا إليه لوجب إذا كان الأرض والما واحد ~~أن أن لا تثبت منها الألوان المختلفة منها، وطعمها ورائحتها، دل على أنه ~~فعل قادر مختار يفعل ما يشاء على أي وجه شاء. PageV18P330 # قال في البلغة: واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه ~~من معرفة المبتدأ ذكر بعده مسألة المعاد قال: {وإن تعجب فعجب قولهم أئذا ~~كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} معناه وإن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما ~~كانوا قد حكموا عليك بأنك من الصادقين، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث، والله ~~سبحانه لا يتعجب؛ لأنه يغير النفس بما يخفي أسبابه، وإنما ذكر ذلك ليتعجب ~~منه نبيه والمؤمنون، أو تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع ~~التعجب بأنهم اعترفوا بأنه تعالى مدبر السماوات والأرضين، وخالق الخلق ~~أجمعين، وأنه هو الذيي رفع السماوات بغير عمد، والذي سخر الشمس والقمر على ~~وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب والغرائب، فمن ~~كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان ~~بعد موته؛ لأن القادر على الأقوى[209] الأكمل بأن يكون قادرا على الأقل ~~الأضعف أولى، فهذا هو تقرير موضع العجب، وقيل: إن تعجب يا محمد من عبادتهم ~~ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد فهذا أعجب. # قال في البلغة: في الآية مدح وذم، ومدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بتعجبه منهم في عبادتهم ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، وذم الكفار لتعجبهم ~~بأنهم يحيون بعد الإماتة ويعادون، فأنكروا النشأة الآخرة مع علمهم بالنشأة ~~الأولى، وهذا الباب الذي ينبغي للعاقل أن يتأمله ويفكر فيه ولا يغفل عنه. # قال الزجاج: العامل في أئذا كنا ترابا محذوف تقديره، أئذا كنا ترابا ~~نبعث، ودل ما بعده على المحذوف، والله أعلم. # ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة أشياء من الصلات: PageV18P331 # أولها: قوله سبحانه: {أولئك الذين كفروا بربهم} وهذا يدل ms1631 على أن من أنكر ~~البعث والقيامة فهو كافر، وإنما لزم إنكار البعث الكفر بالله من حيث أن ~~إنكار البعث لا يتم إلا بالإنكار للقدرة أو العلم أو الصدق، أما إنكار ~~القدرة فكما إذا قيل إن إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر ~~على الإعادة، وقيل: وإنه وإن كان قادرا لكنه ليس تام القدرة، فلا يمكنه ~~إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثيرات الطبائع والأفلاك، وأما إنكارهم ~~العلم كما إذا قيل إنه تعالى غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز زيد ~~المطيع عن عمرو العاصي، وأما إنكار الصدق فكما إذا قيل له وإن أخبر عنه ~~لكنه لا يفعل؛ لأن الكذب جائز عليه، ولما كان كل هذه الأشياء كفر أثبت أن ~~إنكار البعث كفر بالله. # والصفة الثانية: قوله عز وجل: {وأولئك الأغلال في أعناقهم} الغل طوق تغل ~~به اليد إلى العنق، ويقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الردي، معناه أنه ~~لازم لك وأنك مجازى عليه بالعذاب، وفي المراد به احتمالان: # أحدهما: أنه وعيد لهم بأن السلاسل تكون في أعناقهم في النار. # والثاني: قال الأصم المراد بالأغلال كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، وهو ~~وصف لهم بالإصرار كأنهم ممنوعون عن الاسلام كقول الشاعر: # كيف الرشاد وقد صرنا إلى ملأ ... لهم عن الرشد أغلال وأقياد # والصفة الثالثة: قوله تعالى: {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~والمراد منه التهديد بالعذاب المخلد. PageV18P332 # واعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة، وتارة ~~بعذاب الدنيا، والقوم كلما هددهم بعذاب الدنيا أنكروا الفناء والبعث والنشر ~~والحشر، حكى الله عنهم في هذه الآية، وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا فجئنا ~~بهذا العذاب، وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الاستهزاء أو الطعن فيه، ~~وإظهار أن الكلام الذي يقوله كلام لا أصل له، فلهذا السبب قال تعالى: ~~{ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} أي بالنقمة قبل العافية، وبالشر قبل ~~الخير، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة، ~~وبحصول النصر والظفر في الدنيا، فالقوم طلبوا منه نزول العذاب، ms1632 ولم يطلبوا ~~منه حصول النصر فهذا هو المراد من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، ومنهم من ~~فسر الحسنة بالإمهال والتأخير، وإنما سموا العذاب بالسيئة لأنه يسؤهم ~~ويؤذيهم، وأما قوله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات} فقال الحسين بن ~~القاسم عليهما السلام معناه مضت وقعات[210] المثل بأشكالهم واحد المثلات ~~مثله، وهي الوقعة التي مثل فيها بالمعذبين، والمثل هو التعذيب في الضرب ~~والقتل، انتهى، والمراد بالمثلات العقوبات التي مثل الله بها الأمم ~~الماضية. # قال الرازي: واعلم أن العرب تقول للعقوبة مثلة ومثلة مثل صدقة وصدقة، ~~فالأول لغة أهل الحجاز، والثاني لغة تميم، فمن قال مثلة فجمعها مثلات، ومن ~~قال مثلة فجمعها مثلات ومثلات ومثلات بإسكان الثا، هكذا حكاه الواحدي عن ~~القرا والزجاج. PageV18P333 # وقال ابن الأعرابي: المثلة العقوبة المنفية في المعاقب .......وهو تغير ~~تبقى الصورة منه قبيحة، وهو من قولهم مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما ~~بقطع أذنه وأنفه، أو سمل عينيه أو بقر بطنه، هذا هو الأصل، ثم يقال للعار ~~الباقي في الخزي اللازم مثله إذا عرفت هذا فمعنى الآية يستعجلونك بالعذاب ~~الذي لم أعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم ~~يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك من الكفر اعتبارا بحال ما سلف، انتهى. # ثم قال سبحانه: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} يعني يغفر لهم ظلمهم ~~السالف لتوبتهم في الآنف فيغفر الكبائر بالتوبة، والصغائر باجتناب الكبائر، ~~أو المراد الستر والإمهال، وقوله على ظلمهم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام معناه مع ظلمهم يغفر ويتجاوز في هذه ~~الدنيا عنهم بفضله ورحمته لهم، ولكن قامت على مقام مع، قال الشاعر: # سوف أرويها على أني كسل # وشارب من مائها ومغتسل # يريد أنه يروي أنعامه مع أنه كسل فقامت على مقام مع، ثم إنه تعالى لم ~~يقتصر على قوله وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم بل ذكر معه {وإن ربك ~~لشديد العقاب} لمن أصر ولم يتب. # قال في البرهان: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ms1633 وسلم أنه قال ~~لما نزلت هذه الآية: ((لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحد العيش، ولولا ~~وعيده وعقابه لاتكل كل أحد كذا)) انتهى. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته صلى الله عليه ~~وآله وسلم بسبب الطعن في الحشر والنشر أولا، طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في ~~صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال. # ثانيا: حكى أنهم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجز والبينة. PageV18P334 # ثالثا: فقال سبحانه: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} ولم ~~يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنادا، ~~واقترحوا بجوابات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية، وانفلاق البحر، وإحياء ~~الموتى فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {إنما أنت منذر} أي إنما ~~أرسلت منذرا مخوفا لهم من سوء العاقبة، وناصحا كغيرك من الرسل، وما عليك ~~إلا الإبيان بما يصح به أنك رسول منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، ~~والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى إنها لا تفاوت بينها {ولكل قوم هاد}. # قال في البرهان: يعني إنما أنت منذر يا محمد منذر ولكل قوم هاد، وهداه من ~~ولدك قد أثرناهم بمقامك، وجعلناهم حفاظ شريعتك وسنتك من بعدك إلى يوم ~~القيامة. # قلت: ومثل هذا ذكره الحسين بن القاسم عليهما السلام . # قال الرازي: في[211] هذه الآية المنذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~والهادي علي عليه السلام . # قال: واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى بها ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يعني أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، ~~فقال: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} من الولد، وعلى أي حال هو من ذكور أو ~~أنوثة، وتمام وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك من الأحوال {وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد} فهو سبحانه يعلم من حال هؤلاء أنهم هل طلبوا الآية ~~الأخرى للبيان والاسترشاد، أو لأجل التعنت والعناد، وهل ينتفعون بظهور تلك ~~الآيات، أو يزداد إصرارهم واستكثارهم، فلما ms1634 علم تعالى أنهم طلبوا لأجل ~~الاسترشاد ومزيد الفائدة لأظهره الله وما منعهم من إعطائها، وهو كقوله ~~تعالى:{ لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا}. PageV18P335 # وأما قوله: وما تنقص بالأرحام فمعناه وما تغيضه الأرحام، إلا أنه حذف ~~الراجع، وما يزداد أي يزداده أي يأخذه زائدا، ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم ~~ويزداد على وجوه: # الأول: عدد الولد قد يشتمل على واحد وعلى اثنين وثلاثة وأربعة. # روي أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. # الثاني: جسد الولد قد يكون مخدجا وقد يكون تاما. # الثالثة: مدة ولادته فقد يكون أقل من تسعة أشهر، وأزيد إلى سنتين عند أبي ~~حنيفة، وأربع عند الشافعي وهو رأي أهل البيت عليهم السلام وذكر هذين ~~الوجهين الآخرين في البرهان، ثم قال فيه: ويجوز ما يغيض الأرحام بانقطاع ~~الحمل، وما يزداد بدم النفاس بعد الوضع، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى الآية أنه عز وجل يعلم كل حمل ~~حملته الإناث، ويعلم أرحامهن، وما ينقص من الأولاد، ومعى نغض الأرحام هو ~~خروج الأولاد، وإذا حرت الأولاد نغضت الأرحام وفرغت بعد أن زادت بالولد وكثرت. # قال تعالى: {وغيض الماء} ومعنى وما يزداد بزيادة الأرحام هي زيادتها ~~بالأولاد وكثرها..........قوله سبحانه: {وكل شيء عنده بمقدار} فمعناه ~~بمقدار لا يتجاوز ولا ينقص عنه كقوله إنا كل شيء خلقناه بقدر. # قال الرازي: يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم، ومعناه أنه تعالى ~~يعلم كيفية كل شيء، وكيفيته على الوجه المفصل المبين، ويحتمل أن يكون ~~المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوجه معين وحالة معينة بمشيئته، ~~ثم قال تعالى: {عالم الغيب والشهادة}. # قال ابن عباس: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه، ثم ذكر عقبيه قوله: ~~{الكبير المتعالي}. PageV18P336 # اعلم أنه تعالى..........أن يكون كبيرا بحسب الجثة والحجم والمقدار، فوجب ~~أن يكون بحسب القدرة والنفاذ والإلهية، فهو العظيم الشأن الذي كل شيء دونه، ~~ثم وصف نفسه بأنه المتعالي المستعلي على كل شيء بقدرته، أو تعالى وتنزه عن ~~كل ما ms1635 لا يجوز عليه في ذاته وصفاته وأفعاله من صفات المخلوقين، وكبر عنها، ~~ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال: {سواء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} لفظ سواء يطلب اثنين، ~~يقول سواء زيد وعمرو، ثم فيه وجهان: # أحدهما: أن سواء مصدرية[212] والمعنى وسواء كما تقول عدل زيد وعمرو أي ذو عدل. # الثاني: أن تكون سواء بمعنى مستوي وهو على هذا التقدير فلا حاجة إلى ~~الإضمار، إلا أن سيبويه يستفتح أن يقول بل هذا الوجه مستو زيد وعمرو، ولأن ~~أسماء الفاعل إذا كانت نكرات لا يعتد بها، ولقائل أن يقول بل هذا الوجه ~~أولى؛ لأن حمل الكلام عليه عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والمعنى سواء ذلك في علمه لا يخفى ~~عليه من أسرارهم، ولا من جهر من خير وشر، ولا يغيب عنه مستخف ولا سارب، ~~والمستخفي هو الكامن في الليل المتخبي، والسارب بالنهار هو الذي يمشي ويدب، ~~قال الشاعر: # وكل أناس قاربوا قيد فحلهم # ونحن حللنا قيده وهو سارب # قال في الكشاف: وسارب عطف على من أي ومن هو سارب، ويجوز أن يكون معطوفا ~~على مستخف، ويكون لفظ في معنى الاثنين كقوله: # نكن مثل من يا ذيب يصطحبان # قال في البرهان: والسارب هو المتصرف الذاهب مأخوذ من السروب في المرعى، ~~وهو بالعشي وهو مثل السروح بالغداة، يعني أنه يعلم من استخفى عمله في ظلمة ~~الليل، ومن أظهره بضوء النهار. # والثاني: يعلم ما أخفى ظلمة الليل كما ير ما يظهر ضوء النهار بخلاف ~~المخلوقين الذين تخفى عليهم أحوال جهلهم، قال الشاعر: # وليل يقول الناس في ظلماته PageV18P337 سواء صحيحات العيون وعورها # انتهى. # ثم قال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه} الضمير في قوله عائد إلى ~~من في قوله سواء منكم من أسر القول. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام معناه لكل إنسان حفظة معقبات يتعقبون ~~فعله، ويذرون به مرة من بين يديه ومن ms1636 خلفه يتعقبون فعله، والتعقب هو التتبع ~~للمشي، فهم صلوات الله عليهم يتعقبون أفعالنا، فكم زلة مهلكة لنا إلا أن ~~يرحمنا ربنا، ويتجاوز بفضله عن سيئاتنا، انتهى. # وقيل: هو عائد إلى اسم الله في عالم الغيب والشهادة، والمعنى لله معقبات، ~~والأصل معقبات فادغمت الباء في القاف كقوله: {وجاء المعذرون} والمراد ~~جماعات الملائكة تتعقب في حفظه وكلايته تتعاقب في النزول إلى الأرض، وبعضهم ~~ليلا وبعضهم نهارا، إذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، وإذا ~~صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل، وفي ذلك ما روي عنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((يتعاقب فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار، ويجتمعون في ~~صلاة الصبح)) وهو المراد من قوله: {إن قرآن الفجر كان مشهودا}. PageV18P338 # وروي عن عثمان أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من الملائكة؟ ~~فقال صلوات الله عليه وعلى آله وسلم: ((ملك عن يمينك للحسنات هو أمين على ~~الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على ~~الشمال لصاحب اليمين اكتب، قال لا لعله يتوب، فإذا قال ذلك ثلاثا قال نعم ~~أراحك الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله سبحانه واستحياؤه منا)) فهو ~~قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه {يحفظونه من أمر الله} أي بأمر ~~الله مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خلو بينه وبينه، وقيل: إنه على التقديم ~~والتأخير، والتقدير له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو أن إضمار أي ذلك ~~الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله به فحذف الاسم، وأبقى خبره، قيل: يحفظون ~~أعماله[213] ويكتبونها وهم الحفظة، وقيل: يحفظونه من الإنس والجن، والهوام، ~~ولولا ذلك لأختطفته الشياطين، عن كعب ومجاهد. # وعن علي عليه السلام ليس من أحد إلا ومعه من الله حفظة من أن يتردى في ~~بئر أو يحر من جبل، أو يصيبه حجرا أو تصيبه دابة، فإذا جاء القدر خلو بينه ~~وبين القدر، رواه الثعلبي والواحدي. # وأما قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ms1637 بأنفسهم} من ~~الحال الجميلة لكثرة المعاصي، فالمراد منه الله سبحانه لا يغير ما بهم من ~~العاقبة والنعمة بلا عوض بل مجرد عقوبة، فأما مع الغرض والمصلحة فإنه قد ~~يغير كالآلام النازلة بالأطفال والأنبياء. PageV18P339 # وقال الرازي: كلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من ~~النعم بإنزال الانتقام، إلا بأن يكون منهم العصيان والفساد، ثم اختلفوا ~~فبعضهم قال: هذا الكلام راجع إلى قوله: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة، ~~فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على ~~الكفر والمعصية، حتى قالوا: إن كان هذا المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه ~~من يؤمن، فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال، وقال بعضهم: بل الكلام ~~يجري على إطلاقه، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم ~~في إظهار عبودية الله تعالى فإنه تعالى يزيل عنهم النعم، وينزل عليهم ~~أنواعا من العذاب والنقم، ولذلك قال عز وجل بعد هذا الكلام: {وإذا أراد ~~الله بقوم سوءا} ينزل بهم {فلا مرد له} يعني إذا أراد الله بهم عذابا فلا ~~مرد لعذابه {وما لهم من دونه من وال} يلي أمرهم، ويدفع عنهم غير الله عز ~~وجل، فهو الذي يلي عقابهم ويتولى عذابهم. # واعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر أمور من ~~الآيات وذلك لأنها دلائل على قدرة الله وحكمته، وأنها نسبة النعم والإحسان ~~من بعض الوجوه، ونسبة العذاب والقهر من بعض الوجوه فذكر سبحانه أنواعا أربعة: # فالأول البرق وهو قوله: {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا}. # قال في الكشاف: في انتصاب خوفا وطمعا وجوه: # أحدها: أنه لا يصح أن يكون مفعولا لهما؛ لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل ~~المعلل إلا على تقدير حذف المضاد، أي إرادة خوف وطمع على معنى أخافه، ~~وإطماعا. # الثاني: يجوز أن يكونا منوصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف ~~وطمع، أو التقدير ذا خوف وذا طمع. # الثالث: أن يكون حالا من المخاطبين أي خائفين وطائعين، ms1638 وفي كون البرق ~~خوفا وطمعا وجوه: PageV18P340 # الأول: أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعف، ويطمع في نزول الغيث، قال ~~المتنبي: # فتي كالسحاب الجون يخشى ويرتجى # يرجى الحيا منه وتخشى الصواعق # الثاني: أنه يخشى المطر من له به ضرر كالمسافر، ومن في خزانته التمر ~~والزبيب، ويطمع فيه من له فيه نفع. # الثالث: أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير وشر بالنسبة إلى آخرين، وكذلك ~~المطر خير بالنسبة إلى من يحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك إما ~~بحسب المكان أو بحسب الزمان. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى خوفا وطمعا أي ليخافوا عذابه؛ ~~لأن البرق طرف من العذاب وجانب هائل من العقاب، وليطمعوا في رحمته عند ~~الأمطار، ورؤية البرق والسحاب[214] وفي حدوث ذلك دليل عجيب على قدرة الله ~~لأولي الألباب. # النوع الثاني: من الدلائل قوله تعالى: {وينشئ السحاب الثقال} تحمل الماء، ~~فهذا أيضا من دلائل الحكمة والقدرة؛ لأن حدوث هذه الأجزاء إنما كان بإحداث ~~محدث حكيم، قادر عليم. # النوع الثالث من الدلائل قوله تعالى: {ويسبح الرعد بحمده} أي ينزه الله ~~ويبعده من شبه خلقه؛ لأنه لو أشبه الخلق لما قدر على فعله، ولا تهيأ له أقل ~~قليله، أو معناه ويسبح سامعوا الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له، أو ~~لحمده وشكره، فعل بعباده ليشكروه على فضله وبيان حكمته لهم وعدله. # قال في البرهان: الرعد الصوت المسموع. # وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الرعد وعيد ~~الله عز وجل، إذا سمعتموه فامسكوا عن الذنوب)) والناس يسبحون له إذا سمعوه ~~فنسب التسبيح إلى الرعد مجاز، انتهى. # وقيل: إن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرعد ما هو؟ ~~فقال:((ملك موكل بالسحاب معه محاريق من نار أي سيوف يسوق بها السحاب )). PageV18P341 # وقال الحسن: هو خلق الله، وليس بملك؛ لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: ~~{والملائكة من خيفته} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، وتسبح الملائكة من خيفة ~~الله سبحانه وخشيته. # قال ابن عباس: إنهم خائفون ms1639 لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من عن ~~يمينه ومن على يساره، لا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء. # والنوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {ويرسل ~~الصواعق فيصيب بها من يشاء} الصواعق قصفة رعد معه.........نار. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه يرسل نارا من السماء وهي ~~البروق التي تصعق، الناس أي تقتل وتميت بإذن الله الحي الذي لا يموت، وإنما ~~سميت بالصواعق لصعقها وإماتتها، قال الله تعالى: {فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض} أي ماتوا، ومعنى فتصيب أي تقتل منها من يشاء قتله وإصابته من ~~عباده وبهائمه، وهي نقمة للفاسقين، وهي منية من المنايا وعبرة لمن كان حيا، انتهى. # واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا، وذلك لأنها نار يتولد في السحاب، وإذا ~~نزلت عن السحاب فربما غاصت في البحر، وأحرقت الحيتان بجب البحر، والحكماء ~~بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيتعنا ضد ~~طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبس أضعف من طبيعة ~~النيران الحادثة عندنا، لكنه ليس الأمر كذلك فإنها أقوى نيران هذا العالم، ~~فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصص الفاعل المختار. PageV18P342 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: {وهم يجادلون في الله ~~وهو شديد المحال} المراد أنه لما بين دلائل كمال العلم في قوله: الله يعلم ~~ما تحمل كل أنثى، وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات، ثم قال: {وهم ~~يجادلون في الله} أي هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله حيث ~~ينكرون على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يصفه من القدرة على البعث ~~بقولهم: {من يحي العظام وهي رميم} يوردون الوحدانية باتخاذ الشركاء ~~والأنداد، ويحعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم الملائكة بنات الله. # قال في البرهان: وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنها نزلت في ~~يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم[215] فقال: أخبرني عن ربك من ~~أي ms1640 شيء هو من لؤلؤ أو ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، وقيل: إنها نزلت في أربد ~~بن ربيعة وقد هم بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عامر بن الطفيل ~~فيبست يده على سيفه وعصمه الله منهما، ثم انصرف فأرسل الله تعالى صاعقة ~~فأحرقته، وفي ذلك يقول أخو لبيد بن ربيعة: # أخشى على أربد الحتوف ولا # فجعنني البروق والصواعق ... أرهب برق السماك والأسد # بالفارس يوم الكريهة النجد # وهم يجادلون في الله، يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله من أي شيء هو، ~~وجدال الأربد فيما هم به من قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~شديد المحال، يعني القوة، ويحتمل أن يكون المعنى وهو شديد الهلاك بالمحل، ~~وهو القحط، وشديد الانتقام بالعقوبة، قال أعشى بني ثعلبة: # فرع تبع يهتز في غصون المجد # كثير الندا عظيم المحال # وقال في الكشاف: المماحلة شدة المماكرة والمكايدة، ومنه يمحل لكذا إذا ~~تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان، ~~ومنه الحديث: ((اللهم اجعله لنا شافعا مشفعا ولا تجعله علينا ماحلا مصدقا)) ~~أي القرآن، انتهى. PageV18P343 # والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون، ~~ثم قال تعالى: {له دعوة الحق} وفيه وجهان: # أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة ~~إليه في قوله كلمة الحق، والمقصود من الدلالة على كونه باطلا، وهذا من باب ~~إضافة الشيء إلى صفته. # والثاني: أن يضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو ~~الحق، الذي يسمع فيجيب الدعوة، أي الدعا إن كان المدعو به مصلحة، فكانت ~~دعوته دعوة حق، أو لكونه حقيقا أن يوجه إليه الدعا لما في دعوته من الجدوى ~~والنفع، بخلاف ما لا ينفع من آلهتهم، ولذلك قال سبحانه: {والذين يدعون من ~~دونه} يعني من الأصنام والأوثان التي يدعونها الكفار {لا يستجيبون لهم ~~بشيء} من طلباتهم، يعني لا يجيبون لهم دعا ولا يستمعون لهم نداء {إلا كباسط ~~كفيه إلى الماء ليبلغ ms1641 فاه} أي يدعوا إلى فيه وهو لا يشعر ولا يجيب؛ لأنه ~~جماد أي إلا كاستجابة الماء يسير إليه ويطلب منه أن يصل إلى فيه، والماء ~~جماد لا يشعر ببسط كفيه وإشارته إليه ولا بعطشه وحاجته إليه {وما هو ~~ببالغه} أي فاه، وقيل كناشر أصابعه عند أن يغرف الماء بيديه فيذهب الماء من ~~بين الأصابع. # قال في البرهان: ضرب الله ذلك مثلا لاياسهم من إجابة دعائهم؛ لأن العرب ~~تضرب المثل لمن سعى فيما لا يدركه بالقابض الماء باليد كما قال أبو دهبل: # وأصحبت مما كان بيني وبينها # من الود مثل القابض الماء باليد # لأن من يلزم الماء بأصابعه لا يحصل معه شيء، والعرب تضرب الأمثال بمن كان ~~في الحمق يفعل ذلك، قال الشاعر: # وإني وإياها على مثل قابض ... على الماء لم يبلغ شيء أنامله # وذكر في البرهان: في معنى هذا المثل هذين الوجهين. PageV18P344 # والثالث: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد سقط كفه فيه ليبلغ فاه، ~~وما هو ببالغه لكذب ظنه وفساد توهمه، ثم قال: {وما دعاء الكافرين[216] إلا ~~في ضلال} أي في ضياع لامنفعة له؛ لأن الله لا يجيب دعاهم، وآلهتهم لا ~~تستطيع الإجابة. # وأما قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض} فاعلم أن في المراد ~~بهذا السجود قولين: # أحدهما: أنهم ينقاودن لما أراد منهم من أفعاله شاءوا أم أبو، وهو معنى ~~قوله: {طوعا وكرها}فالسجود عبارة عن الانقياد، والخضوع ترك الامتناع. # والثاني: أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، وعلى خدا ~~الوجه ففيه وجهان: # أحدهما: أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون، ~~فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعا بسهولة وبساط، ومن المسلمين من يسجد لله ~~كرها بصعوبة ذلك عليه، مع أنه عمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى. # والثاني: أن اللفظ عام، والمراد منه أيضا العام، وهو أن المراد من السجود ~~التعظيم والاعتراف بالعبودية، وكل من في السماوات والأرض يعترفون بعبودية ~~الله تعالى على ما قال {ولئن سألتهم من خلق ms1642 السماوات والأرض ليقولن الله} ~~ثم قال: {وظلالهم بالغدو والآصال} الغدو البواكر، والآصال جمع أصيل وهو العشي. # قال المفسرون: كل شخص سواء كان مومنا أو كافرا فإن ظله يسجد لله. # قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد وهو كاره، ~~وقيل: إن المراد من سجود الضلال ميلانها من جانب إلى جانب، وطولها بسبب ~~انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، وهي منقادة مستسلمة في طولها ~~وقصرها، وميلها من جانب إلى جانب، وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر لأن ~~الآصال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين. PageV18P345 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى ولله يسجد أي يخشع ويذل من في ~~السماوات والأرض، فأما الذين يخشون طوعا فهم المتعبدون الذين يشهدون ~~بالطاعة لله ويخشعون، وأما الذين يسجدون كرها فهم الأموات الجامدون الذين ~~هم لله وبقدرته حامدون ساكنون بتدبيره، ساجدون، وإنما سجودهم وسجود ظلالهم ~~بالغدو وعند الصباح وبالأصال وعند العشاء والرواح، وسجود الطباع وسجود ~~المتعبدين سجود الانبطاع، وأصل السجود هو السكون والخشوع، والذل والهدو، ~~والخضوع، قال الشاعر: # أناخوا ليغفوا تحت أعجاز سدفة ... بأيدي المهاري والجفون سواجد # أي أناخوا تحت أعجاز سدفة الهجر وضوؤه ليرقدوا، والجفون سواجد أي جفون ~~أعيانهم سواكن من النوم والسهر وطول السرى، والمسير والسفر، وقال آخر: # أقمت لهم صدر المطي ورأسه # .........الكرى من آخر الليل ساجد # أي ساقط من النوم ساكن، وهذا كثير غير قليل، وقوله الله أصدق الأقاويل، ~~إذا يقول: {ادخلوا الباب سجدا} أي خشعا، عليكم السكينة والوقار. PageV18P346 # واعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السماوات ساجد لله بمعنى كونه خاصعا ~~له عاد إلى الرد على عبدة الأصنام، فقال: {قل من رب السماوات والأرض قل ~~الله} هذه حكاية لاعترافهم؛ لأنه إذا قال لهم ذلك لم يكن لهم بد من أن ~~يقولوا الله لاعترافهم به، ولما كان هذا الجواب جوابا يقر به المسؤل ومعترف ~~به، ولا ينكره، أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا ~~الجواب، تنبيها على أنهم لا ينكرونه البتة، ولما بين أنه ms1643 سبحانه[217] ربا ~~لكل الكائنات قال لهم إنكارا عليهم: {قل أفاتخذتم من دونه أولياء} أي ~~أربابا، يعني أبعد إقراركم بأنه رب السماوات والأرض ناقضتم فجعلتم ما يجب ~~أن يكون سبب التوحيد من عملكم وإقراركم سبب الإشراك؛ لأنه جعل ذلك إلزاما ~~لهم بعد اعترافهم بالله، والمعنى لم اتخذتم من دون الله الخالق المنعم آلهة ~~من أصنام وأوثان تعبدونها من دون الله {لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} ~~يدفعونه عنها، فكيف يملكون لكم ضرا أو نفعا، وقد آثرتموهم على الخالق ~~الرازق، وهذا إلزام صحيح، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل يمثل ~~الحجة كالأعمى والعالم كالبصير، والجهل يمثل هذه الحجة كالظلمات، والعالم ~~بها كالنور، فقال تعالى: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور} وكما أن كل واحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، والظلمة ~~لا تساوي النور، فكل واحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي ~~العالم، ويحتمل أن هذا مثل ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثل ~~الباطل وأهله بالأعمى، والحق وأهله بالبصير، والجهل والضلال بالظلمات، ~~والعلم والهدى بالنور. PageV18P347 # قال في البرهان: فالمؤمن في هذا كالبصير يمشي في النور، والكافر في ضلالته ~~كالأعمى يمشي في الظلمات وهما لا يستويان، وكذلك المؤمن والكافر، وهذا من ~~أصحح مثل وأوضح تشبيه، ثم ذكر البينات فقال: {أم جعلوا لله شركاء} الهمزة ~~للإنكار، أي بل جعلو له شركاء {خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم} يعني أنهم ~~لم يجدوا شركاء خالقين قد خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الله بخلق ~~الآلهة، حتى يقولوا قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله فتعبدهم كما تعبده، ~~إذ لا فرق بين خالق وخالق، ولكن اتخذوا شركاء عاجزين، وهؤلاء المشركون ~~يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل، ولا خلق ولا أثر، وإذا ~~كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل، ~~ثم قال سبحانه: {قل الله خالق كل شيء} فلا شريك له في العبادة {وهو الواحد} ~~في الربوبية {القهار} الذي لا ms1644 يغالب. # واعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر، والإيمان والكفر، والأعمى ~~والبصير، والظلمات والنور، ضرب الإيمان في الكفر مثلا آخر فقال: {أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها} أي بملئها وعلى وسعها، ومقدارها النافع غير ~~الضار {فاحتمل السيل زبدا رابيا} أي حمل زبدا مرتفعا، مسفحا عاليا فوق ~~الماء مسرفا طاميا. PageV18P348 # قال في الكشاف: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، كما ضرب ~~الأعمى والبصير، والظلمات والنور مثلا لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ~~ينزل من السماء فتسيل أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع،وبالطين ~~الذي ينتفعون به في سوغ الحلي منه، واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، ولو ~~لم يكن إلا الحديد الذي فيه بأس شديد، وأن مثل ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ~~ظاهرا ثبت الماء في منافعه، وتبقى آثاره في العيون والبيار والحبوب ~~والثمار، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطوالة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ~~ووشك زواله وإنسلاخه عن المنفعة، يريد السيل الذي يرمى به ويرتد القلز الذي ~~يطفو فوقه إذا أذيب. # قال في البرهان: ثم ضرب مثلا ثانيا فقال: {ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغاء حلية} كالذهب والفضة وسائر ما يتحلا به {أو متاع} يتنفع به كالأواني ~~والآلات[218]من الحديد والنحاس والرصاص {زبد مثله} أي مثل زبد السيل. PageV18P349 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى ~~في ذلك كله وزبد مما يوقدون عليه في النار، وزبدا مثله من الحلية والمتاع، ~~وذلك أن السيل إذا اضطربت أمواجه داخله الهواء، وثار منه الخبث والقذا، حتى ~~يصير ذلك زبدا رابيا أبيض، رابيا عاليا فوق الماء مسرفا طاميا، وكذلك ~~الحلية إذا أوقد عليها أو على غيرها من متاع الدنيا ومآكلها صار عليه زبدا ~~مسرف منيف، مثل زبد السيل طياس خفيف، لا خير فيه عند اختياره، ولا بقا له ~~عند قراراه، فضرب الله سبحانه به المثل للفرق بين الحق والباطل، فجعل الحق ~~مثل الماء الذي هو حياة للمخلوقين، وجعل فيه أرزاق جميع المرزوقين، وجعل ~~الباطل مثل الزبد الذي لا خير فيه ms1645 ولا بقاء له، ولا معتمد عليه، وكذلك زبد ~~الحلية وخبثها، وهو مثل مضروب للباطل الذي جعله الله كزبد الماء السائل، ~~والحلية هي منافع العباد مثل مضروب للحق النافع في جميع البلاد، الناهي عن ~~الغي والجور والفساد، وكذلك زبد المتاع إذا علا في القدور فهو كغيره من ~~الزبد المذكور، انتهى. # ثم قال عز وجل: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} والمعنى كذلك يضرب الله ~~الأمثال للحق والباطل، أي يمثلهما ويؤكدهما بضرب الأمثال، ثم قال: {فأما ~~الزبد} الخارج من الماء {فيذهب جفاء} أي باطلا جفا السيل ويرمي به من قولهم ~~جفات القدر بزبدها أي رمت به، وموضع جفا نصب على الحال. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: الجفا فهو الجافي المتفرق الأجزاء، ~~ومعنى يذهب جفا أي يذهب يفترق عن الماء وغيره قطعا متجافية غير لطيفة، ~~والتجافي هو المائل عن السواء الملتوي عن اللطف والبهاء، قال الشاعر: # فهم جفاة عليها غير فرسان PageV18P350 أي ملتوون عليها غير معتدلين {وأما ما ينفع الناس} من الماء والقلز {فيمكث ~~في الأرض} أي يقيم فيها {كذلك} أي مثل ذلك الضرب {يضرب الله الأمثال} ~~للناس، والضرب للمثل هو الفعل له من الممثل، وجعل القول من القائل، وأصل ~~الضرب هو الفعل والاختراع للشيء والجعل، قال الشاعر: # ضربن ميعادا ليوم مرتقب # أي جعلن ميعاد ليوم منتظر معروف، انتهى. # ثم قال سبحانه: {للذين استجابوا لربهم الحسنى} أي الاستجابة الحسنى لما ~~دعاهم إلى الإيمان وإلى طاعته، وقيل قد تم الكلام عند قوله كذلك يضرب الله ~~الأمثال، وما بعد كلام مستأنف، والحسنى مبتدأ خبره للذين استجابوا، والمعنى ~~لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة والنعيم في الأخرى، والرزق والحياة في ~~الدنيا، وقوله: {والذين لم يستجيبوا له} مبتدأ خبره {لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه لافتدوا به} أنفسهم، أي ودوا أن تقبل منهم فدية عنها. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هاهنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال ~~السعداء فهي قوله: {للذين استجابوا لربهم الحسنى}. # وأما أحوال الأشقياء فهي قوله: {والذين لم يستجيبوا} فلهم أنواع ثلاثة ms1646 من ~~العذاب والعقوبة: # النوع الأول: قوله: {لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به} ~~والافتداء جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر، ومفعول افتدوا محذوف، أي جعلوه ~~فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض. # النوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم قوله: {أولئك لهم سوء ~~الحساب} وهو المناقشة فيه..........[219]هو أن لا يقبل منهم حسنة ولا يعفي ~~عن سيئة. # قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم. PageV18P351 # النوع الثالث من عقوباتهم قوله عز وجل: {ومأواهم جهنم} أي مصيرهم ومنزلهم، ~~ثم إنه تعالى وصفها وصف هذا المأوا فقال: {وبئس المهاد} أي بئس الفراش، ~~وأصله ما يمهد للصبي ليضطجع عليه. # قال الهادي عليه السلام: # ولم أبت في مرقد ممهد # ثم قال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} أي لا ~~يعلم فهو بمنزلة الأعمى فلا يستويان في الثواب. # قال الرازي: فهذه إشارة إلى المثل المتقدم، وهو أن العالم بالشيء ~~كالبصير، والجاهل كالأعمى، ليس أحدهما كالآخر؛ لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من ~~غير قائد فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك، وربما أفسد ما كان على ~~طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك. # قال في الكشاف: أدخلت همزة الإنكار على الفاء بعد ضرب المثل لإنكار أن ~~تقع شبهة في أن حال من علم حقيقة ما أنزل عليكم فاستجاب بمعزل عن حال ~~الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب، كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والابريز، ~~ثم قال: {إنما يتذكر أولوا الألباب} فيعلمون بمقتضى عقولهم فاستبصروا لما ~~نظروا، والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب العقول الذين يطلبون ~~من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشر لبابها ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى ~~سره ولبابه، والله أعلم. # قوله تعالى: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق} اعلم أن هذه ~~الآية هي متعلقة بما قبلها أم لا فيه قولان: # الأول: أنها متعلقة بما قبلها وعلى هذا التقدير ms1647 ففيه وجهان: # أحدهما: أنه يجوز أن يكون قوله: {الذين يوفون} صفة لأولي الألباب. # والثاني: أن يكون ذلك صفة لقوله: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق}. PageV18P352 # والقول الثاني: أن يكون قوله: {الذين يوفون بعهد الله} مبتدأ {أولئك لهم ~~عقبى الدار} خبره، كقوله: {والذين ينقضون عهد الله} {أولئك لهم اللعنة}. # واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة واحدة شرطية، وشرطها مشتمل ~~على قيود، وجزاؤها أيضا مشتمل على قيود. # أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة: # القيد الأول: قوله: {الذين يوفون بعهد الله} فيه وجوه: # الأول: قال ابن عباس: يريد الذي عاهدهم عليه، وأشهدهم على أنفسهم {ألست ~~بربكم قالوا بلى}. # والثاني: أن المراد بعهد الله كل أمر قام الدليل على صحته، وهو من وجهين: # أحدهما: الأشياء التي أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة، لا تقبل الشح ~~ولا التغيير. # والآخر: التي أقام الله عليها الدلائل السمعية، وبين لهم تلك الأحكام، ~~والحاصل أنه دخل تحت قوله: {بعهد الله} القيام بكل ما قام الدليل عليه، ~~ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة ~~والدلالة، وبين ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت ~~وجوبه، لا لمجرد اليمين لذلك، وربما يلزمه أن يحنث نفسه إذا كان ذلك خيرا، ~~فلا عهد أوكد من إلزام الله إياه ذلك، بدليل العقل أو بدليل السمع، ولا ~~يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء، كما أن الحالف على ~~أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل، ويدخل فيه الإتيان ~~بجميع المأمورات والانتهاء عن جميع المنهيات، ويدخل فيه الوفا بالعقود في ~~المعاملات، وتدخل فيه الأمانات، وهذا هو القول المختار الصحيح في تأويل الآية. # القيد الثاني: قوله: {ولا ينقضون} فيه قولان: PageV18P353 # الأول: وهو قول الأكثرين[220] أن هذا الكلام قريب من الوفا قريب من عدم نقض ~~الميثاق والعهد، وهذا مثل أن يقول إنه لما وجب وجوده امتنع عدمه، فهذان ~~المفهومان متغايران؛ لأنهما مثلا زمان، فكذلك ms1648 الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ~~ينقض الميثاق. # والقول الثاني: أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه من الأيمان بالله ~~وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والحاصل أن قوله: {الذين ~~يوفون بعهد الله} إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وقوله: {ولا ~~ينقضون الميثاق} إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع الطاعات بحسب اختيار ~~نفسه، نحو النذر بالطاعات والخيرات. # والقول الثالث: أن المراد بالوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية، ~~والمراد بالميثاق المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل، وسائر الكتب ~~الإلهية، على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند ظهوره. # واعلم أن الوفاء بالعهد أمرمستحسن في العقول والشرائع. # القيد الثالث: قوله تعالى: {والذين يصلون} بالبر والإحسان {ما أمر الله ~~به أن يوصل}. # قال في البرهان: الذي أمر الله بوصله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأئمة من ولده؛ لأن قطعهم كفر وضلال. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في الشافي: إ ~~المراد بذلك ولا آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وإنما قلنا ذلك؛ ~~لأن السعادة تثبت بثبات ولائهم عليهم السلام وتزول بزواله. PageV18P354 # فإن قيل: فهذا ثابت في المؤمنين، قلنا: ولا يثبت قائمون في ذلك بأنفسهم، ~~ولا إيمان للمؤمنين إلا بهم، وذلك ثابت فيما رويناه بالإسناد الموثوق به ~~إلى أبي ذر الغفاري رحمة الله عليه أنه قال وهو آخذ بحلقة باب الكعبة على ~~أسماع الحجيج وأعيانهم فكان ذلك سبب تواتر هذا الخبر، وأبو ذر في ذلك نازلا ~~منزل الأعداد الكثيرة لقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على صدق ~~لهجته، فدل على عصمته فيما يتعلق بثبات الإخبار: أيها الناس من عرفني فقد ~~عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ((مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ~~وهوى)) ومعلوم أن أمة نوح هلكت إلا من ركب السفينة، كذلك هذه الأمة إلا من ~~تمسك بالعترة فهم على هذا الوصل ms1649 بين العباد وربهم، فتعبدنا أتباع سلفنا ~~الصالح عليهم السلام وتعبد أهل عصرنا باتباع جماعتنا، وإجاد ولي الأمر منا، ~~وقد روينا عن بعض آبائنا عليهم السلام أنه قال في معنى قوله تعالى: {الذين ~~يقطعون ما أمر الله به أن يوصل} هم الذين لا يوجبون اتباع أهل بيت محمد ~~عليه وعليهم أفضل السلام ، وهذا معنى مستقيم على قولنا، وجميع الطاعات ~~تترتب على ما قلنا في استحقاق السعادة الدائمة، فمن وصل ما بينه وبين ربه ~~بولائهم وإتباعهم سعد بسعادة لا شقاوة بعدها، وهي السلامة من عذاب الله ~~الأكبر، والغنمية بالثواب العظيم الموفر، الذي لا ينغص ولا يكدر، وفقنا ~~الله سبحانه للاتباع، وكثر في طاعته لنا الاتباع بحقه العظيم، وصلى الله ~~على محمد وآله وسلم، انتهى. # وقيل: الآية عامة في الأرحام وسائر ما أمر الله بوصله، فإن قيل: إن ~~الوفاء بالعهد وترك نقض العهد اشتمل على وجوب الإتيان بجميع المأمورات ~~والاحتراز عن كل المبهمات، فما الفائدة في ذكر هذه القيود المذكورة بعدها؟ # فالجواب وبالله التوفيق من وجهين: PageV18P355 # الأول: أنه ذكر ذلك[221]لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين ربه، فلا جرم ~~أفرد فيما بينه وبين العباد بالذكر. # والثاني: أنه تأكيد. # القيد الرابع: قوله: {ويخشون ربهم} أي ويخشون وعيده كله. # القيد الخامس: قوله: {ويخافون سوء الحساب} أي يخافون خصوصا سوء الحساب، ~~فيحاسبون نفوسهم قبل أن يحاسبوا. # قال الرازي: واعلم أن القيد الرابع إشارة إلى الخشية من الله، وهذا القيد ~~الخامس إشارة إلى الخوف والخشية من سوء الحساب، وهذا يدل على أن المراد ~~بالخشية من الله ما ذكرناه من خوف الجلال والمهابة العظيمة، وإلا لزم ~~التكرار. # والقيد السادس: قوله: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} لا لغرض سواه، أي ~~غرض وهو عام لكل ما يصير عليه من المكاره في نفس ومال ومشاق وغيره، فيدخل ~~فيه الصبر على ثقل العبادات، والصبر على ثقل الأمراض والمضار، والغموم ~~والأحزان، والصبر على ترك المشتهيات، وبالجملة الصبر على ترك المعاصي، وعلى ~~أداء الطاعات، ثم إن الإنسان قد تقدم على الصبر لوجوه: # أحدها: ms1650 أن يصير ليقال ما أكمل صيره، وأشد قوته على تحمل النوازل. # الثاني: أن يصبر لئلا يعاب بسبب الجزع. # وثالثها: أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء. # ورابعها: أن يصبر لعلمه أنه لا فائدة في الجزع، فإن الإنسان إذا أتى ~~بالصبر لأحد هذه الوجوه لم يكن ذلك داخلا في كمال الصبر، وسعادة القلب، أما ~~إذا صبر على البلاء لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام، ~~المنزه عن العبث والباطل والسفه، لابد وأن تكون القسمة مشتملة على حكمة ~~عالية، ومصلحة راجحة. # القيد السابع: قوله: {وأقاموا الصلاة} كما فرضت. # واعلم أن الصلاة والزكاة، وإن كانا داخلين في الجملة الأولى إلا أنه ~~تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات، ولا يمنع ~~دخول النوافل أيضا. PageV18P356 # والقيد الثامن: قوله {وأنفقوا مما رزقناهم} من الحلال؛ لأن الحرام لا يكون ~~رزقا، ولا يسند إلى الله، وقوله: {سرا وعلانية} يتناول النوافل؛ لأنها في ~~السر أفضل، والفرائض لوجوب المجاهرة بها نفيا للتهمة، وقيل: السر ما يؤديه ~~بنفسه، والعلانية ما يؤديه إلى الإمام. # القيد التاسع: قوله: {ويدرءون بالحسنة السيئة} أي يدفعون بالحسنة السيئة ~~بالإحسان، وذلك من خلائق أهل الفضل والإيمان. # قال في البرهان: يعني يدفعون المنكر بالمعروف، وسفه الجهال بالحلم، ~~والمعصية بالطاعة، والذنب بالتوبة، فهذه القيود التسعة هي القيود المذكورة ~~في الشرط. # أما القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة: # القيد الأول: قوله: {أولئك لهم عقبى الدار} أي عقبى دار الدنيا وهي ~~الجنة؛ لأنها هي الدار التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها، ~~والمراد لهم عوض، وهي دار الآخرة، والعقبى عند العرب هي العوض من كل فائت، ~~قال الشاعر: # دعت الرحمن أن يعقبها ... منهم نسل غلام ففعل # أي دعت الله أن يعوضها بدل من ذهب من أولادها. # القيد الثاني: قوله: {جنات عدن} بدل أو بيان لعقبى الدار، وقرئ ~~{يدخلونها} على التاء للمفعول. # القيد الثالث: {ومن صلح من آبائهم} جمع أبوي كل واحد، كأنه قيل: من ~~آبائهم وأمهاتهم شرط الصلاح؛ لأن الأنساب إذا تجردت من الأعمال الصالحة ms1651 لم ~~تنفع، وكذلك قوله:[222] {وأزواجهم وذرياتهم} لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال ~~الصالحة. # وقال الواحدي: الصحيح ما ذكره ابن عباس؛ لأن الله جعل من ثواب المطيع ~~سروره بحضور أهله معه في الجنة. # قال: وذلك مما يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال ~~الصالحة، ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن ذلك كرامة للمطيع، ولا فائدة ~~في الوعد به، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة، انتهى كلامه. PageV18P357 # واعلم أن هذه الحجة ضعيفة جدا؛ لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده ~~سرورا وبهجة، فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر أزواجه ~~وأولاده، فلا شك أنه يعظم سرور المكلف وتقوى مهجته به برفعهم من درجتهم إلى ~~درجته، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ترفع ذرية المؤمن في درجته وإن ~~كانوا دونه لتقر عينه)) ثم تلى قوله: {واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم} ويقال: إن من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم ثم ~~في الدنيا، ثم يشركون الله على الخلاص منها، والفوز بالجنة، ولذلك قال ~~تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين، وقوله تعالى: {وأزواجهم} ليس فيه ما يدل على التمييز ~~بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى ما ذكره الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ~~فإنه قال: اعلم أن الله سبحانه يزوج عبيده من إمائه يوم القيامة بمن شاء ~~وكيف شاء، فأما من مات مؤمنا وله زوجة مؤمنة ولم تخلف بعده زوجا، فأحسب ~~والله أعلم أنها زوجته في الجنة، وكذلك لو ماتت ولم يتزوج أختها ولا من ~~يحرم عليه الجمع بينهما، فإن تزوج أختها بعدها أو عمتها أو خالتها، فإن ~~زوجته في الجنة الأخرى دون الأولى، فإن مات وتزوجت بعده فهي للزوج الآخر في الجنة. # قلت: وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((المرأة لآخر ~~أزواجها)) يعني في الجنة. # قال: والدليل على ذلك ما روى الهادي إلى الحق عليه السلام في جوابه ~~للرازي ms1652 يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن زوجة المؤمن هل ~~تكون له زوجة في الجنة إذا كانت مؤمنة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((نعم، يجمع الله بين أهل البيت إذا كانوا مؤمنين في دار ثواب المتقين)) انتهى. PageV18P358 # وما روي أيضا عن سودة أنه لما هم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطلاقها ~~قالت: يا رسول الله ذرني أحشر في جملة نسائك، كالدليل على ما ذكرناه. # القيد الرابع: قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} من أبواب الجنة ~~بالتحية والهدايا. # قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة، طولها فرسخ وعرضها فرسخ، لها ألف ~~باب، مصاريعها من ذهب يدخل عليهم من كل باب ملك يقولون لهم: {سلام عليكم ~~بما صبرتم} وفي رواية أخرى من طريق علي عليه السلام: وللغرفة سبعون ألف ~~باب، على كل باب حاجب، فتقول الملائكة: استأذنوا لنا على ولي الله، فيقول ~~الحجاب: إنه ليتعاظمنا أن نستأذن عليه إنه مع أزواجه، فيقولون: لابد لنا ~~إنا رسل الجبار إليه فيتناجون بينهم فيقولون قولوا لولي الله: الملائكة ~~تستأذن إليك فيقول: اذنوا لهم: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام ~~عليكم بما صبرتم} وقرأ: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} يعني ~~استئذان الملائكة، ذكره العنسي في الإرشاد، وقوله: {بما صبرتم} أي هذا ~~الثواب بما صبرتم، أي بسببه، فالباء متعلقة بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بسلام ~~أي سلام عليكم بسبب صبركم، يعني بما صبرتم من ملازمة الطاعة بمفارقة ~~المعصية {فنعم عقبى الدار} أي فنعم عاقبة الدار[223] التي عملتم فيها ~~الجنة، وما أعقبكم فيها أي هي أحسن العواقب. PageV18P359 # واعلم أن دخول الملائكة فيه مرتبة عظيمة، وذلك لأنه تعالى أخبر عن هؤلاء ~~المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد، ويجتمع بهم آباؤهم وأزواجهم وذرياتهم على ~~أحسن الوجوه، ثم إن الملائكة مع جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية ~~والإكرام، ثم عند الدخول يكرمونهم بالتحية والسلام، ويبشرونهم بقولهم فنعم ~~عقبى الدار، ولا شك أن هذا غير ما ذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة ms1653 ~~دائمة، مقرونة بالإجلال والتعظيم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء رأس كل ~~حول فيقول: ((السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)). # واعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء، وذكر ما يترتب عليها من أحوال ~~الشرف العالية، أتبعها بذكر أحوال الأشقياء، وذكر ما يترتب عليها من ~~الأحوال المخزية المكربة، فأتبع الوعد بالوعيد، والثواب بالعقاب، ليكون ~~البيان كاملا، فقال: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} أي بعد ما ~~أوثقوه من الاعتراف والقبول، أو أن عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل ~~العقلية والسمعية كما تقدم؛ لأنها أوكد من كل عهد، وكل يمين، إذ اليمين ~~إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفا بمقتضاها، ~~والمراد من بعد هذه العهود، أن لا ينظر المرء في الأدلة الدلائل أصلا، ~~فحينئذ لا يكو العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها، ويعلم صحتها ثم يعاند فلا ~~يعمل بعلمه، أو بأن ينظر في الشبهة فيعتقد خلاف الحق. # قال الرازي: وقوله من بعد ميثاقه أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة ~~وأحكمها؛ لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أنه ينفع فعله ويضر تركه. # قال: فإن قيل: فإذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما الفائدة في ~~اشتراطه تعالى بقوله من بعد ميثاقه؟ PageV18P360 # قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد مفارقة من تمكن من معرفته ما كلف ممن لم ~~يتمكن، ولا يمتنع أن يكون المراد الأدلة المؤكدة؛ لأنه تعالى يؤكد الدليل ~~بدلائل أخرى، سواء كانت تلك المؤكدات دلائل عقلية أو سمعية، ثم قال تعالى: ~~{ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} وذلك في مقابله قوله من قبل: {والذين ~~يصلون ما أمر الله به أن يوصل} فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك ~~الوصل، والمراد به قطع ما أوجب الله وصله، ويدخل فيه الرسول وأهل بيته ~~بالموالاة والمعاونة، ووصل الأرحام ووصل سائر من له حق. # قال الإمام أبو الفتح الديلمي عليه السلام: ويقطعون ما أمر الله ms1654 به أن ~~يوصل هم الذين لا يوجبون محبة آل محمد صلوات الله عليهم ، وينكرون فضلهم، ~~وهذا قول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام وغيره، وقد ~~أوصى صلى الله عليه وآله وسلم أمته في غير موقف أن يصلوا عترته ولا ~~يقطعونهم، حتى نظم ذلك بعض الشعراء فقال: # وقال لا تقطعوا عترتي فوا ... صلهم لي كالموصلي # ثم قال عز وجل: {ويفسدون في الأرض} وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين ~~الله، وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال، وتخريب البلاد، ثم إنه تعالى ~~بعد ذكر هذه الصفات، قال: {أولئك لهم اللعنة} واللعنة من الله الإبعاد من ~~رحمته من خير الدنيا والآخرة إلى ضدها من عذاب الله ونقمه {ولهم سوء الدار} ~~أي سوء عاقبة دار الدنيا، أو يراد بالدار جهنم، وسؤها عذابها؛ لأنه ليس ~~فيها إلا ما يسوء الصائر إليها[224] والأول أظهر، والله أعلم. PageV18P361 # واعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد الله في قبول التوحيد والنبوة ~~بأنهم ملعونون في الدنيا معذبون في الآخرة فكأنه قيل: لو كانوا أعدا الله ~~لما فتح عليهم أبواب النعم، واللذات في الدنيا، فأجاب عنه عز وجل بقوله: ~~{الله يبسط الرزق لمن يشاء} على حسب المصلحة {ويقدر} أي يضيق، هو الذي بسط ~~رزق أهل مكة ووسعه عليهم، ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان، فقد يوجد الكافر ~~موسعا عليه دون المؤمن، ويوجد المؤمن مضيقا عليه دون الكافر، فالدنيا دار ~~امتحان. # وأما قوله: {وفرحوا بالحياة الدنيا} فهو راجع إلى من بسط له الرزق، أي ~~فرح أهل مكة بما بسط لهم فرح بطر وأشر، لا فرح سرور بفضل الله ومقابلة له ~~بالشكر، وأخبر تعالى أن ذلك لا يوجب الفرح بقوله: {وما الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا متاع} لأن الحياة العاجلة بالنسبة إلى الآخرة كالحقير القليل، ~~يمتنع به كما يتعجله الراكب من تمرات أو سويق أو نحو ذلك. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى إلا متاع أي ما هي مع الآخرة ~~إلا متاع، إذا ذكرت معها فقامت في مقام ms1655 مع، ومعنى متاع أي بلغة ومتعة إلى ~~حين الموت، ولا سلامة لأحد فيها من الموت، وكل شيء بلغ المحل قبل متع صاحبه ~~إلى موضع كذا وكذا. # واعلم أنه لم يعتد أهل مكة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الآيات الباهرة، وكفى بالقرآن وحده، طالبوه بالآيات القاهرة كما حكى الله ~~عنهم: {ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه}. PageV18P362 # أعلم أن الكفار قالوا: يا محمد إن كنت رسولا فاتنا بمعجزات قاهرة ظاهرة، ~~مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام ، وأجاب عن هذا السؤال بقوله: {قل} يا ~~محمد {إن الله يضل} أي يخذل {من يشاء} ممن هو على صفتكم في التصميم في ~~الكفر والعناد، فلا طريق إلى اهتدائهم، وإن نزلت كل آية، والمعنى أن الآيات ~~المتكاثرة الباهرة قد أوتيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا ~~جحدوها ولم يعتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعا للتعجب ~~والاستنكار مكانه، قيل لهم: ما أعظم عنادكم إن الله يضل من يشاء ممن كان ~~على صفتكم {ويهدي إليه من أناب} أي أقبل على الحق ورجع إليه ممن كان على ~~خلاف صفتكم في قبول الهداية، قوله تعالى: {الذين آمنوا} بدل من أناب أو ~~بيان {وتطمئن قلوبهم} أي تسكن {بذكر الله} أي بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق ~~من خشيته، أو تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته والقرآن؛ لأنه معجزة ~~نبيه فتسكن القلوب ويثبت اليقين فيها {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} أي قلوب ~~المؤمنين، قوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} مبتدأ، خبره {طوبى لهم وحسن ~~مآب} في معنى طوبى ثلاثة أقوال: # الأول: قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى طوبى بهم أي سرور لهم، ~~والطوبى هو السرور، وطيب الحياة والحبور، قال الشاعر: # فيا طوبى لمن قتلت يداك # يريد يا سرور من قتله هواك، وحسن المآب هو المرجع والمصير. # الثاني: أنها شجرة في الجنة. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((طوبى شجرة غرسها ~~الله تعالى بيده تنبت ms1656 الحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة)) ~~وحكى الأصم: أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي دار ~~كل مؤمن منها غصن. PageV18P363 # والثالث: وهو قول أهل اللغة طوبى مصدر من طاب كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك ~~أصبت خيرا وطيبا، واللام في لهم[225]بيان لمن نسب إليه الطيب، ثم اختلفوا ~~فقيل: فرح وقرة عين لهم عن ابن عباس، وقيل: نعم مالهم عن عكرمة، وقيل: غبطة ~~لهم عن الضحاك، وقيل: حسنى لهم عن قتادة، وقيل: خير لكم وكرامة عن الأصم، ~~وقيل: العيش الطيب لهم عن الزجاج. # واعلم أن المعاني متقاربة، والتفاوت يقرب أن يكون في اللفظ، والحاصل أنه ~~مبالغة في نيل الطيبات، ويدخل فيه جميع اللذات، والمعنى أن أطيب الأشياء في ~~كل الأمور حاصل لهم، وكل ذلك وعد من الله بأعظم النعم ترغيبا في طاعته، ~~وتحذيرا عن معصيته، ثم قال تعالى: {كذلك أرسلناك}. # اعلم أن الكاف في قوله كذلك للتشبيه، قيل: وجه التشبيه أرسلناك كما ~~أرسلنا إلى الأمم، وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم، كذلك أعطيناك هذا الكتاب ~~وأنت تتلوه عليهم، فلماذا اقترحوا غيره. # وفي الكشاف: وكذلك أرسلناك أي مثل ما أرسلنا الأنبياء قبلك، أرسلناك ~~إرسالا له فضل على سائر الإرسالات، ثم فسر كيف أرسله فقال: {في أمة قد خلت ~~من قبلها أمم} كثيرة {لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك} وهو القرآن {وهم ~~يكفرون بالرحمن} أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون بالتبليغ، الرحمة الذي وسعت ~~رحمته كل شيء، الذي ما بهم من نعمة فمنه فكفروا بنعمته في إرسال مثلك ~~إليهم، انتهى. PageV18P364 # وقيل: يريد وهم ينكرون اسم الرحمن، نزلت في عبد الله بن أمية المخزومي ~~وأصحابه لما نزل قوله: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان} قالوا: ما نعرف ~~الرحمن إلى صاحب اليمامة يعنون مسيلمة، وقيل: نزلت في قريش يوم الحديبية ~~حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام يكتب الكتاب ~~بينه وبينهم فقال: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) فقالوا: ما ندري ما ~~الرحمن، وما نكتب إلا باسمك اللهم، فأنزل ms1657 الله وهم يكفرون بالرحمان {قل هو ~~ربي لا إله إلا هو} بمعنى أنه إله واحد، وإن اختلفت أسماؤه، وقال صلوات ~~الله عليه وآله وسلم: ((اكتب كما يريدون)) {عليه توكلت} في نصرتي عليكم ~~{وإليه متاب} أي إليه مرجعي في الآخرة فيثيبني على مخالفتكم، ومعنى إليه ~~متاب أي مرجع ومآب، قال الشاعر: # إن لله دره حين تابا PageV18P365 أي حين رجع، قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} عن مقارها {أو قطعت ~~به الأرض} حتى تتقطع وتتزايل قطعا {أو كلم به الموتى} فيسمع ويجيب لكان هذا ~~القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار، وهذا من الاختصار وما ~~يستعمله العربي بينها من الإضمار من حذف جواب لو مجازا لما في ظاهر الكلام ~~من الدلالة على مضمرة المحذوف، ويحتمل وجها آخر، وهو لوا أن قرآنا سيرت به ~~الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى لما انتفع به المشركون، ولما ~~قبله أعداء الله الكافرون، العماة عن الله المكابرون، ومما يؤيد الوجه ~~الأول هو قول الهادي عليه السلام فإنما يريد لو أنا جعلنا قرآنا تسير به ~~الجبال المرسية، أو تقطع به الأرض المدحوة، أو تنطق به الجثث الفانية، ~~والممزقة في الأجداث البالية، لكان هذا القرآن الذي أنزله الرحمن على محمد ~~المصطفى وأمينه المرتضى، فطرح سبحانه لكان هذا القرآن لعلمه يفهم المخاطبين ~~بما نزل من القرآن المبين، إذ كان ذلك في لغة العرب الذي نزل عليها، وجعل ~~وحيا باقيا أبدا فيها، وشأن العرب أبدا الاختصار فيما تنصه وتذكره من ~~الأخبار، ومثل هذا وشبهه فموجود في كتاب الله ووحيه، من ذلك قوله: {وأشربوا ~~في قلوبهم العجل} فقال العجل والعجل فالقلوب لا تشربه، وإنما أراد ~~سبحانه[226] إجلاله وحبه، أراد وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فطرح حب ~~للاختصار وعلم المخاطب، وأثبت العجل، وقال في ذلك الشاعر: # ألا إني سقيت أسود حالكا # ألا يحلى من الشراب ألا يحلى PageV18P366 فقال: سقيت أسود حالكا، والأسود لا يشرب، وإنما أراد سقيت سم أسود حالكا، ~~وهذا وكثير في اللسان موجود في اللغة ms1658 والبيان، وفي غير ذلك ما نزل الله من ~~القرآن، وعلى ذلك يخرج قول الله أو كلم به الموتى، ثم ابتدأ فأخبر فقال: ~~{بل لله الأمر جميعا} في كل الأشياء إظهارا منه لقدرته، واحتجاجا على ~~بريته، وتثبيتا فيهم لحجته، انتهى. # قال في البرهان: وسبب ذلك ما روينا أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: إن سرك أن نتبعك سير جبالنا تتسع لنا أرضا فإنها ~~ضيقة، وقرب لنا الشام فإنا نتجر إليها، واخرج لنا الموتى من القبور نكلمهم، ~~فأنزل الله تعالى: {ولو أن قرآنا} الآية، ومعنى قوله: {بل لله الأمر جميعا} ~~على معنين: # أحدهما: بل لله القدرة على كل شيء، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها، ~~إلا أن علمه بأن إظهارها مفسدة يصرفه. # والثاني: بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الإلجاء، إلا أنه ~~بنى أمر التكليف على الاختيار، ويعضده قوله: {أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو ~~يشاء الله} مشيئة إلجاء {لهدى الناس جميعا} من غير ظهور الآيات أن لو شاء ~~الله تآمنوا، أي آمنوا بأن لو يشاء الله، ومعنى أفلم ييئس، ألم يعلم، قيل: ~~هي لغة قوم من.......... # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أفلم ييئس الذين آمنوا يريد تعالى ~~التقرير لهم، أي لم يوقن الذين آمنوا، واليأس هاهنا هو اليقين، قال الشاعر: # ألم ييئس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن دار العشيرة نائيا # أي لم يوقنوا، وقال آخر: # أقول لهم بالشعب إذ تأسرونني ... ألم تيئسوا أني حريث بن جابر # وقيل: إنما استعمل اليأس عن الشيء عالم بأنه لا يكون كما استعمل الرجا في ~~معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك ليضمن ذلك. PageV18P367 # وقال في البرهان: أفلم ييئس الذين آمنوا بانقطاع طمعهم مما سأله المشركون، ~~ثم قال: {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة} في الآية وجهان: # الأول: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم ~~قارعة، أي داهية تقرعهم بما يحل من الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا ms1659 ~~والمصائب في نفوسهم، وأموالهم وأولادهم {أو تحل} القارعة {قريبا من دارهم} ~~فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، وتتعدا إليهم شرورها {حتى يأتي وعد ~~الله} وهو موتهم أو القيامة. # والثاني: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من العداوة والتكذيب قارعة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم، ~~أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم يجتبيك كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد ~~الله وهو فتح مكة، وكان الله عز وجل قد وعده ذلك ثم قال: {إن الله لا يخلف ~~الميعاد}الذي أوعدهم[227] من فتح مكة وغيره، والغرض منه تقوية قلب الرسول ~~وإزالة الخوف عنه، والله أعلم. # واعلم أن القوم لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك ~~الكلمات، فقال الله عز وجل: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} تسلية له صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتصبرا له على سفاهة قومه واستهزائهم به، ووعيد لهم، فقال: ~~إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كما أن قومك يستهزؤون بك {فأمليت للذين ~~كفروا} أي أطلت المدة وأمهلتهم بتأخير العقوبة ليتوبوا ولتتم الحجة عليهم ~~{ثم أخذتهم} بالعقوبة لما أصروا {فكيف كان عقاب} أي: كيف رأيت ما صنعت بمن ~~استهزء برسلي، وكيف كان عقابي، وهذا هو التوقيف لهم كما قال الشاعر: PageV18P368 # كيف رأيت في الحروب محضرا # كذلك أصنع بأهل مكة، فإني سأنتقم منهم كما انتقمت من أولئك المتقدمين ~~والإملاء لهم، وأن تترك ملأوه من الزمان في أمن وخفض كالبهيمة يملى لها في ~~المرعى، قال الهادي عليه السلام: # وأملا لأهل الكفر في نار أحمد # لتأخذهم يوم القيامة بالوزر # وهذا الوعيد جواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى ~~الحجاج، وما يكون توبيخا وتعجيبا لهم من عقولهم فقال: {أفمن هو قائم} ms1660 رقيب ~~{على كل نفس} صالحة أو طالحة {بما كسبت} فيعلم خير كسبها وشره فيعد لكل جزاء. # واعلم أنه لابد لهذا الكلام من الجواب، فقال الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام: هذا فيه تقرير، وفيه اختصار وضمير، وفيه زيادة ألف، فأما قوله: ~~أفمن فالألف زيادة يشبه الاستفهام، وهي صلة وزينة للكلام، والمعنى أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت، يريد من هو غير الله على سبيل الإفهام، والتوقيف ~~والتقرير لهم بذلك، والتعريف، انتهى. # والمعنى أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا ~~تنفع، وهذا احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، ويجوز أن يقدر ما يقع خبرا ~~للمبتدأ، ويعطف عليه {وجعلوا لله شركاء} وتمثيله أفمن هو بهذه الصفة لم ~~يوحدوه وجعلوا له شركاء. # واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الاحتجاج فقال: {قل سموهم} له ~~ونبؤه بأسمائهم، ومن هم، وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في ~~الحقارة أن لا يذكر ولا يوضع له اسم، ثم قال: {أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض}. PageV18P369 # قال في الكشاف: على أن أم المتقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد أم هو أقل من ~~أن يعرف، ومعناه بل أثبتوه بشركاء لا يعلمهم في الأرض، وهو العالم بما في ~~السماوات والأرض، فإذا لم يعلمم علم على أنهم ليسوا بشيء يتعلق به العلم، ~~والمراد نفي أن يكون له شركاء، وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن ~~له شريك البتة؛ لأنهم ادعوا لهم شركاء في الأرض لا في غيرها {أم بظاهر من ~~القول} يعني يموهون بإظهار قول لا حقيقة له، أي قل أتسمونهم شركاء بظاهر من ~~القول، من غير أن يكون لذلك حقيقة[228] كقوله: {ذلك قولهم بأفواههم}. # قال في الكشاف: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على ~~نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين، وقرئ أتنبؤنه بالتخفيف، ثم إنه تعالى نبه بعد هذا ~~الحجاج على سوء ms1661 طريقتهم فقال على وجه التحقير والذم لما هم عليه {بل زين ~~للذين كفروا مكرهم} كيدهم للإسلام بشركهم، ومعنى بل هاهنا للاضراب، كأنه ~~يقول دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه؛ لأنه زين لهم مكرهم فلا ينتفعون ~~بذكر هذه الدلائل. # واعلم أنه لا شبهة أنه تعالى إنما ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به، وإذا كان ~~كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو الله، بل لابد وأن يكون إما شياطين الجن ~~أو الإنس. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: زينه لهم شياطينهم وكبرائهم من ~~الكفار وإخوانهم {وصدوا عن السبيل} أي منعوا غيرهم عن طريق الحق، أو صدوا ~~أي أعرضوا عنه من الصدود، والأول من الصد. # قال الهادي عليه السلام: # وذابلة الرماح تغل فيهم # إذا صد الحميم عن الحميم # أي أعرض وأدبر الحميم عن حميمه وصاحبه. PageV18P370 # وأما قوله تعالى: {ومن يضلل الله} فمعناه يخذله لعلمه أنه لا يقبل الهدى ~~واللطف {فما له من هاد} يقدر على هدايته، أو يحكم بذلك عليه، أو يسميه ضالا ~~لما ضل، كما قال الشاعر: # ما زال يهدي قومه ويضلنا ... جهرا وينسبنا إلى الفجار # واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين ~~عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق بقوله عز وجل: {لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا} بالقتل والأسر وسائر المحن، عقوبة على الكفر {ولعذاب الآخرة ~~أشق} أي أتعب وأحق، وهذا مأخوذ من المشقة، ثم بين بقوله: {وما لهم من الله ~~من واق} أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله ويمنعه، دلت الآية على ~~عدم العوض للعصاة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا وفي الآخرة أتبعه بذكر ~~ثواب المتقين، فقال: {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي صفتها التي هي في ~~غرابة المثل. # قال في الكشاف: وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي ~~فيما قصصنا عليك مثل الجنة. # وقال غيره: الخبر {تجري من تحتها الأنهار} كما تقول صفة زيد أسمر. # وقال الزجاج: مثل الجنة جنة تجري ms1662 من تحتها الأنهار على حذف الموصوف ~~تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد تعالى مثل الجنة، أي صفة الجنة ~~أن فيها الأنهار والأكل الدائم، والظل، وإنما الأصل في الأمثال أنها صفات ~~في المقال، قال الله عز وجل: {ولله المثل الأعلى} وليس لله مثل، وإنما أراد ~~وله الصفة العلياء، فافهم أصل ضرب الأمثال، أو التوصل إلى الصفات بالمقال، انتهى. # واعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث: # أولها: تجري من تحتها الأنهار. PageV18P371 # وثانيها: {أكلها دائم} أي ثمرها لا ينقطع، ولذتها في الأفواه باقية، ~~والمعنى أن جنات الدنيا لا يدوم ورقها وثمرها ومنافعها، أما جنان الآخرة ~~فثمارها دائمة غير منقطعة. # وثالثها: قوله: {وظلها} أي دائم، لا تنسخه الشمس كظلال الدنيا، ثم إنه ~~تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث، بين أن ذلك عاقبة أهل الدنيا، ~~فقال: {تلك عقبى الذين اتقوا} ربهم في الجنة {وعقبى الكافرين ~~النار}[229]وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن ~~الشوب، موصوفة بصفة الدوام، ثم قال تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب} في أن ~~المراد بالكتاب قولان: # أحدهما: أنه التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كابن سلام، ~~وكعب وأصحابهما، ومن النصارى وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران واثنان وثلاثون ~~بأرض الحبشة، وإنما قال: {يفرحون بما أنزل إليك} لأنهم آمنوا به وصدقوه، ~~وقيل: لأنهم لما أسلموا ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في ~~التوراة، فأنزل الله: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} ففرحوا بذلك وكفر به ~~المشركون، وقالوا ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، فنزلت هذه، والمراد من قوله: ~~{ومن الأحزاب من ينكر بعضه} أي ومن أحزاب الكفرة الذين تحزبوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد ~~والعاقب، أسقفي نجران وأشياعهما. # وأما قوله: من ينكر بعضه فكانوا لا ينكرون لا الأقاصيص وبعض الأحكام مما ~~في كتبهم غير محرف، وينكرون نعت الإسلام ونعته صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وما حرفوه من الشرائع. PageV18P372 # والقول الثاني: أن المراد ms1663 بالكتاب القرآن، والمراد أن أهل القرآن يفرحون ~~بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل، والنبوة والبعث، والأحكام ~~والقصص، ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار من ينكر ~~بعضه، وهذا قول الحسن وقتادة. # فإن قيل: الأحزاب ينكرون كل القرآن، قلنا: الأحزاب لا ينكرون كل ما في ~~القرآن؛ لأنه ورد فيه إثبات علمه وقدرته، وحكمته، وأقاصيص الأنبياء ~~والأحزاب، ما كانوا ينكرون كل هذه الأشياء. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وذلك أنهم لم ينكروا تعظيم الله ~~وإجلاله، ولم ينكروا ويجحدوا رسله، فليس تراهم أقروا ببعضه، وإنما أنكروا ~~نبوة محمد وأنكروا إخلاص العبادة لله وحده، وأنكروا أشياء من القرآن عتوا ~~عن إلههم، وتكبرا عن طلب البيان، وبغضا وحسدا لنبيهم، واتباعا لأهوائهم ~~وغيرهم، انتهى. # ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ ~~والمعاد في ألفاظ قليلة، فقال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {قل إنما ~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} أي وأنتم قد أشركتم بالله؛ لأن إنكاركم ~~لبعض المنزل إنكار لعبادة الله وتوحيده، فانظروا ماذا تنكرون، مع إدعائكم ~~وجوب عبادة الله، ولا يشرك به. # قال الرازي: وهذا الكلام جامع لكل ما ورد التكليف به، وفيه فوائد: # أولها: أن كلمة إنما للحصر، ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله، وذلك ~~يدل على أنه لا تكليف، ولا أمر ولا نهي إلا بذلك. # وثانيها: أن العبادة غاية التعظيم، وذلك يدل على أن المرء مكلف بذلك. # وثالثها: أن عبادة الله لا تمكن إلا بعد تحصيل معرفته، ولا سبيل إلا ~~معرفته إلا بالدليل، فهذا يدل على أن المرء مكلف بالنظر والاستدلال في ~~معرفة ذات القرآن، وفي صفاته، وما يجب وما يجوز ويستحيل عليه. # ورابعها: أن عبادة الله تعالى واجبة وهو يبطل قول نفاه التكليف، ويبطل ~~القول بالخبر. PageV18P373 # وخامسها: قوله: {ولا أشرك به} وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد ~~بالكلية، ويدخل فيه إبطال قول من أثبت سوى الله تعالى، سواء قال إن ذلك ~~المعبود[230] هو الشمس والقمر والكواكب ms1664 والأصنام والأوثان، والأرواح ~~العلوية، أو يزدهان وأهرمن على ما يقوله المجوس، أو النور والظلمة على ما ~~تقوله الثنوبة. # وسادسها: قوله: {إليه أدعو} أي إليه خصوصا لا إلى غيره، ادعوا إلى توحيده ~~وعبادته، والمراد أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادة فكذلك يجب عليه ~~الدعوة إلى عبادة الله تعالى، وهو إشارة إلى نبوته، وقوله: {وإليه مآب} أي ~~خصوصا إليه مرجعي، وهو إشارة إلى الحشر والنشر، والبعث والقيامة، فإذا تأمل ~~الإنسان هذه الألفاظ القليلة، ووقف عليها عرف أنها محبوبة على جميع المطالب ~~المعتبرة في الدين، ثم قال تعالى: {وكذلك أنزلناه} أي ومثل ذلك الإنزال ~~البليغ أنزلناه مأمورا فيه بالتوحيد لله وعبادته، والدعوة إلى دينه، ~~والكناية في قوله: أنزلنا تعود إلى ما في قوله يفرحون بما أنزل إليك يعني ~~القرآن، وقوله: {حكما عربيا} فيه وجوه: # الأول: حكمة عربية مترجمة بلسان العرب. # الثاني: أن القرآن مشتمل على أقسام التكليف، والحكم لا يمكن إلا بالقرآن، ~~فلما كان القرآن سببا للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. # الثالث: أنه تعالى حكم على جميع المكلفين قبول القرآن، والعمل به فيما ~~حكم على الخلق وجوب قبوله جعله حكما. # واعلم أن قوله حكما عربيا نصب على الحال، والمعنى أنزلناه حال كونه حكما ~~عربيا، وأما قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم} ~~بالبراهين القاطعة...........إلا أهواء وشبهة {ما لك من الله من ولي} ينصرك ~~{ولا واق} دافع. PageV18P374 # فقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمراد سواه من الأنام، فقس على هذا ما أشبهه من الكلام مما لايليق ~~برسول ذي الجلال والإكرام، انتهى. # قال ابن عباس: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد أمته، أو ~~الغرض منه بعث الرسول على القيام بحق الرسالة، وتحذيره من خلافها، وتظمن ~~ذلك أن يحذر جميع المكلفين؛ لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم ~~بذلك أحق وأولى، وقيل: روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده ~~الله على متابعتهم في تلك المذاهب، ms1665 ومثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله عنها. # واعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته. # فالشبهة الأولى: قولهم ما لهذا الرسول لا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ~~وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى. # والشبهة الثانية: قولهم الرسول الذي أرسله الله إلى الخلق لابد وأن يكون ~~من جنس الملائكة، كما حكى الله عنهم في قوله: {لو ما تأتينا بالملائكة} ~~وقوله: {لولا أنزل عليه ملك} فأجاب الله عنه بقوله: {ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك} أي بشرا يتوالدون {وجعلنا لهم أزواجا وذرية} يعني أن الأنبياء الذين ~~كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة، فإذا جاز ذلك في حقهم ~~فلم لا يجوز مثله أيضا في حقه. PageV18P375 # الشبهة الثالثة: عابوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة الزوجات، ~~وقالوا لوا كان رسولا من عند الله لما كان مشتغلا بأمر النسوان، بل كان ~~معرضا عنهن، مشتغلا بالزهد والنسك، فأجاب الله عنه بقوله: {ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة ~~امرأة، وسبعمائة سرية[231] ولداود مائة سرية، وبالجملة هذا الكلام يصلح أن ~~يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة، ويصلح أيضا أن يكون جوابا عن هذه الشبهة، ~~فهذا ردا من الله على أوباش وسفل من المشركين، قالوا: وكيف يكون محمدا نبيا ~~وهو يأكل ويشرب ويفعل كما نفعل. # والشبهة الرابعة: قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه ~~من المعجزات أتى به ولم يتوقف، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ~~فأجاب الله عنه بقوله: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} أي لم ~~يكن ليقدر على أن يأتي قومه بآية من نفسه، وإنما هذا القرآن من الله لنبيه ~~يوحيه إليه وينزله، ولو كان ذلك من رسول الله لما قدر صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يأتي بأقل قليلة، ولما تهيأ له ولا حصل من قوله وتقريره أن المعجزة ~~الواحدة كافية في إزالة العذر ms1666 والعلة في إظهار الحجة البينة، وأما الزائد ~~عليها فمعوض إلى مشيئة الله، إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. PageV18P376 # الشبهة الخامسة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يخوفهم نزول العذاب، ~~وظهور النصرة له ولقومه، ثم أن ذلك الموعود كان تأخر، فلما لم يشاهدوا تلك ~~الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته، وقالوا لو كان نبيا صادقا لما ظهر ~~كذبه، فأجاب الله عنه بقوله: {لكل أجل كتاب} يعني نزول العذاب على الكفار، ~~وظهور الفتح والنصرة للأولياء، قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة، ~~ولكل حادث وقت معين، ولكل أجل كتاب، فمن حصول ذلك الوقت لا يحدث ذلك ~~الحادث، فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا. # قال في البرهان: وقيل إن مشركي قريش سألوه آيات قد تقدم ذكرها، فأنزل ~~الله تعالى ذلك فيه لكل أجل كتاب نزل من السماء أجل، وهو في المقدم ~~والمؤخر. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والأجل هو الوقت والفترة من الفترات ~~فيما بين الأفاضل من الرسل، ومعنى الكتاب أن لكل وقت من أوقات الرسل كتابا ~~وكلاما من عند الله وخطابا، فكان في وقت موسى عليه السلام التوراة، وفي وقت ~~داود الزبور، وفي وقت عيسى الإنجيل، وفي وقت محمد هذا الكتاب، فكل هؤلاء ~~الرسل صلوات الله عليهم قد أنزل الله كتبه في الأوقات إليهم، انتهى. # الشبهة السادسة: قالوا لو كان صادقا في دعوى الرسالة لما نسخ الأحكام، ~~والتي نص على ثبوتها في الشرائع الحقة نحو التوراة والإنجيل، لكنه نسخها ~~وحرفها نحو تحريف القبلة، ونسخ أحكام التوراة، فوجب أن لا يكون نبيا، فأجاب ~~الله عنه سبحانه بقوله: {يمحوا الله ما يشاء} أي ينسخ ما يشاء من أحكام ~~كتابه {ويثبت} ما يشاء منها فلا ينسخه {وعنده أم الكتاب} يعني علم الله ~~سبحانه بما خلق وما هو خالق، انتهى. PageV18P377 # وعن محمد بن علي الباقر قال: حدثني أبي عن جدي علي رضي الله عنه قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى: يمح الله ما يشاء ms1667 ويثبت ~~وعنده أم الكتاب؟ فقال: ((لا يغرنك بها يا علي فسرتها أمتي من بعدي الصدقة ~~على وجهها، واصطناع المعروف، وصلة الرحم، وبر الوالدين، تحول الشقاء سعادة، ~~وتزيد في العمر، وتقي مصارع السوء)) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وتثبت ~~ساكنة التاء خفيفة التاء من أثبت يثبت، والباقون بفتح الباء وتشديد الياء ~~من التثبت، وحجة من خفف أن ضد المحو الاثبات، ولأن التشديد للتكثير[232] ~~وليس القصد بالمحو التكثير، فكذلك قد يكون في مقابلته ومن شدد احتج بقوله: ~~{وأشد تثبيتا} وقوله: {فثبتوا} ثم قال تعالى: {وإن ما نرينك بعض الذي ~~نعدهم} أي من العقاب كيف ما دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من ~~إنزال العذاب عليهم {أو نتوفينك} قبل ذلك {فإنما عليك البلاغ} أي الواجب ~~عليك إلا تبليغ أحكام الله وإيصالها إليهم، والاحتجاج بالقرآن عليهم، ~~والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالبراح والأداء {وعلينا الحساب} لا عليك ~~حسابهم وجزاهم على أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم لا تستعجل بعذابهم. # واعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأنه يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك ~~أخبر أن آثار تلك المواعد وعلاماتها قد ظهرت وقويت، فقال: {أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ~~ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا بانتقاص أحوال الكفرة، وازدياد قوة ~~المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله ينجز وعده، ونظيره قوله ~~تعالى: {أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون} وقوله: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق}. PageV18P378 # والقول الثاني: وهو الذي في البرهان وهو منقول أيضا عن ابن عباس أن قوله ~~ننقصها من أطرافها المراد منه موت أشرافها، وكبرائها وعلمائها، وذهاب ~~الصلحاء والأخيار. # قال الواحدي: وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا الموضع هو ~~الوجه الأول. # قال الرازي: ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لائق بهذا الموضع، وتقريره أن ~~يقال: أو لم تروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة، وموت ~~بعد حياة، وذل بعد عز، ونقض بعد كمال، وإذا كانت ms1668 هذه التغيرات مشاهدة ~~محسوسة فما الذي يؤمنهم أن يغلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ~~ذليلين بعد أن كانوا عزيزين، ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين. # وعلى هذا الوجه يحسن اتصال هذا الكلام بمال قبله. # والثالث: ننقصها من أطرافها بموت أهلها، وتخريب بلادهم وديارهم، فهؤلاء ~~الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع، ومثل هذا ذكر الحسين ~~بن القاسم عليه السلام . # وعن علي عليه السلام أن المراد بالنقص ما يهلك الله من القرون، وقيل: طرف ~~الرجل في اللغة هما الولد والوالد، فالله عز وجل ينقص الولد مرة والوالد ~~أخرى حتى ينقرض الجميع بالفناء، قال الشاعر: # فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح # فسمى الوالدين أطرافا لما ذكرنا، ثم قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى: {والله ~~يحكم لا معقب لحكمه} المعقب الذي يكر على الشيء فيبطل، ومنه قيل لصاحب الحق ~~معقب؛ لأنه يقفي غريمه بالاقتصاء والطلب، قال لبيد: # حتى يهجر في الرواح وهاجها # طلب المعقب حقه المظلوم # والمعنى لا يعقب حكمه شيء من الراد والابطال، أي لا راد لحكمه، وقد حكم ~~الإسلام بالغلبة، وعلى الكفر بالإدبار، وهي جملة خالية كأنه قيل: والله ~~يحكم نافذا حكمه، ثم قال: {وهو سريع الحساب} فعما قليل يحاسبهم في الآخرة ~~بعد عذاب الدنيا. PageV18P379 # وقال ابن عباس: يريد سريع الانتقام، يعني أن حسابه[233] للمجازاة بالخير ~~والشر يكون سريعا قريبا لا يدافعه دافع، وأما قوله: {وقد مكر الذين من ~~قبلهم} يعني أن كفار الأمم الماضية قد مكروا بأنبيائهم، مثل نمرود مكر ~~بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى، واليهود بعيسى، ثم قال {فلله المكر جميعا} أي ~~عنده مكرهم جميعا، فقامت اللام الزائدة مقام عند، ومعناه أن مكرهم كلا مكر، ~~بالإضافة إلى مكر الله؛ لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاها فهو ~~المكر كله، بدليل قوله: {يعلم ما تكسب كل نفس} من المكر والخير، وهذا تفسير ~~مكره أي فهو يأتيهم من حيث لا يشعرون، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد، فقال: ~~{وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} ms1669 أي دار الدنيا أي سيعلم جميع الكفار لمن ~~عرض الدار، كقوله: {إن الإنسان لفي خسر} والمعنى أنهم وإن كانوا جهالا ~~بالعواقب فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة وهي الجنة، وقيل المراد المستهزئين ~~وهم خمسة، والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون، وهو قول عطاء، وقيل: يريد أبا ~~جهل، والقول الأول هو الصواب، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند الله فقال: ~~{ويقول الذين كفروا لست} يا محمد {مرسلا} غير ملتفتين إلى ما أتيت به من ~~الآيات التي واحدة منها تكفي في تصديقك، ثم إنه احتج عليهم بأمرين: # الأول: شهادة الله على نبوته بقوله سبحانه: {قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم} والمراد من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه ~~صادقا في ادعاء الرسالة، وهو أعلى مراتب الشهادة؛ لأن الشهادة قول يقيد ~~عليه الظن بأن الأمر كذلك، والقول فعل مخصوص. # أما المعجزة فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند الله، فكان ~~إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة. PageV18P380 # والثاني: قوله: {ومن عنده علم الكتاب}من الملائكة المقربين، والأنبياء ~~الصادقين، وأمير المؤمنين، وجميع الأئمة الطاهرين، وجميع أتباعهم من ~~المؤمنين فهم على صدق رسول الله شاهدون، ولما أتى به من الحق المبين وما ~~دله على الله من اليقين وشهادة الأنبياء على نبوة الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم هي بشارتهم قبل به أن يخلق وقبل أن يوحى إليه، وكان ذلك مشهورا ~~عند الخلائق كلها، وكانت الأمم جميعا تروي ذلك عن رسلها، لا يختلف في ذلك ~~اثنان، ولا يتشاطر فيه متشاطران، ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام ، وفيه ~~قراءتان: # أحدهما: القراءة المشهورة ومن عنده علم الكتاب، يعني والذي عنده علم ~~الكتاب. # والثانية: ومن عنده علم الكتاب وكلمه من هاهنا لابتداء الغاية، أي ومن ~~عنده حصل علم الكتاب، وقيل: إن المراد أن الكتاب الذي جئتكم به معجزة ~~قاهرة، وبرهان باهر، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزا، إلا لمن علم ما في ~~هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة، واشتماله على العيوب وعلى العلوم ms1670 الكثيرة، ~~فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزا. # وروينا عن أبي جعفر محمد بن علي ومحمد بن الحنفية قالا: من عنده علم ~~الكتاب علي بن أبي طالب عليه السلام . # قال في البلغة: أما شهادة من عنده علم الكتاب فقد اختلف العلماء فيمن ~~عنده علم الكتاب. PageV18P381 # قال بعضهم: المراد به علماء الكتاب المنزل قبل القرآن التوراة والإنجيل، ~~فكأنه قال: كفى بذلك شهادة الله وشهادة من عنده علم التوراة والإنجيل، وهم ~~الذين آمنوا بالقرآن، وكانوا من أهل التوارة والإنجيل، مثل عبد الله بن ~~سلام[234] وسلمان الفارسي، وتميم الذاري، وغيرهم من علماء أهل الكتاب؛ لأن ~~اليهود كانوا مقرين بأن هؤلاء كانوا هم العلماء، وكانوا يقرؤن عليهم ~~التوراة، وكان فيه ما يدل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصحة ~~دين الإسلام الذي أتى به على هذا الوجه الذي لا يمكنهم من جحده وإنكاره إذا ~~أنصفوا. PageV18P382 # وقال علماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن عنده الكتاب المعني به ~~الأوصياء والأئمة من آل محمد عليه وعليهم السلام أولهم أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام ؛ لأن هذه الشهادة كانت بصحة نبوة محمد من جهة الإعجاز، ~~والإعجاز ظهر من جهة القرآن، والمراد بالكتاب هاهنا هو القرآن والعالم ~~بالقرآن على الوجه الذي أنزل الله وبما فيه من أنواع الأحكام، والحكم ليس ~~بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا وصيه وهو علي عليه السلام ، فحكم في ~~حصول علم القرآن بكماله له كحكم وصي سليمان عليه السلام وهو آصف بن برخيا ~~في حصول علم الكتاب كتاب سليمان بكماله له، ألا ترى الله تعالى قال حاكيا ~~لما قال سليمان لقومه: {أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال ~~عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين، قال ~~الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} وكان ذلك ~~معجزا لسليمان أظهره الله على يد وصيه، الذي كان علم كتاب سليمان عليه ~~السلام عنده، ms1671 ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من سليمان، ووصي محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعلم خلق الله بعد محمد بجميع دينه، ودلت الآية ~~القاطعة عليه، فإذا جعله الله شاهدا لمحمد فأي أعجوبة في هذا، وقد قال الله ~~تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} {ويتلوه شاهد منه} وقد قال الله تعالى: ~~{إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها ~~من بعض} وقد ثبت تأويل قوله بعضها من بعض، وذكرت في سورة براءة ما كان من ~~قصة بعث أبي بكر حكاية جبريل عليه السلام ورده، وقوله للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا تبلغها إلا أنت أو رجل منك بما فيه كفاية، وهذه رتبة PageV18P383 عالية لأمير المؤمنين عليه السلام كما بين رتبته في اختصاصه من جملة البشر، ~~بكونه ناصرا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على الوجه الذي كان جبريل عليه ~~السلام ناصرا له، وقوله تعالى: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين} فسمى الله تعالى عليا عليه السلام صالح المؤمنين، كما سماه ~~رسوله أمير المؤمنين، ومن كانت له هذه الرتبة، وصارت طاعته مقرونة بطاعة ~~الله ورسوله، معروضة على خلقه لا ينبغي أن يتعجب من كونه شاهدا لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وتكون شهادته مقرونة بشهادة الله سبحانه له، وافتخر ~~أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر بحضرة الجماعة بكونه صالح المؤمنين، ~~فقال: أنا أخو رسول الله، ومن هاشم سنامه الأكبر، ولي فضل تنطق به السور، ~~ونبأ عظيم جرى به القدر، وصالح المؤمنين قضت به الآيات والخبر، وفي أن ~~اعتبرني معتبر، وأبو شبير وشبر، وقالع باب خيبر، والناطق بالحق على المنبر، ~~ولم ينكر ذلك عليه أحد من الحاضرين والغائبين، انتهى. # وروى المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في رسالته النافعة ~~بالأدلة الواقعة ما لفظه: وفي كتاب رفعه بإسناده إلى علي وابن عباس وأبي ~~مريم[235] قالا: دخلنا على عبد الله بن عطاء قال أبو مريم: حدث عليا ~~بالحديث الذي حدثني ms1672 به عن أبي جعفر قال: كنت عند أبي جعفر حال إذ مر عليه ~~ابن عبد الله بن سلام قلت: جعلني الله فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟ ~~قال: لا، ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب الذي أنزلت فيه آيات من كتاب الله ~~عز وجل ومن عنده علم الكتاب {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} ~~{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون} علي بن أبي طالب. PageV18P384 # وبإسناده عليه السلام عن ابن الحنفية عليه السلام في قوله تعالى: {قل كفى ~~بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} قال: هو علي بن أبي طالب ~~عليه السلام ، انتهى، والله أعلم. PageV18P385 ### || AUTO سورة يوسف عليه السلام # مائة وإحدى عشر آية # قال الإمام الناصر أبو الفتح الديلمي عليه السلام سورة يوسف مكية كلها. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الر} قرأ نافع وابن كثير وعاصم {الر} بفتح الراء على ~~التفخيم، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويحيى بن أبي بكر بكسر الراء على ~~الإمالة. # وروي عن نافع وأبو عامر، وحماد بن عاصم بين الفتح والكسر. # قال الرازي: واعلم أن كلها لغات صحيحة. # قال الواحدي: الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا؛ ~~لأن........ليست متقلبة عن البا. # وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ اسما للحروف المخصوصة تذكر ~~الإمالة........على أنها اسما للحروف. # قال الرازي: أتفقوا على أن قوله: {الر} وحده ليس بآية، واتفقوا على أن ~~قوله {طه} وحده آية، والفرق أن قوله: {الر} لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده ~~بخلاف قوله {طه} فإن يشكل مقاطع الآي التي بعده. # قال ابن عباس: {الر} معناه أنا الله، وقيل: أنا الرب لا رب غيري، وقيل ~~{الر} و{حم}و{ن}اسم الرحمن. PageV18P386 # قلت: وقد ذكرنا فيما مضى ما قاله أئتمنا عليهم السلام في هذه الحروف ~~والإشارة في قوله: {تلك آيات الكتاب المبين} إلى آيات هذه السورة، أي تلك ~~الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة المسماة ب الر هي آيات الكتاب ~~المبين، أي الظاهر ms1673 أمره في إعجاز العرب؛ لأن القرآن معجزة قاهرة وإنه بينة ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند الله ~~لا من البشر، أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها؛ لأنها بلسانهم، ~~وقيل: لأنه قد بين فيها ما سألت عنه اليهود، فقد روي أنهم قالوا للمشركين ~~لم انتقل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن قصة يوسف أو إنما وصف القرآن بكونه ~~مبينا؛ لأنه بين فيه الهدى والرشد، والحلال والحرام، ولما بينت هذه الأشياء ~~فيه كان الكتاب مبينا لهذه الأشياء، ثم قال تعالى: {أنا أنزلنا} أي هذا ~~الكتاب الذي فيه قصة يوسف {قرآنا عربيا} أي في حال كونه قرآنا عربيا، وسمي ~~بعض القرآن قرآنا؛ لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض. PageV18P387 # وأما قوله: {لعلكم تعقلون} فيجب حمل كلمة لعل على اللام، والتقدير أنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا ليعقلوا معانيه في أمر الدين، إذ لا يجوز أن يراد ~~بلغكم الشك؛ لأنه على الله مجاب فثبت أن المراد به الإرادة أن تعرفوا ~~دلائله وتفهموا وتحيطوا بمعاني أحكامه[236] لنزوله بلسانهم، والعجم وإن ~~كانوا مخاطبين به فنزوله بلسان العرب أولى؛ لأنه لسان المرسل به فهو أحصن ~~بنزوله على لسانه؛ ولأن لعة العرب أفصح اللغات وأشرفها، ودلت على أنه تعالى ~~أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده، وأمر دينه من عرف منهم ومن لم يعرف ~~بخلاف قول المجبرة، ثم قال سبحانه: {نحن نقص عليك أحسن القصص} القصص اتباع ~~الخبر بعضه بعضا، وأصله في اللغة المتابعة، قال تعالى: {وقالت لأخته قصيه} ~~أي أتبعي أثره، وقال: {فارتدا على آثارهما قصصا} لأنه يتلوا أي يتبع ما حفظ ~~منه آية بعد آية، فمعنى يقص أي يتلو عليك ويخبرك بالقصة أحسن ما يقص في ~~آيات القرآن، وفي كتب الأولين؛ لأنه مقصوص فيها وقصاصته في القرآن أحسن؛ ~~لأنه على أبدع طريقة، وأحسن أسلوب، والقصص مصدر بمعنى الاقتصاص يقول قص ~~الحديث يقصه قصا إذا طرده وساقه، كما يقال شله يشله شلا، ويجوز أن يكون من ~~باب تسمية ms1674 المفعول بالمصدر، كقولك هذا قدر الله أي مقدوره، وهذا الكتاب علم ~~فلان، أي معلومه، وهذا رجاؤنا أي مرجونا، فإنا حملناه على المصدر، كأن ~~المعنى نقص عليك أحسن الأقاصيص، وعلى هذا التقدير فالحسن يعود إلى حسن ~~المنطق لا إلى القصة، والمراد بهذا الحسن كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في ~~الفصاحة إلى حد الإعجاز، وإن حملناه على المفعول كان معنة كونه أحسن القصص ~~لما فيه من العبر والبكت، والحكم والعجائب التي ليست في غيرها، فإن إحدى ~~الفوائد التي في هذه القصة دلالتها على أن الحسد سبب الخذلان، ودلالتها على ~~أن الصبر مفتاح الفرج، كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإنه PageV18P388 لما صبر فاز بمطلوبه، وكذلك في حق يوسف. # وأما قوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} فالمعنى بوحينا إليك هذا القرآن ~~أي السورة أن جعلنا مع الفعل بمنزلة المصدر، ثم قال: {وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين} يريد قبل أن يوحا إليك، لمن الغافلين عن الشريعة والدين، قيل: ~~ذلك كما قال تعالى ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام فأما غير ذلك من أصول التوحيد والعدل، ~~وما يستنبط ويدرك بالعقل لم يكن يجهل ذلك، وحاش الله أن يكون كذلك، وإن كنت ~~مخففة من الثقيلة، واللام هي التي تفرق بينهما وبين النافية، ثم قال تعالى: ~~{إذ قال يوسف لأبيه ياأبت} معنى إذا قال أي اذكر وقت قال أو بدل اشتمال من ~~أحسن القصص، والنافي قوله يا أبت عوض عن الياء وهي للتأنيث بدليل قلبها ها ~~في الوقف، وجاز إلحاقها كما جاز في قولك حمامة ذكر ورجل زمعة وغلام يفعة ~~{إني رأيت أحد عشر كوكبا} رأى في المنام فهو من الرؤيا لا من الرؤية، ثم ~~قال: {والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} أجريت نحو العقلاء لما وصفت بصفتهم ~~من السجود، وقولهم له:.............ليسوا منكرين للأول إنما هو كلام مستأنف ~~على تقدير سؤال وقع جوابا له، كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا، قال: كيف رأيتها؟ ms1675 فقال: رأيتهم لي ساجدين، فسروا ~~الكواكب بالإخوة والشمس والقمر بالأب والأم، والسجدة بتواضعهم له ودخولهم ~~تحت أمره. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: المعنى سجدوا لله من أجله حين من ~~عليهم بوصوله، وجمع شملهم به بعد حين من الزمان. # قلت: ومثل هذا ذكره الهادي عليه السلام في معنى السجود مع احتمال أن يراد ~~به التواضع كما في قوله: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # إلا أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة. PageV18P389 # وأما رؤيا يوسف عليه السلام [237]فلا شك أنه رآها في وقت الصغر، فأما ذلك ~~الزمان بعينه فلا يعلم إلا بالأخبار. # قال وهب: إن يوسف عليه السلام رأى وهو ابن سبع سنين أحد عشر عصا طوالا ~~كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصا صغيرة تثب عليها حتى ~~اقتلعتها، فذكر لأبيه، فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن اثنى ~~عشر سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه، فقال: لا تذكرها ~~لهم فيكيدوا لك كيدا، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف وأخيه، فحسده ~~إخوته لهذا السبب، وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات الكثيرة، ~~فلما ذكر يوسف عليه السلام لأبيه هذه الرؤيا، وكان تأويلها أن إخوته وأبويه ~~يخضعون له: {قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك} أي لا تخبرهم برؤياك فإنهم ~~يعلمون تأويلها {فيكيدوا لك كيدا} أي فيحتالون لك حيلة في هلاكك، عرف يعقوب ~~عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يصطفيه الله للنبوة، وينعم عليه بشرف ~~الدارين، فخاف عليه حسد الإخوة، قوله فيكيدوا منصوب بإظمار أن، والمعنى إن ~~قصصتها عليهم كادوك، وإنما قال: فيكيدوا لك ولم يقل فيكيدوك كما قال ~~فيكيدون؛ لأن هذا اللام تأكيد للضلة كقوله للرؤيا تعبرون، وكقولهم نصحتك ~~ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك، وقيل من ضله الكبير على معنى فيكيدوا لك. # قال أهل التحقيق: وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا، وإلا ~~لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقدا وغضبا، ثم قال: {إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين} ms1676 أي ظاهر العداوة، كما فعل بآدم وحوى، فهو يحمل على كل شر فلا ~~تؤمن عليهم، ثم إن يعقوب عليه السلام وصل بهذه النصيحة تعبير تلك الرؤيا ~~وذكر أمورا: PageV18P390 # أولها: قوله {وكذلك يجتبيك ربك} يعني كما اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة ~~الدالة على شرف، وعن كبرياء شأن، فكذلك يجتبيك لأمور عظام، واختلفوا في ~~المراد بهذه الاجتباء، فقال الحسن: يجتبيك ربك بالنبوة، وقال آخرون: المراد ~~منه إعلا الدرحة وتعظيم المرتبة، أما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه. # وثانيها: قوله: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} أي الرؤيا؛ لأنها حديث النفس، ~~أو ملك أو شيطان، وتأويلها تفسيرها سماه تأويلا؛ لأنه يؤل أمره إلى ما رآه ~~في المنام، يعني تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، وكان عليه ~~السلام في علم التعبير غاية، واضح الناس عبارة،..........حديث الملك فقط، ~~أو المراد بالأحاديث معاني كتب الله، وسنن الأنبياء، وما غمض من دقائقها ~~بشرحها لهم وبذلهم على مودعات حكمها، وسميت أحاديث؛ لأنه يحدث بها عن الله ~~ورسله، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله وتأويل ~~الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وثالثها: قوله: {ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب}. # اعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة هاهنا ~~بالنبوة، وإلا لزم التكرار، بل تفسير إتمام النعمة هاهنا بسعادات الدنيا ~~وسعادات الآخرة. # أما من فسر الاجتباء بالنبوة بل بالدرجات العالية فهذا تفسير إتمام ~~النعمة بالنبوة ويتأكد هذا بقوله: {كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ~~وإسحاق} عطف بيان لأبويك، قيل: وأتمها على إبراهيم بالحلة والإنجاء من ~~النار وذبح الابن، وفدائه بذبح عظيم، وإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. PageV18P391 # قيل: علم يعقوب نبوة يوسف بما دل عليه ضوء الكواكب، فلذلك قال وعلى آل ~~يعقوب[238] واصل إلى أهل بدليل أهيل في تصغيره، ولا يستعمل إلا فيمن له ~~خطر، يقال آل النبي وآل الملك ولا يقال آل الحائك بل أهله، ثم إنه عليه ~~السلام لما وعده بهذه الدرجات الثلاث ختم الكلام بقوله: {إن ms1677 ربك عليم} بما ~~حق له الاجتباء {حكيم} لا يتم نعمته إلا مستحقها، فإن قيل: هذه البشارات ~~التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعا بصحتها أم لا؟ فإن كان قاطعا ~~بصحتها فكيف حزن على يوسف، وكيف أن..........عليه الذئب أكله، وكيف خاف ~~عليه من إخوته أن يهلكوه، وكيف قال لإخوته فأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون، مع علمه بأنه سبحانه سيجتبيه ويبعثه رسولا، وأما إن قلنا إنه عليه ~~السلام ما كان عالما بصحة هذه الأحوال فكيف قطع بها؟ وكيف حكم بوقوعها حكما ~~جزما من غير تردد؟ # قال في البرهان: عن هذا جوابان: # أحدها: أنه رآها وهو صبي، فجاز أن يخالف رؤيا الأنبياء المرسلين. # والثاني: أنه حزن بطول المدة في معاناة البلوى، وخاف كيد الإخوة في تعجيل ~~الأذى، انتهى. # وقيل: لا يبعد أن يكون قوله: وكذلك يجتبيك ربك مشروطا بأن لا يكيدوه؛ لأن ~~ذكر ذلك قد تقدم، وأيضا فتقدير أن يقال إنه عليه السلام كان قاطعا بأن يوسف ~~سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن يقع في المضار الشديدة ثم يتخلص ~~منها، ويصل إلى تلك المناصب، فكان خوفه لهذا السبب، ويكون معنى قوله وأخاف ~~أن يأكله الذئب الزجر عن التهاون في حفظه، وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل ~~إليه، والله أعلم. # اعلم أن قوله تعالى: {لقد كان في يوسف وإخوته} أي في حديثهم {آيات} ~~علامات تدل على قدرة الله {للسائلين} أي من سأل عن قصصهم وعرفهم، أو آيات ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمن سأله من اليهود عنها، فأخبرهم ~~بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب. PageV18P392 # قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله آيات وجوها: # الأول: قال ابن عباس دخل حي من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فسمع منه قراءة قصة يوسف، فعاد إلى اليهود يعلمهم أنه سمعه كما في ~~التوراة، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع فقالوا له: من علمك هذه القصة؟ ~~فقال: ((الله علمني)) فنزل لقد كان في ms1678 يوسف وإخوته آيات للسائلين، وهذا ~~الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف بل كانت الآيات في إخبار ~~محمد عنها من غير سبق يعلمه، ولا مطالعة، وبين الكلامين فرق ظاهر. # والثاني: أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول، وكانوا ينكرون نبوته، ~~ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الحسد، فذكر سبحانه هذه القصة، وبين أن ~~إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد، وبالآخرة فإن الله نصره وقواه، ~~وجعلهم تحت يده ورايته، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زاجرة له ~~عن الإقدام على الحسد. # الثالث: أن يعقوب عليه السلام لما عبر رؤيا يوسف عليه السلام وقع ذلك ~~التعبير، ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة، وكذلك إن الله سبحانه لما وعد ~~محمدا بالنصر والظفر على الأعداء، فإذا تأخر ذلك الموعود مدة من الزمن لم ~~يدل على كون............نافية، فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه. # الوجه الرابع: أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمره، ولكن الله تعالى لما ~~وعد بالنصر والظفر لم يضره ذلك، فكذلك واقعة محمد فإن الله تعالى لما ضمن ~~له إعلا الدرجة لم يضره سعي الكفار في إبطال أمره، انتهى. PageV18P393 # ثم قال تعالى: {إذ قالوا ليوسف[239] وأخوه أحب إلى أبينا منا} اللام لام ~~الابتداء، دخلت بتحقيق محبته لها وأخوه بنيامين، وهما إخوان لأب وأم، وكان ~~يعقوب عليه السلام قد كفلهما لموت أمهما، زاد في المراعاة لهما فذلك سبب ~~حسدهم لهما، وكان شديد الحب ليوسف، فكان الحسد له أكثر، ثم رأى الرؤيا فصار ~~الحسد له شديدا، ثم قالوا: {ونحن عصبة} العصبة الجماعة، وقيل: إنها من عشرة ~~إلى أربعين، وقيل من خمسة إلى خمسة عشر؛ لأنهم بهم تعصب الأمور، وتستكفى ~~بهم النوائب، ثم إنهم لما قالوا: نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات، ~~والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف ~~وأخاه عليهم، لا جرم قالوا: {إن أبانا لفي ضلال مبين} أي هذا حيف ظاهر، ~~وضلال بين، لأنه فضل الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، ومن لا يراعي ~~ماله على من ms1679 يراعيه. # قال الرازي: وهاهنا سؤالات: # الأول: أن من الأشياء المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد ~~والحسد، وثوران آفات، فلما كان يعقوب عليه السلام عالما بذلك فلم أقدم على ~~التفضيل؟ وأيضا .............والأعلم والأنفع أقدم فلم قلب القضبة؟ # والجواب: أنه عليه السلام فضلهما على سائر الأولاد في المحبة، والمحبة ~~ليس في وسع البشر، وكان معذورا فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم. # السؤال الثاني: إن أولاد يعقوب عليه السلام أن هم قد كانوا آمنوا بكونه ~~رسولا حقا من عند الله فكيف اعترضوا عليه، وكيف زيفوا طريقته، وإن كانوا ~~مكذبين لنبوته فهذا يوجب إكفارهم؟ PageV18P394 # والجواب: إنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم يعقوب عليه السلام مقرين بكونه ~~رسولا حقا من عند الله، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء ان يفعلوا أفعالا ~~مخصوصة بمجرد الاجتهاد، ثم إن الاجتهاد أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك ~~الاجتهاد، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل، ونحن ~~متقدمون عليهما في السن والعقل، والكفاية والمنفعة، وكثرة الخدمة والقيام ~~بالمهمات، فإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل. # أما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول زيادة المحبة ليست في الوسع ~~والطاقة، فليس لله علي فيه تكليف، وأما تخصيصه بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه: # أحدها: أن أمهما ماتت. # وثانيها: لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر ~~الأولاد. # وثالثها: لعله عليه السلام وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع ~~من الخدمة، أشرف وأعلا مما كان يصدر عن سائر الأولاد، والحاصل أن هذه ~~المسألة كانت اجتهادية، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة، فلا يلزم ~~من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر، أو في عرضه. # السؤال الثالث: أنهم نسبوا آباهم إلى الضلال المبين، وذلك مبالغة في ~~التهم والطعن ومن بالغ في ذم الرسول كفر، لا سيما إذا كان الطاعن ولدا، فإن ~~حق الإبوة توجب التعظيم. # والجواب: المراد منه الضلال عن رعاية مصالح الدنيا، والبعد عن طريق ~~الرشد، والصواب فيه. ms1680 # السؤال الرابع: أن قولهم ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا محض الحسد، ~~والحسد من أمهات الكبائر، لا سيما وقد أقدموا بذلك الحسد على تصنيع ذلك ~~للأخ الصالح، وإلقائه في ذل العبودية، وتبعيده عن الأب المشفق، وألقوا ~~أباهم في الحزن الدائم، والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب ما بقيت خصلة ~~مذمومة ولا طريقة في الشر والفسد إلا وقد أتوا بها، وكل ذلك يقدح في العصمة ~~والنبوة. PageV18P395 # والجواب[240]: الأمر كما ذكرتم إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء في وقت ~~حصول النبوة، فأما قبلها فذلك غير واجب، انتهى كلام الرازي. # واعلم أنه لما قوي الحسد وبلغ النهاية قالوا: {اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا} مجهولة، بعيدة العمران لتأكله السباع، أو يبعد عن أبيه، قيل: الابن ~~شمعون، وقيل: ودان، والباقون راضون، فجعلوا أمرين ثم ذكروا العلة وهو ~~قولهم: {يخل لكم وجه أبيكم} أي يفرغ لكم وجهه، ويقبل عليكم بخطابه، والمعنى ~~أن يوسف شغله عنا، وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالميل والمحبة كل ~~ذلك حسدا فيهم لأخيهم، وقلة رحمة لأبيهم، وإنما ذكر الوجه لتصوير معنى ~~إقباله عليهم؛ لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه، أو يراد بالوجه الذات. # وأما قوله: {وتكونوا من بعده قوما صالحين} ففيه وجوه: # الأول: أنهم علموا أن ذلك الذي عزموا عليه من الكبائر، فقالوا: إذا فعلنا ~~ذلك تبنا إلى الله ونصير من القوم الصالحين، مثل هذا ذكر الحسين بن القاسم ~~عليهما السلام قال: ويمكن أن يكونوا تمنوا الصلاح عند والدهم إذا عدم من هو ~~خير منهم. # والثاني: أنه ليس المقصود هاهنا صلاح الدنيا، واستقامة الأحوال قاله في ~~البرهان. # قال الرازي: أي معناه أنه يصلح شأنكم عند أبيكم ويصير أبوكم محبا لكم ~~مشتغلا بشأنكم. # الثالث: أنكم بسبب هذه الوحشة صرتم مسوسين لا تتفرغون لإصلاح مهم فإذا ~~أزلتم هذه الوحشة تفرغتم لإصلاح مهماتكم. # فإن قيل: كيف يليق هذا بهم وهم أنبياء؟ # قلت: قد اختلفوا في الجواب عنه فمنهم من أجاب عنه أنهم كانوا في هذا ~~الوقت مراهقين، وما كانوا بالغين. PageV18P396 # قال الرازي: ms1681 وهذا ضعيف؛ لأنه يبعد في مثل نبي الله يعقوب أن يبعث جماعة من ~~الصبيان من غير أن يكون معهم إنسان عاقل، حصيف يمنعهم من القبائح، وأيضا ~~أنهم قالوا ونكونوا من بعده قوما صالحين، وهذا يدل على أنهم قبل التوبة لا ~~يكونوا من الصالحين، وذلك ينافي كونهم من الصبيان، ومنهم من أجاب بأن هذا ~~من باب الصغائر، وهذا أيضا أبعد؛ لأن إيذاء الأب الذي هو نبي معصوم والكذب ~~معه والسعي في إهلاك الأخ الصغير كل واحد من ذلك من أمهات الكبائر. # قال: بل الجواب الصحيح أن يقال إنهم ما كانوا أنبياء، إلا أن هذه الواقعة ~~إنما أقدموا عليها قبل النبوة، انتهى. # ثم قال تعالى حاكيا: {قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف}. # قال في البرهان: قيل إن القائل هو روسل، وهو أكبر إخوة يوسف وابن خالته، ~~وقيل: إنه يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا فمنعهم عن القتل، وقال لهم القتل ~~عظيم، ثم قال: {وألقوه في غيابة الجب} أي أطرحوه في أسفل طبقات البئر ~~اللاتي يغبين شخصه، وفي الجب قولان: # أحدهما: أن الألف واللام يقتضي المعهود السابق، فاختلفوا في ذلك الجب، ~~فقال بعضهم: هو بئر بيت المقدس، وقال وهب: هي بأرض المقدس، وقال مقاتل: هي ~~على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام . # والثاني: اسم بئر غير معينة، وإنما تختص بنوع من الآبار، قال الأعشى: # لئن كنت في جب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # وفي تسمية الجب قولان: # أحدهما: هو ما عظم من الآبار، سواء كان فيه ماء أو لم يكن. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والجب هي البئر البعيدة. # قال الشاعر يصف الأنعام تمر بها: # فصحت بذا الملا وبيره ... جبا ترى حمامه محضرة # فبرت منه لهاب الحرة # يريد أن الماشية.........البئر بين موضعين، ومعنى حمامة[241]محضرة، أي ~~ترى ما نجم وتغزر من الماء، محضرة من الكثرة، فبردت من لهاب الحرة أي بردت ~~حر العطش بذلك الماء. PageV18P397 # والثاني: أنه ما لا طي له من الآبار؛ لأن الأرض تجب جبا لا غير، وغياباتها ~~أسفلها، وما ms1682 غاب منها عن العين وأظلم من أسفل وسميت جبا؛ لأنها قطعت قطعا ~~ولم يحصل فيها شيء غير القطع من الطي، والله أعلم. # وإنما عينوا بذلك الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم: {يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين} ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي. # قال الراوي: وذلك لأن تلك البئر كانت معروفة، وكانوا يردون عليها كثيرا، ~~وكان يعلم أنه إذا طرح فيها يكون إلى السلامة أقرب؛ لأن السيارة إذا جاءوا ~~وردوها، وإذا وردوها شاهدوا ذلك الإنسان فيه، وإذا شاهدوه أخرجوه وذهبوا ~~به، فقال: ألقوه فيها أبعد عن الهلاك، والسيارة المسافرون، سموا ذلك لأنهم ~~يسيرون، وفي قوله: أن كنتم فاعلين، إشارة إلى أن الأولى أن لا تفعلوا شيئا ~~من ذلك، وأما إن كان ولابد فاقتصروا على هذا القدر، ولما عزموا على ذلك ~~{قالوا ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف} أي لم تخافنا عليه {وإنا له ~~لناصحون} أي ما وجد له منا غير النصيحة، والمحبة والإشفاق، والناصح في ~~اللغة هو الذي لا يكذب ولا يغش ولا يميل عن الصحة، فهذا معنى النصحية، قال ~~الشاعر: # لله در الشيب من واعظ ... وناصح لو قبل الناصح # وأردوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه ~~منهم، وفي قولهم هذا دليل على أن يعقوب كان يخافهم على يوسف، وإلا لما ~~قالوا هذا القول، ثم قالوا: {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون} ~~حتى نرده إليك أو نحفظه في حال الغيبة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى نرتع أي نفتعل في وزن الكلمة ~~ومقدارها، وهو نرعى الماشية. # قال في البرهان: وقيل معنى نرتع نطعم، مأخوذ من الرتعة وهي سعة المطعم ~~والمشرب، قال الفرزدق: # وبعد عطائك المائة الرتاعا # أي الراتعة بكثرة الماء والمرعى. PageV18P398 # وروي أنه قيل لأبي عمرو: كيف تقولون هم أنبياء؟ فقيل: لم يكونوا يومئذ ~~أنبياء، وأيضا جاز أن يكون المراد من اللعب الإقدام على المباحات لأجل ~~انشراح الصدور. # روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لجابر: ms1683 ((فهلا بكر تلاعبها ~~وتلاعبك)) وأيضا كان لعبهم الاشتياق والغرض تعلم المحاربة والمقاتلة مع ~~الكفار، والدليل عليه قوله: إنا ذهبنا نستبق، وإنما سموه لعبا؛ لأنه في صورته. # واعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل معهم يوسف اعتذر لهم بأمرين: # أحدهما: {قال إني ليحزنني أن تذهبوا به} يعني أن ذهابهم به ومفارقته إياه ~~مما يحزنه؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. # والثاني: قوله: {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} برعيكم ولعبكم، ~~أو لعله اهتمامكم به هذا منه شفقة صلوات الله عليه . PageV18P399 # وقد روي أنه كان رأى في منامه أن الذئاب أغارت عليه لتأكله فوقع في أفواهها ~~قميصه وسلم من شرها، فكان يخاف عليه منهم؛ لأن الذئاب في التعبير تدل على ~~رجال ذوي حيل ودها، وشجاعة ومكر، وغيلة وخديعة، وكذلك جميع الدواب في ~~المنام إذا رأيتها فهي ربما تدل على أشكالها من الناس وأمثالها، مثل الأسود ~~تدل على شجعان الرجال وملوكها، ومثل الحيات تدل على أبطال الرجال ودهاتها، ~~ومثل العقارب تدل على سفل البرية وضعفائها، وكذلك الجمال تدل على قدر ما ~~يراها[242]النائم عليه من النقص والكمال، وعلى قدر شرفها في الهبات ~~والأفعال، وكذلك الذكر من الدواب يدل على الذكور والإناث تدل على الإناث، ~~ذكر هذا الحسين بن القاسم عليه السلام ، وقيل: الذئاب في أراضيهم كانت ~~كثيرة فكان يحذرها عليه، فمن هذا ذكر ذلك، فكأنه لقنهم العلة، وفي المثل ~~البلاء موكل بالمنطق، وروي حديثا، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام ~~{قالوا} جوابا عليه والله {لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون} أي ~~هالكون ضعفاء، وعجز هذا على تقدير القسم، واللام موطية له، وقوله إنا ~~لخاسرون تجزأ على جزا الشرط، والواو في ونحن عصبة واو الحال، حلفوا له لئن ~~كان ما خافه من خطفه الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم ~~تعصب الأمور وتكفى الخطوب، إنهم إذا لقوم خاسرون، وفيه وجه آخر وهو أن كلمة ~~إن تفيد كون الشرط ملتزما بالجزاء، أي وقت وقعت هذا الوقعة فنحن خاسرون، ~~فهذه اللام ms1684 دخلت لتأكيد هذا الاستفهام، وإنما أجابوه على أحد العذرين، وهو ~~الخوف وسكتوا عن الثاني وهو الحزن لفراقه؛ لأن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر ~~الأول، وهو شدة حبه له، فلما سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا وأعارو أذنا ~~صماء، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب}. PageV18P400 # قال الرازي: أعلم أنه لابد من الإضمار في هذه الآية في موضعين: # الأول: أن تقدير الآية، قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون، ~~فأذن له وأرسله معهم، ثم يتصل به قوله: فلما ذهبوا به. # والثاني: أنه لابد لقوله فلما ذهبوا وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب من ~~جواب وهو غير مذكور، وتقديره فجعلوه فيها، وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط ~~أن يكون المذكور دليلا عليه، وهاهنا كذلك قوله وأجمعوا قد يكون الإجماع ~~الذي هو ضد الاختلاف، وهو التواطئ على الشيء والائتلاف، وقد يكون الإجماع ~~وهو العزيمة على الشيء والإزماع. PageV18P401 # وفي الكشاف: جواب لما محذوف، ومعناه فعلوا به ما فعلو به من الأذى، فقد روي ~~أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه، ~~وكل ما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب حتى كادوا يقتلونه، ~~فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك، فقال يهوذا: أما أعطيتموني ~~موثقا ألا تقتلوه، فلما أرادوا القاؤه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده ~~فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا........فقال: يا إخوتاه ذروا علي ~~قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا ~~له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك ودلوه في البئر، فلما بلغ ~~نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فقام عليها ~~وهو يبكي فنادوه، فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضموه ليقتلوه ~~فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام، ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ~~ألقي في النار وجرد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ~~فرفعه إبراهيم إلى إسحاق ms1685 وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقول في تميمة علقها في ~~عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه، ثم قال تعالى: {وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} وقوله: أوحينا إليه قولان: # أحدهما: قال في البرهان: معناه ألهمناه كما قال وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه، وهم لا يشعرون بوحي الله عز وجل، وما يؤل أمره. # وقال الحسين بن[243] القاسم عليهما السلام: يريد تعالى أنه أوحى إليه في ~~المنام، ويمكن أن يكون الوحي الخطاب والكلام، انتهى. # والثاني: أن المراد منه الوحي والنبوة والرسالة. PageV18P402 # قال الرازي: وهذا قول طائفة من المحققين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ~~في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغا أو كان صبيا؟ فقال بعضهم: ~~إنه كان في ذلك الوقت بالغا، وكان سنه سبع عشرة سنة، وقال آخرون: إنه كان ~~صغيرا، إلا أنه تعالى أكمل عقله، وجعله صالحا لقبول الوحي والنبوة، كما في ~~حق عيسى عليه السلام وقي قولهم وهم لا يشعرون قولان: # الأول: المراد أن الله تعالى أوحى إلى يوسف أنك لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا ~~بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون في ذلك الوقت، بأنك يوسف، والمقصود تقوية قلبه ~~بأنه سيحصل له الخلاص من هذه المحنة، ويصير مستوليا عليهم، ويصيرون تحت ~~قهره وقدرته لعلو شأنه، وكبرياء سلطانه، وبعد حاله عن أوهامهم. # روي أنهم حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه في يده ~~ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له ~~يوسف وكان يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، وقلتم ~~لأبيكم أكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس. # والثاني: أن المراد أوحينا إلى يوسف في البئر بأنك تنبئ إخوتك بهذه ~~الأعمال وهم لا يشعرون بنزول الوحي عليك، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي عنهم ~~أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم، فكانوا يقصدون قتله، وقوله تعالى: ~~{وجاءوا أباهم عشاء يبكون}. # اعلم أنهم لما طرحوا يوسف عليه السلام في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت ~~العشاء باكين. # وعن ms1686 الحسن: عشيا على تصغير عشي، يقال: لقيته عشيا وعشيانا وأصيلا. # وروى ابن حي: عشيا بضم العين والقصر قال: عشوا من البكار. # روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي: يا أبا أمية أما تراها ~~تبكي، فقال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة، ولا ينبغي لأحد أن يقضي إلا ~~بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. PageV18P403 # روي أنه لما سمع صوتهم فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ ~~{قالوا ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب} معنى ~~نستبق أي نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالائتصال والتأصل، والارتما ~~والترامي. # قال في البرهان: ويحتمل وجهين: # أحدهما: يتصل من السباق في الرمي. # والثاني: أنهم أرادوا السبق بالسعي على أقدامهم، وتركنا يوسف عند متاعنا ~~يحتمل أن يعنوا بتركه إظهار الشفقة عليه، ويحتمل أن يكون المراد به حفظ ~~رحالهم وأمتعتهم، فأكله الذئب لما سمعوا أباهم يقول: وأخاف أن يأكله الذئب، ~~أخذوا ذلك من فيه فتجرموا به، ثم قالوا: {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق لنا ~~كما قال الشاعر: # ولست بمؤمن لك يا ابن زيد # ولو أقمست بالبلد الحرام # وأما قولهم: {ولو كنا صادقين} فلم يكن ذلك تشكيكا لأبيهم في صدقهم، وإنما ~~عنوا ولو كنا أهل صدق ما صدقتنا ولا اتهمتنا في يوسف لشدة محبتك إياه، ~~ولظننت أنا قد كذبنا، ثم قال تعالى: {وجاءوا على قميصه} أي فوق قميصه {بدم كذب}. PageV18P404 # قال الفراء، والمبرد، والزجاج، وابن لأنباري: معناه مكذوب فيه، إلا أنه وصف ~~بالمصدر على تقدير ذي كذب، ولكن جعل نفسه كذبا للمبالغة، كأنه[244] نفس ~~الكذب وعينه؛ لأنه لم يكن دمه وإنما هو دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها، وزل ~~عنهم أن يخرقوه ليتم تمويههم؛ لأنه لابد في المعصية من أن يقترن بها ~~الخذلان، فلما رآى يعقوب القميص صحيحا عرف كذبهم، قيل: لما سمع بخبر يوسف ~~صاح بأعلا صوته وقال: أين القميص، فألقاه على وجهه حتى خضب وجهه بدم ~~القميص، وقال: والله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا أكل ms1687 ابني ولم يمزق عليه ~~قميصه، قيل: كان فيه ثلاث آيات دل يعقوب على كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا، ودل على براءة يوسف حين قد من دبره، ثم ذكر تعالى أن إخوة يوسف لما ~~ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم {قال} يعقوب عليه ~~السلام: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} بل رد لقولهم أكله الذئب، كأنه قال ليس ~~كما تقولون بل سولت لكم أنفسكم في شأنه أمرا عظيما فعلتمونه بيوسف غير ما تصفون. # قال ابن عباس: بل زينت لكم أنفسكم أمرا، والتسويل: تقرير معنى في النفس ~~مع الطمع في إتمامه. # وقال في الكشاف: سولت سهلت من السؤال وهو الاسترخا، واختلفوا في السبب ~~الذي به عرف كونهم كاذبين على وجوه: # الأول: أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم. # الثاني: أنه كان عالما بأنه حي؛ لأنه عليه السلام قال ليوسف كذلك يجتبيك ~~ربك، وذلك دليل قاطع على أنهم كاذبون في ذلك القول، أو أوحي إليه أنهم ~~كاذبون. # الثالث: قال سعيد بن جبير: لما جاءوا على قميصه بدم كذب، وما كان متخرقا ~~قال: كذبتم لو أكله السبع خرق قميصه. # وعن السدي أنه قال: إن يعقوب عليه السلام قال: إن هذا الذئب كان رحيما ~~كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه، وقيل: إنه عليه السلام قال ذلك. PageV18P405 # قال بعضهم: بل قتله اللصوص، فقال: كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه ~~أحوج منهم إلى قتله، فلما اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم، ثم قال عليه ~~السلام: {فصبر جميل} منهم من قال أنه مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، ~~والتقدير فصبر جميل أجمل من الجزع، ومنهم من أضمر المبتدأ. # قال الخليل: الذي أفعله صبر جميل. # قال قطرب: معناه فصبري صبر جميل. # وقال الفراء: فهو صبر جميل، والله أعلم. # وفي الحديث: ((الصبر الجميل الذي لا يشكو فيه إلى مخلوق)) إنما اشكوا بثي ~~وحزني إلى الله، ثم قال: {والله المستعان على ما تصفون} من هلاك يوسف، ~~والصبر على الرزية فهو جار مجرى قوله: {وإياك نستعين}. ms1688 # فإن قيل: المعلوم أن الصبر على قضا الله واجب، فأما الصبر على ظلم ~~الظالمين ومكر الماكرين فغير واجب، بل الواجب إزالته لا سيما الضرر العائد ~~إلى الغير، وهاهنا إخوة يوسف لما ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك ~~ولم يبالغ في التفتيش والبحث سعيا منه في تخليص يوسف عن البلية والشدة إن ~~كان في احياء، وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه؟ فثبت أن هذا الصبر في ~~هذا المقام مذموم، وما يقوي هذا السؤال أنه عليه السلام كان عالما بأنه حي ~~سليم؛ لأنه قال له: وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث، والظاهر ~~أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي، وإذا كان عالما بأنه حي سليم فكان من ~~الواجب أن يسعى في طلبه، وأيضا إن يعقوب كان رجلا عظيما القدر في سنه، من ~~بيت شريف وأهل العالم كانوا يعرفون ويعتقدون فيه، ويعظمونه فلو بالغ في ~~الفتح والطلب لظهر ذلك واشتهر، ولزال وجه التلبيس، فما السبب أنه عليه ~~السلام مع شدة رغبته[245]في حضور يوسف ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه ~~كان من الواجب، فثبت أن هذا الصبر مذموم عقلا وشرعا. PageV18P406 # قال الرازي: لا جواب عنه إلا أن يقال: إنه سبحانه منعه عن الطلب تشديدا ~~للمحنة عليه، وتغليظا للأمر عليه، وأيضا لأنه عرف بقرائن الأحوال أن أولاده ~~أقوية، ولا يمكنونه من الطلب والتفحص، وأنه لو بالغ في الحث فربما أقدموا ~~على إيذائه وقتله، وأيضا لعله عليه السلام عرف أن الله يصون يوسف عن البلاء ~~والمحنة، وأن أمره سيعظم بالآخرة، ولم يرد هتك ستر أولاده، وما رضي ~~بإلقائهم في ألسنة الناس، وذلك لأن أحد الوالدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في ~~العذاب الشديد؛ لأنه إن ينتقم يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم منه، فلما ~~وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر والسكوت، وتفويض ~~الأمر بالكلية إلى الله، والله أعلم. # ثم إنه تعالى أخبر كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة فقال: ~~{وجاءت سيارة فأرسلوا ms1689 واردهم} هو من يستقي الماء للقوم، سيارة يعني رفقة ~~تسير من جهة مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب ~~فأخطأو الطريق، فانطلقوا يهمون على غير طريق فهبطوا على أرض فيها جب يوسف، ~~وكان الجب في قفرة بعيد عن العمران لم يكن لا للرعاة، وقيل: كان مالحا فعذب ~~حين ألقي فيه يوسف فأرسلوا رجلا يقال له مالك ين دعر الخزاعي ليطلب لهم ~~الماء ليستقي القوم {فأدلى دلوه} أي أرسلها في البئر، يقال أدلى يدلي إذا ~~أرسل، قال الشاعر: # ولكن أدل دلوك في الدلاء # فأدلى دلوه فتعلق يوسف عليه السلام بالحبل وخرج، فإذا هو بغلام أحسن ما ~~يكون، فلما رآه {قال يابشرى هذا غلام} أي يا بشارتي أحضري فهذا وقتك. # قال الزجاج: معنى النداء في هذه الأشياء التي لا.........بينة للمخاطبين ~~وتوكيد للقصة، فإذا قلت يا عجبا فكأنك قلت اعجبوا. PageV18P407 # وقال في البرهان: فالتأويل أنه ناداهم بالبشرى فبشرهم بغلام، وقيل: إنه ~~نادى أحدهم وكان اسمه بشرى فناداه باسمه يعلمه بالغلام، أما قوله: {وأسروه ~~بضاعة} بالضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة، وأسروا ابتياعه عن باقي ~~أصحابهم ليكون بضاعة لهم كي لا يشركوهم فيه لرخصه، وتواصوا أنها بضاعة ~~استبضعوها من أهل الماء، وقيل: قالوا دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. # عن ابن عباس: إن الضمير إخوة يوسف كانو بقرب الجب، فلما رأوا الوارد قد ~~أخرحه قالوا: هو عبدنا قد أوثقناه فاشتروه منا فباعوه وأسروا بيعه بثمن ~~جعلوه بضاعة لهم. # قال الزجاج: بضاعة منصوب على الحال، كأنه قال: وأسروه حال ما جعلوه ~~بضاعة، والبضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة، من بضعت الشيء إذا قطعته، ~~ثم قال تعالى: {والله عليم بما يعملون} لم يخف عليه إسرارهم، وهو وعيد لهم ~~حيث استبضعوا ما ليس لهم، أو الله عليم بما يعمل إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم ~~من سوء الصنيع. # قال الرازي: والمراد منه أن يوسف لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم ~~سجدت له، وذكر ذلك حسده إخوته عليه، فاحتالوا في إبطال ذلك الأمر ms1690 عليه، ~~فأوقعوه في البلاء الشديد حتى تيسر له ذلك المقصود، وأنه تعالى جعل وقوعه ~~في ذلك البلاء سببا لوصوله إلى مصر، ثم قادته وقائعه إلى أن صار ملك مصر، ~~وحصل ذلك الذي رأوه في النوم فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك ~~المطلوب صيره تعالى سببا لحصول ذلك المطلوب، فلهذا المعنى قال: والله[246] ~~عليم بما يعملون. PageV18P408 # أما قوله تعالى: {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} فمعناه باعوه أي إخوته، ~~وقيل: السيارة، وقيل: الورادة، قوله: بثمن بخس والبخس الحرام والظلم، وكل ~~بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا، فإنه حرام، قيل: إنه بيع بعشرين درهما، ~~وكانوا عشرة فأخذ كل رجل منهم درهمين، وكانت الدراهم معدودة غير موزونة ~~{وكانوا فيه من الزاهدين} حين صنعوا ما صنعوا، وباعوه بما باعوا، أي كانوا ~~من المتهاونين لأنه لقطة، لا يؤمن أن يسحق فيباع بأول مساوم، ويجوز أن يكون ~~معنى شروه اشتروه يعني الرفقة من إخوته، وكانوا فيه من الزاهدين؛ لأنهم ~~اعتقدوا أنه أبق فخافوا أن يختطروا بمالهم فيه، ويروى أنه إخوته اتبعوهم ~~يقولون: استوثقوا منه لا يأبق، وسكت عند ذلك يوسف مخافة أن يقتلوه، وهذا ~~يدل على جواز السكوت على الشيء إذا ظن الساكت أنه لو نطق أدى إلى مضرة هي ~~أعظم مما هو فيه، ولأجل مثله سكت أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه عند ~~وقوع الفتنة بعدما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ألا ترى إلا أن وجه ~~الحكمة في سكوت يوسف عليه السلام لما استرق وبيع عبدا، وكذلك كان في سكوت ~~أمير المؤمنين حكمة بالغة، حين خاف أن يجد فينا قبائل العرب الذين هم أعداء ~~الإسلام الفرصة فيظهر الارتداد، وتزداد الفتنة لو سل السيف واللسان في ذلك ~~الوقت، ولهذا قال علي عليه السلام على المنبر في البصرة بعد حرب الجمل: إني ~~اقتديت بستة من الأنبياء عليهم السلام فذكرهم وأحدهم يوسف عليه السلام . PageV18P409 # وقال عليه السلام في خطبته الموضحة ذات البيان، وقد قام إليه أبو حازم ~~الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت ms1691 أبا بكر وعمر ظلماك حقك أم أتراك ~~أمرتك أم اغتصباك إمامتك على باطل مضيا أم على حق كانا، أم على صواب مضيا ~~أفهمنا لنعرف حقهما من حقك، ونفرق بين باطلهما وإنصافك، فلا تكتم عنا شيئا ~~من أمرك، فإن الناس يقولون: كانا على حق لا على باطل؟ فقال علي بن أبي طالب ~~عليه السلام: يا أخا اليمن فلا بحق أخذا ولا على إصابة كانا، ولا على دين ~~مضيا، يرحمك الله، هل بلغك خبر أولاد يعقوب حين باعوا أخاهم وعقوا أباهم ~~على حق كانوا أم بحجة فعلوا بأخيهم ما فعلوا؟ أليس خانوا خالقهم وظلموا ~~أنفسهم، هل كان ذلك إلا حسد أو عدواة، فهل قبل الله عذرهم وارتضاهم بعد ~~عذرهم إلا بالاستغفار وتوبة واعتذار، فلو تابت قريش إلي واستغفرت خالقها ~~لقبلت واستغفرت لهم من الذنب، قال أبو حازم: صدقت يا أمير المؤمنين، وورد ~~في الرواية أن إخوة يوسف باعوا يوسف بعشرين درهما فعدوها عدة وما وزنوها ~~وزنا، وكانوا في ذلك الوقت لا يزنون الدراهم ما لم تبلغ أوقية وهي أربعون ~~درهما، وادعوا أن يوسف عبدهم وأبق منهم، فباعوه بثمن بخس كما ورد في ~~الرواية، وفعلوا ذلك لكراهتهم فيه وكراهتهم لكونه بين ظهرانيهم ولم يعلموا ~~في جميع ما فعلوا بأكثر مما حكى الله، وهو قوله ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا ~~منا فحملهم ذلك على ما فعلوا، وفي هذه السورة عجائب جمة، وعبرة لمن اعتبر، ~~ألا ترى إلى إخوة يوسف كانوا أولاد الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم ~~السلام فحملهم الحسد لميل أبيهم إلى يوسف، وإيثاره عليه السلام في المودة، ~~على أن جفوه ذلك الجفا وطرحوه في غيابات الجب، ثم باعوه بما حكى الله ~~تعالى، فلو لم ينطق كتاب الله بذلك، وحكى القصاص ذلك لاستبعدنا ذلك كل ~~الاستبعاد ولما نقبله، وإذا جاز على أولاد الأنبياء مثل هذا، فهلا جاز على ~~قوم[247] لم يك بينهم وبين علي وفاطمة والحسن PageV18P410 والحسين عليهم السلام رحم ماسة، ولا يعطف أولاده أن يحملهم الحسد والبغض ~~على ما أتاه الله آل الرسول ms1692 من الرتبة الربانية، وأنهم يريدون تلك الرئاسة ~~لأنفسهم، حتى لا يكونوا تحت يد غيرهم، وهم قوم من الأجانب نشأوا في ~~الجاهلية وعبدوا الأوثان، وكان سيف علي عليه السلام يقطر دماء، ولم تأخذه ~~في الله لومة لائم حتى أظهر الله الدين على يده، وقاد الجميع من الكفر إلى ~~الإيمان، فأي دليل على عصمتهم حتى لا يجوز عليهم هذا، وما حكى الله عن ~~أولاد يعقوب أعجب من ذلك، وهم نالوا النبوة بعدما ارتكبوا ذلك، وإذا جاز ~~وقوع مثل ما حكى الله عمن يصلح للنبوة فلم يستبعد وقوع ما وقع من أولئك ~~العرب الذين خرجوا من الجاهلية، وصفتهم في الفساد معروفة، وقصة السقيفة ~~ومخاصمة فاطمة عليها السلام القوم فظاهره، وتلك الأحوال والأسباب التي جرت ~~مشهورة، وفيه عبرة لمن أنصف وأي عبرة، والله المستعان. # واعلم أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين على الماء ذهب به إلى ~~مصر وباعه هناك {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه} قيل: إن ~~الذي اشتراه قطفير وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، والملك حينئذ الريان ~~بن الوليد من العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياته، واشتراه العزيز وهو ~~ابن سبع عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنة، وأتاه الله الحكمة ~~والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرون سنة، وقيل: ~~كان الملك فرعون موسى عاش أربعمائة سنة لقوله تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من ~~قبل بالبينات} وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف، وقيل: أدخلوه السوق ~~يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا، فابتاعه ~~قطفير بذلك المبلغ، وقالوا اسم تلك المرأة زليخا، وقيل: راعيل. PageV18P411 # واعلم أن شيئا من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ولم يثبت أيضا في خبر ~~صحيح، وتفسير كتاب الله لا يتوقف على شيء من هذه الروايات، والأولى بالعاقل ~~أن يحترز من ذكرها، ومعنى اكرمي مثواه أي منزله ومقامه عندك، قال الشاعر: # أزيد ثوى عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت # وقال آخر: ms1693 # رب ثاو يمل منه الثواء # أي رب مقيم يمل من المقام، والمعنى اجعلي منزله كريما حسنا مرضيا بدليل ~~قوله: {إنه ربي أحسن مثواي} والمراد تفقد به بالإحسان وتعهد به بحسن ~~الملكة، حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا ساكنة في كنفنا. # قال الرازي: قال المحققون: أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام ~~نفسه، وذلك يدل على أنه كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم، وهو كما ~~يقال سلام الله على المجلس العالي، ولما أمرها بإكرام مثواه علل ذلك أن ~~قال: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} أي يقوم بإصلاح مهماتنا فيما نحن فيه ~~إذا تدرب لكفاءته وأمانته، أو نتخذه ولدا نتبناه؛ لأنه كان لا يولد له ولد ~~وكان حصورا. PageV18P412 # وقال في البرهان: وروينا أن أحسن الناس فراسة اثنان العزيز حين قال ~~لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وابنة شعيب في موسى حين ~~قالت لأبها: استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، ثم قال تعالى: {وكذلك ~~مكنا ليوسف في الأرض} أي مثل ذلك الإنجاء من الجب، وعطف قلب العزيز عليه، ~~مكناه وأعطيناه وحكمنا له[248] بالأرض، وملكناه حتى صار متمكنا من الأمر ~~والنهي في أرض مصر، ثم قال تعالى: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} يعني كان ~~ذلك الإنجاء والتمكين؛ لأن غرضنا ليس إلا ما يحمد عاقبته من علم وعمل ~~{والله غالب على أمره} أي أمر يوسف يديره ولا يكله إلى غيره أو على أمر ~~نفسه تعالى لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي، وقد أراد إخوة يوسف ~~فيه ما أرادوا، ولم يكن إلا ما أراد الله، فالله سبحانه أراد به الخير، ~~وكان كما أراد ودبر {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن الأمر كله بيد الله. # واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائبها عرف وتيقن أن أزمة الأمور بيد ~~الله ومصدرها عن قضائه، قوله تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما} ~~أخبر تعالى أن إخوة يوسف لما أساءوا إليه ثم إنه صبر على تلك الشدائد ~~والمحن، مكنه الله في ms1694 الأرض، ثم لما بلغ أشده أتاه الله الحكم والعلم، ~~والمقصود أنه جميع ما قاربه من النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن، ~~واختلف في الأشد فقيل: ثماني عشرة، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ~~أربعون، وقيل: أقصاه اثنتان وستون. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه بلغ قوته واشتد لكبره، وقوي ~~واضطلع بكل أمره بعد ضعفه وصغره، ومعنى آتيناه حكما وعلما أي كأفأه الله ~~على إحسانه وعفته بوحي الكتاب، وعلمه وحكمه. PageV18P413 # وفي البرهان: الحكم الحكمة في الأفعال والنبوة، وشرائطها، وقيل: الحكم بين ~~الناس من العلم بوجه المصالح، ثم قال تعالى: {وكذلك نجزي المحسنين} أي ومثل ~~ما وصفنا من تعليم يوسف نجزي المحسنين في الصبر على الثواب، كما صبر يوسف، ~~وفيه تنبيه على أن الله أتاه ذلك جزاء على إحسانه. # وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته أتاه الحكم في اكتهاله. # واعلم أن يوسف عليه السلام كان في غاية الجمال والحسن، فلما رأته المرأة ~~طمعت فيه، وذلك قوله تعالى: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} والمراودة ~~هي الاستدعاء له إلى نفسها، يقال: راود فلان جاريته عن تفسها وراودته هي عن ~~نفسه إذا حاول كل واحد من الوطئ والجماع {وغلقت الأبواب} والسبب أن ذلك ~~العمل لا يؤتا به إلا في موضع مستور، لا سيما إذا كان حراما، ومع قيام ~~الخوف الشديد، وعني بغلقت الأبواب تكثير الاغلاق وكثرة الإيثاق. # قال المفسرون: لأنها غلقت سبعة أبواب، ثم دعته إلى نفسها {وقالت هيت لك} ~~أي هلم واقبل إلى ما يحسن ذكره، وهيت في اللغة العربية هلم واقبل، قال ~~الشاعر: # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا # أن العراق وأهله عتق إليك فهيت هيتا # أي فهلم هلم، ثم أخبر تعالى أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام {قال} يوسف ~~عليه السلام {معاذ الله} أي أعوذ بالله معاذا {إنه ربي أحسن مثواي} أي الله ~~أحسن مقامي وطهر موضعي فلا أعصيه، وقيل: الضمير في أنه للسان والقصة، ومعنى ~~ربي أي سيدي ومالكي يريد قطفير، أحسن مثواي حين ms1695 قال: أكرمي مثواه، فما ~~جزاؤه أن أخلفه في أهله بسوء {إنه لا يفلح الظالمون} الذين يجازون الحسن ~~بالسيء، أو ظالمون لأنفسهم بالزنى، وهاهنا سؤال وهو أن يوسف عليه السلام ~~كان حرا وما كان عبدا لأحد، قوله إنه ربي كذب وذلك ذنب وكبيرة. PageV18P414 # قالوا في الجواب: إنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر على وفق ما ~~كانوا يعتقدون فيه من كونه عبدا له، ومعنى بكونه ربا كونه مربيا، وهذا ~~من[249] باب المعاريض الحسنة. # فإن قيل: ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء: # أحدها قوله: معاذ الله. # والثاني: قوله إنه ربي أحسن مثواي. # والثالث: قوله إنه لا يفلح الظالمون، فما وجه تعلق هذه الجوانب ببعض؟ # قلت: قد أجيب بأن هذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأن الانقياد لأمر ~~الله وتكاليفه أهم الأشياء بكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله: معاذ ~~الله إشارة إلى أن حق الله يمنع عن هذا العمل، فلما كان الله عز وجل هو ~~المالك المنعم بأنواع النعم فيقبح مقابلة إنعامه بالإساءة، وأيضا حقوق ~~الخلق واجبة الرعاية، ثم صون النفس عن الضرر واجب، وهذه اللذة لذة قليلة ~~ويتبعها خزي في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة، واللذة القليلة إذا لزمها ضرر ~~شديد فالعقل يقتضي تركها والاحتراز عنها، فقوله: إنه لا يفلح الظالمون ~~إشارة إليه فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن الوجوه. # وأما قوله تعالى: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}. # فاعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاغتناء بالبحث عنها، وللمفسرين ~~فيها قولان: # الأول: قالوا إن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة، وذكروا أمورا قبيحة لا ~~ينبغي تصطيرها، ولا يجوز ولا يحل في نبي الله ذكرها، من نحو ما ذكره ~~الواحدي في البسيط عن المفسرين. # قال في الكشاف:ولقد همت بمخالطته، وهم بها وهم بمخالطتها، لولا برهان ربه. # والقول الثاني: أن يوسف كان بريئا عن العمل الباطل والهم المحرم، وهذا ~~قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وهو الذي عليه أئمتنا عليهم السلام ؟ PageV18P415 # قال ms1696 في البرهان: أما همتها فكانت قبيحة وأما همته فكانت حسنة؛ لأنه هم ~~بضربها وخلافها، ولم يهم بمواقعتها يقبح أصلا، لأنه نبي، والهم تقبيح ليس ~~يجوز على الأنبياء. # وأما قوله: {لولا أن رأى برهان ربه} أي لولا كان معه من عصمة الله ~~وتوفيقه وتصوره القبيح، أنه قبح وأن صاحبه مذموم معاقب، والحسن أنه حسن، ~~وأن صاحبه مثاب عليه ممدوح، لجاز أن يقع منه الهم بالقبيح؛ لأن من لم يتصور ~~الأفعال على ما ذكرناها جاز أن يقع من القبح في موضع الحسن، والحسن في موضع ~~القبح، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى همت به وهم بها، أي أرادته ~~وأرادها، وكانت إرادته صلى الله عليه إرادت منازعة الطباع، ولم يزمع كما ~~أزمعت هي على الجماع، وإنما خطر على باله الشهوة والهوى، ولم يطع هواه إلى ~~الدنو منها، وقيل: إنه هم بدفعها والتغيير للمنكر الذي أتت به ورآه منها، ~~ومعنى برهان ربه أي حجة ربه قائمة عليه، انتهى. # روى علي بن موسى الرضا عليه السلام في الصحيفة بإسناده عن جده محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي عليهم السلام عن قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ~~ربه} قال: قامت امرأة العزيز إلى الصنم فسترته، وقالت: إنه يرانا، فقال ~~يوسف عليه السلام: أتستحين مما لا يسمع ولا ينفع، ولا تستحين ممن خلق ~~الأشياء وعلم بها، فذلك قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه}. # قال الهادي عليه السلام: إن قال قائل كيف كان همها به وكيف همه بها؟ PageV18P416 # قيل له: كان همها هي هم شهو ومراودة، وكان همه هو صلى الله عليه وآله وسلم ~~طباع النفس والتركيب، ألا ترى أنك إذا رأيت شيئا أعجبك وحسن في عينك، وإن ~~لم تهم به[250] لتظلمه وتأخذه غصبا من أهله، وكذلك إذا رأيت طعاما طيبا، ~~ولباسا حسنا أعجبك ونفيت أن يكون ذلك مثله، وأنك لا تريد بإعجابك له أخذه، ~~ولا أكله، وقد قيل: إنه إنما منع يوسف عليه السلام من إتيانها أنه رأى ~~يعقوب عليه السلام ms1697 كأنه زجره عنها، وليس القول كذلك، وحاش الله أن ينسب ذلك ~~إلى نبي الله. # وأما البرهان الذي رآه يوسف صلى الله عليه فهو ما جعل الله فيه من علمه، ~~وخصه به من المعرفة، والخوف له في علانيته وسره، وإنما كان ذلك ابتداء منها ~~ومراودة له على نفسه، كان من قولها له: إن يا يوسف لئن لم تأتني أتيت أنا ~~إليك، فقال: معاذ الله من ذلك، فقامت وأرخت سترا كان على باب البيت وكان في ~~البيت صنم لها تعبده من الذهب، له عينان من ناقوسين حمراوين، فكانت تستحسنه ~~وتعبده فقال لها يوسف صلى الله عليه لم أرخيت هذا الستر؟ فقالت: إني خفت أن ~~يراني هذا الذي في البيت فأرخيته حياء منه وإجلالة له، فقال لها: فإن كنت ~~تستحين أنت من صنم لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع فكيف لا أستحي أنا من ~~الذي خلقني وخلقك وخلق هذا الذي تخافين ومنه تستحين، بل أخاف وأستحي من ~~الذي خلقني وخلقكم فهو خالق السماوات والأرضين، ثم نهض منها هاربا بنفسه ~~فلحقته إلى باب الدار فقدت قميصه وألفيا سيدها لدى الباب، وهو زوجها الملك، ~~وذلك أنهم كانوا يسمونه السيد لموضعه عندهم ورفعته فيهم، قالت له: ما جزاء ~~من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم. PageV18P417 # قال يوسف: هي راودتني عن نفسي، فتحير الملك واشتبه عليه الأمر، وكثر فيه ~~القول، فذكر بعض الرواة أن الذي حكم بذلك صبي صغير كان في المهد، واختلف ~~فيه، والذي صح عندنا في ذلك أنه كان صبيا قد عقل وهو ابن خمس سنين أو شبيه ~~بها، فأتي به إلى الملك فقال: إن كان قميصه قد من قبل فصدقت هي فيما ذكرت ~~من مرادوته لها على نفسها، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ~~في قوله ومراودتها له عن نفسه، فأتي بالقميص إلى الملك فنظر إليه فإذا هو ~~مقدود من دبره، فقال: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم، ثم بدا لهم من بعد ذلك ~~فألقي ms1698 في السجن، وكان في السجن رجلان من خدم الملك، فلما كان من إعلامه ~~لهما من تأويل رؤياهما على الحقيقة بعينها، فلما رأى الملك رؤياه أتى بأحد ~~الرجلين إلى يوسف فقص عليه ذلك فأخبره بتأويله، فلما انتهى ذلك إلى الملك ~~بعث إلى النسوة يسألهن عن خبره، فقالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فيما تبرأ منه وأنكره، ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم، انتهى. # وقد أحسن الرازي في الجواب عن الواحدي في القول الأول حيث قال: واعلم أن ~~الدلائل الدالة على عصمة الأنبياء كثيرة، قد ذكرناها في قصة آدم عليه ~~السلام ، إلا أنا نزيد هاهنا وجوها: # فالحجة الأولى: أن الزنى من منكرات الكبائر، والخيانة في معرض الأمانة ~~أيضا من منكرات الذنوب، وأيضا مقابلة الإحسان بالإساءة الموجبة للفضيحة ~~التامة والعار[251] الشديد من منكرات الذنوب، إذا ثبت هذا فنقول إن هذه ~~المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات، ~~ومثل هذه المعصية لو اتسمت إلى فسق خلق الله وأبعدهم عن غير خلقه لاستنكف ~~منها، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة. PageV18P418 # الثاني: أنه تعالى قال في غير هذه الواقعة: {كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء} وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه، ولا شك أن ~~المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء، وأفحش أقسام الفحشاء، فكيف ~~يليق برب العالمين أن يشهر في غير هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء ~~والفحشاء، مع أنه قد أتانا بأعظم أنواع السوء والفحشاء، والفرق بين السوء ~~والفحشاء من وجهين: # أحدهما: السوء جناية ..........، والفحشاء هي الزنى. # الثاني: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة، والفحشاء هو الزنى. # الثالث: أن الأنبياء صلوات الله عليهم متى صدر منهم زلة أو هفوة استعظموه ~~ذلك، وأتبعوه بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف أقدم هاهنا ~~على هذه المنكرة لكان ms1699 من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار، ولو أتى ~~بالتوبة والاستغفار لحكى الله عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع، وحيث لم ~~يوجد شيء من ذلك علمنا أن ما صدر عنه في هذه الوقعة ذنب ولا معصية. # واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف وتلك المرأة وزوجها، والنسوة ~~والشهود، ورب العالمين، شهدوا ببراءته عن الذنب، وإبليس أيضا أقر ببراءته ~~عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق لمسلم توقف في هذا الباب. # أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه ~~السلام: هي روادتني عن نفسي، وقوله عليه السلام: رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه. # وأما بيان أن المرأة عرفت بذلك فلأنها قالت للنسوة ولقد رادوته عن نفسه ~~فاستعصم، وأيضا قالت: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين. # وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله: إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم، ~~يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك. # وأما الشهود فقوله تعالى: وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من ~~دبر.....إلى آخر الآية. PageV18P419 # وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، لقد شهد ~~الله تعالى في هذه الآية أربع مرات: # أولها: قوله: لنصرف عن السوء، واللام للتأكيد والمبالغة. # والثاني: قوله والفحشاء، أي كذلك لنصرف عنه الفحشاء. # والثالث: قوله تعالى: {إنه من عبادنا}. # والرابع: قوله: {المخلصين} وفيه قراءتان، تارة باسم الفاعل وأخرى باسم ~~المفعول، فوروده باسم الفاعل دل على كونه بيانا بالطاعات والقربات، مع صفة ~~الإخلاص، ووردوه باسم المفعول يدل على أن الله استخلصه لنفسه واصطفاه، وعلى ~~كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها مما أضافوه إليه. # وأما أن إبليس أقر بطهارته فلأنه قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك ~~منهم المخلصين، فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين ~~لقوله تعالى: {من عبادنا المخلصين} فثبت بهذه الدلائل أن يوسف صلوات الله ~~عليه بريء عما يقوله هؤلاء الجهال، وإذا عرفت هذا فتقول الكلام على ms1700 ظاهر ~~هذه الآية يقع في مقامين: # الأول: أن تقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها، والدليل عليه أنه ~~تعالى قال: وهم بها لولا أن رأى برهان ربه[252] وجواب لولا هاهنا مقدم، وهو ~~كما قال: قد كنت من الهاكلين لولا أن فلان خلصني. # قلت: ويقوي هذا ما رواه أبو حاتم قال: كنت أقرأ كتاب غريب القرآن على أبي ~~عبيدة فلما انتهيت إلى قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها، قال أبو عبيد: هذا ~~على التقديم والتأخير، كأنه أراد ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم ~~بها، ذكر في الغريبين للهروي. PageV18P420 # الثاني: أن نقول سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول وهم بها لا يمكن حمله ~~على ظاهره؛ لأن تعليق الهم بذات المرأة محال؛ لأن الهم من حسن القصد، ~~والقصد لا يتعلق بالذوات النافية، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل ~~متعلق ذلك الهم، وذلك الفعل غير مذكور، فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع ~~الفاحشة بها، ونحن نضهر سببا آهر يغاير ما ذكروه، وبيانه من وجهين: # الأول: أن المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها من ذلك ~~القبح؛ لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل احد على القصد الذي يليق ~~به فلائق بالمرأة تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث ~~إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، فيقال هممت بفلان أي بضربه وبدفعه. # والثاني: أن يفسر الهم بحديث النفس، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن ~~والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي، فلابد وأن يقع هناك بين ~~الشهوة والحكمة، وبين النفس والعقل محادثات ومنازعات فتارة تقوى دائرة ~~الطبيعة والشهوة، وتارة تقوى داعية العقل والحكمة، انتهى. # قلت: وهذا الجواب هو الحق الذي يجب المصير إليه لقيام الأدلة الواضحة ~~عليه، والله أعلم. PageV18P421 # واعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها همت به أتبعه يكيفية طلبها وهربه، فقال: ~~{واستبقا الباب} الاستباق طلب السبق إلى الشيء، أي أسرعا ms1701 إلى الباب، أما ~~يوسف فأسرع إليه هربا منها، وحاول الخروج من الباب، وأما هي فأسرعت إليه ~~طلبا له {وقدت قميصه من دبر} لأنها أدركته، وقد فتح بعض الأغلاق، فجذبته من ~~ورائه فشقت قميصه إلى ساقه، وسقط عنه وتبعته {وألفيا سيدها لدى الباب} ~~والقبط يسمون الزوج السيد، تقول المرأة لبعلها سيدي، وإنما لم يقل سيدهما ~~لأن يوسف ما كان مملوكا لذلك الرجل في الحقيقة، والمراد أنما صادفا ووجدا ~~زوجها عند الباب يريد أن يدخل، وقيل: كان جالسا مع ابن عم المرأة، فلما ~~رآها على الهيئة المريبة أحالت بالذنب على يوسف {قالت ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم} هذا قولها لزوجها لتدفع الريبة ~~بإلقائها على يوسف الكذب، ولو صدق حبها لم تفعل ذلك به، ولما أغرت به وجب ~~عليه الدفع عن نفسه بأن {قال هي راودتني عن نفسي} ولولا وجب عليه نفي ~~التهمة لكتم عنها لكرمه وحلمه، إلا أنه لما خاف على النفس والعرض أظهر ~~الأمر، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف دليلا يدل على أنه بريء من الذنب، وأن ~~المرأة هي المذنبة، وهو قوله: {وشهد شاهد من أهلها إن كان} أي شهد فقال: إن ~~كان {قميصه قد من قبل فصدقت} لأنها تكون مدافعة عن نفسها، أو شرع من خلفها ~~فيعثر في مقادم قميصه فيشقه {وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين} لأنه الهارب وهي الطالبة، وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال: PageV18P422 # الأول: أنه كان لها ابن عم، وكان رجلا حكيما، أو اتفق ذلك أن كان[253] مع ~~الملك يريد أن يدخل عليها، فقال: قد سمعنا الجلبة من وراء الباب، وشق ~~القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فقال: أيها الملك إن كان القميص ~~قد من قبل فهي صادقة في قولها؛ لأنه يمكن أن يكون دفعته عند مقابلته لها، ~~وإن كان الأمر كذلك فهو من الكاذبين عليها، وإن كان قميصه قد من دبر فهي ~~كاذبة عليه؛ لأنه لحقته وهو مدبر، وأقبلت هي ms1702 إليه حتى قدت قميصه وخرقته ~~عليه، وهو إن كان الأمر كذلك صادق في قوله فصح فيما ادعى من أمره وفعله ~~{فلما رأى} الملك {قميصه قد من دبر} صح عنده كيدها، وصح أنه صادق في إدباره ~~عنها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم أحق بالصدق منها، فلذلك {قال} الملك، ~~وقيل ابن عمها {إنه من كيدكن} يريد أن فعالك هذا هو من احتيال النساء {إن ~~كيدكن} أي احتيالكن {عظيم}. # والقول الثاني هو المذكور عن الهادي عليه السلام وهو منقول عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والضحاك أن ذلك الشاهد كان صبيا أنطقه الله تعالى. # والثالث: قال في البرهان: أراد بالشاهد القميص المعدود؛ لأنه قال: إن كان ~~قميصه قد من قبل وإن كان قميصه قد من دبر الآية، لأن الرجل إذا طلب المرأة ~~كان مقبلا عليها فيكن شق قميصه من قبله دليلا على هربه وهذه أحد الآيات ~~الثلاث في القميص الذي كان عليه. PageV18P423 # واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عن ذلك الفعل المنكر، حكى الله تعالى ~~أنه قال: {يوسف أعرض عن هذا} الأمر كله، والقائل الزوج، وقيل: إنه من قول ~~الشاهد، ومعناه اعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها، ولا يحصل ~~العار العظيم بسببها، وكما أمر بكتمان هذه الواقعة أمر المرأة بالاستغفار ~~فقال: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} نسبه لها إلى أنها كانت كبيرة ~~الخطأ فيما تقدم، وقال من الخاطئين يعني المذنبين، يقال: لمن قصد الذنب خطأ ~~ولمن لم يقصده أخطأ، وإنما قال من الخاطئين لتغليب المذكر على المؤنث. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قوله واستغفري هذا قول الله عز وجل ~~لنبيه يوسف، والآمر بذلك الله لرسوله، والمبلغ إليها بالأمر والاستغفار هو ~~الشيء، قال لها عند ذلك استغفري الآية، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {وقال نسوة في المدينة} بالتذكير؛ لأنه فعل الجمع، وتقدير ~~الكلام قال جمع نسوة في المدينة وهي مصر. # قال الكلبي: أربع نسوة امرأة ساقي العزيز، وامرأة خبازه، وامرأة صاحب ~~ديوانه، وامرأة صاحب سجنه، وزاد مقاتل ms1703 امرأة الحاجب، والأشبه أن تلك ~~الواقعة شاعت في البلد، واشتهرت وتحدث بها النساء وقلن: {امرأة العزيز ~~تراود فتاها عن نفسه} الفتى الحدث الشاب، والفتاة الجارية الشابة {قد شغفها ~~حبا} أي دخل حبه شغاف قلبها حتى وصل الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وهو جلدة ~~رقيقة بيضاء تكون على القلب وربما سميت لباس القلب، وقرئ في السواد قد ~~شغفها حبا بالغين غير معجمة، وقيل إن الشغف بالعين الحيوان، وبالغين هو ~~الحب، قال أبو ذؤيب: # فلا وجد إلا دون وجد وجدته # أصاب شغاف القلب والقلب شغف PageV18P424 وقيل: معناه أن حبه أحاط بقلبها إحاطة الشغاف بالقلب، ومعنى أحاطت ذلك ~~الحب[254] بقلبها أنه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة، فلا تعقل ~~سواه ولا يخطر ببالها غيره، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد. # قال ابن السكيت: يقال شغفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق، وشغف الهنا ~~التغيير إذا بلغ إلى حد الاحتراق، فكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال: ~~الشغف بالغين إحراق القلب مع لذة يجدها كما أن البعير إذا أهي بالقطران بلغ ~~منه مثل ذلك ثم يستروح إليه، وقوله حبا نصب على التمييز، ثم قال حاكيا {إنا ~~لنراها في ضلال مبين} أي في ضلال ظاهر عن طريق الرشد وعدول عن الحق حبها ~~إياه، ثم قال تعالى: {فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن} أي سمعت قولهن، وإنما ~~سمي قولهن مكرا لوجوه: # أحدها: أنهن وقعن في غيبتها، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر. # والثاني: أن امرأة العزيز أسرت إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان السر، ~~فلما أظهرن هذا السر كان ذلك غدرا منهم ومكرا. # الثالث: أن النسوة إنما ذكرن ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف، والنظر إلى ~~وجهه؛ لأنهن عرفنا أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهم لتمهد عذرها عندهن، ~~والمعنى أنها لما سمعت أنهن عبنها على تلك المحبة المفرطة أرادت ~~إبلا.....عذر نفسها، فاتخذت مأدبة ودعت جماعة من أكابرهن {وأعتدت لهن متكأ}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه قربت لهن وأحضرت فرشا ومضطجعا ~~ليتكين ms1704 على الفراش والمهاد ويضطجعن على الحشايا والوساد. PageV18P425 # قال في البرهان: ويجوز أن يكون معناه الطعام لقول العرب اتكأنا عند فلان أي ~~أطعمنا عنده، وأصله أن من دعى إلى طعام أعد له متكأ، فسمي الطعام متكأ على ~~الاستعارة {وآتت كل واحدة منهن سكينا} لتصالح بها ما تأكل، وحاصل الكلام ~~أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلسا معينا، وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا إما لأجل أكل الفواكه، أو لأجل قطع اللحم، ثم إنها أمرت يوسف ~~عليه السلام {وقالت اخرج عليهن} ولم يعلم رسول الله أن ثم نسوة ينظرنه ولا ~~يتعمدن محاسنه ويقصدنه، ولو علم بذلك لما رضي به، ولغطى وجهه حياء من ربه، ~~وإنما حكى الله عز وجل ما أرادت بخروجه وقصدت وما أضمرت من القبح وتعمدت، ~~وهو لم يتعمد ذلك ولم يقصد إليه، ولولا ذلك لما أثنى الله عليه، وقيل إنه ~~عليه السلام ما كان يقدر على مخالفتها خوفا منها، وإنما دفعت إلى كل واحدة ~~الظاهر سكينا معونة على الأكل، وفي الباطن ليظهر من دهشهن فتقع أيدهن على ~~أيديهن فيقطعنها؛ لأن المتكى إذا بهت بشيء وقعت إحدى يديه على الأخرى {فلما ~~رأينه أكبرنه} وأجللنه واستحيين منه وعظمنه، وهوينه حينئذ وأحببنه لما لقين ~~فيه من أمارات الخير ودلائل النبوة {وقطعن أيديهن} بالسكاكين ولم يجدن ألما ~~لشغل قلوبهن بحسنه. PageV18P426 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فروي أنهم قطعن أيديهن وذلك معروف من ~~طباع الآدميين إذا اشتغلت قلوبهن وضلت من الهموم عقولهن....... حينئذ ~~وتحركت جوارحهم وقلقلت أفئدتهم عند قلق نفوسهم، فمنهن من يحد في الأرض ~~ومنهم من يعبث بيده ولحمه لما داخله من همه، وزوال عقل، ثم قال تعالى: ~~{وقلن حاش لله} أي معاذ الله، وهي كلمة تنزيه الله من صفات العجز وتعجبا من ~~خلق مثله حتى قلن {ما هذا بشرا} أي من جملة البشر لما يشاهدون من حسنه ~~البارع، وجماله البديع، ودلائل الخير، وأمارات الصدق وعلامات النبوة، وآثار ~~الصفوة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام ما حرف نفي، وقيل: إن ما ms1705 في هذا الموضع ~~هي مشبهة بليس، ومن هذا الوجه زعموا صار خبرها نصبا[255] ويمكن والله أن ~~يكون نصب بشرا على ما يعرفون من الضمير، وهو ما نراه بشرا {إن هذا إلا ملك ~~كريم} فلا نلومك على حبه، وهذا علو منهن حتى جاوزن به حد الآدميين، وذهبن ~~به إلى الملائكة المقربين، وهذا جهل منهن وغلط وعلو في قولهن. # وقال الرازي: في معنى ذلك وجهان: # الأول: وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا: لأنه ~~تعالى وكد في الطباع أن لا حي أحسن من الملك كما وكد فيها أن لاحي أقبح من ~~الشيطان، ولذلك فإنه تعالى قال في صفة جهنم طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وذلك ~~لما ذكرناه أنه تقرر في الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان، وكذلك هاهنا ~~تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك، فلما أرادت النسوة المبالغة في ~~وصف يوسف بالحسن، لا جرم شبهنه بالملك. PageV18P427 # والوجه الثاني: قال وهو الأقرب عندي أن المشهور وعند الجمهور أن الملائكة ~~مطهرون عن بواعث الشهوة، وحوادث الغضب، ونوازع الوهم والخيال، فطعامهم ~~توحيد الله وشرابهم الثنا على الله، ثم إن النسوة لما رأين يوسف عليه ~~السلام لم يلتفت ورأين عليه هيبة النبوة، وهيبة الرسالة، وسيماء الطهارة، ~~قلن ما رأينا فيه أثرا من الشهوة ولا شيئا من البشرية، ولا صفة من ~~الإنسانية، فهذا قد يظهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر، فهو قدير من حد ~~الإنسانية ودخل في الملائكة. # واعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حبا إنا لنراها في ~~ضلال، عظم ذلك عليها فجمعتهن، فلما رأينه وعظمنه وهوينه {قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه} ولم تقل هذا وهو حاضر رفعا لمنزلته في الحسن، ودلالة على بعدها ~~عن منازل البشر، فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق؛ لأنهن لما نظرن إليه نظرة ~~واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع أنه طال كونه عندها، أو لأن النسوة كن يقلن ~~إنها عشقت عبدها الكنعاني، فلما رأينه ووقعن في تلك الدهشة قالت هذا الذي ~~رأيتين هو ms1706 ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه، يعني أنكن لم تتصورنه حق ~~تصوره، ولو حصلت في خيالكن صورته لتركتن هذه الملامة. # واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة ~~الحال فقالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم} أي امتنع أشد الامتناع، قال ~~الشاعر: # فاستعصم الشيخ عما جئت أطلبه ... ورد قولي لأسباب الحميات PageV18P428 واعلم أنه عليه السلام لما كان في عصمة وهو يجتهد في طلب الزيادة منها كان ~~هذا برهانا لا أنور منه على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به ~~الهم منه، وقد حكى بعض ذلك عنهم في الكشاف، وقال هذا أو نحوه مما يورده أهل ~~الحشو والجبر دينهم بهت الله وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من ~~مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله سبيل، ثم قالت: {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن ~~وليكون من الصاغرين} والمراد أن يوسف إن لم يوافقها على مرادها ليوقع في ~~السجن والصغار، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأبين عظيم في حق كل رفيع ~~النفس، جليل القدر، عظيم الخطر، مثل يوسف. # واعلم أن المرأة لما قالت ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن وليكونن من ~~الصاغرين، {قال} يوسف عليه السلام: {رب} أي يا رب {السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه} النسوة؛ لأنهن زين له طاعتها وخوفنه منها، فكان الحبس ~~والتعذيب أهون عنده من الدخول في معصية الله[256]عز وجل باختياره صلى الله ~~عليه وآله وسلم عذاب المخلوقين على الدخول في سخط رب العالمين، فانظر أي ~~ورع حكى عنه أصدق الصادقين، حتى أنه اختار السجن والعذاب مع المذنبين على ~~معصية رب العالمين فصلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين ثم قال: {وإلا ~~تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} الذين لا يعملون بما يعلمون؛ ~~لأن من لم يعمل بعلمه فهو جاهل، يقال صبا إلى اللهو، ويصبوا أصبوا إذا مال، ~~الصوب هو الرجوع إلى الشيء، قال الشاعر: # صبوت إلى اللهو بعد المشيب # وقد كنت للهو قدما تروكا PageV18P429 وهذا فزع منه إلى إلطاف الله وعصمته، كعادة ms1707 الأنبياء والصالحين، وأراد ~~الاستزادة من العصمة والمعونة من الله فيما عزم، ووطن نفسه عليه من الصبر، ~~لا أنه طلب الاختيار على التعفف والإلجاء إليه {فاستجاب له ربه} إنما ذكر ~~الاستجابة ولم يتقدم الدعا؛ لأن قوله وإلا تصرف عني فيه معنى طلب الصرف، ~~والدعا باللطف {فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع} المجيب لدعوات الملتجئين ~~إليه {العليم} بأحوالهم، وما يصلحهم، قوله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما ~~رأوا الآيات ليسجننه حتى حين}. # اعلم أن زوج المرأة كان قد ظهر له براءة ساحة يوسف عليه السلام فلا جرم ~~لم يتعرض، واحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل التي تحمل على موافقتها على ~~مرادها، فلم يلتفت يوسف عليه السلام عليها فلما أيست منه احتالت في طريق ~~آخر، وقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس يقول لهم أني ~~روادته عن نفسه، وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج ~~واعتذر وإما أن تحبسه كما حبسني، فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح ~~حبسه حتى أسقط على ألسنة الناس ذكر هذا الحديث، وحتى تقل الفضيحة، فهذا هو ~~المراد من قوله ثم بدا لهم إلى آخره؛ لأن البدء عبارة عن تغيير الرأي عما ~~كان عليه في الأول، والمراد من الآيات والعلامات الشواهد على براءته من قد ~~القميص من دبر، ومعنى إلى حين أي إلى زمان، قيل: سبع سنين أو عشرا أو إلى ~~انقطاع الأئمة. # قال أهل اللغة: الحين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه ~~والطويل. # قال ابن عباس: يريد إلى انقطاع القالة، وما شاع في المدينة من الفاحشة. # وقال مقاتل بن سليمان: حبس يوسف لقوله تعالى وادكر من بعد أمة. PageV18P430 # وأما قوله: {ودخل معه السجن فتيان} فهاهنا محذوف، والتقدير لما رأوا حبسه ~~حبسوه، وحذف ذلك لدلالة قوله: ودخل معه السجن فتيان، قيل: هما غلامان كان ~~للملك الأكبر الوليد بن الزيان بمصر، قيل: إن أحدهما خازن الملك على طعامه، ~~وكان الآخر ساقيه على شرابه، رفع إليه أن صاحب طعامه ms1708 يريد أن يسمه، وأن ~~الآخر يساعده عليه، فأمر بحبسهما فادخلا السجن ساعة أدخل يوسف. # قال في البرهان: روى أنهما قالا ليوسف عليه السلام وقد حبسا معه: والله ~~لقد أحببناك حين رأيناك، فقال يوسف عليه السلام أنشدتكما الله إن أحببتماني ~~فما أحبني أحدا إلا دخل علي من حبه بلا، لقد حبتني عمتي فدخل علي[257]على ~~من حبها بلا، ثم أحببني أبي فدخل علي من حبه بلاء، ثم أحببتني زوجة صاحبي ~~فدخل علي من حبها بلاء {قال أحدهما} وهو الساقي {إني} أرأى في المنام ~~أني{أعصر خمرا} في كأس الملك، أي عنبا يسميه له بما يؤل إليه أو هو على حذف ~~المضاف، والمعنى أعصر عنبا خمرا، أي العنب الذي يكون عصيره خمرا. # قال مجاهد: كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف وسألا عنه فقال ~~الساقي: أيها العالم إني رأيت كأني في بستان فإذا بأصل.........فيها ثلاثة ~~أغصان عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك في يدي فعصرتها ~~فيه وسقيت الملك فشربه، فذلك معنى قوله إني أراني أعصر خمرا {وقال الآخر ~~إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} هذا صاحب الطعام، قال: إني ~~رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز، وألوان الطعام، وإذا سباغ الطير ~~تنهش منه. PageV18P431 # قال في البرهان: وسبب قولهما ذلك أنهما سألاه عن علمه، فقال: إني أعبر ~~الرؤيا فسألاه عن رؤياهما، قيل: إن رؤياهما رؤيا صدق رأياها وسألا عنها، ~~وقيل إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبا فلما أحابهما عن التأويل قالا: ~~إنما كنا نلعب، قال: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، ومعنى {نبئنا بتأويله} ~~أي بعبارته وما يؤل إليه {إنا نراك من المحسنين} تؤثر الإحسان، وتؤتي مكارم ~~الأخلاق، وجميع الأفعال، لأنه كان يعود مريضهم ويعزي حزينهم، ويوسع على من ~~ضاق مكانه منهم، وينصرهم في الدين والعلم. # وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم، وطال حزنهم فجعل يقول: ~~ابشروا اصبروا تؤجروا إن لهذا الأجر، فقالوا: بارك الله عليك ما أحسن وجهك، ~~وأحسن خلقك، لقد بورك ms1709 لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي ~~الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: ~~لو استطعت خلت سبيلك، ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت، وقيل: ~~الذي يحسنون عبارة الرؤيا؛ لأنهما أبصراه يقص عليه بعض أهل السجن رؤيا فجود ~~في عبارتها، قوله تعالى: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ~~قبل أن يأتيكما}. # اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه فلابد هاهنا من ~~بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام، وقد ذكر العلماء ~~فيه وجوها: # الأول: أنه لما كان جواب السائلين أنه يصلب ولا شك أنه إذا سمع ذلك عظم ~~حزنه، واشتدت نفرته عن سماع هذا الكلام، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما ~~يوثق بعلمه وكلامه حتى إذا جاء بهما بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون سببا ~~لتهمة وعداوة. PageV18P432 # والثاني: وهو الأحسن وهو معنى كلام الكشاف أنهما لما استعبراه ووصفاه ~~بالإحسان غنم الفرصة في أن يذكر لهما التوحيد، ويزين لهما الإيمان، ويقبح ~~إليهما الشرك بالله، فوصف نفسه بما هو فوق علم العلماء من الإخبار بالغيب، ~~فيقول اليوم يأتيكما طعام صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبر فقالا: كيف عرفت ~~هذا ولست بساحر ولا كاهن؟ فأشار إلى وضع نفسه وأنه عبد معلم، فقال: {ذلكما ~~مما علمني ربي} بالوحي، ولم أقله عن تكهن، وهذه طريقة كل ذي علم أن يسلكها ~~مع الجهال والفسقة إذا استفتاه أحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد ~~والموعظة[258]والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما ~~استثنى فيه، ثم........بعد ذلك، ثم علل اهتداه إلى ذلك بما يرغب في الإيمان ~~فقال: {إني تركت ملة قوم} يعني أهل مصر، ومن كان الفتيان على دينهم {لا ~~يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} وتكرير قوله هم للدلالة على اختصاصهم ~~بالكفر بها، وأن علمه بتأويل الرؤيا ليس بمقصود على شيء دون غيره، ولذلك ~~قال: إلا نباتكما ms1710 بتأويله، وحاصله راجع إلى أنه ادعى الإخبار عن الغيب، وهو ~~يجري مجرى قول عيسى عليه السلام وأنبئكم ما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. # وقال في البرهان: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليوم إلا نبأتكما بتأويله ~~في الصفة، ويحتمل أن يكون لا يأتيكما طعام في اليقضة إلا نبأتكما بتأويله ~~أي ما يحل منه وما يحرم. PageV18P433 # قال فيه: وإنما عدل عن تأويل ما سألاه لما فيها من الكراهة، فأخبر بترك ملة ~~قوم لا يؤمنون بالله تنبيها على نبوته، وحثا لهم على طاعة الله عز وجل، ثم ~~قال: {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} إنما ذكر آباؤه ليعلمهما ~~أنه من بيت النبوة، بعد أن عرفهما أنه شيء يوحى إليه بما ذكر من أخبار ~~الغيوب لتقوى رغبتهما في اتباع قوله، وأيضا فكمال درجة إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب كان أمرا مشهورا في الدنيا، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه ~~بعين الإجلال، فكان انقيادهم له أتم وتأثير قلوبهم بكلامه أكمل، ثم قال: ~~{ما كان لنا} أي ما صح لنا معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} أي شيء من ~~ملك أوحي أو .......، فضلا عن صنم لا يسمع ولا يبصر، إن قيل: لم قال ما كان ~~لنا أن نشرك بالله من شيء وحال المكلفين كذلك؟ PageV18P434 # فالجواب: ليس المراد بقوله ما كان لنا أنه حرم عليهم، بل المراد أنه تعالى ~~طهره وطهر آباؤه عن الكفر، ونظيره قوله تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} ~~وإنما قال من شيء؛ لأن أصناف الشرك كثيرة، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من ~~يعبد النار، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد ~~بالعقل والنفس والطبيعة، فقوله: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء رد على ~~هؤلاء الطوئاف والفرق، وإرشادا إلى الدين الحق، ثم قال: {ذلك} أي التوحيد ~~{من فضل الله علينا وعلى الناس} أي على الرسل والمرسل إليهم، إذا رشدوهم ~~إليه، أو ذلك من فضل الله علينا بأن جعلنا أنبياء، وعلى الناس أن بعثنا ~~إليهم رسلا {ولكن ms1711 أكثر الناس} المبعوث إليهم {لا يشكرون} فضل الله، فيشركون ~~ولا ينتبهون، وقيل: إن ذلك من فضل الله علينا؛ لأنه نصب الأدلة التي نظر ~~فيها ويستدل، وقد نصب مثل تلك الأدلة لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر ~~الناس لا ينظرون ولا يستدلون اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين. # واعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في هذه الآية وكان إثبات النبوات ~~مبينا على إثبات الإلهيات، لا جرم شرع بعد ذلك في تقرير الإلهيات فقال: ~~{ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} معنى يا صاحبي ~~السجن أي صاحبي في السجن أضاف الصحبة إليه لأنهما صحباه فيه كما يقال: يا ~~سارقة الليلة، وإلا فالمضمون يوسف لا السجن. PageV18P435 # واعلم أنه لما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله العالم القادر، ~~وإنما[259]الشأن في أنهم يتخذون أصنافا يعبدونها، ويتوقعون حصول النفع ~~والضرر منها، لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء في المنع من عبادة الأوثان، ~~وكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب شرع ~~هاهنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام، فقوله أرباب إشارة إلى ~~الكثرة، فجعل في مقابله كونه تعالى واحدا، وقوله متفرقون إشارة إلى كونها ~~مختلفة في الصغر والكبر، واللون والشكل، وكل ذلك إنما حصل بسبب الباحث ~~والصانع ..... على تلك الصورة، والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، ~~فأخبر تعالى أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم، وهو قوله: ~~{لو كان فيهما آلهة لفسدتا} وإنما سماها أربابا وليست كذلك؛ لاعتقادهم فيها ~~أنها كذلك، وأيضا الكلام خرج على سبيل الفرض والتقدير، والمعنى أنها كانت ~~أربابا فهي حال أمر الله الواحد القهار، فإن قيل: بما جاز التفاضل بين ~~الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال أنها خير أم الله؟ فجوابه أنه خرج على ~~سبيل الفرض، والمعنى لو سلمنا أنه حصل فيها ما يوجب الخير في خير أم الله ~~الواحد القهار، أي الغالب الذي لا يشارك في الربوبية، ثم قال: {ما تعبدون} ~~أي أنتم وأهل مصر {من دونه إلا ms1712 أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي سميتم ما ~~لا يستحق الإلهية آلهة، ثم طفقتم تعبدونها فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء ~~فارغة لا مسميات تحتها. PageV18P436 # واعلم أن جماعة ممن يعبد الأصنام قالوا: نحن لا نقول أن هذه الأصنام آلهة ~~للعالم بمعنى أنها خلقت العالم، إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ونعبدها ~~ونعظمها في اعتقادنا أن الله أمر بذلك، فأجاب الله عنه، فقال سبحانه: {ما ~~أنزل الله بها} أي تسميتها {من سلطان} أي حجة ولا برهان {إن الحكم إلا لله} ~~أي ليس لغير الله حكم واجب القبول، ولا أمر واجب الإلتزام، بل الحكم والأمر ~~والتكليف في أمر العباد، والدين ليس إلا لله ثم بين حكمه فقال: {أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم} أي الثابت بالبراهين، وذلك لأن العبادة ~~نهاية التعظيم والإجلال، فلا يليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام، وهو الله ~~تعالى؛ لأن معه الخلق والإحياء، والعقل والرزق، والهداية ونعم الله كثيرة، ~~وجهات إحسانها إلى الخلق غير متناهية، ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ~~قال: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعبدون غيره، ويسندون حدوث الحوادث ~~الأرضية إلى الإتصالات الفلكية، والمناسبات الكوكبية، ثم إن من وقف ~~لاستعمال عقله عرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد، ومبدع قادر ~~حكيم، ومن هو بهذه الصفة يكون في غاية القدرة، فلهذا قال: {ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون}. PageV18P437 # واعلم أن يوسف عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى جواز ~~السؤال المذكور أولا فقال: {ياصاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} أي ~~سيده، وذلك أن الساقي لما قص رؤياه على يوسف وقد ذكرنا كيف قص عليه، فروي ~~أنه قال له: يوسف ما أحسن ما رأيت، إما الكرمة وحسنها فهو الملك، وحسن حالك ~~عنده، وأما الأغصان الثلاثة فهي ثلاثة أيام تمضي في السجن، ثم يوجه الملك ~~إليك عند إنقضائهن فيردك إلى عملك، فتصير كما كنت بل أحسن، فبشره بالنجاة ~~وعوده إلى سقي سيده خمرا، والسيد عند العرب فهو الرب، قال الشاعر:[260] # ورثنا الملك والإنجيل نقرأ ms1713 # من غير ما حاجة إلا ليجعلنا ... ولم ندر لذوي أحلامنا عللا # على البرية أربابا فقد فعلا # أي سادة على البرية {وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} وهو الذي ~~قال: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، وكان خباز الملك، فقال ~~له يوسف لما قص عليه رؤياه: بئس ما رأيت، السلال الثلث فثلاثة أيام يوجه ~~إليك الملك عند إنقضائهن فيصلبك وتأكل الطير من رأسك. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وهذا بين، غير أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أدخل عليه الغم وفجعه بنفسه، وما كان لينتقل ذلك مع ~~بره ورحمته، لولا أنه كان مشركا، فطمع بتوبته ليقبل على رضوان الله وطاعته؛ ~~لأن البرية ضعاف لا يحتملون ولا يضطلعون بما يضطلع به النبيون والأوصياء، ~~والأئمة الصادقون، من ذلك ما أطلع الله عليه أمير المؤمنين على لسان رسول ~~رب العالمين من قتله وقتل أولاده الطاهرين، ليضطلعوا بذلك إلى الشهادة، ~~وأنهم عند الله من أهل السعادة، فلما يسمع الهالك منها تأويل رؤياه، قال: ~~إنما كنا نلعب. # قال عليه السلام: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} أي قد قضى الملك الأمر ~~الذي عنه تسألان، وهو هلاك أحدهما ونجاة الآخر. PageV18P438 # وأما قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما} فاختلفوا في أن الموصوف ~~بالضن هو يوسف أو الناجي، فقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: القائل ~~يوسف للذي ضن أنه ناج منهما، أي الذي أيقن أنه ناج من الرجلين، ولكن اليقين ~~ربما سمي في اللغة ضنا، انتهى. # واعلم أن ورود لفظ الضن بمعنى اليقين كثير في القرآن، قال تعالى: {الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم} وقال: {إني ظننت أني ملاق حسابيه}. # قال في البرهان: يعبر عن العلم بالضن، والثاني أنه ضن ذلك من غير يقين، ~~وفي ضنه وجهان: # أحدهما: لأن عبارة الرؤيا بالضن فلذلك لم تقطع به. # والثاني: أنه لم يتيقن صدقهما في الرؤيا فكان ضنه في الجواب بشك في ~~صدقهما، وقيل القائل: هو الناجي، وهذا الضن صفة له، فإن الرجلين السائلين ~~ما ms1714 كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته، ولكنهما كانا حسني الإعتقاد فيه، فكان ~~قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الضن، ثم قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل ~~الذي حكم بأنه يخرج من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك {اذكرني عند ربك} أي عند ~~سيدك الملك الأكبر، الوليد بن الريان، تأميلا للخلاص، والمعنى واذكرني عنده ~~واعلمه واخبره بمعرفتي بالتعبير، وإحاطتي بصدق عجائب التفسير، أو اذكر له ~~أني مظلوم من جهة أن إخوته أخرجوه وباعوه، ثم أنه مظلوم في هذه الواقعة ~~التي لأجلها حبست فهذا هو المراد من الذكر. # وأما قوله تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه} ففيه قولان: # أحدهما: أن الذي نجى منهما أنساه الشيطان ذكر يوسف عند سيده، لما اشتغل ~~بطاعة الشيطان وخدمة الملك البعيد من الرحمن لم يذكر وصية النبي صلى الله ~~عليه إلى سيده، هذا لكثرة ما دخل فيه من اللعب والأذى، حتى رأى الملك ~~الرؤيا، ومثل هذا ذكر الهادي عليه السلام . PageV18P439 # والثاني: قال في البرهان: إن يوسف أنساه الشيطان ذكر الله والاستعانة ~~والتعويل، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((رحم ~~الله يوسف لولا الكلمة الذي قال: اذكرني عند ربك ما لبث ما لبث، ولو ذكر ~~الله عز وجل لخلصه)) {فلبث في السجن}[261] لذلك السبب {بضع سنين} أي أقام ~~في سجن هذا الطاغوت اللعين بضع سنين، وفي البضع ثلاثة أقاويل: # أحدهما: من ثلاث إلى سبع. # والثاني: من ثلاث إلى تسع. # والثالث: من ثلاث إلى اثني عشر. # وقيل: إن المدة التي بقي يوسف عليه السلام في الحبس فيها سبع سنين، وكان ~~البضع مدة امتحانه، بعد قوله اذكرني عند ربك لا مدة حبسه، وحاصل الأمر أن ~~رجوع يوسف إلى المخلوق صار سببا لأمرين: # أحدهما: أنه صار سببا لا سبيلا للشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه. # والثاني: أنه صار سببا لبقا المحنة عليه مدة طويلة، وإنما أنكر عليه ~~الاستعانة بغير الله، وإن كانت جائزة على المذهب، لأن الأفضل التوكل لا ~~سيما للأنبياء. # قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عجبت ms1715 من أخي يوسف كيف استعان بغير الله)) ~~وإنما عجب صلى الله عليه وآله وسلم لأنه ترك عادته في الصبر، أو أنه فعل ~~بغير أذن، أو أنه كان متعبدا بأن لا يشكر على غير الله. # وأما في شريعتنا جائزة، ولكن لما اصطفى الله سبحانه الأنبياء على خليقته ~~اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها، والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ~~ببلاء إلا إلى ربه، ولا معتضدا إلا به، سيما إذا كان المعتضد به كافرا؛ لأن ~~لا يشمت به الكفار، ويقول لو كان هذا على الحق، وكان له رب يغيثه لما ~~استغاث بنا، فلما رأينا أن الله تعالى يؤاخذه بهذا القدر ولم يؤاخذه في تلك ~~القصة وما عابه، بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء، علمنا أنه عليه السلام ~~كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه. PageV18P440 # واعلم أنه تعالى إذا أراد شيئا هيأ أسبابه، ولما دنى فرج يوسف رأى ملك مصر ~~الريان بن الوليد في النوم رؤيا عجيبة هالته وهي قوله تعالى: {وقال الملك ~~إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات} أي ~~سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، وسبع بقرات عجاف، والعجاف الهزال الرقاق ~~الضعاف، قال الشاعر: # نفس الجواد الكريم باقية يوما # وإن مس جده العجف # وابتلعت العجاف السمان، وأرى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبع أخر ~~يابسات، والتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع الكهنة وذكرها ~~لهم، وهو المراد من قوله: {ياأيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا ~~تعبرون} أي تفسرون عبارتها، قال الشاعر: # فقالت لأتراب لها قطف الخطى ... تعالين أو تعبرن حلم نائم # وذلك أن الملك لما لم يعلم تأويل رؤياه نادى في قومه ليسمع بها من يكون ~~عنده علم تأويله فيعبرها له، ولما حضروا ولم يكن عندهم علم بتأويلها: ~~{قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام} الباطلة وما يؤل إليه ~~{بعالمين} وإنما التأويل للمنامات الصحيحة، واعترفوا بقصورهم وإن كانت ~~صحيحة، والمعنى هذه الرؤيا مختلطة، ولا نقدر على تعبيرها، فهذا ظاهر ms1716 هذا ~~الكلام، وفيها لطف من وجهين: # أحدها: أنها كانت سببا لخلاص يوسف عليه السلام . # والثاني: أنها كانت نذير بالجدب، فأخذوا أهبته وأعدوا له عدته، والحلم في ~~لغة العرب هو المنام، والأحلام هي[262] المنامات عندهم، قال الشاعر: # أنا والله يفرح بي صديقي ... ويحلم بي عدوي في المنام # قال في البرهان: وفي الأضغاث أربعة أقاويل: # أحدها: أخلاط أحلام. # والثاني: أقاويل أحلام. # والثالث: أكاذيب أحلام. # والرابع: ألوان أحلام. PageV18P441 # والأضغاث هي الرؤيا المشتبهة الملتبسة المختلطة، والأضغاث جمع واحده ضغث، ~~وهي الحزمة من الحشيش المجموعة بعضه على بعض، وقيل: ما ملأ الكف منه لقوله: ~~{خذ بيدك ضغثا فاضرب به}. # واعلم أن الملك لما سأل عن رؤياه واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب، وعند ~~ذلك ذكر الشاقي الذي بينهما حاله، فقال: إن في الحبس رجلا فاضلا، كثير ~~العلم، كثير الطاعة، قصصت أنا والخباز منامين عليه فذكرنا تأويلهما فصدق في ~~كل ما ذكر، وما أخطأ في حرف، فإذا أذنت مضيت إليه وجئتك بالجواب، فهذا قوله ~~تعالى: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني} ~~معنى وادكر بعد أمة أي ذكر بعد مدة من الزمان، وادكر هو افتعل وسوا فعل ~~وافتعل في المعنى، والمعنى في ذلك ادكر ولكن أدغمت الذال في الدال وأسقطت، ~~وأثبتت الدال على حالها وشددت، والأمة في ذلك هاهنا هي المدة من الزمان، ~~قال الشاعر: # أتذكر بعد مودتك البوار ... وقد قنعت من شيب عذار # أي بعد مدتك وزمانك، ومعنى أنبئكم بتأويله أي أخبركم بتفسيره فارسلون، أي ~~ابعثوني إليه لأسأله، والمعنى فأرسلوه إلى يوسف فقال: {يوسف أيها الصديق} ~~أي البليغ في الصدق، وكان قد عرف صدقه في تأويل رؤياه {أفتنا في سبع بقرات ~~سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس ~~لعلهم يعلمون} مكانك من العلم وفضلك، فيخلصوك من محنتك، وإنما قال لعلي ~~أرجع إلى الناس، ويحتمل أن يكون بمعنى كي كما مر تقرير الكلام في لعل. PageV18P442 # واعلم أنه عليه السلام لما ذكر تعبير الرؤيا {قال تزرعون سبع سنين ms1717 دأبا} ~~وهذا خبر في معنى الأمر، كقوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن، وإنما يخرج الأمر ~~في صورة الخبر للمبالغة في إجاب إتخاذ المأمور به، أي ازرعوا، ومعنى دأبا، ~~أي دائبين مستمرين على الزرع، والدأب هو المتصل الذي لا ينقطع ولا يغير. # قال أهل اللغة: الدأب استمرار الشيء على عادة واحدة، والمراد زراعة ~~متوالية في جميع هذه الشيئين، وهي السبع السمان، والسنبلات الخضر. # قال الزجاج: وانتصب دأبا على معنى يدأبون دأبا، وقيل: إنه مصدر وضع في ~~موضع الحال تقديره يزرعون دائبين {فما حصدتم فذروه في سنبله} أي في غلاقة ~~لئلا يسوس ويوقز؛ لأن ابقاء الحبة في سنبلها يوجب بقاها على الصلاح وينتفي ~~عنها الفساد {إلا قليلا مما تأكلون} فدسوه واخرجوه من سنبله إن شئتم ~~للحاجة، ثم قال {ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد} مجدبات صعاب لشدتها على ~~أهلها {يأكلن ما قدمتم لهن} أي يؤكل فيهن ما قدمتم لهن، وهذا مجاز لأن ~~السنة لا تأكل، قال الشاعر: # إن الذين قتلتم أمس سيدهم # لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما # والليل لا ينام، وإنما المعنى أهله كما أن السنين لا تأكل، وإنما يأكل ~~أهلها، قال الشاعر: # ونمت وما ليل المطي بنائم[263] # أي ما ليل المطي ينام فيه، ولما علم أن السنين لا تأكل جاز أن يجعل أكل ~~أهل تلك السنين مسندا إلى تلك السنين، وهذه تأويلات البقر العجاف والسنبلات ~~اليابسات، ومعنى {إلا قليلا مما تحصنون} أي مما تحرزون وتمنعون ووتخبؤن في ~~المخازن وتلزمون. PageV18P443 # وورد في الأثر أن يوسف عليه السلام كان يصنع طعام اثنين فيقربقه إلى رجل ~~فيأكل ويدع نصفه حتى إذا كان يوما فقربه له فأكله كله، فقال يوسف: هذا أول ~~يوم من السبع الشداد يأكلن ما قدمتم لهن، معناه: تأكلوا فيه ما ادخرتم لهن ~~إلا قليلا مما تخزنون في الحصون، ثم قال: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث ~~الناس} بالمطر والخصب، ويجوز أن يكون من قولهم أغاثه الله إذا أنقذه من كرب ~~أو غم، ومعناه ينقذ الناس فيه من كرب الجدب. ms1718 # قال المفسرون: السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم، والسبعة الثانية ~~سن القحط والقلة، وهي معلومة من الرؤيا، فأما حال هذه السنة فما حصل في ذلك ~~المنام شيء يدل عليه ما حصل ذلك من الوحي، فكأنه عليه السلام ذكر أنه يحصل ~~بعد السبعة المحصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة الخير غزيرة النعم. # وعن قتادة: زاده الله علم سنة ولم تكن في الرؤيا، وقوله: {وفيه يعصرون} ~~أي العنب، والزيتون، والسمسم، وقيل: يحلبون الضرع. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه وفيه يحتسبون الحبوب في ~~خزائنهم ويدخرون، والعصر للشيء هو الحبس له واللزم/ وقد يخرج العصر على وجه ~~آخر وهو الإيباس للحبوب بعد رطوبتها ولينها بحر الشمس حتى ينعصر ماؤها ~~وتضمر وتبس، وقد يكون العصر أيضا عصر الأدهان من الثمر مثل عصر الزيت من ~~الزيتون، ومثل عصر السليط من السمسم، وغير ذلك، والعرب تقول عصرنا الثوب من ~~الماء حتى يخرج منه ماؤه، انتهى. PageV18P444 # واعلم أنه لما رجع الساقي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه ~~السلام استحسنه {وقال الملك ائتوني به} أي بيوسف {فلما جاءه الرسول} إلى ~~السجن، قال: أجب الملك، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ~~ينكشف أمره، وتزول التهمة بالكلية عنه، فلذلك {قال ارجع إلى ربك} أي سيدك ~~الملك {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} أي ما شأنهن، وما السبب ~~في تقطيعهن أيديهن. # قال في البرهان: وإنما توقف عن الخروج من طول حبسه ليظهر للملك عذره قبل ~~حضوره، فلا يراه مذنبا ولا خائنا. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((رحم الله يوسف ~~كان ذا أناة، لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت سريعا)) وفي سؤاله عن ~~النسوة اللاتي قطعن أيدهن دون امرأة العزيز التي سعت في إلقائه في السجن ~~الطويل قولان: # أحدهما: أنه صيانة لها؛ لأنها زوجة الملك لم يبذلها بالذكر. # والثاني: أنه أرادهن دونها؛ لأنهن الشاهدات له عليها، وفي تقديمه عليه ~~السلام سؤال النسوة قبل خروجه ms1719 لتظهر براءته مما قذف به، لئلا يتوصل به ~~الحاسدون إلى تقبيح أمره دون الملك، دليل على وجوب الإجتهاد في نفي التهمة. # قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا ~~يقفن مواقف التهم)) ثم قال يوسف عليه السلام بعد ذلك: {إن ربي بكيدهن عليم} ~~لا يعلمه غيره، لبعد غوره، أو وعيد لهن، ولما رجع الرسول إلى الملك دعا ~~بالنسوة، ثم {قال ما خطبكن} أي ما شأنكن، والخطب أمر تعظيم، ويجري في ~~الخطاب[264] {إذ راودتن يوسف عن نفسه} وإنما جمعهن في المراودة؛ لأنهن ~~أمرنه بمطاوعة سيدته، أو المراد من صفة الجمع الواحد كقوله تعالى: {قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}. PageV18P445 # قال في البرهان: وهذا سؤال الملك قد تضمن تنزيه يوسف لما قد يحيله من صدقه ~~لطفا من الله تعالى به حتى لا تشرع واحدة فيهن إلى الكذب عليه {قلن حاش ~~لله} تعجبا من عفته، أي من أن نتهم به {ما علمنا عليه من سوء} فشهدن له ~~بالبراءة من السوء على علمهن؛ لأنها شهادة على نفي، ولو كانت شهادتهن على ~~إثبات لشهدن قطعا، وهذا حكم الله تعالى في الشهادات أن تكون على العلم في ~~النفي، وعلى القطع في الإثبات. # واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات ~~والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها، فكشفت عن الغطاء وصرخت بالقول الحق، ~~ذلك قوله تعالى حاكيا عنها: {قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} أي وضح ~~وانكشف. PageV18P446 # قال في البرهان: ومعناه تبين الحق، وأصله مأخوذ من قوله حص شفره إذا استأصل ~~قطعه، ومنه الحصة من الأرض إذا قطعت منها، ومعنى حصحص الحق انقطع عن الباطل ~~لظهوره وبيانه، وفيه زيادة تضعيف دل عليه الاشتقاق، ومثل قوله كبوا فكبكوا ~~{أنا راودته عن نفسه} فاستعصم {وإنه لمن الصادقين} في قوله هي راودتني عن ~~نفسي، وهذا القول منها وإن لم يسأل عنه إظهار لتوبتها، وتحقيق لصدق يوسف ~~ونزاهته؛ لأن إقرار المقر أقوى من الشهادة عليه، فجمع الله تعالى ليوسف في ~~إظهار ms1720 صدقة الشهادة والإقرار حتى لا يخامر نفسا ظن، ولا يخالطها شك، ثم إن ~~يوسف عليه السلام قال: {ذلك} أي الثبت والبراءة {ليعلم} العزيز {أني لم ~~أخنه بالغيب} أي في حال غيبته، وقيل: ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول، ~~يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان ليعلم أني لم أخنه بالغيب، ثم ~~ختم الكلام بقوله: {وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} أي لا ينفذه ولا يسدده، ~~كأنه تعريض له ليجافي خيانتها زوجها، وبالعزيز في خيانته أمانة الله حين ~~ساعدها على حبسه بعد ظهور الآيات، وهذا قول أكثر المفسرين، ويحتمل أن هذا ~~الكلام من قول امرأة العزيز عطفا على ما تقدم، أي ذلك ليعلم يوسف أني لم ~~أخنه بالغيب، أي لأن في غيبة يوسف بالكذب عليه وإضافة السوء إليه؛ لأن الله ~~لا يهدي كيد الخائنين، ومعناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم؛ لأني لما ~~أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئا عن الذنب لا جرم ~~طهره الله عنه. PageV18P447 # قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحة أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرا ~~في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها الآن حصحص الحق أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ففي تلك الحال يقول يوسف عليه السلام ذلك ليعلم ~~أني لم أخنه بالغيب، بل يحتاج إليه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى ~~السجن ويذكر له الحكاية، ثم إن يوسف عليه السلام يقول باتدأ ذلك بأني لم ~~أخنه بالغيب، ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأحسنين ما جاء في نظم ولا نثر، ~~فعلمنا أن هذا من كلام المرأة، والله أعلم. # قوله تعالى: {وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي} أعلم ~~أن تفسير هذا مختلف باختلاف ما قبلها، ففيها وجهان على ما مضى: # أحدهما: أنه من قول يوسف عليه السلام أراد هضم نفسه؛ لأن لا يكون مزكيا ~~لها معجبا، وبين أنما فيه[265] الأمانة إنما هو بتوفيق الله ولطفه، والمعنى ms1721 ~~وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبح، راغبة في المعصية، ~~فترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة، ولعدم ميل النفس والطبيعة، فإن النفس ~~أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، أي إلا البعض الذي رحم بالعصم كالملائكة، أو ~~إلا وقت رحمة ربي، أي وقت العصمة، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، أي ولكن ~~رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة {إن ربي غفور رحيم} أي غفور للتائبين ~~ولصغائر المعصومين، رحيم حيث عصمهم، ويحتمل أن يريد إلا ما رحم ربي من ~~المؤمنين فإنه لا يقبل وساوس نفسه، ولا يحكمها أبدا على عقله. # والثاني: أن هذا من كلام امرأة العزيز وما أبرئ نفسي إن كنت راودت يوسف ~~عن نفسه؛ لأن النفس باعثة على السوء إذا غلبت الشهوة عليها، إلا ما رحم ربي ~~في قهره لشهوة نفسه، أو في نزع شهوته منه، والأول هو الوجه؛ لأن المعنى ~~عليه وهو صريح قول القاسم عليه السلام ، والله أعلم. PageV18P448 # ثم قال تعالى: {وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي} اختلفوا في هذا الكلام ~~فقيل: إنه العزيز، والأصح أنه الربان الذي هو الملك الأكبر، لوجهين: # أحدهما: أن قول يوسف اجعلني على خزائن الأرض يدل عليه. # الثاني: أن قوله استخلصه لنفسي يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا، وقد ~~كان يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز، فدل هذا على أن الملك الأكبر ~~لما علم أمانة يوسف اختاره ليسستخلصه لنفسه في خاص خدمته، وتقدير الكلام أن ~~الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه: # أحدها: أنه عظم اعتقاده في علمه، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب ~~الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه. # وثانيها: أنه عظم اعتقاده في صبره وثباته، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن ~~بضع سنين لما أذن له في الخروج لم يسارع إلى الخروج، بل صبر وتوقف وطلب ~~أولا ما يدل على براءة حاله عن جميع التهم. # وثالثها: أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه، وذلك لأنه اقتصر على قوله ما بال ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ms1722 وكان غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها، وتعرض ~~لأمر سائر النسوة مع أنه وصل إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلايا، وهذا ~~من الأدب العجيب. # ورابعها: براءة حاله عن جميع أنواع التهم، فإن الخصم أقر له بالطهارة ~~والنزاهة والبراءة عن الجرم. # وخامسها: أن الساقي وصف له جده في الطاعات واجتهاده في الإحسان إلى الذين ~~كانوا في السجن. PageV18P449 # وسادسها: أنه بقي في السجن بضع سنين مع أنه لم يكتب إلى الملك، ولم يلتمس ~~منه تخليصه من السجن، فهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الاعتقاد في ~~الإنسان فكيف مجموعها، فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه، وإذا أراد الله ~~شيئا جمع أسبابه وقواها، ومعنى استخلصه لنفسي أي لا يشركني فيه أحد، يقال: ~~استخلصه واستخصه إذا جعله خالصا لنفسه {فلما كلمه} أي كلم الملك يوسف وشاهد ~~منه ما لم يحتسب {قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} أي متمكن في المنزلة ~~الرفيعة، والمكين هو الحبيب الذي قد تمكنت محبته واستقرت، وثبتت في القلوب ~~مودته، قال الشاعر[266]: # تمكن الحب في قلبي فبحت به # ولو طمعت بكتم الحب ما انكتما # وأمين أي مؤتمن ثقة على كل شيء، قيل: لما صار يوسف إلى الملك وكان في ذلك ~~الوقت ابن ثلاثين سنة، فلما رآه الملك حدثا شابا قال للساقي: هذا هو الذي ~~علم تأويل رؤياي شفاها؟ فأجابه بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته، فعند ~~ذلك قال له الملك: إنك اليوم لدينا مكين أمين. # قال المفسرون: لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك بين يديه قال له ~~الملك: فما تر أيها الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا ~~كثيرا، وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام، فإذا جاءت السنون المجدبة تعبأ ~~الغلات فتحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال: ومن لي بهذا الشغل؟ {قال} يوسف ~~{اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} أي على خزائن أرض مصر أدخل الألف ~~واللام والمراد منه المعهود السابق، ومعنى حفيظ عليم أي حفيظ لما ~~استودعتني، عليم بوجوه التصرف فيما وليتني، وصفه نفسه بخصلتين ms1723 هما: طلبه ~~الملوك وهما الأمانة والكفاية، وإنما طلب ذلك توصلا إلى إمضاء أحكام الله، ~~لا لحب الملك والدنيا، وإذا علم النبي أو العالم إلى أنه لا سبيل إلى الحكم ~~بأمر إلى بتمكين الكافر أو الفاسق فله ذلك. PageV18P450 # قال في البرهان: وفي هذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه لما فيه من ~~علم وفضل، وليس هذا على الإطلاق في عميم الصفات، انتهى. # وروي عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لو لم يقل اجعلني ~~لاستعمله من ساعته)) لكنه أخر ذلك سنة. # قال بعض المفسرين: وهذا من العجائب؛ لأنه لما تثاقل عليه الخروج من السجن ~~سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه، ولما سارع في ذكر هذا الالتماس أخر ~~الله تعالى ذلك المطلوب عنه، وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض بالكلية ~~إلا الله أولى، وإنما جاز أن يطلب منه الولاية؛ لأنه قد أسلم، وقيل كان ~~الملك تبعا ليوسف في كل ما رأى، وقيل: فيه دليل على جواز التولي من ~~الظلمة.............وغيره من الاستعانة بهم، وقالوا: كان السلف يتولون من ~~البغاة. # قلت: وهذا لا يجوز لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم بإنفاذه ~~أعمالهم، والله سبحانه يقول: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} ~~والله أعلم. # وأما ولاية يوسف من قبل فرعون فقد قال بعض أئمتنا عليهم السلام فيه وجهان: # أحدهما: أن فرعون كان صالحا، وإنما الطاغي كان فرعون موسى. # والثاني: أن يوسف نظر له في أعماله دون أملاكه فزالت عنه التبعة فيه، ~~وهذا أحسن الوجوه، انتهى. # وقد أجاب بعض المفسرين عن كل سؤال برد فقال: إن التصرف في أمور الخلق كان ~~واجب عليه فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان، إنما قلنا ذلك التصرف كان ~~واجبا عليه لوجوه: # الأول: أنه كان رسولا حقا من الله تعالى إلى الخلق، والرسول يجب عليه ~~رعاية مصالح الأمة بقدر الإمكان. # والثاني: وهو أنه أعلم بالوحي أنه سيحصل القحط والضيق الشديد الذي ربما ~~أفضى إلى هلاك الخلق العظيم، فلعله تعالى أمر بأن ms1724 يدبره في ذلك، ويأتي ~~بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق. PageV18P451 # والثالث: أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين، ودفع الضرر عنهم أمر ~~مستحق في العقول، وإذا أثبت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية ~~المصالح من هذه الوجوه، وما كان يمكنه رعايتها إلى بهذا الطريق، وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب[267]فكان هذا الطريق واجبا، ولما كان واجبا سقطت ~~الأسولة بالكلية. # واعلم أن يوسف لما التمس من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لم يحك الله ~~عن الملك أنه قال قد فعلت، بل الله سبحانه قال: {وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض} أي ومثل ذلك التمكين الظاهر مكنا ليوسف في أرض مصر. # روي أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين، وفي الكلام هاهنا محذوف، وتقديره: ~~قال الملك قد فعلت إلا أن يمكن الله في الأرض، يدل على أن الملك قد أجابه ~~إلا ما سأل. PageV18P452 # روي أن الملك توجه وجعل خاتم الملك في أصبعه وقلده بسيفه، ووضعه له سرير من ~~ذهب مكللا بالدر والياقوت، فقال يوسف عليه السلام: أما السرير فاشدد به ~~ملكك، وأما الخاتم فأدبر به ملكك، وأما الثالث فليس لباس آبائي، وجلس على ~~السرير ودانت له الملوك، وفوض الملك إليه أمره، وعزل الملك قطفير زوج ~~المرأة المعلومة، ومات بعد ذلك فزوجه الملك امرأته، فلما دخل عليها قال: ~~أليس هذا خير مما طلبت فوجدها عذراء، فولدت له ولدين أقرانيم وميشا، وأقام ~~العدل بمصر وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، ~~وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السني الأولى بالدراهم والدنانير، ~~ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم ~~برقابهم حتى استرقهم جميعا، فقالوا: والله ما رأينا ملكا أعظم شأنا من هذا، ~~أصار كل الخلق عبيدا له، فلما سمع ذلك قال: أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن ~~آخرهم، ورددت لهم أموالهم، وكان لا يبيع من أحد ممن يطلب الطعام أكثر من ~~حمل بعير، تقسيطا بين الناس، لئلا ms1725 يضيق الطعام على الباقين الممتارين، ~~وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب عليه السلام ~~بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين، قوله: {يتبوأ منها حيث يشاء} في موضع نصب ~~على الحال، تقديره مكناه متبوا، وقرأ ابن كثير نشاء بالنون مضافا إلى الله ~~تعالى، والباقون بالياء مضافا إلى يوسف، والمعنى يتخذ من أرض مصر منزلا حيث ~~يشاء، أو يضع في الدين ما يشاء لتفويض الأمر إليه. PageV18P453 # واعلم أن قوله: {يتبوأ منها حيث يشاء} يدل على أنه صار في الملك بحيث لا ~~يدافعه أحد، ولا ينازعه منازع، بل صار مستقلا بما شاء وأراد، ثم بين تعالى ~~ما يؤكد ذلك في قوله: {نصيب برحمتنا من نشاء} أي من اقتضت الحكمة عطاه من ~~ملك الدنيا وغيره، ثم قال تعالى: {ولا نضيع أجر المحسنين} بل نأجرهم في ~~الدنيا، ثم قال تعالى: {ولاجر الآخرة خير} من ثوابهم في الدنيا، ثم بين لمن ~~يفعل ذلك فقال: {للذين آمنوا وكانوا يتقون} يعني ولأجر الآخرة خير للذين ~~آمنوا من أجر الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا منقطع، ويجوز أن ~~يكون المعنى ولأجر الآخرة للذين آمنوا من ملك الدنيا ونعيمها، لما فيه من السعة. PageV18P454 # قال في البرهان: واعلم أن في قوله ولا نضيع أجر المحسنين شهادة من الله ~~تعالى على أن يوسف كان من المحسنين، ولو صدق القول بأنه جلس بين شعبها ~~الأربع لامتنع أن يقال: إنه كان من المحسنين، فهاهنا لزم إما تكذيب الله في ~~حكمه على يوسف بأنه كان من المحسنين وهو عين الكفر، أو لزم تكذيب الحشوي ~~فيما رواه وهو عين الإيمان والحق، ولا شك أيضا أن المراد من قوله ولأجر ~~الآخرة خير[268] للذين آمنوا وكانوا يتقون، شرح حال يوسف عليه السلام فوجب ~~أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهذا تنصيص من الله عز ~~وجل أنه كان في الزمان السابق من المتقين، وليس هاهنا زمان سابق ليوسف ~~يحتاج إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال ms1726 الله فيه: ~~{ولقد همت به وهم بها} فكان هذا شهادة من الله على أنه عليه السلام كان في ~~ذلك الوقت من المتقين، فتبين أن الله شهد بأن يوسف كان من المتقين ومن ~~المحسنين ومن المخلصين، والجاهل الحشوي يقول: إنه كان من المذنبين، ولا شك ~~أن من لم يقبل قول الله سبحانه مع التأكيدات كان من الأخسرين، ثم قال ~~تعالى: {وجاء إخوة يوسف} أي جاؤه ممتارين لما أصابهم ما أصاب الناس في سني ~~القحط {فدخلوا عليه فعرفهم} حين دخلوا عليه {وهم له منكرون} لأنهم فارقوه ~~صغيرا فكبر، وفقيرا فاستغنى، وباعوه فصار ملكا، فلذلك أنكروه، ولم يتعرف ~~إليهم فيعرفوه. PageV18P455 # قال الرازي: اعلم أنه لما عم القحط في البلاد، وقيل أيضا إلى البلدة الذي ~~كان يسكنها يعقوب، وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه: إن بمصر رجلا صالحا يمير ~~الناس فاذهبوا إليه بدراهكم وخذوا الطعام، فخرجوا وهم عشرة، ودخلوا على ~~يوسف عليه السلام فهذه الواقعة صارت كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع ~~إخوته، وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف حال ما ألقوه في ~~الجب: {لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} وأخبر تعالى أن يوسف عرفهم وهم ~~ما عرفوه البتة، أما لأنه عرفهم فلأنه تعالى قد أخبر في قوله تعالى: ~~{للتنبئنهم بأمرهم} بأنهم يدخلون عليه، وأيضا الرؤيا التي رآها كانت دليلا ~~على أنهم يصلون إليه، فلهذا السبب كان يوسف مترصدا لذلك الأمر، وكان كل من ~~وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحص عنهم، ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء ~~الواصلين هل هم إخوته أم لا، فلما وصل إخوة يوسف إلى باب داره ففحص عن ~~أحوالهم تفحصا ظهر له أنهم إخوته، وأما أنهم ما عرفوه فلوجهين: # أحدهما: أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من بعيد وما كان يتكلم ~~معهم إلا بالواسطة، ومتى كان الأمر كذلك لا جرم لم يعرفوه، لا سيما ومهابة ~~الملك، وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام ~~التي عنده يحصل العرفان. PageV18P456 # والثاني: أنهم حين ms1727 ألقوه في الجب كان صغيرا، ثم إنهم رأوه بعد وقور اللحية، ~~وكبر الجثة، وتغير الزي والهيئة، فإنهم رأوه جالسا على سرير عليه ثياب ~~الحرير، وقي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، والقوم أيضا نسوا ~~واقعة يوسف لطول المدة، فيقال: إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت ~~كان قد مضى أربعون سنة، وكل واحدة من هذه الأسباب تمنع من حصول المعرفة لا ~~سيما عند اجتماعها، ثم قال تعالى: {ولما جهزهم بجهازهم} أي أمر لهم ما ~~يصلحهم من الزاد، وزاد في إكرامهم، وذلك أنه كال لهم الطعام وحمل بعد ذلك ~~لكل رجل منهم بعير، ثم أخبر تعالى أنه لما جهزهم بجهازهم: {قال ائتوني بأخ ~~لكم من أبيكم} روي أنه أخوه من أبيه وأمه خاصة، وكان أولئك الباقون بني ~~علات، والعلات هن الضرائر، واحدتهن ضرة، وبعض أهل اليمن يسمي العلة طبينة. # واعلم أنه لابد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سببا لسؤال يوسف عن حال ~~أخيهم، وذكروا فيه وجوها: # الأول: قال الرازي وهو أحسنها إن عادة يوسف مع الكل أن يعطيه حمل ~~بعير[269] لا أزيد ولا أنقص، وإخوته الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة فأعطاهم ~~عشرة أحمال، فقالوا: إن لنا أبا شيخا كبير وأخا آخر بقي معه، وذكروا أن ~~أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر، وأن أخوهم بقي في خدمة أبيه، ولابد لهما ~~من حملين آخرين من الطعام، فلما ذكروا ذلك قال يوسف عليه السلام: فهذا يدل ~~على أن حب أبيكم له أزيد من حبه لكم وهذا شيء عجيب؛ لأنكم أتيتم مع جمالكم ~~وعقلكم وأدبكم، وإذا كانت محبة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا ~~على أن ذلك أعجوبة في العقل والفضل والأدب، فجيئوني به حتى أراه، فهذا ~~الوجه محتمل مناسب. PageV18P457 # الوجه الثاني: أنهم لما دخلوا عليه وأعطاهم قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن ~~قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار، فقال: لعلكم جئتم عيونا؟ ~~فقالوا: معاذ الله، نحن إخوة بنو أب ms1728 واحد وأبونا شيخ صديق اسمه يعقوب، قال: ~~كم أنتم؟ قالوا: قلنا: اثنى عشر فهلك منا واحد وبقى واحد مع الأب يتسلى به ~~من ذلك الذي هلك ونحن عشرة، وقد جئناك، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة، ~~وائتوني بأخيكم من أبيكم ليبلغ لي رسالة أبيكم، فعند هذا اقترعوا بينهم ~~فأصاب القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده. # الوجه الثالث: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: فلم تركتموه وحيدا فريدا؟ ~~قالوا: ما تركناه وحيدا، بل بقى عنده واحد، فقال لهم: ولم استخلصه لنفسه ~~ولم اختصه بهذا المعنى إلا لأجل نقص في جسده؟ فقالوا: لا، بل لأنه يحبه ~~أكثر من محبته لسائر الأولاد، فعند هذا قال يوسف: لما ذكرتم أن أباكم رجل ~~عالم حكيم بعيد عن المجازفة، ثم إنه خصه بمزيد المحبة، وجب أن يكون زائد ~~عليكم في الفضل وصفات الكمال، مع أني أراكم علماء فضلاء حلماء، فاشتاقت ~~نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فأتوني به، فالسبب الثاني ذكره المفسرون، والأول ~~والثالث محتمل، والله أعلم. # ثم حكى تعالى أنه قال: {ألا ترون أني أوفي الكيل} أي أتمه ولا أبخسه، ~~وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم {وأنا خير المنزلين} أي المضيفين؛ لأنه ~~حين أنزلهم أحسن ضيافتهم. PageV18P458 # قال الرازي: وهذا الكلام يضعف الوجه الثاني، وهو الذي نقلناه عن المفسرين؛ ~~لأن مدار ذلك الوجه أنه أتهمهم ونسبهم إلا أنهم جواسيس، ولو شافههم بذلك ~~الكلام فلا يليق به أن يقول لهم: ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين، وأيضا يبعد من يوسف مع كونه صديقا أن يقول لهم: أنتم جواسيس ~~وعيون، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة؛ لأن البهتان لا يليق بحال ~~الصديق، ثم قال: {فإن لم تأتوني به} مع رسالة أبيكم أنكم ممتارون {فلا كيل ~~لكم عندي ولا تقربوني} أي لا أنزلكم مني منزلة القريب، ولم يرد أنهم يبعدوا ~~منه ولا يعودوا إليه؛ لأنه على العود حثهم، وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا، ~~فارتهن شمعون عنده، ذكر هذا في البرهان، وقال في الكشاف فيه وجهان: ms1729 # أحدهما: أن يكون داخلا في حكم الجر مجزوما عطفا على محل قوله: فلا كيل ~~لكم، كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا، وأن يكون بمعنى النهي. # قال الرازي: واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين ~~الترغيب والترهيب. # أما الترغيب فهو قوله: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين}. # وأما الترهيب فهو قوله: {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربوني} ~~وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام، وما كان يمكنهم تحصيله ~~إلا من عنده، فإذا منعهم عن الحضور عنده[270] كان ذلك نهاية الترهيب ~~والتخويف، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف {قالوا سنراود عنه أباه} ~~أي سنجتهد ونحتال حتى ننزعه من يده. PageV18P459 # قال في البرهان: والمراودة الاجتهاد والطلب، مأخوذ من الإرادة {وإنا ~~لفاعلون} هذه المراودة لأبيهم وطلبه، ويجوز وإنا لفاعلون العود إليه بأخيهم ~~وقادرون على ذلك ولا نعجز، والغرض من التكرير التأكيد، ويحتمل وإنا لفاعلون ~~كل ما في وسعنا في هذا الباب، قال فيه: فإن قيل فلم استجاب يوسف إدخال ~~الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ فعن هذه أربعة أجوبة: # أحدها: أن يكون أراد بذلك إسلاء يعقوب ليعظم له الثواب فاتبع أمره فيه. # والثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك تنبيه يعقوب على حال يوسف. # والثالث: ليضاعف المسرة ليعقوب برجوع ولديه. # والرابع: ليعظم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته لميله الذي كان عليه، ~~ثم قال تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم} وقرئ ~~لفتيانه، وفيهم قولان: # أحدهما: أنهم غلمانه. # والثاني: أنهم الذي كالوا لهم الطعام، وعني ببضاعتهم ورقهم الذي ابتاعوا ~~الطعام بها، وجعلوها ثمنا له، وقيل: دراهم، وقيل كانت البغال والأدم ~~ورحالهم أوعية الحب {لعلهم يعرفونها} أي ليعرفوها {إذا انقلبوا إلى أهلهم} ~~وفرغوا ظروفهم {لعلهم يرجعون} أي ليرجعوا. # قال الرازي: اتفق الأكثرون على أنه عليه السلام أمر بوضع تلك البضاعات في ~~رحالهم على وجه لا يعرفون ذلك، ومنهم من قال: إنهم كانوا عارفين به وهو ~~ضعيف؛ لأن قوله ms1730 لعلهم يعرفونها يبطل ذلك. # قال في البرهان: فإن قيل فلم فعل يوسف ذلك؟ قيل: يحتمل أوجه خمسة: # أحدها: ترغيبا لهم ليرجعوا على ما صرح به. # والثاني: أنه علم أنهم لا يستحلون إمساكها وأنهم يرجعون لتعريفها. # والثالث: ليعلموا أنه لم يكن طلبه في عودتهم طلبا في أموالهم. # والرابع: أنه خشي أن لا يكون عند أبيه غيرها للقحط الذي نزل به. # والخامس: يخرج أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن قوتهم مع شدة حاجتهم، انتهى. PageV18P460 # ويحتمل أنه أراد أن يعرف أبيه إكرامهم وطلبهم لمزيد الإكرام، فلا يثقل على ~~أبيه إرسال أخيه، وأراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان، وكان ~~يخاف اللصوص من قطع الطريق، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية حتى ~~يصلوا إلى بيوتهم، أو أراد يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان ~~إليهم، والله أعلم. # ثم إنه تعالى حكى عنهم وقال: {فلما رجعوا إلى أبيهم}إلى أرض كنعان {قالوا ~~ياأبانا منع منا الكيل} وفيه قولان: # أحدهما: أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم والأخ الباقي عند أبيهم منعوا منه، ~~فقوله منع منا الكيل إشارة إليه. PageV18P461 # والثاني: أنه منع منا الكيل في المستقبل، وهو إشارة إلى قول يوسف: فإن لم ~~تأتوني به فلا كيل لكم ولا تقربون، ثم قال يعقوب: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ~~ملك مصر وأخبروه بما جرى بينهم وبينه، والدليل على الثاني قولهم: {فأرسل ~~معنا أخانا نكتل} قرأ حمزة والكسائي يكتل بالياء، والباقون بالنون، ~~والقراءة الأولى تقوي القول الأول، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني، ثم ~~قالوا: {وإنا له لحافظون} ضمنوا كونهم حافظين له ترغيبا له في إرساله معهم، ~~ولم يثق بذلك منهم لما كان منهم في يوسف، فلما قالوا ذلك {قال} يعقوب عليه ~~السلام {هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل} لأنهم ضمنوا له حفظ ~~يوسف فأضاعوه، فلم يثق بهم فيما ضمنوا، ثم قال: {فالله خير حافظا} وقرئ ~~حافظا يعني منكم لأخيكم بنيامين {وهو أرحم الراحمين} بما نزل من حزني، ~~وأرجو أن يحفظه ولا يجمع علي ms1731 بين مصيبتين، فتوكل على الله فيه ودفعهم ~~إليهم[271] ثم قال تعالى: {ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم} أي ~~وجدوا التي كانت بضاعتهم وهو ما دفعوه في ثمن الطعام الذي امتاروا {قالوا ~~ياأبانا ما نبغي} الكذب فيما أخبرناك به عن الملك {هذه بضاعتنا ردت إلينا} ~~فنتصرف فيها، وما للنفي أو استفهام، أي شيء نطلب أبلغ من هذا الإحسان، إن ~~الرجل رد دراهمنا إلينا، وإذا ذهبنا إليه فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه ~~بضاعة أخرى، فإن هذه الذي معنا كافية لنا، احتمل قولهم ذلك ترغيبا وتعريفا ~~{ونمير أهلنا} ترغيب محض، أي نمير لهم الحب والنفقة، وهو السرا من بلد إلى ~~بلد، قال الشاعر: # لا يخرج الدلو من الحفيرة ... إلا غلام لين أو ميره PageV18P462 ومن أهل اليمن من يسمي الميرة شياطة، ويقول أحدهم نشتاط لأهلنا أي نمتار ~~{ونحفظ أخانا} بنيامين فلا يصبه ما تحافه {ونزداد كيل بعير} وهو أيضا ترغيب ~~إلى نصيب أخينا بسبب استحضاره؛ لأن يوسف عليه السلام بسط الطعام بين الناس ~~فلا يعطي الواحد أكثر من بعير. # وأما قوله: {ذلك كيل يسير} فيه وجهان: # أحدهما: قال مقاتل: ذلك كيل يسير على هذا الرجل السخي، لسخائه وحرصه على ~~البذل، وهو اختيار الزجاج. # الثاني: يعني الذي جئناك به وأعطيناه من دون أخينا كيل يسير، لا ينفعنا ~~فنحتاج إلى أن نضم إليه حمل أخينا، أو ذلك الذي نطلب لأخينا يسيرا على ~~الملك بمجيئنا إليه، وهذا استعطاف منهم لأبيهم، وفيه وفاء لما بذلوا ليوسف ~~من مراودة أبيهم في اجتذاب أخيهم؛ لأنهم قد راودوه من سائر جهات المراودة، ~~ترغيبا واستنزالا، واستعطافا وتشهيلا. # ثم أخبر الله تعالى أن يعقوب عليه السلام {قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني ~~موثقا من الله} أي عهدا وثيقا بالله، والموثق حلفهم بالله وإشهادهم إياه ~~على أنفسهم، ومعنى حتى تحلفوا بالله {لتأتونني به إلا أن يحاط بكم} أي ~~تغلبوا على أمركم أو تموتوا، ثم قال تعالى: {فلما آتوه موثقهم قال الله على ~~ما نقول وكيل} أي رقيب وشهيد؛ لأن الشهيد وكيل ms1732 بمعنى أنه موكول إليه هذا ~~العهد، فإن وفيتم به جازاكم أحسن الجزاء، وإن غدرتم به كافأكم بأعظم ~~العقوبات. PageV18P463 # واعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر وكانوا موصوفين بالكمال ~~والجمال، وأبناء رجل واحد، خاف يعقوب عليه السلام عليهم من النفس والعين: ~~{وقال يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة} وكانوا أيضا ~~قد اشتهروا في أهل مصر بالقربة عند الملك حيث قربهم وفضلهم على الوافدين ~~عليه، فخاف عليهم العين، وذلك لم يوصهم بالتفرق في المرة الأولى، وجائز أن ~~يحدث الله عند النظر إلى الشيء الكامل والإعجاب به نقصانا وخللا ابتلاء من ~~الله تعالى، ومذهب أهل البيت عليهم السلام أن العاين ضامن، ثم قال: {وما ~~أغني عنكم من الله من شيء} من السوء بإشارتي عليكم بالتفرق إن أراد الله ~~بكم فهو واقع لا محالة {إن الحكم} وإصابتكم وسلامتكم {إلا لله عليه توكلت} ~~أي اعتمدت في تفويض الأمر إليه {وعليه فليتوكل المتوكلون} وفيه هذه الآية ~~يقول الهادي عليه السلام: هذا أمر يعقوب صلى الله عليه لجماعة بنيه حين ~~خرجوا عنه مسافرين، فخاف عليهم من النفس وعيون الناظرين، فأمرهم عند دخول ~~القرية بأن لا يدخلوا جملة واحدة؛ لما كانوا عليه من كمالهم وكثرتهم، ~~وجمالهم، وكانوا أحد عشر رجلا لم ير مثلهم جمالا ولا كمالا، فخاف عليهم، ~~وأشفق صلى الله عليه من أن يراهم أهل تلك البلدة مجتمعين جماعة واحدة على ~~ما هم عليه من كمالهم[273] وحسنهم وجمالهم، فأمرهم أن يتفرقوا، وأن يدخلوا ~~من أبواب متفرقة؛ شفقة عليهم من العين والنقص. # قال الله سبحانه: {ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من ~~الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} يخبر سبحانه أن الحذر للنفس ~~والعيون لا ينفع إلا بدفاع الله وتوفيقه، ولطفه وحفظه، انتهى. ويؤيد هذا ~~المعنى أمور: PageV18P464 # الأول: ما حكاه الرازي من أطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من ~~هذه الآية ذلك. # والثاني: ما روي أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم كان ms1733 يعوذ الحسن والحسين ~~فيقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل يعين ~~لامة)) ويقول: هكذا كان يعوذ إبراهيم إسحاق وإسماعيل صلوات الله عليهم . # والثالث: ما روى عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله في أول النهار ~~فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه في آخر النهار فرأيته معافى، فقال: ((إن ~~جبريل أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن كل عين ~~وحاسد، الله يشفيك، قال: فأفقت)). # الرابع: أن بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا، فقالت أسماء: يا ~~رسول الله، إن العين إليهم سريعة، فاسترق لهم من العين، فقال لها: ((نعم)). # الخامس: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي ~~يشتكي، فقالت: يا رسول الله أصابته العين، فقال: ((أفلا تسترقون له من ~~العين)). # والسادس: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((العين حق ولو كان شيء يسبق ~~القدر لسبقت العين)). # السابع: قالت عائشة: كان يأمر العاين أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين. # قال الرازي: وقد حكى اختلافهم في الكشف عن ماهية تأثير العين، فثبت أن ~~هذا المعنى محتمل، والتجارب من الزمان الأقدم ساعدت، والنصوص النبوية نطقت ~~به، فعند هذا لا يبقى في وقوعه شك، وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه ~~المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن ~~رده، والله أعلم. PageV18P465 # قال: والقول الثاني يعني من لا يقول بصحة العين، قال: وهو قول أبي علي ~~الجبائي أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر، وتحدث الناس بهم وبحسنهم وكمالهم، ~~فقال: لا تدخلوا تلك المدينة من باب واحد على ما أنتم عليه من العدد والجلد ~~والهيئة، فلم يأمن عليهم حسد الناس، أو يقال: لم يأمن عليهم أن يخافهم ~~الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم، وقيل: إنه عليه السلام كان عالما بأن ملك ~~مصر هو ولده، إلا أنه تعالى ما أذن له في إظهار ذلك، فلما بعث أبناؤه إليه ~~قال: لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ms1734 متفرقة، وكان غرضه أن يصل ~~بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة، وهذا قول إبراهيم النخعي. # ثم قال سبحانه: {وإنه لذو علم لما علمناه} أي للشيء الذي علمناه فيكون ما ~~بمعنى الذي، والهاء عائدة إليها، يعني إنا لما علمناه شيئا حصل له العلم ~~بذلك الشيء، ويمكن أن تكون مصدرية، والهاء عائدة إلى يعقوب، والتقدير: وإنه ~~لذو علم من أجل تعليمنا إياه، ويحتمل أن المراد بالعلم الحفظ، أي وإنه لذو ~~حفظ لما علمناه ومراقبة له، ويحتمل أنه لذو علم بفوائد ما علمناه وحسن ~~إثاره، وهو إشارة إلى كونه عالما بما علمه، ثم قال: {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} مثل علم يعقوب، أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم، ~~والمراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أن الله كيف أرشد أولياؤه إلى ~~العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {ولما دخلوا على يوسف} وقالوا: هذا أخونا قد جئناك به، ~~فقال: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، أي جزاؤه[273] {آوى إليه أخاه} ~~بنيامين، أي قربه وضمه إليه وأجله عنده {قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون}. PageV18P466 # اعلم أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أكرمهم وأضافهم، وأجلسهم كل اثنين منهم ~~على مائدة، فبقى بنيامين وحده فبكى، وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني ~~معه، فقال يوسف، بقي أخوكم وحده فأجلسه معه على مائدته، ثم أمر أن ينزل كل ~~اثنين منهم بيتا، وقال: هذا لا ثاني له، فاتركه معي فأواه إليه، فلما رأى ~~تأسفه لأخ له هلك، قال له: أتحب أن أكون أخوك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد ~~أخا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال ~~له: إني أنا أخوك يوسف فلا تبتئس، أي فلا تحزن مما كانوا يعملون بنا فيما ~~مضى، وإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير، ولا تعلمهم ما أعلمتك إذا ~~عرفت هذا، فمعنى قوله: أوى إليه أخاه، أي أنزله في الموضع الذي كان يأوي ~~إليه، وقوله: إني أخوكم فيه ms1735 قولان: # قال وهب: لم يرد أنه أخوه من النسب، وإنما أراد به أني أقوم لك مقام أخيك ~~في الإيناس لا تستوحش بالتفرد، والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد ~~تعريف النسب؛ لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس؛ لأن الأصل في ~~الكلام الحقيقة، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة. # وأما قوله: فلا تبتئس فقال أهل اللغة: تبتئس تفعيل من البؤس، وهو الضر ~~والشدة، والابتلاس: اجتلاب الحزن والبؤس، وقوله: بما كانوا يعملون، فيه وجوه: # الأول: بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص على إنصراف وجه ~~أبينا عنا. # الثاني: أن يوسف عليه السلام ما بقى في يقلبه شيء من العداوة، وصار صافيا ~~مع إخوته، فأراد أن يجعل قلب أخيه صافيا معهم أيضا، فقال: فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون، أي لا تلتفت إلى ما صنعوا فيما تقدم، ولا تلتفت إلى أعمالهم ~~المنكرة الذي أقاموا عليها. PageV18P467 # الثالث: أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه؛ لأنهم حسدوا إقبال الأب عليه، ~~وتخصيصه بمزيد الإكرام، فخاف بنيامين أن يحسده إخوته بسبب أن يخصه الملك ~~بمزيد الإكرام فأمنه عنه، وقال: لا تلتفت إلى ذلك فإن الله قد جمع بينك وبيني. # الرابع: روى الكلبي عن ابن عباس أن إخوة يوسف كانوا يعيرون يوسف وأخاه ~~بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام، وأن أم يوسف أمرت يوسف فسرق ~~جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا فقدها، فقال له: فلا ~~تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا بما كان عليه جدنا، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه} قد مضى ~~الكلام في الجهاز والرحل. # وأما السقاية فقال في الكشاف: مسربة يسقى بها وهي الصواع، قيل: كان يسقى ~~به الملك جعلت يكال بها لئلا يكال بغيرها في غرة الطعام. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: صواع الملك يمكن أن يكون الصواع قدحا ~~من كيزان الجوهر والله أعلم، وهو السقاية التي يسقى بها الملك من الماء ~~وغيره، قال ms1736 الشاعر: # شرب الإثم بالصواع جهارا # ثم قال تعالى: {ثم أذن مؤذن} يقال: أذنه أي أعلمه، وفي الفرق بين أذنه ~~وأذنه وجهان. # قال ابن الأنباري: أذن معناه أعلم إعلاما بعد إعلام؛ لأن فعل يوجب تكبير ~~الفعل، وقال: ويجوز أن يكون إعلاما واحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى ~~افعل في كثير من المواضع. # وقال سيبويه: لا فرق بينهما، والتأذين معناه النداء والتصويت، أي نادى ~~منادي[274] {أيتها العير إنكم لسارقون}. # قال في البرهان: العير القافلة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: العير الرفقة من الإبل وهي الاقليد ~~عن أهل الحجاز والمقطر عند أهل اليمن، كل ذلك بمعنى واحد انتهى. PageV18P468 # وقال أبو الهيثم: كل ما أسري عليه من الإبل الحمير والبغال فهو عير، قال: ~~وقول من قال العير الإبل خاصة باطل، وقيل: العير الإبل التي عليها الأحمال، ~~إذا عرفت هذا فمعنى قوله: أيتها العير، المراد أصحاب العير، كقوله: يا خيل ~~الله اركبي، وقرأ ابن مسعود: وجعل السقاية، وجواب لما كأنه قيل فلما جهزهم ~~وجعل السقاية في رحل أخيه، أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون، فإن قيل: هل كان ذلك بأمر يوسف أو ما كان بأمره؟ فإن كان ~~الأول فكيف استجاز يوسف رسول الله أن يبهت أقواما وينسبهم إلى السرقة كذبا ~~وبهتانا؟ وإن كان الثاني وهو أنه ما كان بأمره فهلا أنكره وهلا أظهر براءته ~~عن تلك التهمة؟ # قلت: العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها: فالذي حكاه الرازي عنهم أنه ~~عليه السلام أنه لما أظهر لأخيه أنه يوسف قال له: أريد أن أحبسك هاهنا ولا ~~سبيل إليه إلا بهذه الحيلة، فإن رضيت بها فالأمر لك، فرضى بأن يقال في حقه ~~ذلك، وعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام، فخرج عن كونه كذبا. # وروي في الكشاف أنه لما قال يوسف: إني أنا أخوك، قال له: فأنا لا أفارقك، ~~قال: قد علمت إغتمام والدي بي فإذا احتبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك ~~إلا أني أنسبك إلا ما لا ms1737 يحل، قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك، قال: إني ~~أدير صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بأنك سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك ~~معهم، قال: افعل. # والثاني: أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل الاستفهام، وعلى ~~هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبا. # الثالث: ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام ، ~~والأقرب إلى ظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم؛ لأنهم لما طلبوا ~~السقاية وما وجدوها وما كان هناك أحد إلا هم، غلب على ظنهم أنهم هم الذين ~~أخذوها. # وقال في البرهان: عن هذا ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنها معصية فعلها الكيال ولم يأمر بها يوسف. PageV18P469 # والثاني: أن الكيال حين فقد السقاية ضن أنهم قد سرقوه، ولم يعلم بما فعله ~~يوسف، فلم يكن عاصيا. # والثالث: أن النداء كان بأمر يوسف، وعنى بذلك سرقهم ليوسف من أبيه وذلك ~~صدق، انتهى. # ثم إن إخوة يوسف قالوا: {قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون} أي أقبلوا على ~~المؤذن ومن معه وقالوا: ماذا تفقدون؟ وقرئ تفقدون من أفقدته إذا وجدته ~~فقيدا؛ لأنهم استنكروا ما قذفوا به مع ثقتهم بأنفسهم {قالوا نفقد صواع ~~الملك ولمن جاء به حمل بعير} من الطعام...........بدلت للواجد، وهو من كلام ~~المؤذن {وأنا به زعيم} أي كفيل ضامن. # قال الكلبي: الزعيم هو الكفيل بلسان أهل اليمن. # روى أبو عبيدة عن الكسائي زعمت به أزعم زعما وزعامة، أي كفلت به، وهذه ~~الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله: ((الزعيم غارم)) فإن قيل: فكيف ضمن حمل ~~البعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح، قيل عن هذا جواب جيد: إن حمل ~~البعير قد كان عندهم معلوما كالوسق فصح ضمانه، إلا أن هذه كفالة مال لرد ~~سرقة، وهو كفالة على ما يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على أخذ ~~السرقة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم، والله أعلم. PageV18P470 # ثم حكى سبحانه جوابهم ms1738 لما سمعوا ذلك: {قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد ~~في الأرض [275] وما كنا سارقين} معنى تالله: أي والله قسم فيه معنى التعجب ~~مما أضيف إليهم من السرقة؛ لأن السرقة من الفساد في الأرض، وإنما قالوا ذلك ~~لهم؛ لأنهم قد كانوا عرفوهم بالصلاح والعفاف، وقيل: لأنهم ردوا البضاعة ~~التي وجدوها في رحالهم، ومن يؤد الأمانة في غائب لا يقدم على سرقة مال ~~حاضر، وما كنا سارقين من غيركم فنسرق منكم، ثم لما بينوا براءتهم عن تلك ~~التهمة {قالوا} أي أصحاب يوسف {فما جزاؤه} أي ما جزاء سرقته، أو ما جزاء ~~السارق، أي ما عقوبة من سرق منكم {إن كنتم كاذبين} في دعواكم البراءة أنكم ~~لم تسرقوا منا {قالوا جزاؤه من وجد} الصواع{ في رحله فهو} أي صاحب الرحل ~~{جزاؤه} أي جزاء من سرق أن يسترق {كذلك نجزي الظالمين}. # قال في البرهان: أي كذلك نفعل بالظالمين إذا سرقوا أن يسترقوا، وكان هذا ~~من دين يعقوب عليه السلام. # قال ابن عباس: كانوا في ذلك الزمان يستقيدون كل سارق بسرقته، وكان ~~استقياد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا. # واعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأنه من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن ~~يسرق، قال لهم المؤذن: إنه لابد من تفتيش أمتعتكم، وانصرف بهم إلى يوسف ~~{فبدأ} هو{ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} لإزالة التهمة والريبة من قلوبهم أن ~~بدعوا بوعاء أخيه، والأوعية جمع وعاء وهي كل ما إن إذا وضع فيه شيء أحاط به ~~{ثم استخرجها من وعاء أخيه} وعنا بها الصاع؛ لأن الصاع تذكر وتؤنث، ثم قال ~~تعالى: {كذلك كدنا ليوسف}. # قال في البرهان: معناه دبرنا له {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي ~~عادة الملك وقضائه، ولم يكن في دين الملك استرقاق من سرق، وإنما كان يضاعف ~~عليه الغرم. PageV18P471 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى كدنا أي كدنا وقاربنا أن نعاقبه ~~لو يعمد الحال، ولكنه تناول في ذلك أنهم سارقون له أيام سرقوه، ولم يتعمد ~~أنهم سرقوا ms1739 في هذا اليوم، ومعنى ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي ما كان ~~ينبغي له أن يأخذ أخاه في دين الملك ومذهبه من الحيل، ولكن الواجب عليه ~~الذي هو الأولى به أن يأخذه بالصحة لا بالسقم، وأن يلزمه باليقين لا ~~بالوهم، وقد زعموا في تفسيرهم أن دين الملك له تأويل في اللغة غير ما ~~ذكرنا، ولكن هذا أشبه لما قلنا، وأحسن ما سمعنا في ذلك وروينا، انتهى. # قال في الكشاف: كذلك أي مثل ذلك الكيد العظيم كدنا ليوسف يعني علمناه ~~إياه، وأوحينا به إليه، وقوله ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك تفسير للكيد ~~وبيانا له؛ لأنه كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق أن يغرم ~~مثلي ما أخذ، لا أن يلزم ويستقيد. # قال الرازي: قوله تعالى: كذلك كدنا ليوسف فيه بحثان: # الأول: المعنى، ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف، وذلك إشارة إلى الحكم ~~باسترقاق السارق، أي مثل ذلك الحكم الذي ذكره أخوه يوسف حكمنا ليوسف. PageV18P472 # الثاني: أن لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة، وذلك في حق الله محال، ثم ~~قال: والكيد مبدأه السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث ~~لا يشعر في أمر مكروه، ولا سبيل له إلا دفعه بالكيد في حق الله تعالى محمول ~~على هذا المعنى، ثم اختلفوا في المراد بالكيد هاهنا، فقال بعضهم: المراد أن ~~إخوة يوسف سعوا في إبطال أمر يوسف، والله تعالى نصره وقواه، وأعلا أمره، ~~وقال آخرون: المراد من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا ~~بأن حد السارق هو أن يسترق، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه ~~بالاسترقاق، وصار ذلك سببا ليمكن يوسف عليه السلام من إمساك[276] أخيه عند ~~نفسه، ثم قال تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} والمعنى أنه كان حكم ~~الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق، فما كان يوسف قادرا على حبس ~~أخيه عند نفسه.........على دين الملك وحكمه {إلا أن يشاء الله} كأدلة ms1740 ما ~~جرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق، فقدرنا على هذا الكلام أن ~~يتوسل به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه، وهو معنى قوله: {إلا أن يشاء الله}. # وقال في البرهان: معناه إلا أن يشاء الله أن يسترق من سرق. # والثاني: إلا أن يشاء الله أن يجعل ليوسف عذرا فيما فعل {نرفع درجات من ~~نشاء} بالعلم والحكمة والإمامة، وضروب الكرامات، وأنواع العلوم كما رفعنا ~~يوسف على أخويه. # قال الرازي: والمراد هاهنا هو أنه رفع درجة يوسف على إخوته في كل شيء. PageV18P473 # واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات، وأعلى الدرجات؛ لأنه ~~تعالى كما هدى يوسف إلى هذه الحيلة مدحه لأجل ذلك فقال: {نرفع درجات من ~~نشاء} وأيضا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله: {نرفع درجات من نشاء} عندما ~~حكى دلائل التوحيد والبراء عن إلهية الشمس والقمر والكواكب، ووصف هاهنا ~~يوسف بقوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء} لما هداه إلى هذه الحيلة، وكم بين ~~المرسلين من التفاوت أثناء كلامهم، ثم قال تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} أي ~~فوق كل عالم من هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل، والمعنى أن ~~إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء، إلا أن يوسف كان زائدا عليهم في العلم. # قال في البرهان: فإن قيل فلم عرض أخاه أن يكون متهما بالسرقة؟ قيل: عن ~~هذه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه أراد أن ينزعه منهم بواجب عندهم، فلم يجد إلى ذلك سبيلا غير ~~ما صنع. # والثاني: أن أخاه قد كان يعلمه من الحال، فلم يقع ذلك منه موقعا مؤلما، ~~ولم يكن على يوسف في ذلك حرج. # والثالث: أنه لما كان في جعل بضاعتهم في رحالهم وهم لا يشعرون تنبيه على ~~أنه قد يجوز أن يجعل الصواع في رحل أخيهم وهم لا يعلمون، جعل لهم مخرجا من ~~هذه التهمة فزال عنه الحرج، انتهى. PageV18P474 # واعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخ يوسف، وأراد إخوته أن يتبرأوا من فعله؛ ~~لأنه ليس من أمهم {قالوا ms1741 إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} يعنوا يوسف، قيل: ~~أخذ في صباه صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الجيف، وقيل: دخل كنيسة ~~فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب، وكان يعبد ودفنه، وقيل: كان في المنزل عناق أو ~~دجاجة فأعطاها السائل، وقيل: أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه ويدفعه إلى ~~الفقراء، فهذه هي السرقة، وقالوا: هذه الواقعة أن راحيل ولدت ولدين لصين، ~~ثم قالوا: يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم، فقال بنيامين: ما أكثر ~~البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المغارة، ثم تقولون لي هذا ~~الكلام، فقالوا: كيف خرج الصواع في رحلك؟ فقال: وضعه في رحلي من وضع ~~البضاعة في رحلكم. # قال الرازي: واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك إن هذا الأمر ~~ليس بغريب منه، فإن أخاه الذي هلك كان أيضا سارق، وكان غرضهم من هذا الكلام ~~أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة؛ لأنهما ~~من أم آخرة. PageV18P475 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: فانظر إلى هذا الحسد الذي لم يخرج عن ~~قلوبهم حتى حملهم على أن يسرقوه بكذبهم، ولم يشتفوا بطرحهم له وقطيعتهم حتى ~~قذفوه بالسرقة وثلبوه، وانتقصوه بالمحال واغتابوه[277] ما كان أعجب أمرهم، ~~فرحم الله عبدا أحذر على نفسه من مثل فعلهم، وخشي ربه أن يكشف أمره كما كشف ~~أمرهم، هذا وإنما أظهره مع توبتهم، فكيف أصروا على معصيتهم، إذا لكان خزيا ~~وفضيحة عليهم، ولكن الله عطف عليهم مع توبتهم، وقيل: عملهم عند رجعتهم، ~~وغفر لهم ما مضى من خطيئتهم، وإنما قص الله جميع أمرهم لبعض الناس في ~~رغبتهم وميلهم إلى الدينا وشهوتهم، وقلة نظرهم لأنفسهم وغفلتهم، ولينتبهوا ~~من وسنهم ونومتهم، ويعتبروا بمن مضى قبلهم، وكيف أفناهم جميعا وأعدمهم، ~~وقلع دولتهم وملكهم، فأين ما تنافسوا عليه من الحطام وتحاسدوا، وأين الذين ~~تخاذلوا من أجله وتكابدوا، أليس أصبح اليوك كل ذلك عدما؟ حتى كأنه لم يكن ~~أحد من القدماء، فوشيكا غير بعيد يكون مثلهم، فنسأل الله أن ms1742 يغفر لنا كما ~~غفر لهم، وإن كنا والحمد الله لم نفعل قط فعلهم، وحقيق على من عرف الله أن ~~يحزن على نفسه، وأن يكون يومه خير له من أمسه، وأن يكون أكبر همه التضرع ~~إلى ربه، والبكاء والعويل على ذنبه، انتهى. PageV18P476 # ثم قال تعالى: {فأسرها يوسف في نفسه} أي أسر في نفسه قولهم إن يسرق فقد سرق ~~أخ له من قبل، والمعنى أسر يوسيف مقالتهم، والمراد من المقالة متعلق تلك ~~المقالة، كما يراد بالخلق المخلوق، وبالعلم المعلوم، بمعنى أسر يوسف كيفية ~~تلك السرقة ولم يبينها لهم أنها كيف وقعت، وأنه ليس فيها ما يوجب الذم ~~والطعن، وقيل: أسر الكلمة التي هي جواب قولهم هذا {ولم يبدها لهم} وهي أنه ~~{قال أنتم شر مكانا} معناه أنتم شر منزلة ممن نسبتموه إلى هذه السرقة في ~~السرق لصحة سرقتكم ليوسف، أو أنتم شر مكانا عند الله لما قدمتم عليه من ظلم ~~أخيكم، وعقوق أبيكم، فأخذتم أخاكم فطرحتموه في الجب، ثم قلتم لأبيكم إن ~~الذئب قد قتله وأنتم كاذبون، ثم بعتموه بعشرين درهما، ثم بعد المدة الطويلة ~~والزمان الممتد ما زال الحقد والحسد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة، ثم ~~قال: {والله أعلم بما تصفون} فيعلم أنه لم يصح لي سرقة ولا لأخي، والمراد ~~أن سرقة يوسف كانت لله رضا، وبالجملة فجملة الوجوه في سرقة لا يوجب شيء ~~منها عود الذم واللوم إليه، ولما حبس يوسف أخاه، ولحقتهم الشفقة على والدهم ~~وأدركتهم عند ذلك لأخيهم {قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} في ~~القدر أو في السن، استعطفوه بهذا الكلام، وبأن بنيامين أحب إليه منا، ~~وكانوا قد أخبروه أن ولدا له قد هلك، وهو عليه ثكلان، وهو يستأنس بأخيه، ~~فعدلوا إلى طريقة الشفاعة؛ لأنهم وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله في ~~السارق أن يستقيد إلا أن العفو وأخذ الفداء كان جائزا أيضا، فلذلك قالوا: ~~{فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين} إن فعلت، هذا مضافا إلى ما كنت ~~تفعل بنا من إكرامنا، وتوفية ms1743 كيلنا، ورد بضاعتنا، أو كما نقل أنه عليه ~~السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئا يشترون به الطعام، وكانوا يبيعون PageV18P477 أنفسهم، وصار ذلك سببا لصيرورة أهل مصر عبيدا له، ثم إنه أعتق الكل فلعلهم ~~قالوا: إنك من المحسنين إلى عامة الناس بالإعتاق فكن محسنا أيضا إلى هذا ~~الإنسان بإعتاقه من هذه المحنة. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: إنما عرفوا إحسانه وتبينوا وشاهدوا ~~إيمانه، لما رأوا من تواضعه لهم ولغيرهم، ورأوه مفارقا للملوك وتجبرهم، ~~بائنا من حياتهم وتكبرهم، والإسلام شيء لا ينكتم لأهله ولا يحفى إلى على من ~~رزى بعقله؛ لأن الإنسان يؤدي ما في القلب كما تؤدي الأرض[278] نباتها، وكما ~~تظهر الشجرة ثمرها، فنستدل على قلب المرء بلسانه، وبما يظهر اللسان ~~والجوارح من إتيانه وإحسانه، فرأؤه صلوات الله عليه محسنا في كل أفعاله، ~~رحيما في فعله ومقاله، وهو صلوات الله عليه أرحم بوالده منهم، ولكن الله ~~تعالى كتم خبر يوسف عنه وعنهم، ليظهر عجائب أمره وأمرهم، ويثيبهما على طول ~~محبتهما بأكثر ما يثيبهما على عملهما، ثم يجمع في الدنيا شملهما، ويبلغهما ~~في الآخرة أملهما، ولما أجابهم يوسف {قال معاذ الله} أي نعوذ بالله من {أن ~~نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} والمعنى إنا نعوذ أن نأخذ بريئا بمذنب {إنا ~~إذا} إن أخذنا بدله {لظالمون} على مقتضى فتواكم. # قال الرازي: فإن قيل هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب فكيف ~~يجوز من يوسف مع رسالته الإصرار على هذا التزوير وإيذاء الناس من غير سبب، ~~لا سيما ويعلم أنه حبس أخاه عند نفسه بهذه التهمة، فإنه يعظم حزن أبيه ~~ويشتد غمه، وكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة في التزوير إلى هذا اللحد؟ # قال: والجواب لعله تعالى أمره بذلك تشديدا في المحنة على يعقوب، ونهاه عن ~~العفو والصفح، وأخذه البدل، كما أمر الله صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغا ~~على أبيه وكفر. PageV18P478 # واعلم أنهم لما قالوا وخذ أحدنا مكانه كان هذا نهاية ما يمكنهم بذله، وقال ~~في يوسف في ms1744 جوابه معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، انقطع طمعهم ~~من يوسف في رده، فعند هذا قال تعالى: {فلما استيئسوا منه} أي يئسو من رد ~~أخيهم ورجوعه معهم، وزيدت السين والتاء للمبالغة {خلصوا نجيا} أي تفردوا عن ~~الناس ذوي نجوا أو نوجا نجيا أي مناجيا للتناجي، والمعنى خلا بعضهم عند بعض ~~يتناجون ويتشاورن ويحتلون الرأي فيما وقعوا فيه؛ لأنهم لما أخذوا بنيامين ~~من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة، وبعد أن كانوا متهمين في حق يوسف، فلو لم ~~يعودوا إلى أبيهم لحصلت محن كبيرة: # أحدها: أنه كان شيخا كبيرا فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده محنة عظيمة. # وثانيها: أن أهل نبيهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة. # وثالثها: أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده بالكلية هلكوا، ~~وذلك غم شديد، ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم، فإن ظاهر ~~الأمر توهم أنهم خانوه في هذا الابن كما خانوه في الابن الأول، ولكان توهم ~~أيضا ما أقاموا لتلك المواثيق المتأكدة وزنا، ولا شك أن هذا الموضع موضع ~~حيرة وفكرة، وذلك يوجب التناقض والتشاور طليا للأصلح الأصوب، فهذا هو ~~المراد من قوله، فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا، وفي معنى نجيا يقول الإمام ~~المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: نجيا: أي مستورين يرومون ما ~~يفعلون، وما يدرون لما أخذ أخوهم، فانصرم الأمر على إقامة يهوذا حتى يأتيه ~~أمر أبيه، أو ينزل الله عليه وحيا يهديه؛ لأنه كان أخذ بظاهر الشريعة ~~عندهم، وهم سلام الله عليهم لا يعلمون باطن التدبير في ذلك، انتهى، قوله: ~~{قال كبيرهم} فيه قولان: # أحدهما: كبيرهم في العقل والعلم وهو شمعون، الذي كان قد ارتهنه يوسف عنده ~~حتى رجع إخوته إلى أبيهم. PageV18P479 # والثاني: أنه عنى كبيرهم في السن وهو روبيل ابن خالة يوسف، ثم حكى تعالى عن ~~هذا الكبير أنه قال: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله} في ~~حفظ بنيامين ورده إليه {ومن قبل ما فرطتم} أي ومن قبل توانيتم ms1745 {في يوسف} ~~وما هاهنا صلة للكلام زائدة للتأكيد، ويحتمل أن تكون[279] مصدرية أو ~~موصولة، أي من قبل هذا ما فرطتم في يوسف، ثم قال:{ فلن أبرح الأرض} أي فلن ~~أفارق الأرض أرض مصر {حتى يأذن لي أبي} في الرجوع {أو يحكم الله لي} ~~بالخروج منها، أي بخلاص أخي أو بالانتصاف ممن أخذه {وهو خير الحاكمين} أو ~~لا يحكم إلا بالعدل، ولما طال الكلام بينهم قال كبيرهم: {ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق} قرئ بضم السين أي نسب إلى السرقة، وفتحها أنه ~~سرق على حسب ظنهم، ثم تبينوا أنهم غير قاطعين بهذا الأمر، لقولهم: {وما ~~شهدنا إلا بما علمنا} لأن الصواع أخرج من وعائه، ونحن ننظر وهو دليل واضح ~~{وما كنا للغيب حافظين} أي ما علمنا حين واثقناك أنه سيسرق، وما علمنا أنك ~~تصاب به كما أصبت بيوسف، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله. PageV18P480 # وقال عكرمة: معناه لعل الصواع دس في متاعه بالليل، فإن الغيب اسم لليل على ~~بعض اللغة، وروي أن يعقوب عليه السلام قال لهم: فهب أنه سرق، ولكن كيف علم ~~الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق، بل أنتم ذكرتموه له لغرض لكم، ~~فقالوا عند هذا الكلام: إنا ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه الواقعة، ~~وما كنا نعلم أن هذه الواقعة تقع فينا، قوله: {وما كنا للغيب حافظين} إشارة ~~إلى هذا المعنى، فإن قيل: هل يجوز من يعقوب أن يسعى في إخفاء حكم الله ~~تعالى على هذا القول؟ قيل له: لعله كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان ~~المسروق منه مسلما، فلهذا أنكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا، ثم حكى ~~تعالى عنهم أنهم قالوا: {واسأل القرية التي كنا فيها} اتفق الأكثرون على أن ~~المراد من هذه القرية المصر، وقال آخرون: المراد قرية على باب مصر، حيث ~~حدثت السرقة والتفتيش. # واعلم أنهم كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف، فلهذا بالغوا في إزالة التهمة ~~عن أنفسهم، والمراد واسأل أهل القرية عن صدق حديثنا، ms1746 إلا أنه حذف إيجاز، ~~وهذا النوع من المجاز مشهور في لغة العرب. # قال أبو علي الفارسي: ودافع جواز هذا في اللغة كدافع الضرورات، وجاحد ~~المحسوسات؛ لأن حيطان القرية لا تسأل، قال الشاعر: # الماء بالديار فحياها # والديار لا تحيا وإنما يحيا أهلها، ثم بين ذلك فقال: # لتقري أهل ساحتها السلاما # ثم بين التحية لمن هي فقال: # يحيى كل مهلكة رداح ... من الحفرات لم يرع السواما # ولكن في قصور عاليات ... تلاعب في جوانبها الحماما PageV18P481 ثم قالوا: {والعير التي أقبلنا فيها} أي واسأل عن هذه الواقعة أهل العير، ~~وكانوا من كنعان جيران يعقوب عليه السلام وقيل: من صنعاء، ثم إنهم لما ~~بالغوا في التقرير والتأكيد قالوا: {وإنا لصادقون} أي ونقسم أنا لصادقون، ~~ولما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له: بما أمرهم أخوهم روبيل {قال} يعقوب عليه ~~السلام لما سمع كلامهم ولم يصدقهم بما ذكروا {بل سولت لكم أنفسكم أمرا} ~~أردتموه. # قال في البرهان: معنى بل رتبت وسهلت عليكم، وفي قولكم أن إبني سرق وإنه ~~لم يسرق وإنما ذلك لأمر يريده الله عز وجل {فصبر جميل} أي شأني صبر جميل ~~أحمل به فأعتمده، وهو الذي لا يشكو فيه إلى أحد، قيل: إن روبيل لما عزم على ~~الإقامة بمصر أمره الملك أن يذهب مع إخوته فقال: أتركوني وإلا لأصيحن صيحة ~~لا تبقا بمصر امرأة حامل إلا وتضع حملها، فقال يوسف: دعوه، ولما رجع ~~القوم[280] إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه بالواقعة بكى وقال: يا بني لا ~~تخرجون من عندي إلا نقصتم ذهبتم مرة فنقص يوسف، وفي الثانية فنقص شمعون وفي ~~هذه نقص بنيامين وروبيل، ثم بكى وقال: {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} ~~بيوسف وبنيامين وروبيل، وإنما حكم بهذا الحكم لأنه عليه السلام لما طال ~~حزنه وبلاؤه ومحنه علم أنه تعالى سيجعل له فرجا ومخرجا عن قريب، فقال ذلك ~~على سبيل حسن الظن برحمة الله، ولعله تعالى كان قد أخبره من بعد محنة يوسف ~~أنه حي، وظهرت علامات ذلك، ثم قال: {إنه هو العليم الحكيم} يعني العالم ms1747 ~~بحقائق الأمور فيها على الوجه المطابق للفضل والإحسان والرحمة، الحكيم فيما ~~ابتلاني، فلم يفعل إلا لحكمة ومصلحة. PageV18P482 # واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه..........وأعرض ~~عنهم وفارقهم، ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم، أما المقام الأول وهو إعراضه ~~وفراره منهم فهو قوله تعالى: {وتولى عنهم وقال ياأسفى على يوسف} أي: يا ~~أسفى والألف بدل من التاء، والأسف أشد الحزن، وخص يوسف لأنه أعظمهم. # قال في البرهان: معناه يا جزعا على يوسف، قال الشاعر: # فيا أسفا للقلب كيف انصرافه # وللنفس لما سليت فتسلت # وقيل: معناه وا حزناه، وقال حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # فيا أسفا ما وارت الأرض والتوت # عليه وما تحت السلام المنضد # وإنما عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: # الأول: أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن، والترح إذا وقع على ~~الفرح كان أوجع، قال...........بن نويرة: # وقالوا أتبكي كل قبر رأيته # لقبر ثوى بين اللواء والدكادك # فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى # دعوني فهذا كله قبر مالك # وذلك أنه رأى قبرا فجدد حزنه على أخيه مالك، ولاموه فأجاب إن الأسى يبعث ~~الأسى والوجد. # الثاني: أن بنيامين ويوسف كانا من امرأة واحدة، وكانت المشابهة بينهما في ~~الصورة والصفة أكمال، وكامن يتسلى ببنيامين من رؤية يوسف، فلما وقع ما وقع ~~زال ما يوجب السلوة، فعظم الألم. # والوجه الثالث: أن المصيبة في يوسف كان أصل مصيباته التي عليه ترتبت سائر ~~المصائب والرزايا، فكان الأسف عليه أسفا على الكل، ثم قال تعالى: {وابيضت ~~عيناه من الحزن} لأنه سبب البكاء المحدث للبياض، فكأنه حدث منه إذا كثر ~~الاستعبار نجعت العبرة سواد العين، وقيل: ما جفت عينا يعقوب من فراق يوسف ~~إلى لقائه ثمانين عاما. PageV18P483 # روي أن يوسف عليه السلام قال لجبريل عليه السلام: هل لك علم بيعقوب؟ قال: ~~نعم، قال: وكيف حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى وهي لهاولد ثم يموت، قال: فهل له ~~فيه أجر؟ قال: نعم، أجر مائة شهيد، وما أساء ظنه بالله ساعة ms1748 قط، ولا شكا في ~~جواز البكاء وما لا يمكن دفعه دون الصياح والنواح، ومعنى قوله سبحانه: {فهو ~~كظيم} أي مملوء غيظا لا يظهر حزنه يجزع أو شكوى، مأخوذ من كظم الغيظ ~~وإخفائه، قال الشاعر: # فخصصت قومي واحتسبت قتالهم # والقوم من خوف المنايا كظم # وقول الله تعالى أصدق من[281] قول الشاعر إذا يقول: {والكاظمين الغيض} أي ~~الملازمين من كظم الشقاء إذا أشده على ما به، ثم قال تعالى: {قالوا تالله ~~تفتأ تذكر يوسف} أي لا تفتأ تزال بذكره {حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين} أي ميتا من الميتين، ومعنى حرضا أي هرما دنفا مشفيا على الهلاك، ~~ومقاربا له من أحرضه المرض إذا أشف على الموت، ويستوي فيه الواحد والجمع، ~~والمذكر والمؤنث؛ لأنه مصدر وصفة حرض بكسر الراء، ونحوها دنف ودنف، وأصل ~~والحرض فساد الجسم والعقل من مرض أو غيره، قال الشاعر: # إني أمرح في حب فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم # ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم: إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء ~~عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت بالغم، كأنهم قالوا ~~أنت الآن في بلاء شديد، ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى، وأرادوا بهذا ~~القول منعه عن كثرة البكاء والأسف، قيل: والقائلون بهذا الكلام ليسو هم ~~الإخوة الذين قد تولى عنهم، بل هم الجماعة الذين كانوا في الدار وهم أولاد ~~أولاده وخدمه، والله أعلم. # قال في البرهان: فإن قيل فكيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا ممكنا ~~بمصر، وأبوه بحران من أرض الجزيرة، وهل عجل استدعاؤه ولم يتعلل بشيء بعد ~~شيء؟ قيل: يحتمل ذلك أربعة أوجه: PageV18P484 # أحدها: أن يكون فعل ذلك عن أمر الله تعالى ابتلاء لهما لمصلحة علمهما لأنه ~~نبي مأمور. # والثاني: أنه بلي بالسجن فأحب بعد فراقه أن يبلو نفسه بالصبر. # والثالث: أن في مناجاة السرور نظر واجب أن يروض ينفسه بالتدريج. # والرابع: لئلا يتصور الناس بتعجيل استدعائهم فاقة أهله، انتهى. # ثم حكى الله سبحانه عن يعقوب ms1749 أنه قال: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى ~~الله} لا إليكم ولا إلى غيركم، وهو معنى قوله توليه عنهم، والبث هو أصعب ~~الهم الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس، والخبر الذي يغم والشأن الذي ~~يحزن ويهم، قال الشاعر: # ففي وقفه بأس أخبرك بثا # والبث تفريق الهم بإظهار ما في النفس. # وروي أنه أوحى إلى يعقوب إنما وجدت عليك لأنكم ذبحتم شاة، فقام ببابكم ~~مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء ثم المساكين، واصنع طعاما ~~وادع عليه المساكين، وقيل اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت. PageV18P485 # قال في البلغة في تفسير قوله تعالى: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وروي من ~~طريق أهل البيت عليهم السلام أنهم قالوا: كان الباكون خمسة: آدم ويعقوب، ~~ويوسف، وفاطمة، وعلي بن الحسين زين العابدين صلوات الله عليهم أجمعين ، أما ~~آدم فبكى على خطيئته حتى أثر ذلك في وجهه، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ~~ابيضت، وأما يوسف فبكى على أبيه وهو في السجن حتى قال له أهل السجن أعمل ~~معنا بأحد أمرين: إما أن تبكي بالليل وتسكت بالنهار، وإما أن تبكي بالنهار ~~وتسكت بالليل، فصالحهم على ذلك، وأما فاطمة عليها السلام فبكت بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال لها أهل المدينة مثل ما قال أهل ~~السجن ليوسف، ثم كانت تبكي في المدينة ما شاءت فإذا علمت بضجر أهل المدينة ~~خرجت إلى بقيع الغرقد فبكت حتى تقضي حاجتها من البكاء، واليوم الذي خرجت ~~وبينها وبين أبا بكر تلك المناظرة، فلما انصرفت[282] عن وجهه أتت قبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فانكبت عليه وهي تقول: # ماذا على مشتم تر بة أحمد # أن لا يشم مدى الزمان عواليا # صبت علي مصائب لو أنها # صبت على الأيام عدنا لياليا # ومن تأمل هذا عرف ما فيه، ولم تبق بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~أكثر الروايات أكثر من أربعة أشهر وفعلت ما فعلت، وتكلمت بما اشتهر النقل ~~به، ms1750 ودفنت سر بحيث لم ير جنازتها أحد ولم يظهر لقبرها أثر، وتولى ذلك أمير ~~المؤمنين عليه السلام وهو لا يعلم إلا ما أمر، وهي عليها السلام ما كانت ~~توصي إلا ما كان حقا ولله رضى. PageV18P486 # وأما علي بن الحسين صلوات الله عليهما فبكى على قبر أبيه سنين حتى أضجر ~~الخلق، وقال له مولاه يوما: يا سيدي إني أعظك أن تكون من الجاهلين، قال ~~إنما أشكو بثي وحزني إلا الله، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة يوم كربلاء إلا ~~خنقتني العبرة، ولم ير بعد أبيه مبتسما قط إلا في وقت ما وضع رأس عبيد الله ~~بن زياد لعنه الله بين يديه، وكان المختار بن أبي عبيد وجهه إليه، وأمر أن ~~يوضع على طبق ويغطى ويوضع في وقت إفطاره مع بني عمه وأقاربه ففعل ذلك، فلما ~~كشف ورأى القوم ذلك الرأس أمسكوا عن الطعام، وعرف هو عليه السلام الرأس ~~فقال لهم: هلموا على الطعام فإنكم لا تأكلون أهنأ من هذا، وتبسم عليه ~~السلام ، ومن تأمل ما أصيب به آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرف الحق ~~واهتدى له، انتهى. # ثم قال يعقوب عليه السلام: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} أي أعلم من ~~رحمته وإحسانه ما لا تعلمون وهو أنه تعالى يأتيني بالفرح من حيث لا أحتسب، ~~وهو إشارة إلا أنه كان يتوقع رسول يوسف إليه، وذكروا لسبب ذلك التوقع أمور: # أحدها: أن ملك الموت أتاه، فقال له يا ملك الموت: هل قد قبصت روح إبني ~~يوسف؟ قال: لا يا نبي الله، ثم أشار إلى جانب مصر وقال: أطلبه هاهنا. # وثانيها: أنه عليه السلام علم أن رؤيا يوسف صادقة؛ لأن أمارات الرشد ~~والكمال كانت ظاهرة في حق يوسف عليه السلام، ورؤيا مثله لا تخطئ. # وثالثها: لعله تعالى أوحى إليه أنه سيوصله لكنه ما عين الوقت، فلهذا بقى ~~في القلق. # ورابعها: قال السدي: لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله ~~وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف، وقال: يبعد أن يظهر ms1751 من الكفار مثله. # وخامسها: علم قطعا أن بنيامين لا يسرق، وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه ~~بل ضمه إليه وقربه، فغلب على ظنه أن ذلك الملك يوسف، فهذا جملة الكلام في ~~هذا المقام الأول. PageV18P487 # المقام الثاني: أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف، وذلك قوله: ~~{يابني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه}. # واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف وبنا على الأمارات المذكورة ~~قال لبنيه: تحسسوا من يوسف وأخيه، والتحسس طلب الشيء بالحاسة، وهو شبه ~~السمع والبصر، والمعنى تعرفوا وابحثوا عنهما واستعلموا، وقرئ بالجيم ~~والمعنى واحد، وقيل بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، ثم قال: {ولا تيئسوا ~~من روح الله}. # قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء، وكل ما يهتز الإنسان ~~له ويلتذ بوجوده فهو روح، وروح الله فرجه وتنفيسه، وهو مأخوذ من الراحة بعد ~~التعب، والنسمة بعد العنا وطول المكث، وقرئ بضم الراء أي رحمته التي يحيا ~~بها العباد، ثم قال: {إنه لا ييئس من روح الله إلا[283] القوم الكافرون} ~~دون المؤمن، فهو يرجو الله في الشدائد والبلايا، ويحمده في السر والرخا، ~~وإنما كفروا لإسائتهم الظن بالله، بخلاف الفاسق فهو يرجو إذا تاب. # قلت: ويجوز أن يراد أن الكفر هنا كفر النعمة لا كفر الجحود للصانع ~~المعبود، فيجوز إطلاقه على الفاسق، أو لأن اليأس من رحمة لا يحصل إلا إذا ~~اعتقد الإنسان أن إله العالم غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع ~~المعلومات، أو ليس بكريم، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان ~~اليأس لا يحصل إلى عند حصول هذه الثلاثة، وكل واحدة منها كفر بينت أن اليأس ~~لا يحصل إلا لمن كان كافرا، والله أعلم. PageV18P488 # ولما أمر يعقوب أبناءه بالعود وأوصاهم بما ذكر قبلوا من أبيهم هذه الوصية، ~~فخرجوا إلى مصر كما أمرهم {فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر} الهزال بالجوع {وجئنا ببضاعة مزجاة}كاسدة مدفوعة يردها كل ~~تاجر احتقارا لها، قيل: كانت متاع الأعراب........وسمنا، وقيل: دراهم ms1752 زيوفا ~~لا تؤخذ إلا بوضيعة، وقيل الاقط وسويق المقلى أي البهش، قيل هو يشبه النخل، ~~وثمره يشبه ثمر الفرسك وهو الدوم لغة لا....... فإنما هو دوم في اصطلاح ~~العوام، وأصل الإرجاء السوق بالدفع، ومنه قول الشاعر: # تزجي إعن ابره روقه # فلم أصاب من الدواه ضدادها # والعزيز هو الملك القادر المنيع، مسنا وأهلنا الضر، وهو الفقر والحاجة ~~وكثرة العيال وقلة الطعام، وعنو بأهلهم من خلفوهم، فإن قيل: فإذا كان يعقوب ~~أمرهم بأن يتجسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلب إيفاء ~~الكيل؟ قيل: لأن المتحسس يتوصل إلى مطلبه بجميع الطرق، والاعتراف بالعجز ~~وضيق اليد ورقة الحال وشدة الحاجة مما يرقق القلب، وهذا من أبلغ ترقيق ~~وأحسن استعطاف، فقالوا نجربه في ذكر هذه الأمور، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له ~~المقصود وإلا سكتنا، فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة، ولما وصفو شدة ~~حالهم، ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له {فأوف لنا الكيل} والمراد ~~تساهلهم إما بأن يقيم الناقص مقام الزائد، ويقيم الرديء مقام الجيد، ثم ~~قالوا: {وتصدق علينا} والمراد المسامحة بما بين الثمنين، وأن يسعر لهم ~~بالرديء كما سعر بالجيد. # وقال في البرهان: معناه تفضل علينا بالزيادة على حقنا؛ لأن الصدقة محرمة ~~على الأنبياء. PageV18P489 # وروي أنهم لما قالوا مسنا وأهلنا الضر وتضرعوا إليه أرقصت عيناه، فعند ذلك ~~{قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} وقيل دفعوا إليه كتاب يعقوب من يعقوب ~~إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما ~~بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في ~~النار فنجاه الله وجعلها عليه بردا وسلاما، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ~~ليقتل ففداه الله. # قلت: وهذه الرواية مغمورة والمشهور أن الذبيح إسماعيل، والله أعلم. # وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم ~~أتوا بقميصه ملطخ بالدم وقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من البكاء ~~عليه، ثم كان لي ابنا وكان أخاه من ms1753 أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك، ثم ~~رجعوا[284] وقالوا إنه قد سرق، وأنك حبسته عندك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا ~~نلد سارقا، فإن رددته علي وإلا دعوت الله عليك دعوة تدرك السابع من أولادك، ~~والسلام، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك، وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف، ~~وقيل:............ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله واقشعر جلده، ولان قلبه ~~وكثر بكاؤه فصرح بأنه يوسف، وقوله: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه} ~~استفهام يفيد تعظيم الواقعة، ومعناه ما أعظم ما ارتكبتم بيوسف، وما أقبح ما ~~أقدمتم عليه، وهو كما يقول المذنب هل تدري من عصيت، هل تعرف من خالفت. # قال في الكشاف: أنكرهم من جهة الدين، وكان موفقا فاستفهمهم عن معرفة وجه ~~القبح الذي يجب على الناسب أن يتهم به، أراد نصيحتهم بالتوبة لتفريطهم في ~~حق الله، أي هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه، حيث أفردتموه عن أخيه من ~~أبيه وأمه وهو يوسف، وعرضتموه للعمى. # وأما قوله: {إذ أنتم جاهلون} فهو يجري مجرى العذر، أي وقت جهلكم قبحه، ~~فلذلك أقدمتم عليه، انتهى. PageV18P490 # والمعنى هل علمتم صحة قبحه فتبتم إلى الله، وكان كلامه شفقة لا معاتبة، ~~إيثارا لحق الله على حق نفسه، وذلك المقام الذي يثبت فيه المصدور، وينفى ~~المقتص المحق، فلله أخلاق الأنبياء ما أرزنها، وقيل: لم ينف عنهم العلة، ~~ولكن لما لم يعلموا بعلمهم سماهم جاهلين، ولما نبههم عند توقيفه لهم على ~~فعلهم بيوسف وأخيه {قالوا أئنك لانت يوسف} يستفهمونه عن ذلك أهو يوسف أم هو ~~شبيه ونظير له؟ قرئ أئنك على الاستفهام وعلى تحقيق القول، فعند ذلك ~~{قال}صلوات الله عليه {أنا يوسف وهذا أخي} بنيامين {قد من الله علينا} بكل ~~خير في الدنيا والآخرة، وبالجمع بيننا بعد التفرقة، قال فيه، فإن قلت: كيف ~~عرفوه؟ قلت: رأوا في رواية وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه مع ~~علمهم بأن ما خاطبهم لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من......إبراهيم، لا عن ~~بعض أعزاء مصر، وقيل: تبسم عند ذلك فعرفوه ms1754 بثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنضود، ~~واللام في لأنت لام الابتداء، أو أنت مبتدأ ويوسف خبره، والجملة خبران، ~~وإنما صرح بالإسم تعظيما لما نزل به من ظلم إخوته، وما عرضه الله من الظفر ~~والنصرة، فكأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أعظم الوجوه، والله أوصلني إلى ~~أعظم المناصب، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم قتله، وإلقاؤه في البئر، ثم صرت ~~كما ترون، ولهذا قال: وهذا أخي مع أنهم كانوا يعرفونه لأنه مقصوده أن يقول: ~~وهذا أيضا كان مظلوما كما كنت، ثم أنه صار منعما عليه من فضل الله كما ~~ترون، وقوله: {إنه من يتق ويصبر} معناه ومن يتق الله معاصي الله ويصبر على ~~بلواه {فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} في الدنيا والآخرة، فوضع المحسنين ~~موضع الضمير؛ لاشتماله على المتقين والصابرين. PageV18P491 # واعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام الشريف لكونه تقيا، ولو ~~أقدم على ما تقوله الحشوية في زليخا لكان هذا كذبا منه، وذلك الكذب في هذا ~~المقام الذي يؤمن فيه الكافر، ويتوب فيه الفاجر، لا يليق بالعقلاء. # واعلم أن يوسف عليه السلام لما ذكر لإخوته هذا القول {قالوا تالله لقد ~~آثرك الله علينا} تالله قسم فيه معنى التعجب. # قال الأصمعي: يقال آثرتكم إيثار أي فضلتكم، والمعنى لقد فضلكم الله علينا ~~بالتقوى والصبر، والعلم والحلم، والعقل والفضل، والحسن والملك، وسيرة ~~المحسنين، واحتج بعضهم بهذه الآية[285] على أن إخوته ما كانوا أنبياء؛ لأن ~~جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة، كالقدم بالنسبة إليه، قول ~~شاركوه في منصب النبوة لما قالوا تالله لقد آثرك الله علينا، ومعنى قولهم: ~~{وإن كنا لخاطئين} أي وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم لم ~~نتق ونصبر أعزك الله وأذلنا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا خطأ التعنيف والعمد، وليس بخطأ ~~النسيان، وإن اشتبها وتقاربا في اللفظ واللسان، فعطف عليهم صلوات الله عليه ~~برحمته، وكرم طباعه، ولطف عشرته، ولما تابوا واعتذروا واعترفوا بفضله ~~عليهم، وكونهم مجرمين وخاطئين {قال} يوسف عليه السلام {لا تثريب عليكم ~~اليوم} والتثريب ms1755 في لغة العرب هو العار والعيب العائب، يقول صلوات الله ~~عليه لا عيب عليكم بعد توبتكم، قال الشاعر: # يا مظهر الكبر إعجابا بصورته # إذا خلوت فإن النتن تثريب # أي فإن الوسخ عيب وعار، وأكنا بذكر الخلو عما لا يحسن ذكره من خلو ~~الإنسان في حوائجه، وهكذا يفعل الحكماء وأهل الحياء والفضل في الكناية ~~والتعريض، والتطويح عن الإفحاش، والحياء والقبح، ثم قال في ذلك: # لو فكر الناس في ما في بطونهم # ما استشعر الكبر شبان ولا شيب # هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة # فيه وهو شيء من الأقذار مضروب # أنف تسيل وأذن ريحها...... PageV18P492 # والعين مرمصة والثغر ملعوب # واليوم متعلق بقوله لا تثريب عليكم، أي اليوم الذي يظن فيه للتثريب ~~واللوم، ثم ابتدأ فقال: {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}. # اعلم أنه لما بين لهم أنه أزال عنهم ملامة الدنيا طلب من الله أن يزيل ~~عنهم عقاب الآخرة فقال: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، أي رحمتكم وأنا ~~الفقير القتور فما ظنكم بالغني الغفور. # روي أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه أنك تحضرنا في مائدتك بكرة ~~وعشيا، ونحن نستحي منك لما صدر منا من الإساءة إليك، وقال يوسف: إن أهل مصر ~~وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا ~~بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العين حيث علم الناس ~~أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم، ثم قال يوسف عليه السلام: {اذهبوا ~~بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا}. # قال المفسرون: لما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه؟ فقالوا: ذهبت عيناه، ~~فأعطاهم قميصه. # قال المحققون: ولولا أن الله تعالى علم يوسف ذلك لم يعلم أنه يرجع بصره، ~~وهذا في البرهان، ولما أفرد أباه بالذكر تعظيما له قال في الباقي: {وأتوني ~~بأهلكم أجمعين} ليتخذوا مصرا دارا. # قال الكلبي: كان أهله من سبعين إنسانا، وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ~~ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة، ثم قال تعالى: {ولما فصلت العير} أي خرجت ms1756 من ~~مصر متوجهة إلى كنعان {قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف}. PageV18P493 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنا ولما فصلت العير، أي قطعت القرية ~~وانفصلت منها، وخرجت الإبل من المدينة وبانت عنها، أهب الله الرياح برائحة ~~يوسف إلى أبيه، ونقلت أجزاء من قميص ولده إليه، فقال حينئذ صلوات الله عليه ~~لمن حضره ومن كان معه من بنيه: إني لأجد ريح يوسف {لولا أن تفندوني} أي ~~لولا أن تخطئون في ذلك وتجهلون، والفند هو الخطأ والجهل، قال الشاعر[286]: # إلا سليمان إذ قال المليك له # قم في البرية فاجددها عن الفند # قال في البرهان: الفند بمعنى التكذيب، كما قال الشاعر: # هل في افتخار الكريم من أود ... أم هل يقول الصديق من فند # أي من كذب، ويحتمل أن يكون تضعيف الرأي، ومنه قول الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمر بمردود # وكان قوله هذا لأولاد بنيه لغيبة بنيه عنه، فدل هذا على أن الجد أب، ~~وقيل: إن المسافة التي وجد منها ريح قميصه ثمانية أيام، وقيل: ستة أيام، ~~وقيل: من مصر إلى كنعان مسافة ثمانين فرسخا، والله أعلم، واختلفوا في كيفية ~~وصول تلك الرائحة إليه. # قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا، واتصلت ~~بيعقوب، فوجد ريح الجنة، فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا ريح الجنة إلا ~~ما كان من ذلك القميص، فمن ثم قال: إني لأجد ريح يوسف. PageV18P494 # وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: أما قوله اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي، فإن نمرود الجبار ~~لما ألقى إبراهيم في النار ونزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطفيسة من الجنة ~~فألبسه القميص وأقعده على الطفيسة وقعد معه يحدثه فكسا إبراهيم عليه السلام ~~ذلك القميص إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من ~~فضة فعلقها في عنقه فألقي في الجب والقميص بعنقه، فذلك قوله: اذهبوا بقميصي ~~هذا، والتحقيق أن يقال إنه ms1757 تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار ~~المعجزة، ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون عنده: {تالله إنك لفي ضلالك ~~القديم} أي في ذهابك عن الصواب، قدما في إفراطك في محبة يوسف ورجائك لقاه، ~~وكان عندهم أنه قد مات، وتالله فيه معنى التعجب من ضلالة، فكان يعقوب في ~~ولوعه بذكره ذاهبا عن الرشد والصواب {فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه}. # قال جمهور المفسرين: البشير يهوذا، قال: إني ذهبت بالقميص ملطخا بالدم ~~وقلت إن يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص فأخبره أنه حي فأفرحه ~~كما أحزنته، قال: فألقاه على وجهه، أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو ~~يقال يعقوب ألقاه على وجهه نفسه {فارتد بصيرا} أي رجع بصير، ومعنى الارتداد ~~إنقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، فعند هذا {قال ألم أقل لكم إني أعلم من ~~الله ما لا تعلمون} والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا؛ لأن هذا المعنى ~~هو الذي له تعلق بما تقدم، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله: إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون. # قال في البرهان: ويحتمل وجها ثانيا وهو أني أعلم من بلوى الأنبياء بالمحن ~~ونزول الفرج، ونيل الثواب ما لا تعلمون. PageV18P495 # روي أنه سأل البشير وقال: كيف يوسف؟ قال: ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك على ~~دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن النعمة، ثم إن أولاد يعقوب ~~أخذوا يعتذرون إليه {قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} أي ~~عاصين معتدين بالإثم. # قال في البرهان: وإنما سألوه ذلك لأمرين: # أحدهما: أنهم دخلوا عليه من أمر الحزن ما لا يسقط المأثم[287] عنه إلا ~~بإحلاله. # والثاني: أنه نبي تجاب دعوته، وتعظم مسألته، ولما صح لأبيهم توبتهم {قال ~~سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} في تأخيره الاستغفار لهم وجهان: # أحدهما: أنه أخره دفعا عن التعجيل، ووعدا من بعد، فلذلك قيل: طلب الجوانح ~~إلى الشباب أسهل منها إلى المشائخ، ألم تر إلى قول يوسف: ms1758 لا تثريب عليكم ~~اليوم، وإلى قول يعقوب: سوف أستغفر لكم ربي. # والثاني: إنما أخر الاستغفار إنتظارا لوقت الإجابة، وتوفيقا لزمان الطلب. # قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأن هذا الوقت ~~أوقات الإجابة، وقيل: ليلة الجمعة، وقيل: أراد أن يعرف هل تابوا في الحقيقة ~~أم لا، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا، وقيل: أراد الدوام ~~على الاستغفار، فقد روي أنه كان يستغفر لهم ليلة جمعة نيفا وعشرين سنة، ~~وروي قالوا: ما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا، فلا قرت لنا عين أبدا، ~~فاستقبل يعقوب القبلة قائما يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة ~~خاشعين عشرين سنة حتى ظنوا أنها الهلكة، فنزل جبريل وقال: قد أجاب دعوتك في ~~ولدك، وقدموا مواثيقهم بعدك على النبوة، فقد اختلف في استثباتهم، ثم قال ~~تعالى: {فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه} أي ضمهما إليه واعتنقهما. PageV18P496 # واعلم أنه روي أن يوسف وجه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليجهز إليه بمن ~~معه، وخرج يوسف والملك في أربعة ألف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، ~~فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا ~~يهوذا أهذا فرعون مصر؟ قال: هذا ولدك يا مذهب الأحزان عني فأجابه يوسف ~~{وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} أي آمنين من فرعون ومن القحط والجدب، ~~ومعنى قوله: ادخلوا مصر أي استوطنوه، وروينا أنهم دخلوا مصر ثلاثا وتسعين ~~إنسانا من رجل وامرأة، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة وسبعون ألفا، وفي المراد ~~من أبويه قولان: # أحدهما: أنه أبوه وأمه، وعلى هذا القول فقيل: إن أمه كانت باقية حية إلى ~~ذلك الوقت، وقيل: إنها قد ماتت إلى أن الله أحياها ونشرها من قبرها حتى ~~سجدت له على زعمهم، تحقيقا لرؤيا يوسف. # القول الثاني: أن المراد أبوه وخالته؛ لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه ~~بنيامين، وقيل: بنيامين بالعبرانية أي الوجع، ولما ماتت أمه تزوج أبوه ~~خالته فسماها الله تعالى بأحد الأبوين؛ لأن ms1759 الخالة تسمى أما؛ لقيامها مقام ~~الأم، ولأن الخالة أم كما أن العم أب، ومنه قوله تعالى: {وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل دخول مصر؟ قيل: ~~كان حين استقبلهم نزل لهم في خيمة أوتدت هناك، فدخلوا إليه وضم إليه أبويه، ~~ثم قال: ادخلوا مصر، ثم قال سبحانه: {ورفع أبويه على العرش} قال أهل اللغة: ~~العرش السرير الرفيع، قال تعالى: {ولها عرش عظيم} والمراد بالعرش هاهنا ~~السرير الذي كان يوسف يجلس عليه، فرفعهما عليه تكرمه لهما، قوله تعالى: ~~{وخروا له} أي الإخوة والأبوان له {سجدا وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا} أي تفسير رؤياي، والتأويل في اللغة هو ما يدل الكلام ~~إليه من التفسير. PageV18P497 # قال أمير المؤمنين عليه السلام: قد كنت أضربكم على تنزيله واليوم أضربكم ~~على تأويله، أما السجود ففيه إشكال؛ لأن يعقوب عليه السلام كان أبا ليوسف، ~~وحق الأبوة حق عظيم، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا} فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضا أنه كان شيخا، والشاب يجب ~~عليه[288] تعظيم الشيخ، مع أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء، ويوسف وإن كان ~~نبيا إلى أن يعقوب كان أعلا حالا منه، ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة وهي ~~توجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب، فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب، هذا ~~تقرير السؤال والجواب عن من وجوه: # الأول: وهو قول ابن عباس في رواية عطا: إن المراد بهذه الآية أنهم خروا ~~له، أي لأجل وجدانه سجدا لله، وحاصله أنه كان سجود الشكر، فالسجود له هو ~~لله، إن ذلك السجود لما كان لأجله أضيف إليه، هذا قول أئمتنا عليهم السلام . # قال الهادي عليه السلام: الرؤيا فهي كان ما رأى في أول أمره، وقيل: فعل ~~إخوته ما فعلوا من الكواكب والشمس والقمر له ساجدين، فكان تأويل ذلك أبويه ~~وإخوته وإتيانهم إياه في مملكته وخروا له سجدا كما قال الله سبحانه، ومعنى ~~خروا له سجدا فهو خروا له من ms1760 أجل ما أنعم عليهم به فيه، كما كان سجود ~~الملائكة لآدم، وإنما معنى قوله اسجدوا لآدم، أي اسجدوا لله من أجل آدم ~~عليه السلام لعجيب ما ترون من قدرته فيه، وابتدائه له وخلقه. # وأما قوله: {قد جعلها ربي حقا} فإنما يقول: قد حققها ربي بما من به من ~~إتيانه بكم، وتفضل بذلك عليكم، انتهى. # واعلم أن غير هذا التأويل ممتنع؛ لأنه يبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى ~~بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين، ~~وكمال النبوة. # والوجه الثاني في الجواب أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله ~~شكرا لنعمته، وحمدا له. PageV18P498 # قال الرازي: وهذا تأويل حسن، فإنه يقال: صليت للكعبة، كما يقال صليت إلى ~~الكعبة، قال حسان: # ما كنت أحسب أن الأمر منصرف # عن هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم # وأعرف الناس بالآثار والسنن # وهذا يدل على نحو أن يقال: فلان صلى للقبلة، وكذلك يجوز أن يقال سجد ~~للقبلة، وخروا له سجدا، أي جعلوه القبلة وسجدوا لله تعالى شكرا لنعمة ~~وجدانه. # الوجه الثالث: التواضع قد سمي سجودا في أصل اللغة، قال الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # وكان المراد هنا التواضع وهو الإنقياد والخضوع أي تلك الجبال الصغار، ~~كانت مذللة لحوافر الخيل، ومن ذلك قوله تعالى: {والنجم والشجر يسجدان} فكان ~~سجودهم سجود التذلل والخضوع، وليس كالسجود الذي يكون بعد الركوع، وكلا ~~الوجهين تقديرها سجودا وبرا إذا كان ممن فيه بينا موجودا. # والوجه الرابع: قالوا لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك الوقت ~~هو السجود، فكان بمقصودهم تعظيمه، وهذا في غاية التعد إلى المبالغة في ~~التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الأمر كما قلتم لكان من ~~الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب، واختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين ~~الرؤيا ربما صحت بعد أربعين، ثم قال: {وقد أحسن بي} أي إنزالي، يقال: أحسن ~~إليه وبه، وكذا أساء إليه وبه، ومعنى {إذ أخرجني} إلى وقت أخرجني {من ms1761 ~~السجن} أي من الحبس {وجاء بكم من البدو} أي من البادية، وكانوا أصحاب مواش ~~ينتقلون إلى المياه والمراعي. # قال في البرهان: فإن قيل: فلم اقتصر من ذكر ما بلي به على شكر[289] ~~إخراجه من السجن دون الجب، وكانت حاله فيه أخطر؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه كان في السجن مع الخوف معرفه لم تكن في الجب فكان ما في نفسه ~~من بلواه أعظم، فلذلك خصه بالذكر والشكر. PageV18P499 # والثاني: أنه قال شكرا الله على نقله من البلوى إلى النعماء وهو إنما انتقل ~~إلى الملك من السجن لا من الجب، فصار أحق بالذكر والشكر، إذ صار مخرجه من ~~السجن ملكا، وخروجه من الجب عبدا. # والثالث: أنه لما عفى عن إخوته بقوله: لا تثريب عليكم اليوم أعرض عن ذلك ~~الجب لما فيه من التعريض والتوبيخ، ثم قال: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني ~~وبين إخوتي} أي من بعد أن أغرى الشيطان بيني وبينهم، قال الشاعر: # فمن لي بنفس لا تزال غوية # ونزغة شيطان تريد ضلالها # وأصله من نخس.........الدابة لتجري، يقال: نزغه ولسعه إذا نحسه، ثم قال: ~~{إن ربي لطيف لما يشاء} أي لطيف التدبير لأجل ما يشاء حتى يجيء على وجه ~~الحكمة والصواب، والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع ~~الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول، إلا ~~أنه يقال: لطيف، فإذا أراد حصول الشيء يسهل أسبابه فحصل، وإن كان في غاية ~~البعد عن الحصول، ثم قال: {إنه هو العليم الحكيم} يعني أن كونه لطيف في ~~أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بعواقب الأمور، وكيفية تدابيرها، وحكيم أي ~~محكم في فعله، لا يفعل إلا الصواب. # وروي أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزانته فأدخله خزائن الذهب ~~والفضة، وخزائن الحلي وخزائن الثياب، وخزائن السلاح، فلما أدخله خزائن ~~القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلى على ثمان ~~مراحل، قال: نهاني جبريل عنه، قال: سله عن السبب؟ قال: أنت ms1762 أبسط إليه مسألة ~~فسأله؟ فقال جبريل: أمرني الله بذلك، لقولك: وأخاف أن يأكله الذئب، فهلا خفتني. PageV18P500 # روي أن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف أربعة وعشرين سنة، ولما قرب وفاته ~~أوصى إليه أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه هناك، ~~وعاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثة وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا ~~يدوم طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى الموت فقال: {رب قد آتيتني من الملك} أي ~~بعضه؛ لأن مصر بعض الأرض {وعلمتني من تأويل الأحاديث} إذ لم تؤت إلا بعض ~~تفاسير الكتب والسير لا كلها، وقيل: يريد تفسير الأحلام. # وفي البرهان: رب قد آتيتني من الملك، أي الملك، ومن زائدة، وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث، يعني الإخبار عن حوادث الزمان بأهله، ثم قال: {فاطر ~~السماوات والأرض} أي خالقها ابتداءا. # قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في ~~بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها {أنت ولي في الدنيا ~~والآخرة} أي تولاني بالنعمة فيهما، وتصل الملك الفاني بالملك الباقي، ~~وقوله: {توفني مسلما} طلب الوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم بالخير ~~والحسنى، كما قال يعقوب لولده: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ويجوز أن يكون ~~تمنيا للموت {وألحقني بالصالحين} يعني من أنبيائه الأنبياء والصالحين، أو ~~على العموم أي ارفعني إلى درجتهم. # قال في البرهان: كان يوسف عليه السلام أول نبي تمنى الموت فتوفاه الله ~~طاهرا، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحب أن يدفن في محلته، حتى هموا ~~بالقتال، فرأوا أن الأصلح أن يعملوا له صندوقا من مرمر ويجعلوه[290] فيه ~~ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه، ثم يصل إلى مصر لتصير بركته إلى ~~الكل، وولد أقرانيم وميشا، وولد لأقرانيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي ~~يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه في ~~الشام، والله أعلم. PageV19P001 # ثم قال تعالى: {ذلك} أي ذلك الذي مر من حديث يوسف {من أنباء الغيب ms1763 نوحيه ~~إليك} يا محمد، أي لم يقع إلا من جهة الوحي، وقوله: ذلك رفع بالابتداء ~~وخبره من أنباء الغيب، ونوحيه إليك خبر ثان {وما كنت لديهم} أي بني يعقوب ~~{إذ أجمعوا أمرهم} أي أحكموه بإلقاء يوسف في البئر {وهم يمكرون} يريدون ~~يكيدون يوسف، أي حال مكرهم به، وهذا تهكم بقريش ومن كذبه؛ لأنه لم يخف على ~~واحد من المكذبين أنه لم يكن من جملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لغى فيها أحد ~~ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، فإذا أخبر به وقصه هذا القصص العجيب ~~الذي حملته ورواته لم تقع شبهة في أنه ليس منه، وأنه من جهة الوحي، فإذا ~~أنكروه تهكم بهم، ذكر هذا في الكشاف، والمقصود من هذا أن هذا إخبار عن ~~الغيب فيكون إتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيها تحريف ولا غلط ~~من غير مطالعة ولا تعلق، ومن غير أن يقال كان حاضرا معهم معجزا، وقوله: ~~{وما كنت لديهم} ذكر على سبيل التهكم بهم؛ لأن كل أحد يعلم أن محمدا لم يكن ~~معهم، وقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} يريد العموم، كقوله: ~~{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}. # عن ابن عباس: أراد أهل مكة، أي وماهم بمؤمنين ولو حرصت، وتهالكت على ~~إتيانهم لتصميمهم على الكفر وعنادهم. # قال الرازي: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من ~~اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا، فلما ذكرها لهم أصروا ~~على كفرهم، فنزلت هذه الآية. PageV19P002 # قال أبو بكر بن الأنباري: جواب لو محذوف؛ لأن جواب لولا يكون مقدما عليها، ~~ولا يجوز أن يقول قمت لو قمت، وقوله: {وما تسألهم عليه} أي على ما تحدثهم ~~به من القرآن وتذكرهم {من أجر} كما يعطى حملة الأحاديث والأخبار {إن هو إلا ~~ذكر للعالمين} أي هو عضة من الله وتذكرة لهم في دلائل التوحيد والعدل ~~والنبوة، والمعاد والقصص والتكاليف، ومعناها ms1764 أن هذا القرآن مشتمل على هذه ~~المنافع العظيمة لا تطلب عليه مالا ولا جعلا، فلو كانوا عقلاء لقبلوا، ولم ~~يتمردوا، ومعنى {وكأين من آية} أي وكم من علامة تدل على الخالق وتوحيده ~~وصفاته {في السماوات والأرض يمرون عليها} ويشاهدونها {وهم عنها معرضون} لا ~~يعتبرون بها، المراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر فإنه ~~لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك، فإن العالم مملوء من ~~دلائل التوحيد، والقدرة والحكمة، ثم إنهم يمرون عليها ولا يلفتون إليها. # وأما قوله سبحانه: {وما يؤمن أكثرهم بالله} وبأنه خلقه وخلق السماوات ~~والأرض {إلا وهم مشركون} بعبادة الوثن، أي ما يقر أحدهم بالله إلا وهم ~~مشركون مع إقرارهم، والمراد أنهم كانوا مقرين بوجود الإله {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله} لكنهم كانوا ينسبون له شريكا في ~~العبودية. PageV19P003 # وعن ابن عباس: هم الذين يشبهون الله بخلقه، وعنه أيضا أنه قال: نزلت هذه ~~الآية في تلبية مشركي العرب؛ لأنهم كانوا يقولون[291]: لبيك لا شريك لك، لا ~~شريك هو لك، تملكه وما ملك، وعنه أيضا أن أهل مكة قالوا: الله ربنا وحده لا ~~شريك له، والملائكة بناته، فلم يوحدوا بل أشركوا، وقال عبدة الأصنام: ربنا ~~الله وحده، والأصنام شفعاؤنا عنده، وقالت اليهود: ربنا الله وعزير بن الله، ~~وقالت النصارى: ربنا الله وحده لا شريك له، ثم قال تعالى: {أفأمنوا أن ~~تأتيهم غاشية من عذاب الله} أي نقمة تغشاهم وعقوبة تعمهم، أو ما يغمرهم من ~~العذاب..........، والصواعق {أو تأتيهم الساعة بغتة} أي فجأة على غفلة ~~تبغتهم، فيقال: بغته الأمر بغتا وبغتة إذا جاءهم من حيث لم يتوقعوا، وقوله: ~~{وهم لا يشعرون} كالتأكيد لقوله بغتة، وبغتة نصب على الحال، ثم أمر عز وجل ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {قل هذه سبيلي}. # قال المفسرون: قل يا محمد لهم هذا الدعوة التي أدعوا إليها، والطريقة ~~التي أنا علبيها سبيلي وصفتي ومنهاجي، وسمي الدين سبيلا؛ لأنه الطريق الذي ~~يؤدي إلى الثواب، ومثله قوله: ms1765 ادع إلا سبيل ربك. # واعلم أن السبيل في أصل اللغة الممر، ثم شبهوا المعتقدات بها، لما كان ~~الإنسان عليها يمر إلى الجنة، ثم فسر سبيله بقوله: {أدعو إلى الله على ~~بصيرة} أي ادعوا إلى دينه مع حجة واضحة منيرة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه على بصيرة أي تبصرة وحكمة، لا ~~غمر فيها ولا شبهة، ثم قال: {أنا ومن اتبعني} أي وندعوا إليها من اتبعني، ~~ويجوز أن يكون المعنى أنا على بصيرة ومن اتبعني على بصيرة. # وروى أبو القاسم الحسكاني بإسناده إلى أبي جعفر قال: لا نالتني شفاعة جدي ~~إن لم تكن هذه الية نزلت على خاصته، قل هذه سبيلي ادعوا. PageV19P004 # وروي أيضا عن زيد بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني} من أهل بيتي لا زال الرجل بعد الرجل يدعو إلى ما أدعو إليه، وقوله: ~~{وسبحان الله} عطف على قوله: {هذه سبيلي} أي قل هذه سبيلي، وقل {سبحان ~~الله} تنزيها لله عما أشركوا {وما أنا من المشركين} الذي اتخذوا مع الله ~~ضدا وندا، وكفوا وولدا، ثم قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم} قرأ حفص عن عاصم نوحي بالنون، والباقون بالياء. # واعلم أن جملة شبه منكري نبوته صلى الله عليه وآله وسلم أن الله لو أراد ~~إرسال رسول لبعث ملكا، فقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى} أي المدر لأنهم أعلم وأحلم، والعرب تسمي المدينة قرية، ~~فلما كان الكل هكذا فكيف يعجبوا في حقك يا محمد! والآية تدل على أن الله ~~تعالى ما بعث رسولا إلى الخلق من النساء، وأيضا لم يبعث رسولا من أهل ~~البادية، وأصل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة. # قال الحسن: لم يبعث الله نبيا من البادية ولا من الجن، ولا من النساء. # وروي في البرهان في معنى هذا الأثر. # قلت: ولقائل أن يقول: إن يعقوب ms1766 وأولاده كانوا أهل بادية وعمد، وذكروا أن ~~عادا كانوا كذلك، والظاهر أن هودا كان مثلهم، والله أعلم. PageV19P005 # ثم قال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} هذا ~~إنكار عليهم في تركهم السير للنظر والاعتبار في مصارع الأمم الماضية ~~المكذبة، ثم قال[292] {ولدار الآخرة} أي الساعة أو الحالة الآخرة {خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون} أي تختارون الشرك والمعاصي على التوحيد والتقوى، ~~أفلا تعقلون كأنكم لا عقول لكم لاختياركم الفاني على الباقي، قرأ نافع وابن ~~عامر ورواية عن عاصم تعقلون بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على ~~الغيبة، قوله تعالى: {حتى إذا استيئس الرسل} حتى متعلقة بمحذوف دل عليه ~~الكلام، كأنه قيل: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يتراخى نصرهم حتى إذا ~~استيئسوا عن النصر {وظنوا} أي الرسل {أنهم قد كذبوا} أي كذبهم قومهم فيما ~~وعدوهم به من عذاب الكفار والنصرة لهم، هذا على قراءة التشديد. # وفي البرهان: يعني استيئسوا من قومهم أن يصدقوهم، وظنوا أنهم قد كذبوا ~~يعني أن قومهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا، ومن رواية القاسم بن إبراهيم عليهما ~~السلام عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وحل: حتى إذا استيأس الرسل ~~قال: فهو استئياسهم من إيمان قومهم، وظنهم فهو ظنهم بمن أعطاهم الرضا في ~~لعلانية أنه قد كذبهم في السر، وذلك لطول البلاء عليهم، ولم يستأس الرسل من ~~نصر الله، ولم يظنوا أن الله قد أخلفهم ما وعدهم، انتهى. # وأما قوله: {جاءهم نصرنا} أي لما بلغ الحال الحد المذكور جاءهم نصرنا ~~فجأة من غير حساب. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه حتى إذا استيأس الرسل من طاعة ~~قومهم، ويئسوا من رجعة أعداء إليهم أتاهم نصر الله عند ذلك على من كذبهم، ~~أي جاء الرسل نصر الله بعذاب قومهم {فنجي من نشاء} وهم المؤمنون أتباع ~~الأنبياء {ولا يرد بأسنا} أي هلاكنا {عن القوم المجرمين}. PageV19P006 # واعلم أن هذا حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى، وإنما حكى فعل الحال ~~كما أن قوله هذا من ms1767 شيعته وهذا من عدوه إشارة إلى الحاضر، والقصة ماضية، ثم ~~قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}. # قال الرازي: اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى ~~الطرف المجهول، والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور: # الأول: أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلائه بعد حبسه ~~في السجن، وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم، وجمعه مع والده ~~على ما أحب بعد المدة الطويلة، لقادر على إعزاز محمد، وإعلاء كلمته. # والثاني: أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب، فيكون معجزة دالة ~~على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # الثالث: أنه ذكر في أول السورة نحن نقص عليك أحسن القصص، ثم ذكر في آخره ~~لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، تنبيها على أن حسن هذه القصة إنما ~~كان بسبب أنه تحصل منه العبرة، ومعرفة الحكم والقدرة، والمراد من قصصهم قصة ~~يوسف وإخوته وأبيه، وفي الناس من قال المراد قصص الرسل؛ لأنه تقدم في ~~القرآن ذكر قصص سائر الرسل، إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف، فإن ~~قيل: لم قال عبرة لأولي الألباب مع أن قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~كانوا ذوي عقول وأحلام، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر ذلك، فقال في الجواب: ~~إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار، ولكن تركوه للعتو منهم والاستكبار، ~~والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها ~~العاقل، أو يكون المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا[293]، ~~وتأملوا وانتفعوا بمعرفتها أن أولي الألباب لفظ يدل على المدح والثناء، فلا ~~يليق إلا بما ذكرناه. # واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات: # الصفة الأولى: كونها عبرة لأولي الألباب، وقد سبق تفسيره. PageV19P007 # والصفة الثانية: قوله {ما كان حديثا يفترى} وفيه قولان: # أحدهما: المراد أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يصح منه ~~أن يفتريه؛ لأنه لم يقرأ الكتب، ولم يتتلمذ لأحد، ولم ms1768 يخالط العلماء، فمن ~~المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت. # والثاني: المراد أنه ليس يكذب في نفسه؛ لأنه لا يصح، ثم إنه تعالى أكد ~~كونه غير مفتري فقال: {ولكن تصديق الذي بين يديه} وهو إشارة إلى أن هذه ~~القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية، ونصب ~~تصديق على تقدير، ولكن كان تصديق بين يديه كقوله: {ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. # قال الزجاج والفراء: ثم قال ويجوز رفعه على قياس النحو على معنى ولكن هو ~~تصديق الذي بين يديه، أي هذا القرآن تصديق لما تقدم بين يديه من الكتب ~~والرسل؛ لأن الله عز وجل جعله خاتما للكتب كلها ومصدقا لها، ولمن اصطفى ~~الله من أهلها، ونسأل الله أن يرحمنا به وبغيره من التذكير، وأن يوفقنا ~~لطاعة العليم الخبير. # والصفة الثالثة: قوله: {وتفصيل كل شيء} وفيه قولان: # أحدهما: المراد وتفصيل كل شيء واقعه يوسف مع أبيه وإخوته. # والثاني: أنه عائد إلى كل القرآن، كقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء يحتاج ~~إليه في الدين، وقيل: إنه من العام الذي أريد به الخاص. # الصفة الرابعة والخامسة: قوله: {وهدى} أي بيانا {ورحمة} أي نعمة {لقوم ~~يؤمنون} يعني هذا في الدنيا، وسببا لحصول الرحمة في القيامة، وإنما خص ~~المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به، كقوله تعالى: {هدى للمتقين}. # تمت سورة يوسف والحمد لله رب العالمين. PageV19P008 ### || AUTO سورة هود # مائة وعشرون آية مكية قيل بالإجماع. # قال في البرهان: إلا آية واحدة وهي قوله: {أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا ~~من الليل}. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته} قال الرازي: اعلم أن قوله الر اسم ~~للسورة وهو مبتدأ، وقوله كتاب خبره، وقوله أحكمت آياته ثم فصلت صفة للكتاب ~~واعتراض الزجاج فاسد؛ لأنه قال: لا يجوز أن يقال الر مبتدأ، وكتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت خبر؛ لأن الر ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده، وإنما كان هذا ms1769 ~~فاسدا؛ لأنه ليس شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه، فلا أدري ~~كيف للزجاج هذا السؤال، ومعنى أحكمت آياته أي نظمت نظما رصينا لا يقع فيه ~~نقص ولا خلل، كالبناء المحكم المرتصف، أو معناه جعلت حكمة أي تنطق بالحكمة، ~~كقوله: {آيات الكتاب الحكيم} أو من حكم بضم الكاف إذا صار حكما فنقل إلى ~~التعدية بالهمزة {ثم فصلت من لدن حكيم خبير}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني فصلت أي قطعت وبينت، والفصل هو القطع. PageV19P009 # قال في البرهان: الر كتاب يعني أن القرآن أحكمت آياته أي من الباطل، ثم ~~فصلت بالحلال والحرام، والطاعة والمعصية، ويحتمل أن يكون أحكمت بالأمر ~~والنهي، ثم فصلت بالثواب والعقاب[294] انتهى. أو المراد فصلت كما تفصل ~~القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولا سورة ~~سورة وآية آية، أو فرقت في التنزيل، ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل ما يحتاج ~~إليه العباد، وبين من عند حكيم في أفعاله ومراده، خبير بمصالح عباده، فجعلت ~~فصولا حلالا وحراما، وأمثالا وترغيبا وترهيبا، ومواعظ، وأمرا ونهيا، لكل ~~معنى منه فصل قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى يسهل تدبر كل واحد منها، ~~ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل، وقوله: {ألا تعبدوا ~~إلا الله} مفعول له على معنى لئلا لا تعبدوا، أو تكون أن مفسرة؛ لأن في ~~تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل لا تعبدوا إلا الله. # واعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف بأشياء مرتبة. والأول أنه تعالى ~~أمر أن لا تعبدوا إلا إياه، وإذا قلنا لا يستثنى من النفي إثبات كان معنى ~~هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله، والأمر بعبادة الله، وذلك هو الحق؛ ~~لأن ما سوى الله فهو يحدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين الله وإتخاذه، ~~والعبادة عبارة عن غاية الخضوع والخشوع، ونهاية التواضع والتذلل، وذلك لا ~~يليق إلا بالمدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله منكرة، والإعراض ~~عن عبادة الله منكر. PageV19P010 # واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل ms1770 معرفة الله سبحانه قبل العبادة؛ لأن من ~~لا يعرف تمتنع عبادته، فكأن الأمر بالعبادة أمرا بتحصيل المعرفة أولا، ~~ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} ثم ~~أتبعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع، وهو قوله: الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم، وإنما حسن ذلك؛ لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة، ثم ~~قال: {إنني لكم منه نذير} إن كفرتم {وبشير} إن آمنتم، أي نذير من النار ~~بشير بالجنة، والضمير في قوله منه عائدا إلى الحكيم الخبير، والمعنى إني ~~لكم نذير وبشير من جهته. # والمرتبة الثانية من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله: {وأن استغفروا ~~ربكم} أي أمركم بالتوحيد والاستغفار. # والمرتبة الثالثة قوله: {ثم توبوا إليه} واختلفوا في بيان الفرق بين ~~هاتين المرتبتين، فمنهم من قال إن معنى قوله: وأن استغفروا اطلبوا من ربكم ~~المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة، والأمر في ~~الحقيقة كذلك، وإنما قدم الاستغفار؛ لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة ~~هي السبب إليها، والمغفرة هي أول في الطلب وأخر في السبب، وقيل: أخلصوا ~~التوبة واستقيموا عليها، وقيل: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف ~~الذنوب. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاث ذكر بعدها ما يترتب عليها من ~~الآثار النافعة والنتائج المطلوبة، والمعلوم أن المطالب محصورة في نوعين؛ ~~لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة. PageV19P011 # أما المنافع الدنيوية فهي المراد من قوله سبحانه: {يمتعكم متاعا حسنا} ~~معيشة واسعة، ونعمة متتابعة {إلى أجل مسمى} أي أجل موتكم، كقوله فلنحيينه ~~حياة طيبة، وإنما سمى منافع الدنيا بالمتاع لأجل التنبيه على حقارتها ~~وقلتها، ونبه على كونها منقضية بقوله إلى أجل مسمى، فصارت هذه الآية دالة ~~على كونها حقيرة خسيسة، ثم لما بين تعالى ذلك بين المنافع الأخروية، فقال: ~~{ويؤت كل ذي فضل فضله} أي ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل وزيادة ~~فيه جزاء فضله لا يبخس منه أو فضله في الثواب[295]والدرجات تتفاضل في الجنة ~~على ms1771 قدر تفاضل الطاعات، ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال: {وإن تولوا} ~~أي تعرضوا عما أمرتم به من التوحيد والطاعة {فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير} يوم القيامة، ووصف بذلك لكبر الأمور التي فيه، ولما بين عذاب اليوم ~~الكبير أخبر سبحانه أن مرجعهم إليه فقال: {إلى الله مرجعكم} وهذا اللفظ ~~يفيد الحصر، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره {وهو على كل شيء قدير} ~~فبين عز وجل أن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شيء، فكان قادرا على أشد ما ~~أراد من عذابهم، وهذا تهديد عظيم من بعض الوجوه، وبشارة عظيمة من سائر ~~الوجوه، وذلك ظاهر، فقال: {ألا إنهم} يعني الكفار من قوم محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم {يثنون صدورهم ليستخفوا منه} أي من الله لئلا يطلع رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين على أوزارهم؛ لأن معنى يثنون صدورهم أي ~~يزورون عن الحق وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره عن ~~القلوب أو عبارة عن رد الحق، وقيل: إن الضمير في منه راجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم. PageV19P012 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى يثنون صدورهم أي يردون صدورهم ~~مدبرين بعد إقبالهم، وراجعين عن القرآن مستخفين منه لئلا يسمعوا، انتهى. # وقيل: إن طائفة من المشركين قالوا: إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا، ~~واستغشينا ثيابنا، وثنينا صدورنا على خلاف محمد، فكيف يعلم بنا على هذا ~~التقدير، كأن يقوله يثنون صدورهم كناية عن النفاق، فكأنه قيل: مضمرون خلاف ~~ما يظهرون، ليستخفوا من الله، ثم نبه بقوله: {ألا حين يستغشون ثيابهم} على ~~أنهم يستخفون منه خين يستغشون ثيابهم. # وروي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثنى ~~ظهره وولى بظهره واستغشا ثيابه، والتقدير كأنه قيل: إنهم ينصرفون عنه ~~ليستخفوا منه حين يستغشون ثيابهم، أي يضعون ثيابهم على آذانهم، ويدخلون ~~رؤسهم في ثيابهم لئلا يسمعوا كلام الله، وما يتلو من القرآن، كراهية ~~لاستماع الوحي، وليقولوا في أنفسهم ما ms1772 يشتهون من الطعن والثلب، وقوله: إلا ~~للتنبيه فنبه أولا أنهم ينصرفون عنه ليستخفوا، ثم كرر كلمة التثنية عقيب ~~ذكر الاستخفا لينبه على وقت استخفائهم، وهو حين يستغشون ثيابهم، ثم ذكر أنه ~~لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله: {يعلم ما يسرون وما يعلنون} لا تفاوت في ~~علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء. # قال في البرهان: يعلم ما يسرون وما يعلنون بأفواههم، ويجوز أن يكون ~~الإسرار عمل الليل والإعلان عمل النهار {إنه عليم بذات الصدور} أي ~~بأسرارها. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~أردفه تعالى بمال يدل على كونه عالما بجميع المعلومات، فقال سبحانه: {وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}. PageV19P013 # قال الزجاج: الدابة اسم لكل حيوان؛ لأن الدابة اسم مأخوذ من الدبيب، وتأنيث ~~هذه اللفظة على ها التأنيث، وأطلق على كل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى ~~إلا أنه بحسب عرف[296] اختص بالفرس المراد بهذه اللفظة في هذه الآية ~~الموضوع الأصلي اللغوي، فتدخل فيه جميع الحيوانات، وهذا متفق عليه بين ~~المفسرين، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة، وهي الأجناس التي ~~تكون في البر والبحر والجبال، والله يخصها دون غيره، وهو تعالى قد علم ~~بكيفية طبائعها وأعصابها، وأحوالها وأغذيتها وسمومها {ويعلم مستقرها} أي ~~مكانها من الأرض {ومستودعها} حيث كانت مودعة من صلب أو رحم أو بيضة، ويعلم ~~ما يوافقها وما يخالفها، فالإله المدبر لأطباق السماوات والأرضين، ولطبائع ~~الحيوان والنبات كيف لا يكون عالما بأحوالها. # وروي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله، ~~فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ~~ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها فخرجت منها دودة كانت ~~تقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني، يذكرني ولا ينساني، ثم قال ~~عز وجل: {كل} أي من الدواب والأرزاق والمستقر والمستودع {في كتاب مبين} أي ~~في علم الله العليم، ms1773 ولكنه ضرب المثل بالكتاب المبين، كذا عن القاسم ~~والهادي وغيرهما من أئمتنا عليهم السلام، وقال غيرهم: المراد به اللوح ~~المحفوظ، ولا دليل عليه إلا ما روته الحشوية، وأرسله فمعارض بما هو معلوم الصحة. # قال الإمام الناصر للحق عليه السلام في كتاب البساط ما لفظه: ومعنى مكتوب ~~محفوظ، قال الشاعر: # لا تأمنن قرار ما خلوت به # على قلوصك واسترها بأستار PageV19P014 واعلم أنه سبحانه لما أثبت بهذا الدليل كونه عالما بالمعلومات، أثبت بعده ~~بدليل آخر كونه تعالى قادرا على كل المقدورات، وإن كان في الحقيقة كل واحد ~~من هذين الدليلين يدل على كمال قدرته، فقال عز وجل: {وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء}. # قال القاسم عليه السلام: تأويله وكل ملك الله على الماء إذ ليس إلا الماء ~~كما ملكه اليوم على الأرض والسماء وعلى جميع ما فيهما من الأشياء. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه كان ملكه وسلطانه على الماء من ~~بعد خلقه وجعله للهواء فخلق الرياح وأرسلها على الماء، ثم أتى الخبر أن ~~الرياح ضربت الماء حتى صار زبدا، أي خلق الله النار فأحرقت الزبد فصار ~~دخانا في أعلا الهواء، ونزلت الحراقة منحدرة سفلى، فخلق الأرض من الحراقة، ~~وخلق السماء من الدخان، ثم خلق الملائكة عليهم السلام من الهواء والرياح، ~~فأتوا بقدرة الله شدادا..........، وخلق الجان من لهب النار ومارجها، وهو ~~الذي يتقطع في الجو من تأججها فأتوا خفافا من جنس النار مشاكلين للهواء، ~~وجعل الله الهواء لهم محلا، وخلق الناس من الأرض فأتوا أضعافا ثقالا، وكذلك ~~البهائم أيضا، والله أعلم تبارك وتعالى. # وأما قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} فهو من التقديم والتأخير، ~~والمعنى فيه وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا، وكان عرشه على الماء يريد عز وجل أنه لم يعجز عن خلق السماوات والأرض ~~في لحظة وإنما خلقهما في ستة أيام ليبلوكم بذلك أتصدقوه بالخبر عن خلقه في ~~الستة الأيام فيثيبكم أم لا تصدقوه بذلك فيعاقبكم، ms1774 ويفرق أيضا بالخبر عن ~~ذلك بينكم[297]حتى يتبين المصدق والمكذب منكم، انتهى. # وفي البرهان: ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وأورع عن محارم الله عز وجل، وأسرع ~~في طاعة الله تعالى. PageV19P015 # واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما خلق هذا العالم لأجل المكلفين وامتحانهم ~~فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأن الابتلاء والإمتحان يوجب تخصيص ~~المحسن بالرحمة والثواب، وتخصيص المسيء بالعقاب، وذلك لا يتم إلا مع ~~الاعتراف بالمعاد والقيامة، فعند هذا خاطب محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فقال: {ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت} للجزاء {ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا} أي القرآن؛ لأنه ناطق بالبعث {إلا سحر مبين} أو المراد أن البعث أمر ~~باطل كبطلان السحر لا أصل له. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول بقولهم إن هذا إلا ~~سحر مبين حكى عنهم بعد ذلك نوعا آخر من أباطيلهم، فقال سبحانه: {ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه} أي متى تأخر عنهم العذاب الذي ~~توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء، ويقولون ما السبب الذي حبسه عنا ~~استعجالا منهم بالعذاب، وتكذيبا بما وعدهم من العقاب، فأجاب الله عنه ~~بقوله: {ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} أي عذاب الآخرة، وقيل: يوم بدر، ~~وقيل: قتل جبريل للمستهزئين، ومعنى {وحاق بهم} أي أحاط ودار، والمعنى ويحيق ~~إلا أنه جاء على عادة الله في إخباره بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد ~~والتقرير، وقوله: {ما كانوا به يستهزئون} وضع يستهزؤن موضع يستعجبون؛ لأن ~~استعجالهم كان على جهة الاستهزاء، ومعنى قوله إلى أمة معدودة إلى مدة من ~~الزمان وفيه محدودة، قال الشاعر: # أتذكر بعد مدتك البوارا # وقد قنعت من شيب عذارا # أي بعد مدتك وفتنة من زمانك، يعني الوقت المقصود بإيقاع هذا الموعود فيه، ~~وقيل: معناه بعد إنقضاء أمة وفنائها، والله أعلم. PageV19P016 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لابد وأن ~~يحيق بهم، ذكر بعده ما يدل على كفرهم، وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب ~~فقال: {ولئن ms1775 أذقنا الإنسان منا رحمة} من نعمة وصحة وأمن، والإنسان المراد ~~به الجنس، وقيل: الوليد بن المغيرة {ثم نزعناها منه إنه ليئوس} أي شديد ~~اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة، قاطع رجاه من سعة فضل الله، من غير ~~صبر ولا تسليم لقضائه، ولا استرجاع، ومعنى {كفور} أي عظيم الكفران لما سلف ~~له من التقلب في نعمة الله، فأخبر تعالى أن من يئس من رحمة الله فهو كافر ~~به؛ لأن اليؤس...........من خيره، ومتى كان كذلك فليس يعرف رحمة الله ولا ~~فضله، ومن جهل فضل الله فقد شبه الله وجهله؛ لأن العاقل لا ييأس من رحمة ~~كرضا الآدميين، فكيف وهو ألطف وأرحم بالمخلوقين من آبائهم وأمهاتهم ~~وأنفسهم، وأنظر لهم وأرحم وأروف بهم، ثم قال سبحانه في هذا الإنسان: {ولئن ~~أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني} أي المصائب التي ستأتي ~~لفضلي على غيري، أي ينظر.........الشدة، ويترك حمد الله على ما صرف عنه ~~{إنه لفرح} أي أشر بطرا {فخور} على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، قد ~~شغله الفرح والفخر عن الشكر. # واعلم أن لفظ الإذاقة والذواق أقل ما يوجه به الطعم، فكان المراد أن ~~الإنسان[298] يوجد أن أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد ~~والطغيان، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع اليأس والقنوط ~~والكفران، فالدينا في نفسها قليلة، والحاصل منها للإنسان الواجد قليل، ~~والإذاقة من ذلك المقدار جزاء قليل، ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام ~~النائمين وخيالات الموسوسين، فهذه الإذاقة قليل من قليل، ومع ذلك فإن ~~الإنسان لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق معها. PageV19P017 # وأما النعماء فقال الواحدي: إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضراء مضرة ~~يظهر أثرها على صاحبها؛ لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء، ~~وهو الفرق بين النعمة والنعماء، والمضرة والضراء، فحاصل الكلام أنه تعالى ~~بين أن الكافر عند البلاء يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون ~~من الشاكرين، قدمه الله لشدة لهوه وفخره حين اشتغل بذلك ms1776 عن طاعة الله ~~وشكره؛ لأنه نسي الشكر على النعيم، واشتغل بالمفاخرة عن ذكر الحكيم، ولما ~~قرر ذلك، قال: {إلا الذين صبروا} أي لكن الذين صبروا على الشدة والمكارة ~~{وعملوا الصالحات} فإن عادتهم الشكر على النعمة والصبر على البلوى، ثم بين ~~حالهم فقال: {أولئك لهم مغفرة وأجر كبير} فجمع له بين هذين المطلوبين: # أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه. # والثاني: قوله: وأجر كبير، ومن وقف على التفصيل الذي ذكرناه علم أن هذا ~~الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضا معجز بحسب معانيه، ثم إنه ~~تعالى حكى نوعا آخر من كلمات الكفار، وأخبر أن قلب الرسول صلوات الله عليه ~~وآله وسلم ضاق بسببها، فقال سبحانه: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك} أن ~~تبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به {وضائق به صدرك} مخافة {أن يقولوا ~~لولا أنزل عليه كنز} مال تملك به {أو جاء معه ملك} أي هلا أنزل عليه ما ~~اقترحنا من الكنز والملائكة، ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه. # روى ابن عباس أن رؤساء مكة قالوا: يا محمد: اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن ~~كنت رسولا، وقال آخرون: ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوتك، فقال: لا أقدر على ~~ذلك، فنزلت هذه الآية، واختلفوا في المراد بقوله تارك بعض ما يوحى إليك. # قال ابن عباس: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ائتنا بكتاب ~~ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك. PageV19P018 # وقال الحسن: طلبوا منه أن يترك قوله إن الساعة آتية، وقال بعضهم: المراد ~~نسبته إلى الجهل والتقليد، والإصرار على الباطل، ولما أجمع المسلمون على ~~أنه لا يجوز على الرسول أن يخون في الوحي والتنزيل، وأن يترك بعض ما أوحى ~~الله إليه، وجب أن يكون المراد من قوله فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك شيئا ~~آخر، سواء أنه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك، وللناس فيه وجوه: # الأول: قال الإمام الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من الاختصار، وما ~~يستعمله العرب من الإضمار، والمعنى فيه وقالوا: فلعلك ms1777 تارك بعض ما يوحى ~~إليك إذا قالوا هلا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، فأما الله فلا يشك ولا ~~يجهل ولا يكفر نبيه، انتهى. # الثاني: قيل لا يمتنع أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إنما ترك التقصير ~~في أداء الوحي والتنزيل بسبب أنه يرد عليه من الله تعالى أمثال هذه ~~التهديدات البليغة. PageV19P019 # والثالث: أنهم كانوا لا يعتدون بالقرآن وتهاون به، فكان[299] يضيق صدر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلون، ويضحكون ~~منه..........الله تعالى لأداء الرسالة، وترك المبالات بكلامهم الفاسدة، ~~وترك الالتفات إلى استهزائهم، والغرض منه التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي ~~وقع في سخريتهم وسفاهتهم، وإن لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله، ~~وفي إيقاع الخيانة فيه، ولابد من تحمل أحد الضررين، فتحمل ضر سفاهتهم أسهل ~~من إيقاع الخيانة في وحي الله تعالى، فالغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على ~~هذه الدقيقة؛ لأن الإنسان إذا علم أن كل أحد في طرفي الفعل والترك مشتمل ~~على ضرر عظيم، ثم علم أن الضرر الناشئ من جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ~~ذلك الفعل وخف، فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه، فإن قيل: الكنز كيف ~~ينزل؟ قيل: المراد ما يكنز وجرت العادة أنه سمي المال الكنيز بهذا الإسم، ~~فكأن القوم قالوا: إن كنت صادق في أنك رسول الله الذي تصفه بالقدرة على كل ~~شيء، وأنك عزيز عنده فهلا نزل عليك ما تستغني به، ويعني أجباك عن الكد ~~والعنا، وتستعين به على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة في أمرك، فلما لم يفعل ~~إلهك ذلك فأنت غير صادق، فأخبر الله عن ذلك بقوله: {إنما أنت نذير} أي ليس ~~عليك إلا إنذارهم فقط، فبين تعالى أنه رسول ينذر بالعقاب ويبشر بالثواب، ~~ولا قدرة له على إتخاذ هذه الأشياء، والذي أرسله هو القادر على ذلك، فإن ~~شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله وفي حكمه، ثم قال: ~~{والله على كل ms1778 شيء وكيل} أي حافظ، فكل أمرك إليه وهو يحفظ ما يقولون ~~ويجازيهم به. PageV19P020 # واعلم أن القوم لما طلبوا منه المعجز، قال: معجزي هو القرآن، ولما حصل ~~المعجز الواحد كان طلب الزيادة تعنتا وجهلا، ثم قرر كونه معجزا بأن تحداهم ~~بالمعارضة فقال تعالى: {أم يقولون افتراه} أم هي المنقطعة والضمير عائد إلى ~~ما سبق من قوله: يوحى إليك، أي قالوا: إن هذا الذي يوحى إليه افتراه أي ~~كذبه وجاء به من عند نفسه، فقال عز وجل: {قل} يا محمد {فأتوا بعشر سور ~~مثله} في حسن النظم والبلاغة {مفتريات} أي مكذوبات من عند أنفسكم، وأنتم ~~عربا فصحاء مثلي. # واعلم أن التحدي بعشر سور لابد وأن يكون سابقا على التحدي بسورة واحدة، ~~وهي مثل أن يقول الرجل لغيره: أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب، فإذا ظهر عجزه ~~عنه قال: قد اقتصرت منك على سطر واحد مثله. # واعلم أن قد الناس في وجه إعجاز القرآن على أقوال، والمختار عند الأكثرين ~~أنه معجز بسبب الفصاحة، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية؛ لأنه لو كان ~~الإعجاز كما قالوا هو كثرة العلوم والإخبار عن الغيوب، أو عدم النقص لم يكن ~~لقوله مفتريات معنى، أما إذا كان وجه الإعجاز هو الفصاحة صح ذلك؛ لأن ~~الفصاحة تظهر بالكلام، سواء كان الكلام صدقا أو كذبا. # ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي، قال: {وادعوا من استطعتم} جميع خلقه ~~{من دون الله} فلا تستعينوه فهو قادر وحده {إن كنتم صادقين} في إدعاء كونه مفترا. # واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لابد في إثبات الدين من تقرير الدلائل ~~والبراهين، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم هذا الدليل وهو الحجة؛ لأن الدين لا يتم إلا بالدليل، وإلا لم يكن في ~~ذكره فائدة، واعلم أن هذه الآية[300] اشتملت على خطابين: # أحدهما: خطاب الرسول وهو قوله: فأتوا بعشر سور. PageV19P021 # والثاني: وهو خطاب الكفار وهو قوله: وادعوا من استطعتم من دون الله، فلما ~~أتبعه سبحانه بقوله: {فإلم يستجيبوا ms1779 لكم} احتمل أن يكون المراد أن الكفار ~~لم يستجيوا، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين: فبعضهم قال: هذا خطاب ~~للرسول وللمؤمنين، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في الإتيان ~~بالمعارضة {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} يعني فاثبتوا على العلم الذي أنتم ~~عليه، وازدادوا يقينا وثبات قدم على أنه منزل من عند الله {وأن لا إله إلا ~~هو} ومعنى قوله: {فهل أنتم مسلمون} أي فهل أنتم مخلصون، ومنهم من قال: فيه ~~إضمار، والتقدير فقولوا أيها المسلمون للكفار، اعلموا أنما أنزل بعلم الله. PageV19P022 # والقول الثاني: أن هذا خطاب مع الكفار، والمعنى أن الذين تدعون من دون الله ~~إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة فاعلموا أيها الكفار أن هذا ~~القرآن إنما أنزل بعلم الله، أي..........بما لا يعلمه إلا الله من نظم ~~معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه، واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا ~~هو وحده، وأن توحيده واجب، والإشراك به ظلم عظيم، فهل أنتم مسلمون بعد لزوم ~~الحجة عليكم، والقائلون بهذا القول قالوا: أولى من الأول أنكم في القول ~~الأول احتجيتم إلى أن حملتم قوله فاعلموا على الأمر بالثبات، أو على إضمار ~~القول، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى الإضمار، فكان هذا أولى، والمعنى ~~كأنه قيل: لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت كون القرآن حقا، وثبت كون ~~محمد صادقا في دعواه الرسالة، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا هو، فلما ~~ثبت كونه حقا ثبت أن ذكر قوله، وأن لا إله إلا هو جار مجرى التهديد، كأنه ~~قيل لما ثبت هذا الدليل كون محمد صلى الله عليه وآله صادقا في دعوى ~~الرسالة، وعلمتم أنه لا إله إلا الله، فكونوا خائفين من قهره وعذابه، ~~واتركوا الإصرار على الكفر، واقبلوا الإسلام، ونظيره قوله في سورة البقرة ~~عند ذكر آية التحدي: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها ~~الناس والحجارة أعدت للكافرين}. # واعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في ms1780 أكثر ~~الأحوال، وكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمدا مبطل ونحن محقون، وإنما نبالغ ~~في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل، وكانوا كاذبين فيه، بل غرضهم محض ~~الحسد والاستنكاف من المتابعة، فأنزل الله لتقرير هذا المعنى قوله تعالى: ~~{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها}. PageV19P023 # قال الهادي عليه السلام: معناه نوف إليهم في الآخرة جزاء أعمالهم، وما ~~حكمنا به من العقاب على من فعل مثل أفعالهم، ومعنى {وهم فيها لا يبخسون} ~~يريد وهم لا يظلمون. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أي من كان يريد حرث الدنيا، وكان في ~~ثواب الآخرة أهدى وفيناه عمله الذي عمل فيها، ومعنى وفيناه عمله أي عاقبناه ~~على عمله الذي عمل فيها، وجزيناه العذاب يوم القيامة بما عمل في الدنيا، ~~وهم فيها لا يبخسون، أي وهم في أعمالهم لا ينقصون، والبخس هو النقص، قال ~~الشاعر: # كذا حكم الزمان يزيد فينا # محاباة وبخسا بعد بخسه # أي نقصا بعد نقص، انتهى. # وقيل: المعنى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها من المال والبنين ~~وغيرهما، ويشتغل بذلك من إصلاح آخرته نوف إليهم أعمالهم فيها، أي نوصل ~~إليهم أجور أعمالهم وافية، وهي ما يرزقون فيها من الصحة والرزق وهم لا ~~يبخسون، أي لا ينقصون ثواب ما يستحقون فيردون الآخرة ولا حسنة لهم[301] ~~{أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار}. # قال الهادي عليه السلام: أولئك فهم الأولون المذكورون بالميل إلى الدنيا ~~وزينتها، والرضى بما فيها من زخرفها دون ما هو خير منها، فأخبر الله سبحانه ~~أنه لا نصيب لهم في الآخرة إذا لم يعملوا لها بعملها وينصبوا في عملها إلا ~~النار التي خلقت مقرا ودارا للعاصين، ومحلا وموئلا في يوم الدين {وحبط ما ~~صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} هو إخبار من الله بما كانوا يعملون في ~~الدنيا حابط، والحابط الذي لا منفعة له ولا حاصل، فأخبر سبحانه أن أعمالهم ~~حابطة إذ لم ينفعهم منها في الآخرة نافعة، كما نفع المؤمنين بما عملوا، ~~وأحلهم دار الخلد بما صنعوا، فليس ms1781 بحمد لله للمشبهين ولا للمجبرين في هذا ~~حجة على رب العالمين، انتهى. PageV19P024 # ثم قال سبحانه: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} اعلم أن تعلق ~~هذه الآية بما قبلها ظاهر، والتقدير فمن كان على بينة من ربه كمن يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها، وليس لهم في الآخرة إلا النار، إلا أنه حذف الجواب ~~لظهوره، ومثله في القرآن كثير، كقوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا فإن الله يضل من يشاء} وقوله: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما} ~~وقوله: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: المعنى أفمن كان على بينة من ربه ~~فلا تلومونه، ولكنه اختصره يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، وهذا هو الشاهد الذي يتلو رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ويتبعه ويسير خلفه، ويقتدي به هو أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام ، ومعنى منه أي من معدنه ونسبه، لحمه من لحمه ودمه من دمه؛ لأن ~~كل واحد منهما مشتق من عبد المطلب، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه ~~السلام: وأنا من أحمد عليه السلام كالضوء من الضوء، أي كالنور المشتق من النور. # قلت: ومثل هذا في البرهان وغيره. PageV19P025 # قال في البلغة: يدلك على صحة هذا تخصيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا ~~المعنى في غير موضع، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مني وأنا ~~منه)) وفي خبر آخر: ((وهو خلق من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، ذرية بعضها ~~من بعض والله سميع عليم)) ومنها حديث براءة يحيث قال جبريل عليه السلام: ~~((لا يبلغها إلا أنت أو رجل منك)) فدعا عليا عليه السلام ووجه خلف أبي بكر ~~حتى رده، وقد حكى الله عن موسى عليه السلام ما دعى به وهو قوله عليه ~~السلام: {واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي}، وضمن الله تعالى هذا المعنى ~~مجملا في قوله: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ms1782 وآل عمران على ~~العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم} وهذا يدل على أن خليفة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على صدقه، انتهى، وللناس في معنى الآية ~~أقوال غير ما ذكرنا. # قال في الكشاف: أي من كان يريد الحياة الدنيا كمن هو على بينة من ربه، أي ~~لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أن بين الفريقين تفاوتا بعيدا، ~~وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة من ربه، ~~أي على برهان، وشاهد من الله وهو القرآن، أو منه أي من القرآن. PageV19P026 # وقال في التجريد: قيل المراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو على ~~بينة من ربه، وهو دليل العقل والمعجزات الدالة على نبوته، ويتلوه أي يتبع ~~دليل العقل شاهد من الله وهو القرآن، وإنما ذكر الضمير؛ لأن البينة بمعنى ~~البيان، أو لأنه يراد بها الدليل[302]والبرهان، وقيل: البينة القرآن، ~~والشاهد قيل جبريل، وقيل: هو لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو منه، ~~ومثله قولهم لسان ذاكر، وقيل الشاهد كون القرآن على وجه معجز، والضمير في ~~منه للقرآن، وقيل: الشاهد الإنجيل، وقيل: شاهد من الله وهو صفة النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم المذكورة في الكتب، انتهى. # واعلم أن هذه الأقوال كلها ملفقة ضعيفة، بل هي تشكيك في معنى الآية لا ~~بيان، والحق أن المراد بالشاهد علي عليه السلام كما مر دليل ذلك يتلو النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أي يتبعه شاهد على الأمة منه، أي من لحمة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا تفسير أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ومروي ~~عن علي عليه السلام وغيره، من ذلك ما روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في ~~كتابه (شواهد التنزيل) بإسناده إلى المنهال بن عمرو، عن عبادة، عن عبد ~~الله، عن علي عليه السلام أفمن كان على بينة قال: هو رسول الله، ويتلوه ~~شاهد منه، قال: أنا الشاهد منه. # قال الحاكم أيضا بإسناده إلى ابن عياش: أفمن كان ms1783 على بينة من ربه، قال: ~~هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتلوه شاهد منه، قال: هو علي بن أبي ~~طالب، ذكر الحاكم روايات أخرى كثيرة تضمن هذا المعنى. PageV19P027 # قال في البرهان في قوله: {ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة}المراد من قبل ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتاب موسى وهو التوراة، إماما أي متقدما ~~علينا أو مؤتما به في الدين قدوة، ثم قال تعالى: {أولئك يؤمنون به} يعني من ~~كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده} هم المتحزبون على الأحزاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~المجتمعون على محاربته، والآية عامة في كل من تحزب على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من الكفار من قريش وغيرها، فيدخل فيه اليهود والنصارى ~~والمجوس. # روى سعيد بن جبير، عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((لا يسمع بي يهودي ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار)). # قال أبو موسى: فقلت في نفسي إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول ~~مثل هذا إلا عن القرآن فوجدت الله تعالى يقول: {ومن يكفر به من الأحزاب ~~فالنار موعده} أي إليها مصيره، قال حسان: # أوردتموها حياض الموت صاحية # فالنار موعدها والموت لاقيها # وأما قوله تعالى: {فلا تكن في مرية منه إنه الحق من ربك} ففيه قولان: # أحدهما: فلا تك في مرية من صحة هذا الدين، ومن كون القرآن نازلا من غيب ~~الله، وكأنه متعلق بما تقدم من قوله تعالى: {أم يقولون افتراه}. # والثاني: فلا تك في مرية من أن موعد الكفر به النار، وقرئ مرية بضم ~~الميم، ثم قال: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} بأنه الحق، والتقدير لما ظهر ~~الحق ظهورا في الغاية فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال، سواء آمنوا أو ~~لم يؤمنوا. PageV19P028 # واعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة، وطرق مختلفة، فمنها شدة حرصهم على ~~الدنيا، ورغبتهم في تحصيلها، وقد أبطل الله هذه ms1784 الطريقة بقوله: {من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها} الآية، ومنهم من كان ينكر نبوة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ويقدحون في معجزاته، وقد أبطل الله ذلك بقوله: {أفمن كان ~~على بينة من ربه} ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنهم شفعاؤهم عند ~~الله، ثم أبطل الله ذلك بقوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} ~~بأن يدعي إنزال ما لم ينزل عليه، أو نفى ما أنزل[303] عليه، وذلك لأن هذا ~~الكلام افتراء على الله فلما بين وعيد المفتري على الله فلقد دخل فيه هذا ~~الكلام. # واعلم أن قوله: ومن أظلم من فلان إنما يورد في معرض المبالغة، أي لا أظلم ~~لنفسه ممن كذب على الله أنه اتخذ ولدا أو شريكا، وفيه دلالة على أن ~~الافتراء على الله تعالى من أعظم أنواع الظلم، ثم إنه عز وجل بين وعيد ~~هؤلاء بقوله: {أولئك يعرضون على ربهم} وهو حشرهم إلى موقف الحساب يوم ~~العرض، وتعرض أعمالهم وتشهد عليهم الأشهاد {ويقول الأشهاد} من الملائكة ~~الحفظة على الأعمال والنبيين والمؤمنين {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} ~~بإتخاذ الولد والشريك وما وصفهم بذلك؛ لأنهم مختصون لهذا الغرض؛ لأن الغرض ~~عام في كل العباد، كما قال: {وعرضوا على ربك صفا} وإنما أراد به أنهم ~~يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ~~فيحصل لهم من الخزي والنكال ما لا مزيد عليه. # قال في البرهان: والأشهاد جمع ويحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون جمع شاهد، كما يقال صاحب وأصحاب. # والثاني: أن يكون جمع شهيد، كما يقال سريق واسراق. PageV19P029 # قال أبو علي الفارسي: وهذا كأنه أرجح؛ لأن ما جاء من ذلك التنزيل جاء على ~~فعيل، كقوله: ويكون الرسول عليكم شهيدا، والأشهاد الأنبياء والأوصياء ~~والأئمة عليهم السلام ، ثم لما أخبر عن حالهم في الحال قال: {ألا لعنة الله ~~على الظالمين} فحكم فقال: {الذين يصدون عن سبيل الله} أي يمنعون عن سلوك ~~طريق الحق يعني قريشا صدت الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~{ويبغونها ms1785 عوجا} أي يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، والمعنى كما أنهم ظلموا ~~أنفسهم بالتزام الكفر فقد أضافوا إليه المنع في الدين الحق، وإلقاء ~~الشبهات، وتعويج الدلائل المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العامي إنه يبغي عوجا، ~~إنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستدلال، وكيفية العوج، بسبب إلقاء ~~الشبهات وتقرير الضلالات، وتأويل القرآن تأويلا باطلا مما يطابق الهواء، ثم ~~قال: {وهم بالآخرة هم كافرون}. # قال الزجاج: ذكرت كلمة هم مرتين على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر ~~واختصاصهم به، وهو كلام الأشهاد، ثم قال عز وجل: {أولئك لم يكونوا معجزين ~~في الأرض} لو أراد عقابهم {وما كان لهم من دون الله من أولياء} يتولونهم ~~فينصرونهم، ويمنعونهم من عقابه، لكنه أراد تأخيره، وهذا من كلام الأشهاد، ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا. # والصفة الثاني: أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان، والخزي ~~والخسران، وهي قوله: {أولئك يعرضون على ربهم}. # والصفة الثالثة: حصول الخزي والنكال، والفضيحة العظيمة، وهي قوله: ويقول ~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. # الصفة الرابعة: كونهم ملعونين من عند الله، وهي قوله: {ألا لعنة الله على ~~الظالمين}. # والصفة الخامسة: كونهم صادين عن سبيل الله، مانعين متابعة الحق، وهي ~~قوله: {الذين يصدون عن سبيل الله}. PageV19P030 # السادسة: سعيهم في إلقاء الشبهات، وتعويج الدلائل، وهي قوله: {ويبغونها عوجا}. # والصفة السابعة: كونهم كافرين، وهي قوله: {وهم بالآخرة هم كافرون}. # والصفة الثامنة: كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله، وهي قوله: {أولئك ~~لم يكونوا معجزين في الأرض} أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا، فإن هرب ~~العبد من عذاب الله محال. # الصفة التاسعة: أنه ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم، والمراد منه ~~الرد عليهم في صفة الأصنام أنها شفعاؤنا عند الله، والمقصود أن قوله: ~~{أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض}دل على أنه لهم على الفرار[304] وقوله: ~~{وما كان لهم من دون الله من أولياء} هو أن أحدا لا يقدر على تخليصهم من ~~ذلك العذاب، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى غيرهم، وبين ms1786 ~~بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. # الصفة العاشرة: قوله تعالى: {يضاعف لهم العذاب} أي أنواعه؛ لأنه يزاد على ~~ما يستيحقون، وقيل سبب تضعيف العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله، وكفروا ~~بالبعث والنشور، وكفروا بالمبدأ والمعاد، فصار ذلك سببا، والأولى أن يقال ~~إنهم مع ضلالهم الشديد سعوا في الضلال، ومنع الناس عن الدين الحق، فلهذا ~~المعنى حصل هذا التضعيف. # الصفة الحادية عشر: قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع} لشدة إعراضهم عنه ~~وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون، وهو عبارة عن تعاميهم عن الحق {وما كانوا ~~يبصرون} بصر اعتبار بالأدلة، وعلى هذا لفظ ما للنفي. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه يضاعف لهم العذاب بما ~~كانوا يستطيعون السمع، وبما كانوا يبصرون، فلم يستعملوا ما رزقهم من ~~الاستماع والإبصار، وحذف الباء وذلك جائز، قال الشاعر: # على الإله الباعث الأثقالا ... يعقبني من حبه ضلالا PageV19P031 أي لعل، قال: وتخرج الآية على وجه آخر وهو على وجه التبكيت لهم والتقريع، ~~والمعنى ما كانوا يستطيعون السمع للحق بزعمهم، وما كانوا يبصرون بزعمهم ~~وكذبهم، مثل قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} أي بزعمك أنك عزيز كريم، وهو ~~عند الله على الحقيقة ذليل حقير، وكذلك قال: {ما كانوا يستطيعون السمع} ~~للقرآن ولا يبصرونه لشدة بغضهم ومقتهم له، والعرب تقول: فلان لا يقدر ولا ~~يطيق أن ينظر إلينا، ويقدر أن يجلي معنا أشدة ما حمل نفسه من بغضنا، وهذا ~~مجاز عندهم، وهو يقدر على الحقيقة، ولكن كلامهم على المجاز والمبالغة، قال ~~الشاعر في مثل ذلك: # أصم عن الشيء الذي لا أريده # وأسمع خلق الله حين أريد # قلت: ومثل هذا ذكر الهادي عليه السلام ، وقيل: الضمير في يستطيعون وكانوا ~~يعود إلى الأولياء، وهي الأصنام، ويكون يضاعف لهم العذاب اعتراض، والمعنى ~~ما كان لهم من أولياء؛ لأنهم لا يستطيعون سمعا ولا يبصرون لأنهم جماداا. # الصفة الثانية عشر: قوله: {أولئك الذين خسروا أنفسهم} أي انتقصوا بأنفسهم ~~وأهلكوا بظلمهم، إذ لا خسران أعظم من ذهاهم وعطبهم في النار وهلاكهم، ms1787 حيث ~~اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى. # الصفة الثالثة عشر: قوله: {وضل عنهم} أي بطل وضاع {ما كانوا يفترون} من ~~الآلهة وشفاعتها، والمعنى أنه من باع الدين بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى ~~الشريف وأخذ الخسيس، وهذا عين الخسران، ثم في العاقبة فهذا الخسيس يضيع ~~ويهلك ولا يبقى معه أثر. PageV19P032 # الصفة الرابعة عشر: قوله: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} وتقريره ما ~~تقدم أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالدون الخسيس فقد خسر في التجارة، ~~ثم كان الخسيس بحيث لا يبقى، بل لابد وأن يهلك ويفنى، انقلبت تلك التجارة ~~إلى النهاية في صفة الخسارة، فلهذا قال: {لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون} ومعنى لا جرم، قال الفراء: إنها بمنزلة قولنا: لابد ولا محالة، ~~ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا، تقول العرب: لا جرم أنك محسن إلي ~~على معنى حقا إنك محسن إلي، أما النحويون فلهم فيه وجو ه آخرة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم أتبع ذك بأحوال ~~المؤمنين، فقال تعالى: {إن الذين[305] آمنوا وعملوا الصالحات} أي جمعوا ~~بينهما {وأخبتوا إلى ربهم} أي اطمأنوا وانقطعوا إلى عبادة ربهم بالخشوع ~~والتواضع، والإخبات الخضوع، وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض المطمئنة ~~المستوية، ومنه المخبت من الناس أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه، ولفظ الإخبات ~~يتعدا...........وباللام، فإذا قلنا: أخبت فلانا إلى كذا معناه اطأمن إليه، ~~وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له إذا عرفت هذا، فإن فسرنا الإخبات ~~بالطمأنينة كان المراد أنهم يعبدون الله، وكانت قلوبهم عند أداء العبادات ~~مطمئنة بذكر الله، فارغة عن الإلتفات إلى ما سوى الله، أو يقال: إن قلوبهم ~~صارت مطمئنة إلى صدق الله تعالى في كل ما وعدهم من الثواب والعقاب، وأما إن ~~فسرنا الإخبات بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين ~~من أن يكونوا آتين بها مع وجوه الخلل والتقصير، ثم أخبر عز وجل أن من حصلت ~~له هذه الصفات الثلاث فهم أصحاب الجنة، فقال: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون}. ms1788 PageV19P033 # واعلم أنه لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالا مطابقا فقال تعالى: {مثل ~~الفريقين} المؤمنين والكافرين {كالأعمى والأصم والبصير والسميع} فقوله ~~كالأعمى والأصم تشبيه للكافرين بمن جمع بين العمى والصم في عدم الانتفاع ~~بما يسمع ويبصر من دلائل الهدى، وقوله والبصير والسميع تشبيه للمؤمنين بمن ~~جمع بين الصحة والبصر والسمع لانتفاعهم بما يسمع ويبصر من دلائل يالهدى ~~والحق، ومعنى قوله: {هل يستويان مثلا} أي يستويان صفة وتشبيها، ثم قال ~~تعالى منبها: {أفلا تذكرون} ليعلموا ما بينهما من التفاوت، فنبه على أنه ~~يمكنه علاج هذا العمى والصم، وإذا كان العلاج ممكنا، والضرر الحاصل من حصول ~~هذا العمى وهذا الصم شديدا أوجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر ~~الإمكان، والله أعلم. # واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا أورد على الكافر أنواع الدلائل ~~أتبعها بذكر القصص ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل، وفي هذه السورة ذكر ~~أنواعا من القصص: # القصة الأولى: قصة نوح عليه السلام فقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه} أي والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه يأمرهم بالتوحيد، ويقول: {إني لكم ~~نذير مبين، أن لا تعبدوا إلا الله} أي لا تعبدوا إلى الله. PageV19P034 # قال بعضهم: المراد من النذير كونه مهددا للعصاة بالعقاب، ومن المبين كونه ~~مبينا ما أعد الله للميطيعين من الثواب، والأولى أن يكون المعنى أنه نذير ~~للعصاة من العقاب، وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك الإنذار على الطريق الأكمل، ~~والشأن الأقوى والأظهر، ثم أخبر تعالى أن ذلك إنذار إنما حصل في النهي عن ~~عبادة غير الله، وفي الأمر بعبادة الله؛ لأن قوله: أن لا تعبدوا إلا الله ~~استثناء من النفي، وهو يوجب نفي غير المستثنى، ثم أكد ذلك بقوله: {إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم} أي مؤلم، وصف اليوم بأليم مجازا لوقوه الألم فيه، ~~فأسند ذلك الألم إلى اليوم، كقولهم نهاره صائم وليله قائم، ولما حكى تعالى ~~عن نوح أنه دعا قومه إلى بعبداة الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته ~~بثلاثة أنواع من الشبهات: ms1789 # فالشبهة الأولى: أنه بشر مثلهم، وذلك قوله سبحانه: {فقال الملا الذين ~~كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا} الملأ: الأشراف، وفي[306] اشتقاقه وجوه: # الأول: أنه مأخوذ من قولهم: فلان مليء بكذا، إذا كان مطيقا له، وقدموا ~~ملو بالأمر. # الثاني: أنهم وصفوه بذلك لأنهم يمالون أي يتظاهرون عليه. # الثالث: وصفوا بذلك لأنهم يملؤن القلوب هيبة، والمجالس أبهة. # الرابع: وصفوا به لأنهم ملؤ بالعقول الراجحة والآراء الصائبة، ووجه ~~شبهتهم أنه بشر مثلهم، هو أن التفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمنع انتهاؤه ~~إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين. # والشبهة الثانية: قوله: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} الذين لا ~~شرف لهم ولا مال. PageV19P035 # قال في البرهان: والرذل الحقير، وعنوا بالأراذل الفقراء وأصحاب ~~المهن.........كالحائك، وأرباب الصنائع الحسينة، قالوا: ولو كنت صادقا ~~لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف منهم، وقوله: {بادي الرأي} منتصب على ~~الظرف، أي اتبعوك بديهة من غير نظر ولا فكر. # قال الرازي: من قرأ بادئ بالهمز فالمعنى أول الرأي، وابتداؤه، ومن قرأ ~~بالياء غير مهموز كان من بدأ يبدؤا أي ظهر، وبادئ منتصب على المصدر، كقولك ~~ضربت أول الضرب. # والشبهة الثالثة: قولهم: {وما نرى لكم علينا من فضل} في شيء من هذه ~~الأحوال الظاهرة؛ لأنك بشر مثلنا لا ملائكة، فكيف نعترف بفضلك علينا في ~~أشرف الدرحات وأعلا المقامات، فهذه خلاصة الكلام في تقرير هذه الشبهات. # واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلإ بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر ~~على الإطلاق. # وأما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة سائر ~~الأنبياء، ثم قالوا بعد ذكر هذه الشبهات لنوح عليه السلام ولمن اتبعه {بل ~~نظنكم كاذبين} في دعوى الرسالة، وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون خطابا مع نوح ومع قومه، والمراد منه تكذيب نوح عليه ~~السلام في دعوى الرسالة. # والثاني: أن يكون هذا خطابا مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم كذبوا في أنهم ~~آمنوا به واتبعوه. PageV19P036 # واعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح حكى بعده جواب نوح عن تلك ms1790 ~~الشبهات فقال: {قال ياقوم أرأيتم} أي أخبروني {إن كنت على بينة} أي برهان ~~{من ربي وآتاني رحمة من عنده} هي البينة والنبوة، أو المعجزة الدالة على ~~النبوة {فعميت عليكم} أي صارت مظلمة مشتبهة في عقولكم، وهم الذين عمو عنها ~~بترك النظر، وقرئ فعميت عليكم بضم العين وتشديد الميم وإنما قصد نبي الله ~~نوح بهذا القول لقومه أن يرد عليهم قولهم وما نرى لكم علينا من فضل ليظهر ~~فضله عليهم بأنه على بينة من ربه وآتاه رحمة من عنده، وهم قد سلموا ذلك فأي ~~فضل أعظم منه، فلو تركتم العناد واللجاج، وتأملتم في الدليل حق تأمله لظهر ~~المقصود، ولعرفتم أن الله عز وجل آتاني عليكم فضلا عظيما. # واعلم أن النبي إذا بقي مجهولا مخفيا أشبه العمى؛ لأن العلم نور البصيرة ~~الباطنة والإبصار نور البصر الظاهر، فحسن جعل كل واحد منهما مجازا عن ~~الآخر، وتحقيقه أن البينة توصف بالإبصار، قال تعالى: {فلما جاءتهم آياتنا ~~مبصرة} فلذلك وصف بالعمى، قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء} وقال في هذه ~~الآية فعميت عليكم، ثم قال: {أنلزمكموها} أي نضطركم إلى معرفتها وقبولها ~~{وأنتم لها كارهون} وقبولكم لها لا يصلح مع إكراهه عليها، وقسركم على ~~الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين، ثم حكى ~~تعالى جوابه عليه السلام عن الشبهة الثانية، وهي قولهم: وما نراك اتبعك إلا ~~الأراذل من الناس، فقال[307] {وياقوم لا أسألكم عليه} أي على تبليغ الرسالة ~~{مالا إن أجري إلا على الله} وهو الثواب، وتقرير هذا الجواب من وجوه: PageV19P037 # الأول: أنه عليه السلام قال: أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالا حتى ~~يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا أو غنيا، وإنما أجري على هذه الطاعة ~~الشاقة على رب العالمين، وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء ~~لم يتفاوت الحال في ذلك. # الثاني: كأنه عليه السلام قال لهم: إنكم لما نظرتم نظرتم إلى ظواهر ~~الأمور وجدتموني فقيرا فظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى ~~أخذ أموالكم، وهذا الظن ms1791 منكم خطأ فإني لا أسألكم أجرا إن أجري إلا على رب ~~العالمين، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد. # والوجه الثالث: في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا: ما نراك إلا بشر مثلنا ~~إلى قولهم وما نرى لكم علينا من فضل، فهو عليه السلام بين أنه تعالى أعطاه ~~أنواعا كثيرة توجب فضله، وذكر أنه لا يسعى في طلب الدنيا، وإنما يسعى في ~~طلب الدين، والإعراض عن الدنيا من أمهات الفضائل بإتفاق الكل، فلعل بيان ~~تقرير الفضيلة من هذا الوجه. # وأما قوله: {وما أنا بطارد الذين آمنوا} فهذا كالدليل على أن القوم سألوه ~~طردهم ليؤمنوا به رفعا لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء، أنفة أن يكونوا ~~معهم على سواء، فقال عليه السلام: وما أنا بطارد الذين آمنوا، فحكى الله ~~تعالى عنه أنه ما طردهم، وذلك في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أمورا: # أحدها: قوله: {إنهم ملاقو ربهم} فيعاقب من طردهم، أو فيجازيهم على ~~الإيمان الصحيح؛ لأنهم قالوا هم منافقون فيما أظهروا فلا تغتر بهم، فأجاب ~~أن هذا أمر منكشف عنه لقاء ربهم في الآخرة. PageV19P038 # والثاني: أنه أخبر أنهم يبنون أمرهم على الجهل بالعواقب، والاغترار ~~بالظاهر، فقال: {ولكني أراكم قوما تجهلون} أنهم خير منكم، أو يتسافهون ~~عليهم ويدعونهم أراذل، ثم قال بعده: {وياقوم من ينصرني من الله} أي من ~~يمنعني من انتقامه {إن طردتهم} منه بذلك، إني مجتمع في الآخرة فأعاقب على ~~طردهم {أفلا تذكرون} لتعلموا أن أنفتكم عنهم لا توجب طردهم، ولا تمنعني من ~~عقاب الله تعالى، والمعنى أن العقل والشرع تطابقا على أنه لابد من تعظيم ~~المؤمن البر التقي، ومن إهانة الفاجر، فلو قلبت القصة وعكست القضية وقربت ~~الكافر الفاسق على سبيل التعظيم، وطرت المؤمن التقي النقي على سبيل الإهانة ~~كنت على صد دين الله، وعلى عكس حكمه، وكنت في هذا الحكم على صد ما أمرني ~~الله به من إيصال الثواب إلى بالمحقين، والعقاب إلى المبطلين، وحينئذ أصير ~~مستوجبا للعذاب العظيم، فمن ذا الذي ينصرني من الله، ms1792 ومن ذا الذي يخلصني من ~~عذاب الله، أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح، ثم أكد هذا الشأن بوجه ~~ثالث، فقال: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله} أي خزائن رزقه، فأدعي فضلا ~~عليكم في الغنى حتى تجحدوا........بقولكم، وما نرى لكم علينا من فضل، أو لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله فأعطيكم منها على إيمانكم، ثم قال: {ولا أعلم ~~الغيب} أي أدعيه حتى أطلع على ضمائر قلوب أصحابي، أو فأخبركم بما في ~~أنفسكم، أو حتى أصل به إلى ما أريده لنفسي ولأتباعي {ولا أقول إني ملك} ~~أتعظم بذلك عليكم، حتى لا تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا، بل طريقي الخضوع ~~والتواضع، ومن كان شأنه وطريقه كذلك، فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء ~~والمساكين، ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين، وإنما شأنه الدين/ وسيرته ~~مخالفة الخاضعين والخاشعين، فلما كانت طريقتي توجب مخالطة[308] الفقراء ~~فكيف جلهتم ذلك عيبا علي، ثم أكد هذا PageV19P039 البيان بطريق رابع فقال: {ولا أقول للذين تزدري} أي تعيب وتستحقر {أعينكم} ~~من الذين استرذلتم من المؤمنين لفقرهم {لن يؤتيهم الله خيرا} في الدنيا ~~والآخرة لهوانهم عليه كما تقولون، والازدراء الاحتقار والاستعلاء، يقال: ~~ازدرا فلان بفلان إذا صغر، وازدرا عليه إذا أعابه واحتقره، والازدراء ~~افتعال منه، قال الشاعر: # يباعده الصديق وتزدريه # حليلته وينهره الصغير # وقال آخر: # قد كنت في قومك تزدريني ... فاليوم أبلوك وتبتليني # واليوم تبلو غلظتي وليني # ثم قال عليه السلام: {الله أعلم بما في أنفسهم} من إخلاص وغيره حتى ~~أطردهم {إني إذا لمن الظالمين} إن قلت شيئا من ذلك، وهذا كالدلالة على أنهم ~~ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال: إني لا أقول ذلك لأنه من ~~باب الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم ~~الله تلك الآخرة فأكون كاذبا فيما أخبرت به، فإن فعلت ذلك كنت من الظالمين ~~لنفسي ولهم في وصفهم بأنه لا خير لهم مع أن الله تعالى أتاهم الخير في ~~الآخرة، والله أعلم. # واعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبه وأجاب نوح ms1793 عليه السلام عنها بهذه ~~الجوابات الموافقة الصحيحة، أورد الكفار على نوح عليه السلام بعد ذلك ~~كلامين: # الأول: أنهم وصفوه بكثرة المجادلة {قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا} وهذا يدل على أنه قد كان أكثر في الجدل في تقرير الدلائل، وفي ~~إزالة الشبهات حرفة الأنبياء، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار حرفة ~~الكفار. PageV19P040 # الثاني: أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به فقالوا: {فأتنا بما ~~تعدنا} من العذاب المعجل {إن كنت من الصادقين} يخبر أنه عليه السلام أجاب ~~عنه بجواب صحيح فقال: {قال إنما يأتيكم به الله} الذي كفرتموه {إن شاء} أي ~~إن اقتضت حكمته تعجيله بجواب صحيح فقال: {وما أنتم بمعجزين} الذي كفرتموه ~~أي عذابكم لم تقدروا على الامتناع، ثم إن نوحا عليه السلام لما أجاب عن ~~شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة فقال: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح ~~لكم} إذا لم تنفعكم نصائحه ومواعضه {إن كان الله يريد أن يغويكم} أي يعذبكم ~~على كفركم بدليل قوله تعالى: فسوف يلقون غيا، أي تعبا وخيبة من خير الآخرة، ~~قال الشاعر: # لقيت المكاره في حربنا # وبعد المكاره لا قيت غيا # أي تعبا، أو معنى يغويكم: يخليكم وشانكم، وسميت التخلية إغواء كما سميت ~~الطافة هداية، أو يغويكم يهلكم من غوى الفصيل .......فهلك، وشبهة المجبرة ~~فيما تعلقوا به من هذه الآية داحضة؛ لأن الآيات المحكمات تنادي ببطلان ما ~~تعلقوا به من متشابه الآيات، كما ذكره في سورة النحل وغيرها كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى. PageV19P041 # واعلم أن نوحا عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال: {هو ربكم وإليه ~~ترجعون} وهذا نهاية الوعيد، أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم، ويملك التصرف ~~في ذواتكم وفي صفاتكم، قبل الموت وعند الموت وبعد الموت، وإليه مرجعكم، ~~وهذا نهاية التحذير والترهيب، ثم قال تعالى: {أم يقولون افتراه} أي بل ~~يقولون ما جاء به من الوحي من قصة نوح وغيرها افتراء، أي اختلقه واقتطعه ~~وجاء به[309] من عند نفسه، قالها ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم، أو ~~المراد محمد صلى الله ms1794 عليه وآله وسلم وهو كلام بين قصة نوح وقومه، وقيل: هو ~~حكاية من قول قوم نوح عن ابن عباس، والأول هو الذي في البرهان وغيره، ثم ~~قال سبحانه: {قل إن افتريته فعلي إجرامي} والإجرام الذنوب المكتسبة، قال ~~الشاعر: # رهين عشيرة ورهين جرم # بما جرمت يدي وجنى لساني # وهذا من حذف المضاف؛ لأن المعنى فعلي إثم إجرامي، وفي الآية محذوف آخر ~~وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي عقاب إجرامي، وإن كنت صادقا وكذبتموني ~~فعليكم عقاب ذلك التكذيب، إلا أنه حذف هذه التنفية لدلالة أول الكلام عليه، ~~ثم قال: {وأنا بريء مما تجرمون} أي من عقاب إجرامكم في إسناد الافتراء إلي، ~~قوله تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} إقناط من ~~إيمانهم وأنه كالمحال، ثم قال: {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} أي لا تحزن ~~حزن تأس مستكين، ومنه قول الشاعر: # وكم من خليل أو حليم رأيته # فلم أبتئس والرزء منه خليل PageV19P042 قال أبو زيد: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأصله من البؤس، أي فلا تحزن ~~لهلاكهم، ولا تغتم ولا تظن أن ذلك مذلة، فإن الدين عزيز، وإن قل عدد من ~~تمسك به، والباطل ذليل وإن كبر عدد من يقول به، ثم قال تعالى: {واصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون}. # اعلم أن قوله تعالى: إنه لم يؤمن من قومك إلا من قد آمن، يقتضي تعريف نوح ~~عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم، وكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه من العذاب، ~~فعرفه الله تعالى أنه معذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق، ولما كان السبيل ~~الذي به تحصل النجاة من الغرق ركوب السفينة، لا جرم أمر الله تعالى بإصلاح ~~السفينة وإعدادها، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثال........الطائر، ~~ومعنى قوله بأعيننا أي بعلمنا حيث نراك ونحفظك حفظ من يراك، فعبر عن الحفظ ~~بالرؤية، واصنع الفلك بأمر أعيننا وهم الحفظة الذين جعلهم الله عيونا ~~وطلائع من الملائكة صلوات الله عليهم والعرب إذا أرسلوا جاسوسا يتحسس ms1795 لهم ~~الأخبار سموه عينا، ويسموا الجماعة من الجواسيس عيونا، قال الشاعر: # فإن الذي كنتم تحذرون # حاءت عيون به تضرب # وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة وتركيبها حتى يحصل منه المقصود، ~~فقوله: واصنع الفلك بأعيننا إشارة إلى حفظه ودفع الشر عنه، وقوله: ووحينا ~~إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه كيف ينبغي عمل السفينة حتى يحصل منه ~~المطلوب. # وأما قوله تعالى: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا} فهي نهي عن المراجعة فيهم ~~{إنهم مغرقون} أي إنهم محكوم عليهم بالإغراق، واحتمل نهيه أمرين: # أحدهما: لتصرفه عن سؤال ما لا يجاب إليه من تأخير العذاب عنهم. # والثاني: لا تخاطبني في تعجيل ذلك العقاب على الذين ظلموا، فإني لما قضيت ~~إنزال ذلك في وقت معين كان تعجيله ممتنعا، قوله تعالى: {ويصنع الفلك} فيه قولان: PageV19P043 # أحدهما: أنه حكاية حال ماضية، أي في ذلك الوقت، كأن تصدق عليه أنه يصنع الفلك. # والثاني: التقدير، وأقبل يصنع الفلك، فاقتصر على قوله: ويصنع الفلك. # قال في البرهان: وروينا أن نوحا عليه السلام مكث مائة سنة يغرس الشجر ~~ويقطعها، ومائة سنة يعملها، وكان طول السفينة[310] أربعمائة ذراع، وعلوها ~~ثلاثين وعرضها خمسين ذراعا، وكانت ثلاثة أبيات، انتهى. # قيل: فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط ~~الدواب والأنعام، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن معه مع ما احتاجوا إليه من ~~الزاد، وحمل معه جسد آدم، وكان في تابوت كأنه شرفه من الغرق وجعله معترضا ~~بين الرجال والنساء، وقيل: نوح آدم الصغير، ولا ذرية إلا لمن كان معه، ولم ~~يحمل إلا من كان يلد أو يبيض، والله أعلم. PageV19P044 # والذي نعلم أنه في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه وما يحتاجون إليه، ~~ولحصول زوجين من كل حيوان؛ لأن هذا القدر مذكور في القرآن، قال تعالى: {وما ~~آمن معه إلا قليل} فأما تعيين ذلك العدد فغير معلوم، ثم قال تعالى: {وكلما ~~مر عليه ملا من قومه} أي من أشرافهم {سخروا منه} أي استهزؤا به وتضحكوا ~~وقالوا: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا، وكان ms1796 يعملها في برية أبعد موضع من ~~الماء في وقت غرا الماء فيه غرة شديدة، فكانوا يتضحكون منه، ويقولون لو كنت ~~صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق، ولما كانت تلك السفينة ~~كبيرة وكان يصنعها في موضع بعيد عن الماء كانوا يقولون ليس هاهنا ماء ولا ~~يمكنك نقلها إلى الأنهار العظيمة وإلى البحار، وكانوا يعدون ذلك من باب ~~الجنون، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنه {قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون} منا، ومعناه إن تسخروا منا اليوم عند بناء السفينة فإنا نسخر منكم ~~غدا عند الغرق كما تسخرون اليوم بنا، وإن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع ~~فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه، ~~فأنتم أولى بالسخرية منا لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر، ~~والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأعمار والجهال، فإن قيل: السخرية من ~~أمهات المعاصي فكيف تليق بالأنبياء؟ قلنا: إنما سمي الثاني سخرية كما في ~~قوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها، ثم قال: {فسوف تعلمون} من هو أحق ~~بالسخرية وتعلمون {من يأتيه عذاب يخزيه} في الدنيا وهو الغرق {ويحل عليه} ~~حلول الدين اللازم {عذاب مقيم} في الآخرة، وهذا وعيد لهم، قوله تعالى: {حتى ~~إذا جاء أمرنا وفار التنور} حتى غاية لتصنع الفلك، أي وكان يصنع إلى أن جاء ~~أمرنا بالإغراق وما بينهما حال من تصنع، أي تضعها، PageV19P045 والحال أنه كل ما مر عليه، وأما التنور ففيه قولان: # أحدهما: أنه التنور الذي يخبز فيه، وهذا قول جماعة من المفسرين، ثم ~~اختلفوا منهم من قال إنه تنور لنوح، وقيل: كان لآدم. # قال الحسن: كان تنورا من حجارة، وكان لحوى حتى صار لنوح، واختلفوا في ~~موضعه، فقال مجاهد والشعبي: إنه بناحية الكوفة، وقيل: إنه في مسجد الكوفة، ~~قال: وقد صلى فيه سبعون نبيا، وقيل: بالشام بموضع يقال له عين وردة، وهو ~~قول مقاتل، وقيل: وفار التنور بالهند، وقيل: إن امرأته كانت تخبز في ذلك ~~التنور فأخبرته بخروج الماء ms1797 من ذلك التنور فاشتغل في الحال بوضع تلك ~~الأشياء في السفينة. # القول الثاني: أن المراد من التنور ليس تنور الخبز، وعلى هذا التقدير ~~ففيه أقوال أحسنها أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال تعالى: {ففتحنا ~~أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر} ~~والعرب يسمون وجه الأرض تنورا، وفي البلغة عن أمير المؤمنين علي صلوات الله ~~عليه أنه قال: التنور وجه الأرض. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: فار التنور بالماء من وجه الأرض، ~~وتفجرت الفعيون، وجاء المطر[311] من الهواء، والتقى الماء عليهم، قال ~~الشاعر: # ألا لن تفوت المرء رحمة ربه # ولو كان تحت الأرض سبعون واديا # كرحمة نوح يوم حل......... # لسفينة كانوا جميعا ثمانيا # فلما استفار الله تنور أرضه # ففار وكان الماء في الأرض ساحيا # انتهى. # وقد قيل: إن معنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء يكثر فانجوا بنفسك ~~ومن معك إلى السفينة، فإن قيل: ما الأصح من هذه الأقوال؟ قلت: ما قام دليله ~~فهو الأصح، وقول الوصي المعصوم أعظم دليل على ذلك، وأما مع عدم الدليل ~~فالأصل حمل الكلام على الحقيقة، والله أعلم. # واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله عز وجل بأن يحمل في السفينة ~~ثلاثة أنواع من الأشياء: PageV19P046 # الأول: قوله تعالى: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين}. # قال الأخفش: تقول العرب للاثنين هما زوجان، قال تعالى: {ومن كل شيء خلقنا ~~زوجين} فالزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى، والتقدير ~~كل شيئين هما كذلك، فاحمل منها اثنين في السفينة واحد ذكر وواحد أنثى. # النوع الثاني من الأشياء التي أمر الله نوحا بحملها في السفينة قوله ~~تعالى: {وأهلك إلا من سبق عليه القول} أي سبق عليه وعد الله بهلاكه، قالوا، ~~وأهله كانوا سبعة وثلاثة أبناء، وهم سام وحام ويافث، ولكل واحد منهما زوجة، ~~وقيل أيضا كانوا ثمانية هؤلاء وزوجة نوح. # وأما قوله إلى من سبق عليه القول فالمراد ابنه وامرأته، وكانا كافرين حكم ~~الله عليهما بالهلاك، ms1798 وإنما وقع الابتداء بسائر الحيوانات على الإنسان وهو ~~أشرف منها؛ لأنه عاقل، فهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه فلا ~~حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات، ~~فلهذا السبب وقع الابتداء. # النوع الثالث من تلك الأشياء قوله تعالى: {ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} ~~قالوا: كانوا ثمانية. # قال مقاتل: في ناحية الموصل قرية يقال لها: قرية الثمانية، سميت بذلك لأن ~~هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها فسميت بهذا الإسم، وذكروا ما هو أزيد وما ~~أنقص منه، وذلك لا سبيل إلى معرفته، إلا أن الله سبحانه وصفهم بالقلة. PageV19P047 # قال في البرهان: وكان عددهم ثمانين نفرا، فيهم ثلاثة من بنيه سام وحام ~~وياقث، وثلاث بنات له نوح سابعهم، قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجراها ومرساها} أي أركبوا مسمي الله، أو قائلين باسم الله في وقت إجرائها ~~ووقت إرسائها، فعلى هذا باسم الله متعلق باركبوا، وعلى هذا يكون كلاما ~~واحدا، يعني أن يكون الركوب مقرونا بهذا الذكر، ويحتمل أن يكونا كلامين، ~~فيكون باسم الله مجراها ومرساها جملة من مبتدأ وخبر، وباسم الله إجراؤها ~~وإرساؤها، والمعنى باسمه وذكره وأمره مجراها الذي هو جريها على وجه الماء، ~~ومرساها الذي هو سكونها ووقوفها، فإذا أراد مسيرها قال: بسم الله مجراها، ~~وإذا أراد وقوفها قال بسم الله مرسيها فرست وثبتت. # قال في البرهان: ركب نوح عليه السلام في السفينة في اليوم العاشر من رجب ~~نزل منها يوم العاشر من المحرم وهو يوم عاشورا، فقال لمن كان معه: من كان ~~منكم صائما فليتم، ومن لم يكن صائما فليصمه. # وأما قوله وقت الإهلاك وإظهار القهر: {إن ربي لغفور رحيم} فمعناه لولا ~~مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم مما وقع فيه[312]عدوكم، فنبههم بهذا ~~الكلام لإزالة العجب منهم، فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات ~~الشهوات، وفي جميع الأحوال فهو يحتاج إلى إعانة الله تعالى وفضله وإحسانه. # وفي البلغة: ووجه اتصال قوله: إن ربي لغفور رحيم بما قبله اتصال المعنى ms1799 ~~بما شاكله، وكأنه لما ذكر النجاة بالركوب في السفينة ذكرت النعمة بالمغفرة ~~والرحمة لتجليب الطاعة كما اجتلبت النجاة، انتهى. PageV19P048 # ثم قال تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} وهي تجري بهم متعلق بمحذوف، ~~والتقدير فقال: اركبوا فيها يقولون باسم الله في موج كالجبال الشديدة، ~~والموج ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزجيره، والأمواج العظيمة إنما تحصل ~~عند حصول الرياخ القوية الشديدة العاصفة، فهذا يدل على أنه حصل في ذلك ~~الوقت رياح عاصفة، والمقصود منه بيان شدة الهول والفزع، ثم حكى الله عز وجل ~~عن نوح فقال: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} أي في مكان عزل فيه نفسه عن ~~أبيه، وعن مركب المؤمنين، أو في معزل عن دين الله فقال: {يابني اركب معنا} ~~وارجع إلى مذهبنا {ولا تكن مع الكافرين} فتهلك، فلما كره ذلك {قال سآوي} أي ~~سأنضم {إلى جبل يعصمني} أي يمنعني {من الماء} والغرق، وهذا يدل على أن ~~الابن كان متماديا في الكفر، مصرا عليه، مكذبا لأبيه فيما أخبر عنه، فعند ~~هذا {قال} نوح {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} أي لا مسعصوم أي لا ~~ناج من أمر الله يعني الغرق إلا من رحم، وهم أهل السفينة، واختلفوا هل كان ~~ابنا له حقيقة أو كان ابن امرأته، والظاهر هو الأول، والدليل عليه أنه ~~تعالى نص عليه فقال: {ونادى نوح ابنه} ونوح أيضا نص عليه فقال: {يابني} ~~وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف الكلام ~~عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة، وأنه لا يجوز، ثم إنه أخبر بقوله: ~~{وحال بينهما الموج} أي بين نوح وابنه، يعني بسبب هذه الحيلولة خرج من أن ~~يخاطبه نوح {فكان من المغرقين} ثم وصف تعالى واقعة الطوفان فقال: {وقيل ~~ياأرض ابلعي ماءك وياسماء أقلعي} والمعنى لما انتهى أمر الطوفان، قال الله: ~~{ياأرض ابلعي ماءك} أي.........ماءك واشربيه {وياسماء أقلعي} أي ويا سحاب PageV19P049 أمسكي وكفي، وانقلعي وانطوي عن الأرض وانقشعي {وغيض الماء} أي نقص من ~~الأرض، ms1800 وإنما خص السماء والأرض بنداء أهل التمييز والعقل للدلالة على ~~الاقتدار العظيم، وأن هذه الأجرام العظيمة تنقاد لمشيئته كأنها عقلاء، ~~عرفوا عظمته وتحتم طاعته، فهم يهابونه ويفزعون من مخالفة أمره، فعند هذا ~~تحكم العقل بأنه لما كان أمره نافذا في الجمادات فبأن يكون أمره نافذا على ~~العقلاء أولى، وليس المراد منه أنه تعالى يأمر الجمادات فإن ذلك باطل، بل ~~المراد أن توجيه الأمر بحسب الظاهر على هذه الجمادات للقوة الشديدة تقرر في ~~العقل نوع عظيمة جلاله تقريرا كاملا. # وأما قوله عز وحل: {وقضي الأمر} فمعناه أنجز الله لنوح ما وعده من هلاك ~~قومه، فإن قيل: كيف يليق بحكمة الله تعالى تغريق الأطفال الذين لا ذنب لهم؟ # قلت: قال المرتضى عليه السلام: هذه نعمة من الله عليهم إذ أراحهم من هم ~~الدنيا وغمها، وشقوتها، وما يكسبوه فيها من ذنوبهم، ويجدون من فعل آبائهم، ~~فأراحهم الله من ذلك، وحكم لهم بالجنة والنعيم والخلد الكريم، فهذا أفضل ~~وخير للأطفال مما أريد بهم من الحياة؛ لأن من نقل[313] من دار الغم إلى ~~السرور، ومن العذاب إلى النعيم لم يظلم، وإنما تفضل الله عليه سبحانه بما ~~لم يكسب، فلا يقال ظلم، وإنما يقال تفضل عليه وأنعم، فكان غرق آبائهم عذابا ~~لهم وخزيا، وغرق أطفالهم نجاة لهم وسلامة، انتهى. # أما قوله تعالى: {واستوت على الجودي} فالمعنى استوت السفينة عليه دليلا ~~انقطاع مادة الماء، قيل: وكان ذلك الاستواء يوم عاشورا، وقيل: فثبتت في ~~الماء مائة وخمسون يوما، واستقرت على الجودي شهرا، وهبط بهم يوم عاشورا، ~~وأمر بصومه شكرا لله تعالى، وقوله سبحانه: {وقيل بعدا للقوم الظالمين} فيه وجهان: # أحدهما: أنه من كلام الله، قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد. PageV19P050 # والثاني: أن يكون ذلك القول من كلام نوح وأصحابه أو الملائكة؛ لأن الغالب ~~ممن سلم من الأمر الهائل سبب اجتماع قوم من الظلمة، فإذا هلكوا ونجا منهم ~~قال مثل هذا الكلام، ولأنه جار مجرى الدعا عليهم فجعله من كلام البشر، ~~ومعنى بعدا أي هلاكا؛ لأن الهالك بعد ms1801 بعيدا، ثم قال تعالى: {ونادى نوح ربه ~~فقال رب إن ابني من أهلي} أي بعض أهلي؛ لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ~~ربيبا له فهو من بعض أهله {وإن وعدك الحق} الثابت الذي لا شك في إنجازه، ~~والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي {وأنت أحكم الحاكمين} أي ~~أعلم الحكام وأعدلهم، إذ لا فضل لحاكم على غيره إلا بهما، ثم إنه تعالى ذكر ~~أنه {قال يانوح إنه ليس من أهلك} أي ليس من أهلك الذين وعدهم بالنجاة، وإما ~~أولئك أهل الإيمان الذين وعدتهم بالنجاة وإنما أولئك أهل الإيمان الذين ~~وعدتهم بالنجاة، ولما ثبت بظاهر الدليل أنه كان أبنا له وجب حمل قوله: { ~~إنه ليس من أهلك} على أحد وجهين: # أحدهما: أن يكون المراد انه ليس من أهل دينك. # والثاني: أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، والقولان متقاربان، ~~وقد دلت هذه الآية على أن العبرة في قرابة الدين لا بقرابة النسب؛ لأن الله ~~سبحانه نفاه بأبلغ الألفاظ وهو قوله: {إنه ليس من أهلك} ثم علل كونه انتفاء ~~كونه من أهله بقوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} فجعل ذاته عملا غير صالح ~~مبالغة في ذمه؛ لأن الرجل إذا كثر علمه وإحسانه يقال: علم وكرم وجود، فكذا ~~هاهنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه ~~عمل باطل، ويجوز أن يكون المراد أنه ذو عمل، باطل فحذف المضاف بدلالة ~~الكلام عليه، وفي البرهان معناه إن مسألتك إياي أن أنجيه وهو كافر عمل غير صالح. PageV19P051 # قال: وهذا على تأويل من قرأ بالتنوين ومن قرأ بغير التنوين فمعناه ما مر، ~~ثم قال تعالى: {فلا تسألني ما ليس لك به علم} أي لا تعلم أصواب هو أم غير صواب. # وقال في البرهان: يعني في نسبته إلى نفسك وهو عاص لك وإدخاله في جملة من ~~وعدتك أن أنجيه من أهلك. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى ~~فيه فلا تسألني ما ms1802 ليس لك علم إنه عمل غير صالح، أي سؤالك عن نجاة عدوي ~~وعدوك عمل غير صالح، ولم يكن صلى الله عليه وآله علم كثيرا من أمر ولده حتى ~~سأله، فروي أن الله تعالى قال: يانوح إن ولدك هذا أشر هؤلاء الكافرين؛ لأنه ~~تقرر في مسامعه من الحق ما لم يسمع غيره مثله[314] ثم استكبر عنه وأبى أن ~~يقبله. انتهى. # قيل: كان سؤاله قبل أن يغرق ابنه حين شارف الغرق أو حين التجأ إلى جبل، ~~ونوح يعلم أنه ما يسلم إلا من ركب سفينته، وكان عنده أن ابنه مؤمن؛ لأنه ~~كان ينافق أباه بالإسلام، وإنما عاتب الله نوحا في سؤاله؛ لأن الله وعده ~~نجاة أهله إلا من سبق عليه القول، فحين شارف ابنك على الهلاك والتجأ إلى ~~الجبل كان عليه أن في حمل أهله من هو مستوجب للغرق لأجل كفره، وهذا معنى ~~كلام صاحب الكشاف، وقيل: إن سؤال نوح كان بعد غرق ابنه؛ لأن الله تعالى ~~نهاه أن يسأله ما ليس له علم بجوازه، أي ما يعلم أنه لا يجوز وهو المخاطبة ~~في الظالمين، ثم قال عز وجل: {إني أعظك} أي أزجرك {أن تكون من الجاهلين} أي ~~لئلا تكون من الجاهلين، أي الآثمين. # وقال في البرهان: معنى أعظك أي أرفعك أن تكون من الجاهلين بالمطيعين ~~والعصاة، وبين يستحق الخلاص ومن لا يستحق، وأصل الموعظة التحذير، قوله: ~~يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا، أي يحدثكم الله. PageV19P052 # قال في الكشاف: جعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلا وغباوة وعظة ألا يعود إلى ~~أمثاله، فكان عليه أن لا يشتبه عليه أنه من..........إلا من سبق عليه القول ~~في أن كل أهله ليسوا بناجين. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك حكى أنه {قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم} ومعنى أعوذ: أستجير بك وأعتصم من أن أسألك في المستقبل ~~ما لا علم لي بصحته، تأدبا بأدبك، واتعاظا لموعظتك، ثم اشتغل بالاعتذار عما ~~مضى فقال: {وإلا تغفر لي وترحمني} بالتوبة ms1803 {أكن من الخاسرين} أعمالا، وإنما ~~استغفر من سؤاله بغير إذنه وهو لا يجوز من النبي، واغتر عليه السلام بالوعد ~~فكان صغيرة. # وقال الرازي: الزلة الصادرة عن نوح هو أنه لم يستقص في تعريف ما يدل على ~~نفاقه وكفره، وكان يظن أنه مؤمن، مع أنه أخطأ في الاجتهاد؛ لأنه كان كافرا ~~فلم يصدر عنه إلا الخطأ في هذه الاجتهاد، ثم قال تعالى: {قيل يانوح اهبط ~~بسلام منا} يحتمل أن يكون الهبوط أمر بالخروج عن السفينة إلى أرض الجبل، ~~وأن يكون أمرا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية. # واعلم أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا ثم بالبركة ثانيا. # أما الموعد بالسلامة فيحتمل وجهين: # الأول: أنه تعالى أخبر في الآية المتقدمة أن نوحا تاب عن زلته وتضرع إلى ~~الله بقوله: {وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} وهذا التضرع هو عين ~~التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته من زلته، وهو ~~قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} ~~فكان نوح عليه السلام محتاجا إلى أن يبشره الله بالسلامة من التهديد ~~والوعيد، فلما {قيل يانوح اهبط بسلام منا} حصل له الأمن من جميع المكاره ~~المتعلقة بالدين. PageV19P053 # والثاني: أن ذلك الغرق لما كان عاما في جميع الأرض، فعندما خرج نوح من ~~السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء مما يتنفع به من النبات والحيوان، فكان ~~كالخائف في أنه كيف يعيش، وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من المأكول ~~والمشروب، فلما قال له سبحانه: {اهبط بسلام منا وبركات} زال عنه ذلك الخوف؛ ~~لأن ذلك يدل على حصول السلامة من الآفات، ولايكون كذلك إلا مع سعة الرزق، ~~ثم إنه تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة، فقال: {وبركات ~~عليك} وهي عبارة [315] عن الدوام والبقاء والثبات، ومنه بروك الإبل، ومنه ~~البركة لثبوت الماء فيها، ومنه تبارك أي تثبت تعظيمه. # ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء، فقيل: إنه صير نوحا أبا ~~البشر؛ لأن جميع من بقي ms1804 كانوا من نسله، وعند هذا قال هذا القائل: لما خرج ~~من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته، ولم يحصل النسل إلا من ~~ذريته، فالخلق كلهم من نسله، وقال آخرون: لمن يكن في سفينة نوح إلا من كان ~~من نسله وذريته، وعلى التقدير فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده، ~~والدليل عليه قوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين} فثبت أن نوحا كان آدم ~~الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها. PageV19P054 # وقيل: إنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات وعده بأن موجبات السلامة ~~والراحة وال........ يكون في التزايد والثبات، ثم إنه تعالى لما شرفه ~~بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه فقال: {وعلى أمم ممن ~~معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} في الآخرة، واختلفوا في المراد ~~منه على ثلاثة أقوال، منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجو معه، ~~وجعلهم أمما وجماعات؛ لأنه ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر ~~إلا هم، فلهذا السبب جعلهم أمما، ومنهم من قال بل المراد ممن معك نسلا ~~وتولدا، قالوا: ودليل ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا، وقد حكم الله ~~عليهم بالقلة بقوله: وما آمن معه إلا قليل، ومنهم من قال: مجموع الحاضرين ~~مع الذين سيولدون بعد ذلك، والثاني هو الأولى، والله أعلم. # قال في الكشاف: ويحتمل أن تكون من للبيان، فيراد الأمم الذين كانوا معه ~~في السفينة؛ لأنهم كانوا جماعات، وقيل لهم أمم؛ لأن الأمم تشعبت منهم، ~~ويحتمل أن يكون الابتداء الغاية، أي على أمم ناشئة من أي أولادهم إلى آخر ~~الدهر، قال: وهو الوجه. # قال محمد بن كعب: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. # واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه على قسمين: # أحدهما: الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم، وهم أهل ~~الإيمان. # والثاني: أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة ms1805 يمسهم ~~عذاب أليم، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح لابد وأن ~~ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر. # قال في الكشاف: وأمم مرتفع بالابتداء ونتمعهم صفة، والخبر محذوف تقديره ~~وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأن قوله ممن معك يدل عليه، والمعنى أن ~~السلامات والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين يتساوون ممن معك، وممن معك أمم ~~يمتعون بالدنيا فينقلبون إلى النار، انتهى. PageV19P055 # ويحتمل أن الخبر نمتعهم، أي وأمم ممن معك سنمتعهم ثم يمسهم العذاب. # قلت: وهذا أظهر والله أعلم، ولما ذكر سبحانه أنه يعطيهم نصيبا من متاع ~~الدنيا دل ذلك على خساسة الدنيا؛ لأنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم ~~يذكر البتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا، ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه ~~يعطيهم الدنيا، فهذا تنبيه عظيم على خساسة الدنيا، وترغيب عظيم في خيرات ~~الآخرة. # واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح على التفصيل قال: {تلك من أنباء الغيب ~~نوحيها إليك} يا محمد، أي تلك الآيات التي ذكرناها وتلك التفاصيل التي ~~شرحناها من أنباء[316] الغيب أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق، ~~فقوله تلك في محل الرفع على الابتداء، ومن أنباء الغيب الخبر، ونوحيها إليك ~~خبر ثان، وما بعده أيضا خبر، ثم قال تعالى: {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا} والمعنى أنك ما كنت تعرف هذه القصة، بل قومك ما يعرفونها أيضا ~~ونظيره أن يقول الإنسان لا يعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك، فإن قيل: ~~أليس قد كان قصة طوفان نوح مشهورة، قيل له تلك القصة بحسب الإجمال كانت ~~مشهورة، وأما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة، ثم قال سبحانه: {فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين} أي اصبر يا محمد على تبليغ الرسالة، وأذاء قومك كما صبر ~~نوح، وتوقع من العاقبة توقعه، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر ~~والفرج والسرور، كما قال نوح ولقومه، ثم ذكر عز وجل القصة الثانية من القصص ~~التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة فقال: {وإلى عاد أخاهم ms1806 هودا} اعلم أن ~~هذا معطوف على قوله: {ولقد أرسلنا نوحا} والتقدير لقد أرسلنا نوحا إلى عاد ~~أخاهم، وقوله هودا عطف بيان، وإنما وصف هودا بأنه أخوهم؛ لأن هودا كان رجلا ~~من قبيلة عاد، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب، وكانوا بناحية اليمن، ~~ونظيره أن يقال للرجل PageV19P056 يا أخا تميم، ويا أخا سليم، والمراد رجل منهم، فإن قيل: إنه تعالى قال في ~~ابن نوح: إنه ليس من أهلك فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة ~~الدين، وهاهنا أثبتت هذه الوجه مع الاختلاف في الدين، فما الفرق؟ قيل له: ~~المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن قومه ~~كانوا يستبعدون في محمد أنه واحد من قبيلتهم أن يكون رسولا إليهم من عند ~~الله، فذكر الله تعالى أن هودا كان واحدا من عاد، وأن صالحا كان واحدا من ~~ثمود إزالة هذا الاستبعاد. # واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام أنه دعا قومه إلى أنواع من ~~التكاليف فالنوع الأول أنه دعاهم إلى التوحيد {قال ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره} تحق له العبادة {إن أنتم إلا مفترون} بإتخاذكم الأوثان له ~~شركاء، وإنما دعاهم إلى عبادة الله قبل أن إقام الدلالة على ثبوت الإله؛ ~~لأن دلائل وجود الإله تعالى ظاهرة وهي دلائل الآفاق والأنفس، وقيل: ما توجد ~~في الدنيا طائفة ينكرون الإله، فلذلك قال تعالى في صفة الكفار {ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}. PageV19P057 # قال بعضهم: دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبعين على الاعتراف بوجود ~~الإله، وأكثر بلاد الترك كذلك، إنما الشأن في عبادة الأوثان فإنها آفة عمت ~~أكثر أطراف الأرض، وهكذا كان الأمر في الزمان القديم، أعني زمان نوح وهود ~~وصالح، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يمنعونهم عن عبادة الأصنام، ~~فكان قوله اعبدوا الله معناه لا تعبدوا غير الله، والدليل عليه أنه قال ~~عقيبه ما لكم من إله غيره، وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن ms1807 ~~الاشتغال بعبادة الأوثان، ثم إنه عليه السلام لما أرشدهم إلى التوحيد ~~ومنعهم عن عبادة الأوثان قال: {ياقوم لا أسألكم عليه} أي على ما أرسلت به ~~{أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني} وهو غير ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك ~~لأن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرة عن.لوث الطمع كان تأثيرها في ~~القلب، ثم قال: {أفلا تعقلون} حين تردون نصيحة من لا يسألكم عليها أجرا، ~~وما من رسول إلا واجه قومه بهذا؛ لأن النصيحة لا يخلصها وينفي التهمة فيها ~~إلا قطع المطامع[317] وإلا لم ينفع، وقيل معناه أفلا تعقلون أني مصيب في ~~المنع من عبادة الأصنام، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع مرتكز في بدياية ~~العقول، والله أعلم. # وأما النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام فهو قوله: ~~{وياقوم استغفروا ربكم} أي آمنوا به، ثم دعاهم أيضا إلى التوبة بقوله: {ثم ~~توبوا إليه} والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه السورة. # قال أبو بكر الأصم: استغفروه أي سألوه أن يغفر لكم ما تقدم من سرفكم، ثم ~~توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالغرم على أن لا تعودوا إلى مثله. PageV19P058 # وقال الحاكم: معناه ثم توبوا إليه من عبادة غيره؛ لأن التوبة لا تصح إلا ~~بعد الإيمان، أو استغفروه مرة بعد مرة، أو دوموا على الاستغفار، وقيل: ~~استغفروه باللسان ثم توبوا إليه بالقلب، ثم إنه عليه السلام قال: إنكم متى ~~فعلتهم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم، ~~وهذا غاية ما يراد من السعادات والبهجة، فقوله: {يرسل السماء عليكم مدرارا} ~~إشارة إلى تكرير النعم؛ لأن زيادة حصول هذه النعم هي الأمطار الموافقة ~~والمدرار هو الكثير الدرور، أي الصب للمطر، وهو من........المبالغة، وقوله: ~~{ويزدكم قوة إلى قوتكم} إشارة إلى كمال حال القوي الذي بها يمكن الانتفاع ~~بتلك النعم، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات، وأن ~~الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه ~~اللطائف ليعرف ما ms1808 في هذا الكتاب الكريم من الأسرار الخفية. # وأما المفسرون فإنهم قالوا: القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من ~~الكمال: # أحدهما: أن بساتينهم ومزارعهم في غاية الطيب والبهجة، والدليل عليه قوله: ~~{إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد}. # والثاني: أنهم كانوا في غاية البطش والقوة، ولذلك قالوا: من أشد منا قوة، ~~ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود عليه ~~السلام أنهم لم يتركوا عبادة الأصنام، واشتغلوا بالاستغفار والتوبة، فإن ~~الله تعالىيقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيهما درجات كثيرة، ونقل ~~أيضا أن الله عز وجل لما بعث هودا إليهم وكذبوه حبس الله المطر عنهم ثلاث ~~سنين وأعقم نساؤهم، فقال لهم هودا: إن آمنتم بالله أحيا الله بلادكم ورزقكم ~~المال والولد، فلذلك قوله: {يرسل السماء عليكم مدرارا}. PageV19P059 # وأما قوله: {ولا تتولوا مجرمين} فمعناه لا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه ~~وأرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن هود وما ذكره للقوم حكى سبحانه أيضا ما ذكروه ~~وهو أشياء: # أولها: {قالوا ياهود ما جئتنا ببينة} أي بحجة، والبينة سميت بينة؛ لأنها ~~تبين الحق من الباطل، أي معجزة تبين لنا صدقك في النبوة جحودا منهم ~~كمعجزاته؛ لأن المعلوم أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزات، إلا أن القوم ~~لجهلهم أنكروها وزعموا أنه ما جاء بشيء من المعجزات. # وثانيها: قولهم: {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك} أي بقولك، ولكن عن قامت ~~مقام اللام الزائدة، وعن قولك حال من الضمير في تاركي آلهتنا، كأنه قيل: ~~وما نترك آلالهتنا صادرين عن قولك. # قال الرازي: وقولهم هذا ركيك؛ لأنهم كانوا يعترفون بأن النافه والضار هو ~~الله تعالى، وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في ~~بداية العقول أنه لا يجوز عبادتها فتركهم آلهتهم لا يكون مجرد قوله: بل عن ~~حكم فطرة العقل وبديهة النفس. # وثالثها: قولهم: {وما نحن لك بمؤمنين}[318] أي بمصدقين، إقناط له من ~~الإجابة، كأنهم قالوا: ما يصح من ms1809 أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما تدعوهم إليه. PageV19P060 # ورابعها: قولهم: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} يقال: اعتراه كذا ~~إذا غشيه، والمعنى أنك شتمت آلهتنا فحعلتك مجنونا، وأفسدتك عقلك لسبك إياها ~~وصدك عنها، فلذلك أنت تكلم بكلام المجانين،ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ~~ذلك{قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون} أي من إشراككم آلهة ~~{من دونه} أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي أنتم تجعلونها شركا له، ولم ~~يجعلها هو شركاء، ولم ينزل بذلك سلطانا، ثم قال: {فكيدوني جميعا} أي ~~فعادوني أنتم وآلهتكم معا فإني لا أبالي بكم {ثم لا تنظروني} أي لا تنظروني ~~ساعة واحدة، وهذا تحد لهم ومراغمة منه صلى الله عليه وآله وسلم ومنابذة. # واعلم أن هذا معجزة قاهرة ظاهرة، وذلك لأن الرجل الواحد إذا أقبل على ~~الجمع العظيم فقال بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا توجلون فإنه لا ~~يقول هذا إلا من كان واثقا من عند الله بأنه يحفظه ويصونه عن كيد الأعداء، ~~ولذلك ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلائته من كيدهم فقال: {إني توكلت ~~على الله ربي وربكم} أي أسندت أمري إليه، واعتصمت، ثم وصفه بما يوجب التوكل ~~عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليه، ومن كون كل دابة في قبضه وملكته وتحت ~~قهره وسلطانه، فقال: {ما من دابة} من آدمي وغيره مما يدب على الأرض {إلا هو ~~آخذ بناصيتها}. # قال الأزهري: الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس، وتسما الشعر ~~النابت هناك ناصية باسم منبته. PageV19P061 # واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا ~~بيد فلان، أي أنه مطيع له؛ لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته، وكانوا إذا ~~أبصروا الأسير فأراداو إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة ~~لقهره، فخوطبوا في القرآن بما يعرفون، وهو تمثيل بكون كل دابة تحت قهره ~~وعظيم سلطانه، ولما أشعر ذلك بقدرة غالب وقهر عظيم أتبعه بقوله: {إن ربي ~~على صراط مستقيم} أي أنه وإن كان قادرا ms1810 عليهم لكنه على طريق الحق والعدل، ~~لا يظلمهم ولا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به. # وأما قوله: {فإن تولوا} أي يعرضوا ففيه وجهان: # أحدهما: تقدير الكلام، فإن تولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وتنصير ~~من جهتي، وصرتم محجوجين لأنكم أنتم الذين أصررتم على التكذيب. # الثاني: قال: {فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم} أي فقد بلغتكم ~~فأبيتم إلا تكذيب الرسالة، وعداوة الرسول، ثم قال: {ويستخلف ربي قوما ~~غيركم} يعني يخلق بعدكم من هو أطوع منكم، وهو إشارة إلى نزول عذاب ~~الاستئصال. # قال في الكشاف: ويستخلف كلامه مستأنف يريد ويهلككم الله، ويجيء بقوم ~~آخرين يخلفونكم في دياركم، وأموالكم {ولا تضرونه شيئا} من ضرر قط؛ لأنه لا ~~تجوز عليه المضار والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم، وفي قراءة عبد الله لا ~~يستخلف بالجزم، وكذلك ولا تضروه عطفا على محل، فقد أبلغتكم، والمعنى فإن ~~تتولوا بعد ربي ويستخلف قوما غيركم ولا تضروا إلا أنفسكم، وقيل: يعني أن ~~هلاككم لا ينقص من ملكه شيئا، ثم قال: {إن ربي على كل شيء حفيظ} وفيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه بكل شيء عليم، أي رقيب عليه، مهيمن فما تخفى عليه أعمالكم حتى ~~يجازيكم عليها. # الثاني: يحفظني من شركم ومكركم. PageV19P062 # الثالث: حفيظ على كل شيء، يحفظه من الهلاك[319] إذا شاء، ويهلكه إذا شاء، ~~ثم قال تعالى: {ولما جاء أمرنا} أي عذابنا، وذلك ما نزل بهم من الريح ~~العقيم، عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام، تدخل في مناخرهم، وتخرج من ~~أدبارهم، وترفعهم وتضربه على الأرض على وجوههم، حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية. # وأما قوله: {نجينا هودا والذين آمنوا معه} فاعلم أنه يجوز إثبات البلية ~~على المؤمن وعلى الكافر معا، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمنين ~~وعذابا على الكافرين، فأما عذاب النار لمن يكذب الأنبياء عليهم السلام ومن ~~مات مصرا على عصيان الله تعالى فإنه يجب في حكم الله وو عد ه أن ينجي ~~المؤمنين منه، ولولا ذلك لما عرف كونه عذابا على كفرهم وعصيانهم، فلهذا ~~السبب ms1811 قال تعالى هاهنا: {نجينا هودا والذين آمنوا معه} قيل: كانوا أربعة ~~آلاف، وقوله: {برحمة منا} أي بسبب الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له، ~~والعمل الصالح. # وأما قوله: {ونجيناهم من عذاب غليظ} فالمراد منه أن النجاة الأولى هي ~~النجاة من عذاب الدنيا، والنجاة الثانية هي النجاة من عذاب القيامة، وإنما ~~وصفه بكونه غليظا تنبيها على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى ~~العذاب الذي وقعوا فيه كان عذابا غليظا، وقيل: معنى تكرير التنجية أنه ~~تعالى لما أنجاهم حين أهلك عدوهم قال: ونجاه من عذاب غليظ على معنى، وكانت ~~تلك التنجية من عذاب غليظ. # واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: {وتلك عاد} وهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم، كأنه تعالى قال: سيحوا في ~~الأرض فانظروا إليها واعتبروا. # واعلم أنه تعالى جمع أوصافهم في ثلاثة: PageV19P063 # الصفة الأولى: قوله: {جحدوا بآيات ربهم} والمراد أنهم جحدوا دلالة المعجزات ~~على الصدق، أو جحدوا دلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، إن ثبت أنهم ~~كانوا زنادقة. # والثانية: قوله: {وعصوا رسله} والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولا واحدا فقد ~~عصو جميع الرسل، لقوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله}، وقيل: لم يرسل ~~الله إليهم إلا هو. # والثالثة: قوله: {واتبعوا أمر كل جبار عنيد} أي أطاعوا، والمراد من ~~الجبار المرتفع المتمرد الذي يفعل ما يشاء، ولا يدبر في العواقب، والعنيد ~~العنود والمعاند وهو المنازع المكابر للحق، مع علمه أنه على الباطل. # واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك أحولهم فقال: {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة} أي أتبعهم الله ذما ولعنا، وكذلك الملائكة والصالحون فهم لمن ~~مضى من أعداء الله ذامون، وباللعنة لهم متبعون، فجعل اللعن رديف لهم، ~~ومتابعا ومصاحبا في الدنيا وفي الآخرة، ومعنى اللعنة في الشرع العقوبة من ~~الله، والإبعاد من رحمة الله ومن كل خير،ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في ~~نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال: {ألا إن عادا كفروا ربهم} أراد كفروا ~~ربهم ms1812 فحذف الباء، وقيل: الكفر الجحد، فالتقدير ألا إن عادا جحدوا ربهم، ~~وقيل هو من باب حذف المضاف، أي كفروا نعمة ربهم، ثم قال: {ألا بعدا لعاد ~~قوم هود} ألا كلمة تنبيه للسامعين حتى يفهموا ما بعدها من الكلام، وتكرارها ~~مع النداء على كفرهم، والدعاء عليهم تهويل لأمرهم، وتفضيع له، وبعث على ~~الاعتبار بهم، والحذر من مثل حالهم؛ لأن التكرير بعبارتين يدل على غاية ~~التأكيد. # قال في الكشاف: فإن قلت بعد ادعاء بالهلاك فما معنى الدعاء عليهم بعد ~~هلاكهم[320] قال: معناه الدلالة على أنهم كانوا مستاهلين له، الأثر إلى قوله: PageV19P064 # إخوتي لا تسعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا # انتهى. # فإن قيل: ما الفائدة في قوله لعاد قوم هود؟ فالجواب قيل كان عاد عادين، ~~فالأولى القديمة هم قوم هود، والثانية هم إرم ذات العماد، فذكر ذلك لإنزاله ~~الاشتباه، وقيل: إن المبالغة في التنصيص يدل على مزيد التأكيد، ثم ذكر ~~تعالى القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، وهي قصة صالح مع ~~ثمود فقال عز وجل: {وإلى ثمود} أي وأرسلنا إلى ثمود {أخاهم صالحا قال ياقوم ~~اعبدوا الله} وحده دون آلهتكم بزعمكم {ما لكم من إله غيره} ونظم هذه مثل ~~المذكور في قصة هود، إلا أن هاهنا لما أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره ~~دليلين: # الأول: قوله: {هو أنشأكم من الأرض} أراد خلق أباهم آدم من التراب، أي لم ~~ينشئكم غيره، وقيل: إن كلمة من معناها في، والتقدير أنشأكم في الأرض. # والثاني: قوله: {واستعمركم فيها} أي خلفكم من الأرض، واستبقاكم فيها ~~وعمركم، أو استعمركم أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من مساكن وغرس أشجار، ~~كانوا أهل عمارة وآثار، قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار، وحصلت لهم ~~الأعمار الطويلة، فسأل نبي الله من أنبياء زمانهم ربه بسبب تلك الأعمار، ~~فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي، وأخذ معاية في إحياء ~~الأرض في آخر عمره، فقيل له فقال: ما حملني عليه إلا قول القائل: # ليس الفتى بفتا لا يستضاء به # ولا يكون له ms1813 في الأرض آثار PageV19P065 قال الرازي: واعلم أن كون الأرض للعمارات النافعة للإنسان، وكون الإنسان ~~قادرا عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله في ~~آيات أخرى وهي قوله: {الذي قدر فهدى} وذلك لأن حدود الإنسان مع أنه حصل في ~~ذاته العقل الهادي، والقدرة على التصرفات الموافقة للمنافع يدل أيضا على ~~وجود الصانع الحكيم، وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح الموافقة ~~للمنافع تدل أيضا على وجود الصانع الحكيم.انتهى. # وأما قوله: {فاستغفروه ثم توبوا إليه} فقد تقدم تفسيره، وأما قوله: {إن ~~ربي قريب مجيب} يعني أنه قريب بالعلم والسمع، يجيب دعاء المحتاجين بفضله ~~ورحمته، ثم بين تعالى أن صالحا عليه السلام لما قرر هذه الدلائل {قالوا ~~ياصالح قد كنت فينا مرجوا} أي مؤملا يرجى خيرك فننتفع بك وبرأيك في ~~التدابير لما رأينا فيك من أمارات الرشد {قبل هذا} القول، فلما نطقت بهذا ~~القول انقطع رجاؤنا عنك، وعلمنا أن لا خير فيك. PageV19P066 # وعن ابن عباس: فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا، وقيل: كنا نرجوا أن تدخل في ~~ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه، ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك ~~بطريق التقليد، ووجوب متابعة الآباء والأسلاف فقالوا: {أتنهانا أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا} حكاية حال ماضية، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن ~~كفار مكة، حيث قالوا جعل الآلهة إلأها واحدا إن هذا لشيء عجاب، ثم قالوا: ~~{وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب} والشك هو يبقا الإنسان متوقفا بين ~~النفي والإثبات، والمريب الذي يظن به السوء، فقوله وإننا لفي شك يعني انه ~~لم يترجح في اعتقادهم فساد قوله، وهذا مبالغة في تزييف كلامه، وفي الكشاف ~~مريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهو قلق النفس، وانتفاء الطمأنينة ~~باليقين، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازي في قوله ~~تعالى: {قال ياقوم أرأيتم} أي أخبروني[321] {إن كنت على بينة من ربي} أي ~~على حقيقة وحجة واضحة بأني نبي {وآتاني منه رحمة} النبوة {فمن ينصرني من ~~الله} ms1814 أي يمنعني من عقابه {إن عصيته} وإنما ورد بحرف الشك أو هو على يقين ~~من أمره؛ لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول، وكأنه قال قدروا ~~أني على بينة من ربي، وأني نبي على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي ~~في أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله {فما تزيدونني} على هذا التقدير {غير ~~تخسير} يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها، أي لو أطعتكم في معصية الله لما ~~زدتموني إلا تخسيرا ونقصا، ويمكن أن يكون أراد بكم خسرتموني وزدتموني ~~تخسيرا مع معصيتكم، أي دعوتموني بالخسران، والعرب تقول: ظلمناه وكفرناه ~~وخسرناه أي دعوناه بذلك وسميناه، قال الكميت: # وطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا مسيء ومذنب # يريد أنهم سموني بذلك. PageV19P067 # واعلم أن العادة جارية فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبدأ ~~بالدعوة إلى عبادة الله تعالى، ثم يتبعه بدعوى النبوة، ولابد وأن يطلبوا ~~منه المعجزة، وأمر صالح عليه السلام هكذا كان، فإنهم لما طلبوا منه المعجزة ~~قال: {وياقوم هذه ناقة الله لكم آية} أي علامة صدقي، وانتصاب آية على ~~الحال، والفاعل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، ولكم متعلق ~~بآية، وهو حال منها متقدمة؛ لأنها لو ناضرت لكانت صفة لها انصبت على الحال، ~~يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة ~~معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه فخرجت كما سألوا. # واعلم أن تلك الناقة كان معجزة من وجوه: # أحدها: أنه تعالى خلقها من الصخرة. # وثانيها: أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر. # وثالثها: أنه تعالى خلقها على تلك الصورة دفعة واحدة من غير ولادة. # ورابعها: ما روي أنه كان لها شرب يوم، وكان للقوم شرب يوم. PageV19P068 # وخامسها: أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق العظيم به، وكل واحد من ~~هذه الوجوه معجز قوي، ثم قال: {فذروها تأكل في أرض الله} والمراد أنه عليه ~~السلام رفع عن القوم مؤنتها، فصارت مع كونها آية لم تنفعهم ولم تضرهم؛ ~~لأنهم كانوا ms1815 ينتفعون بلبنها على ما روي، ثم إنه عليه السلام خاف عليها منهم ~~لما شاهدوا من إصرارهم على الكفر، فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه، بل يسعى ~~في إخفائها وإبطالها بأقصى الإمكان، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على ~~مثلها، فلهذا احتاط فقال: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} وذلك تحذير ~~شديد لهم من الإقدام على قتلها، ويريد بالعذاب القريب هو في اليوم الثالث، ~~وهو قوله: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} ثم أخبر تعالى أنهم مع ذلك أقدموا ~~على عقرها فقال: {فعقروها} يحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة، وأن يكون ~~أنها...........الشرب على القوم، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها، ~~فعند ذلك قال لهم صالح: {فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} معنى التمتع ~~التلذذ بالمنافع والملاذ التي تدرك بالحواس، ولما كان التمتع لا يحصل إلا ~~لحي عبر به عن الحياة، وقوله في دراكم فيه وجهان: # أحدهما: أن المراد في دار الدنيا، ثم قال: {ذلك وعد غير مكذوب} أي مذكوب ~~فيه،..........في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقولك: يوم ~~مشهود، أو على المجاز، كأنه قيل للوعد نفي، فإذا وفا به فقد صدق ولم يكذب، ~~أو وعد غير مكذوب على أن المكذوب مصدر كالمخلود والمعقول. PageV19P069 # قال ابن عباس: إنه تعالى لما أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في ~~الإيمان، وذلك[322] لأنهم لما عقروا الناقة أنذرهم صالح بنزول العقاب، ~~فقالوا: وما علامة ذلك؟ قال: تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، وفي اليوم ~~الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع، ~~ثم قال عز وجل: {فلما جاء أمرنا} أي العقاب، قيل: هو صيحة جبريل تزلزلت بها ~~الأرض وتقطعت منها قلوبهم {نجينا صالحا والذين آمنوا معه} قيل إلى فلسطين ~~{برحمة منا} أي بالإيمان الذي سببه التوفيق الذي أنعمنا عليهم به {ومن خزي ~~يومئذ} والمعنى نجينا صالحا والمؤمنين معه من العذاب النازل بقومه، ومن ~~الخزي الذي لزمهم، وبقي العار فيه مأثورا عنهم منسوبا إليهم؛ لأن معنى ~~الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ms1816 ويستحى من مثله، فحذف ما حذف اعتمادا على ~~دلالة ما بقي عليه، والدليل على أن الخزي هو الذل العظيم حتى يبلغ حد ~~الفضيحة، قوله في المحاربين لهم خزي في الدنيا، وإنما سمى الله تعالى ذلك ~~خزيا؛ لأنه فضيحة باقية يعتبر بها أمثالهم من الكفار، ثم قال: {إن ربك هو ~~القوي العزيز} وإنما حسن ذلك؛ لأنه تعالى أخبر أنه أوصل ذلك العذاب إلى ~~الكفار، وصان أهل الإيمان عنه، وهذا التمييز لا يصح إلا من القادر القاهر ~~لأعدائه، الغالب لهم، ثم إنه تعالى بين ما ذلك الأمر فقال: {وأخذ الذين ~~ظلموا الصيحة}. # قال ابن عباس: المراد الصاعقة. PageV19P070 # قال المفسرون: عقروا الناقة يوم الأربعاء، ولما أصبحوا اليوم الرابع يوم ~~السبت أتتهم الصيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض، ~~وقيل: الصيحة العذاب عن أبي مسلم، ثم قال تعالى: {فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين} الجثوم هو السكون، يقال للطير إذا باتت في أوكارها إنها جثمت، ثم ~~إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ما لا يتحرك من الموات، فوصف الله هؤلاء ~~المهلكين بأنهم في منازلهم وبلادهم هامدون قد سكنوا عند الهلاك موتى لا ~~يتحركون، حتى كأنهم ما كانوا أحياء. # قال في البرهان: وفي جاثمين قولان: # أحدهما: ميتين؛ لأن الصيحة أخذتهم بياتا. # والثاني: هلكا بالجثوم، وفي الجثوم قولان: # أحدهما: السقوط على الوجه. PageV19P071 # والثاني: أنه القعود على الركب، وقوله: {كأن لم يغنوا فيها} أي كأنهم لم ~~يقيموا أو لم يوجدوا فيها، ثم قال تعالى: {ألا إن ثمود كفروا ربهم} أي ~~جحدوه {ألا بعدا} أي هلاكا {لثمود} قرأ حمزة وحفص عن عاصم ألا إن ثمود غير ~~منون في كل القرآن، والباقون ثمودا بالتنوين، ولثمود كلاهما بالضرف للذهاب ~~إلى الحي أو الأب الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة، ثم ذكر عز ~~وجل القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة فقال: {ولقد جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى} اعلم أن النحويين قالوا: دخلت كلمة قد هاهنا لأن السامع ~~لقصص الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع، ms1817 ودخلت اللام في ~~لقد لتأكيد الخبر، ولفظ رسلنا جمع، وأقله ثلاثة، فهذا يفيد القطع بحصول ~~ثلاثة، فأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر، ~~وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام ، ثم اختلفت الروايات، ~~فقيل: أتاه جبريل ومعه اثنا عشر ملكا على صورة الغلمان الذين يكونون في ~~غاية الحسن، وقال الضحاك: كانوا تسعة، وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة وجبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الذاريات {هل أتاك ~~حديث ضيف إبراهيم} وفي الحجر: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم} واختلفوا في المراد ~~بالبشرى على وجهين: # الأول: أن المراد ما فسره بعد ذلك بقوله: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب}. # الثاني: أن المراد منه أنه بشر إبراهيم بسلامة لوط وبإهلاك قومه، وقيل: ~~بشروه بالنبوة، ومعنى قوله: {قالوا سلاما} أي سلمنا عليك سلاما {قال سلام} ~~أي أمري سلام، أي لست مريد[323] غير السلامة والصلح. PageV19P072 # قال الواحدي: ويحتمل أن يكون المراد سلام عليكم فجاء به مرفوعا حكاية لقوله ~~كما قال، وحذف عنه الخبر كما حذف في قوله: {فصبر جميل} وهذه تحية من ~~الملائكة إبراهيم بالسلام فحياهم بمثلها، فدل على أن السلام تحية الملائكة ~~والمسلمين، وإنما جاز الابتداء بالذكر؛ لأنها موصوفة فالتنكير في هذا ~~الموضع يدل على الكمال والتمام، فكأنه قيل سلام كامل تام عليك، ونظيره في ~~كتاب الله كثير، ثم قال تعالى: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي فما أبطأ ولا ~~أقام حتى جاء يعجل مشوي، والحنيذ هو المشوي، والعرب تقول حنذنا الجراد ~~وحنذنا الشوى، وإنما أتاهم بالقرى وهو يظن أنهم أضياف من الآدميين فبادر ~~إليهم، ولم يلبث عليه السلام ولم يبط بكرامتهم، والمراد فما لبث في المجيء ~~به بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه، والعجل ولد البقرة، وكان مال إبراهيم ~~البقر، ثم قال سبحانه: {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه} أي إلى العجل، وقال ~~الفراء إلى الطعام، وهو ذلك العجل {نكرهم} أي أنكرهم، يقال: نكره وأنكره ~~واستنكره بمعنى واحد، قال الأعشى: # وأنكرتني وما ms1818 كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # ومعنى قوله: {وأوجس منهم خيفة} أي وجد وأضمر في نفسه خوفا. # واعلم أنا إن قلنا إن إبراهيم عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة فسبب ~~خوفه أمران: # أحدهما: أنه كان ينزل في طرف الأرض بعيدا من الناس، فلما امتنعوا من ~~الأكل خاف أن يريدوا به مكروها. # وثانيهما: أن من لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكله حصل الأمن، وإن ~~لم يأكله حصل الخوف، ومن شأن العرب إذا نزل لهم ضيف فلم يطعم من طعامهم ~~ظنوا به سوءا. # وأما الاحتمال الثاني وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله فسبب خوفه على هذا ~~التقدير أيضا أمران: # أحدهما: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه. PageV19P073 # والثاني: أنه خاف أن نزولهم لتعذيب قومه، ثم أخبر تعالى أن الملائكة أزالوا ~~ذلك الخوف عنه لما أعلمهم الله، أو لما رأوا الخوف في وجهه {قالوا لا تخف ~~إنا أرسلنا إلى قوم لوط} يعني لهلاكهم، إلا أنه أضمر لقيام الدليل عليه في ~~سورة أخرى، وهو قوله: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، لنرسل عليهم حجارة}. # قال في البرهان: وفي إعلامهم إبراهيم بذلك وجهان: # أحدهما: ليزول خوفه منهم. # والثاني: لأن إبراهيم قد كان يأتي قوم لوط، ويقول: ويحكم قد نهاكم الله ~~أن تتعرضوا لعقوبته فلا تعصوه، ثم قال تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت} يعني ~~أن امرأته سارة كانت قائمة وراء الستر تسمع كلامهم؛ لأنها خافت أيضا، وقيل: ~~كانت قائمة تخدم الأضياف، واختلفوا في الضحك على أقوال: # أحدها: قال في البرهان: معنى ضحكت أي حاضت، والضحك هو الحيض في كلامهم، ~~قال الشاعر: # وضحك الأرانب فوق الصفا ... كميل دم الجوف يوم اللقا # والثاني: ضحكت معناه تعجبت، وقد سمي التعجيب ضحكا لحدوث الضك منه، ~~وتعجبها من وجهين: # أحدهما: أن قوم لوط أتاهم العذاب وهم غافلون. # والثاني: تعجبها من أن يكون لها ولد على كبر سنها؛ لأن الملائكة كانوا قد ~~بشروا إبراهيم بإسحاق. # والقول الثالث: أن معناه الضحك المعروف[324]، وذكروا في سببه وجوها: # أحدها: ms1819 أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام حيث قالت ~~الملائكة لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وعظم سرورها بسبب سروره وزوال ~~خوفه، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، وبالجملة فكان ضحكها بسبب أن ~~قول الملائكة لإبراهيم لا تخف كالبشارة، فقيل لها: تجعل هذه البشارة ~~بشارتين، فكما حصلت البشارة بزوال الخوف فقد حصلت البشارة أيضا بحصول الولد ~~الذي كنتم تطلبونه من أول العمر إلى هذا الوقت. # قال الرازي: وهذا تأويل في غاية الحسن. # والثاني: أن هذا من التقديم والتأخير. PageV19P074 # والوجه الثالث: أنها كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من ~~الكفر والعمل الخبيث، فلما أظهروا أنهم جاءوا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت ~~سرورا بهلاك أعداء الله وشمتا بهم، ثم قال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب} الواو هنا بمعنى بعد، وهو قول الأكثرين، أي ومن بعد ~~إسحاق يعقوب، وهذا هو الوجه الظاهر، وقيل الوراء ولد الولد. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: بشرها الله تعالى بذلك مكافأة من الله ~~لها على غضبها لله وسرورها بهلاك الفاسقين. # وأما قوله: {قالت ياويلتا} فأصله يا ويلتي قلبت الياء ألفا، مثل يا عجبا، ~~وقد قرئ على الأصل وهي كلمة يراد بها التعجب هنا، نحو قولهم: قاتله الله ما ~~أشعره، وكذا الاستفهام في قولها: {أألد وأنا عجوز} يريد به التعجب {وهذا ~~بعلي شيخا} منصوب على الحال، أي أشير إلى بعلي كونه شيخا، والمقصود تعريف ~~هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة، وليست تريد هنا الدعاء على نفسها ~~بالويل، ولكنها كلمة تخف على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، ~~وعجبت من ولادتها وهي عجوز، وكون بعلها شيخا لخروجه عن العادة مستغرب ~~مستنكر، فعجبها إنما هو بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة، ثم حكى تعالى ~~أن الملائكة {قالوا أتعجبين من أمر الله} تفهما لا إنكار عليها، والمعنى ~~أنهم تعجبوا من تعجبها؛ لأن من عجب من صنع الله تعالى لم يعنف ولم ينكر عليه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما استفهموا منها ms1820 وسألوها عن ~~مرادها لما أعجبهم صلوات الله عليهم داعين ومتعجبين من فضل أهل بيت النبوة ~~الطاهرين {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} أي يا أهل بيت النبوة. PageV19P075 # وقال في الكشاف: إنما قالوا أتعجبين من أمر الله؛ لأنها كانت في بيت الآيات ~~ومهبط المعجزات، والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ~~ما يزدهي سائر النساء الناشئات في غير بيت النبوة، وأن تسبح الله وتحمده ~~مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة في قولهم رحمة الله وبركاته عليكم ~~أهل البيت أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام ~~به فليست بمكان عجب، ورحمة الله إلى آخره كلام مبتدأ تعليل لإنكار التعجب، ~~أي لا تعجبي لأن هذه الرحمة والبركة متكاثرة فيكم نازلة عليكم، وهي النبوة ~~والمعجزات القاهرة، والتوفيق للخيرات العظيمة، فعليكم بالتسبيح والتحميد ~~اللائق به، انتهى. PageV19P076 # ثم أكد ذلك بقوله: {إنه حميد} فاعل ما يوجب الحمد من عباده {مجيد} كريم، ~~كثير الإحسان إليهم، وأهل البيت فهم إبراهيم ونسله وذريته الطاهرين، وأهله ~~أولهم إبراهيم خليل الرحمن وآخرهم المرتجا في آخر الزمان، وقد زعم بعض ~~الشيعة المفسرين[325] أن أهل البيت إنما سموا بذلك؛ لأنهم أحق الناس ببيت ~~الله الحرام، وليس كما ذكروا، وإنما هو بيت النبوة وأصلها ومعدنها، ثم أخبر ~~تعالى عن القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام وذلك قوله تعالى: {فلما ~~ذهب عن إبراهيم الروع} أي ذهب عنه الفزع والخوف {وجاءته البشرى} بإسحاق ~~ويعقوب {يجادلنا في قوم لوط} والروع بضم الراء النفس، ومنه قولهم: ألقى في ~~روعي أو في نفسي، والمعنى أنه لما زال الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى ~~بحصول الولد أخذ يجادلنا في قوم لوط، وجواب لما هو قوله........إلا أنه حذف ~~هذا اللفظ لدلالة الكلام عليه، وقيل: تقديره لما ذهب عن إبراهيم الروع ~~جادلنا أي يجادل رسلنا، ووجه جداله لما قالت الملائكة إنا مهلكوا أهل هذه ~~القرية، قال: إن فيها لوطا، قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، ولو ~~كان جداله عليه السلام من الذنوب كما يورده ms1821 بعض المفسرين لما ذكر عقيبه ما ~~يدل على المدح العظيم، حيث قال تعالى: {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} وقد ~~ذكر الله هذا في سورة العنكبوت فقال: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، قال إن فيها لوطا ~~قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}. PageV19P077 # قال الحسين بن القاسم عليهم السلام: معنى يجادلنا أي يخاطبنا فيهم ويسألنا ~~عنهم، وهب أبو أن يتوبوا وهل تعمدوا مقاطعة الله، أو لم يتعمدوا، فمدحه ~~الله على تعطفه وسؤاله عن توبتهم ولطفه، فقال: {إن إبراهيم لحليم أواه ~~منيب} حليم أي غير عجول على من أساء إليه، والأواه هو الحزين الذي أحزنه ~~الله،........ والتأوه هو الزفير والأنين والتحزن والرحمة، قال الشاعر: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحيزين # والمعنى أنه عليه السلام كثير التأوه من الذنوب كما يتوجع المريض، ومعنى ~~منيب تائب راجع إلى الله تعالى، ثم أخبر الله عز وجل عن الملائكة أنهم ~~قالوا: {ياإبراهيم أعرض عن هذا} الجدال والسؤال، وإن كانت الرحمة عادتك ~~{إنه قد جاء أمر ربك} أي لأنه قد جاء أمر ربك بإيصال العذاب إليهم، وإذ لاح ~~وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه، فلذلك أمروه بترك ~~المجادلة، ولما ذكروا أنه قد جاء أمر ربك ولم يكن في هذا اللفظ دلالة على ~~أن ذلك الأمر لماذا جاء لا جرم بين الله تعالى ذلك فقال: {وإنهم آتيهم عذاب ~~غير مردود} أي عذاب لا سبيل لرده ودفعه، ثم قال تعالى: {ولما جاءت رسلنا ~~لوطا سيء بهم} وهؤلاء الرسل هم الذين بشروا إبراهيم بالولد. # قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ، ~~ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف ~~لوط أنهم ملائكة فساءه مجيئهم، وغم بهم، وذكروا في سببه وجوها: # الأول: أنه ظن أنهم من الإنس فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم. # والثاني: ms1822 ساءه مجيئهم؛ لأنه ما كان يجد ما ينفقه عليهم، وما كان قادرا ~~على القيام بحق ضيافتهم. # الثالث: ساءه ذلك بسبب أن قومه منعوه من إدخال الضيف داره. PageV19P078 # الرابع: ساءه مجيئهم لأنه عرف بالآخرة أنهم ملائكة، وأنهم إنما جاءوا ~~لإهلاك قومه. # وقال في البرهان: معناه أنه ساء ظنا بقومه فضاق صدرا بأضيافه، والوجه ~~الأول هو الصحيح بدلالة قوله تعالى: {وجاءه قومه يهرعون إليه} ومعنى قوله: ~~{وضاق بهم ذرعا} أي صدرا أو عظم المكروه عليه. # قال الأزهري:[326] الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن البعير يذرع ~~بيديه في سيره على سعة خطوه، فإن حمل عليه أكثر من طاقته ضاق صدره عن ذلك ~~وضعف ومد عنقه، فجعل ضيق صدره عبارة عن قلة الوسع والطاقة، فيقال: ما لي به ~~ذرع ولا ذراع أي ما لي به طاقة. # وأما قوله: {وقال هذا يوم عصيب} قيل للشديد عصيب لأنه يعصب الإنسان بالشد ~~من قولهم عصبه إذا شده، قال الشاعر: # ...........بكر بن وائل # يكن لك يوم بالعراق عصيب # وقال آخر: # هم ضربوا.........خيل حجر # .........الدار في اليوم العصيب # روي أنه لما دخلت الملائكة دار لوط مضت امرأته تجوز السوء فقالت لقومه: ~~دخل دارنا قوم ما رأينا أحسن وجوها ولا أنصف ثيابا، ولا أطيب رائحة منهم، ~~فجاء قومه يهرعون أي يسرعون إليهم، قال الشاعر: # أتونا يهرعون وهم أسارى # نسوقهم على رغم الأنوف # وأخبر تعالى أن إسراعهم إنما كان لطلب العمل الخبيث بقوله: {ومن قبل ~~كانوا يعملون السيئات} أي من قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش، أي قد ~~اعتادوها، وقيل: استفتاحهم، فلذلك أسرعوا مجاهرين لا يكفهم حياء، والمراد ~~أنهم من قبل إسراعهم كانوا ينكحون الذكور، وقيل: اللوطية كانت في قوم لوط ~~في النساء قبل أن تكون في الرجال بأربعين سنة، ثم حكى الله عنه أنه قال: ~~{هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} من الفواحش ومن نكاح الرجال. # قال في البرهان: وفي قوله هذا وجهان: PageV19P079 # أحدهما: أن أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه؛ لأن كل نبي أبو أمته، فأراد ~~بذلك تزوجوا ms1823 نساء أمتي اللاتي عندي بمنزلة بناتي، فذلك النكاح والزواج أطهر ~~لكم وأطيب من هذه الفاحشة. # قال الرازي: وهذا القول عندي هو المختار، ويدل عليه وجوه: # الأول: أن إقدام الإنسان على عرض ابنته على الأوباش والفجار أمر منفر، لا ~~يليق بأهل المروءة، فكيف بأكابر الأنبياء. # الثاني: أنه قال هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، وبناته اللاتي من صلبه لا تكفي ~~الجمع العظيم، أما نساء أمته ففيه كفاية للكل. # الثالث: صحة الرواية أنه كان له بنتان رسا ورغور، أو اطلاق البنات على ~~البنين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة، انتهى. # الوجه الثاني: أنه أراد بنات نفسه؛ لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في غيرهن، ~~فإن قيل: كيف يزوجهم بناته مع كفر قومه وإيمان بناته؟ ففي ذلك جوابات ثلاثة: # أحدها: أنه قال ذلك على شرط الإيمان، كما هو مشروط بعقد النكاح. # والثاني: أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعته، وهكذا كان في ~~أول الإسلام، بدليل أنه صلى الله عليه وآله وسلم زوج ابنته زينب من أبي ~~العاص بن الربيع وكان مشركا، وزوح ابنتيه من بني أبي لهب عتبة وعتيبة، ثم ~~نسخ ذلك بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من ~~مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. # والثالث: أنه كان ترغيبا لهم في الحلال، وتنبيها على المباح، ودفعا ~~للمبادرة من غير بذل لنكاحهن ولا تعرض لخطبتهن، ثم قال: {فاتقوا الله ولا ~~تخزوني في ضيفي} قرأ أبو عمر ونافع بإثبات ياء الإضافة على الأصل، والباقون ~~بحذفها للتخفيف، ودلالة الكسرة عليه، وفي لفظة لاتخزون وجهان: # الأول: قال ابن عباس: لا تفضحوني في أضيافي، يريد أنهم إذا هجموا على ~~أضيافه بالمكروه لحقته الفضيحة. PageV19P080 # والثاني: لا تحزون في ضيفي أي تعجلوني فيهم؛ لأن مضيف الضيف يلزمه ....... ~~من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف، يقال خزي يالرجل خزاية إذا استحيا، والضيف ~~الزائر المسترفد، وقد يطلق على الواحد والجماعة[327] قال الشاعر: # لا تعدمني الدهرسفار الحازر # للضيف والضيف أخو زائر # فالضيف هاهنا قائم ms1824 مقام الأضياف، كما قام الطفل مقام الأطفال في قوله ~~تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} ويجوز أن يكون الضيف ~~مصدر فيستغنى عن جمعه كقولهم: رجال صوم، ثم قال {أليس منكم رجل} واحد ~~{رشيد} أي راشد يهتدي إلى سبيل الحق، وفعل الجميل، والكف عن السوء، وعن مثل ~~هذا الفعل القبيح، ويجوز أن يكون رشيد بمعنى مرشد....................أي ~~يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي. # قال الرازي: وهذا الأولى. # قال في البرهان: يعني أليس منكم رجل مؤمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ~~ويدفع عن أضيافه، قال ذلك تعجبا من إجماعهم على الباطل والمنكر، ثم قال ~~تعالى: {قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} أي ليس لنا بأزواج ~~فنستحقهن؛ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان، ونحن لا نجيبك إلى ذلك، ~~فلا يكون لنا فيهن حق البتة، أو قالوا ذلك خداعه، والمراد نفي الشهوة عن ~~البنات؛ لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، فلهذا السبب جعل ~~نفي الحق كناية عن نفي الحاجة، يؤيده قولهم: {وإنك لتعلم ما نريد} من إتيان ~~الذكور دون الإناث. # ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام {قال لو أن لي بكم قوة} ~~جواب لو محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى لمنعتكم ولبالغت في دفعكم أو ~~لأهلكتكم، ونظيره: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} ونحوها، ثم قال: {أو آوي ~~إلى ركن شديد} فينجيني منكم، شبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ~~ومنعته. PageV19P081 # قال في البرهان: أراد بالقوة الأنصار، والركن الشديد العشيرة المانعة، يريد ~~عليه السلام لو كان له قوة عليهم، أو معتمدا وأعوان يكونون له ركنا يركن ~~إليه، ويعتمد في المهمات عليه إذا لأهلكهم ولعذبهم غضبا لله وقتلهم، ولكنه ~~اختصر ولم يتم الكلام وأضمر. # قال الرازي: واعلم أن قوله لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد لابد من ~~حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة، وفيه وجوه: # الأول: المراد بقوله: لو أن لي بكم ms1825 قوة، كونه بنفسه قادرا على الدفع، ~~وبقوله: أو آوي إلى ركن شديد حضور من يعينه على الدفع. # الثاني: المراد بقوله: لو أن لي بكم قوة كونه متمكنا إما بنفسه وإما ~~بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم، والمراد بقوله أو آوي إلى ركن شديد هو ~~أنه لا تكون له قدرة على الدفع، لكن يقدر على التحصن بحصن يأمن شرهم ~~بواسطته. # الثالث: أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة ~~قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بل الأولى أني آوي إلى ركن شديد، ~~وهو الاعتصام بعناية الله، وعلى هذا التقدير فقوله أو آوي إلى ركن شديد ~~كلام منفصل عما قبله، ولا تعلق له به، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على ~~الاسم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((رحم الله أخي لوطا كان ~~يأوي إلى ركن شديد)) والله أعلم، انتهى. # ثم حكى الله تعالى عن الملائكة عليهم السلام أنهم: {قالوا يالوط إنا رسل ~~ربك لن يصلوا إليك} واعلم أن قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام أنه قال: ~~لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يدل على أنه كان في غاية القلق ~~والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه، فلما ~~رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات[328]: # أحدها: أنهم رسل الله. # وثانيها: أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به. # وثالثها: أنه تعالى يهلكهم. PageV19P082 # ورابعها: أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب. # وخامسها: أن ركنك شديد وناصرك الله، فلما حصلت له هذه البشارات مكن قومه ~~من الدخول. # وروي أن جبريل عليه السلام قال له: إنا رسل ربك لن يصلو إليك فافتح الباب ~~ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم ~~فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، وذلك ~~قوله تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم} ومعنى قوله: لن يصلوا ~~إليك أي سوء ومكروه، فإنا نحول بينهم وبين ms1826 ذلك، ثم قال: {فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل} قرأ نافع وابن كثير: فاسر موصولة، والباقون بقطع الألف وهما ~~لغتان، يقال: سريت الليل وأسريت، وأنشدوا لحسان بن ثابت: # حي البصيرة ربة الحذر ... أسرت إليك ولم تكن تسري # فجاء باللغتين، فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله تعالى سبحان الذي أسرى ~~بعبده، ومن وصل فحجته قوله: والليل إذا يسر، والسرى سير الليل. # وقال عبد الله بن رواحة: # عند الصباح يحمد القوم السرى # وتنجلي عنهم علالات الكرى # وانقطع من الليل بعضه وهو ميل القطعة، يريد أخرجوا ليلا لتسبقوا العذاب ~~الذي موعده الصبح. # قال نافع بن الأزرق لعبد الله بن عباس: أخبرني عن قول الله تعالى: {بقطع ~~من الليل}؟ قال: هو آخر الليل سحر. # وقال قتادة: بعد طائفة من الليل، وقال آخرون: هو نصف الليل، فإنه في ذلك ~~الوقت نصفين، قال الشاعر: # ونائحة تنوح بقطع ليل # على رجل تقارعه الطريق # وأما قوله لمن معه: {ولا يلتفت منكم أحد} فهو نهي عن الإلتفات، وقيل: هو ~~نظر الإنسان إلى ما وراه. PageV19P083 # وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: معنى لا يلتفت منكم أحد أي لا يتأنا ~~ويتراخى، انتهى، ويحتمل أن يكون بمعنى ولا يشتغل أحد بما وراه وخلفه من مال ~~أو متاع وأصدقاء، والملائكة أمروهم بأن يخرجوا أو يتركوا تلك الأشياء، ولا ~~يلتفتوا إليها البتة، فكان المراد منه قطع تعلق القلب عن تلك الأشياء، وقد ~~يراد به الإنصراف أيضا لقوله تعالى: {قالوا أجئتنا لتلفتنا} أي لتصرفنا، ~~وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله: {ولا يلتفت منكم أحد} النهي عن التخلف، ~~ثم قال: {إلا امرأتك} فلا تسر بها فإن هواها إليهم، وهي منصوبة مستثناة من ~~الأهل، وعلى هذا لم يسر بها، ومن قرأ بالرفع كان المعنى ولا يلتفت منكم ~~أحدا إلا امرأتك. # قال في البرهان: وهو على معنى البدل، أي إنه مصيبها ما أصابهم، وروينا في ~~الأخبار أنها خرجت مع لوط من القرية فسمعت الصوت فالتفتت فأرسل الله عليها ~~حجرا فأهلكها، انتهى. # قال الرازي: واعلم أن القراءة بالنصب فإنها أقوى ms1827 من وجه آخر، وذلك لأن مع ~~القراءة بالنصب يبقى الاسشتثناء متصلا، ومع القراءة بالرفع يصير الاستثنساء ~~منقطعا، ثم أخبر تعالى أنهم قالوا: {إنه مصيبها ما أصابهم} والمراد أنه ~~مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم، قيل: قال متى موعد هلاكهم؟ قالوا: {إن ~~موعدهم الصبح} قال: أريد أسرع من ذلك، بل الساعة، قالوا: {أليس الصبح ~~بقريب} جعل الصبح ميقات هلاكهم؛ لأن النفوس فيه أودع، والناس فيه أجمع. # قال المفسرون: إن لوطا عليه السلام لما سمع هذا الكلام خرج بأهله من ~~الليل، ثم قال تعالى: {فلما جاء أمرنا} إلى الملائكة بهلاكهم وعذابهم ~~{جعلنا عاليها سافلها}. # قال في البرهان: روي أن الله تعالى[329] بعث جبريل إلى مؤتفكات قوم لوم ~~فاحتملها. PageV19P084 # روي أنه عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها ~~إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب، وصياح الديوك لم ~~تنكفي لهم جرة ولم ينكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض ~~وأتبعها بحجارة من سجيل حتى أهلكها ومن حولها، وهي قرى أو أكثر سدوم، وهي ~~قرية لوط بين المدينة والشام، وكان فيها أربعة آلاف ألف، انتهى. # واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين: # أحدهما: أن قلع الأرض وإصعادها إلى السماء فعل خارق للعادة. # والثاني: أن ضربها من ذلك البعد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى ~~المحيطة بها البتة، ولم تصل آفة إلى لوط وأهله مع قرب مكانهم من ذلك الموضع ~~معجزة قاهرة أيضا. # وأما قوله: {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} فاختلفوا في السجيل على وجو ه: ~~فقيل هو كلمة معربة معناها من طين مطبوخ. # قال في البرهان: وهي تشبه الطين المشوي حتى يصير كالأجر، ويتصلب ويشتد، ~~قال ابن مقبل: # صرنا نواصي به الأبطال سجينا # إلا أن النون قلبت لاما، وقيل: هو فعيل من السجيل، وهو الارسال، يقال: ~~سجلته أي أرسلته، ومنه سمي الدلو سجيلا، وقيل من سجيل مما كتب الله أن يعذب ~~به من السجل وهو الكتابة، وقيل: كان كتب عليها أسامي ms1828 المعذبين. # واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات: # الأولى: كونها من سجيل، وقد سبق ذكره. # والثانية: قوله: {منضود}. # قال الواحدي: هو مفعول من النصب، وهو وضع الشيء بعضه على بعض، وفيه وجوه: # الأول: أن تلك الأحجار كان بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل ~~المتابعة. # والثاني: أن كل حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض. # والثالث: أنه كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض، وأعدها لإهلاك ~~الظلمة. # والصفة الثالثة: قوله: {مسومة عند ربك} وهذه الصفة صفة الأحجار، والمسومة ~~المعلمة مأخوذ من السيما وهي العلامة، وكانت الحجارة معلمة غياض في جمرة. PageV19P085 # قال الحسن والسدي: كان عليها أمثال الخواتيم. # قال أبو صالح: رأيت منها عند أم هاني، وهي حجارة من خطوط حمر على ~~هيئة........... # قال ابن جريج: كان عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض، ويدل عليه أنه تعالى ~~إنما خلقها للعذاب، ومعنى عند ربك أي في خزائن ربك، ومعنى الخزائن أنه لا ~~يملكها غيره ولا يقدر على إرسالها سواه، فجرى مجرى الشيء المقدور عليه، ~~وقيل في حكمه وعلمه عن العزائم، قال تعالى وعيدا لكل ظالم: {وما هي} أي ~~الحجارة {من الظالمين ببعيد} يعني به كفار مكة، والمقصود أنه تعالى أرهبهم بها. # عن أنس أنه قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن هذا؟ ~~فقال: يعني من ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض حجر يسقط عليه من ~~ساعة إلى ساعة، وقيل: الضمير في قوله: وما هي للقرى، أي وما تلك القرى التي ~~وقعت فيها هذه الواقعة من كفار مكة ببعيدة يمرون بها في أسفارهم فليعتبروا، ~~ويجوز أن يراد وما هي بمكان ببعيد؛ لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد ~~إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه، ~~وأمطرت الحجارة على من لم يكن في المدن حين رفعها الله، والله أعلم. # ثم حكى الله سبحانه القصة السادسة من القصص[330] المذكورة في هذه السورة ~~فقال عز وجل: ms1829 {وإلى مدين أخاهم شعيبا} اعلم أن مدين اسم ابن إبراهيم صار ~~اسما للقبيلة. # قال في البرهان: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم، فقيل: مدين، والمراد بنو ~~مدين، كما يقال مضر، والمراد بنو مضر. # قال الرازي: وكثير من المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن ~~إبراهيم، والمعنى على هذا التقدير: وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل. PageV19P086 # واعلم أنا قد بينا أن الأنبياء عليهم السلام يسرعون في أول الأمر بالدعوة ~~إلى التوحيد فلهذا إن شعيبا {قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ثم ~~إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يسرعون في الأهم ثم الأهم، ولما كان المعتاد ~~من أهل مدين البخس في المكيال والميزان دعاهم إلى ترك هذه العادة، فقال: ~~{ولا تنقصوا المكيال والميزان} والنقص منه على وجهين: # أحدهما: أن يكون الإنفاء من قبلهم فينقصون من قدره. # والآخر: أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من الواجب، وذلك يوجب نقصان ~~حق الغير، ففي الوجهين حصل النقصان في حق الغير فأمروا بالإيمان إقلاعا عن ~~الشرك، وبالوفاء نهيا عن التطفيف، ثم قال: {إني أراكم بخير} الخير المال، ~~وزينة الدنيا، أي أراكم بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بخير فلا ~~تزيلوه عنكم بظلمكم، كأنه حذرهم عن غلا السعر وزوال النعمة، وإن لم يتوبوا ~~مماهم عليه، أو أراكم بنعمة من حقها أن تقابل بالشكر، ثم قال: {وإني أخاف ~~عليكم عذاب يوم محيط}. # قال ابن عباس: أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم محيط. PageV19P087 # وقال آخرون: بل المراد هو الخوف؛ لأنه لا يجوز أن يتركوا ذلك العمل، وحينئذ ~~لا يحصل ذلك العذاب، ولما كان هذا التجويز قائما، فالحاصل هو الظن لا ~~العلم، وإنما توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منهم أحد، والمحيط من صفة ~~اليوم في الظاهر، وهو في المعنى من صفة العذاب؛ لأن ذلك مجاز مشهور، كقوله: ~~هذا يوم عصيب، واختلفوا في المراد بهذا اليوم، فقال بعضهم: هو عذاب يوم ~~القيامة؛ لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين، وقال بعضهم: بل ~~يدخل فيه ms1830 عذاب الدنيا والآخرة، وقال بعضهم: بل المراد عذاب الاستئصال في ~~الدنيا، كما في حق سائر الأنبياء، والأقرب دخول كل عذاب فيه وإحاطة العذاب ~~بهم كأحاطة الدائرة بما في داخلها، فسألهم من كل وجه، وذلك مبالغة في ~~الوعيد، كقوله وأحيط بثمره، ثم قال: {وياقوم أوفوا المكيال والميزان} أي ~~بالعدل والسوية؛ لأن ما جاوز العدل فضل، وفيه إشارة إلى أن الموفا عليه أن ~~ينوي بالوفاء القسط، فإن قيل: وقع التكرار في هذه الآية من ثلاثة وجوه؛ ~~لأنه قال أولا ولا تنقصوا المكيال والميزان، ثم قال: واوفوا المكيال ~~والميزان، وهذا عين الأول، ثم قال: ولا تبخسوا الناس أشياءهم، وهذا عين ما ~~تقدم، فما الفائدة في التكرار؟ قيل فيه وجوه: # الأول: أن القوم لما كانوا مصرين على ذلك العمل احتاج في المنع منه إلى ~~المبالغة والتأكيد والتكرير، يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام. # والثاني: أن قوله ولا تنقصوا المكيال والميزان نهي عن التنقيص، وقوله: ~~واوفوا الكيل والميزان أمر بإيفاء العدل والنهي عن ضد الشي تغاير للأمر به، ~~وليس لقائل أن يقول النهي ضد[331] الشيء الذي أمر به، فكان التكرار لازما ~~من هذا الوجه؛ لأنا نقول الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه تعالى جمع بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده للمبالغة، كما ~~تقول صل قرابتك ولا تقطعها، فيدل هذا النهي على غاية التأكيد. PageV19P088 # الثاني: أن يقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن ينهي عن ~~التنقيص، وينهي أيضا عن أصل المعاملة، فهو تعالى منع عن التنقيص، وأمرنا ~~بإيفاء الحق ليدل ذلك على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات، ولم ينه عن ~~المبايعات، وإنما منع من التطفيف، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون ~~المبايعات لا تنفك عن التطفيف ومنع الحقوق، وكانت المبايعات محرمة فلأجل ~~إبطال هذا الخيال أنه تعالى في الآية الأولى منع من التنقيص، وفي الآية ~~الأخرى أمرنا بالإيفاء. # وأما قوله ثالثا: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} فليس تكرير؛ لأنه تعالى خص ~~المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان، ثم إنه تعالى عم ~~الحكم ms1831 في جميع الأشياء، فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة، بل في كل واحد ~~منها فائدة زائدة، والبخس النقص، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئا كما ~~يفعل السماسرة، وكانوا ينقصون من أثمان ما يشترون، وقد ذكرنا أن الآية ~~الأولى دلت على المنع من النقص في المكيال والميزان، وهذه الآية دلت على ~~المنع من النقص في كل الأشياء، ثم قال: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} العثاء ~~أشد الفساد، نحو السرقة والغارة وقطع السبيل، أو أراد بالعثا التطفيف ~~والبخس، فإن قيل: العثو الفساد التام، فقوله: ولا تعثوا في الأرص مفسدين ~~جار مجرى أن يقال: ولا تفسدوا في الأرص مفسدين، قيل: في جوابه وجوه: # الأول: أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ذلك الغير على السعي ~~في إيصال الضرر إليه، فقوله: ولا تعثوا في الأرض، معناه ولا تسعوا في فساد ~~مصالح الغير، فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. # والثاني: أن يكون المراد ولا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح دينكم وآخرتكم. PageV19P089 # الثالث: ولا تعثوا في الأرض مفسدين الأديان والشرائع، ثم قال سبحانه: {بقية ~~الله خير لكم} وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي، والمعنى ما أبقاه ~~الله تعالى لكم من الحلال خير لكم، بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال ~~والميزان، يعني المال الحلال الذي يقع لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة ~~بطريق البخس والتطفيف. # وقال الحسن: بقية الله أي طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل؛ لأن ~~ثواب الطاعة يبقى أبدا. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى بقية الله خير أي بقية الله ~~وسلامته لكم خير من إهلاكه وتدميره عليكم، قال الشاعر: # قال البقية يا قيسا فقلت له # اصبر حذيف فأنت السيد الصمد # أي قال: استبقني بقا ولا تهلكني، ثم قال: {إن كنتم مؤمنين} وإنما شرط ~~الإيمان في كونه خيرا لهم لظهور فائدة البقية معه من حصول الثواب والنجاة ~~من العقاب، وفي الحذر عن العقاب خير لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل، ~~ويجوز أن ms1832 يراد إن كنتم مصدقين فيما أقول لكم وأنصح به إياكم، ثم قال: {وما ~~أنا عليكم بحفيظ} يحتمل أن يكون المعنى[332] إني نصحتكم وأرشدتكم إلى ~~الخير، وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ أعمالكم وأجازيكم، وإنما بعثت مبلغا، ~~وأمرت بالدعاء إليكم وقد أعذرت، ويحتمل أنه لما أشار فيما تقدم إلى أن ~~الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال النعم قال: وما أنا عليكم بحفيظ، أي ~~حفيظ من عذاب الله إن نالتكم، ولا لنعمه أن تزول عنكم. PageV19P090 # واعلم أن شعيبا صلوات الله عليه أمرهم بالتوحيد وبترك البخس {قالوا ياشعيب ~~أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} من الأديان والأصنام والأوثان {أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشاء} من التطفيف والبخس، أو على أن نعقل في أموالنا ما ~~نشاء من الخمور وغير ذلك من أنواع الفجور، قرأ حمزة والكسائي عن حفص عن ~~عاصم: أصلاتك بغير واو، والباقون أصلواتك على الجمع، والصلاة وإن جاز أن ~~يكون أمره مجاز كما كانت ناهية في قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر} إلا أنهم ساقوا الكلام مساق السخرية، وجعلوها أمره تهكما بها، ~~وأرادوا إن هذا الذي تأمر به ليس بداعي عقل وفطنة، فما هو إلا أمر هذيان ~~ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها، وكان عليه السلام كثير ~~الصلوات، فإذا رأوه تغامزوا وتضاحكوا، ثم قال تعالى حكاية عنهم: {إنك لانت ~~الحليم الرشيد} وهو يحتمل أن يكون المعنى: إنك لأنت السفيه الجاهل، إلا ~~أنهم عكسوا ذلك على سبيل الاستهزاء به، والتهكم كما تتهكم بالشحيح الخسيس ~~فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك، وهذا تلعب منهم بذكره، وتهزء منهم به ~~بنهيه وأمره، ويحتمل أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم ~~والرشد، فلما أمرهم بمفارقتهم طريقتهم قالوا إنك لأنت الحليم الرشيد، ~~المعروف الطريقة في هذا الباب فكيف تنهانا عن دين ألفناه من آبائنا ~~وأسلافنا، وعنو به إن ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به، والمقصود ~~استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفا بالحلم والرشد، والله أعلم. # ثم إنه تعالى ms1833 حكى عن شعيب في الجواب عن كلامهم وجوها: PageV19P091 # الأول: قوله: {قال ياقوم أرأيتم} أي أخبروني {إن كنت على بينة من ربي} فيما ~~أمركم به، وهو إشارة إلى ما أتاه الله من العلم والهداية والدين والنبوة، ~~قوله: {ورزقني منه رزقا حسنا} إشارة إلى ما أتاه الله من المال الحلال ~~الطيب من غير بخس ولا تطفيف، فإنه يروى أن شعيبا كان كثير المال، وقيل: ~~النبوة والحكمة، وجواب أرأيتم محذوف لدلالة معنى الكلام عليه، والمعنى ~~أخبروني إن كنت على حجة واضحة، ويقين من ربي، وكنت نبيا على الحقيقة أيصح ~~لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون ~~إلا لذلك. # والوجه الثاني من الأجوبة التي ذكرها شعيب قوله: {وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنهاكم عنه} أي لا أفعل ما نهيتكم عنه، كما لا أترك ما أمرتكم به، ~~فلست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه لأسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لاستبد ~~بها دونكم، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي. PageV19P092 # والثالث من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام قوله: {إن أريد إلا ~~الإصلاح} أي أصلحكم بموعظتي ونصيحتي {ما استطعت} أي مدة استطاعتي الإصلاح، ~~وما دمت متمكنا منه لا ألو فيه عهدا؛ لأن الاستطاعة من شرط الفعل، وأن تكون ~~متقدمة له، أو أنه بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعت منه، ويحتمل[333] ~~أن يكون مفعولا له، أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فسادكم، ثم ~~إنه عليه السلام أكد ذلك الكلام بقوله: {وما توفيقي إلا بالله} أي وما ~~توفيقي لإصابة الحق فيما آتي وما أذر إلا بمعونة الله، والمعنى أنه طلب من ~~ربه التوفيق، وفي ضمنه تهديد الكفار، ثم قال: {عليه توكلت وإليه أنيب} أتوب ~~وأرجع، فبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق ~~الله تعالى وهدايته، وفي قوله: توكلت إشارة إلى محض التوحيد؛ لأن قوله ~~توكلت يفيد الحصر، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على ~~الله، وقوله وإليه أنيب، ms1834 إشارة إلى معرفة المعاد وهو أيضا يفيد الحصر؛ لأن ~~قوله وإليه أنيب يدل على أن لا متاب للخلق إلا إلى الله. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا ذكر شعيبا قال: ذاك ~~خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. # وأما الوجه الرابع من الوجوه التي ذكرها شعيب فهو قوله: {وياقوم لا ~~يجرمنكم شقاقي}. # قال في الكشاف: وجرم مثل كسب في تعديه تارة إلى مفعول واحد، وأخرى إلى ~~مفعولين، فقال: جرم دينا كسبه وجرمته أي أكسبته إياه، ومنه قوله لا يجرمنكم ~~شقاقي {أن يصيبكم} أي يكسبكم شقاقي إصابة العذاب. PageV19P093 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى لا يجرمنكم أي لا يحملنكم ولا ~~يلزمنكم خلافي ومباينتي وعدواتي على أن يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا ~~{مثل ما أصاب قوم نوح} من الغرق، وهم أول أمة هلكوا {أو قوم هود} من الريح ~~العقيم {أو قوم صالح} من الرجفة، لا يحلنكم ولا يكسبنكم عدواني من العقاب ~~مثل ما اكتسبت هؤلاء عداوتهم لأنبيائهم، ثم قال: {وما قوم لوط منكم ببعيد} ~~أي هم أقرب الهالكين إليكم فاتعظوا بهم، انتهى. # والمراد نفي البعد في المكان؛ لأن بلاد قوم لوط قريبة من مدين، ويحتمل أن ~~المراد نفي البعد في الزمان؛ لأن هلاك قوم لوط أقرب الاهلاك التي عرفها ~~الناس في زمان شعيب، وعلى التقديرين فإن القرب في المكان وفي الزمان يفيد ~~زيادة المعرفة وكمال الوقوف على الأحوال، فكأنه يقول: اعتبروا بأحوالهم ~~واحذروا من مخالفة الله ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب. # قال في الكشاف: فإن قلت فالتبعيد لم يرد على ما يقتضيه قول من حمله على ~~لفظه أو معناه، قال: إما أن يراد وما إهلاكهم ببعيد أو ما هم بشيء بعيد أو ~~بزمان أو مكان بعيد، ويجوز أن يسوي في بعيد وقريب، وقليل وكثير بين المذكر ~~والمؤنث لورودها على ..........المصادر كالصهيل والنهيق، انتهى. # والخامس من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام قوله: {واستغفروا ربكم} ~~عن عبادة الأوثان، وآمنوا به {ثم توبوا إليه} عن البخس والنقصان؛ ms1835 لأن ~~التوبة لا تصح إلا بعد الإيمان، ثم قال: {إن ربي رحيم ودود} أي رحيم ~~بالعباد مود محب لهم، يعني فاعل بهم من الإحسان ما يفعله بليغ المودة بمن يوده. PageV19P094 # قال الرازي: واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه ~~الوجوه الخمسة ترتيب لطيف، وذلك لأنه بين أولا أن ظهور البينة له وكثرة ~~إنعام الله في الظاهر والباطن يمنعه من الخيانة في وحي الله[334] ويصده عن ~~المساهلة في تكاليفه، ثم بين ثانيا أنه مواضب على العمل بهذه الدعوة، ولو ~~كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليما رشيدا، ثم بين صحته ~~بطريق آخر وهو كونه معروفا بتحصيل موجبات الصلاح وإطفاء موجبات الفتن، فلو ~~كانت هذه الدعوة باطلة لما اشتغل بها، ثم لما بين صحة طريقه أشار إلى نفي ~~العارض، وقال: لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في ~~العذاب الشديد من الله كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين، ثم لما صحح ~~مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكرناه أولا وهو التوحيد والمنع ~~من البخس، فأشار إلى التوحيد بقوله: واستغفروه، وإلى المنع من البخس بقوله: ~~توبوا إليه، ثم بين لهم أن سبق الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن تمنعهم من ~~الإيمان والطاعة؛ لأنه تعالى رحيم ودود، يقبل الإيمان والتوبة من الكافر ~~والفاسق، وهذا التقرير في غاية الكمال، والله اعلم. # واعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان أجابوه بكلمات فاسدة، ~~فالأول: {قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} أي ما نفهم قولك؛ لأنهم ~~مشتغلون عنه بالمنابذة والعداوة والنفور، ومنه سمي علم الدين فقها؛ لأنه ~~مفهوم، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا لا يلقون إليه أذهانهم كراهة له، أو ~~كانوا يفهمونه لكن لم يقبلوه، وقالوا ذلك استهانة به كما يقال لمن يسخف ~~بحديثه ما أدري ما تقول، أو جعلوا كلامه هذيانا لا يفهم، وكيف ذلك وهو خطيب ~~الأنبياء عليهم السلام . # والثاني من الأشياء التي ذكروها قولهم: {وإنا لنراك فينا ضعيفا} أي ms1836 ضعيف ~~البدن لا قوة لك على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. PageV19P095 # والثاني من الأشياء التي ذكروها قولهم: {ولولا رهطك لرجمناك} أي لقتلناك شر ~~قتلة، أو لشتمناك وطبعنا عليك به؛ لأن الرجم قد يكون بمعنى الشتم، قال ~~الجعدي: # تزاجمنا نمر القول حتى # نصير كأننا فرسا رهان # وأما الرابع من الأشياء التي ذكروها فهو قولهم: {وما أنت علينا بعزيز} ~~حتى نرفعك من الرجم، ومعناه إنك لما تكن علينا عزيز أسهل علينا الإقدام على ~~قتلك وإيذائك. # واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليس دافعا لما قرره شعيب عليه السلام ~~من الدلائل والبينات، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة بالشتم ~~والسفاهة، ولما خوفوا شعيبا بالقتل والإيذاء حكى الله تعالى عنه نوعين من ~~الكلام: # فالأول: أنه {قال ياقوم أرهطي أعز عليكم من الله} جعل تهاونهم به تهاونا ~~بالله سبحانه، لكونه رسوله إليهم فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز ~~عليهم من الله، والمعنى أن القوم زعموا أنهم يتركوا إيذاءه رعاية لأمر الله ~~أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي، وأما قوله: {واتخذتموه وراءكم ظهريا} ~~فالمعنى نسيتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، وهو منسوب إلى ~~الظهر والكسر فيه من تغييرات النسب، كما قالوا في النسبة إلى الأمس إمس ~~بكسر الهمزة، والمعنى طرحتم أمره وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تعلمون ~~به، ومنه قول الشاعر: # وجدنا بني........من ولد الظهري # أي ممن لا يلتفت إليهم ولا يعتد بهم، ثم قال: {إن ربي بما تعملون محيط} ~~يعني عالم بأحوالكم لا يخفى عليه شيء منها، فهو مجازيكم. PageV19P096 # والنوع الثاني: قوله[335]: {وياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل} والمكان ~~الحالة التي يتمكن بها صاحبها من عمله، والمعنى اعملوا حال كونكم موصوفين ~~بغاية المكنة والقدرة، وكل ما في وسعكم من إيصال الشرور إلي فإني أيضا عامل ~~بقدر ما آتاني الله من القدرة والطاقة، وقيل: المعنى اعملوا فارين على ~~جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي، ثم قال: {سوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ومن هو كاذب} ms1837 يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلا لهم، كأنه قيل: سوف ~~تعلمون أينا يأتيه عذاب أي نقمة من الله تخزيه أي تذله وتفضحه، وأينا كاذب، ~~وإنما تقل فسوف تعلمون؛ لأن إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، وأما ~~حذف الفاء فإنه يجعله جوابا عن سؤال مقدر أنه لما قال: ويا قوم اعملوا على ~~مكانتكم إنا عاملون، فكأنهم قالوا: فماذا يكون بعد ذلك؟ فقال: سوف تعلمون، ~~فظهر أن حذف الفاء هاهنا أكمل من باب الفصاحة والتهويل كما هو عادة بلغاء ~~العرب، وأقوى الواصلين وأبلغهما الاستسباق؛ لأن حذف الفاء وصل خفي تقديري ~~بالاستسباق، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه، ثم قال: ~~{وارتقبوا} العاقبة، وما أقول لكم {إني معكم رقيب} أي منتظر، والرقيب بمعنى ~~الراقب من رقبه كالصريب والصريب، بمعنى الصارب والصارم، أو بمعنى المراقب ~~كالعسير والنديم، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع، بمعنى المفتقر ~~والمرتفع، ثم قال تعالى: {ولما جاء أمرنا} بعذابهم {نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا} هي توفيقهم للإيمان والطاعة وسائر الأعمال الصالحة، ~~ثم وصف عز وجل كيفية ذلك العذاب فقال: {وأخذت الذين ظلموا الصيحة} وإنما ~~ذكر الصيحة بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق، وهو صيحة جبريل عليه ~~السلام {فأصبحوا في ديارهم جاثمين} الجاثم: اللازم PageV19P097 لمكانه الذي لا يبرح ولا يتحول عنه، يعني أن جبريل لما صاح بهم تلك الصيحة ~~زهق روح كل واحد منهم فبقي في مكانه ميتا {كأن لم يغنوا فيها} أي يقيموا في ~~ديارهم أحياء متفرقين مترددين، ثم قال تعالى: {ألا بعدا} أي هلاكا {لمدين ~~كما بعدت ثمود} البعد بمعنى البعد وهو الهلاك: كالرشد بمعنى الرشد، وقرأ ~~السلمي بعدت بضم العين والمعنى في التباين واحد، وهو نقيض القرب، إلا أنهم ~~أرادوا الفرق بين البعيدين، فالبكسر الهلاك وبالضم نقيض القرب، وإنما قاس ~~حالهم على حال ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم بمثل عذاب ثمود. # ثم أخبر تعالى عن القصة السابعة من القصص التي ذكر الله تعالى في هذه ~~السورة وهي آخر قصص هذه السورة فقال: {ولقد أرسلنا موسى ms1838 بآياتنا} أي ~~التوراة، وما فيها من الشرائع والأحكام والحجج والأدلة. PageV19P098 # وأما قوله: {وسلطان مبين} فالمراد به المعجزات القاهرة، والتقدير: ولقد ~~أرسلنا موسى بشرائع وأحكام، وتكاليف زائدة بمعجزات قاهرة، وبينات باهرة، ~~ويحتمل أن يراد أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، ويحتمل ~~أن يراد به العصا؛ لأنها أبهر لأنه عليه السلام أعطي تسع آبات بينات وهي: ~~العصى واليد، والطوفان والجراد، والقمل والضفادع، والدم ونقص من الثمرات ~~والسنين، ومنهم من أبدل النقص من السنين بإظلال الجبل وفلق بالبحر، ثم قال ~~تعالى: {إلى فرعون وملئه}[336] يعني وأرسلنا موسى بمثل هذه الآيات إلى ~~فرعون وأشراف قومه، ثم قال: {فاتبعوا أمر فرعون} في ضلاله، ويحتمل أن يكون ~~المراد من الأمر الطريق والشأن، ثم قال تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} أي ~~مرشد إلى خير، حيث ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والشر الذي لا ~~يأتي إلا من شيطان، فمثله بمعزل عن الإلهية ذاتا وأفعالا، واتبعوه على ذلك ~~فهو تجهيل لهم، والرشد يستعمل في كل ما يحمد، والغي في كل ما يذم، وكل ~~الرشد في عبادة الله ومعرفته، فلما كان نافيا لهذين الأمرين كان خاليا عن ~~الرشد بالكلية. # ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار} وإنما جاء بلفظ الماضي ولم يقل موردهم النار؛ لأن الماضي يدل على ~~أمر موجود مقطوع به، فكأنه يقدمهم فيوردهم النار، وإذا عبر عن المستقبل ~~بلفظ الماضي دلك على غاية المبالغة، والمعنى أنه كما كان قدوة في الضلال ~~كذلك يقدمهم إلى النار، أي يسير تجاههم ويتقدمهم إلى العذاب أمامهم حتى ~~يوردهم النار، ويدخلهم كما أنه أغواهم في الدنيا وأضلهم، قال الشاعر: # وردنا الباهلي أمير مصر # على خيل وتقدمها الوشاح # أي يسير يقودها ويسير أمامها، ثم قال: {وبئس الورد المورود}. PageV19P099 # قال الرازي: لفظ النار مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: وبئست، والورد مذكر فكان ~~التذكير والتأنيث جائزين، كما يقال: نعم المنزل دارك، ونعمت المنزل دارك، ~~من ذكر غلب المنزل، ومن أنث بنى على تأنيث ms1839 الدار. # واعلم أن الورد في الأصل الإبل التي ترد الماء عطاشا، ويراد به هنا ~~الماء، أو المكان الذي يورد؛ لأن الورد قد يكون بمعنى المورود عليه كالماء ~~الذي يورد عليه، وقد يكون بمعنى الورود فيكون مصدرا، وقد يكون بمعنى ~~الوارد، قال تعالى: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا}. # قال في الكشاف: الورد المورود فالمورود الذي وردوه فشبه الله فرعون بمن ~~يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه بالواردين، ثم قيل بئس الورد الذي ~~يردونه النار؛ لأن الوارد إنما يرد لتسكين العطش والنار ضد ذلك، ثم قال ~~تعالى: {وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة} معناه أنهم أتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة يلعنون في الآخرة، والمراد أن اللعن من الله ومن ~~الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم، ثم قال: ~~{بئس الرفد المرفود} صفة للرفد، أي بئس العطا المعطا، والرفد في اللغة هو العطا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أي بئس العطا المرفود بعطاء آخر ~~عطاؤهم وهو على جهة التهكم، جعل عذابهم المضاعف وحربهم المضاعف بمنزلة ~~العطاء، وقيل: معناه بئس الرفد المرفود رفدهم، أي بئس العون المعان ما ~~أعينوا به من اللعن؛ لأن اللعنة في الدنيا رفد العذاب أي أعانه وزيادة فيه، ~~وقد رفدت باللعنة في الآخرة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك}. # قال الرازي: والفائدة في ذكرها أمور: PageV19P100 # أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، وذلك ~~إنما يكون في غاية القدرة، فأما إذا ذكرت الدلائل ثم أيديت بأقاصيص الأولين ~~صار[337] ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول. # الوجه الثاني: أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان ~~الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها، ويذكر مدافعات الكفار لأولئك الدلائل ~~وشبهاتهم في دفعها، ونذكر عقيبها أجوبة الأنبياء عنها، ثم نذكر عقيبها أنهم ~~أصروا واستكبروا، ووقعوا في عذاب الدنيا، وبقي عليهم اللعن والعقاب في ~~الدنيا والآخرة، فكان ذكر هذه القصة سببا لايصال الدلائل والجوابات عن ~~الشبهات ms1840 إلى قلوب المنكرين، وسببا لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم، فبينت ~~أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله ما قررناه. # الفائدة الثانية: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر هذه الأقاصيص من ~~غير مطالعة، وذلك يدل على النبوة، كما قررنا. # الفائدة الثالثة: أن الذين يسمعون هذا القصص يتقرر عندهم أن عاقبة الصديق ~~والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها، إلا أن المؤمن ~~يخرج عن الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الأخرى، ~~والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا والعقاب في الأخرى، ولما تكررت ~~هذه الأقاصيص على السمع فلابد وأن يلين القلب، وتخضع النفس، وتزول العداوة، ~~ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال، هذا قليل في فوائد ذكر هذه القصص. # قال في الكشاف: ذلك مبتدأ، من أنباء القرى نقصه عليك خبر بعد خبر، أي ذلك ~~بعض أنباء القرى مقصوص عليك، ثم قال: {منها قائم وحصيد} أي من القرى ما هو ~~قائم باق كالزرع القائم على ساقه لم يحصد، ومنها ما هو مقطوع محصود كالزرع ~~الذي حصد عاف لا أثر له، شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم ~~على ساقه، وما عفا منها وبطل بالحصيد، قال الشاعر: PageV19P101 # الناس في قسم المنية بينهم ... كالزرع منهم قائم وحصيد # ثم قال تعالى: {وما ظلمناهم} بإهلاكنا إياهم {ولكن ظلموا أنفسهم} بارتكاب ~~ما به ظلموا من الكفر والمعصية، ثم قال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي ~~يدعون} أي يعبدون {من دون الله من شيء} أي ما قدرت أن ترد عنهم من بأس الله ~~من شيء، ولا تنفعهم تلك الآلهة في شيء البتة {لما جاء أمر ربك} أي وقت أمره ~~وهو نقمته {وما زادوهم غير تتبيب}.......أوقعه في الخسران والهلاك، أي ما ~~زادوهم إلا هلاكا وتتبيبا، والمعنى أن الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام ~~أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار، ثم إنهم عند الحاجة إلى المعين ~~ما وجدوا منها لا جلب نفع ولا دفع ضر، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد ms1841 وجدوا ضده، ~~فكان ذلك أعظم موجبات الخسران والهلاك، والتتبيب الهلكة، قال جرير: # عوانة من بقية قوم لوط # ألا تبا لما فعلوا تبابا # ويحتمل أن يكون بمعنى التخسير كقوله: {تبت يدا أبي لهب وتب} أي خسرت. # واعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم في كتابه ~~هذا ما فعله بأمم من تقدم من الأنبياء من عذاب الاستئصال لما خالفوا الرسل ~~وردوا عليهم، وبين سبحانه أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا، قال ~~بعده: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة}[338] فبين عز وجل أن عذابه ~~ليس بمقصور على من تقدم، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك، وقوله: ~~وهي ظالمة الضمير فيه عائد إلى القرى، وهو في الحقيقة عائد إلى أهلها، ~~ونظيره قوله: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} وقوله: {وكم أهلكنا من قرية ~~بطرت معيشتها}. PageV19P102 # واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة، ثم أخبر أنه إنما يأخذ ~~جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا ويقويه، فقال: {إن ~~أخذه أليم شديد} فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة، ولا ينفر في الدنيا ~~والآخرة وفي الوهم والعقل إلى شديد الألم. # واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على الظلم فإنه يجب عليه أن ~~يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله بأنه أليم ~~شديد، وهذا تأكيد لدليل العقل؛ لأنها دفع ضرر في دفع الضرر واجب عقلا، ولا ~~ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين؛ لأنه عز وجل قال: ~~{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة} فأخبر أن كل من شارك أولئك ~~المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلابد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم، ~~والله أعلم. # ثم قال تعالى: {إن في ذلك} أي الأخذ، وما قص من خبر الأمم الهالكة ~~بذنوبهم {لاية} عظيمة {لمن خاف عذاب الآخرة} وهم المؤمنون؛ لأن من رأى عذاب ~~الدنيا وليس إلا شيئا يسيرا مما أعده لهم في الآخرة اغتر به ms1842 عظم العذاب ~~الموعود فيكون له لطفا في زيادة التقوى، ثم قال سبحانه: {ذلك يوم مجموع له ~~الناس} أي يوم القيامة، ودل عليه عذاب الآخرة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين: # أحدهما: أنه مجموع له الناس، والمعنى أن الأولين والآخرين كلهم يحشورون ~~في ذلك اليوم ومجمعون. # والثاني: قوله: {وذلك يوم مشهود} أي محضور يحضره الخلق جميعا، ويشهدونه ~~لا يغيب عنه أحد، والمراد بالمشهود الذي كثر شاهدوه، ومنهم قوله: لفلان ~~مجلس مشهود وطعام محضور، أي مشهود ليتميز عن سائر الأيام؛ لأن الغرض وصف ~~ذلك اليوم بالهول والعظم وتمييزه، ولا مشهود في نفسه إذ الأيام يشهد بها كل ~~من شهده. PageV19P103 # قال ابن عباس: يشهده البر والفاجر، وقال آخرون: يشهده أهل السماء وأهل ~~الأرض، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم إذا جمعوا في ذلك ~~الوقت لم يعرف كل واحد إلا واقعة نفسه، فأخبر الله أن تلك الوقائع تصير ~~معلومة للكل، بسبب المحاسبة والمساءلة، ثم قال تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل ~~معدود} والمعنى أن تأخير الآخرة وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود، وكل ما ~~له عدد فهو متناه، وكل ما كان متناهيا فإنه لابد وأن يعني؛ لأن الأجل يطلق ~~على مدة التأجيل كلها، وعلى منتهاها، يقولون: منتهى الأجل وبلغ الأجل، ~~ويقولون: حل الأجل فإذا جاء أجلهم، يراد آخر مدة التأجيل والعد، وإنما هو ~~للمدة لا لغايتها ومنتهاها، فمعنى قوله وما نؤخره إلا لأجل معدود أي إلا ~~لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف، ثم قال تعالى: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه} ابن عامر وعاصم وحمزة تأت بحذف الياء والباقون بإثبات التاء. # قال في الكشاف: حذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، ~~ونحوه قولهم: لا أدر حكاه الخليل وسيبويه، قال: فيه فاعل يأتي هو الله ~~تعالى: كقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} وقوله: {أو يأتي ربك} ~~ويعضده[339] قراءة من قرأ: وما يؤخره بالياء. PageV19P104 # قال الرازي: لا يعجبني هذا التأويل؛ لأن قوله هل ينظرون إلا أن ms1843 يأتيهم الله ~~حكاية حكاها الله عن أقوام، والظاهر أنهم هم اليهود، وذلك ليس فيه حجة، ~~وكذلك قوله: {أو يأتي ربك} أما هاهنا فهو صريح كلام الله، وإسناد فعل ~~الإتيان إليه مشكل، فإن قالوا: ما قولك في قوله تعالى: {وجاء ربك}؟ قلنا: ~~هناك تأويلات، وأيضا فهو صريح فلا يمكن دفعه، فوجب المصير إلى التأويل، أما ~~هاهنا ليس اللفظ صريحا في إسناد الإتيان إلى الله، فوجب الإمتناع منه، بل ~~الواجب أن يقال: المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم، فحذف ~~الله تعالى ذكره بتغييبه، ليكون أقوى في التخويف، انتهى. # والعامل في انتصاب الظرف هو قوله: لا تكلم نفس، أو اضمار أذكر، أو ~~بالانتهاء المحذوف، أي ينتهي الأجل يوم يأتي ذلك اليوم، وأما قوله: {يوم ~~يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} فيه حذف، والتقدير: لا تكلم نفس فيه إلا بإذن ~~الله، فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها ~~مناقضة لهذه الآية، نحو قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} ~~وقوله: {وقفوهم إنهم مسئولون} وقوله: {هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون}؟ # قلت: قد أجيب عنه من وجهين: # الأول: أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على ذكر الأعذار الكاذبة ~~الباطلة، وحيث ورد الإذن في الكلام فهو محمول على الجوابات الحقة الصحيحة. # الثاني: أن لهم في ذلك اليوم مواقف ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم، وفي ~~بعضها يكفون عن الكلام، وفي بعضها: يؤذن لهم فيتكلمون، وفي بعضها يختم على ~~أفواههم، وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، وقد روي هذا المعنى عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام كما مر، والله أعلم. PageV19P105 # وقال في البرهان: معنى لا تكلم نفس إلا بإذنه أي تشفع إلا بأمره؛ لأن ~~الشفاعة ليس إلا لمن ارتضى، ثم قال: {فمنهم شقي وسعيد} أي الناس المذكورين ~~في قوله مجموع له الناس أو أهل الموقف ولم يذكروا؛ لأنه معلوم، والشقي هو ~~المتعب المعذب الغوي، والسعيد هو البر الطاهر، التقي الرشيد الذي أرشده ~~الله، قال لبيد: # فمنهم سعيد ms1844 آخذ بنصيبه # ومنهم شقي بالمعيشة قانع # قال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله بسعادة من سعد بفعله، وشقا من ~~شقي بصنعه، وليس لله في سبب سعادتهم فعل، ولا له في شقايتهم قضاء، انتهى. # واعلم أنه لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد منهما ~~فقال: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق} ذكروا في الفرق بين ~~الزفير والشهيق وجوها: # أحدها: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الزفير هو الأنين كما يزفر ~~المكروب، قال الشاعر: # إذا.............................. ... زفرت وما بين الجوانح روح # والشهيق: هو الصوت المرتفع بالصياح والأحزان والعويل. # قال في البرهان: الزفير تردد النفس من شدة الحزن، مأخوذ من الزفر وهو ~~الحمل على الظهر لشدته، والشهيق النفس الطويل الممتد، مأخوذ من قوله: جبل ~~شاهق أي طويل: قال الشاعر: # حشرج في الجوف صهيلا وشهق # حتى يقال ناهق وما نهق # الوجه الثاني: أن الزفير إخراج النفس، والشهيق: رده. # الثالث: قال أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في[340] الصدر من النفس عند ~~البكاء الشديد فينقطع النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكرب ~~والحزن، وبما تتبعه الغشية، وربما حصل عقبه الموت، وقال أبو العالية: ~~الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وقال ابن عاس: لهم فيها زفير وشهيق، ~~يريد ندامة ونفسا عاليا، وبكاء لا ينقطع، وحزن لا يندفع، ثم قال تعالى: ~~{خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك}. PageV19P106 # قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: هي سماوات الآخرة وأرضها الباقية، ~~وليست سماوات هذه الدنيا ولا أرضها التي هي زائلة فانية. # وأما إلا ما شاء ربك فإنما هو إخبار عن قدرة الله على على إفنائها إن ~~شاءوا ذلك، فهو كذلك إذ كان هو الذي خلق وأنشأ؛ لأنه لا يقدر أحد أن ينفي ~~شيئا تخليده وأبقاه إلا من يقدر على أن يفنيه، فلم يشاء سبحانه إفناءه، ~~ولكن شاء تخليده وإبقاؤه، وأخبر بقدرته إن شاء على الإفناء كما قدر على ~~الإبقاء، وأن أهل الجنة بإبقائه لهم فيها باقون خالدون فيها ms1845 أبدا لا يفنون، ~~كما لا تفنى أرضهم فيها ولا سماؤهم، قلت: ومثل هذا ذكر المرتضى عليه السلام . # قال الفراء والزجاج: إن هذا الاستثناء هو مثل قولك: أريد أن أفعل إلا أن ~~أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، والمعنى لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ~~ولكنه أعلمهم أنهم خالدون فهو لا يخرجهم. PageV19P107 # قلت: وهذا هو معنى كلام القاسم عليه السلام ، وهو أيضا أحد الوجهين الذين ~~ذكرهما في الكشاف، حيث قال، والثاني أن يكون عبارة عن التأبيد، فإن قلت: ~~فما معنى الاستثناء في قوله: {إلا ما شاء ربك} وقد ثبت خلود أهل الجنة ~~والنار في الآية من غير استثناء؟ قال: وهو استثناء من الخلود في عذاب ~~النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب ~~النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب، سواء عذاب النار، وبما ~~هو أغلظ منها كلها، وهو سخط الله عليهم.........لهم، وإهانته إياهم، وكذلك ~~الجنة لهم سوى الجنة ما أهو أكبر منها وأجل موقعا منهم، وهو رضوان الله عز ~~وجل، كما قال: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر} ولهم ما يتفضل ~~الله به عليهم سوى أبواب الجنة مما لا يعرف منهه إلا هو، فهو المراد ~~بالاستثناء، والدليل عليه قوله: {عطاء غير مجذوذ} ومعنى قوله في مقابلته: ~~{إن ربك فعال لما يريد} أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي ~~أهل الجنة عطاء الذي لا انقطاع له فتأمله، فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، ولا ~~يخدعنك عنه قول المجبرة: إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار ~~بالشفاعة، فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم، وما ~~ظنك بقوم نبذوا كتاب الله، لما روي لهم بعض الثوابت عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما ~~يلبثون فيها أحقابا. # قال: وأقول ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته ms1846 بهما علي بن أبي طالب ~~رضوان الله عليه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث، انتهى. PageV19P108 # وقيل: المعنى خالدون فيها إلا مدة مكثهم في الدنيا والبرزخ والحساب، ثم قال ~~تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} ~~وهذا كالأول في تفسيره {إلا ما شاء ربك} أي إلا وقت مشيئته أن يتفضل عليهم ~~بغير ثواب الجنة مما لا يعلم حقيقته إلا هو[341] أو إلا مدة وقوفهم في ~~المحشر للحساب، ثم قال سبحانه: {عطاء غير مجذوذ} أي غير مقطوع، إنما هو ~~دائم ممتد إلى غير نهايه، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة: {لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة}. # وأما الحسين بن القاسم عليه السلام فقال في تأويل هذه الآية: {فأما الذين ~~شقوا} إلى قوله: {إلا ما شاء ربك} يريد تعالى إلا ما شاء من توبتهم قبل ~~خروجهم من الدنيا وموتهم، ومعنى مشيئة الله للتوبة هي أمره بالتوبة، ومعنى: ~~{وأما الذين سعدوا} إلى قوله: {إلا ما شاء ربك} أي إلا ما شاء الله من ~~عذابهم إن رجعوا عن السعادة إلى الكفر، فمن عمل عمل السعداء ثم ارتد فالله ~~يعذبه، انتهى. PageV19P109 # واعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأصنام ثم أتبعه بأحوال الأشقياء ~~وأحوال السعداء، شرح للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أحوال الكفار من قومه، ~~فقال: {فلا تكن في مرية مما يعبد هؤلاء} أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من ~~هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم، وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم، ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعده بالانتقام ووعيدا لهم، ثم ~~قال: {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل} يريد أن حالهم في الشرك مثل ~~حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم ~~مثله، وهو استئناف، معناه تعليل النهي عن المرية قاله في الكشاف، ثم قال: ~~{وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص} من العذاب، كما وفينا آباؤهم. # قال في البرهان: معنى ما وعدوا بيه من خير واوعدوا به من شر. ms1847 PageV19P110 # واعلم أنه تعالى لما بين إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد بين أيضا بعد ~~ذلك إصرارهم على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتكذيبهم بكتابه، ~~وأخبر تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء ~~عليهم السلام ، وضرب لذلك مثلا فقال سبحانه: {ولقد آتينا موسى الكتاب} أي ~~التوراة جملة واحدة {فاختلف فيه} أي آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في ~~القرآن، واختلف في نبوته فمنهم من صدقه ومنهم من كذبه، وذلك يدل على أن ~~عادة الخلق هكذا، ثم قال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربك} أي كلمة الإنظار ~~بتأخير العذاب إلى يوم القيامة {لقضي بينهم} يعني لولا كلمة الوعد والوعيد ~~في الآخرة لقطع بينهم، أي قوم موسى أو قومك حتى يتبين المحق منهم والمبطل، ~~وهذا من جملة التسلية أيضا، ولما قرر تعالى هذا المعنى قال: {وإنهم لفي شك ~~منه مريب} أي هم في شك مشكك لهم في موسى عليه السلام ، أو معناه إن كفار ~~قومك لفي شك من هذا القرآن، مريب أي موقع لهم في الريب والشك، ثم قال ~~تعالى: {وإن كلا} أي وإن كلهم أي المختلفين {لما ليوفينهم ربك أعمالهم} من ~~حسن وقبيح، وإيمان وجحود، واللام في ليوفينهم جواب قسم محذوف، واللام في ~~لما موطئة للقسم، وما زائدة، وإن مخففة من الثقيلة، أي وإن جميعهم والله ~~ليوفينهم، فجمعت الآية الوعد والوعيد، فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم، ~~وتوفية جزاء المعاصي وعيد عظيم، وقوله: {إنه بما يعملون خبير} توكيد للوعد ~~والوعيد، فإن من كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بجميع مقادير الطاعات ~~والمعاصي، وكان عالما بالقدر اللائق بكل إنسان من الجزاء، فحينئذ لا يضيع ~~من الحقوق والأجزية، وذلك نهاية البيان. PageV19P111 # قال الرازي: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجر على ~~المستحقين في هذه الآية[342] ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات: # أولها: كلمة إن وهي للتوكيد. # وثانيها: لفظة كل، وهي أم الباب في التأكيد. # وثالثها: اللام الداخلة على خبر إن ms1848 بعيد التأكيد أيضا. # ورابعها: صرف ما إذا جعلناه على قول الفراء موصولا. # وخامسها: القسم المضمر، وإن تقدير الكلام، وإن جميعهم والله ليوفينهم. # وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم. # وسابعها: النون المؤكدة في قوله: ليوفينهم، فجميع هذه الألفاظ السبعة ~~الدالة على التأكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية ~~والعبودية لا تتم إلا بالبعث والقيامة..............الحشر والنشر، ثم أردفه ~~بقوله: {إنه عليم خبير} وهو من أعظم المؤكدات، والله أعلم. PageV19P112 # واعلم أنه تعالى أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {فاستقم كما أمرت} أي كالاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير ~~عادل عنها، ولما كان حقيقة الاستقامة في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن عباس: ~~ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن آية أشد ولا أشق ~~عليه من هذه الآية، ولهذا قال: ((شيبتني سورة هود)) وعن بعضهم: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقلت له: روي عنك أنك قلت: ((شيبتني ~~سورة هود)) فقال: ((نعم))، فقلت: وبأي آية؟ قال: قوله: {فاستقم كما أمرت} ~~وهذه الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال، سواء مكان مختصا ~~به أو متعلقا بتبيلغ الوحي، وبيان الشرائع؛ لأن هذه الآية أصل عظيم في ~~الشريعة؛ لأن القرآن لما ورد فيه الأمر بأعمال الوضوء مرتبة على اللفظ وجب ~~اعتبار الترتيب فيها لقوله: {فاستقم كما أمرت} ولما ورد الأمر في الزكاة ~~بأداء الإبل من الإبل، والبقر من البقر وجب اعتبارها، وكذا القول في كل ما ~~أمر الله به، وعند من يقول: إنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأنه لما دل ~~على عموم النص على حكم وجب الحكم بمقتضاه، لقوله: {فاستقم كما أمرت} والعمل ~~بالقياس إنحراف عنه، ثم قال: {ومن تاب معك} من في محل الرفع عطفا على ~~الضمير في قوله: {فاستقم} وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام ~~الفاصل مقامه، والمعنى فاستقم أنت وليستقم من تاب معك عن الكفر وآمن معك، ~~أو ms1849 يكون عطفا على الضمير في قوله: {أمرت} أو يكون ابتداء على تقدير ومن تاب ~~معك فليستقم، ثم قال: {ولا تطغوا} معنى الطغيان تجاوز المقدار، أي ولا ~~تحرجوا عن حدود الله، ولا تجتروا على أحد {إنه بما تعملون بصير} أي عالم، ~~فهو مجازيكم به فاتقوه، ثم قال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم PageV19P113 النار} الركون الميل اليسير، أي لا تميلوا إليهم ولا توادوهم ولا تدنوا ~~إليهم ستبقيان في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك، وعنه وقد ~~سئل عن ظالم أشرف على الهلاك في برية أسقي شربة ماء، قال: دعه يموت، وفي ~~هذا أعظم زاجر عن مخالطة الظلمة، وقد تناولت الانحطاط في أهوائهم ~~ومصاحبتهم، ومجالستهم وزيارتهم.............، والرضى بأعمالهم، والتشبه ~~بهم، والتزين بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، ~~وقال: إلى الذين ظلموا، يعني وجد منهم الظلم بادرا، ولم يقل إلى الظالمين، ~~هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم، وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام ~~فقرأ هذه الآية فغشي عليه[343] فلما أفاق قيل له؟ فقال: هذا فيمن ركن إلى ~~من ظلم، فكيف بالظالم؟ ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين: ~~عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن ~~يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه ~~وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله ~~سبحانه: {لتبيننه للناس ولا تكتمونه}. PageV19P114 # واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل ~~الغي بدنوك ممن لم يرد حقا، ولم يترك باطلا، حين أدناك واتخذك قطبا تدرو ~~عليك رحا باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيه إلى ~~ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ~~ما عمروا لك في جنب ما خبروا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك ~~من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: ms1850 {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا} فإنك تعامل من لا يجهل، وتحفظ عليك ~~من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سفم، وهيء زادك فقد حضر السفر البعيد، وما ~~يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام، ثم قال عز وجل: {وما ~~لكم من دون الله من أولياء} أي ليس لكم أنصار يخلصونكم من عذاب الله، ولا ~~يقدرون على منعه منه {ثم لا تنصرون} أي لم ينصركم هو؛ لأنه وجب في حكمته ~~يعذبكم وترك الإبقاء عليكم، ومعنى ثم الاستبعاد؛ لأن النصرة من الله ~~مستبعدة مع استحابهم العذاب وقضاء حكمته له. # واعلم أنه تعالى لما أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالاستقامة أردفه ~~بالأمر بالصلاة فقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار}. PageV19P115 # قال المرتضى عليه السلام: معناه أقم الصلاة في طرفي النهار، فجعلها وقتين ~~للصلاة، فالأول من الوقتين هو الصبح، والثاني من الوقتين فهو الظهر والعصر، ~~إلا أن تخشى فوت الشمس وذهابها.........من ذلك ويصفر لونها، وهذا وقت جعله ~~الله عز وجل للمسافر والمريض والمغمى عليه والمتيمم، فأخبر تعالى أن للمصلي ~~الظهر والعصر فسحة عند الضرورة إلى هذا الوقت، ومعنى {وزلفا من الليل} فهو ~~العتمة، وزلوف الليل فهو ذهاب بعضه، وقد روى بعض الناس عن جدي القاسم صلوات ~~الله عليه أنه كان يقول: إن أحد طرفي النهار المغرب، وهذا ليس بصحيح عنه، ~~ونحن أعرف بقوله رحمة الله عليه ، وليس ما ذكر عنه من هذا بصحيح، وقوله ~~وقول الهادي إلى الحق صلوات الله عليه ما ذكرت لكم، انتهى. # قال في البرهان: وزلفا من الليل جمع زلفة، والزلفة المنزلة فكأنه قال: ~~ومنازل من الليل أي ساعات من الليل وهي، ساعاته القريبة من آخر النهار، من ~~أزلفه إذا قربه، يريد المغرب والعشاء، وقيل: إنما سميت مزدلفة من ذلك؛ ~~لأنها منزل بعد عرفة، وقيل بل سميت لازدلاف آدم من عرفة إلى حوى وهي بها، ~~ومنه قول العجاج: # ناج طواه الابن مما وجعا # يطوي الليالي زلفا فزلفا # انتهى. # ثم قال: {إن الحسنات يذهبن ms1851 السيئات} أي يكفرن الصغائر، وفي الحديث: ~~((الصلوات كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر)). PageV19P116 # وفي البرهان: والحسنات الأعمال الصالحة من الصلوات وغيرها من التسبيح، ~~وقيل[344]: الحسنات: سبحان والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وقيل: ~~هي التوبة، وقيل: إن فعل الحسنات لطف في ترك السيئات، كقوله: {إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر} ثم قال: {ذلك ذكرى للذاكرين} فقوله: ذلك إشارة ~~إلى أن من قوله: فاستقم كما أمرت إلى هاهنا {ذكرى للذاكرين} عظة للمتعظين، ~~وإرشاد للمسترشدين، ثم قال: {واصبر} أي عليك بما هو أهم مما ذكرت به، وأحق ~~بالتوصية وهو الصبر على امتثال ما أمرت، والانتهاء عما نهيت عنه {فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين} عم كل ما يتناول الحسنات من الاستقامة والصلاة، ~~والانتهاء عن الطغيان، والركون إلى الظلمة والصبر وغيره. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال بين ~~أن السبب فيه أمران: # الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، فقال عز وجل: ~~{فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} حتى ~~لا يعمهم الهلاك وهو عام في القبائح والمنكرات، والمعنى فهلا كان، وحكي عن ~~الخليل أنه قال: كل ما في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا، إلا التي في ~~الصافات. PageV19P117 # قال في الكشاف: وما صحت هذه الحكاية عنه بدليل قوله في غير الصفات: لولا أن ~~تدراكه نعمة من ربه لنبذ بالعراء، ولولا رجال مؤمنون، ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم، ومعنى أولو بقية، أي أولو فضل وخير، وسمي الخير والفضل ~~بقية؛ لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار هذا اللفظ مثلا في ~~الجودة، يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم في الزوايا ~~خبايا وفي الرجال بقايا، ويجوز أن تكون البقية بمعنى التقوى، كالبقية بمعنى ~~التقوى، أي فهلا كان منهم ذووا بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله ~~وعقابه، ثم قال: {إلا قليلا ممن أنجينا منهم} هو استثناء منقطع، ومعناه لكن ms1852 ~~قليلا منهم ممن أنجينا منهم من القرون نهو عن الفساد من اتباع الأنبياء ~~وأهل الحق، ولفظ ممن أنجينا للبيان لا للتبعيض؛ لأن النجاة إنما هي للناهين ~~وحدهم، بدليل قوله تعالى: {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا}. # وعن علي عليه السلام: إن أعمال البر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~كبقية في بحر لجي، وأفضل من ذلك كله كلمة حق عند سلطان جائر. PageV19P118 # والسبب الثاني لنزول عذاب الاستئصال قوله سبحانه: {واتبع الذين ظلموا ما ~~أترفوا فيه} أراد بالذين ظلموا تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي ~~تركوا ما هو ركن عظيم، وهو الأمر والنهي، وآثروا اللذات وركنوا إلى النعيم، ~~واتبعوا الشهوات، واشتغلوا بتحصيل الشرف وحب الرئاسة، وطلب أسباب العيش ~~الهني، ونبذوا ما وراء ذلك خلف ظهورهم، ثم قال: {وكانوا مجرمين} عطف على ~~أترفوا أي اتبعوا الإتراف، وكونهم مجرمين؛ لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام، ~~وأريد بالإجرام إغفالهم الشكر، أو على اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك، ~~ويجوز أن يكون اعتراضا وحكما عليهم بأنهم قوم مجرمون، ثم قال تعالى تنيزيها ~~لذاته عن الظلم {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم}. # قال في الكشاف: وكان بمعنى صح واستقام، واللام لتأكيد النفي، وبظلم حال ~~من الفاعل، والمعنى واستحال من الحكمة أن يهلك القرى ظالما لها{وأهلها ~~مصلحون} لأعمالهم إيذانا بأن إهلاك المصلحين من الظلم، وقيل الظلم الشرك، ~~ومعناه أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما ~~بينهم، ولا يضمون إلى شركهم فساد الأخر، انتهى. PageV19P119 # ثم أخبر تعالى عن قدرته ومشيئته فقال عز وجل[345]: {ولو شاء ربك} مشيئة ~~قهر{لجعل الناس أمة واحدة} وهي ملة الإسلام، وهذا يتضمن نفي الاضطرار إلى ~~الإتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، ~~واختار بعضهم الجور وبعضهم الباطل، والمعنى في ذلك أنه تعالى لو شاء أن ~~يجبرهم كلهم لما عجز عن ذلك، ولكنه حكيم عز وجل، والحكيم لا يمزج الخبيث ~~بالطيب من الناس، ولا يساوي بين المحقين الأخيار وبين المبطلين الأنجاس حتى ~~يفرق بينهم ms1853 برحمته، ويميز الخبيث من الطيب بحكمته، ثم قال: {ولا يزالون ~~مختلفين} أي لا يزال أهل الحق مخالفين للفاسقين، ولذلك خلقهم رب العالمين، ~~أي لخلاف الباطل والمبطلين خلقهم أحسن الخالقين. # قال القاسم عليه السلام: فلن يزالوا كما قال الله سبحانه مختلفين؛ لأن ~~الاختلاف لا يزال بين المحقين والمبطلين وهو خبر من الله عما يكون، وأنهم ~~لن يزالوا يختلفون فيما يستأنفون، فالاختلاف منهم وفيهم، ولذلك نسبه الله ~~إليهم، وقوله: {إلا من رحم ربك} يريد من المؤمنين فإنهم في دينهم مؤتلفون ~~غير مختلفين، ولولا خلقه لهم كذلك على ما فطرهم عليه من ذلك لما اختلفوا في ~~شيء ولما يزل عليهم أمر ولا نهي، ولا كان فيهم مسيء ولا محسن، ولا منهم ~~كافر ولا مؤمن، ولكانوا كالموات الذي لا يسيء ولا يحسن ولا يفجر عند الله ~~ولا يتقي، انتهى. # قال في الكشاف: والإشارة في قوله: {ولذلك خلقهم} إلى ما دل عليه من ~~الكلام الأول، وتضمنه، يعني ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه ~~الاختلاف خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء ~~اختياره، انتهى. PageV19P120 # وما أحسن قول الهادي عليه السلام حيث قال: والذي أراه في ذلك أنه سبحانه ~~أراد أنه خلق المؤمنين لمخالفة الكافرين؛ لأن مخالفة الكافرين في كفرهم ~~أعظم الطاعة لرب العالمين، وقد قال الله سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} فأخبر أنه لم يخلق الخلق إلا لعبادته، فمن خالف عبادته وطاعته ~~فمخالفته في ذلك فرض من الله على من يخالفه، ولا مخالفة لأعداء الله ولا ~~مفارقة أكبر من ضرب وجوههم بالسيف، وسفك دمائهم، ومجاهدتهم على مخالفة ~~الحق، وهذا فهو أكبر فرائض الله على خلقه وأعظم لما افترض الله على عباده، ~~ولهذا خلق الخلق؛ لأنه أفضل عبادته، فإذا قد صح المخالفة للفاسقين على ~~المؤمنين والجهاد لهم، فقد صح أنه لتلك المخالفة التي افترضها عليهم خلقهم، ~~وإليها دعاهم، وبها في أعدائه أمرهم، انتهى. # وقال في البرهان: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك من أهل الحق فلم ~~يختلفوا، ولذلك خلقهم، أي ms1854 للرحمة خلقهم، انتهى، وهذا قول ابن عباس، وهو ~~اختيار جمهور المعتزلة، قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم، ويدل ~~عليه وجوه: # الأول: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما، ~~وأقرب المذكورين هاهنا هو الرحمة والاختلاف أبعدهما. # والثاني: أنه لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك لكان لا يجوز أن يعذبهم ~~عليه، ولكانوا مطيعين له بذلك الاختلاف. # الثالث: أنا إذا فسرنا الآية بهذا المعنى كان خلقهم ولم يقل ولذلك خلقهم، ~~قيل له: إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا فكان محمولا على الفضل ~~والغفران، لقوله: {هذا رحمة من ربي} وقوله: {إن رحمة الله قريب من ~~المحسنين}. # قال في التهذيب: الإشارة إلى الرحمة وذكرها.........؛ لأنها فضل وإنعام؛ ~~ولأنها مصدر، قال الشاعر[346]: # إن الشجاعة والسخاوة ضمنا قبرا # بمرو على الطريق الواضح # وقالت الخنساء: # فذاك يا هند الرزية فاعلمي PageV19P121 ونيران حرب حين شب وقودها # قلت: وأما قولهم إنه لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك لكان لا يجوز أن ~~يعذلهم ولكانوا مطيعين له بذلك الاختلاف فجوابه أنه ليس المراد مطلق ~~الاختلاف، وإنما المراد أنه خلقهم لأعظم الطاعات وأكبر العبادات وهي مخالفة ~~الكافرين، وأهل الباطل والمبطلين لا غير فلا معنى حينئذ لما أوردوه، وهذا ~~المعنى أيضا أوضح مطابقة للآية التي ذكروها، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {وتمت كلمة ربك} وهي قوله للملائكة {لاملان جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} لعلمه بكثرة من يختار الباطل، وتمت أي تم مخبرها ونحن لا ~~خلف فيه. # واعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة قال لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم {وكلا نقص عليك} أي كل نبأ نخبرك به {من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك} أي يقوي به قلبك وتسكن به نفسك، وتزيد به في نفسك وطمأنينة ~~قلبك؛ لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، فأراد سبحانه تثبيت فؤاده ~~على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال الأذى، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلي ~~بمحنة وبلية فإذا رأى له فيها مشاركا خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة ~~إذا ms1855 عمت خفت، فإذا سمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذه القصص، وعلم أن ~~حال جميع الأنبياء مع أتباعهم كذا سهل عليه تحمل الأذى عن قومه، وأمكنه ~~الصبر عليه لعامه أنهم بلوا فصبروا وجاهدوا فظفروا. PageV19P122 # قال في الكشاف: وقوله من أنباء الرسل بيان لكل، وما نثبت به فؤادك بدل من ~~كلا أي نقص عليك ما نثبت به فؤادك، ويجوز أن يكون المعنى وكل اقتصاص نقص ~~عليك، على معنى كل نوع من الاقتصاص نقص عليك، وما نثبت به مفعول نقص، ثم ~~قال تعالى: {وجاءك في هذه} أي السورة أو الأنبياء المقتصة عليك {الحق} أي ~~ما هو حق من هذه الأنباء، والحق صدق القصص، وصحة إخبار الله عز وجل ~~{وموعظة} وهي التي وعظ الله خلقه بها، وأن يعتبروا بأنباء من سلف من ~~الأنبياء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: ((السعيد من وعظ بغيره)) ثم ~~قال: {وذكرى} أي وتذكرة {للمؤمنين} الذين يتعظون بما سمعوا فيها مما نزل ~~بالمكذبين لأنبيائهم، وقيل: الحق إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد ~~والعدل، والنبوة والمعاد. # وأما الموعظة فهي إشارة إلى التنفير عن الدنيا وتقبيح أحوالها، وأما ~~الذكر فهو إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال النافعة الصالحة في دار الآخرة، ~~والمذكرة لما هناك من السعادة والشقاوة. # واعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الإعذار والإنذار، والترغيب والترهيب ~~أتبع ذلك بأن قال للرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم: {وقل للذين لا ~~يؤمنون} من أهل مكة وغيرهم {اعملوا على مكانتكم} أي على حالكم وجهتكم التي ~~أنتم عليها من الشرك والعداوة لي {إنا عاملون} على مكانتنا وديننا، وهذا ~~على وجه التهديد لهم والوعيد، لا أمر لهم بالمقام على الكفر والجحود ~~{وانتظروا} بنا على زعمكم الدوائر علينا {إنا منتظرون} أن ينزل الله بكم ~~مثل ما أنزل على أشباهكم من النقم والعقوبات، وقيل: انتظروا[347] ما وعدكم ~~الشيطان من الخذلان، فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران ~~والإحسان. PageV19P123 # ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة فقال: {ولله ~~غيب السماوات ms1856 والأرض} أي عنده وفي علمه ما غاب فيما لا تخفى عليه خافية مما ~~يجري فيهما فلا تخفى عليه أعمالكم، ثم قال: {وإليه يرجع الأمر كله} أي إلى ~~حكمه في الآخرة، فلابد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك فينتقم لك منهم حيث لا أمر ~~لسواه، ولما وصف الله ذاته جل وعلا في هذه الآية بأشرف الصفات الدالة على ~~الكمال والخلال من العلم والقدرة في معرض التعظيم والثناء والمدح، أمر ~~محمدا صلوات الله عليه وآله وسلم بعبادة من هذه صفته والانقطاع إليه، فقال: ~~{فاعبده وتوكل عليه} فإنه كافيك وحافظك، ثم أشار إلى أنه تعالى لا يضيع ~~طاعات المطيعين، ولا يهمل أحوال المتمردين الحاقدين، بقوله: {وما ربك بغافل ~~عما تعملون} فيجزي كلا بعمله، وقرء بالتاء على تغليب المخاطب، أي أنت وهم، ~~والله أعلم. PageV19P124 ### || AUTO سورة يونس # مائة وتسع آيات مكية # عن ابن عباس أن هذه السورة مكية إلا قوله: {ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا ~~يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين} فإنها مدنية نزلت في اليهود. # وفي البرهان: هي مكية إلا ثلاث آيات وهي قوله: {فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا} إلى آخرهن. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {الر} هو من فواتح السور التي افتتح الله بها القرآن، وقد ~~ذكرنا عن أئمتنا عليهم السلام وغيرهم ما قيل في تأويلها، قرأ نافع وابن ~~كثير وعاصم بفتح الراء على التفخيم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن ~~أبي بكر بكسر الراء على الإمالة. # وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ...... الفتح والكسر. # قال الرازي: واعلم أن كلها لغات صحيحة واتفقوا على أن قوله الر وحده ليس ~~بآية، واتفقوا على أن قوله طه وحده آية قد تقدم ذلك، وذكر الفرق بينهما أول ~~سورة يوسف. PageV19P125 # قال في الكشاف: قوله: {الر} تعديد للحروف على طريق التحدي. # قال أبو مسلم: إن قوله إشارة إلى حروف التهجي فقوله: {الر تلك آيات ~~الكتاب} يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت آيات وعلامات لهذا الكتاب ~~الذي وقع به التحدي، فلولا امتياز ms1857 هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ~~وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم دون كلام سائر الناس القادرين على اللفظ بهذه ~~الحروف محالا، والله أعلم، انتهى. # وروى الرازي في تفسيره عن ابن عباس: {الر} معناه أنا الله، وقيل: أنا ~~الرب لا رب غيري، وقيل: {الر، وحم، ون} اسم للرحمن، قوله: {تلك آيات الكتاب ~~الحكيم} تكلك يحتمل أن تكون إشارة إلى ما تضمنته هذه السورة من الآيات ~~والكتاب تسمية للبعض باسم الكل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه ~~السورة من آيات القرآن، يعني أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات ~~الكتاب الحكيم، أي ذووا الحكمة لاشتماله عليها ونطقه بها، أو وصفه بصفة ~~محدثة، قال الأعشى: # ...........تأبى الملوك حكمه # قد قلتها ليقال من ذا قالها # وقيل: الحكيم بمعنى المحكم ، قيل أحكم نظمه فصار معجز، أو معناه فلا ~~يدخله فساد ولا نقص، قيل[348]: والمراد من الكتاب الحكيم التوراة والإنجيل، ~~والتقدير أن الآيات المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في ~~التوراة والإنجيل مع أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ما كان عالما ~~بالتوراة والإنجيل، فحصول هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم بإنزال الوحي عليه. PageV19P126 # واعلم أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة ~~والوحي، فأنكر الله عليهم ذلك التعجب فقال: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم} بشر دون ملك، ودون عظيم، وقد كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد ~~رسولا إلا يتيم أبي طالب، وكما حكى الله عنهم أنهم قالوا: {لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم}. # وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم أنهم قالوا: {أكان للناس عجبا}؛ لأن ~~هذا توفيق من الله لهم وتعريف، وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فمعناه الخبر ~~لهم، والإفهام والتقرير لهم على ذلك والإعلام، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا ~~من ذلك، وليس بعجيب أن الرسول من جنس المرسل إليه؛ لأن الله تعالى إنما ~~أرسل رجلا عرفوا ms1858 نسبه، وعرفوا كونه أمينا عن أنواع التهم والأكاذيب، ملازما ~~للصدق والعفاف، ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان، وما قرأ كتابا ~~البتة، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم، وذلك يدل ~~على أن كونه صادقا مصدقا عند الله، ويزيل التعحب وهو المراد من قوله ~~سبحانه: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} وقال: {ما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك} مع أن هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ~~كما في قوله: {وإلى عاد أخاهم هودا} {وإلى ثمود أخاهم صالحا} إلى قوله: ~~{أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} ولأن محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان موصوفا عندهم بصفات الخير والتقوى والأمانة، وما كانوا ~~يعيبونه إلا بكونه فقيرا يتيما، ولا يمكن أن يكون الفقر سببا لنقصان الحال ~~عند الله، كما قال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا ~~زلفى} فثبت PageV19P127 أن تعجب الكفار من تخصيص محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد، وإنما قال ~~سبحانه: {أكان للناس عجبا} ولم يقل كان للناس عجبا؛ لأن الفرق بينهما أن ~~قوله أكان للناس عجبا معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها، ~~ونصبوه وعينوه لتوجيه الطير والاستهزاء والتعجب إليه، وليس في قوله: أكان ~~للناس عجبا هذا المعنى وأن مع الفعل في قوله: أن أوحينا إليه في تقدير ~~المصدر، وهو اسم كان وخبره هو قوله عجبا، وإنما قدم الخبر على المبتدأ ~~هاهنا لأنهم يقدمون الأهم، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم. # ثم إنه تعالى لما أخبر أنه أوحى إلى رسوله صلوات الله عليه وآله وسلم بين ~~بعده تفصيل ما أوحى إليه فقال: {أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم} أن مفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون ~~المخففة من الثقيلة، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن لسان قولنا أنذر ~~الناس من النار، وأما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار ~~عن فعل ما لا ينبغي، ms1859 وأما التفسير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها. # وأما قوله: قدم صدق ففيه أقوال لأهل اللغة، وأقوال للمفسرين. # أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في البسيط منها وجوها. # قال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، والمعنى[349] أنهم قد سبق لهم ~~عند الله خير، قال ذو الرمة: # وأنت امرء من أهل بيت ذؤابة # لهم قدم معروفة ومفاخر # وقال بعضهم: القدم كل ما قدمت من خير. # وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه ~~تأخير ولا بطا. # واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا ~~يحصل إلا بالقدم، وسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يدا؛ لأنها تعطى ~~باليد، وإنما أضاف القدم إلى صدق تنبيها على زيادة الفضل، وأنه من السوابق ~~العظيمة. PageV19P128 # وأما المفسرون فلهم أقوال، بعضهم حمل قدم صدق على الأعمال الصالحة، وبعضهم ~~حمله على الثواب. # قال في البرهان: معنى قدم صدق عند ربهم أي ثواب جزيل حسن بما قدموا من ~~الأعمال الصالحة، وما أسلفوه من الإيمان والطاعة، والسابقة في الإخلاص ~~واليقين، قال حسان بن ثابت: # لنا القدم العلياء إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع # انتهى. # ومنهم من حمله على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنشد: # صلي لذي العرش واتخذ قدما # ينجيك يوم...............والزلل # واعلم أنه لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله بما هو ~~اللائق بحكمته وفضله {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} الكتاب وما جاء به ~~محمد لا شك فيه، ومن قرأ لساحر فهذا إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهي قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي، والباقون لسحره ~~والمراد به القرآن. # واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحر يدل على عظم محل اقرآن عندهم، ~~وكونه معجزا فإنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام، واعلم ~~أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحرا يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض ~~المدح، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فقال بعضهم: أرادوا به أنه لكمال ms1860 ~~فصاحته كلام مزخرف حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة ولا حاصل له، وقال ~~الآخرون: أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله جار مجرى السحر، ولما حكى ~~سبحانه عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة، ثم إنه تعالى ~~أزال ذلك التعجب بأنه لا يعد البتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولا ~~يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة ~~بالعقاب، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بأمرين: # أحدهما: أن لهذا العالم إلها قادرا نافذ الحكم والأمر، والنهي والتكليف. PageV19P129 # والثاني: في إثبات الحشر والنشر، والبعث والقيامة حتى يحصل الثواب والعقاب ~~اللذان أخبر الأنبياء عليهم السلام عن حصولهما، فلا جرم أنه سبحانه ذكر بعد ~~ذلك ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين، فقال تعالى في إثبات الأول: {إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} وهو قادر على خلقهما في طرفة ~~عين، لكن الحكمة وإن خفت علينا كما جعل أصحاب النار تسعة عشر، وقيل: تعليما ~~لخلقه الرفق، والتأني في الأمور، والمعنى أنه وقع حدوث السماوات والأرض في ~~مدة لو حصلت هناك أفلاك دائرة، وشمس وقمر لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام. # وأما قوله: {ثم استوى على العرش} فاعلم أنه لا[350] يمكن حمل هذه الآية ~~على ظاهرها بالاتفاق لاستحالة إثبات المكان والجهة لله تعالى، وظاهر هذا ~~يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض؛ لأن ~~كلمة ثم تقتضي التراخي. # واعلم أن العرش هو في الأصل سرير الملك، وهو هاهنا عبارة عن استيلائه على ~~الملك الكامل، ووجه الكناية أن استوى الملك على السرير من توابع الملك، ~~فالحاصل أن العرش لما كان عبارة عن الملك وملك الله تعالى عبارة عن وجود ~~مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السماوات والأرض، لا جرم صح ~~إدخال حرف ثم الذي يفيد التراخي بعد الاستواء على العرش، والله أعلم. # ثم قال: {يدبر الأمر} معناه أنه يقتضيه ويأمر به ويمضيه على حسب مقتضى ~~الحكمة، ويفعل ما يفعل المصيب في أفعاله، الناظر في ms1861 أدبار الأمور وعواقبها، ~~لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي، والمراد من الأمر الشأن، يعني يدبر أحوال ~~الخلق وأحوال ملكوت السماوات والأرض. PageV19P130 # واعلم أن موقع هذه الجملة أنه تعالى دل بكونه خالقا للسماوات والأرض في ستة ~~أيام، وبكونه مستويا على العرش على نهاية العظمة وغاية الجلالة، ثم أتبعها ~~بهذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة، وأنه لا يخرج أمر من الأمور من ~~قضائه وتقديره، وحكمه وتدبيره، فيصير ذلك دليلا على نهاية القدرة والحكمة، ~~والعلم والإحاطة والتدبير، وكذلك قوله: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} دليل ~~على العزة والكبرياء كقوله: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا ~~من أذن له الرحمن} والمعنى لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله وأمره؛ لأنه لا ~~يأذن أن يشفع لأعدائه، وإنما يأذن في الشفاعة والطلب لأوليائه. # واعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل، وشرح هذه الأحوال ختمها بعد ذلك ~~بقوله: {ذلكم الله} الموصوف بهذه الصفات {ربكم فاعبدوه} مبينا بذلك أن ~~العبادة لا تصلح إلا له وحده، ومنبها على أنه سبحانه هو المستحق لجميع ~~العبادات لأجل أنه هو الملك المنعم بجميع النعم التي ذكرها ووصفها، ثم قال ~~بعده: {أفلا تذكرون} إنكارا عليهم في مخالفة دليل العقل، ودالا بذلك على ~~وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، فإن التفكر تنبيه على الخطأ، ~~وذلك أيضا يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال على جلالته، ~~وعزته وعظمته أعلى المراتب، وأكمل الدرجات، والله أعلم. # وأما الثاني فاعلم أنه سبحانه لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ ~~أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد، فقال عز وجل: {إليه مرجعكم جميعا} لا ~~ترجعون في العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه، وقوله: {وعد الله} مصدر مؤكد ~~لقوله إليه مرجعكم، ومعنى {حقا} أي وعد بذلك وعدا حقا صدقا، فهذه التأكيدات ~~قد اجتمعت في هذا الحكم. PageV19P131 # واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر ذكر بعده ما يدل على كونه ~~في نفسه ممكن الوجود، ثم ذكر بعده ما يدل على إمكانه، فهو قوله ms1862 سبحانه: ~~{إنه يبدأ الخلق ثم يعيده}. # قال في الكشاف: وهذا استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو أن ~~الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم، انتهى. # وتقريره[351] هذا الدليل على أنه تعالى بين بالدليل كونه ابتداء خلق هذا ~~العالم وما فيه من الجماد والمعادن، والنبات والحيوان والإنسان تفضلا ~~وإحسانا. # أما المكلفون فلتعريضهم بالتكليف للخير والثواب، الذي لا حصر له ولا ~~انتهاء. # وأما غير المكلفين فللتفضل عليهم والإحسان، وقد ثبت في العقل أن كل من ~~كان قادرا على شيء كانت قدرته باقية ممتنعة الزوال، وكان عالما بجميع ~~المعلومات، فإنه يمكنه إعادته بعينه، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر ~~على إعادة الإنسان بعد موته. PageV19P132 # واعلم أنه اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم، ~~واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا، فقال قوم: إنه عز وجل يعدمها، ~~واحتجوا بهذه الآية، وبقوله تعالى: {هو الأول والآخر} فلو بقيت الأجزاء ~~متفرقة لم يكن آخرا؛ لأنها لم تفن، وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات ~~بأنه يعيدها، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا، وإعادتها لا يكون إلا بعد ~~إعدامها، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال، ونظيره قوله تعالى: {يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده} فحكم أن الإعادة تكون مثل ~~الابتداء، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما خلقها في الابتداء من العدم، فوجب ~~أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم، وقال قوم: ليس المراد الإعدام، ~~وإنما المراد التفريق والتمزيق، وتغيير الصفة لا غير، ومثل هذا قال الهادي ~~إلى الحق عليه السلام في قول الله عز وجل: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~الآية، والله أعلم. # وأما قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} فاعلم أن ~~المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لابد من حصول الحشر والنشر حتى يحصل ~~الفرق بين المحسن والمسيء، وحتى يصل الثواب إلى المطيع والعقاب إلى العاصي. # واعلم أن اللام في قوله: ليجزي الذين آمنوا يدل على أنه تعالى خلق ms1863 العباد ~~للثواب والرحمة، وأيضا فإنه أدخل لام التعليل على الثواب. # وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل، بل قال: {والذين كفروا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة ~~لا للعذاب، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر، وما خلق فيهم الكفر البتة. # وأما الحميم فهو الماء الحار. # ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها، وفي قوله: بالقسط وجهان: PageV19P133 # أحدهما: أن معناه بالعدل وهو متعلق بقوله ليجزي، والمعنى ليجزيهم بقسطه. # والثاني: أن يكون المعنى ليجزي الذين آمنوا بقسطهم، وبما أقسطوا وعدلوا، ~~ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا الوجه في مقابله قوله: {بما ~~كانوا يكفرون} وإنما خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا ~~بالقسط؛ لأن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم، وعلى كونهم ~~مخصوصين بمزيد الاحتياط، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية ثم فرع عليها صحة ~~هذا القول بالحشر والنشر عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الصانع ~~الحكيم، فقال عز وجل: {هو الذي جعل الشمس ضياء} وهو أقوى من النور {والقمر ~~نورا} الكلي يضيء وجوههما لأهل السماوات، وظهورهما لأهل الأرضين. PageV19P134 # قال الرازي: اعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي ~~التمسك[352] بخلق السماوات والأرض، وهذا النوع الأخير إشارة إلى التمسك ~~بأحوال الشمس والقمر، وفي هذا الدليل إشارة إلى ما يؤكد الدليل على صحة ~~الحشر والنشر، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر، بنا على أنه ~~لابد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة، وإيصال العقاب إلى أهل المعصية، وأنه ~~يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدره منازل؛ ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة ~~السنين والحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة، وإعداد ~~مهمات الشتاء والصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن ~~العاصي أوجب في الحكمة من تعلم أحوال ms1864 الشهور والسنين، فلما اقتضت الحكمة ~~والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له في الدنيا إلا بهبما ~~يقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت مع أنه يقتضي النفع ~~الأبدي والسعادة السرمدية، كأن ذلك أولى، فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس ~~والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، وعلى ~~صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه لا جرم ذكر الله تعالى هذا الدليل ~~بعد ذكر الدليل على صحة المعاد، والله أعلم. # ثم قال سبحانه: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} كل سنة اثنا ~~عشر شهرا، كل سنة دوران الشمس وكل سنة دوران القمر، وقدره فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المعنى وقدرنا مسيره منازل. # والثاني: أن يكون المعنى وقدره ذا منازل ثمان وعشرين منزلة ينزل كل ليلة ~~منزلة، ثم يسير ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، والضمير في قوله وقدره فيه وجهان: PageV19P135 # أحدهما: أنه إنما وجده للإيجاز، وهو في معنى التنبيه، ودل بذكر القمر على ~~ذكر الشمس أي قدرهما؛ لأن الحساب إنما يتم بهما فتعرف حساب الأوقات من ~~الأشهر والليالي، والأيام والساعات، والثمار والزروع وغيرها، فالقمر يقطعها ~~في شهر، والشمس في سنة. # والثاني: أن يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده؛ لأن بسير القمر تعرف ~~الشهور، وذلك لأن الشهور المعتبرة في البشريعة مبنية على رؤية الأهلة، ~~والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: {إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله}. PageV19P136 # واعلم أن إنتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار ~~والقمر سلطان الليل، ثم مسير الشمس والقمر والكواكب ما حصل إلا بتدبير ~~المدبر، المقدر الرحيم، الكريم، سبحانه وتعالى عما يقول المبطلون علوا ~~كبيرا، ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله: {ما خلق الله ذلك ~~إلا بالحق} ذلك أي ما خلقه إلا ملتبسا بالحق الذي هو في الحكمة لم يخلقه ~~عبثا، ونظيره قوله سبحانه في آل عمران: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ~~ربنا ms1865 ما خلقت هذا باطلا} وقال في سورة أخرى: {وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} وهذه الآية مما يدل على بطلان أقوال أهل ~~الجبر؛ لأنه تعالى لو كان مريدا لكل ظلم على زعمهم، وخالقا لكل قبيح تعالى ~~الله عن افترائهم، ومريد الاضلال من ضل لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلف ذلك ~~إلا بالحق، ثم قال: {يفصل الآيات} أي يبينهما، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه ~~الدلائل الباهرة، واحدا عقيب الآخر فصلا فصلا مع الشرح[353] والبيان، وفي ~~قوله: يفصل قراءتان، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم يفصل بالياء ~~والباقون نفصل بالنون، ثم قال: {لقوم يعلمون} وفيه قولان: # أحدهما: أن معناه يفقهون، وأن المراد منه العقل الذي يعم الكل. # والثاني: أن المراد منه يتفكر، وعلم فوائد مخلوقاته وأخذ لحياته حجة ~~الأول: عموم اللفظ، وحجة الثاني أنه لا يمتنع أن يخص سبحانه العلماء بهذا ~~الذكر؛ لأنهم هم الذبن انتفعوا بهذه الدلائل كما في قوله: {إنما أنت منذر ~~من يخشاها} مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان منذرا للكل. PageV19P137 # واعلم أنه تعالى لما استدل على التوحيد والإلهيات أولا بتخليق السماوات ~~والأرض، وثانيا بأحوال الشمس بوالقمر، استدل ثالثا بالمنافع الحاصلة من ~~اختلاف الليل والنهار فقال: {إن في اختلاف الليل والنهار} أي معاقبتهما ~~ضياء وظلمة {وما خلق الله في السماوات والأرض} من عجائب المصنوعات وتعليق ~~الكواكب والأفلاك، وإمساك الكل بغير علاقة ولا سند، وما فيهما من الحيوانات ~~والأرزاق والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد، بل كلما ~~ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب، ثم ~~إنه تعالى قال بعد ذكر هذه الدلائل: {لايات لقوم يتقون} وإنما خصها ~~بالمتقين؛ لأنهم الذين يحذرون العاقبة، فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر، ~~فإن من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لبقاء الناس فيها، وأن ~~خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلابد من ~~أمر ونهي، ثم ms1866 من ثواب وعقاب؛ لتمييز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في ~~الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد، ثم إنه تعالى لما ~~أقام الدلائل القاهر على صحة القول بإثبات الإله الحكيم، وعلى صحة القول ~~بالمعاد والمحشر والنشر، شرع بعده في شرح أحوال من يكفر بها، وشرح أحوال من ~~يؤمن بها، فأما شرح أحوال الكافرين فهو قوله جل جلاله: {إن الذين لا يرجون ~~لقاءنا} أي لا يتوقعونه أصلا، ولا يخطرونه ببالهم لحب العاجل، وغفلتهم ~~المستولية عليهم بلذات الدنيا عن النظر والاعتبار والتفطن للحقائق، أو لا ~~يؤملون حسن لقائنا كما يؤمله السعداء. # وقال في البرهان: معناه لا يخافون عقابنا. PageV19P138 # قلت: ومثله ذكر الحسين بن القاسم عليه السلام ، وهو قول ابن عباس ومقاتل ~~والكلبي، والمعنى أنهم لا يخافون ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث، والدليل على ~~تفسير الرجاء بالخوف قوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} وقوله: {وهم من ~~الساعة مشفقون} وتفسير الرجا جائز كما في قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله ~~وقارا} قال الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيوت عواسل # قال في البرهان: ويجوز أن يكون بمعنى لا يطمعون في ثوابنا، ومنه قال ~~الشاعر: # أترجوا بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا # واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربع: # الأولى: قوله: {إن الذين لا يرجون لقاءنا} وفيه ما تقدم، وإذا كان كذلك ~~فكل من آمن بالله فهو يرجو ثوابه، وكل من لا يؤمن بالله، ولا بالمعاد فقد ~~أبطل على نفسه هذا الرجا، فلا جرم حسن جعل هذا الرجا كناية عن عدم الإيمان ~~بالله واليوم الآخر. # الصفة[354] الثانية من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى: {ورضوا بالحياة ~~الدنيا} بدلا من الآخرة، وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي، كقوله: ~~{أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}. # الثالثة: قوله: {واطمأنوا بها} وسكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها،. فبنوا ~~شديدا، وأملوا بعيدا. # واعلم أن صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله أنوع من الوجل والخوف، ~~كما قال: {الذين إذا ذكر الله وجلت ms1867 قلوبهم} ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت ~~هذه الطمأنينة في ذكر الله، كما قال: {وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب}. PageV19P139 # وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا، والاشتغال بطلب لذاتها ~~كما قال في هذه الآية: {واطمأنوا بها} ومقتضى اللغة أن يقال واطمأنوا ~~إليها؛ إلا أن حروف الجر يحسن إقامة بعضها مقام بعض، فلهذا السبب قال ~~واطمأنوا بها. # والصفة الرابعة: قوله: {والذين هم عن آياتنا غافلون} والمراد أنهم صاروا ~~في الإعراض عن تدبر آيات الله وعن طلب لقائه بمنزلة الغافل عن الشيء الذي ~~لا يخطر بباله طول عمره، وذكر ذلك الشيء، وبالجملة فهذه الصفات الأربع دالة ~~على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية، وعلى شدة استغراقه في ~~طلب الشهوات الدنيوية. # واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربع قال: {أولئك مأواهم النار ~~بما كانوا يكسبون} قد مر تفسير المأوى في غير موضع، والنار هي جسم محسوس ~~مضيء محرق صاعد بالطبيع والإقرار به واجب؛ لثبوته بالدلائل المذكورى أن ~~الإقرار بالجنة والنار حق،.............في قوله بما كانوا يكسبون، مشعر بأن ~~الأعمال السابقة هي السبب في حصول العذاب ونظيره قوله تعالى: {ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد}. # واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين ذكر بعده أحوال ~~المؤمنين المحقين، فذكر سبحانه صفاتهم أولا، ثم ذكر ما لهم من الأحوال ~~السنية، والدرجات الرفيعة ثانيا، فقال في أحوالهم وصفاتهم: {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} أي صدقوا بقولهم، وحققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت ~~به الأنبياء والكتب من عند الله، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال ~~الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربع: # الأولى: قوله: {يهديهم ربهم بإيمانهم} أي يهديهم إلى الحق من أجل ~~إيمانهم. PageV19P140 # قال في البرهان: أي يجعل عملهم لهم هاديا إلى الجنة والثواب، وعبارة الكشاف ~~يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب، ولذلك ~~جعل {تجري من تحتهم الأنهار} بيانا له وتفسيرا؛ لأن التمسك بسبب السعادة ~~كالوصول إليها، ويجوز ms1868 يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة، ~~كقوله: {يسعى نورهم بين أيديهم} ومنه الحديث: ((إن المؤمن إذا خرج من قبره ~~صور له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى ~~الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا ~~عملك فينطلق به حتى يدخله النار)). # وأما قوله: {تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} فمعناه حال جري ~~الأنهار بين أيديهم يرونها من علو، وقيل: تجري من تحت بساتينهم وأسرتهم، ~~يعني أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري من بين ~~أيديهم في غير أخدود، وقال القفال: معناه تجري [355] من تحتهم الأنهار، إلا ~~أنه حذف الواو وجعل قوله تجري خبرا مستأنفا منقطعا عما قبله. # واعلم أن هذه الآية قد دلت على أن الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية ~~والتوفيق والنور يوم القيامة هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل ~~الصالح، والإيمان الذي لم يقرب بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور، ~~ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها بين الإيمان والعمل الصالح، كأنه قال: ~~إن الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، ثم قال: بإيمانهم أي بإيمانهم ~~هذا المضموم إليه العمل الصالح وهو بين واضح لا شبهة فيه. PageV19P141 # المرتبة الثانية من مراتب سعادتهم ودرجات كمالاتهم قوله تعالى: {دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم} أي دعاؤهم التسبيح يتلذذون به بلا كلفة ولا مشقة؛ لأن ~~اللهم نداء أي اللهم إنا نسمك، أو أراد عبادتهم بمعنى أنه لا تكليف في ~~الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحون الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة ~~إنما يلهمونه فينطقون به تلذذا بلا كلفة. # وقال في التجريد: المعنى أنهم قد بلغوا منتهى رغباتهم، وأن دعاؤهم ليس ~~إلا التسبيح والتحميد لا كدعائهم في الدنيا لاستدفاع مكروه واستدعاء خير. # وقال أبو علي: معناه أنهم يفتتحون كلامهم بالتوحيد، ويختمونه بالتحميد ~~والشكر، لا أنه ينقطع، وقيل: معنى دعواهم سؤالهم. # قال في البرهان: ومعنى ذلك أن أهل الجنة إذا اشتهوا شيئا ms1869 وأرادوا أن ~~يدعوا بالشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم ذلك الشيء. # قال ابن عباس: كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا سبحانك اللهم فجاءهم ما ~~يشتهون، فإذا..........أو أرادوا ارتفاعه قالوا: الحمد الله رب العالمين، ~~وقيل: المعنى أنهم لا يتكلمون بلغو ولا رفث، بل كلامهم تسبيح وتحميد ~~وتسليم. # والثالثة من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى: {وتحيتهم فيها سلام} أي ~~تحية بعضهم لبعض يكون بالسلام، وتحية الملائكة لهم بالسلام، كما قال تعالى: ~~{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم} وتحية الله لهم أيضا ~~بالسلام كما قال: {سلام قولا من رب رحيم} وعلى هذا التقدير تكون هذه إضافة ~~للمصدر إلى المفعول، وقال في البرهان: التحية: الملك، أي وملكهم فيها سلام، ~~قال الشاعر: # ولكل ما قال الفتى قد.......إلا التحية PageV19P142 والرابعة من مرتبة سعاداتهم قوله تعالى: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين} أي خاتمة دعائهم الذي هو التسبيح أن يقولوا الحمد لله رب ~~العالمين، وإن هي المخففة من الثقيلة، وأصله وأنه الحمد لله على أن الضمير ~~............كقوله: # في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # واعلم أنه تعالى لما وصف الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة ~~الدنيا واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين، أخبر أن من غفلتهم أن ~~الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلا منهم ~~وسفها، فقال: {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير}. # قال في الكشاف: أصله لو يعجل الله للناس من الشر تعجيله لهم الخير فوضع ~~استعجالهم بالشر موضع تعجيله لهم الخير إشعار سرعة إجابته لهم، وإسعافه ~~بطلبتهم حتى[356] كان استعجالهم بالخير تعجيله، والمراد أهل مكة، وقولهم: ~~فامطر علينا حجارة من السماء، أي لو عجلنا لهم الشر الذي دعو به كما يعجل ~~لهم الخير ويجيبهم إليه {لقضي إليهم أجلهم} أي لأهلكوا جميعا، وقيل: المراد ~~بالشر العقاب على أعمالهم، وبالخير منافع الدنيا، والمعنى ولو يعجل الله ~~للناس الشر الذي يستحقونه عقوبة كما يريدون العاجل من دنياهم الذي هو الخير ~~لأماتهم الله ms1870 ونقلهم إلى ذلك العذاب. PageV19P143 # وقال في البرهان: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير، فمعناه أن ~~الرجل إذا غضب على نفسه أو ولده أو ماله أن يدعو بالشر فيقول: لا بارك الله ~~فيه، أو أهلكه الله، فلو استجيب ذلك منه كما يستجاب الخير لقضي إليهم ~~أجلهم، أي لهلكوا، ثم قال: {فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون} ~~أي يتركهم .............في العمه وهو عمه الرأي خاصة، وقيل: المعنى فيحصل ~~الذين لا يؤمنون بالبعث في جزاء طغيانهم وتجاوزهم الحد في الكفر وضلالهم ~~يعمهون، أي يترددون في العذاب. # واعلم أن وجه إيصال هذا بما قبله أن قوله ولو يعجل الله متضمن معنى نفي ~~التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم في ~~طغيانهم يعمهون، فنمهلهم مع طغيانهم، ونقيض النعمة عليهم إلزاما للحجة ~~وقطعا للمعذرة. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه أفنذرهم في طغيانهم يعمهون على ~~وجه التقرير، ولكنه حذف الألف فجاء كالخبر، وإنما هو توقيف لهم وتعنيف على ~~ضلالهم وجهلهم. PageV19P144 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ~~ولقضى عليه، فبين بعد ذلك ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه؛ ليكون ذلك ~~مؤكدا ما ذكره من أنه لو أنزل العذاب لمات بقوله: {وإذا مس الإنسان الضر} ~~من المرض والبلوى والشدة {دعانا لجنبه} ملقيا جنبه إلى الفراش، أي مضطجعا، ~~فهو في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه وهو قوله: {أو قاعدا أو قائما} ~~ويحتمل أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين سبحانه في ~~هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال؛ لأنه لو نزل بالإنسان أدنا ~~شيء يكرهه ويؤذيه، فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه، ~~وذلك يدل على أنه ليس صادقا في هذا الطلب، ثم قال: {فلما كشفنا عنه ضره مر} ~~على طريقته الأولى قبل مس الضر، ونسي حال الجهد، أو مر عن موقف الابتهال ~~والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له ms1871 به وأن في قوله: {كأن لم يدعنا إلى ~~ضر مسه} هي المخففة من الثقيلة، أي كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن، ~~كقوله: كأن يدتاه جفان، والمقصود من هذه الآية بيان أن الإنسان قليل الصبر ~~عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر ~~أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا وقاعدا، وقائما مجتهدا في ذلك الدعاء، ~~طالبا من الله إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة، فإذا كشف ذلك عنه ~~بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك المس، ولا يعرف قدر الإنعام، وصار ~~بمنزلة من لم يدع الله لكشف ضره، وإنما ذكر الله تعالى هذا تنبيها على أن ~~هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابرا عند نزول ~~البلاء، شاكرا عند التبدل[357] بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء ~~والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة وقت المحنة. PageV19P145 # عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سره أن يستجاب له عند الكرب ~~والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء)). # واعلم أن الكاف في قوله سبحانه: {كذلك زين} للتشبيه، والمعنى كثل ذلك ~~التزين للأعراض عن دعائنا زين الشيطان بوسوسته، والله عز وجل بخذلانه ~~وتخليته {للمسرفين ما كانوا يعملون} من الإعراض عن الذكر، والدعاء عند نزول ~~البلاء معرضا عن ذكر الله متغافلا عنه، غير مشتغل بشكره كان مسرفا في أمر ~~دينه، متجاوزا للحد في الغفلة عنه، ولا شبهة في أن المراد كما يكون مسرفا ~~في الإنفاق فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، أو يجاز الحد فيه. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: {اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} ثم أجاب ~~عنه بأن ذكر أنه ليس صلاح في إجابة دعائهم، ثم أخبر أنهم كاذبون في هذا ~~الطلب؛ لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى الله تعالى في إزالتها، ~~والكشف عنها، بين بعد ذاك ما يجري مجرى التهديد فقال: {ولقد أهلكنا القرون} ms1872 ~~أي الأمم الماضية {من قبلكم} يا أهل مكة {لما ظلموا}. # قال في الكشاف: لما طرق لأهلكنا، والواو في قوله: {وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات} للحال، أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على ~~صدقهم وهي المعجزات. PageV19P146 # وقوله: {وما كانوا ليؤمنوا} يجوز أن يكون عطفا على ظلموا، وأن يكون ~~اعتراضا، واللام لتأكيد النفي، أي وما كانوا يؤمنوا حقا تأكيدا لنفي ~~إيمانهم، وأن الله قد علم منهم بالإصرار على الكفر، وهذا يدل على على أنه ~~تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم، فكذلك كل مجرم وهو وعيد لأهل مكة؛ لأجل ~~تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: {كذلك نجزي} أي مثل ~~ذلك الجزاء، أي الإهلاك على تكذيب الرسل، نجزي {القوم المجرمين} والخطاب في ~~قوله: {ثم جعلناكم} لمن بعث فيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى ~~{خلائف في الأرض من بعدهم} أي استخلفناكم بعد المهلكين {لننظر كيف تعملون} ~~أخيرا أم شرا، فنعاملكم على حسبه، وفيه معنى المقابلة. # قال في الكشاف: وهو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجودا شبه ~~بنظر الناظر وعيان المعاين في تحقيقه. # قلت: والحق أن المراد لنعلم علما يتعلق به الجزاء، ويتميز المؤمن من ~~الكافر بما يظهر من الأفعال، فإنه لا فرق في علمه تعالى بين المعدوم ~~والموجود، لكنه عز وجل لا يثيب ولا يعاقب على ما يعلم من أفعالهم حتى يصير ~~ذلك المعلوم موجودا، فالنظر مستعار لذلك لا لعلم الله المحقق، والله أعلم. # ثم حكى سبحانه نوعا من أنواع شبهاتهم وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في ~~نبوة محمد صلوات الله عليه وآله وسلم حكاها الله عنهم تعالى في كتابه، ~~وأجاب عنها فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات الإعجاز، يعني ~~آيات القرآن؛ لأنها بينات لكل شيء، فذكر الله تعالى أنه كلما تلى عليهم ~~آيات القرآن {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله}. PageV19P147 # روي عن ابن عباس أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبالقرآن، الوليد بن المغيرة المخزومي، ms1873 والعاص[358] بن وائل ~~السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن يغوث، والحارث بن حنظلة، فقتل الله ~~كل رجل منهم بطريق كما قال: {كفيناك المستهزئين}. # قال في الكشاف: غاضهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان، والوعيد ~~للمشركين فقالوا: ائت بقرآن آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك أو بدله، ~~بأن تجعل آية مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، فأمر ~~بأن يجيب عن التبديل؛ لأنه داخل تحت الإنسان وهو أن يصنع مكان آية عذاب آية ~~رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة. # وأما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للإنسان، فأمره الله بقوله: {قل ~~ما يكون لي} أي ما ينبغي لي ولا يحل {أن أبدله من تلقاء نفسي} أي من قبلها ~~بلا أمر من ربي، فليس لي أن أتلقاه بالتغيير والتبديل، كما ليس لي أن ~~أتلقاه بالرد والتكذيب {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} يعني لا آتي ولا أذر شيئا ~~من ذلك إلا متبعا لوحي الله فيما أتلوه عليكم من وعد أو وعيد، أو تحليل أو ~~تحريم، أو أمر أو نهي، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدلت آية مكان آية تبعت ~~التبديل، وليس إلي تبديل ولا نسخ {إني أخاف إن عصيت ربي} بالتبديل والنسخ ~~من عند نفسي {عذاب يوم عظيم} أي يوم القيامة، فبين تعالى أنه بمنزلة غيره ~~في أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما حكم إلا بالوحي، ودل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد. PageV19P148 # قال في الكشاف: فإن قلت: أما ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن ~~حتى قالوا ائت بقرآن غير هذا؟ قال: بلى ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، ~~وكانوا يقولون لقلنا مثل هذا، أو يقولون افترى على الله كذبا، فينسبونه إلى ~~الرسول، ويزعمونه قادرا عليه وعلى مثله، مع علمهم بأن العرب مع كثرة ~~فصاحتها وبلاغتها إذا عجزوا عنه كان الواحد منهم أعجز، فإن قلت: لعلهم ~~أرادوا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ms1874 من جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته، ~~وأراد بقوله ما يكون لي، ما يسهل لي وما يمكنني أن أبدله قال برده، قوله: ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب، فإن قلت: فما كان غرضهم وهم أدها الناس وأنكرهم ~~في هذا الاقتراح؟ قال: الكيد والمكر، أما اقتراح ابدال قرآن بقرآن ففيه أنه ~~من عندك، وأنك قادر على مثله فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل ~~والتغيير فللطمع ولاختبار الحال، وأنه إن وجد منه تبديل فإما أن يهلكه الله ~~تعالى فننجوا منه أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعل التبديل حجة عليه وتصحيحا ~~لافترائه على الله. PageV19P149 # واعلم أن القوم إنما التمسوا هذا الالتماس لأجل انهم اتهموه بأنه هو الذي ~~بأتي بهذا الكتاب من عند نفسه على سبيل الاختلاف والافتعال لا على سبيل ~~كونه وحيا من عند الله، فلهذا المعنى احتج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على فساد هذا الوهم بما ذكره الله تعالى حيث قال: {قل لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم} أي ما قرأته لأني أمي، ولم أخالط العلماء ساعة، وهو كتاب فصيح يبهر ~~كل كلام فصيح، يعلو على كل منثور ومنظوم، فيه إخبار بما كان وما يكون، ثم ~~قال: {ولا أدراكم به} أي ولا أعلمكم به على لساني، وتقريره أن أولئك ~~الكفار[359] كانوا شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول عمره ~~إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا يعلم من ~~أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم هذا الكتاب العظيم ~~المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، ~~وأسرار قصص الأولين، وعجز عن معارضة العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له ~~عقل سليم يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى، ~~فقوله لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به حكم منه صلوات الله عليه ~~وآله وسلم بأن هذا القرآن وحي من عند الله لامن اختلاقي ولا من افتعالي، ~~وقوله: {فقد لبثت فيكم عمرا ms1875 من قبله} إشارة إلى الدليل الذي قررناه، يعني ~~فقد أقمت فيما بينكم يافعا وكهلا فلم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه ولا ~~قدرت ولا ............وبيان فتتهوني باختراعه {أفلا تعقلون} فتعلموا أنه ~~ليس إلا من الله ولا من مثلي، وهذا جواب قولهم ائت بقرآن عير هذا، أو ~~المعنى أن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم على أمي لم يتعلم ولم يطالع كتابا ~~ولم يمارس مجادلة، فعلم بالضرورة أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل، ~~ولا تكاد العلوم الضرورية تقدح في صحة هذا الفعل، فلهذا السبب PageV19P150 قال: أفلا تعقلون. # واعلم أنهم لما التمسوا قرآنا يذكره من عند نفسه ونسبوه إلى أنه إنما ~~يأتي بهذا القرآن من عند نفسه، ثم أنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ~~ذلك باطل، وأن هذا القرآن ليس إلا ما يوحي الله وينزله، قال عند هذا: {فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا} والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند ~~الله لما كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه من حيث افتريته على الله، ولما ~~أقمت الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك، بل هو بوحي من عند الله وجب أن يقال ~~أنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم لأحل أنه لما ظهر ~~بالبرهان المذكور كونه من عند الله، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم آيات الله ~~فوجب أن يكونوا أظلم الناس، والحاصل أن قوله: ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا، المقصود منه نفي الكذب عن نفسه، وقوله: {أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون} فهو تأكيد لما سبق من هذين الكلامين، والفلاح الظفر. # واعلم أنه لما كان هذا القرآن الكريم الذي التمس القوم من الرسول صلوات ~~الله عليه وآله وسلم غيره أو تبديله مشتملا على شتم الأصنام التي جعلوها ~~آلهة لأنفسهم، ذكر الله تعالى بعد ذلك ما يدل على قبح عبادتها فقال: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم} من الأوثان التي هي جماد لا ~~تقدر على نفع ولا ضر البتة. ms1876 PageV19P151 # وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف في هذه الأصنام تارة بالإصلاح ~~وتارة بالإفساد، وإذا كان العابد أكمل حالا من المعبود كانت العبادة باطلة، ~~وقيل: إن عبدوها لم تنفعهم وإن تركوها لم تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون ~~مبنيا على الطاعة معاقبا على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل ~~مكة العزى ومناة وهبل واسافا ونائلة {ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وعن ~~النضر بن الحارث[360]: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، وقيل: ~~المراد شفيعا في مصالح الدنيا؛ لأنهم لا يقرون بالبعث، وقوله تعالى: {قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم} تهكم بهم، وبما ادعوه من المحال الذي هو شفاعة ~~الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبأوا به باطل غير منطو تحت الصحة، فكأنهم ~~يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه، وقرئ ~~أتنبؤنه بالتخفيف، وقوله: {في السماوات ولا في الأرض}تأكيد لنفيه؛ لأن ما ~~لم يوجد فيها فهو منتف معدوم. # وأما قوله سبحانه: {سبحانه وتعالى عما يشركون} فالمقصود تنزيه الله نفسه ~~عن ذلك، وتعاظم وارتفع عما يشركون من الأوثان، وما موصولة أو مصدرية، ثم ~~إنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام قال: ~~{وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} أي كانوا حنفاء متفقين على ملة ~~واحدة من غير أن يختلفوا بينهم. # قال في الكشاف: وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل بعد ~~الطوفان، حتى لم يذر الله من الكافرين ديارا. PageV19P152 # قال الهادي عليه السلام: المعنى في ذلك أن الله سبحانه أخبر أن الناس في ~~الحق كانوا أمة واحدة في الإقرار بالله، وما أمروا به من طاعة الله، وأن ~~الحكم من الله والأمر لهم في ذلك، وأنه لم يزل واحدا حتى اختلف أهل العصيان ~~والخلاف، فعصوا وخالفوا ما جعل الله لهم من الأصل في الدين، وثبت لهم من ~~اليقين بغيا وضلالا، وكفرا بالله وطغيانا، انتهى. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام معناه ما كانوا إلا أمة واحدة في ~~الجهل حتى هديناهم، ms1877 فاختلفوا في الهدى، ووقع أكثرهم في الغي والردى. PageV19P153 # قال في البرهان: يعني كانوا على الكفر حتى بعث الله إليهم الرسل فاختلفوا ~~فيه بعد إرسال الرسل اختلفوا في الدين، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ثم قال: ~~{ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} عاجلا، أي لفرغ من هلاكهم {فيما فيه ~~يختلفون} يقول سبحانه: لولا حكم ربك سبق بالتأخير لهم إلى يوم القيامة لميز ~~المحق من المبطل، والمصيب من المخطئ، لقضى بين المحقين والمبطلين، ولكن ~~سبقت هذه الكلمة وهي الحكم من الله بالتأخير لمن خالف الحق إلى عقوبة ~~الآخرة بالنار وبئس المصير، وربما أذاقهم سبحانه من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر، ثم حكى سبحانه نوعا آخر من شبهات القوم وإنكارهم نبوته صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقال: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه} أرادوا ~~آية من الآيات التي كانوا يقترحونها، وكانوا لا يعتدون بما أنزل عليه من ~~الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى ~~بالقرآن آية باقية على وجه الدهر، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم ينزل ~~على أحد من الأنبياء آية قط، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، ~~وإنهماكهم في الغي، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عند هذا ~~السؤال بقوله تعالى: {فقل إنما الغيب لله} أي فهو المختص به دون غيره، وأن ~~الصارف عن إنزال الآية المقترحة[361] أمر مغيب لا يعلمه إلا هو {فانتظروا} ~~نزول ما اقترحوه {إني معكم من المنتظرين} لما يفعل الله بكم لعنادكم ~~وجحودكم الآيات، سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون، ثم ~~رحمهم بالحيا فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله، ويعادون رسول الله ~~ويكذبونه، ثم أجاب تعالى بجواب آخر وذلك أنه لما كان عادة هؤلاء الأقوام ~~المكر واللجاج والعناد، مع مقابلة نعم الله بالكفران. PageV19P154 # قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {وإذا أذقنا الناس رحمة} مطرا أو خصبا {من ~~بعد ضراء مستهم} قحط وفقر، حيث سلط الله عليهم القحط الشديد، ومعنى مستهم ms1878 ~~خالطتهم حتى أحسوا سرائرها فيهم {إذا لهم مكر في آياتنا}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه إذا لهم حيل في دلائلنا، ~~وتأويلات في الإلحاد في حكمتنا، حتى يجحدوا تلك النعمة إلى غير موليها، ~~وينسبونها إلى من لا يعقلها ولا يعيها، مثل قولهم واعتلالهم وما وصفنا في ~~كتب التوحيد من حالهم، ونقصنا بحمد الله من برهانهم، وباطل كذبهم ~~ومخالفتهم، انتهى. # وإذا الأولى للشرط والأخرى جوابها، وهي للمفاجأة والمكر إخفاء الكيد وطيه ~~من الجارية الممكورة المطوية الخلق، قيل: وهو تدبيرهم في هلاك النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وبهلاكه تبطل الآيات، ~~وقوله: {قل الله أسرع مكرا} كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، ~~ويجعلهم منقادين للرسول، مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، ودلت ~~كلمة المفاجأة على أنه وصفهم بسرعة المكر، كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ~~ضراء فاجأوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤسهم من مس ~~الضراء، ولم يلبثوا ريثما يسبغون فيه غضبهم، فقال: الله أسرع مكر اجراء على ~~المكر، والمعنى أن الله تعالى دبر عقابكم وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف ~~تعملون في إطفاء نور الإسلام، وقوله: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} إعلام ~~بأن ما يظنونه خافيا مطويا يخفى على الله وهو منتقم منكم؛ لأن مكر الله عز ~~وجل هو ما أخفى عنهم من أنواع العقوبات، أو من الحفظة الذين يكتبون عليهم، ~~بدليل قوله تعالى: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} والله أعلم. # وحاصل الكلام أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة بالله بالكفر بالله سبحانه ~~وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك من وجهين: PageV19P155 # أحدهما: ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد، وفي الدنيا من الفضيحة ~~والخزي والنكال. # والثاني: أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه ويعرض عليهم ما في بواطنهم ~~الخبيثة يوم القيامة، ويكون ذلك سببا للفضيحة التامة، والخزي والنكال، نعوذ ~~بالله منه. # واعلم: أنه تعالى لما قال: {وإذا أذقنا الإنسان منا رحمة من بعد ضراء ~~مستهم إذا لهم مكر ms1879 في آياتنا} كأن هذا الكلام كلاما لا ينكشف معناه تمام ~~الانكشاف، إلا بذكر مثال كامل، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر ~~الشديد إلى الرحمة مثالا، ولمكر الإنسان مثالا حتى يكون ذلك كالمفسر لما ~~قبله، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى ألى أفهام السامعين[362] إلا بذكر ~~مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال سبحانه: {هو الذي ~~يسيركم في البر والبحر} أي أمكنكم من السير فيها {حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم} أي حتى إذا كنتم في السفن وجرين بكم، ولكن التفت من الخطاب إلى ~~الغيبة للبمالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم لتعجبهم منها، ومعنى {بريح طيبة} ~~أي ريحا لينة {وفرحوا بها} باللينة واستوائها {جاءتها ريح عاصف} شديد ~~تقلبها {وجاءهم الموج من كل مكان} الموج ما ارتفع من الماء {وظنوا أنهم ~~أحيط بهم} أي هلكوا جعل إحاطة العدو بالحي مثلا في الهلاك {دعوا الله ~~مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه} القصة والتهلكة {لنكونن من الشاكرين} ~~لطاعة الله وتوحيده، وإذا في قوله إذا كنتم شرط، وجوابه جاءتها، ودعوا الله ~~بدل من ظنوا من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به، ويحتمل أن يكون قوله دعوا ~~الله جواب الشرط، وقوله: جاءتها ريح عاصف معطوف بحذف العاطف، إذ قد يحذف، ~~والله أعلم. PageV19P156 # ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل أخبر أنهم بعد الخلاص من تلك ~~البلية والمحن أقدموا في الحال على البغي بغير الحق، فقال: {فلما أنجاهم ~~إذا هم يبغون في الأرض} أي يفسدون فيها {بغير الحق} وإنما قال بغير حق، ~~والبغي لا يكون بحق؛ لأن البغي قد يكون بالحق كاستيلاء المسلمين على أرض ~~الكفرة، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ببني قريظة، كذا في الكشاف وغيره، ولقائل أن يقول: ~~البغي ما كان تعديا وظلما، وما فعله المسلمون فليس بتعد ولا ظلم، والأولى ~~أن يكون قوله بغير الحق تأكيدا، والله أعلم. # ثم إنه تعالى أخبر أن هذا البغي أمر ms1880 باطل، يعود ضرره على أنفسكم، فيجب ~~على العاقل أن يحترز منه فقال: {ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع ~~الحياة الدنيا} يعني إن بغي بعضكم على بعض لأجل منفعة الحياة الدنيا ولا ~~بقاء لها فهي منقطعة حقيرة زائلة، وعلى هذا بغيكم مبتدأ خبره متاع الحياة ~~الدنيا، وإنما عقاب بغيكم يعود عليكم دون غيركم، وعلى هذا الخبر على ~~أنفسكم، وقوله متاع الحياة الدنيا جملة مستقلة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير ~~هو متاع الحياة الدنيا. # واعلم أن البغي من منكرات المعاصي، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة)) ~~وروي: ((ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين)). # وعن ابن عباس: لو بغا جبل على جبل لاندك الباغي، وكان المأمون يتمثل ~~بهذين البيتين في أخيه: # يا صاحب البغي إن البغي يصرعه # فارتع فخير فعال المرء أعدله # فلو بغى جبل يوما على جبل # لاندك منه أعاليه وأسفله PageV19P157 وقوله: {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} وعيد لهم، والمعنى أنه ~~لا يتهيأ لكم بعضكم على بعض إلا أياما قليلة، وهي مدة حياتكم مع قصرها ~~وسرعة انقضائها، ومعنى ثم إلينا أي إلى ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم، ~~مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا، والإنباء هو الإخبار، وهو في ~~هذا الموضع وعيد بالعقاب، كقول الرجل لغيره سأخبرك بما فعلت، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا البغي أتبعه بمثل عجيب ضربه لمن يبغي في ~~الأرض ويغتر بالدنيا[363] ويشتد تمسكه بها، ويقوى إعراضه عن الآخرة والتأهب ~~لها، فقال: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به} أي ~~بالماء {نبات الأرض} أي اشتبك سببه حتى خالط بعضه بعضا {مما يأكل الناس} من ~~الزرع والثمار {والأنعام} من العلف والشجر {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي ~~زينتها {وازينت} بخضرة النبات وينعه هذا من........أفصح الكلام، جعلت الأرض ~~أخذت زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، ~~فاكتستها وتزينت بغيرها من أنواع الزين من حمرة ms1881 وخضرة وصفرة وذهبية وبياض ~~{وظن أهلها أنهم قادرون عليها} برفع غلتها، ولا شك أنه متى صار البستان على ~~هذا الوجه وبهذه الصفة فإنه يفرح به المالك، ويعظم رجاؤه في الانتفاع به، ~~ويصير قلبه مستغرقا فيه، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة ~~عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد أو ريح أو سيل، وهو المراد من قوله ~~عز وجل: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها} أي الثمار {حصيدا} أي مقطوعا ~~لا شيء فيه بسببها لما يحصد من الزرع في استئصاله {كأن لم تغن بالأمس} كأن ~~لم يغن زرعها أي يلبث، فصارت تلك الزروع والأشجار باطلة هالكة، كأنها ما حصلت PageV19P158 البتة، فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه، فكذلك من وضع ~~قلبه على لذات الدنيا وطيباتها، فإذا فاتته تلك الأشيتاء عظم حزنه وتلهفه عليها. # وقوله: {كأن لم تغن بالأمس} على حذف مضاف أي كأن زرعها لم يلبث، والأمس ~~مثل للوقت القريب. # وقال الزجاج وابن قتيبة: لا يقدر مضاف، بل المراد كأن لم تغن الأرض أي ~~كأن لم تعمر. # واعلم: أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها بعض ~~المفسرين: # الأول: أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا، ~~كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأن ~~الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وقع قلبه، وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت ~~بغتة، وهو معنى قوله: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون} خاسرون للدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة مع ~~أنهم توجهوا إليها. # والوجه الثاني في التشبيه: أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع ~~عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا تحصل له عاقبة تحمد. # والثالث: أن يكون وجه التشبيه مثل قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلناه هباء منثورا} فلماسار سعي الزراع باطلا بسبب حدوث الأسباب ~~المهلكة فكذلك سعي المغتر بالدنيا. # الوجه الرابع: أن مالك ذلك ms1882 البستان لما عمره بإتعاب النفس، وكد الروح، ~~وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حدث ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد ~~الذي يكون يحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد في المستقبل، وهو ما ~~يحصل في قلبه من الحسرات، فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا، وأتعب نفسه في ~~تحصيلها، فإذا مات وفاته كلما فات صار العناء الذي يحمله في تحصيل أسباب ~~الدنيا سببا لحصول الشقاء العظيم في الآخرة. PageV19P159 # والوجه الخامس: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد وذلك ~~لأن نرى الزرع قد أنتهى إلى الغاية القصوى في الحسن، ثم تعرض للأرض المزينة ~~[364] به آفة فيزول ذلك الحسن بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك ~~الزينة مرة أخرى، فذكر تعالى هذا المثال ليدل على أن من قدر على ذلك قادرا ~~على إعادة الأحياء في الآخرة، ليجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخيرا وإن شرا ~~فشرا، ثم قال: {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون} فيعملون بمقتضى الفكرة، ~~ومعنى نفصل الآيات أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى على الترتيب؛ ليكون ~~تواليها وكثرتها سببا لقوة المتقين، وموجبا لزوال الشك والشبهة، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما نفر العاقلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، ~~رغبهم في الآخرة فقال: {والله يدعو إلى دار السلام} أي إلى دار السلامة من ~~كل آفة ومحنة، وقيل: الجنة أضافها إلى اسمه تعظيما لها، وقيل: لفشو السلام ~~بينهم، وتسليم الملائكة عليهم كقوله: {إلا قيلا سلاما سلاما}. PageV19P160 # قال في البرهان: وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما ~~فقال: ((رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما ~~لصاحبه اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك وأعقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك ~~كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنا فيها بيتا، ثم جعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا ~~يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله عز وجل ~~الملك والدار الإسلام، والمائدة الجنة، وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل ~~الجنة، ms1883 ومن دخل الجنة أكل ما فيها)) وذلك قوله: {والله يدعو إلى دار السلام ~~ويهدي من يشاء} أي من علم أنه ينتفع {إلى صراط مستقيم} أي يهدي بالتوفيق ~~والمعونة، وإظهار البراهين والأدلة إلى الصراط المستقيم، والصراط المستقيم ~~هو كتاب الله عز وجل، وبرحمته من العترة الطيبة اللذان هما مقترنان لا ~~يفترقان إلى يوم القيامة، انتهى. # واعلم أن كمال وجود الله وكمال قدرته، وكمال رحمته بعباده معلوم، فيدعو ~~عبيده إلى دار السلام، يدل على أن دار السلام قد حصل فيها ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأن العظيم إذا استعظم شيئا ورغب فيه، ~~وبالغ في ذلك الترغيب دل على كمال حال ذلك الشيء، لا سيما وقد ملأ الله هذا ~~الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله: {فروح وريحان وجنة نعيم} ولما دعا ~~تعالى إلى دار السلام ذكر سبحانه السعادات التي تحصل لهم فيها فقال: {للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة} أي المثوبة الحسنى وهي الجنة، وزيادة على المثوبة ~~وهي التفضل دل عليه، ويزيدهم من فضله علي عليه السلام عرفه من لؤلؤة واحدة ~~لها أربعة آلاف باب، ذكره الثعلبي ومجاهد مغفرة من الله ورضوان. # وفي البرهان: هي المكافأة بالحسنة إلى عشر أمثالها، وذلك معنى قوله ~~وزيادة. PageV19P161 # واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات شرح بعد ذلك ~~الآفات التي صابهم الله بفضله عنها فقال: {ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} ~~والمعنى لا يغشاهم قتر وهي غبرة في سواد، ولا ذلة ولا أثر هوان وكسوف بال. # قال في البرهان: والقتر الشيء سواد يعتري الوجه عند حزن شديد، وأصل القتر ~~الغبار، قال الشاعر: # متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # فالصفة الأولة قوله تعالى: {وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة}. # والصفة الثانية[365]: هي قوله سبحانه: {وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة} ~~والغرض من نفي هاتين الصفتين نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم، لنعلم أن ~~نعمهم الذي ذكره الله خالص غير مشوب بالمكروهات، وأنه لا يجوز عليهم ما ms1884 إذا ~~حصل غير صفحة الوجه، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة، ثم أخبر تعالى ~~أنهم خالدون لا يخافون الانقطاع فقال:{أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ~~دائمون. # واعلم أنه تعالى كما شرح حال المؤمنين شرح بعده حال من أقدم على السيئات، ~~وذكر تعالى من أحوالهم أمورا أربعة: # أولها: قوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات} يحتمل أن يكون معطوفا على ~~الذين أي: وللذين كسبوا السيئات من الكبائر{جزاء سيئة بمثلها} وهو عطف على ~~عاملين، أجازه الأخفش، ويحتمل أن يقدر وجزاء الذين عملوا السيئات سيئة ~~بمثلها لا يزاد عليها، وهذا دليل على المراد بالزيادة الفضل؛ لأنه دل بترك ~~الزيادة على السيئة على عدله، ودل ثم بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله. # وثانيها: قوله: {وترهقهم ذلة} أي: تغشاهم المذلة، وذلك كناية عن الهوان ~~والتحقير. PageV19P162 # وثالثها: قوله {ما لهم من الله من عاصم} أي لا يعصمهم ولا يمنعهم أحد من ~~سخط الله تعالى وعذابه، ويحوز مالهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما ~~يكون للمؤمنين {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} حال من الليل، ~~ومعنى الآية وصف وجوههم بالسواد حتى كأنها ليست سوادا من الليل كقوله ~~تعالى: {ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} وكقوله: {فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} وكقوله: {يعرف المجرمون بسيماهم} وتلك العلامة ~~هي سواد الوجه، وزرقة العين، فدل على سواد وجوههم مع الغبرة ولا أوحش مما ~~جمع الغبرة والسواد. # وقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: واسوداد الوجوه إنما هو حزنها ~~وحسرتها، وابيضاض الوجوه هنالك إنما هو سرورها وبهجتها، ثم أخبر عز وجل ~~أنهم خالدون في العذاب الذي لا انقطاع له أبدا بقوله: {أولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} والمراد من هذا الكلام اثبات ما نفاه عن السعداء. # ثم إنه تعالى أخبر عن نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار، فقال: {ويوم ~~نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم} أي ألزموا مكانكم ~~لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، وقوله أنتم أكد به الضمير في مكانكم ~~لشدة............قوله: الزموا، ms1885 والمعنى قفوا أنتم وشركاؤكم للحساب حتى ~~يحاسبكم على الشرك وغيره. PageV19P163 # واعلم أن قوله مكانكم كلمة مختصة بالتهديد والوعيد، ثم قال:{فزيلنا بينهم} ~~أي فرقنا بينهم وبين أصحابهم، ومن كانوا يطيعونه من أربابهم، وقطعنا الوصل ~~التي كانت بينهم في الدنيا، أو باعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف، أي ~~فرقنا بينهم بذهاب كل منهم إلى دركته من جهنم {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون} وإنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا ~~فأطعتموهم، والمراد أنهم جحدوا عبادتهم حينئذ لما يحذورن وخوفا من العقوبة، ~~وهول ما تشاهدون، واختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء، فقال بعضهم: هم ~~الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، واستشهدوا بقوله ~~تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ~~ومنهم من قال: هي الأصنام ينطقها الله بالتبري بدل الشفاعة التي طمعوا[366] ~~فيها، قالوا: لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد، وذلك لا يليق ~~بالملائكة المقربين، فإن قيل الشركاء قالوا ما كنتم إيانا تعبدون، وهم ~~كانوا قد عبدوهم، فكان هذا كذبا. # قلنا: المراد من قولههم ما كنتم إيانا تعبدون هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا ~~وإرادتنا، والدليل على ذلك وجهان: # أحدهما: أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا: {فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم} أي نشهد الله علمه فينا. PageV19P164 # والثاني: أنهم قالوا: {إن كنا عن عبادتكم لغافلين} فأثبتوا لهم عبادة، ~~وقالوا: إنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة، وقد صدقوا في ذلك، ومن أعظم ~~أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة، ومن الناس من ~~أجرى الآية على ظاهرها، وقالوا: إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها، ثم ~~ذكروا فيه وجوها قد ذكرها الرازي تركناها لقلة جدواها، وأن في قوله إن كنا ~~هي المخففة من الثقيلة، واللام في الخبر هي الفارقة بينها وبين النافية، ثم ~~قال تعالى كالتتمة لما سبق {هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} أي هناك في ذلك ~~المقام تختبر وتذوق كل نفس ما قدمت، ويبين لها يوم الحساب ما عملت، ms1886 وقرا ~~حمزة والكسائي تبلو تتباين، ومعناه تتبع، قال الشاعر: # إن المريب يتبع المريبا ... كما رأيت الذنب يتلو الذيبا PageV19P165 أي يتبع كل جزاء عمله من حسنة وسيئة، وأما قوله: {وردوا إلى الله} فمعناه ~~وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم في نظائره، أو يكون المراد وردوا ~~إلى ما يظهر لهم عن الله من ثواب أو عقاب، منبها بذلك على أن حكم الله ~~بالثواب والعقاب لا يغير، وقيل: معنى ردوا أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار ~~بإلهيته بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله، ولذلك قال: {مولاهم الحق} ~~المثيب المعاقب دون الأصنام الباطل ربوبيتها، أي أعرضوا عن المولى الباطل ~~ورجعوا إلى المولى الحق أي مالكهم، ووصف نفسه بالحق؛ لأن الحق منه كما وصف ~~نفسه بالعدل؛ لأن العدل منه، فإن قيل: فقد قال وإن الكافرين لا مولى لهم، ~~فكيف هاهنا صار لهم مولى؟ قيل: ليس لهم مولى بالنصرة والمعونة، وهو مولي ~~لهم بالملكة، ثم قال: {وضل عنهم} أي ضاع وبطل {ما كانوا يفترون} أي يدعون ~~أنهم شركاء لله، أو بطل كذبهم أنها تشفع لهم، وأن عبادتهم مقربة إلى الله ~~تعالى، فنبه الله سبحانه على أن ذلك يزول في الآخرة، ويعلمون أن ذلك كان ~~باطلا وافتراء واختلافا. PageV19P166 # واعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعه بذكر الدلائل الدالة على ~~فساد هذا المذهب، فقال في الدليل الأول أمر منه لمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {قل من يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات، ومعلوم أن مدبر ~~السماوات والأرض ليس إلا الله سبحانه وتعالى، ثم ذكر من الحواس أشرفها ~~فقال: {أمن يملك السمع والأبصار} أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد ~~الذي سويا عليه من هذه الفطرة العجيبة، أو يحميها عن الآفات مع كثرتها في ~~المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء، وكان علي عليه السلام يقول: ~~سبحان من بصر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم، ثم أتبع ذلك بأحوال الموت ~~والحياة فقال: {ومن يخرج الحي من الميت} أي يخرج الإنسان والطائر من ms1887 النطفة ~~والبيضة {ويخرج الميت} النطفة والبيضة {من الحي} الآدمي والطائر، وقيل: ~~المراد أنه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والأكثرون[367] على ~~القول الأول، وهو في الحقيقة أقرب. PageV19P167 # ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاما كليا وهو قوله تعالى:{ومن ~~يدبر الأمر} أي أمر العالم كله من صحة وسقم وحياة وموت، وليل ونهار، وشتاء ~~وصيف، وخصب وجدب، وغير ذلك جاء بالعموم بعد الخصوص؛ لأن أقسام تدبير الله ~~تعالى أمور لا نهاية لها، وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل ~~لا جرم عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي، ثم أخبر تعالى أن الرسول ~~صلوات الله عليه وآله وسلم إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال {فسيقولون الله} ~~أي إنه الله سبحانه، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون ~~الله ويقرون به، وبذلك لزمتهم الحجة، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام ~~إنها تقربنا إلى الله زلفى، وأنهم شفعاؤنا عند الله، وكانوا يعلمون أن هذه ~~الأصنام لا تنفع ولا تضر، فعند ذلك قال لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~{فقل أفلا تتقون} عقاب الله فيما أنتم عليه من الضلال أن تجعلوا هذه ~~الأوثان شركاء لله في العبودية مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا ~~والآخرة إنما تحصل من رحمته وإحسانه، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ~~البتة ولا تضر، ثم قال تعالى: {فذلكم الله ربكم الحق} إشارة إلى من هذه ~~قدرته وأفعاله ورحمته، هو ربكم الحق الثابت ربوبيته لا ريب فيه، وإذا ثبت ~~أن هذا هو الحق واجب أن يكون ما سواه ضلالا، وهو معنى قوله: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين، وأن يكونا باطلين، ~~فإذا كان أحدهما حقا وجب أن يكون ما سواه باطلا، ثم قال: {فأنا تصرفون} أي ~~فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون، والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الظاهر ~~الواضح، فماذا بعد الحق والباطل محدود ودلائل فمن خرج منها وقع في الباطل، ~~والمراد هنا بالضلال الشرك لا واسطة بينهما، فمن أخطأ ms1888 الحق وقع في الضلال ~~فكيف تصرفون عن الحق إلى الضلال، وعن السعادة PageV19P168 إلى الشقاوة، قوله: {كذلك حقت كلمة ربك} أي مثل ذلك الحق حقت كلمة ربك أي ~~كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم يصرفون عن الحق، فكذلك ~~حقت كلمة ربك {على الذين فسقوا} أي تمردوا في كفرهم وخرجوا إلى الحد الأقصى ~~{أنهم لا يؤمنون} أي لأنهم لا يؤمنون، والمراد بالكلمة على هذا العدة ~~بالعذاب، ويجوز أن يكون أنهم بدل من الكلمة أي حق عليهم انتفاء الإيمان ~~قرآنهم من الخذلان، قوله تعالى: {قل} يا محمد {هل من شركائكم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده} بالبعث. # اعلم أن هذا هو الدليل الثاني، وتقريره ما شرحه الله في سائر الآيات من ~~كيفية ابتداء تخليق الإنسان من النطفة والعلقة والمضغة، وكيفية إعادته من ~~كيفية ابتداء تخليق السماوات والأرض، فلما فصل هذه المقامات لا جرم اكتفى ~~تعالى بذكرها هاهنا على سبيل الإجمال، وإنما ذكر هذا الدليل على سبيل ~~السؤال والاستفهام؛ لأن الكلام إذا كان ظاهرا جليا، ثم ذكر على سبيل ~~الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤل كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب، ولذلك ~~أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم[368] أن يعترف بذلك فقال: ~~{قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده} وإنما قال لهم ذلك وهم غير معترفين ~~بالإعادة؛ لأن الدليل لما كان ظاهرا جليا، فإذا أورد على الخصم في معرض ~~الاستفهام، ثم إنه بنفسه يقول: الأمر كذلك كان ذلك تينبيها على أن هذا ~~الكلام أبلغ في الوضوح إلى حيث الإجابة فيه إلى إقرار الخصم به، وأنه سواء ~~أقر أو أنكر فالأمر متقرر ظاهر، أما قوله: {فأنا تؤفكون} المراد التعجب ~~منهم في الذهاب عن الأمر الواضح الذي دعاهم الهراء والتقليد أو الشبهة إلى ~~مخالفته، ومعناه كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل؛ لأن الإخبار عن كون ~~الأوثان آلهة كذب وإفك، والاشتغال بعبادتها مع أنها لا تستحق هذه العبادة ~~شبه الإفك. PageV19P169 # واعلم أنه تعالى لما ذكر دليل الخلق أتبعه بدليل الهداية، وهو الدليل ms1889 ~~الثالث فقال: {قل هل من شركائكم} من الملائكة والأوثان {من يهدي إلى الحق}. # قال الزجاج: يهدي للحق وإليه بمعنى واحد {قل الله يهدي للحق} أي بما ركب ~~من العقول، ومكن من النظر في الأدلة، ولطف وأنزل من الشرائع وهو الله وحده. # أما قوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى} فقال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد عز وجل أن يوفقهم على أن من ~~يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهدي إلا أن يهدى، ولكنه بدل مكان الياء ~~التشديدة وجعل الهاء مشددة. # قال في التجريد: يقال: هدى بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى، ~~والمعنى أفمن يهدي غيره أحق أن يتبع أم لا يهدي غيره إلا أن يهدى، أو فمن ~~يهدي غيره أحق أن يتبع أم من لا يهدي غيره إلا أن يهدى، أو أفمن يهدي غيره ~~أحق أن يتبع أم من لا يهتدي إلا أن يهدى، أو أفمن يهتدي إلى الحق أحق أن ~~يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى، وعلى الوجهين الأولين أن يهدى متعد وهو ~~الوجه، وعلى الثالث ليس بمتعد فيكون المعنى أمن يهتدي بغير هاد أحق أن يتبع ~~أم من لا يهتدي إلا بهاد، فإن قيل: المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام ~~وأنها جمادات لا يتقبل الهداية، فقوله: أمن لا يهدي لا يليق بهذا، فالجواب ~~من وجهين: PageV19P170 # أحدهما: أنه يجوز أن يراد به من يعقل ممن دعاهم من الشياطين ورؤساء الكفر ~~والضلالة، والدعاة إليها، والدليل عليه قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} إلى قوله تعالى: {عما يشركون} والمراد أنه ~~سبحانه هدى الخلق إلى الدين بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية، ~~أما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا ~~هداهم الله، وكان التمسك بدين الله أحق وأوجب من قبول هؤلاء الجهال. # الثاني: يجوز أن يراد الأصنام، وذلك أن القوم لما اتخذوها آلهة لا جرم ~~عبر عنها كما نعبر عن ms1890 من يعلم ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: {إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم} مع أنها جمادات، وقال: {إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم} فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ~~ويعلم، فكذا هاهنا وصفهم الله بصفة من يعقل، وإن لم يكن الأمر كذلك أو يحمل ~~ذلك على التقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدى فإنها لا تهدي ~~غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال ~~السؤال، والله أعلم. # واعلم أنه لما قرر[369] على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال: {فما لكم كيف ~~تحكمون} فعجب من مذهبهم الفاسد، ومقالتهم الباطلة أرباب العقول، فقوله: ~~فمالكم كلام تام، أي: أي شيء لكم في عبادة الأوثان، واتباع من لا يهدي إلا ~~أن يهدى. PageV19P171 # قال في البلغة في تفسير هذه الآية: هذا وجه حسن في الإلزام، فألزمهم أن ~~اتباع من يهتدي للحق ويهدي إليه أولى من اتباع من لا يهتدي ولا يقدر على ~~هداية الغير إلا أن يهديه المهتدي والهادي، فيفتقر إلى من يجعله بهذه ~~الصفة، ثم أنكر عليهم ما حكموا به من اتباع من لا يهتدي ولا يهدي بقوله: ~~{فما لكم كيف تحكمون} ودلت الآية على أن العالم الهادي أولى بأن يتبع من ~~المفتقر إلى معلم وهادي ليعلم ويهتدي، فكل من وقع له العلم بأحوال علماء ~~الصحابة وأنصف من نفسه علم أنه لم يكن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أولى بالاتباع من علي بن أبي طالب عليه السلام لكمال علمه بدين الله، ~~وتمكنه من الهدائة إليه، ولهذا خصه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم ~~بأن جعله باب علمه بقوله: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) فلو كان غيره ~~شاركه فيه أو تقرب منه لم يكن لتخصيصه بما خصه معنى، وحاشاه من المحاباة ~~والمماثلة، انتهى. # ثم قال تعالى: {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} في الإقرار بالله؛ لأنه قول غير ~~مستند إلى برهان عندهم في الأصنام أنها آلهة، وأنها تضر ms1891 وتنفع، وإنما منعه ~~من الإسلام التكبر، ثم قال سبحانه: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} أي لا ~~ينفع في الحق، ولا يدفع منه كثيرا ولا قليلا، قال الشاعر: # ولكن المنى لا يغني شيئا PageV19P172 وقوله تعالى: {إن الله عليم بما يفعلون} وعيد لهم على الظن والتقليد ~~وغيرهما، قوله تعالى: {وما كان هذا القرآن أن يفترى} أي ما صح وما استقام ~~أن يكذب ويختلق {من دون الله} أي ما كان ليخترع من غير الله، ولكن أن يقوم ~~مقام اللام وهي لام الأفعال المستقلة {ولكن} كان {تصديق الذي بين يديه} من ~~الكتب المتقدمة {وتفصيل الكتاب} أي ما كتب وفرض من الأحكام من قوله: كتاب ~~الله عليكم {لا ريب فيه} يعني منتفيا عنه الريب كائنا {من رب العالمين}. # قال في الكشاف: قوله لا ريب فيه من رب العالمين داخل في خبر الاستدراك، ~~كأنه قال، ولكن كان تصديقا وتفصيلا منتفيا عنه الريب، كائنا من رب ~~العالمين، ويجوز أن يراد ولكن كان تصديقا من رب العالمين، وتفصيلا منه لا ~~ريب في ذلك فيكون من رب العالمين متعلقا بتصديق وتفصيل، ويكون لا ريب فيه ~~اعتراضا كما تقول: زيد لا شك فيه كريم، انتهى. PageV19P173 # واعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى: {ويقولون لولا أنزل عليه آية من ~~ربه} ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إنما يأتي به من عند نفسه على سبيل الافتعال ~~والاختلاق، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام، وامتدت تلك ~~البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى ~~بين في هذا المقام أن إتيان محمد بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على ~~الله، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا ~~الكلام بقوله: {أم يقولون افتراه} أي[370] اختلقه على الله، والهمزة ~~للإنكار، وتقرير الحجة عليهم، وإنكار لقولهم، واستبعاد، وإنما احتج عليهم ~~بما ذكره من الدلائل في هذه الآية؛ لأن ms1892 محمدا صلوات الله عليه وآله وسلم ~~كان رجلا أميا، ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم، وما كان مكة بلدة العلماء، ~~وما كان فيها شيء من الكتب، ثم إنه عليه السلام أتى بهذا القرآن مشتملا على ~~أقاصيص الأولين، والقوم كانوا في غاية العداوة، فلو لم تكن هذه الأقاصيص ~~موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه، ولبالغوا في الطعن فيه، ~~ولقالوا: إنك جئت بهذه الأقاصيص كما لا ينبغي، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة ~~حرصهم على الطعن فيه، ولا تقبح صورته علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة ~~لما في التوراة والإنجيل، مع أنه ما طالعهما ولا تعلم من أحد، وذلك يدل على ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أخبر عن هذه بوحي من قبل الله عز وجل، ~~ولما ذكر تعالى ما تقدم من الدلائل المذكور عاد مرة أخرى على إبطال هذا ~~القول فقال: {قل فأتوا بسورة مثله} أي قل يا محمد إن كان الأمر كما تزعمون، ~~فاتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله، فأنتم مثلي في العربية والفصاحة، ~~ومعنى بسورة مثله أي شبيهه به في البلاغة وحسن النظم، وقرئ سورة PageV19P174 مثله على الإضافة أي بسورة كتاب مثله، فإن قيل: لم قال في سورة البقرة: ~~{فأتوا بسورة من مثله} وقال هاهنا: {قل فأتوا بسورة مثله}؟ فالجواب والله ~~أعلم: أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان أميا لم يتعلم من أحد، ولم ~~يطالع كتابا، فقيل في سورة البقرة فليأت بسورة من مثله، وقال: هاهنا ~~فليأتوا بسورة مثله، يعني فليأت إنسان يساوي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~في عدم التعلم، وعدم مطالعة الكتب، وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه ~~السورة، وحيث ظهر العجز، وهذا لا يدل أن في السورة نفسها معجزة، ولكنه يدل ~~أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلوات الله عليه وآله وسلم في ~~عدم التتلمذ والتعلم يكون معجزا، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك ~~السورة في نفسها معجز، فإن الخلق وإن تعلموا أو ms1893 طالعوا أو تفكروا، فإنه لا ~~يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السورة، فلا جرم قال تعالى في ~~هذه الآية فاتوا بسورة من مثله، ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي ~~وإظهار المعجز، وقد دلت هذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق؛ لأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم تحدا العرب بالقرآن، والمراد من التحدي أنه يطلب منهم ~~الإتيان بمثله، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه عجة من عند الله على صدقه، وهذا ~~إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الجود في الجملة، ولو كان القرآن ~~قديما لكان الإتيان بالقديم محالا في نفس الأمر، فوجب أن لا يصح التحدي به، ~~ثم أكد هذا التحدي بقوله: {وادعوا من استطعتم} للاستعانة على الإتيان بمثله ~~{من دون الله} يعني إن الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله لا يقدر على ~~ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده ثم استعينوا بكل من دونه في هذه المعارضة ~~{إن كنتم صادقين} أنه افتراه، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة ~~الانفراد عن هذه المعارضة فحينئذ يظهر أن تعذر هذه PageV19P175 المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل ~~الله لا فعل البشر. # واعلم أنه قد[371] ظهر من هذا المعنى أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالقرآن ستة: # فأولها: أنه تحداهم بكل القرآن، كما قال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا}. # وثانيها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم تحداهم بعشر سور مثله. # وثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال: {قل فأتوا بسورة مثله}. # ورابعها: أنه تحداهم بحديث مثله {قل فاتوا بحديث مثله}. # وخامسها: أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل ~~يساوي رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم في عدم تعلم العلم، ثم في سورة ~~يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلم أو لم يتعلم. ms1894 PageV19P176 # وسادسها: أن في المراتب المتقدمة تحد كل واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة ~~تحدى مجموعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة، كما ~~قال: {وادعوا من استطعتم من دون الله} وهاهنا آخر المراتب، فهذا مجموع ~~الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز، ثم إنه تعالى ذكر ~~السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} أي ~~القرآن {ولما يأتهم تأويله} أي معناه وإعجازه، وما يؤل إليه وعده ووعيده، ~~والمراد أنهم سارعوا في التكذيب على البديهة قبل التدبر، ومعرفة التأويل ~~تقليد للآباء لفرط نفورهم قدمهم بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء ~~بحرف التوقع، وهو لما الذي يتبعه الوقوع ليؤذن أنهم علموا بعد علو شأنه ~~وإعجازه الذي هو تأويله فكذبوه ثانيا تعنتا وحسدا، ثم قال عز وجل: {فانظر ~~كيف كان عاقبة الظالمين} أي كيف أهلكهم، فانظروا مثل تلك العاقبة من عذاب ~~الاستئصال، وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في ~~الدنيا، وقيل: المراد أنهم طلبوا الدنيا، وتركوا الآخرة، فلما ماتوا فاتتهم ~~الدنيا والآخرة، فبقوا في الخسار العظيم. PageV19P177 # قال الرازي: وقال أهل التحقيق ولما يأتهم تأويله، يقول على أن من كان غير ~~عارف بالتأويلات وقع في الكفر بالبدعة؛ لأن ظواهر النصوص قد توجد فيها ما ~~يكون متعارضة، فإذا لم يعرف الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا ~~الكتاب ليس بحق، أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ~~ذلك نورا على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، وفي قوله: ولما يأتهم تأويله ~~يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: اعلم أنه تأويل ما كان يأتي به من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوعد والوعيد من ذي الجلال والإكرام، مما ~~كانت قريش ومن معها من المشركين، وكثير ممن كان معه صلى الله عليه وآله ~~وسلم من المنافقين يكذبونه ويجحدون، ويأبون التصديق به.............عن ~~الحشر والمعاد، وما أعد الله سبحانه للعباد من الثواب الذي أعده للمحسنين، ~~والعقاب الذي ms1895 جعله جزاء للفاسقين، ألا تسمع كيف حكى ذلك عنهم الرحمن حين ~~يقول في واضح ما أنزل من الفرقان من قوله: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون، لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير ~~الأولين} فأخبر سبحانه عن مجيء ما كانوا يوعدون مما كانوا به يكذبون من يوم ~~حشرهم وعقابهم، وما يعاينون من حسابهم، انتهى. PageV19P178 # واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: {كيف كان عاقبة الظالمين}[372] وكان الأمر ~~منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا أتبعه بقوله: {ومنهم من يؤمن به} أي ~~بالقرآن، وقيل بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي يصدق به في نفسه، ويعلم ~~أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب {ومنهم من لا يؤمن به} بل يشك فيه ولا يصدق، ~~أو يكون للاستقبال، أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصر، ثم قال: {وربك ~~أعلم بالمفسدين} أي هو العالم بأحوال المعاندين أو المصرين فيعاقبهم، ثم ~~قال: {وإن كذبوك} أي نموا على تكذيبك وأصروا {فقل لي عملي} على الطاعة ~~والإيمان {ولكم عملكم} على الشرك، وقيل: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم، ~~فلكل جزاء لا يتعداه، ثم قال: {أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} ~~معنى الآية الزجر والردع، أي إن عزموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم فتبرأ ~~منهم وخلهم، فقد أعذرت، كقوله سبحانه: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} ~~وقيل: معناه استمالة قلوبهم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف وهذا بعيد؛ لأن ~~شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد ~~بأفعاله، وثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، ~~فآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية، فكان القول بالنسخ باطلا، ~~قوله تعالى: {ومنهم} قيل يهود المدينة، وقيل من قريش المعاندين {من يستمعون ~~إليك} إذا قرأت القرآن، وعلمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون؛ لشدة ~~عداوتهم لك وكراهة ما جئت به فهم كالصم {أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون} لأن الأصم العاقل ربما تفرس إذا وقع في صماخة ms1896 ذوي الصوت. PageV19P179 # اعلم أنه تعالى في الآية الأولى قسم الكفار قسمين، فمنهم من يؤمن به ومنهم ~~من لا يؤمن به، وفي هذه الآية قسم من لا يؤمن قسمين منهم من يكون في نهاية ~~البغض له والعداوة له، ونهاية النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون كذلك، ~~فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال: منهم من يستمع كلامك مع أنه يكون ~~كالأصم من حيث لا ينتفع البتة بذلك الكلام، وقال في الثاني: {ومنهم من ينظر ~~إليك} أي وناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق، وأعلام النبوة، ولكنهم لا ~~يصدقون، فهم لا يبصرون بقلوبهم لشدة بغضك وبغض ما جئت به، فهم كالعمي ~~{أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} بالقلوب، أي لا يقدر على هدايتهم ~~وإسماعهم إلا الله تعالى بالقهر؛ لأنهم في اليأس من القبول كالصم العمي ~~الذين لا عقول لهم ولا بصيرة في قلوبهم؛ لأن الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد ~~..............، فأما العمي مع الحمق فجهد البلاء، والمقصود من هذا الكلام ~~إعلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذه الطائفة قد بلغوا في مرض ~~العقل إلى يحيث لا يقبلون العلاج، والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج ~~أعرض عنه ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من ~~حال هؤلاء الكفار، والله أعلم. # ثم أخبر سبحانه أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح فيكون ظالما له، ولكنهم ~~باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها، فقال تعالى: {إن الله لا يظلم ~~الناس شيئا} أي لا يعاقبهم بغير استحقاق، ولا يظلمهم شيئا مما يتصل ~~بمصالحهم من بعثة الرسل، وإنزال الكتب {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} بالظلم ~~والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيدا للمكذبين، يعني إنما[373] يلحقهم يوم ~~القيامة من العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستيجاب، ولا يظلمهم الله ~~ولكن ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سببا فيه. PageV19P180 # واعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر، أتبعه ~~بالوعيد فقال: {ويوم يحشرهم} للبعث والجزاء {كأن لم يلبثوا} في هو موضع ~~الحال ms1897 أي مشابهين من لم يلبث {إلا ساعة من النهار} أي يستقلون لبثهم في ~~الدنيا أو في القبور لهول ما يرون، وقيل: لأنهم لما ضيعوا أعمارهم في طلب ~~الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بما مضى من أعمارهم البتة، وبقيت ~~عليهم تبعاته. # قال الحاكم: ويجوز أن يكون التقليل من الله تعالى لأنه قليل في جنب ~~الآخرة الأبدية، وكأن في قوله كأن لم يلبثوا هي المخففة من الثقيلة، أي ~~كأنهم لم يلبثوا فخفف كقوله، وكان قد ثم قال: {يتعارفون بينهم} أي يعرف ~~بعضهم بعضا كما كانوا يتعارفون في الدنيا، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت ~~إلا مدة قليلة لا يؤثر في زوال ذلك التعارف، وذلك عند خروجهم من القبور، ~~وفي بعض أحوال يوم القيامة، ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر، وقيل: يعرف بعضهم ~~ما كان عليه من الخطأ والكفر، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب، وتبرأ ~~بعضهم من بعض، فإن قيل: كيف توافق هذه الآية قوله تعالى: {ولا يسأل حميم ~~حميما} فجوابه من وجهين: # أحدهما: أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم بتوبيخ بعضهم بعضا، ~~فيقول كل فريق للآخر: أنت ضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من ~~القبائح، فهذا تعريف توبيخ وتعنيف، وتباعد وتقطع، لا تعارف عطف وشفقة. # وأما قوله: {ولا يسأل حميم حميما} فالمراد سؤال الرحمة والعطف. # والثاني: حمل هاتين الآيتين على حالتين وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا، ثم ~~تنقطع المعرفة فعند ذلك لا يسأل حميم حميما. # وأما قوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون التقدير ويوم نحشرهم حال كونهم قائلين قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله. PageV19P181 # الثاني: أن يكون قوله قد خسر الذين كذبوا كلام الله فيكون هذا شهادة من ~~الله عليهم بالخسران، والمعنى أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر أنه أعطا ~~الكثير الشريف الباقي، وأخذ القليل الخسيس الفاني، ثم قال: {وما كانوا ~~مهتدين} للصواب في رعاية مصالح هذه التجارة، وهو استئناف فيه معنى التعجب، ~~كأنه قيل ما أخسرهم لا أنهم اغتروا بالظاهر، ms1898 وغفلوا عن الحقيقة، فصار كأنه ~~رأى حاجة خسيسة فظنها جوهرة شريفة، واشتراها بكل ما ملكه، فإذا عرضها على ~~الناقدين خاب سعيه وفات أمله، ووقع في حرقة الروح وعذاب القلب، ثم قال ~~تعالى: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} قبل أن نريكه {فإلينا ~~مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} فنحن نريكه في الآخرة، أما هي الشرطية ~~زيد عليها ما لتأكيد الشرط وادغمت النون في الميم، وجعل موضعها وبدلها ~~تشديدا. # قال الهادي عليه السلام: # أما تؤخرني المنية فينة # إن المنية قد تعول وتصرع # يريد إن أخرتني المنية مدة من الزمان: # فعلي أن أوطئ السنابك عنوة # مدن العراق ومن به يترفع # وقوله: فإلينا مرجعهم جواب نتوفينك، وجواب نرينك محذوف، والتقدير وإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك الموعود ~~فإنك ستراه في الآخرة. # قال الرازي[374]: واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يري رسوله أنواعا من ذل ~~الكافرين، وحربهم في الدنيا، وسيريه أمته بعد وفاته، ولا شك أنه حصل الكثير ~~منه في زمان حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # قلت: قال المفسرون: وقعة بدر مما أراه الله من عذابهم، وحصل الكثير أيضا ~~بعد وفاته، والذي يحصل يوم القيامة أكثر، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين ~~محمودة وعاقبة المذنبين مذمومة. PageV19P182 # واعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه قومه بين أن ~~حال كل الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم كذلك فقال: {ولكل أمة رسول} ~~ينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق {فإذا جاء رسولهم} بالبينات {قضي ~~بينهم بالقسط} وفي الكلام إضمار، والتقدير إذا جاءهم رسولهم وبلغ وأقام ~~الحجة، وأزاح كل علة حتى لا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه، قضى بينهم ~~بالقسط، أي حكم بين النبي ومكذبيه بالعدل {وهم لا يظلمون} فأنجى الرسول ~~وعذب المكذبون في الدنيا، أو يكون المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة ~~رسول ينسب إليه ويدعى به، فإذا جاء رسولهم الموقف جمع الله بينهم وبين ~~رسولهم ms1899 في وقت المحاسبة، وبيان الفضل بين المطيع والعاصي؛ ليشهد عليهم بما ~~شاهد منهم من الكفر وغيره، كقوله: {وجيء بالنبيين والشهداء} ولنفع منهم ~~الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه، فيكون ذلك من جملة ما يؤكد به الزجر في ~~الدنيا كالمساءلة، وإنطاق الجوارح والشهادة عليهم بأعمالهم، وتمام هذا ~~التقرير أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهد عليهم، فكأنه تعالى ~~يقول: أنا شهيد عليهم على أعمالهم يوم القيامة، ومع ذلك فإني أحضر في موقف ~~القيامة مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال، والمراد منه ~~المبالغة في إظهار العدل. # واعلم أن الدليل للقول الأول هو قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا}. # وقوله: {رسلا مبشرين ومنذرين لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}. # وقوله: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا}، ودليل القول الثاني: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} إلى ~~قوله: {ويكون الرسول عليكم شهيدا}. PageV19P183 # وأما قوله: {وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}، فالتكرير لأجل التأكيد ~~والمبالغة في نفي الظلم. # ثم إنه تعالى حكى شبهة خامسة من شبهات منكري النبوة، فإنه صلوات الله ~~وآله وسلم كلما هددهم بنزول العذاب، ومر زمان، ولم يظهر ذلك العذاب قالوا ~~ما حكى الله عنهم: {ويقولون متى هذا الوعد} استعجالا لما وعدوا من العذاب، ~~واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نبوته. # واعلم أن قوله: {ويقولون متى هذا الوعد} كالدليل على أن المراد فيما تقدم ~~من قوله: قضي بينهم بالقسط، القضاء بذلك في الدنيا؛ لأنه لا يجوز أن يقول ~~متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة؛ لأن الحال في الآخرة حال يقين ~~ومعرفة بحصول كل وعد ووعيد، والأظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبرهم من نزول العذاب للأعداء ~~والنصرة للأولياء على وجه الاستعباد لكونه محقا في الإخبار، ويدل هذا القول ~~على أن كل أمة فإنها قالت لرسولها مثل ذلك القول، بدليل قوله: {إن كنتم ~~صادقين} وذلك لفظ جمع، ms1900 وهو موافق لقوله ولكل أمة رسول، ثم إنه تعالى أمره ~~صلوات الله عليه وعلى آله وسلم [375] بأن يجيب عن هذه الشبهة بجواب يحسم ~~المادة وهو قوله: {قل لا أملك لنفسي ضرا} من مرض أو فقر {ولا نفعا} من صحة ~~أو غنى {إلا ما شاء الله} استثناء منقطع، أي ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف ~~أملك لكم جلب العذاب الذي لا يقدر على إنزاله إلا الله سبحانه، وأنه تعالى ~~ما عين لذلك الوعد والوعيد وقتا معينا، حتى يقال لما لم يحصل ذلك الموجود ~~في ذلك الوقت دل على حصول الخلف، وكان تعيين الوقت موقوفا على رعاية ~~المصالح والحكمة، ثم قال سبحانه: {لكل أمة أجل} يعني أن عذابكم له أجل ~~مضروب عند الله، وحد محدود من الزمان {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون} عنه {ساعة PageV19P184 ولا يستقدمون} معناه إذا جاء ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوه، ~~والساعة أقل الأوقات في استعجال الناس، وإلا فالأجل لا يتقدم لحظة ولا ~~يتأخر، ثم أمر عز وجل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بجواب آخر فقال: {قل ~~أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا} أي وقت بيات، أي فيأتيكم ليلا وأنتم ساهون ~~نائمون؛ لأنه أقطع {أو نهارا} على غفلة وقت اشتغالكم بالمعاش {ماذا يستعجل ~~منه المجرمون} أي: أي شيء تستعجلون منه، فالضمير في منه للعذاب، والمعنى أن ~~العذاب كله مكروه، مر المذاق، موجب للنفار، لا شيء منه يوجب الاستعجال، ~~ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل: أي شيء هول شديد تستعجلون منه، ويجب ~~أن تكون من للبيان في هذا الوجه، والاستفهام متعلق بأرأيتم؛ لأن المعنى ~~أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون، وجواب الشرط محذوف، وهم يندمون على ~~الاستعجال، أو يعرفوا الخطأ فيه، ويجوز أن يكون ماذا يستعجل منه المجرمون ~~جوابا للشرط، وماذا يستعجل منه المجرمون اعتراضا، والمعنى إن أتاكم عذابه ~~آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، والهمزة في قوله تعالى: {أثم ~~إذا ما وقع آمنتم به} للإنكار عليهم في تأخير الإيمان إلى وقت العذاب، ~~ودخول ms1901 حرف الاستفهام على ثم، كدخوله على الواو والفاء في قوله: {أو أمن أهل ~~القرى} أو{أفأمن أهل القرى} وهو يفيد التقريع والتوبيخ، ثم أخبر أن ذلك ~~الإيمان غير نافع لهم، بل يعيرون ويوبخون، ويقال: {أالآن} تؤمنون وترجون ~~الانتفاع بالإيمان بعد وقوع العذاب {وقد كنتم به تستعجلون} أي تكذبون، على ~~سبيل السخرية والاستهزاء؛ لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار، ~~وقرى: أالان بحذف الهمزة التي بعد اللام .......حركتها على اللام. PageV19P185 # وأما قوله: {ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد} أي الخلود في النار فهو ~~عطف على الفعل المضمر قبل الآن، والتقدير قبل الآن وقد كنتم به تستعجلون، ~~ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد {هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون}. # قال الرازي: اعلم أنه تعالى إنما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن ~~سائلا يسأل ويقول: يارب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا ~~التشديد والوعيد، فهو تعالى يقول: أنا ما عاملته بهذه المعاملة ابتداء، بل ~~وصل إليه جزاء عمله الباطل؛ لأن الجزاء واجب بحكم الوعد المحض، انتهى. # واعلم أنه سبحانه لما أخبر عن الكفار بقوله: ويقولون متى هذا الوعد، ~~وأجاب بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في غير هذه الآية ~~فقال: {ويستنبئونك} أي يستخبرونك على وجه[376] الاستهزاء بك وبالقرآن {أحق ~~هو} أي العذاب الموعود، وقيل: الشرائع والقرآن، وما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم من البعث والقيامة، ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: {قل ~~إي وربي إنه لحق} إي بمعنى نعم في القسم خاصة، أي لا شك في وقوعه، والفائدة ~~فيه أمور: # أحدها: أن يستميلهم بالكلام المعتاد، ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده ~~بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد. PageV19P186 # وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ~~ومنهم من لا يحتاج إلى البرهان الحقيقي بل يكتفي بالأشياء إلا قناعته نحو ~~القسم، ولذلك فإن الأعرابي الذي جاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسأله ms1902 ~~عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوة بالقسم، فكذا هاهنا، ثم إنه ~~تعالى أكد ذلك بقوله: {وما أنتم بمعجزين} أي بفائتين العذاب، وهو لاحق بكم ~~لا محالة، ولابد من تقدير محذوف فيكون وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب ~~أن ينزله عليكم، والغرض منه التنبيه على أن أحدا لا يجوز أن يمانع ربه ~~ويدافعه عما أراد وقضى، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات إنما ~~يجوز عليهم ما داموا في الدنيا، فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر ~~الله وآثار عظمته، وتركوا واشتغلوا بأشياء أخرى، ثم إنه تعالى حكى عنهم ~~ثلاثة أشياء: # أولها: قوله: {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به} أي لاستخلصت ~~به نفسها من العذاب، وجعلته فدية لها، فبتقدير أن تلك خزائن الأرض وأموالها ~~وجميع منافعها على كثرتها وجعلت فإنه لا ينفعها الفداء، لقوله تعالى: {ولا ~~يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} وقال في صفة هذا اليوم: {لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة}. # وثانيها: قوله: {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب}. PageV19P187 # اعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار، وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة ~~بمعنى الإخفاء فظاهر، وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم: أسر الشيء ~~وسره إذا أظهره، إذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من قال: المراد منه إخفاء ~~تلك الندامة؛ لأنهم بهتوا لعظيم ما رأوا، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ~~ولا تلفظا بندم، ويتكلمون في وقت آخر، وقيل: أسر الرؤسا الندامة ممن أضلوه ~~حياء منهم وخوفا من توبيخهم، وضعف بأنه ليس في وقت تصبر وتجلد، ومنهم من ~~قال: معنى أسروها أظهروها، وهذا مروي عن أبي عبيد وغيره. # قال في البرهان: يحتمل أن يكون أسروا الندامة بمعنى أظهروها وكشفوها. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: أسروا الندامة قبل إظهارهم لها، ~~ولكنه اختصر وليس يريد أنهم أخفوا ندامتهم على الجملة، وإنما الأصل في السر ~~هو الخاطر المنكتم، قال الشاعر: # ومستتر لها في الصدر مكتوم # وإنما أراد الله عز وجل أنهم أسروا ms1903 الندامة في أنفسهم كما أظهروها ~~بألسنتهم، انتهى؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا ~~لأجل حفظ الرئاسة، وفي القيامة، قد بطل هذا الغرض، فوجب الإظهار. # وثالثها: قال تعالى: {وقضي بينهم بالقسط} أي بين الظالمين والمظلومين، دل ~~على ذلك قوله: {وهم لا يظلمون} فيما قضى به عليهم، وقيل: بين المؤمنين ~~والكافرين، وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة ~~عليهم، وقيل: إن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لابد وأن يقضي الله ~~بينهم؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم [377] بعضا، ثم أتبع عز وجل ذلك ~~الإعلام بأن له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعدوه من الثواب ~~والعقاب فهو حق، فقال: {ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق}. PageV19P188 # اعلم أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد متفرعان على إثبات الإله القادر ~~الحكيم، وأن كل ما سواه فهو ملكه، فعبر عن هذا المعنى بقوله: ألا إن لله ما ~~في السماوات والأرض، ولم يذكر الدليل على صحة هذه المقدمة؛ لأنه تعالى قد ~~استقصى في تقرير هذه الدلالة فيما سبق من هذه السورة، وهو قوله: إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض، وقوله: {هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل} فلما تقدم هذه الدلائل القاهرة ~~اكتفى بذكرها، ومتى كان الأمر كذلك كان هو القادر على الإحياء والإماتة لا ~~يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك فيخاف ~~ويرجع ولا يغتر به المغترون، ثم قال: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} والمراد أنهم ~~غافلون عن هذه الدلائل، مغرورون بظواهر الأمور، ثم إنه أكد هذا الدليل ~~فقال: {هو يحي ويميت وإليه ترجعون} والمراد أنه قدر على الإحياء والإماتة ~~فإذا أماته وجب أن يبقى قادرا على إحيائه في المرة الثانية، فظهر بما ذكرنا ~~أنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: إي وربي، ثم إنه ~~تعالى أتبع ذلك الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة. # واعلم أن القرآن الكريم لما ms1904 كان من أكبر تلك الدلائل وأعظم المعجزات وصفه ~~تعالى بصفات أربع فقال: {ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} قد جاءكم ~~كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وبينة على التوحيد. # وثانيها: قوله: {وشفاء لما في الصدور} أي دوا لما في صدروكم من العقائد. # وثالثها: قوله: {وهدى} أي ودعا إلى الحق. # ورابعها: قوله {ورحمة للمؤمنين} أي لمن آمن به منكم، ثم قال تعالى: {قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا}. PageV19P189 # قال في البرهان: فضل الله الإسلام والهداية مع ما قدمه من الإسلام والنعم، ~~ورحمته عونه وتسديده، فبذلك فليفرحوا {هو خير مما يجمعون} في الدنيا من ~~أموالها ومنافعها. # قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله ورحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، ~~والتكرير للتأكيد والتقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما ~~عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد المفعولين لدلالة المذكور عليه، والفاء ~~داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فلحصولهما بالفرح، فإنه مفروح ~~به أحق منهما، ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته..........بذلك فليفرحوا، ~~ويجوز أن يراد قد جاءكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك فبمجيئهما فليفرحوا. # وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلى قل بفضل ~~وبرحمته فقال: ((بكتاب الله والإسلام)) وقيل: فضله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه. PageV19P190 # واعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة ~~نفسه، وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم ~~في شرائعهم وأحكامهم، وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة، مع ~~أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل، طريق باطل ومنهج فاسد، فقال: {قل أرأيتم} ~~أي أخبروني {ما أنزل الله لكم من رزق} أي ما خلق لكم من رزق، فعبر عنه ~~بالإنزال، أو أنزل من السماء الماء فأخرج به الأرزاق[378]، وقيل: أنزل ~~إباحته في القرآن كالذبائح التي لا تحل إلا بالشرع، ولفظ ما منصوب المحل ~~بإنزال أو بأرأيتم على معنى أخبرونيه، ثم قال: {فجعلتم منه حراما وحلالا} ~~هذا جعل التسمية منهم، والتعسف والتخبط بجهلهم، ms1905 والمعنى أنزله رزقا حلالا ~~كله فعصيتموه وقلتم هذا حلال وهذا حرام، أي البحيرة والسائبة ونحوهما، وما ~~جعلوه لآلهتهم، وما أحلوه من الميتة وأمثالها، ثم لما حكى ذلك قال لرسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم {قل أالله أذن لكم أم على الله تفترون} هذه قسمة ~~صحيحة؛ لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله أو لم تكن من الله، فإن كانت ~~من الله فهو المراد بقوله: {الله أذن لكم}، وإن كانت ليست من الله فهو ~~المراد بقوله: {أم على الله تفترون}، وقوله: {الله أذن لكم} متعلق بأرأيتم، ~~وقيل: تكرير للتأكيد، والمعنى أخبرويني الله أذن لكم في التحريم والتحليل ~~فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم تكذبون في نسبة ذلك إليه، ويجوز أن تكون الهمزة ~~للإنكار، وأم منقطعة أي بل أيفترون على الله تقريرا للافتراء، وقوله تعالى: ~~{وما ظن الذين يفترون على الله الكذب} أي شيء ظنهم فيما يصنع بهم {يوم ~~القيامة} وعيد عظيم حيث أبهم أمره، وهذا وإن كان في صورة الاستعلام، ~~فالمراد به تعظيم وعيد من يفتري على الله. PageV19P191 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من الاختصار، والمعنى في ذلك وما ~~ظنهم يوم القيامة إلا خزي لهم، ثم قال سبحانه: {إن الله لذو فضل على الناس} ~~حيث أنعم عليهم بإعطائهم العقل، وإرسال الرسل، وبعثه الكتب، وتعليم الحلال ~~والحرام {ولكن أكثرهم لا يشكرون} هذه النعمة، ولا يتبعون ما يهدون إليه ولا ~~يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله ولا يعقلون دعوة أنبياء الله، ولا ~~ينتفعون باستماع كتب الله. # واعلم أنه لما طال الكلام في أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإيراد ~~الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم، وفي ~~أمره بتحمل أذاهم بالرفق معهم، ذكر تعالى بعده كلاما ليحصل به تمام السرور ~~للرسول وللمطيعين، وتمام الخوف والفزع للمذنبين، وهو كونه سبحانه عالم بعمل ~~كل واحد، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه ~~نسكا وطاعة وزهدا وتقوى، ويكون باطنه مملوءا من الخبث، وربما ms1906 كان بالعكس، ~~فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور ~~للمطيعين، ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين، فقال: {وما تكون في شأن وما ~~تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} ~~قوله ما يكون وفيه وجهان: # قال ابن عباس: وما تكون يا محمد في شأن يزيد من أعمال البر. # وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها، ثم قال: وما تتلوا منه ~~أي من الشأن من قرآن؛ لأن المادة القرآن أعظم شأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومقاصده، أو من القرآن وإن لم يتقدم له ذكر تفخيما له، كأنه قيل: وما تتلو ~~من التنزيل منه من قرآن. # واعلم أنه تعالى لما خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب من أمرين: # أحدهما: قوله تعالى: {وما تكون في شأن}. PageV19P192 # والثاني: قوله تعالى: {ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا} رقبا نحصي ~~أعمالكم إذا تفيضون فيه أي حين تعلمون فيه وتقومون، وتخوضون فيه، وتحولون ~~من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه. # ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد فقال: {وما يعزب}[379] أي يتعدى ~~ويغيب {عن ربك من مثقال ذرة} أي وزن ذرة ومثقال الشيء ما يساويه في النقل، ~~والمعنى ما يسياويه في النقل، والمعنى ما يساويه في ذرة، الذر صغار النمل ~~واحدها ذرة، وهي تكون خفيفة الوزن جدا لقوله: {في الأرض ولا في السماء} ~~معناه ظاهر، فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض هاهنا على ذكر السماء مع أنه ~~تعالى قال في سورة سبأ: {عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض}؟ قيل له: حق السماء أن تقدم على الأرض، إلا أنه تعالى لما ذكر في ~~هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل بذلك وما يعزب، ~~فلهذا السبب قدم الأرض على السماء في هذا الموضع، ثم قال: {ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر إلا في كتاب مبين} أي في علم عليم، ms1907 ولكنه ضرب المثل بالكتاب ~~المبين فهو مجاز عبارة عن علم الله سبحانه، وهذا قول القاسم والهادي ~~وغيرهما من أئمتنا عليهم السلام ، وقيل: المراد صحائف الحفظة، والاستثناء ~~منقطع وأصغر وأكبر معطوف على من مثقال ذرة لفظا أو محلا، كأنه قيل: وما ~~يعزب أصغر من مثقال ذرة ولا أكبر لكنه في كتاب مبين، قاله الواحدي والزجاج، ~~وقيل: الاستثناء متصل، وأصغر وأكبر على قراءة النصب منصوب بلا التي لنفي ~~الجنس، وهو كلام........ ولا يصلح عطفه على مثقال ذرة؛ لأن قولك لا يعزب ~~عنه شيء إلا في كتاب مشكل هذا معنى الكشاف. PageV19P193 # واعلم أنا بينا أن قوله تعالى: وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن مما ~~يقوى قلوب المطيعين، ومما يكسر قلوب الفاسقين، فأتبعه الله بشرح أحوال ~~المخلصين الصادقين الصديقين فقال: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} أولياء الله الذين تولوه بالطاعة وتولاهم بالكرامة، وقد فسر ذلك ~~بقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} وأصل الولي من الولاء وهو القرب. # قال في البرهان: أولياء الله هم أهل ولايته، والمستحقون لكرامته، ويجوز ~~أن يكون المتحابون في الله، وذلك لما روينا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((إن من عباد الله ناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم ~~الأنبياء والشهداء لمكانهم يوم القيامة)) قالوا: يا رسول الله منهم خبرنا؟ ~~وما أعمالهم فإنا نحبهم لذلك؟ فقال: ((قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ~~بينهم ولا أموال يتعاطونها في الله، إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور، لا ~~يخافون إذا يخاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون})) أي لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم ~~يحزنون أي عند الموت، انتهى. # ثم قال تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} تبشرهم الملائكة ~~بالجنة. # قال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: أن البشرى في الحياة الدنيا هي البشارة عند الموت، بأن يعلم أين ~~هو قبل أن يموت، وفي الآخرة الجنة. # وروينا عن ms1908 أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((إن لخديجة بنت خويلد بيتا من قصب لا صخب فيه ولا نصب)). # وروي أن البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة براها العبد الصالح، أو ~~يرى له، وفي الآخرة الجنة، روينا ذلك أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، انتهى. PageV19P194 # وفي أن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا يقول الإمام الحسين بن القاسم ~~عليهما السلام: ولعمري ما ذلك ببعيد، وإن الرؤيا لمن بشارات الواحد المجيد، ~~ورحمته ولطفه بالعبيد، لهم البشرى في الحياة الدنيا، والسرور بصدق خبره ~~الذي[380] خبرهم به؛ لأن الله بشرهم في في الدنيا بالقرآن، وأوضح لهم ما ~~يصيرون إليه من السرور في الجنان. # قلت: ويصح حمل البشرى في الحياة الدنيا على الوجهين مع الرؤيا الصالحة، ~~وبشرى الملائكة عليهم السلام عند الموت، لقيام الأدلة المتظاهرة على ذلك، ~~كما قررناه في كتابنا هذا في غير موضع، قال الله تعالى: {تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة} الآية. # وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم، كما قال: {والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب، سلام عليكم} وكما قال: {سلام قولا من رب رحيم} ويندرج في ~~هذا الباب ما ذكره تعالى في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم، وإعطاء ~~الصحائف بأيمانهم، وما يقرون منها من الأحوال السارة، وكل ذلك من المبشرات. # ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أوليائه وشرح أحوالهم قال: {لا تبديل لكلمات ~~الله} أي لا تغير لأقواله، ولا خلاف لمواعيده، كقوله: {ما يبدل القول لدي} ~~والمعنى لا تحويل لها عن الحق، ولا زوال عن حقائق الصدق، ثم قال تعالى: ~~{ذلك} أي التبشير في الدارين والمبشر به {هو الفوز العظيم} وهو كقوله ~~تعالى: {وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا}. PageV19P195 # واعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله عنهم فيما تقدم ~~من هذه السورة، وأجاب عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها عدلوا إلى طريق ~~آخر وهو أنهم هددوه وخوفوه، وزعموا أن أصحاب البيع ms1909 والمال تسعى في قهرك وفي ~~إبطال أمرك بالله سبحانه، أجاب عن هذا الطريق بقوله: {ولا يحزنك قولهم} ~~يعني تكذيبهم وتهديدهم، وتشاورهم في تدبير هلاكك، وإبطال أمرك، وسائر ما ~~يتكلمون به في شأنك. # واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده نحو أن ~~كونه مؤثرا في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر خرج من أن ~~يكون سببا لحزنه. # ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حزن الآخرة ~~بقوله: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وكذلك أزال حزن ~~الدنيا بقوله: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا} أي السطوة والسلطان ~~والملك جميعا لله تبارك وتعالى. # قال في الكشاف: قوله إن العزة لله........بمعنى التعليل، كأنه قال مالي ~~لا أحزن، فقيل: إن العزة لله جميعا، أي الغلبة والقهر في ملكة جميعا، لا ~~يملك أحد شيئا منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم {كتب الله ~~لاغلبن أنا ورسلي} {إنا لننصر رسلنا} قرأ أبو حيوة إن العزة بالفتح، بمعنى ~~لأن العزة على صريح التعليل فأمنه الله بهذا القول من إضرار الكفار به ~~بالقتل والإيذاء، ثم قال عز وجل: {هو السميع العليم} أي يسمع ما يقولون ~~ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه، فهو مكافيهم بذلك. PageV19P196 # وأما قوله تعالى: {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض} فقال في ~~الكشاف: يعني العقلاء المميزين وهم الملائكة والثقلان، وإنما خصهم ليؤذن ~~بأن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته فهم عبيد كلهم، وهو سبحانه وتعالى ربهم، ~~ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا أن يكون شريكا له فيها مما وراهم مما لا ~~يعقل أحق أن لا يكون له ندا أو شريكا، ليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك ~~أو إنسي فضلا عن صنم أو غير ذلك فهو مبطل، تابع لما أدى إليه التقليد، وترك ~~النظر، ثم قال: {وما يتبع الذين يدعون[381] من دون الله شركاء} أي ما ~~يتبعون حقيقة لشركاء؛ لأن ms1910 الشركة في الربوبية محال، وأصله وما يتبع الذين ~~يدعون من دون الله شركاء فاقتصر على أحدهما للدلالة، وما على هذا نفي وجحد، ~~ومعناه أنهم ما اتبعوا شريك الله إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى، ~~وقيل: ما استفهام كأنه قيل أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، ~~والمقصود تقبيح فعلهم، يعني أنهم ليسوا على شيء، ثم قال تعالى: {إن يتبعون ~~إلا الظن} والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، ثم ~~بين أن هذا الظن لا حكم له بقوله: {وإن هم إلا يخرصون} يكذبون ويقدرون ~~باطلا أنها شركاء. # واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: إن العزة لله جميعا احتج بقوله: {هو الذي ~~جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} من الحركة وتعب التردد في المعاش {والنهار ~~مبصرا} مضيئا تبصرون فيه أسباب أرزاقكم، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول ~~التعب والكلال بالسكون فيه، والنهار مبصرا، أي مضيئا لتهتدوا فيه في ~~حوائجكم بالإبصار، والمبصر الذي يبصر والنهار يبصر فيه، وإنما جعله مبصرا ~~على طريق نقل الاسم من المسبب إلى السبب. PageV19P197 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه مبصر للناس تبصيرا، والتلاوة من ~~قوله مبصرا بتسكين الباء وتخفيفها، والمعنى في ذلك بالتقبل، ثم قال: {إن في ~~ذلك لايات لقوم يسمعون} أي يقبلون ويطيعون ويتدبرون ما يسمعون وبه يعتبرون. # ثم إنه تعالى حكى نوعا آخر من الأباطيل الذي ذكرها الكفار فقال سبحانه ~~وجل عن كل شأن شأنه: {قالوا اتخذ الله ولدا} أي الملائكة، ثم قال: {سبحانه} ~~تنزيها عن اتخاذ الولد، وفيه تعجب من كلمتهم الحمقا، وقوله {هو الغني} علة ~~لنفي الولد؛ لأنه يطلب للحاجة {له ما في السماوات وما في الأرض} العقلاء ~~وغيرهم، فهو مستغن بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا، لما بين تعالى ~~بالدليل الواضح امتناع ما أضافوه إليه عطف عليه بالإنكار والتوبيخ، فقال: ~~{إن عندكم من سلطان بهذا} أي ما عندكم من حجة بهذا، منبها بهذا على أنه لا ~~حجة عندهم في ذلك البتة، ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال: {أتقولون ms1911 على الله ~~ما لا تعلمون} لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، فدل على أن كل قول ~~لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم. # واعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة أن إثبات الولد لله قول باطل، ~~ثم إنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء ~~على الله ونسبة لما لا يليق به إليه أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يقول: {قل إن الذين يفترون على الله الكذب} بإضافة الولد إليه {لا يفلحون} ~~فبين أن من هذا حاله فإنه لا يفلح البتة، ألا ترى أنه قال في أول سور ة ~~المؤمنين: {قد أفلح المؤمنون} وقال في آخر هذه السورة: {إنه لا يفلح ~~الكافرون}. PageV19P198 # واعلم أن قوله: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} يدخل في هذه ~~الصورة، ولكنه لا يختص بهذه الصورة، بل كل من قال في ذات الله وفي صفاته ~~قولا بغير علم وبغير حجة وبينة، كان داخلا في هذا الوعيد، ومعنى لا يفلحون ~~هو لا يظفرون في سعي، ولا يفوزون بمطلوب، بل خابوا وخسروا، ومن الناس من ~~إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمطالب الخسيسة كان كأنه قد فاز بالمطلب ~~الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال: {متاع في الدنيا} أي ~~افتراؤهم وغيره متاع قليل، أي نفع قليل في الدنيا، يقيمون به رئاستهم ~~ومناصبتهم له صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يلقون الشقاء المؤبد[382] بعده، ~~وهو معنى قوله: {ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد} أي النار {بما ~~كانوا يكفرون} واستعار الذوق في العذاب كما هو في النعيم، فأخبر الله تعالى ~~أن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا، ثم لابد من الموت، وعند الموت ~~لابد من الرجوع إلى الله، وعند هذا الرجوع لابد وأن يذيقه الله العذاب ~~الشديد بسبب ذلك الكفر، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجمال. # واعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات وفي الجواب عن ~~الشبه والسؤالات شرع بعد ذلك ms1912 في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه: # أحدها: أن الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع العلوم فربما حصل نوع من ~~أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر انشرح ~~صدره، وطاب قلبه، ووجد من نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة، وميلا قويا. # وثانيها: ليكون الرسول ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء، فإن الرسول ~~إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كان إلا هذا الوجه خف ذلك ~~على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت. PageV19P199 # وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص علموا أن الجهال وإن بالغوا في ~~إيذاء الأنبياء المتقدمين، إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم ~~وقهر أعداؤهم، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لإنكسار ~~قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء ~~والسفاهة. # ورابعها: أنا قد دللنا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لما لم يتعلم ~~ولم يطالع كتابا، ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ومن غير زيادة ولا ~~نقصان، دل ذلك على أنه صلوات الله عليه وآله وسلم إنما عرفها بالوحي ~~والتنزيل. # واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاث: # فالقصة الأولى: قصة نوح عليه السلام فقال عز وجل: {واتل عليهم نبأ نوح} ~~أي عظهم به، وذلك أنه لما أصر قومه على الكفر والجحد، عجل الله إهلاكهم ~~بالغرق، فذكر الله قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وداعية إلى ~~مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة. # والثاني: أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكانوا يقولون له: كذبت ما جاءنا هذا العذاب، فالله سبحانه ~~ذكر لهم قصة نوح عليه السلام ؛ لأنه كان يخوفهم بهذا العذاب، وكانوا ~~يكذبونه فيه، ثم بالآخرة وقع كما أخبر، فكذا هاهنا، ومعنى {إذ قال} أي وقت ~~قال نوح {لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي} أي مكاني، يعني نفسه يقال: ~~فعلت هذا لمكان فلان ولمقامه أي لنفسه، ms1913 أو مقامي ومكثي بين أظهركم، أو ~~قيامي للوعظ؛ لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا، ~~وكلامهم مسموعا، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما ~~وهم قعود، ثم قال: {تذكيري بآيات الله}. PageV19P200 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه عظم في صدوركم وغمكم، وقدح في ~~قلوبكم قيامي وتذكيري للناس بالجنان، والترهيب للوعيد أو النيران. # واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية، وفي الجزاء قولان: # أحدهما: أنه قوله {فعلى الله توكلت} أي فإلى الله فوضت أمري، وبه اعتصمت ~~من كيدكم. # والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن جواب الشرط هو قوله: {فأجمعوا أمركم} ~~أي اجمعوا[383] ما تريدون من إهلاكي، قال ذلك ثقة بما وعده ربه من عصمته، ~~والواوا في قوله: {وشركاءكم} بمعني مع، أي أجمعوا أمركم مع ~~أو.............واستعينوا بها في إهلاكي، وقوله فعلى الله توكلت كلام اعترض ~~به بين الشرط والجزاء، كما يقول: إن كنت أنكرت علي سببا فالله حسبي فاعمل ~~ما تريد، وأما قوله: {ثم لا يكن أمركم عليكم غمة} فالغمة ضيق الأمر الذي ~~يوجب الغم، أي اهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة، وحالكم غمة أي غما، ~~وهما، والغم والغمة كالكرب والكربة، أو أراد بالأمر الثاني ما أراد بالأول، ~~والغمة الستر من غمه إذا ستره وغطاه، يقال: غم الهلاك على الناس إذا أستر ~~فهو مغموم إذا التبس، قال طرفة: # لعمرك ما أمري علي بغمة # نهاري ولا ليلي علي بسرمد # والمعنى لا يكون قصدكم إهلاكي مستورا لكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به، ~~{ثم اقضوا إلي} أدوا إلي ذلك الأمر وهو قصدكم إهلاكي. PageV19P201 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه سيروا إلي وفي مقاطعتي، واقطعوا ~~أمركم في عدواني كلكم، ولا تبغوا جهدا في حجبكم حتى يتبين لكم أمري وأمركم، ~~وتوفيق الله لي وخذلانكم {ولا تنظروني} أي ولا تمهلوني ولا تتركوني من ذلك ~~ولا تغفلون، وقد نظم بعض المفسرين هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال: إنه ~~عليه السلام قال في أول الأمر فعلى الله تولكت، فإني واثق بوعد ms1914 الله جازم ~~بأنه لا يخلف الميعاد، فلا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل وبالإيذاء يمنعني ~~من الدعاء إلى الله، ثم إنه عليه السلام أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه ~~فقال: فاجمعوا أمركم، كأنه يقول لهم: اجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب ~~التي توجب حصول مطلوبكم، ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم بأن ضموا إلى أنفسكم ~~شركائكم وهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانهم وبالتقرب بهم، ثم لم ~~يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثا، وهو قوله: ولا يكن أمركم عليكم غمة، ~~وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية من المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك ~~حتى ضم إليها رابعا، فقال: ثم اقضوا إلي، والمراد أن وجهوا تلك الشرور إلي، ~~ثم ضم إلى ذلك خامسا وهو قوله: ولا تنظرون، أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون ~~عليه من غير إنظار، فهذا آخر الكلام، ومعلوم أن مثل هذا يدل على أنه عليه ~~السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله وأنه كان قاطعا بأن كيدهم لا ~~يصل إليه، ومكرهم لا ينفذ فيه، ثم قال: {فإن توليتم} أي أعرضتم عن تذكيري ~~ونصحي {فما سألتكم من أجر} على نصحي ولا كان عندي ما ينصركم عني، وتتهموني ~~لأجله من طمع في أموالكم. PageV19P202 # قال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله ~~ومتى كان الإنسان فارغا عن الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب، ولأنه ~~عليه السلام أخبر أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه، وذلك لأن الخوف إنما ~~يحصل بأحد سببين: إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا ~~يخاف شرهم، وبين بهذه الآية أنه لايخاف منهم بسبب أن يقطعوا منه خيرا؛ لأنه ~~ما أخذ منهم شيئا، فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا، ثم قال: {إن أجري إلا على ~~الله وأمرت أن أكون من المسلمين} وفيه قولان: # الأول: أنكم سواء قبلتم دين الله أو لم تقبلوا فأنا مأمور بأن أكون على ~~دين الإسلام ms1915 من الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا من الدنيا، يريد أن ~~ذلك مقتضى الإسلام، والدين كل مسلم مأمور به. # والثاني: أني مأمور بالاستسلام [384] لكل فلا يصل إلا لأجل هذه الدعوة، ~~وهذا الوجه أليق بهذا الموضع؛ لأنه لما قال: ثم اقضوا إلي ولا تنظرون بين ~~أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه من هذا الباب، والمراد أن يجعل الحجة ~~لازمة لهم ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر ~~معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمردهم لا غير. # واعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوج عليه السلام وبين ~~أولئك الكفار ذكر إلى ماذا رجعت عاقبة تلك الواقعة، فقال سبحانه: {فكذبوه} ~~أي فتموا على تكذيبه، فكان تكذيبهم له في آخر المدة المتطاولة كتكذيبهم في ~~أولها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان {فنجيناه ومن معه في الفلك}. # قال في البرهان: وروينا أنه كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جرهم، ~~وكان لسانه عربيا، وحمل فيها من كل زوجين اثنين {وجعلناهم خلائف} يخلفون من ~~هلك بالغرق {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا}. PageV19P203 # قال.......وبقي الماء بعد الغرق مائة وخمسين يوما، وروينا في الأثر أنه لما ~~مضت السفينة بنوح أربعين ليلة فتح كوة السفينة ثم أرسل منها الغراب ينظر ما ~~فعل الماء فلم يعد فأرسل الحمامة فرجعت ولم يجد لرجلها موضعا، ثم أرسلها ~~بعد سبعة أيام فرجعت حين أمست وفي فيها زيتونة فعلم أن الماء قد قل عن ~~الأرض، ثم أرسلها بعد سبعة أيام فلم ترجع فعلم أن الأرض قد طهرت. # وقوله تعالى: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين} تعظيم لما جرى عليهم وتحذير ~~لمن أنذرهم صلى الله عليه وآله وسلم عن مثله، وتسلية له صلوات الله عليه ~~وآله وسلم؛ لأن هذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ومن كذبه كانت زجرا للمكذبين بحيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل ~~بقوم نوح، ويكون داعية للمؤمنين إلى الثبات على الإيمان، ليصلوا ms1916 إلى ما وصل ~~إليه قوم نوح، وهذه الطريقة للترغيب إذا جرت على سبيل الحكاية عن من تقدم ~~كانت أبلغ من الوعد المبتدأ، وعلى هذا الوجه أكثر تعالى أقاصيص الأنبياء ~~عليهم السلام . PageV19P204 # وأما تفاصيل هذه القصة فهو مذكور في سائر السور، ثم أخبرأنه تعالى أرسل بعد ~~نوحا رسلا ولم يسمهم فقال: {ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم} وقد كان منهم ~~هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم {فجاءوهم بالبينات} وهي ~~الحجج الواضحات، المثبتة لدعواهم من المعجزات، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا ~~على منهاج قوم في التكذيب، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى ~~المكذبين من قوم نوح عن ذلك، فلهذا قال: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به ~~من قبل} أي بما كذب به أوائلهم من قبلهم، وقيل: الضمير في كذبوا لقوم نوح، ~~أي بما كذب به قوم نوح من قبل، وليس المراد عين ما كذبوه؛ لأن ذلك لم يحصل ~~في زمانهم، بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات؛ لأن البينات الظاهرة ~~على الأنبياء أجمع كأنها واحدة. # وقال في الكشاف: يريد أنهم كانوا مثل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين ~~بالحق، فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم ~~أحد، ثم قال تعالى: {كذلك} أي مثل ذلك الطبع المحكم {نطبع على قلوب ~~المعتدين} المتجاوزين للحد، والمراد بالطبع الخذلان، وهو كناية عن عنادهم ~~في كفرهم؛ لأن الخذلان يتبعه، ألا تر كيف أسند إليهم الاعتذار، ووصفهم به ~~فدل ذلك على فساد تعلق المجبرة بهذه الآية، بأن الطبع غير مانع من الإيمان، ~~بدليل قوله تعالى[385]: {بل طبع الله} عليها بكفرهم، فهو لا يؤمنون إلا ~~قليلا، ولو كان هذا الطبع مانعا لما صح الاستثناء. PageV19P205 # القصة الثانية: قصة موسى عليه السلام قال تعالى: {ثم بعثنا من بعدهم} أي ~~الرسل {موسى وهارون إلى فرعون وملئه} أشراف قومه {بآياتنا} المعجزات ~~{فاستكبروا} عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد ~~تبينها، ويتعظموا عن تقبلها {وكانوا قوما مجرمين} كفارا ذوي ms1917 آثام عظام، ~~فلذلك استكبروا عنها واجترؤا على ردها {فلما جاءهم الحق من عندنا} كالعصا ~~واليد البيضاء، وعرفوا أنه الحق من عندنا لا من عند موسى وهارون {قالوا} ~~لحبهم الشهوات {إن هذا لسحر مبين} زعموا واضح لا شبهة فيه، وهم يعلمون أنه ~~الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلا تمويها وباطلا. # وأما قوله تعالى: {قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا} فمعناه ~~أتعيبون الحق وتطعنون فيه لقولكم هو سحر، من قولهم فلان يخاف القالة، وبين ~~الناس تقاول، أي قبيح، فيكون المعنى أتطعنون، ثم استأنف فقال: أسحر هذا ~~فأنكر عليهم ما قالوه في غيبته، ثم احتج على أنه ليس بسحر، وأنه ليس يقدر ~~ساحر على مثله، بقوله: {ولا يفلح الساحرون} يعني أن حاصل صنيعهم تخيل ~~وتمويه، ولا يفلح الساحر. # وأما قلب العصا حية، وفلق البحر فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التمويه ~~والتخييل، فثبت أنه ليس بسحر، ويحتمل أن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه ~~قولهم: إن هذا لسحر مبين، كأنه قيل: أتقولون ما تقولون، يعني قولهم إن هذا ~~لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا، ويحتمل أن يكون جملة قوله أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون حكاية لكلامهم، فإنهم{قالوا أجئتنا} بالسحر تطلبان به الفلاح، ولا ~~يفلح الساحرون. # واعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى، وعللوا ~~عدم القبول بأمرين: PageV19P206 # الأول: قوله: {قالوا أجئتنا لتلفتنا} أي لتصرفنا {عما وجدنا عليه آباءنا} ~~أي من عبادة الأصنام، ومنه لفت عنقه إذا لواه. # قال الأزهري: لفت الشيء وفتله إذا لواه، وهذا من المقلوب. # واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا: لا نترك الدين الذي نحن عليه؛ لأنا ~~وجدنا آباءنا عليه، فقد تمسكوا بالتقليد، ودفعوا الحجة الظاهرة لمجرد ~~الإصرار. # والسبب الثاني في عدم القبول: قوله تعالى: {وتكون لكما الكبرياء في ~~الأرض} أي الملك، وعلو الشأن والمنزلة في أرض مصر. # قال الزجاج: سمي الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضا ~~فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مدارج أمر أمته ms1918 إليه، فصار أكبر القوم. # واعلم أن السبب الأول إشارة إلى التمسك بالتقليد، والسبب الثاني إشارة ~~إلى الحرص في طلب الدنيا، والجد في بقاء الرئاسة، ولما ذكر القوم هذين ~~السببين صرحوا بالحكم وقالوا: {وما نحن لكما بمؤمنين} أي بمصدقين بما جئتما به. PageV19P207 # واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك أن يعارضوا معجزة ~~موسى عليه السلام بأنواع من السحر ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من ~~باب السحر، وذلك قوله تعالى حاكيا: {وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم} يعني ~~عظيم العلم بالسحر وتحقيقه {فلما جاء السحرة} وجمعهم فرعون للموعد {قال لهم ~~موسى ألقوا ما أنتم ملقون} من حبالكم وعصيكم، جعلوا فيها الزئبق مهموزا، ~~فجعلت تلتوي كالحيات، فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر؟ والأمر بالكفر ~~كفر؟ فجوابه[386] أنه عليه السلام إنما أمرهم بإلقاء الحبال والعصي ليظهر ~~للخلق أن ما أتوا به عمل باطل، وسعي فاسد {فلما ألقوا} حبالهم وعصيهم {قال} ~~لهم {موسى ما جئتم به السحر} أي والذي جئتم به هو السحر، لا ما سماه فرعون ~~سحرا من آيات الله، وما موصولة واقعة مبتدأ، والسحر خبر. # قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب لكلام سبق، إلا ~~أنهم قالوا لما جاءهم موسى ما جئتم به هذا سحر، فقال موسى: بل ما جئتم به ~~السحر، فوجب دخول الألف واللام؛ لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، كقول ~~الرجل لغيره: لقيت رجلا، فيقول له: من الرجل؟ فيعيده بالألف واللام، ثم ~~قال: {إن الله سيبطله} بإظهار المعجز، أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه {إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين} أي لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار، ~~ثم قال: {ويحق الله الحق} أي يوقع الحق ويسدده، ويقويه ويؤيده {بكلماته ولو ~~كره المجرمون} ذلك ومعنى بكلماته أي بأوامره وقضاياه، وقرئ بكلمته أي بأمره ~~ومشيئته، ثم قال تعالى: {فما آمن لموسى} في أول أمره {إلا ذرية من قومه على ~~خوف من فرعون}. PageV19P208 # اعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه ms1919 السلام من المعجزات ~~العظيمة، وما أظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر، ثم إنه ~~تعالى أخبر أنهم مع مشاهدة هذه المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية ~~من قومه، يعني إلا أولادا من أولاد قومه؛ لأنه دعا الآبا فلم يجيبوا خوفا ~~من فرعون، وأجابه طائفة من أبنائهم مع الخوف، وقيل: الضمير في قوله لفرعون ~~والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته، وجارية وامرأته وماشطة آل فرعون، ~~وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه كان يغتم ~~بسبب إعراض قومه واستمرارهم على الكفر، فأخبر أن له في هذا الباب سائر ~~الأنبياء أسوة؛ لأن الذي ظهر عن موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى ~~العين أعظم، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية. PageV19P209 # قال في البرهان: والذرية أراد به علماؤنا من بني إسرائيل؛ لأن فرعون كان ~~يقبحهم فسارعوا إلى الإيمان بموسى على خوف من فرعون {وملئهم} يعني وعظماؤهم ~~وأشرافهم {أن يفتنهم} أي يعذبهم ويصرفهم عن دينهم من محنة يوقعهم فيها، ~~وإنما قال وملائهم مع أن فرعون واحد لوجوه: إما أن المراد ملأ فرعون وآله، ~~أو لأن لفرعون ذو أصحاب يأتمرون له، فجمع ضميره نظرا إليهم، ويجوز أن يرجع ~~الضمير إلى الذرية، أي على خوف من فرعون، وخوف من أشراف بني إسرائيل؛ لأنهم ~~كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم، وعلى أنفسهم، ثم قال عز وجل: ~~{وإن فرعون لعال في الأرض} أي غالب قاهر، متجبر طاغ {وإنه لمن المسرفين} أي ~~في بغيه وطغيانه، والمراد أنه كان كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في ~~أمر من الأمور، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين، وقيل: ~~إنما كان مسرفا؛ لأنه كان من أخس العبيد، فادعى الإلهية، قوله تعالى: {وقال ~~موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا} أي أسندوا أمركم إليه في ~~العصمة من فرعون {إن كنتم مسلمين} أي مسلمي أنفسكم لله، خالصة لا حظ ~~للشيطان فيها؛ لأن التوكل لا يكون مع التخليط. # قال ms1920 الرازي: قوله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين جزاء معلق على شرطين: PageV19P210 # أحدهما: متقدم والآخر متأخر، والفقهاء قالوا: المتأخر يجب أن يكون متقدما، ~~والمتقدم يجب أن يكون متأخرا، مثاله أن يقول الرجل لامرأته إن دخلت الدار ~~فأنت طالق إن كلمت زيد، أو إنما كان الأمر كذلك؛ لأن قوله إن دخلت الدار ~~فأنت طالق[387] صار مشروطا بقوله: إن كلمت زيدا، والمشروط متأخر عن الشرط، ~~وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدما في المعنى، وأن يكون المتقدم ~~في اللفظ متأخرا في المعنى، والتقدير كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيدا ~~إن دخلت الدار فأنت طالق، فلو حصل هذا التعليق قيل: إن كلمت زيدا لم يقع ~~الطلاق إذا عرفت هذا فنقول: قوله: إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين، يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا؛ لأن تصيروا مخاطبين بقوله: ~~إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا، فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن ~~كنتم من المؤمنين بالله فعلى الله توكلوا، والأمر كذلك؛ لأن الإسلام عبارة ~~عن الاستسلام، وهو إشارة إلى التكاليف الصادرة من الله تعالى وإظهار ~~الخضوع، وترك التمرد. # واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله كل المهمات، لقوله ~~تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} وإنما قال فعليه توكلوا ولم يقل ~~فتوكلوا عليه؛ لأن الأول يفيد الحصر، كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه، ~~ونهاهم عن التوكل على الغير، والأمر كذلك؛ لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ~~ملكه وملكه وتحت تصرفه وتسخيره، وتحت حكمته وتدبيره، فامتنع في العقل أن ~~يتوكل الإنسان على غيره، فلهذا السبب جاءت هذه الكلمة بهذه العبارة، ثم ~~أخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا: {فقالوا على الله ~~توكلنا} ولا نلتفت إلى أحد بسواه، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء فطلبوا ~~من الله شيئين: PageV19P211 # أحدهما: أن قالوا: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} أي قوم فرعون، أي ~~موضع فتنة لهم، أي عذاب، أي لا تسلطهم علينا فيعذبوننا ويفتننوننا عن دينك، ms1921 ~~أو يفتتنون بنا، ويقولون: لو كان هؤلاء على حق لما أصيبوا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى لا تجعلنا فتنة لهم، ولا تخلنا ~~ولا تذرنا من نصرك، وتفتنهم بنا فيكون هلاكنا بأيدهم محنة لهم، ولكن أعنا ~~وانصرنا عليهم، وتحتمل الآية معنى آخر من التفسير، ويمكن أن يكونوا أرادوا ~~لا تجلعنا فتنة للقوم الظالمين، أي لا تكلنا إلى الفتنة التي نجهد فيها ~~لهم، ولكن عذبهم بنفسك وعذابك الذي هو أقوى من فتنتنا ولا تعذبهم بأيدينا، ~~فإنا لا نكون مثل عذابك ولو جهدنا، انتهى. # وأما المطلب الثاني من الدعاء فهو قوله: {ونجنا برحمتك من القوم ~~الكافرين} قوم فرعون، أي من تعذيبهم وتسخيرهم. # قال الرازي: واعلم أن هذا الترتيب يدل على أن اهتمام هؤلاء بأمر دينهم ~~كان فوق اهتمامهم بأمر دنياهم، وذلك لأنا إذا حملنا قولهم: {ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين} على أنهم إن تسلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في ~~أن هذا الدين باطل، فتضرعوا إلى الله تعالى بأن يصون أولئك الكفار عن هذه ~~الشبهة، وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم، وذلك يدل على أن ~~عنايتهم بمصالح الدين فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم، وإن حملناه على أن لا ~~يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك ~~أيضا دليلا عل أن اهتمامهم بمصالح أديانهم على جميع التقديرات، فهذه لطيفة ~~شريفة، انتهى. PageV19P212 # واعلم أنه تعالى لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين، وما ظهر منهم من التوكل ~~على الله تعالى، أتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد، والإقبال على ~~الصلوات، فقال سبحانه: {وأوحينا إلى موسى وأخيه} دل على أن هارون ~~مبعوث[388] كموسى {أن تبوأا لقومكما بمصر بيوتا} فتبوأ المكان اتخذه مباه، ~~أي مرجعا إليه، أي اجعلا بمصر مرجعا لكم ترجعونها إليه للعبادة. # قال في البرهان: أي اتخذ لهم بيوتا يسكنوا بها، ومنه قول الراجز: # نحن بنو عدنان ليس شك ... تبوأ المجد لنا والملك # وقوله: بمصر بيوتا أراد بالبيوت المساجد؛ لأنهم كانوا يخافون فرعون إن ~~صلوا في ms1922 كنائسهم ومساجدهم، وقيل: كان فرعون قد خرب مساجد بني إسرائيل كلها، ~~ومنعوا من الصلاة، فأمروا بالصلاة في البيوت. # وقال الهادي عليه السلام: معنى قوله: بمصر بيوتا، هي القرى والأمصار، ~~ومعنى بمصر أي بمصر من الأمصار، وقد قيل إنها مصر هذه المعروفة، انتهى. # وأما قوله تعالى: {واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة} أي فيها، واختلف ~~في معناه. # قال في البرهان: أي تقابل بعضها بعضا. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى قبلة أي مقصد للناس، ومستقبلا. # قال في الكشاف: معناه مساجد موجهة نحو الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون ~~إلى الكعبة، وكانوا أولا أمروا بكتم الصلاة في البيوت لئلا يؤذوهم الكفرة ~~ويفتنوهم، كما كان المؤمنون أول الإسلام بمكة. # وقال الهادي عليه السلام: معنى قبلة فقد قيل مواجهة أبوابها للقبلة، وقد ~~قيل إن معنى اجعلوا بيوتكم قبلة، أي اجعلوا قراكم أهل ملة ودعوة وصلاة إلى ~~بيت المقدس وصلة، والمعنى الآخر أحبهما إلي وأحسنهما عندي، انتهى. PageV19P213 # فإن قيل: لم خص تعالى موسى وهارون في أول هذه بالخطاب فقال: أن تبوأ ~~لقومكما ثم عمم هذا الخطاب فقال: واجعلوا بيوتكم؟ قيل: السبب فيه أنه تعالى ~~أمر ذلك علما لهما ولقومهما بإتخاذ المساجد والصلاة فيها؛ لأن ذلك واجب على ~~الكل، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب، فقال: {وبشر ~~المؤمنين} بخير الدارين من النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، وذلك لأن ~~الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله موسى بها ليدل ~~ذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام ، وأن هارون تبع، وأبهم ~~المبشر به لتعظيمه وعمومه. # واعلم أن موسى عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة الظاهرة، ~~ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار والعناد أخذ يدعوا عليهم ومن حق من ~~يدعوا على الغير أن يذكر أولا بسبب إقدامه على تلك الجرائم، وكان جرمهم هو ~~أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين، فلهذا السبب قال عليه السلام ما حكى ~~الله سبحانه عنه: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة} ms1923 ما يتزين به ~~من لباس أو حلي أو فراش، ابن عباس كانت لهم من فسطاس مصر إلى أرض الحبشة ~~جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت {وأموالا في الحياة الدنيا} ~~التي هي أدنا من الحياة الآخرة، أي أقرب بالزينة، عبارة عن الصحة والجمال، ~~واللباس والدواب، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت ~~والناطق. PageV19P214 # وأما قوله: {ربنا ليضلوا عن سبيلك} فقال بعض المفسرين: هو دعاء عليهم ~~بالضلال بلفظ الأمر بعد اليأس من قبولهم، وقوله: فلا يؤمنوا جواب الدعاء، ~~أو دعا بلفظ النهي، وجاز ذلك لعلمه بانتفاء إيمانهم، وقد حملت اللام في ~~لتضلوا على التعليل على أنهم جعلوا نعمة الله سببا في الضلال، فكأنهم ~~أوتوها ليضلوا، وقوله: فلا يؤمنوا[389]عطف على ليضلوا، وقوله: {ربنا اطمس ~~على أموالهم واشدد على قلوبهم} دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى ليضلوا أي لئلا يضلوا عن سبيلك ~~فقامت اللام مقام لأن لا، وهي اللام التي بمنزلة........وكليلا. PageV19P215 # قلت: وهذا تفسير الهادي عليه السلام فإنه قال: معنى قوله: أعطيت فرعون فهو ~~أتيت فرعون وقومه هذه الأموال والزينة ليضلوا عن سبيلك، معناه لأن لا يضلوا ~~ولأن يشكروا ويؤمنوا، فلم يفعلوا أو لم يهتدوا، بل عصوا وطغوا وخالفوا، ~~فقال: ليضلوا، وإنما أراد لئلا يضلوا، فطرح الألف استخفافا لها، والعرب ~~تفعل ذلك تطرحها، وهي تريدها وتثبتها وهي لا تريدها، فبقيت ليضلوا عن ~~سبيلك، فدخلت النون في أدراج الكلام فبقيت ليضلوا، والمعنى فيها لأن لا ~~يضلوا، فلما أن طرح الألف جاز كما ذكرنا وطرح الألف في القرآن كثير، وفي ~~لغة العرب وأشعارها، من ذلك قول الله سبحانه: {لا أقسم بيوم القيامة} و{لا ~~أقسم بهذا البلد} المعنى فيها معنى قسم أراد الله سبحانه ألا أقسم فطرحها ~~استخفافا لها، فخرج اللفظ معناه، معنى اللفظ معنى نفي، وإنما معناه معنى ~~إيجاب من ذلك قول الله سبحانه: {لألا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء ~~من فضل الله} فقال لأن لا يعلم، وإنما المعنى فيها ليعلم ما ms1924 يثبت لا فيها ~~وهو لا يريدها، وقد تفعل ذلك العرب تثبت لا وهي لا تريدها، وتطرحها وهي ~~تريدها، فأما إثباتها وهو لا يريدها فقوله: لئلا يعلم أهل الكتاب فأثبتها ~~وهو لا يريدها، وأما طرحه إياها وهو يريدها فهو ما ذكرنا من قوله: لأن لا ~~يضلوا، وقوله: {لا أقسم بيوم القيامة} و{لا أقسم بهذا البلد} ومثله: ~~{وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} فقال: أو يزيدون، فأدخل الألف هاهنا وهو ~~لا يريدها، وإنما معناه ويزيدون على المائة الألف، فخرج المعنى حين أتت ~~الألف معنى شك، وإنما المعنى معنى إيجاب وسبق بالواو للزيادة على المائة ~~الألف، غير أن الألف دخلت وليس لها هاهنا معنى، فاختلف الظاهر والمعنى، انتهى. PageV19P216 # قال في البرهان: ومعنى قوله عز وجل: {ربنا اطمس على أموالهم} أي أهلكها، ~~فذكر لنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة، ثم قال: {واشدد على قلوبهم} أي ~~أسلب المعونة لهم فيبقون على الضلالة فيهلكون كفارا، وينالهم عذاب الآخرة ~~{فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} هو الغرق الذي أهلكهم الله به، أو ~~عذاب الآخرة لقوله الأليم، وهو الشديد، وقيل: بمشاهدة ملائكة الموت، وقد ~~تعلقت المجبرة بهذه الآية أن الله تعالى ..............الناس ويريد ~~إضلالهم، وذلك لا يجوز على الله تعالى عن قولهم علوا كبيرا، وتدل عليه وجوه: # الأول: أنه تعالى منزه عن فعل القبيح، وإرادة الكفر قبيحة. # والثاني: أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين بسبب كفرهم؛ لأنه لا معنى ~~للطاعة ولا الإتيان بما يوافق الإرادة، ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء ~~عليهم بطمس الأموال وشد القلب. # والثالث: أنا لو جوزنا أن يريد الله إضلال العباد لجوزنا أن يبعث الله ~~الأنبياء للدعاء إلى الضلال، ولجاز أن يقوى الكذابين الضالين المضلين ~~بإظهار المعجزات عليهم، وفي هذا هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن. # والرابع[390]: أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهارون عليهما السلام: {فقولا ~~له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} أو يقول: {ولقد أخذنا فرعون بالسنين ونقص ~~من الثمرات لعلهم يتذكرون} ثم إنه تعالى أراد الضلال منهم وأعطاهم النعمة ~~لكي ms1925 يضلوا؛ لأن ذلك كالمناقضة، فلابد من حمل أحدهما على موافقة الآخر. # والخامس: أنه لا يجوز أن يقال: إن موسى عليه السلام دعاء ربه بأن يطمس ~~على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان، ثم قال تعالى: ~~{قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} على ما أنتما عليه من الدعوة والرسالة، ~~والزيادة في إلزام الحجة، فقد لبث نوح في قومه ألف عام إلا قليلا، فلا ~~تستعجل. PageV19P217 # قال في البرهان: قيل إن موسى هو الذي دعا على فرعون وقومه، وآمن هارون وأخر ~~فرعون بعد الدعا أربعين يوما، فاستقيما أي امضيا لأمري، واستقيما على ~~دعائكما على فرعون، وروينا أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن؛ لأن ~~دعاؤه موجب لحلول الإنتقام، وقد يجوز أن يكون فيهم من يتوب. # وقال ابن جريج: إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة، ثم أجيب، قال عز ~~وجل: {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} أي لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين ~~يظنون أنه متى كان الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال، فربما أجاب ~~الله دعاء إنسان في مطلوبه إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر، ~~والاستعجال إنما يصدر من الجهال، والمراد لا تتبعان طريق الجهلة، فعادة ~~الله في تعليقة الأمور بالمصالح، ولا تعجلا فإن العجلة ليست بمصلحة. # واعلم أنه هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام ، كما ~~أن قوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} لا يدل على صدور الشرك منه. # قال الزجاج: قوله لا تتبعان موضعه جزم، والتقدير ولا تتبعا، إلا أن النون ~~الشديدة دخلت على النهي مؤكدة، وكسرت لسكونها، وسكون النون التي قبلها، ~~واختير لها الكسرة؛ لأنها بعد الألف تشبه التثنية، والعرب قد تزيد النون ~~المشددة في النهي للتوكيد، قال الشاعر: # ثلاث خصال يا فتى فاحذرنها # أي فاحذرها، وقرأ ابن عامر: ولا تتبعان بالتخفيف. # واعلم أنه تعالى لما أجاب دعاؤهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في ~~الوقت المعلوم، ويسر لهم أسبابه، وفرعون كان غافلا عن ذلك، ms1926 فلما سمع أنهم ~~خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج في عقبهم، كما قال تعالى: {وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر} أي قطعنا بهم البحر. PageV19P218 # روي أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، فلما انتهوا إلى ~~البحر ضربه موسى بأمر الله فصار فيه اثنا عشر طريقا يابسة، بين كل طريقين ~~كالجبل، وفيه خروق ينظر بعضهم إلى بعض حتى جاوزوا سالمين {فأتبعهم فرعون ~~وجنوده بغيا وعدوا} البغي طلب الاستعلاء بغير حق، والعدو الظلم، روي أن ~~موسى عليه السلام لما خرج مع قومه ووصلوا إلى طرف البحر قرب فرعون مع ~~عساكره منهم فوقعوا في خوف شديد؛ لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك، ~~فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقا في البحر على ما ذكر الله تعالى في ~~هذه القصة بتمامها في سائر السور، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا ~~وخرجوا، وبقى الله ذلك الطريق البين ليطمع فرعون وجنوده في التمكن من ~~العبور، فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى، بأن وصل أجزاء الماء بعضها ~~ببعض، وأزال القلق وبين ما كان في قلبهم[391] من البغي وهو محبة الإفراط، ~~وظلمهم والعدو، وهو مجاوزة الحد، ثم أخهبر تعالى أنه حين وقع في الغرق أزهر ~~كلمة الإخلاص فقال سبحانه: {حتى إذا أدركه الغرق} أي لما لجمه الغرق وانقطع ~~التكليف {قال آمنت} أي بأنه {أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا ~~من المسلمين} لله وحده، فإن قيل كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث مرات في ~~ثلاث عبارات حرصا على القبول، أولها قوله: آمنت، وثانيها قوله: لا إله إلا ~~الذي آمن به بنو إسرائيل، وثالثها قوله: وأنا من المسلمين فما السبب في عدم ~~القبول، والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال إنه لأجل ذلك ~~الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار؟ PageV19P219 # والجواب: العلماء ذكروا فيه وجوها أحسنها أنه إنما آمن عند نزول العذاب، ~~والإيمان في هذا الوقت غير مقبول؛ لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت ~~الإلجاء، وفي هذه الحال لا ms1927 تكون التوبة مقبولة، ولهذا السبب قال تعالى: ~~{فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} ومنهم من قال: إنما ذكر هذه الكلمة ~~ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة، والمحنة ال.......، وما كان مقصوده ~~من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف بعزة الربوبية، وذلة ~~العبودية، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقرونا بالإخلاص، فلهذا ~~السبب ما كان مقبولا. # الوجه الثالث: هو أن ذلك الإقرار كان مبنيا على محض التقليد، ألا تر أنه ~~قال لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله ~~إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع ~~من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان هذا محض التقليد، ولهذا السبب لم ~~تصر الكلمة مقبولة منه. # قال الرازي: ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من ~~الدهرية، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش ~~لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية، والدلائل اليقينية، أما التقليد ~~المحض فهو لا يفيد؛ لأنه يكون ضما لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق. # أما قوله تعالى: {أالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} فمعنى الآن أي ~~أتؤمن الساعة وقت الاضطرار، وهذا إنكار عليه في تأخير الإيمان إلى وقت ~~الإلجاء، وفي القائل لهذا القول قولان، من الناس من قال الأخبار دالة على ~~أن قائل هذا القول جبريل عليه السلام ، وإنما ذكر قوله: وكنت من المفسدين ~~في مقابلة قوله وأنا من المسلمين. PageV19P220 # والثاني: أن قائل هذا القول هو الله تعالى؛ لأنه ذكر بعده {فاليوم ننجيك ~~ببدنك} إلى قوله: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} وهذا الكلام ليس ~~إلا كلام الله، ومعنى ننجيك، ننقذك مما وقع فيه قومك من فغر البحر. # قال في البرهان: ننجيك أن نلقيك على نحوة من الأرض، والنحوة المكان ~~المرتفع، قال الشاعر: # وجارك محفوظ منيع بنحوة # من الصم لا يرزا ولا يتدلل # يريد أنه في عز منيع مرتفع كالنحوة المرتفعة، ms1928 وقوله ببدنك أي بجسدك من ~~غير روح، ويجوز بدرعك؛ لأن كل من تخلف من قوم فرعون كان يذكر غرقه، والدرع ~~تسمى بدنه، قال عمرو بن معد كرب: # أعذل سكتي بدني وسيفي # وكل مقلص سلس القياد # وهذا منقول عن ابن عباس، قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه من ~~الماء مع ذلك الدرع. # قال الرازي: إن صح هذا كان معجزة لموسى عليه السلام ، وأما قوله: {لتكون ~~لمن خلفك آية}[392] ففيه وجوه: # الأول: أن قوما ممن اعتقدوا في إلهيته لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك، ~~وزعموا أن مثله لا يموت، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته ~~حتى يشاهدوه، وزالت الشبهة عن قلوبهم، وقيل: كان مطروحا على ممر بني ~~إسرائيل. # الثاني: لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة ~~بعدما سمعوا منه قوله: أنا ربكم الأعلى؛ ليكون زجرا للخلق من مثل طريقته، ~~ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة، ثم آل أمره إلى ما ترون. # الثالث: قرأ بعضهم لمن خلقك آية بالقاف، أي ولتكون لخالقك آية كسائر آياته. # والرابع: أنه تعالى ما غرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج واحدا ~~منهم من قعر البحر، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة آية عجيبة، ~~دالة على كمال قدرة الله تعالى، وعلامة لبني إسرائيل على صدق موسى عليه ~~السلام في دعوى النبوة. PageV19P221 # وأما قوله تعالى: {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون} قالا: ظهر أنه ~~تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون، وذكر عاقبة حال فرعون ختم ذلك بهذا الكلام، ~~وخاطب به محمدا عليه السلام فيكون ذلك زجرا لأمته عن الاعتراض عن الدلائل، ~~وبعثا لهم على التأمل فيها والاعتبار، فإن المقصود من ذكر هذه القصة حصول ~~الاعتبار كما قال سبحانه: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}. # واعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع به الختم في واقعة فرعون وجنوده ذكر بعده ~~أيضا ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل، فقال عز وجل: ms1929 {ولقد بوأنا ~~بني إسرائيل مبوأ صدق} أي مكانا محمودا، وقوله: مبوأ صدق فيه وجهان: # أحدهما: يجوز أن يكون مبوأ مصدر، أي بوأناهم مبوأ صدق هو بيت المقدس، ~~وإنما وعدهم الله إياه فصدق وعده لهم. # وقال الرازي: إنما وصف المبوأ بكونه مصدقا؛ لأن عادة العرب أنها إذا مدحت ~~شيئا أضافته إلى الصدق، فتقول: رجل صدق وقوم صدق، وقال تعالى: {رب أدخلني ~~مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق}. # واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية ~~اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، أم الذين كانوا في زمن محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. PageV19P222 # أما الأول فقد قال به قوم، ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة ~~موسى عليه السلام كان حمل الآية على أحوالهم أولى، وعلى هذا التقدير كان ~~المراد بقوله: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق} الشام ومصر وتلك البلاد، ~~فإنها بلاد كثيرة الخصب، قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} والمراد من قوله: {ورزقناهم من ~~الطيبات} تلك المنافع من مستلذات المطاعم والأرزاق، وأيضا المراد منها أنه ~~تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت، ~~والحرث والنسل، كما قال: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها} ثم قال: {فما اختلفوا حتى جاءهم العلم} والمراد أن قوم موسى بقوا ~~على ملة واحدة من غير اختلاف في دينهم حتى قرأوا التوراة، وكسبوا العلم ~~بدين الحق، ولزمهم الثبات[393] عليه، وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه ~~فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب، ووقع الاختلاف بينهم. # وأما القول الثاني: وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود ~~الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهذا قال به قوم عظيم من ~~المفسرين. # قال ابن عباس: وهم قريضة والنظير، وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل صدق ما بين ~~المدينة والشام، ورزقناهم من الطيبات، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب ~~والتمر الذي ليس مثلها في ms1930 البلاد طيبا، ثم أنهم بقوا على دينهم ولم يظهر ~~فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم، والمراد من العلم القرآن النازل عليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وإنما سماه علما؛ لأنه سبب العلم، وتسمية السبب باسم ~~المسبب مجاز مشهور، وفي كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان: PageV19P223 # الأول: أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ويفتخرون به على سائر الناس، فلما بعثه الله كذبوه حسدا وبغيا، وإيثارا ~~لبقاء الرئاسة، وآمن به طائفة، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببا لحدوث ~~الاختلاف فيهم. # الثاني: أن يقال إن هذه الطائفة من بني يإسرائيل كانوا قبل نزول القرآن ~~كفارا محضا بالكلية، وبقوا على هذه الحالة جتى جاءهم العلم، فعند ذلك ~~اختلفوا فآمن قوم وبقي قوم على الكفر. # قال في البرهان: يعني أن بني إسرائيل ما اختلفوا حتى جاءهم العلم أن ~~محمدا نبي ففيه وجهان: # أحدهما: حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كانوا يعلمون بأنه ~~نبي، وتقديره جاءهم المعلوم. # والثاني: جاءهم القرآن، ثم قال تعالى: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون} فبين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لابد وأن ~~يبقى في دار الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة فيثيب المطيعين ~~ويعاقب العاصين. # وأما قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} فاختلف المفسرون في أن المختاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل: ~~هو النبي، وقيل: غيره. # أما من قال بالأول فاختتلفوا على أوجه: # الأول: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا الخطاب للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والمعنى غيره؛ لأن رسول الله لا يشك ولا يتهم ولا يشرك، ~~ولهذا نظائر كثيرة في القرآن انتهى. # ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي ياجارة، والذي يدل على صحة ما ~~ذكرناه وجوه: # الأول: قوله تعالى في آخر السورة: {ياأيها الناس إن كنتم في شك} فبين أن ~~المذكور في أول الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذا الآية على سبيل ~~التصريح. PageV19P224 # والثاني: ms1931 أن الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم لو كان شاكا في نبوة نفسه ~~لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية. # والثالث: أن تقدير أن يكون شاكا في نبوة نفسه فكيف يزول ذلك الشك بأخبار ~~أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كانوا كفارا، وإن حصل فيهم من كان ~~مؤمنا، إلا أن قوله ليس بحجة، لا سيما وقد تقرر ما في أيديهم من التوراة ~~والإنجيل فالكل مصحف محرف، فثبت أن الحق هو أن هذا الخطاب وإن كان في ~~الظاهر مع الرسول إلا أن المراد هو الأمة. # قال في البرهان: فهذا خطاب من الله تعالى لنبيه، والمقصود به غيره ممن ~~كان شاكا مما فيه أنزل محمد مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل. # قلت: ومثل هذا معتاد، فإن[394] السلطان الكبير إذا كان له أمير وكان تحت ~~راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه ~~خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرا عليهم ~~ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم، وأما قوله تعالى: {فاسأل الذين يقرءون ~~الكتاب من قبلك} فقال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: من آمن منهم مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار. # والثاني: من لم يدخل في التحريف والتكذيب، والمراد بالخطاب الأمة، قال ~~فيه: يحتمل وجها آخر وهو أنه خطاب آخر ورد على عادة العرب في توكيد القول ~~والتنبيه على أسباب الطاعة، كقول الرجل لولده: إن كنت ابني فبرني، ولعبده ~~إن كنت عبدي فامتثل أمري، ولا يدل ذلك على شك الولد أنه من أبيه، وأن العبد ~~شاك في أنه ملك لسيده، انتهى. PageV19P225 # وقال بعض سادتنا عليهم السلام في جواب من رسالة عن هذه الآية: هذا خطاب ~~مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبإزالة ما ربما كان يتوهم أن يخطر ~~بباله من الشك فرضا وتقديرا، حسبما فرضه الله تعالى في حقه وشرطه مع بعده، ~~فأمره بسؤال أهل العلم من الذين يقرؤون الكتاب المنزل على أنبيائهم من عند ms1932 ~~الله من آمن منهم ليستظهر به، ويتقوى به على من عارضه وناكره من العرب ~~وغيرهم، ويستشهد به عليهم. # قال: وهذا معنى هذه الآية لا يحمل غيره. # قلت وبالله التوفيق: وقد قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في تفسيرها ~~ما لفظه: ليس قوله تعالى فإن كنت في شك أنه فيه، ولا أنه شك في شيء مما ~~نزله إليه، ولكنه تنزيه له من ذلك، وتثبيت لنفسه ولتفضله فيه على غيره، ألا ~~تر أنه يقال لمن كان موقنا يقينا صادقا وكان فيما اعتقده منه كله معتقدا ~~حقا إن كنت يا هذا في شك مما أمرك ............فيه غيرك فيغضب على من قال ~~له ذلك، سواء كان موقنا بذلك في دنياه أو دينه، وقد يكون من أسباب اليقين ~~لغيره برسالته وما نزله الله عليه من حكمه وآياته، ما في أيدي أهل كتب الله ~~من ذكره وهدايته في دينه وأمره. PageV19P226 # قال المرتضى محمد بن يحيى عليه السلام في بعض جواباته عن تفسير هذه الآية: ~~ليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شك مما أنزل إليه، بل هو على ~~أيقن يقين، ولم يقل الله سبحانه إنه في شك، وإنما قال إن كنت في شك، وليس ~~هو صلوات الله عليه وآله في شك، بل هو على بصيرة ثابتة، وعزيمة ماضية، ~~بعيدة من الشك والارتياب، وليس يظن أحد أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان في شك إلا أعمى القلب بعيد الذهن، كثير الجهل، وهذه المخاطبة في ~~لغة العرب تستعملها وتتكلم بها ويخاطب بعضهم بعضا فيها، وبها يقول القائل: ~~إن كنت في شك من قطع هذا السيف فيك فجرب، وهو فلا شك بل يوقن ويقول لصاحبه ~~ائتنا غدانا عسى أن نأكل، فادخل غيبتي لمجاز الكلام، وإنما أراد أن نأكل ~~ولم يكن شاكا في ذلك، بل كان قصده له، وأما قوله تعالى: {فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك} فإنما أراد عز وجل كتبهم المنزلة، وما فيها من ~~القصص، وأخبار الأنبياء عليهم السلام وما لقوا، وما امتحنوا ms1933 به من أممهم، ~~مما قص الله عز وجل عليه من أخبارهم، فأقامهم مقام كتبهم؛ لأنهم لو كانوا ~~قصدوا بالمسألة لكانوا في موضع الصدق، ولو صدقوا ما خالفوا أمر الله عز ~~وجل، ولا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن صرفوا وكذبوا، وغيروا وبدلوا، ~~ومن كانت هذه حاله لم يكن في موضع المسألة، ولكن الله تعالى أراد[395] ما ~~في كتبهم من القصص والأخبار، وقد قيل: إن الذين أمر بمسألتهم هم من كان معه ~~مسلما من مؤمني أهل الكتاب، وليس المعنى فيه إلا على ما شرحنا، ألا تسمع ~~كيف يقول الله تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} وأم القرة فإنما هي مكة، ~~فأقام القرية مقام أهلها، ومثل قوله في قصة يعقوب حين يقول: {واسأل القرية ~~التي كنا فيها} والقرية فإنما هي لبن وحجارة، والعير فهي الإبل، وليس هي ~~تتكلم، ولكن أقيمت مقام أهلها، ومثل قوله سبحانه: PageV19P227 # {وأشربوا في قلوبهم العجل} والعجل فلا يشرب، وإنما أراد حب العجل، انتهى. # وأما من قال بالثاني وهو أن الخطاب ليس مع الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا في تقريره: إن الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاث: المصدقون ~~والمكذبون والمتوقفون في أمره الشاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا ~~الخطاب، فقال: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على ~~لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله تعالى ~~وهو يريد الجمع كما في {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} وقوله: {ياأيها ~~الإنسان إنك كادح} وقوله: {وإذا مس الإنسان ضر دعانا} ولم يرد في جميع هذه ~~الآيات إنسانا بعينه، بل المراد هو الجماعة فكذا هاهنا، ولما ذكر الله ~~تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم ~~المكذبون، فقال: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين}. # واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال بعده: {لقد جاءك الحق من ربك فلا ~~تكونن من الممترين} ولا تكونن من المكذبين الذين كذبوا بآيات الله، ms1934 أي ~~فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، وانتفاء التكذيب بآيات ~~الله، ولذلك قال تعالى: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من ~~الخاسرين}. PageV19P228 # واعلم أن فرق المكلفين ثلاث: إما أن يكون من المصدقين بالرسول، أو من ~~المتوقفين في صدقه، أو من المكذبين، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من المكذب، ~~فلا جرم قدم ذكر المتوقف بقوله: ولا تكونن من الممترين، ثم أتبعه بذكر ~~المكذب وبين أنه من الخاسرين، ثم إنه تعالى لما فصل هذا التفصيل عبر عن ~~وعيده تعالى بقوله: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} أي الذين وقعت ~~عليهم مواعيد الله بالعذاب لا يؤمنون، وهم قوم خصهم الله بالعذاب من ~~المشركين. # واعلم أنهم لا يرجعون أبدا ولا يفلحون. # قال في البرهان: الآية تحمل وجهين: # أحدهما: أن الذين وجبت عليهم كلمة ربك بالوعيد والغضب لا يؤمنون أبدا. # والثاني: الذين وقعت عليهم كلمته بنزول العذاب ثم لا يؤمنون أبدا، ثم ~~قال: {ولو جاءتهم كل آية} معجزة تدل على صحة ما دعوا إليه، فإنهم لا يؤمنون ~~أيضا {حتى يروا العذاب الأليم} في وقت انقطاع التكليف، والمراد أنهم لا ~~يؤمنون البتة، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر. # القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة قصة يونس عليه السلام ~~وذلك قوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}. PageV19P229 # واعلم أنه تعالى لما بين بقوله: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم، أتبعه بهذه الآية[396] لأنها ~~دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان، والمعنى في ~~ذلك فلولا كانت أي فهلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن ~~الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تؤخر كما أخر ~~فرعون إلى أن أخذ ............فنفعها إيمانها بأن تقبله الله منها لوقوعه ~~في وقت الاختيار، وقوله ms1935 إلا قوم يونس استثناء من القرى؛ لأن المراد أهاليها ~~وهو استثناء منقطع، بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا، ويجوز أن يكون متصلا، ~~والجملة في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم ~~يونس وانتصابه على أصل الاستثناء. # روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم ~~مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة، ~~وقيل: قال لهم يونس: إن أجلكم أربعين ليلة، فقالوا إن أريتنا أسباب الهلاك ~~آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون رأوا أسباب الهلاك فأظهروا في الإيمان ~~والتوبة وتضرعوا، فرحمهم الله وكشف عنهم. # وفي البرهان: فإن يونس وعدهم العذاب بعد ثلاثة أيام، فقالوا: انضروا ~~يونس، فإن خرج عنا فوعده حق، فلما خرج عنهم تحققوه وفزعوا إلى شيخ منهم ~~فقال: توبوا وادعوا، وقولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي محي الموتى، ويا حي ~~لا إله إلا أنت، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل والدة وولدها، وخرجوا عن ~~قريتهم تائبين داعين، فكشف الله عنهم العذاب بعد أن تجلى عليهم، ولم يكن ~~بينهم وبين العذاب إلا ميل، ومتعناهم إلى حين أي إلا أجلهم. # وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: إن الحذر لا يرد ~~القدر، وإن الدعاء يرد القدر، وإن الله سبحانه يقول: إلا قوم يونس لما ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي. PageV19P230 # وروينا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن ذلك كان يوم عاشورا، انتهى. # فإن قيل: إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر، ولم تقبل توبته، ~~وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق؟ فجوابه: إن فرعون إنما ~~تاب بعد أن شاهد العذاب، وأما قوم يونس فإنهم تابوا لما ظهر لهم أمارات دلت ~~على قرب العذاب قبل أن يشاهدوا العذاب فظهر الفرق، ثم أخبر تعالى عن قدرته، ~~وأنه عز وجل لو أراد لقهرهم وألجاهم إلى الإيمان فقال: {ولو شاء ربك لامن ~~من في الأرض كلهم} على وجه الإحاطة والشمول {جميعا} أي ms1936 مجتمعين على ~~الإيمان، مطيعين عليه لا يختلفون فيه، ألا ترى إلى قوله: {أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين} يعني إنما تقدر على إهلاكهم واضطرارهم إلا بالإيمان ~~هؤلاء أنت..................حرف استفهام للإعلام بان الإكراه ممكن مقدور ~~عليه، وإنما البيان في المكره من هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه؛ لأنه ~~هو القادر على أن يفعل قي قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وذلك غير ~~مستطاع للبشر. # وأما قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} فمعناه بتمكين ~~الله، وخلق القدرة لها على ذلك، وقيل: المراد إلا بتسهيله ولطفه، يريد أن ~~الإيمان شاق فلا يقع إلا مع لطف الله، وإن كان وقوعه بغير لطفه ممكنا إلا ~~أنه عبر عن المشقة بما كذا في التجريد، ثم قال: {ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون} قابل الاذن بالرجس فهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا ~~يعقلون، وهم المصرون على الكفر كقوله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} ~~سمي الخذلان رجسا وهو العذاب؛ لأنه سببه، والسبب في الحقيقة العصيان، وهو ~~مثل طبع الله[397] على قلوبهم، والخذلان عدم تنوير القلب بزيادة على العقل ~~الكافي، وقيل: الرجس الكفر، ومعنى جعل الله على الذين لا يعقلون الحكم به عليهم. PageV19P231 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنا الآية ما كان لنفس أن تقدر على ~~الإيمان إلا بفعل الله، وإيجاده لقوتها واستطاعتها، ولولا أنه فعل تلك ~~الاستطاعة في العباد لما قدروا على الدخول في البر والرشاد، فمن لم يشكر ~~الله ولم يعقل، ولم يستعمل عقله في الإيمان، ويستدل فهو مستحق من الخذلان، ~~وجعل الرجس عليه والهوان، والرجس في نفسه هاهنا هو العذاب والشقاء واللعنة ~~من الله والعقاب. # قال الشاعر: # إذا سنة كانت.................. # فكان عليه رجسها وعذابها # ثم إنه تعالى بعد ذكر الآيات السالفة أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل ~~حتى يعلم أن الحق هو الحق المحض، فقال: {قل انظروا ماذا في السماوات ~~والأرض} من الآيات والعبر، أي انظروا نظر اعتبار ماذا في السماوات والأرض ~~من عجائب التدبير والصنع ms1937 الذي لا يتهيأ إلا لله العليم القدير. PageV19P232 # واعلم أن هذا يدل على أنه لا سبيل إلى معرفة الله إلا بالتدبر في الدلائل ~~كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ~~الخالق)) وأنواع الدلائل من أجناس المخلوقات لا نهاية لها، ولو أن الإنسان ~~أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله في تخليق جناح بعوضة لأنقطع عقله قبل أن يصل ~~إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكمة والفوائد، ولا شك أن الله سبحانه أكثر ~~من هذه الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا أبهم قوله: ماذا في السماوات ~~والأرض، ولم يذكر التفصيل فكأنه نبه على القاعدة الكلية، حتى أن العاقل ~~يتنبه لأقسامها، وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة ~~العقلية والبشرية، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك ~~أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من لم يؤمن بها، فقال ~~سبحانه: {وما تغني الآيات والنذر} والرسل المنذرون أو الإنذارات {عن قوم لا ~~يؤمنون} أي لا يتوقع إيمانهم، وهم الذين لا يعقلون، وما في الآية حرف نفي ~~للإيمان عنهم لكفرهم بالله، وشركهم واختيارهم لهلاك أنفسهم، وقيل: ما ~~استفهامية كقولك: أي شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال ~~تعالى: {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} أي هل ينتظرون إلا ~~أياما مثل أيام وقائع الله فيهم، كما يقال أيام العرب لوقائعها، سمى العذاب ~~والنفم أياما لكونهما فيها، ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم: {قل فانتظروا} ~~مثل وقائع من قبلكم {إني معكم من المنتظرين} لهلاككم، ثم إنه تعالى قال: ~~{ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا} أي ومن آمن معهم، وثم حرف عطف، والتقدير كانت ~~عادتنا فيما مضى أن نهلكهم فريقا فريقا، ثم ننجي رسلنا، ولما أمر الرسول في ~~الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل، وكأنه قال: ~~العذاب لا ينزل PageV19P233 إلا على الكفار، وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة، ثم قال: {كذلك حقا ~~علينا ms1938 ننج المؤمنين} كذلك، أي مثل ذلك الإنجاء حقا، أي واجب علينا ننجي ~~المسلمين الأخيار، الأبرار الموقنين، ونهلك المشركين، وحقا علينا اعتراض ~~يعني حق علينا ذلك حقا. # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات[398] وأبلغ النهايات، ~~أمر رسوله بإظهار دينه، وإظهار المباينة للمشركين لكي تزول الشكوك والشبهات ~~في أمره، وتخرج عبادة الله عن طريقة السر إلى الإظهار، فقال: {قل ياأيها ~~الناس إن كنتم في شك من ديني} وصحته {فلا أعبد الذين تعبدون} أي إن كنتم في ~~شك من ديني فاسمعوه واعرضوه على عقولكم، وقيل: المراد إن كنتم في شك من ~~ديني، وأما أنا عليه أثبت عليه أم أتركه، وأوافقكم عليه فلا تحدثوا أنفسكم ~~بالمحال، واقطعوا على أطماعكم، واعلموا أني لا أعبد الذين تعبدون {من دون ~~الله} من الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم وخالقكم {ولكن أعبد ~~الله الذي يتوفاكم} بالموت، وإنما وصفه بالتوفي ليريهم أنه الحقيق بأن يخاف ~~ويتقى فتعبدون ما لا يقدر على شيء، وقيل: هو إشارة إلى ما قرره وبينه في ~~تلك الآية، كأنه يقول: أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاككم وإبقائي، ثم قال: ~~{وأمرت أن أكون من المؤمنين} يعني أن الله أمرني بذلك بما ركب في من العقل، ~~وبما أوحى إلي في كتابه. # وأما قوله تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا} فقال في البرهان: معناه ~~استقم بإقبالك ووجهك على ما أمرت به من الدين، حنيفا أي سابقا إلى الطاعة، ~~مأخوذ من الحنف في الرجلين، وهو أن تسبق أحدهما الأخرى، مطيعا فيما أمر، انتهى. # وقيل: معنى حنيفا ثابتا على الحق معتدلا مائلا إليه عن كل دين. PageV19P234 # قال في الكشاف: فإن قلت كيف عطف وأن أقم على أن أكون، والمعطوف عليه في حكم ~~المصدر، وتقدير المصدر في المعطوف لا يساعد عليه لفظ الأمر؟ قال فيه: قد ~~شرع سيبويه أن يوصل أن بالأمر والنهي؛ لأنهما يدلان على المصدر كغيرهما من ~~الأفعال، وقوله تعالى: {ولا تكونن من المشركين} هي على طريق التهيج ~~والإلهاب، وإلا فمعلوم أنه لا يكون منهم، ms1939 لكن أريد التثبت والعصمة، وقيل: ~~إنه لا يمكن أن يكون هذا نهيا عن عبادة الأوثان؛ لأن ذلك قد صار مذكورا ~~بقوله في أول هذه الآية: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} فوجب حمل هذا ~~الكلام على فائدة وهي أن من عرف مولاه فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك ~~شركا، وهذا الذي سمي بالشرك الخفي، ثم قال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما ~~لا ينفعك ولا يضرك} أي عبدته أو شركته من الأصنام والجمادات {فإن فعلت} ~~معناه فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فكنى عنها بالفعل إيجازا ~~{فإنك إذا من الظالمين} إذ لا ظلمة أعظم من الشرك، إن الشرك لظلم عظيم، ~~وإذا جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان، ~~ثم أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، إن الله عز ~~وجل هو الضار النافع، ولما كان الضرر أمرا وجوديا لا جرم قال: {وإن يمسسك ~~الله بضر} فقر أو مرض {فلا كاشف له إلا هو} دون كل أحد، فكيف الجماد، ولما ~~كان الخبر قد يكون وجوديا وقد يكون عدميا لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه ~~بل قال: {وإن يردك بخير فلا راد لفضله} أي لا يقدر أحد أن يرده فكيف ~~الأوثان فهو الحقيق أن يوحد له العبادة دون غيره، ثم قال: {يصيب به} أي ~~بالخير أو بهما {من يشاء من عباده} على ما تقتضيه حكمته {وهو الغفور ~~الرحيم} فلا يعاجل بالعقوبة. PageV19P235 # واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد ~~ختمها بقوله عز وجل: {قل ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم} أي القرآن ~~والإسلام، فلم يبق لكم عذر، ولا على الله حجة، فأخبر تعالى أنه أكمل ~~الشريعة وأزاح العلة، وقطع المعذرة[399] {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها} فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلا ~~نفسه، واللام وعلى دلا على معنى النفع والضر، وكل إليهم الأمر ms1940 بعد إبانة ~~الحق، وإزاحة العلل، وفيه حث على إيثار الهدى وإطراح الضلال مع ذلك، ثم ~~قال: {وما أنا عليكم بوكيل} أي بحفيظ موكول إلي أمركم وحملكم على ما أريد، ~~إنما أنا بشير ونذير. # ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى فقال: {واتبع ما يوحى إليك} من ~~الحق والتبليغ والإنذار {واصبر} على دعوتهم علي وأذاهم لك {حتى يحكم الله} ~~لك بالنصر {وهو خير الحاكمين} لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. # وروي أنها لما نزلت جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأنصار فقال: ~~((إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني يعني أمرت في هذه الآية بالصبر ~~على ما ..............الكفرة فصبرت فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء ~~الجورة)). # قال أنس: فلم نصبر. # وروي أن قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار، ~~ثم دخل عليه فقال له: مالك لم تلقنا؟ قال: لم يكن عندنا دواب، فقال: فأين ~~النواصخ؟ قال: قطعناه في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة)). # قال معاوية: فماذا قال: قال: ((فاصبروا حتى تلقوني)) قال: فاصبر، قال: ~~إذا نصبر، فقال عبد الرحمن بن حسان: # ألا أبلغ معاوية بن حرب # أمير الظالمين...........كلامي # بأنا صائرون فمنظروكم # إلى يوم التغابن والخصام # وأنشد بعضهم في الصبر: # سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري # وأصبر حتى يحكم الله في أمري # وأصبر حتى يعلم الصبر أنني # صبرت على شيء أمر من الصبر PageV19P236 ### || AUTO سورة التوبة # مائة وثلاثون آية مدنية # {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} اعلم أن ~~تركه بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة لغضبه على المشركين؛ لأنه ~~إنما جعل بسم الله الرحمن الرحيم دليلا على رحمته للعالمين، وهذه سورة ~~مقاطعة ومنابذة للفاسقين، وإنما خاطبهم الله بما يعرفون عندهم، وكانت ملوك ~~العرب يستعملون ترك ذلك عند مكاتبتهم، ويدلون به ms1941 على غضبهم وعداوتهم، قال ~~الشاعر في ذلك: # يدل على وجد الهمام كتابه # وتخليفه للصدر عن من يكاتبه # والوجد في اللغة هو الغضب، والهمام هو الملك، وقد ذكر المفسرون في إسقاط ~~التسمية من أولها وجوها غير ما ذكرنا، ولكن اكتفينا بذلك ما اعتمده أئمتنا ~~عليهم السلام . # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: إن قال قائل: لم لم يكتب في أولها بسم ~~الله الرحمن الرحيم؟ قيل له: اعلم هداك الله تعالى أن بسم الله الرحمن ~~الرحيم مفتاح كل خير وبركة، ورضى وتزكية، أثبتها الله فيما كان أنزله على ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى المؤمنين من القرآن، وإن براءة نزل في ~~أولها مفتاح حرب وإنذار، ونبذ للعهد الذي كان بين الرسول وبين المشركين، ~~وإنذار وإبعاد[400] لهم من ذوي الجلال والإكرام، عن المسجد والبيت الحرام، ~~وإخبارا لهم ما كانوا يفهمون ويعرفون قد زال وتصرم وحال، وأنهم إن ثبتوا ~~على شركهم قتلوا حيث ما ثقفوا، إشادة من الله سبحانه بذكر الإسلام، وإظهارا ~~وإعزازا لدعوة نبيه عليه السلام ، فلذلك لم يثبت فيها بسم الله الرحمن ~~الرحيم، انتهى. PageV19P237 # قلت: ومثل هذا بعينه رواه عنه ولده أحمد الناصر عليهما السلام في تفسيره ~~لهذه السورة، وقوله: براءة خبر مبتدأ محذوف، أي هذه براءة ومن لابتداء ~~الغاية وليس بصلة كما في قولك، برئت من الدين، ويجوز أن تكون براءة مبتدأ، ~~وقوله من الله ورسوله صفتها، وقوله إلى الذين عاهدتم هو الخبر كما تقول: ~~رجل من بني تميم في الدار، ومعنى براءة أي خلاص من الله ورسوله، وقطع لعهود ~~الكافرين، وإنما برأ الله نفسه ورسوله من عهودهم لئلا ينسبوا الغدر والخلف، ~~إلى قوله: ولا يشفعوا في شيء من ذلك على رسوله؛ لأن الله عز وجل لا يرضى ~~بالشفع لأوليائه ولا يجعل عليهم حجة لأعدائه، ومعنى إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين، أي هذه مقاطعة للذين عاهدتم أيها المسلمون، وكانت فتنة ومعاهدة ~~بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين، والمراد أن الله بريء ~~ورسوله من العهد الذي عاهدتم به ms1942 المشركين، وأنه منبوذ إليهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أرسل أبا بكر بن أبي قحافة بهذه السورة ليقرأها بمكة على المشركين ~~فأوحى الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه لا يؤدي عنك ~~سورة براءة إلا أنت أو رجل منك يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام قاتل الناكثين، ولي الله ووصي رسول الله رب العالمين)) فأمره النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يلحق أبا بكر وليرده، ويأخذ منه الصحيفة، ~~فأخذها منه ومضى صلوات الله عليه حتى وصل إليهم، فلما اجتمعوا بمكة قرأها ~~عليهم، وفيها من المنابذة ما يخزيهم، انتهى. PageV19P238 # قال في البرهان: براءة نزلت برفع الأمان، ونزلت سنة تسع من الهجرة، فأنفذها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمير المؤمنين علي عليه السلام في ~~الموسم بعدما سلمها إلى أبي بكر، فاستردها منه بأمر من الله عز وجل، نزل به ~~جبريل، وقال: ((لا يبلغها إلا أنت أو رجل منك)) فسلمها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إليه، فقرأها أمير المؤمنين في يوم النحر على جمرة العقبة، ~~وكان قد رمى قراءة عشرة آيات من أولها، انتهى. # قلت: ومثل هذا ذكر الإمام الناصر أحمد بن يحيى عن أبيه الهادي إلى الحق ~~عليهما السلام ثم قال عليه السلام: وقد روت العامة هذا الخبر في رد أبي ~~بكر، وإرسال علي صلوات الله عليه بالصحيفة في مسند ابن أبي شيبة، وغيره، ~~فلما كان يوم النحر واجتمع المشركون قام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ~~عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم، وكان فيما ~~رواه أنه سمع أقصى الناس كما يسمع أدناهم، فقالوا: بماذا أرسلك؟ فقرأ ~~عليهم: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، يقول: من كان ~~بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد فهو بريء منه، انتهى. PageV19P239 # روى المفسرون أن فتح مكة كان سنة ثمان، ms1943 وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد، ~~ونزول هذه السورة كان في سنة تسع، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أبا بكر سنة تسع أن يكون على الموسم، فلما[401] نزلت هذه السورة أمر عليا ~~عليه السلام أن يذهب إلى الموسم ليقرأها عليهم، فقيل له: لو بعث بها إلى ~~أبي بكر فقال: ((لا يؤدي عني إلا رجل مني)) فلما دنا علي عليه السلام سمع ~~أبا بكر الرغاء فوقف فقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم ساروا، فلما كان قبل ~~التروية خطب أبو بكر، وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي عليه السلام يوم النحر ~~على جمرة العقبة وقال: ياأيها الناس إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. # وعن مجاهد: ثلاث عشرة آية، ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب هذا البيت بعد ~~هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا تدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، ~~وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده، فقالوا عند ذلك: يا علي، أبلغ ابن عمك أنا قد ~~نبذنا العهود وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب ~~بالسيوف. # قال الواحدي: كان فتح مكة سنة ثمان، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى تبوك، فأرجف المنافقون الأراجيف، فنقض المشركون عهودهم، فنزلت براءة ~~سنة تسع بإلقاء عهودهم إليهم، ذكره ابن إسحاق. PageV19P240 # قلت: ومثل هذا ذكر المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في الشافي ~~قال فيه: فلما كانت سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحج، ~~ثم قال: ((إن يحضر المشركون فيطوفون عراة ولا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك)) ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر تلك السنة إلى الموسم ~~ليقيم الناس الحج، وبعث معه أربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل ~~الموسم، فلما سار دعى رسول الله صلى الله ms1944 عليه وآله وسلم عليا عليه السلام ~~فقال: ((اخرج بهذه الوصية من صدر براءة، وأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا)) ~~فخرج علي عليه السلام على ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العضباء ~~حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة، وأخذها منه، فرجع أبو بكر إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنزل في شأني شيء؟ ~~قال: ((لا، ولكن لا يبلغ عني غيري، أو رجل مني)). # قال الثعلبي: قال الشافعي حدثني محرز، عن أبي هريرة عن أبيه، قال: كنت مع ~~علي حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي فكان إذا نحل صوته ~~ناديت، قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطوف بالكعبة عريان، ومن ~~كان له عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد فعهده إلى مدته، لا تدخل ~~الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشرك، قالوا: فقال المشركين: نحن ~~نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، وطفقوا يقولون: اللهم إنا ~~قد منعنا أن نتبرك، ثم لما كان سنة عشر حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حجة الوداع وقفل إلى المدينة، ومكث بقية ذي الحجة ومحرم وصفر وليالي من شهر ~~ربيع الأول حتى لحق بالله عز وجل، انتهى. PageV19P241 # قيل: وإنما نسب البراءة إلى الله ورسوله والمعاهدة إلى المسلمين؛ لأن الله ~~أذن لهم في معاهدة المشركين أولا، فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم، ~~فلما نقضوا العهد أوجب الله النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحدد من ذلك، ~~فقيل لهم: اعلموا أن الله قد برئ مما عاهدتم به المشركين ورسوله كذلك. # روي أنهم عاهدوا أهل مكة وغيرهم فنكثوا بني ضمرة وبني كنانة، فنبذ العهد ~~إلى الناكثين، وأمروا أن يقولوا لهم: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} أي ~~سيروا فيها هذه المدة آمنين حيث مشيتم. # قال في البرهان: وفيمن جعل له أمان هذه الأربعة أشهر ما روينا[402]أن ~~الله تعالى جعلها أجلا لمن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ms1945 وسلم قد أمنه ~~أقل من أربعة أشهر، ولما كان أجل أمانه غير محدود، ثم هو بعد الأربعة حرب، ~~وفيه وجه ثان، وهو أن الأربعة الأشهر أمان أصحاب العهد من كان عهده أكثر ~~منها حط إليها، ومن كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم يكن له عهد من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل له أمان خمسين ليلة من يوم النحر ~~إلى سلخ المحرم لقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} وأول هذه الأشهر الحرم يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، ~~وآخرها انقضاء العاشر من ربيع الآخر، ومثل هذا الوجه الثاني ذكر الإمام ~~أحمد الناصر عن أبيه الهلدي عليهم السلام بل زاد فيه ما لفظه: الأحياء من ~~بني كنانة ثم من بني ضمرة، كان بقي لهم من عهدهم تسعة أشهر، فأمر الله ~~تبارك وتعالى رسوله أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم، وكانوا عاهدوا رسول الله ~~في العمرة التي احتلت فيها مكة بعد خروجه إلى الميدنة سنة عاهدوه في تلك ~~الأيام عند البيت الحرام، انتهى. # قيل: كانت المهادنة عشر سنين فنقصت إلى هذه الأربعة الحرم وهي شوال ~~والقعدة، وذو الحجة والمحرم، وأكثر العلماء على نسخ تحريم القتال فيها. PageV19P242 # وعن عطاء: وإذا أطلق فهو ابن أبي رياح أنه يقسم بالله ما يحل الغزو في ~~الحرم إلا أن يقاتل المسلمون فيها، واستثنيت هذه الأشهر الحرم صيانة لها من ~~القتل والقتال فيها، وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام وهو قول مجاهد ~~والسدي: إن هذه الأشهر الحرم من يوم الحج الأكبر وهو عشرون من عرفة إلى عشر ~~من ربيع الآخر؛ لأن التحديد من ذلك الوقت وهو غير الأشهر الحرم التي كان ~~القتال محرما فيها، ونقد نسخ ذلك بقوله تعالى: {قل قتال فيه كبير} كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة البقرة، وإنما سميت حرما؛ لأنه كان محرم ~~فيها القتل والقتال في هذه الأشهر لما حرم القتل والقتال فيها كان حرما، ~~وقيل: وإنما سميت حرما لأن أحد أقسام هذه المدة ms1946 من الأشهر الحرم لأن عشرين ~~من ذي الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم، وقيل: إن أولها بعد عشر من ذي ~~القعدة إلا عشر من ربيع الأول؛ لأن الحج كان في تلك السنة فعشرين من ذي ~~القعدة لأجل السبي الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة. # قلت: يبطله قوله تعالى: {إلى يوح الحج الأكبر} لأن الله سبحانه لا يسمي ~~سبي الجاهلية حجا أكبر، والله أعلم. # والمقصود من هذا الإعلام أمور الأول أن يتفكروا لأنفسهم، ويحتاطوا في صد ~~الأمر، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: إما ~~الإسلام، أو قبول الجزية، أو السيف، فيصير بذلك حاملا لهم على قبول الإسلام ظاهرا. # والثاني: لئلا ينسب المسلمون إلى نكث العهد. # والثالث: أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد فعم الكل بالبراءة ~~وأجلهم أربعة أشهر، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار، ولا يصح ذلك إلا بنقض ~~العهود. # والرابع: أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحج في السنة الآتية ~~فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد الغزاة، والله أعلم. PageV19P243 # وروي في شرح أنوار اليقين للإمام الحسين بن بدر الدين عليه السلام عن أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام أنه قال في جوابه لرأس اليهود: دعن المواطن التي ~~أثخن فيها في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما السابعة: يا أخا يهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[403] ~~لما توجه لفتح مكة أحب أن يعذر ويدعهم إلى الله أخرى، كما دعاهم أولا، فكتب ~~كتابا يحذرهم بالله وينذرهم عذابه، ويعدهم الصلح عنهم، ويمنيهم مغفرة ربهم، ~~ونسخ لهم من أول سورة براءة ليقرأ عليهم، ثم عرض على جميع أصحابه المضيء ~~إليهم، فكلهم يرى فيه التثاقل، فلما رأى ذلك منهم ندب منهم عند ذلك أبا بكر ~~ليوجهه فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إنه لا يؤدي عنك إلا رجل ~~منك، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووجهني بكتابه ورسالته إلى ~~أهل مكة وأهلها من قد عرفتم ليس ms1947 منهم أحد إلا ولو قدر أن يضع مني على كل ~~جبل إربا لفعل، ولو بذل في ذلك نفسه وولده وأهله وماله، فأبلغتهم رسالة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقرأت عليهم كتابه، وكل تلقاني بالتهديد ~~والوعيد، ويبدي البغضاء ويظهر لي الشحناء من رجالهم ونسائهم، فلم يثبتني ~~ذلك حتى تهددت لما وجهني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان مني في ~~ذلك ما رأيتم. PageV19P244 # قلت: وهذا وما سيأتي في آخر خطبة أمير المؤمنين علي عليه السلام في قصة ~~براءة حتى قراها عليه مشعر بأن ذلك قبل الفتح، ويؤيد هذا قول الهادي عليه ~~السلام في كتاب الأحكام في قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله} ما لفظه: فجعل فيمن كان بينهم وبينهم ميثاق من ~~المشركين دية، وذلك لما بينهم من العهد والميثاق إلى قوله عليه السلام: فلم ~~يزل المسلمون على ذلك حتى أنزل الله تبارك وتعالى براءة فنقضت العهد الذي ~~كان بيهم وبين المشركين، ونبذ إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عهودهم، وآذنهم بما أمره الله به من محاربتهم، وكان أول نبذ العهود إلى ~~المشركين من قريش خاصة؛ لأنهم كانوا أصحاب العهد والهدنة، ثم استثنى تبارك ~~وتعالى فقال: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق} فنزلت هذه ~~الآية في هلال عويمر كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد، ولم ~~يكن نقض هلال ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان مشركوا مكة ~~يخرجون من مكة فيأتون هلالا من المشركين فمنعهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بما ذكر لنبيه من قوله: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق} إلى آخر كلامه عليه السلام . PageV19P245 # أما قوله تعالى: {واعلموا أنكم غير معجزي} فقيل: اعلموا أن هذا الإمهال ليس ~~لعجز، ولكنه لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وقيل: تقديره فسيحوا عالمين أنكم لا ~~تعجزون الله في حال، والمقصود إني أمهلتكم ولطفت بكم فافعلوا كل ما أمكنكم ~~فعله من إعدادات ms1948 الآلات والأدوات، فإنكم لا تعجزون الله بل يعجزكم ويقهركم، ~~وقيل: اعلموا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا يخاف الفوت؛ لأنكم حيث كنتم فأنتم ~~في ملك الله وسلطانه، وقوله: {وأن الله مخزي الكافرين} أي فاضحهم ومعذبهم ~~في الدنيا والآخرة، ومنكلهم. # قال ابن عباس: بالقتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة. # وقال الزجاج: هذا ضمان من الله لنصرة المؤمنين على الكافرين، والإخزاء ~~الإذلال مع إظهر الفضيحة والعار، والخزي والنكال الفاضح، ثم قال تعالى: ~~{وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} الأذان هو البدأ بالأمر ~~الذي يسمع بالأذن وهو الإعلام، يقول: أذنته بالصلاة أي أعلمه، قال الحارث ~~بن جلدة السكري: # آذنتنا...........اسما # رب ثاو يمل منه الثواء # يريد أعلمنا برحيلها وفراقها، وأذان ارتفاعه كارتفاع[404] براءة على ~~الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها، وليس بتكرير؛ لأن الجملة الأولى ~~إخبار بثبوت البراءة، والثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، فمعنى أذان أي ~~إعلام من الله ورسوله للناس يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، لما روينا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب يوم النحر على ناقته العضياء وقال: ~~((أتدرون أي يوم هذا، هذا يوم النحر، وهو يوح الحج الأكبر)). # وقيل: المراد في أيام النحر الكبير عند الله الجليل القدر؛ لأنه يجوز أن ~~يعبر عن أيام الحج باليوم كما يقال يوم الجمل ويوم صفين، أي أيامه كلها. PageV19P246 # قيل: وأراد بالناس المشركين، وقيل المؤمنين، ليستعدوا للقتال، والصحيح أنه ~~خطاب للمؤمنين والمشركين عموما؛ لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك ~~من حيث أن الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعا، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا ~~الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمر الله تعالى بهذا ~~الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو المجمع عليه الأعظم، ليصل ذلك الخبر إلى الكل ~~ويشتهر، ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، والله أعلم. # ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء فقال: {أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله} وفيه حذف، والتقدير وأذان من الله ورسوله بأن الله ms1949 بريء من ~~المشركين، إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام فيه، وقرئ إن الله بالكسر؛ لأن ~~الأذان في معنى القول، وفي رواية أهل البيت عليهم السلام ومن كان بينه وبين ~~رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ~~ورسوله، فإن قيل: لا فرق بين قوله براءة من الله ورسوله وبين قوله إن الله ~~بريء من المشركين ورسوله فما الفائدة في هذا التكرار؟ قيل له: قد أجيب عنه ~~من وجوه: # أحدها: ما تقدم أن هذا ليس بتكرير؛ لأن المقصود من الكلام الأول الاختبار ~~بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت. # الثاني: أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ومن الكلام الثاني ~~البراءة التي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل عليه ~~حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برئ إليهم وفي الثانية بري منهم. # والوجه الثالث في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول أظهر البراءة من ~~المشركين الذبن عوهدوا ونقضوا ذلك العهد، وفي هذا أظهر البراءة من المشركين ~~من غير أن وصفهم بوصف معين، تنبيها على أن الموجب للبراءة هو كفرهم وشركهم. # واعلم أن في رفع ورسوله وجوها: PageV19P247 # أحدها: أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر، والتقدير ورسوله أيضا بريء، والخبر ~~عن الله دل عن الخبر عن الرسول. # الثاني: أنه عطف على........في بريء، فإن التقدير برئ الله ورسوله من ~~المشركين. # الثالث: أن الله رفع بالابتداء وقوله: بريء خبره، وقوله رسوله عطف على ~~المبتدأ الأول، وقد قرئ بالنصب عطفا على اسم أن، أو لأن الواو بمعنى مع، أي ~~بريء مع رسوله منهم، وقرئ بالجر على الجوار، وقيل على القسم، والتقدير أن ~~الله بريء من المشركين وحق رسوله. # واعلم أنه عز وجل لما ذكر البراءة من الله ورسوله أتبعها بذكر التوبة ~~المزيلة للبراءة فقال: {فإن تبتم} من الشرك والغدر {فهو خير لكم} وذلك ~~ترغيب من الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله ~~موصوفين بالبراءة منه {وإن توليتم} يعني أن أبيتم إلا ms1950 عبادة الأوثان وترك ~~التوبة {فاعلموا أنكم غير معجزي الله} يعني غير سابقيه[405] بأعمالكم، وغير ~~فائتين أخذه وعقابه، وذلك وعيد عظيم؛ لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى ~~قادرا على إنزال أشد العذاب بهم، ثم قال: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} في ~~الآخرة، لئلا يظن أن عذاب الدنيا لما فات فقد تخلص من العذاب، بل العذاب ~~الشديد معد له يوم القيامة، ولفظ البشارة هاهنا ورد على سبيل الاستهزاء، ~~يعني بشرهم بشارة توبيخ واستهزاء بوضع العذاب موضع الثواب، كما يقال: ~~تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم، والله أعلم. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: فقالت بنو ضمرة وهم حي من ~~كنانة: أو نحن مثلهم أيضا؟ فقال علي صلوات الله عليه: إن الله قد استثناكم ~~فقال: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} وهم بنو ضمرة حي من كنانة أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفيء لهم بما عاهدهم إلى مدتهم، يعني ~~سبحانه إلى وفاء أجلهم إن الله يحب المتقين، انتهى. PageV19P248 # قال المفسرون: وفيه وجهان: # أحدهما: قال الزجاج إنه عائد إلى قوله براءة، والتقدير براءة من الله ~~ورسوله إلى المشركين المعاهدين، إلا الذين لم ينقضوا العهد. # والثاني: قال في الكشاف: وجهه أن يكون مستثنى من قوله: فسيحوا في الأرض؛ ~~لأن الكلام خطاب للمسلمين، والتقدير براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين، فقولوا لهم سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم {ثم لم ينقصوكم ~~شيئا} من النقص لا بقتل ولا أخذ مال {ولم يظاهروا} أي يعاونوا {عليكم أحدا} ~~من العدو {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا ~~الوفي كالغادر، ومعنى فأتموا إليهم عهدهم أي أدوه إليهم كاملا. # قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، قأتم النبي عهدهم ~~{إن الله يحب المتقين} يعني أن قضية التقوى بين الناكث والوفي؛ لأن هذه ~~الطائفة لما اتقوا النكث ونقض العهد استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضا عن ~~النقض والنكث، وروي أنه علت بنو بكر على خزاعة في حال غيبة ms1951 رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فظاهرهم قريش بالسلاح حتى وفد عمروا بن سالم الخزاعي ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنشده: # اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيك الأتلدا # كنت أبا وكنا الولدا ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا عهدك ذمامك الموكدا # هم بيتونا بالحطيم هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم نبي الله قد تجردا ... أبيض مثل البدر يعلو صعدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا نصرت إن لم أنصركم)) وقرئ ~~ينقضوكم بالضاد معجمة أي لم ينقضوا عهدكم. # واعلم أن في قصة براءة شأنا عظيما لمن تأمل. PageV19P249 # قال في البلغة: روى حديث براءة الثقات من رواة العامة، ورواه آل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فالذي روي من طريق العامة هو ما رواه أبو جعفر ~~محمد بن إبراهيم بن عبدان بن جبلة القهساني قال: حدثنا إبراهيم بن مروان، ~~قال حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن ~~حرب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث ببراءة مع ~~أبي بكر إلى أهل مكة، فلما بلغ ذا الحليفة فبعث إليه فرده، وقال: ((لا يذهب ~~بها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي)) فبعث بها عليا عليه السلام . # وروى أبو القاسم الحسن بن مهران في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ~~قال: أخبرني أبو القاسم بن علي بن عمرو الرقي بالرقة، قال أخبرني ~~الحارث[406] قال حدثنا الحسن بن إسماعيل، قال حدثنا القاسم بن عبيد أبو ~~كهمن الشيباني، وسفيان بن إبراهيم، والوليد بن الوهيب، قالوا: حدثنا عبد ~~المؤمن بن القاسم الأنصاري، عن عبد الله بن شريك، عن سعد بن أبي وقاص قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((في علي أربعة إحداهن أحب إلي من ~~الدنيا)) قال سعيد: بينا نحن في المسجد فأتينا ليلا فقيل اخرجوا غير النبي، ~~فخرجنا ms1952 فلما أصبحنا أتاه عمه العباس فقال: يا رسول الله أخرجت أصحابك ~~وأعمامك، وتركت هذا الغلام معك في المسجد، فقال: ((ما أنا أمرت بإخراجكم، ~~ولا بإسكان هذا الغلام، ولكن الله أمر بذلك)) قال: فقلنا: الثانية، قال: ~~نعم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببراء مع أبي بكر فسار بها يوما ~~وليلة أو ما شاء الله، ثم أتبعه عليا على ناقته العضباء فلما لحق أبا بكر ~~بكى وقال: يا علي هل نزل في شيء؟ قال: لا إلا خيرا، ولكن رسول الله قال: ~~((أمرت لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني)). فرجع أبو بكر إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فبكى ثم قال: يا رسول الله هل نزب في شيء؟ قال: ((لا، إلا ~~خيرا، ولكن لا يؤدي عني إلا أنا أو علي)). PageV19P250 # قلنا:الثالثة؟ قال: نعم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمر بن ~~الخطاب وسعد بن عبادة فرجعا منهزمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لأعطين الراية رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، لا يرجع ~~حتى يفتح الله على يديه، ادعوا لي عليا وكان أرمد فتفل في عينيه، ثم أعطاه ~~إياها ففتح على يديه)). # قلنا: الرابعة: قال نعم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزاة ~~وخلف عليا في أهله فقالت قريش: إنما خلفه من نقضه فلحقه علي، فقيل: الصلاة ~~جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((يا علي، ~~أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)). PageV19P251 # وروى محمد بن عيسى بن عبيد النفطي الكوفي، عن الحسن بن سعيد، عن عيسى بن ~~عيد الله قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: إن رسول الله ~~بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل الموسم فسار حتى نزل الجحفة فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال: يا محمد، لا يبلغها إلا أنت أو رجل منك، فبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عليا في طلبه، ms1953 فأدركه فأخذ الصحيفة ثم مر بها إلى أهل ~~الموسم، فلما وقف عليهم ابتدأ بخطبة بليغة أولها: الحمد لله المستحمد إلى ~~خلقه، الذي كان ولا شيء يكون لم يكونه شيء يكون قبله، ولم يكن من شيء فيكون ~~له ولد، ولم يشبهه شيء فيكون له ند، ثم قال في آخر الخطبة: وهذا محمد رسول ~~الله يدعوكم إلى الدين وهو فيكم الأمين، فأجيبوا داعي الله وآمنوا به، ~~وأنيبوا إليه، فقد دعت الرسل من كان قبلكم، ولم يكن الله ليدعكم سدا حتى ~~يبين لكم، وهذا كلام الله ورسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم: {براءة من الله ورسوله} فقرأها إلى تسع آيات، ثم قال: ~~وقد بلغت الرسالة عن سيد النبيين، وقامت عليكم الحجة، فاستجيبوا لله ~~والرسول إذا دعاكم لما يحييكم، فتتم السعادة، وإن تولوا فلن يعجز الله ~~هارب، فإنه لا يطلب مثل طلبه طالب، ولا يمنع منه هارب، ولكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون، وأنتم تعرض هلاك وغضب من الله، والتلف ~~والحسرة بعده، فقالوا له: يابن أبي طبالب لولا مكان أبيك لم تسلم وقد قمت ~~مقاما تعرضت فيه لنفسك فيما نصف، وقد سمعنا مقالتك وعصينا وإلهنا خير مما ~~تدعونا إليه. PageV19P252 # وروى محمد بن عيسى بن عبيد[407]عن إسحاق، عن يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن ~~أبي إسحاق، عن عوف صاحب أمير المؤمنين علي عليه السلام قال عوف: قلت له بما ~~بعثك رسول الله؟ قال: ببراءة لأقرأها عليهم فقمت فناديت فيهم لا تدخل الجنة ~~إلا نفس زكية، ولا يطوف بالبيت عريان بعد ثلاث إلا ضربت عنقه، ولا يحج بعد ~~عامه مشرك، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد فهو ~~إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فمدته إلى أربعة أشهر، فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر، ثم أمرت أبا أيوب الأنصاري أن ينادي في الناس: ألا إن الله قد أظهر ~~دينه، فلا تعبد اللات والعزى إلى يوم القيامة، يا أهل مكة لا إذن لكم ms1954 عندي ~~إلا السيف، فمن تأمل هذه القصة وأنصف علم أن من لم يصلح في حياة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأداء رسالته حتى يرد ويبعث غيره كيف يصلح بعد ~~وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون إماما لأمته، راعيا لها، ~~أمينا عليها، وهذا يعلم بأول فكره...........، وفي قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني)) شأن عظيم، وخطب جليل، ورتبة عالية؛ ~~لأن قوله أو رجل مني ليس المراد به أنه من المؤمنين؛ لأن غيره قد شاركه ~~فيه، ولا أنه من قرابته أو من أصحابه لمشاركته غيره له فيه، وإنما المراد ~~أنه منه عصمة وطهارة، وكمالا ووقارا، وحكمة وعلما، وحلما وهدا، وشجاعة، ~~وسائر الخصال الحميدة، انتهى. # ثم قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وانسلاخ الأشهر خروجها وتصرمها، ~~وهي الأشهر الحرم التي أتيح فيها للناكثين أن يسيحوا. # قال في البرهان: وهي عشرون من ذي الحجة، والمحرم وصفر وربيع الأول، وعشر ~~من ربيع الآخر، والمراد من كونها حرما أن الله حرم القتل والقتال فيها، ثم ~~إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في أربعة أشياء: PageV19P253 # أولها: قوله: {فاقتلوا المشركين} الناكثين المظاهرين {حيث وجدتموهم} وذلك ~~أمر بقتلهم على الإطلاق في أي وقت كان، وأي مكان كان من حل أو حرم. # وثانيها: قوله: {وخذوهم} أي بالأسر، والأخيذ الأسير. # وثالثها: قوله: {واحصروهم} ومعنى الحصر المنع من الخروج من المحيط. # قال ابن عباس: المعنى إن تحصنوا فاحصروهم. # وقال الفراء: حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام. # ورابعها: قوله: {واقعدوا لهم كل مرصد} والمرصد الموضع الذي يرقب فيه ~~العدو، من قولهم: رصدت فلانا أرصدة، إذا ترقبته، قال الشاعر: # إن المنايا للرجال بمرصد # تقول على طل طريق مرصد # وحارسه لا نجاة منها، قال عز وجل: {إن ربك لبالمرصاد} أي لا يفوته شيء ~~ولا ينجوا منه. # قال المفسرون: المعنى اقعدوا لهم من كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى ~~الصحراء. # قال الأخفش: وفي الكلام محذوف، والتقدير واقعدوا لهم على ms1955 كل مرصد، أي كل ~~ممر وطريق ترصدونهم به، وانتصابه على الظرف كقوله: {لاقعدن لهم صراطك ~~المستقيم} ثم قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم} أطلقوهم من الأسر والحصر، وكفوا عنهم، ولا تتعرضوا لهم. # وعن ابن عباس: دعوهم وإتيان المسجد الحرام {إن الله غفور رحيم} يغفر لهم ~~ما قد سلف من الكفر والغدر. # قيل: فهذه ناسخة لكل ما في القرآن من ذكر الإعراض والصبر على أذى ~~الأعداء. # قال النجري في شرح آيات الأحكام: وهذه هي آية السيف. # قلت: ولعل آية السيف إذا أطلقت فهي قوله تعالى في أواخر هذه السورة: ~~{ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} والله أعلم. PageV19P254 # واعلم أنه تعالى لما أوجب بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على ~~أن حجة الله قد[408] قامت عليهم، وإنما ذكره الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، قيل: ذلك من أنواع الدلائل والبينات في إزاحة غدرهم وغلبهم، وذلك ~~يقتضي أن أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة أن لا يلتفت إليه بل يطالب ~~إما بالإسلام وإما بالقتل، فلما كان هذا الكلام واقعا في القلب لا جرم ذكر ~~الله بعده ما يزيل ذلك فقال سبحانه إزالة لهذه الشبهة: {وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} أي إذا جاءكم أحد منهم بعد ~~انقضاء الأشهر، ولا عهد بينك وبينه فاستأمنك ليسمع القرآن وما تدعوه إليه ~~من التوحيد، وتبيين ما بعثت به، فأمنه حتى يسمع القرآن ويتدبره ويتطلع على ~~حقيقة الأمر ليهتدي من ضلالة ويرجع من كفره، واختلفوا في المراد بقوله: حتى ~~يسمع كلام الله على وجوه، فقيل: أراد سماع القرآن؛ لأن تمام الدلائل ~~والبينات فيه. # وقيل: أراد سماع سورة براءة؛ لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع ~~المشركين، وقيل: أراد سماع كل الدلائل، وإنما خص القرأن لأنه الكتاب ~~الحاوي، المعظم الدلائل، وقوله: {ثم أبلغه مأمنه} معناه أوصله إلى ديار ~~قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم إن لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من ~~غير غدر ولا خيانة، ثم وهذا الحكم ms1956 باق في كل وقت عند الأكثر. # روي عن ابن عباس أنه قال: إن رجلا من المشركين قال لعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله أو ~~لحاجة أخرى فهل نقتل؟ # قال علي: لا، إن الله تعالى قال: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام}. PageV19P255 # واعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لابد من ~~النظر والاستدلال، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لا يمهل هذا ~~الكافر، بل يقال له: إما أن تؤمن وإما أن تقتل، فلما لم يقل ذلك بل، ~~أمهلناه وأزلنا عنه الخوف، ووجب علينا أن نبلغه مأمنه، علمنا أن ذلك كان ~~لأجل التقليد في الدين غير كاف، بل لابد من الحجة والدليل، فأملهناه ~~وأخرناه له ليحصل له مكنة النظر والاستدلال، إذا ثبت هذا فاعلم أنه ليس في ~~الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة كم تكون، ولعله والله أعلم لا يعرف ~~إلا بالمعرف، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا عن وجه ~~الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا للزمان ~~بالأكاذيب لم يلتفت إليه. # واعلم أنه لما كان المذكور في هذه طالبا لسماع القرآن فإنه يلحق به كونه ~~طالبا لسماع الدلائل، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات، والدليل عليه أنه ~~تعالى علل وجوب تلك الإجارة بكونه غير عالم؛ لأنه قال: {ذلك بأنهم قوم لا ~~يعلمون} أي بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعوهم ~~إليه، فلابد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا دلائل الحق. # ثم قال تعالى استفهاما في معنى الإنكار والاستبعاد على وجه التعجب: {كيف ~~يكون للمشركين} الناكثين {عهد} أي ذمة {عند الله وعند رسوله} وفي الآية ~~محذوف تقديره كيف يكون للمشركين عهد مع إضمار الغدر فيما وقع من العهد {إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} لأجل أنهم ما نكثوا وما نقضوا، قيل: إنهم ~~بنو كنانة وبنو ms1957 ضمرة. PageV19P256 # وقال في البرهان: المراد إذا غدروا وقاتلوا فليس لهم عهد إلا الذين عاهدتم ~~عند المسجد الحرام، يعني خزاعة وقريشا {فما استقاموا لكم} على العهد ~~{فاستقيموا لهم} على مثله، وهذا يدل على أنهم إن نقضوا العهد سقط[409] ~~أمانهم وحلت دماؤهم {إن الله يحب المتقين} يعني من اتقا الله، فوفى بعهده ~~لمن عاهده، قوله تعالى: {كيف وإن يظهروا عليكم} كيف تكرار الاستبعاد بثبات ~~المشركين على العهد، وحذف يكون لدلالة الأول عليه، أي كيف يكون لهم عهد ~~وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بقوة حتى يتمكنوا منكم ويقدروا على الظفر بكم، ~~بعد ما سبق لهم من تأكيد المواثيق {لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} يريد تعالى ~~أنهم لو يظهرون حتى يعلو عليكم ويقدروا لما رقبوا ولا حفظوا فيكم قرابة، ~~ولا رعوا فيكم عهدا ولا ذمة، والإل هو القرابة في لغة العرب. # قال الحميري يهجو معاوية بن أبي سفيان حين ادعا زيادا بن عبيد مولى ثقيف ~~أخا له زعم ولده أبو سفيان، وأنكرت ذلك عليه العرب، وسخفت رأيه وقبحت فعله ~~لما قذف أباه، وكذب فيما ادعاه فقال مقرعا: # ألا أبلغ معاوية بن حرب # مغلغلة من الرجل اليماني # وأشهد أن إلك من زيادا # كإل الفيل من ولد الأتان # أي كمثل قرابة الفيل من ولد الأتان. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: وقد روى هذه الأبيات وزاد ~~ما لفظه: # وأشهد أنها ولدت زيادا # وصخرا من سمية غير زان # يقول: إن رحم معاوية وقرابته من زياد بن عبيد مولى ثقيف مثل بعد ولد ~~الفيل من ولد الأتان من الحمير. # وقال شاعر آخر في الجاهلية في حرب بكر وتغلب يذم قوما ويذكر بعد قرابتهم ~~منه، وبعد جوارهم من ديارهم فقال: # أرحامنا قذف والدار شاسعة # فلا جوار ولا إل يدنيها # والقذف في لغة العرب البعد، والشاسع البعد أيضا، والإل هاهنا في لغة ~~العرب القرابة والأرحام، انتهى، وفي معاوية أيضا يقول حسان: PageV19P257 # لعمرك إن إلك من قريش # كإل السقب من ولد النعام # ثم قال عز وجل: {يرضونكم بأفواههم ms1958 وتأبى قلوبهم} أي يقولون بألسنتهم ~~كلاما حلوا طيبا، والذي في قلوبهم خلاف ذلك، فإنهم لا يضمرون إلا الشر ~~والإيذاء إن قدروا عليه {وأكثرهم فاسقون} متمرودن في الكفر، والنكث والكذب ~~لا مروءة ترعهم ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من ~~التفادي عن الكذب والنكث والتعفف عما يثلم العرض، ويجر أحدوثة السوء، فمن ~~كان موصوفا بذلك فهو مذموم عند جميع الناس وفي جميع الأديان، فالمراد أن ~~أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: فلما سمع المشركون هذه ~~الآيات التي قرأها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وهو قائم ~~يهتف بها عند جمرة العقبة، قالوا: يا علي علام مسيرنا أربعة أشهر، بل ترث ~~منا أنت وابن عمك الطعن والضرب من الكلام، وقال أعشى بكر بن وائل يصف مراوة: # كأن مسيسها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # فلما قال المشركون هذا القول لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه وبان لهم ~~أنه خطأ، قالوا: بلى نحن على العهد يا علي فتركهم وأسلم بعد هذا، انتهى. # ثم قال: {اشتروا بآيات الله} أي استبدلوا بالقرآن والإسلام {ثمنا قليلا} ~~وهو اتباع الأهواء والشهوات، وقيل: هم الأعراب الذي جمعهم أبو سفيان ~~وأطعمهم. # وقال في البرهان: آيات الله حججه ودلائله، والثمن القليل ما جعلوه[410] ~~بدلا، وهذه عامة فيمن أنكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصد عن ~~الإيمان بما جاء به، والإقرار بنبوته، ثم قال: {إنهم ساء ما كانوا يعملون} ~~أي عملوا عملا بئس العمل. # وقال الرازي: في الآية قولان: # الأول: المراد بها المشركون. PageV19P258 # قال مجاهد: أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاؤه وترك حلفاء النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة. # الثاني: لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا المشركين على نقض تلك ~~العهود، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود، وهذا اللفظ في القرآن ~~كالأمر المحض باليهود، قال: ويقوي هذا الوجه ms1959 أن الله أعاد قوله: {لا يرقبون ~~في مؤمن} أي لا يراعون في نكث عهد {إلا ولا ذمة} ولو كان المراد المشركين ~~لكان هذا تكرارا محضا، ولو كان المراد اليهود لم يكن تكرارا، وكان أولى ~~{وأولئك هم المعتدون} المجاوزون الغاية في الظلم، يتعدون ما يوجبه الله ~~تعالى في دينه وما يوجبه العهد والعقد، وذلك هو نهاية الذم، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة، وينقض ~~العهد، وينطوي على النفاق، ويتعدى ما حد له بين من تعداهم، بين من بعد أنهم ~~إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم فقال عز وجل: {فإن تابوا} ~~عن الكفر والغدر {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم} أي فهم إخوانكم ~~{في الدين} وهو يفيد جملة أحكام الإيمان، ولو شرح لطال، ثم قال: {ونفصل ~~الآيات} ونبينها {لقوم يعلمون}. PageV19P259 # قال في الكشاف: وهذا اعتراض وقع بين الكلامين، كأنه قيل: وإن من تأمل ~~تفصيلها فهو العالم ...........وتحريضا على تأمل ما فصل الله من أحكام ~~المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها، ثم قال: {وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم} يقال: نكث فلان عهده إذا نقضه بعد الأحكام، كما ينكث خيط الصوف ~~بعد إبرامه، من قوله تعالى: {من بعد قوة أنكاثا} والإيمان جمع بين معنى ~~الحلف والقسم، قيل للحلف يمين وهو اسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم ~~إذا حلفوا وتحالفوا، وقيل سمي يمينا لتمني البر فيه، فقوله: إن نكثوا أي ~~نقضوا عهودهم، وفيه قولان: # أحدهما: وهو قول الأكثر أن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # والثاني: أن يكون المراد حمل العهد على الإسلام، فيكون المراد ردتهم بعد ~~الإيمان، ولذلك قرأ بعضهم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، والأول أولى للقراءة ~~المشهورة؛ ولأن الآية في ناقضي العهد وكونهم صنفين، فإذا ميز منهم من تاب ~~لم يبق إلا من أقام على نقض عهده، وقوله: {وطعنوا في دينكم} يقال: طعنه ~~بالرمح وطعنه بالقول، الشيء يطعن فيه. # قال الليث: وبعضهم يقول: يطعن بالرمح بالضم، ويطعن ms1960 بالقول فيفرق بينهما، ~~والمعنى أنهم عابوا دينكم وقدحوا فيه، فقالوا: ليس دين محمد بشيء وهو نص في ~~ذمي إذا عاب دين الإسلام، قيل لنقضة الذمة، ثم قال عز وجل: {فقاتلوا أئمة ~~الكفر} أي قاتلوهم، فوضع المضمر موضع الضمير للتتبيع بأنهم أئمة لكفرهم بعد ~~إسلامهم، وأئمة الكفر زعماؤهم، مثل أبي سفيان وأبي جهل؛ لأنهم القواد إلى ~~الكفر بالرحمن، والإمام في اللغة هو القائد المتبوع المطاع في قومه المجاب ~~المسموع، قال الشاعر: # فلو صبر الإمام لنا قليلا # لأخفيناهم..............الرمال # ثم قال: {إنهم لا أيمان لهم} يوفون بها، ويعتد بها جمع يمين. PageV19P260 # قال الرازي: ومعناه لا إيمان لهم على الحقيقة، وإيمانهم ليس بإيمان، وبه ~~تمسك أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا يكون يمينا، وعند الشافعي يمينهم ~~يمين، ومعنى هذه عندنا أيمانهم لما لم يفوا بها[411] صارت أيمانهم كأنها ~~ليست بأيمان، والدليل على أن أيمانهم أيمان، أنه تعالى وصفها بالنكث في ~~قوله: {وإن نكثوا أيمانهم} ولو لم تكن منعقدة لما صح وصفها بالنكث، وقرئ ~~بكسر الألف يعني أنهم كفرة لا أيمان لهم، أي لا تصديق ولا دين لهم، ثم قال ~~سبحانه: {لعلهم ينتهون} أي لينتهوا عن العصيان والكفر وهو متعلق بقوله، ~~فقاتلوا أئمة الكفر يعني ليكون غرضكم في مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد ~~من العظائم أن تكون المقاتلة سببا في إنتهائهم عما هم عليه من الكفر، وهذا ~~من غاية كرم الله وفضله على الإنسان. # واعلم أنه تعالى لما قال فقاتلوا أئمة الكفر أتبعه بذكر السبب الذي بعثهم ~~على مقاتلتهم فقال حضا على القتال في سبيل الله {ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم} والهمزة للإنكار، ومعناها النفي، والنفي إذا دخل على النفي فاد ~~الإثبات والتأكيد. # واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد، ~~فكيف بها حال الاجتماع: # أحدها: نكثهم العهد، وكل المفسرين حملوه على نقض العهد. # قال ابن إسحاق والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد ~~الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة، وهذه تدل على أن ms1961 قتال الناكثين أولى ~~من قتال غيرهم من الكفار، ليكون ذلك جزاء لغيرهم. # والثاني: قوله: {وهموا بإخراج الرسول} أي عزموا وأرادوا إخراجه، فإن هذا ~~من أوكد ما يجب به القتال، واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة ~~حين أذن الله فخرج بنفسه مهاجرا إلى المدينة. # وقال بعضهم: المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على ~~قصده بالقتل. PageV19P261 # وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أنهم أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج، ~~وهو نقض العهد وإعانة أعدائه، وأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع بينهم من ~~الأمور الداعية إليه، في قوله: {وهموا} إما بالفعل أو بالعزم عليه، وإن لم ~~يوجد ذلك الفعل تمامه. # والثالث: قوله: {وهم بدءوكم أول مرة} بالمقاتلة؛ لأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم جاءهم بالكتاب فلما عجزوا عن المعارضة عدلوا إلى المحاربة، وقيل: ~~بدؤكم بإعانتهم على حلفائكم خزاعة، فبدؤا بنقض العهد، وهذا قول ابن عباس، ~~وقول الأكثرين، وإنما قال بدؤكم تنبيها على أن البادي أظلم. PageV19P262 # قلت: وروى الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام عن ابن عباس في هذه ~~الكلمات ما لفظه: وقوله تعالى: {أئمة الكفر} إنها نزلت في أبي يسفيان بن ~~حرب، والحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش، ~~إنهم {إنهم لا أيمان لهم} يعني لا عهد لهم {لعلهم ينتهون} يعني عن نقض ~~العهد الذي بينكم وبينهم، ثم قال عز وجل: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} ~~يعني نقضوا عهودهم الذي بينك وبينهم، يعني قريشا قبل انقضاء الأجل، وذلك ~~حين أعانوا بني الذيل بن بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وفي هذا خبر طويل، وأنت تجده كاملا في كتاب المغازي إن شاء الله، ثم ~~قال عز وجل: {وهموا بإخراج الرسول} يعني بقتل الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم حين حلوا وائتمروا به في دار الندوة، فتفرقوا يومئذ على أن يمسوا إليه ~~بأسيافهم فيقتلوه، فأمره الله عز وجل أن يخرج إلى الغار، وخلف علي بن أبي ~~طالب ms1962 صلوات الله عليه على فراشه، وذلك أنه قال لأصحابه: ((أيكم يقعد لي على ~~فراشي وأضمن له على الله الجنة)) فكره القوم وتباطوا عنه فقال له [412] علي ~~عليه السلام أرأيت يا رسول الله أن قعد لك قاعد على فراشك فهل تسلم أنت؟ ~~فقال له: ((نعم، إن قعد على فراشي سلمت أنا)) فقال له علي بن أبي طالب ~~صلوات الله عليه: فأنا أقعد لك على فراشك، وكانت هذه الفضيلة لأمير ~~المؤمنين صلوات الله عليه مكساوية قدرها لمحنة إسماعيل بن إبراهيم صلوات ~~الله عليه فرق بين الفعلين، ولا خلل بين الأمرين، إلا أن هذا نبي وهذا إمام ~~مهدي، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت خزاعة حلفاء لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت بنو الذيل بن بكر وهم من كنانة حلفاء ~~لبني عبد شمس خاصة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاتلت الذيل ~~خزاعة بمكة، فانطلقت قريش فأعانت بني الذيل على خزاعة حلفاء PageV19P263 رسول رالله صلى الله عليه وآله وسلم فهذا ما يدؤا به من الغدر فهزمت الذيل ~~خزاعة، حتى أدخلوهم دار بديل بن ورقاء الخواعي فخرج رجلان من خزاعة أحدهما ~~عمرو بن سالم والآخر بديل بن ورقا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم المدينة فقال: يا رسول الله أوجعتنا بنو الذيل والنظير وقريش ~~ضربا، وناشدواه صلى الله عليه وآله وسلم حلفهم، وقال شاعرهم الأبيات التي ~~مرت آنفا إلى آخر كلامه عليه السلام في قصة الفتح، ولما شرح الله تعالى هذه ~~الموجبات الثلاثة زاد فيها فقال: {أتخشونهم} إن ينالكم من قتالكم مكروه ~~والهمزة للإنكار، وقوله: {فالله أحق أن تخشوه} يفيد ذلك كأنه قيل إن كنتم ~~تخشون أحدا فالله أحق أن تخشوه، لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة، ~~والضرر المتوقع منهم غايته القتل، اما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في ~~القيامة، والذم اللازم في الدنيا، ثم قال: {إن كنتم مؤمنين} معناه إن كنتم ~~موصوفين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا علىهذه المقاتلة؛ لن المؤمن لا ms1963 يخشى ~~إلإ ربه، وإن لم يقدموا عليها وجب أن يكونوا مؤمنين، فثبت أن هذا الكلام ~~اشتمل على أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين ~~للعهد، ثم إنه تعالى لما وبخهم على ترك القتال جرد لهم الأمر به فقال: ~~{قاتلوهم} وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من أنواع الفوائد كل واحد منها ~~يعظم موقعه إذا انفرد، فكيف إذا اجتمعت. # فأولها: قولعه: {يعذبهم الله بأيديكم} بالقتل بالسيف، وهذه عدة بالنصر. # وثانيها: قوله: {ويخزهم} بالأسر واغتنام الأموال، وما ينزل بهم من الذل ~~والهوان، حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي يالمسلمين ذليلين مهينين. PageV19P264 # وثالثها: قوله: {وينصركم عليهم} أي يوليكم النصر والغلبة عليهم، فسمى تعالى ~~ذلك عذابا وهو حق، فإن قيل أليس الله تعالى قال: {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم}؟ قلنا: المراد بتلك الآية عذاب الاستئصال، والمراد من قوله: ~~{يعذبهم الله بأيديكم} عذاب القتل والحرب، والفرق بين العذابين أن عذاب ~~الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب، وإن كان ذلك في حقه سببا لميزيد ~~الثواب، أما عذاب القتل فالغالب أنه يبقى مقصورا على المذنب، والله أعلم. # ورابعها: قوله: {ويشف صدور قوم مؤمنين} أي بقتل أعدائهم المشركين، يكون ~~شفاؤهم، وذلك بنصره للمؤمنين وإعزازه لهم. # قال المفسرون: هم طائفة من المؤممين وهم خزاعة عدت عليهم بنو بكر ~~وظاهرتهم قريس عليهم بالسلاح كما مر. # وعن ابن عباس: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها ~~أذا شديدا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشكون إليه، ~~فقال:((ابشروا فإن الفرج قريب)). # وخامسها: قوله: {ويذهب غيظ قلوبهم} أي حنق قلوبهم، أي المؤمنين بما ~~لقيهم[413] من المكروه من الكفار، فشفى الله قلوب المؤمنين يوم فتح مكة، ثم ~~قال تعالى: {ويتوب الله على من يشاء}. PageV19P265 # قال في الكشاف: هو ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وكان ~~ذلك ايضا، فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم، ثم قال: {والله عليم} بما سيكون ~~كما يعلم ما قد كان {حكيم} لا يفعل إلا ما ms1964 اقتضته الحكمة، ولما كانت هذه ~~الآية مرغبة في الجهاد الذي سبق على المسلمين لكراهتهم القتال حين أمروا به ~~أردفها بمزيد بيان في الترغيب، فقال تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا} غير ~~ممتحنين {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أم استفهام، وهي المنقطعة ~~ومعناها الإنكار والتوبيخ على وجود الحسبان منهم، والمعنى أنكم لا تتركوا ~~على ما أنتم حتى يتبين الخلص منكم، وهم الذين جاهدوا لوجه الله تعالى. # قال الإمام الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق عليه السلام: يعني حتى ير ~~الله الجهاد، ويتفعلوه أنتم باختياركم، ويعلم الله عز وجل أنه فعل وصبر فيه ~~إلى أمره؛ لأنه لا يجهل الأشياء قبل كونها، ولا تحفى عليه خافية لا فيما ~~مضى ولا مما حدث بعد، وهذا مثل قوله تعالى: {حتى يعلم الله المجاهدين منكم ~~ويعلم الصابرين ويبلوا أخباركم} وقد يتعلق بهذه الآيات الجهال ومن يريد ~~الطعن على القرآن، فالرد عليهم مثل ما قد شرحت لك أن الله العالم بأفعالهم ~~قبل أن يفعلوها، وأنهم مخيرون غير مجبورين، وإنما أراد سبحانه أن ينفذوا ~~أمره في الجهاد حتى يكون فعلا قد فعلوه باختيارهم، وصاروا إليه بإرادتهم، ~~وآثروا منه الطاعة على المعصية، فهذا وجه العدل والدال علىالتوحيد، والمزيل ~~للتشبيه، والحمد لله رب العالمين، انتهى. # {ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} الوليجة: فهي ~~البطانة من غير أهل دين الرجل ممن يفشي إليه سره وأمره، قال الشاعر: # لا تجعلوا دوننا يا قومنا سرا # وليجة لم يؤاخونا على الدين # قال في البرهان: والوليجة فيها وجهان: # أحدهما: الخيانة. PageV19P266 # والثاني: البطانة أي خواص من الذين يحادون الله ورسوله، والمراد بنفي العلم ~~نفي المعلوم، كقولك ما علم الله مني كذا ممال قيل في، تريد ما وجد ذلك مني، ~~والمقصود من ذكر هذا الشرط أن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا، بل يكون ~~منافقا باطنه خلاف ظاهره، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله ~~والمؤمنين، فأخبر الله تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع ~~الإخلاص خاليا عن النفاق والرياء ms1965 والتردد إلى الكفار، وإنطاق ما يخالف ~~طريقة الدين، والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط، ~~بل الغرض أن يأتي به إنقياد لأمر الله ولحكمه ولتكليفه، ليظهر به بذل النفس ~~والمال في طلب رضوان الله فحينئذ يحصل به الانتفاع، فأما الإقدام على ~~القتال لسائر الأعراض فذلك مما لا يفيد أصلا، ثم قال: {والله خبير بما ~~تعملون} لا يخفى عليه شيء مما أبطنتم، بل هو عالم بإعراضكم ونياتكم ليطلع ~~عليها، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية، ورعاية القلب. # قال ابن عباس: إن الله لا يرضى أن يكون الباطن خلاف الظاهر، ولا الظاهر ~~خلاف الباطن، وإنما يريد الله من خلقه الاستقامو، كما قال: {إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا}. # قال: ولما فرض الله القتال تبين المنافق من غيره، وتميز من يوالي ~~المؤمنين ومن يعاديهم. # واعلم أنه تعالى لما بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار وبالغ في إيجاب ~~ذلك ذكر م ن أنواع فضائحهم[414] ما يوجب تلك البراءة، ثم إنه تعالى حكى ~~عنهم عنهم شبها أخرى احتجوا بها في أن هذه البراءة غير جائزة، وأنه يجب أن ~~يكون المخالطة والمناصرة حاصلةك # فأولها: قوله عز وجل: {ما كان للمشركين} أي ما صح منهم ولا استقام {أن ~~يعمروا مساجد الله} وذلك أنهم ذكروا أنهم موصوفون بصفات حميدة، وخصال ~~مرضية، وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ومناصرتهم، من جملة تلك الصفات كونهم ~~عامرين للمسجد الحرام. PageV19P267 # قال الإمام الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق عليهما السلام وقد جاء في ~~الرواية أنه لما أسر بعض رؤساء قريش، أقبل تاس من المهاجرين فعيروه بالكفر ~~وقطعية الرحم، وعون المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتارك ~~الإيمان والإقامة على الكفر، فقال لهم: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون ~~محاسننا، قالوا له: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم، إن كنتم تجاهدون في سبيل الله ~~مع رسول الله الأعداء فنحن أفضل منكم أجرا، قالوا: وبأي شيء؟ قال: نعمر ~~المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونفك العاني، ونفادي الأسير، ونسقي ms1966 الحاج، ~~ونؤمن الخائف، فأنزل الله عز وجل ردا عليهم: {ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله} الآية. # قال عليه السلام: وقد قال غيرنا إن الخصومة كانت بين علي عليه السلام ~~وبين عمه العباس رضي الله عنه، وما عندنا أنها كانت بينهما خلفة ولا شحناء ~~ولا عداوة، وهما أفضل من ذلك وأحلم، وأكرم، وقد جاء في الرواية أن كل موضع ~~في القرآن فيه: {ياأيها الذين آمنوا} أن علي عليه السلام تلك الآية، ورأس ~~تلك الندبة، والمقدم في تلك الصفة، وله من الفضائل في القرآن ما فيه ~~الكفاية، انتهى. # قلت: وقال المفسرون: قال ابن عباس: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه ~~المسلمون وعلى سائر الأسرى فعيروهم بالشرك، وطفق علي بن أبي طالب عليه ~~السلام يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقطيعة الرحم، ~~وأغلظ عليه في القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، ~~فقال له علي عليه السلام: ألكم محاسن؟ فقال: نعم، نعمر المسجد الحرام، ~~ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى ردا عليه ما ~~كان للمشركين أن يعمرو مساجد الله، أراد المسجد الحرام الذي هو إمام ~~المساجد، وف يالعمارة قولان: # أحدهما: لزومهما وكثر إتيانها، يقال: فلان يعمر مسجد فلان إذا جلس فيه، ~~وأكثر غشيانه إياه. PageV19P268 # والثاني: بناؤه وإصلاحه، وكلاهمت محضور على الكافر، فمنع منه ولو أوصى به ~~لم تقبل وصيته، قاله في التجريد عن الواحدي وابن الجوزاء. # أما قوله تعالى: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} فقال الزجاج: شاهدين حال، ~~والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المسجد في حال كونهم شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر. # قال الإمام الناصر أحمد بن الهادي إلى الحق عليهما السلام : وقد كان من ~~كفرهم أنهم يفتخروم بعبادة الأصنام، وهي الكفر، وليس ذلك عندهم بكفر. # قال الحارث بن هشام يوم...............فأخذوا قافلة قريش الوافدة من مصر، ~~وقتلوا عمروا بن الحضرمي، وذلك في شهر رجب، وكانوا يعظمونه ولا يطلب أحد ~~فيه أحدا فاستعظمته قريش ورأوه كفرا وظلما عظيما، قال الحارث بن هشام في ~~بعض ms1967 قصائده: # .........خبث عند الله باغ ... فخلف حرمة الشهر الحرام # .......محمد وآثار حربا ... جمود السلم ذاكية الضرام[415] # فما هذا بفعل ولاة حتى ... ولا دين على رب كرام # ولكن فعل قوم قوم سوء ... أتونا بالقبيح وبالكلام # لنتبعهم ونترك معكفات ... من الأوثان خالدة السلام # فتراه يكيف يحمد فعله...........كفره، وهو عند الله عز وجل مشرك ملعون، ~~وأما قوله خالدة السلام بكسر السين، فالسلام في لغة العرب الحجارة، وقوله: ~~خالدة أنها لا تبلى إلى يوم القيامة، قال الفرزدق: # رأتني الغائبات فقلن هذا # ابونا جاء من تحت السلام # أنه لما كبر وشاخ أنكرنه، وقلن هذا أبونا جاء من القبر من تحت الصفائح ~~التني تجعل على اللحد من الصفوان، انتهى. # وذكروا في تفسير هذه يالشهادة وجوها: # أحدها: أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان، وتكذيب القرآن، وإنكار ~~نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ذلك كفر فمن شهد علىنفسه بهذه ~~الأشياء فقد شهد على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر، فمعنى الآية أنهم شهدوا ~~على أنفسهم بما هو كفر في نفس الأمر، وليس المراد أنهم شهدوا بكونهم ~~كتافرين. PageV19P269 # الثاني: قال السدي شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصرامي إذا قيل له: ~~ما رأيت فيقول: نصراني، واليهودي يقول يهودي، وعباد الوثن يقول أن عابد ~~الوثن، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرنا في الوجه الأول. # والثالث: أن العادة منهم أنهم يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن، فلعل ~~المراد ذلك. # الرابع: أن معنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم حيث نصبوا أصنامهم ~~حول البيت، وكانوا يطوفون عراة، وكلما طافوا سجدوا لها. # الخامس: هو قولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك لبيك، هو لك تملكه وما ~~ملك، والمعنى ما استفهام أن تجمعوا بين مشاقتين عمارة متعبدات الله مع ~~الكفر به. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى شاهدين علىأنفسهم بالكفر أي ~~عالمين بكفر أنفسهم غير جاهلين بقبائح فعلهم. PageV19P270 # وفي البرهان: يعني أن ما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم كما يدل عليه ~~إقرارهم، ثم قال: {أولئك حبطت أعمالهم} التي هي العمارة والحجابة ms1968 والسقاية، ~~وفك العناة، وإذا هدم الكفر أو الكثيرة الأعمال، والثابتة الصحيحة ~~إذا.........فما ظنك بالمقارن، وإلى ذلك أشار بقوله: شاهدين، حيث جعله حالا ~~عنهم، ودل على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر في حال واحدة، وذلك ~~محال غير مستقيم، ثم قال: {وفي النار هم خالدون} وهو إشارة إلى أنهم مخلدون ~~في النار، ثم إنه تعالى أخبر على سبيل الحصر من الذي يعمر مساجد الله، فقال ~~عز وجل: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} اعلم أن العمارة ~~تتناول..........ما استرم منها..........وتنضيفها وتنويرها بالمصابيخ، ~~وتعظيمها، واعتياده للعبادة، والذكر، ومن الذكر درس العلم بل هو أجله ~~واعظمه، وصيانتها مما لم ............. المساجد من أحاديث البدنيا، فضلا عن ~~فضول الحديث، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((يأتي في آخر الزمان ناس من ~~أمتي ياتون المساجد فيقعدون فيها خلفا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا ~~تجالسوهم فليس لله بهم من حاجة)) وفي الحديث: ((الحديث في المساجد يأكل ~~الحسنات كما تلأكل البهيمة الحشيش)). # وقال صلوات الله عليه وآله وسلم: [416]((قال الله تعالى: إن بيوتي في ~~أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطيهر في بيته ثم زراني ~~في بيتي، فحق على المزور أن يكرمن زائره)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ألف المسجد ألفه الله)). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا ~~له بالإيمان)). # وعن أنس: من أسرج في ميجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ~~ما دام في ذلك المسجد ضوء)). PageV19P271 # واعلم أنه عز وجل لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المساجد بين أن ~~المشتغل بهذا العمل يحب أن يكون موصوفا بصفات أربع. # فالصفة الأولى: قوله من آمن بالله واليوم الآخر، ومعنى ذلك أن عمارة ~~المساجد بالزيالرة لها، والصلاة فيها يكون ممن آمن بالله واليوم الآخر، ~~وكذلك لا يرغب في بنائها إلى المؤمنون دون الكافرين، وإنما قلنا أنه لابد ~~من الإيمان بالله؛ لأن المسجد عبارة عن الموضع الذي يعبد فيه الله تعالى، ~~فمن لم ms1969 يكن مؤمنا امتنع أن يبني موضعا يعبد الله فيه، وإنما قلنا أنه لابد ~~وان يكون مؤمنا باليوم الآخر؛ لأن الاشتغال بعبادة الله إنما يفيد في ~~القيامة، فمن أنكر القيامة لم يعبد الله، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء ~~لعبادة الله، فإن قيل: لم لم يذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ؟ فجوابه من وجوه: # الأول: أن المسشركين كانوا يقولون إن محمد إنما ادعى رسالة الله طلبا ~~للرئاسة والملك، فهاهنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وترك ذكر النبوة، ~~كأنه يقول طلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ والمعاد، فذكر ~~المقصود الأصلي، وحذف النبوة، تنبيها للكفار على أنه لا مطلب له من الرسالة ~~إلا هذا القدر. # الثاني: لما ذكر الصلاة والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد ~~وهذه الأشياء مشتملة على ذكر النبوة كان كافيا. # الثالث: أن ذكر الصلاة والاسم المفرد ............بالألف واللام ينصرف ~~إلى المعهود السابق، ثم المعهود السابق عند المسلمين ليس إلا الأعمال التي ~~كان يأتي بها محمد صلى الله عليه وآله، فكان ذكر الصلاة دليلا على النبوة ~~من هذا الوجه. # الصفة الثانية: قوله: {وأقام الصلاة} والسبب فيه أن المقصود الأعظم من ~~بناء المساجد إقامة السلوات، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلاة امتنع ~~أن يقدم على بناء المساجد. PageV19P272 # قال في البرهان: ومعنى ذلك ان عمارة المساجد بالزياة لها، والصلاة فيها، ~~فيكون ممن آمن بالله واليوم الآخر، وكذلك لا يرغب في بنائها إلا المؤمنون ~~دون الكافرين. # الصفة الثالثة: قوله: {وآتى الزكاة} اعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة في عمارة المساجد كأنه يدل على أن المراد من عمارة المسجد الحضور ~~فيه، وذلك لأن الإنسان إذا كان مقيما للصلاة فإنه يحضر المسجد، فتحصل عمارة ~~المسجد به، وإذا كان مؤتيا للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء ~~والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل عمارة المسجد. # وأما إن حملنا العمارة على إصلاح البناء فإيتاء الزكاة مغتبر في هذا ~~الباب أيضا؛ لأن إيتاء الزكاة واجبة، وإيتاء المسجد نافلة، والإنسان ما لم ms1970 ~~يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فالظاهر أن الإنسان ما لم يكن مؤديا ~~للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد، ذكره الرازي. # الصفة الرابعة: قوله: {ولم يخش إلا الله} قال بعضهم: يحتمل أن المراد أنه ~~وإن خاف الناس في بناء المساجد إلا أنه يلتفت إليهم ولا يخشاهم[417] ولكنه ~~يبني المسجد للخوف من الله، ويحتمل أن يكون المراد منخه أن يبني المسجد لا ~~لأجل الرياء والسمعة، وأن يقال: فلان بنى مسجدا، ولكنه يبنيه لمجرد رضوان ~~الله، ولمجرد تقوية دين الله، فإن قيل: كيف قال: ولم يخش إلا الله، والمؤمن ~~قد يخاف الظلمة والمفسدين؟ فجوابه أن المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى ~~في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضى الله غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه ~~أمران: أحدهما حق الله، والآخر: خوف نفسه، أن يخياف الله، فيؤثر خق الله ~~على حق نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية ~~عنهم، ثم إنه تعالى لما ذكر خهذه الأوصاف قال: {فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين}. # قال في البرهان: فيه وجهان: # أحدهما: أن قال ذلك تحذيرا من فعل ما يخالف هدايتهم. PageV19P273 # والثاني: أن كلمة عسى من الله واجبة، وإن كان من غيره ترجيا. # قال أبو مسلم: عسى هاهنا راجع إلى العباد، وهو يفيد الرجا، فكان المعنى ~~أن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما يأتون بها على رجاء الفوز بالاعتداء، ~~لقوله تعالى: {يدعون ربهم خوفا وطمعا}. # قلت: وأحسن الوجوه ما ذكره في الكشاف، وهو أن المراد منه تبعيد المشركين ~~عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها ~~وافتخروا بها، وأملوا عاقبتها،ب أن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل ~~بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال ~~المشركين يقطعون أنهم مهتدون، ونائلون عند الله الحسنى، وفي هذا الكلام ~~ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض الاغترار بالله، قوله ~~تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله} لابد من محذوف، أي أهل ms1971 سقاية الحاج، أو جعلتم ~~سقاية الحاج كإيمان من آمن أي كعمل من آمن بالله والاستفهام للإنكار، ~~والمراد من عمار المسجد الحرام تجميره وتحسين صورة جدرانه. # قال في الكشاف: والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم ~~المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوي بينهم، وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم ~~بالكفر. # واعلم أن الذي في تفسير أئمة أهل البيت عليهم السلام أن هذه الآية نزلت ~~في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك أن عمه العباس بن ~~عبد المطلب رحمه الله ذكر ما كان يفعل من سقاية الحاج وعمارة المسجد ~~الحرام، فلما ذكر ذلك ذكر له أمير المؤمنين عليه السلام سبقه إلى الدين ~~والإسلام، واجتهاده في طاعة ذي الجلال والإكرام، فلما تشاجروا بين الله فضل ~~أمير المؤمنين ونشر ذلك وأظهره لجميع العالمين، بالإيمان والجهاد، وأنهما ~~أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. PageV19P274 # قال الرازي: وحاصل هذا الكلام أنه يحتمل أن يقال: هذه المفاضلة جرت بين ~~المسلمين، ويحتمل أنها جرت بين المسلمين والكفار، أما الذين قالوا أنها جرت ~~بين المسلمين فقد احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين ~~المهاجرين: {أولئك أعظم درجة عند الله} وهذا يقتضي أن يكون للرجوع أيضا ~~درجة عند الله، وذلك لا يليق إلا بالمؤمن، وأما الذين قالوا أنها جرت بين ~~المسلمين والكافرين فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى: {كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر} وهذا يدل على أن هذه المفاضلة وقعت بين من لم يؤمن بالله ~~وبين من آمن بالله واليوم الآخر، والعباس احتج على فضائل نفسه بأن عمر ~~المسجد الحرام، ةوسقى الحاج، فأجاب الله تعالى عنه[418] بوجهين: # الأول: ما بين الله في الآية الأولى أن عمارة المسجحد الحرام إنما توجب ~~الفضيلة إذا كانت صادرة من المؤمنين، اما إذا كانت صادرة عن الكفار فلا ~~فائدة فيها البتة. # الثاني: ما ذكره في هذه اية وهو أن يقال: هب أنا سلبمنا أن عمارة المسجد ~~الحرام وسقي الحاج توجب نوع من أنواع الفضيلة إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان ~~بالله ms1972 والجهاد قليل جدا، فكان ذمكر هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله ~~والجهاد خطأ؟؛ لأنه يقتضي مقابلة الشيء الشؤيف بالشيء الحقير جدا، وأنه ~~باطل هذا هو الوجه في تخريج هذه الآية، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح ~~لهذه الآية بما قبلها. PageV19P275 # قلت: ويؤيد ه ما ذكره أئمتنا عليهم السلام ما رواه صاحب البلغة في سبب نزول ~~الآية فيما رواه محمد بن عيسى القبطي الكوفي، عن الحسن بن محبوب يرفعه إلى ~~ألي الطفيل صاحب أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: بينا العباس بن عبد ~~المطلب وإسماعيل بن شبيبة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ خرج ~~علي بن أبي طالب عليه السلام من بيته فقال العباس لإسماعيل: ألا تدعوا هذات ~~الغلام فتصغر إليه نفسه، فقال إسماعيل: هذا ابن أخيك، وأنت أحق به، فأقبل ~~علي حتى جلس إليهما وسلم على عمه وأنشاوا الحديث بينهم إذ قال العباس أنا ~~سيد قريش بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولنا سقاية الحاج لا يليها ~~غيرنا، فقال ابن شبيبة: بل نحن أعظم قريش خطرا وأعرقهم نسبا، ولنا مفتاح ~~البيت لا يليه غيرنا، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: هل أدلكما على من ~~هو خير منكما؟ قالا: ومن ذلك؟ قال: من ضربكما بسيفه حتى قادكما إلى ~~الإسلام، فقاما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشكوان عليا، فأخبر ~~العباس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله، فقال: ((صدقت يا عم النبي أنك ~~كذلك)) فأخبره ابن شبيبة بما قال: فقال:((كذلك أنتم أهل البيت)) فأخبره علي ~~بما قال، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدق علي ولا كذب حتى أنزل ~~الله تعالى الآية فتلا جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم هذه الآية إلى آخر الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قم يا ~~عم فقد قضى الله بينكم)) فمن تأمل ذلك علم ما فيه، انتهى. # قلت: ومثل هذا ذكر الهادي عليه السلام هذه المشاجرة وحكم الله فيها في ~~باب ms1973 القضاء من كتاب الأحكام، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين فقال: {لا يستوون ~~عند الله} في الفضل والدرجة، ونفى المساواة بينهما، قال: {والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} لأنهم لا يقتلون هداة فلا تحكم بالهدى ولا تسميهم به، كما ~~قال الكميت: PageV19P276 # وطائفة قد أكفروني......... # وطائفة قالوا مسيء ومذنب # فأخبر سبحانه أن الكافرون ظالمون لأنفسهم بالكفر والعصيان، وأيضا ظلموا ~~المسجد الحرام، فإنه تعالى جعله ليكون موضعا لعبادة ربهم الرحمن، فجعلوه ~~موضعا لعبادة الأوثان، فكان هذا في غاية الظلم منهم والكفران. # واعلم أنه تعالى لما ذكر تريجح الإيمان والجهاج على السقاية وعمارة ~~المسجد الحرام على طريق التوبيخ أتبعه بذكر الترجيح على سبيل التصريح، ~~فقال: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم ~~درجة عند الله} من أهل السقاية والعمارة عندكم، الدرجة هي المرتبة العظيمة، ~~في عرف اشريعة، وهي في أصل اللغة المراقي إلى الأمور العالية، ولا أعلى من ~~الثواب[419] فسميت مراتبه درجة، أخذ من ذلك، فأخبر سبحانه أنه من كان ~~موصوفا بهذه الصفات الأربع كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية ~~والعمارة، وتلك الصفات الأربع هي هذه: # فأولها: الأيمان بالله. # وثانيها: الهجرة. # وثالثها: الجهاد في سبيل الله بالمال. # ورابعها: الجهاد بالنفس. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند ~~الله قال فيهم: {وأولئك هم الفائزون} لا أنتم، والمختصون بالفوز دونكم؛ لأن ~~هذا يفيد الحصر، ثم قال تعالى: {يبشرهم ربهم} في القرآن وعند الموت {برحمة ~~منه} ما أعد لهم في الجنة، والتنكير للمبالغة، ووقوعها وراء وصف الواصف ~~{ورضوان} تبليغ منه برحمته {وجنات لهم فيها نعيم مقيم} لا ينقطع {خالدين ~~فيها أبدا}. PageV19P277 # قال بعضهم: واعلم أن هذه البشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية، ~~وأنه تعالى ابتدأ فيها بالإسراف، فالإسراف نازلا إلى الأدون فالأدون، ~~فالأولى منها وهي أعلاها وأشرفهال كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة ~~والرضوان، فهذا هو العظيم والإجلال من قبل الله، وقوله: {وجنات لهم} إشارة ~~إلى حصول المنافع العطية، وقوله: {فيها نعيم} إشارة إلى كون تلك ms1974 المنافع ~~خالصة عن المكدورات لأن النعيم مبالغة في النعمة، ولا معنى للمبالغة في ~~النعمة إلا خلوصها عن ممازجة المكدورات، وقوله: {مقيم} عبارة عن كونها ~~دائمة غير منقطعة، ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات. # أولها: قوله: {مقيم}. # وثانيها: {خالدين}. # وثالثها: قوله: {أبدا} فحصل على مجموع ما ذكرنا أنه بشر هؤلاء المؤمنين ~~المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم. # قال الإمام أحمد الناصر بن الهادي إلى الحق عليهما السلام: والخلود في ~~الدار الآخرة أكرمك الله، فهو ما نفاد له ولا غاية ولا انقطاع، ولا زوال ~~لواحدة من الدارين، وإنما داموا فيها بدوام المديم لا يجري عليه ما يجري ~~على المخلوقين، ولا يساوونه ولا يشابهونه في شيء مما فيه يتصرفون، والحمد ~~لله رب العالمين، انتهى. # ولما ذكر هذه الأحوال قال: {إن الله عنده أجر عظيم} وكل هذا بشارة من ~~الله وتفضيل لإمام المسلمين علي بن أبي طالب عليه السلام وعلى أهله ~~الطاهرين . PageV19P278 # وأما قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان} فقال الإمام الناصر بن الهادي عليه السلام: ~~إمنها نزلت هذه الآية في المسلمين من أهل مكة، فالذي وصل إلينا من الخبر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر الناس بالهجرة إلى المدينة، فجعل ~~الرجل يقول لأبيه والرجل لأخيه والرجل يقول لامرأته والرجل يقول لقرابته: ~~إنا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فاحرجوا معنا، فمنهم من يسارع وتعجبه ~~الهجرة، ومنهم من يأبا على صاحبه أن يهاجر معه، فجعل الرجل يقول لزوجته ~~ولولده ولأخيه ولقرابته إذا أبو عليه أن يهاجروا م عه: والله لئن ضمني الله ~~وإياكم في دار هجرة بعد اليوم لا نفعتكم بشيء أبدا ولا أعطيتكم شيئا أبدا، ~~ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله فيقولون: ننشدك بالله أن تدعنا على غير شيء ~~فنضيع ونهلك فيرق لهم عند ذلك ويرحمهم فيجلس معهم ويد ع الهجرة، فأنزل الله ~~تبارك وتعالى: {لا تتخذوا آباءكم وأبناءكم} الآية، انتهى. # قال الرازي: اعلم أن المقصود من ذكر هذه ms1975 الآية أن يكون جوابا عن شبهة ~~أخرى ذكروها وهي أن البراءة من الكفار غير ممكنة، وتلك الشبهة أن قالوا إن ~~الرجل المسلم قد يكون أبوه كافرا، والرجل الكافر قدي يكون أبوه وأخوه ~~مسلمسا، وحصول[420] المعاطفة التامة بين الرجل وأبيه وابنه وأخيه كالأمر ~~المنيع، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها كالمتعذر ~~الممتنع، فذكر الله تعالى هذه الآية لتزول الشبهة، وقد نقل الواحدي عن ابن ~~عباس أنه في الكهاجرين خاصة، وقد كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا ~~بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة،، ويقطع الموالاة والعلائق. # قال: وهذا مشكل لأن الصحبح أن هذه السورة إنما تنزلت بعد فتح مكة، فكيف ~~يكون حمل هذه الآية علىما ذكروه. PageV19P279 # قال: والأقرب عندي أن يكون محمولا على ما ذكرت، وهو أنه تعالى لما أمر ~~المؤمنين بالتبري عن المشركين، وبالغ في إيجابه، قالوا: كيف يكون مع هذه ~~المعاطفة التامة بين الرجل وابنه وأبيه وأمه وأخيه، فذكر الله تعالى أن ~~الانقطاع عن الآباء والأولاد والإخوان واجب بسبب الكفر، انتهى كلامه. # وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، فنهى الله عن موالاتهم. # قلت: وأما قولهم لما نزلت هذه الآية في المهاجرين جعل الرجل يأتيه ابنه ~~وأبوه فلا يلتفت إليه، ولا يشفق عليه، ثم رخص لهم بعد ذلك بقوله سبحانه: ~~{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم} فغير صحيح؛ لأن الآية غير منسوخة، وذلك أن معنى قوله عز وجل: لا ~~ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين....الآية، خلاف معنى هذه الآية، ~~وأن المراد بها أنه لا حرج في الانفاق على من لم يقاتل في الدين، ولم يضر ~~المسلمين، كأهل الذمة والفساق، بما لا ضرر فيه على المسلمين فيجوز برهم ~~بالانفاق والإحسان إليهم، وهو خلاف الموالاةلأن الموالاة ~~محبتهم...........وتعظيمهم وما يؤدي إلى ذلك، والبر إليهم ليس من ذلكي في ~~شيء، ولهذا مدح الله سبحانه إطعام الأسير بقوله: {ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا} ms1976 والأسير يومئذ كافر، ثم إنه تعالى لما نهى عن موالات ~~هم، وكان لفظ النيهي يحتمل أن يكون نهي تحريم ذكر ما يزيل الشبهة فقال: ~~{ومن يتولهم} أي يحبهم ويصادقهم {منكم فأولئك} المحبون لهم {هم الظالمون} ~~الكاملون في الظلم. PageV19P280 # قال ابن عباس: يريد مشركا مثلهم؛ لأنه رضي بشركه، والرضا بالكفر كفر كما أن ~~الرضى بالفسق فسق، ثم إنه عز وجل قرر هذا الجواب بقوله تعالى لنبيه عليه ~~وعلى آله السلام فيمن اعتل عن القيام بأمر الله: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} أي أقاربكم {وأموال اقترفتموها} أي ~~اكتسبتموها، والاقتراف هو الاكتساب، قال الشاعر: # والناس في هذه الدنيا على طمع # منها فمغترف مالا.......... # ثم قال: {وتجارة تخشون كسادها} أي تخافون بوارها، وعدم نفاقها، وألا ~~يشتريها أحد ولا يلتفت إليها، قال الشاعر: # لقد كسدت مساعيكم لدينا ... ........الذميم إلى البوار # {ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله} وإنما كان هذا ~~تقرير لما سبق؛ لأن جماعة من المؤمنين قالوا: يا رسول الله: كيف يمكن ~~البراءة منهم بالكلية فإن هذه البراءة توجب انقطاعها عن آبائنا وإخواننا ~~وعشائرنا، وذهاب تجاراتنا وهلاك أموالنا وخراب ديارنا................فبين ~~تعالى أنه يجب حمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالما، وقال: إن كانت ~~رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله وطاعة رسوله، وعن ~~المجاهدة في سبيل الله {فتربصوا} بما تحبون {حتى يأتي الله بأمره} أي ~~بعقوبة عاجلة ؟أو آجلة، وهو وعيد لهم. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم[421]: ((لا يطعم أحدكم طعم الإيمان ~~حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه)). PageV19P281 # وما أحسن قول صاحب الكشاف في هذه الآية فإنه قال: هذه آية شديدة لا يرى أشد ~~منها كأنها تنفي على الناس ما هم عليه من رخاوة عند الدين واضطراب حبل ~~اليقين، فلينتصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات ~~الله والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان، ~~والعشائر والمال ms1977 والمساكن، وجميع حظوظ الدنيا، ويتجرد منها لأجله، أم يروي ~~الله عنه أحقر شيء منها لمصلحته فلا يدري أي ظن فيه أطوال ويغويه الشيطان ~~على أجل حظوظ الدين فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره، انتهلا. # وهذا كناية عن قلة الإلتفات إلى الدين، وعدم المبالات بأحكام رب ~~العالمين، ثم قال: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي الخارجين عن طاعته ~~إلى معصيته، وفيه إشارة إلى أن موالاة أعداء الله وترك المهاجرة عنهم من ~~الفسق هو الخروج من الدين والانسلاخ عنه، وهذا أيضا تهديد، وإنما قال: ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين} لأنهم لا يقبلون الهدى فيزيدهم هدا، كما ~~يزيد المهتدين من المؤمنين، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين ~~مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا وجب على المسلم ترجيح ~~الدين على الدنيا. PageV19P282 # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء ~~والأبناء والإخوان والعشائر، وعن الأموال والتجارات والمساكن، رعاية لمصالح ~~الدين، وعلم أن هذا شق جدا على النفوس والقلوب، ذكر بعده ما يدل على أن من ~~ترك الدنيا لأجل الدين فإنه عز وجل يوصله إلى مطلوبه من الدنيا على أحسن ~~الوجوه، ومن رجح الدنيا على الدين فاته الدين وفاتة الدنيا، فقال سبحانه ~~تنبيها وتسلية لأولئك: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} مثل بدر وقريظة ~~والنظير وخيبر، وفتح مكة، وغير ذلك كثير، والمواطن جمع موطن، وهو كل موضع ~~أقام به الإنسان، يقال هذا موطن الحرب أي مقاماتها، قال: # وكم موطن لولاي طحت كما هو ... .........من قلة الشق منهوي # قال الواحدي: والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ويقال: إنها ثمانون موطنا، فأعلمهم أنه تعالى هو الذي يولي نصر المؤمنين، ~~ومن نصره فلا غالب له، ثم قال: {يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا} فضرب الله هذا مثلا، وذلك أن عسكر رسول الله صلى الله عليه في واقعة ~~حنين كانوا في غاية الكثرة، فلما عجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين، ثم ms1978 بحال ~~الإنهزام لما تضرعوا إلى الله قواهم حتى هزموا عسكر الكفار، وذلك يدل على ~~أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته الدين، ومتى أطاع الله ورحج الدين ~~على الدنيا أتاه الله الدينيا على أحسن الوجوه، فكان هذا تسلية لاولئك ~~الذين أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء، والأموال والمساكن، لأجل مصلحة ~~الدين، وتصبيرا لهم عليها، ووعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إذا فعلوا ذلك، ~~فالله سبحانه يوصلهم إلى أقاربهم واموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه، فهذا ~~تقرير النظم، وهو في غاية الحسن. PageV19P283 # واعلم أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وقد بقيت أيام من ~~شهر[422] رمضان خرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، واختلفوا في عسكر ~~رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم ، فقال عطاء عن ابن عباس: كانوا ستة ~~عشر ألفا، وقال قتادة: كانوا اثنى عشر ألفا، عشرة آلاف الذين حصروا مكة ~~وألفان من الطلقاء، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وبالجملة فكانوا عددا ~~كثيرين، وكانوا هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من المسلمين ~~لن نغلب اليوم من قلة، فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وهي المراد من قوله: {أعجبتكم كثرتكم} وقيل أنه قالها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل: قالها أبو بكر، وإسناد هذه الكلمة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيد؛ لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلا على ~~الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: حنين واد بين مكة والطائف كان فيه ~~القتال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين قبائل من المشركين، ~~فأعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكثرتهم حتى ظنوا أنهم لا ~~يهزمون، فلما التقوا بحينين حمل عليهم المشسركون حملة واحدة فخفت أقدامهم ~~واختلفت قلوبهم، وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين ~~ومعه نفر من بني هاشم فلم يبرحوا، وثبت الله أقدامهم ونصحوا، قال الشاعر: # خلا الناس عنه في حنين بأسرهم # وولو هزيما ms1979 بالرماح الشوارع # سوى الهاشميين الكرام فإنهم # ذووا الصبر تحت المرهفات القواطع # ومنهم علي خير من وطئ الحصا # قريع قريش كلها في الوقائع # سنان رسول الله في كل حومة # وكاشفها عن وجهه غير راجع PageV19P284 ومعنى قوله: {فلم تغن عنكم شيئا} أي فلم يدفع عنكم الكثيرة شيئا {وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت} أي مع رحبها وسعتها، أي لا يجدون موضعا ~~.............لشدة الخوف، فكأن الأرض ضاقت عليكم من الخوف بما اتسعت، ~~والرحب في اللغة هو الشيء الواسع، قال الشاعر: # وأخلى لك الشام الذي ضاق رحبها # عليك ولم يهنك العيش من أجلي # ومعنى: {ثم وليتم مدبرين} أنهم انهزموا حتى بلغ أقلهم مكة، أدركتهم كلمة ~~الإعجاب وزل عنهم أن الله هو الناصر لا يكثر الجنود. # قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، فلما حملنا عليهم ~~انكشفوا.........على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فانكشف المسلمون عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: انهزم بالناس الطلقاء، وثبت معه صلى ~~الله عليه وآله وسلم جماعة من أهل بيته، وهم أبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب، وقد أخذ شعر بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنبي آخذ ~~بحكمتها يركضها إلى وجه العدو، ويقول: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد ~~المطلب)) والعباس رضي الله عنه ، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، ~~وأيمن بن عبيد بن أم أيمن اتلخزرجي، وأسامة بن زيد. # أما علي عليه السلام فكان في غمار القوم يضارب. PageV19P285 # قال في الامتناع: قال الحارث بن نوفل: فحدثني الفضل بن العباس قال: التفت ~~العباس يومئذ وقد........عن بكرة أبيهم فلم ير عليا فيمن ثبت فقال: شوهه ~~فوه أفي مثل هذه الحالة يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله[423] صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو صاحبه فيما هو صاحبه، يعني المواطن المشهورة به، ~~فقلت يعض قولك لابن أخيك أما تراه في الرهج، قال: أشعره لي يا بني، قالت: ~~هو ذو كذا وكذا ذو البردة، قال: فما تلك البردرة؟ قلت: سيفه يرفل به بين ~~الأقران، فقال: بر بن بر ms1980 فداه عم وخال، قال: فضرب علي عليه السلام يومئذ ~~أربعين مبارزا كلهم بعده حتى نفد أنفه وذكره، قال: قال وكانت ضرباته منكرة، ~~قال: وكانت أم عمارة رضي الله عنها في يدها سيف صارم، وأم سليم رضي الله ~~عنها معها خنجر قد حزمته على وسطها، وهي يومئذ حامل بعبدالله بن طلحة، وأم ~~سليم وأم الحارث رضي الله عنهما حين انهزم الناس يقاتلن، وأم عمارة تصيح ~~بالأنصار، وشدت على رجل من هوازن فقتلته وأخذت سيفه. PageV19P286 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن الكثرة لا تنفع بين أن الذي أوجب النصر ما كان ~~إلا من الله عز وجل، وذلك قوله: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين} والسكينة مأخوذة من السكون والاطمئنان، وبطلان الحركة والخفقان، ~~فلما أنزل الله السكينة في قلب رسوله وقلوب المؤمنين ثبتوا ووقفوا ولم ~~يتزحزحوا مثل غيرهم، ولم يخفوا، وفي هذه الآية وتفسيرها يقول الإمام الناصر ~~أحمد بن الهادي عليهما السلام: فلما التقوا بحينين كسر العدو سيوفهم ثم ~~حملوا عليهم فهزموا المسلمين هزيمة شديدة، ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على بغلته وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به وهو ابن عمه، ~~والعباس بن عبد المطلب أخذ.........، وانهزم الناس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا عشرة رجال كلهم من بني هاشم لم يخلطهم أحد من الناس، ~~منهم العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~صلوات الله عليه ، وفيهم نزلت هذه الآية: {فأنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين} الآية، فوجبت السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، الآية، ~~فوجبت السكينة وفضلها له صلى الله عليه وآله وسلم، ولما وقف معه بحنين ~~خاصة، وبمثل هذه يعرف الحق لأهله والفضل لمن جعله الله له وفيه، وقد قال ~~غيرنا: إن الذين وقفوا معه نحو من ثلاثمائة رجل، وليس ذلك بشيء، وليس ~~الصحيح إلا عشرة من بني هاشم، وفي ذلك يقول الشاعر: # خلا الناس عنه في حنين بأسرهم # ثم ذكر الأبيات التي مر ذكرها ms1981 آنفا. PageV19P287 # قال عليه السلام: وقد قيل في ذلك من الشواهد ما لا يحصيه، ورجع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يناديهم يا معشر المهاجرين إلي، ويقول: يا معشر ~~الأنصار إلي، ثم يقول: أين أصحاب النفرة، فاجتمع الناس، ثم حملوا على ~~المشركين فهزمهم الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولوا ~~مدبرين، وغنمت أموالهم وذراريهم ولهم خبر يطول شرحه، وأنت تجد ه في كتاب ~~المغازي إن شاء الله تعالى، ثم قال: {وأنزل جنودا لم تروها} والجنود التي ~~لم يروها هي جموع الملائكة المقربين، وكانوا ثمانية آلاف على خيول بلق، ~~وقيل: خمسة، وقيل: ستة عشر ألفا، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~كفا من تراب فرمى به المشركين، ثم قال: ((انهزموا ورب الكعبة)) فانهزموا ~~{وعذب الذين كفروا} بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر، والسبي، وأخذ[424] ~~المال، وذلك عند رجوع المسلمين وعطفهم بعد الهزيمة على الكافرين، ثم قال: ~~{وذلك جزاء الكافرين} أي ذلك التعذسيب وهو جزء الكافرين، قيل: كان السبي ~~ستة آلاف والإبل والغنم لا تحصى {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} من ~~المنهزمين، أو أراد أن ناسا منهم يسلمون بعد حنين فيتوب عليهم. PageV19P288 # روي في الكشاف: أن ناسا منهم جاءول فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، قالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد سبي أهلنا ~~وأولادنا، وأخذت أموالنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن عندي ما ترون ~~أن القول أصدقه)) اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم، قالوا: ما كنا ~~نعدل بالإحساب شيئا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إن ~~هؤلاء جاؤنا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم ~~يعدلوا..........فمن كان عنده شيء فطابت نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا ~~فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه)) قالوا: رضينا ~~وسلمنا، فقال: ((إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضا، فمروا أعرافكم فليرفعوا ~~ذلك إلينا)) فرفعت إليه العرفا أن قد رضوا، ثم قال سبحانه: {والله غفور ms1982 ~~رحيم}يستر الكفر بالإسلام، وينصر الولي بعد الإنهزام، قوله تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا إنما المشركون نجس}. # قال في الكشاف: النجس مصدر، يقال: نجس نجسا، وقدر قدرا، ومعناه ونجس؛ لن ~~معهم الشرك الذي بمنزلة النجس، ولأنهم يتطهرون ولا يغتسلون، أو جعلوا كأنهم ~~النجاسة بعينها، مبالغة في وصفهم بها، انتهى. # وعن ابن عباس: أعنا بهم نجسة كالكلاب........الحسن من صافح مشركا توضى. # قال في البرهان: وهم أنجاس الأبدان كنجاسة الكلب والخنزير، وتنزه منهم ~~المساجد كما تنزه من الكلاب والخنازير {فلا يقربوا المسجد الحرام} الحج أو ~~عمرة كما كانوا يفعلون، وقوله: {بعد عامهم هذا} وهو عام سنة تسع من الهجرة ~~لقول علي عليه السلام: ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك. PageV19P289 # واعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة من الشبه التي وقعت في قلوب القوم، وذلك ~~لأنه ص لما أمر عليا عليه السلام أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة براءة ~~وينبذ لهم عهدهم وأن الله بريء من المشركين ورسوله، قال ناس من بني بكر بن ~~وائل من التجار وآخرون من أهل اليمن أيضا: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من ~~الشدة، لانقطاع السبل، وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة، ~~وأجياب الله عنها بقوله سبحانه: {وإن خفتم عيلة} أي فقرا وحاجة، قال ~~الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # والمعنى إن خفتم ذلك بسبب منعهم من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من ~~المنافع في الموسم {فسوف يغنيكم الله من فضله} من عطائه أو تفضله بوج ه آخر ~~قيل بفتح البلاد والغنائم، وقيل: يجزيه أهل الكتاب، وقيل: أرسل الله عليهم ~~السماء مدرارا، فأغرر بها خبرهم، وكثر..........، وأسلك أهل جدة وتبالة ~~وصنعاء وحرس، وحملوا إلى مكة الطعام والإدام، وكل ما يحتاجون إليه، وحمل ~~إليهم من البر والبحر، فحمل أهل البر إلى البطحاء وأهل البحر إلى جدة، ~~فتتابع ذلك عليهم أعواما، فاخصبوا وأغناهم الله من فضله، فكان ذلك أعود ~~عليهم مما خافوه. # واعلم أن قوله: {فسوف يغنيكم الله من فضله} إخبار ms1983 عن غيب[425] في ~~المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك الخبر، ~~فكان معجزا، ثم قال تعالى: {إن شاء} أي إن أوجبت الحكمة إناكم، وكان مصلحة ~~لكم في دينكم {إن الله عليم حكيم} لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة. PageV19P290 # واعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين ف يإظهار البراءة عنهم في أنفسهم، ~~وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، وأورد الإشكالات التي ~~ذكروها، وأجاب عنها بالجوابات الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب فقال عز ~~وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} كإيمان الموحدين ~~بالله، أما عدم إيمانهم بالله فحيث قال اليهود عزير ابن الله، وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله، وإيمانهم باليوم الآخر على خلاف ما يجب حيث ~~قالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، ويقولون إن النعيم فيها بالأصوات ~~الحسنة والأوراح العبقة الطيبة، وينفون المآكل والمشارب. # قال في التجريد: فبين تعالى أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين بصفات أربع ~~وزجبت مقاتلتهم، إما إلى أن يسلموا وإنا أن يعطوا الجزية، فالصفة الأولى ~~أنهم لا يؤمنون باليوم بالله. # والثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر. # والصفة الثالثة من صفاتهم قوله تعالى: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} ~~من الخمر وغيرها، والمعنى أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقيل: لا يعلمون بما في التوؤاة والإنجيل، بل حرفوها ~~وأتوا باحكام كثيرة من قبل أنفسهم. # الرابعة قوله تعالى: {ولا يدينون دين الحق} أي لا يعتقدون في صحة دين ~~الإسلام الذي هو دين الحق، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الأربع قال: {من ~~الذين أوتوا الكتاب} من بيان للذين لا يؤمنون، مع ما في خبره نفى عنهم ~~الإيمان؛ لن اليهود مثنية والنصارى مثلثة، والمقصود تميزهم من المشريكن في ~~الحكم؛ لن الواجب في المشركين القتال أو الإسلام، والواجب في أهل الكتاب ~~القتال أو الإسلام أو الجزية، ثم قال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون}. PageV19P291 # قال الوحدي: الجزية ما يعطي المعاهد على ms1984 عهده، وهي فعله من جزي مجزا إذا ~~أمضى ما عليه، أو سميت جزية لأنهم يجزون بها المن عليهم من القتل، واختلفوا ~~في قوله عن يد. # قال في الكشاف: إما أن يراد يد المعطي أو يد الآخذ، فإن كامن المراد يد ~~المعطي ففيه وجهان: # أحدهما: أن يكون المراد عن يد مؤاتية غير ممتنعة؛ لأن من أبا وامتنع لم ~~يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا أعطى فلان يده إذذا انقاد، ألا ~~تر إلى قولهم نزع عن الطاعة يدع، يقال: خلق ربقة الطاعة عن عنقه. # وثانيهما: أن يكون المراد حتى يعطوها عن يد إلى ~~يد...........غير........ولا مبعوثا بها على يد أحد، ولكن عن يجد المعطي ~~إلى يد الآخذ، وأما إن كان المراد يد الآخذ ففيه أيضا وجهان: # أحدهما: أن يكون المراد حتى يعطي الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين ~~عليهم، كما تقول اليد في هذا لفلان. # وثانيها: أن يكون المراد يد إنعام عليهم؛ لأن قبول الجزية منهم وترك ~~أرواحهم عليهم نعمة عظيمة عليهم، وأما قوله وهم صاغرون فالمعنى أن الجزية ~~توجد منهم على الصغار والذلة وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، وسلمها ~~وهو قائم، والمستلم جالس، وتؤخذ...............، ويقال: أدى الجزية، وإن ~~كان يؤديها..............في قفاه، واختلف فيمن تضرب عليه الجزية، فعند ابي ~~حينيفة: تضرب على كل كافر من ذمي ومجوسي[426] وصابي وحربي إلا مشركي العرب وحدهم. # روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صالح عبدة الأوثان ~~بالجزية، إلا من كان من العرب، وقال لأهل مكة: ((هل لكم في كلمة إذا ~~قلتموها دانت لكم بها العرب وأدت إليكم الجزية العجم)). # وعند الشافعي: لا تؤخذ من مشركي العجم، وهاهنا سؤالان: PageV19P292 # أحدهما: كان ابن الزوائدي يطعن في القرآن ويقول: إنه ذكر في تعظيم كفر ~~النصارى، قوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن ~~دعو للرحمن ولدا} فبين أن ظاهرهم لهذا القول يبلغ إلى هذا الحد، ثم أخذ ~~منهم دينارا واحدا وقررهم عليه، وما منهم منه. # والجواب والله الموفق: ليس ms1985 المقصودمن أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل ~~المقصود منها حقن دمائهم وإمهالهم مدة رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على ~~محاسن الإسلام وقوة دلائله فينتقل من الكفر إلى الإيمان. # والثاني: هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا؟ # الجواب والله الهادي: أنه لابد معه من إلحاق الذل والصغار به، والسبب فيه ~~أن طبع العاقل ينفي عند تحمل الذل والصغار، فإذا أمهل الكافر مدة وهو ~~يشاهده عن الإسلام ويسمع دلائل صحته ويشاهد الذل والضغار في الكفر فالظاهر ~~أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية، ~~والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما حكم في هذه الآية على اليهود والنصارة بأنهم لا ~~يؤمنون شرح ذلك بقوله سبحانه: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله} فأخبر تعالى عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا، ومن جوز ذلك في ~~حق الإله فهو ف يالحقيقة قد أنكر الإله، وأيضا بين تعالى أنه بمنزلة الشرك، ~~وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من ~~يعبد المسيح وغيره؛ لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله ~~معبودا، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك، بل لو تأملنا لقلنا إن كفر ~~عابد الوثن أخف من كفر النصارى؛ لأن عابد الوثن لا يقول أن هذا الوثن خالق ~~العالم وإله العالم بل يجري به مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله تعالى. PageV19P293 # أما النصراني فإنه يثبت الحلول والإيجاد، وذلك كفر صريح جدا، فثبت أنه لا ~~فرق بين الحلولية وبين سائر المشركين، وأنه إنما خصهم الله تعالى بقبول ~~الجزية منهم لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى، وادعوا أنهم ~~يعلمون بالتوراة والإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين ولتعظيم ~~كتابهما ولتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين ~~الحق حكم الله بقبول الجزية منهم. # قال عبيد بن عامر: إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن ~~عازورا. # والثاني: قال الحسين بن ms1986 القاسم عليه السلام يعني قوما من اليهود كانوا ~~غلو في عزير صلوات الله عليه لما بعثه الله بعد موتنه بمدة من الزمان فقرأ ~~لهم اتلتوراة جميعا وكتبها وأحاط بمعرفتها كلها وحفظها، فروي أنهم صدقوه ~~أنه مبعوث بعدما أنكروا عليه، وقالوا: عزير مات منذ زمان طويل، فلما رأوا ~~ما فعل من كتابه التوراة كلها وحفظه وروايته لجميعها غلو فيه حتى جاوزوا به ~~الحدود، وخرجوا به عن الدين والقصد، انتهى. # قال ابن عباس: في رواية سعيد بن جبريل وعكرمة أن جماعة من اليهود أتو ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم سلاك بن مسكم والنعمان بن أوفى، ~~........بن قيس[427] ومالك بن الصف، وقالوا: كيف نتبعك وقد تركت ملتنا، ~~ولا.......... أن عزير ابن الله، فنزلت هذه الآية، وعلى هذين القولين، ~~فالقائل بهذا المذهب بعض اليهود إلا أنه نسب الله ذلك إلى اليهود بناء على ~~عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد، فيقال: فلان يركب الخيول، ~~ولعله يركب إلا واحد منها، وفلان يجالس السلاطين، ولعله لم يجالس إلا واحد منها. PageV19P294 # والقول الثالث: لعل هذا المذهب كان..........فيهم، ثم انقطع فحكى الله ذلك ~~عنهم، ولا عبرة بإنكار اليهود لذلك، فكان حكاية الله عنهم أصدق، وقيل: في ~~سبب هذا القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى عليه السلام فرفع الله ~~عنهم التوراة ومحاها عن قلوبهم، فخرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض، فأتاه ~~جبريل عليه السلام فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب العلم، فحفظه التوراة، ~~فأملاها عليهم على ظهر لسانه لا يخرم حرفا، فقالوا ما جمع الله التوراة في ~~صدره وهو غلام إلا أنه ابنه، والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية ~~تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مه تهالكهم على التكذيب. # وأما حكاية النصارى أنهم يقولون إن المسيح ابن الله فسبب ذلك أنه حصل ~~بأمر اللع من غير واسطة أب خلاف ما يعتاد ويثبتوا على قولهم، ومنهم من زعم ~~أنه هو الله، تعالى الله عن إفكهم وعظيم كفرهم. PageV19P295 # أما قوله عز ms1987 وجل: وقالت اليهود عزير ابن الله، فقال الإمام الناصر أحمد بن ~~يحيى الهادي عليه السلام قد جاء في الرواية أن بخت نصر لما ملك بابل وظهر ~~على بني إسرائيل وملك بيت المقدس وهدمه، وقتل من قرأ التوراة وأحرق ما قدر ~~عليه منها، وكان عزيرا إذ ذاك غلاما صغيرا، فاستصغره فلم يقتله، ولو لم ~~يقرأ أنه في التوراة، فلما توفي عزير ببال صلوات الله عليه ورجعت بنو ~~إسرائيل من بعده إلى بيت المقدس رجعوا، وليس منهم إنسان يقرأ التوراة، فمكث ~~عزير عليه السلام في موته مائة سنة، ثم بعصه الله سبحانه ليجدد لبني ~~إسرائيل توراتهم، ويكون لهم آية فأتاهم فقال لهم: أنا عزير فكذبوه، وقالوا ~~قد حدثنا آباؤنا أن عزيرا مات ببابل، فإن كنت كما تزعم عزيرا فاتل التوراة ~~علينا، قال: نعم، فكتبها لهم حتى فرغ، فقال: هذه التوراة، ثم إن رجلا من ~~بني إسرائيل يقال له سمحان بن لحمان، وكان من أبناء الذين سباهم بخت نصر، ~~وكان أبوه رجلا صالحا، فقال: إن ابي أخبرني أن التوراة جعلت في جائبة ~~والجائبة هي الحرة، ثم دفنت في كرم لنا، فانلطقوا معي حتى أستخرجها لكم، ~~فانطلقوا معه حتى احتفرها واستخرج الجائبة، وفيها التوراة فعارضوها بما كتب ~~لهم عزير فلم يجدوه غادر منها آية واحدة مما كتب كله ولا سورة فعجبوا، ~~وقالوا: إن الله عز وجل لم يقذف التوراة في قلب رجل منا بعدما ذهبت في ~~بيوتنا وقلوبنا إلى قلب رجل واحد إلا وهو ابنه فهذا شركهم بالله عز وجل، ~~فعند ذلك قالت اليهود عزير ابن الله، جل وتعالى وتقدس عن قول كل كافر وعلو ~~علوا كبيرا. PageV19P296 # وأما النصارى فكان شركهم في المسيح صلوات الله عليه لما رفعه الله عز وجل ~~إليه وحدث من بعد عيسى صلوات الله عليه قوم لم يكونوا أدركوه ولكنهم كانوا ~~يقرؤون التوراة ويؤمنون بعيسى صلوات الله عليه فأتاهم رجل من اليهود يقال ~~له يونس فغرهم في دينهم حتى لبس عليهم[428] وأتاهم بالشبهة مثل ما ترى ~~أكرمك الله في دهرك ms1988 ممن يميل في إدخال الجبر والتشبيه، وفساد الدين، والطعن ~~على المحقين من الزتادقة وأهل الإلحاد، ووضع الكتب المخالفة للقرآن، فنعوذ ~~بالله لنا ولك من الجبرة في دينه والجهل بكتابه والركون إلى غير مرضاته أنه ~~قوى عزير رجع الكلام، فمنهم قال هو ابن الله فكام هذا من قولهم وهو ثلاث ~~فرق في الأصل القسطورية والملكانية واليعقوبية، ثم تشعبوا فعد الثلاث على ~~اثينتين وسبعين فرقة إلى قوله عليه السلام رجع الكلام فأدرك من أدرك من ~~اليهود والنصارى، وهم على منهاج من مضى يعملون مثل عملهم، ويقولون مثل ~~قولهم، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الحكاية قال: {ذلك قولهم بأفواههم} ~~يعني بمجرد الألسن من غير حجة تعضده، بل هو لفظ فارغ عن ~~معنى........زكالألفاظ المهملة التي هي أخراس، ونعم لا تدل على معاني، وذلك ~~أن القول الدال على معنى لفظه مقول بالفم، ومعناه مؤثر في القلب، ومالا ~~معنى له مقول بالفم لا غير فصار قولا لا يتجاوز الفم، ثم قال تعالى: ~~{يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} في تفسير هذه الآية وجوه: # الأول: أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين عن ~~الملائكة أنهم بنات الله. # الثاني: الضمير إلى النصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود ~~عزير ابن الله؛ لأنهم أقدم منهم. # الثالث: أن هذا القول من النصارى يضاعي قول ق PageV19P297 دمائهم، يعني أنه كفر أو معناه أن أهل الكتاب الذين كانوا في زمن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يضاهي أي يشابه قولهم قول قدمائهم، يعني أنه كفر قديم ~~غير محدث. # قال الإمام الناصر أحمد بن الهايدي عليهما السلام يضاهون يعني يواطئون ~~الذين كفروا، والمضاهاة المواطاة والمساواة والمعاينة والمشابهة والمشاكلة، ~~فهذه كلها تقتضي معنى واحد، قال الشاعر ابن ذكوان السعدي لمعاوية بن أبي سفيان: # أترجوا يا بن هند أن تضاهي # عليا خير من وطئ النعالا # وصي محمد إذا لا يواطي # .......................................... # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى يضاهون أي يوافقون قول الذين ~~كفروا من قبلهم، وشبهوا ms1989 الله بالمخلوقين بجهلهم، والمضاهاة يهي الموافقة، ~~قال الشاعهر: # وضاها بي ال....... وكل حلو ... من القالود والعنس الرقيق # وفي البرهان: المضاهاة مأخوذ من قولهم: امراة ضهيا، إذا لم يحسن بسببها ~~بالرجال، انتهى. فالمضاهاة المشابهة. # قال الفراء: يقال: ضاهيته ضها ومضاهاة وهو قول أكثر أهل اللغة في ~~المضاهاة، وقال بعضهم: المضاهاة المتابعة، فلان يضاهي فلانا أي يتابعه، ثم ~~قال سبحانه: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} أي لعنهم الله كيف يصرفون وكيف ~~يعدلون عن الحق بعد هذا البيان، ويكابرون ويطيعون من دعاهم إلى ذلك، ~~ويقلدون، وهذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، أي هم أحق، ~~فإن يقال لهم هذا القول تعبجا من ساعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شيعا ~~قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، والإفك الصرف، يقال: افك الرجل عن الخبر، أي ~~قلب وصرف، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخبر، وهذا التعجب إنما هو راجع إلى ~~الخق، والله تعالى لا يتعجب من شيء، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في ~~مخاطبتهم[429]، والله عجب نبيه من تركهم الحق، وإصرارهم على الباطل. PageV19P298 # واعلم أنه تعالى وصف اليهود والنصارى بضرب آخر من الشرك فقال: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الأحبار: العلماء، واحدهم حبر، سمي ~~بذلك لأنه يحبر المعاني، أي يحسنها بالبيان عنها، قال الشاعر: # ما كان يعلم هذا الدين من أحد # بعد النبي سوى الحبر ابن عباس # أي سوى العالم ابن عباس، وقيل: الحبر إنما سمي حبرا لأنه يحفظ العلم كحفظ ~~حبر المداد الذي يكتب به وبغيره من السواد، والمعنى أنهم جعلوا علماؤهم ~~الذين هم أحبارهم سادة من دون الله يطيعونهم ويقبلون قولهم بلا حجة على ~~قولهم ورهبانهم عباد النصارى، والراهب الذي تمكنت الرهبة والخشية من قلبه، ~~وظهرت آثار الرهبة على وجه ولباسه؛ لأن الراهب هو الذي يرهب الله تعالى ~~ويخافه، قال الشاعر: # وإني لآتي ما أتيت وإنني # لما اقترفت نفسي علي لراهب # ولما كثر في الاستعمال صار الإخبار محضا بعلماء اليهود من ولد هارون ~~والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع. # وأما قوله: ms1990 {أربابا من دون الله} فليس المراد أنهم اعتقدوا فيهم أنهم ~~آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم بالمعاصي، وتحليل ~~ما حرم وتحريم ما أحل، كما يطاع الرب. # قال بعض أئمتنا عليه السلام: كما فعلت جهلة هذه الأمة أطاعوا علماؤهم ~~وقلدوا كبراؤهم أمر دينهم، فصدوهم عن الحق، وأمالوهم عن طريق الرشد، ~~واعطوهم من الروايات والكذب ما فارقوا به القرآن، وخالفوا فيه الرحمن من ~~قتلهم الأدلة، وإفسادهم في معروض الملة، فالله المستعان. PageV19P299 # فإن قيل: إنه تعالى لما كفرهم بسبب أن أطاعوا الأحبار والرهبان فالفاسق ~~يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره كما هو قول الخوارج؟ فجوابه وبالله التوفيق: ~~إن الفاسق وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يظمعه، لكن يلعنه ويستخف ~~به، وإنما قيل ذلك منه لموافقته هوى نفسه وبلوغ شهوته، وأما أولئك الأتباع ~~فكانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ويظمونهم، فظهر الفرق والله أعلم، مع ~~أنه يصح إطلاق الكفر على الفاسق، ويراد به كفر النعمة لقيام الأدلة على ~~ذلك، وهو قول قدماء أئمتنا عليهم السلام ، وقد ذكر الإمام الناصر عليه ~~السلام في كتاب البساط من الأدلة على ذلك ما لا مزيد عليه فليطالعه منصف ~~مرتاد للحق، ثم قال سبحانه: {والمسيح ابن مريم} أي جعلوه ابنا لله وأهلوه ~~للعبادة، ألا تر إلى قوله: {قل إن كان للرحمن ولدا فأنا أول العابدين}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: إنما سمي المسيح لسماحته وهجرته إلى ~~الرحمن، والمسيح في لغة العرب هو الماء الذي يسيل ويتحرك مصمما على حاله، ~~قال الشاعر: # إذا الجياد حصن بالمسيح PageV19P300 أي فض بماء الغرق الذي يسيل، ثم قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا} أي أمروا من جهة العقل والسمع من التوراة والإنجيل، يقول عيسى لهم ~~أنه من يشسرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، وجميع الكتب الإلهية ناطقة ~~بذلك، وقوله تعالى: {لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} تنزيه عن الإشرك به، ~~واستبعاد له، ويجوز ان يكون الضمير في أمروا للملحدين أربابا أي ما أمروا ~~هؤلاء الذين هم ms1991 عندهم أرباب إلا ليعبدوا الله ويوحدوه، فكيف يصح أن يكونوا ~~أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم، ثم أخبر تعالى عن نوع ثالث من الأفعال ~~القبيحة الصادرة من رؤساء اليهود والنصارى[430] وهو سعيهم في إبطال أمر ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجدهم في إخفاء الدلائل على صحة شرعة وقوة ~~دينه، فقال عز وجل: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم} مثل حالهم في ~~طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتكذيب، فحال من يريد ~~ينفخ في نار عظيم مثبت في الآفاق ليطفيه بنفخه، ويطمسه، والله يريد أن ~~يزيده نورا، ويبلغه الغياية القصوى من الإشراق والإضاءة، والمراد من النور ~~الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وهي أمور كثيرة: # أحدها: المعجزات القاهرة الذي ظهرت على يده، فإن المعجز إما أن يكون ~~دليلا على الصدق فحيص ظهر المعجز لابد من حصول الصدق، فوجب كون محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم صادقا، وإن لم يدل على الصدق قدح ذلك في نبوة موسى ~~وعيسى عليهما السلام . # وثانيها: القرآن العظيم الذي ظهر على محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ~~أنه من أول عمره إلى آخره ما تعلم وما طالع، وما استفاد وما نظر في كتاب، ~~وذلك من أعظم المعجزات. PageV19P301 # وثالثها: أن حاصل شريعته تعظيم تالله بالثناء عليه والإنقياد لطاعته، ~~والخضوع لعزته، وصرف النفس عن حب الدنيا والترغيب في سعادات الآخرة، والعقل ~~يدل على أن لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه. # ورابعها: أن شرعه كان خاليا عن جميع العيوب فليس فيه إثبات ما لا يليق ~~بالله تعالى، وليس فيه دعوة إلى غير الله، وقد ملك البلاد العظيمة وما غير ~~طريقته في استحقار الدنيا وعدم الإلتفات إليها، ولو كان المقصود طلب الدنيا ~~لما بقي الأمر كذلك، فهذه الأحوال دلائل نيرة، وبراهين باهرة في صحة قولهم، ~~ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة، وأنواع # كيدهم ومكرهم أرادوا إبطال هذه الدلائل، فكان هذا جاريا مجرى من يريد ~~إبطال نور الشمس، بسبب أن ينفخ ms1992 فيه، وكان ذلك باطل، وعمل ضائع، فكذا هذا ~~فهذا هو المراد من قوله: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، وؤالله أعلم. # ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مزيد النصرة والقوة، ~~وإعلاء الكلمة، وكمال المرتبة، فقال عز وجل: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكافرون}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام أي قهر وغلب الله، وأصل الإبا هنا هو ~~الامتناع في كلام العرب، انتهى. # ولا يقال: كيف جاز أن يكون الاستشثناء المقرع في الواجب؛ لأن معنى ويأبى ~~الله أي ولم يرد الله إلا أن يظهر دينه؛ لأن أبا قد جرى مجرى النفي، ألا تر ~~كيف قوبل يريدون أن يطفئوا نور الله، فقوله: ويأبى الله وكيف أوقع موقع ولا ~~يريد الله إلا أن يتم نوره، وإنما سمى الدلائل بالنور؛ لأن النور به يهتدا ~~إلى الصواب في الأديان. # واعلم أنه تعالى لما حك ى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبين سبحانه أنه يأبا ذلك الإبطال وأن يتم أمره، بين ~~كيفية ذلك الإتمام فقال: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق}. PageV19P302 # قال في البرهان: يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم أرسله الله تهالى إلى ~~خلقه بالهدى ودين الحق، الهدى الدليل ودين الحق المدلول عليه، وقيل: إن ~~معناهما واحد ولكن جمع بينهما ليغاير اللفظ، ثم قال: {ليظهره على الدين ~~كله} أي ليظهر دلائله وحججه، وقد فعل الله ذلك برغم من كرهه من المشركين، ~~وروينا أن لهذه الآية سببا وذلك أنه كان لقريش رحلتان: رحلة الصيف إلى ~~الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن والعراق، فلما أسلموا انقطع عنهم الرحلتان ~~للمباينة في الدين، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله ~~تعالى[431] عليه: {ليظهره على الدين كله} يعني في بلاد الرحلتين، وقد أظهره ~~الله عز وجل فيهما، انتهى. # قال بعض المفسرين: أما ظهوره على الدين بالحجة والبيان فضعيف، قال: لأن ~~هذا وعد بأنه تعالى سيفعله، والتقوية بالحجة والبيان كانت حاصلة من أول ~~الأمر، ms1993 ويمكن الجواب عنه بأن في مبدأ الأمر كثرؤت الشبهات بسبب ضعف ~~المؤمنين واستيلاء الكفار ومنع الكفار سائر من التأمل في تلك الدلائل أما ~~بعد قوة ودلائل الإسلام عجزت الكفار وضعفت الشبهات فقد أظهر دلائل الإسلام، ~~فكان المراد من تلك البشارة هذه الزيادة، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء ~~الربوبية والترفع على الخق وصفهم بعد ذلك بالطمع والحرص على ؟أخذ أموال ~~الناس، فقال سبخانه: {ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل} يأخذون الرشاء في الأحكام، والتخفيف في ~~الشرائع. # قال في البرهان: والباطل يعم في أخذ كل مبجرم، وإنما عبر عن الأخذ ~~بالأكل؛ لأن كل ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون، وقدي يطلق ~~على أثمان المأكول.........الأكل، قال الشاعر: # درى الآكلين الماء لوما فما أرى ... ينالون خيرا بعد أكلهم الما PageV19P303 أي أثمان الماء، انتهى. # وقد عرفت أن الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى بحسب الهرف العلماء ~~منهم فالله سبحانه حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل، ~~وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس تنبيها على أن ~~المقصود من إظهار تلك الربوبية والمجبر والفخر أخذ أموال الناس بالباطل. # قال بعض المفسرين: ولعمري من تأمل في أحوال النياس والتزوير في زماننا ~~وجحد هذه الآيات كأنها ما نزلت إلا في شانهم، وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد ~~منه م يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا، ولا يعلق خاطره بجيميع المخلوقات، ~~وأنه في الطهارة والعصمة مثل الأنبياء المقربين، حتى إذا آل الأمر إلى ~~الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله، ثم قال ~~عز وجل: {ويصدون عن سبيل الله} أي يصرفون الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، والمراد أنهم كانوا يأخذون منهم أموالهم، فكذلك كانوا ~~يصدون عن سبيل الله؛ لأنه كانوا يحملونهم على متابعتهمك عن متابعة الأحبار ~~من الخلق والعلماء من أهل الزمان، وفي زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~كانوا يبالغون في ms1994 المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع، ولما كان ~~غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه بين الله تعالى في صفة الأحبار ~~والرهبان كونهم مسعوفين بالأمرين، أما المال فهو المراد من قوله: ليأكملون ~~أموال الناس، وأما الجاه فهو المراد بقوله ويصدون عن سبيل الله فإنهم لو ~~أقروا بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على الحق لزمهم متابعة محمد، ~~وحينئذ كان يبطل جاههم ويزول حرم تهم، فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا ~~يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويبالغون في ~~إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة، وفي منع الخلق عن قبول ~~يدينه الحق، والانتفاع بمنهجه الصحيح، ثم قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة PageV19P304 ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} يحتمل أن يكون المراد ~~بالكانزين هم الأحبرا والرهبان، ليدل على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ ~~الرشا[432] وكنز الأموال، والظن بها عن الإنفاق في سبيل الخير، ويحتمل أن ~~يراد المسلمون الكانزون، وقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى ~~تغليظا ودلالة على أن المرتشي منهم والكانز منكم شواء في استحقاق البشارة ~~بالعذاب، وهي بشارة توبيخ، ويحتمل ان يكون المراد منه كل من كنز المال، ولم ~~يخرج منه الحقوق الواجبة، سواء مان من الأحبار والرهبان أو كان من ~~المسلمين، ولا شك أن لفظ لفظ مجمل لكل واحد من هذه الوجوه، وقد ذهب إلى كل ~~وحد من هذه الوجوه الثلاثة قوم. # عن زيد بن وهب قال: مررت بأبي ذر رحمة الله عليه فقلت: يا أذا ذر مكا أتا ~~بك هذه اليلاد؟ فقال: كنت بالشام فقرأت: {والذين يكنزون الذهب والفضة} فقال ~~معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب، فقلت: إنها فيهم وفينا، فصار ذلك سببا ~~للوحشة بيني وبينه، فكتبت إلى عثمان شكوا، فكتب إلي عثمان أن أقبل إليه، ~~فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني كأنهم يروني من قبل فشكوت ذلك إلى عثمان ~~فقال: نح لي قريبا، فقلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول. # وعن الأحنف قال: لما قدمت الم ms1995 # دينة رأست أبا ذر يقول: بشر الكامنزين بوضف يحمى عليها في نار جهنم، ~~فتوضع على حلمة يدي أحدهم حتى تخرج من بعض كتفه، وتضوع عن بعض كتفه حتى ~~نخرج من حلمة يديه، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعوه، وقلت: ما رأيت هؤلاء ~~إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: ما عسى تصنع قريش، وقيل: نسخت الزكاة آية ~~الكنز، وقيل: هي ثابتة، وأراد بترك الإنفاق تبع الزكاة. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا)) ~~والله أعلم. PageV19P305 # والكنز الذي تعرفه العرب ما دفن في الأرض وأخفي من الأموال، وخبي لريب ~~الدهور وحوادث الأيام، وذلك عندهم غير مجهول ولا منكر، قال الشاعر يعاتب قوما: # ألم تر أني كنت كنزا لقومكم ... وعدا عزيزا لا تمادا ولا نزر # يقول: إني كنت لهم مثل الماء المكنوز ينيتفع برفده، والعد عند العرب فهو ~~المورد العزيز من المناهل فافهم هذا إن شاء الله تعالى، ذكره الإمام الناصر ~~أحمد بن يحيى بن الهادي عليهما السلام . # قال في البرهان: وهذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد هو كل ما اوجبت فيه ~~الزكاة فلم تؤدي زكاته، سواء كان مدفونا أو غير مدفون، وروينا عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام أنه قال: الكنز هو أربعة آلاف درهم أو ما زاد عليه، ~~ولما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((تبا للذهب ~~تبا للفضة)) قال: فشق ذلك على من سمعه من المسلمين فقالوا: فأي مال نتخذ؟ ~~فقال: ((لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه)). # والكنز في اللغة: هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، سواء كان ظاهرا على ~~الأرض أو مدفونا فيها، ومنه كنز التكر، قال الشاعر: # لا در درك إن أطعمت نازلهم ... فرق الجيني وعندي البر مكنون # والجني سويق....، فإن قيل: فقد قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة} فذكر ~~جنسين، ثم قال: {ولا ينفقونها} ويلا يبيعونها لترجع الكناية إليهما، فعن ~~ذلك جوابان: # أحدهما: أنه أراد به الكنوز لا ينفقونها في سبيل الله. ms1996 # والثاني: ذكر ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر، بدلالة الكلام عن ~~اشتراكهما فيه، كما قال تعالى:{وإذا[433]رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} ~~ولم يقل إليهما، وكقول الشاعر: # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ودإن لم ......كان.... PageV19P306 # ثم إنه عز وجل غلظ ذلك الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله: {يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم} المعنى أن النار توقد ذات حمة وحر شديد على الذهب والفضة، من ~~قولهم: نار حامية، وأصله تحمى النار عليها لانتقال الاسناد عن النار إلى ~~عليها {فتكوى بها جباههم} لأنهم رووها عن الفقراء، أو لأنهم كثروها لطلب ~~الوجاهة عند الناس؛ لأنهم لم يطلبوا بأموالهم حيث لم ينفقونها في سسبيل ~~الله، إلا الأغراض الدينوية من وجاهة الناس وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم ~~مصونا عندهم يتلقون بالجميل ويحيون بالإكرام...............، ثم قال: فتكوى ~~بها{جنوبهم} لأنهم..... بها عن الفقير، وأكلوا الطيبات فتصلعوا منها، ثم ~~قال: {وظهورهم} لأنهم ولوها الفقراء، ولأنهم ألبسوها الثياب الفاخرة، كما ~~ترى أغنياء زمانك، وهذا وجه اختصاص هذه الأغضاء، ويمكن أن يكون المراد بذكر ~~هذه الأعضاء العموم؛ لأنها معظم البدن، فالمعنى أنهم يكوون على الجهات ~~الأربع، أما من مقدمة مقدمه فعلى الجبهة، وأما من خلفه فعلى الظهر، وأما من ~~يمينه ويساره في الجنبين، وإنما غلظ هذا الوعيد لما في طباع النفوس من الشح ~~بالأموال ليسهل تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق، ثم إنه تعالى قال: {هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم} والتقدير فيقال لهم هذا ما أكنزتم لأنفسكم، والغرض منه ~~تعظيم الوعيد؛ لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو دينار أو من صفحة ~~معمولة منهما، أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون غير الحق الذي متعه، وجوزوا ~~غير ذلك، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم: هذا ما أكنزتم لأنفسكم، لم ~~تؤثروا به رضاء ربكم، ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص من عقاب ~~ربكم، فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقابا بكم على ما تشاهدونه، ثم قال عز ~~وجل: {فذوقوا ما كنتم تكنزون} أي اطعموا مرارته، ومعناه ما لم تصرفوه في ~~منافع ms1997 دينكم ودنياكم، كما أمركم الله به فذوقوا PageV19P307 وبال ذلكم به لا بغيره. # واعلم أنه تعالى أخبر عن نوع صالص من قبائح أعمال اليهود والنصارى ~~والمشركين، وهو إقدامهم على.........، وتغيير أحكام الله تعالى، وذلك لأنه ~~تعالى حكم في كل وقت بحكم خاص، فإذا غيروا تلك الأوقات نسب الشيء، فحينئذ ~~كان ذلك سعيا بينهم في يتغيير أحكام الله بحسب أهوائهم، فكان ذلك زيادة في ~~كفرهم وخزيهم، فقال سبحانه: {إن عدة الشهور عند الله} ف يعلمه {اثنا عشر ~~شهرا} عي المحرم وصفر وربيع وربيع وجماد وجماد ورجب وشعبان ورمضان وشوال ~~وذوا القعدة وذو الحجة، ثم قال: {في كتاب الله} أي فيما أثبته وأوجبه في ~~حكمه الواقع {يوم خلق السماوات والأرض} والكتاب في هذا الموضع هو ا؟لإيجاب ~~والحكم، كقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} {كتب عليكم الصيام} {كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة} والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به منم أول خلق العالم، ~~وذلك يدل على المبالغة والتأكيد. # قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله عدة ~~الشهور؛ لأنه يقتضي الفصل بين اصلة والموصول بالخبر الذي هو اثنا عشر، وأنه ~~لا يجوز. # وقال بعض المحققين: في تفسير هذه الآية وجوه: # الأول: أن يقول قوله عدة الشهور مبتدأ وقوله اثنا عشر الخبر، وقوله في ~~كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض[434] ظروف، أبدل البعض من البعض، ~~والتقدير: إن عدة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، ~~والفائدة في ذكر هذه الابدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب مقرر في ~~علم الله في أول ما خلق الله بالعالم. PageV19P308 # والثاني: أن يكون في كتاب الله متعلق بمحذوف يكون صفة للخبر، وتقديره اثنا ~~عشر شهرا مثبتا في كتاب الله، ثم لا يجوز أن يكون المراج بهذتا الكتاب كتاب ~~من الكتب؛ لأنه متعلق بقوله يوم خلق السماوات والأرض، وأسماء الأعيان لا ~~تتعلق بالظروف، فلا تقول غلامك يوم الجمعة، بل الكتاب هنا مصدر، والتقدير ~~أن عدة الشهور عند الله اثناء عشر شهرا في ms1998 كتاب الله، أي في حكمه الواقع ~~يوم خلق السماوات والأرض. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى بن الهادي عليهما السلام: فزعم غيرنا من ~~العامة ومن لا علم له بمعرفة التوحيد أن الكتاب الذي عني هاهنا هو الإمام ~~الذي عند الله عز وجل، وهو اللوح المحفوظ، زعموا كتبه على قولهم يوم خلق ~~السماوات والأرض، فلزمهم الخطأ في قولهم هذا مرتين، وفارقوا أهل الدين ~~والمعرفة واليقين، فافهم أكرمك تالله كيف أحالوا وغاطو وكيف لم يميزوا ~~وخلطوا، إذ زعموا أن صم لوحا محفوظا فيه كتاب مكتوب، فإن زعموا أن اللوح ~~المحفوظ لم يزل مع الله عز وجل لزمهم الكفر بقولهم شيء لم يزل مع الله، عز ~~وجل عن ذلك، فإن قالوا: إنه كتب اللوح يوم خلق السماوات والأرض ألزموه صفة ~~المحتاج إلى الكتاب والأولاح التي تحفظ لأهلها ما فيها حتى لا ينسبونه ولا ~~يغلطون فيه، وألزموه أنه غير عني من اللوح الضامن لما ضمن من السباب، وهذا ~~ما لا يليق بالعزيز الوهاب، الغني عن كل كتاب، والخطأ الآخر قولهم: إنه كتب ~~في اللوح المحفوظ الكتاب الذي قالوا، وقد أوجبوا أنه كان في يوم من الأيام ~~لما خرج عليهم التيعبير في القرآن بالكلام، وليس الأمر فيه على ما ظنوا، ~~ولا على ما توهموا لقول الله أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما، فصح أنهما لم يكونا فكونها عز وجل فكانتا، وان ~~الشهور والأيام والسنين والدهور لم تعرف إلا بالسماوات وابلأرض، والشمس ~~والقمر، والنجوم والليل والنهار، الذين لم يعرفا إلا بخلق السماوات والأرض، ~~وهذا هو المحال، PageV19P309 فإن قالوا: إنها لم تزل مع الله عز وجل في القدم كفروا وخرجوا من المعقول، ~~ومن التوحيد؛ لأن العقول لا تدل على يوم بلا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا ~~قمر، ولا أمر من الأمور يستدل بها على يوم موجود بلا ليل ولا نهار ولا شمس ~~ولا قمر، وهذا نفس المحال الذي لا شك فيه أحد، فافهم هذا الباب أعانك الله ~~سبحانه وأرشدك، انتهى. # قال ms1999 في البرهان: وإنما كانت اثنا عشر شهرا لموافقة الأهلة، ولنزول الشمس ~~في اثني عشر برجا، تجري فيها بعلى حساب متفق، كما قال الله تعالى: {والشمس ~~والقمر حسبانا} {والشمس والقمر بحسبان} انتهى. # وأما قوله تعالى: {منها أربعة حرم} فقد روى بعض المفسرين أنهم قد أجمعوا ~~على أن هذه الأربعة منها ثلاثة سرد وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~وواحد فرد وهو رجب، والمراد بالحرم تعظم انتهاك المحارم فيها، فالمعصية ~~فيها أشد عقابا، والطاعة فيها أكثر ثوابا، والعرب كانوا يعظمونها جدا، حتى ~~لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له. # قال في الكشاف: والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي ~~الحجة[435]وبطل.......الذي كان في الجاهلية، ثم قال تعالى: {ذلك الدين ~~القيم} الإشارة في ذلك إما إلى قوله إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهراض ~~في كتاب الله، ولا أزيد ولا انقص، أو إلى قوله منها أربعة حرم. # قلت: والأول أولى وهو أن الإشارة إلى شهور السنة كلها، وأن الاعتبار ~~بالقمر فيها هو الدين القيم، أي دين إبراهيم وإسماعيل وتمسكت به العرب ~~وراثة منهما؛ لأن الكفار سلموا أت الأربعة منها حرم إلا أنهم بسبب النسية ~~ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا، وكانوا يغيرون مواقع الشهور، والمقصود من ~~هذه الآية الرد على هؤلاء، ويوجب حمل اللفظ عليه. PageV19P310 # قال بعض المفسرين: قال أهل العلم الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن ~~يعتبروا في بيوعهم..........ذنوبهم، وأحوال زكاتهم، وسائر أحكامهم السنة ~~العربية بالأهلة، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية، ثم قال عز ~~وجل: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} أي لا تظلموها بمعاصي الله، والضمير في قوله ~~فيهن فيه قولان: # أحدهما: وهو قول ابن عباس أن المراد فلا تظلموا في الشهور الاثني عشر ~~أنفسكم، والمقصود منه الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر. # والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أن الضمير في قوله فيهن عائدا إلى ~~الأربعة الحرم، قالوا: والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثر في زيادة الثواب على ~~الطاعات والعقاب على المحظور. ms2000 # قال في البرهان: فإن قيل: فلم جعل بعض الشهور أغلظ حرمة من بعض، قيل: ~~ليكون كفه عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطية للنفس على ~~فراقها مصلحة منه في عباده ولطفا بهم، ثم قال تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة}. # قال ابن عباس: قاتلوهم..............بعضهم يترك القتال كما أنهم يسجلون ~~قتال جميعكم، وقيل: قاتلوهم بأجمعكم غير مختلفين في مقاتلة الأعداء {كما ~~يقاتلونكم كافة} أي قاتلوهم جميعا كما يقاتلونكم جميعا. # قال الفراء: معنى كافة أي جميعا، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على ~~عدد الرجال. PageV19P311 # قال الزجاج: كافة منصوبة على الحال من الفاعل أو المفعول، ولا يجوز أن يثنى ~~ويجمع كما أنك إذا قلت قاتلوهم عامة لم تثن ولم تجمع، وكذلك خاصة، ثم قال: ~~{واعلموا أن الله مع المتقين} يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء ~~الطاعات والإجتناب عن المحرمات، أي ضامن لهم لا يغيب بصره عنهم، حثهم على ~~التقوى بضمان النصر لأهلها، قوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} لأن ~~الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرا، فزاد بهم رجسا إلى رجسهم، وكالمؤمن إذا ~~أحدث طاعة ازداد إيمانا وهم يستبشرون. # قال في البرهان: أما النسي في الأشهر فهو تأخيرها، مأخوذ من بيع النسيئة، ~~ومنه قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} أي نؤخرها، ونسئ الأشهر قولان: # أحدهما: أنهم كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يو ما حتى يجعلوا المحرم صفر. # والثاني: أنهم كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهرائ1، يحج المسلمون في ذي ~~الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، ثم في القعدة ~~عامين، ثم حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع في ذي الحجة، ~~فذلك حين يقول: إن الزمان قد استدار كيوم هيئته يوم خلق الله السماوات ~~والأرض، وكان المنادي بالنسيء في الموسم على ما بلغنا من كنانة، قال عمرو ~~بن قييس: # ألسنا الناسئين على معد # شهور الحل نجعلها حراما # وأول من نسئ الشهور بشر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، فحرم ms2001 الله ~~بهذه الآية النسيء وجعله زيادة في الكفر، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: كان أهل الجاهلية فيما روي إذا[436] ~~احتاجوا إلى القتال في الأشهر الحرم............منها أياما يحلونها لحاجتهم ~~ويحرمون بعد ذلك أياما بعددها من زمانهم، ويسمونها النسيء بمنزلة نسء الدين ~~وهو النظرة بين المتداينين، قال الشاعر: # ونحن الناسئون على معد ... شهورهم الحرام إلى الحليل # نحرم تارة ونحل أخرى ... لنا وبنا الممر مع السحيل PageV19P312 أما قوله تعالى: {يضل به الذين كفروا} عن ملة إبراهيم، فهذه قراءة العامة، ~~وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا، ولأنهم كانوا ضالين في أنفسهم فقد ~~حسن إسناد الضلال إليهم، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضا؛ لأن المضل لغيره ~~ضال في نفسه، وقرأ أهل الكوفة يضل بضم الياء وفتح الصاد ومعناه أن كبراءهم ~~يضلونهم على هذا التأخير في الشهود، فأسند الفعل إلى المفعول، كقوله في هذه ~~الآية: {زين لهم سوء أعمالهم} أي زين لهم حاملوهم عليه، وقرأ ابو عمرو في ~~رواية من طريق ابن مقسم يضل به الذين كفروا تابعتهم والآخذين بأقوالهم، ~~واعلم أن الضمير في قوله به وفي قوله: {يحلونه عاما ويحرمونه عاما} عائد ~~إلى النسيء. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: والمعنى أنهم يحلونه عند حاجتهم إليه ~~سنة، ويحرمونه إذا استغنوا عن القتال فيه سنة أخرى، والعام هو السنة وهو ~~الحول، كل ذلك سواء في المعنى والقول. # قال في الكشاف: ذولك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر ~~الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، ~~حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شتى شهور العام ~~أربعة أشهر، وذلك قوله: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} أي ليوافقوا العدة التي ~~هي الأربعة المحرمة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين ~~فلا..........تحريم غيرها، وربما أزادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر ~~وأربعة عشر ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال عز وجل: {إن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا} من غير زيادة زادوها. PageV19P313 # روي أنه حدث ذلك ms2002 في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة ~~بن عوف الكناعي مطاعا في الجاهلية، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول ~~بأعلا صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ثم يقوم في القابل ~~فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه {فيحلوا ما حرم الله} من ~~القتال وترك الاختصاص؛ لأن الواجب أمر أن عدة الأربعة واختصاصها بالحرمة. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى ~~فيه فيحلوا ما حرم الله ليواطئوا عدة ما حرم الله، يريد أن إحلالهم ~~وتحريمهم ليشابهوا فيه هدة ما حرم الله، وإذا كانوا يحلون ويحرمون فقد ~~شبهوا أنفسهم بالله، وهذا زيادة في كفرهم وبدعة عظيمة من أمرهم؛ لأنهم ~~اختاروا دينا غير دين الله، وابتدعوا وخرجوا من دين الله، فقبح ما صنعوا، ~~ولما أخبر سبحانه أن هذا العمل كفر ومنكر قال: {زين لهم سوء أعمالهم} أي ~~خذلهم الله، فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة. # وقال في البرهان: زين لهم أي بالشهوة لها والعلامة...........، انتهى. ~~وقرئ زين لهم على البناء للفاعل وهو الله عز وجل تاو الشيطان {والله لا ~~يهدي القوم الكافرين} أي لا يزيدهم هدا لعلمه أنهم لا يقبلون الهدى فخذلهم، ~~أو لا يسميهم مهتدين ولا يحكم عليهم به. PageV19P314 # واعلم أنه تعالى لما شرح معائب هؤلاء الكفار[437] وفضائحهم عاد إلى الترغيب ~~في مقاتلتهم فقال: {ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض} النفور الخروج لأمر يفاجئ، وقوله مالكم إذا قيل ~~لكم وإن كان في الظاهر استفهاما، إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار أي ~~ما لكم إذا قيل لكم احرجوا للجهاد لوجه الله وإعزاز دينه اثاقلتم إلى ~~الأرض، أي تباطأتم، وضمن معنى الميل أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم ~~السفر في متاعب الجهاد، وقيل: إلى الإقامة بأرضكم فيكون اثاقلتم إلى الأرض ~~كناية عن الميل إلى الدنيا وشهواتها على الأول وحقيقة على الثاني المروي عن ~~ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك، وذلك لأنه صلى ms2003 الله عليه وآله ~~وسلم لما رجع عن الطائف أقام بالمدينة وابتعث واستعظم الناس غزو الروم ~~واستهابوه، فنزلت هذه الآية. # قال في الكشاف: نزلت في سنة عشر، وقد تقدم ما يخالف هذا، وهو أن سورة ~~براءة نزلت سنة تسع بعد غزوة تبوك. # قال ابن إسحاق: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك في رمضان، ~~ونزلة براءة في شوال من سنة تسع. # قال المحققون: وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه: # أحدها: شدة الزمان في الضيق والقحط. # وثانيها: بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكبير الزائد على ما جرت به ~~عادتهم في سائر الغزوات. # وثالثها: إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت. # ورابعها: شدة الحر في ذلك الوقت. # وخامسها: مهابة عسكر الروم، فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت \فاقتضت تثاقل ~~الناس عن ذلك الغزو، وقيل: ما خرج صلى الله عليه وآله وسلم في عزوة إلا وري ~~بغيره إلا تبوك ليستعد الناس إتمام العدة. PageV19P315 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى اثاقلتم تثاقلتم، وهؤلاء هم ~~المتسمون بالإيمان، وهم في الحقيقة من أهل الفجور والعصيان؛ لأن المؤمن لا ~~يتثاقل عن طاعة الرحمن، وإنما هذا من المجاز، وسعة الكلام. # قال الرازي: خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن، وفي سائر ~~أنواع الكلام، كقوله إياك عني واسمعي يا جارة، ثم قال سبحانه: {أرضيتم ~~بالحياة الدنيا من الآخرة} بدلا منها وهي الجنة {فما متاع الحياة الدنيا ~~في} في جنب {الآخرة إلا قليل} لانقطاع هذا ودوام ذاك، والمراد أرضيتم ~~بمنافع الدنيا بدلا من ثواب الآخهرة، والفرق بين الرضى والإرادة، أن الرضى ~~لما مضى، والإرادة لما يأتي، والمعنى كأنه قيل: قد ذكرنا الموجبات الكثيرة ~~الداعية إلى القتال، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل بمقابلتهم، ~~كقوله: يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم، وذكر أقوالهم المنكرة ~~وأعمالهم لاقبيحة في الدين والدنيا، فعند هذا الانتفاء لإنسان مانع من ~~قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة، فأخبر تعالى أن هذا المانع ~~خسيس؛ لأن سعادة الدنيسا إلى سعادة الآخرة كالقطرة، وترك الخير الكثير لأجل ~~الشر ms2004 القليل جهل وسفه. # واعلم أنه تعالى لما رغبهم في هذه الآية في الجهاد بنا على الترغيب في ~~ثواب الآخرة، رغبهم بعد هذا في الجهاد.........على أنواع أخر من الأمور ~~المقربة للدواعي، وهي ثلاثة أنواع: # أولها: قوله: {إلا تنفروا} في الجهاد {يعذبكم عذابا أليما} في الآخرة أو ~~في الدنيا بتسليط الأعداء أو حبس المطر. # قال ابن عباس: استنفر رسول[438] صلى الله عليه وآله وسلم الناس فتثاقلوا ~~فأمسك الله عنهم المطر، وقيل: أنه تهديد يكل الأقسام، وهي عذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة. PageV19P316 # قال الحاكم في معنى الآية: إلا تنفرلاوا مع نبيكم إلى الغزوا، فالوعيد ~~الشديد مختص بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد، وهذا عن أبي علي، ~~قال: وقيل: المراد بالخروج إلى الجهاد وقد مست الحاجة، والصحيح أن إجابة ~~الأئمة عليهم السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واجبة، وقد قال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه تالله ~~في نار جهنم)) وغير ذلك مما لا خلاف في صحته. # وثاينيها: قوله: {ويستبدل قوما غيركم} خيرا منكم وأطوع. # قال في البرهان: يعني مما ينفر إذا دعي ويحيب إذا أمر، والمراد ينبههم ~~على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت ~~النصرة بهم، وإن تخلفوا وقعه النصر بغيرهم، وحصل الغنى عنهم لئلا يتوهموا ~~أن غلبة أعداء الدين وعن الإسلام لا يحصل إلا بهم، وليس في النص دلالة على ~~أن ذلك الغير منهم، وإن اختلف في ذلك المفسرون، حيث قال بعضهم: هم أبناء ~~فارس، وقال آخرون: هم أهل اليمن، وقيل: من أسلم بعدهم، وهذه الوجوه لييت ~~تفسيرا للآية؛ لأن الآية ليس فيها إشعار بها، بل حمل ذلك الكلام المطلق على ~~صورة معينة شاهدوها مع أن الظاهر مستغن عن التخصيص، والله أعلم. # والنوع الثالث: قوله: {ولا تضروه شيئا} أي لا تضروا الله ولا رسولخه شيئا ~~بترك النفير؛ لأن الله سبحانه قد تكفل بنصر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقيل: الضمير ms2005 لله سبحانه أو للرسول، أي لا تضروه شيئا في نصرة دينه، أو لا ~~تضروا الرسول لأنه منصور ومعصوم، ثم قال: {والله على كل شيء قدير} فهو ينصر ~~يديمنه بغيركم، ويعذب من لم ينفر، وهو تنبيه على شدة الزجر من يحث أنه ~~تعالى قادر لا يجوز عليه العجز، فإذا توعد بالعذاب فعل. PageV19P317 # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق عليهما السلام: ثم أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تنفره، فلما علم الله عز وجل تثاقل ~~الناس عن الغزو إلىتبوك نزل القرآن: {إلا تنفروا}مع نبيكم إلى الجهاد ~~{يعذبكم عذابا أليما}...الآية، فلما نزلت هذه الآية نفروا معه وسارعوا بعد ~~نزول الآيات، انتهى. # واعلم أن هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ~~ينفروا عذبهم عذابا أليما وهو عذاب النار، فأما ترك الجهاد لا يكون من ~~المؤمنين، فيبطل يبذلك قول المرجية أن أهل الصلاة لا وعيد لهم، وإذا ثبت ~~الوعيد عليهم في تلاك الجهاد فكذلك غيره؛ لأنه قائل بالفرق، دلت هذه الآية ~~على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسبم أو لا ~~معه؛ لأنه تعالى قال: {ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله} ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فإن قالوا: يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى: {ويستبدل قوما ~~غيركم} ولقوله تعالى: {ولا تضروه شيئا} ولا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا ~~الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم قيل لهم آخر الآية لا يمنع من عموم ~~أولها[439] على ما هو مقرر في أصول الفقه. PageV19P318 # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنهم إن لم ينفروا لم يضروه شيئا، ~~بين بعدها ما يجري مجرى التفسير لذلك، فإنهم إن لم ينفروا باستنفاره ولم ~~يشتغلوا بنصرته، فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه حال ما لم يكن ~~معه إلا رجل واحد، فهاهنا أولى، فقال عز وجل: ms2006 {إلا تنصروه فقد نصره الله} ~~معنى إلا تنصروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنفير معه حين استنفرهم ~~إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله {إذ أخرجه الذين كفروا} من مكة ولم يكن ~~معه من يحمي عنه ويمنه منه إلا الله تعالى، وإنما أعلمهم الله بذلك ليعلموا ~~أن نصرة نبيه ليست لهم فيضره انقطاعهم وقعودهم عنه، وإنما هي من قبل الله ~~تعالى، فإن قيل: كيف يكون قوله: فقد نصره الله جوابا ببشرط وهو ماض لم يقصد ~~به المستقبل لدخول قد عليه؟ وجواب الشرط ينبغي أن يكون مستقبلا لفظا أو ~~معنى؟ فجوابه أن التقدير إلا تنصروه فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا ~~رجل واحد، ولا أقل من واحد، والمعنى أن الله ينصره؛ لأن كما نصره في ذلك ~~الوقت، ثم قال: {ثاني اثنين} أي هو الثاني، الذي يكمل عدد الاثنين، والعرب ~~تستعمل ذلك ويتقول: رابعه أربعة وخامس خمسة وعاشر عشرة {إذ هما في الغار} ~~يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين خرج من مكة ودخل غارا في جبل ثور ~~ليخفى على من خرج من قريش في طلبه، والغار عميق في الجبل، والغار هو الحرف ~~من حراف الجبال، وهو الكهف، وهو الكنان، وجماعة الغار الغيران، والثاني ~~الذي معه صلى الله عليه وآله وسلم هو أبو بكر بن أبي قحافة، والله أعلم. PageV19P319 # ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فنزل: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} فأمره الله تعالى أن يخرج ~~إلى الغار، فالمراد من قوله: إذ أخرجه الذين كفروا، هو أنهم جعلوه كالكضطر ~~إلى الخروج، وخرج صلى الله عليه وآله وسلم أول الليل إلى الغار، وأمر عليا ~~عليه السلام أن يضطحع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه حتى يبلغ إلى ما ~~أمر الله به. # روي في كتاب المناهي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن ~~الله تبارك وتعالى آخا بين الملائكة وآخا بين جبريل وميكائيل، فلما كان ~~ليلة ms2007 الغار أوحى الله جل ثناؤه إلى جبريل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وإني ~~قابض روح منكما فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة على نفسه فكل منهما صلى الله ~~عليهما أحبا الحياة، فأوحى الله إليهما وعزتي وجلالي ما أشبهتما في ~~المؤاخاة إذ آخيت بينكما محمدا وعليا هذا علي راقد على فراش محمد تقية ~~بنفسه من الموت والقتل وقريش بالباب فاهبطا إلى علي فاحرساه من عدوه، فهبط ~~جبريل وميكائيل عليهما السلام يحرسانه من عدوه حتى أصبح، وهما يقولان بخ بخ ~~يا ابن أبي طالب أنت وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تضمنت ذلك ~~المعنى وغيره في علي الشعراء، من ذلك قول بعضهم: # أوفا الصلاة مع الزكاة فقامها # والله يرحم عبده الصبارا # من ذا بخاتمه بصدق راكعا # واسره في نفسه إسرارا # من كان بات على فراش محمد # ومحمد أسري يوم الغارا # من كان جبريل يقوم يمينه # فيها وميكائيل يقوم يسارا # من كان في الفرسان سمي مؤمنا # في تسع آيات جعلن كبارا[440] # إلى غير ذلك مما يطول ذكره، إذ هما في الغار بدل من إذ أخرجه، وقوله: {إذ ~~يقول لصاحبه} بدل ثان، أي يقول لأبي بكر {لا تحزن إن الله معنا} قيل: طلع ~~المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تحزن ~~إن الله معنا)) أي ناصرنا. PageV19P320 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: زعم قوم من الشيعة أن هذا يدل على جبن ~~أبي بكر، ولا أحسب أن في هذا دليلا على حسنه؛ لأن الله يقول لنبيه لا تحزن، انتهى. # وقال جماعة من المفسرين: من أنكر صحبة أبي بكر كفر؛ إنكاره القرآن، وليس ~~ذلك لسائر الصحابة، وزعموا أن هذه الآية دلت على فضل أبي بكر، يقال لهم: إن ~~أراداو ذلك بقولهم وليس ذلك لسائر الصحابة كونه ثاني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فليس في ذلك وجه نتعلق به ولا شبهة؛ لأنه ليس من جماعة ينسب ~~إلا رجل بالكون معه إلا قيل فلان ثاني اثنين وثالث ثلاثة ورابع ms2008 أربعة وخامس ~~خمسة، ما كان العدد، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {ما يكون من نجوى ثلاثة ~~رابعم ولا خمسة إلا هو سادسهم} الآية، فالله تبارك وتعالى مع الكافر ~~والمؤمن لا يخلوا منه أحد، وإن أرادوا تسميته صاحبا فكذلك أيضا قد تكون ~~الصحبة للمؤمن والكافر، أما تسمع كيف يقول الله سبحانه: {إذ يقول لصاحبه ~~وهو يحاوره أكفرت بالذب خلقك من تراب ثم من نطفة} فسمى المؤمن صاحبا للكافر ~~ونسبه إليه، وقد كان في أصحاب رسول الله منافقون وقد سماهم النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أصحابا منهم: عبد الله بن أبي بن سلول صاحب الإفك، وقد كان ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشاروا عليه أن يقتله فكره ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ((إني أخاف أن يقول الناس إن محمدا يقتل ~~أصحابه)) وإن أرادوا قوله: لا تحزن إن الله معنا فإن كان النبي الذي حزن ~~فنهاه أبو بكر عن الحزن فما كان ينبغي لأبي بكر أن ينهي النبي عن شيء فعله؛ ~~لأنه أعلم من أبي بكر بما فعل، وهو الآمر الناهي لأبي بكر وغيره، وإن كان ~~أبو بكر هو الذي حزن فما الذي أحزنه وهو مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو بعلم أن الله وملائكته معهما، فما نهاه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلا عن معصية، فقد كان ينبغي له أن........برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم مع أن آخر PageV19P321 الآية تدل على ذم أبي بكر؛ لأن الله تعالى يقول: {فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها} يريد بذلك نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل ~~تعالى فأنزل سكينته عليهما، كما سماهما اثنين، فجعلهما شريكين في السكينة ~~كما أشرك بينهما في الاسمين، وكما أشرك بين المؤمنين في السكينة مع رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأشركهم في السكينة مع رسوله، وأفرد رسوله ~~بالسكينة في الغار ولم يسم معه أحدا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: قال بعض الشيعة فعلمنا عند ms2009 ذلك أن أبا ~~بكر لم يكن من المؤمنين ولو كان بينهم لقال عز وجل: فأنزل الله سكينته عليه ~~وعلى صاحبه، كما قال في أول الكلام: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين}. # قال عليه السلام: وهذا لعمري قول حسن لا بأس به، وليس هو بحجة قاطعة، ولا ~~هذا ممنا يدل على كفره، ولكن هذا يدل على فضل المؤمنين عليه؛ لأنه ذكرهم ~~بالسكينة وأغفل ذكره دونهم، فيجب عليه أن يكون من هذا الوجه تابعا لهم، فغن ~~لم يفعل ذلك وتقدمهم فقد خالف الله وجهل[441] فضلهم، انتهى. # وأما قوله: إن الضمير في قوله سبحانه: فأنزل سكينته زعموا على أبي بكر، ~~قالوا: لأنه المحتاج، وهي ما ألقى الله في قلبه من الأمنة التي سكن عندها، ~~فيبطل هذا التفسير قوله تعالى: {وأيده بجنود لم تروها} يعني الملائكة يوم ~~بدر والأحزاب وحنين. # وقال الزجاج: أيده في الغار بملائكة يصرفون وجوههم وأبصارهم عن رؤية رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال عز وجل: {وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى} أي بانقطاع الحجة، وكلمة الشرك دعوتهم إلى الكفر {وكلمة الله هي ~~العليا} يعني ظهور الحجة، وكلمة الله دعوته إلى الإسلام، ثم قال: {والله ~~عزيز} قاهر غالب {حكيم} لا يأخذ إلا بعدل وحكمة وصواب. PageV19P322 # واعلم أنه تعالى لما توعد ما لا ينفر مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~وضرب له الأمثال ما وصفنا، أتبعه بالأمر الجزم فقال: {انفروا خفافا ~~وثقالا}. # قال في البرهان: فيه ثلاثة أقاويل: # أحدها: شبان ومشائخ. # والثاني: أغنياء فقراء، وذا عيال. # والثالث: على خفة النفس وغيرها، فلم يعذر أحد في النفير إلى الجهاد، ولم ~~يرخص لذوي السلامة من العباد، والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يحق ~~عليكم الجهاد أو على الصفة التي تنقل، وهذا الوصف تدخل تحته أقسام كثيرة، ~~والمفسرون من أئمتنا عليهم السلام وغيرهم ذكروا وجوها: # الأول: خفافا في النفور، ولنشاطكم له، وثقالا عنه، لمقته عليكم. # الثاني: خفافا لقلة عيالكم، وثقالا لكثرتهم. # قلت: وهذا تأويل الهادي إلى الحق عليه السلام ms2010 ولفظه غني يقال:.........من ~~العيال والحرم، وكثرة الصبية. # الثالث: خفافا من السلاح وثقالا منه. # الرابع: ركبانا ومشاة. # الخامس: شبانا وشيوخا. # السادس: مهازيل وسمانا. # السابع: صحاحا ومراضا، فإن قيل: أتقولون أن هذا الأمر من يتناول جميع ~~الناس حتى المرضى والعاجزين، قيل: ظاهره يقتضي ذلك. # عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أعلي أن ~~أنفر؟ قال: ((ما أنت إلا خفيف أو ثقيل)) فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ووقف بين ~~يديه، فنزل قوله: ليس على الأعمى حرج. # وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدرا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يتخلف عن غزوات المسلمين، ويقول: قال الله: {انفروا خفافا وثقالا} فلا ~~أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا. # وعن صفوان بن عمر قال: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا قد سقط حاجباه من ~~أهل دمشق على راحلته يريد الغزو، قلت: يا عم أنت معذور عند الله، فرفع ~~حاجبيه وقال: يابن أخ، أستنفر الله خفافا وثفالا، إلا أنه من أحبه الله ~~ابتلاه. PageV19P323 # وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: ~~إنك عليل صاحب ضرر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن عجزت عن الجهاد ~~كثرت السواد وحفظت المتاع. # وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو: أنت معذر، فقال: أبت علينا سورة ~~براءةانفروا خفافا وثقالا. # واعلم بان القائلين بهذا القول الذي كررناه يقولون: هذه الآية منسوخة ~~بقوله: {ليس على الأعمى حرج}. # وقال عطاء الخراساني: هو منسوخ بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة}، ~~ولقائل أن يقول: اتفقوا على أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك، واتفقوا على ~~أنه صلى الله عليه وآله وسلم خلف النساء وخلف من الرجال[442] أقواما، وذلك ~~يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان، ولكنه من فروض الكفايات، فمن أمره ~~الرسول صلى الله عليه بأن يخرج لزمه ذلك خفافا وثقالا، ومن أمره أن يبقى ~~هناك لزمه أن يبقى، وأن يترك السفر، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى التزام ~~النسخ، ثم قال تعالى: ms2011 {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} إيجاب ~~الجهاد بهما إن أمكن، أو أحدهما على حسب الحال والحاجة. # قالوا: حيث يتمكن المسلم من الجهاد بهما يجب عليه حيث لا يقوم مقامه أحد، ~~وحيث يكون معذورا في نفسه، وله فضل مال يجب عليه الإنفاق في سبيل الله. PageV19P324 # قال في البرهان: الواجب أن يجاهد الإنسان بنفسه، وماله بين يدي الإمام ~~العادل، الداعي إلى الله، الموالي لأوليائه، المعادي لأعدائه، المباين ~~للظالمين، أو مع من يكون من قبله من أنصاره وأمرائه، والمال بالجهاد بيع ~~للنفس، فمن قدر بنفسه وماله يكان له الثواب الجسيم والأجر العظيم، ومن لم ~~يقدر بنفسه قوى إخوانه المسلمين بزاده وسلاحه فيكتب له على ذلك الثواب، ثم ~~قال: {ذلكم خير لكم} لأنه من سنام الدين، وفي الجهاد خير الدارين {إن كنتم ~~تعلمون} صدق الله فيما وعد به من ثوابه وجنته، وتعلمون أنه سبحانه يزيدكم، ~~وفي تجهيل لهم أنهم لا يعلمون ما هو خير لهم. # واعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد، وكان قد ذكر قوله تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض} عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، وأخبر أن أقواما مع كل ما تقدم من ~~الوعيد والحث على الجهاد في غزوة تبوك تخلفوا، فقال فيهم: {لو كان عرضا ~~قريبا} أي لو كان ما دعوا إليه غنما سهل المنال ومنافع الدنيا غرض لسرعة ~~زوالها، يقال: الدنيا عرض حاضر، ومنه سمي العرض الملازم للجسم، ومعنى قوله: ~~{وسفرا قاصدا} أي سهلا مقتصدا {لاتبعوك} في الخروج معك طمعا في القسمة من ~~الغنيمة {ولكن بعدت عليهم الشقة} أي المسافة البعيدة ، وهذه الآية نزلت في ~~المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، والمعنى لو كان سفرهم لعرض قريب من ~~أعراض الدنيا وحطامها أو لسفر قاصد أي مقتصد غير بعيد لاتبعوك ولبكن بعدت ~~عليهم الشقة أي المسافة، قال الشاعر: # إن الذي عاق عيسى عن زيارتكم # لشقة بعدت أطرافها # قذف PageV19P325 ثم قال سبحانه: {وسيحلفون بالله} عند رجوعك من تبوك ، يقول ms2012 المتخلف {لو ~~استطعنا} أي لو قدرنا، وكان لنا سعة في المال {لخرجنا معكم} فأخبر الله ~~تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، ~~اما عندما يعاتبهم بسبب التخلف، وإما اقتداء على طريقة العذر في التخلف، ثم ~~بين تعالى أنهم: {يهلكون أنفسهم} أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ~~والتأخر عن الإجابة، وهو إما بدل من سيحلفون أو حال، أي مهلكين أنفسهم، ثم ~~قال: {والله يعلم إنهم لكاذبون} في قولهم: ما كنا نستطيع الخروج، فإنهم ~~كانوا مستطيعين قادرين على الخروج. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه تخلف قوم عن ذلك الغزو، وليس فيه ....... ~~أن ذلك التخلف كان بإذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال بعده: {عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم} فدل على أن منهم من تخلف بإذنه. # قال في الكشاف: عفا الله عنك كناية عن..........[443] لأن العفو رادف ~~عنها، ومعناه أخطأت ويئس ما فعلت، ولم أذنت لهم بيان لما كني عنه من العفو، ~~ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك، واعتلوا بعللهم، ~~وهلا استأنيت بالإذن {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} فيه، فيكون ~~ذلك لمن له عذر. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى عفا الله عن ك أي غفر الله لك ~~مالك أذنت لهم ولم تبتلهم بما يثقل عليهم حتى..........ويتبين لك الصادق ~~والمنافق الكاذب منهم، انتهى. # احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~لوجهين: # الأول: أنه تعالى قال: عفا الله عنك، والعفو يستدعي سابقة الذنب. # والثايني: أنه قال لم أذنت لهم، وهذا استقهام بمعنى الإنكار، فدل هذا على ~~أن ذلك الإذن كان معصية وذنبا. PageV19P326 # قال قتادة وعمرو بن ميمون:........فعلهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~لم يؤمر فيهما شيء إذنه للمنافقين وأحذه الفداء من الأسارى، فعاتبه الله ~~كما يسمعون. # قال بعضهم في الجواب عن الول: لا نسلم أن قوله عفى الله عنك يوجب الذنب، ~~ولم لا يجوز أن يقال إن ذلك يدل على ms2013 مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره كما ~~يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي ~~الله عنك ما جوابك في كلامي، ووقاك الله إلا عرفت حقي فلا تكون عرضة من هذا ~~الكلام إلا مزيد التبجيل والتعظيم. # وقال علي بن الجهم فيما يخاطب به المتوكل وقد أمره بنفيه: # عفا الله عنك ألا حرمة # تجوز بفضلك أن أبعداء # ألم تر عبدا عدى أطواره # ومولى عفا ورشيدا هدى # أقلني أقالك من لم يزل # يقيك ويصرف عنك الردى # والجواب من الثاني أن يقول: لا يجوز أن يكون اللمراد بقوله: لم أذنت ~~بالإنكار؛ لأنا نقول إما يكون قد صدر عن الرسول ذنب في هذه الواقعة، أو لم ~~يصدر عنه ذنب، فإن قلنا: إن ما صدر عنه ذنب امتنع أن يكون قوله لم أذنت لهم ~~إنكارا عليه، وإن قلنا: إنه كان صدر عنه ذنب فقوله: عفى الله يدل على حصول ~~العفو عنه، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار فثبت ان جميع لامقادير ~~يمتنع أن تقال إن قوله: لم أذنت لهم يدل على كون الرسول صلوات الله عليه ~~مذنبا، وهذا ج اب شاق قاطع، وعند هذا سحمل قوله لم أذنت لهم على ترك الأولى ~~والكمل لا شيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا، ~~وإن عاتبه الله عنا فقد رخص له في سور النور حيث قال: فإذا استأذنوك لبعض ~~شأنهم فاذن لمن شئت منهم، ودلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة، ~~وجواب.................والثاني وترك الاغترار يظواهر الأمور والمبالغة في ~~التفحص حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الابتعاد، ~~والله أعلم. PageV19P327 # ثم قال تعالى[444]: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}. # قال ابن عباس: معناه لا يستأذنك بعد غزوة تبوك. # وقال الباقون: هذا لا يجوز؛ لأن ما قيل هذه الآية وما بعدها ورد في قصة ~~تبوك، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين، فإن المؤمن متى ~~أمر بالخروج إلى ms2014 الجهاد تبادر إليه ولم يتوقف، والمنافق يتوقف ويأتي بالعلل ~~والأعذار، هذا المقصود حاصل سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي، ~~والمقصود أنه تعالى جعل علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان، وفي الآية قولان: # الأول: إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر، وعلى هذا التقدير ~~فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وكان الأكابر ~~من المعجرين والأنصار يقولون فأي فائدة في الاستئذان، وكانوا بحيث لو أمرهم ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالقعود لشق عليهم ذلك، ألا تر أن علي بن ~~أبي طالب لما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبقا في المدينة شق ~~عليه ذلك، ولم يرض إلى أن قال له الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم: ((أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى)). # والقول الثاني أنه لابد من إضمار آخر قالوا: ألا تر أن الاستئذان من ~~الإمام في الجهاد غير جائز، وعؤلاء مدحهم الله في ترك الاستئذان، فثبت أنه ~~لابد من الإضمار، والتقدير لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا إلا أنه حذف ~~حرف النفي. PageV19P328 # دقلت: ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه السلام قال: فقامت إن مقام إلا ~~وهذا معنى كلام الهادي عليه السلام وقد مره، ونظيره قوله تعالى: {يبين الله ~~لكم أن تضلوا} والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على ~~أن حصول الكلام إنما كان على الاستئذان في القعود، وقوله عز وجل: {والله ~~عليم بالمتقين} شهادة لهم بالتقوى، وعدة لهم لجزيل الثواب، ثم قال تعالى: ~~{إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني المنافقين، وكانوا ~~تسعة وثلاثين رجلا، ومعنى {وارتابت قلوبهم} أي شكت في أمرك {فهم في ريبهم ~~يترددون} أي فهم في شكهم يتحيرون، والتردد هو التحير، قال الشاعر: # أتفخر يا هشام وأنت عبد # وعارك الأم العيران عارا # وكان أبوك ساقطة بغيا # تردد دون منصبه فحارا # أي شك في منصبه وتحير دون معرفة سببه، ولما كان عدم الإيمان قد يكون سبب ~~الشك فيه، ms2015 وقد يكون سبب الجزم والقطع بعدمه، بين تعالى ان عدم إيمان هؤلاء ~~إنما كان بسبب الشك والريب، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غبر مؤمن بالله ~~تعالى، ودلت على بطلان قول الكرامية أن الإيمان هو مجرد الإقرار؛ لأن ~~المنافقين كانوا يظهرون الإقرار مع أنه تعالى شد عليهم في هذه الآية بأنهم ~~ليسوا مؤمنين، ثم قال تعالى: {ولو أرادوا الخروج} للغزو إلى تبوك {لاعدوا ~~له عدة}...........وخيلا وسلاحا، ولأكدوا عزما وبساطا. PageV19P329 # قال ابن عباس: يريد عدة من الزاد والماء والراحلة؛ لأن سفرهم بعيد في زمان ~~شديد، وقيل: هذه الأشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة ~~والعدى، ثم قال تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} أي كره الله خروجهم ~~ومسيرهم مع رسوله لكفرهم، والانبعاث الانظلاق في الأكر، كأنه قيل[445] ما ~~حرجوا ولكن ثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم كما يقول: ما أحسن إلى زيد ~~ولكن أساء إلي، ومعنى {فثبطهم} كسلهم وخذلهم لضعف رغبتهم، ولن خروجهم فيه ~~مفسدة فحبسهم عن فساد العسكر، ولو تركهم لأفسدوا الناس بالنفاق والمكر، ~~وإنما أخزاهم بحبسهم وفضحهم بتثبيطهم وتركهم. # قلت: وفيه هذا نظر لأنه لا يجوز أن ينسب التسليط إلى الله سبحانه حقيقة ~~إلا على جهة المجاز، كطبع الله على قلوبهم، فإن قيل: خروجهم إما أن يقال ~~أنه كان مفسدة أو يقال أنه كان مصلحة، فإن قلنا: إنه مصلحة فلم قال: ولكن ~~كره الله انبعاثهم وخروجهم؟ قلنا: الذي أوجبه الله عليهم هو الخروج للجهاد ~~لا لتخذيل المسلمين، فالذي أمروا به غير الذي كره الله منهم، ويحتمل أن ~~يريد بالكراهة هو التثبيط ما كان منهم ومن الشيطان، ونسب إلى الله مجازا ~~كما مضى في نظائره مثل طبع الله، وزين لهم أعمالهم، وهذا هو الأولى، والله أعلم. # ولو كان تالتثبيط من الله سبحانه حقيقته لما أمرهم بالخروج، وقال بعضهم: ~~إن خروجهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كان مصلحة بدليل أنه تعالى ~~صرح بدليل أنه تعالى صرح بعده هذه الآية بشرك تلك المفاسد، وهو قوله لو ~~خرجوا فيكم ما ms2016 زادوكم إلا خبالا، نفى أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا ~~يخرجوا عاتب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الإذن. # قال أبو مسلم: ليس في قوله لم أذنت لهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~قد أذن لهم في القعود، بل يحتمل أن يقال: إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن ~~لهم فيه، وعلى هذا التقدير فإنه يسقط السؤال. PageV19P330 # قال: والدليل عليه أن هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة فوجب حمل ~~ذلك على أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن لهم في الخروج معه، وتأكد ذلك ~~سائر الآيات، منها قوله تعالى: {سيقول المخلفون إذا انطلقتم} إلى قوله: {قل ~~لن تتبعونا} فهذا دفع هذا السؤال على طريقة أبي مسلم، ثم إنه تعالى ختم ~~الآية بقوله: {وقيل اقعدوا مع القاعدين} أي مع الذين قعدوا لغير عذر، ~~ويحتمل أن يكون المراد بالقاعدين النساء والصبيان؛ لأن المقصود ~~منه............على ذمهم والجاؤهم بالنساء والصبياء والعاجزين الذين شأنهم ~~القعود في البيوت، وهم القاعدو ن الخالفون، والخوالف على ما ذكره في قوله: ~~{رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} والله أعلم. # واختلفوا في أن هذا القول ممن كان؟ فقيل: إنه قول الشيطان على سبيل ~~الوسوسة، وقيل: هو قول بعضهم قالوا ذلك لبعض ما أرادوا الاجتماع على ~~التخلف؛ لأن من ينوي الفساد يحب التكثير بأشكاله، وقيل: القائل هو الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم لما أذن لهم في التخلف، فعاتبه الله. # قال في البرهان: إن القائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه غضب ~~عليهم بذلك لعلمه بحاله منهم، وقيل: القائل هو الله؛ لأنه قد كره خروجهم ~~للافساد، فكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على هذا الوجه ~~وأمركم بالقعود عن الخروج، يبين ذلك قوله تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا}[446] اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفساد الحاصلة من ~~خروجهم فيكم ما زادوكم إلا شرا وفسادا في كل شيء، وللمفسرين عبارات. # قال الكلبي: الأسر، وقال بعضهم:...............وقيل: إلا خبثا، ms2017 وقال ~~الصماك: إلا غدرا، وقيل: الخبال الاضطراب في الرأي تزيين أمر لقوم وتقبيحه ~~لقوم آخرين، ليختلفوا وتتفرق بكلمتهم. PageV19P331 # قال في البرهان: فإن قيل فلم يكونوا في خبال فيزدادون بهؤلاء الخارجين ~~خبالا، قيل: هذا من الاستثناء المنقطع، وتقديره ما زادوكم قوة، ولكن أوقعوا ~~بينكم خبالا. # وقال بعضهم: هذا بعيد لأن الاستثناء هو أن لا يكون المستثنى من جنس ~~المستثنى منه كقولك: ما زادوكم خيرا إلا خبالا، وهاهنا المستثنى منه غير ~~مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء، فكان ~~الاستثناء متصلا، والتقدير ما زادوكم شيئا إلا خبالا. # النوع الثاني من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى: {ولاوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة} ف يدينكم بوقوع الخلاف بينكم. # قال الرازي: في الإيض...اع قولان نقلهما الواحدي: # الأول: وهو قول أكثر أهل العلم أن الإيضاع حمل النفير على العدو، ولا ~~يجوز أني قال أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا، قال: وضع البعير إذا ~~عدا وأوضعه الراكب إذا حمله عليه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى لأوضعوا خلالكم أس لسارعوا إبلهم ~~وأوجفوها بينكم، والإيضاع هو الجنب وهو ضرب من المسير، قال الشاعر: # يوضعن في جمع وفي محسر # وقال آخر: # أقبلوا يوضعون قود المطايا # لا يملون خطه الإيجاف # والثاني: وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال: أوضع الرجل إذا سار ~~بنفسه سيرا حثيثا، من غير أن يراد وضع ناقته. # وروى أبو عبيدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفاض من هرفة وعليه ~~السكينة وأوضع في واد محسر، قال لبيد: # ترانا موضعيني لحسم عيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقال عمروا بن أبي ربيعة: # نبالهن بالعرفان لما عرفنني # وقلن أمرتاع أكل وأوضعا # قال الواحدي: الآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد. PageV19P332 # واعلم أن على القولين فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتصريب ~~والتمائم، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى لأوضعوا أركانهم بينكم، ~~والمراد الإسراع بالتمائم؛ لن الراكب أسرع من الماشي، وإن اعتبرنا الثاني ~~كان المعنى أنهم يسارعون في هذا التضريب، والله أعلم، حكى ms2018 هذا عنه كله ~~الرازي. # قال في البرهان: أما الإيضاع فهو السير، قال الزاجر: # يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأوضع # وأما الخلال فمن تخلل الصفوف وهي الفرح يكون فيها، والخبال الفساد، ومعنا ~~شرعوا فيكم الفساد والفتنة التي يبغونها اختلاف[447] الكلمة وافتراق ~~الجماعة. # واعلم أن حاصل هذا الكلام هو أنهم لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ~~والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي، وهو من أعظم الأمور الذي يجب ~~الاحتراز عنها في الحروب؛ لأن عند حصول الاختلاف في الرأي تحصيل الإنهزام ~~والإنكسار على أسهل الوجوه، ثم أخبر تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك، بل ~~يمشون بين الأكابر بالنميمة، فيكون الإفساد أكبر، وهو المراد بقوله: ~~ولأوضعوا خلالكم. # وأما النوع الثالث وهو قوله: {وفيكم} يأمنون {سماعون لهم} وفي معناه قولان: # أحدهكا: أن المراد فيكم عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم، وهذا قول ~~مجاهد وابن زيد. # والثاني: فيكم من يسمع ويطمع في كلامهم ويقبل قولهم ونفاقهم. PageV19P333 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: فإذا ألقوا غليهم أنواعا من الكلمات ~~الموجبة لضعف القلب قبلوها، وقتروا بسببها عن القيام بامر الجهاد كما ~~ينبغي، فإن قيل: كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم..........في ~~الجهاد؟ قيل: لا يمتنع من قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم، ~~ولا يمتنع أيضا أن يكون بعض المسلمين من أقارب ورؤساء المنافقين فينظرون ~~إليهم بعين الإجلال والتعظيم، فلهذا السبب يؤثر قول أولئك الأكابر من ~~المنافقين فيهم، ولا يمتنع أيضا أن يقال: المنافقون كانوا على قسمين منهم ~~من يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد، ثم إن الفريق الثاني من ~~المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم، ~~ثم إنه ختم الآية بقوله: {والله عليم بالظالمين} الذين ظلموا أنفسهم بسبب ~~كفرهم ونفاقهم وظلموا غيرهم بسبب أنهم يسعون في إلقاء غيرتهم، وفي وجوه ~~الآفات والمخافات، ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم ~~فقال: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} أي من قبل واقعة تبوك، طلبوا المكائد ~~والسعي ms2019 في تشتبت أصحابك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه. # وقال ابن جريج: إن اثنى عشر من المنافقين وقفوا على ...........الوداع ~~ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى الفتنة هو ~~الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين ~~فسلمه الله منه، وقوله تعالى: {وقلبوا لك الأمور} أي يعفو لك العويل ~~والعوائل في لغة العرب فهي المصائب والدواهي والتحيل في الهلاك، قال ~~الشاعر: # طلبوا الغوائل للوصي فأصبحوا # من بعد فرقاء بغير نظام PageV19P334 قاله الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام ، وتقليب الأمر تصريفه ~~وترديده لأجل التدبر والتأمل فيه، يعني اجتهدوا في تدبير الحيل والمكائد، ~~ودور الآراء في إبطال أمرك. # قال في البرهان: وتقليبهم الأمور هو معاونتهم في الظاهر وممالات المشركين ~~في الباطن. # والثاني: توقعهم الدولئر وانتزارهم للفرص، وقرئ وقلبوا بالتخفيف، ثم قال ~~تعالى: {حتى جاء الحق} أي نصرك عليهم {وظهر أمر الله} أي غلب يدينه وعلا ~~شرعه {وهم كارهون} والمعنى أن هؤلاء المنافقين كانوا موضعين على وجوه ~~الكيد[448] والمكر، وإثارة الفتنة، و..........الناس عن قبول الدين، حتى ~~جاء الحق الذي كان في حكم الذاهب، والمراد منه القرآن، ودعوة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور، والمراد بأمر الله ~~الأسباب الذي أظهرها الله عز وجل، وجعلها سببا في قوة شرع محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وهم لمجيء هذا الحق ولظهوره كارهون، وفيه تنبيه على أنه لا ~~أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الفتنة والشر، فإنهم منذ كانوا في ~~طلب هذا المكر والكيد، والله رده في نحرهم، وقلب مرادهم، واتى بضد مقصودهم، ~~فلما كان الأمر كذلك في الماضي فهكذا يكون في المستقبل، ثم قال سبحانه: ~~{ومنهم من يقول ائذن لي} في التأخر عم الجهاد {ولا تفتني} وذكروا فيه وجوها: # أحدها: لا تفتني أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم، بأن لا تأذن لي، ~~فإتنك إن منعتني عن القعود وتخلفت بغير إذنك فوقعت ms2020 في الإثم، وعلى هذا ~~التقدير فيحتمل أن يكونوا ذكروه على سبيل السخرية، وأن يكونوا أيضا ذكروه ~~على سبيل الخذلان كان ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد صادقا، ~~وإن كان غير قاطع بذلك. # وثانيها: لا تفتني أي لا تلقنهي في الهلاك، فإن الزمان زمان شدة الحر ولا ~~طاقة لي بها. # وثالثها: لا تفتني فإني خرجت معك هلك مالي وعيالي. PageV19P335 # ورابعها: قال الهادي عليه السلام: هذه الآية تزلت في جد بن قيس، وذلك أنه ~~أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج معه في غزوة تبوك، فقال: ~~يا رسول الله قد علمت إعجابي بالنساء ومحبتي لهن، وأنا أخشى إن رأيت بنات ~~الأصفر أن لا أصبر وأفتتن بهن، فقال سبحانه: {ألا في الفتنة سقطوا}يقول ~~سبحانه: ألا في العذاب وقع، والفتنة فمعناها العذاب، فأخبر سبحانه أنه عاد ~~وتعلل بمعنى قد وقع فيه تخلفه عن الرسول الله انتهى. # وفي مصحف أبي صقط لأن لفظه: من موجد اللفظ مجموع المعنى، والمعنى أنهم ~~تحيزون عن الوقوع في أسباب الفتنة، وهم في الحال ما وقعوا إلا فيها، فإن ~~أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف، وأيضا ~~فإنهم بقوا خائفين من المسلمين خائفين أن يفضحهم الله، وينزل آيات في شرح ~~نفاقهم. PageV19P336 # قال أهل المعاني: وفيه تنبيه على أن من عصى الله تعالى لغرض، فإن الله يبطل ~~عليه ذلك الغرض، ألا تر أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في ~~القتنة، والله سبحانه أخبر أنهم في عين الفتنة واقعون وساقطون، والفتنة عند ~~كثير من الناس في هذا الموضع هي الكفر، ثم قال عز وجل: {وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين} أي واقعة بهم في يوم الدين، وقيل: إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة ~~في الحال فكأنهم في وسطها، ثم أخبر تعالى عن أمر آخر من كيد المنافقين، ومن ~~خبث بواطنهم فقال: {إن تصبك حسنة} أي ظفر وغنيمة {تسؤهم} أي تغضبهم، ~~والمعنى إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كالن نصرا أو غنيمة، أو كان ~~انقياد البعض ms2021 من ملوك الأطراف يسوءهم ذلك {وإن تصبك مصيبة} من نكبة وشدة ~~ومكروه كما جرى يوم أحد يفرحوا بها {يقولوا قد أخذنا أمرنا} الذي نحن ~~مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالجزن {من قبل} أي من قبل ما وقع ~~{ويتولوا} إلى آلهتهم عن موضع التحدث والاحتماع بذلك {وهم فرحون} مسرورون، ~~وقيل: تولوا أعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه[449]وآله وسلم وهم معجبون ~~بما ناله من المكروه والسوء، ونقل عن ابن عباس أن الحسنة يوم بدر، والمصيبة ~~يوم أحد، فإن ثبت...........أن هذا هو المراد وجب المصير إليه، وإلا ~~فالواجب حمله على كل حسنة وعند كل مصيبة، بالوصف الذي ذكره الله تعالى ~~هاهنا، ثم قال تعالى: {قل} يا محمد {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} من ~~النصر والفوز بالشهادة، أو إن الله أرحم بنا، وأعلم بمصالحنا، فلسنا مهملين ~~على ما توهمون، بل هو مدبر لنا، وقيل: كتب بمعنى أوجب، أي لن يصيبنا إلا ~~الجهاد إلا الذي أوجب الله علينا، أي هو السبب فيما أصابنا، فيكون أجرنا ~~على الله، وقيل: المعنى كل ما علمه فهو واقع، ومع ذلك فهو مسنوب إلى فاعله، ~~وعلم الله غير سابق، فلا تاثير PageV19P337 له فيه، وقيل المعنى ما أصابنا فهو لنا لا علينا، كما يظنون فلا تشمتوا، ~~كقوله تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين}. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لن يصيبنا من الكفار ولظمهم ~~إلا ما كتب الله لنا عليه الأجر والثواب، ولكنه اختصر في كثير ~~من.........الكتاب ليبين بذلك فضل ذوي الألباب، ثم قال: {هو مولانا} أي ~~مالكنا وناصرنا {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} وحق المؤمن أن لا يتوكل على ~~غيره، وهذا مفيد للحصر كالتنبيه على أن حال المنافقين بالصد من ذلك، وأنهم ~~لا يتوكلون إلا على الأسباب واللذات العاجلة، ثم ذكر تعالى الجواب الثاني ~~عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ~~{قل هل تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} أي هل تنتظرون بنا إلا الشهادة في ~~سبيل الله فهي حسبنا، ms2022 أو النصر من الله والقوة فهي حسبي. # قال المرتضى عليه السلام: # ألم تر أنني في البحس ثاو ... .......في الحديد قرير عين # لمعرفتي بفرض الله ربي ... ومخرجنا لإحدى الحسنيين PageV19P338 وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو فإن صار مغلوبا مقتولا فاز بالاسم الحسن ~~في الدنيا والثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة، وإن صار ~~غالباض فاز بالمال الحلال في الدنيا والاسم الجميل وهو الرجولية والشوكة، ~~والقوة، وفي الآخرة بالثواب العظيم، ولما قال للمنافقن: قل هل تربصون بنا ~~إلا إحدى الحالتين الشريفتين، قال: {ونحن نتربص} أي ننتظر {بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده} كما فعل بعاد وثمود {أو بأيدينا} القتل على الكحفر حيث ~~ظهر نفاقكم؛ لأن نفاقهم إذا ظهر كانوا كسائر المشركين في كونهم حربا ~~للمؤمنين، ثم تهددهم بقوله: {فتربصوا} بنا ما ذكرنا من عوقبنا {إنا معكم ~~متربصون} ما هو عواقبكم ومواعيد الله في إظهار الله دينه، وهلاك من خالفه، ~~فلابد أن نلقى كلنا ما نتربصه...........، والتربص هو التأني والانتظار، ~~قال الشاعر: # ........نتربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يكون حليلها # أي ينتظر بها مصائب الدهر. # واعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي ~~العذاب في الدنيا والآخرة أخبر أنهم وإن اتوا بشيء من أعمال البر فإنهم لا ~~ينتفعون به في الآخرة، فقال: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم} أمر ~~معناه الخير، أي لن يتقبل منكم إن أنفقتم طوعا أو كرها، كقوله: {استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم} وقال كثير: أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا ~~تستغفر لهم، ولا يلومك أحينت إلينا أو أسأت. # قال في الكشاف: والنكتة فيه وهو أن كثير يقول لعزة: امنحيني لطف محلك ~~عندي وقوة محبتي لك، وعاملتني بالإساءة والإحسان، وانظري هل يتفاوت حالي ~~معك مسيئة كنت أو محسنة، وفي معناه قول القائل: # أخوك الذي أرقمت بالسيف عامدا # لنصرته لم يستغشك في الود # ولو جئت تبغي كفه........... # لبادر إشفاقا عليك من الرد PageV19P339 ير أنه في ms2023 الود وان مقصر # على أنه قد زاد فيه على الجهد # والطوع ما كان من غير إلزام من الله تعالى ورسوله نحو القرب والكره، نحو ~~الزكاة وسمي كرها لأنهم منافقون فهو شاق عليهم، وفائدة الأمر بمعنى الخبر ~~المبالغة في عدم التقبل، وطائعين من غير إكراه من رؤسائكم؛ لأن رؤساء أهل ~~النفاق كانو يحملونهم على الإنفاق، لما يروا من المصلحة أو مكرهين من ~~جهتهم، ثم علل ذلك بقوله: {إنكم كنتم قوما فاسقين} زائدين في التمرد، وهذه ~~الإشارة إلى عدم القبول، والمراد بالفسق التمرد والعتو، ثم قال تعالى: {وما ~~منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} يحتمل أن يقبلها ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا يردها، أو من أن يقبلها الله فيثبت عليها، وإن ~~قبلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # وروي أن الجد بن قيس حين تخلف في عزوة تبوك قتال لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: هذا مالي عينك به فتاتركني فنزلت، ومعنى قوله: {ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى} لأنهم لا يرجون بها ثوابا وى يخافون عقابا؛ لأنهم ~~يعدونها مغرما وتطوعهم كراهية واضطرارا {ولا ينفقون إلا وهم كارهون}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لا يصلون إلا وهم كارهون ~~للزكاة، وإن تطوعوا بالإنفاق........أرادوا بذلك النفاق والتزين في أعين ~~الناس بالإنفاق وهم في الحقيقة من أفسق الفساق. PageV19P340 # واعلم أنه تعالى لما قطع في هذه الآية رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة ~~أخبر أن الأشياء التي يعطونها من باب المنافع في الدنيا، فغنه عز وجل جلعها ~~أسباب تعذيبهم في الدنيا، وأسباب اجتماع المحن والآفات عليهم فقال: {فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم} أي لا تستر بها سرور راض بها، يعني لا تغتر بما ~~أوتوا من زينة الدنيا، كقوله: {ولا تمدن علنيك} الآية {إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} بما يقع من الآفات والمصائب، بو بالسبي ~~والاغتنام، أو في التعب في جمعها، والوحل في حفظها. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى في ms2024 ~~ذلك فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الآخرة {وتزهق أنفسهم} أي تخرج أنفسهم {وهم كافرون}. # قال: وهذا قول أبي عبد الله محمد[451]بن القاسم عليهما السلام . # قال: ويحتمل وجها آخر وهو أن الله عز وجل عذبهم بالشفقة والخوف على ~~أموالهم وأولادهم، وهو قول أبيه القاسم عليه السلام . # قال: وليس هذا خلاف بين الإمامين، ولكن الآية تحتمل معنيين، انتهى. # قال بعض المفسرين: ومن تأمل في هذه الآية عرف أنها مرتبة على أحسن ~~الوجوه، وأنه تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم، بين ما لهم في ~~الآخرة من العذاب الشديد، وما لهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية، ثم ~~بين بعد ذلك أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به في القيامة البتة، ~~ثم بين في هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سبب ~~لعذابهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم، وعند هذا يظهر ان ~~النفاق..........لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل لجميع الخيرات في ~~الدين والدنيا، وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب ~~الكلام على وجه أحسن من هذا أو.........الله التوفيق. PageV19P341 # واعلم أن قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم} وإن كان خطابا في الظاهر مختصا ~~بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن المراد منه كل المؤمنين، أي لا ~~ينبغي أن تعبجبوا بأموال هؤلاء المنافقين الكافرين ولا بأولادهم، ولا بسائر ~~نعم الله عليهم، ونظيره قوله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلا متعنا به}. # واعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا، خارجين ~~عن جميع منافع الآخرة والدنيا عاد إلى ذكر فضائحهم وقبائحهم، فمنها إقدامهم ~~على الأيمان الكاذبة فقال: {ويحلفون بالله إنهم لمنكم} أي من جملتكم، ~~وقوله: {وما هم منكم} تكذيب لهم، أي ليسوا على دينكم {ولكنهم قوم يفرقون} ~~أي يخافون ويرهبون القتل، فاظهروا الإيمان تقية، وأسروا النفاق، والفرق ~~الخوف، يقال رجل أفروق أي شديد الخوف، ثم قال سبحانه: {لو يجدون ملجأ} ~~يلجأون إليه من جبل أو ms2025 قلعة أو حريرة، قوله: {أو مغارات} جمع مغارة وهي ~~الموضع الذي يغار الإنسان فيه، أي يستتر. # قال أبو عبيد: كل شيء غرت فيه فغبت فهي مغارة لك، ومنه غار الماء في ~~الأرض وغارت العين {أو مدخلا} نفقا في الأرض يدسون فيه. # قال في البرهان: والمدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة {لولوا إليه وهم ~~يجمحون} أي يسرعون لا يؤدهم شيء من الفرس الجمو ح، وهو الذي إذا حمل لم ~~يرده اللجام، قال الشاعر: # لقد جمحت جماحا في دمائهم # حتى رأيت ذوي أحسابهم جهدوا # والمراد من الآية أنهم من شدة تأذيهم من الرسول والمؤمنين صاروا بهذه ~~الحالة. PageV19P342 # قال بعضهم: واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي: الملجأ والمغارات ~~والمدخل، والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحنمل الآخر عليه، ~~فالملجأ يحتمل الحصون، والمغارات الكهف في الجبال، أي غيرانا جمع غار وهو ~~النقب في الجبل يغيبون فيه أشخاصهم، والمدخل السرب تحت الأرض، ثم أخبر ~~تعالى عن نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم وهو طعنهم في الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء، ويقولون: إنما يؤثر بها من يشاء ~~من أقربائه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل، فقال: {ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات}أي منهم من يغتابك[452] ويطعن عليك في قسمة الصدقات وهم ~~المنافقون أهل الجهالات الذين يرضون ويسخطو ن في العطيات. # قال في البرهان: روينا عن بعض السلف أنه قال: بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذوي الخويصرة التميمي، فقال له: اعدل ~~يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ومن لم يعدل إن لم أعدل)) ~~فأنزل الله ذلك فيه، رواه أبو سعيد الخدري. # وقال الكلبي: هو أبو الخواط من المنافقين قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما ~~يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((لا أبا لك، أما كان موسى راعيا، أما كان داود راعيا)) ~~فلما ذهب قال صلى ms2026 الله عليه وآله وسلم: ((احذروا هذا وأصحابه فإنهم ~~منافقون)). PageV19P343 # وروى أبو بكر الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل من ~~أصحابه: ((ما علمك بفلان))؟ قال: ما لي به علم إلا أنك تدنيه في النجلس، ~~وتجز له العطاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنه منافق ~~أداريه عن نفاقه، وأخاف أن يفسد علي غيره)) فقال: لو أعطيت فلانا بعض ما ~~تعطيه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنه مؤمن أكله إلى إيمانه، وأما ~~هذا فمنافق أداريه خوف فساده)) ثم قال عز وجل: {فإن أعطوا منها رضوا وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون} إن أكثرت لهم من ذلك قنعوا، وإن قللت سخطوا، ~~وكلمة إذا للمفاجأة، أي إن لم تعطوا منها فاجأوا السهط؛ لنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم استعطف قلوب أهل مكة يوم حنين بتوفير الغنائم عليهم فضجر ~~المنافقون منه. # قال أهل المعاني: هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين، ودناءة ~~طباعهم، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم ونسبوه في القسمة إلى الجور، مع أنه كان أبعد الخلق عن الميل إلى ~~الدنيا. # قال الضحاك: كان الرسول يقسم بينهم ما أتاه الله من قليل وكثير، فكان ~~المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه. PageV19P344 # وأما المنافقون فإن اعطوا كثيرا فرحوا، وإن أعطوا قليلا سخطوا، وذلك يدل ~~على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الذين قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ~~ما آتاهم الله ورسوله} بالقسمة، وإن قل لكان خيرا لهم {وقالوا حسبنا الله} ~~أي كفانا فضل الله وصنعه {سيؤتينا الله من فضله ورسوله} سيرزقنا غنيمة ~~أخرى، فيؤتينا رسول الله أكثر مما آتانا اليوم {إنا إلى الله راغبون} في أن ~~يأتينا من فضله، وجواب لو محذوف أي لكان خيرا لهم وأجود، وترك الجواب في ~~هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل، كقولك للرجل أو جئتنا، ثم لا يذكر ~~الجواب أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما، والله أعلم، وقد ذكر ms2027 سبحانه في ~~هذه الآية مراتب: # أولها: الرضا بما أتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه تعالى حكيم منزه عن ~~الخطأ والعبث، والحكيم معناه أنه عالم بعواقب الأمور، فكل ما كان منه كان ~~حكمة وصوابا. # وثانيها: أن تظهر آثار الرضى على لسانهم وهو قوله: {حسبنا الله} يعني أن ~~غيرنا أخذوا المال، ونحن بما رضينا بحكم الله وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة ~~العظيمة في العبودية فحسبنا الله. # وثالثها: أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة التي عندها يقول حسبنا ~~الله ونع م الوكيل نزل منها إلى مرتبة أخرى، وهي أن يقول سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله، إما في[453]الدنيا إن اقتضت الحكمة والمصلحة وإلا ففي الآخرة ~~أولى وأفضل. # ورابعها: أن يقول إنا إلى الله راغبون، فنحن لا نطلب من الإيمان والطاعة ~~أخذ الأموال، والفوز بالمناصب في الدنيا، وإنما المراد اكتساب السعادات ~~الأخروية على ما دل عليه قوله: إنا لله وإنا إليه راغبون. PageV19P345 # واعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الصدقات ~~بين لهم مصارفها، فقال عز وجل في الصنف الأول والثاني: {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين} الذين لا يجدون ما يغنيهم، والفقراء بخلاف الأغنياء، ~~والفقير أحسن حالا من المسكين. # قال في البرهان: الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة، وهو الذي ليس له إلا ~~ثياب بدنه، ومسكنه وخادمه، والمسكين المحتاج السائل الذي سكنه الفقر عن ~~التحرك والاضطراب. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما سمي الفقر فقرا لأنه يفقر الظهر ~~ويقطعه، وكذلك المسكين فإنما سمي مسكينا؛ لأنه يذل ويستكين، ويخضع للفقر، ~~ويضعف ويلين، وقيل: إن الفقير والمسكين واحد إلا أنه ذكرهما صفيت تأكيدا. # عن أبي يوسف ومحمد وغيرهم: وقيل: الفقير الذي له بلغة من العيش، والمسكين ~~الذي لا بلغة عنده، عند أبي حنيفة وغيره، وفائدة تعقيب هذه الآية بما مر ~~الدلالة بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون عيرهم، على أنهم ليسوا ~~منهم حسما لأطماعهم واشعارا باستحبابهم الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن ~~مصارقها فما لهم ومالها، وما سلطهم على التكلم فيها ولمقاسمها، أنه ms2028 صلى ~~الله عليه وآله وسلم لا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه، وإنما يأخذها لهؤلاء ~~الأضناف الثمانية. # والصنف الثالث قوله: {والعاملين عليها} وهم السعادة المختصون بجبايتها ~~وجمعها وتفريقها، ولهم منها قدر أجرة أمثالهم. # وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات. # قال الرازي: وإنما قال عليها؛ لأن كلمة على تفيد الولاية، كما يقال فلان ~~على بلدة كذا، إذا كان واليا عليها. # الصنف الرابع قوله: {والمؤلفة قلوبهم} هم أشراف من العرب كان صلى الله ~~عليه وآله وسلم يتألفهم على أن يسلموا فيعطيهم شيئا منها، حين كان في ~~المسلمين قلة، وكذلك الذين يتألفهم الأئمة عليهم السلام بالعطا من الجنود، ~~ومن لا يبقا من ذوي العبود. PageV19P346 # قال في البرهان: المؤلفة قوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يتألفهم بالعطية مثل صفوان بن أمية، والمؤلفة صنفان: مسلمون ومشركون، فأما ~~المسلمون فهم قوم كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم لصلاح الإسلام ~~كعتبة بن بدر، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس. # وأما المشركون فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعا ~~لأذائهم، مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ~~ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية، ولإمام المسلمين من ولده أن يتألفهم مثل ما تألفه. # الصنف الخامس: قوله تعالى: {وفي الرقاب} وهم المكاتبون يعانون منها، ~~وقيل: الأسارى، وقيل: يبتاع فيعتق. # الصنف السادس: قوله تعالى: {والغارمين} الذين ركبتهم الديون، ولا يملكون ~~بهدها ما يبلغ النصاب، والذين يدينوا في الحمالات فيغرموا فيها. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني الغارمين في طاعة الله الذيت ~~تسلفوا واكتسبوا الدين لعيالهم وأنفسهم، ولم يسرفوا، ومثله في البرهان لا ~~إن كان بسبب معصية فلم يدخل[454] في الآية؛ لن المقصود من صرف المال ~~المذكور في الآية الإعانة، والمعصية لا تستوجب الإعانة. # والصنف السابع: قوله: {وفي سبيل الله} أي المجاهدين في سبيل الله تعالى ~~يعطون سهمهم مع الغنا والفقر. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: وأما السهم الذي في سبيل الله فيصرفه ~~الإمام في العدد والسلاح، والخيل. # والصنف الثامن قوله: {وابن السبيل} وهو ms2029 المسافر المنقطع عن ماله، لا يجد ~~نفقة سفره يعطى منها، وإن كان غنيا في بلده؛ لأن الله جعل لهم سهما في ~~الزكوات فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية. PageV19P347 # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليه السلام: وقد كان الهادي إلى الحق ~~صلوات الله عليه يقول: لو ساعدني الأمر واستوا لي العمل، واستقام الناس على ~~طاعة الله عز وجل، لوضعت على النفل والعقاب الرجال والوكلاء بالدقيق ~~والسويق والبغال وال...........التي تكون للبغال، وهذا أكرمك الله يجب على ~~كل صاحب حق، لو أن هذا الخلق رجعوا إلى الله عز وجل ودفعوا الزكوات، وقاموا ~~بفرضه، وتعاونوا على إقامة حدوده وأحكامه، وقامة الإسلام ما تقر به عيون ~~المؤمنين، وتذل به رقاب الكافرين، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية شرح أحوالهم قال: {فريضة ~~من الله} أي قد فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة أوجبها، فعن د الشافعي لابد ~~من صرفها إلى جميعهم، وعند أبي حنيفة يجوز صرفها إلى بعض الأصناف، وهو قول ~~أهل المذهب. # واعلم أنه تعالى أخبر عن نوع آخر من جهالات المنافقين، وذلك أنهم كانوا ~~يقولون في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه أذن على وجه الطعن والذم ~~فقال سبحانه: {ومنهم الذين يؤذون النبي} الأذاء هو الشتم بالغيب والنميمة ~~{ويقولون هو أذن} أي هو يقيل ويسمع ما قيل له، لما كان الرجل يصدق كلما سمع ~~قيل له أذن كأن جملته أذن سامعة، كقولهم عين للريبة، يقال جعل فلان عينا أي ~~جاسوسا متفحصا عن الأمور، فكذا هاهنا وقصدهم ذمه بذلك، وتقصير فطنته وأنه ~~ليس له ذكاء، ولا بعد غور، بل هو سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع، ~~فلهذا السبب سموه بأذن. PageV19P348 # قال الإمام الناصر أجحمد بن يحيى عليهما السلام: نزلت هذه الآية في جذام بن ~~خليد، والجلاس بن سويد، وأناس بن قيس، ومحسن بن خويلد، وسماك بن زيد، وعبيد ~~بن هلال، ورفاعة بن عبد المنذر، كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيقولون فيه ما لا ms2030 ينبغي أن يقال، فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا فإنا ~~نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا، فقال ابن سويد: بل نقول بما شئنا فإنما ~~محمد أذن سامعة لم يأتيه، فنحن نأتيه فيصدقنا، فنزل عليه صلوات الله عليه ~~وآله وسلم ومنهم يعني المنافقين الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، أي يسمع ~~من أتاه، انتهى. # ثم إنه تعالى رد عليهم وأكذبهم فقال عز من قائل: {قل أذن خير لكم}. # قال الرازي: قرأ عاصم في رواية الأعشى....... عن أبي بكر عنه: أذن خبر ~~مرفوعين منونين على تقدير إن كان كما تقولون أنه أذن فأذن خير لكم يقبل ~~منكم ويصدقكم خير من أن يكذبكم، والباقون أذن خير بالإضافة أي هو أذن[455] ~~لا أذن شر. PageV19P349 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه سامع للخير، والكلام الجميل، غير ~~سامع ولا قابل للكلام القبيح، وقرأ نافع أذن ساكنة الذال في كل القرآن، ~~والباقون بالضم، وهما نعتان مثل عبق وطفر، ثم بين كونه أذن خير فقال تعالى ~~يمدح نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} فبين كونه ~~أذن خير بأنه يصدق بالله ويوقن به لما قام عنده من الأدلة، وتقبل من ~~المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، ثم قال: {ورحمة للذين آمنوا} لمن ~~أظهر الإيمان {منكم} بها المنافقون حيث يسمع منكم ويقبل لا يفضحكم يكشف ~~أسراركم، لما رأى من المصلحة في الإبقاء عليكم، واللام في للمؤمنين للفرق ~~بين المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدقه لكونهم صادقين عنده معدي ~~باللام كقوله: {وما أنت بمؤمن لنا} {فما آمن لموسى}وقوله: {أنؤمن لك واتبعك ~~الأرذلون} وقوله: {ءآمنتم له قبل أن أذن لكم} ولما بين كونه سببا للخير ~~والرحمة أخبر سبحانه أن كل من أذاه استوجب العذاب الأليك فقال: {والذين ~~يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم} لأنه إذا كان سعى في إيصال الخير والرحمة ~~مع كونهم في غاية الخبث والخزي، مع أنهم مع ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة ~~وخيراته بالشر، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى، ثم أخبر ms2031 ~~عن نوع من قبائح أحوال المنافقين وهو إقدامهم على الأيمان الكاذبة، فقال ~~سبحانه خطابا للمؤمنين {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} كان المنافقون يحلفون عن ~~الجهاد ويتكلمون بالمطاعن في المسلمين، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون ~~ذلك بالحلف ليرضوا عنهم {والله ورسوله أحق أن يرضوه} بترك النفاق {إن كانوا ~~مؤمنين} كما يزعمون، وقيل كانوا عالمين بصحة دين محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا أنهم أصروا على الكفر حسدا وعنادا، فلهذا المعنى قال تعالى: {إن PageV19P350 كانوا مؤمنين} وفي الآية دلالة على أن رضى الله لا يحصل بإظهار الإيمان ما ~~لم يقترن به التصديق بالقلب، ويبطل قول الكرامية الذين زعموا أن الإيمان ~~ليس إلا القول باللسان، وإنما أفرد الضمير في ترضوه؛ لأنه لا يجوز أن يذكر ~~مع الله تعالى غيره في لفظ واعد لإبهامه السببية، وفي ذلك ما روي أن رجلا ~~خطب عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ~~ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بئس الخطيب ~~أنت، قل ومن يعص الله ورسوله. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى ~~فيه والله أحق أن ترضوه ورسوله، وقس على هذا ما أشبهه، فهو كثير في القرآن، ~~ثم أراد تعالى شرحا وإيضاحا لأحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ~~فقال: {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} هذا توقيف من الله لهم على ~~أنهم علموا ولكنهم كابروا عقولهم، وظلموا ، والمحادة هي المخالفة فيما به ~~أمرهم، فمعنى يحادد الله أي يجاوز حدوده، والمحادة من الحد الحاجز بين ~~الشيئءين كالمسافة من ...........، والاستفهام للتوبيخ. # قال أهل المعاني: قولك ألم تعلم خطاب لمن حاول الإنسان تعليمه ندة، وبالغ ~~في ذلك التعليم، ثم إنه لم يعلم بعد البينات الظاهرة والمدة المديدة، وغنما ~~حسن ذلك؛ لأنه طال مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وكبرت ~~بياناته[456] للتحذير عن معصية الله، والترغيب في طاعته، والضمير في أنه من ~~يحادد الله ضمير الأمر، والشأن، ms2032 والمعنى أن الأمر والشأن كذا وكذا، ~~والفائدة في هذا الضميؤ أنه لو ذكر بعد كلمة إن ذلك المبتدأ أو الخبر لم ~~يكن له كثير وقع، فأما إذا فلت الأمر والشأن كذا أو كذا وجب مزيد تعظيم ~~وتهويل لذلك الكلام، وقوله تعالى: {فأن له نار جهنم} فيه وجوه: # الأول: فحق أن له نار جهنم. # الثاني: فله نار جهنم، وأن التكرير للتأكيد. PageV19P351 # الثالث: أن يكون جواب محذوف، والتقدير الم تعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~سهلك فإن له نار جهنم {خالدا فيها ذلك الخزي العظيم} والخالد الدائم، ~~والخزي قد يكون بمعنى الندم، ويمعنى الاستحيلء والندم هنا أولى، كقوله ~~تعالى {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} ثم أخبر تعالى أن المنافقين يحذرون ~~أن يفضحهم الله بالوحي فقال: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم ~~بما في قلوبهم}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا خبر منه تعالى عن حذرهم وجوفهم من ~~أن ينزل عليهم سورة تخبرهم بما في قلوبهم وتفضحهم عند جميع الناس في كفرهم، ~~حتى قال بعضهم: والله ما أرانا إلا شر خلق الله لوددت أني قدمت فجلدت مائة ~~جلدة، وأن لا ينزل فينا شيء يفضحنا، والضمير في عليهم وتنبيههم لمؤمنين وفي ~~قلوبهم للمنافقين، وذح ذلك لأن المعنى يقود إليه، ويجوز أن يكون الضمائر ~~للمنافقين؛ لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، ويحتمل أن يكون ~~قوله: يحذر المنافقون أمر منه بالحذر، وتقديره ولتحذر المنافقين، ومعنى ~~فتنبئهم بما في قلوبهم أي ما أسروه من النفاق، وقولهم في غزوة تبوك: أيرجوا ~~هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم على ما قالوا، ذكره في البرهان. PageV19P352 # وقال الحسن: اتفق اثنا عشر رجلا من المنافقين على أمر من النفاق، فأخبر ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم، فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((إن أناسا اجتمعوا وقالوا كيت وكيت فليقوموا وليعترفوا ~~وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم، فلم يقوموا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ms2033 ~~بعد ذلك: قم يا فلان ويا فلان حتى أتا عليهم فقالوا: نعترف ونستغفر فقال: ~~الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفسا بالشفاعة، والله كان اسرع في الإجابة، ~~اخرجوا عني اخرجوا عني، فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية)) وقيل: كان ذلك ~~الحذر استهزاء بدليل قوله: {قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} من إنزال ~~السورة، أو إظهار نفاقكم، وقوله استهزؤ أمر تهديد منه ووعيد على نفاقهم ~~وتلعبهم وشركهم، كقوله افعلوا ما شئتم، ثم قال تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن ~~إنما كنا نخوض ونلعب} ذكروا في سبب نزول هذه الآية أمورا: # الأول: روى ابن عمر أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك: ما رأيت مثل ~~هذا الركب أوعب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن حين اللقاء، يعني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، فقال واحد من الصحابة: كذبت وأنت ~~منافق، ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجد القرآن قد ~~سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان قد[457] ~~ركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب، ونقطع بها ~~الطريق، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول كما أمره الله عز وحل: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ~~عليه ولا يزيده عليه. # الثاني: PageV19P353 # قال الحسن وقتادة: لما سار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك قال ~~المنافقون بينهم أتراه يظهر على الشام ويأخذ حصونها وقصورها، هيهات هيهات، ~~فعند رجوعه دعاهم، وقال: ((أنتم القائلون كذا وكذا؟)) فقالوا: ما كان ذلك ~~بالجد في قلوبنا، وإنما كنا نخوض ونلعب. # الثالث: روي أن المتخلفين عن رسول الله سئلوا عما كانوا يصنعون وعن سبب ~~تحلفهم فقالوا هذا القول. # واعلم أن الآية إنما تدل على أنهم ذكروا كلاما فاسدا على سبيل الطعن ~~والاستهزاء، فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم قالوا ذلك ~~خافوا واعتذروا عنه بأنا إنما قلنا على وجه للعب لا على ms2034 سبيل الجد، وذلك ~~قولهم إنما كنا نخوض ونلعب، فقال لهم صلوات الله عليه وعلى آله وسلم وآياته ~~الناطقة تنصر رسوله المرسل بها يستهزؤن لم يعتد باعتذارهم؛ لأنه كذب فجعلوا ~~كأنهم معترفون بالاستهزاء حتى وبخوا عليه، حيث جعل المستهزأ به يلي حرف ~~التقرير، وذلك إنما يستقيم بعد وقع الاستهزاء أو بثبوته. # واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزؤن بالله وآياته ورسوله، ومعلوم أن ~~الاستهزاء بالله محال، فلا بد له من تأويل، وفيه وجوه: # الأول: المراد بالاستهتزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله. # والثاني: يحتمل أن يكون المراد بالاستهزاء بذكر الله، وأن أسماء الله عز ~~وجل قد يستهزئ الكافر بها، كما أن المؤمن يعطيها ويمجدها، قال الله سبحانه: ~~{سبح اسم ربك الأعلى} فأمر المؤمنين بتعظيم اسم الله، وقال: {ولله الأسماء ~~الحسنى فادعوه بها} فلا تمتنع أن تقول أبالله وتزيد بذكر الله. # الثالث: لعل المنافقين لما قالوا كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشام ~~وقصورها؟ # قال بعض المسلمين: الله يعينه على ذلك وينصره عليهم، ثم إن بعض الجهال من ~~المنافقين ذكر كلاما مشعرا بالقدح في قدرة الله تعالى كما هو عادة الجهال ~~والملاحدة، فكان المراد لك، والله أعلم. PageV19P354 # وأما قوله: وآياته فالمراد به القرآن، وسائر ما يدل على الدين، وقوله ~~ورسوله معلوم أن ذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل ~~الاستهزاء، ثم قال تعالى: {لا تعتذروا} أي لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، ~~فإنها لا تنفعكم {قد كفرتم بعد إيمانكم} أي ظهرتم كفركم بالاستهزاء بعد ~~إظهاركم الإيمان، فلا تعتذروا بالمحال والكذب الفاسد من المقال، ولكن ~~اعتذروا بالتوبة إلى الله، والصدق والرجوع من الباطل إلى الحق. # واعلم أن قوله: {قد كفرتم بعد إيمانكم} يدل على أحكام: # الأول: أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرا بالله، وذلك لأن الاستهزاء يدل ~~على الاستحقار، والعمدة الكبرى في دين الله تعظيم الله، والجمع بينهما محال. # الثاني: أنه يدل على بطلان قول من يقول الكفر لا يثبت إلا في أفعال ~~القلوب. # الحكم الثالث: يدل على أن قولهم الذي صدؤ ms2035 منهم كفر في الحقيقة، وإن[458] ~~كانوا منافقين من قبل، وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالا فحالا. # الحكم الرابع: يدل على أن هذا الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين، ~~ولقائل أن يقول: إن القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك؟ قيل: ~~المراد كفرتم بعد الإيمان الذي أظهرتموه، وقال آخرون: ظهر كفركم للمؤمنين ~~بعد أن كنتم عندهم مسلمين، والقولان متقاربان، ثم قال تعالى: {إن نعف عن ~~طائفة منكم} بإحداثهم التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق {نعذب طائفة ~~بأنهم كانوا مجرمين} مصرين على النفاق غير تائبين منه، والمعنى نعذب جماعة ~~لم يتوبوا، إن غفر لم تاب وعفا برحمته عن من رجع وأناب، والطائفة هي ~~الجماعة، قال الكميت في مثل ذلك: # وطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا مسيء ومذنب PageV19P355 واعلم أنه تعالى أخبر عن نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، وأخبر سبحانه ~~أن إناثهم كذكورهم في الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة فقال: {المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض} أي بعضهم مع بعض في الاغتياب للمسلمين، والكذب ~~على رسول رب العالمين، والمراد نفي كونهم من المؤمنين، وت # كذيب قولهم إنهم منكم، وتحقيق لقوه وما هم منكم، ثم وصفهم بما يدل ~~علىمضادى حالهم لحال المؤمنين فقال: {يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف} ~~المنكر يدخل فيه كل قبيح، إلا أن الأعظم هاهنا الشرك، ولفظ المعروف يدخل ~~فيه كل حسن إلا أن الأعظم هاهنا الإيمان {ويقبضون أيديهم} عن كل خير، أي ~~يلزمونها عن العطا، والإنفاق شحا بالصدقات، والإنفاق في سبيل الله مع ما هم ~~عليه من الكفر والنفاق، القبض نقيض البسط، وما أحسن قول الشاعر يمدح الجسين ~~بن علي صلوات الله عليهما: # هو البحر من أي النوايحي أتيته # فلجته المعروف والجود ساحله # تعود بسط الكف حتى لو أنه # ثناها لقبض لم تجبه أنامله # ثم قال تعالى: {نسوا الله} أي تركوا أمره وطاعته حتى صار بمنزلة المنسي ~~{فنسيهم} أي فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا من ~~أوجه الكلام، كقوله تعالى: {جزاء سيئة بمثلها وترهقهم} لأنا ms2036 لو حملنا ~~النسيان على الحقيقة لما استحقوا ذما؛ لأن النسيان ليس في وسع البشر، وأيضا ~~فهو في حق الله محال، فلابد من التأويل وهو من وجهين هذا أحدهما. # والثاني: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه نسوا الله من العمل، ~~وتركوا طاعته، فنسيهم أي تركهم من الثواب، قال الهادي عليه السلام: # نسيتم منة الهادي عليكم # وقد ضاقت بأنفسكم شبام PageV19P356 يريد تركتم شكره على عفوه عليكم، وليس يريد النسيان الذي ضد الذكر الحاضر، ~~انتهى، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر؛ لأن من نسي شيئا لم ~~يذكره، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم، ثم قال: {إن المنافقين هم ~~الفاسقون} أي الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والإنسلاخ عن كل ~~خير، كفا المسلم زاجرا[459]أن يلم بما يكتسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف ~~الله به المنافقين حيث بالغ في ذمهم. # واعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم نسوا الله من العمل، وتركوا ~~طاعته فنسيهم، أي تركهم من ثوابه ورحمته، أو جازاهم على ترك الفسق بطاعته، ~~أكد هذا الوعد فقال: {وعد الله المنافقين} أي أوعد المنافقين {والمنافقات ~~والكفار نار جهنم خالدين فيها} مقدرين الخلود. # وقوله: { هي حسبهم} دلالة على عظم عذابها، وانه لا شيء أبلغ منه، وأنه ~~بحث لا يزاد عليه، نعوذ بالله من سخطه وعذابه، ثم قال: {ولعنهم الله} أي ~~وأهانهم مع التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم ~~أهل الجنة وألحقهم بالملائكة المكرمين {ولهم عذاب مقيم} أي دائم، فإن قيل: ~~إن معنى كون العذاب مقيما، وكونه مخلدا واحد، فكان هذا تكرارا، قيل له: ليس ~~ذلك تكرارا، وبيان الفرق من وجهين: # الأول: أن لهم نوعا ىخر من العذاب المقيم، سواء العذاب بالنار دائم كعذاب ~~النار، فإن قيل: هذا التأويل مشكل؛ لأنه عز وجل قال في النار هي حسبهم، ~~وكونها حسبا لهم تمنع من ضم أي شيء آخر إليه، فجوابه أنها حسبهم في الإيلام ~~والإيجاع، ومع ذلك فيضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم. PageV19P357 # والثاني: أن المراد ولهم عاب ms2037 مقيم معهم في العاجل، لا ينفكون عنه، وهو ما ~~يقاسونه من تعب النفاق والخوف من إطلاع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ~~بواطنهم، وما يحذرونه أبدا من الفضائح، ونزول العذاب، ثم قال: {كالذين من ~~قبلكم} وهذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهذا الكاف للتشبيه، ومحلها الرفع، ~~أي أنتم معشر المنافقين مثل من قبلكم من الكفار الماضيين، ولعنكم الله كما ~~لعنهم، أو فعلكم كفعلهم أو وعدكم بالعقاب كوعدهم، والمعنى أنه تعالى شبه ~~المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، ~~وقبض الأيدي عن الخيرات، ثم إنه تعالى وصف أولئك الكفار فقال: {كانوا أشد ~~منكم قوة} في الأبدان {وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم ~~بخلاقكم} أي سمثلكم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، أي نصيبكم ~~من الدنيا {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} الخلاق النصيب، وهو ما خلق ~~للإنسان، أي قدر من خير، كما قيل له قسك؛ لأنه قسم ونصيب؛ لأنه نصيب أي ~~أثبت، والمراد يبلغوا بنصيبهم من الدنيا، قال الشاعر: # يدعون بالويل لا خلاق لهم ... إلا سرابيل من قطر وأغلال # وقال آخر: # فما لك من خلاق نحو قومي ... ومالي في عشيرك من خلاق PageV19P358 أي لا نصيب له فيهم، ومعنى الاستمتاع الانتفاع بملاذ الدنيا المنقطعة، أي ~~انتفعوا مدة الدنيا، ثم هلكوا وبادوا، وانتقلوا إلى العقاب الدائم، فأنتم ~~مع ضعفكم وقلة خيرات الدنيا عندكم أولى أن تكونوا كذلك، ويحتمل أنه تعالى ~~شبه المنافقين في عدولهم عن طاعة الله لأجل طلب لذات الدنيا بمن قبلهم من ~~الكفار، ثم وصفهم الله تعالى بكثرة الأموال والأولاد بأنهم استمتعوا ~~بخلاقهم، أي يبلغوا شهواتهم، فإن قيل[460]: ما الفائدة في الاستمتاع ~~بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في المنافقين ثانيا؟ قيل له: الفائدة ~~فيه أنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وحرمانهم ~~عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الخطوط، فلما قرر تعالى هذا الذم ~~عاد وشبه المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة، ومثاله إن من أراد ~~أن ينبه بعض ms2038 الظلمة على قبيح ظلمه يقول له: انت مثل فرعون، كان يقتل بغير ~~جرم، ويعذب من غير موجب، وأنت تقعل مثل فعله. # بالجملة فالتكرير هنا للتأكيد، ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين ~~لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا والإعراض عن طلب الآخرة بين سبحانه حصول ~~المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء، وفي الغدر والخديعة والمكر بهم، ~~فقال: {وخضتم كالذي خاضوا} الخوض: الدخول في الباطل واللهو، أي خضتم في ~~الطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما خاضوا في الطعن على ~~أنبيائهم، وكما استمتعوا في الآخرة، ثم قال عز وجل: {أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة} أي هلكت أعمالهم وبطلت، وصلت عند الله وذهبت، وهذا نقيض ~~قوله: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}. PageV19P359 # وأما قوله: {وأولئك هم الخاسرون} فمعناه أنهم هم المختصون بعظم الخسران حيث ~~أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء والرسل، فما وجدوا فيه إلا فوت الخيرات ~~في الدنيا والآخرة، وإلا حصول العقاب في الدنيا والآخرة. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى علي السلام: يعني أنهم خسروا أنفسهم ~~ومنازلهم وخدمهم وأزواجهم الذين كانوا في الجنة، ورث ذلك كله المؤمنون، ~~وذلك قوله عز وجل: {أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون} انتهى. # والمقصود أنه تعالى شبه حال هؤلاء المنافقين بأولئك الكفار، ثم أخبر أن ~~أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي والخسار، مع أنهم ~~كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين، وأكثر أموالا منهم، فهؤلاء المنافقون ~~المشاركون لهم في هذه الأعمال القبيحة أولى أن يكونوا واقعين في عذاب ~~الدنيا والاخرة، محرومين من خيرات الدنيا والآخرة. PageV19P360 # واعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الغربة في الدنيا، ~~وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم، أخبر أن أولئك الكفار منهم أتتهم ~~الرسل من الله بالمعجزاتت الواضحات، فلما كذبوهم أهلكهم الله بأنواع ~~الهلاك، فقال عز وحل: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} يعني قصص الأمم ~~الماضية، فذكر منهم ست طوائف، فأولهم قوله: {قوم نوح} والله أهلكهم ~~بالإغراق، وثانيهم: ms2039 قوله: {وعاد} والله أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم، ~~وثالثهم قوله: {وثمود} أهلكهم الله بإرسال الصيحة والصاعقة عليهم، ورابعهم ~~قوله: {وقوم إبراهيم} والله أهلكهم بسلب النعمة عنهم، وما يروى في الأخبار ~~أنه تعالى سلط البعوضة على دماغ نمرود، وخامسهم قوم شعيب، وذلك قوله: ~~{وأصحاب مدين} ويقال أنهم من ولد دين بن إبراهيم، والله تعالى أهلكهم بعذاب ~~يوم الظلة، وسادسهم قوله: {والمؤتفكات} أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم ~~سافلها، وأمطر عليهم الحجارة والمؤتفكات مدائن قوم لوط؛ لأن جبريل عليه ~~السلام قلبهن فجعل أعاليهن أسافل[461] والإتفاك الإنقلاب، وقيل هن ومدائن ~~قوم هود وصالح، وإئتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر. # قال الهادي عليه السلام: المؤتفكات فيه الأمم الكاذبات على الله، ~~المجتريات الإفكات، وإنما سميت مؤتفكات لما أبت به من الإفك على الله في ~~الحالات، انتهى. PageV19P361 # واعلم أنه تعالى قال في أول الآية: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم} وذكر ~~هذه الطوائف الست، وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة بأن سمعوا هذه ~~الأخبار من الخلق، وتارة لأجل أن بلاد هؤلاء الطوائف وهي بلاد الشام قريبة ~~من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة، وقوله: ألم يأتهم وإن كان في صفة ~~الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير لهم والإفهام، أي أتاهم نبأ هؤلاء ~~الأقوام، ثم أخبر تعالى أنهم: {أتتهم رسلهم بالبينات} أي بالمعجزات، ولابد ~~من لإضمتار في الكلام، والتقدير فكذبوهم فأهلكهم الله فاحذروا مثل عاقبتهم ~~{فما كان الله ليظلمهم} أي ما صح منه أن يعاقبهم بغير جرم؛ لأنه لا يفعل ~~القبيح {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} حيث كفروا بالله فاستحقوا عقابه ولا يصح ~~منه فعل الظلم، وإلا لما حسن المدح به، ودل على أنه لا يظلم البتة، ودل ذلك ~~على أنه لا يحلق الكفر في الكافر ثم يعذبه، ودلت على أن فاعل الظلم هو ~~العبد وهو قوله: {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليه السلام: فانظر أكرمك الله كيف لم ~~تفكر المجبرة الجهال في هذا الموضع وأشكاله، فيبرؤا الله تعالى من ms2040 ذنوب هذه ~~الأمم التي عدوها، وفسر كيف أخذها على ذنوبها، وما اختارته لأنفسها، وأنه ~~عز وجل لم يقض ذلك عليها، ولم يخلقه في فعلها، وأنه قد برأ نفسه ولم يبرءة، ~~ونزه نفسه من الظلم ولم ينزهوه، وزعموا أنه الذي قضى عليهم أعمالهم القبيحة ~~الذي عاقبهم عليها بهذا العقاب العظيم في الدنيا، وأعد لهم العذاب المقيم ~~في الآخرة أبد الآبد، فنعوذ بالله من جهل المجبرة، وتعاميهم عن براهين ~~القرآن وزواجر الفرقان، والمنير الواضح من البيان، والحمد لله الذي هدانا ~~بمعرفة عدله وتوحيده، وإثبات وعده ووعيده، وخصنا بولادة نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، انتهى. PageV19P362 # واعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأفعال الخبيثة والأعمال ~~الفاسدة، ثم ذكر عقبيه أنواع الوعيد في جقهم في الدنيا والآخرة، ذكر بعده ~~كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير، وأعمال البر على ضد صفات المنافقين، ثم ~~ذكر بعد ذلك أنواع ما أعده الله لهم من الثواب الدائم، والنعيم المقيم. # أما صفات المؤمنين فهي قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في ~~الدين والمناصرة والرحمة، والمراد نفي كون موالي المنافقين من المؤمنين؛ ~~لأنه في مقابلة قوله في المنافقين بعضهم من بعض. # وقال الرازي: إنما قال في صفة المنافقين بعضهم من بعض؛ لأنه يدل على أن ~~نفاق الأتباع كالأمر المتفرع على نفاق الأشراف والأمر في نفسه كذلك؛ لأن ~~نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وبسبب مقتضى الهوى ~~والعادة. # وأما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة، ~~بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، فلهذا السبب ذكر في ~~المنافقين لفظ من، وفي المؤمنين[462] لفظ أولياء. # واعلم أنه لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده ما يجري مجرى ~~التفسير له، فقال: {يأمرون بالمعروف} كالإيمان والطاعة {وينهون عن المنكر} ~~كالكفر والمعاصي، عكس ما عليه المنافقون، وكل المنكر قبيح عند الله عز وجل، ~~واجب على المؤمنين تغيير على فاعله يغيره المؤمن بيده فإن لم يقدر فبلسانه، ~~فإن لم يقدر فبقلبه. PageV19P363 # قال بعض أئمتنا عليهم السلام: {يقيمون الصلاة ms2041 ويؤتون الزكاة} خالصين لوجه ~~الله، لأن صلاة المنافقين لا يرجون بها ثوابا، والزكاة يعدونها مغرما ~~{ويطيعون الله ورسوله} فذكر سبحانه هذه الأمور الخمسة التي يتميز بها ~~المؤمنون من المنافقين، والمنافق على ما وصفه الله في الآية المتقدمة يأمر ~~بالمنكر وينهى عن المعروف، والمؤمن بالضد منه، والمنافق لا يقوم إلى الصلاة ~~إلا مع نوع من الكسل، والمؤمن بالضد منه، والمنافق يبخل بالزكاة وسائر ~~الواجبات كما قال: {ويقبضون أيديهم} والمؤمنون يؤتون الزكاة، والمنافق إذا ~~أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه وتثبيط غيره، كما ~~وصفهم الله بذلك، والمؤمن بالضد منه، وهو المراد في هذه الآية بقوله ~~ويطيعون الله ورسوله، ثم ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار ~~جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة، فلذلك قال: ~~{أولئك سيرحمهم الله} بالفوز برحمته، ونعيم جنته، وذكر حرف السين في قوله ~~سيرحمهم الله للتوكيد والمبالغة، كما يؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك ~~يوما، يعني أنك لن تفوتني وإن تباطا ذلم، ونظيره قوله: {سيجعل لهم الرحمان ~~ودا} {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وقوله: {سوف يؤتيهم أجورهم} ثم قال: {إن الله ~~عزيز حكيم} وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب؛ لأن العزيز هو الغالب ~~القادر على ذلك كل شيء، الذي لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقاب، ~~والحكيم هو تالواضع كلا موضعه على حسب الاستحقاق. PageV19P364 # واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد هنا على سبيل الإجمال ذكر بعده على سبب ~~التفصيل، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة، ثم بين تلك الرحمة ما هي فقال: {وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} والأقرب ~~أنه تعالى أراد بها البساتين التي.........لها المناظر؛ لأنه عز وجل قال ~~بعده: {ومساكن طيبة في جنات عدن} يعني مساكن طيبة أي منزهة عن كل قذر، وكل ~~أداء جامعة لأنواع المشتبهات. # قال في البرهان: هي القصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، ~~مبنية بهذه الجواهر، فأما جنات عدن فمعناها جنات خلود وإقامة، ومنه المعدن ~~لإقامة جوهره، قال ms2042 الأعشى: # فإن ستصفوا إلى حلمه ... يصافوا إلى راجح قد عدن # يعني ثابت الحكم، انتهى. # يقال: عدن بالمكان يعدن عدونا إذا أقام به. # وقال في الكشاف: عدن علم بدليل قوله جنات عدن التي والرحمن، ويدل عليه ما ~~روى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((عدن دار الله التي ~~لم ترها عين ولم تخطر بقلب بشؤ، لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون ~~والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك)) وقيل: هي مدينة في الجنة، ~~وقيل: نهرجنانه على حافاته، وقد تقدم ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وقد سئل عن قوله[463] تعالى: {ومساكن طيبة} في سورة الصف. # وعن أبي هريرة قلت: يا رسول الله حدثني ما بناؤها؟ قال: ((لبنة من ذهب ~~ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وتربتها الزعفران، وحصاها الدر ~~والياقوت، فيها النعيم بلا بوس، والخلود بلا موت، لا تبلى شابه ولا يفنى ~~سبابه)). PageV19P365 # وقال عبد الله بن عمر: إن في الجنة قصرا يقال له عدم حولها الروح ولها حمسة ~~آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حربه، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد، ~~فبين تعالى أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء التي أولها قوله: {جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها}. # وثانيها: قوله: {ومساكن طيبة في جنات عدن} ثم ذكر النوع الثالث من ~~المواعيد التي ذكرها الله في هذه الآية فقال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} ~~من ذلك العطاء، يعني الرضا عنهم أعظم مما هم فيه من الثواب في الجنة؛ لأنه ~~سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه تعيظمه وكرامته، والكرامة أكبر ~~أصناف الثواب؛ ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما ~~رواه من النعم، وإنما نبهنا له برضاه كما إذا علم سخطته تنغصت عليه، ولم ~~يجد لها لذة، وإن عظمت، قاله في الكشاف. # وقال الحسين بن القاسم عليهم السلام: قيل إن رضوان الله عليهم أمكبر من ~~دخولهمن الجنة. # قال عليه السلام: وأنا أقول إن رضوان الله ms2043 كبير، فقام أكبر مقام كثير، ~~مثل قوله: وهو أهون عليه، والمعنى وهو هين عليه، فقام أهون مقام هين، وإنما ~~رضوان الله ثوابه وسخطه عقابه، انتهى. # ولما وصف الله عز وجل ثواب المؤمنين وذكر في هذه الآية هذه الأمور ~~الثلاثة قال: {ذلك هو الفوز العظيم} دون ما يعده الناس فوزا، والمراد أن ~~هذا وحده هو الفوز العظيم لا ما يطلبه الكفار والمنافقون من التنعيم بلذات ~~الدنيا. PageV19P366 # واعلم أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات وتوعدهم بأنواع العقاب، وكانت ~~عادة الله في هذا الكتاب الكريم جارية بذكر الوعد مع الوعيد، لا جرم ذكر ~~عقبيه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة الطيبة الطاهرة، ووعدهم بالثواب الرفيع ~~والدرجات العالية، ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه ~~الآية فقال: {ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} إن الدلال المنفصلة دلت ~~على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف، ومع المنافقين بإظهار الحجة ~~تارة وترك الرفق ثانيا، وبالانتهار ثالثا. # قال عبد الله بن مسعود في قوله: {ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} ~~قال: تارة بالسيف وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكفهر في وجهه لمن لم ~~يستطع فبالقلب {واغلظ عليهم} في الجهادين معا، بالقول السديد، ثم قال عز ~~وجل: {ومأواهم جهنم وبئس المصير} وكل من وقف منه على فساد عقيدة فهذا الحكم ~~ثابت فيه يجاهد الحجة، ويستعمل معه الغلظة، وقيل: المراد بالمنافقين ~~الفاسقون المتهتكون للحرمات والبغاة، وهو معنى قول الفقاسم عليه السلام ~~وجهادهم حينئذ يكون بالسيف. # وقال في البرهان: أما جهاد الكفار فبالسيف، وجهاد المنافقين بإقامة ~~الحدود عليهم، وقيل: تفسير الآية جاهد الكفار بالمنافقين[464]، وهذا مروي ~~عن بعض السلف عليهم السلام ، ثم أخبر تعالى أن أقواما من المنافقين قالوا ~~كلمات فاسدة، ثم لما قيل لهم ذكرتم هذه الكلمات خافوا وحلفوا بأنهم ما ~~قالوها، فقال سبحانه فيهم: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم} أي أظهروا كفرهم بعد غظهار الإسلام، وفي البرهان: يعني ~~جرى عليهم حكم الكفر بعد أن جرى عليهم حكم الإسلام. # واعلم أن ms2044 المفسرين ذكروا في سبب النزول وجوها: PageV19P367 # الأول: روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه ~~القرآن ويعيب المنافقين المحلفين، فقال الجلاس بن سويد: والله لئن كان هذا ~~ما يقول محمد في إخواننا الذين خلفناهم في اغلمدينة حقا مع أنهم أشرافنا ~~فنحن شر من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس: أجل والله إن محمدا ~~لصادق، وأنت شر من الحمار، فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~واستحضر الجلاس فحلف بالله أنه ما قال، فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على ~~عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فنزلت هذه الآية، فقال الجلاس: لقد ~~ذمر الله التوبة في هذه الآية، وفي رواية أنه قال: يا رسول الله لقد عرض ~~علي التوبة، يعني بقوله فإن يتوبوا يك خيرا لهم، والله لقد قلت هذا الكلام ~~وصدق عامر فتاب الجلاس وحسنت توبته. # الثاني: روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال: لئن رجعنا إلى ~~الميدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وأراد به الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم فسمع زيد بن أرقم ذلك فبلغه إلى الرسول فهم عمر بقتل عبد الله بن أبي، ~~فجاء عبد الله بن أبي بن خلف أنه لم يقل فنزلت. # الثالث: روى تقادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار فظهر ~~الغفاري على الجهني، فنادى عبد الله بن أبي يا بني الأوس انصروا أخاكم، ~~والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك، فذكروه للرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم فأنكر عبد الله وجعل يحلف. PageV19P368 # قال بعضهم: لا يبد أن يكون المراد من الآية هذه الوقائع، وذلك لأن قوله ~~يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر إلى آخر الآية كلها صبغ ~~الجموع وحمل صيغة الجمع على الواحد خلاف الأصل، فإن قيل: لعل ذلك الواحد ~~قال ذلك في محفل ورضي به الباقون، قلنا أيضا خلاف الظاهر؛ لأن إسناد القول ~~إلى من سمعه ورضي به خلاف الأصل، ثم قال: بل ms2045 الأولى أن يحمل هذه الآية على ~~ما روي ان المنافقين هموا عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن ~~يدفعوا راحلته إلى الوايدي إذا........زالعقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر ~~آخذ بخطام راحلته وحذيفة خلفه يسوقها فسمع حذيف وقع أخفاف الإيل وقعقعة ~~السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم عني يا أعداء الله فهربوا، ~~والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى الكذب ~~الفضيع في ادعاء الرسالة، وذلك قول هو كلمة الكفر، وهذا القول اختيار الجاج ~~وهو المراد بقوله تعالى: {وهموا بما لم ينالوا} من إطباقهم على الفتك ~~بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى أخبر الرسول بذلك حتى احترز ~~عنهم ولم يصلوا إلى مقصودهم، وقيل المراد من عقد التاج على رأس عبد الله بن ~~أبي، وإن لم يرض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهموا بقتل الذي أنكر ~~عليهم من المسلمين، والمعنى أنهم[465] أرادوا بقلوبهم، وعنوا من معاصي الله ~~ما لم ينالوا، ولم يقدروا عليه، ولم يطيقوا، ولولا عجزهم فضعفهم عن ذلك ~~لفعاو، وكلما سمع من هذا ومثله فإنما هو للمنافقين الذين كانوا في المدينة ~~من الفاسقين. PageV19P369 # وأما قوله سبحانه: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} فقال ~~الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى فيه وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله من فضله ورسوله أيضا أغناهم، ولكنه اختصر واكتفا ~~بواو العطف، ومعنى ذلك أي ما غيبوا شيئا، ولكن أغناهم الله ورسوله، وهذا ~~موجود في كلام العرب، قال الشاعر: # ما نقم الناس من أمته ... إلا أنهم يحملون إن غضب # وأنهم سادة الملوك ولا ... يصلح الناس إلا العرب # يريد ما نقم الناس من أمية شيئا، ولكنهم يحملون، انتهى، والمراد من الآية ~~أنه ليس هناك شيء ينقمون منه كما قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # وفي هذا الفصل وجهان: # الأول: أن المنافقين كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~المدينة في ضنك ms2046 من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغينيمة، وبعد ~~قدومه أخذوا الغنائم، وفازوا بالأموال، ووحدوا الدولة، وذلك يوجب أن يكونوا ~~محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال إليه لأجله. # والثاني: روي أنه قتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بديته اثنا عشر ألف، فاستغنى وقوله: {فإن يتوبوا يكن خيرا لهم } هي ~~الآية التي تاب عندها الجلاس {وإن يتولوا} يعرضوا عن التوبة {يعذبهم الله ~~عذابا أليما في الدنيا والآخرة} أما العذاب في الآخرة فمعلوم، وأما العذاب ~~في الدنيا فقيل: المراد أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب، ~~فيحل قتالهم وسبي أولادهم وأزواجهم، واغتنام أموالهم، وقيل: بما ينالهم عند ~~الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل المراد عذاب القبر {وما لهم في الأرض من ~~ولي ولا نصير} أي ليس لهم في الأرض ولي ولا نصير ينتصر لهم من رب العالمين. PageV19P370 # واعلم أن هذه السورة أكبرها في شرح أحوال المنافقين، ولا شك أنهم أقسام ~~وأصناف، فلهذا أتى تعالى بذكرهم على سبيل التفصيل، فقال: ومنهم الذين يؤذون ~~النبي ويقولون هو أذن، ومنهم من يلمزك في الصدقات، ومنهم من يقول ائذن لي، ~~ثم قال: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين}. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام ~~فلحقته شدة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار لئن آتانا من فضله ~~لأصدقن ولأدين منه حق الله إلى آخر الآية. # وفي البرهان: إن ثعلبة بن حاطب الأنصاري كان له مال في الشام فخاف هلاكه ~~فنذر أن يتصدق به، فلما قدم عليه بخل به، انتهلا. PageV19P371 # والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله ادع ~~الله أن يرزقني مالا فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((قليل تؤدي شكره خير ~~من كثير لا تطيقه)) فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن[466] رزقني الله ~~مالا لأعطين كل ذي حق حقه فدعا له، وفي رواية المنصور بالله عبد ms2047 الله بن ~~حمزة عليه السلام لقصة ثعلبة بن حاطب قال: وكان من الأنصار فأتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((يا ثعلبة اتق الله)) فجاء إليه مرة أخرى وقال: يا ~~رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((اتق الله)) فجاء إليه بعد ذلك فقال: يا رسول الله اده الله ان ~~يرزقني مالا، فقال: ((لو سألت الله أن يسيل لي الجبال ذهبا وفضة لفعل)) ~~فقال: والله يا رسول لئن رزقني الله مالا، لأصلن الرحم ولأوتين المسكين، ~~ولأعطين السائل، ولأتين حق الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم ~~ارزق ثعلبة، اللهم ارزق ثعلبة، اللهم ارزق ثعلبة مالا)) فاتخذ غنما فنمت ~~كما نمت الدود حتى ضاقت بها المدينة فنزل واديا بها فجعل يصلي الظهر والعصر ~~ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلاة إلا الجمعة، ثم ترك الجمعة ~~وطفق يتلقى الركبان يسأل عن الأخبار، وسأل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأخبر بخبره، فقال: ((يا ويل ثعلبة)) ونزل قوله تعالى: {خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فبعث إليه رجلين فقال: ((مرا ثعلبة فخذا صدقاته)) ~~فعند ذلك قال لهما: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية، فلم يدفع الصدقة فأنزل ~~الله: {ومنهم من عاهد الله} فقيل له: قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وسأله أن يقبل صدقته، فقال: ((إن الله منعني ~~من قبول ذلك)) فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((هذا عملك قد أمرتك فلم PageV19P372 تطعني)) فرجع إلى منزله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أتا ~~أبا بكر بصدقته فلم يقبلها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ~~لم يقبلها عمر، بم لم يقبلها عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان، ثم قال ~~تعالى فيه: {فلما آتاهم من فضله بخلوا ms2048 به وتولوا وهم معرضون} أي وعادة ~~المنافقون الإعراض، وفائدة الجمع وثعلبة واحد الإشارة إليهم بان هذه ~~عادتهم، وهي الإعراض عن القيام بحقوق الله ورسوله، قيل: وإذا كان المراد ~~بالآية ثعلبة ففيها دليل على أن الفاسق لا يسمى مؤمنا منافقا، وإن لم يبطن ~~الطفر؛ لأن ثعلبة لو كان مبطنا للكفر لما جاء بالزكاة إلى أبي بكر وعمر ولا ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والله أعلم. # قلت: وفيه نظر؛ لأن الله سبحانه أمره بإخراج الصدقة وقال لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} وكيف يجوز من ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يقبلها منه فليس ذلك إلا لكفره، ~~وإعلام الله لرسوله بذلك كله، ثم إن الله تعالى وصفهم بصفات ثلاث: # الأول: البخل، وهو عبارة عن منع الحق. # والثانية: التولي عن العهد. # الصفة الثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأمره، ثم قال: {فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه} لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه. PageV19P373 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه منهم من اعطا الله عهدا ونذر نذرا ~~واجبا لينفقن وليتصدقن، فلما أعطاه الله من فضله بخلوا به وأعرضوا عن قضى ~~نذرهم، وتولوا فأعقبهم فعلهم ذلك نفاقا، ومعنى أعقبهم أي يعوضهم فعلهم ~~النفاق وزينة كفرهم، انتهى، ثم بين تع الى السبب في ذلم فقال: {بما أخلفوا ~~الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} أي أعقبهم ذلك النفاق في قلوبهم لأجل ~~أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد[467] والكذب، ومنه جعل خلف الوعد ثلث ~~النفاق، ثم قال: {ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم} أي سرهم، أي ما أسروه من ~~النفاق والعزم على خلاف ما وعدوه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى ألم يعلموا أي لم يعلموا ذلك ولم ~~يوقنوا ولم يصدقوا بعلم الله، ولم يؤمنوا ولكن الم قامت مقام لم {ونجواهم} ~~أي ويعلم ما يتناجون به من المطاعن في الدين، وشتم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وتسمية الصدقة حزية، وتدبير منعها، ثم ms2049 قال: {وأن الله علام ~~الغيوب} والعلام مبالغة في الغالب، والغيب ما كان غائبا عن الخلق، والمراد ~~أنه عظيم العلم بالخفيات، وفيه دليل على أن مع ثعلبة غيره من المنافقين؛ ~~لأنهم تناجوا بذلك، والاستفهام للتوبيخ والتجهيل، ثم إنه تعالى وصفهم بنوع ~~آخر من أعمالهم القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات طوعا، فقال: {الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات} يلمزون أي يغتابون المتنفلين ~~الذين ينفقون طوعا وهم من المحتاجين، {والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم} أي يعاقبهم على السخرية جزاء سخريتهم {ولهم عذاب أليم}. PageV19P374 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى والذين لا يجدون إلا جهدهم، وهم مع ~~ذلك لا يجدون إلا جهدهم وهو طاقتهم وقوتهم، وما يقيم ويثبت أرواحهم فسخر ~~أعداء الله المنافقون منهم ويتلعبون ويستهزؤن، ثم قال الله تعالى: {سخر ~~الله منهم} أي كافاهم الله وجازاهم بتلعبهم، وإذا كان سخرهم هو اغتيابهم ~~فسخر الله هو ما غيب عنهم من هلاكهم حتى ينزل ويحل بهم. # قال في البرهان: نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حثهم على الصدقة ليتجهز ~~للجهاد فجاء جماعة بما كان عندهم من الصدقات، فعابهم المنافقون وتكلموا ~~عليهم، وقالوا: ما أعطوا إلا رياء وسمعة. # قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبهم ذات يوم وحث ~~على أن يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب، ~~وقيل: أربعة آلاف درهم، وقال: كان لي فيه ثمانية آلاف فاقرضت ربي أربعة ~~وأمسكت أربعة لعيالي، فقال: ((بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت)) فبارك ~~الله له فيه حتى صالحت امراته عن ربع الثمن على ثمانين ألفا، وجاء عمي بنحو ~~ذلك، وجاء عثمان بصدقة عظيمة، وجاء عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر الصدقة، ~~وجاء أبو عقيل بصاع من تمر أمسكت أحدهما لعيالي، وأقرضت الآخر ربي، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوضعه في الصدقات، ms2050 فقال المنافقون: ما ~~أعطا الصاع إلا ليذكر مع سائر الأكابر والله غني يعن صاعه، ولكنه أحب أن ~~يذكر بنفسه ليعطى من الزكوات، فنزلت هذه الآية. PageV19P375 # وأما قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} فهذا أمر في معنى الخبر، ~~كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت أو لم تستغفر، وفائدته المبالغة في نفي ~~الغفرأن واليأس من المغفرة، وقوله: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم} المراد هذا العدد بعينه، وإنما السبعون جارية مجرى المثل في لسان ~~العرب يريدون التكثير. # قال علي بن أبي طالب عليه السلام: # لأصبحن العاص وابن العاصي # سبعين ألفا عامدي النواصي # رواه في الكشاف، وقيل[468]: لن يغفر الله لهم وإن أكثرت. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لو استغفرت لهم وهو يجهل ~~نفاقهم، فإن الله لا يغفر لهم، ومعنى سبعين مرة، أي لو استغفرت لهم سبعين ~~مرة لما غفر الله له؛ لأنه أعلم بهم وأنت جاهل بحالهم، ولو علمت بكفرهم لما ~~استغفرت لهم، انتهى، يوؤكد ذلك قوله: { } فأخبر أن العلة التي لأجلها لا ~~ينفعهم استغفار الرسول، وإن بلغ سبعين مرة هي كفرهم وفسقهم، وهذا المعنى ~~قائم في الزيادة على السبعين، فصار هذا التعليل شاهد بان المراد إزالة ~~الطمع في أن ينفعثهم استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع إصرارهم ~~على الكفر، ويؤكده أيضا قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أنهم لا ~~يقبلون الهدى، فهو تعالى لا يحكم لهم بالهدى ولا يسميهم به. # قال بعضهم: ظاهر قوله: استغفر لهم كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار ~~فمن الناس من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشتغل بالاستغفار ~~للقوم فمنعه الله منه ومنهم من قال: إن المنافقين طلبوا من الرسول أن ~~يستغفر لهم، وأن الله تعالى نهاه عنه، والنهي عن الشيء لا يدل على كون ~~المنهي مقدما على ذلك الفعل، وإنما قلنا إنه صلى الله عليه وآله وسلم ما ~~اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه: PageV19P376 # الأول: أن المنافق كافر، وقد ظهر في شرعه صلى الله ms2051 عليه وآله وسلم أن ~~الاستغفار للكافر لا يجوز، فلهذا السبب أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام في قوله: {وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه} وقوله: {سأستغفر لك ربي} وإذا كان هذا مشهور في الشرع فكيف يجوز ~~الإقدام عليه. # الثاني: أن استغفار الغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرا على القبيخ ~~والمعصية. # الثالث: إقدامه على على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى إعرابهم بالإقدام ~~على الذنب. # الرابع: أنه تعالى إذا كان لا يحيبه إليه بقي دعا الرسول مردودا عند ~~الله، وذلك يوجب نقصان منثبه. # الخامس: أن هذا الدعاء لو كان مقبولا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~لكان قليله مثل كثيره في حصول الإجابة، فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن ~~القوم لما طلبوا منه أن يستغفر لهم منعه الله منه، ثم أخبر تعالى عن نوع ~~آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود وكراهيتهم للجهاد، فقال: ~~{فرح المخلفون بمقعدهم} أي بقعودهم عن الغزو {خلاف رسول الله} أي لمخالفة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الآية عامة في كل من خلفه قبل موته ~~وبعده، ذكره في البرهان. # قال ابن عباس: يريد المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في غزوة تبوك، والمخلف المتروك خلق من مضى. # قال في الكشاف: المخلفون الذين اشتأذنوا رسول الله من المنافقين وأذن لهم ~~وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان، ~~وقوله خلاف رسول الله فيه قولان: # الأول: ما مر ذكره وهو قول قطرب، والزجاج يعني مخالفة الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم؛ لأنهم خالفوه حيث نهض وبعدوا وانتصابه أنه مفعول له، أو ~~حال، أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له. PageV19P377 # والثاني: قال الأخفش: إن خلاف بمعنى خلف، وعلى هذا القول اسم للجهة ~~المعينة، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة ~~قدامه في كونها جهة متوجها إليها، وخلاف بمعنى خلف مستعمل، أنشد أبو عبيد ~~الأحوص: # خلف الربيع خلافهم فكأنما ms2052 # بسط النواطف بينهن حصيرا # وقوله تعالى: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} تعريض ~~بالمؤمنين حين كلفوا أنفسهم تحملهم المشاق[469] العظام لوجه الله، وبما ~~فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله وإيثارهم ذلك على الدعة ~~والخفض، وكره ذلك المنافقون، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من ~~باعث الإيمان، ودواعي الإتقان {وقالوا} أي قال بعضهم لبعض {لا تنفروا في ~~الحر} لأن الوقت كان وقت قيظ شديد، فأجاب الله عن هذا السبب بقوله: {قل نار ~~جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} أي يعقلون، وفيه تجهيل لهم، والمراد أن بعد ~~هذه الدار دار أخرى، وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وأيضا هذه المشقة ~~منقضية، وتلك مشقة باقية أبدا سرمدا، قال في الكشاف لبعضهم: # مسرة أحقاب تلقت بعدها ... مساءة يوم أرتها سبة الصاب # فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... ورا تلقيتها مساءة أحقاب # ثم قال تعالى: {فليضحكوا قليلا} في الدنيا؛ لأنها قليل في جنب الآخرة ~~{وليبكوا كثيرا} في الآخرة على سوء أعمالهم، وقبيح أفعالهم، وخلودهم في ~~النار {جزاء بما كانوا يكسبون}، وكل ذلك مما يبكي، وهذا على سبيل الوعيد ~~والتقريع، قال الشاعر: # إذا المرض لم يرض ما أمكنه # ومال به العجب واستحسنه # فدعه فقد ساء تدبيره # سيضحك يوما ويبكي سنه PageV19P378 واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين من بعد ما به ~~عرف الرسول أن الصلاح أن لا سيصحبهم في غزو؛ لأن خروجهم معه يوجب أنواعا من ~~الفساد فقال: {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم} أي ردك إلى المدينة، وقال إلى ~~طائفة ليخرج من تاب منهم أو اعتذر بعذر صحيح، ولأن جميع من أقام بالمدينة ~~ما كانوا منافقين، بل كان بعضهم مخلصين معذورين، والمعنى فإن ردك الله ~~سالما إلى جماعة منهم {فاستأذنوك للخروج} إلى غزوة بعد غزوة تبوك {فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا} وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم، ~~ومجرى إظهار نفاقهم وفضائحهم، وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد امر معلوم ~~بالضرورة من دين محمد ms2053 صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أن هؤلاء إذا منعوا عن ~~الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان كان ذلك تصريحا بكونهم خارجين ~~عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما ~~منعهم من الخروج حذرا من مكرهم وكيدهم وخداعهم، فصار هذا المنع من هذا ~~الوجه جاريا مجرى اللعن والطرد، ونظيره قوله تعالى: {سيقول المخلفون إذا ~~انطلقتم إلى مغانم} إلى قوله: {لن تتبعونا} ثم إنه تعالى علل هذا المنع ~~بقوله: {إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} والمراد منه القعود عن غزوة تبوك، ~~يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كان أشد، وبعد ذلك زالت ~~الحاجة، فلما تخلفتم عند مسس الحاجة إلى حضوركم فبهد ذلك لا يقبلكم ولا ~~يلتفت إليكم، ثم قال: {فاقعدوا مع الخالفين} أي مع إخوانكم المخلفين ف ~~يالبيوت لعجزهم كالصبيان والنساء، فلكم على ذلك العذاب والنكال من الله ~~والعقاب. PageV19P379 # قال الأخفش وأبو عبيدة: الخالفون جمع، واحدهم خالف، وهو من خلف الرجل في ~~قومه، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت فلا يرجون، ~~وقيل: الخالفين مفسر بالمخالفين، وقيل: الخالف الفاسد، وإذا عرفت هذه ~~الأقوال الثلاثة فلا شك أن اللفظ يصلح جملة على كل واحد منها؛ لأن ~~أولئك[470] المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات، ثم قال تعالى: {ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}. # قال في البرهان: وسبب هذه الآية أن عبد الله بن أبي بن سلول لما احتضر ~~أتى ابنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أن يصلي عليه حتى نزل جبريل ~~من عند الله تعالى بهذا الأمر أن لا تصلي على أحد من المنافقين، ولا تقم ~~على قبر واحد منهم، انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وهذا فرض من الله عز وحل على جميع ~~العباد، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم على قبور المنافقين ~~ويدعو لهم، فلما مرض رأسهم عبد الله بن أبي بعث إليه ليأتيه فقال: ((أهلكك ~~حب اليهود)) فقال: يا رسول الله ms2054 بعثت إليك لستغفر لي لا لتؤنبني، وسأله أن ~~يكفنه في شعاره الذي يلي بدنه ويصلي عليه، قيل: وكفنه مكافأة له؛ لأنه كسا ~~العباس يوم بدر؛ ولأن المشركين يوم الحديبية أذنوا له بالدخول مكة دون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فامتنع وقال: لي برسول الله أسوة، وقيل: فعل ~~ذلك إكراما لابنه عبد الله، وقد سأبه ذلك والقيام على قبره، فلم هم بالصلاة ~~جذبه جبريل، وكان ذلك قبل النهي، وكان مجراهم مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم ~~لمصلحة. PageV19P380 # روي أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه، والقيام على ~~قبره بقوله: {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} أي متمردون في ~~الكفر، وإنما وصفهم الله بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر تنبيها على أن طريقة ~~النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العالم، قوله تعالى: {ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا} أي بحفظها في الدنيا ~~والإشفاق عليها، وما يحلقهم بما يقع فيها من النوائب والمصائب {وتزهق ~~أنفسهم} أي تخرج {وهم كافرون} أي يمتعهم بها ويستدرجهم إلى أن يموتوا ~~غافلين عن العاقبة، وإنما اعتدت هذه الآية وقد سبق ذكرها بعينها في هذه ~~السورة؛ لأن أشد الأشياء جذبا ببقبي وجذبا للخواطر إلى الاشتغال بالدنيا هو ~~الاشتغال بالأنوال والأولاد، وما كان كذلك وجب التحذير منه مرة بعد أخرى، ~~ولأن تجدد النزول له زيادة في العمل المؤكد، وليكون على بال من المخاطب من ~~لا يسهو عنه، وليعتقد أن العمل به مهم مفتقر إلى فضل عناية به سيما إذا ~~تراخى ما بين النزولين فأشبه الشي الذب يهم صاحبه فهو يرجع إليه ~~في...........ويتخلص إليه، وسمي هذا الأسلوب في البديع بالترجيع، فأعيد هذا ~~العنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه، فهذا بيان الوجه في حكمة التكرير، والله أعلم. PageV19P381 # وقيل: إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية أقواما آخرين، والكلام الواحد ~~إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات ms2055 مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم ~~مغنيا عن ذكره مع الآخرين، ثم قال سبحانه في صفات المنافقين: {وإذا أنزلت ~~سورة أن آمنوا بالله} أي استديموا الإيمان، وآمنوا بقلوبكم كما آمنتم ~~بألسنتكم {وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم} أي ذوو الغنى منهم، ~~والطول هو الغنا، قال الشاعر: # أنلني من الطول الذي أنت مالك # فطولي مقتور علي عسير # والمعنى أنه متى أنزلت سورة مشتملة على الأمر بالإيمان، وعلى الأمر ~~بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[471] استأذن أولي الثروة ~~والقدرة منهم في التخلف عن الغزو {وقالوا} لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم {ذرنا نكن مع القاعدين} الذين لهم عذر وعلة في التخفيف. # وأما قوله: {وإذا أنزلت سورة} الآية، فقيل: يجوز أن يراد بالسورة تمامها، ~~وأن يراد بعضها كما نفع الكتاب والقرآن على كلمة، وبعضه، وقيل: المراد ~~بالسورة سورة براءة؛ لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد، فإن قيل: كيف يأمر ~~المؤمنين بالإيمان فإن ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل، وهو محال، فالجواب ~~عنه ما مر أنه أمر بإخلاص الإيمان، والدوام عليه، والتمسك به في المستقبل، ~~ذكر هذا المعنى في البرهان، وقيل: الأمر بالإيمان يتوجه على من لم يكن ~~مؤمنا والمنافقون لم يكونوا مؤمنين، فكان هذا الأمر متوجها عليهم، وإنما ~~قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد؛ لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين ~~الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلا، فالواجب عليكم أن ~~تؤمنوا أولا، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانيا حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة ~~في الدين، وفي تخصيص أولي الطول بالذكر قولان: # الأول: أن الذك لهم لزم لأجل كونهم قادرين على السفر والجهاد. PageV19P382 # والثاني: أنه تعالى ذكر أولي؛ لأن من لا مال له ولا قدرة على السفر لا ~~يحتاج إلى الاستئذان في القعود؛ لأنه معذور. # وأما القادرون فهم المحتاجون إلى الاستئذان، ثم قال تعالى: {رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف}. # قال الفراء: الخوالف عبارة عن النساء اللواتي يخلفن أزواجهن في اليسوت ~~فلا يبرحن، قال الشاعر: # ولم تعدوا ببيض مرهفات ... كأنكم الخوالف في البرود ms2056 # وكان يصعب على المنافقين تشبههم بالخوالف ومن يشبههن لعلى كالمرضى ~~والصبيان، ثم قال: {وطبع على قلوبهم} أي خذلهم الله ومنعهم اللطف، حتى صارت ~~كالمطبوع عليها {فهم لا يفقهون} ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في ~~التخلف من الشقاء والهلاك. # أما قوله تعالى: {فهم لا يفقهون} قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما ~~السلام: فإنما عنى أنهم لا يقبلون دينه، ولا يطيعون رسوله، ولا يصيرون إلى ~~مرضاته، والله عز وجل لا يعذب من لا يفقه، ولا من طبع على قلبه حتى لا يميز ~~بين الخير والشر، وإنما يخرج هذا وأشكاله على التسمية والحكم لا ما ذهبوا ~~إبيه من الخير والختم إلى قوله سبحان الله العظيم، ما أعظم جهل المجبرة، ~~وأبعدهم من الحق المستقيم، فلا..........إلا من ظلم، انتهى. PageV19P383 # واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا معه بالصد من حيث بذلوا ~~الأموال والنفس في طلب رضوان الله تعالى، والتقرب إليه، فقال سبحانه: {لكن ~~الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} والمعنى إ تخلف هؤلاء عن ~~الغزو فقد نهض وتوجه إليه من هو خير منهم وأخلص فيه اعتقادا، كقوله: {فإن ~~يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} وكقوله: {فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك} ولما وصفهم بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم ~~من الفوائد، وهي أنواع: # أولها قوله: {وأولئك لهم الخيرات} يتناول منافع الدارين؛ لأن اللفظ مطلق، ~~وقيل: الحور العين، لقوله {فيهن خيرات حسان}. # وثانيها قوله: {وأولئك هم المفلحون} الظافرون بكل مطلوب عند الله ~~تعالى[472] وقيل: المراد منه التخلص من العقاب والعتاب. # وثالثها قوله: {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} ~~يحتمل أن يكون هذه كالتفسير للخيرات والفلاح، ويحتمل أن يكون مجمل تلك ~~الخيرات والفلاح على منافع الدنيا، مثل الغزو والكرامة والثروة والقدرة ~~والغلبة. # قال في البرهان: {أولئك لهم الخيرات} جمع خيرة، وهي غنائم الدينيا ومنافع ~~الجهاد، وثواب الآخرة، انتهى. ثم قال: ms2057 {ذلك الفوز العظيم} عبارة عن كون تلك ~~الحالة مرتبة رفيعة، ودرجة عالية، والله أعلم. PageV19P384 # واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدأ بعد ~~ذلك بشرح أحوال المنافقين من الأعراب، فقال عز وجل: {وجاء المعذرون من ~~الأعراب ليؤذن لهم} المعذرون هم الذين يعتذرون بالتواطئ من عذر في الأمر ~~إذا قصر فيه وتوانى، وحقيقته أن توهم أن لهم عذر ولا عذر له إلا التقصير، ~~أو المعتذرون، وأدعمت التاء في الذال، وقرئ المعذرون بالتخفيف، وهو الذي ~~يجتهد في العذر ويحشد فيه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني هم الذين يعتذرون ويتعللون ~~وييتجملون وينافقون ليؤذن لهم في التخلف. # قال في البرهان: والفرق بين العذر والتعذير أن العذر حق والتعذير كذب، انتهى. # واختلف فيهم فقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، وقالوا: إن عرونا أغارت أعراب ~~طي على أهالينا ومواشينا، وقيل: بنو أسد وغطفان، وقالوا: إن لنا عيالا وبنا ~~جهدا فأذن لنا بالتخلف، فمعنى الآية أن الله فصل بين أصحاب العذر وبين ~~الكاذبين، والاعتذار قد يكون بالكذب، كما في قوله تعالى: {يعتذرون إليكم ~~إذا رجعتم إليهم} فبين كون هذا الاعتذار فاسدا بقوله: {قل لا تعتذروا} وقد ~~يكون بالضد كما في قول لبيد: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # يريد فقد جاء بعذر صحيح، ومن المفسرين من قال: المعذرون كانوا صادقين ~~بدليل قوله تعالى لما ذكرهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، فلما ميزهم عن ~~الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين. PageV19P385 # قلت: ومثل عذا صريح قول الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام حيث قال: ~~وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم في التخلف وهم الذين تخلفوا لعذر وإذن ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يخرجوا إلى تبوك، ثم قال سبحانه: ~~{وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} لغير عذر فلم يخرجوا إلى تبوك، انتهى وهو ~~منافق الأعراب الذين ما جاؤا واعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ~~إدعائهم الإيمان، وقرئ كذبوا بالتشديد، ثم قال: {سيصيب الذين كفروا منهم} ~~أي من ms2058 الأعراب {عذاب أليم} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. # وقال الرازي: وإنما قال منهم لأنه تعالى كان عالما بان بعضهم سيءم ن ~~ويتخلص من هذا العقاب، فذكر لفظ من للدلالة على التبعيض. # واعلم أنه تعالى لما بيتن الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له، ~~ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وأخبر أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد ~~عنهم ساقط وهم أقسام، فقال: {ليس على الضعفاء} الهرمى والزمنى، وهم المشائخ ~~والعجزة {ولا على المرضى} كل من كان موصوفا بالمرض يمنعه من التمكن من ~~المحاربة. PageV19P386 # والقسم الثالث: الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهو المراد بقوله: ~~{ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج}[473] في التخلف وهم الفقراء، قيل: ~~هم مزينة وجهينة، وبنو عذرة، لأن حضوره في الغزو إنما يقع إذا قدر على ~~الإنفاق على نفسه، إما من مال نفسه أو من مال غيره، فإن لم يحصل هذا القدر ~~صار كلا وبلا على المجاهدين، ويمنعهم بالاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما ~~ذكر هذه الأقسام الثلاثة، قال: لا حرج علىهؤلاء والمراد أنه يجوز لهم أن ~~يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج؛ لأن الواحد ~~من هؤلاء لو خرج لتعين عليه الجهاد بمقدار القدرة، إما بحفظ متاعهم أو ~~بتكثير سوادهم، بشرط أن لا يجعل نفسه كلا وبلاء عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة ~~عليهم، ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخر معنى وهو قوله:{ إذا نصحوا لله ~~ورسوله} بالإيمان والطاعة في السر والعلن، والتولي والحب والبغض، كما فعل ~~الموالي الناصح بصاحبه، وقيل: بالدعاء بالنصر، وقيل: معناه إذا قاموا في ~~البلد احترزوا عن لقاء الأرجاف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى ~~المجاهدين الذين سافروا إما أن يقووا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما أن يسعوا ~~في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى ~~الإعانة على الجهاد، ثم قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} أي ليس عليهم ~~عقاب من الله تعالى، أو ليس على المقدورين ms2059 من المحسنين في عذرهم غير مقصرين ~~بطريق لغائل يغيب عليهم، والمحسن هو الذي يجتهد في الإحسان، ولا يفتر عن ~~طلب الحسنات والإيمان {والله غفور رحيم} فلا تؤاخذهم بالتخلف. PageV19P387 # واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء، وبين أنه يجوز لهم ~~التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله، وبين كونهم محسنين، ~~وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ذكر قسما رابعا من المعذورين فقال: {ولا على ~~الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} حال من الضمير في ~~أتوك وقد قبله مضمرة، كما في قوله تعالى: {أو جاؤكم حصت صدروهم}، أي إذا ما ~~أتوك قائلا لا أحد {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} كقولك تفيض دمعا، وهم ~~أبلغ من يفيض دمعها؛ لأن العين جعلت كانها كلها دمع فائض ومن للبيان،كقولك: ~~أفديك من رجل، ومحل الجار والمجرور النصب على التمييز، ويحسن أن يكون قوله ~~قلت لا أجد استئنافا كأنه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولوا، فقيل ما لهم ~~تولو باكين، فقيل: قلت لا أجد ما أحملكم عليه، إلا أنه وسط بين الشرط ~~والجزاء، كالاعتراض، ذكره في الكشاف، ومعنى قوله: {حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون} أي تولوا باكين بسبب الحزن على كونهم لا يجدون ما ينفقون، أي حزنوا ~~لعدم وجدهم ما ينفقون. # قال في البرهان: وهذه نزلت في العرباص بن سارية، وقيل: هم سبعة من ~~الأنصار وهم البكاؤن سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدواب، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا أجد ما أحملكم عليه)) فانصرفوا باكين شوقا ~~إلى الجهاد. # وفي رواية ابن عباس سألوه أن يحملهم على الدواب فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لا اجد ما أحملكم عليه))؛ لأن الشقة بعيدة، والرجل يحتاج إلى ~~بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده. PageV19P388 # قلت: وقد عد[474] هؤلاء السبعة الذين يسألونه صلى الله عليه وآله وسلم ~~الحلان ليخرجوا معه إلى تبوك الإمام الناصر أحمد بن يحيى الهادي إلى الحق ~~عليهما السلام فقال: منهم رجل يقال لهم سالم بن حمير ms2060 أخو بني عمرو بن عوف ~~وعبد الله بن بن مغفل المدني، وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد ~~الرحمن بن كعب، وصخر بن سليمان، وعمرو بن الحضرمي، ويثعلبة بن.........، ~~وكانوا أهل حاجة ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يحملهم ~~عليه، فتولوا من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يبكطون حزنا ~~ولا يجدون ما يتحملون به، وهو قوله تبارك وتعالى: {ولا على الذين إذا ما ~~أتوك لتحملهم} الآية إلى آخرها، فذكرو أن عمير بن وهب لقي أبا ليلى وعبد ~~الله بن مغفل وهما يبكيان فقال: ما بالكما؟ قالا: جئنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم نطلب ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نقوى به على الخروج ~~إلى الجهاد فأعطاهم.............. وهو الجمل الذي يحمل عليه وزودهما شيئا ~~من تمر فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاء قوم من بني عفان ~~فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم الذين تخلفوا عن ~~الحديبية ولم عذر ولم يخرجوا إلى تبوك، فأذن لهم وكان فيهم الشيخ الكبير ~~والمريض فأذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، ولم يأتوا استأذنوه ~~وتخلفوا لغير عذر، قال الله عز وجل: {سيصيب الذبن كفروا منهم عذاب أليم} ~~وضرب رسول الله ثث عسكره على ثنبة الوداع، وضرب عبد الله بن أبي سلول عسركه ~~وهو رأس المنافقين وهو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسفل الثنية، وكان ~~أعظم العسركين، فلما سار رسول الله ثث إلى تبوك تخلف عبد بن أبي سلول فيمن ~~تخلف من المنافقين وأهل الريب، وخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي ~~بن أبي طالب عليه السلام في المجينة، ولم يخلفه في غزاة قط قبلها، فجرت ~~السنة من رسول الله PageV19P389 صلى الله عليه وآله وسلم أنه ولاه ولم يول عليه أحد قط، وما فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلا رد له ولا نقض، ولا اختيار لأحد عبد فعل ms2061 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أمين الله عز وجل في عباده وبلاده ~~ودينه وحكمه، وقد قطع عذر كل مخالف على وجه الأرض بقوله تعالى: {ما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو} أفر يسع أن يخالف في شيء من جميع فعله؛ ~~لأن أفعاله كلها صلى الله عليه وآله وسلم رضى لله عز وجل، فزاده الله شرفا ~~ومجدا ورفعا فصلوات الله عليه وعلى آله الطيبين . PageV19P390 # رجع الكلام: فلما سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفره رجع رجل ~~يقال له أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما قد ~~رست كل واحدة منهما عرسها وبردت ماؤها وهيأت طعامها، فلما قام على باب ~~العريش فكر في نفسه وقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصح ~~والريح والبرد وأبو خيثمة في في أطلة باردة، وماء بارد وامرأة حسناء ما هذا ~~بالنصف لا أدخل عريش واحدة منكن حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فهيأ لي زادا، ثم قدم ناضحة فركبه حت لحق برسول الله[475] حتى نزل ~~تبوك، وأدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي يطلب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فلم يزالا حتى دنوا من تبوك فقال أبو خيثمة لعمير بن وهب: تخلف ~~عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتقدم ابو خيثمة فلما نظر ~~الناس قالوا: أراكب! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كن أبا ~~خيثمة)) فلما دنا قالوا: هذا أبو خيثمة، فلما أتى على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أبطأ بك ~~يا أبا خيثمة)) فأخبره الخبر ومر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببير ~~في الحجر فنزلها واستقى الناس منها، فلما استقى رسول الله أقبل راجعا من ~~سفره حتى إذا كان قريبا من المدينة وبينه وبينها ساعات من النهار، وقد كان ~~أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو ms2062 يتجهز إلى تبوك، فقالوا له: يا رسول الله قد ~~بنينا مسجدا لذوي الحاجة والعلة والليلة المطيرة، فنحن نحب أن تأتينا فتصلي ~~بنا فيه، فقال لهم: ((إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمت سالما لأتيتكم ~~فصليت فيه إن شاء الله))، فلما نزل هذا المنزل وهو قريب من المدينة أتى ~~جبريل صلوات الله عليه يخبره بشأن المسجد فدعا عند ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم مالك بن الوحشي ومعن بن معدي وأخاه عاصم بن عدي فقال: ~~انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم فاهدموه وحرقوه، PageV19P391 قال القوم: فأتينا فخرجنا حتى أتينا بني عامر بن عوف وهم رهط مالك بن ~~الوحشي فقال لمعن: لنتظرني حتى آتي إليك بنار من أهلي فدخل فأخذ سعفا فأشعل ~~فيه نارا، ثم مرا سيران حتى دخلا وفيه أهله، فحرقوه بالنار وهدماه، وتفرق ~~أهله عنه، وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وقد تخلف من ~~تخلف عنه من المنافقين لغير عذر، وتخلف رهط من المسلمين من غير شط ولا نفاق ~~ولا تعذر، وأذن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تبارك ~~وتعالى في خذلان من خذله ونفاق من نافق وتخلف من تخلف بغير عذر، وقول بعضهم ~~لبعض الحر شديد لا تنفروا فيه معه، فقال عز وجل: {فرح المخلفون} الآيات إلى آخرها. # واعلم أنه تعالى لما قال ما على المحسنين من سبيل قال بعده: {إنما السبيل ~~على الذين يستأذنونك وهم أغنياء} أي العقاب بمن يستأذنك ميلا عن الراحة ~~والرقاد وهو غني يجد ويقدر على التأهب والجهاد. # وقال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: إنما السبيل يعني الحجة ~~عل الذين يستأذنوك في التخلف وهم يقدرون على النفقة في الخروج، انتهى، ~~وقوله: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} استئناف كانه فيل ما بالهم استأذنوا ~~وهم أغنياء فقيل: رضوا بالدناة وال.......والانتظام في جملة العجزة وهم ~~النساء ومن في حكمهن {وطبع الله على قلوبهم} أي بسبب.......عن الجهاد ~~وخذلهم وسلبهم الله لطفه الذي يعطيه الصادقين الإيمان، حت استحكم عليهم ms2063 ~~الضلال وصارت قلوبهم كالمختوم عليها {فهم لا يعلمون} ما في الجهاد من منافع ~~الدين والدنيا، وما في التخلف من الشقاوة العظمة، ثم قال تعالى في ~~المنافقين: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل} يا محمد {لا تعتذروا لن ~~نؤمن لكم} أي لن نصدقكم، قال الشاعر[476]: # ولست بمؤمن لك يابن زيد # ولو أقمت بالبيت الحرام PageV19P392 قوله: لن نؤمن لك علة للمنع من الاعتذار؛ لأن غرض المعتذر أن يصير عذره ~~مقبولا، فإذا علم أن القوم يكذبونه فيه وجب عليه تركه، وقوله: {قد نبأنا ~~الله من أخباركم} علة لانتفاء التصديق؛ لأنه تعالى لما أطلع رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق امتنع أن يصدقهم ~~الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم في ذلك الاعتذار، ثم قال: {وسيرى الله ~~عملكم ورسوله} أتتوبون أم تصرون على كفركم، والمعنى أنهم كانوا يظهرون من ~~أنفسهم عند تقرير تلك المقادير حبا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشفقة ~~ورغبة في نصرته فقال تعالى: {وسيرى الله عملكم} أنكم هل تبقون بعد ذلك على ~~تلك الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء أو لا تبقون عليها، ثم قال: {ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة} أي تردون إليه وهو عالم كل غيب وشهادة، وسر ~~وعلانية، {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي تكتمون وتسرون فيجازيكم على حسب ~~ذلكم، وإنما قال عز وحل: {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} ولم يقل وسيرى ~~الله عملكم ثم تردون؛ لأن ذلك يدل على كونه مطلعا على بواطنهم الخبيثة ~~وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد، وفيه تخويف شديد وزجر عظيم لهم، والله أعلم. PageV19P393 # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يعتذرون ذكر بعده أنهم كانوا يكدون تلك ~~الأعذار بالأيمان الكذابة فقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} أي ~~حلفوا بالله على تصديق ما اعتذروا به، ولم يدل على أنهم على أي شيء حلفوا، ~~فثيل أنهم على أنهم ما قدروا على الخروج وإنما حلفوا ذلك {لتعرضوا عنهم} أي ~~لتفصفحوا عنهم ولتعرضوا عن ذمهم، ولا توبخوهم ولا ms2064 تعاتبوهم، ثمق ال: ~~{فأعرضوا عنهم} أي أعطوهم طلبهم من الإعراض، واتركوا إسلامهم وكلامهم، فقال ~~قائل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم المدينة لا تجالسوهم ولا ~~تكلموهم. # قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت، ثم ذكر ~~العلة في وجوب الإعراض عنهم فقال: {إنهم رجس} يريد أنهم نجس ووسخ لا سبيل ~~إلى تطهيرهم بالتوبة، فليس في قربهم خير ولا بركة بل شر. # قال في الكشاف: معناه أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، إنما يعاتب ~~الأديم ذووا البشرة، والمؤمن يوبخ على زلة تفرط منه، ليطهره التوبيخ بالحمل ~~على التوبة والاستغفار. # واعلم أن المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهرة الذي عليه الشعر، وإنما ~~يعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته فضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب. PageV19P394 # وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، ثم قال: {ومأواهم جهنم جزاء بما ~~كانوا يكسبون} يعني وكفتهم النار عقابا وتوبيخا، فلا تتكلفوا عقابهم، ولما ~~أخبر في هذه الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إذائهم، أخبر أيضا ~~أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم فقال: {يحلفون لكم لترضوا عنهم} لئلا تكدر ~~دنياهم فقط، ثم إنه تعالى نهى المسلمون عن أن يرضوا عنهم فقال: {فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} المنافقين ما أقاموا على النفاق، ~~والمعنى أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله تعالى لا يرضى عنهم كانت إرادتكم ~~مخالفة لإرادة الله سبحانه، وأن ذلك لا يجوز مع أنه لا ينفعهم رضاكم، إذا ~~كان الله ساخطا عليهم، وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وأحلها، قيل: هم جد بن قيس ~~ومعتب بن قشير[477] وأصحابهما، وكانو نيفا وثمانين رجلا منافقين، ونزل فيهم ~~هذا كله. # قال الرازي: إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة، وقد أعادها الله ~~هاهنا مرة أخرى، وأظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة، ~~وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي، ولما كانت طرق ~~المنافقين متقاربة، سواء كانوا من أهل الحضر أو أهل البدو لا جرم كان ~~الكلام معهم ms2065 على مناهج متقاربة، ويدل على أنه تعالى لما أعاد هذه الأحكام؛ ~~لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم ~~أشد وجهلهم، بحدود ما أنزل الله أكمل، فقال فيهم عز وجل: {الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا} أي إن الكفر والنفاق والكفر فيهم أكثر منه في غيرهم. # قال الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام: نزلت في أعاريب أسد ~~وغطفان، وأعراب من أعراب حاضري المدينة، انتهى. PageV19P395 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الأعراب هم أهل البادية الجهال، والجفاة ~~الكفرة الضلال، أشد كفرا من أهل القرى ونفاقا؛ لأنهم معه كفرهم أجهل وأضل ~~وأعمى عن الله وأغفل؛ لاشتغالهم بمرافقة الأنعام حت شابهوا لذلك عجم السوام ~~لولا ما ركب فيهم من حجج العقول والأفهام، انتهى، ثم قال: {وأجدر ألا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله} أي وأحق بجهل حدود الدين، وما أنزل الله من ~~الشرائع والأحكام {على رسوله} فكانوا أشد كفرا من أهل الحضر لخفائهم ~~وقسوتهم وبعدهم عن مجالسة العلماء، ومعرفة الكتاب والسنة، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((الجفاء والقسوة في القدادين)) {والله عليم} بحال كل ~~من أهل الوبر والمذر، وبما في قلوب خلقه {حكيم} عادل فيما يصيب به مسيئهم ~~ومحسنهم من عقابه وثوابه، ونزل فيهم أيضا في أعراب أسد وغطفان وأعراب حاضري ~~الميدينة قوله: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} والمغرم مصدر ~~كالغرامة، والمعنى ان من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله عز ~~وجل غرامة وخسران، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين وريا ~~لا لوجه الله وابتغاء ثوابه {ويتربص بكم الدوائر} أي ينتظر بكم دوائر ~~الزمان، وهي دولة تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء يعني الموت والقتل، أي ينتظر أن ~~تنقلب الأمور عليكم فيموت الرسول، ويظهر عليكم المشركون. # قال في البرهان: وهي جمع دائرة والدائرة انقلاب النعمة إلاى ضدها مأخوذ ~~من الدور، وتربصهم الدوائر في إعلانهم الكفر والعصيان، والمعنى ينتظر بكم ~~المصائب، قال الشاعر: # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر # للحرب دائرة علي............صمصم PageV19P396 قوله: ms2066 {عليهم دائرة السوء} دعا علهيم معترص بنحو ما دعوا به، كقوله تعالى: ~~{وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم} وقيل: ليس بدعا، وإنما هو خبر، ~~أي عليهيم يدور البلاء والمحن، فلا يرون في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ودينه إلا ما يسوءهم، أو عليهم تدور الدوائر الردية، والسوء بالضم العذاب، ~~وبالفتح ذم للدائرة، كقولك: رجل سوء في نقيض قولك رجل صدق، وقرئ بالضم. # قال الواحدي: السوء بالفتح الردى والفساد، وبالضم الضرر والمكر، ثم قال: ~~{والله سميع} لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة {عليم} بمال يضمرون. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ أنفاقه في سبيل الله ~~مغرما، بين أيضا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين[478] متخذين إنفاقهم ~~في سبيل الله مغنما، فقال: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر}. # قال في البرهان: وهذه نزلت في قوم من مزينة. # وعن ابن عباس: هم من أسلم من الأعراب مثل جهينة وأسلم وغفار. # قلت: وهو قول الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام {ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله} أي ما ينفقه في الجهاد ويتقرب به إلى الله عز وجل {وصلوات ~~الرسول} وهو استغفار لهم ودعاؤه لهم بالخير والبركة، فلما كان ما ينفق سببا ~~لذلك قبل أن يتخذ أي ويتخذ صلوات الرسول قربة. # واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بصتفين: # الأولى: كونه مؤمنا بالله واليوم الآخر، والمقصود النية على أنه لابد في ~~جميع الطاعات من تقديم الإيمان في الجهاد أيضا كذلك. # والثاني: كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله. # قال الزجاج: يجوز أن تكون في القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء وإسكانها ~~وقتحها. # قال في الكشاف: قربات مفعول ثاني ليتخذ، والمعنى أن ما ينفقه سبب لحصول ~~القربات عند الله وصلوات الرسول، ثم قال تعالى: {ألا إنها قربة لهم}. PageV19P397 # قال في البهرنا: يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون راجعا إلى إيمانهم ونفقتهم أنها قربة لهم. # والثاني: إلى صلوات الرسول انها قربة لهم، وهذه شهادة من الله تعالى ~~للمتصدق بصحة ما ms2067 اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وقد أكد الله تعالى هذه ~~الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله ألا، وبحرف التحقيق وهو قوله إنها، ثم قال ~~في التأكيد: {سيدخلهم الله في رحمته} فإن إدخال هذا السين يوجب مزيد ~~التأكيد، معنى في رحمته أي في نعمته في الدنيا بإخلاف ما أنفقوا، وفي ~~الآخرة بالثواب عليه والجنة {إن الله غفور} لهم {رحيم} بهم لإخلاصهم. # قال في الكشاف: وما أدل هذا الكلام على رضا الله على المتصدقين، وأن ~~الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها. # واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند ~~الله وما أعد لهم من الثواب أخبر أن فوق منزلتهم منازل أعلا وأعظم منها، ~~وهي منازل السابقين الأولين فقال: {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار}. # قال في البرهان: وهو أمير المؤمنين علي عليه السلام ؛ لأنه سبق إلى ~~الإسلام من الرجال، ومن النساء خديجة ابنة خويلد، انتهى. PageV19P398 # وقيل: الذي صلوا إلى القبلتين الكعبة وبيت المقدس، وقيل: الذين شهدوا بدرا، ~~ثم قال: {والذين اتبعوهم بإحسان} أي في الأفعال الحسنة من الجهاد لأعداء ~~الله عز وجل والحكم بالحق والمواساة في الغنى والفقر {رضي الله عنهم} أي ~~قبل أعمالهم الصالحة {ورضوا عنه} لما أفاض عليهم من نعمه في الدين والدنيا، ~~وارتفع السابقون على الابتداء، وزخبره رضي الله عنهم، ومعناه رضي الله عنهم ~~قبوله لأعمالهم {وأعد لهم} في الآخرة {جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم} تفسير هذا ظاهر وقد مر في نظائره، وفي مصاحف أهل ~~مكة تجري من تحتها الأنهار وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف ~~تحتها................. # واعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة، ثم ذكر بعده منافقي الأعراب، ~~ثم أخبر أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من ~~هم وهم السابقون المهاجرون والأنصار، ثم أخبر ان جماعة ممن حول المدينة ~~موصوفون بالنفاق، وإن كنتم[479] لا تعلمون كونهم كذلك، فقال سبحانه: {وممن ~~حولكم من الأعراب منافقون}وهم جهينة وأسلم وغفار وأشجع كانوا ms2068 نازلين في ~~جوانبها المستديرة بها، ثم قال: {ومن أهل المدينة} قوم من الأوس والخزرج ~~{مردوا على النفاق} وفيه احتمالان: يحتمل أن يكون عطفا على وممن حولكم، ~~وقوله مروا صفة لمنافقون. # قال الزجاج: إنه حصل فيه تقديم وتأخير، والتقدير وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون مردوا على النفاق. PageV19P399 # والاحتمال الثاني: أن يكون صفة لمبتدأ محذوف، ومن أهل المدينة خبره، ~~والتقدير ومن أهل المدينة قوم منافقون مردوا على النفاق، فأضمر لدلالو من ~~عليه، كما في قوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} يريد إلا من له مقام ~~معلوم، ومعنى مردوا على النفاق أي اعتادوا وتمهروا فيه، يقال مرد ومرد على ~~عمله اعتاده .........به أو لهج به، ويقال: مردتم مرودا فهو مارد ومريد إذا ~~عتا، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد عليا أي عتا. # وقال ابن الأنباري: المراد التطاول بالكبر والمعاصي، والمراد استمروا على ~~النفاق ولم يتوبوا عنه، ثم قال: {لا تعلمهم} أي تخفون عليك مع فطنتك لفرط ~~خبرتهم وتحررهم عما شكل في أمرهم، والمعنى أنهم تمرجوا فمرقوا في حرفة ~~النفاق، وبلغوا إلى حيث لا تعلم نفاقهم مع قوة خاطرك، وصفا حدسك ونفسك، ثم ~~قال عز وجل: {نحن نعلمهم} أي لا يطلع على سرهم غير الله تعالى لاتزارهم ~~ظواهر المخلصين {سنعذبهم مرتين} أي ما ننتقم منهم عاجلا في دار الدنيا وما ~~نعذبهم به من العذاب في الآخرة آجرلا، ذكره في البرهان، وقد ذكروا في تفسير ~~المرتين وجوها كثيرة، وحاصله أن المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه وعذاب ~~القبر، وقوله تعالى: {ثم يردون إلى عذاب عظيم} المراد منه العذاب بالنار في ~~الحياة المؤبدة. # وأما قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} ففيه قولان: # أحدهما: أنهم قوم من المنافقين باتوا من نفاقهم ولم يعتذروا بالأكاذيب بل أقروا. PageV19P400 # والثاني: أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق، ولكن ~~للكسل، ثم ن دموا على ما فعلوا، ثم تابوا، واحتج القائلون بالأول بأن قوله ~~وآخرون اعترفوا عطف على على قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون، والعطف ms2069 ~~توهم الشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا، فلما ذكر الفريق الألو ~~بالإصرار على النفاق والمهارة فيه وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن ~~النفاق. # روي أنهم كانوا ثلاثة أبو لبابة مروان بن عبد الله بن المنذر وأوس بن ~~ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم لما بلغوا ما نزل ~~بالمخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين، وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر فرآهم ~~موثوقيت فسأل عنهم فذكروا أنهم لا يحلون أنفسهم حتى يكون الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم هو الذي يحلهم فقال: ((وأنا أقسم لا أحلهم حتى أومر فيهم)) ~~فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا وإنما ~~تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا، فقال: ((ما أمرت أن آخذ من أموالكم ~~شيئا)) فنزلت: {خذ من أموالهم صدقة} ثم أخبر تعالى أنهم {خلطوا عملا صالحا} ~~الجهاد معه صلى الله عليه وآله وسلم والطاعة {وآخر سيئا} تخلفهم عن تبوك ~~والمعصية[480] أي خلطوا أحدهما بالآخر. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ثم ~~ندموا وأخلصوا، ولكنه اختصر، وهذا كلام موجود في القرآن. PageV19P401 # قلت: ولأن اعترافهم بذنوبهم دليل على التوبة فكأنها قد ذكرت ويؤيده ذلك ~~أيضا قوله: {عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور} لذنوب التائبين {رحيم} ~~بهم، والمراد أنهم اعترفوا راجين أن الله يقبل توبتهم، والمقصود منه بيان ~~أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والاشفاق؛ لأنه أبعد من الاتكال ~~والإهمال، فإن قيل: كلمة عسى شك وهو في الله محال، فجوابه إن كلمة عسى من ~~الله واجب، أي قبل الله توبتهم، والدليل عليه قوله تعالى: {عسى الله أن ~~يأتي بالفتح} وفعل ذلك، وتحقيق القو فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في ~~الكلام والسلطان العظيم، إذا التمس المحتاج منه شيئا وأن يكلفني بشيء، بل ~~كل ما أفعله على سبيل التفصيل والتطول، فذكر كلمة عسى لفائدة فيه مع أنه ~~يفيد ms2070 القطع بالإجابة، وهذا معنى قول أئمتنا عليهم السلام في معنى عسى ~~ونحوها. # قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في هذه الآية: معنى عسى الله فهو ~~إيجاب بقبول التوبة عن التائبين بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس كمال يقول ~~الجهال: أنتم تعلمون قبحا وحسنا في حالة واحدة، وتقبل منهم الحسن هذا ما لا ~~يكون؛ لأن الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين، ومن كان في معصية ربه ~~فليس بمتقي ومن لم يكن بمتقي فليس يقبل عمله منه، انتهى، ومثله ذكر الهادي ~~وأبناه أحمد والناصر والمرتضى وغيرهم من قدماء أئمتنا عليهم السلام . # وأما قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} فاختلف الناس ~~في المراد، فقال بعضهم: هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا وذلك لأنهم بدلوا ~~أموالهم للصدقة فأوجب الله الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبرا في كمال ~~توبتهم لتكون جارية في حقوقهم مجرى الكفار، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس ~~المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم. PageV19P402 # قلت: ومثل هذا ذكر الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام . # والقول الثاني: أن الزكوات كانت واجبة عليهم فلما تابوا من تخلفهم عن ~~الغزو، وحسن إسلامهم وبدلوا الزكاة أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أن يأخذها منهم. # القول الثالث: أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب إخراج ~~الزكاة من الأغنياء، وعليه أكثر الفقهاء، إذ استدلوا بها في إيجاب الزكاة، ~~وقالوا في الزكاة إنها ظهرة. # أما القائلون بالقول الأول فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لابد وأن ~~تكون متضمنة متناسقة، فإذا حملتا الصدقة المذكورة في هذه الآية على الأموال ~~التي أتو بها ليجعلوا التصدق بها كفارة عن ذنبهم السابق، صارت الآيات ~~متناسقة، أما لو حملناها علىالزكوات الواجبة ابتداء لم يبق لهذه الآيات ~~تعلق بما قبلها ولا بما بعدها، وصارت كلة أحنبية، وذلمك لا يليق بكلام الله. # وأما القائلون بان المراد أخذ الزكوات الواجبة قالوا بمناسبة حاص لة أيضا ~~على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما ms2071 أظهروا التوبة والندامة عن تخلفهم عن غزوة ~~تبوك، وقد أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حقهم الأموال[481] وشدة ~~حرصهم على صونها عن الإنفاق، وكانه قيل لهم إنما يظهر بصحة قولهم في ادعاء ~~هذه التوبة والندامة لو أخرجوا الزكوات، ولم يطابقوا فيها؛ لأن الدعوى لا ~~تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإذا أدى الزكوات عن ~~طيبة نفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون ~~مزورون، وبهذا الطريق يكمل حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات ~~الواجبة، مع أنه ينبغي نظم هذه الآيات سليما، والله أعلم. # ومما يدل على أن المراد الصدقات قولهم: {تطهرهم} صفة لصدقة، وقرئ تطرهم ~~بمعنى ط # هرة وتطهرهم بالجزم جوابا للأمر، ولم يقرؤوا وتزكيهم إلا بإتيان التاء، ~~ذكره في الكشاف، والمعنى تطهر عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات الواجبة، ~~والله أعلم. PageV19P403 # وأما القائلون بالقول الأول فقالوا: إنه صلى الله عليه وآله وسلم لما عذر ~~هؤلاء التائبين وأطلقهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها ~~تخلفنا عنك فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم:((ما امرت أن آخذ من أموالكم شيئا)) فأنزل الله هذه الآية فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين؛ لأنه تعالى قال: ~~خذ من أموالهم صدقة، ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة من تفيد التبعيض. # وأما قوله: {وتزكيهم} فاعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب ~~حصول المغايرة، وقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التظكية بمعنى ~~الإنماء، والمعنى أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة ~~سببا للإنماء، وقيل: الصدقة تطهر عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول يزكيهم ~~ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء. # قال في البرهان: وهذه الصدقة هي الزكاة المفروضة، ولذلك قال: خذ من ~~أموالهم؛ لن الزكاة لا تجب في الأموال كلها، وإنما تجب في بعضها، تطهرهم ~~وتزكيهم بها أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم، ثم قال: {وصل عليهم} استغفر لهم ~~وادع {إن صلاتك سكن لهم} أي تثبيت ms2072 لهم ورحمة، وفي الصلاة عليهم والدعا لهم ~~عند أخذ الصدقة وجهان: # أحدهما: على الأخذ الدعاء للمعطي اعتبارا بظاهر الأمر. # والثاني: يستحب ذلك، والأمر فيه على الندب علا على الوجوب، انتهى. # والسنة أن يقول القابض: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهورا، وبارك فيها ~~أتيت، ومعنى كون صلواتك سكن لهم أي يسكنون إلى دعائك، وتطمئن به قلوبهم، ~~بأن الله قد تاب عليهم، ثم قال: {والله سميع} لأقوالهم واعترافهم {عليم} ~~بما في ضمائرهم من الندم. PageV19P404 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدن ذكرهم بأنهم تابوا عن ذنوبهم ~~وأنهم تصدقوا، ولم يذكر إلا قوله: {عسى الله أن يتوب عليهم} وما كان ذلك ~~مريحا في قبول التوبة ذكر بعد هذه الآية أنه يقبل التوبة ويأخذ الصدقات، ~~فقال عز وجل: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} ~~يراد أن يحتمل المتوب عليهم، يعني ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم ويقبل ~~صدقاتهم أن الله هو يقبل التوبة إذا صحت بكمال شروطها، ويقبل الصدقات إذا ~~صدرت عن خلوص النية، ويحتمل أن يراد غيرهم ترغيبا لمن لم يتب في التوبة، ~~وترغيب العصاة في الطاعة. # قال أبو مسلم قوله: ألم يعلموا وإن كان بصفة الاستفهام إلا أن المقصود ~~التقوى في النفس، ومن عادة العرب[482] في إفهام الخطاب وإزالة الشك عنه أن ~~تقول: أما علمت أن من علمك وجب عليك خدمته، أما علمت أن من أحسن إليك وجب ~~عليك شكره، فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم، ثم زاد ~~تأكيد القبول بقوله: {وأن الله هو التواب الرحيم} يرجع بالمغفرة على من رجع ~~عليه بالتوبة، ثم إنه تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لمن ~~تقدم ذكرهم من التائبين: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} ~~أي اعملوا تائبين فلن يخفى خيرا كان أو شرا، قال: اجتهدوا في المستقبل فإن ~~لعملكم في الدنيا حكما وفي الآخرة حكما. PageV19P405 # أما حكمه في الدنيا فهو أن يراد الله ويراه رسوله ويراه المؤمنون، فإن كان ~~طاعة ms2073 حصل منهم النبأ العظيم في الدنيا والثواب العظيم في الآخرة، وإن كان ~~معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة، فثبت أن ~~هذه اللفظة الواحدة جامع لجميع ما يحتاج المرء إبيه في دينه ودنياه ومعاشه ~~ومعاده، ومما نبه على هذه الدقيقة أنه ذكر الله أولا، وذكر عقبيه رؤية ~~الرسول والمؤمنين، فكأنه قيل: إن كنت من المحقين في عبودية الحق فاعمل ~~الأعمال الصالحة، وإن كنت من الضعفاء المشغولين........ الخلق فاعمل ~~الأعمال لتفوز ببنا أفضل الخلق وهو الرسول والمؤمنون. # قال الرازي: واعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب، وذلك لأن ~~المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله، ولهذا السبب ~~قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا}. PageV19P406 # قال: وفلت في بعض المجالس: ليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم ~~القدح في إهلية الصنم؛ لأن كل أحد يعلم بالبديهة أنه حجرا وحسب، وأنه محل ~~بصرف المتصرفين، فمن شاء أحرقه ومن شاء كسره، ومن كان كذلك كيف يتوهم ~~العاقل كونه الهائل المقصود، إن أكثر عبدة الأصنام كانوا في ومان إبراهيم ~~أتباع الفلاسفة القائلين بإزالة العالم موجب الذات، وليس بموجب بالمشيئة ~~الاختيار، فقال الموجب بالذات إذا لم يكن عالما بالجزيئات ولم يكن قادرا ~~على الإنفاع والإضرار، ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين، فأي ~~فائدة في عبادته، فكان المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول ~~من يقول بإزالة العالم موجب بالذات، أما إذا كان فاعلا مختارا كان عالما ~~بالجزيئات فحينئذ يحصل للعبودية فوائد عظيمة، وذلك لأن العبد إذا أطاع علم ~~المعبود أنه طاعه وقدر على إيصال الخيرات إليه في الدنيا والآخرة، انتهى، ~~ثم قال تعالى: {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} أي إلى جزاء من هو عالم ~~ما غاب وما ظهر. # قال ابن عباس: أي عالم ما غاب عن حواس الناس، والشهادة ما أحسوا به. # قال الأصم: المراد بالغيب ما يسترونه، وبالشهادة ما يظهرونه، ثم قال: ~~{فينبئكم ms2074 بما كنتم تعملون} والمعنى يعرفكم أحوال أعمال، ثم يجازيكم عليها؛ ~~لأن المجازات من الله لا تحصل غلا بعد التعريف ليعرف كل أحد ان الذي وصل ~~إليه عدل لا ظلم، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعاداته أكبر، وإن كان ~~من أهل العقاب كان غمه وحسراته أكبر. # واعلم أنه تعالى لما قسم المخلفين عن الجهاد إلى ثلاثة أقسام: أولهم ~~المنافقون[483] الذين مردوا على النفاق، والثاني: التائيبون، وهو المراد ~~بقوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} وأخبر تعالى أنه قبل توبتهم ذكر القسم ~~الثالث الذين بقوا موقوفين فقال: {وآخرون مرجون لأمر الله}. PageV19P407 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه متروكون من الولاية، أمر الله ~~المؤمنين بتركهم حتى يتبين لهم صحة أمرهم، وهل تابوا على الحقيقة ورجعوا من ذنبهم. # قال في البرهان: وهم الثلاثة الباقون من العشرة المتأخرين عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، ولم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة ~~وهم: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، ومعنى مرجون لأمر الله ~~أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله عز وجل فيهم {إما يعذبهم} أي يأمر ~~بعذابهم في الدنيا إن لم يعلم صحة توبتهم إن بقوا على إصرارهم {وإما يتوب ~~عليهم} إن تابوا. PageV19P408 # قال ابن عباس: بعد أن ذكر نزول هذه الآية في الثلاثة فقال كعب: لما أخبره ~~أهل المدينة وأعطوه جملا وقالوا له: متى شئت لحقت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فتأخر أياما وأنس بعدها من اللحوق فندم على صنيعه، وكذلك صاحباه، ~~فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل لكعب: اعتذر إليه من ~~صنيعك، فقال: لا والله حتى تنزل توبتي، وأما صاحباه فاعتذرا إليه صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: ((ما خلفكما عني))؟ فقالا: لا عذر لنا إلى الخطيئة، ~~فنزل قوله: {وآخرون مرجون لأمر الله} فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد نزول هذه الآية، ونهى عن مجالستهم، وعن التسليم عليهم، وعن ~~مكالمتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، وإرسالهن إلى أهاليهن، ms2075 فجاءت امرأة هلال ~~تسأل أن تأتيه بطعامه فإنه شيخ كبير، فأذن لها في ذلك، وجاء رسول من الشام ~~إلىكعب يرغبه في اللحاق بهم، فقال كعب: بلغ من خطيئتي أن طمع في المشركون، ~~قال: فضاقت علي الأرض بما رحبت وبكى هلال بن أمية حتى خيف على بصره، فلما ~~مضى خمسون يوما وعلموا أن أحد لا ينظر إليهم فوضوا أمورهم إلى الله وأخلصوا ~~نياتهم وتوبتهم فرحمهم الله، وأنزل توبتهم بقوله: {لقد تاب الله على النبي} ~~وبقوله: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وهذه الآية قد دلت على أنه تعالى لا ~~يعفوا عن غير التائب، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين: إما يعذبهم وإما ~~يتوب عليهم، وذلك يدل على أنه لا حكم إلا هذين الأمرين، وهو إما التعذيب ~~وإما التوبة. PageV19P409 # وأما العفو عن الذنب من غير التوبة فهو قسم ثالث، فلما أهمل الله ذكره دل ~~على أنه باطل وغير معتبر، فإن قيل: إن كلمة إما للشك والله منزه عنه فجوابه ~~أن المراد من ه ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء، أي خافوا عليهم ~~العذاب أو ارجوا لعن الرح نة، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم ~~عذاب، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، ثم قال: {والله عليم} بما في ~~قلوب المرجئين وما يؤل إليه أمرهم {حكيم} فيما فعله من إرجائهم، وما يحكم ~~به............زويقضى عليهم. # قلت: ومثل هذا سواء فسر الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام هذه ~~الآية، أي المرجون لأمر الله إلا قوله: فلما مضى حمسون يوما فإنه عليه ~~السلام قال: فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما حتى إذا ~~كان أربعون يوما أنزل الله عز وجل توبتهم إلى آخر[484] كلامه عليه السلام . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال: {والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا} فصار التقدير كأنه قال: منهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا ~~أي مضارة إخوانهم أصحياب مسجد قبا .......... {وكفرا} تقوية للنفاق ~~{وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قبا. PageV19P410 # قال ms2076 في الكشاف: وفي مضصاحف أهل المدينة والشام الذين اتخذوا..........أو ~~لأنها قصة على خيالها، وفي سائرها بالواو على عطف قصة مسجد الضرار الذي ~~أحدثه المنافقون على سائر قصصهم، ومعنى {وإرصادا} أي اعدادا وانتظارا {لمن ~~حارب الله ورسوله} وهو أبو عامر الراهب وهو الذي سماه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الفاسق، وكان قد تنصر وترهب قبل الإسلام، ثم أسام، ثم ارتد، ~~وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونم ~~إلا قاتلتك معهم، فلم يزل.............مع المشركين فلما انهزم هوازن يوم ~~حنين خرج هاربا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من ~~قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود تخرج محمد وأصحابه من المدينة. # قال في البرهان: أبو عارم الراهب أبو والد حنظلة بن الراهب قد حزب على ~~رسول الله ثم خاف، فهرب إلى الروم......هرقل على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فبنوا هذا المسجد، حتى إذا عاد من هرقل صلى فيه وكانوا يتعقدون ~~أنه إذا صلى فيه نصر، وكانوا ابتدأوا ببنائه ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خارج إلى تبوك، فسألوه أن يصلي بهم فقال: ((أنا على سفر، ولو قدمنا إن ~~شاء الله أتيناكم وصلينا لكم فيه)) فلما قدم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه ~~وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فقالوا: قد فرغنا منه، فأتاه خبر المسجد ~~أنزل الله فيه ما أنزل، والذذي أمهم في مجمع بن حارثة، وكان.......، ثم حسن ~~إسيلامه بعد ذلك، وقيل: إنه الذي علم ابن مسعوج القرآن، انتهى. PageV19P411 # وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد ~~فناداه جبريل: لا تقم فيه أبدا، ونزلت هذه الآية، فدعا مالك بن الدخيم، ~~ومعدي بن عدي وعامر بن السكر ووحشي قاتل حمزةظ فقال: ((انطلقوا إلى هذا ~~المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه)) ففعل وأمر أن يتخذ مكانه كناتسة تلقى ~~فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: في ms2077 معنى هذه الآية: يريد سبحانه أنهم ~~بنوا مسجدا للضر على الإسلام، وجعلوه حيالة وحيلة لضعفة الأيام ليصلي معهم ~~بعض المؤمنين، ويفرقوا بذلك على خاتم النبيين، وجعلوه شبكة لضعفة المسلمين، ~~ومعونة ورضصيدا وطريقا لمن حارب رسول رب العالمين، فبين الله لنبيه أمرهم، ~~وهتك بذلك أستارهم، وقوله: {من قبل} أي اتخذوا مسجدا من قبل نفاق هؤلاء ~~بالتخلف عن تبوك، ثم قال: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} أي الإرادة الحسنى ~~وهي الصلاة والتوسعة على المصلين، ورجاء ثوابه وطلب لما عنده من الجنة ~~{والله يشهد إنهم لكاذبون} في حلفهم {لا تقم فيه} مصليا {أبدا لمسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم} من أيام وجوده {أحق أن تقوم فيه} مصليا وهو مسجد ~~قبا[485] ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا؛ لأنهما مبنيان على ~~التقوى، أي على مقتضى تقوى الله من حسن النية فيه، فأما مسجد قبا فأول مسجد ~~بني في الإسلام، ذكره في البرهان، وقيل: كان مسجد بني مباهاة أو رياء أو ~~سمعة، أو بمال غير طيب، أو يعرض سوى وجه الله فهو لاحق بمسجد الضرار. # وأما قوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} فإنه تعالى ~~رجح مسجد التقوى بأمرين: # أحدهما: أنه بني علىالتقوى الذي تقدم تفسيره. # والثاني: أنه فيه رجالا يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان: PageV19P412 # الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، والله يحب المتطهرين بالتوبة ~~والرجوع إلى الطاعة، ومثل هذا في البرهان، وهو الذي ذكره الحسين بن القاسم ~~عليه السلام وغيره، وهذا القول هو الأول لوجوه: # الأول: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو السبب في القرب من الله تعالى، ~~واستحقاق ثوابه ومدحه. # الثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والتكفير ~~بالله، والتفريق بين المسلمين، فلزم أن يكون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ~~ذلك إلا لكونهم مبرين عن الكفر والمعاصي. # والثالث: أن الطهارة إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله أن لو خلت طهارة ~~الباطن من الكفر والمعاصي. # قال في الكشاف: إنه لما نزلت هذه ms2078 الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قبا، فإذا الأنصار جلوس، فقال: ~~((أمؤمنون أنتم))؟ فسكت القوم، ثم أعادها، فقال عمر: يا رسول الله، إنهم ~~مؤمنون وأنا معهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أترضون ~~بالقضاء))؟ قالوا: نعم، قال: ((أتصبرون على البلاء))؟ قالوا: نعم، قال: ~~((أتشكرون في الرخاء))؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((مؤمنون ورب الكعبة، ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله أثنىعليكم فما ~~الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟)) فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط ~~الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم {رجال يحبون أن يتطهروا} وقرئ: يطهروا بالإدغام. # والقول الثاني المراد منه الطهارة بعد الحجر وهو قول أكثر المفسرين. PageV19P413 # والثالث: أنه محمول على كلا الأمرين، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول وهو ~~كون المسجد مبنيا على التقوى فقال: {أفمن أسس بنيانه} أي بنيان دينه {على ~~تقوى من الله ورضوان} أي على قاعدة قوية محكمة في قعرها وهي الحق الذي هو ~~تقوى الله ومخافته ورجاء ثوابه، وطلب مرضاته، وهو مسجد قبا أسسه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أيام مقامه بقبا وهي الاثنين والثلوث والخميس وخرج الجمعة، ~~وقيل هو مسجد المدينة، والأول الأولى؛ لأن الموازنة بين مسجد قبا أوقع، ~~والألف في قوله: {أفمن} إنكار أي هو {خير أم من أسس بنيانه} أي بنيان دينه ~~الذي هو الباطل {على شفا جرف هار} يعني شفير حرف، وهو حرف الوادي؛ لأن ~~الشفا هو جانب الوادي من أودية الرمل وهو سفه وشر فيه الذي لا يثبت عليه ~~البناء لرخاوته، وأراد بالهار الساقط، وهذا مثل ضربه الله لمسجد الضرار. # قال في البرهان: ويحتمل المقصود بضرب هذا المثل وجهين: # أحدهما: أنه لم يبق بناهم الذي أسس على غير طاعة الله عز وجل حتى سقط كما ~~يسقط ما بني على حرف الوادي. # والثاني: لم يخف ما أسروه حتى ظهر كما يظهر فساد ما بني على ms2079 حرف الوادي ~~بالسقوط في نار جهنم؛ لأنه لم يكنم لهم في أفعالهم ثواب[486]، انتهى. PageV19P414 # والهائر هو المتصدع الذي أشفا على التهدم والسقوط، والمعنى أفمن أسس بنيان ~~دينه على قاعدة قوية محكمة خيرا أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها ~~وأقلها بقا، وهو الباطل والنفاق، الذي مثله كمثل جرف هار في قلة الثبات ~~والاستمساك، وضع شفا الحرف في مقابلة التقوى؛ لأنه جعل مجازا عما بنا في ~~التقوى {فانهار به في نار جهنم} على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا ~~أنه رسخ المجاز فجيء بلفظ الإنهيار الذي هو للحرف فهوى في يقعرها، والشفا ~~الجرف الذي يحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيا، ثم قال سبحانه: ~~{والله لا يهدي القوم الظالمين} أي لا يزيدهم هدى لعدم قبولهم الهدى الأول، ~~أو لا يحكم عليهم بالهدى أو لا يسميهم به، ثم قال تعالى: {لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة} أي شكا {في قلوبهم} قال النابغة الذبياني: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # والمعنى أن بنا ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ~~ذلك البنيان ريبة لكونه سببا للريبة، وفي كونه سببا للريبة وجوه: # الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببنا مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم، وازداد بعضهم له وازداد ~~ارتيابهم في بنياهم في نبوته. # الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما رم بتخريب ذلك المسجد ~~ظنوا أنه إنما أمنر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع إيمانهم عنه وعظم خوفهم منه ~~في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر ~~بقتلهم ونهب أموالهم. PageV19P415 # والثالث: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لا يزال بنيانهم الذي ~~بنو للنفاق غمى عليهم وحسرة وندامة؛ لن الله عز وجل بين كيدهم، وكشف بعلمه ~~مرادهم وقصدهم، فلم ينفك عنهم وغبطهم أبدا حتى يقطع الله قلوبهم، انتهى، ~~وذلك قوله تعالى: {إلا أن تقطع قلوبهم} قطعا وتفرق أجزاء، فحينئذ ms2080 يسلون ~~عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ~~ذكر التقطيع تصويرا لمحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها ~~بالموت، وما هو كائن منه بقتلهم، أو في القبور أو في النار، وقيل: معناه ~~إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم، ثم قال: ~~{والله عليم} بأحوالهم {حكيم} في الأحكام التي يحكم بها عليهم. # واعلم أنه تعالى إنما وقع في شرح فضائح المنافقين وذكر قبائحهم بسبب ~~تخلفهم عن غزوة تبوك فلما فهم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم ورفغ على كل ~~قسم ما كان لائقا به عاد إلى فضيلة الجهاد وحقيقته فقال: {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} مثل الله إثابتهم بالجنة على بذل ~~أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالاشتراء والثمن هو الجنة، ولقد أغلى لهم الثمن. # قال.........: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ~~القعبة وهم سبعون نقيبا قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، ~~فقال: ((اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون[487] منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: ~~((الجنة)) قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل، فنزلت هذه الآية. # قال مجاهد والحسن ومقاتل:..........ز PageV19P416 قال في البرهان: قوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم أراد في الجهاد، ~~وأموالهم بالنفقة فيه، وحقيقة هذا الكلام أن الله عز وجل أمرهم بأنفسهم ~~وأموالهم ليجازيهم بالجنة، فعبر عنه بالشرى لما فيه من عوض ومعوض فصار في ~~معناه {يقاتلون في سبيل الله} لأن الثواب على الجهاد إنما يستحق إذا كان في ~~طاعته ولوجهه {فيقتلون ويقتلون} يعني أن الجنة عوض على جهادهم سواء قتلوا ~~أو قتلوا، وروينا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو في المسجد فكبر الناس، فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على أحد ~~عاتقيه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: ((نعم)) فقال الأنصاري: ~~بيع ms2081 ربح لا نقيل ولا نستقيل، انتهى، ومر برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال كلام من؟ قال: ((كلام الله)) قال: بيع والله ~~مربح، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو واستشهد، والأشهر عند أهل ~~البيت عليهم السلام وشيعتهم أن عليا عليه السلام مراد بالآية ممدوح بها، ~~وإنما الخلاف فيمن عداه. # قال في الكشاف: قوله يقاتلون فيه معنى الأمر، كقوله تجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم، وقيل: جعل ياقتلون كالتفسير لتلك المبايعة كالأمر اللازم ~~لها، ثم قال: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن}. # قال الزجاج: نصب وعدا على المعنى؛ لأن معنى قوله فإن لهم الجنة أنه وعدهم ~~الجنة، وكان قوله وعدا مصدرا مؤكدا، واختلفوا في أن هذا الذي حصل في هذه ~~الكتب ما هو؟ فالقول الأول أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله ~~وعد ثابت قد أثبته الله في التوراة والإنجيل، كما أثبته في القرآن. # والثاني: المراد أنه تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، كما بين في ~~القرآن. PageV19P417 # والثالث: أن الأمر بالجهاد والقتال موجود في جميع الشرائع، ووعدوا عليه ~~الجنة، وقوله: {ومن أوفى بعهده من الله} استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أحد ~~أوفى بما وعد من الله، والمعنى أن نقض العهد كذب، وأيضا أنه مكر وخديعة، ~~وكل ذلك من القبائح وهي قبيحة م ن الإنسان مع احتياجه إليها، فالمعنى عن كل ~~الحاجات أولى أن يكون منزها عنها، وهذا غاية الترغيب في الجهاد والحث عليه، ~~ثم قال: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} أي اشتروا بربحه {وذلك هو الفوز ~~العظيم} اعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات، فأولها قوله: إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، فيكون المشتري هو الله المقدس عن ~~الكذب والحيلة، ونفي الكذب والحيلة من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. # والثاني: أنه غبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشرى، وذلك هو حق مؤكد. # وثالثها: قوله وعدا ms2082 ووعد الله. # ورابعها: قوله: عليه، وكلمة على للوجوب. # وخامسها: قوله: حقا وهو تأكيد للتحقيق. # وسادسها: قوله: في التوراة والإنجيل[488] والقرآن، وذلك يجري مجرى لإشهاد ~~جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء والرسل، على هذه المبالغة. # وسابعها: قوله: ومن أوفا بعهده من الله، وهو غاية التوكيد. # وثامنها: قوله: فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وهو أيضا مبالغة في ~~التوكيد. # وتاسعها: قوله: وذلك هو الفوز. # وعاشرها: قوله العظيم، فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في ~~التأكيد والتقرير والتحقيق. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهمىبين ~~سبحانه من يستحق هذا الفوز والثواب العظيم وما وصفهم به ليعمل كل على بينة ~~من ربه، ولئلا يظن من لا علم له أن كل مقابل يستحق ذلك، فميزهم بأن وصفهم ~~بعد ذلك بصفات تسع، فقال في الصفة الأول: {التائبون} يعني من الذنوب. PageV19P418 # والثانية قوله: {العابدون} بتوحيد الله وبطاعته. # قال ابن عباس: الذي يرون عبادة الله واجبة عليهم. # الصفة الثالثية: قوله: {الحامدون} لله على الإسلام على ما ينالهم من ~~السراء والضراء، الذين يقومون بحق شكر الله على نعمه دينا ودنيا. # الصفة الرابعة: قوله: {السائحون} قال عامة المفسرين: هم الصائمون. # قال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو صيام. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((سياحة أمتي الصيام)). # وعن الحسن: إن هذا صوم الفرض، وقيل: هم الذين يديمون الصيام، وشبهوا بذوي ~~السياحة في الأرض لامتناعهم من شهواتهم، وقيل: هم طلبة العلم، يسيحون في الأرض. # وقال أبو مسلم: السائحون السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من السيح، سح ~~الماء الجاري، والمراد به من خرج مجاهدا مهاجرا، وتقريره أنه حث على هذه ~~الصفات؛ لأن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السياحة ~~فقال: ((إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)). # الصفة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: {الراكعون الساجدون} والمراد منه ~~إقامة الصلوات. # قال القاضي: وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة؛ لأن سائر ~~أشكال المصلي موافق للعادة وهي قيامه وقعوده، والذي يخرج عن ms2083 العادة في ذلك ~~الركوع والسجود، وبه يبين اليفضل بين المصلي وغيره، ويمكن أن يقال القيام ~~أول مراتب التواضع لله، والركوع والسجود أوسطها، فخص الركوع والسجود ~~لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية، تنبيها على أن المقصود من الصلاة ~~نهاية الخضوع والتعظيم. # الصفة السابعة والثامنة قوله تعالى: {الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر}. # قال في البرهان: الآمرون بالمعروف أي بالتوحيد وشرائط الإسلام، والناهون ~~عن المنكر أي عن الشرك، انتهى. PageV19P419 # قال بعضهم: وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد؛ لأن رأس المعروف الإيمان بالله، ~~ورأس المنكر الكفر بالله، والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان، والزجر على ~~الكفر، والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما دخول ~~الواو في قوله: والناهون عن المنكر ففيه وجوه: # الأول: أن النسق قد يجيء بالواو تارة وبغير الواو تارة أخرة، قال تعالى: ~~{غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} فجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو. # والثاني: أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد، فالله سبحانه ذكر ~~الصفات الستة، ثم قال: الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وقد ذكرنا أن ~~رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد، فالمقصود من إدخال[489] ~~حرف الواو عليه التنبيه على ما ذكرناه. # الوجه الثالث: في إدخال الواو على هؤلاء، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات ~~عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه ولا تعلق بشيء منها بالغير. # أما النهي فعبادة بالغير، وهي النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة، ~~وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي، وربما حاول قتله، فكان النهي عن ~~المنكر أصعب أقسام العبادات في الطاعات، فأدخل عليها الواو تنبيها على ما ~~حصل فيها من زيادة المشقة والمحنة. # والصفة التاسعة: قوله: {والحافظون لحدود الله} لا يتجاوزونها. # قال في البرهان: يعني الحافظون لفرائض الله عز وجل وحدوده، وحلاله ~~وحرامه، والحافظون لشرط الله في الجهاد، فأخبر سبحانه أن هؤلاء المؤمنون ~~المستحقون لكل ما وصفهم الله به للموعود من ثوابه والجزيل من كرامته. PageV19P420 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال: {وبشر المؤمنين} بالجنة، ~~أي أهل هذه ms2084 الخصال، قال فيه: عني به المصدقين بما أوعد الله عز وجل في هذه ~~الآية، والعاملين بما ندب إليه في هذه الآيات، والمقصود أنه قال في الآية ~~المتقدمة: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}، فذكر هذه الصفات التسعة، ثم ~~ذكر عقبيها وبشر المؤمنين، تنبيها على أن البشارة المذكورة وهي قوله: ~~{فاستبشروا} لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات. # واعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار ~~البراءة عن أحياء الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين بعد ذلم أنه يجب ~~إظهار البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان، كالأب ~~والأم، كما وجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان مقاطعتهم على أقصى ~~الغايات، والمنع من مواصلتهم لسبب من الأسباب، فقال سبحانه: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا} يريد عز وجل أنه لا ينبغي للنبي والذين آمنوا {أن يستغفروا ~~للمشركين} ولا يحل ذلك للنبي ولا لأحد من المسلمين {ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}. PageV19P421 # قال في البرهان: وسبب هذه الآية ما روينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ~~قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما ~~مشركان! قال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبويه، فذكرته لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فنزلت، انتهى، ويؤيد هذا قوله تعالى: {كان استغفار إبراهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} فقوله لاستغفرن لك، وقيل الواعد أبو ~~إبراهيم وعد بالإسلام وهذا أظهر، والله أعلم بقوله: {فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه} أي تبين له بالوحي، وقيل بموته، أو بأمارات ووعد لم يف به، ~~والمعنى أن الله تعالى اخبر أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، بل هذا الحكم وهذه المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار ~~أحياؤهم وأمواتهم كانت مشروعة أيضا في دين إبراهيم عليه السلام فتكون ~~المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أكمل وأقوى بمتابعته ~~في قوله: {واتبع ملة إبراهيم} وفي هذه الآية وسببها ms2085 يقول الإمام الناصر ~~أحمد بن يحيى عليهما السلام ما لفظه: فذكروا في الرواية عن ابن عباس رضوان ~~الله عليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل عن أبويه أيهما أحدث ~~به عهدا، فقيل: أمك، فقيل لهم: هل تعلمون موضع قبرها لعلي آتيه فاستغفر ~~لها، فإن إبراهيم صلوات الله عليه قد استغفر لأبويه وهما مشركان، فقال ~~المسلمون: ونحن أيضا[490] نستغفر لآبائنا وإخواننا وبني عمنا، فانطلق حتى ~~قام على القبر، فإذا بجبريل صلوات الله عليه عند القبر فوضع يده على صدر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين ~~آمنوا} يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم {أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى} يعني قرابة في الرحم {من بعد ما تبين لهم PageV19P422 أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه} يعني عز وجل أن آزر وعد ابنه إبراهيم صلوات الله عليه أن يسلم، ويقال ~~إن إبراهيم صلوات الله عليه وعد أباه أن يستغفر له، كما وعده {فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه} وكل هذا أحسن، وكان قد دعا له رجاء أن يسلم، فلما ~~تبين له أنه عدو لله قد مات على الكفر تبرأ منه، انتهلا. # قال في البرهان: عذر الله سبحانه إبراهيم عليه السلام في استغفاره لأبيه ~~مع شركه....موعده ورجاء إيمانه، وقد كان أبوه وعده أن يستغفر له إن آمن به، ~~فلما تبين له أنه عدو الله بموته على شلاكه، وإياسه من إيمانه تبرأ منه، أي ~~من أفعاله ومن استغفاره له. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: قيل في تفسير هذه الأية أن آزر لعنه ~~الله وعده بالتوبة وهذا شيء لم يسمع في كتاب الله بل نافره وتهدده، وإنما ~~الذي وعده بالاستغفار ولده خوفا من أن يكون من الضالين الجاهلين، ورجا ~~صلوات الله عليه أن لا يكون والده من المتعمدين، فلما تبين أنه مقاطع لرب ~~العاليمن قطعه كما قطع سواه من المشركين، انتهى. # واهلم ms2086 أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة وصفه بصفتين فقال: ~~{إن إبراهيم لاواه حليم} أي كثير التأوه، قيل: من النار. # قال في البرهان: والأواه الداعي المتضرع الخاشع، وأصل الأواه من التأوه، ~~وهو التوجع، ومنه قول......العبدي: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الأواه الخاشع المتضرع، ~~وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها أنه كان كلما ذكر لنفسه تقصيرا ~~أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه اشفاقا من ذلك، واستعظاما له. PageV19P423 # وعن ابن عباس: الأواه المؤمن بالخشية، وأما وصفه بالحليم فهو معلوم، وقيل: ~~لم يعاقب أحد إلا في الله، وأما قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} فقال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد ~~سبحانه ما كان الله ليسميهم بالضلالة بعد هدايته لهم بالعقول والكتاب ~~المنزل، والرسول، حتى يتبين لهم ما يحذرون من العقاب، وما يباعدهم أو ~~يقربهم من الله رب الأرباب، فإن لم يقبلوا ذلك أضلهم، وكافأهم بالتمسية على ~~ضلالتهم، انتهى. PageV19P424 # ويحتمل أنه تعالى لا يخذلهم إلا إذا أقدموا على قبيح بعد بيان قبحه، أو ما ~~يعذب قوما حتى يبيت لهم م يتقون، وقيل: وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة ~~بالاستغفار للمشركين قبل النيهي، والأقرب أن المراد من أول السورة إلى هذا ~~الموضع في بيان المنع منم مخالطة الكفار والمنافقين، وفي وجوب مباينتهم، ~~والاحتراز عن موالاته م، فكأنه قيل: إن الإله الرحيم الكريم يكيف يليق به ~~هذا التشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين، فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ ~~أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يتبين لهم ما يجب عليهم أن ~~يتبعوه، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر، وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد ~~أنواع المؤاخذة[491] والعقوبة، ثم قرر ذلك أنه عالم بكل شيء فقال: {إن الله ~~بكل شيء عليم} فيعلم ضمائركم، وجميع أعمالكم فيجازيكم عليه، وبأنه قادر على ~~كل شيء بقوله: {إن ms2087 الله له ملك السماوات والأرض يحي ويميت} فلا يعجزه من ~~عصاه وارتكب ما نهاه فكان التقدير أن من كان عالما قادرا هكذا لم يكن ~~محتاجا، والعالم القادر الغيني لا يفعل القبيح والعقاب قبل البيان وإزاحة ~~العذر......فوجب أن لا يفعله الله فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا ~~الوجه، والله أعلم، ثم قال: {وما لكم من دون الله من ولي} أي من محب نافع ~~{ولا نصير} دافع، وقد ذكر في معنى الآية فوائد: # أحدها: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أن له ملك السماوات ~~والأرض، فإذا كان هو ناصر لهم فهم لا يقدرون على إضراركم. # وثانيها: أن القوم من المسلمين قالوا: لما أمرنا بالانقطاع عن الكفار ~~فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا؛ لأنه ربما كان ~~الكثير منهم كافرين، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم ~~فالإله الذي هو المالك للسماوات والأرض والمحيي والمميت ناصركم فلا يضركم ~~أن ينقطعوا عنكم. PageV19P425 # وثالثها: أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال: وجب عليكم ~~الرجوع إلى حكمي وتكليفي لكوني إلها لكم، الناظر في مصالحكم، ولكونهم عبيدا ~~لي، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين ~~عنها، فأطال القول في ذلك على الترتيب الذي مر، عاد بعد ذلك إلى شرح ما بقي ~~من أحكامها، ومن بقية تلك الأحكام أنه كان قد صدر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى، وصدر أيضا عن المؤمنين نوع ~~زلة، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات فقال سبحانه: ~~{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} أي قبل توبتهم، وهذا بعث على ~~التوبة، وأنه ما من أحد إلا وهو محتاج إليها حتى الأنبياء؛ لأن الإنسان طول ~~عمره لا ينفك عن زلات وهفوات، وقيل: تاب عليه من إذنه للمنافقين، حيث قال: ~~{عفى الله عنك لم أذنت لهم} وقيل: التوبة وقبولها عبارة عن قبول طاعتهم وما ~~قاسوه في تلك الغزاة ms2088 من الشدة، ذكره الحاكم، ثم وصفهم فقال: {الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة}. # قال في البرهان: وهي غزوة تبوك، قيل: الشام كانوا في عسرة من الظهر، كان ~~الرجلان والثلاثة على بعير، وفي عسرة من الزاد، حتى ذكر أن الرجلين كانا ~~يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم فيمصها أحدهم ثم ~~يشرب عليها من الماء، ثم يمصها الآخر، وفي عسرة من الماء، وكانوا في التهاب ~~الحر وشدته، وروينا في الخبر أنه أصابهم يوما عطش شديد فجعلوا ينحرو، الإبل ~~ويعصرون أكراشها فيشربون ماءها، فأمطر الله عليهم السماء بدعا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فعاشوا {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} أي يدنف ~~بالجهد والمشقة، وقيل يميل عن الثبات علىالإيمان، وعن اتباع الرسول في تلك ~~الغزوة، حين هم فريق منهم بالرجوع، ثم ثبتهم الله تعالى. PageV19P426 # وقال الكلبي: هم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~أدركوه منهم أبو خيثمة {ثم تاب عليهم} أي ازداد عنهم رضى {إنه بهم رءوف ~~رحيم} ويجوز أن يراد الذين كادت قلوبهم تزيغ. # قال الحسين بن القاسم[492] عليه السلام: معنى كاد يزيغ قلوب فريق منهم أي ~~من بعد ما قاربت قلوبهم أن تميل عن الحق، وهموا بذلك، ثم استغفروا الله ~~وتابوا إليه ورجعوا لطلب ثوابه، وما لديه، فتاب عليهم وعطف برحمته ورجع ~~بفضله عليهم ومغفرته، انتهى. # فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار؟ ~~قيل: في الجواب عنه وجوه: # الأول: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب ...........لقلوبهم، ~~ثم ذكر الذنب، ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة، والمقصود منه تعظيم شأنهم. # والثاني: أنه إذا قيل عفا السلطان عن فلان، ثم عفا عنه دل ذلك على أن ~~العفو عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال. # الوجه الثالث: أنه قال: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة} وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تاب ~~عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم ms2089 في ساعة العسرة، ثم أنه تعالى ~~زاد عليه فقال: {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} وهذه الزيادة أفادت ~~حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها بذكر التوبة مرة أخرى، لئلا يبقى في خاطر ~~أحد شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس. PageV19P427 # وأما قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} فهو عطف على الآية الأولى، أي ~~وتاب أيضا على الثلاثة الذين خلفوا عن الغزو وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن ~~الربيع وهلال بن أمية، وقيل: خلفوا عن أبي لبابة وأصحابه في التوبة حيث ثبت ~~عليهم بعدهم {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض} أي خلفوا إلا أن ضاقت عليهم الأرض ~~{بما رحبت} أي برحبها وسعتها، وهو مثل لما لحقهم من الحيرة والندم حتى ~~كأنهم لا يجدون في الأرض مستقرا قلقا وجزعا على خوف من ربهم {وضاقت عليهم ~~أنفسهم} لشدة حرصهم وما صاروا إليه من توبتهم وندمهم، فلم يسعها أنس ولا ~~سرور {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} أيقنوا ألا مهرب ولا فرار من سخط ~~الله إلا إلى الاستغفار، وهؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى: ~~{وآخرون مرجون لأمر الله} واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا كونهم ~~مخلفين، وذكروا وجوها: # أحدها: أنه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف أو حصل الرضى من الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم بل هو كقولك لصاحبك: أين خلفت فلانا، فيقول: بموضع ~~كذا، يريد أنه أمره بالتخلف، بل لعله قد نها عنه ، وإنما يريد أنه قد تخلف عنه. # وثانيها: لا يمتن ع أن هؤلاء الثلاثة كانوا على عزيمة الذهاب إلى الغزو، ~~فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم على قدر ما يحصلوا الآلت ~~والأدوات، فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل، فصح أن يقال خلفهم الرسول. # وثالثها: حكى قضصة أقوام وهم المرادون بقوله: وآخرون مرجون لأمر الله، ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم، وذكر تعالى أنه قبل توبتهم، ثم قال بعده: وآخرون ~~مرجون لأمر الله، والمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة ~~عن الطائفة الأولى. PageV19P428 # قال كعب ms2090 بن مالك وهو أحد الثلاثة: قول الله في حقنا وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا ليس من تخلفنا، إنما هو من تأخير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمرنا، يشير به إلى قوله: وآخرون مرجون، وللناس في هذه القصة قولان: # الأول: أنهم ذهبوا خلفوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال الحسن: كان لأحدهم أرض أعطوه بها مائة ألف درهم، فقال: يا أرضاه ما ~~خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أمرك اذهبي فأنت في سبيل ~~الله، أو ...........حتى أصل[493] إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقال الثاني: وكان له زوجة وكان يحبها وكانت هي السبب في تخلفه فقال: ما ~~خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا شأنك الحقي ~~بأهلك...........حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ~~الثالث وما كان له مال ولا أهل: ما السبب إلا الظن بالحياة والله لاكابدن ~~المفاوز حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلحقوا برسول ~~الله، فأنزل الله تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله. # والقول الثاني: وهو قول الأكثر أنهم ذهبوا خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. # قال كعب: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب حديثي فلما أبطأت ~~عنه في الخروج قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما الذي حبس كعب)) فلما قدم ~~الميدينة اعتذر المنافقون فعذرهم، وأتيته وقلت: إن كراعي وزادي حاضر ~~واحتبست بدني فاستغفر لي، فأبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم نها عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم حتى ~~أمر بذلك نساءهم، ذكر هذا الرازي. # واعلم أنه الله وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاث: # الأولى: قوله: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. # قال في البرهان: لأن المسلمين امتنعوا من كلامهم. # والثانية: قوله: وضاقت عليهم أنفسهم، بما لقوه من الجفوة لهم. PageV19P429 # والثالثة: قوله: وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إلأيه، أي تيقنوا ألا ملجأ ~~يلجؤن إليه ms2091 في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم من الظن ما هو يقين لا شك فيه، ~~كما في قوله تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} والدليل عليه أيضا أنه ~~تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء، فلا يكون ذلك إلا ~~وكانوا عالمين بأنه لا يملجأ من الله إلا إليه. # وأما قوله تعالى: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} فمعناه رجع عليهم بالقبول ~~والرحمة مرة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو ليتوبوا أيضا فيما ~~يستقبل إن فرطت خطيئة علما منهم أن الله تواب على من تاب، ولو عاد في اليوم ~~مائة مرة {إن الله هو التواب الرحيم} روي أن ناسا من المؤمنين تخلفوا فمنهم ~~من بداله وكره مكانه فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن أبي ذر الغفاري رحمة الله عليه: أن بعيره أبطأ به فحمل متاعه على ~~ظهره واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ماشيا فقال لما رأى ~~سواده: ((كن أبا ذر)) فقال الناس: هو ذاك، فقال: ((رحم الله أبا ذري يمشي ~~وحده ويموت وحد ه ويبعث وحده)). # وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسنا فرشت له في الظل وبسطت ~~له الحصير، وقربت إليه التمر الرطب، والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل ~~ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسنا ورسول الله في الضح والريح ما هذا بخير، ~~فقام فرحل ناقته وأخذ سسبفه ورمحه ةمر كالريح فرفع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب..........السراب فكان كن أبا خيثمة ~~فكان هو، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستغفر له ومن هم من ~~بقي لم يلحق به منهم الثلاثة وقد مر ذكرهم. PageV19P430 # قال الرازي: والآية تدل على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلا، قال: ~~لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت في أول الأمر، ثم إنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ما قبلهم ولا التفت إليهم وتركهم مدة خمسين[494] يوما أو أكثر، ~~ولو كان قبول ms2092 التوبة واجبة عقلا لما جاز ذلك، أجاب الجبائي عنه بأن قال: إن ~~تلك التوبة قد صارت مقبولة من أول الأمر، لكنه تعالى أراد تشديد التكليف ~~عليهم لئلا يجتري أحد على التخلف عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما ~~يأمر به من جهاد وغيره، وأيضا لم يكن نهيه صلوات الله عليه وآله وسلم عن ~~كلامهم عقوبة، بل كان على سبيل التشديد في التكليف. # قال القاضي: وإنما خص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الثلاثة بهذا ~~التشديد؛ لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب، والذي يجري عليهم وهذه حالهم ~~يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من اعترف من المنافقين. # واعلم أن الله تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون ~~كالزاجر عن مثل فعل ما مضى وهو التخلف عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~في الجهاد وغيره فقال: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، وهم الذين صدقوا في إيمانهم ~~ومعاهدتهم الله ورسوله، من قوله: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني قوله كونوا مع الصادقين أي كونوا ~~مع أمير المؤمنين، وذريته الطاهرين الأئمة الأخيار الصادقين، ولا تكونوا مع ~~من عاداهم من أئمة الكفر المنافقين. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأئمة الهداة من ولده، أوجب الله بهذه الآية المصير إليهم، والكون معهم ~~وأخذ مصالح الدنيا والآخرة منهم، وجهاد أعداء الله عز وجل بين أيديهم، أي ~~اتقوا الله في طاعة رسوله وأولي الأمر من ولده إذا أمروكم بجهاد أعدائهم. PageV19P431 # قال بعضهم: إنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، وظاهر الأمر ~~للوجوب، فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع ~~الصادقين فلابد من وجود الصادقين؛ لأن الكون مع الشيء مشروطا بوجود ذلك ~~الشيء، فهذا يدل على أنه لابد من وجود الصادق في كل وقت. # قلت: وذلك يمنع من أن يكونوا عير غير الحق، ms2093 ومتى امتنع ذلك وجب أن يكونوا ~~محقين، وذلك أيضا دليل على أن إجماعهم حجة، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ~~المراد من قوله كونوا مع الصادقين أي كونوا على طريقة الصادقين، كما أن ~~الرجل إذا قال لولده كن مع الصادقين فلا يفيد إلا ذلك؟ PageV19P432 # قلنا: الآية دالة على أن من كان حائز الخطأ وجب كونه مفيدا بمن كان واجب ~~العصمة، وهم الذين حكم الله بكونهم صادقين، وترتيب الحكم على الوصف المناسب ~~لذلك الحكم مشعر بكون ذلك الوصف على لذلك الحكم حتى يكون المعصوم عن الخطأ ~~مانعا لحائز الخطأ، وهذا المعنى موجود في جميع الزمان، فوجب حصوله في كل ~~الزمان، وليس ذلك إلا جماعة العترة عليهم السلام لقيام الأدلة المعلومة من ~~الكتاب والسنة على عصمة جماعتهم، ولما أمر تعالى بالكون مع الصادقين في ~~جميع أمور الدين أكد ذبك فنهى بعد هذه الآية عن التخلف عن رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب}[495] أي ~~ما صح لهم في حكم الله {أن يتخلفوا عن رسول الله} في غزوة تبوك، قيل: ~~الأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، هكذا ~~قاله ابن عباس، وقيل: هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة، ~~فإن اللفظ عام والتخصيص تحكم، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يطلبوا لأنفسهم الخفظ والدعة حال ما يكون ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحر والمشقة {ولا يرغبوابأنفسهم عن ~~نفسه} أي لا يصونوها ويذهبوا بها عن متابعة نفسه ومصاحبتها، ويظنوا بها عما ~~سمح بنفسه عليه مع أنها أعز الأنفس عند الله فعليهم أن يصحبوه في البأساء ~~والضراء، وإن كابدوا معه الأهوال برغبة وبساط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم من ~~الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا ~~تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت ~~فيما تعرضت له، ولا يكترث ms2094 لها أصحابها ولا يقيموا لها وزنا، وهذا نهي بليغ ~~مع تقبيح لأمرهم وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية. PageV19P433 # واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف أخبر أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من ~~أنواع المشقة إلا وقد يوجب الثواب العظيم عند الله، ثم ذكر تعالى أمورا خمسة: # أولها: قوله: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} أي ذلك الموجب لمتابعتهم سبب ~~أنهم لا يصيبهم ظمأ وهو شدة العطش، يقال: ظمأ فلان إذا اشتد عطشه. # وثانيها قوله: {ولا نصب} معناه الإعياء والتعب. # وثالثها قوله: {ولا مخمصة في سبيل الله} أي مجاعة شديدة في طريق الجهاد. # ورابعها قوله: {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} أي ولا يضع الإنسان قدمه ~~ولا يضع فرسه حافره ولا يضع بعيره خفه، بحيث يصير ذلك سببا لغيظ الكفار، ~~ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يغيظهم ويضيق صدرهم. # وخامسها قوله: {ولا ينالون من عدو نيلا} من قتل أو أسر، أو غنيمة أو ~~هزيمة، أو غير ذلك وإن قل{إلا كتب لهم به عمل صالح} واستوجبوا الثواب، ونيل ~~الزلف ى عند الله، فمالهم والتخلف عنه، دلت هذه الآية على أن من قصد طاعة ~~الله كان قيامه وقعوده ومشيئه وحركته، وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، ~~وكذا القول في طرق المعصية، فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية، ثم ~~قال تعالى: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} يريد تمرة فما فوقها {ولا ~~يقطعون واديا} فالوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون مسلكا للسيل، والجمع ~~الأودية {إلا كتب لهم} ذلك الإنفاق، وذلك المسير {ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون} أي ثواب هذه الأعمال؛ لأنها أحسن الأعمال وأفضلها. # وقال الرازي: فيه وجهان: # الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم وفيها الواجب والمباح والمندوب، فالله ~~تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب دون المباح. PageV19P434 # والثاني: أن الأحسن صفة الجزاء أي يجيزيهم جزاء وهو أحسن من أعمالهم، وأجل ~~وأفضل وهو الثواب، وأما قوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} ~~فمعناه وما كان عليهم أن ينفروا جميعا في ms2095 طلب العلم، أو في طلب الجهاد؛ ~~لأن[496] فرضهم صار على الكفاية، إذا قام من يسد به الثغر ويكفي العدو سقط ~~عن الآخرين، كذا في البرهان، قال فيه: وسبب ذلك أن المسلمين بعد أن عيروا ~~بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا على الخروج في سرايا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتركوه وحده بالميدينة فنزل ذلك فيهم {فلولا نفر} أي فحين لم يصح ~~نفير الكافة فهلا نفر {من كل فرقة} كثيرة {منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} ~~إما مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جهاده، وإما مهاجرا إليه في ~~إقامته، ويحتمل أن يكون المراد لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، ويتحملوا عنه ما يقع به البلاغ {ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم} مما عرفوا من أحكام الدين، ومعالم الشرع، وما شاهدوه من نصر ~~الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتأييده لدينه، وتصديق وعده، ومشاهدة ~~معجزاته، ليقوى إيمانهم وليخبروا قومهم، انتهى. PageV19P435 # والمراد أن يجعلوا غرضهم في التفقه إنذار قومهم من جهل ما لا يجوز جهله، ~~وتعليمهم معالم الدين، لا ما يقصده متفقهة الزمان من الترأس والتشبه ~~بالظلمة في الملابس والمراكب، والتباهي بالعم والتطاول على الناس، فدلت ~~الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، ~~وإرشادهم إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، وفي معنى هذه الآية يقول ~~المرتضى عليه السلام: هذا إطلاق من الله عز وجل للمؤمنين في النفر عند طلب ~~العلم والإفادة، فأجاز لهم أن ينفر من كل فرقة طائفة، والطائفة فهي الجماعة ~~ليتفقهوا في الدين، ويتعلموه، ثم يرجعوا إلى قومهم ينذرونهم، كما ذكر الله ~~ويعلمونهم الخير الذي أفادوه، ويعلمونهم بالحق الذي رأوه، فأما إذا وجب ~~الجهاد والقتال، واحتاج الإسلام وجب عليهم ما قال الله سبحانه في الآية ~~الأخرى: {انفروا خفافا وثقالا} وقد افترض الله سبحانه على الخلق أن يقيموا ~~الصلاة، ثم افترض عليهم في الجمعة أن يبسعوا إليها، وهو فرض واحد، فأوجب في ~~وقت أن يسعى إليها، ولم يوجب في ms2096 سائر الصلاة سعيا وهي صلاة كلها واجبة، ~~كذلك أوجب عز وجل في حال العلم والاستفادة أن تنفر طائفة من كل قوم، وأوجب ~~عند الجهاد وحاجةالإسلام، وما يقوم به دين محمد عليه السلام بالنفير ~~بالجماعة، انتهى، ثم قال: {لعلهم يحذرون} أي ليحذورا من الجهل، إذ لا أضر ~~منه فيعملون صالحا. PageV19P436 # قال الرازي في تفصيل هذه الآية: واعلم أنه يمكن أن يقال هذه الآية من بقية ~~أحكام الجهاد، ويمكن أن يقال إن الكلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد، أما ~~الاحتمال الأول فنقل عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج ~~إلى الغزو ولم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب علة، فلما بالغ الله سبحانه في ~~عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن شيء من ~~الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن سرية، فلما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأمر السرايا إلى الكفار نفر ~~المسلمون جميعا إلى العدو، وتركوه وحده بالمدينة، فنزلت هذه الآية، والمعنى ~~لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد، بل يجب أن يصيروا ~~طائفتين، تبقى طائفة في خدمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتنفر طائفة ~~أخرى مع [497]الغزاة، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجا إلى الغزو ~~والجهاد، وقهر الكفار، وأيضا كان التكاليف تحدث والشرائع تنزل، فكان ~~بالمسلمين حاجة إلى مؤمن يكون مقيما بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيتعلم تلك الشرائع، ويحفظ تلك التكاليف، ويبلغها إلى الغائبين، فثبت ~~أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى قسمين، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني يكونون ~~مقيمين في حضرة الرسول، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن ~~المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين في التفقه، ~~وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين إذا عرفت هذا، فنقول على هذا ~~القول احتمالان: PageV19P437 # أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين ms2097 يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما ~~لازموا خدمة الرسول وشاهدوا الوحي والتنزيل، فلكما نزل تكليف وحدث شرع ~~عرفوه وضبطوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة عن الغزو إليهم، فالطائفة المقيمة ~~ينذرونهم بما تعلموه من التكاليف والشرائع، وبهذا التقدير فلابد في الآية ~~من إضمار، والتقدير: {فلولا نفر من كل فرقة} منهم طائفة، وأقام طائفة ~~ليتفقه المقيمون في الدين، {ولينذروا قومهم}، يعني النافرين إلى الغزو إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله عند ذلك التعلم. # الاحتمال الثاني: هو أن يقال التفقه صفة للطائفة النافرة، وهذا قول ~~الحسن، ومعنى الآية: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، حتى تصير هذه ~~الطائفة النافرة فقهاء في الدين، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور ~~المسلمين على المشركين، وأن العدد القليل يغلبون العالم من المشركين، ~~فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله يخصهم بالنصرة والتأييد، وأنه تعالى ~~يريد إعلاء دين محمد وتقوية شريعته إذا رجعوا من ذلك إلى قومهم من الكفار، ~~أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النظر والفتح والظفر، لعلهم يحذرون فيتركون ~~الكفر والشرك والنفاق، فهذا القول أيضا محتمل، وقد قيل إن هذا الجنس لا ~~يعدون فقهاء في الدين. # وأجيب: بأن التنبيه لفهم الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه. PageV19P438 # والاحتمال الثاني: وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد بل ~~حكم مبتدأ مستقل بنفسه، وتقريره أن يقال: إنه تعالى كما بين في هذه السورة ~~أمر الهجرة، ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان تتعلقان بالسفر، أيضا بين عبادة ~~التفقه من جهة الرسول وله تعلق بالسفر فقال: {وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة} إلى حضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتفقهوا في الدين، بل ~~ذلك غير واجب وغير جائز، بل ليس حالة كحال الجهاد معه، الذي يجب أن يخرج ~~فيه كل من لا عذر له، ثم قال: {فلولا نفر من كل فرقة} من الفرقة الساكنين ~~في البلاد طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين، وليعرفوا الحلال ~~والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم، ~~وعلى ms2098 هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم. # فإن قيل: أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان؟ # قلنا: متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وفي زمان الرسول كان[498] ~~الأمر كذلك؛ لأن الشريعة ما كانت مستقرة، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد، ~~وشرع حادث، أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة، فإذا أمكنه تحصيل العلم ~~في الوطن لم يكن السفر واجبا، والله أعلم. # ثم قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} قال ~~في البرهان: والآية عامة في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنا فالأدنا، ~~واستفاقة من يلني هذا الأمر، أي يقرب مني. PageV19P439 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني قوله: {قاتلوا الذين يلونكم} أي ~~اقتلوا الذين بينكم من الكفار وعندكم، وقد زعم بعض الجهال أن الهادي إلى ~~الحق عليه السلام غلط في هذا التفسير، وزعموا أن يلونكم مستقبل، أو بين حرف ~~من حروف الصفات، وجهل أعداء الله ما علم صلوات الله عليه من الأمور، وهم ~~بحمد الله أولى وأحق بالغلط والجهل والتقصير، وقد مات الواجب عليهم أن ~~يتهموا أنفسهم ولا يتهموه، ولكنهم سفل لم يعرفوا الله ولم يخافوه، والهادي ~~إلى الحق عليه السلام أبصر وأعلم وأحق من النحويين، وأبصر بدقائق العلوم ~~والأسباب من هؤلاء المنافقين الذين تفقهوا للرئاسة والنفاق، والتكثير على ~~الرعاع من الفساق، وإنما دق عليهم الأمر ولم يحجزهم الورع، وسيبين إن شاء ~~الله كذبهم وركاكتهم وجهلهم، وذلك أن معنى قول الله: {يلونكم} لفظه لفظ ~~الفعل المستقبل، ومعناه بينكم، كما قال الهادي عليه السلام ، ولكنهم لم ~~يفرقوا بين اللفظ، والمعنى وهم الحمد لله أهل الجهل والضلالة والعمى، وكم ~~في كتاب الله من لفظ يحتمل معنى غير ظاهر، وله شاهد في اللغة، قال الشاعر ~~في مثل ذلك: # وصالوا صولة فيما يليهم # وصلنا صولة فيما يلينا # يريد فيمن هو بيننا ومعنا من أصحابنا، فخرج اللفظ غير مخرج المعنى، ولو ~~كان كتاب الله يؤخذ على ظاهره لما احتاج أحدا أبدا إلى تفسير باطنه، ولو ms2099 ~~علم الله في هذه الأمة أنهم يقومون مقام أهل بيت نبيه لجعلهم مترجمين ~~لكتابه، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالاته، والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون، انتهى. # واعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال ~~المشركين كافة، ثم صارت منسوخة بقوله: قاتلوا المشركين كافة. PageV19P440 # وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا: إنه تعالى لما أمر بقتال ~~المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبدؤا ~~من الأقرب فالأقرب، مستقبلين إلى الأبعد فالأبعد، ألا ترى أن أمر الدعوة ~~وقع على هذا الترتيب؛ ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم حارب قومه أولا، ثم ~~انتقل منهم إلى غزو سائر العرب، ثم انتقل منهم إلى غزو الشام، وقيل: هم ~~قريظة والنظير وفدك وخيبر، وقيل الروم، وكانوا يسكنون الشام وهو أقرب إلى ~~المدينة من العراق وغيره، والله أعلم. # وإنما قلنا: إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى؛ لأن مقاتلة ~~الكل دفعة متعذر، ولما يساوا الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر ~~والمحاربة، واجتمع الجمع، وحب الترجيح، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة ~~وكما في سائر المهمات[499] ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم، فوجب ~~الابتداء بالأقرب، ثم قال تعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} أي شدة وعنفا، ومثله: ~~{واغلظ عليهم} أي يجدوا فيكم جرأة عليهم، وصبرا على القتال، ثم قال: ~~{واعلموا أن الله مع المتقين} أي ينصر المتقي الذي لا يعصي الله ولا يخل ~~بطاعته. PageV19P441 # واعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة قال: {وإذا ~~ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا}، أي تصديقا، يقول ذلك ~~بعضهم لبعص استهزاء بالمؤمنين يقولون إنها تزيدهم إيمانا؛ لأنها أزيد في ~~النفير والثبات {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} أي تصديقا وإيقانا {وهم ~~يستبشرون} بنزول السورة، أو زادتهم عملا فلأن زياد العمل زيادة في الإيمان؛ ~~لأن الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل، فأخبر تعالى أنه حصل ms2100 للمؤمنين بسبب ~~نزول هذه الآية أمران، وحصل للكافرين أيضا أمران، أما الذي حصل للمؤمنين: ~~فالأول أنها تزيدهم إيمانا، إذ لابد عند نزولها أن يقرأوها ويعترفون بأنها ~~حق من عند الله. # والثاني: ما يحصل لهم من الاستبشار، فمنهم من حمله على ثواب الآخرة، ~~ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر، ومنهم من حمله على ~~الفرح والسرور الحاصل بسبب تلك الزيادة من التكاليف، من حيث يتوسل بها إلى ~~مزيد الثواب، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في ~~المؤمنين، فقال سبحانه: {وأما الذين في قلوبهم مرض}. # قال الهادي عليه السلام في قلوبهم مرض من دعوة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والمرض فهو: الشك والحيرة، والحسد له صلوات الله عليه وعلى آله ~~وسلم، فكانت قلوبهم بدخوله مما يأتي من الحق خوفا أن يظهر حقه وكلمته، ~~ويمكن في قلوب العرب دعوته، وكانوا كلما أسفوا من شيء زاد الله نبيه حجة ~~ونورا، ودلالة وحقا، فازدادت قلوبهم مرضا بما يريد الله بما يزيد الله نبيه ~~من النور والهدى، انتهى. PageV19P442 # جعل الاعتقاد الفاسد آفة في الدين شبهه بالمرض الذي هو آفة الصحة أو فيها ~~مرض حقيقة من تعب الجسد، ومعنى قوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} أي زادتهم ~~عذابا وغما على غمهم، والرجس هاهنا هو: العذاب، والغيظ والتعب والعقاب، قال ~~الشاعر: # إذا سنة كانت تجد محيلة ... فكان عليها رجسها وعذابها # أي تعبها وغمها، ونكدها وعسرها، وسمي به الكفر مجازا؛ لأنه سببه كقوله: ~~{إنما يأكلون في بطونهم نارا}، وقيل: المراد من الرجس العقائد الباطلة، أو ~~الأخلاق المذمومة، فإن كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور ~~النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السور الجديدة، فقد انضم كفر إلى ~~كفر، وإن كان الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط ~~وجوه الكفر والكيد والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة، ~~والله أعلم. # والأمر الثاني: قوله: {وماتوا وهم كافرون} فتكون هذه الحالة كالأمر ~~المضاد للاستبشار الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة ms2101 أسوا وأقبح من الحالة ~~الأولى، وذلك[500] لأن الحاجة الأولى عبارة عن إزدياد الرجاسة، وهذه الحالة ~~عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه، ثم قال تعالى: {أولا يرون أنهم يفتنون} ~~أي يبتلون ويختبرون {في كل عام مرة أو مرتين} يعني بالجوع بالجدب والغزو ~~والجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون الابتلاء فيما يظهره الله عز وجل من ~~هتك أستارهم وسوء نياتهم {ثم لا يتوبون} من نفاقهم {ولا هم يذكرون} أي ~~يعتبرون. PageV19P443 # قال الواحدي: قوله: {أولا يرون} هذه ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فهو ~~يتصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه، يريد تعالى ألا يعلمون ~~أنهم يمتحنون في كل عام مرة أو مرتين من الأمراض والمصائب التي جعلها عليهم ~~ليتوبوا ويرجعوا، ويعتبروا، وقيل: موتهم؛ لأنه عز وجل أذاقهم مصائب الدنيا ~~ليزهدوا ويرغبوا في الآخرة، ويهتدوا، فلم يتبوا عند ذلك ولم يتذكروا، ~~وكابروا عقولهم فلم يعتبروا، ثم أخبر تعالى عن نوع آخر من مخازي المنافقين ~~فقال: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} أي كلما نزلت سورة مستقلة ~~على ذكر المنافقين، وشرح فضائحهم وسمعوها، ونظر بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا ~~دالا على الطعن في تلك السوؤة والاستهزاء، وتحقير شأنها، ويحتمل أن لا يكون ~~ذلك مختصا بالصورة المشتملة على فضائح المنافقين، بل كانوا يستحقرون ~~القرآن، فلما نزلت سورة استهزأو بها وطعنوا فيها، وأخذوا في التغامز ~~والتضاحك على سبيل الطعن والهزء، ثم قالوا: {هل يراكم من أحد} وهذا فيه وجوه: # الأول: أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة ~~التامة، فخافوا أن ير أحد من المسلمين ذلك النظر، وتلك الأحوال الدالة على ~~النفاق والكفر، فعند ذلك قالوا هل يراكم من أحد أي لو رآكم أحد على هذا ~~النظر وهذا الشكل نظركم جدا. # والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها فتغامزوا ~~بالعيون سخرية بالوحي، قائلين: هل يراكم من أحد من المسلمين لننصرف فإنا لا ~~نصبر على استماعه، ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح، أو يراقبوا، يتشاورون في ~~تدبير الخروج ms2102 والانسلال. PageV19P444 # قلت: وهذا الوجه ذكره الإمام الناصر أحمد بن يحيى عليهما السلام حيث قال: ~~وإذا ما أنزلت سورة من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها ~~عيب المنافقين وذكرهم، فذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخطبهم وعرض ~~لهم في خطبته، شق ذلك عليهم، وعرفوا بمكانهم، ثم نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد إن قمتم، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدا ~~يراهم إذا قاموا ثبتوا مكانهم حتى يخرج من خطبته، انتهى. # ثم قال سبحانه فيهم: {ثم انصرفوا} قيل: انصرفوا عن مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كراهة وخجلا وذلا، وقيل: انصرفوا عن استماع القرآن ~~بآذانهم، وقيل: انصرفوا عن الإيمان، أو عن العمل بما في السورة، وقوله: ~~{صرف الله قلوبهم} دعا عليهم بالخذلان، وبصرف قلوبهم عما هم عليه أهل ~~الإيمان من الانشراح والثبوت على الإسلام والاتقان. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه صرف الله قلوبهم عن رحمته على ~~كفرهم، وكافأهم بالعذاب على شركهم {بأنهم قوم لا يفقهون} أي بسبب أنهم قوم ~~لا يعملون. # قال أحمد بن يحيى الناصر[501] عليه السلام: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~عن الإيمان بأنهم قوم لا يفقهون، يقول: لا يقبلون إلى أمر الله عز وجل ~~ولاإلى نزول الآي فيهم، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ هذه ~~السورة إلى الخلق، وفيها تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها إلا لمن خصه ~~الله تعالى بغاية التوفيق والكرامة، وختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل ~~تلك التكاليف فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي من جنسكم إن كان الخطاب ~~عاما، أو من نسله عربي، إن كان الخطاب خاصا، وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي ~~من أشرفكم نسبا، وأكثركم طاعة لله {عزيز عليه ما عنتم} أي شديد عليه مآثمكم ~~ومضرتكم وتعبكم، لا يريد غمكم ولا نصبكم. PageV19P445 # قال الفراء: ما في قوله: {ما عنتم} في موضع رفع، والمعنى عزيز عليه فيكم، ms2103 ~~أي شق عليه ضلالكم ومكروهكم، وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله، وهو ~~إنما أرسل لدفع هذا المكروه {حريص عليكم} أي على أن لا يبقى منكم أحد على ~~الكفر لتسعدوا بدين الحق {بالمؤمنين رءوف رحيم} أي حريص على هدايتكم، رؤوف ~~رحيم لمن آمن منكم، لما يدعوكم إليه من الهداية، ويؤثره لكم من الصلاح، ~~وإنما كان هذا موجب السهولة يحتمل تلك التكاليف؛ لأن هذا الرسول منكم، فكل ~~ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا هو عائدا إليكم أيضا، ~~فإنه............شق عليه ضرركم ويعظم ترغيبه في إيصال خير الدنيا والآخرة ~~إليكم، فهو كالطبيب المشفق، وكالأب الرؤف الرحيم في حقكم، وقوله بالمؤمنين ~~رءوف رحيم يفيد الحصر، يعني انه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين، فأما ~~من عداهم فليس له عليهم رأفة ورحمة، قيل: ومعناهما واحد، وقيل الرؤف أقوى ~~في المعنى، ثم قال تعالى في المنافقين والمشركين: {فإن تولوا} أي أعرضوا عن ~~الإيمان وحاربوك، وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد {فقل حسبي الله} أي ~~كفاني، فهو كافي مضرتكم فلا تضروني شيئا وهو حسبي معنا عليكم {لا إله إلا ~~هو عليه توكلت} أي على رحمته ولطفه اعتمدت، وبه في كل الأمور وثقت، وحقية ~~التوكل التقى برحمة الله والاعتماد عليه، والركون في جميع الأسباب إليه، ~~والطمع والجا لما لديه، وأنه العوض من كل.............من الأسباب، وأنه في ~~جميع الأسباب، وأنه خير الناصحين وخير الأصحاب، اللهم إني متوكل عليك، محب ~~لك، طامع فيما لديك، ثم قال: {وهو رب العرش العظيم} تالعرش العظيم عبارة عن ~~ملكه وسلطانه. # وعن أبي بن كعب: آخر آية نزلت: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} {واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله} والله أعلم. PageV19P446 ### || AUTO سورة الأنفال # سبعون وست آيات مدنية كلها # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال}. # قال في البرهان: وهذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله ~~أصحابه يوم بدر عن الأنفال، والأنفال الخمس من الفيء والغنائم الذي جعله ~~الله سبحانه لأهل الخمس، والنفل الزيادة من الخير، ومنه ms2104 صلاة النافلة، قال ~~لبيد بن ربيعة: # إن تقوى ربنا خير نفل ... ويأذن الله ........... والعجل # وقال الحسين بن القسم[502] عليه السلام: الأنفال هي التي كان يصطفي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو جزء واحد يختاره من رؤس الغنائم وكذلك ~~ينفل من شاء من أصحابه قبل المقسم، انتهى. # واعلم أن الأنفال جمع نفل وهو: الغنيمة؛ لأنها من فضل الله وعطائه، ~~واختلف المسلمون في غنائم بدر لمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم ~~لهم معا؟ فنزلت. # وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النفل وهو زيادة على السهم ~~من المعنم لمن كان له اجتهاد ذلك اليوم، فسارع الشباب حتى قتلوا سبعين ~~واسروا سبعين، وبقي الشيوخ تحت الرايات وطلب الشباب ما شرط لهم، وقالوا: ~~نحن المقاتلون، وقال الشيوخ: كنا لكم فئة إن هزمتم، وقالوا له صلى الله ~~عليه وآله وسلم: المغنم قليل والناس كثير، وإن تعط هؤلاء حرمت أصحابك، ~~فنزلت وقد جرى كلام كثير، فقسمها صلى الله عليه وآله وسلم بالسوية، ونفل من ~~أراد، نفل سعد بن أبي وقاص سيف سعيد بن العاص. PageV19P447 # قال الهادي عليه السلام: الأنفال هي: الغنائم التي نفلها الله المسلمين، ~~وجعلها لهم، وأطلقها، ولم يكن أطلقها لأحد قبل محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأخبرهم الله أنه لا يجوز لهم فيها هبة ولا قبض، ولا انبساط، أعلمهم ~~أن الحكم فيها إلى الله ورسوله بقوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} فحكم ~~الله عز وجل فيها ورسوله، بما قد علمتم من خمسها، وقسم الأربعة الأخماس على ~~من حضرها من الرجال والفرسان على الأسهم المعروفة للراجل سهم وللفارس ~~سهمان، انتهى. # قال في الكشاف: وإنما جمع بين ذكر الله والرسول في قوله: {قل الأنفال لله ~~والرسول} لأن المعنى أن حكمها مختص بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما ~~تقتضيه حكمته، وتمثل رسوله أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى ~~رأي أحد، والمراد أن الذي اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسي ~~المقاتلة المشروط لهم التنفيل الشيوخ ms2105 الذين كانوا عند الرايات، فيقاسمونهم ~~على السوية، ولا يستأثروا بما شرط لهم، انتهى. PageV19P448 # وقال الوالد علم الأعلام، شيخ العترة الكرام: أحمد بن محمد بن صلاح رحمة ~~الله عليه: هذا غير واضح، بل الأظهر أن الأمر فيها للرسول يضعها حيث يشاء، ~~وأن الله قد فوضه فيها على وفق المصلحة، ويدل على هذا ما روي عن عبادة بن ~~الصامت قال: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه ~~أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله لرسوله فقسمه بين المسلمين على ~~السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين، وأما ~~التشريك بين الله ورسوله في أمرها، فإنما المراد به موافقة المصلحة الذي ~~يراها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويظنها، ولو لم يكن الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم مفوضا لما كان لتشريكه معنى، كسائر احكام الله، ولكان ~~المناسب حينئذ أن يقال: الأنفال لله، ثم يأمر رسوله بمطابقة مراده تعالى ~~كسائر الأحكام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يجب عليه امتثال أمر ~~ربه، وهو المترجم عن مراده تعالى من غير شريك في الأمر، والله اعلم فافهم. # قلت: ويؤيد هذا ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قسم ما غنموه يوم بدر ~~على من حضروا وعلى أقوام لم يحضروا أيضا، وهم ثلاثة من المهاجرين ~~وخمسة[503] من الأنصار. # أما الثلاثة من المهاجرين فأحدهم: عثمان بن عفان فإنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم تركه على ابنته؛ لأنها كانت مريضة، وطلحة وسعيد بن زيد، فإنه كان صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعثهما للتجسيس في خبر العير، وخرجا في طريق الشام. PageV19P449 # وأما الخمسة من الأنصار، فأبو لبابة بن عبد المنذر خلفه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على المدينة، وعاصمن خلفه على العالية، والحارث بن حاطب ~~ردوه من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه، والحارث بن الصمة أصابته ~~علة في الروحاء، وحوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لهم في تلك الغنائم ms2106 بسهم، ووقع من غيرهم فيه منازعة، فنزلت ~~هذه الآية بسببها، ثم قال تعالى: {فاتقوا الله} معناه واتقوا عقاب الله، ~~ولا تقدموا على معصية الله، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال، ~~وارلاضوا بما حكم به رسول الله {وأصلحوا ذات بينكم} أي اصلحوا ما بينكم من ~~الأقوال والاختلاف، وارجعوا إلى النصف وائتلاف، ولا تميلوا عن الحق والعدل ~~والإنصاف، ولما كانت الأقوال واقعة في الدين قيل لها ذات البين، كما أن ~~الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور، والمعنى أنه نهاهم ~~عن مخالفة حكم الرسول بقوله: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ثم أكد ذلك ~~بأن أمرهم بطاعة الله بقوله: {وأطيعوا الله} فيما أراد {ورسوله} فيما حكم، ~~ثم بالغ في هذا التأكيد فقال: {إن كنتم مؤمنين} والمراد أن الإيمان الذي ~~دعاكمن الرسول إليه وغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة، ~~فاحذروا الخروج. # قال في التجريد: نسخ هذا بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه} الآية، ووجه النسخ أن قوله غنمتم يدل على أن للغانمين أربعة ~~أخماس، من حيث أنه أضاف إليهم، فإذا خرج الخمس علم أن الباقي لمن أضيف إليه ~~الغنم، ذكره الثعلبي وغيره. PageV19P450 # قال: وهو قول مجاهد وعكرمة، انتهى، والصحيح ان الآية ثابتة الحكم؛ لأن قوله ~~الأنفال لله والرسول معناه أن الحكم فيها لله والرسول، وهذا المعنى باق، ~~ولم يمكن أن يكون منسوخا، ولأنه لو صح النسخ لما قسم صلى الله عليه وآله ~~وسلم الأربعة الأخماس على من حضر الغنيمة من الرجال والفرسان على الأسهم ~~المعروفة، ولكان الحكم فيها للغانمين، والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما قال: {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} واقتضى ~~ذلك كون الإيمان مستلزما للطاعة أتبعه مزيد شرح لذلك، وبيان وتفصيل، وأخبر ~~أن الإيمان لا يحصل إلإ عند حصول هذه الطاعات، فقال: {إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي خافت وفزعت، والمراد أن المؤمن إنما يكون ~~مؤمنا إذا كان خائفا من الله، ونظيره قوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين ms2107 ~~يخشون ربهم} وقوله: {والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} وقوله: {الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون} والمراد فزعت لذكره، استعظاما له وتهيبا من جلاله وعزه ~~وسلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه، فإن قيل: إنه تعالى قال: وجلت قلوبهم، وقال ~~في آية أخرى وتطمئن قلوبهم بذكر الله فكيف الجمع بينهما، وايضا قال في آية ~~أخرى: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}. # فجوابه أن الإطمئنان إنما يكون من بلج النفس وشرح الصدر بمعرفة ~~التوحيد[504] والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين ~~الحالتين، بل هذا أن الوصفان اجتمعا في آية وهي قوله: {تقشعر منه جلود ~~الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} والمعنى تقشعر ~~جلودهم من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله، فبين ~~الله سبحانه من صفاتهم أمور خمسة: PageV19P451 # الصفة الأولى: قوله: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}. # والثانية: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} أي ازدادوا بها يقينا ~~وطمأنينة نفس؛ لأن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيمانا؛ ~~لأن بظاهر الأدلة الأقوى للمدلول عليه واثبت لقدمه ، وقد حملت على زيادة العمل. # وعن أبي هريرة: الإيمان سبع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. # وعن عمر بن عبد العزيز: إن للإيمان سننا وفرائض وشرائع فمن استكملها ~~استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ذكره في الكشاف. # الصفة الثالثة للمؤمنين قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} ولا يعرضون أمورهم إلى ~~غير ربهم، ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه؛ لأن هذا الكلام يفيد الحصر، فأخبر ~~تعالى أن صفة المؤمن أن يكون واثقا بصدق الله في وعده ووعيده. # الصفة الرابعة والخامسة قوله: {الذين يقيمون الصلاة} أي يقيمونها كاملة ~~في أوقاتها {ومما رزقناهم ينفقون} الزكاة وغيرها، جمع بين أعمال القلوب من ~~الخشية والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة. # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس أثبت للموصوف بها أمورا ثلاثة: # الأول: قوله {أولئك ms2108 هم المؤمنون حقا} وفي معنى حقا قولان: # أحدهما: أنه متصل بقوله: {هم المؤمنون} والمعنى هم المؤمنون بالحقيقة. # والثاني: أن الكلام تم عند قوله: {أولئك هم المؤمنون} ثم ابتدأ وقال: ~~{حقا لهم درجات عند ربهم} وذكروا في نصب حقا وجوها: # الأول: قال الفراء: التقدير أخبركم بذلك حقا، أي إخبارا حقا. # والثاني: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف، يدل عليه الكلام، ~~والتقدير: أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقا. PageV19P452 # وسئل الحسن: أمؤمن أنت؟ فقال: هو قسمان: فإن أردت الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله والجنة والنار فأنا مؤمن، وإن أردت الذي في قوله: {إنما ~~المؤمنون} الآية فوالله ما أدري. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أراد بقوله: {هم المؤمنون حقا} رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون الذين اتبعوه. # الحكم الثاني: من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصفين بالصفات الخمس ~~قوله: {لهم درجات عند ربهم} أي علو منزلة ورفعة مراتب من الفضل بعضها أعلا ~~من بعض. # الحكم الثالث والرابع: قوله تعالى: {ومغفرة} أي ستر لذنوبهم {ورزق كريم} ~~يعني الجنة. # قال المتكلمون: أما كونه رزقا فهو إشارة إلى كونه منفعة، وأما كونه كريما ~~فهو إشارة إلى أن تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالإكرام والتعظيم، وجموع ~~ذلك حد الثواب، ثم قال تعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون}. # اعلم أن قوله تعالى: {كما أخرجك} يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج، وذكروا ~~فيه وجوها: # الأول: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه جعل لك ولأصحابك ذلك ~~الثواب كما أخرجك[505] من بيتك مكافأة لك ولهم ذلك الحق. PageV19P453 # والثاني: قال الهادي عليه السلام: هذا إخبار من الله تبارك وتعالى بما كان ~~من خيرته لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه إلى أحد وبرزه عن المدينة ~~حتىكانت الحرب بأحد، ولم تكن على أبواب المدينة، فكان ذلك خيرة من الله ~~لنبيه، فأما قوله: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} فقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم شاورهم أين يكون قتالهم: ((أترون أن نثبت ms2109 حتى يأتونا ~~المدينة فنقاتلهم على دروبها أو نخرج فنقاتلهم ناحية منها))، فأشاروا عليه ~~بالقتال في المدينة، فأطاعهم ثم بدا لهم فأشاروا بالخروج فأطاعهم، فدخل ~~منزله ولبس لامته، ثم ركب وخرج، فلما خرج قالوا: يا رسول الله ارجع إلى ~~الرأي الأول إلى القتال على أبواب المدينة، نثبت لهم حتى يأتونا إلى أهلنا، ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما كان لنبي إذا لبس لامته يعني درعه أن ~~يفسخها حتى يقاتل)) ومضى صلى الله عليه وآله وسلم نحو أحد فكرهوا ذلك ~~وجادلوه فيه وثقل عليهم الخروج إلى قريش، ورجع من الطريق عبد الله بن أبي ~~الأنصاري في ثلاثمائة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في باقي ~~الناس، وفيهم من الهيبة والفرق ما قال الله عز وجل: {كأنما يساقون إلى ~~الموت وهم ينظرون} من لقاء القوم وحاربوهم، وكان من الأمر ما كان، انتهى. PageV19P454 # والثالث: أن المراد ان الأنفال جعل أمرها لله والرسول كما أخرجك ربك أي ~~لأجل إخراجك من المدينة، والمعنى امض لأمر الله في الغنائم كما مضيت لأمره ~~في الخروج، وهم له كارهون، وقيل: لما قال: أولئك هم المؤمنون حقا كان ~~التقدير أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك على ~~كره فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه، وقوله: وإن ~~فريقا إلى آخره في محل الحال، أي أخرجك في حال كراهتهم خروجك، قيل: من مكة ~~إلى المدينة، وقيل: المراد بيته بالمدينة، وقيل: المراد أن حالهم في كراهة ~~ما رأيت من.........الغزاة كحالهم في كراهة خرو جك للحرب، وقال: أخرجك ربك ~~لأنه خرج بإرادته ووحيه، فكأنه أخرجه، ثم قال: {يجادلونك في الحق بعد ما ~~تبين} بالوحي أينم منصورون، ومعنى يجادلونك أي يخاطبونك في الحق الذي خرجت ~~له، ويسألونك عنه بعدما تبين لهم. # وقال في البرهان: يعني في القتال يوم بدر، والمتنازع له طائفة ممن كان ~~معه من أصحابه الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم النفاق، فخرجوا لأخذ العير ~~المقبلة من الشام مع أبي سفيان، فلما فاتهم ذلك ms2110 أمروا بالقتال فجادولا طلبا ~~للرخصة، وقالوا: ما تأهبنا للخروج للقاء العدوا، فأنزل الله تعالى ذلك. PageV19P455 # قال الرازي في تفسيره: روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة، ~~ومعها أربعون راكبا فيهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وأقوام آخرون، فأخبر ~~جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبر المسلمين ~~فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير، وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة ~~خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجا على كل صعب وذلول، إن ~~أخذ محمد عيركم لم تفلحوا أبدا[506]وقد كانت رأت أخت العباس رؤيا فقالت ~~لأخيها: رأيت عجبا رأيت ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم رمى بها ~~فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة فحدث بها العباس، ~~فقال أبو جهل: ما رضت رجالكم بالنبوة حتى ادعت نساؤهم أيضا النبوة، فخرج ~~أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير في المثل السائر لا في العير ولا في ~~النفير، فقيل: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فأرجع بالناس إلى مكة فقال: ~~لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمر، ونقيم القينات ~~والمعازف ببدر، فيتسامع جميع العرب بخروجنا، وأن محمدا لم يصب العير فمضى ~~بهم إلى بدر، وبدر كانت العرب تجتمع فيه يوما في السنة ونزل جبريل فقال: ما ~~يقولون أن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب إليكم أو ~~النفير، قالوا: بل العير أحب إلينا من لقا العدو، فتغير وجه رسول الل صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقال: ((إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل ~~قد أقبل)) فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، ولما شاور صلى الله ~~عليه وآله وسلم أصحابه قال من صح يقينه منهم: يا رسول الله قد آمنا بك، ~~وصدقناك وشهدنا بما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على ~~السمع والطاعة، فامض يا رسول الله ما أردت، ثم قام سعد بن ms2111 معاذ رضي الله ~~عنه فقال: امض ما أمرك الله به، فوالله لو سرت إلى غور ما تخلف عنك رجل من ~~الأنصار، ثم قال المقداد بن عمرو: امض ما PageV19P456 أمر الله فإنا معك حيث أردت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {ذاهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن نقول: اذهب أنت وربك إنا معكما ~~مقاتلون، ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقال: ((سيروا على بركة الله، والله لكأني أنضر إلى مصارع القوم)) ولما فرغ ~~نبي الله من بدر قال بعضهم: عليك بالعير، فناداه العباس وهو في وثاقه لا ~~يصلح، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لم))؟ قال: لأن الله وعدك ~~إحدى الطائفتين وقد أعطاك، إذا عرفت هذه القصة كانت كراهية القتال خاصة ~~لبعضهم لا لكلهم، بدليل قوله تعالى: {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} ثم ~~إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى ~~الموت وهو ينظر إليه فقال: {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}. واعلم أن ~~خوفهم كان لأمور: # أحدها: قلة العدد. # وثانيها: أنهم كانوا رجالة، وروي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. # وثالثها: قلة السلاح، ثم قال تعالى: {وإذ يعدكم الله} إذ منصوب بإضمار ~~اذكر أي واذكروا وقت يعدكم الله {إحدى الطائفتين أنها لكم} يعني العير التي ~~مع أبي سفيان، أو الظفر بقريش الخارجين للمنع منها. PageV19P457 # قال الهادي عليه السلام: إحدى الطائفتين فهم عسكر قريش الذي لقي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ببدر، والطائفة الأخرى فهي العير التي أقبلت من الشام ~~إلى مكة تحمل الطعام، فلما أن وعدهم أن يظفرهم باحدهما أحب المسلمون وودوا ~~أن تكون طائفة العير والطعام الذي ليس فيها إلا الحمالين الذين لا يحاربون ~~ولا يدافعون[507] عنها ولا شوكة فيها، وأشفقوا من طائفة العسكر والجيش الذي ~~فيه السلاح والخيل، فأحبوا أن يلقوا غير هذه الطائفة فتكون أهون عليهم في ~~المعاناة وأسلم لهم، وكان الله يريد غير ذلك من ms2112 إذلال العسكر ومن فيه، ~~وقيل: أعداء نبيه وإظهار النصرة على عدوه وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ~~انتهى، وهو معنى قوله: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي وتحبون أن ~~الطائفة التي لا عير معهم تكون لكم، وأن تلقوا الغنيمة التي لا شوكة لها ~~عندكم ولا خوف معها على أنفسكم، الشوكة هي، الحد، وهذا مأخوذ من الشوكة ~~وحدها، ذكره الحسين بن القاسم عليه السلام ، وعبارة البرهان في معنى: ~~{وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي غير ذات الشوكة تكون لكم أي غير ~~ذات الحرب وهي العير؛ لأن نفوسهم في لقائها أسكن، وهم إلى ما فيها من ~~الأموال أحوج، وفي الشركة التي كنا بها عن الحرب وجهان: # أحدهما: السداد، فكنى بها عن الحرب لما فيها من الشدة. # والثاني: أنها السلاح، وشاك في السلاح، فكنى بها عن الحرب لما فيها من ~~السلاح، ثم قال: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي إظهار الحق بإعزاز ~~الدين في وقته على ما تقدم من موعده. # والثاني: أن يحق الحق في أمره لكم لأن تجاهدوا عدوكم، أو قال: بكلماته أي ~~بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة {ويقطع دابر الكافرين} الدابر الآخر ~~من دبر إذا أدبر، وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال. PageV19P458 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه يريد الله خلاف ما أردتم من العير ~~يحب قطع دابر الكافرين، ونفية الجبارين وأكابرهم {ليحق الحق ويبطل الباطل} ~~أي يظهر الإسلام ويبطل الكفر، أي فعل ذلك وما فعله إلا لهما، وهذا ليس ~~بتكرير للأول؛ لأنه لا يمييز بين إرادة الله وإرادتهم، وهذا بيان غرضه فيما ~~فعل من اختيار ذات الشوكة {ولو كره المجرمون} من الكفار وغيرهم. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت قبل قوله: {كما أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق}، وهي في القراءة بعدها. # واعلم أنه تعالى لما أخبر في هذه الآية أنه يحق الحق ويبطل الباطل أخبر ~~تعالى أنه الذي نصرهم عند الاستغاثة فقال: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} ~~يجوز أن يكون العامل في إذ هو قوله: ويبطل ms2113 الباطل، فتكون الآية متصلة بما ~~قبلها، وإذ طرف ليحق الحق لما علموا أنه لابد لهم من القتال قالوا: ربنا ~~انصرنا على عدوك، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير: واذكروا إذ ~~تستغيثون أي تدعون ربكم بالغوث والحياة، فأجاب دعاؤكم {أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين}، أي بأني ممدكم حذفت التاء وقرئ بكسر الهمزة. # قال في البرهان: معنى مردفين، أي مع كل ملك ملك، فيكون الألف ألفين، ~~والثاني متتابعين إمدادا إمدادا للمسلمين، انتهى، والرديف والردف هو: ~~التابع، قال الشاعر: # إذ الجوزاء أردفت الثريا # أي تبعتها وسارت وراءها، واختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر فقال ~~قوم: نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وميكائيل في ~~خمسمائة على الميسرة في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وقاتلوا، وقيل؟: قاتلوا ~~يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين. # وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا نسمع ولا نر ~~شخصا؟ قال: من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا. PageV19P459 # وقال آخرون[508]:لم يقاتلونا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، ~~وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإن جبريلا أهلك بريشة جناحه ~~مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة، والذي يدل على أن ~~الملائكة ما نزلوا للقتال قوله تعالى: {وما جعله الله} أي الإمداد {إلا ~~بشرى} بالنصر اكم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه ما جعل نزول المكلائكة لقتلهم، ~~ولكن جعل نزولهم إلى الأرض بشرى لكم وأنسا وثباتا لقلوبكم، ومثله في ~~البرهان، ثم قال تعالى: {ولتطمئن به قلوبكم} والعون {إلا من عند الله} ذلكم ~~إذ لم تكونوا قادرين على ذلك بأنفسكم، لولا عون اللخه وإحسانه بكم، ~~والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانزوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ~~إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك، بل يجب أن يكون اعتماده على ~~إعانة الله ونصره وهدايته وكفايته {إن الله عزيز حكيم} أي لأجل أن الله هو ~~العزيز الغالب الذي لا يغلب، ms2114 والقاهر الذي لا يقهر، الحيكم فيما يقول من ~~النصرة، فيضعها في موضعها، ولما ذكر تنعالى أنه استجاب دعاؤهم ووعدهم ~~بالنصرة وقال: وما النصر إلا من عن د الله، ذكر عقيبه قوله عز وجل: {إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة منه} النعاس سوابق النوم، والتقدير اذكروا إذ يغشيكم ~~النعاس أمنا أي تتغشون لأمنكم. # ......ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الص لاة وسوسة ~~الشيطان، أي كان الحرب تبعثهم من النوم، فلما سكنت قلوبهم وآمنوا رقدوتا. # قال في البرهان: وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثير من أصحابه ~~غشيهم النعاس ببدر، يعني به الد عوة وسكون الخوف. PageV19P460 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: روي في الحديث أنهم لما التقوا فزع ~~المسملون لقتلهم، ولما رأوا من كثرة المشركين وقوتهم وعددهم ~~وسلاحهم.........فأغشاهم الله النعاس ليذهب خوفهم، وجعلهم أمنة لهم، ~~والأمنة مأخوذة من الأمان، وسكون القلوب عند الفزع والاطمئنان، والنعاس هو ~~النوم، وروي في الخبر أنهم لما صبروا مع خوفهم ومغاشتهم لهلاكهم وتلفهم من ~~الله عليه بذلك النعاس رحمة لهم ومكافأة منه على صبرهم، فروي أن النعاس ~~غشيهم حتى يسقط سيف أحدهم من يده أو قوسه أو رمحه أو ترسه لغلبة ما نزل بهم ~~من النعاس رحمة الله من الله عز وجل لمن أطاعه من الناس، انتهى، وبيان كون ~~ذلك النعاس نعم في حقهم أنهم ناموا نوما غرقا يتمكن العدو ~~من..............، بل ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الإعياء والكلال، مع أنهم ~~كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على د\فعه، وقيل: إنه ~~غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النهاس للجمع العظيم في ~~الخوف والشديد أمر خارق للعادة، فلهذا السبب قيل إن ذلك النعاس في حكم ~~المعجز. # النوع الثاني من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله ~~تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} من النجس والحدث والجنابة. # قال في البرهان: لأن الله تعالى أنزل عليهم ما السماء معونة لهم بثلاثة أمور: # أحدها: الشرب وإن كانوا على ماء. ms2115 # والثاني: وهو أخص أحواله بهم في ذلك المكان، وهو الرمل يتلبد بالماء حتى ~~أمكن المسلمين القتال عليه. # والثالث: ما[509] وصفه الله تعالى من حال التطهير من الأحداث والأدران ~~التي نالتهم، وإنما خصه بهذه الصفة؛ لأنها من أخص صفاته وألزمها، وأما ~~قوله: {ويذهب عنكم رجز الشيطان} فقال فيه: معناه وسوسته، بان القوم قد ~~غلبوهم على الماء، وكيده في قوله: ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة. PageV19P461 # النوع الثالث: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله: {وليربط على قلوبكم} ~~أي ثقة بالنصر والظفر والاستيلاء على الماء. # النوع الرابع من النعم المذكورة هاهنا: قوله: {ويثبت به الأقدام} أي ~~بالصبر الذي أفرغه عليهم حتى يثبتوا لعدوهم على الرمل الذي تلبد. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: روي أن الله عز وجل نزل عليهم مطرا ~~خفيفا ليطهرهم به من نجاسة الشيطان، ومقارنته وملابسته، دخوله بينهم ~~ورائحته، وليربط على قلوبهم ويثبتهم ويخفوا بالماء المبارك مم ثقلهم لما ~~جعل الله فيه من الحكمة والرحمة لهم، والثبات لقلوبهم وإقدامهم، وذلك أن ~~المطر إذا وقع بالأرض اللينة اشتدت والتأم بعضها إلى بعض، وقويت واستمسكت ~~بها الحوافر والأقدام وثبتت. # وروي أن الله أنزل على المشركين مطرا غزيرا ........وأذهب نشاطهم ولبثهم، انتهى. # قال الرازي: روي أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين، ~~وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والرجل، فلما نزل ~~المطر عظم الوحل، فصار ذلك مانعا لهم من المشي. # النوع الخامس من النعم المذكورة هاهنا قوله عز وجل: {إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم} أي معينكم {فثبتوا الذين آمنوا} أي فثبتوهم بحضوركم ~~معهم في الحرب، وبشراكم لهم بالنصر والغلبة، وأنه لا بأس عليهم من عدو هم. # قال في البرهان: ويحتمل أن تكون رؤية الملائكة وتكثيرهم للمسلمين تثبيتا، ~~ويفهم منها أن الملائكة لم يقاتلوا. PageV19P462 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: لما نزلت الملائكة صلوات الله عليهم ثبت ~~المؤمنون بقربهم وبركتهم، واطمأنوا إلى بشارة الله لهم، ووعدهم الله وعدا ~~حقا فشجعهم فقال عز وجل في النوع ms2116 السادس من النعم المذكورة في هذه الآية: ~~{سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} سألقي يجوز أن يكون تفسيرا لقوله: {إني ~~معكم}، وهذا من النعم الجليلة وذلك لأن أمير النفس هو القلب، فلما أخبر ~~تعالى أنه ربط على قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها، وأزال الخوف عنها، وأخبر ~~أنه ألقى الخوف والرعب في قلوب الكافرين كان ذلك من أعظم نعم الله تعالى ~~على المؤمنين. # وأما قوله عز وجل: {فاضربوا فوق الأعناق} ففيه قولان: # أحدهما: أن معنى فوق الأعناق أي المذابح؛ لأنها أعالي الأعناق أو الرؤس؛ ~~لأنها فوق الأعناق، أي ضرب الهام. # والثاني: قال في البرهان: يجوز أن يكون فوق صلة، والتقدير فاضربوا ~~الأعناق. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني لم أبعث ~~لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرقاب، وشد الوثاق)) ثم قال: {واضربوا ~~منهم كل بنان}. # قال في البرهان: يعني المفاصل، ومن أطراف الأيدي والأرجل، والبنان أطراف ~~أصابع اليدين والرجلين أي أجمعوا لهم بين النوعين، ضرب المقاتل وغيرها، ~~وقيل:[510] المراد أن يضربوهم كما شاء، والان ما فوق هو الرأس وهو أشرف ~~الأعضاء، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء، فذكر الأشرف والأخس تنبيها على كل ~~الأعضاء، ومنهم من قال: بل المراد القتل وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع ~~البنان؛ لأن الأصابع من الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا ~~قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة. PageV19P463 # واعلم انه تعالى ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين قال: {ذلك} ~~القتل والضرب {بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي عادوا الله ورسوله، والمعاداة ~~المشاقة من الشق؛ لأن كلا من المنقادين في شق خلاف شق الآخر، والمعنى أن ~~الله تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا ~~الله ورسوله. # قال زجاج: جانبوا وصاروا في شق غير شق المؤمنين، والشق الجانب، وشاقوا ~~الله مجاز، والمعنى شاقوا أولياء الله ودين الله، ثم قال: {ومن يشاقق الله ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب} يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء ms2117 ~~قليل فيما أعد الله لهم من العقاب في القيامة، والمقصود منه الزجر عن ~~الكفر، والتهديد عليه، ثم إنه تعالى لما قال: {ومن يشاقق الله ورسوله} بين ~~بعد ذلك صفة عقابه، وأنه قد يكون معجلا في الدنيا، وقد يكون مؤجلا في ~~الآخرة، فنله بقوله: {ذلكم فذوقوه} على المعجل من القتل والأسر يوم بدر، ~~على أن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة، فلذلك سماه ذوقا؛ لأن ~~الذوق لا يكون إلا تعريف الطعم، ليعرف به الكثير فعجل لهم من الآلام في ~~الدنيا كالذوق القليل من النسبة إلى الأمر العظيم المعد لهم في الآخرة، وهو ~~المراد بقوله: {وأن للكافرين عذاب النار} آجلا. PageV19P464 # قال الزجاج: ذلكم رفع لكونه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير الأمر ذلكم فذوقوه، ~~ولا يجوز أن يكون ذلك مبتدأ، وقوله: فذوقوه خبر؛ لأن ما بعد الفاء لا يكون ~~خبرا للمبتدأ، إلا أن يكون المبتدأ اسما موصولا أو نكرة موصوفة على نحو ~~الذي يأتيني فلهم درهم، وكل رجل في الدار فيكرم، إما أن يقال زيد فمنطلق لا ~~فلا يجوز، قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا} للقتال ~~{زحفا} مجتمعين يزحف بعضهم إلى بعض، والزحف الدنو قليلا قليلا، وهو الجيش ~~الذي يرى لكثرته أنه يزحف، أي يدب من زحف الصبي على استه دب، وهو بيان لحال ~~الذين كفروا، أي إذا لقيتموهم وأنتم قليل وهم كثير فضلا عن أن تقاربوهم في ~~العدد، أو تساوهم أو هو حال من الفريقين، أي إذا لقيتموهم متزاحفين أنتم ~~وهم، أو حال من المؤمنين، والمعنى إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا، وهو ~~معنى قوله: {فلا تولوهم الأدبار} أي لا تجعلوا ظهوركم مقاتلتهم فارين من ~~هم، ولكن سيروا إليهم زحفا مقبلين، ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا الانهزام ~~أخبر أن هذا الانهزام يحرم في الحالتين {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال} أي يعدل من جهة إلى جهة للكر بعد الفر، يرا عدوه أنه منهزم، ثم يعطف ~~عليه وهو باب من خدع الحرب. # والحالة الثانية: قوله: {أو ms2118 متحيزا إلى فئة} أي جماعة غير التي هو فيها. # ابن عمر: كنت في سرية ففروا وأنا فيهم فلما دخلنا المدينة دخلوا البيوت ~~......... فقلت: يا رسول الله نحن الفارون، فقال: ((بل أنتم العكارون إلي ~~الراجعون والكرارون وأنا فيكم)) والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في ~~هاتين الحالتين، ومعنى {فقد باء بغضب} أي[511] رجع به واستحقه {من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير}. PageV19P465 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى ومن ~~تولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب من الله إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~ومن يعطهم ظهره وآخره فقد باء بغضب من الله، ثم استثنى تعالى من تحرف ~~للقتال مقبلا ومدبرا؛ لأنه لابد من ذلك، ولا لوم على من كان في القتال ~~كذلك، وإنما ذم الله من ينهزم عن القتال، وهذا في الجهاد ورهبة للنزال، ثم ~~قال تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} أي لم تقتلوهم أنتم بقوتكم، ولكن ~~الله قتلهم بأيديكم، لما أعانكم على ذلك ونصركم، والعرب تستعمل ذلك وتقول ~~على سبيل ما ذكرنا؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، ~~وقوى قلوبكم واذهب عنها الفزع. # قال في الكشاف: والفاء في قولهم: فلم تقتلوهم جواب شرط محذوف تقديره، وإن ~~افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم. # قال في البرهان: يعني بخذلانهم وقبض أرواحهم، ثم قال: {وما رميت إذ رميت} ~~بالحصا {ولكن الله رمى}. # قال القاسم عليه السلام: معناه في قلوبهم بالرعب، ولكن الله رمى في ~~قلوبهم. # وقال ولده محمد بن القاسم عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رمى في وجوههم بكف من حصى، ففرق الله ذلك التراب حتى أصاب أعيانهم، ~~وكان ذلك من الله عز وجل، وهذان وجهان متفقان وليس بخلاف؛ لأن الله قذف في ~~قلوبهم الرعب والحصى، والتراب، على وجوه جمة لا تحصى، وأنساب عزيزة لا ~~تستقصى، ولم يحط بكل ما في القرآن أحد غير الله تعالى، وتفسير الأئمة عليهم ~~السلام ظاهر ما نزل، وبعض أسراره التي ms2119 هي عندهم لا تجهل، وإذا سمع الجهال ~~وجها من وجوه الكتاب قدروا وحسبوا أنه لا يحتمل غير ذلك الباب، وهو عندنا ~~يحتمل ما لا يحصى من الأسباب، إذا ليس هو كغيره من الخطاب، ذكره الحسين بن ~~القاسم عليه السلام ، وفي سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقاويل: PageV19P466 # الأول: وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر، والمراد أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أخذ قبضة من الحصا ورمى بها في وجوه القوم وقال: ((شاهت ~~الوجوه)) فلم يبق مشرك إلا ودخل عينيه ومنخريه شيء، وكانت الرمية سبب ~~للهزيمة، وفيه نزلت هذه الآية. # قال المرتضى عليه السلام: فكان هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم وللمؤمنين بما كان من نعمته عليهم في تكثير قبضة الحصا التي ~~رمى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى انتشرت تلك القبضة وكثرت ~~فوقعت في أعين جميع أهل الكفر فعمتهم على كثرتهم، وتباعد بعضهم من بعض، فلم ~~يق رجل بعد أو قرب حتى ملأت تلك القبضة عينيه، فوقع الرعب عند وقوعها بهم ~~في قلوبهم، فظفر المؤمنون عند ذلك بأعداء الله، فكانت هذه الرمية من محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم والتكثير لها مع إيقاعها في أعينهم سببا من الله ~~سبحانه أذل به الكفر والطغيان، وأعز به أهل الفضل والإيمان، ولم يكن لينال ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبضة التي رمى بها ما نال إلا بفضل الله ~~وتأييده، الذي جعل في قبضته التراب حتى بلغت من النكاية لأعداء الله ما كان ~~سببا لهلاكهم، فالحمد لله المعز لأوليائه، أهل[512] الحمد والتحميد ~~والتوحيد، حمد من آمن به واتقا، مؤاثرا في الأمور كلها رضاه. انتهى. # والثاني: أنها نزلت يوم خيبر، روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ قوسا ~~وهو على باب خيبر فرمى سهما فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو على ~~فرسه، فأنزل الله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. PageV19P467 # والثالث: أنها نزلت يوم أحد في أبي بن خلف، وذلك ms2120 لأنه أتى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعظم رميم وفته، وقال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((يحيه الله، ثم يميتك ثم يحييك، يم يدخلك ~~النار)) فأسر يوم بدر، فلما افتدا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إن عندي فرسا أعلفها كل يوما فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أنا أقتلك إن شاء الله)) فلما كان يوم أحد أقبل يركض تلك ~~الفرس حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعترضه رجال من ~~المسلمين ليقتلوه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((استأخروا)) ورماه بحرية ~~فكسر ضلعا من أضلاعه فحمل فمات ببعض الطريق، ففي ذلك نزلت الآية، والأصح أن ~~هذه الآية في يبوم بدر، والله أعلم. # وأما قوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} هذا معطوف علىقوله: ~~ولكن الله رمى، والمراد أن البلاء هنا هو العطا، أي فعل ما فعل ليعطيهم ~~عطاء جميلا، وهو ثواب الجهاد والظفر بعدوهم بالبلاء والمحنة، وبمعنى العطاء ~~الحسن، قال الشاعر: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبل # قال الرازي: والمراد من هذا البلاء الإنعام أي ينعم عليهم بنعمة عظيمة، ~~والنصرة الغنيمة، والآخر والثواب. PageV19P468 # قال القاضي: ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل البلاء هاهنا على النعمة، ~~وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد، حتى يقال: إن الذي ~~فعله يوم بدر كان السبب في تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات، ثم ~~إنه تعالى ختم هذا القول بقوله: {إن الله سميع عليم} أي سميع لدعائكم، عليم ~~بأحوالكم، أو سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم، وهذا يجري مجرى التحذير ~~والترهيب، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور، ويعلم أن الله تعالى مطلع على ما ~~في الضمائر والقلوب، قوله تعالى: {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} ذلكم ~~إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفيع، أي الغرض ذلكم أن الله موهن معطوف ~~على لذك أي الغرض إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين، أي مضعف حبل ~~المشركينن في إبطال ms2121 أمر المسلمين، وتوهين كيدهم يكون سببا بإطلاع المؤمنين ~~على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، وبعض ما أبرموا بسبب ~~اختلاف عن.......... # وأما قوله تعالى: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} ففيه قولان: # الأول: هو الذي في البرهان وهو قول الحسن ومجاهد والسدي، إنه خطاب للكفار ~~على جهة التهكم. # قال السدي: روي أن المشركين لما أرادوا الخروج غلىبدر تعلقول بأستار ~~الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلا الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، ~~فأنز الله تعالى هذه الآية، والمعنى إن تستفتحوا أي تستنصروا لإهداء ~~الفئتين، فقد جاءكم النصر والاستفتاح الانصاف في الدعاء. # وقال آخرون: إن تستفتحوا أي فينفضوا فقد جاءكم الفضا. PageV19P469 # والقول الثاني: أنه خطاب للمؤمنين، روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~رأى[513]المشركين وكثرة عددهم وعددهم استغاث بالله، وكذلك الصحابة، وطلب ما ~~وعد الله به من إحدى الطائفتين، وتضرع إلى الله فقال تعالى: {إن تستفتحوا}، ~~والمراد منه النصرة التي تقدم بها الوعد، فقد جاءكم الفتح أي يحصل ما ~~وعدتم، فاشكروا الله والزموا طاعته. # قال القاضي: وهذا القول أولى؛ لأن قوله تعالى: {فقد جاءكم الفتح} لا يليق ~~إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيان والحكم والقضاء لم يمتنع أن ~~يراد به الكفار. # وأما قوله: {وإن تنتهوا فهو خير لكم} فتفسير هذه الآية متفرع على ما ~~ذكرناه من أن قوله: إن تستفتحوا خطاب للكافرين أو للمؤمنين، فإن قلنا: إن ~~ذلك خطاب للكفار كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته ~~وتكذيبه فهو خير لكم، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب، ~~وأما في الدنيا فبالخلاص من الأسر والقتل والرهب. PageV19P470 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى إن تستفتحوا أي تطلبوا فتح ~~العذاب، فقد جاءكم لأنهم كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~ائتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين على سبيل التمرد منهم والتكذيب، فوبخهم ~~الله تعالى وبكتهم، ثم قال: {وإن تعودوا} إلى قتال الرسول وعداوته {نعد} ~~إلى عذابكم، أي إلى تسليطه عليكم بالقتل والانتقام، وإن كان الخطاب ~~للمؤمنين فمعناه ms2122 إن تنتهوا عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة من المنازعة في ~~الاتفاق، وتنهوا عن طلب الفداء فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى مثل ما كان ~~منكم في الأسرى والغنيمة نعد الإنكار عليكم إلى ترك نصرتكم؛ لن الوعد ~~بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم قال: {ولن تغني ~~عنكم فئتكم شيئا} أي لا تنفعكم جماعتكم شيئا من النفع في الدنيا ولا في ~~الآخرة، ولا يدفع عنكم من عذاب الله شيئا {ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} ~~أي ولأن الله معين المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب فهو معهم بالنصر ~~والمعونة. PageV19P471 # واعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله: إن تنتهوا فهو خير لكم وإن ~~تعودوا نعد أتبعه بتأديبهم فقال: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ~~ولا تولوا عنه} أي عن رسوله، أي لا تعرضوا عن طاعته، وأفرد الرسول بالذكر؛ ~~لأن الأمر بطاعته أمر بطاعة الله، وللبعد من التشبيه، كقوله تعالى: {والله ~~ورسوله أحق ترضوه} ويجوز أن يرجع الضمير في عنه إلى الأمر بالطاعة، أي لا ~~تولوا عن هذا الأمر وأمثاله {وأنتم تسمعون} كلامه ومواعظه، وآدابه، ولكن ~~اقبلوا إليه إذا سمعتم حكمته وصوابه، واستنمعوا قوله إذا تكلم وخطابه، أو ~~معنى تسمعون تصدقون؛ لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين الذين قالوا امسعنا ~~وهم لا يسمعون أي أنتم مؤمنون بالقرآن وبالنبي، فإذا توليتم في أمر قسمة ~~الغنائم أو غيرها كان تصديقكم كلا تصديق، أو تسمعون مواعظ القرآن؛ لأن ~~التكليف يلزم بالسماع، ثم قال مؤكدا لذلك: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} ~~دعوة السماع {وهم لا يسمعون} لأنهم غير مصدقين، فكأنهم غير سامعين، والمراد ~~وهم لا يسمعون بقلوبهم، ولا يقبلون، فجعل السماع كناية عن القبول، ومنه ~~قوله: سمع الله لمن حمده، ولم يرد تعالى سمع الأذان؛ لأن كثيرا من الجهال ~~يسمع كما تسمع البهائم بأذانها وهي لا تعقل ولا تفعهم[514] ذلك بقلوبها. PageV19P472 # قال الرازي: والمعنى لا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم إنا قبلنا تكاليف ~~الله تعالى، ثم إنهم لا يقبلون وهو صفة المنافقين، كما أخبر الله عنهم ~~بقوله: {وإذا ms2123 لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا ~~إنا معكم} ثم قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون} واختلفوا في الدواب، فقيل: شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن ~~الانتفاع بما يقولون، ويقال لهم، ولذلك وصفهم بالصم والبكم، وأنهم لا ~~يعقلون، وقيل: بل هم من الدواب؛ لأنه اسم لما يدب على الأرض، ولم يذكره في ~~معرض التشبيه، بل وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم، كما يقال لمن لا ~~يفهم الكلام وهو نسيج وحده ولكن على جهة الذم. # قال في البرهان: وإنما وصفهم بالبكم لأنهم لا يقرون بالله عز وجل، ولا ~~بلوازم طاعته، ثم قال: الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ولا يعتبرون ~~اعتبار العقلاء. # أما الدواب فهو اسم لكل ما دب على الأرض من حيوان؛ لدبيبه عليه مشيا، وإن ~~كان بالخيل أخص المراد شر الدواب الكفار؛ لأنهم شر ما دب علىالأرض من حيوان. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه هم شر الناس عند الله، فمسى ~~الناس جواب لدبيبهم ومشيهم وخطوهم على الأقدام وسيرهم، الصم عن إسماع الحق ~~إليكم الخرس عن الشهادة بالصدق، قال الشاعر: # أصم عن الشيء الذي لا أريده # وأسمع خلق الله حين أريد PageV19P473 ومعنى لا يعقلون أي لا يمدون بعقولهم ولا ينتفعون بحجج الله التي في ~~صدورهم، والعقل عقلان: مولود ومكتسب، والعقل المولود هو الفهم، والمكتسب هو ~~التمييز والأدب، فإذا جمعها الإنسان فقد كمل، وإذا انفرد بأحدهما فلم يكمل، ~~وجاز القول بأنه لا يعقل إذا لم يعقله الدين، ولم يستعمل، ثم قال: {ولو علم ~~الله فيهم خيرا} انتفاعا باللطف {لاسمعهم} اللطف بهم حتى سمعوا سماع ~~المصدقين {ولو أسمعهم} أي ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف يعني لو أسمعهم ~~بعد أن علم أنه لا خير فيهم {لتولوا وهم معرضون} عن الإيمان، ولم ينتفعوا ~~بذلك السماع، فلذلك منعهم إلطافه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لو فيهم خيرا لأطلعهم على ~~اليقين، ولأسمعهم حقيقة ما أتا به من الحق المبين، ولو ms2124 أسمعهم ذلك لأدبروا ~~عنه مكابرين، ولتولوا عنه معرضين مجاهرين، وليس يريد في هذه الآية سماع ~~الأذان؛ لأنهم قد سمعوه بآذانهم، ولم يفهموه ولم يلتفتوا إليه فيعلموه ولو ~~يفهموه حتى تبينوه لما انتفعوا به أبدا، ولا قبلوا؛ لأنا قد رأينا من الناس ~~من يعرف الحق، ثم لا ينتفع ولا يفلح أبدا مع فهمه، ولا يرجع، انتهى، قوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} المراد بالاستجابة ~~الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعص والتحريض {إذا دعاكم لما يحييكم} من علوم ~~الديانات والشرائع؛ لأن العلم حياة كما أن الجهل موت، وحد الضمير في قوله: ~~دعاكم كما وجده فيما قبله؛ لأن استجابة الرسول كاستجابته، والمعنى استجيبوا ~~له إذا ناداكم ودعاكم إلى حياة قلوبكم وهداكم، والقرآن هو الذي يحيى القلوب ~~من موتها ويرفضها[515] من وسنها ونومها، والمراد أجيبوا إلى ما في القرآن، ~~ففيه الحياة والنجاة والعصمة، وإنما سمي القرآن بالحياة؛ لأن القرآن سبب ~~العلم، والعلم حياة فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة. PageV19P474 # وأما قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} فمعناه أنه عز ~~وجل يفرق بين المرء وقلبه بالموت، فلا يقدر على استدراك ما فات، أي يميته ~~فتفوته الفرصة التي هو متمكن منها، وهو خلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ~~ورده سليما بالتوبة، كما يريده الله تعالى، واغتنموا هذه الفرصة قبل الموت. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا مثل مضروب لقرب الله من العباد، ~~حتى أنه أقرب إليهم من قلوبهم، وأعلم وأخبر بهم بأنفسهم، ومعنى يحول في ~~اللغة هو يستر بينهم وبين قلوبهم، حتى أنه أقرب إليهم من أفئدتهم، انتهى، ~~وقد يغلو أهل الجبر أبادهم الله بهذه الآية فقالوا: إنه تبارك وتعالى يحول ~~بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده ~~الله، والشقي من أضله الله، وقد أجاب عنهم أهل العدل فقالوا: لا يجوز أن ~~يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، وبيانه من وجوه: # الأول: أن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز، وأمر العاجز سفه وصفة ~~نقص، ولو جاز ms2125 ذلك لجاز أن يامره الله بصعود السماء، وقد أجمعوا على أن ~~المرمي لا يؤمر بالصلاة قائما، فكيف يجوز ذلك على الله، تعالى عما يقولون ~~علوا كبيرا، وقد قال سبحانه: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # والوجه الثاني: أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول، وذكر هذا ~~الكلام في معرض الزجر والتحذير عن ترك الإجابة، ولو كان المراد ما ذكرتم ~~لكان ذلك عذرا قويا في ترك الإجابة، فلا يكون زجرا عن ترك الإجابة. PageV19P475 # الثالث: أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~على الكفار، لا ليكون حجة للكفار على الرسول، ولو كان المعنى ما ذكرتم ~~لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل للكفار على الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ولقالوا إنه تعالى منعنا من الإيمان فكيف يأمرنا به، فثبت بهذه ~~الوجوه أن يستحيل حمل الآية على ما قاله أهل الجبر، ومعنى الآية هو: بادروا ~~بالاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لابد ~~منه، ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة، ولذلك قال تعالى عقبيه ما يدل عليه ~~وهو قوله: {وأنه إليه تحشرون} فيثيبكم على سلامة القلوب، وإخلاص الطاعة، ~~فالمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها. # واعلم أنه تعالى كما حذر الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه كذلك حذره من ~~الفتن فقال: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ولكنها تعم، كما ~~حكى أن علماء بني إسرائيل نهو تعذيرا وهو النهي الضعيف فعمهم العذاب ~~والفتنة في هذا المكان المنكر أمر الله المؤمنين أن لا يقروه بين أظهرهم ~~فيعمهم العذاب، والمعنى احذروا نقمة لا تقعن على الذين ظلموا منكم خاصة، أي ~~قاصدة لهم حاله نازلة بهم دون غيرهم، وكل شيء قصد من دون غيره فهو مخصوص ~~عند العرب، ثم قال[516] {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن لم ينف الفتن، ~~والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله. PageV19P476 # واعلم أن الله تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة رسوله، ثم ms2126 أمرهم بانفاء ~~المعصية أكد ذلك التكليف فقال: {واذكروا إذ أنتم قليل} أي وقت كونكم أذلة ~~{مستضعفون في الأرض} يريد بذلك قلتهم حين كانوا بمكة، واستضعاف قريش لهم ~~{تخافون أن يتخطفكم الناس} أي يأخذوكم بسرعة كما يفعل الخاطف، وكانوا جميعا ~~أعداء لهم في الدين، والمراد بالناس المشركين من قريش وغريها، وبعد ظهور ~~الإسلام صاروا في غاية العزةو والرفعة، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك ~~المخالفة، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلب تلك الأحوال بالسعادات ~~والخيرات: # فأولها قوله: {فآواكم} أي جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين، ونقلكم بالهجرة ~~من مكة إلى المدينة. # وثانيها قوله: {وأيدكم بنصره} أي قواكم بنصره على أعدائكم بمظاهرة ~~الأنصار، وإمداد بالملائكة في يوم بدر. # وثالثها قوله: {ورزقكم من الطيبات} وهو أنه تعالى أحل لهم الغنائم بعد أن ~~كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة، ثم قال: {لعلكم تشكرون} أي نقلناكم ~~من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء، لكي تشتغلوا بالشكر ~~والطاعة، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في المهاجرين خاصة بعد بدر. # قال محمد بن القاسم عليهما السلام: ولا يتوهم أحد لعل من الله وعسى شكا ~~منه سبحانه ولا امتراء، وذلك مخرجه عدل في الحكم، وما يجوز عند الامتحان من ~~هذا الاسم، انتهى. # ولما ذكر تعالى رزقهم من الطيبات ذكر عقبيه منعهم من الخيانة فقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} بترك فرائضه {والرسول} بترك طاعته ~~{وتخونوا أماناتكم} بترك حفظها {وأنتم تعلمون} عقاب ذلك، أو أنكم تخونون عن ~~تعمد لا عن سهو، أو تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن، والظاهر العموم. PageV19P477 # قال في الكشاف: ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التمام، ومنه يخونه ~~إذا انتقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنت الرجل فقد ~~أدخلت عليه النقصان فيه. # قال في البرهان: لا تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون في خيانتهما، ~~ولا تغلوهما فيما أخذتموه من الغنائم أن تحضروه إلى المغنم، انتهى، وإنما ms2127 ~~جعل ذلك خيانة لله؛ لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأن المغانم هو ~~يقسمها فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله في أيدي ~~الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا، فصارت وديعة، ~~والوديعة أمانه في يد المودع، فمن خان فيها فقد خان أمانة الناس، إذ ~~الخيانة ضد الأمانة، وسائر الأمانات، وأنتم تعلمون أنها أمانة من غير شبهة، ~~ثم تعلمون ما في الخيانة من المأثم، بخلاف من جهل. # قال فيه: وهذه الآية نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر وقد أرسله رسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى بني قريضة لينزلوا على حكم سعد، فاستشاره وكان قد ~~أحرز أمواله وأولاده[517] عندهم، فأشار أن لا يفعلوا وأومى بيده إلى خلفه ~~أنه الريح، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية إلى قوله: {واعلموا أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة}. # وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيفشونه، يلقونه إلى المشركين، فنهاهم الله عن ذلك. # وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما ~~هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إليها، حكاه الأصم، ويحتمل أن ~~يريد الأمانة كلما يعتد به، وعلى هذا التقدير فتدخل فيه الغنيمة وغيرها، ~~فكان معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من ~~غير نقص ولا إخلال. # وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول هذه الآية فهي داخلة فيها، لكن لا يجب ~~قصر الآية عليها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أعلم. PageV19P478 # ولما كان السبب في ذلك حب المال والولد عقبه بقوله عز وجل: {واعلموا أنما ~~أموالكم وأولادكم فتنة} أي بلوى ومحنة فتنكم الله بمحبتها وابتلاكم ~~بهوائها، والعرب تقول: هذا رجل مفتون بحب أهله، أي مبتلا بذلك، قال الشاعر: # لان فتنتني لهي بالامس فتنتنت سعيدا # فأمسى قد قلا كل مسلم # فنبه تعالى أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب ~~بقوله: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}. # قال علي عليه السلام ms2128 في نهج البلاغة: (ومعنى ذلك أنه سبحانه يختبرهم ~~بالأموال والأولاد ليبين الساخط لرزقه، والراضي بقسمه، وإن كان الله سبحانه ~~أعلم بهم من أنفسهم)، ولكن لتظهر الأفعال التي تستحق الثواب والعقاب؛ لأن ~~بعضهم يحب الذكور ويكره الإناث، وبعضهم يميز المال ويكره انثلام الحال، ~~انتهى، ثم قال: {وأن الله عنده أجر عظيم} تنبيها على أن سعادات الآخرة خير ~~من سعادات الدنيا؛ لأنها أعظم في الشرف وأعظم في القوة، وأعظم في المدة؛ ~~لأنها تبقى بقاء لا نهاية له، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده ~~بالعظم لمن اختار الباقي على الفاني، فلا تحرصوا على حب المال والولد الذي ~~يقعوا من أجلهما في النار. # واعلم أنه تعالى لما حذر عن الفتنة والأولاد رغب في التقوى الذي يوجب ترك ~~الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد، فقال: {ياأيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} أي هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، ~~وتهتدون بها إلى طريق النجاة، وقيل: نصر لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقيل: ~~بيانا وظهورا لصفتكم، وقيل: مخرجا من الشبهات، وشرحا للصدور. PageV19P479 # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى نجعل لكم فرقانا أي نجعل كم فهما ~~وتوفيقا تفرقون به بين عجائب الأمور، وتميزون به بين الخيرات والشرور، ~~ويمكن أيضا أن يكون أراد يجعل لكم فضلا وجلالا وجاها وقدرا يفرق به بينكم ~~وبين عدوكم حتى يتبين للناس أمركم، ولا يخفا عليهم توفيق الله لكن، وخذلانه ~~لمن عاداكم وخذلكم. # قال الرازي: هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله تعالى، ~~وذلك يتناول إبقاء الله في جميع الكبائر، وإنما خصصنا هذا بالكبائر؛ لأنه ~~تعالى ذكر في الجزاء تكفير السيئات، والجزاء يجب أن يكون مغائرا للشرط، ~~فحملنا التقوى على تقوى الكبائر، وحملنا السيئات على الصغائر[518] ليظهر ~~الفرق بين الشرط والجزاء. # وأما الجزاء المرتب على هذا الشر ط فأنواع ثلاثة: # الأول: قوله يجعل لكم فرقانا، ومعناه ما مر، والمراد أنه تعالى يفرق ~~بينهم وبين الكفار، ولما كان اللفظ ملطقا وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة ms2129 ~~بين المؤمنين وبين الكفار. # والثاني: قوله: {ويكفر عنكم سيئاتكم} جميع الشيئات التي وجدت قبل الكفر، ~~وإن حملناه على الإبقاء من الكبائر، كأن المراد من هذا تكفير الصغائر. # والنوع الثالث: قوله: {ويغفر لكم} الكبائر بالتوبة، وقيل: المراد من ~~تكفير السيئات سترها في الدنيا، ومن إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار، ~~ثم قال: {والله ذو الفضل العظيم} للمتقين خاصة. PageV19P480 # ولما ذكر تعالى المؤمنين نعمه عليهم بقوله: {واذكروا إذ أنتم قليل} ذكر ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نعمه عليه، وهو دفع كيد المشركين، ومكر ~~الماكرين، فقال عز وجل: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} واذكر وقت يمكر بك الذين ~~كفروا، أي يدبرون الأمر في هلاكك في مكة، فاشكر ذلك، ثم بين مكرهم فقال: ~~{ليثبتوك} الإثبات في اللغة هو اللزم والحبس والوثاق {أو يقتلوك} كما أشار ~~أبو جهل {أو يخرجوك} من بين أظهرهم. # قال في البرهان: وذلك أن قريشا تأمروا في دار الندوة على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال هشام بن عمر: قيدوه واحبشوه في بيت يتربصون به ~~ريب المنون. # وقال أبو البختري: أخرجوه عنكم على بعير مطرود تستريحون من أذاه لكم. # وقال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه بأن يجتمع عليه من كل قبيلة رجل ~~فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فترضا حينئذ بنو هاشم بالدية، فأوحى الله ~~عز وجل إلى نبيه بذلك فخرج إلى الغار، ثم خرج مهاجرا إلى المدينة، انتهى، ~~وامره جبريل أن لا يبيت في مضجعه، وأمر عليا عليه السلام أن يبيت في مضجعه ~~وقال: تنج ببردي فإنه لن يصل إليك امر تكرهه، وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ~~ثاروا إلى مضجعه فابصروا عليا عليه السلام فبهتوا، وخيب الله سعيهم، ولما ~~ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال: {ويمكرون ويمكر الله} أي يخفون كيدهم ~~ويمكر الله أي يخفي ما أعد لهم ويطعلك على سرهم {والله خير الماكرين} أي ~~مكره أنفذ من مكر غيره. PageV19P481 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يعني ويمكر الله وهو ستر الله منهم ~~أسرار إليك، ويخفي عنهم ms2130 ما ينزل من الأخبار عليك، وإذا كان مركهم إنما هو ~~ما يسترون من الاحتيال، فإخبار الله لنبيه أخفى وألطف من جميع الأفعال، ~~ومكرهم قولهم في ذات بينهم، ومكر الله قوله لنبيه: إنهم يريدون كذل وكذا ~~فاحترز منهم واحذرهم في موضع فلان واجتنب واحتل بكذا وكذا من الصدق لتنجوا ~~منهم؛ لأن أولياء الله لا يحتالون بالمحال، ولا يحتالون بالكذب في شيء من ~~الأفعال، ولكن حيلهم بأصدق المقال، فكان ذلك مكرا من الله بلا ضمير وحيلا ~~من الرحمن بعجائب التدبير، والهلاك لأعدائه والتدمير، وفي هذا المعنى يقول ~~الهادي عليه السلام: أما مكر الله فهو ما يخفون ويضمرون من إرادة ~~المكر[519] لمن به يمكرون، وستر ما يريدونه من الغوائل لمن يغتالونه، فهذا ~~المكر من الآدميين. # وأما المكر من الله فهو علمه بما يضمرون، والإطلاع على ما يخفون ويعلنون، ~~فأخبر الله أنه يعلم ذلك منهم من قبل أن يفعلوه، ويطلع على خفي ما يخفونه ~~في أنفسهم قبل أن يبدوه، فليس أحد يعلم علمه ولا يطلع على شيء من إرداته، ~~تعالى رب العالمين الذي لا يحتاج إلى النية، والضمير في الصغير ولا في ~~الكبير، انتهى. # واعلم: أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله وسلم حكى ~~مكرهم في دين محمد فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا} أي مثل هذا في النظم والبيان معارضة له في الإعجاز، القائل ~~النضر بن الحارث، قيل: وأراد بالمثل نسخة جاء بها من فارس فيها حديث رستم ~~................قاله تكبرا مع علمه بعجزه، وقال هذا من جملة تلك الأساطير ~~ولذلك قال: {إن هذا إلا أساطير الأولين} أساطير: جمع أسطورة أي ما كتبه ~~الأولون للتعجب وإن كان كذبا. PageV19P482 # قال في البرهان: يعني أحاديث الأولين وقصصهم وأخبار من تقدم، وليس بوحي من ~~الله تعالى، وهذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة قتله النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في جملة من قريش عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ~~وكان أسير ms2131 المقداد، فلما مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به قال المقداد: ~~إذا أسيري فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم أعز المقداد)) ~~فقال: هذا أردت وفيه يعني النضر أنزل الله تعالى الآية التي بعدها: {وإذ ~~قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} أي القرآن {فأمطر علينا حجارة من ~~السماء} كأصحاب الفيل {أو ائتنا بعذاب أليم} شديد الألم، لأجل ردنا الحق ~~الموصوف بأنه من عندك، وإنما قال ذلك عنادا للحق وبغضا للرسول، وهو تأكيد ~~استهزاء وهو نوع من الجحود بليغ، أراد نفي كونه حقا، ثم قال عز وجل: {وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} اعلم أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن ~~كان محمد محقا في قوله فامطر علينا حجارة من السماء، ذكر تعالى أن محمدا ~~محق في قوله، إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه وعلى منكري نبوته ~~لسببين: # الأول: أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ما دام يكون حاضرا معهم، فإنه ~~عز وجل لا يفعل بهم العذاب تعظيما له. # قال في البرهان: وإنما قال ذلك إكراما لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وإجلاله لقدره أن يعذب قوما هو بينهم، تغليبا لحرمته، وأنه أرسل إليهم رحمة ~~لهم، ونعمة عليهم، فلم يجز أن يعذبهم وهو فيهم حتى يستحقوا النقمة بخروجه ~~منهم، انتهى، واللام في ليعذبهم لتأكيد نفي العذاب؛ لأن حكمة الله اقتضت أن ~~لا يعذب بالاستئصال قوما ونبيهم بين أظهرهم وهذه عادة الله مع الأنبياء ~~المتقدمين، فإنه لم يعذب أهل قرية إلإ بعد أن خرج رسولهم منها كما كان في ~~حق هود وصالح ولوط. PageV19P483 # وأما قوله تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم} فالمراد به العذاب الحاصل ~~بالمحاربة والمقاتلة لا عذاب الاستئصال كما هو المراد هنا، والله أعلم. # والسبب الثاني: قوله تعالى: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} أي وهم ~~يتوبون في الدنيا[520] ويرجعون إلى الطاعة؛ لأن الله سبحانه لا يريد أن ~~يعذب إلا من هو مصر على معاصيه، وقد علم أنه لا يرجع عن ms2132 كفره ولا يتوب، كما ~~علم مثل ذلك من الشيطان أنه لا يتوب أبدا، وليس حكمه أن يعذب من يعلم أنه ~~يتوب ويرجع يوما ما، فمعنى قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}، ~~يقول: لا أعذب من أعلم أنه يتوب ويستغفر، ذكره الإمام الناصر للحق الحسن بن ~~علي الأطروش عليه السلام . # ودلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة. # قال ابن عباس رضي الله عنه: كان فيهم إمامان نبي الله والاستغفار. # أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى ~~يوم القيامة، فمعنى الآية: وما كان الله معذبهم لو استغفروا ربهم. # وقوله: {وهم يستغفرون} جملة حالية، ومعناه نفي الاستغفار عنهم، كقوله ~~تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}، أي ولو كانوا ممن ~~يؤمن ويستغفر لما عذبهم ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، وقيل: معناه أي ولو ~~كانوا ممن لا يستغفر من الكفر لما عذبهم وفيهم من يستغفر، وهو من تخلف من ~~المسلمين من المستضعفين {وما لهم ألا يعذبهم الله} يريد فأما حين أخرجوك ~~ولم يستغفروا فما لهم لا يعذبون ولا يتركون ولا يعاقبون. # واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيهم، وذكر في هذه الآية أنه معذبهم إذا خرج الرسول من ~~بينهم، ثم اختلفوا في هذا العذاب، فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به ~~يوم بدر، وقيل: بل يوم فتح مكة. PageV19P484 # قال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب ~~الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم فقال: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} ~~كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الحديبية، ومن الصد ~~إخراجهم له صلى الله عليه وآله وسلم من مكة والمؤمنين، وكانوا يقولون: نحن ~~ولاة البيت والحرم، نصد من نشاء وندخل من نشاء، فقال سبحانه في بطلان هذه ~~الدعوى: {وما كانوا أولياءه} أي ما صح لهم ذلك مع شركهم وعداوتهم للحق ~~وأهله {إن أولياؤه ms2133 إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} كأنه استثنى من كان ~~يعلم، وهو معاند يطلب الرئاسة، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة ~~العدم، أي لا يعلمون الحق. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى أن أكثرهم عماة جاهلون ~~يتخبطون في جهلهم، ويعسفون ويكابرون فيما لا يعرفون، ولا يستعملون عقولهم ~~ولا ينصفون، فليس هم أهل المسجد، ولكن أهله وأصحابه المتقون من المسلمين ~~الأتقياء، لا كل مسلم، فكيف عبدة الأصنام الذين يتخذون المنكرات دينا كالذي ~~يفعلون عند البيت، فلهذا السبب قال بعده: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية}. # اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام، ~~وقال: {إن أولياؤه إلا المتقون} بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء ~~البيت الحرام وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء ~~والتصدية، المكاء هو: الصفير، وهو فعل يورث البغاء والرغاء من يمكو إذا ~~صفر، ومنه قول عنترة[521]: # وحامل غايته تركت مجدلا ... يمكو فريصته كشدق الأعلم # أي يصفر بالريح لما طعنه، والتصدية: التصفيق، ومنه قول عمرو بن الأطنابه: # وصلوا جميعا لهم ضجة # مكا لدى البيت بالتصدية PageV19P485 أي تصفيقا، وهي مفعلة من الصد أو هو الصوت، أو من صد يصيد، والمعنى أنهم ~~وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة كقوله: # وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه # إذا هم سودا أو مجدرحة سمرا # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه ومالم صلاة عند البيت، ولكن مكا ~~وتصدية؛ لأن الصلاة لا تكون مكا ولا تصدية، وإنما هذا من الاختصار والإيجاز ~~وترك التطويل، كما قال الشاعر: # لا عيب فيها غير أنها تثب # ط\\\ ... وتلك فيها خصلة مما أحب # والوثب لا يكون عيبا عند الفرسان، وإنما أراد ر عيب فيها، ولكنها تثب. # قال عليه السلام: والتصدية هي التصفيق بلغو الحجاز، وهي الوقح بلغة أهل ~~اليمن، يقولون أوقح بكفيه يوقح وقحا، وأهل الحجاز يقولون بيديه تصفيقا، قال ~~الشاعر: # نقوم إلى الصلاة إذا دعينا ... وهمكم التصدي والمكا # أي همكم الوقح والتصفير واللعب، ms2134 وقيل: إن الطائر الذي يدعا المكا إنما ~~سمي مكا لصفيره، وهو طائر صغير يكون في الرياض له صوت حسن، قال الشاعر: # لعمري لأصوات المكاكي بالضحا # يغردن في مغرورق النبت عاربه # أحب إلينا من دجاج بقرية # تغرد بالأسحار حمر ذوائبه # انتهى، إذا عرفت هذا فقال ابن عباس: كانت قريش يطيوفون بالبيت وهم مشبكون ~~بين أصابعهم، وكانوا يفعلون ذلك عند قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ليخلطوا عليه. # وقال مجاهد: كانوا معارضون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطواف، ~~يستهزؤن به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته. # وقال مقاتل: كان إذا صلى رسول الله في المسجد يقومون عن يمينه وعن يساره ~~بالصفير والتصفيق فيخلطون عليه صلاته. PageV19P486 # وروي مثل هذا في البرهان ثم قال تعالى: {فذوقوا العذاب} أي عذاب السيف ~~القتل والأسر يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة فذوقوا العذاب {بما كنتم ~~تكفرون} واعلم أنه تعالى لما بين ضلالتهم في عبادتهم البدنية شرح أحوالهم ~~في الطاعات المالية فقال: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ~~الله} أي كان غرضهم من الإنفاق الصد عن اتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو سبيل الله، قيل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلا من ~~كبار قريش كان كل واحدج يطعم كل يوم عشر حرائر. # قال في البرهان: في النفقة قولان: # أحدهما: أنها نفقة قريش في قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر. # والثاني: أنه أبو سفيان بن حرب استأجر يوم أحد من الأحابيش ومن كنانة، ~~وفي ذلك يقول كعب بن زهير: # وجئنا إلى موج من البحر وسطه # أحابش منهم حاسر ومقنع # انتهى. # قال في الكشاف: سواء[522] من أشخاص من العرب وأنفق عليهم أربعين أوقية، ~~والأوقية اثنتان وأربعون مثقالا، ثم قال عز وجل: {فسينفقونها ثم تكون عليهم ~~حسرة} أي يكون عاقبة انفاقها .......في القلوب وانقطاعا وقترة؛ لأنه يذهب ~~المال ولا يحصل المقصود {ثم يغلبون} آخر الأمر، وإن كان الحرب بينهم وبين ~~المسلمين سجالا، ثم قال: {والذين كفروا ms2135 إلى جهنم يحشرون} أي يجمعون، قيل: ~~المراد الذين كفروا منهم؛ لأن منهم من أسلم، وظاهر قوله إلى جهنم يحشرون ~~يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر. PageV19P487 # واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك ~~الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، وذلك ~~يوجب الزجر العظيم عن ذلك الانفاق، ومعنى قوله: {ليميز الله الخبيث من ~~الطيب} أي ليعزل الله ويفصل الفريق الخبيث من الفريق الطيب، ويفرق بين ~~المؤمن والكافر، وقيل: الخبيث ما أنفقه الكفار في عداوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والطيب ما أنفقه المؤمنون في الجهاد، واللام في ليميز متعلقة ~~بيحشرون على الأول، وبقوله: ثم تكون عليهم على الثاني، ثم قال: {ويجعل} ~~الفريق {الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم} وهو عبارة عن ~~الجمع والضم، حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم؛ لأن معنى يركمه يجمعه ويرادفه، ~~قال الشاعر: # والفتية الطفلة الحوراء زينتها # جيد وتجر عليه الدر مركوم # وقوله: {أولئك هم الخاسرون} إشارة إلى الفريق الخبيث، أي هم الخاسرون كل ~~الخسران، وأن أريد بالخبيث المال، كان من جملة ما يعذبون به، كقوله: {فتكوى ~~بها جباههم...} الآية. # واعلم أنه تعالى لما بين ضلالتهم في عبادتهم البدنية وعبادتهم المالية ~~أرشدهم إلى طريق الصواب، فقال: {قل للذين كفروا إن ينتهوا} عن الكفر وعداوة ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويدخلون في الإسلام ويلزموا شرائعه {يغفر ~~لهم ما قد سلف} من كفرهم وعداوتهم الرسول، ولا يؤاخذون بشيء في دنيا ولا ~~آخرة، قيل: الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة قط. PageV19P488 # وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله، وتبقى عليه حقوق الآدميين، قاله في ~~الكشاف، ثم قال عز وجل: {وإن يعودوا} إلى الشرك {فقد مضت سنة الأولين} أي ~~طريقة من تقدم منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، والأولين من الأمم ~~السالفة الذين تحزبوا على أنبيائهم، وأهلكوا في الدنيا بعذاب الاستئصال ~~فليتوقعوا مثل ذلك. # فلما أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار ms2136 أن ينتهوا عن كفرهم حصل لهم المغفرة، ~~وإن عادوا فهم يتوعدون شبه الأولون، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا فقال: ~~{وقاتلوهم} يا مسلمون {حتى لا تكون فتنة} أي لا يؤخذ شرك ولا تكون ضلالة ~~{ويكون الدين كله لله} خالصا ويذهب كل سدين باطل، ثم قال: {فإن انتهوا} عن ~~الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان {فإن الله بما يعملون بصير} أي عالم ~~لا يخفى عليه شيء، يوصل إليهم ثوابهم {وإن تولوا} عن التوبة وأعرضوا عن ~~الإيمان ولم ينتهوا {فاعلموا أن الله مولاكم} أي ناصركم ومعينكم الذي ~~يحفظكم[523] ويدفع البلاء عنكم، ثم أخبر تعالى أنه {نعم المولى ونعم ~~النصير} وكل من كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته كان آمنا من ~~الآفات مصونا من المخافات. # واعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله: قاتلوهم، وكان المعلوم أن ~~عند المعاملة تحصل الغنيمة فلا جرم ذكر الله حكم الغنيمة فقال: {واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء} الغنم الفوز بالشيء، يقال: غنم غنما فهو غانم، والغنيمة ~~في الشريعة ما دخل في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر ~~بالخيل والركاب. # قال في الكشاف: ما في قوله ما غنمتم موصولة، وقوله من شيء يعني من أي شيء ~~كان حتى الخيط والمخيط، والغنيمة هي المكتسب في الحرب وغيرها، قال الشاعر: # وقائلة جاها ابنها بغنيمة ... ولولا ابن أخرى لم تصبها الغنائم PageV19P489 قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه وما كسبتم من شيء في الحروب ~~والقتال، أو في المعادن، وما كان مثلها من الأموال {فأن لله خمسه} في سبيله ~~كالجهاد ومصالح المسلمين. # قال في الكشاف: فإن لله مبتدأ خبره محذوف تقديره فحق أو فواجب أن لله خمسه. # وروي عن أبي عمرو: فإن لله بالكسر، والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب، كأنه ~~قيل: فلابد من ثبات الخمس من حيث أنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من ~~المقدرات، كقولك: ثابت واجب حق لازم، وما أشبه ذلك، كان أقوى إيجابه من ~~البصر على واحد، ثم قال: {وللرسول ولذي القربى واليتامى} منهم {والمساكين} ~~منهم ms2137 {وابن السبيل} منهم، فهذا خاص لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقرابته ويتامى أهل البيت ومساكنهم وابن سبيلهم، وإنما يكون ذلك لمن تبع ~~إمام الحق منهم وسهم الرسول فهو للإمام، وسهم الله تعالى فهو في سبيله ~~يصرفه كما يصرف غيره، والخمس يؤخذ من رأس الغنيمة، ثم يقسم على ستة أجزاء، ~~وذلك معروف موجود في كتاب الأحكام للهادي عليه السلام . # قال في البرهان: فجزء لله وجزء لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجزء ~~لقربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم أربعة بطون وهم: آل علي، وآل ~~جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، ومثله في الأحكام. # وقال السيد إبراهيم بن محمد الوزير في متن الهداية: وهم خمسة بطون. # قال في جامع السيد أحمد أزرقي: وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل الحارث، ~~قاله أحمد بن عيسى عليه السلام في الأمالي، وقد ترك آل الحارث في كفاية علي ~~بن أصفهان، وآل الحارث بن عبد المطلب. PageV19P490 # قال في البرهان: وجزء لليتامى وجزء للمساكين، وهؤلاء الثلاثة الأصناف من ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فاليتيم من مات أبوه وإن كانت أمه باقية وهو صغير دون الحلم؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: ((لا يتم بعد الحلم وإن يكون ذا حاجة)) فأما سهم ~~الله عز وجل فإن الإمام يصرفه في أمور الله عز وجل، وما يقرب إليه من نحو ~~إصلاح طرق المسلمين وحفر آبارهم، وبناء مساجدهم ودمها[524] وما أشبه ذلك، ~~حسبما يؤديه إليه اجتهاده. # وأما السهم الذي لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو للإمام القائم ~~مقامه، ينفق منه على خيله وعياله وغلمانه، ويصرفه بما ينفع المسلمين. # وأما سهم قربا الرسول فقد ذكرناه، وذكر القرابة وأتا بها فيه سواء، وهو ~~لمن كان متمسكا منهم بالحق ونصرته، فأما من صدف عنه فلا حق له، والأربعة ~~الأخماس من الغنيمة تقسم فيمن شهد القتال، فيضرب للفارس سهمان سهم له وسهم ~~لفرسه، وللراجل سهم واحد، انتهى. # وعن ابن عباس: ms2138 أنه كان يقسم الفيء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على ستة: لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه، وثلاثة أسهم للفقراء والمساكين ~~وابن السبيل، فلم يزل حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجزا أبو ~~بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء. # وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس، وقال: إنما لكم أن يعطا فقيركم ~~ويزوج أرملكم، وقيل: الخمس كله للقرابة، وقيل: سهم الله والرسول واحد، ~~كقوله: {والله ورسوله أحق أن ترضوه}. # وعن الحسن: سهم رسول الله لولي الأمر من بعده. # وعن الكلبي: الآية نزلت ببدر. PageV19P491 # وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام، ذكر ~~هذا في الكشاف، ثم قال تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله} فاقنعوا من الغنيمة ~~بأربعة أخماس، وهو متعلق بمحذوف، أي إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس ~~من الغنيمة يجب التقرب به، وأنه مصروف إلى هذه الوجوه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه أخرجوا الخمس من الغنائم إن ~~كنتم آمنتم بالله {وما أنزلنا على عبدنا} محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الآيات والملائكة، معناه وبما أنزلت على عبدي فخاطب عن نفسه باسم الجماعة، ~~وهو جائز عند العرب، تقول الرئيس منهم قد أمرنا العسكر، وفعلنا كذا وكذا، ~~وإنما يريد نفسه فقط {يوم الفرقان} يوم بدر لفرقه بين الحق والباطل {يوم ~~التقى الجمعان} جمع المسلمين والكافرين، والمراد ما أنزلنا من الآيات ~~والملائكة والفتح يومئذ. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه يوم بدر يوم فرق الله عز وجل ~~بين أوليائه وأعدائه، وفرق بين الحق والباطل بالنصر للقليل المستضعفين على ~~الكثبر الفرسان المستظهرين، وهو فرق بين عند من يعقل أن يكون ثلاثمائة رجل ~~وثلاثة عشر رجلا أكثرهم رجالة أرثاث السلاح، فهزموا أكثر من ألف رجل معدين ~~أكثرهم فرسان أبطال عند البأس، لم يقهرهم قط، علمنا أحد من الناس، فقتل ~~كثير منهم وأخذ جماعة منهم مأسورين مربطين بالحبال وسلم نفر منهم هاربين، ~~انتهى {والله ms2139 على كل شيء قدير} أي يقدر على نصركم كما فعل معكم وأنتم ~~قليلون ذليلون. # قال الطوسي رحمة الله عليه: جعل الله إخراج الخمس من الغنائم ثم من شرط ~~الإيمان فكأنه قيل: إن آمنتم بالله وبالذي أنزل على محمد يوم الفرقان ~~فارضوا بهذا الحكم الذي حكم الله في الخمس، وللعامة طريقة في الخمس، ولآل ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم طريقة. PageV19P492 # قال بعض فقهاء العامة: الغنيمة والفيء واحد عند أهل البيت، الغنيمة: ما أخذ ~~بالقتال، والفيء: ما أخذ بغير قتال. # وقال بعض علماء العامة: هذه الآية ناسخة للتي في[525] سورة الحشر، وهي ~~قوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى...} الآية، وقالوا: يقسم الخمس على خمسة أسهم؛ لأن سهم الله وسهم ~~رسوله واحد. # وقال بعضهم: يقسم على أربعة أقسام، لبني هاشم وبني عبد المطلب. # وقال بعضهم: يقسم على ثلاثة أقسام؛ لأن ما كان للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يصرفه الذي يتولى الأمر من بعده في الكراع والسلاح. # وقال أكثرهم: يقسم الخمس على ما ذكرهم الله في الآية، وعند ابن عباس: ~~ذووا القربى بنو هاشم، وقيل: بنو عبد المطلب، وهذه الجملة التي ذكرتها هي ~~طريقة، فأما طريق آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالخمس من الغنيمة ~~وغيرها فيما روي عن الباقر محمد بن علي وابنه جعفر وموسى بن جعفر وعلي بن ~~موسى عليه السلام إن في الغنيمة وفي كل ما يخرج من البحر من اللآلئ ~~واليواقيت والكنوز وجميع معادن الذهب والفضة والحديد والرصاص وما جرا ~~مجراها الخمس، وسهم الله كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يضعه فيما ~~يراه، وسهم الرسول له وذووا القربى قربى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، واليتامى المذكورون في الآية يتامى آل رسول الله ومساكينهم وابن ~~سبيلهم، وعند آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حق الخمس من جميع ما ~~ذكرناه، ثابت لهم، والمانع ذلك عنهم ظالم، فبين الله تعالى حق الخمس ~~المستحقة، وجعل ms2140 إخراج الخمس من شرط الإيمان، انتهى. # واعلم أنه عز وجل ذكر أنواعا من النعم التي أنعم الله بها على أهل بدر: # الأول منها: قوله تعالى: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} وفيه قولان: PageV19P493 # أحدهما: أنه متعلق بمضمر معناه: وذكروا إذ أنتم كذا وكذا، كما قال تعالى: ~~{واذكروا إذ أنتم قليل}. # الثاني: أن يكون قوله إذ بدلا من يوم الفرقان أي وقت كنتم يا معشر ~~المسلمين بعدوة الوادي وهي جانبه الأدنى إلى المدينة، {وهم بالعدوة القصوى} ~~جانب الوادي الأقصى يلي مكة، وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون، ~~فكان استظهارهم من هذا الوجه أشد، وفائدة الإخبار بالعدوتين الدالة على قوة ~~شوكة الكفار، وما اتفق لهم من تكامل العدة، وجعل العير خلفهم لتكون الحمية ~~أكثر، وخورهم الماء وغير ذلك من أسباب الغلب، والمسلمون بخلاف ذلك، وأن ~~غلبتهم في مثل هذه الحالة لم تكن إلا صنعا لله ودليلا على أن الحق والقوة ~~له، ثم قال: {والركب أسفل منكم} يعني الركب الأربعين الذين كانوا يقودون ~~العير التي خرجوا لها كانت في موضع أسفل الوادي على شاطئ البحر بثلاثة ~~أميال، وأسفل نصب على الطرف، معناه مكانا أسفل من مكانهم، وهو مرفوع المحل؛ ~~لأنه خبرا لمبتدأ {ولو تواعدتم} أنتم وأهل مكة للحرب {لاختلفتم في الميعاد} ~~فالتقدم والتأخر والزيادة والنقصان من غير قصد، ويحتمل ولو تواعدتم ثم ~~بلغكم كثرة عدوكم مع قلة عددكم لتأخرتم فنقضتم الميعاد لخلاف بعضكم بعضا، ~~فيثبطكم عن الوفاء بالموعد قلتكم مع كثرتهم، ونبضهم ما في قلوبهم من التهيب ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يتفق لكم من التلاقي والنصر ما ~~سببه الله تعالى. # وقوله: {ولكن ليقضي الله} اللام متعلقة بمحذوف أي دبر ما دبر ليقضي الله ~~{أمرا كان مفعولا} أي واجبا أن يفعل كأنه قال: فعل ما فعل لينجز الله أمرا ~~كان مقضيا، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائهم. PageV19P494 # وقال الحسين[526] بن القاسم عليه السلام: المعنى في ذلك ولكنه قضى ذلك ~~بالأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسير والخروج، لا بالخبر ولا ms2141 بما ~~يدعيه المشبهون من قضا الختم والعسر، ومعنى كان مفعولا أي أنه تعالى قضى ~~الأمر ونزله وأوصله إلى رسوله وفعله {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن ~~بينة} ليس يريد هلاك القتل ولا حياة القتال، وإنما أراد بذلك أنه قضى الأمر ~~لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبره بالنصر والظفر، قيل: كونه ليكون ذلك ~~بينة ومعجزة له يهلك بعدها من هلك من الناس في الدين على بيان، ومكابرة ~~للعقول والعيان، ويحيى ويهتدي من حيي واهتدا وسلم بتلك البينة من الغي ~~والردى، ولكنه استعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي ليصدر كفر من كفر ~~عن وضوح بينه وعلم منه بضلاله حتى لا تبقى له على الله حجة، وتصدر أيضا ~~إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب التمسك به، وذلك أن ما ~~كان من وقعة بدر من الآيات التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه، ففيه أوضح ~~دليل لكل من الفريقين على أمر دينه، وذلك أنه لا شك أن عسكر الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم في أول الأمر كانوا في غاية الضعف والخوف بسبب القلة ~~وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدا عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا ~~رمليا تغوص فيه أرجلهم. PageV19P495 # وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد وحصول الآلات ~~والأدوات، وأنهم كانوا قريبا من الماء؛ ولأن الأرض التي نزلوا كانت صالحة ~~للمشي، ولأن العير كانوا ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجي العد ساعة فساعة، ثم ~~إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على ~~الكفرو، فصار ذلك من أعظم المعجزات وأوقى البينات على صدق محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر، فقوله ليهلك ~~من هلك عن بينة إشارة إلى هذا المعنى، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وإن ~~الله لسميع عليم} أي يسمع دعاكم ويعلم حاجتكم وضعفكم، فأصلح مهكم، وعالم ~~بكفر من كفر وعقابه، وإيمان من آمن وثوابه. # والنوع الثاني من النعم التي أنعم ms2142 الله بها على أهل بدر قوله: {إذ يريكهم ~~الله في منامك قليلا} أي واذكر وقت يريكهم أي الكفار من قريش في رؤياك ~~قليلا لتخبر أصحابك فتقوى قلوبهم. # قال في البرهان: وهذا خطاب للني صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الله تعالى ~~أرى نبيه في منامه قلة المشركين وتثبيتا له ولطفا أنعم الله به عليه وعلى ~~أمته ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقا العدو {ولو أراكهم كثيرا} على ~~قدرر عددهم {لفشلتم} لجبنتم وهبتم الإقدام عليهم {ولتنازعتم في الأمر} أي ~~في الرأي بين الثبات والفرار. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى أنه أطلع نبيه في المنام ~~على المشركين وقللهم في عينه ليجتري عليهم ويبسط في القتال والمسير إليهم، ~~ولو كثرهم في عينه لأخبر أصحابه ولو أخبرهم لفسلوا وتنازعوا، ولكنه اختصر، ~~انتهى، ثم قال: {ولكن الله سلم} أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل ومن ~~التنازع والمخالفة فيما بينكم {إنه عليم بذات الصدور} أي بمضمراتها[527] ~~يعلم ما يحصل فيها من الجرأة والجبن والصبر والجزع. PageV19P496 # والنوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم بدر قوله تعالى: ~~{وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا} قللهم في أعينهم تصديقا لرؤياه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولتقوى قلوبهم، وتزداد جرأتهم عليهم، قيل: كانوا ~~ألفا فقالب بعض المسلمين لصاحبه: أهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، وقال عز ~~وجل: {ويقللكم في أعينهم} لئلا يستعدوا لكم، حتى قال أبو جهل، القوا السيوف ~~وخذوا الحبال فاربطوهم، وطريق التقليل أن يسير بعضهم ساترا، أو يحدث في ~~عيونهم ما يستقلون له الكثرة، عكس ما يحدث في عيون الحول. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى يريكوهم في أعينكم قليلا أي ~~لتجتروا على قتالهم، ويقللكم في أعبنهم لئلا ينهزموا ولا يهربوا منكم قبل ~~القتال فيسلموا {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} أي ليقطع الله آجالهم وينصركم ~~عليهم، فإن قيل: ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة فكان ذكره هاهنا محض ~~التكرار، فجوابه أن المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل ~~تلك ms2143 الأفعال ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة ~~على صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والمقصود من ذكره هاهنا ليس ذاك ~~المعنى بل المقصود أنه تعالى ذكر هاهنا أنه فعل ذلك ليصير ذلك سببا ~~لانكسارهم كأنه قد كان قللهم قبل اللقاء ليجتروا عليه، ثم كثرهم عند اللقاء ~~لتفجأهم الكثرة فيبهتوا حتى يرون ما لم يكن في حسابهم، قال في آل عمران: ~~{يرونهم مثليهم رأي العين} ثم قال: {وإلى الله ترجع الأمور} في الآخرة، ~~فيثيبكم ويعاقبهم، والغرض منه التنبيه على أن أحوال الدنيا غير مقصوده ~~لذاتها، وإنما المراد منه ما يصلح أن يكون زاد اليوم المعاد. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعلى المؤمنين يوم بدر علمهم إذ التقوا نوعين من الآداب: PageV19P497 # الأول: قوله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} أي جماعة من ~~الكفار {فاثبتوا} ولا تفروا، فأمرهم تعالى أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء، ~~ولا تحدثوها بالتولي. # والثاني: قوله: {واذكروا الله كثيرا} مستظهرين بذكره مستنصرين به على ~~عدوكم، وفيه إشعار أن العبد لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلبا وأكثر ما ~~يكون هما، فأمرهم تعالى أن يكون له بقلوبهم وألسنتهم ذاكرين. # قال ابن عباس: أمر الله سبحانه أولياءه بذكره في أشد أحوالهم تنبيها على ~~أن الإنسان لا يجوز أن يخلوا قلبه ولسانه عن ذكر الله، وناهيك بما في خطب ~~أمير المؤمنين عليه السلام أيام صفين، وفي مشاهده مع البغاة والخوارج من ~~البلاغة والبيان، ولطائف المعاني وبليغات المواعظ والنصائح، دليلا على أنهم ~~كانوا لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل، وإن تفاقم الأمر. # روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما رأهم في موقف بدر قال: ((اللهم إن ~~قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها لمعارضة دينك وحاربة رسولك)) ثم قال: {لعلكم ~~تفلحون} أي لكي تظفروا بمرادكم في مرضات الله، وهذا هو أعظم مقامات ~~العبودية، فإن غلب[528] فاز بالثواب والغنيمة، وإن صار مغلوبا فاز بالشهادة ~~والدرجات العالية. # أما إن كانت ms2144 المقاتلة لا لله بل لأجل الثناء في الدنيا، وطلب المال، لم ~~يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح، ثم قال تعالى مؤكدا لذلك: {وأطيعوا الله ~~ورسوله} فيما يأمر به؛ لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات، ثم ~~قال: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} فأخبر تعالى أن النزاع يوجب أمرين: # أحدهما: أنه يوجب حصول الفشل والضعف. # والثاني: قوله: {وتذهب ريحكم}، وفيه قولان: # الأول: أن المراد بالريح النصرة والدولة، يقال ذهب ريح فلان أي نصره، ~~شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، فيقال: هبت رياح فلان إذا دالت له ~~الدولة. PageV19P498 # والثاني: أنه لم يكن نصر إلا بريح يبعثها الله تعالى في وجه المهزوم، وقفا ~~المنصور. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((نصرت بالصبا، وأهلكت عاد ~~بالدبور)). # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لا تختلفوا في أرائكم فتنهزموا ~~وتجبنوا وتذهب بساطكم وارتياحكم، والريح هاهنا هي البساط، قال الشاعر: # إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها # أي يبسط ويطرب ويخف لذكرها وحبها، والارتياح والروح مأخوذ من الريح ~~وخفتها وطيبها، وترويحها للأبدان عند هبوبها، انتهى، حذرهم بالنهي عن ~~التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد لمخالفتهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من فشلهم وذهاب ريحهم، ثم قال تعالى: {واصبروا إن الله مع ~~الصابرين} الصبر هو الحبس للنفس على مكروهها، والمقصود أن كمال أمر الجهاد ~~على الصبر وأمرهم بالصبر كما قال في آية أخرى: {اصبروا وصابروا ورابطوا} ~~وأخبر تعالى أنه مع الصابرين، ولا شبهة أن المراد بهذه الآية النصرة ~~والمعونة، ثم قال: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} ~~بإطعامهم، أي لا يكونوا كأهل مكة حين نفروا لحماية العير فارهم رسول أبي ~~سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت العير، فأبى أبو جهل وقال: حتى نأتي بدرا. PageV19P499 # وفي الرازي قال المفسرون: فلما وردوا الجحفة بعث الخفاف الكناني وكان صديقا ~~لأبي جهل بهدايا مع ابن فلما أتاه قال: إن أبي ينعمك صباحا، ويقول لك: إن ~~شئت أمدك بالرجال أمددتك، وإن ms2145 شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت، ~~فقال أبو جهل: قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا، إن كنا نقاتل الله كما يزعم ~~محمد فوالله ما لنا به من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا لقوة، ~~والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا ~~فيها القينات فإن بدأ موسم العرب وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه ~~الواقعة، فذلك بطرهم ورياهم الناس بإطعامهم، فوافوه ما فسقوا كؤوس المنايا ~~مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القينات، فنهاهم أن يكونوا مثلهم ~~بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والحزن والكآبة من ~~خشية الله، مخلصين أعمالهم لله. # واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء: # الأول: البطر وهو الطغيان في النعمة، والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله ~~تعالى على العبد فإن صرفها إلى مرضاته، وعرف أنها من الله تعالى فذلك ~~هو[529] الشكر، وإما أن يتوسل بها إلى المفاخرة على الإقران والمكاثرة على ~~أهل الزمان فذلك هو البطر. # والثاني: قوله ورئاء الناس والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل، مع ~~أن باطنه يكون قبيحا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: المعنى لاتعتقدوا في جهادكم النفاق ~~للناس والأشر واللعب، لكن اعتقدوا في ذلك مغفرة الله والطاعة له، والمصير ~~إلى أمره؛ لأن من الناس من لا يجاهد إلا للسمعة، وهو كافر بالله فنهى عن ~~ذلك سبحانه. # والثالث قوله تعالى: {ويصدون عن سبيل الله} أي يمنعون الناس عن دين محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أن قوله: بطرا ورئا الناس مصدر، وقوله: ويصدون عن سبيل الله فعل ~~مضارع، وعطفا لفعل على الاسم عير حسن، وذكر الواحدي فيه ثلاثة أوجه: PageV19P500 # الأول: أن يكون قوله: ويصدون بمعنى صادين. # والثاني: أن يكون قوله بطرا ورئا حالا على تأويل مبطرين مرائين، ويكون ~~قوله ويصدون بمعنى صادين. # والثالث: أن يكون قوله بطرا ورئاء بمنزلة يبطرون ويراؤن. # قال صاحب الكشاف: أقام زيارة الفعل مقام الاسم، وأخرى أقام الاسم مقام ~~الفعل، ليصح له ms2146 كون الكلمة معطوفة على جنسها، ثم ختم هذه الآية بقوله ~~تعالى: {والله بما يعملون محيط} أي مطلع فيجازيهم عليه، والمقصود أن ~~الإنسان بما أظهر من نفسه أن الحامل له والداعي إلى الفعل طلب مرضات الله، ~~مع أنه لا يكون الأمر كذلك في الحقيقة فبين تعالى إن علمه محيط بما في ~~دواخل القلوب، وذلك كالتهديد والزجر عن الريا والتصنع، قوله تعالى: {وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم} العامل في إذ فيه وجوه، قيل: تقديره واذكر وقت ~~زين، وقيل: هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم وتقديره واذكروا إذ ~~يريكموهم، واذكر وقت زين، وقيل: هو عطف على قوله خرجوا بطرا وريا الناس، ~~وتقديره ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئا الناس إذ زين لهم ~~الشيطان بوسوسته فقط، أو من شياطين الإنس أو همهم أن اتباع خطواته وطاعته ~~مما يخبرهم. PageV20P001 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا الشيطان الذي ذكره الله هو شيطان من ~~الإنس، والله أعلم، وهو رجل من المنافقين كان يمسهم ويقول لهم: أنتم يا ~~معشر قريش أشجع العرب اليوم، وأنجدها وأعظمها قتالا وبأسا وأشدها {وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} من بني كنانة، أجيركم وأمنعكم، ~~وأكون لكم صاحبا وأطيعكم {فلما تراءت الفئتان} أي تناصرت الجماعتان جمع ~~المؤمنين والمشركين، أي تلاقت الفئتان ورأى كل صاحبه {نكص على عقبيه} أي ~~رجع منهزما، ولم يسر في الجهاد والقتال قدما، وأظهر لهم بزعمه توبة وندما، ~~لما جبن عن القتال وسفك الدما، والنكوص هو الرجوع على العقبين مدبرا، انتهى. # قال في الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معادات رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ووسوس إليهم أنهم لا يطلبون ولا يطاقون، وأوهمهم ~~أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يخبرهم، فلما تلاقا الفريقان نكص ~~الشيطان وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود الله، وكذا عن الحسن[530] ~~كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم. # قلت: وهو قول القاسم والهادي والمرتضى وغيرهم من أئمة أهل البيت عليهم ~~السلام ms2147 . # وأما غيرهم فقالوا لما اجتمعت على المسير ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة ~~من الحرب فاد ذلك بينهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن خشعم ~~الشاعر من بني كنانة فبمل رأى الملائكة نزل ينكص {وقال إني بريء منكم إني ~~أرى ما لا ترون} من الملائكة {إني أخاف الله} قيل: لم يخف عذاب الآخرة، ~~وقيل: أن نزول الملائكة كان لعقابه. # قال قتادة: صدق في قوله إني أرى ما لا ترون يريد أنه أنه حدث له رأي من ~~التوبة لم يروه بعد، يريد أن يتعلل بذلك لكا جبن عن القتال، وأظهر لهم أنه ~~خائف لله ذي الجلال، وهذا دليل على نفاقه إخوانه الأنذال، انتهى. PageV20P002 # أما قوله: {والله شديد العقاب} فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس، ويجوز أن ~~ينقطع كلامه عند قوله: إني أخاف الله، ثم قال الله تعالى: والله شديد ~~العقاب، لم يعرض لمحاربة جنده، وعلى قول الحسن أنه لم يظهر فيكون قوله إني ~~بريء منكم إني أخاف الله مجازا أو عبارة عن تبريته وإبطال كيده وحقيقته على ~~الثاني قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون} في يوم بدر، وقيل منافقوا المدينة، ~~وهو بعيد، ثم قال عز وجل: {والذين في قلوبهم مرض} هم قوم مرتابون لم يظهر ~~فيهم من العداوة ما ظهر من سائر المنافقين، وإن كانوا في النفاق سواء، ~~والمرض الشك وهو مشهور في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: # ولامرضا أتعبه إلي لصائن # لعرضي ولا في الأولوية مفخر # ذكره في البرهان. # قال الهادي عليه السلام: إن مشركي قريش كان في قلوبهم مرض من دعوة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمرض فهو الشك والحيرة والحسد، فكلما ~~أسفوا من شيء زاد الله نبيه حجة ونورا ودلالة وحقا، فازدادت قلوبهم مرضا ~~بما يزيد الله نبيه من النور والهدى في كل يوم يثبت الله لنبيه حجة ونصرا ~~وتأييدا، فتزداد بذلك قلوبهم عداوة وحسدا. # قال الرازي: وإنما لم يدخل الواو في قوله إذ يقول ودخل في قوله: {وإذ زين ~~لهم}؛ لأن قوله ms2148 وإذ زين عطف هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطرا أو رئاء الناس. # وأما هاهنا وهو قوله: {إذ يقول المنافقون} فليس فيه عطف لهذا الكلام على ~~ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع عما قبله، وعامل الإعراب في إذ فيه وجهان: # الأول: التقدير والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون. # والثاني: اذكروا إذ يقول المنافقون، والله أعلم. PageV20P003 # قال: وأما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج، وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فهم قوم من قريش، أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا، ثم إن ~~قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أولئك: نخرج ~~معهم فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة قمنا في قومنا. # قال[531] محمد بن إسحاق: ثم قتل هؤلاء جميعا مع المشركين يوم بدر، ~~وقولهم: {غر هؤلاء دينهم} يعنون المسلمين اغتروا بذنبهم وطمعوا في النصرة ~~بسبب ذنبهم، وحسبوا أن قريشا تغلبهم، ويأسوا حينئذ من سلامة المؤمنين ~~بجهلهم. # قال ابن عباس: معناه أنهم ثلاثمائة في ثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل، وما ~~ذاك إلا أنهم اغتروا على دينهم، وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم ~~رجاء أن جعلوا إحياء بعد الموت، فرد الله عز وجل عليهم وأكذبهم في ظنهم، ~~فقال: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز} غالب يسلط الضعيف على القوي ~~{حكيم} فلا يسلطه إلا بعدل وحكمة المعنى، ومن يسلم أمره إلى الله ومن يتق ~~بفضله ويقول بإحسان الله فإن الله حافظه وناصره فهو يختار له أفضل ما لديه ~~إذا طرح نفسه في يديه؛ لأن عزيزا لا يغلبه شيء يوصل العذاب إلى أعدائه ~~والرحمة والثواب إلى أوليائه. # واعلم انه تعالى لما شرح أحوال المنافقين والذين في قلوبهم مرض ذكر أحوال ~~موتهم والعذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت، فقال: {ولو ترى إذ يتوفى الذين ~~كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} فمعناه يضربون ما أقبل منهم وما أدبر. # قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا ~~وجوههم بالسيف، وإذا أدبروا ms2149 ضربوا أدبارهم، فلا جرم قالتهم الله بمصله في ~~نزع الروح. # وقال في البرهان: يضربون وجوههم يوم القايمة إذا جاؤهم وأدبارههم إذا ~~ساقوهم إلى النار. PageV20P004 # قلت: وظاهر الآية أنه ننصرتهم الملائكة عند قبض أرواحهم وعند توفي جمي ~~أنفسهم. # قال المرتضى عليه السلام في بعض جواباته: تضرب الملائكة عليهم السلام ~~لوجوه الظالمين وأدبارهم عند خروج أنفسهم، وهو من أول عذابهم مع ما ~~يعاينونه من سوء منقلبهم، وقبح ما فيهم، وليس يخرج عبد من الدنيا حتى يرى ~~محله ويعرف من الآخرة مكانه باخبار الملائكة عليهم السلام له عند قبض روجه، ~~وخروج نفسه، فإن كان فاسقا أيقن بالنيران وبالمصير إلى سوء دار مع إتعاب ~~الملائكة عليهم السلام في إخراج نفسه وضربها لوجهه وظهره، وإن كان مؤمنا ~~تلقته الملائكة بالبشارة والكرامة، وقبضت روحه قبضا رقيقا سهلا إلى آخر ~~كلامه عليه السلام ، واحتجاجه على ذلك قوله تعالى: {وذوقوا عذاب الحريق} ~~فيه إضمار، والتقدير ويقول ذوقوا أي مقدمة عذاب النار أو ذووقوا عذاب ~~الآخرة[532] بشارة لهم به. # وقال ابن عباس: قول الملائكة لهم: فذوقوا عذاب الحريق، إنما صح لأنه كان ~~مع الملائكة مقامع كلما ضربوا التهبت النار في الأجزاء والأبعاض، فذلك قوله ~~فذوقوا عذاب الحريق {ذلك بما قدمت أيديكم} من المعاصي أي ذلك العذاب، ~~ويحتمل أن يكون من كلام الله أو من كلام الملائكة. # قال الواحدي: ويجوز أن يقال ذلك مبتدأ وخبره بما قدمت أيديكم، ويجوز أن ~~يكون محذوفا، والتقدير ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم، ثم قال تعالى: {وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد}. # قال الرازي: في محل إن وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض، يعني إن الله ~~أي ذلك العذاب بسببين: سبب كفرهم ومعاصيكم، وبأن الله ليس بظلام للعبيد؛ ~~لأن تعذيب الكفار من العدل كإثابة المؤمنين. # والثاني: أنك إن جعلت ذلك أن في موضع رفع جعلت إن في موضع رفع أيضا ~~بمعنى، وذلك أن الله. PageV20P005 # واعلم أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلا وآجلا كما تقدم ~~شرحه، أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته ms2150 في الكل فقال: {كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم} والكاف في محل الرفع، أي دأب هؤلاء مثل دأب فرعون، ودأبهم ~~عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، أي داموا عليه، والمعنى مثل عادة آل فرعون ~~وإسراعهم وحرضهم في الكفر وضلالهم، قال الشاعر: # كدأبك من أم الحويرث قبلها # أي كعادتك منها والدأب أيضا هو: الشيء المتتابع الذي لا يفتر، وأراد ~~بالذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود في التكذيب، وأجرى الله عليهم مثل ~~عادتهم في التعذيب، ثم فسر دأب آل فرعون فقال: {كفروا بآيات الله} أي حججه ~~التي جاء بها موسى عليه السلام {فأخذهم الله بذنوبهم} ثم قال: {إن الله قوي ~~شديد العقاب} والغرض منه التنبيه أن لهم عذابا موجزا سواء ما نزل بهم من ~~العذاب العاجل، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزل بهم فقال: ~~{ذلك بأن الله} أي بسبب أن الله {لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم} أي لم ~~يصح في حكمته أن يغيرها {حتى يغيروا ما بأنفسهم} من الحال إلى حال أسوأ ~~منها، وآل فرعون وأهل مكة لم يكن لهم حال مرضية غيروها حتى غير الله نعمته ~~عليهم، ولكن غيروا الحال المسخوطة إلى حال أسخط منها؛ لأنهم كانوا قبل ~~البعثة عبدة أصنام، فلما جاءتهم الآيات كذبوا بها وبالرسل وجهدوا في قتلهم، ~~فغيروا حالهم إلى أسوا منها، فغير الله ما أنعم عليهم من الإمهال وعاجلهم ~~بالنكال. PageV20P006 # وقال في البرهان: لم يكن مغيرا نعمة أنعمها عليهم بالنصر على أعدائهم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم من الثقة والتوكل عليه، وإيثار طاعته واجتناب معصيته، ~~وأيضا لم يكن مغيرا نعمة أنعمها عليهم في الغنا والسعة حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم من تادية حق الله عز وجل، ثم قال: {وأن الله سميع عليم} أي سميع ~~بما يقول مكذبوا الرسل عليهم بما يفعلون، فيجازيهم عليه. # وأما قوله تعالى: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم ~~فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون} فليس بتكرار، ولكنه يضربون للقول في ~~الذم بما كانوا عليه من قبح الفعل، ms2151 ومثله لا يكون تكريرا معينا، وفي ~~الكشاف: هو تكرير للتأكيد[533]، وفي قوله بآيات ربهم دلالة على كفران ~~النعم، وجحود الحق، وفي ذكر الأغراق بيان للأخذ بالذنوب. # قال الرازي: في ذكره مرة أخرى وجوه: # الأول: أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأن الكلام ~~الأول فيه ذكر أخذهم وفي الثاني ذكر إغراقهم، وذلك تفصيل. # والثاني: أنه أريد بالأول ما نزل بهم في القبر وفي الآخرة. # الثالث: أن الكلام الأول هو قوله: كفروا بآيات الله، والكلام الثاني ~~قوله: بآيات ربهم، فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإلهية، والثاني ~~إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة، فأنكروا دلائا ~~التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول ~~الأخوف اللازم من الثاني هو الهلاك، والإغراق، وذلك يدل على أن للكفر أثرا ~~عظيما في حصول الهلاك والبوار، ثم ختم الكلام بقوله: {وكل} من قتلى قريش ~~وغرقى القبط {كانوا ظالمين} لأنفسهم بالكفر والمعاصي وظالمي سائر الناس ~~بسبب الإنذار والإيحاش، وأن الله إنما أهلكهم بسبب ظلمهم. PageV20P007 # واعلم أنه تعالى لما وصف الكفار بقوله: {وكل كانوا ظالمين} أفرد بعضهم ~~بمزية في الشر والفساد فقال: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} جعلهم من ~~جنس البهائم، ثم جعلهم شرها، ومعنى عند الله أي في حكمه وعلمه، ثم قال: ~~{فهم لا يؤمنون} أي أصروا على الكفر ولجوا فيه فلا يتوقع منهم إيمان، ~~وقوله: {الذين عاهدت منهم} بدل من الذين كفروا أي الذين عادتهم من الذين ~~كفروا، وهم بنو قريظة الذي استمروا على الكفر عاهدهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن لا يمالوا عليه، فنكثوا بأن أعانوا مسركي مكة بالسلاح، ~~وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عادهدم فنكثوا ومالوا معهم يوم الخندق، وانطلق ~~كعب بن الأشرف إلى مكة فخالفهم، وذلك قوله: {ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} أي ~~ينقضون ذمامهم بالغدر في كل وقت عاهدتهم فيه، وإنما جعلم شر الدواب؛ لأن شر ~~الناس الكفار، وشر الكفار المصرون، وشر المصرين الناكثون للعهود، ثم قال: ~~{وهم لا يتقون} ms2152 عاقبة الغدر من العار والنار، يعني أن عادة من يرجع إلى عقل ~~وجزم أن يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقون بكلامه، فأخبر ~~تعالى أن من جمع بين الكفر الدائم ونقض العهد على هذا الوجه يكون شر ~~الدواب. PageV20P008 # واعلم أنه تعالى يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة منها قوله ~~تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ومنها قوله: {فاعف عنهم واستغفر ~~لهم وشاورهم} وتارة يرشده إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية، وذلك ~~لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة بين ما يجب أن يقابلوا به ~~فقال: {فإما تثقفنهم} أي فإما تصادمنهم وتظفرن بهم {في الحرب فشرد بهم} أي ~~فرق بقتلهم شر قتله {من خلفهم} أي من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليكم ~~بعدهم أحد اعتبارا بهم، والمراد أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ~~ينقضون العهد فافعل بهم فعلا يفرق من خلفهم، ويطرد وينكل به من ورائهم من ~~أشباههم وأمثالهم، قال الشاعر: # أذود في الأباطح كل يوم # مخافة أن يشردني حكيم # أي مخافة أن ينكل بي قوما آخرين[534]، ثم قال: {لعلهم يذكرون} أي لعل ~~المشردين من ورائهم يتعظون، ومعنى قوله: {وإما تخافن من قوم} معاهدين ~~{خيانة} أي نكثا بأمارات تظهر منهم {فانبذ إليهم} أي اطرح إليهم العهد، ~~واعلمهم برفعه، فيكون علمك وعلمهم بالمنابذة {على سواء} أي على طريق مستوي، ~~وهو أن تخبرهم إخبارا ظاهرا مكشوفا لا لبس فيه، أنك قد قطعت ما بينك ~~وبينهم، ليكون الإعلام لهم بذلك حجة عليهم لله إن لم يتوبوا عن خيانتهم، ~~ولا تناجزهم الحرب، وهم على توهم بقا العهد، فيكون ذلك خيانة منك. # قال القاضي جعفر: نقض الذمة بغير استحلال فسق ومعه كفر، ثم قال سبحانه: ~~{إن الله لا يحب الخائنين} في عهودهم. PageV20P009 # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في بني قريظة، وذلك لأن بني قريظة لما ~~عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجابوا أبا سفيان ومن معه من ~~المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ms2153 صلى الله عليه وآله وسلم كما مر، فحصل ~~للرسول منهم خوف الغدر به وبأصحابه، فهاهنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم ~~على سواء، ويؤدبهم الحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فهاهنا لا ~~حاجة إلا نقض العهد كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مكة ~~لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وصل إليهم جيش رسول الله وهم بمر الظهران وذلك على أربعة فراسخ. # واعلم أنه تعالى لما بين ما يفعله الرسول في حق من ظفر به في الحرب وتمكن ~~منه، وذكر أيضا ما يجب فعله في حق من ظهر منه نقض العهد، بين أيضا حال من ~~فاته في يوم بدر وغيره، لكيلا تبقى حسرة في قلبه، فقد كان فيهم من بلغ في ~~أذية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبلغا عظيما، فقال: {ولا يحسبن الذين ~~كفروا سبقوا} أي فاتونا من أن نظفر بهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا الخطاب لغير النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم؛ لأنه لا يحسب أن المشركين يسبقون أمر رب العالمين، ولا يظن ذلك ~~إلا فاسق من الكافرين، ثم قال: {إنهم لا يعجزون} أي لا يمتنعون من الله، ~~ولا يقدرون، وعبارة الكشاف أنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن ~~إدراكهم، وقرئ أنهم بالفتح؛ بمعنى لأنهم كل واحدة من المكسورة والمفتوحة ~~تعليل، إلا أن المكسور ة على طريقة الاستساق، والمفتوحة تعليل صريح، ~~والمعنى لا تحسبن أنهم لم يخلصوا من الأسر والقتل يخلصوا من عقاب الله ~~تعالى، ومن عذاب الآخرة، فأخبر أنهم بهذا السبق لا يعجزون من الانتقام ~~منهم، والمراد تسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيمن فاته، ولم يتمكن ~~من التشفي والانتقام منه. PageV20P010 # وعن الزهري: إنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين يوم بدر. # ولما أوجب تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشرد بمن صدر منه ~~نقض العهد وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض أمره ms2154 بالإعداد لهؤلاء ~~الكفار فقال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وقيل: إنه لما اتفق لأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقعة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا ~~عدة أمرهم الله تعالى أن لا يعودوا[535] لمثله، وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم ~~من آلة وعدة وقوة، والمراد بالقوة هاهنا ما يكون سببا لحصول القوة، وذكروا ~~فيه وجوها: # أحدها: أن المراد من القوة أنواع الأسلحة. # الثاني: روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية على المنبر، قال: ~~((ألا أن القوة الرمي، قاله ثلاثا)) رواه عقبة بن عامر، ومات عقبة عن سبعين ~~قوسا في سبيل الله. # الثالث: عن عكرمة أن القوة هي الحصون، وقيل: الثقة بالله، والأولى أن ~~يقال هذا عام في كل ما يتقووا به على الحرب مع العدو، وكل ما هو آلة للجهاد ~~من جملة القوة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((القوة هي الرمي))، لا ~~ينتفي كون غير الرمي معتبرا، كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الحج ~~عرفة، والندم توبة)) ولا ينبغي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء ~~شريف من المقصود، فكذا هاهنا وهذه الآية تدل على الاستعداد للجهاد بالنبل ~~والسلاح، وتعلم الفروسية والرمي واجب؛ إلا أنه من فروض الكفايات، وقوله: ~~{ومن رباط الخيل} الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى ~~الرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز ان يكون جمع ربيط كفصال وفضل، وقرأ ~~الحسن ومن ربط الخيل بضم الباء وسكونها جمع رباط، ويجوز أن يكون قوله ومن ~~رباط الخيل تخصيصا للخيل من بين مايتقوا به، كقوله: جبريل وميكائيل. PageV20P011 # وعن ابن سيرين: أنه سئل عن من أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به ~~الخيل فيرابط في سبيل الله، ويغزأ عليها، فقيل له: إنما أوصى في الحصون، ~~فقال: ألم تسمع قول الشاعر: # إني علمت على توقي الردى # أن الحصون الخيول لا نذر القرى # ولا شك أن ارتباط الخيل أقوى آلات الجهاد، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله ms2155 أمر ~~بأعداد هذه الأشياء، فقال: {ترهبون به عدو الله} بالكفر {وعدوكم} بالمباينة ~~أهل مكة، أو عام لكل عدو لكم؛ لأن الخيل أعظم الأشياء هيبة في ثدور الناس، ~~وأشدها رهبة وفرقا عند الناس، فأمر الله أولياؤه بها للتفرس والحركة عليها؛ ~~لأنه لا يرضى ولا يريد لعباده المؤمنين بالكاكة والضعف والهوان، والتواني ~~والتفريط في طلب الأمان، وذلك لأن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين ~~للجهاد مستعدين له، مستكملين بجميع الأسلحة والآلات، اشتد خوفهم وذلك الخوف ~~يفيد أمور كثيرة: # أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام. # وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية. # وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى الإيمان، ثم قال: {وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأجواتها كما ~~يرهب الأعداء الذين يعلم كونهم أعداء، كذلك يرهب الأعداء الذين لا يعلم ~~حالهم أنهم أعداء، ثم ذكروا فيهم أقوالا: PageV20P012 # الأول: وهو الأصح أنهم هم المنافقون، والمعنى أن تكثير أسباب الغزو كما ~~يوجب رهبة الكفار، فكذلك يوجب رهبة المنافقين والخونة الكفرة الفاسقين من ~~دون قريش في المباينة والإظهار؛ لأنهم لم يقدروا على الدفع للحق والإنكار ~~فسيرزوا أنفسهم خوفا من القتل بالنفاق والتملق للمؤمنين بالأخلاق، وهم مع ~~تخلقهم أفسق الفساق، فمن هاهنا لم يعلم بهم أحد من[536] المسلمين، والله ~~سبحانه هو الذي يعلمهم لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وأفعال القلوب ~~يطلع عليها إلا الله عز وجل، ذكر هذا الحسين بن القاسم عليه السلام ، وهو ~~الذي في البرهان وغيره، فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ~~ذكرتموه من الإرهاب فجوابه أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات، ~~ويختال في إلقا الفساد فيما بين المسلمين، فإذا شاهدوا كون المسلمين في ~~غاية القوة خافوهم، وتركوا هذه الأفعال المذمومة، وقيل: هم اليهود، وقيل: ~~فارس، وقيل: مفرة الجن، وجاء في الحديث: ((الشيطان لا يقرب صاحب فرس، ولا ~~دار فيها فرس عتيق)) أي كريم عربي، ثم قال: {وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله} هو عام ms2156 في الجهاد وفي سائر القرب {يوف إليكم}. # قال ابن عباس: يوف إليكم أجره أي لا يضيع أجره في الآخرة، ويعجل له عوضه ~~في الدنيا {وأنتم لا تظلمون} أي لا تنقصون من الثواب، ولما ذكر ابن عباس ~~هذا التفسير تلا قوله تعالى: {أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا}. # واعلم أنه تعالى لما بين ما يرهب العدو من القوة والاستظهار بين عندخه ~~أنهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكم قبول الصلح فقال: ~~{وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} أي مالوا إلى طلب الهدنة والسلامة، فمل إلى ~~ذلك، والسلم تؤنث تأنيث..............وهي الحرب. قال: # السلم يأخذ منها ما رضيت به # والحرب تكفيك من أنفاسها جرع PageV20P013 قال في البرهان: وهي عامة في موادعة كل من سألها من المشركين، ثم نسخت ~~بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ومثله عن مجاهد وعن ابن عباس ~~منسوخة بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} والصحيح أن الأمر موقوف على ~~رأي الإمام. # أما قوله: {وتوكل على الله} فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى ~~بالله، ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك ~~وعاصمك من مكرهم وخديعتهم، أو فوض الأمر إلى الله ليكون عونا لك على ~~السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء، ولذلك قال: ~~{إنه هو السميع العليم} منبها بذلك على الزجر عن نقض الصلح؛ لأنه عالم بما ~~يضمره العباد، سميعه لما يقولون. PageV20P014 # قال مجاهد: نزلت في بني قريظة والنظير، ووردوها فيهم لا يمنه من إجرائها ~~على ظاره عمومها، ولما أمر تعالى بالصلح ذكر بعده حكما من أحكام الصلح، وهو ~~أنهم صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح؛ لأن الحكم يبنى على ~~الظاهر؛ لأن الصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان، فلما بينا أمر الإيمان ~~على الظاهر لا على الباطن فهاهنا أولى ولذلك قال سبحانه: {وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك الله} أي يكفيك الله ويحسبك هو {هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين} أي قواك بالملائكة وظاهرة من اتبعك من المؤمنين ويغنوك ms2157 عن ~~غيرهم من الخونة الكافرين، والمراد من تقدم ذكره بقوله: {وإن جنحوا للسلم} ~~فإن قيل: أليس قال الله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة} محمول على ما إذا ~~تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها أو يحمل هذه المخادعة على ما إذا ~~حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير إلا أنه لم يظهر أمارات يدل على كونهم ~~قاصدين الشر، وإثارة الفتنة بل كان الظاهر من أحوالهم البينات على ~~المسالمة[537]وترك المنازعة، ولذلك قال بعده: فإن حسبك الله أي فتالله ~~يكفيك وهو حسبك، وسواء قوله هذا يكفيني وهذا حسبي، ثم إنه تعالى بين كيف ~~أيده تعالى بالمؤمنين فقال: {وألف بين قلوبهم} وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عصية، حتى لو لطم رحل من قبيلة ~~لطمة قاتل عنه قبيلة حتى يدركوا ثأره، ثم أنهم انقلبوا على تلك الحال، حتى ~~قاتل الرجل أخاه وابنه، واتفقوا على الطاعة فصاروا أنصارا، وعادوا إخوانا، ~~كما قال سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وقيل: جمع الله بين الأوس والخزرج على ~~دينه بعد الحروب التي دامت عليهم مائة وعشرين سنة هلكت فيها ساداتهم، ولم PageV20P015 يكن لنقصانهم أمد حتى جاء الإسلام، فأنساهم ذلك كله، وهو من الآيات ~~الباهرة؛ لأن العرب فيهم الحمية والضغينة في أدنا شيء لا يكاد يأتلف فيهم ~~قلبان، ثم ائتلفوا ورموا عن قوس واحدة وما ذلك إلا بلطف صنع الله وبليغ ~~قدرته، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {إنه عزيز حكيم} أي قاهر قادر ~~على تأليف القلوب وتقليبها من العداوة إلى الصداقة، ومن النفرة إلى الرغبة، ~~وكم في ذلك لما فيه من إعلاء كلمة الإسلام، ثم قال تعالى: {ياأيها النبي ~~حسبك الله} أي كافيك الله ناصرا {ومن اتبعك من المؤمنين} أي كفاك وكفى ~~أتباعك منهم، ويحتمل أن يكون المعنى كفاك وكفاك المؤمنون أي حسبك الله أن ~~تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم. # اعلم أنه تعالى ms2158 لما وعد بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر ~~في هذه مطلقا على جميع التقديرات، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ ~~لأن المعنى في الآية الأولى أن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، والمعنى في ~~هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا. # قال في البرهان: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، ومثله ~~في الكشاف. PageV20P016 # قال الرازي: أما قوله: {ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال} فمعناه حثهم ~~وبالغ وحضهم حضا علىالنزال، وقتل أعداء الله الأنجاس الأنذال، وهو من الحرص ~~وهو أن ينهكه المرض ويبالغ فيه حتى يشفى على الموت، ثم قال تعالى: {إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} من الكفار {وإن يكن منكم مائة} أي صابرة ~~{يغلبوا ألفا من الذين كفروا} هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من ~~المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله، وتأييده، ثم ~~إنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة بقوله: {بأنهم قوم لا يفقهون} أي لأنهم ~~لا يفقهون في الدين ولا يوقنون بالله حق اليقين، بسبب أن الكفار قوم جهلة ~~يقاتلون لا لطلب ثواب ولا ثقة بالله كالبهائم فيقل صبرهم ويعدمون لجهلهم ~~باللخه نصره، ويستيحقون خذلانه خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به ~~النصر، وليس المراد من هذا الخبر بل المراد كأنه قال: إن يكن منكم عشرون ~~صابرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مأتين. # وعن ابن جريج: كان على الواحد أن يثبت لعشرة، وكان صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث حمزة في ثلاثين راكبا فلقى أبا جهل في ثلاثمائة راكب، قيل: ثم ثقل ~~عليهم ذلك وضجوا[538] وذلك بعد مدة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد ~~للاثنين. # قال في البرهان: وهذا كان يوم بدر جعل الله على كل رجل من المسلمين قتلا ~~عشرة من المشركين، فشق عليهم ذلك فنسخ بقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم} ~~برفع تلك المشقة {وعلم أن فيكم ضعفا} في البدن، وقيل: في البصيرة ~~والاستقامة في الدين، وكانوا متفاوتين ms2159 في ذلك، وعلم أي ظهر المعلوم حتى وجد ~~بعد أن كان علم أنه سيوجد. PageV20P017 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: لأن الله فرض الجهاد على رسوله وعلى ~~المؤمنين في أول ما فرض على ما ذكرتم، ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل: {الآن خفف ~~الله عنكم} وقال سبحانه: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} أي بتيسيره ونصره {والله مع الصابرين} ~~بالنصرة والمعونة، وإنما كرر المعنى الواحد وهو مقاومة الأكثر منها مرتين ~~قبل التخفيف وبعده للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحد، لا يتفاوت؛ ~~لأن الحال قد يتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، ولذلك بين ~~مقاومة المائة المائتين والألف الألفين. # قال بعضهم: والذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم ~~بالغ مكلف وقف بإزاء المشركين، عبدا كان أو حرا، فالهزيمة عليه محرمة ما ~~دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاج فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة ~~حلت له الهزيمة والصبر أحسن، ثم إنه تعالى أرشد إلى تعليم حكم آخر من أحكام ~~الغزو والجهاد فقال: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} أي ما صح ولا استقام أن ~~يكون له أسرى جمع أسير {حتى يثخن في الأرض} ومعنى الإثخان كثرة القتل ~~والمبالغة فيه من قولهم: أثخنه المرض إذ أثقله، وأثخنته الجراحة إذا أثبتته ~~حتى تثقل عليه الحركة من الثخانة التي هي الغلظ والكنافة أي يذل الكفرة ~~بإشاعة التقل ويعز الإسلام ويقويه بالإستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك، ~~وهذا كان يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل فإما منا بعد وإما فدساء. PageV20P018 # قال في البرهان: وهذا نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فيهم بعد مشاورة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه علىالفداء ~~بالمال كل أسير بأربعة آلاف درهم، فنقض الله عليهم ذلك الرأي، وأنه ما كان ~~لنبي أن يفادي الأسرى حتى يثخن في الأرض، وهو كثرة القتل ليعز به الميسلمون ~~ويذل ms2160 به المشركون، ثم قال: {تريدون عرض الدنيا} أيحطامها، سمي المال عرضا ~~لقلة بقائه شبه بالعرض الحادث من سكون أو حركة أي تريدون يا معشر المسلمين ~~بأسركم وربطكم للمشركين أن يفدوا منكم شيء من عرض الدنيا وحطامها {ومتاع ~~قصير} أيامها، {والله يريد الآخرة} يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة، مما ~~هو سبب الجنة من إعزاز الدين بالإثخان بالقتل للكافرين، وقطع آجال الظلمة ~~الفاسقين. # قال الرازي: يعني أنه لا يريد ما يقضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض ~~وتزول، وإنما يريد ما يقضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصصونة ~~عن التبدل والزوال. # قلت: وهذا منه مناقضة ظاهرة لما يزعمه المجبرة، ونص صريح في الدلالة على ~~فساد قولهم إذ يقول كل ما كان من العبد فالله يريده؛ لأن الأسر وقع منهم ~~على هذا الوجه[539] ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ~~ثواب الآخرة وهو الطاعة، ثم قال: {والله عزيز حكيم} يغلب أولياؤه ويتمكنون ~~منهم قتلا وأسرا، ويطلق لهم الفداء، ولكنه حكيم يؤخر ذلك إلى أن يكثروا. # روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: ((إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم ~~فاديتموهم، واستشهد منكم بعدتهم)) فقالوا: بل نأخذ هذا فاستشهد منهم سيعون ~~بأحد وكان فداء كل رجل عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية. # وعن محمد بن سرين: مائة أوقية إلإ وقية أربعون درهما، الواحدي أربعة ~~آلاف، بان الجوزي أوقية ذهبا. PageV20P019 # أما قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق} فاعلم أنه كثر أقاويل الناس في ~~تفسير هذا الكتاب السابق، والمعمول عليه المعتمد في ذلك ما عليه أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام معناه عندهم لولا حكم سبق اثباته، ووعد نطقت به آياته، ~~أنه لا يعاقب أحد بخطأ ولا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة، وتقديم النهي ~~والمعذرة {لمسكم فيما أخذتم} من الفداء {عذاب عظيم}. # قال في البرهان: والكتاب القرآن الذي آمنتم به، المقتضي غفران الضغائر، ~~لمسكم فيما أخذتم من الفماداة عذاب عظيم، لكنه سبق كتابه أن تكون المؤاخذة ~~منه لمن أتا محظورا ms2161 على جهة العلم والعمد، فأما من أتاه على سبيل الجهل ~~والسشهو فلا شيء عليه، ومثل هذا في تفسير الحسين بن القاسم عليه السلام ، ~~ثم إن الله تعالى بين تحليل الغنائم والفداء بقوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا} بعيدا من خبائث التحريم، نصب حلالا على الحال من المغنوم، أو صفة ~~للمصدر، أي حلالا. # روي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت، ولم يكن الله ~~أطلقها لأحد قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ذكره الهادي عليه السلام ، ~~وقيل: هو إباحة للفداء؛ لأنه من جملة الغنائم، ثم قال: {واتقوا الله} ولا ~~تقدموا على المعاصي بعد ذلك {إن الله غفور رحيم} إذا تبتم غفر لكم ما فرط ~~من أخذ الفداء قبل أن يؤذن لكن، رحيم عظيم الرحمة في قبول توبتكم وإنابتكم، ~~قوله تعالى: {ياأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا} أي خلوص إيمان وصحة نبية ونصرة في الدين {يؤتكم خيرا مما أخذ ~~منكم} من الفداء، إما أضعافه في الدنيا أو ثوابا في الآخرة. PageV20P020 # وقال ابن عباس: نزلت في العباس وعقيل بن أب يطالب، ونوفل بن الحارث، كان ~~العباس أسيرا يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها لييطعم الناس، وكان ~~أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر، فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال ~~العباس: كنت مسلما أنهم ألزموني، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن يكن ~~ما تذكره حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا)). # قال العباس: وكلمت رسول الله أن يترك ذلك الذهب علي فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا، وكلفني فداء ابن أخي عقيل، ~~وفداء نوفل بن الحارث)) فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشا ما بقيت، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فأين الذهب الذي دفعته إلى أم ~~الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني فإن حدث بي حدث فهو لك ~~ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل)) ms2162 فقال العباس: وما يدريك؟ فقال: ((أخبرني ~~به ربي)) قال العباس: فأنا[540] أشهد أنك لصادق، وأن لا إله إلا الله، وأنك ~~عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، وقد دفعته إليها في سواد ~~الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، فأبدلني ~~الله خيرا من ذلك الآن عشرون عبدا وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني ~~زمزم وما أحب أن لي بها أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. # وروي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مال البحرين ثمانون ~~ألفا فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما ~~قدر على حمله، وكان يقول: هذا أخير مما أخذ مني، وأنا أرجوا المغفرة، ~~واختلف المفسرون هل الآية نزلت في العباس خاصة أو في جملة الأسرى؟ # قال قوم: إنها في العباس خاصة. # وقال آخرون: إنها نزلت في الكل، وهذا أولى؛ لأن ظاهر الآية يقتضي العموم ~~من ستة أوجه: # أحدها: قوله: لمن في أيديكم. # وثانيها: قوله من الأسرى. # وثالثها: قوله: في قلوبكم. PageV20P021 # ورابعها: قوله: يؤتكم خيرا. # وخامسها: قوله: مما أخذ منكم. # وسادسها: قوله: ويغفر لكم، فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم فما ~~الموجب للتخصيص غاية ما في الباب أن يقال: سبب نزول هذه الآية هو العباس، ~~إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أعلم. # قال في الكشاف: قرأ الحسن مما أخذ منكم على البناءي للفاعل. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى إن علم في قلوبهم نصحا ~~وتوبة، ورجعوا إيه وإنابة، فهو يخلف لهما خيرا مما أخذ المؤمنون من أموالهم ~~وافتدوا به أنفسهم من حطامهم، انتهى. # ويمكن أن يكون المراد بهذا الخير منافع الدنيا وثواب الآخرة، فإن قوله ~~تعالى: {ويغفر لكم والله غفور رحيم} المراد منه في الآخرة، وقيل: المراد ~~الخلف مما أخذ منهم في الدنيا؛ لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله: ~~يوغفر لكم. # أما قوله: {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من ms2163 قبل} فذكرو فيه وجوها: # أحدها: المراد منه الخيانة في الدين وهو الكفر، يعني إن يكفروا بك فقد ~~خانوا الله من قبل. # الثاني: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. # الثالث: روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أطلقهم من الأسر عاهدهم أن ~~لا يعودوا إلى محاربتهخ، فقال تعالى: وإن يريدوا خيانتك أي نكث هذا العهد، ~~فقد خانوا الله من قبل في كفرهم به، ونقض ما أخذ على كل عاقل من مشاقة، ~~وقيل: المراد أنهم كانوا يقولون لأن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ~~ولئن أتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، ثم إذا وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من ~~البلية نكثوا العهد ونقضوا المثاق، ولا يمتنع دخول الكل فيه، وإن كان ~~الأظهر هو هذا الآخر، والله أعلم. PageV20P022 # ثم قال تعالى: {فأمكن منهم} ومفعول الإمكان محذوف، أي أقدر نبيه والمؤمنين ~~عليهم، ومكن منهم يوم بدر فيمكن منهم إن عادوا الخيانة، والمعنى أنهم خانوا ~~الله فيما اقدموا عليه من محاربة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ~~فأمكن الله منهم قتلا وأسرا، وذلك نهاية الإمكان والظفر، فنبه الله على ~~أنهم ذاقوا وبال ما فعلوا، فإن عادوا كان التمكن منهم تاما حاصل، وفيه ~~بشارة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يتمكنت من كل من يخونه وينقض ~~عهده، ثم قال: {والله عليم} بما في ضمائرهم وبواطنهم {حكيم} في جزائهم بحسب ~~ما[541] يستحقون. # ثم اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى أربعة أقسام، وذكر كل واحد منهم، وتقرير هذه القسمة أنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ظهرت نبوته ودعا الناس إلى الدين، ثم انتقل من مكة إلى المدينة ف ~~يتلك الهجرة، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك. # أما القسم الأول: فهم المهاجرون الأولون وقد وصفهم الله سبحانه بقوله: ~~{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} وإنما قلنا المراد بهم المهاجرون ~~الأولون؛ لأنه تعالى قال في ms2164 آخر الآية: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا} ~~وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات الأربع: # أولها: أنهم آمنوا بالله، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وقبلوا جميع ~~التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتمردوا، فقوله: إن ~~الذين آمنوا يفيد هذا المعنى. PageV20P023 # والصفة الثانية: قوله وهاجروا أي من مكة إلى المدينة، حبا لله ولرسوله، ~~يعني فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب، في طلب مرضات الله، ومعلوم أن هذه ~~الحالة شديدة، قال تعالى: {اقتلوا أنفسكم واخرجوا من دياركم} جعل مفارقة ~~الأوكان معادلة لقتل النفس، وهم في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة ~~لطلب مرضات الله تعالى، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والأوطان ~~والخيرات لمرضات الله تعالى. # والصفة الثالثة: قوله وجاهدوا باموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أما ~~المجاهدة بالمال فإنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ~~ومزارعهم، وبقيت في أيدي الأعداء، وأيضا قد احتاجوا إلى الإنفاق الكبير ~~بسبب تلك العزيمة، وأيضا كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات. # وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا ~~أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم ~~أزالوا أطماعهم عن الحياة، وبذلوا أتفسهم في سبيل الله. # وأما الصفة الرابعة: فهي أنهم كانوا أولى الناس إقداما على هذه الأفعال ~~والتزاما لهذه الأحوال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الذين قال تعالى: ~~{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا} وقال: {السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} ~~فثبت أن حصول هذه الصفات الأربع للمهاجرين الأولين تادل على غاية الفضيلة ~~ونهاية المنقبة العظيمة. PageV20P024 # وأما القسم الثاني من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فهم الأنصار، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {والذين آووا ونصروا} أي ~~الأنصار أووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم، وذلك لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم هاجر إليهم مع طائفة من أصحابه، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا ~~النفس والمال في طاعة رسول الله صلى ms2165 الله عليه وآله وسلم، وإصلاح مهمات ~~أصحابه لما تم المقصود البتة، ويحب أن يكون حال المهاجرين أعلا في الفضيلة ~~من حال الأنصار لوجوه كثيرة لو لم يكن منها إلا فضيلة السبق؛ لأنهم هم[542] ~~السابقون إلى الإيمان الذي هو رئيس الفضائل، وعنوان المناقب، ولهذا السبب ~~إنما ذكر الله تعالى هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار، وعلى هذا ~~الترتيب ورد ذكرهما في هذه الآية. # واعلم أن الله لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال: {أولئك بعضهم ~~أولياء بعض}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الأولياء هم المناصرون والإخوة ~~والقرابة المتبارزون، فجعل الله سبحاه أولياؤه وأنصاره بعضهم أولياء بعض، ~~وآخا بينهم، وجعل ولايتهم أوكد من قرابة النسب إليهم، وأوجب ذلك إيجابا، ~~وفرضه عليهم، قال الشاعر: # بسم ليس له سمي ... ولا لنا من دونه ولي # يريد أنه لا ولي غيره يلي أمورنا ويعيننا ويكون ناصرا حبيبا لنا. # قال الواحدي: عن الن عباس والمفسرين كلهم المراد بتولي بعضهم بعضا في ~~الميراث، أي جعل الله سبب الأرث الهجرة والنصر دون القرابة، وكان القريب ~~الذي آمن ولم يهاجر لم يرث من أحل أنه لم يهاجر ولم ينصر. # قال عبد الله بن الحسين عليه السلام في كتابه( الناسخ والمنسوخ): فأجمع ~~الناس على أنه إذا كان الأخوان أحدهما مؤمنا أعرابيا والآخر مؤمنا مهاجرا ~~يتوارثان لهذه الآية، حتى أباح الله ونسخ بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض}. PageV20P025 # قال في البرهان: وروينا أن الله عز وجل جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ~~ذوي الأرحام. # القسم الثالث من مؤمني زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهم المؤمنون ~~الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبفقوا في مكة، وهم المعنيون بقوله ~~تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا} فبين تعالى حكمهم من وجهين: # الأول: قوله: {ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}. # قال في البرهان: يعني ما لكم من ميراثهم من شيء حتى يهاجروا، وكانوا ~~يعملون بذلك حتى أنزل الله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض، يعني في ~~الميراث، فنسحت التي قبلها، وكان التوارث ms2166 لذوب الأرحام. # الحكم الثاني من أحكام هذا القسم الثالث: قوله تعالى: {وإن استنصروكم في ~~الدين فعليكم النصر} اعلم أنه لما بين قطع الولاية بين الطائفة من ~~المؤمنين، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار، بل ~~هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لو استنصروكم على المشركين فانصروهم ولا ~~نخذلوهم، ثم قال: {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} أي عهد، فلا يجوز لكم ~~أن تنصروهم عليهم إذ العهد مانع. PageV20P026 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى إن استعانوكم على الدين ~~وعلىالخروج والهجرة عن المشركين وتابوا عن حلول دار الكافرين فعليكم النصر ~~لهم على أمرهم، والعون على طاعة ربهم، إلا أن يكونوا طلبوا منكم القتال ~~والنصر على قوم بينكم وبينهم ميثاق فليس ذلك بواجب عليكم، حتى يتوبوا إلى ~~الله ويكونوا منكم {والله بما تعملون بصير} عليم فيجازيكم عليه، ثم قال ~~تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} ظاهره إثبات الولاية بينهم، ومعناه ~~نهي المسلمين عن موالاتهم ومواريثهم، وإن كانوا أقارب، وإيجاب مباعدتهم ~~ومصارمتهم، وأن يتركوا يتوارثون، ومعنى {إلا تفعلوه} أي ما أمرتم به من ~~موالاة المؤمنين وقطع موالاة الكفار والعلائق التي بينكم وبينهم {تكن فتنة} ~~أي شرك أو يحدث بلا {في الأرض وفساد كبير} لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا ~~واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا[543] والفساد ظائدا. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى إلا تفعلوا، أي إن لم تفعلوا ~~الولا والبرا تكن في الأرض فتنة وعداوة من فساد، فقامت إلا مقام إن لم. # قال في البرهان: وفساد كبير يعني بغلبة الكفار، وفساد كبير لضعف ~~المسلمين، وأيضا يحتمل يكن فتنة في الأرص باختلاف الكلمة وفساد كبير بكثرة ~~المنازعات والفتن. # واعلم أنه تعالى لما ذكر حكم هذا القسم عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني ~~مرة أخرى فقال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم}. # اعلم أن هذا ليس تكرار إلا أن الأولى واردة للأمر بالتواصل بينهم، وهذه ~~واردة للثناء ms2167 عليهم وبيان حكمهم وعلو درجتهم، ولشهادة الله لهم وبيانه من وحهين: # الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم، وذلك يدل على الشرف ~~العظيم. PageV20P027 # والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه: # أولها: قوله: أولئك هم المؤمنون حقا، أي الكاملون في الإيمان؛ لأنهم ~~صدقوا بمفارقة الأهل والوطن، والانسلاخ من المال لأجل حب الدين، فذكرهم على ~~وجه المبالغة في وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين. # وثانيها: قوله: لهم مغفرة وتكثر لفظ المغفرة يدل على كمال تلك المغفرة، ~~والمعنى لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات. # وثالثها: قوله: ورزق كريم، يريد نعيم الجنة من الثواب الرفيع الشريف ~~العظيم، والحاصل أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا والآخرة، والمقصود إما دفع ~~العقاب وإما جلب الثواب، أما دفع العقاب فهو قوله لهم مغفرة، وأما جلب ~~الثواب فهو المراد بقوله: ورزق كريم. # القسم الرابع من مؤمنين زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم: هم الذين لم ~~يوافقوا الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم في الهجرة، إلا أنهم بعد ذلك ~~هاجروا إليه، وهو المراد من قوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا} ~~أراد اللاحقين بعد السابقين إلىالهجرة، ثم قال: {وجاهدوا معكم فأولئك منكم} ~~جعلهم منهم فضلا منه وترغيبا لم يخلف عن الإسرم؛ لأن قوله فأولئك منكم يدل ~~على أن مرتبة هؤلاء دون المهاجرين السابقين؛ لأنه الحق هؤلاء بهم، وجعلهم ~~منهم في معرض التشريف، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا المعنى، فهذا ~~شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكر الله تعالى في هذه الآية، والله أعلم. PageV20P028 # ثم قال تعالى في ذوي القرابات: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} بالتوارث، ~~وهذه الآية هي الناسخة للتوارث بالهجرة والنصرة، ونسخت أيضا ما كان الناس ~~عليه في الجاهلية من المعاقدة عند الحلف ترني وأرثك، والتبني وذلك ان الرحل ~~كان يتبنى الرجل فيدعى ابنه وينسب إليه ويرثه كما كان تبنى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة، حتى نسخ الله ذلك بقوله: {وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} ms2168 فنسخ الله الميراث كما ذكرنا، ونسخ النسب بقوله: ~~{ادعوهم لآبائهم} الآية، ذكره عبد الله بن الحسين عليه السلام ، ومعنى ~~قوله: {في كتاب الله} أي في حكمه وقسمتنه في واضح القرآن، يعني السهام ~~المذكورة في سورة النساء، وهذه الآية دليل أصحاب أبي حنيفة على توريث ذوي ~~القربى الأرحام. # واحتج ممد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم[544] هو علي بن أبي طالب عليه السلام ، ذكره ~~لارازي، ثم قال تعالى في ختم هذه السورة: هو يجري الأحكام على مقتضى الحكمة ~~ومنها نسخ التوريث بالهجرة والنصر {إن الله بكل شيء عليم} والمراد أن هذه ~~الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح وليس فيها شيء من العيب ~~والباطل؛ لأن الله عالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب، ونظيره أن ~~الملائكة عليهم السلام لما قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} ~~قال تعالى مجيبا لهم: {إني أعلم ما لا تعلمون} يعني كو..عالما بكل ~~المعلومات، فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط، كذا هاهنا، والله أعلم. # تم تفسير هذه السورة، والحمد لله رب العالمين. PageV20P029 ### || AUTO سورة الأعراف # مائتان وست آيات، مكية غير ثماني آيات: {واسألهم عن القرية} إلى {وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم} فإنها مدنية. # بسم الله الرحمن الرحيم # {المص} قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام: وأما المص وأشباهها والمرسلات ~~والنازعات وأمثالها، فإن فيها من العلوم والسر للوحي المكتوم ما لا يعلمه ~~إلا من وهبه الله إياه وألهمه فيه، وفي العلم به هادة. # وقال في البرهان: هو من جنس ما ذكرنا أنه هجا أعلم الله به العرب أنه من ~~جنس كلامهم ليكون أبهر لهم في الحجة والبيان؛ لأن عجزهم عن كلام هو مقدور ~~لهم أعظم من عجزهم عن كلام لا يقدرون عليه، انتهى. # فقوله: {المص} مبتدأ، وقوله {كتاب} خبره، وقوله: {أنزل إليك} صفة لذلك ~~الخبر، أي السورة المسماة ms2169 بقوله: {المص، كتاب أنزل إليك}. # وفي الكشاف: كتاب خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب، والمراد به السورة. # وفي البرهان: يعني القرآن {فلا يكن في صدرك حرج منه} والحرج الضيق، معناه ~~فلا يضيق صدرك خوفا ألا تقوم بحقه أو من تبليغه خوفا من قومك، فربك عاصمك ~~فلا يكم في صدرك ضيق منه، واصبر عليه وعلى حفظه. # وأما من زعم أن معنى حرج أي شك في أنه منزل من الله، وسمي الشك حرجا لأن ~~الشاك ضيق الصدر، كما أن المتيقن منشرح الضدر، فليس هو صلى الله عليه وآله ~~وسلم يشك في شيء مما نزل الله عليه. # قال المرتضى عليه السلام: وليس هو صلوات الله عليه وآله وسلم في شك بل هو ~~على بصيرة ثابتة وعزيمة ماضية، بعيدة عن الشك والارتياب، وليس يظن أحد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في شك إلا أعمى القلب، بعيد الذهن، ~~كثر الجهل. PageV20P030 # قلت: ومثل هذا أجاب به القاسم بن إبراهيم عليه السلام ، ثم أمره سبحانه بعد ~~ذلك بالإنذار والتبليغ فقال: {لتنذر به} أي أنزل إليك إنذارك به، فاللام ~~متعلق بأنزل أو بالنهي؛ لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وتقدير الكلام أن هذا ~~الكتاب أنزله الله عليك، وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله ~~معك، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج؛ لأن كل من كان الله حافظا له ~~وناصرا لم يخف أحدا، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب اشتغل بالإنذار ~~والتبليغ، ثم قال: {وذكرى للمؤمنين} أي يتعظون به، وخصهم لأنهم الذين ~~ينتفعون بالذكر، كقوله: {هدى للمتقين} وذكرا محله النصب أي وتذكر تذكيرا؛ ~~لأن الذكر اسم بمعنىالتذكير، ويحتمل الرفع عطفا على كتاب أو خبر مبتدأ ~~محذوف، والجر عطفا على تنذر؛ لأن المعمنى للإنذار والذكر[545] ليعود نفعه ~~على الفريقين؛ لأنه تعالى لما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذارا ف ~~يحق طائفة وذكرى في حق طائفة أخرى. PageV20P031 # واعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل، وهو الله سبحانه، والمرسل وهو ~~الرسول، والمرسل إليه وهو ms2170 الأمة، فلما أمر الرسول بالتبليغ مع قلب قوي، ~~وعزم صحيح، أمر المرسل إليهم وهم الأمة بمتابعة الرسول فقال عز وجل: ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} من القرآن والسنة، وإنما قال تعالى: {أنزل ~~إليكم} مع أنه إنما أنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه منزل ~~على الكل بمعنى أنه خطاب للكل، ثم قال: {ولا تتبعوا من دونه} أي من دون ما ~~أنزل إليكم، ولا تتبعوا من دون دين الله {أولياء} من شياطين الإنس والجن ~~فيحملوكم على عبادة الأوثان والبدع {قليلا ما تذكرون} أي تفركون حيث تتركون ~~دينه إلى دين غيره، وما زائدة لتأكيد القلة، أي تذكرون تذكرا قليلا لا ينفع ~~أو لا ينفع في تذكر قط، ولما أمر عز وحل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالانذار والتبليغ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر بعده ما في ترك ~~المتابعة والإعراض عنها من الوعيد فقال: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا بياتا أو هم قائلون} أي ليلا وهم بائتون أو نهارا وهم مستظلون، ومن ~~لهب النهار قائلون، قال الشاعر: # إن قيل قيلوا ففوق أرجلها ... أو عرسوا فالذميل والخبت # والجملة خالية إلا أن الواو حذفت لاشتثقالها مع حرف العطف كقولك جاني زيد ~~راجلا أو فارسا. # قال في البرهان: وهذا إخبار من الله عز عن حال من أهلكه لكفره تحذيرا ~~لبلمخاطبين به عن مثله، وكم كلمة موضوعة للتكثير، ورب كلمة موضوعة للتقليل، ~~فإن قيل: قوله وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا يقتضي أن يكون الإهلاك ~~متقدما على مجيء الناس ومجي البأس مقدم على الاهلاك، والعلماء أجابوا عن ~~هذا السؤال من وجوه: PageV20P032 # الألو: قال في البرهان: المراد فجاءها بأسنا بوقوع العذاب بهم والباس ~~والعذاب وقعا في حالة واحدة؛ لأن الهلاك كان بوقوع البأس، فلم يفترق، فليس ~~دخول الفاء بينهما موجب لافتراقهما، بل قد تكون بمعنى الواو كما يقال: ~~أعطيت فأحسنت، وكان الإحسان بالعطا ولم يكن بعد العطا، انتهى. # والثاني: أن المراد بقوله أهلكناهم أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا. # والثالث: وهو الذي في الكشاف ms2171 معناه كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها ~~بأسنا كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} والأول هو قول الفراء، ثم قال ~~فيه: وقوله بياتا يعني في نوم الليل، أو هم قائلون في نوم وقت القائلة، فإن ~~قال قائل: لم جاءهم العذاب في وقت النوك دون اليقظة؟ قيل: لأن العذاب في ~~وقت الراحة أشد وأغلظ، والبأس شدة العذاب والبؤس شدة الفقر، انتهى، ~~والمقصود أنهم جاءهم تالعذاب على حين غفلة منهم من يغر تقدم أمارة تدل على ~~نزول ذلك العذاب، فكأنه قيل للكفار: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة، فإن ~~عذاب الله إذا وقع وقع دفعة من غير سبق أمارة، فلا تغتروا بأحوالكم ، ثم ~~قال تعالى: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين}. # قال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعا، حكى سيبويه اللهم اشركنا في ~~صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين. # قال ابن عباس: فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلإ أن قالوا إنا كنا ~~ظالمين، فأقروا على أنفسهم بالشرك، فما كن استغاثتهم إلا قولهم هذا، أو فما ~~كان[546] دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه ما كان لهم دعوى ولا حجة ولا ~~علة إلا أن أقروا بظلمهم، وقالوا: إنا كنا ظالمين فيما كنا عليه من الدين، ~~ولا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم. PageV20P033 # واعلم أنه تعالى أمر الرسول في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة ~~بالقبول والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة، وذكر نزول ~~العذاب في الدنيا أتبعخ بنوع آخر من التهديد فقال: {فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم} أي الأهم الذين أرسل إليهم الأنبياء عما أجابوا به الرسل، والفعل هو ~~أرسل مسند إلى الجار والمجرور، وهو إليهم، وسؤال الله لهم هو عالم سؤال ~~توبيخ وتعريف وتبكيت وتقريع وتوقيف، لا سيما مع إقرارهم، وإن أنكروا شهدت ~~عليهم جوارحهم والملائكة والأنبيياء صلوات الله عليهم ثم قال: {ولنسألن ~~المرسلين} الأنبياء عما أجيبوا به، وقبل عن التبليغ أي سؤال شهادة على ~~الظالمين أليس قد أرسلناكم إلأيهم فخالفوكم ونابذوكم في طاعتنا ms2172 وقتلوكم ~~وآذوكم في البر والتقوة وحاربوكم، ولم يقبلوا قولكم، ولم ينفوكم بل كابروا ~~عقولهم وكذبوكم، فأخبر تعالى أنه يسأل هذين الفريقين الرسل والمرسل إليهم ~~ما كان منهم، ثم أكد ذلك بقوله: {فلنقصن عليهم بعلم} أي عالمين بأحوالهم ~~الظاهرة والباطنة {وما كنا غائبين} عنهم وعن ما وجد منهم، والمراد أنه بين ~~للقوم ما أعلنوه وما أسروه من أعمالهم، وتفصيل الوجوه التي لأجلها أقدموا ~~على تلك الأعمال، وةأخبر سبحانه أن بعض تلك الأحوال ما كان غائبا عن الله، ~~بل كان عالما، وما خرج من عهلمه شيء منها، فإن قيل: كيف يكون الجمع بين ~~قوله: فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، وبين قوله: {يومئذ لا ~~يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} وقوله: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون}؟ # قلنا: قد قدمنا في مقدمة كتابنا هذا في تفسير المتاشبه من الآيات معنى ~~الجواب عما هاهنا بوجهين: PageV20P034 # الأول: المراد أن الله تعالى لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد، ~~وإنما يسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم والرسل صلوات الله عليهم فلا ~~يسألهم مع العلم أنه لم يصدر عنهم يتقصير البتة؛ لأنهم إذا أثبتوا أنهم لم ~~يصدر عنهم تقصير البتة ألحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله ~~تعالى في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير كان منهم. # والثاني: أن يوم القيامة مواقفه كثيرة فأخبر عن بعض الأوقات بحصول ~~السؤال، وعن بعضها بعدم السؤال، والله أعلم. # ولما أخبر عز وجل أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب، أخبر أيضا أن ~~من جملة أحوال يوم القيامة الحق والعدل، وضرب الميزان مثلا لذك، فقال: ~~{والوزن يومئذ الحق} والوزن مبتدأ، يومئذ ظرف له، والحق خبر المبتدأ، ويجوز ~~أن يكون يومئذ الخبر، والحق صفة للوزن، أي والوزن الحق، أي العدل يوم يسأل ~~الله الأمم والرسل. # قال في البرهان: والوزن هاهنا القضاء بالحق والحكم بالعدل، تشبيها ~~بالميزان الذي لا يحيف {فمن ثقلت موازينه} أي من قضى له بالطاعة وكثرت ~~{فأولئك هم المفلحون} أي الفائزون، وبضدها إذا خفت، وقيل موازينه جمع ميازن ~~على الحقيقة، ms2173 أو موزون أي رجحت حسناته[547] أو ما نوضع فيه الحسنات وهي الصحف. PageV20P035 # قلت: والأو هو قول القدماء من أئمتنا عليهم السلام وهو قول مجاهد والضحاك، ~~والأعمش، أن المراد من الميزان العدل والقضاء بالحق، وكثير من المتأخرين ~~ذهب إلى هذا القول، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة، ~~ولأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم ~~يبعد جعل الوزن كناية عن العدل، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وف يوزانه، أي ~~يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة، إذا ثبت هذا وجب أن يكون ~~المراد من الآية هذا المعنى فقط، والدليل عليه أن الميزان إنما يراد ليتوصل ~~به إلى معرفة مقدار الشيء ومقادير الثوياب، ووزن المعدوم محال، وأضا فتقدير ~~بقائها كان وزنها محالا، وأما قولهم: الموزون صحائف الأعمال وصور مخلوقة ~~على حساب مقادير الأعمال، فالموزون حينئذ غير الأعمال، وذلك إما جور ولا ~~طائل تحته، وأيضا أن المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقرا بأن الله تعالى ~~عدل حكيم، أو لا يكون مقرا بذلك، فإن كان مقرا بذلك فحينئذ كفاه حكم الله ~~تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه، بأن عدل وصواي، وإن لم يكن مقرا ~~بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات، أو بالعكس حصول ~~الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف، فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ~~البتة، وأما قوله تعالى: {ومن خفت موازينه} فالمراد بالموازين الأعمال ~~الموزونة، أي ومن خفت حسناته {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} حيث أوقعوها في ~~النار {بما كانوا بآياتنا يظلمون} أي يذكبون بها ظلما فظلموا بها. PageV20P036 # واعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام وقبول ~~دعوتهم، ثم خوفهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، رغبهم في قبول دعوة الأنبياء ~~بعد ذلك بطريق آخر وهو أنه ذكر كثرة نعم الله عليهم، وكثرة النعم توجب ~~الطاعة، فقال: {ولقد مكناكم في الأرض} أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ~~وأقدرناكم على التصرف فيها، وأراد ما بين مكة إلى ms2174 اليمن، أو ما بينهما إلى ~~الشام، والحطاب لقريش، وكان الله قد فضلهم على العرب بالتجارة آمنين، ثم ~~قال: {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة، ما يعاش به من المطاعم والمشارب، ~~أو ما يتوصل به إلى ذلك، فيكون الكل إنعاما من الله وكثرة الإنعام لا شك ~~أنها توجب الطاعة والانقياد، ثم أخبر تعالى أنه مع هذا الإفضال والإنعام ~~عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي فقال: {قليلا ما تشكرون} أي يشكرون ~~شكرا قليلا، وما زائدة. # قال الرازي: وهذا يدل على أنهم قد يشكرون، والأمر كذلك؛ لأن الإقرار ~~بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لحيلة عقل كل عاقل، وتعم الله عىل ~~الإنسان كثيرة، فلا إنسان إلا ويشكر الله في بعض الأوقات، إنما التفاوت في ~~أن بعضهم قد يكون كثير الشكر وبعضهم يكون قليل الشكر. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه ثناؤكم على الله قليل، وطاعتكم ~~قليلة فيما تعملون، انتهى. PageV20P037 # ولما رغب تعالى الأمم في قبول دعوة الأنبياء بالتخويف أولا، ثم بالترغيب ~~ثانيا على ما بينا، والترغيب إنما كان لأجل التثنية على كثرة نعم الله ~~تعالى على الخلق، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله: {ولقد مكناكم في الأرض} ~~الآية أتبعه بقوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم} والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن، ونظيره أنه تعالى ~~قال في أول سورة البقرة: {كيف تكفرون بالله}[548] وعلل ذلك بكثرة نعمه ~~علىالخلق، وهو أنهم كانوا أمواتا فأحباهم، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعا من ~~المنافع، ثم أتبع ذذلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض وسجود الملائكة ~~والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد ~~والجحود، فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب، ~~وهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه، واختلف الناس في تفسير هذه الآية على ~~أقوال: أحسنها أن هذا من التقديم والتأخير، كما ذكره الحسين بن القاسم ~~عليهم السلام لأنهم لم يخلقوا قبل آدم، ولم يصوروا، وإنما المعنى ms2175 في ذلك ~~ولقد قلنا للملائكة اسجدوا لآدن، ثم خلقناكم ثم صورناكم، فلما فرغ من ~~التقديم والتأخير رجع إلى تمام الخبر عن السجود، وهكذا جعل الله القرآن فيه ~~عجائب يعجز أكثر الناس عنها وعن تفسيرها، وإنما جعله الله كذلك ليبين ~~التفاضل بين أوليائه، ويفرق بينهم علىالجملة وبين أعدائه، ولو جعله الله ~~مبينا كله لتناولوه ولسهل عليهم وتأولوه، حتى لا يفرق بين فاضلهم فيه ~~ومفضولهم، ولا يتبين فضل عالمهم على جاهلهم. # وقال في البرهان: المعنى ولقد خلقانكم ثم صورناكم أي خلقناكمن نطفا في ~~أصلاب الرجال وترائب النساء، ثم صورناكم عند اجتماع النطف في الأرحام، ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. PageV20P038 # والقول الثالث: أن المراد ولقد خلقناكم أي أباكم آدم طينا غير مصور، ثم ~~صورناكم مثلنا صورته شق السمع والبصر وسائر الأعضاء، وقيل نفخنا فيه الروح، ~~ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وقال فيه: فإن قيل: السجود عبادة لا يجوز ~~إلا لله عز وجل فكيف أمر لآدم؟ # فالجواب: أن أمرهم به له تكرمة وهو لله سبحانه عبادة، وفيه فإن قيل: ~~فالأمر بالسجود لآدم قبل تصوير ذريته فكيف قال: ثم صورناكم؟ # فالجواب: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم ثم صورناكم. # قال إسحاق بن إبراهيم: سألت الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام ~~كيف كان السجود من أجل آدم تعظيما لخالقه إذ خلقه من أضهف الأشياء وأقلها ~~عنده وهو الطين فجاز أن يقال اسجدوا لآدم لما كان السجود من أجل خلقه، ~~وقوله تعالى: {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} فإنما جاز أن يجعل ~~معهم إبليس في الأمر وإن لم يكن من جنسهم إذ كان حاضرا لأمر الله لهم، ~~فأمره بالسجود معهم، وإن لم يكن جنسه من جنسهم. # قال إسحاق بن إبراهيم: فهل أمرت الجن كلها بالسجود أم خص الله إبليس بذلك دونهم؟ # قال عليه السلام: لم يأمر الله أحدا منهم إلا إبليس، فقد أمره الله ~~بالسجود دونهم...خصوصا كان بذلك دونهم؟ # قال عليه السلام: كان مخصوصا بالأمر، انتهى. PageV20P039 # ثم قال تعالى: ms2176 {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} أيوقت أمرتك، ولا زائدة، ~~والمعنى ما منعك أن تسجد، وسواء قال أن وأن لا فهو سواء عند العرب في ~~المعنى، وله نظائر في القرآن، كقوله: لا أقسم، معناه أقسم وقوله وحرامل على ~~قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون، أي يرجعو ن، وقوله لئلا يعلم أهل الكتاب أن ~~لا يقدرون، وهذا قول أئمتنا عليهم السلام ، وهو قول الكسائي[549] والفراء ~~والزجاج والأكثرين، وفائدة زيادتها توكيد م عنى الفعل الذي تدخل عليه ~~وتحقيقه مأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك، والسؤال مع العلم ~~بالمانع للتوبيخ وإظهار الكفر والمعاندة وافتخار بأصله وازدرائه بأصل آدم ~~عليه السلام ، وأنه خالف أمر ربه معتقدا أنه غير واجب عليه، وقيل: إن كلمة ~~لا هاهنا مفيدة وليست لغوا. # قالوا: لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيه مشكل صعب ~~فقالوا: في تأويل الآية أنه يكون المعنى شيء منعك من ترك السجود، ويكون هذا ~~استفهاما على سبيل الإنكار، ومعناه ما منعك عن ترك السجود شيء، ثم حكى الله ~~تعالى عن إبليس أنه {قال أنا خير منه} معناه أن إبليس قال: أنا لم أسجد ~~لآدم لأني خير منه، ومن كان خيرا من خيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل ~~بالسجود لذلك الأدون، ثم بين ذلك بأن قال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} ~~والنار خير من الطين؛ لأنها تخرقه أي تأكله بالخريق، اعتقد أن سجود الفاضل ~~للمفضول خارج عن الصواب ولم ينظر إلى أمر الله وحكمة رب الأرباب، وسجود ~~الملائكة الطاهرين الأطياب. # وأما قوله تعالى: {قال فاهبط منها} فاختلف المفسرون في عود الضمير فقيل: ~~المراد اهبط من السماء التي هي مقر المطيعين من الملائكة إلى الأرض التي هي ~~مقر العاصين المتكبرين من الثقلين. PageV20P040 # وقال في البرهان: فاهبطا منها أي من جملة المطيعين من الجم {فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها} أي تبدي الكفر دونها. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: واحسب والله أعلم أنه لما كان رئيس ~~الجن ووجهها أهبطه ms2177 الله بمعصيته من الرئاسة ونحاه عنها، وجعله خسيسا بعد ~~الرئاسة لما تكبر فيها، وأخرجه من العرافة وأبعده منها، فأما السماء فما ~~أحسب أنه كان فيها ولا في الملائكة ولا معها؛ لأنه من سكان الأهوية ~~وأصحابها، وهذا أحسن ما أرى في معنى الآية وتفسيرها. # قلت: وفي كون الجن من سكان الأهوية يقول القاسم بن إبراهيم عليه السلام ~~في بعض جواباته ما لفظه: وسألت عمن يسكن في الهواء من الملائكة والإنس ~~والجن والجن والإنس فهما كما قال الله الثقرن، فالملائكة صلوات الله عليهم ~~سماويون، والإنس كلهم جميعا أرضيون، والجن بين السماء والأرص هواويون، انتهى. # قال تعالى لإبليس: {فاخرج إنك من الصاغرين} أي من أهل الصغار والهوان على ~~الله وعلى أوليائه. # قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتدأه الله بالذلة تنبيها على صحة ما ~~قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه ~~الله)) ثم قال تعالى حاكيا عن إبليس: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون} أي يوم ~~القيامة. # قال في البرهان: ومعنى ذلك أنه سأل الإنظار بالعقوبة إلى يوم البعث وهو ~~يوم القيامة {قال إنك من المنظرين} إنما أنظره من العذاب؛ لأن الله سبحانه ~~جعل الجزاء والعقاب الدائم في الدار الآخرة، فوافق ذلك سؤاله، والمعنى أنك ~~من المكلفين التي اقتضت الحكمة تأخير عقابهم إلى يوم الدين. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى من المنظرين أي من الجن ~~المعمرين المتروكين من الموت إلى النفخة الأولى يوم يبهثون، انتهى. PageV20P041 # قال في الكشاف: وإنما استنظر ليغوي، وأجيب[550] إلى ذلك ابتلاء إلا ما في ~~مخالفته من عظيم الثواب، كما في خلق الله من صنوف الزخارف وأنتواع الملاذ ~~والملاهي، وما ركب في الأنفس من الشهوات، ليمتحن بها عباده. # قال في البرهان: وهذا الإنظار إنما كان سؤاله ابتدأ منه لا إجابة له؛ لأن ~~العاصي لا يستحق إجابة دعائه لما في ذلك من التكرمة وهو لا يستاهلها، ~~وقوله: {قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى قوله فبما ms2178 أغويتني بوعيدك لي ~~بالغي الذي هو العذاب فقامت مقام كما، ومعنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم حتى ~~أصرفهم عنه بسببي كما فسدت بسببهم، ومعنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي ~~لاعترضن لهم على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه، وانتصابه ~~على الطريق كقوله: # كما عسل الطريق الثعلب PageV20P042 ويجوز أن تكون الباء للقسم ألأي فاقسم بإغوائك لأقعدن، وإنما أقسم بالإغواء ~~لأنه كان تكليفا، والتكليف من أحسن أفعال الله تعالى يكونه تعريضا لسعادة ~~الأبد، فكان جديرا بأن يقسم به، قال فيه: ومن تكاذيب المجبرة ما حكوا عن ~~طاؤس أنه كان في المسجد الحرام، فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمي بالقدر فجلس ~~إليه فقال له طاؤس: تقوم أو تقام، فقام الرجل، فقيل له: أتقول هذا الرجل ~~فقيه، فقال: إبليس أفقه من قال رب بما أغويتني، وهذا يقول أنا أغوي نفسي، ~~وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله تعالى أن لفقوا ~~الأكماذيب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين، وقيل: ما ~~للاستفهام، كأنه قيل: بأي شيء أغويتني، ثم ابتدأ لأقعدن، وإثبات الألف إذا ~~دخل حرف الجر على ما الاستفهامية قليل شاذ، والمراد من قوله لأقعدن أنه ~~يواظب على الفساد مواظبة من يقر عنه، ولهذا المعنى ذكر القعود؛ لأن من أراد ~~أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال، ومواظبته على ~~الفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها. # قال في البرهان: وإنما أفعاله فيمت يجانسه من الجن، فأما الإنس فلهم ~~أبالسة وشياطين من جنسهم من الإنس، يغوونهم ويضلونهم، انتهى. # وأما قوله: {ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم} فالمراد منه التمثيل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه، وقدر عليه ~~كقوله: واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلم، وأنه يأتيهم ~~من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وقيل: المراد من قوله ~~بين أيديهم الآخرة؛ لأنهم يردون إليها ويصلون إليها، فهي بين أيديهم، وإذا ~~كانت الآخرة بين أيديهم كانت ms2179 الدنيا خلفهم؛ لأنهم يخلفونها. PageV20P043 # قال في البرهان: أي أسلكهم في آخرتهم ومن خلفهم وعن شمائلهم، أي من قبل ~~سيئاتهم وهذا من فعل شياطين الإنس في الإغواء والكيد، يأتون من كل الجهات ~~التي يمكن الاحتيال عليهم منها، انتهى. # وقال السدي: من بين أيديهم يعني الدنيا ومن خلفهم يعني الآخرة، وأما ~~قوله: وعن شمائلهم فقيل معناه عن أيمانهم في الصرف عن الحق، وعن شمائلهم في ~~الترغيب في الباطل[551]. # وعن شقيق: ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد من يدي ومن ~~خلفي وعن يميني وعن شمال. # أما من بين يدي فيقول: لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ: {وإني لغفار لمن ~~تاب وآمن وعمل صالحا}. # وأما من خلفي فيخوفني الضيعة على تخلفي فأقرأ: {وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها}. # وأما من قبل يميني فيأتيني منم قبل الثناء فأقرأ: {والعاقبة للمتقين}. # وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: {وحيل بينهم وبين ما ~~يشتهون} فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع، ثم قال ~~تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} قال ذلك تظننا؛ ~~لأنه لما كان عازما على المبالغة في تزيين الشهوات، وتحسين الطيبات، وعلم ~~أنها أسباب يرغب فيها على ظنه أنهم يقبلون قوله على سبيل الأكثر والأغلب، ~~وتأكد هذا بقوله تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} وقيل: سمعه من الملائكة ~~عليهم السلام من خبر الله لهم، والله أعلم. # واعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره خاطبه تعالى بما يدل على ~~الزجر والإهانة بقوله: {قال اخرج منها} من الجنة {مذءوما} مبعدا {مدحورا} ~~أي مدفوعا مطرودا، ومنه قوله تعالى: {ويقذفون من كل جانب، دحورا}. PageV20P044 # وفي الكشاف: مذموما من أذامه إذا ذمه، قوله تعالى: {لمن تبعك منهم} اللام ~~فيه لام القسم، أي والله لمن تبعك منهم وجواب القسم قوله: {لاملان جهنم ~~منكم أجمعين} أي منك ومنهم، فغلب المخاطب، والمعنى من التابع والمتبوع. # وروي عن عاصم لمن تبعك بكسر اللام، بمعنى لمن تبعك ms2180 من هم هذا الوعيد، وهو ~~قوله: {لاملان جهنم منكم أجمعين} على أن لأملين في محل الابتداء، ولمن تبعك خبره. # قال القاضي: دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع يتنفقان في أن جهنم ~~تملأ منهما، فكما أن الكافر معه فكذلك الفاسق، فيجب القطع بدخول الفاسق في ~~النار، ومعنى قوله تعالى: {وياآدم اسكن} أي قلنا: يا آدم اسكن {أنت وزوجك ~~الجنة} أي حوى {فكلا من حيث شئتما} من حيث شئتم من الجنة كلها، ومن ثمارها ~~{ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} لأنفسكما، أي لا تقربا شجرة قد ~~سماها لهما وتعبدهما بتحريمها. # قال الهادي عليه السلام: هي شجرة البر، وأطلق لهما الشعير. # قال عليه السلام: وهذه الجنة هي جنة من جنان الدنيا، والعرب تسمي ما كان ~~ذا ثمار وأنهار جنة، فقيل له فقوله اهبطوا منها جميعا، قال عليه السلام: ~~ذلك جائز في لغة العرب، ألا تر أنك تقول هبطنا من اليمن، وتريد أن تهبط ~~بالحجاز، فلما كان معروفا في اللعة جاز أن يقال اهبطوا منها. # قلت: وأما جده القاسم بن إبراهيم عليهم السلام فقال في جواب من سأله عن ~~آدم عليه السلام حيث أسكنه الله في الجنة ما كانت الجنة هذه مخلوقة أم لا؟ ~~فقال: الجنة مخلوقة في غير سماء ولا أرض، وقد أسكن الله آدم وزوجته الجنة ~~واخرجهما منها بعصيانهما وأكلهما الشجرة، انتهى. PageV20P045 # وفي البرهان: فإن قيل: فما وجه نهيهما عن ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: ~~للمصلحة في استدامة المعرفة والابتلاء بما يجب فيه الجزاء، ثم قال تعالى: ~~{فوسوس لهما الشيطان} الوسوسة الكلام الخفي المتدارك، ومنه وسوس الحلي أي ~~وسوس لأجل آدم وحوى. # قال في البرهان: الوسوسة فهو إخفاء الصوت بالدعاء، يقال: وسوس[552] له ~~إذا أوهمه النصحة، ووسوس إليه إذا ألقى إليه المعنى، ومن ذلك قول رؤبة: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا وقد أذن تأذين العقق # والشيطان الذي وسوس إليهما هو الشهوة والهوى؛ لأنهما يحملان على المعاصي، ~~كما يحمل الشيطان، وهما عدوان في النفس كعداوة الشياطين، انتهى. # واعلم أن الشيطان ms2181 الذي ذكره تعالى لم يظهر لهما، وإنما سمعا كلامه، وأوقع ~~الشهوة والوسوسة في قلوبهما من غير معاينة ولا مشاهدة. # قال الهادي عليه السلام: وقد سئل هل كان تصور له جسما ورآه عينا؟ فقال: ~~لا إنما سمع آدم كلامه ولم يره جسما، وقد رويت في ذلك روايات كذب فيها من ~~رواها، إلى آخر كلامه عليه السلام ، وسيأتي في سورة البقرة إن شاء الله تعالى. # وأما قوله تعالى: {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} فمعناه ليظهر ~~لهما ما ستر عنهما من سوء أفعالهما. # قال عليه السلام: معنى سوأتهما فهو سوء فعلهما، لا كما يقول ممن جهل ~~العلم وقال بالمحال أن الله تبارك وتعالى كشف عورة نبيه وهتكه، وكيف يجوز ~~ذلك على الله في أنبيائه، والله لا يحب أن يكشف عورة كافر به، فكيف يكشف ~~عورة نبيه، انتهى. # ثم قال تعالى حكاية عن إبليس: {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ~~أن تكونا ملكين} إلا أن لا تكونا ملكين، أي في صورة الملك ومنزلته {أو ~~تكونا من الخالدين}. # قال عليه السلام: إنما كان طمع آدم عليه السلام أن يبقى لعبادة الله ~~وطاعته، فأراد أن يزداد بذلك قربة من ربه. PageV20P046 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام في تفسيره لهذه الآية: معنى قوله: {ما ~~نهاكما ربكما عن هذه} الآية، أي خدعهما، وقال: ليس هذه الشجرة هي المحرمة ~~فكلاها لتكونا ملكين، فقامت مقام لام الأفعال المستقبلة، ولكنه اختصر وزاد ~~أن لا صلة للكلام، ومعنى أو تكونا يريد وتكونا من الخالدين، ولكن قامت أو ~~مقام الواو، ومعنى لتكونا ملكين أي ملك من الملوك، وأصل الملك هو العز ~~والرفعة، وبه سميت الملائكة ملائكة، ثم فرق بينهما وبين الملوك بنصب اللام ~~من اسم الملك من الملائكة وبكسر اللام من الملك من ملوك الدنيا، ثم صار ذلك ~~مشهورا، فإن رد إلى أصله لم يعرفه إلا القليل، وتفسير ذلك مثل قوله عز وجل: ~~{وما أنزل على الملكين ببابل} فإنما عنا في تفسير أئمتنا عليهم السلام ~~ملكين من ملوك الدنيا ms2182 كانا ببابل، والأصل في قصة آدم عليه السلام أن الله ~~امتحنهما ليثيبهما على صبرهما فحرم شجرة البر عليهما وأحل الشعير وأطلقه ~~لهما، فكانا يأكلان من ورق الشعير فيما بلغنا، فلما أسبل الشعير والبر وخرج ~~ثمرهما اشتبها على آدم عليه السلام فلم يفرق بينهما، وتحير ووقف عنهما، حتى ~~جاء عدو الله إبليس إليهما فوجدهما واقفين عنهما حين اشتبهت الشجرتان ولم ~~يتبينا لهما، فقال: مالكما واقفين على شجرتكما وإنما هي الشعير الذي أحل ~~لكما، يريد اللعين أن يمكر بهما ويوقعهما فيما حرم الله عليهما، ثم حلف هند ~~ذلك بالله لهما وأقسم بالله العظيم، كما قال عز وجل: {وقاسمهما إني لكما ~~لمن الناصحين، فدلاهما بغرور} أي أوقعهما بالخديعة والمكر والزور، بما ~~غرهما من القسم بالله، فأوقعهما بقسمه ودلاهما فظنا وتوهما عند ذلك لسلامة ~~قلوبهما وكرم طباعهما، وإجلالهما لله العظيم، وصحتهما[553] أنه لا يجتري ~~على القسم بالله كاذبا، وكان الاحتراز من عدو الله عليهما واجبا، فتعمدا ~~أكل الشجرة وصدقا وتقحما بالظن وحسبا قوله PageV20P047 حقا، ولم يتعمدا مقاطعة الله تعالى ولم يقصدا ذلك، ولم يريداه أصلا، وإنما ~~عتب الله عليهما في تقحهمهما على الشبهة وعجلتهما وعتب أيضا تصديقهما ~~لعدوهما وركونهما إليه وتأولهما، وما أظن، والله أعلم إلا أن ذلك في وقت غر ~~تهما ودخولهما في التعلم، وصغر سنهما، وفي أول تكليفهما وتعبدهما ~~.........من أعدائهما وأن لا يقبلوا من هؤلاء المنافقين جهد أيمانهم، ~~وإظهارهم للشك واحتيالهم، انتهى. # ثم قال تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} أي ظهر لهما سوء ~~فعلهما {وطفقا يخصفان} أي جعلا وعلقا يوصلان {عليهما من ورق الجنة} ما ~~يظلهما ويقيهما حر الشمس ويسترهما. # قال الهادي عليه السلام: إنما كانا في الجنة في ظلها وتحت أشجارها، فلما ~~خرجا منها وأصابتهما الشمس بحرها ورمضاء الأرض، فأراد أن يجعلا لهما موضعا ~~يكون لهما ظلالا كما يفعله من يخرج من منزله وبلده في سفره إلى غيره من ~~البوادي وغيرها فلا يجد ظلالا ولا مسكنا ولا تجديدا من أن يغرس عن ~~......يكنه ويستره من الحر ويقيه شدة ms2183 البرد، فهذا معنى قوله يخصفان، انتهى. # وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذه الآية له عليه السلام في سورة البقرة، ~~ومعنى قوله: {وناداهما ربهما} أيدعاهما، إما بكلام أوصله بهما وإما أرسل به ~~إليهما، وقوله: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ~~مبين} عتاب من الله وتوبيخ، وتنبيه على الخطأ، حيث لم يحذرا ما حذرهما الله ~~من عداوة إبليس. PageV20P048 # قال في الكشاف: وروي أنه قال لآدم ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة ~~مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف ~~بك كاذبا، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا، فأهبط ~~وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرق فحرث وسقى وحصد وداس، وذرأ وطحن، وعجن وخبز، ~~ولما عاتبهما ربهما وعرفهما ذنبهما: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} قال فيه: سميا ذنبهما وإن كان صغيرا ~~مغفورا ظلما لأنفسهما، وقالا: لنكونن من الخاسرين على عادة الأولياء في ~~استعظام الصغير من السيئات، واستصغار الكبير من الحسنات، وإن كان ذنبهم ~~صغيرا مغفورا. PageV20P049 # قلت: وهذا بناء على ما تعمده الأنبياء من المعاصي صغير مغفور لكثرة ثوابهم، ~~وعلى جواز ذلك في حقهم صلوات الله عليهم ، والقطع بصغرها وليس بصحيح؛ لأن ~~كثرة الثواب لا تأثير له في جعل المعصية صغيرة، والله جل جلاله يقول في حق ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الأنبياء عليهم السلام وأفضلهم، ~~وثوابه أكثر: {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات} فدلت هذه الآية أن الركون القليل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى المشركين يحبط ثوابه، ويبطله ولو كان كثيرا، ولا يجوز على الأنبياء ~~صلوات الله عليهم تعمد المعصية لله تعالى لمكان العصمة والطهارة والتزكية، ~~وهذا قول الهادي والناصر عليهما السلام ، وبعض البغدادية وهو قول جمهور أهل ~~البيت عليهم السلام وأيضا[554] قد نفا الله سبحانه آدم عليه السلام عن تعمد ~~المعصية، قال تعالى: {ولقد عهدنا ms2184 إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} ~~يعني على أكلها واعتماد الشجرة بعينها، قوله تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو} قيل: متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه، والخطاب لآدم وحواء وإبليس ~~لتقدم ذكرهم. # وفي البرهان: المخاطبة لآدم وحواء، والاثنان قد يعبر عنهما بعبارة الجمع. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ومعنى اهبطوا أي انزلوا من الجنة وهي ~~جنة من جنان الدنيا، ولكن العرب تسمي ألفاف الشجر جنانا، وتقول العرب: ~~هبطنا الروحا، وهبطنا نجران، وهبطنا وادي برح، وغير ذلك من الأودية والقرى، ~~ثم ابتدأ الخبر عن ذريتهما فقال: {بعضكم لبعض عدو}، ويريد بذلك أن أولياء ~~الله منهم أعداء للكافرين، وأعداء الله الكافرين أعداء للمسلمين، انتهى. # {ولكم في الأرض مستقر} أي استقرارا أو موضع استقرار {ومتاع} انتفاع بعيش ~~{إلى حين} يقضى آجالكم. PageV20P050 # قال في البرهان: والمتاع فهو كل ما ينتفع به من عروض الدنيا، ويستمتع، ~~والحين وقت مجهول ينطلق على طويل الزمان وقصيره، وإن كان في الأغلب موضوعا ~~للتكثير، قال الشاعر: # وما من أجر بعد الحلم والدين # وقد علاك مشيت حين لا حين # أي وقت لا وقت. # {قال فيها تحيون} الأرض، {وفيها تموتون ومنها تخرجون} للبعث والقيامة. # ذكر تولي الملائكة عليهم السلام لغسل آدم وتحنيطه وتكفينه وترا ودفنه في ~~لحد وإخبارهم لبنيه أن ذلك سنتهم من بعده # وروي في الكشاف عن ثابت البناني لما اهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة ~~أحاطت به الملائكة عليهم السلام فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ~~ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك، فلما توفي غسلته الملائكة بماء ~~وسدر وحنطته وكفنته في وتر من الثياب، وحفروا له ولحدوا ودفنوا لسرنديب ~~بأرض الهند، وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل ~~الأرض لهما مستقرا، بين بعده أنه أنزل كلما يحتاجون في الدين والدنيا ومن ~~جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا، فقال: {يابني آدم قد ~~أنزلنا عليكم لباسا} من الثياب {يواري سوآتكم} عوراتكم من غير نظر ms2185 إلى ~~زينة، معنى اللحاف والثياب التي تستر عورات النساء والرجال، وإنما سميت ~~العورة سوءة لأنها يسوء صاحبها إنكشافها، ثم قال: {وريشا} لباس الزينة، ~~واستعير من لباس الطائر؛ لأنه لباسه وريشه، وقيل: هو المال وكلاهما ريش عند ~~العرب في المقال. # قال في البرهان: نزلت هذه الآية في ناس من العرب كانوا يطوفون بالبيت ~~عراة، ويرون ان ذلك أبلغ في الطاعة، وأعظم في القربة، ويتأولون أن الثياب ~~قد قد دنستها المعاصي فخرجوا عنها، ويحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك تفاولا ~~بالتعري من الذنوب، فغن قيب قوله قد أنزلنا عليكم لباسا ليس بمنزل من ~~السماء، ففيه جوابان: PageV20P051 # أحدهما: أنه لما كان ينبت المطر الذي ينزل من السماء صار كالمنزل من ~~السماء. # والثاني: هذا من بركات الله عز وجل، والبركة ينسب أنها تنزل من السماء، ~~قال الله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} الآية، وقيل: جعل ما في ~~الأرض من السماء؛ لأنه قضى فيها، ومنه وأنزل لكم من الأنعام والريش الثياب ~~والجمال والنعيم؟ # قال الشاعر: # وريشي منكم وهواي فيكم # وإن كانت زيارتكم........... # انتهى[555]. # ثم قال: {ولباس التقوى} قيل: الورع والخشية من الله، وقيل: الدروع ~~والمغافر، وقيل: اللباس الحسن كثياب الصوف التي يلبسها الزهاد. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ولباس التقوى، عطف على قوله: وأنزلنا ~~عليكم لباسا ولباس التقوى، هو الذي أنزله الله وجعله لباسا يستر عورات ~~الكفر والفسق، ويستر قبائحهم فيها بواجبات الحقوق، وأمرهم فيها بالحياء من ~~الإفحاش فسترهم بذلك كما سترهم بالرياش، قال الشاعر في ذلك: # إني كأني أرى من لا حياء له # ولا أمانة وسط القوم عريانا # ثم قال: {ذلك خير} من لباس الأبدان. # وقال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام في (حديقة ~~الحكمة): أما الزهر فهو الغنى الأكبر، والكنز الأوفر، وهو شرع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أمامه، وبيده زمامه، فأقرب الناس منه أقربهم شبها ~~به صلى الله عليه وآله وسلم فيه، وهو الذي فسرنا به قوله تعالى: {وريشا ~~ولباس التقوى} فجعلنا الريش ما يرتاش به ms2186 الإنسان من أنوع الكسوة، واصله ~~مأخوذ من ريش الطائر، وجعلنا لباس التقوى الزهد في الدنيا، وقد فسره غيرنا ~~بغير ذلك، وما اخترناه عندنا الأولى، إذ لا يشارك أهل التقوى فيه مشارك، ~~وقد يشاركهم غيرهم في جميع أنواع الرياش، انتهى. PageV20P052 # قال أبو علي الفارسي: معنى الآية ولباس التثوى خير لصايحبه مما خلق لهم من ~~اللباس والرياش الذي يتجمل به، قال: وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى ~~الجوع في قوله: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، ثم قال سبحانه: {ذلك من ~~آيات الله} يعني إنزال اللباس من الدلائل الدالة على فضل الله ورحمته ~~لعباده، ثم قال سبحانه: {لعلهم يذكرون}. # قال في الكشاف: يعني إنزال اللباس لعلهم يذكرون فيعرفوا عظيم النعمة فيه، ~~وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات، وخصف الورق ~~عليهما، اظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العرى وكشف العورة من ~~الإهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من باب التقوى. # واعلم أن المقصود من ذلك عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر ~~أولاده من قبول وسوسته، فقال: {يابني آدم لا يفتننكم الشيطان} أي لا ~~يمتحنكم بأن لا تدخلو الجنة، أو لا يضلكم {كما أخرج أبويكم من الجنة} أي ~~كما محنهما بإخراجهما منها؛ لأن الشيطان لما بلغ بكيده ولطف وسوسته وشدة ~~اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة إخراجه من الجنة بان ~~يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى، فبهذا الطريق حذر تعالى بني ~~آدم من عدم الاحتراز من وسوسة الشيطان فقال: لا يفتنكم الشيطان على أن لا ~~تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم. # قال الحاكم: إخراجهما محنة لا عقوبة؛ لأنه بعد التوبة، ولأن الله لا ~~يعاقب أولياءه، ولأن الذنب صغيرة، ومعنى {ينزع عنهما لباسهما} هو دينهما. # وفي البرهان: هو ما كانا فيه من الرغد والنعيم، أي أخرجهما نازعا ~~لباسهما، أي كان سببا في نزعه. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى ينزع عنهما لباسهما فهو دينهما ~~{ليريهما سوآتهما} أي خطياتهما، والعرب ms2187 تسمي الفعال القبح عورة وسوءة، قال ~~الشاعر: PageV20P053 # ولا تقل العورا يضحكم بها ... فقال لئام قولكم غير صالح # قوله تعالى: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} تعليل للنهي وتحذير ~~من فتنته، بان بمنزلة العدو[556] المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا ~~تشعرون. # وعن مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصم ~~الله، فمعنى إنه يراكم أي إبليس وهو يعلمكم هو وقبيله من الجن وعشيرته من ~~حيث لا ترونهم، ذكره الحسين بن القاسم، ورواه عن القاسم بن إبراهيم عليهم ~~السلام ، وأعاد الكناية بقوله هو وقبيله ليحسن العطف على الضمير في يراكم ~~المؤكد، فهو كقوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة}. # قال أبو عبيد: عن ابن زيد: القبيل الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا من قوم ~~شتى، وجمعه قبل. # قال ابن قتيبة: قبيله أصحابه وجنده وأتباعه من الشياطين والجن، وقيل: ~~نسله وذريته، عن الحسن وابن زيد وأبي علي: وقوله من حيث لاترونهم دليل على ~~أن الجن لا يرون، وأما قوله عز وجل: {إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا ~~يؤمنون} فمعناه خلينا بينهم ولم نكفهم عنهم، وهذا تحذير بليغ. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا جعل التخلية من الله بينهم وبين ~~إخوانهم الكافرين إذ لم يحل بينهم وبين إخوانهم، وليس هذا جعل فعل فعله ~~بالمشركين ولا جبرهم عليه، كما توهم الجاهلون، ألاتسمع إلى قوله في الآية ~~التي بعدها: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} ~~الفاحشة ما يبالغ في قبحه من الذنوب، أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم ~~كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما باطل من ~~العذر؛ لأن أحدهما تقليد، والتقليد ليس بطريق للعلة. # والثاني: افتراء على الله وإلحاد في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله ~~منها ما نفعله لنقلنا عنه. PageV20P054 # وعن الحسن: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى العرب وهم قدرية ~~مجبرة، يحملون ذنوبهم على الله تعالى، وتصديقه قوله الله عز وجل: {وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا...} الآية. # قال ms2188 في البرهان: والفاحشة في هذا المكان تحتمل أن تكون الشرك بالله في ~~عبادة الأوثان، ويحتمل أن تكون الطواف على حالة التعري. # قال الرازي: أما شبهتهم الأولى فما ذكر الله عنها جوابا؛ لأنها إشارة إلى ~~محض التقليد، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة؛ لأن التقليد حاصل في ~~الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد طريقا للزم الحكم بكون كل واحد من ~~المتناقضين حقا ومعلوما أنه باطل، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل ~~أحد لم يذكر الله الجواب عنه. # وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم: والله أمرنا بها فقد أجاب عنها بقوله: ~~{قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} لأن فعل القبيح مستحيل عليه، فكيف يأمر ~~بفعله جل وعلا. # وقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} إنكارا لإضافتهم القبيح إليه، ~~وشهادة على أن مبني قولهم على الجهل المفرط. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا يأمر بالفحشاء بين أنه يأمر بالقسط ~~والعدل، فقال: {قل أمر ربي بالقسط} أي بالعدل، وبما قام في النفوس أنه ~~مستقيم حسن عند كل مميز، وقيل: بالتوحيد ، ثم قال تعالى: {وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد}. PageV20P055 # قال في البرهان: يعني توجهوا حيث كنتم إلى الكعبة في الصلاة، واجعلوا ~~سجودكم خالصا لله تعالى دون ما سواه من الأصنام والأوثان، فإن قيل: قوله ~~أمر ربي بالقسط خبر، وقوله أقيموا وجوهكم أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز ~~فجوابه أن معناه قل أمر بي بالقسط، وأقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته ~~مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها، ومعنى عند كل مسجد أي في كل وقت ~~سجود[557] أو في كل مكان سجود، وهو الصلاة {وادعوه} واعبدوه {مخلصين له ~~الدين} أي الطاعة لا تشركوا فيها غيره، ثم احتج عليهم سبحانه في إنكار ~~الإعادة بابتداء الخلق فقال: {كما بدأكم تعودون} أي كما أنشأكم ابتداء ~~يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأقروا له بالوحدانية، واخلصوا له العبادة، ~~وعبارة الحسين بن القاسم عليه السلام في ذلك كما افتطركم وبدعكم ابتدأ خلق ~~أجسامكم وصنعكم، فستعودون كذلك وترجعون من الصور على ms2189 ذلك حتى يعرف بعضكم ~~بعضا بالعلامات، إلا أن صور المؤمنين ترد على أحسن الهيئات، وتركب أجسامهم ~~للذات غير تركيبها للمحن، والنازلة لأن الحكيم لا يجعل بناء الإقامة كبنا ~~الرحيل، ولا يجوز ذلك في الحكمة والعقول، ثم قتال تعالى {فريقا هدى} وهم ~~الذين أسلموا أي وفقهم للإيمان {وفريقا حق عليهم الضلالة} أي كلمة الضلالة، ~~والمعنى أنهم ضلوا قبم يردهم هذا لعلمه أنهم لا يهتدون، وانتصاب قوله: ~~وفريقا بفعل مضمؤ يفسره ما بعده كأنه قيل: وخذل فريقا حق عليهم اسم ~~الضلالة، ثم علل سبحانه ترك الألطاف لهذا الفريق الذي حق عليهم اسم الضلالة ~~فقال: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} أي تولوهم بالطاعى فيما ~~أمروهم به، وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم، وأنهم هم ~~الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله. PageV20P056 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد عز وجل أمنهم تولوا شياطينهم ~~وكبراؤهم من دون الله {ويحسبون أنهم مهتدون} فقلدوهم، قدمهم الله على اتباع ~~الحسبان والظنون وترك هم وتخليتهم لليقين؛ أنه كان ينبغي لهم أن يفحصوا عن ~~دينهم ولا يعتمدوا حسبانهم وظنونهم. # واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد} وكان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة أتبعه بذكر اللباس فقال: {يابني ~~آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} وأيضا فإنه تعالى لما أمر بالقسط ف يالآية ~~الأولى، وكان من جملة القسط أمر اللباس، وأمر المأكول والمشروب لا جرم ~~أتبعه بذكرهما. # قال في البرهان: وذلك وارد في ستر العورة في الطواف وأخذ التزين واللباس ~~في الجمع والأعياد، وفي تفسير الرازي قال ابن عباس: إن الجاهلية من قبائل ~~العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا ~~وصلوا مسجد منى طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة، وقالوا: لا نطوف في ثياب ~~أصبنلا فيها الذنوب، ومنهم من يقول نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى من الذنوب ~~كما نتعرى من الثياب، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها تستر ~~به عن الخمس وهم قريش، ms2190 فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك وكانوا يطوفون في ثيابهم، ~~ولا يأكلون إلا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا ~~رسول الله: فنحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية، انتهى، أي البسوا ~~ثيابكم {وكلوا} اللحم {واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} في الزيادة ~~لغير غرض؛ لأنه تبذير وإسراف، وقيل: الإسراف الإنفاق في المعاصي، فأما في ~~القرب فلا إسراف. PageV20P057 # وعن ابن عباس: كل ما شئت ما أخطأتك خصلتان شرف وومخيلة، وقال فيه: المراد ~~من الثياب لبس الثياب، وأيضا فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات، ~~ولذلك صار[558] التزين بأجود الثياب في الجمع والأعياد سنة، وأيضا فإنه ~~تعالى قال في الآية المتقدمة: قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ~~فبين أن اللباس الذي يواري سوآتكم من قبل الرياش والزينة، ثم إنه تعالى أمر ~~بأخذ الزينة في هذه الآية، فوجب حمل الزينة على ستر العورة، وأيضا قد أجمع ~~المفسرون على أن المراد بالزينة هنا لبس الثياب الذي تستر العورة، وأيضا ~~قوله: خذوا زينتكم أمر والأمر للوجوب، فثبت أن أخذ الزينة واجب، وكلما سواء ~~اللبس غير واجب، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان، وهذا ~~يدل على وجوب ستر العورة عند إقامة الصلاة، ولقائل أن يقول: إنه تعالى عطف ~~عليه قوله: وطلوا واشربوا ولا شك أن ذلك أمر إباحة، فوجب أن يكون قوله خذوا ~~زينتكم أمر إباحة أيضا، وقد أجيب أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف ~~عليه، وأيضا فالأكل والشرب قد يكونان واجبين في الجملة. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا أمر لإطلاق من الله للزينة غير ~~إيجاب مثل قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} وهذا كثير في القرآن، وليس بفرض ~~لازم، ومعنى ولا تسرفوا أي لا تنفقوا في اللذات المحرمات، ولا في معاصي ~~الله المحظورات، والأصل في السرفهو الخروج من الحد الذي جعله الله عز وجل ~~يدل على ذلك قوله سبحانه: {فلا يسرف في القتل} أيلا يخرج من الحد الذي أطلق ~~الله إلى سفك دم ms2191 لم يحله الله له، انتهى. # يقوي هذا قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} من الثياب ~~وطكل ما يتجمل به في الطواف {والطيبات من الرزق} أي المستلذات من المآكل ~~والمشارب والاستفهام للإنكار. # قال بعض المفسرين: وفي الآية قولان: PageV20P058 # الأول: أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي يستر العورة، وهو ~~الذي في البرهان، وهو قول ابن عباس، وكثير من المفسرين. # والقول الثاني: أنه يتناول جميع أنواع الزينة فتدخل تحت الزينة أنواع ~~الملبوس، ويدخل تحتها تنضيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها الركوب، ~~ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلي؛ لأن كل ذلك زينة، ولولا ان النص الوارد في ~~تحريم الذهب والإبريسم على الرجال لكان داخلا تحت العموم، ويدخل تحت ~~الطيبات من الرزق كلما يستلذ ويشتهى من الحلال من أنواع المأكولات ~~والمشروبات، ويدخل أيضا تحته التمته بالنساء والتطيب. PageV20P059 # وروي عن عثمان بن مظعون أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: عزمت ~~على أن أختصي، فقال: ((مهلا يا عثمان، إن خصا أمتي الصيام)) فقال: إن نفسي ~~تحدثني بالترهب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن ترهب أمتي القعود في ~~المساجد لانتظار الصلوات)) فقال: تحدثني نفسي بالسياحة، فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: (سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة)) فقال: إن نفسي تحدثني أن ~~أخرج مما أملك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الأولى أن تكفي نفسك ~~وعيالك، وأن ترحم المساكين واليتم، فتعطيهم أفضل من ذلك)) فقال: فإن نفسي ~~تحدثني أن أطلق خولة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الهجرة في أمتي ~~هجرة ما حرم الله)) فقال: فإن نفسي تحدثني أن لاأغشاها، فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((إن المسلم إذا غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعه ~~تلك ولدا كان له وصيف في الجنة، وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له ~~قرة عين، وفرحا يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعا ورحمة ~~يوم القيامة)) قال: فإن نفسي ms2192 تحدثني ألا أمس الطيب، فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((مهلا[559] فإن جبريل أمرني يبالتطيب غبا وقال: لا تتركه يوم ~~الجمعة، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عثمان لا ترغب عن سنتي، فإن من ~~رغب عن سنتي فمات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي)). # واعلم أن هذا الحديث يدل علىأن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع ~~الزينة مباح إلا ما خصه الدليل، فلهذا السبب أدخلنا الكل تحت قوله: {من حرم ~~زينة الله}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: هذا إحلال من الله لعباده ورحمة منه ~~بما أخرج لهم من بلاده، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا} غير خالصة لهم؛ لأن المشركين شركاؤهم فيها ~~{خالصة يوم القيامة} لا يشاركهم فيها أحد. PageV20P060 # قال عليه السلام: يريد عز وجل أمخ أحل الطيبات لعباده المؤمنين في هذه ~~الدنيا، وجعلها خالصة يوم القيامة، فدل بقوله خالصة يوم القيامة، ويمكن أن ~~يكون في هذه الآية تقديم وتأخير، وهو أن يكون المعنى قل هي خالصة يوم ~~القيامة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويمكن والله أعلم أن يكون معنى ~~خالصة يوم القيامة أي ليس فيها شريك يكدرها من الاستقام، ولا ينغصها أهلها ~~من الموت والآلام، انتهى، فيكون المراد التنبيه على أن هذه النعم إنما ~~تصفوا عن الشوائب يوم القيامة، ثم قال: {كذلك نفصل الآيات} أي مثل ذلك ~~التفصيل نفصل الدلائل على مصالح العباد ونبينها {لقوم يعلمون} أي يتدبرون؛ ~~لأن من لم يتدبر ويعمل فهو جاهل. # واعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الذي حرموه ليس بحران، بين ~~بالآية التي بعدها أنواع المحرمات فقال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن} أي ما خفي منها وما بطن، قال: {والإثم} فحرم أولا الفواحش، ~~وثانيا الإثم. # الفرق بين الفاحشة والذنب # وأما الفرق بينهما فقالوا: المراد بالفواحش ما تفاحش قبحه، أي تزايد، ~~وقيل: هي ما يتعاق بالفروج من الزنا. # وأما الإثم فهو عام ms2193 في كل ذنب، وقيل: الخمر. # والنوع الثالث من المحرمات قوله: {والبغي بغير الحق} البغي الظلم والكبر، ~~أفرده لقبحه كما قال تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} فإن قيل: ~~البغي لا يكون إلا بغير الحق؛ لأنه لا يستعمل إلا في الاقدام على الغير، ~~فما الفائدة في ذكر هذا الشرط؟ فجوابه أنه مثل قوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق} والمعنى ولا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل ~~والقهر إلا أن يكون لكم فيه حق فحينئذ يخرج من أن يكون بغيا، أو لأن ~~الكبريا تحق لله وحده، والله أعلم. PageV20P061 # النوع الرابع من المحرمات قوله تعالى: {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا} أي حجة وبرهانا، وهو تهكم بهم؛ لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن ~~يشرك به غيره، فلما امتنع حصول الحجة والبينة على صحة القول بالشرك وجب أن ~~يكون القول به باطلا على الإطلاق، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول ~~بالتقليد باطل. # والنوع الخامس من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون} من التحريم وغيره، ولما بين سبحانه الحلال ~~والحرام، وأحوال التكليف بين أن لكل قوم أجلا معينا فقال: {ولكل أمة} أجمعت ~~على تكذيب الرسل {أجل} ألأي وقت مضروب[560] لحلول العقاب بهم وهو وعيد لأهل ~~مكة وتسلية له صلى الله عليه وآله وسلم {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون} بعده ~~{ساعة ولا يستقدمون} ساعة. PageV20P062 # قال ابن عباس ومقاتل: المعنى أن الله أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين ~~في نزول العذاب، وقال ساعة لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس، والمراد ~~أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل المعين لا ساعة ولا ما هو أقل من ساعة، ولما بين ~~تعالى أخوال التكليف وبين أن لكل قوم أجلا معينا عند الله بين بعد الموت ~~حال من اتقلا ومن كذب بالصدق والهدى فقال تبارك وتعالى: {يابني آدم إما ~~يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} أي فرائض وأحكامي، ويبشرونكم ~~وينذرونكم، ومعنة إما يأتينكم أي ms2194 إن أتاكم وما زائدة، وإن هي الشرطية ظمت ~~إليها ما مؤكدة.........الشرط وجوابه قوله: {فمن اتقى وأصلح} منكم {فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} وإنما قال رسل، وإن كان خطاب الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو خاتم الأنبياء عليهم السلام ؛ لأنه تعالى أجرى الكلام على ما ~~تقتضيه سنته في الأمم، وإنما قال منكم لأن كون الرسل منهم أقطع لعذرهم، ~~وأبين للحجة عليهم، والمتقي هو الذي يتقي كلما نهي عنه، ومعنى وأصلح أي أتا ~~بكل ما أمر به، ودلت الآية على أن المؤمنين لا يلحقهم يوم القيامة خوف ولا ~~حزن، كما قال تعالى: {لا يحزنهم الفزع الأكبر} ثم قال تعالى في القسم ~~الثاني: {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} أي أبو من قبولها، ~~واستكبروا عن الإيمان بها {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ثم قال ~~تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته} أي فمن امتنع ~~ظلما ممن يقول على الله ما لم يقله، أو كذب بما قاله. PageV20P063 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد عز وحل التوقيف، ولفظه لفظ ~~الاستفهام ومخرجه، ومعناه معنة تالإخبار والإبهام أنه ليس أحد أظلم ممن ~~افترى على الله الكذب واخترعه عليه وكذل بآياته ولم يتب إليه ولكن أو قامت ~~مقام الواو في قوله أو كذب بآياته وآيات الله دلائله وبيناته وشواهده مع ~~الرسل ومعجزاته، ثم قال عز وجل: {أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} أي يبلغهم ~~حقهم من المناقشة والحساب. # وفي البهران ينالهم نثيبهم أي عذاب الله الذي أوعده لمن أشرك ولهم نصيبهم ~~مما وعد في الكتاب من خير وأوعد من شر، انتهى. # وقيل: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمار وقوله: {حتى إذا جاءتهم رسلنا ~~يتوفونهم} حتى غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له أي وقت وفاتهم وخي حتى ~~التي تبدأ بعدها الكلام، والكلام هاهنا الجملة الشرطية وهي إذا جائتهم ~~رسلنا قالوا يتوفونهم حال من الرسل، أي متوفيهم والرسل ملك الموت وأعوانه ~~عليهم السلام، وقيل: ملائكة العذاب عليهم السلام التوفي قد يكون الأخذ ~~للشيء كاملا. # أما ms2195 في الدنيا عند قبض الأرواح كلها، وإما في الآخرة عند أخذ الأجسام ~~وعذابها. # قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الملائكة عليهم السلام يطالبون الكفار ~~بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ، فإذا حضرتهم لوفائهم ~~{قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله} أي تعبدون من دونه، وما وقعن موصولة ~~بأين في المصحف، وكان حقها ان تفصل؛ لأنها موصولة بمعنى أين الآلهة الذين ~~تدعون {قالوا ضلوا عنا} أي غابوا فلا نراهم، ولا ننتفع بهم، اعترافا[561] ~~منهم بأنهم لم يكونوا على شيء مما كنوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة، ~~وهو معنى قوله: {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} عند معاينة الموت. PageV20P064 # واعلم أن المقصود من الآية الزجر للكفار عن الكفر؛ لأن التهويل بذكر هذه ~~الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر والاستدلال والتشدد، ~~والاحتراز عن التقليد، ثم ذكر تعالى بقية شرح أحوال الكفار وذلك قوله: {قال ~~ادخلوا في أمم} أي في جملة أمم {قد خلت} أي تقادمت {من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار}. # قال في الكشاف: أي يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم ~~فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته، وهم كفار العرب في أمم في ~~موضع الحال، أي كائنين في جملة أمم وفي غمارهم مصاحبين لهم، أي ادخلوا في ~~النار مع أمم قد خلت من قبلكم، وتقدم زمانهم زمانك م، وهذا يشعر بأنه تعالى ~~ليدخل الكفار بأجمعهم النار دفعة واحدة، بل يدفع الفوج بعد الفوج فيكون ~~فيهم سابق ومسبوق ليصح هذا القول، وشاهد الداخل من الأمة في الناس من سبقه، ~~ثم أخبر تعالى أن أهل النار يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض، فقال: ~~{كلما دخلت أمة} أي جماعة {لعنت أختها} التي أضلتها بالاقتداء بها {حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا} أي حتى إذا تداركوا وتلاحقوا وأدرك بعضهم بعضا {قالت ~~أخراهم} منزلة وهم الأتباع السفلة {لأولاهم} منزلة، وهم القادة والرؤس. # قوال مقاتل: يعني أخراؤهم دخولا في النار، وأولاهم دخولا فيها، ومعنى ms2196 ~~قالت لأولاهم أي لأجل أولاهم؛ لن خطابهم مع الله تعالى لا معهم، وذلك قولهم ~~{ربنا هؤلاء أضلونا} المعنى أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا، أي ~~شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها. # واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين: # أحدهما: بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل ~~المبطلة لتلك الأباطيل. PageV20P065 # والثاني: بأن يكون المتأخرون معظنيت أولئك المتقدمين فيقلدونهم في تلك ~~الأباطيل والأضاليل التي لفقوها، ويأتمون بهم، فيصير ذلك شبيها بلإقدام ~~أولئك المتقدمين على الإضلال، ذكر هذا الرازي، ثم حكى تعالى عن هؤلاء ~~المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين على الإضلال بمزيد من العذاب، ~~وهو قوله تعالى: {فآتهم عذابا ضعفا من النار} أي مضاعفا على الضلال ~~والإضلال {قال لكل} من الرؤساء والأتباع {ضعف} والضعف الزائد على مثله، ثم ~~قال {ولكن لا تعلمون} إنكم مستوون في الضعف؛ لأن كلا من القادة والأتباع ~~كانوا ضالين مضلين، والمعنى أنه لا يعلم كل واحد منكم ضعف العذاب الذي حل ~~بغيره، وفي الضعف قولان: # الأول: قال أبو عبيدة الضعف عبارة عن الشيء، ومثله مرة واحدة. # والثاني قال الأزهري: الضعف في كلام العرب أن تقول هذا ضعفه أي مثله ~~ثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، والدليل عليه قوله ~~تعالى: {فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا} ولم يرد به مثلا ولا مثلين، بل ~~أولى الأشياء أنه يجعل عشرة أمثاله، كقوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها} فثبت أن الضعف محصور، وهو المثل، وأكثره غير محصور إلى ما لا ~~نهاية[562] له، كذا ذكره الرازي، والمراد أن العذاب المضاعف يستحق على قدر ~~المعصية من العاصي، كقوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} أي جعل عذابها ~~مثلي عذاب تلك الفاحشة من غيرها، وكذلك الثواب، والله أعلم. # ثم أخبر تعالى أن جزاءهم كما خاطبت أولاهم، فكذلك تجيب أولاهم لأخراهم ~~فقالت: {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} عطفوا هذا الكلام ~~على قول الله تعالى للسفلة: {لكل ضعف} أي فقد ثبت أن ms2197 لا فضل لكم علينا، ~~وأنا متساوون في استحقاق الضهف. PageV20P066 # وفي البلغة: معناه لم يكن لكم عينا فضل في ترك الكفر والضلال، فتدعوا علينا ~~بمضاعفة العذاب، وقيل: ليس لكم علينا فضل لمساواتكم إيانا في الكفر، يدل ~~هذا الكلام على أن المقلد لا حجة له يوم القيامة، فلا سبيل إلى النجاة، ولو ~~أنهم نظروا في الدنيا حق النظر وتناظروا في المباحثة على الحق لأغناهم ذلك ~~عن المناظرة في النار، ولنجوا من عذاب الله باهتدائهم إلى الحق بعد النظر، انتهى. # وأما قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} فيحتمل ان يكون من قول ~~القادة، أو من قول الله لهم جميعا، والمقصود من الكلام الزجؤ؛ لأنه تعالى ~~لما أخبر عن الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ من بعض وبعضهم يلعن بعضا، كان ~~ذلك سببا لوقوع الخوف الشديد في القلب، ثم شرح تعالى تمام الكلام في وعيد ~~الكفار فقال: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} أي عن الإيمان بها، ~~والمراد بالآيات هي الدلائل على التوحيد، وعلى صحة النبوات والمعاد، فقوله: ~~{كذبوا بآياتنا} يتناول الكل، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل، وهذا ~~اللفظ في حق البشر يدل على الذم، قال تعالى في صفة فرعون: {واستكبر هو ~~وجنوده بغير الحق}. # أما قوله عز وجل: {لا تفتح لهم أبواب السماء} ففيه أقوال: # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لا تفتح الملائكة أبواب السماء ~~هابطين إليهم، ولا ينزلون من أبواب السماء بالرحمة عليهم {ولا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط} يريد عز وجل أنهم لا يدخلون الجنة إلا أن يدخل ~~الجمل في ثقب الإبرة التي تخاط بها الثياب وهذا من المحال، فكذلك دخولهم ~~الجنة أيضا فاسد من المقال، وهذا معروف للعرب من الأمثال، انتهى. PageV20P067 # قال ابن عباس: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم، ولا لشيء مما يريدون طاعة ~~الله، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه} ومن قوله: {كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} وقيل: لا تصعد ~~أرواحهم إليها إذا ماتوا كما تصعد أرواح ms2198 المؤمنين، وفي الحديث: ((وصعد ~~بروحه)) ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: ((إن روح المؤمن ~~يعرج بها إلى السماء فتستفتح لها فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في ~~الجسد الطيب)) ويقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، ويستفتح ~~لروح الكافر فيقال لها: راجيعي ذميمة، فإنه لا يفتح لم أبواب السماء، ولا ~~يطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة، وقيل: إن الجنة في السماء، والمعنى لا ~~يدخلون الجنة، ثم قال تعالى: {وكذلك نجزي المجرمين} أي ومثل ذلك الجواء ~~الفضيع الذي وصفنا يجزى المجرمين ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى ~~العقاب، وأن كل من أجرم عوقب، وقد كرره فقال: {وكذلك نجزي الظالمين} ولأن ~~كل مجرم ظالم لنفسه. # واعلم أنه تعالى لما بين حالهم أنهم[563] لا يدخلون الجنة البتة، بين ~~أنهم يدخلون النار، ووصف تلك النار فقال: {لهم من جهنم مهاد} فراش من نار ~~{ومن فوقهم غواش} أي اغطية تغشيهم منها. # قال الأزهري: المهد في اللغة الفرش، يقال للفراش مهاد، ومنه أخذ مهد ~~الصبي، والغواشي جمع غاشية وهي ما يغشاك. # قال المفسرون: المراد من هذه الآية الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل ~~جانب، فلهم منها غطا ووطا وفراش ولحاف، وقوله: {وكذلك نجزي الظالمين} ~~لأنفسهم، عام لكل ظالم من كافر أو فاسق. PageV20P068 # واعلم أنه تعالى لما استوفا الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد فقال: {والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها}..........والذين آمنوا ~~مبتدأ، وقوله: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} خبر لما بين الله تعالى ~~في الآية الأولى ما للظالمين من الجزائين في هذه الآية ما للمؤمنين من ~~الثواب بيانا للوعد والوعيد، وترغيبا في الطاعة، وزجرا عن المعصية. # قال في الكشاف: لا نكلف نفسا إلا وسعها جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ~~للترغيب في اكتساب ما لا يكنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع التعظيك بما ~~في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح، انتهى. # والتقدير والذين آمنوا أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، وغنما حسن ms2199 وقوع ~~هذا الكلام بين المبتدأ والخبر؛ لأنه من جنس هذا الكلا، لما ذكر عمله ~~الصالح ذكر أن ذلك العمل في وسعهم، وغير خارج عن قدرتهم، وفيه تنبيه للكفار ~~على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير عمل الصعب، وقال ~~قوم موضعه خبر من ذلك المبتدأ، والعائد محذوف كأنه قيل: لا نكلف نفسا منهم ~~إلا وسعها، وإنما حذف العائد للعلم به. # وأما قوله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} فقال في البرهان: الغل هو ~~الحقد، وفي نزعه وجهان: PageV20P069 # أحدهما: ان الله عز وجل نزع ذلك من صدورهم، انتهى، والمعنى من كان في قلبه ~~في الدنيا حقد على صاحبه نزع منه، فظهرت قلوبهم، فلم يبق إلى التواد ~~والتعاطف، ومعنى {تجري من تحتهم الأنهار} أي تحت أبنيتهم وأشجارهم، والمعنى ~~أنه تعالى كما خلصهم من الحقد والحسد، والحرص على طلب الزيادة، فقد أنعم ~~عليهم باللذات العظيمة، ثم حكى الله تعالى عن أهل الجنة ما يقولونه من ~~الحمد والثناء على الله تعالى، فقال: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} ~~أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح {وما كنا ~~لنهتدي} اللام لتوكيد النفي، يعنون وما كان يستقيم أن نكون مهتدين {لولا أن ~~هدانا الله} أي لولا هداية الله وتوفيقه، ثم حكى تعالى عنهم انهم قالوا: ~~{لقد جاءت رسل ربنا بالحق} من الشرائع، فكان لطفا وتنبيها على الاهتداء ~~فاهتدينا، يقولون ذلك سرورا واغتباطا بما نالوا بالتكلم به، لا تقربا ~~وتعبدا، كما نرى من رزق خيرا في الدنيا يتكلم بنحو ذلك، ولا يتمالك أن ~~يقوله للفرح إلا أنه تكليف، ثم قال تعالى: {ونودوا} أي ناداهم مناد {أن ~~تلكم الجنة أورثتموها} أن وما بعدها تفسير النداء، والمعنى ونودوا أي تلكم ~~الجنة، والمراد قيل لهم تلك الجنة، وإنما قال[564] تلكم الجنة لأنهم وعدوا ~~بها في الدنيا، فكأنه قيل هذه تلكم التي وعدتم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى ونودوا أي دعوا ونادتهم الملائكة ~~عليهم السلام حتى سمعوا، وقالوا لهم: تلك الجنة ms2200 وأرثتموها أي عوضتموها ~~وبدلتموها، وهو مأخوذ من الميراث، والعوض المتروك من التراث، والأصل في ~~الميراث الذي يرجع إليه كل ذلك هو الترك للشيء من كل تارك، قال الشاعر: # فباتت وقد أورثت في الفؤاد ... صدعا على بابها مستطيرا # يريد بقوله: أورثت أي جعلت في قلبه وتركت، انتهى. PageV20P070 # وأما قوله تعالى: {بما كنتم تعملون} فقيل: معناه بسبب أعمالكم لا بالتفضل ~~وليس كذلك، بل بفضل الله جعل أعمالهم الحقيرة التي هي شكر الله المالك ~~المنعم، جل وعلا على ما أنعم به عليهم في الدنيا من النعم التي لا تحصى، ~~سببا في نيل الثواب العظيم الذي لا يتناها وهو الجنة، وما أعد لهم فيها مما ~~لا يحصى. # واعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار، وثواب أهل الإيمان والطاعات، أتبعه ~~بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين فقال: {ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} يحتمل أن تكون أن هي المخففة من ~~الثقيلة، وأن تكون مفسرة كالتي سبقت آنفا، وكذلك أن لعنة الله على ~~الظالمين، والمعنى أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا من نعيم الجنان {فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا} من عذاب النيران، وما قبله من الأهوال {قالوا نعم} ~~وفائدة هذا النداء الاغتباط بحالهم والشماتة بالعصاة والزيادة في غمهم؛ لأن ~~هذا سؤال تغيير وتبكيت وتقرير. # قوله: {فأذن مؤذن بينهم} التأذين في اللغة هو النداء والتصويت بالإعلام، ~~وهو الصوت المعلوم عند الكلام، والأذان للصلاة أعلام بوقتها، وقوله: بينهم ~~يحتمل أن يكون ظرفا، لقوله: أذن، والتقدير أن المراد وقع ذلك بينهم وفي ~~وسطهم، ويحتمل أن يكون صفة لقوله مؤذن، والتقدير أن مؤذنا من بينهم أذن ~~بذلك الأذان، أي صاح صائح من الملائكة عليهم السلام سمعه أهل الجنة والنار ~~{أن لعنة الله على الظالمين} قرأ نافع وأبو عمرو وحفص وعاصم أن مخففة، لعنة ~~الله بالرفع، والباقون أن مشددة لعنة الله بالنصب. # قال الواحدي: إن من شدد فهو الأصل، ومن خفف فهي مخففة من الشديدة على ~~إرادة إضمار القصة والحديث تقديره أن لعنة ms2201 الله، ومثله قوله تعالى: {وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}. PageV20P071 # وروي في الكشاف: أن الأعمش قرأ أن لعنة الله بكسر أن على إرادة القول، أو ~~على إجراء أذن مجرى قال، قال فيه: فإن قلت هلا قيل: ما وعدكم ربكم كما قيل ~~ما وعدنا ربنا، قال: حذف ذلك تخفيفا لدلالة وعدنا عليه. # ولقائل أن يقول: أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب، والثواب ~~والعقاب، وسائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود ~~كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم، فأطلق ذلك. # واعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن أوقع لعنة الله على كل من كان ~~موصوفا بصفات أربع: # الأولى: كونهم ظالمين، والمراد منه كل من كان ظالما، سواء كان كافرا أو فاسقا. # الثانية: قوله: {الذين يصدون عن سبيل الله} أي يمنعون الناس عن طريق ~~الإسلام، تارة بالزجر والقهر، والأخرى بسائر الحيل. # والثالثة: قوله: {ويبغونها} أي سبيل الله {عوجا} بإلقاء الشكوك والشبهات ~~في دلائل الدين الحق، والعوج بكسر العين في الدين، والعوج بفتح العين فيما ~~خالف الاستواء، نحو الحائط والخشبة[565] وغيرها. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه يطلبون سبيلا غير سبيل الله ~~يعوجون إليها، ولكنه اختصر معنى يعوجون هو ينحرفون ويرجعون عن سبيل الله، ~~وينصرفون. # الرابعة: قوله: {وهم بالآخرة كافرون} ثم قال تعالى: {وبينهما حجاب} أي ~~بين الجنة والنار، أو بين الفريقين حجاب وهو السور المذكور في قوله: {فضرب ~~بينهم بسور له باب}. # فإن قيل: هل تقرب الجنة من النار أم يكون بينهما فصل؟ PageV20P072 # قلت: قال المرتضى عليه السلام: لو كان بينهما فصل لكان ببينهما دار ومحل ~~للسكان، ألا تسمع كيف يقول عز وجل: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب}، فدل تبارك وتعالى بذلك أنه ليس بين الجنة ~~والنار إلا السور الذي ذكره من ظاهره العذاب ومن باطنه الرحمة والثواب، ~~والحجاب أيضا دليل على تقاربهما؛ لأن الحجاب ما ستر البصر وحجب من ~~الجانبين. # وأما قوله ms2202 تعالى: {وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم} فقال القاسم ~~عليه السلام: أما أصحاب الأعراف فإنهم أصحاب ما علا من منازل الجنة وأشرف، ~~وأنأف من الغرف العالية والمنازل المشرقة المنيفة التي يرون منها لشرفها ~~وعلوها النار وبعض من يعذب فيها ممن كانوا يعرفونه في الدنيا بالتجبر ~~والإسراف والتكبر فيعرفونهم في النار بسيماهم التي هي هيأتهم وخلالهم لا ~~يعرفونهم بغير ذلك منهم، لما غيرت النار بأكلها من ألوانهم، فيقولون عند ~~معرفتهم إياهم ما قصه الله في كتابه من قوله. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى وعلى الأعراف رجال أي على ~~الأشراف وهي الأماكن المشرفة المرتفعة، المطلة على الجنة والنار، وإنما ~~سميت بالأعراق لمعرفة الناس لها، وبيانها عندهم واشتهارها، وأما الرجال على ~~الأعراف فقال الهادي عليه السلام: قيل: إنها رجال من المؤمنين، وقيل: إنها ~~الحفظة المقربون الذين ذكرهم الله بقوله: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. # قال عليه السلام: وهذا فأشبه المعنيين عندي والله أعلم. # قلت: ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليه السلام . # وقال في البرهان: أما الأعراف فسور بين الجنة والنار، وهو جمع واحده عرف ~~وهو ما ارتفع عن غيره، ومنه عرف الديك وعرف الفرس، قال الزاجر: # كل كثير لحمه يناف ... كالعلم الموفا على الأعراف PageV20P073 قال فيه: والرجال الذين على الأعراف هم الأئمة عليهم السلام كل منهم يعرف ~~أهل عصره وعلامة أهل الجنة بياض الوجوه، وحسن العيون. # قلت: هذا قول ابن عباس أنه قال: سيما الرجل المسلم بياض وجهه، كما قال ~~تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة، وكون ~~كل واحد منهم أغر محجل من أثر الوضوء، وعلامة الكفار سواد وجوههم، وكون ~~وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، وكون عيونهم زرقا، فمعنى يعرفون كلا ~~بسيماهم أي يعلمون كلا من أهل الجنة والنار بعلاماتهم، والسيماء هي ~~العلامات والدلائل على الشيء والأمارات، قال الله أصدق القائلين يصف أهل ~~بيت نبيه المصلين ومن تبعهم من أولياء الله المسلمين: {سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود} وفي وقوفهم على الأعراف، ms2203 ونظرهم إلى أعداء الله وأعدائهم وخي ~~بين أطباق النيران أكمل لذة وأتم، وقد بين تعالى هذه الطريقة في مواضع، ~~منها قوله تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا}[566] من الذين آمنوا يضحكون} إلى ~~قوله: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون، هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون} ولا حال لهم ألذ من تلك الحال؛ لأنهم يرون أنفسهم ~~في أتم النعيم، ويرون اعداؤهم في وسط الجحيم، ففيه أعظم التشفي. PageV20P074 # وأما قوله في الكشاف: هم رجال من المسلمين من آخرهم دخولا الجنة لقصور ~~اعمالعم، يحبسون بين الجنة والنار، حتى يأذن الله لهم بدخول الجنة فغير ~~صحيح؛ لن المؤمن عند موته، وبعده تبشره الملائكة بالجنة، لاو يحبسه سبحانه ~~بعد استحقاقه الجنة، وفي ذلك يقول المرتضى عليه السلام: وليس يخرج عبد من ~~الدنيا حتى يرى محله، ويعرف من الآخرة مكانه بإخبار الملائكة عليهم السلام ~~عند قبض روحه، وخروج نفسه، فإن كان فاسقا أيقن بالنيران، وبالمصير إلى سوء ~~دار مع إتعاب الملائكة عليهم السلام له في إخراج نفسه، وضربها لوجهه وظهره، ~~كام قال عز وجل: يضربون وجوههم وأدبارهم، وإن كان مؤمنا تلقته الملائكة ~~بالبشارة والكرامة، وقبضت روحه قبضا رفيقا سهلا متعبا، ةلا معذبا ألا تسمع ~~كيف يقول سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} فأخبر ~~سبحانه ببشارة الملائكة للؤمنين عند خروج أنفسهم وتطمينهم بما يطلعونهم ~~عليه، ويخبرونهم عن ؤضائهم عنهم، وقبولهم لهم على طاعة ربهم، والجنة ~~والنعيم الدائم المقيم، حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، انتهى. # وأما قوله تعالى: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} ~~فإنما المراد بها بعض من تخلف من غزوة تبوك أرجاء أمرهم، وأخر توبتهم حتى ~~علم منهم صدقها، وإخلاص الندم، ثم أنزل توبتهم وهم الذين ربطوا أنفسهم في ~~سواري المسد، وقد مر تفسير ذلك مستوفا في سورة براءة. PageV20P075 # فإن قيل: ما ذكرتموه أن أصحاب الأعراف رجال من الملائكة أو الأئمة عليهم ~~السلام لا يصح؛ ms2204 لأنه تعالى قال في صفة أصحاب الأعراف: {ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون} أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في ~~دخولها، وهذا الوصف لا يليق بالملائكة أو الأئمة عليهم السلام ؟ # قلنا: ليس المعنى ما زعمتموه، بل معنى ونادوا أصحاب الجنة أي نادت رجال ~~الأعراف أصحاب الجنة وقالوا سلام عليبكم لم تدخلوها وأنتم تطمعون في ~~الحطام، وتحرصون على المآكل الدنية والجرائم، ولكنه يجوز أن يخاطب الشاهد ~~بمخاطبة الغائب، وذلك معروف عند العرب، وهذا مثل قوله تعالى: {حتى إذا كنتم ~~في الفلك وجرين بهم}. PageV20P076 # وفي البلغة: معناه أصحاب الأعراف تارة ينظرون إلى أهل الجنة، وتارة ينظرون ~~إلى أهل النار، فيشتفون بذلك ويدعون الله تعالى بما حكى عنهم جل وعلا في ~~الآية التي بعد هذه، وليس في قوله لهم وهم يطمعون معنى الشك، وإنما هو طمع ~~يقين فهم موقونون أن لهم الدرجات العلا في الجنة، ويرون منازلهم وأفضل ~~ثوابهم، ووقفوا على سور الجنة ليكمل بشفيهم من أعداء الله، ثم يرجعون إلى ~~منازلهم وأفضل ثوابهم، وهذا مثل ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ~~{والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ولم يكن إبراهيم عليه السلام في ~~شك من ذلك، بل كان مؤقنا بأن الله يغفر له، وإنما حسن ذلك لعظم[567] شان ~~المتوقع في جلالة النعمة، وأما ما يهدي به من هو من العلم فقيرا أن أصحاب ~~الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيآتهم فلا ثواب لهم ولا عقاب عليهم، فذلك خرس ~~وهوس؛ لأن الأمة أجمعت على أنه لا دار في الاخرة إلا الجنة والنار، وعلى أن ~~المكلف لا يدخل الجنة إلا وهو مثاب، وعلى أن المكلف لا يخلوا خاله من أحد ~~أمرين: إما أن يكون من أهل الثواب أو أهل العقاب، والذي قالوا خرم الاجماع، ~~وجهل بطريقة الإحباط والتكفير، وحقيقة استحقاق الثواب والعقاب، وأنه لا يصح ~~استحقاقهما في ما يستحق الإهانة، كما لا يجوز أن يكون في حالة واحدة مرضيا ~~مغضوبا عليه، ويحبه ويبغضه في حالة واحدة، فإذا كان ms2205 كذلك فكيف يجوز أن ~~يقال: إن الحسنات والسيئات استوت حتى بطل الثواب والعقاب، انتهى. # قلت: وهذا مذهب أهل البيت عليهم السلام بعينه لا غير، ثم قال تعالى: ~~{وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار} وراوا ما هم فيه من العذاب {قالوا ~~ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} معنى وإذا صرفت أي قلبت، صرفها صارف ~~لينظروا فيستعيذوا أو يوبخوا أهل النار، وهذا على وجه السرور لا على وجه ~~التعبير. PageV20P077 # واعلم أن الله عز وجل لما أخبر أن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل الجنة ~~سلموا على أهلها، وإذا راوا أهل النار استعاذوا بالله، وفزعوا إلى رحمته، ~~أن لا يجعلهم معهم، أخبر تعالى أن ينادون رجالا من أهل النار فقال: {ونادى ~~أصحاب الأعراف رجالا} من رؤس الكفرة {يعرفونهم بسيماهم قالوا} يوبخونهم {ما ~~أغنى عنكم} أي ما نفع ولا دفع عنكم {جمعكم} المال، أو اجتماهكم {وما كنتم ~~تستكبرون} من قبول الحق. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى وما كنتم تستكيرون أي والذي ~~كنتم ترونه في أنفسكم خليلا، وفي أعينكم كثيرا جزيلا، فهل نفعكم بكبرته أو ~~منعكم تبكيتا من هؤلاء الرجال، وتعريفا لهم، وتوبيخا وتشميتا بهم، ثم داوا ~~على هذا التبكيت وهو قولهم: {أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة} ~~إشارة لهم إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء يستهينون بهم، ويحقرونهم ~~لفقرهم، وقلة حظوظهم من الدنيا، وكانوا يقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة ~~وإذا رأى من كان يدعي التقدم وحصول المنزلة العالية لمن كان مستضعفا عند ~~قلق وعظم حزنه وندامته على ما كان منه في نفسه وفيهم، وقيل: إن هذا من كلام ~~الله تعالى، والله أعلم. # ثم أخبر تعالى أنه يقال لهؤلاء المحتقرين في الدنيا الذين تقدم ذكرهم ~~{ادخلوا الجنة} أي يقال لهم ادخلوا الجنة {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} ~~والمتكبرون ينظرون، والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف والحث على ~~الخيرات. # واعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار أتبعه بذكر ~~ما يقوله أهل النار أهل الجنة، فقال: {ونادى أصحاب ms2206 النار أصحاب الجنة أن ~~أفيضوا علينا من الماء} أي ارسلوا، وهو كالدلالة على أن أهل الجنة أعلا ~~مكانا من النار. PageV20P078 # قال الهادي عليه السلام: وقد سئل عن هذا النداء والقرب بينهم حتى يسمع ~~بعضهم قول بعض، وإنما كلامهم لأهل النار وكلام أهل النار لهم عند قولهم ~~أفيضوا علينا من الماؤ أو مما رزقكم الله فهو بالرسائل[568] تبلغها ~~الملائكة عنهم وتمشي بها بينهم، وذلك منها صلوات الله عليها فبإذن من الله ~~لها فيه وتقدير منه سبحانه لها عليه، وإنما جعلهم الله كذلك، وأذن لهم في ~~ذلك ليكون سرورا للؤمنين ومعرفة منهم بما نزل بالمكذبين الضالين فيتجدد لهم ~~بذلك البهجة والسرور، وتكمل لهم به الغبطة والحبور، ويكون ذلك من علم أخبار ~~المؤمنين وما هم عليه من عطا رب العالمين، حسرة في قلوب الكافرين، وعذابا ~~لهم مع عذاب النار، وأسفا لما فاتهم من كريم القرآن، ونعيم الدار التي ~~جعلها الله ثوابا للأبرار، فافهم ما عنه سألت، وقف من الجواب على ما طلبت، انتهى. # وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بطونهم من الاحتراق واللهب لشدة ~~خروجهم {أو مما رزقكم الله} من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، ~~ويجوز أن يراد والقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # حتى غدت هما لها عيناها # إنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرة في أمرهم، كما يفعل ~~المضطر الممتحن، وهذا الكلام يدل على حصول العطش والجوع الشديد لهم. # وعن أبي الدرداء: أنه تعالى ينزل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم، ~~فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون قيغاثون ~~بطعام ذا غصة، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون بالماء فيرقع إليهم الحميم ~~والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم، ويستسغيثون إلى أهل الجنة كما ~~في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء والطعام من ~~أهل الجنة {قالوا} ردا عليهم {إن الله حرمهما على الكافرين} تحريم منع لا ~~تعبد، ولا شك أن ذلك ms2207 يفيد الخيبة التامة. PageV20P079 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: أي حضر الطعام والشراب على الفاسقين ~~الذين كفروا نعم الله وجحدوها وكفروها بالمعاصي، وستروها إذ لم يحمدوها ~~بالطاعة ويشكروها، والكفر في قولنا كفران كفر النعمة، وكفر الجحدان، انتهى. # ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار فقال: {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا} ~~لأنهم اتخذوا اللهو واللعب دينا، ثم قال: {وغرتهم الحياة الدنيا} وهي مجاز؛ ~~لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة، بل المراد أن حصل الغرور عن هذه ~~الحياة الدنيا ونعيمها ولذاتها؛ لأن الإنسان يطمع في طول العمر، وحسن ~~العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، فتشتد رغبته في هذه الأشياء، ويصير بذلك ~~محجوبا عن طلب الدين، غريقا في طلب الدنيا، ثم لما وصف الله أولئك بهذه ~~الصفات قال سبحانه: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} في هذا ~~النسيان قولان: # الأول: أن النسيان هو الترك، والمعنى نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل ~~للقاء يومهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه نتركهم من ثوابنا كما تركونا ~~لقاء يومهم هذا بطاعتنا، وهذا من الاختصار، قال الشاعر: # راح الحجيج بأوجه مسودة # ونسو لأحمد حرمة وذماما # أي تركوا حرمة وذماما، وليس[569]يريد أنهم قتلوا آل محمد عليهم السلام ~~ناسين، بل قتلوهم متعمدين، وليس هذا من النسيان، وإنما همو من الإنساء ~~والترك، انتهى. PageV20P080 # والثاني: أن المراد منه نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير ~~لا يذكرونهم، كما فعلوا في الأعراض عن آياتنا وعن لقاء يومهم هذا فعل ~~الناسين، قلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به، وبالجملة فسمى الله جزاء ~~نسيانهم بالنسيان كما في قوله: {جزاء سيئة سيئة مثلها} والمراد من هذا ~~النسيان أنه تعالى لا يجيب دعاؤهم، ولا يرحم ضعفهم وذلتهم، ثم قال: {وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون} أي وكما كانوا بآياتنا ودلائلنا يجحدون م ع علمهم ~~بأنها الحق، فأخبر تعالى أن كل هذه التشديدات إنما كانت لأنهم كانوا ~~بآياتنا يجحدون، ثم بين من حالهم أنهم اتخذوا دينهم لهوا أولا، ثم لعبا ~~ثانيا، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا، ثم ms2208 صار عاقبة هذه الأحوال انهم جحدوا ~~بآيات الله، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ مل آفة، كما قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة، وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال. PageV20P081 # واعلم أنه تعالى لما شرح احوال أهل الجنة وأحوال أهل النار، وأهل الأعراف، ~~ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير به سماع تلك ~~المناظرات التقصير، وداعيا إلى النظر والاستدلال بين شرف هذا القرآن الكريم ~~ونهاية منفعته فقال: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} أي بيناه {على علم} أي ~~عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه، وسائر معانيه، وقوله: {هدى ورحمة} ~~حال من منصوب فصلناه، كما أن على علم حال من مرفوعة أي فصلناه هاديا وذا ~~رحمة أي نعمة {لقوم يؤمنون} وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون، ولما بين تعالى ~~إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة، بين ~~بعده حال من كذب فقال: {هل ينظرون إلا تأويله} أي ما يؤل إليه عاقبة أمره ~~من صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، والمعنى هل ينتظرون إلا تفسير وعده ~~ووعيده، وعاقبته، ثم قال تعالى: {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه} أي ~~تركوه {من قبل} أي في الدنيا، وأعرضوا عنه، وتركوا العمل به {قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق} أي تبين لنا أنهم جاؤا بالحق، وذلك عند ندمهم ومعينة الصدق، ~~وبيان ما كانوا عليه من الضلال والفسق. PageV20P082 # قال الهادي عليه السلام: إن قال قائل ما هذا التأويل، وعلى ما يخرج من ~~الأقاويل، قيل له: إنه تأويل ما كان يأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من الوعد والوعيد من الله سبحانه مما كانت قريش ومن تبعها من ~~المشركين، وكثير ممن كان معه صلى الله عليه وآله وسلم من المنافقين يكذبونه ~~ويجحدونه، ويأبون التصديق به، ويبطلونه من الحشر والمعاد، وما أعد الله ~~سبحانه للعباد من الثواب الذي أعده للمحسنين، والعقاب الذي جعله الله ~~سبحانه جزاء للفاسقين، ألا تر[570] كيف حكى ذلك عنهم الرحمن حيث يقول في ms2209 ~~واضح ما نزل من الفرقان من قوله: {أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون، ~~لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين} فأخبر سبحانه ~~عن مجيء ما كانوا يوعدون وما كانوا يه يكذبون من يوم حشرهم وعقابهم، وما ~~يعاينونه من حسابهم، انتهى. # وأخبر تعالى أنهم لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: {فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا} في إزالة العقاب {أو نرد} إلى الدنيا {فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل} فنوحد الله ونؤمن بريله، يقولون ذلك تحسرا، وإلا فقد علموا أنهم لا ~~يجابون إلى ذلك. PageV20P083 # قال في الكشاف: نرد جملة معطوفة على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم ~~الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد ورافعه وقوعه موضعا يصلح ~~للاسم كما يقول ابتدأ هل يضرب زيد ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه فلا تقدر ~~هل يشفع لنا شافع أو نرد، انتهى، ثم أخبر عز وجل بقوله: {قد خسروا أنفسهم} ~~أي الذي طلبوه لا يكون؛ لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم الله عليهم بأنهم ~~قد خسروا أنفسهم بوقوعها في النار، ثم قال: {وضل عنهم ما كانوا يفترون} من ~~كون آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى، وهذه الآية تدل على أنهم كانوا في حال ~~التكليف قادرين على الإيمان والتوبة، فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا، ~~ولو كانوا في الدنيا غير قادرين كما تزعمه المجبرة لم يكن في الرد فائدة، ~~ولا جاز أن يسألوا ذلك، والآية أيضا تدل على بطلان قول الذين يزعمون أن أهل ~~الآخرة مكلفون؛ لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد، وهم في الوقت على مثلها، ~~بل كانوا يتوبون ويؤمنون في الحال، فبطل ما حكي عن النجار وطبقته أن ~~التكليف باق على أهل الآخرة، ثم إنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة ~~علىالتوحيد وكمال القدرة والعلم فقال: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام} أي في قدرها، وإلا فلا يوم هناك حقيقة، وهو قادر على ~~خلفها في طرفة عين، لكن ms2210 الحكمة وإن جهلناها، وقيل: تعليما لخلقه التثبت في ~~الأمور، ولطفا للملائكة. PageV20P084 # قال في البرهان: والمعنى في ترك تعجيل خلقها في أقل الزمان مع القدرة عليه ~~أن أنشأها شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال أبلغ في الحكمة، وأدل على صحة ~~التدبير، والمعنى أن الذي يريكم ويصلح شأنكم، ويوصل إليكم الخيرات، ويرفع ~~عنكم المكروهات، هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته، إلى حيث خلق هذه ~~الأشياء العظيمة، وأودع فيها أصناف المنافع، وأنواع الخيرات، ومن كان له ~~مولى موصوف بهذه الحكمة والقدرة والرحمة فكيف يليق به أن يرجع إلى غيره في ~~طلب الخيرات، أو يعول على غيره في تحصيل السعادات. # وأما قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} فاعلم أن العرش في الأصل هو سرير ~~الملك الذي يجلس عليه، والاستواء هنا كناية عن الملك الكامل لمن استوى ~~الملك على السرير من توابع الملك، وهو أدل على كماله من التصريح، ونظيره ~~قولهم: للرجل الطويل: فلان طويل النجاد، وللرجل الذي يكثر أضيافه كثير ~~الرماد، وللرجل الشيخ فلان اشتعل رأسه شيبا، وليس المراد من هذه الألفاظ ~~إجراؤها على ظواهرها، إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية، ~~فكذا هاهنا، فذكر الاستواء على العرش، والمراد نفاد[571] القدرة عليه، ~~وجريان المشيئة على ما شاء وأراد، وهذا معنى قول القاسم والهادي عليهما ~~السلام ، فإن لهما كلاما بسيطا في صفة العرش والكرسي، ولنذكر هاهنا طرفا من ~~كلامهما عليهما السلام ، فمن لفظ القاسم عليه السلام أن قال: أما العرش ~~والكرسي فإنهما ملك الله وسلطانه، كما أن العرش والكرسي مقعد كل ملك ~~ومكانه، وليس يتوهم من آمن بالله أنما ذكره الله سبحانه من كرسيه وعرشه ~~ككراسي خلقه وعروشهم التي تكون مقاعد لهم في ملكهم، وكان عرشه على الماء ~~فهو، وكان ملك الله على الماء إذ ليس إلا الماء كما ملكه اليوم على الأرض ~~والسماء، وعلى جميع ما فيهما من الأشياء. PageV20P085 # وأما الهادي عليه السلام فمن قوله ما هذا لفظه: ولا يجوز لنا أن نقول لم ~~يكن مستويا على العرش صم استوى، إذا لقلنا ms2211 بخلاف قوله سبحانه، بل نقول إن ~~الله سبحانه لم يزل ذا عرش عظيم، فإ قال قائل: فما معنى وكان عرشه على ~~الماء؟ قلنا له: إن إحاطته بجميع الأشياء هي العرش العالي فوق جميع ~~الأشياء، يخبر تبارك وتعالى أنها لم تكن أرض ولا سماء سوى الماؤ، وأنه كان ~~المحيط بالماء من قبل خلقه الأرض والسماء، فذلك العرش المحيط بالماء لم ~~يتغير عن حاله ولم يزل هو المحيط بالماء، والمحيط من بعد الماء بالأرض ~~والسماء؛ لأنه في غاية المعنى إن العرش علة الله على جميع الأشياء بنفسه، ~~وإنما مثل الله علوه على جميع الأشياء بإحاطته بها كعلو الملك على سريره ~~إذا استوى عليه واستعلى فوقه في المثل لا غير ليستدل به على عظمته واتساعه ~~على جميع الأشياء وإحاطته بها، ومن الدليل على أن الله سبحانه أراد بذكر ~~العرش والكرسي أن يعرف عباده عظم سعته وإحاطته، قوله سبحانه: لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وقوله: والله من ~~ورائهم محيط، وكثير في كتاب الله مما يدل على أن الله محيط بالأشياء، انتهى. PageV20P086 # واعلم أنه تعالى ذكر استوى على العرش في سور سبع، فإحداها هنا، وثانيها في ~~يونس، وثالثها في الرعد، ورابعها في طه، وخامسها في الفرقان، وسادسها في ~~السجدة، وسابعها في الحديد، وقد ذكرنا في كل موضع قسطا من هذا المعنى، فمن ~~ضم هذه الفوائد بعضها إلى بعض كثرت وبلغت مبلغا كبيرا وافيا، بإزالة شبهة ~~التشبيه، ومعنى قوله تعالى: {يغشي الليل النهار} أي يلبس الليل النهار حتى ~~يغشاه ويذهب بسواده وظلماه، وقرأ يغشي بالتشديد، أي يلحق الليل بالنهار أو ~~النهار بالليل يحتملهما ميعا، والدليل على الثاني قراؤة حميد بن قيس يغشي ~~الليل النهار بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار، أي يدرك الليل النهار، ~~ويطلبه حثيثا حسن الملاءمة لقراءة حميد، ومعنى {يطلبه حثيثا} أي يسير إليه ~~مسرعا، وقيل: يحث ويسرع في ظلمته وإدراكه، ابن عباس: يطلب الليل النهار ولا ~~غفلة له، أي يستمر الليل في طلب النهار ms2212 على منهاح واحد من غير فتور يوجب ~~التأخر عن وقته حتى يدخل عليه، وكذلك النهار يطلب الليل حثيثا حتى يدركه ~~فيدخل عليه، ثم قال تعالى: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره} أي ~~بمشيئته وتصريفه، وهو متعلق بمسخرات على خلقهن مسخرات جاريات بمقتض حكمته ~~وتدبيره، مذللات للانتفاع، وسمي ذلك أمرا على التشبيه كأنها مأمورات بذلك، ~~ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال: {ألا له الخلق والأمر} أي هو الذي ~~خلق الأشياء كلها، وأمرها أي صرفها على حسب إرادته وحكمته، وهذا يفيد ~~الحصرة، بمعنى أنه لا خالق إلا الله {تبارك الله[572] رب العالمين} أي ~~تعالى عن صفات المخلوقين. PageV20P087 # واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة أتبعه ~~بذكر الأعمال اللائقة بالعبد، وهو الاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مح ~~العبادة، فقال: {ادعوا ربكم تضرعا} أي تذللا وتملقا، أي ذوي تضرع وخيفة، ~~ومعنى {وخفية} سرا ومخافتة، وقيل: التضرع رفع الصوت، والإسرار أفضل، وبين ~~دعوة السر والعلانية سبعون ضعفا. # قال في الكشاف: تضرعا وخيفة نصب على الحال، وكذلك خوفا وطمعا، والتضرع ~~يفعل من الضراعة وهي الذل، انتهى، ثم قال عز وجل: {إنه لا يحب المعتدين} ~~المتجاوزين لما أمروا به من دعاء وغيره. # وفي البرهان: إنه لا يحب المعتدين، يعني في الدعاء أن يسأل ما لا يستحقه، ~~كمنازل الأنبياء، أو يدعو باللعنة على من لا يستحقها، وقيل: الاعتداء رفع ~~الصوت عند الدعاء. # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان في غزاة فأشرفوا ~~على واد فجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((........على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون ~~سميعا قريبا وهو معكم)) انتهى. # وعن ابن جريج الصياح في الدعاء: مكروه وبدعة، وقيل: الاسهاب في الدعاء. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((سيكون قوم يعتدون في الدعاء حسب ~~المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك ~~من النار وما قرب إليها من قول وعمل، ثم ms2213 قرأ قوله تعالى: {إنه لا يحب ~~المعتدين})). # قال بعض المفسرين: الاخفاء معتبر في الدعاء، وتدل عليه وجوه: PageV20P088 # الأول: هذه الآية، فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونا بالاخفاء، ~~وظاهره للوجوب، فإن لم يحصل الوجوب فلا أقل من كونه ندبا، ثم قال بعده: ~~{إنه لا يحب المعتدين} في ترك هذين الآمرين المذكورين وهما التضرع ~~والاخفاء، فكان المعنى أن من ترك في الدعا التضرع والاخفا فإن الله لا يحبه ~~ومحبة الله عبارة عن الثواب، فكأن من ترك الدعا التضرع والاخفاء فإن الله ~~لا يحبه البتة ولا يحسن إليه. # واعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه فقد اعتدا وتعدا، فيدخل تحت ~~قوله: {إنه لا يحب المعتدين} فظاهر هذه الآية يقتضي أن من خالف أمر الله ~~ونهيه فقد اعتدا وتعدا، فيدخل تحت قوله: {إنه لا يحب المعتدين} فظاهر هذه ~~الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه فإنه يكون معاقبا، وفيها دلالة ~~على القطع بوعيد الفساق، ولا يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت ~~بالدعا؛ لأنا نقول ذلك لا يصح من وجهين: # الأول: أن لفظ المعتدين لفظ عام دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ~~غايته أنه إنما ورد في هذه الصوة، لكنه ثبت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. PageV20P089 # الثاني: أن رفع الصوت بالدعا ليس من المحرمات بل غايته أن يقال الأولى ~~تركه، فإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا الوعيد، ثم قال تعالى: {ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي لا تغيروا في الأرض بالفساد بعد أن أمركم ~~الله بإصلاح البلاد، ونهاكم وزجركم عن ظلم العباد، والمعنى لا تفسدوها ~~بالظلم بعد إصلاحها[573] بالطاعة والعدل {وادعوه خوفا وطمعا} أي حال الخوف ~~لعقابه والطمع في ثوابه، وخوفا من الرد وطمعا في الإجابة، فإن قيل: إنه ~~تعالى قال في أول الآية: ادعوا ربكم تضرعا، ثم قال هاهنا وادعوه، وهذا ~~يقتضي عطف الشيء على نفسه، وهو لا يصح، والجواب أن الذين قالوا في تفسير ~~قوله: وادعوا ربكم المراد به العبادة، ثم ms2214 قال: وادعوه خوفا فمن قال بهذا ~~فقد زال السؤال، وإن قلنا: المراد من قوله ادعوا ربكم هو الدعا كان في ذلك ~~دلالة على أن الدعا لابد وأن يكون مقرونا بالتضرع والاخفا، ثم بين في قوله: ~~خوفا وطمعا أن فائدة الدعا هذين الأمرين فكانت الأولى في بيان شرط الدعا، ~~والثانية في بيان فائدة الدعا ومنفعته، والله أعلم، ثم قال تعالى: {إن رحمة ~~الله} أي نعمته وإجابته {قريب} أي يرحمع قريب أو شيء قريب {من المحسنين} ~~المطيعين، أو من يعبد الله كأنه يراه، أو من يؤدي الفرائض. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: وإنما سمي المحسن محسنا لحسن فعاله ~~ورحمته لجميع الخلق، وطيب مقاله، فينبغي للمؤمن أن يلهم نفسه الرحمة حتى ~~البهائم. # قال في البرهان: وإنما أسقطت الهاء من قريب، والرحمة مؤنثة لأن الرحمة من ~~الله تعالى إنعام منه، ويجوز أن تكون مكان الرحمة؛ لأن المكان مذكر كما قال ~~عروة بن حزام: # عشية لا عفراء منكم قريبة # فتدنوا ولا عفراء منك بعيد # فأراد بالبعيد مكانها، وبالقريب هي فأثبت الهاء. PageV20P090 # واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية وكمال العلة والقدرة من العالم ~~العلوي وهو السماوات والشمس والقمر والنجوم أتبعه بذكر الدلائل من بعض ~~أحوال العالم السفلي فقال: {وهو الذي يرسل الرياح بشرا} جمع بشور، أي ~~مجيئه؛ لأنها تسر الأرض وتجيئها بدعائها.......، وقوله: {بين يدي رحمته} أي ~~أمام رحمته وهو الغيث {حتى إذا أقلت} أي حملت أو رفعت {سحابا ثقالا} من ~~المياه العظيمة {سقناه لبلد ميت} أي لأجل بلد ميت لا نبات به ولا مطر فيه ~~{فأنزلنا به الماء} بالبلد أو بالسحاب، واشتقاق الإقلال من القلة؛ لأن ~~الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلا، ثم قال: {فأخرجنا به من كل الثمرات} أي ~~بالماء أو بالبلد أو السحاب. # روي عن ابن عمر أن الرياح ثمان، أربع منها عذاب: القاصف والعاصف والصر ~~والعقيم، وأربع منها رحمة: الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. PageV20P091 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)) ~~إذا عرفت هذا فاعلم أن ms2215 اختلاف الرياح في الصفات المذكورة مع أن طبعها واحد، ~~وتأثيرات الطبائع والأنجم والإفلاك واحدة، تدل على أن هذه الأحوال لم تحصل ~~إلا بتدبير الابتداء بين الفاعل المختار سبحانه وتعالى، وفي تقرير السلم ~~العظم في هذه الآية وجه آخر، وهو أنه تعالى لما أقام الدلالة في هذه على ~~صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بهاتين الآيتين كل ما يحتاج ~~إليه في معرفة المبدأ والمعاج، بدليل قوله: {كذلك نخرج الموتى} أي مثل ذلك ~~الإخراج للثمرات، ونخرج الموتى من قبورهم {لعلكم تذكرون} أي فيؤديكم ~~التذكير إلى أن لا فرق بين الإخراجين، وأن كلا منهما إعادة للشيء بعد ~~إنشائه، والمعنى أنه تعالى أحيا[574] هذا البلد بعد خرابه، فأنبت فيه الشجر ~~وجعل فيه الثمر، فكذلك يخرج الموتى بعد أن كانوا أمواتا؛ لأن من قدر على ~~إحداث الجسم وخلق الرطوبة والعظم فيه فهو أيضا يكون قادرا على إحداث الحياة ~~في بدن الميت، والمقصود فيه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة حق، فقوله ~~لعلكم تذكرون المراد منه أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى الصورتين، ~~وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى، ثم قال تعالى: {والبلد الطيب} أي الأرض ~~الكريمة القوية {يخرج نباته بإذن ربه} أي بفعل ربه وتسييره، وهو في موضع ~~الحال، كأنه قيل: يخرج نباتا حسنا وافيا؛ لأنه واقع في مقابله بكذا في ~~قوله: {والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} لا خير فيه، والنكد القليل الذي لا ~~ينتفع به، ويحوز أن يكون بمعنى العسر، أي لا يخرج إلا عسرا، قال الشاعر: # واعط ما اعطيته طيبا # لا خير في المنكود والناكدا PageV20P092 والذي خبث صفة للبلد، ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا، فحذف ~~المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى ذلك البلد ~~مقامه، إلا أنه كان مجرورا بارزا افنقلب مرفوعا مسكنا لوقوعه موقع الفاعل. # قال في البرهان: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فجعل المؤمن ~~كالأرض الطيبة والكافر كالأرض الخبيثة السبخة، انتهى. # وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل ms2216 المؤمن والكافر، وإنما المراد أن الأرض ~~السبخة يقل نفعها وثمرها، ومع ذلك إن صاحبها لا يهمل أمرها، بل يتعب نفسه ~~في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق به من المنفعة، فمن طلب هذا النفع ~~اليسير بالمشقة التي لابد من تحملها في أداء الطاعات، كان ذلك أولى ~~والأقرب، والله أعلم. # إن هذا مثل للذي يؤثر فيه الوعظ ومن لا يؤثر، وحسن ذكر هذا المثل عقيب ~~ذكر المطر وإمزاله بالبلد الطيب، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد، ثم ~~قال تعالى: {كذلك نصرف الآيات} أي مثل ذلك التصريف نصرف الآيلت لا نرددها ~~ونكررها {لقوم يشكرون} نعمة الله، وهم المؤمنون، لتيفكروا فيها ويعتبروا ~~بها، قرء يصرف بالياء أي يصرفها الله، وإنما ختم هذه الآية بقوله: {لقوم ~~يشكرون} لأن الذي ذكره هو أنه تعالى يخرج الياح اللطيفة النافعة، ويجعلها ~~سببا لنزول المطر الذي هو الرحمة، ويجعل تلك الرياح والأمطار سببا لحدث ~~أنواع النابت النافعة اللطيفة اللذيذة، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل ~~الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، ومن الوجه الثاني تنبيه على ~~اتصال هذه النعم العظيمة إلى العباد، فلا جرم من حيث أنها دلائل على وجود ~~الصانع وصفاته آيات بالقوم الشاكرين لأنهم المنتفعون بها، كما ينبغي فهو ~~كقوله هدى للمتقين. PageV20P093 # واعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة وبينات قاهرة ~~وبراهين باهرة، أتبعها بذكر قصص الأنبياء، فقال عز وجل: {لقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه} والله لقد أرسلنا نوحا، قيل: أرسل وهو ابن خمسين سنة وكان نجارا. # قال في الكشاف: قوله: لقد أرسلنا جواب قسم محذوف، فإن قلت: مالهم لا ~~يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد وقل عنهم نحو قوله[575]: # خلقت بالله خلفة فاخر ليناموا # أي لقد ناموا، قال: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا لتأكيد ~~الجملة المقسم عليها التي هي جوابها، فكانت مظنة، بمعنى التوقع الذي هو ~~معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم، انتهى. # واعلم أن في ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام فوائد: # إحداها: ms2217 التنبيه على إراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس هو من ~~خواص قوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة ~~في جميع الأمم، والمصيبة إذا عمت خفت، فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على ~~الجهل والفساد يفيد تسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تخفيف ذلك على قلبه. # وثانيها: أنه تعالى حكى في هذه القصص أن عاقبة أولئك المنكرين كان إلى ~~اللعن في الدنيا، والخسارة في الآخرة، وعاقبة المحقين إلى الدولة في الدنيا ~~والسعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المحقين، ويكسر قلوب المبطلين. # وثالثها: بيان ما في هذه القصص من الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وذلك أنه كان آميا، وما طالع كتابا، فإذا ذكر هذه القصص على أتم ~~الوجوه من غير تحريف ولا خطأ، دل ذلك على أنه عرفها بالوحي من الله تعالى، ~~وذلك يدل على صحة نبوته. # واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام وقد سبق ذكرها. PageV20P094 # والقصة الثانية: قصة نوح وهي المذكورة في هذه الآية {فقال} أي نوح عليه ~~السلام {ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} أي لا معبود لكم بحق إلا ~~هو، وكانوا يعبدون غيره، قرأ الكسائي وغيره بكسر الراء على أنه نعت للدلالة ~~على اللفظ، والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع؛ لأن تقدير ~~الكلام ما لكم إله، وفي الكشاف: قرئ غيره بالحركات الثلاث، وذكر وجه الرفع ~~والجر كما تقدم. # وأما النصب فعلى الاستثناء، فحكى تعالى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء: # أحدها: أنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله. # والثاني: أنه حكم أن لا إله غير الله، وأن المقصود من الكلام الأول إثبات ~~التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد، ثم قال عقبيه: {إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} ولا شك أن المراد إما عذاب يوم القيامة خوفهم ~~منه، أو عذاب يوم الطوفان. # قال في الكشاف: فإن قلت ما موقع الجملتين بعد قوله: اعبدوا الله؟ # قال: الأولى بيان لوجه ms2218 اختصاصه بالعبادة. # والثانية: بيان الداعي إلى عبادته؛ لأنه هو المحذور عقابه، دون ما كانوا ~~يعبدونه من دون الله، ثم إنه تعالى حكى ما ذكر قومه فقال: {قال الملا من ~~قومه إنا لنراك في ضلال مبين}. PageV20P095 # قال المفسرون: الملأ الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضدادا للأنبياء ~~والرسل عليهم السلام قوله من قومه يقتضي أن ذلك الملأ بعض من قومه، وذلك ~~البعض لابد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف، وذلك بان ~~يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس، وتمتلئ القلوب من هيبتهم، وتمتلئ ~~الأبصار من رؤيتهم، وتتوجه العين في المحافل إليهم، وهذه الصفات لا تحصل ~~إلا في الرؤساء والأكابر، وقوله: إنا لنراك هذه الرؤية لابد وأن تكون بمعنى ~~الاعتقاد والظن[576] دون المشاهدة والرؤية، ومعنى في ضلال مبين أي في خطأ ~~وضلال بين، ولابد أن يكون مرادهم نسبة نوح عليه السلام إلى الضلال في ~~المسائل الأربع التي بينا أن نوحا عليه السلام ذكرها، وهي التوحيد ~~والنكليف، والنبوة والمعاد، ولما ذكروا هذا الكلام {قال} نوح عليه السلام: ~~{ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين} وإنما قال ليس بي ضلالى ~~ولم يقل ضلال كما قالوا؛ لأن معنى قوله ليس بي ضلالة أي ليس بي نوع من ~~انواع الضلال البتة، فكان هذا أبلغ في عموم السلب، لما نفى عن نفسه العيب ~~الذي وصفوه به، وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وكونه رسولا إلى الخلق من رب ~~العالمين، ثم ذكر المقصود من الرسالة وهو أمران: # الأول: تبيلغ الرسالة. PageV20P096 # والثاني: تقرير النصيحة. فقال: {أبلغكم رسالات ربي} أي ما أوحي إلي في ~~الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي، والمواعظ ~~والزواحر، والبشائر، والنذاير، ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء ~~قبله من صحف جده إدريس وشيث، والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن ~~تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم أنواع تكاليف الله، وأقسام أوامره ونواهيه، ~~وأما النصيحة فهو أن يرغبهم في الطاعة ويحذرهم عن المعصية، ويسعى في تقرير ~~ذلك الترغيب بأبلغ الوجوه، ثم قال: {وأنصح ms2219 لكم} أي أنصحكم، واللام للمبالغة ~~والدلالة على إخلاص النصيحة للمنصوح لا غير. # قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك، إنما تقول نصحت لك، ويجوز أيضا ~~نصحتكم، قال النابغة: # نصحت بني عوف فلم يتقبلوا # رسولي ولم تنج لديهم رسائلي # وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، ~~والمعنى إني أبلغ لكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب والأصلح، وأدهوكم ~~إلى ما دعاني، وأحب لكم ما أحبه لنفسي، فرب نصيحة ينتفع بها فتقصد النفعين ~~جميعا، ولا نصحة أمحض من نصخة الله ورسله {وأعلم من الله ما لا تعلمون} من ~~توحيد الله، وصفات جلاله من باهر آياته وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا ~~يرد عن القوم المجرمين، والمقصود من هذا الكلام حمل القوم على ما يرجعون ~~إليه في طلب تلك العلوم. PageV20P097 # واعلم أن القوم لما استبعدوا نبوة نوح عليه السلام ونسبوه في إدعاء النوبة، ~~قال تعالى: {أوعجبتم أن جاءكم} أي من أن جاءكم {ذكر} موعظة {من ربكم على} ~~على لسان {رجل منكم} والهمزة لانكار التعجب، والواو للعطف والمعطوف عليه ~~محذوف، كانه قيل كذبتم وعبجتم، وذلك أنهم كانو يتعجبون من نبوة نوح عليه ~~السلام ، ويقولون: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، يعنون إرسال البشر، ~~ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة، ومعنى منكم أي تعرفون نسبه، فهو منكم/، وذلك ~~لأن كونه منهم يزيل التعجب؛ لأن المرء بمن هو أعرف وبطهارة أحواله أعلم، ~~يفتضي السكون، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول فقال: {لينذركم ولتتقوا} ~~أي ليحذركم عاقبة الكفر، وليوجد منكم التقوى وهي الخشية سبب الإنذار، ثم ~~قال: {ولعلكم ترحمون} أي ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم، وهذا الترتيب في ~~غاية الحسن، فإن المقصود من[577] البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار ~~التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار ~~الآخرة، وهذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من بعث الرسول التقوى والفوز ~~بالرحمة، وذلك يبطل قول من يقول: إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والفساد؛ ~~لأنه بزعمهم خلقهم لأجل العذاب ms2220 والنار، ثم قال تعالى: {فكذبوه فأنجيناه ~~والذين معه في الفلك} فأخبر تعالى أنهم كذبوه في ادعاء النوبة، وتبليغ ~~التكاليف من الله، وأصروا على ذلك التكذيب، ثم أخبر عز وجل أنه أنجاه في ~~الفلك، وأنجى من كان معه من المؤمنين، قيل: كانوا أربعين رجلا وأربعين ~~امرأة، وقيل: تسعة، بنوه: سام وحام، ويافث، وستة ممن آمن به، ثم قال: ~~{وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا} وبين العلة في ذلك فقال: {إنهم كانوا قوما ~~عمين} أي عمى القلب غير مستبصرين، وقرئ عامين، والفرق بين العمي والعمى يدل ~~على عمى ثابت PageV20P098 مستمر، والعمي يدل على عمى حادث كضيق وضائق، ولا شك أن عماهم كان ثابتا ~~راسخسا؛ لنهم لا ينظرون ولا يتعلمون، والعمى هو الجهل، قال الشاعر: # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عمي # ثم حكى عز وحل القصة الثانية وهي قصة هود عليه السلام مع قومه فقال: ~~{وإلى عاد أخاهم هودا} هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وأخاهم عطف ~~على نوح وهودا عطف على بيان، والتقدير لقد أرسلنا نوحا إلى قومه، وأرسلنا ~~إلى عاد أخاهم، ولما اتفقوا على أن هودا ما كان أخاهم في الدين اختلفوا في ~~أنه هل كانت قرابة قريبة أم لا؟ # قال الكلبي: إنه كان من تلك القبيلة. # وقال آخرون: إنه من غير تلك القبيلة، ثم ذكروا في تفسير هذه الأخوة وجهين: # الأول: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم، لا من الملائكة، ويكفي ~~هذا القدر في نسبه هذه اإخوة، والمعنى إنا بعثنا إلى عاد واحد من جنسهم وهو ~~البشر، ليكون الفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل، وما بعثنا شخصا من غير ~~جنسهم مثل ملك أو جني. # والثاني: أخاهم أي صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخا القوم، ~~ومنه قوله تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} أي صاحبتها وشبعتها، وأما عاد ~~فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف. # قال ابن إسحاق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت، ولما أرسل الله ~~هودا إلى قومه ms2221 قال: {قال ياقوم اعبدوا الله} أي خصوه بالعبادة {ما لكم من ~~إله غيره} وقوله: {أفلا تتقون} إنكار عليهم، أي تعبدون غير الله، فلا تتقون ~~فلا تعملون عمل أهل التقوى بإخلاص العبادة، ثم أخبر تعالى أن هودا عليه ~~السلام لما بلغهم رسالات ربه {قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة} أي خفة حلم وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين ىخر. PageV20P099 # قال في الكشاف: فإن قلت: لو حذف العاطف من قوله: قال ياقوم ولم يقل فقال ~~كما في قصة نوح، قال: هو على تقدير سؤال السائل، قال: فما قال لهم هود؟ ~~قيل: قال يا قوم اعبدوا الله، وكذلك قال الملأ، وقيل في الفرق بين الصورتين ~~أن قبل نوح لم تظهر في العالم تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم، ~~واما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة[578] بواقعة نوح عليه السلام ، ~~وكان عهد الناس بتلك الواقعة قريبا، فلا جرم اكتفى هود بقوله: أفلا تتقون، ~~والمعنى تعرفون أن قوم نوح لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم العذاب الذي ~~اشتهر خبره في الدنيا، فكان أفلا تتقون إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة ~~المتقدمة المشهورة في الدنيا، وإنما وصف الملأ هاهنا بالذين كفروا دون ~~الملأ من قوم نوح؛ لنه كان في أشراف قوم هود من آمن به، ولم يكن في أشراف ~~قوم نوح مؤمن، ويجوز أن يكون وصفا واردا للذم لا غير، وأما أنه تعالى حكى ~~عن قوم نوح أنهم قالوا: إنا لنراك في ضلال مبين وحكى عن قوم هود أنهم قالوا ~~إنا لنراك في سفاهة، فالفرق بين الصورتين أن نوحا كان يخوف الكفار بالطوفان ~~العام، وكان أيضا مشتغلا بإعداد السفينة فعند هذا القوم قالوا: إنا لنراك ~~في ضلال مبين حيث تتعب نفسك في إصلاح سفينة في مفازة ليس فيها قطرة ماء، ~~ولم تظهر شيء من العلامات تدل على أن ظهور الماء في تلك المفازة، أما هو ~~عليه السلام فما ذكر شيئا إلا زيف عبادة الأوثان، ونسب من اشتغل بعبادتها ~~إلى ms2222 السفاهة. PageV20P100 # قال في الكشاف: وجعلت السفاهة طرفا على سبيل المجاز، أرادوا أنه يمكن فيها ~~غير منفك عنها، ثم قالوا: {وإنا لنظنك من الكاذبين} في ادعاء الرسالة، ~~فكلما كذبوه عليه السلام ونسبوه إلى السفاهة {قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني ~~رسول من رب العالمين} أي ليس بي خفة ولا جنون، ولا لعب ولا مجون، والسفة في ~~لغة العرب هو خفة العقل وفساده، قال الشاعر: # يسفهن أحلام الرجال ذوي النهى # وفي غجابة الأنبياء عليهم السلام نسبهم إلى الضلال والسفاهة بما أجابوهم ~~به من الكلام الصادر عن الحلم والأعضاء، وترك المقابلة بما قالوا لهم مع ~~علمهم بان خصومهم أضل الناس وأسفههم أدب حسن وخلق عظيم، وحكاية الله عز وجل ~~ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف يقصون عنهم ويسلون أذيالهم على ~~ما يكون منهم، وأما قوله: {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} فمعناه ~~أني عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فما حقي أن اتهم، وأنا لكم ماصح فيما ~~أدعوكم إليه، أمين على قولكم لا أكذب فيه، وقوله تعالى: {أوعجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم} إنكار عليهم، أي كذبتم وعجبتم أن جاءكم موعظة من ربكم {على} ~~لسان {رجل منكم لينذركم} والمقصود منه أن يذكر النعمة العظيمة توجب الرغبة ~~والمحبة، وزوال التفرقة والعداوة، وقد ذكر هودا عليه السلام نوعين من ~~الإنعام: # الأول: ما حكى الله عنه بقوله سبحانه: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد ~~قوم نوح} أي اذكروا وقت جعلكم ملوكا في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم، أو ~~خلقتموهم في الأرض أي جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وذلك بان أورثهم ~~اموالهم، وما يتصل بها من المنافع والمصالح. # والثاني: قوله: {وزادكم في الخلق بسطة} قيل: الزيادة في أجسامهم من الطول ~~وعظم الأبدان. PageV20P101 # وفي البرهان: هي القوة والبطش؛ لأن القوى والقدر متفاوتة[579] فبعضها أعظم ~~وبعضها أضعف، إذا عرفت هذا، فلفظ الآية يدل على حصول الزيادة، واما مقدار ~~تلك الزيادة فليس في اللفظ البتة ما يدل عليه؛ إلا أن العقل يدل على أن تلك ~~الزيادة يجب أن ms2223 تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد، وإلا لم يكن ~~لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة. # قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين. # وقال آخرون: تلك الزيادة ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها، ففضلوا على أهل ~~زمانهم بهذا القدر، وقيل غير ذلك، ولما ذكر هود عليه السلام هذين النوعين ~~من النعمة قال: {فاذكروا آلاء الله} أي نعمه وفضائله في ذلك وغيره، قال ~~الشاعر: # الحلم والجود كانا من خلائقه # ما كل آلائه يا قوم أحصيها # واحد الآلآء، ونحوه إني وأنا وضلع وأضلاع وعنب واعناب، ولابد في الآية من ~~الإضمار، والتقدير فاذكروا آلاء الله، واعملوا عملا بذلك الإنعام {لعلكم ~~تفلحون} أي تظفرون وتفوزون، وإنما أضمرنا العمل؛ لأن الفلاح الذي هو الظفر ~~بالثواب لا يحصل لمجرد التذكر، بل لابد له من العمل. PageV20P102 # واعلم أن هودا عليه السلام دعى قومه إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام ~~بالدليل القاطع، وبين لهم أن نعم الله عليهم كثيرة، وان ما يعبدونه لا يليق ~~إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام، وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا ~~الله، وأن لا يعبدوا شيئا من الأصنام، ثم إن هودا عليه السلام لما ذكر لهم ~~هذه الحجة ............لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك ~~بطريقة التقليد، كما قال تعالى حاكيا عنهم: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ~~ونذر ما كان يعبد آباؤنا} من الآلهة، أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده ~~بالعبادة، وترك دين الآباء في إتخاذ الأصنام شركاء معه حبا ~~لما........عليه، والفا لما اصدقوا آباؤهم يتدينون به، وقوله: أجئتنا يحتمل ~~ام المجيء حقيقة، وكان معتزلا للعبادة، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم ~~يفعل بحراء قبل البعثة، وحراء جبل بمكة، ويحتمل أنه التعرض والقصد أي ~~قصدتنا كما يقال: ذهبت تشمتني، ولم يرد حقيقة الذهاب، ويحتمل أن يريدوا ~~الاستهزاء كأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك، كأنهم قالوا: ~~قصدتنا لنعبد الله وحده وتعرضت لنا بتكليف {فأتنا بما تعدنا} استعجال منهم ~~للعذاب {إن كنت من الصادقين} في أنك رسول الله ms2224 تعذب من كذبك؛ لأنه عليه ~~السلام قال: أعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون، فهذا مشعر ~~بالتهديد والتخويف بالوعيد، فلهذا المعنى قالوا: فاتنا بما تعدنا، وإنما ~~قالوا ذلك لأنهم كانوا يتعقدون كونه كاذبا بدليل أنهم قالوا: إنا لنظنك من ~~الكاذبين، فلما اعتقدوا ذلك قالوا فأتنا بما تعدنا، والغرض أنه إن لم يأتهم ~~بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا، ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام ~~عند هذا الكلام أنه {قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} أيحق عليكم ووجب ~~عذاب وتعب، جعل المتوقع الذي لابد منه كالواقع، PageV20P103 ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ذلك. # وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاءه يبكي فقال له: يا ~~بني مالك[580]؟ فقال: لعسني طوير كأنه ملتف في بردي خبره فضمه إلى صدره ~~وقال له: يا بني قد قلت الشعر. # قال في البرهان: والرجس الرجز بمعنى واحد، إلا أن الزاي قلبت سينا في قول ~~الشاعر: # ألا..........الله بني السعلات ... عمرو بن يربوع........ # يعني الناس ليسو بأعفاف ولا.... أي أكياس. # قال القفال: يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالدين، كقوله: ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم، أي قد وقع عليكم من الله .......على قلوبكم عقوبة ~~منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي، وحاصل الكلام في الآية أن ~~القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفرا، وهو ~~المراد من قول: قد وقع عليكم من ربكم رجس، ثم خصهم بمزيد الغضب وهو قوله ~~ويغضب، ثم قال: {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي ما هي إلا ~~أسماء ليس تحتها مسميات، والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، ولأنهم ~~كانوا يسمون الأصنام بالآلهة مع أن معنى الآلهة فيها معدوم، وسموا واحدا ~~منها بالعز فسقا من العزة، والله تعالى.............عزا أصلا، وسمو آخر ~~منها باللات وليس له من الإلهية شيء، وقوله: {ما نزل الله بها من سلطان} ~~عبارة عن خلو مذهبهم عن الحجة والبينة على استحقاقها العبادة، ثم ms2225 أنه عليه ~~السلام ذكر لهم وعيدا مجردا فقال: {فانتظروا} أي العذاب {إني معكم من ~~المنتظرين} ثم أخبر عن عاقبة هذه الواقعة من العذاب فقال: {فأنجيناه والذين ~~معه برحمة منا} إذ كانوا مستحقين الرحمة بسبب إيمانهم {وقطعنا دابر الذين ~~كذبوا بآياتنا} أي جعلناها معجزة لهود، أي قطعنا.............، وأهلكنا ~~عقلهم وذريتهم، والمراد أنه تعالى PageV20P104 أنزل عليهم عذاب الاستصال الذي هو الريح، وقطع الدابر هو الاستصال، فدل ~~بهذا اللفظ بأنه تعالى ما أبقى منهم أحد، ودابر الشيء آخر قوله، لقوله ~~سبحانه: {وما كانوا مؤمنين} فنفى الإيمان عنهم مع إثبات التكذيب بآيات الله ~~فهو تعريض بمن آمن منهم كمرثد بن سعد ومن نجا مع هود عليه السلام ، قال: ~~وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم بآيات الله ولم يكونوا مثل من آمن من هم، ~~ليؤذن أن الهلاك خص المكذبين ونجحى الله المؤمنين، وقيل: إنهم لو بقو لم ~~يؤمنوا أيضا، ولو علم أنهم سيؤمنون لأبقاهم. # روي من قصة عاد أنهم كانوا قد بسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت، ~~وكانت لهم أصنام يعبدونها صدا وصمود والهبا فبعث الله إليهم هودا نبيا، ~~فكذبوه وازدادوا عتوا، فأمسك الله عليهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان ~~الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا من الله الفرج منه عند بيته الحرام مسلمهم ~~ومشركهم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن موح، ~~وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا ~~منهم..............، ومرثد ين سعد الذي يكتم إسلامه، فلما قدموا نزلوا على ~~معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا ~~أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ووتغنيهم الجرادتان قينتان ~~كانتا لمعاوية، فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له همه ذلك ~~وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه، وكان[581] يستحي أن ~~يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين فقالتا قل ~~شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية: # ألا يا قيل ويحك ms2226 قم............ # لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا # قد امسوا ما يبيتون الكلاما PageV20P105 فلما غنتا قالوا: إن قومكم يغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد ابطأتم ~~فادخلوا الحرم واستقوا لقومكم، فقال لهم: مرثد بن سعد: والله لا يسقون ~~بدعائكم، ولكن إن اطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم، وأظهر إسلامه فقالوا ~~لمعاوية: أحبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فانه قد اتبع دين هود وترك ~~ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، فأنشا الله ~~سحابات.........بيضا وحمرا وسودا، ثم ناداه مناد من السماء يا قيل: اختر ~~لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من واد ~~لهم يقال له...........، فاستبشروا بها، وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم ~~فيها ريح عقيم، فأهلكتهم ونجا هودا والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله ~~فيها حتى ماتوا، ثم حكى عز وجل من قصص الأنبياء عليه السلام القصة الثالثة ~~وهي قصة صالح فقال: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله} دون ~~الأوثان {ما لكم من إله غيره}المعنى ولقد أرسلنا موحا، وإلى عاد أخاهم هودا ~~أو إلى ثمود أخاهم صالحا، أي أخاهم في النسب، وكان أوسطهم بيتا أي جارهم، ~~وثمود اسم القبيلة كربيعة ومضر، وهو ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح. # قال عمرو بن العلا: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، وكان ~~مساكنهم الحجازين الحجاز والشام إلى وادي القرى، قرئ إلى وإلى ثمود بمنع ~~بالصرف بتأويل الحي أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر وقد ورد ~~القرآن بهما صريحا، قال تعالى: {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود}. PageV20P106 # واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنه امرهم بعبادة الله، ونهاهم عن عبادة غير ~~الله، كما ذكره من قبله من الأنبياء، ثم قال: {قد جاءتكم بينة من ربكم} آية ~~ظاهرة وشاهدة على صحة نبوتي، وكأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: {هذه ناقة ~~الله لكم آية} وآية نصب على الحال، والعامل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من ms2227 ~~معنى الفعل، كأنه قيل أسير إليها ولكم بيان لمن هي آية موجبة عليه لا إيامن ~~خاصة وهم ثمود؛ لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها، وليس ~~الخبركالمعاينة، كأنه قال: لكم خصوصا، وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها ~~وتفخيما لشأنها، وأنها جاءت من عنده مكونة من غير فحل وطروقة، آية من آياته ~~كما يقول آية الله، ثم قال: {فذروها تأكل في أرض الله} وليست أرضكم ولا ~~النبات من إنباتكم {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} أي لا تتطردوها ولا ~~تقربوا منها شيئا من انواع الأذى. PageV20P107 # روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا علي أشقى الأولين عاقر ~~ناقة صالح، وأشقى الآخرين قاتلك))[583].وروي أن عادا لما هلكوا عمرت ثمود ~~بلادهم وخلفوهم في الأرض، وكثروا وعمروا أعمارا طوالا، حتى أن الرجل كان ~~يبني المسكن المحكم فيندهم في حياته فينحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في ~~سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وافسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، ~~فبعث الله إليهم صالحا، وكانوا قوما عربا وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى ~~الله فلم يتبعه إلا قليل منهمن مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية فقال: ~~أي آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عندنا في يوم معلوم لهم من السنة ~~فتدعوا إلهك وندعوا إلهنا، فإن استجيب اك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، ~~فقال صالح: نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الإستجابة فلم تجبهم، ~~فسألوه أن يخرج لهم ناقة كبيرة من صخرة عظيمة، وأعطواع موثقهم أنه إن فعل ~~آمنوا وقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله تعالى فتمخضت تلك الصخرة تمخض الحامل، ~~ثم انفرجت فخرجت الناقة من وسطها، وكانت في غاية الكبر، وكان الماء عندهم ~~قليلا فجعلوا ذلك الماء بالكلية شرابا لها في يوم، وفي اليوم الثاني لكل القوم. PageV20P108 # قال السدي: فكانت الناقة في اليوم الذس تشرب فيه الماء تمر بين الجبلين ~~فتملوها، ثم تأتي فتحلب ما يكفي الكل، وكانت كانها تصب اللبن صبا، وفي ~~اليوم الذي يشربون لا تأتيهم، وكان معها فصيل، فقال لهم صالح: يولد في ms2228 ~~شهركم غلام يكون هلاككم على يديه فذبح تسعة نفر من أبنائهم، ثم ولد العاشر ~~فأبا أن يذبح ابنه.........فنبت نباتا سريعا، فلما كبر الغلام جلس مع قوم ~~يصيبون من الشراب فأرادوا ماء يمرحونه به، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا ~~الماء، واشتد ذلك علهيم، فقال العلام: هل لكم في أن أعقرها فشد عليها، فلما ~~بصرت به شدت عليه فهرب منها إلى خلف الصخرة فأجاسوها عليه فلما مرت به ~~تناولها فعقرها فسقطتت فذلك قوله: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر} وأظهروا ~~حينئذ كفرهم، وعتو عن أمر ربهم، فقال لهم صالح عليه السلام: إن امارة ~~العذاب أن تصبحوا حمر الوجوه، واليوم الثاني صفرا، واليوم الثالث سودا، ~~فلما صبحهم العذاب تحنطوا واستفانوا، ذكر هذا في تفسير الرازي، وقد تقدم ~~ذكر هذه القصى مما رواه في الكشاف. # قال في البرهان: في الناقة أيتان: # أحدهما: أنها خرجت من صخرة ملسا تمخضت بها كما تمخض المرأة، ثم انفلقت ~~على الصفة التي طلبوها. # والثاني: كان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم اللبن بدله، ~~ولكم شرب يوم يخصهم لهم ما فيه، انتهى. # وقيل: إن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع الحيوانات تمنتع من الورواد من ~~الماء، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات تأتي، ثم قال: {واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد} خلفتموهم في أرضهم {وبوأكم في الأرض} أنزلكم، والمباءة ~~المنزل في الأرض أرض الحجازين الحجاز والشام إلى ويايدي القرى، وهو الصحيح، ~~وهو يخالف ما روي أن ثمودا أعمرت بلاد عاد وخلفوهم فيها، ويكون معنى خلفاء ~~من بعد عاد أي خلفوهم في الأرض، وأرض العرب؛ لأن عاد وثمود من العرب، والله أعلم. PageV20P109 # ثم قال: {تتخذون من سهولها قصورا} أي تبنون القصور من سهولة الأرض، فإن ~~القصور[583] إنما تبنى في الطين واللبن والأجر، وهذه الأشياء إنما تتخذ من ~~سهوله {وتنحتون الجبال بيوتا} يريد تنحتون بيوتا من الجبال تسكنونها، ~~وانتصب بيوتا على الحال، كما تقول حط هذا الثوب قميصا، وأبر هذه القصبة ~~قلما، وهي من الحال المقدرة؛ لأن الجبل لا يكون ms2229 بيتا في حال النحت ولا ~~الثوب والقصبة قميصا وقلما في حال الخياطة والبري، وقالوا كانوا يسكنون ~~السهول في الصيف والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كاناو متنعمين ~~مترفين، ثم قال: {فاذكروا آلاء الله} أي قد ذكرت لكم بعض أقسام ما أتاكم ~~الله من النعم، فاذكروا أنتم بعقولكم بما فيها {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ~~العثا أشد الفساد، وقيل المراد منه انتهى عن عقر الناقة، والأولى أن يحمل ~~على ظاهؤه وهو المنع من الكل من أنواع الفساد، قوله تعالى: {قال الملا ~~الذين استكبروا من قومه} الملأ قد مر تفسيره، ومعنى {للذين استضعفوا} أي ~~استضعفهم رؤساء الكفار يريد المساكين الذين آمنوا به، وقوله: {لمن آمن ~~منهم} بدل من قوله للذين استضعفوا؛ لأنهم المؤمنون بصالح، أي قالوا ~~للمؤمنين من المستضعفين {أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه} قالوا ذلك استهزاء ~~لهم كما تقول للمجسمة أتعلمون أن الله فوق العرش {قالوا} أي المستضعفون ~~{إنا بما أرسل به مؤمنون} مصدقون بما جاء بمه صالح {قال الذين استكبروا إنا ~~بالذي آمنتم به كافرون} واعلم أن وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين ووصف ~~أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين وكونهم مستنضعفين معناه أن غيرهم يستضعفهم ~~ويستحقرهم، وهذا ليس فعلا صادرا عنهم بل عن غيرهم، فهو لا يكون ضفة ذم في ~~حقهم بل الذم عائد إلى الدنيا يتسحقرونهم PageV20P110 ويستضعفونهم، وهذه الآية من أعظم ما يحتج بع في بيان أن الفقر خير من ~~الغنا، وذلك لأن الاستكبار إنما يتولد من كثرة المال الجاه، والاستضعاف ~~إنما يحصل من قلتهما، فبين تعالى أن كثرة المال والجاه حملهم على التمرد، ~~وذلك يدل علىأن الفقر خير من الغنا، الضمير في قوله لمن آمن منهم راجع إلى ~~قومه أو إلى الذين استضعفوا، فإن قيل: هل لاختلاف المرجعين أثر في اختلاف ~~المعنى. # قال في الكشاف: نعم، وذلك أن الرجع إذتا رجع إلى قومه فقد جعل من آمن ~~مفسرا لمن استضعف منهم، فدل على أن استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين، ~~وإذا رجع إلى الذين استضعفوا لم يكن صح قولهم ms2230 إنا بما أرسل به مؤمنون جوابا ~~عن سؤال المستكبرين؛ لأنهم سألوهم عن العلم بإرساله فجعلوا إرساله أمرا ~~معلوما مكشوفا مسلما لا يدخله ريب، كأنهم قالوا: العلم بإرسال وبما أرسل به ~~لا كلام فيه ولا شبهة تدخله، لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإسمان ~~به فيخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة إنا بالذي آمنتم به ~~كافرون، فوضعوا آمنتم به موضع أرسل به ردا لما جعله المؤمنون معلوما، ~~واخذوه مسلما، ثم قال تعالى: {فعقروا الناقة}. # قال الأزهري: العقر عند العرب كسر عرقوب البعير، ولما كان[584] العقر ~~سببا للموت، أطلق العقر على النحر إطلاقا لاسم السبب على المسبب. PageV20P111 # واعلم أنه أسند العقر إلى جميعهم؛ لأنه كان يرضاهم مع أنه ما باشره إلا ~~بعضهم وهو قدار بن سالف، قيل: رماها مسطع في رجلها، ورماها قدار يوم ~~الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت، وقيل: يوم الأحد، وقد يقال للقبيلة ~~العظيمة أنتم فعلتم كذا مع أنه ما فعله إلا واحد، ثم قال: {وعتوا عن أمر ~~ربهم} وتولوا عنه واستكبروا عم امتثاله............، وأمر ربهم بما أمروا ~~به على لسان صالح عليه السلام من قوله: فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء..............ربهم وهود منه، ويجوز أن يكون المعنى وصدر عتوهم عن امر ~~ربهم بتركعها كان هو السبب في عتوهم، يقال: عتا يعتوا عتوا إذا استكبروا ~~منه، يقال: جبار عات. # قال مجاهد: العتو الغلو في الباطل {وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا} من ~~العذاب {إن كنت من المرسلين} واستعجالهم له لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما ~~هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين؛ لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبر عنه ~~من الوعد والوعيد، ثم قال تعالى: {فأخذتهم الرجفة} الصيحة التي تزلزلت لها ~~الأرص، واضطربوا لها، صاح بهم جبريل عليه السلام . # قال الفراء والزجاج: هي الزلزلة الشديدة، قال تعالى: {يوم ترجف الأرض ~~والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا} ثم قال: {فأصبحوا في دارهم جاثمين} يعني ~~في بلدهم، وجمع في آية أخرى فقال: في ديارهم؛ لأنه أراد بالدار ما لكل ms2231 واحد ~~من منزله الخاص به، وقوله: جاثمين. # قال أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل، فجثوم الطير هو ~~وقوعه لاطيا بالأرص في حال سكونه بالليل، والمعنى أنهم أصبحوا هامدين موتى ~~لا يتحركون، كناية عن سقوطهم على وجوههم، وقيل: صاروا كالرماد الجاثم؛ لأن ~~الصيحة أحرقتهم، وقوله تعالى: {فتولى عنهم} فيه قولان: PageV20P112 # الأول: أنه تولى عنهم بعدماتوا، والدليل عليه أنه تعالى قال: فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين، ثم قال فتولى عنهم، الفاء يدل على التعقيب، فدل أنه حصل هذا ~~التولي بعد جصومهم، والثاني أنه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم، فذهب ~~عنهم منكرا لإصرارهم حين رأوا العلامات قبل نزول العذاب، بدليل أنه خاطب ~~القوم وقال: يا قوك قد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين، وذلك يدل على كونهم أحياء، والظاهر هو الأول، وأنه كان مشاهدا ~~لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم بعدما أبصرهم جاثمين تولى مغتم متحسر على ما ~~فاتهم من إيمانهم يتحزن لهم ويقول ما حكى الله عنه {وقال ياقوم لقد أبلغتكم ~~رسالة ربي ونصحت لكم} لقد بذلت فيكم وسعي، ولم آل جهدا في إبلاغكم والنصيحة ~~لكم {ولكن لا تحبون الناصحين} لكم، قال هذا تبكيتا لهم، فإن قيل: كيف صح ~~خطاب المتوى، وقوله: لا تحبون الناصحين؟ قلنا: كما أن نبينا صلى الله عليه ~~وآله وسلم خاطب قتلى بدر، فقيل: تكلم م ع هؤلاء الجيف، فقال: ((ما أنتم ~~بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب)) وكما يقول الرجل لصاحبه وهو ~~وكان قد نصحه فلم يسمع منه حتى ألقى نفسه في التهلكة: يا أخي قد نصحتك، وكم ~~قلت لك[585] فلم يقبل مني. # وأما قوله: ولكن لا تحبون الناصخين فحكاية حال ماضية، ثم حكى تعالى القصة ~~الرابعة من قصص الأنبياء وهي قصة لوط عليه السلام فقال: {ولوطا إذ قال ~~لقومه} أي أرسلنا لوطا، وإذ طرف لأرسلنا، أو واذكر لوطا، وإذ بدل منه بمعنى ~~واذكر وقت قال لقومه: {أتأتون الفاحشة} أي تفعلون الشيئة الشنعاء المتمادية ~~في القبح وهي إتيان الرجال في أدبارهم ms2232 {ما سبقكم بها من أحد من العالمين} ~~من الأولى زائدة لتأكيد النفي، وأفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض. PageV20P113 # قال في الكشاف: وهذه جملة مستأنفة أنكر عليهمأولا بقوله: أتأتون الفاحشة، ~~ثم وبخهم عليها، فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنه جواب لسؤال مقدر ~~كأنهم قالوا: لم لا نأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحد فلا تفعلوا ما لم ~~تسبقوا به..........، وقوله: {إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} بيان ~~لقوله أتأتون الفاحشة والهمزة في أتأتون للإنكار والتعظيم، وقرأ نافع وحفص ~~على الإخبار المستأنف لقوله أتأتون الرجال من أتا المرأة إذا غشيها شهوة ~~مفعول له، أي للاشتهاء، لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من غير داع آخر، ~~ولا ذم أعظم منه؛ لأنه وثف لهم بالتهمة للشهوة غير ملتفتين إلى السماحة، ثم ~~قال تعالى حاكيا عن لوط أنه قال لهم: {بل أنتم قوم مسرفون} والمعنى كأنه ~~قال لهم: أنتم مسرفون في كل الأعمال، أي زائدون في قبح العصيان حتى جاوزوا ~~المعتاد ونحوه، بل أنتم قوم عادون، ثم قال تعالى: {وما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا} أي قال بعضهم لبعض: {أخرجوهم} لوط وأهله {من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون} يعني ما أجابوه بما كان جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من ~~إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله، ~~ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه وبصحته من الأمر بإخراجه ومن معه من ~~المؤمنين من قريتهم.............بهم، وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، ~~وقوله: إنهم أناس يتطهرون سخرية بهم ويتطرههم من الفواحش وافتخارهم بما ~~كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم ~~أبعد واعتى هذا المتعسف، وأريحونا من هذه المتزهد، قوله تعالى: {فأنجيناه ~~وأهله} من يختص به من دونه أو من المؤمنين، وقيل: كانوا ثلاثة عشر، وقيل: ~~ثلاثة لوطا وابنتيه واسمهما رعوزا وريا {إلا امرأته} أي زوجته {كانت من PageV20P114 الغابرين} يقال: غبر الشيء يعبر عبورا إذا مكث وبفي، بمعنى الآية في ذلك ~~الموضع الذي هو موضع ms2233 العذاب والتذكير لتغليب الذكور، واسمها واهلة، وكانت ~~كافرة موالية لأهل سدوم، وهي قريتهم، وقيل: كانت المؤتفكات خمس مدائن، ~~وقيل: كانوا أربعة آلاف من الشام والمدينة، ثم قال: {وأمطرنا عليهم مطرا} ~~يقال: مطرت السماء مطرا وأمطرت، والأول أفصح، فأمطرهم مطرا أو عذابا، ~~والمراد أنه عز وجل أمطر عليهم حجارة من السماء بدليل أنه تعالى قال في آية ~~أخرى: وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، وقيل[586]: أمطر الله عليهم الكبريت ~~والنار، وقيل: خسف بالمقيمين، وأمطرت الحجارة على مسافريهم، وقيل: أمطر ~~الله عليهم، ثم خسف بهم، وروي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف له الحجر ~~أربعين يوما حتى قضى تجارته وحزم من الحرم فوقع عليه، والمعنى وأمطرنا ~~عليهم مطرا، وأرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، يعني الحجارة، ألا تر إلى ~~قوله فساء مطر المنذرين، ثم إنه تعالى قال: {فانظر كيف كان عاقبة المجرمين} ~~والظاهر أنه المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم، ومن ~~المجرمين الذين يعملون عمل قوم لوط؛ لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف إليه ~~فصار تقدير الآية فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل ~~المخصوص، وإذا ظهرت العلة وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة، ثم ~~أخبر تعالى عن القصة الخامسة وهي قصة شعيب عليه السلام فقال: {وإلى مدين ~~أخاهم شعيبا} وقد مر أن التقدير وأرسلنا إلى مدين أخاهم، وأن هذه الأخوة ~~كانت في النسب لا في الدين، واختلفوا في مدين، فقيل: اسم البلد، وقيل: اسم ~~القبيلة بسبب أنهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله عليه السلام ، وكان ~~يقال لشعيب: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته وهو شعيب بن...........بن مدين بن ~~إبراهيم، أرسله الله مرتين، مرة إلى أصحاب الأيكة ومرة إلى PageV20P115 مدين، وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين، ولم يبين القرآن معجزته قيل من ~~معجزاته محاربة عصا موسى للتنين وهو حية عظيمة حين دفع إليه غنمه فحاربت ~~عنهن وموسى نائم حتى قتلته، قيل: ولا يقال المعجزة لموسى؛ لأنه ما كان قد ~~بعث، والصحيح أن هذه ms2234 لا تكفي في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل ~~لابد أن يدعيها ويقع كما قال: أو تكون معرفة بالنبوة. # واعلم أنه تعالى حكى عن شعيب أنه امر قومه في هذه الاية بأشياء: # الأول: قوله {قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} فأمرهم بعبادة ~~الله ونهاهم عن عبادة غير الله، وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء ~~عليهم السلام . # والاثني: ادعا النبوة من معجزة فهذه الاية دلت على أنه حصلت له معجزة ~~دالة على صدقه، والمعنى قد جاءتكم معجز ة من ربكم شاهدة بصحة نبوتي أوجبت ~~عليكم الإيمان بي، والأخذ بما أمركم به، والانتهاء عما أنهاكم عنه، فاوفوا ~~ولا تبخسوا. # والثالث: أنه قال: {فأوفوا الكيل والميزان} واعلم أن عادة الأنبياء عليهم ~~السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من أنواع المفاسد إقبالا أكثر من ~~إقبالهم على سائر المفاسد بدأوا يتبعونهم على ذلك النوع، وكان قوم شعيب ~~مسعوفين بالبخس والتطفيف، فلهذا السبب بدأ بذكر هذه الواقعة، فقال: اوفوا ~~الكيل والميزان، فإن قيل: كيق قيل: الكيل والميزان، وهلا قيل: المكيال ~~والميزان كما في سورة هود. # قال في الكشاف: أريد بالكيل آلة الكيل، وهو المكيال أو سمي ما يكال به ~~بالكيل كما قيل: العيش لما يعاش به، أو أريد فاوفوا الكيل ووزن الميزان، ~~ويجوز أن يكون الميزان كالمتعاد والميلاد يعني المصدر. PageV20P116 # والرابع[587]: قوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم أموالهم ~~وحقوقهم، والمراد منه أنه لما منع قومه من البخس والكيل والوزن منهم بعد ~~ذلك من البخس، ويدخل فيه المنع من الغضب والسرقة وأخذ الرشوة، وقطع الطريق ~~وانتزاح الأموال بطيق الحيل. # والخامس: قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} وذلك أنه لما كان أخذ ~~أموال الناس بغير رضاهم يوجب المنازعة والخضصومة وهما يوجبان الفساد لا جرم ~~قال بعده: ولا تفسدوا في الأرض، وذكروا فيه وجوها: فقيل: لا تفسدوا في ~~الأرض بأن تقدموا على البخس في الكيل والوزن؛ لأن ذلك يتبعه الفساد، وقيل: ~~أراد المنع عن كل ما كان فسادا حملا ms2235 للفظ على عمومه، وقيل: قوله: لا تبخسوا ~~الناس أشياءهم منع من فساد الدنيا، وقوله: ولا تفسدوا في الأرص منع من فساد ~~والدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين، واختلفوا في ~~معنى بعد إصلاحها، قيل: بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وتابعيهم، ~~والعاملين بشرائعهم، وإضافته كإضافة قوله: بل مكر الليل والنهار، يعني بل ~~مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف، ذكره في ~~الكشاف، والأولى أن يقال: بل جعل الصلاح والفساد في الأرض استعارة أبلغ ~~وأفصح، كما استعارت ليلى الأخيلية لها المرض والشفا في قولها: # إذا هبط الحجاج أرض مريضة # ....أقصى دائها فشفاها # وكما استعير لها الموت والحياة في قوله تعالى: {كيف ييحى الأرض بعد ~~موتها} والله أعلم. PageV20P117 # ثم إنه عليه السلام لما ذكر هذه الخمسة قال: {ذلكم خير لكم} وهو إشارة إلى ~~هذه الخمسة، والمعنى أن ذلكم المذكور من الوفا بالكيل والوزن وترك البخس ~~والافساد خير لكم عند الله وعند الناس، وأقرب إلى ما تطلبون من الربح؛ لأن ~~الناس أرغب إلى متاجرتكم إذا علموا منكم الوفا والصدق والأمانة، وإذا رغبوا ~~في المعاملات معكم كثرت أموالكم {إن كنتم مؤمنين} أي إن كنتم مصدقين لي في ~~قولي، ذلكم خير لكم. # واعلم أن شعيبا عليه السلام ضم إلى بما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة ~~أشاء فالأول: أنه......من أن يقعدوا على طريق الدين، ومنهاج الحق لأجل أن ~~يمنعوا الناس عن قبوله، فقال: {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون} وفيه قولان: # الأول: أن يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس. # روي أنهم كانوا يجلسون على الكرقات ويخوفون من آمن بشعيب، ويؤذون من قصده ~~للإيمان به، أي لا يقعدون على كل طريق يظلمون ويصدون الناس عن الحق ويمنعون ~~ويوعدونهم بالهلاك، وأنتم ظالمون كذا في البرهان وغيره من كتب أئمتنا عليهم ~~السلام . # والثاني: أن يحمل الصراط على منهاج الدين. # قال في الكشاف: والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: {وتصدون ~~عن سبيل الله من آمن به} كانوا إذا راوا من ms2236 يشرع في طريق الدين أوعدوه ~~وصدوه أي منعوه كما كانت تفعل قريش، تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه. PageV20P118 # وأما قوله: توعدون فمحله محل عطف عليه النصب على الحال، والتقدير ولا ~~تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله {وتبغونها عوجا} أي ولا أن تطلبوا ~~لسبيل الله عوجا، أي تصفون للناس أنها معوجة بإلقاء الشكوك والشبهات ~~لتصدوهم[588] عن سلوكها، أو يكون تهكما بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال؛ ~~لأن طريق الحق لا يعوج، والمراد من الآية أن شعيبا منع القوم من أن يمنعوا ~~الناس من قبول الدين بأخذ هذه الطرائق الثلاث، وإذا تأملت علمت أن أحدا لا ~~يمكنه منع غيره من قبول مذهب أو مقالة إلا بأخذ هذه الطرق الثلاث، ثم قال: ~~{إذ كنتم قليلا فكثركم} إذ مفعول به غير ظرف، أي واذكروا على جهة الشكر وقت ~~كونكم قليلا فكثركم الله، والمقصود منه إذ تذكروا كثرة إنعام الله عليهم ~~بالظاهر إن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية. PageV20P119 # قال الزجاج: وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم بعد القلى، وكثركم ~~بالغنا بعد الفقر، وكثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا ~~فقراء وضعفاء فهم بمنزلة القليل في أنه لا يحصل من وجودهم قوة وشوكة، فأما ~~تكثير عددهم بعد القلة فهما مدين بن إبراهيم تزوج رثا بنت لوط فرمى الله في ~~نسلها بالبركة والنما، فولدت حتى كثر عددهم، ثم قال بعده: {وانظروا كيف كان ~~عاقبة المفسدين} والمعنى تذكروا عاقبة المفسدين، وما لحقهم من الخزي النكال ~~كقوم نوح وهود وصالح ولوط، كانو قريبي عهد مما أصاب المؤتفكة، ليصير ذلك ~~زاجرا لهم عن العصيان والفساد، وقوله: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي ~~أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا} تهديد للك، قال: {حتى يحكم الله بيننا} ~~بين الفريقين، فينصر المحق على المبطلين، وهذا وعيد للكافرين بالانتقام، ~~وموعظة للمؤمنين، وحث على الصبر على ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن ~~يحكم الله بالانتقام لهم منهم، ثم قال: {وهو خير الحاكمين} يعني أه حاكم ms2237 ~~منزه عن الجور والميل والحيف، فلابد وأن يخص المؤمن المتقي بالدرجات ~~العالية، والكافر الشقي المتمرد الغوي بأنواع العقوبات. PageV20P120 # واعلم أن شعيبا عليه السلام لما قرر تلك الكلمات {قال الملا الذين استكبروا ~~من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} القرية المدينة {أو ~~لتعودن في ملتنا} أي لتصيرن مثلنا في الكفر، وليس المراد أنهم يرجعون إلى ~~ما كانوا عليه، إذ الأنبياء عليهم السلام لا يجوز علهيم الكفر قبل البعثة ~~ولا يعدها، أو يكون المراد أصحاب شعيب الذين آمنوا، وإنما دخل شعيب عليه ~~السلام نفسه معهم تعليلا، والمعنى قال الذين استكيروا وأنفوا من تصديقه، ~~وقبول قوله لابد من أحد أمرين: إما أن نخرجك وتخرج أتباعك من هذه القرية، ~~وإما أن تعود إلى ملتنا، ويحتمل أن رؤساؤهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على ~~العوام، أو أن شعيبا في أول أمره كان يخفي دينه ومذهبه، فتوهموا أنه كان ~~على دين قومه، ثم أخبر تعالى أن القوم لما قالوا ذلك {قال} شعيب جوابا عن ~~كرمهم {أولو كنا كارهين} الهمزة للإنكار والواو واو الحال تقديره أتعيدوننا ~~في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين. # وأما قوله: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم} قال في الكشاف: ~~هو اخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: # أحدهما: أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا: ما كذبنا ~~على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام؛ لأن المرتد أبلغ في الافتراء من ~~الكافر؛ لأن الكافر مفتر على الله الكذب، حيث يزعم أن لله يدا، ولابد له ~~والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم انه قد بين له ما خفي عليه من ~~التمييز[589] بين الحق والباطل. PageV20P121 # والثاني: أن يكون قسما على تقدير حذف اللام، بمعنى والله لقد افترينا على ~~الله كذبا، والأصل في النبوة والرسالة صدق اللهجة، والبراءة عن الكذب، ~~فالعود في ملتكم يبطل النبوة ويزيل الرسالة، ثم أخبر أن الله نجا قومه من ~~تلك الملة فقال: {إذ نجانا الله منها} بما منحنا من الهدى، إلا أنه ms2238 لما نظم ~~نفسه في جملتهم، وغن كان بريا عنها أجرى الكلام على الأعم الأغلب، أو أن ~~القوم أوهموا أن كان على ملتهم، أو اعتقدوا أنه كان كذلك، فقوله إذ نجانا ~~الله على حسب معتقدكم وزعمكم. # قال في البرهان: فإن قيل العود في الشيء الرجوع إليه بعد الخروج منه، فهل ~~كان شعيب على ملة قومه من الكفر حتى يقول: إن عدنا في ملتكم، فالجواب أن ~~يطلق اسم العود على المبتدي بالفعل وإن لم يسبق منه فعل مثله من قوله: قد ~~عاد على مكروه وإن لم يسبقه بمثله، قال الشاعر: # لئن كانت الأيام أحسن مرة # إلي لقد عادت لهن ذنوب # ومعنى قوله: {وما يكون لنا} أي ما ينبغي ولا يصح ولا يتهيأ لنا {أن نعود ~~فيها إلا أن يشاء الله ربنا} فإن قيل: إن الله عز وجل لا يشاء عبادة ~~الأوثان فما وجه هذا القول من شعيب؟ فالجواب: إن هذا القول من شعيب على وجه ~~التبعيد والامتناع، حسما لطمعهم، كقوله: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} ~~وكقولهم: حتى يشيب الغراب، إذ مشيئة الله لردتهم محال، دل على هذا قوله: ~~{وسع ربنا كل شيء علما} أي أحاط بكل شيء، ولم يضيق علمه، ولكنه ينزه عن ~~الجهل والعمى، فهو يعلم أقوال عباده كيق تتحول، وقلوبهم كيف تتقلب، فيقسوا ~~بعد الرقة، ويرجع إلى الكفر بعد الإيمان. # واعلم أنه عليه السلام ختم كلامه بأمرين: # الأول: بالتوكل على الله تعالى فقال: {على الله توكلنا} في أن يثبتنا على ~~الإيمان وهذا يفيد الحصر أي عليه توكلنا لا غيره، وكانه في هذا الكلام عدل ~~عن الأسباب وأومى إلى مسبب الأسباب. PageV20P122 # والثاني: بالدعاء فقال: {ربنا افتح بيننا} أي احكم من الفاتح ة وهي ~~الحكومة، أو اظهر أمرنا حتى تفتح {وبين قومنا بالحق}. # قال ابن عباس وقتادة والسدي: معن افتح احكم واقض. # قال الفراء: أهل عمان يسمون الحاكم الفاتح والفتاح؛ لنه يفتح مواضع الحق. # وعن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما قوله ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق حتى ms2239 سمعت امرأة تقول لزوجها: تعال أفاتحك. # قال الزجاج: وجائز أن يكون قوله افتح بيننا وبين قومنا بالحق أي اظهر ~~امرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين يومنا، وينكشف ويتضح أنهم على الباطل، ~~والمراد أنه ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين، وعلى كون شعيب وقومه ~~محقين، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ثم قال: {وأنت خير ~~الفاتحين} الحاكمين والفاصلين، والمراد به الثناء على الله تعالى، فغن قيل: ~~ما معنى قوله: بالحق ومعلوم أن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق؟ # قال في البرهان: فالجواب انه سأل أن يكشف المخالفة من قومه أنه على حق. PageV20P123 # واعلم أنه تعالى بين عظيم ضلالتهم بتكذيب شعيب، ثم أخبر أنهم لم يقتصروا ~~على ذلك حتى أضلوا غيرهم ولا موهم على متباعته، فقال سبحانه حاكيا: {وقال ~~الملا الذين كفروا من قومه} أي قال[590] أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن ~~الإيمان {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون}لاستبدالكم الضلالة بالهدى ~~بزعمهم، أو خاسرون لفوائد البخس والتطفيف؛ لأنه ينهاكم عنها، ويحملكم على ~~الإبفاء بالسوية، وعند هذا المقال كما حالهم في الضلال أولا والإضلال ~~ثانيا، فاستيحقوا البلاء فلهذا قال: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين} الرجفة صيحة جبريل عليه السلام ، وقيل: فتح عليهم باب من جهنم، ثم ~~نشأت سحابة كالظلمة فيها ريح فاجتمعوا تحتها الرجال والنساء والصبيان ~~فالتهبت نارا فرجفت بهم، وصاروا رمادا وهو عذاب يوم الظلة، ومعنى جاثمين أي ~~جامدين ساكنين بلا حياة، وقد مر تفسير هذه الألفاظ. # وأما جواب القسم الذي وطأته اللام في لأن اتبعتم، وجواب الشرط فهو قوله ~~إنكم إذا لخاسرون ساد مسد الجوابين، ثم قال تعالى: {الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها} في دارهم، أي أهلكوا كأن لم يقيموا فيها ولا يعيشوا، قال ~~الشاعر: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل ملك ثابت الأوتاد PageV20P124 شبه الله سبحانه حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الدار، ~~وقوله: والذين كذبوا شيعيبا مبتدأ خبره كأن لم يغنوا فيها، وكذلك قوله: ~~{الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ms2240 الخاسرين} وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، ~~كأنه قيل: الذين كذبوا شعيبا المخصوصون بأن أهلكاو واستؤصلوا، كأن لم ~~يقيموا في دارهم؛ لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، الذين كذبوا ~~شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه، فإنهم الرابحون، وفي هذا ~~الاستئناف والابتداء وهذا التكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم ~~وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم، واستعظام لما جرى عليهم، ثم قال ~~تعالى: {فتولى عنهم} أي أعرض وذهب، وقيل: خرج من بينهم ~~{وقال}...........عنهم {لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} واختلفوا في أنه ~~تولى بعد نزول العذاب بهم أو قبل ذلك، وقد مر ذكر هذه المسألة، ولما اشتد ~~حزنه عليهم أنكر على نفسه فقال: {فكيف آسى على قوم كافرين} الأسى شدة ~~الحزن، قال العحاح: # واجلت عيناه من فرط الأسى # وفي الآية قولان: # الأول: أنه اشتد حزنه على قومه؛ لأنهم كانوا كثيرين، وكان يتوقع منهم ~~الإجابة للإيمان، فلما نزل بهم ذلك الهلاك العظيم حصل في قلبه من جهة ~~الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة، ثم عزا نفسه وقال كيف أسى على قوم ~~كافرين؛ لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر. # والثاني: أن المراد لقد أعددت لكم في الإبلاغ والنصيحة، والتحذير مما حل ~~بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصيحتي، فكيف أسى عليكم، فمعنى أنهم ~~ليسوا مستحقين بان يأسى الإنسان عليهم لكفرهم. PageV20P125 # واعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء واحوال ما جرى على أممهم ~~كان من الجائز أن يظن أنه تعالى ما أنزل عذاب الاستئصال إلا في زمن هؤلاء ~~الأنبياء فقط، فأخبر عز وجل بعد هذه الآية أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله ~~بغيرهم، وبين العلى التي بها فعل ذلك فقال: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء} الفقر {والضراء} المرض {لعلهم يضرعون}[591] أي ~~يتذللون فينقادون لأمر الله، وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع للأقوام، وقوله ~~من نبي فيه حذف وإضمار، والتقدير من نبي مكذب أو يكذبه أهلها. # قال الزجاج: الباساء كل ما ينالهم من الشدة في أحوالهم، والضراء ms2241 ما نالهم ~~من الأمراض، وقيل على العكس، ثم بين تعالى أنه يفعل ذلك لكي يتضرعوا، ~~والتضرع الخضوع والانقياد لله تعالى، ولما علمت أن قوله لعلهم لا يمكن حمله ~~على الشك في حق الله تعالى وجب حمله على أن المراد منه تعالى فعل هذا الفعل ~~لكي يتضرعوا، ثم أخبر عز وجل أن تدميره من أهل القرى لا يجري على نمط واحد، ~~وإنما يدمرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب، فقال: {ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة} يريد أنا بدلناهم السلامة بعد النقمة، أي أعطيناهم بدا ما كانوا ~~فيه من البلاء والمحنة الرجاء والسعة كقوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} ~~لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد الباساء والضراء تدعوا إلى الإنقياد ~~والاشتغال بالشكر. # وقال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة كلما استحسنه الطبع ~~والعقل، والمعنى أنه تعالى أخبر أنه أخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخا ~~تارة، ومعنى قوله: {حتى عفوا} أي أكثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من ~~قولهم: عفا النبات وعفا الشجر والوبر إذا كثرت، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((واعفوا اللحى)) ومنه قول .....بن أبي حازم: # فلما أن عفى وأصاب مالا PageV20P126 تشمس معرضا فيه ازورار # واعفوا اللحى بضم اللام لغة الع جم، والكسر أفسح {وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء} قالوا هذه المقالة لما..........أي هذه عادة الدهر تعاقب ~~النياس بين السراء والضراء، وقد مس آباءنا ذلك وما هو بابتلاء من الله ~~لعباده، والمراد أنهم متى نالهم شدة قالوا: ليس هذا سبب ما نحن عليه من ~~الدين والعمل، وتلك حالات الدهر، ولم يكن ما مسنا من الباساء والضراء عقوبة ~~من الله تعالى، وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم الله تعالى ~~من رخاء بعد شدة، وأمن بعد خوف، بل عدلوا إلى أن هذه عادة الزمان وأهله، ~~فمره تحصل فيه الشدة ومرة يحصل فيه الرخساء والراحة، فبين أنه تعالى أزال ~~عذرهم وأزاح عللهم، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن ياخذهم ~~بالعذاب، وذلك قوله: {فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} ms2242 بنزول العذاب، يعني ~~أخذناهم أشد الأخذ وأفضعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور ليكون ذلك أعظم في ~~الحسرة والحكمة في حكاية هذا المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة ~~وغيرها. PageV20P127 # واعلم أنه تعالى لما أخبر في هذه الآية أن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله ~~بغتة أخبر بعد هذه الآية أنهم لو أطاعوا فتح الله عليهم أبواب الخيرات ~~فقال: {ولو أن أهل القرى آمنوا} بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~{واتقوا} ما نهى الله عنه وحرمه {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي ~~لأتيناهم بالخير من كل وجه، أو المراد من بركات السماء المطر، وبركات الأرض ~~بالنبات والثمار[592] وكثرة المواشي، وحصول الأمن والسلامة، ومعنى فتح ~~البركات عليهم تيسيرها عليهم كما يسر أمر الأبواب المغلقة بفتحها، ومنه ~~قولهم فتحت على القاري إذا تصدرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين، ثم ~~قال: {ولكن كذبوا} الرسل {فأخذناهم} بالعقوبة {بما كانوا يكسبون} من الكفر ~~والمعصية، ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال: {أفأمن أهل ~~القرى أن يأتيهم بأسنا} أفأمن عطف على فأخذناهم بعتة، والهمزة للإنكار، وما ~~بينهما اعتراض، أي أبعد ذلك أمن أهل القرى أخذنا وهلاكنا، وقوله: {بياتا ~~وهم نائمون} بمعنى التيبوتة، وبمعنى التبييت، بيت العدو بياتا كأنه قيل: أن ~~ياتيهم بأسنا وقت بيات أو بائتين {أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى} أي ~~وقت الضحى، وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا ارتفعت، ومعنى {وهم يلعبون} أي ~~مشتغلون بما لا يفيد؛ لأن من اشتغل بدنياه عن آخرته فهو كاللاعب، والمفقصود ~~انه تعالى خوفهم بنزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون في غاية الغفلة، ~~وهو حال النوم وحال الضحى بالنهار؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل ~~باللذات، وذلك وقت دعة وغفلة، والعذاب فيه أفضع وأشد. # قال في الكشاف: فإن قلت: ما المعطوف عليه؟ ولم عطفت الأولى بالفاء ~~والثانية بالواو؟ PageV20P128 # قال: المعطوف عليه قوله فأخذناهم بغتة، وقوله: ولو أن أهل القرى إلى يكسبون ~~وقع اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطفت بالفاء لأن المعنى ms2243 ~~فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحا. # فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله: {أفأمنوا مكر الله}؟ # قال فيه: هو تقرير لقوله أفأمن أهل القرى، ومكر الله استعارة لأخذ العبد ~~من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله ~~كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. # وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك ~~تنام؟ قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات، أراد قوله: أن يأتيهم بأسنا ~~بياتا، ومكر الله المراد منه أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون، قاله على ~~وجه التحذير، وسمي مكرا توسعا؛ لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه فإنه ~~يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به فسمي مكرا لنزوله من حيث لا يشعرون {فلا ~~يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} فأخبر أنه لا يأمن نزول عذاب الله على ~~هذا الوجه إلا القوم الخاسرون كل الخسران في الدنيا والآخرة؛ لأنه أوقع ~~نفسه في أشد العذاب. # واعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم ~~الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من هذه القصص حصول ~~العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم فقال: {أولم يهد للذين ~~يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} اختلف القراء، فقرأ ~~بعضهم أو لم يهد بالياء المعجمة من تحتها، وبعضهم بالنون. PageV20P129 # قال الزجاج: إذا قرأ بالياء المعجمة من تحت كان قوله أن لو نشاء مرفوعا ~~بأنه فاعله، بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم ~~وديارهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم، ~~وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثني، وإذا قرأ بالنون فهو منصوب كأنه ~~قيل: أو لم يهد للوارثين هذا الشأن بمعنى أو لم نعلمهم[593] ونبين لهم أن ~~لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقاب ذنوبهم كما أصلنا من قبلهم، وإنما عدى ~~فهل الهداية باللام؛ لنه بمعنى ms2244 التبيين، وقوله: {ونطبع على قلوبهم} مستأنف ~~خارج عن المشيئة؛ لأن أصبنا ماض ونطبع مستقبل، وهذا العطف ليس بمستحسن بل ~~هو منقطع عما قبله، والتقدير ونحن نطبع على قلوبهم إن لم نهلكهم {فهم لا ~~يسمعون} الموعظة، مثلت قلوبهم بحال قلوب مقدر عليها طبع، فلا تنتفع بما ~~تسمع كأنها مخلوقة على ذلك، أو يكون معطوفا على ما دل عليه معنى أو لم يهد، ~~كانه قيل يهقلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم، ثم قال تعالى: {تلك القرى ~~نقص عليك من أنبائها} نقص عليك بعض أخبارها، ولها أخبار غير هذه لم نقصها ~~عليك، قوله تلك مبتدأ، والقرى صفته، ونقص عليك خبر، والمراد تلك القرى قرأ ~~الأقوام الخمسة الذين وصفهم الله فيما سبق هم قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وشعيب نقص عليك من أخبارها كيف هلكت، وأما أخبار هؤلاء الأقوام فلم نقصها، ~~وإنما قص الله تعالى نبأ هذه القرى لأنهم اعتروا بطول الإمهال مع كثرة ~~النعم، فتوهموا أنهم على الحق، فذكرها لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ليعتبروا بها، ويحترزوا عن مثل تلك الأعمال، ثم عزاه الله بقوله: {ولقد ~~جاءتهم رسلهم بالبينات} يريد الأنبياء الذين PageV20P130 أرسلوا إليهم {فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيء الرسل بالبينات {بما كذبوا من ~~قبل} من آيات الله من قبل مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين مع تكرار الآيات ~~والمواعظ، ومعنى اللام لتأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافيا لحالهم من ~~التصميم. # وفي البرهان: معناه فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم ~~إلى دار التكليف ما كانوا ليؤمنوت بما كذبوا به من قبل إهلاكهم، كقوله: ~~{ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} ومعنى قوله: {كذلك} أي مثل ذلك الطبع ~~الشديد {يطبع الله على قلوب الكافرين} أي نخذلهم ونمنعهم إلطافه، ثم قال ~~تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} الضمير للناس على الإطلاق، أي وما وجدنا ~~لأكثر الناس من وفاء بعهد، والعهد ما جعله الله سبحانه وتعالى في عقولهم من ~~وجوب شكر النعمة، وأن الله تعالى هو المنعم، وما نصب لهم من الأدلة على ms2245 ~~توحيده ووجوب الإيمان به، وسماه عهدا للمبالغة، كأنه أمر خالفهم على الوفا ~~به؛ لأن العهد الحلف، ثم قال: {وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} دليل على أن ~~العصاة أكثر من المطيعين، أي وأن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين ~~عن الطاعة مارقين عن الدين. PageV20P131 # قال في الكشاف: والآية اعتراض ويجوز أم يرجع الضمير إلى أمم المذكورين، ~~وأنهم كانوا إذا عاهدوا في ضر ومخافة لئن أنجيتنا من هذه لنؤمنن، ثم لما ~~نجاهم نكثوا، كما قال قوم فرعون موسى عليه السلام: {لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك} إلى قوله: {إذا هم ينكثون} والوجود بمعنى العلم، من قولك وجددت ~~زيد إذا لحفاظ، بدليل دخول إن المخففة واللام الفارقة، ولا يسوغ ذلك إلا في ~~المبتدأ أو الخبر والأفعال الدالة عليهما، ثم حكى تعالى القصة السادسة من ~~القصص الذي ذكرها الله تعالى في هذه السورة فقال: {ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنا إلى فرعون وملئه} وذكر في هذه[594] القصة من الشرح والتفصيل ما لم ~~يذكر في سائر القصص لأجل أن المعجزات لموسى عليه السلام كانت أقوى من ~~معجزات سائر الأنبياء عليهم السلام ، وجعل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر ~~الأقوام. # واعلم أن الكناية في قوله من بعدهم يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ~~ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم إهلاكهم، ودل قوله بآياتنا أنه ~~تعالى أتاه آيات بينات كثيرة، ومعجزات كبيرة. # قال ابن عباس: أول آياته العصا، ثم اليد، ضرب بالعصا باب فرعون ففزع منه ~~فشاب رأسه فاستحى فخضب بالسواد فهو أول من خضب، قال: وآخر الآيات الطمس. # قال: وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: {قال هي عصاي ~~أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} وذكر الله من تلك ~~المآرب قوله: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا}. # وذكر ابن عباس أشاء أخرى منها: أنه كان يحارب بها اللصوص والسباع التي ~~كانت تقصد غنمه، ومنها أنها كانت تشتعل في الليل اشتعال الشمعة، ومنها: ~~انها كانت ms2246 تصير كالحبل الطويل فينزع الماء من البئر العميقة. PageV20P132 # واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة، فأما الأمور التي هي غير ~~مذكورة في القرآن فكل ما ورد في خبر صحيح فهو مقبول وما لا فلا، وقوله: ~~{فظلموا بها} أي كفروا بالآيات التي جاءتهم، أجرى الظلمة مجرى الكفر؛ ~~لأنهما من باب واحد {إن الشرك لظلم عظيم} أو ظلموا الناس بسببها حين ~~أوعدوهم وصدوعهم عنها، وأذوا من آمن بها، ولأنه من وضع الشيء في غير محله ~~قد ظلم، فلما كانت تلك الآيتات قاهرة ظاهرة، ثم إنهم كفروا فوضعوا الإنكار ~~موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان، كان ذلك ظلما منهم على تلك الآيات، ~~ثم قال: {فانظر} أي بعين عقلك {كيف كان عاقبة المفسدين} أي عاقبة أمرهم، ~~كيف فهلنا بهم من إهلاكهم وإغراقهم قوله تعالى: {وقال موسى يافرعون إني ~~رسول من رب العالمين} أي مرسل إليك من مالك الخلق أجمعين، كان يقال لملوك ~~مصر الفراعنة، كما يقال لملوك فارس الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر وكان ~~اسمه فانوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان {حقيق على أن لا أقول على الله ~~إلا الحق} أي واجب على أن لا أقول على الله إلا الصديق، والمعنى أن الرسول ~~لا يقول إلا بالحق فصار نظم الكلام كأنه قال: أنا رسول الله ورسول الله لا ~~يقول إلا الحق، فوجب علي قول الحق أن أكون أنا قائله، والقائم به، ولا يرضى ~~إلا بمثلي ناطقا به، وذلك مبالغة في وصف نفسه بالصدق، وقيل: هو مما يقلب من ~~الكلام لا من الإلباس، كقوله: # وتلحق خيل لا هوادة بينها # ونسقي الرماح بالضياطرة الجمر PageV20P133 ومعناه ونسقي الضياطرة بالرماح، والضباطرة السفلة، وهم الذين يستخدمون ولا ~~يخدمون، ثم ذكر ما يدل على صدقه فقال: {قد جئتكم ببينة من ربكم} أي معجزة ~~تدل على صدقي، ولما قرر رسالة نفسه قرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله: {فأرسل ~~معي بني إسرائيل} أي خلفهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ~~ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف عليه السلام لما ms2247 توفي ونقرضت الأسباط غلب فرعون ~~على نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام ، وكان بين دخول يوسف ~~مصر ودخول موسى أربعمائة سنة، ولما سمع[595] فرعون هذا الكلام {قال إن كنت ~~جئت بآية فأت بها} أي أرنا إياها {إن كنت من الصادقين} في دعواك، والمعنى ~~إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فاتني بها واخضرها عندي لتصح دعواك ويثبت ~~صدقك {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} ظاهر أمره لا شك في أنه ثعبان، وقوله ~~فإذا هي أي العصا وهي مؤنثة، والثعبان الحية...........الذكر في قول جميع ~~أهل اللغة، فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن، ونقل عن المفسرين في صفتها ~~أشياء، فروي أنه كان ثعبانا ذكرا أسعر فارغا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا ~~وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ~~ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وهرب الناس ~~وصاحوا وحمل على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، قتل بعضهم ~~بعضا، ودخل فرعون البيت وصاح فرعون: يا موسى خذه وأنا أؤمن بك، وأرسل معي ~~بني إسرائيل فأخذه موسى فصار عصا، ثم قال: أمعك آية أخرى؟ قال: نعم {ونزع ~~يده فإذا هي بيضاء للناظرين} والنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن ~~مكانه، وقوله نزع يده أي أخرجها عن جنبه أو عن جناحه، بدليل قوله: وادخل ~~يدك في جيبك، وقوله: واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء. PageV20P134 # قال ابن عباس: كان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. # واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين تعالى في غير هذه الآية أنه كان من ~~غير سوء، فإن قيل: بم يتعلق قوله للناظرين. # قال في الكشاف: يتعلق ببيضاء، والمعنى فإذا هي بيضاء للناظرين، ولا تكون ~~بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاص عجيبا، خارجا عن العادة يجتمع ~~الناس للنظر إليه، كما يجتمع النظار للعجائب، وذلك ما يروى أنه أرى فرعون ~~يده وقال: ما هذه؟ قال: يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ms2248 ونزعها فإذا ~~هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عليه السلام أدم ~~شديد الأدمة أي في لونه سمرة أي سواد، فإن قيل: إن المعجز الواحد كان كافيا ~~فما فائدة الجمع بينهما؟ # قلنا: إن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين، وزوال الشك، ولما ذكر الله ~~تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذيت النوعين من المعجزات {قال الملا من ~~قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} بالسحر ماهر فيه، قد أخذ عيون الناس بخدعة من ~~خدعه، حتى خيل إليهم العصا حية، وإنما نسب هذا القول في سورة الشعراؤ إلى ~~فرعون؛ لأنه قاله هو مرة وقالواه هم أخرى، فحكى قوله هناك وقولهم هاهنا، أو ~~قاله باتداء فتلفته منه المأ فقالوه لأعقابهم، أو قالوا عنه للناس على طريق ~~التبليغ كما يفعل الملوك، فإنهم إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة، وهم يذكرونه ~~للعامة، فكذا هاهنا، والله أعلم. PageV20P135 # ثم قالوا: {يريد أن يخرجكم من أرضكم} زعموا أنه إنما أتا بذلك السحر لكونه ~~طالبا للملك والرئاسة {فماذا تأمرون} تشيرون، وهذه مؤامرة أي مشاورة مع ~~القبط، وقولهم: فماذا تأمرون من أمرته وأمرني بكذا، إذا شاورته وأشار عليك ~~برأي، وقيل: فماذا تأمرون من كلام فرعون قاله للملأ لما قالوا له إن هذا ~~لساحر عليهم، يريد أن يخرجكم، كأنه قيل فماذا تأمرون؟ {قالوا أرجه وأخاه} ~~أي أخرهما واصدرهما عنك، والإرجاء التأخير، ومعنى أخره أي أخر أمره[596] ~~ولا تعجل في أمره بحكم فتصير عجلتك حجة عليك، والمقصود أنهم حاولوا معارضة ~~معجزته بسحرهم. # وقال الكلبي وقتادة: معنى ارجه أحبسه. # قال المحققون: هذا القول شعيف لوجهين: # الألو: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس. # والثاني: أن فرعون ما كان قادرا على حبس موسى عليه السلام بعد أن شاهد ~~حال العصا، ومعنى {وأرسل في المدائن حاشرين} يريد أرسل في مدائن صعيد مصر ~~رجالا {يأتوك بكل ساحر عليم} بالسحر مثله. # روي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: قد عملنا سحر لا ~~يطيقه سحرة أهل الأرص إلا أن يكون أمر من ms2249 السماء فإنه لا طاقة لنا به. PageV20P136 # وروي أنهم كانوا ثمانين ألفا، وقيل: سبعين ألفا، وقيل: بضع وثلاثين ألفا، ~~وفي الثعلبي: سبعمائة ألف رئيسهم أعمى، قيل: وهذه الآية تدل على أن السحرة ~~كانوا كثيرين في ذلك الزمان، وهذا يدل على صحة المتكلمون من أنه تعالى يجعل ~~معجزة كل نبي من أحسن ما كان غالبا على أهل ذلك الزمان، فلما كان السحر على ~~زمان موسى كانت معجزته شبيهة بالسحر، وغن كانت مخالفة للسحر حقيقة، ولما ~~كان الطلب غالبا على زمان عيسى كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة ~~غالبة على أهل زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا جرم كانت معجزته من ~~جنس الفصاحة، ثم قال تعالى: {وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا ~~نحن الغالبين} ولسائل أن يقول: هلا قيل وجاء السحرة فرعون فقالوا؟ وجوابه ~~هو على تقدير سائل سأل ما، قالوا ادخلواه فأجيب بقوله قالوا إن لنا لأجرا، ~~أي جعلا على الغلبة، وقرئ إن لنا لأجرا على الخبر والاستفهام وإثبات الأجر ~~العظيم وإيجابه كأنهم قالوا: لابد لنا من أجر والتنكير للتعظيم {قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين} وعدهم بالأجر وبما هو أعظم من الأجر، وهو قرب المنزلة؛ ~~لأن قوله وإنكم لمن المقربين على محذوف سد مسده حرف الإيجاب، كأنه قال ~~إيجابا لقولهم إن لنا لأجرا نعم إن لكم لأجرا وإنكم لمن المقربين، أراد إني ~~لا أقتصر على الثواب وحده، وإن لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب وهو ~~التقريب والتعظيم. # قال المتكلون: وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه إذا كان مقرونا ~~بالتعظيم وهو حصول القربة. PageV20P137 # واعلم أن الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بان فرعون كان عبدا ذليلا ~~مهينا عاجزا، وإلا لما احتاج إلا الاستعاننة بالسحرة في دفع موسى، ويدل ~~أيضا أن السحرة كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب ~~الأجر والمال من فرعون؛ لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان فلم لم يقلبوا ~~التراب ذهبا، ولم لم ينقلوا ملك فرعون ms2250 إلى أنفسهم، ولم لم يجعلوا أنفسهم ~~ملوك العالم ورؤساء الدنيا، والمقصود من هذه الآية تنبيه الإنسان على مثل ~~هذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب، ثم أخبر تعالى ~~أنهم {قالوا ياموسى إما أن تلقي} عصلم {وإما أن نكون نحن الملقين} لحبالنا ~~وعصينا فمفعول الإلقاء محذوف وتخييرهم له أدب حسن كما يفعله أهل الصناعات ~~والمناظرات، حيث قدموا موسى في الذكر، ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في أن ~~يكون ابتداء الإلقاء من جانبهم وهو قولهم: وإما أن نكون نحن الملقين؛ لأنهم ~~ذكروا الضميؤ المتصل، وأكدوا بالضمير المنفصل، وجعلوا[597] الخبر معرفة لا نكرة. # واعلم أن القوم لما زاعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل على رغبتهم في ~~الابتداء بالإلقاء {قال} موسى عليه السلام {ألقوا} فسوغ لهم ما تراغبوا فيه ~~ازدرا لسأنهم وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان يصدده من التأييد السماوي، وأن ~~المعجزة لن يغلبها سحرا أبدا. # فائدة PageV20P138 قال الفراء والكسائي في باب إما وأما إذا كانت أمرا أو ناهيا أو مخبرا فهي ~~مفتوحة، وإذا كانت مشترطا أو شاكا أو مجيزا فهي مكسورة، تقول في المفتوحة: ~~أما الله فاعبدوه، وأما الخمر فلا تشربوه، وأما زيد فقد خرج، وأما الثاني ~~فتقول إذا كنت مشترطا أما تعطي زيد يشكرك، قال تعالى: {فإما تثقفنهم في ~~الحرب فشرد بهم} وتقول ف يالشك: لا أدري من قام، إما زيد وإما عمر، وتقول ~~في التخيير: لي في الكوفة دارا إما أن أسكنها وإما أن أبيعها، والفرق بين ~~إما إذا كانت للشك وبين أو أنك إذا قلت جائني زيد أو عمرو أن تكون قد ثبت ~~كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك فقلت: أو عمرو، فصار الشك فيهما جميعا، ~~فأول الاسمين فيس أو يجوز أن يكون بحيث يحسن السكوت عليه، ثم يعترض الشك ~~فتستدرك الاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول قام أخوك وتسكت، ثم تشك فتقول أو ~~أبوك، وإذا ذكرت إما فإنما بني كلامك من أول الأمر على الشك، فليس يجوز أن ~~تقول ضربت إما عبدالله وتسكت، وأما دخول ms2251 أن في قوله إما أن تلقي وسقوطها من ~~قوله: إما يعذبهم أو يتوب عليهم، فقال الفراء: ادخال إن في إما في هذه ~~الآية لأنها في موضع الأخر بالاختياؤ، وهي في موضع النصب، كقول القائل: ~~اختر ذا أو ذا كانهم قالوا: اختر أفتلقي أو نلقي، وقوله: إما يعذبهم أو ~~يتوب عليهم ليس أمر بالتخيير، ألا ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا، فلذلك لم ~~يكن فيه، ثم قال تعالى: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أي أروها بالخيل ~~والشعوذة ما الحقيقة بخلافه، واحتج القائلون أن السحر محض التمويه بهذه الآية. # قال القاضي: لو كان السحر حقا لكان قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أن ~~المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر الحقيقي ما كان على وفق ما ~~تخيلوه. PageV20P139 # قال الواحدي: قيل المراد سحروا أعين الناس أي قلبوها عن صحة إدراكها بسبب ~~التمويهات، روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا............طوالا فإذا هي أمثال ~~الحبال قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا، قيل: إنهم أتو بالحبال والعصي ~~ولطخوا تلك البحال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل تلك العصي فلما أثر سخين ~~الشمي فيها تحركت والتوى بعضها على بعض، وكانت كثيرة جدا، قيل: كانت وقر ~~ثلاثمائة بعير، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلوا باختيارها وقوتها، وأما ~~قوله: {واسترهبوهم} فالمراد أرهبوهم ارهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم، ~~واتلسين زائدة، والمعنى أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي التي ~~كانت أمثال الحيات فخدعوا أعين الناس بحيلهم، وأفزعوهم بتهديدهم ووعيدهم، ~~وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا، فهذا هو ~~الاسترهاب، قال تعالى في صفة سحرهم: {وجاءوا بسحر عظيم} في باب السحر. # روي أنهم لونوا حبالهم وعصيهم بما يوهم الحركة باختيارها حين جعلوا[598] ~~فيها الزئبق، ثم قال تعالى: {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون} ف يالكلام حذف وإضمار، والتقدير فألقاها فإذا هي تسعى، ما يأفكون ~~ما موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي ما يقلبونه عن الحق إلى الباطل، ~~ومنه المؤتفكات أي المنقلبات؛ لأن الإلك في ms2252 اللغة قلب الشيء على وجهه، ومنه ~~قيل للكذب إفك؛ لأنه مقلوب على وجهه. # قال ابن عباس: ما يأفكون يريد ما يكذبون. # قال المفسرون: لما ألقى موسى العصى صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق، ثم ~~فتحت فاها ثمانين ذراعا، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، والتلقف سرة ~~التناول سرعة ابتلاعه بالفم، قال الشاعر: # أنت عصى موسى التي لم تزل # تلقف ما يأفكه الساحر PageV20P140 روي أنها تلقفت ملأ الواديس من الخشب والحيال، فلما أخذها موسى عليه السلام ~~صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلا، وعدمت تلك الأجرام ~~العظيمة فقال السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، فإن قيل: فلم ~~أمر موسى السحرة أن يلقوا وذلك منهم كفر؟ وكيف يجوز أن يأمر به نبي؟ # قال في البرهان: عن ذلك جوابان: # أحدهما: أمن مضمون أمره إن كنتم محقين فالقوا. # والثاني: القوا عللا ما يصح ويجوز، لا على ما يفسد ويستحيل، ثم قال ~~تعالى: {فوقع الحق} أي حصل وثبت، يعني ظهر أمر موسى وصحت نبوته {وبطل ما ~~كانوا يعملون} من السحر، وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لأن كان ما صنع ~~موسى عليه السلام سحر بقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، فلما فقدت ثبت أن ذلك ~~إنما حصل بخلق الله وتقديره لا لأجل السحر، هذا هو الذي لأجله تميز المعجز ~~عن السحر، فإن قيل: قوله فوقع الحق يدل على قوة هذا الظهور فكان قوله وبطل ~~ما كانوا يعملون تكريرا من غير فائدة، فجوابه أن المراد مع ثبوت الحق زالت ~~الأعيان التي أفكوها وهي الحبال فعند ذلك ظهرت الغلبة، فلهذا قال تعالى: ~~{فغلبوا هنالك} لأن الغلبة أظهر من ذلك {وانقلبوا صاغرين} لأن الإذلال ~~والإصغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته على وجه لا يمكن فيه ~~حيلة ولا شبهة أصلا. # قال الواحدي: لفظ ما في قولك وبطل ما كانوا يعملون يجوز أن يكون بمعنى ~~الذي فيكون المعنى بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر، أي زال وهذب ~~بفقدانها، ويجوز أن ms2253 يكون بمعنى المصدر، كأنه قيل: بطل عملهم، ثم قال تعالى: ~~{وألقي السحرة ساجدين} خروا سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة حرورهم، وقيل: لم ~~يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم القوا. # وعن قتادة: كانوا أول النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة. PageV20P141 # وعن الحسن: تر من نشأ في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا، ~~وهؤلاء الكفار نشلأوا في الكفر بذلوا أنفسهم لله، ولما ذكر تعالى أولا أنهم ~~صاروا ساجدين ذكر بعده أنهم {قالوا آمنا برب العالمين} كلهم، وفرعون منهم، ~~أي من جملة العالمين، وقوله: {رب موسى وهارون} إيضاح لمن آمنوا به لئلا ~~يتوهم أنه فرعون، وخصوهما بالذكر لأنهما رسولاه، وقيل: تشريفا لهما. # وفي الرازي: قال المتكلمون: وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم، ~~وذلك[599] لأن أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقعين على منتهاه، ~~فلما كانوا كذلك وجدوا معجزة موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر، علموا ~~أنه من المعجزات الإلهية لا من جنس التمويهات البشرية، ولو أنهم ما كانوا ~~كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال؛ لأنهم كانوا يقولون لعله ~~أكمل منا في علم السحر فقدر على ما عجزنا عنه، فثبت أنهم لما كانوا كاملين ~~في علم السحر فلأجل كمال علمهم في ذلك انتقلوا من الكفر إلى الإيمان، فإن ~~كان حال علم السحر كذلك فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد، انتهى. # قوله تعالى: {قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم} آمنتم على الإخبار، أي ~~فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخا لهم وتقريعا، وقرئ على الاستفهام، ومعناه ~~الإنكار والاستبعاد. # اعلم أن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالحسر آمنوا بنبوة موسى عليه ~~السلام عند اجتماع الخلق العيظيم خاف من أن يصير ذلك حجة على صحة نبوة موسى ~~عليه السلام ، فألقى في الحال نوعين من الشبهة إلى أسماع العوام لتصير تلك ~~الشبهة مانعة للقوم عن اعتقاد نبوة موسى عليه السلام . PageV20P142 # فالشبهة الأولى: قوله: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة} أي هذه حيلة منكم ~~ومن موسى في مصر فعلتموها ms2254 قبل تخرجون إلى هذه الصحراء، والمعنى أن إيمان ~~هؤلاء بموسى عليه السلام لبي لقوة الدليل؛ بل لأجل أنهم تواطؤا مع موسى أنه ~~إذا كان كذا أو كذا فنحن نؤمن بك ونفر بنبوتك، فهذا الإيمان إنما حصل بهذا ~~الطريق. # والشبهة الثانية: أن غرض موسى عليه السلام والسحرة فيما تواطؤا عليه ~~إخراج القوم من المدينة، وإبطال ملكهم، وهو معنى قوله: {لتخرجوا منها ~~أهلها} القبط، وتسكنوها بني إسرائيل، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة ~~الوطن والنعمة المألوفة من أصعب الأمور، فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين؛ ~~لأنه لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب. # وروي محمد بن جرير في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن ~~موسى وأمير السحرة التقيا، فقال موسى عليه السلام: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن ~~بي وتشهد أن ما جئت به الحق؟ # قال الساحر: لأتين غدا سحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك، ~~وفرعون ألقى هذا الكلام في النبي ليصير صارفا للعوام عن التصديق بنبوة موسى ~~عليه السلام . # قال القاضي: وقوله قبل أن آذن لكم دليل على مناقضة فرعون في ادعا ~~الإلهية؛ لأنه لو كان إلها لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا به مع أن ~~يدعوا إلى ألهية غيره، ثم قال: وذلك من خذلان الله الذي يظهر على المبطلين. PageV20P143 # أما قوله: {فسوف تعلمون} لا شبهة في أنه ابتدأ وعيد، ثم إنه لم يقتصر على ~~هذا الوعيد المجمل بل فسره فقال: {لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لاصلبنكم أجمعين} وقطع اليد والرجل من خلاف معروف، وهو أن يقطعها من جهتين ~~مختلفتين، إما اليد اليمنى والرجل اليسرى أو الرجل اليمنى واليد اليسرى، ~~وأما الصلب فمعروف، فتوعدهم بهذين الأمرين العظيمين، وقيل: أول من قطع من ~~خلاف وصلب فرعون، ثم حكى سبحانه عن القوم عند هذا الوعيد أنهم {قالوا إنا ~~إلى ربنا منقلبون}. # قال في الكشاف: فيه وجه أن يريدوا إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى ~~لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا[600] منك ومن لقائك، أو ننقلب إلى الله، ويوم ms2255 ~~الجزاء فيثيبنا على القطع والصلب، أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب ~~إلى الله فيحكم بيننا، وأنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله، فما تقدر أن ~~تفعل بنا إلا ما لابد منه، ثم أخبروا أنه ما يعتب عليهم إلا الإيمان بدلائل ~~ربهم فقالوا: {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} فبينوا أن ~~الذي كان منهم لا يويجب الوعيد، ولا إنزال النقمة، بل يقتضي خلاف ذلك، وهو ~~أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة ~~والدليل. # قال ابن عباس: المعنى ما أتينا بذنب تعدنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا ~~لما جاءتننا، والمراد ما أتا به موسى عليه السلام من المعجزات الظاهرة، ~~التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، أي ما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب ~~والمفاخر كلها، وهو الإيمان، ومنه قوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب PageV20P144 أما قولهم: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} فمعنى الإفراغ في اللغة ~~الصب، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه، أي هب لنا صبرا واسعا حتى تقبض ~~علينا كما يفرغ الماء أو صب علينا الصبر على ما توعدنا به، ما يطهرنا من ~~درن الذنوب؛ لأن قوله افرغ علينا صبرا أكمل من قوله أنزل علينا صبرا؛ لأنا ~~ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية، ولأنهم طلبوا من الله كل ~~الصبر لا بعضه، وإنما ذكر صبرا بصيغة التنكير ليدل على التمام والكمال، أي ~~صبرا كاملا تاما كقوله تعالى، ولتجدن أحرص الناس على حياة، ومعنى وتوفنا ~~مسلمين أي ثابتين على الدين الحق الذي جاء به موسى. # واعلم أن بععد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى، وما أخذه من جيشه، ~~بل خلا سبيله، قيل إن فرعون كان كلما رأى موسى عليه السلام خافه أشد الخوف، ~~فلهذا السبب لم يتعرض له، إلا أن القوم لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه ~~وحبسه، فقال له قومه ما حكى الله سبحانه عنهم بقوله: ms2256 {وقال الملا من قوم ~~فرعون أتذر موسى وقومه} بني إسرائيل {ليفسدوا في الأرض} أرض مصر تبع السحرة ~~في الإيمان ستمائة ألف نفس وهو الفساد الذب أرادوا، أي يفسدوا على الناس ~~دينهم الذي كانوا عليه، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك. # قال في البرهان: الملأ من قومه رؤساء قومه، وإنما سموا بذلك لأنهم ملئون ~~بما يراد منهم، والثاني تملأ الناس؛ لأن عادة الجبابرة السطوة لمن أظهر ~~العباد وخالف، وكان ذلك من لطف الله تعالى لموسى، وقوله: ليفسدوا فيها أي ~~بعبادة غيرك فجعلوا عبادة الله فسادا عندهم، ويجوز ليفسدوا فيها أي استولوا ~~على الأرض ويغبلوا. PageV20P145 # أما قوله: {ويذرك وآلهتك} فظاهره أنه كان له آلهة يعبدها لتقربه إلى اللخه ~~سبحانه، كما كان يفعل عبدة الأصنام، فإن قيل: فما وجه قولهم ذلك وهم قد ~~صدقوه على قوله أنا ربكم الأعلى؟ # قال في البرهان: قيل الجواب عنه أن فرعون كان يعبد كل ما استحسنه من ~~الأنصام والبقر، ولذلك أخرج السامري عجلا جسدا، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، ~~وقوم فرعون كانوا يعبدونه، انتهى. # قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: وهذا يؤيد قول القاسم عليه السلام ~~أنه لم يدع أنه رب خلاق، ولا إله رزاق، وإنما أراد أنا ربكم الأعلى أنا ~~ملككم الأعلا. # قال بعضهم: إن قلنا إن فرعون ما كان كامل العقل لم يجز من[601] حكمة الله ~~تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد ف ينفسه كونه ~~خالقا للسماوات والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أني يعتقدوا ~~فيه ذلك؛ لأن فساده معلوم بالضرورة، بل الأقرب أن يقال: أنه كان دهريا ~~منكرا لوجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأنا ~~المخدوم في العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم، فهو قوله: أنا ربكم ~~الأعلى، أي أنا مربيكم، وأنا المنعم عليكم والمطعم لكم، وقوله: ما عملت لكم ~~من إله غيري، أي لا أعلم لكم أحد تجب عليكم عبادته إلا أنا، وإذا كان مذهبه ~~كذلك لم يبعد ms2257 أن يقال أنه كان اتخذ أصناما على صور الكواكب يعبدها ويتقرب ~~إليها على ما هو دين عبدة الكواكب، وعلى هذا التقدير فلا امتناع في حمل ~~قوله تعالى: {ويذرك وآلهتك} على ظاهره، انتهى. # والقراءة المشهورة فيه: ويرذك بالنصل، وذكر صاحب الكشاف فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يكون قوله: ويذرك عطف على يفسدوا؛ لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم ~~كان مؤديا إلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك. # وثانيها: أنه جواب الاستفهام بالواو ولايجاب الفاء مثل إلقاء مثل قول ~~الحطيئة: # ألم أك جاركم ويكون بيني # وبينكم المودة والإخاء PageV20P146 قال الزجاج: والمعنى لا يكون منك أن تذر موسى ويذرك موسى. # وثالثها: النصب بإضمار أن تقديره أتذر موس\ى وقومه ليفسدوا، وأن يذرك ~~وآلهتك. # قال في الكشاف: وقرئ ويذرك وآلهتك بالرفع عطف على أتذر عللا معنى أنذره ~~ويذرك أي تطلق له ذلك، أو يكون مستأنفا أو حالا على معنى أتذره ويذرك ~~وآلهتك، وقرئ ويذرك وإلاهتك أي عبادتك. # واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل ~~فرعون على أخذ موسى عليه السلام ولكنه {قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم}. # قال في البرهان: وغنما عدل عن قتل موسى إلى قتل الأبناء؛ لأنه علم أنه لا ~~يقدر على قتل موسى، إما لقوته وإلا لما قد تصوروه أنه مصروف عن قتله، فعدل ~~إلى قتل الأبناء، ليستأصل قوم موسى من بني إسرائيل فيضعف عن فرعون، ويستسحي ~~نساءهم أحيا لضعفهن عن المنازعة وعجزهن عن المحاربة، انتهى. # ثم أخبر لعنه الله بأنه قادر على ذلك بقوله: {وإنا فوقهم قاهرون} ~~والمقصود منه إنما ترك موسى وقومه لا عن عجز وخوف، ولو أراد به البطش لقدر ~~عليه كان توهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعده التفاته إليه، ولعدم ~~خوفه منه، وكان يفعل ما فعله ابتداء عند ولادة موسى، أراد سنعيد عليهم ما ~~كنا فعلنا بهم من قتل الأبناء وترك النساء للخدمة ليعلموا أنا على ما كنا ~~عليه من........قتل أبناءهم مرتين قبل ولادة موسى وبعد أن غلب السحر، ولما ~~خافوا فزعوا ms2258 حين بلغهم الوعيد {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} على ~~ما ينالكم في الدين من الأذى، وإنما قال لهم ذلك تسلية من وعيد فرعون كما ~~تقول من نالته شدة استسغيث بالله وفيه موعد لهم بأن ~~الله................على فرعون إن استغاثوا به، ثم قال: واصبروا أي على ما ~~أنتم عليه من الشدة طمعا في ثواب الله عز وجل، وانتظار النصرة، ذكره في ~~البرهان[602]. PageV20P147 # واعلم أنه أمرهم بشيئين وهما: الاستعانة بالله، والصبر على بلا الله؛ لأن ~~ذلك مما ييخفف عنهم أنواع البلاء، صم بشرهم بشيئين: # الأول: قوله: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} وهذا إطماع من موسى ~~قومه في أن يورثهم أرض فرعون بعد إهلاكه، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء ~~للخلف بعد السلف، قيل: المراد أرض مصر، وقيل: كل الأرض، فيتناول مصر تناولا أوليا. # والثاني: قوله: {والعاقبة للمتقين} أي العاقبة المحمودة من أمر الدنيا ~~والآخر للمتقين، فعاقبة الدنيا النصر وعاقبة الآخرة الثواب والأجر، وقيل: ~~أمر الدنيا فقط وهو الفتح والظفر على الأعداء. # قال الهادي عليه السلام: إن قال قائل: كيق يستعان بالله وما يقول ~~المستعين؟ # قيل له: الاستعانة بالله هي العمل، لا المقال من كل مستعين من النساء ~~والرجال، وهي العمل بطاعة الله، والأمر بأمره والنهي عن نهيه، والوقوف عن ~~معاصيه، فمن عمل ذلك من الناس فقد استعان بالواحد الرحمن، وفي ذلك ما يقول ~~الله سبحانه: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} ومن كان الله معه ~~فقد قهر أمره وقوي، ومن لم يكن الله معه فقد عجز في أموره وغوي، والله ~~سبحانه فلا يكون إلا مع من ذكر من المتقين والمحسنين، وإذا لم يكن إلا مع ~~المتقين فهو لا شك خاذل للفاسقين، ومن خذله الله فقد هلك وهوى، ومن وفقه ~~الله وأعانه قهر أمره وعلا، ألا تر كيف يدل آخر الآية التي سألت عن تفسير ~~أولها على جميع ما عنه سألت منها حين تقول والعاقبة للمتقين، فهو دليل لمن ~~عقل وفهم واستضاء بنور كتاب الله، فعمل على ما ms2259 قلبنا به من تفسير الآية ~~وشرحنا، انتهى. PageV20P148 # واعلم أن قوم موسى عليه السلام لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد والوعيد ~~الشديد {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا} أرادوا قتل الأبناء قبل مولد موسى ~~والخدمة {ومن بعد ما جئتنا} أرادوا إعادة القتل، وما كانوا يمتهنون فيه من ~~أنواع الخدمة، وإنما قالوا هذا الكلام لأن موسى عليه السلام لما جاء وعدهم ~~بزوال تلك المضار، فظنوا أنها تزول على الفور، فلما رأوا أنها ما زالت ~~رجعوا إليه في كيفية ذلك الوعيد، فبين موسى عليه السلام أن الوعد بإزالتها ~~لا يجوب الوعد بإزالتها في الحال، وأخبرهم أن الله عز وجل سينجز لهم ذلك ~~الوعد في الوقت الذي قدره لهم. # واعلم أن القوم لما ذكروا لموسى عليه السلام ذلك {قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض} وهذا تصريح بما أمر إليه من البشارة، قيل: وكشف ~~عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم {فينظر كيف تعملون} في شكر النعمة وكفرانها ~~فيجازيكم بحسب ذلك، والمراد يعلم الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه؛ لأن ~~الله تعالى لا يجازيهم على ما يعمله منهم، وإنما يجازيهم على ما يقع منهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى فينظر هو فيعلم كيف عملكم، وكيف ~~شكركم له على ذلك، وطاعتكم، ومثل هذا في البرهان قال فيه: وفي قول موس ذلك ~~لقومه أمران: # أحدهما: الوعد بالنصر. # واثاني: التحذير من الفساد فيها؛ لأن الله ينظر كيف يعملون. PageV20P149 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض لا جرم بدأ بعد ذلك بذكر ما أنزله لفرعون ~~وقومه من المحن حالا بعد حال إلى[603] أن وصل الأمر إلى الإهلاك تنبيها ~~للمكلفين على الزجر عن الكفر، وهو التمسك بتكذيب الرسل خوفا من نزول هذه ~~المحن بهم، فقال عز وجل: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} جمع السنة، يريد ~~تعالى سنين الجدب والجوع عاما بعد عام. # قال في الكشاف: والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم، ونحو ذلك، ms2260 وقد ~~اشتقوا منه فقالوا: أسنت القوم بمعنى أقحطوا، ثم قال: {ونقص من الثمرات} أي ~~بقلة البركة. # قال ابن عباس: أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وأما نقص الثمرات ~~فكان في أمصارهم. # وعن كعب: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة لكثرة ذنوبهم ~~بهلاك الأنفس، ثم قال: {لعلهم يذكرون} يريد أنه تعالى عاقبهم بالسنين ~~المجدبات وعذبهم بنقص من الثمرات ليتذكروا فينتبهوا على أن ذلك لإصرارهم ~~على الكفر، وتكذيبهم، ولأن الناس في حال الشدة أضرع حدودا وألين اعطافا ~~وأرق أفئدة، ثم أخبر تعالى أنهم عند نزول ذلك عليهم كرهوا طاعة الله، ~~وأقدموا على ما يزيد في كفرهم فقال: {فإذا جاءتهم الحسنة} من الخصب والرخاء ~~والأمن والسلامة {قالوا لنا هذه} واللام مثلها في قولهم للفرس أي هذه مختصة ~~بنا ونحن مستحقوها، ولم يزل في النعمة والرفاهية على العادة التي جرت من ~~كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا ويقوموا بحق ~~النعمة، وقوله: {وإن تصبهم سيئة} يريد القحط والجدب، والمرض، والضر والبلاء ~~{يطيروا بموسى ومن معه}. PageV20P150 # قال في البرهان: أي تشاءموا بموسى، ويقولون هذا من أتباعنا إياك وطاعتنا لك ~~على ما كانت العرب تزجر الطير فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة ~~الشمال، وتتيامن بالسائح وهو الذي يأتي من جهة اليمين. # قال في الكشاف: كما قالت الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا ~~من عندك، ثم قال تعالى ردا لقولهم في ذلك: {ألا إنما طائرهم عند الله} أي ~~طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر، والنفع والضر، من عند الله ابتلاء ~~للخلق، فقوله: إنما طائرهم عند الله شؤمهم عقوبة بالله لهم، ومكافأة ~~الفاسقين على فعلهم، ومثله قوله تعالى في قصة ثمود: {قالوا اطيرنا بك وبمن ~~معك قال طائركم عند الله}. # قال الفراء: وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ~~فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا وكثر موتانا. # قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو ~~عملهم المكتوب عنده الذي ms2261 يجري علهيم ما يسومهم، ويعاقبون له بعد موتهم بما ~~وعدهم الله في قوله: {النار يعرضون عليها} الآية، ولا طائر أشأم من هذا، ثم ~~قال: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن الذي أصابهم من الله عز وجل. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في هذه الآية أنهم لجهلهم اسندوا حوادث هذا ~~العالم لا إلى الله سبحانه حكى عنهم بعد هذا نوعا آخر من أنواع الجهالات ~~فقال: {وقالوا مهما تأتنا به من آية} أي دليل بزعهمك على صدقك، وسموه آية ~~اعتبار بما سماه موسى[604] في اعتقادهم، بل قصدهم التلهي والاستهزاء، ولذلك ~~قالوا: {لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين} أي بمصدقين، وفي مهما قولان: PageV20P151 # الأول: أن أصلها ما ما الأولى وما الجزاء، والثانية هي التي يراد توكيدا ~~للجزاء، كما يراد في سائر حروف الجر، كقولهم: أينما وحيثما وكيفما، وقوله: ~~{فإما تثقفنهم في الحرب} ثم أبدلوا من ألف ما.......كراهة لتكرار اللفظ، ~~فصار مهما هذا قول الخليل والبصريين. # والثاني: وهو قول الكسائي الأصل مه بمعنى الكف أي اكفف، دخلت عليها ما ~~التي اللجزاء، كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها، فهو كذا ~~وكذا، ثم قال تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم}. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: الطوفان فهو العذاب الذي طاف بهم، ~~والجراد والقمل فهما معروفان، أما الجراد فأرسله الله عليهم لهلاك ثمارهم، ~~وأما القمل فهو البرغوث بلغة الحجاز، جعله الله نفمة عليهم يؤرقهم ويذهب ~~بنومهم، والضفادع أيضا فهي معروفة تكون في المياه، قال الشاعر: # هين مطلحبة الأرجاء طامية ... فيها الضفادع والحيتان تصطحب # وإنما أرسل الله الضفادع عليهم لينتفهم بها منهم وتضيق بها صدورهم ~~ويعذبهم بها ويعمهم. # وأما الدم فهو علة من العلل، ويمكن أن يكون على ما روي من أن الله عز وجل ~~عذبهم بأن جعل شرابهم وأغذيتهم دما عبيطا، ليفني أنفسهم بذلك وتذهب لذاتهم، ~~ومعنى {آيات مفصلات} دلائل على الله مبينات، وعلى نقمته للفاسقين ~~والفاسقات، انتهى. PageV20P152 # وروي عن ابن عباس أنه قال: إن القوم لما قالوا لموسى عليه ms2262 السلام مهما ~~تأتنا به من آية من ربك فهي عندنا من باب السحر، ونحن لا نؤمن بها البتة، ~~وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا فعند ذلك دعى عليهم فاستجاب الله له، ~~فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا....................، حتى كان ~~الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا، ولا يستطيع الخروج من داره، فجاءهم الغرق ~~فصرخوا إلى فرعون، واستغاثوا به، فأرسل إلى موسى عليه السلام فقال: اكفف ~~عنا العذاب فقد صار مصر بحرا واحدا فإن كشفت عنا آمنا بك، فأزال الله عنهم ~~المطر، وأرسل الرياح فجففت الأرص، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط، ~~فقالوا: هذا الفذي جزعنا منه خير لنا لكان لم نشعر، فلا والله لا نؤمن بك ~~ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد فأكلت ~~النبات فصرخ أهل مصر، فدعى موسى فأرسل الله تعالى ريحا فاحتمل الجراد ~~فألقاه ف يالبحر، فنظر أهل مصر إلى بقية كلائهم ورزقهم يكفيهم فقالوا: هذا ~~الذي بقي يكفينا أو لا نؤمن بك، فأرسل الله بعد ذلك القمل سبتا إلى سبت فلم ~~يبق بأرضهم عودا أخصر إلا أكلته، فصاحوا وسأل موسى فأرسل الله تعالى عليها ~~ريحا حارة فأحرقتها واحتملتها الريح فألقتها في البحر فلم يؤمنوا، فأرسل ~~الله عليهم الضفادع بعد ذلك، فخرج من البحر مثل الليل الدامس، ووقع في ~~الثياب والأطعمة، فكان الرجل منهم يستيقظ[605] ذراع من الضفادع فصرخوا إلى ~~مويى وحلفوا لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن، فدعى الله تعالى فأمات الله ~~الضفادع وأرسل عليها المطر فاحملتها ثم أظهروا الكفر والعناد، فأرسل الله ~~عليهم الدم، فجرت أنهارهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب وبنو إسرائيل ~~كانوا يجدون العذب الطيب حتى بلغ الجهد، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى ~~أنهار بني إسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر، فإذا اغترف صار عنده دما، ~~ومكثوا في ذلك ستة أيام لا يشربون إلا PageV20P153 الدم، فقالوا: لئن كففت عنا الرجز إلى آخر الآية. # قال بعضهم: فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين، وقد وقع في ms2263 أكثرها ~~اختلافات. # قال في الكشاف: الطوفان ما طاف بهم وعليبهم من مطر أو سيل، قيل: طغا ~~الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسا ~~ولا قمرا، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وقيل: أرسل الله عليهم السماء حتى ~~يكادون يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ~~ماء حتى قاموا في الماء إلى نزاقتهم فمن جلي غرق، ولم يدخل بيوت بني ~~إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء ~~والتصرف، دام عليهم سبعة أيام. # وعن أبي قلابة: الطوفان الجدري، وهو أول عذاب وقه فيهم فبقي في الأرض، ~~وقيل: هو المو..........، وقيل: الطاعون، وقالوا لموسى ادع لنا ربك فيكشف ~~عنا ونحن نؤمن بك فدعا فرفع عنهم فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلا ~~والزرع ما لم يعهد بمثله، فأقاموا شهرا فبعث الله عليهم الجراد، فأكل عامة ~~زرعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء حتى الأبوبا وسقوف البيوت والثياب، ولم يدخل ~~بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى ووعدوه فكشف عنهم بعد سبعة ~~أيام خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، ~~فرجع الجراد إلى النواح التي جاء منها، فقالوا: ما تحن بتاركي ديننا، ~~فأقاموا شهرا فسلط الله عليهم القمل وهو الحميان في قول أبي عبيدة كبار ~~القردان، وقيل: الدبا، وقيل: أولاد الجراد................أجنحتها، وقيل: ~~البراغيث. # وعن سعيد بن جبير: السوس فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض، وكان يدخل بين ~~ثوب أحدثهم وبين جلدة قميصه، وكان يأكل أحدهم طعاما فيمتلي قملا، وكان يخرج ~~أحدهم عشرة أجزائه إلى الرحا فلا يرد منها إلا يسيرا. PageV20P154 # وعن سعيد بن جبير: كان إلى.................. فضربه موسى بعضاه فصار قملا ~~فأخذت في..........عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا ~~وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزو فرعون لا ~~نصدقك أبدا، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع فدخلت بيوتهم وامتلأت منها ~~آنيتهم وأطعمتهم، فلا يكشف أحد شيئا من ms2264 ثوب ولا طعام ولا شراب إلا وجد فيه ~~الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ ~~منها فتضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور ~~وهي[606] تغلي وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه ~~المرة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود، فاخذ عليهم اليعهود ~~ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم ~~دما فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي ~~على آن واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دما، ويسقيان من ~~ماء واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلي الماء حتى أن المرأة القبطية تقول ~~لجارتها الإسرائيلية اجعلي الماء في فيك ثم مجيه في في فيصير الماء في فيها ~~دما، وعطش فرعون حتى أشفا على على الهلاك، وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا ~~مضغها صار ماؤها الطيب ملحا أجاجا. # وعن سعيد بن المسيب: سال عليهم السيل دما، وقيل: سلط الله عليهم الرعاف. # وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم ~~الآيات. # وقرأ الحسن والعمل بسكون الميم وفتح القاف، يريد العمل المعروف. # وقوله: {آيات مفصلات} نصب على الحال، ومعنى مفصلات مبينات ظاهرات لاتسطل ~~على عاقل أنها من آيات الله التي لايقدر عليها غيره وأنها عبرة لهم ونقمة ~~على كفرهم، أوفصل بين بعضها وبعض يومان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيستقيمون ~~على ما وعدوا من أنفسهم أم سيكون إلزاما للحجة عليهم. PageV20P155 # قال المفسرون: كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت، وبين العذاب ~~والعذاب شهر {فاستكبروا} عن الحق من عبادة الله {وكانوا قوما مجرمين} مصرين ~~على الجرم والذنب، ولا شك أن كل واحد من هذه الأنواع المذكروة من العذاب ~~فهو في نفسه معجز واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر ثم قال تعالى: ~~{ولما وقع عليهم الرجز} وهو اسم للعذاب، قال الشاعر: # جعلنا القنا زجرا عليهم فأصبحت # ديارهم بالطعن منهم بلاقعا # ثم إنهم اختلفوا في المراد ms2265 بهذا الزجر فقال بعضهم: إنه عبارة عن الأنواع ~~الخمسة المذكورة من العذاب الذي كان نازلا؛ لأنه تعالى بين كانوا عليه من ~~المناقضة القبيحة؛ لأنهم تارة يكذبون موسى عليه السلام وأخرى عند الشدائد ~~يفزعون إليه، ويسألونه أن يسأل ربه رفع ذلك العذاب عنهم، وذلك يقتضي أنهم ~~سملوا كونه نبيا مجاب الدعوة، ثم بعد زوال تلك الشدائد يعودون إلى تكذيبه ~~والطعن في نبوته. # وقال سعيد بن جبير وهو الذي في البرهان أيضا: الزجر معناه الطاعون، وهو ~~العذاب السادس الذي أصابهم، فمات من القبط سبعون ألف سنان في يوم واحد، ~~فتركوا غير مدفونين. # أما قوله تعالى حكاية عنهم: {قالوا ياموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} ~~فقال في الكشاف: ما في قوله بما عهد عندك مصدرية، والمعنى بعهده عندم. PageV20P156 # والثاني: أن تكون قسما وجوابها قوله: لنؤمن ولنرسلن أي أقسمنا بعهده عندك ~~{لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل} أي نطلقهم من ~~الاستخدام ويعودون إلى أرضهم {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} أي ~~إلى حد من الزمان هم بالغوه، فمعذبون فيه لا محالة، لا ينفعهم ما تقدم من ~~الإمهال وكشف العذاب[607] إلى حلوله، وقيل: موتهم وقوله: {إذا هم ينكثون} ~~فهو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه ولما ~~كشفنا عنهم نكثوا {فانتقمنا منهم} أي فأردنا الانتقام منهم بسبب النعمة ~~{فأغرقناهم في اليم} في البحر الذي لا يدرك غيره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم ~~مائه، ثم بين تعالى أن علة ذلك الانتقام منهم هو التكذيب بقوله:{بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات ~~وغفلتهم عنها، وقلة فركهم فيعا، واختلفوا في قوله عنها، فقيل: الهاء عائدة ~~على النفمة التي دل عليها قوله فانتقمنا، والمعنى وكانوا عن النقمة، قيل: ~~حلولها غافلين، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج، قال: ~~لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل عليهم، فإن قيل: الغفلة ليست من ~~فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد عن الغفلة، قيل ms2266 له المراد ~~بالغفلة هاهنا الإعراض عن الآيات وعدم الإلتفات إليها، فهم أعرضوا حتى ~~صاروا كالغافلين عنها، فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي؟ ~~فكيف يكون الانتقام لهذين دون غيرهما، فجوابه أنه أليس قد ضموا إلى التكذيب ~~والغفلى معاصي فكيف يكون نفي ما عداه، والآية تدل على أن الواجب في الآيات ~~النظر فيها، ولذلك ذمهم بأنهم غفلوا عنها، وذلك يدل على أن الثقلين طريق مذموم. PageV20P157 # واعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر بني إسرائيل قوله عليه السلام: {عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} فهاهنا لما بين تعالى هلاك القوم ~~بالغرق على وجه العقوبة بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات، فقال سبحانه وجل ~~عن كل شأن شأنه: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ~~التي باركنا فيها} والمراد من ذلك الاستضعاف انه كان يقتل أبناءهم ويستحي ~~نساءهم ويأخذ منهم الحرية، ويستعملهم في الأعمال الشاقة، واختلفوا في معنى ~~مشارق الأرض ومغاربها، فقال في الكشاف: والأرض أرض مصر والشام ملكها بنو ~~إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاءوا في أطرافها ونواحيها ~~الشرقية والغربية. # والثاني: أن المراد جملة الأرض. # قال في البرهان: وهذه الآيى تصرف أيضا إلى شيعة الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم والمستضعفين عند ظهور الحق منهم الموعود به، ونحن إن شاء الله ~~فيه، قال فيه: مشارق الأرص ومغاربها أي الشرق والغرب التي باركنا فيها ~~بالخصب وكثرة الأشجار والأنهار والثمار، ثم قال تعالى: {وتمت كلمة ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} أي تمت مواعيده بالنصر على أعدائهم لما ~~صبروا على طاعة ربهم؛ لأن الله وعدهم بالنصر مكافأة لهم على صبرهم، ذكره ~~الحسين بن القاسم عليه السلام في البرهان، وتمام كلمة الحسين ما في الأرض ~~ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما ما كانوا يحذرون. # قال في الكشاف: والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة، ومعنى تمت على بني ~~إسرائيل مضت عليهم واستمرت من قولك، تم على الأرض إذا مضى عليه بما ~~صبروا[608] بسبب ms2267 صبرهم وحسبك به حاثا على الصبر ودالا على أن من قابل ~~البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج. PageV20P158 # وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله وتلأ الآية، ومعنى خف طاش ~~جزعا، وقلة صبر، ولم.............أهل الصبر، ومعنى قوله: {ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} هو أهلكنا ما كانوا يصنعون من المحال، ~~وهدمنا ما كانوا يبنون من التوهم والضلال، والعرش هو البنيان المعروش من ~~جنات الأعناب على العيدان، ومنه قوله: {وهو الذي أنشا جنات معروشات} فيمكن ~~أن يكون ضرب ذلك مثلا، ويمكن أن يكون تدميره لما كانوا يعرشون هو هدمه ~~لمنازلهم وعروشهم التي كانوا يسكنون، وكانوا فيها يقيمون وينعمون، ويمكن أن ~~يكون أراد بقوله يعرشون ما يملكون، والعرش هو الملك، قال: # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها # وهذا آخر ما اقتصه الله من بنا فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ~~ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص بنا بني إسرائيل وما احدثوه بعد إنقاذهم من ملكة ~~فرعون، واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام ومجاوزتهم البحر من عباده وطلب ~~رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان، ~~وأنه كما وصفه ظلوم كفار جهول كنود، إلا من عصمه الله، وقليل من عبادي ~~الشكور، وليسلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما رأى من بني إسرائيل ~~بالمدينة، فقال تعالى: {وجاوزنا} أي قطعنا {ببني إسرائيل البحر} وقد بين ~~تعالى في سائر السور كيف سيرهم مع السلامة، وذلك أن فلق البحر عند ضرب موسى ~~البحر بالعصا وجعله يبسا. # روي أن موسى عليه السلام خرج بهم يوم عاشورا بعد إهلاك فرعون فصاموا شكرا ~~لله {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} أي يواضبون على عبادتها من دون ~~الله بجهلهم، قيل: كانوا قوما من لخم، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر ~~موسى بقتالهم. # قال ابن جريج: كانت تماثيل نفر، وذلك أول شأن العجل. PageV20P159 # قال في الكشاف: معنى فأتوا على قوم فمروا عليهم، ولعل حرف الاستعلاء لإفادة ~~معنى ms2268 أشرفوا واطلعوا، ونحو ذلك، وعجبا كيف أعرض هنا وقد تكلم عليه في أتوا ~~على وادي النمل، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل جهلوا وارتدوا لما شاهدوا ~~قوما يعكفون على عبادة أصنامهم {قالوا ياموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ~~أي اجعل لنا صنما نعكف على عبادته {قال إنكم قوم تجهلون} ربكم وصفاته ~~وعظمته، أي كيف أبغي لكم إلها غير الله عز وجل. # وروي عن علي عليه السلام أن يهوديا قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ~~ماؤه، فقال: قلتم اجعل لنا إلها ولما تجف أقدامكم، وقوله: إنكم قوم تجهلون ~~يعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، وذلك أن ~~القوم لما شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخص بني إسرائيل بأنواع ~~السلامة والكرامة، ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا[609] ~~الفاسد الباطل وصفهم بالجهل المطلق، وأكد لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ~~ولا أشنع. PageV20P160 # قال في البلغة: وفي هذه الآية دلالة واضحة على رد تعجب من سمع ما جرى بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفتنة، واضطهاد أمير المؤمنين علي ~~صلوات الله عليه وطلب القوم الرئاسة لأنفسهم مع علمهم بنص النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وإيجاب طاعته، وذلك أن قوم موسى عليه السلام كانوا مكلفين ~~عقلا، رأوا معجزات موسى عليه السلام وشاهدوها، وراوا هلاك عهدوهم في البحر ~~الذي خرجوا منه سالمين وبينهم وبينم أظهرهم حي قائم، فقالوا في وجهه ما حكى ~~الله عنهم، وفي ذلك كان إبطبال توحيد الله ودينه الذي امرهم به، وكلفهم ~~إياه على لسان رسوله عليه السلام ، فكيف ينكر ويعجب في أن يقول قوم من ~~العرب مع إظهارهم التوحيد وتمسكهم بالشريعة التي جاء بها ~~نبيهم..............، وخروج نبيهم بين أظهرهم بالموت ولو جيء بينهم لسنا ~~نرضى بترأسك علينا ويحتالون في إزال الأمر عنه، وطلب الرئاسة لأنفسهم وحسدا ~~له، وهذا أقرب وأسهل وأيسر مما حكى الله تعالى من قوم موسى صلوات الله عليه ~~ولا طائل في المرا ولا ms2269 حجة في حسن الظن مع ظهور العلامات والأمارات، بل ~~المرجع في مثله إلى الأدلة الواضحة، انتهى. # ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه ~~وباطل ما كانوا يعملون}. PageV20P161 # قال في البرهان: متبر ما هم فيه وباطل أي هالك، وكل إنا مسكور يقال له ~~متبر، وتبرت الشيء كسرته، والمعنى ما عملوا شيئا من عبادتها مما مضى إلا ~~وهو باطل مضمحل لا ينفع، وإن زعموه مقربا إلى الله تعالى، ولما أجاب موسى ~~عليه السلام عن ما قالوا بهذه الوجوه {قال} على وجه يوجب العجب والإنكار ~~والتوبيخ {أغير الله} المستحق للعبادة {أبغيكم} أطلب لكم {إلها وهو فضلكم ~~على العالمين} من الاختصاص بهذه النعم التي لم يعطها غيركم من عالمي زمانكم ~~لتخصوه بالعبادة، فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره من كونكم ~~مغمورين بالنعمة منه، أو أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل ~~مثلها لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال، ثم قال تعالى: ~~{وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي اذكروا وقت أنجيناكم من ملكة آل فرعون ~~وعذابهم {يسومونكم سوء العذاب} أي يطلبونكم أشد إلالا من سامة السلعة إذا ~~طلبها {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم} أي يستبقونهم للخدمة، والمعنى أن ~~قوم فرعون اللعين كانوا معرضون عليهم أقبح العذاب وهو قتل أبنائهم وملك ~~نسائهم، وهذا أسوأ ما يكون من العذاب وأقبحه وأفحشه عند ذوي الألباب، وفي ~~قوله تعالى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} احتمالات ثلاثة: # أحدها: أن يكون أراد في ذلكم الفعل الذي فعله ربكم من النجاة لكم عطاء من ~~ربكم عظيم، وفضل وخير حسم، والبلاء هو التفضل والعطا، قال الشاعر: # فأبلاهما خير البلاء الذي يبل # والثاني أن يكون أرادوا في ذلكم يعني فقال قوم فرعون بلا[610] عظيم، أي ~~عذاب لهم عظيم فيما فعلوا من القبح. # والثالث: أن يكون أراد في تركنا لهم محنة عظيمة، واختبارا لكم على طاعتكم ~~وصبركم. # وأما قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر}. PageV20P162 # قال الحسين بن القاسم عليه ms2270 السلام: يريد تعالى أنه واعد موسى أربعين ليلة، ~~ولكنه وصل الكلام لتحسينه ونظمه وتمامه وتزيينه. # قال في البرهان: في هذه الآية قولان: # أحدهما: أن الثلاثين ليلى شهرا أمر بصيامه، والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه. # والثاني: أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه، أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم ~~زيد عشراي بعدها، انتهى. # قال في الكشاف: روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل بمصر إن أهلك ~~الهل عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك ~~فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما، وهو ذو القعدة، فلما ~~أتمها أنكر خلوف فمه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك، ~~فأمره بالله أن يزيد عليها عشرة أياك لذلك، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر ~~وكلم فيها، ولقد أجمل ذلك الأربعين في سورة البقرة وفصلنها هاهنا، ثم قال ~~تعالى: قال عز وجل: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ميقاته ربه ما وقته من ~~الوقت وضرب له أربعين ليلة على الحال، أي تم بالغا هذا العدد. # قال في البرهان: فإن قيل: فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين ~~فما معنى فتم ميقات ربه أربعين ليلة؟ ففي ذلك جوابان: # أحدهما: أنه تأكيد في الذكر فلم يمتنع. # والثاني: لتبيين إتمام الثلاثين بالعشر جنس واحد أن الميقات ما قدر بعمل، ~~والوقت لا يقدر بعمل، انتهى. PageV20P163 # أما قوله: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} فقوله هارون عطقف بيان ~~لأخيه، ومعنى اخلفني أي كن خليفتي فيهم يريد قم بشأنهم وهدايتهم بعدي، ~~والخليفة هو القائم بأمر الرعية بعد صاحبه، ثم قال: {وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} أي وكن مصلحا أو اصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل، ومعنى ~~ولا تتبع أي لا تسلك سبيل أهل الفساد، ولا تقبل أقاويل ذوي الغي والعباد، ~~ولا تطع قول أحد من جهلة العباد، ثم إنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها خص ~~موسى عليه السلام بالميقات، وهي أن كلمة ربه، فقال سبحانه: {ولما جاء موسى ms2271 ~~لميقاتنا} أي لوقتنا الذي وقتنا له {وكلمه ربه} من غير واسطة، كما يكلم ~~الملك، والمعنى أنه تعالى أوجد كلاما وخلفه وأوصله إلى مسامع موسى ونزله. # وروي أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة. # وعن ابن عباس: كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة، وكتب له الألواح، وقيل: ~~إنما كلمه في أول الأربعين، ثم قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: {قال ~~رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} نفى الرؤية؛ لأنها لا تصح إلا لما كان في ~~جهة، وما ليس بحسم ولا غرض فمحال أن يكون في جهة، فإن قيل: كيف طلب موسى ~~عليه السلام ذلك وهو أعلم الناس بالله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز؟ PageV20P164 # قلت: اعلم أن هذه الآية الكريمة من متشابه الكتاب العزيز، والبلاء فيها ~~عظيم، وقد ضل كثير من المفسرين الذين لم يرجعوا[611] في تأويلهم إلى من ~~أمرهم الله بالرجوع والرد إليه من ورثة الكتاب، وقد أوضح لهم ذلك وبين غاية ~~البيان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث أمر أمته باتباع عترته الطاهرة، ~~وضمن لهم عدم الضلال مهما تمسكوا بهم في كل الأسباب، ونحن بتوفيق الله نبين ~~من نتفسير أئمتنا عليهم السلام مراد الله تعالى بذلك مما حكى سبحانه من قول ~~موسى: {رب أرني أنظر إليك} قصدهم عليهم السلام أن موسى صلى الله عليه وآله ~~وسلم إنما أراد أن يريه الله آية من آيات الآخرة، فيزداد بها يقينه كما قال ~~إبراهيم عليه السلام: {رب أرني كيف تحي المةتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي} الآية، فموسى عليه السلام إنما طلب العلم الضروري بالله تعالى ~~أي عرفني نفسط تعريفا واضحا كأنه رؤية في..........مثل آيات القيامة الذي ~~يضطر الخلق إلى معرفتك، فقال: لن تراني من وجه ما سألت أي لن تطيق معرفتي ~~على هذه الطريقة، ولن تحتمل قولك تلك الآية المضطرة {ولكن انظر إلى الجبل} ~~فإني أظهر له آية من تلك الآيات {فإن استقر مكانه} وثبت لتجليها {فسوف ~~تراني} أي فسوف تثبت ms2272 لها {فلما تجلى ربه للجبل} أي ظهرت آية من آيات قدرته ~~وعظمته {جعله دكا} أي مدكوكا ترابا، وقيل: ساح في الأرض، ومثل هذا ذكر ~~القاسم والهادي وغيرهما من أئمتنا عليهم السلام ، من ذلك قول الحسين بن ~~القاسم عليه السلام حيث قال: معنى أرني يانضر إليك أي أرني آية ودلالة انظر ~~بها إلى عجائب صنعك، فقال تعالى: {لن تراني} .......في نفسك ~~لضعف.........وخلقك، ولكن انظر إلى اليجبل الذي هو أقوى يمنك ومن غيرك، فإن ~~استقر مكانه وثبت في موضعه فسوف تراني يعقلك، إذا نزلت عليه تدلم على تفكرك ~~وتنظر بها عند تمييزك ونظرك، ولكن الله PageV20P165 اختصر وجعل هذا الكلام مشابها لمحنة المكلفين، والفرق بين أهل العقول ~~والظنون، فعلم كا عاقل من الحكماء أنه لا يشبه الله من دون موسى من العلماء ~~فكيف نبي الله وصفيه ورسوله، ووليه، ومعنى تجلى ربه أي فلما تجلى أمر ربه ~~إلى الجبل جعله هدما ساقطا، والعرب تقول تجلا الملك لأعدائه أي بان لهم ~~وقابلهم للقتال بأمره وجنده، وليس يريدون بذلك أنه بان لجهادهم بنفسه، قال ~~الشاعر: # تجلا لهم بالمشرفية وبالقنا ... وإن كان عن طعن الأسنة نائيا PageV20P166 وأما الهادي عليه السلام فهذا لفظه: لك يرد سبحانه ما يتوهم الجاهلون من أن ~~يكون ينال أن يرا ما لا يرى، وموسى عليه السلام أعرف بالله من أن يجعله ~~محدودا، وغنما معنى قوله أرني انظر إليك أي أرني آية من كبار آياتك انظر ~~إلى عجائب قدرتك، وإلى ما لا أشك فيه من عجائب فعلك الذي لا يناله غيرك ولا ~~يقدر عليه سواك، فأوحى الله إليه أنك لن تراني يقول لن ترا مني تلك الآية ~~لضعف بنيتك عما طلبت منن عظيم آياتي التي لا................لها فطر ~~الآدميين، ولا يقدر على تأملها أحد من الآدميين، ثم قال سبحانه: ولكن انظر ~~إلى الجبل الذي هو أشد منك بنية وأقوى منك فطرة، فإني سأهبط عليه بعض ما ~~سألني أن تراه من عظيم آياتي، فإن استقر هذا الذي هو أشد منه بنية عند تجلي ~~الآية عليه ووقعها ms2273 فسوف أريكها[612] أو مثلها، فإن لم يستقر ولم يطقها فكيف ~~تسألني أنت أريكها أو مثلها، بل كيف تقوى بنيتك الضعيفة ولم يقم لها جسم ~~الحبل العظيم، فلما تجلى ربه للجبل يقول لما تجلت آية ربه للجبل جعله دكا ~~فقال تجلى ربه، وإنما معناه تجلت آية ربه، وهذا من العربية فكثير أن تقوم ~~الشيء مقام ما هو منه مثل ذلك قول الله سبحانه: واسأل القرية التي كنا فيها ~~والعير التي أقبلنا فيها، فقال: العير والقرية، والقرية الجدر والأرض، ولم ~~يرد ذلك وإنما أراد أهل القرية فطرح أهل وأقام القرية مقام أهلها، والعير ~~فهي الإبل وليس تسأل الإبل، وإنما أراد أهل العير فطرح الأهل وأقام العير ~~مقامهم، فعلى ذلمك يخرج معنى قول الله فلما تجلى ربه، ولله المثل الأعلى، ~~ومعنى قوله للجبل فهو على الجبل غير أن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، ~~ويجزي بعضها عن بعض، ومن الحجة في أن العرب تطرح الشيء وتقيم ما كان سبب من ~~سببه مقامه قول الشاعر: # ألا إني سقيت أسود حالكا # والأسود لا يشرب به أحد ولا يسقاه، وإنما هي الحية السودا، وإنما أراد ~~أنني سقيت سم أسود، فطرح السم وأقام الأسود مقامه، انتهى. PageV20P167 # وأما القاسم عليه السلام فله هاهنا كلام بسيط من ذلك أنه عليه السلام قال: ~~والنظر له في لغة العرب معان ثم بينها إلى قوله: ومعنى آخر من معاني المنظر ~~لا بالعينان من نضر النضر ولكن ينظر إليه بأفعاله، ثم شرح ذلك وأوضحه إلى ~~قوله عليه السلام: وقال إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم أرني كيف ~~تحيي الموتى، وقد رأى كيف أحياه الله من نطفة، ولكنه أراد أن يريه الله كيف ~~يحيى الموتى من وجهة من الوجوه الذي عاين من إحيا الله الأجسام الميتة من ~~النطف وغير النطف، وكذلك سأل موسى صلى الله عليه وآله وسلم ربه فقال: رب ~~أرني أنظر إليك، ومعناه ومعنة قول الخليل صلى الله عليهما في نفس النظر ~~سواء؛ لأنهما أرادا أن يعاينا بأبصارهما من معالم الدين ms2274 وآياته ما يزل الله ~~يملك من المعاني والآيات إلا أن موسى صلى الله عليه وآله وسلم فيما سأل من ~~قبل أنه سأل الله آية ليست من آيات الدنيا، فلذلك لم يكن في سؤال الله ~~عاصيا، وإبراهيم وموسى في سؤالهما وقولهما لم يسألا ربهما أن يرياه جهرة ~~بمعنى ما يرى البشر البشر؛ لأن ذلك شرك ولم يكن إبراهيم وموسى صلى الله ~~عليهما بمشركين، والله لا تدركه الأبصار، وقد علما ذ1لك واكن موسى أعلم ~~بالله من أن يسأل ربه أن يعاينه جهرة، بل أراد أن ينظر إليه بآية بأن ~~يحدثها له فيراه ليست من آيات الدنيا، ثم تكون له آية وحجة لا يتحملها ~~الناس لو شاهدوها في الدنيا، إلا أن يراد في ..................لموسى إن ~~بنيتك لا تحتمل ما سألت، واعرف ذلك بهذا الجبل فإنه أعظم منك خلقا وأشد قوة ~~وأسمح منك طولا وعرضا، انظر إليه كيف يعجز عن إدراك ما سألت، واعرف ذلك ~~بهذا الجبل فإنه أعظم منك خلقا وأشد م نك قوة، واسمح منك طولا وعرضا، انظر ~~إليه يكيق يعجز عن إدراك ما سألت مثله، لوم يكن الجبل بذي عقل، والله تبارك ~~وتعالى لا يتجلى[613] إلا بالتجلي الذي به يدرك، ولن يدرك من ربنا إلا ~~جلالته وآياته وتدبيره وصرفه، فبذلك يتجلى PageV20P168 الله، وذلك بأن الله سبحانه ليس بشخص أحدث في الجبل عقلا يدرك به ما يتجلى ~~به، فإن الله تبارك وتعالى أحدث آية فتجلى الله للجبل، وجعلها آية سماوية، ~~ولم تكن أرضية، فإن الله جعل ذلك موعظة للقلوب القاسية لتلين، والقلوب ~~الذاكرة لتسترشد، ولأن ترجع القلوب إلى ربها بشدة الفكر والتعظيم لله ~~العظيم، فيقال لموسى لن تراني من وجه ما سألت إلى آخر كلامه عليه السلام ~~ذكره في كتاب المسترشد على نحو ما ذكره الهادي عليه السلام ، وفسر هذه ~~الآية بمثل هذا بعينه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام . # وأما قوله: {وخر موسى صعقا} فقال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان، ~~والصعقة الغشية فقال: صعق الرجل يصعق، ويقال أيضا صعق إذا ms2275 مات، ومنه: {فصعق ~~من في السماوات والأرض} وإذا عرفت...ابن عباس فسر قوله وخر موسى صعقا ~~بالغشيء، وفسره قتادة بالموت، والأول أولى؛ لقوله تعالى: {فلما أفاق} أي ~~انتعش وحي من غشوته. # قال الزجاج: ولا يقال للميت قد أفاق من موته، ويقال للذي يغشى أفاق من ~~غشيته؛ لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا ثم بعثناكم من بعد موتكم فلما ~~أفاق من غشيته {قال سبحانك} أي تنزيها لك،..............لك مما لا ي جوز عليك. # وأما قوله: {تبت إليك} فمعناه تبت إليك مما اقترحت وتجاسرت {وأنا أول ~~المؤمنين} بعظمتك وجلالك، وإن شيئا لا يقوم لبطشك وبأسك. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه رجعت إلى قولك وطاعتك، بعد ~~غشوتي وعدت إلى ما كنت عليه من يقيني وطاعتي، وأنا أول المؤمنبن، أي أول من ~~آمن بك من أصحابي المؤمنين الموجودين، والنبي أول أمته إسلاما وإيمانا، انتهى. PageV20P169 # ولو كان موسى عليه السلام توهم أو ظن أن الله تعالى يرى بالأعيان أو سأل ~~ذلك عن قومه كما زعمه بعض المفسرين حذا الجادة إلى بطلبها مع علمه بانها لا ~~تجوز عليه لا استحق ما استحقه القوم الذين سألوه أن يريهم الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة، فكان سبب وقوع الصيحة عليهم هذه المسألة، وموسى عليه ~~السلام منزه عن ذلك، والله اعلم. # واعلم أن موسى عليه السلام لما طلب ذلك وأراه الله آية ودلالة من عظيم ~~آياته عاد علهي وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بشكرها، ~~فقال تعالى: {قال ياموسى إني اصطفيتك} أي اخترتك {على الناس} من أهل زمانك، ~~وآثرتك عليهم {برسالاتي وبكلامي} أي يكلمي إياك بلا واسطة {فخذ ما آتيتك} ~~من شرف النبوة والحكمة والكتاب {وكن من الشاكرين} على النعمة في ذلك فهي من ~~أجل النعم، ولما أخبر تعالى أنه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر تفصيل ~~تلك الرسالة فقال: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة} بما فيها من ~~أخبار الأمم {وتفصيلا لكل شيء} يحتاجه بنو إسرائيل في ذنبهم من المواعظ، ~~وتفصيل الأحكام، قيل: كانت ms2276 الألواح عشرة، وقيل: سبعة، وقيل: لويحين، قيل: ~~كانت من زمرد جاء لها جبريل، وقيل: من زبرجدة خضراء وياقوتة[614] حمراء ~~الحسن من حسب نزلت من السماء طولها عشرة أذرع، قيل: نزلت وقر سبعين بعيرا، ~~يقرأ الجزء في سنة لم يقرأها إلا أربعة: موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم ~~السلام ، كذا في الكشاف. # واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الأولاح، ولا على كيفية ~~تلك الكناية، فغن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به، وإلا وجب ~~السكوت عنه، وقوله: {موعظة وتفصيلا لكل شيء} فهو كالبيان للجملة الذي قدمها ~~بقوله: كل شيء، وذلك لأنه تعالى قسمها إلى ضربين: PageV20P170 # أحدهما: موعظة، وهو كل ما ذكره تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة ~~والنفور عن المعصية، وذلك يؤكد الوعد والوعيد، ولما قرر ذلك أولا أتبعه شرح ~~أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام، فقال: وتفصيلا لكل شيء، ولما شرح ذلك ~~قال لموسى: {فخذها بقوة} أي بعزيمة قوية، ونية صادقة على تحمل تكاليفها، ~~والمعنى فقلنا له خذها عطفا علىكتبنا، ويجوز أن يكون بدلا من قوله فخذ ما ~~أتيتك، ثم أمره أن يأمر ثومه بقوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي ثابتها ~~ومحكمها وأصولها. # قال في البرهان: لم يقل ذلك لأن فيها غير الحسن، ولكن أراد بالأحسن ~~المفروضات دون المباحات والناسخات والمنسوخات. # وأما قوله: {سأريكم دار الفاسقين} ففيه وجهان: # أحدهما: أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وعلى هذا ~~التقدير ففيه قولان: # الأول: قال ابن عباس والحسن ومجاهد: وهو الذي في البرهان دار الفاسقين ~~جهنم، أي فليكن ذكر أهل جهنم خاطرا في خاطركم ليحذروا أن يكونوا منهم. # والثاني: قال فتادة سادخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين تالذين كانوا ~~مستوطنبن فيها من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها بما صاروا إليه من ~~النكال. # قال الكلبي: دار الفاسقين هي المساكن التي نزلوا عليها إذا سافروا من ~~منازل عاد وثمود، والقرون الذين أهلكهم الله. # والوجه الثاني: المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى قال سيريهم أرض أعدائهم ~~وديارهم. # قال في ms2277 الكشاف: يريد دار فرعون وقومه، وهي مصر، كيف أقفرت منهم ودمروا ~~لفسقهم ليعتبروا فلا يفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم، وقوله تعالى: ~~{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض} فيه وجهان: # أحدهما: معناه سأصرف عن دلائلي حتى لا يقدرون على إبطالها ولا أبلغهم ما ~~يأملون من فسادها، وإن اجتهدوا كفرعون، اجتهد بالسحرة فأبا الله إلا علو الحق. PageV20P171 # والثاني: صرفهم بالطبع على قلوبهم وخذلانهم فلا ينتفعون بها غفلة فيما ~~يشغلهم عنها من شهواتهم، وقوله: {بغير الحق} فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين؛ لأن التكبر بالحق لله ~~وحده، ولأن إظهار التكبر على الغير قد يكون بالحق، فإن للمحق أن يتيكبر على ~~المبطل، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة. # والثاني: أن يكون صفة الفعل التكبر، أي تبكرون بما ليس بحق، وما هم عليه ~~من ذنبهم، ثم قال سبحانه: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} فبين تعالى أنه ~~إنما صرفهم لأنهم لا يؤمنون {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا ~~سبيل الغي} أي الضلال والهلام {يتخذوه سبيلا} سبيل الرشد عبارة عن طريق ~~الهدى أو الدين الحق، والصواب في العلم[615] والعمل، وسبيل الغي ما يكون ~~مضادا لذلك، ثم بين تعالى أن هذا الصرف وإتخاذ الغي إنما كان لأمرين: # أحدها: قوله: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} أي معجزات الأنبياء عليهم السلام . # قال في الكشاف: ذلك في محل الرفع أو النصب على معنى ذلك الصرف بسبب ~~تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك الصرف بسببه. PageV20P172 # والثاني: قوله: {وكانوا عنها غافلين} والمراد أنهم واضبوا على الإعراض عنها ~~حتى صاروا بمنزلة الغافل، ثم بين تعالى حال أولئك المذكبين فقال: {والذين ~~كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم} يجوز أن يكون لقاء الآخرة من ~~إضافة المصدر المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، أو من ~~إضافة المصدر إلى المفعول به، أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم احوالها للمعاد، ~~وجزائهم على المعاصي، فأخبر عز وجل أن أعمالهم التي يرجوها المؤمن كصلة ~~الأرحام وقرئ الضيف محبطة، ثم قال: {هل ms2278 يجزون إلا ما كانوا يعملون} وفيه ~~حذف، والتقدير هل يجزون إلا بما كانوا يعملون في الدنيا، أو على ما كانوا، ~~أي لا يجزون إلا عقاب تكذيبهم كما لا نجزي المؤمنون إلا ثواب إيمانهم، ثم ~~أخبر تعالى عن قصة إتخاذ السامري العجل فقال: {واتخذ قوم موسى من بعده} أي ~~من بعد مسيره إلى الطور {من حليهم عجلا جسدا له خوار} وإنما قال: واتخذ قوم ~~موسى والمتخذ السامري لأنه المتخذ ورضي الباقون، أو لأنهم بين صانع وعابج ~~وراض، فنسب إليهم معا، فإن قيل: لم قال من حليهم ولم يكن الحلي لهم وإنما ~~حصلت في أيديهم على سبيل العارية؟ قيل: إنه لما أهلك الله قوم فرعون بقيت ~~تلك الأموال في أيديهم، وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم، بدليل قوله تعالى: ~~{كم تركوا من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم، كذلك وأورثناها بني إسرائيل} ~~قيل إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، ~~فاستعاروا لهم إلها يعبدونه، فصاغ السامري عجلا، ثم اختلف فزهم قوم أنه كان ~~قد أخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل ~~فانقلب لحما ودما وظهر منه خوار مرة واحدة، فقال السامري: هذا إلهكم وإله ~~موسى، والصحيح وهو قول أكثر المفسرين من أهل البيت عليهم السلام وغيرهم انه كان PageV20P173 قد جعل ذلك العجل مجوفا وجعل في جوفه أنابيت على شكل مخصوص، وكان قد وضع ~~ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في تلك الأنابيب وتظهر منه ~~صوت مخصوص يشبه خوار العجل. # وقال آخرون: غنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصل فيه ~~العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس، وسمعوا الصوت من جوفه كالخوار. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى له خوار أي صوت مثل صوت التبيع ~~من البقر، وهو على صورته، وذلك أنه جعله أجوف محرقا، ثم أقبلت الريح فتولد ~~منه صوت مثل الخوار، وزعم بعض الجهال أنه قبض قبضة من أثر فرس جبريل ms2279 عليه ~~السلام وزعموا بجهلهم وضعف تمييزهم وعقولهم[616] أنه لما وضه القبضة في جوف ~~العجل خار، وجبريل عليه السلام لا يحتاج إلى الركوب، ولو ركب أيضا لما خار ~~العجل من كف التراب، ولا يقول بهذا أحد من ذوي الألباب، انتهى. # ومعنى عجلا أي تمثال عجل من البقر، ومعنى جسد أي جسما لا روح فيه، أي ما ~~هو إلا مجرد جسد، وفيه تضليل لهم. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك ~~العجل إلها بقوله: {ألم يروا} بأبصارهم حين اتخذوه إلها {أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا} إلى الصواب والرشد، وكل من كان كذلك كان إما جمادا وإما ~~حيوانا عاجزا، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلهية، ثم ابتدأ فقال: ~~{اتخذوه} أي أقدموا على ما أثدموا عليه من الأمر المنكر {وكانوا ظالمين} ~~لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة العجل، وكانوا ~~واضعين كل شيء في غير موضعه، فلم يكن إتخاذ العجل بدعا منهم، ولا أول ~~مناكرهم، وقوله تعالى: {ولما سقط في أيديهم} كناية عن شدة ندمه على عبادة العجل. PageV20P174 # اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد سقط في أيديهم أنه اشتد ندمهم على عبادة ~~العجل، واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة، فقال الزجاج: ~~معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال حصل في يده ~~مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد بسببها لما يحصل في القلب وفي النفس ~~بما يحصل في التدوير بالعين والوجه. # الثاني: قال في الكشاف: إنما يقال لم ندم سقط في يده؛ لأن من اشتد ندمه ~~يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها؛ أن فاه قد فيها، ثم قال تعالى: {ورأوا ~~أنهم قد ضلوا} أي بينوا ضلالهم تبيينا كأنهم أبصروه بأعينهم. # قال بعضهم: يجب أن يكون الموجز مقدما؛ لأن الندم والتحسر إنما يقعان بعد ~~المعرفة، فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم ~~من عظم الحسرة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: ms2280 يريد عز وجل أنه لما أسقط ما في ~~أيديهم من عبادتهم للعجل وادحضت حجتهم بعد موسى عليه السلام لما بين لهم ~~وازهر لهم من ضعيق عقولهم وخيالهم ندموا على ذلم، ولما بين لهم سوء أفعالهم ~~{قالوا لئن} عند ذلك {لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} بالتوبة علينا {لنكونن من ~~الخاسرين} لأنفسنا لوقوعها في النار، والخاسر هو الذي لم يربح ولم يظفر ~~بالخير ولم يفلح، انتهى. # وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحوى عليهما السلام ، ثم قال تعالى: ~~{ولما رجع موسى} من الطور {إلى قومه غضبان أسفا} الأسف شديد الغضب، وقيل: ~~الحزين. # قال الواحدي: والقولان متقاربان؛ لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب. PageV20P175 # قال في البرهان: والأسف المتأسف على فوت ما سلف الحزين على ما فرط الشديد ~~الغضب على ما عاين {قال بئسما خلفتموني من بعدي} والخطاب إما لهارون وقومه ~~بدليل قوله تعالى: {واخلفني في قومي} أي بئس ما خلفتموني حيث لم من عبد غير ~~الله، أو للسامري وقومه حيث عبدوا العجل مكان عبادة الله، وأما ما يقتضيه ~~بئس من الفاعل، والمخصوص بالذم فهو مضمر يفسره ما خلفتموتني، والمخصوص ~~بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتموني بها من بعدي خلافتكم، وأما قوله من ~~بعدي فمعناه من بعد ما رأيتم مني توحيد[617] الله ونفي الشركاء عنه، وإخلاص ~~العبادة له، أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، وأكفهم بما ~~طمحت........انصارهم من عبادة البقر، حين قالوا اجعل لنا إلها كما هلم آلهة ~~من حلق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلف من بعد، ولا يخالفوه، ونحوه فخلف ~~من بعدهم خلف أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة، وأما قوله تعالى: ~~{أعجلتم أمر ربكم} فمعنى العجلة التقدم بالشيؤ قبل وقته، ولذلك صارت ~~مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته، قاله ~~الواحدي، ولقائل أن يقول: لو كانت العجلة مذمومة فلم قال موسى عليه السلام: ~~{وعجلت إليك ربي لترضى}؟ # قال في البرهان: أعجلتم أمر ربكم يعني وعد ربكم الذي وعدني به من ~~الأربعين ليلة، ms2281 وقد ذكرنا الفرق بين العجلة والسرعة فيما مضى. # وقال في الكشاف: والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين ~~لعهده وما وصاكم به، فثبتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم ارجع ~~إليكم فحدثتكم أنفسكم فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. # وروي أن السامري قال لهم حين أخرح لهم العجل وقال هذا إلهكم وإله موسى أن ~~موسى لن يرجع، وأنه قد مات، وروي انهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها ~~أربعيبن، ثم أحدثوا ما أحدثوه. # وقال عطا: يريد أعجلتم سخط ربكم. PageV20P176 # وقال الكلبي: أعجلتم بعادة العجل قبل أن يأتيكم امر ربكم، ولما ذكر الله ~~تعالى أن موسى عليه السلام رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجبا له ~~وهو أمران: # أحدهما: أنه قال: {وألقى الألواح} يريد التي فيها التوراة، وسبب إلقائها ~~غضبه حين رآهم يعبدون العجل، أي طرحها لما لحقه من الدهش والغضب لله، ورروا ~~أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح انكسرت فرفع منها ستة أسباع ~~وبقي سبع واحد، وزعموا انه كان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى ~~والرحمة، ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح، فأما أنه ~~ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس في القرآن، وأنه جرأة عظيمة على كتاب الله ~~تعالى، ومثله لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم . # والأمر الثاني من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب قوله تعالى: {وأخذ برأس ~~أخيه} هارون أي بشعر رأسه {يجره إليه} لشدة ما ورد عليه وذهب بفطنته، وكان حديدا. # قال في البرهان: أي أخذ بجملة رأسه، فإن قيل: فلم قصده بمثل هذا الهوان ~~ولا ذنب له؟ فعن ذلك جوابان: # أحدهما: أن هذا الفعل مما قد يتغير حكمه بالعادة، فيجوز أن يكون في ذلك ~~الزمان بخلاف ما هو عليه الآن. # والثاني: أن ذلك منه كقبض الرجل الآن منا على لحيته وعضه على شفته عندما ~~يهمه من الأمور، انتهى. PageV20P177 # قال الرازي: والطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره على ~~سبيل الإهانة والاستخفاف، والمثبتون ms2282 لعصمة الأنبياء عليهم السلام قالوا: جر ~~رأس أخيه ليسأله ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة، فإن قيل: فلماذا قال: {قال ~~ابن أم إن القوم استضعفوني} الآية؟ فالجواب عنه أن هارون عليه السلام خاف ~~أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة ~~العجل وقد نبهتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنهم به عن هذا العجل فلا ~~تفعل[618]ما يشمت بي أعدائي فهم أعداؤك، فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي ~~يفعله على الإهانة لا على الإكرام، وأما قوله: {قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني} فقال في البرهان: كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه، وإنما قال ذلك ~~على عادة العرب استعظاما بالرحم، قال الشاعر: # يابن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خليفتي لأمر شدبد # انتهى. # ومعنى إن القوم استضعفوني أي لم أقصر في الكف والوعظ حتى قهروني ولم ~~يلتفتوا إلى كلامي {وكادوا يقتلونني} والمعنى أنه لم يأل جهدا في كفهم ~~بالوعظ والإنذار، وبما بلغته طاقته، ولم يبق إلا أن يقتلوه {فلا تشمت بي ~~الأعداء} يعني أصحاب العجل، فلا تفعل بي ما هو فيهم من الاستهانة بي ~~والإساءة {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} أي لا تجعلني شريكا لهم في ~~يعقوبتك على فعلهم. PageV20P178 # قال في البلغة: وفي الآية حجة واضحة بما جرى، ودلالة ظاهرة لأمير المؤمنين ~~صلوات الله عليه على فساد قول من يقول إنه لو كان إماما لما سكت عن القوم؛ ~~لأن في ذلك تعجيزا له وحاشاه عن ذلك، مع الحال التي كان له في الشجاعة، ~~وذلك أن هارون كان نبي الله فاعتذر إلى موسى أنه صار مستضعفا في أيدي الثوم ~~مغلوبا، وأنهم قصدوا قتله، وصدقه الله في جميع ذلك وصدقه موسى وقبل عذره، ~~وإذا جاز أن يكون نبي الله مغلوبا في بعض الأحوال مشتضعفا مقصودا بالقتل ~~ولا تبطل بذلك نبوته، ولا يحل به عارا وشنارا وذم وعجز، فغير النبي أولى ~~بذلك وأحرى، وقد روت جماعةمن ثقات الرواة أن أمير المؤمنين عليه السلام ~~بذلك وهو على المنبر بالبصرة بعد فراغه ms2283 من حرب الجمل وذلك أن رجلين تنازعا ~~بين يدي المنبر، فقال أحدهما للآخر: لو علم أمير المؤمنين عليه السلام ~~فقال: يا قومي إني اقتديت في ذلك ستة من أنبياء الله عليهم السلام أولهم: ~~إبراهيم عليه السلام حين قال:واعتزلكم وما تدعون من الله، وادعوا ربي عسى ~~أن لا أكون بدعاء ربي شقيا، فإن قلتم: إنه اعتزل قومه من غير مكروه رأى ~~كفرتم، وإن قلتم أنه اعتزل قومه لمكروه رأى فإني أولى وأعذر. # والثاني: نوح عليه السلام أنه قال ما حكى الله تعالى عنه بقوله عز وجل: ~~{فدعا ربه إني مغلوب فانتصر} وروي أنه قال: والثاني موسى عليه السلام حين ~~قال: {ففرت منكم لما خفتكم}...الآية، فإن قلتم أنه فرض من قومه من غير ~~مكروه رأى كفرتم، وإن قلتم أنه فرض قومه من مكروه راى فالواصي أولى وأعذر. # والثالث: هارون عليه السلام حين قال: {إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلوني} فإن قلتم أنه لم يستضعف كفرتم، وإن قلتم أن أستضعف وقصد قتله ~~فالوصي أولى وأعذر. # والرابع: لوط عليه السلام حين قال: {لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن ~~شديد} فإن قلتم أنه قال ذلك من غير مكروه كفرتم، وإن قلتم أنه قال لمكروه ~~فالوصي أولى وأعذر. PageV20P179 # والخامس: يوسف عليه السلام حين قال: {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} ~~فإن قلتم أنه اختار السجن من غير مكروه كفرتم، وإن قلتم اختار السجن لمكروه ~~رأى فالوصي أولى وأعذر. # والسادس محمد صلى الله عليه وآله وسلم نومني على فراشه وذهب إلى الغار، ~~وفي هذا الباب مفنع شافي لمن أنصف، انتهى. # ثم حكى عز وجل[619] قول موسى عليه السلام: {قال رب اغفر لي} أي فيما ~~أقدمت عليه من الغضب {ولأخي} لما اعتذر إليه دعا ليرضيه ويظهر لأهل الشماتة ~~رضاه {وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين} ثم شرح تعالى حال عبدة العجل ~~فقال: {إن الذين اتخذوا العجل} إلها معبودا {سينالهم غضب من ربهم} هو ما ~~أمروا به من قتل أنفسهم، والمراد من قوله: {وذلة في الحياة ms2284 الدنيا} هو ~~خروجهم من ديارهم؛ لأن ذل الغربة مثل مضروب، هذا على أن المراد باللذين ~~اتخذوا العجل قوم موسى، وأما على أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم ~~الذبن كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففي الآية وجهان: # الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في ~~المناقب، يقولون للأبناء فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم، ~~كذلك هاهنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~باتخاذ العجل، وإن كان أباؤهم فعلوا ذلك، ثم حكى عنهم بأنهم سينالهم غضب من ~~ربهم في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وهو ما نال بني قريظة والنظير من ~~غضب الله بالقتل والجلا، ومن الذلة بضرب الحرية، كما قال تعالى في صفتهم ~~ضربت عليهم الذلة والمسكنة. PageV20P180 # والوجه الثاني: أن يكون التقدير أن الذين اتخذوةا العجل أي الذين باشروا ~~ذلك سينالهم، أي سينال أولادهم، صم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه، وأما ~~قوله: {وكذلك نجزي المفترين} فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب ~~الله والذلة في الدنيا، ولا قربة أعظم من قول السامري هذا إلهكم وإله موسى، ~~ثم قال تعالى: {والذين عملوا السيئات} من الكفر وغيره {ثم تابوا من بعدها} ~~ورجعوا إلى الله واعتذروا إليه {وآمنوا} أي أخلصوا الإيمان. # وفي البرهان: معناه أنهم تابوا من المعصية {إن ربك من بعدها} واستأنفوا ~~التوبة أي من تلك العظائم {لغفور} لستور عليهم.......لما كان منهم {رحيم} ~~منعم عليهم بالجنة. # قال في الكشاف: وهذا خكم عام يدخل تحته متخذوا العجل ومن عداهم عظم ~~خيانتهم، ثم أردفها بعظيم رحمته ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه ~~وكرمه أعظم واجل، ولكن لابد من حفظ الشريطة وهي التوبة والإنابة، وما وراه ~~طمع فارغ.............بادرة لا يلتفت إليها جازم. PageV20P181 # واعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين بعد ذلك ما كان منه ~~عند سكون الغضب فقال: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} هذا مثل كان ~~الغضب ms2285 يغريه على ما فعل ثم سكت أو على أن المراد بالسكوت السكون[620] ~~والزوال، أي سكن عنه الغيظ والحرد، وهذا ذكره الجسين بن القاسم عليه السلام ~~، وظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام عرف أن أخاه هارون لم يقع منه ~~تقصير، وظهر لهن صحة عذره فعند ذلك سكن غضبه وهو الوقت الذي قال فيه رب ~~اغفرلي ولأخي، وكما دعا لأخيه منبها بذلك على زوال غضبه؛ لأن أوكد ما قدم ~~من أمارات غضبه ما فعله من الأمرين صد دينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه، ~~وقوله أخذ الألواح المذكورة في قوله وألقى الأولاح ظاهر هذا يدل على أن ~~شيئا منها لم يتكسر ولم يبطل، فليس الأمر الذي ذكروه فيما مر صحيح، ثم قال ~~سبحانه: {وفي نسختها هدى} أي فيما نسخ فيها وكتب هدا من الضلالة {ورحمة} من ~~العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} فيعملون بما فيها، فإن قيل: التقدير الذين ~~يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله لربهم؟ قلنا: قد ذكروا فيه وجوها: # أحدها: أن تأخير الفعل مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت اللام اللتقوية، ونظسره ~~قوله للرؤيا تعبرون. # والثاني: أنها لام أجل، والمعنى الذين هم لأجل ربهم لا ريا ولا سمعة. # والثالث: أنها قد يراد أحرف الحر في المفعول، وإن كان الفعل متعديا ~~كقوله: قرأت السورة، وقرأت بالسورة، وألقى يده وألقى بيده، فعلى هذا هي صلة ~~وتأكيد، كقوله ردف لكم، ثم قال تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا} أي من ~~قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، وأما قوله: {لميقاتنا} فاختلف في هذا الميقات ~~فقيل هو الأول الذي واعده أن يؤتيه التوراة فيه، وروي عن ابن عباس وغيره، ~~وفيل هو غيره. PageV20P182 # قال السدي: وقت الله لموسى وقتا يأتيه بجماعة من بني إسرائيل يعتذرون إليه ~~من عبادة العجل بعد ميقات إعطا التوراة. # وفي البرهان: هو الميقات المذكور في سؤال الررية {فلما أخذتهم الرجفة} ~~وهي النار التي وقعت عليه من الصاعقة فأحرقتهم وماتوا، ثم أحياهم الله بعد، ~~انتهى، وقيل: رجف لهم الجبل فصعقوا وماتوا بدليل: ثم بعثناكم من بعد ms2286 موتكم، ~~ولما هلكوا من الرجفة {قال} موسى {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} سؤالهم ~~المحال، والذي لا يجوز عليه من الأوصاف. # قال السدي: قال موسى عليه السلام: يا رب كيف ارجع إلى بني إسرائيل وقد ~~أهلكت خيارهم ولم يبق معي رجحل واحد، فماذا أقول لبني إسرائيل، وكيف ~~يأمنونني على أحد منهم، فأحياهم الله، فمعنى قوله: لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي، أن موسى خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد إليهم ولم ~~يصدقوا أنهم ماتوا، فقال لربه لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا للميقات، فكان ~~بنو إسؤائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه لو شئت هلاكهم وقتلهكم ~~لأهلكتهم من قبل هذه الرجفة وإياي، ولكنك لم ترد بهذه الرجفة هلاكهم، ولكن ~~أردت بها نكال أعدائك وعذابهم، فأما هؤلاء المؤمنون فلم يرد ~~غير.............وزيادتهم في الإيمان، وترغيبهم؛ لأن كل هول أشرف عليه ~~الفاسقون فهو نقمة لهم، ولك هول رآه المؤمنون فهو توفيق لهم وزيادة في ~~آدابهم وعلمهم، انتهى. # وقوله: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} قال في البرهان: فيه قولان: # أحدهما: أنه سؤال استفهام خوفا من الله تعالى أن يكون عمهم بانتقامه، كما ~~قال: {واتفوا فتنة لا تصيبن الذين آمنوا منكم خاصة}. # والثاني: أنه سؤال نفي وتقديره إنك لا تعذب الأمة بنا كيف تهلكنا بما فعل ~~السفهاء. PageV20P183 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد وكيف تهلكنا بفعل غيرنا من ~~السفهاء[621] المتسمين بديننا هذا ما لا يكون أبدا من عدل ربنا، ولا نظنه ~~بمن هو أرحم بنا، وأبر من آبائنا وأمهاتنا، ثم قال: {إن هي إلا فتنتك} أي ~~إن هي إلا محنتك واختيارك لنا، ولمن تسمى بديننا التي يستحق بها ومن أجلها ~~المؤمنون الهدى والثواب، ويستحق عليها ومن أجلها الفاسقون الضلالة والعقاب ~~{تضل بها من تشاء} أي.........بالضلالة من تشاء إذا لم يصبروا على محنتك ~~واختبارك {وتهدي} وتوفق للصواب وتسمي بالهدى {من تشاء} أي من صبر على محنك ~~وسلم لك ورضي بحكمك، انتهى، ونسب الهدى والضلال إليه تعالى ms2287 لما كانت محنته ~~سببا لهما، فكأنه أضل وهدا على الاتساع في الكلام، فلا تعلق للمجبرة بهذه ~~الآية، ثم حكى تعالى عن موسى أنه قال بعد ذلك: {أنت ولينا} أي مولانا ~~القائم بأمورنا {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} لأن كل من سواه ~~قائما يتجاوز عن الذنب إما لطلب نفع أو لدفع ضرر، وأما الله سبحانه وتعالى ~~فهو الغني الحميد. # واعلم أنه من بقية دعا موسى عليه السلام عند مشاهدة الرجفة قوله: {واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة}. # قال في البرهان: في الحسنة وجهان: # أحدهما: أنها النعمة لحسن موقعها في النفوس. # والثاني: أنها مستحقة الطاعة. # وفي الكشاف: الحسنة عاقبة وحياة طيبة، أو توفيقا في الطاعة وفي الآخرة ~~الجنة، انتهى. PageV20P184 # والكناية التي تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال ~~المؤمنين من هذه الأمة، حيث أخبر الله تعالى عنهم في قولهم: ومنهم من يقول ~~ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ثم ذكر اشتغال العبد بالتوبة ~~والخضوع والخشوع فقال: {إنا هدنا إليك} أي تبنا إليك ورجعنا إلى طاعتك، ~~وعندنا عند المحن إلى حسن الظن بك؛ لأنه من هاد يهود إذا رجع، ولما حكى ~~الله تعالى دعا موسى عليه السلام {قال} عز وجل لموسى عليه السلام {عذابي ~~أصيب به من أشاء} وهو المستحق للعذاب، ويكون العفو عنه مفسدة، أو من أشا في ~~التعجيل والتأخير. # وقرأ الحسن من أسا من الإساءة، ثم قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} من ~~الحيوان المطيع والعاصي، فما منهم إلا يتقلب في نعمتي الدنيوية لا نعمة ~~الآخرة فلا يكون إلا للمؤمن وهي المراد بقوله: {فسأكتبها} أي أوجبها إيجابا ~~خاصا في الآخرة {للذين يتقون} منكم يابني إسرائيل في آخر الزمان، ويؤمنون ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. PageV20P185 # وفي البرهان: أي رجمتي لا تصل إلا المؤمنين أي الكطيعين لي دون الفجار ~~العصاة {ويؤتون الزكاة} أي زكاة أموالهم؛ لأنه من أشق فرائضهم، ولأنها تطهر ~~نفوسهم وأبدانهم {والذين هم بآياتنا يؤمنون} أي الذين هم بجميع دلائلنا ~~وكتبنا يؤمنون ولا ms2288 يكفرون بشيء منها، ثم بين من هم فقال: {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي} الأمي الذي لا يقرأ المكتوب ولا يكيتبه {الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} قال فيه: لأن في التوراة مكتوبا عندهم ~~أي سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك، واجعل كلامي فيه فيقول كلما أوصيته به، ~~وفيها وأما ابن الأمة فقد باركت فيه جدا جدا وسأدخره لأمة عظيمة، وفي ~~الإنجيل: إنه يخبركم بجميع الحق ويمدحني ويشهد لي، فهذا تفسير قوله يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال: {يأمرهم بالمعروف} وهو الحق ~~{وينهاهم عن المنكر} وهو الباطل، وإنما سمي الحق معروفا؛ لأنه معروف ~~بالصحة، وإنما سمي المنكر منكرا لأنه ينكر الصحة في العقول، ثم قال: {ويحل ~~لهم الطيبات} يعني ما كانت الجاهلية تحرمه[622] من الحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام {ويحرم عليهم الخبائث} يعني ما كانوا يستحلونه من أكل لحم ~~الخنزير والدما، انتهى. # ومن الخبائث الميتة أو ما جؤى من المكاسب كالربا والرشوة، وأما قوله: ~~{ويضع عنهم إصرهم} الإصر........الذي يأمر صاحبه أن يحبسه عن الحركة لنقله، ~~والأصل في الإصر هو الأمر الثقيل المتعب الصعب الشديد، قال الشاعر: # يا مانع الضيم أن تغشى سراتهم # والحامل الإصر عنهم بعدما غرقوا PageV20P186 وهو مثل لنقل تكليفهم الشاق، كاشتراط ............في صحة التوبة، وقطع موضع ~~النجاسة من الثياب، وإحراق الغناءم وتحريم العروق في اللحم، ونحو ذلك قوله: ~~{والأغلال التي كانت عليهم} مثل لما كان في شرعهم من الشدائد كتب القضا في ~~القصاص يفي العمد والخطأ من غير شرع، وقطع الأعضاء الخاطئة. # وعن عطا كانت بنو إسرائيل تصلي في مسوح الشعر، ويغلون أيديهم إلى ~~أعناقهم، وربما...........الرجل ترقوته لسلسلة يوثق بها نفسه إلى سارية، ~~ذكر هذا في الكشاف، ولعل القصاص في الخطأ لا يصح في أي شرع، والله أعلم، ~~وكذلك ثقب الترقوة للعبادة، وأما قتل الناس للتوبة فإنه عقاب، والعقاب به ~~أهون من عقاب النار، وفي البرهان: أراد بالأغلال المواثيق التي أخذت عليهم ~~فيما حرمه عليهم، انتهى. # واعلم أن الله بين بهذه الآية أن الرحمة لا يفوز بها ms2289 بني إسرائيل إلا من ~~اتقا وآتى الزكاة، وآمن بالدلائل في زمن موسى عليه السلام ، ومن هذه صفته ~~في أيام الرسول إذا كان متبعا للنبي الأمي في شرائعه. # واعلم أنه تعالى لما وصف محمدا بهذه الصفات التسع قال بعده: {فالذين ~~آمنوا به}. # قال ابن عباس: يعني من اليهود {وعزروه} أي عظموه وأجلوه، قال الشاعر: # عزروا الملوك في دهرهم ... وأطاعوا كل كذاب أثيم # يريد عظموا وأجلوا ملوك الدنيا، وقيل: عزروه ومنعوه عدوه، وأصل العزر ~~المنع، ومنه التعزير لما دون الحد؛ لأنه يمنع من معاود القبيح، ثم قال ~~تعالى: {ونصروه} أي على عدوه {واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي عليه، أو ~~أنزل مع نبوته؛ لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن، ويجوز أن يعلق باتبعوا أي ~~واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي، والعمل بسنته وبما أمر به ونهى عنه، ~~أو واتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه، كذا في الكشاف. PageV20P187 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: واتبعوا النور أي اتبعوا الحق الواضح ~~المبين الذي أنزله الله معه وأيده به ونصره وهداه بنوره ونصره. # قال في البرهان: وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لأصحابه: ((أي الخلق أعجب إيمانا إليكم)) قالوا: الملائكة، فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((إن الملائكة عند ربهم فمالهم لا يؤمنون)) فقالوا: فنحن ~~يا نبي الله، فقال: ((أنا فيكم فمالكم لا تؤمنون)) قالوا: يا نبي الله فمن ~~يأتون، قال: ((هم قوم يكذبون بعدكم، يجدون كتابا في ورق فيؤمنون به)) فهو ~~معنى قوله واتبعوا النور الذي أنزل معه، انتهى. وهذا الحديث حجة ~~في..........، ذكره المنصور بالله إمامنا القاسم بن محمد رحمة الله عليه ثم ~~إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال: {أولئك هم المفلحون} أي الفائزون ~~بالمطلوب في الدنيا والآخرة، ولما ذكر عز وجل فسأكتبها للذين يتقون، ثم ~~أخبر تعالى أن من شرط حصول الرحمة[623] لاولئك المتقين كونهم متبعين الرسول ~~الأمي، حقق بعد ذلك رسالته إلى الخلق أجمعين فقال: {قل ياأيها الناس} خطاب ~~لجميع المكلفين {إني رسول الله ms2290 إليكم جميعا} لا إلى العرب فقط، كما زعمت ~~طائفة من اليهود يقال لهم الحشوية وهم أتباع عيسى الأصفهاني، قالوا: إن ~~محمدا رسول صادق، مبعوث إلى العرب دون بني إسرائيل، ودليلنا على إبطال ~~قولهم هذه الآية، وأيضا فمما يعلم من دينه بالتواتر أنه كان يدعي أنه مبعوث ~~إلى كل العالم، ومع كونه رسولا حقا امتنع الكذب عليه، ووجب الجزم بكونه ~~صادقا في كل ما يدعيه، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام ~~باطل متناقض، وهذه الآية دلت على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم صادق في ~~ما يديعيه، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون بعض كلام باطل ~~متناقض، وهذه الآية قد دلت على أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى ~~كل الخلق، فهل في PageV20P188 غيره من الأنبياء من كان مبعوثا إلى كل الخلق أم لا. # قال في الكشاف: قيل بعث كل رسول إلى قومه خاصة، وبعث محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجن، وجميعا نصب على الحال من إليكم، انتهى. # قيل: تمسك جميع العلماء في أن أحدا يغيره كان مبعوثا إلى كل الخلق بقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: أرسلت إلى ~~الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وأطعمت الغنائم دون من قبلي)).................، ولقائل أن يقول: هذا الخبر ~~لا يدل دلالة على هذا المطلوب؛ لأنته لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه ~~الخمسة من خواص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم تجعل لأحد سواه، ولم ~~يلزم من كون هذا المجموع من خواصه عدم كون غيره مبعوثا إلى جميع الخلق، ~~وأيضا قيل: إن آدم عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع أولاده، وعلى هذا ~~التقدير فقد كان مبعوثا إلى جميع الناس، وأن نوحا عليه السلام لما خرج من ~~السفينة كان مبعوثا إلى الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما ~~كانوا إلا ذلك القوم، والله ms2291 أعلم. # أما قوله تعالى: {الذي له ملك السماوات والأرض} فاعلم أنه تعالى لما أمر ~~رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة ~~هذه الدعوة، فلا تظهر فائدتها إلا بتقرير ثلاثة أصول: # أولها: إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا، والذي يدل عليه ما ذكره في ~~قوله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض، وذلك أن أجسام السماوات والأرض ~~تدل\ على افتقارهما إلى الصانع الحي العالم القادر م ن جهات كثيرة مذكورة ~~في القرآن وشرحها مذكور في هذا التفسير المبارك إن شاء الله تعالى. PageV20P189 # والأصل الثاني: إثبات أن إله العالم جل جلاله واحد منزه عن الشريك والضد ~~والند، وإليه الإشار بقوله: {لا إله إلا هو}وهو بيان للجملة قبلها؛ لأن من ~~ملك العالم كان هو الإله عن الحقيقة، وإذا ثبت أن الإله واحد فحينئذ يكون ~~جميع الخلق عبيدا له، ويكون تكليفه على الكل نافذا وانقيادهم لكل أوامره ~~ونواهيه......... # والأصل الثالث: إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والقيامة، وإلى ~~تقرير هذا الأصل الإشارة بقوله: {يحي ويميت} قيل: الحياة والموت غرضان لا ~~يقدر عليهما غيره، وقيل: ذمرهمنا تنبيها على الجزاء، ولولاه لما حسن التعبد ~~ولما ثبتت هذه الأصول بهذه الأدلة[624] المذكورة في هذه الآية، قال تعالى: ~~{فآمنوا بالله} وهذا الترتيب في غاية الحسن، وذلك لأنه لما بين أولا أن ~~القول تبعث الأنبياء والرسل أمر جائز ممكن أردفه بذكر محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم رسول حق من عند الله؛ لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين ~~جوازه أولا ثم حصوله ثانيا، ثم إنه بدأ بقوله: آمنوا بالله لأن الإيمان ~~بالله أصل، والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه، والأصل يجب تقديمه فلهذا ~~السبب بدأ بقوله: فآمنوا بالله، ثم أتبعه بقوله: {ورسوله النبي الأمي} وإن ~~كان نقصا في يغيره فهو شرف فيه شاهد على إعجاز القرآن؛ لأنه لم يكن بخالط ~~أهل الكتاب ولا يقرأ ولا يكتب، ولا يقال جاء به من الكتب السالفة، فلهذا ~~كان من أعظم المعجزات. ms2292 PageV20P190 # قال في الكشاف: فإن قلت: فهلا قيل فآمنوا بالله وبي بعد قوله إني رسول الله ~~إليكم؟ قال: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت، ~~ولما في طريقة الإلتقات من مرية البلاغة، ولتعلم أن الذي وجب الإيمان به ~~واتباعه هو هذا الشخص المسستقل بأنه النبي الأمي {الذي يؤمن بالله وكلماته} ~~أي كل كتبه ووحيه كائنا من كان أنا وغيري، إظهارا للنصفة، وتفاديا من ~~العصية لنفسه، ولما ثبت بالدلائل القاهرة نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال تعالى: {واتبعوه} أي اقتدوا به في القول والفعل إلا ما خصه ~~الدليل، ثم قال: {لعلكم تهتدون} أي لتهتدوا. PageV20P191 # واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أنه يجب على ~~الخلق متابعته أخبر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدا إليه، فقال: {ومن قوم ~~موسى أمة يهدون} النساس {بالحق} أي بكلمة الحق، وهم المؤمنون الثابتون ~~الذين لم ينزلوا عن دينهم من بني إسرائيل، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: هؤلاء قوم ~~علىة ملة موسى من وراء الصين لم يبلغوا دعوة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، قاله في البرهان، ولقائل أن يقول: هذا القول ضعيف؛ لأنه إما أن يقال ~~وصل إلأيهم خبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإما وصل إليهم هذا الخبر؟ ~~فإن قلنا: وصل خبره إليهم ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار، وكيف يجوز ~~وصفهم بانهم أمة يهدون بالحق؟ وإن قلنا: إنه لم يصل إليهم خبر محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم فهذا بعيد؛ لأنه لما وصل خبرهم إلينا مع أن الدواعي لا ~~تتوفر على نقل أخبارهم فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره ولم يبق الله أهل مدر ولا ~~وبر ولا سهل ولا جبل، ولا بر وبحر في مشارق الأرض ومغاربها إلا وقد ألقاه ~~إليهم وملأتهم ms2293 مسامعهم، وألزمهم به الحجة، وهو سائلهم عنه يوم القيامة، فإن ~~قالوا: أليس ياجوج وماجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم؟ قلنا: ~~هذا ممنوع، فمن أين تعرف أنه لم يصل خبرنا إليهم فهذا حمله ما قيل في هذا ~~إذا عرفت هذا فمعنى يهدون بالحق أي يدعون الناس إلى الهداية بالحق {وبه ~~يعدلون} أي بالحث والصدق، ويحسنون العجل، والعدل هو الإحسان[625] والصواب ~~وهو مشتق من الثبات والاعتدال، ثم شرح عز وجل نوعين من أحوال بني إسرائيل: PageV20P192 # أحدهما: قوله تعالى: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا} أي صيرناهم فرقا، وميزنا ~~بعضهم من بعض لقلة الألفة، والأسباط جمع سبط وهو ولد الولج، ولم يقل سبطا؛ ~~لأن المراد اثنتي عشر قبيلة، وكل قبيلة أسباط، فوضع أسباطا موضع قبيلة، ~~وكانوا اثنتى عشر قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام ، ~~وقوله: {أمما} بدل من أسباط، أو من اثنتي عشرة؛ لن كل أسباط كانت أمة عظيمة ~~كل واحدة يوم خلاف ما ............الأخرى لا تكاد تأتلف. # والنوع الثاني من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى ~~إذ استسقاه قومه} أي وقت استسقائه لهم في.............؛ لأنهم عطشوا فدعا ~~بالسقيا فأوحا الله إليه {أن اضرب بعصاك الحجر} وكانوا يديرونه مع أنفسهم ~~فيأخذون منه قدر الحاجة. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى أنه أوحى إلى نبيه موسى أن ~~يضرب الحجر عند حاجتهم إلى الماء ليكون آية ومعجزة بينة على نبوته، وحجة ~~لله عز وجل، ودليلا على ربوبيته، وروي انها كانت حجر صغيرة تحمل بالأيدي ~~لصغرها، وتفجر بأكثر الماء وأغزرها، وليس من شأن الحجر الصغيرة أن تحمل ~~عيون الماء العظيمة الغزيرة، وكان أصحاب موسى عليه السلام اثنتى عشر قبيلة، ~~فجعل الله لهم من هذه الحجر اثنتي عشر عينا، لكل قبيلة بعين يشربون بها، ~~ومعنى {فانبجست منه اثنتا عشرة عينا} أي انفجرت وسالت بمشيئة الله وجرت، انتهى. # والمعنى فضرب فانبجست فحذف لهده اللبس، قيل: والحجر كان من الطور حمله له ~~أربعة أوحه ينبع من كل وجه ثلاث ms2294 أعين في ساقية إلى السبط الذي أمر أن ~~يسقيهم، وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنتي عشر قيلا، والله أعلم. # ثم قال: {قد علم كل أناس مشربهم} أي كل سبط عينهم التي يشربون منها، ولما ~~ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم قال ثانيا: {وظللنا عليهم الغمام}. PageV20P193 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يمكن أن يكون أظلهم بالغمام وهو الحاب ~~لما فيه من نزول الأمطار وحياة الحيوان، وجميع الثمار، ويمكن أن يكون أظلهم ~~من حر النار، وكل ذلك نعمة من الواحد القهار. # وقال ثالثا: {وأنزلنا عليهم المن والسلوى} قيل: إن المن شيء من المأكول ~~وهو حلو فيما، والله أعلم. # والسلو طائر فيما روي، وجملة الخبر أن الله عز وجل أنزل عليهم المن ~~والسلوى وهما نعمتان ولذتان وصنفان من الفضل والإحسان، يستحق الله الشكر ~~عليهما من ذوي الإيما..............انتهى، قيل: المن........حلو كالثاج ~~ينزا عابهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع بكفيه، والسلو طائر ~~يسمى السمانا.............يذبح الرجل ما يكفيه، ولا شك أن مجموع هذه ~~الأحوال نعمة من الله تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه، ~~ودفع عنهم مضار الشمس، ثم قال: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي من حلاله أو ~~ملاذه وليس الحرام رزقا، والمراد قصر نفوسهم عل ى ذلك المطعوم وترك غيره، ~~ثم قال تعالى: {وما ظلمونا} أي ما رجع ضرر ظلمهم علينا بكفر النعم {ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون} وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أخزا إلا ~~نفسه حيث يسعى في ضرر نفسه وصيرها مستيحقة للعذاب العظيم، قوله تعالى: {وإذ ~~قيل لهم}[626] أي اذكروا وقت قيل لهم {اسكنوا هذه القرية} وهي بيت المقدس ~~{وكلوا منها حيث شئتم} واختلف في القائل، قيل هو موسى بعد التيه، وقيل: هو ~~يوشع دعاهم لغزوها. # قال في البرهان: واشتقاق القرية من قولهم الماء في الحوض إذا جمعه، وإنما ~~سميت قرية؛ لأن الناس يجتمعون إليها كما يجمع الماء في الحوض، فإن قيل: كيف ~~سمي الماء مسكنا والإنسان في أكثر بأحواله متحرك في مسكنه؟ ms2295 قيل: لأنه يترك ~~فيه التصرف فصار في أكثر أحواله ساكنا، وإن كان في بعضها متحركا، انتهى. PageV20P194 # وأما قوله عز وجل: {وقولوا حطة} فمعناه حطة فهي كلمة تعبدهم الله بها ومحنة ~~من المحن جعلها ليمحص بها ضمائرهم، ويظهر بها اعتقادهم وسرائرهم، فرحم الله ~~عبدا أجدر على نفسه من سوء الظنون، واعتمد على العقل الصحيح واليقين، لوم ~~يعجل عند محن الله إلى سوء الظن والجنون ومشاركة أهل العمى والمجون، ومعنى ~~{وادخلوا الباب سجدا} أي ادخلوا الباب خشعا لله عز وجل، وسيروا عند ذلك ~~بالسكينة والوقار، والخشية لله الواحد الجبار، ولم يرد في هذا الموضوع ~~سجودا على الوجوه، وإنما أراد ما ذكرنا، وكذلك روينا عن أئمتنا وسلفنا ~~عليهم السلام . PageV20P195 # قال في الكشاف: فإن قلت كيف اختلفت العبارة هاهنا وفي سورة البقرة؟ قال: لا ~~بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله اسكنوا ~~هذه الفرية فكلوا منها وبين قوله: وكلوا لأنهم إذا سكنوا القرية فسببت ~~سكناهم الأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناهم والأكل منها، وسوا ~~قدموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهما، وترك ~~ذكر الوعد لا يتناقض إتيانه، وقوله: {نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين} ~~موعد بشيئين بالغفران وبالزيادة وطرح الوا ولا يحل لك؛ لأنه استساق مرتب ~~على تقدير قول القائل، وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: سنزيد المحسنين، فهذه ~~الكلمة ثوابا كما يغفر للمسيء، ثم قال تعالى: {فبدل الذين ظلموا منهم قولا ~~غير الذي قيل لهم} يريد أنهم بدلوا طاعة الله بالعصيان واتبعوا أهواؤهم في ~~طاعة الشيطان، والمراد طلب مغفرة ذنب امتناعهم على موسى من دخول القرية ~~أمروا بالتوبة محطة، أو ما في معناها فعدلوا إلى ما يشتهون من الدنيا، ~~فقالوا حنطة استهزاء بما قيل لهم، قيل: ويحتمل المراد بقوله حطة أي توبوا ~~إلى الله سبحانه مما سلف منكم، وليس المراد اللفظ، وبقوله فبدل الذين ظلموا ~~قولا أي غيروا ولم يمتثلوا لما أمروا به، وقالوا قولا لم يسلموا من تبعته، ~~وأما قوله: {فأرسلنا عليهم ms2296 رجزا من السماء بما كانوا يظلمون} فقال الحسين ~~بن القاسم عليهما السلام معنى رجزا يريد أنه أرسل عليهم عذابا من السماء، ~~والرجز هو العذاب، انتهى. # وروي أنه مات منهم بالطاعون أربعة وعشرون ألفا، وقيل: سبعون ألفا. PageV20P196 # واعلم أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل اليهود تبنيها ~~لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبمعجزاته ليس ~~سببا حادثافي هذا الزمان، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلا في أسلافهم في ~~الزمان القديم، فقال سبحانه: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة}. # قال في الكشاف: وهذا السؤال معناه[627] التقرير والتقريع تقديم كفرهم ~~وتجاوزهم لحدود الله، والإعلام بأن هذا من علومهم التي لا يعلم إلا بكتاب ~~أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم علم أنه من جهة الوحي، والقرية ~~آملة، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية، ومعنى حاضرة ~~البحر أي قريبة منه راكبة لشاطئه، ومعنى {إذ يعدون في السبت} يعني يعتدون ~~أي يجاوزون حد الله فيه بالاصطياد فيه، وقد نهو عنه وهم مأمورون بأن لا ~~يشتغلوا فيه بغير العبادة، والسبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها بترك ~~الصيد والاستغال بالتعبد فقوله: إذ يعدون في السبت، معناه يعدون في تعظيم ~~هذا اليوم، وكذلك قوله يوم سبتهم معناه يوم تعظيم أمر السبت، ويدل عليه ~~قوله: ويوم لا يسبتون، وقرأ عمر بن عبد العزيز ويوم إسباتهم، وقرأ لا ~~يسبتون بضم الياء ، وقرأ علي رضي الله عنه لا يستوى اليا من استوى، وقوله ~~إذ يعدون محله الجر يدل على الاشتمال، ويجوز أن يكون منصوبا بكانت أو ~~بحاضرة البحر، وقوله: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا} نصب بقوله يعدون، ~~والمعنى نيلهم إذا عدوا في وقت الإتيان، ومعنى شرعا أي ظاهرة على وجع الماء. # وعن الحسن تشرع على أبوابهم كانها الكباش البيض، يقال: شرع علينا فلان ~~إذا دنا منا وأشرف علينا، وشرعت على فلان ف يبيته فرأيته يفعل كذا، والمعنى ~~أنها تشرع إليهم من كل مكان حتى ينتهين ms2297 إلى أبوابهم فعدوا فأخذوها في السبت. PageV20P197 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى الآية واسألهم سؤال توقيف لهم على ~~ما نزل بأهل القرية ليحذروا على أنفسهم وأهل القرية التي كانت حاضرة البحر ~~هم من قوم موسى عليه السلام ، وكانوا يصطادون السمك، فحظره الله عز وجل، ~~ومنعهم من الصيد يوم السبت، وكانت الحيتان إذا كان يوم سبتهم شرعا على ~~الساحل وأطراف الماء حتى تكبر جدا جدا، فإذا كان يوم الأحد وباقي الأيام لم ~~يكادوا يصطادون منها إلا القليل، وكان ذلك اختبارا لهم وامتحانا من الله عز ~~وحل فذهب نفر قليل فاعتدوا في السبت ولم يغضب الآخرون لربهم، بل شروا ~~الحيتان منهم ورضوا بفعلهم، فكانوا شركاء معهم فمسخ الله الجميع قردة ~~وخنازير، وقبحهم ولعنهم، انتهى. PageV20P198 # قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به يوم الجمعة ~~فتركوه واختاروا السبت، فابتلاهم الله، وحرم عليهم الصيد فيه، وأمروا ~~بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا ~~انقضى السبت ذهبت ولم تعد إلا في السبت المقبل، وذلك بلا ابتلاهم الله به، ~~فذلك معنى قوله: { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} ثم قال تعالى: {كذلك نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون} أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم أي نختبرهم ~~ونعاملهم معاملة المختبر بتشديد المحنة في ظهور السمك بحيث يمكنهم أخذها ~~وهي تحرم عليهم، ودل قوله بما كانوا يفسقون على أن من أطاع الله خفف الله ~~عنه أحوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بانواع البلاء والمحن قوله ~~تعالى: {وإذ قالت أمة منهم} معطوف على إذ يعدون، وحكمه في الإعراب ومعنى ~~أمة أي جماعة من صلحائهم[628] قد بالغوا في وعظهم حتى أيسوا، قالوا الآخرين ~~كانوا لا يقلقون عن وعظهم {لم تعظون قوما الله مهلكهم} أي يجزيهم ويطهر ~~الأرض منهم {أو معذبهم} في الآخرة {عذابا شديدا} لباديهم في الشر، وإنما ~~قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ ينفع فيهم {قالوا معذرة إلى ربكم} أي موعظتنا ~~.........عند الله ولئلا يسبب إلى تقصير وتفريط في النهي عن ms2298 المنكر، ومعنى ~~معذرة في اللغة قام بعذرهم، فعلة هذا معنى معذرة إلى ربكم أي قيام منا بعذر ~~أنفسنا إلى الله تعالى، فإذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا فعلنا ~~فنكون بذلك معذورين، وقوله: {ولعلهم يتقون} أي وجائز عندنا أن ينتفعوا بهذا ~~الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب، إذا عرتف هذا ففي الآية قولان: PageV20P199 # الأول: أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب، ومنهم من لم ~~يفعل ذلك، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين منهم من وعظ أهل القرية المدينة ~~وزجرهم عن ذلك الفعل، ومنهم من أنكر على الواعظين وقالوا: لم تعظون قوما مع ~~العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم، يعني أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا ~~الذنب إلى حد لا يكادون يمتنعون عنه، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة. # والقول الثاني: أن أهل القرية كانوا فرقتين فرقة أقدمت على الذنب وفرقة ~~أحجموا عنه، و............الأولين، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة ~~المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة ~~الواعظة لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم على زعمكم، والأصح هو القول ~~الأول؛ لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله معذرة إلى ربكم خطابا من الفرقة ~~بالناهية للفرقة المتعدية لقالوا: ولعلكم تتقون، ويؤيد ما قلناه ما رواه ~~محمد بن القاسم عليهما السلام في كتابه(دعائم الإيمان) بإسناده عن عكرمة، ~~عن ابن عباس قال: أخذ ابن عباس المصحف فقرأ هذه السورة يعني الأعرف فلما ~~بلغ قصة اليهود واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية قال ابن ~~عباس: يا عكرمة هذه قرية بجانب البحر يقال لها إيلة كان فيها قوم من اليهود ~~حرم الله عليهم صيد السبت فكان السمك إذا كان يوم السبت وقعت في الحفائر ~~ويأخذونها يوم الأحد، ففعلوا وآثروا وكثرت أموالهم فحين علم بهم قومهم ~~قالوا: يا قوم اتقوا الله ولا تستحلوا صيد السبت، فأبوا أن يقبلوا منهم، ~~فافترقوا ثلاث فرق فمن من استحل صيد السبت، ةومنهم من نهاهم ولم يعتزلهم، ~~والفرقة الثالثة نهت واعتزلت، قالوا والله ms2299 لا نناكحكم ولا نؤاكلكم ولا ~~نشاربكم حتى تتوبوا، فإنا نخاف أن ينزل لكم العذاب فيصيبنا معكم، وخرجوا من ~~قريتهم فقالت الفرقة التي نهت وأقامت فلم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~عذابا شديدا؟ قالوا معذرة إلى ربكم PageV20P200 ولعلهم يتقون، فقالوا: أما يتقوا ويتوبوا فيكتب لنا ثوابهم، وبإما أن ينزل ~~عليهم العذاب فلا يصيبنا معهم، وقرأ[629] ابن عباس حتى بلغ هذا الموضع، ~~فلما........زما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئس...الآية قال ابن عباس: فكان أهل القرية الذين استحلوا صيد السبت ~~يصبحون على خمورهم ولهوهم، ولهم ضجة في القرية، فلما أراد الله بهم العقاب ~~أصبحوا ذات يوم على خمورهم ولهوهم فناموا فلما تعالى النهار ولم يسمعوا لهم ~~صوتا، قال بعضهم لبعض: يا إخواننا إننا نخاف أن يكون قد نزل بهم العذاب ~~فاصعدوا رجلا إلى فوق السور، وكانت الأبواب مغلقة عليهم، فلما أشرف عليهم ~~نادى بأعلى صوته يا إخواننا هؤلاء إخوانكم قردة لهم أذناب تعالوا، ثم نزل ~~ففتح لهم الباب فدخلوا عليه، فكان القرد يجيء إلى قريبه وابن عمه، والقدرة ~~تجيء إلى قريبها وابن عمها فلا يعرفه الرجل حتى يوم ويحرك ذنبه فيقول له ~~برأسه أي نعم، ثم يبسطي يده ويقول ذلك بم يبكي وتدم ع عيناه، فلما بلغ ابن ~~عباس هذا الموضع بكا حتى علا بكاؤه، ثم قال: والله ما سمعت يقول نجا إلى ~~الفرقة التي نهت واعتزلت، ولقد أهلك الله الفرقتين جميعا التي عصت والتي ~~نهت، وأقامت معهم، ثم أبلى ابن عباس، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون، فلم يرض ~~الله عز وجل من أهل العلم والقيام له بالتقصير إلا بحقائق التيغيير والنهي ~~لهم، والعزلة منهم والمباينة لهم في أفعالهم وأقوالهم ومستقرهم ومقامهم. PageV20P201 # وقال أبو ذر رحمة الله عليه: يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية: ياأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وإني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه ms2300 وآله وسلم يقول: ((أيما قوم عمل بينهم بالمعاصي فلم يأخذوا ~~على يد الظالم إلا عمهم الله جميعا بعقاب من عند الله)) انتهى. ومثل هذا ~~ذكر القاسم عليه السلام في كتاب (الهجرة) والإمام الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام . # وعن الحسن: أكلوا والله........أكلة أثقلها خزيا في الدنيا والآخرة ~~وأطولها عذابا في الآخرة، وأيم والله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله ~~من حرمة مسلم، ولكن الله جعل موعدا والساعة أدهى وأمر. PageV20P202 # وأما قول من قال: إن الفريق الذي قالوا لم تعظون قوما الله، من فريق ~~الناجين لعلمهم بحال القوم، وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر ~~فيه سقط عنه النهي لدخوله في باب العبث، فإنه يأباه قوله تعالى حاكيا ~~قالوا: معذرة إلى ربكم، وذلك أن المعذرة إلى الله سبحانه لا تكون عما لا ~~يجب، فثبت كون الواعظين فعلوا ما يجب عليهم، وأنهم قد قرروا قول الطائفة ~~التي قالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم، أي لا ينفع الوعظ فيهم، فكأنهم ~~قالوا صدقتم لكن ليس ذلك عذر لنا في السكوت؛ لأنه يجب علينا أن نفعل ذلك ~~معذرة إلى الله تعالى لنخرج عما يجب علينا له تعالى من إلزام الحجة على من ~~عصاه، حتى يكون لنا عذرا في النجاة من عقابه، وأما قوله عز وجل[630] حاكيا: ~~{ولعلهم يتقون} فإنه علة أخرى ف يوجوب الوعظ، فكأنهم قالوا إن الوعظ ~~والتذكير واجب علينا بكا حال، إما للخروج من عهدة الواجب أو لرجوى ارتداعهم ~~واتعاظهم، ويدل على هذا قوله تعالى بعدها: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي ~~تركوا أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما نسى {أنجينا الذين ~~ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} فلم يخبر ~~سبحانه إلا بنجاة الناهين فقط، وأيضا بقول: إن ترك الوعظ معصية، والنهي ~~أيضاض عنه معصية، فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله: ~~وأخذنا الذين ظلموا، والله أعلم. PageV20P203 # ثم أخبر تعالى أنه أخذهم بعذاب بئس، والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ ms2301 ~~المتأخر ذكره، ثم لما عتو أمسخهم، وقيل: العذاب البئس هو المسخ، وقوله: ~~فلما عتوا تكرير لقوله فلما نسوا، يقال: نوس ينوس ناسا إذا اشتد فهو بئس، ~~وقرئ بئس على وزن حذر، وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء كما ~~يقال كيد في كيد على قلب الهمزة يا كذئب في ذيب، ثم أخبر تعالى أنهم مع ~~نزول العذاب بهم تمردوا فقال عز من قائل: {فلما عتوا} تكبروا {عن ما نهوا ~~عنه قلنا لهم كونوا قردة} أي أردنا كونهم قردة، وقوله: قلنا لهم عبارة عن ~~مسخهم، كقوله إنما أمره الآية، ومعنى {خاسئين} أي أذلا، جامعين بين القردية ~~والخسوة؟، وقيل: صامتين متعدين. # قال ابن عباس: أصبح القوم وهم قدرة صاغرون فمكثوا كذلك ثلاثا يراهم الناس ~~ثم هلكوا واختلفوا في أن الذين مسخوا قردة هل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ~~وانقطع نسلهم بلا دلالة في الآية عليه، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم كانو ~~رجالا ونساء، فمسخ الله الذكر ذكر والأنثى أنثى، وكانوا يتعاونون وكانت ~~تسيل دموعهم ولم يأكلوا ولم يشربوا، ثم أهلكهم الله فجائت ريح فهبت بهم ~~وألقتهم في الماء، وما مسخ الله أمة إلا أهلكها. # وروي عن ابن مسعود أنهم لمي لدوا بعد ما مسخوا، قال: وكذلك الممسوخ لا ~~يكون لهم نسل، قيل: لوم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما شرح هاهنا بعض فضائح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ~~ذكر بعده أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، فقال: {وإذ ~~تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع ~~العقاب}. # قال سيبويه: أذن أعلم وأذن نادى وصاح للإعلام، ومنه قوله تعالى: فأذن ~~مؤذن، وقوله: تأذن بمعنى أذن، كما أن قوله يعلم أي اعلم. PageV20P204 # قال في الكشاف: وهم يفعل من الإيذان وهوالإعلام، انتهى، فمعنى تأذن أي ~~تواعد لهم ذبذلك وأعلمهم أنه يرسل عليهم إلى يوم القيامة من يعرض عليهم سوء ~~العذاب وهو الذلة، وأخذ الجزية، قاله في البرهان، قوله: وإذ ms2302 تأذن أجري مجرى ~~فعل القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب لما يجاب به القسم وهو قوله ~~ليبعثن، والمعنى وإذا.....ربك وكتب على نفسه ليبعثن على اليهود إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب[631] فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فضربها عليهم فلا تزال مضروبة إلى ~~آخر الدهر، ومعنى ليبعثن عليهم ليسلطن عليهم كقوله: {بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد} ذكره في الكشاف، والضمير في قوله:..........عليهم أن يكون ~~راجعا إلى قوله: فلما عتاو عما نهوا عنه، قلنا لهم كونوا قردة خاسئين، لكنه ~~لما علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف اختلفوا فقال بعضهم: المراد ~~نساءهم والذين بقوا منهم. # وقال الآخرون: بل المراد سائر اليهود، فغن أهل القرية كانوا بين صالح ~~وبين متعد فمسخ الله المتعدي، وألحق الذل بالبقية، والأقرب وهو قول ~~الأكثرين أن هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية؛ لأنهم إذا علموا ابقا الذل عليهم إلى ~~يوم القيامة انجروا، ولا سبهة في أن المراد اليهود الذين بيتوا على الكفر ~~واليهودية، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فخارجون عن هذا ~~الحكم، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {إن ربك لسريع العقاب} المراد ~~التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا {وإنه لغفور رحيم} لمن تاب ~~فلا ييئس تائب من مغفرة، ثم قال تعالى: {وقطعناهم} أي اليهود {في الأرض} أي ~~فرقناهم فيها {أمما} فرقا لا يكاد تخلو من فرقة منهم، والمتقطع والتفريق ~~نوع من العذاب. PageV20P205 # قال في البرهان: وفيي تفريقهم وجهان: # احدهما: زيادة الانتقام منهم. # والثاني: لتمييز الصالح من المفسد، كما قال سبحانه: {منهم الصالحون}. # قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وآمنوا به، وقيل: المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ؛ لأنه ~~كان فيهم أمة يهدون بالحق {ومنهم دون ذلك} أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف ~~مخطون عنه. ms2303 # قال في الكشاف: وهم الكفرة والفسقة. # قال الرازي: المراد من أقام على اليهودية، قال: فإن قيل: لا يجوز أن يكون ~~قوله: ومنهم دون ذلك من يكون صالحا إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين؛ لن ~~ذلك إلى الظاهر أقرب، قال: إن قوله: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} يدل على ~~أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية، وخرج من الصلاح، ومعنى بلوناهم أي ~~عاملناهم معاملة المبتلى المخير بالحسنات، وهي النعم والخصب والعافية، ~~والسيئات وهي الجدب والشدائد، انتهى {لعلهم يرجعون} أي لكي يتنبهوا ~~ف.............ويتوبوا. PageV20P206 # وأما قوله تعالى: {فخلف من بعدهم} المذكورين من اليهود {خلف} ظاهره أن ~~الأول ممدوح، والثاني مذموم، وإذا كان كذلك فيجب أن يكون فخلف من بعد ~~ارصالحين منهم الذين تقدم خلف، والخلف بتحريك اللام مستعمل في الحمد، ~~وبتسكين اللام مستعمل في الذم {ورثوا الكتاب} التوراة، وبقيت في أيديهم بعد ~~سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم، ~~ولا يعملون بها، وقوله: {يأخذون عرض هذا الأدنى} تحقير له وتخسيس، وأراد ~~دنوا القرب؛ لنه عاجل قريب أو دنوا الحال وسقوطها، أي حطام هذا الشيء ~~الأدنا يريد الدنيا، وما يتمتع به منها، والمراد ما[632] كانوا يأخذونه من ~~الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل للعوام، بل حكى تعالى أنهم ~~يستحقرون ذلك الذنب {ويقولون سيغفر لنا} أي لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، ومع ~~ذلك هم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، لقوله تعالى: {وإن يأتهم عرض مثله} أي ~~حطام يأخذونه، وشبه بالغرض كالحركة لسرعة ذهاب مثله، والواو في وإن يأتهم ~~للحال، أي يرجون المغفرة حال العود إىل مثل فعلهم، والإصرار عليه، وهي لا ~~يكون مع الإصرار، ثم بين تعالى بقبيح فعلهم فقال: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب} أي الميثاق المذكور في التوراة وهو {أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق} يعني قوله في التوراة من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا ~~بالتوبة، وقيل: المراد منعهم عن تحريف الكتاب، وتغيير الشرائع لأجل أخذ ~~الرشوة، وكذلك في جميع الطاعات والمعاصي والأوامر، ثم قال ms2304 تعالى: {ودرسوا ~~ما فيه} أي تلو ما فيه فهم لا يجهلون شيئا منه، ويقدمون على مخالفته مع ~~العلم به، فهم ذاكرون لما أخذ عليهم؛ لنهم قد قرؤه ودرسوه، ثم قال تعالى: ~~{والدار الآخرة خير} من ذلك الغرض، وتلك الرشوة الخبيثة الحقيرة {للذين PageV20P207 يتقون} محارم الله تعالى، ثم قال: {أفلا تعقلون} أن الباقي خير من الفاني، ~~والاستفهام للتوبيخ. # وأما قوله: {والذين يمسكون بالكتاب} فمعناه يعملون به ويلتزمون ويتعلقون ~~بأمره، وينتهون عن نهيه، ومعنى {وأقاموا الصلاة} أدوها كاملة الأركان أفردت ~~بالذكر..............لفرقها بين الكفر والإيمان، والذي ن يمسكون مبتدأ ~~وخبره قوله: {إنا لا نضيع أجر المصلحين} وإن قل، أي إنا لا نضيع أجرهم فوضع ~~المظهر موضع الضمير للمدح والتعظيم؛ لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك ~~بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به، والمعنى أنه تعالى لا يترك أجر المحسنين ~~المجتهدين في الإصلاح من المؤمنين؛ لأن من كان من همته الإصلاح في البلاد ~~والإحسان إلى من يستسحق ذلك من العباد لم يضع له عند الله مثقال ذرة من ~~الخيرات، ولم يترك الله مكافأته على الحسنات، ولم يضره مع ذلك ما أصاب من ~~السيئات، ما لم يتعمد الكبائر الموبقات، قاله الحسين بن القاسم عليه السلام ~~، قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل} أي الطور، أي فعلناه ورفعناه {فوقهم كأنه ظلة}. # قال ابن عباس: كأنه سقيفة، والظلة كلما أضلك من سقف بيت أو سحابة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد تعالى أنه قلع الجبل عليهم ~~وأظلهم به، ورفعه فوق رؤسهم حتى أيقنوا بالهلاك أنه نزل بهم. PageV20P208 # قال في البرهان: قيل: رفع الجبل عليهم وعسكرهم فرسخ فرسخ في فرسخ، رفع ~~الجبل عليهم أنهم أبوا أن يقبلوا فرائض التوراة لما فيها من المشقة، فوعظهم ~~موسى عليه السلام فلم يقبلوا، فرفع الجبل، وقيل: إن أخذتموه بجد واجتهاد ~~وإلى ألقي عليكم، فقالوا: نأخذه بقوة ثم نكثوا {وظنوا أنه واقع بهم} والظن ~~هاهنا بمعنى العلم واليقين، لما عاينوا من ارتفاعه، ثم قال تعالى: {خذوا ما ~~آتيناكم بقوة} أي وقلنا خذوا ما أتيانكم ms2305 بقوة أي بجد واجتهاد، ونية صادقة، ~~وطاعة خالصة على احتمال ميثاق الكتاب وتكاليفه {واذكروا ما فيه} من الأوامر ~~والنواهي، واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب[633] أو اذكروا ما فيه مكن ~~الدلالة الباهرة والإنذار {لعلكم تتقون} ما أنتم عليه من مخالفة الله ~~تعالى، فإن قال: خبري أليس هذا إلجاء وقسر يوزعم أن ذلك ممتنع في الحكمة ~~وأي خلل في الحكمة لو فعل بجميع الكفار ذلك؟ قيل له: والله الموفق نتق ~~الجبل معجزة لموسى عليه السلام شاهدة بصدقه وبصدق التوراة ورفعه فوقهم ~~كمقاتلته من جحد، ولأنه أيضا بقي أياما حتى هان.........والسلامة، والله اعلم. PageV20P209 # واعلم أنه تعالى لما شرج قصة موسى عليه السلام مع توابعها على قص الوجوب ~~ذكره بغد هذه ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين فقال: {وإذ أخذ ~~ربك} أي واذكر إذ أخذ ربك {من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} من ظهورهم بدل من ~~آدل بدل البعض من الكل، معنى اخذ ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلابهم ~~نسلا بعد نسل {وأشهدهم على أنفسهم}يريد أنهم شهدوا على أنفسهم لما استشهدهم ~~وأقروا بربوبيته حين أمرهم وحين يتوالدوا، قوله: {ألست بربكم قالوا بلى} من ~~باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ~~ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين ~~الظلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال ألست بربكم قالوا بلى ~~انت ربنا {شهدنا} على أنفسنا وأررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل في كلام الله ~~ورسوله، وفي كلام العرب، ونظيره قوله عز وجل: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه ~~أن نقول له كن فيكون} فقال لها وللأرض أطيا طوعا أو كرعا. # قال في الكشاف: ويؤيد هذا المعنى من كلاك أئمتنا عليهم السلام قول القاسم ~~بن إبراهيم عليه السلام فإنه قال وأخذ الله على بني آدم فهو أخذه على أولهم ~~ما أخذ من الإقرار به، وبوحدانيته، والإقرار بفرائضه وكتبه ورسله، لا يزيله ~~عنهم شيء إلا أن تقوم الساعة، فرضا لازما في الأولين والآخرين، فهذا معنى ~~اخذ الله من بني ms2306 آدم، ومعنى من ظهورهم فهو أخذه على نسلهم نسلا بعد نسل، ~~والظهور ما يخرج من الظهور من النسول، وعلى ما يخرج منها كان لأحد عليها، ~~ألا تسمع كيف يقول ذرياتهم، فأخبر بذلك أنه على الذرية التي تخرج من ~~الظهور، ومعنى أشهدهم على أنفسهم فهو جعل من حجج العقل الشاهد لهم وفيهم ~~بحقائق ما أخذ الله من الإقرار بربوبيته، ووحدانيته عليهم، انتهى. PageV20P210 # قال الهادي عليه السلام: معنى أنه سبحانه أخذ على آدم صلى الله عليه وآله ~~وسلم ودرسه العهد بما ذكر من المعرفة والإقرار بربوبيته والتوحيد له، ~~والقول بالحق فيه، وألزمه وإياهم الإقرار بذلك، فكان ذلك عهد أخذه من آدم ~~في عصره وحينه عقدا باقيا، وفرضا على ذريته لازما لهم إلى يوم الدين، وحشر ~~العالمين، فلما أن كان قد أخذ العهد على آدم بذلك وجعله فرضا ثابتا على ~~ذريته لا يتيغير حاله ولا يزول فرضه، وإيجابه له على الخلائق أبدا، وكان ~~ذلك عهدا عهده الله عز وجل على آدم وذريته إلى يوم الدين، جاز أن نقول أخذ ~~ربك من بني من ظهورهم وذرياتهم، ومعنى من ظهورهم يقول من نسولهم، وعقبهم ~~نسلا نسلا، وعقبا بعد عقب. # وأما قول: وأشهدهم على أنفسهم فهو بما جعل لهم وركب من العقول لهم، فكانت ~~العقول تشهد لمن أنصفها بإبراء الصنع فيها لخالقها، وتدل بذلك على الله ~~صانعها، هذا معنى قوله وأشهدهم على أنفسهم، وقد يكون[634] الإشهاد يخرج على ~~معنى السهادة منهم أنفسهم، والإقرار بما أخذه سبحانه من العهد عليهم فكل ~~ذلك حسن في معناه جائز لمن احتذاه، فافهم ذلك، انتهى. PageV20P211 # وقيل: المراد بالآية اليهود لأن ما قبلها وبعدها فيهم، أي الذين قالوا عزير ~~بن الله، والمراد بذريتهم الذين كانوا من زمن محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقوله تعالى: {أن تقولوا} أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة على التوحيد ~~لئلا يقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} لم نتنبه عليه {أو} لئلا ~~{تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} فاقتدينا بهم ~~{أفتهلكنا ms2307 بما فعل المبطلون} الذين جلدناهم، أي كانوا السبب في شركنا ~~لتأسيسهم الشرك، وتقدمهم فيه، وتركه سنة لنا، والحاصل أنه تعالى لما أخذ ~~عليهم المشاق، وأمنع منهم التمسك بهذا العذر؛ لأن نصل الأدلة على التوحيد ~~وما نبهوا عليه قائم معهم ولا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على ~~التقليد والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد ~~منصوبة لهم، ثم قال تعالى: {وكذلك} أي ومثل ذلك التبليغ {نفصل الآيات} ~~ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق، ويعرضوا عن الباطل، والمراد بقوله {ولعلهم ~~يرجعون} عن الشرك، ثم قال تعالى: {واتل عليهم} يا محمد، أي اقرا على قومك ~~أو اليهود {نبأ الذي آتيناه آياتنا} وهو بلغم بن ناعور عالبم من علماء بني ~~إسرائيل،..........علم بعض كتب الله {فانسلخ منها} من الآيات بأن كفر بها ~~ونبذها وراء ظهره {فأتبعه الشيطان} أي لحقه وصار قريبا له، أو فأتبعه ~~خطواته في طرقه، قال { فكان من الغاوين}. PageV20P212 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى أن يتلو خبر الذي آتاه الله ~~معرفة آياته وعلمه ما يحتاج إليه من ثباته فانسلخ منها من تلك الآيات وخرج ~~م ن أوامر الله البينات، واتبعه الشيطان ليضله ويزيده عما إلى عماه، وبعدا ~~عن الله سيده ومولاه، لما خرج عن طاعة الله، واتبع هواه، وجانب سبيل نجاته ~~وتقواه، وإنما قص الله خبره على العباد ليحذروا من التجاهل بعد التبيين، ~~ولا ينسلخوا مما أتاهم الله من البينات فهم لم يقبلوا هذه الموعظة ولم ~~يفلحوا وأفسدوا بعد علمهم ولم يصبحوا، فصار هذا القول من الله حجة عليهم. # قال في البرهان: في قصة بلغم بن ناعور كان عنده بعض كتب الأنبياء رشاه ~~قومه على أن يسكت عنهم لا يتعرض لهم، ففعل ذلك وأقرهم على كفرهم، ورضي ~~بذلكم، فاتبعه الشيطان، يعني هذا الذي اغواه من شياطين قومه، فأخذ الرشوة ~~وصيرها لنفسه تابعا بإجابته حين أغواه تعالى، من اتبعت القوم إذا لحقتهم، ~~وتبعتهم إذا سرتن خلفهم، انتهى. PageV20P213 # وروى المفسرون عن ابن عباس وابن مسعود أن هذه الآية نزلت في ms2308 بلعم بن ناعور ~~قالوا: وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا ~~كفار، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة ~~وعنده اسم الله الأعظم، فامتنع منه فما زالوا يطلبونه حتى دعا فاستجيب له ~~على زعمهم ووقع موسى عليه السلام ونبي إسرائيل في التيهي بدعائه، فقال: يا ~~رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعا بلعم بن ناعور، فقال: كما سمعت ~~دعاؤخ علي يفاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه اسم ~~الله الأعظم والإيمان، قالوا: فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، ~~فهذه قصته عندهم، والصحيح من قصته ما رواه[635] الهادي عليه السلام حيث ~~يقول: هو بلعم بن ناعور الجوداني، قال وكان عالما بالغا في العلم، فدمر ~~الصحف الأولى، وكان معه أسماء الله تعالى فكان يدعو بها فتجاب دعوته، وكانت ~~بني إسرائيل قد عظمته، وكان في زمان موسى عليه السلام وجعلوه لهم ربانيا، ~~وجبوا إليه، وكانوا إذا قحطوا أو نالهم مكروه أتوه فدعا لهم بأسماء الله ~~الحسنى فهاب دعوته، وذلك قبل موسى عليه السلام فلما أدرك وا نبوة موسى عليه ~~السلام أدركه الحسد والكيد فقال:...............ورئاستي فأتاه العدو فقالو ~~ادعوا لنا على موسى فأجابهم إلى ذلك، فلما ركن على أن..........ليدعوا بما ~~كان مجمعهم كلمته ............... فقالت: تدعو على نبي الله إنك من ~~الغاوين، فرجع وقال: لست أدعو عليه ولكني احتال لكم عليه وعلى أصحابه بحيلة ~~يكون الظفر لكم عليهم والغلب، أشير عليكم أن تهادنوه وتعدوه أن تطيعوه ~~وتسلموا له، فإذا أرسلتم النساء البغايا إلى عسكره متزينات متعطرات كأنهن ~~يتابعن وسارين في عسكره فإن عسكره يصيبون المعاصي وييفسدون إيمانهم ~~بمواقعتهم المعاصي فيرفع عنهم النصر، ويستحقون بالمعصية الخذلان، ولا تثبت ~~أقدامهم عند اللقاء، فسيهزمون عنكم، ففعلوا ما PageV20P214 أمرهم به حتى بعدت حيلته ومكره منهم، ونسى ما وعظ، وأدركه الحسد والبغي، ثم ~~إن موسى عليه السلام قاتل بعد أن نقضا الهدنة، ومباينتهم له، وبدؤهم بالحرب ~~لما نفدت مكيدتهم، فكا ما لقي ms2309 أصحاب موسى لم تثبت أقدامهم، وانهد جيشهم، ~~فصلح موسى عطاف فلا ينعطف فأقام على هذا ثلاثا، ثم قال: يا نبي الله وكلمته ~~لقد عصيتم، وهبط الوحي إن أتيت جبا من أجبيت أصحابك فانظر ما فيه، فلما أتى ~~الجب إذا فاسق على فاسقة فطعنهما بحربته فشكهما جميعا وهما على قبح فعلهما، ~~ورفعهم وصاح وكان صبيا شديد القلب، شديد القوة، يا بني إسرائيل هذا الفعل ~~الذي يفعل بكم على أعقابكم عند القتال وشالهما حتى نظر العسكر إليهما وهو ~~يهزهما وهو حديد عجل الكلام، قد أزبد أسفا وغيظا وعبرة على من عصى الله، ~~وشدة في ذات، فلما رأت ذلك بنو إسرائيل اجتمعوا إليه وقالوا: انجدد البيعة ~~والعهد لله، وتصجح التوبة، فصفوا للصلاة والدعاء، وبسط نبي الله كيسا وكان ~~لهم دليلا على قوب توبتهم أن يجتمع فيه ألوا شتى فيعلمون أنها قد قبلت ~~توبتهم، فأمر موسى بالبوق فنفخ عند انفلاق الفجر من يوم الجمعة وهو من أحدث ~~أبواق الصفر، قيل: وكذا الحاجب لما شكى عسكره أنهم لا يشعرون بحركته، ~~فألهمه الله الأبواق الصفر، ثم أشار موسى عليه السلام واصطفوا بعد التوبة ~~للقتال فثبتت أقدامهم، وانقلب العدو على أعقابهم منهزمين، ومنح الله ~~أكتافهم، وغلب جند الله، فلما دخل عليه السلام القرية انبعث بلعم بن ناعور ~~وهو دالع لسانه، وقد ختم على فيه من الكلام، وهو يلهث كما يلهث الكلب، ~~والخلائق ينضرون كميف غير أمر الله فغير الله به، فأقام عبرة أياما، ثم قضى ~~عليه الموت، انتهى. PageV20P215 # ثم قال تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها} إلى منازل الأبرار من العلماء، أي لو ~~لزم العمل بالآيات؛ لأن المشيئة تابعة للعمل، ومسببة عنه، فكانت عن فعله ~~كأنه قيل[636]: ولو لزمها لرفعناه بها، دل على ذلك فعله المستدرك حيث قال: ~~{ولكنه أخلد إلى الأرض} قال: إلى الدنيا ورغب فيها، ولو كان على ظاهره لوجب ~~أن يقال ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشاء، أنه تعالى مثل قصته التي هي ~~مثل في الخسة فقال: {واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ms2310 عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث} أي يخرج لسانه مع تبسم مثله بالكلب في أحسن أحواله وهي دوام ~~اللهث، حمل عليه أو لم يحمل، بخلاف سائر الحيوان، ولا نفع منه اللهث إلا ~~إذا أحمل عليه، كأنه قيل: فمثله في الذلة ودوامها كمثل الكلب دائم الذلة ~~لاهث، طردته أو تركته، وكان حق الكلام أن يعدل ولكنه أخلد إلى الأرض فحططنا ~~منزلته فوضع قوله فمثله إلى آخره موضع فحططناه. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد أنك إن وضعته لم ينفع وإن ~~تركته لم ينتفع، فهو بمنزلة الكلب الذي يلهث إن تركته ويلهث إن زجرته، ~~فالزجر الترك عنده سواء، لا فرق بينهما ولا يترك طبيعته لواحد منهما، ~~واللهث في اللغة ه ودلع الكلب لسانه وتتابع نسمه، ويحتمل وجها آخر أن يكون ~~تشبيهه بالكلب لدتناءته وخسته، واتباعه لهو نفسه ونقاصته، والله أعز وأكرم ~~وأجل من أن يعتب على الكلب، وإنما عتب على من يمثل به، ولم يستعمل ما ركب ~~الله فيه من حجة عقله، وقيل: إن هذا الذي ذكره الله تعالى كان عارفا بالحق، ~~وتلاوته مظهر للعبادة، معروفا بديانته، فلما ظهر سيدنا موسى عليه السلام ~~حسده وأظهر حينئذ كفره وكيده، وقد رأينا من أمثاله وإخوانه في النفاق ~~وأشكاله ممن حفظ التنزيل وحرض عليه للنفاق والتراش على من لا يعقل من ~~الفساق، وأظهر الخشوع بجسده ولسانه وهو أعمى القلب عن الحق وبيانه. PageV20P216 # قلت: وفي هذا المعنى من الآية يقول المرتضى عليه السلام: هذا مثل ضربه لهذا ~~الممثل للكلب، فأراد عز وجل أنه في حالتيه حال معرفته وحال جهله سواء، لا ~~ينتفع بعلمه ولا يستفيق من جهله، فمثله بالكلب إذ هو علاى شيء واحد إن طرد ~~وإن ترك، وهو الدهر يلهث، فمثل الله تبارك وتعالى هذا المنسلخ بالآية التي ~~عرفها وأيقن بها وثبت عليها الجحد فيها، فانسلخ منها بعد المعرفة ونآ عنها، انتهى. # ثم قال: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا} فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين ~~بآيات الله، ومثل الذين كذبوا {بآياتنا} من اليهود بعدما قرأوا بعث ms2311 رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة، وذكر المعجز وما فيه، وبشروا ~~الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به. # وقال ابن عباس: يريد أهل مكة لأنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا ~~يدعوهم إلى طاعة الله، ثم جاءهم من لا ينكر في صدقه وديانته فكذبوه فحصل ~~التمثيل بهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؛ لأنهم لم ~~يهتدوا، ولم يهتدوا لما جاء هم الرسول، فبقوا على الضلال في كل الأحوال، ~~مثل هذا الكلب الذب بقى على اللهث في كل الأحوال، ثم قال عز وجل: {فاقصص ~~القصص}[637] يريد قصص الذين كذبوا بآياتنا، أو قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم ~~{لعلهم يتفكرون} يريد لعلهم يتعظون فيحذرون مثل عاقبته في تكذيبهم بما ~~علموا إذا صاروا نحو سيرته، وراعوا شبه زيغه، وبعلمون أنك علمته من جهة ~~الوحي فيزدادوا اتباعا يك، وتزداد الحج ة لزوما لهم، ثم أكد ذلك المثل الذي ~~ضربه الله لهذا المثل بالكلب، بقوله تعالى: {ساء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا} أو ساء أصحاب مثل القوم، والموصوف بما أفاده المثل من تكذيبهم ~~وإعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل لذلك بمنزلة الكلب اللاهث. PageV20P217 # وأما قوله: {وأنفسهم كانوا يظلمون} فإما أن يكون معطوفا على قولك كذبوا ~~فيدخل حينئذ في خبر الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم ~~أنفسهم، وإما أن يكو ن كلاما منقطعا عن الصلة بمعنى وما ظلموا إلى أنفسهم ~~بالظلم، وما تعدا أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم، ولما وصف الضالين يبالوصف ~~المذكور، وعرف حالهم بالمثل المذكور بين تعالى من يوفقه لطاعته ومن يخذله ~~فقال: {من يهد الله} بالألطاف وزيادة الهدى {فهو المهتدي} على الحقيقة؛ ~~لأنه الذي يقبل {ومن يضلل} أي يخذل أو يحكم عليه بالضلالة أو يسميه به ~~{فأولئك هم الخاسرون} أي خسروا الدنيا والآخرة. # وأما قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ففيه قولان: # الأول: قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معنى ذرأنا لجهنم يريد سبحانه ~~سنذرأ لجهنم كثيرا من الجن والإنس، والذرو ms2312 ذرآن ذروا الخلق وذروا البعث، ~~وإنما عني يفي هذه الآية ذروا الإعادة من القبور عند الحشر والبعث، والنشور ~~فنسأل الله أن يذرأنا بالرحمة وأن يعطف على ضعفنا بكرمه ورأفته، انتهى. PageV20P218 # والثاني: أن معنى رأنا أي خلقنا ممن يصير إلى جهنم لكفره ومعصيته، واللام ف ~~يجهنم لام العاقبة، والمراد منه الذين علم أنهم لا يقبلون اللطف، ويختارون ~~الضلالة، جعلهم لشدة إغراقهم في الكفر كانهم مخلوقون للنار، كما يقال لمن ~~أوغل في أمر ما خلق فلان إلا لكذا مبالغة في ملازمته له، والمراد بوصف ~~اليهود في تشنيع كفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم مع علمهم أنه محق في ~~دعواه، ومثل الأول قول الهادي إلى الحق عليه السلام فإنه قال: معنا قوله: ~~ذرأنا فهو انشانا وجعلنا وهو الذرأ والأخر والنشأة الآخرة في يوم القيامة ~~عند خروج الناس من قبورهم فينشأ أهل كل دار إلى دارهم، من عمل في الدنيا ~~حين أحشر إلى الجنة وذرأ لها، ومن عمل في الدنيا شيئا فهو إلى النار وانشى ~~لها وإليها، جزاء على عمله، لا ما يتوهمه الجهلة في العون على رب العالمين ~~من خلق الفاسق فاسقا والمنافق منافقا منافقا والطالخ طالحا، والصالح صالحا، ~~ولو كان كذلك لما أرسل إليهم المرسلين، ولما أمرهم أن يكونوا من المؤمنين، ~~ولكان في أمرهم إياهم بذلك داعيا لهم إلى مغالبته آمرا بالخروج من جنته، ~~ولم يكن المحسن أولى بثواب المحسن من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب ~~من المحسن، وذلك قول الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار، انتهى[638]. # ثم قال تعالى في صفتهم: {لهم قلوب لا يفقهون بها} لأنهم لا يلقون أذهانهم ~~إلى معرفة الحق {ولهم أعين لا يبصرون بها} إلى ما خلق الله نضر اعتبار ~~{ولهم آذان لا يسمعون بها} ما تتلى عليهم من الآيات سماع تدبر، فصاروا بترك ~~استعمالها بمنزلة من عدمها، كما قال منكير الذاري: # أعمى إذا ما جارتي خرجت # حتى يواري جارتي الخدر # وأصم عما كان بينهما # سمعي وما بالسمع لي وقر # قال في البرهان: ثم ms2313 قال ذما لهم {أولئك كالأنعام} البهائم في عم الانتفاع ~~بها {بل هم أضل}. PageV20P219 # قال مقاتل: هم أخطأ طريقا من الأنعام؛ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم ~~لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه. # وقال الزجاج: لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها، ~~وتحترز عن مضارها، وهؤلاء الكفار وأهل العباد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ~~ومع ذلك يصرون عليه ويلتون أنفسهم في النار وفي العذاب، وقيل: ~~إنها..............إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه ~~وإلهه الذي أنعم عليه نعما لا تحصى، ثم إنه تعالى ختم الآية فقال: {أولئك ~~هم الغافلون} الكاملون في الغفلة عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولآعدائه ~~من العقاب. # قال الهادي عليه السلام: وأما ما ذكر الله من القلوب والأعين والآذان ~~فغنه أخبر بذلك وأنهم كانوا لا ينيتفعون بها في الدنيا كانو لا يميزون ~~بقلوبهم ما أمروا بتمييزه، ولا يعتبرون بما يرون من أثر صنع الله لغيرهم، ~~ولا يقبلون على الله ما يسمعون به بآذانهم فهم في قلة القبول والاهتداء ~~وترك الانتقام بما يسمع ويرى كالأنعام بل هم أضل من الأنعام؛ لأن معهم من ~~التمييز ما ليس معهم، ثم هم في الإعراض وقلة الانتفاع كهن سواء فهم بذلك، ~~وشبهة أشر منها وأردى وإفك عن الحقيقة وأبلى، فنعوذ بالله من الحيرة والعمى ~~والهلكة باتباع الهوى، انتهى، قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى} التي هي ~~أحسن الأسماء لأنها تدل على معان حسنة من تمجيد وتقديس، وغير ذلك، قال في ~~الكشاف. # قال في البرهان: كل أسمائه حسنى غير أن منها ما يستحقه لنفسه، كقوله ~~القديم أي هو الأول مثل كل شيء، والباقي بعد فنا كل شيء، والقادر الذي لا ~~يعجزه شيء، والعالم الذي لا يخفى عليه شيء، والحي الذي لا يموت الواحد الذي ~~ليس كمثله شيء، والسميع البصير الذي لا يعيزب عنه شيء، والغيني بنفسه عن كل ~~شيء، انتهى. PageV20P220 # ودلت هذه الآية على أن أسماء الله تجب كونها موصوفة بالحسنى والكمال، فهذا ~~يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة صفة ms2314 كمال وخلال، فإنه يلا يجوز ~~اطلاقه على الله تعالى، ودلت أيضا على أن الاسم غير المسمى؛ لأنه تدل على ~~أن اسماء الله تعالى كثيرة؛ لأن لفظة الأسماء لفظة الجمع وهي تفيد الثلاثة ~~فما فوقها، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله تعالى واحد لزم القطع ~~بأن الاسم غير المسمى، وإنما قوله: {ولله الأسماء الحسنى} بمقتضى إضافة ~~الحسنى إلى الله ، وإضافة الشيء إلى نفسه بحال، ثم أمر عباده أن يدعوه ~~ويسموه لها، ويصفوه وينعتوه لما حسن منها، فقال: {فادعوه بها} فسموه بتلك ~~الأسماء، قال فيه[639]: وفي الدعاء بها وجهان: # أحدهما: يدعوه بها عند الرغبة إليه في الدعا والطلب. # والثاني: يعظمه بها تعبدا له بذكرها، قال تعالى متوعدا للملحدين، ومتهددا ~~للمشبهة الجاحدين {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} أي يجوزون ويعدلون عما ~~أمر به، ويشركون يفي عبادته معنى إلحادهم أنهم اشتقوا آلهتهم من أسماء ~~الله، كما سموا بعضها اللات اشتقاقا من الله، وبعضها من العزى اشتقاقا من ~~العزيز، انتهى. # والمعنى ذروهم ولا يستعجلون لهم بالعذاب {سيجزون ما كانوا يعملون} معنى ~~فسنجزيهم بإلحادهم ونسبتهم إلى الله قبائحهم، فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في ~~أسماء الله تعالى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في قصة موسى عليه السلام قوله: {ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} ذكر مثله في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال عز وجل: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق} أي بكلمة الحق {وبه يعدلون} في ~~الحكم ولا يجوزون فيه، وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأها قال: ((هذه ~~لكم، وقد أعطى من قبلكم مثلها ومن قوم موسى أمة...الآية)). PageV20P221 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن من أمتي قوم على الحق حتى ينزل عيسى بن ~~مريم)). # ثم قال في الكشاف عن الكلبي هم الذين آمنوا من أهل الكتاب، وقيل: العلماء ~~والدعاة في الدين، انتهى. # قلت: والحق الذي عليه آئمة أهل البيت عليهم السلام علماء آل الرسول عليهم ~~السلام لآية التطهر والمودة، والأخبار المتلقاة بالقبول بين الأمة كخبري ~~السفينة ms2315 وإني تارك فيكم، ونحو ذلك مما لا يحصى كثيره من رواية الموالف ~~والمخالف، وقد أشرنا في مقدمة كتابنا هذا إلى طرف من ذلك. # روي في كتاب(شواهد التنزيل) بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: {وممن ~~خلقنا أمة يهدون بالحق} قال: معنى من أمة محمد علي بن أبي طالب عليه السلام . PageV20P222 # وعن جعفر الصادق عليه السلام قال: هذه الآية لآل محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم، قوله: أمة والأمة فهم الأئمة العادلون يشهد بذلك الكتب من قول الله ~~عز وجل لإبراهيم إني جاعلك للناس إماما، ثم قال: إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله حنيفا، وكذلك قال: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات... الآية، فذكر الله تعالى أنه جعل من خلقه أئمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون، والعدل فإنما هو نقل الهادي الذي وصفه الله ودل عليه بصفة فعله في ~~كتابه، وكذلك قال أيضا: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وكل هذا ~~دلائل بصفات أفعال الأئمة الذين أمر الله عز وجل باتباعهم في كتابه نصا، ~~فأمر الخلق باتباع من كان على هذه الصفة، ونهى في كتابه عن اتباع الأئمة ~~الظالمين، وأمر بقتالهم فقال: {ولا تتبعوا أهواء قوم قلد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} وقال: {قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ~~إيمان لهم} وقال: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} ~~فهذان إمامان مسمان في كتاب الله عز وجل، سماهما الله عز وجل، ونسب كل واحد ~~منهما إلى فعله، وأمر تعالى باتباع الهادي بينهما إلى أمره، والداع إليه، ~~ونهى عن اتباع الداع إلى بالهوى والظلم، وأمر بقتاله، ولم يوجب عز وجل ~~الإمامة إلا لمن دعا إليه وإلى أمره، أما سمعت قوله سبحانه لإبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم إذ سأل أن يجعل[640] الإمامة في ولده كما جعلها فيه {قال لا ~~ينال عهيدي الظالمين} يعني سبحانه بعهده الإمامة، ولم يجعل الله الله تبارك ~~وتعالى ذلك عاما في جميع ولد إبراهيم صلى الله عليه ، وإنما قال لا ينال ~~عهدي الظالمين، ms2316 معنى من ظلمه منهم، ولم يعم بذلك الكل، بل أمر تبارك وتعالى ~~بالكينونة مع الأئمة الصادقين والصادقون فهم الأئمة العادلون الذين وصفهم ~~الله في كتابه بصفات أفعالهم والإشارة منه إليهم، فالدلالة يقيامهم في أمر ~~ربهم، ثم أخبر عز وجل عن استدراجه PageV20P223 واملائه للمكذبين بآياته فقال سبحانه: {والذين كذبوا بآياتنا} معجزات محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}الاستدراج استفعال من ~~الدرجة بمعنى الاستسصعاد والاستنزال درجة بعد درجة، ومنه درج الصبي إذا ~~قارب خطاه، وأرج الكتاب طوه شيئا بعد شيء، أو درج القوم مات بعضهم في أثر ~~بعض، والمعنى تواتر نعم الله عليهم حال المعاصي وانهماكهم في الغي، وكل ما ~~يحدث عليهم نعمة ازدادوا نظرا أو حدودا بمعصية بزيادة النعمة ظانين أن سابغ ~~النعم تفضيل لهم، وإثرة من الله وتقريب، وليس كذلك، إنما هو خذلان وتبعيد ~~من رحمة الله واستدراج إلى ما يهلكهم حتى يأتهم الموت فيأخذهم الله دفعة ~~واحدة على عدتهم أعقل مما تكونون. # قال عمر بن الخطاب لمن حمل إليه كنوز مصر: اللهم إني أعوذ بك أن أكون ~~مستدرجا فإني سمعتك تقول: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} ثم قال تعالى: ~~{وأملي لهم} يعني أنه يمهلهم بالعقوبة ولا يعجل عليهم ليكون ذلك أعظم ~~لحسرتهم، وعذابهم وأقطع لعذرهم وأشد لعذابهم. # وأما قوله: {إن كيدي متين} فقال ابن عباس: يريد إني مكر شديد، بمعنى أن ~~مكره تعالى قوي لا يغلب، وهو ما يخفى عنهم من عقابه حتى يحيط بهم، وهم ~~لاهون، ويحمل بهم في غمرة ساهون، والمبين من كل شيء هو القوي يقال: مبين ~~بيانه شبه الإملاء بالكيد الذي هو الاحتيال في الإصابة بمكروه من حيث لا ~~تشعر بما كان ظاهر للإحسان. PageV20P224 # واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته العاملين عن التأمل ~~في دلائله وبيناته عاد إلى الجواب عن بيانهم فقال: {أولم يتفكروا ما ~~بصاحبهم} محمد صلى الله عليه وآله وسلم {من جنة} أي جنون؛ لأنهم قالوا: ~~شاعر مجنون، والهمزة للإنكار عليهم بعدم التفكر في أحوال ms2317 النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الدالة على صدقه، ثم قال: {إن هو إلا نذير مبين}. # اعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون، وذلك لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان معرضا عن الدنيا، مقبلا على الآخرة مشتغلا بالدعوة ~~إلى الله، وكان العمل مخالفا لطريقتهم فاعتقدوا فيه أنه جنون. PageV20P225 # قال الحسن وقتادة: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام ليلته على الصفا ~~يدعو فخذا فخذا من قريش فيقول: ((يابني فلان يا بني فلان)) وكان يحذرهم بأس ~~الله وعقابه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، واضب على الصياح طول هذه ~~الليلة، وأنزل الله تعالى هذه الآية، وحثهم على التكفر في أمر الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم ليتعلموا أنه دعا إلى الإنذار إلى ما نسبه إليه ~~الجهال، ولما كان النظر في أمر النبوة مفرغا على دلائل التوحيد قال تعالى: ~~{أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء}[641] من ~~الأشياء التي لا تحصر، يريد تعالى أو لم ينظروا نظر استدلال بعقول في ملك ~~الله الذي جعل في السماوات والأرض، وما خلق الله من غيرهما، من شيء ~~فيستدلون بذلك على الله، ويوقنوا وتقر أعينهم بمعرفة الله ويؤمنوا، ثم قال ~~منبها لهم عن غفلتهم: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} ولعلهم يموتون عما ~~قريب، فيسارعون إلى النظر، وطلب الحق لئلا يهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى ~~النار، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب على العاقل المسارعة إلى هذه ~~الفكرة والمبادرة إلى هذه الرؤية شعيا في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد، ~~والخطب العظيم، ولما ذكر تعالى هذه التبينات الجليلة، والدلائل العقلية ~~قال: {فبأي حديث بعده يؤمنون} فكيف ترجى منهم الإيمان بغيره. PageV20P226 # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: يريد تعالى أنه كان ينبغي لهم أن لا ~~يأمنوا الموت أن يقطع أجلهم فيكون ذلك مما يزهدهم في الدنيا، وينفعهم ويؤخر ~~هم عن معاصي الله ويبعدهم، فمن لم ينتفع بذلك من المواعظ والتذكير وما كان ~~من قول اللطيف فبأي ms2318 بحديث بعد ذلك يؤمن، وبأي كلام بعد كلام الله يوقن؛ لأن ~~الله تعالى أنزل هذا القرآن حجة على العباد، فمن زهد فيه لم ينتفع فيه ~~بغيره إذا كان زاهدا في وعظ الله وتذكيره، انتهى، وإن هي المخففة في ~~الثقيلة، والأصل وأنه عسى على أن الضمير ضمير اللسان، والمعنى أو لم ينظروا ~~في أن اللسان والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، ثم أعاد سبحانه مرة أخرى ~~بعض أحوال الضالين المكذبين فقال: {من يضلل الله} أي يسميه بالضلالة ويحكم ~~عليه بها لما ضل أو يخذله ويتركه من تنوير القلب {فلا هادي له} لعلمه أنه ~~لا يهتدي لأحد {ويذرهم في طغيانهم} أي زيادة ظلمهم {يعمهون} يترددون في عمى ~~الرأي، والعمة عمي الراي خاصة، والعمي في الرأي والبصر، ولما تكلم تعالى في ~~التوحيد والنبوة والضلالة والهدة أتبعه بالكلام في المعاد فقال: {يسألونك ~~عن الساعة أيان مرساها} أي متى وقت إرسائها، أي استقرارها، والمعنى حصولها ~~ومجيئها، وفي نظم الآية وجه آخر، وهو أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة، ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم باعثا بذلك على المبادرة إلى التوبة ~~والأصلاح وما يجيهم قبل معاقصة الأجل وحلول القعاب قال:يسألونك عن الساعة ~~لتحقق في القلوب أن وقت الساعه مكتوم عن الخلق فيصير ذالك حاملين للمكلفين ~~على المسارعه إلى التوبه وادا للواجبات وسمت القيلمه ساعه لوقعها بغثه أو ~~لسرعة حسابها أو لانها عند الله على طولها كساعه واحده وأختلف في ذالك ~~السائل من هو مقبل إن قريشا قالوا يا محمد بيننا وبينك قرابه فاذكر لنا متى ~~الساعه، وقيل أن قوما من اليهود قالوا يا محمد PageV20P227 اخبرنا متى الساعه إن كنت نبيا فإنا نعلمها متى هي، وكان ذلك امتحانا منهم ~~مع علمهم بأن الله قد استأثر بعلمها، ثم قال تعالى: {قل إنما علمها عند ~~ربي} أي علم وقت ارسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحد من ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل {لا يجليها لوقتها إلا هو} أو لا يظهرها ولا يبينها عند وقتها ms2319 إلا ~~هو سبحانه، أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار[642] إلا ~~هو، ثم قال تعالى: {ثقلت في السماوات والأرض} أي ثقل إخفاؤها على جميع أهل ~~السماوات والأرض، فكل يود علمها ويهمه شأنها، وقيل: ثقل على أهل السماوات ~~والأرض قيام الساعة، ثم قال: {لا تأتيكم إلا بغتة} أي مفاجأة على غفلة. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الساعة تهيج بالناس والرجل يسقي ~~ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه)). # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((والذي نفس محمد ~~بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه فتحول الساعة بينه وبين ~~ذلك)) ثم قال تعالى: {يسألونك كأنك حفي عنها} أي عالم بها، وحقيقته كأنك ~~بليغ في السؤال عنها. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه حتى كأنك حريض مستقص من ~~السؤال عنها، وأنت غير حريص في البحث عن وقتها إذ أنت موقن لها خائف منها، ~~والخبر على وجوه: # أحدهما: الحريص المستقص، قال الشاعر: # فإن تسألي عني فيا رب سائل ... خفي عن الأعشى به حيث أصعدا PageV20P228 قال في البرهان: ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، ويكون معنى الكلام ~~ويسألونك عنها كأنك حفي عنها، هم على التقديم والتأخير، انتهى، لأن يلفظ ~~الحفي يجوز أن يقدر تارة بالياء وأخرى بكلمة عن، وتأكيد هذا الوجه يقرأه ~~ابن مسعود كانك حفي عنها، فإن قيل: لم كرر يسألونك وقوله: {قل إنما علمها ~~عند الله}؟ قيل له: الأول سؤال عن وقت قيام الساعة، وقوله ثانيا: {يسألونك ~~كأنك حفي عنها} عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهانتها، فلم يلزم التكرار، ~~وأجاب عن الأول بقوله: {إنما علمها عند ربي} وأجاب عن الثاني بقوله: {إنما ~~علمها عند الله} وفي الكشاف هو للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله: {كأنك ~~حفي عنها} وعلى هذا تكرير العلماء............ في كتبهم لا يحلون المكرر ~~لفائدة زائدة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~أن الله هو المختص بالعلم بها، ms2320 وقيل: لا يعلمون أن أصل القيامة حق؛ لأن ~~أكثر الخلق ينكرون المعاد، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~نحن بمبعوثين، وقيل: ولكن أكثر النساس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت ~~معرفة وقته المعين على الخلق. # واعلم أن القوم لما طالوه بالإخبار عن الغيوب، وطلبوه بإعطا الأموال ~~الكثيرة والدولة العظيمة، ذكر أن دولته قاصرة، وعلمه قليل، والقدرة الكاملة ~~والعلم المحيط ليس إلا لله، فقال تعالى: {قل} يا محمد {لا أملك لنفسي نفعا} ~~كالصحة والرزق {ولا ضرا} من مرض أو فقر كسائر العبيد، أي لا أملك القدرة ~~عليهما {إلا ما شاء الله} من النفع والدفه، والاستثناء منقطع. # روي في سبب نزول الآية أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص ~~والغلا حتى يشتري ويربح ويرحل عن الأرض التي تجدب إلى الأرض الخصبة؟ فأنزل الآية. PageV20P229 # وقال بعضهم: لما رجع صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة بني المصطلق جاءت ريح ~~في الطريق........فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم بموت رفاهه بالمدينة، وكان ~~فيه غيظ للمنافقين، وقال: ((انظروا أين ناقتي))؟ فقال عبد الله بن أبي: ألا ~~تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته، فقال ~~صلى الله عليه [643] وآله وسلم: ((إن ناسا من المنافقين قالوا: كنت وكنت ~~وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة)) فوجدوها على ما قال، فأنزل ~~الله: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا، ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم احتج على عدم علمه بالغيب بقوله: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير} من العمل الصالح، وقيل: المراد بالخير طلب منافع الدنيا وخيراتها، ~~ودفع آقاتها ومضراتها، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب، والإرباح ~~والاكتساب، ثم قال: {وما مسني السوء} من جهة الأعداء وغيرهم، فلم أكن غالبا ~~مرة ومغلوبا أخرة، ورابحا وخاسرا، وفي البرهان: وما مسني السوء أي العذاب ~~العاجل والآجل. # أما قوله: {إن أنا إلا نذير وبشير} فالنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب ~~على فعل المعاصي وترك الواجبات، والتبشير مبالغة ms2321 في البشارة بالثواب على ~~فعل الواجبات وترك المعاصي، وقوله: {لقوم يؤمنون} فيه قولان: # أحدهما: أنه يدبر وييسر للمؤمنين والكافرين، إلا أنه ذكر إحدى الطائفتين، ~~وترك ذكر الثانية؛ لأن ذكر إحداهما تفيد ذكر الآخرة، كقوله: {سرابيل تقيكم ~~الحر وسرابيل تقيم بأسكم}. # والثاني: أنه صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان نذيرا وبشيرا للكل إلا أن ~~المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون، فلهذا السبب خصهم الله بالذكر، ~~كقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يريد عز وجل أنه خلق الناس من ~~نفس واحدة، يعني آدم عليه السلام {وجعل منها زوجها}. PageV20P230 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قروا في ذلك أن الله خلق حوى من طينة آدم. # قلت: ومثل هذا ذكره الهادي عليه السلام ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في ~~سورة النساء، ومعنى {ليسكن إليها} أي ليطمئن إليه، ويركن لمحبته لها، وهذا ~~يدل على موافقتها إلا أن السكون والإطمئنان صد النفور، ولو لم يكن موافقة ~~لنفر منها ولو نفر منها لما سكن إليها، ولو كان كذلك لما غشيها ولا حدث له ~~النسل والبركة منها. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأمر من النساء بأخفهن ~~روحا، وأطيبهن رائحة وعقلا، وقال ليسكن بالتذكير بعد التأنيث ذهابا إلى ~~معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الإنثى ~~ويغشاها، فلما {فلما تغشاها} أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة، وقد ~~غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه قد صار كالغاشية لها، وقوله: {حملت ~~حملا خفيفا} الماء الذي من نطفة آدم وكان خفيفا بعليها، والحمل يالفتح ما ~~كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على ~~الدابة، ومعنى {فمرت به} أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة إلا حال ~~الثقل، والمراد أنها كانت تقوم به وتقعد وتمشي من غير ثقل {فلما أثقلت} أي ~~ثقل حملها أو حضر وقت الولادة {دعوا الله ربهما} يعني آدم وحوى {لئن آتيتنا ~~صالحا} أي ولدا سويا قد صلح ms2322 بدنه أي كمل، وقيل: ذكرا؛ لأن الذكر من الصلاح ~~والجودة {لنكونن من الشاكرين} نزداد شكرا، والضمير في آتيتنا ولنكونن لهما. PageV20P231 # واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما} فقال في الكشاف ما معناه[644]: جعل لهما شركاء أي جعلا ~~أولادهما على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما، أي ~~أتا أولادهما، ولابد من هذا، ودل عليه قوله: {فتعالى الله مما تشركون} ~~وإشراكهم تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد شمس وعبد مناف، فكان عبد الله ~~وعبد الرحمن وعبدالرحيم أو الخطاب لقريش عهد رسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وهم قصي، والمراد بالنفس الواحدة قصي وزوجها قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من ~~الولد الصالح أشركا حيث سميا أولادهما بعبد مناف وعبد قصي، والضمير في ~~يشركون لهما، ومن اقتدا بهما من أولادهما، انتهى. # قال بعض المفسرين: الصحيح في تأويل الآية وجهان: # الأول: أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ~~ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحوى عليهما ~~السلام حكى عنهما أنهما قالا: {لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} أي لو ~~أتاهما ولد صالح سويا لاشتغلا بشكر تلك النعمة، ثم قال تعالى: {فلما آتاهما ~~صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} ثم قال: {فتعالى الله عما يشركون} أي ~~فتعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين يالذين يقولون بالشرك والرد به إلى آدم ~~عليه السلام . # والوجه الثاني لما أتاهما ذلك الولد الصالح السوي، عزما على أن يجعلاه ~~وقفا على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق، ثم بدالهما في ذلك، فتارة ~~كانوا يشفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله ~~تعالى وطاعته، وهذا العمل وإن كان هنا طاعة وقربة إلا أن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين، فلهذا قال سبحانه: {فتعالى الله عما يشركون}. PageV20P232 # قلت: ويؤيد هذا الوجه الثاني قول القاسم بن إبراهيم عليهما السلام فإنه قال ~~يفي تفسير هذه الآية ما لفظه: فلما أتاهما صالحا وهو ما وهب لهما من لدهما ms2323 ~~واعطاهما، جعلاه فيما أحسب بين الله وبينهما، فعبد الله ويحرث الحرث، وقد ~~يذكر في التوراة أنهم سمياه عبد الحرث، وقالوا: أن الحارث هو إبليس، وه ~~وفيما أحسب وهم وهمته اليهود في التفسير، فقالوا فيه بالتلبيس وأدخلوا مكان ~~ما جعلاه له من الحرث عبد الحارث، فجعلوه عبد الله لما جعلاه ولم يفرقوا ~~فيه بين الحرث والحارث، ألا تر كيف يقول سبحانه: {فلما آتاهما صالحا} يعني ~~ولد ذكر {جعلا له شركاء فيما آتاهما} يريد تبارك وتعالى نصيبا فيما أتاهما ~~من صالح الولد فجعلاه بينهما وبين التعبد، ألا تر لقوله سبحانه فيه إذ لم ~~يسلماه كله إليه: {فتعالى الله عما يشركون} يقول فتعالى الله أن يكون هو ~~وهم في شيء من الأشياء، كما قال في أهل الجاهلية: {وجعلوا لله ندا فيما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا} يعني شريكا {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ~~فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما ~~يحكمون} وكذلك قال تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا} يعني شركاء مما ~~رزقناهم تالله لتسءلن عما كنتم تفترون، وليس يتوهم الشرك عليهما بالله إلا ~~من لا علم له فيهما بأمر الله، انتهى. PageV20P233 # ومما يزيد هذا وضوحا قول الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام في تفسيره ~~الذي يرويه عن أئمة أهل البيت عليهم السلام ما هذا لفظه: ومعنى فلما ~~أثقلت[945] يريد تعالى لما أثقلت ويتبين حملها نذرا لله نذرا واجبا لئن ~~رزقهم الله ذكرا صالحا ليطيعان ربهما في تعليم ولدهما، وليتركانه لطاعة ~~ربهما، ولا يشغلانه بخدمتهما، فلما أتاهما صالحا رخصا لأنفسهما واستخدماه ~~في بعض شأنهما، وكان الله يريد غير ذلك منهما من جهة مما يقدم لله من ~~نذرهما فشركا بذلك بين خدمة الله وخدمتهما، فنبه الله عباده على الوفاء ~~بنذورهم، وترك الغفلة فيما كان كذلك من أمورهم، ثم قال عز وجل: {فتعالى ~~الله عما يشركون} يريد سبحانه التنزيه لنفسه والرفعة عن مشاركة الأصنام ~~وغيرها من الإنذار التي يدعيها عبدة الأوثلن قوله تعالى: {أيشركون ما ms2324 لا ~~يخلق شيئا} معناه يعبدون على ما لا يقدر أن يخلق شيئا {وهم يخلقون} أي وهم ~~مخلوقون يعني الأصنام ، والمعنى أيشركون ما لا يقدر على خلق شيء كما يخلق ~~الله، وهم يخلقون لأن الله خالقهم أفلا يقدر على خلق شيء؛ لأنه جماد وهم ~~يخلقون؛ لأن عبدتهم يختلقونهم فهم أعجز من عبدتهم {ولا يستطيعون لهم نصرا ~~ولا أنفسهم ينصرون} أي لا يدفعون عن أنفسهم مضرة، وإنما يدفع عنهم العبدة، ~~يريد أن الأصنام لا ينصر من أطاعها ولا يضر من عصاها، والنصر المعونة على ~~العدو، والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضرر، ~~وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق بالعاقل يعبادتها؟ ثم قال: {وإن تدعوهم ~~إلى الهدى} ليهدوكم أو إلى ما هو هدى ورشاد {لا يتبعوكم} إلى مرادكم ولا ~~يجيبوكم كما يجيبكم الله تعالى، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده ~~المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر، فكذلك لا يصح فيه إذا دعي ~~إلى الخير والانتفاع، ولا نفصل حال من PageV20P234 خاطبه ممن سكت، ثم قوى هذا الكلام بقوله: {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون} مثل قوله: سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم، إلا أن الفرق أن في ~~تلك الآية عطف الفعل هاهنا عطف الفعل على الاسم؛ لأن قوله دعوتهم جملة ~~فعلية، وقوله: أم أنتم صامتون جملة اسمية. # واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الفعلية على الاسم لا يجوز إلا لفائدة ~~وحكمة، وتلك الفائدة أن صفة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالا بعد حال، ~~وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار، إذا عرفت هذا، فقال في ~~الكشاف: إن المشركين كانوا إذا جر بهم أمر دعو الله دون أصنامهم، كقوله: ~~{وإذا مس الناس صر دعوا ربهم منيبين إليه} وكانت حالهم مستمرة أن تكونوا ~~صامتين عن دعوتهم، فقيل: إن دعوتهم لم تفرق الحال بين إحداثكم دعاؤهم وبين ~~ما أنتم عليه من عادة صمتكم عن دعائهم. # وقال الرازي: إن المشركين كانوا إذا وقعوا في هم ومعظلة تضرعوا إلى تلك ~~الأصنام، وإذا ms2325 لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين، فقيل لهم: لا فرق ~~بين إحداثكم دعاؤهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم، فهذا هو الفائدة في ~~هذه اللفظة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قوله: وإن تدعهم إلى الهدى إلا أن ~~هو يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون حاطب المشركين في عبادتهم لأصنامهم التي يعبدون، وأخبرهم ~~أنهم لو دعوا أصنامهم إلا شيء من[646] الهدى لما ...........ولما عقلت ذلك ~~أبدا، ولا رعت ولما ابصرت شيئا من ذلك ولا سمعت، فسوا دعوا إليها أم صمتوا، ~~وسواء خاطبوا الأوثان أو سكتوا. PageV20P235 # والوجه الآخر: أن يكون خاطب المسلمين الداعين إلى الله من المؤمنين، ~~وأخبرهم من أضرار هؤلاء الكافرين، وأنهم لو دعوا إلى الهدى لما سمعوا ولما ~~عادوا أبدا عن ضلالهم، ولا رجعوا، فسواء عليكم أدعوتموهم إلى الحق أم أنتم ~~صامتون؛ لأنهم لا يرجعون إذا صمتون، ولا يتوبون إلى الله إن وعظتم، ولا ~~يتذكرون إن ذكرتم، ولا يقبلون إن تكلمتم، فالوعظ عندهم بمنزلة الصوت لما ~~داخل قلوبهم من الكفر والحيرة، والعمى والموت، انتهى. # ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله تعالى: {إن الذين تدعون} أي ~~تعبدون وتسمون آلهة {من دون الله} سبحانه كذبا وافتعالا، وقد يكون تأويل من ~~دون الله أنهم دون كبريا وجلالا، ذكره القاسم عليه السلام . # وأما قوله: {عباد أمثالكم} مع أنها جمادات ففيه وجهان: # أحدهما: أن المشركين لما دعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها ~~عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم، ولذلك قال: ~~{فادعوهم فليستجيبوا لكم} وقال: إن الذين ولم يقل إن التي. PageV20P236 # والثاني: أن هذا اللفظ استهزاء بهم، أي غاية أمرهم أن يكونوا مثلكم عقلا ~~أحيا، فإن ثبت ذلك فهم عباد أثالكم لا تفاضل بينكم، فلما جعلتم أنفسكم ~~عبيدا وجعلتموها آلهة وأربابا، ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم فقال: ~~..............، ثم أكد هذا البيان بقوله: {فادعوهم فليستجيبوا لكم} كما ~~يستجيب لكم ربكم، ومعنى هذا الدعا طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم، ~~واللازم في قوله: {فليستجيبوا} لام الأمر ms2326 على معنى التعجيز، والمعنى أنه ~~لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبادة، ثم ~~قال: {إن كنتم صادقين} في ادعا أنها آلهة مستحقة للعبادة، ولما ثبت بهذه ~~الدلائل أنها لا تصلح للعبودية وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها، وأن لا ~~يشتغل إلا بعبادة القادر العالم، الحي الحكيم، الضار النافع، ثم أخبر تعالى ~~عن نوع آخر من الدليل في بيات أنه يقبح منه الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة ~~هذه الأصنام فقال: {ألهم أرجل يمشون بها} في مصالحكم {أم لهم أيد يبطشون ~~بها} في الدفع عنكم {أم لهم أعين يبصرون بها} مضاركم من منافعكم {أم لهم ~~آذان يسمعون بها} دعاؤكم ونصرتكم، فإن قيل: فلم أنكر عبادة من لا رجل له ~~ولا يد ولا عين؟ قلنا: إنه سبحانه عرفهم أنهم مفضلون عليها، فذكر في هذه ~~الآية أعضاء أربعة، وهي: الأرجل والأيدي، والأعين والآذان، ولا شك أن هذه ~~الأعضاء إذا حصل في كل واحد ما يليق من القوى المحركة والمدركة أفضل منها ~~إذا كانت خالية عن هذه القوى فالرجل القادر على المشيء، واليد القادرة على ~~البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة منها إذا كانت خالية عن هذه ~~القوى، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد ~~والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة، والعين الباصرة والأذن السامعة ~~أفضل من العين والأذن PageV20P237 الخاليتين عن القوة السامعة والباصرة، وعن قوة الحياة، وهذا إبطال لكونهم ~~عباد أمثالهم لانسلاخهم عن صورة العقل[647] لعدم هذه الحواس، وإذا ثبت هذا ~~ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا شبه لفضيلة الإنسان على ~~فضيلة هذه الأصنام البتة، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف ~~أن يشتغل بعبادة الأخس الأدوم الذي لا يحصل منه فائدة البتة، لا في جلب ~~المنفعة ولا في دفع المضرة، فهذا وجه الدليل الذي ذكر الله تعالى في هذه ~~الآية، والله أعلم. # وفي معنى هذه الآية يقول القاسم عليه السلام ما لفظه: والذين كانوا ms2327 ~~يعبدون فهم من عبدوا من الملائكة المقربين، ومن كانوا يعبدونه من الآدميين ~~ومن عبد من الناس أحدا من الشياطين هؤلاء كلهم عباد أمثالهم، وقد عبدوا مع ~~من عبدوا من العباد ما كانوا يعبدون من الأصنام والتماثيل، والأوثان التي ~~ليس أرجل ولا أيد ولا أعين ولا أسماع، ولا عبدها لأحد عبدها أو لم يعبدها ~~ضر ولا انتفاع، وفي الأصنام ما يقول الرحمن له الكبرياء والجلال: {ألهم ~~أرجل يمشون بها} إلى قوله: {يبطشون بها} وما ذكر من غير ذلك عند ذكرها، ~~وليس شيء من ذلك كله لها فيكيف يعبدونها مع زوال ذلك كله عنها، وهو أفضل في ~~ذلك كله منها إلا لفعلهم الفاسد المذكور في المكابرة لحجة العقول، انتهى. # ولما كانوا يخوفون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بآلهتهم قال تعالى: ~~{قل ادعوا شركاءكم} واستعينوا بهم في عداوتي {ثم كيدوني} جميعا أنتم ~~وشركاؤكم {فلا تنظروني} فإني لا أبالي بكم ولا يقول هذا إلا واثق بعصمة ~~الله، أو أمر حين خوفوه آلهتهم أن يخاطبهم بذلك ليظهر لهم أنها لا قدرة لها ~~على إيصال المضار نحوه بوجه من الوجوه . PageV20P238 # واعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية الأصنام لا قدرة لها على النفع ~~والضر، بين بعد ذلك أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي ~~تحصل بعبادته منافع الدين ومنافع الدنيا فقال: {إن وليي الله} أي ناصري ~~{الذي نزل الكتاب} علي وأعزني برسالته، فإنزال الكتب سبب تحصيل منافع الدين. # وأما تحصيل منافع الدين فهو المراد بقوله: {وهو يتولى الصالحين} أي عادته ~~نصرة الصالحين من عباده وأنبيائه، ولا يخذلهم، فلا تضرهم عداوة من عاداهم، ~~وفي ذلك يئس المشركين من أن أن يضره كيدهم. # قال بعض المفسرين: سمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لولاده شيئا ~~فقيل له في ذلك، فقال: أولادي إما أن يكونوا من الصالحين أو من المجرمين، ~~فإن كانوا من الصالحين فوليهم الله، ومن كان وليه الله فلا حاجة به إلى ~~مالي، وإن كانوا من المجرمين فقد قال ms2328 تعالى: {فلن أكون ظهيرا للمجرمين} ومن ~~رده الله لم اشتغل بإصلاح مهماته. # أما قوله تعالى: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ~~ينصرون} ففيه قولان: # الأول: أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفة، ثم قال: {وإن تدعوهم إلى ~~الهدى} أي إلا أن يهدوكم {لا يسمعوا} وأتى بضمير العقلاء لما أسند إليهم ما ~~لا يصح إلا من عاقل، فإن قالوا: فهذه الأشياء مذكورة في الآيات المتقدمة ~~فما الفائدة في تكريره؟ # قلنا: قد أجيب عنه أنه إنما أعتد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة ~~التقريع، وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة وبين من لا ~~تجوز، كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه[948] ~~الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة الإلهية. PageV20P239 # والثاني: أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير ~~الله، معنى أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه فقال تعالى: إنهم لا يقدرون على شيء، بل قد بلغوا في الجهل ~~والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ~~ذلك البتة. # أما قوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} فإن حملنا هذه ~~الصفات فالمراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجوهها وجوه القوم من قولهم: ~~خيلان متناظران أي متقابلان، وإن حملناها على المشركين فالمعنى أنهم وإن ~~كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك ~~النظر والرؤية فصاروا كأنهم عمي، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية؛ ~~لأنه تعالى أثبت النظر وبقاء الرؤية، وذلك يدل على التغاير، وأجيب عن هذا ~~الاستدلال فقيل: معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ~~يبصرون، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا ينظرونك، والرؤية بمعنى الحسبان ~~واردة، قال تعالى: {وترى الناس سكارى وما هم بسكارى}. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الله هو الذي يتولى الصالحين، وأن الأصنام ~~وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار بين ما هو المنهج القويم ms2329 والصراط ~~المستقيم في معالة الناس فقال: {خذ العفو وأمر بالعرف} أي العرف الجميل، ~~والمعنى خذ العفو من أفعال الناس وأخلاقهم، السهل ودع نقيضه، وهو الجهد ~~لئلا ينفروا، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يسروا ولا تعسروا)) قال: # خذ العفو مني تستديمي مودتي # ولا تنطقي في سورتي يحين أغضب # تبين معناه في البيت الثاني: # ولا تنفروني يقرك الدف مرة # فإنك لا تدرين كيف المغيب # ثم إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه، وبما أقدم بعض ~~الجاهلين على السافهة والإيذاء، فلهذا قال: {وأعرض عن الجاهلين} أي احلم ~~عنهم ولا تكافي سفيههم. PageV20P240 # قال في البرهان: والعفو ما كان يفضل من أموالهم قبل فرض الزكاة، ثم نسخ ~~بآية الزكاة، والعفو ما كان يعفو عن المشركين قبل الجهاد، فنسخ بآية السيف، ~~وأمر بالعرف أي المعروف، ومكارم الأخلاق، وذلك كما روينا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه سأل جبريل عن العرف؟ فقال: ((يا محمد إن ربك أمرك ~~أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن من ضلمك، واعرض عن الجاهلين)) وهذه ~~الآية منسوخة بآية السيف، وليس في القرآن آية أولها منسوخ وآخرها منسوخ ~~ووسطها محكم غير هذه الآية. # قلت: ما ذكر من النسخ غير واضح؛ لعدم التنافي، والأولى ما ذكره بعض ~~المفسرين في هذه الآية، حيث قال: تخصيص قوله خذ العفو بما ذكر تقييد للمطلق ~~من غير دليل، وأيضا فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب ~~الزكاة بالمقادير المخصوصة منافيا لذلك؛ لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ ~~كرائم أموال الناس، وأن لا يشدد للأمر على المزكي، فلم يكمن إيجاب الزكاة ~~سببا لصيرورة هذه الآية منسوخة . # وأما قوله: {وأعرض [649] عن الجاهلين} فالمقصود منه أمر الرسول أن لا ~~يقابل أقوالهم بالركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثالها، وليس فيه دلالة على ~~المنع من القتال؛ لأنه لا يمتنع أن يؤمر صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض ~~عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين؛ فإنه ليس من التناقض أن يقول الشارع: ~~لا تقابل ms2330 سفاهتهم بمثلها، ولكن قاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا، ~~فحينئذ لا حاجة إلا التزام النسخ، إلا أن الظاهرية من بين المفسرين مشغوفون ~~بتكثير الناسخ والمنسو خ من غير ضرورة ولا حاجة، انتهى. PageV20P241 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى خذ العفو وامر بالعرف هو أدب من ~~الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فجمعت هذه الأحرف اليسيرة من الآداب ~~الكبيرة ما فيه حكمة عظيمة لمن عقلها، وأقبل عليها بفكره، وقبلها؛ لأن ~~قوله: خذ العفو يدل على احمال الشرور، وستر كثير من قبائح الأمور، لما في ~~الأناءة والحلم وحسن التدبير من المعونة، والسلامة والبركة والخير الكثير، ~~ثم قال: وامر بالعرف فدل على الأمر بالخيرات، والزجر عن جميع القبائح ~~المنكرات، ثم قال: واعرض عن الجاهلين فدل بذلك على ألطف المواعظ كلها، وهي ~~الهجرة الجميلة لسفهاء البرية، وسفلها عند الإعراض، والترك لجدالها ~~ومكالبتها، والتشاغل بها، ومخالستها، فانظروا ما في هذه الكلمات من الحكمة ~~وحسن التدبير، والبركات والسلامة من القبائح، والشنع المهلكات، نحمد الله ~~على ما علمنا من كتابه، ونشكره على هدايته وآدابه، انتهى. # وعن جعفر الصادق عليه السلام: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في ~~القرآن أجمع لمكارم الأخلاق منها، ولما أمر عز وجل بالمعروف، فعند ذلك ربما ~~نهج سفيه ويظهر السفاهة، فعند ذلك أمره الله تعالى بالسكون عن مقابلته، ~~فقوله: {وأعرض عن الجاهلين} ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على ~~السفاهة قد يهيج الغضب والغيظ، ولا يبق للإنسان على حال السلامة، وعند تلك ~~الحالة يجد الشيطان مجالا في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينتفي فعله، لا جرم ~~بين الله تعالى ما يجري مجرى العلاج لهذا المرض فقال: {وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ} أي ينحسك منه نحس بأن يغريك على خلاف ما أمرت به {فاستعذ ~~بالله} استخر به {إنه سميع} لاستعاذتكم {عليم} بوسوسته، أو بمصالحكم، أو ~~يراد من النزغ ما يعرض من الغضب، وينزغ الشيطان عبارة عن وساوسه في القلب ~~بما يسول للإنسان من المعاصي. PageV20P242 # عن أبي زيد: نزغت ms2331 بين بالقوم إذا أفسدت ما بينهم، وقيل: النزغ الانزعاج ~~وأكثر ما يكون يعند الغضب، واصله الانزعاج بالحركة إلى الشيء. # قال في الكشاف: والنزغ..........: الغرر والنحس كأنهم يبخسوا الناس حين ~~يعديهم على المعاصي، وجعل النزغ نازغا للمبالغة، كما قيل: حد حده، ثم قال ~~عز وجل في صفة المتقين: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف} يطوف عليهم {من ~~الشيطان} أي بعض نزغ منه وإعداء بخلاف ما أمروا به، وهذا تأكيد وتقرير لما ~~تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم إذا ~~أصابهم أدنا نزغ من الشيطان، وإلمام بوسوسته {تذكروا} ما أمر الله به ونهى ~~عنه {فإذا هم مبصرون} أبصروا السداد، ودفعوا وسوسته إليهم، ولم يبيعوه ~~أنفسهم، وقيل: معنى فإذا هم مبصرون أي علموا فإذا هم منتهون، والمعنى إذا ~~حصلت هذه التذكرات في عقولهم ففي الحال يزول مس الشيطان، ويحصل الاستبصار ~~والانكشاف والتجلي، ويحصل الخلاص[650] من وسوسة الشيطان. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد سبحانه أن الذين يخافون الله، ~~ويتقون عذابه إذا مسهم طائف من الشيطان وطاف بقلوبهم، ووسوس بالمعصية، ~~والحمل في صدروهم رجعوا إلى التفكر والتذكر بعقولهم فإذا هن حينئذ مبصرون. # وأما إخوان الشياطين فيمدونهم ويستدرجونهم ثم لا يبصرون ولا يتذكرون ولا ~~يعقلون ولا ينظرون، انتهى. # أما قوله تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} فاختلف الناس ~~في الضمير في قوله:وإخوانهم إلى ماذا يعود على قولين: # الأول: أن المعنى وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي، وذلك لأن ~~شياطين إخوان الشياطين الجن، على الإغراء والإضلال. PageV20P243 # والثاني: أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين فإن الشياطين ~~يكونون مددا لهم في الغي، أي الضلال، والمدد والإمداد الزيادة أي يزيدونهم ~~في الضلال، ويعاونونهم عليه، وقوله: {ثم لا يقصرون}. # قال ابن عباس: معناه ثم لا يفترون عن الضلال والإضلال. # قال الليث: الإقصار الكف عن الشيء. # قال أبو زيد: أقصر فلان عن الشيء يقصر إقصارا إذا كف عنه، ولما أخبر ~~تعالى أن شياطين الجن والإنس لا يكفون ولا يفترون عن الإغواء ms2332 والإضلال أخبر ~~سبحانه عن نوع من أنواع الإعواء والإضلال فقال: {وإذا لم تأتهم} يا محمد ~~{بآية} مما اقترحوا {قالوا لولا اجتبيتها} أي هلا اخترعتها واعتملتها من ~~عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: إن هذا الإفك مفترى، أي هلا أخبرت بها على ~~قدر ما طلب منك. # قال الفراء: يقول العرب: أحتسبت الكلام واختلقته وارتجلته إذا اقتلعته من ~~عند نفسك، فرد الله عليهم {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} ومعناه ليس لي ~~أن أقترح على ربي في أمر من الأمور، وإنما انتظر الوحي، ثم بين تعالى أن ~~عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا تقدح في الغرض؛ لأن ظهور ~~القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة، وإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة ~~كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت، فذكر في وصف ~~القرآن ألفاظا ثلاثة: # أولها: قوله عز وجل: {هذا بصائر من ربكم} والبصيرة نور القلب، وأصل ~~البصيرة الإبصار، ولما كان القرآن سببا لبصائر العقول في دلائل التوحيد ~~والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة، تسمية للسبب باسم المسبب، أي رجح ~~بينه بمنزلة بصائر القلوب. # وثانيها: قوله تعالى {وهدى} أي دلالة على الحق. PageV20P244 # وثالثها: قوله {ورحمة} أي نعمة عظيمة {لقوم يؤمنون} خصهم لأنهم المنتفعون، ~~ثم قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له} أي لقراءته {وأنصتوا} أي لا ~~تقابلوه بكلام ولا إعراض {لعلكم ترحمون}. # اعلم أن قوله فاستمعوا له وانصتوا أمر ظاهر الأمر لوجوب فمقتضاه أن يكون ~~الاستماع والسكوت واجبا، وللناس فيه أقوال، قيل: الاستماع والانصات وقت ~~قراءته واجب مطلقا، وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت فوجب فيها، وسن في غيرها. PageV20P245 # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت لقراءته، ولا ~~يقرأ، وإذا حضر الجمعة أنصت لخطبة الإمام، ولا يتكلم، وقيل: إذا تلى عليكم ~~الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، وقيل: معنا فاستمعوا له أي اعملوا ~~بما[651] فيه ولا تجاوزوه، قيل: لو قلنا إن قوله وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له وانصتوا المراد به ترك قراءة المأموم خلف ms2333 الإمام لم يحصل بين هذه الآية ~~وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد الترتيب، وذلك ~~لا يليق في كلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد سببا آخر سوى هذا الوجه، ~~وذلك أمن يكون قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} خطابا مع ~~الكفار في ابتداء التبليغ، وليس خطابا مع المسلمين، وتقريره أنه لما ادعى ~~كون القرآن بصائر وهدى ورحمة ثبت أنه معجزة دالة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وانصتوا حتى ~~يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم ~~كونه معجزا دالا على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاستعينوا بهذا ~~القرآن عن طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن أنه بصائر ~~وهدى ورحمة، فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل ~~الترتيب الحسن المفيد، ومما يقوي حمل الآية على أنها خطاب مع الكفار عند ~~قراءة الرسول عليهم في معرض الاحتجاج بكونه معجزا دالا على صدق نبوته، قوله ~~تعالى حاكيا عن الكفار أنهم قالوا: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون} فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت حتى ~~يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز، ~~ذكر معنى هذا الرازي. PageV20P246 # قال: ولما كانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدا صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم ليحصل المقصود من تحصيل الوحي والرسالة، ~~أردف ذلك الأمر بأن أمره أن يذكر ربه بنفسه فقال: {واذكر ربك في نفسك}. # قال في البرهان: وهذا الذكر بالقلب باستدامة الفكر حتى لا ينسى نعم الله ~~عز وجل الموجبة لطاعته، ويحتمل أن يكون الذكر باللسان، إما تعظيما له ~~بالآية، أو رغبة إليه في دعائه، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وحكمه ms2334 عام في جميع المكلفين، ثم قال: {تضرعا وخيفة} أما التضرع فهو التواضع ~~والخشوع، وأما خيفة فمعناه مخافة منه {ودون الجهر من القول} يعني إسرار ~~القول، إما بالقلب أو اللسان على ما تقدم من التأويلين؛ لأن الإخفاء أدخل ~~في الإخلاص وأقرب إلى حسن التكريم فقال: {بالغدو والآصال} أي بالبواكر ~~والعشيات، وذكر هذين الوقتين لفضلهما، أو أراد الدوام {ولا تكن من ~~الغافلين} أي عن الذكر والعمل، انتهى. # ولما رغب الله عز وجل في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر عقيبه ما يقوي ~~دواعيه في ذلك فقال: {إن الذين عند ربك} يعني الملائكة عليهم السلام ، ~~ومعنا عند دنو المنزلة، وعلو الدرجة؛ لتوفرهم على طاعتهم. # قال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه عنده مقربين مكرمين، وفي رحمته ~~وكرامته غير مبعدين {لا يستكبرون عن عبادته}. PageV20P247 # قال في البرهان: أي عن التسبيح له والصلاة، والخضوع، ولا يغفلون عن طاعته ~~في أوامره ونواهيه، ويستصغرون حالهم في طاعته وعبادته، ثم قال: {ويسبحونه} ~~أي ينزهونه كما لا يليق به {وله يسجدون} أي يخضعون بالعبادة، لا يشركون به ~~غيره، وهو تعريض بمن سواهم[652] من المكلفين، وفي هذه الآية يقول المرتضى ~~عليه السلام فسجودهم سجود خشوع وتذلل لأمر الله سبحانه، وإعظام لحقه، ~~وإجلال وهيبة له، فإن قال قائل: لا يعرف السجود والإمكان علىة الجبهة؟ قيل ~~له: إن الأمر خلاف ما ذكرته، وهو عند من وفقه الله للصواب سوى ما شرحت، أما ~~تسمع كيف يقول عز وجل لقوم موسى: {ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطاياكم} وكيف يدخل الباب من كان ساجد؟ فإن قال: يحبو على وجهه، فقد خرج من ~~السجود إلى حد العبث، وكيف يجوز أن يدخل على وجهه من هو داخل على عدوه؟ إذا ~~لمكنه من نفسه، وكان معينا على قتله، ولم يرد الله سبحانه إلا دخول تواضع ~~وخشوع وطاعة الله عز وجل، وخضوع، وليس يعرف من السجود والمشي على الوجه، ~~وإنما أراد الله تبارك وتعال بقوله: {ادخلوا الباب سجدا} أي ادخلوه خاضعين ~~مذللين، وكذلك قال الله سبحانه أيضا في ms2335 كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} فيقال له: أخبرنا عن هذه الصلاة ضلاة ~~الموتى التي ذكرها الله تعالى عليهم إذ زعمت أنه لا يعرف السجود إلا سجود ~~الجبهة، فكذلك فقل إن الصلاة الميت بركوع وسجود؛ لأن الله سبحانه ذكر ~~الصلاة وحدودها ماذا هي؟ فإذا هي بركوع وسجود، ثم ذكر الصلاة على الميت ~~فجعل اسمها كصلاة الفريضة افنتضمها الاسم معا واختلفا في الفعل كانت هذه ~~صلاة تكبير وترحم واستغفار، ومسألة من الله للميت الرحمة والرضوان، فسماها ~~الله تعالى صلاة كما سما الركوع والسجود، فكذلك سمى الله عز وجل التخشع ~~والتذلل سجودا، فهذا معنى السجود PageV20P248 ومخرجه، وفي ذلك يقول الشاعر: # أقامت له صدر النهار ورأسه # لذيذ الكرى من آخر الليل ساجد # انتهى كلامه عليه السلام . # قال في البرهان: وهذا أول سجدات التلاوة في القرآن، وسبب نزولها ما قاله ~~كفار مكة {وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} فأنزل الله تعلى هذه ~~الآية، واعلمهم أن الملائكة المقربين إذا كانوا على هذه الحالة في الخضوع ~~والرغبة فأنتم بذلك أولى، انتهى. # وسجود التلاوة سنة عندنا، والشافعي، وعند أبي حنيفة واجب، وهي بالخيار إن ~~شاء ركع وإن شاء سجد، يكبر ويسجد ويرفع ولا سلام ولا تشهد، خلافا للشافعي ~~ويسبح سجود الصلاة فيها مشروع بإجماع أهل البيت عليهم السلام ، والأولى ~~الجمع بينه وبين الدعا، وهو: سجد وجهي للذي فطره، وشق سمعه ونضره بحوله ~~وقوته، تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم اجعلها لي عندك ذخرا، واكتب لي بها ~~عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واشترط المؤيد بالله فيها شروط الصلاة، خلاف ~~(ط) و(ي) والوافي إلا القبلة فشرط اتفاقا، وفي الحديث: ((إذا قرأ ابن آدم ~~السجدة وسجد اعتزل الشيطان، يقول تأويله أمرنا بالسجود آدم فسجد فله الجنة، ~~وأمرت بالسجود فعصبت فلي النار)) وفيه: ((ما من عبد يسجد لله إلا رفع له ~~درجة في الجنة، وحط عنه بها خطيئة)) والله أعلم. # تم الجزء الثالث بحمد الله تعالى وعونه، ويتلوه إن شاء الله الجزء ~~الرابع. ms2336 # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم[653]. PageV20P249 ### | CHECK [المصابيح - الأنعام_المائدة] ### || AUTO [سورة المائدة] # سورة المائدة مائة وعشرون وآيتان في المدني وثلاث وعشرون في البصري ~~وعشرون في الكوفي، وأصح الأعداد عدد الكوفي لأنها عدد أمير المؤمنين. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأها في خطبته في حجة الوداع ~~وقال: ((هي آخر سورة نزلت فأحلوا حلالها وحرموا حرامها)). # وهي مدنية بالإجماع. # قوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} العقد العهد الموثق شبه ~~بعقد الحبلى، وأراد هنا عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من ~~واجب التكليف فأمر الله تعالى المؤمنين بالوفاء بالعهود وهي العقود التي ~~أخذ الله بها الأيمان على خلقه فيما أحله لهم وحرمه عليهم، ويجوز أن يكون ~~المعاقدات التي بين الناس في البيع والشراء والنكاح وسائر المعاملات وكذلك ~~في النذور والأيمان والكفارات ذكره في البرهان. # قال في البلغة: والعقد الذي يجب الوفاء به هو ما عقد الإنسان على نفسه ~~مما الوفاء به طاعة لله، وقيل ما عقده على نفسه وليس بمعصية فأمر الله ~~المؤمنين بالوفاء بعهودهم التي ليست بمعصية له تعالى. انتهى. # وقيل: هو عام في جميع ذلك، قال الحاكم: وهو الصحيح. # وقيل: الظاهر الأول؛ لأنه عقبه بالتفصيل بالتحليل والتحريم. # ولما قرر تعالى على جميع المكلفين أنه يلزمهم [150] الانقياد لجميع ~~تكاليف الله تعالى وذلك الأصل الكلي والقاعدة الجملية شرع بعد ذلك في ذكر ~~التكاليف المفصلة فبدأ بذكر ما يحل ويحرم من المطعومات فقال سبحانه: {أحلت ~~لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} إنه تحريمه البهيمة كل ذات أربع في ~~البر والبحر والإضافة للبيان، والأنعام الأزواج الثمانية. # واعلم أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد ~~هذه الآية وهو نوعان: PageV20P250 # أحدهما قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} الآية، ووجه هذا أن ~~قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه، فبين ~~الله تعالى أنها إن كانت ميتة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها ~~السبع أو ذبحت على اسم غير ms2337 الله تعالى فهي محرمة. # النوع الثاني من الاستثناء قوله عز وجل: {غير محل الصيد وأنتم حرم} جمع ~~حرام وهو المحرم ومعناه إذا كنتم محرمين فلا يحل لكم الصيد ولا أكله وإن ~~كان ذلك من بهيمة الأنعام، وفي نصب غير ثلاثة أقوال: # الأول على الحال من يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد، ~~عن الأخفش، وفيه معنى النهي. # والثاني حال من أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد، عن الكسائي. # والثالث على الاستثناء كأنه قيل إلا محلي الصيد وأنتم حرم. # وقوله: {إلا ما يتلى} في موضع نصب على الاستثناء كأنه قيل الأشياء مثلي عليكم. # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه: دلت على انعقاد ~~العقود كلها وعلى وجوب الوفاء بها وعلى حل الأنعام إلا ما ذكره الله كما ~~يأتي إن شاء الله وأن الله حرم الصيد على المحرم إلا صيد البحر كما ذكره ~~الله سبحانه. انتهى. # ثم قال تعالى: {إن الله يحكم ما يريد(1)} فبين تعالى أنه يحكم في عباده ~~بما يريده ولا يريد إلا ما فيه صلاحهم من التحريم والتحليل على حسب ما يعلم ~~من المصلحة، وقيل يتعبد عباده بما يريد من مصالحهم. # ولما حرم عز وجل الصيد على المحرم أكد ذلك بالنهي عن مخالفته فقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} وقيل في وجه النظم لما ذكر أنه ~~يحكم ما يريد[151] من الأحكام، عن الأصم. # وقيل لما قال: {أوفوا بالعقود} بين تفصيل ذلك فقال: {لا تحلوا شعائر ~~الله...} إلى آخر الآية. PageV20P251 # قال أبو عبيدة: الشعائر في كلام العرب الهدايا المشعرة أي المعلمة، ومثله ~~عن الزجاج، وأصل الشعائر العلامات جمع شعيرة وهي ما جعل شعارا للحج أي علما ~~من مواقيت الحج ومرامي الجمار والمطاف والسعي فلا يحلوها بأن يتهاونوا ~~بحرمتها وتحولوا بينها وبين من يريد التنسك بها. # وفي البرهان: وشعائر الله هي ما حرم الله تعالى في حال الإحرام وسائر ~~حدوده فيما أحل وحرم وأباح وحظر، وقيل إن الشعائر هي المناسك والدين وكل ~~ذلك ms2338 جائز. انتهى. # فنهى الله المؤمنين أن يتعدوا حدوده التي حدها لعباده في الدين ولا ~~يستحلوا شيئا حرمه الله عليهم، ولا يقصروا في شيء أوجبه الله عليهم، ثم قال ~~تعالى: {ولا الشهر الحرام} قيل: شهر الحجة بإحداث ما يمنع الناس من الحج إليها. # وقال المرتضى عليه السلام: والشهر الحرام فهي الأشهر الحرم التي ذكر الله ~~عز وجل حين يقول: {منها أربعة حرم} فأخبر بقوله: {الشهر} عن ذكر جماعتها إذ ~~كان ذكرها قد تقدم وشرحها كما قال سبحانه: {ياأيها الإنسان} وإنما أراد يا ~~أيها الناس، وقال عز وجل: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} فأجاز لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولأصحابه حين تعدي عليهم في الأشهر الحرم وغزوا فيها ~~أن يغزوهم صلى الله عليه وآله وسلم فيها وإنما أراد عز وجل الأشهر الحرم ~~كلها لا واحدا منها، وأخبر بقوله: {الشهر الحرام} عن ذكر الأشهر وعلم ~~السامع أنه قد أجاز الانتصار في كلها؛ لأن هذا من لغة الرعب فصحيح معروف في ~~إيجاز الكلام. PageV20P252 # قلت: وهذا هو قول أبيه الهادي إلى الحق عليه السلام كما سيأتي ذكره إن شاء ~~الله، ثم قال عليه السلام: والشعائر فهي ما تعبد الله به خلقه في الحج مثل ~~الصفا والمروة والمواقف والجمار والبدن، فأمر الله أن يبيحوا ذلك ولا ~~يتركوه ولا يفرطوا فيه، وقيل إنهم في سالف الدهر من بعد إبراهيم كانوا ~~يتركون بعض هذه الأشياء ولا يرون في تركها بأسا وكان ذلك من فعلهم خطأ ~~فنهاهم الله سبحانه عنه، ومن إحلالها أيضا الإفساد فيها واستجازة الظلم ~~والصد عنها، والمعنى الأول هو تفسيرها. انتهى كلامه عليه السلام. # و[152]قوله: {ولا الهدي} جمع هدية وهي ما يهدى إلى البيت من نسائك الإبل ~~والغنم والبقر واحلالها أن يتعرض لها بما يمنع من بلوغ محلها، ثم قال: {ولا ~~القلائد} جمع قلادة ما قلد به الهدي من نعل أو غيره والمراد ذوات القلائد ~~أي والمقلدات من الهدي وهي البدن وخصت بالعطف لاختصاصها بأنها أشرف الهدي ~~أو يراد القلائد نفسها مبالغة في النهي عن التعرض ms2339 للهدي على معنى ولا تحلوا ~~قلائدها فضلا عن أن تحلوها كما قال: {ولا يبدين زينتهن} فنهى عن إبداء ~~الزينة مبالغة عن إبداء مواقعها، ثم قال تعالى: {ولا آمين البيت الحرام} أي ~~ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام {يبتغون فضلا من ربهم} هو الثواب ~~{ورضوانا} وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيما لهم ~~واستنكارا أن يتعرض لمثلهم. PageV20P253 # وفي تفسير هذه الآية يقول الهادي عليه السلام هذا نهي من الله سبحانه ~~للمؤمنين أن يحلوا شيئا مما حرم الله عز وجل من هذه الأشياء والشعائر فهي ~~الإبل التي يشعر عند الإحرام وإشعارها فهو شق أسنمتها، والهدي فهو ما أهداه ~~المحرم إلى مكة، والقلائد فهي الإبل أيضا المقلدة التي يقلدها الحاج بعد ~~إحرامه {ولا آمين البيت الحرام} فهم القاصدون له المتوجهون نحوه من حاج كان ~~أو معتمر فنهى الله تبارك وتعالى عن إباحة ما ذكر، والشهر الحرام فهو الشهر ~~المحرم الذي حرم الله فيه عليهم القتال، ومعنى الشهر الحرام فهو الأشهر ~~الحرم، فقال: {الشهر الحرام} يريد الشهور كما قال: {ياأيها الإنسان ما غرك ~~بربك} وهو يريد الناس، والأشهر الحرم التي نهوا عن الإحداث فيها فهي ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وهن اللواتي ذكر الله تبارك وتعالى حين ~~يقول: {منها أربعة حرم} وهذا كان من قبل ظهور محمد صلوات الله عليه وعلى ~~آله وسلم، وحق هذه الشهور فواجب إلى يوم القيامة ولكل محق أن يقال فيهن على ~~الحق وبالحق وإنما منعوا من القتال فيهن إذ كان قتال فتنة وعصبية وباطل ~~فأمروا بإحلال هذه الأشهر عن المكافاة بباطل على باطل. انتهى. # اختلف المفسرون في كون هذه الآية منسوخة أو لا فقال أكثر المفسرون كابن ~~عباس ومجاهد والحسن وقتادة والشعبي لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية. # وقال [153] آخرون: هذه الآية غير منسوخة وأن المراد بها المؤمنون، ~~والأكثرون قالوا منسوخة بقوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام} وبقوله: {اقتلوا المشركين} {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} ~~وهذا هو الصحيح ms2340 وهو قول عبد الله بن الحسين عليه السلام، قال: ولا أعلم فيه خلافا. PageV20P254 # ولما كان المانع من حل الصيد هو الإحرام قال تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~أباحه بعد الحظر فإذا خرج من الإحرام أبيح له الصيد ثم قال تعالى: {ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم} أي لأن صدوكم {عن المسجد الحرام أن تعتدوا} أي ~~الاعتداء عليهم أي لا يحملنكم عليهم الشنآن لأجل صدهم إياكم عن المسجد ~~الحرام وقدم التعليل في الآية على الاعتداء ومعناه لا يحملنكم بعض أهل مكة ~~وعداوتهم بأن صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعاملوهم معاملة تتجازون فيها ~~حد الحق إلى الباطل، والشنآن البغض والعداوة، يقال جرمني زيد على بعضكم أي ~~حملني عليه، وقيل لا يجرمنكم معناه لا يكسبنكم من قولهم جرمت على عيالي إذا ~~كسبت لهم وعلى هذين القولين خرج قول الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة كلها أن نقضبا PageV20P255 وما أحسن قول المرتضى عليه السلام في معنى هذه الآية فإنه قال: هذا أمر من ~~الله عز وجل للمؤمنين وتأديب لهم ودلالة على ما فيه نجاتهم والسلامة في ~~آخرتهم فقال: {ولا يجرمنكم شنآن قوم} والشنآن فهو البغض والقلائد يريد لا ~~يحملنكم بغض قوم على أن تعتدلوا عن الحق فتهلكوا والتعدي فهو الظلم والحيف، ~~فنهاهم الله سبحانه عن ذلك وحذرهم منه وأمرهم أن يكونوا منصفين وبالحق ~~حاكمين ولا يزيلهم عنه بعض لمن شنؤ ولا إيثار لمحبة فتظلموا ولا يخرجهم ذلك ~~إلى الميل والهوى وأن ينفذوا أحكامه سبحانه فيهم على السواء لا أن الله عز ~~وجل لم يجعل في حكمه تناقضا ولا فسادا ولا زلفة لأحد ولا إيثار بل جعلهم في ~~ذلك معا وحكم عليهم ولهم فيه بالسواء إنصافا لخلقه وتسويته بين بريته فقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين} فأمرهم أن يقوموا بالقسط وهو [154] العدل فيمن ولدهم ~~وقرب نسبه إليهم بالسوا فلا يحل لمؤمن عرف وأيقن بيوم بعثه أن يعدل عن ~~القسط والحق بالحكم في عدوه وقريبه ms2341 على ما أمر الله سواء سواء {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} والحق فيه الناس مشتركون. انتهى. # ثم قال: {وتعاونوا على البر والتقوى} أي العفو والإحسان {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} بنقض العهد والتشفي أي كونوا متعاونين على أعمال البر ~~والتقوى ولا تكونوا متعاونين على الظلم وعلى ما فيه الإثم {واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب(2)} والمراد منه التهديد والوعيد أي اتقوا عقاب الله ~~باجتناب المعاصي إن عقاب الله شديد. PageV20P256 # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وحده وخلف خيله خارجة من المدينة فدعاه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال: إلى ما تدعوا فأخبره وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لأصحابه: ((يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة يتكلم بلسان ~~شيطان)) فلما أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقد دخل بوجه كافر ~~وخرج بعقبى غادر، فمر بسرح من سرح المدينة فاستاقه وانطلق وهو يرتجز ويقول: # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # حدلج الساقين ممسوح القدم # ثم أقبل من العام القابل حاجا قد قلد الهدي فأراد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يبعث إليه فنزلت هذه الآية حتى بلغ: {ولا آمين البيت ~~الحرام} ولم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية. انتهى. # واعلم أنه لما أمر تعالى بالوفاء بالعقود وما يحل واستثنى المحرمات بين ~~تفصيل المحرمات فقال: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير ~~الله به}. # اعلم أنه سبحانه قال في أول السورة: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} ثم ذكر أن ~~فيه استثناء يتلى عليكم فهاهنا [155] ذكر الله تعالى تلك الصورة المستثاه ~~عن ذلك العموم وهي أحد عشر نوعا: # الأول: الميتة حرم الله أكلها والانتفاع بها وهي التي تموت حتف أنفها، ~~والمراد كلما فارقه روحه بغير تذكية مما له ms2342 دم سائل وكانوا يقولون إنكم ~~تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. PageV20P257 # والثاني: الدم كانوا يفصدون الدم للضيف ويجعل في معاء ثم يطبخ ويؤكل ~~ويقولون لم يحرم من فزد له أي فصد له وهو مثل ومعنى المثل لم يحرم من نال ~~بعض حاجته وخرج من ذلك دواب البحر بالسنة وهو قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((أحل لكم ميتتان ودمان)) فأراد بالميتة السمك والجراد وبالدمين ~~الكبد والطحال وما في ذلك اللحم مما ليس بمسفوح؛ لأن الدم المحرم هو ~~المسفوح بدلالة قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} أي مصبوبا. # والثالث: لحم الخنزير من دواب الشام قيل هو كولد الأتان، والمراد جميع ~~أجزائه فصار الدم والميتة مخصوصين بالسنة وبقي تحريم الخنزير على العموم ~~لحمه وشحمه؛ لأن الشحم في العرف تابع للحم. # والرابع: ما أهل لغير الله به والإهلال رفع الصوت وأصله من استهلال الصبي ~~إذا صاح حين يسقط من بطن أمه ومنه إهلال المحرم بالحج والعمرة، قال الشاعر: # يهل بالغرقد ركبانها # كما يهل الراكب المعتمر # فحرم الله تعالى كلما يذبح لغير الله وهو ما يتقرب به إلى الأوثان ويذكر ~~عليها غير اسم الله من أسماء الأوثان التي كان يعبدها أهل الجاهلية وكانوا ~~يقولون عند ذبحها باسم اللات والعزى. # والخامس: قوله تعالى: {والمنخنقة}. # اعلم أن المنخنقة على وجوه، منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة ~~فإذا ماتت أكلوها، ومنها ما تختنق بحبل الصائد، ومنها ما يدخل رأسها بين ~~عمودين في شجرة فتموت. # وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام. # واعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة؛ لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت ~~كالميت حتف أنفه. # والسادس: قوله تعالى: {والموقوذة} وهي المقتولة بغير حد رجما أو ضربا ~~بعصا، يقال وقذه يقذه وقذا إذا ضربه حتى أشفى على الهلاك. PageV20P258 # والسابع: قوله: {والمتردية} من جبل أو في بئر حتى ماتت، والمتردي [156] هو ~~الواقع في الردا وهو الهلاك، قال تعالى: {وما يغني ms2343 عنه ماله إذا تردى} أي ~~وقع في النار، ويقال فلان تردا من السطح فالمتردية هي الساقطة من عال أو ~~الهاوية في سافل. # والثامن: قوله: {والنطيحة} المقتولة بالنطح كالشاة التي تنطحها أخرى فتموت. # فإن قيل: لم أثبت إليهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل ~~بها إلى النطيحة وفي هذا الموضع تكون الهاء محذوفة كقولهم: كف خضيب ولحية ~~دهين وعين كحيل. # قيل: إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها فإذا لم ~~يذكر الموصوف وذكرت الصفة وصفتها وضعت موضع الموصوف يقول رأيت قبيلة فلان ~~بالهاء؛ لأنك إن لم تدخل الهاء لم تعرف أرجل هو أم امرأة، فعلى هذا إنما ~~دخلت الهاء في النطيحة؛ لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة وخصت الشاه؛ ~~لأنها أعم ما يأكله الناس والكلام يخرج على الأعم الأغلب. # والتاسع: قوله: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} يعني ما أكل السبع غير ~~المعلم حتى يموت من أكله قبل أن يدرك ذكاته. # قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا خرج السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ~~ما بقى فحرمه الله تعالى، وفي الآية محذوف تقديره وما أكل منه السبع، لأن ~~ما أكله السبع فقد نفذ ولا حكم له وإنما الحكم للباقي، وفي ما يرجع إليه ~~هذا الاستثناء قولان: # أحدهما: ما قاله أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه وعليه أكثر الفقهاء ~~وهو أنه راجع إلى ما تقدم. # قال في البرهان يعني من المنخنقة وما بعدها قال فيه: وهذا رويناه عن أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام. # قلت: ومثل هذا ذكره الرازي وهو الذي في البلغة وقال فيها: وحكي عن بعض ~~الفقهاء أنه قال هو راجع إلى السبع خاصة أصل هذه المسألة أن ينظر في أن ~~الاستثناء يرجع إلى ما يليه أو إلى ما تقدم ثم تبنى المسائل على ما يصح من ~~ذلك. انتهى. PageV20P259 # العاشر: من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وما ذبح على ~~النصب} أي وحرم ما ذبح على النصب وهو الصنم المصور المنقوش وأصل النصب ms2344 ~~حجارة تنصب فتعبد من دون الله، قيل: وهي حجارة كانت لهم منصوبة حول البيت ~~يذبحون عليها تقربا وتعظيما لها وتسمى الأنصاب [157] والنصب، قال الأعشى: # وإذا النصب المنصوب لا تعبدنه # لعاقبة والله ربك فاعبدا # وقيل: الأنصاب جمع نصب ونصب مفردة، وقيل النصب الأصنام تعبد من دون الله ~~فعلى هذا وما ذبح على اسم النصب، وقيل لأجلها فيكون على بمعنى اللام وهما ~~يتعاقبان. # والنوع الحادي عشر: قوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق}. # قال في البرهان: أي يطلبون علم ما قسم أو لم يقسم من رزق أو حاجة ~~بالأزلام وهي قداح ثلاثة مكتوب على أحدها أمرني ربي وعلى الآخر نهاني ربي، ~~والثالث غفل لا شيء عليه وكانوا إذا أرادوا سفرا أو حاجة أو غزوا ضربوا بها ~~واستقسموا فإن خرج أمرني ربي فعلوه وإن خرج نهاني ربي تركوه وإن خرج الأبيض ~~أعادوه فنهى الله سبحانه عنه فسمي بذلك استقساما؛ لأنهم طلبوا به علم ما ~~قسم لهم. # وقيل: إنه مشتق من قسم اليمين؛ لأنهم التزموا بالقداح ما يلتزمونه ~~باليمين {ذلكم فسق} أي خروج عن أمر الله وطاعته وهو فعل ما تقدم ذكره. ~~انتهى، فقيل من فعل ذلك صار فاسقا؛ لأنه دخل في علم الغيب الذي اختص الله ~~به واعتقاده واستنباطه وقوله نهاني ربي وأمرني ربي افتراء على الله وما ~~يدريه أنه أمره أو نهاه فإن استحلها كفر لرده نص القرآن والكهنة والمنجمون ~~بهذه المثابة وإن أرادوا بالرب الصنم كما روي أنهم كانوا يجيلونها عند ~~الأصنام فظاهر؛ لأنهم يعتقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام ~~فبإرشاد الأصنام وإعانتهم فلهذا السبب كان ذلك فسقا وكفرا، ويجوز أن تكون ~~الإشارة في ذلكم إلى الاستقسام أو تناول ما حرم عليهم من الميتة وغيرها، ~~والله أعلم. PageV20P260 # وقيل: كانت الأزلام سبعة. # قال في البلغة: وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: كانت القداح ~~عشرة سبعة لها نصيب وثلاثة لا نصيب لها، وأساميها مشهورة في اللغة ونطقت ~~الأشعار بها فكانوا يشترون الجزور ويجيلون القداح إلى أن ms2345 يخرج الذي لا نصيب ~~له فيغرمون الجزور صاحب القداح الذي لا نصيب له ويفوز بالجزور من لم ~~يغرم[158] شيئا فيه فحرم الله تعالى ذلك. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرمه من بهيمة الأنعام وما أحله ~~منها ختم الكلام فيها بقوله: {ذلكم فسق} والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل ~~تلك الأعمال، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال: {اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه يئسوا من إبطال دينك وهلاك ~~مذهبكم وانقطاع رجائهم من رجعتكم عن افسلام إلى دينهم وبين لهم قوة الحق ~~وقهره لهم {فلا تخشوهم واخشون} يريد بذلك النهي عن إفراط الجبن عن جهاد ~~الفاسقين وتأمرنا بالشدة على الظالمين الكافرين؛ لأن من جبن عنهم وهابهم ~~فقد خشع لهم بذلك وطاعهم. انتهى ومثله في البلغة يريد فلا تخش الكفار أن ~~يظهروا عليكم واخشوا عقابي بترك الكفر والمعاصي حتى لا يستحقوا الهقاب وقيل ~~هذا اليوم هو يوم عرفة عام حجة الوداع. # وقال الحسن: ذلك اليوم هو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وهو قوله: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} هذا ~~ليوم الذي أشار الله إليه يوم عظيم الشأن كبير المقدار لأن الله تعالى أخبر ~~أنه أكمل فيه دين عباده وتمم فيه نعمه عليهم ورضي فيه لهم الإسلام دينا ~~وليس يجوز أن يكون تعظيم شأن هذا اليوم لما تقدم ذكره من تحريم الأشياء ~~المعدودة وإنما يجب أن يكون ذلك لأمر مهم تضمن كمال الدين وتمام النعمة ~~ورضى الرب سبحانه وتعالى. PageV20P261 # وروت الرواة الثقات من طريق آل محمد عليهم السلام أن الإشارة إلى اليوم ~~الذي عقد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولاية لعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام وهو يوم غدير خم الثامن عشر من ذي الحجة وللعلماء في هذا اليوم ~~قولان بعضهم قال هو يوم عرفة عام حجة الوداع وبعضهم قال هو يوم غدير خم ~~الثامن عشر من عام حجة ms2346 الوداع، ولما حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~[159] حجة الوداع ذكر للناس طرفا من هذا الحديث فلما خرج من مكة راجعا إلى ~~المدينة وبلغ غدير خم أتاه جبريل صلى الله عليه فأمره بالنداء الصلاة جامعة ~~فنادى بلال الصلاة جامعة فلا يبقى أحد إلا عليل وكان ذلك الوقت وقت الهاجرة ~~في تلك البادية فأمر بكنس ساحة الدوحات ولم يكن ثم منبر وأمر بنصب أقتاب ~~الإبل مكان المنبر ثم صعد صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه ~~وتكلم بكلام طويل تمهيدا للأمر ثم أخذ بعضد علي عليه السلام فرفعه حتى رئي ~~إبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ير قبل ذلك، ثم قال: ((أيها ~~الناس ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: اللهم ~~اشهد، ثم قال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)). # وفي بعض الروايات ثم أمرهم أن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين فقالوا عن أمر ~~الله وأمر رسوله قال بلى، وعند ذلك قال عمر بن الخطاب: بخ بخ يا ابن أبي ~~طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. # قال ابن عباس وسلمان وأبو ذر والمقداد وجماعة من الصحابة: والله ما برحنا ~~العرصة حتى نزلت الآية: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا}، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن كمال الدين وتمام ~~النعمة ورضا الرب في الولاية بعدي لعلي بن أبي طالب)) قال ذلك ثلاثا. انتهى ~~من البلغة. PageV20P262 # قال في البرهان: ولم يعش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك إلا ~~إحدى وثمانين ليلة وإكمال الدين يعني إكمال الفرائض والحدود والحلال ~~والحرام ولم ينزل عليه بعدها شيء من تحليل ولا تحريم. # قال في البلغة: نزلت الآية بعدبيان طريقة التوحيد والنبوة والشريعة فذلك ~~دليل على أن الإمامة من أصول الدين وحجة وكيدة ورتبة عالية فمن استهان بها ~~فقد حقر ما عظمه الله؛ لأن تحت ms2347 كل حركة ونفس تنفس به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم حكمة بالغة ولولا مخافة التطويل لأشبعت الكلام في ذلك وإن كنت قد ~~استقصيت ذلك في تهذيب مذهب الشيعة في الإمامة وفيما ذكرته هاهنا [160] ~~كفاية. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمه الله تعالى: دلت الآية على ~~تحريم الميتة ومن ذلك الشظا وما لا ذكاة له إلا ما استثنى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من السمك والجراد وعلى تحريم جميع ما ذكره الله في هذه ~~الآية فهي نصوص صريحة وعلى أن المسلمين وأهل الحق إذا كانوا في منعة فإنه ~~يحرم عليهم الخوف من الأعداء ويجب عليهم قصدهم لإقامة الدين، وقوله: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم} إلى آخره دلت هذه الآية الكريمة على أن شريعة محمد لا نقص ~~فيها فلا تحتاج إلى رأي المبطلين وأن الله قد أتم نعمته على عباده بهذه ~~الشريعة المطهرة وأنها داخلة فيما يسأل الله عنه من النعيم في قوله تعالى: ~~{ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} وأن رضى الله بالإسلام فيجب الرضى على عباده ~~بما رضي لهم سبحانه. انتهى. # فإن قيل: أليس عندكم أنه يحتاج إلى النظر والقياس والاحتهاد لذلك يحتاج ~~إلى إمام. # فجوابه أنه تعالى إذا بين الأصول ونصب الأدلة فقد أزاح العلة، فمن ترك ~~النظر فمن جهته أتي. PageV20P263 # ثم عاد إلى تمام نا تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى فقال: {فمن ~~اضطر} إلى شيء من هذه المحرمات {في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور ~~رحيم(3)} المخمصة المجاعة وأصله اضطرار الإنسان من الجوع وهو من خمص البطن ~~وهو إضماره من الجوع، قال الأعشى: # تبيتون في المشتا ملآ بطونكم # وجاراتكم غرثا يبتن خمايصا # والمتجانف المتمايل، ومعناه فمن بلغ به الجوع إلى حال الاضطرار ولم يجد ~~من الحلال ما يمسك به رمقه وهو غير متعمد فيه لفعل ما فيه إثم مباح له أن ~~يتناول مما ذكر في الآية تحريمه قدر ما يمسك به رمقه ولا يؤاخذه الله بذلك ~~لأنه غفور رحيم. # ولما ms2348 تقدم ذكر المحرمات عقبه بذكر ما يحل فقال تعالى: {يسألونك ماذا أحل ~~لهم قل أحل لكم الطيبات} يعني أي شيء [161] أحل لهم والسائل هم المؤمنيون، ~~ومعنى يسألونك أي يستخبرونك يا محمد ماذا أحل لهم من المواكل، وقيل من ~~الذبائح والصيد، والسائل عدي بن حاتم وزيد الخيل قيل الطيبات ما لم يكن ~~حراما ولكن كان مسكوتا عنه، فلما سألوا ورد النص بتحليله، واختلفوا في ~~الطيبات قيل الحلال الذي أذن الله تعالى في أكله من المأكولات والذبائح ~~الصيد عن أبي مسلم وهو الذي في البرهان، قال فيه: يعني بالطيبات الحلال ~~وإنما سمي الحلال طيبا وإن لم يكن مستلذا تشبيها بما يستلذ. انتهى. # ثم قال: قيل: ما ذبح على اسم الله، وقيل: ما وراء المحرمات طيبات، وقيل ~~مالم يرد بتحريمه كتاب ولا سنة. PageV20P264 # قال الحاكم: وهو الأولى لأن أصل الأشياء على الإباحة حتى يرد الشرع ~~بتحريمه، وقيل الطيب ما تستطيبه العرب الذين خوطبوا بذلك وتستلذه مما لم ~~ينزل بتحريمه شرع مثل الضبا واليرابيع وغيرها فكل حيوان استطابته العرب فهو ~~حلال وكل حيوان تستخبثه فهو حرام والمراد ذووا المروات منهم، ثم قال ~~سبحانه: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} يعني وصيد ما علمتم من الجوارح وهو ~~الكواسب من سباع البهائم والطير سميت جوارح لكسب أهلها بها من قولهم فلان ~~جارحة أهله أي كاسبهم، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: # ذات حد منصح متسمعا # يذكر الجارح منها ما اجترح # أي مااكتسب. # قوله: {مكلبين} يعني من الكلاب والتكليب من صفة الجارح من كلب أو غيره ~~ومعناه مصرا على الصيد كما تصر الكلاب مثل الفهد والصقر وغير ذلك، والتكليب ~~يجري مجرى التعليم والأصل في الكلاب ثم يستعار اللفظ لغيره والمكلب اسم يقع ~~على من سلط الكلب والصائد به يسمى كلابا، ومعنى {تعلمونهن مما علمكم الله} ~~أي تعلموهن من طلب الصيد مما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم وصفة ~~التعليم الذي بين حكمتها لكم تؤدبوهن حتى [162] يصير معلما يحل صيده. PageV20P265 # وقيل: معنى {مما علمكم الله} أي ألهمكم الله بعقولكم حتى ms2349 تميزون بين المعلم ~~وغير المعلم، دلت الآية أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت الجوارح ~~معلمة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعدي بن حاتم: ((إذا أرسلت كلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل))، واختلفوا في الكلب المعلم، فقال الشافعي رحمه ~~الله: والكلب لا يصير معلما إلا عند أمور وهي إذا أشلي اشتلاء وإذا أخذ حبس ~~ولا يأكل وإذا دعاه أجابه وإذا أراده لم يفر منه فإذا فعل ذلك مرات فهو ~~معلم ولم يذكر رحمه الله فيه حدا معينا بل يقال أنه متى غلب على الظن أنه ~~معلم حكم به؛ لأن الاسم إذا لك يكن معلوما من النص أو الإجماع وجب الرجوع ~~فيه إلى العرف وهو قول أبي حنيفة في أظهر الروايات. # وقال الحسن البصري بمرة واحدة، وعن أبي حنيفة في رواية أنه يصير معلما ~~بتكرير ذلك مرتين وهو قول أحمد، وعن أبي يوسف ومحمد أنه يصير معلما بثلاث ~~مرات، ثم قال تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه} أي على ~~ما أمسكن إن أدركتم ذكاته أو على ما علمتم من الجوارح عند إرساله شرط في ~~الإباحة والإمساك على صاحبه وألا يأكل منه والإمساك لنفسه أن يأكل منه فلا ~~يحل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعدي بن حاتم: ((وإن أكل منه لا تأكل ~~إنما أمسك على نفسه)). # وفرق العلماء في سباع البهائم لأنها تؤدب بالضرب فاشترطوا فيها ترك الأكل ~~ولم يشترطوا في سباع الطير، وقيل: لا يعتبر ترك الأكل لقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم للسائل عن إباحة الصيد: ((وإن أكل منه)). PageV20P266 # قال المرتضى عليه السلام: معنى {مكلبين} فهو ما علموا من الكلاب فإذا كان ~~الكلب معلما الصيد يغرى فيأخذ ويدعا فيجيب ثم أغري على صيد فلحقه فقتله ثم ~~لحقه صاحبه فوجده قد أكل منه فلا بأس بأكل ما بقي لأنه معلم، وقد أطلق الله ~~سبحانه كل ما أمسك الكلب المعلم وأحب لمن تواري كلبه عن عينه في الجبال ~~والغياض ألا يأكل ما فضل منه لا يؤمن أن ms2350 يكون الصيد تردى [163] أو غرق فإذا ~~قتله في موضع براز من الرض وهو يبصره ثم أكل منه ولحقه صاحبه فلا بأس بأكل ~~بقيته، وقد قال بعض الناس: إن الكلب إذا أكل من صيده فلم يمسك لصاحبه وإنما ~~أمسك لنفسه وليس ذلك بصواب بل كان السلف عليهم السلام يجيزون أكله على ما ~~ذكرت لك. انتهى. # واعلم أنه لا خلاف إذا أدركه حيا وتمكن من تذكيته ولم يذكيه حتى مات أنه ~~لا يحل أكله فإن بقي حيا قدر ما يمكن تذكيته ولم يتمكن من تذكيته لعدم ~~الآلة لم يحل عندنا وأبي حنيفة، وقال مالك والشافعي: الاعتبار بأن يتمكن من ~~ذبحه بحصول الآلة ومضي وقت يسع ذلك ولا خلاف أنما قتلته المعلمة على الشروط ~~المعتبرة أنه يحل أكله وما قتلته غير المعلمة لا يحل أكله وهذا في الكلاب ~~ونحوها من السباع. # وأما الطير فلا يحل أكل ما قتلته عند يحيى والقاسم والناصر عليهم السلام ~~وهو قول ابن عمر وعند أكثر الفقهاء يحل منهم الشافعي وأبو حنيفة ولا خلاف ~~أن ما أدركه حيا وذكاه فهو حلال سواء صاده معلم أو غير معلم، ثم قال ~~سبحانه: {واتقوا الله} أي اتقوا عذابه باجتناب معاصيه، وقيل: اتقوا مخالفته ~~بأن تجاوزوا إلى ما حرم عليكم، عن أبي علي {إن الله سريع الحساب(4)} أي ~~سريع حسابه لمن حاسبه، وقيل: هو وعيد وزجر للعاصي عن المعصية. # قال في البرهان: وفي سبب نزول هذه الآية قولان: PageV20P267 # أحدهما ما رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتاه جبريل ~~فاستأذن عليه فقال: ((قد أذناك، فقال: أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب))، ~~قال أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فأمرني أن أقتل كل كلب ~~بالمدينة، فقتلت حتى أتيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركته فجاء أهل ~~المدينة فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة وما يحرم التي أمرت ~~بقتلها، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى: ~~{قل أحل ms2351 لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين...} الآية. # وقيل في القول الثاني: إن زيد الخيل لما وفد على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال في من الخير ما قال فسماه زيد الخير، فسأله [164] زيد فقال: ~~يا رسول الله فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح والآخر يكنى أبا دجانة لهما ~~أكلب خمسة تصيدا الضبا فما ترى في صيدها. # وقيل: إن أسماء الكلاب الخمسة التي لذريح وأبي دجانة المختلس وغلاب ~~والمقتنص وسهلب والمتعاطس، قال: فأنزل الله {يسألونك ماذا أحل لهم}. # قال إمامنا المنصور بالله رحمة الله عليه: هذه الآية ظاهرة فيما دلت عليه ~~من الأحكام. انتهى. # واعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية أنه أحل الطيبات وكان المقصود من ذكره ~~الأخبار عن هذا الحكم ثم أعاد ذكره فقال عوجل: {اليوم أحل لكم الطيبات} ~~فبين تعالى أنه أحل لهم في اليوم الذي ذكر الطيبات وهو الحلال المأذون فيه، ~~فأخبر سبحانه أنه كما أكمل الدين وأتم النعمة في كل ما يتعلق بالدين فكذلك ~~تتم النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ومنها إحلال الطيبات، ثم قال تعالى: ~~{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم}. PageV20P268 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد ما كان من طعامهم يابسا فأما ~~رطوبات أهل الكتاب فلا يحل أكلها للمسلمين ولا يجوز ذلك لأحد من جميع ~~المخلوقين. # قلت: ومثل هذا في البرهان وهو قول القاسم ويحيى عليهما السلام، يقال سوق ~~الطعام ويراد به الحنطة. # قال في البلغة: لما بين الله سبحانه أن طعام أهل الكتاب حل للمؤمنين ~~وطاعم المؤمنين حل لأهل الكتاب ذهب علماء العامة إلى أن ذبائح أهل الكتاب ~~حل للمؤمنين ومنهم من حمل الآية على العموم، وقد روي النهي عن ذبائح أهل ~~الكتاب وسئل موسى بن جعفر عليه السلام عن أكل ذبائح أهل الكتاب فقال: لا ~~تقربوها. # وروى الناصر للحق عليه السلام عن الأئمة النهي عن ذلك والظاهر من طريق آل ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يحل شيء من ذبائح أهل الكتاب على أن ms2352 ~~العرف في الطعام ليس في اللحم والذبائح فإذا أوردت هذه الروايات فيجب أن ~~يحمل قوله: {وطعام الذين أوتوا الكتاب} على غير الذبائح مما يحل أكله من ~~الحبوب التي تكون في أيديهم وكالصيد وما أشبه ذلك، وقد جاء في التفسير عن ~~هل البيت من أئمة الزيدية أن هذه الإباحة وقعت بين المؤمنين [165] وبين أهل ~~الكتاب الذين دخلوا في الإسلام فبقي مع المسلمين التشوش والعيافة على ما ~~كان أولا عندهم من التحريم لطعامهم فأمروا بالخلطة للمسلمين منهم ولا تجنب ~~طعامهم. انتهى. PageV20P269 # وأما قوله سبحانه: {وطعامكم حل لهم} فقيل: أراد ذبائحنا لهم حلال فإذا ~~اشتروها منا كان الثمن لنا حلالا، وقيل فائدته جواز أن نطعمهم، ثم قال ~~تعالى: {والمحصنات من المؤمنات} فيه حذف؛ أي أحل لكم نكاح المحصنات، قيل: ~~أراد الحرائر عن مجاهد وأبي علي، وقيل العفائف عن الحسن والشعبي وسفيان ~~وإبراهيم، فعلى الأول لا تدخل الإماء مع القدرة على طول الحرة في الإباحة، ~~وعلى القول الثاني يدخل مع القدرة على الحرة وهو قول أهل العراق ذكره ~~الحاكم، ثم قال عز وجل: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن} أي المسلمات المؤمنات منهم. # قال في البرهان: لأنهن لا يسمين محصنات إلا بعد الإسلام لاستحالة معنى ~~الإحصان في الكفر. # قال في البلغة: فأباح الله نكاح المحصنات منهم وهن المسلمات والإحصان ~~هاهنا الإسلام والأجور المهور ومن أباح مكاح الكتابيات أخذ بظاهر الآية ~~بغير دليل ولا تمييز، ورووا عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه أجاز ~~ذلك وقال: يكون عليك في دينك غضاضة إذا تزوجت بها. # وأئمة الزيدية عليهم السلام ينكرون ذلك، قال الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام: وهي متأولة عندنا بأن المراد مسلموا أهل الكتاب اليهود والنصارى ~~لأن الله عز وجل حرم نكاح المشركات وافترض الهجرة عن الفاسقين والفاسقات ~~فكيف يأمر بهجر هؤلاء ويأمر بنكاحهن هذا متناقض فاسد عند ذوي العقول لا ~~يقول به إلا كل خبل مخبول. انتهى. # وفي شرح الأحكام ما لفظه: أخبرنا السيد أبو العباس رحمه الله قال: ms2353 أخبرنا ~~علي بن عبد الحميد قال: حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: ~~حدثنا عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني في ~~نكاح الكتابيات {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. PageV20P270 # قال القاسم بن إبراهيم عليه السلام في مسائل بن جهشيار: وأحسن [166] ما ~~سمعنا في نكاح أهل الكتابين للمسلمين ما جاء عن زيد بن علي عليه السلام في ~~تحريمهن لأن الله تعالى قد قطع موالاتهم وحرم موادتهم بقوله: {لا تجد قوما ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...} الآية. انتهى. # وروي عن الناصر للحق عليه السلام مثل ذلك واحتج بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن} وذكر في قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} قال: ~~الإحصان هاهنا الإسلام. # قال عبد الله بن الحسين عليهما السلام: ومن الحجة على من أجاز نكاحهن ~~واحتج بالآية أن يقول له أليس قال تعالى في أول الآية: {والمحصنات من ~~المؤمنات} فبين بقوله من المحصنات أنهن العفائف، ثم قال: {من المؤمنات} فلم ~~يبح تزويج المحصنات إلا أن يكن مؤمنات ولا المسلمات إلا أن يكن محصنات فكيف ~~يبيح نكاح المحصنات اللاتي غير مؤمنات فهذا من أحول المحال هو سبحانه يحرم ~~من كان متسما باسم الإيمان إذا كان زانيا فكيف يحل نكاح المشركات وإن كن ~~محصنات والله سبحانه لم يبح ناح محصنة إلا أن تكون مؤمنة ولا نكاح مسلمة ~~إلا أن تكون من المحصنات فإذا اجتمعا في امرأة جاز نكاحها وإذا افترقا كان ~~النكاح فاسدا. PageV20P271 # قلت: وفي شرح الأحكام للهادي إلى الحق عليه السلام ما لفظه: أخبرنا السيج ~~أبو العباس رحمه الله قال: أخبرنا علي بن الحسين بن مروان البغدادي قال: ~~حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدثنا أبي عن حسين بن مخارق عن أبي حمزة ~~الثمالي وأبي الجارود عن زيد بن علي عليهما السلام، رجع وأخبرنا أبو العباس ~~رحمه الله قال: أخبرنا عيسى بن محمد العلوي قال: حدثنا جعفر بن عبد الله ~~قال: حدثنا كثير بن عباس ms2354 عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في ~~قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} قال: كان هذا وفي نساء القبلة قلة ~~فلما أن كثرت نسخ الله هذه الآية بقوله: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}. # أخبرنا السيد أبو العباس رحمه الله قال: أخبرنا أحمد بن علي بن عافية ~~البجلي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سلام قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن ~~مروان، عن أحمد بن عامر الواسطي عن أبيه عن جده عن [167] محمد بن عبد الله ~~النفس الزكية عليه السلام في هذه الآية {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} ~~قال: نسخها {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} وإنما جعل نساء أهل الكتاب ~~للمسلمين وفي نساء أهل الإسلام قلة، فلما كثر المسلمات نسخها الله بهذه ~~الآية، وبقوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} فلا تنكحوا نساءهم ولا تأكلوا ~~ذبائحهم. انتهى. PageV20P272 # ومعنى {محصنين} أي معفين فروجكم بالنكاح {غير مسافحين} أي زانين {ولا متخذي ~~أخدان} يعني صدائق في السر والخدن يطلق على الذكر والأنثى، والمعنى ~~المتصاحبون على الفجور والمتواخون على الفساد والشرور، ثم قال تعالى: {ومن ~~يكفر بالإيمان} أي شرايع الإيمان ما أحل وما حرم {فقد حبط عمله} الصالح أي ~~بطل {وهو في الآخرة من الخاسرين(5)} المعنى ومن كفر بما أمر الله تعالى به ~~وضيعه بطل عمله الذي عمله تقربا زطالبا به الثواب وكان من الخاسرين أي من ~~الهالكين الذين أهلكوا أنفسهم حيث قوتوها ثواب الله وألزموها عقابه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على حل كل طيب ~~{والمحصنات من المؤمنات} وهن العفيفات من الزنا {والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب} وهم الذين لم يشركوا بالله من اليهود والنصارى دون من أشرك منهم ~~وكان ممن حكى الله عنهم في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم} أما من اتخذ عيسى عليه السلام إلها فذلك واضح، ~~وأما المتخذون الأحبار والرهبان فإنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ~~ما أحل الله، وقد قال الله سبحانه: {أم لهم شركاء شرعوا ms2355 لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله}، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في تفسير هذه ~~الآية: ((أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أحلوا ما حرم الله وحرموا ~~عليهم ما أحل الله فعملوا بذلك)) أو كما قال. PageV20P273 # وقوله في الآية : {محصنين غير مسافحين} يدل على تحريم نكاح المتعة لأنه ~~مسافحة لعدم الفرق والتمييز بينه وبين نكاح الزما إذ لا عدة ولا طلاق ولا ~~نفقة ولا لحوق ولد لا سيما وقد وردت النصوص الصريحة بتحريمه [168] والنهي ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى تحريم اتخاذ الأخدان وهي مصاحبة ~~من لم يحل نكاحها في السر وعلى نكاح السر الذي لم يحضره ولي ولا شهود من ~~ذلك {ومن يكفر بالإيمان} وهو العمل بما أنزل الله فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين. انتهى. # ولما تقدم الأمر بالوفاء بالعقود بين عز وجل تفاصيل ذلك ولما كان أعظم ~~الطاعات بعد افيمان الصلاة ولا يمكن إقامتها إلا بالطهارة بدأ سبحانه بذكر ~~شرايط الوضوء فقال: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} قرأ نافع ~~وابن عامر والكسائي وحفص بنصب {أرجلكم}. # قال الهادي عليه السلام في الأحكام: حدثني أبي عن أبيه قال: لم أر أحدا ~~من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشك في أن قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب رحمه الله وجميع المهاجرين بعدهما ~~{وأرجلكم} بالنصب يعطفونها بالواو على الغسل نسقا على الوجوه. # قلت: وهذا أيضا هو الذي يروى عن جل الفقهاء وأكثر المفسرين والله أعلم. # قال في البلغة: في الآية محذوف وتقديره إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ~~لأنه لا خلاف بين الأمة أن من قام إلى الصلاة ولم يكن محدثا لم يجب عليه ~~الطهور. انتهى. # وقيل: أي إذا أردتم القيام إليها عبر بالمسبب وهو القيام عن السبب وهو ~~الإرادة لما بينهما من الملابسة كما يعبر عن القدرة بالفعل في قولهم ms2356 الأعمى ~~لا يبصر أي لا يقدر على الإبصار. PageV20P274 # قال في البرهان: ومعنى الآية هو ما روينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~أنه قال: واجب على كل من أراد القيام إلى الصلاة أن يتوضأ ولا يجوز أن يجمع ~~بوضوء واحد فرضين وكذلك روسنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~كان يتوضأ لك صلاة. انتهى. # قلت: وقد روى ابن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يجب إلا ~~أن يحدث، وروي ذلك أيضا عن ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة ~~[169] وأبي موسى وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن والضحاك ~~والسدي وجابر بن عبد الله وعليه الفقهاء، وما روي عن عمر وعلي الوضوء لكل ~~صلاة لمحمول على الاستحباب، وقد روي عن ابن عمر أنه لكل صلاة ندب واستحباب ~~وداود محجوج بإجماع التابعين والفقهاء إلى يومنا هذا، وأيضا لو كان الوضوء ~~لكل صلاة واجبا لكان الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره ~~تأثير في إيجاب الوضوء لكن ذلك باطل. # وأما ما روي عن علي عليه السلام إن صح فمعارض بما هو أصح منه وذلك ما ~~رواه القاضي العلامة تاج الشيعة فخر الدين عبد الله بن زيد العنسي رحمة ~~الله عليه عن أنس بن مالك قال: يقول الناس إن قوله تعالى: {أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة} نزلت في علي بن أبي طالب، قال: ~~فأتيته لأنظر إلى عبادته، قال: فأشهد لقد رأيته وقت الغروب فوجدته يصلي ~~بأصحابه المغرب فلما فرغ منها جلس في التعقيب إلى أن قام إلى العشاء الآخرة ~~ثم دخل منزله فوجدته يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر ثم جدد وضوءه وخرج ~~إلى المسجد وصلى بالناس صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب إلى أن صلى بهم ~~العصر ثم أتاه الناس يختصمون وهو يقضي بينهم إلى أن غربت الشمس فخرجت وأنا ~~أقول: أشهد أن هذه الآية نزلت فيه. انتهى. PageV20P275 # قلت: ولم يذكر أنس أنه كان يجدد ms2357 بين الصلاتين مع طول الانتظار للصلاة ~~الأخرى إلا ما بين صلاة العشاء والفجر لما عسى أن يكون بينهما من النوم أو ~~النعاس والله أعلم. # قال الحاكم: واختلف من قال الوضوء مما لا يجب لكل صلاة في تقدير الآية ~~فقيل إذا قمتم وأنتم على طهارة عن ابن عباس وهو قول أبي علي، وقيل إذا قمتم ~~من النوم عن زيد بن أسلم والسدي، وقيل: كان الوضوء واجبا لكل صلاة ثم نسخ ~~بالتخفيف، وذكر علي بن موسى القمي أن مذهب الخلفاء كان التطهير لكل صلاة ~~وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك، فلما كان يوم فتح مكة ~~صلى كل الصلوات بوضوء واحد، وقال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء ~~لكل صلاة)). # قال القاضي: وهو محمول [170] على الندب والاستجاب إلى الصلاة، وقيل: هو ~~إعلام أن الوضوء لا يجب إلا للضصلاة فقد كانوا يمتنعون من الأعمال للحدث. انتهى. # والمراد بالغسل إمرار الماء على المحل يسيل عنه والمسح أن يبله بالماء ~~ولا يسيل، ثم قال سبحانه: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} أي فاغتسلوا والاطهار ~~مبالغة في التطهير والجنب هو الذي يخرج منه الماء الدافق عند الجماع، وقيل: ~~إنما سمي جنبا لمجانبته لزوجته والمجانبة هي المفارقة لها والترك لجماعها ~~عند قضائه لشهوته ونزوله عنها. # وقيل في ذلك: إنما سمي جنبا لمجانبته لشهوته ومفارقته لحركات لذته وكلا ~~الوجهين حسن معروف عند فصحاء العرب. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا التقى الختانان ~~وجب الغسل)) وإنما يجب الغسل في الكتاب بما ذكرنا على الجنب فإذا التقى ~~الختانان ولم يجر مني ولا انقطاع فليس ذلك في اللغة يسمى جنبا وإنما لزمه ~~الغسل بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا التقى الختانان وجب ~~الغسل)). PageV20P276 # قال الهادي عليه السلام: لو دنى يقضان حتى يمس ختان ختانا لوجب عليهما ~~الاغتسال وسواء في ذلك النساء والرجال، ذكره عنه الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام. # وقوله: {وإن كنتم مرضى} جمع مريض {أو على سفر} أي مسافرين {أو ms2358 جاء أحد ~~منكم من الغائط} أي موضع الحدث، ومعناه جاء محدثا وأصل الغائط المكان ~~المنخفض من الأرض وكانوا يحدثون في هذه المواضع فسمي الحدث باسمه وهو هاهنا ~~كناية عن الحدث {أو لامستم النساء} أي جامعتموهن {فلم تجدوا ماء فتيمموا} ~~أي اقصدوا {صعيدا طيبا} أي ترابا منبتا {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يعني من ضيق في الوضوء والغسل والتيمم، ثم ~~قال: {ولكن يريد ليطهركم} بالماء عند وجوده {وليتم نعمته عليكم} بالتيمم ~~عند عدم الماء أي ليتم برخصة إنعامه عليكم بعزائمه {لعلكم تشكرون(6)} نعمته ~~فيثيبكم، فأخبر الله تعالى أنه لا يريد بعباده العسر والضيق وهو الحرج ~~فلهذا أباح لهم التيمم عند عدم الماء وحصول العلة وإنما يريد أن يحكم لكم ~~بأحكام الطاهرين [171] ويتم النعمة عليكم دينا ودنيا لكي تشكروه ثم يجازيكم ~~على ذلك الشكر بما تستحقونه ويزيدكم من فضله. PageV20P277 # ولما تقدم ذكر الدين وبيان الشرائع وكان كثرة النعم توجب على المنعم عليه ~~الاشتغال بأداء حق المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه عقبه بتذكير النعم ~~بذلك وبالرسول الذي جاءهم به وبالرغبة والرهبة وبذلك أجرى الله تعالى ~~العادة بأن يذكر الأوامر والنواهي، ثم تعقبه بالوعد والوعيد فقال تعالى: ~~{واذكروا نعمة الله عليكم} وإنما لم يقل نعم الله عليكم لأنه ليس المقصود ~~منه التأمل في إعداد نعم الله بل المقصود منه التأمل في جنس نعمة الله؛ لأن ~~هذا الجنس جنس لا يقدر غير الله عليه فمن الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة ~~والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى جميع الخيرات في ~~الدنيا والآخرة، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب ~~الاشتغال بشكرها أتم وأكمل، ثم قال: {وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا} أي واذكروا الميثاق الذي واثقكم أي عاقدكم به عهدا وثيقا وهو ~~الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على السمع والطاعة وكل ما يأمر وينهى، وفي اليسر والعسر والمبسط ~~والمكره، فقبلوا وقالوا سمعنا وأطعان، عن ms2359 ابن عباس والسدي. # وقيل: هو الأيمان الذي أخذ عليهم عند بيعة العقبة ويوم بيعة الرضوان، عن ~~أبي علي. # وقيل: هو الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة أن يؤمنوا بالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV20P278 # وقيل: العهود التي عاهدتم الله عليه، وقيل العهود التي عهد الله إليكم وهي ~~الأدلة العقلية والشرعية التي نصبها فيما يلزمه وأوامره عن أبي مسلم ~~والقاضي، ذكره الحاكم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بأن ذكرهم بأنهم التزموا ذلك ~~وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا وأطعنا، ثم حذرهم من نقض تلك العهود ~~والمواثيق فقال: {واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور(7)} يعني لا تنقضوا ~~تلك العهود ولا تعزموا بقلبوكم على نقضها فإنه إن خطر ذلك ببالكم فالله ~~يعلم ذلك وكفى بالله[172] مجازيا. # قال في البلغة: واتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال التذكير بالنعمة على ~~وجه يجب القيام بحقها بالطاعة لله سبحانه وتعالى وذكر ذات الصدور بلفظ ~~التأنيث؛ لأن ذلك يرجع إلى المعاني التي في الصدق وهي مؤنثة ولم يقل ذوات ~~ل.....ي عن التفصيل في كل ذات وهذا كما يقال عليم بذات الثمار من الأشجار. # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمه الله تعالى في هذه الآية: ~~يجب ذكر نعمة الله، ومن النعم الجسام السمع والطاعة لله سبحانه، وأمر ~~سبحانه بالتقوى وهي فعل الواجبات واجتناب المقبحات. انتهى. # ثم قال تعالى {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله} أي مجتهدين في ~~القيام له بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به ~~والنهي عن المنكر وتجنبه فهذا هو حق القيام لله بالحق؛ لأنه يدخل فيه كلما ~~أوجب الله سبحانه على العبد فعله وما نهاه عنه. # وأما قوله: {شهداء بالقسط} فقيل معناه دعاة لله منيبين عنه بالعدل والحق ~~والحجج، عن الأصم. # وقيل: شهداء لله بنعمه على الناس ومخالفتهم لأمره، عن أبي علي. # وقيل: يقيمون الشهادة بالحق والصدق، عن أبي مسلم، أي بعثهم الله على ~~إقامة الشهادة التي يجب عليهم القيام بها لئلا تبطل حقوق الناس. PageV20P279 # وقيل: المراد أن يكونوا ms2360 شهداء على الناس بما يكون منهم من المعاصي ~~والمخالفة لدين الله وهذا مثل قوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس...}الآية. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~ويدخل في هذا الخطاب من قام مقامه من عترته. انتهى. # ثم قال سبحانه: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي لا يحملنكم بغض ~~قوم وعداوتهم على أن لا تعدلوا، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم به ~~فنهاهم الله عز وجل عن ترك الإنصاف لأجل العداوة، وفي الآية قولان: # الأول: أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا معهم ~~وتجاوزوا الحق فيهم وإن أساءوا إليكم فأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم، ~~فهذا خطاب[173] عام، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا ~~إلا على سبيل العدل والإنصاف وترك الميل والظلم والاعتساف. # والثاني: أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن ~~المسجد الحرام. # فإن قيل: فعلى هذا فكيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم ~~وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم. # فالجواب أنه يمكن ظلمهم أيضا من وجوه كثيرة منها أنهم إذا أظهروا الإسلام ~~لا يقبل منهم، ومنها قتل الأطفال لاغتمام الآباء، ومنها إيقاع المثلة، ~~ومنها نقض عهودهم. # ثم قال تعالى: {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي اعدلوا فإنه أقرب إلى أن ~~تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات واستعمال العدل مع الولي والعدو وأقرب ~~إلى استحقاق صفة المدح والثواب، وقيل: أقرب لاتقاء النار، وهذا اللفظ يرجع ~~إلى المصدر الذي يدل عليه الفعل فكأنه قيل: العدل أقرب للتقوى كما يقال: من ~~كذب كان شرا له، أي الكذب شر له، وإذا كان كذلك فلا يؤدي إلى أن يكون الشيء ~~أقرب إلى نفسه. PageV20P280 # وقوله: {واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون(8)} أي اتقوا عذاب الله تعالى ~~بترك المعاصي فإن الله عليم بما تعملونه فيجازيكم عليه. # قال الإمام عليه السلام: دلت على وجوب القيام لله سبحانه في التكلم بالحق ~~والشهادة بالقسط للمحبوب والمبغوض ms2361 على سواء وعلى وجوب العدل في الحكم ~~والفتيا، وقوله: {واتقوا الله} تأكيد لما تضمنته الآية الكريمة وتكرر في ~~القرآن مع أنه معلوم من الدين ضرورة لبطلان شبه من ترخص في ارتكاب المحظور. انتهى. # ثم وعد المؤمنين فقال: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الحسنات ~~من الواجبات والمندوبات، وقوله: {لهم مغفرة وأجر عظيم(9)} بيان للواعد بعد ~~تمام الكلام قبله كأنه قال قدم لهم وعدا فقيل أي شيء وعده لهم؟ فقيل: لهم ~~مغفرة وأجر عظيم، أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة، أو ~~على أجر أو عد فجرى، قال: لأنه ضرب [174] من القول وهذا القول يتلقون به ~~عند الموت ويوم القيامة. # قال في البلغة: وموضع لهم يحتمل في الإعراب الرفع والنصب، فالنصب على ~~معنى أنه وقع موقع الموعود وهو على معنى وعدهم أن لهم المغفرة أو وعدهم ~~مغفرة فوقعت الجملة موقع المفردة، فأما الرفع فعلى أن يكون الموعود به ~~محذوفا على تقدير لهم مغفرة وأجر عظيم فيما وعدهم به، والوعد خبر يتضمن ~~النفع من المخبر والوعيد يتضمن الضرر من المخبر. # ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم(10) } {والذين كفروا} جحدوا وكذبوا بآيات الله بدلائله ~~وبراهينه {أولئك أصحاب الجحيم} يعني ملازمون عذاب الجحيم دائما؛ لأن ~~المصاحبة تقتضي الملازمة كقولهم أصحاب الصحراء. PageV20P281 # وقال عليه السلام: دلت الآيتان الكريمتان على أن المسلم هو من آمن أي صدق ~~بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمل صالحا أي عمل ما افترض ~~الله عليه، وعلى أن من ترك ما فرض أو رخص فيه فقد كفر وكذب بهذه الآية ~~وأشباهها حيث قال: لا يجب العمل وإنما يجب الاعتراف فقط. انتهى. # ولما ذكرهم الله بنعمه عليهم دينا ودنيا اتصل بذكر نعمه بما دفع عنهم من ~~كيد الأعداء بخلاص نبيهم بقوله سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} في سبب نزول ~~الآية قولان ذكرهما في البرهان: ms2362 # أحدهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى يهود بني النضير يستعين ~~بهم في دية، فهموا أن يقتلوه فنزل ذلك فيه. # والثاني أن قريشا بعثت رجلا ليقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأطلع الله نبيئه على ذلك فنزلت فيه هاتان الآيتان. # وفي الكشاف: روي أن المشركين أرادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه يصلون الظهر معا فندموا أن لا يكونوا أوقعوا بهم، ثم قالوا: إن لهم ~~صلاة بعدها هي أحب إليهم من أبنائهم -أي العصر- وهموا بالإيقاع بهم، فنزل ~~جبريل [175] بصلاة الخوف، وقيل نزل منزلا في بعض الغزوات، وتفرق الناس في ~~العضاة يستضلون بها فعلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلاحه بشجرة ~~فجاء أعرابي فسل سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أقبل عليه وقال: ~~ما يمنعك مني، قال: ((الله)) قالها ثلاثا، فشام الأعرابي السيف فصاح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه وأخبرهم. انتهى. # وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شام السيف أيضا وأقبل على ~~الأعرابي فقال: ((ما يمنعك مني)). PageV20P282 # قلت: ويؤكد القول الأول المذكور في البرهان في سبب نزول الآية فإنه قال: ~~القوم الذين أرادوا أن يبسطوا أيديهم فهم بنو قريضة وبنو النضير وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وقع عليه الدية التي لزمت الرجلين الذين ~~قتلهما المسلمون وظنوا أنهما لم يسلما وكانا مما يطالبه المسلمون بالقتل ~~فقدما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلما ثم خرجا فلقيهما ~~بالحرة من لم يعرفهما ولم يقع عنده إيمانهما فقتلا خطأ بلا تعمد ظلم ولا ~~اجتراء، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم يستعينهم في ديتهما فرحبوا به ولقيوه ~~بأحسن لقاء وقالوا: اقعد يا محمد حتى نأتيك، فقعد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومعه أنفار من أصحابه يسير أقل من عشرة أو عشرة، ثم مضوا من عنده فأزمعوا ~~بقتله صلوات الله عليه وآله وسلم، وتعاملوا على ذلك فأنزل الله تعالى عليه ~~جبريل عليه السلام ms2363 فأخبره بخبرهم وما يهمون به من مكرهم، فنهض صلى الله ~~عليه وآله وسلم مسرعا وكان الذي بينه وبين المدينة قريبا، ثم جاءوا يطلبونه ~~في الموضع الذي تركوه فيه فلم يجدوه فأرسلوا إليه يعاتبوه في مضيه من قبل ~~أن يأتوه فأعلمهم صلى الله عليه وآله وسلم بما كان منهم وما أرادوا به، ~~ونهض في حربهم من ساعته فأذلهم الله وأخزاهم وأباح عزهم وأرداهم وكان من ~~أمرهم ما قد وقفت عليه، فسلم الله نبيه من كيدهم وخترهم عما أرادوا من قتله ~~وجعل دائرة السوء بأعدائه وكان كفا لأيديهم وقبضا لانبساطها على إتلاف نبيه ~~والمؤمنين معه، فكفى الله شرهم وأوهن كيدهم وما هموا به من عظيم فعلهم ~~وردهم بغيظهم. انتهى. # ثم قال تعالى [176]: {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون(11)} هذا ~~أمر بالتقوى وحث على التوكل على الله؛ أي يكلون إليه أمورهم فهو كافيهم فقد ~~أمر سبحانه بالتوكل عليه أمرا فيجب. PageV20P283 # واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: {اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم} وقد ذكرنا أن هذه الآية نزلت في اليهود وأنهم أرادوا ~~إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما ذكر الله تعالى ذلك ~~أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود ~~والمواثيق فقال عز وجل: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل}. # قال في البرهان: يعني بإخلاص العبادة لله ولزوم طاعته {وبعثنا منهم اثني ~~عشر نقيبا} أخذ من كل سبط منهم نقيبا، والنقيب الشهيد على قومه وهو الأمين ~~والضمين أيضا، وهؤلاء النقباء كانوا مبعوثين إلى الجبارين ليقفوا على ما ~~عندهم وينظروا في أحوالهم ويرجعوا بها إلى موسى عليه السلام فرجعوا ينهون ~~عن قتالهم لما رأوا من شدة الجبارين وعظم بأسهم. انتهى. # روي أن بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمره الله بالمسير ~~إلى أريحا من أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون والجبابرة وقال لهم: إني ~~كتبتها قرارا فاخرجوا وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من ~~كل سبط نقيبا كفيلا ms2364 على قومه بالوفاء ففعل وفعلوا، فلما دنى من كنعان بعث ~~النقباء يتجسسون فرأوا أجراما وكثرة شوكة عظيمة فهابوهم ورجعوا حدثوا قومهم ~~وقد نهاهم موسى فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفيا من سبط يهوذا ويوشع بن ~~نون من سبط أفرايم بن يوسف وكانا من النقباء، والنقيب الذي كان ينقب عن ~~أحوال الناس ويفتش كما قيل له عريف؛ لأنه يتعرفها، وقيل معناه ولقد أخذنا ~~ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكا يقيمون فيهم العدل ~~ويأمرونهم بالمعروف، وقيل اختارهم ليقيموا الدين ويعلموا الأسباط التوراة ~~ويأمروهم بما أمر الله به فرض عليهم، عن أبي مسلم. PageV20P284 # قال في البلغة: فإذا اقتضت حكمة [177] الله ورأى المصلحة لبني إسرائيل أن ~~يختار من جملتهم اثني عشر نقيبا ليقوم بهم دين الله ومصالح عباده مع كون ~~نبيهم بين أظهرهم فلا يمتنع أن يختار سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم من يحفظ الشريعة ويذب عنها وعن بيضة الإسلام وينفذ الحدود وسائر ~~الأحكام، وإذا دل عليه على الجملة وأتى بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بتفصيله لم يلحق المقتدين بهم لائمة وهذا أمر مأخذه قريب للمنصف من نفسه. # وأما قوله تعالى: {وقال الله إني معكم} فقيل إنه خطاب للنقباء عن الربيع، ~~وقيل لبني إسرائيل الذين أخذ منهم الميثاق ويجوز أن يدخل فيه النقباء، عن ~~أبي مسلم وأكثر المفسرين. # ومعنى {معكم} أي ناصركم ومعينكم وحافظكم، وفي الكلام حذف تقديره وقال ~~الله لهم حذف لدلالة الكلام عليه، وقوله: {لئن أقمتم الصلاة} قيل هو متصل ~~بما قبله أي إن معكم إن أقمتم الصلاة، عن الأصم وأبي علي، وقيل تم الكلام ~~عند قوله: {معكم} ثم ابتدأ بقوله: {لئن أقمتم الصلاة} يا بني إسرائيل ~~وإقامتها أداؤها شرايطها {وآتيتم الزكاة} قيل أعطيتموها مستحقها {وآمنتم ~~برسلي} صدقتم جميع رسلي وما جاءوا به من الشرائع {وعزرتموهم} أي نصرتموهم ~~ومنعتموهم من العدو ومنه التعزير لمنعه من معاودة الفساد، يقال عزرت الرجل ~~إذا أحطبته وكنفته، والتعزير والتأزير من واد واحد ومنه لأنصرنك نصرا ~~مؤزرا؛ أي قويا، وقوله: ms2365 {وأقرضتم الله قرضا حسنا} مثل ما تقدم خيرا ويريد ~~به وجه الله تعالى {لاكفرن عنكم سيئاتكم} أي الصغائر أي أعطيها بالغفران ~~واللام الأولى موطئة للقسم والأخرى جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، وقال ~~بعض المفسرين: كلاهما قسم والقول الأول أصح والله أعلم. PageV20P285 # {ولادخلنكم} مع ذلك {جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم} أي ~~يعد ذلك الشرط المعلق بالوعد العظيم {فقد ضل سواء السبيل(12)} أي ذهب عن ~~وسط طريق الحق وكذا قبله ولكن الضلال بعده أقبح لوقوعه بعد النعمة، والمراد ~~أخطأ طريق [178] الدين والنجاة، وقيل: طريق الجنة عن أبي مسلم. # تدل الآية على أنه تعالى كما أخذ العهد على هذه الأمة بائتمار أمره كذلك ~~أخذ على بني إسرائيل وأكد عليهم، وتدل على أنه تعالى مع المؤمنين ولا يصح ~~ذلك بالمكان لأنه يتعالى عن ذلك، فالمراد ما مر من النصرة والحفظ، وتدل على ~~أن الجنة تنال بالطاعات بخلاف قول المجبرة والمرجئة، وتدل على أن أفعالهم ~~حادثة من جهتهم ليصح الأمر وأخذ الميثاق فيبطل قولهم في المخلوق، ومن تعزير ~~رسل الله صلوات الله عليهم القيام بحق ذريتهم وأصحابهم الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا. # ثم بين تعالى ما سبق من أسلافهم اليهود من نقض العهد واستحقاق اللعن ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما خالفه من جرى على طريقتهم ووعيدا ~~لهم ونهيا لغيرهم أن يجري على طريقتهم فقال سبحانه: {فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم}. # قال الهادي عليه السلام: معنى قوله: {فبما نقضهم ميثاقهم} هو فبنقضهم ~~ميثاقهم لعناهم إذ نقضوه وتركوه وما هاهنا فإنما هي صلة للكلام وهذا كثير ~~في كلام العرب موجود. انتهى. # وفي نقضهم الميثاق وجوه: # الأول بتكذيب الرسل بعد موسى وقتل الأنبياء ونقضوا كتاب الله وضيعوا ~~فرائضه. # والثاني كتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # الثالث مجموع هذه الأمور. # وفي تفسير اللعن وجوه: # الأول قال عطاء: {لعناهم} أي أخرجناهم من رحمتنا. # قال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير. PageV20P286 # الثالث: قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم، دلت ms2366 على تحريم نقض المواثيق، ثم ~~قال عز وجل: {وجعلنا قلوبهم قاسية} يعني بينا عن حال قلوبهم وما هي عليها ~~من القساوة ولأنهم لا يؤمنون ولا تنفع فيهم عظة، عن أبي علي، كقولهم جعلته ~~فاسقا وجعلته عدلا إذا أبان عن حاله للناس، فمعنى الجعل هنا الحكم والبيان ~~لا الخلق والإحداث كأنه قيل: ولما قست قلوبهم حكمنا عليهم بذلك وبينا حالهم ~~أو خذلناهم بمعنى الإلطاف حتى قست قلوبهم. # ثم إنه تعالى ذكربعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال: {يحرفون الكلم عن ~~مواضعه} كانوا يحرفون الكلم بسوء [179] التأويل والتغيير والتبديل حتى ~~بدلوا نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التوراة بعكسه. # ثم قال تعالى: {ونسوا حظا مما ذكروا به} يعني وبقسوة قلوبهم نسوا أي ~~تركوا حظا عظيما؛ أي نصيب أنفسهم من الإيمان بالله ورسوله وبيان بعث محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم مما ذكرهم الله به ومما فيه رشدهم وهو الإيمان. # وقيل: تركوا حظهم مما ذكرهم الله به من الكتاب فحرفوا التوراة وزالت ~~أشياء منها عن حفظهم. # وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعد العلم بالمعصية، وتلى هذه الآية. # قلت: والذي ذكره أئمتنا عليهم السلام أن معنى نسوا هاهنا بمعنى تركوا أي ~~تركوا حظهم من موعظة الله وتذكيره وكان حظهم من ذلك إيمانهم بالله وبرسلهم ~~وجميع ما وجب عليهم الإيمان به فجعل تركهم لذلك نسيانا توسعا ومجازا، ثم ~~قال سبحانه: {ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم} أي ولا تزال ~~تطلع على غدر وخيانة من جهة اليهود ويظهر منهم ذلك إلا قليلا منهم لا ~~يغدرون ولا يخونون. PageV20P287 # وقيل: معنى الخاينة فهي الخيانة كالكافية والعافية، قال تعالى: {فأهلكوا ~~بالطاغية} أي بالطغيان، وقال: {لا تسمع فيها لاغية} أي لغوا، ويقول العرب: ~~سمعت راغية البعير وثاغية الشا، يعنون رغاها وثغاها، فجاء هذا على تقدير ~~المصدر، وقد يقال أيضا للخاين الواحد خاينة وفرقة خاينة، ثم استثنى منهم ~~القليل وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه، والمعنى أن هذه عادتهم ~~وكان عليها ms2367 أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك {فاعف عنهم واصفح} ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه قولان: # الأول أنه منسوخ بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} وقيل: نسخ بقوله: ~~{وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ...} الآية، وذلك لأنه عفو ~~وصفح عن الكفار ولا شك أنه منسوخ بآية السيف. # والثاني أنه غير منسوخ وأن المراد بالعفو قبول الجزية منهم، وقيل اعف ~~عنهم وأعرض ولا تحقد عليهم ولا تهجوهم فإنه أدعى [180] إلى إجابتك وتصديقك، ~~عن الأصم. # وقيل: المراد فاعف عن القليل الذين أسلموا من أهل الكتاب، ويحتمل أن يكون ~~هذا القليل من أهل العهد ولم يخونوا العهد فأمر بالصفح عنهم ما داموا على ~~العهد، ثم قال: {إن الله يحب المحسنين(13)} معنى محبة الله للمحسنين إزادته ~~لإثابتهم وتعظيمهم. PageV20P288 # واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود في نقض الميثاق وكتمان ما في الكتاب ~~بين حال النصارى في نقض ميثاق عيسى عليه السلام والإنجيل فقال سبحانه: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى} ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا ~~النصرانية وتسموا بها {أخذنا ميثاقهم} أي أخذنا من النصارى ميثاقهم بتوحيد ~~الله والإقرار بنبوة المسيح وجميع الأنبياء عليهم السلام ويبشرهم بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم خاصة أي مكتوب في الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقيل: بجميع ما أمرهم به، فنقضوا {فنسوا حظا} أي تركوا ~~نصيبا عظيما {مما ذكروا به} من موعظة الله وتذكيره وذلك الحظ هو الإيمان ~~بمحمد صلوات الله عليه وآله وسلم، وتذكير الحظ في الآية يدل على أن المراد ~~حظ واحد وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنما ~~خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا أكثر ما أمرهم الله به؛ لأن هذا هو ~~المعظم والمهم. # وأما قوله تعالى: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ~~فمعناه خلينا بينهم ولم نحجرهم بالقسر عن عداوتهم في ذات بينهم والضمير ~~الذي في بينهم عائد إلى اليهود والنصارى وتقديره سلطنا بعضهم على بعض، ووجه ms2368 ~~المعاداة كفر اليهود بعيسى عليه السلام وكفر النصارى بقولهم إن الله هو ~~المسيح بن مريم. # وقيل: أغرى بينهم اليهود المختلفة في الدين، وهذا يقرب من الوجه الأول. # وذهب بعض العلماء إلى أن الضمير الذي في بينهم عائد على النصارى خاصة؛ ~~لأنهم صاروا فرقا كالس....رية منهم والملكانية واليعقوبية وبينهم معاداة. PageV20P289 # وفي هذه الآية يقول[181] المرتضى عليه السلام: معنى {أغرينا} فهو خذلنا ~~وتركناهم من التوفيق والتسديد لما كان من معصيتهم وتركهم لما أمروا به من ~~عظيم طاعة خالقهم فلما أن خذلهم ضلوا عن رشدهم ووقع البلاء بينهم والبغضاء ~~في قلوبهم كما قال ربنا تبارك وتعالى: {أنما نملي لهم} يريد بالإملاء الترك ~~والخذلان فدام ذلك فيهم وفي أولادهم وعقبهم إلى يوم القيامة بما اكتسبوا ~~لأنفسهم واختلفوا من الخذلان على أنفسهم. انتهى. # ثم أخبر تعالى أنه يجزيهم بصنعهم فقال: {وسوف ينبئهم الله بما كانوا ~~يصنعون(14) } على معنى أنه يحاسبهم على أعمالهم ليجازيهم عليها. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى نقضهم العهد وتركهم لما ~~أمروا به دعاهم عقيب ذلك إلى الأيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ~~{ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفو عن كثير} من ذنوبكم ولكنه اختصره. # قال في البلغة: وإنما لم يقل يا أهل الكتابين؛ لأنه أخرج الكلام مخرج ~~الجنس أي جاءكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب {ويعفو عن كثير} أي مما كنتم كتمتموه من التوراة والإنجيل ~~بالتحريف والتبديل كرجم الزاني وغيره، ويعرض عن كثير من ذلك وهو ما ليس ~~لذكره مدخل في باب الاستدعاء إلى الدين والدخول في الإسلام؛ لأنه لو كان له ~~مدخل وتعلقت به مصلحة لوجب ذكره، وقيل بترك كثيرا فلا يؤاخذكم به؛ لأنه لا ~~يؤمن به، وقيل لا يؤاخذكم به لأجل توبتكم عنه. انتهى. PageV20P290 # قال ابن عباس: أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخفوا أمر الرجم، ~~ثم إن الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم بين ذلك ms2369 لهم، وهذا معجز؛ لأنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يقرأ كتابا ولم يتعلم من أحد، فلما أخبرهم بأسرار ~~ما في كتابهم كان ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزا، والفائدة في ذكر ذلك ~~أنهم يعلمون كون الرسول عالما بكل ما [182] يخفون فيصير ذلك داعيا لهم إلى ~~ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا، ثم قال سبحانه: {قد جاءكم من الله نور وكتاب ~~مبين(15)}. # قال في البلغة: النور هاهنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يهتدى به ~~كما يهتدى بالضياء، والكتاب هاهنا القرآن الذي يبين الحق من الباطل. انتهى. ~~ومثل هذا في البرهان. # وقيل: المراد بالنور الإسلام وبالكتاب القرآن، وقيل: النور والكتاب هو ~~القرآن. # قيل: وهذا ضعف؛ لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ~~وتسمية محمد والإسلام والقرآن بالنور ظاهر؛ لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى ~~به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات. PageV20P291 # ثم قال: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} أي يهدي الله بهذا النور ~~من اتبع ما يرضيه وهرب إلى الله من سخطه ومعاصيه {سبل السلام} أي السلامة ~~من العذاب، والمراد أن الله عز وجل يهدي به باللطف والتأييد الذي جعل له ~~المؤدي إلى طريق الحق الذي يستحق عليه الكرامة والثواب، والسلام هاهنا ~~السلامة من كل شيء يضره ويخاف منه {ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه} أي ~~يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور افيمان {بإذنه} أي بأمره ولطفه وتيسيره لا ~~بالإجبار كما قال الجهال {ويهديهم إلى صراط مستقيم(16)} فأخبر تعالى أنه ~~يهيدهم إلى طريق الدين الحق؛ لأن الحق واحد لذاته ومتفق في جميع جهاته، ~~وأما الباطل ففيه كثرة وكلها معوجة، وقيل: هو طريق الجنة في الآخرة يهديهم ~~الله إليه إثابة لهم وإكراما. # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام: هذه الآية نص صريح ~~في أن الكتاب العزيز هو الهادي إلى سبل السلام وإلى الطريق المستقيم من ~~الدين ومن ذلك عرض ما لم يعلم مما ورد من السنة على الكتاب العزيز. انتهى. # ودلت على أنه تعالى قد هدى ms2370 الخلق إلى الدين بالدلالة وبالبيان ~~والإلطاف[183] خلاف ما تقوله المجبرة، ودلت على أن الكتاب يمكن أن يعرف ~~لتصح الهداية به خلاف ما قاله بعضهم، ودلت على أن أفعالهم حادثة من جهتهم ~~لذلك أضاف الإخفاء إليهم وألحق بهم الذم وذلك يبطل قول المجبرة. # ثم حكى تعالى عن النصارى قولهم في المسيح فقال: {لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم} قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك، وقيل: ما ~~صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر ~~أمر العالم. PageV20P292 # وقال في البلغة: زعمت النصارى أن المسيح اتحد بالله فقالوا بإلاهيته تدينا ~~لا حكاية فلهذا كفروا، ثم إنه تعالى احتج على فساد قولهم ومذهبهم بقوله: ~~{قل فمن يملك من الله شيئا} أي من يمنع من قدرته {إن أراد أن يهلك المسيح ~~ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} أراد أن يعطف من في الأرض على المسيح ~~وأمه أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية، فدل على أنهما ~~عبدان؛ لأن الإله لا يصح إهلاكه فلو كان إلها لقدر على دفع أمر الله إذا ~~أتى بإهلاكه وإهلاك غيره، ثم قال: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما} ~~إنما قال: {وما بينهما} بعد ذكر السماوات والأرض ولم يقل بينهن لأنه ذهب ~~بذلك مذهب الصنفين والنوعين، ثم قال: {يخلق ما يشاء والله على كل شيء ~~قدير(17)} فقد يخلق من ذكر وأنثى كما هو معتاد وقد يخلق من أنثى من غير ذكر ~~كعيسى عليه السلام وقد لا يخلق لا من ذكر ولا من أنثى كآدم عليه السلام أو ~~يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له وكإحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص، فيجب أن ينسب إلى الله ولا ينسب إلى البشر الذي أجراه الله ~~على يده، ثم قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} أي ~~أشياع أبناء الله عزير والمسيح كما قيل لأشياع أبي خبيب وهو عبد اله بن ~~الزبير الخبيبيون وكما كان يقول رهط مسيلمة: ms2371 نحن أنبياء الله، وكما يقول ~~أقرباء الملك وحشمه نحن الملوك. # وقيل [184]: تقديره نحن أبناء رسل الله وغر اليهود في عزير أنه كان يحفظ ~~التوراة غيبا ولم يحفظها أحد قبله، وغر النصارى في عيسى حدوثه من غير أب؛ ~~أي ادعت كل فرقة ذلك وإلا فكل فرقة تضلل الأخرى. PageV20P293 # وقال في البرهان: وذلك أن جماعة من اليهود حذرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم عقاب الله عز وجل فقالوا له: تخوفنا ونحن أبناء الله وأحباؤه، ~~وأرادوا بأبناء الله أنهم قرباء إلى الله كقرب الولد من الوالد. # وأما قول النصارى فلتأويلهم ما في الإنجيل من قوله: اذهب إلى أبي وابيكم، ~~فلذلك قالوا نحن أبناء الله فرد الله سبحانه عليهم: {قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم} لأن الأب لإشفاقه على ابنه لا يعذبه وكذلك المحب لا يعاقب حبيبه. # قال المرتضى عليه السلام: هذا قول من اليهود والنصارى يكذبون فيه ويقولون ~~البهتان والزور والفاحش من جميع الأمور فأكذبهم الله عز وجل في قوله: {قل ~~فلم يعذبكم بذنوبكم} {بل أنتم بشر ممن خلق} يقول مثل من قد خلق من الأمم ~~تؤمرون وتنهون وتماتون وتحيون وتثابون وتعاقبون {يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} والذي يشاء عز وجل المغفرة له فهو المطيع لأمره المتبع لحكمه فحكم ~~لمن كان كذلك بالثواب والنعيم من العذاب الأليم ولم يحكم سبحانه بالمغفرة ~~إلا لمن أطاعه واتقاه وكذلك عز وجل يعذب من عصاه وخالف أمره وأباه فقد شاء ~~سبحانه عند ذلك عذابه وحكم به عليه في فعله واكتسابه وما كان من صدوده ~~وعناده فلا يشاء تبارك وتعالى للمؤمنين إلا الثواب وكذلك فلن يشاء سبحانه ~~ولن يحكم أبدا للعاصين بنجاة، وإذا لم يحكم لهم سبحانه بالنجاة فقد شاء لهم ~~العقاب وحكم عليهم بأليم العذاب. انتهى. # فمعنى المشيئة هنا أنه تعالى يغفر لمن كان مستحقا للمغفرة وهو التائب وإن ~~أطلق سبحانه المغفرة والمشيئة فقد بينها في مواضع كقوله عز وجل: {وإني ~~لغفار لمن تاب}الآية، ويعذب من كان مستحقا للعذاب وهو من لم يتب بدليل ما ~~مر، ms2372 فبين الله تعالى [185] بذلك أنهم لو كانوا أولاده لكانت حالهم بخلاف ~~ذلك لأن من جاز عليه الهلاك والولادة لا يجوز أن يكون إلها. PageV20P294 # وشبهة المجبرة هنا باطلة؛ لأن الآية الكريمة دلت على أن العقاب يستحق ~~بالذنب ولذلك قال: {يعذبكم بذنوبكم}، وأيضا دلت على أن أفعال العباد حادثة ~~من جهتهم من وجوه لأنه أضاف القول إليهم وذمهم عليه وبين أن استحقاق ~~العقوبة على ذنوبهم، ثم قال: {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه ~~المصير(18)} أي الله المالك للسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، ومرجع ~~الجميع إلى الموضع الذي لا حكم فيه إلا لله وهو يوم القيامة فلا يملك سواه ~~أحد لأحد نفعا ولا ضرا. # ثم عاد الخطاب إلى أهل الكتاب واستعطافهم ومحاجتهم وما ألزمهم من الحجة ~~برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه: {ياأهل الكتاب قد جاءكم ~~رسولنا يبين لكم} الدين والشرايع {على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير} {ياأهل الكتاب} دعاء وتنبيه لهم على ما يذكر {قد جاءكم ~~رسولنا} يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم {يبين لكم} أي يوضح لكم أعلام ~~الهدى ويعرفكم الحق {على فترة من الرسل} أصل الفترة الانقطاع ومنه قيل فتر ~~الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرود، وفتر نشاطه إذا انقطع عما كان ~~عليه، والمراد بالفترة هاهنا انقطاع ما بين النبيين من الرسل، وقيل على ~~دروس من الدين والكتب، قيل الفترة كان بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وكانت النبوة متصلة قبل ذلك في بني إسرائيل. PageV20P295 # وروي عن ابن عباس أنه لم يكن بينهما إلا أربعة من الرسل، قيل: إن الفترات ~~بين الرسل أربعمائة سنة، وقيل: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة ~~وستون سنة فيها أربعة أنبياء واحد من العرب خالد بن سنان وثلاثة من بني ~~إسرائيل، وبين عيسى وموسى عليهما السلام ألف وسبعمائة سنة فيها ألف نبي ~~عليهم السلام، وأن محمدا بعث حين انطمست [186] آثار الوحي أحوج ما يكون إليه. # ومعنى ms2373 الآية أن الله خاطبهم بأن بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رسولا ~~وخصه بالعلم والحكمة ليبين لهم ما فيه صلاحهم لئلا يقولوا ما جاءنا بشير ~~ولا نذير فيكون لهم الحجة بذلك، وهذا تأكيد للحجة عليهم وقطع لعذرهم وهو ~~معنى قوله: {يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}. # ثم قال: {فقد جاءكم بشير ونذير} فزالت هذه العلة وارتفع العذر {والله على ~~كل شيء قدير(19)} والمعنى أن حصول الفترة توجب احتياج الخلق إلى بعثة الرسل ~~والله تعالى قادر على كل شيء فكان قادرا على البعثة ولما كان الخلق محتاجين ~~إلى البعثة والرحيم الكريم قادر على كل شيء فوجب في حكمته وكرمه ورحمته أن ~~يبعث الرسل إليهم. # قال في البلغة: والمراد بذكر صفة القدير هاهنا بيان أنه قادر على إنجاز ~~ما وعد على لسان رسوله عليه السلام وأنه قادر على كل شيء لا يمنعه من ذلك ~~مانع عن فعل ما وعد ولا عما به توعد. PageV20P296 # ثم ذكر تعالى صنيع اليهود ومخالفتهم لموسى عليه السلام تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في مخالفتهم إياه فقال سبحانه: {وإذ قال موسى لقومه ~~ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم} قيل: وهو متصل بقوله تعالى: {ولقد أخذ الله ~~ميثاق بني إسرائيل} كأنه قيل أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله ~~وأمرهم بمحاربة الجبابرة فخالفوا الميثاق وخالفوه في محاربة الجبارين، ~~والمراد اذكروا نعمه دينا ودنيا، وذكر النعمة هو القيام بشكر المنعم، فذكر ~~الله سبحانه أنه من عليهم بأمور ثلاثة: # أولها: قوله: {إذ جعل فيكم أنبياء} يبينون لكم الشرايع ويخبرونكم بأنباء ~~الغيب وتنصرون به على الأعداء. # وقيل: أراد كون الأنبياء مقيمين فيهم بعد موسى إلى زمن عيسى عليه السلام ~~يبينون لهم أمر دينهم ويقطعون عذرهم لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني ~~إسرائيل من الأنبياء، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا ~~معه إلى الجبل، وأيضا كانوا [187] من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~عليهم السلام وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق كانوا من أكابر الأنبياء. # وثانيها: قوله: {وجعلكم ms2374 ملوكا} قيل لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه وبعد ~~الجبابرة ملكهم ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. # وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبص فأنقذهم الله فسمى إنقاذهم ملكا. # وقيل: الملك من له مسكن واسع وماء جاري. # وقيل: من له بيت وخدم. # وقيل: من له مال ولا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق، والأقرب ~~أن كل من كان رسولا ونبيا كان ملكا؛ لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم ~~وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكا، فلهذا قال تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}. PageV20P297 # قال المرتضى عليه السلام: والملوك الذين جعلهم الله فيهم فهم ولاة الأمر هم ~~العادلون المحكوم من الله بالطاعة لهم. # ثم قال تعالى في الثالث من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية: ~~{وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين(20)}. # قال عليه السلام: فهو ما آتاهم من الملك والنبوة والآيات المنزلات بينهم ~~وما خصوا به في عصرهم وفضلوا به على غيرهم فكان ذلك لهم نعمة وعليهم لله ~~حجة. انتهى. # فبين لهم أن الله تعالى أعطاهم وأنعم عليهم بما لم ينعم به على أحد من ~~عالمي زمانهم، وقيل: المراد به العالمين على تقدير أنه لم يجتمع لقوم ما ~~اجتمع لكم من كثرة الأنبياء عليهم السلام وكثرة المعجزات من فلق البحر ~~وإغراق أعدائكم وأورثكم أموالهم وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى في ~~التيه وغير ذلك من ضروب النعم وفنون العجائب. # قال الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليه السلام: دلت هذه الآية على ~~وجوب ذكر نعمة الله وأن الرجل يصير شريفا بشرف قريبه ولا يخرج من العموم ~~إلا من كفر وعلى بطلان افتخار الفرقة النشوانية على قرابة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأن الله أتى من جعل منهم الأنبياء ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين. انتهى. # واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم ~~بعد[188] ذلك بمجاهدة العدو فقال: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم} أي ادخلوا الأرض المباركة ms2375 المطهرة المنزهة التي حكم الله بها لمن ~~آمن وصبر منكم والمعنى ادخلوا الأرض التي أوجب الله عليكم دخولها وهي أرض ~~بيت المقدس، عن ابن عباس وابن زيد والسدي وأبي علي وهو الذي في البرهان. # وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن، عن الزجاج والكلبي. # وقيل: أرض الور وما حوله، عن مجاهد. # وقيل: الشام عن قتادة. PageV20P298 # ثم قال: {ولا ترتدوا على أدباركم} أي لا ترجعوا عن طاعة الله عز وجل إلى ~~معصيته ولا عن الأرض التي أمرتم بدخولها {فتنقلبوا خاسرين(21)} لثواب ~~الدنيا والآخرة، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم {قالوا} أي بني إسرائيل ~~{ياموسى إن فيها قوما جبارين} الجبار الذي يجبر الناس على ما يريد ~~كالكنعانيين. # قيل: لما حدثوا بفعل الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا ~~متنا بمصر تعالوا نجعل لنا رئيسا يرجع بنا إليها، ابن عباس رأى الجواسيس ~~الإثنى عشر رجل منهم فأخذهم كمه مع فاكهة ونثرهم عند الملك متعجبا وقال: ~~هؤلاء يريدون قتالنا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه، قيل: وهم ~~العمالقة فرقة من عاد، ذكره الواحدي. # ثم قال القوم: {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} أي لا ندخل تلك الأرض ~~لقتالهم حتى يخرج الجبابرة منها {فإن يخرجوا منها فإنا داخلون(22)} وإنما ~~قالوا هذا القول على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى: {لا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط}. # ثم قال تعالى: {قال رجلان} هما كالب ويوشع {من الذين يخافون} أي يخافون ~~الله أو من الذي يخافهم بنو إسرائيل من الجبارين وكانا ..... مدينة ~~الجبارين {أنعم الله عليهما} بالإيمان وإظهار الحق وقالا: العمالقة أجسام ~~لا قلوب فيها فلا تخافوهم، فقال الرجلان اللذان صفتهما ما ذكر الله لقوم ~~موسى: {ادخلوا عليهم الباب} يعني باب المدينة ولا تخافوا ولا تفشلوا {فإذا ~~دخلتموه فإنكم غالبون} أي وإذا دخلتم [189] الباب الذي أمرتم بدخوله كان ~~الظفر لكم؛ لأن الله تعالى وعدكم النصر والغلبة لهم. # قال في البرهان: وذلك لعلمهما بأن الله كتبها لهم وأن الله ينصرهم على ~~أعدائه فلم يمنعهم خوفهم من قول الحق. PageV20P299 # وروينا عن ms2376 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يمنعن أحدكم ~~خوف الناس من أن يقول الحق إذا رآه أو علمه فإنه لا يبعد من رزق الله ولا ~~يدنى من أجل)). انتهى. # قيل: علما ذلك من أخبار موسى وقوله تعالى: {كتب الله لكم}، وقيل: قالاه ~~ظنا لما علما من عادة الله في نصر أنبيائه فلذلك ختموا كلامهم بقولهم: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين(23)} يعني لما وعدكم الله تعالى بالنصر ~~فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قولهم وعظم أجسامهم بل توكلوا على حصول ~~هذا النصر لكم إن كنتم مقرين بوجود الإله القادر مؤمنين بصحة نبوة موسى ~~عليه السلام؛ لأن شرط الإيمان التوكل على الله والثقة به؛ لأن الله يدافع ~~عن الذين آمنوا. # ثم بين خلاف هؤلاء اليهود وشدة نقضهم وعلوهم في المنازعة مع أنبياء الله ~~تعالى مذ كانوا فقال سبحانه حاكيا: {قالوا ياموسى إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون(24)} قالوا ذلك هزؤا ~~واستهانة بالله ورسوله أو قصدوا الذهاب حقيقة بجهلهم وقساوة قلوبهم التي ~~عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله جهرة فالكلام كله إنكار عليهم وتعجيب ~~من جهلهم ومقابلتهم أمر ربهم بالرد والمخالفة. # روي أن موسى وهارون خرا على وجوههما ساجدين خوفا من وبال هذه الكلمة ~~الشنعاء فهموا برجمهما. # قال المرتضى عليه السلام في جواب من سأله: هل كان هؤلاء القوم الذين ~~أمروا بدخول القرية مع موسى عليه السلام مؤمنين؟ PageV20P300 # قال عليه السلام: فقد كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام وصدقوه ثم ضعفوا عن ~~الدخول على الجبارين ورغبوا في الدنيا وخافوا القتل والفناء فصاروا بذلك من ~~العاصين، ولما أمروا به من المخالفين [190] ولذلك حرم الله عليهم مصر ~~أربعين سنة إذ كان امتناعهم من دخول القرية على الظالمين محبة للدنيا وميلا ~~إلى الهوى وطلب الدعة ورغبة في العاجلة فأقاموا عند ذلك يتيهون في الأرض ~~أربعين سنة. انتهى. # ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام: {قال ms2377 ~~رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} يعني لا أملك التصريف على الطاعة والجهاد ~~إلا نفسي وأخي لأنه يجيبني إذا دعوته ولا أقدر أحملهم على ما أحب، قال موسى ~~ذلك على وجه الشكاية إلى الله وطلب النصر منه كأنه لم يثق بغير أخيه وإلا ~~فهم أربعة بالرجلين لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد. # وقوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين(25)} بمعنى الدعاء بأنيحكم لنا ~~بما نستحق وعليهم بما يستحقون وباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم {قال} ~~الله {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} أي الأرض المقدسة محرمة عليهم لا ~~يدخلونها؛ أي ممنوعة وليس بتحريم تعبد. # قال في البرهان: لأنها كانت هبة من الله تعالى ثم حرمها عليهم بعلة ~~معصيتهم. انتهى. # قيل: ويجمع بين هذا وقوله تعالى: {التي كتب الله لكم} بأن الكتب شرط ~~الجهاد فأبوه أو محرمة عليهم أربعين ثم يكون ما كتب، فقد روي أن موسى سار ~~بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحا وأقام فيها ما شاء ~~الله ثم قبض. # وقيل: لما مات موسى بعث يوشع نبيا فصدقوه وقتل الجبارين وفتح أريحا. # وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: {إنا لن ندخلها} وهلكوا في ~~التيه لكن ذريتهم نشأوا فقتلوا الجبارين ودخلوها ولم يبق من النقباء إلا ~~يوشع وكالب. PageV20P301 # وقيل: لم يكن موسى وهارون في التيه لأنه عقاب. # وقيل: كانا فيه وكان روحا لهما. # قلت: ويحتمل أن الله تعالى إنما حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم جزاء لهم ~~على سوء صنيعهم وهو مقتض قول المرتضى عليه السلام الذي ذكره، والله أعلم. # ومعنى قوله: {يتيهون في الأرض} أي يسيرون متحيرين لا يهتدون طريقا، ~~فالتيه [191] المفازة التي يتاه فيها وهم أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة ~~فراسخ يسيرون كل يوم جادين حتى إذ سئموا وأمسوا إذا هم حيث ارتحلوا وأضلهم ~~فيه الغمام من الشمس وطلع لهم بالليل عمود من نور يضيء لهم وكان ينزل عليهم ~~المن والسلوى ولا تطول شعورهم ولا تتسخ ثيابهم ولا تبلى ويكون على مولودهم ms2378 ~~ثوب كالظفر فيطول بطوله، وكانت هذه مع العقوبة كما تنزل النوازل على العصاة ~~تأديبا وعليهم النعم ظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده تأديبا ولا ينقطع عنه ~~معروفه. # وروي أن هارون مات في التيه ومات موسى فيه بعده بسنة ودخل يوشع أريحا بعد ~~موته بثلاثة أشهر ومات النقباء في التيه بغتة إلا كالب بن نوفنا ويوشع ~~والله أعلم. # فإن قيل: كيف يجوز على قوم عقالا يقطعون أرضا ويشاهدون علاماتها ~~وأماراتها ثم يتحيرون فيها فلا يهتدون إلى الخروج عنها؟ # قيل: إذا حول الله تعالى تلك الأرض التي كانوا عليها جاز ذلك وكان يحول ~~هذا الطرف إلى ذلك ويجوز أن يمنعهم من الخروج منها لوجه آخر ويكون حصول نقض ~~العادة في ذلك معجزة لموسى صلى الله عليه. # ومعنى قوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين(26)} أي لا تحزن على ~~هلاكهم لأنهم فاسقون، وهذا الخطاب لموسى عليه السلام وهو تسلية له، وقيل هو ~~خطاب لمحمد صلوات الله عليه وآله وسلم أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم ~~المعاصي ومخالفة الرسل. PageV20P302 # واعلم أنه لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حسدا أخبرهم ~~الله تعالى بخبر ابن آدم فإن الحسد أوقعه في سوء العاقبة فقال عز وجل: ~~{واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر} أي واتل يا محمد على اليهود والمشركين قصة ابني آدم وهما قابيل ~~وهابيل تلاوة ملتبسة بالصحة، والمقصود منه التحذير عن الحسد؛ لأن المشركين ~~وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية، فأوحى الله ~~إلى آدم أن زوج كل واحد من ابنيك [192] تومة الآخر وكانت توأمة قابيل أجمل ~~فحسد عليها أخاه وسخط، فقال آدم عليه السلام قربا قربانا فمن قبل قربانه ~~زوجها، فقبل قربان هابيل بأن نزل نار من السماء فأكلته فازداد سخطا، ولما ~~توعده بالقتل {قال} قابيل {لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين(27)} ms2379 أي ~~إنما أتيت من ترك التقوى فلم تقتلني، وفي الكلام حذف كأنه قال لم تقتلني ~~قال لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني، فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل ~~الله من المتقين. # وقيل: هذا من كلام الله لنبيئه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ~~اعتراضا بين القصة كأنه بين لهم أنه لم يتقبل قربانه لأنه لم يكن متقيا؛ ~~لأن التقوى شرط في قبول الأعمال. # دلت الآية على أن الطاعة لا تقبل إلا من متقي، وفي هذه الآية تبكيت ~~لليهود وتسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عما ناله من الجهال تكذيبا له ~~وردا عليه، واتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال إدخال اليهود في الظلم لاتصال ~~ابني آدم لما ظلم أخاه. PageV20P303 # وقيل: إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه الأحوال على ذكر قصصا كثيرة في أن ~~كل من خصه الله تعالى بالنعم العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه ~~حسدا وبغيا فذكر أولا قصة النقباء الاثني عشر وأخذ الله الميثاق عنهم، ثم ~~أن اليهود نقضوا ذلك الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة وذكر بعده إصرار ~~النصارى على كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما ~~هم عليه وما ذاك إلا الحسد على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما أتاه ~~الله من الدين الحق، ثم ذكر بعده قصة موسى عليه السلام في محاربة الجبارين ~~وإصرار قومه على التمرد والعصيان، ثم ذكر بعده قصة ابني آدم وأن أحدهما قتل ~~الآخر حسدا منه على أن الله قبل قربانه، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي ~~نعمة محسود، فلما كانت نعم الله تعالى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~أعظم النعم لا جرم لم يبعد اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد ~~في حقه فكان ذكر هذه القصص تسلية من الله تعالى لرسوله صلوات الله عليه ~~وآله وسلم فيما هم قوم[193] من اليهود أن يمكروا به وأن يوقعوا به آفة ومحنة. # وقيل: إن هذا متصل بقوله حكاية عن اليهود والنصارى: {نحن ms2380 أبناء الله ~~وأحباؤه} أي لا ينفعهم كونهم أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم ~~عند معصيته بكون أبيه نبيا معظما. # قال في البلغة: دلت الآية على إحباط ثواب طاعات الفاسق؛ لأن قبول العمل ~~هو إيجاب الثواب عليه. PageV20P304 # قال في البرهان: وكان قابيل حراثا وهابيل راعيا فتقرب هابيل بسخلة سمينة من ~~خيار ماله وتقرب قابيل بحزة سنبل من شر ماله نزلت نار بيضاء فرفعت قربان ~~هابيل وتركت قربان قابيل وكان ذلك علامة القبول لأنه لم يكن فيهم مسكين ~~يتقرب بالصدقة عليه، والسبب في قبول قربان هابيل أنه كان أتقا من قابيل ~~لقوله: {إنما يتقبل الله من المتقين}، والثاني أن هابيل تقرب بخيار ماله ~~وقابيل تقرب بشرار ماله فلم يتقبل. # وقيل: آدم عليه السلام كان قد توجه يومئذ إلى مكة ليراها وكان قد استخلف ~~ولده قابيل على أهله وعاد فوجد قابيل قد قتل أخاه هابيل وشربت الأرض دمه ~~فأنبتت الشوك. # وروينا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: لما قتل ولد آدم عليه ~~السلام قال: # تغيرت البلاد ومن عليها # فوج الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم # وقل بشاشة الوجه المليح # كذا في البرهان. # ثم حكى تعالى عن الأخ المظلوم أنه قال: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين(28)} قال فيه: معناه لئن ~~بدأتني بالقتل لم أبدأك بمثله وإنما أمتنع منه على سبيل التحرج مع قدرته ~~عليه وجوازه له. # فإن قيل: لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن النفس واجب، وهب أنه ~~ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام فلم قال: {إني أخاف الله رب العالمين}؟ # قيل: في الجواب عنه وجوه: # الأول: يحتمل أن يقال لأنه لاح للمقتول بأمارات مغلبة على الظن أنه يريد ~~قتله فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة يعني أنا لا أجوز على ~~نفسي أن أبدأك [194] بالقتل الظلم العدوان وإنما لا أفعله خوفا من الله ~~تعالى، وإنما ذكر له هذا ms2381 الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان غرضه منه ~~تقبيح القتل العمد في قلبه ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام هابيل فضرب ~~رأسه بحجر كبير فقتله. PageV20P305 # والوجه الثاني: أن المذكور في الآية قوله: {ما أنا بباسط يدي إليك} لغرض ~~قتلك وإنما أبسط إليك يدي لغرض الدفع. # وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر وليس له أن ~~يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع ثم إن لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك. # الثالث: وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع، فقال ~~مجاهد: إن الدفع عن النفس ما كان مباحا في ذلك الوقت. # ثم حكى تعالى جواب المؤمن إن أراد قتله فقال: {إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك} قيل: إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، عن ابن مسعود وابن عباس ~~والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. # وقيل: إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك عن أبي علي والزجاج. # وقيل: إثم قتلي وإثمك هو قتل جميع الناس حيث سن القتل، ذكره الحاكم. # قال في البلغة: وتفسيره إني أريد أن ترجع بعقاب قتلي وعقاب خطاياك التي ~~خطيتها قبل ذلك، والذي يدل على صحة هذا التأويل أن قد ثبت أن ليس لأحد أن ~~يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه. # وقوله: {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين(29)} هذا ظاهر، ودليل ~~على بطلان قول المرجية أن الله رضي قول هذا القائل ولم ينكر عليه كما رضي ~~قوله: {إنما يتقبل الله من المتقين}. انتهى. # ثم قال: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله} أي سهلت له نفسه قتل أخيه ووسعته ~~من أطاع له المكان والمرتع إذا اتسع {فأصبح من الخاسرين(30)}. PageV20P306 # قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي بلا ~~أخ مذموما إلى يوم القيامة، وأما الآخرة فهو العقاب العظيم، وليس يدل قوله: ~~{فأصبح} على أنه قتله ليلا كما زعم ذلك بعضهم؛ لأنه قد يستعمل [195] هذا ~~اللفظ في ms2382 معنى صار فإن عادة العرب إذا أبينوا وقوع المرء في مضرة يقولون ~~أصبح خاسر الصفقة ويعنون حصوله كذلك لا أن ذلك الأمر يتعلق بالصباح دون ~~سائر الأوقات، ودلت الآية على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم لذلك قال: ~~{فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله}. # ثم قال تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه}. # قال في البلغة: إنه لما قتل أخاه ولم يدر كيف يصنع به تركه حتى أنتن فبعث ~~الله غرابا يبحث بمنقاره ومخلبه حفرة ودفن فيها غرابا ميتا، فلما رأى ابن ~~آدم ذلك حفر حفرة ودفن فيها أخاه، ومعنى السوأة هاهنا الجيفة، وقيل سوأة ~~أخيه عورة أخيه، وما رواه الحشوية أن ذلك الغراب كان ملكا من الملائكة ~~باطل، ودل عجزه عن دفن أخيه على أن ما قاله الحسن أنهما كانا من بني إسرئيل ~~غلط؛ لأن بني إسرائيل علموا الدفن وكانوا يدفنون موتاهم. انتهى. # وروي أنه أول قتيل على الأرض ولما قتله تركه على الأرض لا يدري ما يصنع ~~به فخاف عليه السباع فحمله في خراب سنة وقيل سبعة أيام حتى أروح وعكفت عليه ~~السباع فبعث الله غرابين اقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره حفرة ~~فألقاه فيها فقال: {يا ويلتا أعجزت} روي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض ~~فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا، فقال: بل قتلته ولذلك اسود جسدك. # روي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه رثاه بشعر وهو ملحون ~~منحول وكذب بحت، وقد صح أن الأنبياء لا يقولون الشعر وإنما رثاه بالسريانية ~~فرتبها يعرب بن قحطان ووزنها شعرا. PageV20P307 # ولما رأى ما فعله الغراب {قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري ~~سوأة أخي} أصل الويل والويلة الهلاك، وخرج هذا الكلام مخرج النداء؛ لأنه ~~ينادي بالويل عند ما يدعو على نفسه كأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره أي ~~أيها الويل احضر فهذا أوان حضورك، وذكر تاء زيادة بيان في قوله: {ياويلتا} ~~فهذا القائل ms2383 لما رأى ما فعله الغراب دعا بالويل على نفسه كيف لم يهتدي من ~~مواراة أخيه ودفنه [196] إلى مثل ما اهتدى إليه الغراب من دفن الغراب الآخر. # قيل: وفي الآية احتمالان: # الأول: أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول فلما تعلم ذلك من الغراب علم أن ~~الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل أخيه بسبب جهله وقلة ~~معرفته فندم وتلهف وتحصر على فعله. # الثاني: أنه كان عالما بكيفية دفنه فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى ~~هذا القدر من العمل إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا فلما رأى ~~الغراب يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال إن هذا الغراب لما قتل ذلك الآخر ~~فبعد أن قتله أخفاه تحت الأرض فأكون أقل شفقة من هذا الغراب. # وقيل: إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على المقتول، فلما رأى أن الله ~~أكرمه حال حياته بقبوله قربانه وأكرمه بعد ممماته بأن بعث الغراب ليدفنه ~~تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله تعالى فتلهف على فعله وعلم أنه لا ~~قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه فلا جرم {قال ياويلتا أعجزت أن ~~أكون مثل هذا الغراب}. # وقيل: إن قوله: {يا ويلتاه} اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب وهي كلمة ~~تستعمل عند وجود الداهية العظيمة. PageV20P308 # وأما قوله: {فأصبح من النادمين(31)} فهو لما لحقه من التعب والتحير وسخط ~~أبيه ولم يكن هذا الندم توبة؛ لأنه لو تاب مما فعل لقبل الله توبته وإنما ~~ندم؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه بل استضر به لما ناله بسببه من أبيه وإخوته ~~ذما وتوبيخا فندم على غير الوجه الذي يصح منه التوبة فلذلك لم تقبل منه ولو ~~ندم على الوجه الصحيح لقبلت توبته. # وأما قوله تعالى: {من أجل ذلك} أي القتل وسببه {كتبنا على بني إسرائيل ~~أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} ~~فللمفسرين في معنى ذلك أقوال نحكي منها ما قالوا ونذكر ما حضرنا من تفسير ~~أئمتنا عليهم ms2384 السلام في ذلك. # أما قولهم فقالوا إنما كان كذلك لتماثلهم في الكراهة والحرمة عند الله ~~تعالى فإذا قتل إنسان فقد أهين ما كرم الله وهتكت حرمته، مجاهد قاتل النفس ~~جزاؤه جهنم وغضب الله ولو قتل الناس [197] جميعا لم يزد على ذلك، والمعنى ~~من أجل أن ابن آدم قتل أخاه ظلما ألزمنا بني إسرائيل أن من قتل أحدا من غير ~~دم سفكه أو فساد ارتكبه استحق لذلك القتل وكأنه قتل الناس جميعا فيصير قتله ~~كقتل الناس جميعا لعظم الوزر والإثم فيه. # وقيل: لأنه لما فعله سن القتل وسهله لغيره فصار كالمشارك لكل قاتل قتل أحدا. # قلت: ويتأكد هذا بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من ~~أجرهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~من غير أن ينقص من وزرهم شيء)). PageV20P309 # وروى الإمام الأعظم أبو طالب عليه السلام في أماليه بإسناده عن زيد بن علي ~~عليهما السلام في قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا...}الآية، قال: من أعان إماما جائرا على إمام عادل ~~حتى يظهر عليه فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أعان إماما عادلا على إمام جائر ~~حتى يظهر عليه فكأنما أحيا الناس جميعا. انتهى. # يزيد هذا المعنى وضوحا تفسير المرتضى عليه السلام لهذه الآية الكريمة حيث ~~قال: ويمكن أن يكون هذا حكماص خاصا في الأنبياء والأئمة لما كان الكلام ~~مسوقا في ابن آدم إذ حكم الأنبياء والأئمة حكم الخلق وبهم يهتدون من الحيرة ~~ويستضيئون من العمى. # قلت: ومثل هذا بعينه ذكر الإمام أحمد بن الحسين عليه السلام. # قال في البرهان: والفساد في الأرض يكون بالحرب لله ولرسوله ولإمام العصر ~~وإخافة السبيل فكأنما قتل الناس جميعا. انتهى. # فإن قيل: إن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني ~~إسرائيل؟ # قيل في الجواب ms2385 عنه: إن وجوب القصاص وإن كان عاما في جميع الأديان والملل ~~إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان ~~لأنه تعالى حكم هاهنا بأن قتل النفس جار مجرى قتل جميع الناس ولا شك بأن ~~المقصود منه المبالغة العظيمة في شرح عقاب القتل العمد العدوان، والمقصود ~~من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة أقدموا على قتل ~~الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله ~~[198] تعالى فلما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلوات ~~الله عليه وآله وسلم وأكابر الصحابة كان تخصص بني إسرائيل في هذه القصة ~~بهذه المبالغة مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود، والله أعلم. PageV20P310 # ثم قال تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. # قال المرتضى عليه السلام: معنى {ومن أحياها} فهو بالتعليم للدين والتفهيم ~~لأحكام رب العالمين وأحياها بذلك وأنجاها من أليم عقوبة الله عز وجل التي ~~جعلها على أهل الجهل والغفلة عما افترض عليهم من تعليم الدين والتفقه فيما ~~جاء به النبيين فكان إحياؤه للنفس هو بالتعليم والتفهيم لما افترض الله. انتهى. # وكذا إذا استنقذها من بعض أسباب الهلاك قتل أو غرق أو نحوهما، وقد روي من ~~طريق أئمتنا عليهم السلام خبر ((ما أهدى المؤمن لأخيه المؤمن هدية أو يريده ~~عن ردى إلا وأنها عند الله تعدل إحياء نفس، {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا})). # وفي الكشاف ما معناه: شبه الواحد بالجميع في الحكم؛ لأن كل واحد يدلي بما ~~يدلي به الآخر في الكرامة على الله تعالى فلا فرق بين الواحد والجميع ~~والفائدة تعظيم قتل النفس ليشمئز الناس عنه لأن المتعرض له إذا تصور قتل ~~الواحد بصور قتل الجميع عظم ذلك عليه فثبطه وكذا في الإحياء يحقه عليه لعظم ~~الثواب فيه، وقيل: من زجر عن قتل أحد بما فيه حياته وبقاؤه فكأنه أحيا ~~الناس جميعا. # ثم قال تعالى: {ولقد ms2386 جاءتهم رسلنا بالبينات} يعني بني إسرائيل جاءتهم ~~الرسل بالدلائل والحجج الواضحات {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك} أي الكتب ومجيء ~~الرسل بالبينات {في الأرض لمسرفون(32)} مجاوزون الحد في أوامر الله ونواهيه ~~بمخالفته وعصيانه، وقيل مسرفون على أنفسهم بالكفر والعصيان. PageV20P311 # واعلم أنه لما تقدم ذكر القتل وتعظيم أمره عقبه بذكر قطاع الطريق فقال[199] ~~سبحانه: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا} بين تعالى في هذه الآية أحكام المحاربين لله المفسدين في ~~الأرض، ومعنى {يحاربون الله} أي يحاربون رسول الله والمسلمين أو المراد ~~أولياؤه ولهذا قال: ((من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة)). # قال إمامنا المنصور بالله رحمة الله عليه: الآية صريحة في حدود المحاربين ~~والساعين في الأرض بالفساد كجند الظالمين وقطاع السبيل وأو بمعنى الواو ~~كقول الشاعر: # سيان كسر رغيفه أوكس # ر عظم من عظامه # انتهى. # ومعنى فساد أي للفساد فهو مفعول له أو هو مصدر نزل يسعون منزلة يفسدون أو ~~انتصب على الحالية أي يسعون في الأرض حال كونهم مفسدين، والمراد أن يقتلوا ~~أن ....في القتل أو يصلبوا مع القتل حيث جمعوا بين القتل وأخذ المال فيقتل ~~ويصلب ثلاثة أيام فلا صلب فوق ثلاثة أيام عند آل الرسول عليهم السلام. # وقوله: {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} هذا حكم من أخذ المال ولم يقتل ~~أن تقطع يده ورجله من خلاف يعني اليد اليمنى لأخذ المال والرجل اليسرى ~~لإخافة السبيل {أو ينفوا من الأرض} إن لم يزيدوا على الإخافة فعند الأئمة ~~من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينفى من بلده إلى غيره وعند غيرهم ينفى ~~من بلد الإسلام. # وقال بعضهم: نفيه حبسه ذكره في البلغة، وهذا حكم كل قاطع طريق كافرا كان ~~أو مسلما. # وقيل: إنما هو في المشرك وأما من حمل السلاح على المسلمين في المصر فقال ~~أبو حنيفة لا يكون حكمه حكم المحاربين، وقال الشافعي: يكون حكمه حكم ~~المحاربين، فحكم من أخاف السبيل ولم يأخذ المال النفي في الأرض. PageV20P312 # قال ms2387 في التجريد: وهذا قول أكثر العلماء وأو للتقسيم عندهم، وقيل للتخيير ~~والإمام مخير إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء نفى وهذا قول الحسن وسعيد بن ~~المسيب ومجاهد ورواية ابن عباس وهو مذهب مالك، واختلفوا في الصلب فقال أبو ~~حنيفة ومحمد: يصلب [200] حيا ويطعن حتى يموت. # وقال الشافعي: يقتل أولا ثم يصلب ثلاثا ثم ينزل إلى أهله يدفنونه، ثم قال ~~تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا} أي فضيحة وهوان {ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم(33)} أي ذلك الجزاء الذي بينه الله تعالى خزي لهم في الدنيا وأن الله ~~أعد لهم في الآخرة عذابا عظيما. # دلت الآية على فساد قول من قال أن الحد يكون كفارة له وعلى بطلان قول ~~المرجية وتوقفهم في عقابهم في الآخرة؟ # ولما بين تعالى ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى ~~عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم فقال: {إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم(34)} سقط ما عليهم لله تعالى من ~~العقوبات المذكورة في الآية وأما ما جنوه على الآدميين من نفس أو مال فلا ~~يسقط إذا كان مسلما وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة والمؤيد بالله عليه ~~السلام، وعن علي عليه السلام أنه يسقط حق الله وحق الآدمي وهو قول السدي ~~وقول الهادي إلى الحق عليه السلام. # قال في البرهان: {إلا الذين تابوا} من المحاربين بأمان الإمام قبل القدرة ~~عليهم فأما بغير أمان فلا. # وروينا أن حارثة بن زيد خرج محاربا فأخاف السبيل وسفك الدماء وأخذ ~~الأموال وجاء تائبا من قبل القدرة عليه وكان ذلك في عصر أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام فقبل علي توبته وجعل له أمانا منشورا على ما كان أصاب من دم أو مال. PageV20P313 # قال في البلغة: روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه حكم بذلك في من ~~كان من أهل الصلاة وغير أهل الصلاة إذا أتى إلى الإمام تائبا قبل أن يؤخذ ~~مأسورا مقهورا سقط عنه جميع ما وجب عليه. انتهى. # وقال ms2388 إمامنا المنصور بالله عليه السلام القاسم بن محمد عليه السلام: هذه ~~الآية تدل على سقوط حد من تاب قبل أن يظفر به ولا يسقط القصاص؛ لأن هذه ~~الآية في سياق آية الحد فقط. انتهى. # وتدل على أن الحد يجري على المسلم والكافر لعموم اللفظ ولا يقال إنها ~~نزلت في الكفار لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [201]. # واعلم أن قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~قوما من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه وأصحابه ~~بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم فعند ذلك شرح للرسول صلوات الله ~~عليه وآله وسلم شدة غضبهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم وامتد ~~الكلام إلى هذا الموضع فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وقيل في النظم لما ~~تقدم ذكر القتل والمحاربين عقبه بالوعظ والأمر بالتقوى والوعد والوعيد ~~فقال: {ياأيها الذين آمنوا} خاطب المؤمنين تشريفا لهم وإلا فجميع المكلفين ~~مخاطب بالتقوى {اتقوا الله} يعني معاصيه {وابتغوا إليه الوسيلة} يعني ~~اطلبوا القربة إليه بالطاعات وما يرضيه، وقيل: الوسيلة أفضل ردجات الجنة. PageV20P314 # روى الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام بإسناده إلى علي ~~عليه السلام في تفسير هذه الآية ما لفظه في الشافي: قال: روى سعد بن طريف ~~عن الأصبغ بن نباته عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال: في الجنة ~~لؤلؤتان إلى بطنان العرش أحدهما بيضاء والأخرى صفراء في كل واحدة منهما ~~سبعون ألف غرفة أبوابها وأكنانها من عرق واحدة فالبيضاء لمحمد وأهل بيته ~~والصفراء لإبراهيم وأهل بيته. انتهى. # وأصل الوسيلة كلما يتوسل به، قال لبيد: # أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم # ألا كل ذي لب إلى الله واسل # أي متوسل، فالوسيلة هي التي يتوصل بها إلى المقصود من قرابة أو صنيعة أو ~~غيرهما فاستعير لما يتوصل به إلى الله من طاعة أو ترك معصية، ثم قال تعالى: ~~{وجاهدوا في سبيله} ms2389 أي طريق دينه التي فرضها مع أعدائه وأطلق الجهاد ~~ليتناول جهاد النفس وأعداء الله {لعلكم تفلحون(35)} أي لكي تظفروا بنعيم ~~الأبد، فأمر الله المؤمنين بمجانبة المعاصي لئلا يستحقوا العقاب وأن يطلبوا ~~ما فيه لهم القربة إلى الله والمجاهدة في دينه ليظفروا بما أعد الله لهم من ~~الثواب [202]. # ولما أرشد سبحانه المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ومفاتيح ~~كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار فقال تعالى: {إن الذين كفروا لو أن لهم ~~ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ~~ولهم عذاب أليم(36)} في هذه الآية تأييس وإقناط للكافر الذي يموت على كفره ~~من الخلاص من عذاب الله فبين أنه لو كان لهذا الكافر جميع أموال الدنيا ~~ومثله معه ينضم إليه وأراد أن يجعل جميع ذلك فداء لنفسه لينجوا من عذاب ~~الله لم يقبل منه ذلك ولم ينفعه. PageV20P315 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((يقال للكافر أرأيت لو كان لك ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه أكنت تفتدي به فيقول نعم، فيقال قد طلب منك أيسر من ذلك ~~فلم تفعل))، والمقصود من الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم ~~إلى الخلاص منه، وقوله تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين ~~منها ولهم عذاب مقيم(37)} ثابت دائم لا يزول. # قال في البلغة: ذهب بعض العلماء إلى أن الإرادة هاهنا هي الإرادة على ~~الحقيقة وذلك أن النار كلما رفعتهم بلهبها راحوا أن يخرجوا منها وذلك معنى ~~قول الله تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}. # وقال بعضهم: الإرادة هاهنا بمعنى التمني؛ لأن أهل النار يتمنون أن يخرجوا منها. # وقال بعضهم: معنى يريدون يكادون لأن النار كلما رفعتهم يكادون يخرجون ~~منها وهو كما قال تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه} ومعناه ~~يريد أن ينقض وقد يجوز أن يريد صاحب النار الخروج من النار مع العلم بأنه ~~لا يخرج منها لأن العلم بأن الشيء لا يكون لا يمنع من ms2390 إرادته كما أن العلم ~~بأنه يكون لا يمنع من إرادته لأن الداعي إلى إرادته حسن ذلك الشيء أو ~~الحاجة إلأيه وإذا صح هذا صح أن يريد الخروج منها على الحقيقة مع العلم ~~بأنه لا يخرج. # واعلم أنه تعالى لما أوجب فيما تقدم قطع الأيدي والأرجل عند أخذ المال ~~على سبيل المجاهرة بين بعده أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب [203] قطع ~~الأيدي والأرجل أيضا فقال عز وجل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ~~بما كسبا نكالا من الله} هذا الخطاب لأئمة المسلمين أمرهم الله تعالى أن ~~يقطعوا أيدي السارق إذا سرق من الحرز ما قيمته عشرة دراهم. PageV20P316 # قال المرتضى عليه السلام: لما نزلت الآية بقطع اليد لم يدر المسلمون أي يد ~~يقطعون لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ذلك وشرحه عن الله ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((هي اليد اليمنى لسارق البيت وما كان في ~~الحرز))، وقال في الذي يأخذ على طريق: ((اليد اليمنى والرجل اليسرى))، فكان ~~تبيين ما يقطع من الأعضاء باسمه عن الله سبحانه على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما كان تبيين الصلاة بعد ذكرها مجملة في الكتاب على لسان ~~نبيه عليه وآله السلام سواء سواء لا شك في ذلك ولا امتراء. # قال في البرهان: وإنما بدأ الله في السرقة بالسارق قبل السارقة وفي الزنا ~~بالزانية قبل الزاني لأن حب المال على الرجال أغلب وحب الاستمتاع على ~~النساء أغلب، ثم جعل حد السارق قطع اليد لتناول المال بها ولم يجعل حد ~~الزنا قطع الذكر مع مواقعة الفاحشة به من وجهين: # أحدهما أن السارق له مثل يده فإن انزجر بها اعتاض بالثانية وليس للزاني ~~مثل ذكره لأنه إن قطع لم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. # والثاني أن الحد زجر للمحدود وغيره وقطع اليد في السرقة ظاهر وقطع الذكر ~~في الزنا باطن. # والثالث أن قطع الذكر إبطالا للنسل وليس ذلك في قطع اليد وقد قطع السارق ~~في الجاهلية فأمر الله بقطعه في الإسلام ms2391 وكان أول سارق قطعه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم الحبار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة ~~ابنة سفيان بن عبد الأسد المخزومي. PageV20P317 # قال: ولو كانت فاطمة لقطعها، وقطع عمرو بن سمرة أهو عبد الرحمن بن سمرة ~~والقطع في السرقة حق لله تعالى لا يجوز العفو عنه بعد علم الإمام به لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سارق ردا صفوان حين أمر بقطعه فقال صفوان قد ~~عفوت عنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم[204]: ((هلا قبل أن تأتيني به لا ~~عفا الله عني إن عفوت عنه))، والقدر الذي يستحق به السارق القطع عشرة دراهم ~~قفلة أو مثقال من الذهب إذا كان في حرز ويجوز أن تكون الآية عامة فخصت أو ~~مجملة ففسرت ولا غرم على السارق بعد قطع يده وهذه الآية نزلة في طعمة بن ~~أبرق سارق الدرع. انتهى. # وقوله: {جزاء بما كسبا نكالا} قال الزجاج: نصب لأنه مفعول له والتقدير ~~فاقطعوهم بجزاء فعلهم وكذلك نكالا من الله وإن شئت كانا منصوبين على المصدر ~~الذي دل عليه فاقطعوا، والتقدير جازوهم ونكلوا بهم جزاء بما كسباء نكالا من الله. # أما قوله: {والله عزيز حكيم(38)} فمعنى عزيز أي قادر على الانتقام من ~~السارق وغيره من العصاة حكيم في شريعته وتكاليفه ومن ذلك حكمه فيهم بالقطع ~~صيانة لأموال الناس وزجرا عن المعاصي ومصلحة لهم. # قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي فقرأت هذه الآية فقلت: ~~والله غفور رحيم سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ فقلت: كلام الله، قال: ~~أعد، فأعدت والله غفور رحيم، ثم انتبهت فقلت: {والله عزيز حكيم} فقال: الآن ~~أصبت، قلت: كيف عرفت؟ قال: يا هذا عز فحكم فأمر بالقطع ولو غفر ورحم لما ~~أمر بالقطع. PageV20P318 # وروى الرازي في تفسيره عن علي عليه السلام أن واحدا من محبيه سرق وكان عبدا ~~أسود فأتي به إلى علي عليه السلام فقال: أسرقت أم لا، فقال: بلى، فقطع يده ~~فانصرف من عند علي عليه السلام فلقيه سلمان ms2392 الفارسي وابن الكوى فقال ابن ~~الكوى من قطع يدك، فقال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين و...تن الرسول وزوج ~~البتول، فقال: قطع يدك وتمدحه، فقال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني ~~من النار، فسمع سلمان ذلك فأخبر به عليا عليه السلام فدعا الأسود ووضع يده ~~على زنده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات فسمعت صوتا من السماء إرفع الرداء عن ~~اليد فرفعناه فإذا اليد قد برأت بإذن الله. انتهى بلفظه وحروفه. # ثم قال تعالى: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه [205] إن ~~الله غفور رحيم(39)} أي من تاب عن السرقة من بعد ظلمه وأصلح بما فعله بنفسه ~~وأصلح عمله فإن الله يقبل توبته لأنه غفور رحيم وهذه التوبة كالتوبة من ~~سائر المعاصي وهي الندم وترك العزم. # قال في التجريد: أي يسقط عنه عذاب الآخرة دون الكال والحد فلا يسقط بعد ~~رفعه إلى الإمام عندنا وأبي حنيفة وأصحابه وفي أحد قولي الشافعي، وقال ~~غيرهم: إن رد عين المسروق لم يسقط عنه القطع وإن قطع أولا رد عين المسروق ~~وهو اتفاق وإن كان المسروق تالفا وضمن قيمته فلا يسقط عنه القطع عند الناصر ~~والشافعي وإن قطع أولا لم يسقط عنه الضمان وعند أبي حنيفة لا يجتمعان ~~فأيهما سبق لم يسقط الآخر وهو قول أبي العباس. # وقيل: إن تقدم القطع سقط الضمان وإن تقدم الضمان لم يسقط القطع ذكره ~~الأخوان وهو المذهب. انتهى. PageV20P319 # قلت: وما أحسن قول المرتضى عليه السلام في هذه الآية فإنه قال: أما السرقة ~~فإن وجدت معه أخذت بعينها وإن لم توجد معه وكان قد استهلكها لم يحكم عليه ~~بغرمها لأنه قد استهلكها ونفذ عليه الحكم من الله فيها فحاله كحال من اغتصب ~~لمرأة بكرا على نفسها فأقيم الحد عليه فلا عقر عليه لأن الحد قد نفذ فيه ~~فلا يجتمع حد وعقر كذلك لا يجتمع قطع وغرامة وإنما ذهب من قال بعقر المكرهة ~~إلى أن للإمام أن يحسن النظر في أمرها وله أن يفعل في ذلك ما يوفقه الله ms2393 له ~~ويرى من طريق نظر العلماء واستحسانهم لا من طريق فرض مؤكد كغيره مما هو ~~مشدد. انتهى. # وقال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه: دلت الآية على ~~أن التائب إلى الله ممن سرق المصلح برد ما أخذ والمستحل من المأخوذ عليه ~~يسقط عنه الحد لقوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} وهذا قول بعض التابعين ~~ومروي عن الشافعي، وذهب الثوري وأبو حنيفة وابن حنبل وإسحاق أن السارق إذا ~~غرم سقط الحد وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ادرأوا الحدود ~~بالشبهات))، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسارق: ((ما إخالك ~~سرقت))، يلقنه بما يدرأ له الحد، والعمل [206] بهذه الآية أولى. PageV20P320 # وأما ما روي من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((هلا قبل أن تأتيني)) ~~فإنه لم يرو أنه أتا به وقد تاب وأصلح والحديث على خلاف أصل من يعتبر الحرز ~~في القطع لأنه روي أن صفوان بن أمية نام في المسجد فبق سد رداءه فجاء سارق ~~فأخذ رداءه من تحت رأسه فأخذ صفوان السارق فأتى به النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقطع يده فقال صفوان: ما ~~أردت هذا هو صدقة له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((هلا قبل أن تأتيني ~~به)) فإن عمل بمقتضى هذا الخبر فإنه لو عفى عنه قبل أن يأتي به لسقط عنه ~~الحد ولو علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سرق فكذلك إذا تاب ورد ما ~~أخذ واستحل وإلا فالخبر ظاهره عدم اعتبار الشهادة والإقرار ونص في عدم ~~اعتبار الحرز إذ لم يذكر في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب ~~شهودا ولا ذكر أنه اعترف وذلك خلاف ما علم من الدين فالخبر مضطرب المتن. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ~~ثم أخبر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه بكونه عز وجل مالكا للسماوات والأرض ~~وقادرا على كل شيء ms2394 فقال: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من ~~يشاء} مع الإصرار والاستفهام للتقرير {ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء ~~قدير(40)} مع التوبة وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه قوبل بذلك مقدم ~~السرقة على التوبة قبل الخطاب بقوله ألم تعلم يا إنسان أن الله مالك ~~السماوات والأرض وأن من كان قادرا على خلق هذه الأجسام والأعراض وضروب ~~العجايب كان قادرا على كل شيء وحسن تقييد الغفران والتعذيب بالمشيئة لقيام ~~الدلالة على أن الله لا يغفر إلا لمن كان مستحقا للغفران ولا يعذب إلا من ~~كان مستحقا للعقاب. PageV20P321 # ولما تقدم ذكر اليهود والنصارى وعداوتهم للمسلمين عقبه بما يؤمنه عن كيدهم ~~تسلية له صلوات الله عليه وآله وسلم وأمنا فقال عز وجل: {ياأيها الرسول لا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا [207] آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم} يعني المنافقين {ومن الذين هادوا} من اليهود، قوله: {لا يحزنك} لفظ ~~النهي عن الحزن وجاء هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه قيل له ~~لا تجلب الهم إلى نفسك لقول هؤلاء المنافقين واليهود المسارعين في الكفر ~~فإن الله يكافيهم على سوء معاملتهم ويكفيك شرهم ثم وصفهم فقال: {سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي هؤلاء المنافقون واليهود سماعون ~~كلامك ليكذبوا عليك لينقلوا إليهم أخبارك وسماعون كلامك لقوم آخرين لم ~~يأتوط بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ~~ويكذبوا عليك فلهذا جالسوك ولازموك وقيل قوالون للكذب سماعون لقوم آخرين أي ~~أعني وجواسيس لقوم آخرين أرسلوا بهم إليك في الرجم في الزنى وأسقطوا الرجم ~~وجعلوا الحد أربعين جلدة عن ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب وابن زيد وذلك ~~معنى قوله تعالى: {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي وضعوا الحد مكان الرجم، ~~ثم قال تعالى حاكيا: {يقولون إن أوتيتم هذا} المحرف {فخذوه} واعملوا به ~~واعلموا أنه الحق {وإن لم تؤتوه فاحذروا} قبوله فهو الضلال فكانوا يحرفون ~~أحكام الله التي بينها في التوراة في باب الزنا وغيره. PageV20P322 # روي أن رئيسا ms2395 من خيبر زنا برئيسة من خيبر وهما محصنان وحدهما الرجم في ~~التوراة فكرهوا رجمهما لرياستهما فبعثوا رهطا إلى بني قريضة ليسألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا إن أمركم بالتحمم أي تسويد الوجه ~~فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم فأمرهم بالرجم ~~فأبوا أن يقبلوه وزعموا أنه ليس في التوراة، فقال جبريل عليه السلام: اجعل ~~بينك وبينهم ابن صوريا، فقال: ((هل تعرفون شابا أبيض أمرد أعور يسكن فدك ~~يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم وهو أعلم يهودي على الأرض ورضوا به حكما، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنشدك الله الذي فلق البحر لموسى ~~هل تجدون آية الرجم على من أحصن، قال: نعم، فوثب عليه سفلة اليهود [208] ~~فقال: خفت إن كذبته أن ينزل العذاب علينا)). # وفي رواية الهادي عليه السلام لما كذبوا ابن صوريا قال عبد الله بن سلام ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: اجعل بينك وبينهم التوراة فإنها فيها ~~مكتوب، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((بيني وبينكم التوراة، ~~فقالوا: نعم، فركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمارا ومضى إلى بيت ~~المدارس ومعه أصحابه فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تبدؤا ~~اليهود بالسلام فإذا سلموا فقولوا وعليكم، فدخل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بيت المدارس وقال: ائتوا بالتوراة، فجاءوا بها فكان الذي يقوم عليها ~~... جدي بن أخطب وليس بحيي بن أخطب وجلس معهم عبد الله بن سلام، فقال: ~~اقرأه في سفر الحدود، فلما بلغ الرجم وضع إبهامه على ذلك الحرف فقال له عبد ~~الله بن سلام: إرفع يدك، فرفعها فقال: اقرأ الرجم في التوراة مبينا من ~~الله)). انتهى. # ثم سال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه ~~فأسلم وأمر صلى الله عليه وآله وسلم بالزانيين فرجما عند باب المسجد وقد ~~ذكر الفراء والزجاج في الآية وجهين: PageV20P323 # الأول أن الكلام إنما يتم عند قوله: {ومن الذين هادوا} ثم ابتدأ الكلام ms2396 من ~~قوله: {سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} وتقدير الكلام لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود ثم بعد ذلك وصف الكل ~~بكونهم سماعين للكذب سماعين لقوم آخرين. # الثاني أن الكلام تم عند قوله: {لم تؤمن قلوبهم} ثم ابتدأ من قوله: {ومن ~~الذين هادوا سماعون للكذب} وعلى هذا التقدير فقوله سماعون صفة محذوف ~~والتقدير ومن الذين هادوا قوم سماعون، وقيل: خبر مبتدأ محذوف يعني هم ~~سماعون، قيل ومعناه قابلون للكذب والسمع يستعمل والمراد منه القبول كما ~~يقال لا تسمع من فلان أي لا تقبل منه ومنه سمع الله لمن حمده وذلك الكذب ~~الذي يقبلونه هو ما يقوله رؤساءهم من الأكاذيب في دين الله وفي تحريف ~~التوراة وفي الطعن في محد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال عز وجل: {ومن ~~يرد الله فتنته فلن تملك له[209] من الله شيئا} الفتنة العذاب هاهنا، ومنه ~~قول الله تعالى: {يوم هم على النار يفتنون} أي يعذبون. # قال الهادي عليه السلام: والفتنة فهي القتل والإهلاك والانتقام والتعذيب ~~كمن عذب من القرون الأولى بالخسف والرجم والصاعقة والإغراق لمن أغرق من ~~الأمم الطاغية فقال سبحانه: {من يرد الله فتنته} أي عذابه وإهلاكه {فلن ~~تملك له من الله شيئا} فصدق الله العلي الأعلا. انتهى. # ومعناه ومن أراد الله أن يعذبه فلا تقدر أنت ولا غيرك على المنع منه ~~والدفع له، وقيل: فيه وجه آخر وهو أن الفتنة أراد بها الضلال ومعناه ومن ~~يرد الله أن يحكم عليه بالضلال ويبين للخلق ضلاله فلا مانع له ولا دافع ومن ~~تأوله على أن الله تعالى يريد إضلاله عن الدين فقد وصف الله تعالى بالقبيح ~~جل الله عن ذلك. PageV20P324 # قال الإمام الناصر الحسن بن علي عليه السلام في كتاب البساط في تفسير هذه ~~الآية ما لفظه: فإن الفتنة في لغة العرب وفي كتاب الله على وجوه كثيرة ~~فمنها الكفر ومنها المحنة والاختبار ومنها العذاب ومنها الحرب على الضلال ~~وما يسخط الله ومنها غلبة الهوى والمحبة للشيء وغير ms2397 ذلك وقد بين الله جل ~~وعز أكثر ذلك في كتابه الشفاء لما في الصدق فقال جل ذكره: {والفتنة أشد من ~~القتل} وقال لموسى عليه السلام: {وفتناك فتونا} أي امتحناك امتحانا، وقال: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يقول حتى لا يكون شرك ولا حرب ولا قتال على ~~ضلال وكفر، وقال: {يوم هم على النار يفتنون} أي يعذبون {ذوقوا فتنتكم} أي ~~عذابكم فقول الله سبحانه: {ومن يرد الله فتنته} في هذا الموضع يريد من يرد ~~الله عذابه لا يرجع عن كفره ولا يتوب كما علم مثل ذلك عن الشيطان أنه لا ~~يتوب أبدا وليس من حكمه أن يعذب من يعلم أنه يتوب ويرجع يوما ما لأنه قال: ~~{وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول لا أعذب من أعلم أنه يتوب ~~ويستغفر. # وأما قوله تعالى: {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} فمعنى ذلك ~~أنه لا يريد أن يحكم [210] لقلوبهم بالطهارة والإيمان وهي كافرة ولا شهد ~~لها بالطهارة وهي نجسة. انتهى. # وقيل: معنى لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الحرج والضيق الذين يدلان على ~~كفر الكافر ويفعل هذا الضيق به على وجه العقوبة، وقيل نشرح الصدر الذي يوجد ~~في قلوب المؤمنين عن أبي مسلم. PageV20P325 # قال الحاكم: يعني أنه يشرح صدر المؤمنين بما يقوله من الألطاف والكافر لا ~~لطف له فلا يريد أن يفعل ذلك بهم، ثم قال عز وجل: {لهم في الدنيا خزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم(41)} خزي المنافقين لهتك سرهم باطلاع الرسول على كذبهم ~~وخوفهم من القتل وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى ~~في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو الخلود في النار. # دلت الآية على أن اليهود والمنافقين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وتدل أنهم حرفوا التوراة لأنه الظاهر. # ثم وصف اليهود فقال سبحانه: {سماعون للكذب} قيل: التحريف، وقيل يسمعون ~~أقاويل الباطل والكذب من كبرائهم ورؤسائهم عن أبي مسلم {أكالون للسحت} وهو ~~الحرام وأراد الرشا ms2398 على الأحكام لأنه مسحوت البركة أي مستأصلها كان الحاكم ~~منهم إذا أتاه الراشي جعلها في كمه وأراها إياه تكلم فيسمع منه الكذب ولا ~~ينظر إلى خصمه، وفي الحديث: ((كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به)). # وروي في البلغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: السحت الرشوة التي ~~تؤخذ في باب الحكم. # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: يدخل في السحت أيضا مهر البغي وعسب ~~الفحل وثمن الكلب والخمر والميتة وحلوان الكاهن. انتهى. PageV20P326 # وقال بعضهم: كان فقراءهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا ما هم عليه من ~~اليهودية فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي ~~يأخذونه منهم والأولى أن السحت هو الحرام الذي لا بركة فيه لأهله لأن جميع ~~ما قيل يدخل، وسئل ابن مسعود عن السحت فقال: الرشوة، فقيل في الحكم، فقال: ~~ذلك كفر، وتلى: {ومن لم [211]يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، معنى ~~{أكالون} أي يأكلون وذكر أكالون للتكثير والمبالغة لأن هذا البناء للتكثير ~~ولم يرد الأكل فقط ولكن أراد الأخذ والتصرف فيه وذكر الأكل لأنه معظم ~~منافعه، ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى: {فإن جاءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}. # اعلم أنه اختلف أهل العلم في هذا الخيار فمنهم من قال إنه ثابت الآن. # قال في البرهان: والمراد بذلك اليهوديان اللذان زنيا خير رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يحكم بينهما بالرجم أو يدع، وهذه الآية محكمة في ~~الحكم بين أهل الذمة إذا ترافعوا إلى حكام المسلمين أو تركهم فلا يحكم بينهم. # وقال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذه الآية منسوخة والله ~~أعلم نسخها قوله عز وجل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}. PageV20P327 # قلت: وهذا هو الحق، يزيده وضوحا ما ذكره الإمام عبد الله بن الحسين عليهما ~~السلام في كتابه الناسخ والمنسوخ فإنه قال في نسخ هذه الآية: هذا قولنا وبه ~~نأخذ فالواجب عندنا أن نحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله في كتابه وعلى ~~محمد نبيه ms2399 صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ذلك وقع الصلح وأخذت الجزية منهم ~~على أن يسلموا للحق ولا يحدثوا شيئا من المسلمين من الحدود وغيرها وقد ذكر ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أقام الحدود عليهم وذكر أيضا أنه رجم ~~يهوديا ويهودية والحكم فيهم عندنا أن تقام عليهم الحدود ويحكم بينهم بما ~~يحكم به على المسلمين وتقام فيهم الحدوم ما تقام على المسلمين فأما ما يحتج ~~به من لم ير الحكم بينهم ولا إقامة الحدود عليهم فلا يلتفت إلى قوله: ولا ~~إلى ما احتج به ومن أكبر حجتهم أنهم زعموا أنهم قد صولحوا على شركهم وتركوا ~~عليه والشرك أكبر من غيره فلذلك يتركون على ما هم عليه لا يقام فيهم حدود ~~ولا يحكم بينهم وقالوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أقام ~~عليهم الحدود لأن ذلك قبل أخذ الجزية وهذا [212] كله كان عندنا وعند أهل ~~المعرفة فاسد ضعيف قاسوه على غير قياس ولعمري لأن كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أقام عليهم الحدود قبل أخذ الجزية منهم وهم أهل هدنة كغيرهم من ~~المشركين أن ذلك لهم بعد إقرارهم بالجزية وتسليمهم واستكانتهم للإسلام ~~والمسلمين وأداء الجزية والذل والصغر والرضى بما فعل فيهم من أخذها أن ذلك ~~لازم لهم والحكم بينهم أوكد إذا رضوا بالإقامة في دار الإسلام وهم يعلمون ~~ما يلزم كل معتد فيها من الحكم وما جاء به من الكتاب من الحدود وغيرها، ثم ~~قال عليه السلام: وكيف يرد أهل الجزية إلى أحكامهم وهم يحكمون بغير الحق ~~وبخلاف ما أنزل الله تبارك وتعالى ويأخذون الرشا وينفقونها في معاصي العلي ~~الأعلا، قال الله سبحانه: {سماعون للكذب أكالون للسحت} والسحت الربا والرشا وهذا PageV20P328 قولنا وهو الحق عندنا والله أعلم. انتهى. # ثم قال تعالى: {وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا} من الضر أي إن أعرضت عن ~~النظر في حكمهم فلا يقدرون لك على ضرر في دين ودنيا والمعنى أنهم كانوا لا ~~يتحاكمون إليك إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد ms2400 مكان الرجم فإذا عرض عنهم في ~~الحكومة بينهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له فأخبر الله تعالى أنه ~~لا تضره عداوتهم، ثم قال سبحانه: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب ~~المقسطين(42)} القسط العدل يقال أقسطا إقساطا إذا عدل وقسط إذا ومنه قوله ~~تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} أي إن حكمت فاحكم بينهم بالعدل ~~والاحتياط كما حكم بالرجم أو بما في القرآن وشريعة الإسلام قال تعالى: ~~{وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} هذا تعجيب من الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في ~~التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكما ~~حقا إلى ما يعتقدونه باطلا ظلما للرخصة فظهر لا جرم جهلهم وعنادهم في هذه ~~الواقعة من وجوه[213]: # أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم. # والثاني رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. # والثالث إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه، فبين الله تعالى حال جهلهم ~~وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله المحافظون على أمر الله. # دلت الآية على أن التوراة حكم الله واختلفوا، فقيل أراد ما لم ينسخ لصحة ~~إضافته أنه حكم الله عن أبي علي. PageV20P329 # وقيل: هو الرجم لموافقته لحكم القرآن، وقد احتج جماعة من الحنفية بهذه ~~الآية على أن حكم التوراة وشرايع من قبلنا لأن علينا ما لم ينسخ وهو ضعيف، ~~فلو كان كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه لكن ~~الشرع نهى عن النظر فيها، بل المراد الأمر الخاص وهو الرجم لأنهم طلبوا ~~الرخصة بالتحكم. # وقوله: {ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين(43)} معطوف على قوله: ~~{يحكمونك} التولي هو الإنصراف عن الشيء، وقوله: {ذلك} إشارة إلى حكم الله ~~الذي في التوراة ويجوز أن يعود إلى التحكيم، وقوله: {وما أولئك بالمؤمنين} ~~فيه وجوه: # الأول: أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها. # والثاني: إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا وهو خبر عن ms2401 المستأنف لا عن الماضي. # والثالث: أنهم وإن طلبوا الحكم منك فما هم بمؤمنين ولا بمعتقدين في صحة ~~حكمك وذلك يدل على أنه لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح ~~الدنيا فقط. والله أعلم. PageV20P330 # واعلم أنه تعالى لما بين أن اليهود كما تولوا عما أنزل على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم تولوا عن التوراة ذما لهم باتباع أكابرهم وترك حكم الله، ثم ~~وصف التوراة وما أنزل فيها من الهدى فقال سبحانه: {إنا أنزلنا التوراة فيها ~~هدى ونور} أي تبيين ما اشتبه عليهم من الأحكام، ثم قال: {يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا} معنى أسلموا أي أخلصوا أنفسهم لله وهي صفة مدح ~~للنبيين وفيها تعريض يبعد اليهود عن الإسلام، وقوله: {الذين أسلموا للذين ~~هادوا} مناد على ذلك أي يحملون الذين هادوا على أحكام التوراة لا [214] ~~يتركونهم يعدلون عنها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حملهم ~~على الرجم وهذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم وترغيب ~~لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم. # ولما كان العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وجب الفرق بين ~~الهدى والنور فقيل الهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف، ~~والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد. # وقال الزجاج: {فيها هدى} أي بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم {ونور} بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق. # قال الحاكم: قوله: {هدى} يعني بيان الحق ودلالة الأحكام {ونور} ضياء ~~وسماه بذلك لأنه يهتدى بها في الدين كما يهتدى بالنور إلى المنافع. PageV20P331 # قال في البلغة: المراد أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ~~وفي التوراة الدلالة والبيان والنبيئون عليهم السلام أسلموا له وانقادوا ~~وأطاعوا الله وهو يحكمون بالتوراة للذين هادوا ودخل في حكم هؤلاء الأنبياء ~~عليهم السلام نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى إسلامهم انقيادهم ~~لله وطاعتهم له وذلك مضمن في قوله تعالى حاكيا عن إبراهيم ms2402 صلى الله عليه ~~وآله وسلم: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}، ومعنى الآية أن ~~النبيين الذين تعبدوا بتصديق التوراة آمنوا به وأسلموا له وانقادوا لله ~~وحكموا بالتوراة في الذين هادوا وحكم نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم بما ~~وافق من شريعته من غير أن كان متعبدا بالتوراة. # وقيل: في الآية تقديم وتأخير وتقديره أنا أنزلنا التوراة للذين هادوا ~~يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار. انتهى. # قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: يحتمل أن يكون المراد بالنبيين ~~الذين أسلموا هو محمد وذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم على اليهود ~~بين بالرجم وكان هذا حكم التوراة وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له كقوله ~~تعالى: {إن إبراهيم كان أمة}، وقوله: {يحسدون الناس}. # وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى لأن [215] بعضهم كانوا ~~يقولون الأنبياء كلهم كانوا يهودا ونصارى، قال تعالى: {يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا} يعني الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية والغرض ~~منه التنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين فإن غرضهم بادعاء الحكم ~~بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام. # ومعنى قوله: {والربانيون والأحبار} أي ويحكم بها الزهاد والعلماء من ولد ~~هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود. PageV20P332 # قال الحاكم: {والربانيون} قيل: هو العالي الدرجة في العلم وقيل هم أرباب ~~العلم الذين يعملون بما يعلمون، واصله من الرب وزيد الألف والنون مبالغة، ~~والأحبار العلماء. # قال الفراء: واحده حبر بكسر الحاء يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم ~~لمكان الحبر الذي يكتب به وذلك أنه يكون صاحب كتب، وكان أبو عبيدة يقول حبر ~~بفتح الحاء. # وقال الليث: هو حبر بكسر الحاء وفتحها، وفي اشتقاقه قولان: # أحدهما أصله من التحبير وهو التحسين والمحبر الشيء المزين، ولما كان ~~العلم أكمل أقسام الفضيلة والجمال والمنقبة لا جرم سمي العالم به. # والثاني أنه من الحبر الذي يكتب به وهو قول الفراء والكسائي وأبو عبيدة، ~~ثم قال: {بما استحفظوا من كتاب الله} أي بما استودعوا من كتاب الله وعلمه ~~وأن لا يضيعوا أحكامه ms2403 ولا يهملوا شرايعه. # قال في الكشاف: أي بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة أي بسبب سؤال ~~أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير. # ثم قال تعالى: {وكانوا عليه شهداء} أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار ~~كانوا شهداء على أن ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا جرم كانوا ~~يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التصريف والتغيير. # وقيل: معناه وهؤلاء العلماء كانوا شهداء على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه في التوراة. PageV20P333 # وفي البرهان: يعني على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه في الترواة، ~~والمعنى في هذه الآية يحكم النبيون الذين بين عيسى وموسى وكانوا ألفن نبي ~~بحكم التوراة وكذا عيسى يحكم ما فيها {للذين هادوا}أي [216] يحملونهم على ~~أحكامها كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم من حملهم على الرجم وامتناعه مما ~~اشتهوه وكذا يحكم الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب ~~الله والقضاء بأحكامه وسبب كونهم عليه شهداء ويجوز أن يكون الضمير في ~~استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعا والمستحفظ الله تعالى أي ~~كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء. # واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين ~~بإمضاء أمر التوراة من غير مبالاة خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنعهم من التحريف والتغيير فقال: {فلا تخشوا ~~الناس واخشوني} والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس ومن الملوك ~~والأشراف فتسقطوا عنهم الحقوق الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط ~~تكاليف الله تعالى عنهم فلا تكونوا خائفين من الناس بل كونوا خائفين مني ~~ومن عقابي. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته وهو نهي للحكام عن ~~خشية غير الله في حكوماتهم ومداهنتهم خوفا لظالم أو أذية قريب أو صديق. PageV20P334 # ولما ذكر أمر الرهبة أتبعه أمر الرغبة فقال سبحانه: {ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا} كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة فكذلك أنهاكم ~~عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة، وقيل: هذا ~~نهي لهم ms2404 عن كتمان ما أنزل الله من الحق والآيات، وعن أخذ الرشوة على ذلك أي ~~لا تأخذوا على كتمانها أجرا ولا على تعليمها مرفقا وما يأخذونه على الكتمان ~~سماه ثمنا قليلا؛ لأنهم باعوا به نعيم الآخرة، وقيل: خطاب للحكام، وقيل هو ~~عام، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بالوعيد الشديد فقال: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون(44)} ثم قال: {فأولئك هم الظالمون} ثم قال: ~~{فأولئك هم الفاسقون} وحكم هذه الايات عام؛ لأن من لم يحكم بما أنزل الله ~~جاحدا به فهو كافر ومن لم يحكم مقرا به فهو ظالم فاسق، ذكره في البرهان. # وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم [217] دون ظلم وفسق دون فسق كأنه ذهب ~~إلى أنه كفر نعمة لا كفر جحود ولا كفر بالله. # وقيل: هي في اليهود خاصة. # وروى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الآيات كلها في ~~الكافرين، وعن حذيفة أنها نزلت في اليهود والنصارى. # وقال ابن مسعود والحسن والسدي: هذه الآيات عامة في أهل الكتاب وهذه ~~الأمة، دلت الآية أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وفسق. PageV20P335 # قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام في كتاب البساط ~~في سياق الاحتجاج بالآيات التي سمى الله فيها العاصي كافرا في محكم القرآن ~~ما لفظه: وقال في سورة المائدة ما لا يقع فيه تأويل لأحد مخاطبا المسلمين: ~~{فلا تخشوا الناس واخشوني} يعني بالناس أهل مكة، ثم قال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون} وقال للنصارى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون} فدل في هؤلاء الآيات أن الفسق والظلم كفر وخص المسلمين ~~بأن جعل لهم اسم الكفر المصرح على عصيانهم. # قال: حدثنا بشر قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا زكريا وسفيان عن جابر عن عامر ~~قال: نزلت {الكافرون} في المسلمين و{الظالمون} في اليهود و{الفاسقون} في ~~النصارى. # قال عليه السلام: ولم أرد بذكري هذا الحدي عن عامر إلا لأن من يخالف الله ~~ويخالفنا عن عامر ms2405 وأصحابه وأضرابه أحسن قبولا، ثم ذكر عليه السلام كثير من ~~الحديث في تصحيح ما ذكره متبع للقرآن وموافق له. # قال عليه السلام بعد أن ذكر الآيات: ومثل هذا في القرآن كثير لمن تتبعه ~~فإنما ذكرت منه ما حضر ذكره مما فيه كفاية لمن نصح نفسه ولم يوطها الغشو ~~ويغرها إن شاء الله. انتهى. # ثم أخبر تعالى أن حكم التوراة بخلاف ما عليه أولئك اليهود فقال سبحانه: ~~{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح [218] قصاص} والمعنى أنه تعالى بين في التوراة ~~أن حكم الزاني المحصن هو الرجم واليهود غيروه وبدلوه، فبين في هذه الآية ~~أيضا أنه بين في التوراة أن النفس بالنفس وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم ~~أيضا ففضلوا بني النضير على بني قريضة وخصوا إيجاب القود ببني قريضة دون ~~بني النضير، فهذا وجه النظم في الآية. PageV20P336 # قوله: {وكتبنا عليهم} قال ابن عباس: يريد فرضنا عليهم في التوراة {أن النفس ~~بالنفس} أي من قتل نفسا بغير قود، قيل ولن يجعل الله له دية في نفس ولا جرح ~~إنما هو العفو والقصاص، وقيل: كان الفرض في اليهود القصاص وفي النصارى ~~الدية فخير الله المسلمين بين القصاص والدية والعفو تخفيفا ورحمة عليهم. # قال في البلغة: واختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال وهو أبو حنيفة ~~وأصحابه أن عشرة لو قتلوا رجلا من المسلمين أو أهل الذمة قتلوا جميعا به ~~لقوله تعالى: {أن النفس بالنفس}. # وقال أصحاب الشافعي: يقتلون جميعا إذا قتلوا مسلما فإذا قتلوا أحدا من ~~أهل الذمة لم يقتلوا به. # وقال خلص الجعفرية: إذا قتلوا مسلما قتل الإمام واحدا منهم وقسم دية على ~~الباقين عشرة أجزاء وحط جزءا نصيب الذي قتله الإمام ويعطي التسعة الأجزاء ~~أولياء الذي قتله الإمام ليكون حكم القصاص حاصلا وحكم الذين شاركوا في الدم ~~ثابتا غير هدر. # وعند الزيدية الخيار إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوا العشرة وإن شاءوا ~~أخذوا عشر ديات وإن شاءوا أخذوا من بعضهم وقتلوا الباقون. انتهى ms2406 # وقوله: {والعين بالعين} أي وكتبنا في التوراة تقتص عين الفاقي بعين ~~المفقو عنه وكذلك الأنف مجدوع بالأنف والأذن مصلومة بالأذن والسن مقلوعة ~~بالسنة. # ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال: {والجروح قصاص} ~~وهو خاص فيما يمكن فيه المقاصة من السجاح ويعرف فيه المساواة فأما ما لا ~~يمكن القصاص فيه فالدية والأرش والحكومة، ثم قال تعالى: {فمن تصدق به} أي ~~بالقصاص {فهو كفارة له} من سيئاته وفيه دليل على أن العفو كان جائزا في ~~شريعة بني إسرائيل. # وفي [219] البرهان: أي من تصدق بقصاص جراحه أو أرشه فهو كفارة له. PageV20P337 # وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من جرح في خده جراحة ~~فتصدق بها كفر الله عنه من ذنوبه بمثل ما تصدق به)). انتهى. # وأما قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون(45)} ~~فهذا يمكن حمله على ظاهره لأن من لم يحكم بالحق كان ظالما فاسقا وإن لم يكن ~~جاحدا، وقيل الجميع يرجع إلى موصوف واحد والفائدة في ذكر الأخف بعد ذكر ~~أعظم التهديدات أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ~~ومن حيث أنه إلقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم للنفس، وفي الآية ~~الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق مولاه وخالقه سبحانه وفي هذه الآية ~~ذكر ما يتعلق بحق نفسه. # ولما تقدم ذكر اليهود أتبعه بخطاب النصارى فقال سبحانه: {وقفينا على ~~آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة} أي وقفينا عيسى بن ~~مريم بعد هؤلاء النبيين نبيا مصدقا للتوراة التي أنزلناها قبله ومعنى كون ~~عيسى مصدقا للتوراة أنه أقر أنه كتاب منزل من عند الله وأنه حقا واجب العمل ~~به قبل ورود النسخ، وقيل جاء على الوجه المذكور في التوراة، يقال قفا أثره ~~يقفوه إذا تبعه وقفاه تقفيه إذا أتبعه، وقيل: وقفينا على آثار الذين أوحينا ~~هذه الأحكام عليهم، والقول الأول أصح وأليق بما تقدم ذكره. # ثم قال: {وآتيناه الإنجيل ms2407 فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة} ~~{فيه هدى} جملة حالية محلها النصب، ومعنى نور أي بيان لما اشتبه من ~~الأحكام. # والمعنى أعطينا عيسى عليه السلام الإنجيل وفيه دلالة وبيان للخلق إلى دين ~~الله والإنجيل بصدق التوراة وليس قوله: {مصدقا} تكرارا في المعنى؛ لأن ~~تقديره وفي الإنجيل دلالة وموعظة وعبرة للمتقين، ذكره في البلغة، وقيل: فيه ~~تكرير لأن الأول لعيسى والثاني للإنجيل. PageV20P338 # ثم قال: {وهدى وموعظة للمتقين(46)} أي فيه عظة تزجرهم عن المعاصي[220] ~~وتدعوهم إلى الطاعة. # فإن قيل: ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة ولم ذكر الهدى مرتين؟ ولم خصص ~~بكونه موعظة للمتقين؟ # قيل في الجواب عن الأول: إن الإنجيل هدى بمعنى أنه مشتمل على الدلائل ~~الدالة على التوحيد والتنزيه وبراءة الله عن الصاحبة والولد والمثل والصدق ~~على النبوة وعلى المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدى. # وأما كون نورا فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية والتفاصيل ~~والتكاليف. # وأما كونه مصدقا لما بين يديه فيمكن حمله على كونه مبشرا بمبعث محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبمقدمه. # وأما كونه هدى مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلوات الله عليه وآله ~~وسلم، ولما كان أشد المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا ~~جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد ~~المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير. # وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل على النصائح والزواجر البليغة المتأكدة ~~وإنما خصها بالمتقين لأنهم الذي ينتفون بها كما في قوله: {وهدى للمتقين}. PageV20P339 # ثم قال تعالى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} وهذا حكاية ما أمروا ~~به في ذلك الوقت من الأحكام، وقيل إن عيسى عليه السلام كان متعبدا بما في ~~التوراة لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة، وظاهر الآية يرده ~~فإن معنى الآية فإنما هو كما قال ms2408 المرتضى عليه السلام أراد عزوحل بقوله: ~~{وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} أي يتبعون ويحكمون بما أنزل الله ~~فيه من الأمر بطاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدلائل والبشارة به فإن ~~حكموا بذلك فسيؤمنون برسوله ويقرون بنبؤته وما أمروا به من اتباعه وإن ~~حرفوا ولم يحكموا على أنفسهم وعلى من تحت أيديهم بما أنزل الله في الإنجيل ~~من الاتباع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفروا بالإنجيل وجحدوه ~~وخالفوا حكمه ونبذوه، فهذا معنى الآية ومخرجها. انتهى.[221] # ثم قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون(47)} أي ~~الخارجون عن الدين، واختلف المفسرون فمنهم من جعل هذه الثلاثة أعني قوله ~~تعالى: {الكافرون} {الظالمون}، {الفاسقون} صفات لموصوف واحد، فقال ال..قال: ~~وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة باللفظ ما يوجب القدح في المعنى، بل ~~هو كما يقال من أطاع الله فهو المؤمن فهو المتقي؛ لأن كل ذلك صفات مختلفة ~~حاصلة لموصوف واحد. # وقال آخرون: الأول في الجاحد والثاني والثالث في المقر التارك. # وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود والالث في النصارى. # وقيل: الفاسقون الكاذبون عن ابن زيد. PageV20P340 # واعلم أنه تعالى لما بين أحوال اليهود والنصارى وسرائر كتبهم بين أنه ~~المنزل للقرآن على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليدل بذلك أنه رسول وعلم ~~ذلك بالوحي فقال: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه} وقيل في وجه النظم: بين الله تعالى نسخ الشرائع فذكر التوراة ~~وما أنزل فيها من الأحكام ثم عقب ذلك بذكر الإنجيل وما أنزل على عيسى عليه ~~السلام وما نسخ من ذلك وما لم ينسخ، ثم ذكر القرآن وما نسخ به تلك الشرائع ~~وأمر بالحكم به، عن أبي مسلم. # وقيل: لما بين نبوة موسى وعيسى بين نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~احتجاج عليهم أم طريقه كطريقهم في الوحي والمعجز. # والمعنى وأنزلنا إليك القرآن مصدقا لما قبله من الكتب كالتوراة والإنجيل، ~~ومعنى {مهيمنا} أي رقيبا على سائر الكتب؛ ms2409 لأنه شهد لها بالصحة وبين بعض ما ~~حرف فيها. # وقيل: الأمين وأصل المهيمن مؤتمن فقلبت الهمزة هاء كما قالوا في أرقت ~~الماء هرقت، وصرف هيمن يهيمن هيمنة إذا صار أمينا فلهذا قال المفسرون ~~{ومهيمنا عليه} أي أمينا على الكتب الذي قبله وإنما كان القرآن مهيمنا على ~~الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخا البتة ولا يتطرق إليه التبديل ~~والتحريف على ما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وإذا ~~[222] كان كذلك كانت شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق ~~فكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبدا. # ثم قال عز وجل: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} أمر الله محمد صلوات الله ~~عليه وآله وسلم أن يحكم بما أنزل الله عليه بين أهل الكتاب وهو القرآن ~~وكذلك يجب على جميع الحكام وهذا ناسخ لقوله تعالى: {فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم} وقد تقدم القول في ذلك. PageV20P341 # ومعنى :{ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} أي ولا تتبع أهواءهم في الحكم ~~ولا تعدل عما جاءك من الحق وهو القرآن فدل ذلك على أن أهل الكتاب إذا ~~ترافعوا إلى الحكام وجب على الحاكم أن يحكم بينهم بالقرآن وشريعة الإسلام ~~ولا يجوز الرجوع إلى غير ذلك من الكتب. # روي في سبب النزول عن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسد قال ~~بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه في دينه، فجاءوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود ~~وأشرافهم وإنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود ولم يخالفوا وإن بيننا وبين قومنا ~~خصومة فنخاصمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك وأنك رسول الله، فأبى ~~ذلك وأنزل الله تعالى هذه الآية: {ولا تتبع أهواءهم} وتترك الحق حتى يرد ~~النهي قيل له ذلك مقدور له ولكن لا يفعله ويجوز أن يرد النهي عما يعلم أنه ~~لا يفعله وقبل الخطاب له، والمراد غيره. # ثم قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} الشرعة والشريعة الطريقة ~~الظاهرة، ms2410 وقيل الشريعة في اللغة الطريق الذي منه يتوصل إلى الماء الذي فيه ~~الحياة فشبهت شريعة الدين بذلك، والمنهاج الطريق المستقيم الواضح، يقال ~~طريق نهج، قال الشاعر: # من يك ذا شك فهذا فلج # ماء رواء وطريق نهج # ومعنى الآية كما قال الهادي عليه السلام: والشرعة هي الفرائض المفروضات ~~والأجكام المجعولات المأمور الخلق بفعلهن والمحكوم [223] عليهم بأداء ~~فرضهن، والمنهاج فهو الطريق الواضح الدال على ما ذكرنا من الشرعة الناطقة ~~لها السنة المتبعة والجعل فلا يكون إلا فعلا لله تعالى. انتهى. PageV20P342 # ثم أخبر سبحانه عن قدرته فقال: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} أي ولو شاء ~~الله أن يجمعكم جميعا على الحق لقدر عليه وفعله إن أوجبت الحكمة ذلك وهي ~~مشية القدرة والإكراه، قيل: ولو شاء الله لجمعكم على ملة واحدة في دعوة ~~جميع الأنبياء عليهم السلام، ثم قال تعالى: {ولكن} أراد {ليبلوكم في ما ~~آتاكم} من الشرايع المختلفة هل تعملون بها منقادين خاضعين لتكاليف الله وأن ~~الله لم يقصد باختلافها إلا ما اقتضته الحكمة وإنما لم يفعل ما قدر عليه ~~لأنه إذا كان يمتحنكم فيما كلفكم فأمركم به على حسب ما علم من المصلحة لكل ~~فريق وطائفة {فاستبقوا الخيرات} أي ابتدروها وتسابقوا إليها وتجنبوا البدع. # وقوله: {إلى الله مرجعكم جميعا} استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات ~~أي مرجعكم إلى حكمه ومصيركم جميعا إلى جزائه {فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون(48)} من أمر دينكم. # قال في البلغة: أي بادروا قرب الحظ بالتقدم في الخيرات وافعلوا الخيرات ~~قبل أن يفوتكم حظها فإن مرجعكم جميعا إلى الموضع الذي لا حكم فيه إلا لله ~~تعالى وهو يخبركم بجميع ما كنتم تختلفون فيه. # وقيل: بادروا الفوت بالموت ومعناه وسارعوا إلى الخيرات قبل أن يدرككم الموت. # وقيل: هذا الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولجميع أمم الأنبياء ~~عليهم السلام، وخرج الكلام على تغليب خطاب الخاص على العام. # وقيل: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم دونهم. # وقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} متصل بقوله: {وأنزل ms2411 إليك الكتاب} ~~كأنه قيل وأنزل إليك الكتاب وأنزلنا أن أحكم ويجوز أن يكون معطوفا على الحق ~~أي أنزلناه بالحق وأن احكم، قال فيها أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يحمك بينهم ونهاه عن اتباع أهوائهم في الحكم. PageV20P343 # وقيل إنما كرر هذا اللفظ لأنهم احتكموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مرة في حد المحصن عندما زنا والثانية في قتيل لهم. # وقيل: إن الأمر الأول [224]مطلق والأمر الثاني يدل على أنه منزل أي احكم ~~بهذا الحكم المنزل إليك في الوقت. # وقيل: كرر ذلك تأكيدا، ثم قال: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله ~~إليك} أي يزلونك عنه. # وقال ابن عباس: معناه يردونك إلى أهوائهم فإن كل من صرف من الحق إلى ~~الباطل فقد فتن ومنه قوله: {وإن كادوا ليفتنونك} والفتنة هاهنا في كلامهم ~~التي تميل عن الحق وتلقي في الباطل وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((أعوذ بك من فتنة المحيا والممات)). # والمعنى واحذرهم أن يضلوك عما أنزل الله إليك إلى ما يهوونه من الأحكام ~~إطماعا منهم لك في الاستجابة إلى الإسلام، وقيل: هذا الإضلال هو إضلالهم ~~بالكذب على التوراة بما ليس فيها. # ثم قال تعالى: {فإن تولوا} عن الحكم بما أنزل الله {فاعلم أنما يريد الله ~~أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} بتعجيل عقوبته في الدنيا لأن عذاب الدنيا يختص بعض ~~الذنوب دون بعض وعذاب الآخرة يعم، قيل: هو إجلاء بني النضير، عن الحسن؛ لأن ~~علماءهم لما كفروا وكتموا عوقبوا بالجلاء والقتل، وقيل قريضة لنقض عهدهم ~~يوم الأحزاب. # وقال أبو علي: ذكر البعض وأراد الكل أي ذنوبهم وذلك في الآخرة، وقيل: ذكر ~~البعض للتغليظ في العقاب أي يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم يعني ~~بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وأراد أن ~~لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد وأن هذا الذنب مع عظمة بعضها وواحد منها وهذا ~~الإيهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه ونحو البعض في هذا الكلام ما ~~في ms2412 قول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو ترتبط بعض النفوس حمامها PageV20P344 أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإيهام كأنه قال نفسا كثيرة أي نفس ~~فكما أن التنكير يعطي معنى التكثير وهو في معنى البعضية فكذلك إذا صرح ~~بالبعض. # ثم قال تعالى: {وإن كثيرا من الناس لفاسقون(49)} أي خارجون متمردون عن ~~أمر الله تعالى يعني أن التولي[225]عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ~~والاعتداء في الكفر، ثم قال: {أفحكم الجاهلية يبغون} الضمير في يبغون راجع ~~إلى اليهود وذلك أنهم إذا وجب حكم على ضعفائهم ألزموهم ذلك وإن وجب على ~~أغنيائهم ورؤسائهم لم يلزموهم ذلك ولم يأخذوهم به فقيل لهم أفحكم عبدة ~~الأوثان تطلبون وأنتم أهل كتاب فحكم الجاهلية حكم عبدة الأوثان ذكره في ~~البلغة. # وفي ذلك وجه آخر قال مقاتل: كانت بين قريظة والنضير دماء قبل أن يبعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فلما بعث تحاكموا إليه، فقالت بنو ~~قريظة: قتل بنو النضير إخواننا أبونا واحد وديننا واحد وكتابنا واحد فإن ~~قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر وإن قتلنا منهم أخذوا ~~منا مائة وأربعين وسقا من تمر وأروش جنايتنا على النصف من أروش جناياتهم ~~فاقض بيننا وبينهم، فقال عليه السلام وعلى آله: ((فإني أحكم أن دم القرظي ~~وفاء من دم النضيري ودم النضيري وفاء من دم القرظي ليس لأحد فضل على الآخر ~~في دم ولا عقل ولا جراحة)) فغضب بنو النضير وقالوا: لا نرضى بحكمك فإنك ~~عدونا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {أفحكم الجاهلية يبغون} يعني حكمهم ~~الأول، ثم قال تعالى: {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون(50)} أي لا أحد ~~حكمه أحسن من حكم الله حكما لقوم يوقنون بأن ما جئت به حق وأنه حكم الله ~~واللام في قوله: {لقوم} قائمة مقام عند أي لا حكم أحسن من حكم الله عند قوم ~~يوقنون بالله وحكمته، وقيل: هذا اللام لام الإضافة فإذا أضيف إلى الموقنين ~~فكأنه لم يعتد بإضافها إلى غيرهم. PageV20P345 # واعلم أنه ms2413 لما تقدم ذكر اليهود والنصارى عقبه بالأمر بقطع موالاتهم والتبري ~~منهم فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} ~~أي أخلاء تنصرونهم وتستنصرونهم، ثم علل النهي بقوله: {بعضهم أولياء بعض} ~~فبين سبحانه أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض بسبب أنهم صاروا شيئا ~~واحدا على معادات النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم إنما يوالي بعضهم ~~بعضا [226] لاتحاد ملتهم في الكفر فلم يتولاهم مخالفوهم في الدين. # وقيل: المراد بعض اليهود أولياءبعض وبعض النصارى أولياء بعض؛ لأن بين ~~اليهود والنصارى عداوة عظيمة، ثم قال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي حكمه ~~حكمهم في الكفر، وهذا من الله تشديد في مجانبة المخالف واعتزاله لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لا تتراءى نارهما)). # قال ابن عباس: هو كافر مثلهم، وقيل: مثلهم في وجوب عداوته والبراءة منه ~~{إن الله لا يهدي القوم الظالمين(51)} أي لا يحكم لهم حكم المؤمنين ~~المهتدين في المدح والثناء والنصرة على الأعداء ولا يسميهم بالهدى لما لم ~~يهتدوا، ثم قال تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض} أي نفاق؛ لأنه آفة في ~~الدين فشبهه بالمرض وقيل غم وحزن مما يرى من أحوال الرسول وظهور دينه ~~وإعلاء كلمته {يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} من صروف الزمان ~~فنحتاج إليهم، المعنى فترى يا محمد المنافقين يسارعون في موالاة اليهود ~~والنصارى لعلة كونهم يخشون أن تكون الدائرة لهم فتصيبهم دائرة من الدهر ~~فيكون في ذلك هلاكهم لاستيلائهم عليهم والدائرة الدولة تتحول إلى من كانت ~~له من قبل عمن هي له في الوقت. # قيل: والنصارى نصارى نجران؛ لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على ~~مهماتهم ويعرضونهم ويقول المنافقون إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة. PageV20P346 # وقيل: القائل هو عبد الله بن أبي وحده. # ثم قال تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين(52)}. # قال المفسرون: عسى من الله واجب؛ لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله فهو ~~بمنزلة الوعد به لتعلق النفس به ورجاءها ms2414 له في أنه لا يجوز خلفه ولا يدخل ~~فيه طمع العبيد في الغفران؛ لأن الله قد آيسهم حتى بالسمع إذا لم يتوبوا، ~~والمعنى فعسى أن يأتي بالفتح لرسوله على أعدائه وإظهار المسلمين على ~~أعدائهم أو أمر من عنده بقطع أمر [227] اليهود ويخرجهم عن بلادهم فيصبح ~~المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون ما نظن أنه يتم له أمره وإلا ~~ظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه. # وقيل: {أو أمر من عنده} فعسى أن يؤمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم، أو أمر من عند الله ~~يستأصل اليهود وتخليهم عن أوطانهم لا يكون للناس فيه فعل كبني النضير الذين ~~قذف الله في قلوبهم الرعب فيصبح المنافقون نادمين قيل: من غشهم للمسلمين ~~ونصحهم للكافرين، وقيل في معاقدتهم مع الكفار، وقيل من الكفر والنفاق ~~{نادمين} قيل عند الموت لما عاينوا العذاب، وقيل في الدنيا لما رأوا النصر ~~والظفر وعلو الإسلام، وقيل لما رأوا الفضيحة والقتل. PageV20P347 # وأما قوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا} فقرئ بحذف الواو بالرفع وبإثبات ~~الواو مع الرفع والنصب فالنصب عطف على أن يأتي والرفع على الاستئناف يحتمل ~~أن .... لم المؤمنون بينهم يقول بعضهم لبعض: {أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم} بأغلظ الأيمان {إنهم لمعكم} ناصروكم ومؤمنون مثلكم أي وإذا ~~كان ما أخبر الله أنه يفعله وحل بالمنافقين ما حل يقول المؤمنون عند ذلك ~~تعجبا منهم ومن مقالهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة واغتباطا بما ~~من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص أليس هؤلاء كانوا أقسموا بالله مبالغة ~~في القسم أنهم لمع المؤمنين فما بالهم وحالهم الآن، ثم قال: {حبطت أعمالهم} ~~التي كانوا يتكلفونها في رأي العين {فأصبحوا خاسرين(53)} أي بطل كل ما ~~عملوه بنفاقهم عندما أظهر الله للمؤمنين أمرهم حتى أصبحوا خاسرين في الدنيا ~~والآخرة، قيل: خسروا حظهم من موالاة الكافرين، وقيل خسروا أنفسهم بأن ~~أهلكوها، وقيل خسروا ثواب أعمالهم ms2415 إذ أحبطوها. # قوله: {حبطت أعمالهم} يحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل شهادة لهم بحبوط ~~الأعمال وتعجيبا من سوء حالهم ويحتمل أنه من جملة كلام المؤمنين وفيه معنى ~~التعجب [228] كأنه قيل ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم. PageV20P348 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن المنافقين يتربصون الدوائر علم أن قوما منهم ~~يتربصون موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليناصبوا الحرب بعده في هدم ~~أمره بعد وفاته فأعلمهم الله تعالى أن ذلك كائن وأنهم لا ينالون أملهم في ~~أمته وأنه تعالى يخزيهم وينصر دينه ويأتي بقوم يجاهدون في سبيله يقومون ~~بأمر دينه فقال عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}. # قال المرتضى عليه السلام: أراد عز وجل أن من رجع من المؤمنين عما عاهد ~~الله عليه وعقده في رقبته فإن ذلك عليه وبال وله مهلك ولن يضر الله سبحانه ~~شيء من فعله ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ثم قال سبحانه: {فسوف يأتي ~~الله بقوم} وإتيانه بهم فهو إيجاده من خلقه قوما راغبين وإلى الله سبحانه ~~من ذنوبهم متنصلين ولدعوة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مجيبين فيشرح ~~صدورهم ويعينهم على أمورهم فنسبهم لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم يحبهم ~~ويحبونه صحيحة مودتهم لله ورسوله {أذلة على المؤمنين} يريد رحماء بالمؤمنين ~~متضعين لهم غير متكبرين عليهم ولا متطاولين بل هم خاضعون لله متذللون ليسو ~~بجبارين ولا فراعنة شياطين، ومعنى {أذلة على المؤمنين} فإنما هي للمؤمنين ~~فقامت على مقام اللام. انتهى. PageV20P349 # وقيل: ضمن الذي معنى الحنو كأنه قيل عاطفين عليهم تذللا ومعنى {في سبيل ~~الله} أي لوجهه لا لغرض سواه، فقوله: {لا يخافون لومة لائم} بيان لحالهم ~~وأنها خلاف حال المنافقين أي من شأنهم أن يجاهدوا في سبيل الله لا لغرض آخر ~~ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون بلومة اللائمين واللومة المرة ~~الواحدة من اللوم والتنكير ms2416 فيها وفي اللائم مبالغتان كأنه قيل لا يخافون ~~شيئا من لوم أحد من اللائمين. # ولما كان أبو ذر رحمة الله عليه لا يترك [229] ما سمع من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الحق والدين ولا سيما ما ورد من فضائل أمير ~~المؤمنين وسيد الوصيين وأهل بيت محمد الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين قال ~~رحمة الله عليه: ثم تهددني قريش هل هو إلا القتل والله للموت أحب إلي من ~~الحياة ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها وللفقر أحب إلي من الغنى، ففيم تهددني ~~قريش. انتهى. # فإذا قام العبد بدرجة الصدق في المواطن كان على معنيين إما أن يصدق في ~~المواطن فيرجع بأفضل الجهاد والسلامة وإما أن يصدق في المواطن فيحكم الله ~~له بأفضل الجهاد والشهادة. # واعلم أن المفسرين من العامة اختلفوا في أن ذلك القوم الذي يحبهم ويحبونه ~~من هم، فمنهم من قال هم الأنصار، ومنهم من قال فارس، وقيل ألفان من النخع ~~وخمسة آلاف من كندة وثلاثة آلاف من أفنان الناس جاهدوا في القادسية، هذا ~~حاصل ما في الكشاف. # وأما أئمتنا عليهم السلام فقال في البرهان وغيره: هذه الآية نزلت في أمير ~~المؤمنين عليه السلام. # قلت: وهذا قول أهل البيت عليهم السلام جميعا وشيعتهم رضي الله عنهم ~~ويقولون أنها نزلت في عهد علي كرم الله وجهه، ويدل عليه وجهان: PageV20P350 # الأول أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما دفع الراية إلى علي عليه السلام ~~يوم خيبر قال: ((لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله)) وهذا هو الصفة المذكورة في الآية فشهد له بذلك، ورقته على ~~المؤمنين وغلظته على الكافرين هي أشهر من الشمس. # والوجه الثاني: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} وهذه ~~الآية في حق علي عليه السلام فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في حقه. # ثم قال تعالى: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} فقوله: {ذلك} إشارة إلى ما ~~تقدم ms2417 ذكره من وصف القوم بالمحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف ~~اللومة أي ذلك فضل الله خصهم به يعطيه من يشاء أي من يعلم أنه محل له، ثم ~~قال تعالى[230]: {والله واسع} في العطايا {عليم(54)} بأهلها ممن يشكر نعمه ~~ومن لا يشكر. # وقد روى الموالف والمخالف ما ورد من الحديث فيمن أريد أو أحدث وغير بعده ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يسعه هذا الموضع فمن ذلك ما في كتب الأئمة ~~والشيعة من حديث الإختلاج عن الحوض كأنوار اليقين وشمس الأخبار وغيرهما ~~كثير فليطالعها الناظر موفقا إن شاء الله تعالى. # من ذلك ما رواه سيد الوصيين علي أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين في ~~بعض خطبه إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ترفع لي يوم ~~القيامة ريح سوداء تخطف من دوني أقواما ممن صحبتهم وصحبوني من عظماء أصحابي ~~من المهاجرين والأنصار فأقول يا رب أصحابي، فيقال يا أحمد لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا القهقرا)). انتهى. PageV20P351 # وروى إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه عن البخاري في ~~صحيحه عن ابن عباس ((أن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ~~وأنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقول ~~إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك...)) الخبر. # وفي حديث ابن مسعود: ((أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن ~~دوني فأقول يا رب أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))، ومثل في ~~حديث حذيفة. # وفي حديث أنس: ((ليردن علي الحوض ناس من أصحابي حتى إذا عرفتهم اختلجوا ~~دوني...)) الحديث. # وفي رواية أبي سعيد الخدري: ((فأقول أنهم مني، فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي)). # وفي رواية أبي هريرة: ((يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلأون عن ~~الحوض فأقول: يا رب أصحابي...)) الخبر ...إلى قوله: ((إنهم ارتدوا على ~~أدبارهم القهقرا)). # وفي حديث سعيد بن المسيب كان يحدث عن أصحاب النبي صلى الله ms2418 عليه وآله ~~وسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يرد علي الحوض رجال من ~~أصحابي فيجلون عنه...))الخبر؛ أي يمنعون ويطردون عنه. # وفي رواية أخرى لأبي هريرة قال: ((بينما أنا قائم إذ زمرة [231] حتى إذا ~~عرفهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار ~~والله، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفهم...)) ثم ذكر مثل الأول ثم قال: ((فلا ~~أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)). # وروى مسلم في صحيحه في حديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل ~~إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله تعرفنا؟ قال: نعم لكم أسماء ليست ~~لأحد غيركم تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء وليصدن طائفة فلا يصلون، ~~فأقول: يا رب هؤلاء أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك)). PageV20P352 # وفي رواية: ((ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم هلم ~~فيقال: إنهم قد بدلوا فأقول: سحقا سحقا)). # وفيه عن أبي هريرة أيضا: ((لأذودن عن حوضي رجالا كما يذاد الغريبة من ~~الإبل)). # وفي حديث أنس: ((ليردن علي الحوض رجال ممن صحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا ~~إلي اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك)). # وفي حديث لأحمد بن حنبل: ((رجال ممن صحبني رآني))، ولأحمد حديث أم سلمة ~~من ثلاث أو أربع طرق: ((إن من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني))، فبلغ ~~عمر فأتاها فقال لها: أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قالت: لا ولا أبري أحدا بعدك. # وروي في الجمع بين الصحيحين قال: وأخرجه البخاري من حديث عطاء بن يسار عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((بينما أنا قائم إذ ~~أقبلت زمرة حتى إذا عرفهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت: إلى أين: ~~قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: ارتدوا بعدك على أدبارهم ~~القهقرا، ms2419 ثم إذا زمرة حتى إذا عرفهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم، قلت: ~~إلى أين؟ قال: إلى النار النار، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك، فلا ~~أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)). # وفي تفسير الثعلبي يرفعه إلى ابن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن ~~رسول[232]الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يرد علي يوم القيامة رهط من ~~أصحابي فيجلاون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا علم لك ~~بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرا)). # قلت وبالله التوفيق: هذه أخبار تفيد العلم؛ لأنها مما جمع عليه المخالف ~~والموالف وشهد بصحتها كتاب الله تعالى مثل هذه الآية وقوله تعالى: {أفإين ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...} الآية ونحوها. PageV20P353 # ثم عقب عز وجل هذه الآية بقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55)} معنى {إنما ~~وليكم} أي ولي أمركم وناصركم الله ورسوله والذين آمنوا وقد خاطب الله ~~المؤمنين بأن الله وليهم ورسوله والمؤمن المتصدق حال ركوعه وليهم وهو ~~بمنزلة قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} في أن ~~قرن الطاعات الثلاث في قرن واحد فلذلك أثبت كونه وليا للمؤمنين وكون رسوله ~~والمؤمن المتصدق في حال ركوعه كذلك، فقوله: {والذين آمنوا} عموم أريد به ~~الخصوص وكانت ولاية مخصوصة لاقترانها بولاية الله على المؤمنين وولاية ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان لفظه لفظ الجمع فقد خصه الدليل وذلك ~~موجود في اللغة والتعارف والقرآن ناطق به، ألا ترى قوله تعالى حكاية: {هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} ولا خلاف بين ~~الرواة أن القائل لذلك عبد الله بن أبي سلول، ومثله قوله تعالى: {الذين قال ~~لهم الناس} والمراد نعيم بن مسعود وقد ذكره الله سبحانه في آية المباهلة ~~بلفظ الجمع: {قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم} لأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر سبحانه ms2420 الزهراء ~~عليها السلام بلفظ الجمع وهي واحدة، وإذا حصل الاتفاق على أن هذه الآية ~~مختصة بهم عليهم السلام وأنهم الذين ظهروا للمباهلة فكذلك لا يمتنع أن يكون ~~لفظ الجمع مستعملا في حقه عليه السلام لمثل هذا الوجه وقصاراة أن يكون ~~مجازا وقد دللنا على جوازه إذا دل عليه [233] وبينا مثاله. PageV20P354 # وقد روى أكثر الصحابة والتابعين أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب عليه ~~السلام تصدق بخاتمه في حال ركوعه في الصلاة، ورواه مجاهد والسدي وعيينة بن ~~أبي الحكم وغيرهم عن السلف، ولم يرووا ذلك لأحد غير علي عليه السلام رواية ~~يقبلها أهل العلم. # قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: لا خلاف بين الأمة أنها نزلت في ~~علي عليه السلام ولم يدعيها أحد غيره. انتهى. # فصار ولي المؤمنين على الوجه الذي صار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~وليا لهم وهو السيادة والرياسة والإمامة وإنما هاهنا بمعنى ليس وذلك موجود ~~في اللغة والقرآن فكأنه قال للمؤمنين ليس لكم ولي إلا الله ورسوله والمؤمن ~~الذي تصدق وهو راكع وذلك حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه ~~وكان مرحا في خنصره وجمعه والفاعل واحد ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا ما ناله. # ونزول هذه الآية في علي عليه السلام وكونه المراد بها هو إجماع أهل البيت ~~عليهم السلام وشيعتهم وإجماعهم حجة للأدلة المعلومة من الكتاب والسنة كما ~~أشرنا إلى ذلك في خطبة هذا الكتاب وهو قول سائر المفسرين. # قال الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام: رويناها فيه ~~عليه السلام من طرق كثيرة فقد اتفق الخاصة والعامة على أن المراد بالآية ~~علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، وأنشأ حسان بن ثابت يقول: # أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي # وكل بطي في الهدى ومسارع # أيذهب مدحي والمخبر ضايعا # وما المدح في جنب الإله بضايع # فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا # فدتك نفوس الناس يا خير راكع # وأنزل فيك الله خير ولاية # وبينها في محكمات الشرائع PageV20P355 إلى غير ذلك ms2421 من الشواهد في هذا المعنى وهي كثيرة، والوجه في ذلك أن الآية ~~واردة على وجه لا يصح أن يكون عامة في جميع المؤمنين وذلك ما قدمنا من أن ~~ظاهرها يقتضي ثبوت ملك التصرف لمن ذكر فيها على المخاطبين وهم المؤمنون، ~~ومن المحال أن يكون الكل من المؤمنين أولياء مولى عليهم في أمر واحد فيجب ~~[234] أن يكون المراد بالآية أن بعض المؤمنين مالك التصرف على سائرهم وكل ~~من قال أن المراد بها ذلك قال إن ذلك البعض هو أمير المؤمنين عليه السلام ~~ولأن الله وصف المؤمنين المذكورين في الآية بصفة لم توجد إلا في علي عليه ~~السلام وهو إيتاء الزكاة في حال الركوع، ولنا في صحة ذلك طريقان: # أحدهما: إجماع العترة عليهم السلام وإجماعهم حجة. # والثاني: النقل المستفيض في أن سائلا اعترض يسأل أمير المؤمنين عليه ~~السلام حال الصلاة فأشار إليه بخاتمه وهو راكع ليأخذه السائل وأخذه فنزلت الآية. PageV20P356 # ثم ذكر في الشافي طريق الرواية في صحة هذا الخبر بإسناد طويل بلغ به إلى ~~أبي ذر رحمة الله عليه في خبر طويل قد تضمن فوائد كثيرة هذا أحدها إلى أن ~~قال: بينا عبد الله بن عباس رضي الله عنه جالس على شفير زمزم يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقبل رجل معتم بعمامة فجعل ابن عباس ~~لا يقول قال رسول الله إلا وقال الرجل: قال رسول الله، فقال له ابن عباس: ~~سألناك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من ~~عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصمتا ورأيته بهاتين ~~وإلا فعميا يقول: ((علي قائد البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من ~~خذله)) أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام ~~صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء ~~وقال: اللهم اشهد ms2422 أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي ~~عليه السلام راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها، فأقبل السائل ~~حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ~~فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: ((اللهم موسى سألك فقال رب اشرح لي ~~صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهل ~~هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري فأنزلت قرآنا ناطقا: {سنشد عضدك ~~[235]بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا} اللهم وأنا محمد ~~نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد ~~به ظهري)). PageV20P357 # قال أبو جعفر: فما استتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلمة حتى نزل ~~عليه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل فقال: ((يا محمد اقرأ، قال: وما ~~أقرأ؟ قال: اقرأ: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} # قال عليه السلام: وهذ السبب نرويه من غير هذه الطريق من صحيح الشيباني عن ~~ابن سلام ومن ضاقت ابن المغازلي عن ابن عباس من أربع طرق ومنه عن علي عليه ~~السلام. انتهى. # قلت: ومثل هذا في كتاب الأربعين الوسيلة إلى رب العالمين في فضائل أمير ~~المؤمنين كرم الله وجهه في السابع والثلاثين منه بالإسناد إلى ابن عباس أيضا. # وقال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام: ولم يختلف الصحابة والتابعون في ~~أنه عليه السلام المراد بهذه الآية وأنه المتصدق بخاتمه وهو راكع وقد قال ~~فيه الشاعر: # يا من بخاتمه تصدق راكعا # إني رجوتك في القيامة شافعا # وأصل الرواية في ذلك ما رواه عبد الله بن العباس أنه قال: وفد إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعرابي بادي يدوي فلما أتى المسجد أقبل يتخطى رقاب ~~الناس وهو يقول: أيكم محمد، فوثب إليه جابر بن عبد الله الأنصاري وقال: يا ~~أخ العرب أما تنظر إلى صاحب الوجه ms2423 الأقمر والجبين الأزهر والخد الأنور ~~والتاج والمغفر والقضيب والمنبر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فأنشأ الأعرابي يقول: # أتيتك والعذراء تبكي برنه # وقد ذهلت أم الصبي مع الطفل # وخلفت شيخا لي وأما كبيرة # وقد كدت من فقر أخالط في عقلي # وليس لنا شيء [236] يكون طعامنا # سوى الحبة الجوفا والحنظل الفسل # ولا ملتجا إلا إليك فرارنا # وأين مغير الناس إلا إلى الرسل PageV20P358 قال: فغشي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما أفاق قال: ((معاشر ~~المسلمين قد أقبل إلينا وإليكم غرفات شتى كل غرفات إبراهيم الخليل صلوات ~~الله عليه فهل من راحم، هل من مطعم، هل من مواس، هل من مؤثر على نفسه، هل ~~من جائد في الله عز وجل قبل دخول رمسه وذهاب يومه وأمسه ونسيان نفسه)) وكان ~~علي بن أبي طالب عليه السلام في ناحية المسجد يصلي ركعات بين الظهر والعصر ~~ما كنا نعرفها لأحد قبله فأومى إلى الأعرابي فوصل إليه فلما مثل بين يديه ~~أشار إليه بخاتمه فأخذه الأعرابي وأنشأ يقول: # يا ولي المؤمنين كلهم # وسيد الأوصياء من آدم # قد فزت بالنيل يا أبا حسن # إذ جادت الكف منك بالخاتم # والجود فرع وأنت نائله # وأنتم القوم سادت العالم # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ابن أخي وابن عمي علي بن أبي ~~طالب، قالوا: يا رسول الله تصدق بخاتمه على الأعرابي، فقال النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وجبت له الغرفات وجبت له الغرفات)) قالها ثلاثا، فعند ذلك ~~نزل جبريل عليه السلام فقال: ((يا محمد العلي الأعلا يقرئك السلام ويقول: ~~اقرأ، قال: وما أقرأ يا حبيبي يا جبريل؟ قال: اقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ~~{إنما وليكم الله...}))الآية إلى آخرها. انتهى. # قال في البلغة: قوله: {وهم راكعون} يقتضي الحال فهو بمثابة قول القائل ~~دخل زيد الدار وهو راكب، ونظائره في القرآن لا تحصى، منها قوله تعالى: {حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وقوله: {وتزهق أنفسهم وهم كافرون}، وقوله: ~~{إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}. PageV20P359 # ويدل ms2424 على أنه واحد بعينه؛ لأن الله خاطب المؤمنين بذلك فلو كان قوله: ~~{يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} عاما لكان معنى الآية ياأيها المؤمنون الله ~~وليكم ورسوله وليكم وأنتم أولياء أنفسكم، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا يليق ~~بالكلام وإن كان[237] بعضهم أولياء بعض فليس كذلك ما ذكر الله في هذه الآية ~~لما بيناه. # ويزيدك وضوحا أن الله تعالى مدح من فعل في الصلاة هذا ولا خلاف بين الأمة ~~أن من فعل فعلا في الصلاة لم يكن ذلك من أركان الصلاة وإن فعله مفسدها ~~فعلمنا أن الآية صارت مخصوصة؛ لأن الحكم المبين فيها كان لواحد مخصوص، ~~والرواة رووا أن ذلك من كان ونزلت الآية في من وبسبب من هو. # ولعلي عليه السلام اختصاصات في القرآن وغيره لا ينكرها أحد من المسلمين ~~فمنهما لم يتعصب ولم يمل به الهوى لا يحتج إلى التعسف في تأويل هذه الآية ~~وقد يعبر عن الصدقة بلفظ الزكاة كما قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} ~~والمراد به الزكاة وكذلك تذكر بلفظ الزكاة والمراد الصدقة على أنه لو كان ~~مراد الزكاة كان الغرض واحدا. انتهى. # قال السيد الهادي بن إبراهيم في كتاب التنويه في إزهاق التمويه ما لفظه: ~~أما أنه عليه السلام المراد بها دون غيره فلوجهين: # أحدهما: إجماع أهل النقل والتفسير على تباين أغراضهم إلا من لا يعتد به ~~أنها نزلت في علي عليه السلام وأنه المتصدق بخاتمه دون غيره. # وثانيهما: أنه لا يجوز أن يكون المراد بها غيره لوجوه ثلاثة: # أولها: أن الله وصف المولى في هذه الآية بصفة لم توجد في غيره عليه ~~السلام وهي الصدقة بخاتمه في حال الركوع. PageV20P360 # وثانيها: أن الآية واردة على وجه لا يصح أن تكون عامة في جميع المؤمنين ~~وذلك لأن ظاهرها يقتضي ثبوت ذلك التصرف لمن فيها على المخاطبين بها وهم ~~المؤمنون ومحال أن يكون الكل من المؤمنين أولياء ومولا عليهم في أمر واحد ~~فيجب أن يكون بعض المؤمنين مالك التصرف عليهم دون سائرهم وكل من قال المراد ~~بها ذلك ms2425 قال بأن المراد بذلك البعض هو أمير المؤمنين. # وثالثها: إسماع العترة على ذلك وإجماعهم حجة لما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى. # ومما يدل على صحة إجماع أهل النقل والتفسير أن هذه الآية الكريمة نزلت في ~~وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام قول ~~أعداء علي رحمة الله عليه فكيف بالولي، وذلك مشهور لمن علم السير والأخبار ~~من ذلك قول عمرو بن العاص مخاطبا [238] لمعاوية لعنهما الله في قصيدة طويلة منها: # وكم قد سمعنامن المصطفى # وصايا مخصصة في علي # وفي يوم خم رقا منبرا # يودع والركب لم ترحل # وفي كفه كفه معلنا # يقول بأمر العزيز العلي # فمن كنت مولا له سيدا # علي له الآن نعم الولي # وقال وليكم فاحفظوه كحف # ظي فمدخله مدخلي # وقال لا تقطعوا عترتي # فواصلهم لي كالموصلي # انتهى. # ولله القائل: # ومناقب شهد العدو بفضلها # والحق ما شهدت به الأعداء PageV20P361 وروى القاسم بن إبراهيم عليه السلام في كتاب الكامل عن أبي أحمد قال: حدثني ~~من أثق به عن الحكم بن ظهير عن أبيه وعبد الله بن جبير عن أبي الطفيل عن ~~زيد بن أرقم في حديث طويل في غدير خم قال -يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أيها الناس اسمعوا ما أقول لكم، أنا فرطكم على الحوض يوم ~~القيامة ألا فإني مستنقذ رجالا منكم ويختلج دوني آخرون فأقول يا رب أصحابي ~~أصحابي، فيقال: إنهم أحدثوا وغيروا بعدك، وإني سائلكم حين تردون علي عن ~~الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما، قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: ~~الأكبر منهما كتاب الله سبب ما بين السماء إلى الأرض طرف بيد الله تعالى ~~وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، والأصغر منهما عترتي أهل ~~بيتي فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا ~~تعلموا أهل بيتي فهم أعلم منكم، ولا تسبقوهم فتمرقوا ولا تقصروا عنهم ~~فتهلكوا، ولا تولوا غيرهم فتضلوا، أيها الناس أطيعوا قولي واحفظوا وصيتي ~~وأطيعوا عليا ms2426 فإنه أخي ووزيري وخليفتي على أمتي، فمن أطاعه فقد أطاعني ومن ~~خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف عليا -ثم أرسل يده فقال: يا علي ~~اكتب ما أوصيتهم به عليهم كتابا، فلما كتب وأشهد الله عليهم رسول الله ~~بإبلاغهم ذلك اليوم أخذ الكتاب فقال لهم بصوت عال: أيها الناس [239] هل ~~بلغت ما في هذا الكتاب؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشهد وكفى بك ~~شهيدا...)) الخبر إلى آخره. انتهى. # ثم عقب الآية بقوله تعالى: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون(56)} معنى من يتولى أي يكون وليا لله ولرسوله وللمؤمنين ~~بنصرة دين الله والإخلاص له أو يتولى الله بالقيام بطاعته وتولي الرسول ~~باتباعه في أمره ونهيه وتولي المؤمنين مولاتهم وناصرهم وحزب الله جند الله ~~وأنصار الله. PageV20P362 # قال في البلغة: والعائد إلى قوله: {ومن يتول الله} ما دل عليه الخبر فكأنه ~~قيل ومن يتول الله ورسوله وهذا المؤمن فهو غالب فجاء هذا الكلام في موضعه ~~وهذا العائد في موضع الجواب. # واعلم أنه تعالى لما نهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وساق الكلام في ~~تقريره أكده بالنهي العام عن موالاة جميع الكفار فقال عز وجل: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أولياء} يعني لا تتخذوا اليهود والنصارى أنصارا ~~وأولياء؛ لأنهم اتخذوا دينكم هزؤ وسخرية ولعبا وعبثا فوصفهم الله بالتلاعب ~~بالدين، قيل: ذكر ذلك ذما لهم وتحذيرا عن مثل حالهم، وقيل إغراء للمؤمنين ~~بعداوتهم والبراءة منهم؛ لأن الإيمان يأبى موالاة أعداء الدين والكفار هنا ~~عام لكل كافر، وقيل الكفار هاهنا مشركوا العرب خاصة، ومعنى أولياء بطانة ~~وأخلاء، وقيل أنصارا. # ثم قال تعالى: {واتقوا الله إن كنتم مؤمنين(57)} أي اتقوا الله في ~~موالاتهم بعد النهي عنه، وقيل اتقوا عذابه باتقاء معاصيه إن كنتم مؤمنين ~~بوعده ووعيده. # ثم بين تعالى من ذميم أفعالهم حثا على ما تقدم من النهي عن موالاتهم فقال ~~سبحانه: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا} ms2427 الضمير في اتخذوها ~~للصلاة والمناداة. # قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا ~~رسول الله، قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها ~~شرارة في [240] البيت وهو نائم فاحترق هو وأهله، وفيه دليل على ثبوت الأذان ~~بنص الكتاب لا بالمنام وحده. # وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي للصلاة وقام ~~المسلمون إليها فقال اليهود: قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا، على طريق ~~الاستهزاء، فنزلت الآية. PageV20P363 # وروي كانت اليهود تضاحكم إذا أذن للصلاة ويقولون صوت كصوت العير. # وقيل: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمسلمين على ذلك فدخلوا عليه وقالوا: لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما ~~مضى فإن كنت نبيا فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك فمن أين لك صياح ~~كصياح البعير، فأنزل الله تعالى هذه الآية فيهم. # ثم قال تعالى: {ذلك} أي الهزؤ واللعب {بأنهم قوم لا يعقلون(58)} لأن ~~فعلهم فعل الجهلة فكأنه لا عقل لهم وقيل لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إلى ~~الصلاة لو أجابوا إليها وما عليهم من الاستهزاء بها من العقاب. # وقيل: لا يعلمون الله جهلهم بربهم فعلوا ذلك. # ولما تقدم من ذكر اليهود والنصارى في عداوتهم للمسلمين أمر رسوله ~~بمحاجتهم فقال سبحانه: {قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا} أي القرآن {وما أنزل من قبل} من الكتب وقيل في وجه النظم ~~أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزؤا ولعبا قال لهم مالذي ~~تنقمون من هذا الدين وما الذي تجدون فيه مما يوجب اتخاذه هزؤا ولعبا، ومعنى ~~تنقمون تسخطون، وقيل تكرهون، وقيل تعيبون، وفوائد هذه الألفاظ متقاربة، ثم ~~قال: {وأن أكثركم فاسقون(59)} خارجون عن الدين أي مع أن أكثركم وتقديره ~~لقلة إنصافكم فإن أكثركم فاسقون. # فإن قيل: كيف تنقم اليهود من المسلمين لفسق أكثر اليهود؟ # في الجواب أقوال: قيل تقدير الآية هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وما ~~أنزل ms2428 إلينا وإن لم نتابعكم على فسقكم وهذا ليس مما ينقم. # وقيل: {وأن أكثركم فاسقون} تخصيص لهم بالفسق فنزل على سبيل التعريض أنهم ~~لم يتبعوهم على فسقهم فكان [241] المعنى وما تنقمون منا إلا أنا آمنا وما ~~فسقنا مثلكم. # وقيل: معناه بفسقكم نقمتم ذلك علينا. PageV20P364 # وقيل: إنما كانوا فاسقين بالخروج عن أمر الله طلبا للرياسة وحسدا على منزل ~~النبوة. # وقيل: كانوا فاسقين بركوب الأهواء. # وقيل: بالاستدعاء إلى غير طريق الحق. # ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمحاجة اليهود وإظهار ~~فضايحهم فقال عز وجل: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك} المنقوم علينا {مثوبة عند ~~الله} أي قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين من اليهود والكفار هل أخبركم بشر من ~~ذلكم مثوبة بشر جزاء مما تنقمون منا أي عقوبة وضعت مثوية موضع عقوبة تهكما ~~كقوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} وجيء بشر وإن كان لا شر في مثوبة الإيمان ~~ولا عقوبة عليه مجازا أيضا كقولهم العسل أحلى من الخل، ووجه التهكم أيضا. # ومعنى قوله: {من لعنه الله} أي أبعده عن رحمته ولا بد من مضاف أي من لعنه ~~الله أو مثوبة من لعنه الله أو شرا من أهل ذلك الدين المنقوم {وغضب عليه} ~~وغضبه إرادة العقوبة والاستخفاف به. # قال الصم: فضرب عليهم الذلة والمسكنة والجزية أينما كانوا من الروم وفارس ~~{وجعل منهم القردة والخنازير} يعني مسخهم قردة وخنازير. # قيل: القردة أصحاب السبت والخنازير كفار أهل مائدة عيسى عليه السلام. # وقال ابن عباس: المسخين في أصحاب السبت فشبابهم مسخوا قردة ومشايخهم ~~خنازير، {وعبد الطاغوت} يعني منهم من عبد الطاغوت واختلفوا فقيل الطاغوت هو ~~الشيطان عن الحسن والصم لأنهم أطاعوه طاعة المعبود. # وقيل: الطاغوت كل من دعا إلى عبادة غير الله من الفرا عنه. # وقيل: هو هاهنا العجل الذي عبدوه بنو إسرائيل؛ لأن الكلام في صفتهم. # وقال الهادي عليه السلام: فهؤلاء قوم من بني إسرائيل مسخوا حين عتوا ~~واجترؤا فجعلوا صور ما ذكر الله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله من ~~القردة والخنازير ms2429 فجعل الله لهم تحويله لصورهم وإحلاله لنقمه سبحامه بهم ~~على ما كان من فعلهم وما استوجبوا بجرمهم. PageV20P365 # وأما قوله: {وعبد الطاغوت} فإنما هو على التقديم والتأخير أراد سبحانه هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة [242] عند الله من لعنه الله وغضب عليه وعبد ~~الطاغوت فجعلها في اللفظ مؤخرة وهي في المعنى مقدمة وفعل الطاغوت فليس من ~~فعل الله؛ لأن الطاغوت هو ما أطغى من الفعل وافسد من العمل وخالف الحق وجنب ~~من الصدق. انتهى. # ثم قال: {أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل(60)} أي أولئك الذين لعنهم ~~الله وفعل بهم ما ذكره الله في الآية {شر مكانا} في الدنيا والآخرة ممن ~~نقمتم عليه من المؤمنين المستحقين بالمدح والثواب والكرامة، أما في الدنيا ~~فبالقتل والسبي وضربت عليهم الذلة والمسكنة وألزموا الجزية، وأما في الآخرة ~~فعذاب الأبد ونسبة الشر إلى المكان وهي لأهله فيه مبالغة ليس في قولك أولئك ~~شر وأضل لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز، ومعنى {وأضل عن سواء ~~السبيل} أي أبعد من طريق الحق والنجاة. # ثم وصف الله سبحانه المنافقين الذين كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ويظهرون له الإيمان نفاقا فأخبر الله عز وجل بشأنهم فقال: ~~{وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} أي يخرجون من ~~مجلسك كما دخلوا لم يعلق بقلبهم من التذكير بآيات الله. # قال الحاكم: يعني المنافقين الذين وصفهم الله في الآية المتقدمة، فنهى عن ~~موالاتهم إذا جاءوا إلى المؤمنين. # وقيل: هم كفرة أهل الكتاب المحرفين الكلم عن مواضعه ويكون منهم منافقون، ~~عن أبي مسلم. # وقيل: هم اليهود عن ابن زيد، قالوا آمنا أي قالوا لكم صدقنا بما جاء به ~~رسولكم رسول الله وتبعناه، فأخبر عز وجل أنهم مع هذا القول مقيمين على الكفر. PageV20P366 # وقيل: دخلوا به في أحوالهم وخرجوا به إلى أحوال أخر كقولك هو يتقلب في ~~الطعن ويتصرف فيه فأطلع الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم ~~والمؤمنين على سوء دخيلتهم لئلا يغتروا ms2430 بما يظهر لهم وهذه الآية تهدم قاعدة ~~أهل الجبر؛ لأنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي الدخول والخروج على سبيل ~~الذم وبلغ بالغ في تقرير تلك الإضافة بقوله: {وهم قد خرجوا به} فدل على أنه ~~من العبد لا من الله تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ومعارضتهم لهذا ~~بالعلم والداعي والراجح من الفعل والمرجوح لا معنى لها أيضا؛ لأن [243] ~~العبد متمكن من الفعل وتركه سواء كان راجحا أو مرجوحا وذلك معلوم ضرورة عند ~~كل عاقل. # ثم قال تعالى: {والله أعلم بما كانوا يكتمون(61)} أي هو أعلم بنفاقهم وما ~~تنطوي عليه صدورهم وضمائرهم، وقيل يكتمون الدلالات في الكتب على صدقه ~~والبشارة به. # ثم بين تعالى أنهم مع نفاقهم يضمون إليه خصالا مذمومة فقال سبحانه: {وترى ~~كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون(62)} أي ترى يا محمد كثيرا منهم، قيل المراد بالكثير الرؤساء وعلماء ~~السوء {يسارعون في الإثم} وهو الحرام الذي يعود عليهم وباله ويسارعون في ~~ظلم الناس في أكل الرشوة التي يأخذونها وتبديل الأحكام، ومعنى يسارعون ~~يبادرون يعني يقدمون على هذه الخصال كمن لا يبالي وإنما قال: {يسارعون} ولم ~~يقل يعجلون وإن كانت العجلة أدل على الذم لوجهين: # أحدهما أنهم يبادرون إليه كالمبادر إلى الحق فأفاد يسارعون أنهم يعملونه ~~كأنه محقون فيه. # والثاني لإزالة الإيهام بأن الذم من جهة العجلة إذ الذم لأجل الإثم ~~والعدوان، قيل: العدوان الظلم، وقيل مجاوزتهم حدود الله وتعديهم إياها، ~~وبين أنما يعملونه بئس العمل وما في بئس قيل هي نكرة موصوفة كأنه قيل لبئس ~~شيئا كانوا يعملون. PageV20P367 # ثم قال تعالى: {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم ~~السحت} معنى لولا هلا والربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء اليهود، ~~وقيل كلهم علماء اليهود لاتصال الكلام بذكرهم، وقيل: الربانيون الزهاد منهم ~~والأحبار العلماء وهذا إنكار على علماء اليهود لتركهم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، {قولهم الإثم وأكلهم السحت} الرشوة على تبديل الأحكام ~~{لبئس ما كانوا يصنعون(63)} هذا على وجه الذم والتوبيخ وذلك يدل ms2431 على أن ~~تارك النهي عن المنكر يمنزلة من يأتيه لأنه ذم الفريقين في هذه الآية على ~~لفظ واحد بل يقول ذم تارك النهي عن المنكر أقوى من المرتكبين للمنكر لقوله ~~فيهم: {يصنعون} وفي المرتكبين: {يعملون} لأن العامل لا يسمى صانعا ولا كل ~~عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب وكان المعنى [244] في ذلك أن المواقع ~~للمعصية معه شهوة تدعوه إليها وأما الناهي فلا شهوة معه في فعل غيره فكان ~~تفريطه في الإنكار أشد وفي هذه الآية أشد تشديد على العلماء في توانيهم عن ~~إنكار المنكر. # ابن عباس هي أشد آية في القرآن. # الضحاك ما في القرآن أخوف منها. # ثم ذكر تعالى من أقاويلهم الفاسدة ومذاهبهم الباطلة فقال: {وقالت اليهود ~~يد الله مغلولة} قيل: إن القائل واحد غير أن الآخرين رضوا بقوله ولم ينهوه ~~فأشركهم فيها حكى الله تعالى ذلك عن اليهود وأرادوا بهذا القول أن يد اله ~~مقبوضة عن العطاء وقالوا ذلك على سبيل الوصف لله تعالى بالبخل جل الله عنه ~~وهو كقوله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك} بمعنى لا تمسكها عن العطاء. PageV20P368 # وقيل: أرادوا أن يد الله مقبوضة عن عذابنا وكلا القولين كفر واليد في اللغة ~~على وجوه: يد الجارحة، ويد النعمة كما يقال: لفلان عندي يد؛ أي نعمة، ويد ~~القوة ومنه قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} ويد الملك كما يقال: الدار في ~~يده، وقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} أي يملك ذلك. # والخامس تحقيق إضافة الفعل كقوله تعالى: {لما خلقت بيدي} أي توليت خلقه. # ثم قال عز وجل: {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا} ذكر هذا اللفظ على مزواجه ~~الكلام الأول ومعناه الزموا البخل فهو دعاء عليهم بالبخل فلذلك هم أبخل ~~الناس؛ لأن الكلام الذي خرج من جهتهم وهو قولهم: {يد الله مغلولة} كان على ~~وجه الذم بالبخل. # وقال بعض المفسرين: هو على حقيقة الغل ومعناه غلت أيديهم في نار جهنم ~~جزاء على ما قالوه، ذكره في البلغة، ms2432 ومعنى {لعنوا} بعدوا من الرحمة، وقيل: ~~عذبوا {بما قالوا} أي جزاء على مقالتهم وغل اليد وبسطها مجاز على البخل ~~والجود. # ثم قال تعالى: {بل يداه مبسوطتان} أي نعمتاه مبسوطتان واليد النعمة ~~هاهنا، وإنما قال يداه على التثنية لأن غاية السخاء الإعطاء بجميع اليدين ~~فبنا ذلك على المجاز. # وقيل: المراد به نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. # وقيل: نعمة الدنيا ونعمة الدين ونعمة التحويل ونعمة التكليف. # وقيل: ذكر بلفظ التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقول العرب: لبيك، معناه ~~إقامة على طاعتك بعد إقامة [245] وكذلك سعديك معناه مساعدة بعد مساعدة وليس ~~المراد طاعتين ولا مساعدتين، قال الأعشى: # يداك يد مجد وكف مقيد # وكف إذا ما ظن بالزاد تنفق # فكذلك المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى أنها مقبوضة ~~ممتنعة وكان الله قد بسط عليهم الرزق فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم ضيق عليهم فحينئذ قال فنخاص عليهم ذلك ورضي الآخرون فشوركوا فيه. PageV20P369 # وقوله: {ينفق كيف يشاء} يدل على هذا التأويل وهو تأكيد للوصف بالسخاء ~~ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة وبحسب ما يعلم من مصالح ~~عباده، ثم قال: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} ~~يعني بحسدهم إياه وعنادهم له، والمراد بالكثير علماء اليهود يعني ازدادوا ~~عند نزول ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج مجاوزة في الكفر وكفرا ~~بإنكارهم وذلك كما يقال ما زدتك بموعظتي إلا شرا، والقرآن الكريم لا يزيد ~~الكفر إلا أنهم لما ازدادوا الكفر عند نزول الوحي صح وحسن إضافة الكفر إلى ~~القرآن، ثم قال تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ~~قيل في اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب ~~الجاه والمال والسيادة، ثم إنه تعالى بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة ~~حرمهم سعادة الدنيا؛ لأن كل فريق منهم مصر على مذهبه ومقالته يبالغ في ~~نصرته ms2433 ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات تعظيما لنفسه وترويحا ~~لمذهبه فصار سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم وانتهى الأمر ~~إلى أن بعضهم يكفر بعضا ويغزوا بعضهم بعضا وفي {ألقينا بينهم العداوة ~~والبغضاء} قولان: # أحدهما المراد منه ما بين اليهود والنصارى وهو قول الحسن ومجاهد. # والثاني المراد وقوع العداوة بين فرق اليهود فإن بعضهم جبرية وبعضهم ~~قدرية و[246]بعضهم موحدة وبعضهم مشبهة. PageV20P370 # وقيل: لما بين العامة منهم والربانية وغيرهما من طوائف اليهود وكذلك بين ~~فرق النصارى كالملكانية والنسطورية واليعقوبية {وألقينا بينهم} بأن يخطر ~~ببالهم ما تتجدد عنده العداوة، وقيل: ألقى بأن عرف كل واحد كفر صاحبه فعادى ~~بعضهم بعضا وعرف النصارى مذهب اليهود في المسيح وعرف اليهود مذهب النصارى ~~المسيح. # وقيل: كان الإلقاء بوضع البغضاء عقابا على الاختلاف بالباطل. # فإن قيل: فهذا المعنى حاصل بين فرق المسلمين فكيف يمكن جعله عيبا على ~~اليهود والنصارى؟ # قال بعضهم: والجواب هذا إنما حدث بعد عصي الصحابة والتابعين، وأما في ذلك ~~الزمان فلم يكن شيء من ذلك حاصلا فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ذلك ~~عيبا على اليهود والنصارى. # ثم قال تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} وهذا شرح نوع آخر من ~~أنواع المحن لليهود كلما أوقدوا نارا لحرب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأصحابه أي جمعوا لذلك واستعدوا أطفأها الله بنصر نبيه وكسر شوكتهم. # وقيل: هو عام وقد أذلهم الله تعالى بذلك حتى لا يكون لهم راية ولا غلبة ~~ولا يكون لهم ذلك قط فإنهم ما حاربوا أحد إلا قهروا بمخالفتهم التوراة حتى ~~سلط عليهم بخت نصر ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ثم أفسدوا فسلط عليهم ~~المسلمين لا تلقاهم ببلدة إلا وجدتهم أذل الناس. # ثم قال تعالى: {ويسعون في الأرض فسادا} أي ليس يحصل في أيديهم شيء من ~~القوة والمنعة إلا أنهم يسعون في الأرض بالفساد بأن يخدعوا ضعيفا ويستخرجوا ~~نوعا من المكر والكيد على سبيل الخفية. # وقيل: فسادهم بما يظهر منهم من الكفر والظلم وكيد الإسلام ومحاربة ms2434 النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومسخ ذكره من كتبهم. # ثم قال سبحانه: {والله لا يحب المفسدين(64)} أي لا يريد إكرامهم وثوابهم ~~ولا يرضى بأفعالهم. PageV20P371 # واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم أخبر أنهم لو آمنوا ~~لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا فقال سبحانه: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا ~~واتقوا} قرنوا إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم [247] بالتقوى التي ~~يحصل بها الفوز {لكفرنا عنهم سيئاتهم} على كثرة ما عددنا منها {ولادخلناهم ~~جنات النعيم(65)} والمعنى لو أن أهل الكتاب صدقوا بمحمد وما جاء به واتقوا ~~الكفر والمعاصي لكفرنا عنهم سيئاتهم أي سترنا كفرهم الذي وقع منهم إذ أمنهم ~~بأن يغفر ذلك لهم فلا يأخذهم به ويستر سيئاتهم بالحسنات وهي التوبة ~~والإيمان {ولادخلناهم جنات النعيم} أي سندخلهم وإنما جاء بلفظ الماضي لأنه ~~مقرر كتقرير الماضي. # قال في البلغة: والتكفير تغطية السيئة بالحسنة حتى يصير بمنزلة ما لم ~~يعمل في دفع اللائمة بها والعقوبة عليها وتكفير السيئة قواب كما إن إحباط ~~الحسنة عقاب. # ثم قال تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل} أي أحكامها وما فيهما ~~من نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {وما أنزل إليهم من ربهم} القرآن ~~وقيل كتب الأنبياء {لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} أي يفيض عليهم بركات ~~السماء بالمطر والأرض بالثمر وكانوا قد قحطوا. # واعلم أنه لما بين تعالى في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادة ~~الآخرة بين في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا سعادات الدنيا ووجدوا ~~طيباتها وخيراتها، ومعناه لو عملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن على ~~الاستقامة دون التحريف والتبديل لأكلوا. # وقيل: هذا الكلام جواب لما حكاه الله عنهم من التخيل الذي عنوا بقولهم يد ~~الله مغلولة، وكأنه قيل لو آمن هؤلاء واتقوا لوسع عليهم الرزق وعلموا أن ~~المنع ليس البخل. PageV20P372 # قال المرتضى عليه السلام: أراد عز وجل أن أهل التوراة والإنجيل لو أقاموا ~~ما أنزل إليهم من ربهم لدرت أرزاقهم وكثرت نعمهم وأكلوا كما قال: {من فوقهم ~~ومن تحت ms2435 أرجلهم} ولأنزل الله عليهم من السماء البركات ومن الأرض النعم ~~السابغات كما قال عز وجل: {وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا} ~~وقال: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض} فلما أن كانت البركات تأتي من السماء والأرض قال: {من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم} فكا هذا دليلا وشاهدا على كفر أهل الكتاب وتحريفهم للتوراة ~~والإنجيل وتركهم ما فيهما من أوامر الله ونهيه. # وفي مثل ما ذكرت في الآية ما يروى عن [248] عيسى بن مريم صلوات الله عليه ~~أنه قال: (بحق أقول لكم يا بني إسرائيل أن لو اتقيتم الله حق تقاته لأكلتم ~~من فوقكم ومن تحت أرجلكم وعن أيمانكم وشمايلكم، فإن قلتم كيف ذلك فانظروا ~~إلى الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا، فإن قلتم نحن أكبر أجوافا فانظر إلى ~~بقر الوحش والضبا والسباع تغدوا خماصا وتروح بطانا لا تحرث ولا تزرع الله ~~يرزقها وإياكم). # وفي كتاب الله عز وجل الشاهد لذلك قوله سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب}. انتهى. # والمراد التوسعة على طريقة قولهم هو في الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه ~~الخير من كل وجه يلتمسه ويطلبه وقد جعل الله التقوى أحد أسباب الرزق كما ~~ذكره المرتضى عليه السلام في الثلاث الآيات ونظايرها كثيرة في القرآن. PageV20P373 # ثم قال تعالى: {منهم أمة مقتصدة} على أمر الله عز وجل عادلة لأن الاقتصاد ~~في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير وأصله القصد وذلك لأن من ~~عرف مطلوبه فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا ~~اضطراب أما من لا يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرا تارة يذهب يمينا وأخرى ~~يسارا فلهذا السبب يجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومعنى ~~أمة أي منهم جماعة عملهم على هذا الحد وهو مدح لهم وفيها قولان: # أحدهما المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد اله بن سلام وغيره من ~~اليهود وسلمان والنجاشي من النصارى فهم على ms2436 القصد من دينهم وعلى المنهج ~~المستقيم ولم يميلوا إلى طرفي الإفراط والتفريط. # والثاني المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذي يكونون عدولا في دينهم ~~ولا يكون فيهم عناد شديد ولا فرط تحامل كما قال: {ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك}. # ثم قال تعالى: {وكثير منهم ساء ما يعملون(66)} فيه معنى التعجب كأنه قيل ~~ما أسوأ أعمالهم عن ابن عباس {وكثير منهم} من اليهود والنصارى نحو كعب بن ~~الشرف وأمثاله، وقيل: هم الذين قاموا على الكفر وسخطوا قسم الله من الذين ~~لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ ما أنزله عليه ~~وتوعده على تركه [249] فقال سبحانه: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك} أي جميعه غير خائف أحدا {وإن لم تفعل} تبلغ كما أمرك {فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس}. PageV20P374 # وفي نزول هذه الآية الكريمة ما رواه الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما كان في حجة الوداع خطب الناس خطبة ~~الوداع وأعلم الناس باقتراب أجله فقالوا: من تخلف فينا يا رسول الله؟ قال: ~~((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، ~~ولم يبين لهم في الحال أنه علي عليه السلام مخافة عليه، ثم تقدم راجعا إلى ~~المدينة فلما كان يغدير خم نزل عليه قول الله عز من قايل: {ياأيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك...}الآية إلى آخرها، فقام بلال فقم ما تحت الدوحة ~~ثم أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليهما السلام فشالهما حتى ~~رئي بياض اباطيهما ثم قال: ((أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله، فقالها ثلاثا ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: فمن كنت ~~مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من ms2437 عاداه، وانصر من نصره، ~~واخذل من خذله)) فسمع الناس ذلك منه ووعوه وحفظوه ورووه. # وقيل: إن جماعة من الأنصار قالوا لحسان بن ثابت قيد لنا هذا الكلام ~~بأبيات من الشعر لنحفظه فقال في ذلك: # يناديهم يوم الغدير نبيهم # بخم وأسمع بالنبي مناديا # يقول فمن مولاكم ونبيكم # فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا # إلهك مولانا وأنت نبينا # ولن تجدن منا لأمرك عاصيا # فحينئذ نادى عليا وشاله # بيمناه حتى صار للناس باديا # فقال له قم يا علي فإنني # رضيتك من بعدي إماما وهاديا # فمن كنت مولاه فهذا وليه # فكونوا له أنصار صدق مواليا # ثم نسوا ذلك وأغفلوه وأعرضوا عنه وأهملوه. انتهى. PageV20P375 # قال في البرهان: أوجب الله سبحانه على رسوله بهذه الآية بتبليغ ما أنزل ~~عليه من كتابه في هذا الحكم وهذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام في منصرف [250] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع ~~بغدير خم أمر أن يأخذ على الناس العهد لأمير المؤمنين عليه السلام ففعل ~~ونصب أقتابا للإبل فطلع عليها آخذا بيد أمير المؤمنين ثم قال: ((ألست أولى ~~بكم من أنفسكم قالوا بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)) {وإن لم ~~تفعل} يعني إن كتمت إظهار ولايته { فما بلغت} حق {رسالته} فيما كلفك وذلك ~~لما علم الله سبحانه وتعالى من رسوله أن إظهار ولايته تشق على كثير ممن كان ~~معه لما كانوا قد أظهروه من النفاق وصرف هذا الأمر بعده عن أهل بيته فلذلك ~~شدد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون الحجة على المنافقين أبلغ. # قوله: {والله يعصمك من الناس} أي من المنافقين الذين تعلم منهم قلة ~~الطاعة لك فيما تأمرهم به وتدعوهم إليه. انتهى. # قلت: ومثل هذا ذكر الهادي إلى الحق وسائر أئمة أهل البيت عليهم السلام ~~ورواه الحاكم في التهذيب عن ابن عباس والبراء بن عازب وغيرهما فأمن الله ~~تعالى بذلك رسوله صلوات ms2438 الله عليه وآله وسلامه مما كان يخافه بأن يكفيه ~~شرهم وضررهم. # وعن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرس حتى نزل: {والله ~~يعصمك من الناس} فقال: ((انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله)). # قال في البلغة: ودلت الآية على وجوه كثيرة: # أحدها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان توقف في تبليغ شيء أنزل ~~الله خوفا من الناس وهذا يقتضي أن ما توقف فيه لم يكن مما عين عليه وقت ~~تبليغه؛ لأنه لو عين وقته لما ساغ له التوقف وكان عاصيا وحاشاه عن ذلك. PageV20P376 # والوجه الثاني: أن توقفه كان لأجل الخوف من الناس حتى أمنه من ذلك. # والثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاز أن يخاف الناس فتوقف ~~في تبليغ بعض الرسالة وهو صاحب الوحي ويكون معذورا فمن دون النبي أولى بأن ~~يخاف ويحذر فيما ليس بوحي إلى أن يأمن. # وروي أن سبب نزول هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [251] ~~كان يهاب قريشا ومن واطاهم على طريقتهم في إظهار ولاية أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام؛ لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية وأنزل الله الآية فخرج رسول ~~الله صلوات الله عليه وآله وسلم وهو يقول تهديد بعد وعيد: ((لأن يتهموني ~~أحب إلي من أن يعذبني الله بنار جهنم)) وكان علي عليه السلام يقطر سيفه دما ~~من قتل آبائهم وأعمامهم وإخوانهم وأولادهم وعشيرتهم لله وفي الله وكانوا ~~حقدوا عليه حمية الجاهلية فكان توقفه لذلك، فلما نزلت الآية لم يلبث حتى ~~أمر أن ينادي الصلاة وقام خطيبا بغدير خم آخذا بعضد علي عليه السلام وجعل ~~أول كلامه تلاوة الآية والقصة مشهورة. انتهى. # ثم قال عز وجل: {إن الله لا يهدي القوم الكافرين(67)} قيل معنى الهداية ~~التوفيق والمعونة يعني لا يعنهم ولا يؤيدهم بالألطاف، وقيل لا يهديهم إلى ~~الثواب والجنة لأجل كفرهم. # قوله تعالى: {قل ياأهل الكتاب لستم على شيء} يعتد به في الدين {حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} أي قل ms2439 يا أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى لستم على شيء من الدين ولا في أيديكم شيء من الحق والصواب ~~ولا مما وعد الله المؤمنين به من الثواب حتى تعملوا بما في التوراة ~~والإنجيل والقرآن وقد مر بيان ذلك في الآية الأولى، وقيل: إقامة التوراة ~~والإنجيل بالتصديق بما فيها من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~والعمل بما أوجب الله عليهم العمل فيهما، وقيل يجوز أن يكون قبل النسخ ~~للتوراة والإنجيل. PageV20P377 # قال في البلغة: ثم قال سبحانه: {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا} لشدة حسدهم وكراهيتهم نزول الوحي على غيرهم وما أنزل الله هو ~~القرآن والقرآن لا يزيد الكفر والطغيان إلا أنهم لما زادوا الكفر عند نزول ~~القرآن حسن إضافة ذلك إليه توسعا ومجازا، ومعنى {فلا تأس على القوم ~~الكافرين(68)} أي لا تأسف وتحزن عليهم بسبب زيادة باطلهم وكفرهم وهذا تسلية ~~[252] للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عما كان بداخله من الغم لأجل كفرهم، ~~ثم قال تعالى: {إن الذين آمنوا} بألسنتهم وهم المنافقون ويجوز أن يراد بهم ~~المؤمنون بألسنتهم وقلوبهم ويكون قوله: {من آمن} أي من لبث على إيمانه ولم ~~يخالجه ريبة فيه، ومعنى {والذين هادوا} أي دخلوا في دين اليهودية ~~{والصابئون والنصارى من آمن بالله} من هؤلاء المذكورين {واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون(69)} أي لا يلحقهم خوف ولا حزن يوم ~~القيامة والصابئون قوم عبدوا الملائكة من صبا إذا خرج عن الدين وهم خرجوا ~~إلى اتباع الهوى وطرحوا أدلة العقل والسمع والصابئون رفع على الابتداء ~~وخبره محذوف والنية به التأخير عما في خبر إن من خبرها كأنه قيل إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهدا له: # ألا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # فمن يك أمسى في المدينة رحله # فإني وقيار بها لغريب # أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم بغاة، وقال أيضا أي فإني لغريب بها وقيار كذلك. PageV20P378 # واعلم أنه لما بين تعالى أنهم ليسوا على شيء ms2440 حتىيقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليهم بين المنزل وما أخذ عليهم من الميثاق وأنهم قبلوا ثم خالفوا ~~فقال: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول ~~بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون(70)} وقيل في وجه النظم: لما ~~بين أنهم ليسوا على شيء حتى يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أنه ~~أخذ عليهم الميثاق بذلك وقصدهم بالحطاب والمقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة ~~تمردهم عن الوفاء بعهد الله تعالى، ومعنى {لقد أخذنا ميثاق} أي أخذنا عهدهم ~~والميثاق العهد المؤكد باليمين واختلفوا في ذلك فقيل هو ما أخذ عليهم ~~أنبياؤهم في الإيمان بمحمد صلوات الله عليه وآله وسلم، وقيل هو [253] ما ~~أخذ عليهم في إخلاص التوحيد والعمل بما أمروا والانتهاء عما نهى عنه ولا ~~تنافي بينهما فيحمل على الجميع وبني إسرائيل أولاد يعقوب وإنما احتج على ~~هؤلاء المخاطبين بذكر الميثاق لأنهم عرفوا ذلك في كتبهم واعترفوا بصحته ~~والحجة لازمة عليهم ويلزم المذمة بالمخالفة كما لزم آباءهم. PageV20P379 # وقيل: المراد به اليهود والنصارى وما أمروا به في الكتابين وأرسلنا إليهم ~~رسلا ليوقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم، وقوله: {كلما جاءهم رسول} ~~جملة شرطية وقعت صفة لرسلا والراجع محذوف أي رسل منهم وجواب الشرط محذوف دل ~~عليه قوله: {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ~~ناصبوه، وقوله وفريقا كذبوا جواب مستأنف لقايل كيف فعلوا برسلهم، ومعنى ~~{بما لا تهوى أنفسهم} من شأن التكليف هوى النفس مقصور والهوى الجو ممدود ~~وهما يشتركان في معنى الاسم لأن النفس تستمتع بهواها كما يستمتع بهو الجو ~~وعطف قوله: {تقتلون} وهو مستقبل على قوله: {كذبوا} وهو ماض ليدل بذلك على ~~ما حكاه عنهم من صفتهم وشأنهم من حكاية الحال الماضية اسفظاعا للقتل ~~واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجيب منها. # قيل: قتلوا السهود والذين كذبوا اليهود والنصارى. # قال الحاكم: ومتى قيل كيف يجوز القتل على الأنبياء؟ قال: يجوز بعد ~~التبليغ كما جاز موتهم عن أبي علي وجماعة. # وقيل: الرسل على ms2441 نوعين أصحاب شرائع فلا يجوز أن يقتلوا كنوح وإبراهيم ~~وموسى وأشباههم عليهم السلام ومنهم رسل يعلمونهم ما ضيعوا ويأمرونهم ~~بالمعروف وينهوهم عن المنكر فيجوز أن يقتلوا عن الأصم. # قال: والأول أصحى، ومتى قيل فلم عصم نبينا ولم يعصمهم، فجوابنا قيل لبقاء ~~المصلحة وتعلقها به وقيل لأن العرب كانت أهل لسان وبيان يعدون ذلك من ~~مفاخرهم وكانوا أهل حرب وسنان ف... عادتهم بالوجهين بالقرآن والعصمة. انتهى. # ثم قال تعالى: {وحسبوا} أي بنو إسرائيل {ألا تكون فتنة} لا يصيبهم بلاء ~~وعذاب في الدنيا والآخرة إذا فعلوا ما حكاه الله عنهم، ثم قال على وجه ~~التوبيخ لهم {فعموا وصموا} عموا [254] عن الدين وصموا عبدوا العجل. PageV20P380 # قال الحاكم: يعني عموا وصموا عن الحق تشبيها بالأصم والأعمى الذي لا يهتدي ~~إلى منافعه، وقيل: تركوا التدبر في الحجج عن أبي مسلم، وقيل: تجروا على قتل ~~الأنبياء وعموا عن النظر في دلايلهم فصموا عن استماع الحق منهم. # وقيل: تحيروا في المسيح فقالت اليهود: كذاب، وقالت النصارى: إله، فمن ~~المتحير فيه كأنهم أصم وأعمى لا يبصر ولا يسمع. # وقيل: تحيروا في دينهم فجعل الله لهم نورا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعموا عنه وصموا وكذبوه، ثم أخبر تعالى أنهم لما تابوا عما فعلوا قبل الله ~~توبتهم فقال: {ثم تاب الله عليهم} أي بعد رجوعهم عما كانوا عليه من التكذيب ~~والقتل بمعاينة العذاب والعقاب {ثم عموا وصموا} أي عادوا بعد التوبة إلى ما ~~كانوا عليه قبلها والعود إنما كان من أكثرهم لا من جميعهم، والمراد كفروا ~~بعد الإيمان وطلبهم رؤية الله جهرة وقيل رفع الله عليهم البلاء فعادوا كما كانوا. # أما قوله: {كثير منهم} فقيل أراد من كان في عصر نبيئنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقيل: كثير منهم في كل وقت، ثم قال: {والله بصير بما يعملون(71)} ~~أي عليم بأعمالهم فيجازيهم بها وفيه وعيد لهم. # واعلم أنه تعالى لما استقصى في الكلام مع اليهود شرع بعده في الكلام مع ~~النصارى فقال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ms2442 هو المسيح ابن مريم}. # قال في البلغة: هذا قول النصارى وجمهورهم على ثلاث فرق الملكية ~~والنسطورية واليعقوبية وكلهم يقولون بإلاهية عيسى عليه السلام ويختلفون في ~~العبادة على ذلك والذي ذكره الله في الآية قول اليعقوبية لأنهم يقولون الأب ~~والابن وروح القدس إله واحد ومع ذلك هم مثلثة مع اختلاف عباراتهم. انتهى. # قال الرازي: لأن اليعقوبية يقولون إن مريم ولدت إلها ولعل معنى هذا ~~المذهب أنهم يقولون إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى عليه ~~السلام. PageV20P381 # ثم حكى تعالى عن عيسى أنه قال: {وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم} أي خالقي وخالقكم وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول ~~النصارى [255] وذلك لأنه عليه السلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره في أن ~~دلائل الحدوث ظاهرة عليه، ثم قال: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة} وهو تحريم منع لا تحريم تعبد {ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار(72)} لأنهم ظلموا فيما يقولون على عيسى وهذا قول الله ويحتمل أن يكون ~~من قول عيسى صلوات الله عليه. # قال في البلغة: هذا حكاية إنكار المسيح عليه السلام على القوم قولهم ~~وفعلهم فإنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن الشرك به وبين لهم أن العبادة لا ~~يستحقها إلا الله فإن من أشرك به كانت الجنة محرمة عليه وبين أن الظالمين ~~لا ناصر لهم ينجيهم من عذاب الله فدل ذلك على بطلان قول من قال إن للظالمين ~~شفعاء تشفع لهم. # ثم قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} معناه أحد ثلاثة ~~الله والمسيح وأمه، قيل: هؤلاء صنف آخر، عن أبي مسلم. # وقيل: هم جمهور الفرق من الملكية والنسطورية واليعقوبية لأنهم يقولون ~~ثلاثة أقانيم جوهر واحد أب وابن وروح القدس إله واحد ولا يقولون ثلاثة آلهة ~~وهو معنى مذهبهم ذكره الحاكم. PageV20P382 # وقال في البلغة: بين الله تعالى بأن من قال بأن القدماء ثلاثة فقد كفر أنه ~~قال بآلهة ثلاثة فدخل في غاية ذلك جمهور النصارى ms2443 ومن سلك منهاجهم لأنهم ~~كلهم مثلثة وإن اختلفت عباراتهم لأن معنى قولهم في الأب والابن وروح القدس ~~أن الأب إله والابن إله وروح القدس إله فمنهم من قال إن الابن ليس هو الأب ~~ومنهم من قال ليس هو هو ولا غيره ومنهم من قال إن الله تعالى جوهر واحد ~~أقانيم ثلاثة وعنوا بذلك أن الله قديم وله صفتان قديمتان وتفسيره أنه حي ~~بحياة قديمة ومتكلم بكلام قديم قالوا لا نقول إن الكلام هو الله ولا هو ~~غيره بل نقول إن الله واحد بهاتين الصفتين وأرادوا به الكلام والحياة ~~فكفرهم الله بذلك والصفاتية سلكوا هذه الطريقة بعينها لأن الأشعري يقول إن ~~الله واحد بجميع صفاته وإرادته أنه قديم وقادرة بقدرة [256] قديمة وعالم ~~بعلم قديم وحي بحياة قديمة وهذه المعاني ليست هي الله ولا هي غيره، ثم قالت ~~النصارى بالاتحاد وهو أن عيسى اتحد بالله واختلفوا في معنى الاتحاد فمنهم ~~من قال إن ذات الله وذات المسيح صارت شيئا واحدا ومنهم من قال إن مشيئتهما ~~صارت شيئا واحدا ومعنى ثالث ثلاثة في زعمهم أن الواحد ثلاثة على التفسير ~~الذي فسرته. # وقوله عز وجل: {وما من إله إلا إله واحد} تكذيب لهم ورد عليهم قولهم ~~وبيان أن الله واحد. انتهى. # وفي من قولان: # أحدهما أنه صلة زايدة والتقدير ما إله إلا إله واحد. # والثاني أنها تفيد معنى الاستغراق والتقدير وما في الوجود من هذه الحقيقة ~~إلا فرد واحد. # ثم قال: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم(73)} أي نوع من العذاب شديد الألم أخبر الله تعالى أن من لم ينته منهم ~~عما قال واعتقد فإن العذاب لازم له وهو دلالة على أن الوعيد يعم الفريقين ~~جميعا الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم والذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. PageV20P383 # وقيل المراد أن من أقام منهم على هذا لزمه هذا الوعيد، وقوله: {الذين ~~كفروا} .... إقامة الظاهر موضع الضمير للتسجيل والتشنيع عليهم بالكفر ومن ~~في منهم للبيان كقوله: {فاجتنبوا الرجس ms2444 من الأوثان}. # ثم قال سبحانه: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم(74)} ~~الألف من قوله: {أفلا يتوبون إلى الله} ألف إنكار وتوبيخ وإن كانت في صورة ~~الاستفهام فوبخهم الله تعالى على ترك التوبة ودعاهم إلى التوبة التي فيها ~~نجاتهم بقوله: {والله غفور} كثيرة المغفرة {رحيم} كثير الرحمة. # وقال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام كقوله: {فهل أنتم منتهون} في آية ~~تحريم الخمر. PageV20P384 # ولما تقدم ذكر مقالات النصارى عقبه بالرد عليهم والاحتجاج على جميعهم فقال ~~سبحانه: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} يعني لم يكن ~~المسيح وإن أتاكم بالأعاجيب [257] من الآيات والمعجزات إلا كسائر الأنبياء ~~قيل: وكما أنهم لم يكونوا إلها كذلك عيسى أحيى الموتى وموسى ألقا العصا ~~فصارت حية وإبراهيم ألقي في النار ولم يحترق وإن خلق عيسى من غير ذكر فقد ~~خلق آدم من غير ذكر وأنثى فهو من جنسهم والجميع سواء في الإعجاز فكما لم ~~يجز ادعاء الإلهية لأولئك الرسل عليهم السلام فكذلك المسيح {وأمه صديقة} من ~~جنس النساء المصدقات للأنبياء فيهما لبشرين نبي وصحابي فمن أين اشتبه عليكم ~~أمرهما {كانا يأكلان الطعام} ومن احتاج إلى الغذاء فهو جسم مؤلف كسائر ~~الأجسام التي تحتاج إلى الغذاء ويخرج منها الأذى وكني عن الأذى بالطعام ~~لأنه يعود أذا فبين بذلك حاجتهما إلى الطعام ليدل بذلك على أنه من كان إلها ~~كان مستغنيا عن الطعام لأن من أكل الطعام كان محتاجا ذا لذة وشهوة يجوز ~~عليه النفع والضر ومن كان بهذه الصفة كان محدثا محتاجا غير مستحق للعبادة ~~والمستحق لها هو القديم الغني القادر على أصول النعم التي من فعلها استحق ~~العبادة. # وقال في البرهان: هذا رد على اليهود والنصارى في قولهم ابن الله وأمه ~~صديقة رد على اليهود في نسبتها إلى الفاحشة والصديقة المبالغة في صدقها ~~ونفي الفاحشة عنها. PageV20P385 # ثم قال تعالى: {انظر كيف نبين لهم الآيات} أي نوضح لهم حجج التوحيد النيرات ~~والأدلة الدالة على بطلان قولهم {ثم انظر أنى يؤفكون(75)} أي يصرفون عن ms2445 ~~الحق ومعنى ثم التفاوت بين العجبين البيان عجب وإعراضهم أعجب وهو تعجيب ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين من مقابلتهم نعم الله بالكفر ~~وتلقيهم آياتهم بالرد وإعراضهم عن الحق بعد البيان والبرهان وهو معنى ~~يؤفكون يقال أفكت الشيء إذا صرفته، ويقال أفكت الأرض أي صرفت عنها المطر ~~ويحتمل أن يكون بمعنى يقلبون ومنه سميت المؤتفكات أي المنقلبات ويجوز أن ~~يكون من الإفك وهو الكذب أي أنى يكذبون، ثم زاد في الاحتجاج فقال سبحانه: ~~{قل} يا محمد {أتعبدون من دون الله} أي سوى الله {ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا} [258] وهذا أيضا إنكار وتوبيخ ومعناه كيف يجوز عبادة من لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا للعابد له والمسيح وغير المسيح في ذلك سواء لأنه لا يملك الضر ~~والنفع والتمكين منه إلا الله عز وجل لأن المستحق للعبادة إنما هو القادر ~~على أصول النعم من النفع والضر كالخلق والإحياء والرزق ونحو ذلك وغير الله ~~لا يقدر فلا يستحق غيره العبادة واستدعا العباد إلى التوبة بقوله: {والله ~~هو السميع العليم(76)} سميع لأقوالهم عليم بسرائرهم. # وقيل: ذلك تحذير لأنه يسمع أقوالهم ويعلم إسرارهم فيجازيهم عليها ولا ~~تخفى عليه خافية فهو تهديد، ثم دعاهم إلى الحق وترك الغلو فقال سبحانه: {قل ~~ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} غلوا {غير الحق} الغلو مجاوزة الحد والحق ~~هو الفحص عن حقايقه ودقائق معانيه والباطل اتباع الشبه والإعراض عن الأدلة ~~الواضحة. # قال بعض العلماء: هذا الخطاب للنصارى خاصة لأنهم غلوا في المسيح عليه ~~السلام بادعائهم الإلهية له. PageV20P386 # وقال غيره: هو خطاب لليهود والنصارى جميعا لأن اليهود غلو في تكذيب المسيح ~~عليه السلام حتى نسبوه إلى أنه من غير رشده لعنهم الله والنصارى غلوا في ~~منزلته حتى ادعوا فيه الإلهية وكلا الفريقين كان مخطئين ضالين فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك الغلو، ثم قال تعالى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} ~~ضلالكم قيل هم أئمتهم في النصرانية قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~{وأضلوا كثيرا} ms2446 ممن تابعهم على التثليث {وضلوا عن سواء السبيل(77)} أي وسط ~~الطريق بعد مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتكذيبه. # قال في البلغة: المراد بقوله ضلوا من قبل اليهود، وقيل: هم أسلاف اليهود ~~والنصارى وكانوا رؤساء الضلال فضلوا وأضلوا غيرهم فنهى الله عن متابعتهم ~~وبين أنهم بعد ما كانوا ضلوا فيما مضى ضلوا الآن عن سواء السبيل وهو الطريق ~~المستقيم والمراد الإسلام. انتهى. # قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمة. # قال: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [259] {واتبع هواه فتردى} {وما ~~ينطق عن الهوى} {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}. # قال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر لا يقال فلان يهوى ~~الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه، وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون ~~الله، وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشد في ذم الهوى شعر: # إن الهوان هو الهوى خرم اسمه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا # قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، ~~فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة. # واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال: {لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود} أي في الزبور {وعيسى ابن مريم} ~~في الإنجيل أي أنزل الله لعنتهم في الإنجيل. PageV20P387 # قيل: إن آيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية، ~~فمسخوا قردة، وإن أصحاب عيسى لما كفروا بعد المائدة قال عيسى: اللهم عذب من ~~كفر بعدما أكل من المائدة. # وقال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء عليهم ~~السلام وربما توهم الناس أن لهم منزلة لما لهم من الولادة عن الأنبياء وأن ~~ذلك ينجيهم من عذاب الله فذكر الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون ~~على ألسنة الأنبياء. # قيل: إن داود وعيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولعنا من يكذبه، وقيل: لعنوا عذبوا ومعنى لعنوا أي ms2447 دعاء عليهم، وقيل: لعنوا ~~على عهد موسى في التوراة وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد داود في الزبور ~~وعلى عهد محمد في القرآن، ثم بين تعالى علة لعنهم فقال: {ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون(78)} بما عصوا أي خالفوا الله في أوامره ونواهيه واعتداؤهم ~~مجاوزتهم ما حد الله لهم، والمعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون ~~ويبالغون في ذلك العصيان، ثم إنه تعالى فسر المعصية والاعتداء [260] بقوله: ~~{كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} وللتناهي هاهنا معنيان: # أحدهما وهو الذي عليه الجمهور أنه بفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا. # روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه من رضي عمل قوم ~~فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم)) فدل ذلك على أن من ترك النهي عن ~~المنكر مع تمكنه استحق من الله اللعن. PageV20P388 # والمعنى الثاني للتناهي أنه بمعنى الانتهاء يقال انتهى عن الأمر وتناهى عنه ~~إذا كف عن الأمر أي كان لا يتناهى إذا نهاه غيره واللام في قوله تعالى: ~~{لبئس ما كانوا يفعلون(79)} لام القسم كأنه قال أقسم لبئس ما كانوا يفعلون ~~أي بئس الفعل فعلهم وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وهو تعجيب من الله لنبيه من سوء أفعالهم بترك النكير وقسم ~~منه على ذلك وإنما وقع ترك التناهي عن النمكر تفسيرا للمعصية والاعتداء لأن ~~الله عز وجل أمر بالتناهي فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء لأن في التناهي ~~حسما للفساد فكان تركه على عكسه. # فإن قيل: لا ينهى عن الشيء بعد أن صار مفعولا غير ممكن فلم ذمهم عليه؟ # فجوابه من وجوه: # الأول أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه. # الثاني: لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته وأدواته. # الثالث: لا يتناوهون عن الإصرار على منكر فعلوه. # ثم إنه تعالى كما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم فقال: {ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} أي ترى كثيرا من اليهود يتولون عبدة ~~الأوثان ms2448 في مخالفتهم في الديانة واتفاقهم على معاداة الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وقيل: ترى كثيرا من اليهود والنصارى يتولون عبدة الأوثان ~~ويعاونوهم ويصافونهم لأجل أنهم وإياهم أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فصاروا أصدقاء وإن كان يخالف بعضهم بعضا لاتفاقهم على معادة محمد ~~صلوات الله عليه وآله وسلم. # ثم قال تعالى: {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} أي بئس ما قدموا من العمل ~~لمعادهم في دار الآخرة. # قوله: {أن سخط الله عليهم} هو المخصوص [261] بالذم ومحله الرفع كأنه قيل ~~لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم {وفي العذاب هم خالدون(80)} أي في ~~عذاب جهنم دائمون لا ينقطع. PageV20P389 # وفائدة اإخبار عما يراه التوبيخ له والتنبيه على باطن أمرهم، ثم قال تعالى: ~~{ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} أي ولو ~~كانوا هؤلاء اليهود الذين أظهروا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~مخلصين الإيمان لما والوا عبدة الأوثان فدل ذلك على أن الآية نزلت في ~~منافقي اليهود، ويدل قوله: {لو} على نفي إيمانهم من طريق الحجاج وإن لم يكن ~~حرف النفي. # وقيل: لو كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ما اتخذوا عبدة الأوثان أولياء ~~لأن تحريم ذلك مت اكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام ولأن موسى أمرهم ~~بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ونهاهم عن موالاة من عاداه وخالفه ~~فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام بل مرادهم ~~الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه فلهذا وصفهم الله ~~بالفسق فقال: {ولكن كثيرا منهم فاسقون(81)} وإذا كانوا فاسقين لم يكونوا ~~مؤمنين ووصفوا بلافسق وإن كانوا كفارا لعتوهم في كفرهم فكأنهم خرجوا إلى ~~التمرد في الكفر لأن أصل الفسق في اللغة الخروج. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وموالاتهم ~~للكفار بين أنهم مع ذلك يعادون المسلمين توبيخا لهم وتهجينا لفعلهم فقال ~~سبحانه: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} فأخبر ~~تعالى ms2449 أن اليهود في غاية العداوة لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة بل نبه على أنهم أشد في العداوة ~~من المشركين من جهة أنه تعالى قدم ذكرهم على ذكر المشركين ولعمري إنهم كذلك. PageV20P390 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما خلا يهوديان بمسلم إلا ~~هما بقتله))، وذكر الله تعالى أن النصارى [262] ألين عريكة من اليهود وأقرب ~~إلى المسلمين منهم فقال عز وجل: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى} فبين تعالى حال من هو أقرب بالمودة من جملة المخالفين ~~للذين آمنوا فقال أقرب المخالفين مودة لهم هم الذين قالوا إنا نصارى. # قال في البرهان: وليست هذه الآية على العموم وإنما نزلت في النجاشي ~~وأصحابه الذين أسلموا لأنهم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام فلما أن بعث ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم آمنوا به. انتهى. # والمقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم واللام في قوله: {لتجدن} لام القسم والتقدير قسما أنك تجد اليهود ~~والمشركين أشد الناس عداوة مع المؤمنين وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية ~~عادة قديمة لهم ففرغ قلبك منهم ولا تبال بمكرهم، ثم ذكر تعالى سبب هذا ~~التفاوت فقال: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون(82)} فأخبر ~~سبحانه عن صفتهم وحالتهم التي لأجلها صاروا أقرب الناس مودة للمؤمنين. # قال في البرهان: واحد القسسين قس وقسيس وهم العباد وواحد الرهبان راهب ~~وهم الزهاد. انتهى. # قال في البلغة: فصار هذا الاسم يعني القس والقسيس علما لعباد النصارى، ~~يقال في اللغة قس يقس قسا وقسوسه وقسيسا إذا تم الحديث فالقسيس هو الذي يتم ~~حاله في الاجتهاد في العبادة والرهبان جمع راهب كراكب وركبان وأصله من ~~الرهبة وهي الخشية، وقيل الرهبان واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين. # قال المرتضى عليه السلام: والقسيسون فهم كبار النصارى يصلون بهم ~~ويقدمونهم ويعظمونهم. انتهى. PageV20P391 # ومعنى رهبانا عبادا علل سهولة إجابتهم وقرب مودتهم بأن منهم ms2450 علماء وزهادا ~~ومعنى {لا يستكبرون} هاهنا لا يأنفون أنفة اليهود واستكبارهم أي فيهم تواضع ~~ولا كبر فيهم واليهود على خلاف ذلك. # قال في البرهان [263]: يعني الإذعان للحق إذا لزم والحجة إذا قامت. انتهى. # وفيه دليل بين على أن العلم أهدى شيء إلى الخير حتى علم هؤلاء القسيسين ~~وكذلك علم غم الآخرة والتحدث بالعاقبة وإن كانت في راهب والبراءة من الكبر ~~وإن كانت في نصراني، ثم وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن ~~فقال سبحانه: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق} الضمير في سمعوا يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا، ~~وقيل: يرجع إلى القسيسين عن أبي علي وأبي مسلم. # وقال في البلغة: أي وهؤلاء الرهبان إذا سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بكوا تخشعا وتواضعا لمعرفتهم بأن ذلك كلام الله تعالى وأنه ~~حق جاء من عند الله وأصل الفيض السيلان من شدة الامتلاء. # قال في الكشاف: أي تمتلئ من الدمع حتى تفيض؛ لأن الفيض أن يمتلئ الإناء ~~أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع ~~الامتلاء وهو من إقامة المسبب مقام السبب أو قسطت المبالغة في وصفهم ~~بالبكاء فجعلت أنفسهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل والدمع مصدر رأي من أجل ~~البكاء من قولك دمعت عينه دمعا ولفظ من الأولى لابتداء الغاية على أن فيض ~~الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله وسببه. # والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا ويحتمل معنى التبعيض على أنهم ~~عرفوابعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كلمة وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة. انتهى. PageV20P392 # روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون ~~إلى الحبشة والمشركون وهم يغرونه عليهم ويطلبون هلاكهم عنده هل في كتابكم ~~ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها فقرأها إلى قوله: {ذلك عيسى ابن ~~مريم} وقرأ سورة طه إلى قوله: {وهل أتاك حديث موسى} فبكى النجاشي ms2451 وكذلك ~~قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم سبعون رجلا ~~حين قرأ عليهم سورة يس ثم قال تعالى[264]: {يقولون ربنا آمنا} المراد انشا ~~الإيمان والدخول فيه {فاكتبنا مع الشاهدين(83)} وهم الأنبياء والأئمة ومن ~~تبعهم من أولياء المسلمين ذكره في البرهان. # قال في البلغة: أي وهؤلاء يقولون آمنا بما أنزل على محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويدعون الله بأن يجعلهم من الشاهدين. # وقيل: المراد بالشاهدين هاهنا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدلالة ~~قول الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}. # وقيل: الشاهدون هم الذين يشهدون بالإيمان وقيل هم الذين يشهدون بصدق محمد ~~والكتاب المنزل عليه. انتهى. # وأما قوله تعالى: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} فقال في ~~البلغة: خرج هذا الكلام مخرج الجواب لمن قال لهم لم آمنتم بمحمد وما أنزل ~~إليه فقالوا: وما لنا لا نؤمن بالله وبالحق الذي جاءنا من عنده، ويجوز أن ~~يكونوا قدروا في أنفسهم كأن سائلا سألهم فقال لهم آمنتم، فأجابوا بذلك ~~ودخلت من في قوله: {من الحق} تبيننا للإضافة التي تقوم مقام الصفة فيه ~~فكأنه قيل: والجاي لنا الذي هو الحق يعني القرآن ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم. PageV20P393 # وقوله تعالى حاكيا: {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(84)} إنكار ~~واستبعاد لانتفاء إيمانهم مع قيام موجبة وهو الطمع في إنعام الله عليهم ~~بصحبة الصالحين في الجنة أي نطمع أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين ~~من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل الأنبياء واتباعهم وحذف ذكر ~~الجنة؛ لأن الكلام يدل عليه. # قال في البلغة: الصالح العامل الصلاح في نفسه فإذا عمله في غيره فهو مصلح ~~ولهذا لم يجز في وصف الله وجاز مصلح، ثم قال تعالى: {فأثابهم الله بما ~~قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي جعل الله الجنة ثوابا ~~لهم على القول الذي حكى الله عنهم وإنما علق الثواب بمجرد القول؛ لأنه قد ~~سبق من وصفهم ms2452 ما يدل على إخلاصهم وقيل القول بمعنى الا[265]عتقاد، ثم قال ~~تعالى: {وذلك جزاء المحسنين(85)} وذلك أي ما تقدم من الجزاء جزاء المحسنين ~~الذين يفعلون الإحسان فبين أن الجنة جزاء المحسنين، فلما كان ما قالوه ~~إحسانا جازاهم عليه بالجنة ومعنى جنات بساتين {تجري من تحتها الأنهار} أي ~~يجري الماء في الأنهار من تحت الأبنية والأشجار {خالدين فيها} أي دائمين لا ~~تنقطع ولا ينقطعون. # ثم عقب الوعد بذكر الوعيد على عادته فقال عز وجل: {والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم(86)} لما كان أهل الكتاب فريقين فريق آمنوا ~~وفريق كذبوا ذكر الله الوعد للمؤمنين والثواب بالجنة وذكر الوعيد بالعقاب ~~للذين كفروا. PageV20P394 # قال الحاكم: هذا وإن اتصل بذكر النصارى وأن من كفر منهم ألحق به الوعيد ~~فاللفظ عام في جميع الكفار وإنما جمع بين الكفر والتكذيب؛ لأن اليهود ~~والنصارى جمع بينهما والآية نزلت فيهم {بآياتنا} حججنا والقرآن وغيره، ~~وأولئك أصحاب الجحيم أي ملازمون له دائمون فيه، والآية تدل على أن أفعال ~~العباد حادثة من جهنم من وجوه لذلك مدحهم بالإيمان وقول الحق وذمهم بالتكبر ~~وأوجب الجزاء لهم على إحسانهم والعقاب على كفرهم وذلك يبطل قول المجبرة. # واعلم أنه تعالى لما استقصى في المناظرة مع اليهود والنصارى عاد بعده إلى ~~بيان الأحكام فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين(87)}. # قال في البلغة: الطيبات هاهنا اللذات التي تشتهيها النفوس والذي اقتضى ~~ذكر ذلك هاهنا ما فعله الرهبان لأنهم كانوا حرموا على أنفسهم المطاعم ~~الشهية والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وحرموا النساء فنهى ~~المؤمنون أن يفعلوا مثل ذلك فنهاهم الله عنه وعن مجاوزة ما حد لهم الله ~~تعالى. انتهى. # والمعنى لا تعتدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم أو لا تسرفوا في تناول ~~الطيبات أو جعل تحريم [266] الطيبات اعتداء، فنهى عنه ليدخل تحته النهي عن ~~تحريمها دخولا أوليا وأخبر سبحانه أنه لا يريد إثابة المعتدي وإكرامه وإنما ~~قال ما {أحل الله لكم} ms2453 لأن تحريم الحلال كتحليل الحرام أي لا تمنعوا أنفسكم ~~ما طاب ولذ من الحلال كمنع الحرام أو لا تقولوا حرمنا هذا على أنفسنا تزهدا. PageV20P395 # وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم وصف القيامة يوما لأصحابه فبالغ في ~~الإنذار فرقوا واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين وأن لا يباتوا على ~~الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء والطيب وي...بوا مذاكيرهم فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم ~~عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل ~~اللحم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)) فنزلت. # وقال في البرهان: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} أي اغتصاب الأموال ~~المستطابة فتصير بالغصب حراما، وقد كان يمكنهم الوصول إليها على وجه مباح، ~~ثم قال تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} أي وكلوا من الرزق الحلال ~~الذي رزقه الله لكم ولفظ الطيب تأكيد اللفظ الحلال وهذا إباحة للأكل. # قيل: المراد الأكل نفسه وقيل سائر التصرفات وخص الأكل لأنه معظم المنافع، ~~ثم قال عز وجل: {واتقوا الله} أي اتقوا معاصيه، وقيل: هو تأكيد للتوصية ~~بتجنب الحرام لأنه كما أباح الحلال حرم الحرام، وقيل: اتقوا تحريم الطيبات ~~{الذي أنتم به مؤمنون(88)} يعني إذا آمنتم به ووعده ووعيده فاتقوه لأن ~~الإيمان به يقتضي الاتقاء. # قال في البلغة: هذا استدعاء إلى فعل التقوى والطف لاستدعاء فكأنه قال ~~أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا إيماكنكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم ~~الحسرة العظمى دلت الآية على النهي عن تحريم ما أحل الله وجميع ما ذكرنا من ~~الوجوه يدخلفيه، ودلت على النهي عن العدوان ودلت على أن الكف عن الطيبات ~~مما يحظره [267] الشرع على ما يفعله الرهبان بين وخلاف ما يتعاطاه كثير ممن ~~يظن أنه تورع فأما التنعم بنعم الله المؤدي إلى شكره وعبادته فذلك حسن، ثم ~~قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}. PageV20P396 # قال في البلغة: وجه اتصال الآية بما قبلها هو أن القوم لما حرموا ms2454 الطيبات ~~من المآكل والملابس والمناكح أكدوا ذلك التحريم بأن حلفوا عليه. انتهى. # فبين أحكام اليمين عقيبه عن ابن عباس، وقيل: عبد الله بن رواحة أضاف ضيفا ~~وخرج وأخرت امرأته إطعام الضيف انتظارا له، فلما رجع غضب وحلف أن لا يذوقن ~~من ذلك الطعام وحلفت هي وحلف الضيف ثم استغفرا الله وأكلوا وسألوا الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فنزلت الآية في النهي عن التحريم وحكم ~~اليمني، عن زيد بن أسلم، واللغو في اللغة هو ما لا يعتد به، وقيل اللغو في ~~اليمين هو ما يرى صاحب اليمين أنه على ما حلف عليه، وأكثر أهل العلم على هذا. # قال المرتضى عليه السلام: اللغو فهو ما لا يعتمد فيه اليمين ولا يقصد به ~~جرة على رب العالمين وإنما يقع من طريق الغفلة والسهو واللغو ما لا يكون له ~~حقيقة ولا قصد ولا ضمير، وقد قيل في اللغو أنه الرجل يحلف على الشيء ما ~~فعله وقد فعله وليس هو عندنا كذلك. انتهى. # وقيل: اللغو في الأيمان الساقط الذي لا يتعلق به حكم نحو لا والله بلى ~~والله عن عائشة والشافعي. # ثم قال تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} أي عقدتم قلوبكم عليه، ~~قيل: قصدتم إليه وتعمدتم. # وقال في الكشاف: أي ينكث ما عقدتم الأيمان أي وثقتم بالقصد والنية فحذف ~~المضاف إذ ولكن يؤخذكم بما عقدتم الأيمان إذا حنثتم فحذف وقت المؤاخذة ~~للعلم به عندهم. PageV20P397 # قال في البرهان: وعقدها هو لفظ باللسان وقصد بالقلب لأن ما لم يقصده المؤمن ~~بقلبه فهو لغو لا يؤاخذ به والعقد يجب أن يكون على فعل مستقبل ولا يكون على ~~فعل ماضي والفعل المستقبل نوعان نفي وإثبات فالنفي إذ يقول: والله لا فعلت ~~[268] كذا، والإثبات أن يقول: والله لأفعلن هذا النوع أو أفعل أو لم يفعل ~~إذا قصد به تجب الكفارة ويقع الحنث، وأما الخبر الماضي فهو أن يقول: والله ~~ما فعلت ذاك وقد فعله، أو يقول: والله لقد فعلته ولم يفعله، فإن هذا لا ~~ينعقد به ms2455 اليمين ولا يقع الحنث ويجب فيه التوبة والاستغفار. انتهى. # ثم قال سبحانه: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} غداء وعشاء أو نصف صاع برا ~~أو صاعا من سائر الحبوب {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي من أقصده لأن منهم ~~نم يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر. # وعن علي عليه السلام أنه قال: أوسطه في اقدر وهو نصف صاع لكل مسكين غداء وعشاء. # وقوله: {أو كسوتهم} عطف على محل أوسط وهو رفع على البدل من إطعام، ذكره ~~الزمخشري. # قال في حواشي الكشاف: والأظهر أنه معطوف على إطعام؛ لأن المشهور التخيير ~~بين الخصال الثلاث وقد عدوا الكسوة منها ومن أوسط إما صفة لمصدر محذوف أو ~~على أنه مفعول ثان لإطعام {أو تحرير رقبة} مسلمة عبد أو أمة ويجزي صغيرها ~~وكبيرها. # قال في البلغة: فهذه الكفارات الثلاث واجبة على التخيير والأوسط هو إطعام ~~الخبز مأدوما والضمير الذي في قوله تعالى: {فكفارته} راجع إلى ما في قوله: ~~{بما عقدتم} وقيل: عائد على الحنث المدلول عليه. انتهى. # وتكفير الخطيئة سترها وإنما سميت الكفارة كفارة لكفرها وتغطيتها. # قال في البرهان: ويعتبر اليمين في حال عقدها وحلها فإنها لا تخلو من أحد ~~ثلاثة أحوال: PageV20P398 # أحدها أن يكون عقدها طاعة وحلها معصية كقوله: والله لا قتلت نفسا ولا شربت ~~مسكرا فإذا حنث بقتل النفس وبشرب المسكر كانت الكفارة لتكفير مأثم الحنث ~~دون عقد اليمين. # والثاني أن يكون عقدها معصية وحلها طاعة كقوله والله: لا صليت ولا صمت ~~فإذا حنث بالصلاة والصوم كان الكفارة لتكفير مأثم العقد دون الحنث. # والحالة الثالثة أن يكون عقدها مباحا وحلها مباحا كقوله: والله لا لبست ~~هذا الثوب والكفارة تتعلق بالحنث. # والمراد بالكسوة ثوب [269] واحد جامع يستر أكثر البدن ويجزي للصلاة ~~كالملحفة والكساء، وعن ابن عمر إزار وقميص ورداء، وعن الحسن ثوبان أبيضان. # ثم قال تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} أي فمن لم يقدر على العتق ~~والكسوة والإطعام فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متواليات كفارة ليمينه. # وقوله: {ذلك كفارة أيمانكم} إشارة إلى ما ms2456 تقدم ذكره من الطعام والكسوة ~~وتحرير الرقبة أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم أي ستر إثمها {إذا حلفتم} أي ~~وحنثتم فحذف للعلم به ولا تجب بنفس الحلف فقط والتكفير قبل الحنث لا يجزي. # وقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} زجر عن عقد اليمين، وترك الكفارة إذا ~~حنث، وقيل: احفظوها من الحنث، ثم قال: {كذلك} أي مثل ذلك البيان {يبين الله ~~لكم آياته} من إعلام شريعته ونيرات حججه {لعلكم تشكرون(89)} والمعنى إنما ~~بين الله لكم هذه الآيات لكي تشكروه على ذلك بامتثال شرايعه وأوامره ~~والانتهاء عن مناهيه وزواجره. PageV20P399 # ثم نهى الله تعالى عن أفعال لأهل الجاهلية نقلهم منها إلى شريعة الإسلام ~~عطفا على ما مر من الأحكام فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} سميت الخمر خمرا ~~لمخامرتها العقل وتغطيتها إياه، والميسر القمار كله، ومنه السهام على ~~الجزور، والأنصاب حجارة منصوبة يذبحون عليها تقربا إليها واحدها نصب. # وقيل: هي الأصنام المنصوبة للعبادة، والأزلام القداح وكانوا يكتبون عليها ~~افعل أو لا تفعل ثم يحكمون بما يخرج منه حكم الجاهلية، والرجس القبيح ~~المستقذر أي نجس أو عذاب لأنه يؤدي إليه، وإنما قال: {من عمل الشيطان} لأنه ~~يحمل عليه فكأنه عمله، ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين ~~قال: {فاجتنبوه} أي كونوا جانبا منه، ثم قال: {لعلكم تفلحون(90)} يعني ~~لتفلحوا والفلاح الظفر بالثواب والجنة، ثم بين تعالى أنه إنما نهى عن الخمر ~~لما فيه من الصلاح لكم ولما فيه من خير الدارين فقال تعالى [270]: {إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} أي يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة إذا شربتم الخمر وفعلتم القمار بأن يغويكم ~~ويزين لكم ذلك حتى إذا سكرتم أقدمتم على المكاره والمآثم التي كانت عقولكم ~~تزجر عنها، وإنما أفرد الخمر والميسر بالذكر ليري أنهما المقصود فنهاهم عما ~~كانوا يتعاطونه فيهما وقرنهما أولا بعبادة الأصنام للتأكيد في تحريمهما ~~كأنه لا فرق بين من عبد صنما أو أشرك بالله وبين من شرب ms2457 خمرا أو قامر. PageV20P400 # قيل في وجه العدواة والبغضاء في الخمر والميسر، أما الخمر فقال ابن عباس: ~~كان رجل من الأنصار مواخيا لسعد بن أبي وقاص فدعاه إلى طعام وشربوا مسكرا ~~فوقع بين الأنصاري وبين سعد مراء ومفاخرة فضرب الأنصاري وجه سعد بلحي بعير ~~فشجه وأثر في وجهه. # وأما الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر على أهله وماله فيقمر فيبقى ~~حزينا سليبا فكسبه ذلك العداوة والبغضاء ينظر ماله في يد غيره. # ثم قال: {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون(91)} أي ويمنعكم ~~الشيطان بما يزينه لكم {عن ذكر الله} عن عبادته والائتمار لأمره {وعن ~~الصلاة} التي هي قوام دينكم وخص الصلاة بالذكر وإن كانت قد دخلت في ذكر ~~الله لفضلها وتعظيما لأمرها. PageV20P401 # ولما بين تعالى أنواع المفاسد المتعلقة بالخمر والميسر في الدنيا والدين ~~وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الإعراض عن ذكر الله تعالى وعن ~~الصلاة قال بعده: {فهل أنتم منتهون} الانتهاء الكف عن الشيء وهذا اللفظ وإن ~~كان في صورة الاستفهام فمعناه النهي وهو أبلغ ما ينهى به كأنه قيل قد تلى ~~عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون ~~أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ، ثم قال: {وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول} فيما تقدم ذكره من أمرهم بالاجتناب عن الخمر والميسر ~~{واحذروا} أي كونوا حذرين؛ لأن الحذر يدعو إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة ~~[271] أو احذروا ما عليكم في الخمر والميسر وفي ترك طاعة الله والرسول {فإن ~~توليتم} عن الطاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(92)} وما ضررتم ~~بالتولي إلا أنفسكم وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف في هذا ~~التكليف وأعرض فيه عن حكم الله وبيانه، والمعنى إن توليتم فالحجة قد قامت ~~عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ والإعذار والإنذار وما وراء ذلك إلا ~~عقاب من خالف هذا التكليف وأعرض عنه. # ثم قال تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ms2458 طعموا} من ~~لذائذ المباحات المطعومة{إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} أي ثبتوا ~~على الإيمان والعمل الصالح وازدادوا منه. # قيل: نزلت في قوم منهم عثمان بن مظعون وغيره حرموا اللحم على أنفسهم ~~وعزموا على الترهب فنزلت الآية منبها أنه لا حرج على تناول المباح إذا ~~اجتنب الحرام. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه ليس عليهم إثم ولا عقوبة ~~فيما أكلوا وشربوا من الحرام غير متعمدين ولا عالمين بتحريمه مكابرين ولا ~~يعاقبهم إذا أصابوا ذلك جاهلين. انتهى. PageV20P402 # وقيل: لما نزل تحريم الخمر قال الصحابة له صلى الله عليه وآله وسلم: كيف ~~بإخواننا الذين ماتوا يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت مدحا لهم ~~وإعلاما بأنه لا جناح عليهم فيما طعموا قبل النهي بمعنى أنهم كانوا على هذه ~~الصفة فهو ثناء عليهم وعلى إخوانهم قاله في الكشاف. # قلت: ومثل هذا ذكره الهادي عليه السلام ورواه عن علي عليه السلام في قصة ~~قدامة بن مظعون الجمحي وهي طويلة. # ومعنى قوله تعالى: {ثم اتقوا وآمنوا} أي ثبتوا على التقوى والإيمان {ثم ~~اتقوا وأحسنوا} أي ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم إلى الناس ~~وآتوهم مما رزقهم الله من الطيبات {والله يحب المحسنين(93)} يعني يريد ~~إثابتهم وإجلالهم. # دلت الآية على أن أفعال العباد حادثة من جهتهم من وجوه كقوله تعالى: ~~{وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [272] وقوله: {واحذروا} وقوله: {وإن توليتم} ~~وقوله: {فإنما على رسولنا البلاغ المبين} وقوله: {آمنوا وعملوا} {واتقوا} ~~مرارا، وقوله: {وأحسنوا} وكل ذلك يبطل قول المجبرة في المخلوق. # واعلم أنه لما تقدم في أول السورة تحريم الصيد على المحرم فسر ذلك هاهنا ~~وما يجب من الجزاء في قتلها فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ~~بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} وقيل في النظم: إنه يتصل بما قبلها من ~~تحريم أفعال الجاهلية فحرم الصيد كذلك ونقلهم من أحوال الجاهلية إلى شرع ~~الإسلام والابتلاء أصله الاختبار وقد مضى بيان ذلك في غير موضع وهو يرجع ~~إلى التكليف فكأنه قيل ياأيها الذين آمنوا قد كلفكم الله في الصيد ms2459 تكليفا، ~~ثم بين أن من الصيد ما تناله أيديكم مثل صغار الوحش وفراخ الطير وبيض ~~الطيور لأن ذلك مما يمكن أخذه باليد من غير سلاح وشبكة ومنها ما تناهل ~~رماحكم وهو الكبار من الوحش. PageV20P403 # قيل: ومن هاهنا معناه التبعيض فكأنه قيل هذا ابتلاء في صيد البر دون صيد ~~البحر أو في صيد المحرم دون صيد المحل. # وقيل: يجوز أن تكون من هاهنا للبيان كما قال تعالى: {فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان}. # وقيل: إن الذي حرم في هذه الآية صيد البر كله، وقيل صيد الحرم، وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحريم صيد الحرم وغيره. # قيل: نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالوحش فكانت تغشى رحالهم وهم ~~محرمون فنهوا عن قتلها فبينماهم يسيرون إذ عرض لهم حمار وحش فقتله بعضهم ~~فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فنزلت الآية. # وفي معنى هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: أراد بذلك عز وجل الاختبار ~~لهم والامتحان بالطاعة لينظر كيف صبرهم وقد كان عز وجل عالما بهم ولكن ~~امتحنهم بذلك لتكافي المطيع على فعله ويعاقب المسيء عليه وكان الصيد في ~~إحرامهم كثير لا يذعر منهم كما كان يذعر حتى لو شاء أحدهم أن يضربه بالسيف ~~لضربه أو يطعنه بالرمح لطعنه فكان ذلك من الله سبحانه [273] اختبارا لهم ~~كما اختبر أصحاب الحيتان في يوم سبتهم تأتيهم شرعا حتى لو شاءوا لأخذوها ~~بأيديهم وإذا كان سائر الأيام لم يقدروا عليها إلا بالشبك والحيل والطلب. انتهى. # ثم قال تعالى: {ليعلم الله من يخافه بالغيب} أي ليعاملكم معاملة من يطلب العلم. # وقيل: معناه ليظهر المعلوم فيصير موجودا ليتعلق به الجزاء لأن الله عالم ~~لنفسه بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء بتغير الحال على المعلوم لا على ~~العالم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه ليعلم عز وجل من يخافه بعد ~~البلوى كما علم ذلك سبحانه قبل خلق الأرض والسماء ومعنى بالغيب أي في غيب ~~ضميره كما يخافه أي الناس في ظاهره فلا نفاق ولا تمويه ms2460 في شيء من دينه ~~ويحتمل وجها آخر أي يكون معنى يخافه بالغيب أي يخاف لما غاب من عذابه وأيقن ~~به هذا المؤمن من عقابه. انتهى. PageV20P404 # ثم قال تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك} الابتلاء وبعد ذلك النهي {فله عذاب ~~أليم(94)} أي فمن جاوز هذا الحد بعدما بينه الله له استحق العذاب الأليم من ~~عذاب النار، ثم أكد النهي عن الصيد وردده فكرره عليهم ووكده فقال: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} جمع حرام كردوح جمع رداح أي محرمون ~~فنهى الله تعالى المؤمنين عن الصيد وقتله إذا كانوا محرمين يقال أحرم إذا ~~أتى بالحج والعمرة، وقد يقال أحرم إحراما إذا دخل الحرم وأحرم إذا دخل شهر ~~الحرم، والمراد هاهنا الإحرام بالحج والعمرة. # قال بعض العلماء قد يدخل في ذلك الدخول في الحرم أيضا فكأنه قيل إذا ~~أحرمتم بالحج أو العمرة أو دخلتم أرض الحرم فلا تصطادوا ولا تقتلوا الصيد، ~~وفي المراد بالصيد قولان: # أحدهما أنه الذي توحش سواء كان مأكولا أو لم يكن. # والثاني أن الصيد هو ما يؤكل لحمه. # ثم قال تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} لقتله ذاكرا الإحرامه وحكم الناسي ~~في الجزاء كحكم التعمد {فجزاء مثل ما قتل من النعم} التقدير على قراءة الجر ~~بإضافة جزاء إلى مثل فعليه [274] أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف كما يقول: ~~عجبت من ضرب زيدا ثم من ضرب زيد، قاله في الكشاف، والمراد بالنعم الإبل ~~والبقر والغنم أي فعليه منها جزاء يماثل ما قتل، واختلف في المماثلة فعند ~~أبي حنيفة في القيمة يقوم المصيد حيث صيد وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطي ~~كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما ~~فإن فصل مالا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوما أو تصدق به. # وعند القاسمية والشافعي ومحمد بن الحسن: المراد مثله في الصورة أو الهيئة ~~من الأنعام فإن لم يوجد نظير فمثله في القيمة كقول أبي حنيفة قاله في ~~التجريد. PageV20P405 # قال في ms2461 البلغة: والمعتبر في المثل عند آل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أشبه الأشياء بذلك الصيد إذا كان الصيد نعمة أو حمار وحش فعليه بقرة ~~وإن كان الصيد ظبيا فعليه دم شاة فإن لم يقدر أطعم عشرة مساكين فإن كان ~~الصيد ثعلبا أو ذيبا فعليه شاة. # واختلف العلماء في دخول أو في هذه الأحكام فمنهم من قال إنه على التخيير ~~ومنهم من قال إنه على الترتيب. # ثم قال تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} أي يحكم بمثل ما قتل. # وعن ابن عباس: يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان {منكم} أي من المسلمين ~~ينظران أشبه الأشياء فيحكمان به فالواو فيه دليل على أن المثل القيمة لأن ~~التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة، قيل: العدلان ~~يقومان الصيد بالمكان الذي أصاب الصيد فيه، وقيل: يقومان بمكة. # ثم قال: {هديا بالغ الكعبة} فيه وجهان: # الأول أن المعنى يحكمان به هدايا تساق إلى الكعبة فتنحر هناك وهذا يؤكد ~~قول من أوجب المثل من طريق الخلقة لأنه تعالى لم يقل يحكمان به شيئا قيشترى ~~به شيء وإنما قال يحكمان به هديا، وهذا صريح في أنه يحكمان بالهدي لا غير. # الثاني أن يكون المعنى يحكمان به شيئا يشترى به ما يكون هديا وهذا [275] ~~بعيد عن ظاهر اللفظ والحق الأول، وهديا نصب على الحال من الكناية في قوله: ~~{به} والتقدير يحكم بذلك المثل شاة أو بقرة أو بدنة فالضمير في قوله: {به} ~~عائد إلى المثل والهدي حال منه وعند التفطن لهذين الاعتبارين فمن ذا الذي ~~يرتاب في أن الواجب هو المثل من طريق الخلقة والله أعلم. # قال في البرهان: وعني بالكعبة الحرم لأنها فيه ولا يجوز أن يهدى في الجزا ~~ما لا يجوز في الضحية من صغار النعم. انتهى. # قال الحاكم: معنى {بالغ الكعبة} أي يبلغ الحرم فيذبح ثم ويتصدق بمكة ولا ~~يجوز غير ذلك. PageV20P406 # ثم قال تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} أي أو عليه كفارة طعام مساكين يدل ~~المماثل من النعم فيقوم المثل ms2462 من النعم ويشترى بالقيمة طعام ويتصدق به في ~~الحرم والتقدير على قراءة الجر بإضافة كفارة إلى طعام أي كفارة طعام لا ~~كفارة هدي ولا صيام قاله الواحدي. # وفي الكشاف: الإضافة للبيان وهي بمعنى من كخاتم من فضة أي كفارة من طعام ~~مساكين، ثم قال سبحانه: {أو عدل ذلك صياما} هو إشارة إلى الإطعام. # وقال في البلغة: {أو عدل ذلك صياما} أي يقوم الصيد قيمة عادلة ثم تقوم ~~تلك القيمة على البر ثم البر أصواعا. # وفي البرهان: يعني عدل الطعام صياما، وقيل: ذلك فيمن قتل نعامة وجبت عليه ~~البدنة جزاء عنها فإن لم يجدها أطعم مائة مسكين لكل مسكين نصف صاع فإن لم ~~يجد صام عن كل مسكين يوما ومن وجبت عليه البقرة ولم يجدها أطعم سبعين ~~مسكينا فإن لم يجد صام سبعين يوما، وفي الشاة إطعام عشرة مساكين أو صيام ~~عشرة أيام. انتهى. # وهذا الثلاثة على التخيير عند يحيى الهادي إلى الحق عليه السلام ذكره ~~الحاكم ورواه أيضا عن ابن عباس وعطاء والحسن وإبراهيم وأبي حنيفة وأصحابه ~~والشافعي وأبي علي والخيار إلى قاتل الصيد وقيل إلى الحكمين. # قال في الكشاف: وقرئ العدل بالفتح وهو ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم ~~والإطعام وهو ما عدل به في المقادير ومنه عدلا الجمل لأن كل واحد منهما عدل ~~به الآخر حتى اعتدلا [276] كان المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى ~~المفعول كالذبح ونحوه. # ثم قال تعالى: {ليذوق وبال أمره} أي عقوبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال ~~المكروه والضرر، ثم قال عز وجل: {عفا الله عما سلف} من الصيد في حال ~~الإحرام قبل أن تسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: عما سلف ~~في الجاهلية لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرما. PageV20P407 # وفي البرهان: عما سلف يعني قبل نزول التحريم {ومن عاد فينتقم الله منه} ~~يعني ومن عاد بعد التحريم فينتقم الله منه بالجزاء عاجلا وبالعقوبة آجلا ~~{والله عزيز ذو انتقام(95)} قد مر بيان العزيز في غير موضع، ومعنى {ذو ~~انتقام} ms2463 ذوا الجزاء والمكافاة ممن يعصيه بأن يعاقبه على فعله وأنه شديد ~~العقاب. # ثم بين تعالى ما يحل من الصيد وما لا يحل عطفا على ما تقدم فقال سبحانه: ~~{أحل لكم صيد البحر}. # قال في البرهان: يعني الماء سواء كان ماء بحر أو نهر أو بير أو غيل فصيده ~~حلال للمحرم والحلال في الحرم وفي الحل. انتهى. # وقال في التجريد: صيد البحر أي مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل ~~والصحيح في تفسيرها أن المعنى أحل لكم اصطياد ما يؤكل من صيد البحر وأحل ~~لكم أكله إذا صاده غيركم وأما غير المأكول فلا يجوز قتله إلا أن يكون مما ~~ورد الشرع بجواز قتله كالحية ونحوها. # ثم قال: {وطعامه متاعا لكم وللسيارة} يعني منفعة المسافر والمقيم وهذه ~~الآية نزلت في بني مديح كانوا ينزلون بأسياف البحر فسألوا عما نضب منه ~~الماء من السمك فنزلت هذه الآية ذكره في البرهان. # واعلم أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي المغايرة وذكروا ~~فيه وجوها: # الأول وهو الأحسن أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يؤخذ مما ~~لفظه البحر ونضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه. # قال بعضهم هذا هو أصح ما قيل في هذا الموضع. # والوجه الثاني أن صيد البحر هو الطري وأما طعام البحر فهو الذي جعل مملحا ~~قبل وهذا ضعيف؛ لأن الذي صار [277] بإلجاء فقد كان طريا في أول الأمر فيلزم ~~التكرار. # والثالث أن الإصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل ~~اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل ~~التغاير بين الاصطياد من البحر وبين الأكل من طعام البحر. PageV20P408 # ثم قال تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون(96)} أي حرم عليكم صيد البر ما دمتم على إحرامكم وأمركم بأن تتقوا ~~وتخافوا عذابه بترك المعاصي فإنكم تحشرون إلى موضع الجزاء وتجازون على ~~أعمالكم. # ولما ذكر تعالى حرمة الحرم عقبه بذكر البيت الحرام والشهر الحرام فقال ~~سبحانه: {جعل ms2464 الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} البيت الحرام اسم ~~الكعبة وهو عطف بيان لها على جهة المدح وسميت الكعبة كعبة لارتفاعها، يقال ~~للجارية إذا نبا ثديها وخرج كاعب وكعاب وكعب والاثنان يسمى كعبا لنتوه من ~~الساق والكعبة لما ارتفع ذكرها واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ~~وكذلك يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه {قياما للناس} أي مقاما لهم ~~ليقوموا عنده لطلب الثواب والرحمة من الله وصرف النقمة والعذاب ذكره الحسين ~~بن القاسم عليهما السلام. # وقيل: معنى {قياما} أي صلاحا وانتعاشا لهم وإقامة لحالهم في دينهم بالحج ~~ودنياهم بالتجارات {والشهر الحرام والهدي والقلائد} الشهر الحرام قيل هو ~~الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة وخصه لأنهم يؤدى فيه الحج. # وقال في البلغة: والمراد بالشهر الحرام الأشهر فجاء على لفظ الواحد لأنه ~~ذهب به مذهب الجنس وهو رجب وذو القعدة وذو الحجة والمرحم وقد مر مثل هذا عن ~~الهادي وولده المرتضى عليهما السلام. # واعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء أسبابا لقيام الناس ~~وأموالهم: # الأول: الكعبة وذكروا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها: PageV20P409 # أحدها أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما ~~يحتاجون إليه طول السنة فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع وقل ما يوجد ~~فيها ما يحتاج إليه فالله [278] تعالى جعل الكعبة البيت الحرام معظمة في ~~القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها فيسافرون إليها من كل فج عميق ~~لأجل التجارة ويأتون بجميع البضاعات ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات فصار ~~ذلك سببا لاتساع النعم على أهل مكة. # الثاني: أن العرب كانوا يقاتلون ويغيرون إلا في الحرم فكان أهل الحرم ~~آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في ~~الحرم لم يتعرض له ولهذا قال الله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم}. # الثالث: أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى ~~يوم القيامة ms2465 وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم. # والرابع أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من ~~المناسك العظيمة والطاعات الشريفة وجعل تلك المناسك تحط الخطيات وترفع ~~الدرجات وتكرر الكرامات. # واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه وذلك لأن قوام المعيشة ~~إما تكبر المنافع وهو الوجه الأول وإما تدفع المضار وهو الوجه الثاني وإما ~~بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث وإما بحصول الدين وهو الوجه الراعب، ~~فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة وثبت أن قوام المعيشة ليس ~~إلا بهذه الأربعة ثبت أن المعبة سبب لقوام الناس. PageV20P410 # وأما الثاني: فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا للقيام هو أن العرب كان ~~يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ويغير بعضهم على بعض فإذا دخل الشهر الحرام ~~زال ذلك الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم ~~وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما يكفيهم طول السنة ~~ولولا حرمة الشهر الحرام لتفانوا وهلكوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام ~~سببا لقوام معيشتهم في الدنيا، وأيضا فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب ~~إقامة مناسك الحج. # وأما الثالث: فهو الهدي وإنما كان سببا لقيام الناس لأن الهدي ما يهدى ~~إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء نسكا للهدي وقواما لمعيشة ~~الفقراء. # وأما الرابع: فهو القلائد والوجه في كونها [279] قياما للناس أن من قصد ~~البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي ~~مقلدا ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ولم يتعرض لها صاحبها أيضا وكل ~~ذلك إنما كان لأن الله تعالى وقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام فكل من قصده ~~أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخافات. # ثم قال تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~وأن الله بكل شيء عليم(97)} أي جعل الله جميع ما ذكره قياما لكم لما حقن به ~~دماءكم وأموالكم وأزال به كثيرا من الأذى وصرف عنكم ms2466 ويستدلوا به على أن ~~الله علام الغيوب وأنه فعال من مصالح عباده ما لا يعلمونه وهذه صفة من كان ~~عالما لذاته فلا يخفى عليه شيء من المعلومات ذكره في البلغة. PageV20P411 # ولما تقدم بيان الأحكام وما ذكر تعالى من رحمته لعباده عقبه بذكر الوعد ~~والوعيد فقال سبحانه: {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن عصاه {وأن الله ~~غفور رحيم(98)} لمن تاب إليه فزجر الله تعالى عباده بهذه الآية عن معاصيه ~~ودعاهم إلى الطاعة والتوبة لينالوا ثوابه ولا يستحقوا عقابه، ثم بين عز وجل ~~أن ضرر العصيان يعود على فاعله فقال: {ما على الرسول إلا البلاغ} أي ليس ~~على محمد إلا تبليغ ما أرسل به إلى الخلق من أداء الرسالة وبيان الشرعة ~~وقيل إنه إشارة إلى أنه أدى ما عليه فإن لم يطيعوه عاد وبال فعلهم عليهم لا عليه. # وقيل: ليس إلا تبليغ ما تقدم من الوعد والوعيد بحسب الاستحقاق واقتضى ذكر ~~الرسول هاهنا ما ذكره من الإنذار شدة العقاب والبشارة بالمغفرة لمن تاب ~~وأناب في الآية الأولى لأن ذلك مضمن في البلاغ، ثم قال: {والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون(99)} فيجازيكم على الجميع وهو ضرب من الزجر عن المعاصي. # ولما بين الحلال والحرام بين أنهما لا يستويان فيما يؤديان إليه فقال ~~تعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب}. # قال في البلغة وهو الذي في البرهان أيضا: إن المراد بالحخبيث الكافر ~~وبالطيب المؤمن أي لا يستوي في الحكم عند الله [280] الحلال والحرام ~~والكافر والمؤمن لأن لكل واحد حكم بالضد من حكم الآخر. PageV20P412 # قال المرتضى عليه السلام: الخبيث والطيب هما كما ذكر الله عز وجل لن يستويا ~~عند الله تبارك وتعالى في منزلة ولا يحلان لديه في درجة لأن الخبيث وإن كثر ~~وغزر حرام كثير الآثام وعقوبته المجازاة فيه الخزي الطويل والويل والعويل ~~في العذاب الأليم الدائم المقيم فعاقبته وخيمة وآثامه جمة وليس فيه لأحد ~~منفعة بل هو عليه وبال ومضرة في جميع الأحوال، والطيب فزكي مطهر مرضي يثاب ~~عليه بأكثر الثواب مقبول عند الله ms2467 في كل الأسباب، وقد يكون الطيب من ~~المؤمنين أهل البصائر والدين والمعرفة واليقين فقد سماهم الله سبحانه طيبين ~~فقال: {الطيبون للطيبات} فكل هذا يسمى طيبا إذ هو من النجس بعيد وعند الله ~~سبحانه مكرم قريب، وقد يكون الخبيث من مكاسب الدنيا وجمايع الكفرة وزهاها ~~وكثرة زينتها وكبرها في أعين أبناء الدنيا وعظمها في صدورهم لما يرون من ~~العدد والتملك فتهواهم قلوبهم وتأمقهم أنفسهم فيزدرون عند ذلك جمايع ~~المؤمنين لقلة عددهم وخمول الدنيا وزينتها لديهم فلا ينظرون إليهم من ~~الإعجاب بما ينظرون به أبناء الدنيا فمد الطيب من كل شيء وعاب الخبيث، ثم ~~قال: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} فهو غير زكي ولا نامي رضى فذمه الله سبحانه ~~ولم يحمده. انتهى. # ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة والتحذيرات من المعصية ~~أتبعها بوجه آخر يؤكدها فقال: {فاتقوا الله ياأولي الألباب لعلكم ~~تفلحون(100)} هذا أمر لجميع العقلاء بالتقوى وهو أن يتقوا عذاب الله بترك ~~المعاصي ليفوزوا بما يطلبونه من الله وهو معنى {لعلكم تفلحون} أي لكي ~~تفلحوا. PageV20P413 # قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} تكاليف شاقة {إن تبد ~~لكم تسؤكم} قيل في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر هاهنا ما ~~على الرسول إلا البلاغ كأنه قال ما بلغه الرسول إليكم فخذوه وكونوا منقادين ~~له وما لم يبلغه الرسول فلا تسألوا عنه ولا تخوضوا فإنكم إن خضتم فيما لا ~~تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض [281] الفاسد من التكاليف مت ~~يثقل عليكم ويشق عليكم. # وروي في البرهان وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب ذات يوم ~~فقال: ((أيها الناس كتب الله عليكم الحج، فقام رجل من بني أسد قيل إنه ~~سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ ~~فأعرض عنه حتى أعاج مسألته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ويحك ما يؤمنك ~~أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم ms2468 كفرتم ~~فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة المسائل واختلافهم على ~~أنبيائهم)). # وروى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكثروا المسألة فقام ~~على المنبر فقال: ((اسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا ~~إلا حدثتكم به، فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا ~~نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس)). # والمعنى لا تسألوا أيها المؤمنون عن أشياء إن تبين لكم ذلك ويظهر ويكشف ~~عن حال ما تسألون عنه ساءكم ذلك وغنكم {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} ~~أي زمان الوحي وهو ما دام الرسول فيكم {تبد لكم} أي تظهر وتكشف لكم ~~وتلزموها لأن القرآن ينزل بالتكليف ولعله يشق عليكم وما فيه مصلحة ينزل ~~القرآن به سواء سألتم أو لم تسألوا. PageV20P414 # وقال المرتضى عليه السلام: معنى {لا تسألوا عن أشياء} أي لا تسألوا عما لا ~~تحتاجون من السؤال عنه مما هو في أنفسكم وكيف صحة ضمائركم وذلك أنهم كانوا ~~يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيتكلم المنافق بما يتكلم به ~~المؤمن فكانوا يسألون ويطلبون مثل ما كان الأولون يطلبون من أنبيائهم ~~ويسألون من امتحانهم ويعدون من أنفسهم الصبر على ما ينزل بهم مع ما كانوا ~~يحبون من إيذاء الله عز وجل لنبيئهم عليه السلام بالمحن التي امتحن الله ~~بها من كان قبلهم فأخبر الله عز وجل أنه إن يبد لهم ذلك ويمتحنهم به لا ~~يطيقون ولا يقومون به فيكون حالهم كحال من سأل ذلك من قبلهم ثم لم يقم بخ ~~وكفر فسهل الله تبارك وتعالى الأمر عليهم وخفف المحنة فافترض عليهم ما علم ~~أنهم به يقومون [282] وبه يصدقون، ثم قال سبحانه: {عفا الله عنها} أي قد ~~تركها الله سبحانه وخففها وعفى عنكم من امتحانكم فلا تطلبوا ما لا تطيقون ~~فهذا معنى الآية وتفسير علمها. # وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل الله إبداء ~~ما في أنفسهم وإظهاره لنبيه ms2469 فنهاهم الله عز وجل عن ذلك وقال: {إن تبد لكم ~~تسؤكم} مما قد عفا الله عنه وستره عليهم وتفضل الله سبحانه بالصفح فيه ~~عنهم. انتهى. # {والله غفور حليم(101)} غفور يغفر الذنوب وأمور الجاهلية بالتوبة حليم لا ~~يعجل بالعقوبة ويمهل حتى يتوب، وقيل: يستر عليهم ما يسوهم ويقبح ويظهر ~~الجميل. # ثم قال تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين(102)} أي قد ~~سأل مثل هذه الأشياء من كان قبلكم فلما بين لهم ما سألوا عنه كفروا به. # وروي أن هؤلاء كانوا قوم عيسى صلى الله عليه سألوه المائدة ثم كفروا. # وقيل: هم قوم صالح عليه السلام سألوا الناقة ثم عقروها. # وقيل: كان هذا حين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحول لهم ~~الصفا ذهبا. PageV20P415 # وقيل: من تقدم ذكرهم في الآية الأولى كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء ~~من أبي وابن من أنا فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا ليس ~~كذلك فكفروا به. # وقيل: سألوا عن فرايض فلما كلفوا لم يتحملوا مشاقها فكفروا بها كقوله: ~~{ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله}. # وقيل: سألوا عن الحلال والحرام، فلما بين تركوا العمل به. # ولما تقدم ذكر الحرام والحلال بين تعالى حال ما يعتقدونه في الجاهلية من ~~ذلك فقال: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد عز وجل ما جعل الله بتلك البدع ~~التي ابتدعها الجاهلون وتلك الشرائع التي شرعها المشركون وهم في شرايعهم ~~وبدعهم على الله كاذبون فكانوا يجعلون ذلك نذرا ويزعمون أن الله حكم به ~~حكما فأكذب الله عزوج في ذلك قولهم. # قال الهادي عليه السلام: فالبحيرة هي الناقة تنتج خمسة أبطن فإن كان ~~الخامس سقبا أهدوه للقوام على آلهتهم من الصنام وإن تنتج قلوصا استحيوها ~~وخلوها[283] عن امها وشرموا أذنها وسموها بحيرة ولم ينتفعوا منها بلبن ولا ~~وبر ولم يحلبوها إلا في البطحاء ولم يجزوا لها وبرا إلا ذروا مع الرياح إلى ms2470 ~~أن تموت فيشترك الرجال والنساء في لحمها. # وأما السائبة فكانوا يسيبون من أموالهم ما شاءوا على طريق الشكر لله إن ~~كان غائبا لهم فقد أو مريضا فشفي يسمون ذلك سائبة ومخلا فلا تحمى حمى ولا ~~تمنع ماء. # والوصيلة فهي من الغنم وهي الشاة إذا ولدت خمسة بطون أيضا وكان الخامس ~~جديا أهدوه لخدام الأصنام وإن كان عناقا استحيوها وإن تومت فولدت جديا ~~وعناقا تركوا الجدي واستحيوه وقالوا قد وصلت أخاها فلا يجوز عندهم ذبحه ~~وهذه العناق عندهم فهي الوصيلة لما وصلت من أخيها. PageV20P416 # وأما الحام فهو الجمل يرسل في الإبل فيضرب عشر سنين فإذا ضرب عشر سنين ~~ولقحت أولاده وضربت في الإبل لم يخرجوه في دية ولا يستعان به في نازلة ~~ويسمونه حاميا ويخلون سبيله ثم لا يحمى حمى ولا يمنع ماء وكان الذي سن لهم ~~ذلك وجعله فاتبعوه في ذلك قصي بن كلاب. انتهى. # وروي في البرهان أن أول من غير دين إسماعيل ونحر البحيرة وسيب السائبة ~~وحمى الحامي عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف. انتهى. # وقيل: إذا أنتج من صلب الفحل عشرة أبطن فالوافد حمى ظهره فكان كالبحيرة ~~لا يمنع ماء ولا مرعى ولا يحمل حملا ولا يركب تحريما لذلك فأخبر الله تعالى ~~ما جعل البحيرة والسائبة ولم يرد به أنه ما خلقها؛ لأن غيره لا يقدر على ~~خلقها وإنما نفى عن نفسه جعل الأحكام التي كان الجاهلية تحكم بها في الإبل ~~والشا على حسب ما بيناه فكانت تحرم الانتفاع بها على أنفسها تقربا إلى الله ~~عز وجل، قال شاعرهم: # عقرتم ناقة كانت لربي # وسائبة فقوموا للعقاب # فدلت الآية على بطلان قول من قال أن الله تعالى خلق أفعال العباد، فلو ~~كان الله خلق تلك الأفعال لكان قد جعلها فبان أن جعل ذلك كان من جهة العباد ~~يبين ذلك قوله تعالى: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا ~~يعقلون(103)} [284] أي هؤلاء الكفار يضيفون فعل ذلك إلى الله وهم كاذبون ~~على الله تعالى مفترون. # وقيل: إنما ms2471 قال {وأكثرهم} لأن المراد به اتباع الرؤساء المعاندين ~~والأتباع لا يعلمون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء. # وقيل: أكثرهم لا يعلمون ما أحل الله لهم مما حرم عليهم، والمراد بذلك هو ~~الأقل منهم والأكثر ليس معاندين قاله في البلغة. PageV20P417 # ولما تقدم ذكر ما دانوا به من الاعتقادات الفاسدة بين أنهم اعتقدوا ذلك ~~تقليدا من غير حجة وحذر عن مثل حالهم في الركون إلى التقليد فقال سبحانه: ~~{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} في كتبه {وإلى الرسول} أي إلى ما ~~قاله في سنته {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي وإذا دعي هؤلاء إلى ~~قبول ما أنزل الله من الحق والعمل به قالوا نحن نعمل بما وجدنا عليه آباءنا ~~فرد الله ذلك عليهم ذما وتوبيخا لهم بقوله: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يهتدون(104)} طريق العلم فصار ذلك بمنزلة العمى عن طريق الحق وقيل ~~هذا على وجه الذم لهم بأنهم ضلال، والاستفهام للإنكار والواو للحال ~~والتقدير أحسبهم ذلك ولو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون، والمراد أن ~~الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي. # دلت الآية على بطلان التقليد ووجوب النظر واتباع الحجة؛ لأنه ذمهم حيث لم ~~يستجيبوا إلى اتباع الكتاب والسنة. # واعلم أنه لما تقدم إعراضهم عن الحق وركونهم إلى التقليد وذمهم على ذلك ~~بين تعالى أن الواجب في حق كل أحد مراعاة نفسه دون مراعاة طريق السلف وأنه ~~لا يضر ضلالهم غيرهم فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} ~~الزموها فأصلحوها لأن عليكم هنا اسم فعل فلذلك جزم جوابها وهو قوله: {لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم} والصل لا يضرركم فأدغمت الراء في الراء وصمت ~~للإتباع ويحتمل أن يكون خبرا مرفوعا وانتصب أنفسكم بالاغرا الذي في قوله: ~~{عليكم}. # ونقل صاحب الكشاف {عليكم أنفسكم} بالرفع عن نافع فبين تعالى أنهم لا ~~يضررهم ضلال غيرهم إذا تمسكوا بالحق وعملوا به. PageV20P418 # قال المرتضى عليه السلام: معنى الآية [285]وتفسيرها لايضركم الضالين ولا ~~تحاسبون بفعل المبطلين ولاتعالون عن شيء من أعمال ms2472 المفسدين وإنما أفعالهم ~~عليهم وضرورهم فيرقابهم ، وقد ذكر أن اليهود قالوا للمسلين كيف تطمعون ~~بالنجاة وأباؤكم مشركون ولستم بناجين من فعلهم، فأنزل الله هذه الآية. # وقال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فأخبر أنه لايعذب أحد بجرم أحد والد كان ~~أو ولد، انتهى. # ومثل هذا ذكر الحسين بن القاسم عليهما السلام قال: وقد ذهب كثير من ~~الجهال إلى أن هذه الآية لايجب منعها على أحد أن يأمر بالخير عن غير نفسه ~~ولايبالي إذا اهتدى بضلال غيره ولو كان كذلك توهموا لسقط الأمر بالمعروف ~~ولانهي عن المنكر وهما أصلان عظيمان في الخير والشر، وإنما هذه الآية خبر ~~أحد يذنب غيره من المسلمين لأنه عدل رحيم بجميع المخلوقين، انتهى. # ثم قال تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعا} أي إلى حكمه وجزائه مصيركم ومصير ~~من خافكم{فينبئكم بما كنتم تعملون(105)} تي يخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها ~~وهو تهديد ووعيد، ولما تقدم الأمر بالرجوع إلى أنزل الله تعالى عقبه بذكر ~~الأحكام المنزلة فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت}الذين آمنوا صدقوا الله ورسوله، وقيل: أيها المؤمنون شهادة ~~بينكم، قيل: هي الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام، وقيل: الشهادة ~~بمعنى الحضور بقول شهدت وصية فلان، ومنه {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب ~~الموت} ومنه {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} وقيل: هي شهادة إيمان ~~بالله أن ارتاب الورثة بالوصيين كقوله تعالى {فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين} وقوله: بينكم خطاب للمؤمنين الذين تقدم بذكرهم ~~قاله الحاكم. PageV20P419 # قال بعضهم: معناه شهادة ما بينكم وما بينمكم كناية عن التنازع وعن التشاجر، ~~وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع ~~التنازع وحذف ما من قوله شهادة ما بينكم جائز لطهوره وتظهير قوله تعالى ~~{هذا فراق بيني وبينك} أي ما بيني وبينك، انتهى[286]. # ومعنى إذا حضر أحدكم الموت أي حضر أسباب الموت من مرض ونحوه، ونظيره أم ~~كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت. # وقيل: يقول في حال الصحة أو المرض إذا حضر الموت ms2473 فافعلوا كذا عن الزجاج، ~~ثم قال تعالى: {حين الوصية اثنان} يعني وقت الوصية اثنان هما الشاهدان، ~~وقيل: هما الوصيان، وأراد إذ تأكيد الأمر في الوصية فجعل الوصية اثنين وعلى ~~هذا الشهادة بمعنى الحضور. # قال في الكشاف: ارتفع أثنان على أنه خبر لملبتداء الذي هوشهادة بينكم على ~~معنى مما فرض عليكم أن يشهد اثنان، وإذا حضر ظرف للشهادة وحين الوصية بدل ~~منه وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وإنها من الأمور اللازمة، انتهى. # وأما قوله تعالى {ذوا عدل منكم} فاختلف أهل التفسير من أئمتنا عليهم ~~السلام وغيرهم في قوله تعالى منكم على قولين: # الأول: وهو قول عامة المفسرين أن المراد اثنان ذوا عدل منكم يا معشر ~~المؤمنين أي من أهل الكتاب، والمعنى أو آخران من غير دينكم إن لم تجدوا ~~منكم وليست أو للتخير. PageV20P420 # والثاني: أن المراد بقوله منكم أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم ~~به أشفق وبورثته أرحم وأرأف، ثم قال {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت}قال بعض المفسرين انفقوا على أن سبب نزول هذه الآية أن تميما ~~الذاري وأخاه عدنا كانا نصرانيين حتى جاء إلى الشام ومعهما بديل مولا عمرو ~~بن العاص وكان مسلما مهاجرا خرجوا للتجارة فلما قدموا بين إلى الشام مرض ~~بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وألقاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه ~~ذلك ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعة إذا رجعا إلى أهله ومات بديل ~~وأخذا من متاعه إناء فضة منقوشان بالذهب فيه ثلاثمئة مثقال ودفعا باقي ~~المتاع إلى أهله لما قدما ففتشوا فوجدوا تلك الصحيفة وفيها ذكر الإناء ~~فقالوا لتميم وعدي [287]أين الإناء فقالا لاندري والذي دفع إلينا دفعناه ~~إليكم، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله بهذه ~~الآية، قلت وفي حواشي الكشاف على لفظ بديل المعروف تزيل بالباء المضمومة ~~بنقطة تحتها، ثم زاي معجمة بعد ها هاكذا ذكره الأمير بن ..........وما ذكره ~~المصنف هاهنا يعني صاحب الكشاف فمن أوهام بعض المفسرين والله ms2474 اعلم. PageV20P421 # ثم قال سبحانه: {تحبسونهما} أي تعقوبهما للخلف{من بعد الصلاة} أي صلاة ~~العصر؛ لأنه وقت اجتماع الناس أو جنس الصلاة لتكون الخلف بعدها لطفا وناهيا ~~عن الزور {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به} بالقسم {ثمنا}من ~~الدنانير{قليلا} أي لايخلف كاذبين لأجله على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم ~~وأمانتهم أبدا، وقوله إن ارتبتم اعتراض بين القسم والمقسم عليه أي إن ~~ارتبتم في شأنهما وكنتم قد اسندتم الوصية إليهما واتهمتموها فخلفوهما ~~أالوصيان المتهمان يمينا بالله أنهما لم يخونا في الوصية ولم يقطعا حقا ~~باليمين بالله كذبا {ولو كان ذا قربى} أي لانبيع عهد الله بشيء من الدنيا ~~ولو كان المقسم له قريبا وخص ذا القربى بالذكر؛ لأن الميل إليهم إثم ~~والمذاهنة بينهم أعظم وهوكقوله تعال {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} وقوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} عطف ~~على قوله تعالى لايشتري يعني أنهم يقسمان حال ما يقولان لانشتري به يمينا ~~ولانكتم شهادة الله أي نقوم بحفظها وإظهارها، ثم قال تعالى حاكيا{إنا إذا ~~لمن الآثمين(106)} يعني إذا كتمنا كنا من الآثمين. # ومن كلام أئمتنا عليهم السلام في هذه الآية: # قال المرتضى عليه السلام: قد سئل عن هذه المسألة جدي القاسم عليه السلام ~~فقال كذلك الله لاشريك له كما قال لكل من آمن إذا حضره الموت فأوصى أن يشهج ~~على وصية ذوي عدل من المؤمنين فإنلم يمكنهم من يشهد فاشهدوا من غيرهم من ~~أمكنه فإن ارتيب بهما واتهما أقسما وحلف كما قال الله سحبانه علىشهادتهما ~~ألا يشتريان بشهادتهما يمينا ولايأخذان عليهما جعلا. PageV20P422 # قلت: ولفظ القاسم عليه [288]السلام أنه قال شهادة بينكم هي الشهادة بينهم ~~في قضايا هم ومواريثهم عند نزول الموت وحضوره عند ما يكون في ذلك للميت من ~~أموره أن يستشهدوا عند الموت شهيدين من أنفسهم أو آخرين من غيرهم إن لم ~~يحضر مسلمان عند الموت؛ لأنه ربما حضر الموت الرجل المسلم في السفر وغيره ~~عنده إلا كافر أو مجرم فيضطر إلى شهادتهما وإن هو لم ms2475 يرض بهما فإذا كانا ~~معروفين في دينهما بالتخرج من الزور والظلم استشهد على الوصية وغيرها إذا ~~لم نظفر بمسلم فإن عرف وهو ظهر على أنهما آثمان وأنهما ليسا بصادقين فيما ~~عليه يشهدان حبسا بعد صلاة من الصلوات، وحبسهما وقفيهما وقت مما ذكر الله ~~من الأوقات وإن أرتبتم هو ظننتم أنهما كذبا فزادا أونقصا فليحلفان بالله ~~لانشتري شهادتنا وقولنا يمينا ولانشهد بغير الحق لأيحد ولو كان ذا قربى ~~ولأن فعلنا فكتمنا شهادتنا إنا إذا لمن الآثمين، يريد إنا لمن الظالين، ~~وقيما في الشهادة من الظلم بالإخفاء لهم في الكتم ما يقول الله سبحانه{ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه}فإن استحق أنهما كاذبان حلف من المظلومين آخران، انتهى. # وأما الحسين بن القاسم عليهما السلام فقال: معنى ذوا عدل منكم أي منكم ~~إيها المؤمنون المعروفون عندكم بالإيمان المسلمون، ومعنى قوله أو آخران من ~~غيركم أي من المجهولين الذين ليسوا منكم أيها المعروفون، ثم قال شفي هذين ~~المجهولين الذين أمرنا بإشهادهما بعد أن يصليا ويعرف الناس أنهما من أهل ~~الصلاة فإن صليا وعرفا حدود الصلاة أقسما بالله إن ارتبتم أي شككتم في ~~أمرهما فيجب أن تستخلفا بالله لاكتما شهادتهما التي جعلها الله أمانة في ~~رقابهما وأن هما جهلا حدود الصلاة لم يلفت إلى شهادتهما وبين عند ذلك ~~فسقهما وكفرهما لأم المجهول لاخلوا من أحد وجهين: PageV20P423 # إما أن يكون مجهولا فسؤاله عن حدود الصلاة يكشف بعض أمره فإن استتر بالصلاة ~~وجب[289] عليه اليمين والشهود في مثل هذه الوصايا والحقوق والمعاملات ~~ثلاثة، فاسق لايتكلم عليه في درهم ولايركن إليه أو مستتر بصلاته عالم ~~بحدودها يجب أن يستخلف لتصحيح الشهادة وتوكيدها أو مؤمن معروف بحقائق ~~الإيمان مشهور عند الناس بالورع والإحسان فيجب تصديقه حينئذ تامين البيان ~~ولايصح لأحد حق إلا شهادة رجلين من المصلين يستحلفان بالله وبشهادة مؤمن ~~معروف مع يمين المدعي. # وأما الفاسق فلا تقبل شهادتهم ولا كرامة لهم ولايصدقون لأنهم عند الله ~~كافرون ومنافقون، انتهى. # ثم بين تعالى الحكم بعد ظهور الخيانة من الوصي أو الشهود فقال ms2476 سبحانه{فإن ~~عثر على أنهما استحقا إثما} قال الليث يقال عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم ~~على أمر لم يهجم عليه غيره واعثرت فلانا على أمري أي اطلعته عليه، فقيل: ~~لكل من اطلع على أمر كان حفيا عنه قد عثر عليه أو عثره غيره إذا اطلعه عليه ~~ومنه قوله تعالى وكذلك اعثرنا عليهم أي اطلعنا ومعنى الآية فإن حصل العثور ~~والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الأثم بسبب اليمين الكاذبة {فآخران} ~~أي شاهداان آخران {يقومان مقامهما} أي مقام الشاهدين الذينمن غيركمولم يرد ~~ينوبان منابهما ولكن يقفان مثل موقفهما للحلف بعد صلاة العصر {من الذين ~~استحق عليهم الأوليان} أي استحق عليهم الأثم أي من الذين جنى عليهم أهل ~~الميت الأوليان تثنية للأولى وفيه وجوه: # الأول: أن يكون خبر المبتدا محذوف والتقديرهما الأوليان وذلك لأنه لما ~~قال فآخران يقوما مقامهما فكأنه قيل ومن هما؟ # فقيل: الأوليان. # والثاني: أن يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقم الأوليان. PageV20P424 # والثالث: أختيار الأخفش أن يكون قوله الأوليان صفة لقوله فأخاران وذلك أن ~~النكرة إذا تقدم ذكرهما ثم اعتد عليها الذكر صارت معرفة كقوله تعالى كمشكاة ~~فيها مصباح فمصباح نكرة، ثم قال المصباح في زجاجة، ثم قال الزجاج: وبهذا ~~مثل قوله رأيت رجلا ثم يقول إنسان من الرجل فصار بالعود إلىذكره ~~[290]معرفة. # الرابع: يجوز أن يكون قوله الأوليان بدلا من قوله آخران وإبدال المعرفة ~~من النكرة كثير وإنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين: # أحدهما: الأوليان الأقربان إلى الميت. # الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين والسبب فيه أن الوصين قد ~~ادعيا أن الميت باح الإنا وهما أنكر ذلك فكان اليمين حقا لهما وبهذا كما أ، ~~إنسانا أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين على الذي أدعى الدين ~~أو لا لأنه صار يدعي عليه أنه قد استوفاه، ثم قال تعالى {فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما} أي إيماننا أحق من يمنهما أي أصدق عن ابن عباس ~~وسميت الشهادة يمينا لأنها كالشهادة {وما اعتدينا} في قولنا ms2477 أن شهادتنا ~~أحق{إنا إذا} أي لو اعتدينا {لمن الظالمين(107)} أي إن حلفا موقنين بالكذب ~~معتمدين الزور والباطل. # وروي أنه لما نزلت هذه الآية إلا ولى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العصر ~~ودعاء بتميم وعدي فاستخلفهما عند المنبر بالله الذي لاإله إلا هو أنه لم ~~يوجد منا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سبيلهما وكتما الإنا عنه، ثم ظهر واختلفوا فقيل وجد بمكة فقالوا ~~اشتريناه من عدي وتميم عن ابن عباس. PageV20P425 # وقيل: لما طالت المدة أظهر الإنا فبلغ ذلك ورثته فطلبوهما فقالا كنا قد ~~اشتريناه منه فقالوا لم يقل هل باع صحابنا شيئا فقلتم لا فقالا لم يكن ~~عندنا ثمنه فكرهنا أن نقر، فرفعوا القصة إلى ر سول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأنزل الله تعالى فإن عثر الآية، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي ~~وداعة السهميان فحلفا بالله تعالى بعد العصر أن النصرانيين خانا وكذبا، ~~فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإنا إليهما وإلى أوليا الميت، ~~وكان تميم الداري يقول بعد ما أسلم صدق الله ورسوله أنا أخذت الإنا فأتوب ~~إلى الله تعالى. # وعن ابن عباس أه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري، فلما ~~أخبر بذلك وقال حلفت[291] كذبا أنا وصاحبي بعنا الإنا بألف وقسمنا الثمن، ~~ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت. # وفي البرهان: في سبب نزول هذه الآية مالفظه أن ابن بيداء وتميما الداري ~~وابن أبي مارية وكان بن بيداء وابن أبي مارية نصرانيين وكان تميم الداري ~~مسلما فخرجوا في سفر وكان مع تميم الداري خرج له فيه متاع وآنية منقوشة ~~بالذهب وقلادة اخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع فلما فصلوا من المدينة ~~اعتل تميم الداري علة شديدة فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى بن بيداء ~~وابن أبي مارية وأمرهما أن يوصلاه إلى ور ثته فقدما المدينة وقد أخذا من ~~المتاع الآنية ms2478 والقلادة وأوصلاه إلى ورثته فافتقدا القوم الآنية والقلادة ~~فقالوا هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة؟ # قالا لا ما مرض إلا أياما قلائل. # فقالوا هل شرى منه شيء في سفره بهذا؟. # فقالا لا. # قالوا: هل اتخذ تجارة خسر فيها؟ # قالا لا # قالوا: فقد افتقدنا أفضل شيء كان معه آنية منقوشة مكللة بالجوهر وقلادة. PageV20P426 # فقالا لا مادفعه إلينا فقد أديناه إليكم، فقدموهما إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأوجب عليهم اليمين فحلفا فخلى عنهما، ثم ظهرت تلك الآنية ~~والقلادة فجاء أولياء تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا ~~يارسول الله قد ظهر على ابن بيدا وابن أبي مارية ما ادعينا عليهما فانتظر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم من الله عز وجل فأنزل الله تعالى ~~{ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم} الآية إلى آخرها، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم ~~فحلفوا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآنية والقلادة من أبن ~~بيداء وابن أبي مارية وردهما على أولياء تميم الداري فأطلق الله شهادة أهل ~~الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يوجد أهل الإسلام، انتهى. # ثم بين تعالى وجه الحكم في استخلاف الشهود فقال سبحانه: {ذلك أدنى} أي ~~أقرب {أن يأتوا بالشهادة} أي الشهود على مثل هذه الحادثة[292] {على وجهها} ~~وهي أن لايحلفوا كاذبين أي ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين ومن يحلف ~~الشاهدين اقرب إلى أن يأتي الشهداء على نحو تلك الحادثة بالشهادة على وجهها ~~لايكتمون شيئا ولا يزدون شيئا. # وقوله: {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} عطف على يأتوا أي أقرب إلى ~~أن يخافوا أن ترد أيمان أي تعاد أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا ~~بظهرو كذبهم كما في قصة بديل. # المعنى أن تتحفظون في الشهادة مخافة أن ترد اليمين والشهادة إلى المستحق ~~عليهم فتظهر الفضيحة ويسترد المال فيخافون ويتحرزون من الكذب، ثم قال ms2479 ~~تعالى:{واتقوا الله} بامتثال ما أمركم {واسمعوا} اسماع قبلو {والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين(108)} أي لايزيدهم بهذا لعدم قبولهم أولايحكم لهم بالهدا ~~ولاسمعهم به. PageV20P427 # واختلف العلماء في أن اليمين هل يلزم كل شاهد أم لا. # فقال بعضهم: لايلزم ويتعلق بما روي عن ابن عباس أنه قال إنما ذلك في ~~الكافر خاصة. # وقال غيره: هو لازم في كل شاهدين إذا كانا وصيين قد ارتيبت بهما. # واختلفوا أيضا في نسخ هذه الآيات فقال بعضهم هي منسوخة، واحتج بأن ~~الإيمان لايلزم الشهود في هذا الوقت وإنما كان ذلك قبلا إشهاد العدول، فلما ~~أمر بإشهاد العدول نسخ هذا الحكم وقال غيره من الفقها ليست الآيات منسوخة ~~لأنها تضمنت حكم شهادة الإيمان التي يلزم الوصيين إذا ظهرت منهم الخيانة ~~ووجدا في أيديهم ما يدعي الورثة أنه لهم فتلزمهم اليمين ذكر هذا في البلغة. # ولما اتفق أكثر المفسرين على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما. # وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أنه قال هذه الآية أظل ما في ~~السور من الأحكام أحيينا ذكر ما ذكره الإمام عبد الله بن الحسين عليهما ~~السلام زعم قوم أن هذه الآية في أهل الذمة [293]وأنها محكمة واحتجوا في ذلك ~~بحجج منها: PageV20P428 # حديث تميم الذاري وأخيه النصرانيين وهما من لحم وكانا تاجرين إلى مكة ~~والمدينة، ثم خرجا إلى الشام ومعهما ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص حتى ~~إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن مارية فكتب وصيته بيده ودسها يف بعض أداته ~~وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعة واخذوا بعضه فلما قدموا على أهله فتحوا ~~متاعه فوجدوا وصيته وفقدوا بعض ما فيها، فسألوهما عن ذلك فقالوا هذا ما ~~قبضنا من متاعة، فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه ~~الآية يا أيها الذين أمنوا شهادة بينكمإذا حضر أحدكم الموت إلى قوله إنا ~~إذا لمن الآثمي، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يستحلفوهما ~~بالله الذي لاإله إلا هو ما قبضنا غير هذا ولا ms2480 كتمنا ففعلوا فمضى ما شأ ~~الله ثم ظهر معهما إنا من فضة منقوش بذهب فقالوا هذا من متاع صاحبنا فقالوا ~~اشتريناه منهبعد موته فارفعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية. # الأخرى وهوقوله تعالى {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان ~~مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا، فاستحلفهما ثم أن ~~تميم أسلم بعد ذلك فكان يقول صدق الله ورسوله أنا أخذنا الإنا واحتجوا أن ~~الآية خوطب بها أهل التوحيد جميعا فكيف يكون لبعض دون بعض. # واحتجوا أيضا بإجماع المسلمين على أن الشهود لايمين لعيهم وأنه لايحبس ~~شاهد حتى يستحلف من بعد صلاة العصر وأكثروا الحجج والتخليط في هذا القول ~~وأجازوا شهادة كل ذمي على المسلين بما بما أضلوا من حججهم بهذه وقال آخرون ~~الآية كانت كذلك في أهل الذمة ثم نسخت، واحتجوا أيضا بحجدج كثيرة. PageV20P429 # قال الإمام عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما والقول عندنا وعند من قال ~~بقولنا أن الآية محكمة وهي في أهل الإسلام خاصة دون أهل الذمة ومن الحجة ~~على من خالفنا قول الله عز وجل {اثنان ذوا عدل منكم} واين العدالة من أهل ~~الذمة وهم[294] يجعلون للرحمان ولدا ويجحدون محمدا لعنهم الله، وقد بلغني ~~من حيث أحب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ((المائدة آخر سورة ~~نزلت من القرآن فأحلوا حلالها وحرموا حرامها)). # ومن الحجة عليهم أيضا قول الله سبحانه: {وأشهدوا ذوى عدل منكم} ومن الحجة ~~أيضا قول الله تبارك وتعالى {ممن ترضون من الشهداء} فلا يكون المشركون ~~عدولا ولا رضا أبدا. # قال عبد الله بن الحسين صلوات الله عليهما: وإنما غلط من خالفنا من جهة ~~تأويل الآية وتفسيرها وإنما المعنى إثبات ذوا عدل منكم، يعني من أهل ~~القبيلة الحاضرة أومن غيرهم من المسلمين إذا لم يكن فيمن حضر من قبيلتكم ~~عدلان يوثق بهما على آدى الشهادة ففي غيرهما من ms2481 قبائل المسلمين فتأولوا ~~الذين سمعوا الآية وظنوا أن قوله أو آخران من غيركم من غير أهل دينكم وأن ~~المقصود بذلك أهل الذمة وأن المخاطب بها جميع المسلمين، وإنما المخاطبة لمن ~~نزل به مثل ما ذكر الله. # وا لمعنى للجميع وكذلك كتاب الله تجئ اللفظة والمخاطبة للواحد، والمراد ~~بها الجميع وتخرج اللفظة والمخاطبة للجميع والمراد بها الواحد، قال الله ~~تعالى لنبيه عليه السلام : {ياأيها النبي} فخاطبه وحده ثم قال: { إذا طلقتم ~~النساء} للجميع فكان الخطاب له والمقصود به للجميع وكذلك قال لجميع قر ابة ~~الموصي يا أيها الذين أمنوا شهادة بينكم يخاطب أهل الوصي وقرابته وقبيلته ~~بذلك وهو يريد جميع المؤمنين من بعد أن أفعلوا ما أمرت هؤلاء به، ومثل هذا ~~كثير في كتاب الله كرهت بذكره التطويل. PageV20P430 # فأما ما احتجوا به من استخلاف الشهود وحبسهم من بعد صلاة العصر فإن هذا ~~لايعرف من الأحكام بفعل أحد من أهل التوحيد فان لله أن يحكم بما يشاء ويفرق ~~بين ما أحب ويفرض من الحكم ما أراد وينسخ أليس قد حرم .........إباحها عند ~~الضرورة وجعل الصلاة اربعا ثم جعلها أثنتين في السفر، وكذلك جعل لمن ذكرنا ~~ممن ضرب في الأرض وسافر ما ذكرنا وحكم به وأقره على كل من احتاج إليه وليس ~~في حجتهم شيء ثبت لهم [295]به حجة؛ لأن المشركين ليسوا بأهل أمانة ولا ~~عدالة ولارضى، فهذا ما اختلف فيه من هذه الأوامر وناسخها ومنسوخها ~~وتأويلها، انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين الشهادة والوصايا اتصل بها الزجر عن إظهار خلاف ~~الحق؛ لأن المجازى عالم بجميع ذلك فقال عز وجل {يوم يجمع الله الرسل فيقول ~~ماذا أجبتم} وقيل: في وجه اتصال الآية بما قبلها أي لايهدي القوم الفاسقين ~~يوم يجمع، وقيل: يجمع ذلك انتصب يوم بمحذوف وهو احذروا يوم يجمع الله الرسل ~~أو اذكروا يوم يجمع الله الرسل أو اتقوا يوم يجمع الله الرسل ولا يجوز ~~هاهنا انتصابه على الظرف بهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ~~وإنما انتصب في حكم ms2482 المفعول به والغرض بذكر ذلك تهويل حال المقام الذي يجمع ~~الرسل فيه ويسألهم عن إجابة أممهم فأخبر الله تعالى عنهم أنهم يقولون بعد ~~سؤالهم عما أجيبوا به {قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب(109)} أي لا ~~علم لنا بباطن ما أجابنا أممنا وأنه كان كذلك لأنه هو الذي يقع عليه ~~الجزاء، ومن ذهب إلى هذا التأويل أكد ذلك بقوله أنك أنت علام الغيوب، لأن ~~الغيب لا يعلمه إلا الله والرسل وإنما علموا ظاهر أمور أممهم لابواطنها. # وقال غيره: معناه لاعلم لنا إلا ما علمتنا فحذف علمتنا، وقيل: معناه ~~علمنا ساقط مع علمك لأنك علام الغيوب، فكأنه لا علم لنا. PageV20P431 # وقيل: لا علم لنا هو قول يقولونه للذهول والدهشة الذي تصيبهم من أهوال ~~القيامة، وأنكر ذلك أكثر العلماء واحتجوا بأن الله تعالى قال في صفة ~~المؤمنين لاحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون. # وقال لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، ذكر هذا في البلغة, # وفي هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: معنى قوله سبحانه يوم يجمع الله ~~الرسل فهوا يوم القيامة وهو اليوم الذي قال الله عز وجل فيكف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فيحضر عز وجل أنبياؤه وأممهم ثم ~~يقول سبحانه لهم عند ما يكون من تغيير الأمم وفعالهم خلاف ما اعطوا ~~[296]أنبيائهم من أنفسهم وأبانوه من علانيتهم عند كشف سرائرهم وتوقيفهم على ~~أعمالهم التي خالفوا فيهلا ما كان من ظاهرهم فيقول تبارك وتعالى لأنبيائهم ~~ما هذا أجبتم أي ليس هذا الفعل الذي أعاقبهم وأجزيهم فيع الذي اعطوكم من ~~أنفسهم ولم يفوا بما أظهروا لكم من ألسنتهم بل كانت فيهم أعمال دون ذلك ~~فيقول الأنبياء عليهم السلام سبحانك لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب، أراد ~~وا بذلك أنه لاعلم لهم بضمائرهم ولا ما استجن في قلوبهم ولم يكن عندهم من ~~العلم إلا ما يظهر من قولهم الذي كانوا يبدونه لأنبيائهم وهو ظاهر الأمور ~~لا باطنها إلى ترا كيف يقول إنك ms2483 أنت علام فهو دليل على أن الله عز وجل أعلم ~~أنبياؤه بما كان من ضمائرهم إن سألهم عند ماقبته لهم مما لا علم لهم به ~~وأما ما يقول به من لاعلم له أنه سألهم يوم القيامة سبحانه عن مطيع أممهم ~~فأنكروا ولم يعرفوه فعلى ما حضرهم عز وجل يشهودا إذا كانوا لا يعرفون من ~~أطباعهم في عصرهم فهذا لايقول به أحد يميز وليس القول فيه إلا القول الأول ~~الذي قلنا، وقد قيل في ذلك عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ~~تعالى يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم؟ PageV20P432 # فقال يقول ماذا أجابكم قومكم وهذا في بعض مواطن القيامة قالوا لاعلم لنا من ~~شدة المسألة وهول ذلك الموطن قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب رجعبت ~~إليهم عقولهم فشهدوا على قولهم أنهم قد بلغوهم الرسألة وبهذا قول ليس هو ~~عندي يثاب بل هو مدخول وكيف يحزن أولياء الله ورسله المظهرون في بذلك اليوم ~~والله سبحانه يخبر بأن المؤمنين الذي أمنوا في بذلك اليوم غير مزونين ~~ولاخائفين، وذلك قوله عز وجل لايحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون، فكيف من تتلقاه الملائكة عند خروجه من قبره مبشرة ~~بالرضى من الله عز وجل والجنة وحسن الثواب والأمن من أليم العقاب، والقول ~~الأول الذي قلنا به فقي صدر جوابنا هو أقرب إلى الحق وهو الصواب عندنا[297] ~~وبالله نستعين على طاعة خالقنا، انتهى. # قلت: ومثل هذا في تفسير الحسين بن القاسم عليهم السلام: فإن قيل ولم ~~يسألهم وهو أعلم بأعمالهم منهم. # قال في البرهان: عن هذا جوابان: # أحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم مالم يعلما من كفر أممهم وتغيرهم بعدهم ~~ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. # والثاني: أنه اراد أن يفضح أهل المعاصي والكفر بإشهادهم عليهم قوله ~~تعالى:{إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك}. # قال في البلغة: اتصلت هذه الآية بما قبلها؛ لأنها من صفة القيامة، كما أن ~~ما قبلها من صفة القيامة من سؤال الرسل عن ms2484 جواب الأمم والتبشير لمن هو أهله ~~والتوبيخ لمن يستحقه، قيل: في موضع إذ من الإعراب أنه رفع على الإبتداء على ~~معنى ذلك إذ قال ربك وقيل: أذكرإذا قال ربك أي اذكر وقت قوله وهو بدل من ~~يوم يجمع الله. # قال في البرهان: وإنما ذكر الله عيسى عليه السلام نعمته عليه وعلى والدته ~~وإن لم يجر لها ذكر لأمرين: # أحدهما: ليتلوا على الأمم ماخص به من الكرامة وصبره به من علو المنزلة. PageV20P433 # والثاني: ليؤكد به حجته ويرغم به جاحده، قيل لما قال الله له اذكر نعمتي ~~كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد ~~فيموت أينما أمسى بات، ثم أخذ تعالى في تعديد نعمه فذكر وجوها: # أولها: قوله {وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس} يعني قوتك مأخوذ من الآية ~~وهو القوة أي قويتك ونصرتك بجبريل عليه السلام، والقدس هو الله كأنه أضافه ~~إلى نفسه تعظيما، والقدس هي النزاهة والبركات، والرفعة، والفخر، والجلال، ~~وتأييده له من وجهين: # أحدهما: تقيوته على أمر دينه. # والثاني: معونته على رفع ظلم اليهود والكافرين. # وثانيها: قوله تعالى {تكلم الناس في المهد وكهلا} المهمد الفراش الممتهد ~~الذي يفترش الأطفال فعطف كهلا على موضع تكلم، ومعناه أيدتك صغيرا وايدتك كهلا. # وقيل: عطف على موضع في المهد بتقدير تلكلم الناس في المهد بالرسالة ~~وتكلمهم بالرسالة كهلا، وقيل: تلك صغيرا في المهد بالحق وتكلم كهلا ~~بالرسالة. # قال [298]في البرهان: أما كلامه في المهد فهو معجزة خصه الله تعالى بها، ~~وكلامه لهم في المهد إنما اختص بتعريفهم حال نبؤته، وقوله {قال إني عبد ~~الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا(30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني ~~بالصلاة والزكاة ما دمت حيا} وكلامه كهلا دعاهم إلى ما أمرهم به من الصلاة ~~والزكاة وذلك حين صار ابن ثلاثين سنة. # وثالثها: قوله تعالى {وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} في ~~الكتاب قولان: # أحدهما: المراد به الكتابة وهو الخط. # والثاني: المراد به جنس الكتب ثم فصل ذلك بذكر التوراة والأنجيل، ومعناه ms2485 ~~وعلمك التوراة والأنجيل والحكمة وهي العلم بما في الكتب من جميع ما يحتاج ~~إليه من دينه ودنياه. PageV20P434 # ورابعها قوله تعالى{وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} أي بأمري وتسهيلي ~~{فتنفخ فيها} أي الصورة التي هي كمثل صورة الطير فالضمير رجع إلى الكاف، ~~فالمعنى ويقدر من الطير كهية طائر ثم ينفخ فيها الروح فيصير حيا بأذن الله، ~~وهو من جملة معجزاته فعدة ما أنعم به عليه. # قال في البرهان: ومعنى تخلق أي تفعل وتصور صورة الطير من الطين والخلق ~~فعل يأتي على سبيل القصد والتقدير من غير............قوله فتنفخ فيها يعني ~~الروح والروح جسم لطيف، فالمتولي لذلك المسيح، وقوله {فتكون طيرا بإذني} ~~يعني أن الله تعالى هو الذي يقلبها حيوانا بعد نفخ الروح فيها فأذنه أرمه ~~أن يصير بأمر الله لا بفعل المسيح. # وخامسها: قوله عز وجل {وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني} الأكمه الذي يولد أعمى. # وقال الخليل: قد يكون أيضا الذي يعمى بعد أن يكون بصيرا، قال الشاعر: # كمهت عيناه حتى أبيضتا # والأبرص الذي به علة بالبياض يسمى برصا، والمعنى يدعوني أن أبرئ الأكمه ~~والأبرص فأجيب دعاك فأبرئ ، وهو فعل الله تعالى نسبه إلى المسيح مجازا لأنه ~~فعله لأجل دعائه. # وسادسها: قوله تعالى:{وإذ تخرج الموتى [299]بإذني} أي واذكر نعمتي عليكم ~~إذ تدعوني أن أحي الموتى فأجبت دعاك حتى تخرجهم من القبور أحياء، ونسب ذلك ~~إليه توسعا إيضا لأجل دعائه، والذي أحيا من الموتى رجلين وامرأة ذكره في ~~البرهان وهذه كلها معجزات عيسى عليه السلام إحياء الموتى فإذهاب العمى ~~والبرص. PageV20P435 # وسابعها: قوله تعالى {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} أي ومن ~~نعمتي عليك أن كفيتك شر بني إسرائيل لما قصدوك حين جئتهم بالدلائل ~~والمعجزات ودعوتهم إلى الحق {فقال الذين كفروا} وجحدوا بنبوتك{منهم إن هذا ~~إلا سحر مبين(110)} فقال الكافرون من بني إسرائيل ما هذا إلا ساحر بين ~~السحر يعني عيسى عليه السلام ومن قرأ سحرا أراد به ما معجزاته إلا سحر، فإن ~~قيل إنه تعالى شرع في تعديد نعمه على عيسى ms2486 عليه السلام وقول الكفار في حقه ~~أن هذا إلا سحر مبين ليس من النعم فكيف ذكره؟. # قال بعضهم في الجواب: أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي نعمة محسود فطعن ~~الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام يدل على أن نعمة الله تعالى في حقه ~~كانت عظيمة فحسن ذكره عند تعديد النعم بالوجه الذي ذكرناه ولأن المقصود من ~~الآية أنه تعالى يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما ~~أظهر على أيديهم من الآيات العظام فكذبوهم وسموهم سحرة، وجاوزوا حد التصديق ~~إلى أن اتخذوهم آلهة كما قال بعض بني إسرائيل فيما ظهر على يد عيسى من ~~البينات هذا سحر مبين، واتخذه بعضهم وأمه إلهين. # وثامنها: قوله تعالى:{وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} أي ~~واذكر نعمتي عليك إذ أوحيت إلى الحواريين أنصارك، وقيل: تقديره واذكر نعمتي ~~على الحواريين فيكون قد ذكره نعمة خاصة وعامة، ومعنى أوحيت لهم أمرتهم على ~~ألسنة الرسل وبما نصبت في عقولهم من تصديق من جاء بالمعجزة. # قال المرتضى عليه السلام : معنى أوحيت للحواريين هو ما أوحى عزوجل إلى ~~عيسى عليه السلام من الأمر لهم والنهي والدعاء إلى الله عزوجل فلما كان ذلك ~~[300] إليهم جاز أن يقول أوحيت؛ لأن الأمر والنهي كان لهم ومنهم. انتهى. PageV20P436 # والحواريون أول من آمن بعيسى وحواري الرجل صفوته، ثم بين تعالى أن ~~الحواريين{قالوا آمنا} أي صدقنا{واشهد} بالله أو يا عيسى لنا عند ~~الله{بأننا مسلمون(111)} مخلصون ومنقادون، ثم بين تعالى ما سئل الحواريون ~~فقال سحبانه:{إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء}. # قال في البلغة: العامل في إذ هاهنا أوحيت وقيل: العامل اذكر كأنه قيل ~~اذكر إذ قال الحواريون معناه هل تستدعي إجابة ربك، وقيل: تقدر أن تسأل ربك ~~أن ينزل علينا مائدة من السماء، وهذا كان في أول أمره قبل استكمال معرفتهم ~~بالله ولهذا قال لهم {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين(112)} زجرا لهم عن ~~ذلك، وهذا على طريق المجاز كمايقول القائل هل ms2487 تسطيع أن تنهض معنا أي هل ~~يفعل ذلك، وقيل: معناه هل يستجيبك ربك ويطيعك إن دعوته. انتهى. # وقال المرتضى عليه السلام : قد سئل جدي القاسم عليه السلام عن هذه ~~المسألة فقال معنى هل يستطيع ربك، يقولون هل ذلك مما يجوز طلبنا له، ~~والحواريون فلا يشكون ولا ينكرون أن الله سبحانه يستطيع ويقدر، والشكر في ~~هذا كفر بالله عزوجل فهل يتوهم علىالحواريين الشك في قدرة الله عزوجل. انتهى. # والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام، وكسر الخاء أفصح، وهي من مادة إذا ~~أعطاه ورفده كأنها تميد من يقدم إليه أي ترفده، ثم قال تعالى:{قالوا نريد ~~أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا} أي تسكن إلى الإيمان{ونعلم أن قد صدقتنا} ما ~~وعدتنا، أو في نبوتك{ونكون عليها من الشاهدين(113)} لله بالوحدانية ولك ~~بالنبوة، أو تشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل. PageV20P437 # قال الرازي: كأنهم لما طلبوا ذلك قال عيسى لهم: أنه قد تقدمت المعجزات[301] ~~فاتقوا الله في طلب هذه المعجزة بعد تقدم هذه المعجزات القاهرة فأجابوا ~~وقالوا: إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد أن تكون معجزة بل لمجموع أمور كثيرة: # أحدها: أنا نريد نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا نجد طعام آخر. # وثانيها: أنا وإن علمنا قدرة الله بالدليل ولكنا إذا شاهدنا المعجزات ~~ازداد اليقين والعرفان وتأكدت الطمأنينة. # وثالثها: أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات أرضية، وهذه ~~معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم، فإذا شاهدناها كنا عليها من الشاهدين لله ~~تعالى بكمال القدرة ولك بالنبوة، وفي البرهان قوله نريد أن نأكل منها ~~اعتذار منهم بينوا سبب سؤالهم حين نهوا عنه فقالوا: نريد أن نأكل منها ~~وإنما أرادوا تبركا بها لا لحاجة إليها داعية؛ لأنهم لو كانوا محتاجين لما ~~نهوا عن السؤال. انتهى. # وقيل: نهاهم لأنه اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة مع جواز أن تكون مفسدة. # قال الحاكم: وهو الوجه وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة ويرسل عليهم ~~العذاب إن خالفوا، ثم بين تعالى ما دعى به عيسى وما أجيب به، فقال ms2488 ~~سبحانه:{قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا ~~عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين(114)} اللهم أصله ~~يا ألله فحذف ياء وعوض منه الميم. # وقوله {ربنا} نداء ثان أي يا ربنا أنزل علينا مائدة. # قال في البلغة: ومعنىالآية أن عيسى صلى الله عليه دعى الله ربه أن ينزل ~~المائدة التي سألوها ويكون ذلك عيدا لهم لومن أتى بعدهم. PageV20P438 # قال المرتضى عليه السلام : وإنما سألوا أن تكون المائدة لهم عيدا وكان ذلك ~~يوم عيد من أعيادهم، فقالوا لأولنا وآخرنا وأرادوا جميعهم وهذا موجود في ~~لغة العرب، يقول بلغة الرسالة أولهم وآخرهم يريد بقوله ذلك أي جميعهم، ~~ويقول القائل خرجوا عن آخرهم، وهذا الكلام حسن جميل [302] جائز، وقلت هل ~~أنزلها عليهم أم لا؟ # قال عليه السلام : بل قد أنزلها، ألا تسمع كيف يقول وقوله الحق{إني ~~منزلها عليكم} وقد قيل أنها لم تنزل عليهم وليس ذلك عندي، كذلك لأن الله ~~سبحانه يقول {إني منزلها عليكم} وقوله الحق ووعده الصدق تعالى علوا كبيرا. انتهى. # قيل: أنهم سألوا عيسى ذلك عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولاطعام، ودعى ~~الله تعالى أن يرزق ذلك لهم وأثنى عليه بأنه خير الرازقين، ومعناه اجعل ذلك ~~رزقا لنا، وقيل: معناه وارزقنا الشكر على إنزال تلك المائدة. # وروي أن المائدة نزلت يوم الأحد، وكان عليها خبز وسمك. # وروي أنهم كانوا يجدون في ذلك السمك طعم كل طعام وطيبة، وقيل: كان عليها ~~من كل طعام إلا اللحم والله أعلم. # ولما دعى صلى الله عليه ربه نزول المائدة{قال الله} مجيبا لعيسى {إني ~~منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم} أي بعد نزول المائدة{فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين(115)} عذابا بمعنى تعذيبا، والظمير في لا أوعذبه ~~للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لقال لا أعذب به، والعالمين المراد به ~~عالمي زمانهم، ولما كفروا عذبوا، وكان ذلك العذاب المسخ؛ لأنهم مسخوا قردة. # وقيل: هو جنس من العذاب لايعذب به غيرهم قاله في البلغة. PageV20P439 # روي ms2489 أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال اللهم أنزل ~~علينا مائدة فنزلت سفرة خضراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ~~ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيس عليه السلام وقال: اللهم اجعلني ~~من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم: ليقم ~~أحسنكم عملا وليكشف عنها وليذكر اسم الله عليها ويأكل منها. # فقال شمعون: رأس الحواريين أنت أولى بذلك، فقام عيسى عليه السلام وتوضأ ~~وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله الرحمن الرحيم فإذا سمكة مشويا ~~بلا شوك ولا فلوس تسيل دسما وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من أنواع ~~البقول ما خلى الكراث[303] وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى ~~الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال ~~شمعون يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم طعام الآخرة؟ # فقال: ليس منها ولكنه شيء اخترعه بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا ~~يمددكم ويزدكم من فضله. # فقال الحواريون: لو ارتبنا من هذه الآية آية أخرى؟ # فقال: يا سمكة أحيي بأذن الله تعالى، فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنتي، ~~فعادة مشوية ثم طارت المائدة، ثم عصوا من بعدها فمسخوا قردة وخنازير ومكثوا ~~ثلاثة أيام ثم هلكوا. # وقيل: أن الملائكة أقبلت بالمائدة يحملونها فأكلوا منها. # قال في البرهان: وكان عليها ثمار الجنة وأطعماتها، وفي هذا السؤال مثل ~~ضربه الله تعالى لخلقه ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه بعد إقرارهم ~~بنبوتهم وتصديقهم بمعجزاتهم، ثم بين تعالى من تمام قصة عيسى عليه السلام ~~وقومه يوم القيامة فقال سبحانه:{وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} العامل في إذ فيه قولان: # الأول: العامل ما عمل في إذ الأولى فيكون الإعراب فيهما واحدا. PageV20P440 # والثاني: عطف جملة على جملة لتطاول الكلام بينهما فيكون العامل مضمرا غير ~~الأول، وإنما جاء وإذ قال على صفة الماضي، والمراد به المستقبل لتحقق كونه ~~وضهورة برهانه كقوله{ونادى أصحاب الجنة ms2490 أصحاب النار} لأنه بمنزلة ما وقع ~~وشوهد، وهذاالسؤال خرج مخرج الإستفهام ومعناه التوبيخ والتقريع لقومه ولمن ~~ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ ~~والتعنيف. # قال الحسين بن القاسم عليهم السلام : يريد عزوجل أن الخطاب منا لعيسى ~~عليه السلام هو يوم القيامة عند تبكيتنا لهم وتوقيفنا لعيسى عليه السلام ~~على تكذ يبهم ليكون أكمل لحجتنا عليهم وأفضع لمعاذيرهم وعللهم وأعظم ~~لحصرتهم وندامتهم. انتهى. # واعلم أن الله تعالى[304] لما سأل عيسى أنك هل قلت كذى لم يقل عيسى بأني ~~قلت أو ما قلت بل{قال سبحانك} أي تنزيها لك من الشرك{ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق} فبين الله تعالى أن عيسى نزه الله تعالى عن أن يشرك به، ونزه ~~نفسه على أن يقول الباطل، ولما بين أنه ليس له هذا الكلام شرع أنه هل وقع ~~هذاالقول أم لا؟ فلم يقل إني ما قلت هذا الكلام؛ لأن هذا يجري مجرى الطهارة ~~والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك إلى ~~علمه المحيط بالكل فقال:{إن كنت قلته فقد علمته} يعني تعلم أني لم ~~أقله{تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} معناه أن عيسى قال تعلم ما أخفي ~~ولا أعلم ما تخفي أنت يا رب، فجاء ذكر النفس لمزواجة الكلام؛ لأن ما يخفيه ~~كان إخفاء في النفس. # وروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: وتأويل هذه الآية ~~تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، يدل على صحة التأويل قوله تعالى عقيب ~~ذلك:{إنك أنت علام الغيوب(116)}ومعنى ما قاله والأول متقارب قاله في ~~البلغة. PageV20P441 # وعن الزجاج: تعلم جميع ما أعلم ولا أعلم جميع ما تعلم، والمراد تعلم معلومي ~~ولا أعلم معلومك، لكن سلك بالكلام طريق المشاكلة، فقيل في نفسك لقوله في ~~نفس كقوله: {مكروا ومكر الله}. # وقال المرتضى عليه السلام : قد سئل جدي القاسم عليه السلام عن هذه ~~المسألة فقال: هذا تسبيح الله وإكبار الله عزوجل عن أن ms2491 يقول في ذلك على ~~الله سبحانه مالا يكون، يقول من إفك مفترى مكذوب لا يصح فيه أبدا قول في ~~فطرة، ولا يقوم في عقل سليم ولا فكرة، فقال صلى الله عليه {ما قلت لهم إلا ~~ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} فأنبأهم أنه عبد له كما هم كلهم ~~جميعا لله عزوجل عبيدا، وأخبر الله من قوله في ذلك بما لا تنكره النصارى ~~كلها وإن اختلفت في أديانها وفرقتها البلدان في كل مفترق من أوطانها لما ~~رأوا منه عيانا وأيقنه من غاب عنه منهم إيقانا من عبادته عليه السلام لله ~~سبحانه واجتهاده في طاعة[305] الله عزوجل وكان فيما عاينوا مشابهته لهم في ~~الخلقة دليل مبين على أنه عبد لله يجري عليه من حكم الله عزوجل ما يجري ~~عليهم بما بان من أثر تدبير الله وصنعه فيه وفيهم. انتهى. # ثم قال تعالى حكاية عن عيسى:{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ~~الله} وحده{ربي وربكم} أي قال عيسى لله تعالى ما قلت لقومي إلا ما أمرتني ~~به وهو أني قلت لهم اعبدوا الله سيدي ومالكي وسيدكم ومالككم فكان الأصل ما ~~أمرتهم إلا بما أمرتني به فوضع القول موضع الأمرين وعلى موجب الأدب الحسن؛ ~~لأن لا يجعل نفسه وربه آمرين معا، ودل على الأصل يذكر أن المفسرة وموضع إن ~~من الإعراب قيل فيه وجهان: # أحدهما: أنه عجز على البدل من الضمير الذي في قوله به. PageV20P442 # والثاني: نصب على البدل من ما التي في قوله: {إلا ما أمرتني به} ثم قال ~~تعالى حاكيا:{وكنت عليهم شهيدا} أي رقيبا كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم ~~أن يقولوا ذلك أو يدينوا به{ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم} يمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة والبيان{وأنت على كل شيء ~~شهيد(117)} أي مطلع، وهذه الوفاة قيل هي وفاة الموت أي استوفيت أجلي ~~بالموت، وقيل: هي وفاة الرفع إلىالسماء من قوله {إني متوفيك ورافعك إلي} ثم ~~قال:{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ms2492 لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم(118)}العزيز القادر على الثواب والعقاب الحكيم الذي لا يثيب ولا ~~يعاقب إلا عن حكمة، كأنه قال والمغفرة لا تنقص من عزك ولا تخرج عن حكمتك، ~~والمغفرة لا تكون للكفار لكن بناء الكلام على الشرط قاله في الكشاف، وتقدير ~~هذا الكلام أن عيسى قال لله أن يعذب قوم فإنك إنما تعذب عبادك إن اتسحقوا ~~العقاب بإجرامهم وأن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ومعناه أن تغفر لهم ~~فأنت لا تفعل ذلك بعد الوعيد والمغفرة تنافي الحكمة لما فيها من خلف الوعيد ~~الذي هو الكذب، ووجه قوله إن تغفر لهم [306]مع العلم بأن الله لا يغفر ~~للكافرين تفويض الأمر إلى الله تعالى العالم بباطن أمرهم وظاهره، ومن أخلص ~~التوبة منهم ومن أقام على كفره وإنما قال هاهنا فإنك أنت العزيز الحكيم ولم ~~يقل الغفور الرحيم؛ لأن الكلام لم يصدر منه على مسألة الغفران لهم وإنما ~~صدر على تسليم الأمر إلى المالك القادر الذي هو أملك بهم، ولو قال الغفور ~~الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة للكافر وحاشاه عن ذلك، ولما بين عيسى عليه ~~السلام الحق وبطلان ما عليه النصارى {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم} قرأ جمهور القراء بالرفع، وقرأ نافع PageV20P443 بالنصب، واختاره أبوا عبيد، فمن قرأ بالرفع قال الزجاج: التقدير هذا يوم ~~منفعة الصادقين، وأماالنصب ففيه وجهان: # أحدهما: أنه ظرف لقال والتقدير قال الله تعالى هذا القول لعيسى يوم ينفع. # والثاني: أن يكون التقدير هذا الصدق واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، وخبر ~~هذا يوم ينفع سواء جعلت يوم ظرفا أو غير ظرف، والمعنى هذا يوم تظهر فيه ~~منفعة صدق الصادقين في الدنيا، فأما من صدق في الآخرة فقط فلا ينفعه؛ لأنها ~~ليست بدار عمل ويجوز أن يراد بهذا المذكور من كلام عيسى واقع يوم ينفع ~~الصادقين وهم النبيون صدقهم بالتبليغ أو المؤمنون بإيمانهم أو صدق عهودهم، ~~أي الصدق المستمر في الدنيا والآخرة لا الآخرة فقط، فقد صدق إبليس لقوله ~~{إن الله وعدكم وعد الحق...} الآية، ولم ينفعه، وعلى ms2493 قراءة رفع يوم المعنى ~~الإشارة إلى يوم القيامة. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم يوم القيامة ~~شرح كيفية ذلك النفع فقال سبحانه:{لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم(119)} أي جزاء ~~الصادقين جنات بساتين تجري من تحتها الأنهار، يعني يجري المائ في الأنهار ~~تحت الأبنية والأشجار خالدين في تلك الجنات أبدا رضى الله عنهم بما عملوا ~~من[307]الطاعات ورضوا عن الله بما نالوا من المثوبات وما نالوه هو الفوز ~~العظيم الذي لا نعمة وراؤه، وأما قوله تعالى:{لله ملك السماوات والأرض وما ~~فيهن وهو على كل شيء قدير(120)} فقيل: أن الذي اقتضى ذرك الملك هاهنا ~~الأحتجاج على النصارى بأن ذلك دون عيسى ودون كل من سواه لقدرته على ذلك ~~وحده لا شريك له، وقيل: اقتضى ذلك الكلام الأول؛ لأنه مضمر معنى السؤال، ~~فكأنه قيل من يعطيهم هذا النعيم؟ PageV20P444 # فقيل في الجواب: يعطيهم ذلك الذي له ملك السماوات والأرض القادر على كل ~~شيء، وجمعت المساوات ووحد لفظ الأرض تفخيما لشأن السماوات وإعلائها على ~~الأرض، وإنما قال {وما فيهن} ولم يقل ومن فيهن؛ لأن من للعقلاء وغيرهم، ~~ولفظ ما أعم لتناول الأجناس كلها، دلت الآية أن الصدق ينفع وأن الجزاء ~~يستحق على العمل. # قال بعض المفسرين: مفتتح هذه السورة من الشريعة ومختمها بذكر الله ~~وكبرياء الله وجلاله وقدرته وعزته وعلوه، فما أحسن المناسبة بين ذلك المفتح ~~والمختم، وهو أن السورة اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم فمنها بيان ~~الشرائع والأحكام والتكاليف، ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها المناظرة مع النصارة في قولهم ~~بالتثليث فختم السورة بهذه السورة الوافية بإثبات هذه المطالب والله أعلم ~~بأسرار كلامه PageV20P445 ### || AUTO سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين وعليه أتوكل. # سورة الأنعام مائة وستون آية وسبع آيات، مكية غير ست آيات فإنها مدنية ~~وهي قوله تعالى: {أتل ما حرم ربكم عليكم...} إلى آخر الآيات، ومثل هذا ms2494 في ~~البرهان. # قال ابن عباس: إنها مكية، نزلت جملة واحدة فامتلأ منها الوادي وشيعها ~~سبعون ألف ملك، ونزلت الملائكة فملؤا ما بين الأخشبين، ودعا الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا ست آيات فإنها مدنيات ~~وهي ما مر، وأكثر السورة احتجاج على مشركي العرب وعلى من كذب بالبعث ~~والنشور. # قال الأصوليون: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة: # أحدهما أنها نزلت دفعة واحدة. # والثاني أنه شيعها سبعون ألف من الملائكة. PageV20P446 # والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال ~~مذهب المبطلين والملحدين وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة ~~والرفعة، وأيضا فإنزال ما يدل على الأحكام فقد تكون المصلحة أن ينزل الله ~~تعالى على قدر حاجتهم وحسب النوائت والنوازل. # فأما ما يدل على الأصول فقد أنزله الله جملة واحدة وذلك يدل على أن تعلم ~~علم الأصول واجب على الفور لا على التراخي. والله أعلم. # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} قال الإمام أبو الفتح عليه السلام ~~في البرهان: روينا أن فاتحة التوراة فاتحة الأنعام، وخاتمة التوراة خاتمة ~~هود، والحمد لله ورد على صيغة الخبر ومعناه الأمر؛ أي احمدوا الله عز وجل؛ ~~لأن خلق السماوات والأرض نعم يوجب الحمد، وجمع السماوات ووحد الأرض لتفخيم ~~السماوات على الأرض، والجمع أبلغ في التفخيم من التوحيد كقوله: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر}، والسماوات مقدمة في الخلق على الأرض. # قلت: كأنه عليه السلام أراد أن خلق السماوات مقدم على الأرض، قيل دحوها ~~لقوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها}، وفي سورة السجدة ما يشعر بخلاف ذلك ~~وقد تقدم فيها التوفيق بين الآيتين وجواب من أورد الإشكال في ذلك. # والفرق بين المدح والحمد والشكر أن المدح أعم من الحمد والحمد أعم من الشكر. # أما بيان أن المدح أعم من الحمد فلأن المدح يحصل للعاقل وغير العاقل، ألا ~~ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله فكذلك قد يمدح اللؤلؤ ~~بحسن شكله و..نظافة خلقته، ويمدح الياقوت على نهاية صفاته وصقالته ms2495 فيقال: ~~ما أحسنه وما أصفاه. # وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للعاقل المختار على ما يصدر من الإنعام ~~والإحسان فثبت أن المدح أعم من الحمد. # وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ~~ما صدر منه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك. PageV20P447 # وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك، فثبت بما ~~ذكرنا أن المدح أعم من الحمد والحمد أعم من الشكر [2] كما جمعتهما هذه ~~الصيغة. # قال في البلغة: وتكرر ذكر هذا اللفظ في مواضع لأن لكل واحد منه معنى لا ~~ينبني عنه غيره لاختلاف ضروب نعم الله على خلقه ولم يقل على خلق السماوات ~~لئن دلالة التضمين في هذا الموضع أحسن من دلالة التصريح، وللمفسرين في ~~قوله: {الحمد لله} قولان: # الأول المراد منه المدح وإنما لم نقل المدح لله لأنا بينا أن المدح كما ~~يحصل للفاعل المختار فقد يحصل لغيره، أما الحمد فلأنه لا يحصل إلا للفاعل ~~المختار فكان قوله: {الحمد لله} تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل ~~مختار خلقه بالقدرة والمشية وليس علة موجبة له إيجاب العلة للمعلول، ولا شك ~~أن هذه الفائدة عظيمة في الدين. # واعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية الدلالة على وجود الصانع، وتقريره أن ~~أجرام السماوات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة لمقادير مخصوصة وذلك لا يمكن ~~حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار احمدوا الله، قالوا: وإنما جاء على صيغة ~~الخبر لفوائد: # إحداها أن قوله: {الحمد لله} يفيد تعليم اللفظ والمعنى، ولو قيل احمدوا ~~الله لم يحصل مجموع الأمرين. # وثانيها أنه يفيد أنه تعالى مستحق للحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده. # والثالث أن المقصود منه ذكر الحجة على الذين هم بربهم يعدلون، فذكره ~~بصيغة الخبر أولى، والقول الثاني وهو قول أكثر المفسرين أن معنى قوله: ~~{الحمد لله} تعليم العباد الدعاء، والدليل على أن المراد منه تعليم العباد ~~أنه تعالى قال في أثناء السورة: {إياك نعبد وإياك نستعين} ms2496 وهذا الكلام لا ~~يليق ذكره إلا بالعباد. PageV20P448 # والمقصود أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا ~~يحسن إلا على الإنعام فحينئذ يصير هذا الأمر حاملا للمكلف على أن يتفكر في ~~أقسام نعم الله عليه، وإذا تأمل الإنسان في آثار حكمة الله في الخلق ووصل ~~إلى ما أودع الله في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ~~ساحل له كما قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. # وأما قوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} فجعل هنا بمعنى أحدث وأنشأ فتعدا ~~إلى مفعول واحد ويكون المعنى صير فيتعدا إلى مفعولين، والفرق بين الجعل ~~والخلق أن الخلق فيه معنى التقدير وهو التصوير والتحسين وفي الجعل معنى ~~التصيير كإنشاء شيء من شيء أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك: {وجعل منها ~~زوجها} وإنما جمع الظلمات لكثرة أجناس الأجرام؛ لأنه ما من جنس إلا وله ظل ~~وظله ظلمة، وأفرد النور؛ لأنه أراد جنس النور، وروي أن الله جعل الظلمات ~~قبل النور وكان في ذلك حكمة بالغة ذكره في البلغة ومثله في البرهان. # وقوله تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} يحتمل أن يكون معطوفا على ~~قوله: {خلق السماوات} على معنى خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها ~~أحد سواه ثم إنهم يعدلون أي يجعلون له عدلا؛ أي مثلا حيث يعبدون ما لا يقدر ~~على شيء أصلا، ويحتمل أن يكون عطفا على قوله: {الحمد الله} على معنى أن ~~الله حقيق بالحمد على ما خلق؛ لأنه ما خلقه إلا نعمة، {ثم الذين كفروا} به ~~{يعدلون}. PageV20P449 # وفائدة ثم استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ما لا يقدر سواه على ~~نعمة[3] من نعمه من صنم وغيره، ثم ذكر تعالى دليلا آخر من دلائل آيات ~~الصانع وذلك أنه تعالى لما استدل بخلقه السماوات والأرض وتعاقب الظلمة ~~والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاستدلال بخلقه الإنسان على إثبات ~~هذا المطلوب فقال: {هو الذي خلقكم من طين} يعني خلقنا من آدم وخلق ms2497 آدم من ~~الطين فصار أصل خلقنا من طين {ثم قضى أجلا} بمعنى حكم به أو فعله، والأجل ~~الوقت المضروب لانقضاء الأمر. # وأما قوله: {وأجل مسمى عنده} فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين ~~لكل إنسان، واختلف المفسرون في تفسيريهما فقيل: الأجل الذي قضاه الموت ~~والأجل المسمى عنده أجل القيامة. # وقيل: الأجل الذي قضاه أجل الحياة إلى الموت {وأجل مسمى عنده} أجل الموت ~~إلى البعث وقيام الساعة، قاله ابن عباس والحسن. # قال في البرهان: {وأجل مسمى عنده} هو الذي كان ينتهي إليه المقتول أو ~~الغريق لو لم يقتل. انتهى. # قال ابن عباس: قضى لكل نفس أجلين من مولده إلى موته ومن موته إلى مبعثه، ~~فإذا كان صالحا واصلا إلى رحمه زاده الله في أجل حياته من أجل مماته إلى ~~المبعث، وإذا كان قاطعا نقصه من أجل حياته وزاد في أجل المبعث، حكاه ~~الواحدي. # فإن قيل: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في ~~قوله: {وأجل مسمى عنده}؟ # قيل له: إنه تخصيص بالصفة فقارب المعرفة كقوله: {ولعبد مؤمن خير من مشرك}. # فإن قيل: الكلام السائر أن يقال عندي ثوب جيد ولي عبد كيس وما أشبه ذلك، ~~فما أوجب التقديم؟ # قال جار الله: أوجبه أن المعنى وأي أجل مسمى عنده تعظيما لشأن الساعة ~~فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم. PageV20P450 # ومعنى قوله: {ثم أنتم تمترون} أي تشكون في البعث أو في صحة التوحيد، ~~والامتراء والمرية الشك، وثم لاستبعاد أن يشكوا بعد هذه الدلائل التي ~~أوردها من أول السورة. # قال الحاكم: فإنه نبه بقوله: {خلق السماوات والأرض} على إبطال قول من ~~يقول بقدم العالم، وبقوله: {وجعل الظلمات والنور} على إبطال قول الثنوية ~~القائلين بقدمهما؛ لأنهما أجسام بمنزلة غيرهما، وبقوله: {خلقكم من طين} على ~~إبطال قول الطبائعية. انتهى. # ثم أخبر تعالى بكونه عالما بجميع المعلومات فقال: {وهو الله في السماوات ~~وفي الأرض يعلم سركم} ما أخفيتم {وجهركم} ما أظهرتم. # المعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ms2498 ولكن هذا من ~~التقديم والتأخير ذكره الحسين بن القاسم عليهما السلام، وقد ذكروا في معنى ~~الآية وجوها: # أحدها أن يكون {وهو الله} كلام مستقل، وقوله: {في السماوات وفي الأرض} ~~متصل بقوله: {يعلم سركم وجهركم}. # وثانيها أن يكون {في السماوات وفي الأرض} متعلقا باسم الله كأنه قيل: وهو ~~المعبود فيهما، كقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} وهو معروف ~~بالإلهية والمتوحد فيهما والذي يقال الله فيهما لا يشرك به في هذا الاسم. # وثالثها أنه من التمثيل والمجاز عبر به عن علمه بهما واطلاعه عليهما. PageV20P451 # قال في البلغة: قيل: إن العامل في الظرف وهو قوله: {في السماوات وفي الأرض} ~~ما دل عليه اسم الله تعالى على أنه وقع المدبر، وقيل: العامل فيه محذوف ~~بتقدير وهو الله مدبر السماوات، وفي الأرض [4] على البدل والثاني على ~~الحذف، وقد دل العقل على استحالة الزمان والمكان على الله تعالى، فلو أن ~~قائلا قال علي بن أبي طالب في الشرق وفي الغرب لجاز؛ لأنه يمكن أن يتبين له ~~وجه صحيح أن يكون المراد به أمير المؤمنين في المشرق والمغرب، وإن كنا ~~علمنا ضرورة بأنه لا يجوز أن يكون فيهما بالكون في المكان، ولو قال بدل ~~ذلك: زيد في المشرق وفي الدار لم يجز إلا أن يكون قد اشتهر من حاله أنه ~~مدبرها. انتهى. # ورابعها أنه أراد أدلة توحيده ومعرفة صفاته في السماوات وفي الأرض كقوله: ~~{إن في السماوات والأرض لايات للمؤمنين}، ثم قال: {ويعلم ما تكسبون} من ~~الخير والشر فيجازيكم عليه. PageV20P452 # واعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في التوحيد وثانيا في المعاد وثالثا في ~~تقرير هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين ~~لهؤلاء الكفار كونهم معرضين عن تأمل الدلائل غير ملتفتين إليها فقال: {وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} أي وما تأتيهم من دلالة ~~من دلائل الله إلا وأعرضوا عنها ولم ينظروا فيها، والمراد بالآيات هاهنا ~~الدلالات التي يجب أن يستدلوا بها على الله وتوحيده ms2499 وعدله ونبوة نبيه محمد ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإعراض عن الآية هو ترك النظر فيها، وهذه ~~الآية تدل على أن التقليد باطل والتأمل في الدلائل واجب ولولا ذلك لما ذم ~~الله المعرضين عن الدلائل، ومن قوله: {من آية} للاستغراق وفي {من آيات ~~ربهم} للتبعيض، يعني وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر ~~والاستدلال والاعتبار {إلا كانوا عنها معرضين} تاركين للنظر لا يلتفتون ~~إليه ولا يرفعون رأسا لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب. PageV20P453 # قوله تعالى: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: ~~وإن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها وهو الحق؛ ~~يعني القرآن الذي تحدوا به على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه، وقيل: ~~المراد بالحق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: أدلة التوحيد، وقيل: إنه ~~الوعد والوعيد الذي يرغبهم به تارة ويحذرهم بسببه أخرى والأولى دخول الكل ~~فيه، ثم قال: {فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي أخباره وأحواله، ~~بمعنى سيعلمون بأي شيء استهزئوا وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء وذلك ~~عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو ~~كلمته، والمراد منه الوعيد والزجر عن ذلك الاستهزاء ونظيره قوله: {ولتعلمن ~~نبأه بعد حين}، والحليم إذا توعد فربما قال ستعرف نبأ هذا الأمر إذا نزل بك ~~ما تحذره وإنما كان كذلك لأن الغرض بالخبر الذي هو الوعيد حصول العلم ~~بالعقاب الذي نزل فنفس العقاب إذا نزل تحقق ذلك الخبر حتى يزول منه الشبهة، ~~فرتب الله تعالى أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب: # الأولى: كونهم معرضين على التأمل في الدلائل والتفكر في الآيات. # والثانية: كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها؛ لأن المعرض عن ~~الشيء لا يكون مكذبا به بل يكون غافلا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبا به ~~فقد زاد على الإعراض. # والثالثة: [5] كونهم مستهزئين بها؛ لأن المكذب قد لا يبلغ تكذيبه إلى حد ~~الاستهزاء فإذا بلغ إلى ms2500 هذا الحد فقد بلغ إلى الغاية القصوى في الإنكار، ~~فبين تعالى أن أولئك الكفار ضلوا في هذه المراتب الثلاث على هذا الترتيب. PageV20P454 # واعلم أنه تعالى لما منعهم عن الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد ~~والوعيد أتبعه بما جرى مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر ~~القرون كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم فقال: {ألم ~~يروا} أي أهل مكة، والاستفهام للتقرير {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} كم ~~للتكثير، والقرن القوم المقرنون في زمان من الدهر، فالمدة التي يجتمع فيها ~~إلى يوم يفترقون بالموت فهو قرن؛ لأن الذين يأتون من بعدهم قوم آخرون ~~اقترنوا بهم، والدليل عليه قوله عليه السلام: ((خير القرون قرني)) واشتقاقه ~~من الاقتران، فلما كان أعمار الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا ~~جرم قال بعضهم: القرن غير مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، بل ~~المراد أهل كل عصر، فإذا انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن. # واعلم أنه تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات: # الصفة الأولى قوله: {مكناهم في الأرض} بالبسطة في الأجسام، والسعة في ~~الأرزاق {ما لم نمكن لكم}، والمعنى لم نعط أهل مكة مثل ما أعطينا عادا ~~وثمودا وغيرهم من البسطة والسعة في الأرض والاستظهار بأسباب الدنيا، مكن له ~~في الأرض جعل له مكانا فيها ومكنه في الأرض أثبته فيها وبسط له، وقد جمع ~~بينهما في قوله: {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} لتقارب المعنيين. # والثانية قوله: {وأرسلنا السماء عليهم مدرارا} قيل: السماء المظلة؛ لأن ~~الماء ينزل منها إلى السحاب، أو السحاب؛ لأنه يسمى سماء، أو المطر؛ لأنه ~~يسمى سماء أيضا، والمدرار الكثير الدر، وأصله من قوله: در اللبن إذا أقبل ~~على الحالب منه شيء كثير، والمدرار يصح أن يكون من نعت السحاب ويجوز أن ~~يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا تتابعت أمطاره ومفعال يجي في نعت ~~المبالغة فيه. PageV20P455 # قال مقاتل: مدرارا متتابعا مرة بعد أخرى، ويستوي في المدرار المذكر ~~والمؤنث. # والثالثة قوله: {وجعلنا ms2501 الأنهار} أي ماء الأنهار {تجري من تحتهم} أي تحت ~~بساتينهم وقصورهم، والمراد منه كثرة البساتين. # واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما ~~وجد أهل مكة، ثم بين تعالى أنهم مع مزيد الغنى في الدنيا بهذه الوجوه مع ~~كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر من سمعتم ~~{فأهلكناهم بذنوبهم} وهذا المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ~~ورقدة الجهالة وليس المقصود منه الزجر بمجرد الموت والهلاك لاستواء المؤمن ~~والكافر في ذلك المقصود أنهم باعوا الدين بالدنيا فعاقبهم ولقوا العذاب ~~الشديد بسبب الحرمان عن الدين، وهذا المعنى غير [6] مشترك فيه بين الكافر ~~والمؤمن. # وأما قوله: {وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين}، فالمقصود منه التنبيه على أنه ~~تعالى لا يتعاظمه أن يهلكهم ويخلي بلادهم منهم فإنه قادر على أن ينشئ ~~مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، وفيه غاية الإنذار لأهل مكة. # وفي القرن يقول المرتضى عليه السلام: القرن الخلف الذي يكون بعد الأول ~~الفاني، فأما ما يقال به من ثمانين سنة فليس ذلك بشيء؛ لأنا قد رأينا قوما ~~يزيدون على الثمانين في عصر واحد ولكن القرن ما خلف من قد مضى، ويقال: ~~القرن لأنهم غير الأولين، وفي ذلك ما يقول الشاعر: # إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم # وخلفت في قرن فأنت غريب # انتهى. # واعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة، فالطائفة ~~الأولى الذين بلغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا ~~فيها واغتنموا وجدانها فصار ذلك مانعا لهم عن قبول دعوة الأنبياء، وهم ~~الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية، وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب ~~الكفر باق، وليس في العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة ~~الخسيسة. PageV20P456 # والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام على أنها من ~~باب السحر لا من باب المعجز وهؤلاء هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ~~{ولو نزلنا عليك كتابا} معلقا من السماء إلى الأرض فيكون ذلك مكتوبا {في ~~قرطاس} في رق {فلمسوه} لم ms2502 يقتصر بهم على الرؤية حتى لمسوه {بأيديهم} مبالغة ~~في تحقيقهم له ولئلا يقولوا سكرت أبصارنا يعني هؤلاء الكفار لو أنهم شاهدوا ~~نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به بل حملوه على ~~أنه سحر، والمعنى لو اجتمع لهم حاسة البصر واللمس ولم يبق لهم علة {لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} تعنتا وعنادا للحق وإن كان الدليل مدركا ~~بالحس، {وقالوا لولا أنزل عليه ملك} معجزة بصدقه فهذه شبهة منكري النبوات. # قال كفار قريش: هلا أنزل عليه ملك نراه عيانا يقول الملك أنا رسول، وأجاب ~~تعالى عن هذه الشبهة من وجهين: # الأول قوله: {ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} أي أمر هلاكهم. # قال في البرهان: أي لو أنزلناه فلم يؤمنوا لقضى عليهم بعذاب الاستئصال؛ ~~لأن الأمم السالفة كانوا إذا اقترحوا على أنبيائهم الآيات فأجابهم الله إلى ~~ذلك فلم يؤمنوا استأصلهم بالعذاب. انتهى. # قوله: {ثم لا ينظرون} بعد نزول الملك طرفة عين؛ لأن نزوله في صورته أعظم ~~معجزة، فإذا لم يؤمنوا أهلكوا كأهل المائدة وقوم صالح أو يزول الاختيار ~~الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة ويصيرون مضطرين إلى الإيمان. # قال الحاكم: وإنما ينزل عليهم العذاب على الوجه الأول؛ لأن في إمهالهم ~~تسهيلا للكفر؛ لأنها إذا جاءتهم الآيات البالغة التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا ~~فلو لم يعجل الله هلاكهم وعذابهم لسهل عليهم العناد. انتهى. # والفائدة في كلمة {ثم} التنبيه على أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر؛ ~~لأن المفاجأة أشد من نفس الشدة [7]. PageV20P457 # والوجه الثاني قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا} أي لو أرسلنا ~~إليهم ملكا لأرسلناه في صورة رجل كما كان جبريل عليه السلام يأتي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية؛ لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملائكة ~~على صورهم، وإذا كانوا في صورة رجل سألوا أملك هو أم غير ملك {وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون} أي ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فإنهم ~~يقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان هو ms2503 إنسان وليس بملك، فإن قال: الدليل ~~على أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز وبغيره من المعجزات كذبوه كما كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا فعلوا خذلوا كما هم مخذولون الآن، ~~فهذا لبس الله عليهم أو لما كان فعله سببا في لبسهم سمي به أو لما كان ~~مقابلا للبسهم سمي به نحو: {ومكروا ومكر الله}. PageV20P458 # قلت: وما أحسن جواب الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عن من سأله عن ~~معنى هذه الآية فإنه قال: كانوا يقولون لولا أنزل عليه ملك فيكون معه شهيدا ~~فيشهد له برسالته بما ينكرون، فقال الله سبحانه: {ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر} فيهم بأخذهم {ثم لا ينظرون} يقول تبارك وتعالى ثم لا يتركون ساعة ~~ولا يؤخرون فما ينفعهم إذا أخذوا إيمانهم بعد رؤيتهم للعذاب وعيانهم، ثم ~~قال سبحانه: {ولو أنزلنا ملكا} ما أيقنوه إلا أن يروه رؤية ويعاينوه وما ~~كانوا ليروه عيانا إلا أن يجعله الله مثلهم إنسانا في الصورة والحلية وما ~~للرجال من الهيئة لا في جميع حدود البشرية ولكنه في الرؤية والمنظر فقال ~~سبحانه: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون}، يقول ~~سبحانه ولو فعلنا ذلك به فجعلناه رجلا كما يعرفون لزادهم ذلك لبسا إلى ~~لبسهم ولما أيقنوا أنه ملك في أنفسهم، ولو نزلنا عليه الملك على حاله ملكا ~~لما كان أحد منهم معاينا له ولا مدركا إلا أن يأتيهم من الصورة وهيئتها في ~~مثل لباسهم منها فيرونه ويدركونه بمثل دركهم رؤيتهم لها وإلا لم يروه ولا ~~يعاينوه أبدا، وكيف يرون من كان من الملائكة ولم يروا قط من الجن أحدا ~~والجن في احتجابها عنهم أقرب إليهم قربا والملائكة أبعد عنهم بعدا مكانا ~~ومحتجبا وليس يعاين أبدا من الملائكة الحضرة إلا عند الموت الذي ليس بعده ~~تأخير ولا نظرة حين يكشف على المحظور الغطاء ويزول عنه الأخذ والإعطاء فيرى ~~من الحضرة ما لا يرى ويحدث الله له عند المعاينة لهم بصرا فيعاينهم عند ~~الموت وفي غمراته وعند ما وقع فيه من ms2504 غصصه وسكراته كما قال الله سبحانه: ~~{وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}، وقد قال في الموت وما بعده ~~من البعث: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك PageV20P459 غطاءك فبصرك اليوم حديد} وكما قال سبحانه: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} فالملائكة هم الذين يبسطون ~~أيديهم ويقولون {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون}. # وقلت: أرأيت لو جعل الملك رجلا ومن كانت الرسل تراه [8] من الملائكة قبلا ~~أهم في تلك الحال والهيئة والصورة ملائكة أم رجال، بل هم في تلك ملائكة وإن ~~انصرفت بهم الهيئة والأحوال، ألا ترى أن الذهب والنحاس وإن لم يكوناهم ~~الناس فقد تصنع منهما صورة وهيئات ويحدث فيهما تماثيل مختلفات والذهب وإن ~~اختلفت هيئاته ذهب على حاله وكذلك النحاس وإن كثرت فيه الصور فهو نحاس على ~~حاله، ولم ينقل واحد منهم عن خليقته وذاته ما نقل عنه من مقدم صورته ~~وهيئاته وإنما تبدوا الملائكة إذا بدت بأمر الله وإرادته إلى البشر بما جعل ~~الله لها وأحدث فيها من الهيئات والصور؛ لأن البشر لا يدركون ولا يرون من ~~الصور والهيئات إلا ما يبصرون، فجعل الله من الملائكة رسلا وجعل من شأنهم ~~كما شاء إن شاء رجلا، وقال في ذلك تبارك وتعالى: {الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما ~~يشاء إن الله على كل شيء قدير}، فالتبديل للخلق والزيادة ليست إبادة، وكذلك ~~من مسخه الله تبارك وتعالى قردا أو خنزيرا فإنما أحدث له من هيئته وصورته ~~تبديلا وتغييرا فبدل هيئته وصورته وأقر نفسه وذاته، ولو كان المسخ للممسوخ ~~إبادة وإفناء لكان فطره وأنشأ وابتدأ ولم نقل تغيير ولا مسخ ولا تبديل ولم ~~يصح بذلك إذا لم تكن الذات موجودة حي... ولا قيل. انتهى. PageV20P460 # واعلم أن بعض الكفار لما كانوا يقولون إن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يجب ms2505 أن يكون ملكا من الملائكة وكانوا يقولون هذا الكلام على سبيل ~~الاستهزاء وكان يضيق قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند سماعه قال ~~تعالى: {ولقد استهزئ برسل من قبلك} تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم عما ~~كان يلقى من قومه وما يلحقه من استهزائهم، فأخبره بأن رسله الذين كانوا ~~قبله استهزأ بهم أممهم فصبروا إلى أن أتى مر الله تعالى، وهو جواب قسم ~~محذوف، وإنما ذكر تعالى ذلك ليصير سببا للتخفيف عن قلبه فكأنه قيل له إن ~~هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي كانوا يعاملونك بها كان موجودة في ~~سائر القرون مع أنبيائهم فلست أنت فريدا في هذه الطريق. PageV20P461 # ومعنى قوله: {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون(10)} أي أحاط ~~بهم عقوبة الحق الذي كانوا به يستهزئون، وقيل: أصله حق بهم المكروه؛ لأن ~~فيه معنى حق الخبر الذي أتت به الرسل، وإن أريد بما العذاب لأنهم كانوا ~~يستهزئون به فلا تقدير، وإن أريد به القرآن أو النبي أو الشريعة فلا بد من ~~مضاف أي عقاب ما كانوا به يستهزئون، ولما صبر تعالى رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حذر القوم فقال: {قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين} للرسل، في الآية استدعاء للقوم إلى الاعتبار بحال من أهلكهم الله ~~إذا نظروا في آثارهم وهم عاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون، وزجرا لهم عن فعل ~~مثل ما فعلوه لئلا ينزل بهم ما نزل بأولئك فحذرهم بهذه الآية، وقال ~~لرسوله[9] قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من ~~لذاتها وشهواتها سيروا في الأرض تعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول ~~العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة فإنكم عند السير في الأرض ~~والسفر في البلاد لا بد أن تشاهدوا تلك الآثار فيكمل الاعتبار ويقوى ~~الاستبصار، والفرق بين قوله: {فانظروا} وبين قوله: {ثم انظروا} أن قوله: ~~{فانظروا} يدل على أنه تعالى جعل النظر مسببا عن السير، فكأنه قيل سيروا ~~لأجل ms2506 النظر ولا تسيروا سير الغافلين. # أما قوله: {سيروا في الأرض ثم انظروا} فمعناه إباحة السير في الأرض ~~للتجارة وغيرها من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبه على هذا ~~الفرق بكلمة {ثم} لتباعد ما بين الواجب والمباح. والله أعلم. PageV20P462 # ثم قال عز وجل تبكيتا للمشكرين: {قل لمن ما في السماوات والأرض} ملكا وخلقا ~~وكانوا يقرون بذلك ولا يضيفون شيئا من ذلك إلى غير الله، وقوله: {قل لله} ~~تقرير لهم؛ أي هو لله، ثم أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال: {كتب ~~على نفسه الرحمة}، واختلفوا في المراد بهذه الرحمة، فقيل المعنى أوجب على ~~نفسه الرحمة في هدايتكم ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من ~~خلق السماوات والأرض. # وقيل: {كتب على نفسه الرحمة} أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع عنهم عذاب ~~الاستئصال ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا. # وقيل: كتب على نفسه رحمة المؤمنين في الآخرة. # وقوله: {كتب على نفسه الرحمة} اعتراض، والمعنى فإذا كان له ما في ~~السماوات وما في الأرض بلا خلاف بيني وبينكم فهو قادر على أن يجمعكم إلى ~~يوم القيامة، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق ~~شيء بقوله: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} أي لا شك، تقديره ~~ليجمعنكم في الدنيا قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة أو في القبور أو ضمن معنى ~~ليسوقنكم أجمعين إلى يوم القيامة، ثم أكد ذلك بأن جاء به قسما؛ أي والله ~~ليجمعنكم فيجازيكم على شرككم. # أما قوله: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} الذين موضعه نصب على البدل ~~من الضمير في قوله: {ليجمعنكم}، والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا ~~أنفسهم. # وقيل: معناه أنتم الذين خسروا أنفسهم، فالذين مرفوع بالخبرية أو هو منصوب ~~على الذم؛ أي أذم الذين. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا على سبيل الاختصار، والمعنى في ~~ذلك {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} أنذرهم. انتهى. # فإن قيل: كيف جعل عدم إيمانهم مسببا عن خسرانهم والأمر على العكس؟ PageV20P463 # قيل: ms2507 معناه الذين خسروا أنفسهم في علم الله لاختيارهم الكفر فهم لا يؤمنون. # ولما ذكر تعالى أن له ما في السماوات وما في الأرض وذكر ظرف المكان ذكر ~~ظرف الزمان فقال: {وله ما سكن} أي حصل {في الليل والنهار}؛ أي له ملكه ~~وخلقه كلما حل ودخل في الليل، والليل والنهار وهو من السكون والحلول كقوله: ~~{وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} ليعم كل ما اشتمل عليه الليل ~~والنهار. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وليس يعني السكون [10] الذي هو ضد ~~الحركة. انتهى. # وقيل: هو من السكون نقيض الحركة، وفي الكلام حذف تقديره وله ما سكن وتحرك ~~في الليل والنهار. # قال في البرهان: يعني أنه مالك لما يسكن في الليل والنهار من الحيوان؛ ~~لأن في الحيوان ما يسكن ليلا وفي الحيوان ما يسكن نهارا، وقيل: سكن ولم يقل ~~تحرك؛ لأن ما يعمه السكون أكثر مما يعمه الحركة. انتهى. # ولما بين بما سبق أنه مالك للمكان ومالك للزمان قال عز وجل: {وهو السميع ~~العليم} فأخبر أنه سميع بكل مسموع أي عليم بذك من نداء المحتاجين وعليم بكل ~~معلوم من حاجات المضطرين. PageV20P464 # ووجه اتصال الآية بما قبلها استكمال الدلالة على الوحدانية وأن ذلك لا يرجع ~~إلى معنى الطبيعة؛ لأن المدبر للجميع سميع عليم بوجوه التدبير، ولما قرر ~~هذا المعنى قال: {قل أغير الله أتخذ وليا} مولا؛ أي ربا، وهو إنكار عليهم ~~في اتخاذ غير الله وليا، وإنما أولى غير الله همزة الاستفهام دون الفعل ~~الذي هو اتخذ؛ لأن الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الولي فكان ~~أولى بالتقديم؛ لأنهم يقدمون الاهم والذي هم بشانه أعنا، ونظيره: {أفغير ~~الله تأمرونني أعبد أيها الجاهلون}، ثم قال: {فاطر السماوات والأرض} أي ~~خالقها ابتداء ومبتدعها على غير مثال، وقرئ: {فاطر} بالجر صفة له وبالرفع ~~على إضمار هو والنصب على المدح. # وعن ابن عباس: ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان ~~يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ابتدأتها. # ثم قال تعالى: {وهو ms2508 يطعم ولا يطعم} أي يرزق ولا يرزق. # فإن قيل: كيف فسرت الإطعام بالرزق وقال تعالى: {ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون} والعطف يوجب المغايرة. # فجوابه: لا شك في حصول المغايرة بينهما إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما كناية ~~عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة. # والمقصود من الآية أن المنافع كلها من عنده فلا يجوز عليها الانتفاع، ~~وذكر الطعام دون سائر ضروب النعم؛ لأن الحاجة إلى الطعام أشد، وقرئ شاذا ~~بفتح الياء من الثاني ومعناه وهو يرزق غيره ولا يأكل، ففي نفي ذلك عن نفسه ~~نفي الشهوة والحاجة، وفي نفيها نفي كونه جسما؛ لأن الشهوة معنى تتعلق بما ~~إذا ناله المشتهي صح أن يصلح جسمه ضربا من الصلاح ويزداد. PageV20P465 # ثم قال تعالى: {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} لأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم سابق أمته إلى الإسلام كقوله: {وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}، وكقول ~~موسى عليه السلام: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}. # وأما قوله تعالى: {ولا تكونن من المشركين} فمعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. # قال في البرهان [11]: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد ~~به أمته. انتهى. # قال في البلغة: وقد ثبت فيما تقدم أنه يجوز من الحكيم أن ينهى عن الشيء ~~من علم حاله أنه لا يفعله ولا يختاره فيجوز على هذا الوجه أن يكون خطاب ~~قوله: {ولا تكونن} للنبي وهو المراد، ويجوز أن يكون الخطاب له والمراد غيره ~~على تقدير ولا تكونن أيها السامع من المشركين. انتهى. PageV20P466 # ثم إنه تعالى لما بين كون رسوله مأمورا بالإسلام ثم عقبه بكونه منهيا عن ~~الشرك قال بعده: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}، والمقصود إني إن ~~خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقا للعذاب، وفيه أبلغ الزجر عن ~~المعاصي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو فعل لم يأمن العذاب فما ظنك ~~بمن دونه، ووصف اليوم بأنه عظيم لعظم ما فيه من الآلام والأهوال والملاذ ~~والثواب اتساعا ms2509 ومجازا بسبب أن العظيم لما كان فيه جاز وصفه بأنه عظيم، ثم ~~قال عز وجل: {من يصرف عنه} العذاب {يومئذ}؛ أي يوم وقوع اليوم العظيم {فقد ~~رحمه} الله الرحمة العظمى وهي النجاة، كقولك: إن أطعمت من جوعه فقد أحسنت ~~إليه، يريد فقد أتممت الإحسان إليه أو فقد أدخله الجنة؛ لأن من لم يعذب لم ~~يكن له بد من الثواب، وقرئ {من يصرف عنه} على البناء للفاعل، والمعنى من ~~يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه بمعنى من يدفع الله عنه ويحفظه، وقد ~~علم من المدفوع عنه وترك ذكر المصروف لكونه معلوما أو مذكورا قبله وهو ~~العذاب، ويجوز أن ينتصب {يومئذ} بتصرف انتصاب المفعول به؛ أي من يصرف الله ~~عنه ذلك اليوم أي هوله،{فقد رحمه} أي فقد أوجب له الثواب الذي هو الرحمة ~~العظمى، وصرف العذاب وإن كان معلوما أنه رحمة فذكر معه لفظ الرحمة لئلا ~~يتوهم أنه ليس إلا صرف العذاب عنه فقط. # ثم قال سبحانه: {وذلك الفوز المبين} أي لا أبين منه وهو وجوب الجنة؛ لأن ~~من لا يعذب فاز بها. PageV20P467 # ثم قال سبحانه: {وإن يمسسك الله بضر} من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه ~~{فلا كاشف له إلا هو} أي فلا قادر على كشفه إلا هو {وإن يمسسك بخير} من غنى ~~أو صحة {فهو على كل شيء قدير} فكان قادرا على إدامته وإزالته، ثم نبه تعالى ~~عن كمال قدرته وإحاطة علمه بقوله: {وهو القاهر فوق عباده} تصوير للقهر ~~والعلو بالغلبة والقدرة، كقوله: {وإنا فوقهم قاهرون}، والمراد أنه فوقهم ~~بالقوة والغلبة لا بالمكان؛ لأنه تعالى ليس بذي مكان. # ولما ذكر أنه القاهر أكد ذلك [12] بما هو أقوى منه وهو قوله: {فوق ~~عباده}، ثم قال: {وهو الحكيم} في تنفيذ مراده {الخبير} بعمل كل عامل، فيجزي ~~بحسنه أو بمصالح العباد من نفع أو دفع. # قال الرازي: أما كونه حكيما فلا يمكن حمله هاهنا على العلم؛ لأن الخبير ~~إشارة إلى العلم فيلزم التكرار وأنه لا يجوز فوجب حمله على ms2510 كونه محكما في ~~أفعاله بمعنى أن أفعاله تكون محكمة متقنة من وجوه الخلل والفساد، والخبير ~~هو العالم بالشيء، يقول: لي به خبر؛ أي علم، وأصله من الخبر؛ لأنه طريق من ~~طرق العلم. # ومعنى قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة}؛ أي أي شهيد أعظم شهادة حتى ~~يشهد لي أني على الحق، وقيل: إني قد بلغتكم وكذبتم. # قال في الكشاف: الشيء أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ~~فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم ولذلك صح أن يقال في الله ~~عز وجل شيء لا كالأشياء، كأنك قلت معلوم لا كسائر المعلومات ولم يصح جسم لا ~~كالأجسام، وأراد أي شهيد أكبر شهادة، فوضع شيئا مقام شهيد ليبالغ في ~~التعميم. PageV20P468 # قال في البرهان: وسبب ذلك أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: من يشهد لك بالنبوة، فأنزل الله تعالى هذه الآية يأمره فيها أن يقول ~~لهم: أي شيء أكبر شهادة، ثم أجابه عن ذلك: {قل الله شهيد بيني وبينكم} أي ~~بصدقي وبنبوتي. # فإن قيل: قوله تعالى: {شهيد بيني وبينكم} كلام تام مستقل بنفسه لا تعلق ~~له بما قبله؛ لأن قوله: {الله} مبتدأ، وقوله: {شهيد بيني وبينكم} خبره وهو ~~جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها. # قلنا: قال جار الله: يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله: {قل الله} ~~بمعنى الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ {شهيد بيني وبينكم} أي هو شهيد بيني ~~وبينكم وأن لكون الله شهيد بيني وبينكم هو الجواب لدلالته على أن الله عز ~~وجل إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شيء شهادة شهيد له. # قال في البلغة: أي قل يا محمد لهؤلاء الذي يخاصمونك ويجادلونك أي شيء ~~أكبر شهادة، ورد في الرواية أن الله شهيد بين محمد وبينهم بالمحق من المبطل ~~والرشيد في فعله من الغوي وهو معنى قوله: {قل الله شهيد بيني وبينكم}. # وقيل: إنما ذكرت الشهادة هاهنا لأن كل دليل قام على الحق فإنما دل عليه ~~من جهة ms2511 شهادته فشهادة الله تعالى أكبر شهادة، وقد دل عليها القرآن ناطق بها ~~لأنه لا يقدر على أن يأتي به إلا هو جل ثناؤه والذي شهد بها، ودلت هذه ~~الآية على أن الله شيء وعلى أنه يسمى القائل إذا قال: أي الرجال عندك فإن ~~جاء الجواب بأن عنده ثوبا أو دينارا لم يكن ذلك [13] جوابا، وإذا قال: عندي ~~بكر أو خالد كان جوابا. انتهى. PageV20P469 # قلت: أما إطلاق لفظ شيء على الله سبحانه من غير قيد لا كالأشياء فلا يصح إذ ~~لا يفيد مدحا، وقد ثبت الإجماع على أنه لا يصح أن يطلق على الله عز وجل من ~~الأسماء إلا ما تضمن مدحا، ولا دلالة في الآية الكريمة على ذلك؛ لأن قوله ~~تعالى: {أي شيء} عام للأشياء المتشابهة وللشيء الذي ليس كالأشياء، فتأمل ~~ترشد وبالله التوفيق. # ثم قال جوابا: {وأوحي إلي هذا القرآن} الشاهد لي بالصدق {لأنذركم به} يا ~~أهل مكة من العذاب، وقوله: {ومن بلغ} عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة؛ ~~أي لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة. # وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. # قال في البلغة: أي أوحي إلي هذا القرآن لأخوفكم به وأخوف من بلغه، فحذفت ~~الهاء بدلالة الكلام عليه. انتهى. # وقيل: المراد من بلغ حد التكليف. # وقوله تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} تقرير لهم مع إنكار ~~واستبعاد لأن الاستفهام هنا معناه الجحد والإنكار. # قال الفراء: ولم يذكر أحد ... خر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث ~~كما قال: {ولله الأسماء الحسنى} وقال: {فما بال القرون الأولى} ولم يقل ~~الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب، ثم قال سبحانه: {قل لا أشهد} كشهادتكم {قل ~~إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون(19)} به. # واعلم أن هذا الكلام دل على وجوب التوحيد والبراءة عن الشرك لأن كلمة ~~{إنما} تفيد الحصر ولفظ الواحد صريح في التوحيد. # قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتدا ms2512 أن يأتي بالشهادتين بقوله: {وإنني ~~بريء مما تشركون} عقيب التصريح بالتوحيد. PageV20P470 # واعلم أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته فبين الله تعالى أن شهادة ~~الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحقيقها، ثم أخبر سبحانه أنهم كذبوا ~~في قولهم إنا لا نعرف محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقال عز وجل: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه} أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بحليته ونعته في كتابهم، قوله: {كما يعرفون أبناءهم} زيادة إيضاح لأهل مكة ~~بأنهم يعرفون صحة نبوته معرفة جلية. # قال المرتضى عليه السلام: الذين أوتوا الكتاب فهم اليهود والنصارى وهم ~~يعرفون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ويثبتون صفته ويقفون على صحة أمره ~~وما أمروا به من طاعته كما يعرفون أبناءهم مشروح ذلك في كتبهم مبين لهم ~~ولكن جحدوا ما عرفوا وأنكروا ما علموا فضلوا وخسروا ذلك هو الخسران المبين. # روي [14] في البرهان عن ابن سلام أنه سئل بعد إسلامه فقيل له: ما هذه ~~المعرفة التي يعرفون بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يعرفون ~~أبناءهم؟ قال: والله لأ... إذا رأيته أعرف منه بإبني وهو يلعب مع الصبيان ~~وإني لا أشك أنه محمد وأشهد أنه حق. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: لأن الله عز وجل ذكره في التوراة ~~لهم وبشرهم به على لسان نبيهم. PageV20P471 # ثم قال تعالى: {الذين خسروا أنفسهم} من المشركين وأهل الكتاب الجاحدين {فهم ~~لا يؤمنون} {الذين خسروا أنفسهم} مبتدأ، خبره {فهم لا يؤمنون} الذين خسروا ~~أنفسهم صفة للذين آتيناهم الكتاب أو خبر عنه؛ أي الذين خسروا أنفسهم من أهل ~~الكتاب بكونهم عرفوه فلم يؤمنوا به، ثم بين سبحانه سبب ذلك الخسران فقال: ~~{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} حيث قال لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا، وقالوا: والله أمرنا بها، وقالوا: الملائكة بنات الله وهؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب. # ومعنى قوله: {أو كذب بآياته} ms2513 أي وكذب بآياته وهي القرآن والمعجزات وسموها ~~سحرا ولم يؤمنوا بالرسول فجمعوا بين أمرين متناقضين يكذبوا على الله بما لا ~~حجة عليه وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح. # ولما حكى تعالى هذا عنهم قال: {إنه لا يفلح الظالمون} أي لا يظفرون ~~بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان وفي الخذلان. PageV20P472 # قال في البلغة: قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} خرج مخرج ~~الاستفهام ومعناه الإنكار أي لا أحدا أظلم في فاحشة أتاها ممن افترى على ~~الله الكذب أو كذب بآيات الله، وإنما جاء ذلك على طريقة الاستفهام؛ لأنه ~~يقدر بما جوابه لا أحدا أظلم منه لكن اكتفى من الجواب بما يدل عليه، ~~والمفتري على الله الكذب هم {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها...}الآية، ويدخل في جملتهم من ساواهم من المجبرة الذين ~~قالوا: خلق الله المعاصي في العباد وأرادها وأمر بما لم يرد، وكذلك من سلك ~~سبيل هؤلاء، والمكذب بالآيات هو الجاحد لها والمنكر أن يكون الله نصب دلالة ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو غيره من الأنبياء صلوات الله ~~عليهم أجمعين؛ لأنه تكذيب بالمعجزات وتكذيب بما جرى مجراها من آيات الله ~~ودلائله الواضحة، وبين أن الظالمين لا يظفرون بشيء مما يظفر به الصالحون. انتهى. # أما قوله: {ويوم نحشرهم جميعا} ففي ناصب قوله: {يوم} أقوال: # الأول: أنه محذوف وتقديره ويوم نحشرهم كان كيت وكيت فترك تعيين ذلك ليبقى ~~على الإبهام الذي هو داخل في التخويف. # والثاني: أنه معطوف على محذوف وكأنه قيل: لا يفلحون أبدا ويوم يحشرهم. # والثالث: [15] تقديره واذكر يوم نحشرهم. PageV20P473 # {ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون} والمقصود منه ~~التقريع والتبكيت لا السؤال، ويحتمل أن يكون قوله أين نفس الشركاء، ويحتمل ~~أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم، وعلى كلا الوجهين لا يكون ~~الكلام إلا توبيخا وتقريرا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه ما يغني عنهم ~~وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على ms2514 فساد هذه الطريقة، والعائد على ~~الموصول من قوله: {الذين كنتم تزعمون} محذوف، والتقدير كنتم تزعمون أنهم ~~شفعاء، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه. # قال ابن عباس: فكل زعم في كتاب الله تعالى كذب. PageV20P474 # وما أحسن قول المرتضى عليه السلام حيث قال: قوله عز وجل: {أين شركاؤكم} ~~تبكيت لهم وتقريع وإذلال عندما تنقطع بهم الأسباب ويعاينوا بما كذبوا به ~~عذاب أليم لأنهم كانوا يساوون الله بخلقه ويعبدون الصنام ويوقدون النيران ~~ويرون ذلك عندهم جائز، ومن اشركاء أيضا طاعة الجبارين الظلمة المتمردين ~~فيشركونهم ويجعلون لهم من الطاعة ما لله عز وجل ويبتغون منهم الرضا ويتبعون ~~في ذلك الغي والهوى ويتركون عيانا رشدهم مصدقون لهم في كفرهم مستمعون من ~~كلامهم حتى ضلوا وأهلكوا وعن سبيل الحق يقينا عدلوا فأصبحوا من المعذبين ~~وعند الله من الهالكين، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} فيقولون عند ما يرون العذاب: {ربنا إنا أطعنا سادتنا ~~وكبراءنا فأضلونا السبيل}، {وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من ~~الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين}، وكل ذلك ندم وأسف ~~على ما فاتهم من التعلق والميل في طريق الصدق بغرور ما كانوا يعبدون وخديعة ~~ما كانوا يطيعون، وأما قولهم به ما لا ينالون جهلا منهم وإيقانا بالعذاب ~~وتقطعا من الأسباب لقبح ما عاينوا في الآخرة من المآب جهنم يصلونها فبئس ~~المهاد. انتهى. # وقوله تعالى: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} ~~قرأ حمزة والكسائي بالنصب على النداء والباقون بجره صفة، وفي المراد ~~بالفتنة أقوال: # أحدها أن الفتنة الكفر وفي الكلام مضاف محذوف؛ أي ثم لم تكن عاقبة فتنتهم ~~وكفرهم وهو عبادة من عبدوه وافتخارهم به إلا أن تبروا منه وحلفوا على ~~الانتفاء منه. # وثانيها فتنتهم كذبهم، والمعنى لم يكن جوابهم سمي الكذب فتنة لما كان يؤل ~~إلى الفتنة. PageV20P475 # وثالثها سمي جوابهم [16] فتنة لما كان مقدرة على الفتنة التي هي الشرك. # وقد اختلف العلماء في جواز الكذب على أهل الآخرة ms2515 فمنع منه أبو علي وأبو ~~هاشم والقاضي وأجازه كثير من العلماء، وإنما كذبوا مع علمهم بالحقائق وأنه ~~لا يقع بالكذب لما أصابهم من الحيرة والدهش كما ينطق الممتحن بما لا ينفعه ~~من غير تمييز كقولهم: {أخرجنا منها} وقد أيقنوا بالخلود. # وقال صاحب البلغة: بل لأن الآخرة مواطن فموطن لا يعلمون فيه ذلك وموطن ~~يعلمون وهو وقت استقرار أهل النار في النار نعوذ بالله منها. # وقيل: هذا القول خاصة في المنافقين كأنهم جروا على عاداتهم في دار ~~الدنيا. # وقيل: مخرج هذا الكلام مخرج العموم فلا يجوز العدول عنه بغير دليل. # وأما تأويل الآية على قول من لا يجيزه عليهم {والله ربنا ما كنا مشركين} ~~أي في الدنيا عند أنفسنا لاعتقادنا فيها أنا على الصواب وإن ظهر لنا خطاؤه ~~الآن، فلم يكن ذلك منهم كذبا. # قال في الكشاف: وهذا تمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عي ~~وإفحام؛ لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ..... ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا ~~ينطبق عليه وهو ناب عنه أشد النبو، وما أدري ما يصنع في ذلك تفسيره بقوله: ~~{يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ~~ألا إنهم هم الكاذبون} بعد قوله: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} فشبه ~~كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى. PageV20P476 # ثم قال تعالى: {انظر} أي نظر تعجب وتفكر منهم {كيف كذبوا على أنفسهم} ~~فجحدوا الشرك، صيغة {انظر} صيغة الأمر ومعناه التنبيه على حالهم في كذبهم ~~على أنفسهم لعظيم ما نزل بهم، وإنما جاز ذلك على صيغة الأمر لأن فيه معنى ~~الدعاء إلى نظر الاعتبار بذلك الحال، وعامل الإعراب في {كيف} قوله: {كذبوا} ~~ولا يجوز أن يعمل في {انظر} لأن الاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ~~ما قبله لأن له صدر الكلام. # وقوله: {وضل عنهم ما كانوا يفترون(24)} عطف على قوله: {انظر} وتقديره ~~فكيف ... ضل عنهم ما كانوا يفترون لعباد الأصنام، فلم يغن عنهم شيئا، وقيل: ~~عزب عنهم افتراءهم للحيرة التي لحقتهم، ثم قال ms2516 عز وجل: {ومنهم من يستمع ~~إليك} حين تتلوا القرآن. # روي أن أبا جهل وجماعة اجتمعوا يستمعون تلاوته صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقالوا للنصر: ما يقول محمد؟ فقال: أساطير الأولين كما حدثتكم من القرون ~~الماضية، فقال أبو سفيان: إني لأراه حقا، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت. # وأما قوله تعالى[17]: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا}. # قال في البلغة: الأكنة جمع الكنان وهو الغطاء على الأذن، والوقر الثقل في ~~الأذن؛ أي ومنهم من يستمع إليك يا محمد إذا قرأت القرآن ويكون غرضه في ~~الاستماع أن يعرف مكانك فيؤذيك ويشغلك عن قراءتك فجعلنا على قلوبهم أكنة ~~وفي آذانهم وقرا وثقلا بأن ألقينا عليهم النوم حتى سهوا وغفلوا فصددناهم ~~بذلك عن إيذائك. # قلت: ومثل هذا في البرهان، ثم قال فيه: والأكنة الأغطية وأحدها كنان، ~~يقال: كننت الشيء إذا غطيته وأكننته في نفسي إذا أخفيته. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذه جعل تسمية لهم بالصمم والعمى ~~إذ لم يقبلوا ما أتى به الله من الحق والهدى. انتهى. PageV20P477 # فهذا مثل في نبو قلوبهم ومسامعهم عن قبوله، ووجه إسناد الفعل إلى ذاته ~~الدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول كأنهم خلقوا عليه. # وأما الهادي إلى الحق عليه السلام فقال في نحو هذه الآية: إن هذا إنكار ~~عليهم لقولهم الذي قالوه حين دعاهم الرسول إلى الحق وترك ما هم عليه من ~~الباطل والفسق فقال له هذا استهزاء وعبثا، ومعناه {وجعلنا على قلوبهم أكنة} ~~كما قالوا {وفي آذانهم وقرا} كما ذكروا، بل الزور في ذلك قالوا وبالباطل ~~تكلموا، فأراد بذلك معنى الإنكار عليهم والتكذيب لهم والتقريع لكذبهم ~~وتوقيف نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم على باطل قولهم، وقد مر نحو هذا له ~~عليه السلام في سورة الكهف. # ثم قال تعالى: {وإن يروا كل آية} مصدقة لك {لا يؤمنوا بها} أي إذا رأوا ~~آيات الله أعرضوا عنها {حتى إذا جاءوك يجادلونك} فيها؛ أي بلغ تكذيبهم إلى ~~جدالك، وفسره بقوله: {يقول الذين كفروا إن هذا} ms2517 الذي تقرؤه {إلا أساطير ~~الأولين} جمع أسطورة؛ أي ما كتبوه من الأكاذيب فيجعلون أصدق الحديث وهو ~~كلام الله خرافات وهي الغاية في التكذيب وخرافة رجل من نبي عذره، يقال إن ~~الجن ستة فإذا استرقوا السمع أخبروه فيخبر به الناس فيجدوه كما قال. # ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أصدق الحديث حديث ~~خرافة))، قيل: يعني بصدقه إيمانه بالبعث؛ لأنه كان يحدث العرب بذلك فيكذبه ~~ويضرب به المثل في الكذب. # قال بعض من ينكر البعث منهم: # حياة ثم موت ثم بعث # حديث خرافة يا أم عمروا PageV20P478 قال في الكشاف: {حتى إذا جاءوك} حتى نهى التي يقع بعدها الجمل، والجملة ~~قوله: {حتى إذا جاءوك}يقول الذين كفروا و{يجادلونك}[18] في موضع الحال، ~~ويجوز أن يكون الجارة ويكون {إذا جاءوك} في محل الجر أي حتى وقت مجيئهم، ~~و{يجادلونك} حال، و{يقول الذين كفروا} تفسير له، والمعنى أنه بلغ تكذيبهم ~~الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك. # ومعنى قوله تعالى: {وهم ينهون عنه} أي ينهون غيرهم عن القرآن أو النبي، ~~{وينأون عنه} أي يبعدون غيرهم ويبعدون أنفسهم عن استماعه لئلا يسبق إلى ~~قلوبهم العلم بصحته. # اعلم أنه تعالى بين أنهم طعنوا في كون القرآن معجزا بأن قالوا هو من جنس ~~أساطير الأولي وأقاصيص المتقدمين، ثم بين سبحانه في هذه الآية أنهم ينهون ~~عنه وينأون عنه وقد سبق ذكر القرآن وأن يكون عائدا إلى محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولهذا السبب اختلف المفسرون فقال بعضهم: ينهون عن القرآن وتدبره ~~والاستماع له، وقال آخرون: بل المراد ينهون عن الرسول. # واعلم أن النهي عن الرسول محال، بل لا بد أن يكون النهي عن فعل يتعلق به ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير مذكور فلا جرم حصل فيه قولان منهم من قال ~~المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوته والإقرار برسالته. # وقال عطاء ومقاتل وهو الذي في البرهان: إنها نزلت في أبي طالب كان ينهى ~~قريشا عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يتباعد عنه ولا يتبعه ms2518 في ~~دينه، قالوا: يدل على ذلك قول أبي طالب حين اجتمعوا إليه وأرادوا برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم سوءا فقال شعرا: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وابشر بذاك وقر منه عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي # ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الذمامة أو أحاذر سبة # لوجدتني سمحا بذاك مبينا PageV20P479 قلت: ولقائل أن يقول: هذا يفسد من وجهين: # الأول أن جميع الآيات المتقدمة في هذه الآية تقتضي ذم طريقتهم فكذلك ~~قوله: {وهم ينهون عنه} ينبغي أن يكون محمولا على أمر مذموم، ولو حملناه على ~~أن أبا طالب كان ينهى عن إيذائه لما حصل هذا النظم. # والثاني أنه قال تعالى بعد ذلك: {وإن يهلكون إلا أنفسهم} فعنى به ما تقدم ~~ذكره ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله: {وهم ينهون عنه} النهي عنه عن ~~أذيته؛ لأن ذلك [19] حسن لا يوجب الهلاك. # وقد روي إجماع أهل البيت عليهم السلام على إسلام أبي طالب خمسة من أعلام ~~العلماء وهم الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام والقاضي ~~جعفر والشيخ الحسن والفقيه الشهيد حميد بن أحمد المحلي والحاكم صاحب ~~التهذيب، وإنما معنى قوله: {وإن يهلكون إلا أنفسهم} بسبب تماديهم في الكفر ~~وغلوهم فيه دون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين {وما يشعرون} ~~أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبون بها إلى النار بما يرتكبون من الكفر والمعاصي. ~~والله أعلم. PageV20P480 # ثم شحر تعالى كيفية ذلك الهلاك بقوله: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} أروها ~~حتى يعاينوها أو اطلعوا عليها أو أدخلوها وعرفوا مقدارها من قولك وقعته على ~~كذا إذا فهمته وعرفته، وقد حذف جواب لو تفخيما للكفر وتعظيما للشأن وجاز ~~حذفه لعلم المخاطب وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر، ولو قدرت الجواب كان ~~التقدير لرأيت سوء منقلبهم هائلا أو لرأيت من سوء حالهم أمرا شنيعا، وحذف ~~الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من ms2519 إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت ~~لغلامك والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب ذهب نظره إلى أنواع المكروه من ~~الضرب والقتل وعظم الخوف ولم يدر أي الأقسام يتقي، ولو قلت والله لئن قمت ~~إليك لأضربنك فأتيت بالجواب لم يتق شيئا غير الضرب ولا يخطر بباله نوع من ~~المكروه سواه فثبت أن حذف الجواب أقوى بأسا في حصول الخوف. # ومنهم من قال: جواب لو مدرك في بعض الوجوه، والتقدير لو ترى إذ وقفوا على ~~النار ينوحون ويقولون مثل ما أخبر الله عنهم {فقالوا ياليتنا نرد} إلى ~~الدنيا وقد تم تمنيهم هنا، ثم ابتدأوا فقالوا: {ولا نكذب} أي ونحن لا نكذب ~~{بآيات ربنا ونكون من المؤمنين} أي ونؤمن واعدين بالإيمان بعد تمام التمني ~~للرد، ويجوز أن يكون معطوفا {نرد} أو حالا على معنى {يا ليتنا} تمن من ~~الكفار إذا رأوا العذاب بأن كانوا ردوا إلى دار الدنيا وكانوا متمسكين بدين ~~الله الذي كذبوا مصدقين بآيات الله التي جحدوها، والتمني هو قول القائل ليت ~~كان كذا أو ليت يكون كذا أو ليت لم يكن كذا أو ليت لا يكون كذا. PageV20P481 # وقال بعض العلماء: التمني معنى في القلب يطابقه هذا القول، وقرئ برفع {ولا ~~نكذب} وتكون في المعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب ضمنوا أنهم لا يكذبون ~~وأنهم يكونون من المؤمنين؛ لأنهم قد عاينوا [20] عذاب من كذب ولم يؤمن، ~~وجوز الزجاج أن يكون من التمني أي يا ليتنا لا نكذب وليتنا نكون، ومن نصب ~~{ولا نكذب} فهو جواب التمني وهو داخل في التمني أي يا ليت لنا ردا وعدم ~~تكذيب وكونا من المؤمنين. # قال الرازي: أما من قرأ {ولا نكذب} {ونكون} بالنصب ففيه وجوه: # الأول بإضمار أن على جواب التمني والتقدير يا ليتنا نرد ولا وأن لا نكذب. # الثاني أن يكون الواو مبدله من الفاء والتقدير يا ليتنا نرد فلا نكذب ~~فيكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله: {لو أن لي كرة فأكون من المحسنين}. # والثالث أن يكون معناه الحال والتقدير يا ms2520 ليتنا نرد غير مكذبين كما تقول ~~العرب لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تأكل السمك سار باللبن ودلت الآية ~~على بطلان قول المجبرة أن الكافر لا يقدر على الإيمان؛ لأنهم لو لم يكونوا ~~قادرين عليه في دار الدنيا في حال كفرهم لم يكن لتمنيهم الرد إلى دار ~~الدنيا حتى يكونوا مؤمنين معنى. # ثم قال تعالى: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} أي في الدنيا، قيل: ~~ظهر في صحائف أعمالهم، وقيل بدا لهم جزاء أعمالهم وبدا لهم على رؤوس ~~الأشهاد، وقيل بدا لهم حين نطقت جوارحهم بما كانوا يخفون من الشرك حيث ~~قالوا: {والله ربنا ما كنا مشركين}. # قال في البلغة: وإنما قال بدا وإن كان ذلك باديا ظاهرا في تلك الحال لأن ~~المراد بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه فكأنه لم يكن باديا لهم إن خفيت مضرته. PageV20P482 # واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة، والمقصود منها بأسرها أنها ظهرت فضيحتهم ~~في الآخرة وانهتكت أستارهم وهو معنى قوله: {يوم تبلى السرائر}، ثم قال ~~تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} من الكفر والمعاصي {وإنهم لكاذبون} ~~فيما وعدوا به من الإيمان إن ردوا وإنما قالوا ذلك عند ظهور فضائحهم خجلا ~~وخوفا فهم كاذبون في التوبة أو فيما وعدوا به لأن قولهم ولا نكذب إخبار ~~وليس من جملة المتمنى وإن جعل من المتمني فلأنه قد تضمن العدة فجاز أن ~~يتعلق به التكذيب كما لو قلت ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك فإذا رزقت ~~ولم تحسن كذبت، ثم قال تعالى: {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين} {وقالوا} عطف على {لعادوا} أي لو ردوا لكفروا، وقالوا ويجوز أن ~~يعطف على قوله: {وإنهم لكاذبون} أي وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين ~~قالوا {إن هي إلا حياتنا الدنيا} أي وقال هؤلاء الكفار وما الحياة إلا ~~حياتنا[21] الدنيا فكان بهذا إنكارا منهم للبعث والنشور وكفر به دليلا على ~~كذبهم وإن هاهنا معناه النفي فلهذا دخل عليها إلا. PageV20P483 # واعلم أنه تعالى لما ms2521 حكى عنهم إنكارهم الحشر والنشر والبعث والقيامة بين عز ~~وجل كيفية حالهم في القيامة فقال: {ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} أي وقفوا ~~على جزاء ربهم، وقيل عرفوه حق التعريف من قولك وقفته على كذا عرفته به، ~~وقيل هو مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي ~~سيده، وجواب {لو} محذوف يدل عليه تعظيم شأن الوقوف وتقديره، ولو ترى ذلك ~~لرأيت أشر حال في الفضيحة والنكال، والمعنى أن حالهم في هذا الإنكار سيئول ~~إلى الإقرار، وذلك أنهم إذا شاهدوا القيامة والثواب والعقاب {قال} الله ~~{أليس هذا بالحق} أي هذا البعث الذي كذبتم وهو تعبير لهم على التكذيب وهو ~~جواب قائل قال ماذا قال لهم ربهم إذا وقفوا عليه فقيل قال: {أليس هذا ~~بالحق}، ثم أخبر تعالى أنه إذا قال لهم {أليس هذا بالحق} {قالوا بلى وربنا} ~~قسم بربهم أنه حق. # ولما كان المقصود أنهم يقرون بكونه حقا مع القسم {قال فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون} أي بسبب كفركم، وخص لفظ الذوق؛ لأنه في كل حال يجدونه وجدان ~~الذائق، وقوله: {بما كنتم تكفرون} يدل على أن الكفر فعل العباد؛ لأن الله ~~وبخهم على فعلهم وألزم العذاب عليه، فلو كان الكفر من فعل الله تعالى لكان ~~قد وبخهم على فعله هو فيهم وعذبهم على ذلك وكان ذلك عين الظلم فتعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا، ثم قال تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} أي ~~بلقاء جزاء الله وقد علم أن المراد باللقاء ليس هو الرؤية بل كما يقال لقي ~~فلان عمله أي جزاء عمله ووصف هؤلاء بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان المؤدي ~~إلى الثواب بالكفر المؤدي إلى العقاب فكانوا خاسرين لأجل العمل الذي أداهم ~~إلى الهلاك فكانوا بمنزلة من هلك بأشر هلكة. PageV20P484 # ومعنى {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} أي مفاجأة على غفلة؛ لأن أشد العذاب ما ~~فاجأ وحتى غاية لكذبوا إلا لخسر؛ لأن خسرانهم لا غاية له أي ما زال التكذيب ~~إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة أي القيامة وهم ms2522 وإن كانوا يتحسرون عند الموت ~~لكن لما كان الموت من مقدماتها جعل من جنسها وسمي باسمها. # قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات فقد قامت قيامته))، وانتصاب ~~{بغتة} على الحال بمعنى باغته أو على المصدر كأنه قيل تبغتهم الساعة بغتة، ~~ثم قال تعالى: {قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا [22] فيها} أي في الحياة ~~الدنيا وأضمرت لكونها معلومة أو في الساعة أي فرطنا في الإيمان بها. # قال أبو عبيدة: يقال فرطت في الشيء أي ضيعته، فقوله: {فرطنا} أي تركنا ~~وضيعنا. # وقال الزجاج: {فرطنا} أي قدمنا العجز جعله من قولهم فرط فلان إذا سبق وتقدم. # قال الواحدي: فالتفريط عنده تقديم التقصير، وفي الندا تأويلان: # أحدهما: أن النداء للحسرة والمراد تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج. # والثاني: أن المنادي هو نفس الحسرة أي هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه. # ثم قال تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} أي ذنوبهم والأوزار في ~~الأصل الأثقال فلما استعيرت للذنوب رشحت بأنها محمولة على الظهور. # وقال الزجاج: معنى {يحملون أوزارهم } أنها ملازمة لهم أي جزاؤها، والمعنى ~~أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة يثقل ذلك عليهم. # وقال قتادة والسدي: إذا خرج المجرم من قبره جاءه عمله في صورة قبيحة ~~كريهة الريح فيقول له: طال ما ركبتني في الدنيا وأنا اليوم أركبك، فيحمله ~~على ظهره، والمؤمن يأتيه عمله في صورة حسنة طيبة الريح فيقول له: طال ما ~~أتعبتك في الدنيا فاركبني. # ثم قال في المجرمين: {ألا ساء ما يزرون} أي بئس شيئا {يزرون} أي يحملون، ~~ومنه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل وزر غيرها. PageV20P485 # واعلم أن المنكرين للبعث والقيامة لما كانت تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل ~~لذاتها حذر الله العباد عن الركون إلى الدنيا والطمأنينة إليها فقال تعالى ~~تنبيها على خساستها وركاكتها: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} اعلم أن ~~نفس هذه الحياة الدنيا لا يمكن ذمها؛ لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح اكتساب ~~السعادات الأخروية إلا فيها، ولهذا السبب اختلف المفسرون فقال ابن عباس: ~~يريد حياة الكافر فأما ms2523 المؤمن فلا، وقال غيره: أراد العموم شبه الدنيا في ~~زوالها بسرعة باللعب واللهو والأحلام؛ لأن الاشتغال باللعب واللهو يكون ~~قليلا ثم يرجع صاحبه إلى ما يحتاج إليه، وقيل: أراد وما أعمال الدنيا إلا ~~كاللعب واللهو في عدم نفعها، وقيل: التقدير وما أهل الدنيا إلا أهل لعب ولهو. # قال في البرهان: فأما عمل الصالحات فيها فهو من عمل الآخرة فخرج من أن ~~يكون لهوا أو لعبا ولأن الحياة في الدنيا قصيرة والمدة منقضية اللذة فأشبهت ~~اللهو واللعب لقصر مدتها، وأهل الآخرة بخلافهم؛ لأن مدتهم باقية ولذتهم غير ~~زائلة. انتهى. # ولما بين تعالى ذلك قال: {وللدار الآخرة خير للذين يتقون} هذا ترغيب ~~للعباد في نعيم [23] الآخرة بعد أن زجر عن الركون إلى الدنيا بإخلاص الطاعة ~~لله تعالى ومجانبة المعاصي فبين أن هذه الخيرية إنما يحصل لمن كان من ~~المتقين من المعاصي والكبائر فأما الكافر والفاسق فلا. # وقوله: {أفلا تعقلون} تنبيه على ما في عقولهم من التمييز بين الفاني ~~والباقي، وتوبيخ على التفريط تقديره أتختارون لعبا لا يفيد على أعمال مفيدة ~~أفلا تعقلون، من قرأ بالياء فلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم ~~من هذه الدار فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا ~~يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك، ومن قرأ بالتاء فالمعنى وقل لهم أفلا ~~تعقلون أيها المخاطبون أن ذلك خير. والله أعلم. PageV20P486 # ولما كان من الكفار من يسافهه صلى الله عليه وآله وسلم بالسفاهة وذكر ما لا ~~ينبغي من القول من نحو قولهم ساحر كذاب قال تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك ~~الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} أي لكنهم ~~لكنه أقيم أقيم الظاهر مقام المضمر للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم. # واعلم أن ظاهر هذه الآية أنهم لا يكذبون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولكنهم يجحدون بآيات الله، واختلفوا في كيفية الجمع بين الأمرين على وجوه، ~~فقيل معناه فإنهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله لأنك رسوله ~~فاشتغل عن نفسك ms2524 بما هو أهم وهو استعظامك بجحود آيات الله. # وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ولكنهم يجحدون ~~بآيات الله عن ابن عباس أي لا يكذبونه بقلوبهم ولكن يجحدونه بألسنتهم ~~لعداوتهم لله وعنادهم وكفرهم. # وروي عن الأخنس بن شريق أنه قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد ~~أصادق أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا، فقال له: والله إن محمدا لصادق ~~وما كذب قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا ~~يكون لسائر قريش فنزلت. # وقيل: معناه لا يكذبونك بحجة ولكنهم يجحدون بغير حجة فتكذيبهم لا يعتد ~~به، وخروج الكلام مخرج التسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد إقامته ~~الحجة وإيضاحه الدلالة. # قال في البلغة: دخلت الفاء في قوله: {فإنهم} لأن الكلام اقتضى الثاني ~~اقتضى الجواب فكأنه قيل إذا كان قد يحزنك الذي يقولون من التكذيب لك فاعلم ~~أنه لا حقيقة له وإن جحدوا آيات الله بألسنتهم. PageV20P487 # واعلم أنه تعالى لما أزال الحزن عن قلب رسوله بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى ~~تكذيب الله ذكر طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: {ولقد كذبت [24] رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} أي وعلى ~~والإيذاء {حتى أتاهم نصرنا} فهذا زيادة في تسلية النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومعناه فأن كذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإن نالك الأذى من هؤلاء فقد ~~نالهم ذلك أيضا من جهة الجهال فصبروا على ذلك انتظارا لنصر الله فامض أنت ~~على سنتهم وانتظر نصر الله فإن الله لا يخلف وعده بنصرك كما نصرهم ويعلي ~~كلمتك كما على كلمة أولئك الرسل وهو معنى قوله: {ولا مبدل لكلمات الله} أي ~~لمواعيده من قوله: {سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن ~~جندنا لهم الغالبون} يريد عز وجل لا خلف لها، وقد وعد أنبياءه النصر ~~والانتقام من أعدائهم ووعدك يا محمد وافيك. # قوله تعالى: {ولقد جاءك من نبإ المرسلين} لقد جاءك من معناه نبإ ms2525 المرسلين ~~نبإ وأضمر ذلك في الفعل لدلالة المذكور عليه أي جاءك بعض قصصهم في مصابرة ~~المشركين وما كابدوا من التكذيب فتأس عليهم. PageV20P488 # قال المرتضى عليه السلام: هذا تسهيل من الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما علم من غمه بإعراض الخلق عن الله سبحانه ومعصيتهم له ~~ومخالفتهم لحكمه فلما كبر ذلك على رسول الله وعظم عنده إعراضهم عن الله ~~سبحانه واشتد عليه ما يرى من شرارتهم قال الله سبحانه: {وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم} أي عظم عليك إعراض المشركين وعدم إيمانهم وتوهمت لرغبتنا في ~~إيمانهم أن كثرة الآيات تؤثر فيهم {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو ~~سلما في السماء} يقول ترقا في السماء {فتأتيهم بآية } وهذا غاية الاجتهاد ~~في الذهاب في الأرض والسماء فقال نك قد جئتهم من الآيات والعلامات والحجج ~~الواضحات الباهرات بما في أقل منه يؤمن من كان له قلب أو معرفة ولم تترك ~~غاية في حرص ونصيحة واجتهاد وموعظة فما تريد أن يعمل بهم بعد ذلك أتذهب في ~~الأرض أو في السماء وليس تقدير على ذلك ليس عليك من الأمر إلا ما قد فعلت، ~~ألا تسمع كيف يقول مشركي قريش أو ترقا في السماء ولن نؤمن لرقيك، فذكر أنه ~~لو رقا في السماء لم يؤمنوا به لشدة كفرهم وعظم عنادهم. انتهى. # وفي البرهان {نفقا} أي سربا وهو المسلك النافذ فيها مأخوذ من نافق ~~اليربوع {أو سلما في السماء} أي سببا ومصعد أو منه قول كعب بن زهير: # ولا لكما في الأرض فابغيا به ... نفقا أو في السماوات سلما # انتهى. # فمعنى {نفقا في الأرض} أي منفذا إلى تحتها لتطلع لهم آية يؤمنوا بها، ~~وإنما أراد الله سبحانه [25] بهذا الخطاب أن الرسول لا يقدر على ما طلبتم ~~منه وإنما الآيات من عند الله وعنه. PageV20P489 # ثم أخبر عز وجل عن مشيته وقدرته فقال: {ولو شاء الله} مشية قهر {لجمعهم على ~~الهدى} بالإلجاء والاضطرار بأن يأتيهم بآية ملجية يضطرهم إلى الإيمان ولو ~~فعل ذلك لخرجوا من ms2526 أن يكونوا مستحقين للثواب على ذلك الإيمان لسقوط التكليف ~~وفيه تنبيه على أنه قد لطف بهم كل لطف ولم يبق إلا الإلجاء. # وأما قوله: {فلا تكونن من الجاهلين} فهو نهي له عن هذه الحالة وهذا النهي ~~لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما أن قوله: {ولا تطع الكافرين} ~~والمنافقين لا تدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم أطاهم وقبل دينهم وإنما ~~المقصود منه لا تجزع في مواطن الصبر فتصير بالأسف والتحسر مقاربا لأحوال ~~الجاهلين والمراد من تغليظ العباد التبعيد والزجر له عن مثل هذه الحالة، ~~وقيل المراد لا يظن أنهم يؤمنون عند حصول الآيات التي يقترحونها، قيل يجوز ~~أن يراد بالجالهلين الذين لا يعلمون ذلك ويجوز أن يراد من ذوي الجهل ~~بالأمور والسفه. # ثم قال عز وجل: {إنما يستجيب} أي يصدق ويطيع {الذين يسمعون} أي الذين ~~يعلمون ويعقلون ويطلبون الحق والاستجابة هي القبول والفرق بينهما وبين ~~الجواب أن الجواب قد يكون قبولا وغير قبول وإن الاستجابة قد تكون من الدذين ~~يسمعون طلبا للحق وأما ما لا يسمع أو يسمع لكن لا يقصد الحق فلا يكون منه ~~استجابة. # وأما قوله: {والموتى يبعثهم الله} فهذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم ويكون معنى الكلام أن الموتى الذين لا يستجيبون يبعثهم الله ~~وكذلك الذين يسمعون. # وقيل: المعنى أن الين تحرص على أن يصدقوك ويسمعوا نصحك بمنزلة الموتى ~~{والموتى يبعثهم الله} مثل على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه الذي يبعث ~~الموتى من القبور يوم القيامة فكان قادرا على هؤلاء الموتى بالكفر أن ~~يجيبهم بالإيمان إلجاء وأنت لا تقدر على ذلك. PageV20P490 # وقيل: المعنى وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله {ثم إليه يرجعون} ~~للجزاء والعقاب فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إليه وهو وعيد لهم ~~وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما قال: {يبعثهم} مع ذكر ~~لفظ الرجوع وإن كان البعث هو الرجوع إليه لأنه لا يحتمل أن يكون معناه ~~يبعثهم بتعريفهم وبال ما هم عليه من كفرهم ثم ms2527 يصيرون بعد ذلك إلى الحساب ~~والجزاء. # ثم حكى تعالى نوعا آخر من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~[26] فقال: {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه} يعتدوا بالآيات التي أنزلت ~~على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كثرتها واقترحوا آية أخرى مثل نزول ~~الملائكة وغير ذلك من التعنت. # قال في البلغة: ومعنى {لولا} هاهنا هلا، وكانوا طلبوا من النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم آية تنزل من السماء وهم يعاينوها ويشاهدونها فتشهد ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة، فكأنهم قالوا لو كان نبيا فهلا ~~أنزل عليه آية على الوجه الذي سألناه وإنما لم ينزل آية على الحد الذي ~~طلبوه؛ لأنه كان المعلوم أنه لو أنزلها لم يصلحوا عندها، ولو كان ذلك لطفا ~~لفعله يدل على ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت: {أولم يكفهم أنا أنزلنا ~~عليك الكتاب يتلى عليهم} فبين لهم تعالى فيما أنزله كفاية ولو علم مصلحة في ~~إنزال ما طلبوه لفعل. # وقيل: كانوا طلبوا أن يجمعهم الله على الهدى فكأنهم طلبوا شيئا يضطرهم ~~ويلجيهم إلى الإيمان. انتهى. PageV20P491 # {قل إن الله قادر على أن ينزل آية} كما اقترحوا لكنه لم يفعل إما لأنها ~~تضطرهم ويخرجون عن التكليف أو لأنه يأتيهم العذاب عند جحودها ولا ينظرون ~~ولله حكمة في إمهالهم فاقتضت رحمة الله تعالى صونهم عن عذاب الاستئصال فما ~~أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم وإن كانوا لا يعلمون كيفية هذه ~~الرحمة فلهذا المعنى قال: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما يكون عليهم من البلاء ~~في إنزال الآية التي طلبوها لو أنزلت ولا يعلمون وجه ترك إنزالها. # وقيل: معناه لا يعلمون أن الله قادر على إنزالها وأنه لا يقدر عليها غيره. # واعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون ~~بين أيضا بعده بقوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} والمقصود بيان أن ~~الحشر ms2528 والبعث كما حاصل في حق الناس فهو أيضا حاصل في حق البهائم في أنها ~~تحشر فينتصف لبعضها من بعض. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد عز وجل أنه ليس من دابة في ~~الأرض ولا طائر إلا سيبعث لأنهم أمم وقبائل مثلكم خلقناهم كما خلقناكم ~~وجعلناهم للنعمة والثواب كما جعلناكم. انتهى. # وقيل: معنى {أمثالكم} في أنها مكتوبة آجالها وأرزاقها على الله تعالى، ~~وقيل: معناه أنها أمم مصنفة أصنافا مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس ~~بعضها ببعض وتتوالد كالناس. PageV20P492 # قال في الكشاف: فإن قلت: هلا قيل وما من دابة ولا طائر إلا أمم أمثالكم وما ~~معنى زيادة قوله: {في [27]الأرض} و{يطير بجناحيه}، قال: معنى ذلك زيادة ~~التعميم والإحاطة كأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع وما من ~~طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة ~~أحوالها مهملة، والغرض في ذلك الدلالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه ~~وتدبيره وتلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف وهو حافظا لما ~~لها وما عليها مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن وأن المكلين ليسوا ~~مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان. # قال في البلغة: والأمم في اللغة الجماعة المتشاكلة في الجنس من الحيوان ~~والطائر وإن كان ذا جناح فإنما ذكر الجناح للتأكيد كما يقال مشى برجله إلى ~~فلان وإن كان المشي يكون بالرجل، وقد يقال طرفي جناحي بمعنى أسرع، ويقال ~~طار الثوب وطارت الريشة، ومعنى الآية يظهر في بيان وجه اتصال هذه الآية بما ~~قبلها في النعم لأنها اتصلت بما قبلها اتصال الدليل بالحكم المدلول عليه أن ~~الله تعالى لما بين في الآية الأولى كونه قادرا على إنزال الآية التي ~~طلبوها بين في الآية الأخرى أنه قادر على تدبير كل جماعة من الحيوان خلقها ~~الله تعالى وعلى الله تدبير كل من خلقه فهذا معنى قوله: {أمم أمثالكم} ~~معناه في باب التدبير وسد الخلل وإزاحة العلل في الأقوات والأرزاق وغيرها ~~ومن قال إن ظاهر ms2529 الآية تدل على أن البهائم والطيور مكلفة كأمة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقد غلط غلطا شديدا؛ لأن البهائم غير عاقلة فسبيلها ~~سبيل الصبيان منها في أنهم غير مكلفين بل هم أنقص حالا من الصبيان ولا يصح ~~التكليف إلا مع كمال العقل وإزاحة العلل وتردد الدواعي بين الحسن والقبيح. انتهى. PageV20P493 # وقوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} قال في البرهان: يعني من أمور الدين ~~إما مفصلا يستغعني عن التفسير ومجملا جعل إلى تفسيره سبيلا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى {ما فرطنا} أي لم نتوان في شيء ~~في الكتاب ولكنا جعلنا فيه أصول جميع الأسباب ولم نتوان في الخبر عن رحمتنا ~~حتى ذكرنا البهائم والطير والدواب {ثم إلى ربهم يحشرون} أي يجمعون في ذلك ~~اليوم إلى الله وينشرون. انتهى. # قال الرازي: قوله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} يجب أن يكون مخصوصا ببيان ~~الأشياء التي يجب معرفتها والإحاطة بها، بيانه أن جميع آيات القرآن أو ~~الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال ~~هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله [28] ومعرفة أحكام الله، وإذا كان هذا ~~التقييد معلوما من كل القرآن كان المطلق هاهنا محمولا على ذلك المقيد. انتهى. # ولما ذكر تعالى من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته ~~قال: {والذين كذبوا بآياتنا صم} لا يسمعون كلام المنبه {وبكم} لا ينطقون ~~بالحق، ومعنى {في الظلمات} أي خابطون في ظلمات الكفر فهم غافلون عن تأمل ~~ذلك والتفكر فيه، شبه الله تعالى الكافرين الذين كذبوا بآيات الله بالصم ~~البكم، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. # وقيل: المراد بهم صم بكم في الآخرة، فمن ذهب إلى هذا حمل الكلام على ~~الحقيقة والمراد بتلك الآيات جميع الدلائل والحجج. # أما قوله: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} فقال في ~~البلغة: الإضلال هاهنا العقاب؛ لأن حكمه يتعلق بالمكذب بآيات الله والله عز ~~وجل يعاقب المكذب بآياته فالحكم عليه بأنه ضال وكافر ويثبت ms2530 المؤنم بالمدح ~~والحكم له بأنه على صراط مستقيم. PageV20P494 # وقيل: يضله في الآخرة عن طريق الجنة وهو الثواب وقام الدليل القاطع على أن ~~الله تعالى لا يشأ أن يعاقب إلا المستحق ولا يثيب إلا المستحق وسيأتي بيان ~~وجوه الهدى والإضلال في سورة البقرة وقد مر أيضا شيء من ذلك. # ولما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أنه إذا نزلت بهم بلية أو ~~محنة فإنهم يفزعون إلى الله ولا يتم دو.. عن طاعته فقال: {قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله} في الدنيا أي عذا الاستئصال {أو أتتكم الساعة} أي العذاب ~~عند قيام الساعة. # قال في البلغة: تقدير الكلام فيه أرأيتم إن أتاكم عذاب الله، فالكاف ~~والميم حرف الخاب لأن التاء وجدت أخيرا بدلالة الكلام على خطاب الجمع فأغنت ~~الكاف عن الميم المتصلة بالتاء، وقيل في تقديره وجه آخر وهو أرأيتم أنفسكم ~~إن أتاكم عذاب الله فصار جواب إن الفعل الذي دخل عليه حرف الاستفهام وهو ~~بمثابة قول القائل: إن أتاك زيد أتكرمه على معنى إن أتاك زيد تكرمه إلا أنه ~~لما أخر حرف الاستفهام قطع العامل عن عمله في اللفظ كما يفعله في قول ~~القائل قد علمت أزيد في الدار. انتهى. PageV20P495 # وقوله: {أغير الله تدعون} تبكيت وتوقيف لهم على ضعف ما يعبدون وعجز شركائهم ~~التي تعظمون أي تخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها {إن كنتم صادقين} ~~[29] أن غير الله ينفعكم ممن تدعون عند نزول العذاب {بل إياه تدعون فيكشف ~~ما تدعون إليه} أي ما تدعون إلى كشفه {إن شاء} أن تفضل عليكم ولم يكن ~~مفسدة، ومعنى {بل} هاهنا إضراب عن الأول وإيجاتب الثاني فكأنه قيل دعوا ذاط ~~وأخلصوا الفكر فيما قد حقق عليكم من أنكم إياه تدعون إذا أتاكم عذابه ~~{وتنسون ما تشركون} وتعرضون عما تعبدونه من دون الله اعراض اليأس من الجاه ~~من قبله أو أي تتركون آلهتك لعدم نفعها وكانوا لا يفزعون عند أهوال البر ~~والبحر إلا إلى الله، فإذا أمنوا أشركوا، فتضمنت الآية الحجة على كل ms2531 من عند ~~غير الله إن أتاه عذاب من قبل الله لم يلجأ في كشفه إلا إليه، ومعنى الآية ~~الإنكار على من عبد غير الله والتوبيخ له بأنه يفزع عند البلاء والشدة إلى ~~الدعاء لله دون كل معبود سواه ويشرك غيره في العبادة وإنما يفعل ذلك لأنه ~~لا طمع له في ذلك إلا من جهته، ثم إذا كشف الضر عنه عاد إلى حاله، ثم قال ~~تعالى: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} الفقر والقحط ~~والجوع {والضراء} المرض ونقصان الأموال والأنفس {لعلهم يتضرعون} يخشون ~~ويتونون. # قال في البلغة: واتصلت الآية بما قبلها اتصال حال بحال قريبة منها وذلك ~~بأن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم ~~وكانوا تعرضوا أن ينزل عليهم من العذاب مثل ما نزل بمن كان قبلهم، ومعنى ~~{لعلهم يتضرعون} لكي يتضرعوا، وفيه حجة واضحة على المجبرة في قولهم إن الله ~~لم يرد الإيمان من الكافر لأن الآية نطقت بأن الله أراد منهم الطاعة ~~والتضرع وإن كانوا مقيمين على الكفر والمعصية. PageV20P496 # قال المرتضى عليه السلام في هذا الأية: الأمم الذين كانوا قبله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فهو مثل ما كان من أمة إبراهيم وأمة إسماعيل وأمة موسى ~~وعيسى ومن كان مثلهم من الأمم الخالية الذي أرسل الله سبحانه إليه رسله ~~معذرين ومنذرين ومعلمين من الجهالة ومنقذين من الهلكة فلمات كانت منهم ~~القسوة والصدود عن الحق والميل والعنود أخذهم الله عز وجل بالبأساء فهو ما ~~يكون من عقابه وانتقامه من أعدائه وما يحل بهم من خسف وقذف بالحجارة وقتل ~~بالسيف ومسخ وإهلاك فكان هذا من البأساء ومثله كثير، والضراء فهو من جنس ~~البأساء، ومن الضراء أيضا نقص الأموال والأنفس والثمرات والجوع والحسرات، ~~فكل ذلك ليرجعوا إلى الله عز وجل ورسله عليهم السلام [30] ويصدقوا بالحق ~~ويؤمنوا به فمنهم من يؤمن فيحكم له بالنجاة ومنهم من يستعظم في كفره ويدوم ~~على شرته فينزل به البلاء وتتراصف عليه النقم فيكون عبرة لمن بعدهم وإهانة ~~وتخويفا لهم ms2532 وردعا للمتخلف ومانعا من الزيغ والتكلف، فيكون فيما نبههم الله ~~به وعرف به مسيئهم نعمة منه وفلاحا وسلامة وصلاحا {وما ربك بظلام للعبيد}. انتهى. # ثم قال تعالى: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي هلا تضرعوا وقت مجيء ~~البأس وهو توبيخ لهم ولوم على عدم التضرع {ولكن قست قلوبهم وزين لهم ~~الشيطان ما كانوا يعملون} من القبائح، والمراد منه نفي التضرع والتقدير فلم ~~يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، وذكر كلمة لولا تفيد الذم واللوم وأنه ما كان لهم ~~عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها ~~الشيطان لهم. # فإن قيل: هل كان ينفعهم التضرع إذا رأوا البأس؟ PageV20P497 # قال المرتضى عليه السلام: لولا أن الله سبحانه قد علم أن تضرعهم ينفعهم ما ~~قال تضرعوا فأعلمهم بقسوة قلوبهم، ولو تضرعوا وتابوا لقبل توبتهم ورفع ~~العذاب عنهم، ولكن قست قلوبهم فلم يتضرعوا ولا إلى الله سبحانه من ذنوبهم ~~رجعوا بل مضوا في خطاياهم وأصروا على كفرهم حتى أنزل الله سبحانه العذاب ~~بهم وكان ذلك من تزيين الشيطان فاستحقوا من الله عز وجل الخذلان، وقد نفع ~~قوم يونس التضرع حين أقبل العذاب وعاينوه فأخلصوا عند ذلك لله عز وجل ~~قلوبهم وعلم الله سبحانه صحة التوبة منهم فرفعه عنهم. انتهى. # ثم قال تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به} أي تركوا ما وعظوا به من البأساء ~~والضراء يعني تركوا الاتعاظ، وقيل: تركوا ما دعتهم إليه الرسل، وقيل: فلما ~~تعرضوا بالسيئات لسخط الله وعقابه {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} من الصحة ~~وصنوف النعم ليراوح عليهم بين حالتي الضراء والسراء كما يفعل الوالد الشفيق ~~بولده يخاشنه مرة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه أو خذلانا وإهمالا واستدراجا ~~لما لم يؤمنوا. PageV20P498 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم ~~على معصية فإنما ذلك استدراج)) وتلا هذه الآية، فدلت الآية على أن متاع ~~الدنيا قد يكون عقابا واستدراجا إلى عذاب الآخرة؛ لأن الحسرة بزوال النعمة ~~بعد التمكن منها أشد وأعظم، يدل على ذلك قوله ms2533 تعالى: {حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا} ومعناه حتى إذا تقلبوا في ضروب النعم وتصرفوا في أنواع اللذات ~~واطمأنوا بها وركنوا[31] إليها {أخذناهم} بالموت أو العذاب {بغتة} مغافصة ~~على فجاءة وهم غافلون فسلبناهم النعمة واستأصلناهم بالنقمة وأخذناهم ~~بالنكال في وقت ما كانوا على أحسن حال وأنعم بال {فإذا هم مبلسون} الإبلاس ~~أصله اليأس من النجاة عند الهلاك وفيه أقوال، قيل: هو اليأس من الرحمة ~~والنجاة، وقيل: انقطاعه الحجة، وقيل: هو الحيرة التي ترد على النفوس عند ~~البلية، ومعناه إزالة النعمة وحصل الإياس من النجاة والرحمة وانقطعت الحجة ~~وغلبت الحيرة. # فإن قيل: كيف أخذهم بفرحهم؟ PageV20P499 # قلت: قال المرتضى عليه السلام: لم يأخذهم عز وجل بما توهمت ولكن أخذهم ~~سبحانه وجل عن كل شأن شأنه بذنوبهم، ألا تسمع كيف يقول عز وجل: {فلما نسوا ~~ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء} يقول لما نسوا ما أمروا به وبعثت ~~الأنبياء إليهم عليهم السلام فيه، ومعنى نسوا فإنما هو تركوا وغفلوا وسهوا، ~~فلما تركوا ما أمرهم الله عز وجل به وأعرضوا عنه ونسوه فتح عليهم سبحانه ~~{إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} فكان ذلك إملاء لهم وما فتح الله سبحانه ~~عليهم أوكد في الحجة وأشد للأخذ وآلم للعقوبة والله سبحانه فلا يخشى فوتا ~~ولا يعجل وإنما يعجل من يخشى الفوت أو يضره شيء فيتقيه والله سبحانه فلا ~~يضره شيء من معصيتهم ولا ينفعه طاعتهم بل هم ضارون في ذلك لأنفسهم فلما ~~فرحوا بما أوتوا وجعلوه في معاصي الله عز وجل ونسوا ما أمرهم به أخذهم ~~سبحانه بغتة وذلك أشد حسرة بكون الأخذ على الغفلة {فإذا هم مبلسون} فانقطع ~~عنهم اللهو والعبث واليسار والغنى وصاروا إلى الآخرة مبلسين وعند الله عز ~~وجل مهلكين والمبلس فهو الذي ليس له ولا في يده شيء العادم لما كان معه ~~الآيس مما كان يؤمله فدامت حسراتهم وحصلوا بذنوبهم حيث لا ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. انتهى. # ثم قال تعالى: {فقطع دابر القوم ms2534 الذين ظلموا} أي آخرهم ودابر الرجل عقبه ~~ومعناه هاهنا انقطع خلفهم ونسلهم وغيرهم وقطع آخرهم بعد الاستئصال فلم يبق ~~منهم أحد، وقوله: {والحمد لله رب العالمين} إعلام بوجوب الشكر على هلاك ~~الظلمة؛ لأن العقاب وإن لم يكن نعمة على المعاقب الظالم لنفسه فهو نعمة على ~~الصالح، ففي هوان الظالمين راحة الصالحين فلذلك وجب عليهم الشكر بهلاك ~~أولئك، فقوله: {الحمد لله} تعليم من الله للعباد أن يحمدوه إذا استأصل [32] ~~ظالما وعاقب مفسدا. PageV20P500 # وقيل: إن الحمد والثناء إنما يحصل في وجود إنعام الله عليهم في أن كلفهم ~~وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدابير الحسنة ~~وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء وبعث ~~الأنبياء والرسل إليهم فلم يزدادوا إلا انهماكا في الغي والكفر فأفناهم ~~الله وطهر وجه الأرض منهم فكان قوله: {الحمد لله رب العالمين} على تلك ~~النعم الكثيرة المتقدمة. # ثم ذكر عز وجل ما يدل على الصانع الحكيم المختار بقوله: {قل أرأيتم إن ~~أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم}. # قال في البلغة: معنى {أرأيتم} هاهنا علمتم فهو تقرير ..... فيه إنكار ~~وجواب {إن} محذوف وتقديره أرأيتم إن أعماكم الله وأصمكم وسلب عقولكم فإذا ~~أخذا الله منكم ذلك فمن يأتيكم به وهو معنى قوله: {من إله غير الله يأتيكم ~~به} أي بذاك أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة فوجد اسم الضمير كما يوجد اسم ~~الإشارة، ثم قال: {انظر كيف نصرف الآيات} أي انظر بعقلك كيف نقلب الآيات ~~والدلائل ونكررها على وجوه مختلفة دالة على التوحيد والعدل والنبوة {ثم هم ~~يصدفون} أي يعرضون عنها بعد ظهورها، ولما ذكر هذا الدليل الخاص بأخذ السمع ~~والبصر والقلب ذكر تعالى دليلا عاما لجميع أنواع العذاب فقال: {قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة} لفظ البغتة يتضمن معنى الخفية فلذلك جعل ~~نقيضها جهرة لأن البغتة وقوع الأمر من غير أن يشعر به، ومعنى {إن أتاكم} ما ~~بيناه قبل هذه الآية أنه تخويف ووعيد بإنزال العذاب بغتة أو جهرة، الجهرة ms2535 ~~هي المجاهرة والبيان والمكاشفة والمواجهة والعيان، قال الشاعر: # بانت بعقلك أم عمرو جهرة # أي صراحا ومباينة. PageV21P001 # وأما قوله: {هل يهلك إلا القوم الظالمون} فمعنى {هل} هاهنا يتضمن معنى ~~النفي وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فكأنه قيل وما يهلك إلا القوم الظالمون ~~وهم انتم وأما المؤمنون فلا يضرهم كما أنجى الله نوحا ومن آمن به وصالحا ~~ومن آمن معه ولم يصب العذاب إلا المكذبين، ولما خوفوا بالهلاك بين أنهم ~~إنما هلكوا بظلمهم وجرمهم ويجوز أن يراد هلاك التعذيب في الآخرة والسخط وإن ~~أصاب المؤمنين شيء في الدنيا فهو محنة يستحقون بها العوض والثواب كما يصيب ~~الأطفال والبهائم ذكره الحاكم [33] ثم أخبر تعالى بالمقصود من إرسال الرسل ~~فقال: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي لا نرسل رسولا إلا ويقول ~~بشر المطيعين لله بالثواب وبشر العاصين بالعقاب. # ثم قال: {فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فمن آمن بالله ~~ورسله وأصلح عمله فلا يناله خوف ولا يلحقه حزن في مواضع الخوف والحزن في ~~الآخرة {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} أي ومن كذب ~~بآيات الله وجحد بها فإن الله يعذبهم بفسقهم وخروجهم عن طاعة الله. # قال القاضي: إنه تعالى علل عذاب الكفار بكونهم فاسقين وهذا يقتضي أن يكون ~~كل فاسق كذلك. # قال في الكشاف: جعل العذاب ماسا كأنه حي يفعل بهم ما شاء من الآلام ومنه ~~قولهم: لقيت عنه الأمرين والأقررين حيث جمعوا جمع العقلاء وقوله: {إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا}. PageV21P002 # وأما قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك} فاعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله: {لولا أنزل عليه آية ~~من ربه}، فقال تعالى قل لهؤلاء الأقوام إني بعثت مبشرا ونذيرا وليس لي أن ~~أتحكم على الله وأمره الله تعالى أن يتقي عن نفسه أمورا ثلاثة: # أحدها: {لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي لا أدعي أن لي قسمة أرزاقه بين الخلق. # قال ms2536 في البلغة: أي قل لهم يا محمد لست أدعي أن عندي خزائن الله وهي ~~مقدوراته وأصله من خزنت الشيء بحيث لا تناله الأيدي، فلما كان مقدورا لله ~~تكوين كل شيء وصح أن يكون ولم يكن لأحد سبيل إليه إلا بتكوين الله إياه صار ~~ذلك بمنزلة ما قد خزن في الخزائن فلهذا السبب سميت مقدوراته خزائن. # وثانيها قوله: {ولا أعلم الغيب} ومعناه أن القوم كانوا يقولون إن كنت ~~رسولا من عند الله فلا بد أن تخبرنا عما سيقع في المستقبل من المصالح ~~والمضار حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ولدفع تلك المضار، فقال تعالى قل إني ~~لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب. # وأما ثالثها وهو قوله: {ولا أقول لكم إني ملك} فمعناه أن القوم كانوا ~~يقولون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج ويخالط الناس، ~~فقال تعالى قل لهم إني لست من الملائكة. PageV21P003 # ومعنى قوله: {إن أتبع إلا ما يو[34]حى إلي} أي قل لهم ما أتبع إلى ما يوحى ~~إلي من عند الله كما أوحي إلى غيري من الأنبياء فدل ذلك على أن جميع ما أتى ~~به صلى الله عليه وآله وسلم حق؛ لأنه أوحى الله به إليه، ثم أكد هذا بقوله: ~~{قل هل يستوي الأعمى والبصير} وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل ~~الأعمى والعمل بالوحي يجريى مجرى عمل البصير؛ لأن البصير هنا العالم ~~والأعمى الجاهل، أي هل يستوي العالم والجاهل كما لا يستوي الأعمى والبصير ~~والجاهل أعمى عن الحق والعالم البصير بالرشد، فمن اتبع الأعمى هلك ومن اتبع ~~البصير المرشد نجا، ثم دعاهم إلى التفكر في هذه الحال والتدبر فيها ليعرفوا ~~الحق بقوله: {أفلا تتفكرون} والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل ~~يعرف الفرق بين هذين البابين ولا يكون غافلا عن معرفة الله. والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول ~~بالإنذار فقال: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي أنذر بالوحي ~~وهو القرآن ويعود الضمير إلى ms2537 ما يوحى إلي. PageV21P004 # قال بعض العلماء: هؤلاء هم المؤمنون الذين أقروا بالبعث والحشر، وقيل هم ~~الذين أقروا بالبعث من مؤمن وكافر فسر إلا أنه خص الخائفين بالذكر كما خص ~~في قوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} وإن كان منذرا لمن لم يخش أي وخوف يا ~~محمد بهذا الذي أنزل عليك الذين يخافون الحشر والبعث ومعنى حشرهم إلى ربهم ~~أي إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم، وقوله: {ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع} جملة في موضع الحال من يحشروا أي يخافون أن يحشروا غير ~~منصورين ولا مشفوعا لهم، والمعنى لا يكون لهم ولي ولا شفيع من دون الله ~~يدفع عنهم هول القيامة وعذاب النار إن أقاموا على كفرهم ومعصيتهم، ثم قال ~~سبحانه: {لعلهم يتقون}. # قال ابن عباس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر ~~والمعاصي بتخويفك إياهم. # وأما قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} فهذه الآية نزلت على سبب ~~وذلك أنه جاء قوم من قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده جماعة ~~من ضعفاء المسلمين مثل عمار وبلال وصهيب ونحوهم فقالوا: يا محمد أرضيت ~~بهؤلاء من قومك اطردهم فلعلنا نتبعك، فنزلت. # وفي رواية لو طردت هؤلاء الأعبد الذي ريح جبابهم كريح الضأن، فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم[35]: ((ما أنا بفاعل))، قالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا ~~فإذا قمنا فاقعدهم معك إن شئت، فقال: ((نعم)) طمعا في إسلامهم فنزلت، فكان ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معهم ويدنوا منهم تمس ركبته ركبة أحدهم وكان ~~يقوم عنهم إذا أراد القيام فنزلت {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } فترك ~~القيام عنهم حتى يكونوا هم الذين يقومون عنه، والمراد من قوله: {بالغداة ~~والعشي} دوام الدعاء أي العبادة، وقيل يدعون يذكرون الله، وقيل صلاة الفجر ~~والعصر. # وقوله: {يريدون وجهه} وصف لهم بالإخلاص. PageV21P005 # قال في البلغة: معناه يريدون الله فذكر لفظ الوجه تفخيما للذكر كما يقال ~~هذا وجه الرأي وإن لم يكن للرأي وجه. # ثم قال تعالى: {ما عليك ms2538 من حسابهم من شيء} إنما هو إلى الله تعالى وذلك ~~أنهم طعنوا عليهم في دينهم بعد شهادة الله لهم بالإخلاص بإرادة وجه الله في ~~أعمالهم على معنى وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله فما يلزمك إلا ~~اعتبار الظاهر، ومعناه ما عليك من حساب عملهم في باطنهم من شيء وهو كما قال ~~تعالى حاكيا عن نوح عليه السلام: {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}، وقيل: ~~ما عليك من حساب رزقهم شيء أي من فقرهم {وما من حسابك عليهم من شيء} أي ~~حسابهم لا يتعداهم وحسابك لا يتعداك كل واحد مواخذ بحساب عمله دون غيره، ~~وقيل الضمير للمشركين والمعنى لا تواخذ بذنوبهم ولا هم يحملون شيئا من ذنبك ~~فلا يجري الحرص على إيمانهم، والأول أشبه بالظاهر والدليل عليه أن الكناية ~~في قوله تعالى: {فتطردهم فتكون من الظالمين} عادت لا محالة إلى الفقراء. PageV21P006 # قال المرتضى عليه السلام معناه ولا تطرد فهو لا تبعد ولا تقصي فكان ذلك من ~~الله عز وجل تفهيما لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأمرا بحفظهم ورد على من ~~سأل طردهم ومحمد عليه السلام فلم يطرد أحد وإنما قالت له قريش لما دعاهم ~~إلى الله سبحانه فقالوا: كيف نؤمن يا محمد وقد سبقنا من ليس له قدر ولا ~~رياسة من أوساط الناس واتباعنا فاطردهم فإن طردتهم آمنا بك، فأنزل الله ~~تبارك وتعالى هذه الآية تعريفا لهم ورد عليهم وأمر بخلاف قولهم وشهد الله ~~سبحانه لمن [36] ابتع رسوله بالدين وإخلاص النيات فقال: {يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه} فأخبر أنهم يقصدونه ويطلبون ما عنده فكان هذا ~~مدحا لهم وثناء عليهم وذما لغيرهم، ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه إن فعل ذلك كان من الظالمين وهو عليه السلام فلم يكن ليفعل ذلك ~~بالمؤمنين بل كان شفيقا عليهم عارفا بحقوقهم وكانت مسألتهم هذه لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم كمسألة أصحاب نوح عليه السلام حين سألوه طرد من كان ~~معه من المؤمنين حسدا لهم لما سبقوهم ms2539 إلى الإيمان بالله عز وجل فقالوا: ~~{أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} والأرذلون في اللغة فهم الذين لا خطر لهم ولا ~~قيمة ولا رياسة سقاط الناس ومن لا ينظر إليه منهم فسموهم بهذا الاسم ~~احتقارا لهم واستخفافا بهم وكانوا عند الله سبحانه أفضل منهم وأعلا درجة ~~وأعظم مرتبة فكان قول نوح عليه السلام: {وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ~~ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون، وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم ~~أفلا تذكرون} فسألوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ما سأل إخوانهم ~~المبطلون في سالف الدهر نوحا وغيره من الأنبياء عليهم السلام وكذلك أهل ~~الباطل أفعالهم متقاربة وأمورهم متشابهة ألا تسمع كيف يقول سبحانه: PageV21P007 # {تشابهت قلوبهم} يعني الأولين والآخرين فيما يسألون الأنبياء ويتقحمون به ~~من جميع الأشياء فنعوذ بالله من الحيرة والعمى والضلالة بعد الهدى. انتهى. # ثم قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا بعض ~~الناس ببعض أي ابتليناهم بهم ابتلاء عظيما فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء ~~كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى ~~قبوله، فقالوا لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء ~~المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية وكان ذلك يشق عليهم، وأما فقراء الصحابة ~~فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ~~فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار مع أنا بقينا في الشدة ~~والضيق والقلة، فقال تعالى: {فتنا بعضهم ببعض}. # قال المرتضى عليه السلام: الفتنة هي المحنة والفتنة تكون من العذاب وهذه ~~لغة في اليمن إذا غاظ إنسان إنسانا قال فتنتني، قال الله سبحانه: {الم، ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}، يقول يمتحنون، وقد ~~امتحن الله [37] سبحانه المؤمنين بجهاد الظالمين وفتن الظالمين بمحاربة ~~المحقين وعذبهم على ذلك وأوجب عليهم النكال فيه وبه، ومعنى فتنهم فهو عذبهم ~~لأن الفتنة قد تكون من العذاب، قال الله سبحانه: {إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات} فقال: {فتنوا} يريد عذبوا، وقد فسرنا الفتنة على كم من ms2540 الوجوه. انتهى. PageV21P008 # وفي البلغة: قال بعض العلماء: الفتنة في باب التكليف تحمل ما فيه مشقة ~~وهاهنا أمر الأشراف من العرب بالصبر على تقديم هؤلاء الضعفاء عليهم لسبقهم ~~إلى الإيمان بالله ورسوله وهذا كان غاية المشقة عليهم لبعد هممهم ~~واستنكافهم عن هؤلاء الضعفاء وكذلك اختلاف أحوالهم في الأرزاق والقوى ~~والكمال والحسن وغير ذلك من سائر الأحوال للتدبير والاستصلاح على تقدير ذلك ~~في الاختلاف وهذا الاختبار والابتلاء {ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا}. # قال في البرهان: وهذا قول الملأ من قريش في ضعفاء المؤمنين وفيما من الله ~~تعالى عليهم قولان: # أحدهما أي ما تفضل الله عليهم من اللطف في إيمانهم. # والثاني ما ذكرهم من شكرهم على طاعتهم. انتهى. # قال في البلغة: اللام لام العاقبة والألف في قوله: # أهؤلاء} ألف إنكار، ومعناه اختبرنا بعضهم ببعض وعاقبة أمرهم تؤل إلى هذا ~~القول الذي حكي عنهم وهو إنكارهم أن يكون الله من على أولئك دونهم ونظير ~~هذه اللام قوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}. انتهى. # وقيل: معنى فتناهم ليقولوا ذلك أو خذلناهم فافتتنوا حتى كان افتتناهم ~~سببا لهذا القول. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى {ليقولوا} ... أي لئلا يقولوا ~~ذلك ويسلموا ويقبلوا ما آتاهم الله ولا ..... ولكن اللام في الأفعال ~~المستقبلة هي لام كي وكيلا وهي تنصب من الأفعال ما كان مستقبلا فتقوم مقام ~~قوله لئلا، ويمكن أيضا وجه آخر أن يكون أراد بقوله: {أهؤلاء من الله عليهم ~~من بيننا} ونحن نشهد بفضلهم علينا ونسلم في ذلك لأمر خالقنا، ويمكن أن تكون ~~الألف من قوله: {أهؤلاء} صلة وزيادة ليسن لها معنى غير ما ذكرنا وكل ذلك ~~جائز في قولنا. انتهى. PageV21P009 # قلت: ويرجح الأول المذكور في البرهان قوله سبحانه: {أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [38] في وقت الآلاء والنعماء الصابرين في وقت البلاء أي فهو ~~عالم يمن يقع منه الشكر والإيمان فيوفقه ويزيده هدى وبمن يصمم على كفره ~~فيخذله ويمنعه التوفيق. # وأما قوله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} ~~فاختلفوا في ms2541 المراد من ذلك، فقال في البرهان: يعني ضعفاء المؤمنين، وقيل هو ~~على إطلاقه في كل من هذه صفته. # وقال بعضهم: نزلت في قوم أقدموا على ذنوب ثم جاءوه صلى الله عليه وآله ~~وسلم مظهرين للندامة والأسف فنزلت الآية فيهم. # قال في البلغة: العامل في إذا قل أي قل لهم سلام عليكم إذا جاءوك وموضع ~~جاءوك جر لأن إذا مضاف إليه وأصل السلام السلامة وهي على أربعة أوجه: # الأول مصدر يقال سلمت سلاما. # والثاني جمع السلامة. # والثالث اسم الله عز وجل وهو قوله: {السلام المؤمن}. # والرابع السلام شجر طيب. # واختلف في هذا السلام، فقال بعض العلماء: أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن يسلم من قبل الله على المؤمنين الذي سأل المشركون النبي ~~طردهم، وقيل: أمر عليه السلام أن يسلم من ذات نفسه عليهم تحية وتكرمة لهم ~~وتطييبا لقلوبهم وكذلك قوله: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} من جملة ما يقول ~~لهم أي أوجب وحكم على ذاته قبول التوبة ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمته {أنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة} أنه بدل من الرحمة على قراءة فتح {أنه} وقوله: ~~{بجهالة} في موضع الحين أي عمله وهو جاهل أي فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما ~~يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل ~~لا من أهل الحكمة والتدبير ومنه قول الشاعر: # قالت عشية زرتها جهلت على # عمد ولم تكل جاهلا PageV21P010 والمراد أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم ألا يقدم ~~على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته. # قال الإمام الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى الجهالة أي لم يتعمدها ~~ولم يقاطع الله فيها ولم يقصدها. # {ثم تاب من بعده وأصلح} أي من بعد السوء وقصد ورجع منه إلى طاعة ربه ~~{فأنه غفور رحيم} ويحتمل وجها آخر وهو جهل التجاهل. # قال الشعر: # ألا ليت حقا ما رأيت فإنني[39] # رأيت معي في نوم عيني محمدا # يجادل عني القوم عند خصامهم # ويدني لجهالي قضيبا ms2542 مهندا # انتهى. # ثم قال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات} أي مثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات ~~القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من يرجى إسلامه ومن لا يرجى ومن دخل ~~في الإسلام ولكن لا يحفظ حدوده، ثم قال: {ولتستبين سبيل المجرمين} أي ~~ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل، ~~واختلف القراء في قوله: {ولتستبين} فقرأنا لتستبين بالنصب والمعنى لتستبين ~~يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ~~{ليستبين} بالياء {سبيل} بالرفع، والباقون بالتاء {سبيل} بالرفع على تأنيث ~~سبيل، وأهل الحجاز يؤنثون السبيل وبنو تميم يذكرونه، وقد نطق القرآن بهما ~~فقال سبحانه: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا}، وقال: {ويصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا}، وإنما قال: {لتستبين سبيل المجرمين} ولم يذكر ~~سبيل المؤمنين لأن ذكر إحدى القسمين يدل على الثاني كقوله: {سرابيل تقيكم ~~الحر} ولم يذكر البرد والحق والباطل لا واسطة بينهما فمتى استبانت طريقة ~~المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضا لا محالة. PageV21P011 # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه يفصل الآيات ليظهر الحق ولتستبين سبيل ~~المجرمين نهى بعد ذلك على سلوك سبيلهم فقال: {قل إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله} معناه قل لهم إني نهيت أي صرفت وزجرت بما ركب في من ~~أدلة العقل وبما أوتيت من أدلة السمع أن أعبد الذين تعبدون من دون الله، ~~وتقدير تدعون تدعونه إلها، وقيل تدعونه في مهمات أموركم على جهة العبادة ~~وفيه استجهال لهم ووصف بالإقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة وبين تعالى ~~أن الذين يعبدون إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد لا على الحجة ~~والدليل لأن الجمادات والأحجار في أخس رتبة من الإنسان بكثير وكون الأشرف ~~مشتغلا بعبادة الأخس أمر بدفعه صريح العقل، وأيضا إن القوم كانوا ينحتون ~~الأصنام ويركبونها ومن الملعوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العاقل الصانع أن ~~يعبد محموله ومصنوعه فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى [40] ومضادة الهدى ~~وهذا هو المراد بقوله: {قل لا ms2543 أتبع أهواءكم} أي لا أجري في طريقتكم التي ~~سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل وهو بيان للسبب الذي ~~وقعوا منه في الضلال ووتنبيه لكل من أراد إصابة الحق، ثم قال تعالى: {قد ~~ضللت إذا} إن اتبعت أهواءكم {وما أنا من المهتدين} أي فأنا ضال مثلكم وما ~~أنا من الهدى في شيء، ولما نقم عليهم اتباع الهوى ونفاه عنه صلى الله عليه ~~وعلى وآله وسلم أمره أن يخبر عما هو عليه من البينة والهدى بقوله: {قل إني ~~على بينة من ربي} أي أي من معرفة ربي على حجة واضحة، وقيل {على بينة من ~~ربي} وهي القرآن {وكذبتم به} أي بالبينة حيث أشركتم به غيره، وذكر الضمير ~~في به على تأويل البيان أو القرآن ثم أردفه لما تبين له من الحق واتضح له ~~مما هم عليه من الضلال لو كان يقدر على تعجيل إنزال العذاب لما أمهلهم عنه ~~ولا أقالهم ولكن PageV21P012 ذلك بيد الله الذي ليس الحكم إلا له فإن شاء عجله وإن شاء أجله وذلك معنى ~~قوله عز وجل: {ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين، قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم} أي ما ~~عندي ما تستعجلون به من العذاب في قولهم: {فأمطر علينا حجارة من السماء} ~~وكانوا يطلبون ما توعدوا به في غير وقته إنكارا له واستهزاء به وهو كما قال ~~تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده}إن الحكم إلا لله في تأخير ~~عذابكم {يقص} أي يتبع {الحق} فيما يحكم به من قص أثره، وقوله: {وهو خير ~~الفاصلين} أي القاصين. # قرأ ابن كثير ونافع وعاصم {يقص الحق} بالصاد من القصص يعني أن كل ما أمر ~~الله به وأنبأ به فهو من أقاصيص الحق، وقرأ الباقون {يقضي بالحق} والمكتوب ~~في المصاحف {يقض} بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا ~~{سندع الزبانية} {فما تغن النذر} وقوله: {نقض الحق} قال الزجاج فيه وجهان: ~~أن يكون ms2544 الحق صفة للمصدر والتقدير يقضى القضا الحق يصنع الحق لأن كل شيء ~~صنعه الله عز وجل فهو حق وعلى هذا التقدير الحق يكون مفعولا به، وقضى [41] ~~بمعنى صنع، قال الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما داود # أي صنعهما. # واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله: {وهو خير الفاصلين} قال: والفصل ~~يكون في القضاء لا في القصص، أجاب أبو علي الفارسي فقال: القصص هاهنا بمعنى ~~القول وقد جاء الفصل في القول قال تعالى: {إنه لقول فصل} وقال: {أحكمت ~~آياته ثم فصلت}، وقال: {نفصل الآيات}. PageV21P013 # ومعنى {لو أن عندي} أي في قدرتي وإمكاني {ما تستعجلون به} من العذاب {لقضي ~~الأمر بيني وبينكم} أي لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي واستغاظة من تكذيبكم ~~ولتخلصت منكم سريعا. # وفي البلغة: معناه قل لهم لو حصل ما تستعجلون به لفصل بيني وبينكم من ~~مطالبتي إياكم بإخلاص العبادة لله ومطالبتكم إياي بتعجيل العقوبة. # وقوله جل اسمه: {والله أعلم بالظالمين} أي والله أعلم بوقت عقوبة ~~الظالمين، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال أنا لا أعلم بوقت عقوبة ~~الظالمين فيما يجب في الحكمة والله يعلم ذلك فلذلك يؤخره إلى وقت معلوم. انتهى. # ثم قال عز وجل: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} المفاتح جمع مفتح ~~ومفتح والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به، والمفتح بفتم الميم الخزانة ~~وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح. # قال الفراء: قوله تعالى: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} يعني خزائنه، فلفظ ~~المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يكون المراد منه ~~الخزائن. # أما على التقدير الأول فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن ~~المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق فيها بالأغلاق والأقفال ~~فالعالم بتلك المفاتيح بكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه ~~أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في الخزائن وكذلك هاهنا الحق سبحانه لما كان ~~عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه وعنده علم الغيب الذي لا يعسر ~~عليه عسير ms2545 ولا يعزب عنه صغير ولا كبير ولكنه ضرب المثل بالمفاتح لعلمه كما ~~ضرب المثل بالكتاب لحفظه وليس ثم كتاب وإنما هو مثل مضروب، قال الشاعر: # في كفه من رقا الشيطان مفتاح # أي معه حيل من عزائم الشيطان حتى يسهل عليه ما يتعذر على غيره، فضرب[47] ~~المثل بالمفتاح. PageV21P014 # قلت: ومثل هذا ذكر المرتضى عليه السلام وقال: مفتاح الشيء فهو علمه لأنه لا ~~يوصل إلى ما كان منغلقا إلا بمفاتحه وإنما هذا مثل ضربه الله عز وجل لخلقه ~~وبينه لعباده بأنهم يعلمون أن الأغلاق لا يفتحها إلا المفاتح فلما أن كان ~~الغيب منغلقا عن الخلق والله سبحانه هو العالم قال: {وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو} والغيب فهو ما استتر واستجن وغبي فلم يعلم وذلك لا يعلمه ~~إلا الله عز وجل إلا ما دل عليه وفتحه وبينه لعباده وأخبر به. انتهى. # والآية تدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون وما لا يكون لو ~~كان كيف يكون، ثم أكد هذا المعقول الكلي بأمر محسوس فقال: {ويعلم ما في ~~البر والبحر وما تسقط من ورقة} من الأشجار {إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض} أي ثراها {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} لما تمدح الله تعالى ~~بأنه يعلم الغيب وأنه علام الغيوب اقتضى ذلك ذكر تفاصيل الغيوب، فبين تعالى ~~أنه لا يخفى عليه خافية في البر والبحر وفي ظلمات الأرض من مثقال حبة وسقوط ~~ورقة إلا هو عالم بها وما من رطب ولا يابس إلا هو عالم به. # قال ابن عباس: ما ينبت وما لا ينبت، وقيل: الرطب الماء واليابس الأرض، ~~وقيل: هو مثل يراد به العموم في جميع المعلومات. # قال أئمتنا عليهم السلام: الكتاب المبين مثل لعلم الله تعالى كقولك كلما ~~تفعله فهو عندي مكتوب أي محفوظ كما يحفظ الكتاب المكتوب فيه، والمراد في ~~علم عليم فأخبر سبحانه عن علمه وإحاطته بجميع الأشياء، وقيل: الكتاب اللوح ~~المحفوظ. PageV21P015 # واعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بين كمال ms2546 قدرته فقال: {وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل} أي بالنوم، أي أنتم فيه كالحيف والخطاب للكفرة وإطلاق الوفاة على ~~النوم حقيقة لقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها}، وقيل مجاز لأن حقيقة الموت وقبض الروح لا يتأتى في النائم لأنه حي. # قال الرازي: وهاهنا بحث وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حيا لم تكن ~~روحه مقبوضة البتة، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلا بد ~~هاهنا من تأويل وهو أن حال النوم بغور الأرواح الحاسة من الظاهر في الباطن ~~فصارت الحواس الظاهرة متعطلة من أعمالها بهذا النوم حتى صار ظاهر [43] ~~الجسد معطلا عن كل الأعمال فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الوجه. # قلت: وللهادي عليه السلام في قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها} كلام حسن قد ذكرناه في سورة الزمر فليرجع إليه ~~فإنه لا غنى عنه. # ثم قال عز وجل: {ويعلم ما جرحتم بالنهار} أي كسبتم من الآثام، قال تعالى: ~~{الذين اجترحوا السيئات} أي اكتسبوها. # وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح أي أنتم منسدحون الليل كالجيف ~~وبالنهار تكتسبون الآثام، وأصل الاجتراح الاكتساب لخير أو شر. # قوله: {ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى} أي يبعثكم من القبور {فيه} أي في ~~شأنه ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل ومن أجله كقولك فيم ~~دعوتني فيقول في أمر كذا، وقيل الضمير عائد على النهار والمعنى ويبعثكم في ~~نهار آخر، وقيل على الليل والبعث الانتباه. # وفي البرهان: قوله: {ثم يبعثكم فيه} يعني في النهار باليقظة ويصرف الروح ~~بعد قبضها بالنوم {ليقضى أجل مسمى} يعني استكمال العمر وانقضاء الأجل ~~بالموت. انتهى. PageV21P016 # وقيل: الأجل هو الذي سماه وضربه لبعث الموتى وهذا احتجاج على منكري البعث. # واعلم أنه تعالى لما أخبر أنه ينمهم أولا ثم يوقظهم ثانيا وكان ذلك جاريا ~~مجرى الإحياء بعد الإماتة لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة فقال: ~~{ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما ms2547 كنتم تعملون(60)} في الدنيا في ليلكم ~~ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم من خير وشر، ثم قال: {وهو القاهر} أي ~~الغالب القادر {فوق عباده} وليس ذكر فوق هاهنا على طريق العلو بالمكان ~~والمسافة لأن ذلك يستحيل على الله تعالى، ومعناه أن الله هو القادر على ~~عباده ولا قدرة فوق قدرته كما قال تعالى: {يد الله فوق أيديهم}. # وأما قوله: {ويرسل عليكم حفظة} فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال ~~الحفظة عليهم يريد والله يرسل عليكم ملائكة موكلة بالنفوس وحفظها من الآفات ~~وعلمها بالأعمال من خير وشر يكتبون أعمالكم ويحفظونها عليكم وفائدة كتبهم ~~مع علم الله تعالى أن المكلف إذا علم أن أشرف خلق الله موكلون به يحصون ~~عمله في صحائف تنشر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة كان أزجر له عن القبيح ~~الذي لا يجب أن يطلع عليه أحد من المخلوقين، واختلفوا ما يكتبون، فقيل ما ~~له تعلق بالجزاء من الخير والشر، وقيل [44] يكتبون كل شيء ثم يمحو الله ما ~~يشاء وهو ما لا تعلق له بالتكليف والله أعلم. # ثم قال عز وجل: {حتى إذا جاء أحدكم الموت} يعني أسباب الموت بانقضاء ~~الأجل {توفته رسلنا وهم لا يفرطون} أي لا ينقصون ولا يزيدون فما أمروا به ~~والتفريط التواني والتأخير والإفراد مجاوزة الحد. PageV21P017 # فإن قيل: إنه تعالى قال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها}، وقال: {الذي خلق ~~الموت والحياة} فهذان النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله، ~~ثم قال: {قل يتوفاكم ملك الموت} وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك ~~الموت، ثم قال في هذه الآية: {توفته رسلنا} فهذه الثلاثة كالمتناقضة. # فالجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما ما ذكره في البرهان أن الله عز وجل أعان ملك الموت بأعوان من عنده ~~يتولون ذلك بأمره فصار التوفي من فعل أعوانه وهو مضاف إليه بمكان أمره كما ~~يضاف إلى الإمام فعل أعوانه من قتل وجلد إذا كان بأمره. انتهى. # والثاني أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله كما قال الهادي عليه ms2548 ~~السلام فملك الموت وأعوانه إنما وكلوا بقبض الأرواح وتصييرها حيث يأمرهم ~~الله سبحانه، وأما إخراجها من البدن فلا يقدر عليه إلا الله عز وجل والله أعلم. # وقيل: المراد برسلنا هنا ملك الموت وحده وجيء بلفظ الجمع تعظيما له، وقد ~~مر في مقدمة كتابنا هذا في مسائل الشاك من جواب أمير المؤمنين عليه السلام ~~عن هذه الآيات ما يغني ويشفي. # أما قوله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} فقال في البرهان: وفي متولي ~~الرد وجهان: # أحدهما الملائكة الذين توفتهم، والثاني أنه الله تعالى بالبعث والنشور ~~وردهم إلى الله ردهم إلى تدبيرهم لأن الله تعالى دبرهم عند خلقهم وإنشائهم ~~ثم مكنهم من التصرف فصاروا في تدبير أنفسهم ثم كفهم عنه بالموت فصاروا في ~~تدبير الله عز وجل كالحالة الأولى فصاروا بذلك مردودين إليه، ويجوز أنهم ~~ردوا إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه إلا الله تعالى فجعل الرد ~~إلى ذلك الموضع رد إليه. PageV21P018 # فإن قال: كيف قال: {مولاهم الحق} وقد قال: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ~~وأن الكافرين لا مولى لهم} فالمولى في هذا الموضع بمعنى الناصر وذلك صحيح ~~أن الكافرين لا ناصر لهم والمولى [45] الأول بمعنى المالك المدبر. انتهى. # ثم قال تعالى: {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} أي الحكم لله يوم ~~القيامة فلا حكم لغيره، وإنما جاء الإطلاق بأن الحكم لله؛ لأن غيره وإن حكم ~~فإنما يحكم بأمره فصح إضافة جميع الحكم إليه من هذا الوجه وجمعت هذه ~~الإضافة له؛ لأنه يحكم على الظاهر والباطن. # وأما سرعة الحساب فقيل يحاسب الله الخلق كلهم يوم القيامة بقدر حلب شاة ~~ويجوز أقل من ذلك؛ لأنه لا يشغله حساب أحد عن أحد، ثم اختلفوا فقيل يضطر كل ~~أحد إلى معرفة ما فعل وهو معرفة جزائه فحساب واحد حساب لجميع الخلق، وقيل ~~يخلق مع كل أحد كلاما يحاسبه أو ملكا، وقيل المراد بقوله: {أسرع الحاسبين} ~~أسرع الحافظين المحصين. PageV21P019 # ثم أخبر عز وجل عن نوع آخر من الدلائل على كمال القدرة الإلهية وكمال ms2549 ~~الرحمة والفضل والإحسان فقال: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا} أي تظهرون التذلل الكثير {وخفية} سرا ومخافتة يقولون {لئن أنجانا من ~~هذه} الظلمة الشديدة {لنكونن من الشاكرين} لك بالتوحيد والإخلاص والعبادة، ~~والمعنى قل لهم يا محمد من الذي ينجيكم من ظلمات البر والبحر غير الله حين ~~تدعونه بأضرع السؤال وأشد الابتهال {لئن أنجيتنا من هذه} الأهوال شكرناك ~~ولم نكفرك، فورد هذا الكلام على وجه السؤال والإجابة تأكيدا للحجة عليهم ~~لعلمهم بأنه لا كاشف لها إلا الله، وظلمات البر والبحر مجاز عن مخاوفهما ~~وأهوالهما يقال لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذوا كواكب أي اشتدت ظلمته حتى ~~عادت كالليل، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه ويشتبه عليه كيفية ~~الخروج وتظلم عليه طريق الخلاص. # ومنهم من حمله على حقيقته فقال: أما ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل ~~وظلمة البحر وظلمة السحاب فلم يعرفوا كيفية الخلاص فعظم الخوف. PageV21P020 # وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من هجوم ~~الأعداء والخوف الشديد من عدم الاهتجاء إلى طريق الصواب، والمقصود أن عند ~~اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى الله ~~وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا [46] لأن الإنسان في هذه يعظم إخلاصه في ~~الله وينقطع رجاؤه عن كل من سواه وهو المراد من قوله: {تضرعا وخفية} ثم ~~أخبر تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الخوف والكرب فقال: ~~{قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون} به، عبر الكرب الغم ~~والشدة أي قل لهم إن الله ينجيكم من أهوال البر والبحر من الأمواج وظلماتها ~~ومن كل غم وشدة {ثم أنتم تشركون} بالله بعد ذلك، ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر...} إلى قوله: {فلما أنجاهم إذا هم ~~يبغون في الأرض بغير الحق}. # وبالجملة فعادت أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الأمر الهائل أخلصوا فإذا ~~انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا. # ثم ذكر تعالى نوعا آخر من دلائل التوحيد وهي ممزوجة ms2550 بالتخويف فقال: {قل ~~هو القادر} أي الكامل في القدرة {على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كما ~~أمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل الحجارة {أو من تحت أرجلكم} كما أغرق فرعون ~~وخسف بقارون، وقيل: حبس المطر والنبات. # وبالجملة فهذه الآية تتناول جميع أنواع العذاب التي يكون نزولها من فوق ~~وظهورها من أسفل. # أما قوله: {أو يلبسكم شيعا} فمعناه أو يجعلكم فرقا مختلفي الأهواء. # قال الزجاج: قوله: {يلبسكم} أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ~~فيجعلكم فرقا ولا تكونوا فرقة واحدة فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو ~~معنى قوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض}. PageV21P021 # وفي معنى هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: معنى {هو القادر} فهو الله ~~سبحانه القادر على خلقه الذي لا يعجزه من طلب ولا ينجو منه من هرب، ثم قال ~~سبحانه: {على أن يبعث عليكم عذابا} فأخبرهم سبحانه أنه إن شاء أنزل عليهم ~~عذابا من فوقهم وهو مثل ما يكون من القذف بالحجارة أو الصواعق وما ينزل ~~الله من النقم بأعدائه المعرضين عن طاعته، أو من تحت أرجلهم فهو مثل الخسف ~~وما ينزل من متالف الأرض بهم وذهاب معاشهم ونقص ثمارهم وهو سبحانه قادر على ~~ذلك إذا أراد كونه لا معقب لحكمه ولا راد لأمره، ومعنى {أو يلبسكم شيعا} ~~فهو يذلهم ويخرجهم ويفرقهم حتى يصبحوا بعد العز أذلة [47] وبعد الجماعة ~~شيعا يتفرقون في الأرض. # ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} يقول من ~~بعد الإجتماع على الذين تفرقوا عن ذلك ومضوا في سبيل غيره فمال كل قوم في ~~هوى، والتفرقة لهم التبديد شيعا فهو من أشد الذل والهوان والقلة والصغار، ~~{ويذيق بعضكم بأس بعض} فهو بالخذلان لهم والترك من التوفيق حتى يقع بينهم ~~الشحناء والبأس فيقتل بعضهم بعضا وتقع عند ذلك العداوة والبغضاء فيكون ~~اجتماعهم على الباطل سببا لإخلاكهم وطريقا إلى تبددهم ونكاية من الله عزوجل ~~لهم وإزالة لنعمهم وإذهابا لعزهم. انتهى. PageV21P022 # قال في البرهان: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله ms2551 وسلم أنه لما نزلت ~~هذه الآية شق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى صلاة وأطال فيها، ~~فقيل له: ما طلت صلاة كاليوم؟ فقال: ((إنها صلاة رغبة ورهبة، إني سألت ربي ~~أن يجيرني من أربع خصال فأجارني من خصلتين ولم يجرني من خصلتين، سألته ألا ~~يهلك أمتي بعذابهم من فوقهم كما فعل بقوم نوح وبقوم لوط فأجارني، وسألته، ~~ألا يهلك أمتي بعذاب من تحت أرجلهم كما فعل بقارون فأجارني لكون الحجج ~~الذين من ولدي فيهم، وسألته أن لا يفرقهم شيعا فلم يجرني ونزل قوله: {الم، ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون})). انتهى. # لعل الرابعة قوله: ونزل قوله: {الم، أحسب...}إلخ، ويكون المراد بالفتنة ~~غير لبسهم شيعا وهو الاختيار بالتكليف ومحنه. والله أعلم. # أما قوله تعالى: {انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون} فهذا تعجيب للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أي انظر كيف نصرف آيات القرآن أي نقلبها في أساليب ~~المواعظ والعبر ليعلموا الحق فيتبعونه وهم معرضون عنه، فأراد تعالى بتصريف ~~هذه الآيات وتقرير هذه البينات أن يفهم الكل تلك الدلائل ويفقه الكل تلك ~~البينات خلاف ما تزعمه الأشعرية، ثم قال تعالى: {وكذب به قومك وهو الحق} في ~~الضمير إلى ما ذا يعود أقوال: # قيل معناه وكذب بالقرآن المنزل عليك قومك، والقرآن حق. # وقيل: وكذب بتصريف الآيات قومك وذلك التصريف حق. # وقيل: الضمير للعذاب المذكور وهو حق. # ثم قال: {قل لست عليكم بوكيل} أي قل لهم لست [48] أنا بحافظ عليكم ~~أعمالكم حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر ~~والله المجازي لكم بأعمالكم وهذا من زجر التهديد. PageV21P023 # وقيل معناه لست ألزمكم الإيمان قسرا وإجبارا كما يلزم المتوكل بالشيء، ثم ~~قال: {لكل نبإ مستقر} أي لكل خبر أخبر الله عز وجل من وعد أو وعيد وقت ~~مستقر في مستقبل الوقت أو ماضيه أو حاضره {وسوف تعلمون} وقوعه، يجوز أن ~~يراد به عذاب الآخرة وعذاب الاستئصال، وقيل لكل عمل جرى من خير وشر عن الحس ms2552 ~~والكل وعيد لهم بما ينزل من العذاب. والله أعلم. # ولما قال تعالى: {وكذب به قومك وهو الحق} أخبر أن أولئك المكذبين إن ضموا ~~إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء في الدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز ~~عن مقاربتهم وترك مجالستهم فقال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى {يخوضون في آياتنا} أي يخوضون ~~في رفض دلائلنا ولكنه اختصر، والخوض هو الجولان في الشيء، قال الشاعر: # خاض المكاره مرضيا لالهه # وسرا إليه بعزمه مع ما سرى # أي سار في المكاره في طاعة الله عز وجل، والعرب تقول: خضنا السيول ~~والمنايا خوضا، وتقول: خضنا في الكلام وجلنا فيه، قال الشاعر: # تخوضون في ذكر الحروب وأنتم # لدى الحرب أنكاس وغيركم أم # انتهى. # قال الرازي: الخوض المفاوضة في الشيء وغلب في المفاوضة على وجه اللعب ~~والعبث، قال تعالى حاكيا: {وكنا نخوض مع الخائضين} كانت قريش في مجالسهم ~~يخوضون في القرآن بالاستهزاء والطعن فنهي عن مجالستهم ما داموا خائضين في ذلك. PageV21P024 # قال المرتضى عليه السلام: لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يغشى حلقهم ولا ~~يجالسهم وإنما كانوا يغشونه ويقعدون عنده فإذا وعظهم وتلا عليهم ما أنزل ~~الله سبحانه على أفضل الأعمال وأدبهم بأحسن الآداب ونهاهم عن القعود مع ~~الخائضين، ثم قال عز وجل: {وإما ينسينك [49] الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين(68)} فنهاه عز وجل أن لا يقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين. # وفي البلغة: أي وإن أنساك الشيطان بعد نهينا إياك عن الجلوس معهم فلا ~~تقعد مع القوم بعد أن تذكر نهينا إياك عن الجلوس معهم، والذكرى اسم من ~~التذكر أخرج على لفظ التأنيث. انتهى. # وقيل: لا تقعد بعد أن ذكرناك بالوحي قبحها، وقيل: فلا تقعد بعد أن تذكرهم ~~بالوعظ وعليك القيام بعد ذلك. # وقوله: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء} أي ما على المتقين ~~المجالسين من حساب الخائضين شيء {ولكن ذكرى} أي عليهم أن يذكروهم ذكرى بوعد ms2553 ~~الله ووعيده وقبح فعالهم ووعظهم أو القيام عنهم وإظهار الكراهية لهم ~~ولفعلهم {لعلهم يتقون} أي لكي يتقوا ما لا يتقيه الخائضون، ويجوز أن يكون ~~الضمير للمشركين أي يتقون الخوض. # قال في البرهان: {وما على الذين يتقون} الله عز وجل في أوامره ونواهيه من ~~حساب الكفار فيما فعلوه من الاستهزاء والتكذيب أي لم يؤاخذوا ولكن عليهم أن ~~يذكروهم بالله وآياته لعلهم يتقون ما هم عليه من الاستهزاء والتكذيب، ~~ويحتمل ما على الذين يتقون من الحساب يوم القيامة ما على الكفار في الحساب ~~من التشديد والتغليظ لأن محاسبة المتقين ذكرى وتخفيف، ومحاسبة الكفار تشديد ~~وتغليظ {لعلهم يتقون} الوعيد فيرجعون عن الاستهزاء والتكذيب. انتهى. PageV21P025 # قال في البلغة: ووجه اتصال الذكرى بما قبلها كاتصال الاستثناء، فكأنه قيل ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء إلا أن تذكرهم بدعائك إياهم لأنه ~~يمنزلة ما عليك الاهدى، فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعرض ~~عنهم في حال اليأس وذكرهم في حال الطمع. # وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره إنكم إذا مثلهم}. # وقيل: ليست منسوخة لأن معناها وما على الذين يتقون إلا أن يذكرونهم ذكرا ~~والمراد جواز القعود حال التذكير، وموضع ذكرى نصب لأنه على تقدير ولكن ~~يذكرهم ذكرى أو عليكم أن تذكروهم ذكرى. # وقيل: نصب على معنى تعرض عنهم ذكرى لأمر الله. # قوله تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم [50] لعبا ولهوا} أي اتخذوا دين ~~الحق الذي كان يجب عليهم الأخذ به لعبا ولهوى لأن عبادة الأصنام وتحريم ~~السوائب وغيرها من باب اللعب واتباع الهوى ومن جنس الهزل، وقد وضعوا ذلك ~~موضع دين الإسلام واتخذوا ما هو لهو ولعب من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم ~~أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث ~~سخروا به واستهزؤا به، ومعنى ذرهم أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ~~ولا تقم لهم في ms2554 نظرك وزنا وهي محكمة أي دع ملاطفتهم ومجالستهم ولا تدع ~~تذكيرهم ودعوتهم. # قال في البلغة: هذا تهديد ووعيد للكفار الذين كانوا إذا سمعوا آيات الله ~~استهزؤا بها وتلاعبوا عند ذكرها. PageV21P026 # وورد في الخبر أنه ما من قوم إلا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون إلا أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فإن أعيادهم صلاة وتكبير و... وخير والله أمر نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يترك من كان بهذه الصفة فلا يغتم لأجله فإنما ~~عليه أن يبلغهم رسالة ربه ويذكرهم ما يجب تذكيره وهو مثل قوله تعالى: {وذكر ~~به أن تبسل نفس}. انتهى. # يزيد هذا وضوحا وأنه غير منسوخ قول المرتضى عليه السلام فإنه قال: قوله ~~ذرهم هذا غاية الوحيد من الله عز وجل لمن اتخذ دينه لعبا ولهوا كما قال ~~الله سبحانه: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} فكان هذا وعيدا لهم تعريفا ~~بجهلهم. # ثم قال عز وجل: {وغرتهم الحياة الدنيا} والحياة فهي هذه المهلة التي ~~جعلها الله سبحانه لكل نفس متحركة فاغتروا بالدنيا ومالوا إلى الهوى ~~واتبعوا الجهل والردى وآثروا العاجلة على ما جعل الله عز وجل في الآخرة من ~~العطاء والفوز والجزاء، ومعنى {وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت} يقول: أعذر ~~وأنذر من قبل أن تبسل نفسل، والإبسال فهي كلمة عربية يقول القائل لمن خالف ~~أمره ولم يقبل نصيحته إذا وقع في البلاء: بسلا يسلا. انتهى. # وفي البلغة: الإبسال الإرتهان، وهذا الإبسال هو الخذلان أيضا، قال ~~الشاعر: # وأبسلني بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # أي حبيناه، والمعنى ذكر بالقرآن لأن لا تبسل نفس، والبسل أيضا هو الهوان، ~~قال الشاعر[51]: # فبسلا بهذ النفس بسلا فإنها # عصتني في ليلى وليلى تهينها PageV21P027 ثم قال تعالى: {ليس لها} أي ليس للنفس {من دون الله ولي ولا شفيع} أي ~~وذكرهم يا محمد حساب يوم القيامة وأن الله يواخذ كل نفس بما كسبت من الخطية ~~وأنه لا ناصر لها ولا شفيع يدفع عنهم العذاب وهذا يدل على بطلان قول ~~المرجية في الشفاعة ms2555 على الوجه الذي ذهبوا إليه، ثم قال: {وإن تعدل كل عدل ~~لا يؤخذ منها} أي وإن تفتدي تلك النفس التي أبسلت بكل فدية من المال وغيره ~~لم ينفعها ذلك ولم ينجها من العذاب. # وقيل: وإن تقتد كل فداء من التوبة لأن الإيمان والتوبة في حال الإلجاء ~~غير نافع يدلك عليه قوله تعالى: {لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا}، ثم قال: {أولئك} أي الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا {الذين أبسلوا بما كسبوا} أي وقعوا في البلاء وأهينوا وأسلموا للهلاك ~~وارتهنوا بما كسبوا، ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ~~فقال: {لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} الحميم هو الماء ~~الحار في الأصل، .... ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا ~~لأذابتها، والعذاب الأليم هو النهاية في صفة الإيلام. والله أعلم. # وقوله تعالى: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا}. PageV21P028 # اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله قبل ~~ذلك: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} فقال تعالى: {قل أندعو ~~من دون الله} أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا ~~ضرنا {ونرد على أعقابنا} راجعين إلى الشرك {بعد إذ هدانا الله} أي بعد أن ~~أنقذنا الله منه وهدانا إلى الإسلام، ويقال لمن أعرض عن الحق إلى الباطل ~~إنه رجع إلى حلفه ورجع على عقبه ورجع القهقرى وهذه الألف وإن كانت في صورة ~~الاستفهام فإنها ألف إنكار وتوبيخ؛ أي قل لهم أترجعون إلى الضلال بعد الهدى ~~وإلى الكفر بعد الإيمان {كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران} أي متحير ~~عن الهدى مرتطم في ظلم الضلال والردى، أي لسنا نرجع مثل الذي استهوته ~~الشياطين وأوقعته في الضلال فلا ترجع من [52] الحق إلى قول الجهال، فهذا ~~معنى ما حكى عز وجل من قولهم قاله الحسين بن القاسم عليهم السلام. # وقيل: المراد باستهوته من ms2556 هوى النفس أي أضلته فاتبع هواه. # قال المرتضى عليه السلام: هذا مثل ضربه الله عز وجل لكل من عند عن الحق ~~وتركه من بعد الدعاء إليه والتبيين له فكان حاله في جهله وعماه عن الحق بعد ~~إذ عاينه ورآه كحال المستهوى في الأرض والمستهوى فهو المتحير الضال في ~~الأرض الذاهب عن القصد المائل عن الصدق والتارك للحق من بعد أن شرع له ~~الدين وأبانه الله عز وجل لجميع العالمين، والشيطان فقد يكون من الجن ~~والإنس وهم المغوون المفسدون. انتهى. PageV21P029 # قال الرازي: واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن وذلك لأن الذي يهوي من ~~المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة وذلك يوجب كمال ~~التردد والتحير، وأيضا فعند نزوله لا يعرف أنه سقط على موضع يزداد بلاؤه ~~بسبب سقوطه أو يقل، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثلا ~~للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال. انتهى. # ثم قال: {له أصحاب} أي رفقة في الطريق {يدعونه إلى الهدى} أي إلى الرشاد ~~والخلاص من الحيرة والفساد يقوله {ائتنا} وهو لا يجيبهم إلى هداهم ولا يسمع ~~ولا يقبل نداهم، ثم قال تعالى: {قل إن هدى الله} وهو الإسلام {هو الهدى} ~~الكامل النافع الشريف وما عداه ضلال وردى، ثم قال سبحانه: {وأمرنا لنسلم ~~لرب العالمين} أي ننقاد لأمر الله ونطيعه ولا نعصيه ونخلص له عبادتنا. # وقوله: {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} عطف على نسلم، وذكر الزجاج فيه وجهين: # الأول أن يكون التقدير وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين ولأن تقيم ~~الصلاة. # والثاني: أن يكون التقدير وأمرنا فقيل لنا اسلموا لرب العالمين وأقيموا ~~الصلاة. انتهى. # وقوله: {واتقوه} من جملة المأمور به، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: ~~{وهو الذي إليه تحشرون} أي تجمعون للجزاء، يعني أن منافع هذه الأعمال إنما ~~تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة. # واعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة عبادة الأصنام ذكر ما يدل على أنه لا ~~معبود إلا الله تعالى فقال: {وهو الذي خلق السماوات ms2557 والأرض بالحق} والغرض ~~الصحيح لما فيهن من منافع العباد دينا ودنيا أي يسبب الحق [53] وهو إنعامه ~~على عباده ولتكون أدلة على قدرته الباهرة ووحدانيته. # وقوله تعالى: {ويوم يقول كن فيكون قوله الحق} في معناه قولان: PageV21P030 # أحدهما أنه معطوف على السماوات؛ أي وخلق يوم يقول كن فيكون وهو يوم ~~القيامة، والمعنى أنه خلق المبدأ وهو السماوات والأرض وكل ما فيها وخلق ~~المعاد وهو يوم القيامة وبعث الأجساد. # وثانيهما: قال في الكشاف: {قوله الحق} مبتدأ والحق صفة ويوم يقول خبره ~~مقدما عليه وانتصابه بمعنى الإستقرار، كقولك: يوم الجمعة القتال، واليوم ~~بمعنى الحين أي حين يقول لشيء من الأشياء، والمعنى خلق السماوات والأرض ~~قائما بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء قوله ~~الحق والحكمة؛ أي لا يكون شيئا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن ~~حكمة وصواب. انتهى. # وقد ذكرنا في غير موضع من هذا الكتاب المبارك أنه ليس المراد من قوله: ~~{كن فيكون} خطاب وأمر لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال وإن كان ~~للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا وهو محال، بل المراد منه التنبيه ~~على سرعة نفاذ قدرته ومشيته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات، وقوله ~~فاعل فيكون أي فيكون قوله الحق أي مقوله أي مخلوقه. # وقال الزجاج: انتصب يوم بتقدير اذكر. # ثم قال: {وله الملك يوم ينفخ في الصور} يوم ظرف لقوله {وله الملك} منصوب ~~به؛ أي له الملك في ذلك اليوم العظيم، واختلف في الصور فقيل المراد القرن ~~الذي ينفخ فيه إسرافيل عند إرادة الله قيام الساعة، والأقرب أنه جمع صورة. # قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة ينفخ الأرواح في الصور، والمعنى أنه ~~الخالق ليوم القيامة وللبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كون فيكون، ~~ثم قال تعالى: {عالم الغيب} هو ما لا يعلمه العباد {والشهادة} ما شاهدوه، ~~والمراد كمال العلم، ثم قال: {وهو الحكيم الخبير} والمراد من كونه حكيما أن ~~يكون مصيبا في أفعاله ومن كونه خبيرا عالما بحقائقها من غير اشتباه ms2558 ومن غير ~~التباس. PageV21P031 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذه الآية من التقديم والتأخير، ~~والمعنى في ذلك عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير وله الملك يوم ينفخ ~~في الصور. والله أعلم. # وقوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة}. # اعلم أنه سبحانه كثيرا ما يحتج على المشركين العرب بأحوال إبراهيم عليه ~~السلام وذلك لأنه رجل يعترف بفضله [54] جميع الطوائف والملل، فالمشركون ~~كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، واليهود والنصارى والمسلمون ~~كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض ~~الاحتجاج على المشركين وهذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر العالم بفضله ~~وعلو مرتبته لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام وكان اسم أبيه آزر، ~~وقيل هو اسم صنم ولقب به للزومه. # قلت: ومثل هذا حكاية المرتضى عليه السلام. # قال في البلغة: آزر اسم أعجمي معرفة فلذلك لم يصرف، وقيل انتصب آزر ~~بإضمار فعل قد دل الكلام عليه كأنه قيل أتتخذ آزر إلها اتخذ أصناما آلهة، ~~والقول الأول أقرب. # قال الرازي: قرئ آزر بالنصب وهو عطف بيان لقوله: {لأبيه} وبالضم على ~~النداء. # قال في الكشاف: سألني واحد فقال: قرئ آزر بهاتين القراءتين، وأما قوله: ~~{وقال موسى لأخيه هارون} قرئ بالنصب وما قرئ البتة بالضم فما الفرق؟ # فقلت: القراءة بالضم محمولة على النداء بالاسم استخفافا بالمنادى وذلك ~~لائق بقصة إبراهيم لأنه كان مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له ~~عن ذلك القبيح، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان يستخلف هارون على قومه ~~فما كان الاستخفاف لائقا بذلك الموضع فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة. PageV21P032 # ثم أخبر تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين} أي قال لهم إني أراك ومن تبعك في ضلال وذهاب عن الحق بين ظاهر وكانوا ~~يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، وأراد أن يدلهم على الاستدلال ~~واشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على ~~فساد قول عبدة ms2559 الأصنام من وجهين: # الأول أن قوله {أتتخذ أصناما آلهة} يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة ~~الآلهة إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله ~~تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}. # والثاني أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم ~~الواحد كافيا، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع البتة. # وقوله تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض و[55]ليكون من ~~الموقنين} أي فعلنا ذلك ليستدل وليكون من المؤمنين، ومعنى {وكذلك} أي وكذلك ~~التعريف والتبصير. # قال الزجاج: الإشارة إلى ما تقدم من قول إبراهيم لأبيه أي وكما قال لأبيه ~~نريه الاستدلال والاعتبار. # وقال الرازي: كما أريناه قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السماوات والأرض. انتهى. # أي نريد دلائل الالهية ونري حكاية حال ماضية؛ أي بصرناه الاستدلال ونورنا ~~قلبه لذلك، والملكوت أعظم من الملك وهو مثل رهبوت من الرهبة ورحموت من ~~الرحمة وزيادة الواو والتاء في الملكوت للمبالغة في الصفة؛ أي أريناه لطائف ~~خلقهما. PageV21P033 # قال المرتضى عليه السلام: والملكوت فهو ما خلق الله عز وجل من السماوات ~~والأرض ومن فيهن وما أظهر في ذلك من قدرته وملكه لجميع خلق لا يمتنع عليه ~~شيء من مفطوراتها ولا يحتجب عنه شيء من محجوبات سرائرها فأرى إبراهيم عليه ~~السلام قدرته وسلطانه كما قال: {ليكون من الموقنين}، ومعنى أراه فهو عرفه ~~وهداه وكان تكرمة له وتثبيتا وتعريفا مثل ما كان أراه من الطير الذي أمره ~~بأصرها عند مسألته لله عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى وغير ذلك مما أطلعه ~~عليه سبحانه من قدرته التي قامت بها الدنيا وما فيها من جميع الأشياء ما ~~بهره وزاد في نيته وعظم به شكره وعلم بذلك منزلته عند الله سبحانه وكرامته ~~وقد كان بالله عارفا ولله مجلا ولأمره مقدما. # ألا تسمع كيف يقول تبارك وتعالى: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} فأخبر ~~أن ملكوت كل شيء في يده وملكه سبحانه وتعالى عما يقول به المبطلون ms2560 وأهل ~~الزيغ الظلمة الملحدون عز ربنا سبحانه وتعالى عما يقولون. انتهى. # ثم أراد إبراهيم عليه السلام أن ينبههم على الخطأ في دينهم وكفرهم في ~~عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويرشدهم إلى الاستدلال فقال تعالى حاكيا: ~~{فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين(76)فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ~~ربي لاكونن من القوم الضالين(77)فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي [56]هذا ~~أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون}. PageV21P034 # قال المرتضى عليه السلام: سألت أبي الهادي إلى الحق عليه السلام عن هذه ~~الآية فقال: معنى {جن عليه الليل} فهو غشيه وأجنه وركبه وأظله، ومعنى {هذا ~~ربي} توبيخ وتقريع لعبدة النجوم على غلطهم وكفرهم في عبادتهم ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم فقال هذا ربي يريد أهذا ربي الذي تزعمون وهو زائل آفل غافل هذا ~~لا يكون لي ربا ولا يجوز أن يدعى خالقا، وكذلك قوله في الشمس والقمر على ~~هذا المعنى الذي قاله في النجم يريد بذلك كله التوقيف لهم على خطأ أفعالهم ~~والشرك بربهم. # ألا ترى كيف قد تبرأ من أعمالهم في عبادة النجوم حين يقول: {إني بريء مما ~~تشركون} من بعد التقريع لهم والتوقيف. انتهى. # قوله: {لا أحب الآفلين} الأفول الغروب؛ أي لا أحب عبادة المتغيرين من حال ~~إلى حال الغائبين وراء ستر لأن ذلك من صفات الأجسام ودلائل الحدوث لأن ~~تغييرها بالأفول دليل على أنها مدبرة محدثة وما كان بهذه الصفة استحال أن ~~يكون إلها معبودا. # ومعنى{فلما رأى القمر بازغا} أي مبتديا في الطلوع، وأصله من البزغ وهو ~~الشق كلأنه شق الظلمة بضوه، وقوله: {هذا ربي} بمعنى أهذا ربي، والمراد منه ~~الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة ~~الكلام عليه أو هذا ربي في زعمكم واعتقادكم، ومثل هذا في البرهان. # وقوله: {لئن لم يهدني ربي} أي والله لئن لم يهدني ربي لأكونن ...إلى ~~آخره، وقوله: {هذا أكبر} يعني ms2561 من القمر والكواكب، وإنما قال هذا بالتذكير ~~والإشارة إلى الشمس ليماثل المبتدأ الخبر في التذكير لكونهما عبارة عن شيء ~~واحد ولصيانة الرب عز وجل عن شبه التأنيث. # ألا ترى هم قالوا في صفة الله تعالى علام ولم يقولوا علامة وإن كان ~~العلامة أبلغ احتراز من علامة التأنيث. PageV21P035 # قال في الكشاف: قوله: {فلما جن عليه الليل} عطف على قوله: {قال إبراهيم ~~لأبيه آزر}، وقوله: {نري إبراهيم} جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، ومعنى جن أظلم وستر، يقال جنه الليل وأجنه إذا دخل عليه ظلام الليل، ~~وأصل جن ستر، وكان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب ~~فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم ويرشدهم إلى الاستدلال فجاء على هذا ~~النسق وهو قوله: {هذا ربي} ليكون صورته [57] صورة من هو متردد غير قاطع ومن ~~هو مثلهم حتى يكون أدعى إلى القبول منه عند أن يعطف عليه بالإبطال بالحجة، ~~وقوله بعد ذلك: {إني بريء مما تشركون} قطع في وجوههم ومكافحة لهم بعد أن ~~أبطل عليهم أجناس معبوداتهم ولم يبق معهم أفحم مما بين لهم خطأهم فيه وهذا ~~غاية التلطف والتوصل إلى استجلاب هداهم. انتهى. # أما قوله عز وجل حاكيا عنه عليه السلام: {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا} فقيل معناه وجهت نفسي، وقيل وجهت عبادتي؛ لأن من ~~كان مطيعا لغيره يتوجه بوجهه إليه فجعل كناية عن ذلك. # قال الزجاج: جعلت قصدي بعبادتي وتوحيد الله عز وجل. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه وجهت وجهي إلى الله بكليتي ~~وصرفت وجهي وهمتي وليس يريد وجهه دون قلبه ولسانه وغيرهما من جوارحه ~~وبنانه، والحنيف هو الثابت الذي لا يميل ولا يزيغ عن الطريق ولا يحول، قال ~~الشاعر: # حمدت الله حين هدى فؤادي # إلى الإسلام والدين الحنيف # وقيل: معنى الحنيف أنه المائل عن الشرك إلى التوحيد، واحتجوا بالحنف الذي ~~يكون في بعض الأقدام وهو الميل، قال الشاعر: # والله لولا حنف برجله # ما كان فيكم من غلام مثله # وقيل غير ذلك، والقول الأول قول ms2562 سلفنا وهو المعمول عليه. انتهى. PageV21P036 # ومعنى فطر السماوات والأرض أي ابتدعها وابتدأها أي للذي دلت عليه هذه ~~المحدثات، قيل: هذه نظرة في نفسه يعني ولم يكن بينه وبين قومه، والأظهر أنه ~~إرشاد لهم إلى الاستدلال لقوله {لئن لم يهدني} وقوله: {إني بريء مما ~~تشركون}. والله أعلم. # وقوله: {وما أنا من المشركين} تعريض بهم وبإشراكهم؛ أي ما أنا ممن يشركون ~~بين الله وبين المخلوقين ويقسم عبادته بين المالك والمملوكين، ثم قال ~~تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله} أي في توحيده {وقد هداني} إلى ~~التوحيد. # قال في البلغة: المحاجة طلب كل واحد من الخصمين الحجة، ومعناه قال ~~إبراهيم لقومه على وجه الإنكار عليهم ما قد جاجوه به وخاصموه: أتحاجونني في ~~الله[58] وقد دلني على الحق الذي أدفع به باطلكم وأبطل به حجاجكم والألف في ~~قوله: {أتحاجوني} ألف إنكار. # ولما خوفوه أن يناله من شركائهم مضرة قال: {ولا أخاف ما تشركون} لأنها ~~جماد لا تضر ولا تنفع، والخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر والذي ~~يملكه هو الله عز وجل. # وأما قوله: {إلا أن يشاء ربي شيئا} ففيه وجوه: # أحدها إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي. # وثانيها إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا أو يقطع عني بعض مادات نعمه. # وثالثها إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون بأن يحييها ويمكنها من ضري ~~ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه. PageV21P037 # ثم قال: {وسع ربي كل شيء علما} أي وسع علمه كل شيء فليس بعجب ولا مستبعد أن ~~يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها، والمعنى أنه عالم الغيب فلا يفعل ~~إلا الخير والصلاح والحكمة، وحثهم صلى الله عليه على الاعتبار والاستدلال ~~والنظر المؤدي إلى الحق بقوله: {أفلا تتذكرون} أي تتفكرون فتميزون بين ~~القادر والعاجز والصحيح والفاسد، وقوله تعالى: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله} أي وأنتم لا تخافون ما يتعلق به كل الخوف وهو ~~إشراككم بالله تعالى {ما لم ينزل به ms2563 عليكم} أي بإشراكه {سلطانا} أي حجة، ~~وفي قوله: {كيف} معنى الإنكار عليهم كأنه قال وكيف أخاف ما أشركتم بالله ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما ليس لكم على صحته برهان، وكان غرضه بذلك ~~أن يبين لهم أنه لا يصح إذ لو صح هذا المعنى لكان معلوما معقولا بالدليل ~~والبرهان، وإذا كان كذلك لم يصح بوجه من الوجوه، فهذا السؤال تعجيز عن ~~تصحيح المعنى الذي ادعوه من الشرك بالله ببرهان ودليل، ثم قال: {فأي ~~الفريقين} فريقي المشركين والموحدي {أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} جعلهم ~~بمنزلة من لا يعلم؛ أي إن كنتم من أهل التمييز لم يخف عليكم أيهما أحق ~~بالأمن. # قال في البلغة: معناه إذا لم يكن لهم برهان على ما يفعلونه من الشرك ولا ~~يملك ما يعبدونه من دون الله نفعا ولا ضرا فالبرهان قائم على توحيد الله ~~القادر على كل شيء والعالم [59] بكل شيء فأي الفريقين أولى بالأمن من عذاب ~~الله المتمسكون بعبادة الأوثان أم المتمسكون بعبادة الرحمن. PageV21P038 # قال المرتضى عليه السلام: الفريقان فهم فريق الحق وفريق الباطل، ألا تسمع ~~كيف يقول عز وجل في أول المخاطبة: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم ~~أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا}، يقول عليه السلام: إن الذي معكم ~~وما تعبدون من هذه النجوم والشمس والقمر والأصنام أشياء لم ينزل بها سلطانا ~~يعني حكما ولا أمرا ولا وحيا وإنما ذلك ابتداع منكم وعمى وكفر واتباع هوى ~~فكان عليه السلام على بينة وبرهان من الله عز وجل، والفريق الذي هو أحق ~~بالأمن فهو إبراهيم عليه السلام ومن تبعه الماضون على بصيرة المتبعون لحكم ~~الله عز وجل الصادون عن الهوى التاركون لما ضل فيه أهل الجهل والفسقة ~~الأشقياء، فكان عليه السلام أحق بالسلامة وأولى بالجنة والكرامة. # ثم قال: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} فدل على الفريق بعينه ~~ونسبه بمذهبه ونعته فقال: {ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} يقول لم يدخلوا فيه ~~فسادا ولم يلبسوا فيه ظلما ولا بعد اليقين والمعرفة شكا، فكانت هذه ms2564 حجة على ~~المشركين لإبراهيم الخليل عليه السلام. انتهى. PageV21P039 # اختلفوا في معنى الظلم هاهنا، فقال بعضهم: هو الشرك لقوله تعالى: {إن الشرك ~~لظلم عظيم}، وقال الأكثر من العلماء: الظلم هاهنا هو الكبيرة إذ الشرك أعظم ~~الكبائر، ومعنى الآية الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بمعصية بفسقهم ولم ~~يرد الكفر إذ لا يصح الإيمان معه، والمراد أن من آمن بالله وبما أوجب عليه ~~الإيمان به ولم يخلط إيمانه بشرك أو كبيرة موجبة للعذاب فهو آمن من عذاب ~~الله وهو المهتدي، وهو معنى قوله عز وجل: {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} إلى ~~الحق وإلى الجنة، ثم أشار تعالى إلى كل ما احتج به إبراهيم على قومه في هذه ~~الآيات بقوله: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} أرشدناه إليها ووفقناه لها ~~{على قومه}. # قال في البلغة: أشار بقوله: {تلك} إلى الحجة التي أعطاها إبراهيم وهو ما ~~ألزم قومه أنه لا يجوز أن يعبد ما لا يملك الضر والنفع بأن بين لهم أن ~~الأصنام لا تملك شيئا من ذلك وأن من عبد الصنم [60] فهو أولى بالخوف ممن ~~عبد المالك للضر والنفع. # وقيل: إنه لما قال لهم أي الفريقين أحق بالأمن أمن يعبد إلها واحدا أم من ~~يعبد آلهة كثيرة شتى، فقالوا من يعبد إلها واحدا، فأقروا بذلك فلزمتهم ~~حجته، ثم قال عز وجل: {نرفع درجات من نشاء} في العلم والحكمة {إن ربك حكيم} ~~فيما يخص من الإيتاء والرفع للدرجات {عليم} بمن يستحق ذلك، ومعناه أن الله ~~يرفع الدرجات لمن يشاء لأنه حكيم عليم، فاقتضى ذكر العليم هاهنا بيان الوجه ~~الذي وقع عليه أي أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم لا ~~بموجب الشهوة والمجازفة؛ لأن أفعال الله تعالى منزهة عن العبث والفساد ~~والباطل. PageV21P040 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله في ~~التوحيد وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه فقال: {ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل} أي وهبنا لإبراهيم عليه السلام إسحاق ~~ولدا ويعقوب بعده وهبنا ms2565 كل واحد منهم ومن قبلهم هدينا نوحا وهذه الهداية ~~هداية مخصوصة وليست الهداية التي تعم سائر المكلفين. # وقال بعض العلماء: الهدى هنا معناه اللطف وهو جزاء وثواب على أعمالهم لأن ~~الله يفعل اللطف لمن كان في معلومه إلا أنه إذا فعل به ما هو لطف فيصلح به ~~العبد فيستحق الجزاء، وتقديره لطفنا لهم حتى اهتدوا، وقد يكون ذلك معنى ~~المدح لهم والثناء عليهم أيضا، ويكون ذلك جزاء على أعمالهم. # وقال غيره: لا يجوز أن يكون الهدى هنا بمعنى الجزاء لأن معناه أنه تفضل ~~منا واجب في حكمتنا فعله كالجزاء على الإحسان بالثواب فلا يجوز منع واحد ~~منهما، والقول الأول أقرب، ذكره في البلغة، ثم قال: {ومن ذريته داوود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين} في أعمالهم؛ أي ~~نزيدهم توفيقا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: قوله: {ومن ذريته} عطف على قوله: ~~{هدينا} فكأنه قال وهدينا من ذريته فلانا وفلانا ومن آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم أي ممن هدينا ولكنه اختصر. # قال في البلغة: اختلف العلماء [61] في هذه الكناية أعني قوله: {ومن ذريته ~~داوود وسليمان وأيوب ويوسف} أنها عائدة على من قال بعضهم أنها عائدة على ~~نوح، واحتج بأنه نسق على هؤلاء المذكورين يونس ولوط ولم يكونا من ذرية ~~إبراهيم. # وقال بعضهم: هي عائدة على إبراهيم لأن جميع هؤلاء المذكورين من ذرية ~~إبراهيم إلا يونسا ولوطا وهما يكونا معطوفين على نوح وهذا القول هو ~~المختار. # قلت: وهو قول أئمتنا عليهم السلام. PageV21P041 # وقوله: {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين}. # قال زيد بن علي عليه السلام في كتاب الصفوة: فنسب الله عز وجل عيسى إلى ~~إبراهيم في الكتاب وجعله من ذريته. انتهى. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام في خطبة الأحكام: وفي ذلك ما يقول الله ~~تبارك وتعالى في إبراهيم صلى الله عليه وآله: {ومن ذريته داوود وسليمان...} ~~الآية، فذكر أن عيسى من ذرية إبراهيم كما موسى وهارون من ذريته وإنما جعله ~~ولده وذريته بولادة مريم وكان سواء عنده في معنى الولادة ms2566 والقرابة ولادة ~~الابن وولادة البنت قد أجرى موسى وعيسى مجرى وحدا من إبراهيم صلى الله عليه ~~وآله. انتهى. # قال في البلغة: في هذه الآية الأنبياء عليهم السلام معطوفون على من تقدم ~~ذكرهم من ذرية إبراهيم بين تعالى أنه وهبهم إياه أيضا وأنهم كلهم من عباده ~~الصالحين شهادة بته بصلاحهم. # وروى ابن مسعود أنه قال: إلياس هو إدريس، ولا يصح هذا لأن إدريس جد نوح ~~فلا يكون من ذرية نوح ولا إبراهيم، وقال غيره: إلياس ابن أخي موسى بن ~~عمران، وهذا هو الأقرب. # ودلت هذه الآية على أن الحسن والحسين ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم على الحقيقة لأن الله تعالى بين في هذه الآية أن عيسى من ذرية إبراهيم ~~وذرية نوح على ما بينا من الخلاف فيه وعيسى ما ينمى إلى إبراهيم بالأب ~~وإنما ينتمي إليه بالأم، وإنما ذكرت ذلك لأن من عادى آل رسول الله عليهم ~~السلام بلغت عداوتهم إلى سلب هذا الاسم من الحسن والحسين ولم يقنعوا بما ~~سلبوه فيهم من الأحكام والمنبر والإمامة واحتجوا بقول عدو جاهل: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وتركوا قول الله تعالى وتعلقوا بقول هذا الجاهل الذي لا يدري [62] ما ~~يقول، وتركوا أيضا ما يعرفه كل واحد من نفسه إذا كان له ولد بنت. PageV21P042 # هذا وقد ورد في ذلك أخبار مستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~ذكرت منها وحذفت إسنادها، فمنها ما رواه أبو عبيدة وخرجه في الغريب أن ~~الحسن عليه السلام بال في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستعجلوا ~~يأخذوه من حجره فقال: ((لا تروموا ابني)). # ومنها ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان على المنبر فخرج الحسن ~~والحسين من بيتهما يعثران في قميصين معصفرين، فنزل عليه السلام من المنبر ~~واحتضنهما ثم عاد إلى المنبر فقال: ((ألا إن الولد محبته منحلة مجذبة)). # وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم حمل الحسن والحسين عليهما السلام على ~~عاتقه وجعل يحك ms2567 صدره برجليهما ويقبل تارة رجل الحسن وتارة رجل الحسين ~~ويقول: ((هذان ابناي وريحانتاي من الدنيا)). # وإنه قال لعلي عليهما السلام: ((إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ~~ذريتي من صلبك)). # قلت: ومثل هذا المعنى من دلالة الآية ذكره زيد بن علي عليه السلام في ~~كتاب الصفوة والرازي في تفسيره وقال فيه: ويقال إن أبا جعفر الباقر استدل ~~بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف. # وعن الشعبي قال: كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ ~~مكبلا في الحديد، فقال له الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول ~~الله؟ قال: بلى، فقال الحجاج: لتأتيني بها واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك ~~عضوا عضوا، فقال: أتيتك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج، قال: فتعجب ~~من جرأته بقوله يا حجاج، فقال له: ولا تأتيني بهذه الآية: {ندع أبناءنا ~~وأبناءكم}، فقال: أتيتك بها واضحة من كتاب الله قوله تعالى: {ونوحا هدينا ~~من قبل ومن ذريته داوود وسليمان...} إلى قوله: {وزكريا ويحيى وعيسى} فمن ~~كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال: فأطرق الحجاج مليا ثم رفع رأسه ~~وقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال ~~كذا. انتهى. PageV21P043 # وقوله جل اسمه: {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين} عطف ~~إسماعيل واليسع [63] على من تقدم ذكرهم من ذرية إبراهيم وعطف يونس ولوطا ~~على نوح كما بينته فيما تقدم، ولفظ {كل} هاهنا معرفة وتقديره وكل الأنبياء ~~عليهم السلام فضلناهم على العالمين. # وقوله جل اسمه: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم} الاجتباء الاصطفاء والاختيار، بين الله تعالى علو منزلة هؤلاء ~~الذين ذكرهم فنوه بذكر أنبيائه عليهم السلام وما أنعم به عليهم وبين أنه ~~أشرك الآباء والأبناء في الهداية إلى المحجة المؤدية إلى النعمة وأنه ~~اصطفاهم واتخذهم صفوة، وأعيد ذكر الهداية عطفا على الهداية الأولى؛ لأنه ~~إذا طال الكلام حسن أن يذكر بالمعنى الذي عليه الاعتماد. انتهى كلام ~~البلغة. # ثم أشار ms2568 تعالى إلى الهدى المذكور بقوله: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~من عباده} أي يوفق من يقبل التوفيق وهو من اهتدى زاده هدى. # وقيل: المراد بالهدى اللطف، فبين تعالى في هذه الآية أنه لا يصح أن يضاف ~~الهدى الذي هو اللطف إلا إلى الله؛ لأنه الذي يلطف لعباده وما ذكره في هذه ~~الآية صفة مدح وتعظيم لمن كان في معلوم الله أنه يصلح باللطف الذي يفعله ~~فلذلك قال: {يهدي به من يشاء من عباده} على وجه التخصيص. والله أعلم. # ثم قال تعالى في الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام مع رفع ~~درجاتهم وكثرة ثوابهم {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} أي ثوابه كما ~~قال عز وجل: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. PageV21P044 # قال المرتضى عليه السلام: فأخبر سبحانه عن فعله فيهم على محلهم عنده ~~وكرامته لهم أنهم لو زالوا عن الحق ما قبل منهم ولأحبط أعمالهم، فإذا كان ~~ذلك حكمه سبحانه فيهم لو كان منهم ما ذكر عز وجل ولن يكون فكيف بغيرهم إذا ~~ظلم وتعدى وتقحم في المهالك والردى وصد عن طريق الحق والهدى، وفي هذا إبطال ~~لقول المزخرفين لأنفسهم الأباطيل الذين مالت بهم الدنيا واتبعوا الغي ~~والهوى ثم يزعمون بحيلهم ورداءة تمييزهم أنهم ممن يغفر له خطيئته ويتجاوز ~~عن سيئته بغير توبة ولا رجعة ولا خروج عن معصية، ثم قالوا بجهلهم وقلة ~~بصائرهم: إنه لا يدخل النار من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد وإن ~~ظلم وتعدى وأفسد، كأن لم يسمعوا ما ذكر الله عز وجل في أول القصص إذ ذكر ~~الأنبياء عليهم السلام حين يقول سبحانه: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~[64]يعملون} فإذا كانت الأنبياء في قدرها وعظم محلها لو كان منهم بعض ما ~~كان من هؤلاء الظلمة وحاشا لأنبياء الله سبحانه من الدخول في معصية أو ~~مخالفة شيء من أمره لحبطت أعمالهم، فكيف بغيرهم من أهل الجهل والعمى ~~التابعون للغي والردى إذ هذا هو العدل من الله عز وجل في خلقه وعين ms2569 الإنصاف ~~لبريته إذ ألحق كلا بذنبه وجازاه على فعله وأخذه بعمله. # ألا تسمع كيف يقول عز وجل: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} يقول يكافأ عليه ~~ويعاقب فيه فكان هذا إكذابا لقولهم وإبطالا لمحال ظنهم، فأوضح سبحانه لهم ~~الحق الذي لا شك يدخله ولا فساد يلحقه أنه يجزي كلا بعمله ويكافيه على فعله ~~{ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى}، فسبحان العدل ~~في حكمه، المنصف لخلقه، البري من ظلم عباده. انتهى. PageV21P045 # ثم قال تعالى: {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة} أشار بقوله ~~تعالى: {أولئك} إلى الأنبياء الذين تقدم ذكرهم، والمراد بقوله: {الكتاب} ~~الكتب التي أنزلها الله عليهم، فذكر بلفظ الكتاب على طريقة الجنس، فأخبر ~~تعالى أنه أتاهم الكتاب والحكم والنبوة وهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل ~~على أمور ثلاثة متغايرة، فالمراد بالكتاب جنس الكتب، والمراد بالحكم السنة ~~وهي العلم والفقه أو الحكم بين الناس بالحق، ومعنى قوله: {والنبوة} أي ~~الذين خصصناهم بها. # وقال الرازي: قوله: {الكتاب} إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم العلم الكثير، ~~وقوله: {الحكم} إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاما على الناس نافذي الحكم ~~فيهم بحسب الظاهر، وقوله: {والنبوة} إشارة إلى المرتبة الثالثة وهي الدرجة ~~العالية الرفيعة الشريفة التي بتفرع على حصولها حصول المرتبتين المتقدميتن ~~المذكورتين وللناس في هذه الألفاظ تفسيرات كثيرة والمختار عندنا ما ذكرناه. انتهى. # ثم قال سبحانه: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين} يريد إن يكفر بالكتاب والحكم والنبوة أهل مكة {فقد وكلنا} أي ~~وفقنا للإيمان {بها قوما} اختلف الناس فيهم على أقوال، فقيل: هم الأنبياء ~~المذكورون ومن تابعهم، وقيل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل من ~~آمن به، وقيل الملائكة وادعى الأنصار أنها لهم، وعن مجاهد هم الفرس. # قلت: والذي عليه أئمتنا عليهم السلام [65] هو ما ذكره المرتضى عليه ~~السلام أن الموكلين بها هم الأئمة المعروفة طاعتهم المحكوم من الله عز ms2570 وجل ~~بطاعتهم. PageV21P046 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى ذلك أمير المؤمنين وذريته ~~الأخيار الطاهرين الذين وكلهم الله بالدعاء إلى نبوة جدهم بعد أمير ~~المؤمنين والدهم فيهم بالدين والحكمة والنبوة موكلون وعلى الله سبحانه ~~متوكلون وبطاعته في ذلك وغيره عاملون، ثم رجع إلى ذكر الأنبياء صلوات الله ~~عليهم مخبرا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن هدايته فقال عز وجل وأمره أن ~~يقتدي بهم ويسير في عباد الله بسيرتهم: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده}. # قال المرتضى عليه السلام: فأمره أن يقتدي بفعلهم ويتبع سبيلهم ويصبر ~~كصبرهم إذ هو عليه السلام كأحدهم، فكان صلى الله عليه وآله وسلم صابرا ~~محتسبا حريصا على أمته شفيقا مقيما بحجج ربه حتى قبضه الله حميدا. # قال بعض أئمتنا عليهم السلام: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى في ذلك ~~أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتدهم فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. # قال في البلغة: وفي هذه الآية بيان أن الله تعالى يحفظ نبيه وينصر دينه ~~بهؤلاء المؤمنين حتى تستعلي على كل دين من عاداه ولا يضره كيد من ناواه، ~~وفي جملة ما ذكره تقريض للمؤمنين أي مدح لهم وهو بالضاد معجمة ومنه سمي ~~الشعر قريضا. والله أعلم. # وتقريع للكافرين، والهاء في قوله: {اقتده} هاء الوقف التي تسقط في الوصل ~~وهي عوض من الياء المحذوفة التي في اقتدي. انتهى. # والمعنى لا تقتدي إلا بهداهم؛ لأن تقديم الهدى أي تقديم المفعول على ~~الفعل للاختصاص، ثم قال تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى ~~للعالمين} أي قل لهم لا أسألكم أجرا على ما أديته إليكم وما هذا القرآن إلا ~~ذكرا للعالمين لأنه ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه العباد في دينهم من حجة ~~واضحة وبينة وموعظة بليغة وعبرة بأحوال الأمم السالفة. PageV21P047 # قال في البلغة: ووجه اتصال قوله: {قل لا أسألكم} بما قبله اتصال بفضل ~~الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء من عند ms2571 الله وذلك من ~~اقتداء بالنبيين ترك طلب الأجر من الناس على دعائهم إياهم إلى دين الله، ~~فكأنه قيل له قل لهم لا أسألكم أجرا على الدعا إلى الله وعلى تحملي المشقة ~~في أ... الرسالة، ونظير ذلك قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا [66]إلا ~~المودة في القربى} فبين لهم أنه لا يطلب منهم شيئا من غرض الدنيا على ما ~~أتاهم به ودعاهم إليه وإنما سألهم أن يودوا من يستحق المودة من أقربائه ~~وذوي رحمه. # ومعنى قوله عز وجل: {وما قدروا الله حق قدره} أي ما عظموه حق تعظيمه، عن ~~ابن عباس والحسن من قولهم فلان له قدر أي خطر، وقيل: ما عرفوه حق معرفته في ~~الرحمة على عباده حين أنكروا بعثه الرسل إليهم وذلك أعظم نعمة ولا عرفوه في ~~سخطه على الكافرين وشدة بطشه بهم {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}. # وقيل: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير {إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء} قالوا ذلك مبالغة في إنكار نزول القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والقائل اليهود فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار به من إنزال ~~التوراة على موسى وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وإن نعى عليهم سوا جهلهم ~~لكتابهم وتحريفهم وإبداء بعض وإخفاء بعض. # وروي أن مالك بن الص...ف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى إن الله يبغض ~~الحبر السمين فأنت الحبر السمين قد سمنت مما يطعمك اليهود)) يريد أنه كان ~~يرشى، فضحك القوم، فغضب وقال: ما أنزل الله من شيء، فقال له قومه: ويلك ما ~~هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني، فنزعوه من رياستهم وجعلوا مكانه كعب ~~بن الشرف. PageV21P048 # وقيل: القائل لذلك قريش وقد ألزموا نزول التوراة بما كانوا يسمعون من ~~اليهود وكانوا يقولون لو أنا أنزا علينا الكتاب لكنا أهدى منهم. # قال في البلغة: أن مشركي العرب قالوا ذلك فاحتج عليهم بالأمر الصحيح وبين ~~أن منزلة ms2572 محمد صلى الله عليه وآله وسلم كمنزلة موسى صلى الله عليه، ثم قال ~~عز وجل: {قل} يا محمد {من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس}. # قال المرتضى عليه السلام: يقول سبحانه من أنزل كتاب موسى إذ كان الله لم ~~ينزل على بشر وحيا وموسى عليه السلام من البشر فقد جحدتم بقولكم هذا كتاب ~~موسى عليه السلام وأكذبتموه. PageV21P049 # ثم قال سبحانه: {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} [67] يقول سبحانه ~~تجعلون الكتاب الذي أنزل سبحانه والوحي المحكم كحال القراطيس عندكم التي ~~تكتبون فيها فتخفونها مرة وتظهرونها أخرى وتغيرون فيها وتبدلون وتزيدون ~~وتنقصون فجعلتم كتب الله عز وجل في النقصان والزيادة والتبديل كنقصانكم في ~~كتبكم وزيادتكم وتخفون ما كرهتم وتظهرون ما أحببتم، فذمهم الله في فعلهم ~~ووقفهم على عظم جرمهم، ثم قال: {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} ~~فأخبر عز وجل بما علمهم من الحق وهداهم وما كانوا ليعلموا هم ولا آباؤهم ~~إلا بفضل الله عز وجل وإحسانه إليهم فكفروا بنعمه وخالفوا حكمه فأمر الله ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك أن يقول لهم: {قل الله ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون} أراد عز وجل بقوله: {قل الله} أي هو الذي أنزل الكتب ~~التي جاءت بها الرسل، ثم أمره من بعد إقامة الحجة أن يذرهم في خوضهم يلعبون ~~واللعب فهو اللهو والعبث والسهو والاشتغال بالباطل والمحال، وقد قيل إن ~~معنى {تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا}، يقول تظهرون من الصحف التي ~~كتبتموها ما ليس فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووقت مبعثه ~~وصحة نبوته وتخفون ما كان له فيه صفة ولنبوته علامة، والقول الأول أشبه ~~بالحق. انتهى كلامه عليه السلام. # وقيل: وقوله: {وعلمتم ما لم} تكونوا {تعلموا أنتم ولا آباؤكم} خطاب ~~لليهود؛ أي وعلم الله على لسان رسوله ما لم يكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم ~~الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون. # وقيل: هذا الخطاب للمسلمين ms2573 ذكرهم الله تعالى النعمة التي أنعم بها عليهم. PageV21P050 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني جميع الخلق كلهم لأن الله عز وجل ~~علمهم القرآن ما لم ينزل قط مثله ولا يكون ذلك أبدا ولم يكن قبله ولكنهم ~~جهلوا الله ولم يعرفوا فضله فجحدوا عند ذلك تنزيله ورسله ولو أحبوا الله ~~لأحبوا قوله ولسارعوا وطلبوا رسوله. انتهى. # وقال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهذا بعيد لأن قوله: {ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون} مذكور لأجل التهديد ولا ينافي ذلك حصول المقاتلة فلم يكن ~~ورود الآية الدالة على وجوب المقاتلة دافعا لشيء من مدلولات [68] هذه الآية ~~فلم يحصل النسخ فيه. والله أعلم. # واعلم أنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال {ما أنزل الله على بشر من ~~شيء} ذكر بعده أن القرآن كتاب الله أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} هذا إشارة إلى القرآن وأخبر عنه أنه ~~كتاب، ثم وصفه بصفات كثيرة: # الأولى قوله: {أنزلناه} والمقصود أن يعلم أنه من عند الله لا من عند ~~الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمد بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب ~~ألفاظ القرآن على هذه الصفة من الفصاحة، فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه ~~الصفة وأنه هو الذي أنزله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام. # الصفة الثانية: قوله: {مبارك} أي كثير خيره جائم منفعته يبشر بالثواب ~~والمغفرة ويزجر عن القبيح والمعصية ويأمر بالحسن والطاعة، وقيل لبقائه إلى ~~آخر التكليف لا يرد عليه نسخ، وقيل لكونه أصلا لجميع العلوم مشتملا على كل ~~خير في الدين والدنيا. # الصفة الثالثة قوله: {مصدق الذي بين يديه} أي مصدق لما قبله من الكتب ~~التي أنزلها على الأنبياء من التوراة والإنجيل وغيرهما. PageV21P051 # الصفة الرابعة قوله: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} أي أنزلناه للبركات ~~والتصديق والإنذار واتفقوا على أن هاهنا محذوفا لتنذر أهل أم القرى، ~~واتفقوا على أن أم القرى هي مكة، واختلفوا في السبب الذي لأجله سميت أمر ~~القرى فقيل لأنها ms2574 مكان أول بيت وضع للناس لأنها قبلة القرى ولأنها أعظم ~~القرى شأنا. # وقال ابن عباس: سميت بذلك لأن الأرضين دحيت من تحتها. # وقال أبو بكر الأصم: سميت بذلك لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي الأصل ~~وسائر البلاد والقرى هي تابعة لها، والمعنى لتنذر أهل مكة ومن حولها من ~~القرى، والمراد أهل الأرض كلهم لأن محمدا رسول الله إلى الناس جميعا. # وقوله تعالى: {والذين يؤمنون} أي يصدقون {بالآخرة} ويخافونها لأن أصل ~~الدين الخوف {يؤمنون به}. # قال في البرهان: والهاء في {به} عائدة إلى الكتاب ويجوز أن ترجع إلى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم. # ومعنى الكلام والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما قد أظهر الله عز وجل من معجزاته وآياته على صدقه[69] ثم قال:{وهم ~~على صلاتهم يحافظون} خص الصلاة لأنها عماد الدين ومن حافظ عليها كانت لطفا ~~في المحافظة على أخواتها من الطاعات. # ولما شرح تعالى كون القرآن كتابا نازلا من عند الله وبين ما فيه من صفات ~~الجلالة والشرف والرفعة ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة ~~على سبيل الكذب والإفتراء فقال: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا}. PageV21P052 # قال القاضي: الذي يفتري على الله كذبا يدخل فيه من يدعي الرسالة كذبا ولكن ~~لا يقتصر عليه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل من نسب إلى الله ~~سبحانه ما هو بريء منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان ~~داخلا تحت هذا الوعيد، ومعناه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا بتحريم ~~ما لم يحرمه من البحائر والسوائب ونحوها {أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء}. # قال المفسرون: نزل هذا في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وفي الأسود العنسي ~~صاحب صنعاء فإنهما كانا يدعيان النبوة من عند الله على سبيل الكذب ~~والافتراء وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش وأنا رسول بني حنيفة. # وقوله: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} قيل: هو النضر بن الحارث، ~~والمستهزئون بالقرآن ms2575 حيث قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا. # وقيل: هو عبد الله بن أبي سرح القرشي كان يكتب له صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلما نزلت {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} عجب من تفصيل خلق ~~الإنسان فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اكتبها فكذلك نزلت)) فشك عبد الله وقال: لإن كان محمدا صادقا فلقد أوحي ~~إلي كما أوحي إليه وإن كان كاذبا فلقد قلت كما قال، فارتد ولحق بمكة ثم رجع ~~مسلما بعد الفتح. # واعلم أنه لما كان أول الآية وهو قوله: {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا} يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال قال تعالى بعد ذلك: {ولو ترى ~~إذ الظالمون في غمرات الموت} كالتفصيل لذلك المجمل، غمرات الموت جمع غمرة ~~وهي الشدة غمره الشيء إذا علاه وغطاه [70] وأصل الغمرة ما يغمر من الماء ~~فاستعيرت للشدة فيقال للشدائد والمكاره غمرات. PageV21P053 # قال في الكشاف: والمراد بالظالمين من ذكر من اليهود والمتنبئة فتكون اللام ~~للعهد ويجوز أن يكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله، وجواب لو محذوف أي ~~لرأيت عجبا أو أمرا عظيما. # {والملائكة باسطوا أيديهم} لقبض الأرواح. # قال المرتضى عليه السلام: هذا عند خروج أنفسهم وحضور وفاتهم ونزول ~~الملائكة لقبض أرواحهم وبسط أيديهم فهو بزعمهم لأنفس الظالمين وأخذهم لها. انتهى. # {أخرجوا أنفسكم} أي يقولون أخرجوا أرواحكم هاتوها من أجسادكم، وإنما قيل ~~أخرجوا أنفسكم وإن كان المخرج لها غيرهم لتعظيم تلك الحال وتغليظ حكمها ~~فكأنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه وإهلاكها. # قال في الكشاف: هذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في ~~الإزهاق من غير تنفيس ولا إمهال. # وقال الحسين بن القاسم عليه السلام: معناه {باسطوا أيديهم} عليهم بالعذاب ~~{أخرجوا أنفسكم} أي خلصوا أنفسكم من الدنيا أي لا تقدرون على الخلاص. # وقيل: {أخرجوا أنفسكم} من العذاب بعذر صادق عند رب الأرباب، فلما أبلسوا ~~من العذر وانقطعوا ولم يجدوا حجة ولم يشفعوا قالت الملائكة حينئذ لهم: ~~{اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله ms2576 غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون} معناه يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ اليوم تكافون بالعذاب ~~الذي فيه ذلتكم وهو أنكم على ما كنتم تقولونه وتفترونه وعلى استكباركم على ~~أولياء الحق وإعراضكم عن آيات الله. PageV21P054 # قال المرتضى عليه السلام: وعذاب الهون فهو الهوان والذل والصغار بالعذاب ~~الأليم والخزي الدائم المقيم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق} فضرب ~~الملائكة عليهم السلام لوجوه الظالمين وأدبارهم عند خروج أنفسهم هو من أول ~~عقابهم مع ما يعاينوه من سوء منقلبهم وقبيح ما بهم وكذلك فعل الله عز وجل ~~بالكافرين ومن عند عن أمره من الظالمين وليس يخرج عبد من الدنيا حتى يرى ~~محله ويعرف من الآخرة مكانه بإخبار الملائكة عليهم السلام له عند قبض روحه ~~وخروج نفسه فإن كان فاسقا أيقن بالنيران وبالمصير [71] إلى سوء دار مع ~~إتعاب الملائكة عليهم له في إخراج نفسه وضربها لوجهه وظهره كما قال الله عز ~~وجل: {يضربون وجوههم وأدبارهم}، وإن كان مؤمنا تلقته الملائكة بالبشارة ~~والكرامة وقبضت روحه قبضا رفيقا سهلا لا متعبا ولا معذبا. # ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} ~~فأخبر سبحانه ببشارة الملائكة للمؤمنين عند خروج أنفسهم وتطمينهم لهم بما ~~يطلعونهم عليه ويخبرونهم من رضا ربهم عنهم وقبوله لهم على طاعة ربهم والجنة ~~والنعيم الدائم المقيم حيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # فإن قيل: كيف لا نسمع ذلك من ضرب الملائكة لوجوه الظالمين؟ # قيل له: كيف تسمع من حجب الله سبحانه عن الخلق للإحاطة به لو سمع ضربهم ~~لنظر إليها وما ضربهم بأكبر من صورهم ولكن الله سبحانه حجب أعين الخلق عن ~~درك الملائكة فلا ينظر إليهم أبدا إلا من حضرته الوفاة أو في يوم القيامة ~~فينظرون ويعاينون. انتهى. PageV21P055 # ثم قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} أي على الهيئة ~~التي ولدتم عليها ms2577 في الانفراد أي جئتمونا منفردين عن أموالكم وأولادكم وما ~~حرصتم عليه من دنياكم فأثرتموه أو عن المعين لكم وعن الأوثان التي زعمتم ~~أنها شفعائكم. # فإن قيل: هل يؤخذ من هذا أن الخلق يبعثون عراة كما قيل وروي؟ # قلنا: أئمتنا عليهم السلام لا يصححون ذلك ولا دليل في الآية، بل معناها ~~هو ما ذكرناه. # قال المرتضى عليه السلام: وسألت: عما ذكر أنه قيل من إتيان الخلق عند ~~حشرهم عراة فليس ذلك بشيء وليس يخرج أحد من قبره عاريا بل كلهم يخرج في ~~كفنه ويصل به إلى موقفه وبذلك جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى. # ثم قال: {وتركتم ما خولناكم} أي أعطيناكم وملكناكم في الدنيا من الأموال ~~والخدم {وراء ظهوركم} لم تحتملوا منه شيء ولا قدمتم لأنفسكم، ومعنى الآية ~~تحملون فراد إلى القبور عن الأهل والعشيرة والمال والولد كما كنتم بهذه ~~الصفة أول حال خلقكم، ففي الآية زجر عن الركون إلى الحياة الدنيا وتزهيد ~~فيها غاية التزهيد والزجر وتذكير للعبد أول خلقه. # واعلم أنه منقطع مدة حياته وأنه يؤخذ بغتة مفردا عن أهله وماله وولده ~~وعشيرته وكل ما كان يتمتع به فيتمتع به غيره [72] وهو مرتهن بجرايمه. # وروي في هذا الباب روايات وحكي عن الحكماء حكايات، ولو أتيت على جميعها ~~لطال، فمن تلك الروايات ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((عش ما شئت فإنك ميت، واحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ~~ملاقيه، شرف المؤمن صلواته بالليل)). # وروي أن رجلا جاء إلى جعفر بن محمد عليهما السلام فشكى إليه ما ألم به من ~~المكروه فقال له مسليا إياه: كيف لا تذكر لحدك، وانفرادك وحدك تسيل عيناك ~~على خدك ومنخرك على صدرك... في كلام طويل ذكر هذا في البلغة. PageV21P056 # وقوله عز وجل: {وما نرى معكم شفعاءكم} أي أصنامكم التي زعمتم أنها تشفع لكم ~~{الذين زعمتم أنهم فيكم} أي في استعبادكم {شركاء} لله؛ لأنهم حين عبدوها قد ~~جعلوها شركاء لله فيهم وفي استعبادهم، ms2578 ثم قال: {لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما ~~كنتم تزعمون} أنه شريك لله وشافع لكم، ومعنى {لقد تقطع بينكم} أي وقع ~~التقطع بينكم كما تقول جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد ~~الفعل إلى مصدره بهذا التأويل وهذا على قراءة النصب وهي قراءة نافع ~~والكسائي. # وقال الزجاج معناه تقطع ما بينكم فحذف ما لوضوح معناها. # وقال الحسن: تقطع الأمر بينكم، ومن رفع قيل وهي قراءة أكثر الشيعة فقد ~~أسند الفعل إلى بينكم. # قال الزجاج: وهو الأجود. # واعلم أنه تعالى لما تكلم في تقرير التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة ~~ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل عاد بعد ذلك إلى ذكر الدلائل الدالة على ~~وجود الصانع وكمال قدرته وعلمه وحكمته فقال: {إن الله فالق الحب والنوى} ~~فالقها بالنبات والشجر لما في ذلك من الآيات. # وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في النواة والحنطة. # قال الكلبي: ما لم يكن له نوى مثل البر والشعير والنوى مثل نوى التمر ~~والخوخ وغيرهما، وإنما خص الحب والنوى تنبيها على كمال قدرته فإنهما مع ~~شدتهما يخرج منهما نبات أخضر لين ثم لا يزال ينمو ثم ينعقد فيهما الحب، ~~وقيل أشار بالحب إلى جنس الأوراق وبالنوى إلى جنس الفواكه ثم قال: {يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} قيل معناه يخرج المؤمن من الكافر ~~والكافر من المؤمن. PageV21P057 # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى قوله في ذلك أن الله أخرج ~~الأحياء من الجمادات ومن النطفة الحقيرة الموتات وأخرج النطف الميتة [73] ~~من الحيوانات لما في ذلك من الدلائل النيرات وما جعل فيها من الحكمة ~~والآيات. # قال في الكشاف: فإن قلت كيف قال: {ومخرج الميت من الحي} بلفظ اسم الفاعل ~~بعد قوله: {يخرج الحي من الميت}؟ قلت: عطفه على فالق الحب والنوى لا على ~~الفعل ويخرج الحي من الميت موقعه موقع الجملة المبنية لقوله: {فالق الحب ~~والنوى} لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من ~~الميت لأن النامي في حكم الحيوان، ألا ms2579 ترى إلى قوله: {يحي الأرض بعد ~~موتها}. انتهى. # ثم قال تعالى في آخر الآية: {ذلكم الله فأنا تؤفكون} الإفك القلب عن الحق ~~والص... عنه وفي معناه وجهان: # أحدهما ذلكم الله المدبر الخالق الناف الضار المحيي المميت فأنى تؤفكون ~~في إثبات القول بعبادة الأصنام. # والثاني أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة فأنى تصرفون ~~عن الحق وتستبعدون أن يخرج الحي من التراب الرميم والمقصود الإنكار على ~~تكذيبهم بالحشر والنشر والتعجيب للخلق من حالهم والتوبيخ لهم. # ثم ذكر عز وجل نوعا آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته فقال: ~~{فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا} اعلم أن الإصباح مصدر ~~سمي به الصبح وقياسه أن يسند الفلق والشق ونحوه إلى الظلمة لأن الصبح يتفلق ~~عنه الظلمة وفي جوابه وجوه: # أحدها أن يقدر مضاف أي فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل ~~ومنقضاه. # والثاني أن يراد بالإصباح عمود الفجر فإنه يتفلق عن بياض النهار. PageV21P058 # وثالثها قال الضحاك: فالق الإصباح معناه خالقه وكذلك فالق الحب والنواى. # ورابعها قال الواحدي: فالقه مبديه وواضحه لأن الفلق والشق عن الشيء يوضحه ~~ويظهره، ومعناه أن الله تعالى هو الذي يشق عمود الصبح عن الظلمة ويجعل ~~الليل سكنا وذلك دليل على كمال قدرة الله وعلى كونه فضلا ورحمة وإحسانا من ~~الله تعالى، ومعنى سكنا أي مسكونا فيه والسكن ما يسكن إليه الرجل وتطمئن ~~اسينا ساته واسترواحا إليه من زوج أو حبيب أو غيرهما، ومنه قيل للنار سكن ~~لأنه يستأنس بها، ومعنى قوله: {والشمس والقمر حسبانا} قيل الحسبان[74] جمع ~~حساب وهو كشهاب وشهبان، وقيل هو مصدر حسبه حسبانا تقول العرب على الله ~~حسبان فلان أي حسابه والحساب بالضم مصدر كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب، ~~وذكر المفسرون في معناه قولين: # أحدهما جعلهما علمي حساب لأن الأوقات تعرف بدورهما. # والثاني جعل جريانهما بحساب لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما ~~فجعل ms2580 الله دوران الشمس والقمر وسيرتهما في البروج مقدرا بحساب في زيادة كل ~~واحد منهما ونقصانه لما في ذلك من مصالح العباد في معاملتهم وحوائجهم ~~وأوقات الحر والبرد والغروس وتناسل الحيوان وإدراك الثمار إلى غير ذلك من ~~المنافع. PageV21P059 # قال الرازي: وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس بحركة مخصوصة ~~بمقدار من السرعة والبطو بحيث تتم الدور في سنة وبهذه المقادير تتم مصالح ~~العالم في الفصول الأربعة وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول ~~الغلات ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع لاختلت هذه المصالح فهذا هو ~~المراد من قوله: {والشمس والقمر حسبانا}، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ~~{ذلك تقدير العزيز العليم} فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعلم إشارة إلى ~~كمال علمه، ومعناه ... تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهياتها ~~المحدودة وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطئ والسرعة لا يمكن ~~تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات ~~من الكليات والجزئيات وذلك تصريح بأن حصول هذه الصفات ليس بالطبع والخاصية ~~وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار. والله أعلم. # والنوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة هو ~~قوله تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها} في أسفار وغيرها {في ~~ظلمات البر والبحر} أي في ظلمات الليل فيهما أو شبه مشتبهات الطرق ~~بالظلمات. PageV21P060 # قال في البلغة: الجعل بتصرف على أربعة أوجه يقال جعله بمعنى عمله كما يقال ~~جعل الطين خزفا، ويقال جعله يفعل كذا إذا صيره كذلك كما يقال جعله يضرب ~~زيدا إذا صيره، ويقال جعله كذا إذا صير اعتقاده أو حكمه كذا، كما يقال ~~جعله[75]عدلا وكافرا وفاسقا بمعنى صيره بالحكم عليه والإخبار عنه كذلك، ~~ومعنى الجعل في هذه الآية الخلق والإحداث والله تعالى هو الذي خلق النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر فكان النجم هو الدليل في ظلمة الليل ~~ولولاه لضلوا عن طريق البر والبحر في ظلمة الليل فمن الله بذلك على عباده، ~~ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه ms2581 النجوم قال: {قد فصلنا الآيات ~~لقوم يعلمون} أي فصل الله الآيات والدلائل للخلق لكي يعلموا ما يحتاجون إلى ~~علمه ويتدبرها أولوا الألباب لينتفعوا بما علموا لأن من لم ينتفع فكأنه لم يعلم. # وذكر الرازي فيه وجوها: # الأول أن المراد أن هذه النجوم يمكن أن يستدل بها على معرفة الصانع ~~الحكيم وكمال قدرته وعلمه. # الثاني أن يكون المراد من العلم هاهنا العقل نظيره قوله في سورة البقرة: ~~{إن في خلق السماوات والأرض...} إلى قوله: {لايات لقوم يعقلون}، وفي آل ~~عمران قوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لايات لأولي ~~الألباب}. # والثالث أن يكون المراد من قوله: {لقوم يعلمون} لقوم يتفكرون ويتأملون ~~ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب. # والنوع الرابع من دلائل وجود الإله تعالى وكمال قدرته وعلمه وهو ~~الاستدلال بأحوال الإنسان وذلك قوله: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} ~~الإنشاء الإحداث من غير سبب ولا أصل ولا احتذاء على مثال والاختراع كذلك ~~والمراد بالنفس الواحدة هاهنا آدم عليه السلام لأنه أب البشر وأصلهم. PageV21P061 # وأما قوله تعالى: {فمستقر ومستودع} ففيه أقوال: # قال المرتضى والحسين بن القاسم عليهم السلام وهو الذي في البرهان: ~~المستقر من الآدميين فهو ما قر في الأرحام، ألا تسمع كيف يقول عز وجل: {ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين}، والمستودع فهو ما كان في الأصلاب فسبحان ذي ~~القدرة والسلطان والرأفة والإمتنان. # قال في التجريد: الأكثر على أن المستقر أقرب إلى الشات من المستودع لأن ~~الوديعة سريعة الرد فعلى هذا المستقر أرحام الأمهات والمستودع أصلاب الآباء ~~لأن بقاء النطفة في الرحم أكثر، عن ابن عباس. انتهى. # وقيل: معناه مستقر في الأرض ومستودع في القبر [76] أي جعل لكم وجه الأرض ~~مستقرا ما دمتم أحياء وبطنها مستودعا إذا صرتم أمواتا. # وقيل: مستقر في الأرض ومستودع في الأصلاب، وقيل مستقر أي ما خلق الله ~~ومستودع عند الله فهو ما لم يخلقه. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: إن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمنكم ~~ذكر ومنكم أنثى إلا ms2582 أنه تعالى عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تولد ~~في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن الرحم شبيه ~~بالمستودع لتلك النطفة. انتهى. # ثم قال تعالى: {قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون} قال هنا يفقهون في الإنشاء ~~لما في إنشاء الأنفس من نفس واحدة بين أحوال مختلفة من لطف الصنعة ودقة ~~التدبير فخص بالفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقة له. # قال في البلغة: وأصل الفقه العلم والفهم بمعنى الكلام وصار اللفظ في ~~العرف مستعملا في الفتيا للأحكام الشرعية ولهذا لا يوصف الله بأنه فقيه وإن ~~كان عالما لجميع المعلومات تجنبا لإيهام الخطأ لأن هذا اللفظ يجري على ما ~~اختص بمعرفة الأحكام الشرعية وصار كالحرفة له. انتهى. # والآية تدل على أنه تعالى أراد من جميع الخلق الفقه والفهم والإيمان وما ~~أراد بأحد منهم الكفر والعصيان. PageV21P062 # ثم اخبر تعالى عن نوع خامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله وعلمه ~~وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه فقال: {وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء}. # اعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضا نعم بالغة وإحسانات كاملة ~~والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه وكان إنعاما وإحسانا من سائر الوجوه ~~كان تأثيره في القلب عظيما وظاهر قوله تعالى: {وهو الذي أنزل من السماء} ما ~~يقتضي نزول المطر من السماء وعند هذا اختلف الناس فقال أبو علي في تفسيره: ~~إنه تعالى أنزل الماء من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض، قال: لأن ~~ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء والعدول عن الظاهر إلى التأويل إنما ~~يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن وفي هذه ~~المواضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء فوجب إجراء اللفظ على ~~ظاهره والقول الثاني أنزل من السحاب ماء وسمى الله السحاب سماء لأن العرب ~~تسمي السحاب سماء [77] وتقول كلما فوقك سماء كسماء البيت، ومثل هذا ذكر ~~الهادي عليه السلام في تفسيره ms2583 لسورة نوح أن المراد بالسماء السحاب لأن ~~السماء الخضراء وأطال الاحتجاج على ذلك، وذكره الحسين بن القاسم عليهما ~~السلام في تفسيره، ومعنى {فأخرجنا به نبات كل شيء} أي ننبت رزق كل شيء من ~~الحيوانات ونبات كل شيء من الثمار، وفي التجريد أي نبات كل صنف من ~~الناميات، والمعنى أن الماء واحد والحاصل من الماء صنوف متعددة فبطل بذلك ~~الطبع لأنه لو ثبت لكان موجبا وما يؤثر على وجه الإيجاب يكون أثره شيئا ~~واحدا، ثم قال عز وجل: {فأخرجنا منه} أي من النبات {خضرا} أي شيئا أخضر، ~~يقال أخضر وخضر كأعور وعور وهو ما يفرع من أصل النبات الخارج من الحبة ~~والخضر هو الأخضر الحسن الناعم، قال الشاعر هو الإمام نجم آل الرسول القاسم بن PageV21P063 إبراهيم عليه السلام: # دنياي ما زال همي فيك متصلا # وإن جنابك كان المزهر الخضرا # ثم قال: {نخرج منه} أي من الخضر {حبا متراكبا} بعضه فوق بعض، وهو ما ~~يخرجه الله تعالى من السنبلة الخضرة الذي قد تراكب حبه ويحصل فوق السنبلة ~~أجسام دقيقة حادة كأنه الإبر والمقصود من تخليقها أن تمتنع الطيور من ~~التقاط تلك الحبات المتراكبة. # ولما ذكر ما ينبت من الحب ذكر ما ينبت من النوى فقال: {ومن النخل من ~~طلعها قنوان دانية} الطلع الأول ما يرى من عذق النخلة الواحدة طلعة، ~~والقنوان جمع القنو وهو العذق وهو في النخل كالعنقود من العنب، قال امرئ القيس: # فأب بقنوان من البسر أحمرا # {ودانية} أي دانية من المجتنى لقصر ..خلها وقرب تناولها ذكره في البرهان. # قال ابن عباس يريد العراحين التي قد تهدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها، ~~وروي عنه أيضا قال: خيار النخل لاصقة عذوقها بالأرض. # ثم قال عطفا على قوله {خضرا} {وجنات من أعناب} أي بساتين من أعناب والجنة ~~الأشجار التي تجن الأرض أي تسترها وغلب على البساتين ونحوها {والزيتون ~~والرمان} خصهما لما فيهما من عجيب الصنعة، ثم قال تعالى: {مشتبها وغير ~~متشابه} أي مشتبها ورقه [78] مختلفا ثمره كذا في البرهان اشتبه الشيئان ~~وتشابها ms2584 بمعنى واحد وقرئ شاذا متشابها، قيل: وهو راجع إلى جميع ما تقدم أي ~~كل صنف منها متشابه وغير متشابه في القدر واللون والطعم وذلك دليل على أنه ~~فعل فاعل مختار لا يوجب. # وقيل كل صنف منها متشابه وهو غير متشابه للصنف الآخر في أمور خاصة. # وقيل هو راجع إلى الزيتون والرمان على الوجهين المتقدمين. # وقال قتادة: الزيتون والرمان متشابه أوراقهما وتحتلف ثمرهما والأولى أن ~~يراد كل صنف يشتمل على ما تشابه وما لا يتشابه أو يتشابه في بعض الصفات من ~~اللون والطعم والقدر والمنفعة ولا يتشابه في شيء منها كذا في التجريد. PageV21P064 # ثم قال تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} أي انظروا بعقولكم نظر ~~اعتبار واستدلال على قدرة مقدرة ومدبرة وناقلة من حال إلى حال كيف يخرجه ~~ضئيلا ضعيفا لا يكاد ينتفع به وانظروا إلى حال ينعه وهو نضجه وبلوغ أوانه ~~كيف يعود جامعا لملاذ ومنافع. # قال الرازي: قوله: {انظروا إلى ثمره} أمر بالنظر في حال الثمرة في أول ~~حدوثها، وقوله: {وينعه} أمر بالنظر في تمامها وكمالها وهذا هو موضع ~~الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية وذلك لأن هذه الأشجار ~~والثمار يتولد من أول حدوثها على صفات مخصوصة وعند كمالها لا تبقى على ~~حالها الأول بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال الأولى مثل أنها كانت موصوفة ~~بلون الخضرة فتصير ملونة بالسواد وبلون الحمرة ولو كانت موصوفة بالحموضة ~~فصارت موصوفة بالحلاوة وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة فتصير ~~في آخر الأمر حارة بحسب الدبيعة فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من ~~سبب وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك لأن نسبة ~~هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام النباتية متساوية ومتشابهة والسبب ~~لا يمكن أن يكون سببا لحدوث الحوادث المختلفة ولما بطل إسناد حدوث هذه ~~الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار ~~الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة. انتهى. # ولما نبه سبحانه [79] على ما في هذا ms2585 من الدلائل قال: {إن في ذلكم لايات ~~لقوم يؤمنون} أي يعترفون وينصفون في النظر، فدعى الله تعالى عباده في هذه ~~الآية إلى النظر والتفكر بأعاجيب صنعه فيما فصله يستدل بذلك على وحدانيته ~~وعدله وحكمته وخص المؤمنين بالذكر مدحا لهم وتشريفا لأنهم استدلوا بهذه ~~الآية على الله. PageV21P065 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم قال: {وجعلوا ~~لله شركاء الجن وخلقهم} هذا ذم وتوبيخ لمشركي العرب الذين أعرضوا عن ~~الاستدلال بأفعال الله وجعلوا لله شركاء في العبادة {وخلقهم} أي الجاعلين ~~أي وعلموا أنه خلقهم دون الجن وما منعهم ذلك أن يتخذوا من لا يخلق شريكا ~~للخالق يحتمل أن يكون لله شركاء مفعولي جعلوا والجن يدل من شركا ويحتمل أن ~~يكون لله لغوا وشركاء الجن مفعولية قدم بأنهما على الأول وإنما قدم مسارعة ~~إلى الإنكار واستعظاما لأن يتخذ لله شريكا كائنا من كان ملكا أو جنيا أو ~~إنسيا الجن الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا من التقديم والتأخير، والمعنى ~~في ذلك وجعلوا الجن شركاء لله لأنهم كانوا يعوذون بهم كما يعوذون بالله ربهم. # وقال في البرهان: {وجعلوا لله شركاء} أي مشركي العرب جعلوا الملائكة بنات ~~الله شركاء له كقوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون} فسمى الملائكة جنا لاجتنابهم عن الإبصار {وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم} أي كذبوا لأن اليهود قالوا عزير بن الله، والنصارى قالوا المسيح ~~بن الله، ومشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله. انتهى. # يقال خلق الإفك وخرقه واختلقه أو اخترقه بمعنى أي كذبه وافتعله، ثم نزه ~~الله عز وجل نفسه عما وصفوا فقال: {سبحانه وتعالى} أي تنزيها وبعدا له {عما ~~يصفون} ولفظ تعالى منقول من علو المكان الذي لا يجوز على الله إلا علو ~~الشأن الواجب لله. # فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله {سبحانه} وبين قوله: {تعالى} فرق. PageV21P066 # قيل له: بل بينهما فرق ظاهر فإن المراد بقوله {سبحانه} أن هذا ms2586 القائل [80] ~~يسبحه وينزهه عما لا يليق به، والمراد بقوله: {تعالى} كونه في ذاته متعاليا ~~متقدسا عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه فالتسبيح يرجع إلى أقوال ~~المسبحين والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية لا غير، ثم قال عز وجل: {بديع ~~السماوات والأرض} قيل في ذلك قولان: # أحدهما أن بديعا بمعنى مبدع أي مبدع السماوات والأرض والإبداع عبارة عن ~~تكوين الشيء بغير سبق مثال. # وثانيهما أن يكون بمعنى فاعل مجازا أو مفعول أي بديعة أو مبدعة سماواته وأرضه. PageV21P067 # قال في البلغة: تمدح الله تعالى بهذه الآي إلى قوله: {وهو اللطيف الخبير} ~~وبين أن من كان مبدع السماوات والأرض لا من أصل واحد ولا احتذاء على مثال ~~وكان حيا يستحيل عليه المنافع والمضار والشهوات واللذات والصاحبة والقرين ~~فكيف يجوز أن يكون له ولد {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} أي كيف يكون ~~له ولد والولد إنما يكون بين الزوجين من جنس واحد والله تعالى لا مثل له ~~ولأنه غني فلا يحتاج إلى صاحبة وبين كونه غنيا بقوله: {وخلق كل شيء} ومن ~~ذلك الأجسام العظيمة كالسماوات {وهو بكل شيء عليم} ومن كان قادرا على جميع ~~أجناس المقدورات عالما بجميع أعيان المعلومات كان غنيا لا يجوز عليه الحاجة ~~والولد إنما يطلبه المحتاج ولأن من خلق كل شيء ومن جملة الأشياء الأجسام لم ~~يصح أن يكون جسما ولا عرضا والتوالد إنما يكون بين الأجسام، ثم قال تعالى: ~~{ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه} دون غيره، أي المبدع ~~للسماوات والأرض وما فيهما من العجائب الذي لا يجوز أن يتخذ صاحبة ولا ولدا ~~هو الله سيدكم ومالككم ولا إله غيره، وأطلق الوصف بأنه خالق كل شيء ~~للمبالغة وليس كل ما يقع عليه اسم الشيء يجب أن يكون داخلا تحت هذا الإطلاق ~~حتى يكون ذلك مخلوقا لله لأن أفعال الله أشياء والمعدومات أشياء وأفعال ~~العباد أشياء وهذه الآية من شبه المجبرة وقامت الدلالة القاطعة على أن ~~أفعال العباد غير مخلوقة ms2587 لله كما مر الكلام في هذا الجنس في غير موضع، وفي ~~هذه الآية أيضا دلالة على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم من وجوه: # أحدها أنه تعالى قال: {خالق كل شيء فاعبدوه} ولو دخلت أعمال العباد تحت ~~قوله[81]: {كل شيء} لصار تقدير الآية أنا خلقنا أعمالكم ما فعلوها فأعيانها ~~أنتم مرة أخرى، ومعلوم أن ذلك فاسد. PageV21P068 # وثانيها أنه تعالى إنما ذكر قوله: {خالق كل شيء} في موضع المدح والثناء على ~~نفسه، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا وثناء لأنه لا يليق به ~~سبحانه أن يمتدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر تعالى الله علوا كبيرا ~~عما يفترون. # وثالثها أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر ~~فلنفسه ومن عمي فعليها} وهذا تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك وأنه ~~لا مانع له البتة من الفعل والترك. والله أعلم. # وارتبع خالق لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو خالق كل شيء فأمر الله ~~عباده أن يعبدوا الله الذي هو خالق كل شيء من أصناف الخلق لأنه المستحق ~~للعبادة ولا يستحقها غيره، ثم قال: {وهو على كل شيء وكيل} أي وهو مع تلك ~~الصفات مالك لكل شيء ورقيب عليه ومطلع والوكيل الحافظ للشيء والمدبر له. # ثم تمدح الله تعالى بنفي إدراك المبصرين بقوله: {لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} دل بذلك على أن الرؤية بالحاسة لا تجوز ~~عليه في وقت من الأوقات وحال من الأحوال. # قال في البرهان: معناه لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار وذلك لأمرين: # أحدهما أن الأبصار ترى ما قاربها ولا ترى ما لاصقها وما با..ين البصر لا ~~بد أن يكون بينهما فضا فلو رأته الأبصار لكان محدودا ولخلا منه مكان وهذه ~~صفة الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان. # والثاني أن الأبصار تدرك الألوان كما أن السمع يدرك الأصوات فلما امتنع ~~أن يكون ذا صوت امتنع أن يكون مسموعا {وهو اللطيف الخبير} أي لطيف في ~~التدبير خبير بالحكمة. انتهى. # قيل: ms2588 والمعنى يلطف عن أن تدركه الأبصار واللطف هنا مجاز لأنه في الأصل ~~بمعنى الص... وقد يجوز به هنا عن استحالة رؤيته كما لا يرى ما هو لطيف. PageV21P069 # وقيل: اللطيف العالم، ومعنى خبير اب بطل لطيف هو يدرك الأبصار وهو من اللف ~~والنشر أي لا تدركه الأبصار لأنه لطيف وهو يدرك الأبصار لأنه خبير. # قال في البلغة: والبصر الحاسة التي يدرك بها المرئيات والمراد بالبصر هنا ~~المبصر لأن البصر لا يرى شيئا وإنما المبصر يرى به ويجز أن يعبر بتمعض ~~الجملة عن الجملة كما قال تعالى: {فتحرير رقبة}. # ووجه الاستدلال بالآية [82] أنه بني على أربع مراتب: # أحدها أن الله تعالى تمدح بنفي رؤية المبصرين بالحاسة عن ذاته على وجه ~~التنزيه. # والثاني أن الإدراك إذا كان مقيدا بالبصر على وجه يخص البصر وكان مقيدا ~~بتقييد واحد فإنه لا يحتمل إلا المشاهدة والرؤية. # والثالث إنما تمدح الله بنفيه عن ذاته على وجه التنزيه فإثباته له لا ~~يكون إلا نقصا. # والرابع أن القنائص لا يجوز على الله تعالى. # وأما أن الله تمدح بذلك فظاهر لأن الإجماع بأن الله تعالى تمدح بهذه الآي ~~كلها وابتداؤها {بديع السماوات...} إلى قوله: {وهو اللطيف الخبير} والأشعري ~~خرق الإجماع بما قال وثبت أن الإدراك ليس بمعنى حتى يكون النفي راجعا إليه، ~~وقد يذكر الإدراك ويراد به حالة المدرك ولم أذكر الدلالة به هاهنا على أن ~~الإدراك ليس بمعنى مخافة التطويل وأن يكون الكلام خارجا عن الغرض فلهذا ~~قلنا إنه تمدح بنفي الإدراك عن ذاته على وجه التنزيه. انتهى. # وقد بسط الكلام في هذه الآية في معنى الإدراك تركناه لطوله. PageV21P070 # واعلم أنه تعالى لما قرر بهذه البينات الباهرة والدلائل القاهرة في هذه ~~المطالب العالية الشريفة الإلهية عاد إلى تقرير أمر الدعوة والتبليغ ~~والرسالة فقال: {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها} ~~البصائر والدلائل والحجج واحد ومعناه قد جاءكم دلائل من الله واضحة ظاهرة، ~~والبصيرة نور القلب كما أن البصر نور العين فبين تعالى أنه بعد هذه ms2589 الايات ~~قد أزاح العلة فإن اتبعوها انتفعوا بها وإن أعرضوا عنها كان وبالهم عليهم ~~فقال سبحانه: {قد جاءكم } أيها الناس {بصائر} بينات ودلالات تبصرون بها ~~الهدى من الضلال وتميزون بها الحق من الباطل، ووصف البينة بأنها جاءت ~~تفخيما لشأنها توسعا كما يقال أقبل السعود وأدبر النحوس. # وقيل: البينات القرآن أي جاءكم من الوحي والأدلة على ما يجوز على الله ~~وما لا يجوز ما هو للقلوب كالبصائر وهو كلام على لسان الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم لقوله: {وما أنا عليكم بحفيظ} أحفظ أعمالكم وأجازيكم إنما أنا ~~منذر والله هو الحفيظ الذي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وهذا وعيد شديد. # ولما عمم الكلام [83] في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في ~~إثبات النبوات فقال: {وكذلك نصرف الآيات} أي آيات القرآن نكررها للتبيين. # قال في البلغة: معناه نصرف الآيات في غير هذه السورة كتصريفها في هذه ~~السورة فهو في صفة المصدر كأنه قيل تصريفا مثل هذا التصريف. # وقال في البرهان: {نصرف الآيات} أي نتلوا بعضها بعضا فلا ينقطع التنزيل. # وقيل: إن الآية تتصرف في معاني متغايرة مبالغة في الإعجاز ومباينة لكلام ~~البشر، ويحتمل أن يكون تصريفا بالوعد والوعيد والأمر والنهي لتكون أبلغ في ~~الزجر وأدعى إلى الإجابة وأجمع للمصلحة. انتهى. PageV21P071 # واختلف المفسرون في معنى قوله: {وليقولوا درست} فقال الحسين بن القاسم عليه ~~السلام: معناه قرأه على الملك وتعلمت منه. # وقال الحاكم: قرأت وتعلمت من أهل الكتاب، وقيل: ليقولوا درست علينا فتقوم ~~الحجة بإقرارهم أنك تلوته عليهم. # وقال المرتضى عليه السلام: معنى درست حفظت وأيقنت فكانوا إذا سمعوا أو ~~رأوا ما يجيء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آيات الله عز وجل ~~ويصرفه من أحكامه وبينه من حلاله وحرامه قالوا دريت يريدون أنه يحكم لما هو ~~فيه دارس له يوهمون أنه عليه السلام يتعلم ذلك ويدرسه من أخبار الأولين. انتهى. # وفي معنى اللام في قوله: {ليقولوا} ثلاثة أقوال: # قيل: لام النفي على تقدير لئلا يقولوا درست فحذفه ms2590 كقوله: {يبين الله لكم ~~أن تضلوا} أي لئلا تضلوا، وكذلك: {أن يقولوا ما جاءنا من بشير}. # وقيل: لام العاقبة وتقديره كان عاقبة امرهم حين رأوا الآيات أن قالوا ~~دارست، ومنه: # لدوا للموت وابنوا للخراب # وقيل: لام كي أي يقولوا إقرارا إنك قرأت ذلك علينا ودرست ودارست وفعلت ~~وفاعلت ذكره الحاكم. # ثم قال تعالى: {ولنبينه لقوم يعلمون} أي نبين هذه الآيات الحق لقوم ~~يعلمون ذلك بالاستدلال بها وهو مدح لهم كما مر {ولنبينه} أي القرآن أو ~~الآيات لأنها في معناه واللام في لنبينه للتعليل حقيقة وفي ليقولوا مجاز ~~لأن الآيات صرفت للتبيين لا ليقولوا درست وإنما وقع هذا القول بسبب التصريف ~~فشبه بالتعليل [84] كقوله: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} لأن ~~العداوة ثمرة الالتقاط. # قوله: {لقوم يعلمون} قال الحاكم: أي للعلماء وإنما أضافه إليهم لأنهم ~~نظروا فيه فعلموا أو انتفعوا به دون غيرهم، وقيل: نبينه لقوم شأنهم التعليم ~~عن الأصم، وقيل: نبينه لقوم يعلمون معنى ما نورده عليهم منها عن أبي علي. PageV21P072 # تدل الآية على أن المعارف مكتسبة لأنها لو كانت ضرورية لما صحت بهذه القسمة ~~وإنما تصح لو كانت مكتسبة بأن ينظر فيعرف أو يخل فيعمى. # وتدل على أن الشرعيات لا تلزم إلا بعد السماع لأن من لم تبلغه لا يوصف ~~بأنه عمي عنها. # وتدل على أن المكلف بعد سماع الأدلة غير معذور في ترك النظر. # وتدل على أن من أطاع أو عمى عنها فالنفع والضرر يعود عليه وذلك يوجب جزاء ~~الأعمال. # وتدل على أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ. # وتدل على أنه تعالى يكرر الآيات تأكيدا للحجة والبعثة للنظر فيها. # ويقال: هل في الآية نسخ؟ # قلنا: بلى بآية السيف عن الزجاج، وقيل لا والمراد توكيد ما بينا وهو الوجه. # وتدل على أن العبد مختار بين النظر والترك للنظر فيوجب أن النظر فعلهم ~~وأن الاستطاعة قبل الفعل. انتهى كلام الحاكم. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى ~~الافتراء أو إلى أنه يدارس ms2591 أقواما ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآنا ~~ويدعي أنه منزل عليه من الله تعالى أتبعه بأن أمر رسوله باتباع الوحي ~~والإعراض عن المشركين فقال: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض ~~عن المشركين} هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس عليه غيره، ~~قيل: أعند ذكر لا إله إلا هو لأن فيه معنى أدعهم إلى أنه لا إله إلا هو عن ~~الحسن، وقيل: الوحي أنزله الذي لا إله إلا هو عن أبي علي، وقيل: اتبع ما ~~أوحي إليك أنه لا إله إلا هو عن أبي مسلم. # {وأعرض عن المشركين} قيل المراد به الإعراض عنهم عن طريق الاستجهال لهم ~~فيما اعتقدوه من الشرك، وقيل المراد بالإعراض الهجران عنهم دون الإنذار ~~وترك الموعظة عن أبي مسلم، وقيل أراد الإعراض عن محاربتهم ثم نسخ بقوله: ~~{اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [85] ذكر معنى هذا الحاكم. PageV21P073 # قلت: وترك التزام النسخ أولى لأن المراد ترك معاملتهم فيما يأتون من سفه ~~وأن يعدل صلوات الله عليه وآله وسلم إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول ~~وأبعد عن النفير والتغليظ. والله أعلم. # ثم أخبر عز وجل عن قدرته فقال: {ولو شاء الله ما أشركوا} متعلق المشية ~~محذوف أي لو شاء أن يكونوا على صفة غير الشرك لكانوا، والمراد بهذه المشية ~~مشية الإكراه والقهر فأخبر تعالى أنه يقدر أن يكرههم على الإيمان ويحول ~~بينهم وبين الشرك ولكن لم يرد ذلك وأراد أن يؤمنوا اختيارا ليستحقوا الثواب ~~فهو مع قدرته عليهم لا يجبرهم ولكن خلى بينهم وبين اختيارهم مع أمرهم ~~وتمكينهم من القوة وذكر الأ..م فيه وجهين: # أحدهما لو شاء الله لأنزل آية يؤمنوا بها. # والثاني لو شاء لأهلكهم بشركهم فلم يشركوا بعد أنذارك لهم. # قوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} قيل رقيبا لأعمالهم حتى يمنعهم من الكفر، ~~وقيل حفيظا على أعمالهم وتجازيهم عليها إنما أنت منذر {وما أنت عليهم ~~بوكيل} قيل: قائما بتدبيرهم حتى يلطف لهم ليفعلوا ما يجب عليهم، وقيل موكلا ~~بهم ليخرجوا من ms2592 الشرك، المعنى إنما عليك البلاغ بالأمر والنهي في العمل ~~والعلم في البيان بذكر الدلائل والبينات عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه ~~عائد إليهم وإلا فضره عائد إليهم. # تدل الآية على أن له صلى الله عليه وآله وسلم الإعراض بعد التبليغ لأن ~~الحجة إذا تكاملت ولم يكن في الدعاء لطف فله الإعراض فأما قبل ذلك أو علم ~~أنه لطف فليس له ذلك. PageV21P074 # وتدل على أنه قادر على أن يلجئ جميع الكفار إلى الإيمان وأنه لم يخلهم وسوء ~~اختيارهم لعجز ولكن خلاهم ليؤمنوا اختيارا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة ~~وبين أنه ليس لأحد أن يلجيهم، ثم قال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون} أي ~~يعبدون {من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} في هذه الآية تعليم أدب ~~عظيم ودلالة على أن على المحق أن يكف عن سب السفهاء لئلا يسارعوا إلى سبه ~~مقابلة له لأنه بمنزلة البعث على المعصية ومعناه لا تسبوا الأصنام فيسبوا ~~من أمركم بما أنتم عليه من عيب الأصنام ومن يعبدها، وقيل: لا تسبوا الأصنام ~~فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدونه كما سببتم ما يعبدونه، ومعنى ~~{عدوا} عدوانا وتجاوزا عن الحد [86] بغير علم. # قيل لما أنزل قوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} قال ~~المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربكم، فنزلت الآية ~~ونهاهم عن سب آلهتهم عن ابن عباس. # وقيل: كان المسلمون يسبون أصنامهم فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله ~~فإنهم قوم جهلة عن قتادة. PageV21P075 # وقيل: لما حضر أبو طالب الوفاة قالت قريش تدخل عليه وتطلب منه أن ينهى ابن ~~أخيه عنا فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته فيقال كان يمنعهم، فلما مات قتلوه ~~فانطلق الملأ من قريش أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية بن خلف ~~وجماعة معهم حتى دخلوا عليه وقالوا: أنت شيخنا وابن أخيك محمد أذانا وآذى ~~آلهتنا فنحب أن تدعوه وتنهاه عن ذلك، فدعا أبو طالب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلما حضر قال: ms2593 ما تريدون؟ قالوا: نريد أن تكف وتدعنا ~~وآلهتنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هل أنتم معطي كلمة إن أنتم أعطيتم ~~ذلك ملكتم العرب ودانت لكم العجم؟ قالوا: نعم وعشر أمثالها، فقالوا: أن ~~تقولوا لا إله إلا الله، فأبوا واشمأزوا، فقالوا: إما أن تكف عن آلهتنا ~~وسبها أو لنسبن من أمرك بهذا، فنزلت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأصحابه: ((لا تسبوا ربكم)) وأمسك المسلمون عن سب آلهتهم عن السدي ذكره ~~الحاكم وغيره. # وأما قوله: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} فمعناه لما أمرناكم بحسن الدعاء ~~إلى الله وتزيين الحق في قلوب من تدعونهم إليه بالوصف له والترغيب فيه كذلك ~~بينا للأمم السالفة أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم إليها. # وقيل: زين الله أعمالهم بالحجة الداعية إليها. PageV21P076 # وأما الذي يذهب إليه المجبرة في تأويل هذه الآية أن الله تعالى زين الكفر ~~للكافر والمعصية للعاصي فباطل؛ لأن الله تعالى أضاف تزيين ذلك إلى الشيطان ~~بقوله: {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل}، وبقوله: {الشيطان سول ~~لهم وأملى لهم}، ومعنى سول زين، ولا مرية في أن الذي أضافه إلى الشيطان على ~~وجه الذم لا يضيفه إلى نفسه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والله تعالى لا ~~يجوز عليه أن يزين للمكلف ما ينهاه عنه ويتوعده بالعقاب عليه؛ لأنه بخلاف ~~مقتضى الحكمة بل يكره ذلك إلى العبد كما قال تعالى: {حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} وهذه الآية تصحح تأويل ~~قوله: {كذلك زينا لكل أمة عملهم} أنه تزيين المحسنات المأمورة، قال بعض أهل ~~[87] العلم: زينها بالحجة أو الشبهة التي من كمال العقل كون المكلف عليها؛ ~~لأنه متى لم يعقل معنى الحجة ولا الشبهة لم يكن عاقلا. # وقال غيره: هذا التزيين هو تمييل الطباع إلى الشر الحسن بالإختيار وإلى ~~القبيح بالاختيار والانتهاء وهذان الوجهان فإنهما مع إمكان حملها على وجه ~~يقرب من الصواب فليسا كالوجه الذي بيناه في الظهور ذكره في البلغة. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لما أملينا ms2594 لهم كان إملاؤنا ~~تزيينا لفعلهم وإن كنا لم نرض مع الإملاء بعملهم وإنما هذا على المجاز لا ~~الحقيقة ومعنى أن يكون التزيين من الله هو لما جعل وركب في أنفسهم من ~~الشهوات التي جعلها محنة لهم ليفرق بذلك بين أوليائه وبينهم. انتهى. PageV21P077 # أما قوله تعالى: {ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} فهو تهديد ~~ووعيد وتوبيخ شديد على قبح أعمالهم {ثم إلى ربهم} بعد ما فعلنا ذلك بهم ~~{مرجعهم} أي مصيرهم إلى حكم ربهم والموضع الذي لا حكم لغيره نافذ فيه وهو ~~القيامة {فينبئهم} فيوبخهم ويعاتبهم ويعاقبهم {بما كانوا يعملون}، ثم قال ~~تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها} أي هؤلاء ~~حلفوا بالله جهد اليمين أنه إذا جاءتهم آية من عند الله آمنوا. # قال العلماء: الذي دعاهم إلى القسم التحكم على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم الذي ذكر في طلب الآيات مثل أن سألوه أن يحول الصفا ذهبا. PageV21P078 # وقيل: هو ما حكى الله عنهم في قولهم: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا...} إلى قوله: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}، وفي هذه ~~الآية يقول المرتضى عليه السلام: هذا إخبار من الله عز وجل عن أهل الكفر ~~والنفاق والصد عن الحق والشقاق من أهل الكتاب وغيرهم كانوا يحلفون بالله ~~لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عند ~~إتيانها فقال الله سبحانه: {قل إنما الآيات عند الله} ومعنى {عند الله} ~~إنما أراد بها من الله سبحانه، ثم قال: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون} فأخبر سبحانه بما علم من سرهم وأحاط به من غامض كفرهم وأنهم إذا ~~رأوا الآيات لم يؤمنوا بها ولا عند المعاينة يصدقوا بها ولا يرجعون بها ~~ولقد جاءهم من الآيات والمعجزات مع رسول الله صلى الله عليه [88] وآله وسلم ~~ما تثبت له به النبوة والتصديق وزاح به الشك عنه وسوء الظن فلم ينتفعوا ~~بذلك ولم يؤمنوا به بل ثبتوا على ms2595 كفرهم وأصروا على معصيتهم فأصبحوا بذلك من ~~الخاسرين وعند الله سبحانه من الهالكين ولديه من المعذبين، وإنما كان هذا ~~منهم عبثا وتمردا وتعنتا لغير قصد الهدى ولا طلب لتقوى {ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى}. انتهى. # تدل الآية على أن الصلاح في الآيات لا يقف على اختيار العبد بل على ما ~~يعلمه من المصلحة. # وتدل على أن ما سألوه لو علم أنهم يؤمنون عنده لفعله لأنه نبه إنما لم ~~يفعل لأنهم لا يؤمنون، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب في الحكمة إجابتهم إلى ~~هذا المطلوب. # قوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة}. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: المعنى في ذلك عندنا أنه قلب ~~أفئدتهم وأبصارهم بالترك لها على تقلبها إذ لم يحل بينها وبين جهلها. PageV21P079 # وتدل على أنه أراد تركهم قوله عز وجل في آخر الآية: {ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون} ومعنى نذرهم فهو نخليهم يعمهون ويتحيرون في كفرهم ولا نحجرهم ~~بالجبر عنه ولا نمنعهم ويمكن أن تقلب أفئدتهم أبصارهم في الموت والعذاب وكل ~~ذلك لا يخرج من العدل والصواب. انتهى. # وقال القاسم عليه السلام: فتقليب أفئدتهم وأبصارهم تضليله إياهم فيما ~~يعملون وتركه تبارك وتعالى فيما هم فيه من ضلالهم يعمهون، والتضليل من الله ~~لهم فإنما هو بعملهم وسواء في المعنى أضلهم وضللهم كما سواء أكفرهم وكفرهم، ~~ألا ترى أن من أضللت فقد ضللته ومن أكفرت فقد أكفرته. انتهى. # وعلى أي وجه صح مما ذكر يكون ذلك عقوبة لهم، أولا تراه قال: {كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة} فبين أنه إنما يفعل هذا لأنهم لم يؤمنوا به، ودل ذلك ~~على بطلان قول المجبرة لما تأولوا الآية على أن الله سبحانه يحول بينهم ~~وبين الإيمان بأن يقلب أفئدتهم وأبصارهم ولم يقنعوا عليه حتى يستشهدوا عليه ~~بما افتراه المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه عشق امرأة ~~زيد ثم قوله: ((يا مقلب القلوب والأبصار)) وحاشاه عن ذلك صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأنه أمين الله وحجته ms2596 وشاهده على خلقه، ولا يجوز عليه أن يفعل ما ~~ينهى غيره على أنهم لو كانوا ممنوعين من فعل الإيمان لم يكونوا مأمورين ~~بفعله ولأن تقليب الأبصار[89] لا يمنع عن الإيمان كما أن الأعمى لا يمنعه ~~عماه من الإيمان. # فإن قيل: كيف يتصل نقلب بما قبله؟ # قيل: فيه وجوه: # أحدها أنه يتصل بقوله: {وأقسموا} تقديره وأقسموا في حال قسمهم الله مقلب ~~قلوبهم عالم بما فيها من خلافه عن أبي مسلم. # وقيل: يتصل بقوله: {لا يؤمنون} فيقلب أفئدتهم في نار جهنم جزاء كما لم ~~يؤمنوا أول مرة {ونذرهم} في الدنيا على ما هم عليه فبين حالهم في الدنيا ~~والآخرة عن أبي علي. PageV21P080 # وقيل: يتصل بقوله: {لا يؤمنون} مع أن تقلب أفئدتهم وأبصارهم في حجج الله ~~وآياته التي يشاهدونها، عن الأصم. # ومعنى {في طغيانهم} زيادة كفرهم وأما {يعمهون} فالعمه الخطأ في الرأي وهو ~~خاص في القلب، ودلت الآية على أن الإيمان والطغيان فعلهم لذلك إضافة إليهم ~~وذمهم عليه. # ثم بين تعالى حالهم في عنادهم وترددهم في طغيانهم فقال: {ولو أننا نزلنا ~~إليهم الملائكة} رسلا كما قالوا: {لولا أنزل علينا الملائكة} {وكلمهم ~~الموتى} بأنك رسول أو أن الله واحد كما قالوا: {فأتوا بآبائنا} {وحشرنا ~~عليهم كل شيء} أي جمعنا عليهم كل آية، وقيل كلما سألوا {قبلا} أي عيانا ~~ومشاهدة {ما كانوا ليؤمنوا}. # قال المرتضى عليه السلام: هذا تعريف من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بكفر المشركين وأهل الصدود من المعاندين أخبر عز وجل بما أطلع ~~عليهم من قولهم وعلمه من سرائرهم أنهم لا يؤمنون أبدا ولو نزلت عليهم ~~الملائكة حتى يعاينوها {وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} مجموعا ~~مشاهدا معاينا حتى يعاينوه ويروه {ما كانوا ليؤمنوا} ولا يرجعوا إلى الله ~~سبحانه ولا يهتدوا للذي قد علم من تصميمهم على الكفر وبعدهم من الإيمان، ثم ~~قال: {إلا أن يشاء الله} إيمانهم قسرا ويدخلهم في الإيمان جبرا فأما طوعا ~~من أنفسهم واختيارا فلا يكون أبدا والله تبارك وتعالى فلا يدخل أحدا ms2597 في ~~طاعته جبرا وإنما يأمرهم بها سبحانه أمرا ولا يحملهم على معصية قسرا ولا ~~يحتم عليه بها حتما ولو كان ذلك كذلك ما حمد مطيعا ولا ذم عاصيا كما لم ~~يحمدهم في جبرهم عليه من صورهم وألوانهم بل أمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا ~~وكلفهم يسيرا وأعطاهم على القليل كثيرا. PageV21P081 # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: وإنما قال ذلك عز وجل دليلا على قدرته ~~عليهم وأنهم لا يمتنعوا منه بغلبة ولكنهم اختاروا هلاك أنفسهم إذ مكنهم من ~~الاختيار [90] لفعلهم. # ثم قال عز وجل مخبرا عن سلامة قلوب المؤمنين وجهلهم بما في أنفس ~~الكافرين: {ولكن أكثرهم يجهلون} يريد بذلك التنبيه لأوليائه على قلة يقين ~~المشركين وفاحش ما ستر من قلوب الفاسقين، ولأن لا يصدقوا هؤلاء المنافقين ~~ويكن أن يكون أراد تجهيل المشركين. انتهى. # وفي نزول الآية روايتان: # أحدهما أنها نزلت في أهل الشقاء الذين علم الله أنهم لا يختارون الإيمان ~~أصلا والأحرى أنها نزلت في المستهزئين وهم الذين سألوا الآيات ولا تعلق ~~للمجبرة بالآية في أن الكفر بمشيئة الله لأن إرادة الله تعالى على ضربين أن ~~يريد من عباده شيئا أن يفعلوه باختيارهم فهذا هو الذي نقول به أراد من ~~عباده الإيمان لأنه أمر به ووعد عليه وهذا كإرادة المسلمين إيمان اليهود ~~والنصارى من أهل الذمة وكما يريد بعضنا من بعض أن يفعل ما فيه صلاحه. # والثاني أن يريد إكراههم على أمر فهذا هو المراد بالآية ونحن نقول: إنه ~~لا يرد إيمانهم على هذا الوجه، ذكره الحاكم. # ثم بين تعالى ما تقدم عليه حال الأنبياء مع الأعداء تسلية فقال: {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} ووجه التنبيه في قوله: {وكذلك} على ~~تقدير جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن سبقك من الأنبياء عليهم السلام أعداء. # وقيل: تقديره تمكين من يعادي الأنبياء كتمكين غيرهم من السفهاء لأن ~~التمكين لا يكون قبيحا وشياطين الإنس مردتهم وكفارهم وشياطين الجن هذه ~~صفتهم أيضا لأنهم يغوون الخلق وهم قبيل إبليس عليه لعنة الله وعليهم ~~والشيطان في اللغة ms2598 العاتي من كل شيء، وانتصب عدوا بوقوع الجعل عليه وانتصب ~~شياطين على البدل منه، وقيل: هو خبر جعلنا كأنه قيل جعلنا شياطين الإنس ~~والجن عدوا. PageV21P082 # قال في البرهان: والجعل في هذا المكان بمعنى الحكم؛ أي حكمنا للأنبياء ~~بمعادات الكفار فصار الكفار لهم أعداء فكأنه هو الذي جعل الكفار لهم أعداء ~~من حيث حكم. انتهى. # وهذا قول قدماء أئمتنا عليهم السلام وغيرهم. # قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام[91]: وهذه ~~الآية مما دخل على المجبرة الشبهة فيها لقلة علمهم بها وتأويل هذا الجعل ~~الحكم من الله أيضا وذلك أنه سبحانه لما حكم على أنبيائه بأن يعادوا من ~~عصاه ويبرأوا منهم فعلوا ذلك فعادوا العصاة لله في الآباء والأبناء ~~والأقربين فلما عادوهم عاداهم أيضا العصاة لله فكان هؤلاء أعداء لهؤلاء ~~فحكم الله عليهم بذلك فقال جل ذكره: {شياطين الإنس والجن} أعداء لكل ~~الأنبياء حين حكم على الأنبياء عليهم السلام بعداوتهم والبراءة منهم وكان ~~في عداوة الأنبياء عليهم السلام لهم إيجاب عداوتهم للأنبياء وهذا بين ~~والحمد لله. انتهى. # وقيل: جعلنا بترك المنع والتخلية، وقيل أرسلنا الرسل إلى كبرائهم فعادوهم ~~فلما كانت المعاداة عند الإرسال أضافه إلى نفسه وليس على ما يتوهم الجاهلون ~~من الجبر لهم على عداوة النبيين، ثم قال تعالى: {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا} الزخرف المزين زخرفه إذا زينه والزخرف كمال حسن الشيء والزخرف ~~الذهب ومنه: أو {بيت من زخرف} والغرور قيل ما له ظاهر تحته وفيه بالمن ~~مكروه عن ابن عرفة، ومنه {متاع الغرور} يغر ظاهرها وفي باطنها سوء العاقبة. # قال في البلغة: {يوحي} أي يلقي {بعضهم إلى بعض} باطل القول وفاسده ولغوه ~~ليغروا بذلك، وزخرف القول ما قد زين كذبا وباطلا. # وفي البرهان {يوحي} أي يوسوس ويشير فعبر عن الإشارة بالوحي كما قال: ~~{فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا}، وزخرف القول ما زينوه لهم من الشبه ~~بالكفر وارتكاب المعاصي. انتهى. PageV21P083 # والمعنى يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس وكذلك بعض الجن إلى بعض وبعض ~~الإنس ms2599 إلى بعض، مالك بن دينار: شيطان الإنس أشد علي لأن الجني يذهب من اسم ~~الله والإنسي يجرني إلى الشر عيانا. # وأما قوله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} فمعناه لو شاء مشية إكراه وقسر ~~لما فعلوه أي ما عادوك أوما أوحى بعضهم إلى بعض بأن يكفيهم ويمنعهم عن ذلك ~~جبرا إلا أنه لا يجوز منه على هذا الوجه لأنهم مكلفون فخلا سبحانه بينهم ~~وبين أفعالهم آنفا للتكليف وامتحانا للمكلفين لئلا يفوت الغرض [92] ~~بالتكليف. # وفي معنى هذه الآية يقول القاسم بن إبراهيم عليه السلام: إيحاء الشياطين ~~هو إلقاء الشياطين للمجادلة للمؤمنين والشياطين كما قال الله سبحانه فقد ~~يكون من الجن والإنس وما يلقون إلى أوليائهم من المجادلة من زخرف القول ~~واللبس كما قال الله سبحانه: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض...} ~~إلى قوله: {فذرهم وما يفترون} يريد سبحانه {فذرهم وما يفترون} من الكذب ~~بزخرف القول وغروره وما يقولون فسيعلمون من بعد ماهم فيه من دنياهم إلى أي ~~منقلب ينقلبون. انتهى. # وهذا تهديد لهم ووعيد ومعناه ذرهم وافتراهم وكذبهم ونظيره قوله: {ذرهم ~~يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} وهذا التهديد يدل على أن تأويل ~~هذه المشية ما ذكرناه. والله أعلم. # ثم قال تعالى: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي لتميل إلى ~~ذلك الزخرف قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، فالعامل في قوله: {ولتصغى إليه} ~~قلوب هؤلاء قاله في البلغة، والمراد أصحاب الأفئدة ولكن لما كان الاعتقاد ~~والشهوة في القلب أضاف إليه والإصغاء أصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض ~~قال الشاعر: # ترى السفيه له عن كل محكمة # زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء PageV21P084 ومعنا {إليه} أي إلى ما ذكر من العداوة والزخرف وهو معطوف على {غرورا} أي ~~ليغروا ولتصغى {وليرضوه} لأنفسهم أي ما ذكرنا من الزخرف والعداوة ~~{وليقترفوا} من الآثام {ما هم مقترفون}. # قال في الكشاف: وكلها لام العاقبة وهي للتعليل مجازا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا يرجع إلى قوله: {يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا}، {لتصغى إليه ms2600 أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ~~وليقترفوا ما هم مقترفون} ولكنه من التقديم والتأخير والواو من قوله: ~~{ولتصغى} ليس لها معنى إلا الصلة والزينة للكلام ومعنى لتصغى أي فعل ~~الشياطين ووحيهم وكلامهم وزينوا كذبهم ومحالهم لتميل إليه قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوا ذلك {وليقترفوا ما هم مقترفون} أي ليكتسبوا من ~~الكفر ما هم مكتسبون [93] أي ليكتسبوا ما كسب شياطينهم ومعنى {ما هم} هاهنا ~~اسم لشياطينهم لا لهم. انتهى. # تدل الآية على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بالأقاويل المزخرفة والأماني ~~الكاذبة، وتدل على أن الإصغاء والارتضاء المذكور في الآية قبيح مطلقا. PageV21P085 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول بين ~~بعده أنه لا ينبغي أن يقبل ذلك المزخرف الذي لا حقيقة له مع حكم الله وكتاب ~~الله فقال: {أفغير الله أبتغي حكما} أي قل لهم يا محمد أغير الله أبتغي ~~حاكما يميز غير المحق مني ومنكم من المبطل {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب} ~~القرآن {مفصلا} مبينا الحق والباطل يشهد لي بالصدق وعليكم بالإفتراء، وقيل ~~إنه بلغ الغاية في قطع الحكم بين المختلفين فلم يترك للشبهة موضعا وحذف قل ~~لدلالة الكلام عليه وعلم المخاطب به، وقيل مفصل فيه الحلال والحرام والكفر ~~والإيمان والطاعة والمعصية والمعنى هل يجوز لأحد أن يعدل عن حكم الله وعنه ~~ولا يرضى به حتى أعدل. # وقيل: معناه هل حكم مع الله يساويه في حكمه حتى أعدل إليه ليحكم بيني ~~وبينكم، وقوهل تعالى: {حكما} صفة مدح وتعظيم؛ لأنه لا يقال حكما إلا لمن ~~يكون أهلا لأن يتحاكم إليه. # قال في البرهان: والفرق بين الحكم والحاكم أن الحكم هو الذي يكون أهلا ~~للحكم فلا يحكم إلا بالحق والحاكم قد يكون من غير أهله فيحكم بغير الحق ~~فصار الحكم من صفات ذاته والحاكم من صفات فعله فكام الحكم أبلغ في المدح من حاكم. # وأما قوله عز وجل: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} ~~فقيل: المراد مؤمنوا أهل الكتاب، والكتاب هو التوراة ms2601 والإنجيل، عن الأصم ~~وأبي مسلم. # وقيل: هم اليهود والنصاروى يعلمون أن القرآن منزل من ربك بالحق لموافقة ~~ما عندهم من بعثه. # وقيل: هم المؤمنون يعلمون أنه من الله لإعجازه. # قال الرازي: بين تعالى في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل ~~لوجهين: PageV21P086 # الأول أنه تعالى قد حصل بنبوته من حيث أنه أنزل عليه الكتاب المفصل المبين ~~[94] المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن ~~معارضته فظهور هذا المعجز يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته فقوله: {أفغير} ~~{أبتغي حكما} يعنى قل يا محمد أنتم تتحكمون في طلب سائر المعجازت فهل يجوز ~~في العقل أن يطلب غير الله حكما بل كل أحد يقول إن ذلك غير جائز، ثم قل إنه ~~تعالى حكم بصحة نبوتي حيث قضى بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد ~~الإعجاز. # والوجه الثاني من الأمور الدالة على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ~~اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم رسول حق وعلى أن القرآن حق من عند الله وهو المراد من قوله: ~~{والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}. انتهى. # ثم قال تعالى: {فلا تكونن من الممترين} قيل: الشاكين في كون أهل الكتاب ~~يعلمون أنه منزل بالحق وهو من باب تهييج الحمية على الدين وإلهاب الغضب لله ~~كقوله: {ولا تكونن من المشركين} وهو كثير في القرآن، ويجوز أن يكون {فلا ~~تكونن} خطابا لكل أحد على معنى أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه فما ~~ينبغي أن يمتري فيه أحد. # وقيل: الخطاب له خطاب لأمته ذكره في الكشاف. PageV21P087 # قلت: وما أحسن قول المرتضى عليه السلام في ذلك فإنه قال: لم يكن محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الممترين ولم يخبر الله سبحانه أنه من الممترين ~~وإنما قال لا تكن منهم كما قال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} وهو فلم يشرك صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهذا في اللغة جائز، ألا تسمع كيف يقول سبحانه: ms2602 {وذا ~~النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه} وهو فلم يظن ذلك بل أيقن أن الله ~~عز وجل يقدر عليه وقال عز وجل: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} ~~ولم يظنوا ولكنهم أيقنوا، ويقال القائل عسى أن نأكل، وإنما نريد نأكل فأدخل ~~عسى فصارت شكا وليست بشك وإنما أراد يقينا وهذا في اللغة كثير موجود. انتهى. # ثم بين تعالى صفة الكتاب المنزل فقال سبحانه: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} ~~قال في البرهان: يعني القرآن أي تمت حجته ودلائله وأحكامه وأمره ~~وإنذاره[95]بالوعد والوعيد، وقوله {صدقا وعدلا} أي صدقا فيما حكاه وعدلا ~~فيما قضاه. انتهى. # وهما نصب على التمييز. # وقال أبو علي الفارسي: {صدقا وعدلا} مصدران ينصبان على الحال من الكلمة ~~تقديره صادقة عادلة. PageV21P088 # وفي التهذيب: {وتمت كلمة} معناه أنه كمل على وجه لا يمكن لأحد أن يزيد فيه ~~أو ينقص منه أو يغيره وهذه صفة القرآن، وقيل: معناه أنه أنزل شيئا بعد شيء ~~حتى تم وكمل على ما تقتضيه الحكمة {لا مبدل لكلماته} أي لا يقدر أحد أن ~~يبدلها بما هو أصدق منها وأعدل أو بما هو مثلها في الفصاحة فإنه لا مبدل ~~لكلمة الله فيما حكم به لأنه وإن أمكن المبتغي لذلك تبديله بالألفاظ كما ~~غير أهل التوراة والإنجيل فإنه لا يعتد بذلك؛ لأن أصل كلامه موضوع على الحد ~~الذي لا يقع للناظر فيه والباحث عنه المنصف له ريب فيه فيخفى الحكم عليه ~~لأن القرآن معجز وهذا الوجه في المعنى يقرب من الأول ذكره في البلغة. # قال أهل المعاني: الكلمة والكلمات معناها ما جاء من وعد ووعيد وثواب ~~وعقاب فلا تبديل له ولا تغيير كما قال: {ما يبدل القول لدي} فمن قرأ كلمات ~~بالجمع قال لأن معناها الجمع فوجب الجمع في اللفظ ومن قرأ على الواحد ~~فلأنهم قالوا كلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة إذا كانت مضبوطة بضابط واحد ~~كقولهم قال زهير في كلمته يعني قصيدته فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في ~~كونه صدقا ومعجزا، ثم قال: {وهو ms2603 السميع} أي العالم لكل مسموع {العليم} ~~العالم لكل معلوم، قيل: سميع لما يوحي بعضهم إلى بعض من زخرف القول عليم ~~بما يمكرون بك، عن الأصم. PageV21P089 # واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن ~~يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال ولا ينبغي أن يتشوش بسبب شبهاتهم الفاسدة ~~فقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} لما تقدم ذكر الكتاب ~~بين تعالى في هذه الآية أن من تبع غيره وأعرض عنه ضل وأضل فقال: {وإن تطع} ~~معناه إن أجبتهم إلى ما يدعونك إليه استحققت [96] الوصف بأنك ضال لأن أكثر ~~من في الأرض ضلال يدعون إلى الضلال، {وإن تطع} قيل خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقيل المراد هو غيره والطاعة موافقة المطيع المطاع فيما ~~يريده منه وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من آمن وفيهم من يؤمن ويدعون إلى الحق ~~ويذب عن الدين ويجادل أهل الكتاب ولكن هم الأقل والأكثر الضلال يضلونك عن ~~سبيل الله أي عن دينه، وقوله سبحانه: {إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون} يعني الأكثر لا يعتقدون أديانهم عن دليل فليس لهم علم بما ذهبوا ~~إليه واعتقدوه وإنما هم يتبعون الظن وما هم إلا كاذبون فيه والخرص الكذب ~~يريد أن المشركين يكذبون في أن الله أحل وحرم مما يدعون كالبحائر والسوائب ~~أو يقدرون أنهم على شيء وليسوا عليه. # وقوله تعالى: {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} عام في كل خير {وهو أعلم ~~بالمهتدين} أي بمن يقبل. # قال الحاكم: يعني هم يتبعون رؤساهم وأكابرهم حسنا للظن بهم والله أعلم ~~بالضال والمهتدي وأنه ليس لكثرة ولا بالقلة وإنما هو بالحجة. PageV21P090 # قال في البلغة: قال بعض العلماء: إنما قيل في صفة الله {أعلم} وإن كان لا ~~يصح فيه صفة افعل كما يصح في العالمين منا لأن تقديره أن الله أعلم بمن يضل ~~عن سبيله ومن ms2604 كل من يعلمه سواه لأنه يعلمه على وجوه، تلك الوجوه تخفى على ~~غيره وموضع {من} نصب على حذف الباء حتى يكون مقابلا لقوله: {وهو أعلم ~~بالمهتدين}، وقيل: موضعه رفع لأنه بمعنى أي كقوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى} ~~عن الفراء والزجاج. # قال الحاكم: تدل الآية على أن الواجب اتباع الأدلة دون التقليد الذي لا ~~يميز حقا من باطل، ثم بين العلة فيه وهو اتباع الظن، وبين تعالى أنهم ~~يخرصون في القول وهذا الذي ذكره تعالى العمدة في بطلان التقليد، وتدل على ~~أنه لا ينبغي أن يغتر بالأكثر فقد يضل الأكثر ويهتدي الأقل، وبهذا أشار ~~أمير المؤمنين حيث قال: ياحار الحق لا يعرف بالرجال أعرف الحق يعرف أهله. # وتدل على أن الظن في الدين خطأ، وتدل على التحذير من الاغترار بعلماء ~~السوء وإن كثروا وكثر أتباعهم وجاههم، وتدل على الوعد والوعيد؛ لأن قوله: ~~{هو أعلم} ينبي عن ذلك، وتدل على أن الضلال والإضلال فعل العبد خلاف ما ~~يقوله أهل الجبر. # وأما قوله تع: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} فهو إطلاق الإذن في أكل ~~الذبيحة التي ذكر اسم الله عليها، والمراد بالأمر هنا الإباحة لأن صيغة ~~الأمر تستعمل في أشياء كالإباحة والإرشاد والتهديد إلا أنه إذا تجرد عن ~~القراين والدلائل لا بد أن يحمل على الأمر؛ لأنه حقيقة وإن اقترن به دلالة ~~فحينئذ يحمل على ما دلت الدلالة عليه والخطاب للمؤمنين، وقوله تعالى: {إن ~~كنتم بآياته مؤمنين} ظاهرة ظاهر الترغيب لأنه ترغيب في صحة اعتقاد الإذن ~~فيه وفي أكله للاستقامة على طاعة الله تعالى. PageV21P091 # واعلم أن الفاء في قوله تعالى: {فكلوا} يقتضي تعلقا بما تقدم فقيل إنما ~~دخلت الفاء لأنها جواب لما قاله المشركون للمسلمين أتأكلون ما قتلتموه ولا ~~تأكلون ما قتله الله، فكأنه قيل أعرضوا عن جهلهم وكلوا فهو مسبب عن إنكار ~~اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال. # وقيل: يجوز أن يكون عطفا على ما دل عليه أول الكلام على تقدير كونوا على ~~الهدى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، ms2605 وهو المذكى والذكر المسنون هو قول بسم الله. # ثم قال تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه}. # قال في البلغة: لا هاهنا معناه الجحد فكأنه قيل أي شيء لكم في أن لا ~~تأكلوا، وقيل لا صلة ومعناها ما منعكم أن لا تأكلوا؛ لأن قولك مالك أن تفعل ~~ومالك لا تفعل بمعنى واحد. # {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} معناه قد بين لكم ما حرمه عليكم، قيل: هو ما ~~ذكر في سورة المائدة: {حرمت عليكم الميتة والدم...} الآية. # وقيل: لا يصح؛ لأن المائدة مدنية وهذه مكية فكيف تحيلهم على ما لم ينزل ~~وإنما هو قوله في هذه السورة: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه...} الآية، وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن ~~هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد، والله أعلم. # ثم قال سبحانه: {إلا ما اضطررتم إليه} مما حرم فإنه حلال في حال الاضطرار ~~وهذا الاضطرار هو القدر الذي يخاف معه التلف بسبب شدة المجاعة، ثم أخبر ~~[98] تعالى أنهم يضلون أنفسهم وغيرهم باتباع هواهم في التحليل والتحريم دون ~~اتباع الأدلة الشرعية فقال: {وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم} أي وإن كثيرا من ~~الناس ليضلون الخلق عن دين الله بأهوائهم أي لا باتباع شريعة ولا إسناد إلى ~~أصل {بغير علم} لهم بما يفعلونه. PageV21P092 # دلت الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام؛ لأن القول بالتقليد ~~قول بمحض الهوى والشهوة والآية دلت على أن ذلك حرام. # ثم قال: {إن ربك هو أعلم بالمعتدين} أي المجاوزين للحد في الحلال ~~والحرام، ودلت على أن تحريم الحلال اعتداء لتحليل الحرام لأنه إحداث شريعة، ~~والمراد منه أنه تعالى هو العالم بما في قلوبهم وضمائرهم من التعدي وطلب ~~نصرة الباطل والسعي في أخفاء الحق، وإذا كان عالما بأحوالهم وكان قادرا على ~~مجازاتهم فإنه عز وجل يجازيهم عليها والمقصود من هذه الآية التهديد ~~والتخويف. # ودلت الآية على أن أفعال العباد من الهدى والضلال والأكل ms2606 وغير ذلك فعل ~~لهم حادثة من جهتهم. # ودلت على أن العبد يؤخذ بأفعال القلوب كما يؤخذ بأفعال الجوارح. # واعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يجب تركه بالكلية ~~بقوله: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} معناه اتركوا الإثم في السر والإعلان فهو ~~نهي عن الإثم مع البيان أنه لا يخرجه من معنى الإثم الاستسرار به كما أن ~~أهل الجاهلية كانوا يرون في الزنا إثم إذا أعلن فإذا استسر به صاحبه لم يكن إثما. # وقيل: ظاهره أفعال الجوارح وباطنه أفعال القلوب، وقيل: ما عملتم وما ~~نويتم، ثم قال: {إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون} تكسبون ~~الإثم أي تفعلون المعاصي التي فيها الآثام {سيجزون} سيعاقبون {بما كانوا ~~يقترفون} أي يكسبون والاقتراف الاكتساب، ثم أكد تعالى شأن التحليل والتحريم ~~فقال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} أي من الذبائح ويدخل فيه ~~الميتة ويدخل ما ذبح على ذكر الأصنام والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون. PageV21P093 # قال المرتضى عليه السلام: فنهاهم الله سبحانه عن أكل ذبائح الملحدين ~~المشبهين والكفرة المتمردين [99]؛ لأن هؤلاء كلهم غير عارف بالله عز وجل ~~ولا مقر وإنما يعرفه من آمن به وصدق رسله ووحده وذبائحهم فميتة غير ذكية لا ~~يحل أكلها ولا يسع مسلما الإنتفاع بها. انتهى. # ثم قال: {وإنه} أي الأكل {لفسق} أي خروج عن الإيمان وأجمع الفقهاء على ~~تخصيص ذلك بالذبائح، ثم اختلفوا فقال أهل الظاهر كل ما لم يذكر عليه اسم ~~الله فهو حرام مطلقا. # وقالت القسمية وأبو حنيفة: إن ترك الذكر عمدا حرم وإن تركه نسيانا حل. # وقال الشافعي: يحل عمدا كان ترك الذكر أو نسيانا إذا كان الذابح أهلا ~~للذبح، وهذا النهي عنده مخصوص بما ذبح على النصب لقوله: {وإنه لفسق}، وأجمع ~~المسلمون على أن الأكل من ذبيحة تارك التسمية لا يكون فسقا ولقوله:{وإن ~~الشياطين ليوحون} أي يوسوسون {إلى أوليائهم ليجادلوكم} وهذه المجادلة إنما ~~كانت في الميتة ولقوله: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ولئن الفسق قدحا مطلقا ~~على ذبيحة الأصنام في قوله: ms2607 {أو فسقا أهل لغير الله به} فكذا هنا ذكره في ~~التجريد. # قال الحاكم: معنى {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} أي يلقون إليهم ~~الشبهة، قيل أهل فارس يلقون إلى أوليائهم من مشركي قريش، وقيل المراد ~~البحيرة والسايبة والوصيلة والشياطين رؤساهم الذين دعوهم إلى ذلك وأولياؤهم ~~أتباعهم من العوام، وقيل هم شياطين الجن توسوس إلى أوليائهم من كفار الإنس ~~في تحريم السائبة وتحليل ما ذبح على الأوثان وغيره عن الأصم وأبي مسلم ~~{ليجادلوكم} أي يخاصمونكم، قيل: مجادلتهم قولهم للمسلمين تأكلون ما ذبحتم ~~ولا تأكلون ما قتله طعنا عليهم وعيبا لهم فأنزل الله هذه الآية. PageV21P094 # وأما قوله: {أطعتموهم إنكم لمشركون} فقيل في استحلال أكل الميتة عن الحسن، ~~وقيل في جميع ما هم علي؛ لأن من جملته الشرك، وقيل في الذبيحة للأصنام، ~~وقيل طاعة المشركين شرك كقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ذكر سبحانه مثلا ~~يدل على حال المؤمن المهتدي وعلى حال الكافر الضال فقال: {أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها} فبين أن [100] المؤمن المهتدي بمنزلة كم طان ميتا فجعل حيا بعد ذلك ~~وأعطي نورا يهتدي به في مصالحه وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس ~~فيها لا خلاص له منها فيكون متحيرا على الدوام. # قال في البرهان: والنور القرآن، والعلم الذي يهدي إلى رشد والظلمات الكفر ~~وشبهه بالظلمات لأن صاحبه في حيرة منها يفضي به إلى الهلاك كحيرة الإنسان ~~في الظلمة، والآية على العموم، وقيل: إن المؤمن أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام والكافر أبو جهل بن هشام. PageV21P095 # قال في البلغة: وأصل الإحياء جعله الله حيا بعد الإماتة والمراد به هنا ~~إخراجه من الكفر إلى الإيمان على اللطف له والتوفيق من الله وجاء هذا على ~~سبيل المثل فرقا بين المؤمن الذي اختار الإيمان عند لطف الله وبين الكافر ~~الذي اختار الكفر فاستحق الخذلان، ومعنى الآية لا يستوي المهتدي والضال في ~~الحكم عند ms2608 الله كما قال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب}، ولهذا مظاير كثيرة في القرآن، ثم قال ~~تعالى: {كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} جاء التشبيه في قوله: {كذلك} ~~على تقدير زين لهؤلاء الكفر فعملوا به كما زين لأولئك الإيمان فعملوا به ~~فشبه حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك بعد أن دل العقل والسمع على أن الله ~~تعالى لا يجوز عليه أن يزين الكفر والمعصية للكفار والفساق بل يزين الإيمان ~~والطاعات كما قال تعالى: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان} والمكره للشيء لا يكون مزينا له، وبين تعالى أن ~~المزين للكفر الشياطين والغواة كما قال تعالى: {وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون}، وقال: {الشيطان سول لهم وأملى لهم} ومعنى ~~سول زين، وإذا نفى الله عن نفسه بطريق العقل والسمع تزيين المعاصي وأضافه ~~إلى الغواة على سبيل الذم فمن أضاف ذلك إلى الله كان رادا حكم العقل والسمع ~~ومرتكبا أمرا عظيما وكل موضع في القرآن جاء بهذا اللفظ على ما لم يسم فاعله ~~فهو مردود إلى الشيطان والغواة الذين يزينون المعاصي للعباد كرده إليهم ~~تصريحا وتسميته لفاعله. انتهى كلام البلغة. PageV21P096 # وكان الحسن يحلف أنه زين لهم شياطين الإنس والجن لأنه تعالى نهى عنه وأوعد ~~عليه ولا يجوز أن يقال هو زينه خلافا لما تقوله [101] المجبرة وما تقدم من ~~أدلة العقل والسمع يحجهم ويبطل شبههم. # وأما قوله تعالى: {وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها} ~~فهذه الآية من جملة المتشابهات وبينا في هذه السورة أن لفظ الجعل عليه ~~السلامى كم وجه بتصرف وأنه لا يجوز إضافة فعل الكفر والمعاصي إلى الله ~~تعالى على سبيل إحداثه إياه وإنما يضاف إليه على وجه الحكم ومعنى الجعل ~~هاهنا مثل ما بيناه في قوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} ~~ووجه التشبيه في قوله: {وكذلك} على تقدير جعلنا ذا المكر من المجرمين كما ~~جعلنا ms2609 ذا النور من المؤمنين ومعنى كل واحد منهما أنه صار بالله كذلك والمكر ~~حصل بالتمكين الذي فعل الله للعبد مما سيختاره ويفعله والتمكين من القبيح ~~لا يكون قبيحا لأن التكليف لا يصح إلا معه لأن الله سبحانه لا يحمل العبد ~~على القبيح بفعل التمكين ولا يلجئه إليه ولا يجبره عليه وإرادة القبيح تكون ~~قبيحة وكل ذلك منفي عن الله تعالى، واللام في قوله: {ليمكروا} ليست لام ~~العاقبة والنحويون يسمونها بها وهي كما قال تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا} وآل فرعون لم يلتقطوا موسى ليكون عدوهم وإنما التقطوه ~~ليكون قرة عين لهم كما حكى الله ذلك عنهم بقوله: {قرة عين لي ولك لا تقتلوه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} إلا أنه لما كان عاقبة أمر موسى عليه السلام ~~مع فرعون العداوة عبر عن تلك العاقبة بهذه اللام وكذلك مكر هؤلاء الماكرين، ~~فكأنه قيل وكذلك جعلنا في قرية من صار رئيسا كبيرا وأمرناهم بالطاعة ~~ونهيناهم عن المعصية فاختاروا الكفر على الإيمان وكانت عاقبة أمرهم المكر ~~الذي استحق PageV21P097 عليه العذاب فكان الله لخلقه إياهم وتمكينه لهم وصيرورة أمرهم إلى ما حكى ~~الله عنهم جعلهم كذلك فهو جعل الحكم كما بيناه لا جعل الإحداث وإنما كان ~~كذلك فلا يجوز أن تتأول الآية أن الله خلقهم للمكر وأنه خلق فيهم ذلك ~~وأراده منهم لأن العقل دل على خلاف ذلك من صفة الله تعالى. # هذا وقد قال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} لأن مثل ذلك ~~يؤدي إلى التناقض والله يتعالى عنه ذكر هذا كله في البلغة وقيل: معنى ~~{ليمكروا} لئلا يمكروا فحذف لا كقوله: {يبين الله لكم أن [102] تضلوا} ثم ~~قال تعالى: {وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون(123)} معناه يرجع وبال مكر ~~هؤلاء إليهم وهم لا يشعرون أنهم لا يضرون بمكرهم إلا أنفسهم وهذا يدل على ~~صحة التأويل الذي حكيناه عن صاحبة البلغة وذلك أن هذا مذكور في معرض ~~التهديد والزجر، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه ms2610 تعالى أراد منهم أن ~~يمكروا بالناس ولم يكن لهذا التهديد والزجر معنى وكيف يليق بالرحيم الحكيم ~~أن يريد منهم المكر ويخلق فيهم المكر ثم يعذبهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه. # دلت الآية على عظيم نعمه تعالى على عباده بأن هداهم إلى الإيمان وبينه ~~لهو مكنهم منه ولطف بهم فيه وأوجب لهم الثواب الدائم والنعيم الخالص، ودلت ~~على أن ذلك المكر والعمل فعلهم ليس بخلق الله لذلك ذمهم عليه وعاقبهم على ~~اقترافه. # ثم أخبر تعالى عن أكابرهم الذين تقدم ذكرهم وذكر اقتراحاتهم الفاسدة فقال ~~سبحانه: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله}. PageV21P098 # قال المرتضى عليه السلام: هذا إخبار من الله عز وجل عن الظالمين الخونة ~~الكافرين أنهم إذا جاءتهم آية من آيات الله سبحانه مع محمد صلوات الله عليه ~~وآله وسلم تبهر العقول وتصحح النبوة قالوا لن نؤمن بها حتى نؤتى مثلها كما ~~أوتيتها فإذا أوتينا ذلك آمنا وصدقنا أنه من الله عز وجل، فقال الله ~~سبحانه: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} أراد بكم لستم في موضع الرسالة ولا ~~منزلة الطهارة ولا بأهل ثقة ولا أمانة فاختار الله سبحانه لرسالته وما أنزل ~~من حجته محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لأمانته وفضله ومعرفته بالله عز وجل ~~وقدره عنده وقد يروى أن الذي قال هذه المقالة الوليد بن المغيرة المخزومي ~~وأبو مسعود الثقفي. انتهى. # روي أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها من محمد ~~لكبر سني ولكثرة مالي. # وروي أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد المطلب في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي ~~رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى حتى يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت. # وقيل: المراد حتى نؤتى من الآيات التي اقترحنا مثل ما أوتي رسل الله ~~الذين هم صالح وموسى وعيسى وغيرهم أي آية مثل ناقة صالح وعصى موسى [103] ~~ومائدة عيسى،ويؤيد الأول قوله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته}. # ولما أخبر أنهم موصوفون بالمكر والحسد والغدر ms2611 قال تعالى: {سيصيب الذين ~~أجرموا} أي من أكابر مكة وغيرهم من المجرمين {صغار عند الله} أي سينال ~~المجرمين ذل من عند الله. # قال في البرهان: والصغار الذل وإنما سمي صغار لأن النفس تصغر إلى الإنسان ~~ومعناه أنفتهم من اتباعهم الحق صغار عند الله وذل وإن كان عندهم عز وتكبر. انتهى. PageV21P099 # وقيل: صغار في الآخرة عن الزجاج {وعذاب شديد} وقيل: صغار في الدنيا وعذاب ~~في الآخرة {بما كانوا يمكرون} أي جزاء على مكرهم فحصل بهذا الكلام أنه ~~تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد الأليم، ثم بين أن ذلك إنما ~~يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم. # واعلم أنه لما تقدم ذكر المؤمنين والكافرين وضرب الله المثل للمؤمن ~~والكافر وبين طريق الأكابر من المجرمين وحكمهم بين بعده طريق استحقاق كل ~~واحد من الفريقين بقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله} أي يسميه بالضلال أو بالترك له على ما هو فيه من المحال ~~{يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} أي كأنما يزاول أمرا غير ممكن ~~لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويتعذر وفي هذه الآية وتفسيرها يقول القاسم ~~عليه السلام: تأويلها من يرد الله أن يرشده فيزيده هدى على هدى لأنه لا ~~يعطي الهداية إلا من اهتدى كما قال تبارك وتعالى في زيادته لهم هدا إلى ~~هداهم: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} والتقوى فمن الهدى وآتا ~~فمعناها وأعطى فهو آتاهم التقوى بتبصرته وتقويته لهم على ما عملوا منها ~~وبمنعه لهم تبارك وتعالى من الضلالة ونهيه لهم عنها وليس بين الضلال والهدى ~~منزلة هادية لأهلها ولا مضلة {فمن يرد الله أن يهديه} بعد الهدى {يشرح} ~~يزيد يفسح {صدره} للتقوى، {ومن يرد أن يضله} بعد الضلالة والعمى {يجعل ~~صدره} بما اتبع من الضلالة والهوى {ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} كذلك ~~يفعل الله بأهل الضلالة والاعتداء. انتهى. PageV21P100 # يزيد هذا وضوحا قول المرتضى عن أبيه الهادي [104] إلى الحق عليه السلام حيث ~~قال: معنى {يشرح صدره} فهو يوفق ms2612 ويسدد وينور الحق له وفيه ويهده ويعينه على ~~طاعته حتى يتضاعف فيه الهدى ويدخله معرفة التقوى ولا يكون ذلك إلا لمن قبل ~~من الله سبحانه الهدى البتدى فإذا أطاع العبد الله وائتمر بأمره وانتهى عن ~~نهيه وقبل ذلك شرح الله صدره وأعانه على نيته وزاده عند قبوله هدى كما قال ~~سبحانه: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} فهذا معنى الشرح من الله ~~لصدر من آمن به واتقاه وأما تضييق الصدر الذي ذكر الله سبحانه أنه يفعله ~~بعبده فإنما ذلك خذلان من الله لأهل المعاصي على ما يكون من جرأتهم على ~~الله عز وجل وإقدامهم على معاصيه فإذا حادوا الله وخالفوه وبإظهار المعصية ~~باينوه خذلهم وتبرأ منهم فعدموا التوفيق فضاقت صدورهم واختلطت عليهم أمورهم ~~بما استجلبوه في معصيتهم جزاء على فعلهم، قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} والله تعالى ليس يظلم عبيده ولا يخرجهم من ~~طاعته ولا يدخلهم في معصيته بل طريق الرشد هداهم وسبيل نجاتهم أتاهم كما ~~قال عز وجل: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} ولكن الظلم منهم لأنفسهم والتعدي والله ~~بريء من أعمالهم. PageV21P101 # ومن الدليل على أن أفعال المخلوقين منهم ما يذكر الله سبحانه عن الظالم إذ ~~يقول: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ~~ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا}، فأقر بالضلال على نفسه وأعزف به من فعله ونسبه إلى ~~قرينه وفي ذلك ما ذكر الله سبحانه عن موسى عليه السلام إذ يقول: {فوكزه ~~موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} ولو كان فعل موسى ~~صلى الله عليه من الله لقال هذا من قضاء ربي ولم يقل هذا من عمل الشيطان ~~لأن ما قضى الله به فليس هو من الشيطان وإنما هو من الله فلما فعله خطا منه ms2613 ~~وإغواء من إبليس قال: {هذا من عمل الشيطان} ولم ينسبه إلى الله ذي العزة ~~والسلطان وكيف ينسب إلى الله سبحانه ما ليس من فعله لقد افترى القائلون ~~بذلك على الله وقالوا بهتانا مبينا وفي ذلك ما يقول اللهسبحانه: {إن هي إلا ~~أسماء سميتموها [105] أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون ~~إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فأخبر عز وجل عنهم ~~أنهم يتبعون الظن وهوى الأنفس ولو كان منه ذلك بقضاء عليهم وتقدير لكان من ~~عنده ولم يقل: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} وكيف يتبع هوى نفسه من ~~قد منع من فعله وإنما هو يتقلب في قضى ربه والله سبحانه فلا يقول إلا الحق ~~فهل يحل لمسلم أن ينسب فعلهم الذي نسبه الله إليهم ويبرئ نفسه منه إلى ~~الله، فإن قال بذلك قائل فقد رد كتاب الله وعانده وخالف حكمه تعالى الله ~~عما يقول المبطلون علوا كبيرا. PageV21P102 # ومن الدليل على أن أفعال العباد منهم اختيارا وتعديا على أنفسهم ما قال ~~الله سبحانه: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} فلو كانت هذه ~~الكلمة حقا لله وقضاء قضا به عليهم ما نفاها عن نفسه ولا أكذبهم فيها كما ~~لم ينف عن نفسه خلق السماوات والأرضين وخلق جميع المخلوقين فلما كانت أفعال ~~المخلوقين وكلامهم وظلمهم لنفوسهم منهم نسبها الله إليهم وذمهم فيها ~~وعاقبهم عليها جزاء على فعلهم كما قال الله سبحانه: {بما قدمت أيديكم وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد}. انتهى كلام المرتضى عليه السلام، فلما كان الله عز ~~وجل فضل أولياؤه وغم بتوفيقهم أعداءه جاز أن يقول {جعل صدره ضيقا حرجا} بما ~~جعل لأوليائه من الفضل المبين، وبما يزيد أولياءه في كل يوم برهانا من ~~الحجة النيرة والبيان وبما يقيم لهم به حقهم وثبتت لهم دعوتهم فكلما زاد ~~الله أولياءه نورا وظهور حجة ازدادت صدور أعدائه حرجا بذلك وضيقا ms2614 فهذا معنى ~~جعله لصدر عدوه ضيقا حرجا، والضيق والحرج بمعنى واحد لكنه وكده وزاد بيانا ~~وردده وإذا اختلف اللفظ حسن التكرير مثل قوله: {العليم الخبير} ومعناهما ~~واحد، وكذلك الرحمن الرحيم، وقوله: {كأنما يصعد في السماء} معنى يصعد هو ~~يتصعد ولكن تشديد الصاد يقوم مقام التاء وكأنما هي لغة عربية يراد بها كان ~~ولكنهم وصولها بما وجعلوها زينة لها وتماما، قال الشاعر: # من مثل ذلك يصف الركبان وسيرهم بها # ..... بهن حتى كأنما عليهن مآبات في القار منقعا PageV21P103 يريد عليهن مابات منقعا في القار فمعنى: {كأنما يصعد في السماء} [106] أي ~~كأنه يصعد ويطلع لتعب من يمشي صعدا مستقلا فكذلك هو الحاسد لأولياء الله ~~كلما ازدادوا فضلا ضاق صدره وصار بمنزلة من يصعد جبلا أو موضعا منتصبا لا ~~يجد فيه سهلا. # قال في البرهان: وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((أي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت، وأحسنهم لما بعده استعدادا))، ~~وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام} قالوا: كيف شرح صدره يا رسول الله؟ قال: ((نور يقذف فيه ~~فينشرح له وينفسح))، قالوا: وهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال: ((نعم الإنابة ~~إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والإستعداد للموت قبل لقاء الموت))، انتهى. # ثم قال تعالى: {كذلك يجعل الله الرجس} أي الخذلان ومنع التوفيق {على ~~الذين لا يؤمنون} وصفه بالرجس كما أن التوفيق يوصف بالطيب أو أراد الفعل ~~المؤدي إلى الرجس وهو العذاب أي كذلك يجعل الله العذاب والسخط على ~~الكافرين، وقيل الرجس هو كل ما لا خير فيه. # قال في البلغلة: ووجه التشبيه في قوله: {كذلك} أن جعله الرجس على هؤلاء ~~كجعله الضيق في قلوب أولئك في أن جميعه على وجه الحق. PageV21P104 # ودل قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} على صحة التأويل ~~الذي ذهب إليه مشائخنا رحمهم الله؛ لأن الله بين أنه لا يجعل الرجس إلا على ~~من لا يؤمن، ومعلوم أن ms2615 مثل هذا لا يكون إلا جزاء وعقوبة ولو كان ذلك على ~~سبيل الابتداء على ما تقوله المجبرة أن الله يضل من يشاء عن الدين ويعطي ~~الإيمان لمن يشاء ابتداء لم يكن لتخصيص من لا يؤمن بالذكر معنى، وحاشا كلام ~~الله عن ذلك، ولو أضل الله عباده عن الدين وأراد من عباده الكفر وخلق فيهم ~~لم يكن سخف أبلغ من تكليفهم الإيمان ونهيهم عن الكفر وبعثة الرسل إليهم ولا ~~شيء أشد عبثا من توبيخهم وتقريعهم على ترك ما لا يقدرون عليه، تعالى الله ~~عما يقول الجاهلون علوا كبيرا؛ ولأنه قال تعالى: {وهذا صراط ربك} أي طريقه ~~الذي اقتضته الحكمة في التوفيق والخذلان لمن يستحقها {مستقيما} عادلا ~~مطردا، ولو خلق الكفر [107] في واحد وعذبه والإيمان في آخر وأثابه من غير ~~سابقة منهما لم يكن هذا استقامة وأي طريق أعوج من هذا؛ ولأنه لو كان خلقا ~~له لما حسن الأمر والنهي؛ ولأنه لا يحسن من الحكيم أن يخلق سب نفسه وعبادة ~~الأوثان وقتل أنبيائه ويمنع من الإيمان به؛ ولأنه يبطل البعثة والثواب ~~والعقاب والوعد والوعيد لو كان جميع ما فعلوه خلقا له، وقوله: {مستقيما} ~~انتصابه على أنه حال مؤكدة، والإشارة بقوله: {وهذا} إلى البيان الذي جاء في ~~القرآن، وقيل إلى الإسلام، وسمي هذا الصراط مستقيما لسلامته من التناقض ~~والتفاوت ومعناه وهذا القرآن وهذا الإسلام صراط الله فهو صراط مستقيم لا ~~تناقض فيه ولا فساد. # قال في البرهان: الصراط هو الطريق، قال عامر بن الطفيل: # شحنا أرضهم بالخيل حتى # تركناهم أذل من الصراط # والصراط المستقيم هو كتاب الله عز وجل والأئمة من ولد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم؛ لأنهم قرناؤه. PageV21P105 # ثم قال تعالى: {قد فصلنا الآيات} أي بينا آيات القرآن {لقوم يذكرون(126)} ~~أي يتدبرون بعقولهم. # ولما تقدم ذكر الطريق المستقيم بين تعالى جزاء من سلك تلك الطريق وعقبه ~~بالوعيد على عادته تعالى في اقتران الوعد والوعيد فقال سبحانه: {لهم دار ~~السلام عند ربهم} أي للذين تدبروا وعرفوا الحق وابتغوه دار السلام أي ms2616 دار ~~الله؛ أي الجنة، والسلام من أسماء الله وأضافها إليه تعظيما لها، وقيل: دار ~~السلام الدائمة الخالصة من كل آفة وبلية ومما يلقاه أهل النار، عن أبي علي ~~وأبي مسلم والزجاج. # وقيل: دار السلام التي يسلم على أهلها؛ لأن أحوالهم مقرونة بالسلام من ~~الله تعالى وملائكته والمؤمنين بعضهم على بعض، ومعنى {عند ربهم} أي في ~~ضمانه كما يقول لفلان عبدي حق لا ينسى، والمراد أنه معد عنده كما تقول ~~الحقوق معدة مهيأة حاضرة، ونظيره قوله: {جزاؤهم عند ربهم} وذلك نهاية في ~~بيان وصوله إليها وكونهم على ثقة من ذلك. # وقيل: إن قوله: {عند ربهم} يشعر بأن ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من ~~الله وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة فوجب كونه بالشرف والعلو والرتبة ~~وذلك يدل [108] على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة حيث لا يعرف كنهه ~~إلا الله، ثم قال: {وهو وليهم بما كانوا يعملون} أي من أجل ما كانوا يعملون ~~ويطيعون فيه من الأمر والنهي ولا يعصون، ومعنى كون الله وليا لهم أي يتولى ~~إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم. # وقيل: هو وليهم أي ناصرهم على كل عدو لهم بما عملوا من الطاعات. PageV21P106 # واعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم بين بعده حال من ~~يكون بالضد من ذلك فقال: {ويوم يحشرهم جميعا} {يوم} منصوب لمحذوف؛ أي واذكر ~~يوم يجمعهم، قيل الكفار، وقيل من تقدم ذكرهم، وقيل جميع الخلق، وقيل الجن ~~والإنس؛ لأنه يتعقبه حديثهم وهو قوله: {يامعشر الجن}؛ أي ويوم نحشرهم قلنا ~~يا معشر الجن، أو ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظا عنه، ~~ثم قال: {قد استكثرتم من الإنس} الإغواء والضلال أي أضللتم منهم كثيرا ~~وجعلتموهم أتباعكم فحشر منهم معكم الجم الغفير، ويحتمل وجها آخر أن يكون ~~أراد يا معشر الجن قد استكثرتم مع الإنس من الذنوب وفعلتم مثل أفعالهم من ~~القبائح والعيوب ولكن من قامت مقام مع لأنهما من حروف الصفات. # وفي البرهان معناه قد استكثرتم من إغواء ms2617 بعضكم لبعض حتى شاكلتم الإنس في ~~إضلال بعضهم بعضا، {وقال أولياؤهم} المطيعون لهم {من الإنس ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض} أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وأسبابها وانتفع ~~الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في الإغواء، والمعشر جماعة ~~مشتق من المعاشرة. # وقيل استمتاع الإنس بالجن ما في قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس ~~يعوذون برجال من الجن}، وأن الرجل كان إذا نزل واديا خاف وقال: أعوذ برب ~~هذا الوادي، يعني به كبير الجن، واستمتاع الجن بالإنس اعتراف الإنس لهم ~~بأنهم يقدرون على الدفع عنهم وإجازتهم لهم. # قال الرازي: أما قوله: {قد استكثرتم من الإنس} فالمراد قد استكثرتم من ~~الدعاء إلى الضلال مع مصادقة القول. PageV21P107 # أما قوله: {وقال أولياؤهم من الإنس} فالأقرب أن فيه حذفا فكما قال للجن ~~تبكيتا فكذلك قال للإنس توبيخا؛ لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الإنس [109] ~~القبول، فالمشاركة حاصلة بين الفريقين فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى ~~هاهنا جواب الإنس {ربنا استمتع بعضنا ببعض} فوصفوا أنفسهم بالتوفر على ~~منافع الدنيا والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ، ثم قالوا: ~~{وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} أي الموت والمدة التي ضربتها لنا في انقضاء ~~الأجل. انتهى. # والمعنى أن ذلك الاستمتاع كان حاصلا إلى أجل معين ووقت محدود ثم جاءت ~~الخيبة والحسرة والندامة حيث لا ينفع، ثم قال: {قال}عز وجل {النار مثواكم} ~~أي المقام والمقر والمصير ثم أخبر عزوجل أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد ~~وهو قوله: {خالدين فيها}. # وأما قوله: {إلا ما شاء الله} ففيه أقوال: # قال في البرهان: وهذا الاستثناء منه في مدة العرض يوم القيامة وذلك ما ~~بين بعثهم من قبورهم إلى حين مصيرهم إلى جهنم، فكأنه قال: {النار مثواكم} ~~إلا في هذه المدة التي ذكرها فإنهم فيها غير خالدين، ويحتمل أن يكون معنى ~~الاستثناء في قوله: {إلا ما شاء الله} من تجديد جلودهم بعد احتراقها ~~وتصريفهم في أنواع العذاب وتركهم فيها على حالهم فيكون الاستثناء في صفة ~~العذاب لا في الخلود في النار. ms2618 انتهى. # وقيل: إن هذا يكون من قول الموتور الظافر بعدوه وقد طلب منه التنفيس عليه ~~أهلكني الله إن نفست عليك إلا إذا شئت، وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي ~~بغاية ما يقدر من التعنيف فيكون الاستثناء من أشد الوعيد مع استهزاء وتهكم ~~لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع. PageV21P108 # وقيل: يحتمل أن يريد تعالى إلا ما شاء من توبتهم قبل خروجهم من الدنيا ~~وموتهم، ومعنى مشيئة الله للتوبة هي أمره بالتوبة، ثم قال: {إن ربك حكيم ~~عليم} لا يفعل إلا بموجب الحكمة فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه ~~المجازاة عليم باستيجابهم الخلود فيها فكأنه تعالى يقول إنما حكمت على ~~هؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك. # وأما قوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} فمعناه نخلي حتى يتولى ~~بعضهم بعضا أي يغوي بعضهم بعضا كما فعل الشياطين مع غواة الإنس، وقوله: ~~{بما كانوا يكسبون(129)} دل على أنه لم يجبرهم على ولايتهم وذلك باكتسابهم ~~وإرادتهم. # وفي البرهان: معنى: {نولي} [110] أي نكل بعضهم إلى بعض فلا نعينهم، ومن ~~سلب معونة الله كان هالكا، وقد تكون التولية بمعنى التسليط أي التخلية من ~~التوفيق فيتعدا بعضهم على بعض ويظلم بعضهم بعضا وذلك نوع من الانتقام منهم ~~في دار الآخرة. انتهى. # والمراد أنه تعالى يخذلهم حتى يتسلط بعضهم على بعض. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ربه: ((أفني أعدائي بأعدائي ثم ~~أفنيهم بأوليائي)) {بما كانوا يكسبون} أي جزاء على أعمالهم السيئة. # قلت: ونظير هذا قوله تعالى: {فنذيق بعضكم بأس بعض}. # قال في البلغة: وجه التشبيه في {كذلك} تقديره كذلك المهل بتخلية بعضهم مع ~~بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الأعمال توليتنا إياهم بجعل بعضهم ~~يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على استحقاق. # قال الحاكم: تدل الآية على التحذير من اتباع الغواة وذلك يوجب قبح ~~التقليد؛ لأنه لا يأمن من ذلك فيه. PageV21P109 # ثم بين تعالى تمام ما يقال لهم فقال: {يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي ms2619 وينذرونكم لقاء يومكم هذا}، هذا سؤال من الله ~~سبحانه لهم في الآخرة عند مصيرهم إلى النار يقول لهم على وجه التقريع ألم ~~يأتكم رسل الله يقصون عليكم آياته ويخوفونكم لقاء ما وعدكم الله في هذا ~~اليوم، هذا استفهام، والمراد التقرير؛ أي قد أتاكم رسل منكم. # قيل: كان في الجن رسل كما كان في الإنس رسل، عن الضحاك، ومثله في ~~البرهان. # وقيل: لم يكن في الجن رسول والرسل من الإنس خاصة، ثم اختلفوا فقيل: إنما ~~قال: {منكم} لاجتماع الثقلين في الخطاب وإن كان من أحدهما ك{يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان} وهما لا يخرجان إلا من الملح. # وقيل: أراد رسل الرسل من الجن إليهم كقوله: {ولوا إلى قومهم منذرين}. # قلت: وهذا القول هو الموافق لكتاب الله عز وجل وهو الذي أجاب به المرتضى ~~عليه السلام حين قال السائل: هل كان إلى الجن رسول؟ فقال عليه السلام: أفلا ~~تسمع كيف يقول الله سبحانه في كتابه: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} فكان ~~رجوعهم إلى قومهم وإنذارهم لهم إقامة حجة عليهم، ومحمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم فكان الحجة على الثقلين، وفي هذه [111] الآية لك شفاء وكفاية، والقرآن ~~فيفسر بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض هدى للناس ومذهبا للشك والالتباس. انتهى. PageV21P110 # والمراد التنبيه على الأدلة وإزالة العلة بإرسال الرسل فلم يجدوا عند ذلك ~~إلا الاعتراف فلذلك {قالوا شهدنا على أنفسنا} إقرار بأن الحجة لازمة لهم ~~وإنما جحدوا في قوله: {والله ربنا ما كنا مشركين}؛ لأن المواطن في ذلك ~~اليوم تختلف فيقرون في بعض ويجحدون في بعض أو يريد شهادة جوارحهم حين يختم ~~على أفواههم، ثم قال تعالى: {وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين(130)} بما أنزل الله إليهم مخالفون لما أمروا به من طاعة ~~ربهم، وإنما كرر ذكر الشهادة؛ لأن الأولى حكاية لقولهم، والثانية ذم ~~وتخطئة، والمعنى أنهم يقرون يوم القيامة بأن الرسل قد أتتهم منذرين وأن ~~الحياة الدنيا غرتهم حتى صدوا ms2620 عن دين الله وصاروا كافرين فاعترفوا بذنوبهم ~~حين لم ينفع الاعتراف، والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا ~~عن الكفر والمعصية، والله أعلم. PageV21P111 # ودلت الآية على توبيخ الفريقين وإلزام الحجة عليهما، ثم قال تعالى: {ذلك أن ~~لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون(131)} موضع ذلك من الإعراب رفع؛ ~~لأن تقديره الأمر {ذلك}؛ إذ فيه إشارة إلى ما تقدم ذكره من بعثة الرسل ~~والإنذار من العقاب، وقيل موضعه نصب؛ لأن تقديره فعلت ذلك لهذا وأن مخففه ~~عن الثقيلة هاهنا، وتقدير قوله: {بظلم} هاهنا لا يهلك الله قوما بظلم منه ~~على غفلة منهم من غير تنبيه ولا تذكير فكأنه قال وما كان الله ليعذبهم من ~~غير أن يرسل إليهم رسولا، يؤكد الحجة عليهم؛ لأنه لو فعل ذلك كان ظلما، ~~والذي يشهد بصحة ذلك قوله تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى بظلم} تقديره ~~هاهنا بظلم منهم حتى نبعث رسولا يزجرهم وينكر عليهم فقال قبل إرسال الرسل ~~لا يعذبهم وإن وقع منهم ظلم، وذكر القرى وأريد بذلك أهلها كما قال تعالى: ~~{واسأل القرية} يعني أهلها، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: {وأهلها ~~غافلون} لم ينبهوا برسول ولا كتاب؛ لأنه تعالى عدل في حكمه رؤوف لعباده. PageV21P112 # قال المرتضى عليه السلام[112]: فأخبر سبحانه أنه لا يهلكهم وهم غافلون؛ لأن ~~الإهلاك لهم على غفلة من غير دعوة ظلم والله عز وجل بريء من ذلك متعال عنه ~~لا يعذب إلا من بعد الإعذار والإنذار، فإذا أرسل الله سبحانه إلى أهل القرى ~~المرسلين فدعوهم إلى الطاعة وأمروهم بأمره ونهوهم عن نهيه وأقاموا عليهم ~~الحجة وأوقفوهم على المحجة زاح عنهم بذلك الجهل والعمى وعرفوا ما أنكروا ~~وأوقفوا على ما إليه دعوا وبه أمروا فإن أبوا واستعصموا أو صدوا عن الحق ~~وأدبروا قامت الحجة عليهم ولم يكونوا حينئذ بغافلين كما دعوا إليه إذ قد ~~أوقفوا عليه فحق عليهم العذاب عند قيام الحجة كما قال سبحانه: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا}، يقول ما كان عز وجل ليأخذ قوما ms2621 على ظلم حتى يبينه ~~ويدعوهم إلى تركه ثم يأخذهم عند كراهتهم لأمره وبعدهم عنه وثباتهم على ضده ~~فعند ذلك يستوجبون من الله عز وجل البلاء. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات وأحوال أهل العقاب ~~والدركات ذكر كلاما عاما في المطيع والعاصي فقال: {ولكل درجات} أي منازل ~~{مما عملوا} من جزاء أعمالهم، وإنما سميت درجات لتفاضلها كتفاضل الدرج في ~~الارتفاع والانحطاط؛ لأن الجزاء على الأعمال متفاضل بتفاضلها، ثم قال: {وما ~~ربك بغافل عما يعملون(132)} فيه محذوف وما تقدم من الكلام يدل عليه؛ لأن ~~تقديره {ولكل} أي لكل واحد من الفريقين عامل بخير أو شر درجات، قيل درجات ~~جزاء من أجل ما عملوا، وقيل درجات في أعمالهم، والأول أن الدرجات في ~~الجزاء، والثاني أنها في نفس العمل {وما ربك} يا محمد أو أيها السامع أو ~~أيها الإنسان {بغافل} ساهي {عما يعملون}؛ أي لا يشذ عنها ولا عن مراتبها ~~شيء من عمله بل يعلمه ويجازي عليه. PageV21P113 # واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعته بين أنه المستحق للطاعة والعبادة؛ لأنه ~~الغني القادر على ما يشاء فلرحمته دعاهم إلى عبادته لينالوا به الثواب ~~الدائم، فقال سبحانه: {وربك الغني} عن العبادة من عباده {ذو الرحمة} أي ~~يترحم عليهم بالتكليف ليعرضهم بالثواب الدائم، وقيل في وجه النظم أنه عز ~~وجل لما حث على طاعته بين أنه لم يأمر بها لحاجة؛ لأنه يتعالى عن النفع ~~والضر ولكن منافعها تعود عليهم [113] بما لهم من الثواب والدرجات، عن أبي مسلم. # وقيل: لما حكى كفرهم بين أن ذلك لا يضره وطاعتهم لا تنفعه وأنه برحمته ~~تركهم مع ما هو فيه، عن الأصم. PageV21P114 # قال في البلغة: وصف الله تعالى نفسه بأنه غني وهذه الصفة ترجع إلى النفي؛ ~~لأن فائدته أنه ليس بمحتاج فإنه غني لنفسه والمحتاج إنما يحتاج إلى ما ~~ينتفع به لا إلى ما يستضر به، والنفع ترجع فائدته إلى اللذة والسرور وما ~~يؤدي إليهما؛ لأنه على طريقة واحدة لا ينتفع أحد بالشيء إلا ويكون مستلذا ~~به أو ms2622 مسرورا ولا يكون مستلذا به إلا ويكون منتفعا به، وترجع فائدة اللذة ~~إلى نيل المشتهى وإدراكه؛ لأنه لا يكون ملتذا بالشيء إلا ويكون مائلا لما ~~اشتهاه ومدركا له ولا يكون مائلا لما اشتهاه إلا وكان ملتذا به، والشهوة ~~معنى تتعلق بما إذا ناله المشتهي صح أن يصلح جسمه له ضربا من الصلاح ويزداد ~~وهذا أمر معقول، فإذا لم يكن الله تعالى جسما لم تجز عليه الشهوة، وإذا لم ~~تجز الشهوة لم تجز اللذة، وإذا لم تجز اللذة لم يجز النفع، وإذا لم يجز ~~النفع لم تجز الحاجة، وإذا لم تجز الحاجة كان غنيا، فبين الله تعالى في هذه ~~الآية أنه غني ومنعم على خلقه؛ لأن الرحمة هي النعمة، ثم قال عز وجل: {إن ~~يشأ يذهبكم} أي يهلكم أيها العصاة {ويستخلف من بعدكم ما يشاء} من الخلق ~~المطيع لما بين أنه تعالى غني بين أنه قادر على أن يذهب هؤلاء ويأت بقوم ~~آخرين بعدهم، ثم بين علة قدرته على ذلك فقال: {كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين(133)} ففي هذا بيان أنه قادر على ما في المعلوم له، كأنه قال: هو ~~يقدر على خلق قوم أطوع منكم ومع هذا اختاركم فلا تهلكوا أنفسكم، ثم قال ~~تعالى: {إن ما توعدون} من العذاب {لات} وقيل من مجيء الساعة؛ لأنهم كانوا ~~ينكرون النشأة الثانية {وما أنتم بمعجزين(134)} فقال أعجزه الشيء إذا فاته، ~~وموضع ما من الإعراب نصب، فكأنه قيل إن الذي توعدون لآت لا محالة، وموضع ~~{لآت} رفع؛ لأنه خبر إن، والذي يتوهم الفوت قيل هو عابد الوثن، وقيل المراد ~~به أنهم يعملون عمله من كأنه PageV21P115 يفوته العقاب، وقيل هو تهديد وإن لم يقله أحد. # واعلم أنه تعالى لما بين بقوله: {إنما توعدون لآت} أمر رسوله من بعده أن ~~يهدد من ينكر البعث من الكفار [114] فقال: {قل ياقوم اعملوا على مكانتكم} ~~أي على أقصى تمكنكم من أمركم أي من جهتكم التي أنتم فيها، فقال للرجل إذا ~~أمر أن يثبت على حاله على مكانتك أي اثبت ms2623 على ما أنت عليه لا تنحرف، أي ~~اثبتوا على كفركم واعملوا على مكانتكم {إني عامل} على مكانتي أي فإني ثابت ~~على الإسلام وعلى مصابرتكم {فسوف تعلمون} الحق من الباطل {من تكون له عاقبة ~~الدار} أي العاقبة المحمودة بالفوز والنجاة يعني تعلمون ثواب الآخرىة ~~بالإيمان وعقابها بالكفر والعصيان، وقيل بالفتح والنصر في الدنيا وهذا من ~~أعظم التهديد وأصعبه وليس بأمر؛ لأن الله لا يأمر بالكفر والفحشاء، وجاء ~~التهديد على صيغة الأمر لشدة التحذير، ثم قال تعالى: {إنه لا يفلح ~~الظالمون(135)} أي لا يظفرون بعاقبة الدار ولا بشيء من مرادهم وموضع {من} ~~رفع على معنى أينا تكون له عاقبة الدار الآخرة أنحن أم أنتم، وقيل موضعه ~~نصب على معنى الذي وأعمال العلم فيه. PageV21P116 # ولما بين تعالى قبيح طريقتهم في إنكار البعث والقيامة عاد الكلام إلى حجاج ~~المشركين وبيان قبيح اعتقادهم وسوء فعالهم ومقالهم فذكر أنواعا من جهالاتهم ~~تنبيها على ضعف عقولهم وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم فقال ~~سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} الإبل ~~والبقر والغنم {نصيبا} فقال سبحانه: {وجعلوا} يعني كفار مكة ومن تقدم ذكرهم ~~من المشركين، والجعل هاهنا بمعنى الوصف والحكم والتسمية لله، ومعنى {ذرأ} ~~خلق، وأصل الذرء الطهور، والحرث الزرع هاهنا، ويقال الحرث أرض الزرع ومنه ~~قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} فهؤلاء عبدة الأوثان جعلوا للأوثان نصيبا من ~~مالهم ينفقونه عليها ويجعلون لله نصيبا {فقالوا هذا لله بزعمهم} أي قد ~~زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك التسمية التي هي من ~~الشرك {وهذا لشركائنا} يعنون آلهتهم، وسميت شركا حيث جعلوا لها نصيبا من ~~العبادة والأموال وذلك أنهم كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله تعالى ~~وأشياء منها لآلهتهم وما نمى مما هو لها تركوه لها محبة [115] وإيثارا لها، ~~وقوله: {مما ذرأ} فيه أن الله كان أولى بمن يجعل له الزاكي؛ لأنه الذي ذرأه ~~وزكاه ولا يرد إلى ما لا يقدر على ذرء وتزكية. # قوله تعالى: {فما كان ms2624 لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم} فيه ثلاثة أقوال: # أولها: إذا اختلط شيء مما فعلوه لأوثانهم بما جعلوه لله ردوه، وإن اختلط ~~شيء مما جعلوه لله بما جعلوه لأوثانهم لم يردوه، عن ابن عباس وقتادة. # وقيل: كانوا إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله ولا يفعلوا مثل ~~ذلك فيما لله عن الحسن والسدي. # وقيل: كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله على أوثانهم ولا يفعلون ذلك فيما ~~جعلوه للأوثان، عن أبي علي. PageV21P117 # ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل فقال: {ساء ما يحكمون(136)} أي بئس الحكم حكمهم، ~~وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوها كثيرة: # الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله عز وجل ~~وهو سفه. # والثاني أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى ~~الخالق للجميع وهذا سفه أي ذلك الحكم أحدثوه من قبل أنفسهم ولم يشهد به عقل ~~ولا شرع فكان أيضا سفها. # الثالث أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها أيضا ~~على الانتفاع بذلك النصيب فكان إقرار النصيب عبثا، فثبت بهذه الوجوه أنه ~~ساء ما يحكمون. # والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة أن يعرف الناس قلة عقول ~~القائلين بهذه المذاهب وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء وأن ~~يلتفت إلى كلامهم البتة. # دلت الآية على بطلان قول المجبرة فيما ذهبوا إليه من خلق الأفعال؛ لأن ~~الله أخبر أنهم جعلوا ذلك وقالوه من ذات أنفسهم وأنه فعلهم وليس بخلق الله ~~ولا بحكم لاستحالة أن يخلق ثم يعيب خلقه أو يحكم ثم يقول ساء ما يحكمون، ~~ودلت على بطلان التقليد؛ لأنهم فعلوا ذلك تقليدا. # ثم بين تعالى خصلة من خصالهم القبيحة مضموما إلى سائر ما تقدم فقال ~~سبحانه: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم}. PageV21P118 # اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة [116] ومذاهبهم الباطلة، ~~وقوله: {وكذلك} عطف على قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ} أي وكذلك كما جعل أولئك ms2625 ~~ما ليس لهم جعله كذلك جعل تزين هؤلاء ما ليس لهم يزينهم؛ لأنهم كانوا ~~يزينون القبيح والفاسد فأضاف الله تعالى تزيين قتل الأولاد إلى الغواة ~~الذين هم شركاؤهم، فدل ذلك على بطلان قول المجبرة أن الله زينه؛ وأن من قال ~~ذلك كذب على الله، والمراد بشركائهم الذين زينوا لهم وأد البنات خوفا من ~~الفقر والعار، وقيل: هم قوم كانوا يحدثون الأوثان، وقيل هم الغواة من الناس. # قال في البرهان: وفي الذي زينوه لهم قولان: # أحدهما أن الرجل في الجاهلية كان يحلف إن ولد له كذا غلاما أن يذبح أحدهم ~~كما حلف عبد المطلب في ذبح ابنه عبد الله. # والثاني أنه وأد البنات أحياء خيفة الفقر. انتهى. # قيل: كان السبب في ذلك أن النعمان أغار على قوم وسبوا نساءهم وكانت فيهم ~~بنت قيس بن عاصم ثم اصطلحوا فأردأة كل امرأة عشيرتها غير ابنة قيس فإنها ~~أرادت من سباها فحلف قيس لا تولد له بنت إلا وأدها، فصار ذلك سبة فيما ~~بينهم، وفي ذلك نزل قوله: {وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت}، ثم قال تعالى: ~~{ليردوهم} أي يهلكوهم بالإغواء {وليلبسوا عليهم دينهم} أي يخلطوا، وقيل: ~~ليوقعوهم في دين ملتبس. # قال في البلغة: الإرداء الإهلاك واللبس الخلط، فمن ذهب إلى أن الذين ~~زينوا للمشكرين قتل أولادهم لم يكونوا معاندين حمل لام {ليردوهم} على معنى ~~العاقبة؛ أي زينوا ذلك بالغرور والأماني الكاذبة فكان عاقبة ذلك الهلاك، ~~وقد تقدم بيان ذلك في غير موضع. # ومن قال قد كان في جملة أولئك الشركاء معاندين لقصد الضلال حمل لام ~~{ليردوهم} على معنى لام كي، وحمل الكلام على التغليب، ومعناه هؤلاء ~~المعاندين الذين علموا ما يفعلونه باطل زينوا لهم قتل أولادهم ليهلكوا بذلك ~~ويخلطوا عليهم دينهم. PageV21P119 # قال الحاكم: معناه ليخلطوا ويموهوا عليهم الدين وكانوا على دين إبراهيم ~~وإسماعيل، ثم رجعوا عنه وخلطوا وكفروا، وقيل دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه ~~وهو دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما قوله تعالى: {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما ms2626 [117]يفترون(137)} ~~فمعناه ولو شاء الله أن يمنعهم من ذلك قسرا وجبرا لما فعلوه ولكن خلاهم ~~وفعلهم إتماما للابتلاء والتكليف. # وقيل: لو شاء لأهلكم ومثل بهم ولكن أمهلهم ليطلبوا الحق ويعرفوه فيتبعوه ~~عن الأصم، ومعنى فذرهم تهديد ووعيد أي دعهم واتركهم واترك عملهم؛ لأن العرب ~~إذا توعدوا بعض أعدائهم قالوا ذره ودعه فنحن نعاقبه ولو طال الزمان، وفيه ~~دليل على أن المشية هاهنا مشية المنع جبرا فدل أول الآية وآخرها على ذلك، ~~فكأن الله تعالى قال لو جاز منعهم قسرا في الحكمة لفعل الله ذلك، فإذا لم ~~يجز في الحكمة فعله قدرهم فإن الله يكافيهم ويعاقبهم على ما يفعلونه من ~~الافتراء على الله، فدل هذا على أن الفرية من قبل العباد وفعلهم وأنهم ~~بإضافة ذلك إلى الله كاذبون، وعند المجبرة أنه من جهته تعالى الله عما ~~يفترون. # ثم حكي عنهم عقيدة أخرى فقال سبحانه: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر}. # اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة فقالوا يعني المشركين {هذه ~~أنعام} مواشي وهي الإبل والبقر والغنم، والحرث المراد به هاهنا الزرع الذي ~~جعلوه لأوثانهم، والحجر الحرام، قال الشاعر: # فبت مرتقبا والعين ساهرة # كأن نومي على الليل محجور # وكانوا جعلوا تلك الأنعام والزرع لخدام الأوثان دون غيرهم وهو معنى قوله ~~حكاية عنهم: {لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} يعنون خدم الأوثان والرجال دون ~~النساء فممنوعات، وقيل: جعلوها للقربان لها، وقولهم هذا علة في الجهل؛ لأنه ~~لو كان شرعا لما تعلق بمشيئتهم، وبين تعالى أن هذا حكموا به بزعمهم من غير دليل. PageV21P120 # وأما قوله: {وأنعام حرمت ظهورها} فقيل هو الحام إذا ركب ولد ولده فالواحمي ~~ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه، وقيل هي السائبة والبحيرة والحام، عن الحسن ~~ومجاهد وأبي علي، {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} في الذبح، وإنما ~~يذكرون أسماء الأصنام. # وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها، والمعنى أنهم قسموا أنعامهم ~~فقالوا هذه أنعام حجر وهذه أنعام [118] محرمة الظهور وهذه أنعام لا يذكرون ~~عليها اسم الله، فجعلوها أجناسا ms2627 بهوائهم ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله ~~{افتراء عليه} أي فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء وهو تعمد الكذب لا الخطأ ~~يعني أن إضافتهم إلى الله ذلك هو الافتراء على الله عز وجل وذكرهم أسماء ~~أبائهم بدلا من اسم الله عز وجل هو الافتراء عليه وحكموا بحكم افتروا بذلك ~~على الله تعالى فلحقهم العيب والتوبيخ بتحريم ظهور الأنعام؛ لأنهم حرموا ~~ذلك من ذات أنفسهم على صفة مخصوصة وزعموا أن الله حرمها على ذلك الوجه ~~وكانوا كاذبين في ذلك مفترين على الله به ولحقهم التوبيخ بأكل لحومها بعد ~~ذبحها؛ لأنهم ادعوا بأن ما فعلوه هو التذكية وكانوا مفترين على الله به، ~~وانتصب افتراء على معنى ما قالوه افتراء على الله، وقيل على معنى لا يذكرون ~~اسم الله افتراء عليه، فكأنه قيل افتروا بتركهم التسمية التي أضافوها إلى ~~الله بانه أمرهم بذلك افتراء، ثم قال تعالى: {سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون(138)} أي يكذبون على الله، المعنى أن الله يجازيهم على ذلك بما ~~استحقوه من العذاب على الافتراء، والمقصود منه الوعيد. # ثم حكى عنهم نوعا رابعا وحكما آخر لم يشرعه الله لهم ذما لهم وتهجينا ~~لفعلهم فقال سبحانه: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا}. PageV21P121 # قال في البرهان: والذي في البطون أرادوا به الأجنة والألبان وجعلوا ذلك ~~لذكورهم دون الإناث وأزواجهم وإنما جعلوا ذلك لأن الذكران كانوا يخدمون ~~الأوثان ففضلوا بذلك للخدمة والذكورة. انتهى. # فتوجه التوبيخ عليهم من وجوه منها ذبحهم الأنعام بغير إذن من الله، ومنها ~~أكلهم لحومها على ادعاء التذكية افتراء على الله في ذلك، ومنها تحليلهم ذلك ~~للذكور وتحريمهم إياه على الإناث تفرقة بين ما لا يفترق إلا بحكم الله. # قال في الكشاف: .... خالصة للحمل على المعنى؛ لأن ما في معنى الأجنة وذكر ~~محرم للحمل على اللفظ ونظيره {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك} ~~ويجوز أن يكون التاء للمبالغة مثلها في رواية الشعر وأن يكون مصدرا وقع ~~موقع الخالص كالعافية أي ذوا خالصة، ويدل عليه ms2628 قراءة من قرأ {خالصة}[119] ~~بالنصب على أن قوله: {لذكورنا} هو الخبر وخالصة مصدر مؤكد ولا يجوز أن يكون ~~حالا متقدمة؛ لأن المجرور لا يتقدم عليه حاله وكانوا يقولون في أجنة ~~البحائر والسوائب ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور لا تأكل منه الإناث وما ~~ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث وهو معنى قوله: {وإن يكن ميتة فهم فيه ~~شركاء} معناه وهؤلاء كانوا يشركون في أكل الميتة ويحكمون هذا الحكم فيها، ~~ثم توعدهم عز وجل فقال: {سيجزيهم وصفهم} أي جزاء وصفهم الكذب على الله في ~~التحليل والتحريم من قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام} ومن الحكمة أنه يجازي كل إنسان بعمله أساء أو أحسن، وهو ~~على تقدير سيجزيهم بوصفهم فلما حذف الحرف انتصب فكأنه قيل سيجزيهم للعقاب ~~بوصفهم، وقيل سيجزيهم جزاء وصفهم {إنه حكيم} في أحكامه وأفعاله {عليم(139)} ~~بما قالوا وفعلوا أو حكيم في التحليل والتحريم عليم بعقوبة من يعاند ~~الحكيم. PageV21P122 # ثم جمع تعالى بين الفريقين الذين تقدم ذكرهما أحدهما الذين قتلوا الأولاد ~~والثاني الذين حرموا الحلال وبين ما هما عليه من الضلال فقال سبحانه: {قد ~~خسر الذين قتلوا أولادهم سفها} أي جهلا لخفة أحلامهم، وقوله: {بغير علم} ~~تأكيد لجهلهم بأن الله رازق أولادهم {وحرموا ما رزقهم الله} من البحاير ~~وغيرها {افتراء على الله} بالشرايع التي شرعوها والمذاهب القبيحة التي ~~ابتدعوها فكل ما حكى الله عز وجل بدع وشرائع كانت للمشركين فبين الله تعالى ~~مخبرا عن حالتهم أنهم {قد ضلوا} بذلك الدين {وما كانوا مهتدين(140)} لما ~~شرع الله وهو تأكيد لضلالهم، وقيل لأنه قد يضل عن أشياء لا يكون مذموما بما ~~يقوله {وما كانوا مهتدين} ذما لأنه لا يحتمل غير ذلك، وقيل: ما كانوا ~~بعبادتهم مهتدين؛ لأنهم وإن قصدوا به العبادة فلن يتقبل عنهم، وقيل ضلوا في ~~هذا وما كانوا مهتدين قبل ذلك في شيء. # دلت الآية على ما حرموا وقتلوا ليس بخلق الله إذ لو كان خلقا له لما نفى ~~عن نفسه بقوله: {إنهم ms2629 يفترون على الله الكذب} بإضافة ذلك إليهم وأي إضافة ~~أعظم من خلقه. # ودلت على أنه لا يعاقب الطفل [120] لأنه ذمهم على قتله بغير جرم فكيف ~~يجوز أن يعاقبه عذاب الا.... # ودلت على أن القتل ليس بخلق له بل هو فعلهم لأنه ذكر أنه سفه وعندهم أن ~~ذلك القتل حكمة فوجب أن يكون هو السفيه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ~~وكذلك قوله: {ضلوا} يدل عليه. PageV21P123 # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم جعل بعض الأشياء للأوثان بين أنه الخالق ~~لجميع الأشياء فلا يجو إضافة شيء إلى الأوثان ولا تحليل ولا تحريم إلا ~~بإذنه فقال عز وجل: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} قيل في وجه ~~اتصال الآية بما قبلها أنه عطف على قوله: {وربك الغني ذو الرحمة} وعلى ما ~~تقدم من أوصاف الله والثناء عليه وذكر أدلة توحيده ونعمه على خلقه وإحسانه ~~إليهم، عن أبي مسلم، فكأنه ذكر ذلك ثم اعترض بالرد على من عدل عنه إلى ~~غيره، ثم عاد إلى ذكر توحيده وعد نعمه. # قال المرتضى عليه السلام: معنى {أنشأ} فهو خلق وجعل هذه الجنات التي ~~ذكرهن سبحانه فالمعروش منها ما كان مثل العنب بعرش تحته ويرفع فقال سبحانه ~~إن مما خلقنا من هذه الجنات ما هو معروش فدل عليه بعينه والعنب فلا ينتصب ~~باسقا في السماء وإنما يذهب على الأرض ينبسطا، فلما أن كان كذلك لم يكن له ~~بد من العرش والرفع من الأرض وإلا فسد حمله وتغير أكله {وغير معروشات} فهو ~~ما كان من الأشجار مثل النخل والرمان وما أشبه ذلك مما ينتصب ولا يعرش تحته ~~كل ذلك خلق الله سبحانه وإقامة حجة منه على عباده ونعمه وتفضل على بريته ~~وإنعام عليهم ليشكروه ويذكروا آلاءه ويحمدوه وقليل من عباده كما قال سبحانه ~~الشكور. انتهى. # وهذا التعريش وإن كان من فعل العباد فإنما حسن إضافته إلى الله تعالى؛ ~~لأن الله هو الذي ينبتها حتى يعرشوها وهو الذي يعطيهم جميع ما به يتمكنون ~~من تعريشها. PageV21P124 # وقيل: المعروشات ما عرشه ms2630 الناس، وغير المعروشات ما أنبته الله في البراري ~~من الثمار والأشجار، ثم قال عز وجل: {والنخل والزرع} فسر ابن عباس الزرع ~~هاهنا بجميع الحبوب التي يقتات، ومعنى {مختلفا أكله} أي ثمره الذي يؤكل ~~مختلفا في الطعم والحجم [121] والرائحة، والضمير للنخل والزرع داخل في ~~حكمه؛ لأنه معطوف عليه، والمعنى مجموع ذلك مختلفا أكله، وقيل بعضه حلو ~~وبعضه حامض وبعضه مر وغير ذلك، قرئ {أكله} بضم الكاف وسكونها وانتصب ~~{مختلفا} على الحال أي أنشاه في حال اختلاف أكله وإن كان يوجد بعد ذلك ~~بزمان لأنه على نحو قول القائل مقدرا للصيد به غدا، وقيل يجوز انتصابه على ~~أن يكون معنى أكله ثمره الذي يصلح أن يؤكل منه ذكره في البلغة، ثم قال ~~سبحانه: {والزيتون والرمان متشابهاوغير متشابه} خصهما بالذكر لما فيهما من ~~عجيب القدرة أي وخلق الزيتون والرمان منها ما يشبه بعضه بعضا في اللون ~~والطعم ومنها ما يختلف، الزيتون قيل هو مثل شجر الفرسك وكذا ورقه ولكن فيه ~~عبرة وهو يشبه أول ثمرة الفرسك فيه طول كراس الإبهام ويقصر الحبة بما فيها ~~من العجم وغيره ويستأدم به كالسليط، قيل: وقد تؤكل قشرة الحبة إذا عظم ~~نضاجه واسود ويمضى به الطعام كما يمضى بالبقول، ثم قال تعالى: {كلوا من ~~ثمره إذا أثمر} هذا أمر إباحة وإن كان لفظ الأمر وقد علم أنه لا يؤكل ما لم ~~يثمر لكن جاء بإذا أثمر ليعلم أن وقت الإياحة وقت طلوع الثمر فلا يتوهم أنه ~~لا يباح إلا إذا أدرك. # فإن قيل: إذا كان ذلك مباحا في العقل فلم أباح؟ # قيل له: ورد الشرع مؤكدا، وقيل: إباحة أكله قبل إخراج العشر؛ لأنه كان ~~يجوز أن .... تحريمه ما لم يخرج العشر، ثم أوجب العشر في الباقي فقال: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} هذا أمر، واختلف في أمر الحق هاهنا، فقال في البرهان ~~هو الصدقة المفروضة. PageV21P125 # قال في البلغة: ذهب كثير من العلماء إلى أنه الزكاة العشر ونصف العشر، وروي ~~عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: ليس ms2631 هذا من الزكاة المفروضة وإنما ~~هو من جملة المندوبات فتعطي المساكين يوم الحصاد ما تيسر لك حتى الكف ~~الواحد تعطيها. # قلت: وحكى هذا في البرهان أن الآية تحتمل أن يكون مصروفة إلى وجه التطوع ~~وهو إطعام وترك ما تساقط من الثمر والزرع. # وقيل: كانوا يعلقون العذق عند الصرام فيأكل [122] منه من مر به، وذهب بعض ~~العلماء إلى أن الآية منسوخة بالعشر ونصف العشر، قالوا: وكان هذا الحق ~~واجبا قبل آية الزكاة وهي آي آية الزكاة مدنية ناسخة لها؛ لأن هذه مكية ~~والزكاة إنما فرضت بالمدينة. # قيل في الجواب: لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة بمكة، وقيل أيضا {وآتوا ~~حقه} مدنية. # قال صاحب البلغة: وقال الذين هم على طريقة آل الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ليست بمنسوخة لأن إيجاب العشر لا يرفع الحق المندوب إليه. انتهى. # والأصح هو القول الأول، والدليل عليه أن قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} وإنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه الآية لأن لا ~~تبقى هذه الآية مجملة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس في المال حق ~~سوى الزكاة))، فوجب أن يكون المراد بهذا الحق هو الزكاة. # يزيد هذا وضوحا جواب المرتضى عليه السلام عن من سأله عن هذا الحق في هذه ~~الآية فقال: حقه فهو زكاته وما حعل الله سبحانه فيه لضعفة عباده. # وقلت: هل يجب الزكاة في قليله وكثيره؟ # واعلم أن الزكاة قد جعل الله لها حدا فإذا بلغ شيء مما تخرجه الأرض ذلك ~~الحد فقد وجبت فيه الزكاة وإذا نقص عنه فلا زكاة فيه. # وقلت: أرأيت ما أكل منه وانتفع به قبل حصاده هل يجب فيه الزكاة؟ PageV21P126 # كل ما قطع أو أكل أو انتفع به في أكثر الأخذ منه ففيه زكاة واجبة في أصله ~~وما كان مما يأكل الداخل للضيعة والطايف بها فقد رخص في ذلك والحيطة في ~~الدين أصلح، واحتجوا في ترخيصهم بقوله سبحانه: {كلوا من ثمره إذا أثمر ~~وآتوا حقه يوم حصاده} فجعلوا ms2632 ذلك لهم حجة فصاروا يحملونه ويقطعونه ويأكلونه ~~من قبل حصاده حتى يذهبوا منه بأكثر من ربعه وثلثه ثم يزعمون أن لا زكاة فيه ~~ويقولون إنما تجب عليك الزكاة فيه عند حصاده وهذا قول فاسد مدخول، وقد يخرج ~~تفسير الآية {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} أن تأكلوا الثمر ~~وتؤدوا الحق الذي فيه فكان منه عز وجل رحمة لهم وإنظارا بما يجب عليهم فيه ~~ولو حظره عز وجل عليهم حتى يحصدوه لأضر بهم ولأتعبهم ولكن أطلق لهم سبحانه ~~أكله وأمرهم بتأدية ما يجب في أوله وآخره عند كماله. انتهى. # ثم قال تعالى: {ولا تسرفوا}[123]أي لا تجاوزوا الحد وفيه أقوال: # الأول أنه خطاب لأرباب الأموال، ثم اختلفوا، فقيل كانوا يعطون شيئا سوى ~~الزكاة يسرفون فيه، عن أبي العالية وابن جريج. # وقيل: لا يقصروا والتقصير سرف، وقيل لا تسرفوا في الأكل قبل الحصاد كي لا ~~يؤدي إلى بخس حق الفقراء عن أبي مسلم. # وقيل: لا تسرفوا بأن تضعوه في غير موضعه ومحله، وقيل: لا تنفقوا في ~~المعصية، عن الزهري. # وقيل: لا تمنعوه عن مستحقه، عن سعيد بن المسيب. # وقيل: لا تسرفوا إذا كان وراءكم محتاجين، وقيل لا تشركوا الأوثان فيه، عن ~~مقاتل وعطية العوفي. # الثاني: أنه خطاب للسلطان عن أبي زيد؛ أي لا تأخذ بغير حق ولا تأخذ ما ~~يجحف بأرباب الأموال. # وقيل: لا تسرف بوضعه في غير موضعه ومنعه المستحق. PageV21P127 # الثالث: أنه خطاب للجميع بأن لا يسرف رب المال في الإعطاء ولا الإمام في ~~الأخذ وصرفه في غير مصارفه، ثم قال سبحانه: {إنه لا يحب المسرفين(141)} في ~~الصدقة وغيرها يعني لا يريد تعظيمهم وثوابهم. # قال في البرهان: والإسراف أخذ ما لا يجب فيها أو منع الواجب منها، والآية ~~قد خوطب بها المخرج والقابض. # واعلم أنه تعالى لما بين كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية بين ~~عظيم نعمته وقدرته بالمنافع الحيوانية عطفا على ما بين من أمر الزرع والثمر ~~فقال سبحانه: {ومن الأنعام حمولة وفرشا} أي وأنشأ لكم من الأنعام ms2633 الثمانية حمولة. # قال في البلغة: الحمولة الكبار من الإبل، والفرش الصغار، ومثله في ~~البرهان. # وقيل: الحمولة له ما حمل من الإبل والبقر والفرش الغنم، قال الشاعر: # وحوينا الفرش من أنعامكم # والحمولات وربات الحجل # وقيل: الحمولة ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش ~~الغنم كان القائل به ذهب إلى أن ذوات الحافر تدخل في الأنعام على التبع. # وقيل: أنشأ لكم من الأنعام ما تنتفعون به في الحمل وما تفترشونه للذبح، ~~ومعنى الإفتراش الاضطجاع للنحر وهذا كقوله: {فإذا وجبت جنوبها} عن أبي ~~مسلم، وتوقف في أن العرب تسمي صغار النعم الفرش. # وعن ابن زيد: الفرش [124] ما يحلب ويؤكل ويتخذ صوفها ولبنها. # وقيل: الفرش ما يفرشون من أصوافها وأوبارها ويبسط، عن أبي علي حكاه ~~القاضي، وقد شنع بعضهم على أبي علي حيث تأول الفرش على ذلك وهو أنه إنما ~~تأوله على ذلك لما توقف فيه أبو مسلم وذكر أن الذي يفترش للذبح وذلك غير ~~ظاهر في اللغة. PageV21P128 # قال الحاكم: والأحسن ما تأوله عليه أبو علي؛ لأنه بين أنه أنشأ من الأنعام ~~ما ينتفع به في الحمل وينتفع به في الفرش والبسط فيحتمل أنه سمي فرشا لما ~~يتخذ من صوفه من الفرش كما سمى حمولة لما يحمل عليه، ثم قال تعالى: {كلوا ~~مما رزقكم الله} يريد ما أحله لكم وأعطاكم الله ولا تحرموها كفعل أهل ~~الجاهلية في الحرث والأنعام. # قيل: والمراد نفس الأكل فيكون هذا أمر إباحة للأكل وليس بأمر؛ لأن الله ~~لا يأمر بالمباحات في حال التكليف. # وقيل: معنى {كلوا} أي استحلوا أكلها فعلى هذا هو أمر، ثم قال سبحالنه: ~~{ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين(142)} أي بين العداوة، نهى ~~الله عباده عن اتباع خطوات الشيطان أي في التحليل والتحريم من عند أنفسهم ~~كما فعل أهل الجاهلية وبين أنه عدو لهم ظاهر العداوة. # وقيل: خطواته طرقه فهو لا يسعى إلا في العصيان. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: والخطوات مثل مضروب يراد به لا ~~تفعلوا مثل فعله، والخطوات بالتخفيف ms2634 هي جماعة خطوة من الخطا وليست بجماعة ~~الخطية فاعلم ذلك. انتهى. # ثم رجع عز وجل إلى تبكيت المشركين وتوقيفهم على بدعهم وما افتروا على ~~الله من شرايعهم وشنعهم فقال عز وجل: {ثمانية أزواج} أي ثمانية أصناف، وعطف ~~ذلك فنصب ثمانية نسقا على قوله: {حمولة وفرشا} بالعطف على قوله: {وهو الذي ~~أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} وإنما أراد التوقيف لهم بقوله عز وجل: ~~{ثمانية أزواج}. PageV21P129 # وفي الكشاف: هو بدل من حمولة واثنين بدل من ثمانية إن جوزنا للبدل بدلا ~~وإلا فهو بدل من حمولة، والمراد الذكر والأنثى كالجمل والناقة والثور [125] ~~والبقرة والكبش والنعجة والتيس والعنز والواحد إذا كان وحده فهو فرد فإذا ~~كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجا وهما زوجان بدليل قوله: {خلق ~~الزوجين الذكر والأنثى} والدليل عليه قوله: {ثمانية أزواج}. انتهى. # ثم فسرها بقوله: {من الضأن اثنين} كبش ونعجة {ومن المعز اثنين} تيس وعنز ~~ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، ونحو تسميتهم الفرد بالزوج شرط أن يكون ~~معه آخر من جنسه تسميتهم الزجاجة كأسا بشرط أن يكون فيهما خمر، والضأن ~~والمعز جمع ضاين وماعز كتاجر وتجر، وأما انتصاب {اثنين} فلأن تقدير الآية ~~أنشأنا ثمانية أزواج أنشأنا من الضأن اثنين ومن المعز اثنين. # وقوله: {قل أالذكرين حرم أم الأنثيين} نصب الذكرين بقوله: {حرم} ~~والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله، والمراد بالذكر ذكر ~~الضأن وذكر المعز والأنثيين أنثى الضأن والمعز، والهمزة للإنكار وإن جعله ~~شبهة الاستفهام فمعناه وحقيقته معنى التقريع والتبكيت والتوقيف على ما ~~ابتدعوه من الحلال والحرام كالبحيرة والسايبة والوصيلة والحام. PageV21P130 # قال المفسرون: إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام، ~~فاحتج الله على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل ~~واحد من هذه الأربعة زوجين ذكرا وأنثى ثم قال: إن كان حرم منها الذكر وجب ~~أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم منها الأنثى وجب أن يكون كل إناثها ~~حراما، ثم قال عز وجل: {أما اشتملت ms2635 عليه أرحام الأنثيين} معناه أمر حرم ما ~~في أرحام الأنثيين من الشاء والمعز من أولادهما؛ لأنهم كانوا يحرمون ذكور ~~الأنعام تارة وإناثها تارة وأولادها كيف ما كانت ذكورا أو إناثا أو مختلطة ~~تارة، ويقولون قد حرمها الله وهو إبطال لقولهم {ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} وما معنى الذي ولكن أم أطعمت في ما وجعل ~~بدلها التشديد في ما. # وأما قوله تعالى: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين(143)} فمعناه أخبروني بعلم ~~يقين وبحجة معلومة من جهة الله تدل على تحريم ما حرمتم ولا تخبروني بالبدع ~~والظنون وبينوا دعواكم إن كنتم في إخباركم بصحته صادقين في التحليل ~~والتحريم وهذا [126] أمر أمر به نبيئه صلى الله عليه وآله وسلم فجادلهم في ~~بدعهم وأخزاهم بذلك وفضحهم والغرض فيه إذا لم يكن لكم حجة ولم تكونوا ~~صادقين فاعلموا أنكم في ضلال مبين، ثم قال سبحانه: {ومن الإبل اثنين} جمل ~~وناقة {ومن البقر اثنين} ثور وبقرة {قل أالذكرين حرم} ذكر الإبل والبقر أي ~~الجمل والثور {أم الأنثيين} أنثى الإبل والبقر أي الناقة والبقرة، عرفهم ~~الله تعالى في الإبل والبقر مثل ما عرفهم في الشاء والمعز موبخا لهم ومنكرا ~~عليهم ما فعلوه. # قال في البرهان: يريد به ما أورده في الضأن والمعز وأن هذه الأزواج ~~الثمانية أزواج كلها حلال لا يحرم منها شيء بتحريمكم. PageV21P131 # وروينا عن أبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه أتاه عوف بن مالك ~~فقال له: أحللت ما حرمه آباؤنا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأنزل ~~الله هذه الآية {قل أالذكرين حرم أم الأنثيين} فسكت عوف لظهور الحجة عليه. انتهى. # ثم قال تعالى: {أم كنتم شهداء} حضورا {إذ وصاكم الله بهذا} أي أمركم به ~~وحرمه حتى تضيفوه إليه وهذا أيضا على وجه الذم والتوبيخ والهمزة للإنكار أي ~~بل أكنتم شهداء أي أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم، وذكر المشاهدة ~~على مذهبهم لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون إن الله حرم هذا وهو ~~على طريقة قوله: عغ ms2636 # ولا ترى الضب بها ينحجر # وقيل: إنما قال {شهداء} لأن طريق العلم هو الدليل والمشاهدة وإذا لم يكن ~~أحد هذين الأمرين بان سقوط المذهب. # وحاصل الكلام من هذه الآية أنه وارد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، ~~بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من ~~الأنبياء ولا تقرون بشريعة شارع فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة بأن هذا ~~يحل وأن ذلك يحرم. # ولما بين ذلك قال: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي لا أظلم منه ~~حيث نسب إليه تحريم ما لم يحرم {ليضل الناس بغير علم} أي بغير شريعة أي ~~ليذهب بالناس عن طريق الحق لشبهة لا بحجة، وقيل: ليضل الناس عما أمر الله ~~به ونهى عنه، عن ابن عباس [127] قال يريد عمرو بن لحي؛ لأنه هو الذي غير ~~شريعة إسماعيل والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك؛ لأن اللفظ ~~عام والعلة الموجبة لهذا الحكم موجبة عامة، والتخصيص تحكم محض، ثم قال: {إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين(144)} أي لا يحكم بهدايتهم أو لا يسميهم به، ~~وقيل: لا يثيبهم ولا يهديهم إلى الجنة، عن أبي مسلم، أو لا ينور قلوبهم ~~بالإلطاف لعدم قبولهم اللطف. PageV21P132 # ولما تقدم ذكر ما حرمه المشركون افتراء على الله أمر رسوله أن يبين لهم ~~المحرمات فقال سبحانه: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} سائلا كالدم في العروق لا الكبد والطحال فيهما ~~جامدان وقد رخص في دم العروق بعد الذبح، وقوله: {لا أجد في ما أوحي إلي} ~~تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله وشرعه لا بهوى النفس، ثم قال: ~~{أو لحم خنزير} هو شيء في الشام كولد الأتان والشحم تابع اللحم {فإنه رجس} ~~أي نجس وقذر ودنس أي هو حرام، فبين لهم أن الذي حرمه الله هو ما نطقت الآية ~~به وأن الذي حرموه ليس من ذلك، وقوله: {أو فسقا أهل لغير الله به} ms2637 عطف على ~~ميتة، والفسق هو الخروج عن طاعة الله سمي ما أهل به لغير الله فسقا لتوغله ~~في باب الفسق، ويجوز أن يكون مفعولا له من أهل به أي أهل لغير الله به فسقا ~~وأهل صفة لفسقا أي رفع الصوت به لغير الله كقولهم عند الذبح باسم اللات، ~~والإهلال رفع الصوت. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد عز وجل أنه لا يحل لأحد أن يهل ~~ولا يتكلم بغير ذكر الله على ذبيحة ولا غيرها، وسمي ذلك الكلام فسقا أهل به ~~ونطق به لغير الله، والإهلال في اللغة هو الجهر بالكلام، قال الشاعر: # أهلوا بذكر الله وامضوا فإنني # أهل بذكر الغانيات وراجع PageV21P133 ومن جواب القاسم بن إبراهيم عليهما السلام لمن سأله عن معنى هذه الآية ما ~~لفظه: إنما هو خلاف على اليهود فيما كانوا يحرمون ما لم يحرم الله من أشياء ~~كانوا يحرمونها، وخلاف على أهل الجاهلية أيضا في تحريم أشياء كانوا يفترون ~~على الله[128] فيها الكذب فلا يستحلونها وهي تكثر عن أن تعد وليس يحرم في ~~مأكل ولا مطعم إلا ما حرم الله في كتابه المحكم، ومن ذلك ما ذكر في هذه ~~الآية وغيره من أشياء كثيرة ولم يحرم سبحانه على طاعم أن يطعمه من حيوان ~~الأنعام إلا ما ذكره الله في الآية مما خصه بالذكر من الحرام فأحل سبحانه ~~ذلك كله مستحلا ولم يحرم شيئا منه تحريما وأحل ما حرم منه .......... من ~~المؤمنين إليه وفي إحلاله لذلك وإفضاله وما من به فيه من حلاله ما يقول ~~سبحانه: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم(145)}. # قال في البلغة: لما بين لهم ما حرمه عليهم رخص لهم فيه عند اضطرار على ~~الشروط التي ذكرها. انتهى. # والمعنى أن من ألجئ فاضطرته الحاجة والضر إلى شيء من هذه المحرمات من ~~ذبائح المشركين والميتات غير باغ على نفسه بالظلم ولا آكل منها لغير ضرورة ~~ولا عاد متجاوز قدر حاجته حلت له عند الضرورة والضرورة هنا ما يخشى معه ~~التلف والمستثنى ms2638 ما يقيم الروح. # قال في البرهان: فإن قيل: لم اقتصر هاهنا على هذه الأربعة وقد ذكر في ~~المائدة غيرها من المنخنقة والموقوذة والمتردية؟ # قيل: لأن هذا كله من جملة الميتة فذكره مفصلا وهاهنا مجملا. انتهى. # وقوله عقيب ذلك: {فإن ربك غفور رحيم} يدل على حصول الرخصة أي برحمته ~~ومغفرته خص لكم ذلك، وقيل: غفور لمن تاب من استحلال ذلك في الجاهلية، رحيم ~~إذا أحلها عند الضرورة ولم يأمرهم بقتل أنفسهم، عن الأصم. PageV21P134 # قال الحاكم: دلت على تحريم ما يذبح للأوثان ومتى قيل إذا حرم غير ما في ~~الآية وجب أن يكون نسخا، قلنا: ذلك زيادة تحريم وليس بنسخ لما في الآية؛ ~~لأن حاله لا يتغير، فلهذا يصح القول بتحريم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب ~~من الطير وغير ذلك، وتفصيل ما يحرم ويحل من الحيوانات موضعه كتب الفقه. # واعلم أنه لما تقدم ذكر المحرمات في القرآن بين تعالى ما حرمه على اليهود ~~فقال سبحانه: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر}. # قال في البلغة: معناه وحرمنا على اليهود {كل ذي ظفر} أي كل ظفر وهو كل ما ~~ليس بمنفرج الأصابع فيدخل في ذلك جميع أنواع السباع ويدخل فيه الكلب ~~والسنور وسائر ما يصطاد بظفره من الطير [129] فحرم الله عليهم أكل جميع ذلك. # قال المرتضى عليه السلام: هو ما كان له ظفر يعرف به ويقع عليه اسم الظفر ~~فهو عليهم محرم ولكن أباحوه وأكلوه وتعدوا فيه. # قال في البرهان: وإنما كان هذا التحريم على الذين هادوا على تكليف بلوى ~~وعقوبة، فأول المحرمات عليهم كل ذي ظفر وفيه قولان: # أحدهما أنه ما ليس بمنفرج الأصابع كالأنعام والإوز والبط. # والثاني كلما صاد بظفره من الطير. # ثم قال: {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} ما على الكرش والكلى ~~{إلا ما حملت ظهورهما} وهو كل شحم لم يكن مختلطا بعظم ولا على عظم وشحم ~~الجنب وما علق على الظهر فإنه لم يحرم عليهم. # قال الحاكم: يعني وحرمنا شحوم البقر والغنم على اليهود إلا ما ms2639 استثنى وهو ~~ما حملت الظهور وهو اللحم السمين {أو الحوايا} قيل: المباعر، عن ابن عباس ~~والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي، وقيل الأمعاء التي عليها ~~الشحوم عن أبي علي {أو ما اختلط بعظم} قيل: شحم الجنب والإلية؛ لأنه على ~~العصص، عن ابن جريج والسدي. # وقيل: الإلية لا تدخل في الاستثناء عن أبي علي، كأنه لم يعتد بالعصعص. PageV21P135 # وقيل: إن قوله {أو الحوايا} غير معطوف على المستثنى بل على المستثنى منه، ~~والتقدير حرمت عليهم شحومهما أي الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ~~الظهور فإنه غير محرم، قالوا: ودخول كلمة أو كدخولها في قوله تعالى: {ولا ~~تطع منهم آثما أو كفورا} والمعنى حرمنا عليهم هذا وهذا، ثم قال تعالى: { ~~ذلك جزيناهم ببغيهم} أي تحريمنا ذلك عليهم إنما هو مكافاة لهم على ظلمهم ~~ومجازاة وعقوبة لهم على فسقهم وهو قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا واستحلالهم ~~أموال الناس بالباطل، ونظيره قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم} ثم قال تعالى: {وإنا لصادقون(146)} أي في أخبارنا عن ~~بغيهم وفي الأخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم وأنه جزاء على قبيح ~~فعلهم؛ لأنهم كانوا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون هي ~~محرمة على الأمم المتقدمة، وقيل لصادقون في وعيدنا، ثم قال سبحانه: {فإن ~~كذبوك} يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة وكذبوك في تبليغ هذه [130] ~~الأحكام {فقل ربكم ذو رحمة واسعة} لأهل طاعته فكذلك لا يعجل عليهم بالعقوبة ~~{ولا يرد بأسه} أي عذابه المخوف مع سعة رحمته إذا جاء الوقت {عن القوم ~~المجرمين(147)} الذين كذبوك فيما تقول فلا يغتر برجاء رحمته عن خوف نقمته. # قال في البلغة: المعني بذلك اليهود؛ لأنهم زعموا أنهم حرموا الثروب؛ لأن ~~إسرائيل حرمها، وقيل المعني بذلك سائر المشركين على ظاهر الآية، ومعناه فإن ~~كذبوك يعني اليهود والمشركين فقل لهم إن ربكم ذو رحمة واسعة، والذي اقتضى ~~ذكر الرحمة هاهنا أنه جل وعز أمهلهم مع تكذيبهم. # وقيل: الذي اقتضاه الدعاء إلى ترك التكذيب ms2640 بالترغيب والترهيب. PageV21P136 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله ~~بغير حجة ولا دليل حكى غرورهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات ورد عليهم ~~قولهم أن ما أتوا من ذلك بمشيئة الله فقال شبحانه: {سيقول الذين أشركوا لو ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} أرادوا أن شركهم وشرك ~~آباؤهم وتحريم الحلال بمشيئة الله ولولاها لم يكن شيء من ذلك فاحتجوا بهذا ~~الضرب من الاحتجاج واقتدت المجبرة من هذه الآية بقولهم وزادوا عليهم ما هو ~~المعلوم من مذهبهم، ثم رد الله عز وجل عليهم أبلغ رد وأكده بوجوه من ~~التأكيد حيث قال: {كذلك كذب الذين من قبلهم} أي جاءوا بالتكذيب كله تكذيب ~~العقل والشرع؛ لأن الله ركب في العقول وأنزل في الكتب أن إرادة القبيح ~~قبيحة لا تجوز عليه وقد كذبوا عقولهم وكذبوا الله ورسله وكتبه، ووجه ~~التشبيه في قوله: {كذلك} على تقدير كهذا التكذيب الذي كان من هؤلاء كذب ~~الذين كانوا من قبلهم {حتى ذاقوا بأسنا}. # اعلم أن الذوق يطلق على ما ينال من مكروه محبوب حتى جرى عندهم مجرى ~~الحقيقة لشيوعه في البلايا والشدائد يقولون ذاف فلان البؤس والضر، وقد يعبر ~~في الذوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساس المطعوم ~~بالمذوق، قال عمرو بن أبي ربية: # فذق هجرها إن كنت تزعم أنه # رشاد ألا يا رب ما كذب.... [131] # ومعنى {بأسنا} أي حتى نالهم عقابنا والبأس العذاب، وأصله الشجة، فجعل ذلك ~~سببا لإنزال العذاب، ثم قال متهكما بهم منكرا عليهم: {قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا} أي قل لهم يا محمد جوابا عما قالوا إن الشرك بمشيئة الله {هل ~~عندكم من علم} أي من حجة تؤدي إلى العلم فأخرجوا ذلك العلم أو تلك الحجة. # قال في البلغة: وقد كذب الله في هذه الآية من قال أن الشرك بمشيئة الله ~~في خمسة مواضع: PageV21P137 # الأول: قوله {كذلك كذب الذين من قبلهم} فقوله كذبوا بالتشديد يدل ms2641 على ~~أمرين: أحدهما أنهم كذبوا، والثاني أنهم كذبوا بالتخفيف؛ لأن الله تعالى ~~قال في آخر الآية: {وإن أنتم إلا تخرصون} معناه وما أنتم إلا كاذبون. # ووجه آخر وهو أن التكذيب للصادق كذب وهؤلاء كذبوا الرسل فتضمن ذلك كذبهم. # والموضع الثاني قوله: {حتى ذاقوا بأسنا} ومعناه حتى ذاقوا عذابنا، فأخبر ~~الله أنما عذبهم لقولهم هذا ولا يستحق العقاب إلا على المعصية فلو كانوا ~~صادقين في ذلك لما عذبهم الله. # والموضع الثالث قوله: {هل عندكم من علم} ومعناه طالبهم بإقامة البرهان ~~على دعواهم فإن أقاموا البرهان كان ما قالوه عن علم وتبصرة وإن لم يأتوا ~~بحجة على ذلك فاعلم أنهم كاذبون. # والموضع الرابع بين تعالى أنه لا حجة لهم فقال: {إن تتبعون إلا الظن}، ~~ومعناه لستم تتبعون فيما قلتم إلا الظن أي ليس لكم به علم؛ لأن الظن ليس من ~~العلم في شيء، فهذا أيضا يدل على كذبهم لأنه لو كان صدقا لكان العلم به ~~حاصلا لا الظن والتجويز. PageV21P138 # والموضع الخامس قوله: {وإن أنتم إلا تخرصون(148)} لأن الخرص في اللغة الكذب ~~وهذا تصريح القول بتكذيبهم ولو لم يكن دليل على بطلان قول من قال أن ~~المعاصي بإرادة الله إلا هذه الآية لكفى فكيف وفي كتاب الله من الآيات ~~الدالة على ذلك ما يطول ذكره ويكثر عدده، وكذلك أدلة العقل وكل من تأول آية ~~فيها لفظ الإرادة والمشيئة على أن الله تعالى يريد المعاصي ويشاها لزمه أن ~~يقول إن في كتاب الله آيات متناقضات ومن قال به أو ..... وصح مذهبه بذلك ~~كفر بالله تعالى وبان انسلاخه عن الدين، وكيف يجوز أن يقول الله تعالى من ~~قال إن الشرك بمشيئتي فهو كاذب [132] ومكذب برسلي وآياتي ومستحق لعقوبتي، ~~ثم يقول في آية أخرى أن جميع المعاصي بمشيئتي وإرادتي ولو لم يردها لما ~~وقعت ولما حصلت، فأي تناقض أظهر من هذا والله المستعان على يصفه به ~~الجاهلون. # ثم قال تعالى مخبرا عن قدرته: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ~~أجمعين(149)}. # اعلم أنه تعالى لما بين ms2642 بطلان قول من قال أن الشرك بمشيئة الله وأنهم في ~~ضلال ولا حجة لهم على ما يدعونه بين على لسان رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن الحجة البالغة لله وأن الله لو شاء أن يلجيهم جميعا إلى الإيمان ~~لقدر عليه ولو اقتضته الحكمة لفعله ولا يجوز تأويل الآية على أن الله لم ~~يشأ منهم الإيمان لما لم يؤمنوا؛ لأن الله تعالى بين في الآية الأولى أن من ~~قال أن الشرك بمشيئة الله كان كاذبا مستحقا للعقوبة ولا يجوز في حكمته أن ~~يقول عقيبها أن الكفر بمشيئة الله وإرادته ولم لم يكن كذلك لحصل الإيمان من ~~الذين كفروا ولكانوا مهتدين، ومن استعمل عقله وأنصف من نفسه عرف حكمة ربه ~~علم أن مثل هذا الوصف لا يليق بخالقه، فبين تعالى ما أزال كل شبهة أنه لم ~~يشأ الكفر لأنه قبيح وإنما لم يمنع ليصح التكليف ويكون له. PageV21P139 # واعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع شبههم بين أنه ليس لهم ~~شهوة البتة بقوله: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا} أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستدعي منهم إقامة البرهان والشهادة على ~~صحة ما ذهبوا إليه وادعوه ليظهر لهم بعجزهم عن إقامة ذلك أنهم على باطل، ثم ~~قال: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} تنبيها على كونهم كاذبين؛ أي لا نسلم لهم ~~الشهادة الباطلة. # وفي البلغة: معناه فإن شهدوا بصحة ما ذهبوا إليه وادعوه فلا تشهد معهم ~~لأنه لا يمكنهم إقامة الشهادة على الوجه الذي استدعى منهم إقامتها لأنهم ~~دعوا إلى إقامة بينة يرجع بها إلى ثقة ولا بينة لهم. # وفي الكشاف: فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم ثم أمره بأن لا يشهد ~~معهم، قلت: أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ويقمهم الحجر ~~ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء لتساوي أقدام ~~الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به، وقوله: ~~{فلا تشهد معهم} يعني لا تسلم لهم ما ms2643 شهدوا به ولا تصدقهم؛ لأنه [133] إذا ~~سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم. انتهى. PageV21P140 # ثم بين تعالى أنه وإن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى فأنت لاتتبع ~~أهواءهم وهو معنى قوله: {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} من وضع ~~الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو ~~متبه للهوى لا غير؛ لأنه لو تبع الدليل لم يكن إلا مصدقا بالآيات موحدا ~~لله، ثم زاد في تقبيح ذلك بقوله: {والذين لا يؤمنون بالآخرة} أي المشركين ~~وكانوا ينكرون البعث والنشور وزاد في تقبيحه أيضا بقوله: {وهم بربهم ~~يعدلون(150)} يجعلون له عدلا أي مثلا وهو الأصنام أو يعدلون يميلون به عن ~~التوحيد والتنزيه من مشابهة الأجسام، وفصل وجوه الكفر هاهنا لأنه كان فيهم ~~من يقر بالبعث مع كفره كأهل الكتاب وفيهم من لا يقر به كعبدة الأوثان. # واعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقوله الكفار أن الله حرم علينا كذا ~~وكذا أردفه ببيان الأشياء التي حرمها عليهم، فأمر رسوله بأن يتلو عليهم ذلك ~~فقال سبحانه: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} أو ~~يقال لما أخبر الله عز وجل أن الذي حرمه المشركون لم يحرمه الله وأنهم ~~كاذبون في ذلك وبين ذلك بطريق الحجاج أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بعد ~~ذلك أن يقول لهم تعالوا. # قال في الكشاف: تعالى من الخاص الذي أريد به العام، وأصله أن يقوله من ~~كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر حتى عم في طلب الإقبال فيقال ~~للمخاطب وإن كان في مكان عال، والمعنى اقبلوا أقرأ عليكم ما حرمه الله ~~تعالى، حرم عليكم الإشراك به من صنم وغيره ولا ناهية لا نافية ليصح عطف ~~الإنشاء على الإنشاء وإلا بطل التناسب وأن مفسرة لما في التلاوة من معنى ~~القول كأنه قيل لا تشركوا به شيئا إلى آخره. # قيل: لا زائدة، وقيل: حرم بمعنى أمر، وقيل عليكم إغراء. PageV21P141 # ثم إن الله سبحانه أخذ ms2644 في بيان ما حرم وذكر في هذه الآية أمورا خمسة: # أولها قوله: {ألا تشركوا به شيئا} أي لا تشركوا بطاعته طاعة غيره، ثم ~~قال: {وبالوالدين إحسانا} ثنى بهذا التكليف لأن أعظم النعم على الإنسان ~~نعمة الله ويتلوها نعمة الوالدين، والمراد وأحسنوا بالوالدين إحسانا فلا ~~يقع منكم إساءة إليهما [134]، وقرن الإساءة إليهما بالشرك لشدة إثمهما. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا يدل على رحمة الله عز وجل ~~للوالدين إذ أمر بالإحسان إليهما إذ ليس أحد أحق بالإحسان منهما؛ لأن ~~الوالد شفيق على ولده ويكون عنده بمنزلة كبده، فأراد الله من عباده الرحمة ~~للوالدين بما فعلا من الجميل والإحسان وكفلا بتعب النفوس والأبدان. # وروي أن رجل عاتب ولده بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنشأ ~~يقول عند ذلك: # أتزعم أني قد كبرت وعبتني # ولم يأت لي في السن ستون كمل # وسميتني باسم المفند رأيه # وقلت ولم تعدل أنا منك أفضل # غذوتك مولودا وعلتك يافعا # تعل بما أدني إليك وتنهل # إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت # لشكواك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي # طرقت به دوني فعيناي تهمل # فلما بلغت السن والغاية التي # إليها مدى ما كنت فيك أومل # جعلت جزائي منك جبها وغلظة # كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي # فعلت كما الجار المجاور يفعل # قيل: فلما سمعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حزن لقوله ورحمه حتى ~~تغرغرة عيناه بالدموع ثم قال: ((يا بني أنت ومالك لأبيك)) ولم يقل ذلك عن ~~نفسه ولم يخترعه صلى الله عليه وآله وسلم برأيه؛ لأنه صلوات الله عليه وآله ~~وسلم أورع وأصدق من أن يتكلم أو ينطق بغير أمر الله أو يحكم به وإنما هذا ~~حكم الله جعله وأنطق به رسوله ونزله. انتهى. # ومعنى الآية أن الله تعالى حرم عليكم الإشراك به وحرم عليكم ترك الإحسان ~~إلى الوالدين. PageV21P142 # قال في البلغة: وموضع {اتل} من الإعراب جزم؛ لأنه جواب الأمر، وهو قوله: ~~{تعالوا} وعلامة الجزم حذف الواو ms2645 منه، وقيل موضع أن في قوله: {ألا تشركوا ~~به شيئا} من الإعراب الرفع بتقدير ذلك أن لا تشركوا به شيئا، وموضع تشركوا ~~نصب بأن، وقيل جزم على النهي، وعامل الإعراب في {وبالوالدين إحسانا} إضمار ~~أوصي وتقديره فأوصي بالوالدين؛ لأن في قوله: {حرم ربكم} معنى أوصى بتحريمه، ~~وقوله في آخر هذه الآية {ذلكم وصاكم به} يدل عليه أيضا ما في قوله: {اتل} ~~نصب بوقوع {اتل} [135] على تقدير تعالوا اتل؛ أي شيء حرم ربكم. انتهى. # والأمر الثالث قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} أي من خوف ~~الفقر، وقد صرح تعالى بذكر الخوف في قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق}، والمراد به النهي عن الوأد إذ كانوا يدفنون البنات حيات بعضهم ~~للغيرة وبعضهم خوف الفقر وإشفاقا من الإنفاق عليهن، وهو السبب الغالب، فبين ~~تعالى فساد هذه العلة بقوله: {نحن نرزقكم وإياهم} لأن رزق العباد كلهم من ~~كفيل ومكفول على خالقهم وهذا ضمان جميل من الله لأرزاق عباده، فاستدعا ~~بألطف وجه إلى ترك ما كانوا يفعلونه من دفن البنات، ومعناه أن الله رزقكم ~~ويرزق أولادكم فلا تقتلوهم خوفا من الإنفاق عليهم، وإنما قدم المخاطب هاهنا ~~على الغائب؛ لأن الخطاب للفقراء بدليل {من إملاق} فحسن تقديم وعدهم؛ لأنه ~~أهم من رزق أولادهم وعكس في سورة بني إسرائيل؛ لأنه خطاب على أنهم للأغنياء ~~بدليل {خشية إملاق} والخشية إنما تكون في أمر متوقع، فدل على أنهم أغنياء ~~فقدم عندهم وهو رزق أولادهم على رزقهم؛ لأنه حاصل. # قال في البرهان: والإملاق الإفلاس، ومنه الملق؛ لأنه اجتهاد المفلس في ~~التقرب إلى الغني طمعا في نائلة، وقيل إنه الفقر. PageV21P143 # والرابع: قوله سبحانه: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} النهي عن ~~قربها مبالغة في النهي عنها، والفاحشة الفعلة المترادية في القبح أي لا ~~تقربوا القبائح ما ظهر للناس وبان لهم وما بطن من ذلك عنهم، كقوله: {وذروا ~~ظاهر الإثم وباطنه} والمراد النهي عن كل قبيح على كل وجه. # قال في البلغة: وسبب ذكر الظاهر والباطن أنهم كانوا لايرون ms2646 بالزنا بأسا ~~إذا فعلوه سرا، فكأنه قيل لهم لا تفعلوا الفاحشة سرا ولا علانية؛ لأن الله ~~حرم ما ظهر منها وما بطن. انتهى. # والأولى أن لا يكون هذا النهي مخصوصا بنوع معين بل يجري على عمومه في ~~جميع الفواحش ظاهرها وباطنها؛ لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي وهو ~~كونه فاحشة عام، وأيضا في ذكر الظاهر والباطن فائدة وهي أن الإنسان إذا ~~احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن ~~احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس ~~وذلك لأن من كان مذمة [136] الناس عنده أعظم وقعا من عقاب الله ونهيه فإنه ~~يخشى عليه، أما من ترك المعصية ظاهرا وباطنا دل ذلك على أنه إنما تركها ~~تعظيما لأمر الله وخوفا من عقابه ورغبة في عبوديته. PageV21P144 # والخامس: قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} فنهاهم ~~الله عن قتل النفس التي حرم الله قتلها بغير حق وهذا أيضا داخل في جملة ما ~~تلاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم من المحرمات المفصلة، وإنما أعاد ~~ذكر القتل وإن كان داخلا في الفواحش تفخيما لشأنها وتعظيما لأمرها كقوله: ~~{وملائكته ورسله وجبريل وميكال} والذي حرم من القتل نفس المؤمن والمعاهد ~~إلا بالحق يعني بما أباح قتلها وهو الردة والزنا إذا كان محصنا وقتل النفس ~~بغير حق، والبغي على الإمام العادل، وقطع الطريق وأن يقصد إنسانا بالقتل ~~فيدفعه ولا يقصد قتله فإن قتل فدمه هدر، والحاصل أن الأصل في قتل النفس ~~الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل، ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه ~~الأقسام الخمسة تبعه باللفظ الذي يقرب إلى القبول فقال عز وجل: {ذلكم} ~~المذكور الذي نهيتم عنه {وصاكم به} أي أمركم أمرا مؤكدا ولما في هذه اللفظة ~~من اللطف والرأفة وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول، ثم أتبعه بقوله: ~~{لعلكم تعقلون(151)} أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكليفات ومنافعها في الدين ~~والدنيا، وقيل: {لعلكم تعقلون} أي تعلمون ms2647 ذلك، فامتثلوا أمره وانتهوا عما ~~نهى عنه. # وقيل: استعملوا عقولكم في معرفة ذلك لتعلموا أن الله أراد بكم الرحمة. # وقيل: إذا قبلتم أمرا عقلتم ما يجب عليكم. # واعلم أن قوله: {ألا تشركوا} يدل على أن التكليف يتعلق بأن لا يفعل كما ~~يتعلق بالفعل وأنه يستحق الثواب والعقاب على أن لا يفعل على ما يقوله أبو ~~هاشم خلاف ما يقوله أبو علي، ويدل قوله: {لعلكم تعقلون} أنه أراد من الجميع ~~أن يعقل بخلاف قول المجبرة، ويدل على أن هذه الأشياء فعلهم لذلك يعلق به ~~الأمر والنهي والثواب والعقاب فيبطل قولهم في المخلوق. PageV21P145 # ثم بين تعالى تمام ما يتلو من المحرمات والمأمورات والمنهيات فقال: {ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أي بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل ~~بماله وهو حفظه وتثميره وهذا أيضا معطوف على ما تقدم وداخل [137] في جملة ~~المحرمات نهاهم الله عن تناول مال اليتيم بغير الحق. # قال في البرهان: إنما خص مال اليتيم وإن كان مال غيره في التحريم بمثابته ~~لأن الطمع لقلة مراعيه أقوى فكان بالذكر أولى. انتهى، لأن اليتيم لا يمكنه ~~الدفع عن نفسه وماله لضعفه، ومعنى {حتى يبلغ أشده} أي احفظوه حتى يبلغ ~~التصرف فيه وهو أن يبلغ مبلغ الرجال فيكمل عقله وفيه محذوف وهو حتى يبلغ ~~أشده ويؤنس رشده فحينئذ يدفع إليه ماله. # وأما معنى الأشد وتفسيره فقال الليث: الأشد مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة. # قال الفراء: أشد واحدها شد في القياس ولم أسمع لها بواحدة. # وقال أبو الهيصم: واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة، والشدة ~~القوة والجلادة والشديد الرجل القوي، وفسر بلوغ الأشد في هذه الآية ~~بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد، ثم قال تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط}. PageV21P146 # اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتم، ويقال درهم واف ووفيته حقه ~~إذا أتممته وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص منه شيئا، وقوله: {الميزان} أي ~~الوزن بالميزان، ومعنى {بالقسط} أي بالعدل أمرهم أن يوفوا الكيل والوزن ولا ~~يبخسوا الناس ms2648 حقوقهم في الكيل والوزن لأنه محرم عليهم البخس، ومعنى قوله: ~~{لا نكلف نفسا إلا وسعها} أي ما تتسع ولا تعجز عنه، والوسع في اللغة دون ~~الطاقة، فأخبر الله تعالى أنه لا يكلف نفسا إلا دون طاقتها متمدحا به، فد ~~ذلك على بطلان قول من قال أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون، وأتبع هذا ~~بإيفاء الكيل والوزن لأن المحافظة على العدل لا زيادة ولا نقص فيهما فها ~~..... فأمر بالوسع وما عداه مغفور، وقيل: لا يكلف إلا ما يقدر عليه ويمكنه ~~فلا يعتذر بعدم القدرة على ما تزعمه المجبرة، ثم قال تعالى: {وإذا قلتم ~~فاعدلوا} أي اصدقوا في مقالتكم وهذا من الأوامر العجيبة البليغة التي يدخل ~~فيها مع قلة حروفها وعذوبة ألفاظها الأقارير والشهادات والوصايا والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والفتاوى والقضايا والأحكام والمذاهب وغيرها من ~~التكاليف. # ثم قال: {ولو كان ذا قربى} أي ولو كان المقول [138] له أو عليه ذا قربة ~~منكم فلا تمنعن قرابته أن تقولوا الصدق فأمرهم الله تعالى بالقول العدل إذا ~~قالوا وحذرهم وزجرهم من ترك قول العدل لقرابة القريب {وبعهد الله ~~أوفوا}وعهد الله كلما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر أو غيره، وقيل عهده ~~فرائضه وما أوجب عليكم فافعلوه كما أمر، وقيل الكل مراد بالآية؛ لأن الجميع ~~داخل في اسم أنه عهد الله ولا تنافي فيحمل على الجميع. # ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال: {ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون(152)} ~~فأمرهم بالوفاء لما عهد إليهم وأمرهم به وبين أن الله إنما أوصاهم به لكي ~~بتفكروا فيه فيعلموا أنه يجب عليهم الوفاء به. PageV21P147 # دلت الآية على لزوم الاحتياط عند المعاملات لمكان الإيفاء، ودلت على قبح ~~تكليف ما لا يطاق وأنه تعالى لا يفعله خلاف قول المدبرة، ودلت على أنه أراج ~~من الجميع أن يذكروا خلاف قول المجبرة. # ثم أخبر تعالى أنما تقدم ذكره طريقه المستقيم الذي أوجب اتباعه فقال ~~سبحانه: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} {وأن هذا} قرئ بنصب الألف وتخفيف ~~النون، وقرئ بكسر الألف وتشديد النون، وقرئ ms2649 بنصب الألف وتشديد النون، فمن ~~فتح الألف عطفها على قوله: {ألا تشركوا} فكأنه قال اتل عليكم ألا تشركوا ~~بالله شيئا وأن تتبعوا طريقتي التي شرعت لكم. # وقيل: إنما فتحت ألف أن لأن تقديره لأن هذا صراطي مستقيما. # ومن كسرها جعل معنى {اتلى} معنى اتل ورده إلى اتل بتقدير اتل ما حرم ~~ربكم، واتل أن هذا صراطي مستقيما بمعنى أقول وما بعد القول يتجي أن مكسورة ~~الألف فإن هذا صراطي ما شرعت على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم طريق ~~مستقيم فاتبعوه والصراط الشرع هاهنا ذكره في البلغة. # ثم نهاهم عن الطرق التي هي مخالفة لطريقة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: {ولا تتبعوا السبل} أي الطرق الخارجة عن الحق المخالفة لدين النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم {فتفرق بكم عن سبيله} أي تفرقكم عن طريقه ~~المستقيم؛ لأن الله عز وجل جعل الحق معتدلا مستقيما إلى الفلاح فمن فارقه ~~وقع في [139] الهلاك والجماح وتفرقت به طرق الضلال واشتبهت عليه أبواب ~~المحال. PageV21P148 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه خط خطا ثم قال: ((هذه سبيل الرشد))، ثم ~~خط عن يمينه وشماله خطوطا ثم قال: ((هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليه، ثم تلى هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما}))، فقد يكون من الجن ~~والإنس كما قال الله سبحانه: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا} أي يلقون إلى أوليائهم من المجادلة من زخرف القول واللبس. # قال في البرهان: {ولا تتبعوا السبل} أي البدع والشبهات {فتفرق بكم عن ~~سبيله} يعني عن طريق دينه، فنهى عن التفرق وأمر بالاجتماع، ثم قال تعالى: ~~{ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون(153) } أي وصاكم الله بذلك لكي تكونوا متقين ~~مستحقين للثواب من عند الله. # وقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} أي التوراة {تماما على الذي أحسن} ~~أي تماما للكرامة على من كان محسنا صالحا وأراد جنس المحسنين أو أراد موسى ~~عليه السلام أي تتمة الكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ ms2650 أو على ~~الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة ~~على علمه على وجه التتميم، والمعنى ثم آتينا موسى بعد هذه التوصية؛ لأنها ~~قديمة يوصي بها كل نبي أمته لم تنسخ بشيء فصح العطف بثم على وصاكم كأنه قيل ~~ذلك وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى ~~الكتاب، عن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل ~~إنهن أم الكتاب. # وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده أن هذه الآيات لأول شيء في التوراة. # وقيل عطفا على ما في وسط السورة من قوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب} ذكره ~~في الكشاف. PageV21P149 # وقيل معناه ثم اتل عليهم أنا آتينا موسى الكتاب، أو ثم قل لهم يا محمد، ~~ويدل عليه {قل تعالوا أتل} فتقديره اتل ما أوحي إليك ثم اتل عليهم خبر ما ~~آتينا موسى. # وفي هذه الآية يقول الهادي عليه السلام: معنى قوله: {آتينا موسى الكتاب ~~تماما} يقول آتيناه التوراة تماما لإحساننا إليه الأول من إرسالنا له إلى ~~فرعون وملئه بالآيات والدلائل والعلامات، فأخبر سبحانه أنه قد تم له كل ~~إحسان [140] كان منه إليه بما أعطاه من الكتاب، ومعنى {على الذي أحسن} فهو ~~تماما للذي أحسنا به أولا فقامت مقام اللام إذ هي من حروف الصفات، ومعنى ~~{وتفصيلا لكل شيء} فهو بيان كل شيء افترضه عليهم، فأخبر أن الكتاب الذي ~~أتاه موسى صلى الله عليه وهو التوراة يبين كل شيء افترضه على أهلها مما ~~أمرهم به ونهاهم عنه. انتهى. # ثم قال سبحانه: {وهدى} أي دلالة على الحق والدين يهتدى بها إلى التوحيد ~~والعدل والشرايع {ورحمة} أي نعمة على سائر المكلفين. # ولما بين من الأمر والنهي والوعد والوعيد والأحكام قال: {لعلهم بلقاء ~~ربهم يؤمنون(154) } أي لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم في الآخرة فجعل لقاء ~~ما وعد لقاء له اتساعا وتفخيما لشأنه مع الإيجاز من غير إخلال بالمعنى كما ~~يقال من مات فقد لقي الله وليس ms2651 هناك إلا لقاء ما قد أعد له من الجزاء، وقيل ~~بلقاء الله إياهم يؤمنون ويصدقون، ثم قال تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه}. PageV21P150 # اعلم أنه لا شبهة أن المراد بالكتاب هو القرآن سمي كتابا؛ لأنه يكتب أو ~~لأنه كتاب الله إلى عباده {أنزلناه} أي أنزله جبريل عليه السلام إلى محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأضاف النزول إليه توسعا كما يقال: جاءت رسالة ~~فلان، يعني جاء فلان بالرسالة، وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه لايتطرق إليه ~~النسخ كما في الكتابين، والمراد أنه كثير الخير والنفع {فاتبعوه} اعتقدوا ~~صحته واعملوا بما فيه وكونوا من أتباعه، ثم قال: {واتقوا لعلكم ~~ترحمون(155)} قيل: اتقوا معاصي الله، وقيل: اتقوا عقابه، وقيل: اتقوا ~~مخالفة الكتاب المنزل إليكم فيه تنال الرحمة ومعنى {لعلكم ترحمون} أي لكي ~~ترحموا، وفيه ثلاثة أقوال: # قيل: اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة. # وقيل: اتقوا لترحموا أي ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله . # وقيل: لترحموا جزاء على التقوى، فمن اتبع الكتاب واقتدى به فقد نال ~~بالصدق والمواعيد رحمة ربه. # دلت الآية على أنه تعالى أعطى موسى الكتاب لكي يؤمنوا خلاف قول المجبرة ~~أنه أعطاه لكي يكفر بعضهم. PageV21P151 # ثم بين تعالى أنه أنزل هذا الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قطعا للعذر وإزاحة للعلة فقال سبحانه: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين من قبلنا} أي لئلا تقولوا يا أهل [141] مكة {إنما أنزل الكتاب على ~~طائفتين} جماعتين قيل اليهود والنصارى عن ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جريج ~~وقتادة والسدي، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما وظهور أمرهما، وعامل الإعراب ~~في {أن تقولوا} قوله: {أنزلنا} بتقدير أنزلنا القرآن؛ لأن لا يقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على غيرنا، ثم حذف الجار وحذف النفي كقوله: {يبين الله لكم أن ~~تضلوا}، وقوله: {رواسي أن تميد بكم} وهذا قول الكسائي والفراء والثاني هو ~~قول البصريين معناه أنزلناه كراهة أن يقولوا، ولا يجيزون إضمار لا فإنه لا ~~يجوز أن يقال .... أن أكرمك بمعنى ألا أكرمك. # ومعنى: {وإن كنا عن دراستهم} أي قراءتهم ms2652 الكتب {لغافلين(156)} لا نعلم ما ~~فرض علينا في الكتاب، قيل غفلتهم من حيث التوراة والإنجيل لم ينزلا عليهم ~~والخطاب لقريش، وقيل غفلتهم لتقدم نزول الكتابين ودروس المعجزات التي أنزلت ~~على موسى وعيسى. # والمراد من هذه الآية إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد صلوات ~~الله عليه وآله وسلم كيلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عما فيهما لغافلين فقطع الله عذرهم بإنزال ~~القرآن واللام في قوله: {لغافلين} لام الابتداء ولا يجوز أن يعمل ما قبلها ~~فيما بعدها. PageV21P152 # وقوله: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} معطوف على ~~قوله: {أن تقولوا} وتقدير الكلام فيه أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا ~~يقولوا إنما أنزل الكتاب على من كان قبلنا ونحن غافلون عنه أو تقولوا لو ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى من الذين كانوا قبلنا وأشد تمسكا بدين الله ~~منهم فالآن قد أنزلنا إليكم كتابا على كلامكم وأرسلنا رسولا منكم فأي عذر ~~بعد هذا لكم، ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا فقال: {فقد جاءكم بينة من ~~ربكم} وهو القرآن وما جاء به الرسول {وهدى} من عند الله واضحا ودلالة ظاهرة ~~{ورحمة} أي نعمة سابغة لمن اتبعه وعمل به وأنتم مكذبون بها ومنكرون لها ~~ومعرضون عنها، ثم قال: {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله} يعني القرآن ومن أتى ~~به وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي لا أظلم وأشد عدوانا وأخطأ فعلا ~~ممن كذب بآيات الله {وصدف عنها} أعرض عنها مكذبا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي، وقيل: معنى [142] {وصدف} أي منع؛ لأن الأول ضلال والثاني منع عن ~~الحق وإضلال، ثم توعد من فعل ذلك بأنه يكافيه به سوء العذاب فقال عز وجل: ~~{سنجزي الذين يصدفون} أي يصرفون {عن آياتنا سوء العذاب} أقبحه وأقطعه {بما ~~كانوا يصدفون(157)} أي أعرضوا عن محمد والقرآن وخالفوهما عداوة لربهم وحسدا ~~وظلما لأنبيائهم ومن كان بعد الأنبياء من ذراريهم، والصدف هو الصد ~~والإعراض، قال الشاعر: # عجبت لحلم الله ms2653 عنا وقد بدى # له صدفنا عن كل حق منزل PageV21P153 ثم عقب تعالى ما تقدم من الحجة عليهم بالوعيد فقال: {هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة} أي ملائكة الموت أو ملائكة العذاب {أو يأتي ربك} أي أمر ~~ربك بالعذاب أو كل آيات ربك بدليل قوله بعده: {أو يأتي بعض آيات ربك} أي ~~أشراط الساعة وعلامتها من طلوع الشمس من المغرب، وعن البراء بن عازب كنا ~~نتذاكر الشاعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ما ~~تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشرآيات ~~الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب، ~~والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن)). # قلت: وفي هذه الآية يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: إتيان الملائكة ~~فهو حضورها لقبض أرواحهم عند الموت، ومعنى قوله: {أو يأتي ربك} فهو يأتي ~~حكم ربك عليهم بذلك، ومعنى قوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} يقول يأتيهم بعض ~~آيات الله وغيره وانتقامه لأهل معصيته والآيات فكثيرة منها الجوع ومنها ~~العطش ومنها ذهاب الأموال ومنها نزول بعض نقمه عليهم من هلكة أو غيرها ~~ومنها تسليط بعضهم على بعض وذلك قوله سبحانه: {وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون} وما أشيه ذلك من آيات الله ونقمه وفعاله بمن اجترى ~~عليه من خلقه. انتهى. # ثم قال تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل} ظهور الآيات {أو كسبت في إيمانها خيرا} معناه إذا ظهرت هذه الآيات ~~فمن آمن عندها لم ينفعه [143] إيمانه لأنه وقع في حال زوال التكليف وإنما ~~ينفعه إيمانه إذا فعله في التكليف وكسب في إيمانه خيرا، ومعناه عمل النوافل ~~واستكثر في أعمال البر بعد أداء الفرايض والواجبات ذكره في البلغة. PageV21P154 # وفي الكشاف ما معناه أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي ملجية إلى الإيمان فقد ~~سقط التكليف فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور ~~الآيات ms2654 أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها فلم يفرق كما ترى بين ~~النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان وبين النفس التي آمنت في وقته ~~ولم تكسب خيرا لتعلم أن قوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جمع بين ~~قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبهما ويسعد وإلا ~~فالشقوة والهلاك. انتهى. # وقد اختلف فيما ينقطع به التكليف من أشراط الساعة فقيل خروج الدابة أو ~~طلوع الشمس من مغربها، وأما الدجال وسائر الآيات فإنها تأتي مع التكليف. # وقال الحاكم: الآيات الحواجب عن التوبة ست، وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((بادروا بالأعمال ستة طلوع الشمس من مغربها والدابة والدجال ~~والدخان وخويصة أحدكم -يعني موته- وأمر العامة -يعني القيامة)). انتهى. # قال بعض سادات أهل البيت عليهم السلام: إن صح ما ذكر ما الروايات فيمكن ~~أن يقع بهم من العذاب أو يحل بهم عند ذلك الهلاك والعقاب. # وروى بعض أئمتنا عليهم السلام عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام أن بعض ~~آيات ربك هاهنا غمرات الموت فإذا جاء ذلك لم ينفع الإيمان نفسا لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا كثيرا. # قلت: ويؤيد هذا ما ذكره الحسين بن القاسم في تفسيره الذي رواه عن أئمتنا ~~عليهم السلام وأنه قال فيه: باب التوبة لا يغلق إلا عند حضور الموت وغمراته ~~وغشواته ومنازعته وحسراته فحينئذ لا تقبل توبتهم ولا تقال عثراتهم ولا ترحم ~~عبرتهم فنستغفر الله ونتوب إليه قبل حضور موتنا ونسأله الرحمة قبل خروج ~~أنفسنا. # ثم قال عز وجل: {قل انتظروا إنا منتظرون(158)} هذا تهديد ووعيد لهم، قيل ~~انتظروا الدوائر بكم في الدنيا وعذاب الآخرة {إنا منتظرون} ذلك لكم. PageV21P155 # دلت على أن الإيمان بمجرده لا ينفع حتى يكون معه اكتساب الخيرات في حال ~~الإيمان وهو القيام بالواجبات [144] واجتناب الكبائر خلاف ما تقوله ~~المرجية، ودلت على أن التوبة لا تنفع في تلك الحل لأنه إذا لم يقبل الإيمان ~~فغيره أولى، ثم ختم الآية بالوعيد الشديد بقوله: {فانتظروا}. # ثم ms2655 ذكر وعيد آخر معطوفا على ما تقدم من الوعيد فقال: {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} من دينهم بل بريء من قولهم وبدعهم، قرأ ~~حمزة والكسائي {فارقوا} بالألف. # قال الحاكم: وهي قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام، ورواه معاذ عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه خرجوا من دينهم وتركوه من المفارقة. # وقرأ الباقون {فرقوا} بغير ألف وتشديد الراء وهو قراءة ابن مسعود وابن ~~عباس وأبي بن كعب أي جعلوا دين الله وهو واحد أديانا مختلفة. # والمراد اختلفوا كما اختلفت اليهود والنصارى، وفي الحديث: ((افترقت ~~اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وتفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة))، {وكانوا شيعا} أي فرقا كل ~~فرقة تشيع إماما وتتبعه. # قيل: والمراد أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة، وعن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال لعائشة: (({إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} أهل ~~الأهواء والضلالة والبدع))، رواه الواحدي. # قال في البرهان: وهذه الآية عامة في كل من له هذه الصفة من تفريق الدين ~~الذي أمرهم الله تعالى به لاختلافهم فيه واتباع الشهوات {وكانوا شيعا} أي ~~فرقا يتمالون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره وأصله الظهور يقال شاع ~~الخبر إذا ظهل. # وقيل: هو من الاتباع من قولهم شايعه على كذا إذا اتبعه، ثم قال: {لست ~~منهم في شيء} أي في مخالطتهم ومقاربتهم لست على شيء، فنهى الله عز وجل عن ~~ذلك وأمر بمباعدتهم. انتهى. PageV21P156 # وقيل: المعنى بقوله: {الذين فرقوا دينهم} اليهود، وقيل هم اليهود ولانصارى، ~~وقيل المعنى بذلك جميع المشركين لأن جميعهم بهذه الصفة، والصحيح ما تقدم؛ ~~لأن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا ~~في الدين ولا يبتدعوا البدع فهو تحذير من تفريق الكلمة ودعا إلى الاجتماع، ~~ثم قال: {إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون(159)} هذا أيضا ~~ضرب من التهديد وإيجاب للعقاب على ما ارتكبوه من القبايح، ms2656 ومعنى {ينبئهم} ~~أي يخبرهم توبيخا لهم [145] ويجازيهم بما كانوا يفعلون من المعاصي. # ثم رغب تعالى بعد ذكر الوعيد على معاصيه في طاعته بما وعد من تضعيف ~~الجزاء فقال سبحانه: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} يعني حشر حسنات ~~أمثالها وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثوابها ~~بغير حساب، والمضاعفة فضل من الله تعالى. # قال الحاكم: والمراد بالأمثال كونها حسنة عن أبي علي، وقيل: عشرة أمثالها ~~في الكثرة لا في الصفة؛ لأن الثواب يقارنه التعظيم والتفضل يفارقه في ذلك ~~ولذلك لا يجوز الابتداء بالثواب ولو جاز لما حسن التكليف. # وقيل عشرة في الجنس لا في الكثرة فواحد ثواب يزيد على الجميع ولا يجوز أن ~~يساوي التفضل الجواب الثواب في القدر والصفة عن أبي علي وأبي هاشم. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى أمثالها أي أمثالها في التسمية ~~لا في المعنى؛ لأن حسنات الله لا مثل لها والعرب تقول لمن تكلم فيها بخير ~~لنجزينك مثل فعلك فيعطونه على ذلك الأموال والأموال لا تكون مثل الكلام في ~~المعنى وإنما هي مثل ذلك في التسمية للإحسان لا في غير ذلك من المعاني ~~والألوان. انتهى. # وقيل: المراد عشر أمثالها جزائها أي ثوابها؛ لأن الطاعة شاقة والثواب ~~والتفضل من قبيل الملاذ. PageV21P157 # وقوله تعالى: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} عام في كل قبيح والحسنة ~~عام في كل وضي حسن، معناه ومن أتى بمعصية فلا يجزى إلا بما استحق عليه أي ~~لا يكافأ إلا بسوء من شكلها يستحقه ويستوجبه على فعلها؛ لأن مكافاة السيئات ~~عدل، وأما الحسنات ففضل؛ لأن التفضل بالنعم والنفع الخالص يجوز ولا يجوز أن ~~يبتدى بالضرب الخالص ولا يحسن والزيادة في الضرر المستحق ظلم ولا يظلم ربك ~~أحدا، وفي الآية ترغيب في فعل المحسنات وتحذير عن ارتكاب المقبحات، ثم قال: ~~{وهم لا يظلمون(160)} بنقص من الثواب ولا زيادة على العقاب أو لا يعاقبون ~~على غير قبيح منهم فعلوه، وقد قال بعضهم: الحسنة قول لا إله إلا الله، ms2657 ~~والسيئة هي الشرك، وهذا بعيد بل يجب أن يكون محمولا على العموم إما تمسك ~~باللفظ وإما لأجل أنه حكم مرتب على وصف مناسب له مقتضى كون الحكم معلقا ~~بذلك الوصف فوجب أن يحكم بعموم العلة. # قال [146] في البرهان: والآية على عموم الحسنات والسيئات في كل حال فجعل ~~جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضلا وجزاء السيئة مثلها عدلا وأما مضاعفة ذلك ~~بسبعمائة ضعف فلقوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل ~~حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء} ويقرأ ~~{عشر أمثالها} بالتنوين. انتهى. PageV21P158 # واعلم أنه تعالى لما علم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنواع الدلائل في ~~التوحيد والرد على القائلين بالشرك والأنداد والأضداد أمره أن يختم الكلام ~~بقوله: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} فبين تعالى أن الهادي هو الله ~~وأنه هدى الجميع وأزاح العلة فقال سبحانه قل يا محمد وقل أيها الإنسان ~~والأول الوجه ومعنى {هداني} دلني وأرشدني فالهدى بمعنى الدلالة عن أبي علي ~~وأبي مسلم، وقيل وفقني ولطف بي حتى اهتديت فالهدى بمعنى اللطف، وقيل المراد ~~بالهدى الإهتداء لأنه مدح وإنما يكون مدحا إذا اهتدى كأنه قال حصل لي ~~الهداية والعلم بالله ودينه، ومعنى {ربي} أي مالكي وخالقي، والصراط ~~المستقيم الطريق الواضح المستوي الذي لا عوج فيه وهو دين الإسلام، وقوله: ~~{دينا قيما} منصوب على البدل من محل صراد مستقيم لأن معناه هداني صراطا ~~..... الاستقامة والاعتدال وهو مصدر بمعنى القيام وصف به وهو أبلغ من قائم، ~~ثم وصف هذا الدين {ملة إبراهيم} المتفق على فضله ترغيبا فيه لجلالة موضع ~~إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم في نفوس العرب وغيرهم من أهل الأوثان، ~~وملة عطف بيان، وقوله: {حنيفا} منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى هداني ~~وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفة، ثم قال في صفة إبراهيم: ~~{وما كان من المشركين(161)} فيه تعريض بهم وبإشراكهم والمقصود منه الرد على ~~المشركين. PageV21P159 # ولما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقال سبحانه: ms2658 {قل إن ~~صلاتي} عبادتي، قيل الدعاء، وقيل الصلاة المشتملة على السجود والركوع ~~والقيام {ونسكي} تقربي كله [147] وقيل ذبحي، وقيل حجي ومناسكه {ومحياي ~~ومماتي} قيل حياتي وموتي {لله رب العالمين(162)} خالصة لوجهه، والمراد ~~تسليم لأمر الله في تدابيره وأموره كأنه قيل أبذل طاعتي لك بل أبذل روحي ~~وحياتي فهو مبالغة في الانقياد {لا شريك له} في العبادة وقيل لا ثاني له في ~~إلاهية {وبذلك} الإخلاص {أمرت} أي أمرني ربي بهذا التوحيد {وأنا أول ~~المسلمين(163)} من هذه الأمة؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا الناس إلى ~~الإسلام وأتى بالشريعة وأوجب اتباعه فيما أتى به فهو أول السابقين إليه؛ ~~لأن إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته أي يجب تقدمه على إسلامها ليعرف ما ~~يدعوها إليه. # ولما أمر تعالى محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد المحض أمره أن ~~يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد فقال سبحانه وجل عن كل شأن ~~شأنه: {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} خرج هذا الكلام مخرج ~~الاستفهام ومعناه إنكار عليهم وجواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم وتقرير ~~ذلك أن أصناف المشركين أربعة لأن عبدة الأصنام أشركوا وعبدة الكواكب أشركوا ~~والقائلين بأن المسيح بن الله والملائكة بنات الله أشركوا أيضا فهؤلاء فرق ~~المشركين وهم يعترفون أن الله خالق الكل. PageV21P160 # وإذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد {قل أغير الله أبغي ربا وهو رب ~~كل شيء} مع أن هؤلاء اتخذوا أربابا غير الله وهل يدخل في العقل جعل المربوب ~~شريكا للرب وجعل العبد شريكا للمولى وجعل المخلوق شريكا للخالق، ولما كان ~~الأمر كذلك ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله قول فاسد ودين باطل، ثم ~~إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع ~~إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} معناه ~~من عمل شيئة فلا يرجع ضررها إلا عليه وهذا جواب عن قولهم {اتبعوا سبيلنا} ~~أي ms2659 ديننا {ولنحمل خطاياكم} {ولا تزر} أي تحمل {وازرة} نفس مذنبة {وزر أخرى} ~~أي ذنبها؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة وفي هذه الآية حجة على المجبرة من وجهين: # أحدهما أن الله لا يعذب أطفال الكفار بجرم آبائهم. # والثاني [148] أنه لا يعذب إلا على ذنب حصل ممن يعاقبه وإجازة المجبرة أن ~~الله سبحانه يعذب العبد من غير جرم حدث ويحسن منه فعله لو فعله تعالى الله ~~عما يقولون علوا كبيرا. # ثم أخبر تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم ولا آمر فيه إلا ~~الله فقال عز وجل: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(164)} ~~من الأديان، وفائدة الإنباء التوبيخ لهم فهو تهديد ووعيد وقد مر بيان نظيره ~~في غير موضع. # قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}. # قال في البرهان: وهذه الآية خاصة للأئمة والحجج من آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم؛ لأن كل عصر فيه حجة تخلف الحجة والقائم الذي قبله كلما مضى إمام ~~خلفه إمام ظاهر أو مستتر، قال الشماخ: # تصيبكم وتخطيني المنايا # وأخلف في ربوع عن ربوع PageV21P161 وقيل معناه أذهب من كان قبلكم وأهلكهم وأورثكم الأرض وجعلكم خلفاء لهم وهذا ~~لا يكون إلا من تدبير عالم مدبر، ثم قال: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات}. # قال في البرهان: يعني بما يخالف بينهم بالشرف والعلم والحكمة وجودة الرأي ~~والتأييد والتسديد وهذا وإن كان ابتداؤه تفضلا من غير جزاء ومكافاة فحكمه ~~فيه من الترغيب في الأعلاء والترهيب من الأدنى لتدوم له الرغبة والرهبة، ~~وقد نبه على ذلك بقوله: {ليبلوكم في ما آتاكم} يعني ما ذكرناه من خصال ~~الخير والشرف. انتهى. # وقيل: رفع هذه الدرجات بالأموال وشرف الأنساب والقوى في الأجسام وما جرى ~~هذا المجرى ليختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر وإلا فهو عالم وكلف الفقير ~~الصبر والغني الشكر والعاقل النظر في الأدلة واكتساب العلم والمعمل بما ~~يعلم وقول الحق وأهل الحرف الأمانة والسلاطين العدل {في ما آتاكم} أي فيما ~~أعطاكم ليظهر منكم الطاعة والمعصية فينظر كيف تشكرون ms2660 تلك النعمة وكيف يصنع ~~الشريف بالوضيع والحر بالعبد والغني بالفقير ونحوه أي ليظهر شكر الشاكرين ~~وصبر الصابرين فيجازي عليه بالثواب أو يظهر الكفر والظلم والجزع فيجازي ~~عليه بالعقاب، ثم قال: {إن ربك [149] سريع العقاب} للعصاة بكفر النعم {وإنه ~~لغفور رحيم(165)} لمن شكر النعمة وتاب وعمل صالحا ثم اهتدى. # واعلم أن الرحيم لا يعذب مع رحمته إلا بذنب عظيم فنعوذ بالله من العذاب ~~الأليم ونستغيث به من عذاب الجحيم. # فإن قيل: كيف جعل العقاب سريعا وهو في الآخرة؟ # قال في البرهان: فيه جوابان: # أحدهما أن كل قريب كما قال: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}. PageV21P162 # والثاني: سريع العقاب في الدنيا لمن استحق منه تعجيل العقاب فيها وإنه غفور ~~رحيم جمعا منه بين ما يقتضي الرهبة من سرعة العقاب وبين ما يقتضي الرغبة من ~~الغفران بعد التوبة؛ لأن الجمع بين الرغبة والرهبة أبلغ في الانقياد إلى ~~الطاعة والإقلاع عن المعصية. انتهى وبالله التوفيق. PageV21P163 ### | CHECK [المصابيح - البقرة _ آل عمران] # كتاب المصابيح # (الجزء الثالث) ### || AUTO سورة آل عمران # مائتا آية مدنية بالإجماع # بسم الله الرحمن الرحم # {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان} # قرأ أبو بكر عن عاصم {الم، الله} مقطوعا بسكون الميم، ونصب ألف الله، ~~وقرأ الباقون موصولا بفتح الميم، وللمفسرين في سبب نزول أول هذه السورة قولان: # الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان، أن بعض أول هذه السورة في اليهود. # والقول الثاني: أن من ابتدأ السورة إلى آية المباهلة في النصارى، وهو ~~الذي في البرهان حيث قال: فيه، ونزلت الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة ~~في وفد نجران من النصارى لما جاءوا يحاجون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV21P164 # قلت: وهو قول محمد بن إسحاق قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة منهم ~~كانوا أكابر ms2661 القوم، أحدهم: أميرهم، واسمه عبد المسيح، والثاني: مشيرهم وذو ~~آرائهم، وكانوا يقولون له: السيد واسمه الأهيم، والثالث: حبرهم وأثقفهم، ~~وصاحب مدارسهم يقال له: أبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل، وملوك الروم ~~كانوا يشرفوه ويخولوه لما بلغهم عنه من علمه، واجتهاده، في دينهم، فلما ~~قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته، وكان إلى جنبه كرز بن علقمة، فبينا ~~بغلة أبو حارثة تسير إذ عثرت، فقال:كرز: أخوه تعس الأبعد، يريد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك، فقال: ولم يا أخي، ~~فقال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره، فقال كرز: ها وما يمنعك منه وأنت ~~تعلم هذا، قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا، فلو آمنا ~~بمحمد لأخذوا مناكل هذه الأشياء، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى ~~أن أسلم، وكان يحدث بذلك، فقدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخلوا ~~المسجد حين صلى العصر، وقد حانت صلاتهم فصلوا في المسجد إلى المشرق فدعاهم ~~إلى الإسلام، وسألوه عن المسيح وخاصموه فيه وهم في النصرانية على دين ~~الملك، ثم تكلم أولئك الثلاثة الأمير والمشير والحبر [2] مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على اختلاف من أديانهم فتارة يقولون: عيسى هو الله ~~وتارة، يقولون: ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون في قولهم أنه ~~ولد الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من ~~الطير كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم أنه ولد الله بأنه لم ~~يكن له أب يعلم، ويحتجون على أنه ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى فعلنا ~~وفعلنا، ولو كان واحدا لقال: فعلت، فقال: لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((اسلموا))، قالوا: قد أسلمنا، PageV21P165 فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: ((كذبتم، كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ~~ولدا وتعبدون الصليب، وتأكلون الخنزير)) فقالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى ms2662 ~~بضع وتما نين آية منها، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناظر ~~معهم، فقال: ((ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه)) فقالوا: بلى، ~~قال: ((ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلأه، ويحفظه، ويرزقه، وهل ~~يملك عيسى شيئا من ذلك)) قالوا: لا، قال: ((ألستم تعلمون أن الله لا يخفى ~~عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيء من ذلك إلا ما علم))، ~~قالوا: لا، قال: ((فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟)) ~~قالوا: بلى، قال: ((ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، ~~ولايحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ووضعته كما ~~تضع المرأة، وغذي كما يغذا الصبي، ثم كان يطعم الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث ~~الحدث))، قالوا: بلى، فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: ((كيف يكون هو كما ~~زعمتم)) فعرفوا، ثم أبوا إلا جحودا، ثم قالوا: يا محمد ألست تزعم أنه كلمة ~~الله وروح منه، قال: ((بلى))، قالوا: فحسبنا، ثم إن الله أمر محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يلاعنهم إن ردوا عليه ذلك فدعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى الملاعنة، فقالوا: يا أبا القاسم ذرنا ننظر في ~~أمرنا، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل فانصرفوا، ثم قال: بعض أولئك الثلاثة ~~لبعض ما ترى [3]فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل، ~~ولقد حاكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا إلا وفني ~~كبيرهم وصغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم وأنتم قد آبيتم إلا دينكم ~~والإقامة على ما أنتم عليه، ادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم PageV21P166 فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع نحن ~~على ديننا، فابعث رجلا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها ~~من أموالنا فإنكم عندنا رضا، فقال صلى الله عليه ms2663 وآله وسلم: : ((ائتوا في ~~العشية ابعث معكم القوي الأمين)) فكان عمر يقول: ما أحببت الإمارة قط، إلا ~~يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، وجعلت أتطاول له ليراني، ~~فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: ((اخرج معهم ~~واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه)) فقال: عمر فذهب بها أبو عبيدة ذكر هذا ~~الرازي والحاكم في التهذيب. # وأما معنى {ألم} فقد قدمنا الاختلاف فيه في غير موضع،وأن منهم من قال: هو ~~اسم السورة عن الحسن، وأبي علي، ومنهم من قال: إشارة إلى أن القرآن من هذه ~~الحروف، وهم يتكلمون بها وعجزوا عن الإتيان بمثلها ليعلم أنه معجز وأنه ~~كلام رب العزة عن أبي مسلم وغيره، ومنهم من قال: أنه إشارة إلى حدث القرآن، ~~حيث كان مؤلفا من هذه الحروف، عن ابن الزبيري، ومنهم من قال: أن كل حرف ~~منها ابتدأ اسم آل من الله العليم، عن ابن عباس. # وقيل: الألف الله ولام جبريل، وميم محمد يعني جاء بهذا القرآن جبريل من ~~عند الله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. # وقيل: علامة لانقضى سورة وافتتاح أخرى، وقد ذكرنا قول القاسم، والهادي ~~عليهما السلام، أن الله سبحانه استأثر بعلم ذلك، ومعنى {الله} أي الذي يحق ~~له العبادة. # وقيل: مفزع الخلق، وقيل: يتحير العقول في كنه عظمته، ومعنى {الحي القيوم} ~~أي الدائم البقاء، [4] القائم بتدبير عباده ودليله قوله تعالى:{قائما ~~بالقسط}، {نزل عليك} يا محمد {الكتاب} يعني القرآن سمي به؛ لأنه يكتب بالحق ~~أي بالصدق في أخباره وجميع دلائله. PageV21P167 # وقيل: بالحق بما توجبه الحكمة في الإنزال كالرسل ما توجبه الحكمة من ~~الإرسال. # وقيل: بالحق ليس باللعب والفضل ليس بالهزل عن أبي مسلم. # ومعنى: {مصدقا لما بين يديه} أي لما تقدمه من الكتب والرسل، ومعنى قوله: ~~{مصدقا} قيل لموافقة ما تقدم الخبر به. # وقيل: أنه نبي عن أمر النبي صلى الله عليه وعلى ms2664 آله وسلم من حيث لا يكون ~~ذلك إلا عند علام الغيوب. # وقيل: مصدقا أي يخبر بصدق الأنبياء وما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض. # وقيل: مصدقا لهم في التوحيد والعدل، وأصول الدين، يعني جاء موافقا لهم في ~~ذلك وإن اختلفت الشرائع. # قوله: {وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل} أي من قبلك يام محمد، وقيل: من ~~قبل الفرقان، قيل: أنزل الفرقان نجوما والتوراة على موسى دفعة واحدة، ~~والإنجيل على عيسى دفعة واحدة، ولذلك قال: في القرآن: نزل، وفي التوراة ~~والإنجيل: أنزل. # وقوله: {هدى للناس} أي قوم موسى وعيسى أو للكافة منهم على القول بأنا ~~متعبدون بشرائع من قبلنا. # وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: وأنزل التوراة والإنجيل والقرآن هدى ~~للناس عن السدي ذكر معنى هذا كله في التهذيب. # ثم قال تعالى: {وأنزل الفرقان} وهو القرآن وكرر ذكره لاختلاف اللفظين ~~والصفتين؛ لأن الصفة الأولى تفيد أنه من شأنه أن يكتب. # والثانية: تفيد أنه من شأنه أن يفرق بين الحق والباطل، وقيل: كرر تشريفا ~~له وتعظيما. # وقيل: أراد جنس الكتب السماوية كأنه خص هذه الثلاثة ثم جمع الكتب، وقيل: ~~لها فرقانا؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل، وقيل: الحجة القاطعة لمحمد صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم ومن حاجه في أمر عيسى. PageV21P168 # قال الرازي: والمختار عندي من تفسير هذه الأية وجه رابع وهو: أن المراد من ~~هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم ~~لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب الله نازلة عليهم من عند الله تعالى ~~افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم ودعوى ~~الكذابين، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك [5] المعجزات حصلت ~~المفارقة بين دعوى الصادق ودعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان فلما ذكر ~~تعالى أنه أنزل الفرقان بالحق وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك بين ~~تعالى انه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز القاهر الذي يدل على ~~صحتها ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة لهذا ما ms2665 عندي في تفسير ~~هذه الآية، وهب أن أحدا من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى ~~عليه يفيد قوة المعنى وجزالة اللفظ واستقامة الترتيب والنظم والوجوه التي ~~ذكروها تنافي كل ذلك، فكان كل ما ذكرناه أولى والله اعلم بمراده. انتهى. # قلت: وهذا حق، وانظر إلى ما قال: ولا تنظر إلى من قال:. # واعلم: أنه تعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليل جميع ما يتعلق بمعرفة ~~الإله وجميع ما يتعلق بتقرير النبوة اتبع ذلك بالوعيد زجرا للمعرضين عن هذه ~~الدلائل الباهرة فقال: {إن الذين كفروا بآيات الله إن الذين كفروا بآيات ~~الله} المنزلة وغيرها {لهم عذاب شديد} وقيل: الذين كفروا بالقرآن من أصناف ~~الكفار عن أبي مسلم، وقيل: الكتب الثلاثة، وبعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى ~~قصرا للفظ العام على سبب نزوله، والمحققون من المفسرين قالوا: خصوص السبب ~~لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله. PageV21P169 # قوله: {الذين كفروا بآيات الله} الكفر التغطية، والآيات الدالات يريد عز ~~وجل الذين غطوا دلالات القرآن وغيرها وجحدوها لهم عذاب النار وهو العذاب ~~الشديد، ويحتمل أن اسم العذاب الشديد عام في الدنيا والآخرة، فيدخل فيه ~~القتل والأسر، والنهب مما يجوز إجراؤه على الكفار وجميع أنواع العذاب إلا ~~ما خصته دلالة نحو المسألة. # ثم قال: {والله عزيز ذو انتقام} عزيز أي قادر لا يعجزه شيء، عزيز لا يضره ~~كفر من عصاه، ذو انتقام على الانتقام من الكفار، لايتهيأ لأحد منعه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب تصديق ما بين يديه ~~من الشرائع في الكتب المنزلة على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم، وأن ~~التوراة والإنجيل هدى للناس يجب العمل بما علم منها ونطق به القرآن من ~~أحكامها كآية القصاص،وعلى أن [6] من جحد ذلك فهو كافر انتهى. # ولما ابتدأ السورة بالتوحيد عقب بذكر الدلائل والصفات، فقال تعالى: {إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} أي لا يخفى عليه شيء في ~~العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي ms2666 فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، ~~وفيه تحذير عن مخالفته سرا وجهرا، ووعيد بالمجازاة على ما عملوا، والمراد ~~منه الإشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات، وحينئذ يكون عالما لا ~~محالة بمقادير الحاجات ومراتب الضرورات لا يشغله سؤال عن سؤال، ولا يشتبه ~~الأمر عليه بكثرة سؤال السائلين. # قيل: وفي الآية دليل على أنه لا شيء من مخلوقات الله غير السموات ~~والأرضين إذ لو كان غير ذلك لأخبر به سبحانه أنه عالم به وبما فيه، والله ~~سبحانه اعلم. PageV21P170 # وقوله تعالى: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} إشارة إلى كمال قدرته ~~على جميع الممكنات أي يصوركم كيف يشاء من الصور المختلفة وهي تأليفه بعد ~~النطفة حتى يصير علقة، ثم تصويره حين يصير مضغة لحم، ثم تصويره عظاما، ثم ~~ما معه من لحم وعصب وعروق وجلد على ذلك، وذا حواس ومداخل ومخارج في الأرحام ~~التي في بطون النساء، كيف يشاء من جميل وغير جميل من ذكر أو انثى، وطويل ~~وقصير، وأبيض وأسود، ولما ذكر الدلالة عقبه بذكر المدلول، فقال: {لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم} أي لا قادر على ذلك سواه فالعزيز هو القادر الذي لا ~~يمتنع عليه شيء فاحذروا مخالفته، والحكيم الذي يفعل ما توجبه الحكمة. # وقيل: العليم بأفعالكم وما تستحقون عليها. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن الإسرار والجهر في ~~الأعمال والعقود وارتكاب المعاصي سواء، وعلى أنه يجب الرضى بما قسم الله من ~~الولد؛ لأن من كره ما شاء الله فقد خالف مشيئة الله. انتهى. # ولما تقدم بيان إنزال القرآن عقبه بيان كيفية إنزاله، فقال تعالى: {هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} أي مبينات، أحكمت عبارتها بحفظها ~~من الاحتمال والاشتباه، {هن أم الكتاب} أي .... تحمل المتشابهات عليها وترد ~~إليها مثاله {إلى ربها ناظرة}، {لا تدركه الأبصار}، {أمرنا مترفيها}، {لا ~~يأمر بالفحشاء}، ولم يجعل القرآن كله محكما لما في المتشابه [7] من ~~الإبتلاء والتمييز بين الثابت على الحق، والمتزلزل فيه ولكثرة الثواب ~~باتعاب الفكر ms2667 والقرائح في استخراج معانيه، ورد المتشابه فيه إلى المحكم منه. PageV21P171 # ثم قال تعالى: {وأخر متشابهات} محتملة لغير ما أريد بها فأخبر الله عز وجل ~~أنه أنزل القرآن بعضه محكما وبعضه متشابها، وقد كثرت أقاويل العلماء في ~~المحكم والمتشابه والمعتمد منها أن المحكم هو الذي أحكم المراد بظاهره، ~~والمتشابه هو الذي لم يحكم المراد بظاهره، ومن حقه أن يحتمل وجوها، وقد ~~قدمنا في مقدمة كتابنا هذا بيان حقيقة المتشابه والمحكم، وأوردونا هناك ما ~~ذكره المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام بما يشفي إن شاء الله علة ~~الطالب، ويطفي....... الراغب. # قال المرتضى عليه السلام: قد سئل عن هذه الآية جدي القاسم صلوات الله ~~عليه فقال: المحكمات من كتاب الله هن البينات منه والواضحات، والأم من كل ~~شيء فهو البين من علمه غير الخفي، والأم فأمهات العلوم كلها أنوار ما يكون ~~من العلم عند أهلها، وكذلك الكتاب فمحكماته من غير شك أمهاته التي لا تشتبه ~~على عالمهن، فيهن علم ولا يدخل في الإحاطة بهن شك ولا وهم، كقوله تعالى: ~~{ليس كمثله شيء}، {لا تدركه الأبصار} والمتشابه فهو ما احتمل المعاني ~~المختلفات، ولم يدرك علمهن إلا بالذكر والدلالات، وأقل ما يجب فيما اشتبه ~~من ذلك لله سبحانه على من سمعه التسليم والعلم بأنه تنزيل من الله الحكيم، ~~وفيه قول آخر: أن متشابه الآيات من الكتاب لا يكون أبدا إلا متشابها كما ~~جعله رب الأرباب، فليس يحيط غيره بعلمه، ولا يكلف أحد العلم به، وإنما كلف ~~العلم بأنه من عند ربه، كما قال سبحانه: : {والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به} فجعل الإيمان به والعلم بأنه من عند الله فريضة عليهم في متشابه الكتاب ~~ولو كان عند غير الله بالاستخراج معلوما لما كان متشابها في نفسه، ولا ~~مكتوبا، ولزال عنه الإخفاء والتشابه بما يوجد له من المخارج في العلم ~~والتوجه. PageV21P172 # ولما قال سبحانه: : {متشابها} حمله وإرسالا حتى يقال عند من كان به جاهلا ~~وفي تشابه كتاب الله وإخفائه، وما أراد بذلك سبحانه من امتحان ms2668 كل محجوج ~~وإبتلائه اعلم العلم وأحكم الحكم عند أهل العلم والحكمة، وأدل الدلائل على ~~الله في الأشياء كلها [8] من القدرة والعظمة. # قلت: وأراد عليه السلام بهذا القول الآخر الحروف نحوحم، المر، الم، كما ~~قال: الهادي إلى الحق عليه السلام، فإن الراسخين في العلم إليه يردونه إذ ~~لم يعلموه وإذا حجب عنهم تأويله فلم يفهموه مثل يس، وحم، المر، وطسم، ~~وكهيعص، والم، والر، والمص، وص، وما كان من المتشابه مما يحتاج الخلق إلى ~~فهمه فقد أطلع الله الذين أمر الله بسؤالهم على علمه وهو ما كان تأويله ~~مخالفا لتنزيل مثل قوله سبحانه: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة}، ومثل ~~قوله: {والسماوات مطويات بيمينه}، ومثل ما ذكر الله من الضلال والإضلال ~~وغير ذلك مما ذكر تبارك وتعالى مما يتعلق به المبطلون وينسب فيه إلى الله ~~شبه خلقه الجاهلون فأبطلوا بذلك ما ذكر الله من الأمهات المحكمات اللواتي ~~جعلهن بالحق شاهدات وعن ظاهر المتشابه ناطقات. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ~~بين أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه، فقال سبحانه: : {فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ} أي ميل عن الحق إلى الباطل، يقال زاغ زيغا أي مال ميلا، ~~والتزايغ التمايل في الإنسان، واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله: {في ~~قلوبهم زيغ}. # قال في التهذيب: قيل هم اليهود، وقيل: هم النصارى الذين حاجوا في عيسى عن ~~الربيع. # وقيل: هم المنافقون عن ابن جريج. # وقيل: كل من احتج بالمتشابه لباطله كالحرورية، وقيل: كل ضال ومبتدع. PageV21P173 # قلت: وبهذا قول المحققين أنه يعم جميع المبطلين؛ لأن اللفظ عام وخصوص السبب ~~لا يمنع عموم اللفظ، والزيغ الذي في قلوبهم هو إما الميل بالعقيدة إلى غير ~~الحق، فتأولوا المتشابه عليها وجعلوها مراده بالمتشابه، وجعلوه حجة عليها ~~كما فعلته الجبرية في حملهم المتشابه على عقيدتهم إن الله خالف الشرك، ~~ومريد له، والمشبهة في حملهم للمتشابه من اليد والرؤية والوجه والجنب على ~~أنه المراد بما اعتقدوه من التشبيه، وإما الميل عن الحق ms2669 بالجهل وإما الشك، ~~{فيتبعون ما تشابه منه} أي فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه ~~المبتدع مما لا يطابق المحكم، ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الزايغين يتبعون [9] المتشابه بين أن لهم فيه غرضين: # الأول: قوله تعالى: {ابتغاء الفتنة}. # والثاني: قوله: {وابتغاء تأويله} أي طلبا للفتنة، قيل: الفتنة هاهنا ~~اللبس، وقيل: الشرك، وقيل: الإضلال عن الحق أي طلب أن يفتنوا الناس ويضلوهم ~~باتباع بدعهم لما قصد القوم تخليص ما يوافق زيغهم وباطلهم جاز أن يقول ~~تعالى: ابتغاء الفتنة؛ لأن الفتنة في اللغة تفيد التخليص، ومنه قولهم: فنيت ~~الذهب إذا ادخلته النار، لتعرف ما جودته،وبهذا الوجه هو الذي قصدوه باتباع ~~المتشابه، ويؤيد هذا قوله تعالى: {وابتغاء تأويله} فهم قصدوا تأويله لكنهم ~~مزجوه بطلبه ما يوافق زيغهم وباطلهم ذكر معنى هذا قاضي القضاة. # ثم بين تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزايغين فقال سبحانه: : ~~{وما يعلم تأويله} الحق الذي يجب اتباعه {إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به}. PageV21P174 # قال في البلغة: التأويل التفسير وأصله في اللغة المرجع؛ لأنه من آل يؤل إذا ~~رجع، ويستعمل ذلك في العاقبة كما قال: {ذلك خير وأحسن تأويلا} قيل: معناه ~~جزاءا ؛ لأن أمر العباد يؤول إلى الجزاء، وكما قال: {هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من ~~شفعاء فيشفعوا لنا} أي ما ينظرون إلا ما عاقبته والموعود به، والراسخ ~~الثابت، يقال رسخ العلم في قلبه يرسخ رسوخا إذا ثبت. # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: الراسخ هو المتمكن في بحبوحة الشيء ~~الذي يدخل ولا يطيش، والعرب تقول: رسخت الحجر في الماء إذا تمكنت ووقعت في ~~أسفل الماء ودخلت، فكذلك عقول هؤلاء تدخل الأسباب إلى مستقرها وترسخ حتى ~~تستقر إلى انتهائها، فضرب الله الرسوخ مثلا. انتهى. # قال: بعضهم: الراسخ هو الثابت في اللغة العريبة، فالراسخون الثابتون في ~~العلم، ولا يكون العالم ثابتا في العلم إلا بأن ms2670 يكون متقنا لعلمه بحيث ~~لازييغ معه ولا يؤثر في علمه شبهة فإن اضاف إلى ذلك العمل بعلمه كمل ~~الرسوخ. # قال: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد سئل عن الراسخ في العلم ~~فقال: ((من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه [10] فذلك ~~الراسخ في العلم)). # وعن علي عليه السلام: هو من علم، وعمل واعلم وعلم فذلك بدعا في ملكوت ~~السموات عظيما انتهى. # قال الحاكم: واختلفوا في واو {والراسخون في العلم} على قولين: # الأول: أنها واو العطف يعني لا يعلم تأويله إلا الله فإنه يعلمه ~~والراسخون في العلم يعلمونه، ومع ذلك يقولون به يعني يعلمون، ويقولون: أمنا ~~به، فاضمر يقولون، وقيل: تقديره والراسون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به ~~عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأبي مسلم. PageV21P175 # وقوله: يقولون يكون حالا ومحله نصب كقول الشاعر: # الريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه # فإن معناه والبرق أيضا تبكي شجوة لامعا في غمامة لولا ذلك لم يكن لذكره ~~معنى. انتهى. # ولأن قوله: {آمنا به} كناية عن مذكر فمعناه آمنا بتأويله لا أنه آمنا ~~بالمتشابه؛ لأنها مؤنثة، وذلك يدل على علمهم بتأويله، ثم حكى عنهم أنهم ~~يقولون: {كل من عند ربنا} أي هذه الآيات كلها محكما ومتشابها من عند الله، ~~وقيل: عند صلة أي كل من ربنا. # {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي وما يتذكر معناه وتأويله فيعلمه ويؤمن ~~به إلا أولوا العقول الصافية. # وقيل: ما يتذكر أي يتعظ إلا أولوا الألباب، ولا يصح الاتعاظ إلا بعد ~~معرفة معناه فخصهم بالذكر مدحا لهم وثناء على الذين قالوا: آمنا. # قال: أمير المؤمنين علي عليه السلام في صفة الراسخين في العلم: # ((اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة ~~دون الغيوب الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله ~~تعالى اعترافهم بالعجز عن تأويل ما لم يحيطوا به علما وسمى تركهم التعمق ~~فيما لم يكلفوا البحث عن كنهه رسوخا.)) # قال: الإمام الناصر أحمد ms2671 بن يحيى الهادي إلى الحق عليهما السلام: وقال: ~~قوم: أن الراسخين لا يعلمون تأويل الكتاب جهلا منهم، وتلا الله أن الراسخين ~~ليعلمون تأويل الكتاب وما تحتاج إليه الأمة من أمر دينها أي تعبدها الله به ~~ولولا ذلك لم يجب لهم اسم الرسوخ في العلم وإلا ففيما رسخ إذا لم يعرف ~~تأويل القرآن وأولئك هم أئمة الهدى أهل بيت النبوة عليهم السلام. PageV21P176 # الراسخون في العلم هل أهل التنزيل والتأويل، ولو لم [11]يكن عندهم علم ~~الكتاب لما جاز أن يقول الله في كتابه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون} والذكر فهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ودليل ذلك قوله عز ~~وجل: {قد أنزل الله إليكم ذكرا، رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات} فصار ~~الذكر هو الرسول، وهذا ما لا يدفعه أحد فصار أهل اليبت هم المأمور الخلق ~~بسؤالهم إلى آخر كلامه عليه السلام. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على معرفة المحكم والمتشابه ~~ليعمل بالمحكم ويتجنب المتشابه، وعلى وجوب العمل بالمحكم وعلى تحريم تأويل ~~محرم، وإن العامل به من أهل الزيغ وعلى وجوب الإيمان بالمحكم والمتشابه، ~~وعلى أن ذكر الحق وهو المحكم ليرد المتشابه واجب؛ لأنه من صفات أولوا ~~الألباب الذين يجب الإقتداء بهم. انتهى. # ولما حكى عن الراسخين في العلم إيمانهم بالمحكم والمتشابه وراؤا أهل ~~الزيغ استقادوا بالله عن حالهم فقال تعالى: حاكيا عنهم إنهم يقولون: {ربنا ~~لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} وحذف يقولون لدلالة الأول عليه. # قال في البلغة: الإزاغة في اللغة على وجوه، يقال أزاغه أي أماله وأزاغه ~~وحده زائغا، وأزاغه نسبة إلى الزيغ، ومعنى الآية الدعا إلى الله بأن يفعل ~~لهم اللطف الذي يثبت قلوبهم على الحق، وتقديره لا تزغ قلوبنا عن الحق بعد ~~إذ دللتنا عليه، ووقفتنا له يمنع اللطف الذي معه يستحق أن تنسب قلوبنا إلى ~~الزيغ. انتهى. # وقيل: معناه لا تبلينا ببلايا تزيف فيها قلوبنا فنضل بعد إذ هديتنا، ولا ~~تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا. PageV21P177 # قال: الإمام الناصر للحق ms2672 الحسن بن علي الأطروش عليه السلام: يريدون بذلك لا ~~تثقل علينا المحن، وتشدد علينا البلوى فلعلنا نؤثر أهوانا فتزيغ قلوبنا من ~~محنتك فندع عند ذلك طاعتك، وإذا كان ذلك منهم فإنما أتوا من قبل أنفسهم ~~فجاز في اللغة أن ينسب ذلك إلى الله جل ذكره لما كان عن محنته وبلواه يراد ~~بذلك أنها ولما اشتدت عليهم محنة أغواهم. انتهى. # يدل على أن هذه القلوب لا بد في اثناء التكليف أن يعترضها الزيغ فينبغي ~~الرجوع إلى الله تعالى، والاعتصام به، وقد كان النبي صلى الله عليه [12] ~~وعلى آله وسلم يكثر الدعاء بقوله: ((اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على ~~دينك)). # وقال: صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إن قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب ~~في اليوم سبع مرات)) وكان يدعو لقلبه بما تقدم. # قال: الهادي عليه السلام: إن قال: قائل كيف يزيغ قلب من هداه؟ وكيف جاز ~~لهم أن يظنوه بالله؟ # قيل لهم هذا دعاء منهم بالتثبيت لهم بالمعونة والتوفيق والتسديد، ~~والإرشاد، يقولون: ربنا زدنا هدى إلى هدانا، ومعونة إلى قوتنا، ولا تتركنا ~~من رحمت فنهلك، وتزيغ قلوبنا بعد ما نحن عليه من اجتهادنا في طاعتك، ~~واتباعنا لمرضاتك، لا أنهم يتوهمون على ربهم ويظنون بخالقهم ظلما لهم ~~وإزاغة عن رشدهم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: يدل على وجوب الإلتجاء إلى الله ~~والاستخارة به من الضلال وطلب الهداية. انتهى. # ثم أنهم اتبعوا ذلك بأن طلبوا من ربهم الرحمة فقالوا: {وهب لنا من لدنك ~~رحمة} أي نعمة بالتوفيق في الدين والمعونة عليه، وقيل: نعم الدنيا، وقيل: ~~نعم الدين، والدنيا، {إنك أنت الوهاب} أي كثير الهبة والعطية. PageV21P178 # ثم حكى إيمانهم بالمعاد فقال تعالى: {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه} ~~ليوم أي لحساب يوم أو لجزاء يوم، وقيل: اللام بمعنى في أي في يوم وهو يوم ~~القيامة لا ريب فيه لا شك فيه، {إن الله لا يخلف الميعاد} في وعد ولا وعيد؛ ~~لأن الإلهية تنافي خلف الميعاد. # وقيل: هذه الآية متصلة بما ms2673 قبلها من الدعاء حكاية عن الراسخين إلا أنه ~~مرة يخاطب ومرة يذكر على وجه الحكاية؛ لأن الكلام إذا أمكن حمله على ~~الإتصال كان أولى من حمله على الإنفصال. # وقيل: هو كلام مستأنف، ولذلك قال تعالى: {إن الله} عن أبي علي، أجاز ~~الزجاج الوجهين. # وقال: عليه السلام: دلت على كفر من أنكر الحشر يوم القيامة، وجمع الناس ~~فيه، وعلى أن ما وعد الله ثابت لا يخلفه سبحانه وتعالى من جمع الناس ~~والجزاء على الأعمال. انتهى. # ثم بين حال الذين في قلوبهم زيغ فقال تعالى: {إن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي لا تغني عنهم شيئا من عذاب الله ~~معناه لا ينفعهم المال والولد بدل رحمته وطاعته، ولا يدفع عنهم العذاب [13] ~~ونظيره قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم}. # ثم قال: {وأولئك هم وقود النار} أي حطبها، وبهذا هو النهاية في شرح ~~العقاب فإنه لا عذاب أزيد من أن يستعمل النار فيهم كاشتعالها في الحطب ~~اليابس والوقود بفتح الواو، الحطب الذي توقد به النار وبالضم مصدر، وقدت ~~النار وقودا كقولك: وردت ورودا. # وقال: عليه السلام أيضا: دلت على أن ما انفق العصاة من أموالهم وما ~~يبتلون به من نقص أولادهم وأموالهم لا يغني عنهم شيئا مع عصيانهم، وليس لهم ~~عوض؛ لأنهم لو كان لهم في شيء من ذلك عوض لكان قد أغنى عنهم، انتهى PageV21P179 ثم بين تعالى أن حال هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم في كفرهم ونزول العذاب ~~بهم كحال آل فرعون، فقال سبحانه: : {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم} أي بإجرامهم ومعاصيهم، {والله شديد العقاب} ~~لمن يعاقبة واحذروا عقابه، الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، والكاف ~~مرفوع المحل أي عادة هؤلاء كعادة آل فرعون في التكذيب بالحق. # وقيل: في الكفر، وقيل: في قبح الفعل، وقيل: في تكذيب الرسل، وقيل: معناه ~~كعادة آل فرعون في عقابه إياهم به على ما سلف من ذنوبهم، ms2674 ولما تقدم ما لحق ~~بالأمم الماضية من العذاب بتكذيبهم الرسل حذر هؤلاء أن يحل بهم في الدارين ~~ما حل بأولئك، فقال تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد}. # قال في البلغة: قرئ بالياء كلاهما وأكثرهم قرأوهما بالتاء المعجمة فوقها ~~فمن قرأها بالياء ذهب إلى أن الخطاب لليهود، والأحبار عن عبدة الأوثان، ~~والسبب فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما انصرف من أحد أظهر ~~اليهود السرور بما كان من المشركين فكأنه قيل: قل يا محمد لليهود والذين ~~أظهروا السرور بما كان من المشركين يوم أحد أن المشركين يغلبون في الدنيا ~~ويحشرون في الآخرة إلى نار جهنم، ومن قرأها بالتاء المعجمة ذهب إلى أن ~~الخطاب للفريقين جميعا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما هلكت قريش يوم بدر جمع ~~اليهود [14] بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما نزل بقريش من ~~الانتقام فأبوا، وقالوا: لسنا كقريش الإ غمار الذين كانوا لا يعرفون ~~القتال؛ لأن حاربتنا لتعرف الناس، فأنزل الله تعالى: {قل للذين كفروا}. # وروي أنه نزل فيهم: {قل للذين كفروا إن ينتهوا...}الآية. PageV21P180 # قال الحاكم: قيل بل نزلت في اليهود لما قتل الكفار ببدر وهزموا، قال: ~~اليهود: إنه نبي، فلما نال أصحابه يوم أحد ما نال شكوا ونقضوا العهد وخرج ~~كعب بن الأشرف إلى مكة وجمع الناس للأحزاب فلما رجع إلى المدينة أنزل الله ~~هذه الآية عن أبي صالح عن ابن عباس انتهى. # قوله: {ستغلبون} إخبار حصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على موافقته وكان ~~هذا إخبارا عن الغيب ومعجزة. # دلت الآية على حصول البعث في القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد ~~الكافرين إلى النار. # ثم قال: {وبئس المهاد} والمهاد الموضع الذي تمهد فيه وتنام عليه كالفراش. PageV21P181 # ولما وعد الله تعالى المؤمنين بالظفر والغلبة بين ما فعل يوم بدر فقال ~~عزوجل:: {قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى ~~كافرة يرونهم مثليهم رأي العين} قد كان لكم، قيل الخطاب ms2675 للمشركين واليهود، ~~وقيل: للناس جميعا ممن حضر الوقعة، وقيل: لليهود والذين نقضوا العهد، وذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا ~~التمرد، وقالوا: لسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال، بل معنا ~~من الشوكة والمعرفة بالقتال ما نغلب كل من ينازعنا، فالله تعالى قال: لهم ~~إنكم وإن كنتم أقويا وأرباب العدة فإنكم ستغلبون، ثم ذكر تعالى ما يجري ~~مجري الدلالة على صحة ذلك الحكم، فقال: {قد كان لكم آية} أي علامة ومعجزة ~~في فئتين ألتقتا يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك؛ لأن الكثرة والعدد ~~كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلام من جانب المسلمين، ثم أن الله ~~تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مضفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة ~~كانت بتأييد الله ونصره، ومن كان كذلك فإنه يكون غالبا لجميع الخصوم سواء ~~كانوا أقويا أو لم يكونوا كذلك فهذا يجري مجرى الدلالة على أنه صلوات الله ~~[15] عليه وعلى آله وسلم يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح ~~والقوة، فهذا هو الكلام في وجه النظم. PageV21P182 # قال المرتضى عليه السلام: الفئتان اللتان ألتقيا يوم بدر كان المشركون فيما ~~يقارب الألف إلا أمرا يسيرا، وكان المسلمون في ثلاثمائة وثلاثة عشر فنصرهم ~~الله على المشركين، وظهرم عليهم ومنحهم أكتافهم، وإنما خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم في هذه الجماعة اليسيرة لطمع بالعير التي فيها أبو ~~سفيان بلغ ذلك قريشا فخرجوا في لقاء العير فالتقوا حيث ذكر الله عز وجل حين ~~يقول: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى} فكان نصر الله لنبيه ~~وللمؤمنين على جمائع الكافرين يومئذ من أكبر الدلالات والآيات في النصر ~~والعون لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان مما شهد له بالنبوة واللطف ~~من الله والكفاية لنبيه صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، انتهى، والفئة ~~الجماعة. # قال الرازي: وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه يوم بدر ms2676 ومشركوا مكة. # روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلا، وفيهم أبو سيفان، ~~وأبو جهل، وقادوا مائة فرس، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير، وأهل الخيل ~~كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر، وكان في الرجال دروع سوى ذلك، وكان ~~المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. # قال الحاكم: منها سبعة وسبعون من المهاجرين والباقي من الأنصار، وصاحب ~~راية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمهاجرين على بن أبي طالب ~~عليه السلام، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان في الجيش سبعون بعيرا ~~وفرسان للمقداد وفرس لمرثد بن أبي مرثد،وستة دروع وثمانية سيوف، وكان رئيس ~~المشركين عتبة بن ربيعة وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وشهد الوقعة الملائكة وحاربوا ولم يحاربوا في غيرها، وشهدها ~~مؤمنوا الجن، وشهد في عكسر الكفار إبليس والشياطين على ما نطق به القرآن. انتهى. # وقوله: {يرونهم مثليهم}. PageV21P183 # قال في الكشاف: يرونهم بالياء المثناة من أسفل أي يرى المشركون المسلمين ~~مثلي المشركين قريبا من [16] ألفين أو مثلي المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين ~~أراهم الله تعالى أضعافهم ليهابوهم فيجنبوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم ~~من الله كما أمدهم بالملائكة، والدليل عليه قراءة نافع ترونهم بالتاء ~~الفوقانية أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم، وهذا لا يناقض قوله ~~في الأنفال: {ويقللكم في أعينهم} لأنهم قللوا ولا ليجتروا عليهم فلما ~~خالطوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالين وهو ~~أبلغ في القدرة. # وقيل: الخطاب في ترونهم للمسلمين أي يرى المسلمون المشركين مثليهم وهم ~~كانوا ثلاثة أمثالهم، ولكن الله قللهم في أعينهم على ما قرر عليهم أمرهم من ~~مقاومة الواحد للاثنين في قوله تعالى: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين} ومعنى رأي العين أي رؤية مشاهدة لا رؤية قلب، يجوز أن ينتصب على ~~المصدر ويجوز أن يكون ظرفا للمكان كما نقول: ترونهم أمامكم. # ثم قال تعالى: {والله يؤيد بنصره من يشاء} نصر الله للمسلمين على وجهين: ~~نصر بالغلبة،ونصر بالحجة، فلهذا ms2677 المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين ~~لجاز أن يقال إنهم هم المنصورون بالحجة وبالعاقبة الحميدة، والمقصود من ~~الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره لا بكثرة العدد، ~~والسلاح والشوكة. # ثم قال: {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} أي كان فيما كان يوم بدر مغير ~~لأولي العقول فالعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى ~~العلم، وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، ومنه ~~العبارة وهي الكلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب وعبارة الرؤيا من ذكل؛ ~~لأنها تفسير لها. PageV21P184 # ثم أخبر تعالى عن السبب الذي دعاهم عن العدول عن الحق وأن ذلك ركونهم إلى ~~الدنيا فقال تعالى: {زين للناس حب الشهوات} قيل: زينة الشيطان عن الحسن. # وقيل: لا أحد أشد ذما لها من خالقها، ويزين الشيطان بالوسوسة، وقيل: زينه ~~الله تعالى أبتلاء بما جعل في الطباع من الشهوة كقوله: {إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها} عن الأصم، والزجاج. # وقيل: المراد به المشتهى. # قال الرازي: إن الشهوات هاهنا هي الأشياء المشتهاة سميت بذلك على ~~الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدر قدرة، وللمرجو رجاء [17]، ~~وللعلوم علم، وهذه الاستعارة مشهورة في اللغة، يقال هذا شهوة فلان أي ~~مشتهاه. # قال في الكشاف: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: # أحدهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا ~~على الاستمتاع بها. PageV21P185 # والثانية: إن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على ~~نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من هذا اللفظ التنفير عنها والتسلية لأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن ما أعد الله لهم خير مما أعطى ~~الكفار من الغنى والسعد، والمراد من حب الشهوات ما يشتهى من زينة الدنيا ~~وهو إرادة نيل المشتهيات، ولذلك فضل المشتهيات من بعد فقال: {من النساء ~~والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام ~~والحرث} اعلم أن الله تبارك وتعالى نسق هذه الآية ورتب شهوات الدنيا الأفضل ~~فالأفضل فبدأ بأقرب الشهوات وهي النساء ms2678 وبعدهن البنين، ثم القناطير فبدأ ~~بالذهب قبل الفضة، وبدأ بالخيل قبل الأنعام، والأنعام قبل الحرث، وإنما بدأ ~~تعالى بالنساء؛ لأن النعمة بالحلال منهن أكثر وعاقبتهن أعظم لما يحصل له من ~~حسن المعيشة المرضية وما يحصل من المسار بالأولاد والفتنة بهن أعظم فيما ~~يتعلق بالحرام منهن فإنهن بالنص من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~حبائل الشيطان، وأقرب إلى الإفتتان وهلاك الأكثر بالفروج الحرام، وثنى ~~تعالى بالبنين؛ لأنهم في الدين أعظم نصرة وأكبر قوة، وفي المعصية أعظم ~~فتنة، وثلث بالقناطير من الذهب والفضة؛ لأن هذين النوعين هما الذان بهما ~~القوة في الإسلام، وبهما يهلك كثير من الطعام. # وقال الرازي: عدد هاهنا من المشتهيات أمورا سبعة: # المرتبة الأولى: حب النساء، وإنما قدمهن على الكل؛ لأن الإلتذاذ بهن أكثر ~~والاستئناس بهن أتم، ولذلك قال تعالى: {خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}. # والمرتبة الثانية: حب الولد ولما كان الولد الذكر أكثر من حب الولد ~~الأنثى لا جرم خصه الله بالذكر ووجه التمنع بهم ظاهر من حيث السرور بهم ~~والتكثر بهم إلى غير ذلك. PageV21P186 # واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في طلب الإنسان حكمة ~~بالغة[18] فإنه لولا هذا الحب لما حصل هذا التوالد والتناسل، ولأدى ذلك إلى ~~انقطاع النسل، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية، ولذلك فإنها حاصلة لجميع ~~الحيوانات والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل. انتهى. # المرتبة الثالثة والرابعة: القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، القناطير ~~جمع القنطار، والمقنطرة قيل المكملة، وقيل: هو تأكيد مثل قولهم دراهم ~~مدرهمة. # وقيل: المجموعة المنضدة بعضه فوق بعض، وقيل: المدفونة، وقيل: المضروبة ~~المنقوشة، وقيل: المضاعفة، والقناطر المال الكثير. # وقال: الكلبي: القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة، وقيل: ~~مائة ألف دينار. # وحكى أبو عبيدة عن العرب: أنه وزن لا يجد فيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا ~~تركناها؛ لأنها غير معضودة بحجة البتة، والذهب والفضة إنما كانا محبوبين؛ ~~لأنهما جعلا ثمن كل الأشياء فمالكها كالمالك لجميع الأشياء. # الخامسة: ms2679 الخيل المسومة أي ذوات الأعلام والغرر، والتحاجيل والعلاامات ~~والسومة هي العلامة، قال: الشاعر: # جردا صافيه الأديم مسومة # وقيل: المعلمة المعدة للجهاد أو المرعية، وقيل: المطهمة وهي الجامعة ~~لصفات الخيل المحمودة. # والسادسة: الأنعام جمع نعم وهي الأزواج الثمانية، ولا يقال للجنس الواحد ~~منها نعم إلا للإبل خاصة فإنه يطلق عليها. PageV21P187 # والسابعة: الحرث وهو الزرع، ثم أنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال: {ذلك ~~متاع الحياة الدنيا} أي يستمتع بها في الدنيا ولا تبقى فهذه المزينات من ~~المشتهيات التي ذكرها الله تعالى هي التي أراد التحذير من الإفتتان ببهجتها ~~والإنخداع لزهرتها لما علم أنها سرور حائل وغرور أيل وكظل مائل، وقد حث ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الانقطاع إلى الله تعالى دونها ~~والثقة به عز وجل لا بها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: : ((من انقطع إلى ~~الله كفاه كل مؤنة فيها، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها)) يريد ~~بالانقطاع إلى الله تعالى أن يؤمله ولا يؤمل غيره، يقال انقطع فلان إلى ~~فلان أي لا يأمل غيره في نفعه ورفعه ودفع ضرره وضره، وأنه جعله [19] عدة ~~ليسره وعسره وقد أخبر وهو الصادق أن الله عز وجل عند ذلك الإنقطاع يكفيه كل ~~مؤنة فيها أي في هذه الحياة الدنيا كناية عن غير مذكور، والمؤنة الثقل ~~والكلفة، وإذا كفى ذلك فماذا يطلبه بعد ذلك. # وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ومن انقطع إلى الدنيا)) يعني ~~من اتخذها كهفا ومأمولا لكل نفع ودفع ضرر فاتخذ أمله هذه المرتبات ~~والاستكثار من حلالها والخلط معه لحرامها أو احدهما فقد وكل إلى غير كاف، ~~وعمد إلى دواء لنهمته غير شاف، فليس يبلغ من مطالبها نهاية إلا وخفقت لطرفه ~~في أمالها غاية، فلا يزال لكدها وكدحها وهممها وهمها في نصب شديد حتى يزل ~~به ما كان عنه يحيد، فيندم حيث لا ناصر يمنعه ولا عذر ينفعه. PageV21P188 # وروينا أن سعدا دخل على سلمان الفارسي رضي الله عنهما في مرضه وهو يبكي ~~فقال: يا أبا ms2680 عبد الله ابشر وما هذا البكى تقدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم وهو عنك راض، فقال: سلمان: يا سعد سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سره أن يلحقني فليكن زاده من الدنيا كزاد ~~الراكب)) أما ترى ما قد جمعنا فبيع ما في بيته فبلغ ثماني عشر درهما فليست ~~الدنيا أهل أن ينقطع إلى المزينات منها ويعتمد على المشتهيات فيها ولا يسلم ~~من غرورها إلا من أخذ منها بيد الاضطرار وأخلد إلى طاعة العزيز القهار، ~~وانقطع إلى الرحيم الغفار. # ثم أخبر عز وجل عما أعده لأهل طاعته فقال: {والله عنده حسن المآب} أي حسن ~~المرجع والمنقلب وهو الثواب الدائم الذي لا يزول، وهذا تنبيه على ذم من ~~يستعظمها ويبتغي شهواتها، وحث على طلب ما عند الله. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت هذه الآية على أن إيثارها على ~~فرائض الله هو المراد بقوله: {بل تؤثرون الحياة الدنيا...} الآية ونحوها، ~~فمن ترك واجبا إيثارا لما ذكره الله من هذه التي ذكرها فهو عاص لله يؤيد ~~ذلك ما قال الله سبحانه: في الثانية: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا ~~بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال: في آية أخرى: {والآخرة خير وأبقى} ~~أي قل لهم يا محمد ألا أخبركم بما هو خير من عرض الدنيا المزين لكم للذين ~~اتقوا أي للمؤمنين الذين [20] اتقوا ما حرم الله عليهم عند الله من الثواب ~~ما ذكره في الآية. PageV21P189 # ثم قال: {خالدين فيها} أي دائمين، ثم قال: {وأزواج} أي زوجات {مطهرة} من ~~الحيض وسائر الأقذار بخلاف نسوان الدنيا، وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن ~~عظمت فلن يتكامل إلا بالأزواج التي لا يحصل الأنس إلا بهن، ثم وصف الأزواج ~~بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب فقال: {مطهرة} ويدخل في ذلك الطهارة من الحيض ~~والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما تنفر ms2681 عنه الطبع ~~ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة. # ثم قال تعالى: {ورضوان من الله} أي رضي عنهم، وقيل: رضاه بأن يثيبهم ~~ويواليهم. # قال: المتكلمون والثواب له ركنان: # أحدهما: المنفعة وهي التي ذكرناها. # والثاني: التعظيم وذلك المراد بالرضوان، وذلك؛ لأن معرفة أهل الجنة مع ~~هذا النعيم المقيم فإنه تعالى راض عنهم حامد لهم مثن عليهم أزيد في إيجاب ~~السرور من تلك المنافع، والله اعلم. # ثم قال: {والله بصير بالعباد} أي عالم بمصالحهم فيجب أن يرضون لأنفسهم ~~بما اختاره الله لهم من نعيم الآخرة وإن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور ~~الدنيا وعالم بهم وما يستحقونه من الجزاء. PageV21P190 # ثم بين تعالى صفة المتقين فقال: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وقنا عذاب النار} الذين نصب على المدح أعني الذين يقولون أو رفع على ~~معنى هم الذين يقولون، ويجوز الجر صفة للمتقين أو للعباد والواو المتوسطة ~~بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها أي ذلك الثواب المذكور في ~~الآية الأولى لمن صفته ما بين في هذه الآية الأخرى، ومعنى إننا آمنا أي ~~صدقنا الله ورسوله، وقيل آتينا بخصال الإيمان فاغفر لنا أي أعف عن ذنوبنا ~~لا تعاقبنا بها بعد التوبة، وقنا أي اصرف عنا عذاب النار وهو أمر من وقاء ~~يقي وقاية، إلا أنه سؤال هاهنا والدعاء بما يجب في حكمة الله فلعه ضرب من ~~التعبد فتعبد الله العبد مصحلة له كما قال تعالى: حاكيا عن الملائكة عليهم ~~السلام: {فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} والله تعالى ~~يغفر للتائب [21] لا محالة، وكما قال: إبراهيم عليه السلام مما حكى الله ~~عنه: {ولا تخزني يوم يبعثون} ومعلوم أن الله تعالى لا يخزي أنبياؤه عليهم ~~السلام إلا أن في الدعاء والمسألة له ضربا من الاستكانة والتواضع وإظهار ~~العبودية، ويجوز أن يكون بعض الأدعية لما في معلوم الله تعالى أنه لا يجوز ~~أن يعطي العبد ذلك إلا بعد المسألة. # واعلم أنه تعالى ذكر صفات خمسة: # الأولى: قوله: {الصابرين} قيل نصب ms2682 على المدح بتقدير أعني الصابرين، وقيل: ~~الصابرين في موضع جر على البدل من الذين، ومعنى الصابرين الذين صبروا على ~~طاعة الله وعما زين للناس، وعن ما ينالهم من المحن والشدائد في دين الله ~~وصبروا عن معصية الله وهو صفة للمؤمنين المخلصين، وقد كثر مدح الله ~~الصابرين فقال: {الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس}. # والثانية: قوله:{والصادقين} يعني في أقوالهم وأفعالهم واعتقاداتهم. PageV21P191 # والثالثة: قوله: {والقانتين} قيل هم المطيعون القائمون بدين الله الدائمون ~~عليه، وقيل الداعون الله المغفرة، المتواضعون لله الخاشعون. # الرابعة قوله: {والمنفقين} المودين للزكاة ويدخل فيه انفاق المرء على ~~نفسه وأهله، وأقاربه وصلة رحمه، وفي الجهاد وفي سائر وجوه البر. # والصفة الخامسة: قوله: {والمستغفرين بالأسحار} خصه بالذكر؛ لأنه أسرع وقت ~~للإجابة، وأقرب إلى الخشوع والإنابة. # قال في البلغة: هم المصلون في وقت السحر، وقيل: هم الداعون السائلون الله ~~المغفرة وأول من توحد بهذه الخصال المحمودة المذكورة في هذه الآية أمير ~~المؤمنين علي صلوات الله عليه باجماع الأمة. انتهى. # والسحر الوقت الذي قبيل طلوع الفجر وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت. # واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار، والدعاء؛ لأن ~~الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك فقوله: ~~{والمستغفرين بالأسحار} يدل على أنهم كانوا قد صلوه بالليل ولذلك خص ~~الأسحار؛ لأنهم كانوا يقومون الليل فحسن طلب الحاجة بعد تقديم الوسيلة، دلت ~~على وجوب الإنقطاع إلى الله تعالى بالدعاء. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على أن يتوسل إلى ~~الله سبحانه [22] بالإقرار بالإيمان باللسان، ويذكر ما يفعله المؤمن من ~~الطاعة وما يتجنبه من المعصية؛ لأن ذلك من الإيمان وعلى الصبر فيما يجب ~~وعلى صدق اللهجة والاستكانة لله سبحانه، والاستمرار على طاعة الله وعلى ~~الانفاق مما رزق الله سبحانه الواجب والمستحب وعلى أن أفضل أوقات الاستغفار ~~الأسحار من الليل. انتهى. PageV21P192 # ولما تقدم ذكر الإيمان واختلافهم في التوحيد بين تعالى الحق وأن دلائل ~~الإيمان ظاهرة جلية، فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ms2683 وأولوا ~~العلم قائما بالقسط} معنى شهد الله أي أخبر، وأصل الشهادة الإخبار عن ~~مشاهدة ولما كان الله تعالى أخبرنا بأنه لا إله إلا هو بغرائب ما أحدثه من ~~المصنوعات وصوره من المصورات وعلمه تعالى بذلك أعظم من العلم بالمشاهدات ~~كان تعالى قد شهد بذلك بإقامة هذه البينات فالمراد اعلم الله أنه لا إله ~~إلا هو، وقيل: بين أنه لا إله إلا هو، والمعنى أنه شهد تعالى بتدبيره ~~العجيب وصنعه المبين وتصويره الخلق المحكم أنه لا إله إلا هو، كما قال: ~~الشاعر: # ولله في كل تحريكة # وتسكينة أبدا شاهد # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # قال في البلغة: أخبر الله تعالى عباده بالدلالة بأنه لاإلا إلا هو والله ~~لا يخبر إلا بحق، والدلائل الواضحة قائمة على ذلك فلما نصب سبحانه وتعالى ~~بالأدلة القاطعة على وحدانيته وعلى أنه حكيم وأنه صادق في أقواله، ضم إلى ~~ذلك الإخبار بأنه لا إله إلا هو تحقيقا للعباد ذلك. # قال في البرهان: يحتمل معنى الشهادة وجهين: # أحدهما: أن معناها الإخبار بذلك تأكيد الخبر بالمشاهدة كإخبار الشاهد لما ~~شاهد؛ لأنه أوكد الخبرين. # والثاني: أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله ~~إلا الله فأما شهادة الملائكة وأولوا العلم فهي اعترافهم بما شاهدوه من ~~دلائل وحدانيته. انتهى. # والملائكة خصهم بالذكر وجعلهم المرتبة الثانية من شهادته؛ لأنهم أفضل ~~الخلق واعلمهم بالله لعظم ما يرونه من الآيات، وما أعطوا من العصمة ~~والتوفيقات وأولوا العلم يعني الموحدين لله تعالى ليفهمنا بذلك، فضل [23] ~~العلماء وما يستحقونه من المراتب العلياء، فقد قال: المصطفى صلى الله عليه ~~وعلى آله النجباء: ((ساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في علمه خير من ~~عبادة العابد سبعين)). PageV21P193 # وقال: صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((نظرة في وجه العالم أحب إلى الله من ~~عبادة ستين سنة صيام نهارها وقيام ليلها))، ونحو ذلك من فضل العلماء ~~العاملين بعلمهم كثير، ومعنى قائما بالقسط أي بالعدل والحق يعني يقوم ~~بإجراء الأمور في تدابير الخلق ms2684 وجزاء الأعمال بالعدل، وحسن التدبير لعباده ~~فيما يقسم من الأرزاق، ويثيب ويعاقب، وانتصب قائما على الحال من اسم الله ~~بتقدير شهد الله قائما بالقسط، وقيل: هو على الحال من هو بتقدير لا إله إلا ~~هو قائما بالقسط. # وقوله تعالى : {لا إله إلا هو} كلمة الإخلاص والفائدة في إعادتها أنه ~~تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة وأولوا ~~العلم بذلك صار التقدير كأنه قال: يا أمة محمد أنتم على وفق شهادة الله ~~وشهادة الملائكة وأولوا العلم بذلك: {لا إله إلا هو} وكان الغرض من الإعادة ~~والمر بذكر هذه الكملة على وفق تلك الشهادات، وقيل: ذكر قوله {لا إله إلا ~~هو}أولا ليعلم أنه لا تحق البعادة لغيره، وذكر ثانيا ليعلم أنه القائم ~~بالقسط لا يظلم، ولا يجور. # أما قوله: {العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة ~~إلى كمال العلم. # ثم قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} اتفق القراء على كسر إن إلا ~~الكسائي فإنه فتح أن والمعنى أن الدين الذي فيه نجاة الخلق والثواب هو ما ~~أتى به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الإسلام لا اليهودية ~~والنصرانية، وكأن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعرف عندهم بالإسلام ~~كما تعرف شريعة إبراهيم بالحنيفية، وشريعة موسى باليهودية، وشريعة عيسى ~~بالنصرانية. # قال في الكشاف: قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} جملة مستأنفة مؤكدة ~~للجملة الأولى. # فإن قلت: ما فائدة هذا التوكيد؟ PageV21P194 # قلت: فائدته أن قوله: {لا إله إلا هو} توحيد، وقوله: {قائما بالقسط} تعديل ~~فإذا أردفه قوله: {إن الدين عند الله الإسلام} فقد أذن أن الإسلام هو العدل ~~والتوحيد، والدين جند الله وما عداه فليس بشيء من الدين. انتهى. # روي في فضلها عن النبي [24] صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((من ~~قرأ {شهد الله} إلى آخره عند منامه خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون ~~له إلى يوم القيامة)). # وروي أن غالب بن القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت ms2685 قريبا من الأعمش ~~فكنت اختلف إليه فلما ركبت ذات ليلة وأردت إلا بدار البصرة قام من الليل ~~يتهجد فمر بهذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} ثم قال: الأعمش: وأنا ~~أشهد بما شهد واستودع الله هذه وهي لي عند الله وديعة {إن الدين عند الله ~~الإسلام} قال:ها مرارا، قلت: لقد سمع فيها شيئا فصليت معه وودعته، ثم قلت: ~~آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها قال: والله لا أحدثك إلى سنة فمكثت على ~~بابه سنة فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة، قال: حدثني ابن ~~وائل عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يجاء ~~بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى: إن لعبدي هذا عندي عهدا وأنا أحق من ~~وفا بالعهد، ادخلوا عبدي الجنة به)). روي هذا في النجم الزاهر في تفسير ~~القرآن الباهر، دلت الآية على أن الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان؛ ~~لأن دين المؤمنين هو الإيمان، والألف والام في الدين للتعريف. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن من أتى من البدع غير ~~ما شرع الله في دين الإسلام أنه ليس من الدين كما يفعله المقيدون بالحلولية ~~من جهله هذه الأمة. # وأما الحلولية فإنهم لبسوا من أهل هذه المسألة لصريح كفرهم. PageV21P195 # ثم قال سبحانه: : {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم}. # اعلم أن الغرض من الآية بيان أن الله تعالى أوضح الدلائل وازالت الشبهات ~~والقوم ما كفروا لأجل التقصير، فقوله: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} فيه وجوه: # الأول: المراد بهم اليهود واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قربت وفاته ~~سلم التواراة إلى سبعين حبرا وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع فلما مضى قرن ~~بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما جاءهم العلم في التوراة بغيا بينهم ~~وتحاشيا على طلب الدنيا، وليس ذلك الاختلاف عن جهل فلما اختلفوا وقعت ~~الفرقة بينهم حتى سفكوا الدماء، وقتلوا الأنبياء وحدث فيهم الحوادث. # وقوله: {بغيا} ms2686 أي وقع الاختلاف بينهم لأجل البغي بينهم، وطلب الملك ~~والرئاسة فسلط [25] الله عليهم الجبابرة فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا مملكتهم ~~وبلادهم وبيت المقدس وهو عزهم وفخرهم. # والثاني: المراد بالنصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما ~~جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله. # والثالث: المراد باليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت: اليهود: عزير ~~ابن الله، وقالت: النصارى: المسيح ابن الله، وأنكروا نبوة محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش؛ لأنهم أميون، ونحن ~~أهل الكتاب. # والرابع: إن المراد بالكتاب كتب الله المتقدمة فأخرج اللفظ مخرج الجنس أي ~~ولم يختلف أهل الكتاب إلا بعد إحاطة علمهم بصحة ما اختلفوا فيه أنه الحق ~~وإنما اختلفوا بغيا وهو إخبار عن عناد من عاند منهم. # قال: الأخفش انتصب بغيا على أنه مفعول له أي كقولك جئت طلب الخير ودفع الشر. # وقال: الزجاج: انتصب على المصدر من طريق المعنى. PageV21P196 # ثم قال تعالى: {ومن يكفر بآيات الله} الناطقة بأن الدين الإسلام وكفره بها ~~بأن سترها وغطاها، {فإن الله سريع الحساب} وهو تهديد، وفيه وجهان: # الأول: المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعا فنحاسبه أي نجازيه على كفره. # والثاني: إن الله سبحانه سيعلمه أعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع ~~مع كثرة الأعمال. # قال الإمام عليه السلام: دلت على قبح الاختلاف وإن مخالفة ما علم من ~~الدليل في الآيات كفر بآيات الله. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم ~~العلم وأنهم أصروا على الكفر، ثم مع ذلك بين تعالى للرسول صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم ما يقوله في محاجتهم، فقال: {فإن حاجوك} أي جادلوك اليهود ~~والنصارى بالباطل بعد ظهور الآيات بأن الدين الإسلام، {فقل أسلمت وجهي لله ~~ومن اتبعني} قد يذكر الوجه والمراد به النفس أي أنقدت لأمر الله في إخلاص ~~التوحيد له، ولم أشرك غيره في العبادة، ومعنى ومن اتبعني أي اقتدى بي في ~~الدين من المسلمين ووجه الحجاج به إلزامهم على ما ms2687 أقروا به من أن الله ~~خالقهم اتباع أمره في أن لا يعبدوا إلا الله. # ثم قال تعالى: {وقل للذين أوتوا الكتاب} اليهود والنصارى، {والأميين} ~~الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، والأمي منسوب إلى الأمة في الخلقة [26] ~~لأنهم خلقوا لا يكتبون شيئا ولا يهدون الكتابة. # دلت هذه الآية على أن المراد بقوله: {فإن حاجوك} عام في كل الكفار؛ لأنه ~~دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله: الذين أتيناهم الكتاب، ودخل من لا كتاب له ~~تحت قوله: {والأميين}. # قوله: {أأسلمتم} هو استفهام في معرض التقرير، والمقصود منه الأمر أي ~~اسلموا. PageV21P197 # قال: النحويون: إنما جاء الأمر في صورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب ~~الفعل والإستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام ~~فائدة زائدة هي التعبير بكون المخاطب معاندا بعيدا عن الانصاف، المعنى قد ~~أتاكم أكبر دليل فهل قبلتم الحق الواضح. # ثم قال: {فإن أسلموا فقد اهتدوا} للفوز والنجاة في الآخرةأن ثبتوا عليه. # قال: في النجم الزاهر: قيل والآية تدل على أن الموجد الفاسق ليس بمسلم؛ ~~لأنه أمر بأن تعرف اليهود وجميع أهل الكتاب بأن الإسلام هو الدين الذي ينسب ~~إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنه الذي يسلم الإنسان نفسه وعمله لله ~~كله، والفاسق لم يفعل ذلك فإنه ليس بمسلم ولا من أهل الإسلام، وإلا من ~~المتبعين لمحمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام فيكون من قبيل الكفار كما ~~ذكرته العترة الأطهار. انتهى. # {وإن تولوا} عن الإسلام واعرضوا عن اتباع محمد عليه وعلى آله الصلاة ~~والسلام، {فإنما عليك البلاغ} أي تبليغ الرسالة إليهم والغرض منه تسليم ~~الرسول وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإن فعل ~~فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم. # ثم قال تعالى: {والله بصير بالعباد} أي عالم بأعمالهم وعن تقبل منك ومن ~~لا يقبل فيجازيهم، وقيل: عالم بأنك قد بلغت وأنهم تولوا، وذلك يفيد الوعد ~~والوعيد، وهو ظاهر. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الدخول في الإسلام، ~~ومن ms2688 جملته العمل بما أنزل الله سبحانه من الدين. # وقوله: {والله بصير بالعباد} تهديد لمن كفر بآيات الله انتهى. # ثم بين تعالى وعيد من اختلف في الحق وصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع ~~من الصفات: # الأولى: قوله سبحانه: {إن الذين يكفرون بآيات الله} أي جحدوا حججه ~~وأعلامه، قيل: هو ما في كتبهم، وفيه نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. PageV21P198 # وقيل: هو القرآن واختلفوا فقيل المراد [27] بهم اليهود والنصارى عن الأصم، ~~وقيل: سائر أصناف الكفار. # قال: الحاكم وهو الوجه الثاني: قوله تعالى: {ويقتلون النبيين بغير حق}، ~~وقرأ الحسن {وتقتلون النبيين} وهو للمبالغة. # وقرأ حمزة وحده {ويقاتلون}. # وروي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة، قال: ((رجل قتل نبيا، ~~أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر)) وقرأ هذه الآية، ثم قال: ((يا أبا عبيد ~~ة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في أول النهار في ساعة واحدة فقام ~~مائة رجل واثنى عشر رجلا من عباد بني إسرائيل قأمروا من قتلهم بالمعروف ~~ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا، وفي آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ~~ذكرهم الله تعالى {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس})) وأيضا القوم ~~قتلوا يحيى بن زكريا وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم، فعلى قولهم ثبت أنهم ~~يقتلون الأنيباء، ومع هذا كانوا حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم لولا عصمة الله. # الصفة الثالثة: قوله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط} أي بالعدل {من ~~الناس}. # قال في البلغة: وروى الحسن بإسناده عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~أنه قال: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليها)) فدلت الآية ~~على جواز إنكار المنكر مع خوف القتل؛ لأنه تعالى مدح هؤلاء الذين قتلوا، ~~واعلم أنه تعالى وصفهم بهذه الصفات الثلاثة، فذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه: # الأول: قوله عز وجل: {فبشرهم بعذاب أليم} وإنما دخلت الفاء في خبرإن؛ ~~لأنه ms2689 في معنى الجزاء والمعنى من يكفر فبشرهم، فوضع العذاب مع موضع الثواب ~~توبيخا لهم فإن قيل: كيف؟ قال: فبشرهم والخبر عن أسلافهم. PageV21P199 # قلنا: كما قال تعالى: لأهل الكتاب فلم {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين} فأمر الله سبحانه نبيه صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، أن ~~يقول لهم فلم تقتلون أنبياء الله من قبل وهم فلم يقتلوا الأنبياء، وإنما ~~رضوابفعل آبائهم وصادروا بذلك شركاء لهم في عذابهم، داخلين في قبيح نياتهم ~~وأفعالهم مستوجبين لدار أسلافهم جهنم يصلونها، وبئس المصير، وفي هذا ما ~~يروى عن امير المؤمنين علي عليه السلام إذ يقول في خطبته بصفين أيها الناس ~~إنه سيشركنا في حربنا هذه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فقام إليه رجل ~~فقال: يا أمير المؤمنين كيف يكون ذلك في قوم لم يحضروا [28] فقال: صلوات ~~الله عليه: يأتون من بعدنا فيرضون بفعلنا فيكونون منا، أو يسخطون فعلنا ~~فيكونون من عدونا، ذكر معنى هذا المرتضى عليه السلام. # الوجه الثاني: قوله تعالى: {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} ~~أي بطلت أعمالهم التي طلبوا أنهم يتقربون بها إلى الله. # قال في البلغة: حبوطها في الدنيا هو بطلان ما استحقوه من المدح والثناء ~~والتعظيم، وحبوطها في الآخرة بطلان الثواب. انتهى. # وذلك لأنهم في الدنيا ملعونون غير محصنة أموالهم، ولا أولادهم، ولا ~~أنفسهم. # الثالث من وعيدهم قوله تعالى: {وما لهم من ناصرين} يدفع العذاب عنهم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على كفر من فعل ما ~~ذكره الله وعلى أن أعمالهم الطاعات محبطة غير مقبولة، وعلى أن لا ناصر لهم ~~أي لا مدافع عنهم بشفاعة ولا غيرها. انتهى. # فإن قيل: لم قال: {ويقتلون النبيين بغير حق} وقتل النبي يكون بغير حق. PageV21P200 # قلنا لهم في الجواب عنه أقوال: قيل معناه بغير جرم، وقيل: ادعوا أنه أذن ~~لهم في قتلهم فبين أنهم قتلوهم بغير حق استحقوا ذلك منهم، وقيل: بغير حق ~~يعني ظلما وعدوانا، والمراد شرح عظم ذنبهم، وأيضا يجوز أن يكون المراد ms2690 أنهم ~~قصدوا طريقة الظلم في قتلهم لا طريقة العدل. # ثم بين بعد هذا غاية عنادهم فقال تعالى: {ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم ~~معرضون}، اعلم أنه لما تقدم ذكر القرآن وكفرهم، بين الله تعالى إعراض ~~اليهود عن كتابهم الذي يزعمون أنهم يتمسكون به فقال تعالى: معجبا لنبيه من ~~حالهم ومبينا أنهم إذا لم يجيبوا إذا دعوا إلى كتابهم فكيف تأمل أن يجيبوا ~~القرآن {ألم ترى} قيل: معناه ألم تعلم، وقيل: بل المراد رؤية العين، وقيل: ~~هو تعجيب للمخبر بحالهم الذي جرى مجرى المثيل في التعجب فيصح أن يخاطب به ~~من لم يكن قد رآه وسمع به. # أما قوله: {نصيبا من الكتاب} فالمراد منه نصيبا من علم الكتاب؛ لأنا لو ~~أجريناه على ظاهره فيهم قد أوتوا لك الكتاب، ومعنى يدعون إلى كتاب الله أي ~~إلى الإيمان به واتباع أحكامه. # قال في البلغة: قيل الكتاب هاهنا التوراة دعي اليهود إلى حكم التوراة ~~ليحكم الكتاب بينهم بما بين الله فيه فأبوا ذلك لعلمهم بقيام الحجة ولزومها ~~لهم، وقيل: الكتاب هاهنا القرآن فدعوا إلى ما فيه، بين الله بما يوافق ~~التوراة من أصول الدين وما بشر الله من صفة [29] النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ودينه، وسيرته، والحكم الذي دعوا إليه قيل: هو نبؤة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقيل: دعوا إلى حد من الحدود، وقيل: هو ما ذكر الله تعالى ~~من أمر إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام، فأهل الكتاب اختلفوا كما حكى ~~الله عنهم في هذه السورة. انتهى. PageV21P201 # قال الحاكم: وقد وقعت المنازعة في جميع ذلك فيجوز حملها على الجميع، وقوله: ~~{ثم يتولى فريق منهم} استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله ~~واجب، فريق أي جماعة منهم وهم العلماء؛ لأن العوام لا معرفة لهم بالكتاب، ~~وهم معرضون أي عادتهم الإعراض عما دعاء اليه، التولي هو الإغراض، وجمع ~~بينهما لاختلاف اللفظ وهو كثير مثل قوله عز وجل: ms2691 {وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان} وكله معصية، وقيل: جمع بينهما للتأكيد، وقيل: تولى عن الداعي ~~وأعرض عما يدعوا إليه. # واعلم أنهم ذكروا في سبب النزول وجوها، ذكر الحاكم عن السدي قال: دعى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود إلى الإسلام فقالوا هلم نخاصمك إلى ~~الأحبار، فقال: النبي صلوات الله عليه وآله وسلم: ((إلى كتاب الله))، ~~فقالوا: بل إلى الأحبار، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل بيت المدارس على ~~جماعة من اليهود فدعاهم إلى الإسلام وفيهم نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد، ~~فقالوا: على أي دين أنت؟ فقال: ((على ملة إبراهيم)) فقال:ا: إن إبراهيم كان ~~يهوديا، فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: ((فهلموا إلى التوراة فهو بيننا ~~وبينكم))، فأنزل الله تعالى هذه الآية. PageV21P202 # وعن ابن عباس أن رجلا وامرأة زنيا وكانا ذا شرف، وكان في كتابهم الرجم ~~فكرهوا رجمهما لشرفهما فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ورجوا إلى أن يكون عنده رخصة فحكم بالرجم، فقالوا: ليس عليهما الرجم، فقال: ~~صلوات الله عليه وعلى آله وسلم: ((بيني وبينكم التوراة، فإن فيها الرجم، ~~فمن اعلمكم؟)) قالوا: ابن صوريا الفدكي فأتوا به ودعوا التوراة فلما أتى ~~على آية الرجم وضع يده عليها، فقال: ابن سلام: قد جاوزت موضعها يا رسول ~~الله، فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بهما فرجما، فغضب اليهود لذلك غضبا شديدا، فقال: صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أنا أولى بأخي موسى، وأنا أول من أحيا سنة أماتوها)) فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} يعني ~~ذلك التولي والإعراض والعناد من علمائهم إنما كان لقولهم: لن تمسنا النار، ~~وقيل: ذلك [30] التولي والإعراض بأنهم قالوا:...... السبب سببه أنهم يعني ~~اليهود، {قالوا لن تمسنا النار} أي لاتصيبنا على مخالفة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم النار، {إلا أياما معدودات} أي قلائل أربعين ms2692 يوما، وهي ~~الأيام التي عبدوا فيها العجل، وقيل: أياما منقطعة ينقضي العذاب بإنقضائها. # ثم قال تعالى: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ما كانوا يكذبون على ~~الله وعلى دينه، قيل قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل هو قولهم: لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودات، أو أن آباهم يشفعون لهم، والغرور قيل: أصله ~~الاطماع في غير مطمع، ومنه الخديعة، ودينهم ما كانوا عليه، والافتراء تعمد ~~الكذب، والمراد أن كذبهم في قولهم: بأن العذاب منقطع هو الذي خدعهم في ~~دينهم، وحملهم على ذلك، وفيه دلالة أن المعاصي تجر بعضها إلى بعض. PageV21P203 # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجيء ~~يوم يزول فيه ذلك الجهل وينكشف فيه ذلك الغرور، فقال عزوجل:: {فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي كيف حالهم، هذا تهويل لعذابهم، ومعنى ~~{جمعناهم} اي أحضرناهم جميعا للجزاء، {ليوم} أي لجزاء يوم أو لحساب يوم، ~~وقيل: في يوم لا ريب فيه أي لا شك في كونه وهو يوم القيامة، ثم قال: {ووفيت ~~كل نفس} أي وفيت جزاء {ما كسبت} من خير وشر، وقيل: ما كسبت من ثواب أو عقاب ~~على ما أجتلبت بعملها كقولهم: كسب المال بالتجارة، والغلان بالزراعة، ثم ~~قال: {وهم لا يظلمون} أي لا يظلمون بنقص من الثواب ولا زيادة على مستحق عقاب. # قال: الرزاي: واعلم أن قوله: {ووفيت كل نفس ما كسبت} يستدل به القائلون ~~بالوعيد، ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا ~~يخلدون في النار. # قلت: يكفي في بطلان قولهم أن الآية الأولى قد دلت على أن في اليهود من ~~يقول بانقطاع العذاب فإنكاره عزوجل عليهم يدل على أن من حق العقاب أن يدوم ~~في كل شريعة؛ لأن ما ذكره من النكير لا يختص. # وروي أن أول راية ترفع في الموقف من رايات الكفار راية اليهود ويفضحهم ~~الله على رؤس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على ms2693 قبح الإعراض عما ~~في كتاب الله من الأحكام، وعلى قبح التعلق بما [31] يرويه الكاذبون على ~~أنبياء الله من الأباطيل المخالفة لما أنزل الله في محكم الكتاب. انتهى. PageV21P204 # واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة وصحة دين الإسلام، ثم قال: ~~لرسوله: {فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني} ثم ذكر من صفات ~~المخالفين كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق، وذكر شدة ~~عنادهم، وتمردهم في قوله: {ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} ثم ~~ذكر شدة غرورهم بقوله: {قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات}، ثم ذكر ~~وعيدهم بقوله: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} وأمر رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بدعاء وتمجيد يدل على مباينة طريقه وطريق اتباعه لطريقة ~~هؤلاء الكافرين المعاندين المعرضين، فقال: معلما نبيه تمجد وتعظم ويدعوا ~~ويطلب فقال سبحانه: : {قل اللهم مالك الملك} عام في كل ملك، ولما بين أنه ~~مالك الملك على الإطلاق فصل بعد ذلك فقال: {تؤتي الملك من تشاء} أي تؤتي ~~الملك من تشاء أن تؤتيه، {وتنزع الملك ممن تشاء} أي وتنزع الملك ممن تشاء ~~أن تنزعه على وجه الحكمة والمصلحة، والمراد منه ملك النبوة والرسالة، كما ~~قال تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}، ~~فالنبوة أعظم مراتب الملك. # قال: الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام: فإن مراد ~~الله سبحانه بهذا أنه يعطي النبوة من اصطفاه، ومعنى اصطفاه اختاره على علم ~~منه بقيامه بأمره وطهارته وإخلاصه له في الدين، فحكم سبحانه لأنبيائه ~~بالملك وجعله لهم، وقد حكم أيضا بالملك لغير الأنبياء من الأئمة، الملوك ~~الذين أخذوا الملك من جهة الطاعة له مثل طالوت، وذي القرنين فمن دونهما، ~~فإنهما لم يكونا نبيين وكانا تقيا منهما بأمر الله وطاعتهما إياه مستحقين ~~للملك فأما من يغلب بالكفر والمعاصي لله على الناس فلم يعطهم الله ذلك الذي ~~يغلبوا عليه. PageV21P205 # وقوله: {وتنزع الملك ممن تشاء} فذلك تسليطه الأنبياء والمرسلين على من ~~يغلبوا بالناس فملكوهم حتى انتزعوا الملك منهم ms2694 بأمر الله وحكمه وذلك في مثل ~~كسرى وغيره أو بموتهم، فإنه إذا أماتهم فقد اتنزع منهم ملكهم في كل شيء. انتهى. # وروي في بعض كتب الله المنزلة يقول الله تعالى: أنا الله ملك الملوك، ~~قلوب [32] الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن ~~العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إلي ~~أعطفهم عليكم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعمالكم أعمالكم ~~كما تكونون يولا عليكم)). # قال: الهادي عليه السلام: والملك فهو جبايات الدنيا وأموالها، والذين ~~يشاء أن يؤتيها إياهم فهم الأنبياء ثم الأئمة من بعدهم، والذين يشاء أن ~~ينزعه عنهم فهم أعداؤه من جبابرة أرضه، ومعنى {تؤتي} فهو الحكم بالملك لهم ~~صلوات الله عليهم، فمن حكم له بالنبوة أو بالإمامة فقد أتاه الملك؛ لأن ~~الملك هو الأمر والنهي، والجبايات والأموال التي بها قوام العساكر واتخاذ ~~الخيل والرجال والسلاح، وعبارة البرهان: {تؤتي الملك من تشاء} أي النبوة ~~والإمامة، {وتنزع الملك ممن تشاء} أي تنزعهما ممن تشاء وتختار لهما من تشاء. # وفي البلغة: الملك على ضربين ملك من جهة تمليك السياسة، والأمر والتدبير، ~~والسياسة إنما تكون للأنبياء والأئمة عليهم السلام والمؤمنين على وجه مخصوص ~~ولا يجوز أن يملك الله الفاسق والكافر السياسة لقوله تعالى: {لا ينال عهدي ~~الظالمين} لأن تمليك السياسة من العهود فأما تمليك المال فيجوز للفاسق ~~والكافر وغير الفاسق، وما ذكره الله تعالى من ملك نمرود بقوله {ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك} فهو من تمليلك المال. انتهى. PageV21P206 # قوله تعالى: {وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي تعز من تشاء إعزازة، وتذل من ~~تشاء إذلالة وهو عام في إعزاز الأنبياء والمؤمنين، وإذلال الكافرين في ~~الدارين. # قال: الإمام الناصر عليه السلام: فذلك العز إعزاز الأنبياء بالأمن من ~~سخطه، وبطاعتهم إياه وبما معهم من الحجج والبراهين، وبولايته إياهم، وكذلك ~~جميع المؤمنين وبمحبته لهم، وبما أعد لهم من كراماته في الجنة ودار البقاء ~~من حسن الجزاء، وبما قتلوا وطردوا ms2695 في هذه الدنيا، وتذل من تشاء فإنه قد أذل ~~من كفر به وعصاه بلعنه له وعداوته إياه وضعف حجته وتسليطه من أولياءه عليه ~~وأمرهم بقتله، ويصيره بعد ذلك إلى النار الدائم عذابها، فلا يكون أذل من ~~أعداء الله وإن عاشوا في الدنيا قليلا وتمتعوا منها يسيرا. انتهى. # واعلم أن العزة قد تكون في الدين [33]وقد تكون في الدنيا. # أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان، قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين} وكان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان، وأذل الأشياء ~~الموجبة للذلة هو الكفر والعصيان. # وأما في الدنيا قال في البلغة: فإعزازه في الدنيا بإعطاء المال والعبيد ~~والقوى في البدن، والمدح والتعظيم وما شاكل ذلك، وفي الآخرة الثواب وضروب ~~الكرامات، والإذلال يكون نقيض ذلك إلا أنه قد قام الدليل على أن الله تعالى ~~لا يذل أولياءه وما أصابهم من فقر فليس ذلك بإذلال لهم، وإنما هو ضرب من ~~الامتحان، أولا ترى إلى ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام بقوله: {ثم ~~تولى إلى الظل فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير}. # وروي عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يطلب قوت يومه، ومع ذلك فإنه ~~كان أحسن خلق الله. انتهى. PageV21P207 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن الملك لا يستحقه إلا من ~~أتاه الله الملك، وحكم به له فيما أنزل على رسله لا ما أخذ بالتسلط والظلم، ~~كما قال تعالى: لنبيه إبراهيم صلوات الله عليه وآله: {إني جاعلك للناس ~~إماما قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين} فإن الله سبحانه قد نزع ~~الملك من كل ظالم، ودلت على أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كما ذكر الله ~~سبحانه في سورة المنافقين، وأما من عتا وتكبر وكان من أهل النار فلم يعزه ~~الله، ولكن الله يقول: {وأن الله مخزي الكافرين}، ويقول سبحانه: {اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون} وهل لمن أعد الله له ذلك من عزة. انتهى. # أما قوله: {بيدك الخير} فمعناه أنت قادر على كل خير ms2696 في الدارين يؤتيه ~~أولياءك، واليد: هي القدرة. # وقوله: {إنك على كل شيء قدير} كالتأكيد والتعليل لما تقدم أي لأنه القادر ~~على جميع الأشياء لا يعجزه شيء، قادر على إيجاد المعدوم وإفناء الموجود، ~~وإعادة ما كان موجودا، وإنما ذكر الخير ولم يذكر الشر؛ لأن الكلام واقع في ~~الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين، وأنكرته الكفرة يوم الخندق، وقيل: إن الشر ~~محذوف؛ لأن كلاهما يقع بقدرة الله إلا أنه اكتفا بالنقيض والضد على عادة العرب. # قال: الحاكم في سبب نزول الآية: قيل أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم[34] سأل ربه أن يجعل لأمته ملك فارس والروم، فقال: المنافقون واليهود: ~~هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع، ألم يكفه مكة والمدينة ~~حتى طمع في فارس والروم فأنزل الله تعالى هذه الآية، عن ابن عباس، وأنس بن مالك. PageV21P208 # وقيل يوم الخندق ظهر حجر عظيم فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وضربها ثلاث ضربات وكسرها بمعول، وكان يبرق منها في كل ضربة برق عظيم، ~~ويكبر تكبير الفتح فسئل عن ذلك فقال: ((أخبرني جبريل أن أمتى ستظهر على ملك ~~فارس والروم)) فاستبشر المسلمون، وقال: المنافقون: إنه يعدهم الباطل، إنما ~~نحفر الخندق من الفرق، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ويدل قوله: {بيدك ~~الخير} على وجوب إضافة كل خير إليه، ومن أقوى النعم ما يحمل من الإيمان ~~والطاعة من حيث مكن، وهدى وأزاح العلة، وسهل السبيل ولطف، فأما نفس الإيمان ~~والطاعة ففعل العبد، وكل نعمة منه إما بأن فعلها أو فعل سببها أو التمكن منها. # ثم قال سبحانه: : {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي يدخل ~~ما نقص من الليل في النهار، وما نقص من النهار في الليل، وفي إزدياد النهار ~~ونقصانه ضروب من النفع للعباد لما أجرى الله تعالى العادة من تناسل ~~الحيوانات وإدراك الثمرات وغيرها من المنافع، ولذلك تمدح الله تعالى ~~بالإقتدار على ذلك فهو قادر على نصر العرب على العجم، وقيل: يدخل أحدهما في ~~الآخر بإتيانه بدلا منه ms2697 في مكانه. # ثم قال سبحانه: : {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قرأ نافع ~~وحمزة والكسائي {الميت} بالتشديد والباقون بالتخفيف وهما لغتان بمعنى. # قال: المبرد: أجمع البصريون على أنهما سواء، وأنشدوا: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # إنما الميت من يعيش كئيبا # كاشفا باله قليل الرجاء # وهو مثل هين وهين، ولين ولين. # أما المعنى فذكر المفسرون فيه وجوها: # أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل ~~كنعان بن نوح عليه السلام. # والثاني: يخرج الطيب من الخبيث، وبالعكس. # والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة، وبالعكس. PageV21P209 # والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس. # قال: القفال: والكلمة محتملة للكل. # إما [35] الكفر والإيمان فقال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه} يريد كان ~~كافرا فهديناه، فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا، وسمي إخراج النبات من ~~الأرض إحياء وجعلها قبل ذلك ميتة، فقال: {ويحي الأرض بعد موتها}، وقال ~~تعالى: {فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها}، وقال: {كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم}. # وأما قوله: {وترزق من تشاء بغير حساب} ففيه وجوه: قيل بغير جزاء على عمل، ~~وقيل: بغير نقصان؛ لأن مقدوراته لا نهاية لها، وقيل: بغير ضيق وتقتير؛ لأن ~~ما ينفق يضيق وتقتير ينفق بحساب، ومعناه يرزق من يشاء بغير معتر ولا محدود، ~~بل يبسطه له ويوسعه عليه كما يقال فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاه ~~بالكثرة ونظيره قولهم في كثير مال الإنسان: عنده ما لا يحصى، وقد ورد في ~~فضل هاتين الآيتين ما رواه في النجم الزاهر عن أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن فاتحة الكتاب وآية ~~الكرسي والآيتين من آل عمران {شهد الله أنه لا إله إلا هو}، و{قل اللهم ~~مالك الملك...} إلى قوله: {وترزق من تشاء بغير حساب} مشفعات ما بينهم وبين ~~الله حجاب)). # وقال: صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: ((أتحب يا معاذ أن ms2698 يقضي الله دينك؟ ~~قال: نعم يا رسول الله، قال: {قل اللهم مالك الملك...} إلى قوله: {بغير ~~حساب} وقل: يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء وتمنه من ~~تشاء، اقض عني ديني)). انتهى. PageV21P210 # ولما بين الله تعالى أن مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة ~~فيما عنده وعند أوليائه دون أعدائه، فقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء} أي أصدقاء {من دون المؤمنين} لا يتخذ نهي وهو نهي الغائب، نهى الله ~~تعالى المؤمنين عن موالاة الكافرين لقرابة أو صداقة قبل الإسلام، وقد كرر ~~الله تعالى ذلك في القرآن، {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، {لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء}، {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله} والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان. # قال في البلغة: ومن هاهنا أبتدأ الغاية، وتقديره لا تجعلوا ابتداء ~~الولاية مكانا دون مكان المؤمنين، فنهاهم عز وجل عن اتخاذ غيرهم أولياء أي ~~أودادا وأحبابا، وأصحابا [36] وإخوانا وأنصارا. # قال: القاسم والهادي عليهما السلام: ويكونون أولياء بالمجالسة، وسير ~~المخالطة، وبالسكون في قراهم؛ لأنه يقال توالا القوم إذا كانوا في مكان ~~واحد، قالوا: فهو عام في كل موالاة بالقلب وبالجوارح الظاهرة إلا ما خصته دلالة. # ثم قال: عز وجل: {ومن يفعل ذلك} أي الموالاة لغير المؤمن، {فليس من الله ~~في شيء} أي ليس من ولاية الله في شيء، بل منسلخ من الدين رأسا،وهذا أمر ~~معقول بأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان، ولهذا قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني # صديقك ليس النوك عنك بعازب # النوك الجهل، وبالضم الحمق، وذكر أنه الجهل والحمق، ويحتمل أن يكون ~~المعنى فليس من دين الله في شيء، وهذا أبلغ ثم استثنى فقال: {إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة} أي إلا أن تضطروا إلى موالاتهم في الظاهر وتتقوا شرهم بذلك ولم ~~يمكنوا من البعد عنهم والمهاجرة عن ديارهم. PageV21P211 # قال المرتضى عليه السلام: معناه إلا أن تخشوا من بلايهم وتوقنوا بإهلاكهم ~~متنافوهم بالألسن فيكون اللسان مداحيا ولضررهم دافعا، ms2699 وتكون القلوب مبغضة، ~~وعنهم متباعدة، ولفعلهم مالية فالمنافاة بالألسن لا بالفعال. انتهى. # قال: إمامنا المنصور بالله عليه السلام : دلت على قبح اتخاذ المؤمنين ~~للكافرين أولياء، وعلى جواز التقية حتى حيث لا يجد المؤمن سبيلا إلا أن ~~يتاقي الظالمين مثل ما كان المسلمون عليه في صدر الإسلام من اتخاذ الجار، ~~ومثل ما كان المهاجرون في الحبشة بين النصارى وهم يقولون : إن الله ثالث ~~ثلاثة تعالى الله عن ذلك. # وأما إذا كان المؤمن يجد سبيلا إلا أن لا يتاقيهم فالآية مبنية بقوله ~~تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}.. الآية، ونحوها، والقتال خلاف التقية، ~~وآية الهجرة حيث قال تعالى: {قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، فهذه التقية إنما تكون فيما ~~لا يؤدي إلى قوة ظالم؛ لأن الله يقول: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، ~~هذا والإكراه ليس من التقية، وهو باب آخر.. انتهى. # وروي أن مسيلمة الكذاب لعنه الله أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله؟[37] # قال: نعم. وتشهد أني رسول الله؟ # قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد رسول قريش، فتركه، ~~ودعا الآخر فقال: : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، قال: ~~وتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم وأعاد إليه ذلك ثلاثا قال: إني أصم، ~~فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: : أما هذا ~~المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفصيلته التي هي له، وأما الآخر فقبل ~~رحمه الله تعالى، فلا تبعة عليه . PageV21P212 # ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} أي : ذاته، أن تعصوه فيعذبكم إذا لم ~~تطيعوه، وقيل: إن فيه محذوفا والتقدير: ويحذركم الله عقاب نفسه، والفائدة ~~في ذكر النفس أنه لو قال: : ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد ~~التحذير منه هو عقاب يصدر من الله أو من غيره، فلما ذكر النفس زال هذا ~~الاشتباه، ومعلوم أن العقاب ms2700 الصادر عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادرا ~~على ما لا نهاية له، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أرداد. # ثم قال: {وإلى الله المصير}، والمعنى: أن الله يحذركم عقابه عند مصيركم ~~إلى جزائه، وقيل: إلى حكمه. # واعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهرا وباطنا ~~واستثنى عنه التقية في الظاهر اتبع ذلك بالوعيد تحذيرا لهم إن بطنوا ~~موالاتهم وإن أظهروا خلافه، فقال: عز وجل: {قل إن تخفوا ما في صدوركم} من ~~موالاة الكفار وغيرها من المعاصي، {أو تبدوه يعلمه الله} فبين تعالى أنه ~~عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر تأكيدا للزجر والتحذير فيعلم العبد أنه لابد ~~وأن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه، وإنما ذكر الصدر لأنه محل القلب. # ثم قال تعالى: {ويعلم ما في السماوات وما في الأرض}، يعني: إذا كان لا ~~يخفى عليه شيء من ذلك فكيف تخفى أفعالكم، {والله على كل شيء قدير} فتقدر ~~على أحدكم ومجازاتكم حذرهم غاية التحذير من حيث علم أفعالهم، وقدر على ~~مجازاتهم دلت على أن أفعال القلوب كأفعال الجوارح في وقوع المؤاخذة بها ~~فالظاهر والمضمر في الحكم سواء [38]. PageV21P213 # ولما حذر عقابه فيما تقدم بين وقت العقاب فقال: {يوم تجد كل نفس ما عملت من ~~خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا}، قيل: انتصب ~~يوم بقوله: {يحذركم الله نفسه} في الآية السابقة، كأنه قال: يحذركم الله ~~عقابه يوم تجد بيان عملها بما ترى من الثواب والعقاب. # وفي الكشاف: وهو منصوب بيود، والضمير في بينه لليوم، أي يوم القيامة حين ~~تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهوله ~~أمدا بعيدا، ويجوز أن ينتصب يوم تجد بمضمر نحو اذكر، ويقع على ما عملت ~~وحده، ويرتفع وما عملت على الابتداء، وتود خبره أي والذي عملته من سوء تود ~~هي لو تباعد ما بينها وبينه . # واعلم أن العمل عرض لا يبقى ولا يمكن وجدانه يوم القيامة فلابد منه من ms2701 ~~التأويل، وهو من وجهين: # الأول: أنه بحد صحائف الأعمال وهو كقوله : إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون، وقال: {فننبئهم بما عملوا} أحصاه الله ونسوه. # والثاني: إنه بحد جزاء الأعمال، وقوله محضرا : يحتمل أن يكون المراد إن ~~تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى أن جزاء العمل ~~يكون محضرا كقوله: {ووجدوا ما عملوا حاضرا}، وعلى كلا الوجهين. فالترغيب ~~حاصل قوله تعالى: {وما عملت من سوء} قيل: إنه متصل بما قبله : أي بحد الخير ~~والشر محضرين، وهو على الولي والعدو، فأحدهما يرى حسناته، والآخر سيئاته، ~~والأمد الغاية أي: يجب أن يكون بينه وبين السيئة غاية بعيدة، وبهذا مثل ما ~~حكى الله تعالى عن المخاطب لقرينه بقوله: {ياليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~فبئس القرين} . # قال الإمام عليه السلام: دلت على الحث على فعل الخيروعلى وجوب تجنب السوء ~~.. انتهى. PageV21P214 # ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} كرر تحذيرا ليكون على بال منهم، ولما ~~كان هذا وعيده اتبعه بقوله: {والله رءوف بالعباد} وفيه وجهان: # أحدهما: إنه روف بهم حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، وأنه ~~يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استجاب رحمته، وحذر من استحقاق غضبه . # الثاني: إنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي، ويحتمل ~~أنه رؤوف بالعباد : أي رحيم بهم، ويحتمل رؤف يجب أن لا يلقوه بما يستحقون ~~عليه العقاب وحمله[39]. # قلت: على الكل هو الأولى لعدم المنافاة بين ذلك، والله اعلم. # ثم بين تعالى أن الإيمان بالله إنما يجدي إذا قرن بالإيمان بالرسول ~~واتباعه، فقال عزوجل:: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قيل: ~~نزلت الآية في قوم من أهل الكتاب زعموا أنهم يحبون الله، فجعل الله تعالى ~~علامة صدق دعواهم اتباع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: نزلت في ~~وفد نجران وهم نصارى العرب لما قالوا: إنا نعظم المسيح حبا لله، وقيل: وقف ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قريش في المسجد الحرام وقد نصبوا ~~الأصنام وزينوها وسجدوا لها، فعابهم، فقال: ((لقد ms2702 تركتم ملة إبيكم إبراهيم، ~~وإسماعيل)) فقالوا: إنا نعبدها حبا لله، فنزلت فجعل تصديق ذلك اتباع رسوله ~~ومحبة العباد لله مجاز عن إرادتهم اختصاصه دون غيره بالعبادة، ومحبة الله ~~للعباد مجاز عن رضاه عنهم، وأنه يحمد فعلهم، والمعنى إن كنتم مريدين ~~لعبادته على الحقيقة فاتبعوني حتى يصح ما تدعون ليرضى عنكم، {ويغفر لكم} أي ~~يسترعليكم، {ذنوبكم} بالتوبة. PageV21P215 # قال في البلغة: ومحبة الله للعبد إرادته لثوابه وتعظيمه ومدحه ومحبة العبد ~~لله راجعة إلى تعظيمه الله وعبادته واتباع أمره، وكذلك محبة الرسول يكون ~~علامت صدقها اتباعه واتباع الطاهرين من آله لقول الله تعالى: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى}، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لعلي عليه السلام: ((يا علي من أحبك فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ~~ومن أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن فارقك فقد فارقني ومن ~~فارقني فقد فارق الله، ومن فارق الله يكبه الله على منخريه في نار جهنم))، ~~والمراد به من تابعك على دين الله فقد تابعني ومن تابعني فقد تابع دين ~~الله، فقرن بينه وبين نفسه في متابعة له الخلق له من بين سائر الأمة تخصيصا ~~له، ومثل هذا كثير في الراوية. انتهى. # ثم قال: {والله غفور رحيم} غفور بالتوبة رحيم مثيب عليها، أو رحيم بخلقه ~~حيث يعفوا عنهم مع جحدهم إياه وكفرهم به. # قال الإمام عليه السلام: دلت على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وعلى أن اتباعه تصديق لمحبتهم. انتهى. # ثم بين [40] معنى الحب والاتباع فقال سبحانه: : {قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} أكد ما تقدم ذكره بإيجاب الطاعة له ولرسوله. # وقوله: {فإن تولوا} أي أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله {فإن الله لا يحب ~~الكافرين} أي لا يريد إثابتهم وتعظيمهم ولا يريد لهم شيئا بما يريده ~~للمؤمنين في الآخرة، فهذا إياس لهم. # قال: عليه السلام: دلت على كفر من لم يطع الله ورسوله فيما علم من دين ~~الإسلام. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ms2703 أمر بطاعة الرسول وأبوا ذلك بين أنه كما اصطفاه ~~لرسالته اصطفى قبله الأنبياء عليهم السلام فلا وجه لانكارهم نبوته، فقال ~~سبحانه: : {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين}. PageV21P216 # قال في البرهان: فأما آل إبراهيم فهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وخيار عترته، واصطفاهم الله للنبوة، وآل عمران فهو مسى وهارون، وعيسى؛ لأن ~~أمه مريم بنت عمران {ذرية بعضها من بعض} أي بالتناصر لما بعثوا به لا ~~بالنسب كما قال: عز من قائل: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي في ~~اجتماعهم على الضلال. # وفي البغلة: يقال اصطفاه لنفسه أي اتخذه صفوة خالصا واصطفاه على غيره أي ~~اختاره عليه تفضيلا له، فبين الله تعالى طريقة النبوة والإمامة من لدن آدم ~~إلى محمد صلى الله عليهما وعلى آل محمد في هذه الآية، وأخبر أنه اصطفى آدم ~~ونوحا، وبين آدم ونوح أنبياء وأوصياء، وأنه اصطفى آل إبراهيم وآل عمران هم ~~آل إبراهيم أيضا؛ لأنهم من ولد إسحاق بن إبراهيم وكان بين نوح وإبراهيم ~~عليهما السلام أنبياء وأوصياء، وكذلك هذه الطريقة هل جرى إلى نبينا محمد ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم واختارهم بالنبوة والإمامة والملك والفضيلة ~~بما رتبهم عليه من الأمور الجليلة وجعلهم مادة دينه، وخزان علمه وحكمه كما ~~قال تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما}. # وقوله: {على العالمين} بمعنى على عالمي زمانهم؛ لأنه قام الدليل على أن ~~نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام، وأهل ~~بيته أفضل أهالي بيوت الأنبياء عليهم السلام، وإن كانت الآية خرجت مخرجا ~~عاما في هذا، فقد قال: الله تعالى في آية أخرى: [41]{ ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض}. PageV21P217 # وقوله: {إن الله اصطفى آدم...} إلى آخر الآية يدل على أنه اختار الأنبياء ~~والأئمة عليهم السلام على جميع الخلق، والآية الثانية تدل على تفضيل بعض ~~النبيين على بعض، والدليل على أن نبينا صلى الله عليه وعلى ms2704 آله وسلم أولى ~~بالفضيلة؛ لأن اول الأنبياء آدم عليه السلام، وأول الأوصياء شيث، وآدم صلى ~~الله عليه أولهم وآخر الأنبياء محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآخر ~~الأوصياء علي بن أبي طالب عليه السلام، وإذا كان الله اختارهم فلا اختيار ~~للخلق بعد اختيار الله. انتهى. # والمراد بآل المؤمنون كما قال: في قوله تعالى {أدخلوا آل فرعون} وآل ~~إبراهيم هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومحمد وآله صلى الله عليهم، ~~قيل: نزلت جوابا لليهود حين قالوا: نحن بنو إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن ~~على دينهم، فنزلت أن الله اصطفى هؤلاء الذين قلتم بالإسلام، وأنتم على غير ~~دين الإسلام. # وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال: عمران والد موسى وهارون، ~~وهو عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فيكون ~~المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء، ومنهم من قال: بل ~~المراد عمران بن ماثان والد مريم وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إشا ~~وكانوا من نسل يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. # قال في الكشاف: وبين العمرانين ألف سنة وثمانمائة سنة، والمتقدم أبو موسى ~~وهارون. # فإن قلت:كان لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهارون، ولعمران ~~بن ماثان مريم البتول فما أدراك أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران ~~أبي مريم التي هي أخت موسى وهارون. # قلت: كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول؛ لأن زكريا بن آذن ~~وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوج زكريا بنته أشاع أخت مريم وكان ~~يحيى وعيس أبني خالة. انتهى. PageV21P218 # وقوله تعالى: {ذرية} بدل من آل إبراهيم وآل عمران أي اصطفى ذرية بعضها من ~~بعض متسلسلة في الطهارة والعصمة التي تصلح للإصطفى، وقيل: أنتصب ذرية على ~~الحال أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض، {والله سميع عليم} أي سميع لكل ~~مسموع من مصطفى أو غيره، {عليم} بمن هو [42] أصلح للإصطفى، وإنما ذكر ~~السميع ms2705 العليم عقيب الاصطفى لئلا يظن أنه سوء تدبير، فيقول هو عالم بمصالح ~~العباد فعله أنه لا يصلح منصب الاصطفى إلا من ذكره تعالى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تفضيل آل إبراهيم، وآل ~~عمران من آمن بالله ورسوله منهم؛ لأن الله يقول: {وأن الله مخزي الكافرين}، ~~ويقول في اليهود: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} انتهى. # قال: في البغلة: فزادت هذه الآية وضوحا بما نطقت به الآية الأولى، وذلك ~~أن قوله: {ذرية بعضها من بعض} ليس المراد به تعليم الخلق تناسلهم وولادة ~~بعضهم من بعض؛ لأنه أمر ظاهر معلوم وإنما المراد موافقة طريقتهم التي لها ~~ولأجلها اختارهم الله تعالى فدلت الآية على من به وخصوصية زائدة على ~~الإيمان والولادة والقرابة، وتلك الخصوصية هي موافقة طريقة من اصطفاه الله ~~في باب الطهارة والعصمة، والكمال والوقار واجتماع الخصال التي تتبعها ~~النبوة والإمامة، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا لم يكن معنى بعضم من بعض الولادة فلا ~~يبقى إلا ما ذكرناه. PageV21P219 # يزيدك وضوحا حديث بريدة الأسلمي أنه قال: وجه النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم سرية وأمر عليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكنت أنا ~~من جملة السرية وخالد بن الوليد وجماعة كثيرة، وكنت أصحب خالد بن الوليد ~~وما كنت أصحبه إلا على بغضه عليا، قال: فظفرنا وغنمنا واستخلص علي جارية ~~لنفسه من رأس الغنيمة فتشاورنا واتفقنا علىأنها ذلك إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم رجاء أن يسقط علي من عينه وتتضع منزلته عنده فبادرت أنا ~~وصاحب لي فلما دخلنا المدينة وجدت الناس منتظرين لخروج رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم ومن الحجرة إلى المسجد فوقفنا حتى خرج رسول الله صلوات ~~الله عليه وآله وسلم فلما خرج رأيت لونه قد تغير شبه المغضب وكأنمانفر ~~الناس في وجهه، ثم قال: ((ما بال أقوام ينتقصون عليا من انتقص عليا فقد ~~انتقصني ومن فارق عليا فقد فارقني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، علي مني وأنا ~~منه خلق ms2706 من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم ذرية بعضها من بعض، والله سميع ~~عليم))، ثم قال: ((أوما علمت يا بريدة أن حظ علي أكثر من الجارية التي ~~أخذها)) قال: فوجدت بما رأيت[43] حالة خشيت أن يخسف بي الأرض فدنوت من ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبسطت يدي وقلت: يا رسول الله ابسط يدك ~~لأبايعك على الإسلام جديدا، فقوله: ((مني وأنا منه)) لا يدل إلا على ما ~~قلناه؛ لأنه قد كان له أقرباء فلم يطلق ذلك في أحد منهم سواه، وهذا مثل ما ~~حكى الله عن إبراهيم عليه السلام بقوله: {فمن تبعني فإنه مني...}الآية. # وأما بسط يده لبيعة الإسلام فأنه يدل على أن من نابذ عليا وعاداه كان ~~خارجا عن الإسلام إذ لو لم يكن كذلك كان بسط يده له عبثا ففيه ما فيه لمن أنصف. PageV21P220 # يؤكد هذا حديث براءة بعث بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ~~أهل الموسم مع أبي بكر فلما صار في بعض الطريق نزل جبريل عليه السلام فقال: ~~يا محمد إن الله ليقرئك السلام، ويقول: لا تبلغها إلا أنت أو رجل منك، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلف أبي بكر من رده، فلما دخل أبو ~~بكر على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يا رسول الله أنزل في ~~شيء قال: ((لا أبا الله أن يبلغها إلا أنا أو رجل مني)) وحديث براءة أشهر ~~من الشمس عند رواة الأمة، فقوله: ((أو رجل منك)) يدل على تلك المزية التي ~~ذكرتها؛ لأنه لو كان المراد بكونه منه كونه من امته، وأهل دينه، ومن صحابته ~~لكان لأبي بكر ذلك كله، وإن كان المراد القربة لكان العباس بن عبد المطلب ~~وغيره من بني هاشم، فثبت أنه كونه منه لا يفيد إلا ما بيناه، وإذا كان لا ~~يصح لتبليغ رسالة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ........إلى غير ه ~~في حياته إلا رجل منه فبعد النبي لا يجوز أن ms2707 يكون خليفة للنبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم على كافة أمته إلا رجل منه؛ لأن ذلك أعظم من تبليغ ~~براءة إلى أهل الموسم، وهذا قريب المأخذ لمن تأمله، ونظر لنفسه، انتهى كلام ~~الطوسي رحمة الله عليه. # واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصا كثيرة: # القصة الأولى # واقعة حنة أم مريم عليها السلام جدة عيسى عليه السلام وكانتا أختين ~~إحداهما عند عمران والأخرى عند زكريا فقال تعالى: {إذ قالت: امرأة عمران رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا} إذ قيل: موضعه من الأعراب نصب بتقدير إذ ~~كراه، قال:ت، وقيل: العامل فيه الاصطفى بتقدير اصطفى آل عمران [44] إذ ~~قال:ت، وقيل: العامل فيه قوله: {سميع عليم} إذ قال:ت، فيعمل فيه معنى ~~الصفتين على تقدير مدرك لنيتها وقولها إذ قال:ت، وأنتصب محررا على الحال ~~والعامل فيه نذرت. PageV21P221 # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام : معنى {إني نذرت} أي قال:ت: رب إني ~~أو جبت لك هذا الولد معتقا حرا من الخدمة لا أشغله بشيء سوى طاعتك، وهكذا ~~يفعل الصالحون وأولياء الله المشمرون المجتهدون من تعليم أولادهم للدين ~~والمعرفة لله الحق اليقين لا يشغلونهم كما يفعل الجهال بأ شغال الدنيا وطلب ~~ما يزول قريبا ويفنى. انتهى. # وفي معنى نذرت يقول المرتضى عليه السلام: أي إني أسلمت وخلصت ذلك لك وفي ~~عبادتك لا أشغله بشيء من خدمتي ولا أدخله في شيء من أعمالي، وذلك أن هذه ~~الكلمة كان يقولها الصالحون وينذرونها أن يسلموا أولادهم ويفردوهم لطاعة ~~ربهم لا يشغلوهم بشيء من خدمتهم إذ الوالد لا يستغني عن خدمة ولده وقيامه ~~فأرادت بذلك إني أسلمته وأفردته لعبادتك، ولا أشغله بشيء من أمري، فهذا ~~معنى قولها:{إني نذرت لك ما في بطني محررا}،انتهى. # ثم في كيفية هذا النذر روايتان: # الأولى: قال: عكرمة: أنها كانت عاقرا لا تلد وتغبك النساء بالأولاد، ثم ~~قال:ت: اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن اتصدق به على بيت المقدس ~~فيكون من سدنته. # الرواية الثانية: قال: محمد بن إسحاق: إن أم مريم ms2708 ما كان يحصل لها ولد ~~حتى شاخت وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا له فتحركت نفسها ~~للولد فدعت ربها أن يهب لها ولدا، فحبلت بمريم وهلك عمران وهي حامل وكان ~~هذا النذر شريعة عندهم في الغلمان، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وأن لا يفعل. # ثم قال تعالى: حاكيا عنها:{فتقبل مني} نذري {إنك أنت السميع العليم} ~~والمعنى إنك سميع لتضرعي ودعائي وندائي، عليم بما في ضميري وصدق نيتي ~~والتقبل أخذ الشيء على وجه الرضى به. PageV21P222 # ثم قال تعالى: {فلما وضعتها قالت: رب إني وضعتها أنثى} والضمير لما في ~~بطني، وإنما أنث على المعنى؛ لأن ما في بطنها كان انثى أي والنذر لا يتعلق ~~إلا بالغلمان، قالت: ذلك على وجه التحسر والإعتذار منها إذا العادة كانت ~~جارية بتحرير الغلمان دون الجواري. # وفي[45]الكشاف: فإن قلت: كيف جاز انتصاب انثى حالا من الضمير في وضعتها ~~وهو كقولك: وضعت الانثى انثى، قال: الأصل وضعته انثى وإنما أنث لتأنيث ~~الحال؛ لأن الحال وذا الحال لشيء واحد كماأنث الاسم في قولك: من كانت أمك. # ثم قال سبحانه: : {والله اعلم بما وضعت} هذا تعظيم لموضوعها وتجهيل لها ~~ما وهب لها بمنه، ومعناه والله اعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم ~~الأمور وهي جاهلة لذلك انتهى. # وفي التهذيب ما يدل على أن هذا من كلام أم مريم يدل عليه قراءة ابي بكر ~~عن عاصم، وابن عامر وضعت برفع التاء على تقديره أنه حكاية كلامها، والفائدة ~~في هذا الكلام أنها لما قال:ت: إني وضعتها انثى خافت أن يظن بها أنها تخبر ~~الله تعالى فأزالت الشبهة بقولها، والله اعلم بما وضعت وثبت أنها إنما ~~قالت: ذلك للإعتذار لا للإعلام، والله اعلم. # ثم قال تعالى: حكاية عنها: {وليس الذكر كالأنثى} في القوة وكمال العقل ~~والتصرف في الأشياء وما جرى هذا المجرى؛ لأن مرادها تفضيل الولد الذكر ~~علىالانثى، وسبب هذا التفضيل أن شرعهم أنه يجوز تحرير الذكور دون الاناث؛ ~~ولأن الذكر يصح أن يستمر على خدمة ms2709 موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الانثى ~~لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: توجعت أم مريم لأجل أنها نذرت بما ~~في بطنها محررا أن يكون خادما لبيت المقدس، فلما وضعت مريم عليها السلام ~~عرفت أنها لا تصلح للخدمة فتوجعت لذلك لا لأجل أنها انثى فقط، فلا يحتج بها ~~محتج على كراهة البنات؛ لأن ذلك قد ذمه الله كما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى. PageV21P223 # ثم حكى تعالى عنها كلاما ثاتيا وهو قولها: {وإني سميتها مريم} أي جعلت ~~اسمها مريم، قيل: وفي لغتهم العائدة والخادمة وكانت أفضل النساء وأجملها في ~~وقتها وأرادت بهذه التسمية التقرب إلى الله ليعصمها من المعاصي ليطابق ~~فعلها اسمها، وليصدق فيها ظنها، ثم حكى عنها كلاما ثالثا: وهو قولها: {وإني ~~أعيذها} أي أجيرها {بك وذريتها من الشيطان الرجيم} وذلك لأنه لما فاتها ما ~~كانت تعمل تريد من أن يكون رجلا خادما للمسجد تضرعت إلى الله في أن يحفظها ~~من الشيطان وأن يجعلها من الصالحات القانتات، ولما [46] حكى الله تعالى عن ~~أم مريم نذرها ودعاءها واستعاذتها بين تعالى بعده ما قابلها من حسن ~~الإجابة، فقال: {فتقبلها ربها بقبول حسن} أي قبل فعلها وشكره ونزهه فرفعه وطهره. # وفي البغلة: معناه رضيها ربها بالنذر الذي نذرت امها على الوجه الذي دعت ~~بربها إجابة لها وجاء قبول مصدر تقبل؛ لأن فيه معنى قبل، كما قيل: يكرم ~~كرما؛ لأن فيه معنى كرم. # ثم قال تعالى: {وأنبتها نباتا حسنا} أي أنشأها إنشاء حسنا في غذائها وحسن ~~تربيتها وجاء نباتا على غير المصدر وحسن ذلك؛ لأن في الإنبات معنى نبت. # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى نباتا حسنا أي خلقها خلقا ~~مرويا صبحا، وأنشأها منشأ وشبابا مليحا لأسباب من الحكمة جعلها وكرامة من ~~الله ونعمة لها. انتهى. # وقيل: كانت تنبت في اليوم كما ينبت غيرها في العام والله اعلم. # ثم قال تعالى: {وكفلها زكريا} يقال كفل كفالة فهو كافل وهو الذي ينفق على ~~إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه، وفي ms2710 الحديث: ((أنا وكافل اليتيم كهاتين)) ~~واختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام أنها متى كانت فقيل: إنما كفلها بعد ~~أن فطمت. # وقال: الأكثرون: كان ذلك في حال طفولتها وبه جاءت الروايات. PageV21P224 # روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها بخرقة وحملتها إلى بيت المقدس وحجبته أبناء ~~هارون، فقالت: لهم: دونكم النذيرة فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم ~~واقترعوا عليها وألقوا أقلامهم في النهر فارتفع قلم زكريا أي اسمه، ورسبت ~~أقلامهم فكفلها زكريا، قيل: ضمها إلى نفسه وبنى لها بيتا واسترضع لها، ~~وقيل: ضمها إلى خالتها حتى بلغت مبلغ النساء فبنى لها محرابا وكان هو الذي ~~يفتح الباب ويغلقه وكان يأتيها بطعامها وما تحتاج إليه بنفسه كل يوم، وقيل: ~~ضمها إلى غيره لما ضعف وكان ذلك الرجل يرزق لمكانها. # ثم قال: عز وجل: {كلما دخل عليها زكريا المحراب} قيل: غرفة في المسجد ~~يطلع عليها بسلم وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وقيل: مساجدهم تمسى ~~المحاريب، وقيل: المحاريب أشرف المجالس، {وجد عندها رزقا} قيل: طعاما لم ~~يؤده هو، وقيل: يجد عندهها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ~~وكانت مريم عليها السلام ..........في المحراب وتكلمت في المهد، ولم تلقم ~~ثديا قط، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة ذكر هذا في البلغة، وينظر في ~~كونها لم ترضع. # وأما[47] كتاب الله فيوجب أن الله أسبغ عليها أرزاقه ووسع عندها نعمته ~~وأرزاقه نعمة منه، وكرامة لها لمعرفتها بالله وطاعتها وتوكلها، والله اعلم. # {قال: يامريم أنى لك هذا} أي كان يقول لها زكريا عليه السلام: من أين لك ~~هذا الطعام، {قالت: هو من عند الله} أي هذا الطعام أتى به الله، قيل من ~~الجنة وكان ذلك بدعوة زكريا لها بالرزق في الجملة، وكانت معجزة له عن أبي علي. # وقيل: تأسيسا لنبوة عيسى عليه السلام عن أبي القاسم. # وقيل: كان يجوز أن يأتي بعض عباد الله الذي سخرهم لها بلطفه من غير معجزة ~~عن أبي علي. PageV21P225 # ثم ثقال تعالى: حكاية عن مريم عليها السلام: {إن الله يرزق من يشاء ms2711 بغير ~~حساب} أي بغير جزاء على عمل تفضلا، او بغير تقدير لكثرته، فهذا يحتمل أن ~~يكون من جملة كلام مريم وأن يكون من كلام الله سبحانه على الاستئناف ~~والإبتداء. # قال الحاكم: وهو الأولى والله اعلم. # وروي في الكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه جاع في زمن ~~قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع إليها، ~~وقال: ((هلمي يا بنية)) فكشفت عن الطبق فإذا هو مملؤ خبزا ولحما فبهتت ~~وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال: لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم: ((أنى لك هذا)) فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: : ((الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة ~~نساء بني إسرائيل)) ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم علي بن ~~أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بينه عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو ~~فأوسعت فاطمة عليها السلام على جيرانها. انتهى. # قلت: وروي في النجم الزاهر في علم القرآن الباهر: عن جابر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق عليه ذلك ~~فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة شيئا فأتى فاطمة عليها السلام، ~~فقال: ((يا بنية هل عندك شيئا آكله، فإني جائع)) فقالت: لا والله فلما خرج ~~من عندها بعثت لها جارة لها برغيفين وبضعة لحم فأخذته منها ووضعته في حفنة ~~لها وغطت عليها، وقالت: والله لأوثرن بهما رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعا محتاجين إلى[48] شبعة طعام فبعثت ~~الحسن والحسين عليهم السلام فرجع إليها فقالت: قد أتانا شيء فخبأته لك، ~~قال: ((هلمي فاتني به)) فكشفا عن الحفنة فإذا هي مملؤة خبزا ولحما الخبر ~~إلى آخره، وهاهنا آخر الكلام من قصة حنة. PageV21P226 # القصة الثانية واقعة زكريا عليه السلام # قوله تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه} لما قص ms2712 الله ما تقدم ذكره وفيه حديث ~~مريم أخبر الله أن زكريا لما عاين أحوالها سأل الولد، فقال تعالى: {هنالك} ~~أي في ذلك المكان عند مريم في المحراب لما رأى حال مريم رغب رغبة أن يكون ~~له ولد من أخت أمها إيشاع مثلها في الكرامة لما شاهده من كرامتها وعظم ~~حالها فدعى {قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} مباركة، الذرية النسل، وهو ~~لفظ يقع على الواحد والجمع والذكر والانثى أي هب لي ولدا طيبا، أنث الطيب ~~لتأنيث لفظ الذرية، ومن لدنك يعني من عندك من دلت على حسن الدعاء إلى الله ~~في طلب الذرية الطيبة، ثم قال: {إنك سميع الدعاء} أي القابل للدعا ~~والمستجيب لمن هو أهل الإجابة، وليس المراد أنه يسمع صوت الداعي فذاك ~~معلوم، بل المراد منه أنه يجيب دعاه ولا يجيب رجاه وهو كقول المسلمين: سمع ~~الله لمن حمده يريدون قيل حمد من حمده من المؤمنين يؤكد هذا قوله تعالى في ~~سورة مريم حكاية عن زكريا {ولم أكن بدعائك رب شقيا}. # ثم قال تعالى: {فنادته الملائكة} جبريل وغيره، وقيل: وحده، وإنما قيل: ~~الملائكة لأنه من أعظمهم وكان نداءه نداءهم على قولهم فلان يركب الحبل. # قال: في البغلة: والظاهر أن جماعة من الملائكة نادته كأنه قيل: جاء ~~النداء من قبل الملائكة عليهم السلام كما يقال ناداه أهل العسكر وأهل ~~البلد، وإن كان ناداه جماعة منهم. انتهى. PageV21P227 # قال الرازي: ظاهر هذا اللفظ على أن النداء كان من الملائكة ولاشك وأن هذا ~~في التشريف أعظم، فإن دل دليل منفصل على أن المنادي كان جبريل فقط سرنا ~~إليه وحملنا اللفظ على التأويل فإنه يقال فلان يأكل الأطعمة الطيبة ويلبس ~~الثياب النفيسة أي يأكل من هذا الجنس ويلبس من هذا الجنس مع أن المعلوم أنه ~~لم ياكل جميع الأطعمة ولم يلبس جميع الثياب فكذا هاهنا ومثله في القرآن ~~الذي قال: لهم الناس وهو نعيم بن مسعود أن الناس يعني أبا[49] سفيان. # قال: المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسا جاز الإخبار ms2713 عنه بالجمع ~~لاجتماع أصحابه معه، فلما كان جبريل رئيس الملائكة قل ما يبعث إلا ومعه جمع ~~صح ذلك. # وأما قوله: {وهو قائم يصلي في المحراب} فهذا يدل على أن الصلام كانت ~~مشروعة في دينهم والمحراب المسجد ومنه فخرج على قومه من المحراب أي من ~~المسجد، {أن الله يبشرك بيحيى} أي نادته الملائكة بهذه البشارة، وقيل: سماه ~~الله قبل مولده بهذا الإسم، وفيه وجهان: # الأول: أنه تعالى قد عرف زيكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ~~درجة عالية، فإذا قال: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له ~~بيحيى عليه السلام. # والثاني: أن يكون المعنى أن نبشرك بولد اسمه يحيى. # واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى خكسة أنواع: # الصفة الأولى قوله: {مصدقا بكلمة من الله} أي بعيسى صلوات الله عليه؛ ~~لأنه أول من آمن بعيسى وصدقه وهو اكبر من عيسى بستة أشهر، ثم قتل: يحيى قبل ~~رفع عيسى، وقيل: غير ذلك. # قال: الهادي عليه السلام: وإنما سماه كلمة إذ كان بقضائه وقدره وإيجاده ~~وفعله وأمره الذي ألقاه في مريم وخلقه وأوجده في الرحم لا من نطفة بذكر ولا ~~مداناة من ذكر، فتعالىالله العلي الأعلى الفعال لما يشاء. انتهى. # الصفة الثانية قوله تعالى: {وسيدا} قيل: يسود الناس؛ لأنه لم يارم شروط ~~ولاؤهم بها. PageV21P228 # وفي البلغة: السيد المالك، فكأنه قيل: ومالكا لمن يجب طاعته عليه، وقيل: ~~وسيدا في العلم والحلم، والعبادة، وقيل: في الحكم والبقاء، وقيل: وسيدا ~~للمؤمنين بالرياسة والأمر والنهي. انتهى. # قال الحاكم: والجميع يرجع إلى أصل واحد، وهو أنه أهل لتمليكه تدبير من ~~يجب عليه طاعته لما هو عليه من هذه الأحوال. # الصفة الثالثة قوله: {وحصورا} الحصر في اللغة الحبس، يقال حصره يحصره ~~حصرا وحصر الرجل أي اعتقل بطنه، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه، والحصور ~~الضيق النحيل، وحصر الرجل عن النساء فهو حصور، والمفسرون لهم فيه قولان: # أحدهما: زعم بعضهم أنه كان عاجزا عن إتيان النساء، ثم اختلفوا فمنهم من ~~قال: كان ذلك لصغر الآلة، ms2714 ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من ~~قال: كان ذلك لعدم القدرة فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول[50] كأنه قال: ~~محصور عنهن أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب، وجلوب بمعنى مجلوب، وهذا ~~القول فاسد؛ لأن هذا من صفات النقصان، وذكر صفات النقصان في معرض المدح لا ~~يجوز ولاية على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما، والصحيح هو ~~القول الثاني وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا لعجز، بل ~~للعفة والزهد، وذلك؛ لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول ~~الذي يكثر منه الأكل، وكذا الشروب والظلوم والعشوم، والمنع إنما يحصل أن لو ~~كان المقضي قائما فلولا أن القدرية والداعية كانتا موجودتين لما كان هو ~~حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا؛ لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع ~~إنما يحصل عند قوة الرغبة، والداهية والقدرة وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر ~~فعول بمعنى فاعل ذكر معنى هذا الرازي وهو معنى قول أئمتنا عليهم السلام. PageV21P229 # قال: المرتضى عليه السلام : وحصورا وهوالذي حصر نفسه عن النساء فكان صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي قد حصر نفسه عن ذلك، ويروى عن النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((لا حصر بعد يحيى، ولا سياحة بعد عيسى، ~~من رغب عن سنتي فليس مني عليكم بالمساجد)) انتهى. # الصفة الرابعة: قوله تعالى {ونبيا} قيل رسولا، شريفا رفيع المنزلة. # الخامسة قوله: {من الصالحين} أي من جملة الأنيباء الصالحين، وقيل إنما ~~قال: من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء، وقيل: لأنه من بينهم لم يقع ~~منه ذنب، فخص بذلك، وقيل: لأنه ظهر صلاحه قبل النبوة تأسيسا للنبوة، وقيل: ~~فيه إضمار واو أي ومن الصالحين فإن قيل: بما كان منصب النبوة أعلا قدرا من ~~منصب الصلاح، وصفه بالنبوة فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح، قيل: له ~~أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال: {وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين}. # قال الرازي: وتحقيق القول فيه أن للأنبياء قدرا ms2715 من الصلاح لو أنتصب بنقص ~~لأنتفت النبوة، فذلك القدر بالنبوة بالنسبة إليهم يجري مجرى حفظ الواجبات ~~بالنسبة إلينا، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتهم [51] في ~~الزيادة على ذلك القدر، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلا قدرا، والله اعلم. # ولما أتت زكريا عليه السلام البشارة بالولد مع كبر سنه، {قال: رب أنى ~~يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} لا تلد أي وقد كبرت واسنت، ~~قيل: كان له تسع وتسعون سنة، ولها ثمان وتسعون سنة. PageV21P230 # قال في البلغة: وليس ذلك إنكارا منه انه ليس مقدورا لله ذلك؛ لأنه كفر به؛ ~~لأنه من وساوس الشيطان، وإنما معناه إنه قال: على أي حال إيردني الله ~~وامرأتي إلى حال الشباب، أو يرزقنا الولد على حال الكبر التي نحن عليها، ~~وقيل: فيه وجه آخر وهو أنه قال: استعظاما لمقدور الله وتعجبا على نحو ما ~~يكون من تعجب الإنسان عند ظهور آية من آيات الله وهذه الطريقة موجودة في ~~عادات الناس، ألا ترى أن القائل يقول عند استعظام جوده وسخائه كيف سمحت نفس ~~زيد بإخراج هذا المال العظيم من يده تعجبا لجوده. انتهى. # فزكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقرا لتأكيد حال ~~الاستبعاد في العادة. # وقوله: بلغني الكبر معناه بلغت الكبر وهو الشيب، وإنما جاز بلغني الكبر؛ ~~لأن الكبر بمنزلة الطالب فهو يأتيه بحدوثه فيه والإنسان يأتيه بمرور الأيام ~~عليه فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر، وقيل: بلغني أدركني واضعفني، ونال مني الكبر. # أما قوله تعالى: {قال: كذلك الله يفعل ما يشاء} فهو جواب السؤال كأنه قيل ~~له كذلك يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل الفعل هو خلق الولد بين ~~الشيخ الفاني والعجوز. # واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره لما بشر به وثقته بكرم ربه، ~~وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق وذلك؛ لأن العلوق ~~لا يظهر إلا في أول الأمر، {قال: رب اجعل لي آية} أي علامة أعرف بها الحبل ~~حتى ms2716 أتلقى النعمة بالشكر، أي قال تعالى: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا} أي قال: الله علامة ذلك أن لا يقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام ~~أي وثلاث ليال،وقد ذكرها في سورة مريم إلا إيماء وإشارة، وهذا كان علما ~~معجزا لحصول نقض العادة فيه. PageV21P231 # قال: المرتضى[52]عليه السلام: فلما قر يحيى عليه السلام في بطن أمه امتنع ~~الكلام من زكريا فكانت هذه آية ودلالة عند خلقه وتكوينه ليحيى صلوات الله ~~عليهما. انتهى. # ولما أدى الرمز مؤدى الكلام وفهم منه ما يفهم من الكلام استثنى منه، ~~ويجوز أن يكون استثى منقطعا، وفي حبس لسانه ثلاثة أيام، ولم يقدر على تكيلم ~~الناس إلا رمزا فائدتان: # إحداهما: أن يكون ذلك آية على علوق الولد. # والثانية: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره على الذكر ~~والتسبيح والتهليل ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله والطاعة بالشكر على ~~تلك النعمة الجسيمة، وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ~~وأداء الشكر بتلك النعمة فيكون جامعا لتلك المقاصد. # واعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة علىالمعجز من وجوه: # أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر وعجزه عن التكلم بأمور ~~الدنيا من اعظم المعجزات. # وثانيها: أن حصول المعجز في تلك الأيام المقدرة مع سلامة البنية واعتدال ~~المزاج من جملة المعجزات. # وثالثها: أن أخباره متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم أن الأمر خرج ~~على وفق هذا الخبر يكون أيضا من المعجزات. # ثم قال تعالى: {واذكر ربك كثيرا} أي وقت عجزك عن كلام الناس في الأيام ~~الثلاثة كأنه لما منع من كلام الناس لم يمنع من ذكر الله سبحانه، فقيل له: ~~واذكر الله كثيرا وهو أبلغ في الإعجاز، وقيل: تعبد بترك الكلام، وتعبد بذكر ~~التسبيح، وقال: {وسبح بالعشي} هو من زوال الشمس إلى غروبها، {والإبكار} من ~~طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وقيل: أراد به الدوام، وسبح أي نزه الله بالقول ~~والاعتقاد عن كل سو، وقيل: صلي لربك كثيرا والصلاة تسمى سبحة. # القصة الثالثة قصة طهارة مريم ms2717 عليها السلام PageV21P232 قوله تعالى: {وإذ قالت: الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين} لما بين تعالى ذكر يحيى وخلقه بعد كبر أبويه اتبعه بما هو ~~أعجب في الصنع وأبدع من خلق عيسى، فقال تعالى: {وإذ قال:ت} أي واذكر وقت ~~نادت الملائكة وهو جبريل عليه السلام وحده، وهذا كقوله: {ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره} يعني جبريل، وهذا[53] وإن كان عدولا عن الظاهر إلا أنه يجب ~~المصير إليه؛ لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو ~~جبريل، وهو قوله تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا}. # قلت للمرتضى عليه السلام: بعد هذا تأويل حسن لهذا فأما ظهور الملك لمريم ~~وكلامه معها، فقيل: كان جميع ذلك معجزة لزكريا عليه السلام، وقيل: كان ~~إرهاصا لنبوة عيسى، ولا يجوز أن يكون معجزة لها؛ لأن المرأة لا تكون نبية. # قال تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} ومعنى أن الله اصطفاك ~~أي اختارك وخصك أولا بالتقبل من أمك وبالتفريغ للعبادة لطفا لك وتوفيقا حتى ~~انقطعت إلى عبادة الله، وطهرك بما يستقذر من الأفعال، ومما قذفك به اليهود. # وقيل: طهرك من الأنجاس والأدناس التي تكون للنساء، مثل الحيض والنفاس ~~وغيرهما، واصطفاك ثانيا بهبته لك عيسى من غيرأب، ولم يفعل ذلك لأحد من ~~النساء. # وقوله: {واصطفاك على نساء العالمين} فيه قولان: # قيل: اختارك على نساء عالمي زمانك، وقيل: اختارك على نساء سائر العالمين ~~للحالة الجليلة التي خصصت بها من ولادة المسيح عليه السلام، والأول أظهر. PageV21P233 # قال: في البلغلة: وإنما أختير التأويل الأول وهو أن الله اصطفاها على عالمي ~~زمانها؛ لأن اجماع آل محمد عليهم السلام على أن فاطمة عليها السلام أفضل ~~نساء الأولين والآخرين، يؤكد ذلك تخصيصها بما روي ((أنه ينادي منادي يوم ~~القيامة معاشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة ابنة محمد صلى الله ~~عيله وعلى آله وسلم)) دون سائر نساء العالمين. # وروي عن النبي صلى الله عيله وعلى آله وسلم أنه قال: ((فضلت خديجة على ~~نساء أمتي ms2718 كما فضلت مريم على نساء العالمين)). # وروي في فاطمة أنها سيدة نساء الأولين والآخرين. # وروي أن النبي صلى الله عيله وآله وسلم قال: ((حسبك بخير نساء العالمين ~~أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنت خويلد، وفاطمة ابنة ~~محمد صلى الله عيله وعلىآله وسلم)) وليست هذه الروايات متناقضة؛ لأن كل ~~واحدة منهن فضيلة فمنها ما هو مطلق، ومنها ما هو مقيد. انتهى. # ولما بين تعالى أن مريم مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله سبحانه ~~أوجب عليها مزيد الطاعات شكرا لتلك النعم[54] السنية، فقال عزوجل:: {يامريم ~~اقنتي لربك} قيل معناه اخلصي الطاعة لربك،وقيل: أديمي الطاعة لربك، وقيل: ~~اطيلي القيام في صلاتك، أمرت بالصلاة بذكر بعض أركانها من قنوت وقيام بذكر ~~وسجود، ثم قال: {واسجدي واركعي مع الراكعين} قيل: افعلي الركوع كفعل ~~الراكعين، وقيل: الركوع عبارة عن الصلاة هاهنا. # وقيل: صلي مع المصلين جماعة، وذكر السجود قيل: الركوع لا يوجب تقديمه ~~عليه؛ لأن الواو لا يوجب الترتيب. PageV21P234 # ثم قال تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} ذلك إشارة إلى ما تقدم، ~~والمعنى أن الذي مضى ذكره من حديث حنة، وزكريا، ويحيى، ومريم، وعيسى، إنما ~~هو من أخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه يا محمد إلا بالوحي؛ لأنك لم تشاهد ~~ذلك، ولم تكن ممن تقرأ الكتب فتكون واقفا عليه من جهتها، ولم تكن ممن يختلف ~~إلى العلماء فتعلم منهم فلم يبق إلا أنه يوحي الله سبحانه. # فإن قيل: لم نفيت هذه المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة نفي استماع هذه ~~الأشياء من حفاظها، وهو أمر مجوز. # قيل: كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع، والقراءة وكل ~~منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة، وهي وإن كانت في غاية الامتناع إلا ~~أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع ولا ~~قراءة، ونظيره: {وما كنت بجانب الغربي}، {وما كنت بجانب الطور}، {وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم}، {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا}، ~~والإنباء هو الإخبار ms2719 عما ما غاب عنك. # وأما الإيحاء فقد ورد الكتاب به علىمعان مختلفة قد تقدم في غير موضع ذكرها. # قال في البرهان: وأصل الوحي إلقاء المعنى إلى صاحبه، والوحي إلى الرسل ~~الإلقاء بالإنزال، وإلى النحل بالإلهام، ومن بعض إلى بعض بالإشارة، كما ~~قال: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا}. # قال: العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت # انتهى. # قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} فيه حذف ~~تقديره لينظروا أيهم يكفل مريم، أو يلقونها أيهم يكفل وإنما حسن الحذف ~~لكونه معلوما، وهذا تعجيب من الله للخلق من حرصهم على كفالة مريم عليها ~~السلام، وقيل: هو[55] تعجيب عن تدافعهم لكفالتها لشدة القحط والأزمة في ~~زمانها حتى وقف لها خير الكفلاء بها وهو زكريا عليهما السلام. PageV21P235 # وأما قوله تعالى: {إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} فذكروا قي تلك الأقلام وجوها: # الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله ~~تعالى وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، ~~فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له، وهذا قول الأكثرين. # والثاني: أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جري ~~الماء فغلبهم. # والثالث: قال: أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم ما كانت الأمم تفعله من ~~المساهمة عند التنازع فيطرحون سهاما يكتبون عليها أسماءهم، فمن خرج له ~~السهم سلم له الأمر، وقد قال تعالى: {فساهم فكان من المدحضين} فظاهر الآية ~~تدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به إمتياز بعضهم على ~~بعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء، إلا ~~أنه روي في الخبر أنهم كانوا يقلونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على ~~خلاف جري الماء فاليد له، ثم حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام. # ثم قال تعالى: {وما كنت لديهم إذ يختصمون} يريد ما حضرتهم يا محمد وما ~~كنت عندهم حين كانوا يتناجون ويتحدثون في شأنها محبة لها، وكانوا سبعة ms2720 ~~وعشرين، واختلفوا في أولئك المختصمين من كانوا، فمنهم من قال: هم: خزنة ~~البيت، ومنهم من قال: هم بل العلماء، والأحبار، وكتاب الوحي، ولا شبهة في ~~أنهم كانوا من .. وأهل الفضل في الدين، والرغبة في طريق الخير، والمعنى ما ~~كنت هناك إذ يتقارعون على التكفل بها، وإذ يختصمون بسببها، فيحتمل أن يكون ~~المراد بهذا الاختصام ما كان قبل الاقتراع، ويحتمل أن يكون اختصاما آخر حصل ~~بعد الاقتراع. PageV21P236 # وبالجملة فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها، والقيام بإصلاح ~~مهلتها، وما ذلك إلا لدعاء أمها حيث قال:ت: فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العيم، وقالت: أخرى: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم. # واعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام في أول أمرها وفي آخر ~~أمرها عاد الكلام إلى حديث مريم وشرح كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام ~~وكلام الملائكة إياها[56] بعد الاحتجاج على منكري العرب لنبوة محمد صلى ~~الله عيله وعلى آله وسلم، فقال سبحانه: وجل عن كل شأن شأنه: {إذ قالت: ~~الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم} ثم ~~اختلفوا في العامل في إذ قيل: العلم فيه وما كنت لديهم إذ قالت: الملائكة، ~~وقيل: يختصمون إذ قالت: الملائكة، وقيل: أنه معطوف على إذ الأولى في قوله: ~~{إذ قالت: امرأة عمران}، وقيل: التقدير أن ما وصفته من أمور زكريا وهبة ~~الله يحيى له كان إذ قالت: الملائكة: {يامريم إن الله يبشرك}. # وأما أبو عبيدة فإنه يجري في هذا الباب على مذهب له معروف وهو أن إذ صلة ~~في الكلام وزيادة. # وأما قوله تعالى: {بكلمة منه} فمعناه يبشرك بولد وهو عيسى عليه السلام ~~فكأنه قيل بشارة منه بولد{اسمه المسيح} والمسيح لقب عيسى وهومن الأسماء ~~المشرفة معناه المباركة، وإنما سماه كلمة؛ لأنه كان بتكوينه من غير والد ~~كما مر، ومعنى عيسى بن مريم أي منسوب إليك لا أب له. # فإن قيل: كيف ذكر هنا ملائكة، وفي موضع آخر ملكا واحدا، فقال سبحانه: : ~~{فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ms2721 سويا}. PageV21P237 # قلت: قد أجاب المرتضى عليه السلام عن ذلك بما معناه أن قول الملائكة: {أن ~~الله يبشرك} هو والله اعلم، بعد حملها به بشرتها الملائكة بفضله وبنبوته ~~وما جعل الله فيها وخصه به، والروح الذي لقبها واعلمها بتكوين الله له، وما ~~قضى من حملها به فهو جبريل صلوات الله عليه فكان معلما مبتدئا أولا بما حكم ~~به من خلق عيسى في بطنها وما قدر الله من ذلك فيها ولها وكانت الملائكة ~~أخرى مهنون لها معلمون بما جعل الله في ولدها من البركات والآيات المعجزات. انتهى. # ثم قال سبحانه: في صفته: {وجيها في الدنيا والآخرة}. # قال: الزجاج: وجيها منصوب على الحال المعنى أن الله يبشرك بهذا الولد ~~وجيها في الدنيا والآخرة، والفراء: يسمي هذا قطعا كأنه قال: عيسى بن مريم ~~الوجيه فقطع منه التعريف، ومعناه الوجيه ذو الجاه والشرف والقدر، يقال وجه ~~الرحل يوجه وجاهة فهو وجيه إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان. # وقال: بعض أهل اللغة: الوجيه الكريم؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه، فجعل ~~الوجه عبارة عن الكرم، والكمال، فمعنى كونه وجيها أي كريما ذا خطر[57]، ~~قيل: وجيها في الدنيا بالنبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة بالشفاعة وعلو ~~الدرجة في الجنة. # وقيل: وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجيب دعاءه ويحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ~~والأبرص بسبب دعائه، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ~~وتقبل شفاعته فيهم كما تقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام. # ثم قال: {ومن المقربين} إلى ثواب الله وكرامته، وقيل: برفعه إلى السماء ~~وصحبته الملائكة عليهم السلام. # أما قوله: {ويكلم الناس في المهد وكهلا} فقيل: الواو عطفت على قوله: ~~{وجيها} والتقدير كأنه قال: وجيها ومكلما للناس. PageV21P238 # قال الرازي: وهذا عندي ضعيف؛ لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز ~~إلا لضرورة أو لفائدة، والأولى أن يقال تقديرالآية أن الله يبشرك بكلمة منه ~~اسمه المسيح عيسى بن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين، ~~وهذا المجموع جملة واحدة. # ثم قال: {ويكلم الناس}، فقوله: {ويكلم ms2722 الناس} عطف على قوله: {إن الله ~~يبشرك}، وقيل: وكهلا عطف على الظرف في قوله: {في المهد} كأنه قيل: يكلم ~~الناس صغيرا وكهلا، والمراد أنه يكلم في هاتين الحالتين، بكلام الكهولة أي ~~بكلام الأنبياء لا يتفاوت كلامه مع أن حال الكهولة هي التي يكمل فيها العقل ~~وهو أربعون سنة. # قال في البلغة: ذهب أكثر العلما إلى أن الله تعالىأوحى إليه وهو في المهد ~~بتلك الكلمات، وكلامه في المهد كان معجزا متعلقا بدعواه فأكمل الله عقله ~~وهو في المهد، وأوحى إليه وبرأ أمه مما قذفت به فوجه كلامه في المهد تبرئة أمه. # وقال: بعضهم: لم يوح إليه في تلك الحال وإنما ظهر ذلك المعجز عليه تأسيسا ~~لنبوته وبشارا بها، وكذلك يقول في الغمامة: وما ظهر في وقت نبينا صلى الله ~~عيله وعلى آله وسلم قبل بعثته. # ثم قال: {ومن الصالحين} أي من جملة الأولياء المستحقين للكرامات ورفيع ~~الدرجات في الآخرة. PageV21P239 # فإن قيل: كون عيسى كلمة من الله وكونه وجيها في الدنيا والآخرة وكونه من ~~المقربين عند الله وكونه مكلما للناس في المهد وفي الكهولة كل واحد من هذه ~~الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحا، فلما ختم الله سبحانه أوصاف عيسى بقوله: ~~{ومن الصالحين}[58] قيل: أنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا؛ لأنه لا ~~يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح ~~والطريق الأكمل ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا، وفي ~~أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه ~~بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات، والله اعلم. # ولما تقدم بشارة الملائكة لمريم بعيسى عليهما السلام تعجبت مريم من ~~حالها، فقال تعالى: {قالت: رب أنى يكون لي ولد} أي كيف يكون لي ولد، {ولم ~~يمسسني بشر} والمس عبارة عن النكاح الحلال. # وأما الزنا فيقال فجر بها، فقولها: أني مشاكل لقول زكريا، وقد قدمنا ~~الكلام في قصته. # قال: المفسرون: إنها إنما قالت: ذلك؛ لأن البشرية تقتضي التعجب مما وقع ~~على خلاف العادة، ms2723 ثم أنه تعالى: {قال: كذلك الله} أي مثل ذلك الخلق العجيب ~~وهو خلقه من غير أب، {يخلق ما يشاء} أي يقعل اختراع مقدرا ما يشاء، {إذا ~~قضى} أي أراد، {أمرا فإنما يقول له كن فيكون} هذا على جهة التمثيل لا أن ~~هناك قول مقول، بل هو عبارة عن سرعة فعله عز وجل من غير معالجة ومعاناة، قل ~~أم كثر، ثم ذكر تعالى بقية بشارة مريم وصفة المسيح، فقال تعالى: {ويعلمه ~~الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} قرأ نافع وعاصم {ويعلمه} بالياء، ~~والباقون بالنون وهو بالياء عطف على قوله: {يخلق ما يشاء}. # وقال: المبرد : عطف على {يبشرك بكلمة} وكذا يعلمه الكتاب والحكمة. PageV21P240 # وفي البلغة: قيل موضعه نصب عطفا على قوله وجيها، وقيل: لا موضع له؛ لأنه ~~عطف على جملة لا موضع لها، وهي قوله: {كذلك الله يخلق ما يشاء}، والكتاب ها ~~هنا بمعنى الكتابة كأنه قيل: ويعمله الكتابة بيده، وقيل: المراد بالكتاب ها ~~هنا الكتاب غير التوراة والإنجيل نحو الزبور وغيره. # وقوله: {والحكمة} أي ويعلمه الحكمة وأنواع العلوم. # وقوله: {والتوراة والإنجيل} أي ويعلم هذين الكتابين. # قال الحاكم: قطع ها هنا قصة ولادة مريم، وقصه في سورة مريم وابتدأ بقصة ~~عيسى عليه السلام وبيان صفاته وشرح معجزاته، فقال: {ورسولا إلى بني ~~إسرائيل} أي ويبعثه[59] رسولا إلى بني إسرائيل، وقيل: هو نصب على الحال ~~عطفا على وجيها على معنى أنه رسول في الحكم في تلك الحال إنه سيرسل، وكان ~~أول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليهم السلام. # وقيل: أولهم يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى عليهم السلام، والله اعلم. # وقوله: {أني قد جئتكم بآية من ربكم} أي بأني قد جئتكم بحجة وعلامة دالة ~~على نبوتي، فقالوا: ما هي؟، قال: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير} أي ~~كصورته، والطير جمع واحد طائر، نحو زائر وزور، وسافر وسفر، والمعنى أقدر ~~وأصور كصورة الطير، {فأنفخ فيه} أي في المماثل لهيئة الطير، {فيكون طيرا} ~~يطير حيا، {بإذن الله} المعنى فأنفخ فيما أخلق وأقدر من الطين فيقلبه الله ~~حيوانا، ms2724 فالدعاء كان من جهة عيسى والإحياء من فعل الله تعالى. PageV21P241 # ثم قال: {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله} الأكمه الذي يولد ~~أعمى أي أزيل عنه العمى، والبرص بأن ادعو الله تعالى فيجيبني إليه، وإحياؤه ~~الموتى على هذا الوجه الذي بيناه أيضا؛ لأنه لا يدخل جنس ذلك تحت مقدور ~~العباد، ومعناه ادعو الله بأن يحيي فيجيبني إليه، ومعنى بإذن الله أي ~~بمشيئته، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة وبينها على ~~أنني أعمل هذا التصوير فاما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار ~~المعجز على يد الرسول، وكرر بإذن الله رفعا لتوهم من اعتقد ......... # وروي أنه عليه السلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم ~~أتاه ومن لم يطق منهم أتاه عيسى عليه السلام، وما كانت مداواته إلا ~~بالدعاء. # قال: الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم، وأحيا ~~عازب وكان صديقا له ودعاء سام بن نوح من قبره فخرج حيا، ومر على ابن ميت ~~لعجوز فدعاء الله عيسى فنزل عن سريره حيا ورجع إلى أهله، وبقى وولد له ~~وإنما خص عيسى بهذه الأشياء؛ لأن الغالب على الناس في زمانه كان الطب ~~والمعالجات فأراهم المعجزة من جنس ذلك ليعلموا الإعجاز كما أن الغالب في ~~زمن موسى عليه السلام كان السحر، فأتاهم من جنسه بما أعجزهم، وكان الغالب ~~في زمن نبينا صلى الله عيله وعلى آله وسلم الفصاحة والبيان فأراهم ~~معجزة[60] من جنس صناعتهم، ومثل هذا يكون غاية الإعجاز أن يأتي بمثل ما هم ~~عليه ثم يعجزون إذ لو أتاهم بشيء لا يعرفونه لكان يجوز أن يظن أنه مقدور ~~للبشر غير أنهم لا يهتدون إليه، ومن المعجزات إخباره عن الغيوب وهو قوله ~~تعالى حكاية عنه: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} أي وأخبركم ~~بما تأكلون من غدائكم وعشائكم وما تخبون في منازلكم، قيل:إنه كان عليه ~~السلام من أول أمره يخبر عن الغيوب. PageV21P242 # روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم ms2725 كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم، ~~وكان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ~~ذلك الشيء، ثم قالوا: لصبيانهم لا تلعبوا مع هذا الساحر وجمعوهم في بيت ~~فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت، فقال: فمن في هذا ~~البيت؟ قالوا: خنازير، فقال: عيسى عليه السلام: كذلك يكونون فإذاهم خنازير. # وقيل: أن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة، وذلك؛ لأن القوم ~~نهوا عن الإدخار فكانوا يخونون ويدخرون فكان عليه السلام يخبرهم بذلك وكان ~~من معجزاته عليه السلام أنه خرج يسيح ومعه صاحب له من بني إسرائيل يظهر ~~إيمانه فجاع وشكى عليه فأعطاه شيئا، وكان إذا أراد طعاما أو غيره مد يده ~~إلى خلفه فأخذ ما شاء، فقال: اشتر بهذا طعاما فمضى فاشترى ثلاثة أرغفة وجاء ~~بها، وعيسى في الصلاة فأكل منها رغيفا، فلما فرغ قال: عيسى: أين الرغيف ~~الثالث؟ قال: ما كان إلا رغيفين، فأكلا وانطلقا فلقيهما أعمى فدعاء له عيسى ~~فصار بصيرا، فتعجب منه صاحبه، قال: عيسى: بحق الذي أراك الأعمى بصيرا أين ~~الرغيف الثالث؟ قال: يا نبي الله ما هو سوى رغيفين، فمشيا فمرا بمقبرة ~~فدعاء عيسى لصاحب القبر فأحياه الله تعالى فتعجب صاحبه، فقال: عيسى: بحق من ~~آراك ذلك من أكل الرغيف الثالث؟ قال: ما كان سوى رغيفين، فانطلقا وإذا بظبا ~~في الفلاة فدعاء عيسى واحدا منها فجاءته فذبح واحدا، وأكلا منه لحما، ثم ~~جمع عظامه، وقال: قم حيا بإذن الله فقام يسعى مع الظباء فتعجب صاحبه، وقال: ~~ما رأيت مثلك يحيي الموتى، قال: بحق الذي أحياه من صاحب الرغيف الثالث؟ ~~قال:[61] يا نبي الله ما كان سوى رغيفين، فسارا ثم افترقت بهما الطريق فلما ~~مال صاحبه إلى أحديهما ناداه عيسى فأتاه فأراه ثلاث لبنات من ذهب في جربة، ~~وقال: له: واحدة لك، وواحده لي، وواحدة لصاحب الرغيف الثالث، قال: أنا الذي ~~أكلته، قال: عيسى: هو لك PageV21P243 جميعا، وذهب عيسى وبقى الرجل يعالج الحمل لذلك الذهب، وإذا به ms2726 لا يطاق فمر ~~به ثلاثة نفر فلما رأوا ما معه قتلوه وعالجوا حمل الذهب فلم يطيقوا، قالوا: ~~يذهب واحد منا يشتري لنا طعاما، وحيوانا نحمله عليه، فتقدم أحدهم لذلك ~~فوسوس في نفسه إبليس في الطريق، فقال: خير لك أن تأخذه وحدك فاجعل في ~~الطعام سما، فإذا أكلاه حملته دابتك التي تشتريها، ثم وسوس لعنه الله ~~لصاحبيه، فقال: خير لكما أن يكون بينكما نصفين من أن يكون أثلاثا، فإذا أتى ~~صاحبكما سبقتما إلى قتله، فلما وصل صاحبهما بالطعام، وقد جعل فيه السم سبقا ~~إلى قتله، وقربا ذلك الطعام فأكلا فماتا فمر بهم عيسى عليه السلام فتعجب ~~منهم، وقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها، ثم أنه عليه السلام ختم كلامه بقوله: ~~{إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين} المعنى أن هذه الخمسة معجزات قوية ~~قاهرة دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلالة المعجز في الحمل على التصديق ~~إن كنتم مؤمنين فاقبلوها، وقيل: من شرط الإيمان قبول ذلك. # واعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولا من عند ~~الله بين بعد ذلك أنه لماذا أرسل وهو أمران: # أحدهما: قوله{ومصدقا لما بين يدي من التوراة} يعني وجبت مصدقا لما بين ~~يدي أي لما أنزل قبلي من التوارة وأرسل من الأنبياء وهم عليهم السلام يصدق ~~آخرهم أولهم كما يبشر أولهم بآخرهم. # والثاني قوله تعالى: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} قيل عطف ولأحل لكم ~~علىمعنى الكلام فأنه قيل: قد جئتكم لأصدق ولأحل لكم. # قال في البلغة: والذي حرم عليهم قيل هو لحوم الإبل والتروب، وشيء من ~~الطير، والحيتات التي كانت محرمة في شريعة موسى عليه السلام. PageV21P244 # قال المرتضى عليه السلام: لأن الله عز وجل تعبد أهل الكتاب بأسباب وامتحنهم ~~بها خففها عن أمة عيسى عليه السلام، وتعبد أمة عيسى بأشياء وامتحنهم بها ~~[62] خففها عن أمة محمد صلى الله عيله وعلى آله وسلم رحمة بهم وتسهيلا في ~~الفرض عليهم، وإقامه حجة، واختبارا وإعذارا وإنذارا ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا، ويجزي الذين أحسنوا ms2727 بالحسنى. انتهى. # فإن قيل: هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعض الذي كان محرما ~~عليهم في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض ~~قوله: {ومصدقا لما بين يدي من التوراة}، قيل في الجواب أنه لا مناقضة بين ~~الكلامين، وذلك لأن التصديق بالتوارة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها ~~حق وصواب، فإذا لم يكن التأييد مذكورا في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ~~ما كان محرما فيه مناقضة لكونه مصدقا بالتوراة، وأيضا إذا كانت البشارة ~~بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه ~~مناقضا للتوراة ثم اختلفوا فقال: بعضهم: أنه عليه السلام ما غير شيئا من ~~أحكام التوراة. # قال: وهب بن منبه: إن عيسى كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقر ~~بالسبت ويستقبل بيت المقدس، ثم أنه فسر قوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم} بأمرين: # أحدهما: أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها ~~إلى موسى عليه السلام فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها، وأعاد الأمر ~~إلى ما كان في زمان موسى عليه السلام. # والثاني: أن الله تعالى كان حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على ~~بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات} ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ~~ورفع تلك التشديدات عنهم. PageV21P245 # وقال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ولم يكن ذلك ~~قدحا في كونه مصدقا بالتوراة عليه السلام ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد ~~قائما مقامه وكان محقا في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على جواز النسخ فيما تقدم من ~~الشرائع لا كما يقوله اليهود. انتهى. # ثم قال تعالى: {وجئتكم بآية من ربكم} أي بحجة يحتمل أنه تكرير لقوله: {قد ~~جئتكم بآية} أي بآية بعد آية، فهي آيات[63] ms2728 متعددات من خلق الطير وإبراء ~~الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى كل آية علامة تصدقني شاهدة بترك مخالفتي، ~~{فاتقوا الله وأطيعون} فطاعتي من طاعته، وقيل: إنما أعاد ذلك؛ لأن إخراج ~~الإنسان من المألوف المعتاد من قديم الزمان عسير فأعاد ذكر المعجزات ليصير ~~كلامه ناجعا في قلوبهم مؤثرا في طباعهم، ثم خوفهم فقال: {فاتقوا الله ~~وأطيعون} لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله، فبين انه إذا لزمكم أن تتقوه ~~لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي، ثم أنه ختم كلامه بقوله: {إن الله ~~ربي وربكم} أي خالقي وسيدي وخالقكم وسيدكم، ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف ~~بالعبودية لكي لا تقولوا عليه الباطل فيقولوا: فيه إنه إله أو ابن الإله؛ ~~لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما يدعيه جهال النصارى عليه. # ثم قال: {فاعبدوه هذا صراط مستقيم} أي هذا الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، ~~والمعنى إنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم ~~أكد ذلك بقوله: {هذا صراط مستقيم} فدلت على أن مجموع الإقرار بالله وعبادته ~~هو الصراط المستقيم. PageV21P246 # ثم أنه تعالى بين أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات وأظهر تلك الدلائل ~~الواضحات وفهم بماذا عاملوه بين سبحانه ما جرى بينه وبين قومه، فقال: {فلما ~~أحس عيسى منهم الكفر} معنى أحس أي علم يقينا كما يعلم بالحواس. # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لما رأى كفرهم وسمع قبيح ~~لفظهم، {قال: من أنصاري إلى الله} أي حال ما أذهب إلى الله في الجهاد، ~~وقيل: من ينصرني لله ولطلب ثوابه، {قال: الحواريون نحن أنصار الله} أي ~~أنصار دينه ورسوله، وحوراي الرجل صفوته وخالصته، ومنه قيل: للحضريات ~~الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن، قال: # فقل للحواريات يبكين غيرنا # ولا يبكينا إلا الكلاب النوائح # قال: السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى ~~دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى[65] عليه السلام ~~في قومه كأمر محمد صلى الله عيله وآله وسلم وهو بمكة وكان مستضعفا وكان ~~يختفي من ms2729 بني إسرائيل كما أختفى النبي صلى الله عيله وعلى آله وسلم في ~~الغار وفي منازل من آمن به لما أرادوا ظلمه، ثم أنه عليه السلام خرج مع امه ~~يسيحان في الأرض فمر بالحواريبن وقال: من أنصاري إلى الله وكانوا صيادين ~~يصطادون السمك، عن ابن عباس، والسدي. PageV21P247 # وقيل: كانوا قصارين، وقيل: سموا به؛ لأنهم كانوا خواص عيسى عليه السلام ~~فشبه نقاء قلوبهم بنقاء الشيء الأبيض، ومنه قيل لخالص الطعام الحواري، قيل: ~~كان الحواريون اثنى عشر رجلا اتبعوا عيس عليه السلام وكانوا يسيحون معه، ~~وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده إلى الأرض فيخرج لكل ~~واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا فيضرب بيده الأرض فيخرج ~~الماء فيشربون، فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا أسقيتنا، ~~وقد آمنا بك، قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه، قال: فصاروا ~~يغسلون الثياب بالكراء فسموا حواريين، وقيل غير ذلك. # أما قوله: {آمنا بالله} فهذا يجري مجرى العلة والمعنى يجب علينا أن نكون ~~من أنصار الله لأجل أنا آمنا بالله فإن الإيمان لله يوجب نصرة دين الله، ~~والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ثم قالوا: {واشهد بأنا مسلمون} ~~مخلصون طلبوا شهادته؛ لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم؛ ولأن ~~إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم إشهاد لله تعالى أيضا ثم فيه قولان: # الأول: فاشهد بأننا منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك مستسلمون ~~لأمر الله تعالى فيه. # الثاني: إن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنيباء عليهم ~~السلام فاعترفوا بالإيمان واشهدوا نبيهم على ذلك، وفي الآية حجة على من ~~قال: أن عيسى عليه السلام وأصحابه كانوا نصارى؛ لأن الله تعالى بين أنهم ~~كانوا مسلمين كما بين في قصة إبراهيم عليه السلام بقوله: {ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما}. PageV21P248 # واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم وعلى إسلامهم تضرعوا ~~إلى الله تعالى وقالوا: {ربنا آمنا بما أنزلت}[65] من ms2730 الكتب، {واتبعنا ~~الرسول} فيما أرسل به إلينا، {فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع الأنبياء؛ لأنهم ~~يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية، وقيل: مع أمة محمد صلى الله ~~عيله وآله وسلم لأنهم يشهدون على الناس. # وقيل: الشاهدين الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق وهو الأولى المناسب للآية، ~~والله اعلم. # ومعناه فاثبت أسماءنا مع أسمائعم لنفوز بمثل ما فازوا، وننال من الكرامة ~~ما نالوا، فطلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه ~~بالنبوة. # ثم قال تعالى: {ومكروا ومكر الله} المكر على الحقيقة لا يجوز على الله ~~لأنه يرجع إلى اختداع الغير ليوقعه في ضرر، إلا أنه يجوز استعماله على ~~مزاوجة الكلا م كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}، {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه}. # وقوله: {نسوا الله فنسيهم}، قال: الشاعر: # ألا لا يجهلن أحد عيلنا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقيل معنى الآية أنهم مكروا بالمسيح عليه السلام بالحيلة عليه لقتله ومكر ~~الله بردهم بالخيبة عما طلبوه بإلقاء شبه عيسى على غيره فسمى ردهم عن المكر مكرا. # وقيل: مكروا بإضمار الكفر ومكر الله لمجازاتهم بالعقوبة على ذلك فسمى ~~عقوبة مكرهم مكرا. # قيل: مكرهم أنهم وكلوا بعيسى من يقتله غيلة، ومكر الله رفعه، وقيل: مكر ~~الله الاستدراج بأن يعصي العبد فينعم الرب مرارا حتى يأخذه على غفلة، ~~والذين مكروا بنو إسرائيل دبروا في قتل عيسى تدبيرا وقع عليهم وباله. PageV21P249 # قال المرتضى عليه السلام: قد سئل جدي القاسم صلوات الله عليه عن هذه ~~المسألة فقال: أما مكر الله واستهزاؤه فهو استدراج الله وإملاؤه، ومكر من ~~كفر بالله ربه فإنما هو احتيال من الذين كذبوا وحيه واستهزاء فكلما قيل ~~للمبطلين خادعوا ومكروا فإنما يراد به فهم كذبوا وكفروا وأظهروا خلاف ما ~~أبطنوا وأسروا، ومتى قيل استهزأؤا وسخروا فإنما يراد به تغلبوا وتطردوا، ~~وإذا كان استهزاؤهم ومكرهم إنما هو[66] إخفاؤهم ما يخفون وسترهم من أمرهم ~~ما يسترون فأمور الله استر وأبطن وإخفاء عنهم وأكن، وذلك فقد يكون مكرا من ~~الله بهم، واستهزاء، واختداعا فلذلك كان الله ms2731 سبحانه خادعا لمن خدعه لا ~~مخادعا، ولا مخدوعا، وكان قلب من خادعه سبحانه عن العلم بمكر الله مقفلا ~~مطبوعا. انتهى. # ثم قال تعالى: {والله خير الماكرين} أي المجازين على المكر، وقيل: خير ~~المنتقمين، فمدح به على الوجه الذي بيناه في معنى المكر لاقتداره وهو أقدر ~~القادرين. # ولما بين تعالى ما هم به قوم عيسى من مكره وقتله عقبه بما أنهم عليه من ~~لطف تدبيره وحسن تقديره، فقال سبحانه: : {إذ قال: الله ياعيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلي} واذكر وقت قال: الله اعلم أنه تعالى شرف عيسى عليه السلام في ~~هذه الآية بصفات: # الأولى قوله: {إني متوفيك} ونظيره قوله تعالى حكاية عنه: {فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم} واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين فقيل: متوفيك ~~بالموت بعد نزولك من السماء لا بالقتل بأيدي الماكرين، وقيل: أماته ورفعه ~~ثم أحياه، وقيل: الوفاة ليست بمعنى الموت، بل بمعنى النوم. # وقال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه متوفيك وفات قبض واحد من ~~غير موت فيما روي: ألا وافيا بكليتك، وهو مأخوذ من أخذ الجمع قال: الشاعر: # ولا توفاهم قريش في العدد # أي لا يحسب جميعهم في عددها. PageV21P250 # وقيل: أن الواو في قوله: {متوفيك ورافعك إلي} لا يفيد الترتيب فالآية تدل ~~على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل ومتى يفعل فالأمر فيه ~~موقوف على الدليل، وقد ثبت بالدليل أنه باق وحي وورد الخبر عن النبي صلى ~~الله عيله وعلى آله وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم أنه تعالى يتوفاه بعد ~~ذلك في آخر أمة محمد صلى الله عيله وآله وسلم ولا مانع منه عقلا، ولا سمعا. # وقال: صلى الله عيله وآله وسلم: ((كيف تهلك أمة محمد أنا في أولها وعيسى ~~في آخرها، والمهدي من أهل بيتي يتوسطها)) وهذا هو الصحيح. # قال: المرتضى عليه السلام[67] سئل عن هذه المسألة جدي القاسم صلوات الله ~~عليه فقال: معنى متوفيك إلي فهو متوفيك إلي صحيحا غير مكلوم، ورافعك إلي من ~~الأرض التي هي مأوى كل آثم ms2732 ظلوم غشوم، فرفعه الله كما قال: إلى سمائه غير ~~مقتول ولا مجروح بجرح عضو من أعضائه كما قال سبحانه: : {وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه}، ثم قال: {وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} ممن يدرك عيسى. # وقوله: {قبل موته} يقول قبل موت عيسى ووفاته وهو صلى الله عليه حي في ~~السماء لم يمت بعد، وهذه خاصة له من الله لم يدركها قبله ولا بعده أحد، ولا ~~بد بعد طول بقائه من أن يعيش إلى ما وعد الله به غيره من فنائه، كما قال ~~سبحانه: : {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} انتهى. # الصفة الثانية قوله: {ورافعك إلي} أي رافعك إلى موضع أوليائي المكرمين ~~وعبادي المقربين، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم والتعظيم. PageV21P251 # والثالثة قوله تعالى: {ومطهرك من الذين كفروا} أي من سوء جوارهم، والمعنى ~~مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن ~~معنى التخليص بلفظ التطهيرين، وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه ~~وتعظيم منصبه عند الله تعالى. # الرابعة قوله: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} قيل ~~المعنى الذين اتبعوه أهل الإيمان به وكأنه قال: واجعل المؤمنين بي وبك ~~بالبرهان والحجة فوق الذين كذبوك وكذبوا عليك، وقيل: بالغلبة والقهر. # وقال بعض العلماء: النصارى فوق اليهود من حيث أن اليهود أذل منهم إلى يوم ~~القيامة. # قال في البلغة: والوجه الأول أصح. # وقيل: دلت الآية على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة كما ~~للروم، وهذه الآية تدل على أن المراد من الرفعة في قوله: {ورافعك إلي} هو ~~الرفعة بالدرجة المكينة لا بالمكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ~~ليست بالمكان بل بالدرجة والرفعة. # ثم قال: عز وجل: {ثم إلي مرجعكم} يعني إلى حكمي وجزآئي مصيركم، {فأحكم ~~بينكم}[69] أي أفصل بينكم {فيما ms2733 كنتم فيه تختلفون} من الدين ومن أمر عيسى ~~أي أحكم بينكم محاسبة ومكافأة، ثم بين كيفية ذلك الحكم فقال تعالى: {فأما ~~الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا} بالسيف وغيره من عقوبات ~~المعاصي {والآخرة} هو التخليد في نار جهنم. # ثم قال: عز وجل: {وما لهم من ناصرين} أي لا يكون لهم شفيع يدفع عنهم ~~العذاب. # ثم قال تعالى: {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} أي ~~والمستحقون للثواب بما عملوا من الطاعات أوفر عليهم ثوابهم. # ثم قال سبحانه: : {والله لا يحب الظالمين} أي لا يريد تعظيمهم وإثابتهم ~~أو لا يرضى عنهم ولا يحمد فعلهم. PageV21P252 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن ثواب الله ليس إلا لمن ~~آمن وعمل صالحا، لا لمن قال: الإيمان قول بلا عمل وعلى أن الله لا يحب ~~الظالمين من شريف ووضيع، وعلى أن الله لا يجابي أحدا من خلقه. انتهى. # ثم قال تعالى: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} ذلك إشارة إلى ~~ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما وهو مبتدأ خبره نتلوه، ومن الآيات خبر ~~بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ويتلوه صلة، ومن ~~الآيات الخبر. # واعلم أن التلاوة والقصص واحد في المعنى فإن كلاهما يرجع معناه إلى شيء ~~يذكر بعضه على إثر بعض ثم أنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية ~~وفي قوله: {نتلوه عليك} من نبأ موسى، وأضاف القصص إلى نفسه فقال: {نقص عليك ~~أحسن القصص} وكل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته ~~سبحانه، وهذا شريف عظيم للملك، وإنما حسن ذلك؛ لأن تلاوة جبريل عليه السلام ~~لما كان بأمره من غير مفاوت أصلا أضيف ذلك إليه سبحانه. # وأما قوله تعالى: {من الآيات} فيحتمل أن يكون المراد أن ذلك من آيات ~~القرآن لما فيه من الآية لمن تفكر والعبرة لمن اعتبر، ويحتمل أن يكون أنه ~~من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك؛ لأنها إخبار لا يعلمها إلا قارئ من ms2734 ~~كتاب الله أو من[69] يوحى إليه وظاهر أنه لا يكتب ولا يقرأ، فبقي أن ذلك من ~~الوحي والمراد بالذكر الحكيم القرآن، وفي وصف القرآن بكونه ذكرا حكيما وجوه: # الأول: أنه بمعنى الحاكم مثل القدير، والعليم، والقرآن حاكم بمعنى أن ~~الأحكام تستفاد منه. # والثاني: معناه والحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه. # والثالث: أنه بمعنى المحكم فعيل بمعنى مفعل. PageV21P253 # قال: الأزهري: وهو شائع في اللغة؛ لأن حكمت تجري مجرى أحكمت في المعنى فرد ~~إلى الأصل، ومعنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن وجوه بطرق الخلل إليه، قال ~~تعالى: {أحكمت آياته}. # والرابع: أن يقال أن القرآن لكثرة حكمه كأنه ينطق بالحكمة فوصف بكونه ~~حكيما على هذا التأويل، أو الحكم بمعنى العادل، وصف بصفة من هو من سببه، ثم ~~رد تعالى على النصارى قولهم في عيسى واحتج عليهم فقال تعالى: {إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب}. # قال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران عند ~~الرسول صلى الله عيله وعلى آله وسلم، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد ~~لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله، فقال: ((إن آدم ~~ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابنا لله))فكذا القول في عيسى هذا ~~حاصل الكلام، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب فلم لا يجوز أن ~~يخلق عيسى من دم مريم، بل هذا أقرب إلى العقل فإن توالد الحيوان من الدم ~~الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس بغير أب وأم فهذا ~~أغرب مما استغربه عباد عيسى لكونه من غير أب هذا ملخص الكلام، ومعنى مثل ~~عيسى أي حاله في وجوده من غير أب كحال آدم في وجوده من غير أب. # وأما قوله تعالى: {ثم قال: له كن فيكون} فقد ذكرنا معناه في غير موضع انه ~~مجاز عن سرعة وقوع مراده كالمطيع إذا ورد علمه أمر المطاع لا أن ms2735 هناك قول ~~حقيقة، قوله تعالى: {الحق من ربك فلا تكن من الممترين}. # قال: الفراء والزجاج: قوله: {الحق} خبر مبتدأ محذوف، والمعنى الذي أنبأتك ~~من قصة عيسى أو ذلك النبأ في أمر عيسى الحق لكونه معلوما. # وقال: أبو عبيدة: هو استئناف بعد انقضا الكلام وخبره في قوله: {من ربك}، ~~وهذا[70] كما تقول: الحق من الله والباطل من الشيطان. PageV21P254 # وقال آخرون: الحق رفع بإضمار فعل أي جاءك وفي الحق تأويلات: # الأول: قال: أبو مسلم: المراد أن هذا الذي أنزل عليك هو الحق من خبر عيسى ~~لا ما قالت: النصارى واليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت إلها، واليهود ~~رموا مريم عليها السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار، فالله تعالى بين ~~أن هذا الذي نزل في القرآن هو الحق، ثم نهى عن الشك فيه، ومعنى ممتر مفتعل ~~من المرية وهي الشك. # الثاني: أن المراد أن الحق في هذه المسألة ما ذكرناه من المثل وهو قصة ~~آدم عليه السلام فإنه لابيان لهذه المسألة، ولا برهان أقوى من التمسك بهذه ~~الواقعة. # واعلم أن قوله تعالى:{ فلا تكن من الممترين} خطاب في الظاهر مع النبي صلى ~~الله عيله وعلى آله وسلم وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكا في صحة ما أنزل ~~عليه، وهذا غير جائز، واختلف الناس في الجواب عنه، فقال: في البلغة وهو قول ~~الحسين بن القاسم عليهما السلام: إنه خطاب للنبي صلى الله عيله وعلى آله ~~وسلم والمراد به نهي غيره عن الشك فيه كما قال تعالى: {ياأيها النبي إذا ~~طلقتم النساء}. # وقيل: فلا تكن من الشاكين أيها المكلف السامع للبرهان. # وقيل: إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى فدم على يقينك ~~وعلى ما أنت عليه من ترك الإمتراء، ثم قال تعالى: {فمن حاجك} من النصارى، ~~{فيه} أي عيسى {من بعد ما جاءك من العلم } ببطلان ربوبيته{فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين}. PageV21P255 # اعلم أنه تعالى بين في أول هذه السورة وجوها من ms2736 الدلائل القاطعة على فساد ~~قول النصارى بالزوجة والولد وأتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل ~~الاستقصاء التام وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لمراد كلامهم وهو أنه لما ~~لم يلزم من عدم الأب البشري لآدم أن يكون ابنا لله لم يلزم أيضا من عدم ~~الأب البشري لعيسى أن يكون ابنا لله تعالى عن ذلك، ولما لم يبعد خلق آدم من ~~التراب لم يبعد أيضا خلق عيسى من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى ~~عليهما السلام[71]ومن أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية ~~القصوى فعند ذلك قال تعالى: {فمن حاجك فيه} بعد هذه الدلائل الواضحة ~~والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما تعامل به المعاند وهو أن ~~تدعوهم إلى الملاعنة، فقال سبحانه: : {فقل تعالوا ندع أبناءنا...} إلى آخر ~~الآية أي فقل يا محمد تعالوا يعني هؤلاء النصاى وهم وفد نجران هلموا إلى ~~حجة قاضية قاطعة تميز الكاذب من الصادق، فقوله: {ندع أبناءنا} يعني الحسن ~~والحسين {وأبناءكم} خطاب لمن حاجه من النصارى يعني من شئتم من أبنائكم ~~{ونساءنا} يعني فاطمة، {ونساءكم} من شئتم، {وأنفسنا} يعني النبي وعليا، ~~{وأنفسكم} من شئتم من رجالكم، وإنما أمر بإحضار الذرية منهم؛ لأن عادة الله ~~تعالى في الاستئصال أن يصيب البالغين عقوبة والذرية محنة، {ثم نبتهل} قيل ~~نتضرع في الدعاء عن ابن عباس. # وقيل: نخلص في الدعاء بالهلاك على الكاذب ومنه قول لبيد: # نظر الدهر إليهم فابتهل # أي دعى بالهلاك عليهم عن مقاتل. # وقيل: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذب فنجعل لعنة الله على الكاذبين منا ~~ومنكم، والبهلة بالضم والفتح اللعنة، ثم استعمل المباهلة والابتهال في كل ~~دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن إلتعانا. PageV21P256 # روي أنه صلى الله عيله وعلى آله وسلم لما دعاهم إلى المباهلة استمهلوا ~~فاستشاروا العاقب وكان ذا رأيهم، فقال: لقد عرفتم والله يا معشر النصارى أن ~~محمدا نبي ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط ~~فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن فإن ms2737 أبيتم إلا ألف دينكم ~~فوادعوا الرجل، فاتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد غدا متحضنا ~~للحسنين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي عليه السلام خلفهما وهو ~~يقول: ((إذا أنا دعوت فأمنوا)) فقال: .... إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ~~يزيل جبلا لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجوه الأرض نصراني ~~إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، قال: ((فإذا ~~أبيتم فأسلموا يكن[72] لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين)) فأبوا، ~~فقال: ((فإني أناجزكم الحرب)) قالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، فصالحوه على ~~الفيء حلة في السنة ألف في رجب وألف في صفر. # والحلة: ثوبان إزار ورداء، وعلى ثلاثين درعا عادية. # وفي رواية: عارية من حديد ويقرهم على دينهم، فقال: صلى الله عيله وعلى ~~آله وسلم: ((والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا ~~لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران ~~وأهله حتى الطير في رؤس الشجر، ولا حال الحول على النصارى حتى يهلكوا)) ~~وفيه ثلاث دلالات صحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم لم يجيبوه إلى ~~المباهلة بالاجماع. # الثانية: فضل أصحاب الكسا. # الثالثة: تقدم أمير المؤمنين على من سواه لأنه قصده بقوله: {أنفسنا} مع ~~نفسه صلى الله عيله وعلى آله وسلم. PageV21P257 # وفي سبب نزول هذه الآية ومعنى الإبتهال يقول المرتضى عليه السلام: نزلت في ~~نصارى نجران أيام وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما أن بين لهم ~~الحق وأوضح لهم الصدق وكابروه وجاحدوه من بعد أن أقام الحق عليهم وثبتت ~~الحجة في رقابهم حتى كان من قولهم آخرا ذكر المباهلة وذلك أن المباهلة كانت ~~في سالف الدهر وعند اختلاف أهل الباطل والحق فكانوا إذا تباهل الحزبان أنزل ~~الله العذاب على الكاذب منهما، فأنزل الله سبحانه على محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: لهم: {تعالوا ندع أبناءنا...}الآية، فلما أن وعدهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم المباهلة وغدوا لذلك فيقال إن ms2738 الشيطان شبه ~~لهم أو نادهم بصوت أسمعهم فقال: إن باهلكم محمد بأصحابه كافة فباهلوه، وإن ~~باهلكم بنفسه وابن عمه وولده فلا تباهلوه فتهلكوا، فلما أن خرج صلى الله ~~عيله وعلى آله وسلم لمباهلتهم خرج بعلي والحسن والحسين، وفاطمة عليهم ~~السلام، فلما رأوهم معه خصوصا منفردين من غيرهم جنبوا عن مباهلته ورجعوا ~~خائبين، وبالذلة والصغار معترفين، فضرب صلى الله عيله وعلى آله وسلم عليهم ~~الجزية وهي ما بلغكم من الأواق والحلل. انتهى. PageV21P258 # قال: في تكميل [73] الكشاف: روى البيهقي بإسناده أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن تنزل عليه طس سليمان باسم إله ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما بعد: ((فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة ~~العبادة، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العبادة فإن أبيتم فالجزية، فإن ~~أبيتم فقد أذنتكم بحرب والسلام)) فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه قطع به ~~وذعره ذعرا شديدا وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وادعة وكان ~~من همدان ولم يكن بأحد يدعى إذا نزلت معظلة قبله لا الأهيم ولا السيد، ولا ~~العاقب فدفع الأسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شرحبيل ~~فقرأه فقال: الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك، فقال: شرحبيل: قد علمت ما وعد ~~الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما نؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل ~~ليس لي في النبوة رأي ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي ~~وجهدت لك، فقال: له الأسقف: تنح فاجلس فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته فبعث ~~الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح ~~من حمير فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال: له مثل قول شرحبيل، فقال: ~~له الأسقف تنح فتنحى فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل يقال له: جبار بن فيض ~~من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه ~~فقال: له مثل قول شرحبيل وعبد الله فأمره ms2739 الأسقف فتنحى فجلس ناحية فلما ~~اجتمع الرأي منهم على تلك المقال:ة جميعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ~~ورفعت النيران والمسوخ في الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ~~وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع أهل ~~الوادي وطوله مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ~~ألف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسألهم عن ~~الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الرأي منهم أن يبعثوا PageV21P259 شرحبيل بن وادعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض[74] ~~الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق الوفد حتى ~~إذا كانوا بالمدينة ووضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من ~~خبره وخواتيم من الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عيله وعلى ~~آله وسلم فسلموا عليه ولم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم ~~يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب فانطلقوا يبتغون عثمان بن عفان، ~~وعبد الرحمن بن عوف وكانا معرفة لهم فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار ~~في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا ~~مجيبين له فأتيناه فسلمنا فلم يرد سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا ~~...... أن يكلمنا فما الرأي منكما؟ أترون أن نرجع، فقال:ا لعلي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن، فقال: علي لعثمان وعبد ~~الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودون ~~إليه ففعلوا فرد سلامهم، ثم قال: ((والذي بعثني بالحق لقد أتوني في المرة ~~الأولى وإن إبليس لمعهم))، ثم سألهم وسألوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى ~~قالوا: ما تقول في عيسى فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى يسرنا أن إن كنت ~~نبيا أن نسمع ما تقول فيه، قال: رسول الله: ((ما عندي فيه شيء يومي هذا ~~فأتموا حتى أخبركم بما نقول في عيسى)) فأصبح الغد وقد أنزل الله فيه هذه ~~الآية: {إن ms2740 مثل عيسى عند الله كمثل آدم...} إلى قوله: {الكاذبين} فأبوا أن ~~يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغد بعدما أخبرهم ~~الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خمل وفاطمة تمشي عند ظهره وعلي ~~خلفهما للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة، فقال: شرحبيل لصاحبيه قد علمتما أن ~~الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله ~~لأرى أمرا PageV21P260 ثقيلا، والله لئن كان هذا الرجل ملكا مبعوثا لكنا أول العرب طعن في عيبه ~~ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدر أصحابه حتى يصيبونا بجائحة ~~وإني لا أدنى العرب منهم جوار، ولأن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا ~~يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال: له: أنت وذاك فتلقى ~~شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وآله[75]وسلم فقال: إني قدر رأيت خيرا من ~~ملاعنتك فقال: ((ماهو))؟ # فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز # فقال: رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم: ((لعلك قد رأك أحد يثرب عليك)). # فقال: شرحبيل: سل صاحبي فسألهما فقال: ما يرد الوادي ولا يصدر الآن عن ~~رأي شرحبيل، فرجع رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم فلم يلاعنه حتى إذا كان ~~الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب. # بسم الله الرحمن الرحيم هذا ماكتب محمد رسول الله لنجران إن كان عليهم ~~حكمه في كل ثمرة وصفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ~~ألفي حلة في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، وذكر تمام الشروط وبقية ~~السياق. انتهى. # واعلم أن حكم المباهلة في الشرع أن يخرج الخصم بنفسه ويخرج ببنيه ونسائه ~~إلى الصحراء، ثم يتقدم الخصمان ويشبك بين أصابعهما رافعين أيدهما إلى ~~السماء ويقف البنون والنساء بإزائهما، ثم يبتهلان فيقولان اللهم أنزل لعنتك ~~على الكاذب. # ولاخلاف بين رواة الأمة أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه ~~الآية أخذ بيد الحسن والحسين وعلي ms2741 وفاطمة عليهم السلام وخرج بهم، ثم دعى ~~نصارى نجران إلى المباهلة. # وروي أنه أخذ كساء وجعل عليا تحته وفاطمة والحسن والحسين، وقال:((اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)). PageV21P261 # ثم دعى أهل نجران إلى المباهلة فأحجموا وعلموا أن اللعنة تنزل عليهم لو ~~باهلوا فألبسوا على عوامهم بأن قالوا لو باهلنا وغلبنا لمنعنا عنه قومه، ~~فانصرفوا عنه خائبين خائفين، ودلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يقوم مقام ~~النبي صلىالله عليه وآله وسلم بعده غير علي بن أبي طالب عليه السلام؛ لأن ~~الله تعالى حكم في المباهلة بأن يخرج النبي صلوات الله عليه وآله وسلم في ~~نفسه والبنين والنساء، فلما وجدناه خرج بنفسه وأخرج الحسن والحسين وفاطمة ~~عليهم السلام، وخرج بعلي عليه السلام ولم يكن علي من البنين ولا من النساء، ~~فلم يبقى إلا أنه في حكم الأنفس؛ لأنه[76] لولم يكن كذلك لكان النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم فعل مالم يأمره الله به ولم يأذن له فيه، وحاشاه عن ~~ذلك، فدلنا ذلك أن نفس علي في باب القيام بدين الله والذب عن بيضة الإسلام ~~والنصر فيما يجري هذا المجرى من رعاية الأمة كنفس محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم، فإذا كان كذلك فمتى ارتفع شخص محمد صلىالله عليه وآله وسلم عن العالم ~~ولم يكن بد من إمام راعي للأمة وجب أن يقوم مقامه بعد الممات من كانت نفسه ~~كنفسه في حال الحياة في باب الدين وهذا ظاهر والحمد لله، ذكر هذا في ~~البلاغة. PageV21P262 # قال: في النجم الزاهر في علم القرآن الباهر: ما لفظه لاخلاف أن الأبناء في ~~الآية الحسن والحسين، وأن النساء فاطمة عليها السلام، وأن الأنفس هو علي ~~عليهما السلام، والآثار قاضية بذلك، وقصة المباهلة شهد به والنص من النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم على تفيسرها بذلك يدل عليه وإجماع العترة الظاهرة ~~يقضي به، وإجماع الصحابة صرح به، والعلم الضروري أنه ما أتى إلا بمن ذكرنا ~~يقضي بصحته، وقد أجمع على ذلك رأي الأمة كلها، فلا مكذب به، ms2742 وفي الآية ~~دلالة على فضل آل محمد عليهم السلام لما اختصتهم بذلك دون سائر الصاحبة، ~~وتدل الآية على أن الحسن والحسين أبناء رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم، ~~وكما دلت على ذلك فقد نوه بذلك رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم على رؤوس ~~الأشهاد وقال: ((كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم))، وبإسناد آخر((يعترون إلى ~~أبائهم إلا إبني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما)). # وفي علي عليه السلام قال: (( علي مني وأنا منه)) وفي حديث سورة براءة ~~((لايبلغها إلا أنا أو رجل مني أو من نفسي)) وفي فاطمة عليها السلام قال: ~~صلىالله عليه وآله وسلم ((فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها)) ويدل ذلك على ~~فضل عظيم لآل محمد عليهم السلام، ولإتباعهم؛ لأنه إذا ثبت أنه دعى الأبناء ~~منه صلىالله عليه وآله وسلم والنساء منه، والأنفس منه، وأبنا الطائفة ~~الآخرى، ونسائهم، وأنفسهم، وألزم الإبتهال واللعن للكاذب من الطائفتين دل ~~على أن طائفة آل محمد عليه وعليهم السلام هي الصادقة ومن عداها هو الكاذب ~~الذي وقع عليها اللعن، ويدل[77] قوله (( أنفسنا)) أنه جعل عليا عليه السلام ~~نفسه صلىالله عليه وآله وسلم. PageV21P263 # وقد علم بالضرورة أنما أراد أنه مثل نفسه؛ لأنه لا يصح أن يكون عين ذاته، ~~فوجب أن يكون مثله في كل شيء إلا النبوة، كما قال: ((أنت مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا أنه لانبي بعدي)) فيكون معصوما مثله، وتحرم مخالفته مثله، ويجب ~~اتباعه مثله، ويكون قوله حجة مثله، ولايجوزالتقدم عليه مثله، كما قال ~~تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} وتدل على أنه ليس لأحد إنفاذ ~~الحدود وأخذ الزكوات، وقسمة الفي بعد رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم إلا ~~عن أمره، فيدل ذلك على إمامته؛ لأن من تولى هذه الأحكام كان هو الإمام، ~~والآية ظاهرة جلية في ذلك كله. انتهى. # ويتأكد الإستدلال بهذه الآية بالحديث المنقول عند المخالف والموالف، وهو ~~قوله صلىالله عليه وآله وسلم ((من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحا في ~~طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربه، وعيسى في ms2743 صفوته، فلينظر إلى علي ~~بن أبي طالب)) والحديث دل على أنه اجتمع فيه ماكان مفرقا فيه، رواه الرازي ~~عن الشيعة. # وروى أبو العباس الحسني عليه السلام: في كتابه المصابيح بإسناده عن عمار ~~بن ياسر، قال: قال: رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم: ((أوصي من آمن بي ~~وصدقني بولاية علي بن أبي طالب من تولاه فقد تولاني ومن تولاني فقد تولى ~~الله، ومن أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني، ~~ومن أبغضني فقد أبغض الله)) وبإسناده إيضا عن أبي جعفر عليه السلام قال: ~~قال: رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم: ((من أحب عليا وولاه فقد أحبه الله ~~وهداه، ومن أبغض عليا أصمه الله وأعماه،)). PageV21P264 # ثم بين تعالى بعد اقتصاص حديث المباهلة وإخبار القوم أن الحق ما هو عليه، ~~فقال عزوجل: {إن هذا لهو القصص الحق} هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره من ~~الدلائل ومن الدعاء إلى المباهلة، والقصص الحق هو مجموع الكلام المشتمل على ~~ما يهدي إلى الدين ويرشد إلى الحق، ويأمر بطلب النجاة، فأخبر تعالى أن الذي ~~أنزل على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره، والخطاب وإن كان معه ~~فالمراد به الكل. # فقال: يقال في اللغة قصصت الحديث رويته على جهته، وهو من اقصصت الأثر إذا ~~اتبعته، وفلان يقتص أثر فلان يتبعه، والقصص الخبر الذي يتابع فيه المعاني. # وقيل: أن هذا الوحي والذكر لهو القصص الحق، أي الحديث الصديق، فمخالفتكم ~~إياه مع وضوح الأمر فيه عناد منكم، ثم قال: {وما من إله إلا الله } هذا ~~مبالغة في أنه لا إله إلا الواحد الحق سبحانه، أي ظهر ووضح أنه لايستحق أحد ~~العبادة غير الله، وأن عيسى عبده ورسوله، ثم قال: {وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم} العزيز فهو القادر والقاهر الذي ما أراد كأن بلا كلفة ولا أعوان ~~الحكيم المتقن لفطرته ولجعله وخلقه الذي لايتغير ما أثبت ولا ثبت ما غير ~~الحسن التدبير الجيد التقدير الذي لاتفاوت في خلقه، ولافساد في تدبيره، ~~ذكره الهادي ms2744 عليه السلام. # قال الرازي: وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى وذلك أن اعتمادهم ~~على أمرين: # أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فكأنه تعالى ~~قال: هذا القدر من القدرة لايكفي في الإلهية، بل لابد وأن يكون عزيزا غالبا ~~لايدفع ولايمنع، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ماكان كذلك، وكيف وأنتم تقولون ~~أن اليهود قتلوه. PageV21P265 # والثاني: أنهم قالوا كان يخبر عن الغيوب فيكون إلها، فكأنه تعالى قال: هذا ~~القدر مع العلم ولايكفي في الإلهية، بل لابد وأن يكون حكيما أي عالما بجميع ~~المعلومات وبجميع عواقب الأمور، فذكر العزيز الحكيم هاهنا إشارة إلى الجواب ~~عن هاتين الشبهتين، ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول هذه السورة من ~~قوله {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم}. انتهى. # ثم قال تعالى: {فإن تولوا} أي أعرضوا عما تدعوا إليه يا محمد {فإن الله ~~عليم بالمفسدين} أي عليم بأعمالهم، وبما يستحقونه عليها من الجزاء، وأنه ~~يجازيهم لامحالة، وهو وعيد بالعذاب المذكور في قوله {زدناهم عذابا فوق ~~العذاب بما كانوا يفسدون}كأنهم الذين قصدوا بالمباهلة. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: [79]دلت على جواز مباهلة الظالمين ~~وهو أن يدعوا الفريقان معا أن تكون نقمة الله وسخطه على المبطل من ~~الفريقين. انتهى. # واعلم أنه لما تم الحجاج على القوم ابتداء بذكر التوحيد والدعاء إليه ~~والإقتداء بما أنفقوا أنه كان على طريق الحق، فقال تعالى: {قل ياأهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا}هذا ~~تفسير الكلمة إلى قوله {من دون الله} والمراد بأهل الكتاب الذين أوتوا ~~الكتاب. # وقيل: من لهم علم الكتاب، ثم اختلفوا فقيل: هو خطاب للفريقين من أهل ~~الكتاب عن أبي علي. # قال: الحاكم : وهو الأوجه، والسبب المروي يدل عليه. # وقيل: خطاب يهود المدينة؛ لأنهم أطاعوا أحبارهم طاعة الأرباب. PageV21P266 # وقيل: خطاب لنصارى نجران؛ لأن النبي صلىالله عليه وآله وسلم لما أورد عليهم ~~أنواع الدلائل وانقطعوا ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما ms2745 شارعوا فيها، ~~وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان صلوات الله عليه حريصا على إيمانهم، ~~فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك النهج من الكلام واعدل إلى نهج آخر، شهد ~~كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال، وقل ياأهل ~~الكتاب تعالوا أي هلموا إلى كلمة فيها الإنصاف من بعضنا لبعض، ولا ميل فيه ~~لأحد على صاحبه، والسوى هو العدل والإنصاف وميل إلى كلمة مستوية ولايختلف ~~فيها القرآن والتوراة، والأنجيل، وهي ألا يعبد إلا الله ولايشرك به شيئا، ~~هذا هو المراد من الكلام، ومعنى تعالوا أقبلوا، والمراد منه المجيء بالرأي ~~والعزم، وقوله تعالى {ولا نشرك به شيئا} نهىعن شيئين: # أحدهما: النهي عن أن يجعل معه إله معبود. # ثانيهما: النهي عن التشبيه بخلقه؛ لأنه يدخل في الشركة الظاهرة، فيجب أن ~~ينفى عنه كل ما اتصف به العباد، فإن سمى بشيء مما يسمون به نحوا قادر، ~~وعالم، وحي، وغير ذلك وجب أن يعتقد أنه على خلاف قدرتهم وعلمهم وحياتهم، ~~وكذلك في جميع أسمائه الراجعة إلى ذاته، فلا يعتقد أنها زائدة عليها في ~~المعنى، وذلك عام إلا ماخصه دلالة، ثم قال:{ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ~~من[80] دون الله} كما يفعله اليهود والنصارى أي لايطيع علمائنا فيما أحدثوا ~~من التحليل والتحريم، كما يطاع الرب. # وروي عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال: ما اتخذوهم أربابا ~~معبودين ولاكنهم استحلوا ما حرمو على أنفسهم ماحرموه، فكأنهم اتخذوهم ~~أربابا ؛ لأن التحليل والتحريم إلى الله تعالى العالم بمصالح العباد. PageV21P267 # ثم قال سبحانه: {فإن تولوا} عن التوحيد وما تدعوهم إليه يا محمد{فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون} أي فأكدوا الحجة عليهم وبينوا لهم أنكم مباينون لهم في ~~دينهم وأن دينكم الإسلام وأنكم برآء منهم، ويجوز أن يكون من باب التعريض، ~~ومعناه اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره، ومعنى ~~قوله تعالى {ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } أي لما تنازعون فيه. # قيل: وسبب نزول الآية أن أحبار اليهود ونصارى نجران جاؤا إلى النبي ms2746 ~~صلىالله عليه وآله وسلم فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت: اليهود ~~ماكان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت: النصارى ماكان إلا نصرانيا، فأنزل الله ~~مبينا بطلان قولهم بقوله {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} ؛ لأن ~~اليهودية ظهرت في قوم موسى عليه السلام، والنصرانية في قوم عيسى عليه ~~السلام، وهما بعد إبراهيمبسم عليه السلام، وإبراهيم قبل موسى بألف سنة، ~~وبين موسى وعيسى ألف سنة، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعده ~~بأزمنة متطاولة {أفلا تعقلون}فساد هذه الدعواء حتى لايجادلوا مثل هذا ~~الجدال، والعقل يزجرعن إقامة مالاحجة عليه فإن قيل فهذا أيضا لازم عليكم؛ ~~لأنكم تقولون أن إبراهيم كان على دين الإسلام والإسلام إنما نزل بعده بزمان ~~طويل، فالجواب أن القرآن أخبر أن إبراهيم كان مسلما حنيفا وليس في التوراة ~~والأنجيل أن إبراهيم كان يهوديا أونصرانيا، فظهرالفرق، ثم قال تعالى: ~~{هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} أي ~~في دين إبراهيم؛ لأنه لاذكر له في كتابكم، وفي خبر أنتم في قوله هاأنتم ~~ثلاثة أوجه: PageV21P268 # الأول[81]قال في الكشاف: ها للتنبيه وأنتم مبتداء وهؤلاء خبره، وحاججتم ~~جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى أنت هؤلاء الأشخاص الحمقاء، وبيان ~~حماقتكم وقلة عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم مما نطق به التوراة ~~والأنجيل في أمر محمد وصفته فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ولاذكر له في ~~كتابكم من دين إبراهيم. # الثاني: أن يكون أنتم مبتداء وخبره هؤلاء بمعنى أولا على معنى الذين، وما ~~بعده صلة له. # الثالث: أن يكون أنتم مبتداء وهؤلاء عطف بيان، وحاججتم خبره، ~~والتقديرأنتم هؤلاء حاججتم بما حقق ذلك بقوله {والله يعلم} ما حاججتم ~~به{وأنتم لا تعلمون} وقيل: والله يعلم كيف كانت حال هذه الشرائع في ~~الموافقة والمخالفة وأنتم لاتعلمون كيفية تلك الأحوال، ولما تقدم ادعا ~~اليهود والنصارى في إبراهيم نزهه الله تعالى عن قولهم وبين ما كان عليه من ~~ذلك مفصلا فقال: {ماكان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} فكذبهم فيما ادعوه من ~~موافقته ms2747 لهما قال: {ولكن كان حنيفا مسلما} مستقيما في دينه. # وقيل: ما يلاعن كل دين إلا دين الإسلام. # قال: في البلاغة: وسمى مسلما ؛ لأن بعض شريعته توافق لشريعة الإسلام كما ~~قال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل...}الآية. انتهى. # {وما كان من المشركين} كما يدعيه مشركوا العرب، أو أراد بالمشركين اليهود ~~والنصارى لإشراكهم بالله عزير والمسيح. PageV21P269 # ثم قال تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم} أي أقربهم وأخصهم {للذين اتبعوه} ~~في زمنه وبعده، ثم قال: وهذا النبي أي وخصوصا هذا النبي يعني محمدا صلىالله ~~عليه وآله وسلم فهو أولى به؛ لأنه تولى ما كان هو عليه ونصره بالحجة وبرأه ~~من كل عيب أضافة إليه المفترون من اليهود والنصارى وغيرهم، ثم قال: {والذين ~~آمنوا} بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم أولى به على هذه الوجه. # قيل: سبب نزول هذه الآية أنه لما هاجر جعفر بن أبي طالب إلىالحبشة مع ~~أصحابه وكان من أمراء بدر ماكان، قالت: قريش لنا في الذين عند النجاشي من ~~أصحاب محمد ثأر فأجمعوا مالا واهدوه إلى النجاشي لعله يسلم القوم[82] إليكم ~~فنقتلهم بأصحابنا، فجمعوا وبعثوا عمرو بن العاص، وعمار بن أبي معيط مع ~~الهدايا فأتيا إلى الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدوا له وسلما عليه ~~وقال:ا له قومنا لك ناصحون وشاكرون ولصلاحك محبون، وإنهم يبعثونا إليك ~~لنحذرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم كذاب خرج فينا يزعم أنه ~~نبي وأنه رسول الله، فلم يتابعه إلا السفهاء، وقد كنا ضيقنا عليهم وجعلناهم ~~في شعب لا يدخل عليهم أحد ولايخرج، وألجأناهم إلى الخروج فهربوا من الجوع ~~والعطش، فلما اشتد عليهم الأمر بعثوا إليك من يفسد عليك دينك ورعيتك، ~~فاحذرهم وسلمهم إلينا لنكفك شرهم، وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لايسجدون ~~لك، ولايحيونك بالتحية التي يحيك بها الناس، فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح ~~جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله فقال: النجاشي مروا هذا الصائح حتى يعيد ~~كلامه، ففعل جعفر فقال: النجاشي نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر عمرو ~~بن العاص إلى ms2748 صاحبه وقال: أما تسمع فساءهما ذلك فدخلوا عليه ولم يسجدوا له. # وقال: عمرو بن العاص: أرأيت كيف استكبروا عليك حيث لم يسجدوا لك، فقال: ~~لهم النجاشي مامنعكم من ذلك؟ PageV21P270 # قالوا نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد ~~الأوثان، فبعث الله فينا نبيا صادقا وأمر بالتحية التي رضيها الله لنا، وهي ~~السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه في التوراة والأنجيل. # قال: النجاشي: وأيكم الهاتف مستأذن عليك حزب الله. # قال: جعفر: أما القصة أن أمرالنجاشي بضرب الناقوس فاجتمع إليه كل قسيس ~~وراهب، فلما اجتمعوا قال: لهم أنشدتكم الله الذي أنزل الأنجيل على عيسى هل ~~تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيا مرسلا؟ # قالوا نعم قد بشرنا به عيسى. # فقال: النجاشي: ماذا يقول هذا الرجل ويأمركم به وما ينهاكم عنه؟ # فقالوا: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر ~~بحسن الجوار وصلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده ولانشرك به شيئا. # قال: اقرأ علي شيئا مما يقرأ عليكم، فقرأ عليه سورة العنكبوت والروم ~~ففاضت عين النجاشي وأصحابه من الدمع، ثم قرأ عليه سورة الكهف[83] فأراد ~~عمرو بن العاص أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، فسأله النجاشي ~~ماتقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ جعفر سورة مريم، فلما أتى على ذكر عيسى رفع ~~النجاشي بقية من سواكه قدر ما يقذي العين، وقال: والله ما زاد على ما ~~تقولون، ثم أقبل على جعفر وأصحابه وقال: ابشروا ولاتخافوا فلا هوادة اليوم ~~على حزب إبراهيم عليه السلام. # فقال: عمرو ومن حزب إبراهيم. # قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده، فانكسر المشركون وقالوا نحن ~~حزب إبراهيم، وادعوا أنهم على دينه، فرد النجاشي على عمرو وصاحبه المال ~~الذي جاؤا به وقال: إنما هديتك رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة. # قال: جعفر: فانصرفنا وكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله تعالى ذلك ~~اليوم في خصومتهم في إبراهيم عليه السلام على رسوله وهو بالمدينة ms2749 {إن أولى ~~الناس بإبراهيم } الآية. PageV21P271 # وقال: النبي صلىالله عليه وآله وسلم ((إن لكل نبي ولاة من المؤمنين وإن ولي ~~منهم أبي وخليل ربي وقرأ هذه الآية إلى قوله{ودت طائفة} ثم قال تعالى: ~~{والله ولي المؤمنين} بالنصرة والمعونة والتوفيق، والتأيد، والإعظام، ~~والإكرام. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على خروج اليهود ~~والنصارى الكافرين بما أنزل على محمد صلىالله عليه وآله وسلم وملة المؤمنين ~~من أمته. انتهى. # قال الحاكم: تدل الآية على أن اليهودية والنصرانية أسماء ذم، وأنهما ~~لايفيدان التمسك بالحق فلذلك نفاهما عن إبراهيم ولاشبهه إنما عليه الفريقان ~~ليس بدين موسى وعيسى عليهما السلام، وكيف وهؤلاء يدينون بالتشبيه والتدليس ~~وتكذيب محمد صلىالله عليه وآله وسلم، ويدل على أن إبراهيم كان مسلما وملته ~~الإسلام لموافقة الملتين في المعظم. # ثم أخبر تعالى أنهم كما ضلوا أضلوا ودعواء إلى الضلال فقال سبحانه: {ودت ~~طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم}. PageV21P272 # اعلم أن الله عز وجل لما بين أن طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق والإعراض ~~عن قبول الحجة بين أنهم لايقتصرون على هذا القدر بل يجتهدون[84] في إضلال ~~من آمن بالرسول صلىالله عليه وآله وسلم بإلقاء الشبهات كقولهم إن محمد مقر ~~بموسى وعيسى ومدع لنفسه النبوة، وأيضا أن موسى عليه السلام أخبر بالتوراة ~~أن شرعه لايزول، وايضا القول بالنسخ يفضي إلى البدء، والغرض من الكلام ~~تنبيه المؤمنين على أن لايغتروا بكلام اليهود ونضيره قوله تعالى في سورة ~~البقرة{ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا} وقوله ~~ود لو تكفرون كما كفروا تكونون سواء، والمعنى تود جماعة من أهل الكتاب ~~وتتمنى أن يهلكوكم بإدخالكم في الهلاك، وود يجري مجرى تمنى؛ لأنه يصلح ~~للماضي والمستقبل والحال، وأصل الضلال الهلاك، ومنه قوله تعالى حكاية ~~{وقالوا أئذا ضللنا في الأرض} أي هلاكنا، ومن هاهنا للتبعيض، وإنما ذكر ~~بعضهم ولم يعمهم ؛ لأن منهم من آمن وأثنى الله عليه بقوله {منهم أمة ~~مقتصدة} {من أهل الكتاب أمة قائمة}. # وقيل: نزلت الآية في معاذ، وعمار، وحذيفة، ms2750 دعاهم اليهود إلى دينهم، وإنما ~~قال: لو يضلونكم ولم يقل أن يضلوكم ؛ لأن لو أوفق للتمني، فإن قولك لو كان ~~كذا يفيد التمنى، ونضيره قوله تعالى{يود أحدهم لو يعمرو} ثم قال: {وما ~~يضلون إلا أنفسهم} أي وما يهلكون إلا أنفسهم ؛ لأنه يضاعف لهم العذاب بضلا ~~لهم وإضلالهم، فالراجع إليهم أعضم مما يرجع إلى من أضلوه، فكأنه لايعتد ~~بهلاك غيرهم في جنب هلاكهم. # وقيل:{وما يضلون إلا أنفسهم}؛ لأن المؤمنين لايقبلون منهم، فيرجع إليهم ~~وبال فعلهم ودعوتهم إلى الضلال، ثم قال: {وما يشعرون} أي وما يعلمون أن هذا ~~يضرهم ولايضر المؤمنين. # وقيل: لايعلمون مقدار ما يأتون من الضلال بذلك. PageV21P273 # ثم عاد الخطاب إلى تقريع الفريقين في كتمان الحق فقال سبحانه: {ياأهل ~~الكتاب لم تكفرون بآيات الله}التوراة والأنجيل، والقرآن، وكفرهم بها أنهم ~~لم يؤمنوا بما نطقت به من صحة نبوة محمد صلىالله عليه وآله وسلم، ثم قال: ~~{وأنتم تشهدون}أنها حق وأن نعته في الكتابين. # وقيل: تشاهدون في كتبكم أن دين الإسلام حق. # وقيل: يشهدون الحجج الدالة علىنبوة محمد صلىالله عليه وآله وسلم. # قال: إمامنا المنصور بالله[85] عليه السلام: دلت على تعمدهم للكفر بآيات ~~الله ؛ لأنهم كفروا بما شهدوا على مخالفة صرائح الآيات بذلك، وتأويل معناها ~~بما يخالف ضواهرها لايجدي وإنما هو تحريف للكلم عن مواضعه والله اعلم. انتهى. # ثم قال تعالى: {ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل} أي لم يجعلون ~~الباطل لباسا للحق ويكتمونه، يقال لبست الشيء إذا خلطه، وقيل: كان لبسهم ~~بتحريف التوراة والأنجيل. # وقيل: بإضهارهم الإيمان وإبطانهم خلاف ذلك. # وقد كان جماعة منهم تداعوا إلى إضهار الإسلام في أول النهار والرجوع عند ~~آخره تشكيكا للناس كما يأتي في الآية التي بعد هذه، {وتكتمون الحق} والحق ~~هاهنا هو ما كتموه من صفة محمد صلىالله عليه وآله وسلم والبشارة التي أتاهم ~~بها، ومعنى {وأنتم تعلمون} أي تعلمون بالحق الذي تكتمونه، والخطاب ~~للمعاندين من علمائهم، وأقبح القبيح ما ارتكب مع العلم بقبحه. # قال: عليه السلام: دلت هذه الآية الكريمة على تحريم خلط الحق بالباطل ms2751 ~~وعلى تحريم كتم الحق. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى ~~عنهم نوعا واحدا من أنواع تلبيساتهم فقال سبحانه: {وقالت: طائفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره}. PageV21P274 # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذه حيلة قد علمها الله من أهل ~~الكتاب فأخبر بها المؤمنين لئلا يقبلوانفاقهم. انتهى. # قيل: تواطئ اثني عشر رجلا من يهود خيبر على أن يدخلوا في دين محمد أول ~~النهار من غيراعتقاد ويكفروا آخره، ويقولوا إنا نظرنا في كتابنا فوجدنا ~~محمدا لبس بذلك المنعوت، وضهرلنا كذبه، فإذا فعلنا ذلك شك أصحابه{لعلهم ~~يرجعون}أي يرجعوا عن دينهم ويقولون هم اعلم منا، وقد رجعوا فيرجعون. # قال المرتضى عليه السلام: هذا قول من أهل الكتاب أهل الكفر والإرتياب ~~يأمر بذلك بعضهم بعضا أن أمنوا وجه النهار واكفروا آخره استهزاءا بالدين ~~وجرأة على المؤمين، أرادوا بذلك أن يراهم الناس والجهال وأهل الكفر والضلال ~~يؤمنون به حينا ويقبلونه ويكفرون به وقتا ويجحدونه ويوهمون أنما هم عليه ~~باطل، وأنهم بعد أن دخلوا في الإيمان خرجوا منه تمردا وعصيانا وتمهيدا لمن ~~لادين له ولا[86] حقيقة معه على الكفر. # قال بعض المفسرين: أنهم كانوا يؤمنون ضحا ويكفرون عشيا. انتهى. # والفائدة في إخبار الله تعالى عن تواصيهم على هذه الحيلة وجوه: # الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم وما أطلعوا عليها أحدا من ~~الأجانب، فلما أخبر الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم عنها كان ذلك إخبارا ~~عن الغيب فيكون معجزا. # الثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على بواطنهم على هذه الحيلة لم يحصل ~~لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلام ربما أثرت هذه الحيلة ~~في قلب بعض من كان في إيمانه ...ضعف. # الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك وازعا لهم عن ~~الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس. # ثم قال تعالى: حكاية{ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم }اتفق المفسرون على أن ~~هذا بقية كلام اليهود. PageV21P275 # قيل ms2752 قائلة يهود خيبر ليهود المدينة عن الحسن، وقيل: بعض اليهود لبعض عن ~~قتادة والربيع، والسدي، وابن زيد، وهو عطف على مامضى أي لاتصدقوا إلا من ~~تبع دينكم. # وقيل: لاتصدقوه يعني محمد إلا عند أن تبع دينكم ويكون منكم ولاتصدقوه عند ~~المشركين فيؤمنوا. # قال الرازي: المعنى ولاتصدقوا الأنبياء يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء ~~بتغير شيء من أحكام التوراة فلاتصدقوه، وهذا هو مذهب اليهود، وعلى هذا ~~التفسير تكون اللام في قوله {إلا لمن } صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلان ~~ولايقال صدقت لفلان، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز كقوله تعالى:{ردف لكم ~~}والمراد ردفكم، ثم قال تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم }. # قال الرازي: اعلم أن هذه الآية من المشلات الصعبة فيقول هذا إما أن يكون ~~من جملة كلام الله تعالى أو من جملة كلام اليهود ومن تمتة قولهم ولاتؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الأحتمالين قومن من ~~المفسرين، ثم حكى كثيرا من أقوالهم. # قال في البرهان: فيه قولان: # أحدهما: أن في الكلام حذفا وتقديره قل إن الهدى هدى الله إلا أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم أيه المسلمون، فحذف إ لا من الكلام لديليل الخطاب، كما قال: ~~{بين الله لكم أن تضلوا} أي لاتضلوا، وهذا معنى الكلام، ويحتمل أن يكون ~~معنى الكلام قل إن الهدى هدى الله[87] فلا تجحدوا أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم ويحاجوكم عند ربكم على طريقة التبعيد، كما يقال يلقاه أو تقوم ~~الساعة. انتهى. PageV21P276 # وقال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: هذا من التقديم والتأخير والمعنى في ~~ذلك لاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ؛ لأن يؤتى أحد ولايعطى أحد مثل ما أعطيتم ~~من العلم، أو يحاجوكم في ربكم، ولكن عند قامت مقام في، وهذا قول اليهود ~~والنصارى ؛ لأنهم تواصوا ألا يؤمنوا فيكون غيرهم في العلم مثلهم حسد ~~للمؤمنين، فرد الله عليهم{قل إن الهدى هدى الله}ولكن الآية على ما ذكرنا من ~~التقديم والتأخير. انتهى. ms2753 # وقال في الكشاف: قوله قل إن الهدة هدى الله اعتراض بين المفعول وفعله، ~~وهو من كلام الله ؛ لأن المعنى لاتؤمنوا أن غيركم مثلكم أنزل عليه الكتاب ~~إلا لاتباعكم، والمعنى أبشروا أن المسلمين قد أتوا من كتب الله مثل ما ~~أوتيتم، ولايفشوه إلا لأشياعكم دون المسلمين ليلا يزيدهم ثباتا، ودون ~~المشركين ليلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام. # قال: بعض المفسرين وعندي أن هذا التفسير ضعيف، وبيانه من وجوه: # الأول: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم واشياعهم عنه، فيكف يليق أن يوصي ~~بعضهم بعضا بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلىالله عليه وآله وسلم عند ~~أتباعهم وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الاجانب، هذا في غاية البعد. # الثاني: أن على هذا التقدير ينفك النظم ويقع فيه تقديم وتأخير لايليق ~~بكلام الفصحاء. # الثالث: أن على هذا التقدير لابد من الحذف فإن التقدير قل إن الهدى هدى ~~الله وأن الفضل بيد الله ولابد من حذف قل إن الفضل بيد الله. انتهى. # قال في الكشاف: ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله إلا لمن تبع دينكم على ~~معنى ولاتؤمنوا هذا الإيمان وهو إيمانهم وجه النهار، وإلا لمن كان تابعا ~~لدينكم ممن أسلم منكم ؛ لأن رجعوهم كان أرجى عندهم من رجوع سواهم ؛ لأن ~~إسلامهم كان أغيض لهم. PageV21P277 # وقوله أن يؤتى لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، قلتم ذلك ودبرتموه لالشيء آخر ~~يعني أنما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم ~~والكتاب دعاكم إن قلتم ما قلتم. انتهى. # قال: بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: وقد حكى هذا عن صاحب الكشاف ~~الأولى[88] أن يكون قوله تعالى إن الهدى هدى الله، وقوله أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم داخلان في حيز القول، أي قل إن الهدى هو هدى الله لاما تتمنوه من ~~الأباطيل حسدا وبغيا من اختصاصكم بإتى الكتاب والنبوة فلن تملكوا هداه إذا ~~خص به غيركم ms2754 ممن علم الله طهارته، وإشارة لطاعة الله على متاع الدنيا، ~~وقوله أن يؤتى أحد يدل من الهدى وبيان له، وقوله:{أو يحاجوكم }عطف عليه، ~~والمعنى قل يامحمد إن الهدى وهو إتاء الله الكتاب والنبوة والمحاجة بكتابه ~~هو هدى الله فلا تمتعضوا إن خص به غيركم، وقوله{قل إن الفضل بيد الله} ~~تأكيد لمقول القول الأول والله اعلم. انتهى. # ومعنى قوله تعالى {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } أي أن الهداية ~~والتوفيق وما يفصل به من العلم والنبوة متوقف على إرادته فلا يضرحياتكم. # قال: في البلاغة: المعنى أن الفضل في مقدور الله ولا يقدر عليه غيره، ~~والفضل النبوة هاهنا، وقوله يؤتيه من يشاء أي يعطي ذلك الفضل من علم أنه ~~يصلح له ثم قال: {والله واسع عليم} أي واسع الرحمة والفضل والنعمة عليهم ~~بمصالح عباده وبمن يستحقه {الله اعلم حيث يجعل رسالته } ثم قال: {يختص ~~برحمته من يشاء} أي من علم أهليته، والرحمة هاهنا قيل هي النبوة يختص الله ~~بها من يشاء من عباده من ع لم أنه يصلح لها وهذا كالتأكيد لما تقدم. # ثم قال: و{والله ذو الفضل العظيم} أي ذو العطاء الجزيل والمن الكبير. PageV21P278 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن كل الرئاسة والزعامة في ~~أرم الدين فضل من الله وأنها لا تكون إلا لمن يؤتيه الله ذلك بحجة من الله ~~في ذلك، وليست بالقهر والغلبة. # ثم أخبر الله تعالى عن جرأة اليهود على المحارم وأكلهم السحت نسقا على ما ~~تقدم من سوء أفعالهم فقال: سبحا نه {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ~~يؤده إليك } قيل: هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش الف أوقية ومأتي ~~أوقية ذهبا فأداه إليه ثم قال: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } ~~قيل هو فخاص اليهودي أودعه رجل من قريش [89] دينارا فخانه عن ابن عباس. # وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، فالذين يؤدون الأمانة النصارى، والذين ~~لاؤدون اليهود. # وقيل: نزلت الآية في اليهود، وإن فيهم خونة تحذيرا ms2755 للمؤمنين بأن يأمنوهم. # قيل: والمراد من ذكر القنطار هاهنا الدد الكثير، فالعدد القليل يعني أن ~~فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لوا أوتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة ~~فيها، ومنهم من هو في غايى الخيانة حتى لو أؤتمن على الشيء القليل فإنه ~~يخون فيه. # وقال: المرتضى عليه السلا: قد أجاب عن هذا جدي القاسم صلوات الله عليه ~~فقال: تأويل ذلك أن من اهل الكتاب من يستحل كل مال المسلم يهودي أونصراني. # وقال: أن الأرض وما فيها من الله طعمة، وتفسير القنطار فقد يقولون أنه ~~الجبل الكبير لايصله جبل، والقنطار أيضا ما يتعارف الناس بينهم من الوزن. انتهى. PageV21P279 # ومعنى{إلا ما دمت عليه قائما } أي على رأسه متوكلا بالمطالبة أو بالرفع إلى ~~الحاكم وإقامة البينة يؤيد ما ذكره المرتضى عن جده القاسم عليهما السلام ~~قوله تعالى {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } أي لاذم ولاعقاب ~~في شأنهم، والأمي من لاكتاب له، والمعنى أن ذلك الإستحلال والخيانة هو بسبب ~~أنهم يقولون لبس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل، وذكرو ا في السبب ~~ألذي لأجله اعتقد اليهود هذا الإستحلال وجوها: # الأول: أنهم يبالغون في التعصب لدينهم فلاجرم يقولون يحل قتل المخالف ~~ويحل أخذ ما له بأي طريق، كما روي في الخبر لما نزلت هذه الآية قال: النبي ~~عليه وعلى آله وسلم ((كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو ~~تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر)). # الثاني: قال: اليهود {نحن أبناء الله وأحباؤه} والخلق لنا عبيد فلاسبيل ~~لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا. # الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقا لكل من خالفهم، بل ~~للعرب الذين أمنوا بالرسول صلىالله عليه وآله وسلم. # روي أن اليهود بايعوا رجالا في الجاهلية فلما اسلموا طالبوهم بالأموال ~~فقالوا ليس لكم علينا حق ؛ لأنكم تركتم دينكم. # ثم قال:[90]تعالى:{ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون}أنهم يكذبون على ~~الله في دعواهم أن ظلم من خالفهم وحبس أموالهم والإضرار بهم حلال ؛ لأنهم ms2756 ~~على غير دينهم. # وقولهم لم يجعل لهم في كتابنا حرمة ؛ لأنهم قالوا إن جواز الخيانة مع ~~المخالف مذكور في التوراة فكانوا كاذبين وعالمين بكونهم كاذبين فيه، ومن ~~كان كذلك كانت خيانته أعظم، وجرمة أفحش. # وقيل: يعلمون ما على فاعل ذلك من الأثم. # قال: في البلاغة: وهؤلاء هم المعاندون ثم رد الله عليهم قولهم فقال ~~تعالى:{بلى من أوفى بعهده واتقى}وفيه نفي بما قالوا وإثبات لما بعده. PageV21P280 # قيل: بلى وقف على التمام لما زعموا أنه ليس عليهم سبيل، فقيل بل عليهم سبيل ~~في ذلك، وهذا اختيار الزجاج. # قال: وعيدي: وقف على التمام على بلى وما بعده استئناف. # وقال: غيره: كلمة بلى كلمة تذكر ابتداءا لكلام آخر يذكر بعده وذلك لأن ~~قولهم ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام نحن أبناء الله تعالى، فذكر ~~تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لاغيرهم من ~~أوفى بعهده . # قيل: بعهد الله بما أمرهم به في التوراة من الإيمان لمحمد صلىالله عليه ~~وآله وسلم وأدى الأمانة، وقيل بجميع عهوده، ويجوز أن يعود الضمير في تعهده ~~إلى من أوفى، والمعنى من أوفى بعهد الله واتقى الله في ترك الكفر والخيانة، ~~ونقض العهد، {فإن الله يحب المتقين}أي يحب مدحهم والثناء عليهم وإيجاب ~~الثواب لهم وهذه صفة المؤمنين دون صفة اليهود كأنه قيل والله يحب المؤمنين ~~ولايحب اليهود، دلت الآيات على حسن أداء الأمانة وعلى قبح الخيانة، وعلىقبح ~~العمل بما ليس من عند الله من الأحكام ؛ لأنها من الكذب على الله سبحانه، ~~وعلى وجوب الوفاء بالعهد وأن ذلك من التقوى، ذكره إمامنا المنصور بالله ~~عليه السلام. # ولما حكى الله تعالى عنهم من أفعالهم الخبيثة وأنهم ضافوا ذلك إلى الله ~~تعالى وحلفوا عليه، عقبه بذكر الوعيد فقال عزوجل: {إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا}اختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها ~~باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة[91] وذكرو في ذلك وجهين: # الأول: قال: عكرمة: أنها نزلت في أحبار اليهود كتموا ما عهد الله ms2757 إليهم ~~من التوراة في أمر محمد صلىالله عليه وآله وسلم وكتبوا بأيديهم غيره، ~~وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم ...........واحت هؤلاء بقوله تعالى في ~~سورة البقرة {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }. PageV21P281 # والثاني: أنها نزلت في ادعائهم أنه ليس علينا في الأميين سبيل، كتبوا ~~بأيديهم كتابا وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن. # ومنهم من خصها بغيرهم، وذكروا في ذلك وجوها، ومن الناس من قال: هذه الآية ~~ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة،وذلك لأن اللفظ عام ~~والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان ~~الكاذبة، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاما في حق كل من يفعل ~~هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود وهو الوجه، ومعنى {تشتروا}أي تستبدلون ~~بعهد الله الذي عاهدهم عليه من الإيمان برسوله {ثمنا قليلا} أي عوضا بورا ~~وهو التراش والإرتشاء ؛ لأن المشتري يأخذ شيئا ويعطي شيئا فكل واحد من ~~المعطي والمأخوذ ثم للأجر، وسماه قليلا لأنه قليل في جمب ما يفوتهم من ثواب ~~الله تعالى، واستوجبوا من عقابه. # وقيل: لأن ما أخذوه يفنى وما فاتهم دائم. # واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله وإيمانه ثمنا ~~قليلا، خمسة أنواع من الجزاء فقال عزوجل:{ أولئك لا خلاق لهم }أي لانصيب ~~لهم{في الآخرة ولا يكلمهم الله} بما بشرهم، وإنما يكلمهم بنحوا اخسؤا فيها ~~وبما يسؤهم عند المحاسبة، ومعنى قوله {ولا ينظر إليهم يوم القيامة}أي ~~لايعطيهم خيرا وينعم عليهم بنعمه ولايرحمهم ولايحسن إليهم فالنبض منه ~~سبحانه إليهم مجاز عن الإستهانة بهم والسخط عليهم. # قال في الكشاف: فإن قلت أي فرق في استعماله فمن يجوز عليه النظر وفيمن ~~لايجوز قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية ؛ لأن من أعند بالإنسان ~~التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإعتداد والإحسان، ~~وإن لم يكن، ثم نظر ثم جاء فيما لايجوز عليه النظر مجردا بمعنى الإحسان ~~مجازا عما وقع كناية عنه[92] فيمن يجوز عليه النظر. انتهى. # وقوله ms2758 تعالى{ولا يزكيهم } فيه وجوه: PageV21P282 # الأول ألا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليهاز # والثاني: لايزكيهم أي لاشيء عليهم كما ثنى على أوليائه الأزكياء، والزكية ~~من المزكي للشاهد مدح له. # والثالث: لا يحكم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة. # قلت: ولفظ الهادي عليه السلام في ذلك قوله لاخلاق لهم فهو لانصيب لهم في ~~ثواب الله في الآخرة، وأما ولايكلمهم الله فمعناه لايبشرهم الله برحمة ~~ولايخصهم بمغفرة، ولاينظر إليهم بنعمة. # وأما قوله ولايزكيهم فهو لايحكم لهم بتزكية ولا يختم لهم برحمة ولابركة، ~~ولايجعلهم في حكمه من الزاكين، ولاعنده من الفائزين. انتهى. # ولما بين تعالى حرمانهم عن الثواب يتركونهم في العقاب الشديد المؤلم ~~بقوله{ولهم عذاب أليم} موجع. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن الإخلال بالعهد ~~والإيمان لغرض من الدنيا من الكبائر. انتهى. # ثم اعلم الله تعالى نبيه صلىالله عليه وآله وسلم ماهم عليه من المخالفة ~~والكذب، فقال تعالى: {وإن منهم لفريقا} قيل: حيي بن أخطب وأصحابه {يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب} أصل أللي في اللغة الفتل، يقال لوى يده وغيرها يلوي ليا ~~أي ومن أهل الكتاب طائفة يحرفون الكتاب بألسنتهم تغيرا أو تبديلا، قيل: ~~والكتاب ألتوراة أي فتلونها بقرأته عن الصحيح إلى المرحف، وقل: نزلت في ~~اليهود والنصارى، حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا ~~منه الدين الحنيف وأضافوها إلى الله تعالى فكذبهم في ذلك عن ابن عباس. # ثم قال:{لتحسبوه من الكتاب}أي لاتظنوا أنما حرفوه وبدلوه هو من كتاب الله ~~وكلامه. # ثم قال تعالى: {وما هو من الكتاب}أي وذلك ليس من كتاب الله المنزل. PageV21P283 # وقوله سبحانه{ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله}تأكيد وزيادة ~~تشنيع عليهم بالكذب أي وقولون إنما حرفوه وبدلوه هو من عند الله، ثم نفى ~~الله تعالى أن يكون ما قال:وه من عنده فقال: [93] وما هو من عند الله فبين ~~ثريتهم عليه. # قال في البرهان: وهذه الآية نزلت في قوم من أحبار اليهود في أبي رافع، ~~وكناية بن أبي الحقيق، ms2759 وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، كتبوا كتابا بأيديهم ~~ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا أنه ليس عليهم في الأميين سبيل. انتهى. # قال: في البلاغة: فدلت الآية على بطلان قول المجبرة في خلق الأفعال ؛ لأن ~~الله تعالى لو كان خلق ذلك لكان من عنده من أوكد الوجوه ؛ لأن خلق الشيء ~~أكد من الأمر به والنهي عنه. انتهى. # ثم قال سبحانه: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} كذبهم فأخبر تعالى ~~أنهم كاذبون في قولهم أنه من عند الله، وأنهم معاندون لعلمهم وكذبهم،وهذا ~~من أوضح الحجج على فساد مذهب المجبرة في خلق الأفعال. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم الإيهام بأي كلام ~~أنه من كتاب الله وعلى تحريم إظافة أي كلام إلى ما جاء عن الله، وعلى تحريم ~~الكذب على الله سبحانه وتعالى. انتهى. PageV21P284 # ولما تقدم ذكر أهل الكتاب وأنهم أضافوا ما يدينون به من الشرك إلى الأنبياء ~~عليهم السلام ينزههم الله تعالى عن ذلك فقال سبحانه: {ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله} هذا ~~تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام أي ليس لعيسى أن يأمرهم بعبادته، ~~يعني ما ينبغي له ذلك، لقوله ما كان لنا أن تكلم بهذا والمعنى ليس لآحد من ~~الخلق اصطفاه الله بالرسالة وخصه بالكرامة، وأتاه الكتاب والحكم أن يقول ~~للناس اتخذوني معبودا من دون الله ؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لايقع منهم ~~مثل ذلك ولايجوز عليهم ؛لأن الله عز وجل لايشرف عبده بالنبوة والرسالة إلا ~~إذا علم منه أن لا يقول مثل هذا الكلام بل ماهوا دون ذلك من سائر الكبائر ~~لعصمتهم وطهارتهم، وتعظيمهم لله تعالى وإخلاصهم العبودية له. # قيل: في سبب نزول الآية أن أبى رافع ألفرطي من اليهود ورئيس وفد نجران، ~~قالوا لرسول الله صلىالله عليه وآله وسلم أتريد أنت نعبدك ونتخذك إله؟ # فقال: ((معاذ الله أن أعبد غير الله[94]أو أمر بعبادة غير الله بذلك ~~بعثني ولابذلك أمرني)) فأنزل ms2760 الله تعالى هذه الآية تنزيها لعيسى وسائر ~~الأنبياء عليهم السلام. # ثم قال سبحانه: {ولكن كونوا ربانيين} في هذه الآية إضمار والتقدير ولكن ~~يقول لهم كنوا ربانيين، فأظمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار ~~إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله تعالى {فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} أي فيقال لهم ذلك وذكرو في تفسير الرباني ~~أقوالا: # قال: سبويه: الرباني منسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالما به مواظبا على ~~طاعته، وزيادة الألف والنون للدلالة على كمال هذه الصفة. PageV21P285 # وقال: المبرد : الربانيون أرباب العلم، واحدهم رباني وهو الذي يربي العلم ~~ويربي الناس أي يعلمهم ويصلحهم، ويقوم بأمرهم والألف والنون للمبالغة. # قال: الواحدي: فعلى قول سبويه الرباني منسوب إلى الرب على معنى التخصيص ~~بمعرفة الرب وطاعته، وعلىقول المبرد الرباني مأخوذ من التربية، فمعنى قوله ~~كنوا ربانين قيل: كونوا حكما علماء. # وقيل: حكماء أتقياء،وقيل: أتقياء، وقيل: مدبرين أمور الناس به لابالولاية ~~عليهم على وجه الإصلاح، وقيل: يعلي الناس دينهم وما فيه نجاتهم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: معنى ربانين أي كونوا قدوة وأئمة ~~يؤتم بكم ف الدين بعلمكم بالكتاب وبالدرس بدليل قوله لولا ينهاهم الربانيون ~~والأحبار، أي أهل ا لعلم والرئاسة في الدين. انتهى. # قال في الكشاف: وتحقيق الرباني أنه العالم العامل منسوب من الرب بزيادة ~~الألف والنون وهو الشديد التسمك بدين الله تعالى وكفى به دليلا على خيبة ~~سعى من جهة نفسه وكدح روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة العمل، ثم قال ~~تعالى: {بما كنتم تعلمون الكتاب} سأي بسبب كونكم عالمين {وبما كنتم ~~تدرسون}أي وبسبب كونكم دارسين للعلم، قرئ بالتخفيف يعني يعلمون الكتاب وما ~~فيه من الحلال والحرام، والأمر والنهي، وبالتشديد يعلمون غيركم مع علمكم . PageV21P286 # قال:[95]بعض المفسرين: وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على ~~صاحباها كونه ربانيا والسبب لامحالة مغاير للمسبب، فبهذا يقتضي أن يكون ~~كونه ربانيا أمرا مغايرا لكونه عالما أو معلما ومواضبا على الدراسة وما ذاك ~~إلا أن يكون تعلمه لله وتعليمه ms2761 لله ودراسته لله، وبالجملة أن يكون الداعي ~~له إلى جميع الأفعال طلب مرضات الله والصارف له عن الأفعال الهرب من عقاب ~~الله إذا ثبت أن الرسول يأمر جيمع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن ~~يأمر الخلق بعبادته، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة ~~الحق إلى طاعة نفسه، وعند هذا يتمنع في كل أحد من الأنبياء عليهم السلام أي ~~يأمر غيره بعبادته، ثم قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا}معبودين {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، ولايأمركم قيل: ~~لايأمركم الله عن الزجاج، وقيل: لايأمركم محمد صلىالله عليه وآله وسلم عن ~~ابن جريج. # وقيل: لايأمركم عيسى، وقيل: لايأمركم الأنبياء أن تتخذوا الملائكة أربابا ~~كما فعلته قريش والنبين كما فعلته اليهود والنصارى، وقوله أيأمركم استفهام ~~والمراد به الإنكار أي ليأمركم. # وقيل: تعجبت أي تعجب من رسول يأمركم بهذا الكفر بعد الإسلام، وكيف يجوز ~~ذلك على رسل الله الكرام. # واعلم أنه لما تقدم ذكر الأنبياء عليهم السلام عقبه بذكر نبينا صلوات ~~الله عليه وعلى آله وسلم، وما أخذ الله تعالى من عهده على الأنبياء عليهم ~~السلام فقال تعالى:{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } معناه واذكروا ياأهل ~~الكتاب إذا أخذ الله ميثاق النبيين أي عهدهم المؤكد عليهم بأن أمرهم ~~وألزمهم بذلك{لما آتيتكم من كتاب وحكمة} أي أخذنا ميثاقكم للذي أتيناكم من ~~كتاب وحكمة. PageV21P287 # قال في البرهان: والميثاق الذي أخذه الله عليهم هو أن يأخذوا على قومه ~~بتصديق النبي صلىالله عليه وآله وسلم،{ثم جاءكم رسول} يعني محمدا صلىالله ~~عليه وآله وسلم {مصدق لما معكم } [96] من التوراة والأنجيل {لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} الأصر العهد أي قبلتم على ~~بذلك عهدي{قالوا أقررنا قال: فاشهدوا} يعني على أممكم بذلك {وأنا معكم من ~~الشاهدين} عليهم وعليكم. انتهى. # قال المرتضى عليه السلام: معنى ثم جاءكم رسول فهو محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم والمخاطبون فهم أهل الكتاب، ومعنى مصدق لما معكم فهو مصدق لما كان في ~~كتابكم من ذكر محمد ms2762 صلىالله عليه وآله وسلم ونبوته وإرسال الله له إلى ~~الخلق كافة بوحيه فكان معهم في كتبهم مذكورا موصوفا، فلما أن كان ذكره ~~وصفته في كتبهم ثم بعثه الله عز وجل على الصفة والحال التي اعلمهم بها ~~ووعدهم إياها كان ذلك تصديقا من الله لما وعدهم به ولما أخبرهم بعلمه وقوله ~~أقررتم هذا الألف ألف تقرير وتوكيد، أي قال: الله لهم أقررتم بذلك. انتهى. # قال في البلغة: ومعنى الآية أن الله تعالى أخذ ميثاق الأنبياء عليهم ~~السلام بأن يؤمنوا لمن جاء مصدقا لما معهم ويأخذون ميثاق أمتهم على هذا ~~الوجه بالإيمان به والنصر له، ووجه نصره من لا يشاهده إنما يكون من جهة ~~التصديق له وحرب الأعداء. PageV21P288 # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنما أخذ الله ميثاق النبيين لايأخذوه ~~على قولهم بتصديق محمد صلىالله عليه وآله وسلم، ومعنى أقررتم أي قال: كل ~~نبي لأمته أقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه وإن كان ~~النبيون أخذوه على الأمم فكذلك لما طلب هذا الإقرار إضافته إلى نفسه وإن ~~وقع من الأنبياء والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ~~ولم يقتصروا على أخذ الميثاق عن الأمم بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ~~ذلك بالأشهاد لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل. # ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون} أي من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول ونصرته بعد ما تقدم من أخذ ~~الميثاق والوفاء به من الفاسقين المتمردين الخارجين[97] عن دين الله كفرا وطغيا. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الإيمان برسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم ووجوب نصرته وجوبا عاما على أهل الملل وسائر الفرق، ~~وأن من تولى من ذلك فقد فسق وخرج من دين كل نبي أرسله الله تعالى، ويؤيد ~~ماذكرناه قوله تعالى عقبه{أفغير دين الله يبغون }. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الإيمان بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم شرع ~~شرعه واوجبه على جميع من مضى من الأنبياء ms2763 والأمم لزم أن كل من كره ذلك فإنه ~~يكون طالبا دينا غير دين الله فهذا قال: بعده سبحانه {أفغير دين الله ~~يبغون} قرأ حفص عن عاصم يبغون دين بالياء المنقوطة من تحتها لوجهين: # أحدهما: رد الهدى إلى قوله {فأولئك هم الفاسقون}. # والثاني: أنه إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق للنبيين أن اليهود والنصارى ~~يلزمهم الإيمان بحمد صلىالله عليه وآله وسلم فلما أصروا على كفرهم قالوا ~~على جهة الإستنكار{أفغير دين الله يبغون}. PageV21P289 # وقرأ أبو عمرو تبغون بالتاء، خطابا لليهود وغيرهم من الكفار، ويرجعون ~~بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله {وله أسلم من في ~~السماوات والأرض} وقرأ الباقون منهما بالتاء على الخطاب لأن ما قبله خطاب ~~كقوله أقررتم وأخذتم، وأيضا فلا يبعد أن للمسلم وللكافر ولكل أحد أفغير دين ~~تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السماوات والأرض وأن مرجعكم إليه وهو ~~كقوله{كيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} والهمزة ~~بالإستفهام، والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه. # وأما الفاء فللعطف جملة على جملة، وفيه وجهان: # أحدهما: كأنه قيل على وجه الإنكار والتوبيخ أبعد تلك الآيات أغير الله ~~تبغون أي تطلبون وتقصطون. # والثاني: أنها للعطف على محذوف تقديره أيتولون {أفغير دين الله يبغون} ~~ولو قيل أو غير دين تبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل أفبعد ~~أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون. # روي[98] أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ~~فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام وكل واحد من الفرقين ادعى أنه ~~أولى به، فقال: صلىالله عليه وآله وسلم كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم ~~عليه السلام فقالوا ألا ترضى بقضائك ولاتأخذ بدينك، فنزلت هذه الآية. PageV21P290 # قال بعض المفسرين: ويبعد عندي حمل الآية علىهذا السبب ؛ لأنه على هذا ~~التقدير تكون هذه الآيات منقطعة عما قبلها، والإستفهام على سبيل الإنكار ~~يقتضي تعلقها بما قبلها فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في ~~كتبهم وهم ms2764 كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم في النبوة، فلم يبقى لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد، وصاروا ~~كأبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر فاعلمهم تعالى أنهم متى كانوا كذلك كانوا ~~طالبين دينا غير دين الله ومعبودا سوى الله سبحانه. # ثم بين أن التمرد على الله والإعراض عن حكمه لا يكون بالعقل فقال عزوجل: ~~{وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها}قيل: تنتصب طوعا على أنه مصدر ~~وقع موقع الحال أي طائعا أوكارها، قيل: معناه أسلم من في السماوات والأرض ~~بالإقرار بالعبودية وإن كان فيهم من أشرك في العبادة على معنى منازعة عقول ~~الخلائق إلى الإقرار بالله بالربوبية لما فيه من الدلالة، وقد حكى الله عنه ~~ذلك بقوله {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم} فكانت الدلائل التي جعلت في عقولهم تقودهم إلى الإسلام طوعا أو كرها. # وقيل طوعا بالنظر بالإدلة والإنصاف من نفسه وكرها بالسيف أو المشاهدة ~~الملجئ كالغرق في فرعون لقوله تعالى{فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا}. # قال المرتضى عليه السلام: جوابا لمن سأله عن معنى هذه الآية، معنى أسلم ~~فهو استسلم لأمره وانقاد لما قضى به من حكمه. # ومعنى طوعا وكرها فقد يخرج على ثلاثة وجوه: # أحدها: أن يكونوا أطاعوا أمره مسرعين كطاعة الملائكة المقربين الذين ~~لايعصون ماأمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وكطاعة الأنبياء صلوات الله عليهم ~~أجمعين. PageV21P291 # وقد يكون معنى كرها كمثل من كان لله عاصيا ولطاعته مجانبا[99] فيرجع إلى ~~طاعته بما حكم الله به عليه وأمر به أولياؤه فيه من قبله وقتاله حتى نفى ~~إلى حكم الله صاغرا أو ينقاد إلى ما أمر به راغاما. # وقد يمكن أن يكون معنى قوله أسلم طوعا وكرها يخرج على ما أراد الله ~~سبحانه من خلق الأشياء وهو الوجه الثالث، إذ كان لايمتنع عليه شيء مما فطر ~~من السماء والأرض وما بينهما وما خلق وجعل فيهما، فإذا أراد الله إيجاد شيء ~~أوجده وكونه على أي صورة جعله وركبه، ولا يمتنع عليه ms2765 من معطوراتها ممتنع ~~فهو الموجد سبحانه للخلق من بعض العدم الفاطر لهم المكون الجاعل لأرواحهم ~~المركبة في أجسادهم المقتدر الخالق لألوانهم الجابر لهم على ذلك سبحانه ~~وتعالى فعل هذا المعنى يخرج ما سألت عنه، ألا تسمع كيف يقول سبحانه في ~~كتابه{ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال: لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قال:تا أتينا طائعين}والأرض فليس تلكلم ولا السماء وإنما أخبر الله عز وجل ~~بكون ما أراده من إنفاذ أمره وأنه لايمتنع عليه شيء خلقه لأن العرب تعرف في ~~لغتها أن كل ما لابد من إتيانه طوعا أو كرها أنه شيء لاحيلة فيه ولا مرد له ~~وهو ختم نافذ، فجاز أن يقول طوعا أو كرها إذ هو جائز في اللغة موجود في ~~الكلام والمخاطبة. # والمعنيان الأولان جواب مسئلتك إلا أن نحب إذا وقع في المسألة وجوه يخرج ~~عليها شرحها جميعا ليكون ذلك إشفا لقلب السائل ولو اجترينا بالوجه الذي ~~يؤدي جواب المسألة لكان ذلك مغنيا للسائل في جوابه إلاأن احنا نحب الشرح ~~والتبيين ليكون إشافائا لصدور السامعين. انتهى. # وأما قوله تعالى {لا إكراه في الدين}. PageV21P292 # فقال: الهادي إلى الحق عليه السلا: هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للنبيه ~~صلىالله عليه وآله وسلم بأن يقوله لكفرة قريش وجاهليتها فيما كانوا يفعلون ~~ممن أسلم منهم وآمن واتبع محمدا صلىالله عليه وآله وسلم وسأتي إن شاء الله ~~كلامه مستوفا في موضعه من سورة البقرة قوله تعالى: {وإليه ترجعون} المراد ~~أن من مخالفه في العاجل فسيكون مرجعه إلى جزائه وحكمه فإياكم ومخالفة ~~الإسلام فيجازيكم بالعقاب حيث لايملك ألضر والنفع سواه، وهذا وعيد عظيم لمن ~~خالف الدين الحق. # واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء ~~في تصديق [100] الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين بعد ذلك أن من صفة ~~محمد صلىالله عليه وآله وسلم كونه مصدقا لما معه فقال سبحانه: {قل آمنا ~~بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى ms2766 وعيسى والنبيون من ربهم} أي ما أعطوا من الكتب ~~والدين يشهد بأن جميع ذلك حق، وأنهم صادقون {لا نفرق بين أحد منهم } كما ~~فعلت اليهود آمنت بموسى وكفرت بعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى آل محمد، ~~وكما فعلت النصارى آمنت بعيسى وكفرت بمحمد صلى الله عليه وآله {ونحن له ~~مسلمون} مخلصون منقادون بالطاعة فيما أمر به ودعاء إليه فأمر تعالى رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم يخبر عن نفسه وعن من معه بالإيمان، فلذلك وجد ~~الضمير في قل وجمع في آمنا تنبيها على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو ~~لازم لكل المؤمنين على ما قال تعالى: {والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} وإنما قدم الإيمان بالله على الإيمان ~~بالإنبياء ؛ لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة . PageV21P293 # وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ؛ لأنه كتب سائر الأنبياء ~~حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد ~~صلىالله عليه وآله وسلم فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر ~~الأنبياء فلهذا قدمه على غيره . # وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء الذين يعترفون أهل الكتاب بوجودهم ~~ولا يختلفون في نبوتهم، والأسباط أسباط يعقوب الذين ذكر الله أممهم الإثني ~~عشر في سورة الأعراف، وإنما أوجب تعالى الإقرار بنبوة الأنبياء لفوائد: # أحدها: إثبات كونه صلىالله عليه وآله وسلم مصدقا لجميع الأنبياء ؛ لأن ~~هذا الشرط كان معتبرا في أخذ الميثاق. # وثانيها: التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة وذلك لأنهم إنما صدقوا ~~النبي الذي يصدقونه لمكان ظهورالمعجزة عليه وهذا يقتضي أن كل من ظهرت ~~المعجزة عليه كان نبيا، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض[101] ~~فالتأكيد متناقض بل الحق تصديق الكل والإعتراف بنبوة الكل. # وثالثها:أنه قال: قبل هذه الآية {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السماوات والأرض} وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض ~~عن دين الله ومنازعة مع الله فهاهنا أظهر الإيمان نبوة جميع ms2767 الأنبياء ليزول ~~عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف. # ورابعها: أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيين أن ~~يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل، وهاهنا أخذ الميثاق على محمد صلوات الله ~~عليه وآله وسلم بأن يؤمن بكل من كان قبله من الرسل فكانت هذه الآية دالة من ~~هذا الوجه على أنه لانبي بعده البته، والمراد الإيمان بهؤلاء هو الإقرار ~~بأن ما جاؤا به كان حقا وإن نسخ بعد ذلك، والإ قرار بأنهم صادقون. PageV21P294 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم التفريق بين الأنبياء ~~صلوات الله عليهم وعلى وجوب العمل بما أنزل إليهم وعلم من الدين مما قصه ~~الله في كتابه أو على لسان نبيه وجاء عنه صلىالله عليه وآله وسلم صحيحا. انتهى. # ثم بين تعالى أن كل من له دين غير الإسلام أنه غير مقبول عند الله فقال ~~سبحانه: :{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} أي ومن طلب دينا غير ~~دين الإسلام فإنه لايقبل منه دينه أي لن يرضى منه بذلك {وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} أي يخسر ثواب المؤمنين ويقع في عقاب الكافرين ؛ لأن القبول للعمل ~~هو أن يرضاه الله من فاعله ويثيبه عليه، ولذلك قال تعالى: {إنما يتقبل الله ~~من المتقين} فالخسران يكون بحرمان الثواب وحصول العقاب ويدخل فيه ما يلحقه ~~من التأسف والتحسر على مافاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من ~~التعب والمشقة في الدنيا في تقرير ذلك الدين الباطل. # واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غير ~~الإسلام لوجب أن لا يكون مقبولا لقوله تعالى:{ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه}. # وأما قوله تعالى{قالت: الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا }[102] ~~أسلمنا } فالمراد به الإسلام اللغوي وهو الأنقياد. # قال: عليه السلام: دلت على أن جميع البدع المخالفة لدين الإسلام من ~~المحرمات وأن صاحبها خاسر في الآخرة وأنه من أهل ms2768 النار ؛ لأن من خسر لاشك ~~أنه من أهل النار. انتهى. PageV21P295 # واعلم أنه تعالى لما بين أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة بين حال من ~~خالفه وتركه فقال سبحانه: : {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم }كيف ~~استفهام على وجه الإنكار، ومعناه الجحد أي لايهدي، والهداية هنا ليست بمعنى ~~الدلالة والتبيان ؛ لأن الله تعالى قد حكى الممكلفين جميعا بأن دلهم وبين ~~لهم الهدى، وإنما المراد به وجوه: # أحدها: الثواب والهداية إلى طريق الجنة، فكأنه قال: كيف يجوز في حكمة ~~الله تعالى إثابة من كفر بعد إيمانه. # وثانيها: اللطف أي كيف يلطف بهم بعد تصميمهم على الكفر بعد معرفة ~~الإيمان. # وثالثها: الحكم والتسمية أي كيف يمدح بنسبتهم إلى الهدى ويحكم برشدهم ~~قوله{وشهدوا أن الرسول حق} فيه قولان: # أحدهما: أنه عطف والتقدير بعد أن أمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق ؛ لأن ~~عطف الفعل على الأسم لايجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الأسم ~~لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل. # الثاني: أن الواو للحال بإضمار قد والتقدير كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم حال ماشاهدوا أن الرسول حق. # ثم قال:{وجاءهم البينات} أي الدلالات على صحة ما شهدوا به وهي البشارات ~~التي أتتهم في كتبهم بأوصاف محمد صلىالله عليه وآله وسلم وأحواله وصحة ~~نبؤته ودينه، وقيل: هو القرآن وقيل: سائر الحجج. # ثم قال سبحانه: {والله لا يهدي القوم الظالمين}أي لايحكم بهداتهم أو ~~لايلطف بهم كما مر، وكرر نفي الهداية عنهم تأكيدا وإياسا لهم. # وقيل: الأول في المرتدين. # والثاني: عام في سائر الكفار، وقيل: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب. # وقيل: في رجل من الأنصار أرتد عن الإسلام كان يقال له الحارث بن سويد ثم ~~تاب وحسنت توبته. PageV21P296 # وقيل: نزلت في قوم أرادوا من النبي صلىالله عليه وآله وسلم [103]أن يحكم ~~لهم بالإسلام وفي قولوبهم الكفر فأطلع الله تعالى نبيه على إسرارهم، ثم ~~قال: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}أولئك ~~المراد به الظالمون أو الذين كفروا بعد ms2769 إيمانهم، يعني إنما لايثبهم ~~ولايهديهم؛ لأن جزاؤهم المستحق على أعمالهم أن عليهم لعنة الله، وإنما كرر ~~الله تعالى وعيد الكفار في أي من القراين ليكون مقرونا بذكرهم في جميع ~~المواضع ولكي يلعنه كلما ذكر، كما يصلي على النبي صلىالله عليه وآله وسلم ~~متى ذكر ويترحم على المؤمنين كلما ذكروا، ولعن الله إبعاده إياه من الخير ~~والثواب، وقوله {أجمعين} تأكيد الناس. # قال الحاكم: ويقال لم عم جميع الناس ومن يوافقه لايلعنه؟ # قال: فيه وجوه: # الأول: أن له أن يلعنه وإن كان لايلعنه لجهله عن أبي مسلم. # والثاني: أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضا فقد لعنه الجميع. # الثالث: أن الناس على الخصوص والمراد به المؤمنون عن الأصم وأبي علي، ~~والقاضي، كأنه لايعتد بغيرهم، ولما ذكر آخر الثلاثة قيل أجمعين. # والرابع: هو الأصح إذ لامكلف إلا وهو يلعن المبطل فكأنه يلعن نفسه وهو ~~لايعلم، ثم قال: {خالدين فيها} أي اللعنة أو النار، وأضمرت لدلالة اللعنة ~~عليها، وخالدين نصب على الحال مما قبله وهو قوله عليهم لعنة الله، ثم قال: ~~{لا يخفف عنهم العذاب} يعني يعاقبون حالا بعد حال قدرا من العقاب لايخفف ~~عنهم في وقت من ذلك {ولا هم ينظرون} لايؤخر عنهم العذاب وقتا بل يعجل بهم ~~إليه، ثم استثنى سبحانه التائبين فقال: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك}الكفر ~~يعني ندموا على ما اسلفوا وعزموا على أن لايعودوا إلى مثله. # ثم قال: {وأصلحوا} أعمالهم بعد التوبة، فبين أن التوبة وحدها لاتكفي حتى ~~يضاف إليها العمل الصالح. PageV21P297 # وقيل: إنما ذكر الله ذلك إزالة الإيهام لئلا يتوهم أن من تاب عن الإرتداد ~~فإنه لايضره إلا فساد بعد ذلك وكذلك، الكلام في ذكر العمل الصالح مع ~~الإيمان{فإن الله غفور رحيم} يغفر لهم عن التوبة، رحيم يرحمهم بإيجاب ~~الحسنة لهم. # قيل: دخلت الفا في أن لتثبيت الجزاء[104]؛ لأن الكلام يضمن ذلك، فكأنه ~~قال: فإن تابوا {فإن الله غفور رحيم}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيات على أن الله لايحكم ~~بهداية من كفر بالله ورسوله وعلى ms2770 أن الله لايحكم بهداية القوم الظالمين ~~وعلى قبول توبة من جمع بين التوبة والإصلاح فلا تحلقه بعد ذلك أحكام ~~الكافرين. انتهى. # ولما تقدم ذكر التوبة المقبولة بين منها ما لايقبل فقال تعالى: {إن الذين ~~كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم }اختلفوا فيما يزداد به ~~الكفر والضابط أن المرء يكون فاعلا للزيادة بأن يقيم ويصبر فيكون الإصرار ~~كالزيادة وقد يكون فاعلا للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفرا آخر، وعلى هذا ~~التقدير الثاني ذكروا فيه وجوها: # الأول: أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم قبل ~~مبعثه ثم كفروا به بعد عند المبعث، ثم أزدادوا كفرا بسبب طعنهم فيه في كل ~~وقت ونقضهم ميثاقه وبغضهم للمؤمنين وإنكارهم لكل معجزة تظهر. # الثاني: أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ثم كفروا بسبب عيسى ~~والأنجيل، ثم ازدادوا كفرا بسبب طعنهم فيه في كل وقت. # والثالث: أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة وازديادهم الكفر ~~أنهم قالوا نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون. # الرابع: المراد فرقة ارتدوا ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل ~~النفاق فسمى الله تعالى ذلك النفاق ازديادا في الكفر. PageV21P298 # ثم أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين وحكم في هذه الآية ~~بعدم قبولهما لامحالة، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى{لن تقبل ~~توبتهم} على وجوه: # الأول: قال: الحسن وقتادة، وعطاء: السبب أنهم لايتوبون إلا عند حضور ~~الموت والله تعالى يقول: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال: إني تبت الآن }. # الثاني: أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص. # الثالث: لعل المراد إذا تابوا[105] من تلك الزيادة فقط، فإن التوبة من ~~تلك الزيادة لاتصير مقبولة مالم تحصل التوبة عن الأصل؛ لأنه يلزمهم أن ~~يتوبوا عن سائر المعاصي. # وقيل: المراد أنهم لن يوفقوا للتوبة في الأغلب فغير عن السبب بالمسبب وهو ~~التوبة. PageV21P299 # وقال المرتضى عليه السلام: هذا إخبار من الله عزوجل بحال ms2771 من عصاه وصد عن ~~أمره وعاداه أنه لايقبل منه التوبة على ماهو عليه من المعصية والمناواة، ~~ألا تسمع كيف يقول عزوجل: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا}فأخبر سبحانه أنهم كفروا ثم ازدادوا ولم يتوبوا بإخلاص ولايته ولم ~~يرجعوا بإقلاع ولاحقيقة ولم يخبر عزوجل لهم بتوبة وإخلاص وإنما أخبر ~~بتماديهم في ضلالهم وتزايد بهم في كفرهم وعنادهم ولو كانت توبتهم بصحة ونية ~~وعزيمة وبصيرة لقبل الله توبتهم وغفر خطيئتهم، ألا تسمع كيف يقول تبارك ~~وتعالى {إنما يتقبل الله من المتقين} وقد يمكن ويكون أيضا وينتضم تفسير هذه ~~الآية ويدخل فيها رجل مقر بأمر الله غير مشرك وهو كافر لنعمه مرتكب لمعاصيه ~~وهو يتوب بقوله ويخالف بفعله فهذا كافر نعمه لن تقبل منه إلا إخلاص التوبة ~~والرفض لما هو عليه من الخطيئة، وليس ذلك كما قالت: المرجية التوبة نافعة ~~مع الإصرار على الخطيئة إذا كان قولهم واعتقادهم أن الأسلام قول بلا عمل ~~فضلوا في قولهم وخسروا في مذهبهم وهلكوا بذلك عند خالقهم، وقد قيل: في ~~تفسير الآية أنهم جماعة رجعوا إلى مكة عن الإسلام منهم الحارث بن سويد، ~~فلما بعثوا إلى النبي صلىالله عليه وآله وسلم يطلبون منه الإقال:ة والتوبة ~~لم يقبل منهم صلىالله عليه وآله وسلم، فلما نزل من الله سبحانه قبول التوبة ~~بلغهم ذلك فرجع الحارث بن سويد إلى النبي صلىالله عليه وآله وسلم فقبل منه، ~~وقال: الآخرون: ونحن نتربص بمكة لمحمد ريب المنون فإن يظهر يقبل منا كما ~~قبل من صاحبنا وإلا فكنا فيما نحن فيه من التمتع بماله رجعنا وله قصدنا. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على عدم قبول توبة مرتاب من ~~ذنب سابق وتمادي في الذنوب وازداد منها في المستقبل وأن حكم الكفر باق. انتهى. PageV21P300 # قوله تعالى:{وأولئك هم الضالون}[106] معناه الهالكون المعذبون عن أبي مسلم. # وقيل: الظالون في دينهم الحائرون عن الحق عن الأصم. # وقيل: الظالون عن الإيمان والصواب عن أبي علي. # قلت: وما ذهب إليه كل قائل من هذه الثلاثة صحيح ms2772 إذ لا منافاة بينه والله اعلم. # ثم بين تعالى حال من مات على كفره فقال سبحانه: {إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملئ الأرض ذهبا ولو افتدى به} انتصب ذهبا على ~~اليمين أي لو افتدى يوم القيامة بملئ الأرض ذهبا لن يقبل منه، والمعنى لن ~~يقبل منهم فدية وهذا مثل قوله{ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون}. # أما فائدة الواو في قوله {ولو افتدى به} فقال: الزجاج: أنها للعطف ~~والتقدير لوتقرب إلى الله بملئ الأرض ذهبا لم يقبل منه. # وقيل: وهذا أكد في التغليظ؛ لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه. # وقيل: الواو دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله {فلن يقبل من ~~أحدهم ملئ الأرض ذهبا} يحتمل للوجوه الكثيرة فنص على نفي القبول بجهة ~~الفدية أي ولو جعل ذلك فداء لنفسه فيخلص نفسه من عذاب الله فلا ينفعه، ~~وقيل: معناه ولو افتدى بمثله فحذف المضاف وهو مثل تنبيها على أنه لم يكن ~~مقبولا بهذا الطريق فبأن لايكون مقبولا منه بسائر الطرق أولا، فإن قيل أن ~~من المعلوم أن الكافر لايملك يوم القيامة نقيرا ولاقطميرا، ومعلوم أن تقدير ~~أن يملك الذهب فلانفع في الذهب البتة في الدار الآخرة فما فائدة قولهم له ~~فلن تقبل من أحدهم ملئ الأرض ذهباظ؟ # قلنا: لهم في الجواب عنه وجهان: # أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم قد أنفقوا في الدنيا ملئ ~~الأرض ذهبا لم يقبل الله تعالى ذلك منهم؛ لأن الطاعة مع الكفر وسائر كبائر ~~المعاصي لاتكون مقبولة. PageV21P301 # والثاني: أن الكلام وقع على سبيل الفرض والتقدير فالذهب كناية عن أعز ~~الأشياء، والتقدير لو أن الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر ~~على بذله وهو في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ~~الله، بالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص ألنفس من العقاب. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الكافر لايمكنه تخليص النفس من العذاب أردفه ~~بصفة ذلك العذاب[107]فقال: {أولئك ms2773 لهم عذاب أليم} أي مؤلم، ثم قال: {وما ~~لهم من ناصرين} أي لايكون لهم شفيع ولاناصر يدفع عنهم العذاب. # واعلم أنه تعالى لما بين أن ما أنفقه الكافر لاينقصه مع كفره بين أن ~~إنفاق المؤمنين ينفعهم ويكون ذخيرة، ثم اعلمهم كيفية الإنفاق الذي ينتفعون ~~به في الآخرة فقال سبحانه: :{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أي لن ~~تنالوا البرمن الله بالثواب حتى تنفقوا، البر هو فعل الخير الذي يستحق عليه ~~الثواب. # وقيل: المراد بالبر هاهنا الجنة، والمراد بالنفقة الزكاة الواجبة في ~~الأموال، وقيل: هي كلما يتصدق به وينفق في سبيل الله مما ندب إليه ورغب فيه ~~فيكون مخرج الكلام على هذا الوجه مخرج المبالغة في الحث والترغيب لمن يصح ~~منه الإنفاق دون من لايقدر عليه وكان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه لله. # روي أنها لما نزلت قال: أبو طلحة: يارسول الله حائط لي بالمدينة هو أحب ~~أموالي إلى صدقة؟ # فقال: صلىالله عليه وآله وسلم ((بخ بخ ذلك مال رابح وأني أرى أن تجعلها ~~في الأقربين)) فقال: أبو طلحة: أفعل يارسول الله، فقسمها في أقاربه. PageV21P302 # وروي أن زيد بن حارثة جاء عند نزو ل هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في ~~سبيل الله فجعله رسول الله لإسامة فوجد زيد في نفسه فقال: صلىالله عليه ~~وآله وسلم ((إن الله قد قبلها)) واشترى عمر جارية أعجبته فأعتقها، ونزل ~~بأبي ذر ضيف فقال: للراعي أتني بخير إبلي فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني، ~~فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه، قال: إن يوم حاجتي إليه ~~ليوم أوضع في حفرتي، واختلف المفسرون في قوله {مما تحبون} منهم من قال: أنه ~~نفس المال، قال تعالى:{ وإنه لحب الخير لشديد}، ومنهم من قال: أن تكون ~~الهبة رفيعة جيدة، قال تعالى:{ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}، ومنهم من ~~قال: ما يكون محتاجا إليه. # قال: تعالي في مدح أهل البيت عليهم السلام: {ويطعمون الطعام على حبه} ~~الآية، أي على حاجتهم إليه. # وقال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو ms2774 كان بهم خصاصة }[108]وقال: صلىالله عليه ~~وآله وسلم ((أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى ~~الفقر)) والأولى يقال كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب والله اعلم. # قال بعض المفسرين: ولو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى؛ لأن الآية ~~مخصوصة بإيتا الأحب، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتا الأحب فإنه لايجب على ~~المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمه بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتا ~~المال على سبيل الندب. # قيل: وكلمة من في قوله مما يحبون للتبعيض وقرأ عبد الله حتى تنفقوا بعض ~~ما تحبون، وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لايجوز كما قال سبحانه: : {والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} وقيل: أنها للتبين. PageV21P303 # ثم قال تعالى: {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} أي وما أنفقتم من خير ~~فالله يعلمه، يعلم الوجه الذي لأجلهع تفعلونه فهو يجازيكم به قل أم كثر، ~~وذكر العلم ليوثق بالموعود من الثواب ؛ لأنه إذا كان عالما به على التفصيل ~~والمستحق عليه من الثواب فلا يخشى قوته، فجعل كونه عالما بذلك الأنفاق ~~كناية عن إعطاء الثواب والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح. # قال في الكشاف: من في قوله من شيء ليبين ما أنفقوا أي من أي شيء كان طيبا ~~تحبونه أو خبيثا تكرهونه فإن الله عليم به ومجازيكم على قدره. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الإنفاق مما يحب ~~فيما وجب من الإنفاق مثل الزكاة وأن ما دون ذلك لايجزي. انتهى. # ولما ذكر الإنفاق مما يحب وكان مما يحب الطعام رغب فيه وذكر حكمه فقال: ~~تعال:ى{كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل ~~أن تنزل التوراة} وقيل: في وجه النظم لما تقدم بحاجة اليهود وكانوا ينكرون ~~نبؤة نبينا ونسخة شريعة من قبله أورد هذا الكلام حجة عليهم في نسخ الشرائع ~~وبين التوراة كما نسخت شريعة من قبلة كذلك لاينكروا أن شريعة محمد صلىالله ms2775 ~~عليه وآله وسلم نسخة شريعة من قبله. # قال الحاكم: معنى كل الطعام[109] يعني كل المأكولات، وقيل: أنه على ~~عمومه، وقيل: المراد الطيب المحلل. # قال: والأول الوجه كان حلا أي حلالا لبني إسرائيل بني يعقوب إلا ماحرم ~~إسرائيل يعقوب على نفسه. انتهى. PageV21P304 # قال في البرهان: وسبب نزولها أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلىالله عليه ~~وآله وسلم لحوم الأبل فأخبر الله تحليلها لهم حتى حرمها إسرائيل على نفسه ؛ ~~لأنه لما أصابه وجع العرق الذي يقال له النساء نذر تحريم العروق على نفسه ~~وأحب الطعام إليه، وكان اللحوم أحب الطعام إليه، وتحريم إسرائيل ذلك على ~~نفسه كان بإذن من الله تعالى وإنما اتبعت اليهود إسارئيل في تحريم ذلك. انتهى. # وفي هذه الآية الكريمة يقول المرتضى عليه السلام: ذكر أن إسرائيل أصابته ~~علة من عرق النساء، وقيل: أنا عروق خرجت به فحرم على نفسه ألا يأكل عرقا ~~ولايأكل لحوم الأبل فهذا الذي حرم إسرائيل، فكانوا إذا ذبحوا الذبيحة ~~أخرجوا عروقها جميعا فهذا تفسير الآية ومعناها. انتهى. # ومثل هذا في البلغة، وكان سبب ذلك لما قال: النبي صلىالله عليه وآله وسلم ~~لليهود والنصارى ((أنا على ملة إبراهيم)). # قالت: اليهود كيف وأنت تأكل لحوم الأبل وألبانها؟ # فقال: صلوات الله عليه وآله وسلم ((كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله)). # فقالت: اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على نوح ~~وإبراهيم هلم جراحي، انتهى إلينا، فأنزل الله هذه الآية وأخبر سبحانه أنها ~~كانت محللة لإبراهيم وولده عليهم السلام إلى أن حرم ذلك يعقوب على نفسه. # واعلم أن ظاهر الآية تدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه وفيه سؤال وهو ~~أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى فكفيف صار تحريم يعقوب ~~عليه السلام سببا لحصول الحرمة، وأجاب المفسرون عنه من وجوه: # الأول: أنه لايبعد أن الإنسان إذا حرم شيئا على نفسه بأن الله يحرمه ~~عليه، ألا ترى أن الإنسان يحرم على نفسه امرأته بالطلاق ويحرم جاريته ~~العتق، فكذلك جائز أن يقول الله تعالى إن حرمت ms2776 شيئا على نفسك فأنا أحرمه عليك. # والثاني: أنه عليه عليه السلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم ~~فقال: بحرمته[110]. PageV21P305 # والثالث: يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا فكما يجب علينا الوفاء ~~بالنذر يجب في شرعه الوفاء بالتحريم. # واعلم بأن هذا لو كان فإنه كان مختصا بشرعه. # أما في شرعنا فهو غير ثابت، قال: تعال:{ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك} وقيل: لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولاحرمه الله تعالى، وإنما هو شيء ~~حرموه على أنفسهم اتباعا لأمتهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله تعالى فقال ~~سبحانه: :{قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} أي فلما أنكروا ذلك ~~حاجهم النبي صلىالله عليه وآله وسلم بالتوراة فبهتوا ولم يخسروا على ~~إحظارها لعلمهم بصدق ذلك، وأن التوراة نطق به على الوجه الذي أخبر صلىالله ~~عليه وآله وسلم. # ومعنى {فاتلوها} أي فأقرأوا التوراة إن صدقتم في دعواكم ليتميز الحق من ~~الباطل فهو استدعاء لهم إلى ما يظهر صدق النبي صلىالله عليه وآله وسلم ~~وكذبهم وجحودهم أو فأتلوها فإن فيها تحريم ما حرم عليهم، تحريم حادث بسبب ~~ظلمهم حيث قال تعالى:{فبظلم من الذين هادوا...} الآية ؛ لأنهم أنكروا ~~وقالوا هو تحريم قديم على نوح وإبراهيم وإسرائيل ولسنا بأول من حرمت عليهم، ~~ثم قال تعالى: {فمن افترى على الله الكذب} بزعمه أن ذلك كان محرما قبل ~~التوراة وقوله: {من بعد ذلك} أي من بعد ظهور البينة وقيام الحجة بأن ~~التحريم إنما كان من جهة يعقوب ولم يكن محرما قبله {فأولئك} المفترون على ~~الله الكذب {هم الظالمون} المستحقون العذاب ؛ لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ~~ولمن أضلوه عن الدين. # والإفتراء اختلاف الكذب، والفرية الكذب والقذف، وأصله من فرى الأديم وهو ~~قطعه، فقيل:للكذب افتراء ؛ لأن الكاذب يقطع به القول من غير تحقيق في ~~الوجوه. PageV21P306 # ولما ظهر الحق ولاح صدق النبي صلىالله عليه وآله وسلم بان كذب أولئك ~~أمرالنبي صلىالله عليه وآله وسلم أن يقول على وجه التبكيت والتقريع لما ~~تجاسروا عليه{قل صدق الله} فيما أنزل وكذبتم فيما ms2777 قلتم {فاتبعوا ملة ~~إبراهيم} فاقتضى الامر باتباع ملة إبراهيم، المعنى قل يامحمد لهم صدق الله ~~فيما أخبر به أن محمد على ملة إبراهيم وأن دينه دين الإسلام وفي أن الطعام ~~كان حلا لهم[111]وغير ذلك فما أخبر فاتبعوا ملة إبراهيم أي شريعته ودينه ~~الذي عليه محمد صلىالله عليه وآله وسلم ومن آمن معه وأتركوا دين اليهودية. # ومعنى {حنيفا} أي مسلما مستقيما على الحق{وما كان من المشركين}كما يزعمه ~~اليهود والنصارى ومشركوا العرب، والغرض منه بيان أن محمدا صلوات الله عليه ~~وعلى آله وسلم على دين إبراهيم عليه السلام في الفروع والأصول. # أما في الفروع فلما ثبت أن الذي حكم بحله كان إبراهيم قد حكم أيضا بحله. # وأما في الأصول فلأن محمدا صلىالله عليه وآله وسلم لايدعوا إلا إلى ~~التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله، وما كان إبراهيم عليه السلام إلا ~~على هذا الدين. # قال: إمامنا عليه السلام: دلت على وجوب اتباع ملة إبراهيم فنعمل بما علم ~~من دينه. انتهى. # ثم أجاب تعالى عن شبهة أخرى من شبهة اليهود في إنكار نبوة محمد صلىالله ~~عليه وآله وسلم وذلك لأنه صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لما حول القبلة ~~إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق ~~بالإستقبال، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر وقبلة جملة الأنبياء، ~~وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلا فأجاب الله تعالى عن ~~ذلك بقوله {إن أول بيت وضع للناس} بني لهم {للذي ببكة} لااختلاف أنه أول ~~بيت للعبادة. PageV21P307 # قال في البلغة: البك في اللغة المزاحمة يقال بكة يبكه إذا زحمه والقوم ~~يتباكون أي يزدحمون، والمراد بالبكة هاهنا البيت؛ لأن الناس يتباكون فيه. # وقيل: هي المسجد ومكة هي الحرم كله. # وقيل: المراد ببكة مكة بطن مكة والأول أقرب. انتهى. # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام: والأصل بكة، ولكن الناس جعلوها ~~مكة، وقيل: أنها سميت مكة لبك الناس بها وهو ورودهم وازدحامهم ود خولهم ~~بها، قال: # إذا السر ms2778 ... أخذته آله ... فحطه حتى يبك # أي فذر بها حتى يورد ورده وأبله والله اعلم. انتهى. # قال: بعض العلماء أخبر الله تعالى أن الكعبة أول بيت وضع ولم يكن قبله ~~بيت أي أول متعبد لهم وضعه الله الكعبة. # وروي عن علي عليه السلام [112] وقد قيل له أهو أول بيت وضع في الأرض ~~فقال: لا قد كان قبله بيوت ولكن هو أول بيت وضعت فيه البركة والهدى ومقام ~~إبراهيم ومن دخله كان آمنا. # وقال المرتضى عليه السلام: جوابا عن من سأله عن معنى هذه الآية هذه آية ~~قائمة بنفسها مستغنية عن التفسير لها، ألا تسمع كيف يقول عزوجل {إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا} وهو بيت آدم عليه السلام الذي أبتناه عند ~~خروجه من الجنة التي كان فيها وفي ضلالها فاحتاج عند ذلك إلى الظل والكنان ~~فدله الله على بنائه فكان أول بيت بني في الدنيا وكان فيه صلى الله عليه ~~ساكنا وحوله قاطنا، وهو البيت الذي أقسم الله به في قوله{والبيت المعمور} ~~وهو قبلة إبراهيم وقبلة محمد صلوات الله عليهما وعلى آلهما وسلم، وقبلة ~~الخلق إلى منقطع الدنيا، وذكرت أن بيت آدم رفع إلى السماء وليس من ذلك شيء ~~بل هو البيت الحرام المتعبد به جميع الأنام الذي يطاف به الآن ويقصده جميع ~~أهل الأديان. انتهى. PageV21P308 # واختلفوا من بناه أولا فقيل خلقه الله تعالى على وجه الماء وكان زبدة بيضا ~~ثم دحيت الأرض من تحتها، وقيل: أنه أنزل مع آدم ليطوف فيه، وقيل: بنته ~~الملائكة، وقيل: بناه إبراهيم وإسماعيل على ما حكى الله في كتابه، وقيل: ~~أنها بنيت عشر مرات، وهي بناء الملائكة عليهم السلام، وبناء آدم عليه ~~السلام، وبناء أولاده، وبناء إبراهيم عليه السلام، وبناء العمالقة، وبناء ~~جرهم، وبنا قصي بن كلاب، وبنا قر يش، وبنا عبد الله بن الزبير، وبنا ~~الحجاج. # واعلم أنه تعالى وصع هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها: أنه أول بيت وضع ~~للناس وفيه مآمر. # وثانيها: أنه وصفه تعالى بكونه مباركا وانتصب مباركا ؛ لأنه حال ms2779 من ~~الضمير الذي فيه، وقيل: انتصب بالظرف من مكة على تقدير للذي استقر بمكة ~~مباركا أي وهذا البيت مباركا في زيادته من البركات والمثوبات، قيل: كثير ~~الخير والمنافع، وقيل: لثبوت العبادة فيه دائما حتى يحكي أن الطواف ~~لاينقطع، وقيل: لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة. # الصفة الثالثة: من صفات البيت قوله تعالى {وهدى للعالمين}؛ لأنه قبلتهم ~~يهتدون به إلى جهة صلواتهم؛ ولأن فيه دلالة علىالصانع المختار من حيث أنه ~~دبره بمالا يقدر عليه غيره من أمن الوحش فيه حتى يجتمع [113] الكلب والصيد ~~وامتناع الطير من العلو على البيت وغير ذلك من الآيات الظاهرة، ثم قال ~~تعالى:{فيه آيات بينات} أي معجزات ظاهرات، وقوله {مقام إبراهيم} يدل من ~~آيات وتفسير ويجوز أن يكون مبتدى أي مقام إبراهيم واحدة منها وكثر سواها ~~ونحوه في طي الذكر قول جرير: # .......كانت حنيفة أثلاثا ... فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها PageV21P309 قال: في البلغة : معناه فيه دلائل ظاهرة وفيه مقام إبراهيم عليه السلام وهو ~~أحد المعجزات العجيبة وآيات الله في الحرم التي كانت في الآيام المتقدمة ~~والتي هي باقية اليوم كثيرة معروفة فمن المتقدمات قصة أصحاب الفيل وغيرها، ~~ومن الباقيات اليوم اجتماع الوحوش والسباع وتقليل حجم مرامي الجمار مع كثرة ~~الرمي في كل سنة وأمن الخائف الإيذاء بالبيت، وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه ~~حرمة، والمراد بمقام إبراهيم عليه السلام الحجر الذي رسخت قدماه فيه وبقى ~~ذلك إلى يومنا هذا والناس يشاهدونه غاصت قدمة في الحجر كما تغوص في الطين ~~والعجين وأنا شبرت طوله وشبرت قعره بمشبار. انتهى. PageV21P310 # قال: السيد العلامة صارم الدين إبراهيم بن محمد بن الوزير رحمة الله عليه: ~~واتخاذ مقام لغيره بلا آية بينة له يضاف بها إليه ويجمع فيه أتباعه شعار ~~محدث في الدين وبدعة كبرا أحدثها بنو العباس في المائة الثالثة في أول بيت ~~وضع للناس سوا العاكف فيه والباد، وجعلوها مناصب لاتباع الفقها الأربعة ~~كالمناصب التي أحدثها الجاهلية فيه ليتوصلوا بذلك إلى صرف الأمة عن اتباع ~~العترة إلى اتباعهم فهي شعار وفخار لجهالهم، ms2780 وهذا مع اعتراف علمائهم أنه ~~لايشهد لهم بذلك عقل ولا نقل، ولورخص الله تعالى في اتخاذ مقام لغير خليله ~~لرخص فيه لمحمد دعوة أبيه إبراهيم وحبيب الله ورسوله، ويجب على أهل الحق ~~إزالتها إذا أظهرهم الله تعالى إذ هي من الإلحاد فيه، قوله أحدثها بنوا ~~العباس إلى آخره كأبي الدوانيق فإنه كان اللوم والجور ..........ثوابة ~~والسفك والغدر مقيمين بين أثوابه وهوأول من فرق شمل بني هاشم بعد اجتماعه ~~وهدم منار ألفتهم بعد ارتفاعه، ونال من العترة الزكية وشيعتهم كل منال وقتل ~~منهم [114]خلقا كثيرا وجما غفيرا بالسيوف والحبوس والسهوم وبنا الأساطين ~~وغير ذلك أنه كان عاليا من المسرفين وتبعه في ذلك جميع أقاربه وعماله ~~وأجناده وكل من ولي الخلافة بعده من أبنائه وأحفاده وأهل سواره فإنهم ~~يتبعوهم قتلا وأسرا وتطريدا وعذبوهم في الحبوس المظلمة عذابا شديدا حتى ~~كانوا لايعرفون أوقات الصلاة الخمس إلا بفراغ الأوراد ونكوهم النكاية ~~التامة وصرفوا عنهم قلوب الخاصة والعامة وأمروهم باتباع الفقها الأربعة ~~وبنوا لهم المدارس وأخروا عليهم الأموال وخلعوا عليهم الخلع النفائس وغمروا ~~ذوي المعارف منهم بالعوارف وألقوا إليهم أزمة الأقصية والوضائف، وعلموهم ~~ورفعوا من قدورهم واعتدوهم لهم بطانة جميع أمورهم، وألبسوهم السواد الذي هو ~~شعارهم وجعلوا لهم مقامات يجمعون فيها في الحرم الشريف والجوامع الكبار ~~ويصلون فيها أربع جماعا ت بأربعة أئمة في PageV21P311 وقت واحد خاصة في صلاة المغرب كما حكاه الدامغاني فهي إلى الآن بدعة ثابتة ~~يفتخر بها أخيارهم وأشرارهم ونفروهم عن مذهب أهل البيت ومحبتهم والأشتغال ~~بعلومهم ومعرفة أقوالهم وينسبونهم واتبعاهم إلى البدعة ويسمونهم الرافضة ~~وينكرون على من قلد غير الفقها الأربعة ويعتقدون ذلك غاية الجهل والضيعة ~~فالله المستعان. # ولما احتج فقيه بيحان على حقية ما نفوا عليه بأن مقام إبراهيم عليه ~~السلام حاجي عن أيدي الزيدية، أجاب عليه المنصور بالله عليه السلام فقال: ~~وهل قمنا إلا لنقر الحق في نصابه ونرد الأمر إلى أربابه من أهل بيت محمد ~~صلىالله عليه وآله وسلم وهل منعنا من حقنا يكون نقصا في ديننا فقد ms2781 منع جدنا ~~من مكة ورد عام الحديبية من جانب الحرم فمازاده ذلك عند الله إلا شرفا، ~~ولقد زاد الفقيه أن يذم فمدح وأن يفضح فافتضح إلى آخر كلامه عيه السلام. # وقوله لايشهد لهم بذلك عقل ولانقل وذلك أنه كان لقبائل العرب حول البيت ~~ثلمائة وستون صنما صنم كل قوم ..............يحجون إليها وينحرون لها، ولما ~~فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة أمر بإلقائها وجعل ينكث في عيونها ويقول ~~((جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)). # وفي السير تفصيل ذلك، ثم قال: {ومن دخله كان آمنا} من عقوبة ما جنى حتى ~~يخرج فهو خير في معنى الأمر وهو قول أبي حنيفة يعني من وجب عليه حد فلاذ به ~~لم يتابع ولم يقاتل حتى يخرج عنه فيقام عليه الحد عن ابن عباس وابن عمرو، ~~وعلى هذا تقدير من دخله فأمنوه كقوله {فلا رفث ولا فسوق}، وقيل: هو إخبار ~~عما كان عليه أهل الجاهلية من أمن من لجاء إليه يدعوه[115] إبراهيم جبل ~~الله قلوبهم على ذلك وهو إخبار وليس في معنى الأمر. # قال: قتادة: كان ذلك في الجاهلية. PageV21P312 # قال في البلغة: وكذلك في الإسلام ؛ لأن من جنى جناية ثم لاذ بالحرم فلا ~~يوجد بذلك ما دام في الحرم ولايقام عليه الحد ولايقتص منه، فإذا خرج أخذ به ~~إلا أنه يشد عليه في المأكل والمشرب حتى يخرج منه وعلى هذا خلص الجعفرية ~~وأكثر أهل البيت عليهم السلام. # وقال: بعض علماء العامة: يقام عليه الحد في الحرم ألا القتل فإنه يخرج ~~منه ويقتل، وقد ادعى إجماع الصحابة على الوجه الأول وهو اصح. انتهى. # ثم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه أردفه بذكر إيجاب الحج فقال ~~عزوجل: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فرض الله تعالى على ~~المكلفين المستطيعين للحج حج البيت فرضا حتما، والأستطاعة عند خلص الجعفرية ~~وأكثر العلماء الزاد والراحلة ذكره في البلغة. # وروي جماعة من الصحابة عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه فسر إستطاعة ~~السبيل بالزاد والراحلة، ms2782 قيل: وصحة البدن وأمان الطريق قال: فيها وقال: بعض ~~العامة: الإستطاع هي ما تبلغة إلى البيت كإيتا ما كان. # ثم قال تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} فسمى عز وجل من ترك ~~الحج كافرا غير كفر الشرك ؛ لأن الكفر كفران كفر جحدان وكفر نعمة للواحد ~~الرحمن فمعناه هنا من ترك الحج عمدا ولم يوص به بعد وجوبه فهو المراد بقوله ~~كفر عن جماعة من العترة الطاهرة منهم القاسم، والهادي، والقاسم الأصغر، ~~والحسين بن القاسم، والمرتضى، والناصر ابني الهادي عليهم السلام جميعا. # قال المرتضى عليه السلام: فإن تركه تارك استخفافا واطراحا له فقد تركه ~~فريضة من فرائض الله ولزمه إسم الكفر وإن كان تاجر لعله مانعه أوفقر مجحف ~~أو خوف متلف فهو عند الله معذور فمتى استراح من علله وجب عليه أن يخرج إلى ~~طاعة ربه وينهض حاجا إلى بيته. انتهى. PageV21P313 # وأخبر تعالى أن من كفر فإن الله غني عنه ليس محتاج إليه وإلى عمله فبين ~~بذلك أنه تعالى كلف عباده لالحاجة له وإنما كلفهم لنفع أنفسهم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم قتل من لجا إلى ~~الحرم ؛ لأنه حرم بيت رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم وقد أمن الله من ~~دخله، وعلى وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا بأن يأمن على نفسه وماله ~~ويجد الزاد والراحلة، ويقدر على المشي فإن من أخل بالحج يطلق عليه أسم ~~الكفر غير كفر الشرك ، أما إطلاق اسم الكفر فلصريح الآية، وأما كونه غير ~~كفر الشرك فالمعلوم من الدين أنه [116] لم يعامل معاملة المشركين. انتهى. # ودلت أيضا على أن الإستطاعة تكون قبل الفعل وإنما ذهب إليه المجبرة أنها ~~مع الفعل باطل وذلك أن الحج يلزم المستطيع فمهمى لم تحصل الإستطاعة لم يلزم ~~؛ لأنه ساقط عن غير المستطيع. # ثم عاد الكلام إلى حجاج أهل الكتاب وذلك أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ~~ووجوب الحجج والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة أمر ~~رسوله صلىالله عليه وآله وسلم ms2783 بحجاجتهم فقال تعالى: {قل ياأهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون} وفي كيفية النظم وجه آخر وذلك ~~أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوة محمد صلىالله عليه وآله وسلم بما ورد ~~في التوراة والأنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم ~~فالشبهة الأولى: ما يتعلق بإنكار النسخ وأجاب عنها بقوله {كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه}. # والشبهة الثانية: ما يتعلق بالكعبة وجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها ~~وأجاب عنها بقوله أن أول بيت وضع للناس فعند هذا تمت وظيفة الإستدلال في ~~كمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال. فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال: لم ~~يكفرون بآيات الله بعد ظهور البينات وزوال الشبهات. PageV21P314 # قال الرازي: وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه. # قال في البلغة: هذه الآيات التي كفروا بها هي معجزات محمد صلوات الله ~~عليه وآله وسلم التي ظهرت عليه وكانت صفتها وإشارتها موافقة لما تقدم ~~البشارة لهم به في كتبهم وهذا التوبيخ ورد بلفظ الإستفهام تسببها سؤال ~~التعجيز ؛ لأنه لاحجة لهم على رد ما يرد فيه من الآيات، ومعنى والله شهيد ~~على ما تعملون أي شاهد على ما تفعلون وهذا ضرب من التهديد. انتهى. # والواو للحال، والمعنى لما تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد، ~~والحال أن الله شهيد على أعمالكم ومجازيك عليها وهذه الحال توجب أن ~~لاتجتروا على الكفر بآياته. # ثم أنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في ~~إضلالهم لضعفة المسلمين فقال: {قل ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ~~آمن} أي لم تصرفون الناس عن دين الله وطريقه التي أمر بسلكوها وتمنعونهم ~~منه بوجوه الحيل. # ثم قال: {تبغونها عوجا} العوج نقيض الإستقامة وهو بالفتح ميل كل منتصب ~~كالكقناة والحائط، والعوج بالكسر هو الميل عن الإستواء في الطريق، والذين ~~تبغونها أي السبيل أي تطلبون لها إعوجاجا وميلا عن الإستقامة. PageV21P315 # قال في البلغة: وهذا الخطاب لليهود خاصة ms2784 لأنهم أغروا بين الأوس والخزرج ~~فذكروهم الحروب التي كانت بينهم[117] وازعجوهم حتى استعملوا عصبية الجاهلية ~~وانسلخوا عن الدين الذين كانوا قبلوه وانقادوا له، وقيل: الصد عن سبيل الله ~~هنا تكذيبهم النبي صلىالله عليه وآله وسلم وإنكارهم صفته في كتابهم ~~والبشارة التي أتت من عند الله فعلى هذا التأويل يكون الخطاب للمعاندين ~~منهم، وقيل: يجوز أن يكون الخطاب متوجها إلى جميعهم ؛ لأن كلهم يقرون بأن ~~الصد عن دين الله باطل في الجملة وإن لم يقروا بدين محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم {وأنتم شهداء} على أنها سبيل الله التي لايصد عنها إلا ضال مضل، أو ~~معناه وأنتم عدول أهل دينكم يستشهدونكم في عضائم أمورهم ويثقون بشهادتكم. # وقال في البلغة: معناه وأنتم عقلاء ؛ لأن العاقل في عقله الشاهد القوي ~~وهو الدليل الذي به يميز بين الحق والباطل. انتهى. # والمعنى أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والظلال ~~والإظلال، ثم قال: {وما الله بغافل عما تعملون} أي لايخفى على الله شيء من ~~أعمالكم وهو يجازيكم عليها وهذا ضرب من التهديد العظيم والتحذير عن فعل ما ~~يستحقون عليه العذاب. # دلت الآية علىقبح الصد عن سبيل الله، وعلى تحريم الإقتدا بهم في الدعاء ~~إلى الضلال وذلك يكون بأحد شيئين بالدعاء إلى خلافه أو بإلقاء الشبهة عليه. # ولما حذر تعالى الفريق من أهل الكتاب عن الإغواء والإضلال حذر المؤمنين ~~بعد ذلك عن إغوائهم وإضلالهم فمنعهم عن الإلتفات إلى قولهم فقال ~~تعالى:{ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم ~~بعد إيمانكم كافرين}. # روي أن الآية نزلت في الأوس والخزرج حين أغرى اليهود بينهم ليفشوهم عن ~~دينهم فكأنه قيل للمؤمنين لاتطيعوا هؤلاء فإن طاعتهم تد عوكم إلى الإرتداد ~~عن دين الله. PageV21P316 # روي أن شاس بن قيس من اليهود مر بنفر من الأوس والخزرج فغاضه إجتماعهم بعد ~~ما كان بينهم العداوة فأمر من أغرى بينهم حتى طلبوا السلاح وهموا بالقتال ~~فوعظهم رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم حتى بكوا وعرفوا كيد العداوة ~~وعانق ms2785 بعضهم بعضا، ثم أكد الأمر وعظم ثم قال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} كيف تعجيب من كفرهم مع تلاوة القرآن ~~عليهم وإرشاد المسلمين إلى أنه يجب أن لايلتفتوا إلى قولهم بل الواجب عليهم ~~أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول حتى يكشف عنهم ~~ويزيل وجه الشبهة فيها، ولما عرفوا مكيدة العدو لهم انصروفوا مع رسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم طاعة اليهود الدعاء ~~إلى الكفر بالأصالة[118] وعلى تحريم طاعة دعاء الكافرين الكهان والسحرة ~~والمنجمين وأهل البدع بالقياس. انتهى. # ثم قال تعالى: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} والمقصود أنه ~~لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد، والمعنى ومن يتمسك بدين الله تعالى ~~ودلائله فذاكره الموفق الذي يدل على مافيه نجاته. # ثم قال: عليه السلام: ومن الإعتصام بالله التمسك لمحكم كتابه وما صح عن ~~الله تعالى على لسان نبيه صلىالله عليه وآله وسلم ودل ذلك على وجوب التمسك ~~بهما مع أن ذلك معلوم من الدين ضرورة. انتهى. PageV21P317 # ولما نهى الله تعالى المؤمنين عن قبول الكافرين بين بعد ذلك ما يجب قبوله ~~فقال عزوجل:: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} تقاة إسم المصدر من ~~قولك أتقا أتقا، والأسم نعى مثل أهتدا يهتدي اهتدا، والأسم هدى ثم ألحقت ~~الها كما الحقت بالضلالة والسفاهة هكذا في التهذيب، والمعنى أمر الله ~~المؤمنين بأن يتقوا الله حق التقوى وهو القيام بالواجب وأجتناب جميع ~~المعاصي ومثله {فاتقوا الله ما استطعتم} ولن ناسخ لهذه الآية كما زعمه بعض ~~المفسرين والمراد بالغوا في التقوى حتى لايتركوا من الإستطاعة شيئا وفي ~~الحديث كي أن يطاع فلا يعصي، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وقيل: لايأخذ ~~في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط على نفسه وابيه وابنه، وأما قوله تعالى: ~~{ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} فهذا ليس بنهى لهم عن الموت وإن ms2786 كان اللفظ في ~~صيغة النهي وإنما هو نهي لهم عن ترك الإسلام فكأنه قيل لهم لايصاد فكم ~~الموت وأنتم على غير الإسلام. # قال: عليه السلام: دلت على وجوب ملازمة التقوى إلى الموت وعلى بطلان قول ~~من قال: الإيمان قول بلا عمل أو الإعتراف بلا عمل. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالإبقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك ~~والإعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعة فقال تعالى: {واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا} أي تمسكوا بحبل الله فإن نجاتكم وسعادتكم فيه. PageV21P318 # واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله فإذا تمسك بحبل مشدود ~~الطرفين نجا من ذلك الطريق وأمن من الخوف، ولاشك أن طريق الحق دقيق وقد زلق ~~رجل أكثر الخلق عنه إلا من اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن ذلك الخوف، ~~فكان المراد من الحبل هاهنا كتاب الله وعترة رسول الله صلىالله عليه وآله ~~وسلم وذلك أنه لما كان النازل في البير يعتصم بالحبل تحرزا من السقوط فيها ~~وكان كتاب الله وعترة رسول الله عليهم السلام حرزا لصاحبه من السقوط قعر ~~جهنم جعل ذلك حبلا لله وأمروا بالإعتصام [119]. # قال في البرهان: وحبل الله تعالى كتاب الله عز وجل وعترة الرسول الهداة ~~الذين أمر الخلق بإتباعهم ؛لأن الكتاب والعترة هما السبب الذي بين الله ~~وبين الخلق. انتهى. # وروى الحاكم والتهذيب عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: نحن حبل الله ~~الذي قال: واعتصموا بحبل الله جميعا والذي يؤيد هذا ما روى أبوا سعيد ~~الخدري أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم قال: ((أيها الناس إني تارك فيكم ~~ثقلين إن أخذتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا، أحدهما أكبر من الآخرة كتاب ~~الله حبل الله مدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض)). انتهى. # قلت: وهذا الخبر متواتر مقطوع بصحته كما مر في مقدمة كتابنا هذا. # وفي رواية من طريق آخرى عنه صلىالله عليه وآله وسلم ((من أحب أن يركب ~~سفينة النجاة ms2787 وتمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليتول علي بن ~~أبي طالب)). # وفي حديث ((فليتول وليأ ثم بالهداة من ولده)). PageV21P319 # قال في البلغة: وروى جعفر بن محمد عن أبائه عليهم السلام عن رسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلىالله عليه ~~وآله وسلم عن حبل الله فضرب بيده على كتف علي عليه السلام فقال: ((هو حبل ~~الله مرتين)) ففي هذه الآية دلالة واضحة على أن ولاية علي عليه السلام من ~~أصول الدين وأن طاعته واجبة ؛ لأنها دخلت في جملة حبل الله المأمور بالتمسك ~~به. انتهى. # أما قوله تعالى {ولا تفرقوا} فإنه نهى عن الإختلاف في الدين وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال}، فالوجه المعقول فيه أن ~~النهي عن الإختلاف والأمر بالإتقاق يدل على أن الحق لايكون إلا واحدا وإذا ~~كان كذلك كان الناجي واحدا. # وقد روى إمامنا المنصور بالله عليه السلام في الإعتصام: الأحاديث الكثيرة ~~في النهي عن التفرق في الدين منها مارواه ابن ماجة والطبراني عن عوف ابن ~~مالك عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم قال: ((افترقت اليهود على إحدى ~~وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على اثنتين ~~وسبعون فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده ~~لتفرقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في ~~النار)) قيل يارسول الله من هم؟ # قال: ((الجماعة))، ومنها مارواه الثعلبي وتفسير قوله تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا} من سورة الأنعام عن أبي عمر قال: قال: لي علي ~~عليه السلام يا أبا عمر أتدري كم افترقت اليهود؟ # قلت: الله ورسوله اعلم. # قال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية. # أتدري على كم افترقت النصارى؟[120] قلت: الله ورسوله اعلم. # قال: افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية أما واحدة هي ~~الناجية. # أتدري على كم تفترق هذه الأمة؟ # قلت: الله ورسوله اعلم. PageV21P320 # قال: تفترق على ثلاث وسبعين ms2788 فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية. # ثم قال: أتدري على كم يفترق في؟. # قلت وإنه ليفترق فيك؟. # قال: نعم يفترق في اثنتا عشرة فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة هي الناجية ~~وأنت منهم يا أبا عمر. # وذكر هذا الخبر يحيى بن الحسن البطريق في العمدة. # ثم قال: عليه السلام في تفسير آيات الأحكام ثم دلت الآية الكريمة على ~~وجوب الإجتماع في كل مسائل الدين وتحريم التفرق فيه، انهتى. # ثم قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم} تشكروها، وقيل: ذكرها شكرها. # واعلم أن نعمة الله على الخلق إما دنيوية وإما أخروية، وأنه ذكرها في هذه ~~الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا}. # قال في البلغة: هذا الخطاب للأوس والخزرج وذلك أنهم كانوا في الجاهلية في ~~فتنة عظيمة من الحروب التي كانت بينهم بتطاول تلك الحروب مائة وعشرين سنة ~~فألف الله بين قلوبهم بالإسلام وارتفع النزاع والخلاف والحروب وزالت، ~~وصاروا إخوانا متحابين بعد أن كانوا أعدا متباغضين، فمن الله عليهم بذلك. انتهى. PageV21P321 # فالآية إشارة إليهم وإلي إخوانهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضا، ~~ويبغض بعضهم بعضا، فلما أكرمهم الله بالإسلام صاروا إخوانا متراحمين ~~متناصحين، وصاروا إخوة في الله، ولما شرح النعم الدنيوية ذكر بعدها النعم ~~الأخروية، فقال تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} أي ~~وكنتم على شفير جهنم أي في حكم من هو في النار؛ لاستحقاقكم عقابها بكفركم ~~فأنجاكم الله منها، بأن هداكم إلى الإيمان، ودلكم عليه، ولطف بكم حتى ~~آمنتم، وشفا الشيء طرفه مقصور مثل شفا البير، والجمع الإشفا، يقال أشفى على ~~الشيء إذا أشرف عليه، كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه، وفي قوله: {فأنقذكم ~~منها} سؤال وهو أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا ~~على شفا الحفرة، وشفا الحفرة مذكر، فكيف قال: منها وأجابوا عنه من وجوه: # الأول: أن الضمير عائد إلى الحفرة، ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من ~~شفاها؛ لأن ms2789 شفاها منها. # والثاني: أنه راجع إلى النار؛ لأن القصد الإنجاء من النار، لا من شفا ~~الحفرة وهذا قول الزجاج. # الثالث: أن شفا الحفرة وشفتها بالتذكير والتأنيث، والمعنى أنهم لو ماتوا ~~على الكفر لوقعوا في النار[121]، فمثلت حياتهم التي توقع بعدها الوقوع في ~~النار بالعقود على حر وفها، وهذا فيه تنبيه على تحقير هذه الحياة الدنيا، ~~فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في هذه الحفرة إلا ما بين ~~طرف الشيء وذلك الشيء، ثم قال تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون} أي مثل ذلك البيان يبين الله لكم الآيات والدلائل لتهتدوا إلى ~~مافيه نجاتكم، دل هذا على أنه أراد من الجميع الإهتداء. PageV21P322 # واعلم أنه لما تقدم النهي عن التفرق والأمر باجتماع الكلمة في الدين على ~~أنه أراد من الجميع، بين بعد ذلك أنه كما يجب أن يكونوا على الحق مجتمعين، ~~يجب أن يكونوا دعاة إلى دينه فقال سبحانه: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. # قال الرازي: اعلم أنه تعالى في هذه الآيات المتقدمة عاب على أهل الكتاب شيئين: # أحدهما: أنه عابهم على الكفر فقال: {ياأهل الكتاب لم تكفرون}ثم بعد ذلك ~~عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال: {ياأهل الكتاب لم تصدون عن ~~سبيل الله} فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولا بالتقوى ~~والإيمان فقال: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا ~~بحبل الله جميعا}، ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ~~فقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}، وهذا هو الترتيب الحسن الموافق ~~للعقل. انتهى. # قلت: وقد صرح كما ترى في قوله هذا هاهنا، وفي غيره من المواضع التي يكثر ~~تعدادها في تفسيره بنسبة الكفر، وفعل المعصية إلى العبد، وكذلك الإيمان، ~~والطاعة، ثم تراه مع هذا يذكر، ويصرح في معرض الإحتجاج على العدلية بنسبة ~~الكفر وجميع أفعال العباد إلى الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، ~~وهل هذا منه، إلا ومنه ظاهرة ms2790 بما زخرفه ولمعه من الأحتجاج لمذهب أصحابه ~~المجبرة، وكيف أنه تعالى عاب أهل الكتاب على الكفر، وعلى إلقاء الغير فيه ~~وهو على زعمهم من فعل ربهم، وكيف أمر المؤمنين بالتقوى، والإيمان، ولافعل ~~لهم على ما يزعمون عدنا إلى ما نحن بصدده من تفسير الكتاب، قوله تعالى: ~~{ولتكن منكم}. PageV21P323 # قال في البلغة: هذه اللام لأمر الآي، وليقم جماعة منكم بالأمر المعروف ~~والنهي عن المنكر،، والدعاء إلى الخير، وإنما توجه الأمر إلى جماعة منهم؛ ~~لأنه إذا قامت جماعة به يسقط عن الباقين، وبين أن من قام بما أمره الله كان ~~من المفلحين الظافرين بما يطلبونه من عند الله، من البقاء والنعمة، ~~والكرامة. انتهى. # وفي قوله منكم قولان: # أحدهما: من هاهنا لست للتبعيض لدللين: # الأول: أن الله أوجب الأمر بالمعروف،، والنهي عن [122]المنكر، على كل ~~الأمة في قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر}، إما بيده أو بلسانه، أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضررعن ~~النفس، إذا بينت هذا، فيقول معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخي،ر ~~آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأما كلمة من، فهي هاهنا للتبيين، ~~لاللتبعيض، كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}. # ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجبا على الكل؛ إلا أنه متى قام به قوم سقط ~~التكليف عن الباقين. # والقول الثاني: أن من هاهنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضا ~~على قولين: # أحدهما: أن فائدة كلمة من هي أن في القوم من لايقدر على الدعاء، وعلى ~~الأمر بالمعروف،، والنهى عن المنكر، مثل النساء، والمرضى، والعاجزين. # والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء، ويدل عليه وجهان: # الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة إلى الخير، ~~والأمر بالمعروف،، والنهي عن المنكر،، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة ~~بالعلم بالخير، وبالمعروف، وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعى إلى الباطل وأمر ~~بالمنكر، ونهى عن المعروف، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلطة، ~~وينكر على من لايزيده إنكاره إلا تماديا، فيثبت أن هذا التكليف ms2791 متوجه على ~~العلماء، ولاشك أنهم بعض الأمة. PageV21P324 # والثاني: أجمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية على معنى أنه متى قام به ~~البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقيم بذلك بعضكم، فكان في ~~الحقيقة هذا مجابا على البعض، لا على الكل والله اعلم. # روي عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أمر بالمعروف ونهى عن ~~المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه)). # قلت: والذي روى الهادي وغيره، من أئمة أهل البيت عليهم السلام ((من أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر، من ذريتي فهو خليفة الله)) إلى آخره. # وسئل رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم من خير الناس؟ # قال: ((أمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر)). # وعن علي عليه السلام: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف،، والنهي عن المنكر،، ~~وقال: أيضا من لم يعرف بقلبه معروفا، ولم ينكر منكرا، أنكس وجعل أعلاه اسفله؟ # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الدعاء إلى الخير، ~~والأمر بالمعورف، والنهي عن المنكر، وأنه من فروض الكفاية على من ينفذه، ~~والوعيد متناول جميع المكلفين حتى يعينوا من يقوم به، وأين القائم، واين ~~المعين، فالله المستعان. انتهى. # ثم أمر عز وجل بالأجتماع في ذلك وترك التفرق فقال تعالى: {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم [123] البينات} المعنى بقوله ~~كالذين تفرقوا أهل الكتاب، تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في الديانة بعد ما ~~جائتهم الدلالات، والحجج الواضحات، فنهى الله المؤمنين عن التفرق كما يفرق ~~أولئك، وذكروا في سبب التفرق والإختلاف وجوها: # أحدها: تفرقوا أو اختلفوا بسبب إتباع الهوى وطاعة النفس. # والحد الثاني: تفرقوا كل فريق منهم يصدق من الأنبيا بعضا دون بعض، وصاروا ~~بذلك إلى العداوة والفرقة. PageV21P325 # الثالث: صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة، المشبهة، والقدرية، والجبرية، وقيل: ~~تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول ~~كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه، فصار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن ~~صاحبة على الباطل. # قال بعضهم: إنك إذا انصفت علمت أن ms2792 أكثر علماء أهل هذاالزمان صاروا ~~موصوفين بهبذه الصفة، فنسأل الله العفوا والرحمة والتوفيق لإصابة الحق ~~والعصمة، وإنما قال: {من بعد ما جاءهم البينات} ولم يقل جأت لجواز حذف ~~علامة التأنيث من الفعل، إذا كان فعل المؤنث متقدما. # ثم بين عز وجل ما أعد لهم فقال: {وأولئك لهم عذاب عظيم} يعني الذين ~~تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجر للمؤمنين عن ~~التفرق. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم التفرق، والإختلاف ~~في الدين، وعلى أن ذلك كبير؛ لأن الله عظم عذاب من خالف الحق وهو يعلم. انتهى. # ثم أخبر متى يكون ذلك العذاب فقال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} في ~~نصب يوم وجهان: # أحدهما: أنه نصب على الظرف، أي ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم. # والثاني: أنه منصوب بإضمار أذكروا، خبر الله تعالى أن يوم القيامة تبيض ~~وجوه، وتسود وجوه، فتكون مشرقة نيرة، وسود وجوه تعلوها قترة، السواد هذا ~~قول أكثر المفسرين وقال بعضهم: المراد بالبياض بناء يحصل من البشر والتهلل ~~والفرح، والمراد بالسواد مايحصل من ضل في وجوه الكافرين من الغم، فالبياض ~~والسواد مثل. # قال القاسم عليه السلام: وقد سأله سائل، هل هناك إلا مسود الوجه أو مبيضه؟ PageV21P326 # فقال رحمة الله عليه: وهم رحمك الله إن كانوا كذلك وعلى ما ذكر الله سبحانه ~~من ذلك فهم فرق أصناف، بينتهم في أحوالهم إختلاف، فمنهم مؤمن، وفاسق، ~~ومشرك، ومنافق، وقاتل، وقادن، وسارق، فتنزل الآية فيما سألت خاص، غير عام؛ ~~لأنه ليس كل من يسود وجهه يقال كفرت بعد إيمان؛ لأن النار من فرق الكفار من ~~لم يكن مؤمنا قط في دنياه، ولم يزل على كفره وعماه، فكيف يقول لأولئك ~~أكفرتم بعد إيمانكم أليس هذا عندك من أزور الزور، وابهت البهتان[124] ~~وابيضاض الوجوه هناك، إنما هو سرورها، وبهجتها، واسودادها إنما هو حزنها، ~~وحسرتها، والقول في هذا يفسد من القائلين، فإنما هو لمن كفر بعد إيمانه برب ~~العالمين. انتهى. # قال الرازي: هذا مجازمستعمل، قال تعالى: {وإذا بشر ms2793 أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا} ولصاحب هذا القول أن يقول الدليل دل على ماقلنا، وذلك لأنه تعالى ~~قال: {وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة، ووجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها ~~قترة} فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك، والإستبشار، فلولم يكن المراد ~~بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح، جعله مقابلا له فعلمنا أن ~~المراد من هذه الغبرة والقترة الغم، والحزن، حتى يصح التقابل. # ولبعض الشعراء في الشيب # يابياض القرون سودت وجهي ... عند بيض الوجوه سود القرون # سوف أخفيك ما حست بجهدي ... عن عياني وعن عيان العيون # سواد فيه بياض لوجهي ... وسواد لوجهك الملعون PageV21P327 ولما تقدم اختلاف ألوان القوم يوم القيامة فصل ذلك، فقال تعالى: {فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } جواب فأما محذوف، تقديره يقال لهم ~~أكفرتم بعد إيمانكم، بالإرتداد، وقيل: كفروا بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم، ~~أي يقال لهم أكفرتم توبيخا لهم، ومعنى بعد إيمانكم، أي بعد إظهار الإيمان ~~بالنفاق، وقيل: المراد جميع الكفار، لإعراضهم عما وجب عليهم الإقرار به من ~~التوحيد، حتى أشهدهم على أنفسهم فقيل: المراد أهل الكتاب كفروا بالنبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم به أي ببعثه، وصفته قبل ممبعثه للبشارة ~~التي أتتهم في كتبهم، وقيل: المراد الخوارج، والأهواء من هذه الأمة، عن علي ~~عليه السلام : ومثله عن قتادة، # وروي عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه قال: ((والذي نفس بيده ليردن ~~على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم قلت يارب أصحابي أصحابي فيقال ~~إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك فأقول بعدا وسحقا)). # ومن رواية إمامنا المنصور بالله عليه السلام: أهل البدع والأهواء الذين ~~خالفوا أمير المؤمنين عليه السلام، وأهل بيته عليهم السلام، جميعا ما لفظه. ~~ما روى القاسم بن إبراهيم عليه السلام، في كتاب الكامل المنير عن أبي أحمد ~~قال: حدثني من أثق به عن الحكم بن ظهير، عن أبيه، وعبد الله بن حكم بن ~~جبير، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، في حديث طويل في غدير خم [125]قال: ~~يعني رسول الله صلىالله ms2794 عليه وآله وسلم: ((أيها الناس أسمعوا ما أقول لكم ~~أنا فرطكم على ألحوض، وإنكم واردون على يوم القيامة، ألا فإني مستنقذ رجالا ~~منكم، ويختلج دوني آخرون فأقول يارب أصحابي، اصحابي، فيقال إنهم أحدثوا ~~وغيروا بعدك، وإني سأئلكم حين تردون علي، عن الثقلين، فأنظروا كيف تخلفوني ~~فيهما)). # قالوا وما الثقلان يا رسول الله؟ PageV21P328 # قال: ((الأكبر كتاب الله سبب مابين السماء والأرض، طرف بيد الله تعالي، ~~وطرف بأيديكم، فتمسكوا به ولاتضلوا، ألا ولاتبدلوا والأصغر منهما عترتي أهل ~~بيتي، فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يرد علي الحوض، فلا ~~تعلموا أهل بيتي فإنهم اعلم منكم، ولاتسبقوهم فتمرقوا، ولاتقصروا عنه ~~فتهلكوا، ولاتولوا غيره فتضلوا، يا ايها الناس أطيعوا قولي، واحفظوا وصيتي، ~~وأطيعوا عليا، فإنه أخي، ووزيري، وخليفتي، على أمتي، فمن أطاعة فقد أطاعني، ~~ومن خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف عليا))، ثم أرسل يده فقال: ~~((ياعلي اكتب بما أوصيتهم به عليهم كتابا)) فلما كتب وأشهد الله عليهم ~~ورسوله بإبلاغهم ذلك اليوم أخذ الكتاب فقال: لهم بصوت عال ((أيها الناس هل ~~بلغت ما في هذا الكتاب)). # قالوا اللهم نعم. # قال: ((اللهم أشهد، وكفى بك شهيدا))، الخبر إلى آخره، وفي كتب الأئمة، ~~والشيعة، من حديث الإختلاج عن الحوض كأنوار اليقين، وشمس الأخبار، وغيرهما ~~كثير، فليطالعها الناظر موفقا إن شاء الله تعالى. # وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس: ((أن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم عليه السلام وأنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: ~~يارب أصحابي، فيقول إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك))، الخبر. # وفي حديث ابن مسعود: ((أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ~~ليختلجن دوني، فأقول يا رب أصحابي، فيقال إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك))، ~~ومثله في حديث حذيفة، وفي حديث أنس ((ليردن علي الحوض ناس من أصحابي حتى ~~إذا عرفتهم اختلجوا دوني)) الحديث. # وفي رواية أبي سعيد الخدري: ((فأقول إنهم مني فيقال إنك لاتدري ما أحدثوا ~~بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي)) # وفي رواية أبي ms2795 هريرة ((يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي فيخلون عن ~~الحوض فأقول يارب أصحابي )). الخبر إلى قوله: ((إنهم ارتدوا على أدبارهم ~~القهقراء)). PageV21P329 # وفي حديث سعيد بن المسيب: كان يحدث عن أصحاب النبي صلىالله عليه وآله وسلم ~~أن النبي قال: ((يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيخلون عنه الخبر، أي يمنعون ~~ويطردون عنه. # وفي رواية أخرى لأبي هريرة قال: بينما أنا قائم إذ زمرة حتى إذا[126] ~~عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت إلي أين؟ # فقال: إلى النار والله، فقلت وما شأنهم؟ # قال: إنهم ((ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى))، ثم إذا زمرة أخرى حتى ~~إذا عرفتهم، ثم ذكر مثل ذلك الأول ثم قال: ((فلا أرا ه يخلص منهم إلامثل ~~همل النعم. # وروى مسلم في صحيحة في حديث أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلىالله ~~عليه وآله وسلم: ((حتى ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود ~~الرجل إبل الرجل عن إبله)) قالوا: يانبي الله تعرفنا، قال:((نعم ،لكم سيما ~~ليست لاحد غيركم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضو، وليصدن عني طائفة ~~فلا يصلون ما فأقول يا رب هؤلاء من أصحابي، فيحبسني ملك فيقول: وهل تدري ما ~~أحدثوا بعدك)). # وفي رواية ((ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا ~~هلم، فيقال إنهم قد بدلوا، فأقول: سحقا، سحقا)) وفيه عن أبي هريرة أيضا ~~((لأذودن عن حوضي رجال كما يذاد الغريبة من الأبل)). # وفي حديث أنس ((ليردن الحوض رجال ممن صحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي ~~اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي، فيقال فإنك لاتدري ما أحدثوا ~~بعدك)). # وفي حديث لأحمد بن حنبل: ((رجال ممن صحبني ورءاني)). # ولأحمد حديث أم سلمة من ثلاث، أو أربع طرق، ((إن من أصحابي من لا يراني ~~بعد أن يفارقني)) فبلغ ذلك عمر فأتاها فقال: لها أنشدك بالله أمنهم أنا؟ # قالت: لاولا أبرئ أحدا بعدك. PageV21P330 # ثم ذكر عليه السلام حديث عمار وغيره، في المنافقين من الصحابة، ثم قال عليه ~~السلام: ms2796 قلت: وبالله التوفيق، هذه أخبار تفيد العلم؛ لأنها مما أجمع عليه ~~الموالف والمخالف، انتهىما أرادنا نقله منها وهي كثيرة تركناها لطولها. # ثم أخبر عز وجل عما يوبخون به عند العذاب فقال تعالى: {فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون} أي يقال لهم عندما يعذبون هذا القول توبيخا ليكون ذلك زيادة ~~لهم في الغم، والألم، والذوق هاهنا توسع وقد تكرر تفسيره في نظير هذه ~~الآية، ومعنى الكلام أنظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب الله تعالى ~~بمخالفة أمره ونهية جزا على كفركم، وقيل: ذوقوا عقوبة كفركم. # ثم قال تعالى:{وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} أي ~~والذين أبيضت وجوههم كانوا من أله الجنة، خالدين فيها أبدا. # قال في البلغة: وليس لأحد أن يقول قسم الله تعالى الخلق في القيامة ~~قسمين، فوصف أحد القسمين بأنهم بعض الوجوه، وهم المؤمنون، ووصف القسم ~~الثاني سواد الوجوه، وهم الكافرون، فدل ذلك على بطلان القول بالمنزلة بين ~~المنزلتين؛ لأن حصول[127] أللونين السواد، والبياض، لايمنع من كون لون آخر، ~~كالغبرة، ويكون ذلك حكم وجوه الفساق، ويجوز أن يسود وجوه الفساق، وإن لم ~~يفرد بالذكر لتغليب الكفار عليهم، ولاتري القائل إذا قال: يوم يعفوا ~~السلطان عن قوم، ويعاقب قوما آخرين، فلا يدل ذلك على أنه ليس هناك من ~~لايستحق هذا ولا ذاك. # قلت: وقد مر آنف جواب القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: عن هذا فإنه من ~~شفاء من العمى، وروي من الظمى. # ثم بين تعالى أنه لايعاقب إلا بعد إقامة البينات، والحجج، الواضحات، نفيا ~~للظلم عن نفسه فقال تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} الإشارة ~~بقوله تلك إلى الآيات التي تقدم ذكرها، أي تلك آيات يقرأؤها عليك رسولنا ~~بأنها الحق. PageV21P331 # وقيل: يتلوها عليك بالمعاني الحق؛ لأن التلاوة حق. # وقال المرتضى عليه السلام: الآيات فهي ما أنزل الله سبحانه من كتابة، وما ~~جعل فيه من آياته، ودلائله التي توجب وتذهب المعصية، وتعم بها، من الله على ~~عبادة النعمة آيات حق ومبينات لصدق رسول آمين، مقرب عند ذي ms2797 العرش مكين، ~~مستودع من أخبار الآولين، والآخرين، مع ماسيكون في يوم الدين، والآيات التي ~~جاء بها محمد صلىالله عليه وآله وسلم تشهد على نبؤته، وتقبح خصمه، وتقم ~~الحجة له، ألا تسمع كيف يقول سبحانه في أول العشر{وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} فكل ~~هذه آيات وتبصرة وهداية إلى الحق وتذكرة. انتهى. PageV21P332 # ودل قوله تعالى {وما الله يريد ظلما للعالمين} على أن الله لايريد ظلما ~~بوجه من الوجوه لا من أفعاله سبحانه، ولا من أفعال عباده، ولا يفعل شيئا من ~~ذلك؛ لأن قوله ظلما نكرة، والنفي قد دخل عليها، ومن حق النكرة إذا دخل ~~النفي عليها أن تكون عامة مستغرقة، كقول القائل: ما رأيت رجلا يقتضي ذلك ~~أنه لم يرى أحدا من الرجال، وإذا كان كذلك بطل قول المجبرة أن الله يريد ~~الظلم، واقتضى نفي إرادة الظلم هاهنا ما تقدم ذكره من الوعيد واستحقاق ~~العقاب، ليدل بذلك على أن من استحق العقاب إنما أبى في ذلك من قبل نفسه ~~وأنه ظلم نفسه كما قال تعالى: {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} فهذه ~~الآية أوضح دليل على من يصفه سبحانه بإرادة القبائح والرضابها تعالى علوا ~~كبيرا؛ لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها، ولو كان فاعلا بشيء من أقسام ~~الظلم لكان مريدا له، وقد بطل ذلك فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل ~~للظلم، وغير فاعل لأعمال العباد، وغير مريد للقبائح، من أفعال العباد، ~~وايضا فإنه تعالى[128] تمدح بأنه لايريد ذلك، والتمدح إنما هو يصح لو صح ~~منه فعل ذلك الشيء، وصح منه كونه مريدا له. # فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادرا على الظلم فعلمت أن هذه الآية ~~الواحدة وافية بتقرير جميع أصول العدلية، هادمة لجميع الشبه التي تتعلق بها ~~المجبرة الشقية. # ولما نفى الظلم سبحانه عن نفسه وأخبر أنه لايريده ذكر غناه عن الظلم وعن ~~كل شيء يذكر المملكة تفخيما للشأن وتعظيما فقال عزوجل:: {ولله ما في ~~السماوات ms2798 وما في الأرض} وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين: PageV21P333 # الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لايريد الظلم، والقبائح، استدل عليه بأن فاعل ~~القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل، أوالعجز، أو الحاجة، وكل ذلك على الله ~~محال؛ لأنه مالك لكل ما في السماوات، وما في الأرض، وهذه المالكية تنافي ~~الجهل، والعجز، والحاجة، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع ~~كونه فاعلا للقبيح. # الثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه لايريد الظلم بوجه من الوجوه فكأن القائل ~~يقول أن شاهد وجوه الظلم في العالم، وإذا لم يكن وقوعة بإرادته كان خلاف ~~إرادته، فيلزم كونه ضعيفا، عاجزا، مغلوبا، وذلك محال، فأجاب الله عنه ~~بقوله:{ولله ما في السماوات وما في الأرض} أي أنه تعالى قادر على أن يمنع ~~الظمة عن الظلم على سبيل الإلجاء، والقهر، ولما كان قادرا على ذلك خرج عن ~~كونه عاجزا، ضعيفا، إلا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية إختيارا، وطوعا، ~~ليصيروا سبب ذلك مستحقين للثواب، فلوا قهرهم على الترك لبطلت هذه الفائدة، ~~وبطل التكليف. # قال الرازي: احتج أصحابنا بقوله {ولله ما في السماوات وما في الأرض}على ~~كونه خالقا لأعمال العباد فقالوا: لاشك أن أفعال العباد من جملة ما في ~~السماوات وما في الأرض، فوجب كونها له لقوله ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض، وإنما يصح أنها له لوكانت مخلوقة له، فدلت هذه الآية على أنه خالق ~~لأفعال العباد. PageV21P334 # أجابت العدلية عنه بأن قوله لله إضافة ملك لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال ~~هذ البناء لفلان، يريدون أنه مملوكه لا مفعوله، وأيضا المقصود من الآية ~~تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلهية نفسه، ولايجوز أن يتمدح بأنه نسب إلى نفسه ~~الفواحش، والقبائح، وأيضا فقوله ما في السموات وما في الأرض إنما يتناول ما ~~كان .......في السماوات والأرض من صفات الإجسام لامن صفات الأفعال التي هي ~~أعراض، ثم قال تعال:ى{وإلى الله ترجع الأمور}أي إلى حكمه، وأمره، يعود ~~الخلق بعد فنائه أحياء؛ لأنه يعيدهم للجزاء، وقيل: إليه يدير خلقه في ms2799 ~~الدنيا بالخلق، والرزق، والتصرف، ثم يرجع أمرهم إليه في الآخرة، وإنما كرر ~~إسم الله تفخما، وتعضيما، وقيل: ليكون كل واحد من الكلامين[129] مكتفيا بنفسه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: ويدخل في هذه الآية رد مالم يوجد ~~له أصل إلى ما جاء في كتاب الله، وما علم من سنة رسول الله صلىالله عليه ~~وآله وسلم؛ لأن ذلك من الإرجاع إلى الله. انتهى. # واعلم أنه لما تقدم الأمر، والنهي، عقبه بذكر المدح لمن قام به، والترغيب ~~في مثل حالهم، فقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}. # اعلم أن لفظه كان قد تكون تامة، وناقصة، وزائدةن على ماهو مشروح في ~~النحو، واختلف المفسرون في قوله كنتم على وجوه: # الأول: إن كان هاهنا تامة بمعنى الوقوع، والحدوث، وهي لاتحتاج إلى خبر، ~~والمعنى وجدتم، وخلقتم، خبر أمة، ويكون قوله خير أمة بمعنى الحال. # قال الرازي: وهذا قول جميع المفسرين. PageV21P335 # الثاني: إن كان ناقصة، وفيه سؤال، وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين ~~بهذه، ثم أنهم ما بقوا الآن عليها قالوا: والجواب عنه أن قوله كان عبارة ~~على وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإيهام، ولايدل ذلك على انقطاع طارئ ~~بدليل قوله: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا}، وقوله {وكان الله غفورا رحيما} ~~إذا أثبت هذا فللمفسرين على هذا التقدير أقوال: # أحدها: كنتم في علم الله خيرأمة. # وثانيها: كنتم في الأمم الذين قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة. # وثالثها: في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة. # ورابعها: وهو الذي في تفسير أئمتنا عليهم السلام، وشيعتهم، رضى الله عنهم ~~أن معنىكنتم هاهنا أنتم خير أمة أخرجت للناس ودخلت فيه كان لتقدم البشارة ~~بهذه الآية في الكتب السالفة للأمم الخالية، وكأنهم لما ذكروا ما جرى ذكرهم ~~في ذلك، وعلى هذا كان هاهنا زائدة، واللام متعلق بأخرجتم أي ظهر وصفها للناس. # وقيل: متعلق بكنتم، فإن قيل: فلم لم يقل بأنتم خير أمة، فالمعنى أن الله ~~عز وجل قدم البشارة لهم بأنهم خير أمة، فقال {كنتم خير أمة} ولم يقل ms2800 أنتم ~~خير أمة في البشارة، قاله في البرهان. PageV21P336 # وفي هذا المعنى يقول المرتضى عليه السلام: معنىقوله تعالى كنتم خير أمة أي ~~أنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، ودينكم أفضل ~~الأديان، أكمل الله به العبادة لعبده، وجعله الفرض إلى يوم القيامة على ~~جميع خلقه، وفي ذلك ما يقول الله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فلما أن كان دينهم أفضل الأديان وأكمل ~~الله به على الخلق الحجة كانوا خير أمة ونبيهم صلىالله عليه وآله وسلم أفضل ~~الأنبيا، وأحبهم إلى الله، فلما أن قال تبارك وتعالى: خرج المعنى على أنهم ~~كانوا ثم غيروا، وليس ذلك كما يتوهم وإنما كنتم خير أمة أي أنتم، وهذا في ~~لغة العرب كثير موجود، ومن ذلك قول الله سبحانه: {وكان الله بكل شيء عليما} ~~وإنما معناه[130]{ والله بكل شيء عليم}، فدخلت كان في اللفظ، إذ خاطب العرب ~~بلغتها، فجاز أن يقول كان لما هو كائن، وفي ذلك ما يقول أبو طالب عم النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم: كان ابن آمنة الآمين محمد عندي بمثل منازل ~~الأولاد. # فقال: كان فخرج قوله على أنه قد زال مما كان عليه عنده ولم يزل أبو طالب ~~محبا لمحمد صلىالله عليه وآله وسلم محاربا لقريش دونه حتى مات أبو طالب ~~ومحمد معه عليه السلام بتلك المنزلة، وإنما أراد بقوله كان ابن آمنة، ان ~~ابن آمنة. انتهى. # والمعنى لم يخرج تعالى أمة خيرا من أمة محمد صلىالله عليه وآله وسلم، ثم ~~ذكر مناقبهم فقال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وهذه الخصلة هي أعظم ~~أركان الدين، ولاتختص بها سوى المقربين، المعظمين، وهي بالنص أوثق عز ~~الإسلام. # ثم قال: {وتؤمنون بالله} أي يصدقون به ويطيعونه. PageV21P337 # قال في البلغة: خرج هذا الكلام مخرج المدح بيانا؛ لأنهم إنما كانوا خير أمة ~~لهذه الخصال التي مدحوا بها، فهو مدح لكافة الأمة دون أحادها، وفي الأمة ~~صالحون، ومتقون، ومعصومون، وآمرون، وإن كان فيها فاجرون، وفاسقون. انتهى. # وقيل: وجه ms2801 فضلهم كثرة مؤمنيهم، وسعة علمهم، وعملهم به، ودعائهم الناس إلى ~~الدين عكس اليهود وبالنبي صلىالله عليه وآله وسلم والقرآن لقوله تعالى:{ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}. # قال الإمام عليه السلام: دلت على وجوب الثلاث الخصال، مع أن ذلك معلوم من ~~الدين، ضرورة، وعلى أن العامل بذلك خير الأمة. انتهى. # ثم قال تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} بهذا الكتاب {لكان خيرا لهم} فيه وجهان: # الأول: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية ~~لاتباع محمد صلىالله عليه وآله وسلم لحصلت هذه الخيرية أيضا لهم، فالمقصود ~~من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين. # الثاني: أن أهل الكتاب إنما أثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة، ~~واستتباع القوم، ولو أموا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدينا مع الثواب ~~العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيرا مما قنعوا به. # وقيل: لو آمن أهل الكتاب لم يعتد بإيمانهم؛ لأنه لايكون المؤمن مؤمن إلا ~~بشرط أن يكون مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به من رسول، أو كتاب، أوبعث. # واعلم أنه تعالى اتبع هذا الكلام بجملتين[131] على سبيل الإبتداء من غير عاطف: # إحداهما: قوله {منهم المؤمنون} كعبد الله بن سلام، وأصحابه ورهط من ~~النصارى {وأكثرهم الفاسقون} أي متمردون في الكفر، وسموا فاسقين وإن كانوا ~~كافرين؛ لأن أصل الفسق في اللغة الخروج، فكأنهم فسقوا لخروجهم عما أوجبه ~~عليهم كتابهم من الإيمان بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم، وقيل: سموا بذلك ~~لأنهم في الكفار بمنزلة الفساق والعصاة بخروجهم إلى أفحش الكبائر. PageV21P338 # قلت بل فيه دلالة واضحة، أن أسم الفسق يقع على الكفار كما يقع إسم الكفر ~~على الفساق، في آي كثير، وهذا قول قدما إئمتنا عليهم السلام وغيرهم والله اعلم. # وثانيهما: قوله تعالى: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ~~ثم لا ينصرون}. # قال في الكشاف: وهما كلامان أوردان على طريق الإستطراد عند أخر ذكر أهل ~~الكتاب كما يقول القائل وعلى ذلك فلان، فإن من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من ~~غير عاطف. # قال ms2802 في البلغة: إلا هاهنا استثنا متصل، وتقديره لن يضروكم إلا ضررا ~~يسيرا، كالأذى ونحوه، أن يستمعوه منهم كذبا على الله يدعونكم به إلى ~~الضلال، فوقع ذلك موقع الأول، ولو كان منقطعا لم يكن فيه الثاني مخصصا ~~للأول، ولكان بمنزلة قول القائل ما بالدار أحد إلا حمار، وما يقع إلا ماضر ~~ومازاد إلا مانقص، وما أشبه ذلك. انتهى. PageV21P339 # وأما قوله تعالى: {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} لما لا فهو إخبار بأنهم لو ~~قاتلوكم المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين، ثم لايضرون، أي أنهم بعد ~~صيرورتهم منهزمين لايحصل لهم شوكة، ولاقوة البتة، فدلت هذه الآية على صحة ~~نبوة نبينا صلىالله عليه وآله وسلم؛ لأنه خبر عن حال هؤلاء المحاربين من ~~قبل محاربتهم إياه، فكان مخبره على ما أخبر به؛ لأن يهود المدينة مثل بني ~~النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع، ويهود خيبر، ما حاربوه قط إلا انهزموا، ~~يولون الأدبار وهذه الآيات مخصوصة باليهود، وأسباب النزول يدل على ذلك، ~~وإنما عدل عن الحرم في قوله ثم لاينصرون، إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قال: ~~أخبركم أنهم لاينصرون لقائدة، وهي أنه لوحرم لكان نفي النصر مقيدا ~~بمقاتلتهم، وتولية الأدبار، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال: ~~ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأشركم بها بعد التوبة أنهم لايجدون ~~النصرة بعد ذلك قط، بل يبقون في الذلة والمهانة أبدا دائما[132] وثم ~~لاينصرون، معطوف على جملة الشرط، والجر، كأنه قيل أخبركم أنهم إن تقاتلوهم ~~ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لاينصرون، وإنما ذكر لفظ ثم لإفادة معنى التراضي ~~في الرتبة؛ لأن الأخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الأخبار بتوليتهم ~~الأدبار والله اعلم. # ثم قال تعالى: {ضربت عليهم الذلة} أي أحاطت بهم كما تحيط القبة المضروبة ~~بمن فيها {أين ما ثقفوا} أخذوا على وجه الغلبة، والمعنى ألزموا لاذلة حيثما ~~كانوا، ووجدوا، وهؤلاء هم اليهود أذلهم الله فلا عزلهم ولامنعة. # قال في البلغة: وروى أن هذه الآية أدركتهم وأن المجوس لتجيبهم الجزية ~~فكانوا تحت أيدي المجوس، وأمرهم. انتهى. # ومعنى{إلا بحبل من الله وحبل ms2803 من الناس}. PageV21P340 # قال في التجريد: المراد بحبل الله ذمته، لما قبلوا الجزية، وحبل من الناس ~~ذمة المسلمين، والتقدير ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال ~~اعتصامهم بحبل الله وحبل المسلمين. # والمعنى بحبل الله ما يأخذونه من المسلمين بأذن الله. # قال الزجاج: وليس معنى الأستثناء زوال الذلة عنهم إذا اعتصموا بالحبل، بل ~~ههم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد من القتل والسبي. انتهى. # قال الرازي: وهاهنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعنى ~~القتل، والأسر، وسبي الذراري، وأخذ المال، وإلحاق الصغار، والمهانة، وتكون ~~فائدة الإستثناء أنه لايبقى مجموع هذه الأحكام وذلك لاينافي بقا بعض هذه ~~الأحكام وهو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى الجزية وبقاء المهانة ~~والحقارة والصغار فيهم. # ثم قال تعالى: {وباءوا بغضب من الله} أي صاروا أحقا بغضبه ومكثوا فيه وحل بهم. # ثم قال: {وضربت عليهم المسكنة} أي السكون والضعف والخضوع والذلة كما يضرب ~~البيت على أهله، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال: {ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} يعني بالدلائل والحجج على صحة نبوة محمد ~~صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: القرآن، والمعنى أنه تعالى ألحق ~~باليهود ثلاثة أنواع من من المكروهات: # أولها: هذه الذلة لازمة لهم. # وثانيها: جعل غضب الله لازما لهم. # وثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم، ثم بين أن العلة لإنصاف هذه الأشياء ~~المكروهة هي أنهم كانوا يكفرون بأيات الله وبيناته، ثم قال: [133] {ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق} القتل واحد من اسلافهم، فأجرى ذلك عليهم لرضاهم به، ~~وقيل: المراد الخلف والسلف فعمهم بالوصف وأجرى الصفة على التغليب، كمايغلب ~~المذكر على المؤنث. PageV21P341 # ثم قال عز وجل: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي يعتدون حدود الله، أي ذلك ~~الواقع بهم من الذكر وغيرهم بسبب أنهم توغلوا في المعاصي والذنوب، قيل: وكر ~~ذلك تأكيدا، ويجوز أن تكون الإشارة إلة كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء، ~~فإن المعصية قد تجر إلى المعصية، وذلك لأنهم لما انهمكوا في المعاصيي ~~والذنوب فكانت ظلمات ms2804 المعاصي المعاصي تتزايد حالا فحالا، ونور الإيمان يضعف ~~حلا فحالا، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان، وحصلت ظلمة الكفر، وإليه ~~الإشارة بقوله {كلابلل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب؛ ~~لأنها في سياق قوله تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب} دلت على وجوب إذلالهم حتى ~~تخسأ أنفسهم، وعلى أنه لاسلامة لهم إلا بالجزية التي وضعها الله عليهم ~~بالجواز من المسلمين. PageV21P342 # واعلم أنه لما تقدم وصف الفريقين بين صفتهما فقال تعالى: {ليسوا سواء} أي ~~أهل الكتاب، والمراد بالكتاب التوراة، والأنجيل، أي ليس أهل الكتابين ~~مستوين وقوله: {من أهل الكتاب أمة قائمة} بيان لعدم استوائهم، وقع الظاهر ~~موقع المضمر، والمراد منهم أمة قائمة على الحق أي عادلة من أقمت العود ~~مقاما، أي استقام، والمراد بالأمة من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ~~وقيل: المراد من كان على شريعة موسى وعيسى ولمن يغير قبل مانسخ شريعته، ~~وعلى هذا القول المراد بإيات الله التوراة والأنجيل، وعلى الأول المراد بها ~~القرآن، وقيل: المراد بالكتاب أهل كتاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي ~~لي أهل الكتب سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وهم أهل كتاب محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومنهم أمة قائمة وهم من لم يؤمن بكتابه، ودليل ذلك ماروى ~~أنها نزلت في قيام الليل عن ابن مسعود، في صلاة العتمة، والمعنى لا إستوا ~~أمة هادية وأمة ضالة، ومعنى {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} أي ~~يقرؤنها في ساعات الليل، وقوله: {آناء الليل} جمع آني نحو ...........أو ~~آنا، نحو معا ومعا، والسجود هاهنا هو السجود بالمعروف[134]. # قال في البلغة: وليست الواوفيه للحال، كما قيل: {حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} أي يعطونها في حال ألة ، يغار الواو هاهنا وإنما جاز الواو ~~هاهنا لعطف جملة على جملة على تقدير يرتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون. انتهى. # أي ومن وصفهم أنهم يسجدون لله تعالى. PageV21P343 # قال في البرهان: روينا ms2805 في نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد الله بن سلام ~~وجماعة معهما قالت أحبار اليهود: وما آمن بمحمد إلا شرارنا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية إلى قوله {أولئك من الصالحين} أمة قائمة، التي قامت بطاعة ~~الله عز وجل، ثابتة على أمره، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، أي ~~يصلون. انتهى. # قال الرازي: واعلم أن اليهود كانوا يقومون في الليالي للتهجد وقراءة ~~التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله تعالى: ~~{يؤمنون بالله واليوم الآخر} وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان ~~بجميع أنبياءه ورسله، واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من ~~جميع المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولايحترزون عن معاصي الله، ~~فلم يحصل لهم الإيمان بالمبداء والمعاد. انتهى. # وفي التهذيب: يؤمنون بالله بتوحيده، وعدله، وصف به واليوم الآخر يعني ~~بالبعث يوم القيامة، سمىآخر لتأخره عن الدنيا {ويأمرون بالمعروف} أي ~~الطاعات {وينهون عن المنكر} عن المعاصي {ويسارعون في الخيرات} أي الأعمال ~~الصالحة، أي لايؤخرون القيام بها خوف الفوت، وقبل: حلول الموت. # وقال في البلغة: هذا من صفة الأمة القائمة من أهل الكتاب وأمرهم بالمعروف ~~هاهنا دعاؤهم الناس إلى تصديق محمد صلىالله عليه وآله وسلم، ونهيهم إنكارهم ~~على من خالف محمدا صلىالله عليه وآله وسلم، وكذبه وهذه طريقة المستبصر ~~المتدبر، وقيل: معنى يسارعون في الخيرات يعلمونها على وجه النشاط غير ~~متثاقلين فيها، ولاكسالى لعلمهم بجلالة موقعها وحسن عاقبتها. انتهى. # ثم ختم هذه الصفات بقوله{وأولئك من الصالحين} أي في جمتهم وفي أعدادهم إذ ~~صلحت أحوالهم عنده ورضيها. PageV21P344 # قال إمامنا عليه السلام: تدل على أن العامل منهم بكتاب الله التوراة، ~~والأنجيل، المؤمن بالله، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، والمسارع في ~~الخيرات، ومن ذلك الدخول في الإسلام، والمسارعة[135]إليه من الصالحين كما ~~قال الله سبحانه: {وأولئلك .........} وأنه ممن يجب موالاته وتعظيمة ويحرم ~~إذلاله واستنقاصه. انتهى. # ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: {وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه} أي لايمنع عنهم جزاؤه، فسمى مع الجزاء كفر؛ لأنه بمنزلة ms2806 الجحد ~~و.........ومعناه لاتجحد طاعاتهم، ولايمنع بستر الجزاء وقوله:{والله عليم ~~بالمتقين} بشارة بجزيل الثواب للمتقين، ودلالة على أنه لايفوز عنده إلا أهل ~~ا لتقوى، والمتقي هو من يتقي معاصيه، فأخبر أنه تعالى عالم بأحوالهم ~~فيجازيهم، وخصهم بالذكر ولو كان عالما بالكل؛ لأن الكلام اقتضى ذكر جزا ~~المتقين، فنبه فيه بذلك على أنه لايضيع شيء من عملهم قل أو كثر. # قال عليه السلام: دلت على البحث على فعل الخير، ولو قل فلا يستحقر. انتهى. # ولما تقدم صفة المؤمنين وما عد لهم عقبه ببيان حال الكافرين فقال تعالى: ~~{إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا} أي لن ~~تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، وفي الذين كفروا قولان: # الأول: المراد منه بعض الكافرين القائلين بهذا القول ذكروا وجوها: # أحدها: قال ابن عباس: يريد قريضة والنضير وذلك لأن مقصود رؤسا اليهود في ~~معاندة الرسول صلىالله عليه وآله وسلم ما كان إلا المال. # وثانيها: نزلت في مشركي قريش فإن أبا جهل كان كثير الإفتخار بماله ولهذا ~~السبب نزل فيه قوله تعالى {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا} ~~وقوله: {فليدع ناديه، سندع الزبانية}. PageV21P345 # وثالثها: أنها نزلت في أبي سفيان، فإنه أنفق مالا كثيرا على المشركين يوم ~~بدر وأحد في عداوة النبي صلىالله عليه وآله وسلم. # والقول الثاني وهو الأحسن، الآية عامة في جميع الكفار وذلك لأن كلهم ~~كانوا يتعززون بكثرة الأموال، فكانوا يعيرون الرسول صلوات الله عليه وآله ~~وسلم وأتباعه بالفقر، وكان من جملة شبههم أن قالوا: لو كان محمد على الحق ~~لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة؛ ولأن اللفظ عام ولادليل يوجب التخصيص، ~~فوجب إجراؤه على عمومه، وإنما ذكر سبحانه المال لأنه أعز الأشياء عليه، فلو ~~فدى نفسه بجميع ماله لن يغني عنه شيئا، وذكر أولاده ؛ لأنهم أقرب الناس ~~إليه وأعزهم عليه ولهم يكسب، فهذان معتمد الخلق، ولما لم يغنيا شيئا دل على ~~عدم انتفاعة بسائر[136] الأشياء بطريق الأولى. # ولما أخبر تعالى أنه لا ms2807 انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم قال: {وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} أي أولئك من أصحاب النار الدائمون فيها، ثم ~~ضرب تعالى لإنفاقهم مبينا أنهم مع كفرهم إن أمسكوا لايغني عنهم شيئا وإن ~~انفقوا لايقبل منهم ولو افتدى به لايفتدي فقال سبحانه: {مثل ما ينفقون في ~~هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} ~~الصراء البرد الشديد، وأصله من ألصرير، وهو الصوت، ويجوز أن يكون الصر صوت ~~الريح الباردة، الشديدة قال الشاعر: # ليلك يا واقد ليل قر ... أوقد فإن الريح ريح صر # حتى يرا نارك من يمر ... أن جلبت ضيفا فأنت حر # وفي الكشاف: الضر في صفة الريح بمعنى الباردة، فوصف بها القرة بمعنى فيها ~~قرة صر كما يقال برد، بارد على المبالغة، أو يكون الصر مصدر في الأصل بمعنى ~~البرد، فجي به على أصله أي ريح فيها برد. انتهى. PageV21P346 # وقيل: الصر هاهنا صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح، والمعنى مثل ما ~~ينفقه الكافر في الحياة الدنيا للمفاخرة وطلب الثنا أو تقربا بزعمهم إلى ~~الله ويقدر أنه طاعة كمثل ريح فيها صر وفيه محذوف وتقديره مثل أهلاك ما ~~ينفقون كمثل إهلاك ريح فيها صرا أصابت تلك الريح زرع قوم ظلموا أنفسهم ~~بارتكاب المعاصي التي كان إهلاك زرعهم عقابا عليها فظلموا أنفسهم من هذا ~~الوجه، ويحتمل أن يكون ظلموا أنفسهم ؛ لأنهم زرعوا في غير مزرع، أو في غير ~~وقته فأهلكته الريح. # قال الرازي: المثل المشبه الذي يصير كالعلم لكثرة إستعماله فيما يشبه به، ~~وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقهم كما أن الريح الباردة تهلك الزرع، ~~فإن قيل فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم وهو ألحرث بالذي هلك فكيف شبه ~~الإنفاق بالريح البارد المهلكة؟ # قلنا: المثل قسمان منه ما حصلت فيه المشابهة بين ماهو المقصود من ~~الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين وهذا هو المسمى بالشبيه ~~المركب، ومنه ماحصلت المشابهة بين الجملتين وبين أجزاء كل وواحد منهما[137] ~~فإذا جعل هذذا المثل من القسم ms2808 الأول زال السؤال، وإن جعلنا من القسم الثاني ~~ففيه وجوه: # الأول: أن يكون التقدير مثل الكفر وإهلاك ما ينفقونه كمثل الريح المهلكة الحرث. # الثاني: مثل ما ينفقون كمثل متهلك ريح وهو الحرث. # الثالث: لعل الإشارة في قوله مثل ما ينفقونه إلى ما أنفقوه إلى في إيذا ~~الرسول صلىالله عليه وآله وسلم وفي جمع العساكر عليه فكان هذا الإنفاق مهلك ~~لجميع ما أتوا به من أعمال البر، وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى ~~إضمار، وتقديم، وتأخير، والتقدير، مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتو به ~~أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث. انتهى. PageV21P347 # فجمع صدقة الكافر وأعماله مع كفره وفسقه تذهب تذهب وتبطل ولاتنفع ؛ لأن ~~كفره وفسقه مثل الريح الذي تهلك الزرع وتدمره وكذلك جميع أعماله الصالحة مع ~~الكبائر المحبطة، كذلك دلت الآية التي قبل هذه على أنه لاثواب للكافرين ~~فيما أنفقوا من أموالهم ولاعوض لهم فيما أنتقصوا من أولادهم لدخول ذلك في ~~العموم، يؤيد ذلك هذه الآية مثل ما ينفقون إلى قوله وهلكته قاله إمامنا ~~المنصور بالله عليه السلام. # ثم قال تعالى: {وما ظلمهم الله} بالإهلاك؛ لأنه عز وجل عدل حكيم {ولكن ~~أنفسهم يظلمون} بركوب سبب العقوبة وهذا على سبيل الإلزام لهم بما أجترموه ~~واقترفوه، ودلالة على أن الله تعالى لم يخلق أفعالهم. # واعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرح في تحذير ~~المؤمنين عن مخالطة الكافرين فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم} أي من غير أهل ملتكم يعني من الكفار والفساق. # وقيل: من زائدة، وقيل: للبيان وبطانة الرجل خاصته وصفوته الذي سره عنده ~~ويثق به ويعتمده، فبطانة الرجل الذين يستبطنون أمره، وأصله من البطن خلاف ~~الظهر، ومنه بطانة الثوب لأنها تلي بطنة، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد ~~والجمع، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزي التقريب يسمى بطانة؛ لأنه ~~بمنزلة ما يلي بطنة في شدة القرب منه. # واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من ms2809 الكافرين ذكر ~~علة هذا النهي وهي أمور: # أولها: قوله{لا يألونكم خبالا} أي لايمنعونكم من فساد مجتهدين[138]غير ~~مقصرين يقال ألا يألوا في الأمر إذا قصر فيه، وما ألوت في حاجتك جهدا أي ما ~~قصرت، ومعناه يقال ألا يألوا في الأمر إذا قصر فيه لايقصرون في إفسادكم. # قال في البلغة: والخبال أصله الفساد ويستعمل في النقصان ويقال في قوائم ~~الدابة خبل أي فساد من جهة اضطراب، ومنه ذكر الرازي قال: وأنشدوا: PageV21P348 # أبني .....لستم بيد ... الآيدى مخبولة العضد # أي فاسد العضد منقوصتها، ومنه قبل رجل مخبول، ومخبل ومختبل لمن كان ناقص ~~العقل، وقال تعالى: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا}اي فسادا أوضرر. # فمعنى لايألونكم خبالا أي لايدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم فنهى الله ~~المؤمنين أن يتخذوا لأنفسهم خاصة، يعتمدونه ويثقون بهن ويكون من غير ~~المؤمنين، وبين أنهم إن اتخذوا من غير المؤمنين خواصا أفسدوا أمروهم ولم ~~يقصروا فيها فسادا. # وثانيها: قوله {ودوا ما عنتم } وددت كذا أي أحببته، والعنت شدة الضر ~~والمشقة قال تعالى: {ولو شاء الله لاعنتكم} وما مصدرية، وقوله {ذلكم بما ~~كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} أي بفرحكم ومرحكم أي ~~هؤلاء الكفار يحبون إدخال المشقة عليكم. # وقيل: يحبون إضلالهم، وقيل: مع إظهار مودتكم يودون أن ينزل بكم بلا وضرر ~~في أنفسكم ودينكم. # وثالثها: قوله تعالى {قد بدت البغضاء من أفواههم} أي ظهرت أمارات العداوة ~~في كلامهم، قيل بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: بدت الأوليا من ~~المنافقين والكفار ببث الأسرار ثم قال تعالى: {وما تخفي صدورهم أكبر } مما ~~يفرط من ألسنتهم مع التحرز والإخفاء والصدورعبارة عن القلوب التي في الصدور ~~الأكبر الذي فيها الكفر وإرادة هلاك المسلمين والعزم على العمل في ذلك سرا ~~بالشمال واليمين والبغضاء الموجبة لذلك في حكم رب العالمين. # ثم أخبر تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم فقال: {قد ~~بينا لكم الآيات} الدالة على الرشد والناهية عن الغي {إن كنتم تعقلون} موضع ~~نفعها لكم أي إن كنتم من أهل العقل والفهم ms2810 والدلالة والفصل بين مايستحقه ~~العدوا والولي والمقصود بعثهم على استمال العقل[139]في تأمل هذه الآيات ~~وتدبر هذه البينات والله اعلم. PageV21P349 # قال الإمام عليه السلام: دلت على تحريم الوثوق بالأعداء في الدين من ~~المؤمنين ودنياهم. انتهى. # قيل: نزلت الآية في قوم كانوا يوادون اليهود ويصافونهم ويوادون المنافقين ~~لمحبة كانت بينهم في الجاهلية فنهاهم الله عن ذلك. # قال الحاكم: ولايمتنمع أن ترد الآية في المنافقين ثم يحمل على جميع ~~الكفار؛ لأن الواجب مراعاة اللفظ لا مراعاة السبب، وعلى هذا أجمع آي ~~القرآن. # ولما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار بطانة بين ماهم عليه من عداوة المؤمنين ~~تأكيدا. انتهى. # فقال سبحانه: {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } هاللتنبيه وأنتم ~~مبتداء وأولا خبره أي أنتم وأولا الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ~~وقوله تحبونهم ولايحبونكم بيان لخطابهم في موالاتهم حيث يبدلون محبتهم لأهل ~~البغضاء قوله {وتؤمنون بالكتاب كله} ففيه إضمار والتقدير وتؤمنون بالكتاب ~~وهم لايؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معا فكان ذكر ~~أحدهما معنيا عن ذكر الآخر. # قال في الكشاف: والواو في تؤمنون للحال وأنتصابها من لايحبونهم أي ~~لايحبونكم، والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم، وفيه ~~توبيخ شديد. # قلت: ولي ماذكره دالا في البلغة وهو الذي في التهذيب أن المراد بالكتاب ~~هاهنا اسم الجنس وهو في معنى الكتب أي وتؤمنون أيها المؤمنون بالكتب التي ~~أنزلت على الأنبياء عليهم السلام، والمعنى أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ~~ذلك يعصونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لايؤمنون بشيء من كتابكم، وفيه توبيخ ~~شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. PageV21P350 # ثم قال تعالى: فيهم {وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ} أي من فرط بغضهم لكم وعداوتهم إياكم وهذه صفة من أشتد خنقه ~~وحقده، والأنامل جمع أنملة، وهي رأس الأصبع، وهذا مثل ..........عض يوصف به ~~المغتاض والنادم بعض الأنامل قال: الشاعر: # فاقتل أقواما لياما ... أذلة يعضون من غيض رؤس الأباهم # وفي هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام يقول الله عز ms2811 وجل ~~إعلاما[140]للمؤمنين إنكم تعاملونهم بالمحبة وليس في محبتكم لهم غش ~~ولامكيدة وهم يعاملونكم بالبغض والخيانة، ووعر الصدور الإنطواء على أقبح ~~الأمور، ثم قال سبحانه: {وتؤمنون بالكتاب}ولاتكذبون شيئا من حكمه ويقول ~~عزوجل: {إذا لقوا الذين آمنوا} أعطوهم ظاهرا من القول ومحالا من الكلام، ~~وإذا خلوا عضوا كما ذكر الله سبحانه عليهم الآنامل من الغيظ، والآنامل ~~الأصابع، وهذا يفعله كل من أشتد غيظه وعظم حنقه تأسفا وتحسرا إذا قصرت يده ~~عما لايقدر أن يناله، فإذا كان ذلك عض أنامله. # فقال عزوجل: أمرا لنبيه {قل موتوا بغيظكم } يريد أنكم لن تبلغو ما تأملون ~~ولاتقدرون عليه ولاتلحقونه أوتفتنون. انتهى. # واعلم أن صيغة موتوا صيغة أمر وليس بأمر وإنما هو على وجه الدعاء عليهم ~~والذم لهم أي زاد الله في غيظهم حتى تهلكوا، والمراد من إزدياد الغيظ ~~إزدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من ~~الذل والحزن، ثم قال: {إن الله عليم بذات الصدور} أي عالم بالأسرار ~~والضمائر فيجازيكم عليه، وقيل: عليم بما يضمرونه من النفاق والغيظ على ~~المسلمين. PageV21P351 # قال في الكشاف: يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول وأن لاتكون ~~أخا الأول فالتقدير أخبرهم بما يرونه من غظ الآنامل غيظا إذا خلوا وقل لهم ~~أن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا ~~أن شيئا من إسراركم يخفى عليه. # وأما الثاني: وهو أن لايكون داخلا في المقول فمعناه قل لهم ذلك يا محمد ~~ولاتتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني اعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما ~~أضمروه في صدورهم ولم يظهرونه بألسنتهم ويجوز أن يكون ثم قول وأن يكون قوله ~~قل موتوا بغيظكم أمر للرسول صلىالله عليه وآله وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء ~~والإستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام وإذلا لهم به، ~~كأنه قيل حدث نفسك بذلك والله اعلم. PageV21P352 # ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين الذين تقدم ذكرهم فقال سبحانه: {إن تمسسكم ~~حسنة ms2812 تسؤهم وإن تصبكم }[141] سيئة يفرحوا بها} المس أصله باليد، ثم يسمى كل ~~مايصل إلى الشيء ما سا على سبيل التشبيه فيقال فلان مسه النصب والتعب، قال ~~تعالى: {وما مسنا من لغوب} وقال: {وإذا مسكم الضر في البحر} فالمس مستعار ~~لمعنى الإصابة، والمراد بالحسنة هاهنا منفعة الدنيا على اختلاف أنواعها ~~فمنها صحة البدن، وحصول الخصب، والفوز بالغنيمة، والإستلاء على الأعداء، ~~وحصول الألفة، والمحبة من الأحباب، والمراد بالسيئة أضدادها فأخبر تعالى ~~أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين، ويفرحون بحصول ~~نوع من أنواع السيئة لهم، ثم قال تعالى: {وإن تصبروا} على عداوتهم {وتتقوا ~~} ما نهيتم عنه من موالاتهم وتصبروا على تكاليف الدين وتتقوا محارم الله ~~{لا يضركم كيدهم شيئا }لايضركم من ضار بضره، والكيد الإحتيال بالمضرة ~~باطنا، أي لا يضركم، تصبكم مضرة باحتيالهم وكيدهم بما يصرفهم الله به من ~~خذلانهم، وهذا تعليم من الله ليستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى، وقد ~~قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت حاسدك فاجتهد في اكتساب الفضائل. # قال: # إذا ما شئت إرغام الأعادي # بلا سيف يسل ولاسنان # غف # فرد في مكر مابك فهي إعداء # على الأعداء من ثوب الزمان PageV21P353 ثم قال تعالى: {إن الله بما يعملون محيط} أي عالم بجميع ما يفعلونه ~~ويضمرونه، قادر على دفع شرهم ومجازاتهم على كيدهم، وإطلاق لفظ المحيط على ~~الله مجاز؛ لأن المحيط بالشيء هو الذي يحيط به من جوانبه وذلك محال من صفات ~~الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء قادرا على كل الممكنات جاز ~~في مجاز اللغة أن يقال أنه محيط بها، ومنه قوله {والله من ورائهم محيط} ~~{والله محيط بالكافرين} وقال: {ولا يحيطون بشيء من علمه } وقال: {وأحاط بما ~~لديهم}والله اعلم. # واعلم أنه تعالى لما أمر بالصبر ووعد النصر عقبه بذكر نصرة المؤمنين يوم ~~بدر، وصبرهم على القتال، وذكر بعده إمتحانهم في أحد، لما تركو الصبر تنبيها ~~لهم، عائدا بما يدلهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة، والمعونة، ~~ودفع مضار العدو إذا صبروا ms2813 واتقوا خلاف ذلك فيهم أن لايصبروا فقال سبحانه: ~~{وإذ غدوت [142]من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} أي واذكر وقت غدوت أي ~~خرجت وقت الغداة من أهلك، قيل: من بيت عائشة، يعني غزوة أحد؛ لأنهم يوم أحد ~~كانوا أكثر من مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول صلىالله عليه وآله ~~وسلم انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال، فلما أطاعوا أمر ~~الرسول صلىالله عليه وآله وسلم غلبوا، واستولوا على خصومهم. # وقيل: غزوة بدر، وقيل: إلى ألأحزاب. # قال الحاكم: والأول هو الأصح، ورواه عن ابن عباس، وقتادة، والربيع، ~~والسدي، وابن إسحاق، والأصم، وأبي مسلم. # قلت: وسيأتي من رواية المرتضى، عن أبيه الهادي عليهما السلام: أن ذلك يوم ~~الخندق والله اعلم. PageV21P354 # قال في التهذيب: يقال بوأت القوم أسكنتهم منزلا وأوطنتهم موطنا ويجوز تبوئ ~~المؤمنين وتبوئ للمؤمنين، كما جاز ردفكم، وردف لكم، وقوله تعالى: {مقاعد} ~~أي مواطن ومواضع للقتال، وإنما عبر عن الأمكنة هاهنا بالمقاعد لوجهين: # وهو أنه صلوات الله عليه وآله وسلم أمرهم أن يثبتوا فيها ولاينتقلوا عنها ~~البتة، والقاعد في المكان لاينتقل عنه، فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد نتبيها ~~على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولاينتقلوا عنها البتة. # والثاني: أن المقاتلين قد يقعدون في المعينة إلى أن يلاقيهم العدو ~~فيقوموا عند الحاجة إلىالمحاربة، فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد بهذا الوجه. # ثم قال تعالى: {والله سميع عليم} سميع بما يقوله المنافقون، عليم بما ~~يضمرونه؛ لأنهم اختلفوا، فمنهم من أشار على النبي صلىالله عليه وآله وسلم ~~بالخروج، ومنهم من أشار عليه بالمقام في المدينة، وقيل: سميع لما يقوله ~~للمؤمنين عليم بما يضمره. # نزلت هذه الآية في قصة أحد وذلك أن أبا سفيان نزل بأحد ومعه امرأته هند ~~بنت عتبة، وجماعة من نساء مكة، ومعه قريش جاؤا لطلب دخلهم ببدر. # قال الرازي: في تفسير لهذه الآية، روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم ~~الأربعاء فاستشار رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم أصحابه ودعاء عبد الله ~~بن أبي سلول بن أمية ولم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبد الله ms2814 وأكثر ~~الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولاتخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها ~~إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولادخل عدو علينا إلا أصبنا منه،[143]فكيف وأنت ~~فيها، فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر موضع، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في ~~وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. # وقال آخرون: اخرج بنا إلى هؤلاء ........ليلا يظنوا أنا قد خفناهم. PageV21P355 # وقال صلىالله عليه وآله وسلم: ((إني قد رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي ~~فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولتها هزيمة، ورأيت كأني أدخلت ~~يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وندعوهم)) ~~فقال قوم من المسلمين: من الذين فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد، ~~اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لامته فلما أمس ندم القوم ~~وقالوا: بئس ما صنعنا نشير على رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم والوحي ~~يأتيه، فقالوا: اصنع يارسول الله ما رأيت. PageV21P356 # فقال: ((ماينبغي لنبي يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد ~~صلاة الجمعة فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من ~~الهجرة، فمشى على رجليه وجعل نصف أصحابه للقتال كأنما يقوم القدح ~~.........صدرا خارجا، قال: له تأخر وكان نزوله في جانب الوادي وجعل ظهره ~~وعسكره إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على ألرما، وقال: لهم ((ادفعوا عنا ~~بالنبل حتى لايأتونا من ورائنا))،وقال صلىالله عليه وآله وسلم: لأصحابه ~~((اثبتوا في هذا المقام فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار فلا تطلبوا الدبرين ~~ولاتخرجوا من هذا المقام)) ثم أن رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم لما ~~خالف رأى عبد الله بن أبي شق عليه ذلك وقال: أطاع الولدان وعصاني، ثم قال: ~~لأصحابه، إن محمدا إنما يظفر بعدوه بكم، وقد وعد أصحابه أن أعدائهم إذا ~~عاينوهم أنهزموا فإذا رأيتم أعدائم فانهزموا فيتبعونكم فيصيروا الأمر على ~~خلاف ما قاله محمد، فلما التقى الفريقان أنهزم عدوا الله بالمنافقين، وكان ~~جملة عسكر المسلمين ألفا، فانهزم عبد الله بن أبي مع ms2815 ثلاث مائه، فبقيت ~~سبعمائة، ثم قواهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين، فلما رأى المؤمنون ~~انهزام القوم وكان الله تعالى بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة ~~بدر وطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول صلوات الله عليه ~~وآله وسلم بعد أن رأهم ما يحبون فأراد الله أن يعصمهم عن هذا الفعل لئلا ~~يقدموا على مخالفة [144]الرسول صلىالله عليه وآله وسلم بعد أن رأهم ~~وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله ومتى تركهم ~~الله مع عدوهم لم يقوموا لهم، فنزع الله الرعب من قلوب المشركين فكر عليهم ~~المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم كما قال تعالى: ~~{إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } وشج وجه رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم، PageV21P357 وكسرت رباعيته، وخرجت شفته العلياء، ودخلت حلقتا الدرع في وجنته، ووقع في ~~حفرة فسقط، فأخذ علي عليه السلام بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله، حتى استوا ~~قائما ونزع أبو عبيدة بن الجراح حلقتي الدرع من وجنته فسقطت رباعيته صلوات ~~الله عليه وآله وسلم، وتقدم أمير المؤمنين قدامه فقاتل المشركين عنه قتالا ~~شديدا حتى قال: جبريل عليه السلام هذا هو المواساة، فقال: النبي صلىالله ~~عليه وآله وسلم ((علي مني وأنا منه)). # قال جبريل عليه السلام: وأنا منكما. # وسمع من ناحية السماء قائلا يقول # لاسيف إلا ذوا الفقار، ولافتي إلا علي # ورمى سعد بن أبي وقاص بين يديه عليه السلام فقال النبي صلىالله عليه وآله ~~وسلم: ((أرم فداك أبي وأمي)) وشلت يد طلحة دونه ولم يبق معه إلا أبو بكر ~~وعلي، والعباس، وطلحة، وسعيد، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قتل وكان ~~رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار ينادى الانصار وقال: هذا رسول الله فرجع ~~إليه المهاجرون والأنصار وكان قد قتل منهم سبعون، وكثر فيهم الجراح فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((رحم الله رجلا ذب عن إخوانه وشد على المشركين ~~بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجراح، ms2816 فانكشف أبا سفيان لعنه الله ومن معه ~~من المشركين، وحتى شمرت هند بنت عتبة وهي امرأة أبي سفيان، ونساء مكة أدبا ~~لهن وهربن مشمرات وقد قتل حمزة بن عبد المطلب عليه السلام وهو أعظم من قتل، ~~وقتل أيضا حنظلة غسيل الملائكة، وقطعت هند أنوف الرجال المقتولين من ~~المسلمين، ونقرت بطن حمزة وأخذت كبده فمضغتها وقالت: عدوة الله لعنها الله # نحن جزيناكم بيوم بدر # والحرب بعد الحرب ذات سعر # غف # ما كان من عتبة لي من صبر # شفيت بوحشي غليل صدر PageV21P358 [145]وسكن وحشي على غمر، كذا ذكره صاحب النجم الزاهر في تفسير المعجز ~~الباهر، والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة ألآف، والمسلمين كانوا ~~ألفا وأقل، ثم رجع عبد الله بن أبي مع ثلمائة من أصحابه، فبقى الرسول ~~صلىالله عليه وآله وسلم مع سبع مائة، فعانهم الله حتى هزموا الكفار، ثم لما ~~خالفوا أمر الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم، وانهزموا، ~~ووقع ما وقع، وكل ذلك يؤكد قوله تعالى {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا} وأن المقبل من أعانه الله والمدبر من خذله الله. انتهى. # وقوله تعالى: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} بدل من إذ غدوت، وعمل فيه ~~معنى سميع عليم، يقال هم بالأمر يهم إذا قصده. # قال في البلغة: والطائفتان هاهنا بنوا سلمة من الخزرج، وبنوا حارثة من ~~الأوس، حيان من الأنصار، وقيل: هم قوم من المهاجرين والأنصار، والفشل ~~الجبن، وكان سبب هم الطائفتين بالفشل أن عبد الله ابن أبي دعاهم يوم أحد ~~إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء العدو وهما به ولم يفعلاه. انتهى. # روى أن ابن أبي اعتزل بثلث الناس، وقال: يا قوم على ما نقتل انفسنا ~~فتبعهم عمر بن حزم وقال: أنشدكم الله في بنيكم وأنفسكم فقال عبد الله: لو ~~نعلم قتالا لأتبعناكم، فهم الطائفتان بأتباعة فعصمهم الله فمضوا مع رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم، وفي هاتين الطائفتين يقول المرتضى عليه ~~السلام: سئل عن هذه المسألة أبي الهادي إلى الحق رحمة الله عليه ms2817 فقال: هما ~~بنو سلمة، وبنو حارثة، فكانت بنو سلمة نحو سلع، وبنوا حارثة نحو أحدن حين ~~عبا النبي صلىالله عليه وآله وسلم الناس، وذلك يوم الخندق، انتهى. PageV21P359 # ويدل قوله {والله وليهما} أي ناصرهما على أن ذلك لم يكن منهما معصية وعلى ~~أنهما لم يعزما على ترك الجهاد، وإنما هو حديث نفس، فتقديره أن يقال إن ذلك ~~معصية؛ لكنها من باب الصغائر لامن الكبائر؛ لأن ذلك الهم لو كان من باب ~~الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما، ويجوز أن يقال أن الله ناصرهما فمالهما ~~يفشلان عليه، فحق ولي الله أن يتوكل عليه، وحديث النفس لايكون كبيرة كما ~~لاتخلوا منه نفس عند الشدائد، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها ~~على المكروه كما قال عمرو بن الأطنابة: # أقول لها إذا جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تسرحي # [146]والمراد بيان أن ذلك الهم ما أخرجهماعن ولاية الله تعالى، ويدل على ~~صحة هذا التأويل قوله تعالى بعد هذه الآية: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~أي يغوصون أمورهم إلى الله عزوجل. # دلت على أن الواجب في الجهاد وغيره من الأحوال التوكل على الله تعالى وهو ~~أن يثقوا بالله، ويرضو بقضائه، وهو التوكل الحقيقي وهو أن يجعل المتوكل ~~نفسه بين يدي الله كلحم على وضم. # واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة أحد تبعها بذكر قصة بدر فقال سبحانه:{ولقد ~~نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} وذلك؛ لأن المسلمين ~~يوم بدر كانوا في الفقر والعجز، والكفار كانوا في غاية القوة والشدة. # قال في البلغة: فذكرهم الله تعالى بذلك نعمته عليهم يوم بدر، أو منته ~~وكانوا أذلة لقلة عددهم، وضعف حالهم، فنصرهم الله على عدوهم مع كثرة عدوهم ~~وشدة شوكتهم فكان عدد المسلمين ثلمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن معهم من ~~السلاح إلا شيء يسير، وكان صاحب راية رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم علي ~~بن أبي طالب عليه السلام وصاحب، راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان عدد ~~المشركين نيفا وتسعمائة رجل، وقيل: كانوا ألفا ونيفا، وبدر مابين ms2818 مكة ~~والمدينة. PageV21P360 # وقيل: سمى باسم صاحبه، وكان صاحب الماء سمى بدر. انتهى. # ومعنى فاتقوا الله أي في الثبات مع رسوله لعلكم، تشكرون أي لكي تشكروا ~~بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته، أو لعل الله ينعم عليكم نعمة آخرى ~~تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام؛ لأنه سبب له. # وقال في البلغة: فاتقوا الله هاهنا اتقوا معاصي الله بالعمل بطاعته وشكر ~~نعمه، وقيل: اتقوا عقاب الله بالعمل بطاعته وأنعم عليكم بما ذكركم إياه ~~لتكونوا شاكرين لنعمته. انتهى. # ثم قال تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ~~من الملائكة منزلين} اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدرأو يوم أحد ~~ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في إذ فإن قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر ~~كان العامل في إذ نصركم والتقدير إذ نصركم الله ببدر وأنتم اذلة، تقول ~~للمؤمين وإذ قلت أنه حصل يوم أحد كان ذلك بدلا ثانيا من قوله{وإذ غدوت من ~~أهلك} قيل: والذي[147]يدل على أنه يوم أحد، أن يوم بدر إنما امد الرسول ~~صلىالله عليه وآله وسلم بألف من الملائكة قال تعالى: في سورة الأنفال {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة} فكيف يليق ما ذكر ~~فيه ثلاث ألآف وخمسة ألآف يوم بدر، وقوله ألن يكفيكم إنكار، ألا يكفيكم ~~الإمداد، والاصل الكفاية مقدار سد الخلة، والإمداد الزيادة في الشيء، وأصله ~~المد في السير، قيل: المد في الشر والإمداد في الخير، ويمدهم في طغيانهم، ~~ويمدهم بأموال، وبنين، فإن قيل أن الملائكة لم ينزل يوم أحد إذ لو أمدوا ~~بها لما هزموا وهذا قول عكرمة والضحاك وغيرهما. PageV21P361 # والجواب أنه قال: لهم مع إشتراط الصبر والتقوى فلم يصبروا عن الغنائم ~~وخالفوا أمر رسول الله فكذلك لم ينزل الملائكة قاله في التجريد، وإنما قدم ~~لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوي قلوبهم ويعزموا على الثبات، وأما من قال: ~~أن هذا الوعد كان يوم بدر فقالوا: .........هو أكثر المفسرين وأحتجوا أنه ~~تعالى قال: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} ms2819 إذ يقول للمؤمنين ألن يكفيكم ~~كذا وكذا، وظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى نصرهم ببدر حينما قال ~~الرسول: للمؤمنين هذا الكلام يوم بدر. # قال في البلغة: وكان النبي صلىالله عليه وآله وسلم قد ضاق ذرعه يوم بدر ~~فنزل جبريل عليه السلام وبشره بنزول مدد، وعددهم ثلاثة ألآف فسر بذلك النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لجبريل عليه السلام ((ثلاثة ألآف)) فقال له ~~جبريل عليه السلام : يمدك الله تعالى بخمسة ألآف فخرج صلىالله عليه وآله ~~وسلم مبشرا بذلك أصحابه. انتهى. # والقائلون بهذا القول يقولون أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور ~~في سورة الأنفال؛ لأنه لما بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد ~~كثير خافوا فشق عليهم ذلك لقلة عددهم فوعدهم الله أن الكفار إن جاءهم مدد ~~فأنا أمددكم بخمسة ألآف من الملائكة، ثم إن قريشا لم يأتهم ذلك المدد بل ~~أنصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة، ثم قال ~~تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا} أي بلى يكفي الإمداد ~~بهم إن صبرتم على الجهاد واتقيتم ترك المخالفة والفشل ويأتيكم هؤلاء ~~الأعداء[148]من وجوههم هذا وهو من فور الإمداد لهم وهو إبتداره. PageV21P362 # وقيل: من فورهم أي من ساعتهم، من فارة القدر إذا غلت عند شدة الحما، استعير ~~لسرعة الحال، يقال فعل من غزوته ورجع من فوره إلى غزوة أخرى أي قبل أن تبرد ~~عنه نفسه، والمعنى أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه {يمددكم ربكم بخمسة آلاف ~~من الملائكة} لايتأخرون ولهم عن إتيانهم فجعل مجئ خمسة ألآف من الملائكة ~~مشروطا بثلاثة أشياء: الصبر، والتقوى، ومجئ الكفار على الفور، فمالم توجد ~~هذه الشرائط لاجرم لم يوجد المشروط، وقوله {مسومين} قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وعاصم، بكسر الواو، أي معلمين أنفسهم بعلامات مخصوصة، وأكثر الأخبار ~~أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها عليها، والباقون بفتح الواو أي سومهم ~~الله، أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم، وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ~~ليعرف بها، وفي الخبر أن ms2820 النبي صلىالله عليه وآله وسلم قال: ((سوموا)). # قال بن عباس: كانت الملائكة سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر وخيولهم وكانوا ~~على خيل بلق بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها وأذنابها. # وروي أن حمزة كان يعلم فرسه بعمامة، وأن عليا عليه السلام كان يعلم بصوفة ~~بيضاء، وابن الزبير، كان يتعصب بعصابة صفراء، وأن أبا دجانة كان يعلم ~~بعصابة حمراء، أما قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم ~~به} فالهاء في جعله عائدة على المصدر كأنه قال: وما جعل الله ذلك المدد ~~والإمداد إلا بشرى لكم بالنصر وتسكينا لقولبكم، فإن قيل أن قوله {ولتطمئن } ~~فعل، وقوله إلا بشرى أسم وعطف الفعل على الأسم مستنكر فيكف جاز ذلك؟. # قلت: قد أجيب عنه من وجهين: # الأول: أن في ذكر الإمداد مطلوبين: # أحدهما: أقوى في المطلوبية من الآخر، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم وهو ~~المراد من قوله إلا بشرى. PageV21P363 # والثاني: حصول الطمئانينة لهم على إعانة الله لهم ونصرته إياهم فلا يجبنون ~~على المحاربة، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيها على ~~حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية، فكونه بشرى مطلوب ولكن ~~المطلوب الأقوى حصول الطمئانينة، فلهذا دخل حرف التعليل على الطمئانينة ~~فقال:[149]{ ولتطمئن} ونظيره قوله تعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة} لما كان المقصود الاصلي الركوب، جعل حرف التعليل على فعل الركوب وما ~~كانت الزينة مطلوبة من بعض الوجوه ما أدخل حرف التعليل عليها فكذا هاهنا. # والثاني: قال بعضهم: في الجواب الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا ~~بشرى لكم لتطمئن قلوبكم به، قال:{وما النصر إلا من عند الله} لا من كثرة ~~المقاتلة وكثرة الملائكة. # قال في البلغة: إنما قال: وما النصر إلا من عند الله؛ لأن نصرة غيره ~~لايعتد بها في جنب نصرة الله تعالى للمؤمنين، وإن كان بعضهم ينصر بعض، ~~فلذلك يكون بتوفيق الله ولطفه، فلا يستغنى أحد عن معاونة الله طرفة عين. # ومعنى {العزيز الحكيم} هاهنا أن لله عزيز في انتقامه من الكافرين، حكيم ~~في تدبيره للمؤمنين، المؤدي ms2821 إلى هلاك المشركين، وانتظام حال المؤمنين. انتهى. # والغرض منه أن يكون توكيلهم كلهم على الله لا على الملائكة، وهذا تنبيه ~~على أن العبد لايكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على رب ~~الأرباب ومسبب الأسباب. # نزول الملائكة عليهم السلام # قال الحاكم: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم ~~بدر وأنهم قاتلوا غير الأصم، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار والذي يبطل قول ~~القرآن وإجماع الأمة قبله. # وماروي في الأثار، والسير، حتى دخل في حد التواتر. انتهى. # واحتج أبو بكر الأصم بوجوه كثيرة، تركناها لطولها ومصادمتها بنص المعلوم. # قال الرازي: وقد حكى ما احتج به أبو بكر الأصم. PageV21P364 # واعلم أن هذه الشبه إنما تليق بمن ينكر القرآن، والنبوة، وأما من يقر بهما ~~فلا يليق به شيء من هذه الكلمات، فما يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه ~~الأشياء مع أن القرآن ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر، روى ~~عبيد بن عمير قال: لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ~~ظفروا ويقولون لم نرا الخيل البلق، ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم ~~بدر، والشبه المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة الله تعالى نالت وطاحت، فإنه ~~تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادرا على جميع الممكنات، ومحكم ما يرد لكونه ~~منها منزها عن الحاجات. انتهى. # قال الحاكم: جميع مغازي رسول الله صلى الله عليه[150]وآله وسلم ست وعشرون ~~غزوة، قاتل في تسع منها: # بدر الكبرى كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، سنة ثنتين من ~~الهجرة، وذلك أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلىالله عليه وآله وسلم يخبره ~~بعير أبي سفيان المقبلة من الشام، فخرج في خف من اصحابه، وبلغ ذلك أبا ~~سفيان، فغير الطريق وبعث النفير إلى مكة، فخرجوا حتى أتوا بدرا، فرأى بعضهم ~~الحرب، وبعضهم الكف، ثم اتفقوا علىالحرب فقتل جماعة وأسر جماعة منهم ~~العباس، ثم فدى الأسارى، ومنها أحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وقريظة في ~~شوال، سنة أربعن وبنى المصطلق، وبني لحيان، في ms2822 شعبان سنة خمس، وخيبر في سنة ~~ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين، والطائف ، في شوال سنة ثمان، وأول ~~مغازيه بدر وآخرها تبوك، وسراياه سته وستون. انتهى. # ولما تقدم أنه تعالى نصرهم وأمدهم بالملائكة بين الغرض فيه فقال تعالى: ~~{ليقطع طرفا من الذين كفروا} أدخلت اللام في ليقطع على معنى ولقد نصركم ~~الله ببدر ليقطع طرف من الذين كفروا، أي ليهلك طائفة كقوله يقع دابر القوم. PageV21P365 # وقيل: ليهدم ركنا من أركان المشركين بالقتل والأسر، وكان هذا الذي قطع ~~الطرف من الذين كفروا وهو يوم بدر، لما قتل صناديد المشركين من قريش ~~ورؤساؤهم والقادة إلى الكفر، قتل منهم سبعون وأسر سبعون، ثم قال: {أو ~~يكبتهم فينقلبوا خائبين} الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه، يقال كبته ~~فانكب هذا تفسيره، ثم قد يذكر المراد منه الإخزاء، والإهلاك، واللعن، ~~والهزيمة، والغيظ، والإذلال، وكل ذلك ذكره المفسرون وهو تشبيه لما نالهم من ~~الخزي، والنكال، والبوار، والخيبة هي الحرمان من المطلوب أي لم ينالوا مما ~~أملوا شيئا من الظفر بكم. # وقيل: ليقطع طرفا من الذين كفروا فينقلب الباقون على وجوههم خائبين، ~~والفرق بين الخيبة واليأس أن الخيبة لاتكون إلابعد التوقع، وأما اليأس فإنه ~~قد يكون بعد التوقع وقبله، فنقيض اليأس الرجاء، ونقيض الخيبة الظفر، والله اعلم. # ثم قال تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} أي فيما تدبر وتفعله في أصحابك، ~~وإنما ذلك إلى الله عزوجل فيما يفعله من اللطف بهم في التوبة عيلهم ~~واستصلاحهم، أو في عذابهم والإنتقام [151]منهم إنما أنت عبد مبعوث ~~لإنذارهم. # قال في البلغة: معناه ليس لك من الأمر شيء في عقابهم أواستصلاحهم، وإنما ~~هو إلى الله عزوجل، فخرج الكلام مخرج الإجاز لدلالة الحال عليه. انتهى. # ومعنى {أو يتوب عليهم } إن تابوا{أو يعذبهم} إن أصروا، واستكبروا، ~~بإجرامهم {فإنهم ظالمون} فبين سبحانه أنه إن عذبهم كان ذلك بظلمهم أنفسهم. # قال في البلغة: وانتصب أو يتوب عليهم عطفا على قوله ليقطع على تقدير ~~ليقطع طرفا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، ويكون قوله ms2823 ليس لك من ~~الأمر شيء إعتراضا في الكلام. # قلت: وهذا اختيار الفراء، والزجاج، وغيرهما، كما يقول ضربت زيدا فاعلم ~~ذلك وعمرا فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها. PageV21P366 # وقال في الكشاف: هذا معطوف على ليقطع، وليس اعتراض فاصل، والمعنى أن الله ~~مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم ~~إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء. # وقيل: أو بمعنى إلاكقولك لألزمنك، أو يعطيني حقي على معنى ليس لك من ~~أمرهم شيئ إلا أن يتوب عيلهم، فيفرح بحالهم أو يعذبهم فتشتفي منهم. انتهى. # وفي سبب نزول هذه الآية قولان: # الأول: وهو المشهور أنها نزلت في قصة أحد، وذلك لما كان من المشركين يوم ~~أحد من كسر رباعية النبي صلىالله عليه وآله وسلم وشج وجهه حتى جرت الدماء عليه. # قال صلوات الله عليه: ((كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم وهو يدعوهم إلى ~~ربهم)) فنزلت. # وقيل: هم صلىالله عليه وآله وسلم أن يدعوا عليهم بالإستئصال فاستأذن الله ~~في ذلك فلم يؤذن، فنزلت الآية تسلية لقلبه بما كان في معلوم الله تعالى من ~~وجوه المصالح في تنقيتهم. # وقيل: لما رأى رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ما بأصحابه، وعمه من ~~المثلة، ورأه المسلمون من قطع الأذان، وجدع الأنوف، قالوا: لإن أدا لنا ~~الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، فأنزل الله هذه الآية. PageV21P367 # واعلم أنه تعالى لما نفى عن غيره اشيائا وأثبتها لنفسه كما تقدم، بين الوجه ~~في ذلك فقال: {ولله ما في السماوات وما في الأرض} دالا بذلك على قدرته على ~~جميع ذلك، وقيل: وجه النظم لما جزى ذلك الكفار، وأنه إما أن يهزمهم، أو ~~يقتلهم، أويتذكرمتذكر فيتوب فيغفرله، أو يصر على كفره فيعذبه، بين سبحانه ~~أنه قادر على جميع ذلك، وأنه عنده يسير؛ لأن له[152] ما في السماوات، وما ~~في الأرض، عن أبي مسلم، وقيل: يتصل بقوله{أو يتوب عليهم أو يعذبهم} ثم بين ~~أنه يغفر لمن يشاء وهو التائب ويعذب من يشاء ms2824 وهو المصر، وهو معنى قوله ~~{يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} ونصب الدليل على أن الله تعالى لايغفر إلا ~~للمستحق للمغفرة، وهو التائب لايعذب إلا المستحق للعذاب، وهو من لم يتب، ~~وأما المجبرة أبادهم الله فهذه شبههم ومناط زيغهم. # قال الرازي: اعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه وتعالى له ~~أن يدخل بحكم إلهيته الجنة جميع الكفار، والمردة، وله أن يدخل النار بحكم ~~إلهيته جميع المقربين، والصديقين، وأنه لااعتراض عليه في فعل هذه الأشياء، ~~ودلا لة الآية على هذا المعنى ظاهرة، والبرهان العقلي يؤكد ذلك، وذلك لأن ~~فعل العبد يتوقف على الإرادة وتلك الإرادة مخلسوقة لله تعالى، فإذا خلق ~~الله تلك الإرادة أطاع، وإذا خلق النوع الأخر عصى، فالطاعة من الله ~~والمعصية أيضا من الله وفعل الله لا يوجب على الله شيئا البتة، فالطاعة ~~لاتوجب الثواب، ولا المعصية توجب العقاب، بل الكل من الله بحكم إلهيته ~~وقهره، قدرته، فصح ما ادعيناه أنه لوشاء أن يعذب المقربين حسن منه لو شاء ~~رحم جميع الفراعنة، والأبالسة، حسن ذلك منه، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ~~ظاهر قوله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، انتهى كلامه. PageV21P368 # قلت وبالله التوفيق: وهذا كما ترى رد، وهدم لمحكم التنزيل وصريح القرآن ~~الذي لايحتمل التأويل نحو قوله عزوجل بعد هذه الآية، ويقول {ذوقوا عذاب ~~الحريق} ثم ذكر سبب العذاب فقال: {ذلك بما قدمت أيديكم} ثم نفى عن ذاته ~~تعالى ظلم عباده فقال: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} فدلت الآية بصريحها أنه ~~لو وقع العذاب من غير جرم سلف كان ظلما، تعالى الله عما يقول به الجاهلون، ~~ويصفه به الواصفون، وهذه الآية ونحوها التي زاغ قلبه عن الحق فيها ~~مجملةوآيات الوعيد لا إجمال فيها. PageV21P369 # وتفسير هذه الآية المجملة ونحوها في قوله عزوجل لمن يغفرله: {إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}، وفي قوله تعالى {وإني لغفار لمن ~~تاب} الآية، وفي قوله تعالى: {فإنه كان للأوابين غفورا} أي لالغيرهم ولمن ~~لايغفر له من نحو ms2825 {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}، {إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين}[153]{ إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون}، {إن المجرمين في ضلال وسعر}، {وإن الفجار لفي جحيم}، {وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم}، {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم}، {وما كان لهم من ~~أولياء ينصرونهم من دون الله}، {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}،{إنه من ~~يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا} فبين تعالى من يغفر له، ومن لايغفر له، ~~فماله رد لصريح هذه الآيات المحكمات التي لا إجمال فيها أو نحوها، ومن رد ~~آية كفر، بأجماع الأمة المعلوم، وأما الإرادة التي ذكرها فمعلوم عند ~~العقلاء أنها ليست موجبة للمراد، بل العبد متمكن من اختبار الفعل وتركه، مع ~~أن في قوله هذا بطلان التكليف من الأمر والنهي وإرسال الرسل الذي قد شحن ~~تفسيره بتقرير قواعده، ومهد أصله بواضح دلائله، وبتر شواهده، فلعمري لقد ~~كان قال: قولا إدا تكاد السماوات والأرض يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا، ثم أن الله تعالى ختم الآية بقوله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه ~~{والله غفور رحيم} يستر ذنوب عبده، رحيم لايعذبه إن تاب. PageV21P370 # ثم أن الله تعالى نهى المؤمنين عن أمور الجاهليه في باب الربا، كما نهاهما ~~عن حال الجاهلية في الكفر، وحذر النار المعدة لهم وأمرهم بالتقوى فقال ~~سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة}. # قال في البرهان: بل يريد بالأكل الأخذ، والربا زيادة القدر في مقابلة ~~زيادة الاكل، وهو ربا الجاهلية المتعارف بينهم بالنساء، وهو أن يقول عند ~~حلول الأجل إما أن تعطيني وإما أن تربيني، فإن لم يعطه ضاعف ذلك عليه ثم ~~يفعل ذلك عند حلوله من بعد حتى يصير أضعافا مضاعفة. انتهى. # قال في البلغة: وانتصب أضعافا على الحال، نهى الله عن الربا الذي كان أهل ~~الجاهلية يعاملون بها وهذا توبيخ لهم وتهجين لفعلهم، وإيذان بأنهم كانوا ms2826 ~~على هذه الطريقة المذمومة، وليس المراد التعبير أن الربا إذا لم يكن مضاعفة ~~لم يكن محرما، وأهل الجاهلية كانوا يربون ويضربون لذلك أجلا بعد أجل، فكان ~~الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل بزيادة الدين، ثم إذا بلغ محله ~~زاد كذلك ثانية، وثالثة، ورابعة،[154]حتى يستغرق مال المديون. # وقيل: معنى أضعافا مضاعفة، يضاعفون به أموالكم، ثم قال تعالى: {واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون} أي اتقوا المعاصي كي تظفروا بالبقى الدائم والنعيم. # قال فيها: واتصلت هذه الآية بما قبلها على أن الله تعالى لما بين كونه ~~مالكا لعذاب من شاء، أوصل به الزجر عن الربو، وعن المعاصي إذ1 فعلوها ما ~~استحقوا العذاب. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم الربو، وعلى وجوب ~~تقوى الله سبحانه، وهى أن يلزم المؤمن ما أوجب الله، ويتجنب ما حرم الله. انتهى. PageV21P371 # ولما ذكر الله تعالى النهي عن أكل الربا، وصله بذكر العقاب المستحق عليه ~~فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}يقال أعددت الشيء إعداد إذا هيأته ~~وصغته، وليس في قوله أعدت للكافرين دليل على أنها لايدخلها الفاسقون، وإنما ~~خص الكافرين بالذكر لعظيم عقابهم، وهذا مثل قوله تعالى: {وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين} ولا خلاف أنه يدخلها الأطفال، والمجانين، ~~ويحتمل أن يكون المراد بالنار هاهنا الدرك الذي يدخلها الكفار. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن فاعل ما يجب الله، ~~التارك لما حرم الله، خوفا من النار التي أعدها الله للكافرين، مقبول منه ~~عند الله، لتضمن ذلك الإيمان بالله، وأن عذاب الله عدل من الله؛ لأنه على ~~مايستحق للعاصي، والتائب إذا اعترف باستحقاق العذاب فتوبته مقبولة؛ لأن ذلك ~~متضمن أن التوبة لم تكن إلا لأجل إرتكاب المعصية الموجب لإستحقاق النار، ~~وذلك هو حقيقة التوبة من العبيد المملوكين، وهم جميع المكلف. انتهى. # وظاهر الآية أنه تعالى أوعد المؤمنين بنار الكافرين إن لم يتقوه في ~~محارمه من ربا، أوغيره، فيكون عقابهم مثل عقاب الكفار، ويحتمل أن يريد ~~بالكفر كفران النعمة، فيعم الجاحد والفاسق. ms2827 # واعلم أنه تعالى لما نهى عن المعصية أمر بالطاعة فقال عزوجل: {وأطيعوا ~~الله والرسول لعلكم ترحمون}. # قال محمد بن إسحاق بن بشار: هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم حين أمرهم بما أمرهم به يوم أحد، ومعنى لعلكم ~~ترحمون، أي لكي ترحموا. # وقال عليه السلام: في هذه الآية دلت علىوجوب الإتمار بجميع ما أمر الله ~~والإنتهاء[155]عما نهى الله عنه. انتهى. # ودلت على الرحمة، تنال بالطاعة، وذلك يبطل قول المرجية. # ودلت على أنه سبحانه يريد من جميعهم ما ينال به الرحمة دون المعاصي بخلاف ~~قول المجبرة. PageV21P372 # ثم أنه تعالى حثهم على الأفعال الموجبة للثواب فقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} سارعوا أي بادروا إلى فعل ~~يوجب لكم المغفرة، والجنة، وهو الإستقامة على التوبة، والتجنب للكبيرة، ~~وأخبرتعالى بأن الجنة التي أعدها للمتقين عرضها كعرض السماوات السبع، ~~والأرضين السبع ............إذا ضم بعضها إلى بعض، قيل: وذكر العرض؛ لأنه ~~يمكن أن يستدل به على مقدار الطول، أنه أكثر منه، ولو ذكر الطول لم يكن ~~الإستدلال به على العرض. # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يريد تعالى أن الجنة في السعة ~~والإنبساط كعرض السماوات والأرض في هذه الدنيا، والعرض هاهنا هو السعة، ~~قال: الشاعر: # كأن بلاد الله وهي عريضة # على الخائف المطلوب كفة حائل # وذلك أن الأرض تمد يوم القيامة حتى تكون كعرض سماوات الدنيا وارضها. # قلت: وفي هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: وقد سأله السائل إذاكانت ~~كذلك فهى أوسع من هذه الدنيا. # فقال عليه السلام: ألا تسمع كيف يقول سبحانه في كتابه {وجعلنا السماء ~~سقفا محفوظا} فلما أن كانت السماء على قدر الأرض صارت سقفا لها، ولوكانت ~~السماء أمد من الأرض لكانت على غير الأرض سقفا، وليس شيء بعد الأرض يوقع ~~عليه، ولايقال به، فسمى الآخرة كما ذكر الله سبحانه كعرض السماء والأرض، ~~فتمد حتى تكون كمثلها كما ذكر الله سبحانه من فعله فيها، وما تصير إليه من ~~حالها. انتهى. # ومتى قيل إذا ms2828 كانت الجنة عرضها كعرض السماء والأرض، فأين تكون النار؟ # قلت: لقد أجاب عن ذلك رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم السائل له عنه، ~~وأجاب بمثله أمير المؤمنين عليه السلام، ابن الكوى معارضا له. PageV21P373 # فقال: إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ ~~وهذه معارضة حسنة، لأنها تبنى على أن القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء ~~إذا جاء الناهار[156]قادر على أن يخلق النهار ويجعله حيث أراد. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب التوبة فورا، وما ~~ينال به الجنة من الطاعة الواجبة فورا، وعلى أن الجنة ليست إلا للمتقين، ~~وليست لمن عصى الله ورسوله، انتهى خلاف ما افتراه على الله سبحانه الرازي ~~كما أمر آنفا. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين، ذكر صفات المتقين حتى ~~يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات، فالصفة الأولى: ~~قوله سبحانه {الذين ينفقون في السراء والضراء} السراء الرخاء، الضراء ~~العسر، والضيق، أي لايخلون أن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من ~~كثير أوقليل، أو المراد في الأحوال كلها؛ لأنها لاتخلوا من حال مسرة، ~~ومضرة، ولا يمنعهم حال فرح، وسرور، ولاحال محنة، وبلاء من المعروف، وافتتح ~~بذكر الأنفاق؛ لأنه أشق شيء على النفس، وأذله على الإخلاص؛ ولأنه في ذكر ~~الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة في مجاهدة العدو، ومواساة فقراء المسلمين. # الصفة الثانية: قوله تعالى {والكاظمين الغيظ} بالصبر عليه يقال كظم غيظه ~~إذا سكت عليه، ولايقول ولايفعل. PageV21P374 # قال الممبرد: تأويله أنه كتمه على امتلائه، ومنه يقال كظمت السقاء، إذا ~~ملائته، وسددت عليه، والكاظم الممتلئ غيظا، فمعنى والكاظمين الغيظ الذي ~~يكفون غضبهم عن الإمضاء، ويروون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام ~~الصبر، والحكم كقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}، وقال صلىالله عليه وآله ~~وسلم: ((من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملاء الله قلبه أمنا وإيمانا)) ~~وقال صلىالله عليه وآله وسلم: لأصحابه((تصدقوا)) فتصدقوا بالذهب، والفضة، ~~والطعام، وأتى رجل بقشور التمر، فتصدق به، وجاء آخر فقال: ms2829 والله ما عندي ما ~~أتصدق به، ولكني أتصدق بعرضي، ولا أعاتب أحدا بما يقوله، فوفد إلى رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم من قوم ذلك الرجل وقد قال رسول الله صلىالله ~~عليه وآله وسلم: ((لقد تصدق منكم رجل بصدقة، ولقد قبلها الله منه تصدق ~~بعرضه)). # وقال صلىالله عليه وآله وسلم: ((من كظم على غيظ وهو يستطيع أن ينفذه زوجه ~~الله من الحور العين حيث شاء)). # وقال صلىالله عليه وآله وسلم: ((ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة ~~تجرعها صاحبها بصبر[157]وحسن عزاء، ومن جرعة غيظ كظم عليها)). # وقال صلىالله عليه وآله وسلم : ((ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه ~~عند الغضب)). # الصفة الثالثة: قوله تعالى {والعافين عن الناس} أي المسامحين عن من ~~ظلمهم، وأساء إليهم، ويقدرون على الإنتقام، فلا يفعلون تقربا إلى المتقين ~~أنهم ينفقون أموالهم في وجوه البر على أية حال كانوا عليها، فإنهم إذا ملؤء ~~غيظا تجرعوه صبرا، وإذا سيئ إليهم عفوا إحتسابا، فمدحهم الله تعالى عن هذه ~~الخصال. PageV21P375 # وروي عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه قال:((إن هؤلاء في أمتي قليل إلا ~~من عصمه الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت)) ثم أخبر أنه يزيد إثابة ~~المحسنين، وإكرامهم، وتعظيمهم بقوله{والله يحب المحسنين} يجوز أن يكون ~~اللام للجنس، فيتناول كل محسن، ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وأن يكون ~~للعهد، فيكون إشارة إلى هؤلاء، وهذه مدحة الصابرين الحلماء الأتقياء. # وروي أن علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: وجه مملوكا له في ~~حاجة، فأبطأ عليه إبطأ خرج عن الحد، فلما رجع قال: له يامولاي استعمل قول ~~الله تعالى {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} فقال ~~له علي بن الحسين عليهما السلام: أنت حر لوجه الله تعالى. # وقال صلىالله عليه وآله وسلم: ((رأيت قصورا مشرفة على الجنة قلت لمن هذا ~~يا جبريل؟ # قال: ((للكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المسحنين)). # ثم قال تعالى:{والذين إذا فعلوا فاحشة} أي فعلة متزايدة في القبح {أو ~~ظلموا أنفسهم} بلا ذنب ms2830 {ذكروا الله} أي جلاله الله أو عقابه؛ لأن ذكرالله ~~عزوجل يبعث على التوبة، فالأستغفار لذلك قال: {فاستغفروا لذنوبهم} أي تابوا ~~{ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} موضع الدين ~~من الإعراب جر عطف على للمتقين، وقوله: أولئك إشارة إلى الفريقين، ويجوز أن ~~يكون والذين مبتداء خبره أولئك. # قال الحاكم: كأنه عطف جملة على جملة، فعلى الأول: هم فرقة وأحدة وعلى ~~الثاني: فرقتان. # قيل: أن الآية اتصلت بما قبلها؛ لأنها منصفة المتقين، وقيل: بل هم ~~فرقتان، ..........الجنة للمتقين، ولمن عصى ثم تاب، إزالة للتهمة. انتهى. PageV21P376 # والفاحشة عبارة، وظلم النفس هاهنا عبارة عن الصغيرة، وقيل: الفاحشة[158] ~~الزناء، والظلم القبلة واللمسة، قيل: ومعنى ذكروا الله بأن قالوا: اللهم ~~أغفر لنا إنا تبنا وندمنا، وقيل: ذكروا نهى الله، وقوله{ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله}وصف له سبعة: # الرحمة؛ لأن الذنوب وإن جلت فعفوه أجل، وفي من معنى النفي مع الإنكار أي ~~وهل يغفر الذنوب أحد إلا الله، أي لايغفر الذنوب أحد إلا الله، ومعنى ولم ~~يصروأي لم يقيموا، ولم يدوموا على ما فعلوا؛ لكنهم تابوا. # قال صلىالله عليه وآله وسلم: ((ما أصر من استغفر)) ثم قال: ((ليس الكبيرة ~~بكبيرة مع الإستغفار، ولا الصغيرة بصغيرة مع الإصرار)) والإصرار السكوت، ~~وترك الإستغفار، وأما قوله {وهم يعلمون} فقال في الكشاف: وهو حال من فعل ~~الإصرار، وحرف النفي ومنصب عليهما معا، والمعنى وليسوا ممن يصرون على ~~الذنوب وهم عالمون بقبحها، وبالنفي عنها والوعيد عليها؛ لأن الجاهل قد تعذر. # وقال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على تحريم ترك التوبة على ~~الذنب ولو لحظة، أي ذنب كان. انتهى. # وفي سبب النزول أقوال: # قال الحاكم: روي أن قوما من المؤمنين قالوا يا رسول الله بنوا إسرائيل ~~أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة ~~بابه، أجدع أنفك، أقطع أذنك، أفعل كذا، فسكت رسول الله صلىالله عليه وآله ~~وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال: صلىالله عليه وآله وسلم ((ألا ~~أخبركم بخبر ms2831 من ذلك، وقرأ هذه الآية)) وفيه تسهيل عما كان شدد على بني ~~إسرائيل، فجعل لأمتنا الإستغفار بدلا منه، عن ابن مسعود، وعطاء بن أبي ~~رباح، ومثله في البرهان. PageV21P377 # وقيل: نزلت في شأن التمار أتته امرأة تبتاع منه تمرا فقال: لها أن هذا ~~التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فذهب إلى بيته فضمها إلىنفسه وقبلها، ~~فقال: له أتق الله فتركها وندم، وأتى النبي صلىالله عليه وآله وسلم وذكرله، ~~فنزلت الآية عن عطاء. # وقيل: آخاء رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم بين أنصاري وثقفي، فخرج ~~الثقفي غازيا واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى ذات يوم لهم لحما فأخذته ~~امرأته منه ودخلت بيت فتبعها وقبلها، ثم ندم وانصرف فقالت: والله ما حفظت ~~غيبة أخيك ولانلت حاجتك، فخرج ووضع التراب على رأسة وهام على وجهه، ورجع ~~الثقفي وأتى به [159]النبي صلىالله عليه وآله وسلم، فنزلت الآية عن مقاتل، ~~والكلبي. # قال في البلغة: فنزلت الآية على تسهيل الله التوبة على أمة محمد صلىالله ~~عليه وآله وسلم، وذلك أنه ورد في القرآن حكم توبة بني إسرائيل عن عبادة ~~العجل، وهو قتل أنفسهم، ثم قال تعالى: {أولئك} أي الذين تقدم ذكرهم ~~{جزاؤهم} أي مكافاتهم {مغفرة من ربهم} أي ستر لذنوبهم وسيئاتهم {وجنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها} فبين الله تعالى أن من كانت صفته ما تقدم ~~ذكره في الآية الأولى فجزاؤه من الله المغفرة وثواب جنات تجري من تحت ~~أشجارها الأنهار، وفيها من النعيم ما لايقدر على وصفه واصف، ويكون خالدا ~~فيها لاانقطاع لذلك، ثم بين عظم خطر ما يؤتى من الآخرة بقوله {ونعم أجر ~~العاملين} ترغيبا في الطاعة. # ودلت الآيات على أن الجنة للمتقين، والتائبين، دون المصرين خلاف ما ~~افتراه الرازي والمرجية، ودل قوله تعالى ونعم أجر العاملين على أن ذلك أجر ~~لعملهم، فيبطل قول المجبرة أن الثواب لايستحق بالعمل. PageV21P378 # واعلم أنه تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنان ~~أتبعه بفعل ما يحملهم على فعل الطاعة، وعلى التوبة من المعصية فقال سبحانه: ms2832 ~~{قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} نظر ~~اعتبار. # قال الحاكم في وجه النظم: لما بين تعالى ما فعله بالمؤمنين والكافرين في ~~الدنيا والآخرة بين أن ذلك عادته تعالى في خلقه فقال سبحانه: {قد خلت} أي ~~مضت من قبلكم يا أصحاب محمد. # وقيل: أنه خطاب لمن أنهزم يوم أحد، تقديره قد كان لي نقم فيمن مضى ~~فاعتبروا بها أيها المكذبون بمحمد صلىالله عليه وآله وسلم. انتهى. # ومعنى الآية قد مضت سنن من الله تعالى وهي مثل ما فعله بعاد وثمود، ~~والقرون الماضية، وقيل: معناه قد مضت أهل سنن في الشر فعاقبهم الله بما قص ~~عليكم من أعمالكم، وهذا تحذير لهم وزجر عن المعاصي ليئلا يأمنوا أن يحل بهم ~~مثل ما حل بأؤلئك إذا فعلوا مثل أفعالهم، ونبههم على طريقة الإعتبار بقوله ~~فسيرو في الأرض فانظروا في آثار القوم الذين أهلكهم الله واستأصلهم ~~بتكذيبهم آيات الله، ذكره في البلغة، وذلك أنهم إنما خالفوا ~~الأنبياء[160]والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من ~~دنياهم أثر، ونفى اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم، فرغب تعالى امة ~~محمد صلىالله عليه وآله وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا ~~لهم إلى الإيمان بالله ورسوله، والإعراض عن الرئاسة في الدنيا وطلب الجاه. # ثم قال تعالى: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} أي هذا القرآن بيان ~~للناس أي إيضاح لسؤ عاقبة ماهم عليه من الكتذيب. PageV21P379 # وقيل: هذا إشارة إلى ماتقدم وذكره في قصة القوم الذين تقدم ذكرهم أي هذا ~~بيان للناس ودلالة، وعظة، وعبرة للمتقين، خصوا بالذكر تشريفا ومدحا، وقرن ~~لفظ المهتدي إلى البيان ليكون أشفى؛ لأن الهدى بيان طريق الرشد، والبيان ~~إظهار المعنى كائنا ما كان، وهو من عطف الخاص على العام، وخص المتقين؛ ~~لأنهم اهتدوا به وإن كان هدى لجميع الناس. # وقال الرازي: يعني بقوله هذا ما تقدم من أمره، ونفيه، ونهيه، ووعده ~~ووعيده، وذكره لأنواع البينان، والآيات، ولابد من الفرق بين البيان والهدى ms2833 ~~وبين الموعظة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وأما البيان فهو الدلالة التي ~~تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت شبهة حاصلة فهو غاية في أي شيء كان، وأما ~~الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي، وأما الموعظة فهي الكلام ~~الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي، فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان: # أحدهما: الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى. # والثاني: الكلام الزاجر عما لاينبغي في الدين وهو الموعظة. # ثم أخبر تعالى أنه ينصر المؤمنين، وأن العاقبة لهم وإن خلا بينهم وبين ~~أعدائهم فلمصلحة، فقال عزوجل: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين} أي لاتضعفوا عن الجهاد إيها المؤمنون، ولاتجبنوا عن قتال عدوكم من ~~الكفار بما نالكم ولاتحزنوا على قتلاكم، أو لا تقيموا بما بحقكم من الهزيمة ~~وظهور أعدائكم وأنتم الأعلون، يعني الظاهرون الغالبون عليهم في العاقبة. # قال في البلغة: نزلت هذه الآية تسلية للقوم الذي اصابهم يوم أحد من الغم، ~~والشدة، والجراح، ما أصابهم وبشرهم الله [161]بأنهم سيعلمون على عدوهم ~~ويظفرون بهم إن كانوا مصدقين بما وعدهم ربهم من نصره إياهم. # وقيل: جاء هذا الشرط على معنى من كان مؤمنا فيجب ألا يهن في دين الله ~~ولايحزن بماله من الثواب عند الله. انتهى. PageV21P380 # لأن من شرط الإيمان قوة اليقين والثقة بالله، ثم زاد في تسلية المؤمنين ~~وتسكين قلوبهم فقال تعالى: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} قرئ قرح ~~بالضم، أي ألم الجراح، وقرئ بالنصب وهو الجراح نفسه، والمعنى إن نال ~~المشركون منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، فلم تضعفون عن معاودتكم ~~بالقتال، وأنتم أولى؛ لأنكم ترجون من الله ما لايرجون، وقيل: كان ذلك يوم ~~أحد؛ لأنه قتل من الكفار خلق كثير يومئذ. # قال في البلغة: وكان أبو سفيان بعد حرب بدر شد وسطه وطاف في قبائل العرب ~~مستحثا، ومستغيثا، فلما اجتمع العسكر جابهم إلى أحد طالبين تراب بدر، ~~وكانوا اخرجوا بنساء صناديد الذين قتلوا يوم بدر ليكون القوم أشد حرصا على ~~القتال، ms2834 وهذه القصة تأتيك إن شاء الله في هذه السورة. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت هذه الآية على تحريم الواهن ~~عن محاربة الظالمين، وأن الموجب من ما يجب عليه إذا قل الناصر العزيمة على ~~ذلك متى وجد المعين. انتهى. # ثم قال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} تلك مبتداء، والأيام ~~صفته، ونداولها خبره، ويجوز أن يقال تلك الأيام مبتداء وخبره كما يقول هي ~~الأيام تبلى كل جديد، فقيل قوله تلك الأيام إشارة إلى جميع ايام الوقائع ~~العجيبة، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا، والحرب سجال. # وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد وقال: الحرب سجال، يوم لنا ويوم ~~لكم، فقال صلىالله عليه وآله وسلم: قوله((الله مولانا ولامولى لكم، قتلانا ~~في الجنة، وقتلاكم في النار)) فقال: لنا عزا، فقال أبو سفيان: أعل هبل. # فقال صلىالله عليه وآله وسلم: ((قولوا الله أعلاء وأجل)). PageV21P381 # قال في البلغة: ومعنى الآية {وتلك الأيام نداولها بين الناس} على وجه ~~المحنة، فتخفف المحنة تارة، وتشددها أخرى، فتكون الكره لقوم تارة، وتكون ~~عليهم تارة على حسب ما يصرف الله أحوال العباد غنا، وفقرا، وسقما، وصحة، ~~وما شاكل ذلك، وليس المراد بالدولة ما يذهب إليه العوام من النصرة؛ لأن ~~الله [162]تعالى لا ينصر الكافرين، قد نبه الله على ذلك بقوله {والله لا ~~يحب الظالمين} فلو كان ناصرا لهم لكان محبا لهم، وقد بين الله تعالى أنما ~~أصابهم يوم أحد من القتل، والجراح، وما كان من ذهاب دولتهم، إنما أتوا في ~~ذلك من قبل أنفسهم، لفشلهم وتنازعهم لقوله تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر} الآية، وقد قال: في سورة الأنفال ناهيا عن الفشل والتنازع {ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} أي دولتكم. # وقال الهادي إلى الحق عليه السلام: إنما أراد سبحانه بذلك ما يداول بينهم ~~فيها من الغموم، والهموم، والأحزان، والفرح، والسرور، الذي يمربه على ~~الإنسان ما ينزل به السرور بما يرزقون، ويوهبون، من المذكور ويبسط لهم من ~~الأرزاق، ويوسع عليهم في الأرفاق، ويبتلون من الثكل للإحباء، ms2835 وما ينالهم من ~~زوال السرور، والرخاء، فمرة يستغني الفقير المعسر، ومرة يفتقر الغني، وتارة ~~يفرح هذا المولود له من الأولاد، وتارة يغتم، ويهتم، بما يخافه من الضيعة. # وقال الرازي: والمراد من هذه المداولة أنه تعالى تارة يشدد المحنة على ~~الكفار، وأخرى على المؤمنين. # والفائدة من وجوه: PageV21P382 # الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن ~~المؤمنين في جميع الاوقات لحصل العلم الإضطراري بأن الإيمان حق وما سواه ~~سلط باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف، والثواب، والعقاب، فلهذا المعنى تارة ~~يسلط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات ~~باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل على صحة الإسلام فيعظم ~~ثوابه عند الله. # والثاني: أن المؤمن قد تقدم على بعض الموصى فيكون شديد المحنة عليه في ~~الدنيا أدبا له، وأما تشديد المحنة على الكفار فإنه يكون غضبا من الله عليهم. # والثالث: وهو أن لذات الدنيا والإمهال غير باقية وأحوالها غير مستمرة ~~وإنما تحصل السعادة مستمرة على الدوام في الآخرة، ولذلك أنه تعالى يميت بعد ~~الحياة، ويسقم بعد الصحة، فإذا حسن منه ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء، ~~بالضراء، والقدرة بالعجز. انتهى. # انظر في قول الرازي هاهنا وفيما قاله قبيل في قوله تعالى {يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء}فإنه ظاهر التنافي، والتناقض، وليس هذا منه تغريب فإنه دأبة ~~مستمرا، رأيناه في تفسيره وما[163]نقلناه عنه إلا ماكان موافقا مؤيدا لقول ~~أهل الحق، وحجة ظاهرة على أهل الخير. # وقد روى المنصور بالله عليه السلام: في الشافي عن النبي صلىالله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((وعليك بقبول الحق من حيث ورد عليك)) انتهى. # فإن قيل لعل الرازي ممن يقول بأن الكسب شيء أم لا، فإن كان غير شيء لم ~~يفعل منفرد بالوصف حقيقة، وإن قال: شيء قيل له هو قديم أو محدث، فإن قال: ~~قديم، لم يكن فعلا لفاعل خلاف إن قال: هو محدث قيل له من محدثه؟ # فإن قال: الله تعالى، كان الفعل من الله وبطل ms2836 قوله إن العبد اكتسبه. PageV21P383 # وإن قال: هو العبد، كان العبد فاعلا له وكان رجوعا إلى الحق، وهو أولى من ~~التمادي في الباطل، وإن تصلف وأحال وقال: الفعل من الله ومن العبد معا، ~~قلت: لم يكن الباري خالقا له أولى من العبد، بل هذه أمور لامخلص لها لحذاق ~~الأشعرية، فكيف بجهال القدرية والله اعلم. # عدنا إلى شرح المداولة من تفسير أئمتنا عليهم السلام. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: يعني نداولها بين الناس أي يعطي كل ~~قوم دولة من الأيام فيحي قوما ثم يميتهم، ثم يحي آخرين فلكل دولة من حيا ~~الأيام حتى يقبض الله عزوجل جميع الأنام بمداولته بينهم الليالي والأيام، ~~ولا نتكل في تفسير هذه الآية إلى قول الطعام وما هبوا إليه من دون الجبارين ~~وسلطان ملك أو ظلمة الكافرين؛ لأن الله تعالى لم يجعل الدول لأعدائه ولم ~~يحكمهم على أحد من أوليائه. انتهى. # قال المرتضى عليه السلام: وقد قيل في ذلك أنها معادلة بينهم في الملك ~~والغلبة، وقيل: أن الله جعل بينهم الدولة، وهذا قول مدخول ليس هو بصواب؛ ~~ولكن أقول والله الموفق أن معنى نداولها بين الناس فهو فناء قرون، وإحداث ~~قرون، وأمور بعد أمور، ومداولتهم فيها فهو ما جعل الله لهم من البقاء في ~~مدتها، فقوم يموتون، وقوم يحدثون إلى إنقطاع الأيام، وآخر الآية تشهد على ~~ما قلناه به ليجزي الله كلا بفعله، ويعطيه على إحسانه، ويعاقبه على إسائته. انتهى. PageV21P384 # أما قوله تعالى:{وليعلم الله الذين آمنوا} فقد دل الدليل القاطع على أن ~~الله عالم بذاته لجميع المعلومات، ولايجوز أن يتناول هذا اللفظ أنه تعالى ~~صار عالما بالشيء بعد أن لم يكن عالما به؛ لأن ما صح أن يكون معلوما وجب أن ~~يكون[164]معلوما لله تعالى، وفيه محذوف وتقديره ليعلم الله الذين آمنوا ما ~~يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، فكأنه قيل يعاملهم معاملة من يريد أن يعرف ~~هذه الحالة منهم، فيكون متعلق العلم وجود فعل العبد بعد أن لم يكن موجودا، ~~فلا يصح أن يعلم موجودا وهو ms2837 معدوم. # وقيل: معناه ليظهر المعلوم من الإخلاص والنفاق؛ لان المجازاة تقع على ~~الوقع دون المعلوم الذي لم يوجد، وقيل: ليعلم أولياء الله، فأضاف إلى نفسه ~~تفخيما. # وقيل: معناه التميز فوضع العلم موضع التميز؛ لأن بالعلم يحصل التميز، ~~وعامل الإعراب في قوله وليعلم محذوف، وهو متعلق اللام، وتقديره يداولها بين ~~الناس، لضرب المصلحة منها ليلعم الله الذين أمنوا، ومنها ليتخذ منكم شهداء، ~~ومنها ليمحص، زائدة أي ليعلم. # وقيل: المراد وليعلم المؤمن من النافق، فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر. # وقيل: وأوعطف عطف به جمله محذوفة، والتقدير وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس، ليكون كيت وكيت، وليعلم الله، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن ~~المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ليسليهم عما جرى وليعرفهم أن تلك ~~الواقعة وإن سأتهم ففيها من وجوه المصالح مالو عرفوه لسرهم، ثم ذكر الجملة ~~الثانية في تلك المداولة فقال تعالى: {ويتخذ منكم شهداء} أي يكرم بعضكم ~~بالشهادة يوم أحد، وذلك أن قوما من المسلمين لما فاتهم يوم بدر كانوا ~~يتمنون لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم كيوم بدر، يقاتلون فيه العدو، ~~ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء. PageV21P385 # وقيل: معناه ويتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بحسن صبره، ~~قيل يشهدون على الناس ما يكون منهم من العصيان لما في ذلك من الرفعة، ~~وجلالة المنزلة عن أبي علي، وأبي القاسم، وسموا شهداء لمشهادتهم الأعمال ~~التي يشهدون بها. # وقيل: لأنهم يشهدون لله على خلقهم يوم القيامة، وقيل: بذلوا الروح عند ~~شهود الوقعة ولم يفرقوا، ثم قال تعالى: {والله لا يحب الظالمين} أي لايريد ~~كرامة من عصاه بظلم نفسه ولاثوابة لمخالفة أمره. # وقيل: نبه بهذا أن هذه التخلية لم تكن لحبة إياهم، فإنه لايحب الظالمين، ~~بل مصلحة لكم، وتأدبا حين خالفتم أمر الرسول صلىالله عليه وآله وسلم، وليست ~~على أن الله تعالى لايريد الظلم حيث لايحب الظالمين فيبطل قول المجبرة في ~~المخلوق[165]والإرادة. # قال الإما عليه السلام: وعلى تحريم محبة الظالمين؛ لأن من أحب من لايحبه ~~الله ms2838 فقد حاد الله وعصاه. # ثم بين وجه الحكمة الثالثة في تلك المداولة فقال تعالى: {وليمحص الله ~~الذين آمنوا} أي يطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم، والمحص في اللغة التنقية، ~~وأصله التخليص، محصت الشيء محصته محصا أخلصته. # وقال الخليل: المحص الخلوص من الغش، ومحصت الذهب بالنار أخلصته مما يشوبه. # ومعنى الآية وليخلص الله المؤمنين من الذنوب بالإبتلاء، والإمتحان وقت ~~المجاهدة، تعريضا إياهم للصبرالذي يستحق به عظيم الأجر وتكفير الصغائر، ثم ~~قال عزوجل: {ويمحق الكافرين} المحق النقصان، والبطلان، وأصل المحق في اللغة ~~فنا الشيء حالا بعد حال، وكذلك استعمل في النقصان، وفي معنى الهلاك إيضا، ~~ومنه قوله تعالى: {يمحق الله الربا} أي يستأصله. PageV21P386 # قال الزجاج: معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين ~~والكافرين، فإن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب ~~المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على الكافرين كان المراد محق الكافرين ~~بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى. # واعلم أنه تعالى لما حث على الجهاد ورغب فيه بما أوجب لهم من الثواب زاد ~~في الإيضاح والبيان بما أخبر أن الجنة لاتنال إلا بالبلوى، فقال سبحانه: ~~{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين} أم هاهنا بمعنى بل، والهمزة فيها على وجه الإنكار، لحسبانهم ~~وتقديره بل حسبتم أن تدخلوا الجنة وليس لكم بسبب الطمع فيه والظن، ولما ~~يعلم الله الجهاد منكم موجودا حاصلا؛ لأنه لايقع الثواب على علمه عزوجل ~~بأنهم سيجاهدون، ويصبرون، بل على حدوث ذلك منهم ويفعلون، واكتفى بذكر ~~المجاهدين عن ذكر الجهاد، لتعلق أحدهما بالآخر، وكون الكلام مفهوما. PageV21P387 # قال أبو مسلم: في أم حسبتم أنه نهي وقع بحرف الإستفهام الذي يأتي للتبكيت ~~وتخليصه لاتحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد وهو كقوله {أحسب ~~الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} وافتتح الكلام بذكر أم التي ~~أكثر مايأتي في كلامهم واقعة بين خسيرين الشك في أحدهما لابعينه يقولون: أن ~~يدا ضربت أم عمرا، مع تعين وقوع الضرب بأحدهما، قال: ms2839 وعادة العرب هذا الحسن ~~من الإستيعاب[166]توكيدا، فلما قال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} كأنه قال: ~~فتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة ~~وصبر، وإنما استبعد هذا؛ لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة وأوجب ~~الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح فيها في الدين والدنيا، فلما ~~كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة، والجنة، مع إهمال مثل هذه ~~الطاعة. # قال في الكشاف: ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضربا من التوقع، فدل علىنفي ~~الجهاد فيما مضى، وعلى توقعة فيما يستقبل. انتهى. # قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان فجوابه لم يفعل، وإذا قيل قد فعل فجوابه ~~لما؛ لأنه لما أكد في جانب الثبوت بعد لاجرم أكد في جانب النفي بكلمة لما، ~~والله اعلم، وانتصب ويعلم بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع كقولك لاتأكل ~~السمك وتشرب اللبن. # قال في البلغة: لأن الكلام جاء على معنى نفي اجتماع الأول والثاني، ومثال ~~قول القائل لايستغني شيء، ويعجز عنك لا أركب وتمشي أنت، قال الشاعر: # لاتنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم | # أي لايجتمع هذا وذاك، ومعنى الآية لاتطمعوا في دخول الجنة من دون حصول ~~الجهاد منكم والصبر عليه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الجهاد، وعلى وجوب ~~الصبر في الجهاد؛ لأن من أخل بالواجب لايدخل الجنة كما حكم الله بذلك في ~~هذه الآية. انتهى. PageV21P388 # قال بعضهم: بعد تفسيره الآية، واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لايجتمع ~~مع سعادة الآخرة، فيقدر ما يزداد أحدهما بنقيض الآخر، وذلك لأن سعادة ~~الدنيا لاتحصل إلا باستعمال القلب بطلب الدنيا، وسعادة الآخرة لاتحصل إلا ~~بفراغ القلب مما من كل ما سوى الله، وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران ~~مما لايجتمعان، فلهذا المعنى وقع الإستبعاد الشديد في هذه الآية من ~~اجتماعهما، وأيضا حب الله، وحب الآخرة، لايتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين ~~الله كان صادقا ولكن الغرض فيه تسليط المكر والمحبوبات، فإن الحب هو ms2840 الذي ~~لاينتقص بالجفا، ولايزاد بالوفاء، وإن بقى الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر ~~أن ذلك الحب كان حقيقيا، فلهذه الحكمة قال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} ~~بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وشديد المحنة، والله اعلم. # قلت: ويؤيد هذا المعنى كثير من كلام أئمتنا[167]عليهم السلام. # ثم قال تعالى: {ولقد كنتم تتمنون الموت} أي الشهادة {من قبل أن تلقوه} ~~بأحد، أي قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته، وصعوبة مقاساته {فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون} نظر معاينة. # قال المرتضى عليه السلام: يقول عاينتم من الشدة والهول، فحصول ما يقع به ~~القتل والموت، والعرب تسمى كل شيء أفظعها، وأهالها، وأيقنت فيه بالهلكة ~~الموت، يقول إذا وقعت في خطر أو أمر شديد راينا اليوم الموت عيانا ووقعنا ~~في الموت، وهذا جائز في لغتهم، حسن في كلامهم، وإنما خاطبهم الله بما ~~يعرفون، وناجاهم بما لاينكرون. انتهى. PageV21P389 # قال ابن عباس: لما أخبر الله المسلمين على لسان رسوله صلىالله عليه وآله ~~وسلم بما فعل شهداء بدر من الكرامة والثواب اشتاق المسملون إلى الجهاد ~~والفوز بدرجة الشهداء، قالو: اللهم أرنا قتالا لعلنا نستشهد فيه فنلحق ~~بإخواننا في الجنة، فأراهم يوم أحد، فلم يثبتوا مع نبيهم وانهزموا إلا من ~~ثبت الله، فقتل بعضهم، وجرح بعضهم، فذاك معنى قوله {ولقد كنتم تتمنون الموت ~~من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه} يوم أحد {وأنتم تنظرون}إلى السيوف فيها الموت. # وقيل: المراد بهم الذين ألحو على رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم في ~~الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، وهذا توبيخ لهم على ~~تمنيهم الموت، وعلى إلحائهم على الرسول صلىالله عليه وآله وسلم بالخروج، ثم ~~انهزموا عنه، وقلة ثباتهم عنده، وقد جاء لفظ ينظرون تأكيدا، وأن أصله بقلب ~~الحد نحو الشيء ليراه لا الرؤية، وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون إلى أسباب الموت وتيقنتم ذلك فلما انهزمتم وهذا توسع في ~~العبارات وهو قول ابن عباس. # ثم بين تعالى أنه لاينبغي أن يترك أمر الله كان الرسول بين أظهركم أولم ms2841 ~~يكن؟ فقال عزوجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } مضت فسيخلو ~~كما خلوا فتمسكوا بدينه. PageV21P390 # قال بن عباس، ومجاهد، والضحاك : لما نزل رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ~~بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل وأن لا ينتقلوا من ذلك الموضع سوى ~~كان ذلك الأمر لهم أو عليهم، فلما وقفوا وجأت قريش على ميمنتهم خالد بن ~~الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة ابن أبي جهل، وكان أول من لقيهم أبو عامر بن ~~عبد عمرو بن الصيفي[168] بالأحابيش، وعبيد أهل مكة، فقاتلهم قتالا شديدا ~~حتى حميت الحرب قال رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم: ((من يأخذ هذا السيف ~~بحقه يضرب به حتى ينحني؟)) فأخذه أبو دجانة سماك بن خريبة الأنصاري، وكان ~~رجلا شجاعا فلما اخذ السيف أعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويرتجز فقال ~~صلىالله عليه وآله وسلم: ((إن هذه لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع)) ~~ثم حمل النبي صلىالله عليه وآله وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم وقتل ~~علي عليه السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير، والمقداد شدا على ~~المشركين فهزموا أبا سفيان، ثم أن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر ~~قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما ~~رأى تفرق الرماة حمل عليهم على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في ~~المسلمين، ورمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ~~بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه، وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب، وهو صحاب ~~الراية يوم بدر، ويوم أحد، حتى قتله ابن قمئة ففشا في الناس خبر قتله فعند ~~هذا قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن ابي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. PageV21P391 # وقال ناس من المنافقين: لوكان بيننا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى ~~دينكم فقال أنس بن النضر: عم أنس بن مالك يا قوم إن كان قد قتل محمد فإن رب ~~محمد حي لايموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله فقاتلوا على ما قاتل ~~عليه، ms2842 وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك مما يقول هؤلاء، ~~ثم شد سيفه فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه، ثم مر بعض المهاجرين بأنصاري ~~يتشخص في دمه فقال: يافلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟ # فقال: إن كان قد قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم، ولما شج ذلك الكافر وجه ~~النبي صلىالله عليه وآله وسلم وكسر رباعيته أحتمله طلحة بن عبيد الله، ~~ودافع عنه علي عليه السلام، ونفر آخرون معه، ثم إن رسول الله صلىالله عليه ~~وآله وسلم جعل ينادي ويقول إلي عباد الله حتى انجارت إليه طائفة من أصحابه ~~فلامهم على هزيمتهم، فقالو يا رسول الله فديناك بآباءنا وأمهاتنا أتانا خبر ~~قتلك فاستولى الرعب على قولبنا فولينا مدبرين. انتهى. PageV21P392 # والصحيح مارواه أئمتنا عليهم السلام، وغيرهم، أن صاحب الراية يوم أحد علي ~~عليه السلام[169]روى الناصر عليه السلام بإسناده إلى محمد بن عبيد الله بن ~~علي بن أبي رافع قال: كانت راية رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم مع علي ~~ابن أبي طالب عليه السلام، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة بن عبد ~~الدار، فقال له علي عليه السلام: أنا القضم وحمل عليه فقتله، ووقعت الراية ~~على الأرض فأخذها أخوه سعيد بن أبي طلحة، فنصب الراية وقال: هل لك يا قضم ~~في المبارزة؟ فحمل عليه علي عليه السلام فقتله، ووقعت الراية على الأرض ~~فأخذها عثمان بن عبيد الله، فحمل عليه علي عليه السلام فقتله، ووقعت الراية ~~على الأرض فأخذها منافع بن طلحة، فحمل عليه علي عليه السلام فقتله، ووقعت ~~الراية على الأرض فأخذها مولى لهم يقال له صواب، فنصبها لقومه فحمل عليه ~~علي عليه السلام فضرب يده اليمنى فطرحها، ووقعت الراية على الأرض فأخذها ~~صواب بشماله فنصبها فضربه علي عليه السلام فطرح شماله، ووقعت الراية على ~~الأرض فأخذها بذراعيه فنصبها إلى صدره فحمل عليه علي عليه السلام فقتله، ~~وقد أشار إلى ذلك الإمام الحسن بن بدر الدين عليه السلام في شرح أنوار ~~اليقين حيث قال: # وهو ms2843 الذي هد يوم أحد # سبعا من الرايات بين الأسد # يوم مواساة النبي المهدي # وجاء بذي الفقار المهذي # قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادى منادي يوم ~~أحد لاسيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. # وفي أنوار اليقين في ذلك اليوم جاء النداء من السماء، لافتى إلا علي ~~ولاسيف إلا ذو الفقار، وقد نظمه فيما ذكر حسان بن ثابت فقال: # ولقد سمعت مناديانادى # فأسمع كل أهل المحفل # لاسيف إلا ذو الفقار # ولا فتى في الناس طرا كلهم إلا علي PageV21P393 ومعنى الآية {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فسيخلوا كما خلوا، ~~وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تمسكوا بدينه بعد ~~خلوه ؛ لأن الغرض من بعد الرسول تبليغ الرسالة، وإلزام الحجة، لا وجوده ~~بينهم أبدا ، ثم قال تعالى: {أفإين مات أو قتل} أي أماته الله أو قتله ~~الكفار{انقلبتم على أعقابكم }. # قال في البلغة: الآلف في قوله فإن ألف إنكار منقولة عن الإستفهام[170]فهو ~~بمثابة قول القائل إذا أنكر إختيار الفساد على الصلاح، والخطاء على الصواب، ~~ودخل على الشرط في قوله أفإين مات، وإن كانت للإنقلاب ؛ لأن تقدير الكلام ~~اتنقلبون على أعقابكم، أو مات محمد صلىالله عليه وآله وسلم أو قتل، فلما ~~انعقد الشرط صار جملة واحدة، وخبرا واحدا، فصار بمنزلة تقديم الإسم على ~~الفعل في الذكر كقول القائل أزيد قام، وكذلك تقديمة في القسم والإكتفاء ~~بجواز الشرط على جواز القسم، ومعنى أنقلبتم على أعقابكم أرتددتم كفارا بعد ~~إيمانكم، يقال لمن صار إلى شيء عن شيء كان عليه، ثم عاد من بعد إلى ما كان ~~عليه أولا أنقلب على عقبه تشبيها برجوع القهقرا، فهذا يدل على أن ما قالو ~~كان كفرا، ويدل على جواز ارتداد كثير ممن آمن بمحمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم، ثم قال تعالى: {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا} أي ومن ارتد ~~بعد إيمانه فما ضر الله شيئا؛ لأن المضار لاتجوز عليه وإنما ضر نفسه ~~لإستحقاقه ms2844 العذاب الأليم الدائم. انتهى. # والغرض منه تأكيد الوعيد؛ لأن كل عاقل يعلم أن الله تعالى لايضره كفر ~~الكافرين، بل المراد أنه لايضر إلا نفسه. PageV21P394 # ثم اتبع الوعيد بالوعد فقال:{وسيجزي الله الشاكرين} أي ويثيب الله المؤمنين ~~الشاكرين لنعمه، ولما كان في قوله فلن يضر الله شيئا إثبات للوعيد والعقاب ~~قابله بالوعد بقوله {وسيجزي الله الشاكرين} إيجابا للوعيد والثواب. # دلت على أن طاعة الله شكر. # وأما قوله تعالى:{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} فجاهد ~~على وجه التسلية عن ما كان يلحق نفس المؤمن لموت النبي صلىالله عليه وآله ~~وسلم من جهة أنه بأذن الله تعالى وهو حض على الجهاد من حيث أنه لايموت فيه ~~أحد إلا بأذن الله أي بعلمه. # وقيل: بأمره محال أن يموت قبل بلوغ أجله المعلوم لله تعالى، وهذا تشجيع ~~على الجهاد لمن تأخر أجله وإن خاض المهالك، وإعلام أن الحذر لاينفع عند ~~بلوغ الأجل، ونزلت الآية فيمن ترك المركز يوم أحد طلب للغنيمة، وفيمن ثبت ~~حتى قتل، وقيل في المنافقين والمؤمنين، وقيل:بل في المنافقين، جوابا عن ~~قولهم لو أطاعونا ما قتلوه. # قال الهادي عليه السلام: معنى كتابا مؤجلا أي علما ملعوما. # قال في البلغة: وانتصب كتابا؛ لأنه مصدر فعل محذو ف، وتقديره كتب الله ~~كتابا مؤجلا أي موقتا، والأجل وقت الحياة. # وقال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أجل الإنسان أجل[171]واحد ~~وهوالوقت الذي يموت فيه. PageV21P395 # قال: وفيها دلالة على أن الموت لايقدر عليه إلا الله كما أن الحياة لايقدر ~~عليها غيره، وهذا عند من أثبت الموت، معنى وقال: غيره لادليل في الآية على ~~أن أجل الإنسان واحد، وللإنسان أجلان: أجل يموت عنده لامحالة، وأجل هو ~~موهبة من الله له، ومع ذلك فلمن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا ~~لموته، وقد روي عن النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه قال: ((صلة الرحم يزيد ~~في العمر)) وهذا الخبر يؤكد الوجه الذي ذكره في الأجل؛ لأنه لو كان إلا أجل ~~واحد لم يكن لهذا ms2845 الخبر معنى، والخبر معروف والأولى على هذا الأصل أن يكون ~~الموت غير القتل. انتهى. # فإن قيل: فإذا قتل الرجل هل يكون ذلك بأذن الله تعالى وبأمره؟ # قيل له: ولاقوة إلا بالله كان قتل الرجل بعلم الله، وعلم الله ماكان من ~~التعدي عليه، وليس ذلك بأمر الله ولاقضائه، فليس علم الله ساقه إلى القتل، ~~ولا هو الذي كان به قبله. # واعلم أن الأذن من الله على ثلاثة أوجه: # إذن فعل فعله في الخلق والموت والحياة. # والثاني: إذن أمر به أولياؤه في الكفرة العصاة كقوله تعالى: {واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم } وقوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}وما أطلق ~~للأولياء من القتل للقاتل، فهذه من فعل الله وأمره وحكمه علىظلمة خلقه. # والثالث: إذن تخلية منه لهم، وترك منه لمنعهم، ذكر معنى هذا بعض أئمتنا ~~عليهم السلام. # واعلم أنه لما رد القاضي عبد الجبار في تفسيره شبه المجبرة وأعرض عن ~~شبههم في هذه الآية. PageV21P396 # قال الرازي: هاهنا واعلم أنه لما كان من خلق القاضي أن يتغافل عن موضوع ~~الإشكال، وذلك لأنا نقول إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح ~~المحفوظ منه الكفر، فلو أتى بالإيمان كان ذلك جمعا بين المنافقين؛ لأن ~~العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين، وهو ~~محال، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنا ينفعه الفرار عن الكلمات الأجنبية ~~عن هذا الإلزام، انتهى كلامه. # قلت: قد أجاب أئمتنا عليهم السلام عن هذا الذي تصوره الشقي وزخرفه الغوي، ~~فقالوا صلوات الله عليهم: علم الله جل وعلا بكفر الكافر وإيمان المؤمن ~~لاتأثير له في حصول شيء من الكفر والإيمان؛ لأن علم الله سبحانه سابق لهما ~~غير سابق إليهما، فيما اختاره العبد من الكفر والإيمان علمه الله سبحانه ~~منه قبل حصوله، بل قبل[172]حصول العبد وحدوثه، ولاتأثير لعلمه تعالى في ~~حدوث الفعل البتة، وذلك لأن الله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه، عالم بالكفر ~~من الكافر، وشرطه وهو إختيار العبد للكفر، وتأثيره على الإيمان مع التمكن ~~من فعله ms2846 وتركه، والله سبحانه عالم أيضا بالإيمان وشروط، وهو اختيار العبد ~~للإيمان مع التمكن من فعله وتركه بالله سبحانه عالم بالأمرين معا، وشرطهما ~~وهو اختيار العبد وتمكنه من فعل ما يفعله منهما وتركه، فلم يكن ذلك جمعا ~~بين المسافتين، ولابين النقيضين لعلمه سبحانه بالأمرين معا، وشرطهما ~~كماذكرنا، وإنما يلزم لو كان لايعلم إلا أحدهما فقط والله اعلم. # وقد قدمنا الجواب على شبه أهل الجبر في غير موضع مما أغنى عن إعادة مثله، ~~ثم قال تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} أي من ثوابها من غير حظ ~~الآخرة، وهو تعريض بالدين، اشتغلوا بالغنيمة عن الجهاد وهم بعض الرماة ~~الذين خالفوا أمر رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم. PageV21P397 # والمعنى ومن عمل للدنيا لم يحرمه ماقسمنا له من الدنيا من غير أن يكون له ~~حظ في الآخرة {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} أي من ثوابها كعبد الله بن ~~جبير، ومن ثبت معه من باقي الرماة وكان أميرهم. # واعلم أن هذه الآية وإن وردت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال؛ ~~لأن هذا تحذير من الإغترار بأحوال الدنيا. # وروى أبو هريرة عنه صلىالله عليه وآله وسلم أن الله يقول يوم القيامة ~~للمقاتل في سبيل الله ((فيماذا قتلت؟)) # يقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت. # فيقول تعالى كذبت بل اردت أن يقاتل فلان محارب، فقد قيل ذلك، ثم أن الله ~~تعالى يأمر به إلىالنار، وقد قيل معنى الآية يعرض للثواب مع مواقعة الكبائر ~~جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في الآخرة لإحاطة عمله بفسقه، ~~وقوله تعالى: {وسنجزي الشاكرين} تأكيد للحزب الأول، وتنبيه على عظم منزلة ~~الشاكر، أي وسنجزي الجزي المبهم العظيم الشاكرين نعمة الله بطاعته. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على أن ترك ما أوجب ~~الله، والإرتكاب لما حرم الله، من الإنقلاب على الأعقاب نعوذ بالله منه، ~~وأن جميع طاعات الله شكر الله. انتهى. # ثم أكد ما تقدم من وجوب التمسك بأمر الله تعالى بعد ms2847 موت الأنبياء عليهم ~~السلام بما أخبر[173] عن الأمم السالفة فقال سبحانه: {وكأين من نبي قاتل ~~معه ربيون كثير}. # اعلم أن هذه من تمام تأديبه تعالى للمنهزمين يوم أحد، والمعنى أن ~~الأنبياء المتقدمين من تابعهم قد كان منهم الصبر على الجهاد، وترك الفرار، ~~فيكف يليق منكم هذا الفرار والإنهزام، قرأ بن كثير: كأين مهموزا، مخففا، ~~وقرأ الباقون كأين مشددا، وهي لغة قريش ومن اللغة الأولى قول جرير: # وكأين بالأباطح من صديق # يراني لو أصبت هو المصابا # التكثير مثل كم. PageV21P398 # قال الواحدي: أجمعوا على أن معنى كأين كم، وتأويلها التكثير لعدة الأنبياء ~~الذين هذه صفتهم، ونظيره قوله {فكأين من قرية أهلكناها}، {وكأين من قرية ~~أمليت لها}، ومعنى قتل معه، أي حال كونهم معه، والمقتول النبي وهو الصحيح. # وعن سعيد بن جبير: ماسمعنا نبي قتل في القتال، ويؤيده قرأة التشديد؛ ~~لأنها تدل على التكثير، أي قتل جموع كثيرة مع النبي، وعلى الأول معناه قتل ~~النبي ومعه جموع كثيرة، والربيون الربانيون، وهم العلماء العالمون. # قال الحاكم: وهو منسوب إلى الرب، أي المتألهون العارفون بربهم. # وقيل: الربيون الجماعات، وأحدها الربة، عن أبي علي، وجماعة. # وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية المنسوبون إلى ~~التربية. # واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء بنوعين: # أولا: بصفات النفي. # وثانيا بصفات الإثبات. # أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى: {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا وما استكانوا} ولابد من الفرق بين هذه الأمور. # فقال في الكشاف: ما وهنوا عند قتل النبي، وما ضعفوا عن الجهاد بعده، وما ~~استكانوا للعدوا، أى استسلموا، وهذا تعريض بما اصابهم من الوهن والإنكسار ~~عند الإرجاف بقتل ر سول الله صلىالله عليه وآله وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن ~~مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكفار، حين ارادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد ~~الله بن أبي، في طلب الأمان من أبي سفيان. # وفي البلغة: الوهن إلى الحد بالخوف، والضعف إنما يكون النقصان القوة ~~والإستكانة، إظهار الضعف والخشوع، ومعناه فلم يهنوا الخوف، ولم يضعفوا ~~بنقصان القوة، ولم يستكينوا للخضوع. ms2848 انتهى. PageV21P399 # ثم قال تعالى: {والله يحب الصابرين} عن دين الله وأمره والجهاد بعدوة فهلا ~~صبرتم........على القتال لو قتل بينكم كما صبر أولئك؛ لأنه يحب الصابرين أي ~~[174]أي مريد إكرامهم، وإعزازهم، وتعظيمهم، والحكم لهم بالثواب وذلك نهاية ~~المطلوب. # قال الإمام عليه السلام : يجب الإقتداء بمن ذكرهم الله في هذه الآية؛ ~~لأنهم من الذين عناهم في قوله{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} فلايهن ~~المؤمن في الجهاد، ولايضعف، ولايذل نفسه لما يصيبه في سبيل الله،انتهى. # ثم اتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال تعالى: {وما كان قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين}. # قال في البلغة: وهو الذي في التهذيب الإختيار في إعراب قولهم النصب وإن ~~كان الرفع جائز بأن يكون اسم كان، وكذلك قوله تعالى: {ما كان حجتهم إلا أن ~~قالوا} وكذلك قوله {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا} أي وما كان قول ~~الربيين الصابرين إلا ماحكى الله تعالى عنهم في الآية. انتهى. # وقيل: هو قول النبي، ومن معه، وقيل: هو قول من بقى من بعد قتل من قتل، ~~فبين تعالى أنهم كانوا مستغنين عند ذلك النصر، والتجلد بالدعاء، والتضرع، ~~وطلب الإمداد، والمعونة، من الله تعالى، والغرض منه أن تقتدي بهم في ~~الطريقة أمة محمد صلىالله عليه وآله وسلم، فإن من عوله في تحصيل مهماته على ~~نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطوب. # قال القاضي: إنما قدموا قولهم {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا... }الآية. PageV21P400 # تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين فإذا لم تحصل النصرة للمؤمنين وظهرت أمارات ~~إستيلاء الأعداء دل بذلك ظاهر على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فلهذا ~~المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والإستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم ~~بدؤوا بالتوبة عن كل المعاصي، وهو المراد بقولهم ربنا اغفرنا لنا ذنوبنا، ~~فدخل فيه كل الذنوب سواء كانت من الصغيرة أو الكبيرة، ثم أنهم خصوا الذنوب ~~العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها، وهو المراد من ~~قوله ms2849 وإسرافنا في أمرنا؛ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه. # قال في البلغة: والإسراف مجاوزة المقدار الذي حد ورسم، ومعناه ~~اغفرإسرارفنا في المعاصي، ثم أنهم لما فرغوا من ذلك سألو ربهم أن يثبت ~~أقدامهم بالمعونة التي تقوى بها قلوبهم فيثبت بها الأقدام عند اللقاء. # وقال بعض العلماء: يثبت الأقدام فعلهم، وأضيف إلى الله توسعا؛ لأنه لما ~~لطف فيه صار بمنزلة فعله قيل: وذلك بإزالة الخوف من قلوبهم، وإزالة الخواطر ~~الفاسدة عن صدورهم، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين؛[175] ~~لأن هذه النصرة لابد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم وهو كالرعب الذي ~~يلقيه في قلوبهم، وإحداث أحوال سماوية، وأرضية توجب إنهزامهم مثل هبوب رياح ~~تثير الغبار في وجوههم، ومثل جريان سيل في مواضع وقوفهم، ثم قال القاضي: ~~وهذا تأديب من الله تعالى وكيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سوا ~~كان في الجهاد أوغيره. PageV21P401 # ثم أخبر تعالى بما أتاهم عقيب دعائهم فقال: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة} قوله فأتاهم الله يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين، أما ثواب ~~الدنيا فالنصرة، والغنيمة، وقهر الأعداء، والثنا الجميل، وإنشراح الصدور ~~بنور الإيمان، وزوال ظلمات الشبهات، وكفارة المعاصي، والسيئات، وأما الآخرة ~~فلاشك أنه الجنة وما فيها من النعيم واللذات وأنواع السرور والتعظيم، وذلك ~~غير حاصل في الحال فيكون المراد أنه تعالى حكم بحصولها لهم في الآخرة فأقام ~~حكم الله بذلك مقام نفس الحصول لما أن كان الكذب في وعد الله والظلم في ~~عدلة محال أو يحتمل فأتاهم على أنه سيؤتيهم على قياس قوله تعالى أتى أمر ~~الله أي سيأتي أمر الله، وإنما خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على ~~جلالة ثوابهم، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن فما خصه الله تعالى ~~بأنه حسن من هذا الجنس، فانظر أنه كيف حسنه ولم يصف ثواب الدنيا بذلك ~~لقلتها وإمتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة زائلة، فإن قيل: أنه تعالى قال: ~~فيما تقدم {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة ms2850 نؤته منها} ~~فذكر لفظة من للدلالة على التبعيض وقال: في هذه الآية {فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الآخرة} ولم يذكر كلمة من فما الفرق؟ PageV21P402 # قلت: قد ذكر الفرق في ذلك بعضهم فقال: إن الذين يريدون ثواب الآخرة اشتغلوا ~~بطاعة الله لطلب الثواب فكانت مرتبتهم في الطاعة نازلة، وأما المذكورون في ~~هذه الآية فهم لم يذكروا من أنفسهم إلا العتب والقصور هضما لأنفسهم وهو ~~المراد من قوله{اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} ولم يروا التدبير، ~~والنصر، والإعانة، إلامن ربهم وهو المراد من قوله {وثبت أقدامنا وانصرنا ~~على القوم الكافرين} فكان مقام هؤلاء الطاعة وتعظيم جلال الله في غاية ~~الكمال، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب وهؤلاء[176] فازوا ببعض الثواب، ~~وهؤلاء فازوا بالكل، ثم قال تعالى: {والله يحب المحسنين} في أقوالهم ~~وأفعالهم، ومعنى يحب أي يريد ثوابهم وإكرمهم وتعظيمهم. # ولما أمر تعالى فيما تقدم بالجهاد وحث عليه أمر بترك الإتمار لمن يثبطهم ~~عن ذلك فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على ~~عقابكم} راجعين عن الإسلام عما كنتم {فتنقلبوا خاسرين}. # روي عن علي عليه السلام: أنها نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأتباعه ~~من المنافقين؛ لأنهم هم الذي ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان ~~محمدا رسولا من عند الله ما وقعت له هذه الواقعة وإنمكا هو رجل كسائر الناس ~~يوما له، ويوما عليه، فأرجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه. # وقال آخرون: المراد اليهود؛ لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود وكانوا ~~يلقون الشبه في قلوب المسلمين، ولاسيما عند وقوع هذه الواقعة. # وقيل: المراد بالذين كفرو أبو سفيان، فإنه كان كبير القوم ذلك اليوم. # قال السدي: المراد أبوسفيان لأنه كان شجرة الفتنة، وقيل: عام في جميع ~~مشاورت الكفار، وهو الأقرب؛ لأن اللفظ عام، وخصوص السبب لايمنع من عموم ~~اللفظ والله اعلم. # ولما كان اللفظ علما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا وخسران الآخرة. PageV21P403 # أما خسران الدنيا: فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الإنقياد للعدو، ~~والتذلل له، ms2851 وإظهار الحاجة إليه. # وأما خسران الآخرة: فالحرمان عن الثواب المؤبد، والوقوع في العذاب ~~المخلد، ثم قال تعالى: {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} فاستغنوا به عن ~~موالاة الكفار وطاعتهم، والمعنى أن تطيعوا الكفار لينصروكم، ويعينوكم على ~~مطالبكم، وهذا جهل؛ لأنهم عاجزون مسخرون، فالعاقل يطلب النصرة من الله ~~تعالى؛ لأنه هو الذي ينصركم على العدو، ويدفع عنكم كيده. # ثم أخبر أنه خير الناصرين، ولو لم يكن المراد بقوله مولاكم الناصر لم يصح ~~أن يتبعه بهذا القول. # قال في البلغة: أجاز الفرا، بل الله مولاكم بالنصب على تقدير بل أطيعوا ~~الله مولاكم أي وليكم وناصركم. # وأما الرفع فعلى وجه الخبر بما ينافي الأول؛ لأنه أضرب عن الأول إلى ~~الثاني، والفرق بين بل ولكن أن تكن لنفي متقدم، أو متأخر نحو قول القائل: ~~ما جاء زيد لكن عمرو، وجاء عمرو ولكن زيد لم يجئ، وليس كذلك، بل لأنه ~~للإضراب عن الأول إلى الثاني سوا كان موجبين أو منفيين، أو أحدهما موجبا ~~والآخر منفيا[177]نحو قولك جاء زيد، بل عمرو، وما جاء بكر، بل خالد، ومعنى ~~{وهو خير الناصرين} أي أن الله أقدر على معونتكم، ونصركم، وأنفع لكم من ~~غيره. انتهى. # ثم أخبر تعالى أن من جملة نصره للمؤمنين إلقاء الرعب في قلوب الكافرين ~~فقال سبحانه:{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا}. PageV21P404 # اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره؛ فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في ~~الترغيب في الجهاد، وعدم المبالاة بالكفار، ومن جملتها ماذكره في هذه الآية ~~أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار، ولاشك أن ذلك مما يوجب إستيلاء ~~المسلمين عليهم، ثم اختلفوا هل هذا الوعد مختص بيوم أحد أو هو عام في جميع ~~الأوقات، فقال كثير من المفسرين: أن هذا مختص بهذا اليوم وذلك لأن جميع ~~الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة، ثم القائلون بهذا القول ذكروا ~~في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: # الأول: أن الكفار لما استولوا ms2852 على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في ~~قلوبهم فتركوهم وفروا من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل وقال ابن ~~ابن أبي كبشة: أين أين أبي قحافة؟ أين أبن الخطاب؟ # فأجابه عمر ودارت بينهم كلمات وما تجاسر أبو سفيان من النزول من الجبل ~~والذهاب إليهم. # والثاني: قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان ولاقوم معه يوم أحد نحو مكة ~~وبلغو بعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم ~~إلا الشريد ........ارجعوا فاستئصلوهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ~~إلى مكة من غير سبب، وبهم العزة والغلبة. PageV21P405 # والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد بل هو عام وذلك أنه لمانال ~~المشركون يوم أحد من المؤمنين ما نالوا بمخالفتهم أمر الرسول صلىالله عليه ~~وآله وسلم وعرفهم الله تعالى ذلك وعدهم النصر وخذلان أعدائهم بالرعب، فنزلت ~~عن ابي إسحاق، ومعناه أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم في قلوب الكافرين حتى ~~يتمرد الكفار ويظهر دينكم على سائر الأديان وقد فعل الله ذلك حتى صار دين ~~الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل، ونظير هذه الآية قوله صلىالله عليه ~~وآله وسلم ((نصرت بالرعب من مسيرة شهر)) وقال: يوم الخندق لما انهزم ~~المشركون للريح التي سلطت عليهم ((نصرت بالصباء، وأهلكت عاد بالدبور )) ~~وعلى هذه الطريقة جرت حال أمير المؤمنين[178]عليهم السلام مع كثير من ~~الكفار؛ لأنه ساق في بعض الأوقات ألوفا من الكفار وحده، فلولم يلقي الله ~~تعالى الرعب في قلوب أولئك لما انقادوا له، وعين الله تعالى سبب خذلان ~~الكافرين، أنه لما كان لشركهم بالله ما لم ينزل به برهانا وحجة فالسلطان ~~هاهنا الحجة والبرهان. # فدلت الآية على بطلان التقليد في الدين؛ لأن ما حجة عليه باطل، والتقليد ~~قبول الشيء من غير حجة ذكره في البلغة. # والوجه في ذلك أن الآية لما دلت على أن الشرك لادليل عليه وجب أن يكون ~~القول به باطلا وهذا إنما يصح إذا كان القول بإثبات ما لادليل عليه يكون ~~باطلا، فيلزم فساد القول بالتقليد ms2853 والله اعلم. # ثم قال تعالى: {ومأواهم النار} اعلم أنه بين أحوال هؤلاء المشركين في ~~الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم، وأحوالهم في الآخرة هي أن مصيرهم ومسكنهم ~~النار يعذبون فيها {وبئس مثوى الظالمين} أي وبئس منزل الظالمين جهنم أي ~~مقامهم إقام الظاهر مقام المضمر للتسجيل عليهم بالظلم، وموضوع بئس للذم كما ~~أن موضوع نعم للمدح. # قال: وإنما قيل لجهنم بئس وإن كان أصله الذم لوجهين: PageV21P406 # أحدهما: أن النفس تنفرعنه كما تنفر من القبح، فجرى الكلام عليه توسعا عن ~~أبي علي. # والثاني: الذم يجري على ما يقبح. # واعلم أنه لما رجع رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة ~~وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، وقال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد ~~وعدنا الله النصر، بين تعالى أنه صدق وعده وأن القدر الذي خلا بينهم وبين ~~عدوهم لعصيانهم لنبيهم، تحذيرا من معاودتهم إياه فقال سبحانه: {ولقد صدقكم ~~الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}. # اعلم أنا قد ذكرنا في قصة أحد أن الني صلىالله عليه وآله وسلم جعل أحدا ~~خلف ظهره واستقبل المدينة، وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا هناك، ~~ولايبرحوا، سوا كانت النصرة للمسلمين، أوعليهم، فلما أقبل المشركون جعل ~~الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف، حتى انهزموا، والمسلمين ~~على أثارهم يحسونهم. # قال الليث: الحسن القتل الذريع يحسونهم أي يقتلونهم قتلا كثيرا، ومعنى ~~بأذنه أي يقتلونهم بلطف الله وتيسيره. # قال في البلغة: ومعنى الآية أنجزكم الله وعده بالنصر لكم[179] وهذا كان ~~يوم أحد في أول النهار حين التقا الجمعان وكان الظفر للمسلمين. # قال: فيها وكان أبو سفيان جمع خلقا كثير من قبائل العرب، وحمل النساء ~~اللواتي قتل أزواجهن يومن بدر وأباؤهن، وأقاربهن، ليكون ذلك زيادة تحريض ~~الكفار على القتال وكانت هند تقدمهم، وهند ناقة، وكان ينادي أبو سفيان يحرض ~~الناس على القتال معاشر قريش والعرب، قاتلوا نصرة لهبل، وانتقاما له في ~~حماتكم الذين قتلوا يوم بدر، وللنسوة الأرامل اللواتي قتل أزاجهن يوم بدر، ~~فلما اصطف المسلمون وأخذو في القتال أظفرهم ms2854 الله تعالى بهم فقتلوا المشركين ~~مقتلة عظيمة، وهزموهم، وهؤلاء النسوة بالمبيضات بادية خلاخلها منادية ~~بالويل والثبور، بعد أن كانت هند تضرب بالدف وقدامها هبل تنشد # ننحن بنات طارق # نمشي على النمارق # والمسك في المعارق PageV21P407 إن تقبلو نعانق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # وكان رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم شد شعبا كان منفذه إلى الجبل وراء ~~معسكره، ثم حرسه بالرجال، وكانوا نيفا وثلاثين رجلا وأمرهم بأن لايبرحوا ~~مكانهم حتى يأتيهم أمره، وكانوا رماة، فعل ذلك صلوات الله عليه وآله وسلم ~~لئلا يغافصهم المشركون من ناحية الشعب، فلما رأو أن الظفر للمسلمين ~~وانهزموا المشركون وأصابوا الغنائم فمالو إليها وأخلوا المكان، وخالفوا أمر ~~رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم إلا نفرا سيرا، وكان خالد بن الوليد أخذ ~~ناحية الجبل منهزما في مائتي فارس فلما بلغ المشركون أنه طلع الشعب ورأه ~~خاليا فهبط فيه مع الجبل وحمل المشركون من ورائهم فقتلوا منهم سبعين رجلا، ~~وانهزم الباقون، ونادى مناد ألا إن محمدا قد قتل، وصاح أبو سفيان بأعلىصوته ~~أعل هبل، أعل هبل، فأجابه النبي صلىالله عليه وآله وسلم ((الله أعلا وأجل)) ~~وأصاب النبي صلىالله عليه وآله وسلم ذلك اليوم ما أصاب حتى من الله تعالى ~~بتقوية قلوب المسلمين لما تابوا مما فعلوه، وخذل الله المشركين فانهزموا، ~~والقصة طويلة ذكرت منها موضع الحاجة في تأويل الآية. انتهى. # ثم قال تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ~~ما تحبون} من النصر عليهم، وذلك الرماة لما رأوا نساء المشركين صعدن الجبل ~~وكشفن عن سوقهن حتى[180]بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة فعند ذلك فشل الرماة أي ~~ضعف رأيهم وجبنوا وتنازعوا. # قال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا؟ # وقال بعضهم: لايخالف أمر رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم، فثبت مكانه ~~وهو عبد الله بن جبير أمير الرماة في دون عشرة. PageV21P408 # وقيل: في أثني عشر رجلا، فكر المشركون على عبد الله وأصحابه فقتلوهم جميعا ~~وانقضت .......المسلمين وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح دبورا وكانت صبا، ~~حتى ms2855 هزموهم، وقتلوا من قتلوا، وهو معنى قوله ثم صرفكم عنهم لتسليتكم، وجواب ~~حتى إذا فشلتم محذوف وتقديره حتى إذا فشلتم وتنازعتم امتحنتم، فأخبر أنما ~~أصابهم كان لفشلهم واختلافهم وعصيانهم؛ لأنه تعالى كان إنما وعدهم النصر ~~بشرط التقوى والصبر علىالطاعة، فلما فشلوا وعصوا منعهم النصر. # ثم قال عزوجل: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} أي منك من مال ~~إلى الغنيمة، ومنكم من أراد ثواب الآخرة بأن لزم الشعب ولم يبرح على طاعة ~~رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم وهو عبد الله بن جبير ومن ثبت معه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: أحكام الفريقين مختلفة فحكم من ~~يريد الدنيا بينه الله في قوله تعالى {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة ~~إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} وحكم من يريد الآخرة ~~بينه الله في قوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا}. انتهى. # قال عبد الله بن مسعود: ما ظننت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلىالله عليه ~~وآله وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحدح، ونزلت هذه الآية. PageV21P409 # وأما قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} فمعناه خلا بينكم ومنعكم تأييده ~~لأجل عصيانكم ليختبركم، أي ليعاملكم معاملة المجتبر فيتميز المخلص من ~~المنافق، فلما كان سبب الإنصراف تخليته أياهم، جاز إضافة الصرف إليه تعالى؛ ~~لأنه لحقهم الخذلان من جهة الله لفشلهم، وتنازعهم، وعصيانهم، وهذا جواب من ~~قال: إن صرفهم عن الكفار معصية، فكيف أضافه إلى نفسه، وأما الممجبرة أبادهم ~~الله تعالى فقد[181] بنوا على قاعدتهم المنهدة أن الخير والشر بإرادة الله ~~وتخليقه. # قال الراوي: معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار وألقى ~~الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم. # قال: وهذا هو قول جمهور المفسرين. # قالت العدلية: في الجواب عند هذا التأويل غير جائز، ويدل عليه القرآن ~~والعقل، أما القرآن فهو قوله تعالى:{إن الذين تولوا ms2856 منكم يوم التقى الجمعان ~~إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} فكيف يضيفه بعد هذا إلي نفسه. # وأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الإنصراف ولو كان ذلك بفعل ~~الله لما جاز معاتبة القوم عليه كما لم تجز معاتبتهم على طولهم، وقصرهم، ~~ومرضهم. # ثم قال تعالى: {ولقد عفا عنكم} لأجل ندمكم فلما ثبتم عفى عنكم فضلا منه ~~ومنا {والله ذو فضل على المؤمنين} نعم الدنيا والدين. # ثم بين تعالى ما كان منهم يوم أحد فقال سبحانه: {إذ تصعدون ولا تلوون على ~~أحد} أي عفى عنكم إذ تصعدون، أو ذكروا إذ تصعدون أي تذهبون في الوادي يوم أحد. # قال في البلغة: يقال صعد في الأرض إصعادا إذا ذهب فيها، وصعد في الجبل ~~صعودا، وإنما قيل هاهنا يصعدون؛ لأنهم كانوا أخذوا ناحية الوادي فرارا ~~وانهزاما. PageV21P410 # وفي التهذيب قيل: معناه صعدوا الجبل فرارا عن ابن عباس، والحسن، ويحتمل أن ~~بعضهم أصعدوا في الوادي، وبعضهم صعد الجبل ، يحتمل أنهم صعدوا الجبل بعدما ~~أصعدوا في الوادي، قال فيها: ومعنى لاتلوون على أحد..........لأحد ولا ~~تلتفتون إليه، وذكر هذا على وجه الذم لهم؛ لأنهم كانوا يهزمون، والنبي ~~صلوات الله عليه وآله وسلم ينادي ورأهم، ولاينالون بندائه ولايلتفتون، إليه ~~وهذا معنى قوله تعالى:{والرسول يدعوكم في أخراكم } أي في جماعتكم الأخرى ~~فكأنه صلوات الله عليه وآله وسلم ينادي ورأهم فيقول: ((عباد الله ارجعوا ~~هانذا رسول الله)) فلم يريجع منهم أحد ولم يجب دعاؤه. انتهى. # يقال جئت في آخر الناس، وفي أخراهم، كما يقول في أولهم وأؤلالهم، ويقال ~~جلس فلان في أخريات الناس، أي آخرهم، والمعنى أنه صلىالله عليه وآله وسلم ~~كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم، أجل إن القوم سبب الهزيمة قد تقدموه ثم قال ~~تعالى: {فأثابكم غما بغم } أصل الثواب الجزاء سوى كان الفعل طاعة أو ~~معصية؛[182] لأنه مأخوذ من قولهم ثاب إليه عقله، أي رجع إليه. # قال تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} فأصل الثواب كل ما يعود إلى ~~الفاعل من جزاء فعله سوى كان خيرا أوشرا ms2857 إلا أن هذا اللفظ كثر استعماله في ~~جزا الطاعات فصار بالعرف والإستعمال كأنه وضع بجزاء الطاعة وهو كلفظ ~~البشارة، أنه يوضع موضع غيره، وإن كان استعماله كثيرا في السرور، ولهذا قال ~~تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} موضعه موضع البشارة ذكره في البلغة، وهو قول ~~الرازي. # قال: فإن حملنا هذا لفظ الثواب هاهنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن ~~حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم، كما يقال تحيتك ~~الضرب، وعتابك السيف، أي جعل ما يرجون من الثواب الغم، والباقي في قوله غما ~~بغم، يحتمل أن يكون بمعنى المعاوضة كما يقال هذا بذاك، أي هذاعوض ذلك. PageV21P411 # ويحتمل أن يكون بمعنى مع، والتقدير أثابهم غما مع غم، أما على التقدير ~~الأول ففيه وجوه: # الأول: وهو قول الزجاج، أنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب أن عصيتم أمره ~~فالله تعالى أذاقكم هذا الغم، وهو الذي حصل لكم بسبب هذا الإنهزام، وقتل ~~الأحباب، والمعنى جازاكم من ذلك الغم. # والثاني: قال الحسن يزيد غم يوم أحد للسلمين بغم يوم بدر للمشركين، ~~والمقصود منه أن لا بقاء في قلبكم إلتفات إلى الدنيا، فلا تفرحوا بإقبالها، ~~ولاتحزنوا بإعراضها، وهو المعنى بقوله {لكيلا تحزنوا}تأسوا {على ما فاتكم} ~~في واقعة أحد، ولا تفرحوا بما آتاكم من وقاعة بدر. # الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله {وآتاكم } الرسول، والمعنى أن ~~لاصحابة لما رأوا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شج وجهه وكطسرت ~~رباعيته، وقتل عمه، اغتموا لأجله، والرسول صلوات الله عليه وآله وسلم لما ~~رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة وقتل أقاربه ~~غم لأجلهم فكان المراد من قوله {فأثابكم غما بغم} هو هذا، أما على التقدير ~~الثاني: وهو أن يكون الباقي قوله غما بغم بمعنى مع أي غما مع غم، أوغما على ~~غم، فهذا جائز؛ لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض يقال مازلت به حتى فعل، ~~ومازلت معه حتى فعل، وبقوله نزلت ببني فلان وعلى بني فلان. # واعلم أن الغموم هناك كانت ms2858 كثيرة فأخذها غمهم بما نالهم[183] من العدو، ~~وفي الأنفس، والأموال. # وثانيها: غمهم بما لحق المؤمنين من ذلك. # وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة، وكسر الرباعية. # ورابعها: ما أرجف به من قتل الرسول. # وخامسها: بما وقع منهم من المعصية، ومايخافون من عقابها. PageV21P412 # وسادسها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك ~~المعصية لم يتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الإنهزام ~~وذلك من أشق الأشياء؛ لأن الإنسان بعد صدورته منهزما يصير ضعيف القلب ~~جبانا، فإذا أمر بالمعاودة فإن فعل خاف القتل وإن لم يفعل خاف الكفر وعقاب ~~الآخرة، وهذا الغم لاشك أنه أعظم الغموم والأحزان، فإذا عرفت هذه الجملة، ~~فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه، وقد عدها وبين ~~اختلافهم في الغمين، وقال بعضهم: إن الله تعالى ما أراد بقوله غما بغم ~~إثنين، وإنما المراد مواصلة الغموم وطولها، أي إن الله عاقبكم بغموم كثيرة ~~مثل قتل إخوانكم وأقاربكم ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم حيث لم يأمنوا ~~أن يهلك أكثرهم، ومثل إقدامكم على المعصية، فكأنه تعالى قال: قد أثابكم هذه ~~الغموم المتعاقبة ليكون ذلك زاجرا لكم على الإقدام على المعصية والإشتغال ~~بما يخالف أمر الله، والله اعلم. انتهى. # ثم قال تعالى:{لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من نصر الله {ولا ما أصابكم ~~}من غلبة العدو. # قال في البلغة: اتصلت اللام التي في كيلا بقوله عفى عنكم على تقدير ولقد ~~عفى عنكم لكيلا تحزنوا؛ لأن في حصول العفو ذهاب غم. # وقيل: اتصلت بوقوله {فأثابكم غما بغم} على تقدير أثابكم {لكيلا تحزنوا ~~على ما فاتكم}من الغنيمة، ولاما أصابكم من الهزيمة. # ثم قال عزوجل: {والله خبير بما تعملون} أي عالم بأعمالكم لايخفى عليه ~~منها شيء وهذا تخويف وتحذير. PageV21P413 # واعلم أنه لماتقدم ذكر مانالهم عقبه بذكر ما من عليهم من الأمن فقال تعالى: ~~{ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} لفظ الإنزال، توسع والمراد أنه ~~وهب، وأعطى أمنة، ونعاسا، وحقيقة أنه خلق فيه ms2859 النوم، ومعناه وهب الله لكم ~~أيها المؤمنون من بعد مانالكم يوم أحد من الغم أمنة يعني يأمنا نعاسا أي ~~نوما؛ لأن النوم يقارب الأمن كما أن الأرق يقارن الخوف، وهذا أمر ~~[184]معروف معتاد بين الناس. # قال في البلغة: سبب ذلك أن المشركين أوعدوا المؤمنين بعد مانزل بهم يوم ~~أحد من القتل والجراح والهزيمة بالمعاودة إلى قتالهم، فبات المؤمنون ~~يترقبون البلاء والقتل فأنزل الله تعالى عليهم الأمنة حتى غلبهم النعاس ~~والنوم فزال عنهم الخوف الذي لحقهم، والحزن الذي خامرهم، ولم يفعل ذلك ~~بالمنافقين الذين أزعجهم الخوف، وهو معنى قوله تعالى: {يغشى طائفة منكم} ~~وهم أهل الصبر، واليقين من المؤمنين{وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني ~~المنافقين الذي أزعجهم الخوف، والفكر، لايهمون غيرها، لاالدين، ولا أهله ~~فلم يزل عنهم الخوف. # ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات: # الأولى: من صفاتهم قوله تعالى{يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} وهؤلاء ~~المنافقون يسيئون بالله الظن، ويكذبون وعد الله تعالى بالنصرة للمؤمنين. # قيل: كان علىظنهم أنهم سيغلبون؛ لأن أهل الجاهلية لم يكونوا على ثقة ~~بالدين، وكان علىظن المنافقين كظنهم، وقيل: ظنهم أن محمدا قد قتل، وقيل: ~~ظنهم أن أمر محمدا باطل كظن أهل الجاهلية عن الأصم. # وقيل: ظنهم ما ذكره بعده يقولون هل لنا من الأمر من شيء. # قال الرازي: قوله غير الحق في حكم المصدر ومعناه يظنون بالله غير الحق ~~الذي يجب أن يظن به وظن الجاهلية بدل منه. PageV21P414 # والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأقبحها مقالات أهل ~~الجاهلية فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الحق، ثم بين أنهم اختاروا من ~~أقسام الأديان التي هي غير حقة، أزكاها وأكثرها بطلانا وهو ظن الجاهلية كما ~~يقال فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة. انتهى. # الثانية: من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى ~~{يقولون هل لنا من الأمر من شيء} أي يقول بعضهم لبعض علىجهة الإنكار ~~والإستبعاد، ومعنى هل النفي لا الإستفهام، قيل: كانوا يقولون قد أخرجنا إلى ~~القتال كرها، ولو ms2860 كان الأمر إلينا لما خرجنا. # وقيل: أرادوا به أنه ليس لنا شيء من الظفر، والنصر، الذي وعدنا وكان هذا ~~القول منهم علىوجه التكذيب لرسول الله صلىالله عليه وآله وسلم. # واعلم أن قوله هل لنا من الأمرمن شيء حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق ~~بها، وذلك أن عبد الله [185]ابن أبي لما شاوره النبي صلىالله عليه وآله ~~وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأنه لايخرج من المدينة، ثم أن الصحابة ~~ألحوا على الرسول صلىالله عليه وآله وسلم في أن يخرج إليهم فغضب عبد الله ~~بن أبي من ذلك وقال: عصاني وأطاع الولدان، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ~~ورجع عبد الله بن أبي، فقيل: له قتل بنوا الخزرج فقال: هل لنا من الأمر من ~~شيء؟ يعني أن محمدا لم يقبل قولي حين أمرته أن يسكن في المدينة ولايخرج ~~منها، ونظيره ما حكاه الله عنهم قالوا: لو أطاعونا ما قتلوا، والمعنى هل ~~لنا أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الإنكار، ثم أن الله تعالىأجاب عن هذه ~~الشبهة بقوله عزوجل{قل} يا محمد { إن الأمر كله لله} يصرفه كيف يشاء، فربما ~~عجل النصر وربما أخره لنوع من المصلحة ولايكون لوعده خلف البتة. # ثم عاد إلى الأخبار عن نفاقهم فقال سبحانه: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك} أي يضمروا ما في قلوبهم من شك ونفاق، لا يظهرونه لك. PageV21P415 # وقيل: تفسير يخفون ما لايبدون لك قوله {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا هاهنا} فهذا القول هو الذي أخفوه والذي ظنوه، وهذا هو النوع الثالث ~~من الصفات أي لوكان الأمر باختيارنا ما خرجنا إلى هؤلاء ولا قتلنا ولكن ~~أخرجنا كرها عن الحسن، وقيل: لو كان الأمر علىما وعدنا من النصر والغلبة ~~والظفر لنا لم يقتل من قتل منا، وكان هذا شكا منهم في وعد الله عن أبي مسلم. # والفائدة: في هذه البينة أن يكون الرسول صلىالله عليه وآله وسلم متحرزا ~~عن مكرهم وكيدهم. # ثم إنه تعالى أجاب عن قولهم هذا من ثلاثة ms2861 أوجه: # أحدها: قوله عزوجل {قل لو كنتم} يامنافقون {في بيوتكم} في المدينة {لبرز} ~~أي ظهر{الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم }أي مصارع قتلهم، والمعنى لو ~~تخلفتم عن الجهاد لخرح المؤمنون الذين علم الله أنهم يقتلون إلى مضاجعهم ~~التي يصرعون فيها قتلا، ولم يتحلفوا بتخلفكم، ومعنى كتب هاهنا فهو علم؛ لأن ~~ماعلم الله فهو واقع لامحالة. # قال القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: جوابا لمن سأله والكتاب فقد يكون ~~من الله علم، وقد يكون إيجابا من الله، فكتب في هذه الآية إنما هو علم منهم ~~وفيهم، ولس معنى فرض، ووجب فيما ذكر في هذه الآية، ومثلها ولكنه خبر عن ~~إحاطة علمه بالأشياء كلها، وقد قال:[286]غيرنا من إخوانك بغير ماقلنا به في ~~الآية من جوابك، فأما ما يقول به من ليس يعلم فليس ........مؤمنا به جواب ~~ولاتكلم. انتهى. # ويزيد هذا المعنى وضوحا وبيانا ما فصله الهادي عليه السلام: في تفسير ~~لهذه الآية حيث قال: إن قال قائل مامعنى كتب وما الكتاب؟ # قلنا له: الكتاب يكون على ثلاثة معان فكلها والحمد لله منير عند من رزقه ~~الله المعرفة بالكتاب والتفسير. PageV21P416 # فمنها العلم، وهو ما سألت عنه، وما كان في الكتاب مثل قوله {فمن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون} يريد بكاتبين عالمين، ~~ومثل قوله في آخر الحجج {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك ~~في كتاب إن ذلك على الله يسير} يريد سبحانه وجل عن كل شأن شأنه بقوله في ~~كتاب، أي في علم معلوم عند الله غير مكتوم. # والثاني: بمعنى الحكم من الرحمن، وفي ذلك ما يقول في واضح الفرقان{وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} إلى قوله{كان ذلك في الكتاب مسطورا} يقال في كتاب ~~الله، وإنما أراد في الله، وكذلك قوله {والطور،وكتاب مسطور} يقول في الحكم ~~منفيا مفروضا، ومن ذلك قوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} يريد ~~وحكمنا عليهم فيها، فذكر أنه حكم على بني إسرائيل بما ذكر أن النفس بالنفس، ~~ومعنى قوله: {فيها} ms2862 أي في التوراة التي أنزلها على موسى صلىالله عليه وآله ~~وسلم وما أشبه ذلك في القرآن مما أراد به الحكم على الإنسان. # والمعنى الثالث: فهو اسم الكتاب المنزل نفسه مثل قوله: {ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} فأراد بذلك هذا الكتاب ~~الكريم الذي بخط المصحف والدفاتر........وتنطوي عليه الصدور والظمائر مثل ~~قوله وما أقسم به في كتابه وتنزيله حين يقول {وكتاب مسطور} وما كان مثل ~~الكتاب مثل هذا وغيره مما أراد به تفسير تنزيله ووحيه، فعلى هذه الثلاثة ~~المعاني يخرج معنى الكتاب، ولن يوجد معنى رابع بسبب من الأسباب،انتهى. PageV21P417 # والوجه الثاني: في الجواب عن تلك المشبهة قوله تعالى:{وليبتلي الله ما في ~~صدوركم} من الإخلاص بما أمركم من الجهاد، ونصرته ببدر، وتخليته في أحد، كل ~~ذلك ابتلاء ومعنىالإبتلاء هو أنه تعالى يعاملكم معاملة المختبر لكم ليكون ~~الجزاء على المفعول لا على المعلوم، مبالغة في القدر فذكر الإختبار[178] ~~لهذا الوجه، وقيل:إنما ذكر الإبتلاء لأن عنده يتميز المؤمن من المنافق، ~~وقيل: ليظهر للخلق المخلص من المنافق، فإن قيل لم ذكر الإبتلاء وقد سبق ~~ذكره في قوله {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم}؟ # قلنا: لما طال الكلام أعاد ذكره وعطف بالواو على الأول. # وقيل: الإبتلاء الأول هزيمة المؤمنين. # والثاني: بسائر الأحوال الجارية بنيهم. # الوجه الثالث: قوله تعالى: {وليمحص ما في قلوبكم } قيل ليطهر قلوبكم، ~~وقيل: ليمحصكم بالعبادة بما يطهربه ما في قلوبكم. # وقيل: ليكفر عنكم السيئات، فيمحصها بذلك عنكم، عن أبي علي، أي يطهر من ~~السيئات بما يقع من الإمتحانات فما شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة وشوكة ألا ~~وهي تكفير الذنب، ليأتي يوم القيامة، وحين يلقى ربه مخلصا لاعيب فيه ~~ولاذنب، وقد مر بيان التمحيص وأصله في هذه السورة، ثم قال: {والله عليم ~~بذات الصدور}أي بما يضمر كل واحد في قلبه من إيمان المؤمنين ونفاق ~~المنافقين وغير ذلك من خير وشر، وقيل: أنه كان يعلم إسراركم فما ابتلاكم ~~لاستفادة علم، وإنما ابتلاكم ليظهر أسراركم، فيقع الجزاء على ماظهر. PageV21P418 # ثم أخبر تعالى مافعل القوم ms2863 وما أسدى لهم، ونهى المؤمنين أن يفعلوا مثل ~~فعلهم، فقال سبحانه: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } إن الذين ~~تولوا أي أنهزموا يوم أحد منكم إيها المؤمنون، قيل: هو من ولي الدبرعن ~~المشركين بأحد، وقتل كل من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة، وقيل: تولوا من ~~المكان الذي رتبهم فيه رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ،لا الفرار من ~~الزحف لكن طمعا في الغنيمة. # قال في البلغة: الجمعان العسكران اللذان التقيا بأحد: # أحدهما: جمع المسلمين. # والثاني: جمع المشركين، وبلغ عدد المشركين ثلاثة ألآف وزيادة، وعدد ~~المسلمين سبع مائة، وأكثرهم كانوا فرسانا متدرعين ذوي أسحلة تامة فانهزموا ~~....... من المشركين ولم يبق مع رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم إلا ~~ثلاثة عشر رجلا خمسة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وكان أمير المؤمنين ~~عليه السلام ثابتا على حالة واحدة، يقاتل الكفار، لم يول وجهه، ولما وقع ~~الإرجاف في العسكر بقتل النبي صلىالله عليه وآله وسلم وقع ذلك في سمعة، فلم ~~يتغير ولم يبرح في العسكر وقال: إن كان محمدا قتل فإن رب محمد حي لايموت، ~~فكان يقاتل إلى أن من الله بإلقاء الرعب في قلوب المشركين فانهزموا، ورجع ~~إلى حضرة النبي صلىالله عليه وآله وسلم [188]من المنهزمين من رجع، وصلح بعد ~~ما فسد، كأمر بيانه في الآي المقدمة. # وروي أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم كان متدرعا يوم أحد وكان في وقت ~~إنهزام المسلمين سعد بن ابي وقاص واقفا بين يديه يرمي المشركين بالنشاب، ~~والنبي صلىالله عليه وآله وسلم يناوله السهم بعد السهم، ويحضه على الرمي ~~ويثني عليه ويمدحه. # قال الرازي: واختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن ولى. PageV21P419 # قال: محمد بن إسحاق: أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ~~ثبتوا، واختلفوا في المنهزمين فقيل أن بعضهم ورد المدينة، وأخبر أن رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم قتل سعد بن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على ~~نسائهم، وجعل النساء يقلن أعن رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم يفرون وكن ~~يحثين ms2864 التراب في وجوههم، ويقلن هاك المعزل أعزل به، ومنهم من قال: أن ~~المسلمين لم يعدوا الجبل. # قال القفال: والذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفر قليلين تولوا ~~وبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب، وأما ~~الأكثرون فإنهم نزلوا على الجبل واجتمعوا هناك ، ومن المنهزمين عمر لاأنه ~~لم يكن في أوائل المنهزمين، ولم يبعد بل ثبت على الجبل إلى أن أصعد النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم، ومنهم أيضا عثمان، انهزم وهو مع رجلين من الأنصار ~~يقال لهما سعد، وعقبة، انهزموا حتى بلغو موضعا بعيدا، ثم رجعوا بعد ثلاثة ~~ايام، فقال: لهم النبي صلىالله عليه وآله وسلم ((لقد ذهبتم فيها عريضة)). # وروي أن امرأة عثمان دخلت علىالنبي صلىالله عليه وآله وسلم وكان النبي ~~وعلي يغسلان السلاح، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أماوالله لاتجدونه لام القوم؟ # فقال لها عليه السلام: لا إن عثمان فصيح الزمان اليوم، فقال: رسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم ((وأما الذين أثبتوا مع رسول الله صلىالله عليه ~~وآله وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار فمن ~~المهاجرين أبو بكر، وعلي، وعبد الرحمن، والزبير بن العوام، ومن الأنصار ~~الجبار بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن ~~حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد)). # وروى ابن عيينة[189]أنه أصيب بين يدي رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم ~~نحو من ثلاثين كلمة يجئ ويجثوا بين يديه، ويقول وجهي لوجهك الفداء، ونفسي ~~لنفسك، وعليك السلام من مودع. انتهى. PageV21P420 # ثم قال تعالى: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} أي حملهم الشيطان على ~~تلك الزلة ببعض ما كسبوه من الذنوب، وهو ميلهم إلى الغنيمة وعصاتهم رسول ~~الله صلىالله عليه وآله وسلم بإخلاالمكان الذي أمرهم بحفظه مع الحرص على ~~طول البقاء فجرهم ذلك إلى الهزيمة؛ لأن الشيطان لايقوي ابتداء وإنما يجدي ~~إغواؤه متى دخل من الثلمة إلى ثلمتها ابن آدم في دينة فإذا دخل منها أجدى ~~ما يوسوس به، فلما خرجوا أعنى الرماة وعصوا ms2865 فتحوا للشيطان بابا فأغراهم ~~بالطمع في الغنيمة فكان ما حدث، وقيل: إنما استزلهم بذكر المعاصي وذنوب ~~قديمة، وقد سلفت لهم فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة، والخروج عنها، ثم قال ~~تعالى: {ولقد عفا الله عنهم} فيه قولان: # أحدهما: أن معنى عفا هاهنا حلم، أي حلم عنهم بأن لم يعاجلهم بالعقوبة، ~~فدل لفظ العفو على عظم الواقعة منهم، ولهذا قال الله تعالى: متمدحا {إن ~~الله غفور حليم} لايعجل بالعقوبة. # والثاني: أنه العفوا المعروف الذي هو الغفران للذنب أي وغفر الله ذنبهم ~~لما أخلصلوا التوبة والإنابة، وقد دل الدليل على أن عفوا الله للعبيد ~~لايحصل إلا بعد التوبة. # ثم نهى المؤمنين عن الإقتداء بهم في أفعالهم فقال سبحانه: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا ~~غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا}. PageV21P421 # اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم لو ~~كانوا عندنا ماماتوا وما قتلوهم، ثم إنه لما أظهر عن بعض المؤمنين قصور ~~وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ماوقع وعفى الله بفضله عنهم، ذكر في هذه ~~الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال: ~~{ياأيها الذين آمنوا} خطاب لأصحاب النبي صلىالله عليه وآله وسلم لايكونوا ~~كالذين كفرو، قيل: أراد المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه. # وقيل: هو عام، فقالوا لأخوانهم، قيل في النفاق والكفر، وقيل: في السب إذا ~~ضربوا في الأرض سافرو لتجارة أو طلب معيشة فماتوا عن السدي، وابن إسحاق، أو ~~كانوا غزا أي غزةس محاربين للعدو فقتلوا، لو كانوا عندنا ماماتوا، وما ~~قتلوا، هذا قول المنافقين لأخوانهم لو كانوا[190] مقيمين عندنا ماماتوا ~~وماقتلوا ذكره الحاكم. # قال في الكشاف: قوله وقالوا لإخوانهم أي لأجل إخوانهم كقوله{وقال الذين ~~كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه}، وقوله والمعنى لايكونوا ~~كهؤلاء المنافقين الذين كانوايقولون لمن خرج في وجه من هذه الوجوه وأدركه ~~الموت، أو ناله القتل، لولم يخرج ولزم مكانه لما أصابه ms2866 ما أصابه وكان هذا ~~غاية الجهل منهم. PageV21P422 # ثم قال تعالى: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} أي عقوبة على الإعتقاد ~~الفاسد أي لايكونوا مثلهم في النطق بذلك ليجعل الله بذلك حسرة في قلوبهم ~~خاصة ويصون منها قلوبكم، ويحتمل أن يكون اللام للعاقبة إذا قالوا ذلك كانت ~~عاقبة حصول الحسرة، وقيل: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا الوقعة لم يقتلوا ~~حسرة؛ لأن حسرتهم مع هذا الظن أشد ممن يعلم أنه كان يموت حضرا ولم يحضروا ~~ذلك أن أقارب المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم؛ لأن ~~أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الفر ولبقى، فذلك ~~الشخص إنما مات وقتل بسب أن هذا الإنسان قصر في منعه فيعتقد السامع لهذا ~~الكلام أنه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيزعليه أو قتله، ومتى اعتقد ~~في نفسه ذلك فلا شك أنه يزداد حسراته وتلهفه، ثم قال تعالى: {والله يحي ~~ويميت} يعني يحي من يشاء ويميت من يشاء سفرا أو حضرا، ألا يتعجل موت السفر ~~ولايتأخر بحضر. # وقيل: فيه حث على القتال كيلايفترو أو إن قل عددهم؛ لأن الموت والحياة ~~إليه تعالى، ولايموت إلا بعد استيفا أجله، وقيل: أراد أن الفرار لايدفع ~~الموت؛ لأنه إليه عزوجل، فذكر الإحياء والإماتة هاهنا دلالة لهم على أن ~~الهرب من الموت لاينجي طلبا للحياة. # ثم قال سبحانه: {والله بما تعملون بصير} أي عالم بأعمالكم يجازيكم بها، ~~والمقصود الترغيب، والترهيب، فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة ~~المنافقين. # ثم حث على الجهاد بأن بين أن الشهادة خير من الدنيا ولذاتها فقال تعالى: ~~{ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة } بما نلتم بالموت ~~أو القتل في سبيل الله {خير مما يجمعون} من الدنيا ولم تموتوا. PageV21P423 # اعلم أنه لماترك هؤلاء الجهاد في سبيل الله أو مالوا إلى حطام الدنيا ~~والإستنكار منه وحرصوا على الحياة الدنيا بين الله لهم أن القتل في سبيل ~~الله والموت في[191]في طاعة الله الجالبين المغفرة ms2867 والرحمة خير لهم مما ~~يجمعون من حطام الدنيا، واكتفى بجواب القاسم وهو قوله المغفرة عن جواب ~~الجزاء، فإن للقاسم صدر الكلام، فهو أولى بالجواب، قرأ حفص عن عاصم بجمعون ~~بالياء على سبيل الغيبة، والباقون بالتا على وجه الخطاب. # أما وجه الغيبة فالمعنى أن يغفر خير ممايجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام ~~الفاني. # وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى مخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله ~~خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا ثم قال:{ولئن متم أو قتلتم ~~لالى الله تحشرون} سوا متم أو قتلتم فإن مصيركم إلىحيث وعدكم ربكم للجزاء ~~والحساب، أي لا إلى الله الرحيم الواسع الرحمة المثبت العظيم الثواب ~~تحشرون، ولوقوع إسم الله هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف ~~المطصل به بشأن ليس بالخفى. # قال بعض النحاة: اللم في قوله {ولئن} خلف من لام القسم، والتي في قوله لا ~~إلى الله جواب القاسم. # وقال غيره: اللام التي في قوله ولئن جاءت مؤكدة لما بعدها تأكيدا لما ~~بعدها، والتي في قوله لا إلى الله جواب قسم محذوف. انتهى. # ثم بين تعالى مجاوزة الرسول عنهم عند مخالفتهم ومساهلته إياهم من رحمته ~~له لين الجانب، حسن الخلق فقال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي ~~فرحمة، وما زائدة، والرحمة لطف الله، وتوفيقه، بالرفق بهم بعد أن خالفوا ~~أمره وتركوا المركز. PageV21P424 # قال الرازي: اعلم أن القوم لما انهزموا عن الرسول صلىالله عليه وآله وسلم ~~يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلىالله عليه وآله وسلم بالتغليظ ~~والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه لما ارشدهم في الآيات ~~المتقدمة إلي ما ينفعهم في معاشهم، ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفى عنهم ~~زاد في الفضل والكرم بأن مدح الرسول صلىالله عليه وآله وسلم على صفحه عنهم ~~وتركة التغليظ عليهم فقال: {فبما رحمة من الله لنت لهم}، ومن أنصف علم أن ~~هذا ترتيب حسن في الكلام. # واعلم أن لينه صلىالله عليه وآله وسلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه قال ~~تعالى: ms2868 {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} وقال: {خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين} وقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}، قال: يجوز أن تكون ما، ~~استفهاما للتعجب تقديره فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما ~~كانت عظيمة، ثم أنه ما ظهر البتة تغليظا في القول ولا خشونة في الكلام، ~~علمو أن هذا لايأتي إلا [192]بتأييد رباني تسديد إلهي فكان ذلك موضع التعجب ~~من كمال ذلك التأييد، والتسديد، فقيل: فبأي رحمة من الله لنت لهم انتهى. # ثم قال تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الفظ بالظا ~~الجافي، والفظ بالضاد تفريق الشيء وانفض القوم تفرقوا، ومعنى غليظ القلب أي ~~قاسي القلب غير ذي رحمة، فالفظاظة في الكلام، والغلظ في القلب. PageV21P425 # وقال في البلغة: الفظاظة والغلظ بمعنى إلا أنه جمع بين اللفظين دلالة على ~~نفي غلظ القول، والقلب، فينفاهما عنه صلىالله عليه وآله وسلم وصفته في ~~الكتب المتقدمة ليس بفظ، ولاغليظ، لاصحوب في الأسواق ولامجزي بالسيئة ~~مثلها، ولكن يعفوا ويصفح، وإذا أوجبت الحكمة تجتبه عن ألفاظة؛ لئلا يؤدي ~~ذلك إلى التنفير فبأن يجنب عن الكبائر وسائر المنفرات التي أعظم من الفظاظة ~~بالإلطاف، ولا بالجبر أولى وأحرى. # ثم بين تعالى ما يرفع شأنهم وتفخم أمرهم فقال تعالى: {فاعف عنهم} فيما ~~يخصك، أي تجاوز عنهم إن أذوك بمكروه، وقيل: فاعف عنهم فرار هم بأحد، وقيل: ~~أصفح عنه تركهم في أمرك بلزوم المكان، ثم قال: {واستغفر لهم } فيما حق الله ~~تماما للشفقة عليهم أي أدع لهم بالمغفرة لا يشفعك فيهم قيل: هذا في الذين ~~تابوا يوم أحد حين وقع منهم ماوقع من الفشل والجبن والإختلاف، وقيل: عام في ~~جميع التائبين. # وقيل: في أصحاب الصغائر؛ لأنه لايأمره بالإستغفار إلا إذا استغفروا غفر لهم. # ثم قال: {وشاورهم في الأمر} يعني استخرج رأيهم. # قال الحاكم: واختلف العلماء في فائدة مشاورته معهم مع استعتابه بالوحي ~~فقيل: تطيبا لنفوسهم، ورفعا من أقدارهم، إذ كانوا ممن يوثق بقولهم، ويرجع ~~إلى رأيهم عن قتادة، والربيع، وابن إسحاق، وعن ms2869 النبي صلىالله عليه وآله ~~وسلم ((إن الله لغني عن المشورة))، ولكن لتألف القلوب، وقيل: ليقتدي به ~~أمته فلايربها منزلة نقص، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم. انتهى. # وعنه صلىالله عليه وآله وسلم ((ما شاور قوم إلا هدوا الأمر رشدهم الله)). # قيل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور قوم شق عليهم الأمر، والأمر هنا ~~الحرب، وغيره مما ليس فيه وحي. PageV21P426 # قال في البلغة: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى أحد برأي ~~نفسه دون وحي نزل فيه يعينه ولم يخرج قط نبني إلى قتال العدوا بأمر الله ~~وأذنه إلا كان [193] الظفر له، وما وقع بأحد من قبل ينازع الناس وفشلهم، انتهى. # ثم قال تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} أي إذا قطعت الرأي بعد الشورى ~~فتوكل على الله في إمضاء أمرك على الرشد فهو اعلم الصلاح دونك فاسأله حسن ~~نظره بعد تفويض الأمر إليه لا على رأيك ولارأي غير ذلك بل انقطع إليه عزوجل ~~مثل الوكل وهو الذي يحسن أن يعمل شيئا إلا ما يحسنه الغير ويدبره له. # ثم قال: {إن الله يحب المتوكلين} المتكل المفوض الأمر إلى الله وهي من ~~منزلة من نالها فقد نال حظا عظيما وهم الذين ينقطعون إليه ويكلون أمورهم ~~إلى لطفه وتدبيره أي والله يريد تعظيم المتوكلين عليه وتقريبهم وإكرامهم ~~وإثابتهم، وقيل: لحاتم الأصم على مايثبت أمرك في التوكل؟ # فقال: على أربع خلال، علمت أن رزقي لا يفوتني فلست اشتغل به، وعلمت أن ~~عملي لايعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، ~~وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا مستحي منه. # وقال: صلىالله عليه وآله وسلم ((لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ~~يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا)). # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: الواجب الإقتداء برسول الله ~~صلىالله عليه وآله وسلم في ذلك لقوله تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة}. انتهى. # ودلت الآية الأولي علىأن الواجب التمسك بمحاسن الأخلاق وخصوصا لمن يدعوا ms2870 ~~إلى الله ويأمر بالمعروف. PageV21P427 # ولما أمر الله بالجهاد، والتوكل على نصره، بين أنه لاناصر سواه، فقال ~~تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم } كما نصركم يوم بدر، وأن تجدوا كما ~~حسن لكم يوم أحد، فمن الذي ينصركم من بعده، والمقصود من الآية الترغيب في ~~الطاعة، والتحذير في المعصية، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن نفي معاصي ~~الله بنصر الله وهو قوله {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة} ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله ~~فلا غالب له، فيحصل من مجموع هاتين الآيتين أن من أطاع الله فقد فاز سعادة ~~للدنيا والآخرة بسعادة لاشقاوة بعدها، وبعز لا ذل معه، ويصير غالبا لايغلبه ~~أحد، وأما من أتى بالمعصية فإن الله يخذله ومن خذله الله فقد وقع في شقاق ~~لاسعادة بعدها، وذل لا عز معه. # قال في البلغة: وقوله فمن الذي ينصركم من بعده خرج[194]مخرج الإستفهام ~~ومعناه التقرير بالنفي وتقديره لاينصركم أحد من بعده، والنصرة من الله ~~تعالى علىضربين: # أحدهما: النصرة بالغلبة علىالعدو وهذا الوجه موقوف على المعلوم من مصالح ~~العباد بحسب اختلاف المعلوم من أفعال العباد. # والضرب الثاني: هو النصرة بالحجة وهذا الوجه ثابت لازم لايختلف والخذلان، ~~قيل: هو الإمتناع من النصرة على العدو في وقت الحاجة إليها، والنصرة عند ~~أكبر العلماء ثواب من الله. # وأما الخذلان فعقاب بالإجماع، وعن بعض العلماء ليست النصرة ثوابا واعتل ~~بأن الله أمرنا بنصرة الفئة المبغي عليها، وقد ينصر الله عباده بقعل اللطف ~~لهم، ويكون الإنسان مخذولا بفقد ذلك اللطف. # ثم قال تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} هذا أمر للمؤمنين بالتوكل ~~على الله، وفيه ترغيب بالطاعة التي يستحق بها النصرة، وتحذير عن المعصية ~~التي يستحق بها الخذلان، وإيجاب التعظيم للمتوكل علىالله. PageV21P428 # دلت على وجوب التوكل على الله في جميع الأمور، والإنقطاع إليه في جميع ~~الأحوال. # واعلم أنه تعالى لما بالغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد ~~ومن جملتها المنع من الغلول فقال سبحانه: ms2871 {وما كان لنبي أن يغل} الغلول ~~الخيانة وأصله أخذ الشيء بخفيه، قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمر، ويغل بفتح ~~اليا، وضم العين، أي ما كان للنبي أن يخون، وقرأ الباقون من السبعة يغل بضم ~~الياء، وفتح العين، أي ماكان لنبي أن يخون، واختلف في أسباب النزل فبعضها ~~يوافق القراءة الأولى، وبعضها يوافق القراءة الثانية. # أما الأولى: ففيها روايات: # أحدها: أنه صلىالله عليه وآله وسلم غنم عن بعض الغزوات وجمع الغنائم ~~وتأخرت القسمة لبعض الموانع فجاء قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال: ~~صلىالله عليه وآله وسلم ((لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما، ~~أترون أني أغلكم مغنمكم)) فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وثانيها: أنها نزلت في أدا الوحي كان صلىالله عليه وآله وسلم يقرأ ~~القرآن، وفيه عيب دينهم، وسب آلهتهم، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت. # وثالثها: روى عكرمة، وسعيد بن جبير أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت ~~يوم بدر فقال: بعض الجهال لعل النبي صلىالله عليه وآله وسلم أخذها فنزلت. # وقيل: نزلت في الرماة الذين تركوا المركز حسبوا أن يقول[195]النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم مثل يوم بدر من أخذ شيئا فهو له، فأخبر الله بظنهم ~~الفاسد. # وأما القراءة الثانية وهي بضم اليا، وفتح العين، ففي تأوليها وجهان: # الأول: أن يكون المعنى ما كان للنبي صلىالله عليه وآله وسلم. # واعلم أن الخيانة مع كل أحد مجرمة، وتخصيص النبي بهذه الجرمة فيه فوائد: # أحدها: أن المجنى عليه كلما كان أشرف، وأعظم، درجة كانت الخيانة في حقه أفحش. # وثانيه: أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه، ~~فيحصل مع عذاب الآخرة فضحة الدنيا. PageV21P429 # وثالثها: أن المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت، فكانت تلك الخيانة ~~هناك أفحش. # الوجه الثاني: في التأويل أن يكون من الإغلال، أن يخون أي ينسب إلى ~~الخيانة. # قال المبرد: تقول العرب أكفرت الرجل جعتله كافرا، أونسبته إلى الكفر، ذكر ~~هذا المعنى الرازي وغيره. # ثم قال تعالى: {ومن يغلل يأت بما ms2872 غل يوم القيامة } أي ومن خان من المغنم ~~أتى بما خانه يوم القيامة حاملا له على ظهره. # وروى ابن عباس، وجماعة من الصحابة: أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم كان ~~إذا غنم مغنما بعث مناديا ينادي ألا لايغلن أحد مخبطا فما دونه، ألا لا ~~يلغن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له جمجمة، وإنما يكون هذا ~~حاله ليفضح به على رؤوس الأشهاد. # وقيل: معنى يأت به أي بعقابه وأثمه، وأن المقصود هنا تشديد الوعيد بأن ~~الله تعالى يحفظ عليه ذلك الغلول ويقرره عليه يوم القيامة ويجازيه؛ لأنه ~~لايخفى عليه خافية. # ثم قال تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} أي عطي كل نفس جزا ~~عملها من غير أن ينقص منه شيء، يقال في اللغة ظلمني حقي أي نقصني منه، وفي ~~الآية دلالة على بطلان قول المجبرة أن الله تعالى لو لم يثبت الأنبياء ~~والمؤمنين لم يكن ظالما لهم ولو عذب الأنبياء من غير ذنب لم يكن ظالما ~~تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # ودلت على عظم مأثم المغلول لما فيه من ظلم الغانمين وأصحاب الخمس. # ودلت على أن الوعيد في أهل الصلاة، وعلىالوعيد في الغلول، وفي سائر ~~الحقوق كالزكاة، وسائر العبادات. # ودلت على أنه تعالى يوفي كل نفس جزا ما كسبت من خير أوشر. # واعلم أنه تعالى لما قال: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} أتبعه بتفصيل هذه ~~الجلمة فبين جزا المطيعين ماهو[196]وجزا المسيئين ماهو؟ PageV21P430 # فقال سبحانه: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله} أي لايستوي ~~المتبع لرضوان الله، والمتحمل بغض الله بعصيانه، وترك إتباعه لرضوان الله، ~~وهذا مثل قوله تعالى {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ~~وله نظائر كثيرة. # وقيل: معناه هاهنا أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من ~~الله في العمل بمعصيته على ما أحب الناس، وقيل: أفمن اتبع رضوان بالجهاد في ~~سبيل الله رغبة فيه كمن باء بسخط من الله بالفرار منه ms2873 رغبة عنه ذكره في ~~البلغة. # قال في التهذيب: البواء الرجوع .......يبؤا بواء إذا رجع به وبؤاته منزلا ~~هيأته؛ لأنه يرجع إليه من حيث هو مأؤاه، ثم قال:{ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~أي من كانت طريقته هذه فمأواه النار وبئس الماؤى إلى المصيرنار جنهم؛ لأنه ~~لانفع فيها ولافرح ولا راحة، ثم قال تعالى:{هم درجات عند الله} أي المجزيون ~~ذوا درجات متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله: # انصب للمنية يعتر بهم رجالي # أم هم درج السيول # قال في البلغة: الهاء والميم كناية عن الفريقين الذي تقدم ذكرهما يعني ~~المتبع رضوان الله والذي باء بسخط الله وتقديره هم أهل درجات عند الله وحسن ~~ذلك لأختلاف أعماهلم صيرهم بمنزلة المختلفي الذوات، ومعناه مراتب الفريقين ~~مختلفة في الثواب والعقاب؛ لأن الجنة طبقات والنار دكات. انتهى. # قال الكلبي: أهل الجنة بعضهم أفضل من بعض وكل في فضل، وأهل النار بعضهم ~~أشد عذابا من بعض، وكل في عذاب ، فإن قيل: إذا كان أهل الجنة بعضهم أفضل من ~~بعض في الدرجات فهل يقع بينهم في ذلك تنافر؟ PageV21P431 # قلت: قد أجاب عن هذا المرتضى عليه السلام على فقال أهل الجنة لهم عطاء على ~~قدر أعمالهم ومنازل على حسب طاعتهم وكل راض بقسمه فرح بما وهب الله له ~~مسرور بمرتبته ..........لقلبه، فأما التحاسد فليس من سبيلهم ولا في الآخرة ~~من أخلاقهم؛ لأن الله يقول {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين} والغل إنما يكون من العداوة والحسد وقد قلع الله في ذلك من صدور ~~المؤمنين وأزاحة من قلوب المتقين فهم في روضة وسرور ونعمة وحبور. انتهى. # وقال: فيها وقيل المراد به اختلاف مرتبتي أهل الثواب والعقاب؛ ~~لأن[197]لأهل الجنة النعيم والكرامة؛ ولأن لأهل النار العقاب والمهانة فعبر ~~عن الوجهين بالدرجات، ثم قال:{والله بصير بما تعملون} أي عالم بأعمالكم ~~فيجازي كلا بما يستحقه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب التفرقة بين من اتبع ~~رضوان الله، وبين من سخط الله عليه في الأحكام إلى ماخصه دليل. انتهى. # ودلت على ms2874 تفاوت درجات المطيع والعاصي وأن المطيع يفوز بالجنة ودرجاتها ~~والعاصي يدخل النار ودركاتها، وذلك خلاف قول المجبرة أنه يجوز أن يدخل ~~المؤمنين النار والكافارين الجنة كما ذكره الرازي فيما مضى في هذه السورة، ~~ودلت على أن رضى الله في الطاعة لأن رضاه موافقة إرادته، والإستمرار عليه، ~~ودلت على أن الإتباع والعمل فعل العبد فيبطل قول المجبرة. PageV21P432 # واعلم أنه تعالى لما بين خطا من سند إلى الغلول والخيانة أكد ذلك فبين عظيم ~~نعمته عليهم به فقال سبحانه: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم} وذلك لأن هذا الرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم ولد في ~~بلدهم ونشاء في بيتهم، ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، والدعوة ~~إلى الله، والإعراض عن الدنيا، فكيف يليق بمن هذه حالة الخيانة، ومعنى ~~أنفسهم أي عزبا مثلهم، أو من ولد المسلمين إسماعيل كما أنهم من ولده، ووجه ~~المنة أن اللسان إذا كان واحدا أسهل عليهم ليعلم منه. # قال في البلغة: من الله على المؤمنين بأن بعث إليهم محمدا رسولا وجعله من ~~قبيلتهم ليكون ذلك شرفا لهم وعزا؛ لأنه لو كان من قبيلة أخرى لكان الشرف ~~لهم، وقيل: من عليهم بجعله من أنفسهم لسهولة الأمر عليهم في تعلم الحكمة ~~منه، وقيل: من عليهم لتبين أحواله لهم في باب الصدق والأمانة والعفة ~~والطهارة التي عند معرفتها يكونوا أقرب إلى القبول منه والسكون إليه، ثم ~~قال:{يتلوا عليهم آياته ويزكيهم} أي يقرأ عليهم آيات الله التي أنزلت عليه ~~ويطهرهم من ذنوبهم بإتباعه، وقيل: معنى يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء، ~~فيحصل لهم بذلك منزلة رفيعة في العالم، وقيل: معنى يزكيهم يأخذ منهم الزكاة ~~فيطهرهم بها، ثم قال تعالى: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} أي وهذا النبي ~~المبعوث إليهم يعلمهم الكتاب الذي أنزل عليه ويعلمهم سنته، والحكمة هاهنا ~~هي السنة كذا في البلغة. PageV21P433 # وقيل: الكتاب والحكمة القرآن سمى كتابا لأنه يكتب، وسمي حكمة لأن فيه بيان ~~ما تحتاج إليه، وقيل:[198]الحكمة الفقه في الدين، ثم بين تعالى ما ms2875 يتكامل ~~به هذه النعمة فقال: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال} عن الإسلام {مبين} فأخبر ~~أنهم كانوا قبل مبعثه إليهم وتعليمه إياهم معالم الدين في ضلال مبين، أي ~~بين ظاهر؛ لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم، وإذا كان وجه ~~النعمة العلم والإعلام ووردا عقب الجهل والذهاب عن الدين كان أعظم، ونظيره ~~قوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}. # قال الحاكم: تدل الآية على عظيم نعمه على عبادة ببعثة رسول على الصفة ~~التي بينا ولا نعمة أعظم من ذلك؛ لأنهم نجوا من العقاب وبة أدركوا الثواب، ~~وتدل على بطلان مذهب المجبرة في الإستطاعة؛ لأنه تعالى بين أن وجه الإنعام ~~بالرسول البيان، فلو كان كلفهم ولا قدرة لم ينفع البيان ولولا البيان لما ~~كان منعما به، فمع فقد القدرة أولى، وتدل على بطلان قولهم في المخلوق؛ لأنه ~~على قولهم لو خلق فيهم الإيمان أمنوا سوى وجد البيان أولم يوجد، ولو لم ~~يخلق لم يكن، فأي فائدة في البيان فكيف يعد هذا البيان نعمة، ويدل على ~~بطلان قولهم من وجه آخر وهو أن بعثة من قومه ليكون أقرب إلى القبول فكيف ~~يصح ذلك وعندهم الأمر موقوف على خلقه على البيان والرسول. انتهى. # ثم عاد الكلام إلى ذكر الجهاد وما كان منهم يوم أحد ويوم بدر وما قاله ~~المنافقون، فقال سبحانه: : {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} ~~الإستفهام للتقدير والتفريع، وتقدير الآية أو لما أصابتكم مصيبة فلم كذا وكذا. # قال في البلغة: الواو التي دخلت على لما جأت العطف جملة علىجملة وتقدمها ~~ألف الإستفهام؛ لأن لها مصدر الكلام والمصيبة التي أصابتهم هي القتل الذي ~~نالهم يوم أحد قتل من المسلمين يومئذ سبعون رجلا، ومعنى قد أصبتم مثليها. انتهى. PageV21P434 # وقيل: أن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر، وهزموهم أيضا في الأول يوم أحد، ~~ثم لما عصوا الله هزمهم الكفار فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام ~~المسلمين حصل مرة واحدة، وهذا اختيار الزجاج، والفائدة في قوله قد أصبتم ~~مثليها هو التنبيه على أن أمور الدنيا لاتبقى على ms2876 نهج واحد، فلما هزمتموهم ~~مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة. # أما قوله تعالى {قلتم أنى هذا} فمعناه من أين هذا وهو استفهام على سبيل ~~الإنكار وسبب تعجبهم[199] أنهم قالوا: نحن ننصر الإسلام الذي هو الدين الحق. # ومعنا الرسول وهم ينصرون الشرك بالله والكفر فكيف صاروا منصورين علينا. # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا من وجهين: # الأول: ما أدرجه عند حكاية السؤال وموهو قوله قد أصبتم مثلها يعني أحوال ~~الدنيا لا تبقى عن نهج واحد، فإذا أصبتم منهم مثلي هذه الواقعة كيف ~~يستبعدون هذه الواقعة. # والثاني: قوله تعالى { قل هو من عند أنفسكم} أي سبب عصيانكم في الخروج عن ~~المقر الذي أقركم فيه نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وتقرير هذا الجواب من وجهين: # الأول: أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا ~~الرسول في أمور: # أولها: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((المصلحة أن لا يخرج من ~~المدينة بل يبقى هاهنا)) فدعاهم إلى التحصن ليتخذوا المدينة حصنا فأبوا ~~وقالوا: لا نرضى إلا بالخروج إلى أحد، فلما خالفوه توجه إلى أحد. # وثانيها: ما حكى الله عنهم من فشلهم. # وثالثها: ما وقع بينهم من المنازعة. # ورابعها: أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع. # وخامسها: اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم في محاربة العدو. PageV21P435 # فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط عدم تلك ~~المعصية كما قال:{بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} ~~فلما فات الشرط لاجرم فات المشروط. # الوجه الثاني: في تأويل ذلك ما روي عن عل رضي الله عنه قال: جاء جبريل ~~عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدر فقال : يا محمد إن الله ~~قد كره ما صنع في قومك في أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين ~~لأن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقبل ~~منهم عدتهم. # فذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ms2877 وسلم ذلك لقومه فقالوا يا رسول الله ~~عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنقوى به على قتال العدوا ونرضى بأن ~~يستشهد منا بعددهم فقتل يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى أهل بدر، فهو معنى ~~قوله {قل هو من عند أنفسكم} أي بأخذكم الفداء واختياركم القتل. # قلت: وهذا كلام الرازي وتفسيره. # وفي الآية الكريمة وما ذكره من تفسيرها دليل على بطلان القول بالجبر من وجوه: # أحدها: أن تقدير أن يكون ذلك حاصلا[200] بخلق الله ولاتأثير لقدرة العبد ~~فيه كان قوله من عند أنفسكم كذبا. # وثانيها: أن القوم تعجبوا أن الله كيف سلط الكافر على المؤمن، فالله ~~تعالى أن آل هذا التعجب بأن ذكر أنكم إنما وقعتم في هذا المكر وسبب شؤم ~~فعلكم، فلو كان فعلهم خلقه الله كما افتريت ذلك المجبرة على الله سبحانه لم ~~يصح هذا الجواب. # وثالثها: أن القوم قالوا أنا هذا أي من اين هذا، فهذا طلب لسبب الحدوث ~~فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب مطابقا للسؤال، وتفسيره كله ~~مشحون بأوضح من هذا في الدلالة على بطلان مذهب المجبرة. # ثم قال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} أي إنه قادر على نصركم لوثبتم ~~وصبرتم كما أنه قادر على التخلية إذا خالفتم وعصيتم. PageV21P436 # وقيل: وصف نفسه بأنه قادر هاهنا وإن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم فهو قادر ~~على نصركم من بعد، وقيل: يدبركم بأحسن التدبير من النصرة مع طاعتكم وتركه ~~مع المخالفة، ثم قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} أي ~~قال في البلغة: والذي أصابكم يوم أحد حين التقى العسكران كان ذلك بعلم ~~الله، وقل: بتخليةالله التي هي تمكين المكلف؛ لأن المكلف لابد من أن يكون ~~ممكنا من فعل ما كلف فعله وترك ما ألزم تركه، ولفظ الأذن يستعمل على وجوه ~~قد تكون بمعنى الأمر وبمعنى التخلية بين العبد وفعله التي هي بمنزلة ~~الإطلاق الذي يسمع بالإذن وتكون التخلية بمعني التمكين وتكون الأذن بمعنى ~~العلم وهو هاهنا بمعنى العلم ولايجوز أن يكون ms2878 بمعنى الأمر هاهنا لأن الله ~~لا يأمر بالكفر والمعاصي. انتهى. # ثم قال سبحانه: {وليعلم المؤمنين} معناه وليميز المؤمنين من المنافقين ~~والكافرين بفعلهم فخرج في الكلام مخرج ما يحدث له العلم في الحالين؛ لأن ~~الله تعالى لا يعامل الخلق في معلومه وقوعه فيه وإنما يعاملهم بحسب مايوجب ~~من أفعالهم ويقع، فكأنه لهذا الوجه عاملهم معاملة من يريد أن يعلم شيئا وأن ~~الله تعالى عالما لذاته بجميع المعلومات، وكلما في القرآن من هذا الجنس ~~فهذا طريقته، ثم قال تعالى: {وليعلم الذين نافقوا} أي وليميزوا من المؤمنين ~~وهو على التأويل الذي ذكرناه والخبر ليعلم هاهنا إلا كيف بالأسم؛ لأن معناه ~~ليعرف، وقيل: خبر محذوف وتقديره وليعلم المنافقين متميزين وهؤلاء المنافقون ~~عبد الله بن أبي، وأصحابه، وذلك أنه انخذل بنحو ثلاث[201]مائة رجل يوم أحد ~~وقال: لهم علام نقتل أنفسنا أرجعوا بنا. انتهى. # ثم وصف المنافقين بصفتهم فقال سبحانه:{وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا}. PageV21P437 # قال:القاسم بن إبراهيم عليه السلام: يعني كونوا بقتالكم لله مطيعين أو ~~ادفعوا فكونوا بقتالكم عن أنفسكم وجرمكم مدافعين إن لم تكونوا مجيبين، وفي ~~ثوابه على القتال لعدوه راغين. انتهى. # وقيل: ادفعوا العدو بتكثير سواد المجاهدين، وإن لم يقاتلوا معنا ؛ لأن ~~الكثرة أحد إثبات الهيبة، والعظمة، والقائل لهم تعالوا عبد الله بن عمرو ~~الأنصاري، يذكرهم ويحذرهم أن يخذلوا نبيه والمسلمين، فلما أبو قال: أبعدكم ~~الله، الله يغني عنكم. # وقيل: القائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم حكى سبحانه جواب ~~المنافقين، عبد الله بن أبي، وأصحابه بقوله{قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} ~~وفيه وجهان: # الأول: أن يكون المراد أن الفريقين لايقتتلان البتة، فلهذا رجعنا. # الثاني: أن يكون المعنى لو نعلم ما يصح أن نسمى قتالا لأتبعناكم، يعنون ~~أن الذي يقدمون عليه لايقال له قتال وإنما هو إلقا النفس في التهلكة؛ لأن ~~رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة، وما كان مستصوب الخروج. PageV21P438 # واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد، وذلك لأن ~~الظن في ms2879 أحوال الدنيا قائم مقام العلم، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ~~ذلك اليوم، ولو قيل: لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب فينبغي لك لو شاهدت ~~من شهر سيفه في الحرب، أن لايقدم على مقاتلته لأنك لاتعلم منه قتالا، وكذلك ~~القول في التصرفات في أمور الدنيا بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات ~~المحاربة، ولا أمارة أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد، فدل ذلك ذكر ~~هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق، وأنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما ~~التلبيس، وإما الإستهزاء، وإما أن كان مراد المنافقين هو الوجه الثاني، فهو ~~إيضا باطل؛ لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن ذلك القتال ~~إلقا النفس في التهلكة، ثم أنه تعالى بين حالهم عندما ذكروا هذاو الجواب ~~فقال: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}في التأويل وجهان: # الأول: أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الإيمان من أنفسهم وما ظهرت ~~منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المسلمين[202]تباعدوا بذلك ~~عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين. # الوجه الثاني: أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل ~~الإيمان؛ لأن تظليلهم سواد المسلمين .........تقوية للمشركين، وقيل: المراد ~~الشهادة عليهم بأنهم كفار، كما يقول الرجل لخصمه أنا أصدق، لايريد أن يجعل ~~لخصمه نصيبا من الصدق، عن أبي مسلم. PageV21P439 # ثم قال تعالى: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} أي يقولون بألسنتهم مالا ~~يعتقدونه بقلوبهم، فجاء لفظ الأفواه تأكيدا، أو المعنى لايتجاوز إيمانهم ~~أفواههم، ومخارج الحروف منهم، ولا نفي قلوبهم منه شيئا، ثم قال: {والله ~~أعلم بما يكتمون} أي لايخفى على الله ما ضمروه وكتموه؛ لأن الله عالم السر ~~والخفيات، فإن قيل المعلوم إذا علمه عالمان لايكون أحدهما اعلم به من ~~الآخر، فما معنى قوله والله {والله أعلم بما يكتمون}؟ # قيل: المراد أن الله يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره والله اعلم. # ثم وصفهم تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم فلذلك ثبطوا غيرهم، ~~واحتجوا لذلك بما حكى الله عنهم ms2880 فقال: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا} القائل لهذا القول عبد الله بن أبي، وأصحابه، قالوا: ذلك ~~في قتلى أحد، أي لو أطاعونا في التقاعد عن القتال حين أمرناهم به ولم ~~يخرجوا ما قتلوا، فخوفوا من أراد موافقة الرسول في محاربة الكفار بالقتل ~~لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل؛ لأن المعلوم من ~~الطباع محبة الحياة، فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى مايورده ~~الشيطان من الوساوس. # قال في البلغة: ويحتمل إعراب الذين ثلاثة أوجه: # أحدها : النصب على البدل من الذين نافقوا بتقدير {وليعلم الذين ~~نافقوا}الذين قالوا. # والثاني: الرفع على البدل من الضمير الذي في تكتمون. # والثالث: الرفع على خبر الإبتداء بتقديرهم الذين قالوا، ثم أجاب الله عن ~~ذلك بقوله: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت} أي قل لهم يامحمد إن كنتم محقين ~~في تثبيطكم إياهم عن الجهاد لئلا ينالهم القتل، والجراح، فادفعوا عن أنفسكم ~~الموت؛ لأن من علم الغيب في أحدهما أمكنه دفع الآخر لذلك وهذا على وجه ~~الإنكار عليهم والتجهيل ذكره في البلغة. PageV21P440 # ثم قال:{إن كنتم صادقين} في قولكم لو قعدوا ما ماتوا، وقيل: المراد الموت، ~~والقتل سببان، أي أن درء القتل وهو دفعه غيره[203]مغن عنكم؛ لأنه سبب واحد ~~من أسباب الموت وبدفعه لايندفع من الموت، ولكن ادفعوا الموت من أسبابه كلها ~~إن كنتم رجالا صادقين. # واعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين ممن قتل من الشداء تثبيطا للناس ~~من الجهاد، وليكونن ذلك حسرة في قلوبهم، عقبه بذلك حال الشهدا ردا عليهم، ~~وترغيبا في الجهاد، وما أعد الله لهم في الشهادة من الكرامة فقال ~~سبحانه:{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون}. # قال الحاكم: في أسباب النزول قال بعضهم: الآية نزلت في شهداء بدر، وكانوا ~~أربعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، منهم عبيدة بن ~~الحارث بن عبد المطلب. # وقال بعضهم: بل نزلت في شهداء أحد، كانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين، ~~منهم حمزة ms2881 بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وسائرهم من الأنصار. # وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لما أصيب ~~إخوانكم بأحد جعل الله تعالى ارواحهم في حواصل طير خضر يرد أنهار الجنة ~~وتأكل من ثمارها)) وشرح من الجنة حيث شأت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت ~~العرش فلما رأوا طيب مقتلهم، ومطعمهم، ومشربهم، وما أعد الله لهم من ~~الكرامة، قالوا: ياليت قومنا يعلمون مانحن فيه حتى يرغبوا في الجهاد، فقال ~~الله تعالى: إنا نبلغ عنكم إخوانكم ففرحوا واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية {ولا تحسبن}. # قال في البلغة: فأخبر الله تعالى عن حال الشهداء أنهم أحياء عند الله غير ~~أموات، ولم يخالف من المفسرين في ذلك أحد إلا أبا القاسم الكعبي، فإنه قال: ~~معناه أنهم يسيحون في الآخرة، فخصوا بالذكر تشريفا وتبجيلا، قال: وفيها في ~~نظير هذه الآية في سورة البقرة، ولم يقل بهذا سواه وأنكر عليه جميع ~~العلماء. PageV21P441 # وقال رجل منهم: هذا الذي ذهب إليه مخالف لظاهر الكتاب وذلك أن الله يقول ~~للمؤمنين المقربين بالقيامة{ولكن لا تشعرون} دليل على بطلان قولك؛ لأن من ~~أقر بالبعث فهو عالم بأن الخلق جميعا ينشرون ويحيون، وإذا كان كذلك فلا ~~يجوز أن ينفي الله عنهم علم ماهو معلوم لهم، وقد قال الله تعالى: في الآية ~~الأخرى {يرزقون} ثم قال: ويستبشرون بالذين لم يلحقوا، إنه يكون قبل دخول ~~الجنة، فإن قيل: أليس المؤمون[204]في البرزخ أيضا أحيا؟ # قيل: هم وإن كانوا كذلك فحال الشهداء يكون أجل، وأشرف، ولسنا نقول أن ~~جميع ثوابهم يصل إليهم وإنما يصل إليه بعضه. انتهى. # وروي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال: سألنا عنها فقيل لنا إن ~~الشهداء على ممر باب الجنة في قبة خضراء، وفي رواية في روضة خضراء. # وعن جابر ابن عبد الله قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~((ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله)) ثم قال: ((ما تريد ياعبد ~~الله بن عمرو أن أفعل ms2882 بك، قال: يارب إن تردني إلي الدنيا فأقتل فيك مرة ~~أخرى)). # وقال بن إسحاق: حدثني عمر بن عبيد، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع ~~إليها ساعة من النهار وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يحب أن يرد ~~إلى الدنيا فيقاتل في الله فيقتل مرة أخرى)). # قال بعض المفسرين: والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التواتر فكيف ~~إنكارها. # قال في التجريد: قيل هم أحياء حقيقة، ومعنى عند ربهم أي في دار جزائه. PageV21P442 # وقيل: عند ربهم أنهم مقربون بذوو زلفى، كقوله {فالذين عند ربك} يرزقون، ~~مثلما يرزق الأحياء، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: يأخذ الله من أجسادهم ما ~~لابد منه في كون ذلك الشخص أباه، ومنهم من قال: تتفصل أرواحهم فقط، ومنهمم ~~جمهور المعتزلة من هذا، لأن المثاب المعاقب الجملة لا الروح وحده، ولايصح ~~أنه جسم ينفصل من الحي بل الروح النفس المتردد في محارق الأنسان. انتهى. # والصحيح أن الروح مما استأثر الله بعلمه وقد ورودت الأثار بأنه يبقى حيا ~~بعد مفارقة الجسد، وأن ملائكة الموت تقبضه، وورد أن الميت يعرف من يغسله، ~~ويدفنه، ويزوره، فلا يبعد أن يكون جسما لطيفا، وفي كلام القاسم، والهادي، ~~والمؤيد بالله، وغيرهم من أئمة أهل البيت عليهم السلام تصريح بأنه جسم، أما ~~القاسم بن إبراهيم عليهما السلام فقال: لمن سأله عن الأرواح بعد مفارقتها ~~الأبدان أحية أم ميتة؟ أرواح المؤمنين إذا فارقت أبدانها في نعيم وكرامة، ~~وأرواح الظالمين إذا فراقت أبدانها في خزي وندامة، حتى ترد الأرواح إلى ~~أبدانها في يوم البعث والقيامة، فأحيا ذلك فهو التخليد، والدوام، الذي ليس ~~له فنا ولازوال[205]ولا له عن أهله براح ولا انتقال:. انتهى. PageV21P443 # وأما الهادي عليه السلام فإنه قال: في جواب من سأله وسألت فقلت كيف يميت ~~الله البدن ولايميت الروح؟ فإن ذلك بحكمه وفضله، وما أراد من الزيادة من ~~كرامة المؤمنين، وأراد من الزيادة من عذاب الفاسقين، فجعل ms2883 الأرواح حية ~~باقية إلى يوم الدين، ليكون روح المؤمن بعد فنائه في البشارات، والسرور، ~~والنعيم، والحبور، بما يسمع من تبشير الملائكة له بالرضى، والرضوان، من ذي ~~الجلال والسلطان، وبما أعد له من الخير العظيم، والثواب الجسيم، كل ذلك ~~يتناها إليه علمه ويصل به من ربه فهمه، فيكون ذلك بزيادة في ثوابه، ومبتداء ~~ما يريد الله من إكرامه حتى يكون يوم القيامة المذكور، ثم ينفخ في الصور ~~النفخة الأولى فيقع بهذا الروح من الموت وما يقع بغيره في ذلك اليوم فيموت ~~ويفنى كما فناء البدن أولا، وكذلك تدبير الله وفعله في إبقاء روح الكافر ~~بعد هلاك بدنه لما في روحه عليه من الحسرة والبلايا بما يعاين ويوقن ويبلغه ~~من أخبار الملائكة وذكرها بما أعد الله له من الجحيم والأغلال، والسعير، ~~وشرب الحميم، وما إليه يصير من العذاب الأليم، فروحه في خزى، وبلا، وحسرات ~~تدوم ولاتفنى، وحلول العويل والشقاء، فيكون ذلك زيادة في بلائه وعذابه، ~~ومقدمة لما اراد من إخزائه حتى ينفخ في الصور فيحق هذا الروح ما حق بغيره ~~من الموت، ويواقعه ماواقع جسمه من الفوت. PageV21P444 # ثم ينفخ النفخة الثانية من بعد موت كل شيء، وهلاك كل حي، ماخلا الواحد ~~الفرد الصمد الذي لايموت، المحي الذي لايخشى من شيء فوتا، ولو كانت الأرواح ~~تموت مع موت الأبدان لكان بذلك فرح، وراحة للكفار، وغفلة وفرحة للأشرار، ~~ولكان ذلك غما، وكأبة على المؤمنين، ونقصانا وتضعضعا لسرور الصالحين، فافهم ~~ثاقب حكمة الله وتقديره، وصنعه في ذلك وتدبيره، وما جعل في تأخير موت ~~الأرواح من الكرامة والهوان للفاسقين فإنك إن فكرت بخالص لبك واستعملت فيه ~~ماجعل من مركب فكرك ،وصحت لك أثار الحكمة وبان لك أن الأمر من الله سبحانه ~~كذلك. انتهى. # وفي الأرواح مارواه الإمام الناصر للحق عليه السلام: في [206]كتاب البساط ~~حيث قال: أخبرني الثقة، عن محمد بن منصور بن جميل، عن فضل، عن الهجري، عن ~~أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الأرواح جنود مجندة ms2884 فما تعارف منها أتلف وما تناكر منها اختلف، حتى لو أن ~~رجلا مؤمنا دخل مسجدا ليس فيه إلامؤمن واحد لذهب حتىيجلس معه، ولو أن رجلا ~~منافقا دخل مسجدا ليس فيه إلا منافق واحد لذهب حتى يجلس معه)) قال عليه ~~السلام: والمساجد مجالس المسلمين. # قال في البلغة: قوله بل أيضا أحيا عند ربهم ارتفع أحيا لأنه خبر ابتداء ~~محذوف بتقدير بل هم أحيا، ولو نصبت جاز في العربية عطف على أمواتا بتقدير ~~اعلمهم أحيا، ومعنى عند ربهم، لا تقتضي المسافة؛ لأنها تستحيل على الله ~~بالدليل القاطع، ومعناه القرب بالكرامة، فكأنه قيل أنهم يكونون بحيث لايملك ~~أحد نفعا، ولاضرا إلا الله تعالى. انتهى. # ومعنى {يرزقون} قيل في قبورهم غدا وعشا، وقيل: يرزقون النعيم في قبورهم. # وقيل: تعجل من نعيم الجنة، ثم قال سبحانه:{فرحين بما آتاهم الله} وما ~~يساق إليه من الكرامة {من فضله}من التوفيق للشهادة وجزائها. PageV21P445 # قال في البلغة: الإيتاء الإعطاء، وانتصب فرحين على الحال من يرزقون لإجتماع ~~الرزق، والفرح في حالة واحدة، وهذا لايكون إلا للحي، فاقتضى هذا أن يكون ~~الشيهد حيا. انتهى. # واعلم أن المتكلمين قالوا: الثواب منفعة خالصة، دائمة، مقرونة بالتعظيم، ~~وقوله يرزقون إشارة إلى النفعة، وقوله فرحين إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ~~ذلك التعظيم، ثم قال سبحانه:{ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } ~~الإستبشار هوالسرور، والفرح بالبشارة معناه أنهم بمنزلة من يبشر في صاحبه ~~بما يسربه، واختلفوا فقيل يقولون إ خواننا يقتلون كما قتلنا، فيصيبون من ~~كرامة الله ما أصبنا عن ابن جريج، وقتادة، وتقديره ويستبشرون بأن يقاتل ~~المؤمنون فيستشهدوا فيلحقوا بمنزلتهم، وقيل: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من ~~تقدم عليه من إخوانه فيسر به ويستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في ~~الدنيا عن السدي. # قال الحاكم: وقيل: معنى لم يلحقوا بهم لم يدركوا فضلهم ومنازلهم، وفي هذا ~~بعث على الشهادة، ومدح لمن يرى نفسه في خير فيتمنى لإخوانه في الله مثله. # ومعنى خلفهم أي الذي بقوا بعدهم[207]اي يسرهم الأمن والكرامة، فاستبشروا ~~بهما لكل من يستشهد بعدهم من ms2885 إخوانهم. # وقوله:{ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} بدل اشتمال من الذين لم يلحقوا بهم ~~أي يستبشرون بما ينزلهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثوا ~~آمنين يوم القيامة يبشرهم الله بذلك فهم يستبشرون به قاله في الجوهر. # ولما تقدم ذكر الشهيد قال تعالى:{يستبشرون بنعمة من الله وفضل} يعني ~~يفرحون عند ورودهم على ما أعد الله لهم على سالف طاعتهم من النعمة الواصلة ~~إليهم والفضل الذي أصابهم من الله، قيل: النعمة ما استحقوه بطاعتهم، والفضل ~~مازادهم من المضاعفة، وقيل: ذكرهما تأكيدا. PageV21P446 # قال بعضهم: الآية تدل على استبشارهم بسعادة إخوانهم، ثم استبشارهم بسعادة ~~أنفسهم؛ لأن الإستبشار الأول في الذكر بأحوال الإخوان، وهذا تنبيه من الله ~~تعالى على أن فرح الإنسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقا بحب أن يكون أتم ~~وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه. # ثم قال تعالى: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} أي علموا أنه يوفر الجزاء ~~ولايضيع عمل محسن، وإنما ذكر ذلك، وإن كان المؤمن يعلم بذلك في الدنيا؛ لأن ~~ذلك يعلم في الآخرة ضرورة ولايعترض فيه بشبهة، وليس المشاهدة والضروري ~~كالإستدلالي فيضاعف به سورورهم كذا في التهذيب، قال: فيه ويدل على أن كل ~~مكلف يجب أن يحفظ ثوابه؛ لأن تضيعه يكون من جهته، ويدل على أن غير المؤمن ~~يخالف حاله حال المؤمنين في أنه لايحب توفير أجره؛ لأنه خص المؤمن بذلك، ~~فلو كان الفاسق بمنزلته لم يكن للتخصيص فائدة، والفاسق هو الذي ضيع أجره ~~وأحبط عمله. # ثم اعلم أن الله عزوجل مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما بغزوة حمراء ~~الأسد، والثانية: تعرف بغزوة بدر الصغرى، وكلاهما متصلان بغزوة أحد، فقال ~~سبحانه: في صفتهم {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } في ~~محل الذين وجوه: # الأول: أن يكون محله هو الخفض على النعت للمؤمنين. # الثاني: أن يكون محله الرفع على الإبتداء أي هم الذين. # الثالث: أن يكون نصبا على المدح، وفي سبب نزول هذه الآية أقوال: PageV21P447 # الأول: أن أبا سفيان وأصحابه[208] لما انصرفوا من أحد ms2886 فبلغوا الروحا ندموا ~~على انصرافهم وقالوا: لا محمدا قتلتم، ولا ألكواعب أردفتم، قتلتموهم لم يبق ~~إلا الشريد، تركتموهم، ارجعوا واستأصلوهم، فرجعوا إلى حمراء الأسد، وسمع ~~بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأراد أن يرهب عدوه على أصحابه إلى ~~أتباعه، ونادى مناديه أن لايخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالإمس، وألقى ~~الله الرعب في قلوب الكفار فانهزموا من غير قتال، فخرج الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم مع قوم من أصحابه، وقيل: كانوا سبعين رجلا، حتى بلغوا حمراء ~~الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال. # وروي أنه كان منهم من كان يحمل صاحبه على عنقه ساعة، وكان المحمول يحمل ~~الحامل ساعة أخرى، كل ذلك لإثارة الجراحات فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على ~~صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. # والثاني: أن هذه الآيات نزلت في غزوة بدر الصغرى، والذين خرجوا مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بموعد أبي سفيان، وذلك أنه لما انصرف يوم أحد قال: ~~يامحمد موعدنا موسم بدر لقابل أن شئت، فقال: صلى الله عليه وآله وسلم ((ذاك ~~بيننا وبينك إن شاء الله)) فلما كان القابل خرج أبو سفيان كما سنذكره الآن ~~إن شاء الله تعالى. # والثالث: قال الأصم: نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس إليه صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد الهزيمة، فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا ~~قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن قتلوا حمزة فقذف الله في قلوبهم الرعب، ~~فانهزموا فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم ودفنهم بدمائهم. # وروي أن صفية جأت لتنظر أخيها حمزة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((ردوها لئلا تجزع من قتل أخيها)). # فقالت: قد بلغني ما فعل بك وذلك يسير في جنب طاعة الله. # فقال: للزبير((فدعها تنظر إليه)) PageV21P448 فقالت: خيرا واستغفرت له، وجأته امرأة قد قتل زوجها، وأبوها، وأخوها، ~~وابنها، فلما رأت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهوحي قالت: إن كل مصيبة ~~بعدك هون، فهذا ما قيل في سبب ms2887 النزول والله اعلم. # ثم قال تعالى: في إيجاب الثواب للمحسنين منهم والمنفي المعاصي {للذين ~~أحسنوا[209] منهم واتقوا أجر عظيم}. # قال في الكشاف: من للتبين؛ لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا ~~واتقوا كلهم لا بعضهم كقوله {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ~~مغفرة} وقيل: المراد للذين أحسنوا منهم في مستقبل أمرهم كما أحسنوا في ~~الماضي واتقوا معاصي الله أجر عظيم. انتهى. # ودلت الآية على عظم منزلة أولئك الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد ما أصابهم؛ لأن معاودت الحرب بعد مثل تلك الحالة مما يعظم موقعه ~~خصوصا مع قلة العدد، ووفور عدد العدو، فإذا صبروا وجاهدوا استحقوا ثوابا عظيما. # ودلت على الأجر يستحق على التقوى، وعلى بطلان مذهب الجبر؛ لأنه تعالى ~~أضاف الإحسان والتقوى إليهم ومدحهم بها، ولو كان خلقا له لكان إضافته إليه أولى. # ثم أخبر تعالى عن حسن بظن المؤمنين الذين تقدم ذكرهم في قوله {للذين ~~استجابوا} فقال سبحانه:{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم }. # قال في البرهان: أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد، ~~وهذا القائل هو نعيم بن مسعود الأشجعي والناس. # الثاني: هوأبو سفيان، وأصحابه، والوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع فيه ~~هذا الجمع هو بعد رجوعه عن أحد سنة ثلاث. انتهى. # قالوا للمسلمين اخشوا جمع أبي سفيان {فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله} ~~كافيا يكفينا شرهم، {ونعم الوكيل} الموكول إليه أمرنا، والوكيل هو الحافظ ~~والمدبر. PageV21P449 # وروى جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: عجيب لمن دهمه أمر كيف لايفرغ ~~إلى قول الله تعالى {حسبنا الله ونعم الوكيل}، والله يقول عقيبه {فانقلبوا ~~بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}، وقيل: أنها في بدر الصغرى سنة أربع بعد ~~أحد بسنة. # قال الرتضىعليه السلام: في تفسير هذه الآية هم القوم الذين لقوا عليا ~~عليه السلام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا لهم الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم، يعنون قريشا أنهم قد جمعوا لرسول الله صلى ms2888 الله عليه ~~وآله وسلم إذ لقيه ناس من المبغضين .........وعظموا عليهم أمر قريش، وكثروا ~~جمعهم قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) ويزداد عند ذلك نية وبصيرة في جهاد ~~الفسقة، ولا يهوله شيء من كلامهم، فذكر الله سبحانه ما [210] كان من الفسقة ~~وبكثرتهم على المؤمنين فأثنا على وليه لما كان من نيته، وجود، عزيمته، في ~~جهاد أعدائه، وكانت هذه القصة وماذكر الله منها في جرحه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV21P450 # الثانية: إلى بدر، وذلك أن قريشا لما ظفر الله بها ورسوله وهزمهم وقتلهم ~~صاح أبو سفيان عند انهزامه، يامحمد موعدك إلى هذا الموضع عاما قابلا، فقال: ~~له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((وهو موعدك إن شاء الله)) فلما كان ~~ذات الموعد أظهرت قريش الجمع والحشد للموعد وخرج صلى الله عليه وآله وسلم ~~في موعدهم إلى بدر لقتالهم، وأخرج علي بن أبي طالب عليه السلام، فأقبل ~~لايلقاه أحد من المنافقين ولاممن في قلبه كفر إلا قال: لهم {إن الناس قد ~~جمعوا لكم }، معنى قريشا، وأحذروهم فإنهم في عساكر عظيمة، فكان عليه السلام ~~يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو يسير في مقدمة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى موعده الذي وعدهم إياه حتى قدم إلي بدر، ولم يجد قريشا ~~وتخلفوا عن الميعاد وجبنوا أن يخرجوا في لقاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فانصرف هو وأصحابه من بعد أن أقاموا ببدر أياما، واستراحوا، واشتروا، ~~وباعوا، ثم انصرفوا كما قال الله سبحانه: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} روى في الكشاف: أنه لما ~~خرج أبو سفيان في العام القابل في أهل مكة ونزل مر الظهران ألقى الله الرعب ~~في قلبه فبدا له أن يرجع فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقدم معتمرا فقال: ~~يانعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وأن هذا عام جدب ولايصلحنا إلا ~~عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع ولكن ms2889 إن خرج ~~محمدا ولم أخرج زاده ذلك جراءة، فالحق بالمدينة فثبطهم، ولك عندي عشر من ~~الأبل، فخرج فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ماهذا بالرأي أتوكم في دياركم ~~وقراركم، فلم يفلت منكم إلا شريد، أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند ~~الموسم، فوالله لايفلت منكم أحد. PageV21P451 # وقيل: مر أبو سفيان بركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل ~~زبيب أن ثبطوا المسلمين من ملاقاته إلى بدر، فكره المسلمون الخروج، فقال: ~~صلى الله عليه وآله وسلم ((والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد)) ~~فخرج صلى الله [211] عليه وآله وسلم في سبعين راكبا، وهم يقولون حسبنا الله ~~ونعم الوكيل. انتهى. # وفي تفسير الرازي سبعين رجلا، منهم ابن مسعود، وبدر الصغرى هذه ~~........وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها في كل عام ثمانية أيام، فلما ~~وصلوا إليها ولم يروا أحدا من المشركين ووافوا السوق وكانت معهم نفقات، ~~وتجارات، باعوا واشتروا، أذما وزيتا وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، ~~وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. انتهى. # وهومعنىقوله {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} حيث وفقهم لما فعلوا. # روي أنهم قالوا هل يكون لنا هذا غزوا؟ فاعطاهم الله ثواب الغزو، وفيه ~~تحسر من تخلف من ثبط الركب، وقيل: لما تجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا: كنا ~~نهيناكم عن الخروج إلى أحد فعصيتمونا حتى نالكم فإن أبيتم إلا الخروج فلا ~~يرجع منكم أحد، قالوا: حسبنا الله، فنزلت الآية عن السدي. # ثم رجع أبوا سفيان إلى مكة، فسمى أهل مكة ............السويق وقالوا إنما ~~خرجتم لتشربوا السويق، وقيل: أيضا في سبب النزول أنه لما خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد مربه معبد الخزاعي وهو يومئذ مشرك، ~~وكانت خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمهم وكافرهم، فقال: ~~يامحمد لقد عزم علينا ما أصابك في أصحابك، ثم خرج حتى لقى أبا سفيان ومن ~~معه بالروحا وقد أجمعوا على الرجعة فقال: يا معبد ما ms2890 ورائك؟ # فقال: إن محمدا خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم ار مثله يتحرقون عليك ~~تحرقا، قد أجتمع معه من كان تخلف عنه يومكم، وندموا على ما صنعوا. PageV21P452 # فقال: ويلك ما تقول؟ # قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. # فقال: إنا جمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. # قال: فإني أنهاك عن ذلك، فغير أبو سفيان ومن معه، فمر به ركب من عبد ~~القيس فقال: أين تريدون؟ # قالوا المدينة. # قال: فهل تبلغون محمدا رسالة حتى أحمل إبلكم هذه زيتا بعكاظ؟ # قالوا نعم. # قال: فإذ جئتموه فاخبروه أنا أجمعنا الرجعة إليه لنستأصل بقيتهم، فمر ~~الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بحمراء الأسد، فاخبروه بقول ~~أبي سفيان، فقالوا حسبنا الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية عن جماعة من ~~المفسرين، منهم ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة، ذكرهم الحاكم، فهذا هو ~~الكلام في سبب نزول هه الآية والله اعلم.[212] # واعلم أنه لما تقدم تخويف الكافر المؤمنين بين تعالى أنه لاينبغي ~~للمؤمنين أن يخافوا ذلك؛ لأنه ناصرهم ومعينهم فقال عزوجل: {إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه} وقيل: هذا عائد على قوله {ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون} فإن الحزن والوهن من تخويف الشيطان لأوليائه إذا نالهم مع ~~رسول الله خوف أوغم فشلوا، ووهنوا، وخالفوا طريقة المؤمنين الذين قالوا ~~حسبنا الله، وصاروا عدوا لله، وأولياء الشيطان، فهو يخوفهم أبدا بالخواطر ~~الفاسدة عن أبي مسلم. # قال في الكشاف: ذلكم مبتدأ خبره الشيطان، ويخوف أولياؤه جملة مستأنفة ~~بيان لشيطنته، أو الشيطان صفة لإسم الإشارة، ويخوف الخبر. انتهى. # فإن قيل: إن الذين سماهم الله بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين فما معنى ~~قوله الشيطان يخوف أولياؤه؟ # قلنا: ذكر المفسرون في الجواب عنه ثلاثة أوجه: # الأول: تقدير الكلام ذلكم الشيطان يخوفكم بأولياؤه. # الثاني: أن هذا علىقول القائل خوفت زيدا عمرو، أوتقدير الكلام {ذلكم ~~الشيطان...}الآية،{ يخوف أولياءه}فحذف المفعول الأول. PageV21P453 # قال ابن الأنباري: وهذا أولى من ادعا جار لادليل عليه، والتخويف يتعدى إلى ~~مفعولين من غير حرف حركا، يتعدي يعطي إلى مفعولين يقال ms2891 خاف زيد القتال، ~~وخوفته القتال، وهذا الوجه يدل على قراءة ابن مسعود يخوفكم أولياؤه. # الثالث: معنى الآية يخوف أولياؤه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، ~~والمعنى يخوف أولياؤه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره، فأما أولياء الله فإنهم ~~لايخافونه إذا هو خوفهم، ولاينقادون لمراده منهم، وهذا قول الحسن، والسدي، ~~فالقول الأولي فيه محذوفان. # والثاني: فيه محذوف واحد. # والثالث: لاحذف فيه، وأما الأولياء فهم المشركون، والكفار، والمراد ~~بالشيطان الركب، وقيل: نعيم بن مسعود، وسمى شيطانا لعتوه وتمرده في الكفر، ~~كقوله شياطين الأنس والجن، وقيل: هو الشيطان يخوف بالوسوسة. # قال في البلغة: وأشير بذلكم إلىحال البعد لدلالة الذكر المقدم على ~~المخوف، ونسب التخويف إلى الشيطان، وإن كان حصل ذلك من قول الناس كما نطقت ~~الآية به؛ لأن الشيطان دعاه إلى ذلك بوسوسته إياهم، وقوله تعالى: {فلا ~~تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين} أي لاتخافوا أولياء الشيطان وخافوا عقابي ~~بمجانبة أولياء الشيطان، والبعد عن جميع المعاصي، وإنما قال: {إن كنتم ~~مؤمنين}؛ لأن الإيمان[213] يقتضي إثبات خوف الله على خوف الناس. # قال الحاكم: تدل الآية على أن وسوسة الشيطان تؤثر في أوليائه لقبولهم ~~منه، لذلك خص الأولياء بالذكر، ومعلوم أنه يخوف من يتمكن منه لكن لما ~~اختصوا بالقبول صاروا كأنه لم يخوف غيرهم، ويدل على الواجب علىالمكلف إن ~~يخاف الله، وأن صفة المؤمنين ذلك، فإنهم لايخافون غيره ؛ لأن قوله {إن كنتم ~~مؤمنين} ليس بشرط، ولكن ذلك طريقة المؤمنين. PageV21P454 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت هذه الآيات علىتحريم الإصغاء ~~إلى قول المرجفين، وعلىوجوب اتباع رضوان الله، والنهي عن خوف من أوجب الله ~~جهاده، والأمر بخوف الله صريحان، انتهى. # ثم أمن المؤمنين من ضرر الكفار وكيدهم، وبين أن ضرر كفرهم عائد عليهم فقا ~~تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} اختلفوا في سبب تزول الآية على وجوه: # الأول: أنها نزلت في كفار قريش والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم ~~فقال:{إنهم لن يضروا الله شيئا} والمعنى لايحزنك من سارع في الكفر بأن يقصد ~~جميع العساكر لمحاربتك فإنهم بهذا الصنع ms2892 إنما يضرون أنفسهم ولايضرون الله ~~بشيء مما يحصل به الضرر؛ لأن المنافع والمصادر لاتجوز على الله تعالى، ~~فلابد من حمل ذلك على أنهم لم يضروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~من المؤمنين شيئا، وإذا حمل علىذلك فلا بد من حمله على ضرر مخصوص؛ لأن من ~~المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا ~~الدين، وإزالة هذه الشريعة، وهذا المقصود لايحصل لهم بل يضمحل أمرهم وتزول ~~شوكتهم، ويعظم أمرك ويعلو شأنك. # الثاني: نزلت في المنافقين، ومسارعتهم أنهم كانوا يقولون أن محمدا صاب، ~~تارة يكون الأمرله، وتارة يكون عليه، فكان الرسول يحزن بسببه. # والثالث: قال بعضهم: أن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش، ~~فوقع الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذلك السبب، فإنه عليه ~~السلام ظن أنه بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة، فأخبر الله تعالى أن ردتهم ~~لاتؤثر في لحوق ضرر بك. PageV21P455 # الرابع: أن المراد رؤسا اليهود كعب بن الأشرف، وأصحابه الذين كتموا صفة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمتاع الدنيا، قال بعضهم: ولايبعد حمل الآية ~~على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار، ثم قال تعالى:{يريد الله ألا ~~يجعل لهم}[214] حظا في الآخرة} من الثواب، وهذا بيان ضررهم. # قال في البلغة: قد قام الدليل على أن الإرادة لاتتعلق إلا على وجه ~~الحدوث، أو ما يتبع الحدوث، ولفظ أن لايجعل لهم، وإن كان مخرجه مخرج النفي ~~فمعناه الإثبات؛ لأن تقديره يريد ا لله إحباط ثوابهم لإستحقاقهم ذلك ~~بإجرامهم، أو يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم، وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ ~~يريد هاهنا في حكم سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب لإحباط ثواب إيمانهم ~~بكفرهم. انتهى. # ثم قال:{ولهم عذاب عظيم} لانهاية له في الشدة والعظم، فهذا الكلام مبتدأ، ~~والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار ~~الآخرة والله ms2893 اعلم. # ثم قال تعالى: {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم ~~عذاب أليم} أي موجع والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان فلايرجع إلى ~~الله ضرر من كفرهم وأعد الله لهم عذابا أليما. PageV21P456 # قال بعضهم: اعلم أن لو جهلنا الآية الأولى على المنافقين واليهود وحملنا ~~هذه الآية على المرتدين جاز، ولا يبعد أيضا حمل الأولى على المرتدين، وحمل ~~هذه الآية على اليهود، ومعنى اشترى الكفر بالإيمان منهم أنهم كانوا يعرفون ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على ~~أعدائه، فلما بعث كفروا به، وتركوا ما كانوا عليه، فكأنهم اعطوا الإيمان، ~~وأخذو الكفر بدلا عنه، كما يفعل المشتري من اعطى شيئا وأخذ غيره بدلا عنه، ~~ولايبعد ايضا حمل هذه الآية على المنافقين، وذلك لأنهم متىكانوا مع ~~المؤمنين أظهرا الإيمان، فإذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا الأيمان، ~~وكان ذلك كأنهم اشتروا بالإيمان. # قال الحاكم: إنما كرر لن يضرو الله شيئا؛ لأنه ذكر الأول تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم للمؤمنين. # والثاني: لأن ضرره عائد عليهم، وقيل: بل ذكره تأكيدا عن أبي مسلم. # وقال بعضهم: الفائدة في هذا التكرار أمور: # أحدها: أن الذين اشتروا بالإيمان لاشك أنهم كانوا كافرين أولا، ثم أمنوا، ~~ثم كفروا بعد ذلك، وهذا يدل على شدة الإضطراب، وضعف الرأي، وقلة الثبات، ~~ومثل هذا الإنسان مما لاخوف منه ولاهيبة له ولاقدرة له البتة على إلحاق ~~الضرر بالغير. # وثانيها: أن أمر الدين أهم الأمور وأعظمها، ومثل هذا مما لايقدم الإنسان ~~فيه على الفعل، أو على الترك، إلا بعد إمعان النظر، وكثرة الفكر، وهؤلاء ~~يقدمون على الفعل والترك في مثل هذا[215]المهم العظيم بأهون الأسباب، وأعظم ~~الموجبات، وذلك يدل على عقلهم، وشدة حماقتهم، وأمثال هؤلاء لايلتفت العاقل إليهم. PageV21P457 # وثالثها: أن أكثرهم إنما ينازعونك في الدين، لا بناءا على الشبهات، بل بنا ~~على الحسد، والمنازعة في منصب الدنيا، ومن كان عقله هذا القدر وهو أنه بيع ~~بالقليل من الدنيا السعادة العظيمة في الآخرة وكان في غاية ms2894 الحماقة، ومثله ~~لايقدرعلى إلحاق الضرر بالغير، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله اعلم. # دلت الآية على أن على الرسول الدعاء، وليس عليه الإعتماد بأمرهم، وعلى أن ~~ضرر كفرهم عائد عليهم، وكذلك كل عمل، فيبطل قول المجبرة، وعلى أن المنازعة ~~والشر فعلهم، فيبطل قولهم في المخلوق، ولاحجة لهم في قوله {يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة}؛ لأنا نقول أنه تعالى يريد عقابهم جزاء على كفرهم، ~~ولايريد إثابتهم، وإنما كان لهم حجة لو قال: يريد الله كفرهم. # واعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم إنما ثبطوهم؛ لأنهم خوفوهم أن يقتلوا كما قتل المسلمون ~~يوم أحد، والله بين أن أقوال هؤلاء الشايطين لايقبلها المؤمن، ولايلتفت ~~إليها، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله، ثم بين بعد ذلك أن ~~بقاء هؤلاء المختلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد، فقال ~~سبحانه:{ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم}أي نمهلهمم، ونطيل أعمارهم، ~~أونخلي بينهم وبين مايريدون من الكفر وأنواع المعاصي{خير لأنفسهم} من ~~اخترامهم وموتهم، بل لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا، ~~والعقاب الأليم في القيامة، وقيل في وجه النظم: أولئلك الذين قتلوا يوم أحد ~~صاروا وسيلة إلى الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، ~~فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل ~~لايقبله إلاجاهل. PageV21P458 # قال في البلغة: الأملاء تطويل المدة، فمعنى نملي لهم بطول أعمارهم وإنما ~~قال: لاتظنوا أن طول عمرهم خير لهم من القتل في سبيل الله؛ لأنه ورد الخبر ~~أن أولئك الكفار قالوا: لو لم يرد ما نحن فيه وعليه لما أمهلنا، ولم يطول ~~أعمارنا، فعلى هذا الوجه كأنه قيل لايظنوا أنه خير لهم من حيث أنهم فعلوا ~~ما استحقوا لأجله طول العمر فلا يغتروا بطول عمرهم ظنا أن ذلك لعهد قدموه، ~~فلأجله استحقوه[216]وأن ذلك لمنزلة لهم عند الله. انتهى.{إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما}. # قال الحسين بن القاسم عليهما ms2895 السلام: معناه {لا تحسبن} تركنا لهم من ~~المعاجلة لكرامتهم، ولايجتر تزيده بهم، وإنما انظرناهم وأملينا لهم ليكون ~~ذلك حجة عليهم، ولئلا يزدادوا إثما ويتوبوا إلى ربهم، فقامت اللام مقام ~~لئلا. انتهى. # قال المرتضى عليهما السلام: سئل عن هذه الآية جدي القاسم عليه السلام ~~فقال: الإملاء منهه الإبقاء، وتأخير العذاب، والنقم فيما ارتكبوا من الأثم، ~~والجرم، فاعلم أن الإملاء من الله نعمة وإحسان، وازدياد الأثم منهم فأساءة ~~وعصيان، فمن الله سبحانه الإملاء، ومنهم الإعتداء، وتأخيره سبحانه لإنزال ~~العذاب بهم إنما هو ليزدادوا بالبقاء والإملاء إثما ولأنفسهم بما ارتكبوا ~~من الظلم هلكة وإخزاء، والإملاء والإبقاء فهومن فعل الله بهم وازدياد الأثم ~~من فعلهم وكسبهم، فلما أثروا اعتداءهم علىما يمكنهم من هداهم جاز أن يقال ~~أملوا ليزدادوا إثما، وردى كما يجوز لو اهتدوا أن يقال أملوا ليزدادوا برا ~~وهدا. انتهى. # قال الرازي: هذه الآية نص على أن المقصود من هذا الإملاء هو أن يزدادوا ~~الأثم، والبغي، والعدوان، وذلك يدل على أن الكفر والمعاصي بإرادة الله تعالى. PageV21P459 # قلنا: بل هي نص صريح على فساد قولك؛ لأنه تعالى أضاف ازدياد الأثم إليهم، ~~وكذلك أضاف الإحسان إليهم، وأما اللام فليست لام الإرادة؛ لأنه لو أراده ~~منهم لكانوا مطيعين له؛ ولأن إرادة القبح قبحة، وقال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} ثم علىمذهبك كان ينبغي أن يقال إنما نملي لهم ليزيدهم ~~كفرا بأن يخلق فيهم، بل هذه اللام لام العاقبة إنما نملي لهم، وعاقبتهم ~~إزدياد الأثم كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} قال ~~الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للحراب # وقال آخر: # وأم سماك فلا تجزعي # فللموت ما يلد الوالد # ثم قال تعالى:{ولهم عذاب مهين} أي لهم عذاب فيه هوان وذل فالمهين هو الله ~~تعالى على الحقيقة، وأضيف إلى العذاب توسعا ومجازا؛ لأن الله تعالى أهانهم ~~بذلك العذاب. # ثم وعد الله تعالى المؤمنين النصر، والإظهار، عطفا على ما تقدم من الوعيد ~~فقال سبحانه: {ما كان الله ليذر المؤمنين}[217] على ما أنتم عليه} من ~~التباس المخلص ms2896 بالمنافق، {حتى يميز الخبيث من الطيب}. PageV21P460 # قال الرازي: اعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد فأخبرتعالى أن ~~الأحوال التي وقعت في تلك الحادثة من القتل والهزيمة، ثم دعا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إياهم مع ما كان بهم من الجراحات إلى الخروج لطلب ~~العدو، ثم دعا إياهم مرة أخرى إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان، فأخبر تعالى ~~أن كل هذه الأحوال صار دليلا على امتياز المؤمن من المنافق؛ لأن المنافقين ~~خافوا ورجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم، ثم ثبطوا وزهدوا المؤمنين في العود ~~إلى الجهاد، فأخبر تعالى أنه ما كان يجوز في حكمته أن يذركم على ما أنتم ~~عليه من اختلاط المنافقين بكم، وإظهاركم أنهم منكم، ومن أهل الإيمان، بل ~~كان يجب في حكمته إلقا هذه الحوادث، والوقائع، حتى يحصل هذا الإمتياز، فهذا ~~وجه النظم. # قلت: وهذا معنى ماذكره في البلغة والتهذيب. # وقيل: يميز الخبيث من الطيب بالوحي، يخبره صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~فلانا في قلبه النفاق، وفلانا في قلبه الإخلاص؛ لأنه يعلم السر وأخفى. PageV21P461 # وقال المرتضى عليه السلام: هذه الآية نزلت في المؤمنينن والمنافقين من قبل ~~فرض الجهاد، فكان المؤمنين الصادق قولهم، الخالصة نياتهم، الصحيحة عزائمهم، ~~يقولون يا رسول الله لو فرض الله الجهاد عليك كما فرضه على من كان قبلك أو ~~امتحنا بما كان يمتحن به الأمم من قبلنا لسلمنا ولقمنا واجتهدنا وابتلينا ~~في الله ونصحنا، وكان المنافقون يقولون مثل قول المؤمنين سواء، ويصفون عن ~~أنفسهم مايصفه المؤمنون من نياتهم، فاستوا في الظاهر، واختلفوا، في ~~الضمائر، فلم يفرق بينهم في الضمائر بشيء من الأمور فأنزل الله تعالى {ما ~~كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} الآية، ففرض الله سبحانه علىنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلىمن معه الجهاد، فأماز أهل الشرك والأرتياب، ~~وبانوا الجميع أهل الدين في الألباب، فعرفوا بكذبهم، واستدل عليهم بغشهم، ~~ونفذ المؤمنون لطاعة ربهم مصممون في مرضاة خالقهم، لم يشكوا في دينهم، ولم ~~يرتابوا في بصائرهم، بل زادهم ذلك ms2897 إيمانا، ويقينا، وهدا، وعزما، فميز الله ~~بما افترض من جهاد أعدائه، وقد كانوا عند الله من المميزين، وهو بهم عالم، ~~وعلى سرائرهم مطلع، ولكن أبانهم لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وميزهم ~~للمؤمنين، ولجميع الصالحين، فكان من المنافقين ما قد بلغك في خروج النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله[218]إلى بدر ورجوعهم عنه، وما كان من عبد الله ابن ~~سلول المنافق من الرجوع بكثير من الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فلما يضر بذلك إلا نفسه، ويولى الله النصر لنبيه وأظهر كلمته ولوكره ~~المشركون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على أن من لم يكن مؤمنا متصف ~~بالخبث والله يقول: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات}. انتهى. # ثم قال تعالى:{وما كان الله ليطلعكم على الغيب}. PageV21P462 # قال في البلغة: أي وما كان الله ليطلعكم على تلك الأحوال بأن يوحي إليكم ~~إطلاعا لكم على الغيب، ولكن الله يطلعكم عليه بطريقة التكليف والإمتحان، ثم ~~قال:{ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} أي ولكن الله يصطفي بالرسالة من ~~يستصلحه لها من عباده ويطلعه علىالغيب بحسب ما يعلم من المصحلة فيه، وهو ~~كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ارتضى من رسول} انتهى. # ثم قال تعالى: {فآمنوا بالله ورسله} يعني فصدقوا الله ورسله بأن يقدروا ~~الله حق قدره، وتعلموه وحده مطلعا على الغيوب، وبأن تعلموا رسله عبادا ~~لايعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله، والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنوع الحوادث المكروهة في قصة أحد، فبين الله ~~تعالى أنه كان فيها مصالح، منها تميز الخبيث من الطيب، فلما أجاب عن هذه ~~الشبهة قال:{فآمنوا بالله ورسله} يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه ~~الشبهة التي ذكرتموها في الصغر في نبوته فقد أجبنا عنه، فلم يبق إلا أن ~~تؤمنوا بالله ورسله، وإنما قال: {ورسله} ولم يقل ورسوله؛ لأن الطريق الذي ~~يتوسل به إلى الإقرار بنبوة أحد الأنبياء ms2898 ليس إلا المعجز، وهو حاصل في حق ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فوجب الإقرار بنبوته، فلذلك قال: {ورسله} ~~والمقصود التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحدة، فمن أقر ~~بنوة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوة الكل، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد ~~بالثواب فقال تعالى: {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم}. # قال في البلغة: أمرهم بالإيمان بالله ورسله على الإخلاص وضمن الثواب ~~العظيم إذا آمنوا وجانبوا المعاصي. انتهى. PageV21P463 # واعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في الآيات ~~المتقدمة، شرع بعد ذلك في التحريض[219]علىبذل المال في الجهاد وبين الوعيد ~~الشديد لمن يخل ببذل المال في سبيل الله فقال عزوجل: {ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم}. # قال الحاكم: قرأ حمزة وحده {ولا يحسبن} بالتاء وفتح السين، والباقون ~~بالياء، وهو الأختيار؛ لأن أكبر الأئمة عليه، وهو أظهر في توجيه الآية. # قال الرازي: أما على قراءة حمزة فقال الزجاج: معناه لاتحسبن بخل الذين ~~بخلوا خير لهم، فحذف المضاف لدلالة تبخلون عليه، وأما من قرأ بالياء ~~المنقوطة من تحت ففيه وجهان: # الأول: أن يكون فاعل تحسبن ضمير رسول الله، أو ضمير أحد، والتقدير ولا ~~تحسبن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخل الذين يبخلون خيرا لهم. # الثاني: أن فاعل تحسبن الذي يبخلون وعلى هذا التقدير يكون المفعول ~~محذوفا، وتقديره ولاتحسبن الذين بخلون بخلهم خيرا لهم، وإنما جاز حذفه ~~لدلالة يبخلون عليه كقولهم من كذب كان شرا لهم، أي الكذب، ثم قال سبحانه: ~~{بل هو شر لهم } أي البخل شر لهم، لاستحقاقهم عليه العقاب الأليم، واتصلت ~~الآية بما قبلها لما جرى من ذكر أحوالهم في الجهاد أنهم يبخلون في الإنفاق ~~في سبيل الله كما يبخلون بمنع الزكاة وترك إخراجها من أموالهم، والبخل منع ~~الواجب، والعرب تسمي مانع القرا بخيلا، لاعتقادهم أنه شيء واجب عليه. # وقيل: هم قوم من أهل الكتاب بخلوا بأن بينوا للناس ما أنزل في كتابهم، ~~وقوله: {سيطوقون ما بخلوا ms2899 به يوم القيامة} تفسير لقوله بل هو شر لهم، أي ~~سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق، وفي أمثالهم تقلدها طوق الجماعة إذا ~~جاء بهند يسابها ويذم، وقيل: يجعل ما بخل به من الزكاة حية في عنقة تنهشه ~~من قرنه إلى قدمه، وتقول أنا مالك، أنا مالك، أنا مالك. PageV21P464 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ((مانع الزكاة بطوق شجاع أقرع)) وروي أسود. # وعن النخعي: سيطوقون بطوق من نار، وقوله تعالى: {ولله ميراث السماوات ~~والأرض} ترغيب في الإنفاق، وبيان أن أملاكهم تزول، وأنه يبطل جميع الأملاك، ~~ويبقى ملكه، فكأنه عاد ميراث إليه. # وقيل: هو بيان أنه دائم لايزول، باقي لايفنى، ويرغب في طاعته والإنقطاع إليه. # ثم قال: {والله بما تعملون خبير} أي عالم باعمالكم فيجازي كل أحد بعلمه، ~~وفيه ترغيب وترهيب. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: [220]دلت على تحريم البخل ما يجب. انتهى. # وذلك أن البخل صفة ذم، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لايكون إلا مع الواجب، ولذلك ~~كان منعه شرا له، وذلك لايكون إلا في ترك الواجبات، فيدل أن الآية وردت في ~~ما ينفي الزكاة وسائر الواجبات دون النوافل والله اعلم. # واعلم أنه تعالى لما أمر المكلفين في هذه الآيات ببذل النفس وبذل المال ~~في سبيل وبالغ في تقرير ذلك شرع بعد ذلك في حكايات شبهات القوم في الطعن في ~~نبؤته صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه: وجل عن كل شأن شأنه {لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} لقد فيه معنى القسم، ~~والمراد والله {لقد سمع الله قول الذين قالوا}، ومعنى سمع الله أي أدرك ~~ذلكس بعلمه. # واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل إلا أن العلماء نسبوا هذا القول ~~إلى اليهود، لقوله تعالى حاكيا عنهم أنهم قالوا أن يد الله مغلولة، يعنون ~~أنه بخيل بالعطاء، وذلك الجهل منا سبب للجهل المذكور في هذه الآية. # قال في البلغة: قيل كان سبب الآية أن الله تعالى لما أنزل قوله {من ذا ~~الذي يقرض ms2900 الله قرضا حسنا}. # قالت جماعة من اليهود: أن الفقير يستقرض من الغني، فالله الفقير ونحن ~~الأغناء، فأنزل الله الآية. PageV21P465 # وقيل: هم قوم من اليهود قالوا ذلك لضيق الرزق عليهم، ولايبخلوا إما أن ~~يقولوا ذلك اعتقادا أو استهزا، وإيما كان فهو دليل على تمردهم في الكفر ~~لعنهم الله تعالى، وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد. # وقال الحسن: وهذا القائل حيي بن أخطب، وقيل: فخاض اليهود والله اعلم. # ثم قال تعالى: {سنكتب ما قالوا} قرأ حمزة سنكتب بالياء وضمير على مالم ~~يسم فاعله، وقتلهم برفع اللام على معنى سنكتب قتلهم، والباقون بالنون وفتح ~~اللام، إضافه إليه تعالى، وهذا وعيد على ذلك القول، والمراد من كتبته ~~عليهم، هو أن لايلغي، ولا يطرح، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على ~~وجه لايزول ولايتغير كتبوه، فالله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك ~~عليهم، وقيل: المراد به ما يكتب في صحائف الحفظ. # الأول: هو الذي ذكره أئمتنا عليهم السلام، وقد مر بيان ذلك في غير موضع ، ~~ثم قال سبحانه: {وقتلهم الأنبياء بغيرحق} أي ونكتب قتلهم الأنبياء، أي ~~سيحفظ قولهم وقتلهم الأنبياء، وقرن القول بقتل الأنبياء إيذانا بأنهما ~~إخوان في الفحش، فإن قيل كيف أضاف[221] قتل الأنبياء إلى هؤلاء الذين كانوا ~~في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم لم يتولوا الأنبياء ~~عليهم السلام؟، قلنا ذلك، المفسرون الجواب عنه من وجهين: # أحدهما: سنكتب ما قال هؤلاء، ونكتب ما فعله أسلافهم، فيجازي الفريقين بما ~~هو أهله، كقوله تعالى{وإذ قتلتم نفسا} أي قتلة أسلافهم {وإذ أنجيناكم من آل ~~فرعون يسومونكم}{وإذ فرقنا بكم البحر} والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم، ~~والمعنى سنحفظ عن الفريقين معا أقوالهم وأفعالهم. PageV21P466 # والوجه الثاني: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم، ونكتب عليهم رضاهم بقتل ~~أبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم، عن الشعبي أن رجلا ذكره عنده عثمان، ~~وحسن قتله فقال: صرت شريكا في دمه، ثم قرأ الشعبي {قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم} فسمى هؤلاء ms2901 قتلة، وكان بينهما قرب من ~~سبع مائة سنة، ويزيد هذا الوجه تأييدا وتأكيدا قول المرتضى عليه السلام، ~~فإنه معنى قتلهم الأنبياء فهو الرضى منهم بقتل أبائهم لمن سلف من النبيين، ~~فلما أن وصلوا بذلك كانوا من القاتلين، ولفعل من سلف من المصوبين، وفي ذلك ~~لا محالة من الداخلين، وفي هذا ما يروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رحمة الله عليه حين يقول في خطبته بصفين، أيها الناس إنه سيشرك في حربنا ~~هذه من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ~~كيف ذلك في قوم لم يحضروا؟ # فقال صلوات الله عليه: يأتون من بعدنا فيرضون بفعلنا فيكونوا منا، أو ~~يسخطون فعلنا فيكونون من عدونا، شاهد هذا الحديث الذي يروي عن أمير ~~المؤمنين كتاب الله مصدق لحديثه رحمة الله عليه قول الله تبارك وتعالى في ~~كتابه لأهل الكتاب {تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} فأمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم {فلم تقتلون أنبياء الله ~~من قبل} وهم فلم تقتلون الأنبيا، وإنما رضو بفعل أبائهم فصاروا بذلك شركا ~~لهم في عذابهم، داخلين في قبح نياتهم، وأفعالهم، مستوجبين لدار أسلافهم ~~{حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير}، ثم قال عزوجل: {ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق} خبر عزوجل بما يصيرون إليه، ويجاوزون به في الآخرة من عذاب الحريق، ~~والعذاب الشديد، جزاء على فعلهم، ومكافاة على أعمالهم. انتهى. PageV21P467 # ولما ذكر تعالى الوعيد الشديد ذكر سببه فقال: {ذلك بما قدمت أيديكم وأن ~~الله ليس}[122] بظلام للعبيد} أي ذلك العذاب الذي يعدون به إنما هو لأجل ~~مافعلتموه من المعاصي، ووصفتم بالفقر وأقدمتم على قلت الأنبياء فيكون هذا ~~العقاب عدلا لا جورا، وأضيف التقديم إلى الأيدي على سبيل المجاز؛ لأن ~~الفاعل هو الإنسان لا اليد، إلا أن اليد لما كانت ألة الفعل وأكثر أفعال ~~العبد تكون بها حسن إسناد الفعل إلى اليد على سبيل المجاز، وموضع البا في ~~قوله بما رفع؛ لأنه خبر ذلك، ونفي الله تعالى ظلم ms2902 عباده عن ذاته، فدلت ~~الآية على بطلان قول المجبرة في إجازة تعذيب الله للأطفال، وعبيدهم لو عذب ~~الله من لم يفعل جرما لكان ذلك حسنا، ودلت الآية على أنه لو وقع العقاب من ~~غير جرم سلف لكان ظلما تعالى الله عما يقول الجاهلون به علوا كبيرا. # ثم ذكر تعالى من أقاويلهم ما يكون حجة عليهم فقال سبحانه: {الذين قالوا ~~إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار}. # اعلم أن هذه الآية هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وتقريرها أنهم قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول ~~حتى يأتينا بقربان تأكله النار وأنت يامحمد ما فعلت ذلك فوجب أن لايكون ~~نبيا من الأنبياء، فهذا بيان وجه النظم. # قال الحاكم: نزلت هذه الآية في جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف، وحيي ~~بن أخطب، قالوا: يا محمد إن الله عهد إلينا في التوراة أن لانؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أن الله بعثك إلينا فجئنا به نصدقك، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الكلبي. PageV21P468 # وقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة من حاكم يزعم أنه ~~نبني فلا تصدقوا حتى يأتي بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح، ومحمد ~~فإذا أتياكم فأمنوا فإنهما يأتيان بغير قربان. انتهى. # فحذفوا هذه الزيادة في التوراة وكتموها والله اعلم. # وقال بعض العلماء: إن ادعا هذا الشرط كذب على التوراة، واستبدل على ~~بطلانه بوجوه، فذكرها الرازي، والقربان مصدركالكفر، وقد يكون فعلان اسما ~~كالبرهان، ثم سمى به نفس التقرب به، والقربان كل بر يتقرب به العبد إلى الله. # قال عطا: كانت بنوا إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم ~~فيصفونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~البيت ويناجي ربه وبنوا إسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء ~~لها دوي خفيف لادخان لها فتأكل ذلك القربان وفي محل[223]الدين وجوه: # أحدها: قال الزجاج هذا بعث ms2903 العبيد، والتقدير {وما ربك بظلام للعبيد} ~~الذين كانوا كذا وكذا. # وثانيها: أن التقدير {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنيا}، وقول الذين قالوا{إن الله عهد إلينا}. # وثالثها: أن يكون رفعا بالإبتداء، والتقدير هم الذين قالوا ذلك، وقوله ~~عهد يقال عهد الله أي أوصى، وعهد أي أمر أي أمرنا في التوراة أن لانصدق ~~رسولا حتى يأتينا بقربان. PageV21P469 # قال المرتضى عليه السلام: هذا قول أهل الكتاب كذبوا فيه على الله عزوجل ~~وقالوا زورا وبهاتا عظيما، فأكذبهم الله سبحانه في آخر الآية فقال: لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} المعجزات مثل ~~يحيى، وزكرياء {وبالذي قلتم}من القربان{فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} في ~~قولكم أن الله عهد إليكم فيما سالتم فلم قتلتم من جائكم بالبينات وبالقربان ~~الذي طلبتم، فأوقفهم الله سبحانه على كذبهم، وقرعهم بما كان من فعلهم، ~~والقربان شيء كان يقر به الأولون من طريق البر والطاعة لله سبحانه مثل ~~الكباش وغيرها من الأطعمات، فتخرج نار فتأخذ قربان أزكاهم عملا وأقربهم عند ~~الله محلا، وتدع ما ليس يزكي ولا مقربه مؤمن رضي، كما فعل بني آدم في ~~قربانهم فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وقد قيل أن الكبش الذي ~~فدى الله به إسماعيل عليه السلام هو قربان آدم أنزله الله على إبراهيم صلى ~~الله عليه وآله وسلم والله اعلم كيف كان ذلك. انتهى. PageV21P470 # واعلم أنه تعالى بين لهذا الدليل أنهم يطلبون هذا المعجز لاعلى وجه ~~الإسترشاد بل على وجه التعفف، وذلك لأن أسلاف هؤلاء اليهود طلبوا هذا ~~المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا، ويحيى، وعيسى، عليهما السلام، وقد ~~أظهروا هذا المعجز، ثم أن اليهود سعوا في قتل زكرياء، ويحيى ويزعمون أنهم ~~قتلوه عليه السلام أيضا وذلك يدل على أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز ~~من أولئك الأنبياء على سبيل التعفف إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم، ~~ثم أن هؤلاء المتاجرين راضون بافعال أولئلك المتقدمين ومصوبون لهم في ms2904 كل ما ~~فعلوا فجعلهم الله قاتلين لهم لكونهم موالين ومحبين لأبائهم وأهل حمية ~~عليهم مع كفرهم، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا المعجز من محمد صلوات ~~الله عليه وآله وسلم متعنتين، وإذا ثبت أن طلبهم لهذا المعجز وقع على سبيل ~~التعنت لا على سبيل الإسترشاد لم يجب في حكم الله إسعافهم بذلك، لاسيما وقد ~~تقدمت المعجزات الكبيره لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا جواب ~~شاف[224]عن هذه الشبهة. PageV21P471 # ثم قال تعالى: تعزية وتسلية له صلى الله عليه وآله وسلم {فإن كذبوك فقد كذب ~~رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير} أي إن أكذبوك هؤلاء ~~جروا على عادت أسلافهم في تكذيب الرسل عليهم السلام، والبينات المعجزات ~~هاهنا، والزبر الكتب التي فيها الزجر والمواعظ، ويسمى كتاب داود عليه ~~السلام زبورا لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ، والكتاب المنير الهادي إلى ~~الحق، والموضح له، أي والرسل الذين كذبوهم هؤلاء الذي تقدم ذكرهم كانوا قد ~~كانوا أجابوا بالمعجزات والكتب قاله في البلغة، والمقصود من هذا الكلام ~~تسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبيان أن هذا التكذيب ليس مختصا ~~به من بين سائر الأنبياء، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع الأنبياء، والطعن ~~فيهم، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب كحالك، ومع هذا ~~فإنهم صبروا على ما نالهم من ذلك الأمم واحتملوا إيذائهم في جنب تأدية ~~الرسالة فكن متاسيئا بهم سالكا مثل طريقهم في هذا المعنى. PageV21P472 # واعلم أنه لما تقدم صفة المؤمن المجاهد المنفق وصف الكافر الباخل عقب ذلك ~~بخطاب الجميع فقال تعالى: تسلية للمؤمنين ووعداله ووعيد للكافرين {كل نفس ~~ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} أي تجازون على أعمالكم فيه إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر،، والمعنى كل نفس حية ذائقة، أي طاعمة مرارته، قطع ~~الله تعالى بذلك طمع الأحياء في الدوام علىالحياة الدنيا والخلود فيها، ~~وبين تعالى أن تمام الأجر والثواب لايصل إلى المكلف إلا يوم القيامة؛ لأن ~~كل منفعة تصل إلى المكلف في الدنيا ms2905 فهي مكدرة بالغموم والهموم، وبخوف ~~الإنقطاع والزوال، فالأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم ~~القيامة؛ لأن هناك يحصل السرور بلا غم، والأمن بلاخوف، واللذة بلا ألم، ~~والسعادة بلا خوف الإنقطاع، وكذا القول في جانب العقاب فإنه لايحصل في ~~الدنيا ألم خالص عن شوائب اللذة بل يمتزج به راحات وتخفيفات، وأما الألم ~~التام الخالص الباقي فهو الذي يكون يوم القيامة نعوذ بالله منه، ثم قال ~~سبحانه: {فمن زحزح} أي أبعد ونجى {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} أي ظفر ~~بكل مطلوب إلى غير حد، وهذا كالتنبيه على أن الإنسان حين ما كان في الدنيا ~~كأنه كان في النار، وما ذاك إلا لكثرة أفاتها، وشدة بلياتها، ولهذا قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((الدنيا سجن المؤمن)). PageV21P473 # واعلم أنه مقصود للإنسان وراء[225]هذين الأمرين الخلاص عن العقاب، والوصول ~~إلى الثواب، فأخبر تعالى أن من وصل إلى هذين المطلوبين فقد فاز بالمقصود ~~الأقصى، والغاية التي لا مطلوب بعدها، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) وقرأ قوله ~~تعالى {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} وقال صلوات الله عليه وآله ~~وسلم: ((من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فليتذكر منيته وهو يؤمن ~~بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتي إليه)) ثم قال تعالى: ~~{وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} أي ما الدنيا وحياتها وزينتها إلا ~~متاع الغرور يعني متاعها تمتع به، ثم يبطل لسرعة زوالها، جعل مثل الغرور ~~الذي لاحاصل له، وقيل: الغرور الباطل، يحتمل أن يكون مصدرا من غررت فلانا ~~غرورا، وأن يكون جمع غار أي غافل، كذا قد ورد قود، وساجد، وسجود، كذا في ~~التهذيب عن أبي عمر، وشبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به .......حتى يشتريه، ~~ثم يبين له فساده، والمدلس هو الشيطان، وهذا لمن آثرها على الآخرة وإلا فهي ~~نعم المطلبة. # قال بن الجوزي: يريد أن العيش فيها يعز الإنسان بما يمنيه ms2906 من طول البقاء ~~وسينقطع عن قريب. # قال الحاكم دلت على أن الظفر، والخير كله في الجنة، وأن الدنيا غرور ~~لايغتر بها إلا جاهل. انتهى. # واعلم أن فساد الدنيا من وجوه: # أولها: أنه لوحصل للإنسان جميع مراداته لكان غمه وهمه أزيد من سروره لأجل ~~قصر وقته وقلة الوثوق به، وعدم علمه أنه هل ينتفع به أم لا. # وثانيها: أن الإنسان كلما كان وجدانه لمرادات الدنيا أكثر كان حرصه في ~~طلبها أكثر، وكلما كان الحرص أكثر كان يألم القلب بسبب ذلك الحرص أشد، فإن ~~الإنسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصود سكنت نفسه وليس كذلك بل يزداد طلبه وحرصه ~~ورغبته. PageV21P474 # وثالثها: أن الإنسان يقدر ما يجد في الدنيا بقى محروما من الآخرة التي هي ~~أعظم السعادات والخيرات، ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة علمت أن الدنيا متاع ~~الغرور، وأنها كما وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه ~~ورضوانه حيث قال: لئن مسها قاتل سمها. # وقال بعضهم: ظاهرها مطية السرور، وباطنها مطية الشرور، والله اعلم. # ولما تقدم الوعد للمؤمنين بالنصرة والأمر بالصد بين بعد ذلك أن الدنيا ~~دار محنة وابتلاء، فقد يلحقهم فيها ما يكرهون، وإن كانت العاقبة لهم فقال ~~تعالى: {لتبلون في أموالكم}[226] وأنفسكم} أي تختبرون في أموالكم بالآفات، ~~والإنفاق في سبيل الخير، وفي أنفسكم بالقتل والحرب وأنواع المصائب، وقيل: ~~في اتصال الآية أنه بين أن الدنيا دار الغرور وبين أنها دار ابتلاء، وإنما ~~زويت عن المؤمنين لمصلحة، وقيل: لما بين أنها دار غرور بين أنها طريق إلى ~~سبل الآخرة ليتزود منها. # قال الواحدي: في قوله لتبلون اللام لام القسم، والنون دخلت مؤكدة، وضمت ~~الواو لسكونها وسكون اللام لنون ولم تكسر لإلتقاء الساكنين لآنها واو جمع، ~~فحركت بما كان تجب ما قبلها من الضم، ومثله اشتروا الظلالة، واختلفوا في ~~معنى هذا الإبتلاء فقال بعضهم: المراد ما ينالهم من الشدة والفقر، وما ~~ينالهم من القتل، والجرح، والهزيمة، من جهة الكفار ومن حيث ألزموا الصبر في ~~الجهاد. # وقال الحسن: المراد به التكاليف المعلقة ms2907 بالبدن والمال وهو الصلاة ~~والزكاة والجهاد. PageV21P475 # قال القاضي: والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين، فلا تمنع حمله عيلهما قوله ~~تعالى:{ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا} والخطاب للمؤمنين، وكانوا يذمونهم الذم الكبير، فالمراد منه أنواع ~~الإيذاء الواصلة من اليهود، والنصارى، والمشركين، بالطعن في دينكم والصد ~~لمن آمن به، وذاك أنهم كانوا يقولون عزير بن الله، المسيح ابن الله، ثالث ~~ثلاثة، وكانو يطعنون في الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم، ولقد كان كعب بن ~~الأشرف يهجوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحرض المشركين عليهم ~~..........المؤمنين فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن مسلمة، ~~وأبا نائلة، فقتلا غيلة وأتوا برأسه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فأما المشركين فهم كانوا يحرضون العساكر على محاربة الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ويثبطون المسلمين عن نصرته، فيجب أن يكون الكلام محمولا على ~~الكل إذ لبس على البعض أولى من حمله على الباقي. # ثم قال تعالى: عطفا على الأمرين{ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} ذكره الحاكم في سبب نزول الآية قولين: # أحدهما: أنها نزلت في كعب ابن الأشرف، والباقي أنها نزلت في فنخاص ~~اليهودي في سيد بني قينقاع لما بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أبا بكر يستمده، وكتب إليه كتابا فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم إلى أن ~~نمده، فهم أبو بكر أن يضربه، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((لا تحدث شيئا حتى ترجع)) فكف ونزلت هذه الآية عن عكرمة، ومقاتل، ~~وابن[227] جريج. انتهى. # وللآية تأويلان: PageV21P476 # الأول: أن المراد منه أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمصابرة على ~~الإبتلاء في النفس والمال، والمصابرة على تحمل الأذى، وترك المعارضة، ~~والمقابلة، وإنما أوجب الله تعالى بذلك؛ لأنه أقرب إلى دخول المخالف في ~~الدين كما قال سبحانه:{فقولا له قولا لينا}وقال:{)قل للذين آمنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله} المراد بهذا الغفران الصبر، وترك الإنتقام، وقال ms2908 ~~تعالى:{وإذا مروا باللغو مروا كراما} وقال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل}وقال:{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. # قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية السيف. # وقال غيره: وهو الصحيح إن هذا ليس بمنسوخ، والظاهر أنها نزلت عقيب قصة ~~أحد، والمعنى أنهم أمروا بالصبر على مايؤذون به الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم على طريق الأقوال الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من ~~الأحوال، والأمر بالقتال لاينافي بالمصابرة على هذا الوجه. PageV21P477 # والتأويل الثاني: أن يكون المراد من الصبر والتقوى، الصبر على مجاهدة ~~الكفار ومنابذبتهم، والإنكار عليهم، فأمروا بالصبر على مشاق الجهاد، لا أن ~~الصبر عبارة عن احتمال المكروه، والتقوى عبارة عن الإحتراز عما ينبغي، فقدم ~~ذكر الصبر، ثم ذكر عقبه التقوى؛ لأن الإنسان إنما هم على الصبر لأجل أنه ~~يريد الإبقاء عما لاينبغي، وفيه وجه آخر وهو أن المراد من الصبر أن مقابلة ~~الإساءة بالإساءة تقضي إلي زيادة الإساءة فأمرنا بالصبر تقليلا لمضار ~~الدنيا، وأمرنا بالتقوى قليلا لمضار والآخرة، فكانت الآية على هذا التأويل ~~جامعة لآداب الدنيا والآخرة، وقوله {من عزم الأمور} أصله من قول الرجل عزمت ~~عليك أن تفعل كذا أي ألزمته إياك لامحالة على وجه لايجوز لك الترخيص في ~~تركه، فما كان من الأمور حميد العاقبة مقرونا بالرشد، والصواب، فهو من عزم ~~الأمور؛ لأنه مما لايجوز في تركه للعاقل أن يترخص في تركه، والمعنى أن ذلك ~~من أصوب الأمور الذي لاشك في ضهور الرشد فيه، وهو ممن ينبغي لكل عاقل أن ~~يعزم عليه فيأخذ نفسه لا محالة به على وجه لايجوز لك الترخيص في تركه، ~~وأخبر تعالى أن الصبر على طاعته وأذى المشركين في ذات الله والصبر على ~~معصية الله وهو التقوى من عزم الأمور، الذي ظهر رشده حتى صار بحيث يجب ~~التمسك به، ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون معناه فإن ذلك فيما قد عزم عليكم ~~فيه أي ألزمتم الأخذ به، والله اعلم[228]. PageV21P478 # وروي في البلغة عن أمير المؤمنين علي ms2909 عليه السلام أنه قال: لما مددت ~~.........على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت الفتنة وبلغ ~~الأمر بنا مبلغا ظننا أنه لاسماء تظلنا، ولاأرض تقلنا، فلزمت أنا، وفاطمة، ~~والحسن، والحسي، بيتنا مغتمين مشغلوين بمصاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ولم نر شخصا فقال: السلام عليكم يا أهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ابتداء يمدح النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والصلاة عليه أكمل مدح، وعزانا بمصيبة أحسن عزاء، ثم قرأ ~~هذه الآية {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور} قال: فتسلينا بذلك. انتهى. PageV21P479 # ولما حكى الله تعالى عن اليهود شبها طاعنة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأجاب عنها أتبعه بقوله سبحانه{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه} قيل: حكى عنهم نقض الميثاق، كما حكى فيما تقدم ~~أفعالهم الخبيثة، وقيل: لماتقدم فإن كذبوك من أنهم كذبوا مع تأكيد العهد ~~عليهم وذلك أنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والأنجيل على أمة موسى، وعيسى ~~عليهما السلام أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة ~~دينه، وصدق نبوته، ورسالته، والمراد منه التعجب من حالهم، كأنه قيل كيف ~~يليق بكم الطعن في نبوته ودينه مع أن كتبكم ناطقة، ودالة على أنه يجب عليكم ~~ذكر الدلائل الدالة على صحة نبوته، وقيل: أيضا في اتصال هذه الآية بما ~~قبلها أنه تعالى أوجب في الآية المتقدمة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~احتمال الأذى من أهل الكتاب، وكان من جملة إيذائهم الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنهم كانوا يكتمون ما في التوراة والأنجيل، من الدلائل الدالة ~~على نبوته، فكانوا يحرفونها، ويذكرون لها تأويلات فاسدة، فبين أن هذا من ~~تلك الجملة التي يجب فيها الصبر. # قال الحاكم: معنى وإذ أخذ الله أي واذكر أيها الرسول أمر هؤلاء ms2910 الذين أخذ ~~عليهم الميثاق، قيل: هو اليمين التي أخذها الأنبياء علي أممهم ليتبينوا أمر ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس عن أبي علي. # وقيل: هو أمر أهل الكتاب بيان ما أوتوا من العلم. # قال في البلغة: والمراد بالذين أوتوا الكتاتب هاهنا اليهود خاصة. PageV21P480 # وقيل: اليهود[229]والنصارى، وقيل: كل من أوتى علم شيء من كتب الله أخذ ~~ميثاقه بأن بينه للناس، قد دخل تحته أخذ الله الميثاق على هؤلاء بأن بينوا ~~للناس ما نزل إليهم ولايكتمونه، وقيل: الهاء في لتبينه عائدة على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فعلم ذلك بالدلالة وأن يكن مذكورا لفظا، وذلك أن كل ~~نبي أمر بأخذ الميثاق على قومه بأن بينوا للناس ما أنزل عليهم من صفة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ونبوته، وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، وفيه أيضا ~~بيان شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى. # واللام لام التأكيد، يدخل على اليمين تقديره استخلفهم لتبينه. # اعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مختصا باليهود والنصارى فإنه لايبعد أيضا ~~دخول المسلمين فيه؛ لأنهم أهل القرآن وهو أشرف الكتب. # قال الحاكم: يدخل في هذه الآية كل من أوتي علم شيء من كتب الله، فقد ~~أخذنا ميثاقه لنفسه ولاتكتمونه، عن محمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والأصم. # قال الأصم: ذكروا أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال ما الذي بلغني عنك؟ ~~فقال: ما كل الذي بغلك قلته، وإلا كل ما قتله بلغك، قال: أنت الذي قلت كان ~~النفاق مقموعا فأصبح وقد عم وتقلد سيفا؟ # فقال: نعم. # فقال: وما الذي حملك على هذا ونحن نكرهه؟ # قال: لأن الله أخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس ولايكتمونه. # قال: صلى الله عليه وآله وسلم ((من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار)). # وعن علي عليه السلام: أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل ~~العلم أن يعلموا. انتهى. # فطوبي لعالم ناطق، ولمستمع واع، هذا علم علما فيدله، وهذا سمع خبرا فوعاه. PageV21P481 # ثم قال تعالى: {فنبذوه وراء ms2911 ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا } أي تركوا العمل ~~بما أومروا به حتى صار بمنزلة الشيء الذي ........الظهر، مثل في الطرح وعدم ~~الاعتداد به، ونقضوا الميثاق، فباعوه وأخذوا به قليلا، وهو ما أخبروه على ~~كتمان ما أمروا بتبينه من الرشاء والتراش، والمعنى أنهم أخفوا الحق ~~ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا، ثم قال:{فبئس ما يشترون} يعني تضيعهم ~~الميثاق بما أخذوا، وقيل: بئس الثمن ذلك أن يستحقوا به العقاب الدائم، ~~وفيها أعظم دليل على العلماء في وجوب بيان الحق عن ما علموه ولا يكتمونه ~~لغرض فاسد من تسهيل على ظالم، أو لجر منفعة، فكل من لم يبين الحق للناس، ~~وكم شيئا دخل تحت هذا الوعيد والله اعلم. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: دلت الآية الأولى على إيجاب الصبر ~~في ما يصيب [230]الأنسان فيما يبتلي به في ماله، وولده، ونفسه؛ لأن الولد ~~من النفس، وفيما يسمع من الأذى، وعلى الحث على تقوى الله في ذلك، وأن ~~لايقتدي بسبب ذلك إلى ما لايحل من النوح والتعدي إلى ملا يحبه الله له. # ودلت هذه الآية الكريمة على قبح كتمان ما أنزل الله كما قال سبحانه: {إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} وكما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ((من كتم علما مما نفع الله به في الدين ألجمه الله يوم القيامة ~~بلجام من نار)). انتهى. PageV21P482 # ثم بين تعالى خصلة من خصال اليهود وهو كتمان الحق وما استحقوا عليه فقال ~~سبحانه: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} ~~نزلت هذه الآية في اليهود لإجماعهم علىتكذيب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وكتمان أمره، وطلبهم من الناس، فحمدتهم على لم يكن منهم من العبادة، ~~والتمسك، والعلم، والفضل، فوصف تعالى هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم، ~~ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والمفسرون ذكروا فيه وجوها: # الأول: أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة، ويفسرونها بتفسيرات باطلة، ~~ويروجونها ms2912 على الأعمار من الناس، ويفرحون بهذا الصنع، ثم يحبون أن يحمدوا ~~بأنهم أهل الدين، والديانةن والعفاف، والصدق والبعد عن الكذب، وهذا قول ابن ~~عباس، وأنت إذا نصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك، فإنهم يأتون بجميع ~~وجوه الحيل في تحصيل الدنيا، ويفرحون لوجدان مطلوبهم، ثم يحبون أن يحمدوا ~~بأنهم أهل العفاف والصدق والدين. # والثاني: روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم سأل اليهود عن شيء مما في ~~التوراة فكتموا الحق وأخبرو بخلافه، وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بذلك ~~التلبيس، وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يثني عليهم بالصدق ~~والوفاء. # والثالث: نزلت في المنافقين لإجماعهم على التخلف عن الجهاد، وأحبوا أن ~~يقبل منهم اعتذارهم، ويحمدوا على أنهم مؤمنون، وإن لم يكونوا مؤمنين، وهو ~~شامل كل من يفرح تعجبا بما فعل، ويحب الثناء عليه لما ليس فيه من زهد ~~وعبادة، وفي هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: معنى يفرحون بما أتوا فهو ~~فرحهم بما ارتكبوا، أو أتوه من الجرءة على خاتم النبيين، والطعن على ~~المؤمنين، مع قبح فعلهم، ومستمج سيرتهم، فكانوا استحسنوا ذلك من أنفسهم، ~~ويرونه جائزا عندهم لشرارتهم، وشدة كفرهم، وبعدهم من الله، وعنادهم[231]. PageV21P483 # والفرح فهو أشد ...........وتبع للمعصية، والهوى كفرح قارون{إذ قال له قومه ~~لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} وإنما كان فرحه جرئة، وإشرا ومعصية لله ~~وتمردا، وهذه الآية فنزلت في اليهود ذما لهم فيما كانوا يأتون من الجرئة ~~على الله سبحانه، وعلى أولياؤه. # ثم قال عزوجل: {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} فهو ما كانوا يتوسمونه ~~ويذكرونه عن انفسهم من الفضل والطاعة لله، والمدح لأمر ربهم، فأكذبهم الله ~~عزوجل في قولهم وبين للمسلمين كفرهم، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ~~فأخبر أنهم غير فاعلين لما ذكروا، ولاصادقين فيما انتحلوا، بل هم كاذبون ~~وعند الله معذبون. # ثم قال: {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} والمفازة فهي البعد، فذكر سبحانه ~~أنهم من العذاب قريب غير بعيد، فحكم عليهم بألم العذاب وأوجب لهم الخزي ~~والعقاب، وصاروا بذلك إلى ms2913 شر مئاب، جهنم يصلونها وبئس المهاد. انتهى. # وقيل: معنى مفازة أي منجاة من العذاب، قيل: أعاد قوله تحسبنهم تأكيدا، ~~وقيل: لطول الكلام ليسبق المعنى، وقيل: فلاالفاء زائدة، والمعنى لاتحسبن ~~الفارحين ناجين من العذاب. انتهى. # ومعنى {ولهم عذاب أليم} أي مؤلم، وصف تأليم للمبالغة، والمؤلم هو الله ~~تعالى، ووصف به مجازا، والمعنى فلا تحسبنهم يامخاطب، أو يامحمد بمنجاة من ~~العذاب، وإنما كرر الحسبان للتأكيد، ثم قال تعالى:{ولله ملك السماوات ~~والأرض والله على كل شيء قدير} أي لهم عذاب أليم مماله ملك السموات والأرض، ~~فيكف يرجوا النجاة من كان معذبه هو القادر الغالب. # وقال في البلغة: الذي يقتضي ذكر ذلك الملك هاهنا الرد على من قال: أن ~~الله فقير ونحن أغنياء. PageV21P484 # وقيل: اقتضاه التخويف من الأحوال التي تقدم ذكرها بالمكافاة لمن كانت هذه ~~صفته؛ لأن الله إذا كان مالكا للسموات والأرض وقادرا على كل شيء فتعلموا ~~أنه لايفوته شيء ولايعجزه، وخرج قوله {على كل شيء قدير} مخرج العموم مبالغة ~~في الوصف، انتهى؛ لأنه تعالى شيء وإن كان غير مقدور. # ثم دل على ذلك فقال سبحانه:{إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار لايات لأولي الألباب} أي لأولي العقول المعتبرين بالنظر إليها. # ومعنى أن في خلق السموات أي في إيجادها، وألوانها، وتركيبها، ورفعها، ~~وإمساكها، وتزينها بالنجوم، والأرض، أي في خلقها وبسطها وما فيها من ~~العجائب، والنبات، والجبال، واختلاف الليل والنهار، وقيل: في الظلم ~~والضياء، والزيادة والنقصان. # وقيل: تعاقبهما أحدهما خلف الآخر لآيات [232]أي أدله وأضحة علىالصانع ~~تعالى وعظم قدرته وباهر حكمه. # روي عن ابن عمر أنه قال: لعائشة اخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجيب، أتاني في ليلتي ~~فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: ((ياعائشة هل لك أن تأذن لي في ~~عبادة ربي))؟ # فقلت يارسول الله إني لأحب قربك وأحب هداك ، قد أذنت لك، فقام إلى قربة ~~من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم ms2914 قام يصلي فقرأ من القرآن ~~ثم جعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة ~~فرأه يبكي فقال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ # فقال: ((يابلال أفلا أكون عبدا شكورا)). # ثم قال: ((ومالي لا أبكي وقد أنزل الله علي هذه الآية {إن في خلق ~~السماوات والأرض } ثم قال: ((ويل لمن قرأها ولم يتفرك فيها)). # وروي: ((ويل لمن ألاكها بين فكيه ولم يتأملها)). PageV21P485 # وعن علي عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام من ~~الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول:{إن في خلق السماوات والأرض}. # وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أطلته سحابة، ~~فعبد فتى من فتيانهم فما أطلته السحابة فقالت: له أمه لعل فرطة صدرت منك في بدنك. # قال: ما أذكر؟ # قالت: لعلك نظرت مرة في السماء ولم تعتبر. # قال: لعل. # قالت: فما أتيت إلا من ذلك، تدل الآية على وجوب النظر. # ثم وصف سبحانه ذوي الألباب الذين تقدم ذكرهم فقال تعالى:{الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم}أي مضطجعين. # قال في البلغة: الذين من صفة أولي الألباب، وموضعه من الإعراب الخفض، أي ~~هؤلاء العقلا يذكرون الله على أي حال كانوا عليها. # وقيل: إنما ذكرجنوبهم لجواز ذكر الله في الصلاة وغير الصلاة؛ لأن من كان ~~نائما على جنبه يكون خارجا من الصلاة، فأبيح له ذكر الله علىتلك الحال. # وقيل: هو بيان الأحوال التي يجوز فيها ذكر الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ~~{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما}. انتهى. # وللمفسرين في الآية قولان: # الأول: أن يكون المراد كون الإنسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست ~~إلا هذه الثلاثة. # ثم وصفهم بكونهم ذاكرين فيها. # والثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام ~~فإن عجزوا فحال القعود، وإن عجزوا فحال الإظطجاع[233] والمعنى أنهم ~~لايتركون الصلاة في شيء من الأحوال. # قال بعض العلماء: والحمل ms2915 على الأول أولى؛ لأن الآيات الكثيرة ناطقة ~~بفضيلة الذكر. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ~~ذكر الله)). # قال: ويحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر باللسان، وأن يكون المراد منه ~~الذكر بالقلب، وإلا كمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين، والله اعلم. PageV21P486 # ولما وصفهم بالذكر وبين أن الذكر لايكمل إلا مع الفكر لاجرم قال: بعده ~~{ربنا ما خلقت هذا باطلا} عبث لحكمتك، ودليل على معرفتك، ووجوب طاعتك، ~~واجتناب معصيتك، وهذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بإثار حكم الله في خلق ~~السماوات والأرض، يعني أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام لم يعرفوا منها ~~إلا هذا القدر، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا، بل خلقها بحكم عجيبة، وإسرار ~~عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها والتفكر في صنع الله تعالى أفضل ~~الأعمال، ولهذا قيل: الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث ~~الماء للزرع النبات، وما خلت القلوب بمثل الأحزان، ولا استناروا بمثل ~~الفكرة. # ومعنى سبحانك تنزيها لك وبعدا من خلق العبث وغيره من صفة النقص، والمقصود ~~منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن ~~يقدم الثنا، ثم يذكر بعده الدعاء، كما في هذه الآية. PageV21P487 # وأما قوله تعالى: {فقنا عذاب النار} فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء ~~العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله، وأبدانهم في طاعة الله، ~~وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من ~~الله أن يقيهم عذاب النار، فمدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض؛ لأن التفكر فيها يوصل إلى معرفة توحيد الله وحكمته، وتلك الفكرة من ~~أعظم العبادات، قيل: التفكر يذهب الغفلة ويحدث للقلب الخشية، وكما يحدث ~~الماء للزرع النبات، وهؤلاء عظموا الله ومجدوه بخلق السماوات والأرض، ونفوا ~~عنه تعالى خلق الباطل بقولهم سبحانك؛ لأنه تنزيه لربهم عن القبائح، فلو كان ~~شيء من المعاصي خلقا لله سبحانه لم يكن ما قالوه مدحا، فدلت الآية ms2916 على ~~بطلان قول من أنكر وجوب النظر، وعلى بطلان من أضاف المعاصي إلى الله تعالى، ~~وبين أن هؤلاء دعوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب النار لما كان الدعاء ~~طاعة لله، وصلة هؤلاء بالأعراف[234]الذي هو طاعة الله، وقيل: لما كان في ~~ضمن قولهم{ربنا ما خلقت هذا باطلا} خلقته تعريضا للعباد للثواب بدلا من ~~العقاب، وصله بالدعاء والإستجابة به من العذاب، وهو قولهم {فقنا عذاب ~~النار}ذكره في البلغة، ولما سألوا ربهم أن يقهم عذاب النار ابتعوا ذلك بما ~~يدل على عظم ذلك العقاب وشدته، وهو الخزي ليكون موقع السؤال أعظم فقال ~~تعالى: حكاية عنهم {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} فقد بالغت في ~~إخزائه، فدلت الآية على بطلان مذهب المرجية في قولهم أن من أدخله الله من ~~أهل الصلاة نار جهنم فإنه بخرجه منها ويدخله الجنة، وذلك أن من أدخله النار ~~فقد أخزاه، ومن أخزاه الله لم يكن من أهل الجنة بدلالة قوله تعالى:{يوم لا ~~يخزي الله النبي والذين آمنوا معه} ومن أخزاه الله في الآخرة لم يكن له ~~طريق إلى إزالة الخزي عن نفسه بعذر وتوبة، PageV21P488 ودلت الآية على أن مندخل النار لم يكن مؤمنا وإنما يكون كافرا وفاسقا، ~~والكفر والفسق ضدان للإيمان، ودل قوله تعالى {وما للظالمين من أنصار} على ~~بطلان قولهم بالشفاعة ؛ لأن الله تعالى قال: لا ناصر للظالمين يدفع عنهم ~~شيئا من عذاب الله فلو صح ما قالته المرجية في الشفاعة لكان من يشفع لهم ~~ناصرا إياهم فإذا بطل ذلك صح أن الشفاعة هي ما ذهب إليه العدلية. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: دلت الآية على وجوب ذكرالله حيث يجب ~~في الصلاة وغيرها، وأن من تعذر عليه القيام في الصلاة صلا قاعدا، ومن تعذر ~~عليه القعود صلا على جنبه، وكيف أمكن، وعلى وجوب التفكر في السماوات والأرض ~~وما خلق الله فيهما من الآيات، وعلى وجوب اعتقاد أن الله خلق الخلق لحكمة، ~~وعلى تنزيه الله من أن يخلق شيئا باطلا لاحكمة فيه، وعلى الحث على الدعاء ~~إلى الله ms2917 تعالى في أن يقينا سبحانه عذاب النار بأن يوفقنا لما يرضيه ~~ويعصمنا عما يسخطه سبحانه، ودل قوله {وما للظالمين من أنصار} على تحريم ~~معاونة الظالمين؛ لأنه من النصر لهم. انتهى. # قوله تعالى: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا} في المنادي من هو قولان: # أحدهما: أنه القرآن فكأنه حكى عن مؤمني الأنس ما قالوه في القرآن كما حكى ~~عن مؤمني الجن في قوله {إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به}. PageV21P489 # والثاني: وهو الذي في البرهان[235]أنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه ~~كان الداعي إلى الله أي إنا سمعنا داعيا يدعوا إلى الإيمان بالله فصدقناه ~~وأمنا به وحده لاشريك له، وأقمت اللام هاهنا مقام أني وهو كما قال تعالى: ~~حاكيا{وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} أي إلى هذا، قيل: وهذا قول ~~الأكثر، قيل: والأول أولى؛ لأنه ليس كل أحد لقى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه، قالوا: وهذا وإن كان مجازا إلا أنه ~~مجاز متعارف؛ لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد وكان كل من تأمله وصل به ~~إلى الهدى إذا وفقه الله لذلك فصار كأنه يدعوا إلى نفسه وينادي بما فيه من ~~أنواع الدلائل كما قيل: في جهنم {تدعوا من أدبر وتولى} إذا كان مصيرهم ~~إليها، والفصحاء، والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي، ويعظ، ومرادهم منه ~~تصاريف الزمان قال الشاعر: # يا واضع الميت في قبره # فخاطبك القبر فلم تسمع PageV21P490 ثم قال سبحانه: حاكيا عنهم أيضا {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا}أي وفقنا للطاعات التي يكفر بها سيئاتنا، قيل: أغفر لنا ذنوبنا ~~الماضية بالستر عليها بالعفو حتى لايفتضح، وكفر سيئاتنا في الحال، وقيل: ~~ذنوبنا فيما مضى ومسأتنا في باقي عمرنا، وقيل: اغفر كبائرنا وكفر صغائرنا، ~~وقيل: الغفران ما يقع ابتداء، والتكفير ما يقع بالطاعة، وسألوا ايضا أن ~~يلحقهم بالصالحين، وهو معنى قوله {وتوفنا مع الأبرار} أي أمتنا ونحن على ~~أعمال الصالحين، لتجعلنا معهم بعد الموت، فالبر أسم جامع لكل ms2918 خير، وهو جمع ~~برا وبار، ويحتمل أن الأبرار هم آل محمد الأطهار علي، وفاطمة، والحسن، ~~والحسين، وأولادهم، الأئمة الأخيار لقوله تعالى: {إن الأبرار يشربون من كأس ~~كان مزاجها كافورا} فإنها في آل محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام، وإنما ~~أرادوا الوفاة معهم إشارة إلى كون الحياة والأعمار معهم في نصرتهم ~~ومهاجرهم، أيقع الوفاة معهم، وقيل: مع بمعنى على أي حب الأبرار، وكلاهما أو ~~مذهب الأبرار، وقال سبحانه: حاكيا عنهم أيضا{ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك} أي وقالوا ربنا انجز لنا ما وعتدنا على لسان رسولك واعطنا ذلك، وإنما ~~سألوا إيجاز الوعد وإن كان لابد أن يفعله؛ لأنه طريق التعبد لمافيه من موقف ~~الجامع المحتاج، كقول إبراهيم عليه السلام:{ولا تخزني يوم يبعثون}، وقيل: ~~هو محض الدعا كأنهم قالوا أجعلنا[236] ممن اعددت له الثواب دون الخزي ~~والعقاب، وقيل: معناه أتنا ما وعدتنا من نصرنا والخذلان لعدونا، ثم ~~قالوا:{ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} أصل الخزي الذلة ~~والإنقماع، يقال أخزاه الله إذا أذله سألوا الله أن لايخزيهم وأقروا بأنه ~~لاخلف في وعد الله تعالى. PageV21P491 # واعلم أن فائدة هذا الدعا والله لايخلف الميعاد طلب التوفيق والإستقامة على ~~مايقع الميعاد عليه، أو لأنه ألتجاء إلى الله وتذلل كما يستغفر الأنبياء مع ~~علمهم أنه مغفور لهم، وهذا تعليم من الله تعالى كيف يدعي ويبتهل ويتضرع ~~إليه، وهذه أنواع الدعاء عن ابن عباس، أن تبسط يديك وتشير بالمسجد اليسرى ~~والإبتهال، رفعهما فوق الرأس، والتضرع رفعهما حذوا المنكبين، هذا مروي عن ~~ابن عباس. # قال الشيخ: وتكرر ربنا من باب الإبتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة، ~~وعن جعفر الصادق عليه السلام من خزيه أمر فقال: خمس مرات ربنا أنجاه الله ~~مما يخاف وأعطاه ما أراد. # قال في البلغة: وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام: كان إذا قام إلى صلاة ~~الليل وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه كيفية القيام إليها وأوصاه ~~بها فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((وعليك ياعلي بصلاة الليل)) ~~فكان عليه السلام ms2919 إذا انتبه من نومه نظر إلى افق السماء وقال: الحمد الله ~~الذين رد على روحي بعد أن قبضها، أعبده وأحمده، اللهم إنه لايوازي عنك ليل ~~ساج، ولا سما ذات أبراج، ولا أرض ذات فجاج. PageV21P492 # وروي مهاد، ولاظلمات فوق بعضها فوق بعض، ولا بحر لجي، تعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور، وغارت النجوم، ونامت العيون، وأنت الحي القيوم، لاتأخذك ~~سنة ولانوم، سبحان الله رب العالمين، وآلة المرسلين وخالق النبيين، والحمد ~~لله رب العالمين، ثم قرأ {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار} إلى قوله {إنك لا تخلف الميعاد}ثم يتوضا للصلاة، فإذا فرغ منه ~~قال: باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ثم يرفع يديه ويقول اللهم إني أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة محمد ~~وآله وأقدمهم بين يدي حوائجي، فاجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة، ومن ~~المقربين، اللهم ارحمني بهم ولاتعذبني بهم، وارزقني بهم ولاتحرمني بهم، ~~وأهدني بهم ولاتضلني بهم، واقض حاوئجي بهم للدنيا والآخرة إنك على كل شيء ~~قدير، ثم يفتح للصلاة. # قال إمامنا[237]المنصور بالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على وجوب ~~إجابة من دعاء إلى أي خصلة من خصال الإيمان، وعلى وجوب الإستغفار. انتهى. # ولما سبق ذكردعاء المؤمنين عقبه بذكر الإجابة فقال سبحانه:{فاستجاب لهم ~~ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} في الآية ~~دليل على أن استحباب الدعاء مشروط بهذه الأمور فلما كان حصول هذه الشرائط ~~عزيزا لاجرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا. # قال في الكشاف: يقال استجابه واستجاب له، قال الشاعر: # وداع دعايا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول}. # قال في البلغة: استجاب هاهنا بمعنى أجاب أي أجاب لهم دعاهم، وأخبرهم بأنه ~~لايضيع عنده عمل عامل من ذكر وأنثى. PageV21P493 # وقيل: كان سبب ذكر الآيات هاهنا أن أم سملة قالت: للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما بال الرجال يذكرون في ms2920 الهجرة دون النساء؟ فأنزل الله{أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم}، ودخلت من هاهنا لتبيين الإضافة التي تجري مجرى الصفة نحو ~~قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} أي الرجس الذي هو الوثن، وقيل: ~~جاب موكدة بتقدير عامل ذكر أو انثى، ومعنى بعضكم لبعض أي الإناث العاملات ~~بطاعة الله من المؤمنات كالذكور المطيعين لله من المؤمنين، فصفة الإيمان ~~تعم الجميع فإن قيل: القوم طلبوا أولا غفران الذنوب. # وثانيا: إعطاء الثواب، فقوله {أني لا أضيع عمل عامل منكم} إجابة لهم في ~~إعطا الثواب فاين الإجابة في طلب الغفران؟ # قيل: في الجواب أنه لايلزم من إسقاط العقاب حصول الثواب، لكن يلزم من ~~حصول الثواب سقوط العقاب، فصار قوله {أني لا أضيع عمل عامل منكم}إجابة ~~الدعاء بهم في المطلوبين، وفي الآية احتمال آخر وهوأن المراد من قوله {أني ~~لا أضيع عمل عامل منكم}المراد منه إني لا أضيع دعاكم، وعدم إضاعة الدعاء ~~عبارة عن إجابة الدعاء، فكان المراد منه أن قد حصلت إجابة داعئكم في كل ~~ماطلبتموه، وسأتلموه والله اعلم. PageV21P494 # ثم قال تعالى:{فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب} أي الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأخرجهم الأعداء من ديارهم وأوطانهم وأذوهم في دين الله ~~[238]فتحملوا الأذى لأجل الدين، وقاتلوا في الجهاد فإن الله يغفر ذنوبهم ~~ويكفر عنهم سيئاتهم، ويدخلهم الجنة، ثوابا لهم على أعمالهم، والله يثيب ~~المستحق للثواب، ولايجوز في حكمه وعدله أن يمنعهم ما استحقوه. انتهى. # وانتصب ثوابا على المصدر بتقدير لأثيبنهم ثوابا، وقوله {من عند الله }هو ~~مثل مثل كونه بقدرته وفضله بحيث لايقدر عليه غيره بحال الشيء الذي يحضره ~~أحد لايد عليه لآحد غيره، فالإختصاص مستفاد من هذا التمثيل، وأما قوله ~~{والله عنده حسن الثواب} فهو تأكيد لكون ذلك الثواب في غاية الشرف، أي عند ~~الله للمؤمنين من حسن الثواب، حيث لايبلغه وصف واصف. PageV21P495 # واعلم أنه تعالى وعد ms2921 المؤمنين بالثواب العظيم وكانوا في الدنيا في نهاية ~~الفقر والشدة والكفار كانوا في النعيم والثروة، ذكر الله ما يسليهم ويصبرهم ~~على تلك الشدة فقال سبحانه: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} أي بسطم ~~فيها بالتصرف، وسعة الأرزاق {متاع قليل} لاينفعهم مع سوء العاقبة، والغرور ~~في اللغة ما فيه خطر، ومنه نهى عن بيع الغرر كبيع الطير في الهوى، والسمك ~~في الماء، وأصل الغرور إيهام حال السرور مما الأمر بخلافه في المعلوم، كذا ~~في التهذيب، فهذا تحذير عن الإغترار بما يشاهد من أحوال الكفار الجارية على ~~السلامة، والإستقامة، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر ~~المكلفين داخلون فيه، فكأنه قيل لايغرنكم أيها السامعون تقلب الكفار في ~~البلاد متنعمين ومتصرفين فيها غير مأخوذين بأجرامهم في الحال فإنه متاع ~~قليل، وأصل المتاع النفع الذي يتعجل به اللذة، فسماه قيلابالإضافة إلى نعم ~~الآخرة، وانقطاعه، وقلة دوامه، ثم قال:{ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} فبين ~~أن عاقبتهم المصير إلى نار جهنم إن لم يتوبوا عن كفرهم، وما كان مأواه ~~النار فمتاعه بنعيم الدنيا متاع قليل؛ لأنه مع قلته سبب للوقوع في نار جهنم ~~أبد الآباد، والنعم القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ~~بل هو كقوله إنما {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما}، وقوله{وأملي لهم إن كيدي ~~متين}ثم قال: {وبئس المهاد} أي الفراش، فبين أن النار بئس المهاد، وجعل ~~النهار مهادا بدلا من المهاد الذي فيه اللذة، كالبشارة بالعذاب التي جعلت ~~بدلا من البشارة بالسرور، كما قال الله تعالى:{فبشرهم بعذاب أليم} ولما ذكر ~~الوعيد أتبعه بالوعد، فبين عاقبة المؤمنين، فقال تعالى:{لكن الذين اتقوا ~~ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار PageV21P496 خالدين}[239] فيها نزلا من عند الله} أي ضيافة، والنزول ما يقام للنازل من ~~الكرامة وأصل لكن للإستدراك، يعني بخلاف ماتقدم، فكان فيها نفي، وإثبات، ~~نحو ماقام زيد لكن عمرو، فمعناه ليس للكافرين عاقبة خير، لكن للمؤمنين ~~الذين اتقوا معاصي الله لهم جنات بساتين بما فيها من النعيم تجري من تحت ~~أشجارها........الأنهار من ms2922 الماء وغيره ثم قال تعالى:{وما عند الله خير ~~للأبرار} أي وما عند الله من الثواب الكثير والنعيم الدائم خيرا للأبرار من ~~الدنيا ونعيمها مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل. # قال عليه السلام: دلت على وجوب تقوى الله، وهي القيام بما فرض الله، ~~واجتناب ماحرم. انتهى. # ولما تقدم وصف أهل الكتاب وذمهم بين أن منهم طائفة قامت بالحق فقال ~~تعالى:{وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} أي لايأخذون عوضا على تحريف ~~الكتاب في كتمان الحق كمن لم يسلم منهم واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ~~فقال ابن عباس، وجابر، وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال المنافقون: إنه يصلي على نصراني لم يره قط. # وقال ابن جريج: وابن زيد نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: نزلت ~~في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، ~~وكانوا على دين عيسى فأسلموا. # وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى؛ لأنه لماذكر ~~الكفار وأن مصيرهم إلى العقاب بين في من آمن منهم أن مصيرهم إلى الثواب. # واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات: # أولها: الإيمان بالله. # وثانيها: الإيمان بما أنزل علىمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وثالثها: أن الإيمان بما أنزل الله على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد. PageV21P497 # ورابعها: كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل يؤمن؛ لأن من يؤمن في معنى الجمع. # وخامسها: أنهم لايشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما ينقله أهل الكتاب ممن ~~كان يكتم أمر الرسول، وصحة نبوته صلوات الله عليه وآله وسلم. # ثم قال في صفتهم: {أولئك لهم أجرهم} أي يعطون أجرهم مرتين {عند ربهم }اي ~~مدخر عند ربهم حتى يصيروا إليه {إن الله سريع الحساب} ومعنى سريع الحساب ~~هاهنا أنه لايؤخر الثواب عن مستحقه لطول الحساب الإشتغال ببعض عن بعض؛ لأن ~~ذلك لا يجوز على الله تعالى، فالمحاسبة لجميع ms2923 الخلق كالمحاسبة للواحد، ~~لايشغل شيء عن شيء عند الله جل وعلا[240]. # واعلم أنه تعالى لما حكى أحوال المؤمنين والكافرين فيما تقدم حث على ~~الصبر على الطاعة، ولزوم الدين، والجهاد في سبيل الله فقال سبحانه: {ياأيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}. # قال بعض المفسرين: اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كبيرة من ~~علوم الأصول، والفروع، أما الأصول فما يتعلق بعلم التوحيد، والعدل، ~~والنبوة، والمعاد. # وأما الفروع فما يتعلق بالتكاليف، والأحكام، نحو الحج، والجهاد، وغيرها، ~~ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب، فمعنى {ياأيها الذين ~~آمنوا} أي صدقوا، {اصبروا} على طاعة الله من التكاليف {وصابروا}أعداء الله، ~~أي أغلبوهم في الصبر {ورابطوا}في سبيل الله، والمرابطة الإقامة في الثغور ~~لدفع العدو، عن بيضة الإسلام، وأصل الرباط من الربط وهو الشد يقال لكل من ~~صبر على أمر ربط قلبه عليه، وقيل: الرباط هو اللزوم والثبات، وقيل: اصبروا ~~على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل عليه، وقيل: رابطوا بانتظار ~~الصلاة. PageV21P498 # قال في البلغة: فالوجه الأول أقرب في هذا الموضع، ثم قال:{ واتقوا الله} أي ~~واجتنبوا المعاصي لكي تفحلوا بالسلامة من إحباط هذه الأعمال ولكي تفلحوا ~~بأن تعملوا هذه الأعمال على رجا الإنتفاع بنيل الثواب، ذكر معنى هذا في ~~البلغة وغيرها. # قال إمامنا المنصوربالله عليه السلام: دلت على وجوب ما ذكر الله سبحانه ~~من الصبر، والمصابرة، والماربطة في الجهاد، وتقوى الله من القيام بما فرض ~~الله، واجتناب ما حرم، انتهى والله اعلم. ### || AUTO سورة البقرة # مائتان وست وثمانون آية مكية، قال في البلغة: مدنية. # وفي البرهان: مدنية إلا آية وهي قوله: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ~~فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع. # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى:{الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. # اعلم أن للمفسرين في قوله {ألم}وما يجري مجراه من الفواتح قولين: # أحدهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله تعالى بعلمه. # قلت: وهذا قول القاسم والهادي[241]عليهما السلام: وقد قدمناه في سورة ms2924 ~~مريم وغيرها. # والثاني أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه على أقوال: # الأول: قال: في التجريد : أنها أسماء للسور، والفائدة الإشعار بأن القرآن ~~ليس إلا كلمات عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ. # الثاني: تنبيه الكفار على عجزهم عن معارضته، مع أنه منظوم من عين ما ~~ينظمون منه كلامهم، وقد عجزوا عن معارضته، وهم أمرا الكلام، وهذا يروى عن ~~المبرد وغيره. # وقيل: أن الله أقسم بها لشرفها، من حيث أنها تجمع الكلام الذين فيه فوائد جمة. PageV21P499 # الثالث: الدلالة على إعجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكونه نطق بهذه ~~الحروف وهو أمي لم يخط، ولم يقرأ، ولم يخالط أهل الكتاب، لتعلم قريش ومن ~~تابعها أنه لم يعلم ذلك إلا من جهة الله تعالى، فكان شاهدا بصحة نبوته، ~~وإذا كان ألم إسما للسورة فمعنى {الم، ذلك الكتاب} سورة البقرة ذلك الكتاب ~~أي ذلك الكتاب الكامل، ويراد بالكتاب السورة، كما يصح أن يراد بالقرآن ~~بعضه، وقيل: المراد بالكتاب جنس كتب الله السماوية، وبألم القرآن كله، أي ~~ذلك جميع الكتب؛ لأن القرآن شاهد على كل كتب الله وهو أفضلها، كما يقال ~~الصيد في جوف القراء. # وفي الكشاف: {ذلك الكتاب} إشارة إلى ألم؛ لأنه ............ # قال في البلغة: {ذلك الكتاب}معناه هذا الكتاب، وقد يقام ذلك مقام هذا ~~التقارب أحدها من الآخر في باب الإشارة، وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدتك ~~يامحمد إنزاله عليك، وروت الأمة أن الله تعالى وعد نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه ينزل عليه كتابا لايمحوه الماء، فلما أنزله أشار بقوله ذلك الكتاب ~~إلى أنه أنجز ما وعده. # وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدت إنزاله عليك في الكتب الذي أنزلتها على ~~الأنبياء عليهم السلام قبلك، وذلك أن أنبياء بني إسرائيل مثل موسى، وعيسى ~~عليهما السلام أخبروا أممهم عن الله تعالى أنه يبعث نبيا من ولد إسماعيل ~~عليه السلام اسمه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وينزل عليه كتابا، فلما ~~أنزله أشار بقوله ذلك إلى الكتاب الموعود به، فالخطاب على ms2925 هذا الوجه يكون ~~لبني إسرائل. PageV21P500 # قلت: ومثل هذا البرهان وسورة البقرة مدنية وأكثر خطابها لبني إسرائيل، ~~ومعنى {لا ريب } أي لاشك فيه ليصف أنه حق وصدق، والغرض نفي كونه مظنة للريب ~~لا أن أحدا لم يرتب فيه يقال في البلغة: ليربني منه أمر يريبني إذا وقفت ~~منه على ريبة، ونظير قوله لاريب فيه قوله تعالى: في وصف القرآن وأنه لكتاب ~~عزيز {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد}[243]وقوله جل وعلا: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا، أي تفاوتا وتناقضا، فدل تعالى على أنه كله حق لا باطل فيه ولاتناقض، ~~ومعنى{ هدى للمتقين} أي زيادة هدى لهم؛ لأنهم هم المنتفعون به. # قال في البلغة: أي القرآن دلالة للمتقين، والقرآن وإن كان دلالة لسائر ~~المكلفين فخص المتقون بالذكر مدحا لهم، وتشريفا لتمسكهم، وانتفاعهم، فكأنه ~~لم يعتد بغيرهم الذين أعرضوا عن قبوله، ونظيره قوله تعالى:{إنما أنت منذر ~~من يخشاها} وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذر لمن خشى النار، ولمن ~~لم يخشها، ومثله كثير من القرآن، والمتقي مشتق من الإتقا يقال في البلغة: ~~أتقا يتقي فهو متق إذا أجدر عن الشيء وخاف منه، وقالوا أتقاه بالترس، ~~وباليد إذا جعل الترس حاجزا بين ما يخافه ويجدره، وأصل التقى متقي؛ لأنه من ~~الوقاية فقلبت تاء وأدغمت، والمتقي في الشرع أسم مدح كالمؤمن والعدل، ~~والمتقي هو جانب المعاصي خوفا من عذاب الله. # قال: إمامنا المنصوربالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على أن من راب ~~في كتاب الله العزيز فقد كذب الله في خبره وذلك كفر، وعلى أن القرآن حجة في ~~جميع معالم الدين، حيث جعله الله هدا للمتقين. انتهى. PageV22P001 # فإن قيل: كيف وصف القرآن كله بأنه هدا وفيه مجمل ومتشابه كبير، ولولا دلالة ~~العقل لما تميز المحكم عن المتشابه، فيكون المهدي في الحقيقة وهو الدلالة ~~العقلية لا القرآن، ولهذا نقل عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: ~~لابن عباس حين بعثه رسولا إلى ms2926 الخوارج لاتحج عليهم بالقرآن فإنه ذوا وجهين، ~~فلو كان هدا لما قال علي عليه السلام ذلك، ولأنا نرى جميع فرق الإسلام ~~يحتجون به. # قيل له ولا قوة إلا بالله، إن ذلك المجمل والمتشابه لما لم ينفك عما يبين ~~المراد على التعيين وهو إما دلالة العقل، أو دلالة السمع، صار كله هدا ~~والله اعلم. # قال في الكشاف: محل هدا للمتقين الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع ~~لا ريب فيه لذلك أو مبتدأ الطرف المقدم خبرا عنه، ويجوز أن ينصب على الحال ~~والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف، والذي هو أرسخ عرفا في البلاغة أن يضرب ~~عن هذه المحال صفحا، وأن يقال إن قوله الم جملة برأسها أو طائفة من حروف ~~المعجم مستقلة بنفسها، وذلك الكتاب جملة ثانية، ولاريب جملة ثالثة، وهدا ~~للمتقين جملة رابعة[243]وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جئ بها متناسقة ~~هكذا من غير نسق حرف وذلك لمجيئها متآخية أخذا بعضها بعض. # والثانية: متحدة بالأولى متعلقة لها، وهلم جراء إلى الثالثة، والرابعة، ~~بيان نية أولى على أنه الكلام المتحدي به. # ثم أشير بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكأن تقريرا لجهة التحدي، ثم ~~نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة، وتسجيلا بكماله، ثم أخبر عنه ~~أنه هدا للمتقين فقرر بذلك كونه يقينا لايحوم الشك حوله، وحقا لايأتيه ~~الباطل من بين يديه ولاخلفه. # ثم لم يخل كل واحد من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت ~~هذا النظم السري، من نكية ذات جزالة، ففي الأولى الحذف والرمز إلى العرض ~~بألطف وجه. # وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة. # وفي الثالثة: ما في تقديم الريب على الظرف. PageV22P002 # وفي الرابعة: الحذف، ووضع المصدر الذي هو هدا موضع الوصف الذي هو هاد، ~~وإيراده منكر. انتهى. # ثم وصف المتقين فقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} أي هؤلاء المتقون ~~يصدقون بما غاب عنهم، ولم يشاهدو نحو الصانع تعالى، وصفاته، والنبوات، ~~والبعث، والنشور، والحساب، والوعد، والوعيد، والإيمان أن يعتقد الحق بقلبه ~~ويعترف ms2927 بلسانه، ويصدقه بعلمه. # قال في البلغة: والإيمان في الشرع إسم لأدى الواجبات، واجتناب المقبحات، ~~وإذا قيل: فلان مؤمن مطلقا كان المراد أنه مستحق للثواب والتعظيم لأدائه ~~الواجبات، واجتناب المقبحات، والأسم للمدح في الشرع، وإذا قيل: مقتدا لم ~~يكن مدحا كقولنا لليهودي أنه مؤمن بالله، وبموسى، ولايزيد بذلك مدحه، وكما ~~يقول للفاسق من أهل القبلة أنه مؤمن بالله، وبرسوله، وبالشريعة، ولايزيد ~~بذلك مدحه، لكونه فاسقا، إذ لايستحق المدح، والذم في حالة واحدة، وقد سلبه ~~إسم الفسق إسم الإيمان كما قال الله تعالى:{بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} ~~ثم قال تعالى:{ويقيمون الصلاة} أي يديمون فعلها، وقيل: يوئدونها كاملة على ~~ما كان فيها من قيام وغيره لأربع فيها، من أقام العود أزال عوجه، وأصل ~~الصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع إسم لهذه الأفعال المخصوصة التي هي ~~القيام، والركوع، والسجود، فنقل هذا الإسم من اللغة إلى الشرع، فصار بكثرة ~~الإستعمال حقيقة في هذه الأفعال المخصوصة حتى إذا أطلق الآن لايعرف إلا على ~~هذا الوجه، ثم قال[244] سبحانه:{ومما رزقناهم ينفقون} أي وهؤلاء المتقون مع ~~تصديقهم بالغيب وإدامتهم الصلاة منفقون في وجوه البر ما أعطيناهم وملكانهم ~~من المال طلبا لمرضات الله، وابتغاء لغفرانه، وثوابه، فمدحهم، وأصل الرزق ~~العطاء، يقال أخذ فلان رزقه من الديوان أي عطاه، ومنه قوله تعالى:{وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم PageV22P003 منه} أي اعطوهم، والرزق في اصطلاح العلماء هو مامكن الحي من الإنتفاع به ~~وليس لأحد منعه منه، وقد قيل: هو ماكان ملكا له وليس لأحد منعه منه. # قال في البلغة: وهو الأصح، فدلت الآية على أن مال الغصب والسرقة ليس من ~~رزق الله تعالى؛ لأن الله مدح من ينفق ممارزقه الله تعالى في سبيل الله، ~~ومن أنفق فيه مالا أغتصبه أوسرقه لم يكن ممدوحا بل ممنوعا منه منهيا ~~ومأمورا برد المال إلى صاحبه، وذهبت العامة إلى أن الأرزاق هي الأغذية، ~~ولهذا قالوا: الغاصب يأكل رزقه، وهذا باطل؛ لأن الإنسان قد يغصب مال الغير ~~فيتغذى فهو يتغذى بمال أخذه ظلما، وهو ممنوع ms2928 بالنهي عن أكله وما ملكه الله ~~فليس بمنوع منه، فحقيقة الرزق ما ذكرناه، ويدخل فيه جميع ما يملكه الله ~~العبد من صنوق الأموال والأطعمة، والإنفاق في اللغة الإخراج، ونقيضه ~~الإمساك، ذكر هذا في البلغة، وفي هذا الإنفاق فوائد: # الأولى: أدخل من التبعيضية صيانة لهم، وكفا عن الإسراف، والتبذير المنهي عنه. # الثاني: قدم المفعول على الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض ~~المال بالتصدق. # الثالث: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية الإنفاق الواجب والمندوب، ~~والأنفاق الواجب أقسام كالزكاة ونحوها، والإنفاق المندوب أيضا، كذلك فكل ~~هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية؛ لأن كل ذلك سبب لإستحقاق المدح والله اعلم. # ثم قال تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} هذا أيضا ~~منصفة المتقين الذين تقدم ذكرهم في الآية الأولى، أي وهؤلاء المتقون يصدقون ~~بالقرآن المنزل عليك يامحمد، وبالكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام ~~قبلك، وقوله {بما أنزل إليك}: PageV22P004 # قال في الكشاف: وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا ~~للموجود على مالم يؤخذ به كما يغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على ~~الغائب، ثم قال سبحانه:{وبالآخرة هم يوقنون}[245]في تقديم الآخرة وتأخير ~~يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب، ومما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة ~~علىخلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر على إتقان وأن اليقين ما عليه من آمن ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. # قال في البلغة: أصل اليقين في اللغة العلم إلا أنه علم يثلج الصدر ~~بمعلومه بعد أن كان غامضا، ولهذا لايوصف الله باليقين؛ لأنه لايغمض عليه ~~شيء من المعلومات، أي وهؤلاء المتقون مع تصديقهم بما أوحى إليك ايقنوا بأن ~~ما أخبر الله به من البعث والثواب كاين لامحالة. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: دل ذلك على وجوب الإيمان بالغيب، ~~وإقام الصلاة، ووجوب الإنفاق مما رزقه الله عبارة في الجملة، وعلى وجوب ~~الإيمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى من قبله من ~~ألأنبياء صلوات الله عليهم. انتهى. # واعلم أنه تعالى ms2929 مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم بأنه لايمدح ~~المرء بأنه يتقن وجود الآخرة فقط بل لايستحق المدح إلاإذا أتقن وجود الآخرة ~~مع ما فيها من الحساب، والسؤال، وإدخال المؤمنين الجنة، والكافرين النار. PageV22P005 # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا عجبا كل العجب من الشاك في ~~الله تعالى وهو خلقه، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، ~~وعجبا ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم وليلة يموت ويحيى)) يعني النوم ~~واليقظة ((وعجبا لمن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، ~~وعجبا من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة، وأخره جيفة قذرة، وهو ~~فيما بين ذلك يحمل البول والقذرة)) ثم قال تعالى:{أولئك على هدى من ربهم } ~~أي ثابتون عليه ثبوت الراكب على المركوب، ثم قال:{وأولئك هم المفلحون} ~~الفلاح في اللغة الظفر بالبغية، والفلاح البقاء أيضا، والفلاح الخير، ومنه ~~حي على الفلاح، أي هلم إلى ألخير، وهذه الإشارة أيضا إشارة إلى المتقين ~~الذين ذكرهم الله أي هؤلاء المتقون على دلالة وبيان من ربهم، فخصوا بالذكر ~~مدحا لهم؛ لأنهم استدلوا بما نصب الله من الدلالة وهم الظافرون بما يطلبونه ~~من عند الله رضى، وثوابا، وكرامة، فبين الله تعالى في هذه الأي حال ~~المؤمنين المخلصين ومالهم عنده من المثوبات، والكرامات، ترغيبا لعباده في ~~الإيمان والطاعات. PageV22P006 # قال الرازي: معنى الإستغلال في قوله على هدا بيان لتمكينهم من الهدا ~~واستقرارهم عليه، حيث شبه حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونظيره فلان ~~على الحق، وعلى الباطل، وقد صرحوا به [246]قولهم جعل الفوائد مركبا وامتطى ~~الجهل، وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل؛ لأن الواجب ~~على التمسك بالديل أن يدوم على ذلك ويحرمه على المطاعن والشبه، فكأنه تعالى ~~لما مدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولا مدحهم بالإقامة على ذلك، والمواظبة ~~على حراسته عن الشبه ثانيا، وذلك واجب على المكلف؛ لأنه إذا كان مسددا في ~~الدين خائفا، وجلا فلا بد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله وسائر ms2930 حاله ~~فيهما، فأذا حرس نفسه على الإخلال كان ممدوحا بأنه على هدا وبصيرة، وإنما ~~ذكر هدا لتفيد ضربا مبهما كما يقال لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا، وما أحسن ~~قول بعضهم المهدي من الله كثير، ولايبصره إلا بصير، ولايعمل به إلا يسير، ~~ألا ترى أن نجم السماء يبصرها البصر ولايهتدي بها إلا العلماء. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر أولياؤه وخالصة عباده بصفاتهم على أهلتهم لإصابة ~~الزلفى عنده وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة قفى على أثره بذكر أضدادهم، ~~وهم العتاة المردة من الكفار الذين لاينفع فيهم الهدى، ولايجدي اللطف بهم ~~فقال سبحانه:{ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} ~~أي سوا عليهم وجود الكتاب وعدمه وإنذار الرسول وسكوته. # قال في البلغة: الكفر في اللغة الستر والتغطية ومنه قول لبيد: # يعلو طريقة منتها متواترا # في ليلة كفر النجوم غمامها PageV22P007 أي غطاها، وقيل: الكافر في الشرع أسم لمن استحق العقاب العظيم بما ارتكبه ~~من الكبيرة التي تسمى كفرا، فكأنه ستر معرفة الله تعالى ونعمه التي أنعم ~~بها عليه، والإنذار والتخويف، ولما بين الله حال المؤمنين المخلصين في ~~الآية المتقدمة بين حال الكافرين المجاهرين بكفرهم في هذه الآية، وأشار إلى ~~قوم من الكفار علم الله من حالهم أنهم لايؤمنون ابدا وأنهم يموتون على ~~كفرهم، وأسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إيمانهم، فلو كان ذلك عاما ~~في سائر الكفار لكان يجب أن لايؤمن أحد منهم وقد آمن كثير من الخلق لايعلم ~~عددهم إلا الله تعالى، فعلمنا بذلك أن الآية خصت قوما من الكفار بأعيانهم، ~~فكأنه قيل: هؤلاء الكفار الذين أشير إليهم مستوي عندهم الإنذار وتركه وسوا ~~دعوتهم يامحمد إلى دين الله أولم تدعهم، وخوفتهم بالنار أولم تخوفهم، فإنهم ~~لايؤمنون أبدا، وفي الكشاف: يجوز أن يكون التعريف في الذين كفروا ~~للحسن[247] متناولا كل من صمم على كفره تصميما؛ لأنه غوى بعده وغيرهم، ودل ~~على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستوى الإنذار وتركه عليهم، وسوى بمعنى ~~الإستوى، وصف بالمضار، ومنه ms2931 قوله تعالى:{ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم } في أربعة أيام سواء للسائلين بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه ~~خذلان. انتهى. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على أن تبليغ ~~الرسالة والأحكام الشرعية واجب إلىمن يؤمن، وإلى من لا يؤمن، لتقوم بذلك ~~الحجة على عباد الله، ويجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن لم يمتثل ~~العصاة؛ لأنه من تبليغ الرسالة، والأحكام الشرعية، والمسلمون ينوبون في ذلك ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك معلوم من الدين. انتهى. PageV22P008 # وأما قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } ~~فالختم والكتم إخوان الإستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له، ويعطيه ~~لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه، والغشاوة الغطاء فعاله من غشاه وهذا البناء ~~لما يشمل على الشيء كالعصابة والعمامة. # قال في البلغة: الهاء، والميم، في قلوبهم كناية عن الكافرين الذين تقدم ~~ذكرهم، والختم والطبع في اللغة واحد، فأخبر الله تعالى أنه ختم على قلوب ~~الكفار الذين بين حالهم على وجه الذم والتوبيخ أنهم لايؤمنون أبدا، وقد ~~علمنا بالدليل أنه لايجوز أن يكون هذا الختم شيئا مانعا لهم من الإيمان؛ ~~لأن الحكيم جل وعلا لا يجوز أن يمنع المأمور عن فعل ما أمر به، ولا يجوز أن ~~يكون هذا الختم شيئا أن يذمه على ترك ما منعه من فعله؛ لأنه سفه جل الله عن ~~السفه، وهذه من جملة المتشابهات التي يجب استخراج مراد الله منها بردها إلى ~~الدلائل والآيات المحكمات، فذهب بعض العلماء في تأويل هذا الختم إلى أنه ~~نكتة سوداء يوسم بها قلب الكافر، علامة للملائكة عليهم السلام، فيعلموا بها ~~أن صاحبها كافر مستحق للعن والبرأة منه؛ لأن الملائكة متعبدون بذلك في ~~الكفار، وهم لايعلمون الغيب، فلابد إذا من علامة وتكون علامة المؤمن نكتة ~~بيضاء وأنباء عن هذا المعنى قوله تعالى في المؤمنين{أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان...} الآية. PageV22P009 # قلت والأولى ما ذكره في الكشاف، وأن هذا من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من ~~كلي نوعيه، وهما الإستعارة، ms2932 والتمثيل، أما الأستعارة فإن تجعل قلوبهم لآل ~~الحق لاينفذ فيها، ولايخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستنكاره عن ~~قبوله ........وإسماعهم ؛ لأنها ......وتنبأ عن الإصغاء إليه ويعاف استماعه ~~كأنها[248]مستوثق منها بالختم وإبصارهم؛ لأنها لاتجتلي آيات الله المعروضة ~~ودلائله المنصوبة، كما تخيلتها أعين المعتبرين من المستبصرين، كأنما عطى ~~عليها وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الإستنفاع بها بالختم ~~والتغطية، وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان وألغى حتما عليه فقال: # ختم الإله على لسان غذافر # ختما فليس على الكلام تقادر # وإذا أراد النطق خلت لسان لحما # يحركه لصقر نافر # الختم إلى الله تعالى فلينبه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها ~~كالشيء الخلقي غير العرضي، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا، ومفطور ~~عليه، يردون أنه تبليغ في الثبات عليه، وكيف تتخيل ماخيل إليك، وقد وردت ~~الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم، وسماحة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب ~~عظيم، قال فيه: ويجوز أن تضرب الجملة كما هي وهي ختم الله على قلوبهم مثلا ~~كقولهم سال به الوادي إذا هلك، وطارت به العنقاء إذا أطال الغيبة، وليس ~~للوادي، وفي طول غيبته يحال من طارت به العنقاء، وكذلك مثلت حال قلوبهم ~~فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها، نحو قلوب ~~الأغتمام التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم أو بحال قلوب البهائم ~~أنفسها، أوبحال قلوب ختم الله عليها حتى لاتعي شيئا، ولاتفقه، وليس له ~~عزوجل فعل في تجافيها عن الحق وتبؤها عن قوله، وهو متعال عن ذلك. انتهى. PageV22P010 # فذكر الله تعالى ذلك على وجه التشبيه بالممنوع قلبه من المعرفة وسمعه عن ~~السماع، وبصره عن الإبصار، لما لم يفهموا بقلوبهم ما وجب عليهم فهمه، ولم ~~يسمعوا الحق، ولم يبصروا ما لزم إبصاره بعيونهم، كما قال تعالى: في صفة قوم ~~منهم {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون ~~بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}وقال: ms2933 جل وعلى في صفة ~~امثالهم {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} وإن كان لهم أذان يسمعون بها وألسن ~~ينطقون بها وأعين يبصرون بها، فشبههم بمن ليس لهم هذه الآلة لما لم ~~يستعملوها فيما وجب استعمالها فيه، وهذا معنى قوله{وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~غشاوة}أي ستر وغطا، تشبيها لهم بمن على سمعه وعلى بصره غطا يمنعه عن ~~الرؤية، والإستماع، نزيدك لهذا التأويل وضوحا وبيانا أن الإيمان ليس مما ~~يفعل بالعين حتى يمنع بفعله أحداث[249]شيء في العين من غشاوة وغيرها، ويؤكد ~~هذا قوله تعالى في آخر الآية {ولهم عذاب عظيم} وذلك أن العذاب العظيم ~~لايستحق إلا على الكفر، والجرم العظيم، فلو كان الله أحدث في قلوبهم شيئا ~~يمنعهم من الإيمان لما ساغ في حكمته أن يعذبهم الله العذاب العظيم. # قال في الكشاف: والفرق بين العظيم والكبير نقيض الحقير، والكبير نقيض ~~الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ويستعملان في ~~الحدث والأحداث جميعا، يقول رجل عظيم وكبير، يريد خبثه أو خطره، ومعنى ~~التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطا ~~التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الألام العظام نوع عظيم لايعلم كنهة إلا الله. PageV22P011 # ولما بين الله تعالى حال الكافرين المجاهرين بالكفر بين حال الكافرين ~~المسرين للكفر، وهم المنافقون فقال سبحانه: {ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك وصف ~~المنافقين قالوا وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين، والكافرين، ~~والمنافقين، فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم، وسلمت ضمائرهم، ثم ~~أتبعوا بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال ~~من يقول بلسانه أنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، أي ومن الناس من يأتيك يا محمد ~~فيقول لك آمنت بالله، وصدقت بالقيامة، والبعث، وماهو بمؤمن، فدلت الآية على ~~أن الإيمان ليس هو إلاقرار، ومجرد القول فقط؛ لأن الله نفي الإيمان عن من ~~أقر بلسانه، وأظهر الشهادة، بين لما لم يكن معتقدا لما أظهروا قربه، فلوكان ms2934 ~~بالإقرار المجرد مؤمنا لما كذبه الله تعالى، ولانفي الإيمان عنه؛ لأن يكذب ~~الصادق كذب والله يتعالى عنه ليوم القيامة اليوم الآخر؛ لأنه آخر يوم من ~~أيام الدنيا، وقيل: لأنه آخر يوم لا ليل بعده، فكأنه آخر يوم على الحقيقة ~~إذا الأيام تميز بالليالي. # ثم قال تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا }. # قال في البلغة: أصل الخديعة في اللغة الأخفاء، ولهذا قالوا للخزانة مخدع ~~لأنه الموضع الذي يخفى فيه الشيء، والمخادعة على الحقيقة لا تجوز على الله ~~تعالى؛ لأنه عالم لذاته لسائر المعلومات، فلا تخفى عليه خافيه، ومعناها ~~هاهنا أن المنافقين يعلمون علم من يخادع لإظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر، ~~وقيل: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، فذكر ~~نفسه وأراد به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم تشريفا له وهو قوله تعالى ~~:{الذين يؤذون الله [250] ورسوله} أي يؤذون أولياء الله لأن الأذى ~~لايجوزعلى الله تعالى. انتهى. PageV22P012 # والمعنى يخادعون الله بإيهام الإيمان ويخادعون الذين أمنوا بذلك، وبأنهم ~~يعلمون إسرارهم فيبلغونها أعداءهم، ويطلبون لهم الغوائل والخدع أن يوهم ~~صاحبه خلاف ما يريده من المكروه وإظهار الله أحكام المسلمين عليهم وهم عنده ~~من أهل الدرك الأسفل من النار، في صورة الخداع، وكذلك صورة صنع المؤمنين ~~معهم، حيث امتثلوا أمر الله فيهم وأخروا أحكامهم عليهم. # ثم قال تعالى:{وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} إنما كانوا خادعين ~~لأنفسهم؛ لأن ضرر الخداع يعود عليهم وباله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر أنهم ~~ما يعلمون لحوق ضرر ذلك بهم، وهذا كما يقال فلان يسخر من نفسه إذا فعل من ~~السخرية ما يرجع وباله عليه. PageV22P013 # قال في الكشاف: والشعور علم الشيء علم حسن من الشعار، مشاعر الإنسان حواسه، ~~والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس وهم لتمادي غفلتهم، وأما قوله تعالى: ~~{في قلوبهم مرض } فالمرض أصله الضعف، والمرض والعلة بمعنى واحد، ويستعمل ~~هذا للفظ في الشك أيضا في الغم كما يقال أمر فلان أمرض قلبي بما قال: إذا ~~غمه، وقيل: معناه في قلوب هؤلاء المنافقين غم، وقيل: شك، ms2935 وقي: نفاق {فزادهم ~~الله مرضا} يجوز أن يراد حقيقة المرض لأن قلوبهم كانت تغلي على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى المؤمنين حنقا، وغيظا، ويتحرقون حسدا، ويجوز ~~أن يستعار المرض لما انطوت عليه قلوبهم من سوء الإعتقاد، والغل، والحسد، ~~والميل إلى المعاصي، وغير ذلك مما هو آفة وفساد في الدين شبيه بالمرض وما ~~أحسن قول الهادي عليه السلام في هذه الآية حيث قال: المعنى في ذلك أن مشركي ~~قريش كان في قولبهم مرض من دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمرض ~~فهو الشك، والحيرة، والحسد له صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت قلوبهم ~~مدخولة مما يأتي به من الحق خوفا أن يظهر حقة وكلمته ويتمكن في قلوب العرب ~~دعوته، فكانوا كلما أشفقوا من شيء زاد الله نبيه حجتة، ويزيده نورا، ~~وتقويا، ونصرا، وتأيدا، فتزداد لذلك قولبهم عدواة وحسدا، فهذا معنى قول ~~الله في قلوبهم مرض يخبر سبحانه أن كلمة يؤتيه نبيه من العز والخير وإقامة ~~الحجج على الأمة يزيد ذلك قلوب المشركين سقما، وغما، وبلاء، ومرضا. انتهى. PageV22P014 # ثم قال عزودجل: {ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} والأليم بمعنى المؤلم، ~~وهو الموجع، وهو فعيل بمعنى فاعل[251]كعليم بمعنى عالم، وسميع بمعنى سامع، ~~ورحيم بمعنى راحم، والمؤلم في الحقيقة هو الله تعالى، فوصف العذاب به ~~مجازا، وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض } معطوف على يكذبون، ~~ويجوز أن يعطف على يقول أمنا لأنك إذا قلت ومن الناس إذا قيل لهم لاتفسدوا ~~في الأرض كان صحيحا. # قال في الكشاف: والأول أوجه، والفساد خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه ~~منتفعا به، ونقيضه الصلاح، والفساد، في الأرض بالحروب والفتن؛ لأنها تفسد ~~أحوال الناس، والزروع، والمنافع الدينية والدنيوية، وفساد المنافقين بإفشاء ~~أسرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأحوال المؤمنين، والإغراء بهم ~~المؤدي إلى الحروب والفتن، وقيل: بالميل إلى المشركين فإن فيه فساد ~~المنافقين، ووهنا في الدين، وقيل: بالكفر، وصد الناس عن الإسلام، ثم حكى ~~جوابهم فقال:{قالوا إنما نحن مصلحون} أي ms2936 كانوا يحبون المؤمنين بأنا إنما ~~نفعل ذلك لضرب من الصلاح فيوهمون المؤمنين أن معاشرتهم للكفار لأجل استعطاف ~~قلوبهم على المؤنين والبقاء عليهم إذا كانت اليد لهم، وكان مرض هؤلاء ~~المنافقين غير ما أظهروه لهم، وذلك أنهم دبروا واتفقوا على أن يكونوا مع ~~المسلمين ظاهرا، ويكون مع الكفار باطنا، فإن كان الظفر للمسلمين سلموا، وإن ~~كان للكافرين أمنوا من أذيتهم، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كما رووا وأن ~~الذي يفعلونه وهن في الدين، وفساد بقوله تعالى:{ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون} أي لامفسد سواهم، وفي التجريد: قيل ادعوا الصلالح وهم يعلمون ~~خلافه، وعلى هذا معنى لايشعرون لا يعلمون حقا من باطل أي لايتدبرون، وقيل: ~~كانوايظنون أن العاقبة لأهل الشرك. انتهى. PageV22P015 # وإلا تنبيه يدخل على كل كلام يكفي بنفيه كقولهم إلا أنه زيد خارج، وكقوله ~~تعالى: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون}أكد الرد عليهم ~~بوجوه من التأتكيدات من جهة الإستئناف ومن جهة، الأوان المؤكدتين، ومن جهة ~~تعريف الخبر، وتوسط ضمير الفصل، وقوله {لا يشعرون}. # ولما نهاهم عن الفساد في الأرض أمرهم بعد ذلك بالإيمان فقال تعالى: {وإذا ~~قيل لهم آمنوا كما آمن الناس} أي وإذا قيل لهؤلاء المنافقين افعلوا الإيمان ~~على الوجه الذي فعله أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالناس هاهنا ~~أصحاب محمد، وقيل: الناس هاهنا هم الذين اسلموا من أهل الكتاب. # قال في البلغة: والأول أقرب فيكون اللام للحسن[252] أي كما آمن الكاملون ~~في الإنسانية أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم، ~~قيل: والقائل آمنوا كما آمن الناس، إما الرسول أو المؤمنين، ولما قيل لهم ~~ذلك {قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} أي كان من جوابهم على وجه الإنكار ~~والإستهزاء أن نكون كهؤلاء السفهاء فسموا المؤمنين سفها، وأصل السفة في ~~اللغة الخفة، والسفيه هو الخفيف الطائش، ويوصف به من كانت أفعاله على غير ~~مقتضى الحمكة، وإنما سفهوهم لأنهم لفرط جهلهم وإخلالهم النظر اعتقدوا أنما ~~هم عليه هو الحق وأنما عداه باطل، ومن ms2937 ركب متن الباطل كان سفيها، ولأنهم ~~كانوا في رئاسة في قومهم ويسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء وموالي كصهيب، ~~وبلال، وخباب، فدعوهم سفهاء؛ ولأنهم كانوا في رئاسة قومهم ......تحقير ~~لشأنهم فقال تعالى: {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} رد الله عليهم ما ~~قالوا بأن يبرأ أن هؤلاء المنافقين هم السفهاء الجهال دون المؤمنين وأنهم ~~لايعلمون أنهم بهذه الصفة، وإنما قال: في آخر هذه الآية {لا يعلمون} وفيما ~~قبلها لايشعرون لوجهين: PageV22P016 # الأول: أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمرعقلي نظري ~~يفتقر إلى الإستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من ~~البغي المفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس، خصوصا عند ~~العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التفاوت، والتناحر، والتحارب، ~~والتجارب، فهو كالمحسوس المشاهد. # الثاني: أنه ذكر السفه وهو جهل، فكأن ذكر العلم معه أحسن طباقا له والله اعلم. # ثم قال تعالى: حاكيا عنهم أفعالهم القبيحة {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا} اللقاء في اللغة بمعنى الإجتماع والحضور، ومنه لقى العدو إذا بارز ~~للقتال، أي هؤلاء المنافقون إذا التقوا بالمؤمنين قالوا لهم نحن ~~مؤمنون{وإذا خلوا إلى شياطينهم} أي وإذا انصرفوا من حضر المؤمنين إلى خلوا ~~رؤساهم من الكفار{قالوا إنا معكم} على دينكم اليهودية {إنما نحن مستهزئون} ~~أي ساخرون بالمؤمنين والشياطين هاهنا رؤسا الضلالة والكفر، ويقال في اللغة ~~لكل متمرد شرير من الجن والأنس شياطين، ومنه قوله تعالى:{شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} ويقال للحية الخفيفة الجسم ~~الضئيلة شيطان، ومنه قوله تعالى: {كأنه رءوس الشياطين} قاله في البلغة، ~~والمعنى أن هؤلاء المنافقون[253]قالوا لرؤسائهم نحن تابعون لكم، وناصرون، ~~وبدينكم متمسكون، وإذا قلنا لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنا ~~مؤمنون كان ذلك استهزاء منا بهم، والإستهزاء والسخرية بمعنى، وأما قوله ~~تعالى: {الله يستهزئ بهم} فمعناه يعاقب الله عزوجل هؤلاء المنافقين على ~~استهزائهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالمؤمنين، وهذا على مزاوجه ~~الكلام، والعرب تسمي جزء الشيء باسم ما ms2938 هو جزاء عليه، ولهذا قالوا الجزاء ~~بالجزاء، ومنه قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} PageV22P017 ولامزيد في أن الثاني الذي هو الجزاء ليس بسيئة، وقيل: هو على وجه التوبيخ ~~لهم والتقريع كما يقال للكافر عند تعذيبه{ذق إنك أنت العزيز الكريم}، وهو ~~لا يكون عزيزا في تلك الحال، وإنما كان عزيزا في تلك الحال الدنيا، فإذا ~~قيل للمنافق مثله كان ذلك استهزاء به، ثم قال سبحانه:{ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون} العمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرائ، والعمه في ~~الرائ خاصة وهو التحسير والتردد. # قال في البلغة: يقال في اللغة عمه يعمه عمها، فهو عمه إذا تحير، ومعناه ~~أن الله يمدهم في العمر يقال بتطويله داعيا لهم إلى التوبة ومراعيا فيهم ~~وجه المصلحة، وإن كانوا في كفرهم وضلالهم يترددون، وإذا كان تأويل قول الله ~~تعالى يستهزء بهم بمعنى يعاقبهم كان اتصال قوله تعالى ويمدهم بما قبله على ~~معنى أنهم لما اغتروا بما كانت لهم من السلامة في طول أعمارههم ولم يعلموا ~~أن عاقبة أمرهم تؤول إلى الخلود في نار جهنم جرى ذلك مجرى الإستهزاء الذي ~~عاد عليهم ضرره. # وفي الكشاف فإن قلت كيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان وهو فعل ~~الشياطين؟ ألا ترى إلى قوله: {وإخوانهم يمدونهم في الغي} قال: إما أن يحمل ~~على أنهم لمامنعهم الله الطاقة التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم ~~وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم بتزايد الدنيا والظلمة، فيها تزايد الإنشراح ~~والنور في قلوب المؤمنين، فسمى ذلك التزايد مددا وأسند إلى الله؛ لأنه مسبب ~~عن فعله بهم بسبب كفرهم، وإما على منع القسر والإلجاء، وإما على أن يسند ~~فعل الشيطان إلى الله تعالى؛ لأنه تمكنه وإقداره والتخلية بينه وبين إغوا ~~عباده. انتهى. PageV22P018 # ثم قال تعالى:{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} الإشارة بقوله أولئك إلى ~~المنافقين الذين تقدم ذكرهم، أي هؤلاء المنافقون استبدلوا الضلالة بالهدى ~~أي استبدلوا الكفر بالإيمان، فكأنهم اشتروا الكفر وجعلوا ثمنه الإيمان، ~~ودل[254]ذلك على أن الكافرين كانوا قادرين على الإيمان والكفر جميعا؛ لأنهم ~~لو ms2939 لم يكونوا قادرين عليهما لما صح عنهم الإستدلال بأن يفعلوا هذا بدل ذلك، ~~ولكن جعلوا لتمكنهم من الهدى وإعراضه لهم كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلى ~~الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن الدين القيم هو فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة، والضلالة الجور عن القصد، ~~وفقد الإهتداء، فمعنى اشترا الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به ~~على سبيل الإستعارة؛ لأن الإشتراء فيه إعطاء بذل وأخذ آخر ومنه # أخذت بالجمة رأسا إن عرا # وبالثنايا الواضحات الدردرا ...أسنان # وبالطويل العمر عمار حيدرا # كما اشترى المسلم إذ تنصرا # ثم قال سبحانه: {فما ربحت تجارتهم } أي فما ربحوا، كقوله فإذا عزم الأمر ~~عزموا عليه، {وما كانوا مهتدين} طريق النجاة لبيعهم الإيمان بالكفر، وإنما ~~أسند الخسران إلى التجارة وهو لإصحابها؛ لأنه من الإسناد المجازي، وهو أن ~~يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كتلبيس التجارة بالمشتري، ~~فإن قيل: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الإستبدال، فما معنى ~~ذكر الربح والتجارة كان ثم مبايعة على الحقيقة، قيل: له هذا مما يقوي أمر ~~المجاز ويحسنه كما قال الشاعر: # ولما رأيت النسر غاربن دابة # وعشش في وكريه جاش له صدري PageV22P019 لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذلك كرا التعشيش، ~~والوكر، وكذا هاهنا سبحانه لما ذكر الشر أتبعه بما يشاكله ويواخيه تمثيلا ~~لخسارتهم، وتصويرا للحقيقة، ولما جا تحقيق صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في ~~الكشف وتتميما للبيان فقال عزوجل: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ~~ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} معنى مثلهم أي حالهم ~~وصفتهم العجيبة الشأن، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل ~~والنظائر شأن ليس بالخفى في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق ~~حتى تريك المتخيل في صورة المتحقق، والمتوهم في معرض التيقن؛ لأن المقصود ~~من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب مالم يؤثره وصف الشيء في نفسه؛ وذلك ~~لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب ms2940 بالشاهد، فيتأكد الوقوف ~~على ماهيته ونضير[255]الحسن مطابقا للعقل، وذلك هو النهاية في الإيضاح، ألا ~~ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجردا عن ضرب مثل لم يتأكد وقوعه كما، ~~يتأكد إذا مثل بالنور، وإذا زهد في الكفر لمجرد التكريم يتأكد قبحه في ~~العقول، كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب ~~مثله بنسيج العنكبوت كأن ذلك أبلغ، وتقرير صورة ضعفه من الأخبار بضعفه ~~مجردا، والأمر ما أكثر الله في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله وفشت في ~~كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلام الأنبياء والحكماء، قال ~~الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} ومن سورة ~~الأنجيل سورة الأمثال، والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثل والنظير، يقال مثل ~~ومثل ومثيل، كشبه، وشبه، وشبيه، ثم قيل: للقول السائر الممثل مضرب بمورده ~~مثل ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسير، ولاجديرا بالتداول والقبول، ~~إلا قولا فيه عذابه PageV22P020 من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ عليه وحمى عن التفسير، ومعنى {كمثل الذي استوقد ~~نارا} أي كالذين استوقدوا، أو كالفوج المستوقد، وليس المراد تشبيه ~~المنافقين بالمستوقد بل المراد تشبيه حالهم بحال المستوقد، فهو من تشبيه ~~المركب بالمركب، وهو المسمى بالتمثيل، وفيه تبكيت للخصم، وقل لشوكته، شبه ~~المنافق بالمستوقد نارا، وإظهار الإيمان لينتفع به عند المسلمين بالإضائة ~~التي انتفع بها المستوقد، وانقطاع انتفاعة بنفاقه عند موته، وإظهار الله ~~المؤمنين على إسراره وفصحته بالنفاق وبيان بانطفاء النار. # قال في البلغة: كلما بين الله تعالى حال المنافقين ضرب لهم المثل تأكيدا، ~~وضمن المثل ذكر مال أمرهم وعاقبته، واستحقاق ما يستحقونه، فقال: مثل هؤلاء ~~المنافقين في كونهم من جملة المسلمين في الدنيا وتميزهم عنهم في الآخرة ~~وعدمهم ما طمعوا في نيله كمثل رجل بقى هو وأصحابه في الطريق في ليلة مظلمة ~~فأوقد نارا ليبصر هو وأصحابه الطريق فلما أضأت النار ماحول الموقد حتى أبصر ~~هو وأصحابه الطريق أطفأ الله تعالى تلك النار حتى عادت الظلمة كما كانت ~~يقال في اللغة ms2941 استوقد بمعنى أوقد فهو كقولهكم استجاب بمعنى أجاب، ويقال ~~استوقد بمعنى طلب الوقود، ويقال استوقد بمعنى ليستدعى بالنار الضياء، يقال ~~ضاء الشيء بنفسه وأضاء غيره، قال الشاعر: # أضائت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه PageV22P021 ومعنى {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} أي خلاهم والظلمة، فمعنى الترك التخلية ~~هاهنا؛ لأن الترك في اصتلاح المتكلمين على الله تعالى، فشبه الله تعالى ~~انتفاع[256]المنافق بإظهار الشهادة لما حقن به دمه، وماله، ودخل في كثير من ~~أحكام المسلمين في الدنيا بانتفاع الموقد للنار إذا بقى في الطريق في ليلة ~~مظلمة بمقدار ما تضئ النار له، وشبه خيبة المنافق أمله في الآخرة، وتعريه ~~عن أحكام المؤمنين بإطفاء تلك النار حتى عادة الظلمة إلى ما كانت، وبقى ~~الذي كان أوقد متحيرا فيها، وهذا المثل في نهاية الحسن وغاية الفصاحة. انتهى. # وإنما أسند الذهاب إلى الله تعالى في قوله {ذهب الله بنورهم}؛ لأن الريح ~~والمطر والأسباب السماوية فعله تعالى، وقال: {بنورهم}لئلا يتوهم زوال الضوء ~~وبقاء شيء من النور، بل زال الكل رأسا ولذلك، قال: {وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون}، والمعنى أن ورائ انتفاعهم بالإيمان ظلمة النفاق الموقعة لهم في ~~سخط الله، وظلمة العقاب الدائم. # ولما ضرب الله المثل لهولاء المنافقين بما تقدم ذكر شبههم فقال:{صم بكم ~~عمي فهم لا يرجعون} الصم جمع الأصم، والبكم جمع أبكم وهو الأخرس، والعمي ~~جمع الأعمى. PageV22P022 # اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون، وينطقون، ويبصرون، ~~امتنع حمل ذلك على الحقيقة، فلم يبق إلا شبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد، ~~وإعراضهم عما تطرق سمعهم من القرآن، وما يظهره الرسول من الأدلة، والآيات، ~~كمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك ~~جعله بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة ~~الأعمى، فشبههم بالصم البكم لما لم يسغوا إلى استماع الحق، ولمن ينطقوا به ~~العمى عن النظر إليه فلا يبصرونه بعيونهم، فهم لايرجعون إلى الهدى بعد أن ~~باعوه عن الضلالة بعد ms2942 أن اشتروها، وهذا مثل قوله تعالى:{لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل} ثم أخبر أنهم لايرجعون عما هم عليه من العمى والجهل ذما لهم. # ثم عطف مثلا أخر فقال: {أوكصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق}. # قال في البلغة: الصيب فقيل من صاب المطر بصوت صوبا، وهو المطر الشديد، ~~فأصل صيب صيوب، فقلبت الواو بالسكون ما قبلها، ثم أدغمت، وقيل: الصيب ~~السحاب الذي فيه المطر، وذهب بعض النحويين إلى أنها بمعنى الواو، وجعل ~~تقدير الكلام مثل المنافقين كالمستوقد نارا، وكصيب من السماء، وضرب الله ~~تعالى لهم مثلين وقال: غيره ليست أو بمعنى الواو، قد يستعمل أو ~~على[257]وجوه: PageV22P023 # أحدها: أن يكون بمعنى الإباحة، كقولهم جالس زيدا أو عمرا، إباحة الجلوس مع ~~أيهما شاء، أو مجالستهما معا، وهو هاهنا بمعنى الإباحة، فكأنما قيل: إن ~~شبهتم المنافقين بالمستوقد نارا، فذلك شبههم، وإن شبهتموهم بالصيب فذلك ~~شبههم، وإن شبهتموهم بكليهما فذلك شبههم، والظلمات جمع الظلمة، والرعد ~~الصوت الذي يسمع من السحاب، والبرق اللامع من السحاب، والصواعق جمع ~~الصاعقة، وهي النار المنفصلة من السحاب، فتحرق ما وقعت عليه وما أصابته. # وروي عن أمير ألمؤمنين علي عليه السلام أنه قال: الرعد ملك، والبرق ضربة ~~بمحراق من حديد. # وروي عن ابن عباس أنه ملك يزجي السحاب، والبرق ضربة بسوط من نور. # قلت: ومثل هذا في البرهان، وقيل: هو صوت متولد من احتراق الريح السحاب، ~~وقيل: من اصطكاك أجرام السحاب، والصحيح ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام، ~~وابن عباس رحمه الله. # ثم قال تعالى:{يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت} قيل: أن ~~المنافقين أظهروا الإيمان خوفا من المؤمنين على أنفسهم، وأبطنوا الكفر ~~موافقين للكفار سرا طمعا في السلامة من القتل إذا كانت الدائرة لهم، فكانوا ~~خائفين من الموت من كل وجه فلهذا قال تعالى: {حذر الموت} ثم قال تعالى ~~{والله محيط بالكافرين} فلايفوتونه، ومعناه أنه قادر على عقوبتهم، وذكر هذا ~~اللفظ هاهنا مجازا؛ لأن ms2943 الإحاطة على الحقيقة هي إحاط جسم بجسم، وهي لاتجوز ~~على الله تعالى. # وروي عن ابن عباس أنه كان كل كلمة من هذه الكلمات المذكورة في الآية ~~مشبهة شيء، فالمطر المنزل مشبه بالقرآن المنزل، والظلمات مشبهة بما في ~~القرآن من الإمتحان والإبتلاء، والرعد مشبه بالزجر الذي في القرآن، والبرق ~~مشبه بالبينات الذي ينتفع به المنافق بإظهار الإيمان، والصواعق مشبهة ~~بالوعيد في الأجل، والدعاء إلى القتال في العاجل. PageV22P024 # وقال بعض العلماء: المطر مشبه بالإيمان، والظلمات بإبطال المنافقين الكفر ~~مع إظهار الإسلام، والرعد مشبه بفرض الجهاد، وخوف القتل، والبرق مشبه بما ~~للمنافقين من النفع في حقن الدماء والمال، والإشتراك في كثير من أحكام ~~المسلمين في الدنيا، والصواعق مشبهة بالزواجر التي في القرآن، وبالعقوبة في ~~العاجل والآجل، وإنما قالوا ذلك؛ لأن الآية الثانية وردت في باب المثل ~~بالآية الأولى. انتهى. # وفي الكشاف: شبه دين الإسلام بالصيب؛ لأنه مما يحي به كما تحى الأرض ~~بالمطر،[258]وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات ومافيه من الوعد والوعيد ~~بالبرق والرعد، فلما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيهن الحيرة ~~والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفت ناره بعد أيعادها ~~في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف ~~من الصواعق. # فإن قلت هذا تشبيه أشيا بإشيا فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في ~~قوله: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ~~........قليلا، وفي هذا قول امرؤ القيس: # كان قلوب الطير رطبا ويابسا # لدي وكرها العناب والخشف البالي PageV22P025 قلت كما جاء ذلك صريحا فقد جاء مطويا ذكره على سنن الإستعارة كقوله{وما ~~يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج } {ضرب الله مثلا ~~رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا} والصحيح الذي ~~عليه علماء المعاني لايتخطونه أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات ~~المركبة دون المفرقة، لايتكلف الواحد واجد شيء بقدر، شبهه به وهو القول ~~الفحل، والمذهب الجزل، بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى، معنى ms2944 ولابعضها من ~~بعض لم يأخذ هذه الحجة ذاك متشبها بتطايرها كما فعل امرؤ القيس، وجاء في ~~القرآ ن وتشبيه كيفية حاصلة من مجوع أشياء قد تضادت وتلاصقت حتى عادت شيئا ~~واحدا بأخرى، مثلها كقوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا} الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من ~~التوراة، وآياتها الباهرة بحال الحمار بما يحمل من أسفار الحكمة وتساوي ~~الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك ~~إلا بما يزيد به من الكبر والتعب، وكقوله:{واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} والمراد قلة بقاء زهرة ~~الدنيا كقلة بقاء الخضرة، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط ~~بعضها ببعض، ومصيره شيئا واحدا، فإن قلت: الذي كنت تقدره في المفرق من ~~التشبيه من حذف المضاف وهو قولك أو كمثل صيب هل تقدر مثله في المركب منه. PageV22P026 # قال: لولا طلب الراجع في قوله: {يجعلون أصابعهم في آذانهم} ما يرجع إليه ~~لكنت[259]مستغنيا عن تقديره؛ لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموعة ~~الكلام، فلا علي أو لي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أو لم يله، ألا ~~ترى إلى قوله{إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه} كيف ولي الماء الكاف، ~~وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخريتحمل لتقديره ومما هو بين في ~~هذا المعنى قول لبيد: # وما الناس إلا كالديار وأهلها # بها يوم خلوها وغدوا بلاقع # لم يشبه الناس بالديار وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم ~~بحلول أهل الديار فيها، وأوشك نهوضهم عنها وتركها خلاء خاوية. انتهى. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: تدل الآيات على تحريم الكذب، ~~ومخادعة الله والمؤمنين، والتكذيب بالرسالة، وعلى تحريم الفساد في الأرض، ~~وإن جهلوا وجهه، وعلى تحريم إهانة المؤمنين وتنزيلهم منزلة السفهاء، ويجب ~~تنزيلهم هذه المنزلة التي أنزلهم الله إليها وإن كانوا لايعلمون، وعلى ~~تحريم ملاقاة شياطين الأنس على الوجه الذي لقاهم به المنافقون، وعلى تحريم ~~الأستهزاء بالدين وأهله، وعلى ms2945 أن الأستهزاء بالمنافقين مشروع، وعلى ترحيم ~~الطغيان، وعلى تحريم شر الضلالة بالهدى بأن يختار الضلالة بدلا من الهدى، ~~وعلى تحريم عدم الرجوع عن الباطل، وتحريم الإصرار على الذنوب، ودلت على ~~كفران المنافقين. انتهى. PageV22P027 # ثم قال تعالى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم } يقال في اللغة: يكاد فلان يفعل ~~كذى بمعنى قرب أن يفعل كذا، والخطف الإستلاب والأختلاس أي ذلك البرق من شدة ~~لمعانه بقرب، أو يذهب بضوء أبصارهم اختلاسا به، وقيل: معناه أن آيات القرآن ~~تكاد تخطف قولوب هؤلاء المنافقين بأن تزعجهم للنظر، وتدعوهم إلى الحق، فشبه ~~ذلك بالبرق الذي يكاد يذهب بضوء البصر من شدة المعاونة، وقيل: شبه انتفاع ~~المنافقين بإظهار الإسلام بانتفاع من بقى في ظلمة سحاب متحير الإهتدى إلى ~~الطريق بضوء البرق إذا غاب {كلما أضاء لهم مشوا فيه} أي في ضوءه، فخطوا ~~خطوات يسيرة {وإذا أظلم عليهم قاموا} وقفوا عن الحركة ولم يمشوا، وكذلك ~~المنافق ينتفع بإظهار الشهادتين في الدنيا، ويتحير في الآخرة إذا امتاز عن ~~المؤمنين، وفرق بينه وبينهم؛ لأنه لا خلاق له فيها، ثم قال عزوجل: {ولو شاء ~~الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } بزيادة ضوء البرق، فبين الله تعالى إقتداره ~~عليهم قهره لهم بأنه إذا أراد الله أن يذهب سمعهم وأبصارهم حتى ~~لايبصرون[260] ولايسمعوا الفعل ولم يكن لذلك مانع ولا دافع وهو معنى قوله ~~تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} أي لأنه على كل شيء قادر، فكأنه قيل لهم ~~إذا وجب في عقولكم التحرز عن اختطاف البرق ضوء أبصاركم فإن الله تعالى أقدر ~~على أن يذهب بها لكفركم ونفاقكم، فتحرزوا عن ذلك بخالص إيمانكم فإن الله ~~قادر على كل شيء. PageV22P028 # واعلم أنه تعالى لما عدد فرق المكلفين من المؤمنين والكافرين والمنافقين ~~وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ~~ويسعها ويحيظها عند الله تعالى ويزيدها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الإلتفات ~~المذكور عند قوله {إياك نعبد وإياك نستعين} وهو فن من الكلام جزل فيه هز ~~وتحريك من السامع فقال عزوجل: {ياأيها الناس ms2946 اعبدوا ربكم } ياء حرف وضع في ~~أصل النداء للعبيد، ثم استعمل في نداء من سهى وغفل وإن قرب تنزيلا له منزلة ~~البعيد. # وفي الكشاف: ما معناه وإنما كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ~~مالم يكثر في غيره لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة؛ لأن ما ~~نادى الله له عباده من أوامره، ونواهيه، وعظاته، وزواجره، ووعده، ووعيده، ~~واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك ممما نطق به كتابه، أمور ~~عظام، وخطوب جسام، وحان عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بأبصارهم وقلوبهم ~~إليها، وهم عنها غافلون، فاقتضت الحال أن ينادوا بالأكدأ الأبلغ. # قال في البلغة: وروي عن بعض التابعين أنه قال: كل ما في القرآن يا أيها ~~الناس فقد نزل بمكة، وكل ما فيه يا أيها الذين أمنوا فقد نزل بالمدينة، ~~ومعناه أيها المكلفون تواضعوا لله خالقكم غاية التواضع، وعظموه كنه التعظيم ~~على الحد الذي أمركم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما أمر الله ~~سبحانه بعبادة الله، والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده ولما لم يكن ~~العلم بوجوده ضروريا بل استدلاليا؛ لاجرم أورد هاهنا ما يدل على وجوده فقال ~~سبحانه:{الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} أي الله خالقكم وخالق ~~الذين من قبلكم، والتقوى أعظم العبادة أي يصيرون أتقياء مؤمنين. # قال في البلغة: ويستعمل لفظ لعل على وجوه: # أحدها: لام كي. # والثاني: الشك. PageV22P029 # والثالث: على وجه التعريض للأمر، فمعناه على الوجه الأول اعبدوا الله ~~خالقكم لكي تتقوا المعاصي، فتجنبوا من العذاب، وإذا حمل على معنى الشك حمل ~~على شك المخاطبين؛ لأن أمورهم وأحوالهم [261]تجري بين الخوف والرجاء، ~~والطمع أن تتقوا، وعلى هذا الوجه تأول قوله تعالى: {فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى} أي قولا له ذلك على ظنكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى، ~~وعلى الوجه الثالث معناه افعلوا العبادة متعرضين للتقوى، فجميع ما في ~~القرآن لفظ لعله متأول على أحد هذه الثلاثة. انتهى. # ولما ذكر تعالى الدلالة على وجوده وتوحيده بدأ بأنفسهم منبها على مافيها ms2947 ~~من عجيب خلقه، ثم عطف بذكر السماء والأرض لما فيها من دلائل الوحدانية فقال ~~سبحانه: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} موضع الذي في الإعراب نصب؛ لأنه صفة ~~اسم الله المذكور في الآية الأولى أي الله الذي جعل الأرض بساطا تحتكم دائم ~~السكون لكي تستقروا عليها وتنصرفوا لمعايشكم فيها، فأقيم لفظ الفراش مقام ~~لفظ البساط، ثم قال: {والسماء بناء} انبتناها على الأرض سقفا مرفوعا كهيئة ~~القبة، سمى المبنى بنى بيتا كان أوقبة، ومنه بناء على امرأته؛ لأن المتزوج ~~بناء لها حيا أي وجعل السماء بناء فوقكم أجساما من فوقكم بلا عماد تحتها، ~~ولا علاقة فوقها، فبين تعالى عظم موقع إنعامه بخلق السماء والأرض؛ لأن فيها ~~العبر والآيات، والأرزاق والأقوات، فذكر هاهنا خمسة أنواع من الدلائل، ~~إثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق، فبدأ أولا بقوله خلقكم. # وثانيا: بالآباء والأمهات، وهو قوله {والذين من قبلكم}. # وثالثا: بكون الأرض فراشا. # ورابعا: بكون السماء بناء. PageV22P030 # وخامسا: بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض وهو قوله:{وأنزل من السماء ~~ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} أي وأنزل من السماء المطر نعمة عليكم ~~وفضلا، وأخرج من الأشجار الثمرات، ومن الأرض النبات بعد وقوع المطر على ~~الأرض رزقا لكم. # قال في البلغة: وأصل الماء في اللغة موه لأن جمعه أمواه، وتصغيره مويه ~~ولهذا قال قائلهم: # سقا الله أمواها عرفت مكانها # وليس قوله به سببا موجبا للثمرات والنبات وإن كان لفظه يشبه لفظ السبب؛ ~~لأن الدلالة قد دلت على أن الجواهر لا تولد شيئا، ولايتولد عن شيء، إلا أن ~~الله لما أجرى العادة بأنه يخرج الثمرات والنبات بعد وقوع المطر حسن أن ~~يقول أخرج بالمطر الثمرات والنبات، وإن لم يكن المطر شيئا موجبا له ~~كالأعتماد الذي يولد الكون ويولد الصوت بشرط الصلة، وكالوحي الذي يولد ~~...........والكون الذي يولد التأليف . انتهى. # وقيل: إن الذي يقتضي تعديد هذه النعم وتذكيرها إيجاب العبادة على العباد ~~في الآية ألأولى؛ لأن[262]استحقاق العبادة تابع لإنعام المنع غاية، أما ~~قوله تعالى:{فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} فذكروا ms2948 في تعلقة ثلاثة أوجه: # الأول: أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا فلا تجعلوا لله أندادا فإن أصل العبادة ~~وأساسها التوحيد. # والثاني: بالتعليل، وبالمعنى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلاتنبتوا له ~~ندا فإنه من أعظم موجبات العذاب. # الثالث: بقوله {الذي جعل لكم الأرض فراشا}أي هو الذي خلق لكم هذه الدلائل ~~الباهرة فلا تتخذوا له شريكا. # قال في البلغة: الأنداد جمع الند، وهو الشبه والمثل، ومعناه النهي عن ~~اتخاذ المعبود من دون الله. PageV22P031 # وروي عن ابن عباس أن هذا الخطاب خطاب للكافرين والمنافقين جميعا، وأنتم ~~تعلمون، أي تعلمون أن الله هو المحسن إليكم دون الأصنام التي اتخذتموها ~~معبودا من دون الله، وقيل: يعلمون أنه الخالق دون الأنداد كما قال الله ~~تعالى: حاكيا {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} أي يعلمون ~~ما بينها وبينه من التفاوت وأنها لاتفعل مثل أفعاله تعالى، أو أنتم من أهل ~~العلم والتميز تعلمون الفضل بين الواجب وبين ماليس بواجب لكونهم عقلا. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: تدل على أن الأرض والماء مباحان، ~~وأن الله ملكهم ما رزقهم من الثمرات، وعلى تحريم أن يجعلوا لله ندا كجعل ~~قدما مع الله تعالى الله عن ذلك. انتهى. PageV22P032 # واعلم أن الله تعالى لما أقام الدليل القاهر على إثبات الصانع وأبطل القول ~~بالشريك عقبه بما يدل على النبوة فقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} هذه الآية أية التحدي للعرب بأتيان مثل ~~القرآن ليظهر عجزهم، وبين نقضهم، ويعلم أن القرآن علم معجز ودليل على صدق ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصحة نبوته أي وإن كنتم في شك من القرآن ~~الذي أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كلام وادعيتم أن ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم افتراه فأتوا بسورة من مثله هي مثل القرآن؛ ~~فإنه إن قدر على مثله فينبغي أن يكونوا أقدر عليه؛ لأنه أخذ اللسان منكم ~~ولكم الحظ وليس له، والهاء في قوله من مثله راجعة إلى مافي قوله مما، ms2949 وهو ~~القرآن، ومن هاهنا للتبعيض ؛ لأنه تحداهم بإيتا بعض ما هو مثل القرآن وهو ~~مثل قوله فأتوا بسورة من مثله في فصاحته وإعجازه، والسورة بعض القرآن، ~~وقيل: من هاهنا للجنس، وتقديره على هذا الوجه فأتوا بسورة من هذا الجنس، ~~وهو الجنس وهو كقوله {فاجتنبوا الرجس [263] من الأوثان} أي من هذا الجنس ~~والضرب، وقيل: من هاهنا زائدة، ومعناه فأتوا بسورة مثله، والذي عليه أكثر ~~العلماء. # الوجه الأول: وهو أنها بمعنى التبعيض، ويجوز أن يكون الهاء في قوله من ~~مثله راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتقدير فأتوا بسورة من بشر ~~مثله، أو آي مثله، ومثله في البرهان، والسورة يمهمزها بعض أهل اللغة ولا ~~يهمزها بعضهم، فمن همزها جعله قطعة من القرآن واشتقها من سور لما يقال سارا ~~لما يسار إذا بعثت منه بقية بعد الشرب، وأسارته أنا إسارا، ومن لم يهمزها ~~جعل مجازها مجاز منزلة بعد منزلة، ومنه سورة النبأ، إلا أن السورة من ~~القرآن جمعها السور بفتح الواو، وجمع سورة النبأ سورة النبأ سور سكون ~~الواو، ومنه قول النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى PageV22P033 كل ملك دونها يتذبذب # أي أعطاك منزلة أرتفعت بها عن الملوك ثم قال تعالى: {وادعوا شهداءكم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} شهداكم، قيل: أعوانهم، وقيل: آلهتهم التي كانوا ~~يدعونها من دون الله؛ لأنها عندهم شهداؤهم أي واستعينوا بمن على طريقتكم ~~وبمن شهد لكم بالإتيان بمثل سورة من القرآن إن كنتم صادقين في قولكم أن ~~القرآن ليس من عند الله، وأنه افتراه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونظير ~~هذه الآية قوله عزوجل {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ~~وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}ودلت الآية على صحت الأحتجاج ~~في باب الذين؛ لأن قوله {وإن كنتم في ريب...} الآية من أبلغ الأحتجاج، ثم ~~بين عجزهم، وعجز أعوانهم، ومن كان على طريقتهم، عن الأتيان بمثل القرآن ~~بقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ms2950 هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} أي معينا، وفي الكشاف: شيهدا جمع ~~شهيد بمعنى الحاضر والقائم بالشهادة، ومن دون الله متعلق بادعوا، أو ~~بشهدائكم، فإن غفلته شهدائكم فمعناه ادعو الذين اتخذتموهم آلهة من دون ~~الل،ه وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، وفي أمرهم أنهم ~~استظهروا بالجهاد الذي لاينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم ~~بهم، أو ادعوا شهدائكم من دون الله أي من دون أولياؤه، ومن غير المؤمنين ~~ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة وإرخا العنان، والإشعار ~~بأن شهدائهم وهو مدارة القوم الذين هم وجوه المشاهد وفرسان ~~.......يأتي[264] عليهم الطباع وتجمع بهم الإنسانية والآنفة أن يرضوا ~~لأنفسهم الشهادة بصحة التفسير البين عندهم فساده وتعليقه بالدعوة في هذا ~~الوجه جائز وإن علقته بالدعاء فمعناه ادعوا PageV22P034 من دون الله شهداكم يعني لايستشدوا بالله ولايقولوا الله شهد بما ندعيه حق ~~كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه وادعوا شهداء من دون الناس ~~الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوي عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان ~~لأنقطاعهم وأنه لم يبق لهم متشبثا عن قولهم الله يعلم أنا لصادقون. انتهى. # ومعنى قوله تعالى {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} أي فإن لم يأتوا بمثل سورة ~~من القرآن ولن تعارضوا فاتقوا النار، وأكد عجزهم عن الإتيان به والمعارضة ~~بقوله {ولن تفعلوا} أي ولن تفعلوا ذلك أبدا، وكان هذا إخبارا عن الغيب، ~~فكان مخبره على ما أخبر به، فدلت الآية على صدق محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم من وجهين: # أحدهما: الإعجاز من وجه النظم. # والثاني: الإخبار عن الغيب؛ لأن الله تعالى لايطلع على غيبه إلا الأنبياء ~~عليهم السلام، كما قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ~~ارتضى من رسول} ومعنى {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} أي ~~فاحذروا نار جهنم بتصديق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإيمان به، ~~والوقود بفتح الواو الخطب، وبالضم اللهب، فبين الله تعالى أن خطب هذه النار ms2951 ~~أجسام الناس، والحجارة هاهنا قيل: هي حجارة الكبريت؛ لأنها أشد الأحجار حمى ~~وحرارة، وقيل: هي حجارة من الصخور والجبال ويعذب بها أهل النار. # قلت: ومثل هذا ذكر الهادي، ثم قال عليه السلام: وأي ذلك كان فهو حجارة ~~كما ذكر الرحمن. انتهى. PageV22P035 # وقيل: ذكرت الحجارة تعظيما لشأن النار وتهويلا، ومعناه كان تلك النار لفظها ~~وشدتها بحرق الحجارة ثم قال: {أعدت للكافرين} يقال أعدت الشيء إعدادا هيأته ~~وادخرته، أي أعددت النار التي هذه صفتها للكافرين، وليس لأحد أن يقول من ~~المرجية أن الآية تدل على أن النار ليست معدة للفساق، والذين لبسو الكفار، ~~لأن قائلا لو قال: أعددت هذا الطعام للأمير فليس يدل على أنه لم يعده لحشمه ~~وعسكره. # وقيل: أن النار دركات، كما أن الجنة درجات، فيجوز أن تكون هذه النار خاصة ~~للكافرين، وقد جرى في التعارف إذا أجمع شيئان أنه يكون لأعظمها وأكبرهما ~~على أن تخصيص الناس لذكر يدل على صحة ما قلنا؛ لأن الله تعالى قال في موضع ~~آخر: {لاملان جهنم[265] من الجنة والناس أجمعين}وكل ما في القرآن من هذا ~~الجنس فمحمول على أحد هذه الوجوه التي ذكرنا. # قلت: أما عند قدما أئمتنا عليهم السلام وغيرهم فألف سبق داخل تحت هذا ~~الأسم، إذ يسمى كافر نعمة، وقد صرح بذلك الهادي إلى الحق عليهم السلام حيث ~~قال: الكفر كفران، كفر جحدان، وكفر نعمة للواحد الرحمان. # قال إمامنا المنصوربالله عليه السلام: تدل على أن السورة الواحدة معجز، ~~وأن معارضها يمثل لها مستحيل، ومن أنكر ذلك كفر، وإن فعل التقوى الجامعة ~~للإيمان بالله والقيام بالواجبات وأجتناب المحرمات خشية من النار مخز ومنج ~~من النار، وأن القائم بذلك لذلك قائم بما فرض الله عليه. انتهى. # فلما ذ كر عزوجل الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بشارة عبادة الذين ~~جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي وحموها من ~~الإخباط بالكفر والكبائر بالثواب فقال تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}. PageV22P036 # قال في البلغة: البشارة أصلها المسرة، ms2952 وإن كان لفظها يستعمل في الغم بأن ~~يوضع ذلك موضع البشارة كما قال الله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} ولما بين ~~الله حال المكذبين بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بين حال ~~المصدقين بهما؛ بأن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشر المصدقين به ~~المطيعين لربهم بأن لهم في الآخرة بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ~~ثوابا لهم على طاعتهم وإيمانهم. # وقال الخليل: الجنة الحديقة ذات الأشجار والنزهة. # وقيل:أن أنهار الجنة لا أخدود لها ولا حفر، وإنما الماء يجري تحت الأشجار ~~على حد ينتهي ويستجلي ويحفظ الأشجار، فقيل: من تحتها وإن كان الماء يجري ~~تحت الأشجار اكتفى بدلالة الكلام عليه. انتهى. # قال في الكشاف: يجوز أن يكون المأمور بقوله وبشر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وأن يكون كل أحد كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بشر ~~المشاءين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة)) لم يأمن بذلك ~~واحدا بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن أن ~~لاأمر لعظمة وفخامة شأن محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة، فإن قلت ~~ما معنى جمع الجنة ونيكرها؟. # قلت : الجنة أسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة ~~مراتب على حسب استحقاقات العاملين بكل طبقة منهم جنات من تلك [266]الجنان. # فإن قلت كيف صور جري الأنهار؟ # قلت: كما ترى الأشجار الثابتة على شواطئ الأنهار الجارية. PageV22P037 # وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود وأنزه البساتين وأكرمها منظرا ~~ما كانت أشجاره مظلمة، والأنهار في خلالها مطردة، ولولا أن الماء الجاري من ~~النعمة العظمى واللذة الكبرى وأن الجنان والرياض وإن كانت أنق شيئ وأحسنه ~~لاتروق النواظر، ولاتهيج الأنفس، ولاتجلب الأوعية والنشاط حتى يجري فيها ~~الماء وإلا كان الأنس الأعظم فاءتا والسرور الأوفر مفقودا، وكانت كتماثيل ~~لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها لما جاء الله بذكر الجنات إلا مشفوعا بذكر ~~الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قران واحد كالشيئين لابد ms2953 لأحدهما من ~~صاحبة، ولماقدمه على سائر بغوتها والنهر المجري الواسع فوق الجدول ودون ~~البحر يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر، واللغة الغالبة النهر بفتح ~~الهاء، ومدار التركيب على السعة وإسناد الجري إلىالأنهار من الإسناد ~~المجاري كقولهم بنوا فلان تطأهم الطريق، أما.......الجنات فقد ذكر ما تعريف ~~الأنهار فإن يراد الجنس كما يقول لفلان بستان فيه الماء الجاري، والتين، ~~والعنب، وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يراد ~~أنهارها ففوض التعريف باللأم من تعريف الإضافة كقوله تعالى{واشتعل الرأس ~~شيبا} أو إشارة باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله {فيها أنهار من ماء ~~غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه}الآية، وأما قوله تعالى {كلما رزقوا ~~منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها} فقال ~~فيه: لايخلوا من أن يكون صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة ~~مستأنفة؛ لأنه لما قيل أن لهم جنات لم تخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك ~~الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس آخر لاتشابه هذه الأجناس؟ فقيل أن ~~ثمارها اشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها ~~إلا الله، انتهى كلام PageV22P038 الكشاف. # قال المترضى عليه السلام: وقال بعض من يتعاطي العلم: أن معنى هذاالذي ~~رزقنا أي في الدنيا وشبهوه بالثمر الأول وليس ذلك عندي كذلك؛ لأنه إذا كان ~~ثمر الجنة كثمر الدنيا فلا فضل إذا لنعيم الآخرة على نعيم الدنيا وهذا ~~مخالف للكذب محال عند ذوي الألباب. # والمعنى في ذلك عندي أن معنى قول أهل الجنة[267]{ هذا الذي رزقنا من ~~قبل}يريدون بذلك أنه لايصل بهم من الله عزوجل رزق إلا أعجبهم ووقع ~~بمرافقهم، ثم يصل بهم من بعد ذلك أرزاقا يكون في الجودة والموافقة كالأول ~~سوى؛ لأن أرزاق الدنيا منها موافق ومنها مخالف، ومنها طيب، ومنها ردي، ~~وارزاق الجنة كلها مؤتلفة مصيبة للشهوة، وقد فسر الله ذلك في آخر الآية ~~فقال سبحانه: {وأتوا به متشابها} وقد قال بعض الناس متشابها في ms2954 الألوان، ~~وذلك خطابا من المقال، وإنما المعنى وأتوا به متشابها في الإرادة والشهوة ~~والمحبة؛ لأن أرزاق الدنيا لا تشتبه عند صاحبها، ولابد أن يري فيها ما ~~يكرهه ولا يشتهيه، وارزاق الآخرة ليس فيها تعكظ ولا أمر لغير شهوة، ولا ~~تكسر إرادة، فلذلك قال الله سبحانه: {متشابها} يريد متشابها في الموافقة ~~والأرادة والإعجاب، فكل مارزقوا رزقا كان لهم معجبا، ولقلوبهم مالئا، وإذا ~~رزقوا رزقا آخر من بعد الأول كان لقلوبهم مالئا، ولنفوسهم معجب كأعجاب ~~الأول لايختلف حالهم فيه محبة، ولايضاد لديهم بشهوة، بل يكون في ذلك قلوبهم ~~كمحل الأول سواء، ولو كان في الجنة شيء من الأرزاق يرزقه العبد يوافقه ~~ويفرح به ثم يرزق من بعده رزقا دونه لكان الفرح مختلف، ولو اختلف لوقع ~~الخوف والإنكسار ولفسد قوله عزوجل{ولا هم يحزنون}وتلك دار السرور ومحل ~~الحبور لاخوف على أهلها ولاهم يحزنون، ولكن اشتبه فرحهم بكل مارزقهم الله ~~فراح عنهم الغم والإكتأب، وصاروا بعون الله إلى أكرم محل ومأب، فلاهم ولا ~~شد في أرزاقهم يتعكظ عليهم، قد أمنوا النيران، وصاورا إلى PageV22P039 الرضى والرضوان، تجري من تحتهم الأنهار{خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}. انتهى. # قلت ويدل على هذا أنه قد ورد أنه يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى ~~منها بصحفة أخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل فيقول له الملك كل فإن ~~اللون واحد، والطعم مختلف، وذهب اكثر أهل العلم إلى أن معناه هذا الذي ~~رزقنا من قبل في الجنة وهم يعلمون أنما أتوا به في الحال غير ما أكلوه من ~~قبل ولكنهم شبهوه بالأول. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((والذي نفس محمد بيده أن ~~الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي وأصلة إلى فيه حتى يبدل ~~الله تعالى مكانها مثلها)). انتهى. # واعلم أن مجامع اللذات إما المسكن، أو المعظم، أو المنكح، فوضف الله ~~تعالى المسكن بقوله {جنات تجري من تحتها الأنهار}[268] والمطعم بقوله{كلما ~~رزقوا منها من ثمرة} والمنكح ms2955 بقوله سبحانه: {ولهم فيها أزواج مطهرة} أي ~~ولهؤلاء المؤمنين تلك الجنات أزواج طاهرات الأبدان من كل دنس ونجاسة كالحيض ~~وسائر الأقذار طاهرات الأخلاق من دنس الطباع الذي عليه نساء الدنيا، ثم هذه ~~الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان النعيم منغصا، فأخبر تعالى أن هذا ~~الخوف زائل عنهم فقال تعالى: {وهم فيها خالدون} الخلد البقاء الدائم الذي ~~لاانقطاع له، ولهذا قيل الدنيا ليست فيها؛ لأنها فانية، ولهذا قال الله ~~تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون} ولا انقطاع ~~لما رزقوا من النعيم، ولانفاد بل، يجري على الدوام تلك الحال، وصارت الآية ~~دالة على كمال النعيم والسرور. PageV22P040 # ولما بين تعالى بالدليل كون القرآن معجز أورد هاهنا شبهه أوردها الكفار ~~قدحا في ذلك فأجاب عنها سبحانه وجل عن كل شأن شأنه فقال تعالى: {إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} أي في الحجم، وقيل: في القلة ~~والحقارة، ودون البعوضة هو أصغر منها وهو جناحها ومخها. # وروي أنها نزلت في اليهود، وقالوا لماذكر الله سبحانه الذباب والعنكبوت ~~وضرب به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله تعالى فنزلت. # قال المرتضى عليه السلام: الإستجاب من الله عزوجل ليس من طريق الجحد ولا ~~الحصر، ولايتوهم ذلك من له دين أو معرفة بالله أو تيقن، وإنما المعنى في ~~ذلك أنه لايرى في التمثيل للحق، والصواب، والصدق، بما صح من الأمثال عيبا ~~ولا خطئا، ولا مقالا لأحد من أهل الكفر والضلال بل ذلك عند الله تبارك ~~وتعالى صواب وصدق حسن. انتهى. # وذكر مثل هذا سوى الهادي إلى الحق عليه السلام. # قال في البلغة: ومعنى ما بعوضة قيل: ما هاهنا صلة فكأنه قال: إن الله ~~لايستحيي أن يضرب مثلا بعوضة فانتصب على المفعول الثاني، وقال بعض ~~النحويين: ما هاهنا بمعنى الذي، وتقديره الذي هو بعوضة فما فوقها، وانتصب ~~بعوضة لأنتصاب ما، ومنهم من قال: أن ما هاهنا نكرة مفسرة بالبعوضة، ومعنى ~~فما فوقها فما فوق البعوضة في الصغر، ms2956 أي لايستحيي أن يضرب المثل بالبعوضة ~~وبما هو أصغر منها. PageV22P041 # قال في الكشاف: معناه لا تترك ضرب المثل بها ترك من يستحيي أن يمثل بها ~~لحقارتها[269]؛ لأن التمثيل إنما يصار إليه لمافيه من كشف المعنى ورفع ~~الحجاب من الغرض المطلوب، وأدنا المتوهم من الشاهد فإن كان المتمثل له عظما ~~كان الممثل به مثله، وإن كان حقيرا كان الممثل به كذلك، فليس العظم ~~والحقارة في المضروب به المثل إذا إلا أمرا يستدعيه حال المتمثل به، ~~ويستجره إلى نفسه فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية، ألا ترى إلى الحق ~~لما كان واضحا جليا أبلج كيف يمثل له بالضياء والنور، وإلى الباطل لما كان ~~بضد صفته كيف يمثل له بالظلمة، ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار ~~أندادا لله لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف ~~والوهن وجعلت أقل من الذباب وأحسن قدرا، وضربت لها البعوضة والذيي دونها ~~مثلا لن يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل استحي من تمثيلها بالبعوضة؛ ~~لأنه مصيب في تمثيله؛ ولأن الناس لم يزالوا يضربون الأمثال بالبهائم، ~~والطيور، والوحش، وأجناس الأرض، والحشرات، والهوام، قالوا: أجمع من ذرة، ~~وأجزاء من ذباب، وأسمع من قراد، وأصرد من جرادة، وأضعف من فراشة، وأكل من ~~السوسن، وأضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض، ثم قال: وفيه فإن قلت فكيف ~~يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ PageV22P042 # قلت: ليس كذلك فإن حاج البعوضة أصغر منها وأصغر بدرجات وقد ضربه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مثل للدنيا وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن ~~جناحها ربما رأيت في تضاعف الكتب العتيقة دوية لايكاد يجتليها البصر الحاد ~~إلا بحركتها فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها ~~وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضائها الطاهرة والباطنة، ~~وتفاصيل خلقتها، ويبصر بصرها، ويطلع على ضمائرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر ~~منها وأصغر، {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما ms2957 ~~لا يعلمون} وأنشد بعضهم. # يا من يرى مد البعوضة جناحها # في ظلمة الليل البهيم الأليل # غف # ويرى عروق نياطها في نحرها # والمخ وتلك العظام النحل # اغفر لعبد تاب من قرطاته # ما كان منه في الزمان الأول # ثم قال تعالى: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} أي ~~المؤمنون[270] يعلمون أن ذلك حق وحكمة {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد ~~الله بهذا مثلا} والكافرون لإنكارهم يقولون أي شيء أراد الله بهذا المثل، ~~وهذا على مذهب من جعل ما وذا بمنزلة إسم واحد، فأما من جعل ما بمعنى الذي ~~قال: تقديره أي شيء ألذي ضرب المثل له، وروي عن ابن عباس وابن مسعود جميعا ~~أنهما قالا: سبب نزول هذه هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل المذكور ~~قبل هذه الآية للمنافقين قالوا: الله أعلا وأجل من أن يضرب هذه الأمثال ~~فأنزل الله الآية. PageV22P043 # وروي عن الربيع بن أنس أنه قال: ((إن البعوضة ما دامت جايعة تحيى فإذا سمنت ~~ماتت)) وكذلك المنافقون الذين ضرب الله لهم المثل إذا امتلاؤا من الدنيا ~~أخذهم الله تعالى وهو معنى قوله عزوجل {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم ~~بغتة} الآية، ومثلا نصب على التمييز، أوعلى الحال، كقوله {هذه ناقة الله ~~لكم آية}. # واعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله تعالى ~~بقوله{ماذا أراد الله بهذا مثلا} أجاب عنه بقوله تعالى {يضل به كثيرا ويهدي ~~به كثيرا}. PageV22P044 # قال في البلغة: أي يعاقب سبب هذا المثل كثيرا من الخلق وهم الذين أنكروا ~~واستهزؤا به و.........به كثيرا وهم المؤمنون الذين علموا أنه الحق، ثم قال ~~سبحانه: {وما يضل به إلا الفاسقين} أي وما يعاقب بسبب هذا المثل إلا ~~الكافرين الخارجين عن طاعة الله، فدل آخر الآية على أن الإضلال هاهنا معناه ~~العقاب؛ لأنه أخبر أنه لايضل به إلا من كان فاسقا فلو كان هذا إضلالا عن ~~الدين ابتداء كما قالت: المجبرة لم يكن لتخصيص الفاسقين بالذكر معنى فإذا ~~أخبر الله أنه لا يفعل هذا الإخلال إلا ms2958 بالفاسقين دل ذلك على أنه على وجه ~~الجزاء وهو الإضلال عن طريق الثواب، وذهب بعض العلماء إلى قوله يضل به ~~كثيرا حكاية قول المنافقين الذين تقدم ذكرهم، وذهب أكثرهم إلى أنه من كلام ~~الله على غير وجه الحكاية، قال فيها: وهو الأصح، وأن أبين لك في هذا الموضع ~~وجوه الهداية والإضلال وما يصح أن يضاف إلى الله تعالى وما يجب أن ينفي عنه ~~لئلا تحتاج إلى تطويل الكلام في كل ما تضمنت لفظ الهداية والإضلال، وتصير ~~أصلا وطريقا مذللا للناظري فيه، ولم يقع فيه الخلاف بيننا وبين المجبرة في ~~اللفظ وإنما وقع في المعنى؛ لأنهم زعموا أن المراد بقوله يضل به كثيرا أنه ~~يضلهم عن الدين[271] ابتدؤا بخلق الكفر والضلال فيهم، ويروي الحق في صورة ~~الباطل، والباطل في صورة الحق، ثم يقول لهم يوم القيامة لم كنتم ضالين ~~كافرين، ويعذبهم علىذلك ابتداء بين أطباق النيران، ويحسن منه ذلك لأنه لم ~~يفعل ما شاء؛ لأنه مالك أمرنا، هي غير مملوك ولا مأمور ولا منهى. PageV22P045 # وقالت العدلية: أن الله تعالى لايفعل شيئا من ذلك؛ لأنه سفه وباطل والله ~~تعالى عدل حكيم يتعالى عما هو خارج عن الحكمة، ولو صح أن يفعل ما قلتم ~~للعلة التي ذكرتموها يصح أن يفعل الكذب ويحسن منه ذلك لهذه العلة، ومن ~~ارتكب هذا إنسلخ عن جلد الدين ولم ينطق ظاهر قوله تعالى يضل به كثيرا بما ~~ذهبنا إليه ولا بما ذهبوا إليه، فالمرجع في تصحيح قولنا وقولهم إلى غير ~~الآية فإذا لا يتعلق لأحد بهذا الظاهر. # واعلم أن حقيقة الضلال في اللغة الجور عن القصد ويستعمل اللفظ في الهلاك؛ ~~لأنه إذا جاد عن سنن الطريق وقصده تعرض للهلاك، ومنه قول الله تعالى: ~~{وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد} أي هلكنا، ويقال في اللغة ~~أيضا لمن جاب سعيه وحرم خيرا طلبه ضل وغوى، وقالوا في نقيضه: إذا نال مناه ~~فطفر ببغيته رشد واهتدى، كما يقال قائلهم. # ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغوي لايعدم ms2959 على الغي لائما # أي ومن جاب سعيه وحرم ما طلبه، والعرب تجعل الخير كله هدى، والشر ضلالا، ~~وكذلك الكلام في النفع والضر قال الشاعر في الرشد الذي هو ضد ......: # ومن يعظ في الدنيا قرينا كمثله # فذلك في عيش الحياة رشيد # وقال الله تعالى: في الرشد الذي هو بمعنى النفعي {قل إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا}. # وقال تعالى: حاكيا عن الرشد الذي هو بمعنى الخير{وأنا لا ندري أشر أريد ~~بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} أي خيرا. PageV22P046 # والإضلال يستعمل على وجوه يقال أضله إذا صرفه عن قصد الطريق كما قال الله ~~تعالى: في وصف فرعون {وأضل فرعون قومه وما هدى} وقال عز من قائل: {وأضلهم ~~السامري} أي صرفهم عن القصد بدعائه إياهم إلى خلاف القصد، وجاء الإضلال ~~بمعنى التعذيب كما قال الله تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم } إلى قوله ~~{كذلك يضل الله الكافرين} أي يعذبهم، وقال تعالى: {إن المجرمين في ضلال ~~وسعر} وجاء أضله بمعنى[272]ضل عنه كما تقول العرب أضللت ناقة لي فخرجت ~~ناشدا لها أي طالبا، ومنه قول القائل # هبوا في امرء منكم أضل بغيره # له حرمة إن ألذمام كبير PageV22P047 أي أضل عنه بعيره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال أضله الله على تقدير ضل ~~العبد عن دين الله وثوابه، وعلى هذا الوجه تأول قوله تعالى{ومن يضلل الله ~~فما له من سبيل} أي من أضل عن دين الله فلا ناصر له ولاسبيل لنجاته، ويقال ~~أضله إذا وجده ضالا، كما يقال أحمده إذا وجده محمودا، وأجبنه إذا وجده ~~جبانا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب: لبني سليم قاتلناكم فما أجبناكم، ~~وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجئناكم فما افخمناكم، أي ما صادفناكم جبنا، ولا ~~بخلا، ولا مفخمين في الشعر، وعلىهذا الوجه تأول قوله تعالى {إأفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} أي وجده ضالا على علم منه أن يضل قبل ~~أن ضل، ولو لم يكن كذلك لم يكن لقوله على علم منه، معنى ويقال أضله بمعنى ~~حكم بالضلال ms2960 عليه، وجاء في القرآن ما هذا معناه، وقد يضاف الإضلال إلى من ~~لم يفعله، وإنما فعل لغير الضلال عند فعل من أفعاله مجازا وأتساعا نحو أن ~~يعظ الواعظ غيره زاجرا له عن القبيح فيزداد الموعظ الشر والفساد عند وعظه ~~فيقول له الواعظ مازدتك بموعظتي إلا شرا، وقال الله تعالى: {وإذا ما أنزلت ~~سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون} والسورة لاتريد الرجس إلا أنهم لما أرادوا الرجس عند نزول السورة ~~حسن إضافة زيادة الرجس إلى السورة مجازا، وقد تأول بعض المفسرين قوله ~~تعالى: {يضل به كثيرا} على هذا المعنى، وجاء إلاضلال بمعنى إحباط الأعمالن ~~كما قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} أي أحبطها ~~فإذا كان لفظ الإضلال يتصر على هذه الوجوه فلا يجوزأن يضاف PageV22P048 ذلك إلى الله تعالى على وجه يبطل حكمته وعدله، وأما إضافة الله إلى فرعون ~~والسامري بقوله{وأضل فرعون قومه وما هدى} {وأضلهم السامري وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم وذمهم على ذلك ووبخهم، لم يجز أن يكون مضافا إلى الله تعالى وإنما ~~يضاف إلى الله تعالى إذا كان بمعنى المعاقبة أو الحكم على العبد[273] ~~بالضلال أو إضلال العبد عن دينه وثوابه أو ازدياد العبد عند ضرب الله تعالى ~~مثلا وإنزاله آية وما أشبه ذلك، ومن تجاسر وأضاف إلى الله تعالى الإضلال ~~الذي هو الصرف عن القصد والذين دلالة أو إضافة إلى الله على معنى أنه خلق ~~الضلال والكفر في العبد انسلخ عن جمله الدين، وأما الهداية فأصلها في اللغة ~~الدلالة والإرشاد، يقال هداه الطريق هداية، ولهذا قال الله تعالى: لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وقال: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } بمعنى دلالة ~~لهم، وقال عزوجل: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} أي ~~دللناهم علىالدين والحق والإيمان فاختاروا الكفر على الإيمان، فلوا ms2961 كان ~~الهدى بمعنى الإيمان كما قالته المجبرة لكان معنى الآية وأما ثمود فجعلناهم ~~مؤمنين فاختاروا الكفر على الإيمان، لم يكن له معنى ولا للكلام فائدة، وهذا ~~الوجه يعم سائر المكلفين؛ لأنه لا مكلف إلا وقد نصب له الدليل على ما كلف، ~~وقد يذكر الهدى ويراد به الثواب؛ لأنه هداية إلى طريق الجنة كما قال تعالى: ~~{يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم} والهداية إلى ~~طريق الجنة لأجل إيمان العبد لايكون إلا ثوابا، ونقيضه الإضلال عن طريق ~~الجنة لأجل كفر العبد وفسقه، فيكون عقابا، وكقوله عزوجل:{ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل} إخوانا PageV22P049 {تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله} ولا مرية في أن المراد بالهداية هاهنا الثواب، وكقوله ~~عز من قائل: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح ~~بالهم} والهداية بعد القتل لاتكون إلا هداية إلى طريق الجنة، وكذلك قوله ~~تعالى:{كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } أي كيف يسوغ في الحكم إثابة ~~من كفر بعد إيمانه، وقد يذكر الهدى ويراد به اللطف الذي يشرح صدر المؤمن ~~فيزداد نشاطا في فعل الطاعات، واللطف هوما يقوي الداعي عنده إلى فعل حسن أو ~~ترك قبح، ويكون بعض الإلطاف من فعل الله مثل أن يعلم أنه إذا ملك زيدا مالا ~~ورزقه ولدا وماأشبه ذلك فعل زيد ما كلفه، فيصير إعطاء المال لطفا لزيد في ~~فعل ما كلفه الله، وقد يكون بعض الإلطاف من فعل[274]العبد كواجبات الشرع ~~وتكليف الله العباد على ضربين: PageV22P050 # تكليف عقلي كمعرفة الله تعالى، وشكر المنعم، والإنصاف، ورد الودائع ~~ومتشاكلها، وتكليف سمعي كالشرعيات وهذه الهداية كما قال الله تعالى: {ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه} فبين أن هذه الهداية لا يجوز أن يفعل إلا لمن يفعل ~~الإيمان، وهو كالجزاء على عمله، وكقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم} وهذه الزيادة جزاء على اهتدائه، هذان الوجهان من الهداية ~~يختصان المؤمن دون سائر المكلفين؛ لأنه كالجزاء على أعمالهم، ms2962 والوجه الأول ~~يعم كما بينا فإذا أضل الله العبد عن هذه الزيادة كان ذلك الإضلال عقابا ~~ومضمن ذالك في قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} كما قال:{كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون} فخصهم ثم بين أن هذه الطريق جزاء على ~~كفرهم وذلك الشرح جزاء على إيمانهم، فصار الشرح أصلح للمؤمن، والضيق أصلح ~~للكافر في التكليف؛ لأنه زجر له على الكفر، وقام الدليل على أن الله تعالى ~~لايرد إثابة من لا يستحقها ولا عقاب من لا يستحقه، والإستحقاق تابع لفعل ~~العبد، وقد جاء الهدى بمعنى العمل الصالح كما قال تعالى: {أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده} أي بعملهم الصالح، وقد بينت لك جميع أقسام الهدى ~~والضلال وما يصح أن يضاف إلى الله تعالى، وما يجب نفيه عنه ليصيره أصلا في ~~كل مايرد من جنسه في سائر الآيات، فليتق الله سبحانه المتأول للأيات ~~المتشابهات ولايخبط فيها خبط العشواء فإن تأويلها يدور بين الإيمان والكفر، ~~وقد بينا أن آخر الآية تدل على أن المراد بقوله يضل به كثيرا يعاقب به ~~كثيرا إلا أن قوله تعالى وما يضل به إلا الفاسقين تخصص وبيان أن الإضلال ~~جزاء على فسقه، فلو كان هذا الإضلال ضلالا عن الدين PageV22P051 ابتدأ كما قالته المجبرة لم يكن لهذا التخصيص، فتساق الآية على هذا الوجه، ~~معنى والفاسق في اللغة هو الخارم عن الشيء يقال فسقت الرطبة من قشرها، ~~وأنفسقت إذا خرجت، وسميت الفارة فويسقة لخروجها على الناس من جحرها، ~~والفاجر يرجع معناه إلى الفاسق أيضا، والفاسق في الشرع والفاجر أسم ذم، ~~وواقع على من استحق العقاب لأرتكابه الكبائر، وخروجه عن طاعة الله، فكل ~~فاسق فاجر، وليس كل فاسق كافر، انتهى كلام الطوسي في البلغة رحمة الله عليه. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام:[275] في هذه الآية تدل على أن من ~~يستهجن شيئا من القرآن أنه كافر، وأن الله يهدي بكتابه العزيز المؤمنين، ~~بأن يوفقهم للعمل ms2963 بالحكم، ويضل به الفاسقين الذين لايهتدون بالحكم ويحرفونه ~~برد معناه إلى المتشابه المطابق لهوائهم. انتهى. # ثم قال تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} الذين صفة لفاسقين، ~~وموضعة نصب في الإعراب. # اعلم أنهم اختلفوا في المراد من قوله ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~وذكروا وجوها: # أحدها: أن المراد بعهد الله هاهنا ومساقه ما جعله في عقولهم من الحجج ~~والدلائل على وحدانيته وصدق رسوله فأقمت تلك الحجج مقام عهد اليمين، فكأن ~~ذلك ميثاقا وعهدا على التمثيل إذا كان يلزم لهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك ~~بالتوحيد وغيره، ولذلك صح قوله {بعهدي أوف بعهدكم }. PageV22P052 # والثاني: أن المراد بعهد الله هو ما جرى على ألسن الرسل عليهم السلام من ~~صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارة به وإلزامهم الإقرار بصحة ~~نبوته، ومن ذهب إلى هذا تلا قول الله تعالى {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن ~~جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا} ~~مستشهدا به وبقوله تعالى{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا} أي عهدي وميثاقي، وبقوله تعالى {وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم } ~~والميثاق العهد أيضا وهو مأخوذ من الوثاقة التي معناها الإحكام والتأكيد. PageV22P053 # والثالث: أن المراد بالناقضين عهد الله هاهنا أخبار أهل الكتاب، وقيل: هم ~~المنافقون، وقيل: هم سائر الكفار على معنى أن سبيلهم كسبيل الآية في شأنه، ~~ومعنى الآية أن الفاسقين الذين أضلهم الله أي خذلهم لفسقهم، الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه، أي من بعد ما أوثقوا عليهم العهد فلم يثقوا به ولم ~~يقوموا بحقه، والهاء في قوله {من بعد ميثاقه}راجعة إلى إسم الله تعالى، ~~وتقديره من بعد ميثاق الله، وقيل: راجعة إلى العهد أي من بعد ميثاق الله ~~لعهدهم، قال تعالى: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} أي وما أمرهم ms2964 الله ~~بصلته قطعوه مخالفة وكفرا، ثم قال سبحانه: {ويفسدون في الأرض } بأنواع ~~الظلم التي منع[276]منها القرآن {أولئك هم الخاسرون}؛ لأنهم استبدلوا النقض ~~بالوفاء، والفساد بالصلاح، والقطع بالوصل، وعقاب هذه الأمور بثوابها. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: تدل على تحريم نقض عهود الله، وعلى ~~تحريم قطع ما أمر الله به أن يوصل من صلة الأرحام، وإيتا ذي القربى، وأدى ~~الأمانة إلى أهلها، ومودة ذوي القربى، والإجتماع على الحق، وترك التفرق في ~~الدين إلى غير ذلك، وعلى تحريم الفساد في الأرض. انتهى. # ولما تكلم عزوجل في دلائل التوحيد والنبوة إلى هذا الموضع فمن بعد هذا ~~إلى قوله {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } شرع في شرح النعم ~~التي عمت جميع المكلفين فقال سبحانه: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم }. PageV22P054 # قال في البلغة: قيل: ذكر هذا على وجه التوبيخ، وقيل: على وجه التعجيب للخلق ~~والإنكار، وقيل: على كلى الوجهين، كأنه قيل: اعجبوا منهم كيف يكفرون بالله ~~تعالى، أي كيف تكفرون بخالقكم ومصوركم في الأرحام كيف يشاء القادر على ~~نقلكم من حال إلى حال، ومعنى وكنتم أمواتا فأحياكم أي وكنتم نطفا، فشبه حال ~~النطفة بحال الميت بحث، فقد معها أحوال الحي. # وروي عن بن عباس روايتان: # أحدهما: ولم يكونوا شيئا مخلوقا موجودا كما قال الله تعالى: لزكريا عليه ~~السلام {وقد خلقتك من قبل ولم تكن شيئا} مخلوقا موجودا. # والثاني: وكنتم ترابا فأحياكم على معنى إن آباكم خلق من التراب وخلق فيه ~~الحياة وإن كانوا خلقوا من النطف وخلقت فيهم الحياة، والمعنى كنتم نطفا في ~~الأصلاب والأرحام فأحياكم بالنقل من حال إلى حال ثم نفخ في الصور والإخراج ~~إلى الدنيا {ثم يميتكم } بعد أن أحياكم {ثم يحييكم } بعد ما أماتكم عند ~~البعث والنشور {ثم إليه ترجعون} إي إلى الموضع الذي لا حكم فيه إلا لله ~~ليجازيكم، وقيل: معناه ثم ترجعون إلى المجازاة على أعمالكم وهو بمثابة قول ~~من يهدد غيره فيقول طريقك علي، ومن تأول الآية على هذا الوجه جعل نظيرها ~~قوله تعالى: {ربنا أمتنا ms2965 اثنتين وأحييتنا اثنتين ...}الآية، وذهب بعض ~~العلماء في تأويله إلى وجه آخر وهو أنه قال: وكنتم نطفا فأحياكم ثم يميتكم ~~بعد أن أحياكم، ثم يحيكم في القبور ثم إليه ترجعون، وهو الإحياء يوم ~~القيامة، فأثبت الإحياء ثلاث. PageV22P055 # ودلت الآية على فساد قول المجبرة في خلق الأفعال؛ لأن الله تعالى لو كان ~~خلق منهم الكفر لما ساغ في حكمته أن يوبخهم على كفرهم وتعجب الخلق منه[277] ~~؛ لأنه يكون بمنزلة قول القائل لغيره إذا أحدث فيه شيئا لعنك الله لما وجد ~~فيك ما أوجدته، ولما حصل ما فعلته ولا فرق بين هذه أوبين أن يقول للزنجي ~~تبا لك لم كنت أسود وهذا من أبلغ ما يكون من السخف جل الله تعالى عما ~~يقولوا الجاهلون به علولا كبيرا. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: يدل إحياؤهم بعد أن كانوا نطفا ميتة ~~على معرفة خالقهم، وأنه بذلك مالك لهم، وأن أخباره تعالى برجوعهم بعد موتهم ~~حق ووعيد لهم، وأن كفرهم إنما هو لأجل كونه تعالى مالك لهم، وأن الواجب ~~عليهم معرفة خالقهم وامتثال أمره لأجل ملكه إياهم، ونعمته عليهم إذ غير ~~الخالق والمالك المنعم لا يجب طاعته ولا يلزم عقوبته. انتهى. PageV22P056 # ثم ذكر سبحانه النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم فقال تعالى: {هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ما أحسن ما راعى الله سبحانه هذا الترتيب ~~فإن الإنتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة، ولهذا ذكر الله ~~تعالى أمر الحياة أولا ثم أتبعه بذكر السماء والأرض فبين الله في هذه الآية ~~عظيم موقع نعمه التي خلقها للعباد في الأرض في مستدعياتها شكرهم له وتفصلها ~~مضمن في قوله تعالى {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} فجميع ما خلق الله تعالى من جميع ~~النعم يدخل تحت هذا، ومعنى لكم أي لأجلكم ولإنتفاعكم به في دنياكم ودينكم، ~~أما الأنتفاع الدنيوي فظاهر، وأما الإنتفاع الديني ms2966 فانظر فيه وما فيه من ~~عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر، الحكم وما فيه من التذكير بالآخرة ~~وبثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم، ~~والمشارب، والفواكه، والمناكخ، والمراكب،والمناظرالحسنة البهية، وعلى أسباب ~~الوحشة والمشقة، والمكاره كالنيران والصواعق والسباع، والأحناش والسموم ~~والغموم والمخاوف. # وقوله جميعا نصب على الحال من الموصول الثاني ثم قال عليه السلام: في هذه ~~الآية تدل على إباحة ما ذرأ وبرأ، إلا ما خصه دليل مما يأتي تفصيله معرفا ~~إن شاء الله تعالى. انتهى. # ولما استعظم المشركون الإعادة عرفهم الله تعالى أنه خلق السماوات ليدلهم ~~بذلك على الإعادة فقال عزوجل: {ثم استوى إلى السماء}. # قال في البلغة: يقال في اللغة استوى إلى كذا أي قصد إليه واستوى على كذى ~~أي [278]استولى عليه، واستوى له أي استقام وثبت، واستوى من كذا أي استوى ~~بعد الإعوجاج. انتهى. PageV22P057 # فالأستوى هو الإستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل، ثم يقال استوى ~~إليه كالسهم المرسل إذا قصد قصدا مستويا من غير أن يلتفت إلى شيء آخر منه ~~استعير قوله {ثم استوى إلى السماء}اي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما ~~زمانا، ولم يقصد شيئا آخر بعد خلقه الأرض. # ومعناه هاهنا ثم قصد إلى السماء، وقيل: ثم صعد أمره، وقيل: ثم تحول ~~تدبيره إلى السماء. # قال في الكشاف: والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل ثم استوى إلى الفوق ~~والضمير في قوله {فسواهن} ضمير مبهم، وقوله {سبع سماوات } تفسيره كقولهم ~~ربه رجلا، وقيل: الضمير راجع إلى السماءن والسماء في معنى الحسن، وقيل: جمع ~~سماء، والوجه العربي هو الأول، ومعنى تسويهن بعد خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من ~~العوج والفطور، وإتمام خلقهن، وتمدح الله تعالى بقول {وهو بكل شيء عليم} ~~هاهنا مبينا أن ما خلقه الله وأحدثه على وجه المصلحة والمنفعة للعباد، وعلى ~~تقدير وضروب من ألحكم، وعليم أشد مبالغة في الوصف من عالم، وعلام أشد ~~مبالغة من عليم والله اعلم. # ولما ذكر عزوجل خلقه ونعمته عليهم أذكرهم ما أنعم به على أبيه آدم عليه ~~السلام ms2967 بقوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}. # اعلم أن هذه المسئلة دالة على كيفية خلقه آدم عليه السلام، وعلى كيفية ~~تعظيم الله تعالى أياه، فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة ~~التي أوردها في هذا الموضع، وفي إذ قولان: # أحدهما: أنه صلة زائدة إ لاأن العرب يعتادون التكلم بها، والقرآن نزل ~~بلغة العرب. # الثاني: وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكروا ~~المعنى أذكرهم أو قال ربك للملائكة فأضمر هذا. # وفي البلغة قال بعض النحويين: إذ هاهنا زائدة، وهذا غلط؛ لأنه إذا ليكن ~~حملها على فائدة لم يصبح إلقاؤها. PageV22P058 # وأحد فوائدها أن الله تعالى لما نبه العباد على عظم موقع نعمه وحثهم على ~~الشكر عليها في الآية الأولى فكأنهه قال تعالى: اذكر تلك النعم واذكر إذ ~~قال ربك للملائكة. # قال في البرهان: والملائكة عليهم السلام أفضل الحيوان وأعقل الحيوان إلا ~~أنهم لايأكلون، ولايشربون، ولاينكحون، ولاينسلون، وهم رسل ~~الله[279]لايعصونه في صغير ولا كبير. انتهى. # والأرض هاهنا قيل: أرض مكة، وقيل: هي الأرض المعروفة وهو الصحيح. # وبيان الآية أن الله تعالى أخبر الملائكة عليهم السلام قبل خلقه آدم صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه يجعل في الأرض خليفة وهو آدم عليه السلام، وفي ~~تقديم ذكر الخيلفة وعلى هذا المنهاج كانت بشارة الرسل عليهم السلام لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبل إيجاده وبعثه ولاتغير قصته خلفاء الله عليهم ~~السلام في باب الرتبة إلا في الرسالة؛ لأن الرسول أعلى رتبة، ومنزلة، وفضلا ~~من الخيلفة الذي لايكون نبيا، وإنما كان كذلك؛ لأن خلافة الله هي تولي أمور ~~مخصوصة في باب الدين يقتضي ذلك كونه أمينا طاهرا، وافيا، حجة، مرضيا عند ~~الله تعالى سوى كان الخليفة نبيا أو غير نبي في أن باب الخلافة تتغير، ~~والطريقة لاتختلف وإلى نقض هذا أشار الله عن قدرته بقوله {إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله ~~سميع عليم} ms2968 فأخبر الله أنه اتخذ آدم صفوة واختارة، وكذلك أتخذ نوحا وآل ~~إبراهيم، وآل عمران عليهم السلام صفوته، ثم بين أنهم ذرية بعضها من بعض فلم ~~يعرفنا بذلك حال ولادتهم بعضهم من بعض، وإنما نبهنابه على مشاكلة طريقهم في ~~باب الطهارة، والعظم، والوفاء، فدخل تحت الآية جميع الأنبياء والأوصياء ~~الخلفاء من لدن آدم، هلم جراء إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ~~الآية دلالة ظاهرة على الحال التي معها ولأجلها يكون العبد خليفة الله ~~تعالى على خلقه، PageV22P059 وأنه باختيار الله تعالى، وذهب بعض العلماء إلى أن هذا مثل قوله ~~تعالى{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح} الآية؛ لأن الله تعالى جعل ~~آدم ومن ذريته خلفا الجن في الأرض وهذا غلط؛ لأن يكون الجن في الأرض بعد ~~كون آدم وذريته كونهم فيها قبل ذلك إلا أن البشر لايرونهم وهم يرونهم كما ~~حكى الله عن إبليس وذريته بقوله {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } ~~وأبليس أب الجن، كما أن آدم أب البشر، وقوم نوح أهلكوا فطهر وجه الأرض ~~منهم، ثم خلق هؤلاء بعدهم فكيف يشبه هذا ذاك على أنه لايطلق لفظ الخليفة في ~~الوجه الذي ذهب إليه هذا القائل وقد قال الله تعالى: {إني جاعل في الأرض ~~خليفة}[280]وإن أرد به شخصا واحدا أو هو آدم عليه السلام. انتهى. # وفي الكشاف: يجوز أن يريد خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه، ~~وكذلك كل نبي إنا جعلنا ك خليفة في الأرض، وأما قوله تعالى حاكايا عن ~~الملائكة عليهم السلام {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك}. # قال في البلغة: الألف في قوله أتجعل فيها ألف استفهام لا ألف إيجاب من ~~جعلها إيجابا وأستشهد بقول الشاعر # ألستم خير من ركب المطايا # وأبذى العالمين بطون راح PageV22P060 أي أنتم كذلك فقد غلط؛ لأن سياق الآية تدل على أنها استفهام؛ لأن الملائكة ~~عليهم السلام لما وقفوا على أحوال ذرية آدم عليه السلام ونظروا في حال ~~أنفسهم وعصمتهم ms2969 وطهارتهم تعجبوا من خلق من يفسد ويقتل ويعصي فاستفهموا وجه ~~الحكمة في ذلك وهم وقفوا على فساده بإعلام الله تعالى لهم بدلالة أنهم ~~لايعلمون الغيب، وإن لم تنطق الآية بأن الله أخبرهم به، وقيل: أن الملائكة ~~عليهم السلام استبدلوا بلفظ الخليفة على تلك الحال فقالوا: قد علمنا أن آدم ~~عليه السلام لايجوز أن يكون خليفة الله في أرضه بأن يكون شريكه ومعبودا ~~معه، ولايجوز على الله تعالى المنافع والمضار حتى يتصرف خليفته فيما يعود ~~إليه نفعه، فليس يبقى إلا أن يكون خليفته على قوم يتهارجون، ويفسدون، ~~ويسيفكون الدماء، أي يضيق بها فيردعهم الخليفة، ويزجرهم، ويؤدبهم، ويدفع ~~الظالم عن المظلمون. # قلت: ويؤيد الأول جواب المرتضى عليه السلام حيث قال للسائل وقلت ما معنى ~~جواب الملائكة حين يقولون {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }الخبر ~~جائهم من عند الله أم من عند أنفسهم. PageV22P061 # قال عليه السلام : فهذا الخبر خبر غيب لايعرفه الملائكة ولايقع عليه إلا ~~بإخبار الله لهم، ولكن الله عزوجل قد أطلعهم عليه وأخبرهم بما يكون من بني ~~آدم من سفك الدماء، والإفساد في الأرض، وما يكون منهم من عناد، فكان هذا ~~منهم استفهام مالا معارضة ولا شكا في أمر الله تبارك وتعالى واعلمهم سبحانه ~~أنه يعلم ما لايلعمون مما سيكون من المؤمنين والأنبياء المبعوثين إليهم، ~~والأمر، والنهي، الذي بثه فيهم، وما في ذلك من الصلاح، فكانت معصية الخلق ~~من أنفسهم اختيارا بلا جبر من الله لهم ولا إدخال في معصية، ولا إخراج من ~~طاعة، ولم يكن فعل هؤلاء المختارين للمعصية من بعد أن أمكنهم سبحانه من ~~الإستطلاع وبين لهم [281]ما فيه النجاة بموجب ترك خلقهم ورفض إظهار الحكم ~~فيهم وما أراد سبحانه من الصنعة وإيجاد البرية، وإظهار القدرة، وقد علم ~~الله عزوجل ما يكون من فعل النبيين وطاعتهم واجتهادهم له، وما يكون من ~~المؤمنين من الطاعة والقيادة والتسليم لحكمه والمجاهدة للظالمين حتى يفيئوا ~~إلى أمر الله ويرجعوا إلى طاعته، فكل هذا خير كبير، وفضل جليل، علم الله ~~أنه سيكون ms2970 من ولد آدم ولم تعلمه الملائكة حتى اعلمها الله به وفهمهما ذلك. انتهى. # ومعنى نسبح بحمدك ونقدس لك التسبيح هو التنزيه لله والتبعيد له من شبه ~~خلقه ومن كل سوء، والتقديس هو التطهير، فكأنهم قالوا لله نحن ننزهك عن ~~القبائح كلها ونطهرك عن الفواحش ونحمدك، وقيل: نسبح لك ونصلي. # وروي أن تسبيح الملائكة عليهم السلام سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي ~~العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لايموت، ثم أجاب الله الملائكة بأنه يعلم ~~من المصالح ...........وما لا أمور ما لا يعلمون بقوله سبحانه {قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون}. PageV22P062 # قال الهادي عليه السلام: يقول اعلم من تركته، وتركه ما يخرج عنه من ~~المطيعين مالا تعرفونهم ولا يفهمونهم منهم من لولاه هو ما خلقته ولاخلقت ~~الدنيا، محمد صلى الله عليه وآله وسلم السراج المنير البشير النذير. انتهى. # واعلم أن الملائكة عليهم السلام لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم عليه ~~السلام وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر عن وجه الحكمة في خلق ~~آدم وذريته على سبيل الإجمال بقوله { إني أعلم ما لا تعلمون} أراد الله ~~عزوجل أن يزيدهم بيانا، وأن يفصل لهم المجمل فقال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}. # قال الخليل: الأدمة في الناس سواد في الليل، وأدمة الأرض وجهها. # وقيل: اشتق آدم من أديم الأرض؛ لأنه خلق منها. # وقيل: اشتق من الصفات وهي أدمة اللون، وذهب أكثر العلماء إلى أن الله ~~تعالى علم آدم عليه السلام أسماء ما خلق على العموم ومعانيها. # قالوا: واللغات داخلة في هذا إلا أنها مأخوذة من آدم عليه السلام، ~~والمراد بالأسماء المسميات نحو ذا بعير، وذا فرس، واللغات عن ابن عباس كان ~~آدم يتكلم بسبع مائة ألف لغة وأفضلها العربية، وعلمه الأسماء معجزة له ~~وأرسل إلى أولاده. # وقيل: إلى الملائكة، وقوله{ثم عرضهم على الملائكة} أي المسميات عقلا وغير ~~عقلا، فغلب العقلاء كما يغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا، وأعلم آدم بما ~~فيها من منافع الدنيا والدين[282]واختلف العلماء في كيفية عرضهم على ~~الملائكة عليهم ms2971 السلام فروى بن عباس عرضهم عليهم بعد أن خلقهم، وقال غيره: ~~عرضهم بأن صورهم لقلوب الملائكة عليهم السلام. # وقوله تعالى: {فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء} أي مسمياتهن وما يصلح كل شيء ~~له، والسؤال للتبكيت الملائكة؛ لأنه لايخفى عليه خافيه، ثم قال: {إن كنتم ~~صادقين} أي اجعل في الأرض من يفسد فيها. PageV22P063 # قال في البلغة: قيل إن قوله أنبئوني ليس بأمر ولا تكليف إنما هو تقرير ~~وتنبيه لهم على عجزهم وقصورهم عن ذلك، وهو مثل ما يقول العالم للمتعلم إذا ~~أراد تحريضه على التعلم والتقرير بعجزه عن علم ما يسأله أجب عن كذا إن كنت ~~عالما به. # وقيل: هو أمر مشروط فإذا لم يحصل شرطكم يلزم المشروط، وقيل: كان سبب هذا ~~أنه وقع في نفوس الملائكة عليهم السلام أنه لو كان الخليفة منهم لكان ربما ~~أصلح، وإن كان الله تعالى لايفعل إلى الأصوب في التدبير، فقيل لهم أخبروني ~~بأسماء هؤلاء الذين شاهدونهم فإذا علمتم أنكم عاجزون عنه فاعلموا أنكم عن ~~علم ما غاب عنكم أبعد وأعجز. # وقيل: أنهم ظنوا في أنفسهم أن الله لايخلق خلقا إلا ونحن أفضل منه في باب ~~العلم، فقيل: لهم إن كان الأمر كما ظننتم فانبئوني بأسماء هؤلاء. # وروي عن ابن عباس أنه قال: قيل لهم إن كنتم صادقين تعلمون لم أجعل في ~~الأرض خليفة فانبئوني بأسما هؤلاء؛ لأن علمها من باب العلم بالغيب، فكما ~~لاتعلمون ذلك فلا تعلمون هذا، ثم أخبر تعالى أنهم{قالوا سبحانك لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا} أي قالت الملائكة عليهم السلام عند ذلك سبحانك على معنى ~~تنزيها لك من أن يعلم الغيب سواك، وهو تنزيه مخصوص هاهنا، وقيل: ذكروا ~~سبحانك على وجه التعظيم عند ما أرادوا الجواب أنهم لايعلمون إلا ما علمهم ~~الله تعالى، فكأنهم قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا وهذا ليس مما علمتنا. # وقوله تعالى: {إنك أنت العليم الحكيم} أصل الأحكام في اللغة تعديل الشئ ~~على وجه لايدخله الخلل، ولهذا قالوا أحكمت فلانا إذا أمنعته من أن يجهل على ~~غيره ms2972 كما قال قائلهم: # ابني حنيفة احكموا سفهاكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا PageV22P064 ومنه حكم اللجام ، والحكيم في وصف الله تعالى يستعمل على ثلاثة أوجه، قد ~~يقال أنه حكيم بمعنى أنه محكم لأفعاله كلها متقنة محكمة متسقة ~~ويقال[283]أنه حكيم بمعنى أنه عالم، وقد جاء ذكر العليم هاهنا على وجه ~~التعظيم ويحتمل أن يكون معناه هاهنا أنت العليم من غير تعليم، ولانعلم نحن ~~إلا بتعليم، وقوله تعالى: {قال ياآدم أنبئهم بأسمائهم } أي لما بين عجز ~~الملائكة عليهم السلام عن الأخبار بالأسماء قال الله: لآدم عليه السلام ~~تشريفا له وتعظيما أخبرهم بأسمائهم وما تضمنت من المعاني. انتهى. # فأمر الله آدم أن يبين لهم بعض الحكم في الأستخلاف {فلما أنبأهم بأسمائهم ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض }اي كل غيب فيهما {وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون}. # قال في البلغة: الألف في قوله ألم تنبيه كقول القائل لغيره أما ترى هذا ~~البستان ما أطيبه مع أنه قد يعلم طيبه، والملائكة عليهم السلام كانوا ~~عالمين بأن الله المختص بعلم الغيب فنبههم على ما علموه بهذا الألف وغلط من ~~قال: أنها ألف توبيخ؛ لأن الملائكة عليهم السلام لم يفعلوا أشياء استحقوا ~~به التوبيخ، ومعناه أن الله لما أخبر آدم عليه السلام بأسمائهم قال لهم: ~~ألم أقل لكم أني اعلم ماغاب عن علمكم في السماوات والأرض وما غاب عن ~~مشاهدتكم، وأعلم سركم وعلانيتكم، وقيل: وأعلم ما تكتموه، فيما تقدم ذكره في ~~الآية الأولى، واعلم ما أظهرتموه من قولكم أتجعل فيها من يفسد فيها. PageV22P065 # وفي قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها}الآية، دليل على أن الكمال في العلم ~~أخذ بشرائط خلفة الله تعالى؛ لأنه بين شرف آدم عليه السلام وفضله بذلك، ~~ويؤكد هذا ما ذكره الله في قصة طالوت بقوله {قالوا أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت} من المال، قال: إن الله اصطفى عليكم وزادة ~~بسطة في العلم والجسم فهو إنباء .......العلم والقوة، فوجب بذلك كون الإمام ~~الداعي أعلم وأشجع من ms2973 جملة الرعية، ولم يكن بعد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم اعلم بدين الله ولا أشجع في مجاهدة أعداء الله من أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب عليه السلام، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة ~~العلم وعلي بابها)) فخصه بأنه جعله باب العلم مع كون الصحابة رحمهم الله ~~علماء فلا بد من أن يكون لهذا التخصيص فائدة، وليس إلا الزيادة التي كانت ~~به على جميعهم في العلم، ولهذا قال للصحابة ((سلوني قبل أن تفقدوني)) ومن ~~غير أن أنكر عليه منهم أحد إذا كانت شرائط الإمامة حاصلة له[284]دون غيره ~~فلا معدل بها عنه، وإذا ذكرنا شيئا من تفضيله على غيره فلا يجوز أن نصرف ~~ذلك إلى الطعن والتنقص في غيره؛ لأن الله تعالى فضل الأنبياء عليهم السلام ~~بعضهم على بعض بقوله جل وعلا: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داوود زبورا} ولم يكن في ذلك حظ عن غيره، وإذا دل الدليل على شيء فالإعراض ~~عنه وعن اعتقاده لا معنى له خصوصا إذا كان متعلقا بالتكليف بل ربما يأثم في ~~تركه والإعراض عنه ويدخل في كتمان الحق وترك إظهاره، والتدبير يقتضي خلافه، ~~فالتمسك بالحق أولى من التمادي في الباطل، فنعوذ بالله من ألف العصبية وما ~~يؤدي إليها، ثم قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم }. PageV22P066 # قال في البلغة: وإذ معطوف على قوله وإذ قال ربك للملائكة، وموضعه نصب؛ لأن ~~تقديره وأذكر إذ قال ربك، واذكر إذ قلنا للملائة، وواحد الملائكة ملك غير ~~مهموز، وأصله ملاك بالهمز، فتركت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها، ومنه ~~قول الشاعر: # أبلغ النعمان مني مالكا # أنه قد طال حبسي وانتظاري # ويقال الكنى أي كن رسولي. # قال الرازي: أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود العبادة لغير كفر، ~~والأمر لايرد بالكفر، ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال: # الأول: أن ذلك السجود كان لله تعالى، وآدم عليه السلام كالقبلة ومن، ~~الناس من طعن في هذا القول فقال: إنه لايقال صليت للقبلة بل يقال ms2974 صليت إلى ~~القبلة، فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود وجب أن يقال أسجدوا إلى ~~آدم، فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم عليه السلام لم يكن قبلة، ~~قلت: قال: الهادي عليه السلام: معنى اسجدوا لآدم إنما أراد بذلك السجود من ~~أجل آدم تعظيما لخالقه إذ خلقه من أضعف ألأشياء وأقلها عنده وهو الطين فجاز ~~أن يقال اسجدوا لآدم لما كان السجود من أجل خلقه. انتهى. # ومثله ذكر ولده المرتضى: وغيره من ائمتنا عليهم السلام جميعا. # قال الرازي: والجواب يعني عن ماطعن به في هذا القول أنه كما يجوز أن يقال ~~صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة، والدليل عليه القرآن والشعر، أما ~~القرآن فقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} والصلاة لله ~~تعالى لا للدلوك، فإذا جاز لك فلم لايجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة ~~تكون لله. # وأما الشعر فقول ابن حسان بن ثابت[285] # ما كنت أحسب أن الأمر منصرف # عن هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلا لقبلتكم # وأعرف الناس بالقرآن والسنن # قوله صلا لقبلتكم نص على المقصود. # الثاني: أن هذا السجود كان لآدم تعظيما له وتحية كالسلام منهم عليه. PageV22P067 # الثالث: أن السجود في أصل اللغة هو الإنقياد والخضوع، قال الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل، ومنه قوله تعالى{والنجم ~~والشجر يسجدان}. # قال في البلغة: ومعنى الآية إذ قال ربكم للملائكة اسجدوا لخلق آدم تشريف ~~له وتعظيما، وتحية، وتكرمة، فكان السجود لله، والتحية لآدم عليه السلام، ~~كما حكى الله تعالى عن أبوى يوسف عليه السلام بقوله{وخروا له سجدا} فكان ~~سجودهم خضوعا لله، وشكرا، وتحية ليوسف عليه السلام، فأطاع الملائكة عليهم ~~السلام كلهم {فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} وأبليس مشتق ~~من الإبلاس، وهو القنط من رحمة الله تعالى، ومنه قوله عزوجل: {ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون} وإنما لم يصرف هذا الأسم استشقالا إذ لم يوجد له ~~نظير في ms2975 لغتهم، وذهب أكثر العلماء إلى أنه لم يصرف هذا إلى أنه لم يكن قبل ~~إبليس كافر، وهو أول من كفر بالله تعالى فعلى هذا الوجه يكون كان بمعنى ~~صار، ومن جوزأن يكون قبله كفار حمل لفظ كان على الحقيقة وإستثناء إبليس من ~~الملائكة عليهم السلام لايدل على أنه كان منهم؛ لأن الإستثناء على وجوه: # أحدها: أن يكون يجئ من غير حسن المستثنى كما قال: الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # والعيس ليس من جنس الأنيس، وقال تعالى: {وما لهم به من علم } إلا اتباع ~~الظن وما قبلوه هينا، والظن من العلم وقال سبحانه:{ فلا صريخ لهم ولا هم ~~ينقذون إلا رحمة منا} والرحمة ليست من جنس العذاب. انتهى. # قال الهادي عليه السلام: وإنما جاز أن يجعل إبليس معهم وإن لم يكن من ~~جنسهم إذا كان حاضرا لأمر الله لهم، فأمره بالسجود معهم وإن لم يكن جنسه من ~~جنسهم. انتهى. PageV22P068 # قال في البلغة: فمن ذهب إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة عليهم السلام ~~تعلق بهذه الآية، فقالوا أمر الله تعالى الملائكة عليهم السلام بالسجود ~~لآدم مع عصمتهم وطهارتهم وفضلهم لا على معنى أن يكون آدم حكمه حكم القبلة ~~بل على وجه التحية والتعظيم والإكرام[286] والتبجيل، وهذا يبنى عن أمارة ~~التفضيل، قال فيها: فعورضوا في ذلك بسجود يعقوب عليه السلام على الوجه الذي ~~سجد الملائكة لآدم، قال: وقالوا، قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قولا لاخلاف فيه ((يبعث آدم تحت لوائي يوم القيامة)) فإذا كانت منزلة آدم ~~تقضي الأمر للملائكة عليهم السلام بالسجود له، وآدم يكون تحت لواء محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم القيامة فيكون محمدا أفضل من آدم. # قالوا: وفي الخبر فضيلة شريفة لعلي بن أبي طالب عليه السلام وهو ما حدث ~~به أبو القاسم الحسين بن أحمد بن علي بن هارون الفقيه. # قال حدثنا: أبو الحسين النحوي، قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد ~~بن عامر الطائي، قال: حدثنا علي بن موسى ms2976 الرضى، قال: حدثنا موسى بن جعفر، ~~قال حدثني جعفر بن محمد، قال حدثني أبي محمد بن علي بن الحسين بن علي عن ~~علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي ~~سألت ربي فيك خمس خصال فأعطاني، أما أولهن فسألت ربي يوقفني عند كفي ~~الميزان وأنت معي، وأن يشق الأرض منا، وأما الثالثة فسألت ربي أن يجعلك ~~حامل لوائي فأعطاني، وسألت ربي أن يسقي أمتي من حوضي فأعطاني، وأما الخامسة ~~فسألت ربي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنة فأعطاني ،والحمد لله الذي من علي ~~بذلك)) وروى هذا الخبر من طرق. PageV22P069 # وعنه قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن نصير بن عبد ~~الوهاب الشجري رحمه الله قال: حدثنا منصور بن عبد الله قال: حدثنا علي بن ~~عبد الله الأسكندراني قال: حدثنا ابن يحيى الصوفي قال: حدثنا محمد بن عمر ~~القزاز قال: حدثنا محمد بن الأزهر عن خزيمة بن هامان، عيسى بن يونس، عن ~~الأعمش، عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((يا علي يأتي على الناس يوم القيامة وقت مافيه راكب إلا نحن أربعة ~~فقيل ومن هؤلاء الأربعة؟ # قال: ((أنا على البراق، وأخي صالح على ناقته التي عقرها قومه، وعمى حمزة ~~على ناقتي العضباء، وأنت على ناقة من نوق الجنة وعليك حلتان خضراوان وعلى ~~رأسك تاج من نور وبيدك لواء الحمد تنادي لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~فتقول الخلائق ما هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل فينادي منادي ليس نبي مرسل ~~ولا ملك مقرب هذا علي إمام المتقين وقائد الغر المحجلين إلى جنات[287] ~~النعيم. # قال فيها: ومن ذهب إلى أن الملائكة أفضل احتج بآيات أنا أبين وجه ~~احتجاجهم بها عند تفسيرها. انتهى. # ثم قال تعال: {وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة} قيل معناه اسكن أنت ~~وزوجك حواء الجنة، واختلفوا في هذه الجنة المذكورة هل كانت في الأرض أو في ms2977 ~~السماء، وتقدير أنها كانت في السماء هل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة ~~الخلد أو جنة أخرى؟ # فقال أبو القاسم البلخي، وأبوا مسلم الخولاني: هذه الجنة كانت في الأرض، ~~وحمل الإهباط على الإنتقال: من بقعة إلى بقعة، كما في قوله تعالى {اهبطوا ~~مصرا} قلت وهذا صريح قول الهادي إلى الحق وغيره من سائر أئمتنا عليهم ~~السلام، وقد قدمنا في سورة الأعراف واحتجا أي أبوا القاسم، وأبوا مسلم على ~~هذا القول بوجوه: PageV22P070 # أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كانت في ~~جنة الخلد لماحقه الغرور من إبليس لقوله {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى}، ولما صح قوله{ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو ~~تكونا من الخالدين}. # وثانيهما: أن من دخل الجنة يخرج منها، لقوله تعالى {وما هم بخارجين منها}. # وثالثهما: أن إبليس لما امتنع من السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله ~~تعالى على أن يصل إلى جنة الخلد. # وربعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يعني نعيمها لقوله تعالى: {أكلها ~~دائم} ولقوله {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها} إلىأن قال: {عطاء ~~غير مجذوذ} أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي أدخلها آدم عليه ~~السلام لما فنيت، لاكنها تفنى لقوله تعالى{كل شيء هالك} ولما خرج منها آدم ~~عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الدرجات. # وخامسها: أنه لايجوز في حكمته تعالى أن يبتدي الخلق في جنة يخلدهم فيها ~~ولاتكليف؛ لأنه تعالى لايعطي جزاء العاملين من ليس بعامل؛ ولأنه لايهمل ~~عباده بل لايريد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد. # وسادسها: لا نزاع أن الله تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في هذه القضية ~~أنه نقله إلى السماء، ولو كان قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر؛ ~~لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل على أن ذلك لم يحصل، وذلك ~~يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له {اسكن ms2978 أنت وزوجك الجنة} ~~جنة أخرى غير جنة الخلد. # القول الثاني: وهو قول الحباب أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة ~~والدليل عليه قوله اهبطوا. # القول الثالث: أن هذه الجنة هي دار الثواب. PageV22P071 # قال الرازي: وهذا قول جمهور أصحابنا، قال[288]صاحب الكشاف: السكنى نوع من ~~السكون؛ لأنها نوع من اللبث والإستقرار، وأنت تأكيد للمستكن في أسكن ليصح ~~العطف عليه، حكاه عنه الرازي، ومعنى قوله تعالى {وكلا منها رغدا }اي واسعا ~~وهو صفة للمصدر أي أكلا رغدا{حيث شئتما} أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه ~~التوسعة البالغة المزيحة للعلة حين لم يحظر عليهما بعض الأكل، ولا بعض ~~المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة حتى لايبقى لهما عذر في التناول من ~~شجرة واحدة من بين أشجارها الفائتة للحصر، ثم قال عزوجل: {ولا تقربا هذه ~~الشجرة} وهي البر، وقيل: الكرم، وقيل: .........وقيل: البلس {فتكونا من ~~الظالمين} لأنفسهم، فإن قيل: أكانت هذه الشجرة مختلطة مع غيرها أم كانت ~~وحدها وكيف كان أمرها؟ # قلت: قال المرتضى عليه السلام: أن هذه الشجرة شجرة البر والبر إذا خرج ~~والشعير أشبها كلاهما في نباتهما، فأكل صلى الله عليه وآله وسلم من البر ~~وظن أنه الشعير، واستعجل في ذلك ولبس عليه إبليس فما كان من ظنه معاب ذلك ~~سبحانه عليه لما كان من عجلته إذ وقع الإختلاط عليه، # الأختلاط عليه، وأراد الله عز وجل منه أن يكون وقف عليه عند شكه حتى تبين ~~له الشجرة التي نهى عنها إذ قد نسيها وزاغ قلبه عنها. انتهى. # ثم قال سبحانه: : {فأزلهما الشيطان عنها} ومعنى الآية أن إبليس استزل آدم ~~وحواء بأن حملهما بالوسوسة على أمر لأجله زلا عن الجنة {فأخرجهما مما كانا ~~فيه} أي من الحال التي كانا عليها من النعم والتمتع بملاذ تلك الجنة، ونسب ~~الخراج إلى إبليس؛ لأن سببه كان بوسوسته ودعائه إياهم إليه. # قال في البلغة: لايجوز أن يقال إن إخراج آدم منها كان على وجه العقوبة؛ ~~لأنه لم يرتكب شيئا استحق عن أجله العقوبة؛ لأن الدليل القاطع قائم على أن ms2979 ~~الأنبياء عليهم السلام لايرتكبون الكبيرة. PageV22P072 # قلت: وما أحسن جواب الهادي إلى الحق عليه السلام في هذه حيث قال: وقد سأله ~~سائل كيف كان عصيان آدم عليه السلام في أكل الشجرة تعمدا أم نسيانا؟ # قال عليه السلام: قد اعلم الله في كتابه فقوله {ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي ولم نجد له عزما} يقول لم نجد له عزما على أكلها واعتمادها ~~بعينها، وقد مر في سورة طه ما أورده الهادي عليه السلام هاهنا من السؤال ~~والجواب عنه فارجع إليه فإنه لاغنى عنه. # ثم قال السائل: له عليه السلام فكيف كان كلام إبليس وخدعه إياه هل كان ~~تصور له جسما ورأه عيانا؟ # قال عليه السلام: [289]إنما سمع آدم كلامه ولم يره جسما، وقد رويت في ذلك ~~روايات كذب فيها من رواها، وكيف يقدر مخلوق أن يخلق نفسه على غير مركب خلقه ~~وفطر جاعله هذا ما لايثبت ولايصح عند من عقل وعرف الحق. انتهى. PageV22P073 # أما قوله تعالى{اهبطوا بعضكم لبعض عدو} فقيل الخطاب هاهنا لآدم، وحواء، ~~وإبليس، وإن كانوا أخرجوا متفرقين، والأقرب ما ذكره في الكشاف أنه خطاب ~~لآدم، وحواء، والمراد هما وذريتهما؛ لأنهما كانا أصل الأنس ومتشيعهم حولا ~~كأنهما الأنس كلهم، والدليل عليه قوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعا بعضكم ~~لبعض عدو}. انتهى. مع أنه يجوز أن يقال للإثنين أهبطوا كما قال الله تعالى: ~~{وكنا لحكمهم شاهدين} وكان اثنين داود وسليمان عليهما السلام، ومعنى بعضكم ~~لبعض عدوا إخبار عن حالهم لا أمر بالمعاداة؛ لأن معاداة إبليس لآدم عليه ~~السلام كفر والله تعالى لا يأمر بالكفر، فكأنه قال: يعادي بعضكم بعضا، ~~وذريتكما يعادي بعضهم بعضا، ثم قال سبحانه: {ولكم في الأرض مستقر} أي موضع ~~استقدار {ومتاع إلى حين} فبين أن لهم في الأرض قرار أو تمتعا بملاذها ~~وحيائها إلى وقت إنقضا الأجل، وقيل: إلى حين يوم القيامة على معنى أن ~~ذريتهما لهم متاع إلى ذلك الوقت؛ لأنه إذا انقرض قرن خلفهم قرن آخر، ~~والمتاع كلما استمع به من المتاع، ومنه سميت متعة الحج، ms2980 ومنه قوله تعالى: ~~{فمتعوهن} أي ادفعوا إليهن ما ينتفعن به، قال الشاعر: # وكل غضارة لك من حبيب ... لها بك أو لهوت به متاع PageV22P074 ثم قال تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} معنى تلقى الكلمات ~~استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين عملها، والمعنى أن آدم قبل من ربه ~~كلمات تعرض بها للتوبة مما وقع منه، واختلفوا في تلك الكلمات ماهي فقال ~~الهادي عليه السلام: والصحيح عندنا أن الكلمات هو ما كان الله تعالى قد ~~اعلمه بخلق من سيخلقه من ذرية آدم ونسله، أنه سيكون منهم مطيع، ويكون عاص ~~باختيارهم، وأنه سبحانه يقبل التوبة من تائبهم إذا تاب وأصلح وأخلص التوبة ~~وراجع، فلما كان منه من أكل الشجرة وذكر ما كان الله قد اعلمه من القبول ~~للتوبة {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} فهذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. انتهى. # وفي تفسير[290]هذه الكلمات يقول القاسم بن إبراهيم عليهما السلام: هن ~~كلمات الإستغفار والتوبة والإنابة ذكرهن آدم بعد المعصية وطفى بهن ما وجب ~~عليه من غضب ربه، فلما أن تكلم بكلمات التوبة وأظهرهن صرف الله عنه العقاب ~~وصار حكمه عند الله حكم من أناب وتاب. انتهى. # وقيل: هي سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ~~ظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لايغفر الذنوب إلا أنت. PageV22P075 # وقيل: هي سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ومعنى فتاب عليه أي ~~قبل الله توبته، والمراد توبة آدم وحواء، وهو في المعنى توبتهما وإن جاء ~~على لفظ الواحد وهو مثل قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه } ولم يقل ~~يرضوهما، ثم قال سبحانه: {إنه هو التواب الرحيم} والتواب الكثير القبول ~~للتوبة، والرحيم المكثر من النعمة، والمراد المبالغة في تواب للدلالة على ~~كثرة من يتوب عليه؛ لأنه يغفر بالتوبة كل ذنب، أو أنه بليغ في قبول التوبة ~~ينزل صاحبها منزلة من لم يذنب لسعة كرمه، ومعنى الرحيم المثيب على التوبة ~~مع إسقاط عقاب المعصية بالتوبة. ms2981 # قال في البلغة: واقتضى ذكر الرحمة هاهنا ذكر قبول التوبة ليعلم أنه ينعم ~~على من تاب وما وقع من آدم عليه السلام وإن كان صغيرا مغفورا فإن التوبة ~~تصح منه؛ لأن الإصرار على الصغير تكون كبيرة، وتلك الزلة وإن كانت مغفورة ~~في الأصل فيجوز أن تكون هذه التوبة بمنزلة توبة بعد توبة، ومغفرة بعد ~~مغفرة، وإن لم يتحدد ما يقتضي التوبة كما قال الله تعالى: حاكيا عن إبراهيم ~~عليه السلام {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} وإن كانت خطيئة ~~مغفورة قبل يوم الدين، كما قال الله تعالى حاكيا عن حملة العرش الذين ~~يحملون العرش يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين أمنوا {ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك}، وإن كان التائب ~~المطيع مغفورا له والأنبياء عليهم السلام يستعظمون ما يقع منهم من الصغير ~~لعلوا منزلتهم فيظهرون من الجزع، والتوبة، والإستغفار، ما يعجز عنه المقال. انتهى. PageV22P076 # وقوله تعالى: {اهبطوا منها جميعا} ليس بتكرار يعاب لتغاير الفائدة، وقيل: ~~كلاهما واحد في المعنى، وإنما كرر هذا للتأكيد ولأجل الشرط بعده، وقوله: ~~{فإما يأتينكم مني هدى} أي رسول أبعثه إليكم أو كتاب أنزله عليكم، وقيل: ~~الخطاب لآدم وأولاده، والمراد بالهدى الدلالة والوحي؛ لأن الله [291] لم ~~يبعث شيئا إلى آدم؛ لأنه كان نبيا، وجواب الشرط قوله {فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون}، وقيل: فمن شرط آخر، وجوابه في قوله فلا خوف عليهم، ~~والحزن يلحق المرء لأمر واقع، والخوف لأمر متوقع، والمعنى فإن أتاكم رسول ~~من عند الله يدعوكم إلى ما أمركم الله به فمن تبع رسلي واستدل بدلالتي فهو ~~من مواضع الخوف فرح مسرور في مواطن الحزن. # قال في الكشاف: فإن قلت لم جيئ بكلمة الشك وإتيان الهدى كاين لامحالة ~~لوجوبه. # قلت: للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد لايشترط فيه بعثة الرسل، وإنزال ~~الكتب، وأنه إن لم يبعث رسولا ولم ينزل كتابا كان الإيمان به وتوحيده واجبا ~~لما ركب فيهم من العقول، ونصب لهم من الأدلة، ms2982 ومكنهم من النظر والإستدلال. # واعلم أنه تعالى لما بين حال المؤمنين المصدقين ووعد متبع الهدى بالأمن ~~من العذاب والحزن عقبه بذكر حال الكافرين المكذبين وما أعد لهم من العذاب ~~الدائم فقال عز وجل: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون} أي والذين كفروا بالله وكذبوا بآياته ودلائله وكتبه ملازمون ~~النار دائمون فيها أبدا. # ثم ذكر سبحانه القول في النعم الخاصة لبني إسرائيل. PageV22P077 # اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا ثم ~~ذكر بعدها النعم العامة على جميع بني آدم عقبها بالإنعامات الخاصة على ~~أسلاف اليهود كسرا لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السابقة واستمالة لقلوبهم ~~تشبيها، وتنبيها، على ما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حيث ~~كونها إخبارا عن الغيب فقال: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~} بنجاتكم من فرعون وإغراقه هو وجنوده وأنتم تنظرون من بعد أن كان يقتل ~~أبناؤكم، ويستحي نسائكم، ويسترق رجالكم. PageV22P078 # قال في البلغة: إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وائيل ~~هوالله تعالى بالعبرانية، وإسر اسم الرجل، وأضيف إلى ائيل كما أضيف جبريل ~~وميكائيل ونسب هؤلاء إلى الأب الأعلاء وهو يعقوب عليه السلام وهذا، الخطاب ~~وإن كان إلى بني إسرائيل الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فعند بعض العلماء إذا ذكروا بالنعم أنعم الله بها على أسلافهم، قال: وصح ~~تذكيرهم بناء لأن شرف ذلك وما فيه من الجلالة والإفتخار كان عائدا عليهم، ~~وهو بمنزلة قول القائل مفتخرا نحنن فلعنا بكم[292]كذا وقاتلناكم يوم كذا، ~~وإن كان فعل أسلافهم وهذا مثل قوله تعالى حاكيا {لقومه ياقوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين} هذا وإن كان الله تعالى أتى أسلافهم هو تذكير الخلف لما بيناه ~~وما ذكروا به من معاصيهم وخوطبوا بالتوبيخ عليها إنما صح لرضاهم ما فعلوا ~~واقتدا بهم في فعل مثل ما فعلوا من الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه ms2983 وآله ~~وسلم، وقيل: ذكروا بالنعم التي خصوا بها دون أسلافهم، فالخطاب على هذا ~~الوجه مستغن عن التأويل، وقيل: هذا الخطاب لأحبار اليهود الذين كانوا بين ~~ظهراني المهاجرين، وقيل: هو خطاب لجميع اليهود والنصارى. انتهى. PageV22P079 # وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي} الإيمان بي وطاعتي، والعهد والوصية واحد كأنه ~~عهد عليهم بما نصب لهم من الدليل، ومعنى {أوف بعهدكم} أي بما عاهدتم عليه ~~من حسن الثواب، ثم قال: {وإياي فارهبون} وفي البلغة: قيل معناه أوفوا بما ~~أمرتكم به ونهيتكم عنه في شأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره أرض عنكم ~~وأدخلكم الجنة، فعبر عنه بلفظ الوفاء وسماه عهدا؛ لأنه تقدم به إليهم في ~~الكتب السالفة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: سماه عهدا ~~لأنه أكد عليهم ذلك فصار بمنزلة العهد الذي هو اليمين، ألا ترى أن الله ~~قال: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون}. # وقال بعض العلماء : جعل الله تذكيره إياهم نعمة عليهم عهدا أو ميثاقا؛ ~~لأنه يلزمهم القيام بشكرها كما يلزم الوفاء بقول قدموه وعهد أكدوه، وقوله ~~وإياي فارهبون توعد أي فاخشوا عقابي بمجانبة معصيتي وترك مخالفتي. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل الآية على وجوب ذكر الله ~~والوفاء بعهد الله وهو القيام بما فرض الله واجتناب ماحرم الله وأن ذلك في ~~مقابلة نعمة الله سبحانه وخشية من عذابه. انتهى. # ولم ذكرهم الله سبحانه تلك النعم فرع على تذكرها الأمر بالإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم } أي ~~وصدقوا بما أنزلته على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فحذف الهاء من أنزلته ~~وصار مصدقا حالا عن الهاء المحذوفة؛ لأن تقديره أنزلته مصدقا، ومعنى مصدقا ~~هو أن القرآن موافق [253] لماتقدم من الأخبار في التوراة والأنجيل من صفة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفة دينه. PageV22P080 # وقيل: معناه أنه يصدق بالتوراة والأنجيل لما فيه من الدلالة على أنه حق ~~والوجه الأول هو المختار، ومعنى ms2984 {ولا تكونوا أول كافر به} أي لا تكونوا أول ~~كافر بالقرآن من أهل الكتاب؛ لأن قريشا كفرت قبلهم به، وقيل: معناه ~~لاتكونوا أول السابقين إلى الكفر به فتصيروا أئمة في الكفر تقتدي بكم. # وقيل: ولا تكونوا أول جاحد بأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس في ~~كتابكم فعلى هذا الوجه الكنابة التي به راجعة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وقيل: راجعة إلى ما في قوله تعالى {بما أنزلت مصدقا} والمنزل هو القرآن، ~~ذكر هذا في البلغة، ثم قال تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} الثمن هو ~~العوض عن الشيئ أي لاتستبدلوا بآياتي الرئاسة الفانية؛ لأنهم خافوا فواتها ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: كان عامتهم يعطون العلماء الرشاء ~~على تحريفهم الكلمة وتسهيلهم ما صعب عليهم من الشرائع وملوكهم يدرون ~~الأموال عليهم ليكتموا أو يحرفوا، وسماه قليلا؛ لأنهم باعوا بما أخذوا وهو ~~برز حقير في نعم الآخرة، ومعنى قوله سبحانه {وإياي فاتقون} أي عقابي ~~فارهبون. # قال عليه الصلاة والسلام: تدل على تحريم تبديل آيات الله أو كتمها لغرض ~~من الدنيا وعلى أن عدم تبديلها من تقوى الله سبحانه، ثم قال سبحانه: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل} أي ولا تخلطوا الحق بالباطل فتجعلوا الباطل بمنزلة الحق. PageV22P081 # وقيل: معناه لا تخلطوا الصدق بالكذب{وتكتموا الحق} من صفة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وما بين لكم من صحة دينهم ثم قال: {وأنتم تعلمون} أنكم ~~لابسون كاتمون، وإنما ذكر العلم هاهنا لأن الإقدام على الفعل الضار مع ~~العلم بكونه ضارا فحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا فلما كانوا ~~عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح، والآية دالى على ~~أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه. # قال عليه الصلاة والسلام: تدل على تحريم خلط الحق بالباطل والحشوا في ~~الحديث وعلى كتمان الحق. # واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالإيمان أولا ثم عن لبس الحق بالباطل وكتمان ~~دلائل النبوة ثانيا ذكر بعد ذلك بيان مالزمهم من الإيمان بشرائع ms2985 وذكر من ~~جملة الشرائع ما كان كالمقدم والأصل فيها وهي الصلاة التي هي أعظم العبادات ~~البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية فقال[294]سبحانه: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}. # قال في البلغة: الزكاة في اللغة أصلها الزيادة والنما، واستعمل في ~~التطهير أيضا فصار الأسم بالشرع حقيقة مما يخرج من المال فأمر هؤلاء بإقامة ~~الصلاة وإيتا الزكاة على الحد الذي جائت به شريعة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأن يركعوا مع الراكعين، ومعناه هاهنا صلوا مع المصلين وهم المؤمنين ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعض العلماء، والركوع عبارة عن الصلاة . # وقال غيره: اقتضى ذكر الركوع هاهنا أن اليهود لم يكن في صلاتهم ركوع ~~فأمروا بالركوع. انتهى. # قال عليه الصلاة والسلام: تدل على وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وعلىوجوب صلاة الجماعة والألف واللام في الصلاة والزكاة للعهد لتقدم معرفة ~~الصلاة كما في الأخبار الواردة في فضائل علي عليه السلام وأنه صلى مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قبل الناس بسبع سنين والله اعلم. PageV22P082 # ثم قال تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} هذه الألف دخلت للتوبيخ ~~والأنكار كان العلماء يأمرون في السر من نصحوا باتباع محمد صلوات الله عليه ~~وعلى آله وسلم ولا يتبعونه. # قال في البلغة: معناه أتامرون الناس بالتمسك بكتابكم وتتكرون أنتم التمسك ~~به لإنكاركم مابين الله تعالى فيه من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وصحة دينه والنسيان هاهنا الترك، وقيل: أتامرون الناس بطاعة الله ~~ولاتطيعونه أنتم، وقيل: معناه أتأمرون الناس بالتصديق وإيتا الزكاة وأنتم ~~تبخلون به وتأكلون الرباء والسحت كما وصفهم الله تعالى بقوله {سماعون للكذب ~~أكالون للسحت}. # قال عليه الصلاة والسلام: تدل على ترك البر وإن أمر به المكلف غيره. انتهى. # ومعنى قوله تعالى {وأنتم تتلون الكتاب} أي وأنم تقرؤن الكتاب المنزل على ~~نبيكم موس عليه السلام وتعملون ما بين الله فيه، وقوله {أفلا تعقلون} توبيخ ~~عظيم؛ لأن العقول تأتي القبيح والمقدر قبل الفا أتفعلون القبح الذي نهيتم ~~عنه فلا تعقلون بمخالفة ms2986 عملكم فوبخ الله تعالى المعاندين من أهل الكتاب بما ~~كانوا يفعلونه من كتمان الحق وتحريف الكلم. # ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بالإستعانة على أمورهم فقال ~~سبحانه:{واستعينوا بالصبر والصلاة} أي استعينوا على حوائجكم إلى الله تعالى ~~بالجمع بينهما وأن تضلوا صابرين على تكاليف[295] الصلاة محتملين لمشاقها ~~ومايجب فيها من إخلاص القلب وحفظ النيات ودفع الوساوس ومراعات الآداب ~~والأحراس من المكارة مع الخشية والخشوع واستحضار العلم بأنه انصاب بين يدي ~~جبار السماوات ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه، ومنه قوله {وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها} ثم قال:{وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}. PageV22P083 # قال في الكشاف: الضمير للصلاة أو للإستغفار، ويجوز أن يكون بجميع الأمور ~~التي أمر بها بنوا إسرائيل ونهو عنها من قوله{اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم } إلى قوله {واستعينوا}. # قال المرتضى عليه السلام: هذا أمر من الله تبارك وتعالى للمؤمنين ~~بالإستغفار فقد يكون على أمر الدنيا وأمر الآخرة فمن ذلك ما في العاجلة من ~~الأمر والنهي، وما وعد الله به أهل طاعته من العون لهم عند الإقبال إليه ~~والتمسك بحبله والإعتصام بأمره وفي ذلك ما يقول جل ثناؤه {إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر} فكذلك المواظبة على طاعة الله سبحانه زاجرة عن معصيته ~~ذائدة عن مخالفته وفي الآخرة دار ثوابهم فكانت الصلاة عونا علىالأمر في ~~الآخرة وطريقا إلى الجنة ونجاة من الهلكة وطاعة للرحمن فيما أمر به في واضح ~~الفرقان، والصبر فهو باب ينال به الثواب ولم يلحق عمل إلا به، ومن لم يصبر ~~على طاعة الله فقد خرج بلاشك من رضى الله وفي ذلك ما يقول الله ~~سبحانه{والعصر، إن الإنسان لفي خسر} فأحملهم جميعا من الخسر، ثم استثنى عز ~~وجل فقال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ففأخرجهم من الخسران، ثم قال ~~سبحانه: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} فأمرهم سبحانه عند التواصي بالحق ~~والقيام من الأذية فيه والشتيمة والقتل والقتال وما يحل بهم من أهل الفسق ~~والآثام؛ لأن من لم يكن له صبر في ذلك انفكت نيته وصعقت عزيمته وخرج بقلة ~~صبره مما ms2987 دخل فيه من طاعة ربه، ومن الصبر أيضا المواظبة على طاعة الله عز ~~وجل والتأدية لفرائضه كما قال سبحانه: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} ~~يريد تبارك وتعالى بذلك أن يدوم عليها ويواضب فيها، والصبر عماد الآخرة وقد ~~ذكر الله سبحانه أصحابه وأثنى عليهم فقال: {والصابرين في البأساء ~~والضراء}[296]وحين PageV22P084 البأس} وفي الصبر من الله سبحانه أمور تكثر وأجر يعظم، فاستجرينا بقليله عن ~~شرح كثيره. انتهى. # وأما الخشوع فهو الإخبات والسكون والخضوع، وقد معنى في سورة المؤمنين ~~مارواه القاسم بن إبراهيم عليهما السلام عن علي صلوات الله عليه في صفة ~~الخشوع من قوله لعبد الله بن جعفر فلا فائدة في إعادته، ثم قال تعالى: ~~{الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} الذين صفة الخاشعين ~~وموضعة جر، والضن أصله التجويز، والظان هو من يجوز كون الشيء على صفة، ~~ويجوز كونه على خلافها إلا أنه لابدج من أن يكون لحد الطرفين رجحان وعليه ~~على الآخر وبهذا يتفضل عن الشك الذي هو تجويز الشيء على صفة، وتجويزه على ~~جنسه المنافع والمضار، قال تعالى: {إني ظننت أني ملاق حسابيه} اي علمت وجاء ~~الظن في القرآن بمعنى العلم وبمعنى التجويز وهو في هذه الآية بمعنى العلم ~~أي هؤلاء الخاشعون يعلمون ويقنون أنهم إليه راعون إلى الموضع الذي أحكم فيه ~~إلا الله وهو الإقرار بالإعادة والنشأة الأخرى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل الآية على أن الصبر فيما يجب ~~واجب، وعلى الإستعانة به وبالصلاة التي هي العبادة المخصوصة والتي هي ~~الدعاء إلى الله في جميع الأمور الوجبة والغير على بني إسرائيل مرة أخرى ~~تنبيها على شدة غفلتهم فقال عزوجل: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين}. # اعلم أنه إنما ذكر هذا الكلام توكيد للحجة عليهم وتحذير من ترك اتباع ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قرنه بالوعيد وهو قوله {واتقوا يوما} ~~كأنه قال: إن لم تفعلوا لجل سوالف نعمتي فأطيعوني للخوف عن عقابي في ~~المستقبل. PageV22P085 # وأما قوله {وأني فضلتكم على العالمين}فمعناه على كثير ms2988 منهم كقوله{وأوتيت من ~~كل شيء} لكثرة ما أوتيت؛ لأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل الأمم ~~بإجماع الأمة، ولقوله تعالى {كنتم خير أمة} أوعلى عالمي زمانهم، والنعممة ~~مخصوصة. # قلت: وما أحسن قول المرتضى عليه السلام في معنى هذه الآية حيث قال:في هذا ~~تنبيه من الله عز وجل لبني إسرائيل وتذكرة لنعمه عليهم وإحسانه إليهم وما ~~[297]أمن به فيهم من البعثة إليهم موسى عليه السلام تنبيها مبشرا ومنقذا من ~~الهلكة بما جاء به من الأحكام والدين، وما أنقذهم به تبارك وتعالى بإرسال ~~موسى من الكفر والنيران وعبادة الأوثان مع تفضيل الله عليهم وتخليصه لهم من ~~الذل والهوان والقلة والصغار من فرعون اللعين من بعد أن قتل أبنائهم وستحيي ~~نسائهم ويسترق رحالهم، ثم أنقذهم تبارك وتعالى منه عند تبعة لهم وحتفه ~~عليهم وطلبه إياهم وعزمه على إهلاكهم ففلق الله لهم البحر فمروا به وهم ~~أمنون من كيد فرعون عدو الله وعدوهم مطمئنون، وأنقذهم مما يحاذرون وأغرق ~~سبحانه آل فرعون وهم ينظرون. انتهى. # ثم قال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} أي واتقوا عذاب يوم ~~القيامة بفعل الطاعات وترك المعاصي ولاتغني نفس عن نفس شيئا في ذلك اليوم ~~ولاتدفع عنها ضرا ولانفعا بوجه، ثم قال سبحانه: {ولا يقبل منها شفاعة ولا ~~يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} الأنفس والمراد أهلها. PageV22P086 # قال في البلغة: روي أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العدل ~~فقال:((هو الفدية)) أي ولايكون لها شفيع يدفع عنها عذاب الله ولا يقبل منها ~~فدية ولا ناصر لها، ونظير ذلك قوله تعالى {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم ~~عذاب أليم}. # واعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمة بني إسرائيل إجمالا بين بعد ذلك بذكر ~~أقسام النعمة على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فقال ~~سبحانه:{وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي أهله وخص استعمال آل بأولي الشأن ms2989 ~~والرئاسة، فكأنه تعالى قال: اذكروا نعمتي واذكروا إذ أنجيناكم، واذكروا إذ ~~فرقنا بكم البحر فهذا المذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول، ثم قال: ~~{يسومونكم سوء العذاب}أي .......... أشد العذاب وأقطعه، كأنه قبحه بالإضافة ~~إلى سائره، ويسومونكم من سامه خسف إذا أذله، وفي البلغة يقال سامه الخسف ~~يسومه سوما إذا كلفه حمله، انتهى، وأصله من سام السلعة إذا طلبها، واختلف ~~المفسرون في المراد من سوء العذاب، فقال: محمد بن إسحاق: إنه جعلهم حولا ~~وخدما له، وصنفهم في أعماله أصنافا، فصنف كانوا يبنون له، وصنف كانوا ~~يحرثون له، وصنف كانوا يزرعون له، فهم كانوا[298] في أعماله، ومن لم يكن في ~~نوع من أعماله كأن يأمر بأن توضع عليه جزية ويؤدونها، وقال السدي: كان قد ~~جعلهم في الأعمال القذرة. # واعلم أن كون الأنسان تحت الغير بحيث يتصرف فيه كيف شاء لاسيما إذا ~~استعمله في الأعمال الشاقة الضعيفة القذرة فإن ذلك يكون من أشد أنواع ~~العذاب حتى من هذا حاله ربما يتهنى الموت، فبين تعالى عظم نعمته عليهم بأ، ~~نجاهم من ذلك، ثم أنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها فقال: {يذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم }. PageV22P087 # قال في الكشاف: هو بيان لقوله يسومونكم، ولذلك ترك العاطف، ومعناه يقتلون ~~الكذور من الأولاد دون الإناث فيسبقونهن إحيا يستعبدون وينكحن بالرق وذلك ~~أبلغ من قتل الرجال لما فيه من الإذلال لأن صيرورتهن مفترشات الأعداء نهاية ~~الذل والهوان، وذكروا في سبب قتل الأنبياء وجوها قد قدمت منا ذكره في عز موضع. # وروي عن بن عباس رضى الله عنه أنه قال: ((رفع إلى فرعون وطبقته ما كان ~~الله وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته آنبياء وملوكا فخافوا ذلك ~~واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون ~~مولودا ذكرا إلا ذبحوه، فلما رأو كبارهم يموتون والصغار يذبحون خافوا ~~الفناء معهم فصاروا يقتلون عاما دون عام. # واعلم أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن ~~به من جهة المحن ms2990 من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم ~~وشاهدوا ذل من بالغ إذلالهم ولاشك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة ~~يوجب الإنقياد والطاعة وتقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة، فلهذا السبب ~~بذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعا ~~لعذرهم، أما قوله تعالى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}فالبلاء المحنة أن ~~أشير بذلكم إلى صنع فرعون والنعمة أن أشير به إلى الإنجاء، والمراد محنة ف ~~الثواب بالصبر، ومحنة في الإنجاء للشكر ........يقال أنه لاثواب لهم وإنما ~~لهم العوض فقط لأن الصبر فعل من أفعال قلوبهم ولهم عليه قثواب لايعلم كنهه ~~إلا الله سبحانه. # قال في البلغة: البلاء الغمة هاهنا، يقال أبلاه الله بلا حسن أي أولاه ~~وأنعم عليه، وبلاه إذا أصابه ببلاء، ومنه يقال في الدعاء اللهم[299]لاتبلنا ~~إلا بالتي هي أحسن أي وفي تخليص الله إياكم من فرعون وقومه نعمة عظيمة من ~~الله عليكم. انتهى. PageV22P088 # ثم ذكر تعالى النعمة الثانية فقال عزوجل: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} يقال فرق بين شيئين يفرق فرقا إذا فصل ~~بينهما، ومنه الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، ومعنى فرقنا بكم البحر ~~جعلناكم بين فرقة حتى جاوزنا بكم البحر في طريق يبس كما قال: الله تعالى ~~{فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا} وذلك أن الله تعالى فرق بين أجزاء الماء ~~حتى علت وصار كل فرق كالطود العظيم، فأنجى الله موسى وقومه، وأغرق فرعون ~~وأتباعه في البحر، وقوم موسى عليه السلام ينظرون إلى التطام موج البحر ~~وغرقهم، وقوى الله نظرهم إلى ذلك فشمتو عليهم؛ لأن عدوه على مثل الحال كان ~~أشقى لغليله، وفي معنى فرق البحر لموسى عليه السلام يقول المرتضى عليه ~~السلام: جو ابا لمن سأله، وقلت ما معنى قوله عزوجل {وإذ فرقنا بكم البحر} ~~وفرق فهو ما كان من انفراق الطرق فيه ويقطع الماء عن الطرق التي أمضاها ~~ففرق الله لجة البحر بالطرق التي جعلها لهم فكان في ذلك من عجيب صنع ms2991 الله ~~تبارك وتعالى ولطفه وتدبيره وما حارت فيه العقول وجل فيه الأمر وعظمت فيه ~~الغمة عند من عقل وعرف الحق مع ما أعطى بني إسرائيل في عصرهم وخصهم به في ~~زمانهم من الرسل والتأديب والتعليم، وهم في ذلك لاينتهون، ولايعرفون ما ~~أنعم الله به عليهم إلا القليل منهم فكان قد فضلهم عزوجل بهذه الأشياء على ~~أهل دهرهم، ولم يعط ذلك أحدا في زمانهم وكانت تلك حججا لله ثابته في ~~رقابهم، ونعما من الله سبحانه مؤكدة عليهم كما قال الله سبحانه: {ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم}. PageV22P089 # وقلت: ما معنى قول الله {وهم ينظرون}؟ ومعنى ذلك أن بني إسرائيل شاهدوا غرق ~~فرعون وأصحابه وأهلكهم الله في البحر وهم ينظرون، وذلك أن أصحاب فرعون لما ~~تبعوا أصحاب موسى في الطريق التي فرقها الله في البحر فعند خلوص أصحاب موسى ~~صلى الله عليه انطبق على أصحاب فرعون، وأصحاب موسى حضور يشهدون لنضر الله ~~لهم وانتقامه من عدوهم، فكانت هذه نعمة من الله عظمت عليهم، ومنة تأكدت في ~~رقابهم من ذي الطول والإحسان والفضل والإمتنان. انتهى. PageV22P090 # واعلم أنه لما دخل بنوا إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون[300]ولم يكن لهم كتاب ~~ينتهون إليه وعد الله موسى عليه السلام أن ينزل عليه التوراة وضرب له ~~ميقاتا ذا القعدة، وعشر ذي الحجة، وقيل: أربعين ليلة؛ لأن ~~الشهور.......بالليالي، فقال: في ذلك تبارك وتعالى: {وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة} أي وعدناه تمام أربعين ليلة، وقيل: إنقضاء أربعين، أو على رأس ~~أربعين ليلة، والمواعدة من الله بالوحي، ومن موسى بالمجيء إلى الميقات إلى ~~الطور، وكان موسى خلف أصحابه واستخلف عليهم هارون عليهما السلام فمكث على ~~الطور أربعين ليلة، وأنزل الله عليه التوراة في الألواح، وقوله تعالى: {ثم ~~اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}الهاء في قوله من بعده راجعة إلى موسى ~~عليه السلام أي ثم اتخذتم العجل معبودا من دون الله من بعد خروج موسى عليه ~~السلام إلى الميقات فظلمتم بذلك أنفسكم لإستحقاقكم العذاب ms2992 بكفركم وإدخالكم ~~الضرر على أنفسكم، والعجل في اللغة ولد البقرة القريب العهد بالولادة، أخذ ~~من تعجيل أمره لصغره، وإنما ذكر لفظه ثم لأنه تعالى لما وعد موسى عليه ~~السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجاتهم ~~وتعريفا للغائبين وتكملة للذين كان ذلك من أعظم النعم، فلما أتو عقيب ذلك ~~بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب، فهو كمن يقول إني أحسنت ~~إليك وفعلت كذا وكذا ثم أنت تقصدني بالسوء والإيذاء. # وأما قصة السامري في كيفية اتخاذه لهم العجل من حليهم فقد قدمنا الكلام ~~فيه في سورة طه. # وفي هذه القصة فوائد: PageV22P091 # أحدها: أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير الأمم في ~~جودة الذهن وصحة الرأي؛ لأن أولئك اليهود لما شاهدوا تلك البارهين القاهرة ~~اغتروا بهذه الشبهة البركيكة جدا، وأما أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجز إلى الدلائل لم يغتروا ~~بالشبهات القوية العظيمة وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل ~~عقلا وأذكى خاطرا منهم. # وثانيها: أنه صلوات الله عليه وآله وسلم استفادها من الوحي. # وثالثها: فيها تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام ~~لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة لما وقعوا في شبهة السامري. # ورابعها: فيها تسلية للنبي[301] صلى الله عليه وآله وسلم مما كان يشاهد ~~من مشركي العرب واليهود والنصارى، بالخلاف عليه فكان أمره بالصبر على ذلك ~~كما صبر موسى عليه السلام على هذه الواقعة المنكرة فإنهم بعد أن خلصهم الله ~~من فرعون وأراهم المعجزات من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك ~~الشبه الركيكة، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك، فلأن يصبر محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم على أذية قومه أولى. # خامسها: أن أشد الناس مجادلة مع الرسول وعداوة له هم اليهود، فكأنه قال ~~تعالى: قال إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم وأسلافهم كانوا في البلاوة ~~والجهالة والعناد إلى هذا الحد، ms2993 فكيف هؤلاء الأخلاق، ومعنى قوله تعالى {ثم ~~عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون} أي ولما تبتم من كفركم الذي فعلتموه ~~قبلنا توبتكم كي تشكروا الله تعالى، معنى من بعد ذلك أي من بعد ارتكابكم ~~الأمر العظيم من اتخاذكم العجل معبودا من دون الله تعالى، ثم قال تعالى: ~~{وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} لعلكم تهتدون أي واعطينا موسى الكتاب ~~والفرقان لكي تهتمدون إلى مراشدكم إذا استبدلتم، وفي المراد بالفرقان أقوال: PageV22P092 # قال في الكشاف: يعني به الكتاب الجامع بين كو نه منزلا وفرقانا يفرق بين ~~الحق والباطل يعني التوراة. انتهى. # وقيل: المراد بالفرقان هاهنا النصر الذي فرق الله به بين موسى وفرعون كما ~~فرق بين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين المشركين يوم بدر وهو قوله ~~تعالى {يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} وقيل: المراد بالفرقان فرق البحر، ~~وقيل: المراد بالكتاب والتوراة وبالفرقان الحلال والحرام المبين في ~~التوراة. # قلت قال المرتضى عليه السلام: المراد بالفرقان فهو ما جأبه موسى من ~~الآيات التي فرقت بين الحق والباطل فلم يبق لأحد شبهة ولا كلام يلحقه قول ~~متعنت، ولاظن جاهل بل فرقت الآيات بين الحق والباطل وشهدت له بالصدق ~~واليقين الواضح المستبين فكلهم قدد أيقن أن ذلك من فعل الله عزوجل وإعانته ~~عليه، فكلما فرق بين الصدق والباطل والحق كان فرقانا مبينا للحق ومذهبا ~~للشك وموجبا للطاعة ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيى عن بينة وأن الله ~~لسميع عليم. انتهى. PageV22P093 # ثم قال تعالى: {وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل} لما رجع موسى إلى قومه ورأهم عاكفين[302]على عبادة العجل قال لهم: ~~إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل معبودا {إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} ~~الباري مشتق من برأ لله الخلق من برأبرا، ومنه قوله تعالى {هو الله الخالق ~~البارئ المصور} أي وأمرهم موسى عليه السلام بالتوبة مطابقة لما له استحق ~~العقاب، وتفسيره أن يكون تائبا عن المعصية لقبحها لا لأمر آخر، وإذا وجبت ~~التوبة عنها لقبحها فلا يصح توبته عنها مع إصراره ms2994 على قبح آخر فلا مسقط ~~عقابها عن نفسه، ومعنى فاقتلوا أنفسكم فليقتل بعضكم على بعض وهو مثل قوله ~~تعالى {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} أي فليسلم بعضكم على بعض، ~~وإنماحسن ذلك؛ لأن الحسن واحد وكان الجميع نفس واحدة، وقيل: معنى فاقتلوا ~~أنفسكم استسلموا للقتل، فجعلوا استسلامهم قتلا منهم لأنفسهم، وقيل: أمر ~~السبعون الذين أخرجوا مع موسى عليه السلام إلى الميقات أن يقتلوا هؤلاء ~~الذين اتخذوا العجل إلها. PageV22P094 # قال في الكشاف: في معنى بارئكم الباري الخالق الخلق بريا من التفاوت ما ترى ~~في خلق الرحمان من تفاوت، ومميزا بعضه من بعض بالإشكال المختلفة والصور ~~المتباينة فكان فيه تفريع بما كان منهم من ترك عبادة الحكم العالم الذي ~~يراهم على الأشكال المختلفة بريا من التفاوت فكان ذلك تشبيها على أن من كان ~~كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر التي تضرب بها المثل في العبادة، ثم قال ~~تعالى: {ذلكم خير لكم} أي ذلك القتل خير لكم {عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو ~~التواب الرحيم} أي إذا قتلتم أنفسكم فلم تخالفوا ما أمرتم به توبة مما ~~ارتكبتم وندما على ما فعلتم كان ذلك أنفع لكم في باب الثواب عند خالقكم ~~وإذا تبتم قبل الله توبتكم فإنه كثير القبول لتوبة عبادة وكثير نعمه عليكم، ~~والتواب يقال تاب العبد إلى الله مثل أناب إذا رجع عن المعصية إلى الطاعة ~~وتاب الله على العبد بمعنى قبل توبته، ثم قال تعالى: {وإذ قلتم ياموسى لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} عيانا بالعين غير مستر عنا قاله الزجاج، وابن ~~عباس، وأبوا عبيدة أي جهروا بذلك القول جهرة. # قال في البلغة: معنى الآية واذكروا إذ قلتم لموسى عليه السلام لن نصدقك ~~فيما تقول وتدعيه وتدعوا إليه حتى نرى الله عيانا، ثم قال عزوجل: {فأخذتكم ~~الصاعقة} تستعمل في اللغة على وجوه قد تكون الصاعقة بمعنى الموت كما قال ~~الله تعالى: {فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} وقد تكون ~~بمعنى العذاب، قال الله[303]عزوجل:{ فأخذتهم صاعقة ms2995 العذاب الهون} وتسمى ~~النار المنفصلة من السماء المحرقة لما أتت عليه صاعقة كما قال عزوجل:{ويرسل ~~الصواعق فيصيب بها من يشاء} قيل: هاهنا النار. # وروي أن الصاعقة وفقت في هؤلاء الذين قالوا أرنا الله جهرة عيانا من ~~السماء فأهلكتهم. PageV22P095 # وقال بعض العلماء: الصاعقة هاهنا بمعنى الموت، ومعنى فأخذتهم الصاعقة ~~أماتهم الله وصعقت موسى عليه السلام عشيته لاموت بدليل فلما أفاق، ومعنى ~~{وأنتم تنظرون} أي تنظرون إلى ما نزل بكم وذلك من أشد العذاب، ثم قال ~~سبحانه: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} أي ثم أحييناكم من بعد ~~إماتكم لتشكروا الله تعالى على ذلك، وكان إحياؤهم معجزة لموسى عليه السلام، ~~وإ نما صح ردهم بعد الإماتة إلى حال التكليف؛ لأنهم لم يضطروا إلى معرفة ~~اله تعالى وقت موتهم ولم يعاينوا النار وأحوال الآخرة؛ لأن هذه الأشياء ~~تبطل الإختيار والتكليف. انتهى. # قال بعض المفسرين: في الآية قولان: # الأول: أن هذه الواقعة قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتلز # قال محمد بن إسحاق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأىما ~~هم عليه من عبدة العجل وقال: لأخيه والسامري ماقال: .......العجل وإلقاؤه ~~في البحر اختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا ~~يا موسى سل ربك حتى تسمع كلامه: PageV22P096 # قال موسى عليه السلام: ذلك وأجابه إليه، ولمادنى من الجبل وقع عليه عمود من ~~الغمام ويفشي ذلك الجبل كله ودنى موسى من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال: ~~للقوم ادخلوا وادعوا وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع علي جبهته نور ~~ساطع لايستطيع أخد من بني إسرائيل النظر إليه ويسمع القوم كلام الله مع ~~موسى يقول له افعل يفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل ~~فيه، فقال: القوم بعد ذلك لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ~~وماتوا جميعا وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعوا ويقول إلهي اخترت من ~~بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول شهادتهم توبتهم فأرجع إليهم ~~وليس ms2996 معي منهم أحد فما الذي يقولون في، فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد ~~الله عليهم أرواحهم فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل، وقال: لا توبة ~~إلا أن يقتلوا أنفسهم. # القول الثاني: أن الواقعة كانت بعد القتل. # قال: السدي: لماتاب بنوا إسرائيل من عبادة العجل بأن يقتلوا أنفسهم أمر ~~الله[304]موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم ~~العجل فاختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا فلما أتوا الطور قال:ولن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول يارب ~~ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل، ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء فإذا ~~رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله تعالى إلى ~~موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلها. # فقال: موسى: إن هي إلا فتنتكم إلى قوله إنا هدنا إليك، ثم أنه تعالى ~~أحياهم فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحيه الله تعالى. PageV22P097 # واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القو لين على الآخر، وكذلك ~~فيما يدل على أن الذيتن سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم، ثم ~~ذكرهم الله تعالى نعمه عليهم فقال: {وظللنا عليكم الغمام} أي جعلنا الغمام ~~فوق رؤسكم كالظلة يقيكم حر الشمس أيام السنة، فسخر الله لهم السحاب تسير ~~سيرهم يظلهم من الشمس في تيههم، والتيه الأرض التي يتاه فيها أي يضل وتحير. # وقيل: كانت تلك الغمامة سحابة معجزة بيضاء. # وقيل: كانت الغمامة الت ينزل فيها الملائكة عليهم السلام يوم بدر، ويصح ~~ذلك\؛ لأنه جسم باق وهو التي عنى الله تعالى بقوله {هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} وتسبيحك بيان ذلك في موضعه في هذه ~~السورة إن شاء الله تعالى، ثم قال سبحانه: : {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} ~~قيل: كان المن شيئا كالعسل، وقيل: كان شيئا كالثلج في خلاف العسل، ينزل ~~عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. # وقال المرتضى عليه السلام:المن فهو ms2997 شيء يقع على الشجر يضرب إلى الخضرة ~~حلو كانوا يأكلونه، والسلوى فهو طير أصغر من الحمام كانوا أيضا يأكلونه في ~~ايام تيههم، وذلك أن الله لما أمرهم بدخول القرية فكان من كلامهم ما قد ~~سمعت مما قصه الله في كتابه فحرم الله عليهم مصر أربعين سنة فكانوا يتيهون ~~في مواضع حذاها .......معروف فلا يهتدون لها، وأنزل الله سبحانه المن ~~والسلوى وجعله لهم رزقا يعيشون به .......لايقوم إلا بالغداء. انتهى. PageV22P098 # ثم قال سبحانه: : {كلوا من طيبات ما رزقناكم} قيل: المراد باليطبات هاهنا ~~الحلال، فعلى هذا الوجه يكون قوله كلوا أمرا بأكل الحلال دون الحرام، وقيل: ~~بالمراد الطيبات الشهية اللذية، فعلى هذا التأويل[305] كان قوله كلوا ~~إباحة، وأما قوله تعالى: {وما ظلمونا} فمعناه ما لحقنا ضر بكفرهم هذه النعم ~~{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}. # قال المرتضى عليه السلام: في قوله وما ظلمونا لم يظلم الله أحدا سبحانه؛ ~~لأنه لاتضره معصيتهم، ولاتنفعه سبحانه طاعتهم، وهو القادر إذا شاء على ~~إهلاكهم، والله عزوجل برئ من ذلك، وإنما ظلموا أنفسهم وتعدوا عليها إذا ~~هلكوها، وفي المتألف أوقعوها بمخالفتهم لسيدهم فاستوجبوا العقاب، والخزي، ~~وسؤ العقاب. انتهى. # وقد قدمنا الكلام في سبب وقوع بني إسرئيل في التيه، وقوله تعالى: {وإذ ~~قلنا ادخلوا هذه القرية} قيل: بيت المقدس، وقيل: أريحا من قرى الشام، أمروا ~~بدخولها، ومعنى {وادخلوا الباب سجدا} ففي الباب أقوال: # قيل: باب أريحا، وقيل: باب بيت المقدس، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون ~~إليها؛ لأنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام ؛ لأنه مات في ...... # ومعنى سجدا أي لله وشكرا، وللمرتضى عليه السلام في معنى السجود وكيفيته ~~كلام حسن قد قدمناه في آخر سورة الأعراف، فارجع إليه فإنه الشفاء. # وأما قوله تعالى:{ وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين، فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} فالأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولا ~~دالا على التوبة، والندم، والخضوع، والإنابة إلى الله سبحانه، والرجوع حتى ~~أنهم لو قالوا مكان قولهم حطة، اللهم إنانستغفرك ونتوب إليك لكان ms2998 المقصود ~~من التوبة. PageV22P099 # وقال في الكشاف: حطة هي مصدر من الحط كالركبة والجلسة، أي حط عنا ذنوبنا ~~حطة، والمعنى طلب مغفرة ذنب امتناعتهم على موسى من دخول القرية، أمروا ~~بالتوبة بحطة أو ما في معناها فعدلوا إلى ما يشتهون من الدنيا فقالوا: حطة ~~استهزاء بما قيل لهم، {فبدل الذين ظلموا قولا}، فمعناه غيروا ولم يمتثلوا ~~ما أمروا به، وقالوا قولا لم يسلموا من تبعته والله اعلم. # وقوله تعالى:{يغفر لكم} جواب الأمر، فلذلك جزم، ومعناه إذا فعلتم ما ~~أمرتم غفرنا ذنوبكم، وأصل الغفر في اللغة الستر أي ستر عليكم ذنوبكم وسنزيد ~~المحسنين على ما يستحقونه تفضلا كما قال: {ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله}، وقوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا ~~به؛ لا أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبيدل القول قد يستعمل في ~~المخالفة. # قال تعالى: {سيقول لك المخلفون من الأعراب} إلى قوله {يريدون أن يبدلوا ~~كلام الله} ولم يكن تبديلهم [306]إلا الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا ~~هاهنا فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر ~~الله، ولم يلتفتوا إليه، ثم قال عزوجل::{ فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون} الرجز هاهنا العذاب بمعنى المصدر، أي فأنزلنا على ~~الذين ظلموا عذابا من السماء بفسقهم، أي بخروجهم عما أمروا إلى غيره، وقيل: ~~المراد بالزجر الغضب والإنتقام. # وفي البلغة: روي أن الآباء هلكوا، ونفى الأبناء، وفيهم الفضل والعبادة. # روي أن الطاعون أهلك منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرين ألفا، وقيل: سبعين ~~ألفا والله اعلم. PageV22P100 # ثم ذكر تعالى من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل نعمة تاسعة جامعة لنعم ~~الدنيا والدين، فقال:{وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} الإستسقاء طلب السقياء من المطر على عادة ~~الناس إذا قحطوا وذلك أنهم لما جهدهم العطش أيام التيه فزعوا إلى موسى عليه ~~السلام سائلين له أن يدعوا الله تعالى فيسقيهم فدعاء وأجيب، فكيف ما فعله ~~الله تعالى من ms2999 تفجير الحجر بالماء وفق الإجابة بالسقياء وأنزل الغيث. # قال المرتضى عليه السلام: هو حجر كان مع موسى صلى الله عليه يحمل بين ~~يديه، وذلك أنه لما استسقى الله سبحانه لقومه إذ عطشوا أمره الله أنه يضرب ~~الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتي عشر عينا ولم يكن إلا حجرا صغيرا أو كانت ~~الآية في الصغير المحمول المتحرك المنقول عظيمة جليلة أعظم أمرا من الحجر ~~الراسي؛ لأنه كان راسيا لقال فيه القائل إن الماء ينبع من الأرض في الحجر، ~~فلما كان الحجر صغيرا يحمل كانت جليلة عظيمة باهرة من آيات الله الجليلة أن ~~يكون حجر معلق على ظهر حمار يضرب فتنتج منه اثنتا عشرة عينا تسقي من الناس ~~خلقا عظيما. انتهى. PageV22P101 # والفاء في قوله فانفجرت متعلقة بمحذوف أي وضرب فانفجرت، أو فإن ضربت به فقد ~~انفجرت، والذي يدل على هذا المحذوف الأمر بالضرب على الحجر، وانفجار الماء ~~من الحجر، والإنفجار خروج الماء بكثرة والإنبجاس خروجه قليلا قليلا، وذكرت ~~هذه القصة في سورة الأعراف وفيها لفظ الأنبجاس، وذكر هاهنا بلفظ الإنفجار، ~~ولاتنافي بينهما ولاتناقض؛ لأن ابتداء خروج الماء من الحجر كان انبجاسا ثم ~~صار انفجارا، روي أنه كان حجرا من الطور مربعا له أربعة أوجه ينبع من ~~كل[307]وجه ثلاث أعين لكل سبط عين تسيل في جدول أي ساقية إلى شبط، وكانوا ~~ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنى عشر ميلا، ثم قال سبحانه:{قد علم كل أناس ~~مشربهم} المشرب موضع الشرب، ويكون المشرب بمعنى الشراب، والضرب التطيب من ~~الماء، قال الله تعالى: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} قيل: كان بنوا ~~إسرائيل اثنى عشر سبطا فجعل الله سبحانه لكل سبط عينا لئلا يقع بينهم ~~النزاع عند الحاجة إلى الماء، وذلك معنى قوله قد علم كل أناس مشربهم، وقوله ~~تعالى:{ كلوا واشربوا من رزق الله} أمر إباحة وفيه حذف، والمعنى فقلنا لهم ~~أو قال: موسى لهم كلوا واشربوا، وإنما قال: كلوا لوجهين: # أحدهما: لما تقدم من ذكر المن والسلوى فكأنه قال: كلوا من المن والسلوى ~~الذي رزقكم بلا ms3000 تعب ولانصب واشربوا من هذا الماء. # والثاني: أن الأغذية لاتكون إلا بالماء فلما اعطاهم الماء؟ فكأنه تعالى ~~أعطاهم المأكول والمشروب، ثم قال سبحانه:{ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ~~العثاء أشد الفساد في البلغة، والعث والفساد واحد، وأحد اللفضين جاء تأكيدا ~~كما يقال سحقا، وبعدا، وحسن ذلك لإختلاف اللفظين، يقال عثى يعثي، وأعاث ~~يعيث إذا أفسد، فأباح الله تعالى لهم الأكل والشرب مما رزقهم، ونهاهم عن ~~الفساد في أرض الله. انتهى. PageV22P102 # قوله تعالى:{وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد} قيل: إنما جاز أن يقول ~~على طعام واحد وأن طعامهم في .......كالمن والسلوى، وهما شيئان اثنان؛ لأن ~~غداهم وعشاهم كان ذكل لايتغير ولايتبدل، فلذلك وحدوه، فأراد بالوحدة نفي ~~التبديل والإختلاف، أو لأنهما ضرب واحد؛ لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ~~ونحن قوم فلاحة أهل زراعات فما نريد إلا مال ألفناه كالبقول، والحبوب، ونحو ~~ذلك، ومعناه واذكروا إذ قلتم لموسى لن نصبر على أكل المن والسلوى {فادع لنا ~~ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض} فيه محذوف وتقديره ادع لنا ربك، فقيل: أخرج ~~لنا مما تنبت الأرض يخرج ذلك، وقولهم من بقلها، يعنون أطايب البقول ~~كالكراث، والنعناع {وقثائهاوفومها وعدسها وبصلها} الفوم الحنطة عن ابن ~~عباس، وقيل: الثوم. # قال المرتضى عليه السلا: وقد يروى عن بعض العرب كانوا يسمون الفوم البر، ~~ومن ذلك ما يقول أبو طالب # قد كنت أحسبني كأعباء واحد # سكن المدينة عن زراعة فوم [308] # والهاء والألف راجعة إلى الأرض أي يخرج لنا من الأرض البقل، والقثاء، ~~والحنطة، والبصل، والعدس وهو البلسن، والقثاء والبصل ظاهر لأنهم كانوا ~~زراعا يألفون هذه الأشياء. # ثم قال: لهم على وجه التوبيخ {أتستبدلون الذي هو أدنى} أي أهون قدرا ~~{بالذي هو خير} المن والسلوى، ثم قال:{اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} أي ~~تحذروا من أرض التيه، فأنزلوا مصرا من الأمصار فإن ما تطلبونه يكون في ~~القرى والأمصار، وقيل: أريد بمصر هاهنا مصر المعروف، وإنما صرف أحد اللفظ ~~على المكان، فكأنه مذكر يسمى به مذكر، وقيل: المراد بالمصر هاهنا ms3001 البيت ~~المقدس، ومعنى فإن لكم ما سألتم إجابة إلى ما سألوا قاله في البلغة. PageV22P103 # وأما قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} فالمعنى حصلت الذلة محيطة ~~بهم مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة، أو ألصقت بهم حتى ~~لزمتهم ضربة لأرب كما يضرب الطين علىالحائط فيلزمه، والذلة الصغار، ~~والمسكنة الهون والفقر. # قال بعضهم: والأقرب في الذلة أن يكون المراد منها ما يجري مجرى الإستحقاق ~~لقوله تعالى فمن يحارب ويفسد ذلك{لهم خزي في الدنيا}وأما من يقول المراد به ~~الخزية خاصة على ما قال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فقوله ~~يفيد، لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول، ومعنى قوله تعالى: {وباءوا ~~بغضب من الله} أي صاروا أحقا بالغضب، القتيل بالقتيل أي صار حقيقا بأن يقتل ~~به لمساواته له، وقيل: اوا أرجعوا وانصرفوا بذلك، ثم قال عزوجل: {ذلك} أي ~~ضرب الذلة والمسكنة {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}. # قال في البلغة: هاهنا لمعنى المصدر أي الذلة والمسكنة، واحتملوا الغضب ~~لكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير الحق وتجاوزهم ما حد لهم، وظلمهم ~~وعصيانهم، وأصل الأعتداء المجاوزة عن الحد، يستعمل هذا اللفظ في الظلم وفي ~~الكشاف، فإن قلت قتل الأنبياء لايكون إلا بغير الحق فلا فائدة في ذكره، ~~قال: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لو سألوا وأنصفوا لقالوا ذلك، ولم ~~يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم؛ لأنه لا جرم لهم إلاهدايتهم إلى ~~منافعهم. # وقرأ علي رضى الله عنه يقتلون بالتشديد. # قال الرازي: أما قوله {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} فهو تأكيد بتكرير ~~الشيء بغير اللفظ الصادر. PageV22P104 # الأول: وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوبا سلفت منه ~~فعاقبه عند أخرها[309] هذا بما عصيتني وخالفت أمري، هذا بما تجرأت علي ~~واغتررت بحلمي، هذا بكذى، هذا بكذى، يعدد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتا، ~~وأما قوله {وكانوا يعتدون} فالمراد منه الظلم وتجاوز الحق إلى الباطل. # واعلم أنه تعالى لما ذكر إنزال ms3002 العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولا بما ~~فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم النعمة، ثم ثناء بما يتلوه في التعظم ~~وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم، ثم زيغ ~~ذلك بما يكون منه من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الأعتداء والظلم وذلك ~~في نهاية حسن الترتيب. # قال إمامناالمنصوربالله عليه السلام: تدل الآية على تحريم إثار هوى النفس ~~على ما يجب من الصبر في مواطن الجهاد وسد الثغور، وعلى قبح الإقتداء بعصاة ~~بني إسرائيل في جميع ما ذكره الله من الآيات المذكورة بعد هذه الآية. انتهى. # واعلم أن عادة الله تعالى إذا ذكر وعد أو وعيدا عقبه بما يضاده ليكون ~~الكلام تاما، فهاهنا لما ذكر حكم الكفر من أهل الكتاب وماحل بهم من العقوبة ~~أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم، والثواب الكريم، ليكون دالا على أنه ~~سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته، كما قال: {ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} فقال تعالى:{إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}بين الله تعالى أن ~~من آمن من كل فرقة هؤلاء الفرق المذكورة في هذه الآية بالله وصدق بالقيامة ~~وأطاع ربه بالأعمال الصالحة فإن الله يجزل ثوابه ويؤمنه من الخوف والحزن ~~يوم القيامة. PageV22P105 # قال المرمتضى عليه السلام: فالذين آمنوا هم الذين آمنوا بالله ورسله، ~~والإيمان يخرج على وجهين في اللغة، فوجه هو الإقرار بالله والأيمان به، ~~ووجه التصديق بالخبر، من ذلك قول إخوة يوسف {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين} يقول ما أنت بمصدق لنا، والمؤمن الذي أمن نفسه من عذاب الله سبحانه ~~بما كان من طاعته له، والذين هادوا فهم اليهود وهو إسم لهم، ألا تسمع كيف ~~يخبر عزوجل عن قولهم{إنا هدنا إليك} والنصارى فهم النصارى الذي يعرف، وإنما ~~سموا النصارى؛ لأنهم دعوا النصرة فسموا النصارى، والصابئين فهم فرقة أخرى ~~من النصارى يدعون بالصابئين، ms3003 وإنما اشتق إسم الصابئين من الصبو يقال صبأ ~~فلان وفي ذلك ما يقول[310]الشاعر: # صبوت إلى اللهو بعد المشيب # وقد كنت للهو قدما تروكا # انتهى. ثم قال تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} الميثاق ~~العهد وبينا معناه فيما تقدم. # قال في البلغة: والطور الجبل، أي جبل كان، وقيل: الطور هاهنا هو الجبل ~~الذي ناجى الله منه موسى عليه السلام. PageV22P106 # قال المرتضى عليه السلام: الطور فهو الجبل المعروف وذلك أن بني إسرائيل لما ~~عتوا عن أمرالله سبحانه وخالفوا نبيه وأبانوا الكفر وقلة الشكر نتق الله ~~الطور فرفعه فوقهم، والنتق فهو القلع له من موضعه، فرأوا أمرا عظيما جليلا ~~هالهم وزاغت قلوبهم وأكل ألسنتهم لما رأوا من إظلالهم الجبل لهم فأيقنوا ~~بالهلكة واستيقظوا من الغفلة، فلما أن قبلوا من موسى عليه السلام ما جاء به ~~وتابوا رده الله إلى موضعه، ومعنى{خذوا ما آتيناكم بقوة} فهوا خذوا ما ~~جائكم من الوحي والأمر، والنهي بقوة، يقول خذو بجزم وعزم، وجد، ونية، وكل ~~ما أخذ كذلك يسمى قوة، وليس يقال فيما ....... الله به عليه أنه خبر عليه ~~أخذا؛ لأنه لو خبرهم ما حمدهم فيه ولأثابهم، ولكن كان ارتفاع الجبل عليهم ~~حجة وتأكيدا وإثباتا لما جاء به موسى صلى الله عليه وآله وتصديقا وتذكرة ~~وتنبيها. انتهى. # ثم قال تعالى: {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} هذا أمرلهم بالتذكر في ~~الكتاب الذي أنزل الله تعالى عليهم والعمل، فكأنه قيل له تعرضوا بذكر ما في ~~الكتاب لكي تكونوا متقين، ونظير هذه الآية قوله تعالى:{وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون} وقيل: كان سبب رفع الجبل فوقهم أن موسى عليه السلام لما رجع ~~من الميقات جاء بالألواح التي كانت التوراة مكتوبة فيها وقال: لقومه يا بني ~~إسرائيل هذه الألواح فيها كتاب الله أمره ونهيه وأحكامه، فقالوا له ومن أين ~~ذلك ونحن لانأخذ بقولك، فأمر الله الملائكة بأن ينتقوا الجبل فوقهم فنتقوه، ~~وقيل لهم خذوا الكتاب، فأخذوه عند ذلك ms3004 بالميثاق. # وقوله تعالى: {ثم توليتم من بعد ذلك} أي أعرضتم عما قبلتموه وأخذتموه ~~بالميثاق. PageV22P107 # قال بعضهم: قد نعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن ~~التوراة بأمور كثيرة فحرفوا التوراة وتركوا العمل وقتلوا الأنبياء وكفرو ا ~~بهم، وعصوا أمرهم، ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله ~~أوائلهم، ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ~~ليلا ونهارا، يخالفون موسى عليه السلام[311]ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ~~ويجاهرون بالمعاصي في عسكرهم، حتى لقد خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، ~~وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا في تراجم التوراة التي يقرؤن بها، ثم فعل ~~متأخروهم ما لاخفابه حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهمو ~~بقتله، فالقرآن الكريم وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة ~~معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم بما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكتاب وجحودهم بحقه وحالهم في ~~كتابهم ونبئهم ما ذكر، والله اعلم. # ثم قال تعالى:{ فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}. # قال في البلغة: قيل معناه لولا أن الله تعالى لطف بكم في التوراة حتى ~~تبتم لكنتم من الخاسرين، أي من الذين أهلكوا أنفسهم بإستحقاقهم العذاب ~~الأليم الدائم المقيم. # وقيل: معناه ولولا فضل الله عليكم بإمهالكم وتبقيتكم حتى تبتم لكنتم من ~~الخاسرين. PageV22P108 # واعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم بذلك بشرح بعض ما وجهه ~~إليهم من التشديدات فقال سبحانه: في النوع الأول خطابا لمن في عصر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من اليهود{ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في ~~زمان داود عليه السلام بإيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان ~~من البحر يجتمع عليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لايرى الماء ~~لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبتن خاصة ms3005 وهي القرية المذكورة في قوله ~~تعال:{ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت} فحفروا ~~حياضا وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم ~~الأحد، فذاك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم أنهم خرجوا السمك واستغنوا ~~بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استن الأبناء سنة الآباء ~~واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في ~~السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا نحن في العمل منذ زمان زادنا به إلا خيرا، ~~فقيل لهم لاتغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم قردة خاسئين، ~~فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، والكلام فيه حذف كأنه قال: ولقد علمتم ~~إعتداء من أعتدا منكم في السبت {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}، ومعنى كونوا ~~كوناهم[313]؛ لأن قلب الأجسام لايدخل تحت مقدور العباد، فلا يجوز أن يأمرهم ~~الله تعالى بما لايقدرون عليه، ومعنى الآية ولقد علمتم الذين خالفوا الله ~~في السبت فكوناهم قردة، مسخناهم فصاروا مطرودين مباعدين عن الخير أذلاء ~~صاغرين، والمقصود من ذكر هذه القصة أمران: PageV22P109 # الأول: إظهار معجزة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قوله ولقد علمتم ~~كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمن محمد صلوات الله عليه وآله وسلم، فلما ~~أخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الواقعة القديمة العظيمة مع أنه كان ~~أميا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يخالط القوم، دل على أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم إنما عرفه من الوحي. # الثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عاجل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم ~~أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا يغيروا ~~بالإمهال المدود لكم، ونظيره قوله تعالى: {ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا ~~بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها}.بس بس # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لبني قريظة لما حاصرهم وكان ~~ذلك بعد الفراغ من حرب الخندق وكانوا يقضوا عهده وعاونوا قريشا عليه ((يا ~~إخوان القردة ms3006 والخنازير)) فنادوه من الحصن مالك يا أبا القاسم؟ ولم يكن ~~فحاشا، وتفضيل ذلك غير مذكور في هذه الآية ولكنه مذكور في قوله تعال: ~~{واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة} من سورة الأعراف، وقد بسطنا القول ~~هناك، ثم قال عزوجل: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة ~~للمتقين} النكال الإشتهار بالفضيحة، والهاء والألف راجعة إلى المسخة، أي ~~جعلنا هذه المسخة نكالا، وقيل: جعلنا العقوبة نكالا، وقيل: جعلنا الفرقة ~~التي أعتدت في السبت، وقيل: جعلنا أهل تلك القرية نكالا. PageV22P110 # قال المرتضى عليه السلام: وسألت عن معنى قوله فجعلناها، هي القرية التي ~~كانت حاضرة البحر، فقال سحبانه: {فجعلناها} وإنما أراد أهلها فأقامها مقام ~~أهلها، فمسخهم الله عند أخذهم للحيتان قردة وخنازير وجعلهم نكالا لما بين ~~أيديهم وما خلفهم، فهم الذين خلفوهم من أهل عصرهم، والذين بين أديهم فهم من ~~سيكون من الأمم بعدهم يجعلونهم عبرة ويزجرون بهم عن المعصية، والدليل على ~~ما قلنا به قول الله سبحانه إذ يخبر عن الملائكة حين يقول{وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا} فجعلوا ما بين أيديهم في هذه الآية ~~خاصة[313] ما يسكون من القيامة والحساب، والعقاب، والفوز، والثواب، وما ~~خلفوه وراء ظهورهم عند قبض أرواحهم وفناء مدتهم، ومعنى موعظة فهى عبرة ~~للمتقين إذ هي آية عظيمة يتعظ بها المؤمنون ويتذكر فيها الصالحون لما أنزل ~~بأهل القرية من المسخ والنكال والذل والهوان. انتهى. # ثم ذكر تعالى النوع الثاني من التشديدات فقال سبحانه: {وإذ قال موسى ~~لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين} أي واذكر إذ قال موسى: لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة ليظهر ما وقع النزاع فيه عند ذبحها. # قالوا: استهزء بنا. PageV22P111 # فقال: لهم {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}، فبين أن الإستهزاء من باب ~~الجهل يقال هزأ به هزوء وهزوءا كما يقال سخر منه واستهزأ به استهزاءا إذا ~~استخف به استخفافا، وقيل: إنما قالوا لموسى عليه السلام هذا لأنه ms3007 لم يبين ~~لهم في أول ما أمرهم به وجه الحكمة في ذبحها، والسبب الذي اقتضى ذلك، وقيل: ~~كان سبب أمرهم بذبح البقرة أنه كان في بني إسرائيل شيخ مؤسر فقتل بنوا أخيه ~~إبنه ليرثوه وطرحوه في باب مدينة ثم جاؤا يطالبون بدمه فأمروا بذبح بقرة ~~وأن يضربوه ببعضها يحى فيخبرهم بقاتله. # وروي عن ابن عباس وسائر المفسرين أنه شكى ذلك إلى موسى عليه السلام ~~فاجتهد موسى في تعرف القوم لقاتل فلما لم يظهرله قالوا فاسأل ربك حتى يبينه ~~فسأله فأوحى الله إليه أن يأمرهم أن يذبحوا بقرة فعجبوا ثم شددوا على ~~أنفسهم حالا بعد حال واستيقضوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك ~~النعت إلا عند إنسان معين فلم يبيعها إلا بأضعاف ثمنها فاشتروها وذبحوها، ~~وأمرهم موسى عليه السلام أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ففعلوا، ~~فصار القتيل حيا وسما لهم قاتله وهو الذي أبدا بالشكاء فقتلوه فورا. # واعلم أن القوم سألوا موسى عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة: # الأول: ما حكى الله عنهم وهو قوله:{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} ~~سؤال عن سنها، فأجاب موسى عليه السلام ماحكى الله عنه{قال إنه يقول إنها ~~بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون} أي قال لهم: قد دعوت ~~الله تعالى فأجابني بأنها بقرة لا فارض، أي مسنة كبيرة قد فرضت سنها أي قد ~~قطعته ولا بكر فتية. PageV22P112 # قال المرتضى[314] عليه السلام: الفارض التي قد انقرض فمها، وانقراضه فهو ~~سقوط أسنانها، والبكر فهي التي لم تلقح قط، فأخبر عزوجل أنها ليست ببكر، ~~فدل ذلك على أنها قد ......وليست بكبيرة، فأزاح عنها بقوله ولا فارض ولا ~~بكر صفة الكبيرة، وصفة الصغيرة البكر، ثم قال: عوان والعون فهي متوسط لا ~~كبيرة ولاصغيرة، وهذه فهي التي أمر الله سبحانه أن يضرب القتيل ببعضها، ~~وذلك أنه قتل قتيل في بني إسرائيل فاداروا فيه وأتهم بعضهم بعضا بقتله وعظم ~~بينهم الأمر فيه فأمرهم الله عزوجل أن يضربوا ببعضها ففعلوا ms3008 ذلك، فعاش ~~القتيل وأخبرهم بقاتله، فكانت هذه آية عظيمة جليلة في إحياء الله سبحانه ~~له، وقد كان قادرا أن يحيه بضرب عود لو أمرهم لقام مقام البقرة ولكن الله ~~يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه، ولايقال لما فعل شيء، وقد يروي في البقرة أنها ~~كانت لغلام بر بوالدته مطيع الله فيها، فلما أن ماتت لم تكن تركت له إلا ~~البقرة، فيقال أن الله أنعم على الغلام لبره، ولطاعته لله سبحانه في ~~الوالدة، فجعل سبحانه امتحانهم بها وإحياء قتيلهم ببعضها رحمة منه لصاحبها، ~~فطلبوا الصفة التي أمرهم الله بها في البقرة فلم يجدوا تلك الصفة إلا في ~~بقرة الغلام، فطلبوا عند ذلك ابتياعها منه فأمره موسى عليه السلام أن ~~لاينفذ لهم بيعها إلا بما اشترط من ملئ جلدها تبرا، فلم يزالوا حتى اشتروها ~~بما طلب فكان ذلك فضلا من الله على الغلام وإحسانا إليه، وآية عظيمة في ~~المقتول، وحجة قيمة على ذوي الفهم والعقول، وخيرة لهم في جميع الأمور. انتهى. # ثم أنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله: {قالوا ادع لنا ربك يبين لناما ~~لونها}. PageV22P113 # واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم قال:{ ~~قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} أي قالوا لموسى ~~عليه السلام ادع لنا الله ليبين لنا لون هذه البقرة كما بين ماهيتها. # فقال لهم: قد دعوت الله فأجابني أنها بقرة صفراء فاقع، يقال في اللغة ~~أصفر فاقع إذا كان خالص الصفرة، وأسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قاني، ومعنى ~~تسر الناظرين إن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ويعجبه حسنها، ثم ~~أنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} ~~سؤال عن حالها، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((والذي نفسي بيده لو ~~أنهم اعترضوا بقر فذبحوها[315]لأجرت عليهم لأكنهم شددوا فشدد الله عليهم ~~والإستقصا شؤم)) أما قوله: {إن البقر تشابه علينا} فالمعنى أن البقرة ~~الموصوفة بالتعيين والصفرة كثير، واشتبه علينا ms3009 أيها نذبح، وقرئ تشابه بمعنى ~~تشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين{وإنا إن شاء الله لمهتدون} إلى البقرة، ~~أراد ذبحها. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ((أعظم الناس جرما من سأل عن شيء فحرم لأجل ~~سؤاله)). # وروي أنهم لولم يقولوا إنشاء الله ما اهتدوا إلى ذلك أبدا، ولهذا اعلم ~~الله عباده هذا الضرب من الأدب لقوله {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، ~~إلا أن يشاء الله} ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله قال: {قال إنه يقول ~~إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض} أي لم تذلل وتعود الحرث{ولا تسقي الحرث} أي ~~ولاهي من السواني، أي ولم تذلل بسقي الحرث لزرع{مسلمة} من العيوب {لا شية ~~فيها} أي لا لمعة يخالف لونها بل صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. PageV22P114 # وفي البلغة: الشية بياض في سواد، وسواد في بياض، أي هذه البقرة برية من ~~العيوب وسليمة منها، ولونها لون واحد. انتهى. # ثم أخبر الله تعالى أنهم لما وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه{قالوا ~~الآن جئت بالحق} أي حقيقة وصفها، وبانت هذه البقرة عن غيرها {فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون} لكثرة سؤالاتهم. # واعلم أن النحويين ذكروا لكاد تفسيرين: # الأول: قالوا إن نفيه إثبات وإثباته نفي، فقوله كاد يفعل كذا معناه قرب ~~من أن يفعله لكنه ما فعله، وقوله ما كاديفعل كذا معناه قرب من أن لايفعل ~~لكنه فعله. # والثاني: إن كاد معناه المقاربة فقوله كاد يفعل معناه قرب من الفعل، ~~وقوله ما كاد يفعل كذا معناه ما قرب منه ولأولين أن يحتجوا على فساد هذا ~~الثاني بهذه الآية لأن قوله وما كادوا يفعلون معناه وما قاربوا الفعل، ونفى ~~المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل فلوا كان كاد للمقاربة لزم وقوع ~~التناقض في هبذه الآية والله اعلم. # قال الرازي: وهو الذي في الكشاف روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له ~~عجلة فأتابها الغيضة فقال: اللهم إني استودعكها لأبني حتى يكبر وكان برا ~~بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر وأسنها فساوموها اليتم وأمه حتى اشتروها ms3010 ~~بملئ مسكها ذهبا وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكاوا طلبوا البقرة ~~الموصوفة أربعين سنة، ولقائل أن يقول إن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن؛ ~~لأن الفاء[316] في قوله تعالى فقلنا اضربوه ببعضها للتعقيب، وذلك يدل على ~~أن قوله فاضربوه ببعضها حصل عقيب قوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة والله اعلم. # وفي الكشاف: قإن قلت كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من سيق البقر ~~غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات فذبحوا المخصوصة فما فعل الأمر الأول؟ PageV22P115 # قال: رجع مسنوجا لإنتقال: الحكم إلى البقرة المخصوصة والنسخ قبل الفعل جائز ~~على أن الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها ~~ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا، فكذلك إذا وقع ~~عليها بعد التخصيص. انتهى. # ثم قال تعالى: {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} أي واذكروا إذ قتلتم نفسا ~~والخطاب لمن كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد أسلافهم، ~~وهذا جائز كما يقال لبني تميم أنتم فعلتم كذا والمراد أسلافهم، وقد عمل أن ~~يكون خطابا لمن كان في زمن موسى وتقديره وقلنا لهم إذ قتلتم نفسا وخوطبوا ~~معا لوجود القتل فيهم. # قال في البلغة: أصل الدرء الدفع يقال درأ يدرأ درا أي وقع، ومنه قوله ~~تعالى:{ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} أي تدفع وتدارالقوم ~~تدارا أي تدافعوا وأدارؤا مثله، وأدارأ أصله تدارأ فأدغمت التاء في الدال ~~لقرب مخرجها، وأدخلت فيه ألف الوصل؛ لأنه لم يمكن الأبتداء ساكن وهو مثل ~~اداراك وتدارك، ومعنى الآية واذكروا إذ قتلتم نفسا واختلافهم فيها وتدافعهم ~~وكان كل واحد منكم يدفع ذلك عن نفسه إلى صاحبه، ومعنى {والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون} أي والله مظهر للناس ما تكتمونه عنهم من أمر القتيل، ثم قال تعالى: ~~{فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} ~~العلامات الدالة على العبث أي من قدر على حياة نفس قدر على حياة الأنفس ~~كلها لعدم الإختصاص حتى لاينكروا البعث، ولما ms3011 ضربوه بعضو منها قام وأوداجة ~~شخب دما يقول قتلني فلان وفلان قيل: أبنا عمه، ثم سق ميتا فقتلا ولو يورث ~~قاتل بعد ذلك واختلفوا في أن ذلك العضو الذي ضربوا به القتيل ما هو؟ PageV22P116 # والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة؛ لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض ~~البقرة أي ببعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به فإنهم كانوا ممتثلين ~~لمقتضى قوله فاضربوه ببعضها، والأتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن ~~العهدة[317]على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير واختلفوا في ~~البعض الذي ضرب. # فقيل: بلسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: الأذن، وقيل: العظم الذي يلي ~~الغضروف وهو الذي ضرب أصل الأذن، وقيل: البضعة التي من الكتفين، ولاشك أن ~~القرآن لايدل عليه فإن ورد فيه خبر صحيح، قيل: والأوجب السكوت، فإن قيل ~~قوله تعالى {ويريكم آياته} إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت آيات؟ # والجواب والله اعلم أنها تدل على وجود الصانع القادر السلام وعلى برأة ~~ساحة من لم يكن قاتلا على تعيين تلك التهمة وعلى من باشر ذلك القتل فهي وإن ~~كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات المذكورة الكثيرة لاجرم ~~جرى مجرى الآيات الكثيرة. # وفي البلغة: قيل كان ذلك في أمر الله إياهم بذبح البقر ضروب من المصلحة: # أحدها: حصول قربان وكانت قرباتهم في ذلك الوقت أكثر البقر. # والثاني: حصول الثمن الوافر لصاحبها. # والثالث: حصول العلم بمعجز لموسى عليه السلام. # والرابع: أمرهم بضرب القتيل بأيديهم لئلا يمكنهم أن ينسبوا إحياؤه إلى ~~ضرب من السحر والمخرفة، ويجوز أن يكون فيه مصالح أخر لايلعمها إلا الله ~~تعالى. انتهى. PageV22P117 # وقوله تعالى:{ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك} وصف القلوب بالقسوة والغلظ مثل ~~لنبوها عن الإعتبار وأن المواعظ لاتؤثرها فيها{فهي كالحجارة أو أشد قسوة} ~~ثم بين كون قلو بهم أشد من الحجارة فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط} يتردى من ~~أعلا الجبل من {من خشية الله} والخشية في ms3012 الجبل مجاز لإنقياده لأمر الله ~~سبحانه وقلوبهم لاتنقاد ولاتعقل. # قال: بعضهم: يجوز أن يكون المخاطبون بقوله قلوبكم أهل الكتاب الذين كانوا ~~في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي أشدت قولبكم وصلت من بعد البينات ~~التي جآت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على ~~المعصية منهم، والآيات التي جأهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على ~~أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم، فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم ~~مع ما عنده من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى؛ لأن ~~قوله تعالى ثم قست قلوبكم خطاب مشافهة فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل ~~أيضا أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ~~خصوصا ويجوز أن يريد من قتلهم من سلفهم وقوله[318]من بعد ذلك يحتمل أن يكون ~~المراد من بعد ما أظهر الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض ~~البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى جميع عدده الله ~~سبحانه من النعم العيظمة والآيات الباهرة التي أظهروها الله على يد موسى ~~عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها. # قلت: وفي تفسير هذه يقول الهادي إلى الحق عليه السلام: أخبر الله تبارك ~~وتعالى عن قسوة قلو بهم ثم أخبر أن من الحجارة ما يتشقق فيخرج منه الماء ~~وليس في قولب هؤلاء المشركين. PageV22P118 # قلت: تلين إلى شيء من الحق فالحجارة يعمل فيها الماء حتى شفعها ويفلقها ~~ويخرج الماء منها، وقلوبهم لاتعمل فيها الفكرة، ولا الفظة، ولا التذكرة، ~~ولا التخويف، ولا الترغيب، فهي على ما يعمل فيها من التذكير والوعظ ~~والتخويف أقسا وأشد من الحجارة على ما يعمل فيها الماء الخارج منها المشقق ~~لها وإن منها لما يهبط من خشية الله، يقول لو كان فيها من العقول، ~~والتمييز، والفهم، لما يراد منها ما فيكم لهبطت من خشية الله، وهبوطها فهو ~~تهدمها وتقلعها وسقوطها وأنتم فيكم من ذلك ما قد جعل وليس يصدكم عن معاصي ~~الله ms3013 ولا يردكم إلى طاعة الله. انتهى. # أما قوله تعالى:{وما الله بغافل عما تعملون} فهو أبلغ الوعيد والتهديد ~~والمعنى أن الله بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محص لها ~~فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة فهذا وعيد لهم وتخويف لينزجروا. # واعلم أنه تعالى ذكر قبحائح أفعال أسلاف اليهود إلى هاهنا ومن هاهنا شرح ~~قبائح أفعال اليهود والذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال ~~سبحانه: {فتطمعون أن يؤمنوا لكم} خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللمؤمنين،والألف في قوله أفتطمعون ألف استفهام على سبيل الإنكار فكأنه قيل ~~أفتطمعون أن يصدفكم هؤلاء اليهود في جميع ما أتى به محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، بين العلة في قطع الطمع بقوله تعالى:{ وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} أي وقد كانت طائفة منهم ~~وهم علماء اليهود يسمعون كلام الله الذين هو التوراة ثم يحرفونه بالتأويل ~~ويلبسون على عوامهم من بعد ما عرفوا معناه وهم يعلمون أن ما يفعلونه عناد ~~باطل كما فعلوا في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآية الرجم ~~وذكروا في سبب الإتسبعاد وجوها: PageV22P119 # أحدها: هذا وهو أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والإستدلال في قد ~~كان[319]فريق منهم من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعامونه حقا ثم يعادونه. # والثالث: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ~~الذي هو كان السبب في أن الله تعالى خلصهم من الذل وفضلهم، ومع ظهور ~~المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين، ثم حكى ~~تعالى النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقال سبحانه: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أي ~~صدقنا أنكم على الحق وأن محمدا هو النبي المبشر به، وهؤلاء منافقوا أهل ~~الكتاب، وهم المعاندون الذين تقدم ذكرهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا نحن ~~مؤمنين، ومعنى{وإذا خلا بعضهم إلى بعض} أي وإذا كانوا في خلوة ms3014 ولم يحضرهم ~~أحد من المؤمنين أخذوا في العيب والطعن على المسلمين، وقد مر نظير ذلك في ~~أول السورة، وقوله سبحانه: {قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} أي ~~مايريكم في التوراة من صفة محمد {ليحاجوكم به عند ربكم} والمروي عن ابن ~~عباس أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقو أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ~~ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال: الرؤساء لهم ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابكم من نعته وصفته ليحاجوكم به عند ~~ربكم، جعلوا محاجتهم به عند الله بدليل أنه لافرق بين قولك هو في كتاب الله ~~كذلك أو عند الله كذا، وقيل: اللام فيه للعاقبة، أي يحتجون عليكم بما فتح ~~الله عليكم فتقولون لسائر اليهود وقد أقررتم أنه نبي بحق في كتابكم فيكف ~~لاتتبعونه، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة PageV22P120 أقوى من ذلك، فلا جرم كان يمنع بعضهم بعضا من الإعتراف بذلك عند محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ثم قال:{أفلا تعقلون} أي كأنكم لاعقول لكم. # وقال في البلغة: المعنى وإذا كانوا في الخلوة قال بعضهم: لبعض على وجه ~~الأنكار تحدثون أصحاب محمد بما فتح الله عليكم في كتابكم أي حكم به عليكم ~~من اتباع محمد النبي الأمي، وبيان ذكل في قوله تعالى حاكيا عن موسى عليه ~~السلام{واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي ~~أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر}،الآية، وكان بعضهم يخبر المؤمنين بما بين الله في كتابهم فأنكر ~~عليهم[320]إخوانهم المنافقين، وقيل: معناه بما حكم عليكم من العلم بصفة ~~محمد صلى الله عليه وآله الأمي المبشر به، ms3015 وقيل: لما حكم عليكم من العذاب. PageV22P121 # وقال بعض العلماء: هذه الحكاية في منافقي غير أهل الكتاب من مشركي العرب ~~الذين تقدم ذكرهم في أول السورة ، قوله تعالى بما فتح عليكم على الفتح الذي ~~هو بمعنى النصر كأنهم قالوا لإخوانهم أتحدثون المؤمنين بما فتح الله من ~~النصر في مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما أتاه الله فيها من ~~المعجزات مثل إخباره بمصارع القوم قبل الحرب والقتال، فكان مخبره كما أخبر ~~به وغيرها من الآيات، قال: كان المنافقون الخراجون مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذا رجعوا من الغزو يخيرون من كان بالمدينة من المؤمنين ~~الذين لم يشهدوا القتال والغزوا بما جرى وحدث من الآيات، وأنكر ذلك عليهم ~~إخوانهم من المنافقين وجعلوا العلة فيه أنكم إذا حدثتموهم بذلك كانت الحجة ~~لهم عليكم عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقيل: أتحدثونهم لتكون لهم ~~الحجة عليهم، وقوله {أفلا تعقلون} هو حكاية قول المنافقين لإخوانهم أي أفلا ~~تعقلون أن ما يفعلونه ليس بصواب، وحكى عن بعض التابعين أنه قال: هذا خطاب ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناه أفلا تعقلون أن من كانت هذه ~~حاله لايطمع في إيمانه. انتهى. # ثم قال تعالى: توبيخا للقوم على جهلهم{أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون} يعني ما يسرون من الكفر بمحمد وغير ذلك مما يسرونه وما يعلنونه ~~من الإيمان على العموم، ثم قال تعالى: {ومنهم أميون} لايحسنون الكتب ~~والقراءة فيطالعوا التوراة فيعلمون ما فيها، والأمي قد مر تفسيره، ومعنى ~~{لا يعلمون الكتاب إلا أماني} أي القراءة وتلقينا أي هم يتبعون أخبارهم ~~ويقلدونهم في الباطل، وقيل: إلا قراءة من غير فهم، وقيل: الأماني من تمني ~~القلب والإستثناء منقطع، وهي مايتمنون على الله من أنه تعالى لايؤاخذهم ~~بخطاياهم، ولا تمسهم النار إلا أياما معدودة، وقيل: الأماني الأكاذيب. PageV22P122 # واعلم أن المراد بقوله ومنهم أميون اليهود، ولانه تعالى لما وصفهم بالعناد ~~أزال الطمع عن إيمانهم، ثم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الضالة المضلة وهم ms3016 ~~الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. # والفرقة الثانية: المنافقون. # والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين. # والفرقة الرابعة: هم المذكورين في هذه الآية، وهم العامة الأميون الذين ~~لامعرفة عندهم وطريقتهم التقليد[321] وقبول ما يقال، لهم فبين تعالى أن ~~الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الإمتناع واحدا بل لكل قسم منهم ~~سبب آخر، ومن تأمل ما ذكره تعالى في شرح هذه الآيات من شرح فرق اليهود وجد ~~ذلك بعيد في هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعي في إضلال الغير، ~~وفيهم من يكون متوسطا، وفيهم من يكون عاصيا محضا مقلدا، ثم بين سبحانه أنهم ~~لايعلمون ما يذكرونه، وإنما يظنونه ظنه بقوله {وإن هم إلا يظنون} أي ماهم ~~إلا ظانون، وهو ظن فاسد، وفيه ذم للعامي بالظن مع تمكنه من العلم وألحق بهم ~~علماؤهم؛ لأنهم عاندوا مع اليقين واستووا في الضلال، ثم قال عزوجل: {فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا} روي عن بن عباس أنه قال: الويل هو العذاب الشديد. # قال في البلغة: وأصل الويل الهلاك، وقيل: يوضع الويل الخزي ، وقد يكون ~~الويل بمعنى التقبيح، كما قال الله تعالى: {ولكم الويل مما تصفون} وقد وضع ~~الويل موضع التحسر كما قال الله تعالى حاكيا {ياويلتنا مال هذا الكتاب} ~~{ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي}. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الويل ~~واد في نار جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا إلى أن يبلغ قعره)). PageV22P123 # وروى غيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الويل جبل في النار، وقيل: ~~واد من حديد في أصل جهنم، ومعنى الآية إلزام العذاب وإيجابه على هؤلاء، ~~كأنه قيل فويل لهؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى الذين يكتبون الشيء ~~بأيديهم ثم يقولون للناس هو من عند الله ويأخذون على ذلك عرض الدنيا ~~فيبتغون الآخرة بالدنيا، وهذا هو الثمن القليل وقد كانوا يأخذون الرشاة على ~~التحريف والتلبيس الذي يفعلونه من ms3017 رؤسائهم لئلا تذهب رئاستهم، ودلت الآية ~~على بطلان قول من يقول أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأن الله تعالى ~~وبخهم وذمهم على قولهم إن ماكتبوه من عند الله، فلو كان من عنده لما وبخهم ~~عليه، ولوكان من خلق الله لكان من عنده من أوكد الوجوه، ثم قال تعالى:{ ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم}قيل: كانوا يحرفون ما أنزل الله في كتابهم من صفة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان في كتابهم أنه اسمر ريعة، فكتبوا أنه ~~أدم كهل، وما أشبه ذلك فأوجب الله عليهم الخزي والعذاب بقوله فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم أي ماكتبوا بأيديهم تحريفا، وأوجب عذابا آخر على مايكتبونه من ~~المعاصي بقوله {وويل لهم مما يكسبون} والمعنى أن كتبهم لما كتبوه ذنب عظيم ~~بانفراده، وكذلك[322]أخذهم المال عليه فلذلك أعاد ذكر الويل في الكتب ولوم ~~بعد ذكره لكان يجوزأ، يقال أن مجموعهما يقتضي الوعيد والعظم دون كل واحد ~~منهما، فأزال تعالى هذه الشبهه. # قال الرازي: واختلفوا في قوله مما يكسبون هل المراد ماكانوا يأخذون على ~~هذه الكتابة والتحريف فقط، والمراد سائر معاصيهم، والأقرب في نظام الكلام ~~أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من ~~حيث العموم أنه يشمل الكل لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا ~~القيد لم يحسن الوعيد عليه فإن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام فلابد من ~~تقييده، وأولى مايقيد به ما تقدم ذكره. انتهى. PageV22P124 # تدل على تحريم تحريف كتابة المكذب على الله وعلى رسله صلوات الله عليهم، ~~وعلى تحريم الكسب الذي يوخذ في مقابلة ذلك، ذكره إمامنا المنصور بالله عليه ~~السلام. # ثم حكى تعالى النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم فقال: {وقالوا لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة} قيل: إن أول من قال: بالإرجاء اليهود لما ~~حكى الله عنهم في هذه الآية وذلك أنهم قالوا لن نعذب في النار إلا أياما قلائل. # قيل: أربعين يوما عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل وكانت أربعين يوما. # وقال المرتضى ms3018 عليه السلام: الآيام المعدودة التي ذكرت اليهود فزعموا أن ~~عمر الدنيا سبعة ألآف سنة وأن الله يعذبهم بكل ألف يوما، ثمي خرجون إلى ~~الرضى والرضوان ويصيرون إلى محل الكرامة والأبرار فكان هذا كذبا من قولهم ~~وافترا وجرئة على خالقهم. # وقلت: هل كان هذا كلام اليهود الذين نسب فعل أولئك إلى من بعدهم؟ # قال عليه السلام: ولاذي قال: هذا الكلام فهم اليهود الأولون والآخرون ~~مقال:هم وأحدة متفقة على الباطل والمحال ويصيرون بكفرهم إلى شر حال وإن لم ~~يقل هذه المقال:ة الآخرون فهم على منهاج الأولين ينتظمهم من الظن ما انتظم ~~الأولين ويكونون جميعا عند الله من المذمومين؛ لأنهم إذا رضوا بفعلهم ~~وكانوا قدوة لهم فهم داخلون في دينهم متسنون إلى ما ينسب إليه أولئك من فعلهم. PageV22P125 # ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه لهم: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين} وهم لم يقتلوا أنبياء الله عزوجل ولكن رضوا بقتل أبائهم ~~لأنبياء الله وصوبوا[323]فعلهم فكانوا برضائهم ن القاتلين وتصويبهم لفعل من ~~مضى من المشاركين، ألا تسمع كيف يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه ~~سيدخل في حربنا هذا من في أصلاب الرجال وأرحام النساء وإنما أراد بذلك رحمة ~~الله عليه الرضى والسخط وما يكون من بعدهم من التصويب لفعلهم والتخطئة لهم ~~فيكونوا بالتصويب والرضى من المؤمنين الأولياء وبالتخطيئة ن أهل العداوة ~~والبغضاء. انتهى. # وروي أن اليهود قالوا وجدنا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم لعنهم ~~الله أنه مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم في أصل الجحيم ~~فلا عذاب بعد ذلك وتجلو جهنم، وقيل: أنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات؛ لأنهم قالوا إن أبانا من الأنبياء عليهم السلام يشفعون لنا فكذبهم ~~الله في ذلك وأيسهم فيه بقوله {قل أاتخذتم عند الله عهدا} أي هل وعدكم ~~بذلك{فلن يخلف الله عهده} أي ماوعدكم الألف ليس باستفهام بل هو إنكار على ~~سبيل التقريع؛ لأنه لايجوز أن يجعل حجة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~إبطال ms3019 قولهم أن يسفهم بل ينههم بذلك على كذبهم ليعلموا إذا لم يجدوا العهد ~~كونهم كاذبين،وأما قوله تعالى:{ أم تقولون على الله ما لا تعلمون} فهوا ~~بيان لتمام الحجة المذكورة وأم هاهنا يعني بل تقولون على الله ما لاتعلمون صحته. # واعلم أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن الدليل علمنا أن ~~الوقل بغير دليل باطل، ثم قال تعال ردا لقولهم:{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. PageV22P126 # قال في الكشاف: بلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى لن تسمنا النار ~~إلا أياما معدودات أي بلا تميتكم أبدا بدليل قوله تعالى: {هم فيها ~~خالدون}انتهى. # أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى: {جزاء سيئة سيئة ~~مثلها} من يعمل سؤا يجز به، ولما كانت من الجائز أن يظن أن كل سيئة محيطة ~~به ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السوربالبلد ~~والكوز بالماء، وذلك هاهنا ممتنع فيحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة ~~لوجهين: # أحدها: أن المحيطة تستر المحاطة، فالكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات ~~كالساترة لتلك الطاعات فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة. # والثاني أن الكبيرة أحيطت ثواب الطاعات فكأنها استولت[324]على تلك ~~الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان بحيث لايتمكن الإنسان من ~~التخلص منه، فكأنه تعالى قال: بلا من كسب كبيرة وأحاطت بطاعته كبيرته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فإن قيل هذه الآية وردت في حق اليهود، ~~قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا هو الذي استدلت العدلية في ~~إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر{وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون}. # اعلم أنه سبحانه وجل عن كل شأن شأنه ما ذكر في القرآن آية من الوعيد إلا ~~وذكر تحتها آية في الوعد، وذلك لفوائد: # أحدها: أنه تعالى ليظهر بذلك عدله سبحانه وتعالى؛ لأنه لماحكم بالعذاب ~~الدائم على المصرين على المعاصي وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين ~~على الإيمان. # وثانيها: أن المؤمن لابد أن يعتدل ms3020 خوفه ورجائه على ما قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((وزن خوف المؤمن ورجائة فاعتدلا)) وذلك الأعتدال لايحصل إلا ~~بهذا الطريق. # وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصيرذلك سببا ~~للعرفان. PageV22P127 # قال في البلغة: والفصل بين لفظ الإيمان والعمل الصالح بالواو لايدل على أن ~~العمل الصالح ليس من الإيمان؛ لأنه لو دل هذا على ذلك لدل قوله تعالى ~~{الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} على أن الصد عن سبيل الله ~~ليس من الكفر؛ لأنه فصل بينه وبين الكفر بالواو، ويدل قوله تعالى {فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان} على أن النخل والرمان ليسا من الفاكهة. انتهى. # قلت: وهذا إشارة إلى قول المخالف كالرازي وغيره فإنه قال: العمل الصالح ~~خارج عن مسمى الإيمان؛ لنه تعالى قال:{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون} فلودل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر ~~العمل بعد الإيمان تكرار، فدلت هذه الآية على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة. # قلنا: قوله تعالى وعملوا الصالحات لايصدق عليه إلا إذا أتى بجميع ~~الصالحات، ومن جملة الصالحات التوبة، وأما من زعم من تكرار العمل الصالح ~~بعد الإيمان فقد أجيب عنه أن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال ~~الصالحة إلا أن قوله من لايفيد إلا أنه فعل فعلا واحدا من أفعال الإيمان، ~~فلهذا أحسن أن يقول والذين آمنوا وعملوا الصالحات. # قلنا: والأقرب أن الإيمان في هذه الآية باق على معناه اللغوي لم ينقل وهو ~~التصديق؛ لأن استعمال الناقل القول المنقول في معناه الأصلي جائز فسقط ~~ماذكره الرازي[325] والله اعلم. PageV22P128 # ثم أخبر عزوجل عن نوع آخر من النعم التي خصهم بها فقال تعالى:{ وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} أي أخذنا ميثاقهم ~~بأن لايعبدوا إلا الله وحده وأن يحسنوا العهد عبارة عن أمرهم بذلك وإلزامهم ~~إياه وإنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين؛ لأن نعمة الله على ~~العبد أعظم العنم فلابد من تقديم شكره على شكر غيره، ثم بعد نعمة الله ms3021 ~~فنعمة الوالدين أعظم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل، والسبب في كون ~~الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلايصدر ~~عنه الإنعام بأصل الوجوه بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه ~~الإنعام بعد إنعام الله تعالى. # واعلم أن الإحسان إلى الوالدين هو أ، لايؤذيهما البتة، ويوصل إليهما من ~~المنافع قدر ما يحتاجان إليه فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كان كافرين ~~وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين، ثم قال: {وذي القربى ~~واليتامى والمساكين} أي وأخذنا ميثاقهم بأن يحسنوا إلى أقربائهم وإلى ~~الأيتام والمساكين جمع مسكين أي لاشيء له فهو دائم السكون إلى الناس، قيل: ~~مأخوذ من السكون كان الفقر قد سكنه فهو أشد فقرا من الفقير عند أكبر أهل ~~اللغة، ثم قال سبحانه: {وقولوا للناس حسنا} أي قولا ذاحسن وهو حسن في نفسه ~~مبالغة لإفراطه في الحسن، وقيل: معناه قولوا صدقا في صفة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقيل: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. # وقيل: المراد الليانة في القول. # قال في البلغة: وروي عن الباقر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام أنه ~~قال: كان في كل الناس ثم نسخه الله تعالى بآية السيف وإليه ذهب أكبر ~~العلماء. PageV22P129 # وقال: بعضهم: ليست الآية منسوخة؛ لأن قوله تعالى وقولوا للناس حسنا أمر لهم ~~بالإستدعاء إلى الدين كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} ثم قال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أي ~~وأديموا فعل الصلاة التي أمرتم بها واعطوا زكاة أموالكم مستحقا، ثم التفت ~~من الفيبة إلى الخطاب فقال: {ثم توليتم} عن الميثاق{إلا قليلا منكم وأنتم ~~معرضون} عن المواثيق، واختلفوا فيمن المراد بقوله ثم توليتم فقيل إنه من ~~تقدم من بني إسرائيل، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الهيود يعني أرعضتم[326]بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم ~~وعبارة البلغة وأنتم معرضون عن دين الله تعالى كإعراض أسلافكم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: يدل ms3022 على تحريم الشرك بالله وعلى ~~وجوب الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وعلى أن يقولوا ~~للناس حسنا من أمر بمعروف ونهى عن منكر وإرشاد ضال، وابتدا بالسلام ورده، ~~وشمت العاطس واجتناب الفاحش من القول والسب والمراء على تحريم التولي ~~والإعراض ذكره الله وشرعه في هذه الآية. انتهى. # أما قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} ففيه وجوه: # أحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV22P130 # وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم وتقديره وإذا أخذنا ميثاقكم أمرناكم وأكدنا ~~الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه، وقوله لاتسفكوا دماءكم السفك صب الدم ~~اي وأخذنا ميثاقكم بأن لا يسفك بعضكم دم بعض، فقيل دماءكم لأن الجميع جنس ~~واحد، وقد مر بيان نظير ذلك في هذه السورة في قوله {فاقتلوا أنفسكم} وقيل: ~~هو على وجه الزجر والنهي عن القتل فكأنه قيل لهم لاتقتلوا الناس فتقتلوابهم ~~قصاصا وقودا فتكونوا كأنكم قتلم أنفسكم، ومثل هذا في البرهان، ثم قال ~~سبحانه: {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} فيه وجهان: # الأول: لاتفعلوا مايستحقون بسببه أن تخرجوا من ديراكم. # الثاني: النهي عن إخراج بضكم بعضا من ديارهم؛ لأن ذلك مما يعظم فيه ~~المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك. # أما قوله تعالى: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} ففيه وجوه: # أحدها: والأمر قوي أي أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم ~~تشهدون عليها كقوله فلان مقر على نفسه بكذا مشاهد عليها. # وثانيها: اعترفتهم بقبوله ومهد بعضكم على بعض بذلك؛ لأنه كان شايعا فيما ~~بينهم مشهور. # وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا ~~الميثاق. # ورابعها: الميثاق المراد الإقرار الذي هو الرضى بالأمر والصبر عليه كما ~~يقال فلان لايقر على الضيم، فيكون المعنى أنه تعالى أمركم بذلك فرضيتم ~~وأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته، فإن قيل فإن لم قال: أقررتم وأنتم ~~تشهدون، والمعنى واحد قلنا فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم. # الثاني: أقررتم[327] في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم تشهدون بعد ذلك. ms3023 PageV22P131 # الثالث: أنه للتأكيد اي أقررتم بأخذ الميثاق عليكم وتشهدون بما أقررتم فجاء ~~الثاني تأكيدا للأول على مذهب من جعل الخطاب كله لأسلاف اليهود، ومعنى ~~قوله{ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} أي أنتم يا هؤلاء يقتل بعضكم بعضا، فذكر ~~هؤلاء تأكيدا لأنتم. # قال في الكشاف: أنتم هؤلاء استبعاد لما أسند إليهم وتشيع عليهم بما فعلوا ~~من القتل والإخلاء من الدور بعد أخذ المواثيق عليهم وشهادتهم، والمعنى ثم ~~أنتم هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقربين تنزيلا ليغير ~~الصفة منزلة، تغير الذات كما يقول رجعت بغير الوجه الذي خرجت به، وقوله ~~تقتلون أنفسكم بيان لقوله هؤلاء، وقتل هؤلاء موصول بمعنى الذين. انتهى. # وقوله {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} اي تخرجون طائفة من إخوانكم من ~~ديارهم وهذا توبيخ لهم على نقضهم ميثاقهم بقتلهم إخوانهم وإخراجهم طائفة ~~منهم من ديارهم، ثم قال: {تتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} المظاهرة ~~المعاونة، اي تعاونون عليهم بفعل ماهو إثم وعدوان. # قال في البرهان: وفي العدوان قولان: # أحدهما: أنه مجاوزة الحق. # والثاني: أنه الإفراط في الظلم. انتهى. # قال تعالى:{ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم}يقال فداه ~~فاداه يفديه فدا، وفاده يفاديه مفاداة، وفداء جعل شيئا فداءه، اي وإن لم ~~جاوزوكم مأسورين فككتموهم من أسرهم ببذل الأموال دونهم وقد حرم الله عليكم ~~إخراجهم عن أوطانهم كما أوجب عليكم مفاداتهم قاله في البلغة، وذكر أبو مسلم ~~عند ذلك المراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا ~~عنه إلا بأخذ مال منه، وإن كان ذلك محرما عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر. PageV22P132 # قلت: وما ذكره في البلغة هو قول جمهور المفسرين يزيده تأييدا ووضوحا ماذكره ~~الهادي إلى الحق عليه السلام فإنه قال: هذه الآيات نزلت في اليهود وذكر أن ~~بني القينقع كانوا حلفا مع الخزرج، وكانوا بنوا النضير وقريظة حلفا مع ~~الأوس، وكان كل يقاتل مع حلفائه فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدت اليهود مافي ~~أيدي الأنصار من أساراها، وكان في التوراة واجبا فرضا عليهم أن يفتدوا ms3024 ~~أساراهم حيث كانوا وأن لايسفك بعضهم دم بعض، ولايخرجه من داره، فقتلوا بعض ~~الفرض من الإقتداء، وسفكوا الدماء، وأخرجوا من الديار، فأنزل الله سبحانه ~~{أفتؤمنون ببعض الكتاب [328] وتكفرون ببعض}. # قال في النجم الزاهر في علم القرآن الباهر: وقال: أئمتنا عليهم السلام ~~القاسم، والهادي، والناصر للحق، والمرتضى، والناصر، ومن تقدمهم الذين آمنوا ~~به هو فعلهم للفداء، والذي كفرو به هو فعلهم للقتل، والسر والإخراج من ~~الديار، والتظاهر على الأثم والعدوان، مع علمهم أنه حرام، قالوا: وفيه ~~دلالة أن الكبائر المفعولة مع العلم بأنها كبائر تعد من الكفر بالكتاب في ~~حكم رب الأرباب. انتهى. # قال سبحانه: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} أصل ~~الخزي الذل والمقت، يقال أخزا ه الله إذا مقته وأبعده، وقيل: أصله ~~الإستحياء، فإذا قيل أخزاه الله فكأنه قيل أوقفه موقفا يستحي منه، وبالجملة ~~فالمراد به من الذم العظيم، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه: # أحدها: قال الحسن: المراد لخزية والصغار وهو ضعيف؛ لأنه لادلالة على أن ~~الخزية كانت ثابته في شريعتهم بلى أن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم صح هذا الوجه؛ لأن من جملة الخزي الواقع بأهل ~~الذمة أحد الخزية. PageV22P133 # وثانيها: إخراج بني النضير عن ديارهم، وقتل بني قريظة، وسبي ذراريهم، وهذا ~~إنما يصح إذا حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # وثالثها: وهو الأولى أن المراد الذم العظيم، والتحقير البالغ من غير ~~تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض، والتنكير في قوله خزي يدل على أن الذم واقع ~~فيها في النهاية العظمى، وأما قوله تعالى: {ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب} فمعناه قوله ويعذبون يوم القيامة بأشد العذاب، ثم قال عزوجل:{وما ~~الله بغافل عما تعملون} هذا من أبلغ التهديد وأهول الوعيد، فكأنه قال: ليس ~~يخفى على الله شيء من أعمالكم ولا تفوتونه ..........فيجازيكم على جميعها. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: يدل على تحريم سفك الدماء، وإخراج ~~المستضعفين من ديارهم، ms3025 وتحريم المظاهرة، وهي المعاونة بالأثم والعدوان، ~~وعلى تحريم أسار الضعفاء، وتحريم أخذ الفداء منهم، وعلى تحرم ترك العمل ~~ببعض الكتاب وبعض الشرائع المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وعلى وجوب إخزاء من فعل ذلك على من يقدر بأنواع ما يسمى خزيا. انتهى. # قوله تعالى:{ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} أولئك الذين ~~أختاروا الحياة الدنيا على الآخرة بإثارهم الكفر على الإيمان، والمعصية على ~~الطاعة. # قال الرازي: اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ~~ممكن، والله تعالى مكن[329]المكلف من تحصيل أيهما شاء، وإذا اشتغل بتحصيل ~~أحدهما فقد فوت الأجر على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان ~~بما في كتابهم وماحصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع، والشراء، ~~وذلك من الله تعالى نهاية الذم لهم؛ لأن المغبون في البيع والشراء مذموم ~~حتى يوصف بأنه يغير عقله، فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى. PageV22P134 # قلت: وهذا منه رجوع عن قول أهل الجبر أقماهم الله وتفسيره المسمى لمفاتيح ~~الغيب محشو بنحو هذا القول أن المكلف ممكن من الفعل غير مجبور وذلك إبطال ~~للجبر من أصله، ثم قال عزوجل:{ فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} اي ~~فيعذبون في الآخرة عذابا دائما لايغتر عنهم لحظة، ولايكون لهم ناصر يدفع ~~عذاب الله بشفاعته عنهم. # واعلم أنه تعالى لما وصف حال اليهود أنهم يخالفوا أمر الله في قتل أنفسهم ~~وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم، وبين أنهم بهذا الصنع اشتروا الدنيا بالآخرة، ~~زاد في تبكيتهم فقال سبحانه:{ ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده ~~بالرسل}أي وأنزلنا على موسى صلى الله عليه التوراة كما أنزلنا على محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم القرآن وأرسلنا بعده الرسل إلى الخلق رسولا إثر رسول، ~~يقال قفى أثره يقفوا قفوا إذا تبع وقفاه غير يقفيه إذا تبعه وأردفه، ثم قال ~~سبحانه {وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} بيناته معجزاته ~~ودلائله، كأحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل: هي العجائب التي ~~أتاه ms3026 الله إياها، وقيل: هو الأنجيل وما أتاه من أحكامه ووحيه، والقدس ~~الطهر، اي أتيناه الكتاب وقويناه ونصرناه بجبريل عليه السلام، وكأنه قيل: ~~وأيدناه بروح القدس، الروح المطهر من الذنوب والعيوب، وقيل: القدس إسم من ~~أسماء الله تعالى كالقدوس، فأضيف الروح إليه؛ لأنه من خلقه، وسمي جبريل ~~عليه السلام روحا تشبيها بالروح قوام البدن؛ لأنه أحيا الناس بما أتى به من ~~قبل الله تعالى، وقيل: سمي به؛ لأن الغالب على روحه الروحانية الرقية ~~......وقيل: وأيدناه بروح القدس اي بالأنجيل، فسماه روحا كما سمى القرآن ~~روحا، بقوله{وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} الكتاب، وسمي به؛ لأن في ~~الإهتداء به الحياة والنجاة، كما يحيي البدن بالروح، والكافر PageV22P135 حكمه حكم الميت، والمؤمن حكمه حكم الحي، كما قال: {أومن كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس...}الآية[330]وقيل: أيدناه بروح القدس ~~معناه نصرناه بالأسم الذي كان عيسى عليه السلام يحيي به الموتى قاله في ~~البلغة. # أما قوله تعالى:{ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} فهو ~~نهاية الذم لهم؛ لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما ~~يهودون كذبوه، وإن يهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك؛ لأنهم أرادوا ~~الرفعة في الدنيا، وطلب لذاتها، والتراؤس على عامتهم، وأخذا أموالهم بغير ~~حق، وكانت الرسل تبطل ذلك عليهم، ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين، ويحتجون في ~~ذلك بالتحريف والتأويل، وفيهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس ~~على آدم، والمعنى كل ما جائكم رسول من عند الله بشيء لاتميل إليه نفوسكم ~~ولا.....على طباعكم أعرضتم عن قبوله تكبرا واستنكافا وتعتظيما، وفي هذه ~~الجملة جواب قوله تعالى {ولقد آتينا موسى الكتاب}لأن الكلام دل ~~علىمخالفتهم، فكأنه قيل لهم أتيناكم الكتاب فلم تستفهموا، وهذا بمثابة قول ~~القائل أنعمت عليك فلم تشكر. # وقوله تعال:{ ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} اي كذبتم طائفة من الأنبياء ~~عليهم السلام كعيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقتلتم طائفة كشعيبا، ~~وزكرياء، ويحيى، وحاولتم قتل محمد صلوات الله عليه وآله وسلم لولا أني ~~أعصمه منكم، ms3027 ثم قال تعالى:{ وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم}. PageV22P136 # قال في البلغة: قرئ غلف بالتخفيف، والتثقيل، فوجه التخفيف على معنى أنهم ~~قالوا قلوبنا في غلاف ووعاء، كما قال تعالى: حاكيا {وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب...} الآية، ومعناه ~~قلوبنا في أكنة فلا يفهم ما يقوله يامحمد، يقال قلب أغلف إذا كان في غلاف، ~~وقلوب غلف كأحمر وحمر، ووجه قراءة التثقيل على تقدير قلوبنا أوعية يحتمل ~~العلم، ولسنا نعلم ما يقوله، يقال غلاف وغلف ككتاب وكتب، فكذبهم الله تعالى ~~في ذلك وبين أنه لعنهم وطردهم عن رحمته بكفرهم بالله ورسوله، وهذا يكون على ~~وجه الجزاء فدلت الآية على بطلان قول من قال: أن الله سبحانه يطبع على قلوب ~~العباد ابتداء ويقفل عليها. انتهى. # وقوله {فقليلا ما يؤمنون} فيه وجهان: # أحدهما: أن القليل صفة الإيمان اي إيمانا قليلا يؤمنون، وما زائدة ~~وهوإيمانهم ببعض الكتاب. # والثاني: معناه لايؤمنون أصلا لا قليلا ولاكثيرا، كمايقال قليلا ما يعقل ~~يعني لايعقل البتة. # ثم ذكر تعالى[331]نوعا آخر من قبائح أفعال اليهود فقال:{ ولما جاءهم كتاب ~~من عند الله مصدق لما معهم} قد تقدم بيان نظيره، وبيان كيفية تصديقه لما ~~معهم، وهذا الكتاب هو القرآن، وجواب لما محذوف تقديره كذبوه واستهانوا ~~لمجيئه، ثم قال سبحانه:{ وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} ~~الإستغناء هو الإستنصار هاهنا اي وكان هؤلاء اليهود يستنصرون بالنبي الأمي ~~صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين فيقولون في دعائهم اللهم انصرنا به، ~~وكان ذلك لما بين الله من صفته، وسيرته، ودينه في كتابهم، وقيل: استنصروا ~~به على الأوس والخزرج. PageV22P137 # وروي أن معاذ بن جبل وبشر بن البراء ابن ......قالا لليهود يا معشر اليهود ~~اتقوا الله فأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن ~~مشكم: أخو بني النضير ما جائنا النبي الذي نقر به وما هو بالذي كنا نذكره ~~لكم ونصفه، ms3028 فأنزل الله تعالى هذه الآية {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ~~فلعنة الله على الكافرين} وهكذا في البرهان اي فلما جاءهم ما عرفوا من أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم جحدوه وأنكروه، ومعنى لعنة الله هاهنا جار ~~مجرى الخزي لهم، والشتم، وإيجاب العقاب بما فعلوا، ودلت الآية على أن الكفر ~~ليس هو الجهل بالله فقط؛ لأن هؤلاء اليهود كانوا عارفين بالله تعالى، ~~فكفرهم الله تعالى بجحدهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال عزوجل: ~~{بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا} بئس أصله البؤس، ~~وهو شدة الحال، كما أن نعم من النعمة وهي حسن الحال، والمعنى بئس شيئا ~~اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم أن يكفروا، ومعنى بغيا أي حسدا، كما قال ~~تعالى: في صفة اليهود {كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم ~~الحق}ومعنى {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} اي لأن نزل، أو ~~على أن ينزل، اي حسدوه على أن ينزل من فضله، ومعنى الفضل هاهنا النبوة ؛ ~~لأنهم ذموا ولعنوا على حسدهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بأن بعث الله ~~من العرب نبيا، فبين الله سبحانه أن النبوة فضل من الله تعالى يؤتيه من ~~يشاء من عباده سوى، أن العرب أو غيره؛ لأنه لا يبعث إلا من يصلح لذلك، ~~ولايختار إلا من علم من حاله ذلك، ثم قال تعالى: {فباءوا بغضب على غضب ~~وللكافرين عذاب مهين}معناه احتملوا غضبا على غضب، ورجعوا به PageV22P138 فاحتملوا الغضب الأول لكفرهم[332]بعيسى عليه السلام، وقولهم عزير ابن الله، ~~وسائر ما فعلوه من أنواع الكفر، واحتملوا الغضب الثاني بكفرهم بمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وما أنزل عليه، وأخبر أن لهم في الآخرة عذابا مهينا، ~~وهو عذاب فيه ذلة وهوان، والمهين في الحقيقة هو الله تعالى، فوصف العذاب به ~~مجازا، ثم حكى سبحانه نوعا آخر من قبائح أفعالهم فقال تعالى: {وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ms3029 وراءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم} وراء الشيء خلفه، ويوضع هذا اللفظ موضع بعد، اي وإذا قيل ~~لهؤلاء اليهود أمنوا بالقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~قالوا: في الجواب نصدق بما أنزل على موسى عليه السلام ولانؤمن بعده، ~~فيكفرون بالقرآن المنزل بعد التوراة، والقرآن حق من عند الله تعالى، ويصدق ~~ما معهم من الكتاب، وقد بينا وجه تصديقه في هذه السورة، فلا معنى لللإعادة، ~~وأما قوله تعالى: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} فإنه ~~اعتراض إيمانهم بالتوراة بقتل الأنبياء، والتوراة لاتسوغ ذلك، والقاتل ~~أباؤهم، ولكنهم على مذهبهم وراضون به، وعادة العرب تقريع الأنبياء بفعل ~~الآباء، فبين الله سبحانه من جهة أخرى أن دعواهم بكونهم مؤمنين بالتوراة ~~متناقضة من وجه آخر وذلك أن التوراة دلت على أن المعجز يدل على الصدق، ودلت ~~على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر، وإذا كان الأمر كذلك ~~كان السعي في قتل يحيى، وزكرياء، وعيسى، عليهم السلام كفرا، فلم سعيتم في ~~ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة. PageV22P139 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: يدل على أن من رضى بمنكر كان مشاركا ~~لمرتكبه؛ لأن اليهود الذين كانوا في في وقت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لم يقتلوا نبيا، وإنما كانوا راضين بفعل أسلافهم الذين قتلوا ~~الأنبياء. انتهى. # ثم قال تعالى: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} وهي الآيات التسع {ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون} اي اتخذتم العجل معبودا من دون الله من بعد ~~مجئ موسى عليه السلام بالبينات، وقيل: من بعد خروجه إلى الميقات، وأنتم ~~ظالمون باتخاذكم العجل معبودا من دون الله بعد وضوح هذه الآية، فنبههم بذلك ~~أيضا على أن من كان بالصفة التي يدعونها لأنفسهم لم يكن ينبغي أن يكون هذا ~~من فعله، وأنتم ظالمون يجوز أن يكون حالا اي عبدتم العجل وأنتم واضعون ~~العبادة في غير موضعها، وأن يكون إعراضا[333] أي وأنتم قوم عادتكم الظلم، ~~وأما قوله تعالى:{ وإذ ms3030 أخذنا ميثاقكم} على العمل بالتوراة {ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} فقد بينا نظيره فيما تقدم، وقيل: اعتد ~~هذه الآية كان حجة عليهم فيما ادعوه، فلما عادوا الدعوى أعيدت الحجة عليهم، ~~ويجوز أن يكون الأول ذكرللإعتبار بأخبار من معنى. PageV22P140 # والثاني: للحجاج، فليس بتكرير يعاب، ومعنى أو اسمعوا اي واقبلوا ما ~~تسمعونه، ومنه سمع الله لمن حمده، اي قبل حمد من حمده، ثم بين تعالى أنه ~~إذا قيل لهم هدا{قالوا سمعنا وعصينا} يحتمل أنهم قالوا ذلك على الحقيقة ~~استهزاء، ويحتمل أن يكون حالهم كحال من قال: ذلك حيث سمعوا وعصوا، وقيل: ~~القائلون لذلك هم الذين أدركوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: إنما ~~أرادوا على موسى عليه السلام بقولهم سمعنا وعصينا، ثم رجع بالعصية إلى ~~أسلافهم بقوله تعالى:{ وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} وفيه إضمار وهو ~~أشربوا حب العجل كأنهم سقوا حبه حتى خالط قلوبهم حب العجل لألفهم لذلك ~~وأعتيادهم إياه، وهذا مثل قول طرفة # ألا إنني سقيت أسود سائحا ... الا يحلى من الشراب الأنجل # وأراد به سقيت سمه فأضمر السم، وهؤلاء أتوا في ذلك لإعتقادهم التشبيه على ~~الله سبحانه حتى جوزوا العبادة لغير الله تعالى، وهذا الحب يجب أن يكون من ~~فعلهم؛ لأنهم ذموا عليه وقرعوا، ومعنى بكفرهم اي سبب كفرهم، ثم قال تعالى: ~~{قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} اي قل لهم بئس الإيمان إيمان ~~يأمركم بالكفر، فذكر ذلك ليدلهم به على أنهم ليسوا بمؤمنين، وأضيف الأمر ~~إلى الإيمان، وإن كان مجازا؛ لأنه أبلغ في بس الحقيقة كما أضيف النهي إلى ~~الصلاة في قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وقيل: هو تهكم ~~بهم واستهزاء، إذ ليس في التوراة عبادة العجاجيل. PageV22P141 # ثم بين تعالى أن من أنواع قبائحهم ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من ~~دون الناس فقال عزوجل: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}اي قل لهؤلاء اليهود إن كانت الجنة لكم ms3031 ~~خاصة من دون محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسائر المؤمنين فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين في دعواكم؛ لأن من علم أن له الآخرة وتحقق أن له ~~الكرامة عند الله تعالى فإنه لايختار الحياة الدنياء علىالآخرة، ودون هاهنا ~~على وجه الإختصاص[334] وهذا الكلام دل على الإحتجاج؛ لأن اليهود قالوا مرة ~~نحن أبناء الله وأحباؤه فكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله {قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم}والحبيب لايعذب حبيبه، وقالوا مرة أخرى ما حكى الله تعالى عنهم ~~بقوله {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} فكذبهم الله تعالى ~~فيه بقوله{تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} وقيل لهم هاهنا ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لو أن اليهود تمنوا الموت ~~لماتوا وراؤا مقاعدهم من النار)). PageV22P142 # ثم أخبر الله تعالى عن سرهم وما في عقيدتهم فقال:{ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم} فهذا خبر قاطع عن أن ذلك لايقع منهم في السمتقبل معجزة؛ لأنه علم ~~غيب، وكان كما أخبر من نفي التمني ولو نطق به أحد لكان بأقله أكثر من ~~......لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسهولة ~~الإتيان بهذه الكلمة أخبر أنهم لايأتون بذلك، فهذا إخبار جازم على أمر قامت ~~الأمارات على ضده، فلايمكن الوصول إليه إلا بالوحي، فبين أنهم لايتمنون ~~الموت أبدا خوفا من العقوبة على ما ارتكبوا من الإجرام، واكتسبوه من ~~الذنوب، وقد يقال لمن تعنف على ماكان منه من قبح هذا ما جنته يداك، وربما ~~كان ما فعله قولا باللسان، أو خيانة بالفرج، وإنما ساغ ذلك؛ لأن أكثر أفعال ~~العباد تكون باليد فكأنه، قيل ولن يتمنوا الموت بما أسلفوه من الأعمال ~~القبيحة من كفرهم بك، وجحدهم بك، من بعد علمهم بأمرك الذي وجدوه في ~~التوراة، ذكره الهادي عليه السلام، وقوله {والله عليم بالظالمين} تهديد لهم وزجر. # واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم أنهم لايتمنون الموت أخبر بعد ذلك أنهم في ~~غاية الحرص على ms3032 الحياة فقال سبحانه: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} ~~متطاولة في الدنيا لعلمهم أنهم صائرون إلى النار، ومعنى {ومن الذين أشركوا} ~~اي وأحرص ممن لاكتاب له من المشركين؛ لأنهم لايؤمنون إلابالدنيا، ويحتمل أن ~~يكون من الذين أشركوا كلام مبتدأ صفة لمبتدأ محذوف، اي ومنهم أناس يود ~~أحدهم كقوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} ويكون المراد بالذين ~~أشركوا اليهود؛ لأنهم يقولون عزير بن الله. PageV22P143 # قال في البلغة: أصل الحرص شدة الطلب، اي ولتجدن هؤلاء اليهود أحرص في الناس ~~على حياة، ومن الذين أشركوا أحرص الناس على حياة الدنيا لمعرفتهم بمالهم من ~~الخزي في الآخرة، وهؤلاء الذين يعرفون ذلك نفر يسي، روهم المعاتبون منهم، ~~إلا أنهم ابتغوا[335] الجهال منهم على وجه التغليب، وقيل: المشركون هاهنا ~~المجوس، وقيل: هم مشركوا العرب، انتهى. # فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ # قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر؛ لأن حرصهم شديد، وفيه توبيخ عظيم؛ لأن ~~الذين أشركوا لايؤمنون بالمعاد، ولايعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها ~~لايستبعد؛ لأنها جنتهم، فإذا أزاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر ~~بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ، ثم قوله تعالى: {يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة} فيه بيان لزيادة حرصهم اي يحب أحدهم أن يعيش ألف سنة يقال: عمر بعمر ~~إذا بقي، وعمره الله بعمر إذا طول عمره، ثم قال: {وما هو بمزحزحه من العذاب ~~أن يعمر} الزحزحة التبعيد والأنجاء، اي تعميره ماينجيه من العذاب ولامباعدة ~~منه، وقوله: {والله بصير بما يعملون}وعيد أي أنه تعالى عالم بأعمالهم ~~لايخفى عليه شيء منها فيجازيهم عليها. # ثم حكى سبحانه نوعا آخر هو من قبائح اليهود، ومنكرات أقوالهم، وأفعالهم، ~~فقال تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} اعلم ~~أنه لابد من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم، ~~والمفسرون ذكروا أمورا، ولنكتف هاهنا بما ذكره المرتضى عليه السلام حيث ~~قال: فإن اليهود لماسألت محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الذي ينزل عليك ~~بالوحي؟ ms3033 # فقال لهم: ((جبريل عليه السلام)) PageV22P144 فقالوا عليهم لعنة الله: فنحن أعداء جبريل، فهو عدونا؛ لأنه نزل عليك ~~بإبطال أمرنا، وهذا أعدى الخلق لنا فأنزل الله عزوجل {من كان عدوا لله}إلى ~~قوله {فإن الله عدو للكافرين} ومعنى عدو للكافرين فإنما هو مهلك لهم ومخز ~~ومعاقب، ومعنى عدو لميكائيل فإنهم سألوه من أين يأتي جبريل بالوحي؟ # فقال: ((من ميكائيل)). # فقالوا: ميكائيل أيظا عدونا، والذي نزله على قلبه فهو الوحي وما جاء به ~~جبريل عليه السلام من الكتاب، والحلال، الحرام، والدين، والإسلام، فكره ذلك ~~المشركون، وصادوه، وعاندوه، عداوة لله سبحانه، وكفرا، وبغضا، لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وتمردا حتى أذل حدودهم، ولم بالحق رؤسهم، وظهر أمر ~~الله وهم كارهون، فلما بان الحق لهم ولغيرهم واتضح أتوه، ولم يريدوه، فوضعت ~~عليهم الجزية بعد القتل، والذل فأخرجوها وهم صاغرون، فكان هذا لهم في ~~الدنيا ذلا، وخزيا، وصغارا، وفي الآخرة الهلكة، والنيران، والبلاء المبين، ~~والويل الطويل. انتهى. # ومعنى قوله سبحانه: {مصدقا لما بين يديه} أي موافقا للتوراة، فجعلوا ذلك ~~سبب العداء وحسدا، ومعناه أن عادي جبريل عليه السلام أخذ من أهل الكتاب فلا ~~وجه لمعاداته حيث[336]نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا شكروا له ~~في إنزاله ماينفعهم، ثم قال:{ وهدى وبشرى للمؤمنين} فمعنى هدا اي دلالة ~~توصل إلى البغية والمراد به، أن القرآن مشتمل على أمرين: # أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب، وأعمال الحواج، وهو من ~~هذا الوجه هدى. PageV22P145 # وثانيهما: أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ~~وإنما خص كونه هدى وبشرى للمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؛ لأنهم هم ~~الذين اهتدوا بالكتاب، فهو كقوله هدى للمتقين، وفيه وجه آخر، وهو أنه ~~لايكون لابشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على ~~حصول الخير العظيم، وهذا لايحصل إلا في حق المؤمنين، فلذا خصهم الله تعالى ~~به، أما قوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن ~~الله عدو للكافرين}فاعلم أنه تعالى ms3034 لما بين في الآية الأولى أن من كان عدوا ~~لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجب أن ~~يكون عدوا لله، وكان الله عدوا له، فبين أن في مقابلة عداوتهم مايعظم ضرب ~~الله عليهم، وهو عداوة الله لهم؛ لأن عداوتهم لاتؤثر، ولاتنفع، ولاتضر، ~~وعداوته تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه. # قال في البلغة: المعنى من كان عدوا لجبريل كان عدوا لله والملائكة ورسله، ~~وعدوا لجبريل وميكائيل، فأعيد ذكر جبريل بعد ذكر الملائكة؛ لأن لايوهم ~~اليهود أن جبريل ليس من الملائكة الذي ذكرهم الله، وقيل: أعيد تشريفا له، ~~والعدوا هو المعادي، والعداوة أراده إنزال الأضرار بالغير بغضا له، ولايجوز ~~أن يكون أحد عدوا لله على الحقيقة؛ لأن المضار لاتجوز على الله سبحانه، ~~ومعنى فإن الله عدو للكافرين من عادى أولياء الله الذين تقدم ذكرهم في أول ~~الآية كفر، والله عدو للكافرين؛ لأنه يريد إنزال المضرة بهم. انتهى. # وقوله {عدو للكافرين} اي لهم، جاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم ~~لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وعداوة الأنبياء كفر، ثم قال تعالى: {ولقد ~~أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} المتمردون من الكفرة. PageV22P146 # وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من ~~كفر وغيره، اي أنزل عليك يا محمد آيات واضحات وهي معجزاته. # وقيل: هي آيات القرآن، ولا يكفر بتلك الآيات إلا من كان فاسقا، وهذا على ~~معنى أنه خرج من دينه الذي يدعيه، وعن جميع طاعة الله؛ لأن الكفر أعظم ~~الفسق الذي [337]ليس يكفر، والذين عنوا بذلك هم اليهود الذين جحدوا بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخرجوا بذلك عن أديانهم. # ومن قبائحهم التي حكاها الله قوله تعالى:{ أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم}. # قال في الكشاف: الواو للعطف على محذوف، معناه أكفروا بالآيات البينات، ~~وكلما عاهدوا رجعوا عن الميثاق، واليهود مؤمنون بالغدر، أولهم وآخرهم، ~~وكلما للتكرار، اي قد تكرر منهم النقض ms3035 وقال فريق منهم: لأن منهم من لم ~~ينقض. انتهى. # والمقصود من هذا الإستفهام الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه الآن مثل ذلك ~~إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت، ويدل عليه قوله {أوكلما ~~عاهدوا عهدا} نقضوه ونبذوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه تعالى ~~أراد تسلية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن كفرهم بما أنزل الله عليه من ~~الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم، وعادة سلفهم، على ~~مابيناه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال، ثم ~~لما كان يجوز أن ذلك الفريق هم الأقلون، بين أنهم الأكثرون، فقال تعالى:{ ~~بل أكثرهم لا يؤمنون} اي أكثر هؤلاء المعاهدون لايؤمنون، وقيل: أكثر أهل ~~العهود لايؤمنون وإن كان منهم من ينقض عنادا، ومنهم من ينقض جهلا، فأتبع ~~بعضهم بعضا تغليبا كذى في البلغة، وقال بعضهم : في معناه قولان: # الأول: أن أكثر أولئك الفساق لايصدقون بكره أبدا لحسدهم. PageV22P147 # والثاني: لايؤمنون، اي لايصدقون بكتابهم؛ لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين، ~~مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم، ثم لايعملون بموجبه ~~ومقتضاه، وقوله تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ ~~فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} هذا ~~الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولما جائهم محمد وصدق ما معهم على ~~التفسير الذي مر في التصديق، نبذ طائفة من أهل الكتاب، وهم المعاندون الذين ~~عرفوا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما جائهم أنكروه، وكتمو ~~أمره، ولبسوا على العوام صفته، ونبوته، وأثاره، والكتاب الذي نبذوه قيل: هو ~~التوراة؛ لأنهم عرفوا ما عرفوه من نبوته، وصفته، وأثاره، وقيل: هو القرآن؛ ~~لأنه بين في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمي، ومبعثه، ~~وكتابه الذي ينزل عليه، فلما جائهم الكتاب الذي عرفوه نبذوه وراء ظهورهم ~~كأنهم لايعلمون، وفيه دلالة على أنهم[338]نبذوه عن علم ومعرفة؛ لأنه لايقال ~~إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على ms3036 أن هذا الفريق كانوا عالمين ~~بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون. # وأما قوله نبذوه وهو مثل لتركهم، وإعراضهم عنه، مثل يرمى به وراء الظهر، ~~استغناء عنه، وقلة الإلتفات إليه. # ثم أخبر تعالى عن نوع آخر من قبحائهم وهو اشتغالهم بالسحر، وإقبالهم ~~عليه، ودعاؤهم الناس إليه فقال عزوجل: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان} الضمير في اتبعوا راجع إلى هؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم، اي ~~نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحرة. # وروي أن متبعي السحر من اليهود لم يزالوا على ذلك منذ عهد سليمان إلى أن ~~بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. PageV22P148 # وروي أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم زمانا عن أمور من ~~التوراة فلم يسألوا شيئا إلا أنزل الله عليه الجواب عنه، فأجابهم به، فلما ~~راؤا أنه خصمهم قالوا: هذا أعلم بما أنزل علينا منا، فسألوه عن السحر، ~~وجادلوا فيه أشد المجادلة، فأنزل الله تعالى{اتبعوا ما تتلو الشياطين على ~~ملك سليمان وما كفر سليمان} فنفى الكفر عن سليمان عليه السلام، وكان سببه ~~أن اليهود أضافوا السحر إليه، فبرأه من ذلك، وبين أن السحر من الكفر، وكان ~~سبب إضافتهم السحر إلىسليمان أنه عليه السلام لما رائ السحر فشى في زمانه ~~واشتغل الناس به وهاجت الفتنة منه جمع كتب السحر التي كانت في أيدي الناس ~~تحت كرسيه، وقيل: في خزانته لئلا يعمل بما فيها، فلما مات عليه السلام ~~أخرجوها من موضع دفنها، وزعمت الشياطين الذين كانوا تحت يداه أنه كان أقوام ~~ملكه بهذا، فقبل اليهود ذلك وأشاعوه فيما بينهم، لعدواتهم لسليمان عليه ~~السلام، قيل: قال بعض أحبار اليهود: ألاتعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان ~~نبيا والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله تعالى {وما كفر سليمان ولكن ~~الشياطين كفروا} باستعمال السحر وتدوينه {يعلمون الناس السحر} لقصد الإغواء ~~والإضلال، وسماه كفرا تكذيبا للشياطين، فيما نهيت به سليمان من اعتقاد ~~السحر والعمل به. # قال القاسم عليه السلام: والسحر أمر لايؤاتي أهله، إلا تعظيم من الكفر. ms3037 PageV22P149 # وفي معنى هذه الآية يقول المرتضى عليه السلام: هذه حكاية من الله عن أهل ~~الشرك من اليهود وأمثالهم، كانوا يزعمون أن ملك سليمان صلى الله عليه وآله ~~وسلم [339]وما نال إنما هو سبب السحر، وأنه كان يسحر حتى نال من الملك، ~~فعليهم لعنة الله، فقد كانوا زورا، وبهتانا، وأجترؤا في قولهم، وكفروا ~~بخالقهم، فأبرأ الله سبحانه سليمان من ذلك فقال: {وما كفر سليمان ولكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر}فكان فعلا من شياطين الأنس والجن، ~~وافتراء على سليمان، فبرأه الله من قولهم، ونزهه من كلامهم، وبين كذبهم، ~~وقبح مقالتهم، وإنما كان أهل الزيغ والكفر ينسبون السحر الذي كان بابل ~~هاروت وماروت إلى ملكين من الملائكة فقال الله تعالى: نفيا عنهما{وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت} فنفى الله ذلك عنهما، أراد سبحانه وما ~~أنزل مما يقولون عليهما شيئ، ولا فعلاه، وإنما كان اللذان يسحران ببابل ~~هاروت وماروت رجلين كانا .................أمرين فيها، ناهنين، وهاروت ~~وماروت فهما قريتان، وهي بلغة النبطية القرية، فكانا يعلمان السحر، كما ذكر ~~الله عنهما، ثم يروي أنهما تابا، فكان من قصتهما ما قدمناها إليكم، وأما ~~قوله سبحانة: {ومايعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}فقال ~~عليه السلام: هذا إخبار من الله عزوجل بما كان يقول ملكا القرية، الذي ~~ذكرالله عزوجل ببابل، فكانا لايعلمان أحد السحر حتى يقولا له إنما نحن فتنة ~~فلات تكفر، وينهيانه عن ذلك، ويظنان أن لهما بهذه المقالة سلامة عند الله، ~~فإذا أبا وألح عليهما علماه السحر، وما يضره ويضرهما. # قال في الكشاف: هاروت وماروت، عطف بيان للملكين، علمان لهما، والذي أنزل ~~عليهما هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس. PageV22P150 # قلت: وهذا غير صحيح، لما ذكره أئمتنا عليهم السلام من ذلك قول المرتضى عليه ~~السلام : الذي ذكرناه في هاروت وماروت، وقوله عليه السلام أيضا، وقد قالت: ~~في ذلك الحشوية يقول عظيم عند الله سبحانه، جليل في أمر الملكين، وما كان ~~منهما، وهذا قول لا يقول به مؤمن يؤمن بالله، وكيف يجوز لأحد أن ms3038 يدخله شك ~~فيما هو أبين من الشمس؛ لأن من شك في هذا ونسبه إلى الملائكة فقد كذب الله ~~سبحانه، وكفربه، وسواء عليه نسبه إلى الملائكة، أو جحد محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو جحد الكتاب؛ لأن الكتاب إنما هو من عند الله، وكذلك النفي عن ~~الملكين من الله، وفي ذلك ما يقول الله عزوجل في الملائكة:{ لا يعصون الله ~~ما أمرهم}فشهد لهم بالطاعة، ثم قال:{ يسبحون الليل والنهار لا يفترون}فشهد ~~لهم تبارك وتعالى بالعبادة، وأختارهم لوحيه، وإنفاذ أمره، ونهيه، وأتمنهم ~~على ما تعبد به خلقه، وقد ذكرالله [340]عزوجل الملائكة عليهم السلام حين ~~قال المشركون: لولا نزل عليه ملك، فقال سبحانه:{ لو كان في الأرض ملائكة ~~يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} فأخبر سبحانه أنهم ~~لايطمئنون في الأرض، ولايمشون معهم، ولايبدون لهم، وقال سبحانه: في موضع ~~آخر{وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون} ~~فأخبر سبحانه لولا أنه أنزل ملكا لقضى الأمر، يقول لو أنزل ملكا حتى ينظر ~~ويخاطب لقضى الأمر، وقامت القيامة؛ لأن ظهور الملائكة للأدميين لايكون إلا ~~في القيامة، أو عند الموت، فهذا ايضا تصديق لما قلنا به؛ لأنه لو تناقض قول ~~الله سبحانه لتضادت أحكامه، ولو وقع الخلل فيما شرح الله وقص في كتابه، ولو ~~كان في ذلك من الفساد مالايقع معه أبدا ........والله سبحانه برئ من ذلك، ~~لايختلف قوله، ولا يتناقض حكمه، الصادق في وعتده ووعيده، PageV22P151 البرئ من ظلم عبيده، وقال سبحانه: في طاعة الملائكة وأبعاد مايقول به ~~الظالمون فيهم {قالوا اتخذ الله ولدا} يريد أهل الكفر عليهم لعنة الله بذلك ~~الملاكة فقال سبحانه: {بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون} فشهد لهم بأنهم عباد مكرمون، وأنهم لايسبقونه بالقول، يريد عزوجل ~~أنهم لايقولون إلا ما أمرهم به، ولايمضون إلا ما أمرهم بإمضائه، ثم قال في ~~آخر الآية:{وهم من خشيته مشفقون} فكيف يحل للمسلم أن يقول فيمن كانت هذه ~~حاله، وهذا خبر الله عنه، أن منهم من قد ms3039 عصى الله، ونزل مع الخلق، وعلمهم ~~السحر، هذا قول فاحش عظيم، لايقول به مؤمن، ولاعبد مكرم، إلا أن انتقص أمر ~~الله، وتكذيب قوله، فيكون من الهالكين، وعند الله من الملعونين؛ لأن في ~~الملائكة خبرين من الله: # أحدهما: أنهم لايطمئنون في الأرض مع الخلق يحدثونهم، ولايبدون لهم إلى ~~يوم القيامة، وأنهم لوبدلوا في هذه الدنيا لقامت القيامة، ولم يذكر عزوجل ~~أنهم يظهرون في هذه الدنيا إلا لمن ذكر من أنبيائه، أو لمن حضرته الوفاة. # والخبر الثاني: أنهم لايعصون الله، ولايسبقونه بالقول، فأثنى عليهم، ~~ومدحهم بالطاعة، والعبادة، وفي أقل مما احتججنابه هدى وشفا لمافي الصدور، ~~وبرهان واضح في جميع الأمور، لاشبهة، ولا ارتياب، والله نسأل حسن التوفيق ~~للصواب، والعون على واضح الجواب. انتهى. # قال الحسين بن القاسم عليهم السلام: في قوله تعالى:{ حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة[341] فلا تكفر}معناه يتأولانه في ذلك أنهما قد أمرا بالخي،ر ونهيا عن ~~السحر، ويخدعان انفسهما بالتأويل الفاحش المستنكر، فلو أنصفا عقولهما لعلما ~~أنهما يخدعان أنفسهما، وأنهما قد نقضا ما تكلما به عند تعليمهما، وهذا ما ~~أمرهما بالخير عند تعلمهما السحر. انتهى. PageV22P152 # وقوله تعالى:{ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} من السحر ~~والخدع، الذي يباعد بين الناس، والتمائم الحيل، ثم قال سبحانه: {وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله}اي ما يضرون أحدا إلا بترك الله لهم، ~~ولوشاء سبحانه لمنعهم، ولكنه تركهم، وأنظرهم، وأملا لهم، وفي هذا يقول ~~القاسم عليه السلام: الأذن من الله في هذا الموضع هو التخلية، والإستطاعة، ~~التي جعلها الله في الساحر، والتقوية، ولس بأذن من الله ولا رضى. انتهى. # {ويتعلمون ما يضرهم}لأنهم يقصدون به الشر{ولا ينفعهم} لأنهم يقصدون به ~~السحر، فتمسكوا بالباطل، ونبذوا الحق وراء ظهروهم. # قال في البلغة: وهذه الآية من المتشابهات، فيجب على المتأول التثبت في ~~تأوليها، ولايتورط فيه؛ لأن الله تعالى قد بين في الآية، وذكر فيها مايتوصل ~~به إلى المراد، وما أنزل الله تعالى آية من المتشابهات إلاوقبلها آية ~~محكمة، أو ذكر في آخرها، أو خلالها، ms3040 ما يمكن استخراج المراد بما ذكره لمن ~~تأمل بعين النصفة، وتدبير حق التدبير، وإذا فعل غير ذلك لم يكن معذورا في ~~التأويل، فأما ما يهدي به الجهال، والقصاص، أن هاروت وماروت كانا ملكين ~~عصيا وعذبهما الله تعالى عذابا مخصوصا، فزور وبهتان وجهل بحال رسل الله ~~عليهم السلام، وتكذيب بالآيات المنزلة في وصف الملائكة عليهم السلام، ودلا ~~بدليل القاطع على أن رسل الله سوا كانوا ملائكة أو بشر لايرتكبون الكبائر، ~~وأنهم معصومون، فيكف يجوز إضافة المعاصي إليهم صلى الله عليهم أجمعين. انتهى. PageV22P153 # ثم قال تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} يعني ~~وهؤلاء الذي تقدم ذكرهم في أول الآية علموا أن من اشترى ذلك السحر منهم بأن ~~يقبله منهم، ويطيعهم فيه، لم يكن له نصيب في الجنة والثواب، وقيل: من خلاق ~~من دين؛ لأن من استبدل السحر بالإيمان لم يكن له دين ونصيب في الآخرة، ~~وإنما قيل لمن اشتراه؛ لأنهم كانوا يأخذون من الناس الرشا على التعليم، ~~فجعل ذلك بمنزلة الشرى والبيع، فهؤلاء الذين علموهم المعاندون من اليهود، ~~وهم نفر يسير، يجوز على مثلهم العناد، ثم قال سبحانه: {ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون} اي وما أخذوه من حطام الدنيا على تعليم السحر بئس ~~شيئا باعوا به أنفسهم[342]لأنهم بذلك أهلكوها، وباعوا نعيم الآخرة بغرض ~~الدنيا، فإن قيل: كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله {ولقد علموا}ثم نفاه ~~عنهم في قوله {لو كانوا يعلمون}. # قلنا: ذكروا في الجواب عنه وجوها: # أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، والذين علموا هم الذين علموا ~~السحر، ودعوا الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال الله في حقهم:{نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} وأما الجهال ~~الذي يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لايعلمون، وهذا جواب الأخفش، وقطرب. # وثانيها: لو سلمنا أن القوم واحد ولكنهم علموا شيئا، وجهلوا شيئا أخر، ~~علموا أنه ليس لهم في الآخرة خلاق، ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع ms3041 ~~الآخرة، وماحصل لهم من مضارها وعقوباتها. # وثالثها: لو سلمنا أن القوم واحد، والمعلوم واحد، لكنهم لم ينتفعوا ~~بعلمهم، وأعرضوا عنه، فصارذلك العلم كالعدم، كما سمى الله الكفار صما وبكما ~~وعميا، فلم ينتفعوا بهذه الحواس، فجعلهم حين لم يعملوا به منسلخين عنه ~~والله اعلم. PageV22P154 # ثم قال سبحانه: {ولو أنهم آمنوا} برسول الله والقرآن {واتقوا لمثوبة} اي ~~لشيء من الثواب{من عند الله خير لو كانوا يعلمون}المثوبة الثواب اي لو آمن ~~هؤلاء وجانبوا المعاصي لعلموا أن ثواب الله خير من السحر، وهو ثواب الله ~~خير من السحر، فإن قيل: إذا كان الثواب خيرا فما معنى قوله لو كانوا ~~يعلمون؟ # قلنا: أجاب عنه بعض العلماء، بأن معناه أن لو كانوا يعلمون لظهر لهم ~~العلم بذلك. # وقال غيره: في الآية دلالة على جهلهم، وترغيب لهم في أن يعلموا ذلك، ~~ويطلبوا ما هو خير لهم من السحر، وهو ثواب الله، واللام في قوله لمثوبة لام ~~الأبتداء، وجواب لو قدر في المثوبة، وتقديره ولو أنهم أمنوا واتقوا ~~لأثيبوا. # وقيل: شبهت لو بلأن، فأجيب لو بجواب لأن، تقديره لأن آمنوا لمثوبة. # واعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أراد من هاهنا أن شرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه، والطعن في دينه، فقال سبحانه: في ~~النوع الأول من هذا الباب مخاطبا للمؤمنين:{ ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا وقولوا انظرنا} ذكر جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قول ~~راعنا لاشتماله على نوع معناه، وذكروا فيه وجوها: # قال: المرتضى عليه السلام: راعنا كلمة كانت تقولها العرب لمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم فعابها الله[343] من قولهم لأنها كلمة فظة جافية، استبقوها ~~من طريق الرعية، يريدون بذلك راعنا، واسغ إلى قولنا، واسمع منا، فكره الله ~~سبحانه ذلك من قولهم، فأمرهم أن يقولوا انظرنا أي انظر إلينا، والنظر فهو ~~من طريق التعطف والرحمة،{ واسمعوا} يعظكم الله به ورسوله، واقبلوه. انتهى. # يقال: ms3042 راعني سمعك أي اسمع ما أقوله. PageV22P155 # والثاني: كان المؤمنون إذا ألقىعليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~شيئا من العلم يقولون راعنا، اي انظرنا، وامهلنا حتىنفهمه، وكان لليهود ~~كلمة يتسابون بها، وهي راعنا، فلما سمعوا من المسلمين راعنا غنموا الفرصة، ~~وخاطبوا الرسول بها، وعنوا كلمتهم المسبة، فنهى المسلمون عنها. # قال في البلغة: وكان سبب النهي عن هذا القول أن اليهود كانوا يلوون ~~ألسنتهم بتحريف هذا اللفظ في باب الرعونة، سبا، واستهزاء، وإذا عوتبوا عليه ~~قالوا: إنما نقوله كما تقوله المسلمون، فنهى الله المسلمين عن هذا القول، ~~وأمرهم أن يقولوا بدله أنظرنا، ومعناه انتظرنا، لئلا يكون لليهود به تعلق. # وقيل: كان ذلك كلام ليهودي بعينه. انتهى. # والثالث: أن اليهود كانوا يقولون راعنا، اي أنت راعي غنمنا، فنهاهم الله ~~عنه، وقال: فطرت هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى، إلا أن أهل الحجاز ما ~~كانوا يقولونها إلا عند الهزء، والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها إحلالا ~~لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال عزوجل: {وللكافرين} اليهود الذين ~~تهاونوا بالرسول وسبوه {عذاب أليم} فبين ما للكافرين من العذاب الأليم، إذ ~~لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة، مع الإعظام، والتبجيل، والإصغاء، لما ~~يقوله، والتفكر فيما يقول. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على تحريم ما يكون وصله إلى ~~باطل، كما فعل اليهود لعنهم الله ذلك ذريعة إلى سب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. انتهى. PageV22P156 # واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر ~~المؤمنين منهم، فوصفهم بما يوجب الحذر منهم، فقال: {ما يود الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ولا المشركين} الذين لاكتاب لهم{أن ينزل عليكم من خير من ربكم} ~~اي لايحب الكفار من اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، أن ينزل الله عليكم ~~خيرا حسدا، وعداوة، وبغضاء، فنفى عن قلوبهم الود، والمحبة لكل ما يظهر به ~~فضل المؤمنين، قيل: الخير النبوة هاهنا، وقيل: هو الإنعام بالثواب، وقيل: ~~بالألطاف، والأول أقرب. # ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لايؤثر في زوال ms3043 ذلك فقال:{ والله يختص برحمته ~~من يشاء} الرحمة هاهنا هي النعمة بالنبوة،[344]اي ويختص الله تعالى من يشاء ~~من خلقه، وهو من يصلح لها، كما خص بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين ~~أهل زمانه، ثم قال:{ والله ذو الفضل العظيم} وفضل الله عظيم على خلقه، ~~وإعطاؤه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم النبوة من فضله العظيم، وهو كما قال ~~متمننا: {وكان فضل الله عليك عظيما} ولما ذكر سبحانه أن هؤلاء الكفار ~~لايحبون أن ينزل الله على النبي والمؤمنين خيرا، بين في الآية الأخرى أنه ~~لايخليهم من إنزال خير، وإن كان الكفار لايحبونه، ولا يريدونه، فقال تعالى: ~~{ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}. # اعلم أن هذا النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام فقالوا ألا ترون إلى ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم ~~بخلافه، ويقول اليوم قولا، فيرجع عنه غدا، فنزلت هذه الآية. PageV22P157 # قال في البلغة: وفائدة النسخ في اللغى يرجع إلى الرفع والإزالة، يقال: نسخت ~~الشمس الظل، ونسخت الكتاب نسخا إذا أنقلته من موضع إلى موضع، وحد النسخ على ~~اصطلاح العلماء أنه ألة حكم كان ثابتا بالنص بحكم آخر، على وجه لولا الثاني ~~لكان الأول ثابتا بالنص المتقدم مع تراخيه عنه، والنسخ يقع في الأوامر، ~~والنواهي، وما معناه معناهما. انتهى. # والمعنى ماننسخ من حكم آية اي نزيلها بآية أخرى مكانها أو ننسيها. # قال عبد الله بن الحسين عليهما السلام: اي نتركها بحالها لانغيرشيئا مما ~~حكمنا به فيها، والنسخ لايكون إلا على معنى واحد، وهو نسخ الحكم دون ~~التلاوة. # قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: وهذا قول قدما أهل البيت عليهم ~~السلام، ومعنى الآية على هذا ما ننسخ من حكم آية نأت بخير منها، وما ننسها ~~اي نتركها على حالها، فلمصلحة تركناها، وبقينا حكمها، وحذف جواب نسيها ~~للعلم به والله اعلم. # قال الهادي عليه السلام: معنى نأت بخير منها اي في التخفيف والرحمة، فإما ~~على معنى ms3044 الإبطال لها فلا يجوز لأحد أن يقول ذلك، ولو أن أحدا أنكر من ~~القرآن آية، لوجب عليه أن يستتاب، فإن تاب وألا قتل. انتهى. PageV22P158 # قال في البلغة: معناه نأت بما هو أنفع من الأول للكملفين؛ لأن القرآن ~~لايكون بعضه خير من بعض، من حيث هو قرآن كلام الله سبحانه، وإنما يكون بعضه ~~خيرا من بعض لأمر يرجع إلى مصالح العباد، ثم وجوه المصالح تختلف بحسب ~~اختلاف العباد، فلا نجري على طريقة واحدة، فربما اعتبر العبد بشيء في وقت ~~بعينه، ولم يعتبر به وقتا آخر، وربما[345]وقع اعتباره، بعين وشخص، وقد فعل ~~شيء أنفع له في باب الثواب وقتا وغيره لايكون كذلك، وقد يتساوى الشيئان في ~~باب النفع، إلا أن أحدهما في وقت كان أصلح، وأدعى له إلى فعل ما يجب عليه، ~~وكل ذلك تابع أخبار العبيد لاغير، ولهذا ما يشدد التكليف عليه في وقت وسهل ~~في وقت تابع آخر، فإذا صحت هذه الجملة فقوله تعالى: {نأت بخير منها أو ~~مثلها} يحتمل أن يكون خيرا منها في باب التسهيل، والتيسير، فيحتمل أن يكون ~~أدعى له إلى فعل الواجبات، وزاجر عن المقبحات، ومعنى أومثلها أي مثل الآية ~~الأولى في باب التسهيل، أو مثلها، في كونه أنفع في باب الثواب، إلا أنه ~~أصلح في هذا الوقتن وادعى إلى الطاعة، بحسب اختلاف أحوال العبد، إذ لو لم ~~يكن قوله أو مثلها متضمنا لشيء مما ذكرنا رفع لكان رفع الأولى وتبديلها ~~بمثلها عبثا، وقد دل الدليل القاطع على أن الله سحبانه متعال عن فعل العبث، ~~فاقتران الدليل بذلك ألد من النطق بما ذكرنا، أن لو نطقت الآية. انتهى. PageV22P159 # ثم قال سبحانه:{ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} يقدر على الخير وما هو ~~خير منه، وعلى مثله، قيل هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا ~~كان الخطاب له فالآف في قوله ألم تعلم دخلها معنى التقرير والتنبيه على ما ~~علم صلى الله عليه وآله وسلم من كون الله قادرا على كل شيء قدير، ms3045 وقيل: ~~الخطاب له، والمراد غيره، فعلى هذا الوجه كانت الآلف دخلها معنى الإنكار، ~~والتوبيخ، والكلام في قوله ألم تعلم في الآية الثانية على هذا المنهاج يؤكد ~~الوجه الأخير من التأويل آخر الآية وهو قوله:{وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير} لأن هذا الخطاب ليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنىالآية ~~ألم تعلم إيها السامع أن الله قادر على آيات، وسور مثل القرآن ينسخ بها ~~أمره المتقدم، ليقوم ذلك مقام المنسوخ في باب النفع أو يكون أكثر نفعا. PageV22P160 # ولما حكم عزوجل بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السماوات والأرض له لا لغيره ~~فقال:{ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} فهو يملك أموركم، ~~ويديرها، ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو اعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ~~ومنسوع، {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} الولي هو القائم بالأمور، ~~المتولي لها، وقيل: القرب لمابين لهم أنه مالك لأمورهم ومدبرها على حسب ~~مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله ألم تعلم، أراد أن ~~يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم ممايتعبدهم به، وينزل [346] عليهم، وأن ~~لايقترحوا علىرسولهم، وما أقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من ~~الأشياء التي كانت عاقبتها وبالا عليهم كقولهم {اجعل لنا إلها}،{أرنا الله ~~جهرة} وغيرذلك، وذلك قوله سبحانه:{ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل ~~موسى من قبل} الأستفهام في قوله أم تريدون للإنكار، واختلفوا في المخاطب به ~~على أقوال: # أحدها: أنهم المسلمون، وهو قول الأصم، والجبأي، وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه: # الأول: أنه قال: في آخر الآية {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي نسك في ~~الآيات، ويطلب غيرها{فقد ضل سواء السبيل} وهذا الكلام لايصح إلا في حق ~~المؤمنين. # الثاني: أن قوله: {أم تريدون}يقتضي معطوفا عليه، وهو قوله {لا تقولوا ~~راعنا} فكأنه قال:{ وقولوا انظرنا واسمعوا} فهل تفعلون أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم. # الثالث: أن المسلمين كانوا يسألون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور ~~لاخير لهم في البحث عنها، ليعلموها، ms3046 كما سأل اليهود موسى عليه السلام مالم ~~يكن لهم خير عن البحث عنه. PageV22P161 # الرابع: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط، كما كان للمشركين ذات ~~أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عندها المأكول، والمشروب، كما ~~سألوا موسى أن يجعل لهم ذات إلها آلهة. # القول الثاني: أنه خطاب لأهل مكة، وهو قول بن عباس، ومجاهد، قيل: أن عبد ~~الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رهط من ~~قريش فقال: يا محمد والله لا أؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو ~~تكون لك جنة من نخيل، وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من ~~زخرف، أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل عليناكتاب نقرؤه ~~من عند الله إلى عبد الله بن أمية أن محمدا رسول الله، فاتبعوه، وقال له ~~بقية الرهط: فإن لم تستطيع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه ~~الحلال، والحرام، والحدود، والفرائض، كماجاء موسى إلى قومه بالالواح من عند ~~الله فيها ذلك، فنؤمن لك عند ذلك، فأنزل الله تعالى{أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم} محمدا بالآيات من عند الله كماسأل السبعون، فقالوا: أرناالله جهرة. # وعن مجاهد: أن قريشا سألت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم ~~الصفاء ذهبا، فقال: ((نعم هولكم كالمائدة لبني إسرائيل)). PageV22P162 # القول الثالث: المراد اليهود، قال بعضهم: وهذا أصح؛ لأن[347]هذه السورة من ~~أول قوله {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي} حكاية عنهم، ومحاجة معهم، ولآن ~~الآية مدنية؛ ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكرهم، ولآن المؤمن بالرسول لا ~~يكاد يسأله، أماإذا سأل كان مبدلا كفر بالإيمان، ومن استبدل الكفر بالإيمان ~~واختار الكفر وترك الإيمان فقد ضل قصد الطريق، والطريق الدين هاهنا، وذكر ~~سبحانه النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين فقال:{ ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا} روي أن فنخاص بن عارورا، ms3047 وأربد بن ~~قيس، ونفرا من اليهود، قالوا: لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، بعد وقعة ~~أحد، ألم تروا ما أصباكم، ولوكنتم على الحق ماهزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو ~~خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ # قالوا: شديد. # قال فإني قد عاهدت الله ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ماعشت. # فقال اليهود: أما هذا فقد رضينا. # وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن ~~إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأخبراه فقال: ((أصبتما خيرا، وأفلحتما)) فنزلت الآية، ثم ~~ومعنى{حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} أي وما يريدون ذلك إلا ~~للحسد، والبغض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد عرفوا صحة نبوته ودينه، ~~فأنكروا، وعاندوا، فدلت الآية على عنادهم، تدل على تحريم محبة رجوع أهل ~~الحق إلى الباطل، وعلى تحريم الحسد، ذكره إمامنا المنصو بالله عليه السلام. PageV22P163 # وأما قوله:{ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} ~~فقد يكون الصفح بمعنى العفو، ويكون بمعنى الأعراض عن الشيء، فكأنه قيل لهم ~~أعرضوا عن مكافأة هؤلاء اليهود، واعفوا عن جهلهم، وعداوتهم، إلى أن يأتي ~~أمر الله إياكم، بمعاقبتهم، وقتالهم، أو يعاقبهم هوجل وعلا. # قال بعضهم: أما قوله تعالى:{ فاعفوا واصفحوا} فهذا يدل على أن اليهود بعد ~~ما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقا الشبه علىما بينا، ~~ولايجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو، والصفح، علىوجه الرضى بمافعلوا؛ لأن ذلك ~~كفر، فوجب حمله على أحد أمرين: # الأول: أن المراد ترك المقابلة، والإعراض عن الجواب؛ لأن ذلك أقرب إلى ~~تسكين الفتنة، لثآثره في الوقت، وكما أنه تعالى أمر الرسول بالعفوا والصفح ~~عن اليهود فكذا أمره بالعفوا والصفح عن مشركي العرب، بقوله تعالى:{ قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون [348] أيام الله} وقوله: {واهجرهم هجرا ~~جميلا} فلذلك لم يأمر بذلك على الدوام، بل علقه بغاية فقال: {حتى يأتي الله ms3048 ~~بأمره}. # والأمر الثاني: أن المراد بالعفوا والصفح حسن الأستدعاء، واستعمال ما يجب ~~فيه النصح، والإشفاق والتسديد، وعلى هذا لايجوز نسخه، وإنما يجوز على الأمر ~~الأول، أما قوله تعالى:{إن الله على كل شيء قدير} فهو تحذير لهم من الوعيد، ~~سوى حمل على الأمر بالقتال، أوعلى غيره، أي أنه قادر علىمعاقبتهم، ~~وعلىالإذن في قتالهم فهم لايعجزونه، ولا يفوتونه. PageV22P164 # واعلم أن الله تعالى لما أمرهم بالصفح عنهم أمرهم بفعل ما يعينهم علىالصبر ~~وهو الصلاة، كما قال تعالى:{ واستعينوا بالصبر والصلاة...} الآية، فقال ~~سبحانه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله} وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأشياء؛ لأن ذلك لايرغب فيه، فنفى ~~المراد واحدان ثوابه وجزائه، ثم قال:{ إن الله بما تعملون بصير} أي لايخفى ~~عليه القليل من الأعمال؛ لأنه يعلمها علىالتفصيل، فيجازيكم عليها، وهوترغيب ~~من حيث أنه تعالى يجازي علىالقليل من الأعمال، وتحذير من خلافه الذي هو ~~الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن ومايؤدي إليه، فلماكان مايأتيه المرء من ~~الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة وجب أن يوصف بذلك، وعلىهذا الوجه قال ~~تعالى: { وافعلوا الخير}. # ثم ذكر سبحانه النوع الرابع من تخليط اليهود، وإلقا الشبهة في قلوب ~~المسلمين، فقال تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} ~~هودا جمع هايد. # وقال المرتضى عليه السلام: إنما قيل هودا أو نصارى من طريق الترحيم، ~~وإنما هو اليهود والنصارى، وذلك جائز، في ترحيم الشيء. انتهى. # قال في البلغة: خرج هذا الكلام مخرج الإختصاص، وتقديره أن أهل الكتاب ~~قالوا ذلك، فاليهود منهم قالوا: لن تدخل الجنة إلا اليهود، والنصارى، ~~قالوا: لن تدخل الجنة إلا النصارى، وهذه الطريقة موجودة في لغة العرب، ألا ~~ترى إلى قول حسان بن ثابت حين يقول: # أمن يهجوا رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # وتقديره ومن يمدحه، ومن ينصره سوى، فاختصره لدلالة الكلام الأول عليه. انتهى. PageV22P165 # ثم قال عزوجل:{ تلك أمانيهم} أي تمنيهم على الله ما لايستحقونه، وقيل: تلك ~~أباطلهم بلغة قريش، وقيل: أقاويلهم ms3049 وتلاوتهم، والمراد أن ذلك متمناهم، ثم ~~أنهم لشدة تمنيهم[349]لذلك قدروه حقا في أنفسهم، فإن قيل لم قال تلك ~~أمانيهم وقولهم لن تدخل الجنة أمنية وأحدة؟، قيل: اشير بها إلى الأماني ~~الباطلة أمانيهم، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم تكذيبا ~~لهم{قل هاتوا برهانكم} أي حجتكم على صحة ماتدعونه {إن كنتم صادقين} في ~~دعواكم الإختصاص بالجنة، وهذا وإن كانت صيغته صيغة الأمر، فليس بأمر، وإنما ~~هوسؤال التعجيز ليظهر كذبهم قال سبحانه:{ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ~~فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} من حق بلى أن يكون جوابا ~~وفيه وجوه: # الأول:أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. PageV22P166 # الثاني: أنه تعالى لمانفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله ~~برهانا، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من ~~يدخل الجنة؛ لكي يقطعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فأما معنى ~~من أسلم وجهه لله فقال في البلغة: يقال في اللغة أسلمه إلى كذا إذا صرفه ~~إليه، وأسلم له إذا أخلص له، وسلم له إذا خلص له، ومعنى أسلم وجهه هاهنا ~~وجه وجهه لطاعة الله، وقيل: أخلص نفسه لطاعة الله؛ لأنه قد يذكر بعض ~~الجملة، ويراد به الجملة كما قال الله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} فأراد ~~بالرقبة صاحبها، وكذلك ذكر هاهنا الوجه، وأراد به صاحب الوجه، وقيل: أريد ~~بالوجه هاهنا وجهته في الدين، وقيل: أسلم وجهه معناه استسلم لأمر الله، ~~ومعنى محسن مطيع لله بفعله الحسن، وبين تعالى أن من كانت هذه صفته فله ~~الثواب عند الله، ولا خوف عليه في مواضع الخوف، ولا يحزن في مواطن الحزن في ~~الآخرة، ومن قد تكون للواحد والجمع، فلهذا قال: في أول الآية{فله أجره}، ~~وفي أخرها {ولا هم يحزنون}. # واعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم بعده فقال:{ وقالت ~~اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} أي يعتد ~~به، هذه مبالغة عظيمة؛ ms3050 لأن المعدوم شيء، وجعلوا هدايتهم أقل من لاشيء. # قال بن عباس: قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأتاهم أحبار يهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على ~~شي من الدين، وكفروا بعيسى والأنجيل. PageV22P167 # وقالت النصارى: لليهود مثل ذلك، وكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية، وبين أن القائل وإن كان من أهل الكتاب فإنه لا اعتبار بقوله، ~~إذا لم يكن عليه حجة وبرهان، ومعنى{وهم يتلون الكتاب} أي وحالهم العلم ~~والتلاوة للكتاب، وزاد حسن الكتب، منها التوراة والأنجيل، وحق[350]من حمل ~~شيئا من الكتب أن لايكفر بواحد منها؛ لأن كل واحد مصدق لما عداه، فهكذا حال ~~التوراة، والأنجيل، كل واحد شاهد بصحة الخبر الآخر، فلا وجه لاختلافهم، إلا ~~المكابرة، والعناد، ثم قال تعالى:{ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ~~فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي كذلك قال الذين ~~لاعلم لهم، وهم مشركوا العرب، لما جحدوا نبوة محمد عليه السلام، فساوى بين ~~أهل الكتاب، ومشركي العرب، في الذم والتوبيخ، وأهل الكتاب أولوا العلم، ~~ومشركوا العرب أولو الجهل، فأخبر أن من كان ذا علم وهم أهل الكتاب حصلوا ~~على مثل من جهلنى من لاعلم لهم، وهم مشركوا العرب؛ لإنكارهم موسى، وعيسى، ~~ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وبين أن الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~اختلفوا فيه، بالمجازاة، والمكافاة، أي يحكم بالإنصاف، والقاطع للخلاف، أو ~~ينصف للمظلوم من الظالم، أو بين المحق والمبطل. # وقال الحسن: حكمه أن يكذبهم ويدخلهم النار. PageV22P168 # ولما تقدم ذكر الكفار وذمهم فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى، ومرة إلى ~~المشركين، قال سبحانه: بعد ذلك {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها} بانقطاع الذكر فيها؛ لإنه عمارة لها، أو تخريب ~~البنيان، وينبغي أن يراد المنع على العموم، ولو كان السبب خاصا، ولايخص ~~الذين منعوا، وجوز أبو حنيفة دخول الكافر المسجد، ومنع يحيى، والقاسم ~~عليهما السلام، ومالك، ومنع الشافعي من المسجد الحرام فقط، والمعنى ms3051 المسجد، ~~فلا هذا أظلم ممن منع أهل الدين أن يدخلوا المساجد، ويذكروا فيها اسم الله ~~تعالى عبادة، وخشوعا، وسعى في المساجد بالمنع عن عمارتها، وعمارتها تكون ~~بإقامة الصلاةن وفعل العبادات فيها، وقيل: هؤلاء الروم الذين خربوا بيت ~~المقدس، وكانت عمارته غير قائمة، إلى أن أظهر الله المسلمين عليهم، وقيل: ~~هو بخت نصر لما جاء وخرب بيت المقدس، وأعانه علىذلك النصارى بغضا وعداوة ~~لليهود، وقيل: المعني بذلك قريش ومن تابعهم؛ لأنهم صدوا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والمؤمنين عن المسجد الحرام. # قلت: وهو قول المرتضى عليه السلام فإنه قال: هم المشركين من قريش وغيرهم، ~~حين منعوا الحرم، والبيت، والمسجد الحرام، أن يدخل، وما كان من كفرهم ~~........التي ذكر الله، فأما سيعهم في خرابها فإنهم لماأن سعوا في هلكة ~~المؤمنين ومنعوهم من إقامة أحكام الله فيها سعو بذلك في خرابها، وأرادوا أن ~~يمحوا مايتلى من كتاب الله[551] فيها، فلما أن كانوا كذلك كانوا ساعين في ~~خرابها، طالبين لزوالها؛ لأن بقاء المسلمين ودوامهم تعمر المساجد، وتبنى، ~~وبزوالهم تخرب، وتفنى، والله مظهر دينه ولو كره المشركون. انتهى. # ثم قال تعالى:{ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} أي ليس لهؤلاء ~~الذين يمنعون أهل الدين دخول المساجد، ويسعون في خرابها أن يدخلوا المساجد ~~إلا خائفين. PageV22P169 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر مناديا أن ينادي في الموسم ~~بأن لايحج بعد العام مشرك، ولايطوف بالبيت عريان. # وروي أن عليا عليه السلام قال: لأهل الموسم ذلك، حين بعثه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ببرأة من الله ورسوله ليقرأها عليهم، وقال: لهم ومن فعل ذلك ~~بعد اليوم فليس بيننا وبينه إلا السيف، فمنعهم عن دخول المسجد الحرام، ~~وخوفهم بالإنكار على المخالفة، وكان وحده، وقيل: المراد بذلك أنه ليس لأحد ~~من المشركين وسائر الكفار دخول المسجد الحرام، ولا مسجد من المساجد، وإن ~~دخلوا كان على المسلمين إخراجهم منه، وقيل: وجه آخر، وهو أن الله تعالى بين ~~بذلك أن أمر المسلمين يظهر على جميع ms3052 من خالفهم حتى لا يمكن مخالفتهم، ودخول ~~مساجدهم، إلا خائفا، لعلو شأنهم، وعزهم، وهو قوله عزوجل: {وهوالذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} قاله في ~~البلغة، أما قوله تعالى:{لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} فقد ~~اختلفوا في الخزي، فقيل: الخزي في الدنيا الخزاية التي يعطونها عن يد وهم ~~صاغرون. # وقيل: خزيهم في الدنيا قتلهم، ويكون ذلك في وقت قائم آل محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وفتح قسطنطينية، وروت رواة الأمة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك ~~اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه أسمي يملأ الأرض عدلا كما ملئت ~~جورا )) وقيل: خزيهم هو المذلة تلحقهم بمنعهم من المساجد، كما يدخلها ~~المسلمون، والعذاب العظيم في الآخرة، وهو عذاب النار؛ لأن الذين قدم ذكرهم ~~وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العذاب العظيم. PageV22P170 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على قبح منع المسلمين من مساجد ~~الله، وعلى تحريم خرابها الحسي والحكمي، وهو منع ذكر الله فيها، ويجب إخافة ~~من فعل ذلك، وأن يخزيهم من قدر على خزيهم كما في الآية. انتهى. # قال تعالى:{ ولله المشرق والمغرب} والأرض كلها{فأينما تولوا فثم[352] وجه الله}. # قال في البلغة: أي المشارق والمغارب لله، فأخرج مخرج الحسن، فلذلك يوخد ~~اللفظ، ويجوزأن يكون المراد بالمشارق والموضع الذي تشرق منه الشمس، فأينما ~~يتوجهوا فثم وجه الله التي هناك القبلة، التي أمر الله بالتوجه إليها، فعبر ~~عن القبلة بلفظ الوجه، وهو على تقدير مكان التوجه إلى القبلة من سائر ~~النواحي. # وقيل: معنى فثم وجه الله أي هنالك الله فادعوه كيف شئتم، تقديره أن الله ~~لا يخفى عليه دعاء الداعي في أي مكان كان الداعي؛ لأن الله لايجوز عليه ~~المكان، وقيل: فثم وجه الله فثم رضوان الله؛ لأنه يؤدي إلى الوجه الذي فيه ~~رضى الله، وهو كما يقال: وجه الرأي، ووجه الصواب، وإن لم يكن ms3053 للصواب عضو، ~~والوجه، والسلامة، واللام التي في قوله لله لام إضافة، وتسميها النحاة لام ~~الملك،، سبب نزول الآية أن الله تعالى لماحول القبلة إلى الكعبة أستنكره ~~اليهود، فأنزل الله تعالى مبينا أن له المشرق والمغرب، فأمرنا بالتوجه ~~إلىحيث يرى المصلحة فيه في الوقت، انتهى، {إن الله واسع عليم} أي واسع ~~المقدور، ومعناه غني عن طاعتكم، وإنما يريدها منكم لينفعكم بما يعطيكم من ~~الثواب عليها، وعليم بوجوده الحكمة، وقيل: واسع الرحمة، فلذلك رخص لكم في ~~الشريعة ما رخص، وعلم بمصالح عباده فيضعها على وجه الحكمة، واتصلت الآية ~~الأولى بما قبلها على معنى أن الله تعالى ذم الذين خربوا المساجد، ومنعوا ~~من ذكر الله فيها: # الأولى: فكأنه قيل: في الآية التي بعدها لا يمنعكم تخريب من خرب المساجد ~~عن ذكر الله أين كنتم من أرضكم شرقا وغربا. PageV22P171 # وقال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معنى أن الله واسع أي واسع الغنى ليس ~~بمعسر فقير، ولامحتاج إلى عبادتكم، ولكنه واسع الغنى، واسع الرحمة لكم، ~~عليم سبحانه بضعفكم ومصالحكم، ولا يكلفكم إلأبدون طاقتكم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على جواز التوجه بالصلاة إلى ~~أي جهة شاء المصلي عند التباس جهة الكعبة والجهل بها. انتهى. # ثم حكى تعالى النوع الرابع من قبائح أفعال اليهود، والنصارى، والمشركين، ~~فقال سبحانه: جل عن كل شأن شأنه {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون} قيل: الذي يكون كذلك النصارى حين قالوا ~~المسيح ابن الله، واليهود لقولهم عزير ابن الله، وقيل: مشركوا العرب، ~~لقولهم الملائكة بنتات الله، وكل هؤلاء ........الولد لله سبحانه، فلا جرم ~~صحت هذه الحكاية على جميع التقديراتن[353]فنزه الله نفسه عما أضافوا إليه ~~بقوله سبحانه أي تنزيها وبعدانا له، كما قالوه عما قالوه، ثم احتج على هذه ~~التبرية بقوله تعالى:{بل له ما في السماوات والأرض} لأنه إذا كانت السماوات ~~والأرض وما فيهما له فيكون عيسى، والملائكة عليهم السلام عبيدا له، فيكف ~~يجوز أن يكونوا أولاده، ومعنى{كل له قانتون} أي مطيعون ms3054 لله؛ لأن القانت ~~المطيع، ويكون القانت القائم، وقيل: القانت المصلي، وعلى هذا التأويل قوله ~~تعالى: {يامريم اقنتي لربك} ويكون القانت الساكت أيضا، واختلف المفسرون في ~~معنى طاعة الكل لله، فمنهم من قال: كل مطيع لله يوم القيامة، ومنهم من قال: ~~كل قائمون بالشهادة لله؛ لأنهم عبيد له، ولمافيهم من أثار الصنع، ومنهم من ~~قال: كل دائمون على الحالة التي خلقهم الله عليها، مضطرون إليه، فجعل ~~دوامهم علىذكل بمنزلة القنوت، وهذا الوجه الأخير عام في جميع ما خلق الله ~~عزوجل، ثم قال تعالى: {بديع السماوات والأرض} أي PageV22P172 الله مبدع السماوات والأرض ومخترعها، فهو فعيل بمعنى مفعل، يقال: أبدع ~~الشيء إبداعا، واخترعه اختراعا، إذا أحدثه، ثم بين كيف يبدع الشيء فقال: ~~{فإذا قضى أمرا} أي أراد حصوله{فإنما يقول له كن فيكون} وذكر كن فيكون على ~~وجه المثل في سهولة الأمر، وأنه لايتعذر، وهذا مشهور في تعارف اللغة، كما ~~قال القائل: # امتلأ الحوض وقال قطي مهلا # رويدا قد ملأت بطني # والحوض فلا قول له في الحقيقة، وإنما أقام الشاعر الحالة التي كان الحوض ~~عليها من الإمتلاء مقام قوله حسبي فقد امتلأت. # وقال الآخر: # قال جناحاه لرجليه ألحق PageV22P173 وقد قال برأسيه، أو قال بيده، كذا وإن لم يكن هناك قول على الحقيقة، وقد ~~يقال لمن يراد وصفه بنفوذ الأمر، وحصول المراد، من غير امتناع وتعذر، فلأن ~~أمره إذا قال كن فكان، فبين الله تعالىبهذه الآية أنه لايتعذر عليه فعل شيء ~~إذا أراد فعله، وهذا تأكيدا لنفي الولد؛ لأن من هذه صفته مباين لأحوال ~~الأجسام في توالدها، فأما قول من قال أن الله يخاطب المعدوم فذاك خلق من ~~معرفة الله تعالى، ومعرفة حكمة، ولايدري أن مخاطبة من لايعرف المخاطبة عبث، ~~والله يتعالى عن العبث، وقد قدمنا أن معنى القضاء يتصرف على وجوه، ثم قال ~~تعالى:{ وقال الذين لا يعلمون} من المشركين ومن أهل الكتاب {لولا يكلمنا ~~الله} كما كلم الملائكة وموسى[354]قالوا ذلك تكبرا وعلمهم كلا علم لأنهم ~~يعلموا به وقالوا {أو تأتينا آية}علىالحد الذي تأتي ms3055 الأنبياء عليهم السلام، ~~تبا لماجحدوا الآيات التي جائتهم طلبوا غيرها تعنتا، ثم قال تعالى: {كذلك ~~قال الذين من قبلهم} الكفار {مثل قولهم تشابهت قلوبهم} في العمى والكفر ~~بالإقتراح والتحكم على آنبيائهم، فقوم موسى عليه السلام قالوا له أرنا الله ~~جهرة، وقوم عيسى عليه السلام قالوا: لن نؤمن حتى تنزل علينا مائدة من ~~السماء، وقريش قالوا: لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم حول لنا الصفاء ذهبا، ~~وقالوا له أيضا ما حكى الله عنهم بقوله:{وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا...}الآية، أماقوله:{قد بينا الآيات لقوم يوقنون} فالمراد ~~القرآن الكريم وغيره من المعجزات، كحي الشجر، وكلام الذئب، وإشباع الخلق ~~الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة؛ لمن كان طالبا ~~لليقين. PageV22P174 # واعلم أن القوم لما أصروا على العناد، واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات ~~على سبيل التعنت بين تعالى لرسوله أنه مريد لما فعله الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم في باب الإبلاغ، والتنيه، لكيلاء يكثر غمه بسبب إصرارهم على ~~كفرهمن فقال سحبانه: {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} أي إنا أرسلناك يا ~~محمد مبشرا لأولياء الله بما لهم عند الله، ومنذرا لأعداء الله بالنار، وما ~~أعد الله لهم فيها من أنواع العذاب، لالتجبرهم على الإيمان، فقد بلغت، وأما ~~قولهك {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} ففيه قرأتان، الجمهور بضم التاء واللام ~~على الخبر، وأما نافع فعلى الجزم وفتح التاء علىالمنهى، والمعنى علىالقراءة ~~الأولى أن مصيرهم إلى الجحيم بمعصيتهم لا تضرك، ولست بمسؤل عن ذلك. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: معناه لاتسأل عن ذنوبهم ولاتحاسب ~~على شيء من أعمالهم، وإنما عليك الإنذار لهم، والإعذار إليهم، وإن كانت ~~القراءة ولا تسأل بنصب التاء، وتسكين اللام، فالمعنى في ذلك لا تسأل عن ~~قبائحهم، ولا تبحث عما استتر من فضائحهم، وعاقبهم على قدر ما ظهر من ~~ذنوبهم، ويحتمل وجها آخر، وهوعلى التكثير، لا على وجه النهي، والعرب إذا ~~استكثروا شيئا قالوا: لاتسأل فالشيء كثير، فكذلك ما أكثر عذاب الجحيم لا ~~تسأل عن كثرة ما أمر بهم ms3056 من الشقاء، وهذه لغة أهل الحجاز، إذا أخبر الخبر ~~خرج لفظه لفظ النهي، ومعناه معنى الخب، فيقول أحدهم نسأل مامر بنا من ~~التعب، وقال الشاعر: # وصاحب الصيد كصاحب العسل[355] # يوما على شيء أو يوما ألا تسل | PageV22P175 # انتهى. وفي القراءة الأولى يقول المرتضى عليه السلام: عن عبد الله بن ~~الحسن، وقد سأله عن قوله {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} كيف تقرأ؟ فقال عليه ~~السلام: تقرأ بضم التاء واللام، ومعنى لاتسأل عن أصحاب عنهم، أراد عزوجل ~~أنك لا تسأل عنهم بتقصير كان منك في إبلاغهم، بل قد أبلغتهم، وأقمت الحجة ~~عليهم، وهذه شهادة من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإبلاغ ~~والإجتهاد في طاعة ربه ذي العزة.......... انتهى. وكلام الإمام أبي الفتح ~~الديلمي عليه السلام مثل هذا، وهي قراءة جميع القراء، إلا نافعا، وقيل: ~~المعنى عن قراءة الجزم تعيظم ماوقع فيه الكفار من العذاب، كما يقول كيف ~~فلان سائلا عن الواقع في بلية، فقال لك لاتسأل عنه، ووجه التعظيم أن ~~المستجير يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله، ولاتكلفه ~~ما يضجره، أو أنت يا مستجير لاتقدر علىاستماع خبره لإحاشة السامع، وإضجاره، ~~فلا تسأل، ويقصد القراءة الأولى قراءة عبد الله، ولن تسأل قراءة أي ~~وماتسأل. # واعلم أنه تعالى لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بماتقدم من ~~الآية وبين أن العلة قد أنزاحت من قبله فيهم، وأنه لاعذر لهم في الثبات على ~~التكذيب به، عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على ~~الكفر، أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم، ولايرضون منكم بالتكذيب، بل ~~يريدون منك الموافقة فيماهم عليه فقال: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ~~حتى تتبع ملتهم} فهذا بيان لشدة عدواتهم للرسول، وشرح ما يوجب اليأس عن ~~موافقتهم. PageV22P176 # وفي البلغة : كان سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلاطفهم، ~~ويستميل قلوبهم، طمعا في إجابتهم له إلى الإسلام، وقيل: كانوا يسألونه شيئا ~~ثم يقولون له أمهلنا نفكر ms3057 فيما قلته، ونؤمن لك، وكان ذلك منهم تعليلا ~~........الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وأخبروا أنهم لايرضون ~~مالم يتبع دينهم. انتهى. # وكأنهم قالوا له صلى الله عليه وآله وسلم لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا، ~~إقناطا له عن الإجابة، فحكى الله كلامهم، ولذلك قال تعالى: {قل إن هدى الله ~~هو الهدى}حقيقة دون ماتدعوني إليه، والمعنى قل لهم يا محمد أن هدى الله ~~الذي يهدي إلى الجنة لا اليهودية ولا النصرانية، وقيل: معناه والدعاء إلى ~~الهدى الذي به يصير قوله لهم كذبا هو الهدى، وقولهم هو ماحكى الله عنهم ~~بقوله: {وقالوا لن يدخل[356] الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} فكأنه قال ~~الهدى هو الدلالة التي نصبها الله تعالى أن المطيع لله المؤمن به، ونبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم الفائز بالجنة، إلامن قالت: اليهود والنصارى، ~~والمراد أن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدي والحق، والذي يصح أن يسمى ~~هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدا ومايدعون إلى اتبعاعه ماهو بهدي، إنما هو ~~هوى، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} أي أقوالهم التي هي ~~أهواء وبدع، {بعد الذي جاءك من العلم} من الدين المعلوم صحته بالحجج ~~القاطعة{ما لك من الله من ولي ولا نصير}. PageV22P177 # قال في البلغة: معناه ولأن اتبعت يا محمد أهواؤهم بعد ما جائك من العلم لم ~~يكن لك ناصر يدفع عنك عذاب الله تعالى، فهذا وعيد ودليل على أنه يجوز أن ~~يتوعد الله من يعلم أنه لايعصي، ولا يخالف أمره؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم معصوم، وقيل: الخطاب في قوله ولأن اتبعت، وقوله {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} وما شاكل ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد غيره انتهى. # ثم قال تعالى:{ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} في المراد بقوله ~~تعالى الذين أيتناهم الكتاب قولان: # أحدهما: أنهم المؤمنين الذين أتاهم الله القرآن، واحتجوا عليه من وجوه: # أحدها: أن قوله يتلونه حق تلاوته فيه حث، وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، ms3058 ~~ومدح على تلك التلاوة، والكتاب الذي هم يتلونه هو القرآن؛ لأن التوراة ~~والأنجيل قراءتهما غير جائزة. # وثانيها: أن قوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} تدل على أن الإيمان مقصور ~~عليهم، ولو كان المراد أهل الكتاب لماكان كذلك. # وثالثها: قوله تعالى: {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي ومن يكفر ~~بالقرآن المنزل علىمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كان خاسرا لأهلاكه نفسه، ~~وتسويته نعيم الآخرة عنها، والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن. # القول الثاني: المراد بالذين أتيانهم الكتاب هم الذين أمنوا بالرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم من اليهود، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم أهل ~~الكتاب، فلما ذم طريقهم وحكى عنهم سوء أفعالهم أتبع ذلك بمدح من ترك ~~طريقهم، بل تأ مل التوراة، وترك تحريفها، وعرف منها صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # وأما قوله:{يتلونه حق تلاوته}والتلاوة لها معنيان: # أحدها: القراءة. PageV22P178 # والثاني: الإتباع فعلا؛ لأن من اتبع غيره يقال: تلاه فعلا، قال تعالى: ~~{والقمر إذا تلاها} فالظاهر يقع عليهما جميعا، ويصح فيهما جميعا ~~[357]للمبالغة؛ لأن التابع لغيره فلا يستوفي حق الإتباع، فلا يخل بشيء منه، ~~وكذلك يستوفي في حق قراءته، فلا يخل بمايلزم فيه. # قال زيد بن علي عليهما السلام: معنى يتلونه أي يعلمو حق علمه، ويتبعونه ~~حق اتباعهن ليس ذلك بالمهد والدراسة، والذين تولوه علىالقراءة هم الذين ~~اختلفوا على وجوه: # فأولها: أنهم تدبروا وعملوا بموجبه حتى تمكنوا بأحكامه من حلال وحرام ~~وغيرهما. # وثانيهما: أنهم خضعوا عند تلاوته وخشعوا، فقرؤا القرأن في صلواتهم ~~وخلواتهم. # وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهن وتوقفوا فيما أشكل عليهم ~~منه، وفوضوه إلى الله سبحانه وتعالى. # ورابعها: يقرأونه كما أنزل الله تعالى لايحرفون الكلم عن مواضعه ~~ولايتلونه على غيرالحق. # وخامسها: أن تحمل الآية على هذا الوجه؛ لأنها مشتركة مفهومة في مفهوم ~~واحد، وهو تعظيمها، والإنقياد لها لفظا ومعنى، فوجب حمل اللفظ على المشترك ~~تكثيرا لفوائد كلام الله تعالى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على قبح مايفعله كل مخالف ~~للدين ......من أنهم ms3059 لا يرضون عن أهل الحق حتى يتبع أباطيلهم، وعلى قبح ~~اتباع أهل كل ضلالة، ودلت الآية الكريمة على وجوب تلاوة كتب الله حق ~~تلاوتها، بأن يعملوا بها ولايحرفونها، ويكتموا مافيها. انتهى. # وأماقوله تعالى: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين} فقد مر نظيرها في هذه السورة فلا وجه لإعادته، وإنما ~~أعاد هذه الآية تأكيدا للحجة عليهم، ولما تباعد ما بين الكلامين حسن ~~إعادتها، أو ليكون الشكر غير مفعول عنه. PageV22P179 # قال عليه السلام: دلت الآية الكريمة على أن شكر النعمة وشكر التفضيل على ~~الناس واجب على المملوك المنعم عليه المفضل على غيره في مقابلة النعمة، ~~ومافضله الله به على غيره، وتدل على أن من أخل بهما يكون عذابه ضعفين: # أحدهما: في مقابلة النعمة. # والثاني: في مقابلة التفضيل، كعصيان الشريف. انتهى. # وقوله تعالى:{واتقوا يوما لا تجزي نفس} أي تقضي {عن نفس شيئا} من حقوق، ~~ولايقبل منها عدل فدية؛ لإنها تعدل المفدي،{ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون} قد بينا أيضا نظيرها فيما تقدم، ودلت الآية على بطلان الشفاعة على ~~الوجه الذي قالته المرجية. # وقال عليه السلام: تدل على أن الحج من لم يوصي وكذل سائر الواجبات ~~لاتجزي. انتهى. PageV22P180 # واعلم أنه سبحانه[358]وتعالى لما استقصىفي شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ~~ثم في قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفضل بما به بدؤا، وهوقوله ~~تعالى: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} إلى قوله سبحانه ~~وتعالى: {ولا هم ينصرون} شرع سبحانه بعد هذا النوع آخر من البيان، وهو أن ~~ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكيفية أحواله، فقال تعالى:{ وإذ ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ~~ينال عهدي الظالمين} الإبتلاء في اللغة الإختبار على المجاز لا الحقيقة، ~~فابتلاؤه لعباده معاملته إياهم ماملة المختبر؛ لإن الله تعالى وإن كان ~~عالما بما يكون منهم قبل كونه فلا يجوزأن يواخذهم بمعلومه؛ لأن استحقاق ~~الجزاء تابع لحصول المستحق عليه ووجوده، والإبتلاء هاهنا معناه الأمر عند ~~أكبر المفسرين، ms3060 فالكلمات هي أوامر الله تعالى ونواهيه، نحو واذكورا إذ ~~ابتلى، ويحتمل أن يكون العامل في إذ {قال إني جاعلك}، وفي معنى هذه الآية ~~من الإبتلاء، يقول المرتضى عليه السلام: هو ما أمر به من ذبح إبنه، وما حكم ~~عليه فيه، فهى الكلمات التي امتحن الله عزوجل بها إبراهيم عليه السلام ~~بقوله اذبح ابنك، {فأتمهن} أي امضاهن وانفذهن في أبنه، حتى كان من تفضيل ~~الله عليه وفديته إياه ماقد علمت، ومعنى {إني جاعلك للناس إماما} فهو ما ~~كان الله عزوجل خصه الله به من النبوة، والإمامة، واتباع الخلق له، ~~والإقتداء به، والأحتذاء بسيرته، وبما أوجب الله عزوجل من طاعته، ثم سأل ~~ربه أن يجعل الامانة باقية في عقبه، وأكرمه بذلك حتى اقتضت النبوة والكرامة ~~إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فجعله خاتم النبيين، ورسولا إلى جميع ~~المخلوقين، ثم جعل الإمامة في الصالحين من عقبه إلى يوم PageV22P181 الدين يوم حشر العالمين. انتهى. # قال في البلغة: وهذه حكاية سؤال إبراهيم عليه السلام سأل الله أن يعرفه ~~هل يجعل ما بشره في أولاده أم لا، وهذا مركب في الطبائع؛ لأن من كان له عز ~~وشرف يريد أن يبقى ذلك في عقبه، وعلى هذا الوجه دعى صلى الله عليه وآله ~~وسلم كما حكى الله عنه بقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} فاستجاب الله ~~دعوته بأن جعل النبوة والأمامة إلى يوم القيامة في ذريته، ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا دعوة أبي إبراهيم فأجابه تعالى بأن ~~الظالمين منهم لاينالهم هذا العهد وهو الإمامة التي بشر بها في أولاده)) ~~الآية وقيل:[359]أن إبراهيم عليه السلام وإن كان سأل ذلك ليعرفه حالهم ~~فيجوز أن يكون في ضمن سؤاله أن يجعل الله من ذريته من يؤتم به، كما قال ~~تعالى: حاكيا عنه {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}إذ الجواب لايكون إلا ~~مطابقا للسؤال، وجاهد الجواب أن الظالمين لاينالهم عهده. # وروي أن ms3061 قرأة عبد الله {لا ينال عهدي الظالمين} يقال في اللغة: ناله خيرك ~~إذا أصابه، ونلت خيره إذا أصابك. # وروي عن جعفر بن محمد عليهماالسلام: أنه قال: أبطلت بهذه الآية إمامة كل ~~ظالم إلى يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: إذ1 عقد عليك في ظلم ~~فانقضه، وروي عن مجاهد أنه قال: لايكون الظالم إماما، وروي عن حذيفة أنه ~~قال: لايجد إماما ضالا في الدنيان فهذه الآية تدل على أن الإمام يجب أن ~~يكون معصوما، منصوصا عليه على طريق الجملة، دون اليقين، ووجه دلالتها على ~~ذلك أنه قد ثبت أن اللأف واللام الداخلة على الأسم لاتخلوا من أمرين: PageV22P182 # إما أن يكون التعريف والعهد، أوللحسن، وقد ثبت أن اللآف واللام في قوله ~~لاينال عهدي إلا الظالمين، ليستا للتعريف؛ لأنه لايمكن أن يشار بهما إلى ~~شخص دون شخص، أو ظالم دون ظالم، فلم يبق إلا أنها للجنس، وإذا كانت للجنس ~~كانت مستغرقة؛ لأن حكم مايكون للجنس حكم النكرة المستغرقة، فإذا كانت كذلك ~~وقع تحتها كل ظلم، وكل ظالم؛ لأنها تعم، ثم الظالم يتنوعح لأن الإنسان قد ~~يكون ظالما بأفعال القلوب، كما يكون ظالما بأفعال الجوارح، وقد بين الله ~~تعالى ذلك بقوله{إن الشرك لظلم عظيم} فإذا صح هذا فلا يستحق الإمامة إلا من ~~انتفى عنه سائر وجوه الظلم، وانتفا سائر وجوه الظلم يقتضي العصمة، ثم ~~العصمة ليست ممايظهر في الخلقة كالألوان، فيعرف بالجنس صاحبها، وإنما هي ~~شيء راجع إلى الضمائر، والإعتقادات، وسبيل معرفتها إلى الله تعالى، فإذا ~~كان كذلك فلا يعرف المعصوم إلا بالنص من جهته تعالى، وفي هذا القدر كفاية ~~لمن تدبره وأنصف من نفسه؛ لأن من أرتكب كبيرة وأقام أخرج عن هذا العهد، ~~فكيف من اشرك، وعبد الوثن، وتعاطا أمورا جاهلية، علىقصة هذه الآية نص ~~العترة على طريق الجملة، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ((إني ~~تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ألا ~~وإنهما لن يفترقا حتى يردا علىالحوض)) فدل بذلك[360]علىطهارة ms3062 العترة، ~~وعصمتهم؛ لأن من لايفارق القرآن ولايفارقه القرآن لايكون إلا معصوما، ومن ~~خالف حكما من أحكام الكتاب فقد فارقه، وأسك طريقة لايجاز في هذ الباب، ~~واقتصر علىاللمع مخافة التطويل؛ لئلا يخرج عن الغرض المقصود، ودل قوله ~~تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} على أن من لم يكن ظالما من ذرية إبراهيم ~~عليه السلام فإنه يسئل هذا العهد، إذ لولم يكن في ضمنه هذا لكان يقول ~~لاينال ذريتك جميعا هذا العهد، ولما خص الظالمين منهم، وأول من ناله هذا ~~العهد من ذرية إبراهيم بعد محمد PageV22P183 صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام؛ لأنه لم يشرك بالله ~~طرفة عين، ولم يتدنس قط بكبيرة، ولهذا نص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~عليه يوم الغدير وبقوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي)) وبغيرهما من الوجوه التي لاينكرها علماء الأمة. انتهى. # قلت: ويزيد هذا وضوحا قول علي عليه السلام: في آخر خطبته الموضحة ذات ~~البيان، إذ يقول ألم تسمعوا إلى قول إبراهيم صلى الله عليه إذا أخبره أنه ~~قد جعله للناس إماما فقال: ومن ذريتي فأجعل الأئمة بعدي، فقال: {لا ينال ~~عهدي الظالمين} غير أنه جعلها في المحسنين منهم، ومنعها عن الظالمين، وقد ~~علم إبراهيم عليه السلام أن من ذريته من يظلم، فلم يقل وذريتي فأجعلها بل ~~قال: ومن ذريتي يقول أجعل الصفوة من سميته من ذريتي فاصطفى الله من ذريته ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أحسن من أهل بيته عليهم السلام، فقد ~~استجاب الله دعوته في المحسنين من المصطفين أن جنبهم عبادة الأصنام، فلام ~~أعبد صنما، ولم يعبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: أتدرون ~~بمااستحق الآئمة مقامهم من الله قالوا الله اعلم. # قال: استحقوا ذلك المقام بصبرهم، واجتهادهم في طاعة ربهم، إذ يقول ~~سبحانه:{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} ~~أتعرفون لمن هذه الدولة المصطفاة ومن صبر مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأيقن ms3063 بالآيات والنور الذي أنزله الله حتى استحق بصبره من الله مثل ما ~~استحق أولئك؟ # قالوا: أنت يا أمير المؤمنين، # قال: والذي نصب الكعبة، وفلق الحبة، وبرأ النسمة، وبين الحكمة، أني أنا ~~هو، ولقد ضل من تخلف عني وخالفني، واهدتى من اتبعني، ونصرني، وأعانني. انتهى. PageV22P184 # قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد رحمة الله عليه: في هامش[361]هذه ~~الخطبة على هذا اللفظ، نص في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وأهل بيته ~~الطاهرين عليهم السلام، ثم بين تعالىكيفية حال إبراهيم عليه السلام حين ~~كلفه بالإمامة فقال: في بيان التكليف{وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} ~~الأمن اسم غالب علىالكعبة كالنجم على الثرياء، معنى مثابة أي مرجعا للحجاج، ~~والعمار، يرجعون إليه بعد انصرافهم عنه بأعيانهم، وأمثالهم، يثوبون إليه ~~زيد بن علي عليه السلام معناه يحجون إليه ويثوبون معناه ويؤتون إليه، ~~ولايقضون فيه وطرا. # قال في البلغة: المثابة بفعله من ثاب يثوب إذا رجع وعاد، فالهاء فيه ~~للمبالغة، كما يقال: فلان نسابة وعلامة، وسيارة إذا كان كثير السير، وقيل: ~~المثابة والمثاب واحد في المعنى، كالمقامة والمقامن أي واذكر{إذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس} فصار مثابة لأن الناس يثوبون إليه كل عام، ويعودون، ~~وصار أمانا بالحكم؛ لأن من لجأ إليه وعاذ به لايخاف على نفسه ما دام فيهن ~~فعظم الله حرمته، وهيبته في نفوس العرب، وكان الناس يتخطفون الناس من ~~حولهم. انتهى. # ثم قال تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} واتخذوا بلفظ الماظي عطفا ~~علىجعلنا، أي واتخذوا الناس من مقام إبراهيم مدعا يدعا فيه، أي موضعا ~~للدعاء، ومسألة الحوائج. # وقيل: هو أمر بالصلاة عنده. PageV22P185 # قال المرتضى عليه السلام: معنى اتخذوا أي جعلوا من مقام إبراهيم مصلى، ~~ومقامه فهو في الصخر بمكة عند البيت، يعني أهل الجاهلية، ومن كان بعد ~~إبراهيم عليه السلام من ذريته وغيرهم ممن كان يعظمه ويجله فقال عزوجل: ~~كيف{اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}لجلالته عندهم وتزكيته لديهم، وعظمته في ~~قلوبهم، ويتركون مايدعون من دينه، وملته، ويعبدون الأصنام من بعد معرفتهم ~~بملته، وما جاء به، وقد أيقنوا ms3064 غاية الإيقان بأن إبراهيم لم يعبد صنما قط، ~~بل كان ينكر ها على قومه، ويكسرها، وهو بريء من عبادتها، فلم خالفوه وهم له ~~بنون، وتابعون، إن كانوا كما قالوا يتباركون بمقامه، ويأتمون، وإن كانوا ~~جاهلين بذلك فلم لايطلبون دينه، فكل هذا من الله لهم إخزاء وتوقيف، ~~ولإبراهيم عليه السلام إعظام وتشريف. انتهى. # وذلك أن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافرها يعظمون إبراهيم ~~عليه السلام، وقال تعالى: في كتابه الكريم{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا} وقال تعالى:{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام:[362]يدل على أن البيت شرفه الله ~~تعالى لجميع الناس، ومأوى للحجاج والعمار، وتحريم منعهم من ذلك، وعلى أنه ~~أمن لمن دخله، وأن من أخاف داخله فقد حرم أمان الله الذي جعله لعباده، وعلى ~~شرعية الصلاة في مقام إبراهيم عليه السلام انتهى. PageV22P186 # ثم قال سبحانه:{ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود} أي وصينا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~وأمرناهما بتطهيره من الأوثان، والأنجاس، وطواف الحائض، والجنب، وقيل: ~~طهراه ينأ بكما إياه على الطهارة، كما قال تعالى:{أفمن أسس بنيانه على تقوى ~~من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار...} الآية، والطائفون ~~الذين يطوفون بالبيت زائرين له، وقيل: هم الذين يأتونه من كل فج عميق، ~~والعاكفون المجاورون المقيمون بحضرته، وقيل: هم أهل البلد الحرام، والركع ~~الراكعون، والسجود الساجدون، وقيل: هم المصلون عند الكعبة، وقيل: المعنى ~~بذلك جميع المؤمنين. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب طهارة البيت من ~~الأرجاس، ومعاصي الناس. انتهى. # ثم حكى عزوجل النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام فقال: {وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا}. PageV22P187 # قال في البلغة: قيل سأل إبراهيم عليه السلام ربه جل وعلا أن يجعل أمنا من ~~الخسف والإتفاك؛ لأنه كان أمنا من ذلك قبل دعائه، وقيل: سأل أن يجعل مكة ~~بلداص آمنا، ولم يسأله أن يجعله آمنا من الخسف، والإتفاك؛ ms3065 لأنه كان آمنا من ~~ذلك، قبل دعائه، وقيل: سأل الأمرين جميعابأن يدفع ذلك وإن كان أحدهما قبل ~~الآخر، واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: كان الحرم آمنا قبل دعوة ~~إبراهيم عليه السلام لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة ~~((هذاحرم حرمة الله يوم خلق السماوات والأرض)) ومنهم من قال: صار آمنا بعد ~~الدعوة، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إن إبراهيم حرم مكة، ~~وإني حرمت المدينة)) ومنهم من قال: كانت حراما قبل الدعوة، لوجه غير الوجه ~~الذي له صارت حراما بعد الدعوة، وكأنه استعمل الخبرين جميعا، وقوله: {وارزق ~~أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} بدل من أهله، قاس الرزق ~~على الإمامة، حيث دعى الله تعالى أن يرزق المؤمنين من أولاده ثمرات الدنيا، ~~ولم يرى الكافر منهم أهلا لذلك، وفيه إشارة إلى حسنه، وهو أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم[363]إذا لم يرى الكافر أهلا أن يرزق الثمرات وهي مأكولات ~~للخطر لها فكيف يسوغ مع هذه الحال أن يسأل الإمامة لمن كان ظالما من ذريته، ~~والإمامة الرتبة الثانية من النبوة، ومعنى قوله تعالى:{قال ومن كفر فأمتعه ~~قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} أي قال سبحانه: مجيبا له ومن ~~كفر فإني أمتعه بالأمن والرزق إلى وقت مماته، وقيل: أمتعه بالبقاء، وقيل: ~~أمتعه بالأمن والرزق إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم هو ~~يقتله إذا أقام علىكفره، ويخله إن آمن به، وإن أقام علىكفره جعلت مصيره إلى ~~النار، والنار بئس الماؤي والمصير؛ لأنها ألم خالص لايقع فيها، ولا راحة ~~يقال: اضطره PageV22P188 إلى ذلك يضطره اضطرارا، واضطر هو نفسه. انتهى. # ثم حكى سبحانه النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام فقال:{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل} وإذ يرفع حكاية حال ماضية. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: القواعد جمع قاعدة وهي الأساس من ~~البناء وهو الموثر بلغة أهل اليمن، ورفعهما لذلك يحتمل وجهين: ms3066 # إما أن يكون رفعاها أي نزهاها، وطهراها، وعظما قدرها، وإما أن يكونا رفعا ~~بناها بعد أن أنهدم؛ لأن البيت الحرام الذي هو الكعبة أول بيت من بيوت الله ~~وضع للناس؛ فحج آدم صلى الله عليه وآله وسلم؛ ثم لا يؤمن أن يكون تهدم لطول ~~الزمان، والحوادث، والله اعلم. انتهى. # وقيل: كان إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه يبني البيت الحرام ~~وإسماعيل عليه السلام يناوله الحجر، فبينا البيت عليهما السلام على هذا ~~الوجه متعبدا لله بأمر الله تعالى. # واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء: # الأول: قوله تعالى: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} وفيه محذوف ~~وهو فكانا يقولان ربنا تقبل منا، أي وأجب لنا الثواب علىبنائنا هذا فإنك ~~سميع أقوالنا، وترافعاتنا، وتعلم مصالحنا. # قال في البلغة: وروي أن هذا البيت كان آدم عليه السلام بناه ففنى أثره ~~فجدده إبراهيم عليه السلام. # وروي أن إبراهيم عليه السلام هوالذي ابتدأ ببنائه ولم يكن قبله بناء، ~~وروي من طريق أهل البيت عليهم السلام أن البقعة التي بنى عليها البيت كان ~~آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض ضرب عليها قبة خضراء من الجنة فبنى ~~إبراهيم عليه السلام البيت على خطة القبة. PageV22P189 # النوع الثاني: من الدعا قوله:{ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا[364] أمة ~~مسلمة لك} الإسلام في اللغة الإنقياد وهو الإستيلام أيضا، وفي الشرع ~~الإسلام والإيمان واحد، وهذا حكاية دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ~~دعوا الله تعالى أن يجلعهما منقادين لأمره في جميع ما كلفهم بأن انطلق لهما ~~فيه، ويوفق في مستقبل عمرهما، كأنهما قالا اجعل لنا لطفا نتمسك بعد بطاعتك، ~~ونستعصم عن معاصيك؛ لأن الله تعالى نصب الأدلة على أنه لايجوز أن يخلق في ~~العبد مايأمرهم بفعله، وينهاهم عنه، وسألا مثل ذلك لذريتهما، وتقيدره ~~السؤال لبعض الذرية، وإن كان اللفظات ملا للكل؛ لأن الله تعالى قد اعلمهما ~~أن في ذريتهما من لايناله العهد، كما تقدم ذكرهم قالا: {وأرنا مناسكنا وتب ~~علينا إنك أنت التواب الرحيم} ms3067 النسك في اللغة العبادة، ويقال للذبيحة أيضا ~~النسك، والرؤية يكون علىضربين: # أحدهما: المشاهدة. # والثاني: العلم، وهو رؤية القلب، والمناسك، قيل المتعبد، وقيل: هي ~~المذابح، وقيل: هي أعمال الحج كلها، فمن حمل اللفظ للرؤية علىالمشاهدة جعل ~~تأويل قوله وأرنا طهر لأعيننا متعبد لنا، ومذابحنا لنبصرها، ومن حمله ~~علىمعنىالعلم قال معناه علمنا جميع مانتقرب به إليك من أعمال الحج وغيرها، ~~ومعنى تب علينا قيل: تقبل توبتنا، وهذا يدل على جواز وقوع الصغائر من ~~الأنبياء عليهم السلام، وقيل: إنماقالا ذلك علىوجه التسبيح ليقتدي بهما، ~~وقيل: معناه تب على ظلمة ذريتنا، وقد مر معنى التواب الرحيم في غير موضع. # النوع الثالث: قوله {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} أي من أنفسهم وروي أنه ~~قيل له قد استجيب لك، وهو في آخرالزمان، فبعث الله محمدا صلى الله عليه ~~وآله وسلم، والضمير في قوله أي في الأمة المسلمة. # واعلم أنه لماطلب بعثة رسول إليهم ذكر لذلك الرسول صفات: PageV22P190 # أولها: قوله:{ يتلو عليهم آياتك}. # وثانيها: قوله{ويعلمهم الكتاب}. # وثالثها: قوله{والحكمة}. # ورابعها: قوله{ويزكيهم}. # قال في البلغة: هذا أيضا حكاية دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام دعوا ~~الله تعالى أن يجعل من الذرية المسلمة رسولا يبعثه إليهم يدعوهم إلى دين ~~الله، ويقرأ عليهم آياته، ويعلمهم معالم الدين، ويعلمهم الكتاب، والحكمة ~~التي هي المعرفة بالدين والفقه في التأويل، وقيل: هي العلم بالأحكام التي ~~لاتعلم إلا من جهة الرسول عليه السلام، وقيل: هذالرسول هو محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم؛ لأن الله تعالى لم يبعث من مكة رسولا غيره، ولهذا قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم:[365]((أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى)) والكتاب على ~~هذا التأويل هو القرآن، والحكمة السنة، وسئل مالك ما الحكمة فقال: معرفة ~~الله لدين، والفقة والإتباع له، ومعنى يزكيهم يطهرهم من الشرك ويخلصلهم منه ~~بالدعاء إلى الإيمان، وقيل: يشهد لهم بالطهارة، وقيل: يستدعيهم إلى مافيه ~~طهارتهم، ولماذكر عليه السلام هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى ~~فقال:{إنك أنت العزيز الحكيم} أي القادر لايقدر عليه بوجه، ولاينال بمكروه ~~ولايمتنع عليه فعل شيء إذا ms3068 أراد فعله؛ لأن العزيز في اللغة هو المنيع الذي ~~لا يناله ضيم، ولايتوصل إليه بمكروه، ولهذا قالوا للشيئ إذا تعذر وجوده عز ~~كذا يعز عزا، والحكيم في صفة الله تعالى قد يكون بمعنى أن أفعاله كلها ~~حسنة، وقد يكون أنه محكم لأفعاله متقن لها، ويكون بمعنى العليم أيضا. PageV22P191 # ومن قصة إبراهيم، وإسماعيل، وسارة، وهاجر، ما ذكره الإمام علامة العترة ~~قاموس الأسرة محمد بن القاسم، بن إبراهيم، في كتاب الهجرة في صفة ماهجر ~~إبراهيم، وابن أخيه لوط عليهم جميعا السلام، في التوادي قال عليه السلام: ~~فيها مخرج يعني إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم داعيا إلى الله ربه فيما ~~خوله الله من أفاق البلاد، فخرج قبل مهاجرته من بلده ومولده وهي أرض حران، ~~والجزيرة، إلىالعراق، داعيا إلىالله إلىتوحيده فحبسه نمرود ملك العراق ~~زمانا ثم خلصه الله، وكان قد خرج بعد هجرته ومصيره ببيت المقدس إلىأرض مصر، ~~داعيا إلى الله، فهم به فرعون أن يقتله، فرأى في منامه ملكين نزلا من ~~السماء قد مليا مابين السماء والأرض ينهيانه ويزجرانه أن يعرض ~~له............وأرسل إلى إبراهيم فأجازه، وحياه، وأعطاه، وأهدى إليه هدايا ~~كثيرة كانت فيها هاجر جارية كانت عند فرعون من قبط مصر، فوهبها إبراهيم ~~زوجته ابنة عمه سارة، وكانت سارة عاقرا لاتلد فأقامت هاجر مملوكة لسارة ~~زمانا حتى عجزت سارة وأرتفع الحيض عنها وقعدت عن الولد، فكلمت إبراهيم في ~~أن تهب له هاجر جاريتها، وقالت: لإبراهيم لعل الله أن يهب لك منها ولدا ~~نبيا، فوطئ إبراهيم هاجر فوهب الله منها إسماعيل عليه السلام، فسرت سارة، ~~واحبته وتبنته، فشكرالله لها ما فعلت بإبراهيم ووهبها من نفسها إساحق بعد ~~بكر سنها، وارتفع حيضها، فلما رأت سارة هبة الله لها في إسحاق أنفضت ~~إسماعيل بعد حبه، وباعدته وأمه بعد تقريبهما، وتقريبه، وألحت على إبراهيم ~~ابن عمها في تبعيد هاجر عنها، وإبعاد[366]إسماعيل أبنها، وقالت: أخرج عني ~~الأمة وولد ها، وضربتها، وأذتها، وأساءت إليها، بعد ماكانت عليه من إكرامها ~~وإكرام إبنها، فلما ألح البلاء منها على هاجر أخذت ms3069 بيد إبنها إسماعيل ~~وتنحت، وتغيب عن سارة، فلم تدر أين تذهب، وقعدت تبكي تحت بعض الشجر، فنزل ~~عليها ملكا من السماء PageV22P192 فقال: ياهاجر أمة سارة ارجعي إلى مولاتك فتقتدي لها، واصبري علىما نالك من ~~أذى فإن الله جاعل لك ولأبنك فرجا ومخرجا، وجاعل ابنك هذا نبيا، وأوهب لك ~~منه نسلا كثيرا لايحصى عددهم، يكونون وحش الأنس، ويكون لهم نبأ، وشأن، ~~وتكون أيديهم مبسوطة بالقوة، والبأس، على كل الأمم والأجناس. # وهذا من قصة إبراهيم، وإسماعيل، وسارة، وهاجر، مثبت في التوراة إنزال ~~الله على موسى، ثم أن الله أمر إبراهيم بإخراج هاجر، وإسماعيل، إلىمكة، ~~ومكة يومئذ بادية خلاء، وواد من أودية تهامة، خاو ليس بها دار ولابناء، ~~فأنزل إبراهيم ابنه إسماعيل وهاجر من موضع الكعبة، وكان بمكة قوم من اليمن ~~من جرهم فأمر إبراهيم أبنه إسماعيل أن يتزوج منهم إمراة، ووهبه الله منها ~~ولده، وكثر بمكة ذريته، وعدده وبناء إبراهيم وإسماعيل صلىالله عليهما ~~وآلهما كما ذكره الله الكعبة ورفع منها القواعد من البيت، ودعا إبراهيم ~~وإسماعيل لذريتهما، كما ذكرالله من الدعوة وقال الله: مخبرا في كتابه عن ~~دعاء إبراهيم خليله لذريته إسماعيل من البيت، ودعا إبراهيم وإسماعيل ~~لذريتهما، كما ذكرالله من الدعوة وقال الله مخبار في كتابه عن دعاء إبراهيم ~~وإسماعيل خليلة لذريته إسماعيل أبنه{وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا...}الآية، إلىأخرها. # ووضع إبراهيم أعلام الحرم، وشرف الله إسماعيل بمكة حتى انتشر في البلاد ~~خبره، وعظم شرفه وقدره بما أظهر بأبيه وبه بمكة من أعلام النبوة، وماأظهر ~~بهما، وعلى أيديهما من البراهين البينة الحجج، واستجابة الناس لإبراهيم إذ ~~أذن بالحج إليه، وألبس الله البيت الهيبة والعظمة عند كل من قدم ووفد عليه، ~~وجعل الحرم أمنا لايخاف أحد فيه، وأمنت الوحوش النافرة حواليه، مع آيات ~~بينات قد ذكرها الله في القرآن، وبينها في تنزيله بأحسن البيان. PageV22P193 # فلبث ولد إسماعيل بمكة وحوالها، وفي بواديها حتى ضاقت بهم لكثرتهم بوادي ~~الحجاز، وزحم بعضهم بعضا، وكل ..... قبيلة[367] رحمت ودفعت عنها الأخرى، ~~وانتشروا في ms3070 البوادي والبرارين وصلحت مكة لخيارهم وأشرافهم، ولابآئهم ~~وأبنائهم، من قريش، وبيني كنانة، فلم يزالوا كذلك حتى أخرج الله النبي ~~محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وجاء على يده ما جاء به من النبوة، والدين، ~~والخير، والهدى، ونشرالله ولد إسحاق عليه السلام بالشام فكانوا بالبوادي ~~بالشام لا في القرى، أصحاب ماشية، وسير، وسايحة، في طلب مايصلح مواشيهم من ~~الرعاء، فأخرج الله منهم من أخرج، وذكر في بنبي إسحاق من الأنبياء. انتهى. # وفي شرح الأحكام للهادي إلى الحق عليه السلام: ما لفظه أخبرنا السيد أبو ~~العباس الحسني رحمه الله قال: أخبرنا الحسن بن علي..............الرازي ~~قال: حدثني أبو محمد الأنصاري، قال: حدثني عمارة ابن زيد، قال: حدثنا ~~إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، ويزيد بن رومان، ~~وصالح بن كيسان، ويحيى بن عروة، وغيرهم، قال: لمابلغ إسماعيل عليه السلام ~~من مولده سبع سنين كملا فلم تصبر سارة على الغيرة أكثر من هذا، فقالت: يا ~~إبراهيم لا أحب أن تكون هاجر معي في منزلي فحولها إلى حيث شئت، فاوحى الله ~~إلى إبراهيم عليه السلام بوحيه فجاءه جبريل عليه السلام بالبراق، فوثب ~~إبراهيم عليه السلام فركب البراق وحمل هاجر من ورائه وإسماعيل عليه السلام ~~بين يديه، حتى صار إلى الحرم بأذن ربه فأنزل هاجر وإسماعيل قريبا من البيت ~~الحرام، والبيت يومئذ كانت ربوة؛ لأن الطوفان قد كان خربه أيام نوح عليه ~~السلام، فقال: إبراهيم ياهاجر كوني هاهنا أنت وإسماعيل فإني راجع إلى سارة، ~~قالت هاجر: على من تخلفني وتخلف ولدك؟ PageV22P194 # قال إبراهيم عليه السلام: أخلفك علىمن أمرني أن أحملكما إلىهذا الموضع، ~~قالت هاجر: فامض إذا حيث شئت فإني واثقة بربي، فرجع إبراهيم عليه السلام ~~إلى منزله وترك هاجر وإسماعيل هنالك ليس معهما بالبيت إلا الله تبارك ~~وتعالى، قال: وتعالا النهار وطلعت الشمس وأشتد الحر في ذلك الموضع ونظرت ~~هاجر إلى موضع زمزم فإذا شجرة هنالك، وكان معهما إنا فيه ما فجعلت كلما عطش ~~إسماعيل سقته من ذلك الماء، وشربة هي أيضا حتى ms3071 فنى ما كان في الإناء، واشتد ~~الحر وعطش إسماعيل فلم تدر هاجر ماتصنع غير أنها تغدو مرة نحو الصفاء، ومرة ~~نحو المروة، وهي تقول إلهي وسيدي إن ولدي هذا هو من خليلك إبراهيم فلا ~~تقتله عطشا، قال: فأوحى الله إلى جبريل عليه السلام[368](ان أغثها فقد ~~استغاثت بي وأنا غياث المستغيثين)، قال: وانقض جبريل عليه السلام كالبرق ~~الخاطف، ثم ناداها أيتها المرأة ارجعي إلى ابنك فقد أتاك الغياث من ربك ~~قال: فرجعت هاجر إلى إسماعيل، وإسماعيل يبحث هكذا بأصبعه في الأرض، وقد ~~نبعت له عين من الماء وهي زمزم قال: ففرحت هاجر وخرت ساجدة، ثم أنها رفعت ~~رأسها وجعلت تجمع الحصى حول العين، ثم أنها ملأت ذلك السقاء الذي معها ولم ~~تشرب، خوفا أن يفنى ماء العين، فناداها جبريل عليه السلام أيتها المرأة ~~أشربي ولاتخافي أن يفنى هذا الماء فإن الله تبارك وتعالى سيعمر هذا الموضع، ~~وسيبني ولدك هذا وأبوه عليه السلام هذا البيت، فيكون هذا الماء شراب لمن حج ~~هذا البيت، وطاف بأفنيته، وكان بعض أهل العلم يقول لولا أن هاجر جمعت الحصى ~~حول عين زمزم لكان ماؤها يسيح على وجه الأرض. انتهى. PageV22P195 # واعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على يده من ~~نشر شرائعه، ودعائه بالخير لهم، في غير ذلك من الأمور التي سلف بيانها في ~~هذه الآيات السالفة عجب الناس فقال:{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه ~~نفسه} هذا إنكار واستبعاد؛ لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح ~~الذي هو ملة إبراهيم. # قال في البلغة: ومعناه ومايرغب عن ملة إبراهم إلا من صير نفسه سفيها. # وقيل: معنى سفه نفسه أهلك نفسه، وقيل: معناه جهل نفسه، وقيل: أخطا خطئة، ~~وكلها متعدى إلى مفعول. # وقيل: سفه هاهنا لازم بمعنى صار سفيها، فعلىهذا الوجه ينتصب نفسه ~~علىالتمييز المضاف، وقيل: يتضب على حذف حرف الجر، كما قال تعال:{فلا جناح ~~عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} أي لأولادكم، ومعنى الآية أن من ~~يرغب عن ms3072 ملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار والإشارة إلى قريش، ~~فقد رغب عن ملة إبراهيم لأن ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد، وإن كان في ملة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم زيادات، ومن رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام ~~فقد جعل نفسه سفيها وضعيفا لتضيعه، عزه، وشرفه، وسنته، ومنزلته، التي له، ~~لأجل إبراهيم عليه السلام. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل علىأن دين إبراهيم لم ينسخ ~~ذاته بأن يؤيد هذا المعنى قوله تعالى:[369]{ قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين} ثم أنه تعالى لما أخبر بسفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم بين ~~السبب فيه فقال:{ ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} من ~~أفضل أهل التقوى والصلاح. PageV22P196 # قال في البلغة: أي اخترنا إبراهيم عليه السلام بالرسالة والإمامة في ~~الدنيا، واتخذناه صفوتنا، وهو في الآخرة من الذين يستوجبون على الله تعالى ~~أعلى الدرجات، وأهنى الكرامات. # وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى إمامة علي، والحسن، والحسين، وذريتهم ~~عليهم السلام، وذلك أنه إذا ثبت بما قدمنا ذريته في قصة إبراهيم أن الإمامة ~~من مصالح الدين، وبشارة لأبراهيم، وإن كان من ذريته ظالم فإن هذا العهد ~~لايناله، فقد صارت الإمامة من جملة ملته؛ لأنه سألها لذريته، ووضعها فيهم ~~نصا، وسمعا، وأمرا لله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم باتباع ملة ~~إبراهيم بقوله: {واتبع ملة إبراهيم حنيفا}وبقوله عزوجل: {إن أولى الناس ~~بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي}فلو وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الإمامة في غير أولاد إبراهيم أو لو وضعها فيهم في غير معصومين لدخل في ~~عاتبة قوله تعالى:{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} وحاشاه عن ~~ذلك صلى الله عليه وآله وسلمن فدل ذلك علىأن الإمامة ملة إبراهيم إلا من ~~سفه نفسه، وأنه لايجوز أن توضع في غير أولاد إبراهيم، ولانالها منهم إلا من ~~كان معصوما لقوله تعالى:{لا ينال عهدي الظالمين} وقد أشبعنا القول في ذلك ~~في موضعه فلا وجه ms3073 لإعادته، ولم يكن بهذه الصفة من ولد إبراهيم في أمة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم غير علي، والحسن، والحسين، وذريتهما، صلوات الله ~~عليهم أجمعين؛ لأنهم لم يشركوا بالله قط طرفة عين، فلم يتدنسوا بإقرار ~~المخالف والموالف، بما أوجب عليهم سخط قالت: وعداوته، انتهى. # ثم قال تعالى:{ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} موضع إذ نصب، ~~وفي عامله وجهان: PageV22P197 # الأول: نصب باصطفيناه أي اصطفيناه في أول الوقت الذي قال له أسلم؛ ولأنه ~~تعالى ذكر الإصطفاء وكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها، ~~وانقاد، وعلم تعالى من حاله أنه لايتغير على الأوقات، وأنه مستمر على هذه ~~الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اصطفاه للرسالة، واختصه ~~بها، فإنه لايختار للرسالة إلا من هذه حالته في البدء، والعاقبة، فالسلام ~~لله[370]تعالى وحسن إجابته منطوق به. # الثاني: أنه نصب بإضمار أذكر، كأنه قيل أذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى ~~الصالح الذي لايرغب عن ملة مثله. # قال في البلغة: مدح الله تعالى إبراهيم عليه السلام بسرعة إجابته إلى ما ~~دعاه إليه من الإنقياد لأمره، والإستسلام لطاعته، وقد بينا فيما تقم ~~فائدةالإسلام في اللغة وفي الشرع. # وقال بعض العلماء: لم يوح الله تعالى بذلك إلى إبراهيم عليه السلام قولا ~~وكان ذلك على وجه استدعائه إلى النظر في أفعال الله تعالى، وهو قوله ~~تعالى:{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}إلى ~~قوله: {قال ياقوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي...} إلى آخر الآية، ~~فصار استدعاؤه بما في عقله إلى النظر في دليل معرفة الله تعالى بمنزلة أن ~~قيل له أسلم، أي كن منقادا لله وحده. PageV22P198 # ومثل هذا المدح ثابت لعلي عليه السلام حين قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((آمن بالله وبي فلم يبرح من مكانه حتى أجابه إليه))، وكان إبمانه ~~بالله لا عن شرك، كما كان إيمان إبراهم عليه السلام لاعن شرك وهو من جملة ~~من استجاب الله دعوة إبراهيم فيه، وهي كما قال ms3074 تعالى:{ واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام} إلى قوله: {فمن تبعني فإنه مني...}الآية، ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مني وأنا منه، خلق من طينتي، وخلقت من طينة ~~إبراهيم ذرية بضعها من بعض والله سميع عليم)) فكان أسبق له وهو أول ~~السابقين. انتهى. # ثم قال تعالى:{ ووصى بها} أي كلمت وأسلمت لرب العالمين {إبراهيم بنيه ~~ويعقوب} أي وصى بها يعقوب بنيه {يابني إن الله اصطفى لكم الدين} أي أن الله ~~اختار لكم هذه الملة دينا وهي دين الإسلام {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} أي ~~لاتغيروا الإسلام عند الموت لا لأأنه نهى عن الموت نظيره مت شهيدا، قال في ~~البلغة: هو نهي عن ترك الإسلام. انتهى. # فالمراد التحريض على الإسلام، وذلك أن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل ~~طرفة عين، ثم أنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت، صار مأمورا به في كل حال؛ ~~لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجلعه المنية فيفوته الظفر بالنجاة، ويخاف ~~الهلاك فيصير مدخلا بنفسه في الخطر والغرور. # واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصيته بنيه ~~بالدين، والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على ~~اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان[371]فقال سبحانه:{ أم كنتم شهداء إذ ~~حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي}. PageV22P199 # قال في البلغة: الشهيد الحاضرون بمعنى بل هاهنا، وإنما خرج الكلام مخرج ~~الإستفهام؛ لأن فيه تقريرا للحجة، والإنكار عليهم، فكأنه قيل: لمن ادعى أن ~~إبراهيم عليه السلام كان على دين اليهودية والنصرانية، إذا لم يكونوا حارين ~~حين وصى إبراهيم، ويعقوب أولادهما، فكيف يدعون على الرسل الذين أرسلهم الله ~~بالحنفية أنهم كانوا على اليهودية والنصرانية، وقيل: الخطاب للمؤمنين أي ~~ماشاهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، وحكى الله تعالى ما ~~قالا لأولادهما وهو أنهما قالا لهم ماتعبدون بعد موتنا أتعبدون ماعبدنا أم ~~تعبدون غيره؟ فأجابوهما بما حكى الله عنهم بقوله:{ قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك ms3075 إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} أي نعبد الإله ~~الذي عبدته، وعبده آباؤكم، ولانشرك به شيئا، انتصب الهاء؛ لأنه حال من قوله ~~نعبد إلهك وقيل: بدل من إلهك. # ودلت الآية على أن العم يسمى بالان إسماعيل كان عم يعقوب وبنوهم{تلك أمة ~~قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}. # قال في البلغة: الأمة تنصرف علىوجوه: قد تكون بمعنى الجماعة ويقال للخير ~~أمة، كما قال تعالى:{ وادكر بعد أمة}والأمة أيضا القدوة، والإمام في الخير، ~~كما قال تعالى:{ إن إبراهيم كان أمة} والأمة أيضا الإستقامة في الدين، يقال ~~للإستقامة أيضا أمة كما قال النابغة: # وهل بأبن أو أمة هو طائع PageV22P200 والأمة العامة أيضا، والأمة أهل الملة الواحدة، كأمة محمد، وأمة عيسى ~~عليهما السلام، أي تلك جماعة قد مضت وسلفت، وهم الذين تقدم ذكرهم من ~~الأنبياء عليهم السلام، وقيل: دخل فيه أسلاف هؤلاء، فلها جزاء ما عملت ولكم ~~جزا ما عملتم، ولاتواخذون أنتم بأعمالكم، فكأنه قيل: لهم لا تكلوا على ~~فضائل آبائكم وأجدادكم، وبادروا إلى ما أمركم الله به على لسان محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فإن الله تعالى ينسخ الشرائع على حسب ما يرى من ~~المصلحة العائدة، فيأمركم بغير ما أمر به أسلافكم. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي دلت على صحة دين الإسلام حكى بعدها ~~أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام فقال [372]سبحانه:{ وقالوا ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} أي اليهود قالوا كونوا على ديننا تهتدوا إلى الحق. # وقالت النصارى: كونوا على ديننا تهتدوا، وقيل: سبب نزول الآية أن عبدالله ~~بن صوريا قال: لرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه ~~فاتبعنا يا محمد تهتدوا. PageV22P201 # وقالت النصارى: مثل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأجابهم الله عن ذلك ~~بقوله تعالى:{قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} أي قل لهم بل ~~نتبع ملة إبراهيم، فانتصب ملة على هذا الوجه، وقيل: انتصابه على معنى ~~الإغر، أي ms3076 فاتبعوا ملة إبراهيم، وحنيفا نصب على الحال، والحنيف أصله الميل، ~~فالحنف هو المائل والعادل من دين إلي دين، فسمى دين الإسلام حنيفا؛ لآنه ~~عدل عن اليهودية، والنصرانية، فالحنيف المسلم الذي يستقبل القبلة التي هي ~~البيت الحرام على ملة إبراهيم، فكل من أسلم في أمر الله في حتى لايتلبث في ~~شيء منه فهو حنيف، والجمع هنا حنفا، وإبراهيم حنيفنا على هذا الوجه، وقيل: ~~الحنيف أصله الإستقامة، وقيل: لمن مالت قدمه على الآخرى أحنف.......ولاكما ~~يقال للأعمى البصير، وللمهلكة المغارة، والحنيف على هذا الوجه معناه الذي ~~له الإستقامة على دين الله، والحنفية قيل هي حج البيت، وقيل: هي اتباع ~~الدين، وقيل: هي اتباع إبراهيم عليه السلام فيما أتى من الشريعة التي كان ~~بها إماما وقدوة، وقيل: هي إخلاص دين الله وحده وقوله:{ وما كان من ~~المشركين} أي لم يكن إبراهيم من المشركين، وهذا رد على من ادعى أنه كان ~~يهوديا، أو نصرانيا، فهو تعريض بأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كلا يدعي ملة ~~إبراهيم وهو على الشرك. PageV22P202 # ولما أجاب الجواب الجدلي أولا ذكر بعده جوابا برهانيا فقال تعالى:{ قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون} وإنما كانت هذه الآية جوابا برهانيا؛ لأن الطريق إلى ~~معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز عليهم، ولما ظهرت المعجزة على يد محمد ~~صلىالله عليه وآله وسلم وجب الإعتراف بنبوته، والإيمان برسالته، وأن تخصيص ~~البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يووجب المناقضة في الدليل، وأنه ممتنع ~~عقلا، فهذا هو المراد من قوله: {قولوا [373] آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا...}إلى آخر الآية، وهذا الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية. # وفي الكشاف: قولوا آمنا خطاب للمؤمنين، أي قولوا ذلك لتكونوا على الحق، ~~ويجوز أن يكون خطابا للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم ~~علىالباطل، وكذلك قوله:{بل ملة إبراهيم} يجوز أن يكون على بل اتبعوا أنتم ~~ملة إبراهيم، أو كونوا أهل ملته. ms3077 انتهى. # قال في البلغة: قيل أن سبب هذه الآية أن نفرا من اليهود أتوا النبي ~~صلىالله عليه وآله وسلم فسألوا عمن يؤمن به فلما قرأ الآية وبلغ قوله: {وما ~~أوتي موسى وعيسى} فجحدوا نبوة عيسى عليه السلام، وقالوا: لانؤمن به، ولا ~~بمن آمن به، فأنزل الله فيهم{قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل} انتهى. # وأما الأسباط فقال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب. # وفي الكشاف: السبط الحافد، وكان الحسن، والحسين، سبطي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV22P203 # قال في البلغة: والأسباط قيل هم أولاد يعقوب، وكانوا انثى عشر ولدا، فولد ~~كل واحد منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، واختلفوا في نبوتهم، فمن أثبت ~~النبوة لهم اعتل بأنهم كانوا أطفالا في حال ما وقع منهم ما وقع من الخطيئة، ~~ومن لم يثبت النبوة لهم اعتل بأنهم لم يكونوا أطفالا، ومن يكون نبيا لايقع ~~منه قبل النبوة، مثل ما حكى الله عنهم، وجعل الأسباط أولاد يعقوب عليه ~~السلام، ويحتاج إلى نظر شاف في أحوالهم وما وقع منهم. انتهى. # وقوله: {لا نفرق بين أحد منهم} فيه وجهان: # الأول: أنا لانؤمن ببعض، ولانكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كان مناقضة ~~لازمة علىالدليل وذلك غير جائز. # والثاني: لانفرق بين أحد منهم أي لانقول أنهم متفرقون في أصول الدين بل ~~هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام كما قال تعالى:{ شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وأحد هنا بمعنى الجماعة، أي لانؤمن ببعض، ~~ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى، ومعنى {ونحن له مسلمون} أي مخلصون ~~منقادون لأمر الله خاشعون له مطيعون. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب الإيمان بما جآءت به ~~الرسل صلوات الله عليهم، وعلى الإستسلام لأمره، والتزام ما ألزمنا الله به ~~في جميع ما أنزل على رسله صلوات الله عليهم، ومنه ms3078 إقامة الدين، وهو أن لا ~~يتفرقوا كما يأت في سورة الشورى[374]إن شاء الله تعالى. انتهى. PageV22P204 # واعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضحة في الدين وهو أن يعترف الإنسان ~~بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة، رغبتهم ~~في مثل هذا الإيمان فقال: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} أي فإن ~~آمن هؤلاء الذين تقدم ذكرهم بمثل ما آمنت به أيها النبي والمؤمنون من ~~أصحابك فقد اهتدوا، أي صاروا مهتدين إلى الحق، وإلى مراشد دينهم، وما فيه ~~نجاتهم{وإن تولوا فإنما هم في شقاق} أي فإن أعرضوا عن دينك فإنما هم في ~~عناد وخلاف؛ لأن كلا من المختلفين في شق خلاف شق صاحبه. # قال في الكشاف: قوله بمثل ما آمنتم به من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد ~~لامثل له، وهو دين الإسلام، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} فلا ~~يوجد دين يماثل دين الإسلام في كونه حقا حتى إذا آمنوا بذلك الدين المماثل ~~له كانوا مهتدين، فقيل فإن آمنوا بكلمة الشك على سبيل الفرض والتقدير، فإن ~~خلصوا دينا آخر مثل دينكم مساويا له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، وفيه أن ~~دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير له غير مماثل؛ لأنه حق وهدى، وما ~~سواه باطل وضلال، ونحو هذا قولك للرجل الذي يشير عليه هذا هو الرأي الصواب، ~~فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولنك ~~تريد تبكيت صاحبك وتوفيقه على ما رأيت، إلا رأى ورأه. انتهى. PageV22P205 # قال بعضهم: وإنما يقال وإنما هم في شقاق في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في ~~عداوة الله تعالى، وغضبه، وتعنته، واستحقاق النار أيضا، فصار هذا القول ~~وعيدا منه تعالى، وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول ~~صلىالله عليه وآله وسلم، مضمرون له السوء مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند ~~هذا أمنه الله تعالى من كيدهم وأمن المؤمنين م شرهم وكيدهم، وقال عزوجل: ~~{فسيكفيكهم الله} بقوته لقلبه، ms3079 وقلوب المؤمنين؛ لأنه تعالى تكفل بالكفاية ~~في أمر حصلت الثقة به، والعمدة عليه أي ومن عاداك من اليهود والنصارى ~~وغيرهم يا محمد فإن الله يكفيك شر عداوتهم. # ودلت الآية على نبوة نبينا محمد صلىالله عليه وآله وسلم؛ لأن هذا إخبار ~~عن الغيب، فيكون معجزا دالا على صدقه؛ لأنه أخبر بهذا فكان مخبره على ما ~~أخبره، وهذا ضمان لرسول الله صلىالله عليه وآله وسلم بنصره عليهم، وكفايته ~~أمرهم، وقد أنجز وعده بقتل[375] بني قريظة وسبيهم، وأخلاء بني النضير، ثم ~~أنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما ~~يعلنون من هذا الأمر لايخفى عليه، فقال تعالى: {وهو السميع العليم} بما ~~يضمرون من الحسد، فهو سبحانه سميع لأقوالهم، عليم بأعمالهم، وقوله تعالى:{ ~~صبغة الله} مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمنا بالله، كما انتصب وعد الله عما ~~تقدمه، وهي فعله من صبغ كالجلدة من خلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصنغ، ~~والمعنى تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النفوس، ثم اختلفوا في المراد بصبغة ~~الله على أقوال: # الأول: وهو الذي في البرهان أنه دين الله، وذكروا أنه لم يسمي دين الله ~~بصبغة الله وجوها: PageV22P206 # أحدها: أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ~~ويقولون هو تطهير لهم، فإذا فعل الواحد بولده بذلك قالوا: الآن صار نصرانيا ~~حقا، فقال الله تعالى: اطبلوا {صبغة الله}، وهو الدين والإسلام؛ لأن السبب ~~في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة، ونظيره قوله تعالى:{ إنما ~~نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم}، {يخادعون الله وهو خادعهم}، {ومكروا ومكر ~~الله}، {وجزاء سيئة سيئة مثلها}، {إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم}. # وثانيها: اليهود تصبغ أبنائها نصارى، يعني يقلبوهم فيصبغونهم بذلك لما ~~يشربون في قلوبهم، عن قتادة. # وقال ابن الأنباري: يقال فلان يصبغ فلانا في الشيء أي يدخله فيه ويلزمه ~~إياه، كما تجعل الصبغ لازما للثوب، وأنشد ثعلب: # دع الشر وأنزل بالنجاة تجززا ... أما أنت لم يصبغك في الشر صابغ # وثالثها: سمى الدين صبغة لأن هيئته ms3080 تظهر بالمشاهدة من أثر الصلاة ~~والطهارة، قال تعالى:{ سيماهم في وجوههم من أثر السجود}. # قال القاضي: صبغة الله متعلق بقوله: {قولوا آمنا بالله} إلى قوله:{ونحن ~~له مسلمون} فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله، ليبين لنا أن المباينة ~~بين هذا الدين الذي اختاره الله تعالى وبين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، ~~كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحسن السليم. # والقول الثاني: أن المراد بصبغة الله فطرة الله وهو كقوله:{فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله}. PageV22P207 # والثالث: أن المراد صبغة الله شريعة الله في الختان الذي هو تطهيره، ثم قال ~~سبحانه:{ ومن أحسن من الله صبغة} لعباده بالإيمان المطهر لهم من الشرك، ~~وأوساخ الكفرن والعصيان،{ونحن له عابدون} أي نخصه[376]بالعبادة، أي قولوا ~~هذا أي نحن عابدون لله في اتباع ملة إبراهيم التي هي صبغة الله. # قال صاحب الكشاف: قوله {ونحن له عابدون}، عطف على آمنا، وهذا يرد قول من ~~يزعم أن صبغة الله يدل بدل من ملة إبراهيم، أو نصب على الأعداء، المعنى ~~عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابه على أنه مصدر مؤكد هو الذي ~~ذكره سبوية، والقول ما قال: حرام كذا عن بعضهم والله اعلم، قوله تعالى:{ قل ~~أتحاجوننا في الله} أي في شأنه واصطفائه النبي صلىالله عليه وآله وسلم من ~~العرب دونكم. PageV22P208 # قال في البلغة: هذه الآلف استفهام دخلها معنى الإنكار أي تجادلوننا في الله ~~أي في دين الله وتخاصمونا، وقيل: كان وجه حجاجهم أنهم زعموا أنا أولى ~~بالحق؛ لأن النبوة كانت فينا، والكتاب في أيدينا، فنحن أولى بأن يكون ~~الرسول منا، ويلتمس الحق من جهتنا، وقيل: أنهم قالوا: نحن أحق بالإيمان من ~~العرب الذين عبدوا الأصنام، فبين الله تعالى وجه الحجة عليهم بقوله: {وهو ~~ربنا وربكم} ومعناه إذا كان الله ربنا وربكم فهو اعلم تدبيرها وتدبيركم، ~~ولاحجة علينا في جرم غيرنا؛ لأن العرب وإن كانوا عبدوا الوثن فنحن برآء من ~~ذلك، وقيل: حاجوهم بأن قالوا: نحن أولى بالله منكم؛ لأننا أبنا الله ms3081 ~~وأحباؤه، فرد الله عليهم بذلك وبين أن الله اعلم حيث يجعل رسالاته؛ لأنه ~~العالم بمصالح عباده، وقوله تعالى: {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} فيه إنكار ~~لاحتجاجهم لأجل أنهم مشركون، ونحن مخلصون، فلا حجة لكم علينا، وقيل: هو ~~إنكار لما احتجوا به من عبادة العرب، للأوثان، فكأنه قيل: لهم لاعيب علينا ~~في عبادة العرب الأوثان؛ لأنا مخلصون، كمالم يكن عليكم عيب في عبادة من عبد ~~العجل منكم، فكل واحد يؤاخذ بجرمه، ومعنى قوله تعالى:{ونحن له مخلصون} أي ~~إيماننا بالله وعبادتنا على وجه الإخلاص والتوحيد، فلا تستبعدوا أن يؤهل ~~الله أهل إخلاصه لكرامته، ثم قال تعالى:{ أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى}. # قال في الكشاف: يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن يكون أم معادلة للهمزة في ~~اتحاجوننا، بمعنى أي الأمرين يأتون المحاجة في حكمة الله، أم ادعا اليهودية ~~والنصرانية علىالأنبياء، والمراد بالإستفهام عنهما إنكارهما معا، وأن يكون ~~منقطعة بمعنى بل أيقولون، والهمزة للإنكار ايضا، وفيمن قرأ بالياء لايكون ~~إلا منقطعة. PageV22P209 # قال في البلغة: ومعنى الآية أنهم وبخوا على ما ادعوا أن هؤلاء الأنبياء ~~عليهم السلام كانواعلى دين اليهودية، والنصرانية،[377] فادعت اليهود أنهم ~~كانوا على دينهم وهم النصارى، أنهم كانوا على دينهم، وقوله عزوجل :{ قل ~~أأنتم اعلم أم الله} هذا علىوجه الإلزام للجهال عليهم، كأنه قيل لهم إذا ~~ادعيتم أن هؤلاء كانوا علىاليهودية والنصرانية، فأخبر الله تعالى بأنهم لم ~~يكونوا كذلكن حيث قال سبحانه:{ما كان إبراهيم يهوديا ولانصرانيا} فشهد له ~~بملة الإسلام، فلا يعلمون أن هذا رد على الله، ويلزمكم أن تقولوا أنكم اعلم ~~من الله، وكفى به خزيا لمن بلغه ثم قال تعالى:{ ومن أظلم ممن كتم شهادة ~~عنده من الله} قيل: من هاهنا معناها للحجة، أي لا أحد أظلم ممن كانت عنده ~~شهادة فكتمها، يعني وكتم شهادة الله التي عنده لإبراهيم بكونه حنيفا مسلما، ~~وقد كتموا هذه الشهادة مع علمهم بها، ومن في قوله من الله لابتداء الغاية ~~فهذه الشهادة قيل هي الشهادة بأن هؤلاء كانوا علىالإسلام ms3082 وهم الذين تقدم ~~ذكرهم، وقيل: هي الشهادة بالبشارة التي جاءت بنبوة محمد صلىالله عليه وآله ~~وسلم على لسان موسى، وعيسى، وغيرهما، من الأنبياء عليهم السلام وقيل: ولا ~~أحد أظلم من الله إن كانت هذه الشهادة عنده فكتمها، ومثاله لا أحد أظلم ~~للفقير الضعيف من السلطان القوي، والأول راجع إلى كتمان القول من ~~المخاطبين. # والثاني: إلى كتمان الله تعالى انتهى. PageV22P210 # والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهود أو نصارى ثم أن الله كتم هذه الشهادة لم ~~يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه، لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عن ~~الكذب علمنا أنه ليس الأمر كذلك، والأول معناه ومن أظلم منكم معاشر اليهود ~~والنصارى إذ كتمتم هذه الشهادة من الله، أما قوله تعالى:{وما الله بغافل ~~عما تعملون} فهو وعيد شديد، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلىالله ~~عليه وآله وسلم بالنبوة في كتبهم، ومن يتصور أنه تعالى عالم بسره، وإعلانه، ~~لاتخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ~~لاتمضى عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف، ألا ترى أن أحدنا لو كانت عليه ~~رقيب من جهة السلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل، مع أن ذلك ~~الرقيب لايعرف إلا ظاهر، فيكف بالرب الذي يعلم السر وأخفى، إذا[378]هدد، ~~وأوعد بهذا الحسن من القول. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل بصريحها على أن كتمان الشهادة ~~ظلم، ومنه كتم العلم، وفي الحديث عنه صلىالله عليه وآله وسلم ((من كتم ~~العلم )) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((من كتم علما مما ينفع ~~الله به في الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) انتهى. # واعلم أنه تعالى لما أخرج اليهود عن طريقة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ~~عقبه بقوله عزوجل:{تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون ~~عما كانوا يعملون} وعقب هذه الآية بذلك لوجوه: # أحدها: ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لايتكلوا على فضل الأباء، فكل واحد يؤخذ بعلمه. # وثانيها: أنه تعالى بين ms3083 أنه لايستنكر أن يكون فرضكم غير فرضهم لأختلاف ~~المصالح، فينقلكم محمدا صلوات الله عليه وآله وسلم من ملة إلى ملة آخرى. PageV22P211 # وثالثها: أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه ~~الآيات لأنهم أصابوا وأخطاؤا، فلا ينفع هؤلاء، ولايضرهم، لئلا توهم أن ~~طيرقة الدين التقليد، وقوله تلك إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ~~، ويعقوب وبنوهما، فإن قيل لم تكررت الآية؟ # قلنا: لهم فيه وجهان: # أحدهما: أنه عنى بالآية الأولى إبراهيم، ومن ذكر معه، وبالثانية أسلاف ~~اليهودن قاله الجبأي. # ثم قال القاضي: هذا بعيد؛ لأن أسلاف اليهود لم يجر ذكرهم، وموضع شبهة هذا ~~القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه أنهم كانوا هودا فكأنهم قالوا ~~إنهم كانوا على مثل طريقة سلفنا من اليهود، فصار سلفهم في حكم المذكورين، ~~فجاز أن يقول تلك أمة قد خلت، ولكن ذلك كالتعسف، بل الممذكور السابق ~~إبراهيم وبنوه، فقوله أمة يجب أن يكون عائدا إليه. # والثاني: أنه متى اختلفت الأوقات في الأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثا. # قال عليه السلام: تدل على تحريم المواخذة بما فعله الغير مالم يكن ثمة ~~مشاركة بنحو أرضى. انتهى. # وقوله تعالى:{سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها} سيقول السفهاء فيه قولان: # أحدها: أنه صلىالله عليه وآله وسلم إذا أخبر بذلك قبل وقوعه كان هذا ~~إخبار عن الغيب، فيكون هذا معجزا. # وثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولا ثم سمعه منهم فإنه يكون تأديه ~~صلى الله عليه وآله وسلم[379]من هذا القول أقل مما إذا سمعه أولا. # وثالثها: أن الله سبحانه أسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه، فحين سمعه ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون الجواب حاضرا فكان ذلك أولا مما إذا ~~سمعه ولا يكون الجواب حاضرا. PageV22P212 # والقول الثاني: أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا لكنه قد يستعمل في ~~الماض أيضا، وهذا أختيار القفال، والسفها خفاف العقول، وهم اليهود لكراهتهم ~~التوجه إلى الكعبة، وقيل: المشركون قالوا: آراغب عن قبلة أبائهم، ms3084 ثم رجع ~~إليها والله ليرجعن إلى دينهم. # وفي معنى الآية يقول المرتضى عليه السلام: السفهاء الذين ذكرهم الله ~~سبحانه فهم السفهاء في نفوسهم الذين لا عقول لهم، ولاتميز، ولادين، سفها ~~الرأى والأحلام، من أهل الكتاب وغيرهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس، وكان يحب الصلاة إلى قبلة إبراهيم عليهما ~~السلام، وهو قول الله عزوجل في كتابه:{قد نرى تقلب وجهك} إلى قوله ~~تعالى:{فولوا وجوهكم شطره} فأمر الله عزوجل أن يولي وجهه، ومن كان معه من ~~المؤمنين إلى الكعبة، وهي قبلة إبراهيم عليه السلام، ثم قال:{سيقول السفهاء ~~من الناس} إلى قوله{قل لله المشرق والمغرب} فأمره سبحانه أن يقول لهم عندما ~~يكون من كلامهمن وجهلهم، وطعنهم عليه، في تحوله عن القبلة وغيرها من ~~الأديان تعبد من الله تعبدك به وهو يفعل عزوجل ما يشاء، ويتعبد بما أراد، ~~وما تعبد به فهو طاعة له، فكان قول النبي صلىالله عليه وآله وسلم لهم {لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} قطعا لحججهم، وفلا لكلامهم، ~~فلا يجدون معه فالا، ولا قيلا، والله يفعل ما يشاء، ويحكم لامعقب لحكمه، ~~وهو سريع الحساب، وقد قيل أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم صلى إلى بيت ~~المقدس سبعة عشر. انتهى. PageV22P213 # وقوله تعالى:{ قل لله المشرق والمغرب} قيل معناه فمن له الشرق والمغرب فله ~~البتدبير في جعلهما قبلة، وغير ذلك بحسب ما يرى فيه من المصلحة للعباد، ~~وقيل: هو رد على من زعم من اليهود أن الأرض المقدسة أولى بالتوجه إليها؛ ~~لأنها مواطن الأنبياء عليهم السلام، فله أن يدبره، فبين الله أن البقاع لله ~~يدبرها كيف شاء، وفي أي وقت شاء، على حسب ما يعلم من المصلحة، وقوله تعالى: ~~{يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} أي الدين المستقيم باللطف والتوفيق، كما مر ~~بيانه في غير موضع، ثم قال تعالى:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا} قيل: ~~وجه[380]التشبيه في ذلك أنه لما قال: {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} كان ~~إنعاما منه فكأنه قال: وكذلك ms3085 أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطا، والعدل ~~الوسط العادل، وروي عن ابن عباس أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم قال: ~~((وسطا عدلا)) وقيل: معناه وسطا بين الناس وبين أنبيائهم، فهم عدل من هذه ~~الجهة كذا في البلغة. # قال في البرهان: الوسط فيه ثلاثة وثلاث: # أحدها: أنها الخيار كما يقال: فلان واسط الحسب، إذا كان رفيعه منه قول زهير: # هم وسط يرضي الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # والثاني: أن الوسط من التوسط في الأمور. # والثالث: أن المراد بالوسط العدل؛ لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان، ~~وقد روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ~~تعالى:{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} أي عدولا {لتكونوا شهداء على الناس }انتهى. PageV22P214 # وقال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح، لكن في مقامين النسب يقال أوسط ~~القبيلة أي أعرقها صميما، وأبعدها عن الأطلاق ؛ لأن الآباء والأمهات قد ~~أحاطوا من كل جانب، وفي الشهادة نحو قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}أي ~~لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها في الدنيا وألآخرة، ~~وقيل: لتشهدوا الأنبياء على أممهم المكذبين لهم بأنهم قد بلغوهم ويكون صحة ~~شهادتهم بإعلام النبي صلىالله عليه وآله وسلم شهيدا، بمعنى أنه حجة في كل ~~ما أخبر به إلا أن الأمة بأسرها حجة؛ لأن الله تعالى وصف الأمة بأنها عدول، ~~وأنهم شهدا لله، ولا يكونون إلا عدولا وقوله تعالى: {ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} قيل يكون شهيدا عليكم بما يكون من أعمالكم، وقيل: يكون حجة عليكم، ~~وقيل: يكون لكم شهيدا يوم القيامة بأنكم صادقون فيما تشهدون فيه، فيكون على ~~هذا التأويل على بمعنى اللام كما قال تعالى: وما ربح على النصب؛ أي للنصب ~~وقوله تعالى:{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم} علما يتعلق ~~بالجزاء {من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} اعلم أن قوله وما جعلنا ~~معناه شرعنا[381]وما حكمنا كقوله تعالى:{ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام} أي ما شرعها ولا جعلها دينا، وقوله كنت عليها ms3086 أي كنت ~~معتقدا لإستقبالها. # قال في التهذيب: قيل: بيت المقدس الذي كانوا يصلون إليه، وقيل: الكعبة؛ ~~لأنه كان بمكة يصلي إليها، ثم حول إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود؛ ~~لأن في صفته عندهم أنه يصلي إلى القبلتين ثم حول إلى الكعبة، وقيل: يحتمل ~~كنت بمعنى صرت عليها، وأنت عليها يعني الكعبة انتهى. # قال الرازي: وقوله التي كنت عليها ليس بصفة للقبلة إنما هي تأتي مفعول ~~جعل يريد وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، ثم هاهنا وجهان: PageV22P215 # الأول: أن يكون الكلام بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلته؛ ولأنه صلىالله ~~عليه وآله وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس ~~بعد الهجرة، ثم حول إلى الكعبة، فيقول وما جعلنا القبلة إلى الجهة التي كنت ~~عليها أولا، يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء. # الثاني: يجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل ~~أمرك أن تستقبل القبلة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض وإنما ~~جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل هذا، وهي بيت المقدس، للتختبر ~~الناس، وتنظر من يتبع الرسول، ومن لايتبعه وينفر عنه. # قال في البلغة: معنى ممن ينقلب على عقبيه أي ليخبر الكافر المؤمن يقال: ~~لمن كان على شيء ثم رجع عنه قد انقلب على عقبيه # وروي أن قوما أرتدوا عن الإسلام لما حولت القبلة جهلا بما فيه من الحكمة، ~~وقيل: المراد به كل مقيم على كفره، ولذلك وصف الكافر بأنه أدبر واستكبر ثم ~~قال تعالى: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى} الضمير في قوله وإن كانت ~~فيه وجهان: # أحدهما: أنه يعود إلى القبلة؛ لأنه لابد له من مذكور سابق، وماذاك إلا ~~القبلة. PageV22P216 # الثاني: أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهو مفارقة القبلة، يعني ~~تحويله، ومعنى لكبيرة أي لثقيلة، وقيل: لعظيمة على من لم يعرف وجه الحكمة ~~فيها إلا على الذين هدى الله، أي علىالمؤمنين المهتدين، أما قوله تعالى:{ ~~وما كان الله ليضيع ms3087 إيمانكم} فقيل الإيمان هاهنا الصلاة؛ لأن الإيمان خصال ~~كثيرة، والصلاة خصلتين، وقيل سبب ذلك أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة كان ~~ناس منهم يقولون كيف يكون بأعمالنا التي عملناها قبل تحويل القبلة؟ وقيل: ~~أنهم قالوا كيف يكون حال من مات من إخواننا وكانوا متوجهين إلى بيت المقدس؟ ~~فأنزل الله تعالى[382] هذه الآية، وروي أن القائل لذلك بعض المنافقين في ~~الجواب خطابا للمؤمنين، وأن كان ردا على المنافق. # وروي أن بعض الصحابة قال: كيف يا بإخواننا لو أدركوا الفضل بالتوجه معنا ~~إلى الكعبة؟ فأحب لهم ما أحبه لنفسه، فأنزل الله الآية، وفي الآية دلالة ~~على جواب النسخ كما ترى، ثم قال سبحانه:{إن الله بالناس لرءوف رحيم} الرأفة ~~هي الرحمة، ومعناه هاهنا أنه رحيم بهم لايضيع عمل عامل منهم. PageV22P217 # أما قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} فقيل أن الله تعالى وعد نبيه ~~صلىالله عليه وآله وسلم أنه يحول قبلته إلى الكعبة فكان تقلب وجهه إلى ~~السماء انتظارا لذلك الوعد، وقيل: كان يحب بذلك محبة طباع ولم يدع به؛ لأن ~~الأنبياء عليهم السلام لايدعون الله تعالى إلا بعد الأذن؛ لأنهم لو دعو قبل ~~إذن الله لهم يمتنع أن لايكون في الإجابة مصلحة، فيصير الرد فتنة للقوم، ~~فلما أذن الله في الدعاء جعل تقلب وجهه في السماء، وقيل: إنما أحب التوجه ~~إلى الكعبة مخالفة لليهود، وتميزا منهم، وقيل: أحب ذلك؛ لأن الكعبة كانت ~~قبلة إبراهيم عليه السلام، وقيل: أحبها ليستدعي العرب بذلك التوجه إلى ~~الإيمان؛ لأنهم كانوا لا يرضون إلا بها، ثم قال تعالى:{ فلنولينك قبلة ~~ترضاها} أي فنصرفك إلى قبلة تحبها وتهواها وتختار تحولك إليها، ذكر هذا في ~~البلغة. # ثم قال سبحانه:{ فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي أقبل بوجهك نحو المسجد ~~الحرام ونحو الشيء هو شطره عند العرب قال الشاعر: # ألا من مبلغ عمرو رسولا ... وما تغنى الرسالة شطر عمرو PageV22P218 والمراد بالمسجد الحرام الكعبة نفسها{وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} أي ~~حيث ما كنتم من النواحي فتوجهوا إلى الكعبة في ms3088 الصلاة، ثم قال عزوجل:{ وإن ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه} أي التحويل{الحق من ربهم} بشارة أنبيائهم ~~برسول الله صلىالله عليه وآله وسلم أن يصلي إلى القبلتين، وكان التحويل ~~برجب قبل بدر بشهرين، صلى بأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين من الظهر ~~في مسجد بني سلمة، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وحول الرجال مكان ~~النساء، والنساء مكان الرجال، ثم قال:{وما الله بغافل عما يعملون} قرأ بن ~~عامر، وحمزة، والكسائي بالتاء على أن الخطاب للمسلمين، والباقون بالياء على ~~أنه راجع إلى اليهود، فإن جعلناه خطابا للمسلمين فهو وعد لهم، وبشارة، أي ~~لايخفى على جدكم واجتهادكم[383]في قبول الدين، فلا أخل بثوابكم، وإن جعلناه ~~كلاما مع اليهود فهو وعيد لهم وتهديد، ويحتمل أيضا أنه ليس بغافل عما يعمل ~~الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. PageV22P219 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل الآيات على أن القبلة كانت إلى ~~غير الكعبة، وهي كانت إلى بيت المقدس بالإجماع المعلوم، وذلك معنى قوله ~~سبحانه: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} وعلى نسخ استقبال بيت ~~المقدس وتحويله إلىالكعبة المشرفة، وعلى أن امتحان العباد بالنسخ حسن، وأن ~~فيه حكمة، وكذلك سائر الإمتحانات، كما يأتي في قوله سبحانه:{ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف...} الآية، وكابتلا أصحاب البيت بحشر الحيتان إليهم يوم ~~سبتهم، فكانت تأتيهم شرعا، وعلى أن طائفة من الأمة جعلهم الله شهداء ~~علىالناس؛ لأن الآية لفظها عام، ومعناها خاص؛ لأنه لو كان المراد جميع ~~الأمة لكان المعنى وجعلنا جميع الأمة شهداء على جميع الأمة، وذلك فاسد فيما ~~بقى، إلا أن يكون المعنى خاصا بطائفة من الأمة، يفسر ذلك قوله صلىالله عليه ~~وآله وسلم: ((لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمرالله وهم ~~ظاهرون)) وروى هذا البخاري ومسلم في صحيحهما، وقوله صلىالله عليه وآله وسلم ~~ورواه الحاكم ابن ......، وهذه الطائفة هم الذين عناهم رسول الله صلىالله ~~عليه وآله وسلم في قوله: ((إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي ~~أبدا)) وهذا الحديث ms3089 لا تختلف الأمة في صحته، وهو عند المحققين متواتر، وفي ~~ألفاظه بعض اختلاف، كما روى أحمد بن حنبل، والطبراني، عن زيد بن أرقم، عن ~~النبي صلىالله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله ~~حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض)) وهذا الخبر نص على أن الخلافة في أهل بيت محمد صلىالله ~~عليه وآله وسلم، ولما رواه علي، وأبو ذر، وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم ~~أن النبي صلىالله عليه وآله وسلم قال: ((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها)) في حديث علي عليه السلام ((زج في النار)) PageV22P220 وفي حديث أبي ذر((غرق وهوى)). # ومما يدل على أن المراد بهذه الآية آل محمد مارواه في شواهد التنزيل ~~بإسناده إلى على عليه السلام أنه قال: إن الله سبحانه أبان عنا بقوله ~~تعالى: { لتكونوا شهداء على الناس} فرسول الله صلىالله عليه وآله وسلم شاهد ~~علينا، ونحن شداء الله على خلقه، وحجته في أرضه. # قال: ونحن الذين قال الله جل اسمه{وكذلك[384]جعلناكم أمة وسطا} انتهى. # والوسط الخيار، وشهيد بذلك قول النبي صلىالله عليه وآله وسلم ((من أمر ~~بالمعورف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو الخليفة من بعدي)). # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين أن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أن هذه ~~القبلة حق بين بعد ذلك أن طبعهم لايتغيرفي الإستمرار عن المعاندة ~~فقال:{ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك} معناه ولأن ~~أتيت هؤلاء المعاندين الذي يعلمون أن قبلتك حق بكل آية محق في التحويل ما ~~تبعوا قبلتك. # قال في البلغة: لأن الآية الأولى في المعاندين، بأنه حق، وهم نفر يسيرمن ~~اليهود والنصارى، وقيل: لأن أتيت جميعهم بكل آية ما تبعوا قبلتك انتهى. # واحتج للقول الأول بوجوه: # أحدها: قوله تعالى:{ولئن اتبعت أهواءهم} فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى، ومن ~~اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لاكون متبعا لهوى النفس، بل يكون في ظنه أنه ~~متبع للهدى. # وثانيها: أن ما ms3090 قبل هذه الآية وهو قوله: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ~~أنه الحق} لايتناول عامتهم بل هو مختص بالعلماء وما بعدها، وهو قوله:{ ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} مختص بالعلماء أيضا إذ ~~لو كان عاما في الكل امتنع الكتمان؛ لأن الجمع العظيم لايجوز عليهم ~~الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصا فكذا هذه الآية المتوسطة. PageV22P221 # وثالثها: أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم، ومستمرين على ~~باطلهم، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات، وهذا ~~شأن المعاند اللجوج، لا شأن العامي المتحير. # ورابعها: أن لو حملنا الآية على العموم لصارت الآية كذبا؛ لأن كثيرا من ~~أهل الكتاب آمن بحمد صلىالله عليه وآله وسلم وتبع قبلته. # وقال أهل القول الثاني: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ~~واحتج عليه بأن قوله وأن الذين أوتوا الكتاب صيغة عموم تتناول الكل، ثم ~~أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب الهوى في الحقيقة؛ لأنه ما تمم ~~النظر والإستدلال، فإنه لو أتى بتمام النظر والإستدلال توصل إلى الحق، فحيث ~~لم يحصل علمنا أنه ترك النظر التام لمجرد الهوى، وأجابوا عن الحجة الثانية ~~بأنه ليس يمتنع أن يزاد في الأولىبعضهم، وفي الآية الثانية كلهم، وأجابوا ~~عن الحجة الثالثة أن العلماء لوكانوا مصرين على الشبهات، والعوام كانوا ~~مصرين على اتباع أولئك العلماء، كان الإصرار حاصلا[385]في الكل، وأجابوا عن ~~الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لايؤمنون، وقولنا كل ~~اليهود لايؤمنون، مغايرا لقولنا، أن أحدا منهم لايؤمن، كذا حكاه الرازي، ~~وقوله عزوجل: {وما أنت بتابع قبلتهم} ختم لأطماعهم، إذ قالوا لوثبت على ~~قبلتنا لكنا نطمع أن يكون الذي ينتظره ثم قال:{وما بعضهم بتابع قبلة بعض} ~~أي اليهود والنصارى، مع أتفاقهم على مخالفتك، فهم مختلفون في القبلة، ~~فاليهود يستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس، يعني شرقي بيت المقدس، ~~وأما قوله تعالى:{ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم} بما أنت ~~عليه من الحق وما هم عليه من الباطل{إنك ms3091 إذا لمن الظالمين} فقيل فيه لطف ~~للسامع، وزجر عن ترك الدليل، واتباع الهوى، فهذه حالته صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فيكف PageV22P222 غيره، وقد تكرر بيان نظير هذه الآية. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل هذه الآية بصريح لفظها علىأن ~~اتباع أهل الأهواء في أهوائهم المخالفة لما شرع الله ظلم انتهى. # قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب} التوراة { يعرفونه} أي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بصفته، وقيل: أمر القبلة{كما يعرفون أبناءهم} سأل عمر ~~عبدالله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني اعلم به مني ~~بأبني؛ لأني لا أشك في محمد ، وأما ولدي فلعل أمه خانت فقبل عمر رأسه. # قال في البلغة: وإنما وقع التشبيه بمعرفة الأنبياء من حيث الظاهر، وإن ~~كانت القبلة حاصلة لهم بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم يعرفون ~~أبناءهم الذين ولدو على فرشهم، من حيث الإعتقاد، وغلبة الظن، وعرفوا صحة ~~أمر القبلة، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة النظر، والإستدلال، ~~والكناية، في قوله الذين أتيناهم الكتاب مراجعة إلى هؤلاء العلماء من ~~اليهود. انتهى. PageV22P223 # فإن قيل أي تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة؟ قيل: أنه بين تعالى ~~في الآية المتقدمة لماحذر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن اتباع ~~اليهود والنصارى بقوله:{ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك ~~إذا لمن الظالمين} أخبر المؤمنين بحاله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه ~~الأمة فقال: اعلموا معاشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وماجاء به، وصدقه، ودعوته، وقبلته، ولا يشكون فيه، ~~كما لايشكون في أبناءهم، ثم قال سحبانه:{ وإن فريقا منهم} من لم ~~يؤمن{ليكتمون الحق} بنبوة محمد، وأمر القبلة{ وهم يعلمون} صحة ما أنكروا ~~وما على من كتم العقاب، ثم قال:[386]{الحق من ربك} قيل هو رفع؛ لأنه خبر ~~ابتداء محذوف، كأنه قيل ذلك الحق، وهو الحق، أي الحق الذي عليه محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم من ربك{فلا تكونن ms3092 من الممترين} في أن الذين تقدم ذكرهم ~~علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم معاند وكاتم، وقيل: بل يرجع إلى أمر القبلة، ~~وقيل: إلى صحة نبوته وشرعه. # واعلم أنه تعالى وإن نهاه عن الإمتراء في يدل ذلك على أنه ........فيه ~~لأنه يجوز أن يخاطب الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وإن علم أنه ~~لايشك وقيل: الخطاب له، والمراد غيره، ثم قال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} ~~اعلم أنهم اختلفوا فيه، المراد من قوله ولكل وجهة، # فقال المرتضى عليه السلام: المراد بالوجهة هي الملة والشريعة، وقد قيل أن ~~الوجهة هي القبلة، والقول الذي قلنا به فيها فهو الصواب عندنا، ثم ~~قال:{فاستبقوا الخيرات} فيما يتعبدون به، واستباقهم فهو العمل به، ~~والمواظبة عليه، ومن الخيرات أيضا ما أعد الله في الجنة من العطا الجزيل، ~~والثواب الكريم، الذي أعده سبحانه للمؤمنين، وخص به أولياؤه المتقين. انتهى. PageV22P224 # والضمير في موليها لله تعالى وقيل: معنى ولكل وجهة، أي لكل أهل دين قبلة، ~~والضمير يعود إلى كل، والمعنى هو موليها وجهة أي مستقبلها بوجهة، وفي معناه وجهان: # أحدهما: لكل من اليهود والنصارى قبلة هو موليها لايتركها، نحو وإن أتيت ~~الذين أوتو الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك. # وأما الثاني: أن المراد ولجميع الناس وجهة واحدة وهي الكعبة، وقيل: ~~الضمير في موليها لله تعالى، والمراد أن الله ولاه إياها قبل نسخ تلك ~~الشريعة، أو أنه أراد بالوجهة الشريعة، قاله في الجريد. # قال في البلغة: معناه ولكل قوم من المسلمين وجهة إلى الكعبة، وراء الكعبة ~~كانوا أو أمامها، أو يمينها أو شمالها، وهذا الوجه هو المختار عند أكثر ~~العلماء انتهى. PageV22P225 # ثم قال سبحانه:{ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا} في حشره لهم عزوجل، ~~وجمعه إياهم، من حيث كانوا إلى موقفهم، وموضع مجازاتهم، فهو وعد لأهل ~~الطاعة، ووعيد لأهل المعصية، كأنه تعالى قال: استبقوا أيها المحققون ~~العارفين بالنبوة والشريعة الخيرات، واعملوا فيها المشاق لتصلوا إلى مالكم ~~عند الله من أنواع الكرامة والزلفى، ثم أنه سبحانه حقق ذلك بقوله{إن الله ms3093 ~~على كل شيء قدير} فكيف الأتيان بكم فهو عليه يسير، دلت على أن الواجبات يجب ~~أداها فورا بلا تراخ، ومعنى قوله تعالى:{ومن حيث خرجت} أي من النواحي ~~خرجت[387]للسفر{فول وجهك شطر المسجد الحرام} قد مر بيان قوله{وإنه للحق من ~~ربك} أي الأمر بالتوجه هو الحق من عند الله، والمعنى نحن ما حولناك إلى هذه ~~القبلة برضاك، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لامحيد عنه فاستبق لها ~~ليس لأجل الهوى والميل، كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيومون عليها ~~لمجرد الهوى والميل، وقوله عزوجل: {وما الله بغافل عما تعملون} وعد ~~للمؤمنين، ووعيد للكافرين، أما قوله سبحانه:{ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} فكرر تأكيدا لما تقدم من ~~تحويل القبلة إلى الكعبة شرفها الله، ودلالة على وجوب الأستقبال إليها؛ لأن ~~النسخ من مظان الشبهة والفتنة، وتسويل الشيطان، والحاجة إلى التفضلة بينه ~~وبين .....ليثبتوا ويعزموا ويجدوا، ولأنه علق بكل واحدة فائدة غير ما علق ~~الآخرى، قال في البلغة: أنما كرر لأختلاف المعنى، فالأول ورد النسخ كأنه ~~قيل ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام منصرفا عن التوجه إلى بيت ~~المقدس إلىالكعبة. PageV22P226 # والثاني: جاء على معنى وإن كنت من البلاد فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا ~~لظهر الكعبة، أووجهها، أو يمينها، أو شمالها، وقيل: كرر ذلك لاختلاف ~~المواطن والأوقات التي احتيج إلىهذا المعنى فيها، ثم قال تعالى:{ لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة} أي لايكون للمنصف من اليهود حجة، وفي كيفية تلك الحجة ~~روايات: # أحدها: أن اليهود قالوا يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا. # الثاني: قالوا ما دري محمد صلى الله عليه وآله وسلم أين يتوجه في صلاته ~~حتى هديناه، وقيل: قالوا ما له لايحول إلى قبلة إبراهيم كما هو مذكور في ~~صفته في التوراة. PageV22P227 # والثالث: أن العرب قالوا إنه كان يقول أنا على دين إبراهيم، وألآن كما ترك ~~التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام، فصارت هذه الوجوه ~~وسائل لهم إلىالطعن في شرعه صلى الله ms3094 عليه وآله وسلم، إلا أنه تعالى لما ~~علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت الممقدس، لما فيه من ~~المصلحة في الدين؛ لأن قولهم لايؤثر في مصالح الدين، وقد بينا من قبل تلك ~~المصلحة، وهو تميزمن اتبعه ممن أقام على تكذيبه، وأن ذلك الأمتياز ما كان ~~يظهر إلا بهذا الحسن، ولما انتهت تلك المصلحة اقتضت الحكمة تحويل القبلة ~~إلى الكعبة، فلهذا قال تعالى:{ لئلا يكون للناس عليكم حجة} يعني تلك الشبه ~~التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم[388]من حاله ~~أنه يتلعق عند هذا التحويل بشبهة أخرى وهي قول بعض العرب أن محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم عاد إلى ديننا في القبلة، وسيعود إلى ديننا بأكمله، وكان ~~التمسك بهذه الشبهة والإستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ~~ظلم على النفس على ما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} لاجرم قال تعالى: ~~{إلا الذين ظلموا منهم} استثنى المكابر من اليهود؛ لأنهم خالفوا ما في ~~التوراة، وقالوا: لو كان نبيا لزم قبلة الأنبياء، والأستثناء منقطع؛ لأن ~~الذين ظلموا لاحجة لهم. # وقال المرتضى عليه السلام: معنى إلا الذين ظلموا فهو ولاالذين ظلموا ~~منهم، ولم يرد بقوله إلا هاهنا استثناء، وإنما أراد به........فليس لهم ~~أيضا حجة؛ لأن الله .......، ويأمرهم بما كان لهم طاعة إلى آخر كلامه عليه ~~السلام، فإنه قد بسط القول في الأحتجاج على ذلك في جوابه على عبد الله بن الحسن. PageV22P228 # قال في البلغة: وأنكر هذا الوجه أكثرالنحويين ثم قال: فيها ومعنى المنقطع ~~هو أن يكون إلا بمعنى كن كما قال تعالى: {ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} ~~أي لكن اتباع الظن ومعنى الآية على هذا الوجه لئلا يكون للناس عليكم حجة، ~~لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة، ويضعونها موضع الحجة، ويكون المراد ~~بذلك نفي حجتهم، أي لاحجة لهم عليكم، ألا ترى إلى قول النابغة: # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم ... بين فلول من قراع الكتائب # فأراد أنهم ليس فيهم عيب وإن كان فيهم ms3095 عيب فهو أن في سيوفهم فلولا، وهذا ~~ليس بعيب، فكذلك هذا فكأنه قيل إن كان على المؤمنين حجة فلظالم باحتجاجه ~~ولاح حظة للظالم فليس إذا عليهم حجة، وأما وجه المتصل فهو أن تكون النحجة ~~بمعنى المحاجة، والمخاطة، فكأنه قيل لئلا يكون للناس عليك حجاج إلا الذين ~~ظلموا منهم فإنهم يحاجونكم بالباطل فيكون الإستثناء علىهذا الوجه متصلا، ~~والناس هاهنا قيل هم اليهود، وقيل هم جميع الناس من المخالفين للإسلام، ~~والذين ظلموا قيل هم مشركوا العرب، وقيل: هم الظالمون، ثم قال تعالى: {فلا ~~تخشوهم واخشوني}أي لاتخافوا ما كان فيهم من ظلم، واستطالة، ومخاصمة، ~~ولاتبالوا بذلك فإن عاقبة السوء عليهم، وهذا تطيب لأنفس المؤمنين. # قال المرتضى عليه السلام: فالخشية قد تكون من الأذية، والكلام والبسط، ~~والقتال، فأمر الله أن لايخشوا الخلق، ولايهابوهم، ولايدارون الظلمة، ولا ~~في الله سبحانه يتاقونهم[389]وأن يكون خشيتهم لله سبحانه، وقصدهم إياه، ~~والطلب منه لرضاه. انتهى. PageV22P229 # وقوله تعالى: {ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} تعليل معطوف على محذوف ~~تقديره اخشوني لأوفقكم، ولأتم عليكم ولكي تهتدوا، وفي الحديث تمام النعمة ~~دخول الجنة، وعن علي عليه السلام تمامها الموت على الإسلام، ثم قال تعالى: ~~{كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}قد مر في هذه السورة بيان ذلك. # قال في البلغة: قيل ماهاهنا بمعنى المصدر أي أرسلنا فيكم رسولا منكم ووجد ~~التشبيه فيه كأنه قيل إن النعمة في أمر القبلة كالنعمة في الرسالة، وقيل: ~~الذكر الذي أمركم به بقوله فاذكروني كالنعمة بالرسالة، وقيل: أن العامل في ~~كما الفعل الذي قبله، وهو لأتم نعمتي عليكم، كما ارسلنا فيكم، وقيل: العامل ~~الفعل الذي بعده وهو قوله فاذكروني كما أرسلنا، فالتشبيه وقع على هذين ~~الوجهين أيضا، ثم قال عزوجل: {فاذكروني} بالطاعة { أذكركم} برحمتي، وقيل ~~اذكروني بالثنى بالنعمة، أذكركم بالثواب، وقيل: اذكروني بالدعاء اذكركم ~~بالإجابة، وقوله: {واشكروا لي} وهو أمر شكر نعمه بالطاعة، {ولا تكفروني}نهى ~~عن كفران النعمة بالعصيان. # واعلم أن الله تعالى لما أوجب بقوله اذكروني جميع ms3096 العبادات وبقوله اشكرو ~~لي ما يتصل بالشكر أردفه بيان ما يعين عليهما فقال:{ياأيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة} أي استعينوا على مطالبكم من الله، واستعينوا بها ~~على سائر الطاعات، ونظيره {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى}، وإنما خصهما بذلك ~~لما فيهما من المعونة، وقد شرح هذه الآية للمرتضى عليه السلام. PageV22P230 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب الإستعانة على مايجب ~~أداؤه من الفرائض بالصبر، والصلاة المعروفة، والدعاء إلى الله سبحانه؛ لأنه ~~يطلق على الدعاء اسم الصلاة، وهو الأصل في اللغة انتهى. # ثم قال تعالى:{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} ارتفع ~~أموات؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم أموات، أي لايقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله هم أموات، وهؤلاء هم الشهداء، وقوله: { أحياء} أي هم أحياء عند الله، ~~نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر، وعن الحسن الشهداء أحياء عند الله ~~تعرض ارزاقهم، وأرواحهم، فيصلهم الروح والفرح، كما تعرض النار على آل فرعون ~~غدوا وعشيا، يصل إليهم الوجع، وقيل: يرزقون ثمر الجنة، ويجدون ~~ريحها،[390]وليسوا فيها، وفي الثعلبي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~((مايجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرضة في آخر عضة ~~عله أشد على الشهيد من مر السلاح، ثم قال:{ ولكن لا تشعرون} كيف حياتهم، ~~وقد مر في سورة آل عمران شرح نظير هذه الآية الكريمة. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب اعتقاد ذلك في ~~الجملة، وإن لم يعلم تفصيله، فإن الله علىكلا شيء قدير. انتهى. PageV22P231 # ثم قال تعالى:{ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} الأبتلاء الأمتحان، وقد مر ~~بيانه أي نختبركم هل تصبرون لأمر الله وحكمة بشيء من الخوف من العدو، قيل: ~~سبب هذه الأمور المعدودة، وقيل: خوف الله، والجوع من الآفات في الثمرات، ~~وقلة الريع، والبركة، وقيل: صيام رمضان ثم قال:{ ونقص من الأموال} بقلة ~~الأمطار، والآفات في الثمرات، وقيل: بالزكوات، والصدقات{ والأنفس} بالأمراض ~~وموت الأحبة، وقيل: بالشيب {والثمرات} موت الأولاد، ثم أنه ms3097 تعالى لماذكر ~~هذه الأشياء بين جملة ما للصابرين علىهذه الأمور فقال:{وبشر الصابرين} أمر ~~لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح للبشارة غير معين. # قال في البلغة: وهذا الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين ~~كانوا في ضيق وضنك من مجاهدة العدو، مع قلة عددهم في بدء الإسلام، ~~والإبتلاء بالخوف إنما كان لأجل مباينتهم للمشركين، وقصد المشركين إياهم ~~بالعداوة، وأما الجوع فللفقر الذي ليشاغل عن المعاش عن بالجهاد ونقص ~~الأموال، كان للإنقطاع عن العمارة، والتجارة شاغلا بالجهاد، أولأنهم لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض كماقال: الله تعالى:{ للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله...} الآية، وأما نقص الأنفس فلما ينالهم من القتل من الحروب وغيرها من ~~جهة الأعداء، وأما نقص الثمرات فللأنقطاع عن غرس الأشجار، وتعهد الغروس ~~منها، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشر الصابرين على مثل هذه ~~الشدائد بما لهم عند الله ممالاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر، ~~ومالهم من الثناء، وعليهم من الصلاة. انتهى. # وقوله: شيء، قال: في الكشاف: وبشيء قليل من كل واحد من هذه البلاياء وطرف ~~منه، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((من استرجع عند المصيبة جبر الله ~~مصيبته، وأحسن عقابه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه)). PageV22P232 # وروي أنه طفى سراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إنا لله وإنا ~~إليه راجعون)) فقيل: أمصيبة هي؟ قال: ((نعم، كل شيء يؤذي المؤمن ~~فهوله[391]مصيبة)) وإنما قلل في قوله بشيء ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان ~~وإن حل ففوقه مايقل إليه ويخفف عليهم، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال ~~لاتزال عنهم، وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم، أي على الصبر ~~على المحن إذا وردت، فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود؛ ~~ولأنهم إذا علموا أنه ستصير إليهم تلك المحن استد حزنهم، فيصر ذلك الحزن ~~تعجيلا لللإبتداء، فيستحقون به مزيد للثواب، ولما قال تعالى: {وبشر ~~الصابرين} بين عقيبه أن الإنسان كيف يكون ms3098 صابرا فقال: {الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}. # قال في البلغة: الذين صفة الصابرين، وهذا الذي ذكر الله من حالهم هو ~~إقرار منهم بالعبودية، وتسليم لأمر الله، ورضى بما اختار الله لهم من ~~المصلحة، وقوله عزوجل: {إنا لله وإنا إليه راجعون} إقرار بالبعث وما بعده ~~من الحكم، والفضل، والثواب. انتهى. # والإعتراف بأنه تعالى سيجزي الصابرين على قدر استحقاقهم، ولا يضيع عنده ~~أجر المحسنين، ثم قال سبحانه: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} وهؤلاء ~~أيضا القائلون إنا لله وإنا إليه راجعون عليهم ثناء جميل من ربهم ورحمة. PageV22P233 # اعلم أن الصلوات من الله هي الثناء، والمدح، والتعظيم، والرحمة فهي النعم ~~التي ينزلها بهم عاجلا، ثم آجلا، ثم قال: { وأولئك هم المهتدون} بهذه ~~الطريقة الموصلة لصاحبها إلى كل خير، قال فيها: وهم الذين اهتدوا إلى الحق ~~الذي به ينال الثواب، ويسلم من العقاب، فدلت هذه الآية علىأن علي بن أبي ~~طالب صلوات الله عليه أفضل الصحابة الذين كانوا في بدء الإسلام، فامتحنوا ~~بهذه الضروب من المحن، وصبروا حتى أثنى الله عليهم بما أثنى في الآيةن ~~ولاشك أنهم كانوا أفضل ممن أتى بعدهم من المؤمنين، ولا خلاف بين الأمة أن ~~عليا عليه السلام أولهم؛ لأنه اسبق الناس إلى الإيمان، ولم يكن إيمانه عن ~~شرك، وأول ممتحن بهذه المحن، بل احتمل من الشدائد في ذات الله من كل عشرة ~~أجزى تسعة، والباقون واحد، وإثارة في باب الجهاد، ومبارزة الكفار ومنابذتهم ~~أشهر من الشهر، ولا يعدل به في مثلها أحد، ولهذا قال عليه السلام: مفتخرا ~~به على الصحابة صليت القبلتين، وهاجرت الهجرتين، وقاتلت وأنا ابن عشر، فبين ~~أنه تفرد بهذة الخصال دون سائر المؤمنين، وهو الذي بات علىفراش رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليلة خروجه من مكة هربا من الكفار، وفداه بنفسه في ~~سائر مواضع[392]الخوف والضيق، وتعداد هذه الوجوه لاتأتي عليها الإحصا. PageV22P234 # قلت: أما تفرده عليه السلام الهجرتين فينظر فيه؛ فإن المنصور بالله عبد بن ~~حمزة عليه السلام قال في ms3099 الشافي: روينا بالإسناد الموثوق به أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: حاكيا عن جبريل عليه السلام: ((يا محمد طفت مشارق ~~الأرض ومغاربها وبرها وبحرها فلم أراء أهل بيت أفضل من بني هاشم، وعلي عليه ~~السلام الأفضل، وابن عمه سيد المرسلين وسيد خلق الله)) فجعله أخا، ثم أخوه ~~جعفر مهاجر الهجرتين، والمصلي إلى القبلتي،ن وذوا الجناحين الخضبين، يطير ~~بهما في الجنة حيث يشاء، ثم فاطمة بنت سيد المرسلين زوجته سيدة نساء ~~العالمين، ثم إبناه سيدا شباب أهل الجنة، وهو سيد الوصيين، وسيد العرب ~~وفارس العرب، وولي المؤمنين، روينا ذلك كله مسندا. انتهى. # وإذا كان كذلك صار أفضل المؤمنين الذين كانوا في بدء الإسلام، وإذا فضلهم ~~فقد فضل منهم الذين كانوا دونه، وإذا كان الله ذكر عبيده بأن صلوات الله ~~عليهم فيكون عليه السلام أولهم، وأفضلهم، فثبتت أمامته بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ووجب علىالخلق تميزه من سائر المؤمنين، تعظيما، وتشريفا، ~~فأقل ما في الباب أن لاينكر إذا قيل عند ذكر اسمه صلوات الله عليه أو عليه ~~السلام، فإنه يجب علىالمسلم أن يصف من نفسه، ويدع التعصب. انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب الصبر عند الزلازل ~~والشدة، وعلى وجوب الإسترجاع لفظا واعتقادا اعتقاد أنهم عباد مربوبون راضون ~~بما قضى الله وقدر من المصائب، والتخلية بين عباده، وأنهم إليه سبحانه ~~راجعون، ينصف المطلوم من الظالم، ويجزي من صبر كماقال:{إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب}. انتهى. PageV22P235 # وقد وصف الله الصابرين بأوصاف وذكر تعالى الصبر في القرآن في نيف وسبيعين ~~موضعا أكثر الخيرات إليه فقال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} ~~وقال: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} وقال:{ ولنجزين ~~الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}وقال:{ أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا}فما من صفة إلا وأجرها مقدر إلا الصبر، وأما من السنة فالأخبار ~~الواردة كثيرة تركناها لطولها وظهورها، فنسأل الله المعونة على اصبر. # واعلم أنه سبحانه وتعالى بين[393]أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ms3100 ليتم ~~إنعامه على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمته، بإحياء شرائع إبراهيم ~~ودينه على ما قال:{ ولأتم نعمتي عليكم}ولما كان السعي بين الصفاء والمروة ~~من شعاير إبراهيم عليه السلام وأمته ذكر الحكم عقيب تلك الآية فقال: ~~عزوجل:{ إن الصفا والمروة من شعائر الله} الصفاء أصله الحجر الأملس، ~~والمروة الحجارة الصلبة، والصفاء والمروة جبلان بمكة، وشعائر الله معالم ~~الله التي جعلها اعلام متعبداته للعباد، وقد تعبد الله بالسعي بين الصفاء ~~والمروة. PageV22P236 # قال بعضهم: الحكم في شرع هذا السعي الحكم المشهور أن هاجر أم إسماعيل حين ~~ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه ~~لها ولأبنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وتعالى وإن كان لايجلي ~~أولياؤه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه، ~~غياث المستغيثين، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما الله تعالى، ~~وأجاب دعائهما، ثم جعل افعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة، ~~وأثارهما قدوة للخلائق أجمعين، ليعلم أن الله لايضيع أجر المحسنين، وكل ذلك ~~تحقيق لما أخبربه قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ~~إلىقوله:{ وبشر الصابرين} ثم قال: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} وإنما ~~جعلها كذلك؛ لأنها من أثار هاجر وإسماعيل فيما جرى عليهما من البلوى، يستدل ~~بذلك على أن من صبر على البلوى لابد وأن يصل إلى أعظم الدرجات، وأعلا ~~المقامات، ثم قال تعالى:{ فمن حج البيت} أي ومن قصد البيت على الوجه الذي ~~وردت الشريعة{ أو اعتمر} وزاره الزيارة التي جاءت الشريعة بها{فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما} أي فلا ظيق عليه ولا جناح، وأصل الجناح الميل عن الحق، ~~ومعنى يطوف أي يطوف بهما يعني الصفاء والمروة، وروي أن هذا ورد جوابا لسؤال ~~من سأل عن الطواف بهما لأجل صنفين كانا عليهما اسم: # أحدهما: أساف، وإسم الآخر نايلة، وكان الناس يمتنعون من الطواف بهما ~~تحرجا، فأنزل الله الآية، ويطوف وأصله يتطوف، فأدغمت التاء في الطاء، وعلى ~~طريقة آل ms3101 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فالسعي بين الصفاء والمروة فرض، وأما لو اتطوع بالحج والعمرة فسعيه بينهما ~~يكون تطوعا، ذكر هذا في البلغة. PageV22P237 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: قيل كان عليهما صنمان، وكان ~~المسلمون يكرهون التطوع بهما مع بقاء الأصنام، فرخص الله للمسلمين في ذلك ~~كما رخص في الطواف بالبيت والأصنام عليه، مع أنهما وأجبان[394]أعني الطواف ~~على من لزمه الإحرام، وهذا أصل فلا يمنع الحج ظهور البدع والمنكرات. انتهى. # ثم قال سبحانه: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} قال فيها: أي من تطوع ~~بالحج والعمرة وغيرها من أبواب الخير فإن الله شاكر عليم الشكر لايضاف ~~إلىالله إلا مجازا، والمراد به أنه المجازي علىالطاعات، والمثبت عليها، ~~لايضيع عنده عمل عامل قليلا كان أو كثيرا، وشكورا على وزن فعول من شاكر، ~~وهو الكثيرالشكر. انتهى. # وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكرا لوجهين: # أحدهما: أن اللفظ خرج مخرج التلطف بالعباد مبالغة في الإحسان إليه قال:{ ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} وهو تعالى لإيستقرض من .......ولكنه تلطف ~~واستدعا كأنه قيل: من الذي يعمل عمل المقرض بأن تقدم فيأخذ أضعاف ماتقدم. # الثاني: أن الشكر لما كان مقابلا للإنعام وكالجزاء عليه سمي كل ماكان ~~جزاء شكرا علىسبيل التشبيه بالجملة، فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة ~~عند الله تعالى، واقعة موقع الصواب في أقصى الدرجات، أما قوله عليم، فمعناه ~~أنه تعالى يعلم قدر الخير فلا يبخس المستحق حقه؛ لأنه سبحانه عالم بقدره ~~وعالم بمايزيد عليه من الفضل، ويحتمل أنه عليم بمايأتي العبد، فيقوم بحقه ~~من العبادة والإخلاص، وما يفعله لا على هذا الوجه تجد وذلك ترغيب في أداء ~~ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك، ثم قال تعالى:{ إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب}. # اعلم أن في تفسير قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات قولين: PageV22P238 # أحدهما: أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئا ms3102 من الدين. # والثاني: أنه ليس مجرى على ظاهرة في العموم من هؤلاء من زعم أنه في ~~اليهود خاصة. # قال بن عباس: أن جماعة من الأنصار سألوا نفرا من اليهود عما في التوارة ~~من صفته صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأحكام، فكتموا، فنزلت وقيل: نزلت في ~~أهل الكتاب من اليهود والنصارى، عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، ~~والربيع، والسدي، والأول أقرب إلى الصواب لأن اللفظ عام، ونزوله عند سبب ~~معين لا يقتي الخصوص على ما هو مقرر في أصول الفقه، فإن العبرة بعموم اللفظ ~~لابخصوص السبب، وقوله من البينات والهدى التي في التوراة الشاهدة بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك كل حق وعلم يكتم مع الحاجة إليه ~~فالمعنى عام، وإن كان سبب نزولها خاصا. # قال في البلغة: والكتاب قيل هو التوراة والأنجيل، وقد يدخل فيه كل كتاب ~~أنزله الله تعالى،[395] ثم قال فيهم:{ أولئك يلعنهم الله} أي يبعدهم من ~~رحمته، ويخزيهم بعذابه ونقمته،{ويلعنهم اللاعنون} من يأتي منهم اللعن وهم ~~الملائكة والمؤمنون من الثقلين. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على تحريم كتمان ما بينه ~~الله، وعلى وجوب لعن من كتم العلم حين الحاجة إليه، ومنه كتمان فضائل آل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن لعنه الله ولعنه اللاعنون لايقبل ~~خبره ولا شهادته. # وروي أن عليا عليه السلام طلب أنس بن مالك أن يحدث بحديث فيه لعلي عليه ~~السلام حجة فاعتذروا قيل: بالنسيان، فدعى عليه علي عليه السلام فقال: اللهم ~~إن كان كاذبا فاضربه بها بيضا لامعة لاتواريها الغمامة، فضربه الله بالبرص ~~فلم يزل متبرقعا، وروي أنه تاب بعد ذلك وصار يحدث الناس بما سمع، وتدل على ~~قبول توبة من فعل ذلك انتهى. PageV22P239 # وقد ذكرنا هذه القصة في حديث البساط الذي رواه أنس في سورة الكهف، وقوله ~~عزوجل:{ إلا الذين تابوا وأصلحوا} ما فسدوا من أحوالهم{وبينوا} ما كتموه، ~~وقيل بينوا التوبة {فأولئك أتوب عليهم} أي أقبل توبتهم{وأنا التواب الرحيم} ~~هو فعال من تاب، ومعناه الكثير القبول ms3103 للتوبة قوله تعالى:{إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين}لعنهم ~~أحياء ثم أمواتا، قيل: أراد بالناس المؤمنين فقط إذ لايعتبر لعن غيرهم، أو ~~في الآخرة يلعن بعضهم بعضا، وقيل: أنهم يستحقون لعن الناس في الدنيا، فعنى ~~به الإستحقاق، فلذلك عم عن أبي على، وزعم في التهذيب أنها تدل الآية أن اسم ~~الكفر لايجري على الكفار من حيث الإشتقاق؛ لأنه وصفهم بأنهم كفار بعد ~~موتهم، ولو كان على وجه الإشتقاق لما صح ذلك، فثبت أن الكافر إسم شرعي ~~لمااستحق أعظم العقاب بارتكابه أعظم الأجرام. # قال بعض علمائنا عليهم السلام: وهذا وهم محض؛ لأن الله تعالى وصفهم ~~بالكفر حال موتهم لابعد موتهم، لو أن وصفهم بالكفر بعد موتهم، فالمراد ~~وصفعهم بافعالهم التي فعلوها في حال الحياة، كما يصح وصفهم بعد موتهم ~~بالجود، والبخل، والجبن، والشجاعة، وغير ذلك، وذلك وصف وإسم اشتقاقي بلا ~~خلاف. انتهى. PageV22P240 # ومعنى{خالدين فيها}اي دائمين في اللغة لأنهم يستحقونها دائما، وقيل: في ~~النار نعوذ بالله منها، وأضمرت تعظيما لشأنها وتهويلا، وقوله:{لا يخفف عنهم ~~العذاب} هو مثل قوله لايغير عنهم الآية، أي لايستريحون من العذاب وقتا{ولا ~~هم ينظرون} أي لايمهلون بل عذبهم[396]حاضرا متصل بعذاب مثله، والحاصل أن ~~هذه الصفات التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على إياس ~~الكافرين من الإنقطاع، والتأخير، والتخفيف، ثم قال تعالى: {وإلهكم إله ~~واحد} ليس معنى قولنا الله واحد من طريق العدد، بل يقال: ذلك على وجوه ~~يقال: له واحد بمعنى أن ذاته واحد لايتجزاء ولا يتبعض، أو أنه واحد بمعنى ~~أنه قد اختص بصفات لايشاركه فيها، وفي وجه استحقاقها غيره، ويقال: أنه واحد ~~بمعنى أنه لانظير له ولاشبيه، ويقال: واحد بمعنى أنه يستحق العبادة ولا ~~يستحقها غيره، وقوله:{لا إله إلا هو الرحمان الرحيم}المولي لأصول النعم ~~وفروعها، وقد بيناه في أول الكتاب. PageV22P241 # واعلم أنه سبحانه لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من ~~الدلائل التي يمكن أن يستدل بهاعلى وجوده سبحانه أولا، وعلى توحيده وبرآءته ~~من الأضداد والأنداد ثانيا، ms3104 فقال: عزوجل:{ إن في خلق السماوات والأرض} أي ~~إجادهما بعد العدم، وما فيهما متنا سبا مقدرا على ما فيهما من العجائب ~~ولطائف الصنع ثم قال:{ واختلاف الليل والنهار} هو مثل قوله: {وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} وهو أن يخلف أحدهما ~~صاحبه، فجعل الله الليل لباسا، والنهار معاشا، لمنافع الخلق، وكذلك في ~~زيادتهما ونقصانهما ضروب من النفع كنسل الحيوانات، وخروج الثمرات، ~~وماشاكلها؛ لأنها تكون في السنة أوقات مخصوصة، ثم قال تعالى:{ والفلك التي ~~تجري في البحر بما ينفع الناس} الفلك هاهنا في معنى الجمع، والواحدة والجمع ~~فيه سواء، وهي السفن أي وفي السفن التي تجري في البحر منافع للناس وآية ~~واعتبار لمن تدبر ثم قال: سبحانه:{ وما أنزل الله من السماء من ماء} أي وفي ~~المطر المنزل من السماء آية وودلالة. # وقال بعض العلماء: ظاهر هذه الآية تدل على أن المطر ينزل من السماء إلى ~~السحاب ثم ينزل من السحاب إلى الأرض. # وقال غيره من العلماء: أن المطر ينزل ابتداء من السحاب، والمراد بقوله من ~~السماء أي من نحو السماء. # قلت: وقد ذكر الهادي، والحسين بن القاسم عليهما السلام في تفسيرهما لسورة ~~نوح أن السحاب يسمىسماء ثم قال عزوجل:{ فأحيا به الأرض بعد موتها} أي يحي ~~الله الأرض الميته بالجذب بالماء الذي ينزله من السماء، والأرض الميته التي ~~لانبات فيها، والحية التي فيها غذا الحيوانات. PageV22P242 # ثم قال: {وبث فيها من كل دابة} لأنها تعيش وتحى بالمطر، أي وخلق في ~~الأرض[397]حيوانات أصنافا، وأصل بث فرق ونشر، ثم قال تعالى:{ وتصريف ~~الرياح} أي تقليلها في مهابها جنوبا، وشمالا، وصبا، ودبورا، حارة، وباردة، ~~وطيبة، وكريهة، وقيل: هبوبها مرة بالرحمة، ومرة بالعذاب، ثم قال:{ والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض} المسخر المذلل أي وفي السحاب مع عظم أجسامها ~~الواقعة بين السماء والأرض بلى عماد تحتها، ولاعلاقة فوقها دلالة، والريح ~~هو الهوى المتحرك، والروح مأخوذ منها، قاله في البلغة، ثم قال:{لايات} أي ~~دلائل{لقوم يعقلون} أي في جميع ما خلق ms3105 الله مما ذكره في الآية دلالة ~~واعتبار لمن تفكر فيها بعقله، وتدبر واستدل بها على الله، وقيل: العقلاء ~~مخصوصون هاهنا، وهم الذين استدلوا بهذه ا لآية دون الذين لم يستدلوا، وقيل: ~~أن الآية جواب للمشركين؛ لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أرنا ~~آية، فأنزل الله هذه الآية. # واعلم أنه سحبانه وتعالى لماقرر التوحيد بالدلائل القاهرة أردف ذلك بقبح ~~ما يضاد التوحيد؛ لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء، ولذلك قال ~~الشاعر: # وتضدها بتبين الأشياء PageV22P243 وقالوا أيضا: النعمة مجهولة، فإذا فقدت عرفت، والناس لايعرفون قدر الصحة، ~~فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها، وكذلك القول في جميع النعم، ~~فلهذا السبب ردف الله تعالى هذه الآية الدالة على التوحيد بقوله عزوجل:{ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا} أي أشباها وأمثالا كالأوثان، وقيل: ~~اتخذوا الناس أربابا من دون الله، أي طاعوهم فاستحلوا ما أحلوا لهم، وحرموا ~~في أنفسهم ما حرموا عليهم، وهو مثل قوله:{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله} وقوله:{ يحبونهم كحب الله} قيل: يحبون هؤلاء الأنداد كحبهم ~~الله، أي يعظمونهم، وقيل: يسوون بينهم وبين الله في المحبة، قالوا:{ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فأما إذا كان الكلام في غير عارفين ~~فيكون معناه يحبونهم كما يجب عليهم أن يحبو الله، فيكون الكلام في باب ~~الوجود؛ لأنه وقع منهم ذلك، وقيل: يحبونهم كحب المؤنين لله، والمؤمنين ~~مضمرون فيه. انتهى. # واعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم، فلا بد من محذوف، والمراد يحبون ~~عبادتهم، أو التقرب إليهم، أو جميع ذلك، ومعنى قوله عزوجل: {والذين آمنوا ~~أشد حبا لله} أي أشد تعظيما لله تعالى فمحبة الله للعبد إرادته لتعظيمه ~~وإكرامه، وإثابته، ومحبة العبد لله تعظيمه، وطاعته إياه، وانقياده له، واصل ~~المحبة الإرادة، وإنما كانوا أشد حب لله؛ لأنهم عبدوا من يملك الضر ~~والنفع[398]والثواب، والعقاب، والكافرون عبدوا الأوثان التي لاتملك شيئا، ~~تدل علىتحريم التسوية بين الله وبين خلقه في الأعتقاد، والتعظيم، والمحبة، ~~وعلى أن ذلك شرك، قاله إمامنا المنصور بالله عليه ms3106 السلام. PageV22P244 # ثم قال تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا} ~~قرأ نافع، وابن عمر، ولو ترى بالتاء المنقوطة من فوق، خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، كأنه قال: ولوترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ ~~الأنداد معبودا من دون الله وغيرهم من الظالمين إذ يرون العذاب أي وقت ~~رؤيتهم العذاب أن القوة لله أي لأجل أن القوة لله جميعا، والغرض بالآية ~~تفخيم شأن يوم القيامة، وتهويل حال ما أعد الله للظالمين من أليم العذاب، ~~وخبر لو محذوف، وتقديره ولو ترى ايها السامع الذين ظلموا إذ يرون العذاب ~~لرأيت ما لايدخل تحت الوصف مما نزل بهم من الندم، أو لراؤا أمرا عظيما ~~هائلا، لايأتي عليه الوصف، ولا يحضره الوهم، وإذ للماضي، وأوردها في ~~المستقبل للدلالة على أنه كائن لامحالة؛ لأن إخبار الله تعالى كأنه قد مضى، ~~وقوله:{وأن الله شديد العذاب} معطوف على قوله أن القوة لله جميعا، وجميعا ~~نصب قيل على الحال. PageV22P245 # ولما بين تعالى حال من يتخذ من دون الله أندادا بقوله ولو ترى الذين ظلموا ~~أو يرون العذاب علىطريق التهديد زاد في هذا الوعيد فقال عزوجل:{ إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} فبين أن ~~الذين أفنوا عمرهم في عبادتهم واعتقدوا أنهم من أوكد أسباب نجاتهم فإنهم ~~يتبرؤن منهم عند احتياجهم إليهم، وإذا إشارة إلى الوقت، كأنه قيل فإن الله ~~شديد العقاب وقت تبرئ المتبوعين من التابعين، أي تبرأ رؤساء الضلالة من ~~الجن والأنس، من متابعيهم المطيعين لهم في الدنيا، وبين تعالى ما لأجله ~~تبرؤا منهم، وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه؛ لأن قوله: {وتقطعت ~~بهم الأسباب} يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببا، ~~والآئيس من كل وجه مما يرجوا به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء ~~يوصفون بأنهم تقطعت بهم الأسباب، السبب الوصلة، والأسباب الوصلات، أي تقطعت ~~الوصلات التي كانوا يتواصلون عليها، وقيل: تقطعت الأرحام التي كانوا ~~يقاطعون بها، وقيل: ms3107 تقطعت الأعمال التي كانوا يلزمونها ويرجون ثوابها، أما ~~قوله تعالى:{ وقال[399] الذين اتبعوا لو أن لنا كرة} أي عودة إلى ~~الدنيا{فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا} فذلك تمن منهم؛ لأن يتمكنوا من الرجعة ~~إلى الدنيا، وإلى حال التكليف، فيكون ألأختيار لهم حتى يتبرأوا منهم، ~~والآية تدل على أنهم كانوا قادرين علىالتبرئ منهم في دار الدنيا؛ لأنهم لو ~~يكونوا في السماء بدلا من كونهم في الأرض لما لم يقدروا على ذلك، فبطل به ~~مذهب المجبرة في قولهم أن الكافرين لايكونون قادرين على الإيمان، ثم قال:{ ~~كذلك} أي مثل ذلك الأراء الفضيع{يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} ينقلب ما ~~ظنوه مسرة حسرات عليهم، الحسرة أشد الندامة، ووجه التشبيه في PageV22P246 قوله كذلك يحتمل أن كيون على تقدير كتبرئ بعضهم من بعض، يريهم الله أعمالهم ~~حسرات؛ لأن رجاءهم انقطع عن كل واحد من الأمرين، وقيل: كما أراهم العذاب ~~كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم؛ لأنهم ايقنوا بالهلاك، وقيل: تحسرهم يكون ~~على فعل المعاصي، والطاعات، وعلى الثواب، أما المعاصي فلم فعلوها، وأما ~~الطاعات فلم ضيعوها، وأما المثوبات فلم فرطوا فيها، وقوله تعالى:{وما هم ~~بخارجين من النار}إبطال لمذهب الإرجاء؛ لأنه أخبار عن الخلود في نار جهنم، ~~فنسأل الله السلامة منها. # واعلم أنه تعالى لما بين التوجيه ودلائله وما للموحدين من الثواب وأتبعه ~~بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر ~~إنعامه على الفريقين، وإحسانه إليهم، وأن معصية من عصاه وكفر من كفر لايؤثر ~~في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال سبحانه:{ياأيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا}من الشبه. # قال في البلغة: الحلال قيل المراد به هاهنا هو الذي أحله الشرع، فعلى هذا ~~الوجه يكون كلوا أمرا لهم أن يأكلوا الحلال ما في الأرض من المأكولات، ~~والطيب الطاهرة، وقيل: .........وقيل: الطيب هاهنا المسلذ، فعلى هذا الوهن ~~يكون كل إباحة لا أمرا؛ لأن الله لايأمر بالبماحات، والأول أظهر. انتهى. # ثم قال:{ ولا تتبعوا خطوات الشيطان} فتدخلوا في حرام أو شبهة، أو تحريم ~~حلال، أو تحليل ms3108 حرام، فمحرم الحلال كمحلل الحرام، أي لايقدروا به في اتباع ~~أثره، والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي، وبالفتح المرة من الخطوة. # قال المرتضى عليه السلام: خطوات الشيطان هي أفاعيله الرديئة، وأعماله ~~المخالفةن فنهاهم الله عزوجل عن إتباعها، والميل إليها، لما فيها من ~~الهلكة، والبعد من الله سبحانه في الآخرة. انتهى. PageV22P247 # والمعنى كأنه قيل لمن أبيح له الأكل الوصف المذكور أحذر أن يتعداه إلى ~~ما[400] يدعوك الشيطان إليه فزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى ~~الشبه، كما زجره من تخطيه إلى الحرام؛ لأن الشيطان إنما يلقي إلى الإنسان ~~ما يجري مجرى الشبه، فيزين بذلك ما لايحل له، فحذر الله تعالى عن ذلك، ثم ~~بين العلة في هذا التحذير بقوله تعالى:{ إنه لكم عدو مبين} أي ظاهر ~~العداوة، وأما قوله تعالى: {إنما يأمركم بالسوء والفحشاء} فهو كالتفصيل ~~لجملة عداوته، وهذا مشتمل على أمور ثلاثة: # أولها: وهو السوء، وهو يتناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح والقلوب. # وثانيها: الفحشاء وهي نوع من السوء كأنها أقبح أنواعه، وهي التي تستعظم، ~~وتستفحش من المعاصي. # وثالثها: قوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} قولكم هذا حلال وهذا ~~حرام بغير علم، وكأنه أقبح الأشياء؛ لأن وصف الله تعالى بما لاينبغي من ~~أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى لاتتبعوا خطوات ~~الشيطان، ثم قال تعالى:{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ~~ما ألفينا عليه آباءنا} اعلم أنهم أختلفوا في الضمير في قوله لهم على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عائد علىمن في قوله من يتخذ من دون الله أندادا وهم مشركوا ~~العرب، وقد سبق ذكرهم. # وثانيها: يعود على الناس في قوله:{ ياأيها الناس} فعدل عن المخاطبة إلى ~~المعاتبة على طريقة الألتفات مبالغة في بيان ضلالهم، إذ لا ضلال أعظم من ~~المقلد، كأنه يقول للعقلاء انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يفعلون. PageV22P248 # وثالثها: قال ابن عباس: نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى الإسلام فقالوا: بل نتبع ms3109 ما وجدنا عليه آباءنا فهم ~~كانوا خيرا، ومعنى ألفينا بمعنى وجدنا، يدل عليه قوله في آية آخرى {بل نتبع ~~ما وجدنا عليه آباءنا}ويدل عليه أيضا قوله:{وألفيا سيدها لدى الباب} ~~وقوله:{إنهم ألفوا آباءهم ضالين} ومعنىالآية أن الله تعالى لما أمرهم بأن ~~يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا: لانتبع ذلك، وإنما نتبع ~~آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضون الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنه ~~بقوله:{ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} الواو في أولو واو ~~العطف، دخل عليها همزة الإستفهام للتوبيخ والتقريع؛ وإنما جعلت همزة ~~الإستفهام للتوبيخن والتقريع، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون في الإقرار به ~~تصحيحه، كما يقتضي الإستفهام الأخبار عن المستفهم عنه، فذم الله تعالى ~~أسلافهم ونسبهم إلى[401]الجهل بقوله {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون}أي لايعقلون دين الله ولايهتدون إليه، فدلت الآية على أن بطلان ~~التقليد من أوكد الوجوه، والتقليد هو أن يقبل شيئا بلا حجة، فجعله كالقلادة ~~في عنق من تقلده، وقوله: شيئا لفظ عام ومعناه الخصوص؛ لأنهم كانوا يعقلون ~~كثيرا من أمور الدنيا، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص. PageV22P249 # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله ~~تعالى تركوا النظر، وأجلدوا إلى التقليد، وقالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا ضرب لهم مثلا فقال:{ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء} فضرب لهم هذا المثل منبها للسامعين أنهم إنما وقعوا فيه ~~بسبب ترك الإصغاء وقلة الإهتمام بالدين فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام ~~ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر الكافر نفسه إذا ~~سمع ذلك فيكون كسرا لقلبه، وتضيقا لصدره، حيث صيره كالبهيمة، فكان ذلك في ~~نهاية الزجر، والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد النعق، زجر ~~الراعي بالغنم، نعق الراعي بالغنم إذ صاح بها، وأما نعيق الغراب فالبعين ~~المعجمة. # قال الهادي عليه السلام: أما قوله{ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما ~~لا ms3110 يسمع}فهو مثل ضربه الله لهم بغنم راع سامت فضلت وتتابعت فذهبت فأراعها ~~صاحبها فلم يجدها، فعلى شرفا من الأرض لها وأقبل ينعق بها وهي لاتسمعه، وهو ~~في دعاء ونداء، وهي سائمة ترعى ولاتجب له صوتا، ولاتألوه فوتا، كذلك قال: ~~الذين كفورا حالهم في ترك الإجابة إلى الحق كحال هذه الغنم المستعجمة من ~~الخلق. انتهى. PageV22P250 # والمعنى مثل الذين كفروا، في دعائك إياهم إلى الدين كمثل الناعق في دعائه ~~بالبهائم التي لايفهم إلا صوتا تسمعه، فشبه الكفار بالأنعام كما تعالى:{ ~~أولئك كالأنعام}كما قال تعالى: {بل هم أضل}فإن قيل: كيف شبه الذين كفروا ~~بالناعق ثم قال: مالايسمع، والناعق سميع بصير؟ فإن كان شبههم بالبهائم فكان ~~مجاز الكلام أن يقول كمثل الذي ينعق به، قيل له إن الله تبارك وتعالى إنما ~~شبه الذين كفروا بالبهائم التي تنعق لقلة أسماعهم، وقبولهم، وقلة معرفتهم ~~بما جآئهم من ربهم، فشبههم في قلة استماعهم بالبهائم التي لايتميز لها، ~~وقيل: معناه مثل الذين كفروا في دعائهم الأوثان التي هي آلهتهم كمثل ~~البهائم التي لاتفهم؛ لأن الأوثان لاتسمع ولا تبصر ولاتفهم، وقيل: ومثل ~~الذين كفورا في دعائهم آلهتهم[402]كمثل الناعق في دعائه الصدى في الجبل؛ ~~لأنه لايسمع من الصداء إلا يازيد، وليس وراءه شيء، فكذلك دعاء المشركين ~~الأصنام لايسمعون إلا مايلفظون به من الدعاء والنداء، وليس فيه فائدةن ولما ~~شبههم تعالى بالبائهم زاد في تبكيتهم فقال:{صم بكم عمي فهم لا يعقلون} قد ~~بينا فيما تقدم أن هذا على وجه الذم، والشتم، تشبيها بالأصم الأعمى؛ لأنهم ~~صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه، وبمنزلة البكم في أن ~~لا يستجيبوا لما دعوا إليه، وبنمزلة العمى، من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل ~~فصاروا فكأنهم ماشاهدوها قوله تعالى:{ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم} هذه الآية تشبه ما تقدم، وقد مضى بيان مثله، ومعناه كلوا الطيب من ~~مسلتذات ما حرمه الكفار من النعم وغيرها، ورزق الله لايكون إلا ~~حلالا{واشكروا لله} أي اشكروا نعمة الله تجعله اليطبات الحلال ررزقا لكم ~~{إن كنتم ms3111 إياه تعبدون}تخصونه بالعبادة، قيل: فائدة الشرط هاهنا على معنى أن ~~كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم PageV22P251 فلذلك شكره واجب؛ لأنه محسن إليكم، وإن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه ~~سبحانه إلهكم لاغير، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم عن الله عزوجل ((إني ~~والجن والإنس في نباء عظيم أخلق ويعبدوا غيري وأرزق ويشكروا غيري)). # قال بعضهم: واعلم أنه سبحانه تكلم من أول السورة إلى هنا في دلائل ~~التوحيد والنبوة، واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، ومن هنا شرع في ~~بيان الأحكام، فأمرنا في هذه الآية بتناول الحلال ثم قفاه بتفصيل أنواع ~~الحرام فقال عزوجل:{ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}لا البحيرة ~~والسائبة، وما حرمتم بأهوائكم، وخص اللهم لأنه المعظم والمقصود، وإلا ~~فجملته محرمة، ونظير هذه الآية قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} أي مصبوبا أو لحم خنزير، وقد ~~تقدم بيانه ثم قال تعالى:{ وما أهل به لغير الله} الإهلال رفع الصوت ~~بالتنبيه ويقال: للصبي إذا صاح استهل، فقيل معناه وحرم عليكم ما ذكر عليه ~~غير اسم الله من الذبائح، وأهل الجاهلية كانوا يسمون الأوثان عند ذبائحهم، ~~كما أن المسلمين يذكرون اسم الله، وقيل: هو ما ذبح لغير الله، وهو ما تقرب ~~به إلى الأصنام، ثم قال سحبانه{فمن اضطر} أي ألجئته ضرورة جوع، أو إكراه ~~يخاف معهما التلف ونحوه{غير باغ}اي لا يأكل من [403]لايأكل من غير ضرر ~~التلف{ولا عاد} في مجاوزة الحد{فلا إثم عليه}. PageV22P252 # قال في البلغة: غير باغ ولاعاد باغ من بغى يبغي بغيا، فهو باغ وعاد من عدى ~~يعدوا عدوانا، فهو عاد إذا تجاوز مارسم له، وحتى خرج من الحد، ويستعمل هذا ~~اللفظ في الظلم على هذا الوجه الذي ذكرناه غير باغ ب اللذة، ولاعاد بسد ~~الجوعة، كأنه قيل أحل لكم ما حرم عليكم عند الإضطرار بشرط أن لايتنالوه ~~تلذذا به، ولا يزيدوا على سد الجوعة، وقيل: غير باغ في الإفراط، ولاعاد في ~~التقصير؛ لأن ms3112 الغرض فيه إمساك نفسه لئلا يتلف، فمن كانت حاله حال الإضطرار ~~وتناول مما بين الله تحريمه فلا إثم عليه فيه، ولايؤخذ الله به،{إن الله ~~غفور رحيم}قيل: اقتضى ذكر المغفرة هاهنا على معنى أن الله تعالى إذا كان ~~يغفر الذنوب كلها بالتوبة لايؤاخذ بما رخص فيه. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على إباحة جميع الطيبات أكلا، ~~ووجوب شكره على ذلك، وعلى تحريم الميت من الأنعام وغيرها كالشظا؛ لأنها ~~لاتذكى، وإنما يموتها الناس بالتحريق، وغير ذلك من سائر ما لايذكى إلا ما ~~استثاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السمك، والجراد، وكذلك الكبد، ~~والطحال، وما بقى في العروق بعدالذبح، لما حاء في ذلك من الأدلة على تحريم ~~لحم الخنزير، وماذبح لغير الله سبحانه، وعلى إباحة ذلك للمضظر، وهو الذي ~~يخشى على نفسه التلف، وله أن يحمله في المغاوز إذا ألجي إليها، ويتناول من ~~ذلك ما يقيمه ويبلغه إلى موضع فيه الحلال غير الميته انتهى. PageV22P253 # ثم قال تعالى:{ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} هؤلاء أهل الكتاب ~~كانوا يكتمون ما أنزل الله في التوراة والأنجيل، في شأن نبوة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأمر دينه، وقيل: كانوا يكتمون الأحكام، ويأخذون عليه ~~الرشوة من الرؤساء، بدليل قوله عزوجل:{ ويشترون به ثمنا قليلا} أي يأخذون ~~على الكتاب الرشوة، وهؤلاء كانوا علماؤهم، فيحتمل أن يكونوا جماعة كثيرة ~~كتموا ذلك بتحريف، وتأويل، وقد تقدم بيان كيفية اشترائهم ذلك بثمن قليل. # واعلم أنه سبحانه وتعالى لماذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد عليهم من وجوه: # أولها قوله تعالى:{ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} شبه أكل ما ~~يأخذونه على الكتمان بالنار؛ لأنه يؤديهم إلى نار جهنم، وإن كان يأكلونه في ~~الحال طيبا مستلذا، ونظيره قوله تعالى:{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [404]وسيصلون سعيرا} وذلك لأنه لما أكل ما ~~يوجب النار فكأنه أكل النار، كما روي في حديث الشارب من آنية الفضة إنما ~~يخرجه في بطنه ms3113 نار جهنم، وقوله: {إني أراني أعصر خمرا} أي عنبا، فسماه بما ~~يؤول إليه، وقيل: أنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم. # وثانيها: قوله تعالى{ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي لايكلمهم بما ~~يحبونه وسرهم؛ لأن الله تعالى لايكلمهم أصلا، وإنما يكون من الملائكة بأمره ~~تعالى، ويحتمل أن قوله ولا يكلمهم استعارة عن الغضب؛ لأن عادة الملوك أنهم ~~عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولايكلمونه، كما أنهم عند الترضي يقبلون ~~عليه بالوجه والحديث. PageV22P254 # وثالثها: قوله تعالى:{ولا يزكيهم} أي لايحكم لهم بالطهارة وبالأحكام ~~للفائزين، أو لايثني عليهم، أو لايقبل أعمالهم، كما يقبل أعمال الأزكياء ثم ~~قال تعالى: {ولهم عذاب أليم}اي مؤلم. # واعلم أنه تعالى لما وصف اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه وصف ذلك ~~الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم فقال سبحانه: {أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوا الكفر بالإيمان{والعذاب ~~بالمغفرة} أي واستبدلوا العذاب بالثواب ثم قال: توبيخا لهم{فما أصبرهم على ~~النار} أي فما أجراهم عليها، هذا تعجيب للسامع من حالهم في التباسهم ~~بموجبات النار غير خوف لها. # قال المرتضى عليه السلام: هذا تبكيت من الله عزوجل لكفرة عباده، وتقريع ~~لقلة صبرهم على النار، فقال: ما أصبرهم، ولا يصبرون عليها، وكذلك تقول ~~العرب للرجل في الشيء إذا لم يقوى عليه واتقيت بعجزه عنه ما أقواك على كذا ~~وكذا، من طريق التقريع له بضعفه، وقلة احتماله، وقد قيل: أن معنى ما أصبرهم ~~على النار أي ما أصبرهم على عمل النار الذي يهلكون به، ويستوجبون العذاب ~~بفعله، فأقام النار مقام عملها انتهى. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على قبح كتمان ما أنزل الله، ~~وعلى تحريم أخذ العوض عن ذلك، وما حرمه الله تحريما من كل وجه لايملكه من ~~حرم عليه انتهى. # ثم قال عزوجل:{ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} اختلفوا في قوله ذلك ~~إشارة إلى ماذا، فذكروا وجهين: # الأول: أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد؛ لأنه تعالى لما حكم على الذين ms3114 ~~يكتمون البينات بالوعيد الشديد بين أن ذلك الوعيد علىذلك الكتمان أنما كان؛ ~~لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن هؤلاء ~~اليهود والنصارى لأجل مشاقة الروسول[405]يخفون ويوقعون الشبهة فيه، فلا جرم ~~يستحقونه ذلك الوعيد. PageV22P255 # الثاني: أن ذلك إشارة إلى ما يفعلونه من جزائهم على الله تعالى في مخالفتهم ~~أمر الله، وكمتانهم ما أمر الله، فبين الله تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن ~~الله نزل الكتاب بالحق، وهذا نزل فيه أن هؤلاء الرؤسا من أهل الكتاب ~~لايؤمنون، ولاينقادون، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر، كماقال تعالى: ~~{إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} وقوله:{وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} قيل هؤلاء اليهود والنصارى اختلفوا ~~في التوراة والأنجيل فكتموا ماكتموا، وحرفوا ما في التجريد، معنى في الكتاب ~~أي في كتب الله، حيث جعلنا اليهود والتوراة حقا وما عداها باطلا، وجعلت ~~النصارى الأنجيل حقا، وماعداه باطلا، يعني أن أولئك لو لم يختلفوا، ولم ~~يشاقوا، لما خسر هؤلاء أن يكفروا. انتهى. # وقيل: هؤلاء هم سائر الكفار الذين اختلفوا في القرآن، وقالوا فيه ما ~~قالوا، وكفروا به، وقوله تعالى:{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب} البر اسم لكل فعل مرضي ، أي ليس البر هذا مالم تقارنه معرفة الله ~~سبحانه، والتمسك بما ألزم، أختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال ~~بعضهم: أراد بقوله ليس البر أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو ~~بيت المقدس فقال تعالى: {ليس البر} هذه الطريقة {ولكن البر من آمن بالله}. # وقال بعضهم: المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية ~~بالتوجه إلى الكعبة حيث كانوا يحبون فخوطبوا بهذا الكلام. PageV22P256 # وقال بعضهم : بل خطاب للكل؛ لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل مع المؤمنين ~~الأغتباض بهذه القبلة، وحصل منهم الشدد في تلك القبلة حتى ظنوا به الغرض ~~الأقصى في الدين، فبعثهم الله بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات ~~والطاعات، وبين ms3115 أن البر ليس أن يولوا وجوههم شرقا، وغربا، وإنما البر كيت ~~وكيت، وهذا أشبه بالظاهر، إذلا يخصص فيه، فكأنه تعالى قال: ليس المطلوب هو ~~القبلة بل البر المطلوب هو الخصال التي عددها، يزيد هذا وضوحا قول المرتضى ~~عليه السلام حيث قال: معناه ليس كل البر تولية المشرق والمغرب من القبل ~~التي أنتم تمارون فيها{ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} إلى ~~قوله:{وأولئك هم المتقون} فأخبر سبحانه بفنون البر وما يصح لهم به الإيمان، ~~ويكمل لهم اسم البر والإحسان. انتهى. # فكأنه قيل ليس البر كله التوجه[406]للصلاة، ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر، فحذف البر الثاني، فكأنه قيل إنما البر ما يفعله المؤمنون ~~اعتقادا وعبادة، فآمنوا بالله{والملائكة والكتاب والنبيين} وصدقوا بالقيامة ~~والقرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسائر كتب الله، وهو ~~قوله تعالى حاكيا:{آمن الرسول} إلى قوله {لا نفرق بين أحد من رسله} ثم ~~قال:{ وإيتاء المال على حبه ذوي القربى} أي حب المال وهو شحيح، وقيل: أحب ~~الله، وقيل: حب الأيم، أي طيب النفس، ومعنى ذوي القربى أي أعطاء المال ~~أقرباه، وهو أفضل العطاء. PageV22P257 # وروي في خبر مشهور أن فاطمة بنت قيس قالت: للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يارسول الله إن لي سبعين مثقالا ذهبا، قال لها: ((اجعليها في قرابتك)) وروي ~~أنه سئل صلى الله عليه وآله وسلم أي الصدقة أفضل قال: ((جهد المقل على ذي ~~القرابة الكاشح)) وهذا إذا كان ما يعطيه إنما يعطيه نفلا وتطوعا، فأما ~~الفرض كالزكاة، فإنه لايجوز عندالخلص من الجعفرية أن يعطى إلا من كان على ~~دين الله، ولايجوز أن يعطى الرجل الزكاة من تجب نفقته عليه انتهى. # ومن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل، والغنيمة، والأكثرون من ~~المفسرين على ذوي القربى للمعطي؛ لأنهم به أخص وقوله:{واليتامى والمساكين} ~~الفقراء منهم، لكن حذف لعدم اللبس ذكر، إيتاء المال في هذه الوجوه ثم أتبعه ~~الزكاة كأنه حق غيرها. PageV22P258 # قال في الفائق: في المال حق سوى الزكاة، وهو قول الشعبي، ويحتمل ms3116 أن يكون حث ~~على نوافل الصدقات، لما روى عن علي عليه السلام أنه قال: الزكاة نسخت كل ~~حق، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((نسخت الزكاة كل صدقة)) وقدم ~~القرابة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أفضل الصدقة على ذي الرحم ~~الكاشح)) أي مضمرا لعداوة، ومعنى{وابن السبيل}اي وإيتاء ابن السبيل وهو ~~المسافر المنقطع، وجعل إبنا لها لملازمته لها، وقيل: هو الضعيف{والسائلين} ~~أي وإيتاء الطالبين منه شيئا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((للسائل حق ~~ولوجاء على ظهر فرس)){ وفي الرقاب} إعانة الكاتب وقيل: شراء الرق ويعتق، ~~وقيل فك الأسارى{وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة} المفروضتين وهذا يدل على أن ~~الأول نفل{ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} يعني إذا وعدوا وأخلفوا، أو نذروا ~~وأوفوا ما لزمهم بعهودهم وعقودهم، والموفون رفع على محل من آمن تقديره لكن ~~البر الموفون أي بر الموفين، فحذف المضاف، وأعرب المضاف إليه بإعرابه، ~~وقيل: رفع على المدح، وقوله تعالى:{والصابرين في البأساء[407] والضراء وحين ~~البأس} نصب على المدح، وقيل: عطف على ذوي القربى أي وإيتاء المال على حبه ~~ذوي القربى أي وإيتاء المال ذوي القربى، والصابرين، وعلى هذا الوجه لايجوز ~~رفع الموفون إلا على المدح؛ لأنه لايجوز بعد العطف على الموصول العطف على ~~ما في الصلة، وقيل: نصب تقديرا عني لما طال الكلام، والبأسا البؤس وشدة ~~الفقر، والضرا قيل: هي الضر وسوء الحال، وقيل: السقم والوجع، ومنه قوله ~~تعالى حاكيا عن أيوب عليه السلام {مسني الضر} ومعنى وحين البأس أي وصبروا ~~حين القتال فلم يولوا الأدبار عند الزحف، ولم يهلعوا حين القتال، وهذا كله ~~من صفات المؤمنين المخلصين المستحقين للثواب والتعظيم. PageV22P259 # ثم قال تعالى: فيمن جمع هذه الأوصاف{أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: في أحكام هذه الآية تدل على أن ~~استقبال الجهات إلى غير القبلة عن شروع، إلا عند التباس القبلة، لما يجيء ~~إن شاء الله تعالى، وإلا ما رخص من الإستقبال بالنافلة للراكب، وان المشروع ~~هو الإيمان بالله واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، ms3117 وإيتاء ~~المال على حبه، وإيتاء حبه ذوي القرباء، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ~~وإينفاقه في الرقاب، في شرائهم للعتق، وإعانة المكاتبين منهم، والمشروع ~~أيضا هو إقامته الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر في البأساء ~~والضراء حين البأس، وهو الحرب، فمن فعل ذلك فهم الذين قال الله تعالى:{ ~~أولئك الذين صدقوا} وأمر الله بالكون معهم حيث قال:{وكونوا مع الصادقين} انتهى. # قال في البلغة: هؤلاء الذين صدقوا بما عاهدوا الله عليه من قبول دينه ~~والقيام بما كلفهم، وهم الذين جانبوا المعاصي، وحال الفقير الصابر حال بعض ~~الوصف دونه، وأثنى الله عليهم في هذه الآية، وفي قوله: {للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} في مواضع كثيرة من القرآن، ~~وهذه الطريقة هي اختيار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير بين أن يكون ~~له بطحاء مكة ذهبا، وبين أن يكون حاله حال الخاشعين، فقال: ((أجوع يوما ~~وأشبع يوما وأعبد الله))وقال في دعائه صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم ~~اجعل رزق محمد وآل محمد كفافا)) يعني قوت يوم بيوم. PageV22P260 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أصبح[408]آمنا في سريره معافا في بدنه ~~وله قوت يومه فكأنما خيرت له الدنيا بحذافيرها)) وفي خبر آخر ((فعلى الدنيا ~~العمى)) ألا ترى كيف نزهه الله عن زينة الدنيا بقوله:{ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا}فروي أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد نزول هذه الآية مر بأبل قد حبست في أبوالها فتنقع بثوبه ثم قرأ ~~{ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا...} الآية. # وروى الأصبغ بن نباته قال: دخلت على أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~فوجدته جالسا يكتب شيئا وبين يديه قعب فيه لبن وأنا أشم منه رائحة حموضيتة، ~~وعلى فخذه قرص شعير يابس يكسره بيديه إذا أخذ لقمة منه، ورأيت التبن على ~~وجه القرص فقلت للخادمة أفلا ترحمون هذا الشيخ؟ وأريد نصفية ms3118 الدقيق من ~~النخالة، وبقية طعامه، فسمع ذلك فقال عليه السلام: يا أصبغ كيف لايكون ~~طعامي هذا وقد رأيت من هو خير مني وهو أخي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فارق الدنيا وما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متواليات. # وقال عليه السلام: في كلام له ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياكم بطمرية، ~~وسد فوره جوعه بقرصيه، مايعظم الفلذة إلا في حوليه الأسنة أقامها في أضحيته ~~يستشرف الأمطار على الأقطار على أدمية، والعلم يتفجر من تحت شدقيه، ولقد ~~أثر التميمة على ربطيه، ألا وإنكم لاتقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع، ~~واجتهاد، فوا لله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا أدخرت من أقطار أرضها شبرا، ~~بلى كانت في الدنيا فدك من كل ما أطله الفلك فشحت عليها نفوس قوم، وسخت ~~عنها نفوس آخرين، وما أصنع بفدك وغير فدك. PageV22P261 # وقال عليه السلام: كأن قائلكم يقول إذا كان قوت ابن أبي طالب هذا فقد قعد ~~به الضعف من مبارزة الأقران، ومنازلة الشجعان، ألا تسمعوا الله تعالى ~~يقول:{فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين} والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء. # وقال عليه السلام: في كلام له طويل، والله ما دنياكم عندي إلا كسفر على ~~مهل خلوا، إذا صاح بهم صائحهم فارتحلوا، ولا لذاتها في عيني إلا كالحميم ~~أشربه غسا، قاد، علقم، أتجرعه ذعاقا، وسم أفاعي أسقاه دهاقا، وقلادة من نار ~~أوهقها خناقا، ولقد رقعت مدرعتي هذه حتى أستحيت من راقعها فقال لي: أقذفها، ~~وبها قذف الأتن لايرتضيها لبرادعها، وفي رواية الإمام المنصور بالله[409] ~~عليه السلام في الشافي لهذا المعنى فقال لي: أنبذها يا أمير المؤمنين والله # ما صاحب الأتن يرضاها برادع لأتنه # إلى آخره. فقلت له: # أعزمه عند الصباح ... يحمد القوم السرى # وينجلى عنهم غياث الكرى، ولو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من دنياكم، ~~ولأكلت لباب البر بصدود .........ولشرب الماء الزلال برقيق زجاجكم، ولكن ~~صدق الله وعده{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ms3119 ~~وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} وقال: في ~~كلام له آخر ما لعلي نعيم يفنى، ولذة نتيجها المعاصي، سأصبر حتى ألقى ~~وشيعتي ربنا بعيون مرة، وبطون خماص، ليمحص الله الذين آمنوا أو يمحق ~~الكافرون، ونعوذ بالله من سيئات الأعمال. # وقال عليه السلام: في كلام آخر مخاطبا للدنيا، بي تعرضت أم شوقت هيهات ~~هيهات قد طلقتك ثلاثا لارجعة لي عليك. PageV22P262 # وقال عليه السلام: حين دخل على بيت المال ووضع على كفه درهما ودنيارا ثم ~~قال: يا صفراء، يا بيضاء، غري غيري، وأما صبره على الجهاد بحيث لايعتد ~~بجهاد غيره، فلم يلبغ أحد في ذلك مبلغه، ولا نعلم أحدا قتل لصناديد ~~المشركين منه، وأتبعهم بعفاريت الفاسقين من الناكثينن والقاسطين، ~~والمراقين، وكان فيه ألف جرح في سبيل الله، فإذا كان الله تعالى أثنى على ~~من كانت صفته ما ذكره في الآية، ووصفهم بأنهم الصادقون المتقون، الفاضلون، ~~ولا يوجد في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد نبيها عليه السلام بهذه ~~الصفات أجل من علي ابن أبي طالب عليه السلام، فإن لم يدل هذا على أنه أفضل ~~أمة محمد، وسيد الصادقين، لما دل شيء على شيء في الدنيا، وهذه بعينها طريقة ~~الأئمة، والكبار من آل محمد وهم الصادقون الذين قال الله للمؤمنين كونوا ~~معهم بقوله: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} وقد بسط ~~الكلام في هذا الموضع الطوسي رحمه الله، وقد قدمنا شيئا منه في مقدمة ~~كتابنا هذا فلا فائدة لإعادته، قوله تعالى:{ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} في سبب النزول وجوه: # أحدها: أن سبب نزولها أن الأحكام التي كانت ثابته قبل مبعث النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وذلك؛ لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، ~~والنصارى[410] كانوا يوجبون العفوا فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون ~~القتل، وآخرى كانوا يوجبون الدية؛ لكنهم كانوا يظهرون التعدى في كل واحد من ~~هذين الحكمين، أما القتل؛ فلأنه إذا وقع القتل ms3120 بين قبيلتين: PageV22P263 # أحدهما: أشرف من الآخرى، فالإشرف كانوا يقولون ليقتلن بالعبد منا الحر ~~منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون ~~جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك، وروي أن واحدا قتل ~~إنسانا من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول فقالوا له ماذا ~~تريد فقال: أحدى ثلاث. # فقالوا: ماهيه؟ # فقال: تحيون لي ولدي، أو تملأون إزاري من نجوم السماء، أو تدفعون إلى ~~جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضا، وأما الكلام في أمر الدية ~~فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس فلما بعث الله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أوجب رعاية العدل، وساوا بين عباده في حكم القصاص، ~~وأنزل هذه الآية. # والرواية الثانية في هذا المعنى وهو قول السدي، أن قريظة، والنظير كانوا ~~مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي. # والرواية الثالثة: أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه. PageV22P264 # الرواية الرابعة: نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس، ورواها عن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام، وعن الحسن البصري، أن المقصود من هذه الآية بيان ~~أن بين الحرين، والعبدين، والأنثيين يقع القصاص، ويكفي ذلك ايضا فقط، وأما ~~إذا كان القاتل للعبد حرا، وللعبد عبدا، فإنه يجب مع القصاص التراجع، فأيما ~~حر قتل عدبا فهو قود به، فإن شامو إلى العبد أن يقتلوا الحر قتلوه، بشرط أن ~~يسقطوا ثمن العبد من دية الحر، قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية ~~الحر، ويؤدي بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، فإن قتل عبدا حرا فهو قود ~~به، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد، وأسقطوا قيمت العبد من دية الحر، ~~وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاؤا أخذوا كل الدية وتركوا ~~العبد، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه، وأدوا ~~نصف الدية، وإن شاؤا أعطوا كل الدية وتركوها، قالوا: فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية لبيان أن الأكتفاء بالقصاص ms3121 غير مشروع بين الحرين، والعبدين، ~~والأنثيين، والذكرين، فأما عند اختلاف الجنبين والأكتفاء بالقصاص غير مشروع ~~فيه، وإذا عرفنا أسباب النزول فيرجع إلى التفسير، أما قوله[411]تعالى {كتب} ~~فمعناه فرض عليكم المساواة بهم، وأصل الكتب الخط الدال على معنى فكتب بمعنى ~~فرض مشتق منه؛ لأن الخط يدل على معنى الفرض، ومنه الصلاة المكتوبة، أي ~~المفروضة، والقصاص المساواةن وأما قوله تعالى في القتلى أي سبب قتل القتلى؛ ~~لأن كلمة في قد يستعمل للتشبيه كقوله صلى الله عليه وآله وسلم في النفس ~~مائة من الأبل إذا عرفت هذا، فصار تقدير الآية ياايها الذين آمنوا وجب ~~عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع ~~المؤمنين بسبب قتل القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا ~~العموم، أما القاتل فقد دخله التخصيص أيضا في صور كثيرة، وهي ما إذا قتل ~~الوالد ولده، والسيد عبده، وفيما PageV22P265 إذا قتل المسلم حربيا، أو معاهدا، أو فيما إذا قتل المسلم مسلما خطأ إلا أن ~~العام إذا دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه، والمعنى أنه لايقتل الحر ~~بالعبد، ولا الذكر بالأنثى، إلا إذا اختار أولياؤها توفية ورثة الذكر نصف ~~ديته، وهذه حجتنا، وهو قول مالك، والشافعي، وعند أبي حنيفة وأصحابه يجب ~~القود، وهي عندهم منسوخة بقوله تعالى: {النفس بالنفس}والمانعون يقولون هي ~~مفسرة لما أبهم فيها. # قال في البلغة: وثبت أنه لايحكم بظاهر الآية أعنى النفس بالنفس مطلقا، ~~وعند آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمع عشرة على قتل رجل ~~عمدا قتلوا به. انتهى. # قال الهادي إلى الحق عليه السلام: في كتاب الأحكام ما لفظه، حكم الله ~~تبارك وتعالى على بني إسرائيل بالقصاص ولم يكن أطلق لهم الآية فقال: ~~سحبانه: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} على ~~ماقلنا من أنه لم يكن بينهم دية، ولم يكن إلا الأقتصاص، أو الهبة، وحكم ~~سبحانه عليهم بأن تكون ms3122 نفس الرجل بنفس المرأة، وعين الرجل بعين المرأة، ~~وأنف الرجل بأنف المرأة، وجعل كل شيء من جراح الرجال كجراح النساء، ولم ~~يجعل بينهم تفاضلا في شيء من الأشياء، كما قال سبحانه: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس...} الآية. # ثم قال في آخرها:{والجروح قصاص}ومعنى قوله فيها يريد التوراة، وجعل أحكام ~~عبيدهم في ذلك كله كأحكامهم. PageV22P266 # قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: ثم خفف تبارك أسماؤه وجل ثناؤه على أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فغير أحكامهم، وفرق بين دياتهم على قدر ~~مراتبهم رحمة[412]منه لهم وعائدة بالفضل عليهم فقال: فيما نزل من الأحكام ~~من القصاص بين أهل الإسلام على نبيهم محمد عليه السلام {كتب عليكم القصاص ~~في القتلى الحر بالحر} إلى قوله{ذلك تخفيف من ربكم ورحمة}فحكم الله تبارك ~~وتعالى أن الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فخطر بما حكم به من ~~ذك أن يقتل ذكر بأنثى، أو حر بعبد، فرقا منه سبحانه بين المسلمين، ~~والإسرائلين إلى آخر كلامه عليه السلام في الأحكام قوله عزوجل:{فمن عفي له ~~من أخيه شيء} أي شيء من العفوا من جهة الولي جعله أخا للقاتل لملابسته له ~~من قبل أنه مطالب له بدم المقتول، وليتعطف أحدهما على صاحبه بلفظ الأخوة. # قال في البلغة: ومعناه فمن ترك له من أخيه شيء كأنه ترك القود به وأخذ ~~الدية منه ويكون أخا نسبا أو لأديانه؛ لأن القاتل بغير حق يكون فاسقا، ~~ومعنى {فاتباع بالمعروف} أي فعليه اتباع بالمعروف يعني فليطالب الولي ~~القاتل بالجميل ثم قال:{وأداء إليه بإحسان} أي على العافي الإتباع بإحسان، ~~وعلى المعفوا عنه الأدى بإحسان، فلا يظلم، ولا ينتقص، فهو توصية لهما ثم ~~قال تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم من ~~العفو، وأخذ المال، والإتباع بالمعروف، والأداء بالإحسان، وقيل: يرجع إلى ~~أخذ المال، وترك القود عن ابن عباس؛ لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص ~~البتة، وأهل الأنجيل العفو البتة، وخيرت هذه الآية بين القصاص، والدية، ~~والعفون بتيسير. PageV22P267 # قال بعض علماء أهل ms3123 البيت عليهم السلام: لاتصح الرواية عن أهل الأنجيل أنه ~~كتب عليهم العفو؛ لأنها مضادة للعدل، وإنما وقع الوهم من كلام الزمخشري، ~~وقد حمل على أن مراده أن أهل الأنجيل كتب عليهم الدية دون القود وقوله:{ ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}قيل معناه فمن قتل القاتل بعد قبول الدية، ~~وقيل فمن اعتدى بعد البيان في هذه الآية بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل ~~وليه بعد قبول الدية، فله عذاب أليم، شديد الألم في الآخرة وقيل: يقتل ~~ولاتقبل منه الدية. # ولما أوجب القصاص بين حكمه شرع القصاص فقال سحبانه:{ ولكم في القصاص ~~حياة} وعظة؛ لأنهم كانوا يقتلون بالواحد جماعة وغير القاتل، فلما جاء ~~الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة؛ لأن القاتل أهم بالقتل أنه يقتص منه ~~فارتدع سلم صاحبه من القتل[413]وسلم هو من القود فكان فيه حياة النفسين، ~~ومنه قولهم القتل أنف للقتل، أما قوله:{ياأولي الألباب} فالمراد العقلاء ~~الذين يعرفون العواقب، ويعلمون جهات الخوف فإذا أرادوا الإقدام على قتل ~~أعدائهم وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم؛ لأن العاقل لايريد ~~إتلاف غيره بإتلاف نفسه، فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا لكف الإتباع، ~~والأمتناع، فلهذا السبب خص الله سحبانه بهذا الخطاب أولي الألباب، ثم قال ~~تعالى:{ لعلكم تتقون}اي لكي تتقوا القتل خوفا فآمن القصاص، وقيل: لكي تتقوا ~~ربكم باجتناب المعاصي. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب القصاص الحر بالحر، ~~والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، وعلى وجوب الدية لمن عفى، وعلى تحريم ~~الأعتداء بعد استيفاء القصاص، أو الدية لمن عفى. انتهى. PageV22P268 # وقوله تعالى:{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} بأن ظهرت فيه أمارات{ إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف} أي فرض عليكم الوصية لهؤلاء إذا ~~حضر أحدكم الموت وترك مالا، والخير هاهنا هو المال قليلا كان أو كثيرا، وعن ~~علي عليه السلام: هو أربعة ألآف. # وعن عائشة: ثلاثة ألآف، وقيل: ألف، وقيل: ثمان مائة، وقيل: من ألف إلى ~~خمس مائة درهم فقله. # قال في البلغة: والآية منسوخة بالإجماع، ms3124 وفي ناسخها اختلاف، فمن ذهب إلى ~~أن القرآن لاينسخه إلا قرآن، قال: نسخها أنه المواريث، ومن جوز نسخ القرآن ~~بالسنة قال: نسخها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لاوصية لوارث)). # وقال بعض العلماء: نسخ الآية الوالدان، والأقربون، الذين يرثونن فأما ~~الأقرباء الذين لا يرثون لم ينسخوا، ولا خلاف بين المسلمين أنه لو أنفذ في ~~حياته مايريد أن يوصي به عند موته أنه لايلزمه الوصية عند الموت، فأما ~~الكلام في الأحق بالوصية فقال بعض العلماء: هو الأقرب إلى الميت وإن كانوا ~~أغنياء. # وقال بعض العلماء: الأحق بها الأحوج فالأحوج، وهذا هو الأصح وإلا ظهر. انتهى. # وقوله بالمعروف معناه بالعدل فلا يوصي للغني دون الفقير، ولا يتجاوز ~~الثلث، ومعنى قوله:{حقا على المتقين} أنه لازم لمن أثر التقوى، وتحراه، ~~وجعله طريقا له، ومذهبا فيدخل الكل فيه. PageV22P269 # واعلم أنه تعالى لما ذكر أمر الوصية ووجوبها وعظم أمرها أتبعه بما يجري ~~مجرى الوعيد في تفسيرها، فقال سحبانه:{ فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه} أي على الذين يبدلون الإيصاء أي يغيرونه عن وجهه، ~~والمبدل[414]هو الوصي، والشاهد، أو سائر الناس، أما الوصي فبان بغير ~~الوصية، إما في الكتابة، وإما في قسمة الحقوق، وأما الشاهد فبان بغير ~~شهادته، أو يكتمها، وأما غير الوصي فبان بغير الوصية، يمنعوا من وصول ذلك ~~المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله تعالى:{ فمن بدله بعدما ~~سمعه فإنما إثمه} أي من بدل الإيصاء، والوصية، والأيصاء، واحد، وكلمة إنما ~~في قوله فإنما إثمه علىالذين يبدلونه للحصر، والضمير في إثمه عائدا إلى ~~التبديل، والمعنى أن إثم ذلك التبديل لايعود إلا إلىالمبدل دون الموصي ~~والموصي له، وقد تقدم بيان المبدل عنه من هو، وأما قوله تعالى:{ إن الله ~~سميع عليم} فوعيد للمبدل أي سميع لقول الوصي، ولما يقول المبدل، وعليم ~~فأفعالهم، ولما بين الله تعالى حال الموصي بالعدل، وحال من بدله بين حال ~~الموصي على غير وجهة العدل، وحكم برد وصيته إلى العدل فقال:{فمن خاف من موص ~~جنفا أو إثما} الحنف الميل ms3125 عن الحق، أي فمن خاف من موص ميلا عن الحق على ~~وجه الخطأ من غير عمد، أو إثما، أي خاف منه عدولا عن الحق عمدا، وهو الوجه ~~الذي يأثم فيه{ فأصلح بينهم} بإجرائهم على طريق الشرع{ فلا إثم عليه}؛ لأنه ~~تبديل من باطل إلىحق. PageV22P270 # قال في البلغة: أي هذا المتوسط أصلح الأمرين الذين أوصى لهم وبين ~~المتنازعين لهم فلا إثم عليه على هذا المصلح المتوسط وقيل: إنما قيل لا إثم ~~عليه؛ لأن الغالب في وساطة المتوسط النقص من حق ذي الحق، حتى يمكنه إصلاح ~~ذلك، ورفع النزاع الواقع والخوف، وإن لم يكن للماضي وكان للمستقبل فإن ~~المراد به هاهنا أن من خاف أن يظهر من وصية الميت ما يدل على أنه خطأ، أو ~~مال عن الحق، وقيل: لما كان هذا الحكم شاملا لما وقع ولمايقع من مثله جازا ~~أن يستعمل فيه لفظ الخوف، ثم قال عزوجل:{ إن الله غفور رحيم}يغفر للمصلح ~~بالحق ويرحمه، ولمتعمد الحنف بقبول التوبة إذا تاب، وقيل: معناه هاهنا إذا ~~كان الله يغفر الذنب بعمد إذا تاب فلا يواخذ المصلح بما يفعله. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب نقض وصايا الإثم ~~والحنف؛ لأن الله تعالى لم يقر إثم في الوصية، وعلى أن لايتحرج المصلح ~~بينهم في البعض، ومن الحنف تفضيل الذكور على الإناث خلاف ما فرض الله ~~سحبانه وتعالى في المواريث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، إذا لم يتضمن ~~قربة كتفضيل ضعيف ونحوه، أنتهى[415]. # قوله تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} أي فرض عليكم والصوم ~~في اللغة الإمساك قال الشاعر: # خيل صيام وخيل غيرصائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجم # ومنه قوله تعالى:{ فقولي إني نذرت للرحمان صوما} أي إمساكا عن الكلام، ~~والصوم في الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات، ~~مع اقتران النية به، وقوله تعالى:{ كما كتب على الذين من قبلكم} من ~~الأنبياء والأمم، وهي عبادة قديمة من آدم عليه السلام ما خلت أمة من إجابه، ~~ولم ms3126 يفرض عليكم وحدكم، وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء ~~الشاق إذا عم يسهل تحمله. PageV22P271 # قال في البلغة: أي كما كتب على الذين من قبلكم صيام أيام، فالتشبيه وقع من ~~حيث الصوم لا في......العتمة، وكان لايحل بعد النوم أكل ولاشرب، ولاجماع، ~~ثم نسخ، قلت وهذا ظاهر قول الهادي عليه السلام في الأحكام، والذين من قبلكم ~~قيل هم أهل الكتاب، وقيل: هم النصارى خاصة، ثم قال تعالى:{ لعلكم تتقون}اي ~~لتتقوا المعاصي بالمحافظة على الصيام، وقيل: لتتقوا ما حرم عليكم من المأكل ~~والمشرب، وقيل: لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصوم؛ لأنه سبحانه بين بهذا ~~الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة، وانقماع الهوى، ~~فإنه يردع عن الأشر، والنظر، والفواحش، ويهون لذات الدنيا، ورئاستها، وذلك ~~لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعي الناس لهذين كما قيل في ~~المثل السائر المرء يسعى ........لبطنه وفرجه، فمن أكثر الصوم هان عليه أمر ~~هذين، وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم، ومهونا ~~عليه به أمر الرئاسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية ~~فرضت عليكم الصيام لتكونوا من المتقين الذين أثبت عليهم في كتابي، واعلمت ~~أن هذا الكتاب هدى لهم، ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن ~~يقول عند إيجابها لعلكم تتقون منبها بذلك على وجه، وجوابه لأن ما يمنع ~~النفس عن المعاصي لابد وأن يكون وجابا وقوله تعالى:{ أياما معدودات}في ~~انتصاب إياما أقوال: # الأول: نصب على الظرف كأنه قال: كتب الصيام في أيام. # والثاني: وهو قول الفراء أنه أخبر مالم يسم فاعله، كقولهم أعطى زيد مالا. # والثالث: على التفسير بإضمار أي يصوموا أياما مخصوصة، ثم اختلفوا في هذه ~~الآية على قولين. # الأول:[416]وهو اختيار أكثر المحققين، أن المراد بهذه الأيام المعدودات ~~شهر رمضان. PageV22P272 # قالوا: وتقريره أنه تعالى قال أولا {كتب عليكم الصيام }وهو يحتمل اليوم ~~واليومين، وأياما، ثم بينه بقوله تعالى: {أياما معدودات}فزال بعض الإجمال ~~ثم بينه بقوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ms3127 فعلى هذا الترتيب تمكن ~~جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لجملة على ~~غيره، وإثبات النسخ فيه؛ لأن كل زيادة لايدل اللفظ عليها فلا يجوز القول به. # والثاني: أنها غير رمضان، ثم اختلف هؤلاء فقيل ثلاثة أيام من كل شهر عن ~~عطاء، وقيل ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشورا عن قتادة، ثم اختلفوا ~~أيضا فقال بعضهم: أنه كان تطوعا ثم فرض، وقيل: بل كان واجبا، واتفق هؤلاء ~~أنه منسوخ بصوم رمضان، ثم قال تعالى:{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر} أي فعليه عدة من أيام أخر يصومها بدلا مما فاته، وفيه حذف، ~~تقديره فافطر، فعدة تقضي عدد ذلك فكل مريض أي مريض أو مسافر أي بسفر وأقله ~~يريد فله أن يفطر وقيل: إذا كان يلحقهما جهد فقط، وقيل: إذا كان يؤدي إلى ~~ضرر في النفس، أو زيادة علة، وفي السفر العبرة بحال المسافر وجهده، وقيل ~~لايجزي يوم المريض والمسافر، روي عن ابن عمر، وابن عباس، وعلي بن الحسين، ~~وابي هريرة، والضحاك، وأما قوله تعالى:{وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين} فاختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال: # الأول: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض، قد يكون منهما من لايطيق الصوم، ~~ومنهما من يطيق، أما القسم الأول فقد ذكر الله حكمه في قوله:{ فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}. PageV22P273 # وأما القسم الثاني: وهو المسافر، والمريض، الذان يطيقان الصوم فإليهما ~~الإشارةبقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} فكأنه أثبت تعالى ~~للمريض والمسافر حالتين في أحديهما يلزمه أن يفطر، وعليه القضاء، وهي حالة ~~الجهد الشديد لوصام. # والثانية: أن يكون مطيقا للصوم لا يثقل عليه، فحين إذ يكون مخيرا بين أن ~~يصوم، وبين أن يفطر مع الفدية. # قال الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام : مالفظه وعلى الذين يطيقونه ~~فدية، يعني على الذين يطيقون الصيام ولايصومون فدية، ونحو ذلك، ممافي ~~القرآن. انتهى. # وقال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام: في ms3128 هذه الآية تدل على وجوب ~~الفدية على[417]المريض والمسافر، إذا أفطر، وهما في حال فطرهما يطيقان ~~الصيام مع القضاء، ولولم يحل عليه الحول. # قال إمامناالمنصور بالله: وهذا القول يدل عليه سياق الآية وهو أحوط قال: ~~وسيأتي الآن كلامه عليه السلام في آخر هذه الثلاث الآيات. # والقول الثاني: وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله وعلى الذين ~~يطيقونه ........الصحيح فخير الله تعالى أولا بين هذين ثم نسخ ذلك وأوجب ~~الصوم عليه مطيقا معينا. # والقول الثالث: أنها نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم، والمرضع، ~~والحامل، وهو رأي الهادي عليه السلام في الأحكام، وقوله فدية طعام مساكين ~~يطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع من أي حب كان، وقيل: نصف صاع من بر، أو صاعا ~~من غيره. PageV22P274 # قال في البلغة: فأما صوم التطوع فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يصل شعبان بشهر رمضان، وصام وقت صوم داود، وصيام أيام البيض، والذي تقررت ~~عليه سنته وهو ثلاثة أيام من كل شهر، والخميس الأول من العشر الأول، ~~والأربعاء الأول من العشر الأوسط، والخميس الآخرة من العشر الأواخر، وأكثر ~~أهل البيت على هذا، وهي السنة التي مات عليها، وسماها صوم الأحرص، وأوصى ~~بها إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال في وصيته: ((ياعلي أوصيك ~~بالأخذ بسنتي في صلاتي وصومي)) ثم فسر له ذلك. انتهى. # ثم قال تعالى:{ فمن تطوع خيرا فهو خير له}اي تطوع بالزيادة على مقدار ~~الفدية، وقيل: بالصوم مع الإباحة، وقيل: هو على العموم، أي من تطوع بشيء من ~~أبواب البر وسائر وجوه الدين{وأن تصوموا خير لكم} وإن أبيح لكم الإفطار مع ~~الفدية فهو أفضل من الفدية{إن كنتم تعلمون}اي خير، فتعلمون بعلمكم قوله ~~تعالى:{شهر رمضان} مرفوع على أنه خبر مبتدأ أي هو شهر رمضان، وقيل: على ~~البدل من الصيام في قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} قيل: سمي رمضان ~~لارتماضهم أي احتراقهم بالجوع رمض رمضانا أي احترق، وقيل: سمى بهذا الأسم ~~لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقد روي عن رسول الله صلى ms3129 الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله )) ثم قال:{الذي أنزل ~~فيه القرآن} معناه أن الله أنزل القرآن في رمضان على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، قيل نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست ~~مضين، والأنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين، فإن قيل ما نزل القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وآله وسلم دفعة واحدة وإنما نزل عليه في مدة ثلاث ~~وعشرين[418]سنة متخما مبعضا، وكما نزل بعضه في رمضان وكذا أنزل بعضه في ~~سائر الشهور، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان؟ PageV22P275 # قلنا: المراد منه ابتدى فيه إنزاله وفي القدر. # قال المرتضى عليه السلام: وكان أول ما أنزل الله القرآن من رمضان، ثم كان ~~ينزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسا خمسا، ومثله ذكر جده القاسم ~~عليه السلام، وقيل: نزل جملة إلى السماء الدنيا، ثم نزل تخوما. # قال عليه السلام: وقد قيل: أن سورا من القرآن أنزلت عليه جملة، ولست أقف ~~على صحة ذلك، فلم نروه عمن نثق به، ألاتسمع كيف يقول الله سبحانه: {وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} قال: فرقناه أي نزلناه ~~شيئا شيئا، والمكث هو المدة؛ لأن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام مرة ~~واحدة، مكتوبة في الألواح، وكان عليه السلام يقرأها، وكذلك الأنجيل أنزله ~~مرة واحدة على عيسى صلى الله عليه، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ~~يقرأ الكتب السالفة، ولا يخط بيده، وعند كونه كذلك فلونزل مجملا في الألواح ~~لاحتاج إلى من يقرأه عليه ويبينه، ولو كان كذلك لوقع الشك والأرتياب، إذا ~~المعبر له غيره، والمبين له سواه، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقرأ ويكتب لكان الأمر كما ذكر الله عزوجل في كتابه من شك المبطلين ~~حين يقول:{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون} فكان إتيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرأن المعجز للخلق ~~وهو لايكتب ولايقرأ دلالة عظيمة، ms3130 وآية في نبوته باهرة، فأنزل الله عليه ~~القرآن شيئا شيئا، لما أراد الله عزوجل من تدبيره، وحكمته، وتثبيته في ~~قلبه، فجعله للخلق شفاء، ونورا، وهدا، وجلا، للصدور، ومبينا لما ألتبس من ~~جميع الأمور، فلن يضل من تعلق به، ولايتحيرأبدا من استضاء بنوره. انتهى. PageV22P276 # وهو معنى قوله تعالى:{ هدى للناس} أي دلالة الحق{وبينات من الهدى والفرقان} ~~أي بينات واضحة من الدلالة، وواضح من الآيات المفرقة بين الحق والباطل، ~~وقيل: المراد بالمهدى الأول الهدى من الضلالة، وبالثاني بيان الحلال ~~والحرام، عن ابن عباس، وقيل: بالأول ما كلف من العلوم، وبالثاني ما يشمل ~~عليه من ذكر الأنبياء وشرائعهم، أما قوله تعالى:{فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} قيل: من حضر الشهر، وقيل: فمن شاهد الشهر مقيما فيه يقال شاهد ~~بمعنى خاض، ويقال أيضا شاهد بمعنى مشاهد واللام[419] في قوله فليصمه لام ~~الأمر، فليصم فيه، ومعنى{ومن كان مريضا أو على سفر} أي من كان مريضا ~~لايستطيع الصوم أو كان على سفر{فعدة من أيام أخر} فيه محذوف كأنه قيل يفطر ~~المريض، والمسافر، ثم يقضي ذلك الصوم على نحو ما فاته يوما كيوم، والفطر في ~~السفر فيه التخيير، والقصر في الصلاة عزم لايتخير فيه ثم قال:{ يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. # قال في البلغة: اليسر هاهنا قيل هو الإفطار في حال المرض والسفر، والعسر ~~هو الصوم فيه، وأن يكون على وجه العموم أولى؛ لأن الله سبحانه لا يريد ~~العسر بالعباد في سائر ماكلفهم، ولايريد بهم الكفر لعسر، وقال: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} دون الطافةن ودلت الآية على بطلان مذهب المجبرة في ~~قولهم أن الله يريد الكفر من العباد، وأن إرادته موجبة للكفر به، وأنه يخلق ~~الكفر في العباد المؤدي إلى الخلود في النار؛ لأنه لاعسر أعسر من الكفر على ~~هذا الوجه، وإذا تمدح الله سبحانه بأنه لايريد العسر بالعباد فلا يجوز مع ~~ذلك أن يخلق الكفر في العباد، ويريده منهم ؛لأن فيه نقض ما تمدح الله ~~سبحانه جل وعلا عن ذلك. انتهى. PageV22P277 # وقوله ms3131 تعالى:{ ولتكملوا العدة}اي عدة القضاء{ ولتكبروا الله على ما هداكم} ~~أي تعظمون، وقيل: تكبير يوم الفطر، وقيل: المراد ليلة الفطر وقيل: التكبير ~~عند رؤية الهلال. # وقال أبوا سلمة، وعروة، وسعيد بن المسيب: تجهرون بالتكبير ليلة الفطر ~~لهذه الآية، ذكره الواحدي، وقيل: هو التكبير عند الهلال بالحج، ~~وقوله:{ولعلكم تشكرون} أي ولكي تشكروا على النعم وأفضل، وعلى الإعانة على ~~إكمال العدة، ونعمة الترخيص، وقوله ولتكملوا العدة تعليل لفعل محذوف دل ~~عليه ما تقدم، أي ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون، شرع ذلك أي جملة ماذكر من أمر الشاهد بالصوم، والمعذور بمراعاة عدة ~~ما أفطر من الترخيص في إباحة الفطر، فقوله ولتكملوا العدة علة للأمر ~~بمراعاة العدة، أي الإخبار بوجوبها والأمر بحفظها، ولتكبروا الله علة ما ~~علم من كيفية القضاء، والخروج عن عهدة الفطر، ولعلكم تشكرون عله الترخيص، ~~وهذا نوع من اللف والنشر، ويحتمل أن يكون ولتكملوا العدة معطوف على يريد ~~الله بكم اليسر، أي ويريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله، واللام مثلها في ~~يريدون ليطفئوا نور الله، ذكر هذا في الكشاف. PageV22P278 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: في الثلاث الآيات تدل على وجوب صيام ~~شهر رمضان على من شهد الشهر وهو رؤية الهلال، ومن ذلك[420] قيام الشهادة ~~على رؤيته، كما جاءت به السنة، وعلى إباحة الفطر للمريض، والمسافر، ووجوب ~~القضاء، وعلى وجوب الفدية، وعلى إطعام مساكين نصف صاع عن كل يوم على من كان ~~يطيقه من المرضى، والمسافرين، كما فسر ذلك الإمام أحمد بن سليمان، وفسره ~~الهادي عليه السلام بأن لامحذوف تقديره وعلى الذين لايطيقونه فدية طعام ~~مساكين، ولابد من نصب دليل على هذا التأويل، وإلا فالأول أولى والله اعلم، ~~وعلى أن الصيام في السفر والمرض لمن يطقونه خير من الإفطار، وما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ليس من البر الصيام في السفر)) ~~إنما ذكره في حق المضطر الذي رأهم يجتمعون يظلونه من الشمس، وأمر سبحانه ~~بإكمال العدة، وهي من رؤية هلال رمضان إلى رؤية ms3132 هلال شوال، وفائها ثلاثون ~~يوما، وأمر سبحانه بالتكبير وهو تكبير مرسل أوله من غروب ليلة الفطر، عند ~~الناصر عليه السلام، وعند الهادي عليه السلام، من عند خروج الإمام إلى صلاة ~~العيد، وآخره عند وصول المصلي، ولايبعد أن الآية تتناول تكبير صلاة العيد. انتهى. PageV22P279 # واعلم أنه تعالى لما قال بعد إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه {ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون} وأمر العبد بالتكبير وبالشكر، أخبر الله ~~سبحانه بلطفه ورحمته أنه قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره، فيسمع نداه، ~~ويجيب دعاه، فقال سبحانه:{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي ~~إذا دعاني} اعلم أنه ليس المراد من القرب الخير والمكان، بل المراد القرب ~~بالعلم، والحفظ، وهذا إنما هو مثل لحاله في سهولة إجابته لداعيه، وسرعة ~~إنجاح حاجة طالبه بحال من قرب مكانه، ودلت على نفي المكان للباري تعالى، ~~والألم يكن قريبا من كل داع، ثم قال سبحانه:{ فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم ~~إلى الإيمان كما أني أجيبهم{وليؤمنوا بي} هو أمر لهم بالإيمان بالله { ~~لعلهم يرشدون}اي ليكونوا راشدين، وما أحسن قول المرتضى عليهم وقد سأله سائل ~~عن هذه الآية كيف يعرف العبد إجابة الدعوة إذا دعاه وطلب منه فلم ير فضنى حاجته؟ PageV22P280 # قال عليه السلام: إن الله عزوجل كما ذكر من قضى حوائج خلقه، وإجابة دعائهم ~~إذا دعوه عند مسائلتهم وأوان فاقتهم، ألا تسمع كيف يقول{فإني قريب أجيب ~~دعوة الداعي إذا دعاني}ثم أخبر عزوجل من الذين إذا دعوه أجابهم ~~فقال:{فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}فأخبرهم تبارك[421]وتعالى ~~أنهم إذا استجابوا له وآمنوا به أجاب دعاؤهم، ويشفع طلبتهم، فإذا لم يكونوا ~~كذلك فليس هم ممن تجاب له دعوة، ولاتقضى له حاجة، وكلما نالهم من نعمة فهو ~~إملاء، الإستجابة لله فهي الطاعة، والعمل بما أمر به، والإنقياد لما ~~افترضه، والتصديق بأمره ونهيه، والمعرفة بتوحيده وعدله، فبذلك يصح للعبد ~~الإيمان به، ويستوجب حب الإجابة لدعوته، فإذا كان العبد كذك عرف إجابة ~~الدعوة فيما سأل، وقد يسأل العبد الله أمرا، أويطلبه منه يكون الخيرة له ms3133 في ~~غيره، فيكون بحبه إياه نعمة، وإحسانا إليه، فإذا تعقب العبد الأمر فيما ~~دعاه الله فيه وأنصف نفسه تبين له من الله الخيرة والرشد، حتى تصح له ~~الخيرة في الإجابة فيما طلب؛ لأن الله سبحانه يقول: {عسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ~~فإنما يطلب العبد من الله عزوجل الطلبة التي يرجوا فيها لنفسه صلاحا أو ~~فرجا، ويعلم الله أن له في ذلك الشر والغم، ولايعرفه هو، فيكون قد استجيب ~~له في صلاح نفسه، وما تقر به عينه، وصرف عنه مالو أعطيه لكان له فيه الحزن، ~~والغم، والإذا، والهم، ومن الصالحين من يسأل في السبب الذي يعلم الله أن له ~~فيه صلاحا فيجاب فيه كثيرا، رأينا ذلك غير قليل، وقلت: قد وعد الله سبحانه ~~أنه يجيب، وإنما وعد بذلك المسلمين، ألا تسمع كيف يقول عزوجل:{ أجيب دعوة ~~الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم PageV22P281 يرشدون} فأخبرهم أنه يجيبهم إذا استجابوا له وآمنوا به، ولقد أولاهم ~~سبحانه، وأعطاهم أفضل حوائجهم، وأكبر مرادهم، ومايصل فيه، ومعه جميع ~~مطالبهم من صحة الجوارح، وعافية الأبدان، فهذه أكبر النعم عليهم، وأجزل ~~العطايا لهم، ولو أن عبدا دعى الله سبحانه أن يرزقه واديا من تبر فرزقه ~~إياه ثم ابتلاه بضر في عينه، أو عرق من عروقه، لسأل الله أن يعافيه من ذلك، ~~ويفتدي الألم بذلك الوادي ومثله أضعافا لو كان له، فأي نعمة أو إجابة أعظم ~~أمرا من العافية والصحة، وأي عطاء أجزل من عطاء لايتمنابه غيره، فأما ما ~~كان يطلب به غيره فهو سهل عند صاحبه، قريبا عند مالكه، وكثير من الخلق يسأل ~~الله السبب ويستجيره فيه، فإذا رفعه عنده يخيره له في دفعه، اغتم في ذلك ~~وغظب لقلة معرفته، وقد روي في بعض مسائل موسى عليه السلام التي سأل ربه ~~عزوجل أنه قال: يارب أي عبادك أشر عندك، قال: يا موسى الذي[422]يتهمنى، ~~قال: يارب ومن يتهمك، قال: الذي يستخيرني فإذا أخرت ms3134 له غضب، فكثير رحمك ~~الله رأيناه يدعوا إلى الله سبحانه بالسلامة في دينه ودنياه، والخلق كلهم ~~على ذلك يسألون الله السلامة والعافية، ثم يسألونه من بعد ذلك الحوائج، ~~فيكون فيما يسألون مما لايعرفون أشياء هي لهم عند نفوسهم موافقة، وقد علم ~~الله عزوجل لهم فيها البلاء، والغم، والأحزان، لو وقعوا فيها فيدفعها عنهم ~~لمسألتهم الأولى السلامة، والعافية، والإجابة إياهم في ذلك، فيعدون ذلك ~~نقمة، وإنما هي نعمة وخيرة، ولو كشف لهم عن قبيح ما ينزل بهم فيما سألوه ~~الأكثر والدعاء إلى الله سبحانه في الصرف عنهم، وليس ينتفي لأحد أن يتهم ~~الله عزوجل في الدعوة، وان ينتظر عند دعائه ومسألته، إذا لم ......... دعاء ~~ما فيه فيرجع إلى نفسه، فإن كان مطيعا فليوقن بأنها خيرة وسلامة لدينة ~~ودنياه، علم الله فيها مالم يعلم، وضر فيها عنه لضرها له وإن كان عاصيا ~~فليعلم أنه ليس له عند الله منزلة فيستجاب له PageV22P282 دعوة؛ لأن قول الله سبحانه الحق وما وعد فهو الصدق عزوجل علوا كبيرا. انتهى. # وعن سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((دعوة ~~المسلم لا ترد لإحدى ثلاث، إما أن تعجل له في الدنيا، وإما أن تدخر في ~~الآخرة، وإما أن يصرف عنه السوء بقدرما دعى))، قوله تعالى{أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث} الإفضاء إليهن بالجماع، وقيل: هو كلمة جامعة لحاجات الرجال ~~إلى نسائهم، كان الرجل في صدر الإسلام يلزمه حكم الصيام إذا صلى العشاء ~~الآخرة أو نام فيحرم الطعام، والشراب، والنساء، إلى الليلة القابلة، فجاء ~~رجل من الأنصار عشية وقد جهده الصوم واختلفوا في اسمه فقال معاذ: اسمه أبو ~~صرمة، وقال البراء: قيس بن صرمة، وقال الكلبي: أبو قيس ابن صرمة، وقيل: ~~صرمة ابن أنس فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سبب ضعفه فقال: ~~يا رسول الله علمت في النخل أجمع عن أمسيت، فأتيت أهلي ليطعمني فابطأت ~~فنمت، فايقظني وقد حرم الأكل، فقام عمر فقال: يارسول الله اعتذر إليك من ~~مثله، رجعت إلى أهلي ms3135 بعد ما صليت العشاء فأتيت امرأتي فقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((ما كنت جديرا بذلك يا عمر)) ثم قام رجال فاعترفوا بمثل فعله ~~فنزلت، وهذا المعنى رواه الهادي عليه السلام، وأنه قال: افترض الله الصوم ~~على أمة محمد أول مرة كما افترض على من كان قبلهم فكانوا يصومون النهار ~~ويأكلون وقت الإفطار إلى أن يناموا لم يحل لهم أكل ولاشرب ولاجماع[423]حتى ~~يكون من الغد عند دخول الليل، وكان من امر أبو قيس واسمه صرمة بن أنس فعمل ~~في بعض حيطان المدينة فأصاب مدا من دقيق فقصدت له، فنام لما به من الوهن ~~والتعب قبل أن تفرغ امراته من طعامه ثم جاءت به حين فرغت فأيقظته ليأكل ~~فكره أن يعصي الله ورسوله، فطوى تلك اليلة مع ما تقدم من يومه ثم أصبح ~~صائما من غده، فمر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأه مجهوضا فقال ~~له: لقد أصبحت ياقيس مجهودا PageV22P283 طليحا فأخبره بما كان من خبره فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وكان عمر بن الخطاب في رجال من أصحابه قد أصابوا نسائهم في شهر رمضان ~~فخافوا أن يذكر أبو قيس في شيء من القرآن فيذكروا معه، فقام عمر بن الخطاب ~~في أولئك الناس فقالوا استغفر لنا يارسول الله فإنا قد واقعنا النساء، فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم:((ما كنت جديرا بذلك يا عمر)) فأنزل الله تعالى في ~~أبي قيس، وعمر، وأصحابه{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم...}الآية، ~~فنسخ الله الصيام الأول فالحمد لله رب العالمين. انتهى. # ومعنى قوله:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} شبهوا باللباس لأشمتال كل من ~~الزوجين على صاحبه عند العناق، وهو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، أي وإذا ~~كان الأمر كذلك صعب الأمر عليكمن فرخص لكم لقلة الصبر عنهن، {علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم} أي تخونونها على معنى تعملون عمل الخائن لها؛ لأن ضرر ~~فعلهم راجع عليهم {فتاب عليكم} حين تبتم، وقيل: رحمكم بأن رخص لكم وأباح ~~ذلك لكم،{وعفا عنكم}. PageV22P284 # قال في البلغة: ms3136 معنى عفى هاهنا التسهيل وإزالة التحريم، وتاب في معنى ~~الترخيص، إذا لم يكن هاهنا ذنب واقع، ثم قال تعالى:{ فالآن باشروهن} أمر ~~إباحة أي جامعوهن، ولو صليتم أو نمتم إشارة إلى قصة عمر{ وابتغوا ما كتب ~~الله لكم } قيل: معناه اطلبوا الولد الذي كتب الله لكم ولا تنكحوا لمجرد ~~الشهوة، قيل: نهى عن العزل، وقيل: واطلبوا الحلال الذي بينه الله لكم ثم ~~قال:{ وكلوا واشربوا} إباحة للأكل والشرب{ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر} الخيط الأبيض أول الفجر؛ لأنه كالخيط المدود، ~~والأسود ما يمتد مع الفجر من ظلام الليل شبهها بخيطين أبيض، وأسود، وقوله ~~{من الفجر} بيان للأبيض، واكتفى به على الأسود فلم يقل من الليل؛ لأن بيان ~~أحدهما بيان للآخر، وهذه الآية تبطل قول من قال أن الجنب إذا أصبح قبل ~~الإغتسال لم يكن له صوم؛ لأن المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم ~~يمكنه الإغتسال إلا بعد انفجار الصبح، وقوله تعالى:{ ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل}[424]أمر بإتمام الصيام إلى الليل وهو غروب الشمس، وعليه الأكثر، ~~وقيل: زوال إنار الشمس، وظهور الظلام، وكوكب ليلي. PageV22P285 # واعلم أنه تعالى لمابين الصوم وبين أن من حكمة تحريم المباشرة كان يجوز أن ~~يظن في الأعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم فيه نهارا إلا ليلا، ~~فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهارا وليلا، فقال عزوجل:{ ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد} الإعتكاف ملازمة العبد في المسجد، ولايكون ~~الأعتكاف إلا مع الصوم، نزلت في ناس من الصحابة كانوا يعتكفون في المساجد، ~~فإذا عرضت لأحدهم حاجة إلى أهله خرج وجامعها، فنهوا، ثم قال تعالى:{ تلك ~~حدود الله} أحكامه الحواجز بين الحق والباطل{فلا تقربوها}اي لاتقربوا تلك ~~الحدود بالمعصية بأن تتجازوا ما حد لكم. # ولما بين سبحانه أحكام الصوم على الإستقصاء في هذه الألفاظ القليلة بيانا ~~شافيا وافيا قال بعده:{كذلك يبين الله آياته للناس} أي مثل هذا البيان ~~الواضح الكامل هو الذي نذكره، والغرض منه تعظيم حالا البيان، وتعظيم رحمته ~~على ms3137 الخلق في ذكره مثل هذا البيان،{لعلهم يتقون} أي لكي يتقوا مخالفتي. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على حل جماع الزوجات ~~والمملوكات متى شاء في الليل، حتى يتبين الفجرن وفي ذلك دلالة على جواز أن ~~يصبح الرجل والمرأة كل واحد جنبا، وعلى وجوب إتمام الصيام إلى دخول الليل، ~~وعلى تحريم مباشرة النساء للعاكفين في المساجد. انتهى. # ثم قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} أي بغير وجه ~~شرعي{وتدلوا بها إلى الحكام} تلقوا أمرها، والحكومة فيها يقال: أدلى فلان ~~بالمال إلي الحاكم إذا رفعه إليه، وأدلى بحجته إذا احتج بها، ~~وقوله:{لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم} الفريق من المال قطعه منه، ~~والمعنى لاتحاكموا فيما لاتستحقون لتأكلوا بالتحاكم بعض أموال الناس. PageV22P286 # قال المرتضى عليه السلام: هذا أمر من الله عزوجل لجميع من عرفه، وقيل: أمره ~~ونهيه ألا يأكلوا أموالهم عنهم بالباطل، ولايبقونها فيما لايرضى الله، ~~ولايستعينون بها على معصية، وأن يفعلوا فيها ما أمرهم به من طريق الصلاح ~~مثل الزكاة، والصدقة، والإنفاق في السبيل، وصلة الرحم، وما كان من سبل ~~الطاعة لله فيه رضى ،ولديه لمن فعله جزاء، وقوله:{وتدلوا بها إلى الحكام} ~~فهو ما يفعل الناس الآن وما هم عليه من رشوة الحاكم والعطاء حتى يحيف معهم ~~على المحكوم عليه فيسلم لهم عند ذلك مالم[425]يملكوه ولابحق أخذوه، وقد ~~رأينا أشرارا من الناس على القضاء فيحاكم إلى الحاكم منهم رجلان فيكون مع ~~أحدهما سعة وجدة فيرشي الحاكم فيحكم له على الآخر الفقير ويظلمه ويتعدا ~~عليه، فيأخذ ما لايملك بحكم ظالم مرتشي حكم له بما لايملكه، فقد الأدنى ~~بماله إلى هذا الحاكم الظالم وأكل به أموال الناس جورا وظلما، وتعديا، ~~وغشما، والحاكم إذا علم الحق فأتقن به وجب عليه أن يحكم بكتاب الله وسنة ~~رسوله، ولا يتعدى ذلك، وإذا كان حاكما فلا يحل له أن يفنى خصما دون حضور ~~خصمه، ويتحرزمن ذلك فإنه لايجوز له ولايسعد عند الله فعله انتهى. # وأما قوله:{وأنتم تعلمون} فالمعنى وأنتم تعلمون تحريم ذلك وأنتم مبطلون، ~~ولاشك أن الإقدام ms3138 على القبح مع العلم أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق، وفي ~~الحديث أختصم إليه صلى الله عليه وآله وسلم رجلان فقال: ((إنكم تختصمون إلي ~~ولعل بعضكم ألحن من بعض)) أي أفطن((فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن ~~منه شيئا فإنما اقطع له قطعة من نار فمن شاء فليأخذ ومن شاء فليترك)) فبكيا ~~وقال: كل واحد حقى لصاحبي. PageV22P287 # وقال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على تحريم اغتصاب أموال الناس ~~بالباطل، وعلى أن ما حكم به الحاكم وهو في حقيقة الأمر للمحكوم عليه ~~لايملكه المحكوم له بمجرد الحكم، وعلى أن الحكم في حقيقة الأمر باطل، وعلى ~~أنه إذا اتضح أمره إلى الحاكم أخر وجب عليه بعضه. انتهى. # ثم قال تعالى:{ يسألونك عن الأهلة} قيل سئل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها، والأهلة جمع الهلال، روي أن ~~معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم وكان كل واحد من الأنصار قالا يارسول الله ~~مابال الهلال يبدوا دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ~~ينقص حتيى يعود كما بداء لا يكون على حالة واحدة كالشمس؟ فنزلت الآية فقال ~~تعالى: {قل هي مواقيت للناس والحج} والمواقيت وأحدها ميقات أي قل لهم أن ~~الأهلة هي معالم ومقادير مايحتاج الناس إلى معرفته في باب الصوم، والعيد، ~~والحج، ومحل الديون، وعدة النساء، وغيرها من الوجوه التي هي معروفة من ~~مصالح الدين والدنا، وأما قوله تعالى:{وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى}اي بر من اتقى{وأتوا البيوت من أبوابها} فقيل في ~~سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا أحرموا نقبوا ظهور بيوتهم فيخرجون منه، ~~ويدخلون مدينا بذلك فنهو عن التدين به، وبين لهم أنه ليس من باب البر، ~~ويحتمل أن[426]يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سوألهم، وأن مثلهم كمن يترك باب ~~البيت ويدخله من ظهره، والمعنى كأنه قيل لهم لاتأتوا الأمور من غير وجهها ~~وأتوها من وجهها، وهو الوجه الذي أمر الله به. PageV22P288 # وقال المرتضى عليه السلام: ms3139 هذا أمر من الله سبحانه للمؤمنين في إتيان ~~البيوت من أبوابها، وتأديب لهم، وذلك لما أمر الله عزوجل بالإستئذان على ~~أهل البيوت قبل دخولها، وقيل: فتح أبوابها كانوا يرون أن إتيانها من ظهورها ~~أقرب لهم إلى الله سبحانه، فطلبوا بذلك الفضل، فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم ~~بإتيانها من أبوابها من بعد أن يستأنسوا ويسلموا على أهلها. # قلت: ومثل هذا ذكر القاسم عليه السلام ثم قال عزوجل:{ واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} أي اتقوه بمجانبة المعصية لتظفروا بما تطلبون، واتصل قوله وليس ~~البر بالسؤال عن الإهلة على معنى جعل ذلك لتعلموا به وتجري أموركم على ~~الإستقامة، وإنما البر اتباع أمر الله قاله في البلغة، ثم لما أمر الله ~~بالتقوى أمر تعالى بعد ذلك بأشد التقوى وأشقها، على النفس وهو القتال ~~لأعداء الله فقال:{ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} ~~بابتداء القتال أو بقتل النساء والصبيان{إن الله لا يحب المعتدين} أي ~~لايريد مدحهم وثوابهم، وللمفسرين في سبب النزول قولان: # الأول: قال الربيع، وابن زيد: هذه أول آية نزلت في القتال فلما نزلت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عن قتال من تركه، ~~وبقى على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى:{ اقتلوا المشركين}. PageV22P289 # والثاني:أنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج بأصحابه لإرادة الحج وورد ~~الحديبية وهو موضع كثير الشجر ولما صدهم المشركون عن دخول البيت ما قام ~~شهرا لايقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم العام ~~القابل، ويتركوا له ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي، ويفعل ما شاء، فرضي ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعاد المدينة وتجهز السنة القابلة، ثم خاف ~~أصحابه من قريش أن لايفوا بالوعد، ويصدوهم عن المسجد الحرام، وأن يقاتلوهم، ~~وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآيات وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا لها فقال:{ وقاتلوا في سبيل ~~الله} أي في طاعته وطلب رضوانه. # وروي أن النبي صلى الله عليه ms3140 وآله وسلم سئل عن من يقاتل في سبيل الله ~~فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العلياء ولايقاتل رياء ولاسمعة)) واعلم ~~[427]أنهم اختلفوا في المراد بقوله الذين يقاتلونكم على وجوه: # أحدها: هو قول ابن عباس المراد منه قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه ~~الدفع عن الحج، أو على وجه المقاتلة ابتداء، وهذا الوجه موافق للقول الأول ~~في سبب نزول الآية. # وثانيها: قاتلوا كل من له أهلية القتال سوى من جنح للسلم، قال الله ~~تعالى:{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها}. PageV22P290 # وثالثها: قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية لذلك، والقول الأول أقرب ~~إلى الظاهر؛ لأن ظاهر قوله تعالى الذين يقاتلونكم يقتضي كونهم فاعلين ~~للقتال، فأما المستعد للقتال قبل إقدامه عليه فإنه لايوصف بكونه مقاتلا إلا ~~على سبيل المجاز، ثم من الناس من قال: هذه الآية منسوخة وذلك؛ لأن هذه ~~الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين، ونهى عن قتال غير ~~المقاتلين بدليل أنه قال:{ وقاتلوا في سبيل الله الذين} ثم قال: بعده {ولا ~~تعتدوا}فكان معناه ولاتعتدوا هذا القدر، ولاتقاتلوا من لايقاتلكم، فثبت أن ~~هذه الآية مانعة عن قتال غير المقاتلين، ثم أنه تعالى قال بعد ~~ذلك:{واقتلوهم حيث ثقفتموهم}فاقتضى حصول الأذن في قتال من لم يقاتل فدل على ~~أن هذه الآية منسوخة، ولقائل أن يقول مسلم أن هذه الآية دالة على الأمر ~~بقتال من يقاتلنا لكن هذا الحكم ما صار منسوخا، أما قوله أنها دالة على ~~المنع من قتال من لا يقاتلنا فهذا غير مسلم، وأما قوله تعالى:{ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين}فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم منها أن يكون ~~المعنى ولاتبداؤا في الحرم بالقتال، ومنها أن يكون المراد بقتال من نهيتهم ~~عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهدا، أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة، أو ~~بقتل النساءن والصبيان، والشيخ الفاني، وعلى جميع التقديرات الآية غير ~~منسوخة، فإن قيل: هب أنه لانسخ في الآية ولكن ما السبب في أن الله تعالى ~~أمر أولا بقتال من يقاتل ms3141 ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سوى قاتلوا أو لم ~~يقاتلوا. PageV22P291 # قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين فكان الصلاح استعمال الرفق، ~~واللين، والمجاملة، فلما قوى الإسلام وكبر الجميع وأقام من أقام منهم على ~~الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال حصل اليأس من إسلامهم، ~~فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق وأنه أعلمن وقوله تعالى: ~~{واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث ظفرتم بهم يقال: ثقف بالشيء يثقف ثقفا إذا ~~أظفر به{وأخرجوهم من بحيث أخرجوكم}قيل معناه اخرجوهم من مكة كما أخرجوكم ~~منها، ثم قال سبحانه:{والفتنة} المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان {أشد من ~~القتل}[428]وقيل الفتنة الشرك، وقيل: تعذيب المسلمين أشد من القتل قتلكم ~~إياهم في الحرام جعل الإخراج من الوطن من الفتن الذي يتمنى فيها الموت، قيل ~~لبعض الحكما من أشد من الموت فقال: يتمنى ما يتمنى منه الموت قال الشاعرم: # اضرب بحد السيف أهون موقفا ... على النفس من قتل بحد فراق PageV22P292 قال في البلغة: وقيل نزلت الآية على سببن وذلك أن رجلا من المسلمين قتل ~~رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعاب الكفار على المسلمين ذلك، فأنزل الله ~~تعالى الآية، ومعناه الكفر في الشهر الحرام أعظم من القتل فيه وإن كان ~~القتل محظورا، ثم قال تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه}هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة وقد كان من قتل ~~شرطا في كل القتال وفي الأشهر الحرام، أي لاتقاتلوا الكفار في البلد الحرام ~~وهومكة، مالم يقاتلوكم فيه، والمسجد الحرام مكة، وقوله :{فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم} فيه {كذلك جزاء الكافرين}هذا واضح ثم قال سبحانه: {فإن انتهوا} ~~عن قتالكم ودخلوا في ملتكم {فإن الله غفور رحيم} يغفر ما سلف إذا تابوان ~~ونظيره قوله تعالى:{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وقوله ~~تعالى:{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الفتنة هاهنا الشرك، وقيل إنما سمى ~~الشرك فتنة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك، كما أن الفتنة تؤدي إليه، أي قاتلوا ~~المشركين إلى أن ms3142 يعدم الشرك، وحتى لايكون بدعة، ولاضلالة،{ويكون الدين كله ~~لله} خالصا والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ~~ويطاع، {فإن انتهوا} عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم فلا عدوانن أي لاظلم ~~على المنتهين؛ لأن قتالهم عدوان وظلم،{ فلا عدوان إلا على الظالمين} غير ~~المنتهين أي لاعقوبة إلا على المشركين، فلفظ العدوان هاهنا مجازا؛ لأنه ~~إنما سمى جزاء الظالمين عدوانا للمشاكلة كقوله:{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم}وقوله تعالى:{الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص}. PageV22P293 # قال في البلغة: خرج اللفظ مخرج المقاصد، وقيل: في سببه أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لما صده قريش عام الحديبية عن العمرة وكان خرج محرما، وكان ~~ذلك في ذي القعدة، وهو الشهر الحرام، وسمى ذا القعدة؛ لأنه يقعد فيه عن ~~القتال، فلما كان العام القابل مكنه الله من دخول مكة حتى اعتمر في ذي ~~القعدة، فلهذا قال:{الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات[429] ~~قصاص}والحرمات جمع الحرمة فصار دخول مكة معتمرا مراغمة لقريش قصاصا لذلك ~~الصد، وقيل: أن مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أليس نهيت ~~عن قتالنا في الشهر الحرام؟ فقال: ((نعم)) وكان غرضهم بذلك أن يقاتلوه في ~~الشهر الحرام، إنكالا على أنه لا يقاتلهم بعد االنهي إذا قاتلوه، فأنزل ~~الله تعالى الآية، فكأنه قال: إن استحل المشركيون في الشهر الحرام منكم ~~شيئا فاستحلوا منهم، فلهذا قال:{والحرمات قصاص}ثم قال تعالى:{فمن اعتدى ~~عليكم} أي ظلمكم وبغى عليكم{فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}اي مباح لكم ~~مكافاته، ومعاصته بمثل ما جنى عليكم، فسمى الجزاء اعتداء لما كان جزاء على ~~الأعتداء، قال المرتضى عليه السلام : هذا أمر من الله عزوجل للمؤمنين بترك ~~الظلم والإعتداء، والأخذ بالحق في جميع الأشياء، وأن يفعلوا ما أطلق لهم ~~سبحانه فعله، ولا يتعدوا إلى غيره، وقد يكون من الأفعال ما لايجوز فيه ~~مكافاته مثل ظالم يوشي برجل ويكذب عليه عند سلطان جائر، فلا يحل لمسلم أن ~~يكذب عليه، ولايوشي به، ومثل فاسق يفصح حرمة رجل ويهتك سترها، ms3143 فلا يحل له ~~أن يهتك حرمته، ولايعصي الله كما عصاه الفاسق، ولكن إن قدر عليه كافاه في ~~نفسه بما جعل الله من الحكم فيما فعل، وليس ينبغي لأحد أن يكافي بمعصية ~~الله، ولايدخل فيها إن كان عارفا بالله وإنما يفعل ذلك الكافرون، ويتفحم ~~فيه المتمردون الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وصاروا بفعلهم إلى PageV22P294 شر مئاب، جهنم يصلونها وبئس المهاد. انتهى. # ولذلك عقبه تعالى بقوله:{واتقوا الله} أي ولاتجاوزوا إلى ما لايحل ثم ~~قال:{واعلموا أن الله مع المتقين} أي ناصر لهم، ومعينهم، ووليهم، ثم قال ~~تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله} أي الجهاد وقيل: تصدقوا في رضاه. # قال في البلغة: أي انفقوا مما رزقكم الله في دين الله الذي شرعه الله ~~لكم، ويدخل فيه وجوه سائر البر، ثم قال سبحانه:{ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة} الهلاك أصله في اللغة الضياع، يقال: للضائع هالك، والتهلكة قيل هي ~~الهلاك، وقيل ما يهلك الإنسان عنده، فكأنه قيل لهم لا تهلكوا أنفسكم ~~بأيديكم من الإمتناع عن الإنفاق في سبيل اللهن وقيل: بارتكاب المعاصي، ~~وقيل: بتفخم الحروب من غير نكاية في العدو، أي لاتورطوا في المهالك على وجه ~~لايكون فيه رضى لله، ثم أمر تعالى بالإحسان والطاعة فقال:{وأحسنوا إن الله ~~يحب المحسنين} أي يريد ثوابهم وإكرامهم، واختلفوا في هذا الإحسان على ~~وجوه:[430] # أحدها: قال الأصم: وأحسنوا في فرائض الله. # وثانيها: وأحسنوا في الإنفاق علىمن يلزمكم مؤنة نفقته، والمقصود منه أنه ~~يكون ذلك الإنفاق مقرونا بطلاقة الوجه، ولطافة والكلام. # والثالث: أحسنوا في الإنفاق فلا تسرفوا، ولاتقتروا، وهذا هوالأقرب ~~لاتصاله بما قبله، ويمكن حمل الآية علىجميع الوجوه. PageV22P295 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: في أحكام هذه الآيات أليست تدل على ~~وجوب قتال من قاتل أهل الحق، وقتلهم حيث ماثقفوا، وإخراجهم من حيث أخرجوا ~~أهل الحق، وعلى تحريم الإعتداء، وعلى تحريم القتال عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوا أهل الحق فيه، فمتى فعلوا ذلك وجب قتلهم فيه، وعلى وجوب قتال كل ~~معتد حتى لاتكون فتنة، ويكون الدين لله، وعلى أن الحرمات قصاص فمن ms3144 اعتدى ~~على أهل الحق جاز الإعتداء عليه بمثل ما اعتدى، وعلى أن من اعتدى في ~~شهرحرام اعتدى عليه في شهر مثله، وعلى وجوب التزام التقوى مع ذلك كله، ~~وعلىوجوب الإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد، وعلى تحريم الإلقاء بالأيدي إلى ~~التهلكة بأن يعصوا الله ويتركوا ما أمرهم الله به من هذه الأحكام، أو أن ~~يسلموا أنفسهم إلى أيدي الظالمين فهلكوهم، وعلى وجوب الإحسان في الإعمال ~~الواجبة، وفي ترك المحرم، وعلى الحث على الحسنات واجهبا ومندوبها. انتهى. # قوله تعالى:{وأتموا الحج والعمرة لله} أي افعلوهما كاملين على ما أوجبته ~~الشريعة من أعمالهما، وقيل: أن تكون النفقة من حلال، وقيل: لاشيء يوهمها ~~بشيء من التجارة وأعراض الدنيا. PageV22P296 # قال في البلغة: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحرم بالحج قارنا ~~فساق مائة من الإبل، وقدم علي عليه السلام مكة في ذلك العام قافلا من اليمن ~~محرما، فقال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((بما أهللت؟)) قال: بما أهل ~~به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((أهللت قارنا)) قال: وأنا ~~يارسول الله قارنان فجعل له من الهدي الذي ساقه ثلاثين، ونحر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم سبعين بدنة بيده، ونحر علي عليه السلام سائرها، وكان ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((اللهم لك وفي سبيلك حنيفا مسلما وما أنا ~~من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك لك الله ~~أكبر ولا إله إلا الله وحده، اللهم هذا عني وعن من لم يجد طولا من أمتي إلى ~~يوم القيامة)). انتهى. # ثم أمر صلى الله عليه وآله وسلم [431]من لم يسق هديا أن يجعلها عمرة ~~فاستمتع بها إلى الحج فإن قلت هل في الآية فسخ أم لا؟ # قلت: اختلف الناس في فسخ الحج إلى العمرة كما رواه عنهم عبد الله بن ~~الحسين عليهما السلام في كتابه الناسخ والمنسوخ فقال: زعم قوم أن ذلك يسنخ ~~آية من كتاب الله لايعلمون بها. # وقال آخرون: بوحي نزل على محمد صلى الله ms3145 عليه وآله وسلم، والذي عندنا وبه ~~نأخذ إن ذلك لخاصة كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV22P297 # وقال آخرون: إن ذلك خاصة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ومما يحتج ~~به في ذلك حديث بلال ابن الحارث المزني قال: قلت يارسول الله فسخ الحج لنا ~~وحدنا أم لنا ولمن بعدنا؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((بل لنا)) أنه ~~قال الفسخ إنما كان لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم قال ~~عليه السلام : وأنا أجبت والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~أهل بالعمرة والحج قرنهما معا، وفعل ذلك الناس بالجهل منهم وظنوا أنه يجوز ~~بلا سوق هدي، ولايكون قارنا إلا بهدي، وفعل ذلك الناس أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من لم يسيق هديا إن يجعلها عمرة يتمتع بها إلى الحج، ~~فهذا عندي المعنى في ذلك مع ما تقدم من قولنا أنها خاصة له صلى الله عليه ~~وآله وسلم غير أنه قد بلغني عن ابن عباس أنه كان يفسخ الحج ويقول أنها عام ~~غير خاص ويحتج بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فسخ الحج ~~إلىالعمرة في حجة الوداع ويحتج بقول الله{ثم محلها إلى البيت العتيق}ولا ~~أرى ما هذا الخبر ولا ما صحته عن ابن عباس، وبلغني عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن سراقة بن مالك بن جعشم قال: يارسول الله عمرتنا هذه ~~لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: ((للأبد)) يذكر ذلك مرتين أو ثلاث، وفي حديث ~~آخر أنه شد بين أصابعه وقال: ((هي للأبد الآبد دخلت العمرة والحج إلى يوم ~~القيامة)) فيقول قوم إن قوله ذلك إنما أراد به فسخ الحج الذي يهل به الرجل ~~ثم يبدله فيفسخه ويجعلها عمرة. PageV22P298 # وقال آخرون: إن دخولها في الحج هو التمتع بالعمرة إلى الحج وهذا قولنا وبه ~~نأخذ ولانرى أن الفسخ يجوز لاحد بعد من مضى من الخاصة التي ذكرنا، ومن ~~حجتنا قول الله تعالى فمن تمتع ms3146 بالعمرة إلى الحج بأن بذلك أن التمتع ~~بالعمرة واجب، وأنه ليس فسخ إلى آخر كلامه عليه السلام، ثم قال سبحانه:{ ~~فإن أحصرتم} أي منعكم أمر من التمام{فما استيسر من الهدي} معناه ماذا اردتم ~~التحلل من الإحرام فعليكم ما تيسر من الهدي بعيرا، أو بقرة، أو شاة، ثم ~~قال:[432]{ ولا تحلقوا رءوسكم} يا مقصرون{حتى يبلغ الهدي} الذي نفشتموه ~~{محله} الذي تحت نحره فيه وهي منى في الحج، وفي أيام النحر، وما كان للعمرة ~~فمكة، ولا وقت له وقيل: محله الموضع الذي صيد فيه، وكذلك فعل النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نحر البدن يوم الحديبية وأمرهم أن ينحروا فيه، يعني ~~أصحابه، وهو الموضع الذي صد عن العمرة ثم قال سبحانه:{ فمن كان منكم مريضا} ~~مرضا يحوجه إلى الحلق{أو به أذى من رأسه} قمل أو جراحة ففدية أي فإذا حلق ~~فعليه فدية ثم يبينها فقال: من صيام ثلاثة أيام أو صدقة على ستة مساكين لكل ~~واحد منهم نصف صاع أو نسك يعني شاة، والنسيكة الذبيحة وجمعها نسك، وجمع ~~الجمع نسائك، كصحيفة وصحف وصحائف، وأما قوله تعالى{فإذا أمنتم} فتقديره ~~فإذا أمنتم من الإحصار{فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} أي ~~فعليه هدي لتمتعه، ومعنى فمن تمتع بالعمرة أي أنتفع باستباحة ما كان محرما ~~عليه إلى أن يحرم بالحج، وقيل: أنتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل تقربه ~~بالحج، ومعنى قوله تعالى:{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} أي في ~~أيامه ما بين الإحرامين. PageV22P299 # وقال الشافعي: بعد الإحرام بالحج، والأفضل يوم التروية، ويوم عرفة، ويوما ~~قبلهما، وسبعة في الرجوع، وهو قوله: {وسبعة إذا رجعتم تلك عشرةكاملة} وليس ~~المراد به تعليم كمال العدد؛ لأنه معلوم، وقيل: في ذلك وجوه من الفوائد: # أحدها: لأنها كاملة من الهدي كأنه قيل له إذا صمت إذا العشرة استكملت ~~ثواب الهدي. # والثاني: أنه ذكر ذلك لإزالة الإيهام؛ لأنه لايمتنع أن يتوهم متوهم أن ~~الثلاثة هي فداء الهدي دون السبعة، فكأنه قيل الثلاثة والسبعة عشرة كاملة، ~~وكلها بدل الهدي ms3147 وفداء له. # والثالث: للتأكيد كما قال الشاعر: # ثلاثة واثنان فهي خمس # ثم قال عزوجل:{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ذلك إشارة إلى ~~أمر متقدم، فلهذا السبب اختلفوا، فعند أبي طالب ذلك أي التمتع. # قال في البلغة: أي التمتع بالعمرة إلى الحج إنما هو لمن لم يكن من أهل ~~مكة وحواليها؛ لأنه ليس لأحد من أهل مكة أن يحج متمتعا. انتهى. # وقال المؤيد بالله: وهو قول الشافعي أن ذلك إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب ~~الهدي والصيام، ولو يوجب على من كان حاضري المسجد الحرام شيئا. # قال في البلغة: حاضري المسجد الحرام مكة، وحواليها على ثمانية وأربعين ~~ميلا، فمن كان خارجا من هذا الحد فله أن يتمتع بالعمرة[433]إلى الحج. انتهى. # وقيل: هم أهل المواقيت، ومن دونهم إلى مكة، وذكر الأهل والمراد الحرم لما ~~كان الغالب على الرجل يقيم عند أهله، فذكرهم وسمى الحرام حراما، إما ~~لحرمتهن أو لأنه حرم على الطوفانن أي منع منه، أو لأنه حرم التعرض له وجعله ~~حراما، ثم قال تعالى:{واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} توعد ~~وتهديد لمن تهاون بحدوده. PageV22P300 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب إتمام الحج والعمرة ~~على من أحرم بهما فريضة أو نافلة، وعلى وجوب ما استيسر المحصر من الهدي، ~~وأدناه شاة، ويجزي على المحصر، ولو قارنا؛ لأن الآية لم تفصل بعد أن أباح ~~له الخروج من الإحرام، وعلى تحريم الحلق حتى يبلغ الهدي محله المشروع وهو ~~منى لمن حج اختيارا، ومكة لمن اعتمر اختيارا، وسائر الحرم اضطرارا، هذا هو ~~الأحوط في المحل من المكان، ومحله من الزمان هو ما عينه المحصر، والإحصار ~~هو الخوف والمرض، وتدل على إباحة محظورات الإحرام للمريض، ومن به أذى، وعلى ~~وجوب الفدية لأجل استباحتها من صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة، أوإطعام ستة ~~مساكين، كما ورد ذلك مفصلا في خبر كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وعلى جواز التمتع بالعمرة إلى الحج، وعلى وجوب ما استيسر من ms3148 الهدي ~~على المتمتع، وهو شاة فإن كان يستيسر أكبر من شاة فهو أفضل فمن لم يجد من ~~المتمتعين الهدي وجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج، ويجب أن يكون في غير ~~أيام التشريق، ويجب أن يكون في شهر عرفة؛ لأنه من أشهر الحج، وسبعة عند ~~أهله إذا رجع في أي شهر كان غير رمضان، والعيدين، وأيام التشريق، وعلى أن ~~التمتع لم يشرع إلا لمن لمن يكن حاضري المسجد الحرام. انتهى. # ثم قال تعالى:{ الحج أشهر معلومات} من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس ~~الأشهر فلابد هاهنا من تأويل، فقيل تقديره أشهر الحج أشهر معلومات، أو وقت ~~الحج أشهر معلومات، ولايجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستخيرونه في ~~غيرها من الأشهر، فحذف المضاف وأجمع المفسرون على أن شوال وذا القعدة من ~~أشهر الحج، واختلفوا في ذي الحجة فقال عروة بن الزبير، ومالك: أنها كليتها ~~من أشهر الحج، وقيل: العشر الأول من ذي الحجة، مع ليلة النحر من أشهر الحج. PageV22P301 # قال في التجريد: وفائدة توقيت الحج بها أن شيئا من أعمال الحج لايصح إلا ~~فيها إجماعا وقيل: يعقد الإحرام في غيرها ولكنه لايجوز، روى عن أبي حنيفة. # وقال الشافعي: لايجوز لأحد أن يهل بالحج[434] قبل أشهر الحج، وبه ~~قال:أحمد، وإسحاق. # وقال أبي حنيفة، ومالك، والثوري: يجوز في جميع السنة، وقوله تعالى:{فمن ~~فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} معنى فرض في اللغة ألزم ~~وأوجب، أي ألزم نفسه بالإحرام، والرفث الجماع، وفاحش الكلام، والفسوق ~~الخروج عن حد الشريعة. PageV22P302 # قال في البلغة: المعاصي كلها، والجدال المجادلة بالسباب والمراء، وعند أهل ~~البيت عليهم السلام يدخل فيه قول الرجل لا والله، وبلا والله، وقيل: لاجدال ~~في الحج بمعنى أن الحج في ذي الحجة، وإنما يفعله أهل الجاهلية من النسيء ~~باطل، وهو قوله تعالى:{ إنما النسيء زيادة في الكفر} وكانوا يقدمون تارة ~~ويؤخرون أخرى، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الزمان قد استدار كيوم ~~خلق الله السماوات والأرض منها أربعة حرم)) ms3149 وعند آل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يجب أن يتقى المحرم الكذب، واليمين الكاذبة، والصادقة، فإن ~~جادل المحرم مرة أو مرتين وهو صادق فلا شيء عليه، وإن جادل ثلاث مرات وهو ~~صادق فعليه دم شاة، وإن جادل مرة كاذبا فعليه دم شاة، وفي مرتين كاذبا دم ~~بقرة، وفي ثلاث مرات كاذبا دم بدنة، وفقه ما يتعلق بالآية في فقهيات آل ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل باب أكبر من أن يأتي الإحصاء عليه، ~~وإذا صرف الإنسان همته إلى طريقتهم مشى طريقة فقها العامة، وفي دروس طريقة ~~أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة والتنزيل في شريعة جدهم عليهم السلام ~~واستشهاد طريقة العوام عبرة للعاقل، ودليل واضح على ما جرى عليهم من الضيم، ~~ومعاداة الظلمة، وقد كانوا في هذا العالم وهم فصحاء، علماء شريعة جدهم محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم، عباد، وزهاد، وأهل ورع، واجتهاد، قبل أن خلق الله ~~تعالى إبراهيم النخعي، وحماد النخعي، وأبا حنيفة، والشافعي، والله ~~المستعان. انتهى. # وقوله تعالى:{ وما تفعلوا من خير} حث وترغيب في أعمال الخير، ~~وقوله:{يعلمه الله} وعد لهم بأنه يعلم عظم جزائه فيوفره لهم، وأما قوله ~~تعالى:{وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ففيه قولان: # أحدهما: أن المراد تزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك {فإن خير ~~الزاد التقوى} أي تزودوا من أعمال الخير وإبقاء القبائح. PageV22P303 # والثاني: أن هذا خطاب لقوم كانوا يرمون بالزاد ويقولون نحن متوكلون، فقيل ~~لهم تزودوا، أي احملوا زادكم، ولاتكونوا كلا على الناس. # قال بعضهم: وتحقيق الكلام فيه أن[435]الإنسان له سفران، سفر في الدنيا، ~~وسفر في من الدنيا، فالسفر في الدنيا لابد فيه من زاد، وهو الطعام، ~~والشراب، والمركب، والمال، والسفر من الدنيا لابد فيه أيضا من زاد، وهو ~~تقوى الله وهو الزاد خير من الزاد الأول، وقال سلمان الفارسي رحمة الله ~~عليه، وعائشة، وغيرهما، عهد إلينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أن يكون ~~زاد أحدكم كزاد الراكب))، أراد بذلك صلى الله عليه وآله وسلم متى لم ms3150 يكن له ~~في الدنيا ما يأسف عليه وعلى فراقه لم يكن شيئا أحب إليه من الإنتقال منها ~~إلى دار عمرانه التي قدم زاده إليها، وإنما جزع أهل الدنيا لفراقها؛ لأنهم ~~عمروها بخراب غيرها، فهم يكرهون أن ينتقلوا من العمران إلى الخراب، فعلى ~~قدر عمارة الآخرة يعمل العاملون في خراب الدنيا. # وقال رجل: لعلي ابن أبي طالب عليه السلام وقد دخل منزله يا أمير المؤمنين ~~ما أرى في منزلك شيئا! قال: يا أعرابي إن لنا دارا غير هذه الدار قد حولنا ~~متاعنا إليها، وذكر أن سليمان رحمه الله بكى عند الموت قيل له ما يبكيك؟ # قال: أما ترون هذه الأشياء ودخولي فيها!، وقد عهد إلينا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يكون زاد أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، والعاملون ~~لله يرون أن كلما جعلوه في دار الحرب فقد خسروه، وكلما قدموه ربحوه، فلما ~~قصرت أمالهم راقبوا الموت مخافة الفوت، وبادروا الجد والإجتهاد، فكانوا من ~~الذين قال الله تعالى:{ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون}. انتهى. PageV22P304 # من دعائم الإيمان للإمام محمد بن القاسم عليهما السلام ثم قال:{ واتقوني ~~ياأولي الألباب} أي اتقوا عقابي، فكان من لايخاف لا عقل له، والمعنى كأنه ~~تعالى قال: إن خير الزاد التقوى، فاشتغلوا بتقواى يا أولي الألباب، يعني إن ~~كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور، وجب عليكم بحكم عقلكم ~~ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه من كثرة المنافع، وقال الأعشى: ~~يقرر هذا المعنى: # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد يزودا # ندمت على أن لاتكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # وفي أحكام هذه الآية يقول إمامنا المنصور بالله عليه السلام: الأشهر ~~المعلومات شوال، وذوا القعدة، والحجة، أما الأولان وعشر ذي الحجة فظاهر. PageV22P305 # وأما ما وراء العشر من ذي الحجة فلتمام ما بقي من أعمال الحج، كصيام ثلاثة ~~أيام للمتمتع الذي لم يجد الهدى، وكطواف الزيارة، ويباح فيها الإحرام ~~بالعمرة للمتمتع ، وللقران مع الحج ms3151 في أولها، والإحرام بالعمرة[436]للمفرد ~~في آخرها، ويكره تأخير الصيام للمتمتع، وطواف الزيارة لغير عذر عنها، وتدل ~~على أن فرض الحج فيهن، وأما غيرهن فلا دليل عليه، وقوله تعالى:{وأتموا الحج ~~والعمرة لله} مجمل، وقوله تعالى:{ فمن فرض فيهن الحج}مبين ويجب رد المجمل ~~إلى المبين، وعلى تحريم الرفث، وهو الجماع، وكل قول فاحش، والفسوق وهوتعمد ~~المعاصي، وتدل على أن فعل المعصية من المحرم أغلظ، وتحريم الجدال، ويجب على ~~صاحب الحق أن يبينه لما تقدم من تحريم كتمان الحق، فمتى بين الحق فلا يزيد ~~عليه للنهي عن الجدال، وتدل على وجوب الزاد، وأن خير الزاد التقوى، ومن ~~التقوى ترك السؤال لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لاتسأل الناس شيئا ولو ~~سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه)) ونحو ذلك، وتدل على الحث على فعل ~~الخير كله وقوله:{واتقوني ياأولي الألباب} من تم عقله فإنه داخل فيمن أمره ~~الله بالتقوى. انتهى. # ثم قال تعالى:{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} الجناح الضيق، ~~وكذلك الحرج، وللمفسرين في قوله: {أن تبتغوا فضلا من ربكم} وجهان: # الأول: أن هذا إذن لهم في التجارة في حال إحرامهم، وكانوا يتحرجون عن ذلك ~~في صدر الإسلام. PageV22P306 # والثاني: أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجا أعمالا أخرى تكون موجبة لاستحقاق ~~فضل الله ورحمته، مثل إعانة الضعيف، وإعانة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا ~~القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، أعترض القاظي ~~عليه بأن هذا واجب ومندوب، ولايقال في مثله لاجناح عليكم فيه إنما يذكر هذا ~~اللفظ في المباحات، والجواب عنه لانسلم أن هذا اللفظ لايذكر إلا في ~~المباحات، والدليل عليه قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~وأمر الصلاة والقصر بالإنفاق من المندوبات، ويدل على التفسير الأول وجهان: # أحدهما: ماروى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرأ{أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم} في مواسم الحج وإذا دخل العشر بالعفوا في ترك البيع والشراء ~~بالكلية وكانوا يسمون التاجر في الحج الداج، ويقولون هؤلاء الداج، وليسوا ~~بالحاج، ms3152 ومعنى الداج المكتب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبلغوا في ~~الإحتراز من الإعمال إلى أن أمتنعوا من إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، ~~وإطعام الجائع، فأزال الله تعالى هذا الوهم وبين أنه لاجناح في التجارة، ثم ~~أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج وما بعدها أيضا في الحج وهو ~~قوله:{ فإذا أفضتم من عرفات} دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في[437]زمان ~~الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره. # والرواية الثانية: ماروي عن ابن عمر أن قوما قالوا له إنا قوم نكري وأن ~~قوما يزعمون أنه لاحج لنا فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عما سألت فلم يرد عليه حتى نزل قوله:{ ليس عليكم جناح} فدعاه وقال: أنتم ~~حجاج، وبالجملة فهذه الآية نزلت ردا على من يقول لاحج للتاجر وللأجير ~~والجمال. PageV22P307 # الرواية الثالثة: أن عكاظ، ومجنة، وذا المجان، كانوا يتجرون في أيام الموسم ~~وكانت معايشهم منها فلما جاء الإسلام كرهوا أن ينحروا في الحج بغير إذن، ~~فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية، ثم قال: ~~عزوجل:{ فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}يقال: فاض ~~الماء إذا صبه بكثرة، والمعنى إذا دفعتم من عرفات راجعين إلى المشعر وهو ~~المزدلفة، فذكروا الله قبل صلاة المغرب والعشاء، وقيل: بالتلبية، والتهليل، ~~والتكبير، والظاهر أنه واجب، ويكفي صلاة الفريضة بمزدلفة، قيل المشعر ~~والمزدلفة شيء واحد، وقيل: هوفرخ جبل منى الذي يقف عليه الإمام أي إمام ~~الصلاة؛ لأن عادة حاج الشام أن يكون مع مقدمتهم إمام الصلاة وخطبه، وعلى ~~الجبل الميقدة أي التي كانت توقد عليها النار في الجاهلية، والصحيح أن ~~المشعر جبل المزدلفة عن ابن عمر، ومجاهد، وكثير من المفسرين. # وفي التهذيب: والمشعر الحرام هو المزدلفة. # قال في البلغة: وسميت عرفة لأن إبراهيم عليه السلام عرفها لما شهرها بما ~~تقدم له من النعت والصفة، والمشعر معلم العبادة، وسمي المكان بمزدلفة؛ لأنه ~~يجمع فيه بين المغرب والعتمة، وعند آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~لايجوز ms3153 الدفع من عرفات إلا بعد غروب الشمس، ومن أفاض قبل غروبها لزمه دم ~~شاة، وإذا أصاب من مزدلفة بعد طلوع الشمس لزمه دم شاة عند خلص الجعفرية. انتهى. PageV22P308 # واعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن سنة إبراهيم عليه ~~السلام، وذلك أن قريشا وأقواما آخرين سموا أنفسهم بالخمس وهم أهل الشدة في ~~دينهم، يقال: رجل أخمس وقوم خمس، ثم أن هؤلاء كانوا لايقفون بعرفات ويقولون ~~لا نخرج من الحرم، ولانتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة يفيضون ~~قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس، ويقولون ~~أشرق بشير، كما تغير، ومعناه أشرق بأشير بالشمس كما ندفع عن مزدلفة، فيدخل ~~في غور الأرض، وهو المنخفض[438]منها وذلك أنهم إذا جاوزا المزدلفة صاروا في ~~غور من الأرض فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مخالفة القوم ~~في الدفعتين، فأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس، وبأن يفيض من ~~المزدلفة قبل طلوع الشمس، ومعنى قوله:{واذكروه كما هداكم} أي اشكروه، ~~واحمدوه، ووحدوه، ومجدوه، كما هداكم إلى هذه الأعمال التي تستحقون الثواب ~~عليها{وإن كنتم من قبله لمن الضالين} أي وكنتم قبل هداية الله من الضالين ~~عنها الجاهلين لذكرة. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على استصحاب التجارة مع الحج ~~والعمرة، وعلى جواز استصحاب ما يؤخذ على جواز إيجار نفسه في الأعمال لينال ~~بذلك من فضل الله، وعلى وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام، ويقولون الحمد ~~لله كما هدانا وأنقذنا من الضلال، أو مايؤدي هذا المعنى ويفعل في ذلك ~~المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الجمع بين صلاة المغرب ~~والعشاء عنده، ومن الذكر والدعاء. انتهى. PageV22P309 # وأما قوله تعالى:{ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} فقيل تقديره احرموا كما ~~بين الله لكم ثم أفيضوا من عرفات والمزدلفة، وقيل: هذا الخطاب لقريش خاصة، ~~وذلك أن قريشا وحلفائهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله لانحرم من حرمه، ~~وكانوا لايقفون مع الناس بعرفة، ولايفيضوا عنها، وإنما يقفون بالمزدلفة، ms3154 ~~ويفيضون منها، فأمرهم الله بالإفاضة من عرفات بعد الوقوف، كما يقف الناس، ~~وقيل: هو خطاب لجميع الناس المكلفين للحج أي أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فعلى هذا الوجه يكون المراد بالناس إبراهيم عليه ~~السلام، فاقيم وحده مقام الناس، كما قيل في وصفه إبراهيم كان أمة قانتا لله ~~وكما قال تعالى:{ الذين قال لهم الناس} وإنما قال: رجل واحد وهو نعيم بن ~~مسعود الأشجعي، ذكره في البلغة، ثم قال تعالى:{ واستغفروا الله} ما سلف من ~~المعاصي، وتقربوا إليه بالطاعة{إن الله غفور رحيم} أمروا بالإستغفار إذا ~~أفاضوا، كما أمروا بالدعاء إذا وقفوا. # قال عليه السلام في هذه الآية: تدل على وجوب الإفاضة من بين العلمين أو ~~موضع يدل عليه دليل في أن الناس كانوا يفيضون منه على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أو مجمع عليه، وأن تلك المواضع شرفها الله محل ~~الإستغفار من الذنوب. انتهى. PageV22P310 # ثم قال تعالى:{ فإذا قضيتم مناسككم} معناه إذا فرغتم منها{فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم} قيل:[439] هو أمر بالمبالغة في ذكر الله كما يبالغون في ذكر ~~آبائهم عند المفاخرة، روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجهم بعد ~~أيام التشريق يقفون بين مسجدي منى وبين الجبل، ويذكر كل واحد منهم فضائل ~~آبائه في السماحة، والحماسة، وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون ~~بالمنثور، من الكلام، ويزيد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة، ~~والترفع، بما أثر سلفه، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم ~~لربهم، ولآبائهم، وقيل: واذكروا الله بالإستغاثة كذكر الصبيان آبائهم عند ~~ما حزبهم أمر فيقولون يا باه، والذكر هاهنا هو التكبير أيام منى، وقيل: هو ~~سائر التماجيد والدعوات لله سبحانه وتعالى، وقوله: {أو أشد ذكرا} قيل: وأشد ~~ذكري أن ينبغي أن يكون ذكركم الله أكثر من ذكركم آبائكم؛ لأن نعمه عليكم ~~أكثر من نعمة آبائكم. # قال في التهذيب: قيل هذا يجب بعد قضاء المناسك، وقيل: مع قضاء المناسك، ~~وتقديره فإذا أخذتم في قضاء المناسك ms3155 فاذكروا الله، والمراد أنه يجب على ~~العبد أن يكون دائم الذكر لله، دائم التعظيم، دائم الرجوع إليه في طلب ~~مهماته، دائم الإنقطاع عمن سواه، اللهم اجعلنا بهذه الصفة بحقك العظيم، يا ~~أكرم الأكرمين، ثم بين تعالى بعد الذكر كيفية الدعاء فقال سبحانه:{فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا} أي ومن الناس من رغبته في حطام الدنيا ~~فيسأل الله ذلك ولايرغب في الأعمال الذي يصل بها إلى نعيم الآخرة، ثم قال ~~عزوجل:{ وما له في الآخرة من خلاق} أي من طلب خلاق، وهو النصيب من الخير في ~~الآخرة؛ لأن همه مقصور على الدنيا. PageV22P311 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: يدل على وجوب ذكر الله سبحانه، وعلى ~~تحريم قصر الدعا لأمر الدنيا دون ما يقرب إلى الله، ويكون به لافوز في ~~الآخرة، وأن يكون الدعاء كما ذكر الله ثم قال عزوجل:{ ومنهم من يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة} الصحة، والكفاف، والتوفيق،{وفي الآخرة حسنة} الثواب ~~في الجنة، وحكى علي عليه السلام حسنة الدنيا المرأة الصالحة، وحسنة الآخرة ~~الحور، وقيل: معناه أتنا نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة، وقوله:{ وقنا عذاب ~~النار}أصل قنا في اللغة أمر من وما يقي وقاية فهو واق، وهو سؤال هاهنا، ثم ~~قال تعالى:{ أولئك لهم نصيب مما كسبوا} أي الداعون بالحسنيين لهم أي نصيب ~~من جنس ما كسبوا من الأعمال، وهو الثواب؛ لأنه يكون من جنس المنافع ~~المعتادة المكتسبة، أو من أجل [440]ما كسبوا أو من للتعليل أوتعظيم في ~~الدنيا بحسب مصالحهم وفي الآخرة بحسب استحقاقهم وأراد كسبوا الدعاء قاله في ~~التجريد، وأما قوله تعالى:{والله سريع الحساب} فاختلف الناس في المعنى كونه ~~محاسبا لخلقه فقيل أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم مالهم وعليهم بمعنى أنه ~~تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكيفياتها وبمقادير ~~مالهم من الثواب والعقاب قالوا أوجه هذا المجاز أن الحسنات سبب بحصول علم ~~الإنسان بماله وعليه فإطلاق إسم الحسنات على هذا الإعلام يكون إطلاقا لإسم ~~السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور وقيل: أن المحاسبة ms3156 عبارة عن المجازاة قال ~~الله تعالى: {من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا} ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والعطاء، وإطلاق ~~إسم السبب على المسبب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة، وأما كونه ~~سريع الحساب فقال في البلغة: معناه أنه لايشغله شيء عن شيء، PageV22P312 فمحاسبته لسائر الخلق محاسبة الواحد. انتهى. # قيل: يحاسب الخلق على كثرتهم بقدر حلب شاة، وروي لمحة، أي طرفة عين أو ~~معناه يوشك أن يقيم القيامة، ويحاسبكم أي قد قرب مجيء حسابه فاغتنموا ذكره ~~ثم قال تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} الأيام المعدودات أيام ~~التشريق والمراد بالذكر هو التكبير فيها عقب الصلاة وقيل: هو ما تقدم وقيل: ~~هي أيام منى والأيام المعلومات عشر ذي الحجة والسنة عند آل الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يقيم الحاج بمنى ثلاثة أيام، ويخرج اليوم الرابع إذا رمى ~~الجمار، وقوله:{فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} أي عجل النفر في يومين بعد ~~يوم النحر أي نفر ثالث النحر قاله ابن عباس، وينفر بعد رمي الجمار، وعند ~~أبي حنيفة النفر الأول إلى طلوع الفجر، وعند الشافعي إذا غربت الشمس يوم ~~النفر الأول لزم النفر الثاني،{ومن تأخر} فنفر رابع النحر بعد مارمى{فلا ~~إثم عليه}ويجوز تقديم رمي هذا اليوم على الزوال عند أبي حنيفة والسيد أبي ~~طالب وعند الشافعي في ومالك وابي يوسف ومحمد ومثله في الوافي لايجوز وإنما ~~قال: فلا إثم عليه وإن كان المتأخر أفضل لأنه كان في الجاهلية منهم من يؤثم ~~المتعجل ومنهم من يؤثم المتأخر فنفى عنهم الإثم جميعا، وأما قوله تعالى:{ ~~لمن اتقى} فقال: في التجريد: أي اتقى المعاصي في بقية عمره، وقيل: أنفى ~~المعاصي في حجة أي ذلك التخير ونفى الإثم لأجل الحاج المنفي ........في ~~قلبه شيء فحسب أن أحدهما يأثم لأن النفي حذر متحرز[441]ويجوز ان يذكر ~~المتقي لأنه المنتفع دون غيره. انتهى. PageV22P313 # قال في البلغة: لمن اتقى قبل معناه ذلك لمن لم يكن تعجله لضرب من ضروب ms3157 ~~الفساد والمعصية، قلت: وفي هذه الآية يقول إمامنا المنصور بالله عليه ~~السلام: الأيام المعدودات يوم عرفة ويوم النحر وثلاثة أيام بعد وهي أيام ~~التشريق وهذه تفسير لوقت الذكر والذكر هو المأثور عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ~~والأمر يدل على الوجوب لما يأتي إن شاء الله تعالى وعلى وجوب النفر الأول ~~وهو منتهى يومين من أيام منى أخر إلى إتمامها فلا إثم عليه هذا مشروع لمن ~~قبل الله حجه، وهو من أتقى، ومن لم يتق الله فإنه مخاطب بالتوبة قبل الحج؛ ~~لأن الله يقول:{إنما يتقبل الله من المتقين}.انتهى. # وقوله تعالى:{ واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون} تحذير وتوعد، أي ~~يجمعكم إلى يوم القيامة، والحشر جمع القوم إلى ميعاد، ثم قال تعالى في صفة ~~المنافقين:{ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} ولايعجبك في الآخرة ~~أي يعجبك ما يقول في معنى الدنيا لأن ادعاه المحبة بالباطل يطلب به حظا من ~~حظوظ الدنيا ولايريد الآخرة كما يراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة ~~للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي يظهر القول الجميل المستحسن{ويشهد الله ~~على ما في قلبه} أي يقول الله شاهد على ما في قلبي من المحبة والإسلام{وهو ~~ألد الخصام}اي شديد الجدال والعداوة. PageV22P314 # قال في البلغة: الألد الشديد الخصومة، يقال: رجل ألد وقوم لد والخصام ~~المخاصمة يقال: خاصم مخاصمة وخصاما، وهو مصدر كأنه قيل هو أشد المخاصمين ~~يقال: خاصم مخاصمة وخصاما وهو مصدر كأنه قيل هو أشد المخاصمين خصومة وهذا ~~هو المنافق، وقيل: المرأي، وقيل: نزلت في الأخنس بن شريف الثقفي وكان حلوا ~~المنطق وإذا لقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ادعى أنه يحبه وأنه مسلم ~~ويلين له القول، وقيل: هو عام في المنافقين لحلاوة كلامهم وقلوبهم أمر من ~~الصبر، ومعنى قوله{وإذا تولى} أي ذهب عنك {سعى في الأرض ليفسد فيها} أي إذا ~~انصرف عنك سعى في الأرض بالفساد يتهيج الحرب كما فعل ثقيف وأفساد المنافقين ~~إغراء ms3158 الكفار وإظهار أسرار المسلمين وقوله {ويهلك الحرث والنسل} الحرث ~~الزرع، والنسل الولد يسعى فيما يؤدي إلى هلاك الزرع والولد فوصفه بغاية ~~الفساد ثم قال تعالى: {والله لا يحب الفساد}اي لا ريد الفساد الآية من أوضح ~~الدلائل على فساد قول المجبرة أن المعاصي بإرادة الله من مشيئته ~~وذلك[442]أنه لافرق بين أحب وأراد في المعنى، ألا ترى القائل لو قال: أحببت ~~شيئا ولم أرده، أو قال: أردته ولم أحببه لعد مناقضا، ولو قال: علمت شيئا ~~ولم أره أو رأيت ولم اعلمه لم يكن مناقضا لما لم يكن معنى العلم معنى ~~الرواية، وأمارة كون اللفظين متفقي المعنى أن لايصح إثبات أحدهما مع انتفا ~~الآخر كما ذكرت مثاله فإذا كان كذلك فالإرادة والمحبة والمشيئة والرضى ~~واحد، ولايجوز أن يقول الله في موضع {والله لا يحب الفساد}، ويقول في موضع ~~آخر {لا يرضى لعباده الكفر}، وفي موضع، {وما الله يريد ظلما للعباد} ويقول ~~في موضع آخر.............. الله المعاصي والفواحش؛ لأن هذا يكون مناقضة ~~ظاهرة ولايجوز أن يكن في كلام الله تناقض فإذا كان كذلك فلا بد من أن يكون ~~تأويل الآية الواردة بلفظ المشيئة PageV22P315 موافقا الإدلة العقول والآيات النافية لإرادة المعاصي والإ أدى إلى التناقض ~~جل الله سبحانه عن ذلك وعلا علوا كبيرا، ثم قال تعالى:{ وإذا قيل له اتق ~~الله} أي إذا قيل لهذا المنافق الذي تقدم ذكره اتق الله{أخذته العزة ~~بالإثم} قيل: أخذته العزة في نفسه وهي التكبر لأجل الإثم الذي في قلبه ~~وقيل: دعته العزة وحملته الأنفة إلى الإثمر ثم قال: عزوجل وعيدا ~~وتهديدا{فحسبه جهنم ولبئس المهاد} يقال: حسبك هذا أي كافيكم وليس المهاد أي ~~بئس القرار والمهاد أصله الوطا إلا أنه لما صار جهنم قراره بدلا من مهاد ~~الجنة ذكر المهاد على وجه البدل كما قال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل هذه الآيات الكريمة على تحريم ~~السعي بالفساد من اهلاك الحرث والسبل وغير ذلك، وعلى تحريم الأنفة من ~~الموعظة والتخويف من الله سبحانه. انتهى. # واعلم ms3159 أنه تعالى لما بين حال المنافقين عقبه ببيان حال المؤمن المخلص ~~فقال سبحانه:{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} أي طالبا مرضات ~~الله روي عن ابن عباس أنها نزلت في أمير المؤمنين علي عليه السلام حين نام ~~على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين هاجر إلى المدينة وقيل: ~~شار نفسه بالجهاد في سبيل الله، وروى المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه ~~السلام بإسناده عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: أول من شرى نفسه ~~ابتغاء مرضات الله علي بن أبي طالب عليهم السلام ثم قرأ {ومن الناس من يشري ~~نفسه...}الآية، انتهى, # ويدخل في ذلك من بدل نفسه[443]في الجهاد في سبيل الله. # وفي البرهان قال أمير المؤمنين عليه السلام: هذه نزلت في كل من أمر ~~بمعروف ونهى عن منكر فقتل. انتهى. # وقوله: {والله رءوف بالعباد} أي لطيف بهم ورحيم. PageV22P316 # وقال عليه السلام: في هذه الآية تدل على أن بدل اسم ............أن النفس ~~في مرضات الله من الجهاد في سبيل الله، وبيان الحق والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، مما ...............شرعة الله سبحانه. انتهى. # ثم قال تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} قيل: المسلم ~~بالفتح من المسالمة، وبالكسر من الإسلام، وقيل: هما بمعنى ويسعتمل كل في ~~موضع الآخر، إلا أن الكسر أغلب في موضع الإسلام. # قال في البلغة: قيل: السلم هو الإسلام، وقيل: هو الإنقياد والطاعة في كل ~~ما أمروا به، والكافة جماعتهم كلهم، فعلى الوجه الأول يكون خطابا لجميع ~~المؤمنين، فكأنه قيل لهم ادخلوا في الإسلام على معنى دوموا عليه في مستقبل ~~عمركم وهو مثل قوله: {ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله...} الآية. # وقيل: نزلت في أهل الكتاب، وقيل: مثل في قوم من اليهود أسلموا ثم سألوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبقي تحريم السبت، والقيام بالتوراة آناء ~~الليل، فقيل لهم ادخلوا في الطاعة في جميع ما أمرتم به من شرائع الإسلام، ~~وترك اليهودية، فيكون كافة على هذا الوجه أن ادخلوا في جميع ms3160 ذلك بأن يتركوا ~~اليهودية ويتمسكوا بجميع دين الإسلام. انتهى. PageV22P317 # وأما قوله تعالى:{ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} فقد تكرر ~~بيان مثله، وقوله تعالى:{ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات}أي زللتم عن ~~الإستقامة على الطاعة إلى الخطيئة، والمعصية وهو توسع شبه بمن زل عن قصد ~~السبيل، والمعنى إن عصيتم لله فيما أمرتم به{فاعلموا أن الله عزيز حكيم}اي ~~فاعلموا أن العقاب واقع بكم لامحالة؛ لأن الله عزيز أي قادر على معاقبتكم ~~لاحول بينه وبين عقابكم حائل، ولا يمنعه ما نع، فلا تأمنوا، عقابه حكيم أي ~~هو مع قدرته على عقوباتكم عليم باستحقاق العقاب، وقدرة حكيم في فعله وفي ~~معاقبته إياكم، وروي أن قارئا قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ ~~القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لايذكر الغفران ~~عند الزلل؛ لأنه أغر عليه. PageV22P318 # وقال عليه السلام: في هاتين الآيتين تدلان على وجوب الدخول فيما وضح دليله ~~من الدين على الناس كافة، وعلى تحريم اتباع خطوات الشيطان من مخالفة الحق، ~~وأن الوعيد لمن زل عن الحق ولم يرجع، وأن ذلك من الكبائر، انتهى[444] ثم ~~قال عزوجل:{ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} ~~يقال: نظر نظرة بمعنى أنتظره، والظلل جمع الظلة، وهي السترة، وهل هاهنا قيل ~~هي بمعنى ما وهو كقول القائل هل يقول هذا إلا جاهل أي ما يقول هذا، ومعنى ~~الآية وهل ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله، أو أمره، أو ظلال يأتيه في ظلل ~~من الغمام، جعل مجيئها مجيئا له تعالى تفخيما لشأن الآيات، وقيل: في ما ~~يتفي بمعنى الباء أي .............الله بظلل من الغمام والملائكة، فالمراد ~~العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة؛ لأن الغمام مطية الرحمة، فإذا ~~نزل منه العذاب كأنه الأمر اقطع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لايحتسب ~~كان أعم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لايحتسب كانا شر، فكيف إذا جاء الشر ~~من حيث يحتسب الخير ونظير هذه الآية قوله:{هل ms3161 ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل...} الآية، وقيل: تجيئ آيات الله يوم ~~القيامة في ظلل من الغمام وهو أحد أهوال يوم القيامة، وقيل: شبه أهوال يوم ~~الحساب بظلل؛ لأنه يجيئ غمام فيه آيات الله والملائكة، ومعنى قوله:{وقضي ~~الأمر} أي أتهم ألأمر إهلاكه وفرغ منه. PageV22P319 # قال في البلغة: معناه فصل الأمر فحكم لأهل الجنة بالجنة، وعلى أهل النار ~~بالنار، ثم قال:{ وإلى الله ترجع الأمور}الدنيوية والأخروية، وأن يكون هو ~~الحاكم يوم القيامة وحده، وقوله عزوجل:{ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ~~بينة} سل كان في الأصل إسئل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في ~~الكلام، تخفيفا وتقلب حركتها الساكن الذي قبلها، وعند أهل التصريف استغنى ~~عن الألف الوصل وهو أمر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل أحد، وليس ~~اختصوه سل بني إسرايئل ليخبروك عن تلك الآيات تتعلمها وإنما هو سؤال توبيخ، ~~وتقريع، وهو بمثابة قول القائل سلمة كم نصحت له وكم حذرته وأنذرته، وتدل ~~على هذا آخر الآية وهو قوله {ومن يبدل نعمة الله} أي سلهم كم أعطينا هم من ~~آيات واضحات ليشكروا الله على ذلك فلم يشكروا الآيات، قيل هي فلق البحر، ~~وتظليل الغمام، والمن والسلوى، وسائر الآيات التي جاء بها موسى عليه ~~السلام، والمقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله عزوجل، ~~وبيان هذا الكلام أنه لما قال:{ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان[445] إنه لكم عدو مبين} أمر بالإسلام، ونهي عن ~~الكفر، ثم قال:{فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} أي فإن أعرضتم عن هذا ~~التكليف صرتم مستحقين للتهديد بقوله:{فاعلموا أن الله عزيز حكيم} ثم بين ~~التهديد بقوله{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} ثم ثلث ~~التهديد بقوله: {سل بني إسرائيل} يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا ~~أسلافهم آيات بينات فانكروها، لاجرم ms3162 استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك ~~نبه هؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما ~~وقع أولئك المتقدمون فيه، PageV22P320 ثم قال سبحانه:{ ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} في الكلام حذف تقديره ~~فبدلوا وكفورا كما قال:{ ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا...} ~~الآية، والمراد بالنعمة الآيات من المعجزات، أو الحجج الواضحات لمحمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم الذي تدل على صدقه، فهي أجل نعمة من الله؛ لأنها أسباب ~~الهدى والنجاة من الضلالة، وتبديلهم إياها أن الله جعلها تكون أسباب هداهم، ~~فجعلوها أسباب ضلالتهم، وقيل: تبديلها تحريقها وإدخال المشية فيها، فلا شك ~~عند حصول فقدة الأشياء يكون الشكر أوجب، فكان الكفر أقبح، فلهذا السبب ~~قال:{ فإن الله شديد العقاب} وفيه إضمار أي شديد العقاب له، ودلت الآية على ~~فساد قول المجبرة أنه ليس لله على الكافر نعمة. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: وتدل على أن تبديل نعم الله ~~بكفرانها وترك الطاعة التي لأجلها من الكبائر وكذلك من يشتري بما رزقه الله ~~حراما، أو يجعل الحلال خمرا. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما ذكر{ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} وهم الكفار ~~الذين كذبوا الأدلة، وعدلوا عنها، أتبعه تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت ~~هذه نظر مقتهم فقال سبحانه:{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا}في محصول هذا ~~الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول المشركين والكفار، وترجيح الفاني من زينة ~~الدنيا على الباقي من درجات الآخرة، واختلفوا في هذا التزيين فذكروا وجوها: # أحدها: زينها لهم الشيطان بوجوه المعاصي كما قال تعالى: {زين لهم الشيطان ~~أعمالهم}. # والثاني: زينها لهم غواتهم من الجن والإسن. PageV22P321 # قال ابوا علي الجبأي: زينوا للكفار الحرص، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم، ~~ووهموا أن لاصحة لمقاتل من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا، وأما ~~الذي يقوله المجبرة من أن يقال: زين ذلك فهو باطل؛ لأن المزين للشيء هو ~~المخيرعن [446]حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى كان صادقا في ذلك ~~التزيين، وأما ms3163 أن يكون كاذبا فإن كان صادقا وجب أن يكون ما زينه حسنا فيكون ~~فاعله المستحسن له مصيبا، وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته، وهذا ~~القول كفر، وإن كان كاذبا في التزين أدى ذلك إلى توثق منه تعالى بقول ~~ولاخبر. انتهى. # والثالث: قيل هذا التزيين هو بالشهوة والله تعالى يخلق الشهوة لملشتهيات؛ ~~لأنه القادر عليها، وليست الشهوة مقدورة للعباد، ولايصح التكليف على هذا ~~الوجه؛ لأنه لابد من أن يخلق الله تعالى في العبد الشهوة، والنفار ~~فتصيرمشتهيا للمقبحات، ونافر الطبع عن المحسنات، وتكون دواعيه مترددة بين ~~الحسن والقبح حتى إذا اختار طاعة الله وتجنب عما تنزغ إليه نفسه عن ~~المشبهات استحق الثواب عليه، ونظيره قوله تعالى:{زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين...} إلى آخر الآية. انتهى. # وقيل: المزين الله بالخذلان، وإسبال، النعم والإمهال، ثم قال تعالى: ~~{ويسخرون من الذين آمنوا} أي هؤلاء الكفار الذين اشتلغوا بالدنيا وإمضاء ~~الشهوات إذا رأؤا زهد المؤمنين وترك اشتغالهم بالدنيا سخروا منهم إيهاما ~~أنهم على باطل، ثم أخبر تعالى عن المؤمنين أن حالهم غالبة لحالهم ~~فقال:{والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ~~ويرون الفضل عليهم، {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}، وقيل: لأنهم في ~~كرامة، وهم في هوان، ويكون هذا مثل قوله:{أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا} ~~وأن لم يكن لأهل النار مستقر لهم فيه نفع وخير. PageV22P322 # قال الإمام عليه السلام: تدل على تحريم الإقتداء بالكافرين من الميل إلى ~~حياة الدنيا وإثارها على ما يحب، كترك الهجرة لأجلها، وإعانة الظالمين ~~لتبقى لهم ثقاتهم على تحريم السخرية بالمؤمنين انتهى. # وإنما قال تعالى: {من الذين آمنوا} ثم قال: {والذين اتقوا} ليريك أنه ~~لايسعد عنده إلا المؤمن المتقي، وليكون مبعثا للمؤمنين على التقوى إذا ~~سمعوا ذلك، أما قوله تعالى:{ والله يرزق من يشاء بغير حساب}فيحتمل أن ~~المراد ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ~~ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين، فإذا حملناه على رزق ~~الآخرة احتمل وجوها: ms3164 # أحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة وهم المؤمنين بغير حساب أي رزقا واسعا ~~رغدا لا فناء له ولا إنقطاع، وهوكقوله[447]يدخلون الجنة، يرزقون فيها بغير ~~حساب، فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون ~~متناهيا كان لامحالة خارجا عن الحساب. # وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب، وبعضها بفضل، ~~كما قال:{ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله}فالفضل بلا حساب. # وثالثها: أنه لايخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه المعطي؛ ~~لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي وما يبقى، فلا يتجاوز في عطاياه ~~إلى مايجحف به والله تعالى لايحتاج إلى الحساب؛ لأنه عالم غني لانهاية ~~لمقدوراته. # واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة، وعطايا الله تعالى لها منتظمة، فيجوز ~~أن يكون المراد كلها والله اعلم، أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في ~~الدنيا أصناف عباده المؤمنين والكافرين ففيه وجوه: PageV22P323 # أحدها: وهو اللائق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء ~~المؤمنين؛ لأنهم يستدلون بحصول السعادات الدنيوية لهم على أنهم على الحق، ~~وبحرمان فقر المسلمين تلك السعادات على أنهم على باطل، والله تعالى أبطل ~~هذه المقدمة بقوله:{والله يرزق من يشاء بغير حساب} يعني أنه يعطي في الدنيا ~~من يشاء من غير أن يكون ذلك مبنيا عليى كون المعطي محقا، أو مبطلا، أو ~~محسنا، أو مسيئا، بل ذلك متعلق بحسب المصلحة، ومقتضى الحكمة، فقد وسع ~~الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب، فلا يجوز بكم أيها الكفار أن تستدلوا ~~بحصول متاع الدنيا لكم، وعدم حصوله لفقراء المسلمين على كونكم محقين، ~~وكونهم مبطلين، بل الكافر قد توسع عليه زيادة في الإستدراج، والمؤمن يضيق ~~عليه زيادة في الإبتلاء، والإمتحان ولهذا قال تعالى:{ ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة} # وثانيها: أن يرزق من يشاء في الدنيا رزقا كثيرا بفوت الحصر. # وثالثها: {بغير حساب}اي بغير محاسبة على الأعمال في الدنيا، قوله تعالى: ~~{كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ms3165 ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق}اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار ~~على كفرهم هو حب الدنيا بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا ~~الزمان بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة؛ لأن الناس كانوا أمة واحدة ~~قائمة على الحق ثم اختلفوا، وما كان اختلافهم إلا لسبب البغي، والتحاسد، ~~والتنازع في طلب الدنيا، فهذا هو الكلام في ترتيب النظم. PageV22P324 # واعلم أنه لابد هاهنا من إضمار، والتقدير[448]كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ~~فبعث الله الأنبياء عليهم السلام إليهم داعين إلى الحق، وأنزل مع الأنبياء ~~الكتب مع كل نبي كتابه، وقوله:{ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} أي حكم ~~الكتاب بين الناس في الذي اختلفوا فيه من الحق ودين الإسلام بعد الإتفاق، ~~وحكم الكتاب مافيه من البيان والدلالات، وقيل: في الحكم ضمير اسم الله أي ~~ليحكم الله بينهم، أو النبي المنزل عليه، والهاء في قوله فيه يجب أن يكون ~~راجعا إما إلى الكتاب، وإما إلى الحق؛ لأن ذكرهما جميعأ قد يعلم لكن رجوعه ~~إلى الحق أولى؛ لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكما ~~على ما اختلفوا فيه، فالكتاب حاكم، والمختلف فيه محكوم، والحاكم يجب أن ~~يكون مغاير للمحكوم عليه، وأما قوله:{وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه} ~~فمعناه وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب. # وقال في التهذيب: إلا الذين أوتوه أي إلا الذين أنزل إليهم الكتاب، وإنما ~~أنزل لإزالة الإختلاف، أي أزدادوا في الإختلاف لماأنزل عليهم الكتاب وقيل: ~~الضمير في أوتوه يعود إلى الحق، أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا ~~الحق، وإنما اختلفوا قبل إنزال الكتاب، ويحتمل اختلفوا في الكتاب بعد أن ~~أتوه. انتهى. # وقوله تعالى:{ من بعد ما جاءتهم البينات} أي من بعد ما جائهم الحجج ~~والدلالات ثم قال سحبانه{بغيا بينهم} أي اختلفوا بالبغي بينهم وهو طالب ~~ماليس بحق تعسفا، وتكبرا، وحسدا، وظلما، بعد ما عرفوا الحق، كما كفرت ~~اليهود بعيسى، واليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. ms3166 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب التحاكم إلى الكتاب ~~في جميع ما اختلفوا فيه، وعلى أن التمادي على الخلاف بعد وضوح البينات بغي. انتهى. PageV22P325 # ثم قال تعالى:{ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق} أي للحق ~~الذي اختلفوا فيه ومن للبيان، قيل: المراد بالذين آمنوا من آمن من الأمم ~~المتقدمة، وقيل: أراد أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأصح أنه عام أي ~~هدى الله المؤمنين إلى الحق مما اختلفوا فيه باللطف، والتوفيق، وقيل: هداهم ~~بالدلالة، إلا أنه لما اهتدى المؤمنون خصهم بالذكر من حالتهم وهو كقوله: ~~{هدى للمتقين}ومعنى قوله{بإذنه} أي بمشيئته وتوفيقه. # قال في البلغة: قيل: معناه بعلمه وقيل: بأمره، وفيه محذوف فكأنه قيل شهد ~~الله[449]والذين آمنوا فاهتدوا بأذنه، فهداهم بأن أذن لهم فيه، ثم ~~قال:{والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} قيل: معناه فهداهم بالدلالة إلى ~~الدين القيم، وقيل: فهداهم إلى طريق الجنة، فهو خاص للمؤمنين، وقيل: يهديهم ~~باللطف، وهو خاص أيضا؛ لأن اللطف إنماي فعل لمن كان معلوما له ذلك انتهى. PageV22P326 # ومعنى من يشاء أي من أوجبت الحكمة هدايته وهم المؤمنين القابلون للهدى قوله ~~تعالى:{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} أي ~~حالهم التي هي مثل في الشدة، أي ظننتم وطمعتم، وفرق بين قول القائل أحسب، ~~وبين قوله بل حسب، وهو أن الألف حكمة الإستئناف في مثل هذا أدام فيها معنى ~~بل كأنه قيل: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} ومعنى مثل الذين أي {ولما يأتكم} ~~صفة الذين كانوا من قبلكم وما امتحنوا به، ولما أصلها لم دخلت عليها ما ~~تغيرت معناها كما دخلت ما على أو فغيرت معناها، فصار وما بمعنى هلا، ومعنى ~~الآية أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يمتحنوا بالجهاد والصبر عليه كما ~~امتحن من كان من قبلكم فصبروا عليه أي لايحصل الثواب، والجنة، والكرامة، ~~إلا بطريقة الإمتحان، والصبر، وهو مثل قوله: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} أي ms3167 لايمتحنون{ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم...}الآية، وقوله عزوجل:{ مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} بيان للمثل ~~أي نالتهم الشدة والمضرة فيما امتحنوا به وزلزلوا، أي أزعجوا إزعاجا شديدا، ~~تشبيها بالزلزلة لما أصابهم من الأهوال، والإفزاع، وقوله:{حتى يقول الرسول} ~~حكاية حال ماض أي بلغوا الحالة التي قال فيها الرسول والذين معه، أو حتى ~~يقول الرسول الآن أي إلى الغاية التي قال فيها محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم {والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي والذين آمنوا يقولون أيضا مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم متى نصر الله، والمعنى أبلغ فيهم من الصخر ~~مالم يتولهم ضير؛ لأن الرسل عليهم السلام لايقدر بقدر ثباتهم، واصطبارهم، ~~وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى صحوا كان ذلك الغاية في الشدة، ~~فكيف غيرهم، ومعناه طلب PageV22P327 النصرة وتمنيه واستطالة زمن الشدة. # قال في البلغة: وهذا ليس على وجه المستبطئ لنصر الله؛ لأن النبي صلى ~~الله[450] عليه وآله وسلم والمؤمنون يعلمون أن لايؤخر النصر عن وقته وإنما ~~هو أستدعا بالنصر، وإظهار التضرع بالدعاء، ومثله يقال: عند شدة الحال، ~~وقوله:{ألا إن نصر الله قريب}هذا وعد من الله بالنصر، وتقرب لوقت حصوله، ~~نزلت الآية يوم الخندق تشجيعا للرسول والمؤمنين على الصبر والثبات. # قال فيها: وكانت قريش وحلفاؤها جاؤا إلى باب المدينة وحاصروا المسلمين ~~واشتدت المخافة، وبلغ الأمر إلى أن لم يتمكن واحد من المسلمين أن يخرج ~~لقضاء حاجته، وطهارته لصلاته، وكان الله وعدهم بالنصر، ودعاهم إلى الصبر، ~~ثم لما اشتد الأمر وزلزلوا سلط الله تعالى الكفار ريح الصباء حتى قلعت ~~خيامهم، وأطنابها، وكفأت قدورهم، ولم يتمكنوامن إلجام الدواب، وإسراجها، ~~فولوا مدبرين، وكان جبريل عليه السلام نزل في عدة من الملائكة صلوات الله ~~عليهم، إلا أنهم لم يحاربوا يوم الخندق، فلما انهزمت قريش جاء جبريل عليه ~~السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم متسلحا كما كان، وأمره أن يمضي ~~إلى باب حصن بني قريضة، فذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه ~~وحاصرهم، ثم أنزلهم على حكم سعد، فقتل ms3168 مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، واستولى على ~~أموالهم، وكان سعد حكم بذلك، وأباح الله تعالى ذلك الفتح العظيم بعد ~~المخافة الشديدة. # وتبين فضل أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في ذلك اليوم بصيرة على ~~الجهاد، وقتله عمرو بن عبد ود وهو الذي كانت قريش تصول به وتتقوى بشجاعته، ~~وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوي قلوب المؤمنين ويصبرهم، وعلي عليه ~~السلام يدفع العدو عنهم، إلى أن انهزموا، وولوا، وكفى الله عزوجل المؤمنين ~~ذلك الخطب العظيم بالملائكة عليهم السلام، ودعاء النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقتال علي عليه السلام. PageV22P328 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب التأسي بالذين خلوا من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الصبر على البأساء، والضراء، ~~والزلازل، وعلى أن من أستنبط النصر وقال متى نصر الله أن لاحرج عليه، ~~وبالله التوفيق. انتهى. # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون ~~معرضا على طلب العلم العاجل وأن يكون مشتغلا بطلب الأجل وأن يكون بحيث بدل ~~النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام فقال:[451]في الأول:{ ~~يسألونك ماذا ينفقون} إلى قوله{تر إلى الذين خرجوا من ديارهم}فإن عادة ~~القرآن الكريم أن يكون بيان التوحيد، وبيان الوعظ والنصيحة، وبيان الأحكام، ~~مختلطا بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقويا للآخر، مؤكدا له، قيل: ~~اتصلت هذه الآية بما قبلها؛ لأن الآيتين كليتهما دعاء إلى أعمال البر، ~~فالأولى دعاء إلى الصبر على الجهاد، والآخرى دعاء إلى عمل البر من النفقة ~~وغيرها، وما موضعها يجوز أن يكون رفعا، ويجوز أن يكون نصبا، فتقدير الرفع ~~أن يكون ما بمنزلة الذي كأنه قيل يسألونك ما الذي ينفقون، والنصب على أن ~~يكون ما بمنزلة أي كأنه قيل يسألونك أي شيئ ينفقون، وأما قوله في جواب ~~سؤالهم{قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل}فضمن الجواب بيان ما سألوا، وبيان ما علم الله أنهم يحتاجون إلى ~~معرفته، وهكذا طريقة الحكماء في الجواب المستطرفين لهم أن النفقة ms3169 في وجوه ~~البر موقعها عظيم، والمراد من الخير هو المال لقوله تعالى{وإنه لحب الخير ~~لشديد}وقال: {إن ترك خيرا الوصية}فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال ~~قل أم كثر، وفيه قول آخر وهو أن قوله وما تفعلوا من خير يتناول هذا الإنفاق ~~وسائر وجوه البر والطاعة وهذا أولى. PageV22P329 # قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث وهذا ضعيف؛ لأنه يحتمل حمل ~~الآية على وجوه يتطرق إليها النسخ: # أحدها: أن الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما على الكسب والملك، ~~والمراد بالأقربين الولد وولد الولد، وقد يلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا ~~حملنا الآية على هذا الوجه فنقول من قال: أنه منسوخ بآية المواريث لاوجه ~~له؛ لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وأيضا كما ~~يصل بعد الموت لايوصف بأنه نفقة. # وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى فأولى به أن ينفقه ~~في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى، فيكون المراد التطوع. # وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث ~~الكفاية، وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة. # ورابعها: يحتمل أن يكون المراد بالإنفاق على الوالدين، والأقربين، ما ~~يكون بعثا على صلة الرحم، وفيما يصرفه إلى اليتامى، والمساكين، ما يخلص ~~للصدقة، فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ والله اعلم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب نفقة الوالدين، ~~والأقربين، واليتامى، والمساكين، فالأقربين[452] المنقطعين من حيث لم يجدوا ~~النفقة، وعلى مواساتهم استحبابا حيث كانوا يجدون ذلك، فقد حث الله على ذلك ~~في قوله:{وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم}. انتهى. # ومعناه إذا كان الله عالما بأفعالهم وبمقادير ما يستحقونه من الثواب فلا ~~يضيع لهم شيء. PageV22P330 # والحكم الثاني: قوله تعالى{كتب عليكم القتال} أي فرض عليكم وهو فرض على ~~الكفاية عند أكبر أهل العلم، وهو قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، ~~وقوله:{وهوكره لكم} المراد بالكره هو أن ينفر عنه الطبع، ويشق علىالإنسان، ~~ويستثقله، لا الكراهة التي هي ضد الإرادة، وقيل: هو ms3170 كره لكم قبل أن يكتب ~~عليكم هذا إذا كانت الكراهة المراد بها ضد الإرادة قاله في البلغة، ثم قال ~~سبحانه:{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} فعسى مثل العل، وقد تقدم بيان ~~ذلك، وعسى إنما هو طمع، ولاطمع لايكون إلا مع الشك، فال للمخاطبين{وعسى أن ~~تكرهوا شيئا} أي جميع ما كلفوه؛ لأن النفس تنفر من نالتكليف وتحب خلافه، ~~وقوله: {خير لكم}لأنكم بين جنسين إما الغلبة والغنيمة، وإما الشهادة ~~والجنة، ثم قال:{وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} وهو ترك الجهاد، وما ~~لايكون لكم فيه نفع، بل يؤدي ذلك إلى ضرركم، وهو معنى قوله:{وهو شر ~~لكم}ولما فيه من الغلبة من العدوا وحرمان الغنيمة في الدنيا والثواب في ~~الجنة، ثم قال تعالى: {والله يعلم} مصالحكم{وأنتم لا تعلمون}والمقصود منه ~~الترغيب في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم ~~الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لايأمر العبد إلا بما فيه خير ومصلحة، علم ~~قطعا أن الذي أمره الله تعالى به واجب عليه امتثاله سوى كان مكروها للطبع ~~أو لم يكن، وقال عليه السلام: هذا نصر صريح في أن الجهاد فريضة من الله وإن ~~كان كرها للناس. انتهى. PageV22P331 # قوله تعالى:{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} قيل السائلون عن هداهم ~~المشركون، سألوا عنه على وجه الغيب للمسلمين باستحلالهم القتال فيه، وقيل: ~~السائلون هم المسلمون وسألوا ليعلموا كيف الحكم فيه، وقيل: نزلت الآية في ~~قتل واقد بن عبد الله التميمي، رجلا من المشركين في الشهر الحرام، فقال ~~تعالى: { قل قتال فيه كبير } أي القتال في الشهر الحرام كبير إثمه، وقوله ~~سبحانه:{وصد عن سبيل الله} قيل: هو رفع الآية معطوف على كبير، وقيل: رفعه ~~على معنى وكبير الصد عن سبيل الله وقيل: وصد رفع بالإبتدا وما بعده بمعطوف ~~عليه وهو قوله{وكفر به}وخبر الإبتداء قوله أكبر عند الله، أما قوله ~~تعالى:[453]{ والمسجد الحرام} فقيل: هوجر على معنى وصد عن سبيل الله، وعن ~~المسجد الحرام قاله في البلغة، { وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة} ~~الإخراج ms3171 والشرك{أكبر من القتل} الذي فعلته السرية أي، والكفر في الشهر ~~الحرام أعظم من القتل في الشهر الحرام، والفتنة هاهنا الكفر. PageV22P332 # واعلم أن أكبر المفسرين رووا في سبب نزول الآية ألكريمة عن ابن عباس أنه ~~قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي في ~~ثمانية رهط وكتب له كتابا، وعهد أوامره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على ~~أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبع ~~حتى تنزل بطن محلة فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال: عبد ~~الله سمعا وطاعة لأمره، فقال: لأصحابه من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي ~~فإني ماض لأمره، ومن أحب تخلف، فمضى حتى بلغ بطن نخلة بين مكة والطائف، فمر ~~عليهم عمرو بن الحضرمي، وثلاثة معه، وهم عثمان بن عبد الله بن المغيرة، ~~وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، فلما رأوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حلقوا رأس واحد منهم، وأوهموا بذلك أنهم قوم ~~غار ثم أن واقد بن عبد الله بن مناف التميمي رمى عمرو بن الحضرمي فقتله، ~~وأسروا إثنين، وساقوا العير بما فيه، حتى قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فضجت قريش وقالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن ~~فيه الخائف، فيسفك فيه الدماء، والمسلمين أيضا استبعدوا ذلك فقال صلوات ~~الله عليه وآله وسلم: ((إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام)) وقال عبد ~~الله بن جحش: يارسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال ~~رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادي، فوقف رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم العير والأسارى فأنزل الله على رسوله{يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه...} الآية، أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل ~~الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند ~~الله من قتل من قتلتم منهم، والفتنة أكبر ms3172 من القتل، أي كانوا يفتنون المسلم ~~عن دينه حتى يردوه إلى أحد الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل، ثم قال PageV22P333 عزوجل: {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم} إلى دينهم {إن ~~استطاعوا}أي هؤلاء الكفار مقيمون على أخبث من ذلك وأعظمه غير تائبين، ~~ولانازعين، فلما نزل القرآن بهذا هان الأمر، وفرج الله على ~~المسلمين[454]مما كانوا فيه من السفق، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم العير والأسيرين، وبعثت قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن ~~كيسان، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لانفاديكما حتى يقدم صاحبانا)) ~~يعني سعد ابن أبي وقاص، وعقبة بن عزوان، فإنا نخشاكم عليهما وأن تقتلوهما ~~بقتل صاحبيكم)) فقدم سعد، وعقبة، فافداهما رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، هكذا ذكره ابن هشام، والرازي، وهو ظاهر الآية الكريمة، ومثله ذكر ~~الإمام أبو الفتح الديلمي في تفسيره، فعلى هذا تكون الآية الكريمة ناسخة ~~لتحريم القتال في الأشهر الحرام والله اعلم. # وقوله: {إن استطاعوا}استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل العدو إن ظفرت فلا ~~تثق علي، وهو واثق بأنه لا يظفر به، ولما بين تعالى أن غرضهم من تلك ~~المقابلة أن يردوا المسلمين عن دينهم ذكر بعده وعيدا شديدا على الردة فقال ~~عزوجل:{ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة} يستوجبون في الدنيا الذم وإباحة المال، والذم، وفي الآخرة، ~~وعلى أن الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والمسجد الحرام، وإخراج أهل ~~المسجد الحرام من الكبائر، وفتنة المسلم أكبر وأعظم من القتل. انتهى. PageV22P334 # واعلم أنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} ~~وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال:{إن الذين آمنوا ~~والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله} ولايكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد، ~~والمراد من آمن وهاجر في إيمانه وجاهد عدوا الله في نصرة دين الله{أولئك ~~يرجون رحمة الله} أي من كانت هذه صفته فإنه يرجوا .....الله وإنما قال: ~~يرجوا لأن المكلف حاله ms3173 بين الخوف والرجاء لأنه وإن أدى الواجبات اليوم ~~واجتنب الكبائر ولاندري كيف يكون حاله غدا وعلى أية حالة يفارق الدنيا وهل ~~حصلت أعماله على الوجه الذي يقتضي القبول أم لا وليس المراد من الآية أن ~~الله تعالى شكك العبد في رحمة الله بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا ~~مع الهجرة مستقصرين أنفسهم في حق الله يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته ولم ~~يقضوا ما يلزمهم في دينه فيقدمون على الله على الخوف والرجاء كما قال: ~~{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم[455] وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} قيل: نزلت ~~في أهل السرية وهم عبد الله بن جحش وأصحابه الذين تقدم ذكرهم ظن قوم أنهم ~~إن سلموا من الإثم لم يكتب لهم أجر فنزلت ثم قال:{ والله غفور رحيم} أي ~~تحقق لهم رجآهم إذا ماتوا على الإيمان والعتمل الصالح وأنه غفور رحيم غفر ~~لعبد الله بن جحش وأصحابه ما عملوا ورحمهم والله اعلم. # ثم قال عليه السلام: في هذه الآية مدح الله من آمن وهاجر وجاهد وذلك يدل ~~على أن فعل ذلك فضيلة، وتدل على وجوب ذلك إجمالا، أما الإيمان بالله فظاهر ~~وأما الهجرة والجهاد فبين ذلك ما تقدم من قوله تعالى كتب عليكم القتال ~~ونحوها مما يأتي، وأما الهجرة فبينها قوله تعالى{والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا...}الآية. انتهى. PageV22P335 # الحكم الثالث: قوله تعالى:{ يسألونك عن الخمر والميسر}سميت خمرا لتغطيتها ~~للعقل وخمرت الإناء أي غطيته ومنه سمى الخمار لأنه يغطي الرأس والميسر ~~القمار سمى بذلك لأن فيه أخذ مال الغير بسهولة أو لايسار القامر بسهولة ~~كانت للجاهلية عشرة أسهم سمونها القداح والأزلام وهي ...........وله إثنان، ~~والرقيب وله ثلاثة، والخلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، ~~والمعلا وله سبع لكل منها هذا النصيب من جزور ينحرونه ةويجزئونه بعددها قيل ~~ثمانية وعشرين جزئا إلا ثلاثة أسهام المنج والسفح والوغد في شيء لها ثم ~~يجعلون السهام في خريطة يسمونها الربابة على يد عدل فيجلجلها ثم يخرج ~~العتدل باسم كل ms3174 رجل قدحا فمن خرج له قدح من ذوات الأنصاب أخذ النصيب الموسم ~~ومن خرج له قدح مما لانصيب له ندم ثمن ......وكانوا يدفعونها إلى الفقراء ~~ويفتخرون بذلك وقد جمعها من قال: # غنمت لميسرهم سهام سبعة ... وثلاثة للعزم فيها يحملوا # غد وتومها الرقيب وخلسها # ... وكذاك نافسها بلاه المسيل # ثم المعلا وهو أوفر أسهم ... وكذلك الترتيب فيها يفعل # وعلى السفيح مع المنيج ووغدها ... ثمن الجرور ومنهم يتحصل PageV22P336 وفي حكم الميسر أنواع، القمار كلها من النرد والشطرنج وغيرهما فروي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين ~~فإنهما من ميسر العجم)) وعن علي عليه السلام: في النرد والشطرنج إنها من ~~الميسر، وعن ابن سيرين[456] كل شيء فيخ خطر فيهو من القمار، وأما السبق ~~والرمي فموجود في كتب الفقه لأئمتنا عليهم السلام، ولما سألوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عنهما بين الله تعالى ما ما كان فيهاما من الضر والنفع ~~فقال:{ قل فيهما إثم كبير} أي وزر عظيم{ومنافع للناس} كان لهم من السرور ~~والتلذذ في شرب الخمر ومالهم من النفع بيعها وقبض ثمنها وما كانوا ياخذونه ~~من الأموال على القمار ثم قال تعالى:{ وإثمهما أكبر من نفعهما} أي الإثم في ~~شرب الخمر والإستضرار به وكذلك في المقامرة لما في ذلك من الغريزة وتضيع ~~الصلاة والإقدام على الفواحش والمحظورات من النفع الذي فيهما فلا يغتروا ~~بما فيه من النفع ولما يلزم عليه من العقوبة وكذلك حال كل قبيح إثمه أكبر ~~من نفعه. # واعلم أنه لما كان أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحظان على الإنفاق ~~ويدلان على عظيم ثوابه سألوا من مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه ~~فاعلمهم الله تعالى أن العقوبة مقبول فقال:{ ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو} هذا هو الحكم الرابع. # واعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هاهنا ~~فأجيب عنه بذكر الكمية فقال:{قل العفو}قرأ أبو عمر العفو بضم الواو ~~والباقون بالنصب. PageV22P337 # قال في البلغة: فوجه الرفع كأنه ms3175 قيل: أي شيء الذي ينفقون فقيل العفو، ووجه ~~النصب أي ينفقون العفو، والعفو هاهنا قيل الفضل عن الغنى، وقيل: هو الوسط ~~غير إسراف ولا إقتار، وقيل هو الصفة المفروضة، والأصح أنه يكون هذا الحكم ~~ثابتا غير منسوخ، ويجوز أن يكون العفو مأخوذا من الترك كما قال تعالى:{فمن ~~عفي له من أخيه شيء} أي تركه. انتهى. # وقيل: كان فرضا فنسخ بأية الزكاة، وقيل: التطوع، وقيل المراد الزكاة، ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لرجل جاءه بما له كله صدقة وقد غضب ~~عليه((يجئ أحدكم بماله كله صدقة ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر ~~غنى والعفو الخالص عما يشوبه)) والسهل قال: # خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولاتنطقي في سورتي حين أغضب # وبعده # ولاتنفريني بقرك الدفء أولا ... فإنك لاتدرين كيف المغيب # أما قوله تعالى:{ كذلك يبين الله لكم الآيات} فمعناه إني بينت لكم الأمر ~~فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فكذا أبين لكم في مستأنف إيامكم ~~جميع ما تحتاجون إليه، وقوله{لعلكم تتفكرون}اي لكي تتفكروا فيها، وقوله {في ~~الدنيا والآخرة}العامل[457]في قوله الدنيا بين، وقيل: يتفكرون وقد ذكروا في ~~المعنى وجوها ثلاثة: # الأول: قال الحسن: فيه تقديم وتأخير والتقدير كذلك يبين لاله لكم الآيات ~~في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون. # والثاني: كذلك يبن لكم الآيات فيعرفكم أن الخمر والميسر فيهما منافع في ~~الدنيا ومضار في الآخرة وإذا تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه ~~لابد من ترجيح الآخرة على الدنيا. # والثالث: يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير وإمساكه لأجل الدنيا ~~فيتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لابد من ترجيح الآخرة على ~~الدنيا وذلك أن المتفكر في الدنيا على وجهن أنها دار زوال. PageV22P338 # الحكم الخامس: قوله تعالى{ويسألونك عن اليتامى} فلا بد من محذوف، أي عن ~~التصرف في مالهم ومخالطتهم ونحو ذلك، قيل: السائل عبد الله بن رواحة، وقيل: ~~ثابت بن رفاعة لما نزلت ولاتأكلوا أموال اليتامى ظلما، اعتزلوا اليتامى، ~~ونفعهم، وشق ذلك عليهم حتى كاد يوقعهم في الحرج، وقوله تعالى:{ قل إصلاح ~~لهم ms3176 خير} هذا إذن لهم في المخالطة على وجه الصلاح لهم ولأموالهم والتوفير ~~عليهم والسعي فيما يعود نفعه عليهم ...........بما يعود نفعه عليهم كما ~~يفعل الوالد بولده، وأخبر سبحانه أن ذلك خير لهم من مجانبتهم وأنفع لهم في ~~باب الآخرة والثواب، ومعنى {وإن تخالطوهم} أي يخالط أخاه وينفعه ولا ~~يجابنه، وقيل: المراد وأن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم ~~فإخوانكم، والمعنى أن القوم ميزوا طعامه من طعام أنفسهم وشرابه عن شراب ~~أنفسهم ومسكنه عن مساكن أنفسهم فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين ~~والشرابين والإجتماع في المسكن الواحد كما يفعل......بما ولده فهذا أدخل في ~~حسن العشرة والموالفة، والمعنى وأن تخالطوهم بمالايتظمن إفساد أموالهم فذلك ~~جائز ثم قال عزوجل:{والله يعلم المفسد من المصلح} لايخفى عليه من داخلهم ~~بإفساد أو إصلاح فيجازيه وقوله{ولو شاء الله لاعنتكم} أي ولو شاء الله لشدد ~~التكليف عليكم فذكرهم الله بما أنعم عليهم من التوسعة والترخيص في هذا ~~الباب وبين أنه لو شاء أن يشدد التكليف عليكم قبل التوسعة لفعل ثم قال:{ إن ~~الله عزيز} غالب يقدر على العقاب[458]{حكيم} لايكلف ما لايطاق، وفي أحكام ~~هذه الآية يقول إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على تحريم الخمر ~~والميسر للنص الجلي على حصول الإثم الكبير فيهما، وتدل على أن ارتكابهما من ~~الكبائر، وعلى أن النفقة مما فضل عن الكفاية؛ لأن العفوا هو الفضل، وهذا ~~إجمال وهو مبين في الزكاة ........في المواشي، والذهب، PageV22P339 والفضة، وفي المكيل كذلك كما جاءت به السنة المعلومة، وفي نفقة النافلة ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم((لاصدقة إلا عن ظهر غنى)) وقوله سبحانه:{ ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} في مثل الوجبة والوجبتين مشروع حسن ~~كما يأتي إن شاء الله تعالى، وتدل على وجوب إصلاح اليتامى في أموالهم ~~وتعليمهم فيما يصلح لهم، وتدل على جواز مخالطتهم ومشاركتهم في طعامهم وسائر ~~تصرفاتهم ولا يجب مع ذلك العلم والتساوي وأن الله لم يعنت المسلمين أي لم ~~يحملهم مشقة في ذلك، وقوله تعالى:{ والله يعلم المفسد من المصلح} تهديد من ms3177 ~~الله سبحانه لمن أفسد اليتامى في أموالهم وتقلبهم مالا يليق بهم وأن ذلك ~~حرام. انتهى. # الحكم السادس: قوله تعالى:{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}اي لاتتزوجوا ~~المشركات مادمن مشركات وإذا آمن أحل لكم تزوجهن، ثم قال تعالى:{ ولامة ~~مؤمنة} أي امرأة مؤمنة حرة، فالكل عبيد الله وإماؤه، أو المراد أمة أي ~~مملوكة، وهو الأظهر{خير من مشركة ولو أعجبتكم} أي وإن أعجبكم جمالها، أو ~~كمالها، أو أخلاقها، وما تدعوا إليه الشهوة منها، فالمؤمنة خير منها ولو ~~كانت مملوكة، وقوله تعالى:{ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} أي لاتزوجهم ~~حتى يؤمنوا {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} الكلام فيه على نحو ما ~~تقدم، وقوله تعالى{أولئك يدعون إلى النار} إشارة إلى المشركات والمشركين أي ~~يدعون إلى الكفر المؤدي إلى النار فحقهم أن لايوالوا ولايصاهروا ولايكون ~~بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال لأن القرين يكسب من قرينه، وقوله ~~{والله يدعو إلى الجنة والمغفرة} فيه قولان: # الأول: أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة. PageV22P340 # والثاني: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها، فكأنه ~~يدعوا إلى الجنة والمغفرة؛ لأن من تمسك بنا استحق الجنة والمغفرة، وقولهك ~~{بإذنه} أي بأمره أوتوفيقه للعمل الذي هو سببهما ويسيره، ثم قال:{ويبين ~~آياته للناس لعلهم يتذكرون} أي لكي يتذكروا. # قال الإمام عليه السلام: [459]تدل على تحريم تزويج المشركات من المؤمنين ~~وتحريم تزويج المشركين من المؤمنات واليهود والنصارى الذين اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم، ومن ذلك المسيح بن مريم أربابا من دون الله لاشك مشركون ولوقوله ~~سبحانه وتعالى عما يشركون فسماهم مشركين، وأما من لم يكن كذلك منهم فتزويج ~~نسائهم مباح وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. انتهى. # الحكم السابع: قوله{ ويسألونك عن المحيض} اعلم أنه تعالى جمع في هذا ~~الموضع ستة من الأسئلة فذكر الثلاثة، الأول: بغير الواو وذكر الثلاثة ~~الأخيرة بالواو والسبب سؤالهم عن تلك الحوادث: PageV22P341 # الأول: وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك ~~السؤالات سؤال مبتدأ وسألوا عن ......الثلاثة الأخيرة ms3178 في وقت واحد فجئ بحرف ~~الجمع لذلك كأنه قيل يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا ~~والسؤال عن كذا، والمحيض الحيض وهو مصدر يقال: حاضت محيضا كقولك جاء مجيئا ~~وسمي به الدم المجتع في الرحم، ثم قال تعالى:{ قل هو أذى} أي شيء قدريؤذي ~~من يقربه{فاعتزلوا النساء في المحيض} أي اعتزلوا النساء في حال حيضهن {ولا ~~تقربوهن} بالمجامعة في الفرج روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في ~~التباعد عن المرأة حال حيضها والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض ~~وان أهل الجاهلية كانوا يفعلون مثل فعل اليهود والمجوس وكانوا إذا حاضت ~~المرأة لم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فراش ولم يساكنوها في ~~بيت كفعل اليهود فلما نزلت الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من ~~بيوتهن فقال ناس من الأعراب: يارسول الله البرد شديد والثياب قليلة فإن ~~أثرناهن بالثياب هلك سائر اهل البيت وإن استأثرناها هلك الحيض فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم أمركم ~~بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم)) فلما سمع اليهود ذلك قالوا هذا الرجل ~~يريد أن لايدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه، وأما قوله تعالى:{ حتى يطهرن} ~~فقرئ بالتخفيف والتشديد فالتخفيف على معنى ينقطع الدم عنهن والتشديد على ~~معنى يغسلن، ثم قال: سبحانه: {فإذا تطهرن} قيل: يغتسل وقيل: يوتضان {فأتوهن ~~من حيث أمركم الله} قيل: فأتوا النساء من حيث أمركم تجنبه الحيض وهو الفرج ~~الذي نهاكم عن إتيانه في حال الحيض، وقيل رواية عن محمد بن الحنفية رضوان ~~الله عليه من قبل النكاح دون السفاح قاله في البلغة، والأول[460]لأن لفظ ~~حيث حقيقة في المكان مجاز في غيره ثم قال تعالى:{ PageV22P342 إن الله يحب التوابين} مما عسى أن يبذر منهم من ارتكاب مانهوا عنه{ويحب ~~المتطهرين}من جميع الأقذار ومنها جماع الحائض، ثم قال الإمام عليه السلام: ~~تدل علي وجوب اعتزال النساء في المحيض وتحريم وطئهن لأجل الأذى ويشاركهن في ~~حصول الأذى ........فيحرم وطئها لجامع الأذى ولايحل وطوهن إلا بعد ms3179 أن يطهرن ~~من الأذى ويتطهرن بالإغتسال والآية تدل على شمول اعتزالهن فلا يقاربن لوطئ ~~ولا استمتاع وقد خصصها ما تلقته الأمة بالقبول من السنة المبيحة لما عدا ~~الوطئ من الإستمتاع وغيره من سائر التصرفات كترحيل المرأة رأس زوجها ومس ~~جسدها بيده وتقبيلها وغير ذلك وتدل على وجوب التوبة نم الذنوب والتطهر ~~للصلاة وعلى استحباب النضافة. انتهى. # وأما تفسير المحبة فقد تقدم في غير موضع. # الحكم الثامن:{نساؤكم حرث لكم} أي مزدرع لكم ومنبت للولد كالنبات الخارج ~~والحرث مصدر ولهذا وجد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون ~~للولد فحذف المضاف وأيضا قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء كقولها # فإنما هي إقبال وإدبار PageV22P343 ويقال: هذا أمر الله أي مأموره وهذا شهوة فلان أي مشتهاه وكذلك حرث الرجل ~~محترثه ثم قال: سبحانه{فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي فأتوا مضع حرثكم من أين ~~شئتم، وقيل: كيف شئتم وعلى أي شق أردتم بشرط أن يكون المأتى في موضع الحرث ~~فأما ماروي عن مالك أنه ناوله على الأتيان في أدبارهن فذلك من أعظم الكبائر ~~عند آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك عند كافة الفقها أن الدبر ~~ليس بحرث، وقد قال الله تعالى:{فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله}فأمر بالإتيان في الفرج بعد ~~المنهى عنه في حال الحيض ولادبر ليس موضع الحيض وقيل: سبب نزول الآية أن ~~اليهود قالوا إن الرجل إذا أتى أهله من خلف فرجها خرج الولد أحول فزعموا أن ~~ذلك في التوراة فأكذبهم الله تعالى وقيل أنكروا إتيان الرجل المرأة وهي ~~قائمة أو باركة فأنزل الله الآية إباحة له بعد أن يكون في الفرج. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على إباحة وطئ النساء في موضع ~~الحرث[461]وهو موضع الولد نم الفرج من قدامها وورائها وعلى جواز الإستمتاع ~~بسائرها ما خلا ما حرمه الله من اللواطة وهو إتيان النساء ي أدبارهن فإنه ~~من الفواحش الكبار والأصل فيه إتيان الذكور فيما لم يجعله ms3180 الله موضعا للحرث ~~فمن فعل ذلك فهو دخل في معنى قوله تعالى{فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون}كما يأتي إن شاء الله تعالى ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ~~محاشن النساء رواه جابر. انتهى. PageV22P344 # أما قوله تعالى{وقدموا لأنفسكم}فقيل هو حث على العمل بالواجب كأنه قيل: ~~قدموا الأعمال الصالحة بالطاعة فيما لم أمرتم به والإنتهاء عما نهيتم عنه ~~فاتقضى ذلك ذكر ذلك ملا تقدم من الأوامر وقيل: المراد طلب الولد، وقيل: ~~التسمية على الوطئ، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم ((إذا أراد أحدكم أهله ~~فليقل بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإن قدر بينهما ~~ولد لم يضره الشيطان)) رواه البخاري، ثم قال:{واتقوا الله} أي مجاوزة الحد ~~فيما بين لكم ولاتخالفوا {واعلموا أنكم ملاقوه} أي ملاقون ما وعد ربكم، ثم ~~قال:{ وبشر المؤمنين}بكل خير من أنواع المثوبات والكرامات قوله {ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم} المفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية وأجود ما ~~ذكروا أن قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم نهى عن الجراءة على الله ~~بكثرة الحلف به لأنه من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له ~~يقول الرجل جعلتني عرضة للومك وقال الشاعر: # ولاتجعلني عرضة للوائم # وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله {ولا تطع كل حلاف مهين} وقال ~~تعالى:{ واحفظوا أيمانكم} والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف ~~كما قال كثير: # قليل ألا لا يحافظ ليمينه ... وإن سقت منه الآلية برت PageV22P345 والحكم في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله أنطلق ~~لسانه بذلك ولايبقى لليمين في قلبه وقع فلا يؤمن إقدامه على الإيمان ~~الكاذبة فيحتمل ما هو الغرض الأصلي من الإيمان وأيضا لسانه بذلك ولايبقى ~~كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال ~~التعظيم أن يكون ذكر الله أجل وأعلا عنده من أن يستشهد به في غرض من ~~الأغراض الدنيوية، أما قوله تعالى بعد ذلك{أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس} ms3181 فهو علة لهذا النهى[462]فقوله إن تبروا أي أراده أن تبروا إنما ~~نهيتكم عن هذا لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح فتكونوا يا معشر ~~المؤمنين أتقياء مصلحين في الأرض غير معتدين، وروى المرتضى عن جده القاسم ~~عليهما السلام أنه سئل عن هذه المسئلة فقال: رحمة الله عليه: لاتجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم لاتكثروا الحلف بالله في كل حال وعند كل مقام وقروا الله ~~وأجلوه عن أن تجعلوه عرضة لأيمانكم وأن أصلحتم بين الناس وإن أردتم ~~بأيمانكم الإصلاح. انتهى. PageV22P346 # الثاني: أن العرضة عبارة عن المانع والدليل على صحة هذا اللغة وإنما يقال: ~~أردت أن أفعل كذا فعرض لي أمر كذا وأعرض لي أي وجاني ذلك ومنعني منه ~~واشتقاقه من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعا للناس من السلوك ~~والمرور، ويقال: اعترض فلان على كلام فلان وجعل كلامه معارضا بكلام أخر إذا ~~ذكر ما يمنعه من يمشيه كلامه إذا عرفت أصل الإشتقاق فالعرضة فعل يعني مفعول ~~كالقبضة عبارة عن المانع وأما اللام في قوله{لأيمانكم} فهو للتعليل إذا ~~عرفت هذا فمعنى الآية ولاتجعلوا ذكر الله مانعا بسبب أيمانكم من أن تبروا ~~أو في أن تبروا فأسقط حرف اللام بجر لعدم العحاجة إليه سبب......قالوا: ~~وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم وإصلاح ~~ذات بين وإحسان إلى أحد أو عبادة ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني فيترك البر ~~إرادة البر في يمينه فقيل لاتجعلوا ذكر الله تعالى مانعا بسبب هذه الأيمان ~~عن فعل البر والتقوى فهذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر ~~ولكن لافائدة فيها فتركناها والله اعلم. # ثم قال: عزوجل: {والله سميع عليم} معناه هاهنا سميع بحلف الحالف عليم ~~بنيته ففيه تذكير وتحذير. # قال الإمام عليه السلام: تدل على تحريم التجاري على الله في الأيمان ~~واعتيادها وأن برت وأن يتحرز عن تعودها. انتهى. # ثم أخبر عزوجل عما يواخذ به من الأيمان وما لا فقال: {لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ms3182 بما كسبت قلوبكم} اللغوا الساقط لايعتد به ~~كلامه كان أو غيره فلغوا الكلام الذي لا فائدة فيه، واللغاء الكلام الفاحش ~~قال: العجاج: # ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم[463] # وأما اللغوا في غير الكلام فإنه يقال: لما لايعتد به في الدية من أولاد ~~الأبل لغو قال: جرير: # يعد الناسبون بني تميم ... لبيوت الناس أربعة كبارا PageV22P347 ويخرج منهم المدمي لغوا ... كام الغيث في الدية الحوارا # وأما لغوا اليمين فهو هنا أن يحلف علي شيء يظنه على ما حلف ثم يظهر خلافه ~~وعن عائشة وهو قول الشافعي وهو قول القائل لا والله وبلى والله مما يؤكد به ~~الكلام ولايخطر بباله الحلف حتى أن بعضهم ينكر الحلف وقد قاله مرارا، ومعنى ~~يؤخذكم بما كسبت قلوبكم أي اقترفت من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن ~~يحلف علىما يعلم أنه نخلاف مايقول وهي اليمين الغموس ويحتمل لايؤاخذكم الله ~~أي لاتلزمكم الكفارة بلغوا اليمين الذي لاقصد معه ولكن يلزمكم الكفارة بما ~~كسبت قلوبكم أي بما نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان. # قال الإمام عليه السلام: تدل على العفوا عما بدر من الأيمان وأخطائه ~~الحالف بأن يحلف على شء يظن صدقه وينكشف حلافه وتدل على قبح ما تعمدت ~~القولب من الأيمان الفاجرة المتعمدة فجورها. انتهى. # وأما قوله تعالى{والله غفور حليم}فقد علمت أن الغفور مبالغة عن ستر ~~الذنوب وفي إسقاط عقوبتها عن من تاب والحليم في صفة الله عزوجل وهو الذي ~~لايعجل بالعقوبة عن من يتوب. # الحكم التاسع: قوله تعالى:{ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} ~~الإيلاء الحلف يقال: ألاء يؤلى إيلاء، فهو مؤلي، ومعناه يحلفون ألا يجامعوا ~~النساء، والتربص الأنتظار، اي تنظره أربعة أشهر ثم ترافعه ولايصح الإيلا ~~فيما دونها. # وقال مالك:، والشافعي: لايكون مؤليا إلا بأكثر من أربعة أشهر؛ لأنها ~~لاترافعه إلا بعد أربعة أشهر وبعدها قد اتحلت يمينه، قلنا: ترافع ولو كانت ~~يمينه قد أتحلت لأنت الغرض منه مصارة المرأة إذ لو حلف على غير وجه الإصرار ~~لم يكن موليا. PageV22P348 # قال سعيد ms3183 بن المسيب: كان الرجل لايريد المرأة ولايحب أن يتزوجها غيره فيحلف ~~أن لا يقربها فكان يتركها بذلك لا أيما ولاذات بعل فذكر الله تعالى ذلك ~~وامهل الزوج مدة حتى يتروي ويتأمل فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة ~~فعلها وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها، ثم قال تعالى:{فإن ~~فاءوا} أي رجعوا عن أيمانهم إلى شأنهم. # قال في البلغة: أي فاءوا إلى الجماع والفي هاهنا هو الرجوع بالإجماع عند ~~أهل البيت عليهم السلام{فإن الله غفور رحيم} يغفر مضارة النساء بالإيلا ~~والفي توبة[464]ويكون بالوطء مع القدرة عليه وبالقول مع العجز كقوله فيت ~~ورجعت عن يميني ويكفر عن يمينه إن يوطئ فقط. # الحكم العاشر: قوله تعالى:{ وإن عزموا الطلاق} اختاروه فتربصوا إلى مضي ~~المدة وهذا تفسير أبي حنيفة أنه يقع الطلاق بمضي المدة وبه قال: صاحب ~~الكشاف والصحيح أن المعنى وإن عزموا الطلاق باللفظ بعد مضي المدة في البلغة ~~العزم على الطلاق إنما يكون إنقضاء وعيد الأشهر فأما بعد فيوثر بالفي أوب ~~الطلاق وقوله {فإن الله سميع عليم} وعيد على إصرارهم وتركهم الفية أي سميع ~~قوله ويعلم ضميره. # قال عليه السلام: تدل على أن من آلاء امرأته أو نسائه أن لا يطأهن فإنه ~~لاحق لهن في أربعة أشهر منذ حلف فإن رجع أو طلق على رأس الأربعة الأشهر ~~فلاشيء عليه وإلا وجب عليه الفي وهو الرجوع عن اليمين بالوطئ أو بالقبول إن ~~كان له عذر مانع وإلا فقد عصى الله سبحانه ولهن المطالبة بعد تمام الأربعة ~~الأشهر ويكفي لذلك أن بقى من المدة شيء أوة كان غير مقيد ليمينه بوقت. انتهى. PageV22P349 # ثم أنه تعالى ذكر أحكاما كثيرة للطلاق فقال:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء}فلايتزوجن ذوات الحيض إلا بعد ثلاث شحيض وعند الشافعي ثلاثة ~~أطهار، والقرأ الطهر والحيض وهو من الأضداد وأصله من الأجتماع لاجتماع الدم ~~في الرحم ومنه سمي الحوض بالمقراه لاجتماع الماء فيه، ومعنى يتربص ينتظرون ~~وهو في معنى الأملا وأن كان مخرج الخبر ثم قال تعالى: {ولا يحل لهن أن ms3184 ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} من الولد أو دم الحيض مخافة تأخر النكاح أو ~~يمنع من المراجعة ونحو ذلك، وقوله عزوجل:{ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} ~~تعظيم لفعلهن لأن المؤمن حقيقة لايجتري على هذا يجب أن يكون هذه صفتها ~~والتي ليست بمؤمنة داخلة في هذا الحكم أيضا، ثم قال تعالى: {وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} أي أزواجهن أحق بمراجعتهن مادمن في العدة ~~إن أرادوا زواج المراجعة على وجه الصلاح من حسن العشرة دون المضارة، ثم ~~قال:{ولهن مثل الذي عليهن} الحق في حسن العشرة وترك المضارة {بالمعروف} ~~الذي لاينكر في الشرع ولافي العادة من الواجب أما قوله تعالى {وللرجال ~~عليهن درجة} قال: درجة هي المنزلة من منازل العلم ومنه التي يرتقي فيها ~~وفضل الرجل على المرأة [465] معلوم في الحق والفضيلة قيل: المرأة تنال من ~~اللذة مثل ماينال الرجل وله الفضيلة بالقيام عليها والإنفاق في مصالحها ~~{والله عزيز حكيم} قد تكرر بيان. PageV22P350 # قال في الكشاف: في قوله يتربصن فإن قلت هلا قيل يتربصن ثلاثة قروء كما قيل ~~تربص أربعة أشهر، وما معنى ذكر الأنفس، قال في ذكر الأنفس تهييج لهن على ~~التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه، فنحملهن على أن يتربصن، وذلك ~~أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على ~~الطموح في عدة المطلقة أنها ثلاثة قروء، مستقبلات ولا تعتدوا بالقرء الذي ~~وقع الطلاق والمرأة فيه، والقرء أسم للحيض، والطهر، والمراد به في الآية ~~الكريمة الحيض، لقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} أي الحيض؛ لأن الطهر نقي، وعدم الحيض شيئ مخلوق، وليس بنفي ولا عدم. # قلت: لأن القرء وإن كان يستعمل في الطهر فهو مجاز عن كثير من أئمتنا ~~عليهم السلام، والحمل على الحقائق أولى، وإن فرضنا أنه حقيقة فقد جعل الشرع ~~القروء وهو الحيض؛ لأن الله تعالى قال:{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ~~إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} فدل على أن الأصل هو الأعتداد ms3185 بالحيض إلا أن ~~يقع الإياس منه فالأشهر، فصار ذلك بيانا لهذا المحمل من لفظ القرء، أن قلنا ~~أنه مشترك بينهما، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش ~~((صلي ما بين القرء إلى القرء)) فجعل الحيض هو القرء، وقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم:للمستحاضة ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) أرا د أيام حيضك. PageV22P351 # قال عليه السلام: وتدل الآية الكريمة على تحريم كتمان الحيض، أما المطلقة ~~فلئلا يستحل ما حرم الله من إيجاب نفقة زائدة ونحوها، ومن استباحة الرجعة ~~بعد تحريمها، وأما غير المطلقة فلئلا تبح لزوجها ما حرمه الله عليه من ~~وطئها وقت حيضها، وتدل الآية الكريمة على جواز رجعتها قبل تمام الثلاثة من ~~القرء، وتدل على أن للنساء حقا على أزواجهن من معاهدتهن بالوط، وللرجال ~~عليهن درجة، وهي وجوب امتثال أمر الزوج فيما يطلبه منها، وفي أنها محتبس ~~لأجله، ولاتسافر، ولاتصوم تطوعا، ولاتحج نافلة، ولاتخرج من بيته إلا بأذنه. انتهى. # قوله تعالى:{ الطلاق مرتان}اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق ~~الذي ثبتت فيه الرجعة، ومعنى مرتان أي تطليقة في طهر[466] دون تطليقة في ~~ظهر آخر دون أن يجمع بين تطليقتين في ظهر واحد، ولم يرد بالمرتين التثنية ~~ولكن أراد وقوعها في وقتين، وهذا قول أبي حنيفة، وعند الشافعي أن ألمراد ~~الطلاق الرجعي مرتان؛ لأنه لارجعة بعد الثالثة، ويقول المراد التثنية من ~~غير نظر إلى الوقت، قاله في التجريد. # قال بعض علماء أهل البيت عليهم السلام: الحق هو الأول؛ لأنه لوكان المراد ~~التثنية لقال: الطلاق إثنتان، وفي البلغة فيه محذوف وهو ملك الرجعة مرتان. انتهى. # واعلم أنه اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتداء أو هو متعلق بما ~~قبله، فقال قوم: أنه حكم مبتدأ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون ~~تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة؛ لأن لفظ ~~الطلاق يفيد الإستغراق؛ لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفاد ~~الإستغراق، فصار تقدير الآية كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة. PageV22P352 # وقال آخرون: أن ms3186 هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله، والمعنى أن ~~الطلاق الرجعي مرتان، والرجعة قبل الثلاث، وذلك لأنه تعالى بين في الآية ~~ألأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج، ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائما، أو ~~إلى غاية معينة، فكان ذلك كالجمل المفتقر إلى المبين، أو كالعام المفتقر ~~إلى التخصيص، فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق ~~الرجعة هو أن يوجد تطليقان فقط، أما بعد الثلاث فلا يثبت البتة حق الرجعة، ~~فالألف واللام في الطلاق للمعهود السابق، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه ~~بثبوت الرجعة هو أن يوجد مر تين وهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية، والذي ~~يدل على أن هذا أولى وجوه: # الأول: أن قوله{وبعولتهن أحق بردهن} إن كان عاما لكل الأحوال فهو مفتقر ~~إلى المخصص، وإن لم يكن عاما فهو مجمل؛ لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده ~~بيت حق الرجعة، فيكون مفتقر إلى البيان، وإذا جلعنا الآية الثانية متعلقة ~~بما قبلها كان المخصص حاصلا مع العام المخصص، فكان البيان حاصلا مع المجمل، ~~وذلك أولى من أن لايكون كذلك. # الثاني إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ كان قوله الطلاق مرتان يقتضي حصر كل ~~الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع. PageV22P353 # الثالث: ماروي في سبب نزول هذه الآية أنه كان الرجل في الجاهلية يطلق ~~امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولوطلقها ألف مرة كان القدرة على ~~المراجعة ثابتة له، فجاءت امرأة [467] إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ~~ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فنزل قوله الطلاق مرتان، وقد أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية لايجوز أن ~~يكون خارجا عن عموم الآية، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من ~~تنزيلها على حكم آخر أجنبى عنه والله اعلم، وقوله تعالى:{ فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} أي ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج وهو أن ~~يوجد مرتان، ثم الواجب بعدها بين المرتين أما إمساك بمعروف، ms3187 أو تسريح ~~بإحسان، ومعنى الإمساك بالمعروف وهو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على ~~قصد الأصلاح والإنتفاع، قاله في التجريد، وفي ذلك ووجهان: # أحدهما: أنه تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء ~~بالمعروف، وبين أن يسرحوهن بالمعروف. # وثانيهما: أنه يريد بالإمساك الرجعة بعد الطلاق، وبالتسريح هو أن ~~لايراجعها، وقيل: هو أن يطلقها الثالثة في الطهر. # الثالث: روي أنه لما نزل قوله الطلاق مرتان قيل له صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأين الثالثة؟ فقال عليه السلام: ((هو قوله {أو تسريح بإحسان})) وقيل: ~~أن الثالثة هي قوله تعالى:{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره}. انتهى. PageV22P354 # وفي هذه الآية يقول إمامنا المنصور بالله عليه السلام: المرة إقاعه بالنطق ~~به مرة، والمرتان إيقاعه بالنطق به مرة بعد مرة، وقوله: {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} الفاء للتعقيب والترتيب، فالتسريح بعد المرتين النطق ~~بالطلاق، وإيقاعه مرة ثالثة دل ذلك على أن التطليقات بلفظ واحد لايكون إلا ~~تطليقة واحدة؛ لأن العقود متوقفة على إذن الشارع، والله سبحانه قد ذكر ~~المرات وشرعها، ولاحجة في مخالفتها. انتهى. PageV22P355 # وقوله:{ الطلاق مرتان} وإن كان بلفظ الخبر فإن معناه هو الأمر أي طلقوا ~~مرتين يعني دفعتين، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ~~ذكرناهما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الأمر، الخبر يفيد تأكيد معنى ~~الأمر، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات، وعلىالتشديد في ~~ذلك الأمر والمبالغة فيه، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقرونا ~~بالإحسان بين بعده أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لايأخذ منها شيئا من ~~ما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، فقال: عزوجل: {ولا يحل ~~لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا}[468] وذلك لأنه ملك بفضها، واستمتع بها ~~في مقابلة ما أعطاها، فلايجوز أن يأخذ منها شيئا، ويدخل في هذا النهي أن ~~يضيق عليها ليلجئها إلى الأقتداء، كما قال في سورة النساء: {ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما ms3188 آتيتموهن} ثم قال سحبانه:{ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله} فيما يلزمها من الحقوق الزوجية بسبب نشوزها، والخوف هنا بمعنى الظن، ~~فتخاف المرأة النشوز، ويخاف الزوج أن يحمله نشوزها على ضربها وأذيها فوق ما ~~أبيح له، فإن خافت الزوجة دون الزوج فظاهر الآية أنه لايصح الخلع، وقيل: بل ~~يصح بخبر جميلة بنت عبد الله ابن أبي مع ثابت بن قيس؛ لأنها أظهرت البغض، ~~فجوز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها الخلع، ولثابت الأخذ، وقوله ~~تعالى:{ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} هذا ~~خطاب للحكام؛ لأنهم الذين يأمرون بذلك عند التحاكم إليهم، أي فإن ظننتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح ضيق عليهما، ولا إثم فيما أعطته المرأة فداء ~~ليطلقها، كأنه قيل ليس على المرأة فيما تبذل له، ولاعلى الرجل فيما يأخذ ~~منها إذا كان النشوز من جهتها إثم، ثم قال تعالى:{ تلك حدود الله فلا PageV22P356 تعتدوها} يقال: اعتدى يعتدي اعتداء إذا تجاوز الحد، ويستعمل ذلك في الظلم، ~~والمعنى أن تلك الأحكام التي بينها الله تعالى في أحكام الطلاق، والرجعة، ~~والخلع، فلا تعتدوها بالمخالفة، والخروج عن أمر الله، ثم بعد هذا النهي ~~المؤكد أتبعه بالوعيد فقال:{ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} ~~لأنفسهم لتعريضها للعقاب، وحرمانها الثواب. # قال عليه السلام: تدل على تحريم أخذ مهورهن، وما أوجب الله لهن من الكسوة ~~وغير ذلك، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فيما يكون بينهما، فلا جناح أي ~~لاحرج عليهما فيما افتدت به في فراقها المختلفة، وتدل على عظم معصيتة في ~~تعدي حدود الله سبحانه. انتهى. PageV22P357 # ثم قال:{ فإن طلقها} ثالثة بعد المرتين{فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} باستيفاء شرائط العقد، ويدخل بها لا على أن يحللها فلا يصح لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لعن الله المحلل والمحلل له)) ولا يكفي عقد النكاح ~~فقط لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تحل للأول حتى يذوق كل واحد ~~منهما ms3189 عسيلة صاحبه)) وقوله لفاطمة بنت قيس((حتى تذوقي عسيلته ويذوق ~~عسيلتك)) لما أرادت الرجوع إلى رفاعة بعد عبد الرحمن بن الزبير، وقولها له ~~إنما [469] معه مثل هذبة الثوب، والمراد بالعسيلة الجماع، شبه اللذة فيه ~~بالعسل، وعن سعيد بن المسيب العقد كاف لقوله تعالى:{حتى تنكح} وما تقدم ~~بحجة، ثم قال تعالى: {فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا} أي وإن طلقها ~~الزوج الثاني بعد أن دخل بها فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يتراجعا ~~بنكاح جديد، وقوله سبحانه:{ إن ظنا أن يقيما حدود الله} أباح الله لهما ~~المراجعة إذا ظنا أنهما يقيمان حدود الله وما أوجب على كل واحد منهما من ~~الحقوق في باب الزوجية؛ لأن الأحكام كالحدود بين الحلال والحرام، ثم قال ~~تعالى: بعد ذلك:{ وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون} يعني يبين الله تلك ~~الحدود لقوم يعلمون ما يبينه الله، فخص العالمين بها في الذكر؛ لأنهم ~~أنتفعوا بذلك البيان دون غيرهم، ثم قال عزوجل: {وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن} أي قاربن انقضاء عدتهن، وشارفن آخر العدة، يقال: للذي دنا من القرية ~~قد بلغ القرية، والأجل يقع على جميع المدة وعلى آخرها{فأمسكوهن} أي ~~راجعوهن{بمعروف} على الوجه الذي أمر الله وحكم به من نحسن العشرة، والقيام ~~بحقوق الزوجية للمضارة بتطويل العدة بالمراجعة كما كانوا يفعلون، {أو ~~سرحوهن بمعروف} بأن لايراجعها، بل يخليها إلى أن تنقضي PageV22P358 عدتها من غير ضرار، ثم قال تعالى:{ ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} أي تجاوزوا ~~حدود الله فيهن، ثم قال: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} أي ومن أمسك المرأة ~~ضرارا بتطويل المدة وغيرها فقد أضر نفسه لاستحقاقها العذاب، وقوله:{ ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا} أي لعباد؛ لأن من لم يعمل بها كان عصى بها، وذلك أن ~~من أمر بشيء فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر يقال: أنه ~~يستهزئ بهذا الأمر ويلعب به، فعلىهذا كل من أقر بأنه يجب طاعة الله، وطاعة ~~رسوله، ثم وصلت هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة، والرجعة، ms3190 والخلع، ~~وترك المضارة، فلا يستمر لأدائها، كان كالمستهزي بها، وهذا تهديد عظيم ~~للعصاة من أهل الصلاة؛ لأن قوله عزوجل: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} تهديد، ~~والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديدا على تركها لا ~~علىشيء آخر غيرها. PageV22P359 # واعلم أنه تعالى كما رغبهم في أدا التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضا ~~في أدائها، بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم، فبدأ أولا بذكرها على سبيل الإجمال ~~فقال:{واذكروا نعمة الله[470] عليكم} بالإسلام، ونبوة محمد عليه وآله ~~السلام، وغير ذلك؛ لأن هذا يتناول كل نعم الله تعالى على العبد في الدنيا ~~والدين، والمراد بذكرها تعظيمها، والقيام بحقها، ثم ذكر بعد هذا نعم الدين ~~وإنما خصها بالذكر؛ لأنها أجل من نعم الدنيا فقال سبحانه وجل عن كل شأن ~~شأنه:{ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به} والمعنى أنه إنما أنزل ~~الكتاب والحكمة ليعظكم به، فاذكروا المواعظ التي وعظكم الله بها، والنعم ~~التي أنعمها عليكم، وهو حث على شكر النعمة، والإتعاظ بموعظة، ثم ~~قال:{واتقوا الله} في أوامره كلها ولاتخالفوه في نواهيه{واعلموا أن الله ~~بكل شيء عليم} قد مر بيان نظيره في غير موضع في أحكام هذه الآية. # يقول الإمام عليه السلام: تدل على تحريم إمساكهن ضرارا بأن يطلقها الرجل ~~حتى يشارف بلوغ أجلها فيراجعها، ثم كذلك ليضارها، فإن ذلك اعتداء، وفاعله ~~ظالم، والمعرض عن آيات الله متخذها هزوا، وذلك كفر، وتدل على وجوب شكر الله ~~ما بين وأنزل من الكتاب والحكمة، وعلى وجوب تقوى الله من الآيات تبيان ~~بجميع ما أوجب الله، وتجنب جميع ما حرم الله. انتهى. # وقوله تعالى:{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن} أي آخر عدتهن حقيقة لا على ~~المجاز كالأولى{فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} المطلقين لهن أو غيرهم ~~ابتداء، وسموا أزواجا كما سمي العصير خمرا{إذا تراضوا بينهم بالمعروف} أي ~~ما يحسن في المروة والدين، وهذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق، وهو حكم ~~المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة، وفي سبب نزول الآية وجهان: PageV22P360 # الأول: روي أن معقل بن ms3191 بسار زوج أخته جهم ابن عبد الله بن عاصم فطلقها ~~وتركها حتى انقضت عدتها ثم ندم، فجاء يخطبها لنفسه، ورضيت المرأة بذلك، ~~فقال لها معقل: أنه طلقك ثم تريدي مراجعته، وجهي من وجهكم حرام، إن ~~راجعتيه، فانزل الله تعالى هذه الآية، فدعى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم معقل بن يسار وتلى عليه هذه الآية، فقال: رغم أنفي لأمر ربي، اللهم ~~رضيت وسلمت لأمرك، وأنكح أخته زوجها. # الوجه الثاني: يروى عن مجاهد، والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم ~~فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، وكان جابر يقول في نزلت هذه الآية، والعضل المنع يقال: عضل الأيم ~~إذا منعها من التزوج، فهو يعضلها[471] أو يعضلها بضم الضاد وكسرها، وأنشد ~~الأخفش: # وإن قصا ئدي لك فاصطنعني ... كرائم قد عضلن عن النكاح # وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم، ويقال: داء عضال، وأمر عضال، وسميت ~~العضلة عضلة؛ لأن القوي المحركة منشأها، منها وأعضل الأمر إذا اشتد، ومنه ~~قول أوس: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا # ولكنه النائ إذا كنت أمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمرأعضلا # أأعضلا PageV22P361 اختلف المفسرون في أن قوله ولاتعظلوهن خطاب لمن؟ فقال: الأكثرون خطاب ~~للأولياء، وحجتهم الروايات المشهورة في سبب نزول الآية على أن هذا خطاب مع ~~الأولياء لا مع الأزواج، وقال: بعضهم أنه خطاب للأزواج كانوا يمنعوهن غير ~~زواجة غيرهم لحمية الجاهلية، والدليل عليه أن قوله تعالى{وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن} جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء، فالشرط قوله إذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن جملة واحدة بجزاء، قوله فلا تعظلوهن، ولاشك أن ~~الشرط وهو قوله إذا طلقتم النساء خطاب مع الأزواج، فوجب أن يكون الجزاء وهو ~~قوله: {فلا تعضلوهن} خطاب معهن أيضا إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية ~~إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تضلوهن أيها الأولياء، وحينئذ لايكون ~~بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلا، وذلك يوجب تفكك نظم الكلام، وتنزيه ~~كلام ms3192 الله تعالى عن مثله واجب، فهذا الكلام قوي متين في تقرير هذا القول، ~~ثم أنه تعالى لما بين حكم التكليف قرنه بالتهديد فقال:{ ذلك يوعظ به من كان ~~منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من ~~المخالفة، كما يتضمن في الموافقة، فكانت الآية تهديدا من هذا الوجه، وقوله ~~ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكل أحد، وخص المؤمنين بالذكر؛ ~~لأنهم يتعظون بمواعظ الله، وينتفعون بها، ثم قال:{ ذلكم أزكى لكم وأطهر} من ~~دنس الأثم. # قال في البلغة: أزكى وأطهر بمعنى واحد. # وقال الرازي: يقال زكى الزرع إذا نمى، فقوله أزكى لكم إشارة إلى إستحقاق ~~الثواب الدائم، وقوله وأطهر إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون ~~حصولها سبب بحصول العقاب، ثم قال سبحانه:{ والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي ~~والله يعلم مصالحكم من الشرعية[472] وما هو خير لكم فيأمركم به وأنتم ~~لاتعلمون ذلك. PageV22P362 # قال عليه السلام: تدل على تحريم عضل الأولياء أن ينكحن المؤمنات أي أزواجهن ~~أي أكفاهن من الأزواج إذا حصل الرضى منهن بذلك انتهى. # قوله تعالى:{ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} اعلم أن في قوله ~~الوالدات يرضعن ثلاثة أقوال: # الأول: أن المراد ما أشعر ظاهرا للفظ به، وهو جميع الوالدات سوى كن ~~مطلقات أو مزوجات، والدليل عليه أن اللفظ عام، وماقام دليل على التخصيص ~~فوجب تركه على عمومه. # الثاني: أن المراد منه الوالدات المطلقات، قالوا: والدليل عليه أن الله ~~تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق فكانت هذه الآية من تتمة تلك الآيات ظاهرا. # والثالث: قال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل علىالزوجات في حال بقاء ~~النكاح؛ لأن المطلقة لاتستحق الكسوة، وإنما تستحق الأجرة، أما قوله يرضعن ~~أولادهن فهو جر معناه الأمر، وأمر الأم بالإرضاع على وجه الندب؛ لأن الوجوب ~~على الأب، ويدل عليه وجهان: # الأول: قوله تعالى {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ولو وجب عليها الرضاع ~~لما استحقت الأجرة. PageV22P363 # الثاني: أنه تعالى قال: بعد ذلك و{وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} ms3193 وهذا نص ~~صريح، فثبت أن هذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم ~~أصلح له من سائر الألبان، من حيث أن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها، هذا ~~إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حال الأضطرار، فأما أن بلغ إلى حال ~~الإضطرار بأن لايوجد غير الأم أو لم يرضع الطفل إلا منها فواجب عليها عند ~~ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام، وقوله {كاملين} ~~تأكيدا إذ فترت، فيقال: أقمت حولين، وإن لم يكملا، ثم قال تعالى:{لمن أراد ~~أن يتم الرضاعة} أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع، وعن قتادة كاملين، ثم ~~أنزل الله التخفيف فقال: لمن أراد أن يتم الرضاعة، فالمراد أنه يجوز ~~النقصان، وقوله تعالى:{ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} أي وعلى ~~الوالد إطعام المرأة وكسوتها بالمعروف، أي على قدر طاقته، والمولود له ~~الآباء، ولم يقل وعلى الوالد، فيدخل الأمهات؛ لأن الولد ينسب إليهم دونهن، ~~فلذلك كانت النفقة والكسوة عليهم جعل الله ذلك أجرة الرضاع، ولاشيء غيره، ~~وقيل: أجرتهن تزيد وتنقص بحسب مايتراضا عليه، أو بحسب أجرة المثل، وهو معنى ~~قوله بالمعروف، وقيل: هذا الرزق والكسوة[473] لكونهن زوجات لا أجرة الرضاع، ~~ثم قال سبحانه:{ لا تكلف نفس إلا وسعها} أي لايكلف الله نفسا أخذ أشياء إلا ~~دون طاقته، والوسع في دون الطاقة، وإذا تمدح الله تعالى أنه لايكلف إلا دون ~~الطاقة فكيف يجوز أن يكلف العبد ما لا يطيقه، وهل هذا إلا بمثابة قول ~~القائل متمدحا أريد منك مالا يصبك فيه أذى ومشقة، ثم ............نل تلفه ~~فيه، ثم قال تعالى: {لا تضار والدة بولدها} قرئ بالرفع والنصب لالتقاء ~~الساكنين؛ لأن أصله لاتضار بكسر الراء الأولى، وقيل: تفخيمها، وهذا نهى ~~الأب عن PageV22P364 مضارة الأم عن أن يمنعها مايجب لها من النفقة والكسوة، أويأخذ الولد منها، ~~وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على إرضاعة، وقوله تعالى:{ ولا مولود له بولده} ~~نهي للأم عن مضارة الأب بطلب فوق ما يجب لها، ms3194 أو عن أن تفرط بالصبي وتمنع ~~منه بعد أن ألفها، أما قوله تعالى:{ وعلى الوارث مثل ذلك} فاعلم أنه تعالى ~~لما قدم ذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل الوارث أن يكون مضافا إلى كل واحد ~~من هؤلاء، والعلماء لم يدعوا وجها يمكن القول فيه إلا وقال به بعضهمن فقال ~~في البرهان: يعني وارث المولود له، وقيل: وارث الصبي أي أولياؤه وعصبته. انتهى. # والمراد وارث الصبي إذا لم يكن ثم أب، وكان الصبي فقيرا وجب على وارثه ~~الأسترضاع له، كما تجب عليه نفقته، واختلفوا، فعند أبي ليلى كل من ورثه، ~~وعند أبي حنيفة من كان رحم محرم منه، وعند الشافعي يجب على الوالدين ~~والأجداد وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، قاله في التجريد، وقيل: وارث الأب؛ ~~لأن وارث الأب هو وارث الصبي نفسه، وأنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة ~~رضاعه في ماله إن كان له، فإن لم يكن له مال جبرت الأم على إرضاعة، وقيل: ~~على الوارث على الباقي من الأبوين من قوله{واجعله الوارث منا} وقوله ~~تعالى:{ فإن أرادا فصالا} قيل فإن أراد الوالدان فطام الصبي قبل الحولين{عن ~~تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} احتج إلى رضى الأب؛ لأنه الولي، ورضى ~~الأم؛ لأنها أحق بتربيته، واعلم بحاله، وسوى زاد على الحولين أو نقص، قال ~~في البلغة: وهذا يدلك علىأن المراد به الفصال قبل الحولين؛ لأن بعد الحولين ~~هذه الطريقة مفقودة. PageV22P365 # واعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بين أنه تعالى يجوز ~~العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها فقال:{ وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم} أي لأولادكم فحذفت اللام اجتراء بدلالة الكلام عليها؛ لأن ~~الإسترضاع [474] لايكون إلا للأولاد، ويقال استرضاعا إذا طلب مرضعة، وهي ~~التي تسمى الظير، فمعنى أن تسترضعوا أي تطلبوا المراضع غير الأم، وهذا حيث ~~ترضى الأم أو تطلب الأجرة وغيرها لايطلب، وقوله{فلا جناح عليكم إذا سلمتم ~~ما آتيتم بالمعروف} قيل: معناه إذا سلمتم أجرة الأم، والظير بمقدار ما ~~أرضعته، وقيل: أجرة الظير وحدها هاهنا، وقيل: ms3195 إذا سلمتم الإسترضاع. # وقال الرازي: وليس التسليم شرطا للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى، ~~والمقصود منه تسليم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد حتى تكون طيبة النفس راضية، ~~فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي، والأحتياط في مصالحه، ثم أنه تعالى ختم ~~الآية بالتحذير فقال:{ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير} هذا ~~هو ظاهر، وقد مربيان مثله. PageV22P366 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: في أحكام هذه الآية تدل على أن ~~الرضاع حولين وما عداهما لاحكم للرضاع، وعلى أن المولود له وهو الأب تجب ~~عليه الأجرة من رزقهن وكسوتهن بالمعروف حسبما يقتضيه حال الأب، وعلى تحريم ~~المضارة للوالدة والوالد، وعلى الوارث أي لمن يرثه مثل ذلك من وجوب الإنفاق ~~حسبما يقتضيه حال المنفق منهما، وتدل على جواز الفصال قبل تمام الحولين إذا ~~تراضيا عليه الوالد والوالدة، وتشاورو على جواز أن يسترضع الوالد والوالدة ~~غير أم المولود، وعلى استحقاق المرضعة للأجرة بالمعروف، وعلى وجوب تقوى ~~الله في جميع الأمور، والتقوى هي القيام بما فرض الله، واجتناب جميع ما ~~حرم، وقوله تعالى:{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} يعني زوجات {يتربصن ~~بأنفسهن} أي ينتظرن بعدهم للعدة{أربعة أشهر وعشرا} أي عشر ليال، والأيام ~~تابعة، وهذه ناسخة لعدة الحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، وأما قوله ~~تعالى:{ فإذا بلغن أجلهن} فالمعنى إذا انقضت هذه العدة التي هي أجل ~~العدة{فلا جناح عليكم} قيل الخطاب مع الأولياء؛ لأنهم الذين يتولون العقد، ~~وقيل: الخطاب للأئمة، أو صلحاء المسلمين، وقوله:{ فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف} وأبيح لهن فعل ما حظر عليهن في حال العدة من الزينة وغيرها من ~~التعرض للخطاب بالمعروف الذي لاينكر في الشرع، فلا يصح الأحتجاج بها على أن ~~لهن أن ينكحن أنفسهن بغير ولي؛ لأن من المعروف ما أخبرنا به من قوله عزوجل: ~~{فانكحوهن بإذن أهلهن}[475]وقوله {ولا تعضلوهن} وجميع مايدل من السنة على ~~أنه لابد من الولي بحق قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((لانكاح إلا بولي ~~وشاهدي عدل)) فنفى صلوات الله عليه وآله وسلم النكاح مع ms3196 عدم ذلك، ثم ختم ~~الآية بالتهديد فقال عزوجل:{ والله بما تعملون خبير} أي عالم PageV22P367 بأعمالكم فاحذروه. # قال الإمام عليه السلام: تدل على أن عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرا، ~~وعلى إباحة ترك الإحداد بما يلزم المتوفي عنهن، فالألف واللام للعهد، ~~والتعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه مايصلح للدلالة على ~~مقصوده، ويصلح للدلالة علىغير مقصوده؛ إلا أن إشعار بجانب المقصود أتم ~~وأرجح، وأصله من عرض الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم حوله ولايظهره، ونظيره أن ~~يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قال: # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا # والتعريض قد سمى تلويحا؛ لأنه يلوح منه مايريده، والفرق بين الكناية ~~والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه كقولك فلان طويل النجاد ~~كثير الرماد، والتعرض أن يذكر كلاما يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك، إلا ~~أن قراين أحوالك تؤكد حمله على مقصودك. # قال في البلغة: والخطبة بكسر الخاء مروادة الرجل المرأة نكاحا، يقال: خطب ~~الرجل المرأة يخطبها خطبة، وقوله تعالى:{ أو أكننتم في أنفسكم} يقال: أكن ~~الشيء إذا أستره في نفسه إكنانا وأضمره، والإكنان هاهنا قيل هو إضمار ذلك. انتهى. # ثم قال سبحانه:{علم الله أنكم ستذكرونهن} أي بقلوبكم{ولكن لا تواعدوهن ~~سرا}أي فاذكرونهن، ولكن لاتواعدوهن نكاحا، أي لاتصرحوا بالخطبة في العدة، ~~والمعنى عرضوا ولاتصرحوا، والسر يعبر به عن الوطء؛ لأنه مما يسر به، عبر به ~~هنا عن النكاح الذي هو العقد؛ لأنه سبب فيه، وقيل: أراد بالسر الوطء، وقيل: ~~المراد في السر؛ لأنها أخبية، والمواعدة في السر تدعوا إلى مالايحل، وقيل: ~~هو الزنا بالسر، ومنه قول امرء القيس: # ألا زعمت بسياسة اليوم أنني ... كبرت وأن لأشهد السر أمثالي PageV22P368 فقيل: معناه لاتواعدوهن زنا، وقيل: لاتواعدوهن عهدا على الإمتناع من تريح ~~غيركم، وقيل: لاتقولوا لها لا هو شيء بنفسك، وقيل: إسرار عقد النكاح في ~~العدة، أما قوله تعالى:{ إلا أن تقولوا قولا معروفا} فالقول المعروف هو ~~مامر من التعريض لا التصريح، ثم قال تعالى:{ ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ ms3197 الكتاب أجله} أي[476] أي ماكتب وفرض من أمر العدة، ومعنى لاتعزموا أي ~~لاتقطعوا على العزم على عقد النكاح، والنهي عن العزم مبالغة في النهي عن ~~النكاح في العدة؛ لأن العزم مقدم على الفعل، وقوله حتى فهو غاية، فلا بد من ~~أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم؛ لأن من حق الغاية إذا صرف للخطر أن يقتضي ~~زواله، ثم أنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال:{ واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه} أي احذروا ما في أنفسكم فلا تعزموه، أو يعود الضمير إلى ~~الله، والمعنى احذروا عقابه؛ لأنه تعالى الذي لايخفى عليه شيء من إسراركم، ~~وقصودكم، وضمائركم، ثم ذكر بعد الوعيد، فقال سبحانه:{واعلموا أن الله غفور ~~حليم} لايعاجلكم بالعقوبة، وفيه ضرب من الإستدعاء إلى التوبة؛ لأنه مع ~~القدرة على العقوبة لا يعجل، بل ينتظر الأوبة، ويقبل التوبة، وجمع بينهما ~~لإجابة للرجالة، فقوله عزوجل: {واعلموا أن الله غفور حليم}إيجاب للعلم بذلك ~~قوله تعالى:{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} أي لاجناح عليكم ~~أن تطلقوا المرأة التي لم تدخلوا بها، ولاتجامعوها، فالمس كناية عن الوطء، ~~ثم الخلوة تقوم مقام الوطء في وجوب المهر والعدة خلافا للشافعي، وقوله:{ أو ~~تفرضوا لهن فريضة} يعني ولم تفرضوا، فالألف زايدة كقوله تعالى:{ مائة ألف ~~أو يزيدون} وفي الكشاف: أو بمعنى إلا أو حتى أي إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو ~~حتى تفرضوا. PageV22P369 # قال في البلغة: الفريضة هاهنا الصداق، أي ولا جناح عليكم أن تطلقوا أيضا ~~المرأة التي لم تسموا لها صداقا، والتي يسمي لها صداق داخلة في الآية، ~~وتقدير الكلام ولاجناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن وفيمن فرضتم لهن ~~أولم تفرضوا لهن ويبنى عن ذلك أو ولو كان ذلك على سبيل الجمع لكان بالواو. # قلت: والصحيح في معنى الآية الكريمة ما ذكره بعضهم وهو أن المراد من ~~الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية لامهر عليكم إن طلقتم النساء ~~مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة بمعنى لايجب المهر إلا بأخذ هذين الأمرين، ~~فإذا فقد ms3198 جميعا لم يجب المهر، وهذا كلام ظاهر، إلا أن يحتاج إلى بيان ~~الأحتمال، فهو أن أصل الجناح في اللغة الثقل، يقال: جنحت السفينة إذا مالت ~~لثقلها، وذكر مثالين نحو هذا، ثم قال: إذا ثبت أن الجناح هو النقل ولزوم ~~إذا المال ثقل فكان جناحا فثبت أن اللفظ محتمل له، وإنما قلنا أن الدليل دل ~~على أنه المراد لوجهين: # الأول: أنه[477] تعالى قال: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن فريضة} نفي الجناح ممدود إلى غاية وهي المسيس أو الفرض، فوجب ~~ان يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين، ثم أن الجناح يثبت وهو لزوم ~~المهر يوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر. # الثاني: أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين: # أحدهما: الذي يكون قبل المسيس وقبل تقديرالمهر، وهو المذكور في هذه الآية. PageV22P370 # والثاني: الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر، وهو المذكور في الآية ~~التي بعد هذه الآية وهي قوله:{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة} ثم أنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض، وهذا القسم كالمقابل لذلك ~~القسم، فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت هاهنا، وهو لزوم المهر، ~~فوجب أن يقال: الجناح المنفي هناك وهو لزوم المهر والله اعلم. # ثم يقال: ذكر كثير من المفسرين أن أو هاهنا بمعنى الواو، ويزيد مالم ~~تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة كقوله: {إلى مائة ألف أو يزيدون} وأنت إذا ~~تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف بل خطأ قطعا والله اعلم. # واعلم أنه لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس والتقدير من أن المتعة لها ~~واجبة، فقال سبحانه: {ومتعوهن} أي اعطوا المطلقات غير المسمى لهن ولا ~~المدخولات، فيتمتعن به على قدر اليسار، وهو معنى قوله:{على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره} الموسع الغني، والمقتر المقل، وقوله:{متاعا بالمعروف} ~~مما يحسن في الشرع والمروة، قيل: انتصب متاعا على الحال من قدره لأنه ~~معرفة، ومتاع نكرة، والعامل فيه الظرف، وقيل: ms3199 انتصب على المصدر، والعامل ~~فيه ومتعوهن متاعا، ثم قال تعالى: {حقا على المحسنين} أي واجبا، وإنما حصل ~~المحسنين مع أنه لازم لغيرهم أيضا؛ لأنهم المنتفعون، والمراد المؤمنون، ~~وقيل: المحسنين إلى المطلقات، وسماهم محسنين قبل الفعل كقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((من قتل قتيلا فله سلبه)) والوجه الأول والمذهب أن المتعة كسوة ~~مثلها من مثله. # وعن أبي حنيفة: درع، وملحفة، وخمار، إلا أن يكون نصف مهر مثلها أقل فلها الأقل. PageV22P371 # قال جار الله: وتجب لهذه المطلقة عند أصحابنا المتعة، وتستحب لسائر ~~المطلقات، قلت: وهو مطابق لمذهب أئمتنا عليهم السلام، وقوله تعالى:{ وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} أي سميتم لهن مهرا{فنصف ~~ما[478] فرضتم} أي يلزمكم نصف ماسميتم لهن من المهر، ومعنى { إلا أن يعفون} ~~أي إلا أن تترك المرأة ما يحسب لها من نصف صداقها، ثم قال:{ أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح} وهو الزوج، وعفوه أن يعطي جميع الصداق الذي فرضه ويترك ~~حق نفسه ويعطي المرأة جميع المهر، وهو قول علي عليه السلام، وقيل: الذي ~~بيده عقدة النكاح هو ولي المرأة، فيترك نصف الصداق للرجل، وهذا لايصح؛ لأنه ~~ليس له أن يهب له أي مال غيره، والأول هو الصحيح، وإنما لم تسقط النون من ~~يعفون، وإن دخلت عليها أن الناصبة للأفعال؛ لأن يعفون فعل النساء، فاستوى ~~فيه الرفع، والنصب، والجزم، والنون في يعفون إذا كان الفعل مستندا إلى ~~النساء ضمير جميع المؤنث، وإذا كان الضمير مستندا إلى الرجال فالنون علامة ~~الرفع، فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث، والساقط في يعفون إذا ~~كان الفعل للرجال الواو التي هي لآم الفعل في يعفون لا الواو التي هي ضمير ~~الجمع والله اعلم. # أما قوله تعالى:{وأن تعفوا أقرب للتقوى} فقيل هذا الخطاب خطاب للزوج ~~والمرأة جميعا، بين الله تعالى لهم أن العفوا الذي ذكره الله في الآية أقرب ~~أن يتقى كل واحد منهما ظلم صاحبه، وقيل: أقرب إلى اتقا المعاصي، وأدى إلى ~~ترك الظلم، ثم قال ms3200 تعالى:{ ولا تنسوا الفضل بينكم} أي لاتتركوا الفضل بينكم ~~وهو أن يتفضل بعضكم على بعض، ثم قال تعالى:{ إن الله بما تعملون بصير} ~~لايفوته أعمالكم فيجزل ثوابكم على التفضل. PageV22P372 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على إباحة الطلاق ~~قبل الدخول وبعده، وعلى أن للمسمي لها نصف المسمى كاملا، وأن العفو هو ~~التسامح من الزوج أقرب للتقوى بدليل سياق الآية وهو قوله: {ولا تنسوا الفضل ~~بينكم} فيما تفضل به الرجل من إيافائها المسمى، فهو خير له، والتفضل الدال ~~عليه الآية في إيفاء المطلقة قبل الدخول جميع المسمى وسائر فعل المعروف؛ ~~لأنه قوله تعالى بينكم عام فيما بين المسلمين والله الهادي والله اعلم. # واعلم أنه تعالى لما بين للمكلفين مابين من معالم دينه وأوضح لهم من ~~شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك على المحافظة على الصلوات، فقال سبحانه:{حافظوا ~~على الصلوات} هذا أمر بإقامة الصلاة في مواقتها عام وقوله:{والصلاة الوسطى} ~~تخصيص للصلاة الوسطى بالمحافظة عليها، وإنما خصها لفضلها، وشرفها، ومشقها ~~وسطا بين الصلوات، قيل: هي العصر، وقيل: هي الظهر، وقيل: هي الفجر، وقيل: ~~المغرب، وقيل:[479]العشاء، والصحيح أنها الجمعة، وفي سائر الأيام الظهر، ~~والوسطى الفضلاء؛ لأن أوسط الشيء أفضله، ثم قال سبحانه:{وقوموا لله ~~قانتين}. # قال الهادي عليه السلام: القانتون فهم الداعون إلىالله المسلمون لأمر ~~الله، القائمون بحكم الله. انتهى. # وقيل: القنوت الطاعة، وقيلك هذا أصله ثم سمي القراءة في الصلاة قنوتا، ~~وطول القيام قنوتا، والسكون فيها قنوتا، وقيل: أصله الدوام على أمر واحد، ~~فحسن تصرفه في الباب، إذ المداوم على الطاعة قانت قاله في التهذيب. # قال الإمام عليه السلام: وهذه الآية نص على أن الصلوات خمس، وعلى فضل ~~الصلاة الوسطى، وهي صلاة الجمعة، وفي غير الجمعة صلاة الظهر لما ذكرناه من ~~الحديث في ذلك في كتاب الأعتصام، وقيل: هي صلاة العصر، وقيل: غير ذلك والله اعلم. PageV22P373 # وعلى وجوب السكون؛ لأن القنوت هو سكون الأطراف وغيرها.انتهى والله اعلم أن ~~الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها من طهارة ~~البدن، والثوب، والمكان، ms3201 والمحافظة على ستر العورة، واستقبال القبلة، ~~والمحافظة على جميع أركان الصلاة، والمحافظة على الأحتراز عن جميع مبطلات ~~الصلاة، سوا كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح، وأهم الأمور ~~الصلاة رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة، قال تعالى:{ وأقم ~~الصلاة لذكري} فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظا على الصلاة وإلا فلا. # واعلم أن لكل صلاة وقتين أولا وآخرا، PageV22P374 فالأول:الوقت الصحيح السليم وهو الأفضل، وأخر الوقت للعليل، والمسافر، ومن ~~له عذر وليس للصحيح الذي لا علة به، ولا عذر له أن يتخذ آخر الوقت وقتا، ~~وروي عن جعفر بن محمد عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء وأبواب الجنان واستجيب الدعاء ~~فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح)) وروي في الخبر من وجه آخر أنه قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء وأبواب الجنان ~~فلا أحب أن يسبقني بالعمل الصالح)) وروي عن محمد بن علي الباقر عن آبائه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما يأمن أحدكم الحدثان في ~~ترك الصلاة إذا دخل وقتها وهو فارغ)) ثم قالتعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا} قيل: معناه فإن كانت الحال حال الخوف من العدو أو غيره فصلوا رجالا ~~جمع راجل غير راكب، اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام ~~على أدائها بأركانها وشروطها بين من بعد أن هذة المحافظة على هذا الحد ~~لاتجب إلا مع[480] الأمن دون الخوف فقال:{فإن خفتم فرجالا أو ركبانا} فأباح ~~لهم في حال الخوف أن يصلوا على أي حال كانوا على الأرض، أو على ظهرالدواب، ~~ويومي، ويسقط عنه التوجه إلى القبلة؛ لأن حال الخوف حال الضرورة، أما قوله ~~تعالى: {فإذا أمنتم } فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة{فاذكروا ~~الله} أي اشكروه على الأمن في العبادة، وقيل: صلوا صلاة الأمن بتمام ~~أركانها وشروطها{كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} من الشرائع، وكيف يصلون ms3202 ~~حال الخوف والأمن في العبادة، فقوله تعالى علمكم بيان لإنعامه علينا ~~بالتعليم والتعريف، وأن ذلك من نعمه تعالى علينا، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك. PageV22P375 # قال الإمام عليه السلام: دلت على جواز أن صلاة الخوف للراجل والراكب حسبما ~~يقتضيه الحال، وعلى وجوب تمام الصلاة، والسكون كما علمنا الله سبحانه في ~~الآية السابقة. انتهى. # قوله تعالى:{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} أي من حضره الموت وترك ~~امرأة ومعنى{وصية لأزواجهم} أي فحكمهم الذي عليهم عند الموت وصية لأزواجهم ~~بأن يمتعن أي ينفق عليهن من بركته ولايخرجن من مساكنهن سنة، وكان ذلك أول ~~الإسلام، ثم نسخ بقوله أربعة أشهر وعشرا، وإن تقدمت في المصحف فهي متأخرة ~~تنزيلا، قيل: إنما نسخ مازاد على هذه المدة، ونسخت النفقة بالإرث الربع ~~أوالثمن، وأما نفقة الأربعة الأشهر فهي واجبة. # قال في البلغة: قرئ وصية بالنصب والرفع، فانتصب على تقدير فليوصوا وصية، ~~وقيل: على تقدير كتب الله عليهم وصية وتقدير وجه الرفع فعليهم وصية ~~لأزواجهم، وقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} قيل: انتصب متاعا ~~بتقدير جعل لهن ذلك متاعا إلى سنة من غير إخراجهن من مساكنهن، والمراد ~~بالمتاع نفقتهن، وقيل: انتصب على المصدر أي متعوهن متاعا، ثم قال سبحانه:{ ~~فإن خرجن} بعد تمام السنة{فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن} من التزين، ~~والتعرض للخطاب{من معروف} مالا ينكر في الشرع، ولايكون معصية، وقيل: لاجناح ~~عليكم بأولياء الميت في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول، ~~وقوله:{والله عزيز حكيم} قد تكرر بيان مثله. # قال الإمام عليه السلام: لهذه الآية حكمان: # أحدهما: أنها ثابتة التلاوة والرسم في المصحف والحرمة كغيرها من آي ~~الكتاب العزيز. # والثاني: أنها منسوخة الحكم بالآية التي تقدمت، وهي قوله تعالى:{ يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}[481]والوصية منسوخة بآية المواريث ونفقة العدة. انتهى. PageV22P376 # ثم قال تعالى:{ وللمطلقات متاع} يعمهن بإجاب المتعة بعدما أوجبها لغير ~~المدخولة، فقيل أنها واجبة لكل مطلقة، وقيل: قد تناولت التمتع الواجب ~~والمستحب، وقيل: المراد نفقة العدة، وقوله: {بالمعروف حقا على المتقين} ~~تفسيره كما ms3203 مر في قوله حقا على المحسنين، ثم قال:{كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون} معنى كذلك أي مثل ذلك البيان الواضح يبين لكم الدلائل لكي ~~تعلموا أمور دينكم فتعلمون بها لتصلوا إلى ما يسعدكم عنده. # قال عليه السلام : هذه الآية نص في وجوب نفقة المطلقات على المتقين، وهم ~~الممتثلون لأمر الله، والحافظن لحدوده، وعلى غيرهم من أهل التجاري على ~~الله؛ لأن تقوى الله واجبة عليهم، ومن ذلك القيام بما فرض الله من نفقة ~~المطلقات، وقوله بالمعروف معناه حسبما تقتضيه حال المطلق من نساء وأعشار، ~~والله اعلم. انتهى. PageV22P377 # واعلم أن عادته تعالى في القرآن الكريم أن يذكر بعد الأحكام القصص ليفيد ~~الأعتبار للسامع، ويحمله ذلك الأعتبار على ترك التمرد، والعناد، ومزيد ~~الخضوع، والأنقياد، فقال:{ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} ألم تر مخرجه مخرج التعجب، كأن الله ~~عجب خلقه من حال هؤلاء الألوف تكثير لعددهم، وقيل: كانوا بضع وثلاثين ألفا، ~~وقيل: اربعين ألفا، وروي ذلك ولايجوز أن يكون هذا العدد دون العشرة؛ لأن ~~بناء فعول في باب العدد على مازاد على العشرة، وروي في سبب هذا أن حزقيل ~~النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا، وجبنوا، فأرسل الله عليهم ~~الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فلما رأى ~~حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية من ~~أنفسهم تقبلهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لامخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم ~~الموت، ثم أنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم، فدعاء مرة أخرى فأحياهم ~~الله تعالى. PageV22P378 # قلت: وفي معنى الآية يقول المرتضى عليه السلام : جوابا لعبد الله بن الحسن ~~هؤلاء قوم من بني إسرائيل هربوا أيام وقع فيهم الطاعون بما كان من فعلهم ~~ومخالفتهم لخالقهم، ففروا عند ذلك من الموت فظنوا أن الأمر إنمانزل في ذلك ~~البلد، وأنه لايلحقهم إلى غيره، فلما أمنعوا في الذهاب وظنوا أنهم نجوا ~~أماتهم الله عزوجل مرة واحدة، ms3204 ثم ذكرهم الله ما أرادهم من قدرته وأنه لامفر ~~منه ولا راد لأمره[482] ولامعقب لحكمه ثم أحياهم تبارك وتعالى من بعد ذلك، ~~وقلت: هل يجوز للرجل أن يفر من البلد الذي يقع فيها الطاعون والأمراض؟ وقد ~~روي في الطاعون رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((لاتدخلوا عليه ولا تفروا منه)) وأما الأمر فينبغي للرجل إذا دخل بلدا، أو ~~واد سد أن يتجنبه ويخرج منه، ولايغرر بنفسه فإن الله عزوجل قد جعل لعباده ~~عقولا يميزون بها مافيه لهم من الصلاح والسلامة، فلا ينبغي لعاقل أن يتلف ~~نفسه بركوب المهالك. انتهى. # ثم قال تعالى: {إن الله لذو فضل على الناس} حيث بصرهم بهذا الأعتبار كما ~~بصر به الذين أماتهم ثم أحياهم فاهتدوا {ولكن أكثر الناس لا يشكرون، ~~وقاتلوا في سبيل الله} نعمة وإفضاله عليهم، وفي الآية على أنه ساق هذه ~~القصة للبعث والتشجيع وفيه قولان: # أحدهما: أن هذا الخطاب مع الذين أحبوا. # قال الضحاك : أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد؛ لأنه تعالى إما ~~أماتهم بسبب أنهم كرهوا الجهاد، وعلى هذا الوجه يكون تقديرالكلام أحياهم ~~فقيل لهم قاتلوا في سبيل الله. # والثاني: وهو اختيار جمهور المحققين أن هذا استياق خبر للحاظرين يتضمن ~~الأمر بالجهاد. # قال في البلغة: وقيل هذا الخطاب للصحابة؛ لأنه لما بين الله حال الذين ~~تقدم ذكرهم وأن فرارهم لم ينفعهم من الموت حض الصاحبة على الجهاد. انتهى. PageV22P379 # وإنما ذكرهم الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن امر الله محبة للحياة بسبب ~~خوف الموت، وليعلم كل أحد أن يترك القتال لايثق بالسلامة من الموت، كما قال ~~تعالى:{ قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا} فشجعهم على القتال الذي وعد به إحدى الحنسيين إما في العاجل ~~الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم والوصول إلى ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وسبيل الله هاهنا دينه، وقيل: طاعته، وقيل: في ~~سبيل الله أي في جهاد أعداء المؤمنين، والسبيل ms3205 هو الطريق، وسميت العبادات ~~سبيلا إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها ويتوسل إلى الله بها، ~~ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين فكان من أعظم الطاعات، فلاجرم كان المجاهد ~~مقاتلا في سبيل الله، ثم قال سبحانه: {واعلموا أن الله سميع عليم} سميع لما ~~يقوله المتخلفون والسابقون، عليم بما يضمرونه، والمراد أنه تعالىسمع كلامهم ~~في ترغيب الغير في الجهاد أو تغير[483] الغير عنه، وعليم بما في صدوركم من ~~البواعث والأغراض، وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: الآية دالة على أن الهارب من قضاء ~~الله يستحق التعجيل فيه العقوبة كهؤلاء والله اعلم، وعلى أن الله هو ~~المتفضل على جميع خلقه لايحق لهم يجب لهم عليه سبحانه وتعالى، وعلى وجوب ~~شكره سبحانه على ما من به وتفضل، فله الحمد، والشكر، والثناء، وعلى وجوب ~~القتال في سبيل الله. انتهى. PageV22P380 # ولما أمر تعالى بالقتال في سبيل الله أردفه بقوله: {من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا} هذا تلطف في الأستدعاء إلى أعمال البر والفضل؛ لأن قرض الله مثل ~~لتقديم العمل الصالح الذي يطاب به ثوابه أي تقريضه بالمجاهدة أو بالنفقة في ~~سبيله فسمى ما ينفقونه في وجوه البر قرضا لما تضمنه من الثواب عليه تشبيها ~~بما يجري بين الناس من المقارضة، وكون القرض حسنا يحتمل وجوها: # أحدها : أراد به حلالا خالصا لايختلط به الحرام؛ لأن مع الشبهة ومع ~~الأختلاط ربما قبح الفعل. # وثانيها: أنه لايتبع ذلك الإنفاق منا ولا أذى. # وثالثها: أن يفعله على نية التقرب إلى الله سبحانه؛ لأن ما يفعل رياء ~~وسمعة لايستحق به الثواب، وقوله سبحانه:{فيضاعفه له أضعافا كثيرة} قيل: ~~بالواحد سبع مائة كما قال الله تعالى:{كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة} وقيل: بما لايعلمه إلا الله فلا يعلم أحد ما هو وكم هو، ~~وإنما أبهم تعالى ذلك؛ لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود، ~~واختلف المفسرون في الآية على قولين: # الأول: أنها متعلقة بما قبلها، والمراد ms3206 منها التحريض في القتال خاصة، ~~فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر ~~على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى:{والله يقبض ويبسط} قيل: يبسط بقبض الرزق، وأبسط على حسب ما يرى من ~~المصلحة، وقيل: معنى يقبض أي يقبض الصدقات، ومعنى يبسط أي يبسط الجزاء ~~عليها، وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من ~~اعتماده على ما له، وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله، والأحتراز عن ~~البخل بذلك الإنفاق. # والثاني: أن هذا الكلام مبتدأ لاتعلق له بما قبله، ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا على ثلاثة أقوال: PageV22P381 # الأول: أن المراد من هذا القرض إنفاق المال الذي ليس بواجب من الصدقة وهو ~~قول الأصم، واحتج عليه بوجهين: # الأول: يقال: سماه بالقرض، والقرض لا[484] يكون إلا تبرعا. # الحجة الثانية: سبب نزول الآية قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي ~~الدحداح قال: يارسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بأحديهما فهل لي مثالها ~~في الجنة؟ # قال: ((نعم)) وأم الدحداح معي؟ قال: ((نعم)) قال: والصبية معي؟ قال: ~~((نعم)) فتصدق بأفضل حديقته وكان تسمى الجنية، قال: فرجع أبو الدحداح إلى ~~أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها فقام على باب الحديقة وذكر ذلك ~~لامرأته، فقالت: أبو الدحداح بارك الله لك فيما اشتريت، فخرجوا منها ~~وسلموها، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((كم نخلة رداح متدلي ~~لأبي الدحداح)). # الثاني: أنه الإنفاق الواجب، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكرفي ~~آخر الآية {وإليه يرجعون} وذلك كالزجر تحت قوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله كمثل حبة أنبتت} وقوله تعالى:{ وإليه يرجعون} أي إلى الله ~~فيجازيكم على ما قدمتموه. # قال الإمام عليه السلام : دلت على حسن الإنفاق فيما يقرب إلى الله ~~سبحانه، وعلى أن من يفعل ذلك يضاعف له الرزق أضعافا فأكثر. انتهى. PageV22P382 # ثم ذكر تعالى القصة الثانية قصة طالوت، فقال عزوجل: {ألم تر إلى الملا ms3207 من ~~بني إسرائيل من بعد موسى} أما وجه تعلق هذه الآية بما قبلها فمن حيث أنه ~~تعالى لما فرض القتال بقوله {وقاتلوا في سبيل الله} ثم أمر بالإنفاق فيه ~~لما له من التأثير وكمال المراد بالقتال، ذكر قصة بني إسرائيل وهي أنهم ~~أمروا بالقتال فكفوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه، ونسبهم إلى الظلم، ~~والملا هم الأشراف، والرؤساء، {إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله} قيل: النبي الذي قيل له هذا هو يوشع بن نون، وقيل: كان شمويل، ~~وقيل: هو شمعون. # وفي البرهان: داود عليه السلام، ولاشك أن المقصود حاصل سوى علمنا ذلك ~~النبي من كان بأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئا من ذلك؛ لأن ~~المقصود حاصل سوى علمنا ذلك الترغيب في الجهاد وذلك لايختلف، ومعنى ابعث ~~لنا ملكا أي أمر علينا أميرا يفعل ما يأمرنا به. PageV22P383 # قال وهبن والكلبي: أن المعاصي كثرت في بني إسرائيل والخطايا غابت فيهم، ثم ~~غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيرا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكا ينتظم به ~~كلمتهم، ويجتمع أمرهم، وكان قوام بني إسرائيل بملك ويستقيم حالهم في جهاد ~~عدوهم، وقيل: يغلب قوم جالوت على بني إسرائيل فسبى[485]ذراريهم فسألوا ~~نبيهم ملكا ينتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم، وكان قوام بني إسرائيل بملك ~~يجتمعون عليه يجاهد الأعداء، ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك، ويقيم أمر ~~دينهم، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم، فهذا يدل على الحاجة إلى الإمام، وأن ~~ذلك لم يعلم عقلاء؛ لأن لم سألوا ذلك إلا وكان متقررا في عقولهم؛ لأن ~~أحوالهم لايستقيم إلا به، ومعنى { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا} أي هل قاربتم القتال ولعلكم تصيبون بأنفسكم ذالك الوقت فأخبروني ~~الآن ماذا يقولون، وأردنا الإستفهام التقرير، ويثبت أن المتوقع كائن، فقررت ~~عليهم الحجة ثم أجيبوا إلى ما سألوا{ قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} قالوا هذا استبعادا لمخالفتهم وتركهم، ~~فسألهم إذا كان حالهم ما وصفوه وفي الآية ms3208 حذف كأنه قيل: سألوا أن يبعث لهم ~~ملكا يبعثه ويكتب عليهم القتال؛ لأن قوله تعالى: {فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا إلا قليلا منهم} يدل عليه خبر الله تعالى أنهم لم يوفوا بما عاهدوا، ~~فإنه لما فرض الجهاد عليهم أعرض عنه أكثرهم إلا قليلا، قيل ثلاث مائة وثلاث ~~عشرة على عدة أهل بدر، وقوله:{والله عليم بالظالمين} فيه ضرب من التهدد أي ~~هو عليم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يفوء بما قبل من ربه، وهذا هو الذي ~~يدل عليه تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك {وقاتلوا في سبيل الله} فكأنه تعالى ~~أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد، وعقب ذلك PageV22P384 بأن من تقدم على مثله فهو ظالم، والله عليم بما يستحقه الظالم، وهذا بين في ~~كونه زجرا على مثل ذلك في الموت، فقيل وفي كونه بعثا على الجهاد وأن يشمر ~~كل مسلم على القيام بذلك، والله اعلم. # قال الإمام عليه السلام : قلت هذه الآية الكريمة تدل على تحريم ترك ~~الجهاد بعد وجوبه على المكلفين، وأن المخل به ظالم. انتهى. # وقوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} اعلم أنه ~~لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا ثم تولوا، وبين أن أول ~~ماتولوا إنكارهم أمر طالوت، وذلك أنهم طلبوا من نبيهم ان يطلب من الله أن ~~يعين لهم ملكا فأجابهم بأن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، قيل: طالوت اسم ~~عجمي قبل نبي، وقيل: أمير، ثم أن الله تعالى لما عينه لايكون ملكا ~~عليهم[486] أظهروا التولي عن طاعة الله تعالى، والأعراض عن حكمه، وقالوا ~~كما حكى الله عنهم{قالوا أنى يكون له الملك علينا} أي كيف يكون له الملك ~~علينا {ونحن أحق بالملك منه}. PageV22P385 # قال المفسرون: في سبب هذا الأستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من ~~أسباط بني إسرائيل، وهو سبط لآوى بن يعقوب، ومنه موسى، وهارون، وسبط ~~المملكة سبط يهوذا، ومنه داود، وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين ms3209 ~~السبطين بل كان من ولد بنيامين، فلهذا السبب أنكروا كونه ملكا لهم، وزعموا ~~أنهم أحق بالملك منه، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى وهي قولهم{ولم ~~يؤت سعة من المال} أي ليس له غنى ولاسعة في المال، فاعتبروا كثرة المال ~~وجعلوا جهة لاستحقاق الإمامة، كان القوم يريدوا ملكا كثير المال يستعينون ~~بما له على أمورهم، وكانوا زاهدين في ولي الله لغفلتهم وجهلهم، فرد الله ~~عليهم ذلك بقوله تعالى:{قال إن الله اصطفاه عليكم} أي اختاره عليكم، فدلت ~~الآية على فساد اختيار الخلق، وعلىأن المال والثروة ليس من شرط الإمامة، ~~وعلىتحريم الحسد لمن ولاه الله على خلقه. # واعلم أن القوم كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي، وكان أخباره عن الله تعالى ~~أنه جعل طالوت ملكا عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له؛ لأن من جوز الكذب ~~على الأنبياء فحينئذ يرتفع الوثوق من قولهم وذلك يقدح في ثبوت قولهم وسؤتهم ~~وإذا ثبت صدق الخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك وإذا ثبت ذلك كان ملكا ~~واجب الطاعة وكانت الأتبراضات ساقطة. # الوجه الثاني : في الرد لهذه الشبهة قوله تعالى{وزاده بسطة في العلم ~~والجسم} ببسط الجسم عظمه والمراد به القوة أي زاده الله علما وقوة وتقرير ~~هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه الملك بأمرين: # أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك. # الثاني: أنه فقير والله تعالى بين أن طالوت أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل ~~له وصفان: # أحدهما: علم الديانات وتدبير الحروب. # والثاني: القدرة وهي البسطة والسعة والأمداد وهو مأخوذ من بسط الشيء ~~وسعته وبشره بعد انقباضه. # قال: الحسين بن القاسم عليهما السلام : في بسطة الجسم قولان: PageV22P386 # أحدهما: أنه كان جسيما طويلا مصطلعا يحمل السلاح قويا على القتال فقتل من ~~عصى الله من سفل الرجال الخونة الكفرة الظلمة التي بقى في حزمه وكلا ~~القولين حسن لابأس به. # قال في البلغة: وروي أن طالوت كان بسط جسمه بحيث أن الرجل إذا قام بين ~~يديه فيمد يده وهو جالس[487] فينال رأس الرجل القائم فبين الله تعالى أن ~~العلم ms3210 والقوة التي تنتج الشجاعة هما من شرائط الإمام لا المال، ودلت على ~~صحة إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام؛ لأنه لم يكن بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم اعلم منه ولا أشجع ولا ولا أزهد ولا أسخى، قلت: بل اصطفاه ~~الله عزوجل كما اصطفى طالوت لقيام الأدلة المعلومة على ذلك من الكتاب ~~والسنة وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرنا قسطا منها كل شيء في موضع ثم قال: ~~عزوجل {والله يؤتي ملكه من يشاء} أي يعطي الملك من عباده من يعلم أنه يصلح ~~له لأنه تعالى يعلم المصالح وفيه دلالة واضحة علىصحة ما قلت أناختيار ~~الإمام ليس إلى الخلق لأن الله تعالى يعلم المصالح ولاسبيل للخلق إليها، ثم ~~قال: {والله واسع عليم} قيل: واسع الفضل وقيل: ذوسعة، وقيل: واسع بمعنى ~~موسع نعمه على من يشاء من عباده وعليم بمصالح عباده وبكل شيء وهذا مثل ما ~~أجاب به الملائكة في قصة آدم عليهم السلام حيث قال: {إني اعلم ما لا ~~تعلمون} وقد بينا ذلك في أول هذه السورة. انتهى. PageV22P387 # وقوله تعالى: {وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت} اعلم أن ظاهر ~~الآية قوله تعالى حكاية عنهم إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ظاهره أنهم ~~كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي مقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى ثم أن ~~ذلك النبي لما قال إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا، ثم أنه قال: لكمال رحمته ~~بالخلق ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ذلك النبي لما قال أن الله ~~قد بعث لكم طالوت ملكا صادقا في ذلك الكلام، ويدل على أن طالوت نصبه الله ~~تعالى للملك وإكبار الدلائل من الله تعالى جائز ولذلك كثرت معجزات موسى ~~عليه السلام، وعيسى، ومحمد عليهم السلام، فلهذا قال تعالى:{ وقال لهم نبيهم ~~إن آية ملكه} أي علامه ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة أي فيه علامه ملك ~~طالوت والدلالة على أن الله بعثه ملكا عليكم وأميرا يأتيكم التابوت والذي ~~غلبتم عليه ms3211 وكانت العمالقة الذين غلبوهم أخذوا ذلك التابوت منهم قسرا. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام : وروي أن التابوت هو تابوت موسى فيه ~~بقية مما ترك هدى آل موسى وآل هارون أي مما تركوا وخلفوا بعد موتهم من ~~الكتب والدلائل التي كانت مع موسى وهارون فجعل الله ذلك التابوت وما فيه ~~تدليلا على نبوة من قام من أولي العزم والجهاد وأن الله[488]قد اصطفاه على ~~جميع العباد. انتهى. # وقوله تعالى: {فيه سكينة من ربكم}. PageV22P388 # قال في البلغة: أي فيه ميراث الأنبياء عليهم السلام ما سكنوا إليه وقيل: ~~كان في التابوت عصى موسى، وعمامة هارون الصفراء، ورصراص اللوحين الذين وقعا ~~على الأرض فجعل الله ذلك سكينة لهم يطهر به قلوبهم، وقيل: كان فيه انضار ~~رأس كراس الهرة إذا صاح كان الظفر لبني إسرائيل وروي عن أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام أن السكينة رحمح هفافة لهاوجه كوجه الإنسان، وقيل: لها رأس ~~كرأس الهرة وحاجبان، وقيل: روح من الله تكلمهم بالبيان عند وقوع الأختلاف، ~~وقوله تعالى:{ وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} فالبقية هي العصى، والبيان ~~الذي ذكرناهما وقيل: التوراة ورصاص الألواح وشيء من ثياب موسى عليه السلام ~~وقوله تعالى:{ تحمله الملائكة} روي أن الملائكة حملته بين السماء والأرض ~~فرأوه عيانا، قيل : التابوت كان ثلاثة أذرع في ذراعين. انتهى. PageV22P389 # قيل: والتابوت صندوق التوراة كان موسى عليه السلام يقدمه في القتال فيسكن ~~نفوس بني إسرائيل فلا يفرون، والسكينة السكون والطمأنينة، وكان رفعه الله ~~بعد موسى، فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك علامة ~~الأصطفاء من الله لطالوت، وقيل: كان مع موسى ومع أنبياء بني إسرائيل بعده ~~يستفتحون به، فلما غيرت بنوا إسرائيل عليهم علية الكفار فكان في ارض جالوت ~~فلما أراد الله أن يملك طالوت أصابهم ذكر معنى هذا في الكشاف، ثم قال ~~تعالى:{ إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين} أي فيه دلالة لكم واضحة إن ~~كنتم صادقين، قيل إن كنتم مؤمنين كما تزعمون، وقيل إن كنتم ممن يؤمن بدلالة ~~المعجز ms3212 على صدق المدعي وكان ذلك من أعجب المعجزات وأبهر الآيات، أما قوله ~~عزوجل {فلما فصل طالوت بالجنود} فاعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ~~يظهر تقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام والتقدير أنه لما أتاهم بآية ~~التابوت أذعنوا له وأجابوه إلى المسير تحت رايته فلما فصل بهم أي لما خرج ~~بالعسكر وفارق حد بلده وانقطع عنه ومعنى الفصل القطع يقال: قول فصل إذا كان ~~يقطع بين الحق والباطل روي أنه قال: لايخرج معى رجل بني بناء لم يتمه ~~ولامشغول بتجارة ولامتزوج لم يبن على امرأة أي لم يدخل بها ابتغي إلا ~~الشباب الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفا قوله تعالى {قال إن الله ~~مبتليكم بنهر} أي ممتحنكم به ونهر[489] بتحريك الها وتسكينها لغتان وفي ~~النهر أقوال: # أحدها: وهو قول قتادة، والربيع نهرين الأردن وفلسطين. # والثاني وهو قول بن عباس، والسدي أنه نهر فلسطين. # قال القاضي: والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد إلى بلد قد ~~يضاف إلى أحد البلدين. PageV22P390 # والثالث: وهو الذي رواه صاحب الكشاف وأن الوقت كان قيضا فسلكوا مغارة ~~فسألوه أن يجري الله لهم نهرا فقال: {إن الله مبتليكم بنهر} أي ممتحنكم ~~امتحان العبد كما قال: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه} ولما كان ~~الإبتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيئ وثبت أن الله تعالى لايثبت ~~ولايعاقب على علمه إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لايحصل إلا ~~بالتكليف لاجرم سمى التكليف ابتلاء وفي العطش فابتلوا بهذا الضرب من ~~الإبتلاء لتميز الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر والمخلص من المنافق ~~للإمام والجماعة وقوله {فمن شرب منه فليس مني} أي ليس من أاهل ولايتي {ومن ~~لم يطعمه فإنه مني} أي ومن لم يشرب منه ولم يذق مائه من أهل ولايتي قال:ها ~~في قوله منه وفي قوله ومن لم يطعمه في الظاهر راجعة إلى النهر وفي المعنى ~~راجعة إلى الماء انتهى. PageV22P391 # قيل: معنى فمن شرب أي كرع يعني شرب بفيه كما تشرب البهيمة، ومن لم ms3213 يطعمه أي ~~بفيه، وقوله {إلا من اغترف غرفة بيده} قرئت بالرفع أي الضم والفتح فالغرفة ~~بالفتح المرة الواحدة، والغرفة بالضم ملء الكف فأبيح لهم غرفة واحدة فقط، ~~وروي أن الغرفة كانت تكفي الرجل ودوابه، وهذه معجزة، وإلا فغرفة الكف ~~يسيرة، وقيل: معنى الآية ولامن اغترف غرفة بيده فقامت الألف مقام الواو ~~ولأن الله حرم طعمه فكيف شرب غرفة باليد قال: الله عزوجل:{ فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم} وإنما أراد الله أن يبين لنبيه أنه لاينصح ويؤمن بالله إلا ~~القليل كما ذكرنا أن المقصود من هذا الإبتلاء أن يتميز الصديق من الزنديق ~~والموافق عن المخالف فلما ذكرا لاله تعالى أن الذين يكونون أهلا لهذا ~~القال: الذين لايشربون من هذا النهر وأن كل من شرب فإنه لايكون مأذونا في ~~هذا القتال وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال لاجرم أقدموا على الشرب ~~فتميز الموافق من المنافق والصديق عن العدو وأوعرف ذلك طالوت بأخبار النبي ~~صلى الله عليه أو بالوحي عند من قال: كان نبيا ويروى أن أصحاب طالوت[490] ~~لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، ~~وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى، فلم يزيدوا على الأغتراف، فأما الذين ~~شربوا وخالفوا أمرالله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وبقوا على شط ~~النهر، وجبنوا عن لقاء العدو، ومن اغترف غرفة واحدة روي فالذين أطاعوا الله ~~تعالى، قوى قلوبهم، وصح إيمانهم، وعبروا سالمين، وقوله تعالى:{ فلما جاوزه ~~هو والذين آمنوا معه} أي ولما جاوزوا طالوت النهر والمؤمنون والكافرين ~~جميعا؛ لأن الكافرين انحازوا عنهم. PageV22P392 # قال الرازي : لاخلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله تعالى وشربوا من ~~النهر رجعوا إلى بلادهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدوا إلا من أطاع الله في ~~باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم كان قبل عبور النهر وبعده، ~~وفيه القولان، أما قوله تعالى:{ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} ~~فقيل القائلون هذا هم المؤمنون الذين ضعفت بصيرتهم عن بصيرة غيرهم، وقيل: ms3214 ~~هم الكفار الذين انحزلوا عنهم. # قال الحسين بن القاسم عليهم السلام : هذا قول الأوباش من قوم طالوت عليه ~~السلام، حكى الله خبثهم، وكفرهم، وكذبهم من أول دهرهم إلى آخر ليحذر أولياء ~~الله بعده أن يعبروا ويقبلوا إنفاق أعداء الله إذا تشبهوا في حسن القول، ~~والتمني بأوليائه، كما تسمعون اليوم في عصرنا هذا من حسن كلام هؤلاء ~~ألأوباش وتمنيهم الجهاد وهم مقبلون على اللعب، والمجون، والفساد، ومعنى ~~قوله عزوجل:{ قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة} أي قال: الذين يؤمنون أنهم ملاقوا الله، أي لقاء جزاية، والظن قد ~~يكون يقينا في بعض القرآن، فأخبر عزوجل عن صبر الموقنين في الجهاد، وجبن ~~هؤلاء الرعاع الأوغاد الجهلة الذين لايعقلون من العباد. انتهى. # والفئة الفرقة والجماعة، وأصله في اللغة القطعة، أي كم جماعة قليلة كانوا ~~مخلصين صابرين قتلوا فئة كثيرة كافرة وغلبوهم، وقوله تعالى: {بإذن الله} ~~قيل: معناه على الوجه الذي أذن له، وقوله تعالى:{ والله مع الصابرين} ~~لاشبهة أن المراد المعونة والنصر، أي معينهم وناصرهم، ثم يحتمل أن يكون هذا ~~قولا للذين قالوا كم من [491] فئة قليلة، ويحتمل أن يكون قولا من الله وإن ~~كان الأول أظهر. PageV22P393 # قال في البلغة: واعلم أن حال أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذا الباب ~~مشابه بحال طالوت، وذلك أن القوم أكثرهم أعرضوا عنه مع أن الله تعالى ~~اختاره واصطفاه عليهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك يوم غدير خم ~~وغيره من الآيات قلت ويزيده وضوحا قول أمير المؤمنين علي عليه السلام في ~~بعض خطبه في هذا المعنى مالفظه وقد اختار الله طالوتا واصطفاه ووكله بأمره ~~وارتضاه فمن أطاعه ظفر ومن عصاره كفر فاعتبروا به فلكم فيه معتبر إلى آخر ~~كلامه عليه السلام، وروي في خبر مشهور أن جماعة كثيرة جاؤا إلى أمير ~~المؤمنين عليه السلام بعد بيعة السقيفة فقالوا له نحن معك متعاضدون ~~متظافرون حتى تطلب حقك ويستقيم أمرك وترد كيد من كايدك وعاندك مع كلام طويل ~~من ms3215 هذا الجنس فقال: لهم انصرفوا الليلة وليرجع إلى غدا من قويت عزيمته منكم ~~وهو حالق رأسه فلم يرجع إليه منهم إلا اثنى عشر رجلا فاستعمل قصة هذه الآية ~~بابتلائهم بحلق الرأس كما ابتلا أولئك بالنهر ولم يفعل ذلك إلا بإعلام ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ~~أخبره بحوادث كثيرة تحدث بعده مثل ما أخبره أن قريشا ستغدر بك بعدي، ومثل ~~خبر الحديقة تحدت، روى أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: أخذ النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فمشى بي حتى انتهينا إلى حديقة قال: فقلنا يا ~~رسول الله ما أحسن هذه الحديقة فقال:((ولك أحسن منها في الجنة)) قال: ثم ~~مررنا بأخرى فقلت مثله فأجابني بمثل الجواب الأول إلأى أن مررنا على خمس ~~حدائق فلما خلا لنا الطريق بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكاء شديدا ~~وعانقني فقلت يارسول الله ما يبكيك فداك أبي وأمي؟ قال: ((ضغائن قوم لا ~~يبدونها لك إلا بعدي)) فقلت: يارسول الله في سلامة من ديني؟ قال: ((في ~~سلامة من دينك)) وهذا الخبر مشهور عند اصحاب الحديث ورواه أهل البيت فتركت ~~ذكر طرقه وأسانيده مخافة التطويل ومثل ما أخبره PageV22P394 بضربة ابن ملجم له ومثل ما أخبره من قصة الناكثين والقاسطين والمراقين ومثل ~~ذي الثدية يوم النهر ذلك وأنه كذا .........تحت القنطرة وكان أمير المؤمنين ~~عليه السلام يوقل لاصحابة اطلبوا فوا الله ما كذبت ولا كذبت وأشباه ذلك انتهى. # ثم قال عزوجل:{ ولما برزوا[492] لجالوت وجنوده} أي لما برزوا لقتال جالوت ~~وعسكره {قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا} يقال: افرغ الدلو والإناء فراغا إذا ~~صبه ويقال: ضربه فريغة إذا كانت واسعة ومعناه صبرنا على قتالهم بلطفك {وثبت ~~أقدامنا} أو منا في مواطن الحرب بقوة القلب ورعب العدو {وانصرنا على القوم ~~الكافرين} هذا ظاهر، والمراد أنه لما برز عسكر طالوت ورأو القلة في جانبهم ~~والكثرة في جانب عدوهم لاجرم استغلوا بالدعا والتضرع فقالوا ربنا افرغ ~~علينا صبرا ونظيره ms3216 ما حكى الله عن قوم آ خرين أنهم قالوا حين الإلتقاء مع ~~المشركين وكائن من نبي قتل معه .......كثيرة إلى قوله{وما كان قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين} وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ~~الموطن فروي عنه في قصة بدر أنه صلوات الله عليه وآله وسلم لمانزل يصلي ~~وكان يستنجز من الله عدة وكان متى لقى عدوا قال: ((اللهم إني أعوذ بك من ~~شرورهم واجعلك في نحورهم)) وكان يقول: ((اللهم بك أصول وبك أجول)). # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب التصديق بلقاء الله ~~وعلى وجوب الصبر، وعلى وجوب الدعا والتضريع والمعونة على الأعداء بالله بأن ~~يفرغ على المؤمنين الصبر ويمدهم بالنصر. انتهى. PageV22P395 # ثم قال تعالى:{ فهزموهم بإذن الله} أي المؤمنون هزموا عسكر جالوت بنصر الله ~~بنصر الله لهم والأذن النصر هاهنا والمحذوف من الآية فاستجاب الله دعاهم ~~ونصرهم فهزموهم{وقتل داوود جالوت}. # قال بعض العلماء: أن داود عليه السلام لم يكن في ذلك الوقت الذي في عسكر ~~طالوت نبيا، وقيل: كان سبب قتل داود جالوت، أن جالوت طلب البراز فخرج إليه ~~داود عليه السلام فرماه بحجر من مقلاع كان معه فوقع بين عينيه وخرج من قفاه ~~وأصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره فقتلهم جميعا وكان ذلك معجزة للنبي الذي ~~كان في ذلك الزمان قاله في البلغة، وروى الرازي في تفسيره عن ابن عباس أنه ~~قال: أن داود كان راعيا وله سبعة أخوه مع طالوت فلما أبطاء خبر أخوته على ~~أبيهم إشاء أرسل أبنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم فأتاهم وهم في المصاف وبرز ~~جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بين ~~إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال: داود لآخوته أما فيكم من يخرج ~~إلى هذا الأقلف فسكتوا فذهب إلىأخيه[493]من الصف ليس فيها أخوته، فمر به ~~طالوت وهو يحرض الناس فقال: له داود ما ms3217 تضعون لمن يقتل هذا الأقلف فقال: ~~طالوت انكحه ابنتي، وأعطه نصف ملكي، فقال: داود أنا خارج إليه، وكان عادته ~~يقاتل بالمقلاع الحجر الذئب، والأسد، في المرعى، وكان طالوت عارفا، فأذنه ~~فلما هم دواد أن يخرج إلى جالوت مر بثلاث أحجار فقلن يا داود أخذنا معك ~~ففينا منية جالوت، ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر ~~فيه وقتل بعده ناسا كثيرة، فهزم الله جنود جالوت وقتل داود جالوت. انتهى. PageV22P396 # ثم قال تعالى:{ وآتاه الله الملك والحكمة} أي وأعطى الله داود الكتاب ~~والحكمة وأتيناهم ملكا عظيما، فدخلت النبوة، والإمامة تحت هذا، وداود عليه ~~السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام، وقوله:{وعلمه مما يشاء} أي وعلم دواد ~~من الحكم وأحكام الدنيا وغيرها ما شاء أن يعلمه من أنواع العلوم الصنعة ~~للدروع، وكلام الطير والدواب، ثم قال تعالى:{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لفسدت الأرض} أي مصالحها من الحرث، والنسل، أي لغلبه المفسدون، ومعناه ~~يكف فساد بعضهم ببعض. # قال الحسين بن القاسم عليهما السلام : أي لولا دفاع الله الظالمين ~~بأوليائه المؤمنين وجهادهم مع الأئمة الهادين الطاهرين لفسدت الأرض بالبدع ~~التي يحدثها الجبارون، والسير التي سير بها الكفر الجائرون، ولكن الله تفضل ~~بذلك على العالمين ليبين لهم دين الحق، ويهلك دين المبطلين. انتهى. # وفي البرهان ريونا عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: إن الله ~~عزوجل يدفع عن البر بالفاجر. # وروي في في البلغة: عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: في تأول ~~هذه الآية ولولا دفاع الله الهلاك بالأبرار عن الفجار لعم الأرض الفساد، ~~وهذا قريب مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن الله ~~تعالى أنه قال: ((لولا رجال ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب ~~صبا)) وقيل: ولولا دفاع الله بإلطافه المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب ~~الفاجرين لعم الأرض الفسادن، وقيل: لولا دفاع الله بالسلطان والمراد به ~~أئمة المسلمين ومن يتولى الأمر بأمرهم واستخلافهم الذين يحفظون سمة ~~الأعلام، وينفذون أحكام الله ms3218 لعم الأرض الفساد، وهذا مثل ما يروي ما يزغ ~~السلطان أكثر ما يزغ القربان، يقال: وزغ وتزغ أي كف. انتهى. PageV22P397 # وأما قوله تعالى:{ ولكن الله ذو فضل على العالمين} قد مر بيان مثله في ~~غير[494] موضع والمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق العام يعم الناس ~~كلهم، ثم قال عزوجل: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} تلك إشارة إلى ~~القصص التي ذكرناها من حديث الألوف وإماتتهم وحياتهم وتهلك طالوت وله إظهار ~~الآية وهي نزول التابوت من السماء، وغلبته الجبارة على يد داود وهو صبي ~~فقير، ولا شك أن هذه الأحوال آيات قاهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى، ~~وحمكته، ورحمته، ومعنى نتلوها أي نوجبها إليك بعد شيء؛ لأن فيها عبرة لمن ~~اعتبر، وعظة لمن اتعظ، ومعنى بالحق أي باليقين الذي لاشك فيه عند أهل ~~الكتاب؛ لأنه في كتبهم، كذلك من غير تفاوت أصلا، أما قوله تعالى: {وإنك لمن ~~المرسلين} ففيه تنبيه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه، منها ما في ~~هذه الأخبار من الدلالة على نبوته؛ لأن ما أخبر به كان من الغيب، ومنها أنه ~~أوحى إليه كما أوحى إلى المرسلين، فيلزمك من الصبر وتحمل المشقة مثل ما ~~لزمهم، كما قال تعالى: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} وقيل فيه ~~استدعاء له إلى القيام بما أرسل به، كما قام الرسل عليهم السلام، وقيل: كما ~~نصب الله تعالى تلك الآيات جعلك يا محمد من المرسلين، قوله تعالى:{ تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم} بسبب تفاضلهم الحسنات{على بعض} أي تلك الرسل المذكورة ~~في هذه السورة، والذي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وقوله تلك ابتداء، والخبر فضلنا بضعهم على بعض بأن جعل لبعضهم منزلة أعلى ~~من منزلة غيره، كما بينه في الآية بقوله:{منهم من كلم الله} من غير سفير ~~وواسطة، كما كلم موسى عليه السلام، ثم قال:{ ورفع بعضهم درجات} أي جعل درجة ~~بعضهم أعلى من درجة غيره في الفضل، أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل ms3219 من PageV22P398 بعض، وعلى أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الكل لزيادته في ~~المعجزات، بلغت إلى ألف أو أكثر، وكفى بالقرآن الباقي على وجه الدهر، وبعث ~~إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء ~~عليهم السلام، ومعنى قوله تعالى:{وآتينا عيسى ابن مريم البينات} أي ~~المعجزات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، {وأيدناه بروح القدس} أي ~~قويناه بجبريل عليه السلام، والأنجيل، ويحتمل أن يكون القدس صفة المحذوف ~~فيراد به الله تعالى، كقوله سبحانه: {وروح منه} أي خلقه، ويحتمل أن يريد ~~بالقدس الروح منه القدس، فيكون صفة لروح عيسى، وجبريل أيضا، والوجه في تعلق ~~هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمدا صلى الله ~~عليه وآله وسلم [495] من أخبار المتقدمين مع قومهم كسؤال قوم موسى أرنا ~~الله جهرة، وقولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا ~~منه إحيا الموتى، وإبرا الأكمه والأبرص بإذن الله، فكذبوه وراموا قتله، ثم ~~أقام فريق على الكفر، وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه، وادعى اليهود ~~قتله، وصلبه على ما كذبهم الله تعالى فيه، وكالملاء من بني إسرائيل حسدوا ~~طالوت ودفعوا ملكه بعد المسئلة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، ~~............الله رسوله على رأى من قومه من التكذيب، والحسد، فقال: هؤلاء ~~الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس ~~قد نالهم من قومهم ما ذكرناه، ذلك بعد مشاهدتهم المعجزات، وأنت رسول مثلهم ~~فلا تحزن على ما ترى من قومك، ثم قال عزوجل مخبرا عن قدرته:{ولو شاء الله ~~ما اقتتل الذين من بعدهم} أي من بعد الرسل، فهذه المشية مشية الإقتداء رأى ~~ولو شاء الله أن يمنعهم من الإقبال إلجاءا وخبرا لقدر عليه، إلا أنه لايجب ~~ذلك في الحكمة مع ثبات التكليف، وهذا مثل قوله تعالى: {لعلك PageV22P399 باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين} وقوله:{ولو شاء ربك لامن من ms3220 في الأرض كلهم جميعا أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} فبين أنه تعالى لو جاز الإكراه لكان الله ~~أقدر على ذلك، وقوله:{من بعد ما جاءتهم البينات} أي الآيات، والدلالات، ~~والحجج الواضحات، بأن الرسل على حق{ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من ~~كفر} دلت الآية على أن الإيمان والكفر من فعل العباد، وعلى أن الله إنما لم ~~يشاء الكفر منهم؛ لأنهم كانوا مكلفين، وقوله:{ولو شاء الله ما اقتتلوا} قيل ~~تأكيد، وقيل: معناه هاهنا ولو شاء الله ما اقتتلوا بأن يأمر المؤمنين بأن ~~يكفوا عن قتالهم، فالأول من باب الإقتداء على الإلجاء. # والثاني: في منع المؤمنين عن القتال بالأمر، فلا يكون تكرارا معينا، ثم ~~قال:{ ولكن الله يفعل ما يريد} من النصرة، وما توجبه الحكمة من التخلية ~~للخلاف، ومن التكليف الذي هو مبنى على الأختيار وعدم الإلجاء والأضطرار، ~~دلت على حسن التخلية من الله، وعلى قبح الأختلاف المؤدي إلى الكفر قوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم}. PageV22P400 # قال بعضهم: اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل ~~المال في الإنفاق، فلما قدم الأمر بالقتال عقبه بالأمر بالإنفاق، وايضا فيه ~~وجه آخر وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله[496]{ وقاتلوا في سبيل ~~الله} ثم عقبه بقوله{من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} والمقصود منه إنفاق ~~المال في الجهاد وهو قوله تعالى {ياأيها الذين آمنوا أنفقوا} إذا عرفت وجه ~~النظم فالمفسرون اختلفوا في أن قوله انفقوا مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة ~~وهو عام في كل الإنفاقات سوى كانت واجبة أو مندوبة، فقال الحسن: هذا الأمر ~~مختص بالزكاة لاتصال الوعيد. # وقال الأكثرون: الأمر يتناول الواجب والمندوب وليس في الآية وعيد فكأنه ~~قيل حصلوا منافع الآخرة حين يكونون في الدنيا فإنكم إذا خرجتم من الدنيا ~~لايمكنكم تحصيلها واكتب بها في الآخرة. # والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد وهذا قول الأصم. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب الإنفاق في الجملة ~~وتفسر بالزكاة والإنفاق في الجهاد ويسد رمق مجترم ms3221 الدم وما يبلغه إلى ما ~~يستغيث به. انتهى. PageV22P401 # ثم قال تعالى:{ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} أي من قبل أن يأتي يوم ~~القيامة فإنه يوم لاتجارة فيه ولا مبايعة فيبايعون ما يتعون به ثم قال:{ ~~ولا خلة} الخلة خالص المودة أي ولاينفع خليل خليلا ولا صادقة يتسامح لأجلها ~~وهو كقوله تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ثم قال عزوجل: ~~{ولا شفاعة} أي ولايكون للظالمين شفيع يشفع في إزالة العقاب عنهم وهو كما ~~قال الله تعالى:{ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وقوله تعالى:{ ~~والكافرون هم الظالمون} أي هم الذين أضروا بأنفسهم بفعل ما استحقوا عليه ~~الخلود في النار كما قال تعالى:{ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون}. # وقال في الكشاف : أراد التاركون للزكاة هم الظالمون وذكرهم، بلفظ الكفر ~~للتغليظ كما في آية الحج{ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} قلت: ويحتمل أن ~~يراد بالكفر كفر النعمة؛ لأن الكفر كما قال الهادي عليه السلام: كفران، كفر ~~جحدان، وكفر نعمة، للواحد الرحمن. PageV22P402 # قال في النجم الزاهر: في هذه الآية مالفظه، وفيه دلالة على أن الظالم يسمى ~~كافرا؛ لأن الكافرين والظالمين إسم جمع، فجرى مجرى قوله وكل الكافرين هم كل ~~الظالمين، فجرى مجرى الحقيقة له، فصح عسكه، مثل قوله كل ماله أول فهو محدثن ~~ولك محدث له أول وهو مذهب الهادي والقاسم والناصر[497]يشفعون لأهل الكبائر ~~فيدفع الله العذاب المستحق عليهم بشفاعتهم وشبهوا ذلك بما رأوه من حال ~~السلاطين ومن يتشفع إليهم الجرم وهذا قياس فاسد وذلك إنما يفعله العباد من ~~هذا الجنس من ضرب وحبس وتأديب لايكون على وجه استحقاق لأنهم لايفرفون ~~مقادير ما ارتكبوا ولا مقادير ما استحقوا على ذلك الفعل وهم لايثقون ~~ببقائهم إلى ذلك الوقت ولابأن تبقى قدرتهم على ذلك إلى ذلك الوقت وإنما هو ~~على سبيل الإخبار عن عزمهم عليه والله تعالى إذا خبر عن شيء أبخر عنه على ~~سبيل القطع والعلم بمقادير المستحقات على التفصيل وإذا توعد لم يجز عليه ~~الخلف ms3222 كما إذا توعد لايجوز أن يخلف وعده هذا ولا يعقل في الشاهد شفاعة على ~~نحو ما ذهبوا إليه وذلك أن عبدا لو كان يهتك حرمة سيده وجنى جناية عظيمة ~~وآجر على ذلك ولم يقدم عذرا ثم أنه جاء إلى ندمائه وخواصه والتمس منهم أن ~~يتشفعوا له إليه برده إلى منزلته وحالته الأولى وهوغير معتذر لما أتاه بل ~~هو مصر عليه لعد سخيفا جاهلا ولعد من يقوم بشفاعته مثله جاهلا ولو أنه ندم ~~على ما فعله وجا معتذرا ثم توسل بهم إليه لتقبل عذره على هذا الوجه وذلك أن ~~الله يعطي الكرامات لأهل الجنة بشفاعة الأنبياء ويرفع لهم الدرجات وله نظير ~~في الشاهد ولو أن الملك إذا اراد يكرم بعض أصحابه بخلع وغيرها جعل ذلك على ~~أيدي خواصه وهذا معقول فأما أن يتشفع الأنبياء عليهم السلام لأهل الكبائر ~~حتى لايعذبوا وهم مستحقون العذاب في الآخرة فليس عليه دليل لأن الله تعالى ~~قال:{ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وقال:{ ولا يشفعون إلا لمن PageV22P403 ارتضى} ومن ارتضاه الله لايكون فاسقا ولاظالما قال تعالى:{ يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} ونحو هذا أكثر في القرآن ~~فأما ما روي أن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي فإنما هو الخبر ثم لو صحت هذه ~~الرواية لوجب أن يتأول على وجه يوافق الآية فيقول يجوز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أراد بذلك إزالة الإيهام لئلا يتوهم أن شفاعته إنما ~~تكون لمن لم يرتكب قط كبيرة [499] فبين أن من ارتكب كبيرة ثم تاب عنها وكان ~~قد أنتقص ثوابه وانحطت منزلته بارتكابه الكبيرة فإنه يتشفع له على الوجه ~~الذي بيناه. انتهى. # ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رأه عزوجل مصلحة ذكر ~~بعده ما يتعلق بعلم التوحيد فقال سحبانه وجل عن كل شأن شأنه:{الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم}. # قال بعضهم: اعلم أن من عادته سبحانه في هذا الكتاب الكريم أن يخلط هذه ~~الأنواع الثلاثة بعضها ms3223 ببعض، أعني علم الأحكام، وعلم التوحيد، وعلم القصص، ~~والمقصود من ذكر القصص إما توكيد دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام ~~الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن؛ لأن بقاء الإنسان في ~~التوحيد الواجد كأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلم إلى نوع ~~آخر فكأنه ينشرح به الصدر، ويفرح به القلب، وكأنه مسافر من بلد آخر، ومنتقل ~~من بستان آخر، ولاشك أنه يكون ألذ وأشهى. PageV22P404 # وفي فضل هذه الآية ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولايدخلها ~~ساحر، ولاساحرة أربعين ليلة)) وعن علي عليه السلام سمعت نبيكم على أعواد ~~المنبر وهو يقول: ((من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من ~~دخول الجنة إلا الموت، ولايواضب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ ~~مضجعه أمنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات الذي حوله)) وتذاكر ~~الصحابة فضل ما في القرآن فقال لهم علي عليه السلام: أين أنتم من آية ~~الكرسي؟ ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ياعلي سيد البشر ~~آدم، وسيد العرب محمد ولافخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، ~~وسيد البقرة آية الكرسي)) وعن علي عليه السلام أنه قال: لما كان يوم بدر ~~قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنظر ماذا يصنع قال: ~~فجئت وهو ساجد يقول يا حي ياقيوم ولايزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم ~~جئت وهو يقول ذلك فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه وكان لايزيد على ذلك إلى ~~أن فتح الله له. # واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، فكلما كان المذكور ~~والمعلوم أشرف وكان الذكر والعلم أشرف وأشرف المذكروات والمعلومات هو ~~الله[500] سبحانه بل هو متعال عن أن يقال: أنه أشرف من غيره؛ لأن ذلك يقتضي ~~نوع مجانسة، ومشاكله، وهو مقدس عن مجانسة ماسواه، فلهذا السبب كل كلام ~~اشتمل على نعوت جلاله، ms3224 وصفات كبريائه كان ذلك الكلام في نهاية الجلالة ~~والشرف، ولما كانت هذه الآية كذلك لاجرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى ~~أقصى الغايات، وأبلغ النهايات. انتهى. PageV22P405 # فمعنى قوله سبحانه: {الله لا إله إلا هو} أي لا يستحق العبادة إلا هو، ~~وقوله تعالى:{ الحي القيوم} تمدح بكونه حيا على وجه باين به الأحياء كلهم؛ ~~لأنه حي لذاته لا لمعنى، ولايجوز عليه الموت والفناء، وكل حي سواه يأتي ~~عليه ذلك، وهو كما تمدح به في آية آخرى بقوله: {وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت} وما روينا أنه صلوات الله عليه وآله وسلم ما كان يزيد على شكره في ~~السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الأسم. # قال في البلغة: وقيوم أصله في اللغة قيوم على وزن فيعول، فقلت واوه ياء؛ ~~لآن الياء الساكنة إذا كانت بعدها واو متحركة قلبت يا، ومعناه القائم ~~بتدبير خلقه، وقيل: معناه لاعلم بالإمور وهو من قولهم فلان يقوم بهذا ~~الكتاب أي هو عالم به، وقيل: معناه أنه الدائم الموجود، وقيل: معناه القائم ~~على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها؛ لأنه عالم بأعمالها لايخفى عليه ~~شيء منها، ثم أنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله:{لا تأخذه سنة ~~ولا نوم} السنة ما تقدم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس، قال الشاعر: # وسنان أقصده النعاس ... فربعت في عينه سنة وليس بنائم # فتمدح الله تعالى بأنه حي لايأخذه نوم لأنه مباين لسائر الأحياء ولايجوز ~~عليه ما له لا يأخذ النوم ويعتري الأحياء المحدثين المخلوقين لأنه ليس بجسم ~~ولاجوهر ولاله شهوة طعام ولا غيرها من الشهوات ثم أنه تعالى لما بين كونه ~~قائما بمعنى كونه قائما بذاته لاغتر عن تدبير خلقه لأنه القائم بأمر الطفل ~~لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل رتب عليه حكما وهو قوله عزوجل {له ما في ~~السماوات وما في الأرض} أي هو المالك لما في السماوات والأرض من الحيوانات ~~والجمادات وهو الذي خلقها فتمدح بذلك ولايجوز أن يقال: دخل الجنة خلق ~~المعاصي ms3225 لأنه لايجوز أن يتمدح بخلق المعاصي يإضافتها إلى نفسه. PageV22P406 # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على أ، ما لعموم الأجناس وأنه ~~سبحانه مالك لجميع ماذرا وبرأ وليس لنا من ذلك إلا ما [501] تفضل به علينا ~~وأنه يجب شكره سبحانه على ما ملكنا وعلى إجادنا وأن الثواب على ما ينفقه ~~والعوض على ما ينقص من ذلك تفضل محض لأنه سبحانه هو المالك لنا ولما حولنا ~~من النعم فله الحمد كثيرا بكرة وأصيلا. انتهى. # ولما ثبت أنه الملك لكل ما سواه ثبت أن حكمه في الكل جار وليس لغيره في ~~شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره وهو المراد بقوله تعالى:{ من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} وقوله:{ يعلم ما بين أيديهم} عبارة عن الماضين{وما ~~خلفهم} عبارة عن المستقبل أو في الآخرة مما كان قبلهم وما يكون بعدهم يعني ~~الملائكة والأنبياء دل عليه قوله من ذا الذي يشفع عنده. # قال في البلغة: قيل معناه يعلم ما مضى من الدنيا قيل هؤلاء العباد الذين ~~ذكرهم الله في الآية ويعلم ما خلفهم من الآخرة وقيل: ما يكون بعدهم في ~~الدنيا قال:{ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} العلم بمعنى المعلوم ~~هاهنا وهو كما يقال: في هذا الكتاب علم أمير المؤمنين عليه السلام وعلم ~~أولاده وعلم أبي حنيفة والشافعي والمراد معلومهم وكما يقال: عند ظهور رأية ~~عظيمة هذه قدرة الله والمراد به مقدور الله أي العباد لايحيطون بشيء من ~~معلومات الله إلا ما علمهم إياه ثم لما بين تعالى كمال ملكه وحكمه في ~~السموات والأرضين بين أن علم فيهما وفيما وراهما أعظم وأجل فقال:{وسع كرسيه ~~السماوات والأرض}. # قال في البرهان: الكرسي العلم ومنه قيل للصحيفة الكتوب فيها العلم كراسه، ~~ومنه قول الراجز: # حتى إذا ما اختارها تكرسا # أي تعلم. انتهى. PageV22P407 # ثم بين تعالى عظيم قدرته ونفاذ حكمه ومشيئته[502] وروي عن جعفر بن محمد ~~عليهما السلام عن آبائه صلوات الله عليهم أنهم قالوا: في تأويل هذه الآية ~~وسع علمه السموات والأرض. انتهى. ms3226 # فالكرسي عبارة عن علمه تعالى أي أحاط بكل شيء علمه عن ابن عباس ومجاهد. # قال في الكشاف: وما هو إلا تصوير لعظمته وتحخييل فقط ولا كرسي ثم ولاقعود ~~ولاقاعد كقوله{وما قدروا الله حق قدره}، {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه} من غير تصوير قبضته وطي وتميزه وإنما هو تخييل ~~لعظمت شأنه وتمثيل حسي، ألاترى إلى قوله {وما قدروا الله حق قدره}. انتهى. # قلت: وهذا معنى كلام أئمتنا عليهم السلام، وأما قول من اعترض ذلك بأنه ~~يلزم من ذلك نفي الصفات ويلزم أن يكون الكرسي هو الذات إذ قولهم علمه ذاته ~~والكرسي هو العلم نقض موضوع اللغة لكون المضاف غي المضاف إيه لغة وعرفا ~~وخلاف موضووع العربية. # فالجواب عنه ماذكره بعض علماء آل محمد عليهم السلام: أن هذا الأعتراض وهم ~~وخطأ نشأ من قياس الخالق جل وعلى على المخلوق ولا يومن معه الخطر العظيم ~~والله يقول{ليس كمثله شيء} وأنه عالم بغير علم وموصوف بغير صفة وأنه مغاير ~~للأشياء في كل شيء كما هو صريح قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في نهج ~~البلاغة وصريح قول القاسم والهادي وغيرهما من أئمتنا عليهم السلام، وقوله ~~بل يلزم أن يكون الكرسي هو الذات. PageV22P408 # الجواب فيه كما قدمنا أن الكرسي في قوله تعالى:{ وسع كرسيه السماوات ~~والأرض} عبارة عن علمه جل وعلا بالمعلومات وإحاطته بها لا كإحاطة الأسوار ~~بل لأنه لايخفى عليه شيء في السموات والأرض وعلمه جل وعلا هو ذاته كما تقرر ~~لاستحالة أن يكون له صفة غيره وقد أوسع في هذا المعنى الهادي عليه السلام ~~حيث قال: فصار في جوفها ملتمة عليه ليس فيها صدع ولا ثقب ولا في جوفها منها ~~مخرج حتى يأذن الله عزوجل إلى قوله وسأذكر لك إحاطة الكرسي بالإشياء خبرا ~~مذكورا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عن أبي ذر رحمة الله عليه أنه ~~قال: يارسول الله أي آية أنزلها الله تبارك وتعالى عليك أعظم؟ قال:((آية ~~الكرسي)) قال: ((يا أبا ذر ما في السماوات والأرض ms3227 عند الكرسي إلا كحلقة ~~ملقاة في فلاة من الأرض)) فانظر إلى ما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يريد آية الكرسي يشمل[503]على السموات والأرض كما اشتملت الأرض على ~~الحلقة الملقاة في جوفها فدخلت السموات والأرض في الكرسي كما دخلت الحلقة ~~في الأرض إلى قوله عليه السلام وكان هذا الكرسي من وراء كل شيء واسعا لكل ~~شيء فلم يبق عرش ولا مخلوق ولا سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا جن ولا ~~أنس ولا ملائكة ولا هوى ولا شي مما خلق الله عزوجل حتى يكون في هذا الكرسي ~~لقول الله سحبانه{وسع كرسيه السماوات والأرض} إلى قوله عليه السلام فاعرف ~~هذا الكرسي معرفة جيدة وتدبره وانظر فيه نظرا مكررا فإني قد كررت لك الوصف ~~لتدبره وتعرفه فإذا عرفته ووقعت عليه فانظر الآن إلى إلا ما ذهب إليه وما ~~الذي أريد بهذا الكرسي. PageV22P409 # واعلم رحمك الله أن هذا الكرسي مثل ضربه الله تعالى لعباده ليستدل به ~~العباد على عظمة الله تبارك وتعالى وإحاطته بالأشياء واتساعه لها إلى قوله ~~وليس ثم كرسي مخلوق ولا شيء سوى الله الخالق أحاط بجميع ما خلق فليس شيء ~~مما خلق الله عزوجل إلا والله سبحانه محيط به إلى قوله عليه السلام: فإذا ~~عرفت الله سبحانه ووصفته بهذه الإحاطة التي ذكرت لك فقد عرفت الله حق ~~المعرفة، ألا تسمع إلى قوله تعالى{ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} إلى ~~قوله فانظر إلى هذه السموات والأرضين ما أوسعها وأعظمها وساصغرهما لك الآن ~~في عظمته تعالى حتى تعلم علما يقينا أنه لاشيء أعظم من الله عزوجل، قال ~~الله:{وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه} فمثل الله صغر الأرض وعظمته وقدرته كالقبضة في لاكف وكذلك ~~قال:{والسماوات مطويات بيمينه} فكان هذا مثلين من أمثال الله عزوجل يحكيان ~~عن عظم الله تبارك وتعالى وصغر اكلام به إلا أنا أحببنا الأتيان بلفظه ~~لإزالة تلك الشبه التي أوردها المعترض وليزداد طالب الرشد معرفة وإيقانا ~~بأن الكرسي وإن كان ms3228 المراد به العلم وعلم الله سحبانه ذاته فلا يلزم منه ~~ماتوهمه المعترض من نقض موضوع اللغة والعربية لأن اللغة والعربية جاريان ~~بذلك كلام العرب مشحون بالامثال والمجازات المفردة والمركبة، ألا ترى أنهم ~~يقولون هذا وجه الحق وعين الصدق ونفس الصواب، وقيل: ليس المضاف عين المضاف ~~إليه ويقولون للمخير في أمر فلان صار بقدم رجلا [504]ويؤخر أخرى ولايريدون ~~رجلا على الحقيقة وغير ذلك كثير. # واعلم أن في الكرسي ثلاثة أوجه: # أحدها: العلم كما مر تسمية للعلم لكأنه الذي هو كرسي العالم. PageV22P410 # الثاني: أن الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل على مقعد القاعد ومع هذا وسع ~~كرسيه السماوات والأرض وهذا التصوير لعظمته عزوجل ولا كرسي ثمة ولا قعود ~~ولاقاعد. # الثالث: أن المراد بالكرسي الملك أي وسع كرسيه ملكه تسمية للملك بمكانه ~~الذي هو كرسي الملك. # قال الإمام محمدح بن الإمام القاسم بن إبرايهم عليهم السلام: في كتابه ~~الثمانية الأصول في الإيمان مالفظه: اعلم أن السماء والأرض محلهما في ملك ~~الله تعالى من صغرهما في ملكه كبيت في صحراء أنا يرتفع البيت في الصحراء ~~وكمحل حلقة في أرض فلاة كما قال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك قال ~~الله تعالى:{كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده} معناه وسع كرسيه السماوات ~~والأرض إلى آخر كلامه عليه في ذلك ثم بين تعالى عظيم قدرته ونفاد حكمه ~~ومشيئته فقال:{ ولا يئوده حفظهما} أي لايثقله حفظ السماوات والأرض ولايتعذر ~~عليه ذلك والها في يئوده راجعة إلى اسم الله تعالى، وقيل: راجعة إلى ~~الكرسي، ثم قال:{ وهو العلي العظيم} عظيم الملك والقدرة علا بالإقتدار ~~ونفود السلطان، وقيل: على عن الأشياء والأمثال وعظم الشأن والسلطان لآنه ~~قادر لايعجزه شيء وعالم لايخفى عهليه شيء قوله تعالى:{ لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي} للمفسرين في تأويله أقوال. PageV22P411 # قال أبو مسلم، والقفال: معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الأخبار ~~والقسر وإنما بناه على التمكين والأختيار واحتج القفال على أن هذا هو ~~المراد بأنه تعالى لما بين دلائل التوحيد ms3229 بيانا شافيا قاطعا للعذر قال: بعد ~~ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في في الإقامة على الكفر ~~إلا أن .........على الإيمان وخبر عليه وذلك مما لايجوز في دار الدنيا التي ~~هي دار الإبتلاء والإمتحان ونظير هذا قوله تعالى:{ فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر} ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية:{ قد تبين الرشد ~~من الغي} يعني ظهرت الدلائل ووضحت البينات ولم يبق بعدها إلا طريق القسر ~~والإلجاء والإكراه وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير[505] هذا ~~التأويل، وقيل: هذا الحكم في أهل الكتاب خاصة لأجل أخذ الجزية عنهم ~~والمقتصر بهم على ذلك، وقيل: هو فيمن دخل في الإسلام بعد الحرب أي لايقال: ~~أنه دخل مكرها، لأنه إذا رضى بعد الحرب بالإسلام وصح إسلامه لم يكن مكرها، ~~وقيل: نزلت الآية في بعض أبناء الأنصار كانوا يهودا، وأريد إكراههم على ~~الإسلام، وقيل: الآية منسوجة بالآيات التي أنزلت بالحروب في سورة براءة ~~وغيرها. PageV22P412 # قلت: والأحسن في معنى هذه الآية الكريمة ما ذكره الهادي إلى الحق عليه ~~السلام جوابا على علي بن محمد بن عبد الله العلوي وقد سأله عن معنى هذه ~~الآية فقال: هذا أمر من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~يقوله لكفرة قريش وجاهليتها فيما كانوا يفعلونه بمن أسلم منهم وآمن واتبع ~~محمدا صلوات الله عليه وآله وسلم، وذلك أنهم عاقدوا رسول الله عليه السلام ~~يوم هدنة الحديبية على أنه يرد إليهم من أتى من أصاحبهم، وعاقدهم على ذلك ~~وأوجبه صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه بأمر الله، فكان يرد إليهم من ~~أتاه تائبا راغبا في الإسلام منهم فيكرهونه على ترك الإسلام، وعلى الدخول ~~في دينهم والرجوع، فلما انقضى العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبينهم أمره الله أن لايرد إليهم أحدا ممن هاجر إليه، واعلمه أن ~~الحق قد بلغ منتهاه، وقامت شرائع الدين وظهرت أمور الله، وأنه لاسبيل ~~للكفرة إلى إكراه أحد ms3230 ممن اختار دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا رده ~~إلى دينهم، ومنعهم بهذا القول من الفي والرشد هاهنا فهو الحق والهدى وقيام ~~الحجة على الكفرة والأعداء، والفي فهو الباطل الذي كانوا فيه من كفرهم ~~وغيهم، ثم أذن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع عليهم السيف حتى ~~سلموا أو يبيدهم بالسيف، ومنعه من كل هدنة وموافقة، وأمره بقتلهم إن لم ~~يدخلوا معه كافة إلى الإسلام، ولم يرض في العرب إلا بالقتل أو الإسلام لا ~~غير ذلك، ولم يجزله أن يقبل منهم جزية كما قبل من الإسرائيلين من أهل ~~الكتابين، فهذا تفسير الإكراه في الدين لا ترخيص لكم في إكراه أحد على دينه ~~قد انتقل الأمر الأول وتبين الرشد والحق من الباطل. انتهى. PageV22P413 # قال في البلغة: أصل الفي سلوك طريق الهلاك، ويستعمل اللفظ في.......اي تبين ~~الرشد من الضلال، والإيمان من الكفر، والطاعة من المعصية، ثم قال تعالى:{ ~~فمن يكفر بالطاغوت} أي فمن تبرأ من كل ما يصغى ويضل عن الحق{ويؤمن بالله} ~~فيه إشارة إلى أنه[506] لابد للكافر أن يتوب أولا عن الكفر ثم يؤمن بعد ~~ذلك، الطاغوت أصله من الطغيان وهو طغوت على وزن فعلوت، كما يقول جبروت ~~ورهبوت، ورحموت، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع حركة، وانفتاح ما قبلها، ~~والطاغوت قيل: هي الأصنام، وقيل: هي المردة من الجن والإنس، وقيل: الشيطان، ~~وقيل: الساحر، وقيل: الكاهن والكفر بجميع ذلك واجب، وجمع الطاغوت طواغيت، ~~وقيل: الطاغوت يستعمل في الواحد والجمع، فأخبر سبحانه إيمان من كفر ~~بالطاغوت وآمن بالله{فقد استمسك بالعروة الوثقى} من الحبل الوثيق المأمون ~~إنقطاعه، والعروة ما يجعل في الذكر ونحوه ليمسك به، ومعنى{لا انفصام لها} ~~أي لا انقطاع لها، وهذا على وجه التمثيل، وهو من باب استعارة المحسوس ~~للمعقول؛ لأن من أراد إمساك شيء تعلق بعروته، فهذا هاهنا من أراد إمساك ~~الهدى تعلق لها، والفصم كسر الشيء من غير إبانة، والمقصود من هذا اللفظ ~~المبالغة؛ لأنه إذا لم يكن لها إنفصام فبأن لايكون لها إنقطاع ms3231 أولى ثم ~~قال:{ والله سميع عليم} قد مر بيان مثله وروى عطا عن ابن عباس قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين ~~كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية، فمعنى قوله ~~{والله سميع عليم} سميع بدعائك يا محمد، عليم بحرصك واجتهادك، وقوله ~~تعالى:{ الله ولي الذين آمنوا} أي ناصرهم ومعينهم في كل ما يهم إليه حاجة، ~~بما يقتضي الحكمة فعله ثم قال: {يخرجهم من الظلمات} أي من الجهل والعمى ~~{إلى النور} أي إلى العلم والهدى، ومن الشبه في الدين إن PageV22P414 عرضت أخرجهم بما يهديهم إلى حلها، وقيل: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان بالدلالة، والبيان، والإلطاف، شبه الكفر بالظلمات، والإيمان ~~بالنور، ثم قال تعالى:{ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} من شياطين الأنس ~~والجن{يخرجونهم من النور} أي البينات التي يظهر لهم{إلى الظلمات} ظلمات ~~الشك والشبهة. # قال في البلغة: الطاغوت أي الطواغيت، فأقيم لفظ الواحد مقام الجميع؛ لأنه ~~جنس واحد، كما قال عباس بن ............: # فقلنا اسلموا أنا أخوكم # فقد برئت من الأجن الصدور # ثم قال:{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} أي لازمون لها أبدا، ويحتمل ~~أن يرجع ذلك إلى الكفار، والطواغيت معا، فيكون زجرا للكل، ووعيد؛ لأن لفظ ~~أولئك إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى كل المذكورين وجب رجوعه إليهما معا، ~~والله اعلم.[507] PageV22P415 ثم أخبر الله تعالى على وجه التعجيب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~محاجة نمرود في الله، وكفره فقال عزوجل:{ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ~~ربه} ألم تر كلمة يوقف بها المخاطب على أمر تعجب منه، ولفظه لفظ الأستفهام، ~~وهو كما يقول أما ترى فلان كيف يصنع، هل رأيت كفلان في صنعه كذا أي حاج ~~الكافر إبراهيم عليه السلام في الله تعالى بالباطل وهو نمرود بن كنعان، ~~وقيل: هو أول من تجبر على وجه الأرض بادعاء الربوبية، أما قوله تعالى:{ أن ~~آتاه الله الملك} فقيل أن الضمير في أتاه يعود إلى النمرود، أي ms3232 لأجل أن ~~أتاه الله الملك، ومعناه أن إيتاؤه الملك بطرة وأرثة الكبر والعتوا حتى حاج ~~ووضع المحاجة في ربه موضع مايجب عليه من شكره على إيتاء الملك، كما يقال: ~~عاداني فلان لأني أحسنت إليه، قيل: إنما جاز من الله أن يؤتي الكافر ~~امتحانا لعباده، والملك هنا نعيم الدنيا، وسعة المال، وهذا جائز أن يعطي ~~الكافر، وإنما لايعطي الولاية، والأمر، والنهي، عن الحسن، وأبي مسلم، وقيل: ~~الضمير في أتاه يعود إلى إبراهم عليه السلام عن ابي حذيفة، وابي القاسم ~~ذكره الحاكم. PageV22P416 # قلت: وهو الذي في البرهان، والدليل عليه قوله تعالى:{ فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} أي سلطانا بالنبوة، والقيام بدين الله ~~تعالى، ولأن عود الضمير عائدا له وفي إيتاء الملك إبراهيم صلوات الله عليه ~~يقول المرتضى عليه السلام: معنى إيتائه فهو حكمه له وبه، فلما أن بعثه الله ~~إلى الخلق داعيا، وإلى الحق هاديا، كان صلوات الله عليه متبوعا لا تابعا، ~~وأمرا لا مأمورا، ملكه أمر الخلق، ونهيهم، إن طاعوه أصابوا خطهم ورشدوا في ~~أمرهم، فكان الأمر والنهي لإبراهيم بحكم الله، والملك له خالصان فكان حاله ~~في مخالفتهم له وبعدهم عنه كحال من أعطى شيئا وولي عليه فاغتصبه غيره ~~فانتزعه من يديه، والغاصب ظالم لاملك له، قال الله سبحانه في مثل ما ~~قلنا:{الذين إن مكناهم في الأرض} فذكر تمكينه لهم بها في الأرض جميعا، وقد ~~رأينا أنبياء الله وأولياؤه لايملكون من الأرض إلا يسيرا، وإنما أراد عزوجل ~~الذين حكمنا لهم بها ومكناهم من ولايتها، وأمرناهم بالقيام فيهان وإذاحكم ~~تبارك وتعالى لعبد من عبيده بذلك فقد مكنه منها، وأمره فيها، وليس اغتصاب ~~الظالم وظلمه لهذا المحق يزيل ما جعل الله له من التمكين والحجة على جميعهم ~~لله سبحانه يأخذهم بمخالفته، ويعاقبهم على مناولته وترك نصرته، والقيام ~~معه، فلما أن عاقبهم في مخالفتهم له كان هو الممكن في أمرهم المحكوم[508] ~~له بطاعتهم، والمفوض إليه أمرهم، المحكوم له بالأرض، الواجبة طاعته، ~~المفروض اتباعه، فإن قال: قائل واحتج بقول الله سبحانه:{ ms3233 وآتيناه من الكنوز ~~ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} وإذا أتاه الله ذلك فكيف يجوز ~~مقابلته. PageV22P417 # قال عليه السلام: تفسير وأتيناه في هذا وفي غيره يخرج على ثلاثة وجوه: منها ~~الإملاء له، وترك إزالة ملكه، فلما أن كان عزوجل يقدر على أن يذهبه ويزيله ~~...........جاز أن يقول أتيناه على مجاز الكلام، وهذا من لغة العرب صحيح ~~بتعارفه بينها إذا ترك أحدهم عقوبة مفسد عليه، قال: أنا أمرتك بالفساد ~~وطرقت لك إليه، يريد ترك المكافاةن وإنما خاطبهم الله بلغتهم. # والوجه الثاني: فهو خلق الله عزوجل للتبر فلما أن وجده ملكه قارون، فجاز ~~أن يقول سبحانه آتينا أي لولا خلقنا له ماوجده فكان هذا إذ ما لقارون إذا ~~استعان بنعم الله وإحسانه على معاصيه، ولم يؤد فيه ما أمرتنا ديته فالله ~~عزوجل جعل هذه الأموال وخلقها لمصالح عباده، ولأهل طاعته، فاستعانوا بها ~~على معصيته، وما حال الكنوز إلا كحال الماء، والطعام، والزرع، والنعم التي ~~أنعم الله بها على خلقه، فاستوى فيها البر، والفاجر لكمال أنعمه، وإقامة ~~الحجةن فيقول قائل إن بإطعام هذا الكافر وإسقائة الماء يلحق الله عزوجل في ~~ذم، بل ذلك إقامة حجة، وإبلاغ في المعذرة، وإكمال في النعمة، ألا تسمع كيف ~~يقول سبحانه:{ أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}، ~~{أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} ~~فذكر تبارك وتعالى أن هذه الأشياء وأمثالها منه نعمة وحجة على الخلق، ~~وأيتاؤه إياهم فإنما هو منه عزوجل إيجاده وخلقه، ولولا أنه سبحانه أوجده ~~وخلقه ما وجده أحد ولا أنتفع به. PageV22P418 # الوجه الثالث: فهو لما أن كان الملك لايقوم إلا بالخيل، والرجال، والعدة، ~~والسلاح، والأموال، والمماليك، وكانت هذه الأشياء خلقها الله عزوجل ~~وأوجدها، خرج اللفظ عن إيتاء هذه النعمة للذي هي معه يخلق الله لها، وذلك ~~تبكيت له، وتقريع بخطاياهن وقلة شكره على ما أفضى إليه مما جعله الله عونا ~~على طاعته، فصرفه أعداؤه في معصيته، كما قال سبحانه:{ زينا لهم أعمالهم} ~~والله لم يزين لهم عملا ms3234 وإنما أراد أنه أملا لهم، وأخر العقوبة عنهم، فأما ~~أن يكون عزوجل أعطى أهل الظلم ملكا أو حكم لهم به فالله من ذلك برئ سبحانه ~~وجل عن كل شأن شأنه، وقد قيل أن النمرود[509] عليه لعنة الله أفلجه إبراهيم ~~صلوات الله عليه، وقطع حججه، وبهره بالآيات العظيمة التي جابها، فلم يتوله ~~كلام، ولاحجة، كان آخر قوله لعنة الله عليه عند القهر له وثبوت الحجة عليه ~~وعلى من معه هل يستطيع ربك أن يقاتلني فقد طالت الحجة بيني وبينك وسر الله ~~تبارك وتعالى إلى إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم أن عدة طلوع الشمس غدا ~~فقال: إبراهيم فإن ميعادك فيما سألت طلوع الشمس غدا، فبات الملعون يجمع ~~عساكره، ويؤلف جمائعه، حتى أوضح وقد حشد خلقا عظيما لايحصي ثم أرسل إلى ~~إبراهيم حين أصبح فدعاه فقال: ياإبراهيم أين ماوعدتني؟ فقال عليه السلام: ~~أتاك الأمر مع طلوع الشمس فلما طلعت متغيرة لايبين ضؤها فقال: يا إبراهيم ~~ما بال الشمس اليوم؟ PageV22P419 # فقال: له إنه قد ذهب بنورها كثرة الجند الذين وجههم الله إليك، وأنه عزوجل ~~قد أرسل عليك أضعف جنده وهو الفراش، ثم غشى الملعون وأصحابه الفراش فعلق ~~يدخل أنافهم واذانهم، فكلما دخل في رأس واحد منهم شيء منه قتله، والملعون ~~ينظر إلى ما نزل به وبأصحابه من الأمر العظيم الذي لا حيلة لهم فيه حتى إذا ~~فتنوا وهو ينظر دخلت في رأسه واحدة من الفراش فأقبلت تأكل دماغه وهو ينطح ~~برأسه الجدر أبدا حتى هلك على شر حال، فهذا ما ذكر من خبره، وروي من أمره. انتهى. # ثم اخبر تعالى على تلك المحاجة فقال:{ إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت} احتج إبراهم عليه السلام على الكافر بأحياء الله الموتى، وأما ~~الإحياء ليريه بطلان ما يدعيه من الربوبية لنفسه؛ لأنه لايقدر على إحياء ~~الأموات، ثم قال تعالى حكاية عن الكافر:{قال أنا أحيي وأميت} فقيل له كيف ~~تفعل؟ قال: أخلى من الحبس من وجب عليه القتل فأكون قد أحييته، وأقتل من شئت ~~ممن لم ms3235 يجب عليه القتل فأكون قد أمته، فلبس على العوام بذلك فعدل إبراهيم ~~عليه السلام عن هذه الطريقة إلى طريقة لايمكنه أن يأتي فيها شبهة وتلبيس ~~ليفتضح، فقال تعالى:{ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب} أي فأت أنت بالشمس من ناحية المغرب طالعة إن كنت صادقا في ~~دعواك، قال تعالى:{ فبهت الذي كفر} أي تحير وانقطعت حجته{والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} أي لايهديهم الصواب في الجواب، ولا يلطف بهم، فلذلك بهت ~~نمرود، في الآ ية دلالة على صحة المناظرة في باب الدين، وعلى وجوب إيضاح ~~الحق بالحجج العقلية كما فعل إبرايهم[510] صلوات الله عليه وآله الطاهرين. PageV22P420 # ثم أخبر عزوجل عن قصة أخرى فقال: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها} الخوي الخلا، وأصله الخلو، ومنه خويى المنزل إذا انهدم؛ لأنه يخلوا ~~من أهله، ومعنى خاوية أي ساقطة عروشها أي سقوفها سقطت أولا، ثم تهدمت ~~الحيطان عليها، أو خاوية خالية عن أهلها، تقديره أو رأيت مثل الذي مر، فحذف ~~الدلالة ألم تر عليه؛ لأن كليتهما تعجيب، واختلفوا في الذي مربالقرية فقال: ~~قوم كان رجلا كافرا شاكا في البعث وهو قول مجاهد، وأكثر المفسرين من ~~المعتزلة قالوا وهو الظاهر لقوله أنى يحيي، استعظاما لقدرة المحيي، وقال ~~الباقون: أنه كان مسلما. # قال الحسين بن القسام عليهما السلام: يريد تعالى أو هل رأيت يا محمد مثل ~~رجل مر على قرية يعني رسولا من الرسل كان نبيا من أنبيا بني إسرائيل أخبر ~~الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم تعجيب خبره وبناه بما لم ير ولم يعلم به ~~من أمره. انتهى. # قال في البرهان، وقتادة، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هذا المار هو عزير، ~~وقال عطاء: عن ابن عباس هو أرميا وهو الخضر عليه السلام، وهو رجل من سبط ~~هارون بن عمران عليه السلام، وهو قول محمد بن إسحاق. PageV22P421 # وقال وهب بن.............أن أرميا هو النبي بعثه الله تعالى عند ما خرب بخت ~~نصر بيت المقدس، وأحرق التوراة، ومعنى { قال أنى ms3236 يحيي هذه الله بعد موتها} ~~أي كيف يحيي فأني بمعنى كيف هاهنا، أي قال: يا رب كيف تحيي هذه بعد موتها ~~أرني ذلك يا رب، واطلعني عليه، فأراه الله ما سأل في نفسه وحماره ليكون ذلك ~~أبين عنده من نظره واعتباره، وكان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل ~~التأكيد كما قال إبراهيم عليه السلام: أرني كيف تحيي الموتى، وقوله:{ أنى} ~~أي من أين كقوله أنى لك هذا، والمراد بإحيا القرية عمارتها أي من أين يفعل ~~الله ذلك فأحب الله أن يريه في نفسه وفي إحياء القرية آية{فأماته الله مائة ~~عام ثم بعثه} أي ثم أحياه بعد أن أماته مائة سنة، والفائدة في أن الله ~~تعالى أماته ماءة عام مع أن الأستدلال بالإحياء يعد يوم أو بعض يوم حاصل؛ ~~لأن الإحياء يعد تراخي المدة أبعده في العقول من الإحياء بعد قرب المدة، ~~وأحيا فلان بعد تراخي المدة ما يشاهد منه، وشاهد من غيره أعجب وإنما قال: ~~ثم بعثه ولم يقل ثم أحياه، لأن قوله ثم بعثه يدل على أنه عاد كما كان أولا ~~حيا عاقلا فهما مستعدا للنظر والإستدلال[511] في المعارف الألهية ولو قال: ~~أحياه لم تحصل هذه الفوائد، أما قوله تعالى:{ قال كم لبثت} فقد أجمعوا على ~~أن قائل هذا القول هو الله تعالى بواسط ملك وإنما عرف الخطاب من الله تعالى ~~لأن ذلك الخطاب كان مقرونا بالمعجز ولأن بعد الأحياء شاهد من أحوال حماره ~~بظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى ~~والمراد من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق، وأما قوله{قال ~~لبثت يوما} فقيل إنما دل ذلك لأن الله أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة ~~سنة في آخر النهار فقال: لبثت يوما ثم التفت فرأى بقية الشمس فقال: أو بعض ~~يوم وذلك أن ............طالت مدة PageV22P422 موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه وأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتا؛ ~~لأنه اليقين. # فإن قيل: هل علم أن ms3237 ذلك اللبث كان سبب الموت أو لم يعلم ذلك؟ # قلنا: لولم يعلم ذلك لم يحصل الغرض الأصلي المقصود بل كان يعتقد أن ذلك ~~اللبث كان بسبب الموت وذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إيحائه بعد مائة ~~سنة إن شاهد الإحيا بعد الإماته وذلك لايحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان ~~بسب الموت وأيضا فقد شاهد ما في نفسه أنه رجع إلى الأثار والأحياء فعلم بها ~~موته لأنه شاهد أولاد أولاده شيوخا وقد ترك أباهم مردا. انتهى. # ثم قال تعالى:{ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} اختلف القراء في الها ~~في الوصل من قوله لم يتسنه وما ليه وسلطانيه وماهيه بهد أن أجمعوا على ~~إثباتها في الوقف فقرأ بن كثير ونافع وابو عمر وابن عامر وعاصم هذه الحروف ~~كلها بانتصاب الهاء في الوصل كما في الوقف ولم يختلفوا في قوله تعالى ولم ~~أوت كتابيه ولم أدر ما حسبايه إنها بالهاء في الوصل والوقف ومعنى لم يتسنه ~~أي لم يتغير وأصل معنا لم يتسنه أي لم يات عليه السنون لأن مر السنين إذا ~~لم تغيره فكأنها لم تأت عليها، ونقل الرازي عن أبي علي الفارسي لم يتسنه أي ~~لم ينتصب الشراب، وقرأ ابن مسعود وانظر إلى طعامك، وهنا شرابك لم يتسنه. # قال في البلغة: ولايجوز أن يكون هذا من الأسن وهو المتغير يقال: أسن ~~الماء يأسن إذا تغير لأنه لو كان[512] منه لقيل لم يتأسن. انتهى. # قال: بعده:{ وانظر إلى حمارك} كيفي تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ~~ربطه فرأى الحمار وقد طار رميما وعظاما نخرة فعظم عجبه من قدرة الله تعالى ~~فإن الطعام والشراب يسرع الفيسير فيهما والحمار بما بقى دهرا طويلا وزمانا ~~عظيما وأي ما لايبقى باقيا وهو الطعام والشراب وما يبقى غير باق وهو العظام ~~فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى. PageV22P423 # قال في الكشاف: ويجوز أن يراد وانظر إليه سالما في مكانه كما ربطته وذلك من ~~أعظم الآيات أن يعشه مائة عام من غير علف ولا ms3238 ما كما حفظ طعامه وشرابه من ~~التغير، وروي أن طعامه كان من التين والعنب وشرابه كان عصير العنب ثم قال ~~تعالى: {ولنجعلك آية للناس} أي دلالة للناس إذا رجعت إليهم بعد مائة سنة ~~وإلى ذرياتهم، قيل: دخلت الواو في قوله ولنجعلك لاتصال اللام بفعل محذوف ~~كأنه قيل: ولنجعلك آية للناس ومافعلنا من الإماتة والإحياء ثم قال عزوجل : ~~{وانظر إلى العظام كيف ننشزها} أي نحيها والنشوز الحياة بعد الموت مأخوذ من ~~نشز الثوب لأن الميت كالمطوي روي أن الله أراه العظام وهي تجتمع وتلتم وتلف ~~بعضها إلىبعض أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره فإن اللام ~~فيه تدل على الكتابة. # وقال آخرون: أراد به عظام الرجل نفسه، قالوا: أنه تعالى أحيا رأسه وكانت ~~بقية بدنه عظاما نخرة فكان ينظر إلى أجزا عظام نفسه تجتمع ونتضم بعضها إلى ~~بعض حتى يرد كل شيء من أضائك إلى موضعه كما كان في حال حياتك، والنشر بالرا ~~أصله البسط أن ينشطها ويحيها وقوله تعالى:{ ثم نكسوها لحما} أي ثم يغطي ~~العظام باللحم كما يغطي الإنسان باللباس أي عظام الموت الذين تعجب من ~~حياتهم، أو عظام الحمار ثم قال سبحانه:{ فلما تبين له} واتضح كيفية إيحا ~~الموتى{قال اعلم أن الله على كل شيء قدير} أي لماتبين له أمر الإماتة ~~والإحياء على سبيل ما كتب اعلمه قبل ذلك استدلالا. # قال في البلغة: قال: اعلم قري بالجزم على معنى الأمر كأنه قال: الله له ~~اعلم ويجوز أن يكون ذلك على وجه التذكير[513] للنفس بالواجب وإن خرج اللفظ ~~مخرج الأمر لها وأكثر القرأ على قراءة اعلم بالقطع للألف ورفع الميم. PageV22P424 # ثم ذكر تعالى القصة الثالثة وهي أيضا دالى على صحة البعث فقال: عزوجل:{ وإذ ~~قال إبراهيمرب أرني كيف تحي الموتى} في العامل في إذ قولان: # قال الزجاج: التقدير واذكر إذ قال: إبراهيم. # وقال غيره: أنه معطوف على قوله ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم والتقدير ألم ~~تر إذا حاج إبراهيم في ربه ألم تر إذ قال: إبراهيم رب ms3239 أرني وذكروا في سبب ~~سؤال إبرايهم ودجوها: # الأول قال: الحسن، والضحاك، وقتادة، وعطا وابن جريج أنه رأى جيفة مطروحة ~~وسط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر وإذاجرز البحر جآءت السباع ~~فأكلت وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأ:لت وطارت فقال: إبراهيم رب أرني كيف ~~تجمع أجزا الحيوان من بطون السباع، والطيور ودواب البحر {قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن}المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الأستدلالي ضروريا. # الوجه الثاني: قال محمد بن إسحاق: والقاضي بسب السؤال أنه في مناظر ته مع ~~نمرود إنما قال: رب أرني كيف تحيي الموتى لتنكشف هذه الشبهة عن نمرود ~~وأتباعه، وروي أن نمرود قال: قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك فسأل الله ذلك، ~~وقوله {ليطمئن قلبي} بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني فإن ~~عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة بل كان لبسبب جهل المستمع. # والثالث: أنه عليه السلام إنما سأل ذلك لقومه وذلك لأن أتباع الأنبياء ~~كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة كقولهم لموسى عليه السلام ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فسأل إبراهيم عليه السلام ذلك والمقصود أن ~~يشاهد قومه فيزول الإنكار عن قولبهم. PageV22P425 # والرابع: قال الرازي: أن الأمة كما يحتاجون إلى العلم بأن الرسول صادق في ~~ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر عليه فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه ~~وإخباره بأن الله تعالى بعثه رسولا يحتاج إلى معجز يظهر على ذلك الملك ~~ليعلم ذلك الملك الرسول أن ذلك الملك ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع ~~الملك كلام الله احتاج أيضا إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله لا ~~كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال:[514] أنه لما جا الملك إلى ~~إبراهيم وأخبره أن الله بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجز فقال: {رب أرني ~~كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}على أن الآتي ملك ~~كريم ولاشيطان رجيم والأول من الوجوه والرابع هما الحسن والأولى والله اعلم. # وقوله تعالى:{ ms3240 قال أولم تؤمن قال بلى} أي أولم تصدق بذلك فألف أو ألف ~~إيجاب كقول الشاعر: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # ومعنى:{ ولكن ليطمئن قلبي} أي ليسكن بأن أزداد يقينا إلى يقيني واعلمه ~~عيانا بع أن علمته استدلالا فقوله بلى يدل على بطلان قول الطبري أنه كان ~~شاكا في ذلك وأدلة العقول قائمة على أن الأنبياء عليهم السلام لايجوز عليهم ~~الشك في الله تعالى وصفاته وعدله وحكته. انتهى. # ثم قال تعالى:{ فخذ أربعة من الطير} قيل كانت الطيور الديك والطاووس ~~والغراب والحمام أمره الله أن يقطعها ويخلط ريشها بدمها ثم يفرقها فيجعل ~~على كل جبل جزءا، وروي أنه قطعها ودقها بالمهراس، ومعنى {فصرهن إليك} أي ~~أملهن واممهن إليك لتحققها وتعرف أشكالها وهيئاتها(لئلا يظن المحيا غيرها، ~~قال: ولكن أطراف الرياح تصورها،. # وقال غيره: # وفرع يصير الجيد وخسف ... على الليث قنوان اكروم الدوالح PageV22P426 وقوله تعالى:{ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} قيل على كل جبل بأرضك وكانت ~~أربعة أجبل على حسب الطيور الأربعة أو على حساب الجهات الأربع أعني المشرق ~~والمغرب والشمال والجنوب. # وقال السدي، وابن جريج: تصح منه دعا الطير لأن ذلك لايتم إلا بالمشاهدة ~~والجبال التي كان شاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة وأقبل هو على العموم، ~~ومعناه اجعل على كل جبل أمكنك الوصول إليه وقدرت عليه جزءا من كل طاير{ثم ~~ادعهن يأتينك سعيا} مسرعات في طيرانهن أو يمشين على الأرض مسرعات والفائدة ~~في مجيئهن على الأرض ألا يشتبهن عليه بما يطير في الهوى، وروي أنه عليه ~~السلام أملا بذبحها ونتف ريشها[515] وتقطيعها جزءا جزءا وخلط دمائها ~~ولحومها ثم يسمك رؤسها ثم أمر بأن تجعل أحذائها على كل جبل ربعا من كل طائر ~~ثم يصيح بهن تعالين بأذن الله ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر ثم تكاملت ~~الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى راسها وانضم كل رأس جثته وصار الكل أحياء بأذن ~~الله تعالى على الحالة التي كن عليها قبل الذبح وإبراهيم عليه السلام ينظر ~~إلى ms3241 ذلك ثم قال عزوجل: {واعلم أن الله عزيز حكيم} هذا تنبيه له على علمه من ~~كونه قادرا لايعجزه شيء حكيم لما أراه من هذا الأمر العجيب. PageV22P427 # واعلم أن الله سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدا والمعاد ومن ~~دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف، والحكم ~~الأول: بيان التكاليف المعبرة في إنفاق الأموال فقال تعالى:{ مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ~~حبة} قيل في وجه اتصال الآية بما تقدم أنه تعالى لما أجمل في قوله {من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} فصل بعد ذلك بهذه الآية ~~تلك الأضعاف وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من ~~حيث كان لولا ذلك لم يحسن التكاليف بالإنفاق؛ لأنه لولا وجود الأدلة على ~~المثبت المعاقب لكان الإنفاق وسائر الطاعات عبثا، فكأنه تعالى قال: لمن ~~رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والإقتدار، ~~وقد علمت قدرتي على المجازاة..........فليكن علمك بهذه الأصول داعيا إلى ~~إنفاق المال، فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا وهو من ~~يذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة فصارت الواحدة بسبع مائة. # وقال الأصم: في وجه النظم أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل ~~بمايوجب تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس ~~والمال في نصرته، وإعلا شريعته، أماقوله {أنبتت} فالمنبت الله عزوجل، لكن ~~لما كانت السبب أسند إليها الإنبات، والسنبلة موضع الحب كالسنبلة في ~~الشعير، والمطو في الذرة، ومعنى إنباتها سبع سانبل في كل آي يطلع لها ساق ~~يتشعب منه سبع شعب، في كل واحدة سنبلة، فإن قيل: فهل رأيت سنبلة فيها مائة ~~حبة حتى يضرب المثل بها؟ PageV22P428 # قلنا: ذكروا في [516] الجواب وجوها: أحسنها قول القفال أن المقصود من الآية ~~أنه لو علم إنسان بطلت الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبع ms3242 ~~مائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك، ولا التقصير فيه، وكذبك ينبغي لمن طلب ~~الأجر في الآخرة عند الله أن لايتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحد سبع ~~مائة، وإذا كان هذا المعنى معقولا فسواء وجدوا في الدنيا سنبلة بهذه الصفة ~~أو لم توجد كان المعنى حاصلا مستقيما. # قال بعضهم: وهذا حسن جدا. # قال في البلغة: كأنه قيل الإنفاق في سبيل الله واحد بسبع مائة، وهذا ~~ممايختص الإنفاق، فأما سائر الطاعات فواحد بعشرة كما قال الله تعالى: {من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}. انتهى. # قيل والمراد بالنفقة هنا في الجهاد خاصة، قلت وهو قول أئمتنا عليم السلام ~~وقيل: جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلمن ومن الإنفاق في الجهاد على النفس، وعلى ~~الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح؛ لأن كل ذلك ~~معدود في السبيل الذي هو دين الله تعالى، وطريقه؛ لأن كل ذلك إنفاق في سبيل ~~الله، ثم قال تعالى:{ والله واسع عليم} واسع العطاء عليم بمن يستحق ~~المضاعفة ومن لايستحق. # ولما عظم تعالى أمر الإنفاق في سبيل الله أتبعه ببيان الأمور التي يجب ~~تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب، ومنها ترك المن والأذىن فقال سبحانه:{ الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى} معنى ~~إظهار التفاوت بين الإنفاق، وترك المن والأذى، وأن تركهما خير من نفس ~~الإنفاق، كما جعل الإستقامة على الإيمان خير من الدخول فيه بقوله:{ثم ~~استقاموا}. # واعلم أنه يقع الخسران بالمن من أربعة وجوه: # فوات المال، والجميل، والثواب، ولايسلم العقاب، والمن في اللغة على وجوه: PageV22P429 # أحدها: بمعنى الإنعام يقال: قد من على فلان إذا أنعم، ولفلان على منه أي ~~نعمه أنشد بن الأنباري: # مني علينا بالسلام فإنما ... كلامك ياقوت ودر منظم # والله سبحانه يوصف بأنه منان أي منعم. # الوجه الثاني: بمعنى النقص من الحق والتحسن له قال الله تعالى:{ وإن لك ~~لاجرا غير ممنون} أي ms3243 غير مقطوع وغير ممنوع ومنه سمى[517] الموت منون ومن ~~هذا الباب المنة المذمومة لأنها تنقص النعمة وتكدرها والعرب يتمدحون بترك ~~المن بالنعمة قال: قائلهم: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو العالم مشهر كبير # قال في البلغة: المن الذي نهى عنه هو مثل قول القائل قد أحسنت إلى فلان ~~وأتيت بمكانه كذا وجه يؤدي إلى تنقيض ذلك والأذى مثل أن يقول له قد ابتليت ~~بك وأنت أبدا فقيرا وكل على الناس وما أشبه ذلك انتهى. # وقيل: هو أن يذكر المحسن للمحسن إليه الصيغة ويريه أن له عليه حقا بما ~~فعل وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فأسروها وأحسن من قال: # وإن أمر أسدي إلى صنيعة ... وذكرينها مرة لبخيل # وفي الكشاف: المن أن يعتد على من أحسن بإحسانه ويريه أنه اسطنعه وأوجب ~~عليه حقا له والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أزال إليه. PageV22P430 # قال في البلغة: فمدح الله المنفقين في الجهاد وأبواب البر ولم يؤذوا ولم ~~يمنعوا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:((المنان بما ~~يعطي لا يكلمه الله يوم القيامة ولاينظر إليه يوم القيامة ولايزكيه وله ~~عذاب أليم عظيم)) ثم قال تعالى:{ لهم أجرهم} أي لمن لم يؤذوا لم يمن {أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} دلت الآية على قبح المن والأذى وعلى ~~أن الوعد قد يكون مشروطا لأن الله أوجب الثواب على الإنفاق إذا لم يمن ولم ~~يؤذا الفقير وعلى أن ثواب الطاعة يحيط بالمعصية التي يستحق بها العقاب فبين ~~سبحانه وتعالى أن من ينفق ماله ثم إنه لايبتعه المن والأذى فله الأجر ~~والثواب الجزيل، ثم قال: سبحانه{قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} ~~أي رد جميل ومغفرة من الله بسبب الرد الجميل ومغفرة وعفو عن السائل إذا ~~أوجد منه ما يشغل على المسؤل لأن الفقير إذا رد بغير مقصود شق عليه ذلك ~~فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان فأمر بالعفوا عن بذاءة الفقير والصفح عن ms3244 ~~إساءته أو من السائل لأنه يعذر بالرد الجميل، وقيل: لامراد من القول ~~المعورف رده بأحسن الطرق والمغفرة أن لايهتك بصتره بأن يذكر حاله عند من ~~يكره الفقير وقوفه على حاله[518] ثم قال عزوجل:{ والله غني حليم} لايحتاج ~~إلى من يمن ويؤذي، حليم لايعجل بالعقوبة. # ثم أنه تعالى وصف حال هذين النوعين من الإنفاق: # أحدهما: الذي يتبعه المن والأذى. PageV22P431 # والثاني: الذي لايتبعه المن والأذى، فشرح سبحانه حال كل واحد منهما فقال في ~~القسم الأول: {ياأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} قوله كالذي ينفق ماله ~~رياء أي كإبطال الذي ينفق ماله وهو ما يملكه رياء الناس أي يعطيه لرؤية ~~الناس له ليمدحوه ولأن يثنوا عليه، ويعظموه، لا لطلب ذلك من الله ولا ~~التقرب إلى الله، وهي جهالة عظيمة؛ لأن طلب المدح من المملوك دون المالك ~~يعد في فشل الجنون، ومن الأدنا دون الأعلى يعد سخفا عند العقلا. # قال القاضي: أنه تعالى أكد النهى عن إبطال الصدقة بالمن والأذى والكل ~~شبهة للمرجية بأن المن والأذى ببطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت ~~وتقدمت فلا يصح أن تبطل، فالمراد إذا إبطال أجرها وثوابها؛ لأن الأجر لم ~~يحصل بعد وهو مستقبل، فيصح إبطاله بمايأتيه من المن والأذى. # واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجرالصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله ~~أولا بمن ينفق ماله رياء الناس وهو مع ذلك كافر لايؤمن بالله واليوم الآخر؛ ~~لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان صدقة من يتبعها بالمن ~~والأذى، ثم مثله ثانيا بالصفوان وهو قوله تعالى:{ فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب فأصابه وابل فتركه صلدا} الصفوان الحجر الأملس الذي وقع عليه تراب ~~وغبار ثم أصابه المطر القوي عظيم القطر فيزيل ذلك الغبار عنه فيصير كأنه ما ~~عليه تراب وغبار أصلا، فالكافر كالصفوان والتراب مثل ذلك الإنفاق، والوابل ~~كالكفر الذي يحبط عمل ذلك الكافر، وكالمن والأذى اللذان يحبطان عمل هذا ~~المنفق، فكما أن الوابل زال التراب ms3245 الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى ~~يجب أن يكون مبطلين لآجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالإحباط ~~والتكفير. PageV22P432 # قال الجبائي: وكمادل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضا، وذلك على ~~أن من أطاع وعصى فلوا استحق ثواب طاعته وعقاب[519]معصية لوجب أن يستحق ~~النقيضين وذلك محال؛ ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة، ومنع الإثابة ظلم، ~~وهذا العقاب عدل فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث أنه حقه، وأن يكون ~~ظلما من حيث أنه الإثابة، فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك ~~محال، فصح قولنا في الإحباط والتكفير بهذا النص، وبدلالة العقل والله اعلم. # قلت: وهذا قول قدما أئمتنا عليهم السلام وغيرهم، وقوله فمثله في هذا ~~الضمير وجهان: # أحدهما: أنه عائد إلى المنافق فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان ~~المؤذي بالمنافق وبالحجر. # والثاني: أنه عائد إلى المنان المؤذي، ويكون المعنى أنه شبه بالمنافق ثم ~~شبهه بالحجر، ومعنى صلدا أي حجرا نقيا من التراب فبين تعالى أن المن والأذى ~~يبطلان الصدقة كما أن النفاق والرياء يبطلانها كما أذهب الوابل ما كان على ~~الصفوان من التراب، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المنفقون رياء {لا يقدرون على ~~شيء مما كسبوا}؛لأن الله أبطل عملهم، يجوز أن يرجع إلى المشبه، أي من أبواب ~~ما كسبوا، أو يراد بما كسبموا الثواب نفسه، ويجوز أن يرجع إلى المشبه به أي ~~هؤلاء الذين ينفقون رياء لاينالون جزاء على ما كسبوا ولاخيرا، كما لايقدر ~~أحد على الغبار الذي كان على الصفوان وقد غسله المطر، ثم قال:{ والله لا ~~يهدي القوم الكافرين} لايهديهم إلى الخير؛ لأنهم لايقبلون الهدى فيقع منهم ~~الرياء. # قال في البلغة: معناه لايثيبهم، فالهداية هاهنا إلى طريق الجنة. # قال الإمام عليه السلام : دلت على قبح المن والأذى نصا صريحا، وعلى قبح ~~الرياء، وقبح الكفر بالله، واليوم الآخر، وسماهم الله في آخر الآية كافرين. PageV22P433 # ولما ضرب المثل لإنفاق المنافقين ضرب المثل لإنفاق المؤمنين المخلصين فقال ~~سحبانه:{ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء ms3246 مرضاة الله}اي مثل المؤمنين في ~~إنفاقهم أموالهم في دين الله ووجوه البر طلبا لمرضات الله، ثم قال:{ ~~وتثبيتا من أنفسهم} معناه وتثبيتا لأنفسهم من الزلل حتى ثبتوا في مرضات ~~الله إذا أنفقوا وتقربوا إلى الله بالإنفاق وتصدقوا، وقيل: معناه وتوطينا ~~لأنفسهم على الثبات على طاعة الله، وقيل: المراد قوة النفس والبصيرة في ~~الدين، وقيل: إخلاص النية واعتقاد الإنفاق[520] لوجه الله تعالى كماحكى عن ~~علي عليه السلام أنه قال في إنفاقه: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم ~~جزاء ولا شكورا}. # وفي الكشاف: أي لثبتوا من أنفسهم ببذل المال الذي هو شقيق الروح على سائر ~~العبادات الشاقة وعلى الإيمان؛ لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكليفها ~~ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها، وبالعكس ~~فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإيمان واليقين، ويجوز أن يراد وتصديقا ~~للإسلام، وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم؛ لأنه إذا أنفق المسلم مله في سبيل ~~الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن إخلاص قلبه، ومن على ~~التفسير الأول للتبعيض مثلها في قولهم هز من عطفه، وحرك من نشاطه، وعلى ~~الثاني: الإبتداء الغاية كقوله: {حسدا من عند أنفسهم}. انتهى. # قال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب التثبيت في الإنفاق في سبيل الله ~~نصا، وفي غيره من الطاعات قياسا. PageV22P434 # ثمم أنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم بالإنفاق هذان الأمران ضرب لأنفاقهم ~~مثلا فقال:{كمثل جنة بربوة} قرئت بفتح الواو وضمها الربوة المكان المرتفع، ~~والجنة البستان أي مثل نفقة هؤلاء في زكائها كمثل جنة تكون على مكان مرتفع ~~من الأرض، والجنة إذا كانت علىالربوة كان نتبها أحسن، وريعها أكثر، والعرب ~~تمدح الروضة إذا كان على ربوة كما قال الأعشى: # أوروضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل # وقوله تعالى:{ أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين} أي أتت تلك الحبة طعمها ~~وثمرها ضعفين أي مثلين، فزاد ربعها على ربع غيرها من البساتين بسبب الوابل، ~~ثم قال: لم يصبها وابل فطل} الوابل مطر شديد، ms3247 والطل دون ذلك أي مرط ضعيف ~~صغير القطر يكفيها لكرم منبتها، والمعنى سوا كان المطر شديد أو ضعيفا فإن ~~ربعها لاينقص سبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت فكذلك من أخرج ثمرة ~~لوجه الله لايضيع كسبه قليلا كان أو كثيرا قوله:{ فآتت أكلها} أي أعطت ~~أهلها ثمرها ضعفين أي مثلين أي مثلي ما كان يعتاد. # وقيل: حملت في سنة ما يحمل غيرها في سنتين كقول هي تأتي به ضعفين سوى ~~أصابها وابل أو طل يقول كذلك إنفاقا المؤمن[521] يزكوا ويزاد قل الإنفاق ~~أوكثر لكونه على بصيرة وعمل مع نية صادقة وخالصة وعلى أساس التوحيد ~~والأعمال تركوا مع ذلك ثم قال:{ والله بما تعملون بصير} والمراد بالبصير ~~العلم أي هو تعالى عالم بكميات النفقات وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ~~والله تعالى يجازي إن خيرا فخير وإن شرا فشر. PageV22P435 # ثم ذكر تعالى مثلا آخر في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى فقال:{ أيود ~~أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل ~~الثمرات وأصابه الكبر} الواو للحال ومعناه أن تكون له الجنة وقد أصابه ~~الكبر{وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} الأعصار الريح تستدير ~~في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود والمعنى أن يكون للإنسان جنة في الحسن ~~ونهاية كثرة النفع وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة ~~الحاجة وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضا في غاية الحاجة وفي غاية العجز ~~ولاشك أن كونه محتاجا وعاجزا بسطته الشدة والمحنة وتعلق جميع المحتاجين ~~العاجزين به زيادة محنة على محنة فإذا أصح الإنسان وشاهد تلك الجنة محترقة ~~بالكلية فانظركم يكون في قلبه من الغم والحسرة والمحنة والبلية تارة بسبب ~~أنه ضاع مثل ذلك الملك الشريف النفيس. # وثانيا: سبب أنه بقى في الحاجة والشدة مع العجز عن الأكتساب واليأس عن أن ~~يدفع أحد إليه شيئا. # وثالثا: سبب تعلق غيره به ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة فكذلك من أنفق ~~لأجل غير الله كان ذلك نظير الجنة ms3248 المذكورة لأن هذا المنان المؤذي إذا قدم ~~القسمة وكان في غاية الأحتياج إلى الإنتفاع بثواب عمله لم يجد هناك شيئا ~~فيبقى لا محالة في أعظم غم وفي أكمل حيرة وحسرة وهذا المثل في غاية الحسن ~~ونهاية الكمال. PageV22P436 # وقال بعضهم: هذا مثل الذي يعمل بطاعة الله في أول عمره ثم يختم ذلك عند ~~ضعفه وكبر سنه بالعمل القبيح ويموت عليه فعمله هو الجنات التي تجري من ~~تحتها الأنهار لما فيه من المقصود والإخلاص والبصائر الحسنة فثوابه مكتوب ~~في كل وقت وأوان إلى أن كان في آخر عمره ثم ختمه بالأعمال القبيحة من ~~الفسوق والعصيان وذلك هو الرياح التي فيها نار وهي إعصار فإنها تدمر تلك ~~الأعمال ولو كانت مثل الجبال، قال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم:((ليجئن ~~يوم[522] القيامة أقوام لهم أعمال كأمثال الجبال فيؤمر بهم إلى النار)) قيل ~~يارسول الله أو مصلون كانوا؟ # قال: ((كانو يصلون ويصومون ويقومون وهنا من الليل لكنهم إذا لاح لهم شيء ~~من الدنيا وثبوا عليه)) ثم قال تعالى:{ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون} أي لكي تتفكروتستبصروا في المصالح وحراسة الأعمال من الإحباط ~~بالريا والمن والأذى ولكن يقع الفكر فيما يجب عليه النظ فيه من فناء الدنيا ~~وزوالها وبقاء الآخرة وجلالتها، وفي هذا مثل من الآية يقول المرتضى عليه ~~السلام: هذا المثل ضربه الله عزوجل لعباده وبين به لخلقه ألا تسمع كيف ~~يقول:{ وأصابه الكبر} وله هذه الجنة المغنية الكافية عليه كبره ثم يصبها من ~~بعد ذلك إعصار فيه نار فتحرقه من بعد كمالها وجودتها مع كبر سنه وضعفه وقلة ~~استفادته بعد ذهابها وله ذرية ضعاف يقول أفطال صغار لاينفعونه ولا على شيء ~~مما نزل به يعينونه فيكون بهلاكها هلاكه وهلاكهم فبين لهم بذلك وجرب لهم ~~الأمثال به لماف يه من المهلكة من بعد الفناء كذل من ترك خطة ن الله ومما ~~أعدل لآولياؤه من بعد المقدرة على الوصول فقد أهلك نفسه من بعد أن استمكن ~~طريق النعم وأخذ الصراط المستقيم وصار إلى الآخرة ms3249 بأشر حال ولا يستعتب له ~~ولايغم ولايخر ولاسور فبعدا لمن ظلم وتعد وترك الحق عنادا فهذا معنى الميل ~~وما أراد الله عزوجل. انتهى. PageV22P437 # ودلت الآية على بطلان قول المجبرة أن الله فعل ذلك ليضل الكافرون فيكفرون عنده. # واعلم أنه تعالى لما رغب في الإنفاق لم يبين أن هذا الإنفاق على قسمين ~~منه ما يتبعه المن والأذى ومنه ما لايتبعه ذلك، ثم أنه تعالىشرح ما يتعلق ~~بكل واحد من هذين القسمين وضرب لكل واحد منهما مثلا تكشف عن المعنى ويوضح ~~المقصود منه على أبلغ الوجوه ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمرنا بإنفاقه في ~~سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال سبحانه:{ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم} أي من جيد مكسوباتكم وكان الرجل ينفق من شرار ماله ورذا ~~إلى ثماره ويطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الإستعارة وقيل: ~~أنفقوا[523]من الحلال الذي كسبتم والطيبات الحلال هنا ثم قال:{ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} أي انفقوا مما رزقناكم من اليحوانات والثمار التي ترخج من ~~الأرض ثم اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق فقيل: المراد به الزكاة ~~المفروضة، وقيل: المراد منه التطوع، وقيل: أنه يتناول الفرض والنفل، وقوله ~~تعالى:{ مركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة} التيمم والقصد والخبيث الردي الي ~~لايقصدوا عن ابن عباس كانوا يتصدقون بخشف التمر فنهواعنه وروي في البلغة عن ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: نزلت الآية في قوم كانوا يخلطون ~~الخشف بتمر الصدقة، وقيل: الخبيث الحرام والأول أقرب في هذا الموضع ثم ~~قال:{ولستم بآخذيه} في حقوقكم ومعاملاتكم {إلا أن تغمضوا فيه} كأنه قيل: لهم لا PageV22P438 كأنه قيل لهم لا تغضوا في الصدق مالو دفع إليكم في معاملتكم لم تأخذوه إلا ~~عظ وكسر والإغماض في المبيع الحظ في الثمن لعب فيه ويقال: أغمض عينه يقال: ~~أغمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره ويقال: للبايع أغمض أي لاتستقص كأنكم ~~لاتبصر لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينه إغماضا ثم ختم الآية بقوله:{ ~~واعلموا أن الله غني حميد} ms3250 غني قيل معناه لايقبل إنفاق خبيث لغناه عنه، ~~وقيل: غني لصدقاتكم هاهنا وإن كان غنيا عن كل شيء ,إنما دعاكم إليها ~~لينقصكم، ومعنى حمديد أي بحق أن يحمد، أن محمدا وإن لم يحمد بامتثال أمره، ~~وقيل: الحميد هو الموجب للحمد على طاعته، وقوله غني كألتهديد على إعطاء ~~الأشياء الردية في الصدقات وحميد بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه ~~من الخيرات وهو كقوله:{فأولئك كان سعيهم مشكورا}. # قال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب الإنفاق حيث يجب من طيب المال، ~~وعلى تحريم قصد الخبيث للإنفاق حيث يحب. انتهى. # ولما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان ~~فقال تعالى:{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} أي الشيطان يعدكم ~~بإخراج الصدقة والإنفاق من مالكم الفقر ويخوفكم به، والوعد يستعمل في الخير ~~والشر معا والوعيد لايسعتمل إلا في الشر ويأمركم بالخبث، قيل: بالبخل ~~بالصدقات والفاحش عند العرب البخيل[524]قال طرقة: # أرى الموت يغتام الكرام ويصطفي ويصطفي # ويستطف ... \ ... عقيلة مال الفاحش المتشدد PageV22P439 وقد نبه تعالى بهذه الآية على كيفية طريق إغوا الشيطان بخوفه أولا بالفقر ~~ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل وذلك لأن البخل ~~صفة مذمومة عند كل أحد، والشيطان لايمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم ~~تلك المقدمة وهي التخويف بالفقر، وقيل: معناه ويأمركم بالقبح لأنكم إذا ~~منعتم الصدقة فقد منعتم الحق عن ذويه وقطعتم وصل من أرمتم بصلته. # ولما ذكر سبحانه وعد الشيطان أردفه بوعد الرحمن فقال:{ والله يعدكم مغفرة ~~منه وفضلا} أي خلفا خيرا مما أنفقتم لأن المغفرة إشارة إلى منافع الآخرة ~~والفضل إشارة إلى ما يحصل من الخلف، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~الملك ينادي ليلة، اللهم اعط منفق خلفا وكل ممسك تلفا، ومعنى الآية أن ~~الشيطان يعدكم الفقر في عد دنياك والرحمن يعدك المغفرة في عد عقباك ووعد ~~الرحمن الرحيم بالمغفرة في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه: # أحدها: أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه ووجدان غد العقبى ms3251 متيقن مقطوع به. # وثانيها: أن تقدير وجدان غد الدنيا فقد ينفي المال المبخول به وقد لايبقى ~~عنده وجدان غد العقبى لابد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله تعالى ~~لأنه الصادق الذي يمتنع الكذب في كلامه. # وثالثها: أن تقدير بقا المال المبخول به في غد الدنيا فقد يتمكن الإنسان ~~من الإنتفاع به، وقد لايتمكن إما بسبب خوف، أو اشتغال بمهم آخر، وعند وجدان ~~غد العقبى القطع حاصل بالإنتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه. # ورابعها: أن تقدير حصول الإنتفاع بالمال المتخوف به في غد الدنيا لاشك أن ~~ذلك الإنتفاع ينقطع ولايبقى، وأما الأنتفاع بمغفرة الله تعالى وفضله ~~وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ولايزول. PageV22P440 # وخامسها: أن الأنتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار فلا ترى شيئا من اللذات ~~إلا ويكون سببا للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة من الشوب ~~ومن تأمل فيما ذكرنا علم أن الأنقياد لوعد الرحمن بالمغفرة والفضل أولى من ~~الإنقياد لوعد الشيطان إذا عرفت هذا فنقول المراد بالمغفرة الذنوب، ثم قال: ~~{خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} وفي الآية لفظان يدلان على كمال ~~هذه المغفرة: # أحدهما : التنكير في لفظ المغفرة والمعنى مغفرة واي مغفرة. # والثاني: مغفرة منه فقوله[525] منه يدل على كمال هذه المغفرة؛ لأن كمال ~~كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء، وكون المغفرة منه أيضا معلوم لكل ~~أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم المقصود تعظيم حلال هذه المغفرة؛ ~~لأن عظم المعطي يدل على عظمة العطية، وكمال هذه المغفرة، ثم ختم الآية ~~بقوله:{ والله واسع عليم} أي واسع العطاء عليم بمن يستحق الخلفاء. # قال الإمام عليه السلام : دلت على تحريم سؤ الظن باللهن وعلى وجوب حسن ~~الظن بالله سبحانه. انتهى. # ثم قال تعالى:{ يؤتي الحكمة من يشاء} أي يعطي الحكمة من يشاء، والحكمة هي ~~علم القرآن، وفهمه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه. PageV22P441 # وفي البرهان: الحكمة العلم ،والفقه في الدين، والإصابة في الرأى، وفي ~~الحكمة وتفسيرها يقول الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة ms3252 عليه السلام: ~~والحكمة العلم النافع وهو علم القرآن، وتفسير معانيه، وتفصيل مجمله، ~~والمعرفة بأحكام أوامره، ونواهيه، ومحكمه، ومتشابهه، وخاصة، وعامة، ومجمله، ~~ومبينه، وناسخه، ومنسوخه، وفي الأعتبار بعبره والفهم لأمثاله العجيبة، ~~وقصصه الغريبه، فهذا عند رأس الحكمة، ومفتاح الرحمة. انتهى، {ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} أي ومن أعطي الحكمة فقد أعطي خيرا كثيرا، ثم ~~قال تعالى:{ وما يذكر إلا أولوا الألباب}أي وما يتذكر ولا يفكر فيه، ولا ~~يتعظ به إلا العقلاء، الحكماء، العلام، العمال. # قال في النجم الزاهر: قوله ومن يؤت الحكمة نزلت في علي عليه السلام سئل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علي فقال: ((قسمت الحكمة عشرة أجزاء ~~وأعطي علي تسعة أجزاء وأعطى الناس جزا واحدا)). # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على أن العلم نعمة من الله ~~وأنه خير كثير من أتاه الله الخير فقد عظم الله قدره ومن عظم الله قدره ~~فإهانته وعدم القيام بما يجب له حرام. انتهى. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ثم حث ~~عليه أولا بقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}. PageV22P442 # وثانيا: بقوله{الشيطان يعدكم الفقر} حث عليه بقوله سبحانه:{ وما أنفقتم من ~~نفقة} في طاعة أو معصية {أو نذرتم من نذر} في طاعة أومعصية، والنذر ما أوجب ~~الإنسان على نفسه شيء مما ينفقونه في وجوه البر وما يا يوجبونه على أنفسهم ~~نذرا، وعالم بما يصدر[526]من نية الإخلاص والعبودية، ومن نية الرياء ~~والسمعة، وإن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعة كما قال:{ إنما ~~يتقبل الله من المتقين} وعالم بالقدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك ~~الدواعي والنيات، فلا يهمل شيئا منها، ولايشتبه عليه شيء منها، فقوله فإن ~~الله يعلمه على اختصاره يفيد الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد ~~للمتردين، وقوله عزوجل: {وما للظالمين من أنصار} أي لاناصر لهم يدفع عنهم ~~العقاب ولاينفعهم إنفاقهم من مال الغصب والحرام. # قال الإمام عليه السلام : الآية دليل على كون النفقة في سبيل الله، ~~والنذر بأي شيء ms3253 من الطاعات مشروع، وأن أنصار الظالمين مخالفون لحكم الله ~~سبحانه ولما أنزل الله في هذه الآية. انتهى. # واعلم أنه تعالى بين أولا أن الإنفاق منه مايتبعه المن والأذى ومنه مالا ~~يكون كذلك وذكر حكم كل واحد من القسمين ثم ذكر سبحانه ثانيا أن الإنفاق قد ~~يكون من جيد ومن ردي وذكر حكم كل واحد من القسمين، ثم ذكر بعد ذلك أن ~~الإنفاق قد يكون ظاهرا وقد يكون مخفيا وذكر حكم كل واحد من القسمين فقال ~~تعالى:{ إن تبدوا الصدقات فنعما هي} أي نعم شيئا هي قيل الصدقات غير ~~الواجبة لأن الأفضل في الواجبة أن يجاهر بها {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم} قيل: إلا أن يريد المتطوع الأقتداء به فالأظهار أفضل، وقيل: ~~إخفا التطوع والفرض خير وللأول. # وعن بن عباس:((صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا)). PageV22P443 # قال الإمام عليه السلام : الآية دلالة على استحباب إظهار الصدقات وعلى أن ~~إخفاءها أفضل لاسيما صدقة التطوع، وأما الصدقة الفريضة فإن كان صاحبها يتهم ~~فإنه يجب خراجها ظاهرا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم)) انتهى. # أما قوله تعالى:{ ويكفر عنكم من سيئاتكم} فقرئ بالنون والرفع وقرء بالنون ~~والجزم لأنه معطوف علىموضع الفا فمن اختار الجزم فلأنه أبين في الأتصال ~~بالجر ومن اختار الرفع فلأنه أشكل لما دخلت له ألف إذا[527]كانت إنما دخلت ~~الإستقبال الكلام بعدها، ومعناه ويكفر الله السيئات عمن تصدق على هذا الوجه ~~وهو الصغار والتكفير في اللغة التغطية والستر ورجل متكفر في السلاح مغطى ~~فيه ومنه يقال: كفر عن يمينه أي ستر ذنب الخبيث بما يدل من الصدقة والكفارة ~~الستارة لما حصل من الذنب، ثم قال تعالى:{ والله بما تعملون خبير} أي عالم ~~بأعمالكم في السر والعلانية لايخفى عليه شيء، أما قوله عزوجل {ليس عليك ~~هداهم} فمعناه ليس بجب عليك يا محمد أن تجعلهم مهتدين إلى الأنتها عما نهوا ~~عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك وما عليك ms3254 إلا التبليغ ~~فاعلمه الله تعالى أنه لمابعث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا ~~منيرا للدلائل وهذا يكون على وجه التسلية فكأنه قيل له إنما عليك البلاغ ~~فإن لم يختاروا ما يهتدوا به فليس لعيك هداهم وهذا مثل قوله إنك لاتهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. PageV22P444 # قال في البلغة: وليس معنى الهداية في هاتين الآيتين فإنك لتهدي إلى صارط ~~مستقيم وإنما هي بمعنى اللطف والإنابة وليس ذلك في مقدور النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوضح ذلك قوله تعالى{ولكن الله يهدي من يشاء} أي من يعلم ~~أنه لطف لمن في معلومه أنه يصلح اللطف له إذ ليس هو معولما لكل أحد فلهذا ~~اختص، وقيل: يهدي من يشاء إلى طريق الجنة وهم المؤمنين الذين يستحقون ~~الثواب فهذه الهداية ليست هي الدلالة والبيان فلهذا قال للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ليس عليك ذلك وليس يجوز أن يتأول الآية على معنى الإيمان ~~لأنه لايوجد ذلك في اللغة ودل الدليل على أن الله سبحانه لايخلق أفعال ~~العباد. انتهى. # قال الإمام عليه السلام : دلت هذه الآية على أنه لايجب على النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ولا من يقوم مقامه من الدعاء إلى الإسلام وإلى الخير ~~أن يهدي المكلفين على الدين في الظاهر والباطن وإنما يجب عليه صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعلى من يقوم[528]بذلك ولايقوم مقامه من الدعاة إلى الإسلام ~~وإلى الخير أن يهدي المكلفين على الدين في الظاهر والباطن، وإنما يجب عليه ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعلى من يقوم مقامه أن يقاتلوهم حتى يهتدوا إظهارا ~~لآية السيف الواردة في ذلك، ودلت على أن النفقة لاتكون قربة إلا إذا كانت ~~ابتغاء وجه الله، وإذا عرفت ذلك لم تكن قربة ولاتصح أن تكون منها صدقة ~~جارية من وقف أو نحوه حق من يستمر الإنتفاع به. انتهى. # ثم قال سبحانه:{ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} أي فهو لأنفسكم لاينتفع به ~~غيركم، فلا تمنوا به على الناس ولاتؤذوهم بالتطاول عليهم{وما تنفقون إلا ~~ابتغاء ms3255 وجه الله} أي وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده، ~~فمالكم تمنون وتنفقون الخبيث الذي لايوجد مثله إلى الله، وفي ذكر الوجه في ~~قوله ابتغاء وجه الله قولان: PageV22P445 # أحدهما : إنك إن قلت فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك فعلته له؛ ~~لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كبر حتى صار بعيد عن الشرف بهذا اللفظ. # الثاني: أنك إن قلت فعلت هذا الفعل له يحتمل أن يقال: فعلته له ولغيره ~~أيضا، أماإذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط ~~وليس لغيره، أما إذا فعلت فيه شرك ثم قال سبحانه:{ وما تنفقوا من خير يوف ~~إليكم} أي يوفر عليكم ثوابه مضاعفا في الآخرة{وأنتم لا تظلمون} أي لاتنقصون ~~من ثواب أعمالكم شيئا كقوله: {آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} يريد لم ينقص. # واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات: # الأولى : قوله تعالى:{ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} فيه محذوف وهو ~~العامل في الإعراب وتقديره كأنهم قالوا لمن ننفق؟ فقال: للفقراءالذين ~~أحصروا، وما تقدم من الكلام يدل عليه، والأحصا منع الرجل نفسه من التصرف ~~بخوف أو فقر أو حاجة، فأما إذا منعه غيره فهو حصر يقال: حصره العدو يحصره ~~حصرا، وقيل: منعوا أنفسهم من التصرف في التجارة والمعاش خوف من العدوا، ~~وقيل: منعهم الكفار من التصرف والأولى أقرب لأنه لو منعهم غيرهم لكان حصرا، ~~وقيل: الفقرا المهاجرون منعهم الأشتغال بالجهاد عن الكسب. # الصفة الثانية: لهؤلاء الفقراء قوله تعالى:{ لا يستطيعون ضربا في ~~الأرض}[529] أي سيرا فيها وتصرفا ثم عدم الإستطاعة، إما أن يكون لأن ~~اشتغالهم بإصلاح الدين وأمر الجهاد منعهم من السفر وإما لأن مرضهم وعجزهم ~~يمنعهم منه وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة احتياجهم إلى من يكون معينا لهم ~~على مهانتهم. PageV22P446 # الصفة الثالثة: لهم قوله {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} يظنهم الجاهل ~~بحالهم أنهم أغنياء من التعفف عن المسألة، ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء ~~والكف عنه وإنما يحسبهم الجاهل ms3256 أغنياء لأظهارهم التحمل وترك المسئلة ~~والتعفف القناعة هاهنا أي هؤلاء لقناعتهم وتعففهم يحسبهم الجاهل بحالهم ~~أنهم أغنياء غير محتاجين وهؤلاء الفقراء المحمدودين. # الصفة الرابعة: لهؤلاء الفقراء قوله تعالى:{ تعرفهم بسيماهم} أي بعلامتهم ~~التي يعرف بها الشيء وأصلها من السمة التي هي العلامة. # قال مجاهد : بسيماهم التخشع والتواضع. # وقال الربيع، والسدي: أثر الجهد من الحاجة خفي. # قال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع. # وقال ابن زيد: من رثاثة ثيابهم، والجوع خفي. # قال بعضهم: وعندي كل ذلك فيه نظر لأن ذلك كل ذلك فيه ماذكروه علامات دالة ~~على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} بل ~~المراد شيء آخر وهو أن لعباد الله تعالى المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق ~~كل من رأهم تأثر منهم وتواضع لهم ومن ذلك أثنار الخشوع في الصلاة كما قال ~~تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} وأيضا ظهور أثار الفكر، روي أنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان كثير الفكر، وروي أنهم كانوا يقومون بالليل ~~للتهجد ويتحتطبون بالنهار للتعفف. PageV22P447 # الصفة الخامسة: لهؤلاء الفقراء قوله تعالى:{ لا يسألون الناس إلحافا} اعلم ~~أن هذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة وتأويلات والذي اختاره ~~صاحب الكشاف أن الإلحاف هو إلحاح والمعنى أنهم أن سألوا سألوا بتطلف ولم ~~يلحوا وهو ضعيف لأنه تعالى وصفهم بالتعفف بالسؤال قبل ذلك فقال:{ يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف} ذلك ينافي صدور السؤال عنهم وليس قوله لايسألون ~~الناس إلحافا يقتضي أنهم يسألون من غير إلحاح لأنهم لو كانوا يسألون الناس ~~لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء وإنما هو نفي السؤال للناس وهذا كماقال: امرء القيس: # على للحب لايهتدي لمناره ... إذا ساقه العود ارامي جرجار PageV22P448 [530] وأراد أنه لا منارة فيهتدي بها المقصود من قوله لايسألوان الناس ~~إلحافا وصفهم أنهم لايسألون الناس إلحافا وذلك لأنه وصفهم تعالى قبل ذلك ~~أنهم يتعففون من السؤال وإذا علم أنهم لايسألون البتة فقد علم أيضا أنهم لا ~~يسألون إلحافا وإنما المقصود التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا ms3257 ~~ومثاله إذا حضر عندك رجلان عاقل وقور ثابت الآخر بهذا .........فإذا أردت ~~أن تمدح أحدهما وتفرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور وقليل الكلام ~~لايخوض في الترهات ولايسرع في السفاهات ولم يكن غرضك من قولك لايخوض في ~~الترهات والسفاهات وصفه بذلك لأن ماتقدم من الأوصاف الحسنة يعني الناس ذلك ~~بل غرضك التنبيه على مذمسة الثاني فكذا هاهنا قوله لايسألون الناس بعد قوله ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف الغرض منه التنبيه على مذمة من يسأل إلحافا ~~وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استحقاق المدح والتعظيم، وقيل: معناه ~~أنه تعالى بين فيماتقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء ومن أنشدت حاجته فإنه ~~لايمكنه ترك السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه فقوله لايسألون الناس ~~إلحافا أي لايسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ~~منعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال ومنه قول عمران بن حطان: # ولي نفس أقول لها ... إذا نازعتني لعلي أو عساني # فإذا عرفت هذا علمت أن المراد أن المراد نفي السؤال والإلحاح معا وعنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الله يحب الحي الحليم المتعفف وينقص البذي ~~الملحف)) والبذيء الوقح ينقض الحي والسؤال مذموم قال الشاعر: # ليس من مات فاستراح ميتا ... إنما الميت ميت الأحياء # إنما الميت من يعيش كائبا ... كاشفا باله قليل الرجاء # وأحسن من هذا قول أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه: # لاتحسبن من الموت موت البلاء ... لكنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت ولكن ذا عظم ... من هذا لذل الرجال PageV22P449 ثم أنه تعالى لما ذكر صفات هؤلاء الفقراء قال: بعده: {وما تنفقوا من خير ~~فإن الله[531] به عليم} لايخفى عليه مقدار ما يستحقونه من الثواب عليه فإنه ~~يجازيكم على إنفاقكم. # قال الإمام عليه السلام : دلت هذه الآية الكريمة أن المحصرين في سبيل ~~الله أخص بالصدقات وأولى بها وعلى استحباب ترك الإلحاف في السؤال وعلى ~~التعفف من الإلحاف فيه، وعلى التخصص على إنفاقهم لأن الله سبحانه حث عليه ~~حيث قال:{ فإن الله به عليم}. انتهى. # اعلم ms3258 أنه تعالى لماذكر وجوه الإنفاق في الآيات المتقدمة أرشد الخلق إلى ~~أكمل وجوه الإنفاقات فقال سبحانه:{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ~~سرا وعلانية}. # قال في البلغة: روي عن ابن عباس وأكثر الصحابة والتابعين وأكثر المفسرين ~~أن هذه الآية دلت نزلت في أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه فروي ابن عباس ~~أنه كان معه أربعة دراهم فأنفق درهما بالليل ودرهما سترا ودرهما علانية. PageV22P450 # قال علي عليه السلام : والله ما تصدقت إلا بأربعة دراهم وأسمع الله يقول ~~الذين ينفقون أموالهم فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الدرهم ~~الواحد من المقل أفضل من مائة ألف درهم من المؤسر عند الله عزوجل)) وروى ~~جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أنه قال: باع دنيارا إلى نفقة على هذه ~~الصفة لاتي نطعت الآية بها وكذلك لاخلاف بين الرواة أنه نزل فيه قوله {إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا} فقيل منه الزكاة في حال الركوع وحده ولم ~~يجر ذلك لأحد قبلي ولايعمل بها أحد بعدي وهي آية النجوى وذلك لما نزلت ~~الآية {ياأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} ~~باع دنيارا بعشرة دراهم وناجى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر مرات ~~فكان يتصدق كل مرة بدرهم ثم نسخ ذلك وفيه وفي فاطمة عليهما السلام نزلت ~~الآية{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه ~~الله... } إلى آخر القصة فأخبر الله تعالى البرية عن سريرته ولم يخبر تعالى ~~عن سر أحد إلا عن سره فهذه الأربع الآيات هي التي اختص بها أمير المؤمنين ~~عليه السلام من بين الناس فأما مانزل فيه وشاع حكمه وتعدى إلى غيره فأكثر ~~من أن يحصى. انتهى. # قال الإمام عليه السلام : دلت على استحباب الإنفاق من خالص المال بالليل ~~والنهار سرا وعلى نية لما وعدهم الله سبحانه من قوله{فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [532] والمعنى معلوم والآية تدل على أن أهل ~~الثواب لاخوف عليهم يوم القيامة ويتأكد ذلك بقوله ms3259 لايحزنهم الفزع الأكبر ~~وهاهنا آخر الآيات المذكورة لبيان أحكام الإنفاقات. PageV22P451 # الحكم الثاني : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة ~~قوله تعالى:{ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس} اعلم أن بين الصدقة وبين الربو مناسبة من جهة التضاد وذلك ~~لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله تعالى بذلك، والربوا عبارة ~~عن طلب الزيادة علىالمال مع نهي الله تعالى عنه فكانا كالمتضادين ولهذا قال ~~تعالى:{ يمحق الله الربا ويربي الصدقات} سفلما حصل بين الحكين هذ النوع من ~~المناسبة لاجرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربوا الخبط أصله الضرب على غير ~~استوى، والربا زيادة يقال: ربا الشيء يربوا إذا زاد قرأ حمزة والكسائي ~~الربا بالأمالة لمكان كسر الراء، والباقون بالتفخيم وهي بالمصاحف مكتوبة ~~بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء. # قال صاحب الكشاف : الربوا كتب بالواو على لغة من تفخم كما كتب الصلاة ~~والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. # قال القاسم عليه السلام : المس هو اللمم واللمم فهو الجنون وأما التخبط ~~فما يعرف من خبط المتخبط وهو الغشيان من خارج لا من داخل وكما يعلم من ~~مقابلة المقابل. انتهى. # أي الآكلون للرباء لايقومون من قبورهم إلا قيام من كأنه قد جن وصرع بدهشة ~~وبحيرة وحض الأكل لأنه معظم الأمر كما قال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما} وكما لايجوز أكل مال اليتيم لايجوز إتلافه ولكنه نبه بلأكل على ما ~~سواه، فالمس الجنون ورجل ممسوس وقد مس واصلة مس الشيطان إياه وذلك النقل ~~الربوا في بطونهم وهذاع لى زعمهم أن الجن تمس الإنسان فتخلط عقله وقولهم جن ~~الرجل ضربته الجن أي ضنهضون ويسقطون كالمصروعينه وذلك علامة يعرفون بهافي ~~الموقف. PageV22P452 # قال أبو علي : لايمكن الشيطان من ذلك لما يلزم من إهلاكه الأنبياء ~~والأولياء مع شدة عدواته لأهل الإيمان، قال: وهو من فعل الله تعالى أو فعل ~~العبد ونست هذا إلى الشيطان مجازا لحصوله عند وسوسته. # وقال القفال: أن الناس يصفون الصرع ms3260 إلى الشيطان وإلى الجن فخوطبوا على ما ~~تعارفوه من هذا وأيضا من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء[533]أن يضيفوه ~~إلى الشيطان كما في قوله تعالى{طلعها كأنه رءوس الشياطين}. انتهى. # وأجازه أبو بكر الاحشيذ، وابو الهذيل، وقالا: يجوز أن يمكنه الله من ذلك ~~في بعض الناس دون بعض، واستعملا الظاهر فإضافته إلى الشيطان على قولهما ~~حقيقة والله اعلم. # قال: في النجم الزاهر في علوم القرآن الباهر: وعندنا أن الصرع من الأمراض ~~التي لايقدر عليها إلا الله تعالى وهو قول الشيخ أبي علي، والقاضي، ~~والحاكم، وهو مذهب أئمة الهدى عليهم السلام، وللمفسرين في الآية ثلاثة أقوال: # الأول: أن أكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا، وذلك كالعلامة المخصوصة ~~أنهم أكلوا الربا في الدنيا. # الثاني: قال ابن قتيبة : يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين ~~لقوله: {يخرجون من الأجداث سراعا} إلا أكلة الربا يقومون ويسقطون كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا فأرباه ~~الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون ويسقطون ويريدون الإسراع ~~ولايقدرون، وهذا القول غير الأول؛ لأنه يريد أن أكلة الربا لايمكنهم ~~الأسراع في الشيء بسبب ثقل البطن، وهذا أليس من الجنون في شيء، ويتأكد هذا ~~القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انطلق به ~~جبريل عليه السلام إلى رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهما فتميل ~~به بطنه فيصرع، فقلت: (يا جبريل من هؤلاء؟) قال: الذين يأكلون الربا ~~لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. PageV22P453 # والقول الثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان} وذلك لأن الشيطان يدعوا إلى طلب اللذات والشهوات، والإشتغال بغير ~~الله تعالى، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدين ~~متخبطا، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين ~~والتقوى، فجذبت هناك حركات غير مضبوطة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط ~~الحاصل من فعل الشيطان وأكل ms3261 الربا؛ لاشك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا ~~متهالكا فيه، وإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين الله، ~~فالخبط الذي كان حاصلا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك ~~الحجاب. PageV22P454 # قال الرازي : وهذا التأويل عندي أقرب، ثم قال عزوجل: {ذلك بأنهم قالوا إنما ~~البيع مثل الربا} فكانوا يعولون في تحليل الربا على هذه[534] الشبهة، ~~وبالغوا في تحليله، حتى جعلوه أصلا في الحل، وشبهوا به البيع، وقالوا إذا ~~جاز بيع ما لايسوى إلا درهما بدرهمين جاز درهم بدرهمين؛ لأنه لا فرق في ~~العقل بين الصورتين، فبين الله تعالى أن بينهما فرقا بقوله سبحانه:{ وأحل ~~الله البيع وحرم الربا} ومعناه أن ما ذكرتم معارضة النص بالقياس وهو من عمل ~~إبليس، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم عليه السلام عارض النص بالقياس ~~فقال:{أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، وفي هذه الآية يقول ~~القاسم عليه السلام : إنما مثل الله أكل الربا إذ مثلوا رباهم وما حرم الله ~~عليهم من الربا، ونهاهم بالبيع الذي فيه ربا، وإنما هو أخذ بالتراخي ~~وإعطاء، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، وشبهوا مالم يجعل الله متشابها، ~~فشبهوا الحرام بالحلال، والهدى فيه بالضلال، فمثلهم الله فيه بالضلال، ~~فمثلهم الله بما لم هم عليه من الجهل بمن يعرفون أنه عندهم أنقص أهل النقص ~~من الجنون والخيل. انتهى. # ثم قال تعالى: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} أي فمن سمع نهي ~~الله عن الربا ووعظه له وتركه فانتهى أي كف عن الربا، ومعنى فله ما سلف أي ~~لايواخذ به قبل التحريم. PageV22P455 # قال في البلغة: قيل فله ما أكل وليس عليه رد بشيء مما سلف، فأما مالم يقبضه ~~فلا يحل له أكله وأخذه، وإنما يلزمه الأقتصار على رأس المال، كما بينه الله ~~تعالى من بعد ذلك بقوله:{ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} ومعنى قوله:{ وأمره ~~إلى الله} أي يحكم شأنه بما شاء، ثم قال تعالى: {ومن عاد فأولئك أصحاب ~~النار هم ms3262 فيها خالدون} أي ومن عاد إلى الربا بعد أن جآءه النهي والموعظة ~~فهو من الملازمين لنار جهنم أبدا. # قال الإمام عليه السلام : دلت على تحريم الربا، وعلى حل البيع، وعلى قبول ~~توبة التائب من الربا، وعلى الإصرار عليه والتمادي فيه من الكبائر. انتهى. # ودلت على تخليد الفساق في العذاب. # واعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآيات ~~المتقدمة في الأمر بالصدقات عقب ذلك بقوله عزوجل:{يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات} كأنه ذكر هاهنا ما يجري مجرى الداعي إلى فعل الربا وترك الصدقات ~~وكشف عن فساده، وذلك أن الداعي إلى الربا يحصل المزيد في الخيرات، والصارف ~~عن الصدقات الأحتراز عن نقصان الخيرات، فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة ~~في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة ~~إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللأئق[535] بالعاقل ~~ألا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع من الدواعي والصوارف، وأن يعول على ما بدا ~~به الشرع إليه، فهذا وجه النظم في اتصال الآية بما قبلها. PageV22P456 # قال في البلغة: أصل المحق النقص يقال: محقه يمحقه محقا إذا نقصه، وقيل: ~~يمحقه بأن ينقصه حالا بعد حال إلى أن يتلف ذلك من غير عوض، ومنه إمحاق آخر ~~الشهر لإمحاق الهلال، والمراد يهلك الله المال يدخل فيه الربا فتذهب بركته، ~~ويربي الصدقات أي يضاعف ثوابها، ويزيدها بأن يثمر ذلك المال في نفسه، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله تعالى يقبل الصدقات ~~ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كمايربي أحدكم مهرة، وفصيلة، حتى ~~أن اللقمة لتصير مثل أحد)) وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى:{ ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} و{يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات}. # قال بعضهم: ونظير قوله {يمحق الله الربا}المثل الذي ضربه فيما تقدم ~~بصفوان عليه تراب وأصابه وابل فتركه صلدا، ونظير قوله {ويربي الصدقات} ~~المثل الذي ضربه بحبة أنبتت سبع ms3263 سنابل في كل سنبلة مائة حبة، أما قوله ~~تعالى:{ والله لا يحب كل كفار أثيم} فهو تغليظ في أمر الربا، وإعلام بأنه ~~من فعل الكفار لا من فعل المسلمين، والكفار الكثير الكفر، وذكر بلفظ ~~المبالغة؛ لأن المستحيل للربا من الكفار قد زاد كفرا إلى كفره، والأثم هو ~~التمادي في الأثم. # قال الإمام عليه السلام : دلت على قبح الربا وأن الله ينزع البركة منه، ~~وعلى أن الله يبارك في الصدقات، وفي المال المتصدق منه، وعلى أن المنهمك في ~~الربا بعد مانهى الله عنه سمى كافرا. انتهى. PageV22P457 # واعلم أن عادة الله تعالى في القرآن الكريم مطردة بأنه تعالى متى ذكر وعيدا ~~ذكر بعده وعدا، فلما بالغ هاهنا في وعيد المربي أتبعه بوعد المؤمنين فقال ~~سبحانه:{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} هذه الأعمال المذكورة في ~~الآية من جملة الإيمان، وإنما فضلها الله تفضلا في باب الوعد، كما فضل في ~~باب الوعيد الكبائر مثل قوله:{ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر...} إلى ~~قوله:{صما وعميانا} وقد تقدم بيان مثل هذه. # قال عليه السلام : دلت على الحث على الطاعات، وعلى أنهم هم العاملون لها، ~~ولم يجبرهم تعالى على فعل شيء منها، وإنما يفعلونها باختيارهم، وعلى حسب ما ~~ملكهم الله من [536] القوى والقدر. انتهى. # ولما بين تعالى في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد ~~كان يجوز أن يظن به أنه لافرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، ~~فقال تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين}. # قال في التهذيب : قيل نزلت في ناس من ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال ~~فطالبوهم عند محل الدين وهو بقايا من الربا الزائد على رؤس أموالكم، وقيل: ~~نزلت في العباس، وعثمان بن عفان، وقيل: في العباس، وخالد بن الوليد، وكانا ~~شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة ms3264 في ~~الربا فأنزل الله هذه الآية. PageV22P458 # قلت: وفي معنى الآية يقول المرتضى عليه السلام : الربا الذي نهى الله عنه ~~وحرمه هو ما قد عرف من هذه المعاملات والزيادات في الأسلاف والديون ~~والمشارات، فلما أن حرم الله عزوجل ذلك وحظره كانت بقايا للمسلمين من تلك ~~الأسلاف، والديون، والمبايعات، قد بقيت من ذنوبهم، وتخلفت عن غرمائهم، ~~فكانوا يظنون أنه ليس عليهم إثم في اقتضا ما بقي منها، وأخروا آخرها كمجرى ~~أولها، فنهاهم الله عن ذلك وغفر لهم ماقد سلف من قبل التحريم، وحظر عليهم ~~ما بقي لهم، فأمرهم بتركه، ومنعهم من أخذه واقتضائه، وهو بقية ديون الربا، ~~ثم قال سبحانه:{ فإن لم تفعلوا} يقول إن لم تتركوا بقية هذا الربا ~~الحرام{فأذنوا بحرب من الله ورسوله} يريد القتل والقتال حتى يفيئوا إلى أمر ~~الله ويرجعوا إلى حكمه، وحكم عليهم بالقتل بعد إذ سماهم مؤمنين إن لم ~~ينتهوا عن أخذ الربا والميل إلى الهوى، وأوجب عليهم في ذلك أعظم بلا، فهذا ~~معناها ومجراها. انتهى. # وإنما قال سبحانه: {إن كنتم مؤمنين}؛ لأن الأمتثال دليل صحة الإيمان، ثم ~~قال:{وإن تبتم } بعد الربا{فلكم رءوس أموالكم} أي فاقتصروا على رأس المال ~~الذي دفعتم إليهم {لا تظلمون} بالزيادة، ولا تظلموا بالنقصان، روي لما نزلت ~~قالت ثقيف: لابد لنا بحرب الله ورسوله، أي لا طاقة، فهذا حكمهم إذا تابوا ~~فإن لم يتوبوا قوتلوا، وكانت أموالهم فيا للمسلمين. # قال الإمام عليه السلام : دلت على قبح الربا، وعلى أن عقوده باطلة؛ لأن ~~الله نهى عنه وأمر بتركه، والعقود متوقفة على إذنه لخلقه سبحانه وتعالى، ~~ولم يأذن بما نهى عنه، فكانت عقوده باطلة، وعلى أن الذي لم يذر الربا ليس ~~من المسلمين، ودلت على وجوب قتال المتمردين في الربا الذين لم يتركوه [537] ~~وعلى إباحة دمائهم وأموالهم؛ لأن ذلك معنى الحرب، وعلى أن للتائب رأس ماله ~~لا يظلم ولا يظلم. انتهى. PageV22P459 # ومعنى بحرب أي بنوع من الحرب عظيم، أما قوله تعالى:{ وإن كان ذو عسرة فنظرة ~~إلى ميسرة} فقيل هو رفع على الأبتداء وخبره ms3265 محذوف، وتقديره وإن كان ذو عسرة ~~عن مالكم، فعلى هذا الوجه لايكون لكن عمل، وقيل: هو اسم كان على الحقيقة ~~وتقديره وإن وقع ذوا عسرة أو وجد ذو عشرة فنظرة إلى ميسرة، أي فالحكم نظرة ~~إلى ميسرة أي امهلوهم إلى أن يجدوا يسارا وغنى فيقضونكم يقال: انظره إنظارا ~~أي امهله، ونظره أي انتظره، فالنظرة اسم منه، ثم قال تعالى:{ وأن تصدقوا ~~خير لكم } يعني وصدقتكم على من أعسر برؤس أموالكم أو بعضها على من عليه ~~الدين خير لكم من الإنظار، أو أخذه كاملا، وقيل: أريد بالصدقة الإنظار ~~للحديث ((لايحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة)) وفي شفاء ~~الأوام عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((أعظم الناس أجرا من داين عباد الله ~~فأحسن الطلب فله بكل يوم عبادة أهل زمانه، ولمن اهتم بأدائه مثل ذلك)) وعنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم ((للمقرض بكل مثقال ذرة من قرضة كل يوم عند الله ~~بوزن أحد مالم يطلبه)) وقيل: حمل التصدق على الإنظار ضعيف؛ لأن الإنظار ثبت ~~وجوبه بالآية الأولى فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة؛ ولأن قوله ~~{خير لكم} لايليق بالواجب بل بالمندوب، وقوله عزوجل:{ إن كنتم تعلمون} ~~ترغيب لهم في فعل التيسير والأحسان لينالوا بذلك الثواب، وإنما قال: ~~تعلمون؛ لأنه لايعلم ما رغب تعالى فيه إلا ألوا العلم والعقل، ومعناه لو ~~تعلموا أن هذا التصدق خير لكم علمتموه فجعل العمل من لوازم العلم، وفيه ~~تهديد شديد للعصاة، وقيل: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به أصلح لكم. # قال عليه السلام : دلت على وجوب إنظار المعسرين، وعلى استحباب الحط عنهم ~~فإنه صدقة. انتهى. PageV22P460 # وفي البرهان: روينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أن هذه الآية آخر آية ~~نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومثله في الكشاف، ثم قال ~~تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون} بنقض شيء مما يستحقونه من الثواب ولا يراد على ما ms3266 يستحقونه من ~~العقاب، وكذا في البلغة عن ابن عباس وعطية، والسدي، وقال جبريل عليه السلام ~~: للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعها في رأس الثمانين[538] والمائتين من ~~البقرة. # قال بن عباس: لمانزلت سورة الفتح كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي ~~ويقول ((أما أن نفس نعيت إلى)) وعاش بعدها سنة ثم نزلت {لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم...} إلى آخر السورة، وهذه السورة آخر سورة نزلت من القرآن فعاش ~~بعدها ستة أشهر ثم خرج لحجة الوداع فنزلت في الطريق{يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة} ثم نزل عليه وهو واقف بعرفة{اليوم أكملت لكم دينكم} ~~فعاش بعدها أحد وثمانين يوما ثم نزلت عليه آيات الربا، ثم نزلت{واتقوا ~~يوما} وهي آخر آية نزلت عليه من السما فعاش بعدها أحد وعشرين يوما، وقيل: ~~سبع ليل ثم توفي يوم الأثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول حين زالت ~~الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة عن سعيد بن جبير، ومقاتل، وقيل: سبع عنابن ~~جريج، قاله في التهذيب. # قال بعضهم: الرجوع إلى الله ليس المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهد فإن ~~ذلك محال على الله تعالى وليس المراد الرجوع إلى حفظه وعلمه فإنه معهم ~~إينما كانوا ولكن كل ما في القرآن من قوله يرجعون إلى الله له معنيان: # الأول: أن الإنسان له ثلاثة أحوال على الترتيب فالحالة الأولى كونهم في ~~بطون أمهاتهم لايملكون نفعهم ولاضرهم بل المتصرف فيهم هو الله تعالى. PageV22P461 # والحالة الثانية: كونهم بعد البروز من بطون الأمهات وهناك يكون التكفل ~~بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوان، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في ~~حكم الظاهر. # والحالة الثالة: بعد الموت وهناك لايكون التصرف فيهم ظاهرا وفي الحقيقة ~~إلا الله تعالى فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها ~~قبل الدخول في الدنيا فهذا هو معنى الرجوع عن إلى الله تعالى. # والثاني: أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد لهم من ثواب أو عقاب وكلا ~~التأويل حسن مطابق للفظ. # قال الإمام عليه السلام ms3267 : دلت على صحة التوبة خوفا من الله ومما يجازي به ~~أهل المعاصي في القيامة. # الحكم الثالث: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة ~~آية المداينة قوله تعالى:{ ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه} ذكر بعضهم في كيفية النظم وجهين: # الأول: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قبل هذه نوعين من الحكم: # أحدهما: الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب نتقيض المال. # والثاني: [539] ترك الربا وهو أيضا سبب لنقيص المال، ثم أنه تعالى ختم ~~ذلك الحكمين بالتهديد العظيم وهو قوله:{ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} ~~أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه من الفساد والبوار، ~~فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله وعلى ترك الربا، وعلى ملازمة التقوى ~~لا تتم ولا تكمل إلا عند حصول المال، ثم أنه تعالى لأجل ذلك بالغ في ~~الوصاية بحفظ المال الحلال عن وجوه الفنا والتلف، وقد ورد نظيره في سورة ~~النساء{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم} فيما حث على الأحتياط ~~في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد. PageV22P462 # قال القفال: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على ~~الأختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال: {إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه}. # ثم قال ثانيا:{ وليكتب بينكم كاتب بالعدل}. # ثم قال ثالثا: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} فكان هذا ~~كالتأكيد لقوله وليكتب بينكم كاتب بالعدل للأمر الأول. # ثم قال خامسا: {وليملل الذي عليه الحق} لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما ~~يملي عليه. # ثم قال سادسا: {وليتق الله ربه}. # ثم قال سابعا: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} وهو أيضا ~~تأكيد لما مضى. # ثم قال ثامنا: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} ~~فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة وكل ذلك يدل على أنه لما ~~حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في ms3268 هذا الحكم ~~في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك والبوار، لتمكن الإنسان ~~بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والأعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، ~~والمواضبة على تقوى الله، فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم وهو حسن لطيف. # الوجه الثاني: أن قوما من المفسرين قالوا المراد بالمداينة السلم، فالله ~~تعالى لما منع من الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في هذه الآية، مع ~~أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصل في السلم، ولهذا قال بعض العلماء: ~~لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا والله سبحانه وضع التحصيل ~~مثل تلك اللذة حلالا وسبيلا مشروعا، فهذا ما يتعلق بوجه النظم والله اعلم. PageV22P463 # وأما المراد من هذه المداينة فهو العموم[540]إلا ما خصه دليل، والمعنى إذا ~~داين بعضكم بعضا في بيع، أو شراء، أو إجارة، أو كرا، أو سلف، أو سلم، أو ما ~~أشبهه من العلامات بين .............فهو عام في جميع المعاملات، مخصوص بما ~~دل عليه أنه يجوز فيه المداينة ولا التأجيل من الصرف والأمثال المتجانسة. # قال في النجم الزاهر: وفيها دلالة على جواز المداينة وأنه لا كراهة فيه. # قال صلى الله عليه وآله وسلم :((إن الله مع الداين حتى يقضي ديونه مالم ~~يكن فيما يكره الله عزوجل)) فكان عبد الله بن جعفر يقول: لجاريته اذهبي ~~فخذي لنا بدين فإني أكره إن أبيت هذه الليلة إلا والله معي منذ سمعت هذا ~~الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قلت وقال: قوم أنه مكروه ورووا في ذلك روايات، والصحيح أن الدين جائز إذا ~~احتاج إليه المسلم مالم يكن في معصية الله، وواجب عن الضرورة، ومندوب إذا ~~أراد التصدق على إخوانه المؤمنين، وجرت عادة الأنبياء والمرسلين، والأئمة ~~الهادين، بالأستدانة بمصالح الدين، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعليه ثلاثون صاعا ليهودي ودرعه عنده مرهونة، ومات علي عليه السلام وعليه ~~سبعمائة درهم قضاها عليه الحسن عليه السلام، ومات الحسين السبط ابن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ms3269 وعليه سبعة وسبعون ألف دينار، ومات ولده على ~~بن الحسين زين العابدين صبيا عاله فيها وقضاها عنه الإمام الحسين بن علي ~~الفخي عليه السلام وعليه مائة ألف بما قضاها عنه الإمام محمد بن عبد الله ~~بن الحسن أيام قدومه إلى الرشيد بأمانة، ثم غدر فيه بعد ذلك وقتله الملقب ~~بالرشيد وهو الغوي في الحقيقة، وزيد بن أسامة بن زيد لما حضرته الوفاة بكى ~~وعنده علي بن الحسين زين العابدين فقال ما يبكيك؟ PageV22P464 # قال: إن علي خمسة عشر ألف دينار ولم أترك لها وفاء، فقال علي بن الحسين ~~صلوات الله عليهما: هي علي وأنت منها بريء، وتوفي زيد بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عليهم السلام وعليه أربعة ألاف دينار قضاها عنه ولده الحسن عليهم ~~السلام، وأبو أيوب الأنصاري كان عليه أربعة وعشرون ألف دنيار فوفد على ~~معاوية فلم يعط شيئا لكثرة ولائه لبني هاشم وهوالذي نزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في داره يوم أتى للهجرة إلى المدينة فتلقاه وأنزله فتقدم بعد أن ~~فارق معاوية من سفره ذلك إلى عبدالله بن عباس رضي الله عنه[541] وشكى عليه ~~جفاوة معاوية له وأنه ما أعانه فدخل داره وأعطاه ثمانية وأربعين ألف دنيار ~~وقال: نصفها في دينك ونصفها تعود بها على عيالك فأنت الذي أنزلت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاذ بن جبل تعاظمت عليه الديون وهو قاضي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم باليمن، وقال ابن عباس: أنها نزلت في السلف ~~لأن الني صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين ~~والثلاث فقال: صلى الله عليه وآله وسلم :((من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى ~~أجل معلوم)) ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الأحتياط في الكيل والوزن ~~والأجل فقال: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} أي اكتبوا ذلك إلى ~~أجل مسمى؛ لأن المجهول لايصح فمن الناس من قال: فرض كتبته وأكثرهم إلى أنه ~~نذره، وقوله تعالى:{ وليكتب بينكم كاتب بالعدل} أمر ms3270 للمتداينين باختيار ~~الكاتب الفقيه الدين العالم بشروط الشرع حتى يجيء ومكتوبه معدلا والأمر ~~للندب، ثم قال:{ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب} تلك الكتابة ~~وهو تأكيد. # وفي البلغة : هو واجب عليه كما علمه الله وهو نهي من الله للكاتب أن ~~يمتنع عن الكتابة. # قال بعض العلماء: هذا فرض على الكفاية مثل الجهاد إذا قام به بعض سقط عن ~~الباقي. PageV22P465 # وقال: بعض : هو واجب على الكاتب إذا لم يوجد غيره. # قال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب الكتابة لا يضع الدين بأن ينسا ~~أيهما لايسما الغريم فيكون ظالما ولا يضع لرب الدين ماله فإن تضيعه المال ~~حرام؛ لأنه حينئذ لم يتصدق به، وعلى وجوب الكتابة لمن كان يحسنها، وعلى أن ~~لايزيغ فيما كتب ولا يكتب إلا الحق ولا يبخس. انتهى. # وقوله:{ وليملل الذي عليه الحق} أي على الكاتب، ويعترف بالدين في ذمته ~~والإملاء لغتان في الإقرار، ثم قال:{ وليتق الله ربه} فلايجحد {ولا يبخس ~~منه شيئا} أي لاينقص منه وهو نهى نهاه أن ينقص عن الحق الذي عليه شيئا، ثم ~~قال:{ فإن كان الذي عليه الحق سفيها} قيل: الجاهل، وقيل: الصغير، وقيل: ~~السفيه المجنون، {أو ضعيفا} مختل العقل، وعند الشافعي السفيه المحجور عليه ~~لتبذيره وجهله بالتصرف، والضعيف الشيخ المختل، وقيل: الضعيف الصبي، ومختل ~~العقل لغى أو خرس،{أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} أي ~~لايخيف[542] في إقراره الذي يلي أمره من وصي في صبي أو كفيل أو ترجمان في ~~غيره، وقيل: الضمير في وليه يعود إلى صاحب الحق وهو خلاف الظاهر. # وقال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب الولاية على من كان هذا حاله، ~~وعلى وجوب قيام الولي بما يجب على من كان كذلك انتهى. PageV22P466 # وقال المرتضى عليه السلام : هذا في الرجل إذا كان مريضا وجب على وليه أن ~~يسأله عما عليه ويكتبه، وقد يدخل في قوله لايستطيع أن يمل هو أن يكون ضعيف ~~الفهم يغلب عليه الفي، والعجز فيكون وليه يقوم لفظه ويثبت ما ألقى ms3271 إليه من ~~كلامه، وقد قيل: أن معنى فليملل وليه أي ولي الحق والمطالب به يملي حقه ~~ويذكر ماله على غريمه وذلك وجه حسن جائز وقد ذكر أن الناس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كان الكاتب فيهم وليلا فنها هم الله أن ~~يتضاروا، كل هذه المعاني مؤتلفة شهد بعض بالبعض حسنه ليس فيها عن الحق مخرج ~~ولا عن الصواب معدل. انتهى. PageV22P467 # ثم قال تعالى:{ واستشهدوا شهيدين من رجالكم} المؤمنين والعدالة والبلوغ شرط ~~مع الإسلام، وقيل: الأحرام البالغين واستشهدوا من رجالكم عام يتناول العبيد ~~وغيرهم، والمعنى المستفاد من البعض ايضا دل عليه وذلك لأن الكفار وغيرهم، ~~والمعنى المستفاد من العبض أيضا دل عليه وذلك لأن عقل الإنسان ودينه بمنعه ~~من الكذب فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي فصار ذلك ~~سببا في إحيا حقه والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق، فوجب ~~أن يكون شهادة الحر والعبد مقبولة، ثم قال تعالى:{ فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} أي إن لم يحضر رجلان شاهدان فاشهدوا رجلا وامرأتين مقام الرجل ~~وارتفع رجل على معنى فليكن رجل وامرأتان أو فليشهد رجل وامرأتات، وقوله ~~تعالى:{ ممن ترضونممن ترضون من الشهداء} أي الشاهد من الرجال والنساء يجب ~~أن يكون عدلا مرضيا، ثم قال:{أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} أي ضلت ~~إحداهما عن الشهادة فتذكرها المرأة الأخرى إن نسيت وقرئ إن تضل بكسر الألف ~~وأكثرهم قرأ بفتحها وأقيم المرأتان مقام رجل واحد لما في النسا من النقص، ~~وقدم أن تضل؛ لأنه سبب الإنكار، ثم قال:{ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ~~لايأبى اي لاتمنعوا إذا دعوا إلى إثبات الشهادة في الكتاب، وقيل:[543] إذا ~~دعوا إلى إثباتها وإقامتها، وقيل: إذا دعوا إلى إقامتها عند القاضي وهذا ~~الأصح؛ لأنه لايحل له أن لايقيم الشهادة إذا استشهد صاحب الحق. # قال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب الشهادة وعلى أن الرجل والمرأتين ~~يقومان في الشهادة مقام شاهدين، وعلى أن الشهود يكونون ممن ترضى شهادتهم ms3272 ~~بأن يكونوا عدولا، وعلى وجوب الإجابة إلى الشهادة لمن احتاج إليها. انتهى. PageV22P468 # واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ثم الأستشهاد ثانيا ~~أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد فأمر الكتبة فقال: {ولا تسأموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} السأمة الملال والضجر يقال: سئمت الشيء ~~سأما وسأمه، والمقصود من الآية العبث على الكتابة قل المال أو كثر فإن ~~القليل من المال في هذا الأحتياط كالكثير فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من ~~المال ربما يؤدي إلى فساد عظيم ولجاج شديد فأمر الله تعالى في القليل ~~والكثير بالكتابة فقال:{ولا تسأموا} أي لاتملوا فتتركوا ثم تندموا. # فإن قيل وهل يدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟ # قيل: لا؛ لأن هذا الامر محمول على العادة وليس في العادة أن يكتبوا ~~التافه، وقيل: هذا الكتب في دين السلم خاصة، وقيل: هو في كل دين، ثم قال ~~تعالى:{ ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا} اعلم أنه ~~تعالى بين أن الكتب مشتملة على هذه الفوائد الثلاث: # فأولها: قوله {ذلكم أقسط عند الله} وفي قوله ذلكم وجهان: # الأول: إشارة إلى قوله أن تكتبوه ؛ لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب أقسط. # والثاني: معناه ذلك الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضى، ومعنى ~~أقسط عند الله والقسط إسم، والإقساط مصدر يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط ~~إقساطاص إذا عدل فهومقسط، قال تعالى:{ إن الله يحب المقسطين} وقال:هو قاسط ~~إذا جار، قال تعالى:{ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} ومعنى وأقوم أي ~~أبلغ في الإستقامة التي هي ضد الأعوجاج، وذلك لأن المنتصب القائم ضد ~~المنحني المعوج، أي وأقرب إلى أن تكون الشهادة على وجه الإستقامة وأقرب إلى ~~زوال الشك والإرتياب عن قولب المتداينين. PageV22P469 # قال الإمام عليه السلام : دلت على وجوب كتابة الصغير والكبير والقليل ~~والكثير من المال والإشهاد عليه حتى لايقع في ذلك[544] ليس على المالك ولا ~~على الغريم. انتهى. # ثم قال تعالى:{ إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} أي تبايعون يدا ~~بيد ms3273 فلا بأس بترك الكتابة لعدم الحاجة، وقوله{فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} ~~معناه لا مضرة عليكم في ترك الكتبة أو فإنه مباح لكم أن لا تكتبوها، وقوله ~~تعالى:{ وأشهدوا إذا تبايعتم} أمر بالأشهاد على البيع مطلقا لتجويز ~~الأختلاف فيه بمعنى اكتفوا بالإشهاد في التجارة الحاضرة قيل هو أمر فرض، ~~وقيل: هو على الندب وأن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الأحتياط، ~~وقوله تعالى:{ ولا يضار كاتب ولا شهيد} نهىللكاتب والشاهد عن ترك الإجابة ~~إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان وهذا على كسر الراء ~~الأولى وإسكان الثانية وعلى فتح الأولى والإدغام نهى عن الإضرار بهما بأن ~~يمنعان من إشغالهما أولا يعطي الكاتب أجره وتحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد ~~إلى بلد ثم قال تعالى:{ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} وفيه وجهان: # أحدهما: أن يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى وأن تفعلوا ما نهيتكم عنه ~~من الضرار. PageV22P470 # والثاني: أنه عام في جميع التكاليف والمعنى وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم عنه ~~أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم أي خروج عن أمر الله وطاعته، ~~ثم قال تعالى:{ واتقوا الله} يعني فيما حذر منه هاهنا وهو المضار أو يكون ~~عاما، والمعنى واتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه فيكون أمرا لمجانبة ~~المعاصي، ثم قال عزوجل:{ ويعلمكم الله} هذه الأحكام التي فيها مصالحكم ~~والمعنى أنه تعالى يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياط في أمر الدنيا كما يعلم ~~ما يكون إرشادا في أمر الدين{والله بكل شيء عليم} أي عالم لسائر المعلومات، ~~وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة. # قال الإمام عليه السلام : دلت على الترخيص فيمابيع واشترى ووفي ثمنه في ~~المجلس أن لا يكتب ولم يرخص الله في الشهادة ولكنه أمر سبحانه بها وحرم ~~مصارة الكاتب والشهيد فلا يضاروا بايعا ولا مشتريا ولايضارهما بايع ولا ~~مشتر وأن المضارة من الجميع فسوق والمضارر سمى فاسقا. انتهى. # قال تعالى:{ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} اعلم أنه ~~جعل الساعات في ms3274 هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع كاتب وشهود، وبيع [545] ~~برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة، ولما أمر في الآية المتقدمة بالكتبة ~~والإستشهاد. # واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر بأن لايوجد الكاتب وإن وجد لكنه لاتوجد ~~آلآت الكتابة، ذكر نوعا آخر من الإستشاق وهو أخذ الرهان، فهذا وجه النظم، ~~وهذا أبلغ في الأحتياط من الكتبة والإسشهاد. # قال في البلغة: قيل ارتفع رهان بالوثيقة، كأنه قيل: وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كتابا فالوثيقة رهن مقبوضة. انتهى. PageV22P471 # أي يقبضها المسترهن وهو أمر إرشاد إلى حفظ المال، واتفق الفقهاء على أن ~~الرهن في الحضر والسفر سوى، وفي حال وجود الكاتب وعدمه، وأن السفر ليس شرط، ~~وإنما خصه بالذكر؛ لأنه مظنة أعوان الكتب والأشهاد، وكان مجاهد يذهب إلى أن ~~الرهن لايجوز إلا في السفر أخدا بظاهر الآية، ولايعمل بقوله اليوم، وإنما ~~تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب كقوله تعالى:{ فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم}وليس الخوف من شرط جوازالقصر، ثم ذكر تعالى القسم ~~الثالث من الساعات المذكورة في الآية وهوبيع الأمانة فقال: {فإن أمن بعضكم ~~بعضا}اي إن كان بعضكم يأمن بعضا في رد الرهن عند استيفاء الحق{فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته}. # قال في البلغة: هذا أمر برد الأمانة، أي من وضع الرهن عنده فيجب أن يؤدي ~~الأمانة، فيرده إذا استوفى حقه، ولا يجور فيه. انتهى. # وقيل: معنى فإن أمن بعضكم بعضا أي لم يخف خيانته وجحوده للحق فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته، يعني فليؤد المديون الذي كان أمينا ومؤمنا في ظن الداين فلا ~~يخلف ظنه، وليؤد إليه أمانته وحقه، وسماه أمانة وهو مضمون لإيتمانه عليه ~~بترك الإستيثاق بالإرتهان، يقال: أتمنه يأتمنه إتمانا إذا جعله موضعا ~~لأمانته، ثم قال:{ وليتق الله ربه} بتأدية أمانته، وهذه اللام لام الأمر أي ~~هذا المديون يجب أن يتق الله فلا يجحد؛ لأن الداين لما عامله المعاملة ~~الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثاق من الكتبة والأشهاد، والرهن، ~~فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله، ويعامله بالمعاملة الحسنة في ms3275 أن لاينكر ~~ذلك الحق، وفي أن يؤديه عند حلول الأجل. # قلت: وهذا هو الوجه والله اعلم. PageV22P472 # قال الإمام عليه السلام : دلت على أنه إذا تعذر الكاتب عند البيع بدين على ~~وجوب أخذ الرهن وقبضه وإنما يجب حيث لم يأمن بعضهم بعضا لقوله تعالى:{فإن ~~أمن}[546]بعضكم بعضا لقوله تعالى:{ فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه}. انتهى. # ثم قال تعالى:{ ولا تكتموا الشهادة} والخطاب للشهود نهاهم عن كتمان ~~الشهادة التي عندهم لصاحب الحق عن ابن عباس أكبر الكبائر الإشراك بالله، ~~وشهادة الزور، وكتم الشهادة، ثم قال:{ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} أي ومن ~~كتم الشهادة كان آثما ظالما لنفسه، وقيل: ذكر الغائب هاهنا لأن العزم على ~~كتمان الشهادة إنما يكون بالقلب لأنه أضمرها فيه ولم يتكلم بها، ثم قال: ~~عزوحل:{ والله بما تعملون عليم} وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان لأن ~~المكلف إذا علم أنه لا يعرب عن علم الله ضمير قلبه لكان خائفا حذرا من ~~مخالفة الله تعالى فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ويجازيه ~~عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، دلت عهلى تحريم كتمان الشهادة. # واعلم أنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي ~~دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف وهي ~~الصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد، والحيض، والطلاق، ~~والصداق، والخلع، والأيلاء، والرضاع، والبيع، والربا، وكيفية المداينة ختم ~~تعالى هذه السورة على سبيل التهديد بقوله عزوجل:{ لله ما في السماوات وما ~~في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} وفي وجه اتصال ~~الآية بما قبلها وجه آخر. PageV22P473 # قال أبومسلم: أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة{والله بما تعملون ~~عليم} ذكر عقبه ما يجري مجرى الدليل العقلي، فقال: {لله ما في السماوات وما ~~في الأرض} تصريفا له وإقتدارا عليه، ومعنى وإن تبين وما في أنفسكم أي ~~أظهرتم ما في أنفسكم أو أخفيتموه من كتمان الشهادة وغيره من سائر ms3276 الأحكام ~~التي تقدم ذكرها، وأما قوله: {يحاسبكم به الله} فهو يتناول كلما تصح ~~المحاسبة عليه في الحكمة مما عدم عليه، واعتقد الوساوس، وحدث النفس، فليس ~~في الوسع الخلو منه في الحديث ((لا يؤاخذ الله أمتي بما حدثت به أنفسها ~~مالم تقل أو تفعل)). PageV22P474 # قال الإمام عليه السلام : دلت على أن لفظ ما يشتمل من يعقل ومن لايعقل وأن ~~الله هو المالك لجميع الأجناس وليس لنا منها إلا ما ملكنا سبحانه على تحريم ~~عقيدة وسواه، انتهى[547] وأما قوله تعالى:{ فيغفر لمن يشاء} قرئ يغفر ~~بالجزم للراء وبرفعها، فالرفع علىالأستئناف والجزم على العطف على قوله ~~يحاسبكم ولا يجوز أن يحمل المشية هاهنا على سبيل المجازفة لأن الله بين في ~~كتابه من الذي يغفر له ومن الذي يعذبه، ألا تراه قال:{ إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} وقال: {ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} وقال عز من قائل:{ وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن} فبين أنه يغفر الصغائر بشرط اجتناب الكبائر ويغفر الكبائر ~~بالتوبة ومثلها كثير في القرآن، وإذا حمل الكلام فيه وبينه في موضع آخر ~~فيجب أن يرد المجمل إلى المفسر فإذا صح هذا كان معنى قوله فيغفر لمن يشاء ~~أي يغفر لمن يستحق الغفران ويعذب من يشاء أي يعذب من يستحق العذاب، وكل ما ~~في القرآن من هذا الجنس فبيانه على هذا الحد، ثم قال:{ والله على كل شيء ~~قدير} أي قادر على كل شيء فتمدح بذلك ولايجوز أن يوصف بالقدرة على ما ~~لايكون فيه مدح ولايصح وصفه بالقدرة. PageV22P475 # ولما بين تعالى كمال الملك وكمال العلم، وكمال القدرة، وأنه لايخفىعليه من ~~سرنا وجهرنا شيء البتة ذرك عقيب ذلك ما يجري المدح لملؤمنين والثنا فقال ~~عزوجل: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله}قيل: أن الرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي الرسول ~~آمن بالقرآن المنزل وبملائكة الله وكتبه ورسله وكذلك المؤمنين من أصحابه ms3277 كل ~~من آمن من أصحابه كل آمن بجميع ذلك، وقوله:{ لا نفرق بين أحد من رسله} أي ~~ويقولون لا نفرق بين رسل الله فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى فآمن كل منهم بكتابه ورسوله فقط وكذبوا جميعهم بمحمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتكذيبه تكذيب بجميع الأنبياء؛ لأنه لانبي إلا بشر به ولا ~~كتاب نزل من السماء إلا فيه البشارة به والتعريف لأسمه وصفته، ومعنى آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات ~~الباهرة أن هذا القرآن الكريم وحمله ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من ~~عند الله تعالى وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكنهانة ~~والشعر[548]وإنما عرف الرسول ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يدي ~~جبريل عليه السلام، فدلت الآية على أن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله ~~وسلم آمن بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله، وإنما خص الرسول بذلك؛ لأن الذي ينزل إليه من ربه قد يكون كلاما ~~متلوا سمعه الغير، ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به وقد يكون وحيا لايعلمه سواه، ~~فيكون هو صلى الله عليه وآله وسلم مختصا بالإيمان به، فلهذا السبب كان ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مختصا في باب الإيمان بما لايمكن حصوله في ~~غيره، وأخذ في قوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} في معنى الجمع، كقوله {فما ~~منكم من أحد عنه PageV22P476 حاجزين} والتقدير لانفرق بين جميع رسله. # وقال الرازي: وعندي أنه لايجوز أن يكون أحد هاهنا في معنى الجمع، لأنه ~~يصير التقدير لانفرق بين جميع رسله، وهذا لاينافي كونهم مفرقين بين بعض ~~الرسل، والمقصود بالنفي هوهذا؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل ~~الرسل، بل بين البعض، وهومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فثبت أن التأويل ~~الذي ذكروه باطل، بل معنى الآية لانفرق بين أحد من الرسل وبين غيره في ~~النبوة، وإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام والله اعلم. # ثم قال تعالى:{ وقالوا سمعنا ms3278 وأطعنا} اعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء ~~المؤمنون وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون سمعنا وأطعنا فقوله سمعنا ليس المراد ~~منه السماع الظاهر لأن ذلك لايفيد المدح بل المراد أنا سمعنا بأذان عقولنا ~~فأجبنا قوله وأطعنا أمره فدل هذا على أنه كماصح اعتقادهم في هذه التكاليف ~~فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى في هذين اللفظين كل ما يتعلق ~~بأبواب التكاليف علما وعملا، ثم حكى عنهم بعد ذلك أنهم قالوا:{غفرانك ربنا ~~وإليك المصير} وقيل: انتصب غفرانك؛ لأنه بدل من الفعل المأخوذ منه كأنه قيل ~~اللهم اغفر لنا غفرانك. # قال الفراء: هو مصدر وقع الأمر فنصب ومثله الصلاة الصلاة، والأسد الأسد، ~~وهذا أولى من قول من يقول نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة ~~لهذا المعنى ابتدأ كانت أدل عيه ونظيره قولك حمدا وشكرا أي حمدا حمدا، ~~وأشكرا وأشكرا، ومعنىوإليك المصير أي إلى جزائك المصير وفيه فائدتان: # إحداهما: بيانأنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد؛ لأن ~~الإيمان[549] بالمبدأ أصل لللإيمان. # والثانية: أن البعد متى علم أنه لابد من المصير إليه والذهاب إلى حيث لا ~~حكم إلا حكم الله، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بأذن الله، كان إخلاصه في ~~الطاعات واحترازه عن السيئات أكمل، وهاهنا آخر ما شرح الله من إيمان ~~المؤمنين. PageV22P477 # قال عليه السلام : دلت على وجوب الإيمان بجميع بما أنزل الله، وبجميع ~~الملائكة والكتب المنزلة على جميع الأنبياء في الجملة، وعلى تحريم التفريق ~~بين رسله صلوات الله عليهم، وعلى أن ما علمناه علما من الكتب المنزلة ولم ~~ننسخ أنه يجب العمل به، ولانعلم ذلك إلا ما كان صحيحا عن سيد المرسلين ~~وخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم كرجم المحض. انتهى. # ثم قال تعالى:{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} يحتمل أن يكون ابتداء خبر ~~من الله، ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين، على نسق الكلام في ~~قوله:{ وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير}وقالوا: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} ويؤيد ذلك ما أردفه من قولهم ms3279 {ربنا لا تؤاخذنا}، ~~فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح، وحكى عنهم ~~في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لايكلف الله نفسا إلا وسعها. PageV22P478 # قال في البلغة: الوسع دون الطاقة، أي لايكلف الله نفسا إلا دون طاقتها، ~~فإذا كان الله متمدحا بأنه لايكلف إلا دون الطاقة فكيف يجوز أن يكلف ما ~~لايطاق ولايقدر عليه، فدلت على بطلان مذهب المجبرة في إجازتهم تكليف ~~مالايطاق، ومذهبهم لو اقترن بما تمدح الله به لم يكن في الدنيا سوء أبلغ ~~منه؛ لأنهم جوزوا على الله تعالى ما تمدح بنفيه، فيصير هذا التمدح بمنزلة ~~قول القائل لا أكلف عبدا من عبيدي أن يقف في الشمس لحظة إشفاقا عليه، لكني ~~أكلفه أن يدخل تنورا من حديد مسحرا غاية التسحير وأطبقة عليه، وكذلك الكلام ~~فيما ذهبوا إليه من خلق الأفعال، وإرادة القبائح والمعاصي، مع نهيه عنها، ~~وإيراد الله الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وبعثة الرسل، ~~بخلاف ما أراده وأمره العباد بغير ما أراده، وصده إياهم عما هداهم إليه ~~ورغبهم فيه وخلقه في إبليس إرادة المعاصي من العباد، وأمره إياهم بها ونهى ~~العباد عما خلق فيهم من الكفر، وعن متابعة إبليس، وهم لايقدرون على شيء من ~~ذلك، وفي استقصائنا في ما ذهبوا إليه خروج من الغرض المقصود في هذا الكتاب ~~وفيما ذكرته كفاية للمستبصر والطالب النجاة[550] لنفسه إذا تأمل مذاهبهم ~~وعرضها على دين الله، ثم قال تعالى:{ لها ما كسبت} من الشر فلا يؤاخذ غيرها ~~بذنبها، وخص الشر بالأكتساب من حيث موافقيه لهوى النفس فهو أعمل وأجهد، ~~والمعنى لكل نفس ثواب ما كسبت من الطاعات وعليها عقاب ما كسبت من المعاصي. # قال عليه السلام : دلت على أن ماتعذر على المكلف فعله مماكلف به الله ~~سبحانه قد رفع التكليف عنه، ومثل الصيام على من لم يطق الصيام والحج على من ~~لم يستطعه إلىغير ذلك. انتهى. PageV22P479 # ثم حكى تعالى عن المؤمنين دعاهم وذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((الدعاء شيخ العبادة)) ولأن ms3280 الداعي شاهد نفسه في مقام الفقر والحاجة ~~والذلة والمسكنة، وشاهد حلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت الإستغناء ~~والتعالي وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ختم هذه ~~السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع إلى الله ~~فقال سبحانه:{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قيل: هذا على وجه تعليم ~~الدعا للعباد، وقيل: هو حكاية قول أمير المؤمنين أي ويقولون ربنا ~~لاتؤاخذنا، وقيل: نسينا هاهنا بمعنى تركنا كما قال تعالى:{ نسوا الله ~~فنسيهم} كأنه قالوا لاتؤاخذنا بما تركنا من القيام به من طاعتك وما فعلناه ~~من المعاصي على وجه الشبهة وسؤ التأويل ولم نعلم أنه معصية، وليس النسيان ~~هاهنا علىوجه نسيان الأكل في رمضان وما أشبهه، وأما قوله: {أو أخطأنا} ~~فقيل: معناه لاتؤاخذنا أيضا بمافعلنا تعمدا فسمىالخطأ نسيانا تشبيها وإن ~~كان معناه التعمد، وقيل: يجوز أن يكون قوله نسينا أو أخطأنا على طريقة ~~الدعا وإن كان الله لايؤاخذهم به كما قال: إبراهيم عليه السلام: {ولا تخزني ~~يوم يبعثون} وإن كان الله تعالى لايخزيه دعاه أو لم يدعه، ويحسن الأعتذار ~~من النسيان كما يقول العبد لسيده ولا تؤخذني بمافعلت فإني قد نسيت، ومن ذهب ~~إلى هذا فرق بين إخطا وخطأ، فقال: قد يكون أخطا على وجه الإثم، وخطى لايكون ~~إلا على وجه الغثم، وقيل: إن نسينا أو اخطأنا معناه لم يتعمده، والخطأ ~~والنسيان معفوان، فالمعنى لايؤخذنا بالتفريط الذي هو سبب فيهما، قال الإمام ~~عليه السلام :[551] دلت على أن الله سبحانه يسامح عباده في الخطأ والنسيان، ~~وعلى أنه لم يكلفهم سبحانه مالم يطيقوه، وعلى أن الدعاء مشروع بالمغفرة ~~والرحمة. انتهى. PageV22P480 # ثم ذكر النوع الثاني من الدعاء فقال: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا} الإصر الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لايستقل ~~به لثقله، استعير للتكليف الشاق كقتل الأنفس توب، وقطع موضع النجاسة من ~~الثوب، كما كانت تكاليف بني إسرائيل، فالإصر في اللغة الثقل والشدة قال ~~النابغة: فغ # يامانع الضيم أن تفشي سراتهم ms3281 # والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا # ثم يسمي العهد إصرا لأنه ثقيل، قال تعالى:{ وأخذتم على ذلكم إصري} أي ~~عهدي وميثاقي، ومعناه يرجع إلى الفعل لأنهم قالوا لا تحمل علينا ما يثقل ~~علينا الوفا به كما حملته على بني إسرائيل من التكاليف الشاقة الضعيفة. # قال: القفال: مننظر في السفر الخامس من التوراة التي يدعيها هؤلاء اليهود ~~ووقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق رأى الأعاجيب الكثيرة ~~فالمؤمنون سألوا رباهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات وهوبفضله ورحمته ~~قد أزال ذلك عنهم، قال تعالى: في صفة هذه الأمة:{ ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم}. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق)) ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((بعثت بالحنفية السهلة السمحة)) والمؤمنون ~~إنما طلبوا هذا التخفيف؛ لأن التشديد مظنة التقصير، والتقصير موجب للعقوبة، ~~ولا طاقة لهم بعذاب الله، فلا جرم طلبوا السهولة في التكليف، ثم ذكر سبحانه ~~النوع الثالث من دعا المؤمنين فقال:{ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ~~من العقوبات النازلة بمن قبلنا، وقيل: هو تأكيد لماقبله أي لا تحملنا من ~~العهود والمواثيق مايثقل علينا الوفا به والصبر عليه، وقد يقال: في اللغة ~~لا أطيق رؤيته وسماع كلامه ولايزيد عليه به أنه لايقدر عليه وإنما يريد أنه ~~لايخف على ذلك..........ويثقل علي قال الشاعر: PageV22P481 # إنك إن كلفتني مالم أطق ... ساءك ما سرك مني من خلق # قتل المرنضى عليه السلام : وقد سأله سائل عن معنى الآية[552] إنما أراد ~~بذلك تخفيف المحن عنهم وماق د كلفه غيرهم من المحن التي تصعب عليهم وهم ~~يقدرون على فعلها فسألوا الله عزوجل تخفيف ذلك عنهم والتسهيل عليهم فأجابهم ~~إلى ذلك تبارك وتعالى ولم يكلف أمة محمد من بعده صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى مايطيقون فإن قال: قائل فالمؤمنون يتوهمون أن الله كلفهم مالايطقون حتى ~~سألوه أن يخفف عليهم والله عزوجل فلايكلف أحدا فوق طاقته لقوله سبحانه:{ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} فكيف توهموا أنه يحملهم ms3282 ما لاطاقة لهم، وسألوا ~~التخفيف. # قيل: أن هذا في لغة العرب موجود، وإنما خاطب الله العرب بلغتها، والعربي ~~يقول لايكلفني فلانا فلست أطيقه، وإنما أراد لست أهواه ولاأريده، ويقول لا ~~أطيق أنظر إلى فلان وهو يطيق أن ينظر إليه، وإنما يريد بقوله لا أطيق انظر ~~إليه أي لا أريده، والعرب تقول لما تطيقه لا أطيقه إذا كانت تكرهه ~~ولاتريده، وكانت مسألة المؤمنين لربهم أن يخفف عنهم الأمتحان بما أن كلفوه ~~لم يفعلوه وكرهته أنفسهم، وهم مطيقون له لو فعلوه، كما امتحن الله عزوجل ~~نبيه إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فأنفذ ما أمر الله به، وسلم لأمره حتى ~~كان من قصته ماعلمتم، وكذلك أيضا ماامتحن الله به قوم موسى عليه السلام حين ~~قال: {اقتلوا أنفسكم} ومثل هذا كثير من الإمتحان لو كلفوه أطاقوه، ولكن لم ~~يكن ليفعله منهم إلا اليسير، وكلهم يطيقه لو فعله، فلما أن كان هذا ومثله ~~معنى تتسع منه النفوس، ولايصمم عليه إلا رجل قد امتحن الله قلبه، سألوه أن ~~لايحملهم من ذلك شيئا ولايمتحنهم إلا بمايطيقون ويقومون به، فجاز هذاوخرج ~~معناه ثانيا من العربية. انتهى. # ثم قال تعالى: حاكيا لدعا المؤمنين:{ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا}. PageV22P482 # قال بعضهم : اعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها ~~الترك، وكانت مقورنة بلفظ وما ربنا، وهذا الدعاء الرابع فقد حذف فيه لفظ ~~ربنا، وظاهره يدل عن طلب الفعل، قيل: وإنما لم يذكر هاهنا لفظ ربنا؛ لأنه ~~إنما يحتاب إليه عند البعد، أما عند القرب فلا، فإنما حذف النداء إشعارا ~~بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله، والله اعلم. # وقيل: في الفرق بين العفوا والمغفرة والرحمة أن العفوا سقط عنه العقاب ~~والمغفرة إن يسير عليه جرمه صوبا له من عذاب التخجل والفضيحة كان العبد ~~يقول أطلب منك العفو[553]وإذاعفوت عني فاستره علىفإن الخلاص من عذاقبه ~~الخلاص من عذاب الفضيحة، وقوله{أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} أي ~~ارزقنا من معونتك وتأييدك ومن أمور يجلعها في قلوب الكافرين من ms3283 الرعب منا ~~والهيبة لنا ومن سائر ألطافك ما معه نظفر بهم لأن من حق المولى نصر عبيده، ~~والمعنى انصرنا عليهم في محاربتنا معهم وفي مناظرتنا بالحجة معهم، وفي إعلا ~~دولة الإسلام على دولتهم على ما قال: {ليظهره على الدين كله}. # قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت على وجوب جهاد الكفار، ~~والدعاء إلى الله بنصر المؤمنين على الكافرين. انتهى. # روي عن ابن عباس لما دعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قيل له عند ~~كل كلمه قد فعلت. # وروى الواحدي: عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى السماء أعطى خواتم سورة البقرة فقالت له الملائكة: إن الله ~~عزوجل قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله آمن الرسول، فاسئله وارغب، فعلمه ~~جبريل عليه السلام كيف يدعو، فقال محمد صلوات الله عليه وعلى آله وسلم: ~~((غفرانك ربنا وإليك المصير)) فقال الله: قد غفرت لكم. PageV22P483 # فقال: لاتؤاخذنا، قال الله: لا أواخذكم، فقال: ولاتحمل علينا إصرا، فقال: ~~لا أشدد عليكم، قال محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولا تحملنا مالا طاقة ~~لنا به)) فقال: لا أحملكم ذلك، فقال: محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ~~((واعف عنا واغفر لنا وارحمنا))، فقال: الله: قد عفوت عنكم وغفرت لكم ~~ورحمتكم، وأنصركم على القوم الكافرين. # وفي بعض الروايات أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر هذه الدعوات ~~والملائكة كانوا يقولون آمين. # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة ~~بعد العشاء الآخرة كفتاه)) قيل: من قيام الليل، وقيل: من الآفات، وعنه ~~((منهما معا)) وفي بعض الأخبار: أجزناه من قيام الليل والله اعلم. # والحمد لله رب العالمين # والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا. # وكان الفراغ من هذا التفسير المبارك إتمامه يوم الأحد شهر شعبان عام خمسة ~~وسبعون، وألفه محروس شهارة وحرسها .......المهدي والصالحي بن عبادة .كتبه ~~الفقير إلى الله تعالى الراجي رحمة ربه وغفران ذنبه .......عبد ms3284 الله بن ~~محمد .......لطف الله به وغفر له وختم أيامه وأعماله الصالحات بحق لا إله ~~إلا الله. PageV22P484 ms3285