######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير ¶ المؤلف : ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : #META# cat: كتب من مؤسسة الإمام زيد #META# bkid: 328 #META# الكتاب: البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير #META# bkord: 315 #META# idx: 1 #META# iso: البدر المنير في معرفه الله العلي الكبير #META# bk: البدر المنير في معرفة الله العلي الكبير #META# max: 1045 #META# digitization_comments: مصدر الكتاب : #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # وبه أستعين وصلى الله على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله المنتخبين ~~أما بعد: PageV01P001 # فإني لما رأيت في زماننا هذا من كثرة التقليد لغير محكم كتاب الله الحميد، ~~وما حده وبينه على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من القول السديد، ~~ورأيت كثيرا منهم قد شغفوا بما وضعه كثيرا من الشيوخ من الحقائق والحدود، ~~والمقدمات والنتائج، ورأيت أن الخبر عند كثيرا من الأصحاب من فهم تلك ~~الحقائق والنتائج والحدود، ولو لم يكن عنده من معرفة كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما يوجد منها من الأصول والفروع شتى، ~~ورأيت كثيرا من الناس قد ركبوا متن العمى، واجتنبوا كثيرا من العلماء ~~السابقين والمقتصدين من أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم الذين ~~جعلهم الله حججا عليهم، ففرقوا بينهم بغير دليل قطعي قاطع، ولا ظني نافع، ~~حتى أن كثيرا منهم لا يستجيزون الصلاة خلف كثير من علماء أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيتهمونهم في الإمامة الصغرى فضلا عن الإمامة ~~الكبرى، ويظنون بهم ظن السوء المحرم، ولم يشعروا أنهم قد خالفوا الله تعالى ~~ورسوله المكرم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وعترته ~~وذريته [ ]((قدموهم ولا تتقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم ~~فتظلوا ولا تشتموهم فتكفروا))(1) ثم ترى كثيرا منهم يتباهون بعضهم بعضا في ~~التقدمة للصلاة مع حضور أولي العلم والعمل من أهل البيت عليهم السلام ~~الآخذين "ما فعلوا عن آية محكمة أو سنة قائمة، ثم يظنون ظنا منهم PageV01P002 أن أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أهل العلم مختلفون ~~أخذا من أولئك الشيع بروايات العوام فيهلكون أنفسهم ويخالفون ما بنى الله ~~عليه من أساس دينهم من أن مقرونه نجاتهم ومعقوده بمودته من أهل البيت ~~-عليهم السلام -والمودة: المحبة، والمحب لهم المود لهم هو المتبع لهم، ~~والمتبع لهم هو من لم يتقدم عليهم في صلاة مع حضورهم ولا في غيرها من ms001 ~~الخصال الشريفة، آلا ترى أن الله تعالى يقول في المدعي للمحبة [1ب]له تعالى ~~من غير اتباع ما شرع تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم [ ]{قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}[آل عمران:31] فأخبر تعالى أن من ~~لم يتبع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فليس بمحب ولا مود له تعالى، كذلك ~~من قال أنه محب لأهل البيت -عليهم السلام- مود لهم ولم يتبعهم فليس بمود ~~ولا محب، بل هو أعظم جرما ممن أظهر عداوتهم لتدليسه وآرائه للناس أن المحسن ~~منهم مسيئ وأن العالم العامل جاهل فينفر ويثبط من ليس من أهل المعرفة عن ~~إتباع الهداة في الخلق وحجج الله فيهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فلا قوة إلا بالله العلي العظيم . PageV01P003 # أحببت(1) أن أضع في معرفة الله تعالى وما يلحق بها أبوابا ملقوطة من كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لينتفع بها المسترشدون من ~~غير تقليد، ومن الله تعالى استمد التوفيق والتسديد. # وصلى الله على البدر التمام، ومن هو للأنبياء ختام محمد وعلى آله البررة الكرام # [ باب في توحيد الله وعدله وصدق وعده ووعيده ] # وذكر عدله وصدق وعده ووعيده، والنص على التوحيد والعدل وصدق الوعد ~~والوعيد في سورة {قل هو الله أحد}[الصمد:1] وفي غيرها . # والنص على إرسال الرسل والأوصياء ونصب الأئمة وكون علماء أهل البيت- ~~عليهم السلام -حجة على جميع المكلفين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~في غير سورة {قل هو الله أحد}[الصمد:1] وفيها إشارة إلى ذلك # [ # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P004 {قل هو الله أحد} أي :الله الواحد وجوده، الذي ليس لأزليته حد فيه (أحد)، ~~المنفرد بصفات الكمال، ليس معه إله يشاركه، وليس إله غيره؛ وإنما وضعنا هذا ~~الكتاب في أصول الدين من القرآن لأن القرآن دليل على خالقه تعالى كالسماء ~~والأرض وما بينهما؛ لأنه كلام لا يقدر عليه جميع المخلوقين، ولا بد لكل ~~كلام من متكلم يحدثه إذ لا تأثير للعدم وإلا لو كان للعدم تأثير لكان ~~الكلام ms002 موجودا حدوثه في كل وقت، فلما علم عجز المخلوقين عن التكلم بمثله، ~~وثبت أنه لا تأثير للعدم عند جميع العقلاء علمنا أنه لا بد للقرآن من محدث ~~غير المخلوقين وغير العدم؛ وليس غيرهما إلا الله تعالى فصح الاستدلال ~~بالقرآن على وجود الله تعالى [2أ] كدلالة غيره، وإذا صح وجب وجاز أن يعرف ~~الله تعالى، ويوصف ويسمى بما سمي ووصف نفسه به في القرآن {الله الصمد} أي: ~~السيد المصمود المقصود لكل حاجة دينيه ودنياوية فيدخل في ذلك جميع ما يحتاج ~~إليه العالم المكلفون من تفضيل الشكر الذي قضى بوجوبه عليهم عقولهم، فيدخل ~~في ذلك -أي في قضاء حوائجهم- إرسال الرسل والأنبياء- صلوات الله عليهم- ~~وتعيين الأوصياء من بعدهم، والأئمة ومنصبهم وصفاتهم من يعين باسمه سيما وصي ~~نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة بعده، ومن هو من الخلق حجة ~~وعلامة للنجاة إلى آخر التكليف بعده صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا نبي ~~بعده يوحى إليه بشريعة جديدة. PageV01P005 # [أدلة تعيين الله تعالى علي (ع) وصيا لرسوله (ص)] # وقد عين الله تعالى وصيه صلى الله عليه وآله وسلم وهو علي بن أبي طالب ~~سيد الأوصياء- عليه السلام- عينه الله تعالى وصيا لرسوله- صلى الله عليه ~~وآله سلم- بالنصوص الجلية في مواقف كثيرة منها: يوم غدير خم(1) وغيره مما ~~اتفق عليه جميع الأمة(2)، وعينه تعالى بآية الولاية(3)، فكل آية مدح ~~المؤمنين في كتاب الله تعالى فعلي عليه السلام سائقها وقائدها(4) صلى ~~الله عليه وسلم وكذلك فقد عين الله تعالى بعد رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ووصيه عليه السلام على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالنص ~~الجلي الذي لم يختلف فيه اثنان إمامة الحسن والحسين وشهد لهما بالعصمة(5)، ~~وكذلك قد عين الله تعالى الإمامة بالنص الجلي الذي لم يختلف في صحته عالمان ~~في من لم يصر على كبيرة مع كمال ما تحتاج إليه الإمامة من أصول الدين ~~وفروعه من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعين تعالى من ختم به ~~الأئمة باسمه المهدي -رضي الله ms003 عنه- وشهد تعالى لكل من أولئك على الجملة ~~ولجماعة أهل البيت -عليهم السلام- بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل ~~كل عصر منهم على التحقيق بالعصمة في إجماعهم والصلاحية، وأن المتمسك ~~بعلمائهم PageV01P006 ناج ولو لم يتطهروا بالإمامة بكفاية من يكفي منهم أو لعذر مانع لا يعاقبون ~~على ترك إظهارها معه، كعدم الناصر وقوة الظلمة، وفي ذلك يقول الله تعالى [ ~~]{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[الأحزاب:33] ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((أهل بيتي كسفينة نوح من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى)) (1) فالحمد لله الذي جعلنا من علمائهم، ~~والسائرين بسيرة أخيارهم -صلوات الله على أئمتهم وعليهم. PageV01P007 # {لم يلد} أي: ليس أحد ولدا له تعالى، لأن الولد من جنس الوالد والله ~~وتعالى[2ب] فلا جنس له، إذ ليس يماثل تعالى الأشياء التي هي غيره من ~~المخلوقين؛ إذ لو ماثلها تعالى لكان لازما له تعالى ما لزمها من الحدث، ~~وكان لا ينفك عن ملازمة شئ من الأعراض التي نشاهد أن الأجسام ملازمة لها، ~~والأعراض فهي محدثة بتيقن المشاهدة لأنا رأيناها توجد وتعدم ولا يخلى الجسم ~~عنها كلها، وما وجد بعد عدم كالحركة توجد بعد السكون والسكون بعدها، ولا ~~يرتفعان جميعا عن الجسم، وكذلك الصحة والسقم، والموت والحياة بالروح ~~والألوان لا ترتفع كلها ولا تلازم الجسم في كل وقت كلها، بل يحدث ويزول ولا ~~ينفك الجسم عنها كلها، وما اقترن بالمحدث ولم يتخلف عنه؛ فهو محدث مثله عند ~~جميع العقلاء؛ فلو أن الله تعالى أشبه الأجسام أو الأعراض لجاز ووجب عليه ~~ما جاز ووجب عليها فيما ذكرنا لك ولكان محدثا مثلها، وقد ثبت بالدلالات ~~القاطعة والمشاهدات الحسية أنها لا تحدث جميعها بنفسها؛ لأن أصلها عدم، ~~والعدم لا تأثير له في شئ ولا يقدر على إحداث مثلها ولا تبدل ألوانها؛ فلو ~~كان الله تعالى مماثلا لها في جسميتها أو عرضيتها لاحتاج إلى محدث كما ~~احتاجت ولكان للمخلوقين محدث غيره؛ لأنه إذا كان تعالى مثلها عجز كما عجزت ~~فثبت بما ms004 تقرر في العقل، والسمع أن الله تعالى لا يشبه الأشياء؛ فليس تعالى ~~بجسم ولا عرض، بل هو شئ لا يشبه الأشياء. # [الدليل على وجود الله] PageV01P008 وقد دل على أنه تعالى موجود حي عالم قادر قوي سميع بصير حكيم مدبر عليم: ~~العقل؛ لأنه لا بد لكل فعل محكم من فاعل مختار حي عالم قادر قوي سميع بصير ~~حكيم عليم؛ إذ لا تأثير للعدم ولا للميت ولا للحي العاجز ولا تأثير في ~~الإحكام لغير العالم، وقد وجدنا بالمشاهدة أن أفعال الله تعالى موجودة في ~~غاية الإحكام؛ الزائد على كل صناعة من صناعة غيره تعالى المشاهدة، وعرفنا ~~بطريق المشاهدة أن الجاهل القادر غير السميع البصير الحكيم المدبر العليم ~~لا تصدر عنه من فعله الأشياء المصنوعة المحكمة، وثبت بالسمع وهو دليل على ~~الله تعالى قاطع أن الله تعالى لا يشبه الأشياء، وأنه شيء موجود حي. # وذلك قوله تعالى [ ] {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}[الشورى:11] أي : ~~ليس مثله تعالى شئ من الأجسام والأعراض، و(الكاف) صلة تزيدها العرب في ~~لغتها؛ والقرآن نزل باللغة العربية، وعند بعض العلماء أن (الكاف) كناية وهو ~~حسن، وهو (السميع العليم) بجميع الأشياء (البصير) أي: العليم الحكيم بجميع ~~ما خلق؛ فلا يعسر عليه شئ من أمورهم ولا يعييه شئ، ولا يلتبس عليه ما يلتبس ~~على المخلوق الضعيف وقال تعالى مخبرا من أنه شئ موجود[ ]{قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}[الأنعام:19] فسمى تعالى [3أ] نفسه شيئا ~~وسمى، نفسه شهيدا حاضرا حضور مشاهدة، عالم لكل ما يصدر من القوم من تكذيب ~~رسوله -صلى الله عليه سلم. PageV01P009 # {ولم يولد} أي : ليس بمولود؛ لأنه تعالى قديم والمولود محدث والولد هو ما ~~خلقه الله تعالى من وأمه وأبيه أو خلقه الله تعالى من أمه فحسب كعيسى -عليه ~~السلام -وفصل من أصل، ووجد بعد عدم، والله تعالى ليس بمخلوق ولا معدوم ولا ~~منفصل من أصل؛ لأن الأصل جنس للفرع، وقد ثبت بالعقل والسمع أن الله تعالى ~~لا جنس له. # {يكن له كفوا أحد} أي: ms005 ليس له من يصح أن يكافئه أي: يماثله في ذات أو ~~صفات أو فعل أو وجود؛ فوجوده تعالى لا حد له فلا يصح أن يكون معدوما بخلاف ~~العالم، ووجوده تعالى واجب بخلاف العالم فإنشاؤه له تعالى من العدم تفضل ~~جائز له تعالى غير واجب عليه، وذاته تعالى ليست بجسم ولا عرض بخلاف العالم ~~فإنهم أجسام وأعراض ملازمة للذات، وصفاته تعالى من كونه تعالى حيا ~~عالما قادرا: صفات ذات ليست بشيء زائد على الذات، صفاته تعالى ذاته، ~~وأفعاله تعالى مخترعة من العدم بيسر من غير نية ولا ضمير ولا مزاولة، بل ~~بإرادته ومشيئته تعالى وهما قصده تعالى إيجاد الشيء على حسب ما يريد ~~تعالى ويعلم من الحكمة، وقصده تعالى للشيء وإرادته له ومشيئته فهو ~~إيجاده إياه على علم به منه تعالى وأنه سيوجده في أي وقت، وذلك العلم ليس ~~بأمر زائد على ذاته تعالى ولا يعلم محدث متجدد له تعالى من قبل أن يكون ~~لما في القول بذلك من الكفر والإلحاد والنسبة له تعالى إلى ما لا يجوز من ~~صفات البشر الضعيف -تعالى الله عما تقوله المبطلة من PageV01P010 الإفراط والتجاوز لحدود العقل والسمع، (فما قدر والله حق قدره قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون)، إذ يلزمهم حيث قالوا: إن الله تعالى أراده ومشيئة هي غير ~~المراد المعقول، وعلما متجدد أن عند أحداث المحدث أن يصفوا الله تعالى ~~بالجهل قبل ذلك؛ وإذا ثبت أن الله تعالى لا يماثل الأشياء بدليل العقل ~~والسمع وتقررت هذه الفروق بينه وبينها فقد ثبت من جميع العالم الخطأ ~~والنسيان؛ فالله تعالى لا يخطئ ولا ينسى، وقد ثبت في كثير من العالم ~~إخلاف الوعد والوعيد للبدا والأعذار والجهل بمصادر الأمور، فالله تعالى لا ~~يخلف الوعد بالثواب لمن يستحقه بعلمه وصبره، والعوض على الآلام والمصائب، ~~والوعيد بالنار لمن يستحقه من العصاة، لأنه تعالى لا يجهل مصادر الأمور، بل ~~هو عالم بجميع الأشياء ولا يجوز عليه تعالى البدا لأنه -تعالى- عالم ولا ~~يجوز عليه -تعالى- الإعذار فيما يريده -تعالى- أن يفعله -تعالى؛ لأن العذر ~~[3ب] ms006 إما لعجز أو جهل، والله تعالى ليس بعاجز ولا جاهل فلا يجوز عليه ~~العذر، وإذا ثبت الثواب والعقاب والعوض، فليس موضع ذلك في الدنيا، وجب في ~~الحكمة البعث للموتى أو الإحياء لجميع أهل الأرواح، وقد دل على ذلك العقل ~~والسمع والله تعالى لا يخلف ما قال من الوعد والوعيد وغيرهما. PageV01P011 # أما العقل فإن إيصال الآلام إلى أهل الأرواح بغير عوض ولا استحقاق ولا دفع ~~ضرر ولا جلب نفع قبيح عقلا، والله تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى عالم ~~بقبحه غني عن فعله عالم باستغنائه عنه، ومن كان كذلك من العقلاء فإنه لا ~~يفعل القبيح وما يذمه جميع العقلاء إذا كان بهذه المثابة فضلا عن الله ~~تعالى الذي قد ثبت عند جميع العقلاء بما ركب الله تعالى فيهم من العقل، ~~وبالأدلة القاطعة أن أفعاله تعالى جارية منه تعالى على أحسن الأحوال ~~وأرجحها، فلا يفعل تعالى المباح الذي لا فرق بين فعله وتركه -أي: لا حكمة ~~في إيجاده- فكيف يقال أن الله تعالى يفعل القبيح أو المكروه تعالى ربنا ~~عن قول أهل الزور والبهتان والكفران علوا كبيرا، فثبت أن الله تعالى يبعث ~~العالم للجزاء والأعواض التي لا يجوز الإخلال بها من جهة الحكمة العقلية ~~والسمعية، وذلك لأن: الموت منسي كل نعمة ومتمم كل نقمة فلا عوض فيه ولا ~~ثواب على الصبر عليه إلا في الآخرة، فلو لم يبعث الله تعالى للجزاء عليه ~~لكان الإيلام به من لا يستحق الإيلام قبيحا، والله يتعالى عن فعل القبيح بل ~~هو غني حميد، وكذلك فإن التخلية بين الظالم والمظلوم في الدنيا لم يتيقن ~~المناصفة فيها إلا في الآخرة، فلا بد من البعث لأجل ذلك وإلا لكان إهمالها ~~قبحا والله تعالى لا يفعله. PageV01P012 # والسمع قد دل الله تعالى فيه بأدلة قاطعة مقررة لما أثبته العقل فمن ذلك ~~قوله تعالى مخبرا:[] {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}[الأنعام:38] فأخبر ~~تعالى أنهم يحشرون إليه -أي:يبعثون ms007 إليه ليجازيهم- دل تعالى بذلك على أنه ~~تعالى يبعث جميع أهل الأرواح، وقال تعالى: [ ] {ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء}[الأنعام:38] من ذكر ما يحتاج إليه العالم في الدين والدنيا والبعث ~~والجزاء وغير هذه من الآيات التي أمر فيها تعالى العقلاء من جهة العقل أنهم ~~إذا نظروا بعقولهم فيها وجدوا البعث واجبا في الحكمة والابتداء تفضلا، وأن ~~البعث في المشاهدة لأعمالنا لما كان تأليف الموجود وإحياؤه أيسر من ابتداء ~~المعدوم [4أ] وإنشائه في الشاهد، قال تعالى في ذلك [ ] {وهو الذي يبدأ ~~الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}[الروم:27] أي :إعادته له -سبحانه وتعالى، ~~وكذلك من قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} لا يجوز أن يجعل له تعالى من ~~الأسماء ما لا يضعه له تعالى من الأسماء الذاتيه ولا يشتق له تعالى اسم ~~من غير فعل هو له تعالى حقيقة ولا نطلق عليه من الأسماء المجازية إلا ما ~~سمى به نفسه تعالى فمن لم يتوقف على ذلك كذلك فقد جعل لله تعالى كفوا في PageV01P013 أسمائه تعالى، وقد قال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} وكذلك يجب أن تكون ~~أفعاله تعالى جارية على مقتضى العدل، والعدل هو وضع كل شئ في محله من غير ~~خلطه بظلم ولا جور، والجور هو تكليف ما لا يطاق، والعقاب على غير فعل ~~الفاعل؛ فلو جاز ذلك لكان لله تعالى كفوا؛ وقد قال تعالى: {ولم يكن له ~~كفوا أحد}. # (تم ما أردنا إيضاحه) في توحيد الله تعالى وعدله وصدق وعده ووعيده، وبعثة ~~الرسل والأنبياء، ونصب الأوصياء والأئمة، وكون أهل البيت عليهم السلام ~~حجة على غيرهم من الأمة إلى آخر التكليف، وتبيين جميع ذلك وإيضاحه في كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله-صلى الله عليه وآله وسلم - تكملة هذا الكتاب. # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه أستعين، وصلى الله على سيد الرسل وسيد الأولين والآخرين محمد المصطفى ~~وآله الطاهرين المطهرين. # [ باب في عدل الله تعالى ] # العدل: هو وضع كل شئ في موضعه على سبيل الحكمة هذه حقيقته في حق الله ~~تعالى دليل كونه ms008 كذلك في حق الله تعالى: العقل والسمع: # أما العقل: فإن العدل الجاري على وجه الحكمة حسن عقلا وخلافه قبح عقلا، ~~والله -سبحانه وتعالى- قد ثبت من أفعاله ما لا يحصى عددا، وهو تعالى عالم ~~بقبح القبيح غني عن فعله عالم باستغنائه عنه؛ ومن كان بهذه المنزلة من ~~العقلاء فإنه لا يفعل القبيح؛ لأنه لا حكمة فيه ولا مراد والحال هكذا، فإذا ~~كان كذلك فالله سبحانه لا يفعله لأنه تعالى أعلم العلماء وأحكم الحكماء. PageV01P014 # وأما السمع: فآيات كثيرة منها: قوله تعالى: [ ] {إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما}[النساء:40][4ب] وذلك أن ~~الظلم وهو الحكم على المظلوم بما لا يستحق قبح فانظر كيف نزه نفسه تعالى ~~عن مثقال أصغر ما يرى من الأجسام منه وهي الذرة الحيوان، والذرة القطعة ~~اليسيرة من التراب؛ وأخبر تعالى بأن عطف تعالى بقوله {وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت} أي: عليها {من لدنه أجرا عظيما} يعني تعالى وإن تك مثقال ~~الذرة المذكورة حسنة أي: من الأفعال الحسنة بأن تكون من واجب أو مسنون أو ~~ترك محظور تشتهيه الأنفس وتميل إليه، والمكلف يقدر عليه نعم وكانت الحسنة ~~سليمة مما يحبطها من الإصرار على الكبائر بعد فعلها كالرياء، والسمعة صادرة ~~مع الإيمان الصحيح، والتقوى والوفاء بأجر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم الذي هو مودته صلى الله عليه وآله وسلم ومودة أهل بيته وذريته ~~وعترته -عليه وعليهم أفضل السلام- بالاتباع والتأسي واعتقاد ولاية العالم ~~المؤمن منهم، وإمامته ظاهره وباطنه لأن العهد من الله تعالى وهو توليته ~~له تعالى وجعله للناس إماما قد ناله بإيمانه وعلمه، قال تعالى في ذلك ~~كذلك لإبراهيم عليه السلام [ ] {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال ~~لا ينال عهدي PageV01P015 الظالمين}[البقرة:124] فقد ناله بصريح الآية؛ وإنما كان ذلك شرطا في قبول ~~الحسنة ومضاعفة أجرها لقوله تعالى [ ] {إنما يتقبل الله من ~~المتقين}[المائدة:27] وإنما كان قبولها مشروطا بتأدية مودة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأهل بيته وذريته -عليهم السلام- لأنه لا يقبل ms009 عمل ولا يكون ~~العبد متقيا مؤمنا إلا بذلك، وذلك -أعني مودته ومودتهم عليه وعليهم السلام- ~~قد علمت من ضرورة الدين ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((أهل بيتي ~~كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(1) وغير ذلك من الآيات ~~والأحاديث. وغير المتبع فليس بمحب لقوله تعالى [ ] {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله}[آل عمران:31] وغير المحب فلم يؤد المحبة التي هي ~~المودة ومن لم يؤد المحبة التي هي الإتباع للمحسن منهم والتجاوز عن مسيئهم ~~ولا ينسب إلى أحد منهم الإساءة التي توجب التبري في حق كلمه إلا بدليل قاطع ~~فليس ذلك بمؤمن ولا متقيا لأنه إذا لم يؤد أجر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فهو جائز لسيد البشر -صلى الله عليه وآله وسلم- غير متبع له، ~~ومن لم يتبعه صلى الله عليه وآله وسلم فليس بمحبوب لله تعالى، ومن لم ~~يتبع فليس بمحب لأن الله جعل الإتباع دليلا على المحبة بقوله تعالى: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}[آل عمران:31] ومن لم يتبع PageV01P016 لم يركب في السفينة التي كسفينة نوح، ومن لم يكن راكبا فيها فهو غارق هالك، ~~والهالك فليس بمؤمن ولا متق. # قوله تعالى: [ ]{ يضاعفها} أي: أضعافا كثيرة لا انقطاع لها، وقد قال ~~تعالى في آية: [ ] {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}[الأنعام:160] وقال ~~تعالى في آية أخرى: [ ] {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}[البقرة:261] وقال تعالى في آية ~~أخرى: [ ] {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ~~كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل ~~فطل}[البقرة:265] دلت هذه الآية على أن العمل ثوابه بحسب الموقع؛ فأهل ~~الإخلاص الكثير من غير شائبة مع النية الصالحة لقوله تعالى: [ ]{ ابتغاء ~~مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم} ومشقة العمل كالجهاد والإنفاق فيه وطلب ~~العلم ونشره من العالم المجانب العامل للظلمة تكون الحسنة في ذلك مع ~~الإخلاص بسبعمائة حسنة، وقد تكون بعشر أمثالها مع ms010 سهولة العمل أو عدم ~~الإخلاص الكثير. PageV01P017 # وأما قوله تعالى: [ ]{وإن تك حسنة يضاعفها} فالآية على إطلاقها في أنه لا ~~انقطاع للمضاعفة والتجديد في الآيتين وهما قوله تعالى: [ ]{من جاء بالحسنة ~~فله عشر أمثالها} وقوله تعالى: [ ] {سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} فذلك ~~جزاء على العمل بحسب موقعه ومشقته، والإخلاص الكثير والنية الصالحة لقوله ~~تعالى: {ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم} فالزائد على ذلك الذي لا ~~انقطاع له في قوله تعالى:[ ]{وإن تك حسنة يضاعفها} فذلك تفضل مقطوع به ~~وثواب على العمل، وتلك المضاعفة التي لا انقطاع لها كلها جزاء العمل ~~الصالح؛ لأنها لولا العمل الصالح لما حصلت، فلا تخص الآية إلا آيات الإحباط ~~{ويؤت من لدنه} أي: عليها {أجرا عظيما} بليغا في العظم؛ وكل ذلك بشرط ~~التقوى لما ذكرنا من الأدلة، وقوله تعالى: [ ] {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون} {إن الله يأمر بالعدل} أي: يفعل أفعاله كلها بالعدل بالحق، ويأمر ~~جميع المكلفين بذلك، ويأمرهم بالإحسان إلى أنفسهم بفعهلم ما يجب عليهم، ~~{وإيتاء ذي القربى} اللام في القربى للجنس أو للعهد [5ب] والأحسن أنها ~~للعهد؛ لأنها قريب العدل والإحسان، واللام فيهما للعهد؛ لأن المراد العدل ~~المعهود الذي يأمر الله تعالى به وهو العدل الذي لا يشوبه جور، وليس ~~المقصود جنس العدل ولو مع الجور أي عدل قل أو كثر، والإحسان المعهود الكامل ~~لا الذي مع الإساءة، وقرين الشيء حكمه PageV01P018 حكمه لا يفرق بينهما فيما يجب ويحرم وجنس وعهد إلا بدليل؛ فيكون المقصود في ~~القربى القربى المعهودين في الذهن وفي الخارج وهم قربا، والخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أي: {وإيتاء} أي: إيصال {ذي القربى} أي: صاحبها، ~~وهي قربا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم ذريته وعترته، وقوله ~~تعالى: {وإيتاء ذي القربى حقه} أي: قرباك، والخطاب لرسول الله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم- فالمقصود بها قرباه -صلى الله عليه وآله وسلم- وهم ذريته ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- وعترته ما ms011 تناسلوا إلى يوم القيامة، والمقصود ~~بإيتاء ذي القربى إيتاءهم حقهم الذي يجب لهم من المودة المفروضة لهم في ~~قوله تعالى: [ ] {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}. PageV01P019 # قوله تعالى: [ ]{وينهى عن الفحشاء} أي: الكبائر من المعاصي {والمنكر} ما ~~أنكره العقل والسمع جميعا أو السمع وحده من قول أو فعل {والبغي} أي: وينهى ~~تعالى عن البغي وهو تجاوز الحدود في الأقوال والأفعال والاعتقاد؛ فالبغي ~~على الله تعالى تعدي حدوده تعالى إفراطا أو تفريطا، والبغي على الملائكة ~~-عليهم السلام- سبهم وجعلهم إناثا، والبغي على الأنبياء -عليهم السلام- ~~سبهم وتخوينهم ومحاربتهم والاستخفاف بهم وذلك كله كفر، والإفراط في حق الله ~~تعالى قد يكون كفر إلزام كغلو المعتزلة من جمعهم بين النقيضين ونفيهما لهما ~~من قولهم صفات الله تعالى لا هي هي ولا هي غيره ولا قديمة ولا محدثة في ~~نفيهما، والتفريط قد يكون كفرا كتفريط العوام الذين لا يتفكرون بعقولهم في ~~مصنوعات الله تعالى رأسا، ويظهر الكفر كالتجسيم والتشبيه من أفواههم وأن ~~لا تظهر خصال الكفر منهم فالظاهر الإسلام كالمجبرة والمشبهة وغير ذلك من ~~عقائد الفرق الضالة، والبغي على الأئمة العادلين من أهل البيت عليهم ~~السلام سبهم ومحاربتهم واستحلاله كفر وغيره فسق، والبغي على المؤمنين ~~والمؤمنات قطع موالاتهم وترك نصرتهم وترك تعظيمهم والاستخفاف بهم فإن كان ~~لأجل إيمانهم فكفر وإلا ففسق، وكذلك إذا كان ذلك استحلالا فكفر أيضا ولو ~~مؤمنا أو مؤمنة في الاستحلال أو لأجل إيمانه، وإن كان غير ذلك فإن كان ~~مجمعا عليه إجماعا قوليا للعترة عليهم السلام [6أ] أو الأمة فيهم إجماع العترة PageV01P020 ففسق وإلا فنقص عدالة ففي ذلك كله اتباع لغير سبيل المؤمنين؛ لأن سبيلهم هو ~~الإيمان بكل ما جاء من عند الله تعالى وترك البغي على الله تعالى وعلى أهل ~~الإيمان فمن فعل ذلك فقد اتبع غير سبيلهم؛ فإذا كان ذلك بعد المعرفة بالهدى ~~الذي هو الحق فهو مشاقق لله تعالى ولرسوله وفي ذلك يقول الله تعالى:[ ] ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ms012 سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} يوله ما تولى أي: يحكم له بحكم الخصلة ~~التي تولاها فيلحق حكمها من كفران كانت تقتضيه أو فسق إن كانت توجبه، ثم ~~قال الله تعالى متوعدا: [ ] {ونصله جهنم وساءت مصيرا} والبغي على المؤمنين ~~بسبهم وإهانتهم وترك نصيحتهم بما يجب لهم من البغي بهم إلى من يعاقبهم من ~~الولاة بغير حق، ولكل شيء من ذلك موضعه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # قوله تعالى: [ ]{ يعظكم} أي: الله تعالى يذكركم سننه وفروضه عليكم {لعلكم ~~تذكرون} ما أمركم به ونهاكم عنه فترجعون إلى ذلكم فتعرفون أن المصلحة لكم ~~في ذلك، وأن شكر المنعم واجب . # فصل [ ] # قد ثبت بالعقل والسمع أن الله تعالى عادل حكيم PageV01P021 أما العقل: فلأن الأفعال المحكمة قد وجدت منه تعالى قطعا، ولا يحكمها قطعا ~~إلا حكيم، ووجدت أيضا على وجه العدل، لأن العاقل إذا نظر أدنى نظر في ~~التكاليف التي أوجب عقله عليه تأديتها شكرا لله تعالى على نعمه عليه وجد ~~الله تعالى أوجبها على حسب ما أوجد في المكلف من القدرة والعقل، ولم يكلف ~~تعالى ما لا يطاق ولا ما فيه جور وهذا حقيقة العدل والإنصاف، وكذلك الآلام ~~والنقائص فيها من الأعواض والاستحقاق فتجلب النفع وترفع الضرر ما يخرجها عن ~~الجور والظلم والكراهة والإباحة ويسير فعلها أحسن من تركها؛ وذلك معلوم ~~للعاقل بأدنى نظر لمن ترك المكابرة لله تعالى والمعاندة، إذا تقرر ذلك وجب ~~على أهل العقول الكاملة أن يعتقدوا أن الله تعالى عدل حكيم، وأن أفعاله ~~كلها حكمة وإحكام وذلك ظاهر فيها، وما لم تشاهد بعقلك أحكامه وحكمته ~~ومصلحته وجب عليك أن تعتقد أن فيه حكمة وإحكام ومصلحة؛ لأن الحكيم في ~~الشاهد العقل لا يتهم في أفعاله مهما كان حكيما، والله تعالى أحكم الحكماء ~~وأعلم العلماء [6ب] فلا يتهم في شيء من أفعاله خلاف الحكمة والإحكام ~~والمصلحة ولم يقر بعدل الله تعالى من نسب إليه خلاف الحكمة والإحكام، ولذلك ~~قال أمير المؤمنين علي -عليه ms013 السلام: العدل أن لا يتهمه. وقد أخبر تعالى ~~أنه أحكم جميع مخلوقاته، وقال تعالى في ذلك: [ ] {صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء} أي: أحكم كل شيء من مخلوقاته -تبارك وتعالى- وقال تعالى: [ ] {ما ترى ~~في خلق الرحمن من تفاوت} PageV01P022 يعني تعالى: أن كل أفعاله ليس فيها مفاوتة في الحكمة، بل كلها حكمة أي: ~~فيها مصلحة محكمة في ترتيبها وتأليفها، ثم ما نقل في باب العدل. # فصل في قدر الله سبحانه وتعالى # وذكر قدره الله في كتابه، وأخبر -سبحانه- أن قدره -سبحانه- جميع أفعاله ~~فقال تعالى في ذلك: [ ]{ إنا كل شيء خلقناه بقدر} يقول -سبحانه- كل مخلوق ~~لنا فهو بقدر منا يعني بحكمة وعدل وابتداع من العدم لا يقدر على فعلنا ~~غيرنا، وقال تعالى في ذلك: [ ] {وكان أمر الله قدرا مقدورا} يقول سبحانه ~~حتما محتوما لا يقدر أحد على رد أمرنا فيما أردنا أن نفعله ونقهر العباد ~~عليه من الموت والحياة والزيادة في خلقهم ونقصه وعقولهم وألوانهم وإفقارهم ~~وإغنائهم، يخلق الأرزاق في مواضعها وعلمه بها، قال تعالى في ذلك: [ ] {وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} وقال تعالى: [ ] {ومن قدر عليه رزقه فلينفق ~~مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} يقول سبحانه: [ ]"من قللت ~~عليه الرزق مع سعته في كسبه من الحلال فلينفق مما أعطيته في الواجب إلى ~~أينما بلغ رزقي له وليس عليه غير ذلك"(1). PageV01P023 # والمعنى الثالث: يكون بمعنى الأمر والنهي، ويريد تعالى أن يفعل ذلك المأمور ~~به ويترك المنهي عنه العباد باختيارهم من غير قسر ولا إلجاء ولا تكليف ما ~~لا يطاق، وذلك أفعال العباد وتروكهم قبيحها وحسنها، قال تعالى في ذلك: [ ] ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا}(1) يقول سبحانه [ ]"ما أمر به فهو حسن واجب ~~على المأمورين وما نهى عنه فهو محرم يجب تركه على المنهيين"(2) ويدل على أن ~~الله لا يريد المعاصي وأن المراد بقدره تعالى صنعه وتدبيره ولطفه وإحسانه ~~وإثابته وعقابه وخذلانه لمن يستحق ذلك وليس المراد به أفعال [7أ] العبيد. PageV01P024 # قوله تعالى: [ ] {يريد الله ليبين لكم وليهديكم ms014 سنن الذين من قبلكم}(1) ~~وقال:[ ] {يريد الله أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}(2) وقال [ ] {يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}(3) وقال: [ ] {وما الله يريد ظلما ~~للعباد}(4) وقال: [ ] {يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره}(5) وقال: [ ] {ويريد الشيطان أن يضلهم ظلالا بعيدا ويريدون أن ~~تضلوا السبيل}(6) فأخبر تبارك وتعالى أن إرادته الصلاح والرشد واليسر وأنها ~~ليست في الظلم والغش والكذب والفساد، وأن إرادة الشيطان في أهل الباطل إنما ~~هي في الكفر والظلم فمن أبى أن يقبل ما أمره الله به وينتهي عما نهاه الله ~~عنه كان من إرادة الله وحكمته أن يصليه النار بما كسبت يداه وجناه على ~~نفسه، فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله إذا أمر العباد بشيء فقد أراده ~~إرادة أمر لا إرادة جبر، وإذا نهى عن شيء لم يرده ولم يغلب على كونه والله ~~لا يأمر بما لا يريد ولا ينهى عما يريد والله غالب غير مغلوب وأنه أحكم ~~الحاكمين، ويدل على ما ذكرنا من أن الله تعالى يشأ الإحسان ولا يشأ القبائح ~~ومشيئة الله تعالى لأفعاله تعالى هي إرادته إنقاذها في الوقت الذي يعلم ~~الحكمة في إيجادها فيه، وإرادته تعالى لها هي قصده تعالى إيجادها في ~~الأوقات التي قد علم تعالى أن إيجاده لها في ذلك PageV01P025 الوقت حكمة ومصلحة للمكلفين، ومشيئته هي رضاه بالمفعول سواء كان من فعله ~~تعالى أو من فعل العبيد، وأنه تعالى لا يشاء من أفعال العبيد إلا الحسن ~~ولا يرضى إلا به، وأنه تعالى لا يشأ الظلم يدل على ذلك كله قوله تعالى:[ ] ~~{سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}(1) # وقال تعالى حاكيا عنهم: [ ] {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ms015 ~~ولا آبائنا} الآية PageV01P026 وقال تعالى حاكيا: [ ]{وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ~~إنهم إلا يخرصون}(1) فلما أضاف المشركون شركهم وكفرهم وعبادتهم لأصنامهم ~~إلى مشيئة الله تعالى وأمره رد الله في ذلك عليهم وأكذبهم وأخبر أن ليس كما ~~قالوا وأنهم يتبعون [7ب] الظن ويكذبون على الله وعلى مشيئته وأمره كما قال ~~تعالى:[ ] {وإذ فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}(2) فبين تعالى ~~أنه لا يشاء الشرك ولا يأمر به وأمره ومشيئته في الطاعة واحدة؛ فبهذه ~~الآيات ونحوها علمنا أن الله تعالى لا يشاء الشرك ولا يأمر به ولا يريده ~~وليس بمغلوب على شيء إلا غالب، ومشيئة الله للشيء رضاه به ويدل على ذلك، ~~وأنه تعالى لا يشاء الظلم والكفر، وأن الله تعالى لا يشاء الظلم ولا الكفر ~~وأن الله تعالى يشاء من العبيد الشكر، وأن المصلحة فيه عائدة عليهم، وأنه ~~تعالى غني عنهم وعن شكرهم، وأن فعل أي الفعلين فعلهم لا فعل الله تعالى. PageV01P027 # قوله تعالى: [ ] {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم}(1) وقال: [ ] {وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول}(2) وقال:[ ] {واتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم}(3) ~~وقال:[ ] {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون}(4) وقال:[ ] {يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون}(5) وقال بعد ذكره تعالى المعاصي بالنهي عنها:[ ] {كل ذلك كان سيئه ~~عند ربك مكروها}(6) فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله تعالى لا يرضى ~~المعاصي تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ويدل على أن أفعال العبيد منهم، ~~وأنها باختيارهم بالقدرة التي جعلها تعالى فيهم وتفضل بها تعالى عليهم. PageV01P028 # قوله تعالى: [ ] {يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم....إلى آخر ~~السورة}(1) وقوله تعالى:[ ] {إنما تجزون ما كنتم تعملون}(2) وقال تعالى:[ ] ~~{كل نفس بما كسبت رهينة}(3) وقال تعالى:[ ] {أم حسب الذين اجترحوا ms016 السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما ~~يحكمون}(4) وقال تعالى:[ ] {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها}(5) وقال: [ ] {من جاء بالحسنة فله خير ~~منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون}(6) فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن العباد يعملون ~~خيرا وشرا وطاعة ومعصية، وأنهم يكسبون ويفعلون ويجترمون ويبتدعون، ويكون ~~منهم حسنات وسيئات، وكلما فعلوه فإنما يفعلونه [8أ] بقوة من الله التي ~~جعلها فيهم ومن بها عليهم لا بقوة جعلوها لأنفسهم، ولم يرد تعالى ولا رضي ~~لهم يفعلوا بها إلا الإحسان باختيارهم، ولم يرد تعالى أن يفعلوا بها ~~العصيان، بل نهاهم وأمرهم بغير جبر وجعلها صالحة لمآلاتها واختاروه من طاعة ~~أو معصية، وقد أكثر الله الأدلة على هذه {ليهلك من قد هلك عن بينة ويحيى من ~~حي عن بينة وإن الله سميع عليم}. # [ باب في الأسماء الحقيقية والمجازية للباري تعالى] PageV01P029 اعلم أن الله تعالى هو المنعم بأصول النعم وفروعها، والمنعم عليه لا يجيز ~~له عقله أن يسمي من أنعم عليه إلا بما يحب ويرضي ذلك المنعم من الأسماء، ~~فلا يجوز من جهة العقل أن يسمى الله تعالى باسم فيه نقص، والمقرر لذلك من ~~السمع قوله تعالى:[ ] {ولله الأسماء الحسنى}(1) أي: التي هي أحسن الأسماء؛ ~~لأنها تدل على معان حسنة من تمجيد وتقديس وتحميد وغير ذلك {فادعوه بها} ~~فسموه بتلك الأسماء، والأسماء الحسنى. # [تعريف الأسماء الحسنى] PageV01P030 كل إسم حقيقة أو مجازا يفيد المدح، وقد سمى الله تعالى نفسه بالأسماء ~~الحقيقية والمجازية، فيجب التوقف على ما سمى به نفسه تعالى من الأسماء ~~المجازية وما لم يرد به دليل من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الأسماء المجازية لم يجز إطلاقه على الله تعالى، ~~وما ورد منها في الكتاب والسنة مما يكون إطلاقه على الله تعالى حقيقة تقضي ~~بالمشابهة بالأجسام والأعراض وجب تأويله على المجاز على ms017 وجه أن يكون فيه ~~مطابقا للمحكم من كتاب الله والسنة القاطعة وحجة العقل الصحيحة، وقد ورد من ~~ذلك في الكتاب والسنة كثير، من ذلك قوله تعالى: [ ] {كل شيء هالك إلا ~~وجهه}(1) فيجب تأوله في حق الله تعالى بذاتة تعالى أي: {إلا وجهه} إلا ~~ذاته؛ وذلك أن الوجه في اللغة ليس بمقصور حقيقة ومجازا على وجه الإنسان، ~~ويقول العلماء: هذا وجه المسألة -يعني بذلك دليلها- ولأن الله تعالى عبر ~~للعرب بالعبارات الجلية عندهم، والقرآن نزل على لغتهم، ومن ذلك قوله ~~تعالى:[ ]{تجري بأعيننا}(2) فذلك تمثيل وتصوير لحالة حفظه تعالى مع ~~القدرة بحالة من يحفظ ولا يسهو؛ فهي في حق الله تعالى بمعنى الحفظ يعني ~~تعالى تجري السفينة [8ب] بأعيننا بحفظنا، وليس المقصود كعين الإنسان ~~-تعالى الله عن ذلك- والعين في اللغة تكون بمعنى الحافظ يقول العرب: "فلان ~~عين على آل فلان" تعني حافظا لما يصدر منهم، وتكون للماء وتكون للذات، تقول ~~عين الشيء PageV01P031 أي: ذاته، وصارت بالتعارف حقيقة في الجارحة؛ لأنها إذا أطلقت فهمت الجارحة ~~بغير قرينة دون غيرها من الذات والماء إلا بقرينة، ومن ذلك قوله تعالى: [ ] ~~{بل يداه مبسوطتان}(1) وقوله تعالى: [ ] {والسموات مطويات بيمينه}(2) فذلك ~~تصوير لقدرته تعالى وعظمته ويسر ذلك عليه، وليس هناك يد هي جارحة -تعالى ~~الله عن أبعاض المحدثات علوا كبيرا- ومن ذلك قوله تعالى: [ ] {وجوه يومئذ ~~ناظرة إلى ربها ناظرة}(3) فإن النظر قد صار حقيقة عرفية في المشاهدة للمرئي ~~مجاز في غيره؛ لأن النظر إذا أطلق فهمت الرؤية منه بغير قرينة بخلاف نظر ~~المقابلة وغيره فلا يفهم إلا بقرينة، فالنظر حقيقة عرفية في المرئي وليس ~~الله سبحانه ممن تصح رؤيته لأنه تعالى ليس بجسم ولا عرض، ولا يشاهد ~~بالنظر ويدرك به الأهماء، فيجب تأويل النظر في حق الله تعالى إلى الانتظار، ~~فنقول في قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} أي: منتظرة لثواب الله تعالى ربها ~~نظرا استبشار لقوله تعالى قبل ذلك: {وجوه يومئذ ناظرة} أي: ناعمة مشرقة بما ~~عملت به من الثواب، والنظر في اللغة بمعنى الانتظار قال:[ ] # وجوه ms018 يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالخلاص PageV01P032 وغير ذلك، ويجب رد هذه الأدلة بهذا التأويل إلى قوله تعالى:[ ]{ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} وقوله تعالى:[ ] {لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار وهو اللطيف الخبير}(1) وقوله تعالى لرسوله موسى -صلى الله عليه ~~وسلم- فيما حكى عنه تعالى:[ ]{لن تراني}(2) ثم اعلم أن كل اسم يوهم النقص ~~في حق الله تعالى أو الاستهزاء به أو بكتاب من كتبه أو برسول من رسله أو ~~نبي من أنبيائه، ولا يجوز تعمد الكلام به "(3) وكذلك فإنه لما ثبت أن الله ~~تعالى ليس بجسم ولا عرض؛ وقد تقدمت الأدلة القاطعة القطعية على ذلك، فلا ~~يصح أن يدرك بشيء من الحواس الخمس في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الحواس لا ~~تدرك إلا الأجسام وأعراضها فلا تساغ للاستدلال على الله تعالى إلا بصنعه ~~تعالى وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم المعروضة على محكم ~~القرآن، ولا يجب على المكلف أن يعرفه تعالى [9أ](4) إلا بما دل له عليه ذلك ~~فلا يجوز غير ذلك أبدا، ومن المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم قوله تعالى:[ ~~] {وجاء ربك}(5) وقوله تعالى:[ ] {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا}(6) ~~معناه: جاء أمر ربك ويأتي أمر ربك وفأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا ومن ~~ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:[ ] ((إن الصدقة تقع بيمين الله))(7) فالمعنى ~~بقبول الله تعالى، ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] عشية ~~عرفه ((إنه إذا كان في هذه العشية هبط الله سبحانه إلى PageV01P033 السماء الدنيا)) فالله سبحانه أعظم من أن يزول وينتقل من مكان أو تحويه ~~الأمكنة أو يغفل عن مكان بسبب حيادة مكان، فهو -سبحانه- لا تحويه الأمكنة ~~ولا هو -سبحانه- يغفل عنها وهبوطه تعالى نظره إلى الشيء ومن ذلك ما روي ~~عنه -صلى الله عليه وآله وسلم ((وكلتا يديه يمين))(1) قال الإمام أحمد بن ~~عيسى:[ ] المعنى بذلك ملك الله وقدرته؛ وكذلك نقول كما قال عليه السلام ~~في تأويلها ولا نكذبها لأن لها محملا صحيحا مع التأويل، ونقول ms019 أنه -سبحانه ~~وتعالى- موجود بكل مكان غير محوي ولا ممازج ولا محدود ولا مقترن ولا يكيف ~~وجوده بتجسيم ولا بما يدل على تجسيم من تحديد وثناه، قال الله في ذلك: [ ] ~~{يعلم ما بين أيدهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}(2) أي: لا يحيطون بتكييف ~~ذاته تعالى ولا يقدر جميع خلقه تعالى على تحديده تعالى وليس تعالى ~~جسما فيصح تحديده وتكييفه -تعالى عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P034 # قال الإمام أحمد بن عيسى (1) وأخبرني حاض بن إبراهيم أن سليمان بن جرير ~~وهشام بن الحكم اجتمعا في بيت خاص فثبت هشام التشبيه والحدود لله تعالى -جل ~~وعز- ونفى سليمان حتى قال له سليمان: ذكر هو أو أنثى؟ قال: ذكر. فسأله عن ~~صفات الذكر فجبن هشام فسكت ولم يجب قال الإمام نجم آل رسول الله القاسم بن ~~إبراهيم -عليهما السلام: {وكيف يكون بالله موقنا أو عند الله مؤمنا من نسب ~~الله سبحانه بصورة آدم بما فيه من صورة الشعر واللحم والدم وهم أصحاب هشام ~~وسالم؟ أم كيف يكون مؤمنا من يقول بقول ابن الحكم (2) وهو يقول: أن الله ~~تعالى نور من الأنوار وأنه -سبحانه- جثة مسدسة المقدار يعلم بالحركات ويخفى ~~في الأماكن، وينتقل وتبدو له البدوات، وتخلو منه السماوات، لأنهم يزعمون ~~أنه على العرش دون ما سواه، وأنه تعالى لا يبصر ما حجبت سبحته الحجب ولا ~~يراه ولا يدنو لما يدنو له من الأشياء بالمشاهدة، وينأ عما نأ عنه ~~بالمباعدة، والله سبحانه وتعالى يقول فيما وصف به نفسه لعباده: [ ] {والله ~~على كل شيء شهيد}(3) وقال: [ ] {إن الله على كل شيء شهيد}(4) وقال: [ ] ~~{ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد}(5) وقال سبحانه:[ ] {وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم ويعلم ما تكسبون}(6) مع ما بين سبحانه في غير هذا من بعده عن شبه ~~الأشياء من النور[9ب] وغيره من قوله تعالى:[ ] {لا تدركه الأبصار وهو PageV01P035 يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}(1)، وقوله تعالى: [ ] {ليس كمثله شئ وهو ~~السميع البصير}(2) وقوله تعالى:[ ] {ولم ms020 يكن له كفوا أحد}(3)والكفؤ المثل ~~والند؛ فلو كان -سبحانه- كما ذكر هشام (4) وأصحابه نورا وجسما أو كما قال ~~ابن سالم (5) لحما ودما لكانت أكفاؤه كثيرة، لأن الأنوار في نوريتها ~~متكافئة، والأجسام في جسميتها متساوية، وكذلك تكافؤ اللحم والدم تكافؤ ~~الجسمية، ولو كان كما قال أصحاب النور(6) نورا محسوسا لكانت له ظلمة ضدا ~~ملموسا، ولو كان ذلك كذلك لوقع بينهما ما يقع بين الأضداد من التغالب ~~والفساد، فسبحان من ليس له ند يكافيه ولا ضد يناويه، وقال الحسن بن يحيى(7) ~~{أجمع علماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفي التشبيه عن ~~الله سبحانه وأنه الواحد الذي ليس كمثله شيء ولا تدركه الأبصار تعالى عن ~~الصفات التي تفيد النقص، والأشباه والأنداد والنظراء. PageV01P036 # قال الحسن بن يحيى (1) لمن سأله عن صفات الله تعالى: وسألت عن صفات الله ~~سبحانه فإن الله لم يزل سميعا بصيرا، عزيزا حكيما، عالما قديرا، التام ~~بجميع صفاته التي وصف بها نفسه قبل أن يخلق الخلق وبعد ما خلقهم، لم يزده ~~خلقه لهم في صفته إلا بتلاوة ما عرفهم من عظمة جلاله، ولم تنقص صفة بعد ~~فناء الخلق؛ فتبارك الله أحسن الخالقين تبارك وتعالى عن أن يدركه الواصفون ~~إلا بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تشبيه ولا تناهي، فجميع الأشياء شاهدة ~~له بالوحدانية، وخاضعة مستكينة لعز جلاله فتبارك الله الذي ليس له نعت ~~موجود ينقص ولا يقترن بوقت معدود، ولا أجل محدود، وسبحانه الذي ليس له أول ~~يبتدئ ولا غاية تنتهي، ولا آخر يفنى هو كما وصف نفسه والواصفون لا يبلغون ~~نعته حد، الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة له من شبهها وإبانة لها منه، ~~فلم يحلل فيها فيقال هو فيها كائن، ولم ينأ منها فيقال هو منها بائن، ولم ~~يخل منها فيقال أين؛ ولكنه سبحانه أحاط بها علمه وأتقنها وصنعه، ودلها أمره ~~وأحصاها حفظه، ولم تعزب عنه خفيات غيوب الهوى، ولا غامض سرائر مكنون ظلم ~~الدجى، ولا ما في السموات العلى، والأرضين السابعة السفلى، لكل شيء ms021 فيها ~~حافظ ورقيب محيط، وكل شيء منها بكل شيء محيط، والمحيط بما أحاط به منها ~~الله الواحد الأحد الصمد. PageV01P037 # وقال الإمام أمير المؤمنين الحسن بن علي السبط صلى الله عليه في التوحيد: ~~{الحمد لله الأول الكون قبل المخلوقين بلا حد لم يزل لم يكن له أول معلوم، ~~ولا آخر منتهي، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بحتى ولا شخص فيتجزأ، ~~ولا اختلاف صفة فيتناهى التام، ولا تصف العقول وأوهامها، ولا الفطن ~~وخطراتها، [10أ] ولا الألباب بأذهانها، ولا إلا ليرو أطنابها دركا بجهدها لنعته. # فتقول لكينونته متى ولا بدى مما ولا ظاهرا علوما، ولا باطن فيما، ولا ~~بأول وهلا من بدأ البدا وكان بديا بديعا بدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ، ~~وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، والحمد لله رب العالمين). # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:[ ] ((تفكروا في الخلق ~~ولا تفكروا في الخالق فإنه لا يدرك إلا بتصديقه))(1) وبلغنا عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ملك من الملائكة رجلاه في الأرض السفلى ~~وعاتقه تحت العرش بعض زوايا العرش على قرن من قرونه))(2). # قوله: بعض زوايا العرش على قرن من قرونه، يعني أن عليه من ملك الله تعالى ~~وعبادة تكليف عظيم، وكذلك قوله: تحت العرش، أي تحت ملك الله تعالى وعظمته. PageV01P038 # قال: محمد(1) وحدثنا عبد الله بن أبي زياد(2) قال: حدثنا سيار قال: حدثني ~~جعفر بن سليمان(3) قال: سمعت مالك بن دينار (4) يقول: بلغنا أن في بعض ~~السماوات ملائكة كلما سبح منهم ملك وقع من تسبيحه ملك قائم يسبح، قال: وفي ~~بعض السماوات ملك له من العيون مثل عدد الحصى والثرى وعدد نجوم السماء ما ~~منها عين إلا تحتها لسان وشفتان تحمد الله بلغة لا يفقهها صاحبها"، وقال ~~محمد(5) وهذه الملائكة في عظم خلقها وبعد أقطارها، وكثرة أجزائها ليس من ~~بعوضة أو ذرة إلا وفي خلقها معنى خلق هذه الملائكة إلا أن الله قلل أجزاء ~~البعوضة والذرة وكثر بقدرته ولطيف صنعه أجزاء ms022 الملائكة، فجزؤ الذرة أخذ ~~بقسطه من أجزاء الملك الذي عظم الله خلقه في حده ووزنه وتأليفه وأثر الصنعة ~~فيه، وذلك دليل على أنهما مصنوعان وصانعهما واحد آثار الصنعة، والخلق فيهما ~~جميعا قائمة، والقضاء على كل محدود مجزأ مؤلف في صفة ذرة أو دون ذرة أو ~~أعظم خلقا من عظماء الملائكة أنه مبتدع مصنوع لا يجب حكم الإيمان لعبد حتى ~~يؤمن بذلك، وقد وصف الله نفسه لصفات مدائح وأسماء برهان لن تزول عن الله ~~سبحانه في حال يدان فيها بإثبات ما أوجب الله سبحانه ونفي ما أزال، فقال عز ~~وجل: [ ] {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم .....}(6) إلى آخر السورة، وقال: [ ] {هو الأول والأخر والظاهر ~~والباطن}(7) وقال:[ ] {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو PageV01P039 اللطيف الخبير}(1) وقال الحي القيوم:[ ] {لا تأخذه سنة ولا نوم}(2) والقيوم ~~الدائم الذي لا يزول، وقال:[ ] {هل تعلم له سميا}(3) يعني عدلا أو شبها، ~~وقال:[ ] {ولا تجعلوا لله أندادا}(4) يعني أشباها {وأنتم تعلمون} فهو لا ~~شريك له الأحد الواحد الصمد، المتعال بصفاته عن صفات خلقه، الذي لا تدركه ~~الأبصار ولا تبلغه الأوهام، والمحيط بعزة بالأماكن والأقطار، لا يزول ~~بعظمته عن حال إلى حال، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. # قال محمد(5) وحدثنا سفيان (6) عن أبي بكر(7) عن [10ب] ابن عياش(8) عن ليث ~~عن مجاهد(9) قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ~~محمد أخبرني عن الله أهو لؤلؤ أم زبرجد هو؟ فأنزل الله تعالى عليه صاعقة ~~فقتلته، ثم أنزل سبحانه: {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال}(10). PageV01P040 # قال محمد(1) وسمعت الحسن بن يحيى(2) يذكر عن علي بن أبي طالب -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه سأله سائل عن الله تبارك وتعالى فقال: "صف لنا ربنا حتى ~~نزداد به معرفة وله حبا. فقال علي -عليه السلام: عليك يا عبد الله بما دل ~~عليه القرآن من صفته وقدمك فيه لترسل بينك وبين معرفته فاتم به واستعن بنور ~~هدايته فإنما هي ms023 نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين" وسئل ~~محمد(3) عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((خلق الله جنة عدن بيده وغرس ~~شجرة طوبى بيده ونظر إلى الجنة وتبسم وينزل في ليلة النصف من شعبان إلى ~~السماء)) (4) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة أتي ~~بعرشه إلى بيت المقدس فيجلس عليه ويحكم بين خلقه ليس بينه وبينهم ترجمان)) ~~(5) فقال: أما قوله ((خلق جنة عدن وغرس شجرة طوبى بيده)) فإنما معناه خلق ~~ذلك بقدرته كيف شاء وكما شاء. # قلت: وذلك خلق وغرس من فعله وصنعه ليس لأحد غيره فيه حيلة، قال وقوله: ~~((نظر إلى الجنة وتبسم)) جل الله وعلى وتقدس عن شبهه خلقه وعن صفات ~~المخلوقين. # قلت ولكن المقصود بذلك أنها صارت بعد خلقه تعالى لها في أحسن هيئة موقعا ~~للتبسم والتعجب من حالها لمن يراها من الخلق كقوله تعالى:[ ] {بل عجبت ~~ويسخرون}(6) بالضم في بعض القراءات. PageV01P041 # قال: وقوله ((ينزل الله سبحانه في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا)) ~~فبلغنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في هذا الحديث: ((الله ~~أعظم من أن يزول ولكن ينزل أمره))(1). وأما قوله أنه ((يؤتى بعرشه إلى بيت ~~المقدس فيجلس عليه ويحكم بين خلقه)) فالجواب في المسألة التي قبلها كاف عن غيره. # قلت: وتأويل ذلك أنه سبحانه وتعالى لما كان يفعل لعبيده وفيهم من العدل ~~أحسن من حكم من عدل فيهم مع المشاهدة استعار ذلك الحاضر لمن لا تجوز عليه ~~المشاهدة ولا يحد بالأمكنة -تعالى الله علوا كبيرا- عن صفات النقص ~~والحاجات؛ فالمقصود بذلك أمره، وقوله ((يكلمهم من غير ترجمان)) فإنه سبحانه ~~يكلمهم من غير واسطة ولا يرونه وهو على ذلك قادر تعالى، والمقصود عرشه عزه ~~وكبرياؤه سبحانه. # قال: وقوله: ((خلق الله آدم بيده)) يعني خلقه بقدرته لا يكيف ذلك الفعل ~~المخلوقون # قال: وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم (( إذا التفت العبد في صلاته أعرض ~~الله عنه))(2) فالأعراض عنه برحمته ومغفرته، وقوله في الميت ((فإنكما إذا ~~وجهتموه ms024 للقبلة أقبل الله عليه بوجهه))(3)[11أ]معناه أقبل الله عليه ~~برحمته، ومن ذلك ما روي في الحديث أن أهل الجنة يبلغ بهم الكرامة إلى أن ~~ينظروا إلى خالقهم كما يرى بعضهم بعضا. PageV01P042 # قال الحسن بن يحيى(1) والقاسم(2)وأحمد بن عيسى(3) ومحمد(4) في تأويل ذلك ~~والله سبحانه أجل من أن تدركه الأبصار، أو تحيط به العقول، أو تقع عليه ~~الأوهام، والأمر في ذلك مردود إلى الله يفعل ما يشاء ويرى أولياءه من عظمة ~~نوره وجلال عظمته ما لم تكن أبصارهم تطيق النظر إليه في الدنيا"، وقد روي ~~عن زيد بن علي(5) -عليهما السلام- أنه قال : "إن بين الله سبحانه وتعالى ~~يوم القيامة وبين أدنى خلقه من ملك مقرب أو نبي مرسل سبعين ألف حجاب من نور ~~لن يستطيع أدناهم ملكا أن يرفع رأسه إلى أدناها حجاب من عظمة الله تبارك ~~وتعالى. PageV01P043 # قلت: هذه مبالغة عظيمة في نفي الرؤية لله تعالى يوم القيامة، والله سبحانه ~~أعظم من أن تحويه الحجب والسواتر، ولكن هذا مبالغة في تحقق المعرفة بالله ~~تعالى ضرورة والخضوع له، وتحقق ما يصدر من لديه تعالى من أحكام أهل الجنة ~~وأهل المحشر، وقد قال الله سبحانه:[ ] {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى ~~الله}(1) فالواجب إذا اختلف الناس في شيء أن يردوه إلى الله تعالى؛ والرد ~~إليه تعالى هو الرد إلى محكم كتابه وسنة نبيه المحكمة المتواترة القطعية أو ~~الآحادية المعروضة، فقد حكم الله سبحانه وامتدح أنه تعالى لا يراه ولا يجده ~~مخلوق من خلقه في دنيا ولا في آخره بقوله تعالى: [ ] {لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}(2) وبقوله تعالى: [ ] {ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير}(3) يعني تعالى: يعلم المبصر والمسموع، وبقوله تعالى لنبيه ~~موسى عليه السلام حين طلب أن يريه نفسه للإلحاح من قومه عليه في ذلك ~~عليه السلام وإلا فموسى عليه السلام من أعرف الناس أنه تعالى لا يرى[ ] ~~{لن تراني}(4) فمتدح تعالى بنفي الرؤية كما تمدح بنفي الصاحبة والولد ~~واللهو والشهوات والعبث عن نفسه تعالى ولم يفصل تعالى ms025 في ذلك بين ~~الدنيا والآخرة، وذلك لجلالة قدره تعالى وعظمته أن يمنع ذاته تعالى عن ~~تكييف المخلوقين وألا يجعل لهم إلى ذلك سبيلا البتة، ويكلهم في معرفته ~~تعالى إلى ما اخترع من العدم المحض الذي لا تأثير PageV01P044 له إجماعا بين العقلاء من صنعه تعالى وذلك كاف في معرفته تعالى ~~والاعتراف له تعالى وامتثال أوامره ونواهيه تعالى وسئل الحسن بن يحيى(1) ~~هل رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه حين عرج به إلى السماء؟ قال: ~~رأى ربه بقلبه كما يرى الإنسان بقلبه في المنام. # قلت: مقصده العلم بالله سبحانه ضرورة. # قلت والصحيح أن الله تعالى كلم النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من ~~غير حيز جهة فسمع صلى الله عليه وآله وسلم تكليم الله -سبحانه- له بغير ~~واسطة كما كلم سبحانه موسى بغير واسطة، وأطلع الله -سبحانه وتعالى- رسوله ~~محمدا [11ب] إلى رتبة الكرامة في أيام الدنيا وإلى مواضع ملائكته المقربين ~~في المنزلة، وأراه -سبحانه- من عجائب ملكوته في السبع السموات أحسن من فعل ~~المكرم المشاهد بالرؤية لمن يكرمه، فعرفه صلى الله عليه وآله وسلم بقلبه ~~ضرورة وتعالى الله أن يكون جسما فيرى بحاسة العين، أو يدرك بغيرها من ~~الحواس، وعن بعضهم: يرى في الآخرة وليس كرؤية المخلوقين للشيء الذي تحويه ~~أبصارهم، ولكن لله خفايا ولطائف يلطف فيها لمن يشاء كما يشاء. # قلت: وقد تقدم الجواب عن هذا بما هو كاف مع أنه لا فرق بين المكلفين في ~~الدنيا فيما لا يجوز على الله سبحانه ويمتنع عليه في الآخرة، وهذه الردية ~~التي على تكييف لا يعقل وما لا يعقل كالمتوسط بين الوجود والعدم والنفي ~~والإثبات لا يصح، تنويه ولا يثبت عليه دليل؛ إذ هو محال. PageV01P045 # وعن علي صلى الله عليه في قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}(1) ~~قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة لها أربعة أبواب، وعن مجاهد {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} قال: مثلها والزيادة المغفرة والرضوان وخلود في الجنة في ~~نعيم أبدا، وعن عائشة قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد ms026 أعظم على الله ~~سبحانه الفرية". # قلت: وهذا الواجب المجمع عليه من حسن هذا التأويل بين أهل العدل جميعا لا ~~يردونه إلا من جهل منهم العلم، والجاهل فليس بمعدود حتى يعرف ويعلم ويعمل ~~بما علم، وقد بسطنا هذا وتأولناه لئلا يورده أحد من الفرق الضوال فيوخز به ~~صدر من ركت معرفته من أهل العدل ولا يحسن التأويل ولا الرد إلى المحكم؛ ~~فإذا نظر في هذا الرد والتأويل الحسن استبصر ورد الخصم وصلى الله على خير ~~خلقه أبينا محمد المصطفى وعلى آله وسلم. # تنبيه PageV01P046 لا يصح أن يكون الاسم هو ذات المسمى، إذ لو كان كذلك لكان وضع الاسم عبثا ~~ولتعددت الذوات في ذات واحدة لأنا نجد الاسمين والثلاثة لذات واحدة ولكان ~~معنى المسمى حاصلا في اللفظ بالاسم من الحرارة والبرودة؛ فأسماء الله تعالى ~~كلها ليست نفس ذاته تعالى بل وضعها له تعالى لإفادة ما يستحقه تعالى ~~من المدح وتحقيق وجوب وجوده تعالى ولا يقال أنها أعلام له تعالى لأن ~~العلم لتمييز الجنس بعضه عن بعض ولا جنس له تعالى وأسماء المخلوقين جنس ~~وعلم ومفرد وجمع ونحو ذلك، وكل اسم فهو غير مسماه والمدح والذم في كل اسم ~~يشعر بالصفة؛ فأسماء الله تعالى كلها ليس فيها إلا ما يفيد المدح. # فصل في الحروف التي يعبر بها عن الأسماء # (من) مفتوحة موضوعة لأولي العلم سواء كانت عبارة عن ذاته أو اسمه وما لا ~~يعلم إذا كانت عبارة عن الذات وقد تكون اسما موصولا لمن يعلم باعتبار ~~الصفات مثل قوله تعالى:[ ]{والسماء وما بناها}(1) أي: والعظيم ذي الآيات ~~الباهرة التي رفعها بغير عمد، وقد يكون لمن لا يعلم ولا يعقل مجازا باعتبار ~~تغليب من يعقل ويعلم إذا جمعا في كلمة واحدة كالدابة في قوله تعالى:[ ~~]{والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه}[12أ] كالحنش وغيره ~~{ومنهم من يمشي على رجلين}كالإنسان {ومنهم من يمشي على أربع} كالخيل ~~وغيرها. # و(أين) للمكان ولا يجوز أن تكون في حق الله تعالى لأنه تعالى لا تحويه ms027 ~~الأمكنة. PageV01P047 # و(أيا) للزمان استفهاما فلا يجوز في حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا ~~يقترن بالأزمنة؛ لأن الأزمنة أعراض تذهب ويخلف بعضها بعضا، كالليل يخلفه ~~النهار والنهار يخلفه الليل، وذلك علامة الحدث -أعني الوجود بعد عدم والعدم ~~بعد الوجود- وعلى ذلك قوله تعالى: [ ] {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ~~لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ولا يقال أن الله كما يقال أنا القتال. # و(كيف) استفهام عن الأحوال اللاتي هي أعراض من صحة وسقم وغيرهما، والله ~~تعالى لا تقترن به الأحوال، فلا يقال كيف الله تعالى؟ كما يقال: كيف زيد. # و(عن) للمجاوزة حقيقة أو مجازا فالحقيقة كقولك: قطعت الغصن عن الشجرة، ~~ومجازا كقولك : أخذت الأنبياء العلم الله تعالى. PageV01P048 # و(على) للاستعلاء حقيقة كقولك: جلست على السطح، ومجازا كقولك: جلست مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على التقوى وكقوله تعالى: [ ] {لمسجد أسس ~~على التقوى}(1) فيجوز مجازا في حق الله تعالى كقوله تعالى: [ ]{الرحمن ~~على العرش استوى}(2) أي: استولى، والاستواء يعني الاستيلاء، والاستعلاء ~~يطلق على الاستيلاء مجازا كقولهم: قد استوى بشر على العراق، والعرش بمعنى: ~~الملك والعز والعز معنى العزيز، والملك بمعنى المالك فهما صفات، فالعرش صفة ~~من صفات الله تعالى، وهو الله تعالى، وليس هناك عرش مخلوق عند الهادي -عليه ~~السلام(3) وأهل البيت عليهم السلام وقيل أنه جسم كبير غير السموات والأرض ~~وذلك يعبد؛ لأنه إن قال: إن الخصوص في قوله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوى} أنه تعالى استولى عليه دون غيره من سائر خلقه تعالى فذلك كفر، وإن ~~قال: إن ذلك استواء الأجسام والتحديد الجسماني، فذلك كفر فلا تحديد من ~~الدخول في قولنا بالمجاز وأنه عبارة عن عز الله سبحانه وملكه، وهذا قولنا ~~أهل البيت. PageV01P049 # و(في) للطرفية حقيقة(1)، كقولك: سبحت في المسجد، ويكون مجازا في غير ذلك ~~فيطلق في حق الله تعالى مجازا كقوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي ~~الأرض إله} سلطانه تعالى وعلمه تعالى وتدبيره تعالى وأثر قدرته تعالى ~~في السماوات والأرض، وكذلك يقول العرب لمن اتسع سلطان ms028 ملكه من الملوك: فلان ~~في الشام وفي اليمن وإن لم يكن فيهما وإنما هو بينهما ويكون بمعنى عند أي: ~~إله عند أهل السماء وأهل الأرض، وكذلك {إلى) للانتهاء حقيقة في المكان كإلى ~~الكوفة، وفي حق الله مجازا كقوله تعالى: [ ]{ففروا إلى الله} أي: إلى طاعته ~~تعالى وهذه معظم ما فيها وما ورد عليك في غير هذا فتأول والله أعلم ~~بالصواب . # فصل PageV01P050 لا يجوز الشك على الله تعالى للشك لأنه لا يتشكك إلا من جهل حقيقة الأمر، ~~والله تعالى عالم بجميع الأشياء وما ورد في كلام الله تعالى مما يوهم ذلك ~~يجب تأويله على الوجه الذي لا يوهم الشك كقوله تعالى حاكيا عن رسوله يونس ~~صلى الله عليه وسلم: [ ]{وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} وليس ذلك ~~التخيير بواو التخيير لأنه شاك تعالى الله [12ب] عن ذلك علوا كبيرا، وإنما ~~المقصود إلى مائة ألف أو يزيدون في مرأى الرائي يعني تعالى من كثرتهم إذا ~~الرائي إذا رآهم قال إنهم مائة ألف أو يزيدون على ذلك لما يرى من كثرتهم، ~~أو يكون بمعنى بل أي: أن الرائي إذا رآهم قال هم مائة ألف ثم يقدر أنهم ~~أكثر فيقول بعد ذلك أو يزيدون يعني:بل يزيدون وقال الهادي -عليه السلام: ~~إنها بمعنى واو الجمع أي مائة ألفا ويزيدون أي: ويزيدون على ذلك، والشك هو ~~استواء أحد تغليب المجوزين ظاهري التجويز ولا يعارض الشك ما علم أصله ولا ~~ما ظن في بعض الأشياء، والظن زيادة تغليب أحد المجوزين ظاهري التجويز، ~~والعلم ضروري كالذي يعلم بأحد الحواس الخمس واستدلالي؛ كالذي طريقه النظر ~~في الصنع كمعرفة الله تعالى وتصير بعد ذلك في حق العلماء العاملين ضرورية ~~لأنها لا تنتفي بشك ولا يشبهه مع السكوت واستحضار الأدلة كلها كثيرة قطعية ~~والله اعلم بكل الصواب . # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على خير خلقه محمد المصطفى وآله الطاهرين # باب في الحجج الإلهية على الخلق PageV01P051 اللاتي يعاقب الله بعد إكمالها على الإخلال بما قضت به من مات مصرا على ترك ms029 ~~مقتضى ما علم وجوب العمل به منها بضرورة الدين ونهى أربع، أولها: العقل، ~~وثانيها القرآن، وثالثها السنة، ورابعها الإجماع هذه أجمع عليها والقياس ~~الأولى نص وزيادة فهو داخل فيها، والقياس المساوى حجة خامسة لكنه مختلف فيه . # فصل [حقيقة العمل] # والعقل عندنا عرض محله القلب كالبصر عرض محله الحدق، والسمع عرض محله ~~الصماخ، والذوق عرض محله الفم، والشم ذوق محله الأنف وهذا قول العترة ~~عليهم السلام ومن قال بمذهبهم من الشيعة ودليل كونه عرضا محله القلب ~~كالبصر معنى محله الحدق أن الله تعالى وصف القلب بمثل ما وصف به العين من ~~البصر والعمى وقرن أحدهما بالآخر، وجعل تغير المعنى الذي في القلب أصل في ~~تغير المعنى الذي في العين فقال تعالى: [ ] {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور}(1) وقال تعالى: [ ] {لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}(2) فقرن تعالى بعض هذه ~~المعاني ببعض فكما أن الإبصار بالعين بمعنى محله الحدق كذلك ما قرن بها من ~~التعقل بالقلب فهو بمعنى محله القلب ذلك المعنى هو العقل إذ لا فرق بين ~~المعطوف والمعطوف عليه بواو الجمع فيما كان من الأحكام والمعاني إلا بدليل ~~صريح ولا دليل صريح مع المخالفين يفرقون به فثبت ما قلنا . # فصل # والعقل له مادة في الرأس ومن صحة جميع الحواس . # فصل PageV01P052 والقلب أفضل ما في المكلف [13أ] لكون العقل حالا فيه . # فصل # والعقل أصل في وجوب العمل بجميع حجج الله تعالى إذ لا تكليف مع عدمه أو ~~نقصانه عن الكمال. # فصل # والعقل الذي يثبت به مع استعماله الفرق بين الحسن والقبيح والعملي ~~والشرعي ويكلف العبد مع وجوده وسلب التكليف عنه نقصه أو عدمه فذلك سواء في ~~جميع المكلفين وهو مخلوق على سوى ويريد الله تعالى على ذلك لمن يشاء، ولو ~~لم يكلف تعالى المريد له بعمل أكبر من المريد عليه حكمة منه تعالى بالغة ~~ولا اعتراض عليه ألا له الخلق والأمر يزيد في الخلق ما يشاء، وكما يزيد ms030 ~~تعالى في القوى والجمال. # فصل PageV01P053 ومن علم الله تعالى أنه يجعل إليه شيئا عظيما من مصالح العباد مع ما كلفه ~~به من عبادته تعالى الخاصة فإنه يزيد فيه من العقل بحسب ما يكفي، ويكون ~~بتلك الزيادة لا يتعين من أمره في الدين بسبب تلك المصالح شيء كبير ~~باختياره فيخرج بذلك إلى حالة الملوك الجبابرة، فالملائكة أكثر الخلق عقولا ~~وأشدهم تكليفا، ثم نبينا محمد سيد الأولين والآخرين أفضل النبيين عليهم ~~السلام عقلا وأشدهم تكليفا في بعض الأشياء، ثم سائرهم متفاضلون أيضا، ~~وكذلك الملائكة متفاضلون في العقل والتكليف، ثم الأوصياء أكثر عقلا بعد من ~~ذكرنا، ثم الأئمة عليهم السلام من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومن بلغ درجتهم في العلم والعمل من غيرهم من ولد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم العلماء المقتدون بهم، ثم سائر المؤمنين والزيادة في حق ~~من لم يكن ملكا ولا نبيا ولا وصيا ولا منصبا للإمامة كذرية رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم- وحجة على الخلق منهم عليهم السلام ظاهرة كالأئمة ~~وباطنة كالمقتصدين من أهل البيت عليهم السلام فجميع ذرية محمد سيد الرسل ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- جعل الله تعالى فيهم زيادة في العقل دون زيادة ~~الأنبياء -عليهم السلام- والأوصياء على أمته -صلى الله عليه وآله وسلم- ~~وعلى غيرها من أمم الأنبياء -عليهم السلام- ابتداء خلقا وغيرهم وغير من ~~ذكرنا أولا قد تكون له زيادة بسبب عمل صالح فقط لا ابتداء، وأهل PageV01P054 التفضيل ابتداء يشاركون أيضا فيها بالعمل الصالح وتدل على الزيادة فوق ~~العقل الكافي لما يريده الله تعالى بسبب العمل الصالح. # قوله تعالى: [ ] {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}(1) تنويرا تفرقون به ~~بين الحق الباطل باعتبار النظر والاجتهاد في الدين، وقوله تعالى:[ ]{والذين ~~اهتدوا}(2) يعني بالعقل الكافي، ثم قال تعالى: [ ] {زادهم هدا}(3) يعني ~~تعالى أمدهم تعالى بزيادة عليه يزيده قوة وتأكيدا وتأثيرا فيما يصلح من ~~النظر في الدين والدنيا . # فصل # ويختار الله تعالى للرسالة والنبوة والإمامة ومنصبها من زاد في عقله ~~ابتداء يدل على ms031 ذلك قوله تعالى: [ ]{الله أعلم حيث يجعل رسالاته}(4) وأيضا ~~فالأكثر عقلا أكثر دينا وعلما وقد علل تعالى اصطفاه تعالى لطالوت عليه ~~السلام بذلك فقال تعالى: [ ] {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم}(5) والأكثر دينا هو الأكبر عقلا ابتداء إذ استعمل عقله فيما فرض ~~الله تعالى عليه؛ لأن موقع ذلك منه أكبر حسنا ممن هو [13ب]دونه ولو كثرت ~~عبادة الأدون عقلا زايدا على الواجب وإذا كان الأكبر عقلا أحسن موقعا فهو ~~أنقى من الأدون فيكون أكرم من الأدون عند الله -تعالى- وأفضل منه لقوله ~~تعالى:[] {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(6). # فصل PageV01P055 ولو جعل الله تعالى من الثقلين بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~أكثر منه عقلا وفضلا ودينا وعلما مساويا له لما ختم به الأنبياء صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # فصل # قلة الدهاء فيما لا يغني وفي أمور الدنيا لا يقدح في زيادة العقل لقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: [ ] ((أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور ~~دينكم))(1). # فصل # ويستقل العقل بتحسين شيء وتقبيح شيء والذي يقضي بحسنه ووجوبه وجوب معرفة ~~المنعم تعالى ووجوب شكره وأداء الأمانات وقبح الإخلال بذلك وقبح الإيلام ~~لذي روح بغير عوض ولا جلب نفع، ولا دفع ضرر ولا استحقاق، ولكن لا يعاقب ~~الله على الإخلال بما قد قضى به العقل على استقلاله إلا بعد ورود السمع ~~المؤكد والمبين من جهته تعالى لما قد قضى به العقل يدل على ذلك قوله ~~تعالى: [ ] {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}(2) أي: معذبين على مخالفة ~~الحسن وفعل القبيح العقليين حتى يبعث رسولا، أي يبعثه بكتاب وشريعة، فأخبر ~~تعالى أنهم قد فعلوا المخالفة ما قضت به العقول ما يستحقون به العذاب، ~~واستحقاق العذاب دليل الاستقلال، ولكن قضى الله تعالى أنه لا يعذب في دنيا ~~ولا آخرة حتى يبعث رسولا يبين تعالى على لسانه ما يريد تعالى وذلك ~~لإقطاع حجة العقلاء من العصاة لئلا يقولوا يوم القيامة ما حكى الله تعالى ~~عنهم: [ ]{ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ms032 من قبل أن نذل ~~ونخزى}(3) وقال تعالى:[ ] {وما كان الله PageV01P056 ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ليضل قوما}(1) أي: يحكم ~~عليهم بأنهم ضالون ضلالا يوجب عليهم العذاب قال تعالى:[ ] {بعد إذ هداهم} ~~بالعقل ما يدركون حسنه بالعقل كمعرفة الله تعالى ووجوب شكره وأن لا يعبدوا ~~غيره ويدركون قبحه بالعقل من الجحد للمنعم -تعالى- والإخلال بشكره وعبادة ~~غيره قال تعالى:[ ] {حتى يبين لهم ما يتقون} أي: يوضحه تعالى أي: يوحي ~~تعالى ويفصل تعالى لهم ما قضت عقولهم على سبيل الجملة لوجوبه من شكره ~~تعالى ويبين تعالى الآيات المثيرة لدقائق العقول فيعرفونه تعالى حق ~~معرفته، وتدل الآية الكريمة على أنه يستدل بالقرآن على معرفة الصانع ~~-تعالى؛ لأنه تعالى لا يعاقب على ترك ما استقل به العقل من معرفته تعالى ~~إلا بعد التبيين بالسمع، فقال تعالى نافيا للحكم عليهم بالضلال الموجب ~~للعذاب على سبيل العموم بعد الهداية بالعقل الكامل:[ ] {وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}(2) ولم يفصل تعالى بين معرفته ~~وغيرها في أنه تعالى [14أ]لا يعذب إلا بعد السمع، فدليل السمع من جهة ~~معرفة الله تعالى قسيم دليل العقل وشرط في كماله والله أعلم فيبطل قول من ~~زعم أن القرآن لا يستدل به على معرفة الله تعالى. # قالت المعتزلة: العقل مجموع علوم عشرة(3). # قلنا: هي دليل على العقل وليس الدليل هو نفس المدلول عليه بالإجماع. # وقالت: الطبائعية هو طبيعة(4). PageV01P057 # قلنا: لو كان طبيعة لما اختلف حكمه وذلك من الفريقين وهم من غير دليل. # فصل [كمال العقل و] # وعند كمال العقل يصير العبد مكلفا بالعقليات والشرعيات قال تعال:[] ~~{واتقون يا أولي الألباب}(1) واللبيب الخيار من كل شيء ولب الإنسان عقله ~~وهو خيار ما فيه، والذي نختار أن البلوغ الشرعي من السنين أو غيرها دليل ~~على كمال العقل؛ لأن الله تعالى كلف بتقواه أهل العقول، وأراد الذين قد ~~بلغوا البلوغ المبين على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والجمع بين ~~الأدلة واجب، وقال بعض ms033 العلماء يكلفون بالعقليات قبل البلوغ الشرعي دون ~~الشرعيات وظاهر الأدلة خلاف ذلك والله أعلم . # فصل # وإذا ثبت أن العقل عرض فلا يوصف الله تعالى به؛ لأنه تعالى ليس بجسم ~~فتحله الأعراض وقد ثبت أن العرض لا تكون إلا في جسم بل يقال الله تعالى ~~حكيم لعلمه بالحكمة والإحكام وليس تعالى حكيم بآلة العقل -تعالى الله عن ~~حلول المعاني والأعراض. # فصل [حقيقة علم الله تعالى] PageV01P058 علم الله تعالى ليس بأمر زائد على ذاته تعالى بل هو تعالى عالم بذاته لا ~~بأمر زائد وذاته تعالى لا تحد إلا بكونها ليست بجسم ولا عرض وإذا لم تحد ~~الذات والعلم ليس زائدا لم يصح أن يحد علمه تعالى لأن حده يؤدي إلى تحديد ~~الذات إذ علمه تعالى ذاته، وكذلك لا تحد قدرته تعالى ولا حياته تعالى ~~ولا شيء من صفات ذاته إلا بكونها ليست بأعراض لأن صفاته تعالى ذاته بل يقال ~~هو تعالى عالم لا بعلم هو غيره حي لا بحياة هي غيره ولا بروح لأن الروح ~~شيء لطيف خلقه الله تعالى في الأجسام وجعله مخالطا لها وحاملا في جميع ~~أعضائها تكون الأجسام حياة حساسة مستطيعة للأفعال والأقوال أو أحدهما ما ~~بقيت تلك الروح حالة فيها وإذا نزعها الله تعالى من الأجسام ماتت الأجسام ~~وصارت جمادا والروح فهو شيء مخلوق لا يعلم صورته وكيفيته إلا الله تعالى قد ~~حجب تعالى علم صورته وكيفيته عن جميع خلقه تعالى فقال تعالى في ذلك:[ ] ~~{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}(1) ~~قادر لا بمعنى هو عرض بل بذاته تعالى من غير زيادة وأيضا فإن معلومات الله ~~تعالى غير محدودة في الشاهد وقد قال تعالى: [ ] {ويخلق ما لا تعلمون}(2) # فصل # لا موجود [14ب] ولا ثابت أزليا قبل المخلوقين بغير حد إلا الله تعالى. # قالت المعتزلة: بل الأشياء ثابتة في الأزل لأجل تعلق علم الله تعالى بها ~~غير موجودة لئلا يجعلوا مع الله ثانيا. PageV01P059 # قلنا: يلزمكم أن تكون موجودة إذ لا يعقل ms034 الفرق لغة ولا شرعا ولا عقلا بين ~~ثابت وموجود وما لا دليل عليه لا يصح القول به إجماعا كالمحال. # قالوا: يتعلق علم الله تعالى بثابت. # قلنا: العلم بالشيء قبل وجوده وثبوته صحيح ألا ترى أن أفعالنا يصح أن ~~نعلم بها قبل ثبوتها منا، وأيضا لو كانت ثابتة فالثبوت هو شيء ولا شيء قديم ~~مع الله تعالى، وقد قال تعالى نافيا للأشياء غيره تعالى ومخبرا أنها ~~مخلوقة جميعها:[ ] {الله خالق كل شيء}(1) وقال تعالى مخبرا بنفي ثبوت ~~الإنسان وممتنا عليه وهو من معلوماته تعالى على سبيل التوكيد: [ ] {هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}(2) وقال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((كان الله ولا شيء معه))(3) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((إن أول ما خلق الله الهواء الذي هو مكان لا في مكان وهو جسم ~~لطيف يحترس ويسكن ثم خلق الله تعالى بعد الهواء الماء ثم خلق الرياح حركت ~~ذلك الماء حتى أزبد ثم خلق النار أحرقت ذلك الزبد ثم خلق الأرض من الحراقة ~~والسماء من الدخان))(4) ولو كانت الأشياء ثابتة أزلية الثبوت لكان مع الله ~~ثان ولما قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أول ما خلق الله تعالى ~~الهواء))(5) فتأمل. # فصل PageV01P060 وإذا قد ثبت أن العقل عرض فلا بد لكل عرض من محل ولا يكون محلا لغيره يعقل ~~إلا الأجسام، والحال لا بد أن يتقدم عليه أو يقارنه محله إذا كان الحال ~~عرضا فلا يصح تقدم العقل في الخلق على محله الذي هو الجسم فيبطل قول ~~الفلاسفة أن العقل أول مخلوق إذ ما لا يتصور لا لأجل العجز لا يصح إثباته ~~لأنه محال. # وأما احتجاجهم بالحديث وهو قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أول ~~مخلوق خلقه الله العقل))(1) إلى آخره فإنه معارض لقوله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إن أول ما خلق الله تعالى الهواء ....))إلى آخره، فإن فرضت صحته ~~تأول بأن المقصود أنه أول ما خلقه الله من الصفات الشريفة ms035 في أهله لأنه أصل ~~كل خير في المخلوقين والله أعلم. # فصل PageV01P061 في تفاضيل الصفات في حق المخلوقين أفضلها العقل مع الإيمان، ثم العلم، ثم ~~الكرم، ثم الشجاعة، ثم التوكل على الله تعالى أفضلها العقل مع الإيمان ~~لقوله تعالى [ ]{صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}(1) أي: صبغة الله تعالى ~~بالإيمان والعقل لأنه أصل في وجوب الواجبات واجتناب المقبحات وذلك فعله ~~وامتثاله هو التقوى، والتقوى أشرف خصال المخلوق [15أ] وقد جعل الله تعالى ~~العقل أصل في التقوى فقال تعالى:[ ] {فاتقوني يا أولي الألباب}(2) ثم العلم ~~لأنه لا يقبل عمل ولا يصح إسلام ولا إيمان مع فقده جميعا وذلك الإسلام، ~~والإيمان هو خشية الله تعالى، فلا يصح مع فقد جميع العلم لقوله تعالى: [ ] ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء}(3) والشجاعة في جهاد أعداء الله تعالى ~~لقوله تعالى:[ ] {إن الله يحب الذي يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص}(4) والتوكل على الله لقوله تعالى:[ ] {فإذا عزمت فتوكل على الله إن ~~الله يحب المتوكلين}(5) والكرم بالواجب وباجتناب القبح وما زاد على ذلك ~~لقوله تعالى: [ ] {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون}(6) وصفات الله تعالى لا توصف بتغاير لأنها ذاته ~~-تعالى- بخلاف المخلوقين فإنها معاني . # فصل PageV01P062 يقال أن الله تعالى الخالق الأزلي ولا يقال خالق فيها لم يزل لإيهام اجتماع ~~النقيضين من كون لفظ الخلق يقتضي حدوث المخلوق، وقولك خالق فيما لا يزل ~~يقتضي التقدم من غير تحديد فيؤدي إلى كون الشيء محدث قديم وذلك محال؛ ولأنه ~~يوهم أن مع الله تعالى قديما غيره وذلك محال، وكذلك صفات الله تعالى اللاتي ~~اتصف بها لأجل أفعاله تعالى فهو يوصف بها أزلية باعتبار إمكان ما اتصف ~~تعالى بها لأجله من حدوث ما سيكون من أفعاله تعالى فيقال: لا يزال ~~الخالق الباري المصور المحمود الرب الغفار الشكور الصمد أي: المتمكن من فعل ~~هذه الأشياء لا يزال متمكنا منها عالما بكيفية فعلها أو فعل ما يستحق ~~تعالى منها لأجله كخلق ما يستحق تعالى ms036 عليه الشكر وإيجاده تعالى الحامد ~~له تعالى من خلقه ليس أنه تعالى لم يزل فاعلا للأفعال التي اتصف بهذه ~~الصفات لأجلها؛ لأنها كونها مفعولة فوجب أنها كانت معدومة، وكونها لم يزل ~~الله متصفا بها على جهة وجودها توجب كونها قديمة. # فإن قيل: ويقولون: إنه تعالى كان مسلوبا عنها. # قيل: أن يفعلها فيكن علم له. # يقولوا: إنه تعالى كان غير خالق وغير مصور وغير باري وغير محسن وغير ~~متفضل وغير صمد. PageV01P063 # قلنا: يلتزم ذلك ويقول به وهو الحق، ونقول في ذلك: قال علماء آل محمد ~~المصطفى -صلى الله عليه وعليهم- إذ قولهم قول الأنبياء -عليهم السلام- أعني ~~آل محمد ألسنة الأنبياء المترجمين عنهم المتلقين ما يلقيه الأنبياء قبلهم ~~من الدعاء إلى ما دعا إليه العقل فنصف خالقنا سبحانه أنه تعالى يتصف بهذه ~~الصفات باعتبار العذر والعلم عليها والتمكن من فعلها قبل وجودها منه تعالى ~~فيما يرجع إلى أفعاله تعالى إلى اتصافه بها بعد فعلها فنقول: كان مسلوبا ~~عنها، فنقول: على جهة الإطلاق أنا نصفه بها، فكل صفة توهم تناقصا في أفعاله ~~تعالى ومشاركة له في القدم من جهة فعله -تعالى- فهو يجب تأويلها على الوجه ~~الصحيح الذي يريده -تعالى- من المكلف والله أعلم وأحكم . # فصل [حقيقة القرآن الكريم] # والحجة الثانية القرآن وهو كلام الله تعالى خلقه وأحدثه وأنزله مفرقا على ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على حسب ما يرى تعالى من الحكمة وعلى حسب ~~الحوادث وشيء منه نزل على سبب مخصوص، ولا يقصر على سببه بالإجماع إلا بدليل ~~قطعي يقصره عليه، ومنه ما كان سببه جميع الخلق والإخبار بالغيوب الماضية ~~والمستقبلة والحالية. # فصل [القرآن معجز] PageV01P064 وهو معجز كله وأقل المعجز سورة من أقصر المفصل ودليل كونه معجزا أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم [15ب] كان يتحدى به العرب بأمر الله تعالى له بأن ~~يتحداهم بسورة منه فلم يقدروا مع توفر دواعيهم إلى معارضته، وحرصهم على ~~إطفاء نور نبوته صلى الله عليه وآله وسلم مع أن القرآن نزل على لغتهم ~~العربية ومؤلف من الحروف ms037 العربية التي ينطقون بها في كلامهم فعجزوا وعدلوا ~~إلى المحاربة غيظا وحسدا لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل [القرآن: مخلوق وليس بقديم] # وهو مخلوق وليس بقديم لأن الله تعالى لا ثاني معه يشاركه -تعالى- في ~~القدم خلافا لبعض الفرق؛ فقالوا: هو صفة لله تعالى في نفسه تعالى قديم. # قلنا: المعاني لا تحل إلا في الأجسام وهو تعالى ليس بجسم وأيضا فإنه مرتب ~~منظوم بعضه في إثر بعض وذلك علامة الحدوث عند جميع العقلاء، وقد قال ~~تعالى:[ ] {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون}(1) ~~فيلزم من قال بقدمه الكفر؛ لأنه إن قال بقدمه وهو غير الله تعالى لزمه أن ~~يجعل مع الله ثانيا، وإن قال هو في نفس الله تعالى جعله تعالى محل ~~للأعراض -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- ونحن نقول: القرآن من جملة معلومات ~~الله تعالى التي لا يزال تعالى عالما بأنه سيوجدها قبل إيجاده تعالى لها. # فصل [القرآن أفضل الكتب المنزلة] PageV01P065 والقرآن أفضل كتب الله تعالى المنزلة على الأنبياء عليهم السلام بإجماع ~~المسلمين ولقوله تعالى: [ ] {مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه}(1) أي: متفضلا عليه، وأن الله تعالى لشرفه عنده تولى حفظه دون غيره ~~من الكتب، فقال تعالى: [ ] {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(2) ولأن ~~الذي نزل عليه القرآن هو سيد المرسلين فليكن ما أنزل عليه من الكتب سيدها. # فصل [ ] # ويجب التصديق والاعتقاد أنه كلام الله، وأنه لا تناقض فيه، وأنه أفضل ~~الكتب، وأنه مصدق لما تقدمه من الكتب، وأن الله تولى حفظه؛ وإنما قصه الله ~~تعالى فيه من أخبار البعث والحساب والمحشر والجنة والنار والصراط والموازين ~~والخلود في الجنة أو النار ومن يستحقهما من المكلفين ويستحق الجنة من غير ~~المكلفين بعوض الموت وجميع أخبار الغيوب من ماض ومستقبل وحال؛ فإنه يجب على ~~كل مكلف اعتقاد كون ذلك صدقا وحكمة ومقطوعا بحصوله لا خلف لشيء منه؛ لأن ~~الله تعالى لا يكذب وقد وعد وتوعد، وقال تعالى في القرآن بجميع ذلك، ولا ~~يتم ms038 إسلام عبد إلا باعتقاد صدقه -تعالى- في كل ما قال وقصه في القرآن على ~~لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويقر بذلك إقرارا معربا به عما في قلبه. # فصل PageV01P066 ويجب على كل مكلف توطين نفسه على العمل [16أ] بما قضى به محكم القرآن ~~والعمل بذلك، والقرآن فهو محكم من جهة متنه جميعه لأنه كلام حكيم، ومن جهة ~~المعنى فيه محكم ما كان متنه نصا في معنى واحد، وكذلك ما كان متنه نصا على ~~معان مستوية لا تنافي بينها ولم يعلم له بعد البحث تخصيص بدليل صحيح، ~~والمتشابه خلاف ذلك فيجب عليه توطين نفسه على العمل به والعمل به حسب ~~الإمكان، وأن يعمل بالمتشابه بعد تأويله على وجه مطابق بذلك التأويل المحكم ~~فإن التبس عليه سأل علماء أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P067 # ومن كان آخذا عنهم ومقتديا بهم من علماء الأمة، وفي ذلك يقول الله تعالى:[ ~~] {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}(1) والذكر هو رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بدليل قوله تعالى:[ ] {قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو ~~عليكم آيات الله مبينات}(2) وأهله صلى الله عليه وآله وسلم هم: وصيه -رضي ~~الله عنه- علي عليه السلام وذريته صلى الله عليه فاطمة عليها السلام ~~وذريته صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين وذريتهما إلى أن يرث الله ~~الأرض بعد أهلها لآية المباهلة وهي قوله تعالى:[ ] {قل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساؤكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على ~~الكاذبين}(3) ودعا صلى الله عليه وآله وسلم الحسنين فهما أبناءه صلى ~~الله عليه وآله وسلم الذي أراد الله تعالى بقوله له تعالى: {ندع أبناءنا} ~~ودعا صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فهي المراده بقوله ~~تعالى: {نساءنا} ودعا علي عليه السلام فهو المراد بقوله تعالى {وأنفسنا} ~~وذلك إجماع أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخرجهم صلى الله عليه وآله وسلم ~~للمباهلة دون غيرهم، ولآية التطهير وغيرها من الآيات ولحديث الكساء وغيره، ~~والذكر أيضا هو ms039 القرآن وهم أهله بآية الاصطفاء والوراثة وهي قوله تعالى:[ ] ~~{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}(4) وهم أحق بمقام أبيهم ~~إبراهيم وإسماعيل من التقدمة PageV01P068 وائتمام جميع الأمة بهم لأنهم ذرية صفوة الصفوة المجمع على تقدمه وتفضيله ~~-صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم. # [علاقة القرآن بالسنة المتواترة] # واعلم أن السنة المتواترة لا تعارض القرآن إذا كانا محكمين جميعا فلا ~~يتهيأ وجود ذلك أبدا. # [نسخ المحكم بالمتواتر] # ويصح نسخ ما بمحكم من القرآن بالمحكم المتواتر من السنة إذا تنافيا من كل ~~وجه وتأخر تاريخ السنة المتواترة المحكمة فيصح نسخه بها معنا لا متنا كقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه ألا لا وصية ~~لوارث))(1) فنسخ معنى قوله تعالى: [ ] {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين}(2) [ ] فنسخ [16ب] الوجوب وبقي الندب ~~في الثلث فما دونه لأحاديث في ذلك. # [حكم الجمع بين الأدلة ونسخ معنى القرآن المتواتر بغير المحكم المتواتر ~~من السنة] # والجمع بين الأدلة واجب ولا يصح نسخ معنى القرآن المتواتر غير المحكم ~~بغير المحكم المتواتر من السنة بل يرجعان ويردان الدليلان معا إلى غيرهما ~~بالنظر إلى المعنى لا إلى لفظيهما. # [العلاقة بين القطعي والظني والقياس] # ولا تعارض بين قطعي وظني؛ لأن الظني يطرح مع القطعي ولا بين قياس غير جلي ~~أولى بل مساو ونص ظني معروض لأنه يواتر النص المعروض على القرآن أو السنة ~~المتواترة المحكمة على القياس المساوي. PageV01P069 # فأما القياس الأولى فإنه نص وزيادة ولا يبطله الآحادي ولا يعارضه، كقوله ~~تعالى:[ ] {ولا تقل لهما أف}(1) فالضرب يمتنع بالأولى، وكقوله تعالى:[ ] ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}(2) وكقوله تعالى:[ ] {واضرب لهم مثلا ~~أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون}(3) فنص الله تعالى على جواز رسولين وثلاثة ~~إلى قرية واحدة فبالقياس الأولى الذي هو نص وزيادة أن يصح إمامان وثلاثة في ~~مصر واحد؛ لأن النبوة أعظم شأنا من الإمامة والقول بذلك إجماع إذا ms040 لم يخش ~~التشاجر والله أعلم. # فصل # والقرآن يبين مجمل السنة ويبين صدقها من مكذوبها، والذي يجب عرضه على ~~القرآن من السنة فهو الظني الآحادي؛ وإنما قلنا أن القرآن ويميز مجمل السنة ~~ويبين الصدق من المكذوب لقوله تعالى:[ ] {تبيانا لكل شيء}(4) ولقوله تعالى: ~~{ما فرطنا في الكتاب من شيء}(5) وإنما قلنا بعرض الآحادي على القرآن لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم:[ ] ((ألا وإنه سيكذب علي كما كذب على الأنبياء من ~~قبلي فما روي عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو مني وأنا قلته، وما ~~لم يوافقه فليس مني ولم أقله)) (6) وكما أنه يجب رد المتشابه من القرآن إلى ~~المحكم من القرآن بنص القرآن كذلك السنة بالأولى ويعرض الآحادي على محكم ~~السنة المتواتر. # فصل PageV01P070 ويبين القرآن مجمله بالسنة المتواترة المحكمة وبما صح بعد العرض من السنة ~~الآحادية المحكمة بقوله تعالى:[ ] {لتبين لهم ما أنزل إليهم}(1) هذا ما سنح ~~في النفس في هذا الموضع والله أعلم***". # فصل في الرد على من قال أن القرآن قد ذهب بعضه. # قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -صلوات الله عليه- يسأل من ~~قال إن بعض القرآن قد ذهب، وأنكر أن يكون هذا القرآن الذي في أيدي الناس هو ~~القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعينه لم يزد فيه ولم ~~ينقص منه، فيقال له: أخبرنا عن حجج الله على عباده ما هن؟ وكم هن؟ فلا يجد ~~بدا أن يقول: هي الكتاب والمرسلون والعقول والأئمة الهادون؛ فإذا أقر بذلك ~~وكان الأمر عنده كذلك قيل له أوليس في كل حجة لله تعالى فروض مؤكدة لا بد ~~من العلم بها واستعمالها؛ فإن قال: لا كفر، وإن قال: نعم . قيل له: ما فرض ~~على كل واحدة منهن الذي لا بد من استعمالها به؟ وما معنى جعل الله لها؟ فإن ~~كان جاهلا جهل ذلك، وإن كان عالما أجاب في ذلك بالحجة والصواب؛ فقال حجة ~~العقول ركبت وجعلت لتدل على خالقها بما تدركه من مجعولات جاعلها وتميزه من ~~فعل ms041 [17أ] فاعلها جعلت للإقرار بالله والتمييز بين الأمور ومعرفة الخيرات ~~والشرور والأنبياء فأرسلت تدعوا إلى الله تعالى تنذر يوم التلاق، ويحتج على ~~العباد للواحد الخلاق وتبين لهم ما يختلفون وما إليه من العمل يدعون ~~والأئمة من بعد الرسل؛ فجعلت لتدل على شرائع الأنبياء وتحكم PageV01P071 بالحق بين العباد، وتنهى من الغي والفساد. # وأما الكتب ففيها فرائض الرحمن وحججه، وحلاله وحرامه، وتبيين ما أحل الله ~~لعباده وما حرم عليهم، وما أمرهم وما نهاهم عن فعله وما وكد من أحكامه، وما ~~أوجب في كل الأسباب عليهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وإن ~~الله لسميع عليم. # فإذا قال: بذلك قيل له: ويحك ما أغفلك وأبين حيرتك وأظهر جهلك وأقل علمك ~~ما تذكر من قولك، وتقول أن الكتب عندك على ما ذكرت وفسرت وقد يعلم أن أعظم ~~الكتب كتاب محمد عليه السلام الذي جعله الله نورا وهدا وتبيانا ورحمة ~~وشفاء، فرض فيه الفروض، وأصل فيه الأصول، وبين به حلاله وحرامه؛ وفي ذلك ما ~~يقول جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}(1) ~~ويقول سبحانه:[ ] {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء}(2) ثم أمر رسوله ~~باتباعه والانقياد لما فيه فقال: {اتبع ما أوحي إليك من ربك}(3) ثم تقول ~~بعد أنه قد ذهب بعضه ولم يبق منه إلا أقله وهو دعائم الرحمن، وفيه ما تحتاج ~~إليه من أمور الله في كل شأن، فإن كان ذلك عندك كذلك فقد ذهبت أكثر فرائض ~~الله -سبحانه وتعالى- وعدمت حجته فتركت وعطلت، ورفضت واستبدلت بنور الحق ~~وبهجته حيرة الباطل وظلمته، فلا ذنب للعباد فيما جهلوا من الحق فارتكبوا من ~~الفساد، وتركوا من فرائض الله تعالى التي قد ذهبت مع عامة كتابه إذ هم عنها ~~غافلون ولها جاهلون، إذ لم يجدوها ولم يطلعوا عليها ولم يعلموها. PageV01P072 # ومن قال بذهاب بعض القرآن دخل عليه بقوله الفساد في أمره ودينه حتى لا تقوم ~~له حجة، ولا تثبت له بينة، وكذلك أنه لو قال له قائل: ms042 أنت أيها المناظر ~~تزعم أن القرآن قد ذهب منه بعضه لا بل تقول ذهب أكثره ولست تعلم أن القرآن ~~ناسخ ومنسوخ، وأمر ونهي وخبر، وهذه الفرائض اللاتي في هذه البقية التي ~~بزعمك بقيت في أيدي الناس فهي منسوخة كلها، وليست بمثبتة للحكم والمثبتة ~~للحكم، فهي ما قد نسخها ما قد ضل وذهب بقطعه وأفسد ما في يده من قوله أن ~~القرآن قد ذهب بعضه واضطره إلى ما يبطل ما في القرآن من هذه الأحكام ~~والمعرفة عند جميع أهل الإسلام، أو يرجع إلى الحق ويقول في القرآن بالصدق، ~~فيقرأ به هو بعينه لم يذهب منه شيء وأنه محفوظ ممنوع من كل غي، وإنما ~~ألزمناه ذلك لأنه يزعم أن بعض القرآن قد ذهب، ومن قال بذلك لم يدرا هذه ~~الفرائض التي في الكتاب الذي في أيدي المسلمين منسوخة أم ناسخة؛ فإن لم ~~يعلم ذلك علما يقينا لم يجب عليه الإقرار بما لا يوقنه فضلا عن العمل به ~~،بل لو كابره مكابر مخالف وقال له عندي ما [17ب] ذهب من القرآن وأنا أقيم ~~عليه وأقيمه، وهو ناسخ لما في هذه البقية، فأنا لا أقيم هذه الأحكام اللاتي ~~قد نسخت وأقيم الأحكام اللاتي نسخها "وأعبد الله "(1) بالفرائض التي ذهبت ~~من هذا القرآن الناسخة لهذه الباقية في أيدي الناس، وأنا بذلك عالم لأنه ~~عندي وفي يدي، ثم ذكر وادعى أن الفرض في الصيام هو صيام رجب، وأن صوم رمضان ~~منسوخ كما نسخ غيره من PageV01P073 الصلاة إلى بيت المقدس وغير ذلك من الأحكام، وقال أنا أصلي الصلاة في غير ~~أوقاتها اللاتي سميت في هذه البقية؛ لأن هذه اللاتي معك منسوخة نسختها ~~الأحكام اللاتي ضلت وذهبت، وقال إنه لا يجلد الزاني ولكن تقطع يده ولا يقطع ~~السارق ولكن يجلد مائة جلدة وادعى أن هذا الحكم مثبت في ما ذهب من القرآن ~~وأنه قد فهم ذلك منه وعلمه، وقال أن حكم السارق والزاني في هذه البقية ~~اللاتي تزعم أنها بقيت في أيدي الناس منسوخ نسخه ما جهل من ms043 القرآن وذهب، ~~فأنا أعمل بالناسخ وأترك المنسوخ، وكذلك تعارضه في كل فرائض القرآن، فإذا ~~عارضه معارض بهذا القول لم يكن له أن يدفعه بها صغرت ولا كبرت؛ لأنه قد ~~أجابه وأجمع معه على أن القرآن قد ذهب بعضه بل عامته في زعمه، ولو كان ~~القرآن كذلك لكان الناس كلهم قادرين على ادعا ما أحبوا أن يدعو من ذلك ~~ولبطلت فرائض الله وحدوده، ولم يقم لله حد على عباده؛ لأن ما قال من ذلك لو ~~كان لدرأ الحد لقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ادرؤوا الحدود ~~بالشبهات))(1) وهذا القول الفاسد، المحال الكاذب، المضل الضال؛ فلو أجاب ~~إليه المسلمون قائله أو جاز أن يقول به الموقنون لوجب عليهم وعلى إمامهم أن ~~يأتوا بناسخه ومنسوخه وجميع ما ذهب منه، وإلا فلم يجب لهم على كل ذي حد يد؛ ~~لأن كل ذي حد وجب عليه في شيء أحدثه يزعم ويدعي أن حكم الله بالأدب في ذلك ~~منسوخ ويقول: أنه لا يحد بهذا الحد في هذا الجرم وأن حده غير هذا الحد الذي ~~في هذه البقية PageV01P074 بزعم من يزعم أن القرآن ناقص، ويقول هلموا ما ذهب منه فاتلوه فإن لم تجدوا ~~فيه ما ينسخ هذا فحدوني وإن وجدتم فيه ما أدعي فخلوني فتعالى الله عما يقول ~~فيه المبطلون علوا كبيرا، والحمد لله رب العالمين كثيرا، الحافظ لكتابه ~~المانع من كل خطأ وزلل، أو ذهاب أو نقصان؛ وكيف يذهب من القرآن قليل أو ~~كثير وهو حجج الواحد اللطيف الخبير، وفيه فرائضه على الخلق سبحانه، فقد حفظ ~~ومنع؛ فتأويل من قال بنقصان الفرقان، أما تسمع الواحد الرحمن [ ] {بل هو ~~قرآن مجيد في لوح محفوظ}(1) فأخبر أن القرآن عنده محفوظ له جل جلاله ما ~~يقول {وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد}(2) ويقول سبحانه [ ] {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(3) . PageV01P075 # فأخبر أنه لما نزل من الذكر حافظ ولم يلفظ بغير الحفظ فيه لافظ إلا عم جاهل ms044 ~~وعن الرشد والحق زائل، ولقول الله مبطل معاندة، ولما ذكر الله من حفظه له ~~جاحد، وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه قال قرأت مصحف أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه [18أ] عند عجوز مسنة هي السيدة نفيسة بنت الحسن بن ~~زيد(1) بن الحسن بن علي عليهم السلام فيما أحسب ترجم لها ابن خلكان(2) ~~إلى ابن ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب فوجدته مكتوبا أجزاء ~~بخطوط مختلفة في أسفل جزء منها مكتوب وكتب علي بن أبي طالب وفي أسفل آخر ~~وكتب عمار بن ياسر، وفي آخر وكتب المقداد، وفي آخر وكتب سلمان الفارسي، وفي ~~آخر: وكتب أبو ذر الغفاري؛ كأنهم تعاونوا على كتابه، وقال جدي القاسم بن ~~إبراهيم -صلوات الله عليه: فقرأته فإذا هو القرآن الذي في أيدي الناس حرفا ~~حرفا لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا غير أن مكان {قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار} {اقتلوا الذين يلونكم من الكفار} وقرأت فيه المعوذتين، وكذا ذكر ~~هذه القراءة القاسم عليه السلام بصيغة الأمر بأقتلوا في كتاب الوقف ~~والتمام له روى ذلك. PageV01P076 # قال يحيى بن الحسين -صلوات الله عليه: ومن الحجة في حفظ القرآن وإبطال ما ~~يقال به من ذهابه وافتراقه وزواله ونقصانه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: [ ] ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا ~~كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى ~~يردى على الحوض)) فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله -جل ثناؤه- ~~أخبره بثباتهما وبأنهما حجة في أرضه إلى يوم حشر العالمين، والحمد لله أولا ~~وآخرا، وصلى الله على محمد وآله وسلم. # وقد صح لنا أن المعوذتين من القرآن، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قرأ بهما في صلاة الفريضة، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلام ~~كلام الناس في الصلاة، وقد كان عليه تفسير في عهده -صلى الله عليه وآله ~~سلم- ثم جرد عنه وكتب ms045 القرآن وحده. # قال محمد بن منصور: أخبرني "حمزة " بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر ~~بن علي بن أبي طالب -صلى الله عليه- قال: قرأت مصحف "علي" عليه السلام ~~خطه بيده وهو هذا القرآن الذي في أيدي الناس ليس فيه زيادة ولا نقصان، وكان ~~أوله: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. PageV01P077 # قال محمد في المسائل: أخبرني قاسم بن إبراهيم قال: قرأت مصحف علي عليه ~~السلام خطه بيده فهو هذا القرآن الذي في أيدي الناس ليس فيه زيادة حرف ولا ~~نقصان حرف إلا أن يكون حرف يقرأ، وذكر أن الأحزاب كانت تقاس بالبقرة، فذلك ~~فيما بلغنا كان تفسيرا، فجردت عنه كما ذكرنا وليس فيها زيادة من كلام الله ~~تعالى على ما في أيدينا قد ذهبت لما قدمنا من الاحتجاج على عدم الجور إذ ~~يؤدي إلى تكليف ما لا يطاق وذلك قبيح -تعالى الله عنه علوا كبيرا- ويدل على ~~تصديق قولنا أنه كان تفسيرا وأنه ليس فيه زيادة ولا نقص على ما في أيدينا ~~مع ما تقدم أنه كان قرأ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جماعة من الصحابة وبقوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أقرأوه ~~جماعة من المسلمين فلم يكن فيه زيادة على ما في أيدينا. # فهذا وما تقدم يبطل دعوى من ادعى أنه قد كان في القرآن زيادة قد ذهبت، ~~وكان علي -صلى الله عليه- وهو حجة يقرأ القرآن ويصلي به بالناس ويقرئ ~~أصحابه وقفاته ولم يكن عنده زيادة ولا نقصان. PageV01P078 # قلت: والقرآن لا يلتبس أيضا بالتفسير لأنهما متباينان لأجل إعجاز القرآن، ~~وإنما جرد تفسيره عن خلطه به بين [18ب] أسطره وحواشيه لئلا يشتغل به قلب ~~القارئ عن تدبر معاني القرآن ولطائفه وأحكامه التي لم يقدر على إحصائها إلا ~~الله تعالى ولئلا يشتغل قلبه أيضا عن طعم حلاوة تلاوة كلام الله تعالى ~~والتخشع به والاتعاظ به وتحسينه بصوت الحسن ولئلا يشتغل بذلك عن النيات ~~الحسنة وعن الميل إلى كلام أحكم الحاكمين، # فصل في تفسير الكتب ms046 في القرآن # قد يكون بمعنى الفرض، قال الله تعالى في ذلك: {وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين ........الآية} يقول فرضنا عليهم ذلك، وقوله ~~تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} يقول: أوجب وفرض على نفسه أنهم إذا ~~تابوا رحمهم وأوجب لهم على نفسه الرحمة. PageV01P079 # قال: كاتب والمكتوب عليه في هذا الموضع واحد وهو الله رب العالمين، والمعنى ~~أوجب ذلك عليه في حكمته أنه يقبل التائب بعد أن امتدح بقبولها كلام يفيد ~~لفظه بقبولها إلى وقت محدود وليس ذلك إيجاب تكليف كما في العباد، ومن ~~المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم بالتأويل قوله تعالى حاكيا عن عيسى ~~-صلوات الله عليه: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} يقول "عيسى"(1) ~~عليه السلام، تعلم ما غاب عني من أمري، وما أضمر في قلبي من فعل الخير ~~والدعاء إليه، ولا أعلم ما في نفسك يقول: ولا أعلم ما غاب عني من أمرك، ومن ~~ذلك قوله تعالى: [ ] {فأينما تولوا فثم وجه الله}(2) يقول تعالى: فثم الله ~~تعالى موجود بكل مكان لا تحويه الأمكنة، ومن ذلك قوله تعالى: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس ..........الآية}[ ] يقول تعالى: إنه يعيدهم ~~ويخلقهم يوم القيامة خلقا. PageV01P080 # ثانيا: من خروج من الدنيا عاصيا له تعالى لجهنم وأن لفظ: ذرأنا ماضيا ~~فمعناه مستقبل؛ لأنه لما كان مقطوعا حصوله كأنه قد وقع، كما قال تعالى:[ ] ~~{ونادى أصحاب الجنة}، {ونادى أصحاب الأعراف}(1) يقول تعالى إنهم يتنادون ~~لأنه سبحانه خلقهم للنار في هذه الدنيا، وهو سبحانه يقول خلاف ذلك في ~~كتابه، قال:[ ] {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون}(2) لم يخلق جميع خلقه ~~الذين ركب فيهم العقول الكاملة إلا لعبادته، ولذلك ركب فيهم العقول، وأرسل ~~إليهم الرسول، وأنزل عليهم الكتب ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى، وقال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} يقول زيادة في ~~الكرامة، وقد تأولنا نحن وغيرنا آية: {ولقد ذرأنا لجهنم} بالمجاز الاستعاري ~~وحملناه في الاستعارة هناك على خلقهم الأول في الدنيا، وذلك وهذا الوجه ~~كلاهما ms047 عظيمان في العدل والحسن، ويكون الكتب بمعنى الحكم والإثبات، وذلك ~~......................... وذلك قوله تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن ~~الله لقوي عزيز} يقول سبحانه: حكمت لنفسي بالغلبة بالحق وأثبت ذلك في ~~الدنيا والآخرة فلله الآخرة والأولى، ولرسلي بالحق وإن اغتلبت الرسل في ~~الدنيا لسبب التخلية غلبوا هم وأتباعهم في الآخرة وإن غلبوا في الدنيا ~~-أعني الرسل وأتباعهم بالقهر بالسيف والسوط لأجل التخلية اللاتي هي عدل ~~وحكمة غلبوا بالحجة وبالبراهين على الحق، ويكون بمعنى العلم بفعل العبد على ~~شريطة أن المكلف يفعل المعلوم باختياره PageV01P081 غير ملجأ ولا مقهور، والله يعلم أن المكلف يختار ذلك الفعل ولا يختار ~~التخلف عنه مع القدرة على الطريقين معا قال الله تعالى: {قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتال إلى مضاجعهم}(1) فالمعنى لبرز الذين ~~علم الله أنهم يختارون [19أ] القتال والشهادة باختيارهم لأسبابه من الخروج ~~من البيوت وعدم اختيار التخلف الذي ندمتم عليه أيها المنافقون، إلى مضاجعهم ~~أي: مصارعهم التي تقتلهم بها الكفار بسبب التخلية الحسنة فلو بقيتم أيها ~~المنافقون لما أطاعوكم أن يتخلفوا عن رسول الله ويرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ~~ولخرجوا معه مختارين الشهادة والجنة على قليل الحياة مع المعصية بالتخلف ~~عنه، فلم يسقهم علم الله تعالى ولو قد سبق فعلهم بل ساقهم اختيار ثواب الله ~~تعالى، فكتبه تعالى هنا علمه بخروجهم مختارين، ولم يكن علمه تعالى الذي ~~أجبرهم على الخروج ولا الذي أجبر الكفار على قتلهم، ولا علمه تعالى الذي ~~قتلهم -تعالى عن قول أهل الزور علوا كبيرا، فما رأيت في كتاب الله من الكتب ~~فتأول، فإن الله تعالى لم يكتب علينا فعل القبيح لأنه تعالى قد نهانا عنه ~~بالعقل وبالسمع. # أما العقل فإن القبيح عبث لأنه لا مصلحة فيه وفيه مخالفة لمن قضى العقل ~~بوجوب الاعتراف به والاعتراف له والامتثال لأمره ونهيه لأنه تعالى المنعم ~~على العبد بخلقه تعالى له حيا متلذذا وخلق ما يشتهي وتمكينه من ذلك بالقدرة ~~والإباحة للحلال منه. PageV01P082 # وأما السمع فقول الله تعالى المنعم: {إن الله ms048 لا يأمر بالفحشاء أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون} وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله مالا تعلمون} وقوله تعالى:[ ] {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~فكيف يكتب علينا ويجيز لنا ما لا يرضاه لنا وما نهانا عن فعله"(1) أو ~~يعاقبنا عليه ونحن لا نقدر بتركه بمشقة ولا بسهولة، وهل هذا إلا عين اللعب ~~واللهو والعبث الذي لا حكمة فيه رأسا البتة، والله سبحانه عدل حكيم أحكم ~~الحاكمين وأرحم -تعالى الله عن قول مجوس هذه الأمة المجبرة لعنهم الله ~~تعالى لعنا وبيلا. # فصل [في حقيقة محبة الله تعالى لخلقه] # في محبة الله تعالى لخلقه تعالى هي رضوانه إن كانوا مكلفين فبفعلهم طاعته ~~واجتناب معصيته مع التوبة إن فرطوا، وحكمه لهم بالجنة والولاية له في ~~الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} وقال تعالى:[ ] {والله يحب المتقين}(2). # فصل [في حقيقة محبة العباد لخالقهم عز وجل] PageV01P083 في محبة العبيد لله تعالى هي رضوانهم عنه تعالى في السراء والضراء، وأن لا ~~يضيفوا إليه قبيحا بل ينزهونه تعالى عن القبائح تنزيها بليغا في جميع ~~الأفعال والأقوال والتروك وأن يقبلوه بحسب ما يقدرون عليه فيما كلفهم به من ~~فعل وترك حسب الطاقة والإمكان بيسر ومشقة، وقد جعل الله الاتباع في العبادة ~~دليل على المحبة فقال تعالى:[ ] {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم}(1) وقد كتب الله على جميع العباد محبته تعالى برضاهم عنه، ~~والاعتراف به والاعتراف له واتباعهم له تعالى فيما كلفهم به بمعنى أوجب ذلك ~~عليهم وفرضه عليهم . # فصل [في حقيقة سخط الله على الظالمين] PageV01P084 في سخط الله سبحانه على الظالمين نعوذ بالله من سخطه[19ب] تبارك وتعالى ~~فسخطه على الظالمين الكافرين والفاسقين المقيمين على ذلك غير التائبين ~~وكراهته لهم وغضبه تعالى عليهم فذلك عدم رضوانه تعالى عنهم، ولعنه تعالى ~~لهم وإهانته لهم ولو أعطاهم ms049 من الدنيا كل العطاء فيها والحكم عليهم بالنار ~~التي أعدها لهم، قال تعالى في ذلك:[ ] {جزاء وفاقا}(1) أي وفاقا لأعمالهم ~~الخبيثة النار المحرقة، وقال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين}(2) وقال ~~تعالى:[ ] {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين}(3) ومن ذلك تمكينه تعالى للمؤمنين بالانتقام من الظالمين فيما ~~بين للمؤمنين من ظلمهم وغشمهم بالقول أو الفعل بالقسوة ونحوه، ومحبته ~~سبحانه وتعالى لغير العقلاء المكلفين رضوانه عنهم وتعويضهم منه على الآلام ~~الموت وغيره في الآخرة عوضا لا ينقطع لمن صار منهم مكلفا مطيعا مات على ذلك ~~أو لم يتكلف، ومن عصى بعد أن صار مكلفا بإسقاط حريق النار لألمه في صغره ~~ويخير بذلك ويجعل تعالى من الإلهام ما يعرف به أهل تلك الأعواض أنها أعواض ~~وتفهم به الأخبار، وقد فصلنا هذا في باب الإنصاف في المظالم كاملا. # فصل [في الحجة الثانية: السنة] # والحجة الثانية السنة وهو يجب الإيمان بها بالتصديق اعتقادا وقولا، ويجب ~~العمل بما صح منها. # [المعنى اللغوي والاصطلاحي للسنة] PageV01P085 والسنة لغة الطريقة، وفي الشرع هي الوحي المنزل على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم متميزة عن القرآن بأوصاف. # [الفرق بين السنة والقرآن] # منها: أنها ليست بمعجز كالقرآن، وإلا لو كانت معجزا لصح كل ما روي من غير ~~عرض على القرآن، والسنة المتواترة # ومنها: أنها لا تنوب مناب القرآن في الصلاة. # ومنها: أن القرآن يغني عنها إلا ما كان تفسيرا له منها ولا تغني هي عنه. # ومنها: أنها تعرض على القرآن ولا يعرض عليها. # ومنها: أن القرآن كله متواتر بخلافها. # ومنها: أن القرآن لا يصح قراءته بالمعنى بخلافها وغير ذلك من الفروق. # فصل [في أقسام السنة: قولية وفعلية] PageV01P086 وتنقسم إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى فعله وإلى تركه، ~~وينقسم كل من الثلاثة إلى متواتر قولي وهو ما رواه جماعة لا يتواطأ مثلهم ~~على الكذب بأن يكونوا خمسة فما فوق معلوموا العدالة والمذهب، أو من نواحي ~~متباعدة لا يجمعهم سبب يقدر ms050 معه كذبهم ولو لم يكونوا عدولا، ويكونوا خمسة ~~فما فوق من جماعة كذلك يقولون:[ ] قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذا ~~فهذا قطعي إجماعا وهذا أعلى طرق السنة؛ لأنه لا يعارضه غيره من كل وجه، فإن ~~رووا الحديث يعني بأن قالوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو يحتمل ~~أنه عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله أو عنه [صلى الله عليه وآله وسلم] ~~بفعله وهو قطعي لأنا مأمورون قطعا بالتأسي به صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأخذ بما أتى به صلى الله عليه وآله وسلم قولا وفعلا، فإن قالوا عنه [ ~~صلى الله عليه وآله وسلم ] أنه قال، فكالأول، وإن قالوا إنه فعل، فإن عرف ~~صفة الفعل من وجوب أو تحريم فقطعي [20أ] وإن لم يعرف صفة الفعل من وجوب، ~~فإن واظب عليه وأخبر أنه سنة فسنة، وإن واظب ولم يقل سنة ولا عرف وجه ~~الوجوب ولا أخبر أنه سنة ولم ينقل إنكاره [صلى الله عليه وآله وسلم] على ~~تاركه ولا فعله الجميع فمندوب، فإن أنكر صلى الله عليه وآله وسلم على ~~تارك للتأسي فواجب إذا لم يقل سنة، فإن لم يكن كذلك فحكاية فعل يندب التأسي ~~به إن لم ينقل أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم خاص به [صلى الله PageV01P087 عليه وآله وسلم] وموضع هذا أصول الفقه، وأما الآحادي والمستفيض وهو ثبات ~~رواية ما فوق الواحد إلى الأربعة، فإن تلقته الأمة والعترة عليهم السلام ~~بالقبول، فإن كان عن معصوم كعلي عليه السلام أو فاطمة أو الحسنين فقطعي ~~كالأول وإلا فهو دونه، وقد قدمنا في فصل القرآن بعض هذا في الأحادي والله أعلم. # فصل [في الإيمان بوجود السنة وحكم من أنكر وجودها] # في بيان أن للنبي صلى الله عليه سنة موجودة فذلك معلوم من الدين ضرورة ~~من أنكر ذلك كفر إجماعا ولقوله تعالى:[ ] {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ~~آيات الله والحكمة}(1) فالآيات القرآن، والحكمة سنة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بإجماع المفسرين. # فصل [في حكم ms051 العمل بما صح من السنة] # في الدليل على وجوب العمل بما صح من السنة على التفصيل المذكور في الفصل ~~الأول فذلك قوله تعالى:[ ] {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا}(2) والسنة أمر ونهي، وأمره صلى الله عليه وآله وسلم واجب ~~الإتباع، لأن الله تعالى توعد على مخالفته بقوله تعالى:[ ] {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}(3). # فصل في وجوب التأسي به صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P088 في أفعاله على النحو المذكور فيما تقدم دليل ذلك قوله تعالى: [ ] {لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}(1) فكما أن ~~نرجو الله واليوم الآخر واجب قطعا ولا يتم الإسلام إلا به الآية كذلك ~~التأسي به صلى الله عليه وآله وسلم في أفعاله وآدابه واجب لا يتم الإسلام ~~إلا به وغير هذه من الأدلة، والله أعلم بالصواب. # فصل [المقصود بأهل البيت {ع)] # وأهل البيت المرادون في قوله تعالى:[ ] {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(2) هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ~~عليه السلام وفاطمة رضي الله عنها والحسن والحسين رضي الله عنهما ومن ~~تفرع عن علي وفاطمة عليهما السلام خلف بعد سلف إلى يوم القيامة، فالأربعة ~~المعصومون معه صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل البيت المرادون في آية ~~التطهير بدلالة حديث الكساء وهو متواتر بروايات أهل البيت عليهم السلام ~~وغيرهم من الأمة وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما نزلت الآية الكريمة ~~آية التطهير أمر صلى الله عليه وآله وسلم بكساء خيبري فجلله نفسه [ صلى ~~الله عليه وآله وسلم ] وعليا عليه السلام وفاطمة عليها السلام والحسن ~~والحسين عليهما السلام وكان جبريل عليه السلام معهم سادسهم، ثم قال ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] : ((اللهم إن هؤلاء عترتي وخاصتي أهل بيتي فأذهب ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا [20ب] صلوات PageV01P089 الله عليهم أجمعين، ومنع صلى الله عليه وآله وسلم أم سلمة لما قالت: وأنا ~~معكم يا رسول الله. فقال: ms052 لا، إنك مع خير إنك على خير)) وإنما منعها صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهي من نسائه صلى الله عليه وآله وسلم يتبين أن ~~المقصود بالآية هو [صلى الله عليه وآله وسلم] وعترته وذريته وأبو ذريته علي ~~عليه السلام فحسب، ولا دلالة في الآية على دخولهن ولا أنهن المقصودات ~~لتذكير الصيغ في قوله تعالى: {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم} ولم يقل ~~تعالى [ ]"ويطهركن"(1) بالتأنيث كما قال تعالى {واذكرن} حين قصدهن تعالى، ~~وقلنا من تفرع منهم مرادون في آية التطهير بدلالة آية المودة وهي قوله ~~تعالى {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} وولد الولد ما تناسل ~~من أقرب من يكون بإجماع أهل اللغة وأهل الشرع، وحقيقة أهل بيت الإنسان ~~بإجماع أهل اللغة والشرع هم ذريته وذرية ذريته ما تناسلوا ، فلا تصرف إلى ~~غيرهم إلا مجازا، فدلت عليهم آية التطهير بظاهرها القطعي؛ إذ أهل البيت ~~فيها -أعني الآية- هم الولد وولد الولد ما نزل، فكانوا داخلين تحتها، وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ~~من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض)) والعترة بإجماع أهل اللغة هي الولد وولد الولد ~~ما تناسلوا، لأنها عندهم مشتقة من العشيرة وهي الكرمة يخرج منها غصن، PageV01P090 ثم يخرج من ذلك الغصن اثنان أو ثلاثة أو أكثر ومن جملته العناقيد التمر، ~~وسمي الولد وولد الولد ما نزل: عترة للأصل وهو الجد لا يأتيه سبحانه ~~ال...هم منه، والعرب تسمي أغصان الشجرة والنبات عترة للشجرة لكون الله ~~سبحانه أنبتها من الشجرة فسمي بذلك الولد وولد الولد ما نزل؛ لأنهم نبات ~~لأصل، ودخل علي عليه السلام في العترة لحديث الكساء حين لم يكن علي عليه ~~السلام له صلى الله عليه وآله وسلم ولدا وقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((أهل بيتي)) بعد ذكره صلى الله عليه وآله وسلم للكتاب الذي هو باق ~~إلى يوم القيامة، وقال ms053 صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذكره للعترة عليهم ~~السلام ولأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا)) يعني صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته والكتاب، ثم ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((حتى يردا علي الحوض)) يعني صلى الله عليه ~~وآله وسلم يردا عليه يوم القيامة، فدل على أن ذريته وذريتهم ما تناسلوا هم ~~كلهم أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم لأن من المعلوم لكل ذي علم أنهم ~~لا يلازمون القرآن في البقاء إلا خلفا بعد سلف بعد الأربعة المعصومين، فثبت ~~بما تقرر أن ذريته صلى الله عليه وآله وسلم ما تناسلوا هم ذريته صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، لأن أهل البيت الملازمين الكتاب بنص رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم لا يفارقون PageV01P091 الكتاب حتى يلتقيا على الحوض هم الخلف بعد السلف فلو لم يقل كذلك لكذبنا ~~الحديث والعياذ بالله، وتكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفر ~~بإجماع الأمة وما ذكرناه على هذا التنزيل إجماع والله أعلم. # الحجة الرابعة : [الإجماع] # الإجماع، وهو اتفاق المجتهدين العدول من أمة محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم داخل فيهم إجماع العترة وإجماع ذريته صلى الله عليه وآله وسلم أهل ~~كل عصر من أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم مع إجماع أهل كل عصر من ~~الأمة [21أ] غيرهم، إذ لا ينعقد إجماع الأمة حجة مع خروجهم عنهم إجماعا، أو ~~اتفاق المجتهدين وغيرهم من العدول من عترته صلى الله عليه وآله وسلم على ~~حكم من الأحكام. # [الآثار المترتبة على خروج أهل البيت من الإجماع] PageV01P092 ولا يصح إجماع من الأمة يكون أهل البيت عليهم السلام خارجين عنه، لأن ~~الله تعالى قد شهد وأخبر بعصمتهم إلى يوم القيامة، وإذا كان الحق لا يخرج ~~عن أيديهم إلى يوم القيامة لم ينعقد إجماع الأمة حجة إلا بكون أهل البيت ~~عليهم السلام غير خارجين عنه؛ لأن الله تعالى شهد بأنهم على الحق في آية ~~التطهير ms054 وغيرها من الآيات، وفي الحديث المتواتر بين الأمة حديث السفينة وهو ~~قوله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى)) فشهد في ذلك وفي غير ذلك، وأخبر أنهم على الحق لا ~~يفارقونه من غير إشارة إلى سائر الأمة، ولم يشهد الله تعالى ولا رسوله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم للأمة بأنهم على الحق من غير اشتراطه تعالى ~~واشتراط رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوحي الله تعالى إليه دخول ~~أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وعترته صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الأمة، بل أمر الله تعالى الأمة بالرد إلى أهل البيت ~~عليهم السلام في المتنازع فيه وهم {أعني أهل البيت عليهم السلام) من ~~المخاطبين، إذ هم من الأمة، فإذا نازعوا الأمة في شيء كان الحق اتباعهم، ~~ويرد ذلك المتنازع فيه إلى علمائهم، لأنهم أولو الأمر بما قد بينت من أدلة ~~الكتاب والسنة من وجوب اتباع عالمهم سابقا ومقتصدا، وإذا كانت ولايتهم ~~واجبة من الله تعالى وجب الرد إليهم بقوله تعالى:[ ] {يا أيها الذين أمنوا PageV01P093 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول}(1) وقال تعالى في آية أخرى والقرآن كالشيء المتصل فقال ~~تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} والمتنازع فيه فهو أمر ~~إما من الأمن أو من الخوف، فكل متنازع فيه فهو إما أمر من الأمن حيث ~~السلامة أو هو أمر من الخوف حث عدمها ومن طاعة أولي الأمر وهم أهله ~~ومعدوديه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذريته [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] ووصيه علي عليه السلام أبوهم، فهم أعني ذرية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأبوهم علي عليه السلام أولي الأمر الذين قرن الله ~~تعالى طاعتهم بطاعته تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ms055 في ~~قوله تعالى:[ ] {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}(2) فمن معظم طاعة ~~أولي الأمر وهم من ذكرنا بإجماع العترة عليهم السلام وشيعتهم الرد إليهم ~~ما التبس وتنوزع فيه من أمور الدين، والرد لذلك كذلك إلى السابق ومن في ~~منزلته ودونه مجتهدا من العلماء المقتصدين من أهل البيت عليهم السلام ~~وكذلك فإنهم أهل الذكر إجماعا وغيرهم مختلف فيه لأن الذكر هو القرآن لقوله ~~تعالى:[ ] {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [21ب]وقوله تعالى: {لا تلهكم PageV01P094 أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} وهم أهل القرآن وأنزل في بيوتهم الذكر، ~~والذكر هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى:[ ] {قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات}(1) وهم أهل رسول الله [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] لأنهم عترته وذريته صلى الله عليه وعليهم أجمعين ~~وإذا كانوا أهل الذكر بما تقرر من الأدلة فقد أمر الله تعالى بسؤالهم جميع ~~من لم يكن قد أخذ العلم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعنهم عليهم ~~السلام بقوله تعالى:[] {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}(2) وإنما ~~قلنا لمن لم يكن قد أخذ العلم عنهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ~~{أعني عترته): ((تعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا)) وهذا أمر ~~يقتضي الوجوب ونهي يقتضي الحظر لقوله تعالى:[ ] {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}(3) رجع الكلام إلى إجماع الأمة ~~وهم {أعني أهل البيت عليهم السلام) أئمتها ومعظم شموس علمائها، وكل دليل ~~يدل على أن إجماع الأمة حجة يدل على أن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة ~~فمن ذلك قوله تعالى:[ ] {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}(4) وإخباره تعالى ~~بأن هذه الأمة {أعني أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم) خير أمة أخرجت ~~للناس بقوله تعالى:[ ] {كنتم خير ms056 أمة أخرجت PageV01P095 للناس ....إلى آخر الآية}(1)، وقوله تعالى:[ ] {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(2) فقرن تعالى شهادتهم ~~بشهادة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فأفاد ذلك عصمة جماعتهم، وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم :[ ] ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))(3) فهذه ~~الأدلة نصت بصريحها على أن إجماع الأمة حجة قاطعة وعلى أن إجماع العترة حجة ~~قاطعة فلا يجوز مخالفة أي الإجماعين إذا علم أي الإجماعين أي إجماع العترة ~~ولو انفردة بإجماعها عن الأمة أو إجماع العترة منظمة إليها الأمة، فأما ~~إجماع الأمة منفردة بإجماعها عن العترة فليس بحجة إجماعا. # فصل # والعترة في كون الإجماع حجة في كل عصر بإجماع العلماء العاملين وغير ~~العلماء من المؤمنين والمؤمنات في كل عصر، لأن المعلوم أن علماء العصر ~~الثاني لا يخالفون ما أجمع عليه علماء أهل العصر الأول. # فصل [في تعين أهل الإجماع] # وأهل الإجماع هم أهل العلم رجالا ونساء، وأحرار وعبيدا. # فصل [في الأدلة على حجية إجماع أهل البيت {ع)] PageV01P096 في الأدلة على كون إجماع أهل البيت خاصة عليهم السلام حجة قاطعة، فمنها ~~قوله تعالى:[ ] {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا}(1) فأخبر الله تعالى أنه يريد أن يفعل ذلك بهم وما أراد الله ~~سبحانه أن يفعله فلا مانع له تعالى من فعل ما أراد أن يفعله وللرجس الذي ~~أخبر الله تعالى أنه يذهبه عنهم معنيان لا غيرهما، رجس نجاسة القذارات، ~~ففيهم من ذلك مثلنا في غيرهم بالإجماع، والمعنى الثاني من إذهاب الرجس هو ~~إذهاب رجس كبائر المعاصي وصغائرها، والآية محكمة قطعية غير منسوخة ~~بالإجماع، فلو بطل المعنى الثاني لكان رد الآية من القرآن وإبطالا لمعناها ~~بغير دليل [22أ] وذلك {أعني إبطال معنى القرآن بغير دليل) كفر بالإجماع ~~ورده كفر بالإجماع، ومن المعلوم أن لهم شهوات للمعاصي كغيرهم فعرفنا لما ~~أخبر الله تعالى على سبيل القطع أنه تعالى يذهب الرجس عنهم أن إذهابه له ~~عنهم بسبب اجتنابهم فعل الكبائر والصغائر باختيارهم ومخالفة هوى نفوسهم ms057 ~~وإلا فلو كان إلجاء لم تكن فيه فضيلة ولا مدح، لأن الله تعالى لا يمدح ~~المخلوق على فعله تعالى فثبت بذلك عصمة جماعتهم قطعا لئلا يبطل معنى كلام ~~الحكيم تعالى بغير دليل، وإنما قلنا جماعتهم، لأن الله تعالى يقول فيهم: ~~{فمنهم ظالم لنفسه}، وقد وجدنا من أفرادهم المعاصي بإجماع السابق والمقتصد ~~والنساء والعدول المجتهد وغير المجتهد من أهل البيت عليهم السلام حجة ~~قاطعة لا يجوز مخالفتها إذا PageV01P097 علمت إلى يوم القيامة ولو لم تنضاف إليهم الأمة والمعتبر أهل كل عصر منهم ~~بعصره، ومن المعلوم أن خلفهم لا يجمع على خلاف سلفهم وآبائهم، والذي يدل ~~على أن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة قاطعة أكيدة لا يجوز لمكلف ~~مخالفتها باجتهاده هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث القطعية، فمن ذلك ~~آية المودة وهي قوله تعالى: [ ] {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى}(1) وهم المقصودون في الآية؛ لأنهم قرباؤه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالإجماع وغيرها من الآيات، ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(2) وقوله ~~صلى الله عليه وآله: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي ~~أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا ~~حتى يردا علي الحوض))(3) دل ذلك على استمرار وجوب التمسك بهم ما بقي ~~التكليف، ودل على أنهم باقون على الحق إلى أن يزول التكليف؛ لأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قرنهم بما يجب التمسك به إلى آخر التكليف وهو كتاب الله ~~وبما هو باق بين أظهرهم لا يخرج عنه الحق أبدا، فكذلك ما قرن به من جماعة ~~آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمعتبر التمسك بعلماء أهل العصر ~~منهم، ودل ذلك على أن حكم الخلف من أهل البيت عليهم السلام حكم السلف من ~~عصمة جماعته ووجوب التمسك بهم؛ لأنه قال صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P098 : ((لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(1) فكما أنه ms058 يجب التمسك بالقرآن ~~بالاتباع والتشريف والتقديم على رأي كل أحد، فكذلك يجب أن يكون لعترته ~~ولذريته صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأربعة المعصومون ومن تفرع منهم ~~إلى يوم القيامة حكم القرآن في تقديم إجماعهم واتباعهم وأخذ العلم عنهم ~~وتشريفهم وتقديمهم، إذ لا يفرق بين القرينين بغير دليل إجماعا والله أعلم . # فصل [الحجة الخامسة: القياس] # والقياس الأولى نص وزيادة وهو حجة قاطعة إذا كان المقيس عليه من آيات ~~القرآن المحكمة والمحكم ما كان منه متنه نصا في معنى واحد أو ما كان متنه ~~عاما لمعاني كثيرة لا تنافي بينها ولا شاهد حال يقتضي قصره على أحدها ولا ~~علم له مخصص بعد البحث في كتاب يجمع الأدلة في فن ذلك الدليل، فإذا كان ~~المقيس عليه كذلك، فالمقيس مقطبوع بوجوب اعتقاد صحته [22ب] ووجوب العمل إن ~~كان المقيس عليه نصا في الوجوب والعمل كقوله تعالى:[ ] {ولا تقل لهما أف ~~ولا تنهرهما}(2) وقوله تعالى:[ ] {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}(3) ~~وكقوله تعالى:[ ] {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به}(4) فإذا قد نص الله تعالى على تحريم التأفيف وهو قول أف وهي كلمة إهانة ~~فهو يعلم أنه تعالى يريد تحريم الضرب والقتل بالأولى والأحرى، وكذلك قد نص ~~تعالى على تحريم قتل الأولاد خشية إملاق، فأولى مع اليسر، ونص تعالى على ~~تحريم إرادة التحاكم، فتحريم التحاكم أولى وأحرى، PageV01P099 والمقيس أيضا مقطوع بوجوب اعتقاد صحته وجواز العمل إذا كان المقيس عليه نصا ~~في جواز العمل كقوله تعالى:[ ] {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها ~~المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم ~~مرسلون}(1) فإذ جاز رسولان وثلاثة في وقت واحد وقرية واحدة والنبوة أعظم ~~بيانا وخطرا من الإمامة فبالأولى أن يجوز إمامان وثلاثة في وقت واحد وقرية ~~واحدة، وأيضا إذا كانت الرسالة يزداد حكمها قوة كما قال تعالى: {فعززنا ~~بثالث} أي: قوينا والإمامة فرعها فتقويتها بإمام ثان وثالث أولى وأحرى ~~وتعزى الخطبة في بلد واحد مجتمعين إلى الجميع والحقوق الواجبة من ms059 قبض شيئا ~~فقد أجزى أهله، وإذ كانوا في بلدان عزيت الخطبة الحقوق إلى من فيها ويجب ~~على كل منهم أن ينكر على عمال الآخر ما خالف الدليل القاطع أو الإجماع ولا ~~يجزيهم إلا بعد مؤاذنة الآخر، فإن لم يأذن جاز دفعهم، فإن تضيقت الأمور أو ~~لم يصدق فيهم لم يحتج مؤاذنته، فإن عجز عن دفعهم فإن رضي بما هم فيه ~~والعياذ بالله بطلت إمامته وتعود بالتوبة من غير تجديد دعوة، وأيضا فإن ~~الأئمة حجج ظاهرة كالكتاب والسنة وقد كثر الله الحجج في الشيء الواحد ليؤكد ~~بعضها بعضا فتكثير الأئمة أولى أيضا، فالإمامة من أعظم أعمال البر وقد قال ~~تعالى:[ ] {وتعاونوا على البر والتقوى}(2) وأيضا فإن الإمام الثاني محسن ~~بإظهار الحق ولا يضره بغض ولاة الآخر له، ولا حربهم له إذا لم يرضوا بحكم الله PageV01P100 تعالى، فإذا كان محسنا فقد قال تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} وأيضا قد ~~يطلع على خلاف ما يطلع عليه الآخر قال الله تعالى في ذلك وغيره {وفوق كل ذي ~~علم عليم} فلا بأس أن يكون أصلح منه في أشياء والآخر أصلح في أشياء، ~~والثالث أصلح في أشياء فيتظاهرون على الخير ويتعادل ما عندهم فيتم بسعايتهم ~~الدين، وأيضا فقد قال تعالى:[ ] {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلين} ولم يفصل تعالى بين وقت ووقت، وبين كون الداعي ~~نبيا واحدا كنينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو اثنين أو أكثر كما في ~~سائر الأنبياء وبين كون الداعي إماما واحدا أو اثنين أو أكثر [23أ] وبين ~~المؤذن وغيره وبين الأئمة والمحسنين والآمرين والناهين، وهذه الآية محكمة ~~غير منسوخة إجماعا عامة كما ذكرنا بصريحها من غير تنافي بين معانيها، ولا ~~شاهد حال يصرف إلى بعضها ولا دليل يطرح معه بعضها. PageV01P101 # قال الإمام نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام في الحجة على ~~إمامة العترة عليهم السلام بعد أن ذكر الحجج الدالة على الإمامة وصفة ~~الإمام الذي تجب طاعته ومعاونته حيث قال: ms060 فإن زعم زاعم أنه لا يصلح الإمام ~~إلا واحدا فإن النبوة أعظم قدرا عند الله من الإمامة قال الله تعالى: {إذا ~~أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث}(1) وقال لموسى وهارون: {اذهبا ~~إلى فرعون} وكان إبراهيم وإسماعيل ولوط في زمن واحد يدعون إلى الله تعالى، ~~فإذا استقام أن يكون الداعي إلى لله تعالى من الرسل اثنان وثلاثة في زمن ~~واحد فذلك فيما دون النبوة أجوز ومثل قوله قال الحسن بن يحيى بن زيد بن علي ~~عليهم السلام وغيرهما. # وروى الحسن ين يحيى إجماع آل رسول الله عليهم السلام على ذلك سواء ~~اجتمعوا في الدعوة أو افترقوا. # وقد ذكرنا هذا في هذا الموضع عناه للدليل الخاص وسيأتي فيه زيادة في كتاب ~~الإمامة وذكر أدلتها إن شاء الله تعالى، وقد يكون القياس الأولى من أصول ~~الدين فيكفر من لم يعتقد وجوبه ويقر به، كقوله تعالى:[ ] {وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليم}(2) # قلت: ومعنى الآية جلي لا يفتقر إلى تفسير. # قلت: والعمل بالقياس الجلي الأولى هو إجماع. # قلت: ونفاة القياس إنما ينفون القياس المساوي. # [علاقة النص الظني بالقياس الأولى] # قلت: والنص الظني لا يعارض القياس الأولى. PageV01P102 # قلت: وكيفية القياس الأولى أن ينص الله تعالى على أخف الحكمين تحريما أو ~~وجوبا فيعرف بذلك النص أن مراده تعالى انتفاء الأغلظ؛ لأن الأخف بعض ~~الأغلظ، فكأنه نص على تحريم بعض الحكم لينتفي الكل كمن يقول: لا يحل من ~~الربا درهم فأولى أنه لا يحل درهمان، ومثال ذلك قوله تعالى:[ ] {ولا تقل ~~لهما أف}(1) فالتأفيف أخف في التحريم من الضرب والقتل، فإذا حرم حرما ~~بالأولى والأحرى ولا ينكر ذلك وأمثاله إلا سخيف عقل أو مكابر لا دين عنده، ~~وحقيقة القياس الأولى في الجواز أن ينص الله تعالى على جواز أعظم الحكمين ~~وأعلاهما خطرا وقدرا ليعلم بذلك النص أن الأدنى من الحكمين والأقل خطرا ~~يجوز بالأولى كقوله تعالى:[ ] {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ ms061 جاءها ~~المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم ~~مرسلون}(2) فالإمامة أقل خطرا وأقل قدرا من الرسالة وإنما وسعنا في هذا ~~الباب ليتفكر في ذلك الناظر بعين الإنصاف من إخواننا أهل العلم والعمل به ~~كثرهم الله تعالى. # فصل [ PageV01P103 والمحكم من السنة القطعي[23ب] المتن والمعنى المتواتر قولا أو فعلا مع ~~معرفة الوجه في حكاية الفعل ومتنه نصا في معنى واحد أو معان متساوية لا ~~تنافي بينها ولا شاهد حال يصرف إلى أحدها ولا وجد دليل تخصيص بعد البحث في ~~كتاب جامع لعلم الفن، فإن تواتر في المتن وتنافت معانيه كالمشترك مع اختلاف ~~حكم ما دل عليه كالقرء والمشترك بين الحيض والطهر، فهذا مجمل ظني المعنى ~~والعام من القرآن أو السنة المتواتران مستويا المعاني من غير تناف ولا شاهد ~~حال يصرف إلى أحدها على ما ذكرنا إذا خصا بقيا على ما بعد المخصص من ~~الأحكام قطعيين؛ لأن الأصل اليقين ولا ينتقل عنه إلا بيقين لقوله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} ولولا إجماع الأمة على جواز تخصيص العام القطعي ~~المتن والمعنى بما عرض على القرآن والسنة القطعية المحكمين من أخبار الآحاد ~~لما جاز التخصيص به العام القطعي؛ لأن ذلك جار مجرى النسخ لبعض الأحكام ~~ولهذا لا يصح النسخ بأخبار الآحاد مطلقا، وقد يكون الظني محكما إذا كان نصا ~~في معنى واحد أو معاني لا تنافي بينها ولا ما يجري مجراه لكن إنما يكون ~~محكما بعد العرض والله أعلم بالصواب. # فصل [ # وإذا علم إجماع أهل البيت عليهم السلام على أحد المعنيين من المجمل ~~فالواجب أن لا يخالف تفسيرهم؛ لأن الحق معهم بشهادة الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وكذلك إذا فسر المجمل بأحد معنيين المعصوم منهم كأحد ~~الأربعة عليهم السلام. # فصل [ PageV01P104 فيمن وردت الأدلة بعصمته من أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم بعينه غير ~~ما يعمهم صلوات الله على رسوله وعليهم أجمعين. # [(1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)] # فمما ورد في أمير المؤمنين [ ]علي ms062 عليه السلام خاصا به دون غيره مصرحا ~~بعصمته آية الولاية وهي قوله تعالى بعد ذكره لولايته تعالى وولاية رسوله ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] بقوله تعالى:[ ] {إنما وليكم الله ورسوله}(1) ثم ~~قرن تعالى ولاية علي عليه السلام بولايته تعالى وولاية رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقوله تعالى بعد ذلك:[ ] {والذين أمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(2) ثم أخبر تعالى بعد هذا تغلب من اتبعه ~~تعالى واتبع رسوله واتبع المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون، فقال تعالى في ذلك {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} يعني تعالى دينهم هو الغالب لسائر الأديان وهم غالبون ~~لعدو الله تعالى في الدنيا والآخرة أو في الآخرة حيث امتحنوا في الدنيا ~~أجمعت الأمة أن الآية نزلت في علي عليه السلام لتثبيت ولايته؛ لأنها ~~أجمعت الأمة أنه آتى السائل خاتمه عن زكاة في مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم حين سأل هل من صدقة فلم يجبه أحد وكان علي عليه السلام ~~في صلاة فريضة فأعطاه الخاتم بفعل يسير في حال الصلاة، والقصة مشهورة في ~~السير بتمامها، وأجمع أهل البيت عليهم السلام وإجماعهم PageV01P105 حجة قاطعة أنها نزلت فيه دون غيره، وكل من قرن الله تعالى ولايته بولايته ~~تعالى [24أ] وولاية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق وجعل ~~المتبعين له حزبه تعالى على الإطلاق، فهو معصوم بإجماع الأمة؛ لأن الله ~~تعالى عدل حكيم وغيرها من الآيات ومن الأحاديث ما اشتهر بين الأمة أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم خيبر: {لأعطين الراية غدا رجلا كرارا غير ~~فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى لا يفتح الله على ~~يديه))(1) وذلك تفسير لقوله تعالى:[ ] {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه}(2) أي يرجع إلى الكفر أو يرجع عن التقدم حيث أمر من غير جواز ~~الرجوع فيرجع عن الدين الذي هو وجوب نكاية أعداء الله مع الإمام، ثم قال ~~تعالى ms063 بعد ذلك: {فسوف يأت الله بقوم} يعني تعالى يأمرهم وإلا فقد وجدوا، ثم ~~قال تعالى:[] {يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}(3) فوقع ~~يوم خيبر ما صرح بأن هذه الآية في علي عليه السلام ومن شهد الله تعالى له ~~بأنه يحبه على الإطلاق فهو معصوم وذلك إجماع وغير ذلك مما بعضه يكفي. # [(2) فاطمة الزهراء (ع)] PageV01P106 وفي فاطمة خاصة صلوات الله عليها الحديث المشهور بين الأمة وهو أنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم لما ذكرت عنده[] مريم"(1) ابنة عمران عليها السلام ~~وفاطمة عنده صلى الله عليه قال: ((تلك سيدة نساء عالمها وأنت يا فاطمة ~~سيدة نساء العالمين))(2). # وفي حديث زيد بن علي [عليه السلام] في حديث الإسراء فيما حكاه رسول الله ~~عليه وآله وسلم عن الله في سياق ذكر علي عليه السلام أنه قال سبحانه فيه ~~وزوجته خير نساء العالمين. # وفي حديث في أمالي أبي طالب رواه بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~قال:[ ] }جاءني ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبل الليلة ليلته هذه، ~~فأستأذن ربه عز وجل أن يسلم علي، فبشرني أو فأخبرني أن الحسن والحسين سيدا ~~شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله يغضب لغضبك يا فاطمة))(4). # وروى الإمام علي بن موسى الرضا عليهم السلام بإسناده قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم :[ ] ((إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضا ~~برضاها))(5). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما سميت ~~ابنتي فاطمة لأن الله فطمها وفطم من أحبها من النار))(6). PageV01P107 # دل ذلك على عصمتها عليها السلام وذلك إجماع الأمة، وعلى أنها أفضل من ~~مريم عليها السلام وذلك إجماع ومن غضب الله تعالى لغضبه على الإطلاق فهو ~~معصوم بالإجماع. # [(3،4) الحسنان (ع)] # وفي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة دل ذلك على عصمتهما وذلك بإجماع ~~الموالف والمخالف من ms064 الأمة وغير ذلك، فإذا صح لنا قول المعصوم فهو حجة ولو ~~كان للاجتهاد فيه مسرح إذ لم يعارضه قول معصوم آخر، فإن تعارضا رجع إلى ~~الترجيح من غير تخطئة ولا قدح [24ب] ولا تضليل وأن أمكن الجمع بالتأويل أو ~~التخصيص وجب والله أعلم بالصواب. # فصل [في مودة أهل البيت (ع) وأدلة وجوبها من الأمة] PageV01P108 في بيان مزية أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي نص الله ~~تعالى على وجوبها في أعناق أمته صلى الله عليه وآله وسلم وجعلها تعالى ~~أجرا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور}(1) روي أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتكم هؤلاء الذين وجبت ~~علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما))(2) ويدل على ذلك وأنها هذه الآية ~~نزلت في مزية العترة على الأمة أمته صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أعني ~~عترته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم المقصودون بآية المودة والمودة ~~الاتباع لغة وشرعا فتدخل في ذلك الإمامة كبرى وصغرى ما روي عن [ ] علي ~~"(3) رضي الله عنه شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسد ~~الناس لي فقال: ((أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنة أنا وأنت ~~والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا))(4). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي ~~وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه ~~عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة))(5). PageV01P109 # وروي أن الأنصار قالوا: فعلنا وفعلنا كأنهم افتخروا، فقال العباس أو ابن ~~عباس: "لنا الفضل عليكم" فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فأتاهم في مجالسهم فقال: ((يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله ~~بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ ~~قالوا: بلى ms065 يا رسول الله. قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ ~~قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك، أولم يكذبوك فصدقناك، أولم ~~يخذلوك فنصرناك، قال: فما زال يقول حتى جلس على الركب وقالوا: أموالنا وما ~~في أيدينا لله ولرسوله فنزلت الآية))(1). PageV01P110 # ومما يدل على وجوب مودة أهل البيت التي هي اتباعهم نشريفا لهم بذلك قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات ~~على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ~~ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل ~~محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف ~~إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح ~~له في قبره بابا إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ~~ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ~~ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة ~~الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا ومن مات على بغض آل محمد ~~لم يشم رائحة الجنة))(1). PageV01P111 # {ومن يقترف حسنة} عن السدي(1) أنها المودة في آل الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومما يدل كذلك على مزية ذرية محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعترته ووجوب محبتهم وموالاتهم وإمامتهم كبرى وصغرى كما ذكرنا ~~أولا ما رواه الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي من أحب ولدك فقد أحبك، ومن ~~أحبك فقد أحبني، [25أ] ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أحب الله أدخله الجنة، ~~ومن أبغضهم فقد أبغضك، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ~~ومن أبغض ms066 الله كان حقا على الله أن يدخله النار))(2). # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أحبنا أهل البيت أحد ~~فزلت به قدم إلا ثبتته قدم حتى ينجيه الله يوم القيامة))(3). PageV01P112 # إن قيل: قد فسرت مودة أهل البيت ذرية محمد المصطفى وخاتم الأنبياء صلى ~~الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى}(1) بالاتباع لعالمهم ولجماعتهم العلماء من أهل كل عصر في ذلك ~~العصر، والتجاوز عن مسيئهم والاتباع والتقديم لمحسنهم في كل خصلة من خصال ~~الدين شريفة، وأوجبت ذلك تصريح الآية وقلت في ذلك: "أن من لم يتبع عالمهم، ~~ويقدمه في خصال الدين الشريفة ما لم يخرج ذلك العالم إلى الفسوق والعصيان ~~والجرأة في الدين بمخالفة القاطع من الأدلة عمدا غير متأول، أو بمخالفة ظني ~~معاندة لله تعالى، فمن أين لك أن المخالف لجماعتهم أو لعالمهم الذي ذكرت أو ~~يتجاوز عن مسيئهم بأن لا يهينه لأجل شرفه من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم غير آت بمودتهم التي فرض الله تعالى لهم عليه، وهلا قلت أنه مود لهم ~~ولو خالف عالمهم الذي ذكرته بشروطه أو جماعتهم. # [جواب المؤلف] PageV01P113 قلنا في الجواب: إن المخالف لعلماء أهل البيت على أي حال خالف جماعتهم، إذ ~~جماعتهم لا تضل عن الحق، والمخالف لعالمهم الذي لم يعطه حقه من التقديم ~~والتشريف ومنعه حقه بغير أن يخالف ذلك العالم دليلا قطعيا عمدا غير متأول ~~أو ظني معاندة ويقر بتلك المعاندة ذلك العالم، فالتارك للاتباع والتقديم ~~والتشريف والحال هكذا قد أبغضه الله تعالى وجميع أهل البيت عليهم السلام ~~وجميع المؤمنين لعدم أداء ما فرض الله تعالى عليه لهم مع الإمكان، وإذا ثبت ~~أنهم قد أبغضوه فقد أبغضهم لبغضهم له وقطع مودتهم منه لقطعهم مودته بظلمه، ~~فمهما بقي على ظلمه لهم فهو يعاديهم لعداوتهم له، فهو لا يحبهم كما أنهم لا ~~يحبونه ولو أظهر بلسانه محبتهم وخالفهم، ويدل على هذا قول الله تعالى: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ms067 يحببكم الله}(1) وقوله تعالى: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله ~~غفور شكور}(2) وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا}(3) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح ~~من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(4) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض))(5). PageV01P114 # وروى أبو عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين ~~عن أبيه الحسين عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وعنهم أجمعين أنه قال: ~~"إن الله تبارك وتعالى حين شاء تقدير الخليقة وذرأ البرية وابتداع ~~المبتدعات نصب الخلق في صورة كالها قبل دحو الأرض ورفع السماء وهو في ~~انفراد ملكوته وتوحد جبروته فأشاح نورا من نوره [25ب] فلمع ومرج، فنشأ من ~~ضيائه وسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصورة الخفية فوافق ذلك صورة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله عز وجل: أنت المختار المنتخب ~~وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء وأموج الماء وأرفع ~~السماء وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار وأنصب أهل بيتك للهداية وآتيهم ~~من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق، ولا يغيب عنهم خفي وأجعلهم حجة على ~~بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي، ثم أخذ الله الشهادة عليهم ~~بالربوبية والإخلاص وبالوحدانية، فبعد أن أخذها أخذ من ذلك شامة بيضاء من ~~الخلق انتخاب محمد وآله، وأراهم أن الهداية معه، والنور له، والإمامة في ~~آله تقديما بسنة العدل وليكون الاعتدال متقدما، ثم أخفى الله تعالى الخليقة ~~وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم وبسط الزمان وموج الماء وأثار الزبد، ~~وأهاج الدخان، وطفا عرشه على الماء، وسطح الأرض على ظهر الماء، ثم أنشأ ~~الله الملائكة من أنوار ابتدعها، وأرواح اخترعها، ms068 وقرن توحيده بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وآله PageV01P115 وسلم فشهرة في السماء قبل بعثته في الأرض، فلما خلق آدم أبان فضله ~~للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عدمهم عند استثنائه إياه ~~أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محرابا وكعبة، وبابا وقبلة أسجد إليها ~~الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه، وكشف له حظر ما ~~أتمنه عليه بعد أن سماه إماما عند الملائكة، وكان حظ آدم من الخير ثناؤه ~~بمستودع نورنا، ولم يزل الله عز وجل يخبئ النور تحت الزمان إلى أن وصل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ظاهر الفترات، ودعا الناس باطنا وظاهرا، ~~وندبهم سرا وإعلانا، واستدعى عليه السلام العهد الذي قدمه الله إلى الذر ~~وقبل النسل، فمن وافقه وقبس من سراج النور المتقدم اهتدى إلى سره، واستبان ~~واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استوجب السخط، ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ~~ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة ومنا مكنون ~~العلم، وإلينا مصير الأمر، وعهد بنا بقطع الحجج خاتم الأئمة، ومنقذ الأمة، ~~وغاية النور، ومصدر الأمور، فنحن أفضل المخلوقين، وأفضل الموحدين، وحجج رب ~~العالمين، فلتهني النعمة من تمسك بولايتنا، وقبض عروتنا وغيرها، كآية ~~الاصطفاء، وآية: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه...الآية إلى آخرها}(1) ~~وغيرها من الآيات. PageV01P116 # ومن الأحاديث حديث السفينة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي ~~كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(1) وغير ذلك. # دلت هذه الآيات والأحاديث وغيرها على أن لهم عليهم السلام المزية على ~~المؤمنين من غيرهم من أمة أبيهم رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام مثل ~~ما لرسول الله أبيهم صلوات الله عليه وعليهم على سائر المؤمنين من المزية ~~إلا ما خصه دليل معلوم يخص بعض المساواة بينهم وبينه في بعض الأشياء لا ~~كلها ويكون قطعيا نقليا لا يمكن تأويله لما ذكرنا من الأدلة المعلومة ~~ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيها الناس أوصيكم بعترتي أهل بيتي ~~خيرا، فإنهم لحمتي وفصيلتي، فاحفظوا ms069 منهم ما تحفظون [26أ] مني))(2). # قال الإمام عبد الله بن حمزة عليه السلام: "ومما نحفظ منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم توقيره وتعظيمه. # قلت: وكذلك هم يجب توقيرهم وتعظيمهم كهو صلى الله عليه وآله وسلم. # واعلم أنها لا تحصل المزية الزائدة والتوقير والتعظيم والحفظ منهم ما ~~تحفظ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالإئتمام بالسابق ~~والمقتصد منهم والرد إليهم والاتباع في القول والفعل والاعتقاد المتين ~~بالقول والفعل من غير طعن ولا تضليل ولا تخطئة لأحد من العلماء منهم إلا ~~بدليل قاطع يعتمد خلافه وذلك لا يوجد حاشاهم إلا أن ذلك على الفرض ~~والتقدير. PageV01P117 # فأما السب لهم، فلا يجوز السب لأحد منهم ولو ظالما بما فيه خسة وهوان لبيت ~~الشرف، فذلك كفر والله أعلم. # وإنما قلنا: إن المودة لا تكون إلا بالاتباع؛ لأن الله تعالى قد فرض ~~للمؤمنين وللمسلمين على قدر منازلهم ما يكفيهم، فلو لم نقل بالزيادة ~~لأبطلنا معاني الأدلة الخاصة المصرحة بها لهم دون غيرهم وهي قطعية لا يحل ~~لمسلم مخالفتها، بل يكفر من ردها أو أنكر معانيها، وفي هذا كفاية لمن أنصف، ~~والله أعلم بالصواب. # فصل في القياس المساوي وهو الحجة الخامسة # [حقيقته] # هو أن يعلم بالنص على حكم الأصل محكما من الكتاب أو السنة ولو محكما ظنيا ~~من السنة، وينص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على العلة، ويتغاير ~~حكم الأصل والفرع {أي: محكومه) في الجنسية أو النوعية وإلا كان داخلا تحت ~~النص ويستويا تخفيفا وتغليظا. # هذه قاعدة كافية وما عداها من القياس فلا يحل القول به؛ لأن الله تعالى ~~قد جعل في الخطر العظيم إذا لم يكن على ما ذكرنا من القياسين الأولى ~~والمساوي. # [أدلة القياس من القرآن والسنة] PageV01P118 وأدلة القياس من الكتاب قوله تعال: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}(1) وغيرها، ~~ومن السنة حديث معاذ -رضي الله عنه- وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن ليحكم، فقال له -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((بما تحكم يا معاذ؟ ms070 قال: أحكم بكتاب الله، قال: صلى الله عليه وآله ~~وسلم: فإن لم تجد فيه؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن ~~لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، قال -صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي ~~وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما وفق له رسوله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم)) وهذا يكفي من نور الله تعالى بصيرته، والله تعالى أعلم. # فصل في الاجتهاد # [حقيقته] # هو بذل الوسع في استخراج الحكم من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، ~~وهو أيضا بذل الوسع في رد الحادثة إلى ما يناسبها من أي الأربعة. # فصل [في شروط وجوب وجواز الاجتهاد] PageV01P119 وشروط وجوبه وجوازه {أي فعل الاجتهاد) الذي هو بذل الوسع فيما ذكرنا معرفة ~~كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما حقيقة المحكم ~~منهما، وما حقيقة المتشابه منهما، وما حقيقة العام المحكم منهما، وما حقيقة ~~العام المتشابه بالإجمال، وما حقيقة المطلق والمقيد، وما حقيقة الناسخ، وما ~~حقيقة المنسوخ، وما يصح نسخه وما لا يصح، وما حقيقة الأمر، وما حقيقة النهي ~~من وجوب أو حظر، وأين يحملان على الندب أو الإباحة أو الكراهة، وأين يجب ~~تأويل الدليل وكيفية عرض الحديث الآحادي على [26ب] القرآن أو السنة القائمة ~~المتواترة المحكمة، وأين يؤخذ به، وأين لا يؤخذ به، وما حقيقة القطعي، وما ~~حقيقة الظني، وما حقيقة القياس، والذي يصح منه وما لا يصح، وما حقيقة ~~الإجماع، وما من الإجماع قطعي، وما منه ظني؛ فإذا كان قد عرفهما كذلك وجب ~~عليه الاجتهاد فيما يجب ولم يجز له التقليد لقوله تعالى: {فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون}(1) وهو قد علم، ولئن أخذ الحكم مع العلم من أين ~~أخذه على التفصيل أحسن من التقليد، وقد قال تعالى: {فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب}(2) فالمدح على الشيء إيجاب له. # قلت: ولو كان أعلم منه إلا أن يكون من أهل بيت رسول ms071 الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في تقديم اجتهاده إذا أوضح دليل اجتهاده أو كان معصوما كأحد ~~الأربعة. PageV01P120 # قلت: فذلك الواجب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وذريته: ~~((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا))(1) ~~ولخبري السفينة وإني تارك فيكم وذلك نصوص لا يمكن تأويلها. # قلت: وليس ذلك تقليدا لأنه اتباع لأمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبذل للوسع في أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فذلك اجتهاد. # فصل [ # ولا يتم له الاجتهاد الذي ذكرنا، ويصح منه إلا بمعرفة ما يقيم به لسانه ~~من الإعراب للكلام فهما على حد ما نزل عليه من اللغة العربية إذا كانت لغته ~~قد تغيرت عليه بمتاخمة مغيريها وإلا فلا يحتاج، ويعرف من التصريف ما حقيقة ~~المجمل إذا تغيرت عليه اللغة بالمخالطة كالنحو وإلا فلا. # فصل [في حكم الاجتهاد] PageV01P121 والاجتهاد فرض عين على كل أهل مصر حتى يقوم به البعض فيصير فرض كفاية، ~~وإنما قلنا: أنه فرض لقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها}(1) وقوله تعالى: {أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين}(2) ~~ولقوله تعالى: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين ~~هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب}(3) وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) (4) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اطلبوا العلم ولو بالصين)) (5) وقلنا: فرض كفاية إذا قد قام به البعض ~~لقوله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}(6) ~~فأخبر تعالى أن هناك مؤمنين لم يؤتوا العلم، وسماهم تعالى مؤمنين مرفوعين ~~بمعرفتهم ما لا يكونون مؤمنين إلا به من جمل الإسلام ومعرفة كيفية تفصيل ~~الأعمال من أفواه العلماء من دون معرفة دليل كل مسألة ووجهها. # [ ] PageV01P122 فأما أصول الدين فكل مؤمن بها يجب أن يكون من أولي العلم المجتهدين، وكذلك ~~ما يلحق بها من معرفة الملائكة والنبوات ومن تكون له الإمامة بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ms072 وسلم والوصاية بلا فصل وهو علي عليه السلام ومعرفة ~~منصب الإمامة، ومعرفة من قضى الله تعالى بمودته وجعلها تعالى أجرا لرسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهم ذريته صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة من ~~في الأمة يجب التمسك به من العالم السابق والمقتصد من ذرية رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فإن التقليد في جميع ذلك لا يجوز؛ لأن الدين الذي هو ~~الإسلام الصحيح لا يتم إلا به، وقد قال تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام}(1) وقال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(2) وخشية الله ~~تعالى واجبة على كل مكلف، وخص العلم الكامل في [27أ] الأصول والفروع بأن ~~يعذر المكلف عن البعض ويكتفي بالتقليد فيه لقوله تعالى: {يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}(3) وأيضا فلا يصح التقليد فيما ذكرنا ~~من الأصول لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أخذ دينه عن التفكر في ~~آلاء الله تعالى والتدبر لكتاب الله عز وجل والتفهم لسنتي زالت الرواسي ولم ~~يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال وقلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين إلى ~~شمال وكان من دين الله تعالى على أعظم زوال))(4) فالمقصود بذلك أصول الدين ~~وما يلحقها كقوله تعالى: {يرفع الله الذين PageV01P123 آمنوا منكم...الآية}(1) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كن عالما أو ~~متعلما أو مستمعا واع ولا تكن الرابع فتهلك))(2). # فصل [في حكم تقليد أهل البيت {ع)] # ويجب تقليد أهل البيت عليهم السلام على من لم يبلغ درجة الاجتهاد ~~والاتباع لعلمهم وجماعتهم على من بلغ درجة الاجتهاد من غيرهم لحصل مخالفتهم ~~لخبريي السفينة: وإني تارك فيكم وغير ذلك مما يدل تصريحه من غير احتماله ~~ظاهر ولا غيره أنهم الفرقة الناجية. # فصل [ # والحق في القطعي مع صنف أهل البيت عليهم السلام لما ذكرنا من الأدلة ~~وهم لا يختلفون فيه إلا اختلاف عبارة أو مع إمكان التأويل، هذا على الفرض ~~والتقدير وإلا فهم لا يختلفون في ذلك أبدا. # فصل [ PageV01P124 والحق في الظني معهم -أعني أهل البيت ms073 عليهم السلام- إذا أجمعوا أهل كل عصر ~~منهم {أي: يكفي لإجماع العصر أهل العصر ذلك) فإن اختلفوا فالحق مع واحد ~~منهم غير معين لنا بعد الأربعة المعصومين إلا بإيضاح دليله الصحيح الراجح ~~الحق معه معين لنا بعد الأربعة المعصومين إلا بإيضاح دليله الصحيح الراجح ~~الحق معه معينا لنا ومخالفة منهم ومن غيرهم ما لم يجمع أهل البيت عليهم ~~السلام على ما أوضحه ذلك العالم الذي منهم مخطئ معذور، فإن عرف وأجمع أهله ~~{أي: أهل ذلك العالم) من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أثم المخالف ~~إذا علم مطلقا -أعني سواء كان له دليل ظني يضادد دليلهم أو لا لرجاحة دليل ~~صاحبهم بإجماعهم وهم سفينة الحق- وإن لم يعلم المخالف إجماعهم ولا ترجيح ~~عالمهم للدليل هو مخطئ معذور بعد البحث، ومراد الله تعالى واحد والمخالف ~~على هذا التنزيل مخطئ معذور لقوله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتيناه ~~حكما وعلما}(1) وقوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله}(2) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا حكم الحاكم ~~فأصاب فله أجران فإن أخطأ فله أجر واحد)) (3) فكل مجتهد مصيب مع التحرز عن ~~مخالفة من أمره الله تعالى باتباعه من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~فهو مصيب في بحثه مخطئ في المراد في علم الله تعالى، إذ لم يصيبه بدليل آخر ~~معذور لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}(4) PageV01P125 وهذا أحسن ما يقال في هذه المسألة بتوفيق الله وبعصمته، فله الحمد في ~~الآخرة والأولى إلا ما يقرر ذلك من يسير الزيادة. # فصل [وجوب معرفة أشياء لا تنسخ] # في أشياء يجب حفظها وهي لا تنسخ ولا تختلف فيها الشرائع ولا يصح فيها ~~الاجتهاد ولا التخصيص على الجملة ،والحق فيها واحد على الجملة في جميع ~~الشرائع وهي خمسة أشياء: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال كقتل ~~الكفار لحفظ الدين، والقصاص لحفظ النفس، وحد السكر لحفظ العقل، وحد الزنا ~~لحفظ النسل، وحد السارق والمحارب والقاطع الطريق لحفظ المال. # بسم الله الرحمن الرحيم ms074 # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم # [ باب في النبوات وأحكامها] # [التعريف اللغوي للإنباء] # الإنباء في اللغة الإخبار، والنبأ اسم للخبر الذي له شأن، قال تعالى: {عن ~~النبأ العظيم}(1) ونبا ونبي بغير همزة بمعنى: مرتفع في المكان والشرف. # [التعريف اللغوي والاصطلاحي للرسالة] # والرسالة في اللغة: أمر المرسل [27ب] إلى المرسل إليه لإبلاغه شيئا، ~~ويكون بمعنى الشيء المرسل به، وفي الشرع: الرسالة والنبوة أمر الله تعالى ~~الخاص الذي هو الوحي غير الإلهام لمن اختار تعالى لهما ممن زاد له تعالى ~~في العقل ما به يثبت معه على الحق عند إنكاره والتعنيف عليه من أشراف من ~~أرسل إليهم وملوكهم وأهل الكبر والنخوة منهم. # فصل [أقسام الوحي] PageV01P126 في أقسام الوحي الذي هو كلام الله تعالى الذي ألقاه إلى أنبيائه وغيرهم من ~~عباده، لكن كلامه تعالى لغير الأنبياء لا يفيد نبوة إذ لم يدعوها وإن ~~ادعوها وهم كاذبون لم يناظروا وأكذبهم الله تعالى بوحي إلى الأنبياء كما ~~أكذب تعالى مسيلمة الكذاب حين ادعى النبوة لعنه الله تعالى. # قال الله -تعالى وتبارك- في ذلك : {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم}(1). # [التعريف اللغوي للوحي] # الوحي في اللغة: إعلام في إخفاء، وكل أمر سريع فهو وحي، ومنه الوحي ~~والوحا، وتسمى الرسالة والكتاب والإشارة وحيا، وأوحى ووحا لغتان والإلهام ~~يسمى وحيا. # [أقسام كلام الله تعالى لعباده] # وكلام الله تعالى إلى عباده على ثلاثة أوجه: PageV01P127 # الأول: قوله تعالى: {إلا وحيا}(1) يعني تعالى أن الله لا يشافه بالملاقات ~~بالكلام، وترى حال التكلم كما ترى الأجسام حال التكلم إذا لم يكن المتكلم ~~منهم من وراء الحجاب، والله سبحانه فلا يرى لأنه ليس بجسم، بل هو تعالى شيء ~~لا يشبه الأشياء، فيكلم تعالى العباد بالوحي وهو الإلهام والرؤيا، وهذان ~~القسمان إلى جميع العباد، والرؤيا منهما لأهل العقول، والإلهام يصح لكل ~~حيوان ولو غير عاقل كامل العقل، قال الله تعالى: {وأوحى ربك إلى ~~النحل......الآية}(2) أي: ألهمها ما ms075 يصلحها ويصلح للعباد منها من حفظ ~~الشراب في بيوتها التي ألهمها تعالى صنعتها، وقد جعل تعالى في سائر ~~الحيوان غير العقلاء قيراطا يسيرا من العقل يعرف به المنافع والمضار ~~الصادرة إليها وإلى غيرها في الحال، ورؤيا الأنبياء أحكام شرعية وغيرها، ~~وليس رؤيا غيرهم أحكام شرعية، والوحي ما يلقيه الله تعالى في قلب العبد من ~~معرفة الأدلة وتحصيل الأحكام الشرعية منها عند استعمال العقل في التفكر ~~فيها سواء كانت الأدلة عقلية كالتفكر في المصنوع ليعرف الله تعالى صانعه، ~~أو سمعية كالتفكر في الكتاب والسنة ليعرف الله تعالى الذي خلقهما وأوحاهما ~~إلى خير خلقه من الأنبياء وتعرف العبادات لله التي وضعها الله تعالى فيهما ~~على الجملة والتفصيل. PageV01P128 # القسم الثاني: قوله تعالى: {أو من وراء حجاب}(1) وذلك كلامه تعالى لأنبيائه ~~عليهم السلام محمد المصطفى ليلة الإسراء وغيرها، وموسى وعيسى وغيرهم من ~~الأنبياء عليهم السلام بغير واسطة ملك، ومن ذلك كلامه تعالى لأهل الجنة ~~فيها، وكلامه تعالى لمريم -عليها السلام- وغيرها، وذلك لا يفيد نبوة في غير ~~الأنبياء لما ذكرنا أولا، فأراد بقوله تعالى: {من وراء حجاب} استعارة منه ~~تعالى لنفسه ولكلامه المكان فالمتكلم المستور بحجاب لكونه تعالى يتكلم ~~فيسمع كلامه تعالى ويعرفه من أراد تعالى أن يكلمه به من نبي أو غيره ~~ولا تراه مع تحقق الكلام منه -تعالى- بمعجزة آية منه تعالى أو بالضرورة ~~من غير حيز جهة، فأشبهت تلك الحالة حالة الملوك الذين يتكلمون من وراء ~~الحجب فيسمع كلامهم ويتحقق كما يحيون ولا يرى السامع للكلام أشخاصهم، فلما ~~اشتبه الحالان استعار -تعالى- لتلك المشابهة الحجاب تصوير للحال وإلا ~~فتعالى الله من الحاجة إلى أن تحويه الأمكنة المحجوبة، أو يحويه الحجب ~~والحدود، إذ لا تحوي وتحجب وتحيط إلا بالأجسام وليس -تعالى- بجسم -تعالى عن ~~ذلك- وهو تعالى المحيط بالأشياء [28أ] جميعا لا يغفل عنها ولا يسهو منها ~~فلا يداخلها ولا يبتعد عنها ولا يشبهها وهو البائن عنها بذاته العظمى، ومن ~~هذين القبيلين الوحي إلى الملائكة المقربين. PageV01P129 # والوجه الثالث: قوله تعالى: {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء}(1) ms076 أي: ~~فيوحي ذلك الملك إلى الأنبياء ما شاء الله تعالى مما قد أمره الله تعالى به ~~وأوحاه إليه فينزل به إلى الأنبياء من غير زيادة على كلام الله تعالى ولا ~~نقصان، وقد اجتمع للأنبياء والملائكة عليهم السلام أنواع الوحي كلها إلا ~~الرؤيا في النوم في الملائكة لأنهم لا ينامون، قال تعالى فيهم: {وهم لا ~~يسأمون}(2) وقوله تعالى: {إنه علي حكيم}(3) تعليل لكونه تعالى لا يشافه ولا ~~يلاقى في حالة وحيه إلى العباد لكونه تعالى علي {أي: متعال) منزه عن كونه ~~تعالى جسما فيدرك بالرؤية حالة وحيه إلى العباد، وعلي عن أن يحتجب بالحجب ~~على الحقيقة، إذ لا يحتجب على الحقيقة فتحويه الأمكنة المحجوبة إلا جسما، ~~والله تعالى ليس بجسم بل هو تعالى شيء لا يشبه الأجسام ولا الأعراض حكيم ~~تعالى فلا يعيا عليه فعل شيء ولا يجهل الصنائع. # فصل [ ] # والرسالة والنبوة شريعة جديدة وقد تكون لإحياء متقدمة فكل رسول نبي ~~وينعكس. # فصل [ ] # والنبي يجب أن يكون من أشرف منصب بتشريف الله تعالى لذلك المنصب ابتداء ~~بزيادة العقل والصلاحية. # فصل [في حكم النبوة] # والنبوة واجبة عقلا لأن تفصيل الشكر الذي قضى بوجوده العقل لا يعلم إلا ~~على ألسنة الرسل وما لا يتم الواجب إلا به عقلا يجب عقلا. # فصل [في الدليل على وجوبها] PageV01P130 وقد نص السمع على وجوبها فقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}(1) ~~وقال تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}(2) وغيرهما. # فصل [في ] # ولا بد لأهل كل عصر ممن يفصل لهم عن الله تعالى كيفية الشكر من الأنبياء ~~عليهم السلام وذلك واجب عقلا كما تقدم وسمعا كما تقدم، وقد أخبر الله ~~تعالى بذلك، فقال تعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}(3) وقال سبحانه: ~~{ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}(4). # فصل [ في ] # وإنما يجب إذا اندرست شريعة الأول رسول يحيها ويدعو إليها، ورسول بشريعة ~~جديدة عند انقضاء المصلحة التي حدها الله تعالى في الأولى وعلم ذلك عنده ~~تعالى، ولذلك قال ms077 تعالى: {ثم أرسلنا رسلنا تترى}(5) أي متتابعين مع فصل بين ~~طوائفهم، وذلك الفصل قدر ما دامت شريعة الأول معمولا بها ولم قد تنقضي عند ~~الله تعالى المصلحة فيها. # فصل [ في ] PageV01P131 لا يحل من جهته تعالى أن يخلق العقول في أهلها وهي تقضي بوجوب معرفة من ~~أنعم عليها وشكره ولا تعرف تفصيل ذلك إلا بمعرف منه تعالى، ثم يهملها ~~تعالى لغير رسول أو نبي يعرفها بتفصيل ذلك فلو لم يعرفها يبعث تعالى من ~~يعرفها لكان خلق العقل فيها الكامل الزائد على إلهام غير المكلفين عبثا ~~والعبث قبيح عقلا لأنه لا خير فيه ولا مصلحة والله تعالى لا يفعل القبيح ~~لأنه غني عن فعله عالم بقبحه عقلا، وأنه لا مصلحة فيه، عالم باستغنائه عنه ~~تعالى ولكان تكليف أهلها بما قضت به وهم لا يعرفون الكيفية تكليف ما لا ~~يطاق وتكليف ما لا يطاق قبيح عقلا، ألا ترى أن العقلاء جميعا ينكرون على من ~~كلف صعود السماء أو مسابقة الخيل العربية الإنسان ما قبحه إلا لكونه تكليف ~~ما لا يطاق، وكذلك فإن الله تعالى قد علم أن من المكلفين أهل العقول من ~~يخالف الأنبياء عليهم السلام وهؤلاء لا يعاقبهم تعالى على ما علم -تعالى- ~~منهم من المخالفة قبل أن يقع منهم فثبت بذلك وجوب إرسال [28ب] الرسل عقلا ~~وسمعا لما سبق وللفرق بين المتبع وغيره، وقبح الإخلال به مع خلق العقل ~~الكامل. # فصل [ في ] # بعض الملائكة رسل لقوله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس}(1). # فصل # وهم رسل إلى بعضهم في بعض، والمرسل يجب أن يكون أكثر شرفا بزيادة العقل ~~على من أرسل إليه. # فصل [في المشهور من الملائكة في PageV01P132 والمشهور منهم في الرسالة إلى الرسل والأنبياء عليهم السلام من الناس هو ~~جبريل صلوات الله عليه. # فصل [ # لا يصلح رسول إلى الناس إلا من جنسهم وخيرهم شرفا وعقلا؛ وإنما قلنا من ~~جنسهم لأنهم لا تقدر قواهم على مخالطة الملائكة مع إدراكهم إياهم بحواسهم، ~~والملائكة على صورهم التي خلقهم الله تعالى عليها؛ لأنهم تطيش ms078 عقولهم إذا ~~عاينوا الملائكة على صورهم، وإن جعل الله تعالى الملائكة في صورة الرجال لم ~~يصدقوهم أنهم ملائكة، فلا تفترق حالة رسول من الملائكة على صورة رجل وحالة ~~رجل من الناس على الحقيقة، ولذلك قال تعالى: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون}(1) وذلك أنهم لا يصدقون أنه ملك إلا بشهادة رسول ~~غيره، ولا يصدقون الرسول من جنسهم أنه هو إلا وقد ثبت عندهم أن صاحبهم رسول ~~وهم لا يقولون أنه رسول إذ لو قالوا لاتبعوه، وإن جاء ملك آخر يصدق الأول ~~فحكمه عندهم حكم الأول فيؤدي إلى التلبيس والتخليط وذلك خلاف الحكمة ~~والمصلحة. # فصل [في أن الرسل من الإنس خاصة] # الرسل من الإنس خاصة من بعد أن خلق الله سبحانه نبيه آدم عليه السلام ~~بقوله تعالى في شرف الإنس على الجن: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}(2) والنبي ~~يجب أن يكون أشرف ممن أرسل إليهم. # إن قيل: أن الإنس غير جنس الجن فلا يصلحون رسلا إلى الجن. PageV01P133 # قلنا: المانع من إرسال غير الجنس المفسدة كالتنفير والوحشة المانعة من حصول ~~المقصود، والجن لا يستوحش من الإنس ولا ينفر منهم فلا مانع. # فأما قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة ~~الدنيا}(1) . # قلنا: ذلك توبيخ للثقلين يوم القيامة، وإنما قيل للثقلين رسل منكم؛ لأنه ~~لما جمع الثقلين في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما كقوله تعالى: {يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان}(2) وهو من المالح حين يمطر، ويجوز أن يريد تعالى ~~رسل الرسل لقوله تعالى {ولوا إلى قومهم منذرين}(3) ويجوز أن يريد برسل الجن ~~الرسل إلى الجن المتقدمين لخلق آدم، فيجوز أن تكون رسلهم قبل أن يخلق تعالى ~~آدم جنا يرسلهم الله تعالى إليهم من جنسهم، وبعد خلق آدم الرسل إلى الإنس ~~والجن من الإنس على ما قررنا، ورسولنا محمد خاتم الأنبياء صلى الله ms079 عليه ~~وآله وسلم مرسل إلى الإنس والجن إجماعا وبنص القرآن. # فصل [في أن الرسل جميعهم ذكور] PageV01P134 والرسل كلهم ذكور وليس فيهم نساء، ومن أهل المدن وليسوا من أهل البوادي ~~لقوله تعالى في ذلك كله: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل ~~القرى}(1) وقد دل تعالى بقوله تعالى: {إلا رجالا} أنهم ليسوا ملائكة وذلك ~~-أعني كونهم من أهل القرى- لأن أهل القرى وهي المدن أصلح للرسالة؛ لأن الله ~~تعالى جعل فيهم زيادة على أهل البادية في الحلم والعلم، وأهل البوادي فيهم ~~الجهل والجفاء والقسوة. # فإن قيل: قال تعالى حاكيا: {وجاء بكم من البدو}(2). # قلنا: أصلهم في المدن؛ وإنما كانوا ينتجعون إلى البادية لأجل المواشي ~~وقرارهم في المدن. # فصل [ # تنزل الملائكة بالوحي إلى الرسل [29أ] والأنبياء في صورة الرسل من الناس ~~ويعرفون -أعني الرسل والأنبياء- أنهم الملائكة وأنهم رسل الله إليهم بوحي ~~آخر من الله تعالى إما بتكلم منه تعالى للرسل والأنبياء من غير واسطة ملك ~~أو بالضرورة أو برؤية بعض شيء من صورهم، ورأى نبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم جبريل عليه السلام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها مرتين ~~دون غيره [صلى الله عليه وآله وسلم] منهم. # فصل [ PageV01P135 دلالة النبوة بعد قولهم: إنهم أنبياء مبلغون عن الله تعالى؛ وإنما قلنا بعد ~~دعواهم للنبوة لتخرج الأفعال الحاصلة من الله تعالى للصالحين من إنزال ~~الغيث بدعائهم، والنصرة والثناء ونحو ذلك فإنها كرامة ولا تسمى معجزة، ~~فيكونوا أنبياء لأنهم لم يدعو النبوة، إذ لا دليل عليها معهم من الله ~~تعالى، بل قد منعهم من دعوى ذلك، فقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء}(1). # فصل [في معجزات الأنبياء وما هي أكبر معجزة النبي الخاتم (ص)] # أكبر معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن وقد رويت له ~~ثمانمائة معجزة، وكمعجزات آدم عليه السلام وموسى وعيسى عليهم السلام ~~ومعجزاتهم -أعني جميع الأنبياء عليهم السلام- ما كان منها بعد الرسالة ~~والاستنباء يكون معجزة ms080 لأجل نبوتهم وكرامتهم عند الله تعالى، وما كان بعد ~~وفاتهم يكون معجزة إذا أخبروا به قبل وفاتهم، وإن جاء لأجلهم ولم يخبروا به ~~قبلها فكرامة لهم، وما كان قبل إرسالهم واستنبائهم عليهم السلام أو ~~وجودهم أو تكليفهم فذلك إرهاص لنبوتهم -صلوات الله عليهم أجمعين. # فصل [ # لا يصح أن يعلم من الغيب إلا ما كان عن الله تعالى على لسان رسول من رسله ~~تعالى لقوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول}(2) ولقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}(3). # فصل [في حقيقة ذات الله تعالى] PageV01P136 لذاته تعالى حقيقة لا يعلمها إلا هو تعالى، ويدل على ذلك قوله تعالى: {يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}(1). # فصل [في أفضل أنبياء الله تعالى] # نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام ~~لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات}(2) يعني تعالى: رفعه درجات زائدة على أكثرهم فضلا، وذلك البعض ~~المرفوع درجات في الفضل على سائر الأنبياء عليهم السلام في الآية الكريمة ~~هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإجماع، ثم قال تعالى بعده صلى ~~الله عليه وآله وسلم: {وآتينا عيسى بن مريم البينات}(3). # فصل [في أن الله تعالى خلق محمد أو أهل بيته قبل خلق آدم] PageV01P137 خلق الله سبحانه محمدا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وخلق أهل بيته ~~ذريته وعترته من نور خلقه -تعالى- قبل أن يخلق نبيه آدم عليه السلام ثم ~~لما خلق الله آدم عليه السلام نقله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صلب ~~آدم [عليه السلام] ثم نقله إلى زوجة آدم حوى -عليها السلام- ثم نقله إلى ~~صلب شيث بن آدم عليه السلام ثم نقله إلى صلب إدريس النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ثم لم يزل ينقله في أصلاب الأنبياء وغيرهم، والأغلب على من نقله إليه ~~ومنه الإيمان، قال الله تعالى في ذلك: {هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك ms081 في ~~الساجدين}(1) يعني: يعلمك حين تقوم بين أصحابك وتقوم بالديانات، ويعلمك حين ~~ينقلك من صلب زكي إلى رحم طاهر من الأنبياء والصالحين حتى صار ذلك النور في ~~صلب عبد المطلب، فخلق الله منه عبد الله وخلق الله سبحانه روح محمد المصطفى ~~وروح علي -عليهما الصلاة والسلام- قبل أن يخلق آدم عليه السلام ثم نقلها ~~إلى آدم عليه السلام ثم نقلها إلى حوى -عليها السلام- [29ب] ثم نقلها إلى ~~شيث، ثم إلى إدريس النبي [صلى الله عليه وسلم] ثم نقلها كذلك إلى عبد ~~المطلب، ثم قسمها الله قسمين، فخلق منها عبد الله وأبا طالب، ثم نقل الذي ~~في عبد الله من نور النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رحم آمنة بنت وهب ~~أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأم عبد الله وأبي طالب واحدة، ثم خلق ~~ذرية محمد من نوره -صلى الله عليه- ووصيه -صلى الله عليهما- PageV01P138 فيالها من فضيلة ومزية على غيرهم من هذه الأمة وغيرها ما خلا الأنبياء ~~والملائكة يجب شكرها. # فصل [في خلق الملائكة ومما خلقوا] # وخلق الله الملائكة وهم أفضل خلقه من الريح والهواء والنور. # فصل [في أن محمدا أفضل آدم] # نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من نبينا وأبينا آدم عليه السلام ~~للآية الكريمة وهي قوله تعالى: {ورفع بعضهم درجات}(1) ولقوله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة)) (2) وهو سيد ولد ~~آدم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) (3). # فصل [في حكم الإيمان بالأنبياء (ع)] PageV01P139 يجب الإيمان بالأنبياء جميعا وذلك معلوم بضرورة الدين فمن آمن ببعضهم وترك ~~بعضا فهو كافر بالإجماع وذلك معلوم ضرورة، ولقوله تعالى: {إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا}(1) دل ذلك على أنه يجب الإيمان بجميع الرسل الذين ~~عينهم الله تعالى وقصهم في القرآن على حسب تعيينه تعالى، وما قصه ms082 -تعالى- ~~ولم يعينه بعينه وجب الإيمان به على حسب الجملة وهو أنه حق، فيجب الإيمان ~~بالرسل والأنبياء وأن ما جاءوا به حق، ومن خالف في ذلك خرج عن الإسلام ذلك ~~معلوم، ودل على أن من كذب بنبي ممن عينه الله تعالى وأخبر به على سبيل ~~الجملة أو سبه فإنه يكفر حقا ولو آمن بالباقين. # فصل [في إثبات نبوة محمد (ص)] # إن سأل ذمي عن إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أين ثبتت ~~فماذا يقال؟ # الجواب في ذلك: قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام ~~أن يقال له ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحت من حيث ثبتت ~~وصحت نبوة موسى وعيسى -صلوات الله عليهما- والذي ثبتت به نبوتهما في بني ~~إسرائيل ووجبت طاعتهما فيه يثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء سواء. # فإن قال: وما ذلك الذي ثبتت به نبوتهم؟ PageV01P140 # قيل له: هي المعجزات التي أتوا بها والآيات التي أظهروها التي لا ينالها ~~مخلوق ولا تكون إلا من الخالق، ومعجزات كل واحد منهم معروفة عند أهل العلم، ~~فالجواب في هذا من المسلم للذمي بهذا المتقدم، فيقال له: إن كانت معجزة ~~موسى وعيسى أثبتت نبوتهما على أممهما فقد أثبتت نبوة محمد -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- معجزاته على جميع الخلق وإن لم تكن معجزاتهما أثبتت نبوتهما ~~عندك، فأخبرنا بما ثبتت نبوتهما ما هو غير ذلك حتى نأتيك في محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم بحجج تقطعك وتقمعك فلا نجد بدا -إن شاء الله- أن نقول إن ~~المعجزات من الآيات هن اللواتي يثبتن ويصححن النبوة ويقمن لله ولرسوله ~~الحجة على الأمة؛ فإذا أقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لثبات ~~الحجة عليه ووضوحها لديه ولزومها له إذ أقر بها يثبت نبوة نبيه ومكابرته ~~فيها، وقوله بالدفع لها يبطل قوله في نبيه، قيل له: اتق الله وأجب محمد ~~داعيا إلى الله ورسوله إليك وإلينا. # فإن قال: قد أتيتم علي من الحجة عالم أقدر أن أدفعه في ms083 إثبات نبوته إلا ~~أن أدفع نبوة نبيي فقد أقررت لكم بنبوته حين اضطررت إلى ذلك فهو نبيكم ~~ورسولكم وليس إلينا برسول. # قيل له: بل هو رسول إليك وإلى آبائك من قبل بإقرارك لا بإنكارك، فقد ~~أقررت ولزمك من حيث ثبتت عليك [30أ] الحجة في الإقرار بنبوته، وإن كنت لم ~~تعقل ذلك ولم تفهمه ولم يحط به عقلك فتعلمه. PageV01P141 # فإن قال: ومن أين حكمت علي بذلك وجعلتني في الحكم كذلك، أبن لي بذلك قولا ~~صوابا وأزح لي به شكا في قلبي وارتيابا. # قيل له: ألست قد أقررت بأنه رسول الله ونبيه فلا تجد بدا من أن تقول نعم ~~فيقال له: هل يجوز على الأنبياء -صلوات الله عليهم- أن تأتي بشيء من أنفسها ~~ثم تزعم أنه من الله دونها وفي ذلك ما لا يخفى عليك من الكذب على الله ~~تعالى وحاشا لرسل الله -صلوات الله عليهم- من ذلك، فلا نجد بدا من أن نقول: ~~لا يجوز ذلك في الأنبياء والرسل -صلوات الله عليهم- فإذا قال ذلك قيل له: ~~أفليس القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الله وذكر أنه ~~من الله هو من الله، فلا يجد بدا من أن يقول نعم هو قرآن بعث به إليكم ~~دوننا، فإذا قال ذلك قيل له: قد أقررت بنبوته -صلى الله عليه وآله وسلم - ~~وأقررت بالكتاب الذي جاء به أنه حق من الله فقد وجدنا في هذا الكتاب تصديق ~~إرسال محمد إليكم. # فإن قال: وأين ذلك . PageV01P142 # قيل له: هو قول الله سبحانه: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا}(1) ~~وقوله: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون}(2) ويقول: {آمنوا بما أنزلت ~~مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ms084 به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي ~~فاتقون}(3) فكل هذا القول الذي في الكتاب الذي لم يجد بدا أن يقر به من عند ~~الله، فإن بطل منه حرفا بطل كله وإن ثبت أنه من الله ثبت ووجب عليك ما أمرك ~~الله به ولزمك الإيمان به والتصديق إذ قد أقررت بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم فلا يجد حينئذ الذمي بدا من أن ينصف فيقر بالحق أو يكابر بعد ~~ثبات الحق وبيانه ويستدل بمكابرته على جهله وحمقه ويستغنى بظهور جهله عن ~~مناظرته، لأن الجاهل المكابر محيل وصاحب المحال لا حجة معه. تم الجواب ~~والحمد لله على كل حال، وصلى الله على سيدي سيد الرسل محمد وآله خير آل، ~~وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وآلهم وإخوانهم أجمعين، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فصل [في أن الأنبياء أفضل الخلق] PageV01P143 يجب الإيمان بالأنبياء ويجب الاعتقاد والإقرار بأنهم أفضل الخلق بعد اعتقاد ~~أن الملائكة عليهم السلام أفضل منهم ذلك -أعني تفضيل الأنبياء على من عدا ~~الملائكة من الخلق معلوم بضرورة الدين من أنكره كفر بالإجماع. # فصل [في تفاوت أفضلية الأنبياء] # ويجب الإيمان بأن من فضله الله تعالى على التعيين كنبينا محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم على الكل من الأنبياء عليهم السلام أنه كذلك ومن فضله ~~بتكليم من غير واسطة كموسى وعيسى -عليهما السلام- ومثل نبينا محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأنه كلمه من غير واسطة في الإسراء المقصوص في ~~القرآن، ومثل مزية عيسى صلى الله عليه وآله وسلم ومثل نوح وصبره، ومثل ~~آدم وإرساله إلى الملائكة الذين هم فوقه وأمرهم بالسجود له تعالى لأجل ~~آدم، ومثل إدريس عليه السلام في رفعه قال الله تعالى فيه: {ورفعناه مكانا ~~عليا}(1) فيجب اعتقاد فضيلة كل على ما صرح الله تعالى به في كتابه ومن لم ~~يصرح تعالى بفضيلته على الخصوص فيجب أن لا يفرق المكلف ويدعي أن بعضهم أفضل ~~من بعض على سبيل التعيين من غير نص من الله تعالى عليه بعينه، ms085 بل يعتقد أن ~~الرسل والأنبياء عليهم السلام [30ب] متفاضلون أو سواء إذا لم نجد نصا على ~~تعيين أحد بالفضل على غيره منهم ممن لم ينص الله تعالى عليه بعينه. # فصل [في اختصاص بعض الأنبياء ببعض المكارم والمعجزات] PageV01P144 ومن خص بالفضائل والمكارم والمعجزات الباهرة والمدح الكبير، والذكر العظيم ~~أبونا إبراهيم -صلوات الله عليه وآله- وكذلك آل إبراهيم كولديه إسماعيل ~~وإسحاق وذريته صلى الله عليه وآله وسلم منهما ومن غيرهما من صلح من أولئك ~~تفضيلهم واعتقاد مزيتهم على حسب ما صرح الله تعالى به من المزية لهم على من ~~دونهم بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أفضل منهم ومن جميع ~~الأنبياء ففضلهم بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم معلوم بضرورة ~~الدين من أنكره كفر بالإجماع ولقوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا ~~من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}(1) ولأن ~~الله تعالى جعله عليه السلام في فضله عنده تعالى وثوابه وشرفه كأمة من ~~الأمم الصالحة فقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا ~~حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين}(2) وفي إسماعيل وإسحاق وآلهما قال ~~تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم}(3) وفي عيسى عليه السلام ما علم ضرورة من ~~أنكره كفر، وفي إسماعيل بعينه قال تعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان ~~صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه ~~مرضيا}(4) وكذلك في إسحاق بعينه قال تعالى فيه PageV01P145 لأبيه عليه السلام: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}(1) وقال تعالى: ~~{وباركنا عليه وعلى إسحاق}(2) وقال تعالى: {قالوا لا تخف وبشروه بغلام ~~عليم}(3) وفي عيسى مثله الله تعالى بآدم عليه السلام حيث قال تعالى: {إن ~~مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ....}(4) وغيرها من الآيات ~~الباهرة كإحياء الموتى، وكذلك كل ذرية ms086 كل نبي يشرفون ويعظمون ويوقرون مثله ~~إلا ما خصه دليل مثل آل إبراهيم على غيرهم وبني آدم على الجن وآل إسماعيل ~~وآل إسحاق وآل يعقوب على غيرهم من جنسهم وذرية محمد -صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم- وعلى غيرهم من جنسهم وكل هذا معلوم على هذا التنزيل بضرورة دين ~~الله تعالى ونصوصه القاطعة من أنكر ذلك على هذا التنزيل بعد العلم بالأدلة ~~أو كمال عقله كفر بإجماع الأمة والنصوص الجلية والله أعلم. والحمد لله على ~~ما أسدى من النعم وفضل وكرم، وصلى الله على سيد الرسل محمد وآله وسلم. # فصل [في أن الملائكة أفضل من الأنبياء (ع) والاختلاف حول ذلك] PageV01P146 الملائكة عليهم السلام أفضل من الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى: {لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون}(1) وفي شاهد العقل ~~أنه إذا قيل فلان مع فضله الذي يعتقدون لا يستنكف عن عبادة الله تعالى ولا ~~يستنكف فلان المقرب من الله تعالى في المزية أعظم منه وهذا فائدة العطف على ~~عيسى عليه السلام فكأنه قال تعالى لن يستنكف عيسى مع فضله الذي يعلمون أن ~~يكون عبدا لله ولا من هو بالفضيلة أكبر منه بأن يكون من الملائكة المقربين ~~فقال تعالى: {ولا الملائكة المقربون} يعني تعالى قربا في المنزلة العظيمة ~~أعظم من قرب عيسى عليه السلام لفضلهم عنده تعالى ولأن الله [31أ] تعالى ~~قال فيهم إنهم لا يعملون شيئا ولا يقدمون ولا يحجمون إلا بأمره تعالى فقال ~~تعالى حاكيا عنهم: {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما ~~بين ذلك وما كان ربك نسيا}(2) فانظر في هذا الكلام الشريف والامتثال ~~المنيف، والانقياد الذي لم يحكي تعالى جنسه على الإطلاق إلا في الأقل من ~~غيرهم ولقوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ولا أقول ~~لكم إني ملك}(3) يعني تعالى قل لهم يا محمد لا أدعي أني ملك مقرب في أعظم ~~منزلة كالملائكة يعني بل أنا دونه فلا أدعي ما ليس لي بحق، ولأن تكليفهم ms087 ~~أشد وأعمارهم أطول مع صبرهم على الطاعة وهم يستريحون بالنسمة عنها كغيرهم ~~وهم أفضل من المؤمنين بالأولى والأحرى. PageV01P147 # وقال قوم: بل المؤمنون أنبياء وغيرهم أفضل من الملائكة. # قلنا: حكى الله تعالى صغائر معاصي الأنبياء عليهم السلام وتوبتهم عنها ~~كآدم وداود وغيرهم فقال تعالى في آدم عليه السلام: {وعصى آدم ربه فغوى}(1) ~~وفي داود -عليه السلام: {فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب}(2) ~~وحكى توبتهم وحكى عن غيرهم من المؤمنين كبائر المعاصي والتوبة فقال تعالى: ~~{والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن ~~يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}(3) وقال تعالى في ~~الملائكة خلاف ما قال في المؤمنين، فزكى تعالى الملائكة عما نسب إلى ~~المؤمنين من المعاصي مع التوبة فقال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون}(4) وقال تعالى فيهم: {يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون}(5) وقال تعالى فيهم: {وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون ~~وإنا لنحن المسبحون}(6) وغير ذلك، فلا دليل صح لمن فضل المؤمنين عليهم ~~عليهم السلام لأنا لم نجد في القرآن تفضيل المؤمنين على الملائكة، وإن جاء ~~حديث ونافى القرآن من كل وجه أو نافى المحكم منه وجب اعتقاد أنه كذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا دليل لهم -أي المفضلين للمؤمنين ~~على الملائكة عليهم السلام. # فصل [في أن محمدا (ص) خاتم الأنبياء وحكم الإيمان بذلك] PageV01P148 يجب الإيمان بأن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ودليل ~~ذلك من العقل أنه قد ثبت أنه أفضل الأنبياء بما علم من ضرورة دين كل نبي؛ ~~وإذا كان كذلك والرسل يرسلون بخلاف شرائع من قبلهم وهو -صلى الله عليه وآله ~~وسلم - أفضلهم وشريعته أفضل ووصيه وذريته صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ~~أفضل لم يحسن عقلا نسخ الأفضل إلى الأدون مع الاستواء في التحقيق أو الأفضل ~~أخف وشريعته صلى الله عليه وآله وسلم أسمح الشرائع وأقلها حرجا لقوله ~~-صلى الله عليه ms088 وآله وسلم: ((بعثت بالسمحة البيضاء))(1) فإذا كان كذلك فلا ~~يحسن نسخها عقلا، ولا إبطال حكم صاحبها في اتباعه بدونه صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولا تبديل حكم ذريته صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وأمته ~~لأنهم الخيار لأجله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما السمع فقوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين}(2). # وأما في كون ذريته صلى الله عليه وآله وسلم خير الذراري ووصيه خير ~~الأوصياء فقد علم بالنص من الله تعالى تفضيل ذرية كل نبي لأجله ووصيه كذلك ~~كتفضيله إلا بدليل، وكذلك ذريته صلى الله عليه وآله وسلم هم خير الذراري ~~ووصيه خير الأوصياء بعد الأنبياء للدليل في تفضيل الأنبياء عليهم السلام ~~[31ب] لأن أبوهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته خير ~~الأمم لأجله -صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل [ ] PageV01P149 الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا من قبل نبينا وأبينا ونبيهم وإمامنا ~~وإمامهم محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يرسل كل واحد منهم إلى قوم ~~مخصوصين بشريعة جديدة أو بإحياء شريعة نبي قبله في القوم الذي أرسل الأول ~~إليهم وغير القوم الذين أرسل إليهم بشريعة جديدة أو إحياء متقدمة يكونون في ~~زمنه متعبدين بشريعة نبي قبله معروفة عندهم فهو مأمور من الله -سبحانه ~~وتعالى- أن يأمرهم باتباعها وينهاهم عن مخالفتها ويدعوهم إليها حيث خالفوها ~~أو بعضهم، ولم ينههم الباقون أو سكتوا أو عجزوا، وله دفعهم عن كفرهم ~~ومنكراتهم بأي ممكن لكن لا يدفع ذلك بالقلب الحاصل فيما لم يقررهم الله ~~سبحانه عليه في شريعة المتأخرين من تركهم عليه بعد الدعوة والتبليغ والبيان ~~من مخالفة شريعة المتقدم، كتقرير اليهود والنصارى والعجم على الجزية مع ~~الصغار والذلة والمسكنة أينما وجدوا مع تركهم على كفرهم. # فأما خاتم الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهو رسول إلى ~~الثقلين كافة بشريعة جديدة، وقد قال الله سبحانه وتعالى فيما ذكرنا لرسوله ~~محمد -صلى الله عليه وآله وسلم: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}(1) نبي. PageV01P150 # وقال ms089 سبحانه في ذلك: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}، وقال سبحانه: {ولكل ~~أمة رسول} والهادي في كل قوم الذي قال سبحانه في: {ولكل قوم هاد} أو إمام ~~ممن نص الله سبحانه على نبوته وبينها بالمعجزات ليفترق حالة الصدق في ~~النبوة وحالة الدعوة لها كذبا من أهل الكهانة والسحر والشعبذة وإمام نص ~~الله سبحانه على إمامته من ولد نبيه ورسوله وخليله إبراهيم -عليه وآله ~~الصلاة والسلام- على العموم على شريطة العدل والإيمان والعلم الكافي ويكون ~~مع كونه من ولد إبراهيم في آخر الأمم من ولد نبيها أبينا محمد المصطفى سيد ~~الرسل صلى الله عليه وآله وسلم أعلام التقى والإيمان أو نص الله سبحانه ~~على إمامته على التعيين من ولد إبراهيم في أمة محمد المصطفى -عليه الصلاة ~~والسلام- ولو لم يكن من ولد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة- أو على التعيين من ولد ~~محمد سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كالحسن والحسين عليهم السلام ~~وقد قررنا هذا في النبوات والإمامة ويدل مع دليل العقل والآيات التي ذكرنا ~~عن الله سبحانه وتعالى أن كل نبي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في ~~الثقلين معا على ما قررنا بتجديد شريعة في قوم ودعا الآخرين إلى شريعة ~~النبي الآخر، ودعا نبينا وأبينا سيد الرسل الجميع إلى شريعته فحسب وغيره من ~~الأنبياء عليهم السلام على ما قررنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما PageV01P151 عرف أن أصحابه شق عليهم البعث إلى البلاد النازحة قال لهم ذات يوم بعد ~~عمرته التي صد عنها يوم الحديبية: ((أيها الناس إن الله قد بعثني رحمة ~~وكافة، فلا تختلفوا علي كما اختلفت الحواريون على عيسى بن مريم، فقال ~~أصحابه: كيف اختلفوا عليه؟ فقال: دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه فأما من بعثه ~~مبعثا قريبا فرضي وسلم، وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل فشكى ~~عيسى ذلك إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون كل واحد منهم يتكلم بلغة ms090 الأمة ~~التي بعث إليها))(1)[32أ]. # وروي أن الجماعة الذين بعثهم عيسى عليه السلام من أصحابه الحواريين ومن ~~أتباعه من غيرهم تسعة: # الأول: بطرس الحواري ومعه من الأتباع يونس بعثهما إلى رومية. # الثاني: أبدراس فإنه مشى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس. # الثالث: توماس فإنه بعثه إلى أهل أرض بابل من أرض المشرق. # الرابع: وقليس بعثه إلى قرطاجنة وهي أفريقية . # الخامس: بحنس بعثه إلى أقسوس وهي قرية الفتية أصحاب الكهف. # السادس: يعقوبس بعثه إلى أورشليم وهي إيليا قرية بيت المقدس. # السابع: ابن ثلما بعثه إلى الأعرابية وهي أرض الحجاز. # الثامن: سيمن بعثه إلى البربر. # التاسع: يهوذا ولم يكن من الحواريين جعل مكان يوذش . # فصل PageV01P152 يجب على كل نبي التبليغ إلى من أرسل إليهم على ما قررنا أولا فإذا خولف ~~فعليه القتال مع الأنصار التي يغلب بظنه أنهم مع نفي أسباب الخذلان يغلبون ~~أو يمنعون أنفسهم من الاستئصال ومع خلاف هذا ليس عليه إلا التبليغ والتعليم ~~بالتي هي أحسن، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول أثر أم لا، ~~وعلى من أتاه من القول العنيف والضرب والجرح والقتل بعد أن يؤمروا بذلك، ~~وهذا معلوم ضرورة من دين كل نبي من الأنبياء -عليهم السلام. # فصل [في أوجه الاختلاف والاتفاق بين شرائع الأنبياء (ع)] # لا تختلف شرائع الأنبياء عليهم السلام في العدل والتوحيد وقبح الكذب ~~إلا من باب الإضافة إلى كل نبي اختلاف وحي لا ينسخ بذلك الأول نسخ إبطال بل ~~اختلاف قول والمعنى واحد فهي شريعة جديدة باعتبار النسبة إلى صاحبها فقط، ~~ولذلك قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أين يتاه بكم عن علم تنوسخ من أصلاب ~~أصحاب السفينة حتى صار في عترة نبيكم))(1). # قال الهادي عليه السلام هو علم العدل والتوحيد، وأما في غير ذلك فتختلف ~~قولا وحكما وفي اختلافها يقول الله تعالى:}لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}(2) ~~وغيرها من الآيات. # فصل [حكم العمل بشيء من الشرائع السابقة للإسلام] PageV01P153 لا يجوز لأحد من أمته صلى الله عليه وآله وسلم العمل بشيء من الشرائع ~~المتقدمة ms091 ولو صحت له روايته ولو لم يجده في شريعة رسول الله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا بالرد إلى القياس فإن لم يحسن الرد على الوجه الصحيح ~~والتبس عليه أو نازعه فيه غيره رده إلى علماء آل الرسول عليهم السلام لما ~~ذكرنا فيهم من الأدلة ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم ألقى صحيفة التوراة ~~من يد عمر وهو يطالعها وقال له: ((ما كفاك القرآن فلو كان أخي موسى حيا ~~لتبعني))(1). # فصل[ # ما قصه الله تعالى في القرآن من تحقيق شرائع المتقدمين فهو شريعة لنبينا ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم متجددة بوحي من الله تعالى جديد محدث ~~بالإجماع وهو وإن كان حكمه مثل حكم الكتب الأولى من تحليل أو تحريم فهو ~~شريعة متجددة وليس استواؤهما في الحكم إلا من باب اتفاق الشرائع لا لكوننا ~~متعبدين بشرائع المتقدمين لما ذكرنا ولحديث عمر "ونحن متعبدون به" أعني بما ~~قصه الله تعالى في كتابنا وهو شريعة جديدة كما ذكرنا ما لم يقصر عن العمل ~~به بدليل آخر صحيح واضح، فيبطل قول من قال أن شرائع من قبلنا تلزمنا ما لم ~~تنسخ معناه. # فإن قيل: إن الله تعالى قال في شأن التوارة: {يحكم بها النبيون}(2). PageV01P154 # قلنا: يحكمون بما فيها أي: بشيء من شرائعهم يطابق ما فيها في بعض الأشياء ~~دون بعض، فذلك حكم بما فيها بوحي جديد يطابقها في حكم من الأحكام، [32ب] ~~كما أن ذلك معلوم من سياق سبب نزول الآية؛ لأنهم لما زنى رجل ذو قرابة من ~~ملكهم، وكان في التوراة الرجم للزاني المحصن ولم يقدروا لحيائهم من ذلك أن ~~يقيموا عليه الرجم رأوا أنهم يفحموه ويعزروه عوض الرجم، ثم بعد ذلك زنا رجل ~~آخر بامرأة محصنين من العامة فأراد الملك أن يقيم عليهما الرجم فقال ~~أهلهما: لا، حتى تقيم الحد على صاحبكم، فقالوا: سيروا بنا إلى هذا النبي ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن في شريعته تخفيفا، فلعله لا يحكم ~~بالرجم، فيكون حكمه عذرا لنا عند الله لنقول: قد ms092 أخذنا بحكم نبي من ~~أنبيائك، فلما عرفوا ذلك سألهم عما في التوراة على الزاني المحصن ليعرفهم ~~أن الشريعة متطابقة في ذلك، فرأوا التخفيف عنها إلا شابا هو عبد الله بن ~~صوريا وكان إلى جنبه صلى الله عليه وآله وسلم فقال الشاب: إنا نجد فيها ~~الرجم للزاني المحصن فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهما ~~بالرجم وأخبرهم أن الحكم عنده فيه في شريعته وفي التوراة سواء من غير ~~زيادة، فكأنه حكم بما فيها لأنه قد عرف من قبل سؤالهم أن الحكم الرجم ~~بشريعته صلى الله عليه وآله وسلم وبالوحي إليه، ولذلك قال علي عليه ~~السلام في قصة التي رجمها: "رجمتها بسنة رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم" ولم يقل بما في التوراة، PageV01P155 ولقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}(1) فوجب الجمع بينهما -أعني ~~الآيتين- لأنهما محكمتان معا ولم يمكن إلا بالتأويل ولعدم إمكان التخصيص. # فصل [ # والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن متعبدا قبل بعثته بشريعة ~~من قبله لعدم ثقته بالرواة مع كثرة طول الفترة واشتهار التحريف وعدم ~~مواصلته صلى الله عليه وآله وسلم وتعلمه وأخذه عن أهل الكتب ولإرادة الله ~~تعالى أن يبقى صلى الله عليه وآله وسلم على الأمية من دون أن يأخذ العلم ~~من غيره -تعالى- لئلا يتهمه المشركون بأنه ليس برسول ولا نبي، وإنما يعلم ~~ما أتى به من الكتب، فأخذه من أفواه العلماء فلا يصدقونه حينئذ بأنه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فيكون ذلك داعيا لهم إلى البقاء على شركهم، ~~والله تعالى يعلم ما هو أدعى إلى الإسلام، وأصح للحجة، وأقطع للعلة، وقد نص ~~الله تعالى على هذه المفسدة لو لم يجعله صلى الله عليه وآله وسلم أميا لا ~~يأخذ عن أحد من أهل الكتب الأولى من الناس والجان، ولا يكتب ولا يعرف ~~المكتوب ما في ورقة إلا بوحي منه تعالى، فقال تعالى: {وما كنت تتلوا من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون}(2) وأخبر تعالى أنهم ~~قالوا إنه ms093 أخذ عن العلماء وليس ما جاء به بوحي جديد بقوله تعالى حاكيا ~~عنهم: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا}(3) وفي ~~قوله تعالى: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا PageV01P156 اجتبيتها}(1) أي: اخترتها من قبل نفسك من غير وحي من الله تعالى؛ وإنما ~~قالوا ذلك كله لئلا تلزمهم الحجة على زعمهم، حيث أقروا أنه وحي من الله ~~تعالى وأنه رسول الله فيلزمهم الدخول في الإسلام وإلا فقد عرفوا أن ذلك من ~~عند الله تعالى، وقد عجزوا عن معارضته -قاتلهم الله، فثبت بذلك أنه ليس ~~متعبدا بشريعة من قبله قبل البعثة ولا بعدها؛ لأن شريعته صلى الله عليه ~~وآله وسلم ناسخة [33أ] لكل شريعة قبلها، ويجب اعتقاد ذلك على كل مكلف، ~~فكذلك أمته صلى الله عليه وآله وسلم وذلك معلوم. # قلت: فأما العقليات والذبائح والأنكحة وما لا تختلف فيه الشرائع فهو ~~متعبد به قبل البعثة، لأنه معلوم من ضرورة دين كل نبي، فلا يخفى على ذي ~~عقل، وذلك معلوم. # قلت: وما اشتهر وظهر من دين رسول الله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم ~~كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والنكاح، فذلك لم تختلف فيه الشرائع على ~~الجملة وإن اختلفت في تفاصيله؛ فأما الحج فإنه لم يحج صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا بعد البعثة. PageV01P157 # قلت: وقد قررنا فيما سيأتي -إن شاء الله تعالى- أن آباء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قبل بعثته نبيا كانوا على دين إبراهيم، والمقصود ما اشتهر ~~منه، واشتهرت كيفية العمل فيه حتى التحق بالعقليات، كالصلاة إلى الكعبة، ~~والطهارة، والحج، والصوم، والزكاة، والنكاح، والذبائح، وتحريم أموال من ~~أسلم من الناس، وتحريم الزنا، وشرب الخمر، وتحريم النكاح من غير ولي وشهود ~~عدول، وهو صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك حتى بعثه الله نبيا، وجعل ~~سبحانه له شريعة جديدة ناسخة لجميع الشرائع، وتعبده بعد ذلك بها دون غيرها. # منها ما وافق الشرائع المتقدمة فيما لا تختلف فيه الشرائع. # ومنها ما خالفها فيما تختلف فيه الشرائع، هذا هو المعمول عليه والله ms094 أعلم ~~بالصواب. PageV01P158 # قال الإمام الهادي إلى الحق: يحيى بن الحسين -صلوات الله عليه- لمن سأله ما ~~كان عمله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن ينبأ، وهل كان على شريعة عيسى ~~-صلوات الله عليه- أم لا؟ فقال: كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ما ~~كان عليه الأنبياء من قبله منذ خلق الله آدم إلى أن بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم من الإقرار بالله، والتوحيد له، والتعظيم والإجلال، ~~والمعرفة به وبعدله، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه خالق كل شيء سبحانه وتعالى، ~~وكان مقرا بالأنبياء كلهم غير جاحد لنبوتهم، وكان صلى الله عليه وآله وسلم ~~ينظر ما يأتي به أهل الكتاب من عظيم محالهم، وقبيح فعالهم الذي ذكره الله ~~سبحانه عنهم وذمهم عليه، فكان ينكر فعلهم ويذم جرأتهم على ربهم ولم يكن ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ التوراة ولا الإنجيل ولا يحسن ترجمتهما، ~~وكان يعيب أفعال الذين يحرفونهما لما يأتون به من الأمر الذي لا يرضاه الله ~~تعالى ويستنكره عقله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن معهم على شريعتهم، ~~وكان في أصل المعرفة بالله تعالى كعيسى -صلوات الله عليه وآله وسلم- عالما ~~مقرا بأن كل ما جاء به موسى وعيسى حق -صلى الله عليهم وسلم جميعا-وهذا قريب ~~مما ذكرنا، وكذلك على ما ذكرنا كان جميع الأنبياء قبل النبوة -صلوات الله ~~عليهم جميعا. # هذا آخر ما أردنا إيضاحه في باب النبوات، والله أعلم بالصواب. # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P159 وصلى الله على سيد الرسل وسيدنا محمد وآله وسلم # باب في الإمامة وأحكامها # [المعنى اللغوي والاصطلاحي للإمامة] # الإمامة في اللغة التقدم، والإئتمام في اللغة: الاتباع للغير، وفي الشرع: ~~تقدم من عينه الله تعالى في كتابه وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم [33ب] على التفصيل باسمه كأمير المؤمنين علي -رضوان الله عليه- ~~وكالحسن والحسين وغير الثلاثة ممن عين باسمه أو صفته، أو تقدم من عينه الله ~~تعالى باسمه أو على الجملة، وعين صفته لا اسمه مع تعيين منصبه على التفصيل ~~فيما ms095 للأنبياء عليهم السلام إلا ما خصه دليل(1). # فصل [في دليلها من العقل والسمع] # ودليلها من العقل: حسن إقامة رئيس ممن علم زيادة منصبه في الشرف لدفع ~~التظالم. PageV01P160 # ودليلها من السمع: قوله تعالى لرسوله وخليله أبينا إبراهيم-صلوات الله عليه ~~وآله الطاهرين: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين}(1) فنفى الله تعالى الإمامة عن الظالم سواء كان مشركا -والعياذ ~~بالله- أو مصرا على كبيرة غير تائب منها، وأثبتها تعالى لغير الظالم وهو ~~المؤمن من ذرية إبراهيم عليه السلام بصريح النص على الإطلاق، ودلت الآية ~~بصريحها على أن المؤمن من ذرية إبراهيم عليه السلام مع العلم الكافي لأهل ~~زمانه محكوم له بالإمامة الكبرى، وأنها حق له لازم في رقاب أهل زمانه، ~~وإنما قلنا مع العلم الكافي لأهل زمانه لأن إمامته فرع على إمامة أبيه ~~إبراهيم عليه السلام ومرتبة عليها بنص الآية، وإبراهيم -صلوات الله عليه- ~~معه من العلم ما يكفي مع كونه نبيا رسولا. # فصل [ ] PageV01P161 أجاب الله تعالى دعوة إبراهيم عليه السلام في أن يجعل من ذريته أئمة ~~بقوله تعالى بعد ذكره لإمامة إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى: {إني ~~جاعلك للناس إماما} فلما عرف إبراهيم عليه السلام أن الله تعالى قد حكم ~~له بالإمامة، وإمامة إبراهيم أمر زائد على الرسالة وهو أنه قدوة لجميع ~~البشر وولده رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأدلة الواردة ~~بتفضيل سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على من عدا الملائكة ~~عليهم السلام فهو عليه السلام سيد إبراهيم وإمامه وإمام المرسلين ~~والمسلمين صلى الله عليه وآله وسلم فقال إبراهيم عليه السلام بعد ثبوت ~~إمامته بنص الله تعالى على ما ذكرنا ما حكى الله تعالى عنه بقوله تعالى: ~~{قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(1) فغير الظالم من إبراهيم ~~عليه السلام يستحق الإمامة خاصة دون غيرهم؛ لأن الإمامة لو كانت ثابتة ~~بشرط التقوى من قبل سؤال إبراهيم عليه السلام لم يتصدى إبراهيم عليه ~~السلام لسؤاله تعالى في أن يثبت شيئا هو ثابت؛ ms096 لأن الأنبياء حكما، ولو ~~كانت قد ثبتت قبل سؤال إبراهيم عليه السلام للناس معا بشرط العلم والتقوى ~~لأخبره تعالى بأن قد أثبتها تعالى من قبل سؤاله بذلك، ولو ثبتت أيضا من ~~قبل للكل بذلك لم يحتج إبراهيم عليه السلام من الله تعالى إلى نص في ~~إثباتها له عليه السلام إذ هو تحصيل حاصل والله تعالى حكيم، ولو ثبتت PageV01P162 أيضا بشرط التقوى لم يكن لخصوصية إبراهيم عليه السلام بها جزاء على صبره ~~حين ابتلاه تعالى بكلمات فأتمهن معنى؛ فحينئذ دلت الآية الكريمة أن الإمامة ~~بنص الآية في ولد إبراهيم وأنها فيهم على حد ما هي فيه {أي: إبراهيم) من ~~الخصوصية بهم دون غيرهم إلا ما خصه دليل كالنساء، والظالم لنفسه منهم ~~بالكبائر مع الإصرار أو بجهله لتفاصيل الأحكام الشرعية المأنوسة على أدلتها ~~التفصيلية من الكتاب والسنة عند البحث بالاجتهاد، فالرسل والأنبياء من ذرية ~~إبراهيم عليه السلام أئمة، وزيادة الرسالة والنبوة وغير الأنبياء مع ~~العلم والعمل والإيمان [34أ] أئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وبعد وصيه، والإمام بعده بلا فصل علي بن أبي طالب عليه السلام من ولد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد صنوه علي بن أبي طالب عليه ~~السلام خاصة دون سائر ولد إبراهيم من غيره صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~سنذكر -إن شاء الله تعالى- من أدلة الخصوص الجلية القطعية له دون غيره ~~-أعني إبراهيم عليه السلام- بنص الآية الكريمة، والنص في أولاده عليه ~~السلام معطوف على النص فيه ولا يفرق بين المعطوفات إجماعا في الأحكام إلا ~~بدليل، ولا دليل ظاهر على الفرق هنا. # فصل [ PageV01P163 والأئمة من ولد إبراهيم عليه السلام هم الرسل والأنبياء بوقوع الوحي ~~إليهم إلى أن بعث ووجد نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وانقطعت الأنبياء والرسل من حين وجد إلا هو صلى الله عليه وآله وسلم ولم ~~يبقى في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم ولا بعده [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] رسول ولا نبي ولا وحي إلى ms097 رسول ولا نبي مما ثبت به نبوة لغيره صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقد وعد الله تعالى نبيه إبراهيم [عليه السلام] ~~بالإمامة في ذريته عليه السلام على الإطلاق إلى آخر التكليف، فبقيت ~~الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجردة بغير رسالة ولا ~~نبوة ونظرنا فإذا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيد الأنبياء ~~وخيرة ولد إمامهم إبراهيم -عليهما السلام- ونظرنا أن ذرية كل نبي ورسول قد ~~جعل الله تعالى لهم حكمه بضرورة دين كل نبي إلا لفرق دليل صحيح، فعلمنا بنص ~~الله تعالى أنه تعالى قد جعل آدم عليه السلام وذريته خلفاء الجن في ~~الأرض ونفى تعالى أخاهم وصاحبهم -أعني الجن- إبليس لعنه الله تعالى لما حسد ~~آدم عليه السلام وخص تعالى ذرية آدم عليه السلام بالمزية والفضيلة ~~على الجن مثل أبيهم آدم عليه السلام فقال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم ~~وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا}(1) وكذلك نوح عليه السلام فإنه لما صبر على مكائد قومه PageV01P164 وحسدوه عليه السلام أورثه الله تعالى إياهم وأهلكهم ونجاه وجعل من أجره ~~تفضيل ذريته وأبقاهم دون غيرهم لأجله، فقال تعالى في ذلك: {وجعلنا ذريته هم ~~الباقين}(1) وكذلك إبراهيم عليه السلام حسده قومه وألقوه في النار وفعلوا ~~معه ما فعلوا فنجاه الله تعالى وجعلهم الأسفلين، وابتلاه تعالى فأتم ما ~~ابتلاه به من الكلمات، فخصه الله تعالى بأن جعله إماما وقدوة للخاص والعام، ~~لكن ولده محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أفضل منه، وكذلك خص أولاده ~~وذريته - عليهم السلام- بأن جعل منهم الأئمة إجابة لدعوته عليه السلام ~~وإكراما لهم وله {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمره}(2) ~~وكذلك إسماعيل وإسحاق لهما -عليهما السلام- من الفضائل ما اشتهر وكثر، ~~ولإسماعيل عليه السلام من الصبر أشده وهو الصبر على الوفاء بالذبح وصدق ~~الوعد وغير ذلك، وكذلك محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسده قومه وشردوه ~~وفعلوا معه ما فعلوا مع أنه صلى الله عليه ms098 وآله وسلم المصطفى والخيرة من ~~ولد إبراهيم عليهم السلام لا يساويه أحد من البشر في [34ب] الفضل، فلا ~~حكم لأحد من البشر معه ولا يتقدمه ولا يشاركه في رسالة ولا نبوة في زمانه ~~ولا بعده، ولا يوحى إلى أحد في زمانه ولا بعده وحي نبوة بل إلهام أو رؤيا، ~~وليس أيهما يفيد نبوة، والرؤيا وحي تثبت به الأحكام الشرعية في حق الأنبياء ~~بعد ثبوت نبوتهم بغير الرؤيا من المعجزات دون غيرهم PageV01P165 عليهم السلام فلا تثبت برؤياهم الأحكام الشرعية إجماعا، والرؤيا وحي في حق ~~العقلاء ولا يكون في حق الحيوانات غيرهم، والإلهام وحي يصح وهو حاصل لكل ~~حيوان إلا من شاء الله تعالى أن يسلبه عنه وفي ذلك يقول الله تعالى: {وأوحى ~~ربك إلى النحل}(1) ويقول تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى}(2) في النساء، ولا ~~تصح النبوة في حقهن إجماعا، أي: ألهمنا النحل وألهمنا أم موسى -عليها ~~السلام- ما نجا به موسى عليه السلام من فرعون -لعنه الله- من الحيل ~~وعرفنا، أو أرسل إليها -سبحانه- ملكا يخبرها بذلك، أو كلمها سبحانه بذلك ~~على غير جهة النبوة، كما أرسل سبحانه إلى مريم -عليها السلام- وكلمها، أو ~~أوحى إليها على لسان نبي في زمنها أو بالرؤيا، وكل هذا جائز وأن ذلك إرهاص ~~لنبوة موسى عليه السلام لضرورة دين كل نبي أن الله تعالى قد جعل لذريته ~~حكمه مع صلاحهم وكرمهم وفضلهم لأجله وجعل منهم أنبياء ورسلا، فلما تيقنا ~~ذلك وتيقنا أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل منهم، وأن للذرية ~~حكم الأب كما في سائر الأنبياء، وكانت النبوة قد امتنعت عن ذرية سيد الرسل ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمنع خصوصيته {أعني: ذريته -صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بالنبوة معجزة له وإكراما له بقيت خصوصية الإمامة في ذريته ~~وعترته عليهم السلام دون غيرهم بعده صلى الله عليه وآله وسلم من ولد ~~إبراهيم؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يساويه غيره من PageV01P166 ولد إبراهيم عليه السلام فكذلك لا يساوي ذريته صلى الله عليه وآله وسلم ms099 ~~في الفضل أحد من ولد إبراهيم عليه السلام بعد الأنبياء عليهم السلام ~~وليس الأنبياء في زمانهم عليهم السلام لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~خاتم الأنبياء، فحينئذ لم تكن الإمامة إلا بحضوره فيهم دون غيرهم لئلا يفرق ~~بين أبيهم سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين من هو دونه في ~~الفضل من الأنبياء إذا قلنا لا تخص ذريته صلى الله عليه وآله وسلم بفضيلة ~~الإمامة والرد إليهم ما التبس وكونهم حجة؛ فلو لم يفعل لهم ذلك لكنا ~~-والعياذ بالله- قد فرقنا بين الرسل في بيان ذراريهم الذين دل الدليل ~~القاطع أن لهم ما لهم بغير دليل وذلك كفر لقوله تعالى: {إن الذين يكفرون ~~بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا}(1) وقد نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ~~مثل ما ذكرنا في تفسير الآيات وتبيين معانيها وأنهم عليهم السلام أفضل ~~البشر بعده صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أفضل أمته -صلى الله عليه ~~وعليهم، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس أحد يفضل أهل بيتي غيري))(2) ~~ويقرر هذا الحديث من القرآن مما يوافقه في النص بإفادته بنصه الصريح لمثل ~~ما دل عليه هذا [35أ] الحديث وغيره من أحاديث التفضيل، والإئتمام PageV01P167 يجب إذا ثبت التفضيل والإمامة من معظم ما يبين المتبع من غيره والمعتقد ~~لفضيلتهم من غير المعتقد لما فيها من التكاليف الشاقة ومجانبة أحوال أهل ~~الدنيا، والصبر على كل من يظهر من أهل العناد والجدال والتعنت والاستهزاء ~~والإستحقار، وأهل الغلو والدعوى والقدح على الإنسان في الجسم والقول والفعل ~~والعقل؛ ولو كان قد رضي الله تعالى به فيقدحون؛ فالذي يقرر ذلك كذلك قوله ~~تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم}(1) فأخبر تعالى أنه اصطفى آدم بأن جعله ~~رسولا إلى الملائكة فقال تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}(2) ms100 وأمرهم ~~-تعالى- بالسجود له -تعالى- لأجله فقال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}(3). PageV01P168 # وأخبر -تعالى- أنه اصطفى نوحا فقال تعالى: {ونوحا} فأخبر -تعالى- أنه اصطفى ~~ولم يذكر -تعالى- أهلهما، فعلمنا أن الاصطفاء لهما منه تعالى وتركه ~~لغيرهما من آلهما معنى لا يستوون بأنه وذريتهما فيه وهو الزيادة في العقل ~~والدين والإقتداء من ولدهما على كل حال لعظمهما عند الله تعالى وزيادتهما ~~بالفضيلة على ولدهما بزيادة العقل والدين، ثم أخبر تعالى بالدين في رتبتهما ~~في الاصطفاء من ذريتهما فقال تعالى: {وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين}(1) فعرفنا بهذا الترتيب أن هؤلاء كلهم {أعني آدم عليه السلام ~~ونوح عليه السلام وإبراهيم -عليه السلام) وآله ذريته على الحقيقة، وآل ~~عمران عليهم السلام آله ذريته على الحقيقة، فعلمنا أن لهؤلاء بنص ~~الاصطفاء زيادة على غيرهم في العقل والدين وأن الله تعالى يريد من غيرهم أن ~~لا يخالفوهم، وأنهم معصومون، وهم من نص الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- على عصمتهم كالرسل والأنبياء والأوصياء وبعض الذراري من غير ~~الرسل من الرجال كعلي عليه السلام في الأوصياء وكالحسنين، وفي النساء ~~فاطمة ومريم -عليهما السلام- في الذرية من غير الرسل أو على الجملة كجماعة ~~أهل كل عصر، وإن ظلم نفسه بعض الأفراد فلا يقدح ذلك أبدا -إن شاء الله ~~تعالى- ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم صفوة ولد إبراهيم من آله وسيد ~~ذريته، وعلي عليه السلام وهو صلى الله عليه وآله وسلم فرعان من أصل ~~واحد دينا PageV01P169 ونسبا وعصمة، وفاطمة -عليها السلام- من صلبه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وولدها ولده عليه السلام فلما لم يصح لذريته صلى الله عليه وآله وسلم ~~الاصطفاء بالنبوة لكونه صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وذريته ~~صلى الله عليه وآله وسلم بعضه بدليل قوله تعالى في آخر الآية بعد ذكره ~~تعالى لاصطفائه لهم: {ذرية بعضها من بعض} يعني تعالى في النسب، فشهد لهم ~~تعالى بصحة نسبهم ممن اصطفاه، وبعضها من بعض في الدين والإسلام والمناصرة، ~~وبعضها من بعض في ms101 الاصطفاء والاختيار إلى انقطاع التكليف. PageV01P170 # فإذا خص تعالى أباهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباهم بالنبوة ~~لفضله عليه السلام عليهم وهم من ولده صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد ~~ولد إبراهيم، وولد الولد ولد للجد لقوله تعالى: {ملة أبيكم [35ب] إبراهيم} ~~ولنسبته تعالى عيسى عليه السلام إلى إبراهيم بالذرية لأجل أمه فقط لقوله ~~تعالى: {وزكريا ويحيى وعيسى} بعد قوله تعالى في أولها {أي: الآية): {ومن ~~ذريته داود}(1) ثم قال تعالى: {وعيسى} أي: ومن ذريته عيسى عليه السلام ~~فجعله ولدا لإبراهيم ونوح -عليهما السلام- كولد الأبناء من موسى عليه ~~السلام وغيره من الأنبياء في الآية، فلم يفصل سبحانه في الأبوة والنبوة ~~والولادة والرحامة والقرابة بين ولد الابن وولد البنت، وقد خلق الله سبحانه ~~الولد من ماء الأب وماء الأم فقال تعالى في ذلك: {فلينظر الإنسان مما خلق * ~~خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب}(2) والصلب: ظهر الرجل، ~~والترائب: خلف صدر المرأة موضع القلادة وأسفل منها، وقال تعالى: {يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}(3) فأخبر سبحانه أن الماء الدافق {وهو ~~الكثير) الذي تدافع لكثرته يخرج من الرجل والمرأة جميعا، ثم يخلق منه تعالى ~~الولد، وأخبر أنه تعالى خلق الناس من ذكر {وهو آدم عليه السلام) وأنثى {وهي ~~حوى عليها السلام) وقد حكم الله سبحانه بأن الحسن والحسين أبناء رسوله -صلى ~~الله عليه- بقوله تعالى: {فقل تعالوا ندعو PageV01P171 أبناءنا.....الآية}(1) ولم يدع هناك إلا الحسن والحسين، وبقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة فأنا ~~أبوهما وعصبتهما))(2) وإنما جعل تعالى عيسى من الذرية والأبناء لإبراهيم ~~ونوح -عليهما السلام- بأمه لما كانت -عليها السلام- من أصلابهما؛ لأنه لا ~~أب له عليه السلام بل خلقه الله تعالى من أمه -عليها السلام- كما خلق آدم ~~عليه السلام من الطين قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ~~تراب}(3) وكذلك ولد فاطمة -عليها السلام- ولد لأبيها صلى الله عليه وآله ~~وسلم كمثل عيسى عليه السلام ولد لإبراهيم ms102 عليه السلام من ابنته مريم ~~-على جميعهم الصلاة والسلام- ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل بني ~~بنت ينتمون إلى أبيهم غير ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما)) ولقوله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((جعل الله ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي من صلب ~~علي -رضوان الله عليهما جميعا))(4) بقي لهم بضرورة الدين ونصوص الأدلة على ~~ذلك بيقين الاصطفاء للإمامة لما لم تصح النبوة وبقي لهم ما لأبيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من التقديم في كل خصلة شريفة، والتوقير، ~~والتعظيم، وإشعار الدين، والتأثير بالمال والنفس، والرد إليهم ما التبس أو ~~تنوزع فيه من أمور الدين؛ وعلى الجملة فهم كأبيهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلا فيما خصه دليل صحيح. # [ ] PageV01P172 فهذا أصل من أصول الدين وقواعد اليقين، لا يتم إيمان المكلف وإسلامه إلا ~~بالاعتراف لهم به عليهم السلام والعمل عليه، ويدل على ذلك الذي قلنا ~~ويؤيده من الأحاديث المتواترة التي تقضي بصريحها بمثل ما في الآيات وتوضح ~~معانيها في وجوب الاتباع لهم في الرخص الواجبة والقرابة الواجبة، وأن لا ~~يظن بعالمهم السوء، وأن لا يسب ظالمهم بما فيه خسة أو هوان لشرفه أو لبيت ~~الشرف، وأن يكونوا متبوعين غير تابعين لغيرهم من الأمة، وأن الدين ينتشر ~~منهم، وأن ملاك [36أ] النجاة بأيديهم، وأن من حكم عليهم بغير ما يستحقون كافر. # قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ويل لأعداء أهل بيتي المستأثرين عليهم ~~لا نالوا شفاعتي ولا رأوا جنة ربي))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرمة الجنة على من أبغض أهل بيتي، ~~وعلى من حاربهم، وعلى المعين عليهم، أولئك لا خلاق لهم في الدنيا ولا في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل ms103 بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(4). PageV01P173 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ادخرت شفاعتي لثلاثة من أمتي: رجل أحب ~~أهل بيتي بقلبه ولسانه، ورجل قضى لهم حوائجهم لما احتاجوا إليه، ورجل ضارب ~~بين أيديهم بسيفه))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع ~~نجم))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن ~~النجوم أمان لأهل السماء، فإذا زال أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما ~~يوعدون، وإذا زالت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيها الناس أوصيكم بعترتي أهل بيتي ~~خيرا فإنهم لحمتي وفصيلتي، فاحفظوا منهم ما تحفظون مني))(4). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيها الناس إني خلفت فيكم كتاب الله ~~وسنتي وعترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي ~~كالمضيع لعترتي، أما إن ذلك لن يفترق حتى اللقاء على الحوض))(5). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل بيته لما شكوا عليه جفوة أمته: ~~((لن ينالوا الخير حتى يحبوكم لله ولقرابتي))(6). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أحبوا الله لما يغذكم به من نعمة، ~~وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي))(7). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم ~~القيامة يهوديا))(8). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس أحد يفضل أهل بيتي غيري))(9). PageV01P174 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كان في قلبه مثقال حبة من خردل عداوة ~~لي ولأهل بيتي لم يرح رائحة الجنة))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا ~~تعلموهم، ولا تخالفوهم فتضلوا، ولا تشتموهم فتكفروا))(2). # قال الإمام المنصور بالله: عبد الله بن حمزة(3) -عليه السلام: "وهذا نص ~~في موضع الخلاف لا يجهل معناه إلا من خذل. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها ~~كبه الله على منخريه في نار جهنم))(4). # وقوله صلى ms104 الله عليه وآله وسلم: ((إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها ~~الإسلام وليا من أهل بيتي موكلا يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين، ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله))(5). # فصل [في الدليل على إمامة أمير المؤمنين (ع)] # النص من الله تعالى على سبيل التعيين في الإمامة على أمير المؤمنين علي ~~-كرم الله وجهه في الجنة- دون غيره من غير ذريته الذين هم ذرية رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من فاطمة -عليها السلام- قوله تعالى بعد ذكره ~~لولايته تعالى وولاية رسوله [36ب] صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى: ~~{إنما وليكم الله ورسوله} وبقوله تعالى: {والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون} هو علي عليه السلام بالإجماع من الأمة، وهو ~~المقصود بها دون غيره بإجماع العترة عليهم السلام وأتباعهم. PageV01P175 # [حديث الغدير] # وبحديث غدير خم المشهور بين الموالف والمخالف مع إجماع الأمة على أن ~~المراد به إمامة علي عليه السلام دون غيره ودون سائر ما يحتمله لفظه ~~بضرورة شاهد الحال المقطوع به أن المقصود به بصرف الإمامة لأولى العتاق ولا ~~غيره، كما شكك بذلك بعض علماء العامة لتنطل النصوص القطعية ويجعلها بزعمه ~~ظنية وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من حجة الوداع أنزل الله ~~تعالى إليه: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالاته والله يعصمك من الناس}(1) خرج صلى الله عليه وآله وسلم مذعورا ~~نحو المدينة وأصحابه معه حتى قدم الجحفة فنزل على غدير خم ونهى أصحابه عن ~~شجرات في البطحاء متقاربات فنزل تحتها -وهي شجرات عظام؛ فلما نزل القوم في ~~سواهن أرسل إليهم سبعين رجلا من العرب والموالي والسودان فشك شوكهن، وقم ما ~~تحتهن، ثم أمر بالصلاة جامعة فاجتمع المسلمون -وفيمن حضر حينئذ علي بن أبي ~~طالب والحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب عليه السلام والعباس وولده عبد ~~الله والفضل وفيهم أبو بكر وعثمان وعمر ومعاوية وطلحة والزبير وعبد الرحمن ~~بن عوف وسعد بن ms105 أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن نفيل وسلمان ~~الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وعمرو بن العاص ~~والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو هريرة وأبو الحمراء مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعبد الله بن مسعود وجابر بن PageV01P176 عبد الله الأنصاري وعامة قريش ووجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم من عقبي ومهاجري وأنصاري وغيرهم من بدوي وحضري حتى امتلأ الدوح وبقي ~~أكثر الناس في الشمس يقي قدميه بردائه من شدة الرمض، وصلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ركعتين تحتهن، ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~((أيها الناس إنه نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعش نبي قط إلا نصف عمر النبي ~~الذي يليه من قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإنكم مسئولون هل أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم، فما أنتم قائلون؟ قالوا: والله لقد أبلغت ونصحت، فجزاك ~~الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أتشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن ~~النار حق، وأن البعث بعد الموت حق؟ قالوا: نشهد بذلك. فرفع يده صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم وضعها على صدره ثم قال: أشهد بذلك، اللهم اشهد. ثم قال: ~~لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولى غير مواليه، ألا ليس ~~لوارث وصية، ولا تحل الصدقة لآل محمد، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، ~~أيها الناس ألستم تشهدون أن الله مولاي، وأن الله مولى المؤمنين، وأني أولى ~~بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، نشهد بأنك أولى بنا من أنفسنا، [37أ] فأخذ بيد ~~علي بن أبي طالب ثم رفعها ثم قال: من كنت أولى به من نفسه فهذا علي مولاه، ~~اللهم والي من والاه، وعادي من عاده، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، PageV01P177 وأعن من أعانه، وانصر من نصره، واقتل من قاتله، واخذل من ms106 خذله -ثم أرسل ~~يده- فقال رجل من القوم: ما بال محمد يرفع بضبع ابن عمه؟ فسمعه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فتغير لذلك وجهه، فلما رأى ذلك الرجل أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قد علم به واشتد عليه أقبل على علي عليه ~~السلام فقال له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي عليه السلام ~~الثانية وقال: أيها الناس اسمعوا ما أقول لكم، إني فرطكم على الحوض، وإنكم ~~واردون علي الحوض، حوضي أعرض مما بين صنعاء إلى آيلة، فيه كعدد نجوم السماء ~~أقداح، إني مصادفكم على الحوض يوم القيامة، ألا وإني مستنقذ رجالا يختلج ~~دوني آخرون فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنهم أحدثوا وغيروا بعدك، ~~وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قالوا: ~~وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله سبب ما بين السماء ~~والأرض، طرف بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، ~~والأصغر منهما عترتي أهل بيتي، فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لا يفترقا ~~حتى يردا علي الحوض، فلا تعلموا أهل بيتي فإنهم أعلم منكم، ولا تسبقوهم ~~فتمرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تتولوا غيرهم فتضلوا، يا أيها الناس ~~أطيعوا قولي، واحفظوا وصيتي، وأطيعوا عليا فإنه أخي ووزيري وخليفتي على أمتي، PageV01P178 فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف عليا ~~-ثم أرسل يده- فقال: يا علي اكتب ما أو صيتهم به عليهم كتابا، فلما أن كتب ~~وأشهد الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغهم ذلك اليوم ~~أخذ الكتاب، فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم بصوت له [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] عال: أيها الناس، هل بلغتكم ما في هذا الكتاب؟ قالوا: اللهم ~~نعم. قال: اللهم اشهد وكفى بك شهيدا -ثم رفع صوته- فقال: أقيلكم؟ فقالوا: ~~نعوذ بالله ثم بك يا رسول الله ms107 من أن تقيلنا أو نستقيلك، فقال رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اشهد أني قد جعلت عليا علما يعرف به حزبك ~~عند الفرقة هاديا -فناوله الكتاب)) (1). PageV01P179 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين علي عليه السلام ~~وولديه من فاطمة -رضوان الله عليها- الحسن والحسين قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما))(1) ~~فنص صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة الحسن والحسين وعلى إمامة علي ~~عليه السلام بطريق الأولى بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وأبوهما خير ~~منهما)) بعد ذكره صلى الله عليه وآله وسلم لإمامتهما بصريحها، وعطف على ~~ذلك قوله: ((وأبوهما خير منهما)) يعني صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصلاحية للإمامة فذلك نص صريح في إمامته [عليه السلام] بطريق الأولى لا ~~يتعامى عن كون ذلك نصا جليا في إمامته إلا متعامي، ودل على وجود إمامة ~~الثلاثة في وقت واحد لكن خرج زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~أنه لا تصرف لهم بمقتضى الإمامة [37ب] بما علم من ضرورة الدين أن لا تصرف ~~لأحد من الناس فيها في ذلك الوقت، ثم بعده صلى الله عليه وآله وسلم فعلي ~~عليه السلام أبوهما أفضل منهما بالنص الجلي وخير منهما. # [حديث المنزلة] PageV01P180 وله عليه السلام خصوصية حديث المنزلة وغيره مما قدمنا، وحديث المنزلة هو ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((أنت مني بمنزلة هارون ~~من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))(1) ، ثم بعد أبيهما علي عليه السلام ~~الإمامة لهما -عليهما السلام- لكن لم يتصرف الحسين عليه السلام مع أخيه ~~الحسن -عليهما السلام- لكون الحسن عليه السلام أكبر منه سنا مع أنها ~~ثابتة في الثلاثة بنصه صلى الله عليه وآله وسلم من حين النص لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)) يعني صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه إمام قام أو قعد بطريق الأولى، فلا يحتاج الثلاثة حين ~~الحاجة إلى قيامهم في التصرف إلى ms108 دعوة كغيرهم من الأئمة عليهم السلام ~~لأجل النص، وقد نص صلى الله عليه وآله وسلم على أناس بأسمائهم غير من ~~تقدم هم من أعيان العترة عليهم السلام وهو صلى الله عليه وآله وسلم ~~يعلمهم ونحن لا ندري أنهم هم إلا بعد ظهورهم. # ففي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين))(2) ونحوه. PageV01P181 # وفي زيد بن علي عليه السلام عن محمد بن علي الباقر عليهم السلام عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للحسين -عليه السلام: ((يا حسين ~~يخرج من صلبك رجل يقال له زيد يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس يوم القيامة غرا ~~محجلين))(1) وفي رواية أخرى مثله وزاد ((يدخلون الجنة بغير حساب))(2) ونحوه. # قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلى الله عليه وآله وسلم: ~~ومما روى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: أخبرني أبي قال: ~~قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنه سيخرج منا رجل ~~يقال له زيد بن علي عليه السلام فينتهب ملك السلطان فيقتل، ثم يصعد بروحه ~~إلى السماء الدنيا فيقول له النبيون: جزى الله نبيك عنا خير أفضل الجزاء ~~كما شهد لنا بالبلاغ وأقول أنا: أقررت عيني يا بني وأديت عني، ثم يذهب ~~بروحه من سماء إلى سماء حتى ينتهى به إلى الله عز وجل ويجيء أصحابه يوم ~~القيامة يتحللون أعناق الناس بأيديهم أمثال الطوامير فيقال: هؤلاء خلف ~~الخلف ودعاة الحق إلى رب العالمين))(3). # وفيه عن محمد بن الحنفية أنه قال: سيصلب منا رجل يقال له زيد بن علي في ~~هذا الموضع -يعني موضعا بالكوفة يقال له الكنايس- لم يسبقه الأولون ولا ~~الآخرون فضلا. PageV01P182 # وفيه عن محمد بن علي بن الحسين باقر العلم أن قوما وفدوا إليه فقالوا: يا ~~ابن رسول الله إن أخاك زيدا فينا وهو يسألنا البيعة، أفنبايعه؟ فقال لهم ~~محمد: بايعوه فإنه اليوم أفضلنا. # وعنه أيضا أنه اجتمع زيد ومحمد ms109 في مجلس فتحدثوا ثم قام زيد فمضى فأتبعه ~~محمد بصره ثم قال: "لقد أنجبت أمك يا زيد". # وفيه ما قال جعفر بن محمد الصادق -رحمة الله عليه- لما أراد زيد الخروج ~~إلى الكوفة من المدينة قال له جعفر: أنا معك يا عم. فقال له زيد: أوما علمت ~~يا ابن أخي أن قائمنا كقاعدنا، وقاعدنا كقائمنا، فإذا [38أ] خرجت أنا وأنت ~~فمن يخلفنا في حرمنا؟ فتخلف جعفر بأمر عمه زيد. # وعن جعفر أيضا لما أراد يحيى بن زيد اللحوق إلى أبيه قال له ابن عمه ~~جعفر: أقره عني السلام وقل له: فإني أسأل الله أن ينصرك ويبقيك، ولا يرينا ~~فيك مكروها، وإن كنت أزعم أني عليك إمام فأنا مشرك. # وعنه أيضا لما جاءه خبر قتل أبي قرة الصيقل بين يدي زيد بن علي تلا هذه ~~الآية: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله}(1) رحم الله أبا قرة. # وعنه أيضا لما جاءه خبر قتل حمزة بين يدي زيد بن علي تلا هذه الآية: ~~{رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا}(2). PageV01P183 # وعنه لما جاءه خبر قتل عمه زيد وأصحابه قال: "ذهب والله زيد بن علي كما ذهب ~~علي بن أبي طالب والحسن والحسين وأصحابهم شهداء إلى الجنة، التابع لهم ~~مؤمن، والشاك فيهم ضال، والراد عليهم كافر". # بيان الروافض # قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -صلوات الله عليه: إنما فرق ~~بين زيد وجعفر قوم كانوا بايعوا زيد بن علي، فلما بلغهم أن سلطان الكوفة ~~يطلب من بايع زيدا ويعاقبهم خافوا على أنفسهم، فخرجوا من بيعة زيد ورفضوه ~~مخافة من هذا السلطان، ثم لم يدروا بما يحتجون على من لامهم وعاب عليهم ~~فعلهم فقالوا بالوصية حينئذ، فقالوا: كانت الوصية من علي بن الحسين إلى ~~ابنه محمد ومن محمد إلى جعفر ليموهوا به على الناس، فضلوا وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل، اتبعوا أهواء أنفسهم، وآثروا الدنيا ms110 على الآخرة، ~~وتبعهم على قولهم هذا من أحب البقاء وكره الجهاد في سبيل الله، ثم جاء قوم ~~من بعد أولئك فوجدوا كلاما مرسوما في كتب ودفاتر فأخذوا بذلك على غير تمييز ~~ولا برهان، بل كابروا عقولهم، ونسبوا فعلهم هذا إلى الأخيار من ولد الرسول ~~-عليه وعليهم السلام- كما نسبت {الحشوية) ما روت من أباطيلها وزور أقاويلها ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتثبت لهم باطلهم على من اتخذوه ~~مأكلة لهم، وجعلوهم خدما وخولا كما قال الله عز وجل: {فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب.....إلى آخر ~~الآية}(1) وكما قال الله عز PageV01P184 وجل في أشباههم: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ~~ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه}(1) وكذلك هؤلاء الذين رفضوا ~~زيد بن علي وتركوه، ثم لم يرضوا بما أتوا من الكبائر حتى نسبوا ذلك إلى ~~المصطفين من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلما كان فعلهم على ما ~~ذكرنا سماهم حينئذ زيد روافض، ورفع يديه فقال: "اللهم اجعل لعنتك ولعنة ~~آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني وخرجوا من بيعتي كما رفض أهل ~~حرورى علي بن أبي طالب عليه السلام حتى حاربوه" فهذا كان خبر من كان رفض ~~زيد بن علي وخرج من بيعته. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي: ((يا علي إنه ~~سيخرج قوم في آخر الزمان لهم نبز يعرفون به يقال لهم الروافض، فإن أدركتهم ~~فاقتلهم فإنهم مشركون، فهم لعمري شر الخلق والخليقة))(2). PageV01P185 # وأما الوصية فكل من قال بإمامة أمير [38ب] المؤمنين ووصيته فهو يقول ~~بالوصية على أن الله عز وجل أوصى بخلقه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وإلى الأخيار من ذرية الحسن ~~والحسين، أولهم علي بن الحسين، والحسن بن الحسن عليهم السلام ms111 وآخرهم ~~المهدي، ثم الأئمة فيما بينهما؛ وذلك أن تثبيت الإمامة عند أهل الحق في ~~هؤلاء الأئمة من الله عز وجل على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فمن يثبت الله فيه الإمامة واختاره واصطفاه وبين فيه صفات الإمام فهو إمام ~~عندهم مستوجب للإمامة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول: ((من ~~أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه ~~وخليفة رسوله))(1) قال: من ذريتي فولد الحسن والحسين من ذرية النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثم قال: ((عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من باب ~~هدى، ولن يدخلوكم في باب ردى))(2). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها ~~نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(3). # وقال: ((النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت ~~النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهبت أهل بيتي من الأرض ~~أتى أهل الأرض ما يوعدون))(4) يعني في جميع ذلك الصالح من ولده. PageV01P186 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت فلم ينصره لم ~~يقبل الله له توبة حتى تلفحه جهنم -ثم قال: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة ~~جاهلية))(1) والله عز وجل قد جعل الأمر والنهي في خيار آل محمد -عليه وعلى ~~آله السلام- وزواه عن ظالميهم وظالمي غيرهم، ومكن أهل الحق منهم وأجازه ~~لهم، وذلك قوله تبارك وتعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}(2) ثم ~~قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون}(3) وقال سبحانه لرسله: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}(4) وقوله سبحانه ~~لإبراهيم خليله صلى الله ms112 عليه وآله وسلم: {لا ينال عهدي الظالمين}(5) وعلى ~~هذا النحو قال تبارك وتعالى:}قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء}(6) فقال سبحانه لنبيه سيد رسله ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول للمكلفين ويخبرهم أن الملك له تعالى ~~يحكم به سبحانه لمن يشاء فقال تعالى في ذلك: {قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء}(7) يعني الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة PageV01P187 العادلين الصادقين وهم علماء أهل بيت رسول الله ذريته وعترته -صلى الله ~~عليه وعليهم- إلى انقطاع التكليف في أمته صلى الله عليه وآله وسلم واتباع ~~الأنبياء من ذراريهم في الأمم الأولى، ثم قال تعالى آمرا بالكون معهم: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}(1) وكقوله تعالى حاكيا عن ~~إبراهيم: {فمن تبعني فإنه مني}(2) ثم قال سبحانه: {وتنزع الملك ممن ~~تشاء}(3) فقد نزع الملك سبحانه من [39أ] الفراعنة والجبابرة؛ وإنما الملك ~~هو الأمر والنهي لا المال والجده والسعة، كما قال عز وجل عندما قالوا: {أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله ~~اصطفاه عليكم وزاده بصطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء}(4) فقد ~~بين عز وجل في هذه الآية أن الملك هو الأمر والنهي لا سعة المال ثم قال: ~~{وتعز من تشاء} فقد أعز الأنبياء ومن تبعهم من الأئمة الصادقين الذين هم ~~علماء أهل بيت محمد المصطفى المحقون وأولياؤهم الصالحون وأتباع الأنبياء من ~~الأمم المتقدمة، وذلك قوله سبحانه: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}(5) ~~والمؤمن لا يملك من متاع الدنيا شيئا فسماه الله تعالى عزيزا، إذ فعله ذلك ~~يوصله إلى دار العز أبد الأبد، ثم قال سبحانه: {وتذل من تشاء} فقد أذل الله ~~الفراعنة ومن تبعهم من الظالمين لأنهم معتدون غير محقين، فكل من كان في يده ~~أمر أو نهي وكان فعله مخالفا للكتاب والسنة فهو PageV01P188 فرعون من الفراعنة، وكل عالم متمرد فهو إبليس من الأبالسة، وكل من عصى ~~الرحمن ms113 من سائر الناس فهو شيطان من الشياطين وذلك قوله: {شياطين الإنس ~~والجن}(1) ثم قال: {من الجنة والناس}(2) والظالم وإن اتسع في هذه الدنيا من ~~مال وعزة وأكثر من مظالم الناس ووقع عند الجاهل أنه عزيز فهو عند الله وعند ~~أوليائه ذليل؛ لأن فعله ذلك يورده إلى دار الذل أبد الأبد كما قال الله عز ~~وجل: {متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}(3) وقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الأمراء الظالمين: ((طعمة قليلة وندامة طويلة)) (4) وفعل ~~هؤلاء الظالمين وسلطنتهم وأمرهم إنما يقوم بأعوانهم الذين يتبعونهم ~~ويعينونهم على ظلمهم، وإذا تفرق الأعوان منهم وأسلموهم لم تقم لهم دولة ولا ~~تثبت لهم راية؛ فمتى كثرت جماعتهم تقووا بهم على باطلهم، واستضعفوا ~~المستضعفين من خلق الله تعالى، وأمهل لهم ربهم حكمة منه تعالى ظاهرة وتركهم ~~ولم يخلي بينهم وبين من يظلمونهم بالقهر والإلجاء ولا النصرة، إذ هم ~~ومعينهم الكل ظالم القوي والمستضعف، وذلك قوله عز وجل: {وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}(5) وقال سبحانه: {ألم ترى أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تأزهم أزا}(6) يقول جلبناهم عليهم كما قال: {بعثنا ~~عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد}(7) وكما قال النبي -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم PageV01P189 شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم حتى إذا بلغ ~~الكتاب أجله كان الله المستنصر لنفسه، فيقول: ما منعكم إذ رأيتموني أعصى أن ~~لا تغضبوا لي؟))(1) فمن هذه الجهة ترك الظالمين ولم يأخذهم؛ لأن الرعية في ~~ظلمهم وتظالمهم فيما بينهم أصناف، فقوم يقولون على الله بالجبر والتشبيه، ~~ينفون عنه العدل والتوحيد، وينسبون إليه عز وجل أفعال العباد، ويقولون: إن ~~هذا الذي نزل بهم بقضاء من الله وبدل، ولولا أن الله تعالى قضى عليهم بهذا ~~الظلم الذي نزل بهم من هؤلاء الظالمين ما إذا قدر الظالم أن يظلمهم، غير أن ~~هذا الظلم مقدر عليهم عند الله على يدي هذا الظالم؛ فإذا كانت معرفتهم هذه ~~المعرفة وكان ms114 معبودهم الذي يزعمون أنهم يعبدونه هذا فعله بهم فمتى يقبل ~~[39ب] هؤلاء إلى معرفة الخالق ومتى يدعونه ويستعينوا به على ظالمهم إنما هم ~~يدعون هذا الذي يزعمون أنه قضى عليهم بهذا الظلم وقدره، ولهذا يصلون، وله ~~يصومون ويحجون، وبه في جميع ما ينزل بهم من الظلم والجور والمصائب في المال ~~والولد والبدن يستعينون به على دفع هذه المضار والبلوى التي نزلت بهم، فهم ~~يعبدون صورة مصورة وعلى هذا النحو أسلمهم ربهم، وتركهم من التوفيق ~~والتسديد، وخذلهم ولم ينصرهم على ظالمهم؛ وكيف ينصرهم على ظالمهم وهو ~~المقدر لهذا الظلم عليهم الذي نزل بهم، فهو الذي يدعونه بزعمهم؛ أما إنهم ~~لو أنصفوا عقولهم وعرفوا الله عز وجل حق معرفته، ونفوا عنه ظلم عباده كما ~~نفاه عز PageV01P190 وجل عن نفسه، ثم أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ودعوا ربهم حينئذ على ~~ظالمهم إذا لاستجاب لهم دعوتهم، وكشف ما بهم من الظلم والجور، وذلك قوله عز ~~وجل: {ادعوني أستجب لكم}(1) وقال: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}(2) {وكذلك ~~ننجي المؤمنين}(3). # وفي علي بن موسى الرضى(4) عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((ستلقى بضعة مني بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلا أوجب الله له ~~الجنة وحرم جسده على النار))(5) ونحوه. # وفي محمد بن عبد الله النفس الزكية(6) عليهم السلام عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت، ~~لقاتله ثلث عذاب جهنم))(7). # وفي الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج ذات يوم إلى باب ~~المدينة فوقف في موضع ومعه جماعة من أصحابه فقال لهم: ((ألا إنه سيقتل في ~~هذا الموضع رجل من ولدي اسمه كاسمي واسم أبيه كاسم أبي، يسيل دمه من هاهنا ~~إلى أحجار الزيت -وهو النفس الزكية- على قاتله ثلث عذاب أهل النار))(8). # وفي الحسين بن علي صاحب فخ(9) عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه انتهى إلى فخ فصلى بأصحابه صلاة الجنازة ثم قال: ((يقتل هاهنا ~~رجل من أهل بيتي ms115 في عصابة، تنزل عليهم الملائكة بأكفان وحنوط من الجنة تسبق ~~أرواحهم أجسادهم إلى الجنة))(10) الخبر ونحوه . PageV01P191 # وفي القاسم بن إبراهيم(1) عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((يا فاطمة إن منك هاديا ومهديا ومسلب الرباعيتين لو كان بعدي نبي ~~لكان إياه))(2). # وفي الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(3) عليه السلام عنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه أشار بيده إلى اليمن وقال: ((سيخرج رجل من ولدي في هذه ~~الجهة اسمه يحيى الهادي يحيي الله به الدين))(4) ونحوه. # وفي الناصر إلى الحق الحسن بن علي الأطروش(5) عليه السلام عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا علي يكون من أولاد ولدك رجل يدعى بزيد ~~المظلوم، يأتي يوم القيامة مع أصحابه على نجيب من نور، يعبرون على رؤوس ~~الخلائق كالبرق اللامع يقدمهم زيد، وفي أعقابهم رجل يدعى بناصر الحق حتى ~~يقفوا على باب الجنة، فتستقبلهم الحور العين فتجذب بأعنة نجبهم إلى أبواب ~~قصورهم))(6) إلى غير ذلك. # ومن أراد استقصاء ذلك فعليه بالبسائط نحو كتاب {ينابيع النصيحة في ~~العقيدة الصحيحة)(7) للأمير الحسين -عليه السلام. # فصل إمامة [40أ] علي عليه السلام # معرفتها فرض عين على كل مكلف؛ لأنه معلوم بضرورة الدين أن لكل نبي وصيا ~~ولما ذكرنا من الأدلة القاضية قطعا بأنها أصل من أصول الدين، ولا يجوز ~~التقليد فيها لما ذكرنا من الأدلة في ذم التقليد فيه. # فصل معرفة إمامة الحسن والحسين PageV01P192 صرحت الأدلة التي قدمنا بأنها فرض عين على كل مكلف، وذلك معلوم بضرورة ~~الدين إن حكم أولاد الأنبياء حكمهم في كل شيء إلا فيما خصه دليل صحيح، ~~ومعرفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجبة قطعا، فكذلك إمامة ذريته ~~وللأدلة القاطعة في ذلك. # فصل [حكم من جحد إمامة أمير المؤمنين (ع) والحسن والحسين] # ويكفر من جحد إمامة الثلاثة أو أحدهم إجماعا ولذلك كفرت الخوارج حين ~~جحدوا إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام ورفضوها بعد إقرارهم بها، ~~فكان ذلك ردة منهم. # فصل [حكم من جحد إمامة أهل ms116 البيت (ع)] # وكذلك إمامة أهل البيت عليهم السلام ومزيتهم التي هي الاتباع والتعظيم ~~أصل من أصول الدين يجب معرفتهما ومعرفتهم والاعتراف لهم على كل مكلف، ذلك ~~معلوم بضرورة الدين، من أنكره كفر بالإجماع، وللأدلة التي ذكرناها القاطعة ~~في إمامتهم وزيادتهم على الأمة كلها في الشرف، ووجوب التقديم والتوقير ~~والتعظيم، من أنكر -أي ذلك- كفر لرده محكم الكتاب والسنة ولا فرق في ترك ~~المولاة الاعتقادية التي المقصود فيها الاعتقاد ويتم به ويكون العمل فرعا ~~على ثبوتها بين أن يكون تركها استحلالا أو تمردا فإن تاركها يكفر، فأما إذا ~~كان المقصود العمل لا الاعتقاد فإن استحل كفر، وإن تمرد فسق، والله أعلم. ~~ومن أنكر كتب الله تعالى أو بعضها كفر إجماعا. # فصل [حكم من سب أو كذب نبيا من أنبيائه سبحانه وتعالى] PageV01P193 ومن سب نبيا أو كذبه أو اعتقد أنه يكذب على الله تعالى كفر إجماعا ولو غير ~~مستحل، ولقوله تعالى في الذين يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعض وترك بعض ~~قوله تعالى: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا}(1). # فصل في الرد على الإمامية في صفة الإمام(2) # حيث قالوا: يشترط أن يكون بجانبه على الصفا ويعلم ما وراء الجبال وما ~~يحدث في آفاق الأرض والسماء . # قلنا في الجواب عليهم: قال الحسين بن القاسم عليهما السلام في كتاب ~~{شواهد الصنيع)(3) وجوابنا كجوابه. # قال -عليه السلام: في ذلك قيل لهم ولا قوة إلا بالله أنكرنا ذلك لأن هذا ~~الإمام الذي زعمتم لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون يعلم الغيب، وإما ~~أن يكون يوحى إليه، وإما أن يكون ساحرا كاهنا. # فإن قلتم: إنه كاهن ساحر، فهذا من القول عينه وأفصحه على من ينتحل التشيع ~~في أعيانها فقيل له ولا قوة إلا بالله: أنكرنا ذلك. # فصل [شروط وصفات الإمام] # في صفة الإمام التي تصح معها إمامته ثم يجب بعد حصولها على الأمة طاعته ~~أو مثله في صفته ولو في زمانه ومكانه ms117 ووقته معه. PageV01P194 # فصفته أن يكون بالغا عاقلا؛ فلا تصح إمامة صبي ومجنون ولو كمل لهما العلم ~~إجماعا ولقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى فما لكم كيف تحكمون}(1) ولقوله تعالى لرسوله محمد -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}(2) يعني تعالى هاديا من ذريتك، كاملا ~~في الهداية، قريبة هدايته من هدايتك؛ ومن المعلوم أن رسول الله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم أكمل الناس عقلا، وقد جعل الله تعالى إمامة ذريته ~~فرعا على رسالته صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته ورسالة سائر الأنبياء ~~ونبوتهم -على جميعهم السلام- وقرنها بإنذاره ورسالته صلى الله عليه وآله ~~وسلم حيث قال تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}(3) فيجب أن يكون للهادي ~~من العقل إذا لم يكن أعظم أهل زمانه عقلا مثل أحدهم في البلوغ والعقل ~~الكامل مع أنه أكثر من أحدهم عقلا لما علم الله تعالى فيه من المصلحة، وهو ~~تعالى [40ب] أعلم حيث يجعل رسالاته، قال الله تعالى: {الله أعلم حيث يجعل ~~رسالاته}(4) والإمامة فرع الرسالة، فإذا لم تصح الرسالة إلا في البالغ ~~العاقل كما ذلك معلوم من حال الرسل والأنبياء عليهم السلام فالإمامة لا ~~تصح إلا لبالغ عاقل بطريق الأولى لأنها فرعها ولقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون ~~حتى يفيق))(5). PageV01P195 # والإمامة من أعظم التكاليف وإذا لم تصح منهما وتجب عليهما لم ينعقد فيهما ~~-أعني الصبي والمجنون- وأن تكون فيه من سلامة الحواس مع يمكنه معه الجهاد، ~~فلا يكون معه عطب في يديه أو أحدهما لا يمكنه معه حمل السلاح، فإن كان يمكن ~~لم يضر لعلته وحصول المقصود؛ وذلك لأن الجهاد للكفار ومردة البغاة فرض على ~~كل إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والجهاد ثابت على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مع وجود الناصر الكافي في العادة قال ~~تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ms118 نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن ~~يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا}(1) فكذلك الإمام. PageV01P196 # وقد ورد قتال البغاة مع أمير المؤمنين علي عليه السلام وكيفية عمل قتالهم ~~أيام صفين وغيره، وعلي عليه السلام كما قال فيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي))(1) فكذلك يجب مع ~~الإمام ما وجب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه علي عليه ~~السلام لقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر}(2) وقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا}(3) فإذا لم تكن فيه من الحواس مع العلم والعقل والبلوغ ما يقدر به ~~على فضيلة الجهاد والكون مع غيره فيه كان مفضولا بغيره ممن قدر عليه في ~~منزلته في العلم وإمامة المفضول لعجزه عن إدراك الفريضة التي لو سلم الآفة ~~لكانت الفضيلة ثابتة له بإدراك الفضيلة لا تصح ولأنه لعجزه لا يقدر على ~~الجهاد إذا احتيج في العادة إليه للثبات في موضعه التي يغلب بظنه فيها ~~السلامة في العادة فيكسر المسلمين عن أحد عدوهم لأجل عجزه وعدم ثباته، وأن ~~لا يكون مكسور رجلين أو أحدهما على وجه لا يمكنه الجهاد مع ذلك لما ذكرنا ~~أولا، وأن لا يكون أجذما، ولا أبرصا، ولا أعمى، ولا ذاهب السمع بالكلية، ~~ولا ذاهب الشم، ولا الذوق، ولا اللمس لما في ذلك كله من التنفير للناس عنه، ~~فلا تتم المصلحة الدينية بالجهاد معه والأخذ عنه العلم ولقوله تعالى في ~~طالوت في تعليله تعالى لاختياره تعالى له على غيره حيث قال تعالى: PageV01P197 # {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بصطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من ~~يشاء}(1) يعني تعالى ممن يشاء ممن جعله صالحا لذلك، والبسطة في الجسم في ~~الأئمة عليهم السلام لا يشترط أن تكون زيادة في كبر الجسم ولا زيادة في ~~القوة بالإجماع بين الأمة وصريح الأدلة لأن المقصود إقامة الدين لكن ~~المقصود سلامة الحواس السلامة التي يمكن معها ms119 إقامة الدين وشعار الإسلام، ~~فلا يضر العور ولا العرج غير الكسر الذي يكون معه مقعدا؛ لأن المقصود يتم ~~ولو كان ذلك حاصلا، وأن يكون ذا علم يكفي الأمة على وجه يستنبط به علمه من ~~الكتاب والسنة من غير تقليد بأن يكون مجتهدا فيهما لقوله تعالى في طالوت ~~{وزاده بصطة في العلم}(2)، ولأنها فرع النبوة، والأنبياء هم العلماء من ~~الناس [41أ] على الحقيقة، وأن يكون شجاعا بحيث ليمكنه الوقوف حيث يغلب بظنه ~~السلامة يمكنه أداء ما فرض الله من الجهاد بأدلة الكتاب والسنة ولو لم يحسن ~~ركوب الخيل على وجه الفراسة ولو لم يحسن صنعة الرمي لإمكان الجهاد بغيرهما، ~~وأن يكون فيه من تدبير الحرب عند الحاجة ما يغلب على الظن أن ذلك فيه ~~الإصابة في أكثر الأقوال ولو انكشف خلافه أو عارضه رأي أحد أو تقدم توكلا ~~حيث يظن السلامة ويظن حصول المقصود فذلك تدبير، ولو انكشف خلاف ما ظن من ~~المصلحة لقصة أحد معه صلى الله عليه وآله وسلم وأن يكون سخيا بوضع الحقوق ~~الواجبة من خمس وزكاة وفطرة وقسمة في كل في مواضعه من المصارف وإلا ففي PageV01P198 الجنس وما وجد من الأصناف إن لم ينحصروا، وتجوز المفاضلة بين كل جنس لمصلحة ~~دينية عامة أو خاصة يظن حصولها لفعله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ~~وتكون المفاضلة من غير إجحاف في الباقي ولا منع لكل نصيبهم فإن ذلك حيف ~~وجور، فلا يحل ذلك لقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان}(1) وأن ~~يكون ورعا عن الحرام والمتشابه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين ~~الورع قالها ثلاثا)) (2) وإذا ثبت له الورع فهو عدل، وإن لم يكن ذا ورع عن ~~الحرام المتيقن والمظنون ما لم يكن الأصل الإباحة كان غير عدل إذا ترك ~~الورع عمدا، فلا تصح إمامته لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يؤمكم ذو ~~جرأة في دينه))(3) وهذا الحديث في إمامة الصلاة؛ فالإمامة الكبرى التي هي ~~للصلاة وغيرها بالأولى والأحرى أن لا تصح من صاحب الجرأة حتى ms120 يتوب، إذ هي ~~أعم من إمامة الصلاة ولأنه إذا لم يتورع عن الحرام المتيقن وإن قل ظالم ~~لنفسه، وقد قال تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}(4). PageV01P199 # وروى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام قال حدثني أبي عن أبيه ~~يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال رسول الله [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]: ((يقول الله لجبريل في الإمام الجائر المتعدي: يا جبريل ~~ارفع النصر عنه وعنهم، فإني لا أرضى هذا الفعل في زرع هذا النبي))(1) قال ~~يحيى -عليه السلام: هذا الحديث إنما هو فيمن قام من ولد الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم فعمل بغير الحق. # وروى الهادي عليه السلام بإسناده أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((من ولي شيئا من أمور المسلمين أتى يوم القيامة ويداه مغلولتان ~~إلى عنقه حتى يكون له عدله الذي يفكه وجوره الذي يوبقه))(2). PageV01P200 # ولا يخرج الإمام أو غيره من أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن كونه ظالما جائرا معزولا عند الله إلا بالتأسي برسول الله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم في جميع أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خصه دليل صحيح ~~لقول الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}(1) فكما أن رجوى الله ورجوى اليوم الآخر ~~التصديق به وهو يوم القيامة، {وذكر الله كثيرا} وهو تعظيمه تعالى وتنزيهه ~~بالقلب واللسان اعتقادا وإقرارا واجب، فكذلك التأسي برسوله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم في جميع الأقوال والأفعال ما علم من ذلك أو ظن برواية ~~الآحاد العدول، ويجب أن يعلم ذلك كل مكلف من أمته صلى الله عليه وآله وسلم ~~[41ب] ليحسن التأسي به، ومن ذلك أنه لا يجوز للمسلمين ولا لعلمائهم أن ~~يقوموا إماما يعلمون أن غيره موجود في زمنه تمكن الوصول إليه أعلم منه ~~وأفضل وأورع وأصلح للمسلمين ممن قوموه إماما، ومن ذلك أنه لا يجوز للإمام ~~ولا لهم أيضا أن يولوا ms121 على رقاب المسلمين لقبض الحقوق وإقامة الحدود ~~والقضاء والجمع رجلا يعلمون أن غيره في الظاهر أعلم وأورع وأصلح وأفضل ~~وأزهد منه، وذلك كله لما قدمنا من الاستدلال بالآية ولقوله -صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أيما رجل ولي من أمور المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا هو ~~يعلم أن فيهم خيرا منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين))(2) . PageV01P201 # وروى أبو طالب بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من أعان بباطل ليبطل بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، ~~ومن مشى إلى سلطان الله في الأرض ليذله وسلطان الله في الأرض كتابه وسنة ~~نبيه أذل الله رقبته قبل يوم القيامة مع ما ادخر له من الخزي، ومن استعمل ~~عاملا وهو يعلم أن في المسلمين أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه ~~فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين، ومن تولى شيئا من حوائج الناس لم ينظر ~~الله في حاجته حتى يقضي حوائجهم ويؤدي حقوقهم))(1). # وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لكعب بن ~~عجرة: ((يا كعب بن عجرة، أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة ~~السفهاء؟ قال: أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن ~~صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم؛ فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون ~~علي حوضي، ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا ~~منهم وسيردون علي حوضي، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان مبتاع بنفسه فمعتقها، ~~أو بائعها فموبقها))(2). # وعن كثير بن مرة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن السلطان ~~ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى ~~الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر))(3). PageV01P202 # وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الجنة ~~لا تحل لعاص، ومن لقي الله ناكث بيعته لقيه وهو أجذم، ومن خرج ms122 عن الجماعة ~~قيد شبر متعمدا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات ليس بإمام جماعة ولا ~~لإمام جماعة في عنقه طاعة بعثه الله ميتة جاهلية))(1). # قال السيد الإمام أبو طالب الحسني -رضي الله عنه: "المراد به إذا كان في ~~الزمان إمام جماعة فقد صحت إمامته واستوفى شرائطها". # قلت: وعلم به وأمكن الوصول إليه بالزاد والراحلة وأمن الطريق، والمقصود ~~بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ومن فارق الجماعة قيد شبر)) الخبر جماعة ~~العترة أو جماعة الأمة مع العترة عليهم السلام الذين دل الدليل على أن ~~إجماعهم حجة، فمن خالفهم في القطعي عمدا [42أ] عالما بالمخالفة لإجماعهم ~~كان كما ذكر خالعا ربقة الإسلام من عنقه. # وروى أبو خالد عن زيد بن علي -عليهما السلام- في قوله تعالى: {من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}(2) قال: من أعان ~~إماما جائرا على إمام عادل حتى يظهر عليه فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أعان ~~إماما عادلا على إمام جائر حتى يظهر عليه فكأنما أحيا الناس جميعا. PageV01P203 # وعن كعب بن عجرة الأنصاري قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ونحن في المسجد أنا تاسع تسعة فقال لنا ثلاث مرات: ((تسمعون سيكون ~~عليكم أئمة، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست ~~منه، ومن دخل عليهم فلم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا ~~منه وسيرد علي الحوض يوم القيامة))(1). # دلت هذه الأدلة على وجوب اجتناب أئمة الضلال وأنهم يعرفون بأفعالهم ~~وأقوالهم وما أظهروا من الاعتقاد الذي يورث كفرا أو فسقا بأقوالهم، فإذا ~~كانوا كذلك مصرين عليه غير تائبين منه وجب اعتزالهم والبراءة منهم مهما ~~بقوا على ذلك فاعلين ومصرين غير تائبين. # [أصناف الأئمة والعلماء والرؤساء والمحتسبين] # واعلم أن صريح الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية -على صاحبها وآله ~~الصلاة والسلام- تنطق بأن الأئمة والعلماء والرؤساء والمحتسبين ثلاثة أصناف: # [1] صنف حسن في دينه بأن أتى بالواجب المعلوم والمظنون، واجتنب المحرم ~~المعلوم ظاهرا وباطنا؛ فهذا ms123 ناج هو وأتباعه. PageV01P204 # [2] وصنف حسن ظاهره وتستر في الفسوق والعصيان ولم يجاهر بذلك، فمن علم حاله ~~وجب عليه البراءة منه، ومن لم يعلم باطنه لمن أتباعه وظاهره الحسن أنه في ~~ظاهره آت بالواجب المعلوم والمظنون مجتنب للمحرم المعلوم، والباطن على خلاف ~~ذلك بأن يتستر بالكبائر، أو يكون جبريا في العقيدة أو نحو ذلك ولا يظهر ~~لأتباعه عقيدته ولا ما تستر به؛ فهذا هالك وأتباعه مؤمنون سالمون ناجون. # الصنف الثالث: المجاهر بالكبائر أو الجرءات ولو لم يعلم كبرها متجرئا بها ~~على الله تعالى غير مبال معاندا لله تعالى في فعلها ويقر بذلك في غير ~~الكبائر، أو يفعل الكبائر مجاهرة عمدا، ويصر ولا يتوب؛ فهذا هالك وأتباعه ~~هالكون، فنعوذ بالله من الضلال المبين. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الأئمة من قريش، ما إذا ~~حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، وإذا استرحموا رحموا، فمن لم يفعل ذلك ~~منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))(1) رواه في جامع آل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم {الجامع الكافي). PageV01P205 # قلت: وينبغي أن يكون ولاتهم مثلهم في حسن السيرة، وأن يكون لين الجانب وسهل ~~الحجاب لأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهاد إلى اتباع ~~شريعته، وقد قال تعالى له صلى الله عليه وآله وسلم: {واخفض جناحك ~~للمؤمنين}(1) وقال تعالى فيه صلى الله عليه وآله وسلم: {حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم} وأن يلين جنابه ويسهل حجابه ولو لفاجر ليهديه، أو ~~ليحسن إسلامه، أو ليقيم الحجة عليه، أو ليدفع ضره عنه أو عن المسلمين إذا ~~لم يمكن دفع ضرره إلا بذلك، وذلك لأنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيجب عليه ما كان يجب [42ب] على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من ~~فعل ما يكون أدعى إلى الاتباع من تليين الحجاب وخفض الجانب من غير ركون إلى ~~الفجرة، ولا تحسين لأفعالهم، ولا إعراضا عن المؤمنين إعراض إهمال لما يجب ~~لهم من الموالاة لأجل الفجرة والظلمة؛ فلا يجوز له ذلك ولا ms124 لغيره لقوله ~~تعالى: {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا}(2) ولقوله تعالى: ~~{أما من استغنى فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى وهو ~~يخشى فأنت عنه تلهى}(3) أي تلهى عنه بغيره {يعني تعالى يشتغل عن المسارعة ~~في إجابة دعوته حين دعاك) لتعلمه ما يجب عليه، وليس ذلك بمعصية في حقه صلى ~~الله عليه وآله وسلم وليس في الآية ما يشعر بالمعصية وإنما هو مجرد عتاب ~~في الحث على المسارعة إلى الخير وإجابة المسترشد، ولا يجوز تحسين PageV01P206 أفعالهم لقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}(1) ولا يجوز الركون ~~إليهم بولاية ولا إماتة للمسلمين أو نصيحة لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار}(2). # فأما ما يدعوهم إلى استماع الموعظة ولو لم يمتثلوا لقوله تعالى: {معذرة ~~إلى ربكم}(3) أو ليحسن إسلامهم، أو ليتبصروا، أو ليندفع ضرهم وسبهم، أو ~~السلام عليهم ابتداء لئلا يستنكفوا عن الانقياد، أو إقامة الحجة عليهم، أو ~~ليعرفهم ويبلغهم الشرائع حيث لم قد يعرفوها، فإنه يجب على الإمام وغيره في ~~حقهم لأجل تلك المصالح تليين الجناب، وتسهيل الحجاب، والضيافة حيث لا يباع ~~الطعام المصنوع وبعدوا عن أهليهم، ويكون إطعامهم من نصيب ابن السبيل، ~~والإحسان في التكليف لقوله تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}(4) ولقوله تعالى: ~~{ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك}(5) ويجب أيضا في حق الإمام وكذا ~~ولاته آكد لما ذكرنا ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أيما وال احتجب من ~~حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة))(6). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ولي أمرا من أمور الناس ثم أغلق ~~بابه دون المسكين والضعيف وذي الحاجة أغلق الله دونه أبواب رحمته عند فقره ~~إليه وحاجته أحوج ما يكون إليها))(7). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اللهم من رفق بأمتي ~~فارفق به ومن شق عليهم فشق عليه))(8). PageV01P207 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين ~~سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى ms125 من مطر أربعين يوما))(1). # وعن علي -صلى الله عليه- أنه قال: "لإن تثبت قدماي لا أدع أهل بيت من ~~العرب يبلغون عشرة أنفس فصاعدا ألا يغيب فيهم مؤدبا يحكم فيهم بكتاب الله ~~وسنة نبيهم، فإنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله" ويجب في حق ~~الإمام وغيره هذه الخصال وولاته وغيرهم من العلماء والمؤمنين لتتم النصيحة ~~للمسلمين بدعائهم إلى خير الآخرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين ~~النصيحة قالها ثلاثا قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة ~~المسلمين وعامتهم))(2) ولأن في ذلك دعاء إلى الله تعالى وقد قال تعالى: ~~{ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(3) أي: ~~مذهبي مذهبهم في الإيمان والتقوى، ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ~~لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم))(4) وكذلك يجوز تأليفهم بالأموال تأليفا ~~ولو واجباتهم كلها ترد إليهم تأليفا لهم بعد قبضها لتجزيهم وإلا فلا تجزي ~~وغيرها من الواجبات المالية إذا لم تقبض بل أسقطت وصرفت إليهم قبل قبضها ~~لأنها لا تسمى قبل ذلك زكاة، وهم مخاطبون بها لقوله تعالى: {وآتوا ~~الزكاة}(5) وإذا أسقطت بغير قبض من الإمام أو الفقير لم يكونوا قد أدوها ~~وهم مخاطبون بها[43أ]، وتأليفهم بزكاتهم ولو كثرت قدر ما تحصل به المصلحة ~~وبغيرها PageV01P208 ولو كثر بها يكن ذلك حيفا على غيرهم جائر، وقد تجب لقوله تعالى: {والمؤلفة ~~قلوبهم}(1) ولفعله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر حين تألف أقواما ~~ليسلموا بالمائة الناقة للواحد وأعطى المسلمين الشاة والناقة للواحد، وفي ~~هذا كفاية لمن استبصر، والله أعلم بالصواب. # قلت: والصحيح أن واجباتهم لا يجوز ردها فيهم ولا يجوز رد واجب أي مصرف ~~فيه للإمام لأن واجباتهم لا تخرج عن كونها واجباتهم بقبض الإمام؛ ولو خرجت ~~بذلك لحلت الزكاة للهاشمي قبل قبض الإمام ولا قائل بذلك؛ فقبض الإمام لا ~~يفيد الملك وإنما هو وكيل للفقراء. # فأما وقت أهله وما يحتاج إليه تدبير من اكتساب الحلال ليسد به فاقته ~~وأهله ووقت صلاته وطهورها وغسله ms126 أو قضاء حاجة بول أو غائط أو مرض أو نشوز ~~أو خلوة بين محارمه أو خواصه فذلك له ولا يجب عليه تركه لأجل الناس وقد يجب ~~عليه ذلك حيث يجب فإن كثر ذلك جعل نائبا ينفذ ما يأمره به مما تصح فيه ~~النيابة فذلك له لقوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}(2) ولقوله ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}(3) ولقوله تعالى: {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض}(4) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الاكتساب من ~~الحلال جهاد، وإنفاقك إياه على نفسك ومن تعول صدقة))(5) ولأن ذلك جرت عليه ~~عادته صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء من قبله عليهم السلام وأمير ~~المؤمنين علي -عليه السلام. PageV01P209 # وقلنا: يجعل نائبا ينفذ ما يأمره به فيما تصح النيابة فيه إن استغرق الخاصة ~~أكثر أوقاته لأن ذلك قد جرى عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيما تجوز ~~النيابة فيه من قضاء حوائج المسلمين، ويجب على من أمره به الامتثال لقوله ~~تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم}(1) ولقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}(2) وغير ذلك، وعلى ~~الجملة فلا حرج ولا إثم في ذلك، وهذا خاص لما تقدم من الأدلة السابقة، ~~والله يوفق الجميع لما يحب ويرضى. # فصل [ # فإذا كملت هذه الشروط في رجل من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكان حرا ولو عتيقا صلح إماما، وإنما قلنا: وكان حرا لأن العبد مشغول عن ~~مصالح المسلمين بخدمة سيده ولا يصح أن يكون مدعا لإثنين ولو هاشميين أن ذلك ~~نقص في شرفه إلا أن يثبت لأحدهما صلح إماما. # فصل [ # إذا كملت فيه هذه الشروط وعلمت كان اعتقاد صلاحيته للإمامة والإقرار ~~بصحتها منه أصل من أصول الدين يجب الاعتراف به، فمن أنكر صحتها ممن كملت له ~~هذه الشروط كفر بالإجماع. # فصل [ PageV01P210 يجب على من كملت فيه هذه الشروط وكان في أهل زمانه تفريط فيما يجب عليهم أو ~~إفراط في الغلو في الدين وإظهار البدع الكفرية وما يقضي ms127 بالفسق منها القيام ~~والدعوة للإمامة والتطهر إذا غلب بظنه صلاح المسلمين على يديه، أو وجد ~~الناصر على ما يريد الله تعالى إنفاذه ولو بالقهر، أو غلب بظنه النجاة حتى ~~يقيم الحجة ويبلى العذر مع عدم الناصر، أو يكونوا جاهلين الشرائع جملة ~~وتفصيلا مما يؤرثهم جهله كفرا أو فسقا ويغلب بظنه السلامة حتى يبلغهم ولو ~~غلب بظنه الهلاك بعد الإبلاغ وكان الإبلاغ لا يحصل مع التخفي بل مع الظهور؛ ~~وإنما قلنا في إبلاغ الشرائع ولو خشي الهلاك بعد ذلك مع جهل من أبلغهم لها ~~لأن الأنبياء عليهم السلام لم يعذروا [43ب] في ذلك، فلو خشوا الهلاك بعده ~~فالأئمة وغيرهم من المؤمنين بالأولى كقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}(1) ~~ولقوله تعالى في تبليغ الشرائع والعلماء ورثة الأنبياء في ذلك والإمام ~~أعظمهم وآكد في ذلك: {لينذر به ومن بلغ}(2) وقوله تعالى في وجوب التظهر ~~لنفي البدع والضلالات: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}(3) وهو لا يؤمن حصولها ~~في كل وقت وإبطالها مع الظهور بالإمامة آكد فأتم وقد لا يتم في بعض الأحوال ~~إلا بهيبة السيف والقتال، فبكون التظهر واجبا وإشعاره جائز بما لا طرب فيها ~~مما يجمع الناس ويرعبهم من الطبول ونحوها مما لم يرد النهي عنه، PageV01P211 وقد نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه يجب أن يكون في كل زمان من ~~أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم من إذا ظهر وأطيع نفاها بقوله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إن عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام وليا ~~من أهل بيتي موكلا يعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار وتوكلوا على الله))(1). # فإذا يظهر أحد من أهل البيت عليهم السلام وتصدى لما ذكر مع أنه يجب ~~البحث له ليظهر على كل مسلم وجب إجابته ومناصرته على ذلك لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه ~~في ms128 نار جهنم))(2) فيجب إجابته والدعاء إليه وإلى مثله أو آكد منه على كل ~~مكلف بما أمكن من قول وفعل أو أحدهما حسب الإمكان {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها}. # فصل [ ] PageV01P212 إذا صحت إمامته وظهر بها لم يبطل حقه مهما بقي على الإيمان، فإن عصى ~~-والعياذ بالله- معصية تدخله في الظالمين الفاسقين وجبت عليه التوبة ~~الصحيحة التي يعرفها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وحقه يعود من الإمامة وغيرها من غير تجديد دعوة ولا اختبار، وقد أحب ~~الله توليته برجوعه إلى الإيمان الذي جعله تعالى شرطا فيها فرجعت محبته ~~بالتوبة لقوله تعالى: {إن الله يحب التوابين}(1) وقد تطهر من الذنوب، وقد ~~قال تعالى: {ويحب المطهرين}(2) فتعود ولايته كما كانت، فإن دعا أحد في مدة ~~عصيانه حيث علم في مكانه ومصره أو دعا أحد كامل الشروط أو أكثر من واحد في ~~غير معصية ولو في مكانه ومصره لقصد معاونة الأول جاز، وتمكين متعاونين لا ~~يبطل حق أيهما في الإمامة على الصحيح بتصريح الأدلة بجواز إمامين وأكثر ~~ووجوب أداء المولاة في الإمامة وغيرها وعدم جواز إبطال حق أي مسلم بعد ~~ثبوته بنص كتاب الله تعالى من غير دليل قاطع ينسخ الأول، والمولاة في ~~الحقوق الثابتة الدينية أصول دين، وتمام إيمان، وتقرير إسلام لا يحل نسخها ~~عقلا ولا سمعا؛ فإن دعا ثالث أو أكثر جاز وقد يجب ولو في غير معصية من ~~الأول ليتعاونوا على البر والتقوى، ورد من خالف من الولاة ولو بحرب الولاة ~~جاز ووجب إذا كثر الضلال كما في الرسل لأن الأئمة حجج الله تعالى على ~~الخلق، وقد كثر الله تعالى الحجج متفقة على حكم واحد في القرآن والسنة. PageV01P213 # إن قيل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا بويع لخليفتين ~~فاقتلوا المتأخر منهما))(1)[44أ]. # قلنا: ذلك لا ينسخ القياس الأولى في قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب ~~القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ~~فقالوا إنا إليكم مرسلون}(2) فثلاثة أئمة واثنان في ms129 حالة واحدة وحالتين ~~أجوز، ولفظ الخليفة مجمل؛ لأن الخليفة اسم عام لكل من خلف غيره، وعلى ذلك ~~العموم قوله تعالى: {وجعلكم خلفاء الأرض}(3) فيعم كما ترى عموم احتمال ~~للمحق والمبطل؛ لأنه اسم جنس؛ فإذا لم يتأول وترك على إطلاقه لزم منه أن ~~يقتل كل خليفة محق دعا إلى الخير وقد تقدمه خليفة مبطل، فيلزم أن لو بويع ~~لأمير المؤمنين علي عليه السلام بعد مبايعة أهل السقيفة لأبي بكر أن يقتل ~~لأجل كونه المتأخر في البيعة، ويلزم أن يجوز قتل الناصر الأطروش عليه ~~السلام لأنه بويع له بعد الهادي عليه السلام والسنة يجب عرضها على ~~القرآن المحكم، والقياس الأولى جوازا ووجوبا نصا محكما وزيادة إذا كان ~~المقيس عليه محكما، وحديث الخليفتين آحادي يجب عرضه، والقرآن متواتر ~~وعرضناه على القرآن. PageV01P214 # القياس الأولى في سورة {يس) من قوله تعالى: {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ~~إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا ~~إليكم مرسلون}(1) وعلى إطلاق قوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ~~أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون}(2) وقوله تعالى: {إنما أنت ~~منذر ولكل قوم هاد}(3) وقوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون}(4) وقوله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ~~إنني من المسلمين}(5) وقوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماما}(6) وقوله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة ~~الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله))(7)، ولم تفصل هذه الأدلة بصريحها ~~بين الخليفة الأول والثاني والثالث وأكثر، والمبتدأ والمتأخر في وقت أو ~~أوقات أو مصر أو أمصار فنافاها حديث الخليفتين -أعني هذه الأدلة- وهي لا ~~تحتمل تأويلا ولا نسخا لأنها أصول دين وأخبار لا يغير معانيها، وحديث ~~الخليفتين محتمل للتأويل فوجب تأويله إن صح ليوافق القرآن والسنة المحكمين، ~~ووجب تأويله إن صح لما يؤدي إليه من المفاسد من استحلال قتل النفس المحرم ~~بغير حق ولمنافاته -أعني حديث خليفتين- قوله -صلى الله عليه ms130 وآله وسلم: ~~((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، ~~وقتل نفس بغير حق))(8) فما بقي حينئذ إلا PageV01P215 تأويل الخليفة. # الثاني: لكونه دعا إلى إبطال إمامة الأول بغير دليل قاطع على بطلانها ~~فإما إلى المشاركة والمعاونة وليكون له بكونه إماما ظاهرا بالدعوة سماع ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وامتثال الحدود وإقامة الجمع وغير ذلك فلا ~~بأس في ذلك، ولعل حديث خليفتين مكذوب عليه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لمنافاته الأدلة القاطعة ومن قطع مودة صاحبه منهم على الفرض والتقدير وجرت ~~الرؤساء وجندهم برأيه على أحد صاحبه من غير أن يصر صاحبه على معصية كبيرة ~~[44ب] عمدا يفسق بها عن دليل قاطع كموالاة أمراء الظلمة محبة، أو بمدحهم ~~بأنهم على الدين القويم في جميع الأشياء بطلت إمامته حتى يتوب إلى الله ~~تعالى من جرمه؛ فالتأويل يجب قطعا للجمع بين الدليلين، والقرآن لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فإن كانوا في بلدين أو ~~بلدان جاز بالأولى، وإن كان أحدهم سواء تقدم أو تأخر يطاع على أحسن الأمور ~~وأحوطها والآخر دونه لم يجز إبطال حق الأدون أبدا مهما بقي على الإيمان ولا ~~حق الأعلى بالأولى والأحرى، ويجب على كل منهم إنصاف صاحبه وتعظيمه والرفع ~~من شأنه والإذعان للحق والعلم الذي لديه، وهذا أصل من أصول الدين يجب ~~اتباعه والقول به على كل مكلف. # إن قيل: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من شق كلمة المسلمين بعد ~~اجتماعها فاضربوا عنقه -أو- فاقتلوه))(1) . PageV01P216 # قلنا: ذلك يتأول أنه في الباغي على المسلمين المفرق بين الأئمة الهادين، ~~القائل بإمامة بعض دون بعض من غير دليل قاطع على إبطال إمامة أحد منهم، بل ~~ليتحرش وتسلم دنياه ويأخذ بعضا من الدنيا من أيهم، كما قال أمير المؤمنين ~~-عليه السلام: "وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله" فذلك الذي ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علماء السوء وأتباعهم أو من خالف ~~الإجماع القطعي الذي ms131 عن دليل في اللفظ والمعنى تحليلا أو تحريما باجتهاده. # وأما من دعا إلى دين الله ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- من ذرية رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم مع العلم والعمل به لينشر الحق ويبينه، ~~ويدفع الظالم من المظلوم تقدم أو تأخر فليس هو المقصود بذلك قطعا لما فيهم ~~-أعني أهل البيت العلماء العاملين عليهم السلام- من أدلة العصمة لجماعتهم ~~سيما من دعا إلى الخير مع العلم والعمل به على الجملة. # فأما أهل البيت العلماء العاملين عليهم السلام فإن الله تعالى قد شهد ~~لجماعتهم ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالعصمة وكذلك أئمتهم العلماء ~~العادلون على الجملة، فلا مدخل لأحد عليهم في الدين أبدا ولذا قال أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام وقوله حجة لعصمته عليه السلام وأيضا فذلك لا ~~يكون إلا عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بنصه المذكور ~~لأنه من علوم الغيب فلا مسرح فيه للاجتهاد فهو توقيف. PageV01P217 # قال عليه السلام في أئمة أهل البيت عليهم السلام من ولد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: "لا تزول عنهم الخلافة بعد أن تكون فيهم، ولا يزالون ~~مع الحق والحق معهم حتى يردوا الحوض، طوبى لمن أدركهم وجاهد معهم ونصرهم، ~~المقتول معهم كالمقتول مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمجاهد معهم ~~كالمجاهد معه، لا يعرف بعد ظهورهم الجور، يتوارثون الحق آخرا عن أول، آخرهم ~~يتبع سيرة أولهم، ليس معهم غوي ولا ذو جرأة، يتوارثونه إلى يوم القيامة ~~-صلوات الله عليهم أجمعين"(1). # قالوا: قال عمر: "سيفان في غمد لا يصلحان"(2). # قلنا: قوله ليس بحجة، والرأي يجب رده إلى محكم الكتاب والسنة إن قرره ~~وإلا رد، وعمر أيضا ليس بمعصوم لغصبه حق غيره بغير دليل، فثبت لك بما قررنا ~~جواز إمامين وثلاثة وأكثر كالرسل، وقد يجب، ولا عبرة بالمتوهمين ومن جعل ~~كلام بعض الناقلين دليلا يعمل عليه[45أ]. # قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام في {الأحكام)(3) ما ~~لفظه ومعناه: "أن الرجلين إذا استويا من أهل ms132 بيت الرسول [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] وذريته في العلم والعمل وعقد لأحدهما أولا ولو رجل واحد عقد له، ~~والمقصود بالعقد التظهر للإمامة وليس المقصود أنها لا تكون إلا بعقد، بل ~~الشرط ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والعلم والعمل إن الحق يكون ~~للأول دون المتأخر في العقد. PageV01P218 # قال -عليه السلام: "لئلا يبطل إذا عقد له بعد صاحبه حق الأول بغير دليل ~~قاطع من الإمامة". # فمفهوم كلامه عليه السلام أن المتأخر في العقد لو لم يبطل حق الأول ~~وينقض إمامته بل هما متعاونان جميعا ولو لم يرضى أهل زمانهما باشتراكهما ~~أنه يجوز للثاني القيام كالأول وأن الأول لا يجوز له دفع الثاني ولا رد ~~دعوته حيث لم تنقض إمامة الأول بغير دليل قاطع. # ونحن نقول بهذا، بل هو إجماع، والهادي [عليه السلام] قد دعا إلى نفسه في ~~زمان الإمام الداعي إلى الله تعالى محمد بن زيد الذي استشهد بجرجان، وذلك ~~إمام فاضل كامل الشروط، وقد كان مجابا، وكذلك دعا الناصر الأطروش في زمان ~~الهادي -عليه السلام- وكذلك المرتضى الناصر دعوا جميعا في زمان الناصر ~~الأطروش وكذلك المنصور بالله يحيى بن الناصر وأخوه المختار دعوا جميعا ~~لأنفسهما في صعدة بعد أبيهما، فالإشتراك فيها على ما ذكرنا إجماع والمخالف ~~بعد هذا ...خ...تص. مخطئ. PageV01P219 # فهذا -أعني قول الهادي عليه السلام مثل قولنا أن الثاني وغيره يجوز له ~~الدعاء للإمامة حيث لم يدع إلى إبطال إمامة الأول وغيره من الأئمة بغير ~~دليل قاطع، وهذا إجماع على هذا التدريج؛ وحيث دعا الثاني -والعياذ بالله- ~~لقصد إبطال حق الأول ونقض إمامته من غير دليل يبطلها قاطع وأقر بذلك فليس ~~بإمام، وإنما يريد الملك والدنيا، فلا حق له فيها حتى يغير ذلك المقصد ~~إجماعا، فلا عذر للمكلف من أن يقول: القرآن والسنة المحكمتين وتنزيه أهل ~~العلم والعمل به من أهل البيت عليهم السلام ويتبع أقوالهم وكتبهم والجمع ~~بين أقوالهم حسب الإمكان لذم الخلاف في أصول الدين مع أن الوفاء بمودتهم ~~التي هي من مهمات أصول الدين وهي الاتباع، ms133 والتنزيه من الخلاف المذموم واجب ~~ما لم تعلم معصيته عليها دليل قاطع ممن شذ منهم بجهله وظلمه حق أو باطل. # إن قال: حق، وجب عليه القول بما قلنا آنفا قطعا. # إن قيل: لا يصح في هذه الأمة إمامان في عصر واحد قياسا على رسولها محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فإنه ليس معه نبي آخر. PageV01P220 # قلنا في الجواب عليهم: إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير ~~الثقلين وأفضل الأنبياء بالإجماع وبالنصوص القرآنية والأخبار النبوية التي ~~من أنكرها كفر إجماعا؛ فلا يقاس أئمة هذه الأمة عليه صلى الله عليه وآله ~~وسلم في أنه لا يجوز إلا إمام واحد في العصر الواحد لأنهم دون الأنبياء في ~~الفضل بالإجماع ودون أبيهم محمد سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالأولى والأحرى، ودون أبيهم علي الإمام الوصي عليه السلام بالإجماع ~~وبالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وقد صح رسولان وثلاثة وأكثر في عصر ~~واحد ومكان واحد بنص القرآن، وصح أن الأئمة دون الأنبياء في الفضل بالنصوص ~~القرآنية والسنة والأدلة العقلية والإجماع، فصح إمامان وثلاثة وأكثر في عصر ~~واحد ومصر واحد كما صح ذلك في الأنبياء ففي الأئمة أصح وأجوز؛ لأن الأئمة ~~أضعف حالا من الأنبياء إجماعا وبالنصوص من القرآن والسنة التي من أنكرها في ~~تصريحها بفضيلة الأنبياء على الأئمة كفر إجماعا، والرسالة والنبوة أعظم ~~قدرا عند الله من الإمامة إجماعا وبالنصوص، فإذا جاز رسولان ونبيان [45ب] ~~وثلاثة وأكثر في زمن ووقت واحد وعصر واحد جاز إمامان وثلاثة وأكثر في وقت ~~واحد ومصر واحد بالأولى والأحرى، وقد يجب تعدد الأئمة لنفي البدع والضلالات ~~كتعدد الحجج لنفي ذلك. # إن قيل: أن الأنبياء معصومون، فصح لذلك كثرتهم في عصر واحد ومصر واحد ~~بخلاف الأئمة. PageV01P221 # قلنا في الجواب والله الموفق: والأئمة يجب عليهم أن يمنعوا نفوسهم من ~~المحظورات وقتل النفوس المحرمة بغير الحق وأحكام الطاغوت وغير ذلك كما يجب ~~على الأنبياء، وكل من الأئمة قادر على التأسي بالأنبياء عليهم السلام ~~وبسيد الرسل محمد صلى الله عليه ms134 وآله وسلم في جميع الأفعال والأقوال إلا ~~ما خصه دليل صحيح وقادر على الترك، وكذلك الأنبياء عليهم السلام يقدرون ~~على فعل الكبائر وتشتهيها نفوسهم كغيرهم وعلى تركها، لكنهم منعوا نفوسهم من ~~فعل الكبائر البتة، فلا فرق حينئذ بين المكلفين في القدرة منهم على ~~الاختيار للطاعة أو المعصية وبالأدلة العقلية والسمعية وبالحس المعلوم فيهم ~~ومنهم بالضرورة وإجماع العدلية من الملائكة والأنبياء ومحمد المصطفى رسول ~~الله وأهل بيته -صلى الله عليه وعليهم- وجميع أتباعه صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأتباع أهل بيته وأتباع الأنبياء عليهم السلام فلا حجة لأهل هذه ~~الشبه والبدع في الدين أبدا، والحمد لله. PageV01P222 # قال الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي وهو من أكابر علماء العترة، وهو ~~صاحب {الجامع الكافي)(1) جامع آل محمد قال عليه السلام فيما روي عنه: ~~"أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه جائز أن يدعو جماعة ~~متفرقون أو مجتمعون ويعقد في كل ناحية هذا العقد على النصرة والقيام بأمر ~~الله تعالى على كل من حضر قائما بأمر الله تعالى أن ينصره بقدر الطاقة؛ ~~فإذا ظهر أمر الله تعالى فآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العلماء ~~الأتقياء أعلم بالرضى منهم". PageV01P223 # قلت: يريد بظهور أمر الله تعالى نفوذ شرائع الإسلام في جميع أقطار الأرض ~~الممكن الوصول إليها بالولايات للعدول العلماء والرسائل والكتب في مدة ~~أعمال الدعاة دفعة واحدة أو متفرقون وذلك لسعة الأرض المكلف أهلها لا يظهر ~~فيها أمر الله إلا في زمن طائل، فيحتاج الدين إلى كثرة الأئمة لتبليغ ~~الشرائع، ولا يجتمع رأيهم بعد الظهور حيث يصلونه إلا في مدة ينقضي فيها ~~حالهم أو قل أو كثر وبعد ذلك -أعني إصلاح ما قدروا عليه حسب الإمكان في مصر ~~واحد- يتراضون بواحد منهم؛ فإن لم يرضى أحد منهم بإسقاط حقه تعاونوا ~~مشتركين متوازرين يتعاونون على البر والتقوى، وحين يختلفون في النظريات ~~العمليات كل منهم مصيب موافق لمراد الله تعالى أو مخطئ معذور بعد النظر ~~والبحث؛ لأن مراد الله تعالى واحد ولم ms135 يكلفنا سبحانه إصابة ذلك بيقين، وقد ~~جعل دليله ظنيا، إذ يكون ذلك تكليف ما لا يطاق وهو قبيح -تعالى الله عن ذلك. PageV01P224 # قال الإمام نجم آل الرسول: القاسم بن إبراهيم والإمام الناصر وزيد بن علي ~~وغيرهم من أهل البيت عليهم السلام في تفسير قوله تعالى: {واجعلنا للمتقين ~~إماما}(1) ما يدل على أنه يجب طلب الإمامة لمن يصلح لها [46أ] بالعلم ~~والدين وولادة سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو في زمن إمام ~~متقدم لتكميل الدين وتعليم الشرائع ومجاهدة أعداء الله تعالى حتى قال ~~الإمام الناصر -عليه السلام: "إن لم يسلم الأول للثاني والثاني أكمل منه في ~~العلم والدين فسق؛ لأنه حينئذ طالب للدنيا" وقال [المنصور بالله]-عليه ~~السلام: "يجوز له التنحي للأكمل" فعرفت اطباق أقاويلهم على جواز دعاء ~~الثاني للإمامة إذا هو من أهل العلم ومن بيت النبوة بيت رسول الله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم في سلطان الإمام الأول وزمنه ومصره فاعرف ذلك ~~فذلك جلي، والله الموفق، والأول يشارك الثاني ويسلم له أنه إمام وإلا فسق ~~إذا عرف فضله ويشاركه مطلقا أو يتنحى الأول إن شاء الأول وعرف أن الثاني ~~أفضل منه. # فصل [ ] PageV01P225 لا يجوز للإمام ولا لغيره أن يأخذ من خالص أموال المسلمين غير ما فرض الله ~~تعالى من زكاة وفطرة وخمس فيما يجب وهو يجب في كل غنيمة في الحرب والمعادن ~~والصيود لا الحطب والحشيش والتراب والحجارة والمياه التي سكت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن أخذ الأخماس من ذلك وهو في موضع التعليم لأنه لو ~~كان فيها شيء لأخبر به وبينه ولما خفي كما لم يخف في الركاز والمعادن ~~والملح والحديد؛ فلإمام المسلمين وولاته الذين لا يخالفونه في شيء من أمر ~~الناس أخذ ذلك ولو قهراولا يجب إلادعاء أو تضمين ما علم الإخلال به إذا علم ~~قدر المخل به؛ فإن علم أن ثم حقوقا قد أخل بها صاحبها على الجملة رجع فيها ~~إلى تفسير المخل إن كان من أهل العلم والدين أو تفسيره ms136 أنه قد صرفها قبل ~~ظهور شوكة الإمام في بلد المخل أو طلبه؛ فإن كان من أهل الدين لكن ليس عنده ~~نصاب العلم المعتبر قبل تفسيره أو أنه قد صرف كالأول لكن لا يقبل إلا بعد ~~وعظه وتخويفه بالله تعالى، وإن كان من العوام الصروف لم يقبل تفسيره حيث ~~لبيت المال بينة؛ فإن لم يكن لبيت المال بينة عادلة قبل تفسيره مع يمينه ~~وأنه قد صرف إلا ببينة حيث أمكنت، فإن لم يمكن لتقادم الزمان قبل قوله مع ~~يمينه؛ فإن علم الإمام القدر المخل به كميته أخذه ولم يراعي تفسيرهم إلا من ~~باب طيبة نفوسهم وهو على ما يعلم ولو فسروا بدونه إلا أن يقولوا على ~~التفصيل المتقدم قد صرفه قبل ظهور شوكته في بلدهم، أو صرفوا قبل طلبه قبلوا إلا أن PageV01P226 يريدوا في تفسيرهم على ما يعلم قبلوا مطلقا؛ وإنما يقبل قوله -أي الإمام- ~~لأنه أمين الله تعالى. # ومن المعلوم أن الأئمة الأتقياء العادلون لا يخونون كالرسل والأنبياء ~~عليهم السلام إذ هم خلفاؤهم. # فأما الولاة اللصوص المتغلبة الفسقة فلا يقبل قولهم على الرعايا، ولا ~~يجوز ولا يجزء الصرف إليهم طوعا ولو أخذوا قهرا لقوله تعالى: {ولا تركنوا ~~إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}(1) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يجمع ~~الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجعلون في ~~تابوت من نار فيرمى بهم في جهنم))(2) ولا بد أن يكون المخل بالحقوق باقيا ~~أو يعلم تركة المخل وماله إلى من انتقل، فدين الله قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((أحق أن يقضى))(3) فإن لم يعلم التركة أين صارت وعلم المخل فلا شيء ~~على وارثه إذا كان ميتا صاحب التركة أو حيا معسرا لقوله تعالى [46ب]: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم}(4) ولقوله تعالى: {خذ العفو}(5) فإن بقي المخل لكن ~~وجد معسرا بقيت عليه حتى يوسر، وللإمام إذا كان من أي المصارف تمليكه شيئا ~~ثم يقبض الإمام منه ذلك الشيء عنها؛ فإن لم يكن مصرفا جاز أن ms137 يملكه شيئا من ~~غير الحقوق الواجبة ثم يرده إليه عنها، فإن علم المخل به ولم يعلم قدره ولا ~~وجد من يفسره ووجدت التركة احتاط الإمام جهده وعفى عما لم يعلم أنه لبيت ~~المال، وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وقال PageV01P227 تعالى: {خذ العفو} وقال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: "لئن أخطئ في ~~العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة". # فأما الولاة الظلمة وأعوانهم وحكامهم فإذا ظهر عليهم إمام الحق من العترة ~~عليهم السلام فإنه يأخذ من خالص أموالهم بقدر ما أخذوا من أموال المسلمين ~~من الحقوق الواجبة، ويأخذ من الرعايا ما تقدم مع تضمين الولاة ما أتلفوا من ~~حقوق الله تعالى؛ لأن الفرض على الرعايا باق ولم يجز لهم ما أخذه الظلمة أو ~~سلموه إليهم ولزم الظلمة وأعوانهم ما أتلفوا لأنهم غاصبون فيضمنون ذلك ولو ~~قهرا ولو استغرق جميع أموالهم؛ فإن لم تكفي أموالهم بقي الباقي في ذممهم ~~دينا عليهم إلى اليسر، وهذا إجماع في حق الولاة إلا أن تكون جارية أو أكثر ~~قد استولدوها فلا يحل أخذها تضمينا لهم في أموال الله تعالى لاستهلاكهم لها ~~بالاستيلاد وغير ذلك من أموال الظلمة ملك لهم ليس يعلم أنه لغيرهم أو يظن ~~فيؤخذ من أموالهم غير ذلك القليل والكثير ومن بين من سلم أو أدى شيء على ~~شيء بعينه باقيا أنهم غصبوه عليه فهو له، ولا تقبل دعواه لغير بينة ولو ~~أقروا له الظلمة بعد الظهور عليهم؛ وهذا إجماع في حق الظلمة وأعوانهم؛ فإن ~~كان تالفا والظلمة مسلمون وبين عليه أو أقروا له ضمنوا له مثل المثلي وقيمة ~~القيمي يوم التلف أو يوم الغصب لا بيت المال. # فصل [ ] PageV01P228 فأما غير ذلك فلا يحل إذا كفت هذه الحقوق بما يعود على المسلمين نفعه من ~~المصالح العامة كالجهاد وأهله القدر المحتاج إليه في الجهاد وخيل الجهاد ~~وجماله وغير ذلك مما لا بد منه فيه إذا دعت الحاجة إلى قتال الكفار إذا ~~قصدوا أو لم يقصدوا إذا لم تكن لهم ms138 ذمة، فإن كانوا أهل ذمة لم يقاتلوا إلا ~~إذا نقضوها بأن يتركوا الصغار ويتهيئوا للحرب، أو سبوا نبينا أو نبيا من ~~الأنبياء أو دين الإسلام، ولا يجوز قصد الكفار وكذا البغاة إلا مع ظن ~~الإمام وأهل الخبرة الغلبة لهم أو ظن السلامة حتى تقام عليهم الحجة وقت ~~لإمامه وبعدها للأكثر لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ~~إن الله يحب المحسنين}(1) إلا أن يكون لتبليغهم الشرائع وغلب بالظن السلامة ~~حتى يتم التبليغ ولم يغلب بالظن استئصال الجميع أو الأكثر قبل التبليغ أو ~~بعده وجب القصد لأجل التبليغ مطلقا لقوله تعالى: {لتنذر به ومن بلغ}(2) ولم ~~يفصل تعالى، والآية محكمة إجماعا، وكالأنبياء -عليهم السلام، وإما لقتال ~~البغاة الفاسقين مع ولاة السوء وعلماء السوء كالدولتين الأموية والعباسية ~~الغاصبين اللصوص المتعصبين إلا قليلا منهم ومن يشبههم، ولكن لا يجوز قصد ~~البغاة إلى مواضعهم للقتال إلا إذا تراضوا على فعل الفواحش الكبار من قتل ~~النفوس بغير حق، وأخذ مال اليتيم والأرامل والخمور والزنا، ونكح الذكور، ~~واستعباد [47أ] الأحرار، أو تغلبوا على أموال الله تعالى، وردوا قائم الحق من PageV01P229 ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الداعي إلى الله من نفوذ أمر الله ~~فيهم ولهم تمردا؛ فإذا ثبت ذلك منهم فينبغي للإمام أن يراسل إليهم بالوعظ ~~والتخويف بالله تعالى ويزيل شبههم بما يردها من محكم كتاب الله تعالى وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ندب إذا أمن على الرسل، فإذا لم يأمن ~~قصد بجنده إليهم حيث غلب بظنه الغلبة أو السلامة ثم لا يبدأهم بالحرب بل ~~يرسل إليهم وهو على بعد منهم بأمير في قوم لا يقدر العدو على غلبتهم ولا ~~استهلاكهم فيسمعونهم الوعظ ويدعونهم إلى الحق إن امتثلوا وإلا عاد ذلك ~~الأمير وقومه إلى الإمام وأخبره إن أمكن العود فإن أحربوا الأمير أرسل إلى ~~الإمام ويقدم إليهم بباقي من معه وهذا واجب لئلا يأخذهم على غرة أو يظنوا ~~أنه لا يقتلهم لو تابوا وأقلعوا، وقد قال تعالى: {ولتكن منكم أمة ms139 يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}(1) ولمراسلة ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى معاوية لعنه الله؛ ولأن إزاحة العلل ~~وإظهار الحجج معلوم ضرورة وجوب ذلك فإن قصدوا وجب الدفاع بما أمكن فإن لم ~~يمكن دفاعهم وجبت الهجرة إلى جلي عنهم، وجازت مصالحتهم، ووجب اعتزالهم وكل ~~ذلك معلوم من الكتاب والسنة وسير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن ~~لم تمكن الهجرة إلا إلى أظلم منهم إما لصوص قفار أو سباع، وإما أقوام ~~يستحلون القبائح ولا ينتهون بعد معرفتهم للحق وإلا وجب الانتقال إليهم PageV01P230 للتبليغ وإقامة الحجة فإن امتثلوا بقي فيهم وكانوا له نصرة وإن لم يمكن -أي ~~ذلك- كانت هجرته بيته من غير مواصلتهم إلا لمصلحة، ولا يحسن شيئا من ~~أفعالهم إلا أن يكون حقا يرضي الله تعالى فعله منهم؛ فيحسنه دون غيره من ~~أفعالهم القبيحة ولا يزكيهم ولا يواكلهم ولا يناقشهم ولا يقف عندهم إلا قدر ~~حصول ما يدفع عنه الضرر منهم أو قضاء مصلحة عامة أو خاصة يخشى من تركها ~~التلف أو الضرر به أو بغيره من المسلمين إذا كانت من غير ما جرى عليه أساس ~~ملكهم من الظلم والتغلب إلا أن يأمن مع التلطف وجب ما لم يؤدي إلى المداهنة ~~والمباطنة، فالترك واجب؛ وذلك لأن نهيهم عن ذلك وهو بين أظهرهم من غير قوة ~~جند وغلبة شوكتهم، ولو كان الله تعالى قادرا على ما يشاء لكنه تعالى قد عذر ~~في هذه الحال فقال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} وقال تعالى:}لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم}(1) يعني تعالى: لا يضركم بعد إبلاغكم الجهد أو حيث لا ~~تقدرون إلا بهلاككم من غير نكاية للعدو أو معها، وقد قال تعالى: {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة}(2) فحينئذ يسوغ تركهم وقد يجب حيث قد عرفوا الشرائع ~~كفسقة المسلمين والكافرين أو لم يعرفوا والحال هكذا، وهذا من أصول الدين ~~فأحببنا بيانه. PageV01P231 # والأصل في قتال البغاة وأحكامهم هذه كلها أفعال أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام وأقواله يوم صفين ms140 ويوم الجمل وهي حجة، وأفعاله وأقواله حجة وأيضا ~~فلم ينكر عليه ذلك أحد بل صوبوه وكان ذلك إجماعا؛ فإذا كفت الواجبات لهذه ~~الأشياء وأشباهها فلا يحل أخذ شيء غيرها لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل}(1) ولقوله [47ب] -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه))(2) فإذا لم تكف الواجبات أو عدمت في بعض ~~الأحوال جاز أخذ الكفاية من خالص أموال المياسير إن علموا ولم يؤدي خصوصهم ~~إلى مفسدة وإلا كان على الكل غير من في الجهاد إلا أن يكون غنيا معلوم ~~الغنى ومن علم ضعفه ببينة بظاهر حاله مع خبرة قلة ذات يده أو عرفت جودته ~~وعدالته أنه لا يكذب وادعى الفقر أو كان يتيما أو ضعيفا ولم يظهر غناه وجب ~~إسقاط ما عليهم جميعا ويواسون بنصيبهم من بيوت الأموال أيضا وذلك لقوله ~~تعالى: {ما على المحسنين من سبيل}(3) وقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها}(4) ويواسون لقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين...إلى ~~آخرها}(5). # وهذا بعض ما أردنا تحقيقه في كتاب الإمامة، وسيأتي الباقي -إن شاء الله ~~تعالى- وكل ذلك من أصول الدين وما له حكمه، والله يوفق الجميع لما يحب ~~ويرضى آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # فصل [ ] PageV01P232 في الأدلة التي تقضي بوجوب التصدر للإمامة ممن كان على ما ذكرنا في الفصل ~~الأول وكان في زمانه من البدع ما ذكرنا وهو يغلب بظنه إقامة الحجة مع ~~السلامة له ولمن اتبعه أو يكون للتبليغ كذلك مطلقا ولا يتم مع الخفاء ما ~~يكون مع إظهار الإمامة؛ فالذي يدل على وجوب التصدر لها والأمر هكذا قوله ~~تعالى: {واجعلنا للمتقين إماما}(1) فمدحهم تعالى على طلب كونهم إماما في ~~الخيرات والداعي إلى الحق من آل الرسول -عليه وعليهم السلام- داخل في عموم ~~الآية حقيقة، والمدح على الشيء إيجاب له لأن الله تعالى إذا مدح على الشيء ~~فقد أمر به ومن ترك ما أمره الله تعالى به فقد عصاه، وقد قال تعالى: {ومن ~~يعصي الله ورسوله ويتعدى ms141 حدوده يدخله نارا خالدا فيها}(2) فدلت الآية على ~~وجوب طلبها لمن يصلح لها وهو الذي على الشروط المذكورة أولا، وقوله تعالى: ~~{ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(3) ~~والمدح على الشيء إيجاب له لما ذكرناه أولا، وقوله تعالى: {يوم ندعو كل ~~أناس بإمامهم}(4) فينبغي طلب الإنسان لنفسه لظاهر الآية أن يكون إمام حق ~~إذا كان صالحا لها أو يحث لإمام حق يكون تابعا له إن كان لا يصلح لها، ~~وقوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين}(5) فطلب نفي العلو في الأرض وإزالته الحاصل من ~~الملوك الجبابرة وأتباعهم من أهل الشبهات الآخذين بالمعاذير PageV01P233 من علماء السوء وعلو رؤوساء الطاغوت وعلو خيلاء المتمردين من جهلة العامة ~~واجب، وكذلك نفي الفساد في الزنا والربا وشرب الخمور وغصب الأموال بغير حق ~~ودعاء المسلمين إلى النار وترك نصيحتهم وتعليمهم معالم الدين حسب الإمكان ~~يجب نفي من عاونهم على ذلك -أعني فسادهم- وفرط في تعليمهم وإقامة الحجة لهم ~~وعليهم وتظاهر هو وهم على المناكر من ولاة السوء كالدولتين وكالأتراك ومن ~~تشبه بهم في ظلمهم. # والطريق التي أراد الله تعالى أن يكون المكلفون [48أ] جميعا داخلين فيها ~~مجتنبين نقيضها من العلو والفساد لا يتم على آكد الأحوال وأتمها إلا بإمام ~~حق ممن يصلح لها بالعلم والعمل حسب الإمكان من أهل بيت النبوة ومعدن ~~الرسالة ذرية سيد المرسلين، وسيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم لينشر الدين، وينفي الظلمة واللصوص المتغلبين، ويهابه ودعوته ~~وسيفه أهل الإجرام، الداعين إلى معظم معاصي ذي الجلال والإكرام، ولتوجد ~~منهم هذه الطريق التي ليست علوا كعلو الظلمة وأهل الكبر والنخوة، وليست ~~فسادا كفساد الفسقة وسفساف السقطة؛ فيجب التصدر للإمامة وجوبا لازما لمن ~~يصلح لها، وتجب إجابته فرض عين على كل قادر على ذلك لنفي العلو والفساد إذ ~~لا يحصل نفيهما في كثير من الناس إلا به إما لتعليمهم لجهلهم فيعرفهم ~~ويجمعهم المئين والألوف، إذ لا يمكنهم المئين ms142 والألوف يصير إلى العلماء ولا ~~يمكن العلماء يفعلوا ذلك وما لا يتم الواجب إلا به وأمكن فعل الشرط ولم PageV01P234 يجعل الله تعالى الشرط إلا إلى المكلف، وخاطبه بالمشروط خطابا مطلقا، وبين ~~تعالى شرطه بدليل مفصل وجب تحصيل شرطه ليتم الواجب المشروط كالوضوء، ~~والصلاة، والإسلام، والواجبات التي هو شرط فيها. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اللهم من رفق بأمتي ~~فارفق به ومن شق عليهم فشق عليه))(1) والرفق بهم تعليمهم الشرائع حيث ~~جهلوها ولم يستعملوا عقولهم في طلب العلم ليعملوا به في أمور دينهم ~~ودنياهم، ومن المشقة عليهم ترك تنبيههم على ما يباعدهم من النار من تعليم ~~الشرائع الإسلامية بتفاصيلها، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يوم ~~من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر ~~أربعين يوما))(2) يعني -عليه وآله السلام- بيوم من إمام عادل يأمر فيه ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، ويفرق الأموال بين مصارفها، ويحكم بين الناس ~~بالكتاب والسنة، ويبلغهم الشرائع الإسلامية بتفاصيلها. # وعن علي -صلى الله عليه وآله- أنه قال: "لئن تثبت قدماي لا أدع أهل بيت ~~من العرب يبلغون عشرة أنفس فصاعدا إلا بعثت فيهم مؤدبا يحكم فيهم بكتاب ~~الله وسنته، فإنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله". # الثاني والثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فذلك أصل من أصول ~~الدين، من أنكر وجوبه كفر بالإجماع، وهو معلوم من الدين ضرورة فرض عين على ~~كل مكلف حتى يقوم به البعض ويكفي له قيامه. PageV01P235 # والمعروف: الذي الأمر به فرض كما ذكرنا هو كل واجب فرضه الله تعالى على ~~خلقه من الصلاة، والزكاة، والفطرة، والأخماس، والحج، والصيام وتفاصيل ذلك. # والمنكر: الذي أمر الله تعالى بالنهي عنه وترك ما قد نهى الله تعالى على ~~خلقه من تلك الواجبات وترك تعلم تفاصيلها وترك الجهاد حيث يجب للكفار ~~والبغاة على التفصيل المتقدم، والمنكر أيضا فعل ما أنكره الله تعالى على ~~خلقه إنكار تحريم وحضر كالزنا، وشرب الخمور، وكشف العورات، والربا، وقتل ~~النفس ms143 المحرمة، وأكل مال اليتيم، وأحكام الطاغوت وغير ذلك من دفع ولاية ~~الظلمة ودفع الظلمة كالدولتين والأتراك ومن تشبه بهما، وكالمزمار واللهو ~~المحرم واللعب، ونظر الأجانب، والنياحات وغير [48ب] ذلك، ففي ذلك كله فرض ~~الله تعالى الأمر بالمعروف منه والنهي عن المنكر منه فقال الله تعالى مخبرا ~~في معنى الأمر: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وتؤمنون بالله}(1) وقال تعالى آمرا: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}(2) وقال ~~تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون}(3) ~~و}يصنعون}(4) في آية أخرى. # قال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن ~~المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا جائرا لا يجل كبيركم، ولا يرحم ~~صغيركم))(5). PageV01P236 # وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا ~~خياركم فلا يستجاب لهم))(1). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ~~يمنعن أحدكم مخافة أن يتكلم بالحق إذا رآه))(2). # وعن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال أمير ~~المؤمنين علي -عليه السلام: "يكون في آخر الزمان قوم يبغي فيهم قوم مراؤون، ~~فيقرؤون ويتنسكون لا يوجبون أمرا بالمعروف ولا نهي عن المنكر إلا إذا أمنوا ~~الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير، يتبعون زلات العلماء وما لا يضرهم ~~في نفس ولا مال، فلو أضرت الصلاة والصيام وسائر ما يعملون بأموالهم ~~وأبدانهم لرفضوها، وقد رفضوا أسنم الفرائض وأشرفها: الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فريضة عظيمة تقام بها الفرائض، إن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصالحين فريضة بها تقام الفرائض، وتحل ~~المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء؛ فأنكروا المنكر ~~بألسنتكم، وصكوا بها جباهكم، ولا تخافوا في الله لومة لائم، ثم قال: وأوحى ~~الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه -عليهم السلام: إني معذب ms144 من قومك مائة ألف ~~أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم فقال: يا رب، هؤلاء الأشرار ~~فما بال الأخيار؟ قال: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي". PageV01P237 # وعن أبي إسحاق عن عبد الله أو عبيد الله بن جرير عن أبيه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما من رجل يجاور قوما فيعمل بين ~~ظهرانيهم بالمعاصي فلا يأخذوا على يديه إلا أوشك أن يعمهم الله منه ~~بعقاب))(1). # وروى أبو طالب بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري وأبي طلحة بن سهل ~~الأنصاري يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من امرئ ~~يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله ~~في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرض ~~وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته))(2). # وعن أم هانئ بنت أبي طالب -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى: {وتأتون في ناديكم المنكر}(3) قال: ~~((كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم؛ فهو المنكر الذي كانوا ~~يأتونه))(4). # وعن أبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من اغتيب عنده أخوه المسلم فنصره نصره الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإن ~~ترك نصرته وهو يقدر عليها خذله الله في الدنيا [49أ] والآخرة))(5). PageV01P238 # وعن أبي مريم الأنصاري عن زيد بن علي عليهم السلام في قوله تعالى: {وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد}(1) ~~قال: الحرث: الدين، والنسل: الناس، ثم قرأ: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له ~~في حرثه}(2) فهلاك دين الله أن يعمل بخلاف كتاب الله،، وهلاك عباد الله أن ~~يعمل فيهم بالجور فلا ينكرون ذلك فيهلكون. # وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: جمعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكنت من آخر من أتاه فقال: ms145 ((إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح لكم، ~~فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله عز وجل وليأمر بالمعروف ولينه عن ~~المنكر))(3). # وعن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه ~~وأمنع فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب منه))(4). # وعن أبي حمزة اليماني قال: قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: "إنما ~~هلك من كان قبلكم بارتكابهم المعاصي ثم لم ينههم الربانيون والأحبار، فلما ~~فعلوا ذلك نزلت بهم العقوبات، ألا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ~~ينزل بكم ما نزل بهم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقدم أجلا ولا ~~يدفع رزقا". PageV01P239 # وعن عبيد الله بن أبي عمير الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من أنكر المنكر بقلبه فقد أنكر بخصلة من الحق، ومن أنكر بقلبه ~~ولسانه فقد أنكر بخصلتين من الحق، ومن أنكر بقلبه ولسانه ويده فقد أنكر ~~بالحق كله، ألا أنبئكم بميت الأحياء من لم ينكر المنكر بقلبه ولا بلسانه ~~ولا بيده))(1). # وروى الهادي إلى الحق: يحيى بن الحسين بإسناده عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: ((من حبس نفسه لداعيتنا أهل البيت أو كان منتظرا ~~لقائمنا كان كالمتشحط بين سيفه وترسه في سبيل الله بدمه))(2). # وروي بإسناده عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليك شراركم فيسومونكم سوء ~~العذاب، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم حتى إذا بلغ الكتاب أجله كان الله ~~هو المستنصر لنفسه ثم يقول: ما منعكم إذ رأيتموني أعصى أن لا تغضبوا ~~لغضبي))(3). # وعن مالك بن دينار: ((أوحى الله إلى بعض ملائكته أن أهلكوا قرية كذا ~~قالوا: يا رب إن فيهم فلان العابد، فقال: أسمعوني ضجيجه فيهم فإن وجهه لا ~~يتغير غضبا لمحارمي))(4). # وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لا قدست أمة لا ms146 تأمر بمعروف، ولا تنهى عن منكر، ولا تأخذ على يد ظالم، ~~ولا تعين المحسن، ولا ترد المسيء عن إساءته))(5). PageV01P240 # وعن علي عليه السلام قال: "أول ما تغلبون عليه الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر بأيديكم، ثم بألسنتكم، ثم بقلوبكم؛ فإذا لم ينكر القلب المنكر ويعرف ~~المعروف نكس فيجعل أعلاه أسفله". # وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أفضل الأعمال بعد الصلاة المفروضة والزكاة الواجبة وحجة الإسلام وصوم شهر ~~رمضان الجهاد في سبيل الله، والدعاء إلى دين الله، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر عدل الأمر بالمعروف الدعاء إلى دين الله في سلطان الكفر، وعدل ~~النهي عن المنكر الجهاد في سبيل الله، [49ب] والله لروحة في سبيل الله أو ~~غدوة خير من الدنيا وما فيها، ورباط يوم أفضل من صوم شهر وقيامه، ومن مات ~~مرابطا أجري له عمله إلى يوم القيامة وأجير من عذاب القبر))(1). # وعن علي -عليه السلام: "لا يفسد الحج والجهاد جور جائر، كما لا يفسد ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غلبة أهل الفسق". # وعن علي عليه السلام قال: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله وجهه ~~على النار، ومن رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كأن عتق رقبة، ومن ضرب ~~بسيف في سبيل الله فكأنما حج عشر حجج حجة في إثر حجة". # فصل [ ] PageV01P241 صرحت هذه الأدلة بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيقين، إذ هي تفيد ~~العلم، فيجب العمل بما صرحت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذ من ~~عدم التأثير لأن الظن لا يعارض العلم لأن العلم هو الحق إذا حصل فلا يعارضه ~~الظن لقوله تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}(1) ولا يترك المعلوم من ~~وجوب الأمر والنهي بالظن لعدم التأثير لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم}(2). # فصل [ ] # فإن علم بالتجربة من أحوالهم وإن قد أعذر إليهم فلم ينتهوا حسن نهيهم ~~وأمرهم ولا يبعد أن يجب لقوله تعالى: {معذرة إلى ربكم}(3) ولأنه لا يحصل ms147 ~~العلم اليقين لعدم امتثالهم إلا بالموت أو الوحي ولا أيهما -أعني موتهم على ~~المنكر أو الوحي أنهم يموتون عليه- حاصل بعد الأنبياء عليهم السلام فيجب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يظن التأثير إذ لا يعلم عدمه لما ~~ذكرنا والله أعلم. # وأما لتقاتلهم على ما مر تفصيله إن كانوا من أهل الشوكة المفسدين بعد ~~إبلاغهم الحجج كما تقدم مع وجود الناصر وإلا فلا يكلف الله إلا نفسها. # فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء إلى الخير # هذه ثلاثة أشياء: PageV01P242 # فأما الدعاء إلى الخير وهو الدعاء للكفار إلى الإسلام، والدعاء للفساق إلى ~~الإيمان، وذلك معلوم من ضرورة الدين من أنكره كفر بالإجماع وأدلته التي ~~تقضي بأنه فرض عين على كل مكلف بصريحها حتى يقوم به البعض ويكفي له منها ~~قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير}(1) وقوله تعالى: {ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(2) وقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((يا علي لئن يهدي الله تعالى ~~رجلا على يديك خير لك مما طلعت عليه الشمس))(3). PageV01P243 # ومنها قوله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}(1) ومن أعظم ~~الإحياء استنقاذ الأنفس من النار بدعائها إلى الإيمان، وقوله تعالى لرسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ الشرائع وهو من الدعاء إلى الخير ومن ~~معظم أصول الدين لا يعذر الإنسان منه ولو خشي التلف بعد التبليغ مع جهل ~~العوام تفصيل الشرائع أو جملها ما يكونون كفارا أو فساقا بجهله ففي وجوب ~~ذلك يقول الله تعالى: {لتنذر به ومن بلغ}(2) أي ومن بلغه القرآن من بعدك ~~فعرف ما فيه من الإسلام وأحكامه أنذر به على حد إنذارك من تبيين ما فيه ~~وتعليمه والدعاء إليه بالقول والعقل؛ فذلك فرض عين على العلماء لأنهم الذين ~~بلغهم القرآن فعرفوا ما فيه ولذا قال الله تعالى فيهم: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~[50أ] الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}(3) وقوله تعالى: {إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من ms148 البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ~~فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم}(4) فلا يخرج العالم عن عهدة هذه ~~الأدلة وعن اللعنة حتى يجمع العوام ويعلمهم ويبين لهم من الجمل والتفاصيل ~~ما يخرجهم عن الكفر أو الفسق حسب الإمكان، ولا يتهيأ ذلك إلا إذا عرفت ~~العوام أن هناك شأنا عظيما صاحب حل وعقد وإجابة دعوة له عند الله تعالى ~~وذلك إمام الحق من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P244 فيجب على العلماء الانضمام إليه، والتبيين على حد تبيينه للناس، والاقتداء، ~~وترك الحسد وكذلك يجب تبيينه بالتدريس لمن طلب مع فعل الطريقة الأولى، ~~وكذلك يجب التصنيف إذا احتيج إليه ضرورة وفي الحديث الذي هو تفسير للآية ~~أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كتم علما عنده مما ينفع الله به في ~~أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في وجوب إجابة من دعا إلى الخير من ~~ذريته صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه ~~الله على منخريه في نار جهنم))(2). # فيجب الدعاء إلى الخير على حسب الإمكان من غير أن يشار الدعاء إليه بظلم ~~من جور، وكبر، وخيلاء، ورياء، وسمعة، وطرب مزمار شيطان، وافتخار، وتعنيف، ~~وتنفير، وسب من لا يستحق السب وغير ذلك من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومن إهانة المساكين من أهل الدين، وتقريب ~~الفاسقين، وتبعيد المؤمنين، كأعمال الدولتين والأتراك وأتباعهم من أشياع ~~السوء وعلماء السوء ومن تشبه بهم فله حكمهم لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))(3). PageV01P245 # وعلى الجملة فلا يصلح لذلك إلا العلماء العاملون من عترة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وذريته [صلى الله عليه وآله وسلم] كإمام ومقتصد في ~~رتبته ودونه منهم -أعني أهل البيت عليهم السلام- وكذلك من تبعهم في العلم ~~والعمل فقد شهد ms149 الله تعالى أنهم -أعني أهل البيت عليهم السلام- لا يخرج ~~الحق عنهم بل هو في أيديهم لقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(1) وآية المودة، وآية الاصطفاء، وفيما أنزل الله ~~تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من السنة قوله [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ~~وهوى))(2)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم ~~به لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير ~~نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(3) وغير ذلك فلينظر الناظر ~~بعين البصيرة فيما بينه وبين الله تعالى وفيما بينه وبين الناس فيما فرض ~~الله تعالى عليه لهم ولا يغتر بالمعاذير والرجس غير العاذرة له عند الله ~~تعالى والشبهات، وظن السوء، وإيثار الحياء من الحق، وإيثار الراحات ~~والدنيا، واتباع من عند عن الأئمة وتشبه بالجبابرة من جهلة الرؤساء ولا ~~يترك في طلب نجاته جهدا حسب ما يقدر عليه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ~~والله يوفق الجميع لما يحب ويرضى. # وصلى الله [50ب] على سيدنا محمد وآله وسلم # فصل [ ] PageV01P246 في أخبار تقضي بحسن الدخول في الإمامة ونحوها من الحكم والتحذير من أن يفعل ~~صاحبها ما يخالف الكتاب والسنة والسيرة النبوية -صلى الله على صاحبها وآله ~~وسلم- وأنه ليس كل إمام وقاض ونحو ذلك على الحق إلا باتباع القرآن والسنة ~~وترك اتباع الهوى؛ فمنها قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أحب الناس إلى ~~الله عز وجل يوم القيامة وأقربهم مجلسا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله ~~عز وجل يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر))(1). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الإمام العادل لا ترد له ~~دعوة))(2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يقال للإمام العادل في قبره ~~أبشر فإنك رفيق محمد -صلى الله عليه وآله وسلم))(3). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من ولي ms150 من أمتي شيئا من ~~بعدي فعدل فيهم بسيرتي كان معي يوم القيامة، ومن ولي من أمرهم من بعدي شيئا ~~فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين لا ~~يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل))(4). قال محمد بن منصور بلغنا أن الصرف: ~~التوبة، والعدل: الفدية. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن المقسطين عند الله ~~على منابر من نور وعن يمين العرش، وكلتا يديه يمين وهم الذي يعدلون في حكم ~~أهليهم وما ولوا))(5). PageV01P247 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما من شيء أعم نفعا من رفق ~~إمام وعدله، وما من شيء أعم ضررا من خرق إمام وجوره))(1). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((سيكون من بعدي أمراء يظلمون ~~ويغشمون؛ فمن غشي أبوابهم وصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست ~~منه ولا يرد علي الحوض، ومن لم يفعل ذلك بهم فإنه مني وأنا منه وسيرد علي ~~الحوض))(2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من استرعى رعية فغشها لقي ~~الله وهو عليه غضبان))(3). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إنكم ستحرصون على ~~الإمارة، فنعمة المرضعة، وبئسة الفاطمة))(4). # وعن علقمة قال: قلت لعلي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أمير المؤمنين، ~~أتجعل بينك وبين ابن آكلة الأكباد حكما؟ فقال: كنت كاتب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم سهيل بن عمرو فكتبت بسم الله الرحمن الرحيم هذا ~~كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لا، والله لا أقر ~~أنه رسول الله، ولو أقررت لما قاتلته، قال: قلت بلى، والله إنه رسول الله ~~على رغم أنفك، والله لا محوته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يا علي، أرنيه؛ فمحاه ثم قال: اكتب، هذا كتاب من محمد بن عبد الله ثم قال: ~~((أما والله لتدعن إلى مثلها فلتفعلن وأنت كاره))(5). # فصل [ ] PageV01P248 في أخبار في التحذير عن الرياء والسمعة في العلم وتعليمه ms151 وتعلمه وفي الكرم، ~~وفي قراءة القرآن وتعليمه وتعلمه، وفي البر بالأرحام وغير ذلك، وفي الجهاد ~~والأمر بالمعروف والنهي المنكر وفي حسن الدهر وذم الملك مع الظلم لأجل يقيم ~~الملك كذلك. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي -عليه السلام- قال: قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وعلى آله:}هل منكم من يريد أن يعطيه الله علما بغير ~~تعلم؟ هل منكم من يريد أن يعطيه الله هدى بغير هداية؟ هل منكم من يريد أن ~~يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا؟ ألا إنه من زهد في الدنيا وقصر فيها ~~أمله أعطاه الله علما بغير تعلم، وهدى بغير هداية، ألا وإنه من رغب في ~~الدنيا وطال فيها أمله أعمى الله قلبه على قدر رغبته فيها، ألا وإنه سيكون ~~أقوام لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا يستقيم لهم الغنى إلا ~~بالبخل والفجر، ولا يستقيم لهم المحبة في الناس إلا باتباع الهوى، ألا فمن ~~أدرك منكم ذلك فصبر على الذل وهو يقدر على العز وصبر على الفقر وهو يقدر ~~على الغنى وصبر على البغضة في الناس وهو يقدر على المحبة لا يريد بذلك إلا ~~وجه الله والدار الآخرة أثابه الله ثواب خمسين صديقا))ز PageV01P249 قال السيد الإمام أبو طالب رضي الله عنه: معنى قوله -صلى الله عليه وعلى ~~آله: }إن من زهد في الدنيا أعطاه الله علما بغير تعلم)) إن عند زهده فيها ~~يقوي دواعيه إلى النظر الذي يكتسبه العلوم التي ينتفع بها في الدين تكثر ~~ثوابه عليها من غير استدعاء من المخلوق وتعلم منه وهو مطابق لقوله تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ومعنى أنه إذا رغب فيها أعمى الله ~~قلبه أنه يكون مصروفا عن هذا اللطف. # روي عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((من تعلم العلم ليباهي به ويماري به في المجالس لم يرح رائحة ~~الجنة))(1) [51أ] وفي بعض الأخبار ((يؤمر بالعالم الفاسق إلى النار قبل ~~عبدة الأوثان))(2). # وروي عن ms152 النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يدخل الجنة من في ~~قلبه من الكفر وزن خردلة))(3). PageV01P250 # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إذا كان يوم القيامة ~~فأول من يدعى برجل جمع القرآن فيقول الله له: عبدي ألم أعلمك ما أنزلت على ~~رسولي؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ماذا عملت؟ وما علمت؟ فيقول: يا رب كنت ~~أقوم الليل وأصوم النهار. فيقول الله تعالى: كذبت، بل أردت أن يقال فلان ~~قارئ وقد قيل، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء، ثم يدعى بصاحب المال فيقول عز ~~وجل: عبدي ألم أنعم عليك؟ ألم أفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب، كنت أصل الرحم ~~والصديق وأفضل، فيقول الله تعالى: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد فقد ~~قيل، اذهب فليس لك عندنا شيء . قال أبو هريرة ثم ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يده على ركبتيه فقال: يا أبى هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق ~~الله تسعر بهم النار))(1). # والعالم من أهل البيت عليهم السلام مع ظهور ورعه وفقهه أولى من نقلت ~~عنه الأخبار ولأن ذلك من علمائهم على هذا الشرط لأن مأخذ الشريعة منهم أولى ~~لقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به ~~لن تضلوا من بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن، اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(2). # وروي في الخبر الطاهر أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي ~~فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(3). PageV01P251 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين خاصة: ((من أحب أن يتمسك ~~بقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله تعالى في جنات عدن فيمسك بحب علي ~~-عليه السلام))(1)، ومثل ذلك كثير قد رواه الموالف والمخالف. # وروي عن جابر الأنصاري أنه سئل عن علي عليه السلام فقال: ذلك خير البشر. # فأما الحسن والحسين فهما أبناء رسول الله -صلى الله عليه وعليهما وآلهم ms153 ~~وسلم- كانت الصحابة تدعوهما بذلك. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل بني بنت ~~ينتمون إلى أبيهم غير ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما))(2) وقال فيهما: ~~((الحسن والحسين إماما شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما))(3) وهذا يقتضي ~~أنهما سيدا المتقين والعابدين والزاهدين العالمين لأن أهل الجنة من ~~المكلفين هذه صفاتهم. # وروي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من أحبهما في الجنة ومن أبغضهما في النار))(4). # وروي عن أبي هريرة أيضا قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: ((أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم))(5). # فصل [ ] # في خبر يدل على وجوب النصيحة وحسنها حيث لم يكن بتركها إخلال بواجب، أو ~~فعل قبيح في حسنها ولا يجب إلا إذا أمكن فعلها وأدى تركها إلى قول قبيح أو ~~ترك واجب فيدل على ذلك مع الآيات والأحاديث ويدل أن الإسلام الكامل هو ~~الإيمان الكامل كما في الآيات. PageV01P252 # هذا الخبر وهو ما روى الحسن بن يحيى [51ب] بن الحسين بن زيد بن علي -عليهم ~~السلام- في {الجامع الكافي) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الحسن: ~~قد رويناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه أنه قال -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من أتى بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وأقام الصلاة ولم يؤدي الزكاة لم يقبل الله منه شهادته وصلاته، ومن أتى ~~بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يصم شهر رمضان من غير علة ولا عذر ~~لم يقبل الله منه شهادته ولا صلاته ولا زكاته، ومن أتى بهذه الأربع الفرائض ~~وأدركته فريضة الحج فلم يحج من غير علة ولا عذر لن يقبل الله منه ما أدى من ~~الفرائض، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لا يقبل فرائضه ~~بعضها دون بعض وإنما يكمل الإيمان بما يثبت في القلب من معرفة الله ~~والإيمان بما أمر الله أن نؤمن ms154 به، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، ~~وتحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله))(1). PageV01P253 # قال الحسن بن يحيى في الإيمان والإسلام: بلغنا أن جبريل عليه السلام أتى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة لم يعرفه فيها فقال: ((يا رسول ~~الله ما الإسلام؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ~~وصوم شهر رمضان، والغسل من الجنابة، فقال: يا رسول الله، فإذا فعلت هذه ~~الخصال فأنا مسلم؟ قال: نعم، قال: صدقت، ثم قال: يا رسول الله: ما الإيمان؟ ~~قال: إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والموت، والبعث بعد الموت، ~~والجنة، والنار، والقدر خيره وشره وحلوه ومره. قال: يا رسول الله، فإذا ~~فعلت هذه الخصال فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت، ثم قال: يا رسول الله ما ~~الإحسان؟ قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: يا ~~رسول الله، فإذا فعلت هذه الخصال فأن محسن؟ قال: نعم. قال: صدقت، ثم مضى ~~فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: علي بالرجل، فطلبناه فلم نلحقه، ~~فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: هذا جبريل أتاكم يخبركم بمعالم ~~دينكم))(1). PageV01P254 # قوله: "القدر خيره وشره" المقصود بذلك الآلام والنقائص التي من الله تعالى ~~والتخلية بين المكلف وأعدائه، وخيره الإحسان الصادر من الله تعالى إلى ~~عبيده وجزاؤهم في الآخرة على الأعمال الصالحة، وإيجاب الواجبات عليهم، وفرض ~~اجتناب المقبحات والنفس تنفر من ذلك والإحسان تحبه، فالإحسان في الدنيا، ~~والآخرة حلوة -أعني القدر- والمر التكاليف الشاقة، والآلام، والنقائص، ~~والتخلية؛ فهذه مرة، قال الله تعالى في ذلك: {وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا}(1) وقد دل في هذا الخبر أن الإسلام إذا كمل كان إيمانا، وإذا لم ~~يكمل حقن الدم والمال وكانت الموارثة والطهارة لكن لا يكون أيضا مسلما ~~منقادا حتى يصدق ويقر بجمل الإسلام كلها ويعرفها، ولا يكمل إسلامه حتى يكون ~~إيمانا إلا بالعمل وهو إتيان بالواجب ومعرفته، واجتناب القبيح ومعرفته ms155 ~~اجتهادا وأخذا من أفواه العلماء فيما لا يجب فيه الاجتهاد ومعرفة الدليل ~~كما قررنا في هذا الكتاب في فصل [52أ] الاجتهاد، وقد دل هذا الخبر أن الله ~~تعالى لا يقبل من العبد فريضة وهو مخل بفريضة أخرى يقدر عليها وهي مضيقة ~~يمكنه فعلها، ثم أصر على تركها وبنى عليها في حال فعل الفريضة أو قبل ~~فعلها، ثم دخل فيها وهو كذلك، فدل على أن الله تعالى لا يثبت العبد على فعل ~~طاعة ولو حسن فعلها وهو تعالى عليه ساخط، ويقرر هذا قوله تعالى: {إنما ~~يتقبل الله من المتقين}(2) وقد فصلنا هذا في باب الاحباط، وفرقنا بين ~~الفرائض التي يكفر PageV01P255 تاركها مطلقا تمردا أو استحلالا، وبين التي دون ذلك، وذكرنا أن الطاعات ~~مهما لم يكفر صاحبها بترك بعضها استحلالا في القطعي العملي وفي العلمي ~~مطلقا أي: استحلالا أو تمردا تجزيه منه فلا يجب عليه إعادتها ولو لم يثب ~~عليها إذا كان فاسقا بفعل كبيرة مصرا عليها غير تائب، فقد قررنا هنالك ما ~~فيه كفاية بأدلته فليرجع إليه، وإنما نذكر هذه الأحاديث لما فيها من شبه ~~المجبرة ونحوهم لئلا يحتجوا علينا بها، فنذكرها ونتأولها على وجوهها التي ~~يطابق بها المحكم كما يتأول متشابه القرآن. # فصل أصل الإرجاء # اعلم أن أصل الإرجاء في هذه الأمة ومن قال الإيمان قول بلا عمل، وقد أخبر ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم وأخبر أنهم لعنوا على لسان سبعين نبيا ~~وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيهم حين سئل عنهم فقال: ((هم الذين يقولون ~~الإيمان قول بلا عمل))(1). PageV01P256 # قال الحسن بن يحيى في {الجامع الكافي) للسائل عن الإرجاء: سألت عن الإرجاء؛ ~~فإن فرقة من أهل البدع منهم عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن ~~مسلمة تخلفوا عن نصرة أمير المؤمنين وضيعوا ما افترض الله عليهم من نصرة ~~إمامهم، وأرجأوا معاونته على الفئة الباغية، وخالفوا قول الله تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى ms156 تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما}(1) فلا ~~هم حضروا كما أمرهم الله تعالى حتى يصلحوا بين المؤمنين ويقاتلوا الفئة ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله؛ فهؤلاء النفر ومن كان قبلهم ممن تقدم على ~~علي صلى الله عليه وآله وسلم وخالف أمره أئمة المرجئة وزعموا هم ومن ~~اتبعهم لما لزمهم من الحجة في تضييع الفرض أن الإيمان قول بلا عمل، وأن ~~إمامة الفجار جائزة، وأن قتال أئمة الكفر ممن ينتحل الإسلام عنهم ساقطة لما ~~افترض الله عليهم حتى توافت بهم البدع والضلالة إلى أن زعموا أن الرجل من ~~أهل الإسلام لو قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ونكح أمه وابنته وأخته ~~وسعى في الأرض فسادا وتعدى حدود الله لكان مؤمنا على إيمان جبريل وميكائيل، ~~وهذا القول من بين ما انتحل المبطلون، وهم بهذه المقالة شركاء في ذم كل ~~مؤمن قتل على وجه الأرض؛ وذلك لأنه انتهى الخبر إلينا عن علي -صلى الله ~~عليه وآله - أنه قال: "عاقر ناقة ثمود كان واحدا وشركه الباقون في قتلها بالنية PageV01P257 فنزل بهم العذاب جميعا، قال الله تعالى: فتعاطى {فعقروها فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها} (1) ألا ومن زعم أن قاتلي مؤمن فقد قتلني ~~فعلى الأولين [52ب] والآخرين منهم غضب الله ولعنته". # قلت: قد روي أن عبد الله بن عمر تاب عن تخلفه عن أمير المؤمنين، وقد ~~جوبنا على المرجئة وأنهم من يقول هذا فلا يقطعون بالوعيد، ويقطعون بخروج ~~فسقة المسلمين من النار، وقد أجبنا عليهم هناك بما فيه كفاية فليرجع إليه. # فصل [ ] PageV01P258 في التحذير من الرياء والسمعة فيما ذكرنا كما تقدم فيما قدمنا وفي التحذير ~~عن الحسد الذي ليس بغيرة بل يحب الحاسد ويريد سلب نعمة غيره وذلك الغير لا ~~يفسد بنعمته في أرض الله تعالى وطاعته تعالى بغير الحق والعجب وهو الافتخار ~~على الغير الذي لم يعمل كعمله ونحو ذلك، ففي ذلك مع ما تقدم آيات كثيرة ~~منها قوله تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون ms157 ~~بما كانوا يقترفون}(1) وقال تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من ~~فضله....الآية}(2) وقال تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون * ~~الذين هم يراؤون}(3) وقال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}(4) وهي نزلت في الذي قال أنه يفرح بذكر طاعاته ~~للناس، وقال تعالى: {يراؤون الناس... الآية}(5) وقال تعالى: {ألا لله الدين ~~الخالص}(6) وقال تعالى: {إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}(7) وقال تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}(8) وأخبار كثيرة من أعظمها: ~~ما روى ابن المبارك بإسناده عن رجل أنه قال لمعاذ: يا معاذ، حدثني حديثا ~~سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكى معاذ حتى ظننت أنه لا ~~يسكت، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إني محدثك ~~حديثا إن أنت حفظته نفعك، وإن أنت ضيعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله عز ~~وجل يوم القيامة، يا معاذ، PageV01P259 إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات والأرض، فجعل لكل سماء من ~~السبعة ملكا بوابا عليها، فتصعد الحفظة بعمل العبد من حين يصبح إلى حين ~~يمسي له نور كنور الشمس حتى إذا طلعت به الملائكة إلى السماء ذكرته وكبرته، ~~فيقول الملك للحفظة أضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة، أمرني ~~ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، قال: ثم تأتي الحفظة ~~بعمل صالح من أعمال العباد فبركته وتكبره حتى يبلغ به إلى السماء الثانية، ~~فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، إنه أراد بعمله ~~هذا عرض الدنيا، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه كان يفتخر ~~على الناس في مجالسهم، قال وتصعد الحفظة بعمل العبد يبتهج نورا من صدقة ~~وصيام وصلاة قد أعجب الحفظة، فيجاوزون به إلى السماء الثالثة، فيقول لهم ~~الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، أنا ملك الكبر، أمرني ربي أن ~~لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، إنه ms158 كان يتكبر على الناس في مجالسهم، قال: ~~وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهو كما يزهو الكوكب الدري وله دوي كدوي النحل من ~~تسبيح وصلاة وحج وعمرة يتجاوزون به إلى السماء الرابعة، فيقول الملك الموكل ~~بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه، أنا صاحب العجب، إنه كان إذا عمل عملا ~~أدخل فيه العجب أمرني ربي أن لا يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل ~~العبد حتى يجاوزون [53أ] به إلى السماء الخامسة كأنه العروس المزفوفة إلى أهلها، PageV01P260 فيقول الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه واحملوه على عاتقه، أنا ~~ملك الحسد، إنه كان يحسد من يتعلم ويعمل بمثل عمله وكل من كان يأخذ فضلا من ~~العبادة كان يحسدهم ويقع فيهم، أمرني ربي أن لا أدع عمله أن يجاوزني إلى ~~غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة ~~فيتجاوزون به إلى السماء السادسة، فيقول الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به ~~وجه صاحبه، إنه كان لا يرحم إنسانا قط أصابه بلاء، بل كان يشمت بهم، أمرني ~~ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد إلى ~~السماء السابعة من صلاة وصيام واجتهاد وورع ونفقة له دوي كدوي النحل معه ~~ثلاثة آلاف ملك، فيقول لهم الملك الموكل بها: قفوا واضربوا به وجه صاحبه ~~واقفلوا على قلبه، إني حجبت عن ربي كل عمل لم يرد به وجهه، إنه كان إذا عمل ~~عملا أراد به رفعة عند العلماء، وذكرا عند الفقهاء، أمرني ربي أن لا أدع ~~عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل لم يكن خالصا صالحا لله فهو رياء ولا يقبل ~~الله عمل المرائي، قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وصيام وحج وعمرة ~~وذكر وخلق حسن تشفعه ملائكة السماوات حتى يقطعون الحجب كلها إلى الله ~~تعالى، فيقفون بين يدي الله تعالى ويشهدون له بالصلاح المخلص لله تعالى، ~~فيقول لهم الله: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على قلبه إنه لم ~~يردني بهذا العمل وأراد به غيري فعليه ms159 لعنتي، وتقول الملائكة: عليه لعنتك ~~ولعنتنا، وتقول PageV01P261 السماوات كلها: عليه لعنتك ولعنتنا، قال معاذ: قلت يا رسول الله، أنت رسول ~~الله وأنا معاذ، كيف لي بالنجاة والخلاص؟ قال: اقتدي بي يا معاذ وإن كان في ~~عملك تقصير، وحافظ على لسانك في الوقيعة في إخوانك من حملة القرآن، واحمل ~~ذنوبك عليك ولا تحملها عليهم، ولا تزكي نفسك بذممهم، ولا ترفع نفسك عليهم، ~~ولا تدخل عمل الدنيا في عمل الآخرة، ولا تتكبر في مجلسك لكن تحذو الناس من ~~سوء خلقك، ولا تناجي رجلا وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس، ولا تمزق الناس ~~فتمزقك كلاب النار يوم القيامة، قال الله تعالى: {والناشطات نشطا}(1) هل ~~تدري ما هن يا معاذ؟ قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، ما هن؟ قال: كلاب في ~~النار تنشط اللحم عن العظم. قلت: يا رسول الله بأبي وأمي أنت، من يطيق هذه ~~الخصال؟ ومن ينجو؟ قال: يا معاذ، إنه يسير على من يسر الله له))(2) ، قال: ~~فما رأيت أحدا أكثر تلاوة للقرآن من معاذ لهذا الحديث. # قلت: وهذا من علم العقائد مما يلحق بأصول الدين. PageV01P262 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يسره الله عليه)) يعني صلى الله عليه ~~وآله وسلم لطف به ووفقه لقبوله الحق واتباعه وحراسته بنهيه لنفسه عن الهوى ~~والتوبة الصحيحة المدافعة لما تشتهيه النفس من تلك المداخل بالتفكر فيما ~~يؤدي إليه من غضب الله تعالى فيخاف بذلك المدافعة الحاصلة بالتفكر في مفسدة ~~تلك المداخل ربه تعالى، ويخلص العمل له مرة بعد أخرى فيسهل عليه الإخلاص ~~حيث صار له عادة، قال الله تعالى في ذلك: {وأمام من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس [53ب] عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}(1) وقال تعالى: {وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون}(2) ~~يظنون: يعلمون؛ فأقيم هنا مقام العلم. PageV01P263 # قلت: ويدل على مثل ما في هذا الحديث آيات كثيرة منها قوله تعالى: {والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}(1) فإن معناها يؤتون ما ms160 ~~آتوا مع الإيمان من الأعمال الصالحات {وقلوبهم وجلة} فيها الوجل وهو الخوف ~~أن الله تعالى لا يقبلها لشائبة من هذه الشوائب، فيتكلمون بالتوبة كما قال ~~تعالى في الصالحين العاملين: {والمستغفرين بالأسحار}(2) وقد نهى تعالى عن ~~الاستكبار والإصغاء في المجالس إلى بعض دون بعض بقوله تعالى مقررا ما حكاه ~~من قول لقمان عليه السلام لابنه: {ولا تصعر خدك للناس}(3) ونهى تعالى عن ~~الكبر والفخر بقوله تعالى: {ولا تمشي في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن ~~تبلغ الجبال طولا}(4) ونهى تعالى عن الحسد في الفضل بالمال والعلم ~~والأعمال، وأباح أن يطلب العبد الفقير عن ذلك من الله تعالى مثل ذلك وفوقه ~~مما يليق به بقوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ~~واسألوا الله من فضله}(5) وأخبر تعالى أنه لا يقبل من العمل إلا ما خلص ~~وزكى فقال تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}(6) فإن ~~معناه يصعد إليه تعالى، فيثبت تعالى حكمه من الثواب لعامله، والكلم الطيب: ~~التكلم بالتوحيد لله والتنزيه، واعتقاد العدل في أفعاله تعالى عن اعتقاد ~~مشفوعا بأعمال الجوارح الخالصة لوجه الله تعالى، السليمة مما يحبطها من ~~الكبائر والإرادة بها غير وجه الله من أن يقصد بها PageV01P264 الله وللثناء المخلوقين، أو لأعراض الدنيا، أو رفعة الصيت في الناس والذكر ~~الحسن فيهم، وأن يشهدوا له بسببها بالمنزلة العليا ويقدمه أهل الشرف ~~والصلحاء، ويرفعوا مجلسه ورتبته، ويبسطوا جاهه فيهم وفي غيرهم لأجلها، أو ~~ليشهدوا له بالزيادة على أهل منصبه وقبيلته بسببها، ومن ذلك أن يترك المكلف ~~ما فرض الله تعالى عليه، أو يفعل ما حرمه الله عليه خوفا من السب ودخول ~~الشبهة عليه بسبب ذلك في قلوب الفقهاء، وفي ذلك يقول الله تعالى مادحا من ~~لم ينال بهذا: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}(1) وحكى سبحانه ~~تغير القلوب من العباد عند القيام بالمصالح الدينية في آيات كثيرة منها ~~قوله تعالى: {قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا....الآية}(2) معناه: ~~إنا كنا نرجو فيك ms161 لحكمك ورجاحة عقلك ما يدعوك إلى أنك تساعدنا ولا تدعونا ~~إلى ما نكره من عبادة إله واحد، بل تدخل معنا فيما نرجوك له، وتكون فينا ~~رئيسا مسموعا في فك العظائم، والآن بسبب اعتراضك واعتزال آلهتنا صرت فينا ~~مهانا منقوصا، وقالوا لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل ذلك، ~~وقالوا للنبي رسول الله شعيب عليه السلام ما حكى الله تعالى عنه بقوله ~~تعالى: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد....الآية}(3) وقالوا له أيضا بسبب ~~دعائهم إلى الله تعالى: {إنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك PageV01P265 لرجماناك وما أنت علينا بعزيز}(1) وقالوا لرسول الله [54أ] محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {وعجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إله واحدا إن هذا ~~لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء ~~يراد * ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق * أءنزل عليه ~~الذكر من بيننا}(2) وقال تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا* ولولا أن ثبتنا لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا}(3) وحين لم يعطيهم أملهم ويساعد في هوائهم أو بعضه وأيسوا منه صلى ~~الله عليه وآله وسلم احتالوا في قتله أو إخراجه من بينهم وبغضوه، وازدادت ~~عداوتهم له، واجتمعوا له في دار الندوة ليبطشوا به خفاء ولا يتعين قاتله، ~~فأمر الله تعالى جبريل يخبره ويخرجه ويجعل موضعه في مفرشه أمير المؤمنين ~~علي عليهما السلام فاديا له بنفسه؛ فيا لها من كرامة لعلي -عليه السلام، ~~فأخرجه جبريل [عليه السلام] من بينهم وهم لا يشعرون وفقدوا فإذا علي بين ~~ثيابه فظنوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفتحوا عنه إلى الفجر ~~فإذا هو علي عليه السلام فأنزل الله فيهم ms162 وفي رسوله -عليه السلام: {وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون PageV01P266 خلافك إلا قليلا}(1) وقال تعالى فيهم: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}(2) وقال تعالى ~~مخبرا أن القيام بالخيرات منزعا للخلاف ودخول الشبهات في قلوب غير ~~المعصومين: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}(3) إلى ~~غير ذلك. # ومن ذلك قوله تعالى حاكيا: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور}(4) ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من أرضى الناس بسخط الله عاد حامده منهم ذاما))(5). PageV01P267 # واعلم أن المخلوقين سيما المقلدين منهم الذين لا بصيرة لهم في معرفة الكتاب ~~والسنة من أهل فروع الفقه الذين لا يعرفون من أي آية وضعت المسألة أو أي ~~خبر كانت عنه لا يرضون عنك حتى تسقط فيما يهوون، وتجهل كما يجهلون، وتقلد ~~في دينك كما يقلدون ولا يرضى عنك أهل الزيغ حتى تزيغ كما يزيغون، ولا يرضى ~~عنك أهل الغلو في الدين حتى تغلو في دينك كما يغلون، ولا يرضى عنك أهل ظن ~~السوء في الناس حتى تسيء ظنك بالبر وغيره كما يسيئون، ولا يرضى عنك أهل ~~الضلالات والمعاصي حتى تضل كما يضلون وتعصي الله كما يعصون، ولا يرضى عنك ~~أهل التجوز في غصب أموال الناس بغير دليل بعين ذلك المأخوذ بنصه تعالى حتى ~~تجيز وتفتي بجواز ما يفعلون، وقد نص الله تعالى على ذلك في آي كثيرة منها ~~قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ~~وإذا لاتخذوك خليلا}(1) [54ب] ومنها قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ms163 الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد ~~الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}(2) ثم قال بعد ذلك في ~~المنصفين العلماء الراسخين في العلم، العاملين به، المنصفين لكتاب الله ~~تعالى بتدبر ما فيه فيدل عليه الذين وفقهم الله تعالى بسبب قبولهم الدين، ~~والدخول باختيارهم في الحق والإنصاف واليقين، قال تعالى فيهم: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم PageV01P268 الخاسرون}(1) يعني تعالى ممن رجع إلى العصبية وعمد بهواه وحرف من اليهود ~~والنصارى إلا خلاف المحكم والمعنى القيم من الكتاب وحرف من اليهود والنصارى ~~ومن بقي على الجهل والعصيان ولم يعرفه وقلد المحرفين في دينه لجهله فقال ~~تعالى في ذلك: {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}(2) فأخبر تعالى أن من تلا ~~التوراة من اليهود والنصارى حق تلاوتها لم يحرفها فهو مؤمن بها وإذا آمن ~~بها فهو مؤمن بجميع الأنبياء داخل في دين سيد الرسل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن يكفر به أي: بالكتاب الذي هو التوراة وهو الذي فرق بين ~~الأنبياء بكفره بسيد الأنبياء محمد وحرف صفته ونعته من التوراة لئلا يلزمه ~~الدخول في دين محمد المصطفى فهو خاسر، فأخبر تعالى أن المؤمن بالتوراة -وهو ~~المنصف لها- مؤمن بجميع الأنبياء مصدق لهم داخل في دين محمد المصطفى، مستحق ~~للجنة ومتبع له مع ذلك حيث لحق زمانه مستحق للجنة، ومن كفر بالتوراة بأن ~~حرف نعت محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها فقد فرق بين الأنبياء فهو ~~خاسر مستحق للنار، كذلك من حرف القرآن عن معناه الذي يدل عليه بغير ناسخ من ~~القرآن أو السنة قاطعين، أو خصصه بغير دليل منهما قاطع أو ظني معروض محكم ~~صحيح فهو غير مؤمن به، وإذا لم يؤمن به فهو كافر به إذ قد حرفه، وإذا كفر ~~به كان كافرا إجماعا فهو من الخاسرين، فويل لأهل الزيغ وأهل الهوى من ~~المقلدين المتعصبين، وقوله تعالى: {حتى تتبع ملتهم} إقناط لرسول الله صلى PageV01P269 الله عليه وآله وسلم عن ms164 دخولهم في الإسلام كقوله تعالى حاكيا عن غيرهم ما ~~قالوا للرسل بقوله تعالى حاكيا: {لنخرجنكم من قريتنا أو لتعودن في ~~ملتنا}(1) فحكى الله تعالى كلامهم أنهم قالوا: لا نرضى عنك وإن أبلغت فلا ~~يبلغك رضانا حتى تتبع ملتنا من الكفر بعيسى ونفسك وتقول عزير بن الله، ~~وتقول النصارى حتى تقول مثلهم المسيح ابن الله؛ وهم يعلمون أنه لا يتبعهم ~~لكن لييئس من إسلامهم بتصديقهم له واتباعهم له؛ فلا تغتر أيها المكلف بأهل ~~التقليد والزيغ والجهل والبدع والتجوز والشقاق، فقد حذرتك، وإنهم لا ~~يوالونك إلا أن تواليهم على ظلمهم، ولا يتركون تضليلك حتى تسقط في أيديهم ~~يصدق ذلك مع ما تقدم قوله تعالى: {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين}(2) فولي الظالم الظالم والله ولي المتقين، وليس المتقون أولياء ~~للظلمة وإن أظهر الظالمون المودة فذلك نفاق حتى يتوبوا إلى الله تعالى من ~~ظلمهم المعلوم، والسلام على من اتبع الهدى. # فصل في جواز قبول [55أ] عطية السلطان الجائر ونحوه من الظلمة. # قلنا ذلك على وجوه: # إن أعطاها لفاضل من أهل بيت محمد المصطفى تبركا به فلا بأس بأخذها إذا ~~سلمت الشوائب؛ فإن علم الآخذ أنها من مال أحد معين من المسلمين فإن كانت ~~زكاة أو خمس أو غيرها من الواجبات صرفها في مصرفها وهو وكيل لصاحبها برأي ~~صاحبها يصرفها كذلك. PageV01P270 # فإن غلب صاحبها عن إخراجها ولم يقدر ذلك المعطى على قهره فالإثم على ~~صاحبها، وإن كان الذي صارت إليه عالما من آل محمد يصلح للإمامة لعلمه وعمله ~~صرفها ولم يؤاذن صاحبها، فإن خافه بضرر حيث لم يردها عليه ردها وإثمها على ~~صاحبها، وإن كانت خالص مال الغير معينا وجب ردها إليه ولا يجوز ردها إلى ~~السلطان أو نحوه من الظلمة في هاتين الصورتين لأن في ردها معاونة للظالم ~~على ظلمه وإتلافا لمال الغير بغير دليل، وقد صارت معه أمانة في هذه الحال، ~~وليس الظالم أهلها، وقد قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها}[النساء:58] فإن ردها إلى الظالم ms165 بفعله في هذه الحال ضمن مثلها ~~مثلية أو قيمتها يوم ردها قيمية، وهل يجب قبول عطية الظالم إذا علم المعطي ~~أنها من أي الصورتين؟ # قلت: لا يجب عليه لأن في ذلك إدخالا لنفسه في الحرج لأجل التضمين في ~~عاقبة الأمر، وقد قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج}[الحج:78] إلا أن يخشى على صاحبها تلفا حيث لم يردها عليه وجب قبولها. PageV01P271 # وإن كانت العطية مظلمة لا يعلم أربابها من الرعايا مع العلم أنها مغصوبة ~~عليهم أو لا تنقسم بينهم لكثرتهم وجب قبضها ويصرفها في محلها ولو في نفسه ~~وعياله لفقر أو مصلحة فيه، أو يصرفها في بعض المغصوب عليهم حيث كانوا ~~مصرفا، وإن تكن من خالص مال الظالم جاز قبوله ما لم يعلم أن الظالم قصد به ~~التوصل إلى استمالة المعطي إلى المعاونة له على ظلمه أو يمن عليه ذلك حيث ~~لم يف للظالم بما يهوى؛ فإن علم حصول المنة منه أو علم أنه أراد استمالته ~~إلى معاونته على ظلمه لم يجز له قبوله، وإن علم بعد القبول وجب الرد حيث ~~كان باقيا لا لو كان قد أتلفه قبل العلم إذ ا أتلفه بطيبة نفس صاحبه في ~~الظاهر، وإن قبل ولم يعلم بأي الصورتين لم يجز الرد لأن قد بذل الظالم ذلك ~~بطيبة من نفسه، وفي رده إما معاونة له على ظلمه أو تنفيرا في الدين، ~~وإيغارا لصدره بغير وجه في هذه الحادثة بسببها وهي إحسان لا يجوز أذية ~~الظالم بسببها بل يمدح بها ويذم بغيرها من خصال الظلم وينسب إليه الإحسان ~~فيها فقط دون غيرها من خصال الظلم، وقد قبل أهل بيت محمد المصطفى -صلى الله ~~عليه وعليهم- من الظلمة كذلك، وكذلك قبل الأنبياء عطايا الظلمة على هذه ~~الشرائط حيث لا منة للظلمة ولا علم أن قصد الظلمة المعاونة للظلمة على ~~ظلمهم أو كان حقا واجبا على ما فصلنا، وكذلك إن قبلها غير أهل البيت [عليهم ~~السلام] من المؤمنين كان الأمر على ما ذكرنا جاز ذلك وبشرط أن ms166 لا يعني ~~الأخذ بأحقية الظلم لأجل PageV01P272 الإحسان في بعض الأحوال ما بقيوا على ظلمهم؛ فإذا جمع الشرائط صح، وعلى ذلك ~~الأنبياء والصالحون من ذراريهم وأتباعهم -عليهم الصلاة والسلام. # فصل # فإن خشي الأمر الناهي أنه إذا نهى عن المنكر أدى نفس النهي إلى فعل أنكر ~~منه في محل واحد كأن ينهى عن قطع يد زيد فيؤدي [55ب] نهيه إلى أن يقتله ~~{أي: زيدا) أو تقطع يديه معا، أو ينهى عن شرب الخمر فيؤدي إلى زيادة الزنا ~~ونحو ذلك، أو ينهى عن سب فلان باللقب فيؤدي إلى قذفه بالفواحش، أو في الأمر ~~بالمعروف إذا أدى الأمر مثلا بالصلاة إلى أن يقطع معها الزكاة، أو يضيف إلى ~~تركها فعل الزنا ونحو ذلك. # والآمر الناهي في هذه الحال لا يقدر على إجبار المنهي المأمور على ما ~~أمره به أو نهاه عنه ولا مما زاد عليه من المنكرات، فإن الدليل القرآني قد ~~دل على قبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا علم الآمر الناهي بتجربة ~~أحوال من نهاه أو غلب بظنه أنه يتزايد أو يفعل أنكر، فقد نهى الله تعالى عن ~~الأمر والنهي في مثل هذه الحال فقال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}[الأنعام:108] فنهى تعالى عن سب الذين ~~يعبدون الأصنام لأجلها وهو جائز بل واجب لما أدى إلى منكر أنكر منه وهو سب ~~الله تعالى؛ فالتسبب للمنكر منكر إذا علم المنكر ذلك المسبب وهو أنكر. # فصل PageV01P273 فإن لم يعرف المأمورون المنهيون الشرائع وجب إبلاغهم، وإلى إقامة الحجة ولو ~~أدى إلى أنكر لقوله تعالى: {لتنذر به ومن بلغ} ولقوله تعالى: {لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل}[النساء:165] ولقوله تعالى {وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان:17]. # فصل # فإن خشي الآمر الناهي ولو بالظن أو التجربة أو بقرينة تلف نفسه أو عضوا ~~منه، أو أخذ مال مجحف وقد عرفوا الشرائع، أو كانوا لا يسلمونه حتى يبلغ ولو ~~لم يعرفوا وجب عليه ms167 تركهم في هذه الحال لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}[المؤمنون:48]. # فصل PageV01P274 لا يجب الأمر والنهي حتى يعلم أن المتروك واجب ويتضيق أداؤه أو قضاؤه ~~كالصلاة آخر الوقت والمنكر بعد الشروع فيه أو خشية الوقوع إن لم ينه، ويكون ~~الواجب المتروك مما علم وجوبه ضرورة كالصلاة والزكاة، والمنكر مما علم ~~تحريمه ضرورة كالزنا والربا المجمع عليه -أي: الربا- أو في مذهب الفاعل ~~تحريمه، أو في مذهب الناهي تحريمه مع تيقنه دليل مذهبه وجب إلا أن يكون ~~الفاعل خلاف مذهب الناهي مجتهدا أو مقلدا له، والمسألة اجتهادية ولم يقطع ~~الاجتهاد فيها إجماع العترة عليهم السلام القولي ويكون مستند ذلك الإجماع ~~أنه محكمه أو حديث متواتر محكم حرم أو أوجد منطوقهما لا بمفهومهما فإذا ~~خالف المجتهد هذا لأجل وجب [يرجى من المصحح توضيح الخط] نهيما لأن هذا يقطع ~~ذلك الاجتهاد وفي غير هذا لا يجب فإن الفاعل التارك لا مذهب له يقتدي إليه ~~وجب الأمر والنهي فيما يجب ويحرم في مذهب الآمر الناهي، وكشرب الخمر، وقتل ~~النفس المحرم، وأخذ أموال الناس غير الحق الواجب بغير دليل، كالغصب بغير ~~وجه والنهب؛ فذلك يجب الأمر والنهي فيه على كل مكلف ولا خلاف في ذلك وهو ~~على التفاصيل المتقدمة، وإن كان مما لم يعلم بضرورة الدين فلا بد أن يعرف ~~الآمر الناهي مخالفة المأمور المنهي دليلا قاطعا أو ظنيا مذهبه وجوب اتباعه ~~لكن لا يقابله، والدليل ظني في باب النهي عن المنكر؛ لأن قتل النفس المحرم ~~معلوم تحريمه ضرورة فلا يستحل على مخالفة دليل ظني وإلا فلا يأمر ولا ينهى ~~إذا لم يعلم PageV01P275 على هذا التفصيل لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}(1). # فصل # إذا سمع المكلف شيئا من صفات المنكر أو غلب بظنه وقوعه بشواهد أحوال ~~كدخول الأجانب بيوت غير أهل الدين والداخلون غير مميزين ولا حاجة هناك ~~للداخلين فيجب أن يطلب المكلف الإطلاع على حقيقة الأمر لينهى عنه، وفي ذلك ~~قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا ms168 سمعت الطمطمة فاهجم))(2). # فأما التجسس: وهو تتبع عثرات من [56أ] ظاهره السلامة من المؤمنين ~~والمؤمنات وظن السوء بهم ويطلب ما لعله يحصل منهم من التغيير من أفرادهم في ~~الحال والاستقبال فذلك حرام، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تجسسوا} أي: لا ~~تتبعوا واطلبوا ما لا يعناكم مما لم تعلموا يقينا من أحوال المسلمين بغير ~~دليل يفيد العلم بجواز حصول المنكر معه، وفي ذلك يقول الله تعالى: {إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون}(3) ويقول الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}(4) وقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((من قذف محصنة أحبط الله عمله ثمانين سنة))(5). # فصل PageV01P276 فإن كان المحل مختلف وكله في النفوس المحرمة من الناس وجب النهي عن المنكر ~~ولو أدى إلى أنكر في غير محله في النفوس المحرمة من الناس؛ لأنه لا يستنقذ ~~إهلاك نفس بمضرة نفس ولا تباح مضرة نفس بصيانة نفس أخرى من الهلاك وذلك مثل ~~أن تنهي زيدا عن قطع يد بكر؛ فيؤدي نهيك له إلى قتل خالد؛ فيجب النهي وإثم ~~خالد على الفاعل، ولا يسقط النهي لقوله تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}(1) ولأنه لا جرم يوجب قطع ~~يد زيد ليسلم عمرو الهلاك، وقد قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}(2) إلا ~~أن يكون المحل الثاني نبيا أو إماما أو عالما من عترة الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذريته صلى الله عليه وآله وسلم أو مؤمنا منهم أو عالما ~~من غيرهم تكون فيه مصلحة عامة، وصاحب المحل الآخر الذي أدى النهي عنه إلى ~~قتل ذلك العالم دون ذلك العالم بل هو من أحد المؤمنين ليس عنده علم تحصل به ~~مصلحة، فيجب ترك النهي عنه إذا علم الناهي عنه أنه يؤدي إلى هلاك ذلك النبي ~~أو الإمام أو العالم لقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من ms169 أنفسهم}(3) ~~وللأئمة وعلماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأنهم خلفاؤه ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم ~~((العلماء خلفاء الأنبياء))(4) وقال صلى الله عليه وآله وسلم في ذريته ~~وعترته -عليهم السلام: ((فاحفظوا منهم ما تحفظون PageV01P277 مني))(1) فلهم مثل ما له في هذه الخصلة، وذلك إجماع. # فأما لو كان يؤدي إلى قتل شيء من الحيوانات المأكولة أو غيرها فإنه يجب ~~النهي ولو قتلت؛ لأن حرمة نفس المسلم وعضوه آكد من حرمة قتلها والله أعلم ~~بالصواب. # فصل # لا يجوز التخشن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول ولا بالضرب ~~ولا بالقتل، وهو يكفي بالقول الحسن لقوله تعالى لرسوليه موسى وهارون ~~-عليهما السلام- حين أرسلهما إلى فرعون لعنه الله تعالى: {فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى}(2) فإن لم يؤثر القول اللين في النهي عن المنكر ~~انتقل إلى القول الخشن غير الضرب، فإن لم يؤثر انتقل إلى الضرب، فإن لم ~~يؤثر انتقل إلى الجرح غير القتل، فإن لم يؤثر انتقل إلى القتل، وهذا ~~الترتيب واجب لقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة}(3) وهو أيضا مجمع ~~عليه؛ فإن لم يرتب ضمن ما هلك بفعله من الأموال والنفوس من حيث أمكنه ~~ترتيب، فأما حيث لا يمكن لتضيق الحادثة فلا ضمان. PageV01P278 # فأما الأمر بالمعروف [56ب] فإن ترك ما يوجب منه حدا ولم يكن مستحلا كان ~~أمره إلى الأئمة بعد الاستتابة ثلاثة أيام تعرض عليه التوبة كل يوم مرة فإن ~~أبى في آخر يوم من الثلاث قتل، وإن ترك استحلالا كان ردة يستتاب ثلاثة أيام ~~وقتل وأمره إلى الأئمة كذلك، وفي حالة الترك إلى كل مكلف بالقول الحسن ثم ~~بالخشن لا غيره من الضرب والقتل إلا أن يكون مستحلا فذلك كفر إذا كان دليل ~~ذلك الواجب قطعيا كقطع الصلاة والصوم؛ فيجب مثل النهي عن المنكر على كل ~~مكلف إن انتقل المستحل إلى دار الحرب وأمكن المسلم الوصول إليه على الشروط ~~في النهي عن المنكر ولا يضمن إن لم ms170 يرتب لإباحة دم الكافر الحربي وماله ~~منقولا وغيره، قال تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم}(1) بل يأثم فقط. PageV01P279 # والعقوبات بالحدود على ما مضى مما يوجب حدا إذا صح بشروطه من الاستتابة، ~~كالمرتد وقاطع الصلاة ونحوها تمردا، والبينات إلى الأئمة لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة))(1) وفي حديث آخر إلى الأئمة: ~~((الحدود والجمع والفيء والصدقات))(2) وما يوجب تعزيرا بضرب ودونه كحبس ~~ودونه إلى كل وال ولو من باب الصلاحية، ولا بد أن يكون ما يوجب حدا أو ~~تعزيرا حاصلا في زمان من إليه الحد ومكان من يليه أو يقع قبل ولايته ويستمر ~~إليها، كقطع الصلاة وشبهها، وكالردة وموضع الأمر والنهي البلد وميلها، ~~والبريد وحيث يجد الإنسان زادا وراحلة ويأمن فأكثر إذا علم بالتواتر لقوله ~~تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}(3) أو أخبره عدل غير قاذف إلا أن تكمل ~~الشهادة لأخذه صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار العدول من السعاة والعمال ~~إلى النواحي، وكذلك تعليم الشرائع وتبليغها في البلد والبريد وحيث أمكن إذا ~~وجد زادا وراحلة وأمن طريق، كالحج فيما فوق البريد في الكل مما تقدم، ويبدأ ~~ببلده الساكن هو فيها ثم الأهم كأكثر فسادا من غيرها لقوله تعالى: {قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار}(4) ويبدأ قبل بلده بنفسه وأهله لقوله تعالى: {قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا}(5) ولقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}(6) ثم بعد نفسه أيضا الأقرب إليه فيبدأ ~~بهم لقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك PageV01P280 الأقربين}(1) ولقوله تعالى: {وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}(2). # فصل [في حكم معاونة الظالم] # فأما معاونة الظالم إذا كان سلطانا أو ما يجري مجراه فذلك حرام لأن ذلك ~~يؤدي إلى قوة ظلمه وتأكيد أمره، فأما غيره أو كان يقف السلطان فيما أعين ~~عليه على الحق ولم تؤدي معاونته إلى الدخول معه في ظلمه أو السكون معه في ~~بلده وتقوية سلطان ظلمه فإن معاونته على أمر بمعروف معلوم أو نهي عن منكر ~~معلوم، إذا خلت معاونته عن هذه المفاسد تكون ms171 واجبة لقوله تعالى: {وتعاونوا ~~على البر والتقوى}(3) فإن كانت معاونته تؤدي إلى الرضا بأموره والدخول فيما ~~يهوى أو يتقوى بذلك سلطانه أو يعلم المكلف بإمام حق أو محتسب بحق يكفي بهما ~~فلا يجوز إقامة المعروف إذا أدى إقامته معه -أي: الظالم- وإلا لم تحصل ~~إقامته [57أ] معه إذا لم يطابق هواه -أي: الظالم- فإن ترك إقامة المعروف ~~معه ومعاونته عليه وترك إنكار المنكر معه وترك معاونته لا حرج في تركهما ~~معه إذا كانا لا يتمان ولا يحصلان إلا بدخول الإنسان في هوى الظالمين ~~ويتقوى بذلك سلطانهم سيما إذا كان الإنسان ممن يقتدى به من أهل العلم ~~والدين وذلك لخطر معاونة الظالمين لما يؤدي إليه مما علم تحريمه لضرورة ~~الدين من تقوية سلطانه ومصافاتهم وجر النفع إليهم، وفي ذلك كله يقول الله ~~تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}(4) ويقول الله تعالى: {وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}(5) ويقول PageV01P281 تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه}(1) وليس من سبيل المؤمنين اتباع الظلمة ومهاواتهم ~~ومعاونتهم على ظلمهم والرضا بأفعالهم ومساكنتهم والسلام عليهم ومهايأتهم، ~~وفي ذلك يقول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}(2). PageV01P282 # ومن أعظم المشاققة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأعظم ~~المخالفة للمؤمنين مولاة أعداء الله الظالمين فيما ذكرنا وغيره من الدعاء ~~لهم بالبقاء أو الدفع عنهم أو النظر إلى رأيهم وغير ذلك ألا لعنة الله على ~~الظالمين، وعلى من اتبعهم لغير ملجئ بدليل قطعي يرخص له من كتاب الله تعالى ~~وسنة رسوله [صلى الله عليه وآله وسلم] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((يجمع الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجعلون ~~في تابوت من نار فيرمى بهم في جهنم))(1)، وقوله صلى الله عليه وآله ms172 وسلم: ~~((من أعان ظالما أغري به))(2) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من دعا ~~لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه))(3) وغير ذلك، فلا ينبغي ~~معاونتهم أبدا إلا فيما يرضي الله تعالى إذا لم يؤدي ذلك إلى شيء من هذا، ~~بل وجود ذلك وعدمه في هذه المحظورات سواء هذا الذي ينبغي، والله أعلم. # فصل [في حكم تولي الوظيفة للسلطان الظالم] PageV01P283 لا يجوز التولي من جهة الظلمة في ولاية رئاسة ولا ولاية حكم ولا ولاية قبض ~~حقوق ولا غير ذلك لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلا الذين ظلموا فتمسكم ~~النار}(1) ولقوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون}(2) وكذلك قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((يجمع الظلمة وأعوان ~~الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجعلون في تابوت من نار فيرمى ~~بهم في جهنم))(3). # وروى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((من جبى درهما لإمام جائر كبه الله على منخريه في ~~النار))(4)، وقال: بلغنا عن أبي جعفر محمد بن علي رحمه الله تعالى أنه كان ~~يروي ويقول: "إذا كان يوم القيامة جعل سرادق من نار وجعل فيه أعوان ~~الظالمين ويجعل لهم أظافير من حديد يحكون بها أبدانهم حتى تبدوا أفئدتهم ~~فيقولون: ربنا ألم نعبدك؟ فيقال: بلى، ولكنكم كنتم أعوانا للظالمين"، وقال: ~~بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من سود علينا فقد ~~شرك [57ب] في دمائنا))(5). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان ظالما أغري به))(6). # إن قيل إن الله تعالى حكى عن يوسف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ~~في قوله تعالى حاكيا ما قال يوسف عليه السلام للملك: {اجعلني على خزائن ~~الأرض إني حفيظ عليم}(7). PageV01P284 # قلنا: إن يوسف عليه السلام بمراحل عن الركون إلى الظلمة وأخذ الولاية ~~منهم، وهو رسول الله تعالى ونبيه، ولكن إنما أراد من الملك بقوله ما حكى ~~الله تعالى عنه: {اجعلني على خزائن ms173 الأرض} يعني: خلي بيني وبينها لأضعها في ~~مواضعها وأحفظ منها ما يحتاج إليه في وقت الحاجة؛ وذلك بعد تفسيره عليه ~~السلام لرؤيا الملك أنهم يقحطون سبع سنين وتفسيره للرؤيا، والرؤيا فهي أحد ~~أقسام الوحي، وأقوال الرسل أيضا في الدين بوحي أيضا، وذلك أنه لما عرف ~~عليه السلام أن الملك لو لم يشعره بذلك لاشتد غضبه ولقاتله إذا تصرف فيها ~~من دون أن يخبره بذلك، ويدل على هذا آخر الآية حيث قال عليه السلام ما ~~حكى الله تعالى عنه: {إني حفيظ عليم} يعني: حفيظ لها عن التبذير بها في غير ~~ما يرضي الله تعالى، عليم بمصارفها من الله تعالى ما أحفظ منها لوقت حاجة ~~الناس إليه، عليم بمصارف ما أخرجت منها بالوحي، وكيف يعمل برأي الملك في كل ~~ما فعل فيها وهو رسول يوحى إليه -عليه السلام؛ فهذه تخلية كما ترى واستكفاء ~~لشر الملك لا، لا يمنعه من فعل القرب وليتم له عليه السلام ما أراد الله ~~تعالى منه، ومثل هذا جائز للصالحين مع غلبة الظلمة استكفاء لشرهم فيستأذنوا ~~استئذان استشارة ورأي ليندفع شرهم لا لعقد ولاية منهم فذلك حرام، فيستأذنوا ~~على هذه الكيفية لا غير إذا خاف الإنسان تعرضهم على فعلها ويقيمها ~~باجتهاده، وإنما يجوز ذلك إذا لم يتهم بموالاتهم لأن ذلك مأخوذ مما حكى PageV01P285 الله تعالى في كتابنا عن يوسف عليه السلام ويوسف عليه السلام رسول لا ~~يتهم، فأما إذا اتهم الإنسان لم يكن على حد ما حكى الله تعالى عن رسوله ~~يوسف عليه السلام لأجل التهمة، فلا يجوز له ذلك لكن إذ اتهمه الأكثر ~~لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ينبغي لمؤمن أن يقف مواقف التهم))(1) ~~وحيث لا يقتدى به أنهم على حق؛ لأن صاحب يوسف عليه السلام الملك ليس على ~~حق لأجل كفره، وقد روي أن صاحبيوسف عليه السلام أسلم في آخر المدة وكان ~~من تحت يد يوسف عليه السلام وكان إسلامه قبل قدوم يعقوب عليه السلام ~~إلى مصر. # وأما المتلبسون بالدين والإسلام من أهل الكبائر ms174 من ولاة الظلمة فقد توهم ~~العالم إذا واصلهم في حال ولم يعرف عذره المسوغ أنهم على حق فيتأكد سلطات ~~ظلمهم؛ فإذا كان تحصيل -أي ذلك- وعلم به أو غلب بظنه قبل ذلك لم يجز ~~استئذانهم في فعل قربة ولو بطلت أبدا لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار}(2) ولقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}(3) ~~ولقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر [58أ] يوادون من حاد ~~الله ورسوله....إلى آخر الآية}(4). PageV01P286 # فأما إقامة الجمع إليهم أو حضورها معهم فذلك حرام بما في ظاهر ذلك من ~~الخلوص إليهم والركون وإظهار المودة بالاتباع، وفي ذلك كله يقول الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ~~وادوا ما عنتم}(1) ويقول تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم ~~النار}(2) ويقول تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من ~~حاد الله ورسوله ولوكانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} أو أخذ الحقوق الواجبة معتزيا ~~إليهم فذلك حرام لا شبهة فيه لما في ذلك من تقرير سلطانهم والركون إليهم، ~~وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} وغير ذلك. PageV01P287 # فإن اضطر الإنسان إلى حضور جمعهم بأن يكونوا قد طبقوا الأرض أو لم يمكنه ~~اعتزالهم بحيلة من الحيل صلى معهم جمعة وجماعة إذا كان يخشى من اعتزالهم في ~~ذلك الضرر بحبس أو ضرب أو أخذ مال يضر به أخذه ولو دون الإجحاف، وفي ذلك ~~كله يقول الله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه} وليعد ~~الصلاة بعد ذلك ظهرا أو جمعة حيث خفى له ولفوق ثلاثة مؤمنين أو أي صلاة ~~فيعيدها إذا صلاها مؤتما بهم لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار} ولما روى زيد بن علي عليه السلام عن علي عليه السلام ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: }إنه يأتي على الناس أئمة ~~بعدي يميتون الصلاة ms175 كميتة ألا فإذا أدركتم ذلك فصلوا الصلاة لوقتها ولتكن ~~صلاتكم مع القوم نافلة فإن ترك الصلاة عن وقتها كفر))(1) وقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: }لا يؤمكم ذو جرأة في دينه))(2). PageV01P288 # إن قيل فقد روى أبو طالب عليه السلام بإسناده قال فيه: أخبرنا محمد بن ~~بيدار قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الله بن عمر الجعفي قال: ~~حدثني الوليد بن بكر التميمي الطهوي قال: حدثنا عبد الله بن محمد العدوي ~~قال: أخبرني علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله ~~قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة فقال: ((أيها ~~الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن ~~تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له؛ فكثروا الصدقة في السر ~~والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا، واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في ~~مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها ~~في حياتي وبعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع ~~الله شمله، ولا بارك له في أمره؛ ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ولا ~~حج، ولا صوم، ولا بر له حتى يتوب؛ فمن تاب تاب الله عليه، ألا ولا تؤم ~~امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان ~~يخاف سيفه أو سوطه))(1). PageV01P289 # قلنا: دل صلى الله عليه وآله وسلم على منع الإئتمام بالجائر في صلاة ~~الجمعة وغيرها بقوله صلى الله عليه وآله وسلم [59أ] في آخر الخبر: }ولا ~~يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه)) فأوجب حمل قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الخبر أو جائر بعد قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: }فمن تركها وله إمام عدل)) أنه يريد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ~~((وله إمام عدل)) في الظاهر والباطن، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أو ms176 جائر)) جائر في الباطن مستدل بجوره غير ظاهر في أفعاله وأقواله في ~~الأغلب على سبيل الجرأة دلالة على أن الاعتبار في التكليف في الظاهر دون ~~الباطن وأن العصمة في الباطن غير معتبرة ولم يرد به أن يكون جائرا في ~~الظاهر، فقد دل على المنع بقوله -عليه السلام وآله- في آخر الخبر: }ولا يؤم ~~فاجر مؤمنا)) ولما قدمنا من الآيات من قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار} وغيرها ودل بقوله في الخبر: ((فمن تركها في حياتي ~~وبعدي وله إمام)) أن المقصود وله إمام صلاة له دين وعلم يحسنها بتفاصيلها، ~~وليس المقصود الإمام الأعظم لأنه ليس في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم ~~إمام أعظم له تصرف غيره صلى الله عليه وآله وسلم ثم قرن ذلك بقوله: ~~((وبعدي)) فدل بذلك أن المقصود والشرط في صحتها ووجوبها وجود إمام الصلاة ~~في البلد وميلها إلى الإمام الأعظم كما أن الإمام الأعظم متصرفا في زمنه ~~صلى الله عليه PageV01P290 وآله وسلم غيره لا يصح وجعل الإمام في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ~~شرطا فيها عرفناه أنه في حياته عليه السلام إمام الصلاة لا الأعظم، ثم ~~قرن ذلك صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((وبعدي)) فيكون المقصود إمام ~~الصلاة لا الأعظم كالأول دل ذلك على وجوب إقامة صلاة الجمعة على المسلمين ~~في وقت خفاء أئمة الحق من آل محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وذلك ~~وقت الفترات لعدم الناصر بين الأئمة الأعظمين من آل الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم بنفوسهم، ودل على أن عليهم أن يقيموا صلاة الجمعة في البلد التي ~~لا تنفذ فيها أحكام أئمة آل الرسول إذا ظهروا إذا وجدوا في هذه المسألتين ~~إمام صلاة من أهل العلم والدين ظاهرة عدالته وباطنه أو ظاهر العدالة ولو ~~جار في الباطن ولم يعلم بجوره وأنه يجب عليهم -أعني المسلمين- إقامة صلاة ~~الجمعة بنفوسهم إذا وجدوا إمام الصلاة الصالح لها بالعلم والدين كذلك إذا ~~جار الإمام الأعظم وظهر جوره بمخالفة الكتاب والسنة أو الإجماع ms177 في نفوسهم ~~إذا قدروا على إقامتها ولو في بلد ولايته من غير ولاية منه إذ لا يجوز أخذ ~~الولاية منه مع ظلمه ولا الاعتزاء إليه معه لقوله تعالى: {لا ينال عهدي ~~الظالمين}(1) ولقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} ~~فيجب عليهم إقامتها بغيره في بلده مع إمام الصلاة وثلاثة معه تنعقد بهم، ~~ويجب على الباقين يصلوها معه فرض عين على الظهور إن أمكن ومع التخفي إن تعذر PageV01P291 الظهور للخوف من الظالم الضرر فإن لم يمكن إقامتها ظاهرا ولا خافيا وخافوا ~~من الاعتزال من جمع الظلمة الضرر إذا صلوها ظهرا ولم يمكنهم إلا الصلاة معه ~~صلوا مع الظالم جمعة وأعادوها ظهرا وصلاتهم تقية لقوله صلى [59أ] الله ~~عليه وآله وسلم في آخر الخبر: ((ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يخاف سيفه أو ~~سوطه)). # فأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة -إلى أن قال: ~~والجمعات)) فالمقصود إذا ظهروا وهم عدول من أئمة آل محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم حيث تنفذ أوامرهم وأحكامهم فلا تقام إلا بتوليتهم أو بهم في ذلك ~~-أعني زمان ظهورهم ومكانه- وعدالة من ظهر ظاهرا وباطنا أو ظاهره العدالة ~~ولو جار بالباطن، وفي غير ظهورهم، أو ظهورهم وخفاء المحقين منهم لخوف من ~~ظهر من ظلمتهم فإقامتها إلى المسلمين كل في بلدة من غير ولاية من الظلمة ~~لما قدمنا من الأدلة على منع الجواز لأخذها منهم ولأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرنها في قوله: ((أربعة إلى الولاة)) بالزكاة، والزكاة تجب في غير ~~وقت ظهور الإمام الأعظم وفي غير بلد ولايته إجماعا؛ فكذلك الجمع. PageV01P292 # فأما التولي من جهة الأئمة العدول من أهل البيت عليهم السلام من ذرية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذلك جائز بل قد يجب إذا عينوا عليه ~~ذلك ويعمل في ولايته على ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إن كان يعرف الأحكام منهما على التفصيل، فالأئمة والعلماء ~~العدول من أهل البيت عليهم السلام لا ms178 يخالفونهما، وإن كان لا يعرفهما على ~~التفصيل مع كونه من أهل الدين وجب على الإمام أن يجعل له مسودة كتاب يعمل ~~على ما فيه من غير زيادة ولا نقص ويرد الحوادث إلى الله تعالى وإلى رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وإلى إمام زمانه، وإلى العلماء الموافقين الحق. PageV01P293 # فأما قضاء حاجة من الظلمة عامة أو خاصة له أو لغيره دنياوية يخشى ضررا أو ~~تلفا إذا تركها فيجوز الوصول إليهم لأجلها وقضائها منهم، ويجب حيث لم يؤدي ~~قضاءها منهم إلى منكر غير الوصول إليهم وغلب بظنه أنهم يعصوا بها بغير أنكر ~~منها ولا منكر مثلها لقولها تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} وقوله تعالى ~~فيما حكى عن أهل الكهف عليهم السلام وهم في حال بعثهم لأحدهم يعتقدون كفر ~~أهل المدينة بناء على الأصل الأول الذي كان من كفر أهلها يوم خرجوا منها ~~فقال تعالى حاكيا ما أجازه لهم، وما قص تعالى في كتابنا فهو شريعة لنا ~~جديدة، فقال تعالى في ذلك وجوازه: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا * ~~إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا} ~~وفي ذلك روى السيد الإمام أبو طالب يحيى بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن ~~العباس يقول: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مشى في حاجة أخيه المسلم ~~فبالغ فيها قضيت أو لم تقضى كتبت له عبادة سنة))(1). # وروى السيد أبو طالب عليه السلام بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [60أ]: ((من كانت له وسيلة إلى سلطان ~~فدفع بها مغرما أو جر بها مغنما ثبت الله قدميه يوم تدحض الأقدام))(2). PageV01P294 # وروي بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((المؤمن ألف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف وخير الناس ~~أنفعهم للناس))(1) ولا يتعدى لوصوله إليهم لقضاء ms179 الحاجة إلى غيرها من ~~المكاسب المحرمة كتثبيتهم على شيء مما يهوون من البغايات وغيرها مما لا ~~يعظهم به ليرجعوا عن غيهم لقوله تعالى بعد آية التقية: {ويحذركم الله نفسه} ~~يعني تعالى يحذر صطوته وغضبه بالتجاوز إلى غير التقية التي يدفعون بها ضررا ~~أو تلفا منهم أو من غيرهم، ولا يجوز للإنسان أن يدفع خصمه بالظلمة ويرفعه ~~إليهم إلا إذا كان يخشى من الخصم ضررا أو تلفا، أو أخذ ما أخذه منكرا، أو ~~لا يندفع بغير سلطان الظلمة فيرفعه إليهم إذا كانوا يتوقعون في حق المرفوع ~~إليهم على حكم الله تعالى، فإن كانوا يجاوزون ذلك لم يجز رفع الخصم إليهم ، ~~وإن كان لا يمتنع إلا بهم ويدافعه بجهده حسبما يجوز لأن في رفعه إليهم وهم ~~لا يتوقفون على حكم الله تعالى فيه معاونة لهم على ما يحبون من المعاصي ~~والإثم والعدوان وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} ويقول تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}. PageV01P295 # فأما إطعام الظلمة وإنزالهم فيجوز إطعامهم وإنزالهم المنازل وقد يجب ~~إطعامهم وإنزالهم في غير وقت محاربتهم لأهل الحق لخشية تلفهم أو ضررهم من ~~حر أو برد أو جوع أو عطش أو مروءة كرم ودفع مذمة؛ وهذا كله من أعمال البر ~~وشرف النفس وأخلاق الأنبياء والأئمة والأوصياء والصالحين، وفي ذلك كله يقول ~~الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} في الوجوب، وقوله تعالى في الجواز ~~مع الوجوب حيث يجب: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ~~ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}(1)، وقوله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((في كل كبد حراء أجر))(2) وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم ~~في المروءة ودفع الإهانة عن النفس بفعل ما أحل الله تعالى لها من الأمور ~~العالية الشريفة وما يجر إليها مما أحل الله تعالى ولم يؤدي إلى دخول ms180 فيما ~~حرم الله تعالى وفي ذلك يقول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ينبغي لمؤمن ~~أن يهين نفسه إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها))(3) فيجوز ~~ويجب لما ذكرنا من الأدلة ورد سلامهم يجب إذا ابتدأوا لقوله تعالى: {وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ولم يفصل لكن أحسن منها لا يجوز ~~إلا في حق المؤمن وفي حق غيره المثل؛ لأن في ترك رد سلامهم إسقاط مروءة وخسة PageV01P296 وتعريض للإنسان بنفسه إلى سبهم وإيهام التجبر وذلك لا يجوز تعمده والتعرض ~~له لما قدمنا من الأدلة. # وأما ابتداءهم بالسلام لغير جرهم إلى الخير ودعاءهم إليه ولا لدفع الضرر ~~أو التلف فذلك حرام لقوله تعالى: {السلام على من اتبع الهدى} وليسوا ~~بالمتبعين، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألقوا الفساق بوجوه ~~مكفهرة))(1) ويجب أن يوطن الإنسان نفسه في أحوال معاملتهم هذه كلها الجائزة ~~والواجبة أنه لا يقع في شيء من مفاسدهم المضلة بسبب ذلك. # فصل [في حكم PageV01P297 ويجب إنصافهم في الحكومات والمروءات إذا قصدوا، وفي التعظيم لهم لمصلحة ~~إسلام أو إيمان لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أتاكم [60أ] كريم ~~قوم فأكرموه))(1) ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم أفرش مخدته لعدي بن حاتم ~~الطائي رجاء لإسلامه، وكذلك إذا قصدوا تقية حيث يجب أو يجوز على ما تقدم أو ~~ألجت الضرورة بأن يطبقوا البلاد أكثرها أو يختلطوا بالمحقين فلا يمكن ~~تجنبهم ولا نهيهم عن غيرهم جاز للإنسان أن يفعل بهم ولهم ما يدفع شرهم من ~~غير تحسين لأفعالهم ولا رضا بمنكرهم، بل ينهاهم على الترتيب المتقدم، ويجوز ~~إطعامهم وإشباعهم أيضا دفعا لشرهم وسبهم وابتداؤهم بالسلام لدفع ضررهم ~~وسبهم وضرورة حياء في غير وقت مجاهرتهم للفواحش لقوله تعالى: {إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة} ويجوز أكل طعامهم والنزول لمصلحة في النزول معهم ما لم يؤدي ذلك ~~إلى مودتهم بالاتباع لهم فيما يهوون من الظلم ومحبة لهم ما هم عليه منه، ~~فيحرم ذلك لقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ms181 من ~~حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}(2) وتجوز صلة القريب الفاسق بما ~~يجوز في حق البعيد والمحبة له التي تكون لسبب الرحامة جائزة لضرورة ~~الرحامية وحميتها لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم للذي قال يوم الفتح وهو ~~صاحب اللواء: "اليوم يهين الله قريشا" فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا، PageV01P298 بل اليوم يعز الله قريشا))(1)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ~~للذي قال: إن لقيناهم -يعني قريش- إلا كذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لا، بل أولئك الملأ))(2) يعني صلى الله عليه وآله وسلم بالملأ يملأون ~~الصدور هيبة وبأسا وهيئة، ولكن الله قتهلم ببأسه وملائكته، وسلطهم عليهم ~~معجزة وكرامة لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في قتال الملائكة ~~معه دون غيره صلى الله عليه وآله وسلم لا لما هو -أعني الرحم القريب- ~~عليه من المعاصي فلا يحل لقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}(3) وكذلك الصدقة ~~إلى كل ذي رحم لا يعطي حق القرابة سواء كان بغير عمد منه أو لفقره أو ~~لفسقه، فالصدقة عليه بالأموال أفضل ممن يعطي حق القرابة ويجازي لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أفضل الصدقة على الرحم الكاشح))(4) وإنما كانت أفضل ~~لكون الجزاء عليها من الله تعالى فحسب، فتخلوا حينئذ من شائبة الرياء ~~وإرادة العوض من ذي الرحم فتكون خالصة لوجه الله تعالى، فلو خلصت في حق ذي ~~الرحم المؤمن الموفي بحق القرابة غنيا كان أو فقيرا لكانت أفضل وفي ذلك ~~يقول الله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}(5) وقوله تعالى في آية ~~أخرى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}(6) PageV01P299 وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمنون كالجسد الواحد إذا تألم بعضه ~~تألم كله))(1) وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((صدقتك على المساكين صدقة، ~~وصدقتك ms182 على قرابتك صدقة وصلة، صدقتان))(2). # فصل [فيما يقر وينفد من أحكام الظلمة] # يقر من أحكام الظلمة ما وجد عليه دليل من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم [60ب] أو الإجماع أو القياس؛ لأنه إذا وجد عليه ~~دليل كذلك فذلك حكم الله الذي هو الحق، وقد قال الله تعالى: {ومن أحسن من ~~الله حكما لقوم يوقنون}(3) وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله}(4) فإن لم يوجد ~~كذلك نقض ورد إلى أي الأربعة بالاجتهاد، إذ لا يوثق بهم فيه لقوله تعالى: ~~{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}(5). # فصل [في حكم الهجرة من دار الكفر] PageV01P300 تجب الهجرة من دار الكفر وهي ما ظهر فيها خصلة كفرية يكفر بها صاحبها من ~~قول أو فعل أو ترك رضا بكفر أقر برضاه به من غير جوار جائر وعلم ولم ينكر ~~عليه فتجب الهجرة منها إلى خلي، وكذلك تجب الهجرة من دار الفسق التي شوكتها ~~للظلمة والبغاة وولاتهم إلى خلي عنهم لقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا}(1) ولقوله تعالى: {وسكنتم ~~في مساكن الذين ظلموا أنفسهم}(2) والفاسق المجاهر بفسقه ظالم لنفسه، ولقوله ~~تعالى: {إن الذين توافاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله ~~عفوا غفورا}(3) ولقوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة}(4) ولقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما}(5) وقوله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرق حتى تغير أو ~~تنتقل))(6) وقولنا إلى خلي فذلك حده أن يفعل ما يجب عليه من الطاعات ~~واجتناب المحرمات في ميل موضع هجرته على وجه لا يخاف ms183 أن يمنعوه عن شيء منها ~~إلا بالغزو والتصدي كالبريد وفوقه، والميل PageV01P301 وفوقه من موضع حكمتهم فإن أراد إخافتهم وقتالهم إذا كان إمام حق أو محتسب ~~بحق فكذلك هذا حده، وإن شاء صالحهم بمصلحة عامة أو خاصة مدة معلومة لفعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم حين صالح أهل مكة عشر سنين وإن كان صلح مهادنة ~~وتقية لشرهم لعدم الناصر جاز صلحهم ومسالمتهم عمرهم ولو مجهولا لفعل أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام مع المشائخ الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان وذلك ~~تركه لهم حيث لم يجد الناصر مستمرا أعمارهم بأدلته من الكتاب والسنة. # [أولا: الدليل من الكتاب العزيز] PageV01P302 أما الكتاب فقوله تعالى حاكيا عن نبيه موسى عليه السلام ما حكاه تعالى ~~عنه بقوله تعالى: {قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين ~~القوم الفاسقين}(1) وذلك حين لم يطيعوه -عليه السلام، وطاعته طاعة لله ~~تعالى، وقد أوحى الله تعالى إليهم أنهم يدخلوا الأرض المقدسة لقتال ~~الجبارين الظالمين الذين فيها فعصوا وقالوا لموسى صلى الله عليه وسلم ما ~~حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون}(2) فسالمهم موسى عليه السلام مسالمة لا حد لها كما ترى، حيث أيس ~~عن طاعتهم ولم يقدر على قتالهم فقال عليه السلام ما حكى الله تعالى عنه ~~بقوله تعالى: {قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين} فسالمهم كما ترى من غير حد للمسالمة [61أ] بل قال: لا أملك إلا ~~نفسي وأخي، ولا أملك من أمرهم شيئا، ولم يحد ذلك بوقت بل إلى أن يهلكوا، ~~ومات موسى عليه السلام وهم كذلك في التيه، وقال الله تعالى حاكيا عن نبيه ~~هارون عليه السلام عذره حين عاتبه موسى عليه السلام على تركهم في غفلته ~~يعبدون العجل، فقال ما حكى الله تعالى عنه بقوله تعالى: {إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء}(3) فقبل موسى [عليه ~~السلام] عذره، وحكى الله تعالى ذلك عنهم ولم ينكره عليهما -عليهما الصلاة ~~والسلام- بل ms184 صوبهما تعالى، ولم يفعلا ذلك كله إلا بوحي منه تعالى لأنهم رسله PageV01P303 وخاصته في ذلك الوقت من البشر -عليهما الصلاة والسلام- وما قصه الله تعالى ~~في كتابنا من شرائعهم فنحن متعبدون به جوازا أو وجوبا وتحريما وهو شريعة ~~لنا جديدة لذكره في كتابنا وقصاصته بالوحي إلى رسولنا سيد الرسل محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن متعبدا ~~بشريعة أحد قبله، فكذلك نحن لقوله تعالى: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا}(1) ولقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر}(2)، ولنهيه صلى الله عليه وآله وسلم عمر عن ~~مطالعة التوراة وإلقائه لها عليه السلام من يده ولقوله تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا}(3) فالمقصوص في كتابنا عنه من أحوالهم وسيرهم هو شريعة ~~لنا جديدة بوحي جديد يعلمه الله تعالى وينزله تنزيلا آخر من باب اتفاق ~~الشرائع. # [ثانيا: الدليل من السنة المطهرة] PageV01P304 وكذلك لأحاديث صحت لنا في مسالمة علي عليه السلام للمشائخ حيث لم يمتثلوا ~~ما فرض الله تعالى عليهم من ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام وتقديمه ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، ولم يجد الناصر إلا من ~~ظن بهم عن الموت من أهل بيته عليهم السلام وهم ذرية رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيطفأ نور النبوة من الأرض لو ذهبوا كلهم، وقد حفظهم الله ~~تعالى وأمر بحفظهم إلى يوم القيامة ولذا قال أمير المؤمنين علي -عليه ~~السلام: "فلم أجد إلا أهل بيتي فظننت بهم عن الموت". # وكذلك فإن أفعال أمير المؤمنين علي عليه السلام وأقواله حجج لعصمته وهو ~~باب مدينة العلم -عليه وآله السلام. PageV01P305 # وكذلك صلح الحسن [عليه السلام] لمعاوية جار هذا المجرى، ويجوز لكل إمام ~~ومحتسب محق مثل هذا ولو لم تكن مدة معلومة مع الظلمة وعدم الناصر ولا يلزمه ~~تمام ذلك إذا وجد الناصر لكونه ليس بعهد وإنما هو تقية لدفع شرهم إذا كانوا ~~مرتكبين المناكر، ms185 وإذا زالت التقية لوجود الناصر زالت رخصتها، وإذا قال ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام وقوله حجة، ولولا زوال العاذر وقيام الحجة ~~بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، وليس ~~مهادنتهم عهدا فيجب الوفاء به ويعاقب الإنسان على تركه لخيانتهم لكن لا ~~يعذر بهم ويخبرهم ويعذر إليهم وينذر ويبلغ الحجة ويزيل الشبهة لقوله تعالى: ~~{فإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين}(1) وكما فعل أمير المؤمنين عليه السلام أيام صفين ويوم الجمل ~~والنهروان؛ وأفعاله [61ب] وأقواله حجة ولم ينكرها أيضا عليه أحد فكان ذلك ~~إجماعا، فإذا صالحهم على وجه المهادنة كما ذكرنا أو على مدة معلومة مع وجود ~~الناصر لمصلحة من ضعف أتباعه أو نحو ذلك هاجرهم على وجه لا يشمله مساكن ~~شوكتهم كفوق الميل من مدتهم وحصونهم، فإن لم يجد إلا أظلم منهم أو طبقوا ~~الأرض كالدولتين فهجرته أن لا يرى منكراتهم ولا ردهم إلا للتفكر والاعتبار، ~~ولا يحضر جمعهم ونحوها إلا لخشية تلف أو ضرر عليه أو على غيره محترما أو ~~أخذ مال مجحف به جاز الحضور ويعيد الصلاة ويعيد الزكاة والفطرة والأخماس ~~التي سلمها PageV01P306 إليهم إلا أن يوكلهم بصرفها وينوي قبل أن يسرقوها ويضعوها في مصرفها وهو ~~يشاهدهم فقد أجزأته. # فأما إن قالوا: صرفوها بعد توكيلهم، فلا يجزئ إلا أن يتواتر له بخبر ~~غيرهم أو بقول عدل أو عدله فيجزيه. # فصل [ # إذا كانت الأرض كلها شوكة ظلمة فسقة في أوقات الفترة بين الأئمة ~~والمحتسبين المحقين أو عجز الإمام مع ظهوره عن تنفيذ أحكام الله تعالى مع ~~ولاته ولم يقدر على عزلهم وخالفوا وفسقوا وانعزلوا بالظلم الذي يفسقون به ~~أو ينعزلون عن الوكالة التي معهم منه بالمخالفة عمدا فيتولون بغير ولاية ~~ولا يجد المؤمن الهجرة إلا إلى أظلم منهم ولا يقدر على هداية من انتقل ~~إليهم وإلا وجب عليه الاتصال إليهم ليهديهم ولو هم أظلم. PageV01P307 # فإن تيسر له ما يدفع الضرر بالتلف من فضل الله تعالى في القفار وجبت الهجرة ms186 ~~إليها وألا يحصل له ما يسد به الفاقة في القفار أو كانت بلد سباع أو أكراد ~~فهجرته بيته بحيث لا يرى منكرا ولا يسمعه ولا يرد عن فعل ما بينه وبين الله ~~تعالى مما لم يتعلق بهم؛ فذلك يكفيه إذا كان الأمر هكذا لقوله تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها}(1) ولقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة}(2) ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضر من ضل ~~إذا اهتديتم}(3) يعني تعالى إذا لم تتركوا جهدا في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر فلم تؤثروا، ثم لم تقدروا على الهجرة فعليكم أنفسكم تحفظونها من ~~فعل المنكر وحضوره والرضاء به، وتحفظونها أيضا عن مواصلة الظلمة والتولي من ~~جهتهم وغير ذلك مما يدخلكم فيما يهوون منكم ولا يضركم ضلالهم حينئذ، ~~وضلالهم على أنفسهم لا نحكم عليكم منه بشيء أبدا. PageV01P308 # وقلنا: يجب اعتزالهم ولا يحضر معهم، ولا يسمع منكراتهم، ولا يصافيهم حيث لم ~~يقدر على الهجرة الكبرى لقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره}(1) فإنه إذا قعد معهم ولو لم يرض بشيء من أعمال الكفر ولا الفسق ولا ~~فعل شيئا منها ولكن قعد بحيث يسمع أو يرى أو يعقل من ذلك شيئا وهو يقدر على ~~ترك القعود معهم بأن ينتقل عن حيث يسمعهم أو يراهم أو يعقل ما يفعلون ~~منكراتهم أو مصرين عليها غير مقلعين عنها ولم يكن ناهيا في حالة قعوده مع ~~التأثير أو ليقيم الحجة ولا إكراه على القعود بضرب أو قتل أو حبس لا يستطيع ~~الهرب منه فإنه حينئذ يكون حيث لا عذر مما قدمنا حكمه عند الله تعالى وعند ~~المسلمين أجمع حكم من قعد [62أ] معهم في إثم كفر إن كانت أعمالهم توجب ~~الكفر أو إثم فسق إن كانت أعمال توجب الفسق لقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في ~~الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم}(2) ms187 ~~ثم قال بعد ذلك: {إنكم إذا مثلهم} يعني تعالى إذا قعدتم معهم لغير دليل يدل ~~على جواز بقائكم معهم أو وجوبه كنهيهم مع التأثير، أو إقامة الحجة عليهم، ~~أو تبليغ الشرائع، أو أكرهوكم على القعود معهم، أو لا تقدرون على التحول ~~لفقد قدرة التحول. PageV01P309 # فإذا كان لأي هذه الأعذار جاز القعود معهم حتى يزول ثم ينتقل وجوبا فورا، ~~فإن لم يكن شيء منها كان له حكمهم في الإثم ولو كره فعلهم، فإن رضي بما ~~يوجب الكفر كفر؛ لأن الرضا بالكفر كفر إجماعا، ولو رضي أيضا بالكفر مع ~~العذر أو مع الانتقال فكفر أيضا، وإن رضي بالفسق فسق إن شارك الغرم المغروم ~~عليه في الاعتقاد فيما لأجله من الأفعال حصل به الفسق وذلك كالعزم على قتل ~~العلماء والآمرين بالقسط من الناس، وإن كان قد قيل بالفسق مطلقا واحتج لذلك ~~بما قال الله تعالى في أصحاب الجنة: {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين}(1) وإن ~~كان إلا مجرد القعود من غير عذر مسوغ بدليل صحيح مع الكراهة لما هم عليه ~~بقلبه وإمكان الانتقال فيحتمل القعود الكفر من غير عذر إذا كانت أعمالهم ~~يكفرون بها لقوله تعالى: {إنكم إذا مثلهم}(2) يعني تعالى مثلهم في الكفر ~~فيكفرون لهم وهو ظاهر المثلية وظاهر سياق الآية ولا يعدل عن الظاهر من ~~القرآن إجماعا إلا بدليل يوجب صرفه إلى الاحتمال الذي لم يكن ظاهرا ويحتمل ~~احتمالا غير ظاهر لا دليل يوجب صرف المثلية والسياق إليه أن المثلية في ~~الإثم لا في الحكم عليه بالكفر. PageV01P310 # فأما الفسق فيفسق بالقعود لغير عذر عليه دليل واضح إجماعا لقوله تعالى: ~~{فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم}(1) ولقوله ~~تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}(2). # فأما قوله تعالى: {وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم ~~يتقون}(3) فالمقصود: وما على الذين يتقون الله تعالى في امتثال ما غلبهم من ~~حسابهم ms188 من شيء، يعني تعالى حساب الظالمين الذي يختصون به وهو توبيخهم ~~وتخليدهم في النار جزاء على ظلمهم فليس على الذين يتقون من ذلك الذي يختص ~~بهم من شيء لو قعدوا معهم غير راضين بأفعالهم ولم يقدروا على نهيهم، وهو ~~يمكن المتقين اعتزالهم إمكان قدرة على الاعتزال ولكن فرضنا عليهم ألا ~~يقعدوا معهم {ذكرى لعلهم يتقون} يعني تعالى: لعل المعتزلين للظالمين يكونوا ~~أتقياء أبرارا بتكميل الإيمان بما فرضنا عليهم من اعتزال الظالمين، فلو لم ~~يعتزلهم الذين يتقون بفعل الواجبات واجتناب المقبحات لم يكونوا متقين على ~~الإطلاق في جميع الأمور المفروضة بل يكونون مخلين بما هو من أكبر الفرائض ~~من اعتزال الظلمة فيكونون مثلهم، وإن فعلوا باقي أمور التقوى لقوله تعالى: ~~{إنكم إذا مثلهم}، وإنما تأولناها بهذا التأويل وهو أيضا ظاهر فيها لقوله ~~تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها PageV01P311 فلا تقعدوا [62ب] معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم}(1) ولقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرق حتى تغير أو ~~تنتقل))(2)، وفي رواية: ((ويل لعين ترى الله يعصى فتطرق حتى تغير أو ~~تنتقل))(3) فإذا لم يرى المنكر ولا سمعه ولا منعه من طاعة الله تعالى فلم ~~يقعد معهم وقد انتقل عن مجالستهم ولو كان بيته بين مساكنهم إذا لم يمكنه ~~إلا بحيلة من الحيل كما ذكرنا أولا. # فصل # فإن خشي من الانتقال الفقر لعدم ماله الذي لم يمكنه نقله في بلد قوم ~~مؤمنين أو شوكتهم محقون ولو كان أكثر أهلها فاسقين لم يكن ذلك عذرا له ~~لقوله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء}(4). PageV01P312 # فأما الوالدان لا يقدران على الهجرة لعجزهما إذا خشي عليهما ضررا أو تلفا ~~ولم يقدر على نقلهما معه ولا التكسب عليهما لغير بلد الفسق أو الكفر كان ~~ذلك له عذرا في تركه الهجرة الكبرى ويعتزل مدارس الظلمة كما ذكرنا وذلك ~~لعظم حق الوالدين؛ لأن الله تعالى وصى فيهما ms189 وعظم حقهما في آيات كثيرة ~~منها: أنه تعالى قرن حقهما بحقه تعالى حيث قال تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك ~~إلي المصير}(1) هذا إذا كانا مسلمين أو ذميين، فأما إذا كانا حربيين أو ~~مرتدين لم يجز البقاء لأجلهما ولو هلكا لإباحة دمهما بشركهما لقوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}(2) وعدم جواز إنفاقهما ولوجوب التبري ~~منهما لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}(3). # فصل PageV01P313 والعبرة في دار الفسق بكون شوكتها وأهل الحل والعقد فيها فسقة أو بعضهم من ~~غير تناكر، وألا يكون ولاتها وأهل الحل والعقد فيه فاسقين بل هم مؤمنون لا ~~يصرون على كبيرة عمدا من المعاصي يعلمونها وقبحها فهي دار إيمان لا تجب ~~الهجرة عنها ولو كثر فيها أهل الفسق مع إقامة الأحكام على أهل الفساد من ~~الحدود وغيرها إذا علمت على مقتضى قدرة الله تعالى فيهم وسنة رسوله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلا تسمى دار فسق مع ذلك لكثرة المنافقين ووجود ~~أهل الكبائر في موضع حكمته صلى الله عليه وآله وسلم مع إقامته صلى الله ~~عليه وآله وسلم الحدود عليهم مع العلم بذلك ولم يسمها صلى الله عليه وآله ~~وسلم دار فسق، ولا دار كفر، ولا أوجب صلى الله عليه وآله وسلم عنها ~~هجرة؛ لأن أهل الفساد لم يفعلوا ذلك -وهذه حالهم- إلا بجوار المؤمنين مع ~~الخوف من إقامة الأحكام عليهم، وعلى ذلك جرت عادة المسلمين والصالحين والله ~~أعلم إلا أن يظهر فيها فساق الخوارج المجاهرون بمعاصيهم ثم لا ينهاهم ~~الأخيار، فكانت الغلبة لهم حينئذ بالسكوت عنهم مع العلم بهم فهي دار فسق ~~تجب الهجرة عنها لما ذكرنا أولا من الأدلة من قوله تعالى: {فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم}(1) ومن قوله تعالى: {وسكنتم في ~~مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم...الآية}(2) ونحوها من ~~الآيات والأحاديث كما ذكرنا أولا. # فصل PageV01P314 لا تجب الهجرة على المستثنين في الآية الكريمة بقوله تعالى: {إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ms190 ولا يهتدون سبيلا ~~* فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم [63أ] وكان الله عفوا غفورا}(1) وتجب ~~الكراهة عليهم بقلوبهم والدعاء مرة بالنصرة للمحقين والنفس سرا أو جهرا إن ~~أمكن لقوله تعالى فيهم في آية الجهاد بعد أن صرح بسقوطه عنهم: {الذين ~~يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا ~~واجعل لنا من لدنك نصيرا}(2). # فصل # تجب الهجرة من دار الكفر إجماعا، ومن دار الفسق مختلف فيها؛ فالصحيح ~~وجوبها لما ذكرنا من الأدلة؛ وإنما قلنا المعتبر في دار الإيمان بالشوكة ~~كونها لإمام حق أو مكتسب محق أو الغلبة لأهل الإيمان، والحكمة لهم فيها ~~نافذة فهي دار إيمان ولو كان أكثر أهلها فساقا مع إجراء الأحكام الشرعية ~~عليهم مع العلم لقوله تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}(3) ولقوله ~~تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين}(4) ولقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}(5) ~~ولما تقدم. # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيد الرسل سيدنا محمد وآله وسلم # باب في الجهاد # [دليل ] PageV01P315 قال الله تبارك وتعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما}(1). # [حكم الجهاد] # دلت هذه الآية الكريمة بصريحها على وجوب الجهاد؛ لأن الله تعالى مدح أهله ~~ورتب الأجر في قوله تعالى: {درجة} و{درجات} عليه، والمدح من الله تعالى على ~~الشيء أمر به وإيجاب له، وترك ما مدح عليه تعالى مخالفة لأمره تعالى من ~~المكلف، ومخالفة المكلف لمراده معصية منه له تعالى، وقد قال تعالى: {ومن ~~يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}(2) ~~ودلت بقوله تعالى فيها: {غير أولي الضرر} أن لهم بسبب ضررهم الذي منعهم وهو ~~من الله تعالى كالأمراض المانعة ونحوها مثل أجر المجاهدين إلا أن المجاهد ms191 ~~يزيد عليهم بدرجة واحدة بقوله تعالى: {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ~~على القاعدين درجة} بعد ذكره تعالى أنهم لا يستوون بقوله تعالى: {لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين} ثم استثنى تعالى من نفي المساواة أهل الضرر المانع ~~الحاصل من جهته تعالى المؤمنين بقوله تعالى: {غير أولي الضرر}، ثم قال ~~تعالى مخبرا أنهم لا يفضلهم المجاهدون إلا بدرجة فقال تعالى: {فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} يعني تعالى: PageV01P316 # القاعدين للعذر المانع يشاركون المجاهدين في فضائل الجهاد لأجل عذرهم ~~المانع إلا في درجة واحدة فإنها تزاد للمجاهدين، ثم قال تعالى: {وكلا وعد ~~الله الحسنى} يعني تعالى: وكلا من المجاهدين والقاعدين المؤمنين وعد الله ~~كلهم الحسنى وهي الفوز بالجنة، ثم قال تعالى بعد ذلك: {فضل الله المجاهدين ~~على القاعدين} يعني تعالى: القاعدين لسد غيرهم مسدهم وكفايته للجهاد [63ب] ~~ولو لم يحضروا وكان قعودهم برضا ولي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولإمام الحق ذلك الحكم، فأخبر تعالى أن للمجاهدين على القاعدين ~~لكفاية غيرهم وسده للجهاد دونهم مع الرضى من الجميع والإمام درجات كثيرة ~~فقال تعالى في ذلك: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات ~~منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما} فدل تعالى بذلك أن المقصود ~~الكفاية للجهاد؛ فإذا حصلت من البعض استحق الفضيلة مع الإيمان درجات على ~~القاعد لأجل الكفاية لا لأجل الضرر مع الرضى منهم ومن ولي الأمر الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم والمحق بعده صلى الله عليه وآله وسلم من ذريته ~~عليهم السلام وكان القاعد معذورا في هذه الحال ولو لم يدرك فضيلة الجهاد ~~إذ لو لم يكن معذور لأخبر تعالى بفضيلة المجاهد وعقاب القاعد لغير الضرر، ~~ولم يقتصر تعالى على المفاضلة حيث قال تعالى: {وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما} فدلت الآية حيث لم يذكر تعالى عقاب القاعدين مع ~~الكفاية، وقال PageV01P317 تعالى: {وكلا وعد الله الحسنى}(1) أن الجهاد فرض كفاية، إذا كفى له البعض ~~سقط عن الباقين، وأنهم لم يدركوا الفضيلة مع قعودهم ms192 لغير عذر، وأن أولي ~~الضرر مشاركون مهما بقي الجهاد في الدرجات إلا واحدة عوضا لهم لما كان ~~المانع لهم عن ذلك عذرا منه تعالى كمرض وإقعاد وعمى وعرج ونحو ذلك، ولما ~~كان المانع لغيرهم ليس عذرا منه تعالى كالمتقدمين وإنما هي رخصة جابرة ~~لكفاية غيرهم لم يشاركوا المجاهدين في شيء من فضائلهم لقدرتهم على الجهاد، ~~وكذلك من كان عذره الفقر بأن لا يجد زادا وراحلة من ماله فاضلا عن كفاية من ~~يعول حتى يعود فهو من أولي الضرر، ويشارك المجاهدين لأن الفقر من الله ~~تعالى فيشاركهم بذلك إلا في درجة واحدة، وكذلك من اشتغل بدفع الضرر عن ~~الوالدين فله أجر عظيم، وكذلك من يعول. PageV01P318 # وقلنا برضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الإمام والرسول [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] لا بد أن يرضى من نفسه باللفظ من غير أن يستأذن في ~~البقاء؛ لأن الله تعالى ذم الراغبين بأنفسهم عن نفسه صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال تعالى: {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه}(1) هذا إذا خرج الرسول ~~للجهاد بنفسه، وكذلك لإمام الحق هذا الحكم إذا خرج للجهاد بنفسه فإن لم ~~يخرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا الإمام وجب على من عيناه أن لا ~~يتخلف لا بالرضى منهما مع وجود من يغني عنه، وإن فرض على الناس على سبيل ~~العموم وجب على الجميع إلا من قال بالبقاء؛ وإنما قلنا بهذا التفصيل وأنه ~~لا بد من الرضى لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين * ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه}(2) وللإمام من ذريته وعترته صلى الله ~~عليه وآله وسلم في ذلك مثل ما له صلى الله عليه وآله وسلم لقوله [صلى ~~الله عليه وآله وسلم]: ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر [64أ] من ذريتي ~~فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله))(3) وقوله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل ms193 البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه ~~في نار جهنم))(4) فدل ذلك أن الإمام الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر من ~~ذريته وعترته صلى الله عليه وآله وسلم فهو خليفة الله في PageV01P319 أرضه، وخليفة كتابه وخليفة رسوله؛ فدل ذلك أن حكم الإمام على جميع الناس في ~~كل ما يظهر به شعار الدين وحياته من الجهاد والحث عليه، وطلب العلم ونشره ~~والحث عليه وكل واجب يعم الدين أو يتقوى به الدين من أركانه حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ويدل على هذا الذي ذكرنا مع الحديث الأول قوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله ~~على منخريه في نار جهنم)) (1). # وقلنا: بإذن الرسول أو الإمام بالبقاء من دون أن يطلبهما ذلك بعد خروج ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام -رضي الله عنه- للجهاد لقوله ~~تعالى: {ومنهم من يقول اذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين}(2) ولقوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والله عليم بالمتقين}(3) ~~ولقوله تعالى: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت ~~قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}(4)، فهذه الآية والأولى حيث خرج الرسول أو ~~الإمام أو المدافع عن المسلمين أعداءهم وأعداء الإسلام للجهاد لقصد الكفار ~~غير أهل الذمة إلى ديارهم أو أهل القبائل المتظاهرين بها كالربى، والزنى، ~~والرشا، وشرب الخمر، ونكح الذكور، وأحكام الطاغوت مع الشوكة لهم أو غيرها، ~~وكذلك الغاصبون الظالمون لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولايتهم وإمامتهم، المستأثرون PageV01P320 بها عليهم، الطالبون أن تكون ذرية سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته تبعا لهم أو يساوونهم تمردا، ولو عدلوا في كل الأمور غير تقديم ذرية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته والإقرار بفضيلتهم وإمامتهم ~~وأنهم خلفاء أبيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم ما له إلا لفرق ~~دليل قاطع، فلو عدلوا كل عدل ms194 ولم يعطوا أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وذريته وعترته صلى الله عليه وآله وسلم هذه الخصال تمردا منهم ~~لم يقبل الله تعالى منهم صرفا ولا عدلا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولوا الأمر منكم}(1) وهم أولوا الأمر لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو ~~خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله))(2) ولقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه في ~~نار جهنم))(3) ولقوله تعالى في فضيلتهم وفضيلة أبيهم وسيدهم محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على الإطلاق جميعهم عليهم السلام {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس [64ب] أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(4) ولقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في فضيلتهم جميعهم عليهم السلام على جميع الناس إلا ~~الرسل وأنهم لا يساوى بهم غيرهم من الأمة ولا يحل لمسلم أن يجعلهم تابعين ~~غير متبوعين، أو أن PageV01P321 يتخلف عن اتباعهم أحياء وموتى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي ~~كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى))(1) فمن أراد أن يمنعهم ~~هذه الفضائل ويختص بها نفسه دونهم وفعل ذلك وجب جهاده وقتاله ونفيه من ~~الأرض على كل مكلف لكفره حيث استحل، ولفسقه لفعل المنكر حيث تمرد، ولا يجوز ~~تركه على منكره إلا لعدم الناصر لقوله تعالى في العذر مع العجز:}لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها}(2) وكما فعل علي عليه السلام مع المشائخ لعدم ~~الناصر وخوف إلقاء بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~التهلكة، وحفظهم واجب قطعا، ولقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}(3). PageV01P322 # فإذا كان أهل هذه الضلالات والبدع غير مستحلين لها وإلا فهم كفار حيث ~~استحلوها، فلا يحل لمسلم أن يستأذن للبقاء في بدو خروج الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم أو الإمام أو المدافع في هذه كلها وهو لا يعلم ms195 أن البعض ~~يكفي أو يعلم أو يظن لما في ذلك من إيهام التشكك في قتال الظالمين ومخالفة ~~الأدلة القاطعة بيقين ولو لم يوهم الشك أيضا ولما في ذلك من الرغبة بنفسه ~~وماله عمن هو أحسن منه؛ فلا يجوز الاستئذان مع القدرة والمال المبلغ إلا مع ~~بعد غلبة أهل الحق لأهل الباطل ولو بعدت؛ فإن أذن الرسول ابتداء أو الإمام ~~جاز له ذلك، وليس لهما الإذن ابتداء إلا إذا غلب بظنهما كفاية البعض أولاهم ~~مما هما فيه، أو مساو له من خشية ضرر أهل، أو تلفهم، أو تعوزهم، أو أمر ~~بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ضرر، والدين، أو لنائبه في بيوت المجاهدين، أو ~~التشرف إليهم ما يحتاجون من الأموال؛ فذلك جائز التخلف لأجله بل يجب لقوله ~~تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}(1) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب الله له مثل أجره إلا أنه ~~لا ينقص من أجر الغازي شيئا))(2) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ~~عليه السلام يخلفه في أهله وغيرهم في المدينة في بعض غزواته فاعتذر عليه ~~السلام لمحبة الجهاد ومواساة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ~~في السفر فقال صلى الله عليه وآله وسلم في كلام شريف PageV01P323 أجاب به على علي عليه السلام ليطيب به نفسه، ونص فيه أيضا نصا جليا على ~~خلافة علي أمير المؤمنين عليه السلام وأن لعلي حكمه صلى الله عليه وآله ~~وسلم في كل خصاله الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم لا في النبوة فقال ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني نحيتك فيما قلت -إلى أن قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: وأما رغبتك في الأجر والمخمصة في سبيل ~~الله، أفما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي))(1) فلعلي عليه السلام بدلالة هذا الخبر الشريف وغيره -وهو متواتر ~~بين الأمة وغيرهم- من الأدلة القاطعة أن لعلي [65أ] -صلوات الله عليه- من ~~رسول الله ms196 صلى الله عليه وآله وسلم مثلما لهارون عليه السلام من موسى ~~عليهم السلام من الخلافة وجميع الخصال إلا في النبوة لأنه لو كان شيء ~~غيرها ليس لعلي مما لهارون مع موسى -عليهما السلام- فاستثناه صلى الله ~~عليه وآله وسلم كما استثنى النبوة، وقد حكى الله تعالى عن موسى صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال لأخيه هارون عليه السلام ما حكى الله تعالى عنه ~~بقوله تعالى: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}(2) ففي هذا ~~تثبيت ونص جلي في إمامة علي أمير المؤمنين عليه السلام ووصايته، وأخوته، ~~وخلافته على جميع الأمة بعده صلى الله عليه وآله وسلم وفي غيبته صلى ~~الله عليه وآله وسلم حيا وميتا مثلما أن لهارون عليه PageV01P324 السلام من موسى عليه السلام هذه الخلال كلها وزيادة النبوة لهارون عليه ~~السلام ويؤخذ من هذا ويدل عليه بصريحه أيضا قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من جهز غازيا في سبيل الله أو خلفه في أهله كتب الله له مثل أجره ~~إلا أنه لا ينقص من أجر الغازي شيئا))(1) إن للخالف للغازي أو لمصلحة دينية ~~بإذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام المحق مثل أجر المجاهد ~~ويكون القاعد الذي للمجاهد عليه فضائل درجات القاعد للاستغناء عنه ولم يخرج ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام ولم يعيناه للخروج ولم يخلف ~~غازيا ولا هو من أولي الضرر كمرض أو فقر، وهذا وجه الجمع بين الآيات ~~والحديث، والجمع بين الأدلة واجب قطعا لتحريم إبطال معنى آية كله أو حديث ~~كله مما يجوز ويصح نسخه كالأوامر والنواهي وما في معناها من الأخبار مما ~~تختلف فيه المصالح والشرائع كغير أصول الدين، وأصول الشرائع، وأخبار الأمم ~~الماضية وأخبار، الغيوب المستقبلة بغير دليل قاطع من آية أخرى محكمة معلومة ~~التأخر في التاريخ منافية للأولى من كل وجه، أو سنة محكمة متواترة كذلك. # فصل في فضل الجهاد PageV01P325 ففي فضله ووجوبه فرض كفاية أو فرض عين على التفصيل المتقدم [في] الآية ~~المذكور أولا وهي قوله ms197 تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا ~~رحيما}(1)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الجهاد سنام الدين))(2). # وروى الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام بإسناده أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله بعثني بالرحمة واللحمة، وجعل رزقي ~~في ظل رمحي، ولم يجعلني حرابا ولا تاجرا، ألا وإن من شرار عباد الله ~~الحرابين والتجار إلا من أعطى الحق وأخذ الحق))(3). # وبإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما اغبرت قدما عبد ~~في سبيل الله فطعمته النار))(4). # وبإسناده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لنومة في سبيل الله ~~أفضل من عبادة ستين سنة، تقوم لتلك الليلة لا تفتر، وتصوم نهارك لا ~~تفطر))(5). # وبإسناده عن حسان بن ثابت الأنصاري أنه [65ب] قال: يا رسول الله إن عندي ~~عشرة آلاف درهم فإن أنفقتها يكون لي أجر مجاهد؟ فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((فكيف بالحط والارتحال))(6). PageV01P326 # وفي الحديث عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أفضل الأعمال بعد الصلاة المفروضة والزكاة الواجبة وحجة ~~الإسلام وصوم شهر رمضان؛ الجهاد في سبيل الله، والدعاء إلى دين الله، ~~والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ عدل الأمر بالمعروف: الدعاء إلى الله ~~في سلطان الكفر، وعدل النهي عن المنكر: الجهاد في سبيل الله، والله لروحة ~~في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها))(1). # وعن علي عليه السلام قال: "غزوة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة، ورباط ~~يوم أفضل من صوم شهر وقيامه، ومن مات مرابطا جرى له عمله إلى يوم القيامة ~~وأجير من عذاب القبر". # وعن علي عليه السلام قال: "لا يفسد الجهاد والحج جور جائر، كما لا يفسد ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غلبة أهل الفسق". ms198 # وعن علي عليه السلام قال: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله وجهه ~~على النار، ومن رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كأن عتق رقبة، ومن ضرب ~~بسيفه في سبيل الله فكأنما حج عشر حجج حجة في إثر حجة". PageV01P327 # وروى علي بن موسى الرضى بإسناده قال فيه -عليه السلام: حدثني أبي موسى بن ~~جعفر قال: حدثني أبي جعفر بن محمد قال: حدثني أبي محمد بن علي قال: حدثني ~~أبي علي بن الحسين قال: حدثني أبي الحسين بن علي -عليهما السلام- قال: بينا ~~أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس ويحرضهم على الجهاد فقام إليه شاب ~~فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله؟ فقال علي ~~-صلوات الله عليه: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته ~~العضباء ونحن قافلون عن غزوة ذات السلاسل فسألته عما سألتني عنه فقال: ((إن ~~الغزاة إذا هموا بالغزو كتب الله لهم براءة من النار، وإذا تجهزوا نحوهم ~~باهى الله بهم الملائكة؛ فإذا ودعهم أهلهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ~~ويخرجون من بيوتهم كما تخرج الحية من سلخها، ويوكل على الله عز وجل على كل ~~رجل منهم أربعين ملكا يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ~~ولا يعمل حسنة إلا تضاعف له وتكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله عز ~~وجل ألف سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما اليوم مثل عمر الدنيا، وإذا صاروا ~~بحضرة عدوهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، وإذا برزوا لعدوهم ~~وقومت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفتهم الملائكة بأجنحتها ويدعون الله ~~بالنصر والتثبيت، وينادي مناد: الجنة تحت ظلال السيوف، تكون الطعنة أو ~~الضربة على الشهيد أهون من شربة الماء البارد في يوم الصيف، وإذا زال ~~الشهيد عن فرسه PageV01P328 بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله عز وجل إليه زوجة من الحور ~~العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامات، فإذا وصل إلى الأرض تقول له ms199 ~~الأرض مرحبا بالروح الطيب التي خرجت من البدن الطيب، أبشر فإن لك ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيقول الله عز وجل: أنا خليفته في ~~أهله، فمن آذاهم فقد آذاني، [66أ] ومن أسخطهم فقد أسخطني؛ فتجعل روحه في ~~حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاء يأكل من ثمارها، ويأوي إلى قناديل من ~~ذهب معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس سلوك كل ~~غرفة ما بين صنعاء والشام على نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعين ~~بابا، في كل باب سبعون مصراعا من ذهب، قوائمها الدر والزبرجد، مرمولة ~~بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشا، كل فراش أربعون ذراعا، على كل ~~فرش زوجة من الحور العين عربا أترابا، فقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرنا ~~عن العربة؟ قال: الغنجة الرضية الشهية، لها سبعون ألف وصيف وسبعون ألف ~~وصيفة صفر الخلق، بيض الوجوه، عليهم تيجان اللؤلؤ، على رقابهم المناديل، ~~بأيديهم الأكوبة والأباريق؛ وإذا كان يوم القيامة فوالذي نفسي بيده لو كان ~~الأنبياء على طريقتهم لترجلوا لهم لما يرون من بهائهم حتى يأتون إلى موائد ~~من الجوهر فيقعدون عليها فيشفع الرجل منهم في سبعين ألفا من أهل بيته ~~وجيرانه حتى الجارين يختصمان أيهما أقرب جوارا فيقعدون معي ومع إبراهيم ~~عليه السلام على PageV01P329 مائدة الخلد فينظرون الله بكرة وعشيا))(1). # قلت: ينظرون إحسانه تعالى، ويسمعون كلامه، ويعرفونه تعالى ضرورة وليس نظر ~~المشاهدة تعالى. # فصل # واعلم أن قتال الكفار أهل الحرب يجب بعد الدعاء لهم إلى الإسلام وأحكامه ~~إذا كانوا عربا لا كتاب لهم، أو عجما، أو أهل كتاب وتغلبوا بشوكة عن ~~الإسلام وأحكامه، وعن الجزية، ولم يكونوا ممن صالحهم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ووفوا بشرطه كنصارى نجران، ولا يقاس عليهم، مع أنهم فيما ~~روى لنا آباؤنا عليهم السلام لم يفوا بشرطه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لأنه شرط عليهم ألا يصبغوا أولادهم بالنصرانية، وأن يكون أولادهم من بعدهم ~~مسلمين؛ ونصارى نجران من ms200 بنو تغلب من العرب وليسوا من بني إسرائيل فأبقوا ~~حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية من أهل الذمة، وطلبوا ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ منهم كما يأخذ من العرب ~~العشر، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن العشر لا يكون إلا صدقة، وأن ~~الصدقة لا تؤخذ إلا من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ ~~منهم ضعفي ما يأخذ من المسلمين على طريق الصلح لسلامة أنفسهم ويخلي رقابهم ~~لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ~~وأن لا يصبغوا أولادهم وأن يكون أولادهم من بعدهم مسلمين لا يعلموهم ~~اليهودية ولا النصرانية. PageV01P330 # فأما اليهود فليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين صالحهم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يصبغوا أولادهم ولا يدخلوهم في شيء من ~~أديانهم نصارى بني تغلب دون غيرهم من النصارى وهم من العرب وليسوا من بني ~~إسرائيل كما ذكرنا ذلك، يهود اليمن فرقة من حمير تهودت وليسوا من بني ~~إسرائيل لكن قرروا على الجزية بشرط الذلة والصغار باجتهاد فتركوا على ذلك ~~وإلا فمذهبنا أن حكمهم كحكم كفار العرب، والصبغة هي حمرة يجعلونها بين ~~الماء ثم يطلونهم [66ب] بها ويقولون بعد ذلك: صار الآن نصرانيا حقا، فأنزل ~~الله تعالى مقابلها صبغة الإسلام فقال تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله ~~صبغة}(1) فلم يفوا، بل صبغوا فقد انتقض عهدهم حينئذ لعدم الوفاء بالشرط لا ~~محالة، فلهم حكم كفار العرب حينئذ، والدعاء يجب مرة واحدة ويعلم به جميعهم ~~-أعني المدعوين المقصودين في تلك الحال- كما ذلك مقرر في مواضعه من كتاب ~~الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] فإذا لم يدخلوا في الإسلام وأحكامه بعد الدعوة إلى ذلك وهم عرب ~~لا كتاب لهم، أو عجم مطلقا وحلوا عمن لا يحل قتله، ولم يمكن انفصالهم عنه ~~بحال وله حكمهم كأطفالهم في دارهم ونسائهم ورهبانهم لا ms201 لو كانوا مختلطين ~~بمسلمين لم يجز لما في سورة الفتح، ولتحريم قتل المسلمين قطعا من دون دليل ~~قاطع يستحل به دماؤهم؛ فإذا خلوا كذلك أو لم يمكن انفصالهم عمن له حكمهم أن لا PageV01P331 يقتل الجميع، كوضع المنجنيق عليهم، أو تبييتهم حيث كان في هذين التبييت أو ~~المنجنيق سلامة للمسلمين من القتل، أو لا يمكنهم إهلاكهم إلا بذلك جاز؛ ~~فإذا كانوا كذلك ولم يختلط بهم مسلمون ملتبسون غير معروفين لكل المقاتلين ~~فإن الكفار عرب أبوا الدخول في الإسلام وأحكامه ولا تقبل منهم جزية فلا ~~يقرون على الشرك لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين}(1) ولقوله تعالى: {فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}(2) ولما روي عن علي -عليه ~~السلام: "لا يقبل من مشرك العرب إلا الإسلام أو السيف أو كانوا أهل كتاب" ~~أو من في حكمهم وأبوا الإسلام وأحكامه والجزية ولم يكونوا من المصالحين ~~الوافين بالشرط وكان عليهم من الجزية ولم يمكن إجبارهم عليها، أو كانوا ~~عجما وغلبوا من الإسلام وأحكامه ومن الجزية لشوكة؛ فإذا كانوا كذلك لا كتاب ~~لهم ولا أعطوا الجزية لغلبة شوكتهم عربا أهل كتاب أو عجما ولو لم يكن لهم ~~كتاب فإنهم حينئذ يقاتلون ويقتلون من أي الثلاثة الأصناف مع الشروط ~~المتقدمة مقبلين ومدبرين في حل وفي حرم إذا دخلوا الحرم غير مستجيرين ~~لضعفهم لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد}(3) والحرم من جملة هذه المواضع. PageV01P332 # وقولنا: إذا دخلوا الحرم غير مستجيرين لضعفهم، فإن دخلوا مستجيرين وجب ترك ~~قتالهم حتى يقاتلوكم فيه حتى يخرجوا لقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا}(1) ~~ولقوله تعالى: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه}(2) فإن ~~قاتلوا فيه قتلوا ولو دخلوا مستجيرين لقوله تعالى: {حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين}(3) وإن دخلوا ليتولوه، أو البغاة ~~ليستولوا عليه أو يتولوه قوتلوا فيه لقوله تعالى: {وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا المتقون}(4) فإن دخلوه للتقرب فيه وهم كفار أخرجوا منه من دون ~~أن يقاتلوا إلا أن يقاتلوا حتى ms202 يصلوا الحل لقوله تعالى: {إنما المشركون نجس ~~فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}(5) فيدافعون عن قرب البيت الحرام ~~وهو مداخل المواقيت المضروبة حيث تعدوها قاصدين بمجاوزتها دخول الحرم ~~المحرم بغير القتل إلا أن يقاتلوا ويجارون حتى يصلوا مأمنهم إذا دخلوا ~~مستجيرين لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [67أ] وكذلك من استجار بالله ~~تعالى أو بالبيت الحرام من المشركين والبغاة للضعفة أو لم يقاتلوا، ولا ~~يستولوه، ولا تولوه، ولا أبوا الخروج منه حيث كانوا كفارا أجيروا لأنهم ~~بذلك قد استجاروا بالله تعالى وبرسوله وبالمسلمين معا، وكذلك لو استجاروا ~~بالله تعالى وحده أجيروا كذلك بالأولى ولقوله صلى الله عليه PageV01P333 وآله وسلم: ((فعائذ الله أحق أن يعاذ))(1) ولقوله تعالى في المسجد الحرام: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه}(2) ولقوله تعالى في شأن ~~المسجد الحرام وغيره من معالم الدين: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من ~~تقوى القلوب}(3) وكذلك سائر المساجد ومشاهد الأنبياء والأئمة والصالحين ~~والمؤمنين، وذلك -أعني الإجارة- لمن استجار بهذه الأشياء حتى يسمع كلام ~~الله فيوعظ به من كافر أو باغ فإنه يجار حتى يسمع كلام الله تعالى، فإن ~~امتثل ما وجب عليه وله من الإسلام وأحكامه وإلا أخرج إن كان كافرا من ~~المساجد، نص في المسجد الحرام بقوله تعالى في المسجد الحرام: {إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وفيه وفي غيره نص ~~وقياس عليه في غيره قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}(4) وقوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر}(5) لا المشاهد إلا أن تكون مساجد، ثم ~~يرد إلى مأمنه بعد الإخراج والإسماع فلم يمتثل وإن كان باغيا وجب تركه حيث ~~لا مضرة منه ولا فواحش فساد من زنا، وشرب ms203 خمر ونحو ذلك؛ وإنما هو الإصرار ~~على ما مضى وعزمه على الفواحش إذا خرج فيترك وجوبا حتى يخرج إلا أن يخشى ~~فوت صاحب الحق أخرج قهرا، فإذا خرج أو أخرج رد إلى مأمنه PageV01P334 بعد تعريفه ما له وعليه وذلك لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وللبغاة في هذه الحالة ذلك ~~الحكم؛ وإنما يجب إذا استجار الكفار أو البغاة إجارتهم كذلك إذا استجاروا ~~جاهدين إلى الأحكام الشرعية أجيروا حتى يعلموها بإسماعهم إياها من الكتاب ~~والسنة واستجارتهم تمردا وهربا عن الحق مع العلم بأنهم يقدرون عليه لم ~~يجاروا ولا حكم لاستجارتهم مع ذلك لقوله تعالى: {ذلك بأنهم قوم لا ~~يعلمون}(1) فالمفهوم منها أنهم لا يجارون مع علمهم بالأحكام الشرعية، فإن ~~أجارهم ذلك مسلم قبل علمه بالنهي من إمام الحق جاز له ذلك إذا كان أمانة ~~لهم دون سنة ووجب الاحترام ما لم يجرهم على منع حق لآدمي أو لله مالي ~~كالخمس فلا تنفذ إجارته في ذلك وفي غير ذلك؛ فإن أجارهم بعد علمه بالنهي ~~وجهلهم له ردوا مأمنهم فورا ووجب احترامهم حتى يرجعوا، وإن علم المؤمن ~~والمؤمنين بالنهي عن التأمين وقد عرف المؤمن الأحكام الشرعية ولم يسلم فلا ~~أمان إلا أن يشأ الإمام لمصلحة، وهذا [67ب] التفصيل لقوله تعالى: {وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم ~~قوم لا يعلمون}(2) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((وأي رجل دخل من ~~أقصاكم وأدناكم -أشار إلى رجل من المشركين- فأقبل إليه بإشارته فله الأمان ~~حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فأخوكم وإن أبى فردوه إلى ~~مأمنه......الخبر))(3) وهذا إجماع، ولا PageV01P335 نعلم قائلا بخلاف ذلك. # فأما غير من يقدر على القتال لهرم أو صغر أو جنون أو لم يكن رجلا كامرأة ~~وخنثى مشكل سواء كانوا كفارا أو بغاة، أو أعمى، أو أعرج شديد العرج، أو ~~مقعد، أو أجذم، أو رهبان فلا يقتل أحد منهم إجماعا ولأحاديث عنه صلى الله ~~عليه وآله ms204 وسلم ولآيات في الكل إلا أن يكون الكبير مقاتلا وذا رأي، أو ~~تكون المرأة، أو -أي الباقين- من الصغار والمجانين مقاتلين وأضروا قتلوا ~~مدافعة لا غير. # فصل # فإن لم يكف البعض لدفع الكفار وقصدهم إن قصدهم المسلمون والبغاة حيث ~~فعلوا ما لا يجوز تقريرهم عليه من المنكرات أو غصبوا الولاية على أهل بيت ~~رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستأثروا بها عليهم فإذا لم يكف ~~لهم البعض في دفعهم وقتالهم وإقامة الحق عليهم قهرا وجب على الكل من ~~الرجال؛ فإن لم يكف الرجال وجب على الرجال والنساء من باب النهي عن المنكر، ~~فيجب حينئذ على كل مكلف سليم الحواس مما يمنع عن الجهاد جهادهم إذا استطاع ~~بزاد وراحلة لفوق البريد والبريد وبزاد فقط بدون البريد من خالص المال وفي ~~ذلك كله يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير}(1) ويقول تعالى: {انفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا PageV01P336 بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}(1) ويقول ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص}(2) ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}(3) ويقول تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير}(4) ويقول تعالى: {إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى ~~بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}(5)، ms205 ~~ثم ذكر تعالى المؤمنين المجاهدين في صفاتهم الذين يستحقون الجنة بجهادهم ~~إذا وفوا مع الجهاد بهذه الخصال كلها، فقال تعالى فيهم: {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}(6) وقوله تعالى: {ومن الناس من يشري ~~نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف [68أ] بالعباد} نزلت هذه الآية في علي ~~أمير المؤمنين عليه السلام حين نام على فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ليلة خرج إلى الغار لئلا تعرف PageV01P337 قريش بخروجه إذا رأوا مكانه جالسا، فكانوا كلما نظروا رأوا ثوب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم مسجى فوق علي عليه السلام فيظنونه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: هو باق إلى الصبح؛ فيحرسون بزعمهم، وقد ~~أخرجه الله تعالى وأعمى أبصارهم لئلا ينظروه حالة خروجه فيمنعوه -صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل ~~البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم))(1) وغير ذلك من الآيات ~~والأحاديث. PageV01P338 # والجهاد واجب بالمال كالجهاد بالنفس؛ لأن الله تعالى قرن أحدهما بالآخر ~~فلنفس الإنسان على انفراده يجب أن ينفق نفسه في الجهاد وغيره من ماله إذا ~~كان غنيا ولو كان في بيت المال مال يكفي، ويجب عليه أن يجهز من المجاهدين ~~غير الأغنياء مع الحاجة إليهم بالزائد على ما يجحف به ومن تلزمه إنفاقه من ~~العول من ماله إذا كان بيت المال خاليا بالكلية ولا يكفي وجب تكميله من ~~خالص المال في التجهيز، وكذلك إذا لم يكن المجهزون يوجد لهم في بيت المال ~~ما يسوغ لهم من الأخماس والجزي والخراجات من بني هاشم وكانوا فقراء ودعت ~~الحاجة إليهم في الجهاد كما ذكرنا، ويجب تجهيزه لهم بما يكفيهم مدة الجهاد ~~من خالص مال الآخرين ومن أموال النساء، والجهاد على النساء أيضا بالمال دون ~~النفس كأموال الرجال لعموم الأدلة لا بأنفسهن إلا إذا لم يستغن عنهن لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهن حين سألنه هل على ms206 النساء جهاد؟ فقال -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((عليهن جهاد، جهادهن الحج والعمرة))(1) وبقي الجهاد ~~عليهن بالمال لعموم الأدلة ما لم يمنع من ذلك إجماع العترة أو الأمة داخل ~~فيهم إجماع العترة عليهم السلام إلا أن لا يكون إجماع أنه يجب عليهن ~~بالمال دون النفس، ويقال إن الجهاد بالمال تبع للنفس وفرع عليه، فإذا سقط ~~عليهن بالنفس سقط بالمال، ولعموم قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((جهادهن ~~الحج والعمرة))(2) ولضعفهن، ولقوله تعالى بعد إيجابه الجهاد بالمال PageV01P339 والنفس مستثنيا للنساء مع غيرهن بقوله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا}(1) فيجب كذلك بما لم يجحف ~~بنفوسهم ومن يعولون لقوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}(2) وغيرها من الآيات؛ ~~فإن كفى بيت المال للفقراء من المجاهدين ووجد لكل صنف من المصارف ما يسوغ ~~له لم يجب الجهاد بالمال مع النفس جميعا إلا على الأغنياء لكل منهم كفاية ~~نفسه من نفسه من ماله ولفقراء المجاهدين حيث احتيج إلى الكل كما ذكرنا من ~~بيت المال لقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس في المال حق سوى ~~الزكاة))(3) ولقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}(4) ولقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم[68ب]: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه))(5) ولقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه))(6) ~~وغير ذلك، والله أعلم. # فصل PageV01P340 لا يجوز قتال الكفار وقصدهم حيث اختلطوا بالمسلمين ولم يعرف كل المقاتلين ~~المسلمين فيهم لقوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن ~~مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ~~ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله ~~في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا ms207 الذين كفروا منهم عذابا أليما}(1) وكذلك ~~من جار ووجب قتاله من البغاة لفساده ومنكره واختلط به المؤمنون ولم يتميزوا ~~بالمعرفة للكل له هذا الحكم، وكذلك إذا تميزوا وعارفهم الكل في الكفار ~~والبغاة، ولكن جند المحقين مختلط بمن لا يوثق به الفساق ومن لا يحترم قتل ~~النفوس ونهب الأموال بغير حق حرم القتال والقصد للكل إلا مدافعة فيجوز ولو ~~اختلطوا بمؤمنين ومسلمين في الكل إجماعا ولقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة}(2) ولقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة}(3) وكذلك إذا عرف بالعلم أنهم إذا لم يقصدوا قصدوا جاز قصدهم ~~ولو كان فيهم أولئك؛ لأن ذلك مدافعة ونهي عن أنكر مما هم عليه، ويدخل في ~~ذلك قتل الترس من المسلمين، وفي من قتل الكفارة، والدية على العاقلة إن ~~عرفت وإلا فبيت المال، وإلا فالمسلمون، والله أعلم. # فصل PageV01P341 يجب قتال الأقرب فالأقرب من كفار وبغاة، ثم الأكثر ضررا إذا لم يستووا ~~لقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} ويجب أولا ~~إصلاح الجند بتعليم الشرائع ونهيهم عن المناكر بما أمكن لقوله تعالى: ~~{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}(1). # فصل # ولا يجب الجهاد على أولي الضرر من مقعد وأعمى ومريض شديد المرض وأعرج لا ~~يمكنه الجهاد مع ذلك لما تقدم ولقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها}(2) إلا بالدعاء مرة مع الذكر لأنه يمكن، وقد قال -صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((إنما تنصرون بضعفائكم))(3) ولا على من عدم الزاد والراحلة ~~وأمن الطريق كلها أو أحدها، أو خشي تلف الأبوين أو ضررهما، أو من يجب عليه ~~إنفاقه، أو من تعين عليه أمره من المسلمين ولم يعرض عليه مما يسوغ له من ~~بيت المال أو خالص مال المسلمين بطيبة نفوسهم أو قهرا حيث يجب عليهم ~~التجهيز للحاجة فلا يجب عليه الجهاد إذا فقد هذه كذلك، ولو كان سليم الحواس ~~مما يمنع من الجهاد كالحج ولقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم قلت لا ms208 أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا ~~يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون}(4) ويجوز لهم -أعني ~~المعذورين- من جهة الله تعالى الاستئذان ولو خرج الرسول صلى الله عليه PageV01P342 وآله وسلم أو الإمام، وهذا خاص لما تقدم من الأدلة الحاصرة للاستئذان ~~[69أ] في قوله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر...إلى ~~آخرها} وكذلك يجوز الاستئذان لحفظ الوالدين إذا تضررا لعظم حقهما بالأدلة ~~القاطعة ومن يعول إذا خشي الضرر المتلف أو المضر لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((كفى للمرء إثما أن يضيع من يعول))(1) هذا إذا كان الجهاد فوق ~~البريد في شرط الاستطاعة بالمال وأمن الطريق فوق ما يعتاد حفظه فيه كالحج ~~لقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم ~~عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون.....إلى ~~آخرها}(2). # وفي تأثير الوالد ومن يعول حسب ما لا يضره ولو دون البريد؛ لأن دفع ضررهم ~~أهم لما ذكرنا من الأدلة أولا؛ فإن كان على رأس البريد أو دون البريد ولم ~~يضر بالوالدين وبمن يعول وجب، ولم يشترط الراحلة ولا كثرة الزاد إلا أمن ~~الطريق لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وذلك لإمكان الجمع ~~بين الواجبات، فيجب الجمع لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا ~~وأطيعوا}(3). PageV01P343 # فأما الدين فلا يتضيق ولا يقدم على الجهاد ولا يكون عذرا إلا أن يكون لمن ~~لا يجب عليه الجهاد كصبي وامرأة وضعيف ومسجد وفقراء، ويمكنه قضاؤه مع ~~المطالبة في غيرهم وذلك لأن الجهاد يجب على أهل الدين إذا كانوا رجالا ~~مكلفين، ويجب عليهم الإعانة بالمال وذلك الدين من جملة ما يجب عليهم ~~الإعانة به من المال عند إن لم يبق مع المجاهد ما يقضيهم بعدما يحتاجوا ~~إليه في الجهاد أو من يجب عليه تجهيزه معه عند الحاجة إليهم للفقراء ~~المجاهدين وهو يحتاج إلى ذلك المجاهد ms209 حيث الجهاد فرض عين أو له نكاية في ~~العدو أو يقتدى به أو يطاع في التحريض أكثر من غيره، أو عينه ولي الأمر ولم ~~يوجد حيث عينه ما يقضي أهل الدين مما يسوغ له من بيت المال فاضلا عن كفاية ~~أهل الجهاد والمصارف الفقراء والمساكين في ذلك الوقت والمستقبل إلى الله تعالى. # فصل # أهل الكتاب اليهود والنصارى لقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ~~على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين}(1) وللمجوس حكمهم لقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ~~ناكحي نساءهم))(2). # فصل PageV01P344 يجب قتالهم -أعني أهل الكتاب- والمجوس إذا امتنعوا عن إعطاء الجزية لشوكتهم ~~ولا أسلموا إسلاما صحيحا لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وإذا قوتلوا للتغلب قتل ~~مقاتلتهم ويبقى غير المقاتلين من النساء والذراري والشيوخ والرهبان لهم حكم ~~الذمة من غير جزية لأنه لا جزية عليهم في الأصل، فلا يسترقون إلا أن ~~يقاتلوا استرق النساء دون الشيوخ إلا أن يكونوا عجما لا كتاب لهم إلا ~~الصغار فلا حكم لقتالهم في نقص ذمتهم لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى}(1) إلا أنهم يقتلون مدافعة إذا أصروا، ويجوز سبي النساء إذا قاتلن ~~لانتقاص الذمة بذلك كغير أهل الكتاب، [69ب] ويجوز استرقاق النساء من غير ~~أهل الكتاب والذراري ونساء أهل الكتاب إذا قاتلن لأنهم يصيرون كغيرهم من ~~المشركين فيدخلون تحت قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}(2)، ثم ~~قال تعالى في استرقاقهم {وخذوهم}، وخرج الحر العربي غير كتابي من عموم قوله ~~تعالى: {وخذوهم} بما روى علي عليه السلام أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا ~~الإسلام أو السيف، ولقوله تعالى: {يقاتلونهم أو يسلمون} في أهل الردة وفي ~~كفار العرب وأهل الكتاب مشركون لقوله تعالى: {وقالت اليهود عزير بن الله ~~وقالت النصارى المسيح بن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون ms210 قول الذين كفروا من PageV01P345 قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~وتعالى عما يشركون} فسماهم تعالى مشركين لكن حقن تعالى دماءهم بإعطاء ~~الجزية مع شركهم؛ فإذا تغلبوا لشوكتهم كان لهم حكم مشركي العرب إن كانوا ~~عربا إلا في نسائهم وصبيانهم إذا لم تقاتل النساء فلا يسبين ولا يقتلن ولا ~~الصبيان لا يسترقون مطلقا لما ذكرنا أولا، ويقتل الصبيان مدافعة فإن لم ~~تنفصل النساء والصبيان كان لهم حكم المسلمين المختلطين بالكفار على التفصيل ~~المتقدم لحرمة الذمة، فنحن من ذمتهم على يقين، ولا يجب الانتقال عن اليقين ~~إلا بيقين لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} هذا إذا لم ينتقلوا إلى ~~دار الحرب وكفار الأصل جميعهم ونساء وصبيان؛ فإن انتقلوا وصارت دار حرب لم ~~يفترق الحال أيضا في النساء والصبيان، بل الحكم ما تقدم في الكفار لما ~~قدمنا من الأدلة، ويكون حكم العجم مشركيهم غير أهل الكتاب إن كانوا عجما ~~فيسترق رجالهم ويقتلون، وفي النساء والذراري ما تقدم. # فصل [ ] PageV01P346 وتؤخذ من العجم الجزية ويدعون إليها إذا أبوا الدخول في الإسلام وجوبا ~~لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لقريش: ((هل لكم في كلمة إذا قلتموها بانت ~~لكم العرب وأدت إليكم الجزية العجم))(1) فإن أبوها كان لهم حكم مشركي العرب ~~ودعاهم إليها إذا أبوا الإسلام جوازا لا وجوبا إلا أن رجالهم يسترقون، ~~ولقوله تعالى: {وخذوهم} وذلك معلوم كله من القرآن ومن سيرته صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو إجماع. # فصل [ ] # قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه))(2) وقال تعالى: ~~{إن الدين عند الله الإسلام}(3) دلت هذه الآية الكريمة على أن من لم يدخل ~~في الإسلام فلا دين له، فدلت على أن اليهود إذا تنصروا، والنصارى إذا ~~تهودوا وتمجسوا لم تنتقض ذمتهم ولا تحل دماءهم بذلك؛ لأنهم لم يبدلوا دينا ~~لأنهم لم يكونوا على دين أبدا فيقال بدلوه وارتدوا ما لم ms211 يدخلوا في ~~الإسلام، دلت الآية على أنه مقصده صلى الله عليه وآله وسلم من بدل دينه ~~-دين الإسلام من المسلمين- فإنه يقتل حدا بعد الاستتابة ثلاثا، ولا يقبل ~~منه إلا الإسلام أو السيف ذكرا كان أم أنثى، عربيا أو عجميا؛ هذا نهاية ما ~~في هذا الباب باعتبار أصول الدين، والله أعلم بالصواب، وما ذكرناه هو ~~الصواب لأنه قول الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل PageV01P347 هذه تكملة لما تقدم من باب الجهاد لا يجوز مسالمة الكفار غير أهل الذمة ~~[70أ] ومن له حكمهم من كفار التأويل كالجبرية والمرجئة لا من يكفر إلزاما ~~كالمعين إذا صرحوا بالكفر الذي لزمهم صدرا بعد إلزامهم وتعريفهم فعاندوا ~~فحكمهم حكم كفار التصريح من الجبرية وغيرهم يقرون بغير جزية إجماعا ~~ولتقريره صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين بغير جزية لإظهارهم كلمة ~~الإسلام وشعاره فلهم حكم المسلمين في الدنيا. # فأما كفار الشرك كاليهود والنصارى وغيرهم فعلى ما فصلناه إذا كان في ~~المسلمين قوة بحيث يغلب في الظن من تجري العادة وما أجرى الله تعالى ووعد ~~به من النصر أنهم يغلبون الكفار أو يمنعون نفوسهم إذ فتنوهم بالغزو ونهب ~~الأموال حتى يسلموا -أعني الكفار- طوعا أو ينفوا من الأرض، أو يضعفون إلى ~~حال يجوز المن عليهم فيه، أو مفاداتهم لنفوسهم بالأموال حيث لا مضرة على ~~المسلمين من بقائهم مع ضعف الكفار وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {فلا تهنوا ~~وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم....الآية}(1) ويقول الله تعالى: ~~{ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون}(2) ويقول تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض} -إلى أن قال- {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أفضتم ~~عذاب عظيم}(3) ويقول تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله}(4) فإن ضعفوا إلى حال يكون PageV01P348 فيها وجودهم وعدمهم سواء جاز المن عليهم مع الاسترقاق في غير الذكر المكلف ~~العربي؛ فأما هو فيجوز المن عليه إذا ms212 ضعف لكن بعد الإيجاب إن حاربوا -أعني ~~الكفار- والقدرة عليهم مطلقا، والأسر مع الضعف في الكل لقوله تعالى:}حتى إذ ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق}(1) فإن قتلهم قد أزجر غيرهم من أهل الشوكة من ~~الكفار ومردة البغاة وتركهم بعد عرض الإسلام عليهم فأبوه أدعى إلى تمادي ~~غيرهم من الكفار في الكفر وأهل البغي في البغي كان الواجب قتلهم لقوله ~~تعالى:}ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}(2) ولقوله ~~تعالى:}فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يتذكرون}(3)والعبرة ~~في ذلك شاهد الحال في ضعفهم وقوتهم والزجر وعدمه، وسواء حصل ذلك بعد الأسر ~~أو قبله أو حاله. PageV01P349 # فأما البغاة فلا يحل قتل أحد منهم بعد الأسر إلا إذا كان قتل بيده مسلما ~~غير مدافع، وعلم ذلك بحرمته بالإسلام؛ فإن كان قد قتل وأقر بذلك وجاءت بينة ~~عادلة أو تواتر قتل قصاصا ولا يسترق أو يمن عليهم مع فداءهم لنفوسهم ~~بأسرانا مع الضعف أو يتركون بغير شيء حيث لا يرجعون إلى فئة لهم ولا قد ~~قتلوا من المسلمين، ويجوز قتلهم لمجرد كفرهم لقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم}(1) وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين ~~كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق}(2) ثم قال تعالى بعد ~~ذلك حين قد حصل ما حصل من إثخانهم على وجه صاروا فيه ضعفة مأموني الضرر على ~~المسلمين وبلادهم، فقال تعالى في ذلك المن أو الفداء: {فإما منا وإما ~~فداء}(3) فإن كان بالمسلمين ضعف وركة وفي الكفار قوة وحيف على المسلمين من ~~قصدهم ومضرتهم إذا قصدوا وجب مصالحتهم ولو على مال منا لهم، ويكون مدة ~~معلومة على حسب حال، وذلك لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ولقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} ~~ولمصالحته [70ب] صلى الله عليه وآله وسلم أهل مكة عشر سنين، ويجب الوفاء ~~لهم ولو صار المسلمون أهل قوة لقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسئولا} ولقوله تعالى: {يا أيها الذين أوفوا بالعقود}(4) ولقوله تعالى: ~~{والله لا ms213 يحب الخائنين}(5) ولقوله تعالى: {والله لا يحب كل ختار كفور}(6) PageV02P001 ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أعطوهم ذمتكم وفوا لهم بها))(1)، ومن ~~جاءنا في مدة الصلح من النساء مسلمة اختبرت بأن نعرض عليها أحكام الإسلام ~~لها وعليها فقبلته ولم ترد إليهم ولم يخل بينها وبينهم بعد ذلك لقوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله ~~أعلم بإيمانهن فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن}(2) ~~فإن امتحن ولم يقبلن أحكام الإسلام التي لا يتم الإسلام إلا بها كالأركان ~~الخمسة رددن لحرمة العهد لقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} ~~ولا يكون لهن حكم المرتد لأن إسلامهن لم يثبت حين لم يمتثلن أحكامه وكذلك ~~كل من أسلم من رجل وامرأة ولم يمتثل أحكام الإسلام الذي لا يتم الإسلام إلا ~~بها لم يكن مسلما لقوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم}(3) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للذي شهد من اليهود أنه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي صادق فقال لهم صلى الله عليه ~~وآله وسلم أعني يهود- بالشاهدين منهم له بأنه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((فما منعكم أن تتبعوني))(4) فلم يثبت بتلك الشهادة إسلاما حين ~~لم يتبعوه صلى الله عليه وآله وسلم بقبول أحكام الإسلام ولم يقل لهم صلى ~~الله عليه وآله وسلم إنهم ارتدوا حين غلبوا من الإتباع بعد الشهادة؛ فإن ~~كان بالمسلمين حاجة إلى نشر العلم وتعليم الشرائع أو PageV02P002 لم يجهز لجهادهم إلا العلماء المشتغلون بمصالح المسلمين جازت مصالحتهم لذلك ~~إذا كان جهادهم وقتالهم يشغل عنه ولا يكمل معه وقد تجب أيضا مصالحتهم إذا ~~أدى إلى الإخلال بما هو فرض عين من العلم وفي ذلك يقول الله تعالى: ~~{أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}(1) ~~ويقول الله تعالى في إيثار العلم وتعليمه وتعريف الشرائع من جهلها: {وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا ms214 في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}(2) فإن نكث الكفار ~~العهد من كلهم أو بعضهم ولم ينكر الباقون بعد علمهم غلبهم بنقض عهدهم ~~وانتقاضه بأن يتعمدوا قتل مسلم أو ذمي أو أخذ ماله كما تقدم ويبعثوا للحرب ~~فيقاتلون ويقصدون مع القدرة عليهم وقوة المسلمين لحربهم ولا يسالمون بعد ~~ذلك حتى يضعفوا كما تقدم غير ما يعتادون من الجنايات ولو ظلما لقوله تعالى: ~~{فإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج ~~الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم}(3) وذلك معلوم فإن لم يقدر على قصدهم وخشي قصدهم ولم ~~يقبلوا عهدا أو نقضوه أولم يؤمن غدرهم إذا [71أ] عوهدوا عهدا آخر وخيف أن يقصدوا PageV02P003 بلد المسلمين وجب حفظ بلاد المسلمين بما يسد ذلك من مال ورجال وخيل وغير ~~ذلك فرضا لازما، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}(1) ويقول تعالى: {وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم}(2) وقوله تعالى: ~~{وخذوا حذركم}(3) وذلك معلوم، ويجري في البغاة الظالمين المفسدين العاصين ~~ولا ية أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم المستأثرين عليهم ~~المتمردين عن الإقرار بفضلهم ولو عدلوا كل العدل إلا غصب أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إمامتهم وإبطال حقهم وفضلهم أو لم يعدلوا أيضا ~~فيجري لهم ما قدمنا في الكفار من الأحكام مع الأئمة الهادين من أهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطهرين وجماعة المؤمنين وكذلك ~~المحسنين وذلك إجماع بما تقدم من أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~ولقوله تعالى نصا في ذلك: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو ms215 تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}(4) إلا أن ~~البغاة لا يسبون ولا يقتلون إلا مدافعة أو خشية العود إذا انكسروا، ولا ~~يقطع عليهم الميرة، ولا يكمل جريحهم، ولا يحل من أموالهم إلا ما أجلبوا به ~~في الحرب، ولا يقتل أطفالهم ونساؤهم وعجزتهم للضرورة PageV02P004 كالمشركين، ولا يترقب بصلحهم والمن عليهم الضعف كالكفار إذا أقلعوا عن فعل ~~ما علم تحريمه وجب تركهم وذلك معلوم، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)) (1) ولقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل على تأويل القرآن ~~كما قاتلت على تنزيله))(2). # وأحكام البغاة كلها مأخوذة من سيرة علي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ~~أخيه رسول الله [صلى] الله عليهما وآلهما وسلم. # ومن أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم من قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((إنك تقاتل على تأويل القرآن كما ~~قاتلت على تنزيله)) (3) ونحوه من الأخبار . # ومن صريح قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}(4). # فصل PageV02P005 فأما الجبرية ومن كفر لزاما فإن شرحوا بما لزمهم من الكفر صدرا ولو ادعوا ~~أنه حق فإنهم كفار بصريح ولم يدخلوا تحت أحكام الإسلام بل أبطلوا بعضا هو ~~أعظم أركانه وأصلها وهو معرفة الله تعالى حق معرفته، والمخل بمعرفة الله ~~تعال حق معرفته غلوا أو تفريطا كافر إجماعا ولرده محكم القرآن والسنة، وإن ~~لم يشرحوا بذلك صدرا وأقروا ببطلانه لو لزمهم، وزعموا أنه تبرئته فهم كفار ~~تأويل؛ لأنهم لم يشرحوا صدرا بما لزمهم ويكفرون [71ب] تأويلا لردهم محكم ~~القرآن وإخلالهم بمعرفته تعالى وذلك كفر إجماعا، وفيهم وفي فرق الكفار يقول ~~الله تعالى {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ms216 * الذين ظل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك جزاؤهم جهنم بما كفروا والذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه حبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك ~~جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا}(1) فلهم حكم المشركين على ~~التفاصيل المتقدمة إذا أقروا أنهم شرحوا بالكفر صدرا وأنه حق إذا لم يكونوا ~~قد دخلوا في الإسلام الصحيح والمعرفة الصحيحة لله تعالى قبل ذلك؛ فإن كان ~~قد دخلوا في الإسلام الصحيح والمعرفة الصحيجة لله تعالى قبل ذلك؛ فإن كان ~~قد دخلوا في الإسلام والمعرفة قبل ذلك فلهم حكم المرتدين حين ارتدوا عنه ~~وإن لم يشرحوا به صدرا ويقروا فهم كفار تأويل، لهم حكم الذميين لكن لا جزية ~~إجماعا وحكم المنافقين ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: PageV02P006 # ((القدرية مجوس هذه الأمة))(1) وقال صلى الله عليه وآله وسلم في المجوس: ~~((سنوا بهم سنة أهل الكتاب..... الخبر))(2). # فصل # ولكفار التأويل حيث لم يشرحوا بالكفر صدرا ويجاهروا به حكم المسلمين في ~~الطهارة والمناكحة كالمنافقين غير المظهرين نفاقهم والكفار إلزاما معتقدين ~~التنزيه أو جاهلين، كالمعتز له حرمة المال والنفس . # فصل # يجب الثبوت لزحف الكفار والبغاة وقت الحرب فلا يحل الفرار منهم إلا أن ~~يفروا لقتال يكون أشد نكاية فيه من الحالة الأولى أو متحيزا إلى فئة كمركز ~~وجبل وأي منحاة يحوز مع ذلك السلامة ولو بعدت لقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير}(3) وذلك أعني الفرار إلى غير منحاة أو متحرفا كبيرة توجب الفسق أو ~~الكفر إن استحل لقوله تعالى في آخرها: {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم ~~وبئس المصير}(4). # فصل PageV02P007 فأما المرتدون إذا تحزبوا وصاروا حربيين ولم يتوبوا ولو لم يلحقوا بدار ~~الحرب فلا يجوز المن عليهم ولا مفاداتهم ولو ضعفوا وأمن ضررهم إذا كانت ~~ردتهم إلى الكفر بعد الإسلام، بل لا يقبل منهم ms217 إلا الإسلام أو السيف مطلقا ~~لقوله تعالى في المرتدين في أحد التفسيرين: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون}(1) ولقتل علي عليه عليه السلام المستورد العجلي ~~لردته وهو واحد. # فصل [في حكم الاستعانة بالفاسق والكافر] # وللإمام ولغيره من المدافعين عن أنفسهم وأموالهم بالحق أو أموال غيرهم أو ~~أنفس غيرهم بالحق الاستعانة بالفاسق والكافر على الباغين عليهم بغير الحق ~~وذلك بشرط أن يقفوا على الرأي في تلك الحادثة؛ لأن الله تعالى فرض عليهم ~~معاونة المحقين وإن كانوا ظلمة فاسقين وكافرين كما فرض الله عليهم غير ذلك ~~من الصلاة وغيرها من الفرائض، وفيما فرض الله عليهم من فرائضه وإن فسقوا ~~أدل دليل على جواز الاستعانة بهم؛ وكيف لا يستعان بالفاسقين على الباغين ~~والمعاونة واجبة من الله تعالى [72أ] على الفاسقين فيهم لا يحل لمؤمن ولا ~~فاسق تعطيلها ولا تركها. # فإن قيل لنا: فكيف بما لا يؤمنون عليه من الظلم؟ PageV02P008 # قلنا: إن صاروا من ذلك إلى شيء حكم عليهم فيه بما يلزمهم من الحكم ولو حرمت ~~الاستعانة بهم من أجل ما يخافون عليه من ذلك في الباغين لحرمة الاستعانة ~~بهم على قتال المشركين لأنه قد يخاف في ذلك من فجورهم وغشمهم ما يخاف على ~~الباغين مثله سواء، وقد استنفر الله في سبيله المنافقين وذمهم في كتابه على ~~التخلف عن نبيه وعن المؤمنين وقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~المشركين، والمنافق أحق وأولى أن يخاف ويتقى من موحد وإن فسق وتعدى ولو ~~حرمت على المؤمنين معاونتهم للزم طردهم ومحاربتهم حتى لو كان في معاونتهم ~~لهم اجتياح جميع الظالمين وفي تركهم إياهم هلاك جميع المسلمين لما حلت ~~للمؤمنين منهم معاونة ولا مناصرة ما داموا فاسقين، ويحق على الفاسقين أن لا ~~تكون منهم إجابة ولا مظاهرة للمؤمنين وإنما تجوز الاستعانة بالمخالفين في ~~الدين من فاسق وكافر إذا كان حكم أهل العدل في هذه الاستعانة تجري عليهم ~~حيث تبين فسادهم فيها فيما يوجب حدا أو قصاصا أو غرامة مال وفي رد الكافر ms218 ~~غير المعاهد إلى الإسلام أو قتله، فأما أن يبتدأ هذا الأمر بغير أهل الدين ~~بحيث تكون الغلبة للفاسقين الذين لا تظن هدايتهم ولا يكون هناك من المؤمنين ~~الموافقين من تقام بهم الأحكام بل كان المؤمنون مغلوبين وتؤدي غلبة ~~الفاسقين لهم إلى أن يدخلوهم فيما يريدون من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وجري أحكام الفاسقين عليهم ولا تجري عليهم أحكام المؤمنين فلا. # باب الأفعال PageV02P009 أفعال الله قد تقدم الكلام فيها وأنها حكمة وأحكام # وصواب ومصلحة جميعها. # فصل # وأفعال العباد كلها من حسن وقبيح منهم لا من الله تعالى؛ وإنما أمرهم ~~تعالى بالحسن أمرا ونهاهم عن القبيح والمكروه نهيا وجعل فيهم قدرة صالحة ~~للضدين وكلفهم بفعل الواجب وترك القبيح بعد إكمال العقل وما يتم به فعل ~~الواجب من الحواس التي يكون العبد معها متمكنا من الفعل، ويدل على ذلك من ~~العقل أنه يقبح أن يعاقب الفاعل على فعله غيره ويثيبه ويعظمه وهو الفاعل ~~وليس لذلك المثاب في ذلك الفعل شيئا مباشرة ولا شيئا فيكون تعظيمه والحال ~~هكذا على ذلك عبثا ووضعا للشيء على سبب لم يحصل من المسبب قطعا؛ فذلك مثاب ~~عبث والعبث قبيح عقلا والعقاب على فعل الفاعل كمن لم يفعل ذلك الفعل قبيح ~~عقلا، والله سبحانه عالم بالحسن والقبيح، وكل معلوم خفي علينا أو ظهر لنا ~~وعنى عن الأشياء المخلوقات وأفعالها فلا يجوز عليه الحاجة قطعا وعالم ~~باستغنائه عن فعل القبيح وغيره ومن بهذه الصفة ثم فعل القبيح ذمه جميع أهل ~~العقل ولو كان الفاعل مخلوقا فضلا عن الله الكبير المتعال الذي أقرت له ~~الخلق كلهم أجمعون بالعدل والحكمة ونصت بذلك قطعا وبناء، وقضت بفطرتها بكفر ~~من نسب إليه تعالى العبث والقبيح قطعا. # فصل PageV02P010 ولو أن الله [72ب] تعالى أمر المخلوق ونهاه والفعل له تعالى الصادر من ~~العبد والعبد لا يقدر على فعل ولا ترك وإنما قدرة العبد قدرة الله تعالى ~~لكان ذلك الأمر والنهي قبيحا عقلا لأنه تكليف لما لا يطاق وذلك قبيح. # فصل # وهو إما دليل أن ms219 الأفعال أفعال العبد هي أفعالهم ليس لله فيها شيء إلا ما ~~أوجد فيهم من الصلاحية لفعلها بسلامة الحواس والعقول فذلك قوله تعالى: ~~{فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون}(1) ولم يقل تعالى ~~إلا ما كنت أعمل -تعالى عن مقالة أهل الرفض. PageV02P011 # وقوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ~~* إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}(1) وقوله تعالى مخبرا أنه قد ~~جعل في المكلف قدرة على الإسلام والكفر وأنه لم يجبره على قبيح ولا أمره به ~~ولا رضيه له ولا ترك النهي عنه وأنه يعاقب عليه بالنار ففي ذلك يقول الله ~~تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاث بماء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وساءت مرتفقا}(2) وبقوله تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}(3) وبقوله تعالى: {إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون}(4) ويقول تعالى: {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي}(5) ويقول تعالى مخزيا لمن نسب إليه تعالى أنه يأمره بالفحشاء لقوله ~~تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}(6) ويقول تعالى: {من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}(7) وغير ذلك. PageV02P012 # ويقول سبحانه في أنه لا يكلف مالا يطاق: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}(1) ~~ويقول تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}(2) ويقول تعالى نصا في أنه ~~يقبح أن يعاقب المكلف على فعل غيره إذا لم يرض ولا سكت عن النهي أو الكراهة ~~يقول تعالى في ذلك: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}(3) ويقول تعالى: {كل نفس بما ~~كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين}(4) ويقول تعالى موبخا لأهل النار: {وقال ~~الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ms220 دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين}(5). # فصل # قالت المجبرة -لعنهم الله- المخالفين لما تقدم من أدلة العقل والسمع ~~القواطع التي يكفر تصريحا من أنكرها أو خالف معانيها أو تعسف تأويلها ~~فقالوا: إن الله تعالى يفعل القبيح، وأن أفعال العبد قبيحها وحسنها من الله ~~تعالى لا من العبد، وأنكروا ما علم ضرورة عقلا وسمعا فكفروا تصريحا إن ~~شرحوا بذلك صدرا أو اعتقدوه حقا وهم مخالفون لله تعالى ولملائكته وكتبه ~~ورسله وأنبيائه وجميع المؤمنين لعن الله المفترين لعنا وبيلا. # قالوا: قال الله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه}(6). # قلنا: يعني تعالى: لو شاء لأماتهم قبل ذلك، أو سلب قدرتهم قبل أن يفعلوا ~~لقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر}(7). # قالوا: قال تعالى: {الله خالق كل شيء}(8). PageV02P013 # قلنا: يعني تعالى خالق كل شيء من أفعاله لقوله تعالى: {ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون} [73أ] ولقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}(1) فلو كان ~~أفعالهم فعله تعالى لما أمرهم بها لقوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى}(2) ولما نهاهم عنها لقوله تعالى: {وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}(3) كما أنه تعالى لم يأمرهم ~~بأفعاله التي هي الخلق ولا نهاهم عن ذلك، ولا ذكر لهم عليها ثوابا ولا ~~عقابا لما كانت فعله تعالى، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ما أشهدتهم خلق ~~السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}(4) ويقول تعالى: ~~{الله خالق كل شيء}(5) ويقول تعالى: {هل من خالق غير الله}(6). # قالوا: قال الله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}(7). # قلنا: يعني تعالى: والذي تعملون من الحجارة لا العمل الذي هو العبادة ~~لقوله تعالى قبل ذلك حاكيا قول إبراهيم عليه السلام لهم فقال تعالى ~~حاكيا: {أتعبدون ما تنحتون}(8) يعني تعالى تنحتونه من الحجارة، وذلك إجماع ~~بيننا وبينهم أن النحت منسوب إلى العبيد ms221 بنص الآية لولا كبرهم، وفي هذا ~~كفاية لمن استبصر ولم يخالف ضرورة الدين ويجعل نفسه لعبة لإبليس اللعين. PageV02P014 # إن قيل: فما المصلحة في قوله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه}(1) وقوله ~~تعالى: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء}(2) وقوله تعالى: {كذلك يضل الله من ~~يشاء ويهدي من يشاء}(3)؟. # قلنا: المصلحة في ذلك ليرفع تعالى ويخبر ويدفع الجهال المعاندين ~~المتجاهلين للحق بعد وضوحه فيرفع بتلك الآيات وهمهم أن الله تعالى عاجز عن ~~قسرهم على الهداية التي هي الإيمان القول والعمل وتنزيهه عن الإساءة ~~والقبائح، فأراد سبحانه أن يخبر المتجاهلين عن نفسه تعالى أنه قادر على أن ~~يقهرهم ويجبرهم على فعل الخير وترك الشر، فأراد بقوله تعالى: {يضل من يشاء ~~ويهدي}(4) أنه تعالى غير عاجز عن منع الضلال عن ضلالتهم. # إن قيل: لا يحصل هذا الوهم ولا يقال به. # قلنا: قد قالوا ما حكى الله تعالى عنهم: {إن الله فقير ونحن أغنياء}(5) ~~فهذا من ذلك. # فصل # قال الله تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم ذوقوا مس سقر * إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~بالبصر * ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر * وكل شي فعلوه في الزبر * وكل ~~صغير وكبير مستطر * إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عن مليك ~~مقتدر}(6). # النزول PageV02P015 عن أبي هريرة جاءت مشركوا قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: {إن المجرمين ...إلى آخر السورة} وقيل: ~~نزلت في وفد نجران، وقيل: في القدرية من هذه الأمة؛ وجميع الروايات أن هذه ~~الآية نزلت في القدرية من المشركين وغيرهم من هذه الأمة وغيرها من الأمم ~~الماضية. # وعن كعب: نجد في التوراة أن القدرية يسحبون في النار على وجوههم. # وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعنت القدرية والمرجئة ~~على لسان سبعين نبيا، قيل: يا رسول الله ومن القدرية؟ قال: قوم يعملون ~~بالمعاصي، يقولون الله قدرها عليهم، قيل: ومن المرجئة؟ قال: قوم ms222 يقولون: ~~الإيمان قول بلا عمل))(1). # وعن علي [عليه السلام] في حديث [73ب] طويل بعد انصرافه من صفين عن القضاء ~~والقدر ما يزيل الإشكال، ولا شبهة أن اسم القدرية اسم ذم، ولذلك ذمهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعنهم وشبههم بالمجوس فقال: ((القدرية ~~مجوس هذه الأمة))(2) ولذلك نجد كل أحد ينفيه عن نفسه؛ فإذا ثبت أنه اسم ذم ~~وجب أن ينظر من هم؟ وبماذا شبههم بالمجوس؟، وقد علمنا أن المجبرة هم ~~القدرية لوجوه كثيرة ذكرها أئمتنا: منها ما ثبت أن أهل العدل والتوحيد ~~ينفون عن الله تعالى كل قبيح وتشبيه فهم أهل الحق، فالذم مصروف إلى ~~مخالفيهم. PageV02P016 # ومنها ما ثبت على الجملة المتفقة المعلومة من دين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ضرورة المنطوق به في القرآن أنه تعالى واحد لا شبيه له، وأنه ~~عدل حكيم؛ وهذا مجمع عليه فلم ينقض الذين نفوا عن الله أفعال العبيد قبيحها ~~وحسنها هذه الجملة بتفصيل بخلاف المجبرة والمشبهة؛ لأنه ما من مسألة خالفوا ~~أهل العدل والتوحيد فيها إلا نقضوا بذلك أصلا مجمعا عليه من أصول الدين؛ ~~فإذا تفكرت فيه علمت ذلك. # ومنها ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ~~وأهل بيته في تفسير القدرية وأنهم المجبرة وأنهم أعداء الرحمن وشهود ~~الشيطان. # ومنها ما روي أن المشركين خاصموا في القدر أو وفد نجران على ما روي في ~~سبب النزول حتى نزلت هذه الآيات، وقد حكى الله مذهب أولئك وكيف جادلوا فقال ~~سبحانه: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء}(1) ~~وخاصموا الرسول، ومذهبهم فهو مذهب الجبرية بعينه، وفي الآية أنهم كذبوا ~~الرسل؛ فلا بد أن يكون مذهبهم خلاف ما قالوا وهو مذهب أهل العدل. # ومنها أن أهل القبلة حلفوا بالكفر، والمعاصي، والإلحاد، والزندقة، وعبادة ~~الأصنام، وتكذيب الأنبياء وقتلهم، وادعاء الربوبية، ونفي الصانع، والقول ~~بالآيتين والثلاث وغير ذلك من الأشياء المنكرة هل هو فعل العبد أو خلق الله ~~فيهم؟ وهل أولئك استحقوا العقاب بفعلهم أو ms223 بخلق الله تعالى؟. PageV02P017 # فالمجبرة أضافوا جميع ذلك إلى خلقه، وزعموا أنه الذي أوجدها وأحدثها ولولا ~~إيجاده لما وجدت. # وقال أهل التوحيد والعدل: الله تعالى بريء من ذلك، بل العبد الذي يفعله ~~حتى استحق العقاب، والاسم أبدا يؤخذ من الإثبات كما يقال: محكمة للخوارج، ~~ومشبهة لأهل الرؤية والمجسمة، ومجبرة لمن يقول: الله أجبر العبد على الفعل، ~~ورافضة لمن رفض الأنبياء أو بعضهم والأئمة أو بعضهم ونحوها. # ومنها أنهم لهجوا بإضافة جميع الأشياء قبيحها وحسنها إلى قضاء الله وقدره ~~وجعلوا ذلك عذرا لكل ملحد وكافر ولإبليس وأتباعه، فسموا قدرية كما يسمى من ~~لهج بالتمر تمري، ومن لهج باللبن لبني. # ومنها أنه شبههم بالمجوس من بين سائر الكفار؛ فلا بد أن يكون بمعنى، وذلك ~~أن مذهب المجوس القادر على الخير لا يقدر على الشر، والقادر على الشر لا ~~يقدر على الخير ومع ذلك يصح الأمر والنهي والمدح والذم وهذا بعينه مذهب ~~المجبرة؛ لأن المؤمن لا يقدر على الكفر، والكافر لا يقدر على [74أ] الإيمان ~~ومع ذلك يصح الأمر والنهي والمدح والذم عندهم، وأهل العدل على الضد من ~~مذاهبهم جميعا لأن عندهم من قدر على الخير فلا بد أن يقدر على الشر، ~~والقادر على الشر يقدر على الخير محال أن يقدر على أحدهما دون الآخر، ~~وعندنا جميعا، وهم يوافقون محال أن يقدر عليهما في حالة واحدة متفقين على ~~جهة واحدة. PageV02P018 # ومنها أن مذهب المجوس أن الخير مطبوع على الخير والشر مطبوع على الشر، وهذا ~~هو مذهب الجبر، وعند أهل العدل العبد مخير. # فأما قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}(1) فليس فيه حجة للمجبرة ولا ~~شبهة؛ لأن قد ثبت بالعقل وضرورة الحس والسمع المعلوم وإجماع الأنبياء ~~والملائكة وأهل البيت المطهرين وجميع الصالحين أفعال العبيد منهم لا من ~~الله تعالى؛ فالآية حينئذ موجهة إلى أفعال الباري تعالى؛ فالمقصود: إنا كل ~~شيء خلقناه من أفعالنا، بقدر أي: بحكمة وتقدير لكل مخلوق لنا معنا على حسب ~~إرادتنا في أفعالنا من الحكمة والإحكام ولكل مخلوق من مخلوقاتنا معنا ms224 يليق ~~به بخلاف أفعال العبيد فإنها لما لم تكن لنا فعلا لم تكن بقدر {أي: بحكمة) ~~بل اختلفت؛ فمنها الحكمة وهو الحسن، ومنها العبث وهو القبيح؛ فالآية حجة ~~عليهم بمنطوقها لا لهم. # ومتى قيل: ولما لا تكون في نفس الآية شبهة للجبرية أنه تعالى خلق أفعال ~~العبيد فيهم من الكفر والمعاصي والإيمان. PageV02P019 # قلنا: ليس في ظاهرها ما يوجب حملها على ذلك، ولأنه ثبت أن أفعالهم ليست ~~بخلق الله تعالى لأن فيها الكفر والظلم وقتل الأنبياء والعلماء والصالحين، ~~ولا عاقل ينسب ذلك إلى الله تعالى إلا وقد خالف ما دله عليه عقله وربه ~~ونبيه ولأنه تعالى يمدح بالآية وليس في خلق الكفر والمعاصي بمدح إذ هو عبث ~~ولأنه تعالى احتج بالآية عليهم، ولو كان كما قالوا لكانت الآية حجة لهم ~~عليه ولا ذمهم ووبخهم، ولو كان خلق فيهم لما صح ذلك ولأنه أمرهم بخلاف ذلك، ~~وكيف يأمر بخلاف ما يخلق ولأن في الآية: {وكل شيء فعلوه في الزبر}(1) وفيها ~~{وكل صغير وكبير مستطر}(2) وعيدا لهم، وفيها ذكر المتقين والوعد لهم، وكل ~~ذلك يبطل قول المجبرة لعنهم الله. # اعلم أن الحق في أصول الدين وفروعه مع آل محمد -صلى الله عليه وعليهم- ~~وهم ذريته -صلوات الله عليه وعليهم- وعترته إلى انقطاع التكليف يروى لهم ~~على وجه الأرض لأنه مذهبهم مذهب الملائكة المقربين والأنبياء والصالحين، ~~وقد وافقتهم الفرق المخالفة لهم في الجمل وخالفتهم في التفاصيل لتلك الجمل؛ ~~فضلوا بسبب ذلك وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. PageV02P020 # وأما أهل بيت رسول الله محمد -صلى الله عليه وعليهم- فإنهم قرروا تلك ~~المجمع عليها من الجمل وأكدوها بالأدلة العقلية والسمعية القواطع المحكمة ~~فأصابوا مراد الله تعالى ولم ينقضوا أصولهم بالشبه ولا بالمتشابه الذي اتبع ~~أهل الزيغ من معانيه الذي يخالف المحكم، وتنكبوا عن معناه الذي يطابق ~~المحكم فهلكوا بسبب ذلك هو وأتباعهم. # واعلم أنهم -أعني هذه الفرق كلها- قد وافقونا أهل بيت محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في كل جملة وخالفونا في التفاصيل فيما [74ب] لا ~~يصح ms225 فيه نسخ ولا تخصيص إجماعا واتفاقا بيننا وبينهم ولم يوضحوا لنا في ذلك ~~الذي ذهبوا إليه برهانا قطعيا محكما إجماعا بيننا وبينهم، فهم مدعون علينا ~~لا بينة لهم، وقد صرحت الأدلة القاطعة المحكمة من القرآن والسنة والعقل ~~والإجماع من الملائكة والأنبياء والعترة الطاهرة أهل بيت محمد ذريته وعترته ~~-صلى الله عليه وعليهم- بخلاف ما قالت هذه الفرق في تفاصيلها، وكل ذلك الذي ~~مع الملائكة والأنبياء ومحمد سيد الرسل وأهل بيته فهو وحي الله عز وجل ~~القاطع وكلامه المحكم النافع، من معظم ذلك قول الله سبحانه: {شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}(1) فهل هم في تفاصيلهم ~~التي نقضوا بها التنزيه ومالوا بها إلى التجسيم والتشبيه وإخلاف الوعد ~~والوعيد ونسبة القبيح إلى الله تعالى أعلم من الله سبحانه وملائكته أو رسله ~~أو آل محمد -صلى الله عليه وعليهم- لقد PageV02P021 كذبت هذه الفرق على الله لعنهم الله وأخزاهم، ثم اعلم إذا أردت تعرف صدق ~~قولنا أنهم نقضوا الأصول التي وافقونا فيها وأبطلوها بغير دليل وأنا على ~~الحق وأنهم على الباطل ولو ادعوا أنهم على الحق؛ فإذا أردت تعرف ذلك فاعلم ~~أن جميع أهل الصلاة عندنا على ما قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن ~~الحسين عليه السلام خمسة أصناف: الشيعة، والمرجئة، والخوارج والمعتزلة، ~~والعامة؛ فقد شهدت لنا هذه الفرق كلها في أصل شهادتها بما نقول، ثم نقض ذلك ~~بعضهم، فأقمنا على أصل ما شهدوا لنا به ولم ننقض ذلك كما نقضه بعضهم، وذلك ~~أنهم شهدوا أن الله واحد ليس كمثله شيء ثم نقضت ذلك المشبهة بقول من قال ~~منهم: إنه على صورة آدم، وبقول من قال منهم: إنه تعالى جسم محدود، وبأقاويل ~~لهم كثير كلها تنقض قولهم: واحد ليس كمثله شيء لوصفهم له بالأجزاء، ~~والأعضاء، والحدود، والزوال، والانفصال -تعالى الله عما قالوا علوا كبيرا- ~~فعلمنا أن الذي ليس كمثله شيء لا يكون على صورة شيء ولا يكون جسما محدودا ~~لأن ما كان كذلك كان أجزاء كثيرة بعضها غير بعض ولم ms226 يكن واحدا؛ لأن الواحد ~~في الحقيقة لا يكون له أشباه ولا يكون له ثان، فلما شهدوا لنا أنه واحد ليس ~~كمثله شيء أخذنا بذلك وتركنا اختلافهم إذ نقضوا به شهادتهم، فهذا ديننا ~~وشهادتنا وحجتنا على من خالفنا في التوحيد. PageV02P022 # وأما شهادتهم لنا في العدل فإنهم شهدوا أن الله تبارك وتعالى عدل لا يظلم ~~ولا يجور وأنه خير للخلق من الخلق لأنفسهم وهو أرحم الراحمين، ثم نقضت ذلك ~~المجبرة بقول من قال منهم: أنه كلف العباد ما لا يطيقون، وأنه أخرجهم من ~~الطاعة، وأنه عذبهم على ما خلقه فيهم، وبقول من قال منهم: إن الله يريد أن ~~يعصى ثم يغضب مما أراد، وبقول من قال منهم: إنه يعذب الطفل الصغير بجرم ~~الشيخ الكبير؛ وبأقاويل كثيرة كلها تنقض قولهم أنه عدل لا يجور -تعالى الله ~~عما قالوا- فعلمنا أن العدل الرحيم لا يفعل ذلك إذا كان ذلك ممن فعله جورا ~~وظلما وعبثا -تعالى الله عن ذلك- فأخذنا بما شهدوا لنا به في أصل شهادتهم ~~أنه لا يظلم ولا يجور ولا يعبث [75أ] وأنه حكيم رحيم عدل كريم وتركنا ما ~~نقضوا به جملتهم عند اختلافهم، فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في العدل. PageV02P023 # وأما شهادتهم لنا في الوعد والوعيد؛ فإنهم شهدوا جميعا أن الله -تبارك ~~وتعالى- صادق في جميع أخباره، وأنه لا يخلف الميعاد، وأنه لا يبدل القول ~~لديه، صادق الوعد والوعيد في أخباره، ثم نقض ذلك المجبرة والمرجئة بقول من ~~زعم أن الله جائز أن يعفوا لمن قد أخبر أنه يعذبه، وخالف ذلك منهم من زعم ~~أن الله يقول: من زنا عذبته بالنار يوم القيامة؛ فيأتي الخبر من الله ظاهرا ~~مطلقا ليس كمثله شيء معه استثناء، ثم لا يعذب أحدا من الزناة يوم القيامة ~~ولا تمسهم النار لأنهم زعموا أنه استثنى ذلك عند الملائكة فقال: "إني إنما ~~أعذبهم إن شئت وإلا فإني أغفر لهم" أو يقول: إلا أن أتفضل عليهم بالعفو؛ ~~وإنما عنى أني أعذبهم إلا أن يغتسلوا من جنابة الزنا؛ فإن اغتسلوا من جنابة ms227 ~~الزنا أو فعلوا شيئا من الخير غفرت لهم؛ فلما جوزوا ذلك في أخبار الله ~~نقضوا معنى ما حكم الله به في وعده ووعيده وادعى بعضهم الخصوص في الأخبار ~~فزعموا أن كل خير جاء من الله عاما في الظاهر فقد يجوز أن يكون خاصا كقول ~~الله عز وجل: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}(1) فزعموا أنه يجوز أن يكون عنى ~~بعض الكافرين دون بعض، وكذلك قوله: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم}(2) وأنه يجوز عندهم أن ~~تكون في بعض القاذفين دون بعض إلا أنهم يعلمون أن الكفار كلهم يعذبون ~~بإجماع الناس على ذلك. PageV02P024 # وأما أصحاب الكبائر فيجوز عندهم أن لا يعذب أحد منهم ولا تمسه النار وزعم ~~بعضهم وهم المرجئة أنه ليس في أهل الصلاة وعيد، وإنما الوعيد في الكفار ~~خاصة دون غيرهم، وكل هؤلاء وغيرهم من أصناف المرجئة ناقضون لمعنى ما أخبر ~~الله به في كتابه وحكم به من وعده ووعيده، فلما شهدت لنا الفرق كلها أن ~~الله صادق الوعد والوعيد لا خلف لوعده ولا تبديل لقوله أخذنا بما أجمعوا ~~عليه من ذلك ولم ننقض معاني الأخبار كما فعلت المرجئة، وعلمنا أن الله ~~تعالى إذا أخبر بشيء كان كما قال لا تبديل لذلك ولا نقض ولا تكذيب ولا نكث، ~~ولا تنسخ أخباره أبدا بشيء، ولا يظهر لنا خبر ثم نفعل بخلافه، ولا يظهر لنا ~~عموم الأخبار في وعده ووعيده ثم نجعلها خاصة من حيث لا نعلم لأن ذلك كله ~~غير جائز على الله -تعالى عما قالت المجبرة والمرجئة علوا كبيرا- فهذا ~~ديننا وحجتنا على من خالفنا في الوعد والوعيد. # وأما شهادتهم لنا في المنزلة بين المنزلتين وقولنا: أن أهل الكبائر من ~~أهل الصلاة فساق فجار أعداء الله ظلمة معتدون فإنهم شهدوا لنا بذلك فشهدنا ~~بما شهدوا، ثم ادعى بعض الخوارج أنهم كفار وأن فسقهم قد بلغ بهم الكفر ~~والنفاق دون الشرك، وقال بعضهم: قد بلغ بهم فسقهم الكفر والشرك، [75ب] ~~ويقال أن الزيدية أو بعضهم يزعمون ms228 أن فسقهم قد بلغ بهم الكفر، وادعت ~~المرجئة أنهم مع فسقهم مؤمنون، وخالفهم في ذلك عامة الأصناف. PageV02P025 # قالت المعتزلة: هم فساق وفجار لا يبلغ بهم فسقهم كفرا ولا شركا ولا نفاقا، ~~وكذلك قالت المرجئة والعامة. # وقالت المعتزلة أيضا: لا يجب لهم اسم الإيمان مع الفسوق، وكذلك قالت ~~الخوارج والشيعة الزيدية، فوجدناهم كلهم قد أجمعوا على شهادة واحدة أنهم ~~فساق فجار معتدون؛ فأخذنا بما أجمعوا عليه من ذلك وتركنا ما اختلفوا فيه ~~مما كذب فيه بعضهم بعضا فسميناهم فساقا فجارا وبرأناهم من الشرك والنفاق إذ ~~كانوا فيه مختلفين ولم يوجد لهم اسم الإيمان إذ كانوا عليه عند إصابتهم ~~الكبائر غير مجتمعين ولم تقم لشيء من اختلافهم حجة من حجج رب العالمين، ~~فهذا ديننا وحجتنا على من خالفنا في المنزلة بين المنزلتين. PageV02P026 # وأما شهادتهم لنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهم شهدوا أن ذلك ~~واجب إذا أمكن وقدر عليه، وشهدوا أن نصرة المظلوم فرض والأخذ على يد الظالم ~~فرض إذا أمكن ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك فقال منهم قائلون: لا ندفع الظلم عن ~~أنفسنا ولا عن غيرنا إلا بالقول والكلام، وإن انتهبت أموالنا وانتهكت ~~حرماتنا لم نقاتل بالسلاح وإن كان في ذلك دفع الظلم عنا وعن المسلمين ولكن ~~نترك الظالمين والباغين يبلغون منتهى حاجاتهم منا ومن حرماتنا وأموالنا ثم ~~يمضون سالمين، وقال آخرون: نقاتل وندفع عن أنفسنا وعن حرماتنا وأموالنا ~~بالسلاح وغيره فإن قتلنا رجونا أن نكون شهداء، وإن قتلناهم رجونا أن نكون ~~سعداء؛ فلما شهدوا أن نصرة المظلوم ودفع الظالم والأخذ على يد الظالم فريضة ~~لازمة لمن قدر عليها علمنا أنه لا يخرجنا من هذه الفريضة إلا أداؤها ~~والقيام بها بالسلاح وغيره إذا أمكننا ذلك بما اجتمعوا عليه لنا في أصل ~~شهادتهم ولم نترك ذلك كما تركه الآخرون وهم قادرون؛ فهذا ديننا وحجتنا على ~~من خالفنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفع المظالم؛ فمن أقام على ~~هذه الأصول كما أقمنا ودان بها كما دنا وعمل بما استحق الله عليه فيها ms229 فهو ~~منا وولينا وأخونا ندعوه إلى ما أجابنا ونجيبه إلى ما دعانا، ومن خالفنا ~~وفارقنا عليها حاججناه بالمحكم من كتاب الله ورددناه إلى المجمع عليه من ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن قبل ذلك كان له ما لنا وعليه ~~ما علينا وإن أبى إلا PageV02P027 المخالفة للحق والمعاندة للصواب كان الله حسبه وولي أمره والحاكم بيننا ~~وبينه وهو خير الحاكمين، وقد ذكرنا من كتاب الله عز وجل تحقيق ما قلنا ~~وتصديق ما وصفنا. # باب ذكر التوحيد في كتاب الله تبارك وتعالى # ذكر التوحيد في كتابه فقال: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد} فأخبر أنه الواحد الأحد الذي ليس بوالد ولا ~~ولد، وأنه ليس له كفوا ولا شبيه في وجه من الوجوه وقال: {هل [76أ] تعلم له ~~سميا} يقول كفوا ونظيرا، وقال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} وقال: ~~{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} فنفى عن نفسه درك ~~الأبصار في كل وقت من أوقات الدنيا والآخرة كما نفى عن نفسه السنة والنوم ~~فقال: {لا تأخذه سنة ولا نوم} كما نفى عن نفسه الظلم في الدنيا والآخرة ~~فقال: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} وكما نفى عن ~~نفسه أن يكون له شبه في الدنيا والآخرة على كل وجه من الوجوه بقوله: {ليس ~~كمثله شيء} وقال : {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم ~~العليم} فنفى عن نفسه أن يكون في مكان دون مكان؛ لأن من كان في مكان دون ~~مكان فمحدود والله غير محدود، ولا يحيط به شيء، وهو بكل شيء محيط، وقال: ~~{ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم...}إلى آخر ~~الآية، فبهذه الآيات ونحوها احتججنا على من خالفنا، ومن يشبه الخالق ~~بالمخلوقين، وعلمنا أن الله لا يشبهه شيء في وجه PageV02P028 من الوجوه. انتهى كلام الإمام الهادي -عليه السلام. # باب في بيان الرافضة # سميت الرافضة ms230 رافضة لرفضها آل رسول الله كلهم، أو رفضها واحدا منهم برا ~~تقيا كمن رفض إمامة زيد بن علي عليه السلام ولاختيارها برأيها وأهوائها ~~إماما منهم وليس بأعلمهم في الظاهر ولا أفضلهم، فهذه صفتهم قاتلهم الله. # وروى في ذلك أبو العباس الحسني -رضي الله عنه- بإسناده عن زيد بن علي ~~عليه السلام أن الرافضة لما رفضوا الجهاد مع زيد بن علي عليه السلام. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((سيكون من بعدي ~~قوم يرفضون الجهاد مع الأخيار من أهل بيتي، ويقولون ليس عليهم أمر بمعروف ~~ولا نهي عن منكر، يقلدون دينهم، ويتبعون أهواءهم))(1). PageV02P029 # قال السيد الشريف أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن ~~عبد الرحمن الحسني عليهم السلام مصنف {الجامع الكافي) جامع آل محمد الذي ~~نقله من كتب الإمام القاسم بن إبراهيم، والإمام أحمد بن عيسى بن زيد بن ~~علي، والإمام الحسن بن يحيى عليهم السلام والفقيه محمد بن منصور المرادي ~~-على جميعهم السلام- قال: قال أحمد بن عيسى عليهم السلام في كتابه: حدثنا ~~قاسم بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي ~~عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يكون قوم ~~يهلكون بادعاء حبك، لهم نبز يعرفون به يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم ~~فإنهم مشركون))(1). # قال القاسم بن إبراهيم: فكنت أهاب هذا الحديث، ثم فنظرت فإذا هم مشركون ~~من وجوه. # قال: الحسني: قرأت في كتاب أحمد بن يسار النوري بخطه وكان ثقة فاضلا قال ~~أبو جعفر محمد بن منصور: قرأ علي قاسم بن إبراهيم هذا الكلام. # قال القاسم -عليه السلام: سألت يوما أبي -رحمة الله عليه-: لما سميت ~~الرافضة بالرفض؟ ولما نسبت إلى ما نسبت إليه من الشنآن لآل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم والبغض؟ PageV02P030 # فقال: سميت الرافضة لرفضها آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلهم، ~~ولاختيارها برأيها وأهوائها إماما منهم وليس بأعلمهم ولا أفضلهم؛ [76ب] فهي ms231 ~~يا بني كما سميت الرافضة من حق الله في الإمامة لما رفضت، والمبغضة من ~~أولياء الله القائمين بالقسط لمن أبغضت التي لم تألوا أبرار آل نبيها صلى ~~الله عليه وآله وسلم تجهيلا وتضليلا وتفريقا للناس عنهم وتخذيلا صدا منهم ~~عن سبيل الله، وتفريقا عن جهاد أعداء الله، وإيضاحا في ذلك لصدهم، وفرحا في ~~ذلك بمقعدهم عما قام به رسول رب العالمين من جهاد الكفرة المضلين، وفي ~~المتخلفين والمعوقين عن ذلك والصادين، يقول الله سبحانه: {يا أيها الذين ~~آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض...}.إلى ~~قوله: {والله على كل شيء قدير}(1) وقال تعالى: {الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال ~~بعيد}(2) وقال سبحانه فيمن فرح بمقعده عن الجهاد: {فرح المخلفون بمقعدهم ~~خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا ~~تنفروا في الحر...} إلى قوله: {يكسبون}(3) فلعمري لذنبهم بتخلفهم وإن كان ~~موبقا وقعودهم وإن كان عند الله فسقا أيسر في الهلكة خطبا وأصغر مرتكبا من ~~ذنب من واجه حكم الله في الجهاد برده مع تعطيله وقال بالتضليل والتجهيل لمن ~~قام بفريضة الله من الجهاد، زعمت الرافضة أنه لم يكن قرن من PageV02P031 القرون إلا وقتهم وصي نبي أو وصي من وصي أو حجة من الله عليهم مفروضة عليهم ~~طاعته ومعرفته فيسألون عن فترات الرسل هل خلت فترة من أن يكون فيها إمام ~~هاد حجة لله على العباد. # فإن قالوا: لا تخلوا فترة من أن يكون فيها إمام هاد ليس بأحد معه إلى ~~غيره حاجة. # قيل له: فلا حاجة إذا بعد آدم بأمة خلت إلى أن يبعث فيها نبي فلا فاقة ~~إليه لأن وصيها كاف في الحجة عليها مستغنى به عن التعريف والتكليف، وفي هذا ~~القول غنى عن كل نبي أو رسول، وفي هذا من إكذاب كتاب الله ما لا خفاء به، ~~قال الله سبحانه: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ms232 ~~الرسل}(1) مع ما ذكر سبحانه مما يكثر عن الإحصاء، وقال: {منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك}(2) فلم يذكر الله في ذلك وصيا ولا شيئا مما ~~قالت الروافض هذا إلى ما قرنوا به من الضلال بقولهم في الوصية، وما عظموا ~~به على الله ورسوله من الفرية التي ليس لهم بها في القول حجة ولا برهان، ~~ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان، وما قالت به الرافضة من الأوصياء فهو ~~قول فرقة كافرة ضالة من أهل الهند يقال لها {البرهمية) تزعم أنها مكتفية ~~بإمامة آدم عن كل رسول، وأن من ادعى بعده نبوة فقد ادعى دعوة كاذبة، وأنه ~~أوصى إلى وصي من ولده، ثم يعودون وصيته بالأوصياء إليهم. PageV02P032 # وقال الحسن بن يحيى: وسألت عن قول من يقول بالإمامة وذكرت أنهم يقولون إنكم ~~اجتمعتم معنا على أن الإمامة تصلح في ولد الحسين ولم نجمع معكم على أنها ~~تصلح في ولد الحسن فنحن على الإجماع في قولنا. # فالجواب في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دل على علي والحسن ~~والحسين بأعيانهم وأسمائهم بإجماعنا، ثم أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كيف الإمامة [77أ] بعد هؤلاء المسمين بأعيانهم فقال: ((إني تارك فيكم ~~الثقلين، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وهما ~~الخليفتان من بعدي))(1) فبين بهذا الكلام الإمامة على الأبد على هذه ~~الشريطة التي شرط وهي لزوم الكتاب، وأجمعنا نحن وأنتم على هذا الحديث، ~~وروته الأمة عن غير تواطؤ فلم يسمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلانا ~~بعد فلان ولا رجلا بعد رجل، وإنما جعل عليه السلام الخليفة من بعده من ~~أهل بيته من عمل بالكتاب وذلك قوله: ((وهما الخليفتان من بعدي)) فتركتم ~~أنتم ما اجتمعت الأمة على روايته وأجمعت الشيعة على استعماله، وقلتم بالرأي ~~في دين الله، فقلتم: الإمامة وصية أوصى بها فلان إلى فلان بالإيماء فهو حجة ~~الله على خلقه من تقدمه من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms233 خطأتموه ~~وكذبتموه وضللتموه فلا يكون القول منكم بالرأي ناقضا لإجماعنا وإجماعكم، ~~فنحن على الأصل الذي أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ~~نحدث في دين الله رأيا PageV02P033 ولا اختيارا إلا ما شرط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العمل ~~بالكتاب؛ فإن كان من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عالم بكتاب ~~الله وسنة نبيه عامل بذلك فهو الإمام الذي دل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في كل وقت وزمان، على المسلمين الأخذ عنه حلالهم وحرامهم ~~وسنن نبيهم، فإذا دعاهم إلى نصرة الحق وجب عليهم نصرته؛ ولسنا نقول أن هذا ~~خاص في بطن دون بطن، وليس لنا ولا لكم أن نحدث في دين الله بالرأي لأن ~~الدين قد أكمل وقد بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقصر في ~~إبلاغه، فقد بين فرض الإمامة كيف هو في كل عصر وزمان، ولم يخلوا أهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل عصر وزمان أن يكون فيهم المأمون ~~على كتاب الله وسنة نبيه، علمه من علمه وجهله من جهله؛ لأن قول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لا يسقط لقوله: ((لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) ~~فهذا إجماع من قول من مضى من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الأتقياء الأبرار الذين بهم يقتدى، ويقال لهم أيضا أنتم أصل مقالتكم طرح ~~الرأي في دين الله والقياس، إذ زعمتم أن من تقدم أمير المؤمنين -صلى الله ~~عليه وسلم- إنما كان ذلك بالرأي ولم تجيزوا ذلك، وزعمتم أن الذين اختاروا ~~غيره أن ذلك رأي منهم وأن الرأي لا يجوز عندكم فيلزمكم أيضا طرح الرأي في ~~الإمامة وفي غيرها بعد الحسن والحسين واختياركم الإمام بالرأي وإلا تركتم أصل ما PageV02P034 ذهبتم إليه أولا إلا أن تزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: إني تارك فيكم فلانا بعد فلان إلى يوم القيامة؛ فهذا لا تأتون به ~~أبدا، وقد ms234 حرم الله القول عليه بغير علم فقال سبحانه: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله [77ب] ما لا تعلمون} فقد حرم الله ~~القول عليه بغير علم ومن ذلك قولكم: إن الله فرض طاعة فلان بعد فلان باسمه ~~ونسبه؛ فأوجبتم على الخلق فرضا لم يأمر الله به ولم يسنه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وقد لقيني رجل من متكلمي أصحاب الإمامة يناظرني في ~~مقالته فقلت له: أخبرني بما تثبت الإمامة لعلي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: يقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي ~~مولاه))(1) و((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))(2) وأشباه ذلك، فقلت له: فهل ~~ثبت للحسن من علي -صلى الله عليهما- في أمر الإمامة ما ثبت لعلي من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دل عليه كما دل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على علي -صلى الله عليهما-؟ فسكت فما أجاب وانقطع؛ وبيان ما ~~يلزم القوم من ذلك أنهم زعموا أن الإمامة تثبت بالوصية أن يكون أمرها واحدا ~~في أولها وآخرها فإذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علي ودل عليه ~~فكذلك يلزم في قولهم أن يكون علي قال في الحسن ودل عليه، وكذلك PageV02P035 يقول الحسن في الحسين -عليهما السلام- حتى يسوقوا ذلك خبرا مشهورا متسقا به ~~النقل عن غير تواطؤ من الأمة، كما نقلت الأمة أخبار علي بن أبي طالب-صلى ~~الله عليه- مشهورة عن غير تواطؤ؛ لأن الإمامة أكبر الفرائض وأعظمها قدرا ~~فلم يكن علي والحسن والحسين -صلى الله عليهم- ومن بعدهم من آل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ليتركوا أن يبينوا عن فرض الإمامة إذ كانت من ~~أعظم الفرائض خطرا وبها تقوم الفرائض حتى يأتي ذلك عنهم مشهورا معلوما ~~تنقله الشيعة بإجماع عن غير تواطؤ، والوجه في ذلك عندنا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ms235 لما أوجب الإمامة على أمته بما دلهم عليه من التمسك ~~بعترته على ما شرط من لزوم الكتاب والعمل به لم يحتج أمير المؤمنين ولا ~~الحسن ولا الحسين -صلى الله عليهم- ولا من بعدهم من أبرار آل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يجددوا شيئا غير ما دل عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به؛ فهذا أصل القول في الإمامة وما لا يختلف ~~فيه أحد من أهل النقل ولا يختلف فيه أحد من أصناف الشيعة في الاستعمال إذا ~~أنصفوا. PageV02P036 # وقال الحسن بن يحيى في وقت آخر وسئل عن قولهم بإمامة رجل وسموه باسمه فقال: ~~الحجة من الله على العباد آية محكمة منزلة بينة، أو سنة من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم مشهورة متسق بها الخبر عن غير تواطؤ؛ فما بينتهم؟ وما ~~حجتهم على ما ادعوا؟ وكل مدع فعليه البرهان والبينة من غير أهل الدعوى ولا ~~سبيل لهم على أن يأتوا على ما ادعوا ببرهان من كتب الله ولا من سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم . # وعن علي وابن عباس -عليهما السلام- عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم- قال: ((يكونفي آخر الزمان قوم يكون لهم ....... يقال لهم: الرافضة، ~~يرفضون الإسلام، إذا رأيتموهم فاقتلوهم)). وفي خبر علي -عليه السلام- قلت: ~~ما علامتهم؟ قال: ليس لهم جمعة ولا جماعة. # وذكر الهادي -عليه السلام- في الأحكام قال: حدثني أبي وعماي محمد والحسن ~~عن أبيهم القاسم بن إبرهيم عن أبيه عن جده الحسن بن علي عن أبيه عن النبي ~~-صلى الله عليه وعليهم- أنه قال: ((يا علي، يكون في آخر الزمان قوم يكون ~~لهم نبز يعرفون به يقال لهم: الرافضة، إذا أدركتموهم فاقتلوهم قتلهم الله ~~فإنهم مشركون)). PageV02P037 # قلت: وبيانهم تنصيب العداوة لعيال سيد المرسلين محمد المصطفى -صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم- بإهمالهم ما خص الله سبحانه به العترة الطاهرة دونهم ~~من الإمامة وغيرها مما يجب و........ أن تقدم فيه آل محمد ويختص بهم ~~وبدعواهم المشاركة لهم في ذلك، ونبزهم ms236 سبهم للأخيار من آل محمد المصطفى ~~والأخذ في حقهم وهتك حرمتهم لما طلبوا ما خصهم الله تعالى به من التقدم في ~~إقامة مراد الله تعالى فرفضهم وسبهم واحد في حقهم وتفرق عن جمعتهم وجماعتهم ~~وحلهم وعقدهم في الخوف والسلم أو في الخوف دون السلم وثبات عداوتهم لهم. # فصل [ ] # ذات الله تعالى ليست من جنس الذوات ولا تشبه الذوات إجماعا ولا تدخل ذاته ~~في حد الذوات عند الأكثر وإجماع الغير لوجود الفرق عقلا وسمعا ووجوبه كذلك ~~عقلا وسمعا. # وقالت المعتزلة: بل تدخل ذاته تعالى [78أ] في الذوات في حدها من دون أن ~~تشبه بها ثم تفصل بفصل يخرجها عن الشبه بسائر الذوات بعد الدخول باعتبار ~~الحد المنطقي الذي زعموا أنه لا بد من الحدية عندهم لجميع العلوم ~~والمعلومات. PageV02P038 # قلنا لهم في الجواب: إذا قد جعلتم ذات الله تعالى داخلة في الذوات في حدها ~~فقد أثبتم لذاته تعالى جنسا بضرورة أن الحد حد لجميع أجناس المحدود، وأن ~~الفصل لا يفصل إلا بعض الأنواع وبعض الصفات، وأن فصل الكل من صفات بعض ~~المحدود وأنواعه كان ذلك مناقضة والتناقض محال وإن لم يفصل كل أوصاف بعض ~~المحدود بل نفى البعض ليصح الحد ولا يناقضه الفصل كما ذلك يجب في الحد ~~والفصل إجماعا جعلتم ذات الله تعالى مجانسة ومماثلة في بعض جنسية سائر ~~الذوات وأوصافها ليصح لكم الحد. # بيان ذلك أعني فساد قولهم هذا -أعني- أن المحدود لا يصح أن خرج بالكلية ~~عن جنس ما جمع معه في الحد أن القائل لو قال في الحد: الأجسام رجال إلا زيد ~~فهو جسم غير رجل فكأنك قلت: زيد جسم رجل غير رجل وذلك مناقضة ظاهرة. # فإذا قالت المعتزلة بحد ذات الله مع الذوات ويشملها الحد، ثم قالوا: لا ~~يشبه الذوات في جميع أجناسها وأوصافها كان مناقضة ظاهرة وكأنهم قالوا: ذات ~~الله من الذوات في الحد إلا أنها تخالف الذوات في جميع الحد. PageV02P039 # وإن قالوا: بل تماثل الذوات في الجنس وتخالفها باعتبار النوع والصفة جعلوا ~~الله تعالى جنسا للمخلوقين ms237 وكفروا تصريحا بأيقن اليقين، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى ناهيا ومحرما: {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون}(1) ويقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(2) ويقول ~~تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}(3) ويقول تعالى: ~~{ولا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}(4) ويقول تعالى: {لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق}(5) وقول علي -عليه السلام: "من تفكر في ~~المخلوق وحد، ومن تفكر في الخالق ألحد" وقال صلى الله عليه وآله وسلم وقد ~~مر بقوم يتفكرون فقال: ((ماذا تفعلون؟ قالوا نتفكر، قال: تفكروا في المخلوق ~~ولا تفكروا في الخالق))(6) ويقول تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد}(7)، وفي ~~قولهم هذا مخالفة للتوحيد والتنزيه وحاشاهم. # فصل # صفات الله تعالى من كونه تعالى حيا عالما قادرا PageV02P040 هي صفات ذات -أعني بذلك- هي ذاته لا أمر زائد على الذات وهي لا تحد ولا تحد ~~الذات وليست الصفات شيئا زائدا على الذات والذات لا تغاير فالصفات لا ~~تغاير؛ وهذا هو التوحيد وإجماع الملائكة والنبيين والعترة الطاهرين ومن ~~اقتدى بهم من العالمين ما حد ذلك الإجماع العقل الذي ركبه رب العالمين وقول ~~رب العالمين، فالعقل معروف، والقول قول الله تعالى: {فلا تضربوا لله ~~الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون}(1)، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير}(2) وغير ذلك. # قالت (المعتزلة): بل صفاته تعالى من كونه عالما حيا قادرا أمور زائدة عن ~~الذات ولها مقتضى الصفة الأخص، والصفة [78ب] الأخص أمر فنصفه ذاته تعالى ~~واقتضى الذات له بأمر زائد عليها، ثم بعد ذلك خاضوا في التنزيه بعد ما ~~لزمهم من التشبيه فقالوا: ذلك الأمور الزائدة لا هي شيء -لئلا يثبتوا مع ~~الله تعالى قديما غيره- ولا هي لا شيء فيعطلوا فيجعلوا الله تعالى جاهلا ~~وميتا وعاجزا إذا نفوها. PageV02P041 # قلنا: قد وقعتم فيما تكرهون ويكره الله تعالى، وأنتم لعلكم لا تشعرون وذلك ~~أنكم إذا قلتم: الصفات شيء فقد أثبتموها، وإذا قلتم: لا شيء فقد نفيتموها؛ ~~إذ لا واسطة ms238 بين النذر والإثبات فيلزمكم التعطيل وإثبات ثان غير الله تعالى ~~أزلي معه تعالى، والتعطيل لله تعالى عن الصفات الذاتية من كونه حيا عالما ~~قادرا كفر إجماعا، وجعل مع الله ثانيا كفر إجماعا، والواسطة بين النقيضين ~~ونفيهما لا توجد، بل هو محال لا يتصور عقلا ولا سمعا وليس معلوم له حقيقة ~~ولا حقيقة له أبدا إجماعا إلا عدم التصور لاستحالته في الوجود بضرورة العقل ~~والسمع، ولعلهم لو عرفوا وتيقنوا لرجعوا عن هذا الإفراط فحاشاهم. # فصل # أجمعت العترة وإجماعهم حجة قاطعة لما قدمنا من الأدلة القاطعة في ذلك أن ~~الإمامة بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم محصورة فيهم، محظورة ~~على غيرهم؛ لأن دليلها العقل والسمع ولم يدل على أحد بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا عليهم، وقد قدمنا الأدلة على ذلك منها قوله تعالى ~~لإبراهيم -صلوات الله عليه وآله: {قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين}(1) ولأنهم أفضل ولد إبراهيم بعد رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # قالت المعتزلة: بل في قريش كلهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الأئمة من قريش))(2). PageV02P042 # قلنا: من للتبعيض، وفي قول علي زيادة في هذا البطن من هاشم، وقول الصحابي ~~الذي لا يحتمل الاجتهاد توقيف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف ~~بقول المعصوم ومن هو مع الحق والقرآن، والقرآن والحق معه، ولإجماع العترة ~~وهم عليهم السلام إجماعهم حجة قاطعة. # قالوا: إن إجماعهم جر إلى نفوسهم، فهي شهادة الجار إلى نفسه. # قلنا: إنما لم تقبل شهادة الجار إلى نفسه لكونه غير معصوم أو لأنه لا ~~بينة معه، وجماعة أهل البيت أهل كل عصر منهم عليهم السلام معصومة ولأن ~~الدليل على أن إجماعهم حجة من الكتاب والسنة فشهادتهم أن إجماعهم حجة عليهم ~~بينة من الكتاب والسنة وليس كذلك شهادة الجار إلى نفسه فافترقا، ولأن الأمة ~~تجر إجماعها إلى نفسها وهم حجة وإجماعهم داخلين العترة فيهم وإجماع العترة ~~ولو بغيرهم إجماع هو حجة قاطعة لعصمتهم ms239 التي دل عليها الكتاب والسنة ~~القطعيان المحكمان، وقد دلا عليها كذلك، قال الله تعالى: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(1) وغيرها من الآيات، ومن ~~السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ~~ومن تخلف عنها غرق وهوى))[79أ](2) وغير ذلك، ويلزم من قال أن الحق لا يصح ~~إلا بشهادة المخالف وأن الإجماع لا يصح إلا بشهادة المخالف أنه حق أن الأمة ~~إذا أجمعت كلها على حكم تحليل أو تحريم بطل إجماعها إذا لم يبقى منها مخالف ~~لها يشهد لها بأنها على الحق وهذا القول باطل PageV02P043 إجماعا، وبعض الناس يقول: الإمامة في الناس معا، وقال قوم: في العرب، وقال ~~قوم: في الأحرار والعبيد وقال قوم: في اثني عشر من ولد الحسين بعد الحسين ~~-عليهما السلام- بهما وثانيهما في العدد وكل ذلك لا دليل عليه بل دل الدليل ~~على أنها ليست محصورة في اثني عشر، وأنها ليست في غير أهل البيت عليهم ~~السلام وأجمعت الأمة أن الإمامة ثابتة فيهم، واختلفت في غيرهم؛ وكل إجماع ~~ليست العترة فيه فليس بحجة إجماعا والعترة لم يقولوا بها في غيرهم بل ~~أجمعوا على حصرها فيهم دون غيرهم، فلا دليل عليها في غيرهم وكلما لا دليل ~~عليه لا يصح القول به إجماعا. # فصل [الأدلة على إمامة أهل البيت (ع) ونتف من فضائلهم] # ومن الأدلة على إمامة أهل البيت وفضلهم وعلو منزلتهم في الفضل وتقديمهم ~~وجوبا على غيرهم في كل ما يزيدهم شرفا في أمر الدين عليهم السلام وهم ~~ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته غير ما تقدم. # ومما تقدم في هذا الكتاب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة كتابه، ~~وخليفة رسوله))(1). PageV02P044 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما بال قوم إذا ذكر عندهم آل إبراهيم ~~استبشرت قلوبهم وتهللت وجوههم، فإذا ذكر أهل بيتي اشمأزت قلوبهم وكلحت ~~وجوههم، والذي بعثني بالحق نبيا لو أن ms240 رجلا لقي الله عز وجل بعمل سبعين ~~نبيا ثم لم يلقه بولاية أولي الأمر من أهل بيتي ما قبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله جعل عليا لي وزيرا وأخا ~~ووصيا، وجعل الشجاعة في قلبه، وألبسه الهيبة على عدوه، وهو أول من آمن بي، ~~وهو أول من وحد الله معي، وهو سيد الأوصياء، اللحوق به سعادة، والموت في ~~طاعته شهادة، واسمه في التوراة مقرون باسمي، وزوجته الصديقة الكبرى، وابناه ~~سيدا شباب أهل الجنة، وهو وهما والأئمة من بعدهما من ولدها حجج الله على ~~خلقه))(2) وهذا أعني قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله جعل عليا لي ~~وزيرا ...إلى آخره)) دليل صريح على وصاية علي عليه السلام والمقصود بها ~~الإمامة؛ لأن وصي كل نبي نبي آخر بالإجماع، ونبينا محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم أفضل الأنبياء عليهم السلام ولا نبي بعده، فوصيه إمام قطعا ~~لما امتنعت النبوة، ودل بقوله: ((وأخا)) أنه أخوه صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو ذو رحمه وعصبته نسبا، وابن عمه وأخوه دينا وعصمة؛ فهو بالإجماع أحق ~~الناس جميعا بمقامه بعده صلى الله عليه وآله وسلم وذلك المقام الإمامة ~~لامتناع النبوة بعده صلى الله عليه وآله وسلم وفي PageV02P045 أحقية الرحم بذي رحمه إذا كان صالحا له، يقول الله تعالى: {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} وعلي -رضي الله عنه- ~~أكمل الناس، وأحسنهم إيمانا، وأولهم إسلاما، وأحسنهم هجرة فهو أولى برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وبمقامه بعده [79ب] صلى الله عليه وآله ~~وسلم وذلك المقام هو الإمامة لامتناع النبوة بعده صلى الله عليه وآله ~~وسلم ودل تصريحه ولازمه على عصمة على علي عليه السلام لأنه قرين رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ووزيره [صلى الله عليه وآله وسلم] لقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إن الله جعل عليا لي وزيرا))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((واسمه في التوراة مقرون إلى ~~اسمي))(2). PageV02P046 # وقوله صلى ms241 الله عليه وآله وسلم: ((وهو سيد الأوصياء)) وأوصياء الأنبياء ~~عليهم السلام أنبياء وعلي عليه السلام سيدهم لأنه وصي سيد الأنبياء ولو ~~زادت الأنبياء بالنبوة لأنه لا مانع أن يكون علي -صلوات الله عليه وعلى ~~أخيه رسول الله وآلهما وسلم- سيدهم من غيرها -أعني النبوة- لأن الإمامة ~~قدرها عظيم ولهذا بشر الله إبراهيم -صلوات الله عليه- بها فقال: {إني جاعلك ~~للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}(1) فامتن بها عليه ~~وجعلها عهدا له كالنبوة، وعلى الجملة فإنه لا طريق إلى قدر المفاضلة إلا ~~الوحي وقد ورد في علي عليه السلام من الفضائل والخصائص كثير يصعب حصرها؛ ~~فله عليه السلام خواص فضله الله بها إلا إنها كرامات وليست معجزات ~~لاختصاص الأنبياء -صلوات الله عليهم- بمعجزات جعلها الله له وخصه بها دون ~~الناس إلا من فضله الله عليه من الأنبياء -صلوات الله عليهم- فأكرم الله ~~عليا عليه السلام بتلك الكرامات، {والله يؤتي فضله من يشاء} {أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((واللحوق به ~~سعادة)). # ودل كذلك على عصمة فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام بقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((وزوجته الصديقة الكبرى)). PageV02P047 # ودل على عصمة الحسن والحسين -عليهما السلام- وإمامتهما وإمامة أبيهما علي ~~عليه السلام وإمامة أولادهما وعصمة جماعتهم، بل على كل فرد من الأئمة لأن ~~العصمة أن لا يصر المكلف على معصية يعلم أنها كبيرة، فهي بهذا الاعتبار ~~موجودة في أهل كل عصر من أهل البيت [عليهم السلام] فإن ظهر خروج أحد من ~~أفرادهم لعدم عصمته بعد الأربعة عليهم السلام بطلت إمامته حتى يتوب؛ فمن ~~كان منهم كذلك فهو حجة على الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إذا أكمل في العلم المحتاج إليه من الكتاب والسنة دعا إلى نفسه أو لم يدع ~~فهو إمام وحجة مطلقا، دل على ذلك كله بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((وابناه سيدا شباب أهل الجنة وهو وهما والأئمة من ولدهما حجج الله على ~~خلقه)) روى هذه الأخبار فيهم وغيرها آباؤنا ms242 وأئمتنا وسادة الخلق بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يخرجوكم من ~~باب هدى ولن يدخلوكم في باب ردى))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في إمامة علي عليه السلام قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((من ناصب عليا في الخلافة بعدي فهو كافر، ومن شك في ~~علي فهو كافر))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي سيد البشر فمن أبى فقد كفر))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي [80أ] عليه السلام: ((حبك إيمان ~~وبغضك نفاق))(4). PageV02P048 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أقضى أمتي بكتاب الله علي بن أبي طالب، ~~من أحبني فليحبه، وإن العبد لا ينال ولايتي إلا بحب علي))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب الحسن والحسين فقد أحبني، ومن ~~أبغضهما فقد أبغضني))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أحبوا الله لما يغذكم به من نعمة، ~~وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي خاصة: ((الصديقون ثلاثة: حبيب ~~النجار مؤمن آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب مؤمن آل ~~محمد))(4). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ~~لا نبي بعدي))(5). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: ((أنت الولي، وأنت ~~الوزير، والوصي، والخليفة في الأهل والمال والمسلمين في كل غيبة))(6). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مع الحق والقرآن، والقرآن والحق ~~مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(7). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوحي إلي في علي أنه إمام المتقين، ~~وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين))(8). PageV02P049 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي -عليه السلام: ((خذوا بحجزة هذا ~~الأنزع فإنه الصديق الأكبر، والهادي لمن اتبعه، من اعتصم به أخذ بحبل الله، ~~ومن تركه مرق من دين الله، ومن تخلف عنه محقه الله، ومن ترك ولايته أضله ~~الله، ومن أخذ بولايته هداه ms243 الله))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وعترته -عليهم السلام: ((في ~~كل خلف من أهل بيتي عدول ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال ~~المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ ألا إن أئمتكم وفدكم إلى الله، فانظروا من ~~تفدون في دينكم))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أيها الناس إنما أنا بشر أوشك أن ~~أدعى فأجيب، ألا وإني تارك فيكم الثقلين، أحدهما كتاب الله وهو حبل الله ~~ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال، ثم أهل بيتي، أذكركم ~~الله في أهل بيتي))(3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها ~~نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ومثل باب حطة في بني إسرائيل))(4). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أمرت بطاعة الله، وأمر أهل بيتي بطاعة ~~الله وطاعتي، وأمر الناس جميعا بطاعة الله وطاعتي وطاعة الأئمة من أهل ~~بيتي))(5). PageV02P050 # وفي فضل أهل البيت عترة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته ~~على جميع أمته ووجوب اتباعهموإمامتهم صغرى وكبرى وتقديمهم وتعظيمهم وأنه لا ~~يدخل الجنة ولا يسقى من الحوض من عاداهم أو خذلهم عند الحاجة إليه في نصرهم ~~على إنفاذ الحق وهو يقدر على ذلك بنفسه وماله أو أحدهما أو رضي فيهم أو احب ~~مخالفة علمائهم السابقين والمقتصدين حتى يموت مصرا غير تائب منه أو تحضره ~~ملائكة الموت وهو كذلك، وأن من استأثر عليهم أو أستخف بحقهم أو تقدم عليهم ~~فيه أو استهان بهم جملتهم أو أفرادهم لا يستحق شفاعة نبي ولا رسول، وليس ~~جزاؤه غير العذاب الأليم إذا مات على ذلك أو حضره ملائكة الموت مصرا على ~~ذلك، ما روى ابن عباس -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم رجع من سفر [80ب] وهو متغير اللون، فخطب خطبة بليغة وهو يبكي ثم قال: ~~((أيها الناس إني قد خلفت فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأرومتي ~~فلن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا وإني أنتظرهما، ألا وإني سائلكم ms244 يوم ~~القيامة في ذلك عند الحوض، ألا وإنه سيرد علي رايات من هذه الأمة راية ~~سوداء فيقفون، فأقول: من أنتم؟ فينسون ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من ~~العرب، فأقول: أنا محمد نبي العرب والعجم. فيقولون: نحن من أمتك. فأقول: ~~كيف خلفتموني في عترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا، وأما عترتك ~~فحرصنا على أن نبيدهم، فأولي وجهي عنهم، فيصدرون عطاشا قد اسودت وجوههم، ثم ترد PageV02P051 راية أخرى أشد سوادا من الأولى فأقول: من أنتم؟ فيقولون كالقول الأول: نحن ~~من أهل التوحيد، فإذا ذكرت اسمي قالوا: نحن من أمتك. فأقول: كيف خلفتموني ~~في الثقلين، كتاب ربي وعترتي؟ فيقولون: أما الكتاب فخالفنا، وأما العترة ~~فخذلنا ومزقناهم كل ممزق، فأقول: إليكم عني، فيصدرون عطاشا مسودة وجوههم، ~~ثم ترد علي راية أخرى تلمع نورا، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل ~~كلمة التوحيد والتقوى، نحن أمة محمد، نحن بقية أهل الحق حملنا كتاب ربنا ~~فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية محمد فنصرناهم من كل ما نصرنا به ~~أنفسنا، وقاتلنا معهم، وقتلنا من ناوأهم، فأقول لهم: اشربوا فأنا نبيكم ~~محمد ولقد كنتم كما وصفتم، ثم أسقيهم من حوضي، ألا وإن جبريل أخبرني أن ~~أمتي تقتل ولدي الحسين بأرض كربلاء، ألا ولعنة الله على قاتله وخاذله أبد ~~الدهر أبد الدهر))(1) ثم نزل ولم يبقى أحد إلا وتيقن أن الحسين مقتول. PageV02P052 # قلت: وأهل الراية هم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعهم في ~~الأقوال والأفعال، والاعتقاد المتين بأقوالهم وأفعالهم غير مفرقين بين ~~علمائهم المعظمين لمؤمنيهم بالإتباع والتوقير والتعظيم، المتجاوزين عن ~~مسيئهم لأجل أبيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفادين لهم ~~بأموالهم وأنفسهم، الناصرين لمحقيهم بهما وهم شيعة أمير المؤمنين علي الوصي ~~والإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ~~-ثم التفت إلى علي فقال: هم شيعتك وأنت إمامهم))(1). # وفيهم كذلك عن الإمام علي بن ms245 موسى الرضى عن آبائه عليهم السلام عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا علي إن الله قد غفر لك ولأهلك ~~ولشيعتك ولمحبي شيعتك ومحبي محبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين منزوع من ~~الشرك بطين من العلم))(2). # وفي أعداء أهل البيت عليهم السلام من الذم والوعيد ما روي عن الإمام ~~علي بن موسى الرضى -رضي الله عنه- عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((الويل لظالم أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار))(3). PageV02P053 # وفي فضل أهل البيت عليهم السلام ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((لباسة الإسلام، ولباسه الحياء، وزينته الوفاء، [81أ] ومروءته ~~العمل الصالح، وعماده الورع؛ ولكل شيء أساس، وأساس الإسلام حبنا أهل ~~البيت))(1). # وفي فضيلة فاطمة الزهراء سيدة النساء -عليها الصلاة والسلام- وأنها سيدة ~~نساء العالمين وفضائلها، وأنها معصومة مقطوع لها بالجنة، وأنه يجب تعظيمها ~~كتعظيم بضعة من أبيها سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذم ~~قاتلي ولدها الحسين وغيره بغير حق، والقطع لقاتل الحسين عليه السلام ~~بالنار، والانتصاف ممن قتل أحدا من أولادها بغير حق، وعصمة ولديها الحسنين ~~وكونهما من أهل الجنة قطعا، وفضيلتهما، وأنهما ولدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وابنيه، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم عصبتهما وأبوهما، ~~وأنهما وولدهما ما تناسلوا أولاده وعصبته؛ ما روى الإمام علي بن موسى الرضى ~~عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((إذا كان يوم القيامة نادى المنادي يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تجوز ~~فاطمة بنت محمد))(2). # وروى أبو طالب عن ابن عباس قال: ينادي مناد يوم القيامة: يا أهل الجمع، ~~غضوا أبصاركم تمر فاطمة بنت محمد قال: فتخرج من قبرها ومعها ثياب شحت بالدم ~~حتى تنتهي إلى العرش فتقول: يا رب، انصف لولدي ممن قتلهم؛ قال ابن عباس: ~~فوالله لينتصفن الله ممن قتلهم. PageV02P054 # ورواية علي بن موسى الرضى عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عنه صلى ~~الله ms246 عليه وآله وسلم : ((تحشر ابنتي فاطمة ومعها ثياب مصبوغة بدم فتعلقت ~~بقائمة من قوائم العرش فتقول: يا رب، احكم بيني وبين قاتل ولدي، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: فيحكم الله لابنتي ورب الكعبة))(1). # وروى علي بن موسى الرضى عليهم السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أتاني ملك فقال: يا محمد إن الله يقرأ ~~عليك السلام ويقول: قد زوجت فاطمة عليا فزوجها منه، وقد أمرت شجرة طوبى أن ~~تحمل الدر والياقوت والمرجان فإن أهل السماء قد فرحوا بذلك، وسيولد لهما ~~ولدان سيدا شباب أهل الجنة، فابشر يا محمد فإنك خير الأولين والآخرين))(2). PageV02P055 # وفي رواية الحسن بن أبي الحسن الصفار بسنده إلى موسى بن جعفر عن جابر بن ~~عبد الله قال: لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي ~~أتاه ناس من قريش فقالوا: إنك زوجت عليا بمهر خسيس، فقال: ((ما أنا زوجت ~~عليا ولكن الله زوجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى أن انثري ما عليك فنثرت ~~الدر والجوهر والمرجان فابتدر الحور العين فالتقطن فهن يتهادينه ويتفاخرن ~~ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد، فلما كان ليلة الزفاف أتى النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ببغلته الشهباء وثنى عليها قطيفة وقال لفاطمة: اركبي، ~~وأمر سلمان أن يقود ها والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوقها فبينما هو ~~في بعض الطريق إذ سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجبة فإذا هو بجبريل ~~-صلى الله عليه- في سبعين ألفا من الملائكة فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ما أهبطكم إلى الأرض؟ قالوا: جئنا [81ب] نزف فاطمة إلى زوجها علي بن ~~أبي طالب، فكبر جبريل وكبر ميكائيل وكبر الملائكة وكبر صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرفع التكبير على العرش تلك الليلة))(1). PageV02P056 # وفي فضلها عليها السلام وعصمتها وتعظيمها كما تقدم ما رواه الإمام علي بن ~~موسى بن جعفر عليهم السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله ~~صلى ms247 الله عليه وآله وسلم: ((تحشر ابنتي فاطمة عليها حلة الكرامة قد عجنت ~~بماء الحيوان، فينظر إليها أهل الخلائق فيتعجبون منها، ثم تكسى حللا من حلل ~~الجنة مكتوب على كل حلة بخط أخضر: أدخلوا ابنة محمد الجنة على أحسن الصورة ~~وأحسن الكرامة وأحسن منظر، تزف إلى الجنة كما تزف العروس، موكل بها سبعون ~~ألف جارية))(1). # وفي فضائل أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عترته صلى ~~الله عليه وآله وسلم وذريته ما تناسل بعضهم من بعض إلى يوم القيامة ~~وتقديمهم وجوبا في الإمامة كبرى وصغرى، وأن لهم حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلا في النبوة وما خصه دليل قاطع، وأن الحسن والحسين ~~وولدهما ما تناسلوا إلى آخر التكليف بزوالهم من على وجه الأرض مع ما تقدم ~~أولاده -صلى الله عليه وعليهم- وعصبته، وأنه -صلى الله عليه وآله- أبوهم ~~وعصبتهم مع أبيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خاصة ذلك ~~في أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام ما رواه ~~الحاكم حيث قال: المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل بني أنثى ~~أبوهم عصبتهم إلا ولد بني فاطمة فأنا أبوهم وعصبتهم))(2). PageV02P057 # وفي إمامة علي بن أبي طالب عليه السلام مع غير ذلك في وصايته عليه ~~السلام وأخوته وإمامته ومحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وخلافته وأنه أحق الخلق بالخلق بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما روى أبو طالب بإسناده إلى أبي إسحاق عن عبد الخير قال: حضرنا عليا ~~عليه السلام ينشد الناس في الرحبة فقال: أنشد من سمع النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه وعاد من ~~عاداه" فقام اثني عشر رجلا كلهم من أهل بدر فيهم زيد بن أرقم فشهدوا أنهم ~~سمعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك لعلي -عليه السلام))(1). PageV02P058 # وفي أمالي أبي طالب عليه السلام عن الأعمش عن إبراهيم عن ms248 علقمة بن قيس ~~والأسود بن يزيد قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري قلنا: يا أبا أيوب، إن الله ~~عز وجل أكرمك بنبيه إذ أوحى إلى راحلته فبركت على بابك وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ضيفا لك فضيلة من الله فضلك بها، فأخبرنا عن مخرجك مع ~~علي بن أبي طالب؟ قال أبو أيوب: فإني أقسم لكما لقد كان رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم معي في هذا البيت الذي أنتما فيه وما في البيت غير ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي جالس عن يمينه، وأنا جالس عن ~~يساره، وأنس بن مالك قائم بين يديه إذ تحرك الباب فقال النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((يا أنس انظر من بالباب؟ فخرج أنس ونظر فقال: يا رسول ~~الله، [82أ] هذا عمار، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: افتح لعمار الطيب ~~المطيب، ففتح أنس الباب، فدخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرحب به ثم قال: يا عمار، إنه سيكون من بعدي في أمتي هنات حتى يختلف ~~السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يتبرأ بعضهم من بعض؛ فإذا رأيت ~~ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني -يعني علي بن أبي طالب- فإن سلك الناس ~~واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس، يا عمار، إن عليا لا ~~يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى، يا عمار، طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة ~~الله عز جل))(1). PageV02P059 # وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم خيبر: ((لا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون بما تبتلون منهم، فإذا ~~لقيتموهم فقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم، وقلوبهم بيدك، وإنما تقلبها أنت، ~~والزموا الأرض جلوسا، فإذا غشوكم فثوروا إليهم وكبروا؛ لأبعثن غدا -إن شاء ~~الله- رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يولي ولا يرجع حتى يفتح ~~الله عليه فرجاها أصحاب محمد عليه السلام كلهم يرى أنه هو حتى إذا كان ~~الغد ms249 أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي عليه السلام وهو ~~أرمد شديد الرمد فقال له: سر، وعقد له راية ثم دفعها إليه فقال له: يا رسول ~~الله، ما أنظر موضع قدمي من الرمد، فتفل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في عينه ودفع إليه الراية فقال له علي -عليه السلام: على ما أقاتل يا ~~رسول الله؟ قال: " على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى، وأخذ ~~علي عليه السلام الراية ثم خب، فجعلنا نسعى خلفه فلا نلحقه حتى لقيهم ففتح ~~الله عليه))(1). PageV02P060 # وعن عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه ~~عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: كان لي عشر من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ما أحب أن لي بإحداهن ما طلعت عليه الشمس قال لي: ((يا علي ~~أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأقرب الخلائق مني في الموقف يوم القيامة ~~فمنزلي يواجه منزلك في الجنة كما يتواجه منزل الأخوين في الله، وأنت الولي، ~~والوزير، والوصي، والخليفة في الأهل والمال وفي المسلمين في كل غيبة، وأنت ~~صاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وليك ولي، وولي ولي الله، وعدوك عدوي، وعدوي ~~عدو الله))(1). # وفي حديث الإمام علي بن موسى الرضى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن ~~محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن ~~أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((يا علي، أنت فارس العرب، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، ~~وأنت أخي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنت سيف الله الذي لا يخطئ، وأنت رفيقي في ~~الجنة))(2). PageV02P061 # وفي الأمالي عن ليث قال: حدثني أبو [82ب] جعفر محمد بن علي عليهم السلام ~~قال: حدثنا جابر بن عبد الله قال: شق على النبي صلى الله ms250 عليه وآله وسلم ~~وعلى أصحابه ما تلقون من أهل خيبر فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لأبعثن بالراية أو باللواء مع رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله -لا ~~أدري أيتهما بدأ- قال فدعا عليا عليه السلام وإنه لأرمد، فتفل في عينه ~~وأعطاه اللواء أو الراية، قال ففتح الله عليه قبل أن ينام آخرنا حتى ألجأهم ~~إلى قصر، قال: فجعل المسلمون لا يدرون كيف يأتوهم، قال: فنزع علي الباب ~~فوضعه على عاتقه، ثم أسنده لهم، وصعدوا عليه حتى مروا وفتحها الله، قال: ~~ونظروا بعد ذلك إلى الباب فما حمله دون أربعين رجلا))(1). # وعن عبد الله بن شريك العامري عن أبيه عن جندب بن عبد الله الأزدي قال: ~~شهدت أبا ذر -رضى الله عنه- وهو آخذ بحلقة باب الكعبة يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول لسلمان حين سأله من وصيك؟ فقال: ((وصيي ~~واعلم من أخلف بعدي علي بن أبي طالب))(2) وسمعته يقول حين أخرج الناس من ~~المسجد وأسكن عليا -عليه السلام: ((إن عليا مني بمنزلة هارون من موسى، ثم ~~قال -صلى الله عليه وآله-: إن رجالا وجدوا من إسكاني علي وإخراجهم، بل الله ~~أسكنه وأخرجهم))(3). PageV02P062 # وعن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: لقي رجل علي بن أبي ~~طالب عليه السلام فقال: يا أبا الحسن، أنا والله أحبك في الله، فرجع علي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بقول الرجل، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعلك يا علي اصطنعت إليه معروفا، قال: ~~لا، والله ما اصطنعت إليه معروفا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك بالمودة. قال: فنزلت: {إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}(1). # وعن سالم بن أبي الجعد عن ابن أبي الجعد عن ابن علقمة الأنصاري عن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام قال: لما نزلت: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة}(2) قال ms251 لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما ترى ~~دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، قال: ~~فنزلت: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات}(3) قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم : فبي خفف الله عن هذه الأمة))(4). PageV02P063 # وعن أبي الجحاف بن عمير عن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بين المؤمنين فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله، كلهم يرجع ~~إلى أخ غيري، فقال: ((أما ترضى أن تكون أخي؟ قال: بلى، قال: فأنا أخوك في ~~الدنيا والآخرة))(1) قال: فقال -يعني أبا الجحاف- قلت: ءآلله الذي لا إله ~~إلا هو يا عبيد بن عمير فقد سمعته من ابن عمر؟ قال: ءآلله الذي لا إله إلا ~~هو لقد سمعته من ابن عمر قال: فاستحلفته ثلاث مرات فحلف. # وعن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يصل فيها أحد غيري ~~وغيره))(2). # وعن أبي خالد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي [83أ] ذر قال: ضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده على كتف علي عليه السلام يوم عرفة ~~ثم قال: ((يا علي، من أحبنا فهو العربي ومن أبغضنا فهو العلج))(3). PageV02P064 # وعن إبراهيم بن الحسن بن زياد عن الأصبغ بن نباته قال: عن علي عليه السلام ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزول قدما العبد يوم ~~القيامة حتى يسأله الله عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، ~~وعن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت، فقال أبو برزة: وما ~~حبكم يا رسول الله؟ قال: حب هذا -ووضع يده على رأس علي -عليه السلام))(1) ~~وهذا دل بصريحه بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((وعن حبنا أهل البيت.... ~~إلى آخره)) على وجوب مودة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومودة أهل بيته ~~ظاهرة وباطنة وهي الإتباع والتأسي، وإن علامة ms252 ذلك مودة أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب عليه السلام بتقديمه في الإمامة وغيرها وتخطئة من تقدم عليه ~~فيها كبرى وصغرى، وكذلك علماء أهل بيت محمد -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمان: ~~{هذان خصمان اختصموا في ربهم}(2) نزلت في الذين برزوا يوم بدر: علي، وحمزة، ~~وعبيدة بن الحارث؛ وفي عتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة. PageV02P065 # وعن مسلم قال: حدثنا حبة -يعني العرني- قال: لما كان يوم الجمل جاء علي ~~عليه السلام في عشرة، فنادى أين الزبير؟ فخرج الزبير في عشرة، قال: فلقيه ~~عليه السلام فقال: أنشدك الله، هل تذكر حين كنا في حضيرة بني فلان فمر بنا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((أما إنك يا زبير تقاتله وأنت ~~له ظالم))(1) قال: اللهم نعم، لم أذكر حتى قلت لي. قال السيد الإمام أبو ~~طالب: حين تذكر ذلك انصرف عن القتال. # وعن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده -عليهما السلام- قال: ~~كسرت زبد علي عليه السلام في يوم أحد وفي يده لواء رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فتحاماه المسلمون أن يأخذوه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((ضعوه في يده الشمال فإنه صاحب لوائي في الدنيا ~~والآخرة))(2). PageV02P066 # وعن محمد بن إسحاق عن يحيى بن الأشعث عن إسماعيل بن إياس عن أبيه عن جده ~~قال: كنت امرءا تاجرا، فوالله إني لعند العباس بن عبد المطلب إذ خرج رجل من ~~خباء قريبا منه فنظر إلى الشمس، فلما مالت قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك ~~الخباء فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام ~~معه يصلي؛ قال أبو العباس الحسني: وفي حديث آخر عن عيينة: فقلت للعباس من ~~هذا ؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخي. قلت: فمن هذه ~~المرأة؟ قال: هذه خديجة بنت خويلد. فقلت: فمن هذا الفتى؟ ms253 قال: علي بن أبي ~~طالب ابن عمه. قلت: ما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي وهو يزعم أنه نبي وأنه ~~تفتح له كنوز كسرى وقيصر ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه. # قلت: في هذا تصريح بفضيلة علي عليه السلام وسبقه، وتصريح بفضيلة خديجة ~~بنت خويلد وسبقها، وفضل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر ~~على الوحدة وإيذاء قومه، والله تعالى [83ب] يقول في ذلك: {السابقون ~~الأولون}(1) ويقول تعالى في ذلك: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون}(2) ويقول تعالى في ذلك: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(3) ~~ويقول تعالى في نظيره: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون}(4). PageV02P067 # وعن المنذر بن زياد الضبي عن ثابت البناني عن أنس قال: بعث النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم مصدقا إلى قوم، فعدوا على المصدق فقتلوه فبعث عليا عليه ~~السلام فقتل المقاتلة وسبى الذرية فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فسره ذلك، لما بلغ أدنى المدينة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فاعتنقه وقبل بين عينيه وقال: ((بأبي أنت وأمي من شد الله عضدي به كما شد ~~عضد موسى بهارون))(1). # وعن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام ~~قال: ما دخل عيني نوم ولا غمظ حتى علمت في ذلك اليوم ما نزل به جبريل عليه ~~السلام حلال أو حرام، أو سنة أو كتاب، أو أمرا أو نهي وفيمن نزل أو فيما نزل. # وعن عمرو بن أبي المقدام عن عاصم بن ضميرة عن جابر بن عبد الله قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي -عليه السلام: ((أما علمت أن من ~~أحبك وتولاك أسكنه الله عز وجل معنا، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}))(2). PageV02P068 # وعن إسماعيل بن أبي خالد ذكر مرة عن قيس ومرة عن عامر الشعبي قال: سئل أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام عن ابن مسعود؟ ms254 فقال: قرأ القرآن ووقف عنده، وأحل ~~حلاله، وحرم حرامه؛ وسئل عن حذيفة؟ فقال: أسر إليه علم المنافقين طلب علما ~~فأدركه؛ وسئل عن أبي ذر؟ فقال: وعاء ملئ علما وقد ضيعه الناس؛ وسئل عن ~~عمار؟ فقال: مؤمن ينسى فإذا ذكر تذكر قد ملئ إيمانا ما بين قرنه إلى قدمه؛ ~~وسئل عن سلمان؟ فقال: أدرك العلم الأول والآخر وهو بحر لا ينزح، وهو منا ~~أهل البيت؛ وسئل عن نفسه؟ فقال: إياها أردتم، كنت إذا سكت ابتديت، وإذا ~~سئلت أعطيت، وإنما بين هاتين الدفتين -يعني الجنبين- لعلما جما. # وعن الأعمش عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((كلاب أهل النار الخوارج))(1). # قلت: لأنهم خرجوا على علي عليه السلام وهو معصوم وكأنهم خرجوا على رسول ~~الله -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV02P069 # وبإسناد السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الحسني -رحمه الله- قال فيه: ~~أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي -رضي الله عنه- حدثنا محمد بن منصور قال: ~~حدثني إسماعيل عن موسى عن عمرو بن القاسم عن مسلم الملائي عن حبة العرني أن ~~عليا عليه السلام سار حين فارقته الخوارج فاعترضوا الناس وأخذوا الأموال ~~والدواب والكراع والسلاح ودخلوا القرى وقتلوا وساروا حتى انتهوا إلى ~~النهروان، فأقام بها أياما يدعوهم ويحتج عليهم، فأبوا أن يجيبوه وبعثوا ~~لقتاله، فعبأ الناس، ثم خرج إليهم فدعاهم فأبوا أن يدخلوا بدؤوه بالقتال ~~فقاتلهم وظهر عليهم، فقال لأصحابه: فيهم رجل له علامة، قالوا: وما هي يا ~~أمير المؤمنين؟ [84أ] قال: رجل أسود منتن الريح، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، ~~إذا مدت كانت بطول الأخرى وإذا تركت كانت كثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعر ~~الهرة؛ فذهبوا ثلاث مرات يطلبونه وكل ذلك لا يجدونه، فرجعوا وقالوا: يا ~~أمير المؤمنين، ما وجدناه، فقال: والله ما كذبت ولا كذبت وإني لعلى بينة من ~~الله إنه لفي القوم، ائتوني بالبغلة -فأتوه بها- فركب وتبعه الناس فانتهى ~~إلى وهدة من الأرض فيها قتلى بعضهم على بعض فقال: اقلبوا قتيلا على قتيل، ~~فاستخرج ms255 الرجل وعليه قميص جديد فقال: شقوا عنه، فشقوا عنه فقال: مدوا يده، ~~فإذا هي بطول الأخرى فقال: دعوها، فإذا هي مثل ثدي المرأة فقال: إن به ~~علامة أخرى، شامة حمراء على كتفه الأيمن، ثم قال علي -عليه السلام: الله ~~أكبر، فكبر PageV02P070 المسلمون فقال: صدق الله وصدق رسوله، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بقتالهم، وأخبرني أن فيهم هذا الرجل المخدج. # قلت: وفي ذلك دليل واضح أن عليا عليه السلام على منهاج الحق المبين، وهو ~~إخبار بالغيب فهو معجزة لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد أتى ~~على ما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن محمد بن إسحاق عن عيسى بن عمر عن عبد الله بن عمرو الخزاعي عن هند ~~بنت الجون قالت: نزل رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله- خيمة خالته أم ~~معبد ومعه أصحاب له وكان من أمره في الشاة ما قد عرفه الناس فقال في الخيمة ~~هو وأصحابه حتى أبردوا، وكان يوما قائضا شديدا حره، فلما قام من رقدته دعا ~~بماء، فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه ومجه إلى عوسجة كانت إلى جانب خيمة ~~خالته؛ فلما كان من الغد أصبحنا وقد غلظت العوسجة حتى صارت أعظم دوحة عادية ~~رأيتها، وشذب الله شوكها، وشاخت عروقها، وأخضر ساقها وورقها، ثم أثمرت بعد ~~ذلك وأينعت ثمرا أعظم ما يكون من الكمة في لون الورس المسحوق ورائحة العنبر ~~وطعم الشهد، والله ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم ~~إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا ناقة ولا شاة إلا در لبنها، ورأينا ~~النماء والبركة في أموالنا منذ نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأخصبت بلادنا وأمرعت؛ فكنا نسمي تلك الشجرة: المباركة، وكان من بيننا بناء ~~من حولنا من البوادي يستشفون منها PageV02P071 ويتزودون من ورقها ويحملونها معهم في الأرض القفار فيقوم لهم مقام الطعام ~~والشراب، فلم نزل كذلك وعلى ذلك حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها ms256 وصغر ~~ورقها، فحزنا لذلك وفزعنا له فما كان إلا قليلا حتى جاء نعي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فإذا هو قد قبض في ذلك اليوم، فكانت بعد ذلك تثمر ~~دونه في الطعم والعظم والرائحة، وأقامت على ذلك ثلاثين سنة، فلما كان ذات ~~يوم أصبحنا فإذا بها قد أشوكت من أولها إلى آخرها وذهبت نظارة عيدانها ~~وتساقط جميع ثمرها، فما كان إلا يسيرا حتى وافانا مقتل أمير المؤمنين علي ~~عليه السلام فما أثمرت بعد ذلك قليلا ولا كثيرا، وانقطع ثمرها، ولم نزل ~~ومن حولنا نأخذ من ورقها ونداوي به [84ب] مرضانا ونستشفي به من أسقامنا ~~فأقامت على ذلك مدة وبرهة طويلة، ثم أصبحنا وإذا بها يوما قد انبعث من ~~ساقها دم عبيط جار وورقها ذابل يقطر ماء كماء اللحم فعلمنا أن قد حدث حدث ~~قمنا فزعين مهمومين نتوقع الداهية، فأتانا بعد ذلك قتل الحسين بن علي- ~~عليهما السلام- ويبست الشجرة وجفت وكسرتها الرياح والأمطار بعد ذلك فذهبت ~~وبدا رأس أصلها، قال محمد بن سهل: فلقيت دعبل بن علي بمدينة الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم فحدثته بهذا الحديث فقال: حدثني أبي عن جده عن أمه ~~سعدى بنت مالك الخزاعية أنها أدركت تلك الشجرة وأكلت من ثمرها على عهد أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام قال دعبل: فقلت قصيدتي: # زر خير قبر بالعراق يزار PageV02P072 لم لا أزورك يا حسين لك الفداء # ولك المودة في قلوب ذوي النهى ... واعص الحمار فمن نهاك حمار # نفسي ومن عطفت عليه يزار # وعلى عدوك مقتة ودمار # قلت: في هذه القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكرامة له صلى ~~الله عليه وآله وسلم وكرامة لعلي أمير المؤمنين عليه السلام وكرامة ~~للحسين بن علي عليه السلام ومن شرط ما أتى على هذا المعنى في كونه معجزة ~~له صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر به صلى الله عليه وآله وسلم قبل ~~وقوعه ويكون على ما أخبر به قبل وقوعه في حصوله فإن لم يخبر به وكان صلى ~~الله ms257 عليه وآله وسلم السبب في حصوله من الله تعالى، فذلك كرامة له -صلى ~~الله عليه وآله- من الله تعالى، وليس بمعجزة له لكونه لم يخبر به، ومن شرط ~~المعجزة ذلك. # فأما المعجز من أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم فهو معجزة له ودلالة على ~~نبوته سواء أخبر به قبل وقوعه أم لا. PageV02P073 # وبإسناد السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الحسني -رحمه الله- قال فيه: ~~حدثنا عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: حدثنا سلمة بن كهيل قال: ~~حدثنا زيد بن وهب قال: كنت في الجيش الذي كانوا مع علي عليه السلام حين ~~سار إلى الخوارج فقال علي عليه السلام : أيها الناس، إني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((سيخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليس ~~قراءتكم إلى قراءتهم شيئا، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا، ولا صيامكم إلى ~~صيامهم شيئا؛ يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم ~~تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو علم الجيش الذي ~~يغشونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم اتكلوا عليه عن العمل، وآية ذلك أن فيهم ~~رجل له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليها شعرات بيض، ~~فتذهبون إلى معاوية وإلى أهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم ~~وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ما قد سفكوا الدماء ~~وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله))(1) قال سلمة: فنزلني زيد منزلا ~~منزلا حتى مررنا على قنطرة قال: فلما التقينا وعلى الخوارج عبد الله بن وهب ~~قال القوا الرماح، وسلوا سيوفكم [85أ] من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم ~~كما ناشدوكم بحرورا، قال: فرجعوا، فسلوا السيوف قال: ونجزهم الناس برماحهم، ~~وقتل بعضهم على بعض، فما أصيب يومئذ منا إلا رجلان، فقال علي -عليه PageV02P074 السلام: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي عليه السلام ~~حتى أتى ناسا قتل بعضهم على بعض فقال: أخرجوهم -ووجدوه فيما يلي الأرض، ~~فكبر علي عليه السلام ms258 فقال: صدق الله وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقام إليه عبيدة فقال: يا أمير المؤمنين، ءآالله الذي لا إله إلا هو ~~أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: إي والله الذي لا ~~إله إلا هو سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن أبي جعفر محمد بن علي -عليهما السلام- قال: راية رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا ترد ولم ينصبها علي عليه السلام إلا يوم الجمل قال: ~~وكانت الريح عليه وعلى أصحابه، فلما نشرها انقلبت الريح على أهل الجمل، وهي ~~راية سوداء الجانبين بيضاء الوسط، أو بيضاء الجانبين سوداء الوسط، ثم قال ~~أبو جعفر -عليه السلام: أما إنها ليست صوفا ولا قطنا ولا كتانا ولا حريرا ~~ولا إبريسما ولا جلدا، فقلت: يا ابن رسول الله، من أي شيء هي؟ قال: هي ورقة ~~من ورق الجنة جاء بها جبريل عليه السلام يوم بدر فأعطاها رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # وعن الأعمش عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قال لي معاوية: أتحب ~~عليا؟ قال قلت: وكيف لا أحبه وقد سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول له: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي))(1). PageV02P075 # وعن أبي سعيد الخدري قال: لم نزل نعرف المنافقين ونحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ببغضهم لعلي بن أبي طالب. # وبإسناد السيد الإمام أبي طالب -رحمه الله- إلى موسى بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن عليهم السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه تركه أبو ~~طالب، فإذا نامت العيون جاء إليه فأنهضه من فراشه واضطجع علي أو وضاجع علي ~~مكانه فقال علي: يا أبتاه إني مقتول ذات ليلة، فقال أبو طالب: # اصطبر يا علي فالصبر أحجى # قد بلوناك والبلاء يسيرا # لفداء الأغر ذي النسب الثاقب # إن يصبك المنون عنه ms259 فأحرى # كل حي وإن تملأ عيشا ... كل حي مصيره لشعوب # في فداء النبي وابن النجيب # ذي الباع والرضى الحسيب # فمصيب منها وغير مصيب # آخذ من سهامه بنصيب # وعن شهر بن حوشب قال: كنت عند أم سلمة إذ استأذن رجل، فقيل له: من أنت؟ ~~قال: أنا أبو ثابت مولى علي، فقالت أم سلمة: مرحبا بك يا أبا ثابت، ادخل، ~~فدخل، فرحبت به ثم قالت له: يا أبا ثابت، أين طار قلبك حين طارت القلوب ~~مطائرها؟ قال: تبع علي بن أبي طالب، فقالت: وفقت، والذي نفسي بيده لقد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((علي مع الحق والقرآن، والحق ~~والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(1). PageV02P076 # وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى [85ب] الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((لا يحب علي إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق))(1). # وبإسناد السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني -رحمه ~~الله تعالى- قال: أخبرنا أبو الحسين علي بن إسماعيل الفقيه -رحمه الله- ~~قال: أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي -رضي الله عنه- قال: حدثنا عبد الله ~~بن محمد المدني قال: حدثنا عمارة بن زيد قال: حدثنا عبيد الله بن المعلى بن ~~المنتجع بن قارظ -جاء بالظاء والصاد رواية زيد، وبالصاد رواية عبد المجيد ~~النهدي- أن أباه حدثه وكان جاهليا قال: شهدت هوازن يوم هوازن وكنت امرءا ~~بدنا يسودني قومي ولقينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت في ~~عسكره رجلا لا يلقاه قرن إلا دهدهه، ولا يبرز إليه شجاع إلا أرداه، فصمد له ~~وبرز إليه الجلموز بن قريع وكان والله ما علمته حوشي القلب، شديد الضرب، ~~فأهوى له الرجل بسيفه فاجتلى قحف رأسه، وعلى أم دماغه، فحدت عنه وجعلت ~~أرقبه، وهو لا يقصد ركاكة، ولا يقصد إلا صناديد الرجال، لا يدنو من رجل إلا ~~قتله، وكانت الديرة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم علينا، فأسلمت بعد ذلك ~~فتعرفت الرجل فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام وتالله لقد ms260 رأيت زنده ~~فخلته أربع أصابع، وإن أول خنصره كآخر مفصل من مرفقه. # حكاية PageV02P077 وبه قال أنشدنا أبو الحسن علي بن مهدي قال: أنشدنا ابن الأنباري قال: ~~أنشدنا أبو العباس ثعلب لأم كلثوم أخت عمرو بن عبد ود ترثيه وتذكر قتل علي ~~عليه السلام له # لو كان قاتل عمرو غير قاتله # لكن قاتله من لا يعاب به # يا أم كلثوم بكيه ولا # مشى إليه علي يوم قاتله # فحلل الرأس منه يوم بارزه ... بكيته ما أقام الروح في جسدي # وكان يدعى قديما بيضة البلد # يسمى بكا والدة حرى على ولد # مشي العجول بنصل غير متئد # صافي الحديد عصيا غير ذي أود # وبه قال أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا حمزة بن قاسم العلوي العباسي ~~قال: حدثنا جعفر بن سلمة بن أحمد قال: حدثنا النعمان عن عمر بن حماد بن ~~طلحة قال: حدثنا عبد ربه بن علقمة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس ~~الهلالي قال: سأل ابن الكوى أمير المؤمنين عليا عليه السلام عن السنة ~~والبدعة؟ وعن الجماعة والفرقة؟ فقال علي -عليه السلام: "يا ابن الكوى حفظت ~~المسألة فافهم الجواب، السنة والله سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~والبدعة -والله- ما خالفها، والجماعة -والله- أهل الحق وإن قلوا، والفرقة ~~-والله- متابعة أهل الباطل وإن كثروا. PageV02P078 # وبه أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني قال: أخبرنا عبد الله بن ~~جعفر الحصري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن غزوان، قال حدثنا محمد بن عبيد ~~الله بن بكير البغوي عن شعيب بن واقد المزني عن الحسين بن زيد عن عبد الله ~~بن الحسن عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عليهم السلام قال: خطب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين زوج فاطمة من علي عليه السلام فقال: ((الحمد ~~لله المحمود بنعمته، المعبود لقدرته، المطاع لسلطانه، المرهوب من عذابه، ~~المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في سمائه وأرضه، ثم إن الله عز وجل ~~أمرني [86أ] أن أزوج فاطمة من علي، فقد زوجته على أربع ms261 مائة مثقال فضة إن ~~رضي بذلك علي -ثم دعا بطبق بسر فقال: انتهبوا، فبينا ننتهب إذ دخل علي ~~عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي، أعلمت أن الله ~~عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة فقد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت. ~~فقال علي: رضيت بذلك عن الله وعن رسوله. فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: جمع الله شملكما، وأسعد جدكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا))(1). PageV02P079 # وبه قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني قال: حدثنا محمد بن أبي ~~عمار المقري قال: حدثنا محمد بن خلف البغدادي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ~~بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عليه السلام عن أحمد بن نوح الخزاعي عن يحيى ~~بن علي الربعي عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده عن ~~علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما ~~أنا بشر مثلكم أتزوج فيكم وأزوجكم إلا فاطمة فإنها نزل تزويجها من ~~السماء))(1). # وفي الحسن والحسين عليهم السلام # كذلك بإسناد أبي طالب عليه السلام قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن ~~إبراهيم الحسني -رحمه الله- إملاء قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن جعفر ~~الأنماطي قال: حدثنا محمد بن يونس النسائي قال: حدثنا حماد بن عيسى قال: ~~حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه -عليهما السلام- عن جابر بن عبد الله قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته بثلاث وهو يقول لعلي بن أبي ~~طالب -سلام الله عليه- أبو الريحانتين: ((أوصيك بريحانتي من الدنيا فعن ~~قليل ينهد ركناك، والله خليفتي عليك))(2) فلما قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال علي -عليه السلام: هذا أحد ركني الذي قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلما ماتت فاطمة -عليها السلام- قال علي -عليه السلام: هذا ~~الركن الثاني الذي قال لي رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وفي فضائل فاطمة صلوات الله عليها PageV02P080 بإسناد السيد الإمام أبي طالب -رحمه الله- قال: أخبرنا ms262 أبو عبد الله محمد ~~بن زيد الحسيني قال: حدثنا الناصر للحق الحسن بن علي قال: أخبرنا محمد بن ~~علي بن خلف العطار عن عمرو بن عبد الغفار عن أبي المليح الرقي عن زياد بن ~~بنان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت: ((قلت: يا رسول ~~الله، ممن المهدي؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من ولد عبد ~~المطلب، قالت: قلت: من أي ولد عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة))(1). # وبه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بيدار الرازي عن أنس بن مالك قال: ~~لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علي -عليهما السلام- ~~قال: ((يا أم أيمن، زفي ابنتي إلى علي، ومريه أن لا يعجل حتى آتيها -فلما ~~صلى العشاء أقبل بركوة كان فيها ماء فتفل فيها ما شاء الله وقال: اشرب يا ~~علي وتوضأ، واشربي يا فاطمة وتوضئي، ثم رد عليهم الباب، فبكت فاطمة فقال: ~~ما يبكيك يا بنية، قد زوجتك أقدمهم إسلاما، وأحسنهم خلقا، وأعلمهم بالله ~~علما))(2). PageV02P081 # وبه قال أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا [86ب] حمزة بن القاسم العلوي ~~العباسي قال: أخبرنا سعيد بن عبد الله بن يعقوب بن يزيد عن زياد العبدي عن ~~علي بن معبد عن عبد الله بن القاسم عن مدرك بن عبد الرحمن عن جعفر بن محمد ~~عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الإسلام لباسه الحياء، وزينته الوفاء، ومروءته العمل الصالح، وعماده ~~وعمارته الورع، ولكل شيء أساس، وأساس الإسلام حبنا أهل البيت))(1). # قلت: وهذا يدل على فضيلتهم ووجوب اتباعهم ومحبتهم وإمامتهم واحترامهم ~~وتقديمهم في كل أمر شريف وتعظيمهم وأن ذلك شرط في صحة الإسلام كما أن ~~الأساس شرط في صحة البناء. # وبه قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن علي العبدكي قال: حدثنا أبو سعيد عبد ~~الرحمن بن سليم النقاش قال: حدثنا محمد بن عامر قال: حدثنا المنصور بن ~~الحارث قال: حدثنا شجاع بن يعقوب ms263 الكندي قال: حدثنا بن أبي ظبيان عن أبيه ~~عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا ~~تبغضني يا سلمان فتفارق دينك، قلت: يا رسول الله، وكيف أبغضك وبك هدانا ~~الله؟ قال: تبغض العرب فتبغضني))(2). PageV02P082 # دل هذا الحديث على فضيلة العرب لكون رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم عربيا وأن من أبغضهم لكونهم عربا لا لأمر سوى ذلك من أفعالهم ~~وأقوالهم واعتقاداتهم المبينة بأقوالهم فكأنه أبغض رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيفارق بذلك دينه؛ لأن بغض رسول الله محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وكذلك الأنبياء أو الملائكة أو كتبه تعالى كفر إجماعا، وبصرائح ~~القرآن، قال الله تعالى مكفرا بعداوته تعالى ومن عاداه تعالى فلا شك في ~~كفره عقلا وسمعا، وضم تعالى إلى ذلك وأنه يكفر من فعله أو اعتقده أو قاله ~~في حقه تعالى أو في حق الملائكة أو الأنبياء أو الكتب -كتبه تعالى- فقال ~~تعالى في ذلك كذلك: {من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين}(1) فكذلك من أبغض أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعليهم- وأهل بيته -صلى الله عليه وآله- فهم ذريته وعترته سلفا ~~بعده خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم من على وجه الأرض؛ فمن أبغضهم لكونهم ~~أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو عترته أو ذريته أو لأنهم ~~أفضل منه بولادة رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- فقد ~~أبغضه [صلى الله عليه وآله وسلم] بذلك لأنهم أحسن العرب وأفضلهم بعده صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبعد الأنبياء -صلى الله عليهم- فمن أبغضهم كذلك هذا ~~الحكم من مفارقة دينه وأنه كما أبغض رسول الله أبيهم محمد PageV02P083 [صلى الله عليه وآله وسلم] فكذلك من أبغض مؤمنا لأجل إيمانه، أو مسلما لأجل ~~إسلامه فله هذا الحكم لو أبغض شيئا من صنع الله تعالى لكونه صنعه تعالى أو ~~استحقره أو شيئا من أفعاله تعالى لكونه فعله تعالى فإنه يكفر إذا تعمد ذلك ms264 ~~عقلا وسمعا لكونه استهان بصانعه تعالى أو أبغضه بذلك، والإستهانة به تعالى ~~أو البغض له تعالى كفر عقلا وسمعا. # أما العقل فمعروف بأيسر نظر في الأدلة العقلية، وأما السمع فإن من أبغض ~~الله تعالى بواسطة بغض ملك أو نبي أو [87أ] غير ذلك من بغض مصنوع من ~~مصنوعاته تعالى لكونه صنعه -تعالى- أو استحقره كذلك فإن بغضه تعالى بتلك ~~الواسطة أو بغير واسطة عداوة له تعالى وهي كفر إذا تعمدها ولو جهل، فقال ~~تعالى في ذلك كذلك: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن ~~الله عدو للكافرين}[البقرة:98] إلى غير ذلك من القرآن والسنة. # وبه قال: حدثنا محمد بن عمر الدينوري قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد ~~السني قال: حدثنا القاضي المحاملي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال: ~~حدثنا مفضل بن صالح الأسدي عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان لعلي بن ~~أبي طالب خصال ليست لأحد غيره: كان أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو الذي كان لواءه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه ~~يوم المهراش وانهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره. PageV02P084 # وبه قال أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن يحيى بن ~~الحسن الحسيني العقيقي قال: حدثني جدي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: ~~حدثنا علي بن المغيرة عن معمر بن المثنى قال: كان لواء المشركين يوم أحد مع ~~طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي فقتله علي بن أبي طالب ~~عليه السلام وفي ذلك يقول الحجاج بن غلاظ السلمي: # لله أي مذنب عن حرمة # جادة يداك له بعاجل طعنة # وعللت سيفك بالدماء ولم تكن ... أعني ابن فاطمة المعم المخولا # تركت طليحة للجبين مجدلا # لترده حران حتى تنهلا # وبه قال حدثنا محمد بن علي العبدكي قال: حدثنا محمد بن يزداد قال: أخبرنا ~~يحيى بن هاشم عن حسين بن الأبرش عن الحكم بن عتيبة قال: قال أبو ms265 الدرداء: ~~العلماء ثلاثة: رجل بالشام -يعني نفسه- ورجل بالكوفة -يعني ابن مسعود- ورجل ~~بالمدينة -يعني علي [عليه السلام]؛ فالذي بالشام سأل الذي بالكوفة، والذي ~~بالكوفة سأل الذي بالمدينة، والذي بالمدينة لا يسأل أحدا. # حكاية # وبه قال حدثنا أبو أحمد محمد بن علي العبدكي قال: روي عن ابن عباس أنه ~~قال: كان أمير المؤمنين علي عليه السلام ينشد كثيرا # إذا المشكلات تصدين لي # ولست بإمعة في الرجال # ولكني مدرك الأصغرين ... وكفت حقائقها بالنظر # أسائل هذا وذا ما الخبر # أقيس بما قد أتى ما غبر PageV02P085 وعن علي -رضوان الله عليه وآله- في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة}(1) قال علي عليه السلام فيها: ~~إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي ~~دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. قيل: تصدق به في عشر كلمات ~~سألهن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن ابن عمر: كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر ~~النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى، ولم يعمل بها ~~غير علي عليه السلام ثم نسخت بالآية التي بعدها؛ فإذا قد تواتر وتقرر عند ~~الموالف والمخالف أن عليا عليه السلام أعلم أمة محمد بعده صلى الله عليه ~~وآله وسلم بالكتاب [87ب] والسنة وذرية محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم من على وجه الأرض، قد تواتر ~~وتقرر بين الأمة بآية التطهير وآية المودة وغيرها وبحديث السفينة وغيره ~~أنهم أعلم أمة أبيهم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده وبعد ~~أبيهم علي عليه السلام بالكتاب والسنة، وقد قال الله تعالى في المفاضلة ~~بين العالم بالكتاب والسنة المؤمن وبين المؤمن الذي لم يحط بكل ذلك أو بكل ~~المحتاج إليه في الدين منهما، وإنما عنده منهما ما يصح به إيمانه وإسلامه ~~فقال تعالى في ذلك كذلك: {يرفع الله الذين آمنوا منكم ms266 والذين أوتوا العلم ~~درجات والله بما PageV02P086 تعملون خبير}(1) فدل تعالى بذلك على الأفضلية مع الإيمان لأهل العلم من ~~هذه الأمة وغيرها بالكتاب والسنة، وقد تقرر وتواتر أن الأعلم بهما بعد محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو علي وعترة محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وذرية علي عليه السلام سلفا بعد خلف إلى انقطاع ~~التكليف بزوالهم من على وجه الأرض؛ والإمامة وتوابعها من التصرفات تبع ~~الأفضلية في العلم مع الإيمان، قال الله تعالى في ذلك كذلك لإبراهيم فيه ~~-صلى الله عليه وسلم- وفي ذريته: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال ~~لا ينال عهدي الظالمين}(2) فأخرج تعالى بذلك الجاهل الظالم لنفسه بجهله ~~والظالم لنفسه بغير العمل بالعلم حين عرفه وهي تجب الآية بنصها العالم ~~العامل. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فرض العالم أنه قال: ((بين ~~العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين خصر الجواد المضمر سبعين سنة))(3). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب))(4). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم ~~العلماء، ثم الشهداء))(5). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوحى الله إلى إبراهيم: يا إبراهيم، ~~إني عليم أحب كل عليم))(6). PageV02P087 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية}(1) ~~دليل أن من وعى عن الله تعالى وعلم عنه ما أراد منه من كتابه تعالى وسنة ~~رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد تقرر بالأدلة القاطعة القطعية والإجماع المعلوم أن عليا عليه السلام ~~وأولاده ذرية محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم وأعرف بكتاب ~~الله تعالى ومقاصده تعالى فيه، وبالسنة النبوية؛ فهم بدلالة الآية من وعى ~~عن الله تعالى في هذه الأمة بعد رسولها محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهم ~~ومن تبعهم بدلالتها وغيرها السواد الأعظم والفرقة الناجية، ودلت أن من لم ~~يعي عن الله من الجهلة والمتعامين من علماء السوء ms267 لا يبالي الله بهم كثروا ~~أو قلوا، أجمعوا أو افترقوا، وأن المعتبر بالواعون وإن قلوا، فإنهم السواد ~~الأعظم عند الله، وهم أهل [88أ] بيت الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعده إلى آخر التكليف لما ورد فيهم، وذلك معلوم والحمد لله. PageV02P088 # وبه قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي المعروف بالأبنوسي قال: ~~حدثنا أبو القاسم عبد العزيز بن إسحاق قال: حدثني أبو الأزهر سعيد بن مالك ~~الكاتب قال: حدثني أبي قال: حدثني الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد ~~بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: لما ~~كان يوم الجمل توافقنا فما لبث أهل البصرة أن انهزموا فقال أمير المؤمنين ~~علي -عليه السلام: "ألا لا تتبعوا مدبرا، ولا تذففوا على جريح، ومن أغلق ~~بابه فهو آمن" قال: فلما انقضى أمر الناس دخل بيت المال فرأى فيه النزر من ~~الذهب والفضة فأنشأ يقول: # صلصلي صلصالك ... فلست من أشكالك # ثم قسمه من وقته بين الناس بالسوية، ثم رتبه وقال: أشهد لي عند الله أني ~~لم أدخر عن المسلمين شيئا. # وبه قال أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ قال: حدثنا محمد بن عمر بن العلاء ~~قال: حدثنا هدبة بن خلد عن القاسم بن الفضل عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تمرق مارقة من المسلمين ~~يقتلها أولى الطائفتين بالحق))(1). # حكاية PageV02P089 وبه قال: حكى أبو الحسن علي بن مهدي قال: قال ابن الأنباري في قول علي ~~عليه السلام للزبير يوم الجمل: بايعتني ثم جئت محاربا فما عدا مما بدا؛ ~~فهذه كلمة فصيحة ما سبق عليا عليه السلام إليه ا أحد؛ قال: ومعنى قوله: ~~ما عدا: ما منع مما ظهر لنا من بيعتك، يقول: عداني عنك كذا أي: منعني عنك؛ ~~قال: وأنشدنا لبعضهم: # عداني أن أزورك إن بهمي ... عجايا كلها إلا قليلا # قال: والعجايا واحدها عجي على مثال فعيل وهو الفصيل تموت أمه فيرضعه ms268 ~~صاحبه من لبن غير أمه. # وبه قال أخبرنا محمد بن عمر بن محمد الدينوري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن ~~محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني علي بن أحمد بن سليمان قال: حدثنا الحارث ~~بن مسكين قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد ~~الله بن الأشج عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن أبي رافع أن الحرورية لما ~~خرجت وهم مع علي عليه السلام قالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي -عليه ~~السلام: كلمة حق أريد بها باطل. # وبه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسني قال: حدثنا الناصر للحق ~~الحسن بن علي -رضوان الله عليه- قال: حدثنا محمد بن منصور عن عباد بن يعقوب ~~عن عمرو بن ثابت عن أبي سهل عن الشعبي قال: قال علي عليه السلام يوم ~~الجمل: أما ما كثروا عليكم في العسكر من عبد أو أمة أو سبي فهو لكم، وأما ~~ما كان في البيوت فهو لعيالهم إنهم ولدوا على الفطرة. PageV02P090 # وبه قال حدثنا محمد بن عمر الدينوري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن ~~إسحاق السني قال: حدثنا محمد بن علي بن بحر قال: حدثنا أبو أمية قال: حدثنا ~~عاصم بن علي بن عاصم قال: حدثنا أبو معشر قال: حدثنا أبو حازم عن سهل بن ~~سعد قال: جرى بين علي وفاطمة -عليهما السلام- كلام فخرج علي عليه السلام ~~فألقى نفسه على التراب، [88ب] فسألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقالت: كان بيني وبينه شيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فوجده نائما على التراب فأيقظه وجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: ((إنما أنت ~~أبا تراب))(1) قال سهل: فكنا نمدحه بهذا فإذا ناس يعيبونه به، قال السيد ~~-رضي الله عنه: سمعت كاف الكفاة أبا القاسم إسماعيل بن عباد -نفعه الله ~~بصالح أعماله- غير مرة إذا جرى ذكر ما في هذا الخبر ينشد للسوس الشاعر ~~ويترحم عليه ويقول: لم يخرج هذا الكلام إلا عن قلب مخلص ms269 في موالاة أمير ~~المؤمنين عليه السلام والبيت: # إنا وجميع من فوق التراب ... فداء تراب نعل أبي تراب # والقصيدة طويلة وهذا أولها. PageV02P091 # وبه قال حدثنا محمد بن عمر بن محمد الدينوري قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن ~~محمد بن إسحاق السني قال: حدثنا سهل بن معاذ قال: حدثنا أحمد بن يحيى ~~الصوفي قال: حدثنا علي بن عبد الحميد وضرار بن صرد قالا: حدثنا عابد بن ~~حبيب قال: حدثنا بكر بن ربيعة عن يزيد بن قيس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد ~~الله قال: أمر علي عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قال ~~السيد أبو طالب الحسني -رضي الله عنه- هذا حديث مستحسن؛ لأن عبد الله بن ~~مسعود توفي وقد حدث بأمر هؤلاء القوم قبل وقوعه بمدة وقبل حدوث هذه ~~الحوادث. # حكاية # وبه قال روى أصحاب الأخبار عن الحارث بن حوط قال: أتيت عليا عليه السلام ~~حين ورد البصرة فقلت: إني أعتزلك كما اعتزل سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، ~~فقال: إن سعدا وعبد الله لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل، ثم أنشد متمثلا: # وا ثكلها قد ثكلته أروعا ... أبيض يحمي السرب أن يفزعا # قال السيد أبو طالب -رحمه الله: أراد به عليه السلام أن اختيارهما ما ~~اختاراه مصيبة، وإصابتهما كمصيبة الثكلى التي فقدت من صفته ما ذكر في البيت. PageV02P092 # وبه قال أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن ~~يحيى الحسيني قال: حدثني جدي يحيى بن الحسين العقيقي قال: حدثنا بكر بن عبد ~~الوهاب قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي عن يحيى ~~بن سعد عن ثعلبة بن أبي مالك قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله في ~~المواطن كلها فإذا كان عند القتال أخذها علي -عليه السلام. # وبه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسني قال: أخبرنا الناصر للحق ~~الحسن بن علي -رضي الله عنه- قال: حدثنا محمد بن منصور عن عبيد بن أبي ~~هارون قال: حدثنا أبو يزيد عن ms270 إسماعيل بن مسلم عن أبي معاذ البصري قال: لما ~~فتح علي بن أبي طالب عليه السلام البصرة صلى بالناس الظهر ثم التفت إليهم ~~فقال: سلو، فقام إليه رجل فقال: أما والله ما قسمت بيننا بالسوية؛ إذ تقسم ~~بيننا ما حوى عسكرهم، وتدع أبناءهم ونساءهم. فقال علي -عليه السلام: إن كنت ~~كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف -يعني الحجاج- ثم قال -عليه ~~السلام: ويحك إنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير وقد اجتمع أبوه على رشده وولد ~~على الفطرة، ولكننا نربيه من الغي ونتأنى به الكبر فإن عدا علينا أخذناه ~~بذنبه، وإن لم يعد علينا لم نأخذه بذنب غيره، ويحك أما علمت أن دار الحرب ~~يحل ما فيها وأن دار الهجرة يحرم ما فيها[89أ]. PageV02P093 # وبه قال أخبرنا أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد ~~قال: حدثنا محمد بن حماد البغدادي قال: حدثنا القاسم الهمداني قال: حدثنا ~~علي بن الهيثم بن عدي عن مجالد عن الشعبي قال: قال أمير المؤمنين -عليه ~~السلام: إني لأستحي من الله أن يكون ذنب إلي أعظم من عفوي، أو جهل أعظم من ~~حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلة لا يشهدها جودي. # وبه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بندار قال: حدثنا الحسن بن سفيان ~~قال: حدثنا الحسن بن سهل قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا ابن أبي الزناد ~~قال: حدثنا زيد بن أسلم عن أبي سنان يزيد بن أمية قال: مرض علي عليه ~~السلام مرضا خفنا عليه، ثم إنه نقه، فقلنا: الحمد لله الذي عافاك يا أمير ~~المؤمنين قد كنا خفنا عليك من مرضك هذا، قال: لكني لم أخف على نفسي، حدثني ~~الصادق المصدوق قال: ((لا تموت حتى يضرب هذا منك {يعني رأسه) وتخضب هذه دما ~~{يعني لحيته) ويقتلك أشقاها كما عقر ناقة الله شقي بني فلان -نسبه إلى فخذ ~~الدنيا دون ثمود))(1). # وبه قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بندار قال: حدثنا الحسن بن سنان ~~قال: ms271 حدثنا القاسم بن حليفة قال: حدثنا علي بن وازع عن أسباط بن نصر عن عبد ~~الله بن أبي يحيى عن أبيه قال: قال علي -عليه السلام: والله ما كذبت ولا ~~كذبت ولا نسيت ما عهد إلي، وإني لعلى بينة من ربي بينها لنبيه عليه السلام ~~فبينها لي، وإني لعلى الطريق الواضح ألقطه لقطا. PageV02P094 # وفي الحسن والحسين وفي فضلهما وعصمتهما وإمامتهما # بالإسناد إلى أبي طالب قال: أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا أبو محمد ~~الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن العقيقي قال: حدثنا جدي قال: حدثنا الحسن ~~بن محمد الكوفي قال: حدثنا يحيى بن عبد المجيد الجماني قال: حدثنا قيس بن ~~الربيع عن محمد بن رستم عن زادان عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين من أحبهما أحببته، ومن أبغضهما أبغضته، ~~ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة جنة النعيم، ومن أبغضهما ~~وبغى عليهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم ~~خالدا فيها وله عذاب مقيم))(1). # وبه قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد الأسدي القاضي ببغداد قال: ~~حدثنا علي بن الحسن بن العبد قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث قال: ~~حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني عاصم بن عبيد الله بن أبي ~~رافع عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في أذن ~~الحسن حين ولدته أمه فاطمة -عليها السلام- بالصلاة. PageV02P095 # وبه قال أخبرنا محمد بن بندار قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا علي بن ~~الحسن بن سليمان قال: حدثني يحيى الرملي قال: حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي ~~الجعد عن علي عليه السلام قال: كنت رجلا أحب الحرب، فلما ولد الحسن عليه ~~السلام هممت أن أسميه حربا فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~الحسن، فلما ولد الحسين عليه السلام هممت أن أسميه حربا فسماه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم الحسين، وقال: إني سميتهما باسم ms272 ولدي هارون شبرا ~~وشبيرا))(1). # وبه قال [89ب] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد القاضي ببغداد قال: ~~حدثنا علي بن الحسن بن العبد قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن المنهال بن العمر عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوذ الحسن والحسين ~~-عليهما السلام- : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وعين ~~لامة، ثم يقول: كان أبوكم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق -عليهما السلام))(2). PageV02P096 # وبه إلى السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الحسني قال: حدثنا أبو محمد ~~عبد الله بن محمد بن إبراهيم قال: حدثنا عمر بن محمد القاضي أبو الحسن ~~الشيباني سنة سبع وعشرين وثلاثمائة قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ~~قال: حدثني أبي قال: حدثنا بليد بن سليمان أبو إدريس المحارثي عن أبي ~~الجحاف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال: ((أنا حرب لمن حاربهم ~~وسلم لمن سالمهم))(1). PageV02P097 # وبهذا الإسناد مما يدل على إمامة أهل البيت ذرية محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعترته سلفا بعد خلف إلى يوم القيامة وفضيلتهم ووجوب ~~اتباعهم، وتقديمهم في كل أمر شريف، وفضيلة كل إمام منهم يظهر للإمامة ~~بالدعوة وخرج على إمام جائر مخالف للكتاب والسنة سواء كان الجائر من الصنف ~~الظالم لنفسه من أهل بيت النبوة أو غيرهم ممن تسمى بها من أقصى الأمة ~~وأدناها مع أن التسمي بها لأحد من هذه الأمة وهو من غير أولاد الرسول محمد ~~وعترته ظلم وجور يوجب الخروج عليه مع القدرة والإمكان ولو عدل في غيرها ~~وذلك معلوم، وفضل زيارة قبورهم وأجر من زارهم، وفضل زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأنها ندب لذلك، وفضل الصلاة عليه وعلى آله ووجوبها ~~في الصلاة الواجبة وفي خطبة صلاة الجمعة وعند التهمة بالرفض وندبها في غير ~~ذلك، وأجر ms273 من فعلها، وفضل السلام عليه -صلى الله عليه- كما ذكر صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكلما ذكر من ذلك في ذريته -صلى الله عليه وعليهم- وعترته ~~من اقترانهم به -صلى الله عليه وعليهم- في ذلك دال على فضيلتهم ومزيتهم ~~وعصمت جماعتهم وأن إجماعهم حجة ودال على إمامتهم صغرى وكبرى، وجوب تقديمهم ~~وتعظيمهم واتباعهم عالمهم سابق ومقتصد مجتهدين، وندب الترحم على أبيهم محمد ~~رسول الله وعليهم، وندب السلام على أبيهم رسول الله وعليهم، وفي فضيلة ~~فاطمة وأسمائها وصفة نكاحها، وأنها يؤذي أباها النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما يؤذيها، PageV02P098 ويريبه ما يريبها، وفي إمامة علي -عليه السلام. # فبهذا الإسناد إلى السيد أبي طالب -رحمه الله- قال: أخبرنا أبو عبد الله ~~أحمد بن محمد البغدادي قال: أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق الزيدي قال: حدثني ~~عمرو بن خالد بن يزيد المقري قال: حدثني محمد بن خلف الحداد المقري قال: ~~حدثنا أرطأة بن حميد قال: حدثنا الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ~~بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن محمد بن موسى عن زيد بن علي عن أبيه ~~[90أ] عن جده عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أقرب الناس مني موقفا يوم القيامة بعد حمزة وجعفر رجل منا أهل ~~البيت خرج بسيفه فقاتل إماما جائرا فقتل))(1). # وبه قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن حمزة الحسيني -رحمه الله- قال: حدثنا ~~أحمد بن عبد الله البرقي قال: حدثنا جدي أحمد بن محمد عن أبيه قال: حدثني ~~الحسين بن زيد بن علي عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((من زار قبرا من قبورنا أهل البيت ثم مات من ~~عامه الذي زار فيه وكل الله بقبره سبعين ملكا يسبحون له إلى يوم ~~القيامة))(2). PageV02P099 # وبه قال أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني -رحمه الله- قال: أخبرنا ~~علي بن الحسين بن الحارث الهمداني الكوفي قال: حدثنا جعفر بن أحمد الأودي ~~قال: حدثنا حسن بن ms274 عبد الواحد عن علي بن عبد الرحمن عن محمد بن الحسين بن ~~علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي عليهم السلام قال: زارنا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فعملنا له حريرة، وأهدت إلينا أم أيمن قعبا من ~~لبن وزبدا، وصفحة من تمر، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلنا ~~معه، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح رأسه ووجهه ولحيته ~~بيده ثم استقبل القبلة فدعا الله جل ذكره ما شاء ثم أكب إلى الأرض بدموع ~~غزيرة مثل المطر ثم أكب إلى الأرض -ففعل ذلك ثلاث مرات- فهبنا أن نسأله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فوثب الحسين عليه السلام فكب على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وبكى، فضمه إليه وقال له: بأبي أنت وأمي وما ~~يبكيك؟ فقال: يا أبت إني رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله، فقال: يا بني إني ~~سررت بكم اليوم سرورا لم أسر بكم قبله، وإن حبيبي جبريل أتاني فأخبرني ~~بأنكم قتلى، وأن مصارعكم شتى فحزنني ذلك فدعوت الله لكم، فقال الحسين -عليه ~~السلام: يا رسول الله من يزورنا على تشتتنا وتباعد قبورنا؟ فقال رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: طائفة من أمتي يريدون بذلك بري وصلتي، إذا كان ~~يوم القيامة بالموقف أنعتهم فأخذت بأعضادهم فأنحيهم من أهوالها ~~وشدائدها))(1) PageV02P100 . # وبه قال حدثنا عبد الله بن محمد بن إبراهيم القاضي ببغداد قال: حدثنا عمر ~~بن حسن القاضي قال: حدثنا الحسن بن سلام قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا ~~فضيل بن مرزوق قال: أخبرني عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: حدثتني أم ~~سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة -عليها السلام: ~~((ائتيني بزوجك وابنيك. قال: فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فتكيا ثم قال: ~~اللهم إن هؤلاء آل محمد، اللهم فاجعل شرائف صلواتك وبركاتك على محمد وعلى ~~آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. قالت أم ~~سلمة: فرفعت الكساء لأدخل فدفعني وقال: ms275 إنك على خير))(1). # وبه قال أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني -رحمه الله- قال: ~~أخبرنا أبو زيد عيسى بن محمد العلوي -رحمه الله- قال: حدثنا محمد بن منصور ~~قال: حدثنا القاسم بن إبراهيم عليه السلام قال: حدثني أبي قال: بايعنا ~~الحسين الفخي عليه السلام على أنه هو الإمام قال: وغصبته جراحه والدم لا ~~يرقأ فقلنا له: أنت [90ب] في هذه الحال لو نجيت فقال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليبغض العبد يستأمن إلا من جراحة مثخنة ~~-يعني قاتله))(2). PageV02P101 # وبه قال حدثنا أبو علي أحمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثنا أبو محمد عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا مفضل بن صالح عن ~~أبي إسحاق عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيها ~~الناس من عرفني فأنا من قد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك))(1). # وعن أبي الهيثم بن تيهان أنه قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي سفينة، من ركبها نجا ومن تخلف عنها ~~غرق -أو قال: في النار هوى))(2). # وعن سهل بن حنيف أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ((علي باب حطة من دخلها كان آمنا))(3). # وعن أبي بريدة الأسلمي أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يقول: ((علي أخي وابن عمي، ووارث علمي، وحامل رايتي يوم ~~القيامة، والخليفة من بعدي، المؤمن من تابعه، والكافر من خالفه))(4). # وعن خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((ألا إن الله ربكم، ومحمد نبيكم، والإسلام ~~دينكم، والقرآن إمامكم، وعلي هاديكم؛ فوالى الله من والاه، وعادى من ~~عاداه))(5). PageV02P102 # وعن أبي أيوب الأنصاري أنه ms276 قال: يا أبا بكر، ألست تذكر هذه الآية يوم ~~أنزلت: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}(1) فقمت أنت وصاحبك فقبلتما ~~بين كتفيه وقلتما: أصبحت والله مولانا ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فقال: بلى قد ~~كان ذلك، قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ~~يقول: ((علي عين الله في خلقه، وولايته الصراط المستقيم، والحجة على الأمة ~~بعدي))(2). # وعن جابر بن عبد الله قال: جاء علي عليه السلام إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم أحد فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اذهب. فقال: لا والله لا أذهب وأدعك، قال: فقال جبريل: هذه والله ~~المواساة يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريل إنه ~~مني وأنا منه، فقال جبريل -صلى الله عليه: وأنا منكما))(3). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من آذى عليا فقد آذاني))(4). PageV02P103 # وروي أنها لما نزلت سورة براءة أمر رسول الله [صلى] الله عليه وآله وسلم- ~~بعشر آيات، وروي ثلاثين، وروي أربعين، وروي ثلاث عشرة من أول السورة إلى ~~قريش أبا بكر فأتاه جبريل صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنه لا يبلغها ~~إلا أنت أو من هو منك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي بكر ~~فرد، وبلغها أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى قريش وقرأها عليهم، ولما ~~رجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا رسول الله ~~أشيء نزل من السماء؟ قال: نعم، فتيسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي، ~~فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم، وقام علي عليه ~~السلام يوم النحر عند جمرة العقبة [91أ] فقال: يا أيها الناس إني رسول ~~رسول الله إليكم، فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية، وعن ~~مجاهد ثلاث عشرة، ثم قال أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت هذا العام مشرك، ولا ~~يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن نتم إلى كل ذي ~~عهد ms277 عهده؛ فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ~~ظهورنا، وأنا ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن الرماح وضرب السيوف. PageV02P104 # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في يوم خيبر: ((لأعطين ~~الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ثم دعا بعلي عليه ~~السلام وهو أرمد فتفل في عينيه فبرئ وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه ~~ودعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم انصره وانصر به ~~فإنه عبدك وأخو رسولك، اللهم أدر الحق معه ما دار))(1). # وعن المقداد بن الأسود أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، ~~الفائز من تولاه، والكافر من عاداه))(2). # وعن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: يا أبا بكر ألست تشهد بأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم كنا بين يديه فأقبل عليك بوجه فقال: ((يا أبا بكر ~~من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ~~ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أبغض الله كان حقيقا على الله أن يكبه على ~~منخريه في نار جهنم))(3) فقال: بلى أشهد بذلك، ثم قال: يا معاشر المسلمين ~~أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((أنا حرب لمن ~~حارب عليا وسلم لمن سالم عليا))(4). # وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بطائر مشوي ~~فقال: ((اللهم ائتني بأحب الخلق إليك، فكان ذلك علي بن أبي طالب))(5). PageV02P105 # وعن خالد بن سعيد أنه قال: أيها الناس فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ((علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، وهو أحق ~~بالأمر بعدي))(1). # وعن أبي ذر الغفاري أنه قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: ((علي أخي وابن عمي وأبو سبطي والحجة من ms278 بعدي))(2). # وعن سلمان الفارسي أنه قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يقول: ((علي إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وهو الأمير ~~من بعدي))(3). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الجنة تشتاق إلى علي وعمار ~~وسلمان))(4). # وعن ابن عباس أنه مر بناس يتناقلون عن علي عليه السلام فوقف فقال: أيكم ~~سب الله؟ قالوا: ما منا أحد سب الله، قال: فأيكم سب رسول الله؟ قالوا: ولا ~~كان هذا، قال: فأيكم الساب عليا؟ قالوا: فقد كان ذلك، قال: فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد ~~سب الله، ومن سب الله فهو في النار))(5). # وعن علي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ((لو أن عابدا عبد الله سبعة آلاف سنة وهو عمر الدنيا ثم أتى الله عز ~~وجل ببغض علي بن أبي طالب جاحدا لحقه، ناكثا لولايته لأتعس خده وجدع ~~أنفه))(6). PageV02P106 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم [91ب] أنه لما خر كوكب من السماء قال: ~~((انظروا إلى هذا الكوكب، فأيكم وقع في داره فهو الخليفة من بعدي))(1) قال: ~~فوجدوه قد وقع في دار علي بن أبي طالب، فقال جماعة: لقد غوى محمد في حب ابن ~~عمه، فنزل قوله تعالى: {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى* وما ينطق ~~عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}(2). # وعن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ألا أخبركم ~~بمن إذا اتبعتموه لم تهلكوا ولم تضلوا؟ قالوا: بلى. قال: علي بن أبي طالب ~~-قال: وعلي عليه السلام إلى جانبه- فآزروه وناصحوه وصدقوه، قال جبريل عليه ~~السلام أمرني بالذي قلت لكم))(3). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا أم سلمة وصيي من بعدي ، ~~خاصف النعل وغاسل ثوبي، ومن أنا منه وهو مني علي بن أبي طالب، من أطاعه فقد ~~أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن ms279 عصاه فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى ~~الله، ومن عصى الله فقد تبوأ مقعده من النار))(4). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أشد عذابا يوم القيامة: عاقر ناقة ~~ثمود، وقاتلك يا علي))(5). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((يا علي أنت محنة لأهل الأرض، ~~من أطاعك واتبعك امتحن الله قلبه للإيمان إلى يوم القيامة، ومن أبغضك وعصاك ~~امتحن الله قلبه بالشك والنفاق إلى يوم القيامة))(6). PageV02P107 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لو أن العياض أقلام، والبحر ~~مداد، والجن حساب، والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب))(1). # وفي أنوار اليقين في فضائل فاطمة عليها السلام # عن جعفر الصادق عليه السلام لفاطمة -عليها السلام- ثمانية أسماء: ~~الصديقة، والزهراء، والطاهرة، والزكية، والرضية، والمرضية، والبتول، ~~وفاطمة. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أن جبريل -صلى الله عليه- نزل وقال: إن ~~العلي الأعلى يقريك السلام ويعرفك أنه أمر راحيل أن يخطب -وهو أفصح ملك في ~~السماء- وجعلني قابلا للنكاح لعلي بن أبي طالب، وكان الله تعالى وليها، ~~وأحضر حملة العرش للشهادة، وأمر رضوان أن ينثر من شجرة طوبى زمردا ولؤلؤا ~~وزبرجدا، فالتقط الحور العين، وأمرك أن تزوجها منه))(2). PageV02P108 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لما أسرى بي جبريل إلى السماء ~~وأدخلني الجنة فرأيت على بابها شجرة يقال لها طوبى حملها أصغر من الرمان، ~~وأكبر من التفاح، وأحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأعذب ~~من الشهد، ليس لها عجم، فناولني جبريل واحدة منها فأكلتها، فإذا عند أصل ~~الشجرة عين يقال لها السلسبيل أبيض من اللبن، وأضوأ من الشمس، فسقاني جبريل ~~من ذلك الماء فشربت، فلما نزلت إلى الأرض اشتهيت خديجة فواقعتها، فحملت ~~بفاطمة فهي حورية إنسية ليس يخرج منها ما يخرج من النساء عند الحيض، وإذا ~~اشتهيت رائحة الجنة قبلتها وشممت منها رائحة الجنة))(1). # وعن أسماء بنت عميس قالت: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقد صلى العصر وأمير المؤمنين علي ms280 عليه السلام لم يصل، ~~[92أ] فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك فأخبره أمير ~~المؤمنين بأنه لم يصل العصر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((اللهم اردد شرقها فإنه أحبس بنفسه على نبيك. قالت أسماء بنت عميس: فطلعت ~~حتى رأيتها على الجدران، حتى صلى أمير المؤمنين العصر، ثم غابت بعد ~~ذلك))(2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت ~~الحجب: يا أهل الجمع غضوا أبصاركم ونكسوا رؤوسكم، هذه فاطمة ابنة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم تريد أن تمر على الصراط))(3). PageV02P109 # وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كأني انظر إلى ~~ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور على يمينها سبعة آلاف ~~ملك، وعن يسارها سبعة آلاف ملك، وبين يديها كذلك، وخلفها كذلك، تقود مؤمنات ~~أمتي إلى الجنة))(1). انتهى كلام أنوار اليقين. # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله يغضب لغضبك يا فاطمة))(2). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((فاطمة بضعة، مني يريبني ما ~~يريبها، ويؤذيني ما يؤذيها))(3). # وفي فضل أهل البيت ذرية محمد رسول الله وعترته صلى الله عليه وعليهم # عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ~~إلا سببي ونسبي))(4). # وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((جاءني ملك من الملائكة ولم يهبط إلى الأرض قبل ليلتي هذه فاستأذن ربه عز ~~وجل أن يسلم علي، فبشرني أو فأخبرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ~~وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة))(5). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أهل بيتي كالكهف لأصحاب ~~الكهف، وهم باب السلم، فادخلوا في السلم كافة، وهم باب حطة، من دخله غفر ~~له))(6). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع ~~نجم))(7). # ومن فضائل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفضل زيارة قبره PageV02P110 بالإسناد ms281 إلى السيد الإمام أبي طالب ثم بإسناده قال: أخبرنا أبوا أحمد عبد ~~الله بن عدي الحافظ قال: حدثنا محمد بن محمد بن الأشعث في سنة خمس ~~وثلاثمائة قال: حدثني موسى بن إسماعيل بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إلي في حياتي، فإن لم تستطيعوا ~~فابعثوا إلي بالسلام فإنه يبلغني))(1). # وفي فضائله صلى الله عليه وآله وسلم وفضل أهل بيته عترته وذريته إلى ~~آخر التكليف سلفا بعد خلف، وفضل الصلاة والسلام عليه وعلى أهل بيته، وفضل ~~من فعل ذلك، ووجوب ذلك كما تقدم في الصلاة الواجبة وعند التهمة بالرفض وفي ~~خطبة الجمعة؛ فذلك دال من حيث أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرنهم بنفسه ~~على إمامتهم بعده وأن لهم في جميع الأحوال حكمه إلا في النبوة أو لفرق دليل ~~قاطع قطعي، وهذا معلوم ويأتي بلفظ الآل فقط في الصلاة وفي خطبة الجمعة بلفظ ~~الآل أو بلفظ أهل بيته وجوبا وأن الجهر بالصلاة عليه وعلى آله -صلى الله ~~عليه- [92ب] يذهب بالنفاق، ويقبل الدعاء بشرط الصلاة عليه صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبشرط الصلاة على أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ففي ذلك ~~كله بالإسناد إلى أبي طالب عليه السلام ثم بإسناده قال: أخبرنا أبي رحمه ~~الله قال: أخبرنا أبو القاسم حمزة بن القاسم العلوي العباسي قال: حدثنا علي ~~بن عبد الله قال: حدثنا أحمد PageV02P111 بن محمد البرقي عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن سنان عن جعفر ~~بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ((ارفعوا أصواتكم بالصلاة علي وعلى أهل بيتي فإنها تذهب بالنفاق))(1). # وبه قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن وأبي حاتم ~~قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي قال: حدثنا أبو داود المنقري قال: ~~حدثنا ms282 سفيان بن سعيد الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ذكرت عنده فلم يصل علي ~~خطئ طريق الجنة))(2). PageV02P112 # وبه قال أخبرنا محمد بن بندار قال: حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا يعقوب ~~بن سفيان قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا ابن الهاد عن عمرو بن أبي عمر عن ~~عبد الرحمن بن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن عبد الرحمن بن عوف قال: دخلت ~~المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جائيا من المسجد فاتبعته ~~أمشي وراءه وهو لا يشعر بي حتى دخل نخيلا، فاستقبل القبلة فسجد فأطال ~~السجود وأنا وراءه حتى ظننت أن الله قد توفاه، فأقبلت أمشي حتى جئته، ~~فطأطأت رأسي أنظر في وجهه، فرفع رأسه فقال: ((مالك يا عبد الرحمن؟ فقلت: ~~لما أطلت يا رسول الله خشيت أن الله قد توفى نفسك، فجئت أنظر. فقال: إني ~~لما رأيتني دخلت النخيل لقيت جبريل فقال: إني أبشرك أن الله تعالى يقول: من ~~سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه))(1). # وبه قال حدثنا أبو أحمد علي بن الحسين الديناجي قال: حدثنا أبو الحسين ~~علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتا قال: حدثنا محمد بن منصور قال: حدثنا ~~أحمد بن عيسى عن حسين عن أبي خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه عن علي ~~عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من صلى علي ~~صلاة صلى الله عليه بها عشر صلوات وأثبت له بها عشر حسنات واستبق ملكاه ~~الموكلان به أيهما يبلغ روحي منه السلام))(2). PageV02P113 # وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثروا من الصلاة علي يوم ~~الجمعة فإنه يوم تضاعف فيه الأعمال، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من ~~الجنة، قيل: يا رسول الله وما الدرجة الوسيلة من الجنة؟ قال: هي أعلى درجة ~~من الجنة لا ينالها إلا نبي أرجو أن أكون أنا هو))(1). ms283 # وبه قال أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ قال: أخبرنا محمد بن ~~محمد بن الأشعث بمصر سنة خمس وثلاثمائة قال: حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى ~~بن جعفر قال: حدثني أبي إسماعيل بن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده جعفر بن ~~محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم ~~السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صلاتكم علي جواز ~~دعائكم، [93أ] ومرضاة لربكم، وزكاة لأعمالكم))(2). PageV02P114 # وبه قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد البغدادي قال: حدثنا أبو القاسم ~~عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر الزبدي قال: حدثنا علي بن محمد بن كاس النخعي ~~الكوفي وعدهن في يدي قال: حدثنا سلمان بن إبراهيم المحاربي جدي أبو أمي ~~قال: عدهن في يدي نصر بن مزاحم قال نصر بن مزاحم: عدهن في يدي إبراهيم بن ~~الزبرقان التيمي، قال إبراهيم بن الزبرقان: عدهن في يدي أبو خالد الواسطي، ~~قال أبو خالد: عدهن في يدي زيد بن علي، قال زيد بن علي: عدهن في يدي علي بن ~~الحسين، وقال علي بن الحسين: عدهن في يدي الحسين بن علي، وقال الحسين بن ~~علي: عدهن في يدي أمير المؤمنين علي عليه السلام وقال علي -عليه السلام: ~~عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((عدهن في يدي جبريل، وقال جبريل -عليه السلام: هكذا نزلت ~~بهن من عند رب العزة: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ~~ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم على محمد وعلى آل محمد ~~كما سلمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد))(1) قال أبوا خالد: عدهن ~~زيد بن علي عليه السلام بأصابع الكف مضمومة ms284 واحدة واحدة مع الإبهام. PageV02P115 # وبالإسناد إلى السيد الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين الحسني -رحمه الله- ثم ~~بإسناده قال: حدثنا القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم في بغداد ~~إملاء قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش قال: حدثنا الحسن بن ~~عرفة قال: حدثنا الوليد بن بكير عن سلام الخزاز عن أبي إسحاق السبيعي عن ~~الحارث عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((ما من دعاء إلا وبينه وبين السماء حجاب حتى يصلي على محمد النبي -صلى ~~الله عليه- وعلى آل محمد، فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدعاء، وإذا لم ~~يفعل ذلك رجع الدعاء))(1). PageV02P116 # وبه قال حدثنا محمد بن عمر بن محمد الدينوري قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد ~~بن عبد الله القاضي قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثنا محمد ~~بن طريف قال: حدثنا محمد بن فضيل عن علي بن مبشر عن عمر بن عبيد عن عروة بن ~~فيروز عن سودة قالت: كنت فيمن شهد فاطمة -عليها السلام- حين أخذها المخاض، ~~فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((كيف ترينها؟ فقلت: إنها ~~لتجهد، فقال: إذا وضعت فلا تسبقيني فيه بشيء، قالت: فوضعت غلاما فشددته ~~ولففته في خرقة صفراء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: قد ~~ولدت ولففته في خرقة صفراء، فقال: قد عصيتني، ودعا بالخرقة فألقى عنه ~~الصفراء ولفه في خرقة بيضاء وبزق في فيه بريقه، وجاء علي عليه السلام ~~فقال: بما سميته؟ فقال: يا رسول الله لو سميته جعفر. فقال: لا، بل هو حسن، ~~وحسين بعده، وأنت أبو حسن وحسين))(1). PageV02P117 # وبهذا الإسناد إلى السيد أبي طالب قال: أخبرنا أبي -رحمه الله- قال: أخبرنا ~~أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن قال: حدثني جدي يحيى بن الحسن ~~العقيقي [93ب] قال: حدثنا سعيد بن نوح قال: حدثنا مصعب القرقساني قال: ~~حدثنا الأوزاعي عن عبد الله بن شداد عن أم الفضل بنت الحارث أنها ms285 دخلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إني رأيت حلما ~~منكرا الليلة، قال: وما هو؟ قالت: إنه شديد، قال: ما هو؟ قالت: رأيت كأن ~~قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، قال رسول -صلى الله عليه وآله وسلم: خيرا ~~رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك؛ فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت به يوما على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره، ثم كانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم تهريقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت وأمي يا ~~رسول الله ما لك؟ قال: أتاني جبريل فأخبر بأن أمتي ستقتل ابني هذا، وأتاني ~~بتربة من تربته حمراء))(1). # وعن الأصبع بن نباته عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من آذاني في أهل بيتي فقد آذى الله، ومن أعان على آذاهم ~~وركن إلى أعدائهم فقد أذن لحرب من الله ورسوله ولا نصيب لهم في شفاعتي))(2) ~~قال الإمام المنصور بالله وهذا يعم جميع أعداء العترة. PageV02P118 # وروى الأصبع عن علي عليه السلام أن خليلي حدثني أن أضرب لسبع عشرة ليلة ~~من رمضان وهي الليلة التي مات فيها موسى عليه السلام وأموت لاثنين وعشرين ~~من رمضان وهي الليلة التي رفع فيها عيسى -عليه السلام. # وفي أمير المؤمنين علي عليه السلام دال على إمامته ووجوب تقديمه وأنه ~~الخليفة والحجة على جميع الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأنه وارث علمه صلى الله عليه وآله وسلم وبابه الذي يؤتى منه بعده صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأنه أعلم الأمة وأفضلها بعد نبيها محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم وتخطئة من تقدم عليه من الأمة بعد رسول الله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم. PageV02P119 # قوله [صلى الله عليه وآله وسلم] مع ما تقدم ويأتي: ((أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب))(1) وكان كل الصحابة ms286 محتاجا إلى علمه ~~عليه السلام ولم يكن محتاجا إلى علم أحد منهم، ومما يؤيد ذلك ويدل عليه ~~حكاية الحاكم -رحمه الله- عن علي عليه السلام في كتاب {تنبيه الغافلين) ~~أنه قال: "لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة ~~بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل ~~الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بر ولا بحر ولا سماء ولا أرض ~~ولا سهل ولا جبل ولا ليل ولا نهار إلا وأنا أعلم متى نزلت وفي أي وقت نزلت، ~~وما من رجل من قريش جرت المواسي عليه إلا وأنا أعلم أية آية نزلت فيه تسوقه ~~إلى جنة أو نار" وهو عليه السلام أكثر الناس صبرا بعد الأنبياء عليهم ~~السلام على البلوى في الحروب وغيرها، وكذلك أهل البيت عليهم السلام من ~~صبرهم على أذية الخلق والاستخفاف من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ومن آثر ~~الدنيا على الآخرة بحقهم الذي هو تفضيلهم المعلوم بضرورة الدين على غيرهم ~~[94أ] إلا الأنبياء والملائكة عليهم السلام فهم أفضل منهم ولا يوجد ذلك ~~الصبر في غيرهم من أمته صلى الله عليه وآله وسلم غيرهم إلا نادرا على ترك ~~حقه المعلوم، بل نجد كثيرا من إذا ترك حقه المعلوم عمدا خرج من الإيمان أو ~~كاد، ولا نجد في أهل البيت عليهم السلام ذلك إلا نادرا PageV02P120 فيمن شذ منهم بل قال علي -عليه السلام: "أما السب فسبوني فإنه لي تطهرة عند ~~الله، وأما البراءة فلا تبرؤا مني"، وقال الحسن أو الحسين -عليهما السلام: ~~"لو أن رجلا سبني في أذن واعتذر في الأخرى لعذرته"، ولم يروى عن الحسن بن ~~علي ولا الحسين -عليهما السلام- كلمة فحش مع ما لاقيا، وكذلك هم عليهم ~~السلام خلفا بعد سلف. # وفي مدح الصبر # كذلك ما روينا بالإسناد إلى عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن علي ~~عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ثلاثة من ~~كنا فيه فقد استكمل خصال الإيمان، من الذي ms287 إذا قدر لم يبغ ما ليس له بحق، ~~ومن الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، ومن الذي إذا غضب لم يخرجه غضبه ~~من الحق))(1)، وهم أشد الناس أسوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الصبر وغيره، وهو صلى الله عليه وآله وسلم أشد الناس صبرا؛ لأنه صبر على ~~أشد الناس كفرا وعتوا ونفاقا وفسقا مع سبهم له صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعدم دخولهم في خير يقبله الله تعالى منهم بعد كفرهم، فقالوا: إنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم مع منزلته العظمى عند الله- ساحر وكذاب ومجنون وشاعر ~~وغير ذلك، وقد أخبر الله تعالى خبرا لازما، وحكم بالإمامة حكما جازما لأهل ~~الصبر على كل مصيبة لا يخرجون عن الحق واليقين بسببها أبدا، ولا يصرون على ~~معصية لأجلها، فقال تعالى في ذلك: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا وكانوا بآياتنا PageV02P121 يوقنون}(1) يعني تعالى لما صبروا على كل بلوى من خير وشر وكانوا مع ذلك ~~لأحكام آياتنا وتنزيلها يوقنون، فلا يخرجون عن الإيمان بها لأجل مصيبة ~~أبدا، فلا يصرون على ما يخالف أحكام آياتنا من المعاصي لأجل المصائب أبدا، ~~وقال تعالى في آية أخرى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(2) يعني ~~تعالى في الآخرة لا يحسب تعالى عليهم، وقد يعجل تعالى من الأجر في الدنيا ~~شيئا من الخصال الشريفة، كالإمامة لقوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين}(3) ولقوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا....الآية}(4) والزيادة في العلم لقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا ....الآية}(5) والثبات والإئتمار والابتلاء بالمصيبات، وقال ~~تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}(6) يعني تعالى الصبر على ~~الحق وعدم الخروج إلى الباطل عند الرضى والغضب، {من عزم الأمور} أي: من ~~واجباتها، وأهل البيت ذرية سيد المرسلين محمد -صلى الله عليه وعليهم- ~~وعترته هم أحق الناس بعده -صلى الله عليه وعليهم- وبعد الأنبياء عليهم ~~السلام بهذا الصبر المذكور كله، ms288 وأولى الناس بعد الأنبياء به،[94ب] فهم ~~بما جعله الله تعالى لأجله من الإمامة والتفضيل والتقدمة على من خلا ~~الأنبياء والملائكة عليهم السلام أحق وأولى، وذلك الصبر موجود محسوس فيهم إلى PageV02P122 زماننا وبعدنا إلى زوال التكليف بزوالهم من على وجه الأرض، فلله الحمد على ~~أن جعلنا منهم، وخصنا بشيء مما خصهم به من الابتلاء، ونسأله أن يرزقنا ما ~~رزقهم من الصبر والشكر والاستقامة، ومن شك في مقالتنا هذه فلينظر في الكتاب ~~والسنة، وسير الأنبياء والأئمة والصالحين من أهل بيت النبوة على أبيهم محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطاهر المطهر وإخوانه النبيين ~~والملائكة المقربين من الله أفضل الصلاة والتسليم. # فصل # في حكم من قال بتقديم نفسه أو غيره على أهل البيت عترة رسول الله محمد ~~وذريته -صلى الله عليه وعليهم- سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم من ~~على وجه الأرض من غيره من أمته صلى الله عليه وآله وسلم في الإمامة، ~~وأبوهم علي أمير المؤمنين، وسيد الوصيين أعظم شأنا في الإمامة وغيرها من ~~خصال الفضل، إذ هو وصي خير المرسلين. # وحكم من قال بتقديم نفسه أو غيره عليهم، فأي خصلة شريفة ورد سؤال وأتباع، ~~أو ساوى بين نفسه أو غيره وبينهم، أو بينهم وبين غيرهم من أمة محمد أبيهم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك. PageV02P123 # قلنا فيمن قال بذلك أو اعتقده أو عزم عليه سواء فعل ذلك أم لم يفعل: لا ~~تخلو حالته من أن يكون من أهل العلم ليستحق تلك المنزلة بزعمه ومن شرط كونه ~~من أهل العلم علم القرآن والسنة النبوية وما يؤخذ منهما، فمن شرط ذلك وحقه ~~أن لا يجهل حق الرسل والأنبياء وذراريهم وأوصيائهم والمصطفين والمصطفى ~~عليهم، والمرسلين والمرسل إليهم، والأوصياء والموصى إليهم؛ لأن ذلك مصرح به ~~في الكتاب والسنة ظاهر قطعي كظهور الشمس، متواتر بين الأمة أمته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وأمم الأنبياء المتقدمين لا يجهله العوام العقلاء منهم ~~لشهرته وظهوره فضلا عن العلماء، فبطل حينئذ إذا كان من أهل ms289 العلم بهما أن ~~يكون جهل ذلك، وكيف يجهله وهو من مهمات أصول الدين، ولا يتم الإسلام ويكمل ~~إلا به فضلا عن الإيمان والاختيار، فإذا كان كذلك ولا يصح أن يتقدم في ~~الدين إلا من علم كذلك، فإذا قد علم ذلك كذلك فقد علم فضيلة رسول الله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم إذ هي معلومة ضرورة وعلم فضيلة الأنبياء -صلوات ~~الله عليهم- كذلك وفضيلة ذرية سيد الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته وإمامتهم وتقديمهم في كل خصلة شريفة والرد إليهم والاتباع لهم ~~ومودتهم ومحبتهم، وقبح الاستئثار عليهم ليصح أن يكون من أهل العلم أو ليس ~~لا يصح أن يكون عالما من جهل صرائح القرآن والسنة، بل لا يسمى عالما حتى ~~يعرفهما بجميع منازلهما وأحكامهما. PageV02P124 # فإذا قال: أنه قد علم ذلك ليخرج عن الجهل الذي هو كفر أو مذموم. # قلنا له: الآن قد علمت قطعا أن حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في صريح الكتاب والسنة عليك بتفضيل رسول الله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم [95أ] وذريته وأهل بيته وعترته ووصيه علي عليه السلام ~~وتقديمهم، واتباعهم، والتعلم منهم، والرد إليهم، وإيثارهم بالإمامة الكبرى ~~والصغرى بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد علمت فضيلتهم ~~عليك وعلى غيرك من الناس بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وبعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتقديمهم عليك وجوبا وعلى غيرك من ~~أمثالك، وإيثارهم بالإمامة الكبرى والصغرى، ووجوب اتباعهم، وهم أجمعوا أنها ~~هذه الخصال فيهم ولهم مهما بقوا، وقد شهد الله ورسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم لهم بالبقاء حجة على غيرهم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~سلفا بعد خلف إلى يوم القيامة، من ذلك آية التطهير، وآية المودة، وحديث ~~السفينة، وإني تارك فيكم، وأحاديث الوصاية، أو ليس ما ذلك في الكتاب والسنة ~~من أنكره كفر ومن قال إن المعني به غيرهم أو أخرجهم منه كفر؛ أليس ذلك ~~وغيره من صرائح الكتاب والسنة قد حكم ms290 الله قطعا فيهما عليك بمقتضاه، وكلفك ~~تعالى إياه والعمل به، وقد حكم تعالى فيهما قطعا بفضلهم عليك، واستحقاقهم ~~لوجوب الإمامة الكبرى، وحصرها فيهم دون غيرهم من أمة محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله PageV02P125 وسلم وبوجوب تقديمهم في الإمامة الصغرى متى حضروها، والتقديم في كل خصلة ~~شريفة مع وجودهم وهم باقون خلفا بعد سلف على الحق إلى يوم القيامة بصريح ~~الكتاب والسنة، فما كلفك وحملك على أن تخالف حكم الله ورسوله لك وعليك، وهل ~~أنت حكمت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم لك وعليك في شأنهم ~~حين ادعيت لنفسك أو لغيرك من الناس غير الأنبياء التقدمة عليهم أو المساواة ~~لهم في الفضيلة، أو الإيثار لنفسك في الإمامة صغرى أو كبرى أو غيرها عليهم. PageV02P126 # إن قلت: أنك حكمت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ودعواك ~~المساواة بينك وبينهم أو الإيثار لنفسك عليهم أو لغيرها غير الأنبياء ~~عليهم السلام فيما ذكر كذبت قطعا والحال هكذا، وإن حكمت الله تعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لك وعليك تركت دعواك لنفسك المساواة لهم في الفضل ~~أو الإيثار أو لغيرك سوى الأنبياء عليهم السلام ورجعت إلى قول الله تعالى ~~بتفضيلهم ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم على غير الأنبياء من الناس، ~~وقولنا بتفضيلهم كذلك، وإن لم ترجع إلى ذلك وتقول وأنت من علماء الكتاب ~~والسنة فقد عرفت حكم الله تعالى فيهما لك وعليك وتركته خرجت عن الإيمان ~~الذي حكم الله تعالى على من لم يحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بنفيه عنه، وحكم تعالى بكفر من لم يحكم بما أنزل الله تعالى وبحكم ~~رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفي التارك لحكم الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد العلم به، يقول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما}[النساء:65] وهذه الآية الكريمة محكمة غير منسوخة بالإجماع، ويقول ~~تعالى فيمن حكم ms291 بالرأي مصادما به الكتاب والسنة أو غير راد إليهما ولو ~~وافقهما: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك [95ب] PageV02P127 هم الكافرون}[المائدة:44] فمن عرف الكتاب والسنة وجدهما فيهما حكم الله ~~تعالى صريحا وحكم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم صريحا في تفضيل أهل ~~البيت عليهم السلام ذرية رسول الله -صلى الله عليه وعليهم- وعترته سلفا ~~بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم من على وجه الأرض، ومن تفضيلهم ~~وتعظيمهم بتقديمهم وإيثارهم وجوبا في كل خصلة شريفة إمامة وغيرها وإمامة ~~صلاة وغيرها، فمن لم يقر لهم بذلك ويعتقده لهم ويعمل به مع الإمكان وجحدهم ~~ذلك فهو من الكافرين لقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[النساء:65] ~~ولقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون}[المائدة:44]. # ومن ادعى لنفسه من الأمة غيرهم مساواتهم في الفضل فقد جحد زيادتهم وإن لم ~~يكن المدعي من أمته صلى الله عليه وآله وسلم من أهل العلم بالكتاب ~~والسنة، فكيف يدعي لنفسه مساواة علماء الكتاب والسنة من ذرية سيد المرسلين ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته، فذلك أيضا أشد كفرا وأعظم جرما، ~~ولجهله ما هو أعظم من مهمات رسول الدين؛ وفي هذا كفاية لمن كان يخاف الله ~~تعالى ويستحي منه تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ~~ذريته وعترته -صلى الله عليه وعليهم وسلم. # فصل PageV02P128 في أشياء تدل بصريحها على إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام ووصايته ~~وخلافته وأنه صنو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأقرب الناس ~~إليه بعد فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وهي نصوص جلية في ذلك لا ~~يمكن تأويلها ولا ردها، ونقلتها الأمة وتواترت بينها، وبينها القرآن، ~~ووافقت نصوص القرآن في ولاية علي عليه السلام وإمامته، والرد على من أنكر ~~وصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أنكر كون علي عليه السلام ~~وصيا لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخليفة له ms292 بلا فصل، وفرق ~~بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين الأنبياء -عليه وعليهم الصلاة ~~والسلام- في ذلك، ونسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يصح عليه من ~~الإهمال المذموم لأمته صلى الله عليه وآله وسلم وهو خاتم الأنبياء، وهو ~~معصوم من كل خيانة وإهمال، أو قال بتقديم غير علي عليه السلام وهو ~~المتأخر، أو قال إن الإمامة بالشورى أو بالعقد والاختيار، فالمنكرون الوصية ~~الخوارج بعد الإقرار وغيرهم كل معروف ولا طائل تحت تعيينهم، وقد قدمنا أكثر ~~ما أردنا منها ولنذكر من المتقدم ومما لم نذكر، وذلك لأنا رأينا إشهار ~~فضيلة أمير المؤمنين علي عليه السلام وإمامته ووصايته وخلافته فرضا علينا ~~لازما فمنها: PageV02P129 # عن أنس بن مالك قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة ~~تبوك استخلف عليا عليه السلام على المدينة وما هناك، فقال المنافقون عند ~~ذلك: إن محمدا قد شنى ابن عمه علي بن أبي طالب ومله، فبلغ ذلك عليا عليه ~~السلام فشد رحله وخرج من ساعته، فهبط جبريل عليه السلام على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فخبره بقول المنافقين في علي عليه السلام [96أ] ~~وخروج علي للحاق به، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناديا، ~~فنادى بالتعريس في مكانهم، قال: ففعلوا، ثم جاءوا إليه يسألونه عن نزوله في ~~غير وقت التعريس، فأخبرهم بما أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل، ~~وأخبرهم بأن الله عز وجل أمره بأن يستخلف عليا بالمدينة، قال: فركب قوم من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليبلغوه، فما راموا مواضعهم إلا وقد ~~طلع علي عليه السلام مقبلا، قال: فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما شيا ومعه الناس، فعانقه رجل رجل ثم جلس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وحوله الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ~~-عليه السلام: ((ما أقبل بك إلينا يا ابن أبي طالب؟ قال: فقص عليه القصة من ~~قول المنافقين، فقال رسول الله ms293 -صلى الله عليه وآله وسلم: ما خلفتك إلا ~~بأمر الله، وما كان يصلح لما هناك غيري وغيرك، يا علي أما ترضى يا ابن أبي ~~طالب أن أكون استخلفتك كما استخلف موسى PageV02P130 هارون، أما والله إنك مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، قال: ~~فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم للناس، فدفع إلى علي ~~عليه السلام بقسمين، فأنكر ذلك قوم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: أيها الناس هل أحد أصدق مني، قالوا: لا يا رسول الله، قال: يا أيها ~~الناس، أما رأيتكم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة والميسرة ~~مرة، قالوا: بلى يا رسول الله، رأيناه يا رسول الله، فما ذا؟ قال: ذلك ~~جبريل عليه السلام قال لي: يا محمد إن لي سهما مما فتح الله عليك وقد ~~جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب فسلمه إليه))(1) قال أنس: فكنت فيمن بشر ~~عليا عليه السلام بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي الرواية ~~المتقدمة الراوي لهذا الحديث زيد بن علي عليه السلام من رواية علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام وهما متفقان، وفي رواية أخرى عن ابن عباس وهن ~~متفقات. # وفي حديث آخر: ((إن المدينة لا تصلح إلا بي وبك))(2). PageV02P131 # وعن مجاهد عن ابن عباس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف ~~بالكعبة إذ بدت رمانة من الكعبة فاخضر المسجد لجنس خضرتها ومد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يده فتناولها، ومضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في طوافه، فلما انقضى طوافه صلى في المقام ركعتين ثم فلق ~~الرمانة قسمين كأنها قدت، فأكل النصف وأطعم عليا عليه السلام النصف فريحت ~~أشداقهما لعذوبتها، ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~أصحابه فقال: إن هذا قطف من قطوف الجنة ولا يأكله إلا نبي أو وصي نبي، ~~ولولا ذلك لأطعمناكم))(1). PageV02P132 # وعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده ms294 أبي رافع قال: كان علي ~~عليه السلام يجهز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كان في الغار ~~يأتيه بالطعام والشراب، واستأجر ثلاث رواحل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولأبي بكر ولدليلهما وخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخرج إليه ~~أهله، فأخرجهم إليه، وأمره أن يؤدي عنه أماناته ووصايا من كان يوصي إليه ~~وما كان يؤتمن عليه، فأدى عنه أمانته كلها، وأمره أن يضطجع على فراشه [96ب] ~~ليلة خرج وقال: ((إن قريشا لن يتفقدوني ما داموا يرونك))(1) فاضطجع على ~~فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعلت قريش تطلع عليه، فإذا رأوه ~~فقالوا: هو ذا نائم، فلما أصبحوا ورأوا عليا قالوا: لو خرج محمد لخرج علي، ~~فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدومه قال: ((ادعوا لي عليا. ~~قالوا: يا رسول الله، لا يقدر أن يمشي على قدميه، فأتاه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فلما رآه اعتنقه وبكى رحمة له لما رأى ما بقدميه من الورم، ~~وإنهما يقطران دما، وتفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يده ~~فمسحها به ودعا له بالعافية فما اشتكاهما حتى استشهد -عليه السلام. PageV02P133 # ونزل في علي عليه السلام حين ذلك وفيه وبسببه قوله تعالى: {ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد}[البقرة:207] من يشري ~~نفسه: يعني تعالى من يشري نفسه يبيع نفسه، والشرى في اللغة يطلق على البيع ~~وهو ضده، ومن في قوله: {ومن الناس} للتبعيض والإبهام للتفخيم والتعظيم حيث ~~لم يعين تعالى عليا عليه السلام باسمه في الآية الكريمة، وقوله تعالى: ~~{ابتغاء مرضاة الله} أي: طلب مرضاة الله تعالى بنومه -أعني عليا عليه ~~السلام واضطجاعه على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاديا ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، ونائبا منابه وهو لا يعلم ~~بأنه ناج من المشركين؛ لأنه نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقرينه وأكثر من يغيظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms295 ما صدر معه فلا ~~يأمن علي عليه السلام في ذلك الوقت أن تغايظ قريش رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم حين لم يجدوه بقتل علي عليه السلام غياظا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولا يأمن أن يهجموا عليه من دون أن يتعرفوا من ~~هو، ولذلك مدحه الله على ذلك بإنزال الآية الكريمة فيه بقوله تعالى: {ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}(1) مع أنهم بنوا ~~أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذهم في ذلك شك حتى أصبحوا، ولم PageV02P134 يشعروا بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رأوا عليا عليه ~~السلام مسجى بثيابه صلى الله عليه وآله وسلم ومضطجعا في مكانه -عليهما ~~وآلهما الصلاة والسلام- وأجمع أهل البيت عليهم السلام ومن شايعهم من ~~علماء العامة وغير من شايعهم على أن هذه الآية -أعني قوله تعالى: {ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}- نزلت في علي ~~عليه السلام مدحا له من الله تعالى وتزكية حين اضطجع في مكان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فاديا له بنفسه -عليه السلام. # وفي ذلك روى الثعالبي في ذلك مع ما تقدم ومع الإجماع المتقدم روى ~~الثعالبي في ذلك، فأوحى الله عز وجل إلى جبريل وميكائيل -عليهما السلام: ~~((أني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه ~~بالحياة، فاختارا كلاهما الحياة، فأوحى الله عز وجل إليهما: أفلا كنتما مثل ~~علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] [97أ] فبات ~~على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة فاهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، ~~فنزلا، فكان جبريل عليه السلام عند رأسه وميكائيل عليه السلام عند ~~رجله، وجبريل يقول: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب باهى الله بك ~~الملائكة))(1)، وأنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية وهو متوجه إلى المدينة ~~في شأن علي -كرم الله وجهه في الجنة-[............. 193]. PageV02P135 # وفي الحديث المشهور عن سعد بن أبي ms296 وقاص وعبد الله بن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال: ((سدوا هذه الأبواب الشارعة إلا باب علي. فعوتب ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت ~~بابه، ولكن الله أمرني بذلك))(1) يدل ذلك على أن لعلي عليه السلام منزلا ~~معه في المسجد. # ورواية حرام بن سعيد عن معاذ بن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم دخل المسجد وفي يده عسيب رطب فقال: ((اخرجوا من المسجد لا ~~تناموا فيه، وطفق يضربهم بذلك العسيب، فأجفل الناس وأجفل معهم علي عليه ~~السلام فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: أما أنت يا علي فقد أحل ~~الله لك ما أحل لي))(2). PageV02P136 # ورواية أبي ميمون من جهة علي بن الحسين وهو ممن لا يطعن عليه أحد أنه قال: ~~سألني عيسى الهلالي فقال: أخبرني عن الأبواب؟ هل سمعت من أبيك فيها شيئا؟ ~~فقال: حدثني الحسين بن علي عن علي عليهم السلام قال: ((أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: إن موسى سأل ربه أن يطهر مسجدا لهارون ~~وذريته، وسألت ربي أن يطهر مسجدي لك ولذريتك من بعدي، ثم أرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع ثم قال: هل فعل ~~بأحد؟ قال: لا، قال: سمعا وطاعة، ثم أرسل إلى عمر أن سد بابك، فقال: هل فعل ~~هذا بأحد قبلي؟ قال: نعم، فقال: لي بأبي بكر أسوة فسد بابه، ثم أرسل إلى ~~العباس أن سد بابك فغضب غضبا شديدا ثم قال: ارجع فقل أليس عم الرجل صنو ~~أبيه، فقال: بلى، ولكن سد بابك، فلما سمعت فاطمة -عليها السلام- بسد ~~الأبواب خرجت فجلست على بابها تنظر متى يأمر بسد باب علي عليه السلام ~~فرأى فاطمة والحسن والحسين معها فقال: وخرجت فاطمة وبسطت ذراعيها مثل الأسد ~~وأخرجت ولديها، قال: وخاض الناس في سد أبوابهم وفتح باب علي عليه السلام ~~فلما سمع النبي صلى الله ms297 عليه وآله وسلم بذلك صعدا المنبر فحمد الله ~~تعالى وأثنى عليه ثم قال: ما الذي خضتم فيه؟ ما أنا بالذي سددت أبوابكم ~~وفتحت باب علي ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي -عليه السلام))(1) ودل ~~هذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الخبر: ((وسألت الله أن يطهر PageV02P137 مسجدي لك ولذريتك من بعدي))(1) أن لذرية علي عليه السلام الذين هم ذرية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته فاطمة -عليها السلام- وذرية ~~غيرها من ذرية علي عليه السلام مثلما للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وللأربعة إلى يوم القيامة في تطهير المسجد أو المساجد لهم في الدخول جنبا ~~في الرجال وجنبا وحائضا في النساء إلا أنهم مخصوصون غير الأربعة في عدم ~~الجواز بحديث أم سلمة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته ~~حتى انتهى [97ب] إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته: ((ألا إنه لا يحل هذا ~~المسجد لجنب ولا لحائض إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه ~~وعلي وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألا هل بينت لكم، ألا هل ~~بينت لكم أن لا تضلوا))(2). # وبحديث أم سلمة في رواية أخرى ولم يذكر فيه أزواجه وذكر فيه الحسن ~~والحسين عليهم السلام قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((ألا إن مسجدي حرام على كل حائض من النساء وعلى كل جنب من الرجال إلا على ~~محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين -عليهم السلام))(3). # فأما الخمسة عليهم السلام فلهم ذلك. PageV02P138 # وحديث إبراهيم بن يحيى عن جعفر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمر بسد الأبواب التي كانت في المسجد إلا باب علي بن أبي طالب عليه السلام ~~وعنه أيضا عن إسحاق عن علي بن عباد عن ابن عمر قال: أخرجنا من المسجد إلا ~~النبي وعلي بن أبي طالب -عليهما السلام. # وفي الرواية المشهورة القائمة يوم نداء جبريل عليه السلام يوم أحد ~~فقال: يا محمد من هو الذي يضرب ms298 بين يديك قدما فقد أعجب ضربه ملائكة السماء؟ ~~فقال: يا جبريل هذا علي بن أبي طالب، فعرج جبريل إلى السماء وهو يقول: لا ~~سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي))(1). # وفي رواية أخرى في غير هذا الحديث في يوم أحد وقد انهزم الخلق غير علي ~~عليه السلام يضرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدما ~~والعباس آخذ بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام ~~لا يمر بكتيبة من كتائب المشركين إلا فلها فقال جبريل -عليه السلام: يا ~~محمد من هذا؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب، فقال: يا محمد هكذا المواساة، ~~فقال: يا جبريل، هذا مني وأنا منه، فقال جبريل: أنا منكما يا محمد))(2) ~~فلذلك كان يقال جبريل هاشمي الملائكة. PageV02P139 # وفي علي عليه السلام وأهل البيت كلهم عليهم السلام قول النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((لا تصلوا علي صلاة بتراء، فقيل: يا رسول الله وما الصلاة ~~البتراء؟ فقال: أن تصلوا علي وحدي، ولكن صلوا علي وعلى أهل بيتي فقولوا: ~~اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ~~وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(1). # وحديث عبد الرزاق قال: أخبرنا يحيى الخيل عن أبي حمزة اليماني عن أبي ~~هارون العبدي عن أبي المعمر عن قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام ~~قال: كان علي عليه السلام لا ينام ليله حتى يأكل حريرة أو رمانة، وأمسى ~~ذات يوم فطلب في المنزل فلم يقدر على شيء فأرسل إلي فقال: يا قنبر اكسر، ~~فكسرة واحدة فوجدها مرة فقلت: هذه مرة، قال: فألقها في النار، ثم كسرت ~~الثانية فقلت: هذه حلوة طيبة فأكل وأطعمني، وكان لا يأكل حتى يأكل جليسه، ~~فأكلت وأطعمته فقلت له: لقد سمعت منك كلاما ما سمعته منك قط، قال: وما ذلك ~~يا قنبر؟ قال: قلت لي: ألقها في النار، قال: نعم، إن الله ألقى ولايتنا على ~~الشجر فما كان منه حلوا طيبا ms299 فهو مما قبل ولايتنا وكل ما كان منه متغيرا ~~فهو مما أنكر ولايتنا يا قنبر، ولكن أكرموا النخلة فإنها أول شيء قبل ~~ولايتنا [98أ] يا قنبر، وهي أول شجرة نبتت على الأرض وهي عمتكم، قلت: فكيف ~~تكون عمتنا؟ قال: إن الله لما خلق آدم عليه السلام فضل من التراب فضلة ~~خلق منها النخلة PageV02P140 فهي عمتكم سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمة بني آدم. # وحديث عبد الرزاق عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان عن عدي بن ثابت عن ~~البراء بن عازب قال: لما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم ~~فلبث له بين نخلتين قال: ثم قام فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ~~ما شاء الله أن يذكر ثم دعا بعلي عليه السلام وأخذ بعضده ثم قال: ألست ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بهم من آبائهم؟ ~~قالوا: بلى. قال: ألست أولى بهم من أمهاتهم؟ قالوا: بلى. قال: ألست أولى ~~بهم من إخوانهم؟ قالوا: بلى. قال: فهذا وليكم من بعدي، اللهم والي من والاه ~~وعادي من عاداه، فقال عمر بن الخطاب: ليهنك يا ابن أبي طالب أصبحت أو قال ~~أمسيت ولي كل مسلم))(1). PageV02P141 # وحديث عبد الرزاق قال: أخبرني أبي عن سنا عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة وفد الجن فلما انصرف منهم تنفس فقلت: ~~ما شأنك؟ قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، قال: فقلت: استخلف قال: من؟ ~~قلت: أبا بكر، فسكت ثم تنفس الصعداء، فقال مثل قوله الأول، قال: فقلت: ~~استخلف، قال: من؟ قلت: عمر بن الخطاب، قال: فسكت، ثم مشى ساعة ثم تنفس أيضا ~~ثم قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود، قال: قلت: فاستخلف، قال: من؟ قلت: ~~عثمان ثم قلت طلحة ثم قلت: عبد الرحمن بن عوف، ثم قلت الزبير وهو ساكت ثم ~~قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود قال قلت: استخلف. قال: من؟ قلت: ~~عليا))(1). ms300 وهو في رواية أخرى عن إبراهيم بن عيسى: ((وأخرت عليا لمعرفتي ~~برأيه فيه، فقال: والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين ~~أكتعين))(2). فقلت لعبد الرزاق: ما أكتعين؟ قال: لا يبقى منهم أحد. # وفي رواية إبراهيم أنه قال: ((أما إنهم لن يفعلوا ولو فعلوا لدخلوها ~~أجمعين أكتعين))(3). PageV02P142 # وحديث عبد الرزاق عن بشر بن أبي السري وكادح بن جعفر ومحمد بن محرز قالوا: ~~حدثنا عبد الله بن لهيعة عن الإفريقي عن مسلم بن سيار عن جابر بن عبد الله ~~قال: لما قدم علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا أن تقول فيك ~~طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا ~~تمر على ملئ من الناس إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك يستشفون به، ~~وحسبك يا علي أنك مني وأنا منك ترثني وأرثك وأنك مني بمنزلة هارون من موسى ~~إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك وصيي وتبري ذمتي، وتقاتل على سنتي، وأنك في ~~الآخرة غدا أقرب الناس مني، وإن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي ~~أشفع لهم، ويكونون غدا في الجنة خير أمتي وإن حزبك حزبي وإن سلمك سلمي وإن ~~سرك سري وإن علانيتك علانيتي وأن البر سريرة صدرك كسريرتي وإن ولدك ولدي ~~وإنك تنجز عداتي وإن الحق معك ليس أحد من الأمة يعدلك عندي، وإن الحق على ~~لسانك وفي قلبك وبين عينيك والإيمان مخالط للحمك ودمك كما خالط [98ب] لحمي ~~ودمي، وإنه لن يرد الحوض مبغض لك ولن يغيب محب لك غدا عني حتى يرد الحوض ~~معك. قال: فخر علي عليه السلام ساجدا لله فقال: الحمد لله الذي أنعم علي ~~بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين، وسيد ~~المرسلين، إحسانا منه إلي وفضلا منه علي. قال: فقال النبي -صلى الله عليه PageV02P143 وآله وسلم: لولا أنت يا علي لما عرف المؤمنون بعدي))(1). # عبد ms301 الله بن منصور قال: أخبرنا عبد العزيز بن نسابة عن ابن سعيد قال: ~~خرجت مع علي في مسيره إلى الشام حتى إذا كان بجانب هذا السواد بظهر الكوفة ~~عطش الناس فاحتاجوا إلى الماء فانطلق علي عليه السلام حتى انتهى إلى صخرة ~~كأنها ريضة عين فأمر بها فقلعت أو فعلقت فخرج لنا ماء فشرب الناس وارتووا، ~~ثم إنه أمر بالصخرة فألقيت عليها، ثم سار حتى انتهى إلى المنزل فقال: أيكم ~~يعلم مكان هذا الماء الذي شربنا منه؟ فقالوا يا أمير المؤمنين نحن نعلم ~~مكانه. قال: فاذهبوا إليه، فانطلقوا رجالا وركبانا حتى أتينا المكان الذي ~~كنا نعلمه فيه فطلبناه فيه فلم نقدر على شيء، فلما أعيى علينا أتينا دائرا ~~قريبا منه فسألنا أهل الدير هل تعلمون مكان هذا الماء الذي هاهنا؟ قالوا: ~~ما هاهنا ماء. قلنا: بلى قد شربنا منه اليوم. قالوا: وأنتم شربتم منه؟ ~~قلنا: نعم، قالوا: فوالله ما بني هذا الدير إلا من أجل ذلك الماء))(2). # وحديث إبراهيم وما استخرجه: ((إلا نبي أو وصي نبي))(3). # وحديث إبراهيم بن يحيى المدني يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال لفاطمة: ((زوجك وصي خير الوصيين))(4). PageV02P144 # وحديث ابن أبي الدوانيق عبد الله بن محمد عن أبيه عن جده قال: بينا نحن ~~قعود عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبلت فاطمة -عليها ~~السلام- وهي تبكي فقال: ((ما يبكيك؟ لا أبكى الله عينك، قالت: يا رسول ~~الله، نساء قريش يعيرنني ويقلن لي: إن أباك زوجك من معدم لا مال له. فقال ~~لها: يا فاطمة إن الله اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختارني فبعثني نبيا، ثم ~~اطلع فاختار عليا فجعله وصيا، فانصرفت وهي ضاحكة وهي تقول: رضيت بما رضي ~~الله لي ورسوله))(1). PageV02P145 # وحديث مسعد بن حماد البصري قال: حدثني صفوان الكمال عن جعفر بن محمد قال: ~~دخلت أم أيمن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي باكية فقال لها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما يبكيك يا أم أيمن؟ قالت: ms302 يا رسول ~~الله، وكيف لا أبكي وفلان الأنصاري زوج فلانة الأنصارية وقد نثر عليها من ~~اللوز والسكر ما الله به عليم وذكرت نثار فاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال لها: يا أم أيمن، اسكتي فوالذي بعثني بالحق نبيا ما ~~زوجت ابنتي فاطمة من علي حتى زوجها الله من السماء، فلما أراد أن يزوجها ~~أمر شجرة يقال لها طوبى أن ريقي وتخففي وتزيني، وأمر الملائكة أن يحفوا ~~بالعرش، فلما زوجها الله من علي أمر الله شجرة طوبى أن انثري بالدر الأبيض ~~والياقوت الأحمر واللؤلؤ الرطب فتبادر الحور العين من الخيام يلتقطن ~~ويفتخرن ويهدين وهن يقلن هذا نثار فاطمة بنت محمد المصطفى زوجت سيد ~~الأوصياء))(1). وفي [99أ] رواية أخرى: ((فهن يتهادينه إلى يوم القيامة ~~ويفتخر بعضهن على بعض أيهن أخذ أكثر))(2). PageV02P146 # والحديث الذي يرفع إلى عبد الله بن عباس -رضي الله في الوصية لعلي بن أبي ~~طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث الذي يذكر ~~فيه الركبان الأربعة: ((علي على ناقة من نور زمامها من ياقوتة حمراء خطوها ~~مد بصرها عليها حلتان خضروان يعجب منها النبيون والصديقون فيناد مناد من ~~بطنان العرش بلسان طلق ذلق: معاشر الخلائق هذا علي بن أبي طالب وصي محمد ~~-عليهما السلام))(1). # ومنها أن علي عليه السلام الذي فتح خيبر حين أعطاه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الراية في اليوم الثالث بعد انهزام الشيخين حين بعثهما ~~صلى الله عليه وآله وسلم بها في اليوم الأول واقتلع بابها فرمى به خلفه ~~أربعين ذراعا وكان لا يفتحه إلا أربعون رجلا))(2). # ومنها قصة عمرو بن عبد ود وقد جاز الخندق بفرسه يوم الأحزاب ودعا أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للبراز ورسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: من يكفيني عمرو بن ود أكفيه حر يوم القيامة فكفاه الله ~~أمره بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام. # ومنها قتله عليه السلام يوم بدر وغيره لشيبة وعتبة ابني ربيعة ms303 ومرحبا ~~والوليد وياسر وأبطال المشركين وصناديد قريش وقد أحجم عنهم عمر وغير عمر من ~~أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV02P147 # وحديث الأصبع بن نباته أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال يوم الجمل ~~والخوارج حضور: إن من أكرم الخلق على الله يوم القيامة سبعة كلهم من ولد ~~عبد المطلب فقال له عمار بن ياسر: من هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: نبيكم خير ~~النبيين، ووصيكم خير الوصيين، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة، ~~والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ورجل يخرج منا آخر الزمان يقال له ~~المهدي. # ومن روايات عبد الرزاق بن همام وهو علم من أعلام العامة ممن لا يطعن عليه ~~أحد في علمه وزهده وورعه قال: حدثني من لا أتهمه عن أحمد بن داود عن عبد ~~الرزاق بن همام قال: أخبرنا يحيى بن العلاء عن الأعمش قال: اشتد مرض ~~إبراهيم النخعي قال لخيثمة: أجلسني فأجلسه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله وأن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأن حسنا وصي علي وأن حسينا وصي الحسن وأن علي بن الحسين وصي الحسين وأن ~~محمد بن علي وصي علي بن الحسين، ثم غشي عليه فلما أفاق قال: هل سمعنا أحد؟ ~~قال خيثمة: لا. قال: اكتم عني ثم مات في آخر نهاره. # محمد بن شرحبيل قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر قال: أدركت بمكة شيخا كبيرا ~~يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى إلى علي وأمر بأن يقضي ~~دينه وينجز موعده ووعده، وأمرني علي أن أصيح في الحج حتى أموت من وعده رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده، وكان يطلبه بدين فأنا أنجزه له. PageV02P148 # وحديث عبد الرزاق قال: أخبرنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد عن سلمة ~~بن كهيل أن عبد الله بن عباس كان [99ب] يحدث الناس على شفير زمزم فلما قضى ~~حديثه قام إليه رجل من أهل الشام فقال يا ابن عباس ms304 إني رجل من أهل الشام ~~فسأله عن أمر علي عليه السلام وإمامته ووصايته بعد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ويخبره بما حصل معه (.............198) فقال له ابن عباس -رضي ~~الله عنه- ما قال، ثم قال ابن عباس في آخر جوابه للشامي أخبرك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تزوج زينب ابنة جحش بعد ما طلقها زيد فأولم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانت وليمته الحيس، وكان يدعو كل عشرة على ~~قصعته، ثم كان إذا فرغوا استأنسوا بحديثه وأحبوا النظر إلى وجهه، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يخففوا عنه ويخلوا مع أهله، وكان ~~حديث عهد بالعرس وأراد أن يؤدب المؤمنين فلما علم الله سبحانه وتعالى ذلك ~~من نبيه أنزل قرآنا في ذلك آدابا للمؤمنين وذلك قوله عز وجل: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن ~~إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق}[الأحزاب:53] قال ابن عباس ~~فلما نزلت هذه PageV02P149 الآية كانوا إذا أكلوا قالوا: الحمد لله المطعم المنعم، ثم مضوا ولم ~~ينتظروا الخرق ليمسحوا بها أيديهم فمكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعد ذلك أسبوعا ثم تحول بعد ذلك إلى بيت أم سلمة ابنة أبي أمية وكانت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلتها ويومها حتى تعالى النهار، وإن ~~عليا عليه السلام أتى الباب فدقه دقا خفيفا، فعرفه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأنكرته أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~قومي يا أم سلمة فافتحي، فقالت أم سلمة: من هذا يا رسول الله الذي بلغ من ~~خطره أن أقوم أفتح له الباب وأستقبله بمحاسني ومعاصمي؟ قال لها: يا أم سلمة ~~إن طاعتي طاعة الله ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، قومي فافتحي الباب، وإن ~~بالباب رجلا ليس بالحرق ولا بالنزق ولا بالعجل ms305 في أمره، يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله، يا أم سلمة إنه يأخذ بعضدة الباب فليس بفاتح ولا داخل ~~حتى يخف عليه صوت الوطء، فقامت أم سلمة لا تدري من بالباب وقد حفظت الصفة ~~والمدحة، فمشت نحو الباب وهي تقول: بخ بخ لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله، فلما فتحت أم سلمة الباب أخذ بعضادتي الباب، فلم يزل قائما حتى خفى ~~الوطء، ثم فتح فدخل وأم سلمة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ~~جلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: يا أم سلمة هل تعرفين الرجل؟ ~~فقالت: نعم، هذا علي بن أبي طالب وهنيئا له، فقال النبي -صلى الله عليه PageV02P150 وآله وسلم: ((يا أم سلمة لحمه لحمي ودمه دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى ~~إلا أنه لا نبي بعدي، يا أم سلمة هذا علي سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، ~~علمه علمي، والوصي على أهل بيتي من بعدي، وقريني في الدنيا والآخرة، يأتي ~~الذي أوتى منه والوصي من أهلي، والخليفة على الأخيار من أمتي، أخي في ~~الدنيا، ورفيقي في الآخرة، يكون معي في البيت الأعلى،[100أ] اسمعي واشهدي ~~يا أم سلمة، إنه يقتل الناكثين والقاسطين والمارقين))(1) قال الشامي: ومن ~~الناكثون؟ قال: الذين أقروا بالمدينة وأنكروا بالبصرة، وأما القاسطون ~~فمعاوية وأصحابه، وأما المارقون فأهل النهروان، فقال الشامي: ملأت صدري ~~نورا وحكمة، وفرجت عني فرج الله عنك [....199]. # ومنها صريح في الإمامة بلفظه قوله صلى الله عليه وآله وسلم حين أحجم ~~الناس عن قتال أسد بن عويلم: ((يا علي، اخرج إليه فلك الإمامة بعدي))(2). PageV02P151 # ومنها في علي أمير المؤمنين عليه السلام وفي ذرية رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذريته -أعني عليا -عليهما السلام وآلهما الصلاة والسلام- ~~من رواية إمام المتقين، وسيد المسلمين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب عليهم السلام عن علي عليه السلام قال: بايعنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكنا نبايعه على السمع والطاعة في المكره والمنشط في العسر ~~واليسر ms306 وفي الأثرة علينا وأن نقيم ألسنتنا بالعدل ولا تأخذنا في الله لومة ~~لائم، فلما كثر الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ~~-عليه السلام: ((ألحق فيها: وأن تمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذريته بعده مما تمنعوا به أنفسكم وذراريكم. قال: فوضعها والله على رقاب ~~القوم فوفى بها من وفى وهلك فيها من هلك))(1). # وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لعنت سبعة فلعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة، الزائد في كتاب الله، ~~والمكذب لقدر الله، والمخالف لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، ~~والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل ما أعز الله، والمستحل ما حرم ~~الله، والمستأثر على المسلمين بفيئهم مستحلا له))(2). # وفي علي خاصة # عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((يا علي لعنتك من لعنتي ولعنتي من لعنة الله، ومن لعنه الله فلن تجد له ~~نصيرا))(3). PageV02P152 # وفي علي وذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا # عن علي عليه السلام قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في مرضه والبيت غاص بمن فيه قال: ادعوا لي الحسن والحسين، فدعوتهما، فجعل ~~يلثمهما حتى أغمي عليه، قال وجعل علي يرفعهما عن وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ففتح عينيه فقال: دعهما يتمتعان مني وأتمتع منهما، فإنه ~~يصيبهما بعدي أثرة، ثم قال: ((أيها الناس إني خلفت كتاب الله وسنتي وعترتي ~~أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، والمضيع لسنتي كالمضيع ~~لعترتي، أما إن ذلك لن يفترقا حتى اللقاء على الحوض))(1). # وعن علي عليه السلام قال: من قال في موطن قبل وفاته: رضيت بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وبأهل بيته أولياء كان له سترا من النار، وكان ~~معنا هكذا وجمع بين أصبعيه. # قلت: قد جمع صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث لمن فعل بمقتضاه ~~الإيمان كله من أنه إذا رضي بذلك كله رضي ms307 بالاتباع في الدين كله أصله ~~وفرعه، وإذا لم يرض لم يتبع، وإذا كان الرضى يتفرع عنه العمل ويلازمه كان ~~الراضي بذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة ومشاهدا له ~~حيث يحب، رضينا بالله [100ب] ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم نبيا وبأهل بيته أولياء -صلى الله عليه وعليهم. # وفي علي خاصة PageV02P153 وعن علي عليه السلام قال: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~نرعى غنما ببطن نخلة قبل أن يظهر الإسلام فأتى أبو طالب ونحن نصلي فقال: يا ~~ابن أخي ما تصنعان؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام ~~وأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ما أرى بما تقولون بأسا، ثم قال علي: اللهم إني لا أعترف لعبد من هذه ~~الأمة عبدك قبلي غير نبيها صلى الله عليه وآله وسلم وردد ذلك ثلاث مرات ~~ثم قال: والله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن ~~يصلي بشر سبع سنين. # وعن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أنت أخي ووزيري وخير من اخلفه بعدي، يا علي بحبك يعرف المؤمنون وببغضك ~~يعرف المنافقون، من أحبك من أمتي فقد برء من النفاق، ومن أبغضك لقي الله عز ~~وجل منافقا))(1). # وفي الخمسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأربعة وذريتهم إلى ~~يوم القيامة PageV02P154 عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قال ~~لي ربي عز وجل ليلة أسري بي: من خلفت على أمتك يا محمد؟ قال: قلت أنت يا رب ~~أعلم. قال: يا محمد إني اجتبيتك برسالتي، واصطفيتك لنفسي، وأنت نبيي وخيرتي ~~من خلقي، ثم الصديق الأكبر، الطاهر المطهر، الذي خلفته من طينتك، وجعلته ~~وزيرك، وأبا سبطيك السيدين الشهيدين، الطاهرين المطهرين، سيدا شباب أهل ~~الجنة، وزوجته خير نساء العالمين، أنت شجرة وعلي أغصانها، وفاطمة ms308 ورقها، ~~والحسن والحسين ثمارها، خلقتكم من طينة عليين، وخلقت شيعتكم منكم، إنهم لو ~~ضربوا على أعناقهم بالسيوف لم يزدادوا لكم إلا حبا. قلت: يا رب ومن الصديق ~~الأكبر؟ قال: أخوك علي بن أبي طالب))(1) قال: بشرني رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بها وابناي الحسن والحسين منها وذلك قبل الهجرة بثلاثة أحوال. # وفي علي -عليه السلام # عن علي عليه السلام قال وهو على المنبر: أنا عبد الله وأخو رسوله لا ~~يقولها بعدي إلا مفتر أو كذاب، فقالها رجل فأصابه حبة فكان يضرب برأسه ~~بالجدار حتى مات. انتهى حديث زيد بن علي في هذا الموضع PageV02P155 ومنها قوله في حديث إبراهيم بن إسحاق قال في (الكامل المنير) مما عده في ~~فضائل أمير المؤمنين وذم أعدائه الخوارج والاحتجاج عليهم وذم معاوية ~~وأتباعه ....................... حديث إبراهيم بن إسحاق عن محمد بن القاسم ~~البغدادي عن الحسين بن علوان الكلبي وعن الأعمش عن الأصبع بن نباته عن أبي ~~ذر الغفاري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول ~~الله، من خليفتك علينا من بعدك؟ فقال: ((علي بن أبي طالب هو خير من أخلف من ~~بعدي. قال: قلت: يا رسول الله، فمن يلينا من بعدك؟ فأطرق طويلا حتى سألته ~~ثلاثا قال: يليكم من بعدي أبو بكر بن أبي قحافة، فقلت: يا رسول الله، فأين ~~وصيك علي بن أبي طالب، فقال: يا أبا ذر إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أمرا ~~فلا مرد له قال: قلت يا رسول الله، ثم مه؟ قال: ثم يليكم من بعده عمر بن ~~الخطاب، فيلبث فيكم ما يلبث ثم إنه يقتل. قال: قلت يا رسول الله، فأين وصيك ~~علي بن أبي طالب؟ قال: ألم أخبرك أن الله تبارك وتعالى إذا [101أ] أراد ~~أمرا فلا مرد له، قال: قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال: ثم يليكم من بعده ~~عثمان، ثم يلبث فيكم ما يلبث، ثم إنه قتل، قال: قلت يا رسول الله على ~~اختلاط من الأمة. قال: لا. قال: ms309 قلت: يا رسول الله، فأين وصيك علي بن أبي ~~طالب. قال: يا أبا ذر، ألم أخبرك أن الله إذا أراد أمرا فلا مرد له. قال: ~~قلت: يا رسول الله، ثم مه؟ قال: ثم يبايعون لخير هذه الأمة بعد رسولها علي ~~بن أبي طالب حتى إذا وجبت له PageV02P156 الصفقة على كل مصلي القبلة وأدى الجزية أخطأتم ونكثتم، فأول من نكث عليه في ~~بيعته فطلحة والزبير، ثم يستأذنان إلى مكة فيجدان فيها امرأة من نسائي ~~فيسيران بها إلى البصرة. قال: قلت يا رسول الله، وما البصرة؟ قال: الحزينة. ~~قال: قلت يا رسول الله، وما الحزينة؟ قال: الموبقة بأهلها بل بدينها ~~ودنياها، فعند ذلك يسيرون إلى فرعون أمتي من الشام، فتكون لكم الحزونة ولهم ~~السهولة. قال: قلت يا رسول الله ومن فرعون أمتك من الشام؟ قال: معاوية بن ~~أبي سفيان، فتقتتلون قتالا شديدا فيحجز الله بينكم بالوهن، فعند ذلك تبعثون ~~حكمين، فيكون حكمهما على أنفسهما، وعند حكومتهما تفترق الأمة على أربع فرق، ~~فرقة على الحق لا ينقص منها الباطل شيئا، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق ~~منها شيئا، وفرقة مرقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية وهم الخوارج، ~~وفرقة وقفت كالشاة الربيط حتى إذا سرحت الغنم سميت هذه فلم يعرفها، فبينا ~~هي كذلك إذ جاء الذئب فاختطفها، فكذلك من مات من أمتي لم يكن له إمام ولا ~~إيمان مات ميتة جاهلية، فقدم على الله بما فعل في الإسلام))(1). انتهى. # وفي علي -عليه السلام # عن علي عليه السلام قال وهو على المنبر: أنا عبد الله وأخو رسوله لا ~~يقولها بعدي إلا مفتر كذاب، فقالها رجل فأصابه جنة، فكان يضرب برأسه في ~~الجدران حتى مات. انتهى حديث زيد بن علي في هذا الموضع. PageV02P157 # ومما يقال على أنه لا بد في كل وقت من إمام بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بلا فصل من منصب معين زائد في الشرف والعلم وخيرة النسب لأن ~~يكون من ذرية سيد الرسل محمد وعترته صلى الله عليه ms310 وآله وسلم ظاهرا أو ~~باطنا، وأنه يجب معرفته باسمه وصفته والبحث له إن لم يظهر، والدعاء إليه ~~وإلى مثله وفوقه إن ظهر. # قوله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر حديث إبراهيم بن إسحاق عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر الفرق الأربع، ثم قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد أن ذكر أن ثلاثا هالكة على غير الحق وواحدة ناجية على الحق لا ~~ينقص منها الباطل شيئا فقال صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك في سياقه: ~~((فكذلك من مات من أمتي لم يكن له إمام ولا إيمان مات ميتة جاهلية فقدم على ~~الله بما فعل في الإسلام))(1). # وعن علي عليه السلام قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية إذا كان ~~الإمام عدلا برا تقيا. # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من مات لا يعرف إمامه مات ميتة ~~جاهلية))(2). # قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام يعني إما باسمه إن كان ~~حاضرا وإما بصفته إن كان في زمان فترة. # ومن القرآن على أنه لا بد لكل زمان من إمام بعده [101ب] صلى الله عليه ~~وآله وسلم بلا فصل ظاهرا أو باطنا واحدا أو أكثر من ذرية سيد الرسل محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعترته إلى يوم القيامة. PageV02P158 # قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد}(1) يعني تعالى هاديا إلى ما هديت أنت إليه من بعدك من عترتك وذريتك، ~~وذلك إجماع. # وقوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين}(2)، وقوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم}(3) ولذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته ما للنبي ~~أبيهم [صلى الله عليه وآله وسلم] إلا ما خصه دليل قاطع فهم أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم لهم مقام إبراهيم من ~~الإمامة وغيرها، وإذا كانوا أولى للمؤمنين فالمؤمنون تبع لهم فلا يتقدمون ~~عليهم فيما للنبي صلى الله ms311 عليه وآله وسلم على الناس من الإمامة وغيرها ~~إلا ما خصه دليل، فدل ذلك على تعيين إمام من ذرية سيد الرسل محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم أو عترته بعد موته [صلى الله عليه وآله وسلم] إلى يوم ~~القيامة ظاهرا وباطنا، ظاهرة صفته وأنه يجب البحث عنه. PageV02P159 # ثم قال تعالى بعد قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم}[الأحزاب:6] ثم قال تعالى بعد ذلك: {وألوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض} وولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عترته وذريته هم أقرب ~~أرحامه وهم أرحامه على الحقيقة، فهم أولى بمقامه وهو الإمامة والتقديم في ~~كل خصلة شريفة، وهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم مثله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلا في النبوة لقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله}(1) ولقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولوا الأمر منكم}(2). PageV02P160 # ومن المعلوم أن الخطاب متوجه إلى البعض إذا لا يؤمر الإنسان بطاعة نفسه، ~~فهاهنا طاعة ثالثة مقرونة بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والله سبحانه وتعالى لا يأمرنا أن نطيع من لا نعرف إذ يكون ~~تكليف بما لا يطاق، ونظرنا وإذا الأدلة المتواترة كحديث السفينة وآية ~~التطهير وآية المودة وآية الاصطفاء وحديث: إني تارك فيكم وغير ذلك مما ~~قدمنا دال بصريحه على العلماء العاملين من أهل البيت عليهم السلام دال ~~بصريحه على طاعتهم وجوبا فيما يصلح الدين، إذ دل ذلك بصريحه أنهم ألوا ~~الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرادون في قوله تعالى: ~~{وأولي الأمر منكم}(1) بعد أمره تعالى بطاعته تعالى وطاعة رسوله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول}(2)، ثم أمر تعالى بعد ذلك بطاعة ثالثة هي طاعة أولي الأمر ~~بقوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} وأولي الأمر علماء آل الرسول سابقا ~~ومقتصدا في منزلته في العلم والعمل أو فوقه أو دونه غير مخل بالاجتهاد ~~لحديث السفينة، وإني تارك فيكم ms312 ونحوهما مما دل بصريحه كدلالتهما على وجوب ~~طاعتهم واتباعهم وتقديمهم [102أ] ومحبتهم، وعلى محبة العالم غير المجتهد ~~والتجاوز عن المسيء، والأئمة أولي الأمر طاعتهم داخلة بالأولى والأحرى ولما ~~قدمنا من الأدلة، فتعين بذلك منصب الإمامة أنه من أهل البيت عليهم السلام ~~ووجوب طاعة PageV02P161 الأئمة ظهروا كالسابقين من العترة عليهم السلام أو بطنوا كالمقتصدين إذا ~~عرفوا وتعينوا بالعلم النافع والعمل به من ذرية سيد الرسل محمد وعترته -صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # وحديث عيسى بن حفص قال: حدثني علي بن الحسين العبدي عن سليمان بن الأعمش ~~عن غياثة بن ربعي الأسدي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرض مرضا فاشتد عليه مرضه، فدخلت عليه ابنته فاطمة تعوده وقد كان ~~ناقها من مرضه، فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجهد ~~خنقتها العبرة حتى جرت دمعتها على خدها فقال لها: ((يا فاطمة، أما علمت أن ~~الله -تبارك وتعالى ذكره- اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك ~~فجعله نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منهم بعلك، فأوحى إلي أن أنكحه واتخذه ~~وصيا، أما علمت يا فاطمة أني لكرامة الله إياك زوجتك أعظمهم حلما، وأقدمهم ~~سلما، وأكثرهم علما. فسرت بذلك واستبشرت بما قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأراد أن يزيدها من مزيد الخير كله الذي قسمه الله لمحمد ~~ولأهل محمد، فقال لها: ((يا فاطمة، لعلي ثمانية أضراس ثواقب، إيمانه بالله ~~ورسوله، وعلمه، وحكمته، وزوجته فاطمة، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره ~~بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقضاه بكتاب الله؛ يا فاطمة، إنا أهل بيت ~~أعطانا الله سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين ولم يدركها أحد من الآخرين ~~غيرنا، نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير PageV02P162 الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك، ومنا من له جناحان ~~حصينان يطير بهما حيث يشاء في الجنة فهو جعفر بن أبي طالب بن عمك، ومنا ~~سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، ومنا والذي نفس ms313 محمد بيده مهدي ~~هذه الأمة))(1). # وفي علي خاصة: # حديث وكيع بن الجراح يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت ~~نبيه فعلي أميره))(2). # وحديث أبي ذر الغفاري وهو قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- : ((علي الصديق ~~الأكبر والفاروق الذي يفرق به بين الحق والباطل))(3). PageV02P163 # وحديث علي بن أبي طالب عليه السلام من حججه على المشائخ حيث قال: أفيكم ~~من كلمته الجن حين سرحنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا وأبو ~~بكر وعمر وعثمان إلى وادي الجن، فبدأ أبو بكر فسلم عليهم وكلمهم فلم ~~يجيبوه، ثم كلمهم عمر فلم يجيبوه، ثم كلمهم عثمان فلم يجيبوه، ثم قال ~~القوم: لا نجيب إلا الأنبياء أو وصي نبي، فسلمت عليهم، فردوا علي السلام ~~وقالوا: تكلم بما شئت نجبك عليه، فأجابوني على كل شيء أمرني به رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم غيري، قالوا: اللهم لا(1) PageV02P164 . # وفي ولاية علي عليه السلام # ما روي عن سلمان الفارسي حين غلب أن نبايع أبا بكر فوجبت عنقه وكان من ~~قوله: كرداد وتكرداد أي علمتم ولم تعملوا. # وروي في ذلك عن أبي إسماعيل الكوفي عن زاذان عن سلمان الفارسي أنه قال في ~~خطبته بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أما بعد [102ب] أيها الناس فإني قد ~~أوتيت علما، ولو أني أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة منكم مجنون، وقالت ~~طائفة أخرى: رحم الله قاتل سلمان، ألا وإن لكم منايا تتبعها بلايا، ألا وإن ~~عند علي بن أبي طالب عليه السلام علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب، وهو ~~على سنة هارون بن عمران حين قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أنت خليفتي ووصي في أهلي وأنت مني كهارون من موسى)) أما والله لو ~~وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم، فابشروا بالبلاء، واقنطوا ~~من الرجاء، فقد نابذتكم على سواء، وانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من ~~الولاء، أما والله لو أني أعلم أن أدفع ضيما أو أعز لله دينا لوضعت سيفي ~~على عاتقي ms314 ثم ضربت به قدما. مع كلام له كثير في خطبته. PageV02P165 # وأما أبو ذر فلم يزل يدعي إلى بيعة علي قبل بيعة أبي بكر وبعدها ويذكر ~~فضائل علي وأفاعيل القوم فيذمها حتى أعقبه ذلك أنه نفي إلى ربذة على صعبة ~~من الإبل بغير وطاء حتى قرحت إليتاه فمات فيها -رحمه الله تعالى- وكان من ~~قوله ما رواه أبو خراسان محمد بن عبد الله بن عيسى قال: حدثنا أحمد بن زيد ~~عن أبيه عن زيد بن السكن يرفع الحديث قال: رأيت أبا ذر الغفاري محتبيا ~~بحلقة باب الكعبة وهو يقول: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني ~~فأنا جندب بن جنادة، أنا أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهو يقول: ((أيها الناس لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم ~~حتى تكونوا كالأوتار، ولقيتم الله بغير ولاية علي بن أبي طالب لكبكم الله ~~في نار جهنم))(1). PageV02P166 # وأما عمار بن ياسر فلم يزل يدعو إلى بيعة علي بن أبي طالب ولم يزل معه في ~~حروبه حتى قتل في عسكره داعيا إلى نصرته مع قول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((عمار يدور مع الحق حيث ما دار وما لهم ولعمار يدعوهم إلى ~~الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار))(1) فأخبر عليه السلام أن ~~عمار بن ياسر يدعو إلى الجنة، وكان داعيا إلى علي عليه السلام ولم يقل ~~أحد من الأمة أن عمارا داعيا إلى غير علي عليه السلام فكيف يجوز على مثل ~~هؤلاء النفر خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجمع عليهم ~~بالفضل لم يطعن عليهم أحد من الأمة بشيء من ثلاث وسبعين فرقة. # وفي إمامة علي عليه السلام PageV02P167 حديث عبد الله بن بريدة قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعة ~~رهط وأنا ثامنهم فقال: ((أنتم شهداء الله في الأرض أديتم أم كتمتم ثم قال: ~~يا أبا بكر، قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين. فقال أبو بكر: أعز أمر الله ~~وأمر ms315 رسوله قال: نعم هو الذي أمرني. قال علي: اللهم فاشهد ، ثم أمر عمر بن ~~الخطاب فقال: مثل مقالة أبي بكر أعز أمر الله وأمر رسوله قال: نعم فأتاه ~~وسلم عليه. فقال علي: أعز أمر الله وأمر رسوله. قال عمر: نعم .قال علي: ~~اللهم فاشهد، ثم قال للمقداد بن الأسود فقام ولم يقل مثل مقالة الأول فأتاه ~~رحمه الله فسلم عليه، ثم قال لأبي ذر فسلم عليه، ثم قال لسلمان فقام فسلم ~~عليه، ثم قال لحذيفة فقام فسلم عليه، ثم أمرني فقمت فسلمت عليه،[103أ] وأنا ~~أصغر القوم، وأنا ثامنهم فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأنا غائب، فلما قدمت وجدت أبا بكر قد استخلف فدخلت عليه فقلت: يا أبا بكر، ~~أما تحفظ تسليمنا على علي بن أبي طالب بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بإمرة المؤمنين؟ فقال: بلى. فقلت: مالك فعلت الذي فعلت؟ قال: إن الله ~~يحدث الأمر بعد الأمر ولم يكن ليجمع الخلافة والنبوة في أهل بيت))(1). PageV02P168 # وقد روى شريك بن عبد الله قاضي البصرة قال: قال الأشعث بن قيس لعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وأرضاه: إنك لم تقم فينا مقاما قط منذ وليت هذا الأمر ~~إلا وأنت تقول: والله ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه عليه السلام فما ~~منعك أن تضرب بسيفك دون ظلامتك؟ قال: يا أشعث منعني من ذلك ما منع هارون إذ ~~قال لموسى: {يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين ~~بني إسرائيل ولم ترقب قولي} وكان قال موسى لهارون: إن ضل قومي واتبعوا غيرك ~~فجاهدهم ونابذهم فإن لم تجد أعوانا فاكفف يدك واحقن دمك، فكففت يدي وحقنت ~~دمي أن يقول لي أخي: ألم أقل إنك إن لم تجد أعوانا فاكفف يدك واحقن دمك ولو ~~أمرني بمجاهدتههم وحدي لجاهدتهم وحدي. # وقد روى أهل العلم من غير جهة أن هارون كان في ستمائة ألف ضلوا خلا اثنا ~~عشر ألفا منهم فبقوا مع هارون ms316 على الحق، فأخبر الله تعالى بعذره في كتابه ~~حيث يقول: {يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}(1). # وفي أهل البيت عليهم السلام # ما روينا عن أبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من ~~كان في قلبه مثقال حبة من خردل عداوة لي ولأهل بيتي لم يرح رائحة ~~الجنة))(2). PageV02P169 # وفي علي عليه السلام ما حكاه الحاكم -رحمه الله- في كتاب {تنبيه ~~الغافلين) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله خلق روحي ~~وروح علي عليه السلام قبل أن يخلق آدم عليه السلام بما شاء الله تعالى، ~~فلما خلق آدم عليه السلام أودع أرواحنا صلبه فلم يزل ينقلها من صلب طاهر ~~إلى رحم طاهر لم يصبها دنس الشرك ولا عهد الجاهلية حتى أقرها في صلب عبد ~~المطلب، ثم أخرجها من صلبه فقسمها قسمين فجعل روحي في صلب عبد الله، وروح ~~علي في صلب أبي طالب، فعلي مني وأنا من علي، نفسه كنفسي، وطاعته كطاعتي لا ~~يحبني من يبغضه ولا يبغضني من يحبه))(1). # ومنها أن علي عليه السلام أكثر الناس علما بعد الأنبياء -عليهم الصلاة ~~والسلام وآلهم- ومختص بأشياء من علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يعلمها غيره بعد الملائكة والأنبياء إلا الله تعالى، والله بكل شيء عليم ~~اختاره الله تعالى واختصه بذلك وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ~~يخصه عليه السلام بذلك. PageV02P170 # ومنها حديث أبي حازم قاضي الجن رواه إبراهيم بن محمد قاضي الجند فقال: بينا ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يخطب الناس على منبر الكوفة أقبل لعيان عظيم ~~فجعل ينخل الناس وأجفلوا عنه وهم يريدون قتله فقال لهم أمير المؤمنين -رضي ~~الله عنه: اتركوه، ثم أتى إلى المنبر وارتقى حتى حاذى برأسه رأس [103ب] ~~أمير المؤمنين، ثم التقم أذنه، فسمعنا له نقيقا كنقيق الضفدع، فأجابه أمير ~~المؤمنين بمثل نقيقه، فسألوا عليا عن ذلك فقال: هذا أخي أبو حازم قاضي الجن ~~سألني عن مسألة فأجبته بها، وأشياء كثيرة مما لا يعلمها إلا ms317 نبي أو وصي نبي. # ومنها ما اختص به علي عليه السلام وبعض ذريته وذرية سيد المرسلين محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم من علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~علم الجفر. # ومنها ما اختص به علي عليه السلام من علمه صلى الله عليه وآله وسلم ~~من جواب مسائل الجاثليق وقد عجزت الصحابة عن جوابها. # ومنها تعديده عليه السلام لخلفاء بني أمية وبني العباس وسيرهم واحدا ~~بعد واحد. PageV02P171 # قولنا: ومنها تعديده وذلك مما اختص به علي بعده صلى الله عليه وآله وسلم ~~دون سائر الأمة وذلك من أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم واختصاصه به ~~ليظهر به فضيلته بعده صلى الله عليه وآله وسلم وليس ذلك مما يجب في الدين ~~معرفته، فلا يجوز أن يخص بمعرفته علي عليه السلام دون غيره، وذلك ما روى ~~صاحب كتاب {الكامل المنير) في فضائل علي عليه السلام وفي جوابه على من ~~أنكر جواز اختصاصه بشيء من علوم الغيب دون الأمة من الخوارج الذين غرتهم ~~الشبهة في الأخذ في حق أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام حيث قال مجيبا على الخوارج في ذلك: فإن أنكروا ذلك أعني جواز ~~اختصاص النبي -عليه وآله السلام- لعلي [عليه السلام] بشيء من علم الغيب دون ~~سائر الأمة فليرووا لنا عن أحد من الخلق ما قد روينا نحن وهم في علي بن أبي ~~طالب -عليه السلام. PageV02P172 # وعنه مما لم تروه الأمة عن غيره أول خلافة بني أمية رجلا رجلا، ثم خلافة ~~بني العباس بعدهم، هذا عبد الله بن عبد الرحمن روى عن أبيه عن معمر قال: ~~لما كان في اليوم الذي بويع فيه لأبي بكر دخل علي على المقداد بن الأسود ~~وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقالوا له: خذ بنا فنجاهدهم، فكره علي عليه السلام وقال: أمرني ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا أرتدي ثوبا حتى أفرغ من تأليف ~~القرآن، ثم حمد ms318 الله وأثنى عليه ثم قال: سيكون من بعدي ما ترون أمورا ~~كثيرة، إنه سيلي هذا الأمر من بعدي نفر من بني أمية، يلي رجل منهم يجتمع ~~إليه أمر الأمة، واسع الصدر، ضخم الحلقوم، يأكل ولا يشبع، لا يموت حتى لا ~~يبقى له في السماء ناصب، ولا في الأرض عاذر، ثم يفضي من بعده الأمر إلى رجل ~~شرير جريء على الله، مستحل لما حرم الله، يميز عقبي، ويقتل ولدي، ويبيح حرم ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتعدى على عباد الله، قليل العمر، ~~كبير، في سياسته شره، ثم يفضي من بعده إلى رجل بخيل ذي حمية وعصبية إما ~~لجاهلية، ليس بمحمود في فعله، وفي جنده بخيل دبر الله يقتل في حرم الله وأمنه. # ثم يفضي من بعده إلى رجل كثير المثالب، منتصر الكتائب، يذل العباد، ويدوخ ~~البلاد، كثير الفساد والأعوان [104أ] والأجناد. PageV02P173 # ثم يفضي من بعده إلى رجل ليس بدونه في الشر، لا يقيل عثرة، ولا يستر عورة، ~~يسير بسيرة أبيه، ليس له شبيه، ذي لسان طويل، وميل قليل. # ثم يفضي منه إلى رجل متعاهد لجنده، مانع لرفده، قليل وفاؤه، ونزر عطاؤه. # ثم يفضي من بعده إلى رجل متورع متنسك وليس كذلك، ذي نفاق يقسم الفيء ~~والزكاة، ويكثر الصوم والصلاة، يتصنع للرعية، ويقسم بالسوية، يعينه أمر ~~خدمه عنده، وأحضى حشمه لديه. # ثم يفضي من بعده إلى رجل يحذو حذو آبائه في الفجور، ويغرر عباد الله ~~بالغرور، يملك أربع سنين، ثم تقوم عليه قيامته. # ثم يفضي من بعده إلى رجل فاجر مشوم، فاسق ظلوم، يقتل من ولدي وشيعتي ~~أخيارا علماء أبرارا أتقياء. # ثم يفضي من بعده إلى رجل يقفوا على أثره، ويتبعه على سيرته، هو ذو أمل ~~طويل، وعمر قليل. # ثم يفضي من بعده إلى رجل أقل منه عمرا، وأكثر منه شرا. # ثم يفضي من بعده إلى المخلوع من بني أمية، كثير الغي، بعيد الرشد، عند ~~انقضاء مدتهم، وتصرم ملكهم. # ثم يفضي من بعده إلى رجل آخرهم سلطانا، وأكثرهم طغيانا، لا ms319 يلي بعده منهم ~~إنسان، ولا يجتمع منهم اثنان. # ثم يفضي بعده إلى رجل من بني العباس، ذي همم قبيحة كثيرة، يأخذ بالجريرة، ~~ويقتل بالصغيرة، وملكه في نواحي الحيرة. # ثم يفضي من بعده إلى رجل حزن الطرائق، قليل المرافق، يكثر البر الصادق، ~~ويستحي من الظلوم الفاسق، لا يبقي خيرا إلا قتله، ولا فاسقا إلا موله ~~وخوله، يصيب أهل بيتي منه بلاء طويل، وعذاب أليم. PageV02P174 # ثم يفضي من بعده إلى رجل حسود حقود، ظلوم غشوم. # ثم يفضي من بعده إلى رجل جميل الصورة، قبيح السيرة، تدين له البلاد، ~~وتخضع له العباد، ويجتمع إليه الأجناد. # ثم يفضي من بعده إلى رجل ضعيف الخبرة، لئيم الغريزة، يراق دمه، ويقتله حشمه. # ثم يفضي من بعده إلى متصنع، متشيع، ذي دهاء وأدب، وكلام وخطب، يظهر ~~مودتنا ويضمر بغضنا. # ثم يفضي من بعده إلى رجل سائس للملك، مقرب للترك، شجاع القلب، مجتمع اللب. # ثم يفضي من بعده إلى رجل حسن الطريقة، سهل الخليقة، يحسن حال أهل بيتي، ~~وهو خير أهل بيته. # ثم يفضي من بعده إلى رجل فاسق مارق، صاحب لذات وله خلوة، ويقتل في أمر ~~خلاته، وقد تفرد بلذاته، وخلا بشهواته. # ثم يفضي من بعده إلى رجل ذي همم طويلة، وعقل راجح، ذي عمر قصير، وأمد ~~طويل، مشهور أمره، قليل عمره، مرتفع ذكره. # ثم يفضي من بعده إلى المخلوع من بني العباس، المكنود المقهور، المتفقع ~~باليسير. # ثم يفضي من بعده إلى رجل يقهره جنده، ويقتله عبيده. # ثم يفضي من بعده إلى رجل مارق، فاسق، غوي، يظهر الديانة، ويخون الأمانة، ~~ثم يقتله الغواة والجفاة. # ثم يفضي من بعده إلى رجل عقله ضعيف، ودينه سخيف. # ثم يفضي من بعده إلى رجل لا تصلح له ولا يصلح لها. # ثم يفضي من بعده إلى رجل متلاهي، غافل عما بطرفه لاه، لا يعلم حتى تأتيه ~~الهلكة، ويزول ملكه، وهو آخرهم ملكا، وأسرعهم هلكا. PageV02P175 # ثم ذكر عليه السلام بعد انقضاء آخرهم إعزاز الله تعالى لأوليائه بظهور ~~دين الله تعالى مع المهدي [104ب] ms320 عليه السلام وبغلبة أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأن من دعا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لا يكون إلا على الحق في الأغلب، فقال في ذلك علي عليه السلام ~~بعد تعديده ولاة الدولتين، ثم قال عليه السلام في آخرهم: وعند هلكه يظهر ~~أمر الله، ويعز أو لياء الله، ويظهر الحق، ويزهق الباطل، ويظهر المهدي، ~~اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبيه كاسم أبيه، يملأ الأرض ~~قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يختم الله به وبولد أبيه الخلافة كما ختمت ~~بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم النبوة، لا تزول عنه الخلافة بعد أن تكون ~~فيهم، ولا يزالون مع الحق والحق معهم حتى يردوا الحوض، طوبى لمن أدركهم ~~وجاهد معهم ونصرهم، المقتول معهم كالمقتول مع النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمجاهد معهم كالمجاهد معه، لا يعرف بعد ظهورهم الجور، يتوارثون ~~الحق آخرا عن أول، آخرهم يتبع سيرة أولهم، ليس معهم غوي ولا ذي جرأة، ~~يتوارثونه إلى يوم القيامة. PageV02P176 # ومنها ما روي في كتاب (فتوح عمر بن الخطاب) أن قبرا وجد فيه رجلا طول أنفه ~~شبرا، فلم يدروا ما شأنه، فكتبوا إلى عمر، فلم يجد عمر علمه عند أحد من ~~جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أرسل إلى علي بن أبي ~~طالب -رضي الله عنه- فسأله وأخبره بما كتب إليه أبو موسى الأشعري من جهله ~~للميت، فقال علي عليه السلام لعمر: أو ما عرفت الرجل أنت ومن معك من ~~أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال عمر: ما عرفته وهم هؤلاء ~~ما عرفوه، فقال علي عليه السلام: هذا نبي من الأنبياء يقال له دانيال، ~~فقال: ما علمك به؟ قال: أعلمني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فكتب عمر إلى أبي موسى بخبره ذلك، فأخبر أبو موسى، فأرسل بكتاب عمر، فآمن ~~القوم وقالوا: صدقتم أصحاب نبي وصاحبكم وصي نبي، فلما وصل كتاب أبي موسى ~~إلى ms321 عمر فقرأه على أصحابه ثم قال لعلي -عليه السلام: ما أعلمك يا أبا ~~الحسن، وأجلك وأنبلك. PageV02P177 # ومن فضائل علي عليه السلام وخصائصه ويدل على عصمته مع ما تقدم، وقرب ~~منزلته من سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقدمه في الإمامة ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رواه علي بن موسى الرضا -رضي ~~الله عنه- بسنده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس في ~~القيامة راكب غيرنا نحن أربعة، فقام إليه رجل من الأنصار فقال: فداك أبي ~~وأمي يا رسول الله، من هم؟ قال: أنا على دابة الله تعالى البراق، وأخي صالح ~~على ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة على ناقتي العضباء، وأخي علي على ناقة ~~من نوق الجنة وبيده لواء الحمد ينادي لا إله إلا الله فيقول الآدميون: ما ~~هذا إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش، فيجيبهم ملك من تحت بطنان ~~العرش: يا معشر الآدميين ما هذا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش، هذا ~~علي بن أبي طالب))(1). # وروى علي بن موسى الرضا عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: نعم الأب أبوك ~~إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي بن أبي طالب))(2). # وروى [105أ] علي بن موسى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا كان يوم القيامة كنت يا علي أنت وولدك ~~على خيل بلق ومتوج بالدر والياقوت، فيأمر الله عز وجل بكم إلى الجنة والناس ~~ينظرون))(3). PageV02P178 # وروى الحسن بن الحسن الصفار بإسناده عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((إذا كان يوم القيامة ضربت لي قبة عن يمين العرش من درة بيضاء، وضربت يسار ~~العرش قبة حمراء لإبراهيم خليل الرحمن، وضربت بينهما قبة خضراء لعلي بن أبي ~~طالب، فما ظنك بحبيب بين حبيبين))(1). # فإن قال أصحاب الشورى أن الشورى فرض من الله تعالى وتبارك لقوله تعالى: ~~{وأمرهم شورى بينهم} فيقال: ms322 ما حجتهم على من خالفهم؟ فقال: إنما نزلت في ~~الخلق عامة تأديبا لهم لا فرض عليهم، واحتج بقول الله تعالى وتبارك: {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمرهم شورى بينهم ومما ~~رزقناهم ينفقون}(2) فكل من كان على هذه الشريطة إذا آمن بالله ورسوله وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة وأنفق مما رزقه الله تعالى فأمرهم شورى بينهم بالتأديب ~~لا بالفرض، ولو كانت فرضا لازما ما جاز لأحد من أمته صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن يبتاع ولا يبيع بدانق حتى يشاور الأمة جميعا وهذا لا يكون. PageV02P179 # فإن قالوا: هذا في الخلافة، فقل لهم: فلم لم يسند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أمر الخلافة إلى ستة نفر حتى يختاروا منهم رجلا إن كان فرضا كما ~~أسند عمر أمر الخلافة إلى ستة نفر ولم يسند أبو بكر الأمر أيضا إلى ستة نفر ~~إن كان فرضا، أو كيف أصاب عمر الفرض ولم يصبه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولم يصبه أبو بكر، ولكن زعموا أن عمر أنكر أن يتقلد أمر الأمة ~~بعد وفاته خيفة أن يحكم بجور فيجري عليه إثم ذلك الجور فصيرها إلى ستة ~~ليتشاوروا في ذلك فدخل فيما كره من حيث علم وجهلته العامة، فهم ذلك بما ~~سنوضحه -إن شاء الله تعالى- من الحجج في قوله تعالى: {وأمرهم شورى ~~بينهم}(1) ولا أمر ديني شورى بينهم ولا فرضي شورى بينهم ولما سنوضحه من ~~الحجج -إن شاء الله تعالى. PageV02P180 # منها أن الإمامة من أصول الدين، ولم يكل سبحانه فروعه إلى العبيد، بل بينه ~~تعالى وقسم بينهم أموالهم وفرائضهم ولم يكلها إلى شورهم فضلا عن الإمامة ~~التي هي حجة على الخلق معا ويتأكد بها أصول الدين وفروعه ويتم بها، فكيف أن ~~الله تعالى جعلها رأيا وقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(1)، وقال تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء}(2)، وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}(3)، وقال ~~تعالى: {يوم ندعو كل ms323 أناس بإمامهم}(4) وقال تعالى: {واجعلنا للمتقين ~~إماما}(5) وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين}(6)، وقال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور}(7)، وقال تعالى: {إنما أنت منذر ولك قوم [105ب] هاد}، وقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها ~~غرق وهوى))(8). # وما قدمنا في هذا الكتاب من الأدلة فهذا يوجب حمل آية الشورى على الندب ~~في التأديب أو أمر الحروب أو يشتورون ويردون ما التبس إلى أهله من علماء ~~أهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما في حملها على ظاهرها من ~~منافاة القواطع من الأدلة وهي ممكنة التأويل على وجه يوافق الأدلة وذلك ~~واجب والله أعلم وأحكم. # فصل PageV02P181 لا يجوز للإمام بعد أن قام بأمر الإمامة ودعا إلى نفسه أن يعتزل الأمر مع ~~وجود الناصر الكافي في العادة ولم يوجد مساو له أو انهض منه أو أفضل في ~~العلم والعمل ولو لمرض شديد أو حبس غير ميئوس أو جراح غير قاتلة من حينها ~~أو قريب منه في مجرى العادة كقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}(1) ولقوله ~~تعالى: {وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين}(2) ولما أصاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في يوم أحد، ولما رواه الإمام القاسم بن إبراهيم ~~عليه السلام عن أبيه الإمام إبراهيم قال: بايعنا الحسين بن علي الفخي ~~عليه السلام على أنه هو الإمام قال: وأصابته جراحة والدم لا يرقأ فقلنا ~~له: أنت في هذه الحال لو تنحيت فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إن الله يبغض العبد يستأسر إلا من جراحة مثخنة))(3) يعني صلى الله ~~عليه وآله وسلم قاتلة، ولا يجب عليه التنحي في الميئوس والجراحة القاتلة ~~في العادة، بل يترك الأمر إلى الله تعالى ويلجيه إلى حكمه تعالى، ms324 ولا يجوز ~~له أن يتعرض لمن دعا إلى الخير من العترة الطاهرة قبل الإياس ولا بعده، بل ~~يجيب ويعين كل من دعا إلى الخير منهم، ولا يبطل له حق بذلك وذلك لقوله ~~تعالى: {ولكل قوم هاد}(4) ولقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم}(5) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: PageV02P182 # ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه في نار ~~جهنم))(1) ولقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لاتعلموا أهل بيتي فإنهم ~~أعلم منكم)) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(2) وإني تارك فيكم وغير ذلك من الأدلة. # فصل # أجمع أهل البيت عليهم السلام ومن شايعهم وجميع الأمة إلا من لا يعتد به ~~من أهل البدع المدلسين أن أمير المؤمنين علي عليه السلام لم يرض يبايع ~~أحدا من الثلاثة المشائخ ولا رضي بخلافة أحد منهم، وإنما لم يباينهم بالحرب ~~بإجماع العترة عليهم السلام وأشياعهم إلا لعدم الناصر ولما قدمنا من ~~الحجج من الآيات والأحاديث. PageV02P183 # وقد روي أنه عليه السلام بايع أبا بكر مكرها روى ذلك عبد الله بن يعقوب ~~عن أبي الهيثم بن لهيعة وغيره أن علي بن أبي طالب عليه السلام- لزم بيته ~~وكره الخروج إليهم ومعه المقداد وسلمان والزبير، فجاء عمر بن الخطاب بالحطب ~~والنار ليحرق عليهم أو يخرجوا يبايعوا [106أ] لأبي بكر، فلما خافوا ذلك خرج ~~علي عليه السلام ومن معه فذهبوا بهم إلى أبي بكر فبايعوا، وفي رواية أخرى ~~أن عليا لم يبايع إلا بعد ما توفيت فاطمة عليها السلام بستة أشهر وذلك ~~لما كان من أهل اليمامة الذي كان من ردتهم فيما زعموا، فكره الناس الخروج ~~إذا لم يبايع علي عليه السلام لأبي بكر ولم يخرج في جهادهم، فلما خشي ~~الناس اضطراب الإسلام مشى عثمان والمهاجرون والأنصار إلى علي عليه السلام ~~فناشدوه الله والإسلام، فبايع على هذا الباب. # إن قيل: إن عليا عليه السلام حد الحدود بين أيديهم وغزا معهم وجمع معهم. ms325 # قلنا: أما الحدود والغزو فهو الإمام، وأمر ذلك إليه بالإجماع، وأما الجمع ~~فمن باب التقية وقد قال تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}(1) تم ذلك، وكيف ~~تقولون بأنه عليه السلام بايع طائعا والحال هذه. PageV02P184 # وفي الرواية المشهورة المجمع عليها من ذلك ما روى أبو بكر ومحمد بن الوليد ~~عن ابن داب وهما علمان من أعلام العامة أن عليا عليه السلام حمل فاطمة ~~ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رووا أنه أخرجها على حمار ~~مخطوم بليف فسرى بها ليلا في مجالس الأنصار تطلب منهم النصرة لعلي وكانوا ~~يقولون: يا بنت رسول الله رحمك الله سبقت معنا لهذا الرجل، فلو أن زوجك ~~وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فقال علي: فكنت أدع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أجنه وأخرج أنازع الناس سلطانه، فقالت ~~فاطمة -عليها السلام: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد فعلوا ما ~~الله حسبهم فيه، فقل لمن قال بايع علي عليه السلام طائعا ما ذا طلبت ~~فاطمة -عليها السلام- غير نقض بيعة أبي بكر. PageV02P185 # ومما روى أبو بكر محمد بن الوليد قال: لما أشكت فاطمة عليها السلام ~~شكواها التي توفيت فيها جاءها أبو بكر يعودها فاستأذن عليها، فكرهت أن تأذن ~~له، فأخبر أن عليا عندها، فأرسل إليه يسأله أن يأمرها تأذن له فأذنت فكلمها ~~فأبت أن تكلمه، فسأل عليا أن يأمرها أن تكلمه فكلمته، وفي رواية أخرى قال ~~لها: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله وغضب ابنة رسوله غضبانة فارضي أم ~~عاتبة فاعتبي فقالت: ما أزيدك على السلام شيئا، فلما توفيت -صلوات الله ~~عليها- حملها علي [عليه السلام] في أهل بيته معه المقداد بن عمرو حليف بني ~~زهرة، فصلوا عليها ليلا، صلى عليها العباس بن عبد المطلب، فسل من قال بايع ~~عليا عليه السلام طائعا من الخوارج وغيرهم من أهل البدع والأكاذيب هذا ~~فعل كاره أم فعل راض. PageV02P186 # ومما روى أبو بكر محمد بن الوليد ms326 عن ابن داب قال: خرج العباس بن عبد المطلب ~~قبل أن يدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوقف عليهم هذا قبل بيعة ~~أبي بكر فقال: يا أبا بكر عندك عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أو أمر؟ قال: معاذ الله لا والله، فقال: وأنت يا ابن الخطاب؟ قال: لا ~~والله، قال: فهل عند أحد منكم عهد من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم؟ ~~قال الناس: لا . قال: فاشهدوا أيها الناس، ثم دخل قال: واجتمعت الأنصار إلى ~~سقيفة [102ب] بني ساعدة ودعت سعد بن عبادة، واجتمع المهاجرون يقولون: لنا ~~الأمر دونكم، فخرج أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فلما تنشر عمر للكلام ~~دفعه أبو بكر وقال: على رسلك ستكفى إن شاء الله تعالى، ثم قل بعد كلامي ما ~~بدا لك، قال: فتشهد أبو بكر وأنصت الناس فقال بعد كلام كثير: معاشر الأنصار ~~أنتم الذين آووا ونصروا وآزروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم ~~أنصار الله، وأنتم إخواننا في كتاب الله وشركاؤنا في الدين وفيما كنا فيه ~~من الخير، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم شركاؤنا فيه، وأنتم أحب الناس ~~إلينا وأكرمهم علينا، وأنتم أحق الناس بإرضائنا، وأنتم المؤثرون على أنفسهم ~~يوم الخصاصة، والله ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين قط، وأنتم أحق ~~الناس، ألا لا يكن انتقاص هذه الأمة واختلافها على أيديكم وأبعد الناس أن ~~تحسدوا إخوانكم خيرا ساقه الله إليهم، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة بن PageV02P187 الجراح أو إلى عمر بن الخطاب فكلاهما رضيت لهذا الأمر، فكلاهما أراه له ~~أهلا، فقال عمر بن الخطاب وأبو عبيدة: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون ~~فوقك، أنت صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثاني اثنين، ~~فأطريا في مدح أبي بكر، فقالت الأنصار بعد كلام كثير واختلاف من القول: نحن ~~نحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم فلو جعلتم اليوم رجلا منكم ~~بايعناه اليوم ms327 ورضيناه على أنه إذا هلك اخترنا رجلا من الأنصار، فإذا هلك ~~اخترنا رجلا من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، فكان من قول عمر بن ~~الخطاب: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، فأطرى المهاجرون في الدعاء إلى أبي ~~بكر فقالوا: هذا منا الأمراء ومنكم الوزراء، فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو ~~عبيدة فأيهما شئتم فبايعوه، فقالا: والله لا نتولى عليك هذا الأمر، أنت ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فابسط يدك نبايعك، فلما ذهبا ~~يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير عقبك ~~عقوق وما اضطرك إلى ما صنعت أنفست على ابن عمك بالإمارة -يعني سعد ابن ~~عبادة- ثم قام الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذ بقائمه فبادروا إليه فأخذوه ~~منه، فجعل يضربهم بثوبه في وجوههم حتى فرغوا وأقبل الناس من كل جانب ~~يبايعون أبا بكر وكادوا يطأون سعدا وهو مريض وقال ناس من أصحاب سعد: لا ~~تطأوه، فقال عمر: اقتلوا سعدا قاتله الله إنه صاحب فتنة، ثم قام على رأسه ~~فقال: لقد هممت أن PageV02P188 أطأ بطنك حتى أبدي حشويك، وقال سعد: أما والله لو أن لي ما أقوى به على ~~القيام لسمعتم مني في أقطارها وشكلها زبرا يزحزحك وأصحابه احملوني من هذا ~~المكان، فحملوه وأدخلوه داره، ثم سألوه بعد ذلك البيعة فكان سعد لا يصلي ~~بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يقضي بقضائهم حتى هلك أبو بكر وولي عمر فلقيه ~~عمر في بعض طرق المدينة وهو على فرس وعمر على بعير فقال: إيها يا سعد، ~~فقال: إيها يا عمر، فقال: أنت صاحب ما أنت صاحبه، فقال: نعم ذلك، [107أ] ~~قال: أما والله ما جاورني بها جار قط أبغض إلي جوارا منك، قال عمر: إنه من ~~كره جوار جاره تحول عنه، قال: إذا غير فبشرى لك إني لأرجو أن أحيلها إلى من ~~هو أحب إلي منك ومن أصحابك وولى فما لبث إلا يسيرا فخرج إلى الشام في أول ~~خلافة عمر فمات بحوران ولم يبايع، وفي ذلك ms328 قال الحباب بن المنذر شعرا: # سعى ابن حصين في الفساد لحاجة # يظنان أنا قد أتينا عظيمة # وما صعرا إلا لما كان منهما # ولكنه من لا يراقب قومه # فيا ابن حصين وابن سعد كلاكما # ألم تعلما لله در أبيكما # لأنا وأعداء النبي كأننا # نصرنا وآوينا النبي وماله # فديناه بالآباء بعد دمائنا # وكنا له في كل أمر يريده # فكان عظيما أنني قلت منهم ... وأسرع منه في الفساد بشير # وخطبهما فيما يراد صغير # وخطبهما لولا الفساد كبير # قليل ذليل فاعلما وحقير # بتلك التي يعني الرجال خبير # وما الناس إلا أكمه وبصير # أسود لها بالغابتين زئير # سوانا من أهل الملتين نصير # وأموالنا والمشركون حضور PageV02P189 سهاما حدادا صمهن حقير # أمير ومنا يا بشير أمير # غيره # لا تنكرن قريش فضل صاحبنا # قالت قريش لنا السلطان دونكم # قلنا لهم ثوروا حقا فنتبعه # إن كان عندكم عهد به لكم # أو لا يكن عندكم عهد فإن له # نحن الذين ضربنا الناس عن عرض # في كل أمر لنا أمر نفوز به # لستم بأولى به منا لأن لنا # وإننا يوم بعنا الله أنفسنا # والناس حرب لنا في الله كلهم ... سعد فما في مقالي اليوم من أود # لا تطمعن بذاك القوم من أحد # لسنا نريد سواه آخر الأبد # من النبي لكم قلنا من العبد # من أهل بدر وأهل الشعب من أحد # حتى استقاموا وكانوا بيضة البلد # يعطي الإله عليه جنة الخلد # وسط المدينة فضل العز والعدد # لم نبق خوفا على مال ولا ولد # مثل الثعالب تخشى غابة الأسد # وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب # بني هاشم لا تطمع الناس فيكم # وما الأمر إلا فيكم وعليكم # أبا حسن فاشدد لها كف حازم ... ولا سيما تيم بن مرة أو عدي # وليس لها إلا أبو حسن علي # فإنك للأمر الذي يرتجى ملي[107ب] PageV02P190 قال: واجتمعت بنو هاشم إلى علي بن أبي طالب ومعهم الزبير بن العوام والعاص ~~بن الربيع زوج زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمقداد بن ~~عمر حليف بني ms329 زهرة واجتمعت بنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي ~~وقاص واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان وكانوا في المسجد جميعا إلا بني ~~هاشم، فلما أقبل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح قال لهم عمر: ما لي ~~أراكم حلقا قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع الناس له، فقام عثمان وبني ~~أمية فبايعوا، وقام عبد الرحمن وسعد ومن معهما فبايعوا، وقام علي بن أبي ~~طالب ومن معه فدخلوا بيت أنس بن مالك، فأرسل أبو بكر إليهم عمر في عصابة ~~فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقالا لهم: قوموا فبايعوا أبا بكر ~~فكرهوا، فخرج الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب إليه سلمة بن أسلم ~~فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، وانطلقوا به وبني هاشم فبايعوا، ~~وانطلقوا لعلي بن أبي طالب وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله حتى ~~انتهوا إلى أبي بكر فقالوا: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر، لا أبايعكم، ~~وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بنا ~~وبقرابتنا وتأخذونه منا غصبا، وقال العباس وعلي لأبي بكر: ألستم زعمتم ~~للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر لمكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الأمر، فنحن محتجون عليكم بما احتججتم به على ~~الأنصار، نحن أولى برسول الله صلى PageV02P191 الله عليه وآله وسلم حيا وميتا، فانصفوا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، ~~واعرفوا لنا ما عرفته الأنصار لكم، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون، وقال ~~عمر لعلي -عليه السلام: أيها الرجل لست بمتروك أو تبايع. قال له علي -عليه ~~السلام: أحلف حلفا لك شطره أسدد له اليوم ليرده عليك غدا، والله لا أقبل ~~قولك ولا أبايع له. # فقل لمن قال بايع علي عليه السلام طائعا أليس هو هذا أبى أن يبايع طوعا ~~ولا كرها، قال أبو بكر بعد ذلك: فإن لم تبايعه فلا أكرهك، فقال علي -عليه ~~السلام: معاشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره ms330 ~~وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، وتدافعوا أهله عن مقامه في الناس، فوالله ~~لنحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين ~~الله، القائم بسنته، المضطلع بأمر الرعية، فوالله إنه لفينا، فلا تتبعوا ~~الهوى فتزدادوا من الله بعدا. # فصل في حكم أبي بكر في فدك أنه لبيت المال # وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملكا بالإجماع، فلما قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حازه أبو بكر دون ورثته -صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # وروى أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما خلفناه صدقة))(1). # قلنا: حكم أبي بكر بحوزه فدكا وأخذه له من أيدي ورثة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم باطل لوجوه: PageV02P192 # منها، مصادمة ذلك الحكم لقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم [108أ] للذكر ~~مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة ~~فلها النصف}(1) وقد خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بناته وعصباته ~~بناته، والحسن والحسين، وعمه، وخلف نساءه، وقد ورث الأنبياء عليهم السلام ~~بعضهم من بعض. # والوجه الثاني # أن الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإجماع من الأمة ~~علي بن أبي طالب عليه السلام وهو التصرف له بلا فصل بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وهو وأهل بيته لاحق في الإمامة بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لغيرهم بإجماعهم ومن شايعهم، وعلي عليه السلام هو ~~الإمام والحاكم من جهة الصلاحية لا يصح في قرية الإمام وبلده بالإجماع إلا ~~بولاية من الإمام، وأبو بكر طلب الإمامة لنفسه بغير دليل فغصبها على أهلها، ~~فكيف جعلوا له ولاية القضاء، إذ لو جعله علي عليه السلام قاضيا لكان علي ~~إمامه ولنقل ذلك مثل شريح قاضي علي عليه السلام وإذا لم تكن له ولاية ~~فحكمه غير صحيح مع أنه صادم القرآن ms331 المحكم، وما صادم القرآن المحكم فهو ~~باطل قطعا. # الوجه الثالث # مخالفة حكمه لإجماع أهل العصر من أهل البيت عليهم السلام لأنهم مجمعون ~~أن فدك لفاطمة -عليها السلام- دون بيت المال. # الوجه الرابع PageV02P193 أن عليا عليه السلام وهو معصوم بالإجماع إلا من لا يقدح خلافه في الإجماع ~~من الفسقة قد شهد لفاطمة -عليها السلام- هو وأم أيمن أن فدكا ملك لفاطمة، ~~وقوله عليه السلام حجة لعصمته وهو الإمام فهو يحكم بعلمه، وهو نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بآية المباهلة، فمن رده وخونه فكأنما خون ~~رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # الوجه الخامس # رواية فاطمة -عليها السلام- أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم حين قالت ~~لما حازوا ميراثها دونها -عليها السلام- واحتجت على أبي بكر بحجج لم يستطع ~~ردها فقال لها بعد ذلك: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث، ما خلفناه صدقة))(1)، فقالت -عليها السلام: أنت ~~وما رويت، ولكن أبي -صلوات الله عليه وآله- أنحلنيها قبل موته. وفاطمة ~~عليها السلام معصومة بالأدلة القاطعة، وقد روت خبر النحلة وهو معارض لخبر ~~((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) ومبطل للميراث في نفس فدك، لأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم لم يمت إلا وقد وهبه لفاطمة -عليها السلام- وإذا ~~تعارض خبر المعصوم وغير المعصوم رجح خبر المعصوم بالإجماع. # الوجه السادس # أن خبر ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) لو صح لما خفي على علي عليه ~~السلام وهو باب مدينة العلم عليه السلام ولا من خفا على فاطمة -عليها ~~السلام. # الوجه السابع PageV02P194 أن فاطمة -عليها السلام- قد جاءت بعلي [عليه السلام] شاهدا وهو معصوم ~~بالإجماع ومعه أم أيمن فقال: لم يحصل رجل مع علي عليه السلام آخر [108] ~~ولم تحصل امرأتان مع علي عليه السلام ولم تجد فاطمة -عليها السلام- غير ~~علي [عليه السلام] وغير أم أيمن نعم وأم أيمن حاضنته [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] ومولاته ولم يشعر أن هذا خبر لا دعوى، فرجح خبره كما ترى على خبر ~~فاطمة -عليها السلام- ولم يصدقها ms332 في خبرها وهي معصومة بالإجماع وهي بضعة من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورد شهادة علي عليه السلام لكونه لم ~~ينظم إليه امرأتان بزعمه، ولم يشعر أن الشهادة لثبوت خبر فاطمة عليها ~~السلام وزيادة في روايته والكل منهم قوله على انفراده حجة، وهم سفينة ~~الحق، وهم معصومون، وكل فرد منهم معصوم بإجماع الأمة، وهم حجة الله تعالى ~~على خلقه. # الوجه الثامن # أن حديث ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) آحادي عرض على القرآن فنافاه، ~~وما نافا القرآن رد إجماعا. # الوجه التاسع PageV02P195 أنه لو صح الحديث وجب تأويله؛ لأنه آحادي ممكن التأويل، فيجب تأويله ليوافق ~~محكم القرآن وإجماع أهل البيت عليهم السلام ووجه التأويل أنه على ما روي ~~قال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما خلفناه ~~صدقة)) فنقول: نعم إن كل ما خلفه الأنبياء عليهم السلام وكذلك الولاة ~~جميعا من الأئمة وغيرهم لا يورثون ما خلفوه من صدقات التي هي الزكوات ~~والأخماس وغير ذلك، ولا يرث ورثتهم إلا خالص أموالهم، وما في قوله: ((ما ~~خلفناه صدقة)) موصولة بمعنى الذي أي: لا نورث الذي خلفناه صدقة أي: زكاة، ~~فلا تحل لورثتنا ولا تكون لهم ميراثا يختصون بها دون غيرهم من مصارفها ~~كخالص أموالنا، وهذا تأويل ظاهر؛ لأن ما مشتركة بين كونها نافية وموصولة ~~ومصدرية، ولا دليل هنا أنها مصدرية فحسب، فيجب حملها على أنها بمعنى الذي ~~لتوافق الأدلة القاطعة من القرآن وإجماع أهل البيت عليهم السلام وخبر ~~المعصومة فاطمة -عليها السلام- إذا تحقق كذلك عرفت أن حكم أبي بكر في فدك ~~والعوالي باطل قطعا. # الوجه العاشر # أن الأمة أجمعت وأبو بكر وغيره على استحقاق نساء النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم نصيبهن من ميراثه صلى الله عليه وآله وسلم ولم تطرد فيه قاعدة ~~حديث أبي بكر على زعمه، لكن أين أهل العقول والبصائر، فلله الحمد على كل ~~حال، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # الوجه الحادي عشر PageV02P196 أن المعصوم لا ms333 يحكم عليه؛ لأن عصمته تقضي بأن شهادة من شهد عليه باطلة حيث ~~كان المعصوم ينكر ما شهد به، وفي الحكم بها عليه نقض لعصمته، وفي عصمته نقض ~~ورد لنص الله سبحانه على عصمته، ففاطمة -عليها السلام- لا يحكم عليها بثبوت ~~عصمتها قطعا، فيثبت بطلان حكم أبي بكر في فدك ولا قولي أنه لبيت المال وأن ~~حكمه به معصية من الكبائر تقضي بفسقه، وأيضا إنه مقر على نفسه أنه لم يحكم ~~به لبيت المال إلا عن شبهة وهمية لا يقال أنها تنقل المتيقن أصله إجماعا. # قالوا: الصحابة ممن بايع تحت الشجرة، ومن بايع تحت الشجرة معصومون لقوله ~~تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}(1) فكيف يقول ~~أنه يجوز خروجهم عن الإيمان بما فعلوا؟ # قلنا: قد خالفوا محكم الكتاب والسنة بالتقدم في الإمامة وأخذ فدك، ~~وخالفوا إجماع أهل البيت عليهم السلام وأخذوا ما لا يحل أخذه إلا بدليل ~~قاطع، ولا دليل معهم لا قاطع ولا ظني صحيح على ما فعلوا، ولا شبهة صحيحة ~~أبدا إلا اتباع الهوى. PageV02P197 # وأما قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} فإن ~~إذ في اللغة لما مضى لا للمستقبل، وإن كانت للتعليل والاستقبال [109] تدخل ~~في ذلك، فقد دل تعالى على عدم استمراره بقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه}(1) ~~فأخبر الله تعالى بعدم العصمة لأولئك المبايعين إلا من عصم بدليل غيرها ~~بإخباره تعالى بجواز النكث عليهم بقوله تعالى: {فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه}، وبقوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين}(2)، وقال تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ~~وسيجزي الله الشاكرين}(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ترفع لي يوم ~~القيامة ريح سوداء تخطف من دوني أقواما ممن صحبتهم وصحبوني من عظماء أصحابي ~~من المهاجرين والأنصار ms334 فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: يا أحمد إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرا))(4) أورد الحديث علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام وما يمنعهم فقد تقدموا قطعا على من هو مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعني علي عليه السلام كهارون مع موسى إلا ~~النبوة، قال له -صلى الله عليه وآله وسلم -أعني عليا عليه السلام-: ((أنت ~~مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))(5) وهذا PageV02P198 الحديث صريح في الإمامة والخلافة كخلافة هارون عليه السلام له بإمامة من ~~علي بغير نبوة، وهو مجمع عليه بين الأمة، متواتر، فما يمنعهم سبب تقدمهم ~~والأمر كذلك أن يكونوا كسامرية موسى عليه السلام إلا في عبادة غير الله ~~تعالى من العجل أو غيره من الأصنام إذ لا فرق حينئذ. # قالوا: أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار. # قلنا: الصحبة إذا لم يكن اتباعا في الحياة وبعدها ليست بمدح فضلا عن ~~العصمة، وقد سمى الله تعالى الكافر صاحبا في قوله تعالى: {قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا}(1)، والصاحب ~~القائل مؤمنا لقوله تعالى حاكيا عنه ما قال مقابلا به كفر الكافر بعد ذلك: ~~{لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا}(2) مع أنه -أعني أبا بكر- حزن وهما ~~في الغار فقال له صلى الله عليه وآله وسلم ما حكى الله تعالى عنه أنه قال ~~له: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}(3) ثم قال تعالى بعد ذلك: ~~{فأنزل الله سكينته عليه} يعني على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالإجماع، ولم يقل تعالى عليهما، كما قال تعالى في المؤمنين يوم حنين مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين}(4) فأشركهم تعالى مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ~~السكينة، {والله عليم حكيم}. PageV02P199 # قالوا: إن أبا بكر صلى بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms335 ~~فإذا صح للصلاة إماما صح لغير ذلك لأن الصلاة من مهمات الدين وهي عماد الدين. # قلنا: صدقتم، الصلاة ركن من أركان الإسلام وهي عماده ومعظمه، ولكن أين ~~دليلكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختار أبا بكر لإمامة ~~الصلاة وأمره بذلك، وما حجتكم التي تردون بها [109ب] الرواية المجمع عليها ~~أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل له: إن أبا بكر تقدم للصلاة ~~بالناس، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتهادى بين اثنين الفضل ~~بن العباس وعلي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في الجنة- فلما وصل رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم تأخر أبو بكر في ذلك الفرض وصلى بالناس رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فلو كان قد أمره قبل ذلك لما خرج يصلي بهم حين ~~علم بتقدمه. # قالوا: فإنه -أعني أبا بكر- كان يكبر خلف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. # قلنا: صوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسموع وليس في تكبيره ~~كذلك مستند للإمامة إجماعا. # قالوا: الإمامة جائزة في قريش وهو منهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الأئمة من قريش))(1). PageV02P200 # قلنا: من للتبعيض فدل على بعض مجمل هذا الخبر، ولم يقل: كل قريش، بل قال: ~~من قريش، فدل على بعض منهم غير معين في الخبر، ثم بين الخصوصية الله تعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي والحسنين وذريتهما إلى يوم ~~القيامة دون غيرهم بالأدلة القاطعة التي لا ينكرها أحد. # وفي خبر آخر عن علي -عليه السلام: ((الأئمة من قريش في هذا البطن من ~~هاشم، لا تصلح لسواهم))(1) فلا حجة لكم في الخبر حينئذ، إذ لا يبطل الحصر ~~المقطوع به وهو مجمل، بل يتأول على ما يوافق القطع والنص الجلي وإجماع ~~العترة عليهم السلام على حصر الإمامة فيهم دون غيرهم. # قالوا: هي جائزة في كل الناس لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم}(2). PageV02P201 # قلنا: أتقى البشر وسيدهم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ms336 ~~بالإجماع وذلك معلوم ضرورة، وفي غيره صلى الله عليه وآله وسلم الله أعلم ~~بالاتقاء، وقد دل الدليل القاطع أن الأنبياء أتقى الناس، ثم الأوصياء اتقى ~~الناس، ثم ذراري الأنبياء المتبعون للأنبياء كذلك، ورسول الله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم سيد الأنبياء بالإجماع، وضرورة الدين من أنكر ذلك كفر ~~إجماعا، وذريته صلى الله عليه وآله وسلم أفضل، وعترته أفضل الذراري بعد ~~الأنبياء لا ذراري الأنبياء غير الأنبياء، فأهل البيت عليهم السلام أفضل ~~منهم، وقد دل الدليل القاطع أنهم على الحق وهو حديث السفينة وآية التطهير ~~وآية المودة وإني تارك فيكم، وقد اختارهم الله تعالى واصطفاهم، فهم أكرم ~~عنده، وإذا كانوا أكرم الناس بعد الأنبياء لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم}(1)، فمن أين لكم أن غير الأنبياء وذراريهم المتبعين لهم أتقى ~~منهم؟ لا شبهة لكم فضلا عن الدليل. # قالوا: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أطيعوا السلطان ولو كان عبدا ~~حبشيا))(2). PageV02P202 # قلنا: عارض الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة فرد، فإن صح فلا بد له من ~~التأويل على ما يوافق الأدلة القاطعة، لأنه آحادي ومحتمل، ولأن العبد لا ~~يملك التصرف في نفسه فضلا عن التصرف في الغير في الأموال والنفوس، ولأن ~~سيده أحق به من خدمة الناس معا؛ ولأنه لا يصح بالإجماع أن يكون الإنسان ~~مالكا مملوكا فما بقى إلا التأويل إذا صح الخبر بان المقصود إذا كان مأمور ~~الإمام حق يقبض الحقوق مع إذن سيده أو حاجة الإمام إليه مطلقا كالجهاد ~~بالعبيد بغير إذن مواليهم عند الحاجة وعدم رضى الموالي، أو أن ذلك مبالغة ~~في الطاعة كما ترى، واسم السلطان مشترك بين الإمام وغيره ولا يكون المقصود ~~به الإمام إلا لقرينة، فهو اسم للأمير للجيش وغيرهم، وتأمير العتيق جائز أو ~~بإذن سيده إذا كان مملوكا في الحال أو بغير إذنه للحاجة، كالجهاد بالعبيد ~~مع الإيمان كما أمر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- زيدا وكان عبدا فيما تقدم. # فصل في حكم من نكث إمامة عادل من أهل بيت رسول الله -صلى ms337 الله عليه وآله ~~وسلم- بعد مبايعته له PageV02P203 قال الله تعالى في ذلك وفي غيره من نقض الأيمان والعهود: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} وقال تعالى: ~~{وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} وقال تعالى في ~~الكفار: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة} وقال تعالى في المبايعين للرسول ~~-صلى الله عليه وآله وسلم- والإمام خليفته: {إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} وقال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} وقال تعالى آمرا: {ياأيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود} وقال تعالى: {والذين يقطعون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ~~ما أمر به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}. # وعن علي -عليه السلام- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل ~~بايع إماما إن أعطاه شيئا من الدنيا وفا له وإن لم يعطه لم يف له، ورجل له ~~ماء على ظهر طريق يمنعه سائله الطريق، ورجل حلف بعد العصر لقد أعطي بسلعته ~~كذا وكذا فأخذها الآخر لقوله مصدقا للذي قال وهو كاذب)). PageV02P204 # دلت هذه الأدلة بصريحها على فسوق ما بايع إماما عادلا ثم نكث بيعته لفقره ~~أو لغير ذلك ما لم يخرج الإمام عن الإيمان إذا كان الإمام من عترة رسول ~~الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن لم يبايع وامتنع منها بعد أن طلبه ~~الإمام البيعة لغير خشية تلف من العدو في الحال .......... أو في الاستقبال ~~في غير جهاد العدو ولا تمكنه الهجرة قبل ذلك فإنه معذور، وإن لم يحسن، فإن ~~كان الإمام عليا -عليه السلام- أو الحسنين أو المنتظر إذا علم أنه هو بخروج ~~الدجال لعنه الله تعالى في زمانه ms338 أو نزول عيسى -عليه السلام- ففسق وإن كان ~~غيرهم فإذا علم صحة إمامته بالإيمان والعلم الكافي وأنه لا يصر على كبيرة ~~ولا يخالف آية محكمة عمدا ولا سنة متواترة محكمة عمدا -وقد تقدم حقيقة ~~المحكم- ولا إجماع الأمة داخل في إجماعهم إجماع العترة -عليهم السلام- ولا ~~إجماع العترة ولو لم يدخل في إجماعهم الأمة ولا بعضها فإذا تخلف بعد ذلك ~~عما يقدر عليه من الموالاة الواجبة للأئمة فذلك فسق؛ لأن سبيل المؤمنين ~~اتباع الإمام بتلك الشروط بعد العلم بها على ما ذكرنا وفي ذلك منافقة لله ~~تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في التخلف عن الواجب مع تلك ~~الشروط وفي ذلك وأمثاله لقول الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولا ونصله جهنم وساءت مصيرا} ~~ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه ~~الله على منخريه PageV02P205 في نار جهنم))، وقال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت ~~فلم ينصره لم يقبل الله له توبة حتى تلفحه جهنم)) رواه الهادي -عليه ~~السلام. # وقوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم} وغير ذلك من الأدلة. # فأما الإمام المعارض أو الثاني أو الثالث أو أكثر في مصر أو أكثر مع ~~الأول فليس من هذا الباب؛ لأن حكمهم في الطاعة واحد والموادره في الحق واحد ~~والدين واحد وكل داع إلى الخير لا إلى المعاصي حاشا أئمة أهل البيت -عليهم ~~السلام- وفي ذلك وجوازه يقول الله تعالى: {ولكل قوم هاد} ويقول تعالى: ~~{واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين ~~فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون} ويقول تعالى: {ومن أحسن ~~قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ويقول تعالى: {ما ~~على المحسنين من سبيل} ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة ~~نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ms339 وهوى))، ويقول -صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه الله على منخريه في نار ~~جهنم))، ويقول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ~~من ذريتي فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله))، ولم يزل أهل ~~البيت -عليهم السلام- كذلك في أكثر الأزمان، وجواز ذلك ووجوبه في بعض ~~الأحوال قريب الإجماع أو هو إجماع مع عدم PageV02P206 المفسدة المساوية للمصلحة أو الزائدة إلا أن يكون ذلك لتبليغ الشرائع من ~~جهلها جار مطلقا ولو مع المفسدة الزائدة على المصلحة إذا كان سلم المبلغ ~~حتى يقيم لله تعالى الحجة وهذا إجماع بل للتأكيد في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وتبليغ ما لم يفعل الأول أو تكملة من تبليغ الشرائع وفي ذلك يقول ~~الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} ~~ولا مفسدة بين الأئمة أبدا إلا أن يكون شيء من أهل الشبهة أو من جار وظلم ~~منهم وفي هذا كفاية لمن اهتدى ولم يعش عن ذكر الرحمن فقد قال تعالى: {ومن ~~يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين}[الزخرف:36] فنعوذ بالله ~~تعالى من مقارتة الشيطان الرجيم والإعراض عن الكتاب والسنة، ونسأل الله ~~الحماية في الدين والدنيا، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين محمد وآله ~~الطاهرين المطهرين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # قالوا: قال تعالى: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد...إلى آخر الآية}(1)، ~~ثم قال تعالى: {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من ~~قبل يعذبكم عذابا أليما}(2) والداعي أبو بكر إلى قتال أهل الردة. PageV02P207 # قلنا: إن الداعي إلى قتال الكفار محمود، ولو كان الداعي غير إمام بالإجماع، ~~وأيضا فإن عليا عليه السلام قد أمرهم بذلك فهو الداعي لهم وهو الإمام، ~~وفي التفسير أيضا في أحد الاحتمالين: الداعي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعد ذلك يوم هوازن، وقوله تعالى: {فلن تخرجوا معي أبدا}(1) فذلك ما ~~داموا على حالهم من النفاق فلا ms340 حجة لهم حينئذ. # قالوا: أجمع أهل السقيفة. # قلنا: هم بعض الأمة، وليس ينعقد إجماع وأهل البيت عليهم السلام خارجون ~~عنه بالإجماع، وأهل البيت عليهم السلام لم يحضروا السقيفة ولم يرضوا بما ~~فيها إجماعا، روى ذلك الموالف والمخالف، وأنهم في جهاز رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حالة أهل السقيفة ومراجعتهم وذلك معلوم لا ينكره أحد من ~~الأمة، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله وسلم. # باب # في الإسلام # قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}(2) وقال تعالى: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(3)، وقال ~~تعالى: {ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين}(4)، وقال تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين}(5). PageV02P208 # دلت هذه الآيات المحكمة أن الإسلام الكامل هو الإيمان الكامل الذي هو فعل ~~ما علم المكلف وجوبه من قول وفعل واعتقاد وترك ما علم المكلف قبحه من قول ~~وفعل واعتقاد، لأن هذا الحد هو الدين، وقد سمى سبحانه الإسلام دينا فقال ~~تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} وقد رضي الله سبحانه وتعالى الإسلام ~~دينا فقال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا}. # وقد أخبر تعالى أن من ابتغى غير الإسلام دينا فإنه لا يقبل منه فقال ~~تعالى: {ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين}، وقال تعال : {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(1)، وقال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}(2). PageV02P209 # وقد أخبر تعالى أنه رضي الإسلام دينا، وهو سبحانه إذا رضيه دينا فقد قبله، ~~وإذا قبله فهو الإيمان، ولو لم يكن المقصود به الإيمان لم يقبله تعالى، ولم ~~يرضه لقوله تعا(1)لى: {إنما يتقبل الله من المتقين}(2)، ولقوله تعالى: {ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا}(3)، ولقوله ~~تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو ms341 مؤمن فلا كفران لسعيه}[الأنبياء:94]، ولا ~~له قاصون [الرجى توضيح الخط] وأخبر في قوله تعالى آمرا: {قل إنني هداني ربي ~~إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين}[الأنعام:161]، فأخبر تعالى أن الصراط المستقيم الذي يرضاه دينا ~~ملة إبراهيم حنيفا دينه مائلا عن أديان أهل الشرك، وقال تعالى: {وما كان من ~~المشركين} يعني تعالى إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين في شيء من ~~الخصال من الكفر أو إخلال بواجب يعلمه استحلالا ولا غير استحلال [111ب] ~~وذلك هو الإيمان، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد ~~منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(4)، ~~وقال تعالى: {ألا له الدين الخالص}(5)، وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ~~القيمة}(6)، فشدد تعالى في هذه الآيات بقوله PageV02P210 تعالى: {ألا لله الدين الخالص} يعني تعالى الخالص من الشوائب كالرياء ~~والإصرار على شيء يعلم من القبائح، وبقوله تعالى: {مخلصين له الدين} يعني ~~تعالى قاصدين بذلك وجهه تعالى، ناوين الإتيان به على ما أمرهم به تعالى من ~~الإتيان به خالصا مما يرده عن القبول من المعاصي المعلومة كالرياء وغيره من ~~الإصرار على ما يعلم المكلف قبحه من الكبائر، وهذا كما ترى حقيقة الإيمان، ~~وأخذت من قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} أن الذي لم يخلص بل اختلط به ~~رياء أو إصرار على معصية معلومة محبطة من الكبائر فليس هو لله تعالى لأنه ~~لم يخلص، وما لم يخلص لم يرضه تعالى، ومن قوله تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}(1) أن ~~العمل إذا لم تصحبه وتتقدمه العقيدة الصالحة والنية على الوجه الذي أمر ~~الله تعالى به من الخلوص مع المحافظة على الصلاة التي هي المقصود بقوله ~~تعالى: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} التي هي المقصود بقوله تعالى: {ويؤتوا ~~الزكاة} ثم قال تعالى بعد ذلك: {وذلك دين القيمة} يعني تعالى الدين ms342 القيم ~~الذي قبله الله تعالى وأحبه وزكاه ورضيه، فإن لم يكن كذلك بل فيه رياء أو ~~إصرار على فعل قبيح أو ترك واجب لقوله تعالى: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة} فشرط تعالى صحة العبادة بالمحافظة على هذين الركنين الصلاة ~~والزكاة، وقال تعالى بعد ذلك: {وذلك دين القيمة} مع قوله تعالى: {ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} مع قوله PageV02P211 تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} فلو لم يخلص ويسلم المحبط لم يرضه ~~تعالى من العبد ويجعله الدين كله بقوله تعالى: {إن الدين عن الله الإسلام} ~~وبقوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} إذا عرفت هذا علمت أن الإسلام ~~الكامل هو الإيمان الكامل لا فرق بينهما لما ذكرنا ولقوله تعالى: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون}. # فأخبر تعالى أنه لم يخلقهم إلا للعبادة وقال: {ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~فالإسلام هو العبادة لأنه لا يرضى لهم تعالى إلا فعل ما خلقهم تعالى لأجله، ~~فلو لم يكن الإسلام الكامل جميع أنواع العبادة الكاملة لم يرضه تعالى لهم، ~~حيث لم يفعلوا به وحده ما خلقهم تعالى لأجله من العبادة، وجميع أنواع ~~العبادة هو الإيمان الكامل من قول وفعل واعتقاد واجتناب محرم من الثلاثة. PageV02P212 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بني الإسلام على خمسة أركان شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والصلاة والزكاة والصيام والحج))(1) ومن ~~الإسلام الذي [112أ] هو الدين: التصديق بالبعث، وجميع علوم الغيب التي أخبر ~~الله تعالى بها ماضيا وحالا ومستقبلا فلا يخرج المكلف عن الكفر إلا ~~بالتصديق بها قولا واعتقادا، والتصديق بجميع الرسل والأنبياء وأن محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم أفضلهم وخاتمهم وجميع الكتب، وأن القرآن أفضلها، ~~والملائكة وأنهم أفضل الخلق، ومن الوصي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ومنصب الإمامة وصفة الإمام، وأن أهل البيت عليهم السلام أفضل الإنس ~~والجن بعد الأنبياء، وغير ذلك لا يكون المكلف مسلما إلا بذلك لقوله تعالى: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى ms343 وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}(2) والمشروع وذلك معلوم ~~ضرورة من دين كل نبي الإسلام الكامل الذي ذكرنا، ومن معظمه وركنه تصديق ~~الله تعالى في جميع وعده ووعيده وكل الغيوب التي أخبر الله تعالى بها ماضيا ~~وحالا ومستقبلا، فلو لم يكن هذا حد الإسلام الكامل لم يرضه تعالى دينا ~~للمكلف وحده ولم يقبله منه. PageV02P213 # وقد أخبر تعالى أنه رضي الإسلام دينا للمكلف بقوله تعالى: {ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} فالإسلام الكامل هو الإيمان الكامل الذي إذا مات المكلف عليه ~~دخل الجنة بفضل الله تعالى ورحمته، ولذا أمر الله تعالى المكلفين بالدعاء ~~بأن يموتوا على ذلك الإسلام فقال تعالى حاكيا عنهم: {ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين}(1)، وقال تعالى حاكيا عن رسوله يوسف -عليه السلام: {توفني ~~مسلما وألحقني بالصالحين}(2) وقال تعالى آمرا بالمحافظة على الإسلام: {ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون}(3) فلو كان الإسلام دون الإيمان لم يرضه تعالى ~~وحده، ولم يجعله دينا كاملا بقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}(4) ~~ولم يأمر الأنبياء والصالحين بالدعاء بالموت عليه. # فصل والإسلام لغة: الانقياد. # قال: # أسلمت وجهي لمن أسلمت # فلما أثقلت شدها بص ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا # نع وأرسى عليها الجبال # وفي الشرع: الشهادتان والتصديق بجميع ما أخبر الله تعالى به من علم الغيب ~~عنا وتوطين النفس على فعل الواجب وترك القبيح مع فعل ذلك لما قدمنا من ~~الأدلة أن الإسلام الكامل هو الإيمان الكامل. # فصل PageV02P214 المسلم حينئذ كامل الإسلام هو المؤمن كامل الإيمان، والمسلم هو من أسلم ~~جوارحه كلها وقادها فيما أمر الله تعالى به من فعل واجب أو كف عن قبيح وذلك ~~حقيقة المؤمن ومع ذلك التسليم يتزايد إيمانه، ويشرح الله صدره، ويزيده هدى، ~~ويبكي ويتباكى لسماع آيات الله تعالى ويزداد إيمانا وتنويرا، وفي ذلك كله ~~يقول الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ms344 ورزق ~~كريم}، ويقول تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}(1) أي بنور تفرقون به ~~بين المحكم والمتشابه، والحق والباطل، ويقول تعالى: {والذين اهتدوا زادهم ~~هدى}(2). # فصل PageV02P215 وأهل الكبائر ممن قد شهد الشهادتين بعد تكليفه وصدق ظاهرا وباطنا بجميع علم ~~[112] الغيب من البعث والحساب والجنة والنار والحياة بعد الموت والملائكة ~~وفضيلتهم، والأنبياء وفضيلتهم، وأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أفضلهم ~~وخاتمهم، والكتب وأن القرآن أفضلها، والوصي علي بن أبي طالب عليه السلام ~~وذرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفضيلتهم، وأن الإمامة فيهم واعترف بوجوب جميع ما أمر الله تعالى به، ~~وقبح ما نهى الله تعالى عنه، وفعل الواجب، وترك القبيح، ثم ترك غير مستحل ~~من الأفعال الواجبة لا الأقوال والعقائد فإنه يكفر سواء استحل أو لم يستحل ~~بتركهما مطلقا؛ فإنه إذا ترك من الأفعال غير مستحل لغير عذر مانع لا يستطيع ~~فعلها معه ما على وجوبه دليل قاطع من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم أو لم يفعله ابتداء وأقر به كذلك فإنه يسمى مسلما غير ~~كامل الإسلام ولا يسمى مسلما كامل الإسلام الذي هو الإيمان الكامل، ويسمى ~~فاسقا لخروجه عن كمال الإسلام الذي هو الإيمان، والفسق في اللغة: الخروج، ~~وفي الشرع: مخالفة دليل قاطع متنا ومعنى، غير منسوخ، محكم عمدا غير مستحل ~~ولا مستخف ولا راد للمعنى ولا للمتن؛ فإن استحل أو استخف أو استكبر أو رد ~~المعنى من غير ناسخ قاطع، أو رد المتن المقطوع به والمتواتر ولو كان معناه ~~ظنيا كالقرآن والسنة المتواترين كفر إجماعا ولو لم PageV02P216 يستحل في الرد والاستخفاف والاستكبار إجماعا. # ويسمى أهل الكبائر المصرين عليها غير مستحلين على التفصيل المتقدم مسلمين ~~فساقا ولا يسمون كفارا وذلك لمعاملته صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين ~~وهو يعلم بالوحي أنهم كفار في الباطن معاملة المسلمين لظاهر الحال من ~~الإسلام، ولو أظهروا في مجلسه صلى الله عليه وآله وسلم ومجلس المؤمنين ~~ولو أظهروا الكفر عند ms345 أمثالهم وهم أعظم جرما ممن فعل الكبائر ولم يشرك ~~بالله تعالى شيئا ولم يستحلها؛ لأنهم -أعني المنافقين- مشركون في الباطن، ~~وحقيقة المنافق في الشرع من أظهر الإسلام ملتزما لأحكامه وأبطن الكفر، ولا ~~يعلم ذلك إلا الله تعالى والأنبياء عليهم السلام بالوحي إليهم، فأما نحن ~~فلا يتعين لنا المنافق من أهل زماننا أبدا لعدم الوحي بتعيينه، فإن أظهر ~~الكفر مجاهرا به في حضرة المؤمنين وغيرهم فكافر صريح لا منافق، وإن أظهر ~~الكفر في حضرة مثله أو أكفر منه من مظهري الكفر وتستر به في مجلس المؤمنين ~~أو أبطنه معتقدا وأظهر الإسلام في غير مجلس مثله وأكفر منه فهو منافق، وفي ~~ذلك يقول الله تعالى في صفة المنافقين: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون}(1). PageV02P217 # واعلم أن أهل الكبائر من ذكرنا أولا، يعاملون معاملة المسلمين في الطهارة ~~والذبيحة وأن دارهم دار إسلام، وأنهم لا يسبون عند القتال، وأن قتالهم ~~للدفع عن منكراتهم، وأنهم لا يمنعون ميرة، ولا تملك أراضيهم، وأنه لا يحكم ~~لأولادهم الصغار بحكمهم، وأنه لا ييأس المؤمن من اهتدائهم ورجوعهم إلى الحق ~~في زمان تكليفهم، وأن مؤاكلتهم جائزة، وأن رطوبتهم طاهرة وغير ذلك من ~~الفروق وذلك لما ذكرنا أولا من الدليل[113أ] ولإجماع المسلمين على ذلك إلا ~~من أنكر المنزلة بين المنزلتين لقوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}(1) فأخبر تعالى أن ~~الإسلام إذا لم يكمل حتى يصير إيمانا لا يكون صاحبه مؤمنا بل مسلما ~~لانقياده وشهادته بالحق والتزام أحكام الإسلام، فنهى الأعراب تعالى عن ~~دعواهم الإيمان في أول دخولهم في الإسلام ولم قد يتأكد الإسلام فيهم حتى ~~يصير إيمانا، فقال تعالى في ذلك: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} يعني ~~تعالى لا تدعوا لنفوسكم الإيمان في أول إسلامكم حتى يتأكد إسلامكم ويكمل ~~ويصير إيمانا وقبل ذلك قولوا أسلمنا لتصدقوا في الدعوى يعني تعالى قولوا: ~~أسلمنا دخلنا في الإسلام بالشهادتين والتزام جميع أحكامه، ولا ms346 تدعوا ~~لنفوسكم ما لم يثبت عندنا لكم وهو الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الذي ~~رضيناه دينا للخاص والعام، فإذا لم يكن قد ثبت لكم في أول إسلامكم فكيف ~~تقولون آمنا، ثم قال تعالى: PageV02P218 # {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} ثم أخبر تعالى بما يكونون به مؤمنين وبحقيقة ~~المؤمنين وبما يكونون به كاملي الإسلام الذي رضيه تعالى دينا للعالمين فقال ~~تعالى بعد ذلك: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله ~~غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} يعني تعالى الصادقون في ~~إيمانهم، فإذا قالوا: آمنا، وهذه حالتهم الإيمان بالله ورسوله {ثم لم ~~يرتابوا} لم يشكوا أبدا في العسر واليسر مع الطاعة لله تعالى ولرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم في كل حال فهم الصادقون في الإيمان ودعواه حين كمل ~~إسلامهم وصار إيمانا. # وقوله تعالى: {لا يلتكم من أعمالكم شيئا} يعني تعالى مع الإسلام الكامل ~~محافظين عليه غير مصرين على معصية كبيرة لقوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ~~ورسوله} يعني تعالى تطيعوه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم طاعة ~~مستمرة على حسب ما أمركم ونهاكم وبصركم من التوبة إذا عصيتموه، فإذا ~~أطعتموه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك {لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا} يعني تعالى: {لا يلتكم} لا ينقصكم شيئا {من أعمالكم} من جزاء ~~أعمالكم، فلا يضيع ولا يبخس ولا يظلمكم منها شيئا قليلا ولا كثيرا. PageV02P219 # فالإسلام غير الكامل لصاحبه حكم بين الحكمين، فليس له حكم كامل الإسلام وهو ~~المؤمن، وليس له حكم من لم يدخل في الإسلام أو استحل كبيرة من الكفر لما ~~ذكرنا من الأدلة ولأفعال علي عليه السلام وأقواله في أهل صفين ويوم ~~الجمل، ولمعاملته صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين معاملة المسلمين في ~~الطهارة ونحوها والذبيحة لظاهر الإسلام، وكذلك معاملته صلى الله عليه وآله ~~وسلم لفسقة زمانه [صلى الله عليه وآله وسلم] معاملة المؤمنين في الطهارة ~~والذبيحة ونحو ذلك. PageV02P220 # وهذا ms347 تحقيق المنزلة بين المنزلتين وهو واضح، ويدل ما قدمنا من الأدلة على ~~أن من ظهر إسلامه ولم يعلم منه بكبيرة أنه مؤمن فيعامل معاملة المؤمن كامل ~~الإسلام لقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون ~~عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم} ~~[113ب] يعني تعالى من ألقى إليكم السلم: كلمة الإسلام شارعا في الدخول فيه، ~~فلا تقولوا بعد ذلك: لست مؤمنا فلا نقبلك حتى يكمل إسلامك بالإيمان، ولا ~~تقولوا لست مؤمنا يعني تعالى إنك ليس إسلامك صحيحا وإنما هو تقية بإظهارك ~~إياه، وإذا نهاهم تعالى عن عدم القبول وعن القول له ليس مؤمنا، فقد أمرهم ~~تعالى بأن يحكموا له بالإيمان وصحة الإسلام بما أظهر من ذلك، فيعامل معاملة ~~المسلم كامل الإسلام وهو المؤمن حتى يخرج عن حكم الإسلام الذي أظهره بيقين، ~~ثم قال تعالى مخبرا بمنته عليهم -أعني على من قد صار كامل الإسلام- فقال ~~تعالى: {كذلك كنتم من قبل} يعني تعالى كفارا فقبل منكم وتاب عليكم وحكم لكم ~~بالإيمان بعد عدمه، ثم قال تعالى: {فمن الله عليكم} بالقبول لكم والعفو عما ~~مضى منكم وجميع أحكامه وحكم لكم بالإيمان، فعاملوا الناس وافعلوا لهم من ~~أنفسكم مثلما فعل الله تعالى لكم، واقبلوا حكمه تعالى فيهم، وأحبوه لهم كما ~~قبلتموه وأحببتموه لأنفسكم، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لقاتل من نزلت الآية بسببه وفيه ومثله حين قال: إنما قالها تقية PageV02P221 ليسلم غنمه فقال له -صلى الله عليه وآله وسلم: ((هلا شققت على سويداء قلبه ~~... إلى آخر القصة))(1)، وقال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الإسلام يجب ما ~~قبله))(2). # فصل # والإسلام الكامل إيمان كامل، والإسلام غير الكامل يسمى إيمانا لغويا؛ لأن ~~الإيمان في اللغة التصديق، وإسلاما شرعيا لما ذكرنا من الأدلة؛ ولا يسمى ~~إيمانا شرعيا إلا الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل. # ويسمى الفاسق مسلما إسلاما شرعيا ومؤمنا لغة، ولا يسمى مؤمنا شرعا، ولذا ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: ((لا ms348 يؤمن فاجر مؤمنا))(3). # فالفاجر: الفاسق، والمؤمن: الآتي بالواجب المجتنب للقبيح، التائب إن صدر ~~القبيح منه، والفاسق الفاجر بخلافه المصر على القبيح، المخل بالواجب. # وفي هذا كفاية لمن استبصر في كتاب الله تعالى ومقاصده تعالى في ذلك وسنة ~~رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم. # فصل PageV02P222 والإسلام الكامل وغير الكامل والكفر والفسق كل ذلك مقدور للمكلف البالغ ~~الكامل العقل ويعلم كيفية الإسلام فهو فعل الله تعالى بما ركب تعالى من ~~العقول القاضية بوجوب معرفته تعالى، ووجوب شكره تعالى، وبالسمع المثير ~~لدفائن العقول وغير المثير، والمفصل لكيفية الشكر، والفارق بين النظر ~~الصحيح والفاسد، وذلك الله سبحانه بما ركب من العقول وجعل من القدرة على ~~ذلك وأرسل من الرسل وجعل لهم ومعهم من الكتب والسنن وذلك الإسلام بعد ~~التعليم كله مقدور للمكلف، فثاب على الإسلام الكامل الذي هو الإيمان إذا ~~مات على ذلك، فثاب بالجنة التي لا انقطاع لها وتبيين الكفر والفسق وتبيين ~~ما يوجبهما من الأفعال والأقوال والاعتقادات والقدرة على تركهما وما ~~يوجبهما بسهولة أو بمشقة فعل الله تعالى، ولولا تبيينه تعالى لهما لنا لما ~~عرفناهما، ولولا تعليمه لنا الإسلام الكامل لما عرفناه ولا علمناه، ولولا ~~خلقه تعالى فينا القدرة على فعله وعلى تركه وعلى فعل الكفر والفسق ~~وضده[114أ] لما كلفنا بذلك وعلى ذلك ويصدقه قول الله تعالى حاكيا قول ~~المؤمنين: {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} نعم وإن كفر العبد أو فسق ~~إلى الموت أو المجنون المتصل بالموت أو حضرته ملائكة الموت على الكفر أو ~~الفسق فيعاقب بالنار التي لا انقطاع لعقابها ولا لها انقطاع بعد خلقها نعوذ ~~بالله وبرسوله -صلى الله عليه وآله- وما يقرب إليها من كل قول وفعل ~~واعتقاد، وما قلنا من أن ذلك فعل المكلف فذلك معلوم PageV02P223 بدرك الحس وضرورته لا ينكره إلا مكابر. # ومن جهة العقل أنه لو لم يكن المكلف يقدر عليه وكلف به وهو لا يطيقه لكان ~~ذلك قبيح عقلا لأنه تكليف لما لا يطاق ولكان الثواب والعقاب عليه عبثا ~~وكذبا وقبيحا، والعبث والكذب كل ms349 ذلك قبيح عقلا، والله يتعالى عن فعله علوا كبيرا. # ومن جهة السمع فقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقوله تعالى: ~~{إلا ما آتاها} وقوله تعالى مخبرا بأنه تعالى قد جعل في المخلوق للعبادة ~~بينة وصفة فاضلة للإسلام الكامل ويقدر صاحبها عليه قوله تعالى: {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وقوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} وقوله تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} فأخبر تعالى بقوله تعالى: {فأقم وجهك للدين القيم} وهو ~~الإسلام الكامل، ثم قال تعالى في ذلك: {ذلك الدين القيم} والقيم هو الإسلام ~~الكامل قال تعالى مخبرا أنه تعالى فطر الخلق عليه أي خلقهم عليه وقابلين له ~~فقال تعالى في ذلك: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} يعني تعالى فطرهم ~~تعالى قابلين لها، قادرين عليها بما ركب تعالى فيهم من العقول وجعل فيهم من ~~القدرة، ثم قال تعالى بعد أن PageV02P224 أخبر بما فطرهم عليه جميعهم من قبول الإسلام الكامل الذي هو الدين القيم: ~~{ذلك الدين القيم} يعني تعالى بالقيم الكامل، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا ~~أنه لا يقدر أحد من المكلفين أن يبدل القدرة والعقل القابلين للإسلام ~~الكامل فقال تعالى في ذلك: {لا تبديل لخلق الله} يعني تعالى لا أحد يقدر من ~~العباد على تبديل القدرة والقبول للإسلام وبعكس الأمر إلى قبول الكفر أو ~~الفسق فقط أبدا لا يكون ذلك ولا يقدر عليه بشر، وأما الله تعالى فهو يقدر ~~على كل ما يعجز المخلوقون عن إيجاده لعجزهم وهو من جنس المقدورات ولكن لو ~~جعلهم الله تعالى قادرين على الكفر دون الإيمان ثم كلفهم بالإيمان وهم لا ~~يقدرون عليه ثم عاقبهم تعالى على ms350 تركه وكلفهم به وهم لا يقدرون عليه أو رضي ~~لهم بالكفر المخالف لما قضى به عليهم عقلهم من الإسلام للذي خلقهم وأنعم ~~عليهم لكان ذلك قبيحا عقلا والله يتعالى عنه وهو الغني الحميد، ولكان ذي ~~ذلك إكذاب لقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم} يعني تعالى أن الفطرة التي فطر الناس عليها لا ~~يبدلها المخلوقون [114ب]لعجزهم ولا يبدلها الله تعالى إلى ضدها من الكفر ~~والفسق لقبح ذلك في الحكمة، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} ثم قال ~~تعالى بعد ذلك: {ذلك الدين القيم} أي الفطرة التي خلق الخلق عليها ولا ~~تبديل لها هي الدين القيم أي: الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل، إذ ~~القيم هو المستوي على PageV02P225 أحسن الأحوال وأرجحها في اللغة، ثم قال تعالى بعد ذلك إن الناس أكثرهم ~~ضالون لا يتفكرون ولا يعملون تلك الفطرة فيعطوها حقها من الإقرار والامتثال ~~والعمل فقال تعالى في ذلك: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني تعالى لا ~~ينظرون ولا يتفكرون ولا يفعلون بتلك الفطرة ما وجب عليهم، وكذلك قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فأخبر تعالى بصلاحية الكل للعبادة على ~~قدر ما هو عليه من القدرة مع العقل الكامل الزائد على عقول الأطفال ~~والبهائم وحصول العقل الكامل مع البلوغ الشرعي وكيف يقال إن الله تعالى خلق ~~الجن والإنس ليعبدوه ثم لا يجعل فيهم قدرة وعقلا يقدرون معهما على فعل ~~العبادة ويعلم تفصيلها تعالى الله عن قول أهل الزور، وقال تعالى: {وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} يعني تعالى أشهدهم على أنفسهم كل ~~قرن من القرون حال إكمال عقلهم بما ركب تعالى فيهم من العقول التي إن عملوا ~~بما قضت به عليهم من الإسلام الكامل لم يكفروا ولم يفسقوا، ثم قال تعالى: ~~{ألست بربكم قالوا {مقرين بما عرفوا}بلى شهدنا} يعني تعالى إنك ربنا دون ~~غيرك ممن لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على ما تقدر أنت عليه من الملائكة ~~والإنس ms351 والجن والأصنام، ثم أكد تعالى الحجة عليهم فقال تعالى: {أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعده أفتهلكنا بما فعل المبطلون} أي: كنا ذراريهم ففعلنا كفعلهم ~~فقد عرفناكم بوجوب الرجوع PageV02P226 إلى ما قضت به عقولكم من الإسلام الكامل وقبح تقليد الآباء الكافرين ~~والفاسقين في كفرهم وفسقهم الذي استقبحناه لكم ولهم واستقبحه ما ركبنا فيهم ~~وفيكم من العقول، فتعالى الله الملك الجليل، الرحمن الرحيم. # قالت المجبرة لعنهم الله تعالى: إن الله تعالى يخلق الكفر والفسق في ~~العبد ويخلق الإيمان في العبد ولا يقدر العبد على تحويل شيء من ذلك، والفعل ~~فعل الله تعالى لا فعل العبد ولا يقدر العبد على شيء من ذلك. # لنا حجة عليهم ما تقدم من الأدلة كلها عقلا وسمعا وهي محكمة إجماعا يكفر ~~مخالفها ورادها أو معانيها إجماعا ولا يصح النسخ لها إجماعا وبالشرع والعقل ~~والحس المعلوم ضرورة وجوب نسبة الفعل إلى فاعله. # فإذا قالت الجبرية: أفعال العبيد فعل الله تعالى، فلا محيص لهم من أن ~~ينسبوا إلى الله تعالى فعل العبيد فيقولوا: إن الله تعالى عاص وذلك كفر شرك ~~إجماعا، ويلزمهم أن يقولوا إرسال الرسل عبثا لأنه لا يصلح أن الله تعالى ~~يأمرهم أن ينهوه تعالى عن فعله. # وإن قالوا: فعل الله وكسب العبد فلا محيص لهم مما تقدم، وإن يقولوا: الله ~~تعالى والعبيد عاصيان، وهذا كفر صريح لا شك فيه. PageV02P227 # وقد ذكر الله تعالى فعله في كتابه، ولم يذكر تعالى في كتابه تعالى أن فعل ~~[115أ] عباده فعله ولا ذكر أنهم شاركوه في فعله تعالى بل نفى ذلك ونسب ~~فعله تعالى إليه تعالى فحسب مستغنيا عنهم تعالى وتبارك، وما لم يفعله ~~تعالى وحده لم يخلقه؛ لأن الفعل منه تعالى والخلق واحد فقال تعالى: ~~{الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من ~~الذل وكبره تكبيرا} فأخبر أن ليس له شريك في شيء مما خلق. # فلو ms352 كان الأمر كما زعمت القدرية أن الله خلق الكفر كله وفعل الكافر كله ~~لا يملكه الله دون الكافر ولا يملكه الكافر دون الله ولا يقدر العبد أن ~~يفعله ومتى فعله العبد خلقه الله، وإذا لم يفعله العبد لم يخلقه الله، ~~ومحال زعموا أن ينفرد العبد به دون الله أو ينفرد الله به دون العبد. # فلو كان كما يقول الجاهلون لكان الله محتاجا إلى المخلوق في فعله وكان كل ~~واحد منهما محتاج إلى الآخر فيه، وهذا عين الكفر بالله العظيم تعالى الله ~~عن هذه المقالة علوا كبيرا. PageV02P228 # وقد نفى الله عن نفسه الكذب والكفر وأضافهما إلى عباده فقال تعالى: {وإن ~~منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ~~ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون} فأخبرهم أن شركهم وكذبهم ليس من كتابه ولا من عبده، ولو كان خلقه ~~لكان من عنده، ولم يكن ليقول ليس من عندي وهو من عنده تعالى الله عن الكذب ~~علوا كبيرا، وقال تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا ~~حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون}. # وقد علمنا أن الله تعالى خلق الشاة والبعير فلم ينفي عن نفسه ما خلق، ~~وإنما نفى عن نفسه تحريمهم ما حرموا وحكمهم بما لم يأمرهم الله به ولم يأذن ~~لهم فيه، فقال تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا قل آالله أذن لكم أم على الله تفترون * وما ظن الذين يفترون على ~~الله الكذب يوم القيامة} فلو كان خلق ذلك التحريم وذلك القول الذي قالوه ~~وجعل ذلك الشق الذي شقق في آذان أنعامهم لم يكن ليقول مرة ليس هو من عندي ~~ومرة لم أجعله ومرة من عندهم ومرة لم آذن لهم فيه وهم الذين جعلوه -تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV02P229 # وقال: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ...الآية} فأخبر ~~تبارك وتعالى ms353 أنه لم يجعل ذلك الذي جعلوه ولم يقل ذلك الذي قالوه وأنه ~~قولهم بأفواههم وأنه لا يقول إلا حقا، فلو كان خلقه وصنعه كما يقول من لا ~~علم له لم ينفه عن نفسه وينسبه إلى عباده، كما لم ينفي عن نفسه خلق ~~السماوات والأرض ولا شيء مما خلق إلى فعل عباده -عز عن ذلك وتعالى علوا كبيرا. # وقال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان} والسلطان الحجة، فلو كان خلقها وصنعها كما زعموا لكان قد أنزل لهم ~~بها السلطان والله يتعالى عن أن يكون لأحد عليه حجة، وقال: {كبرت كلمة تخرج ~~من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} وقال: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم ~~من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} وقال: {ورهبانية ابتدعوها} فلو ~~كان خلقها وشاركهم فيها لم يقل: {ابتدعوها} تعالى [115ب] عن ذلك علوا كبيرا. # وقال: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا} نسب ذلك إليهم ~~وأخبر أنهم فعلوه، ولم يقل إني خلقت الإفك معهم ولا تفردت به دونهم كما زعم ~~الجاهلون، فلو كان كما يقول الجاهلون لكان للإفك خالقان: أحدهما: الله، ~~والآخر: الإنسان -تعالى من لا شريك ولا خالق لخلقه سواه. PageV02P230 # وقال: {لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} وقال: ~~{إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}(1) فقد ذم تبارك وتعالى الذين جاءوا ~~بالإفك وقالوا وادعوا الولد على الله عز وجل، ثم تبرأ من ذلك ونفاه عن نفسه ~~وقال: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} فأخبر أنه لم يتخذ ذلك لنفسه، فلو ~~كان خلق مقالتهم وفعلهم كان هو الذي جاء بها وقالها، ومن وصف الله بهذا ~~لزمه أن يزعم أن الله اتخذ الولد -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ فكلما ~~قلنا لم يخلقه الله، فإنما يعني لم يفعله، فلا يتوهم أحد علينا غير ذلك. # فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله لم ms354 يخلق أعمال العباد ولم يفعلها ولم ~~يشاركهم فيها -تعالى من ليس له شريك ومن ليس كمثله شيء- ويدل أن أعمال ~~العبيد خلقهم وفعلهم وليست فعل الله تعالى ولا خلقه ولا شاركهم فيها بفعله ~~وخلقه مع هذا قوله تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ولم يقل ~~تعالى: فمني كافر ومني مؤمن، فما نسب تعالى فعله الذي هو الخلق لهم إليه ~~تعالى بقوله تعالى: {هو الذي خلقكم} فنسب تعالى الخلق إليه لما كان فعله، ~~ونسب تعالى الكفر والإيمان إليهم لما كان فعلهم فقال تعالى: {فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن} ولم يقل تعالى: مني -تعالى الله عن قول أهل الفحش- وهذه الآية ~~محكمة لا يصح تأويلها ولا يمكن إجماعا بيننا وبينهم. PageV02P231 # قالوا: قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس}. # قلنا: لا حجة لكم في ذلك؛ لأن ذلك موضع تهدد إذ قد ذكر تعالى قبل ذلك حكم ~~علماء السوء بقوله تعالى: {واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها}(1) يعني تعالى: ~~ولو شئنا مشيئة عبث لا حكمة فيها {لرفعناه بها} أي: بسبب علمه بها من غير ~~العمل بها ولا الرجوع إلى ما فيها وتعظيم من لا يستحق التعظيم عبث، والعبث ~~قبيح عقلا لا حكمة فيه، ونحن لا نفعله، ولو قدرنا عليه لقبحه عندنا، ثم قال ~~تعالى بعد ذلك مخبرا: إنه -أي عالم السوء- لم يرجع إلى حكمه تعالى فيستحق ~~التعظيم الذي يترتب على العلم والعمل غير مفترقين، فقال تعالى في ذلك: ~~{ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث} يعني تعالى وجود علمه بآياتنا وعدمه سواء حين لم يعمل بها كمثل ~~الكلب يلهث لهثان التاعب مع طرده الموجب للتعب الذي يكون معه اللهث ومع عدم ~~الطرد الذي يكون معه السكون عن ذلك، ثم قال تعالى [116أ] في ذلك كذلك: {ذلك ~~مثل القوم اللذين كذبوا بآيتنا} يعني تعالى مثلهم جميعا كمثل الكلب الذي ~~مثل به تعالى عالم السوء ms355 بعد معرفتهم لها بكمال العقل وتفصيل ما قضى به ~~من الشكر على ألسنة الرسل -عليهم الصلاة والسلام وآلهم- ولم يعملوا ~~بمقتضاها من الإسلام الكامل، ثم قال تعال بعد ذلك آمرا لرسوله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: PageV02P232 # {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآيتنا وأنفسهم ~~كانوا يظلمون}(1) ثم قال تعالى بعد ذلك: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فأولئك هم الخاسرون} من يهدي الله يعني تعالى: من يحكم تعالى له بأنه من ~~المهتدين المرضيين {فهو المهتدي} يعني تعالى بقوله تعالى: {فهو المهتدي} ~~يعني تعالى فهو المكلف المهتدي أي: فهو المكلف الذي اختار فعل ما يكون به ~~من جملة من حكم الله تعالى له بالهداية من الصالحين {ومن يضلل} يعني تعالى ~~ومن يحكم تعالى له بالضلالة لأجل فعله ما يكون به من الضالين والإصرار عليه ~~مخالفا لما عرف من آياتنا {فأولئك هم الخاسرون} في الآخرة وفي الدنيا وفي ~~حكمنا، ثم أخبر تعالى بعد ذلك متهددا للعقلاء الذي عرفوا آياتنا فخالفوا ~~مقتضاها وما في سنن الرسل والأنبياء عليهم ولهم من النبيين ولم يجدي عليهم، ~~فشبه تعالى حالتهم في معاندتهم مع ذلك بحالة من خلق وذرأ لجهنم، ثم أطلق ~~عليهم ذلك، وهذه استعارة تبعية عند أهل البيان، لأنه شبه تعالى عنايته ~~تعالى في هدايتهم وخلقه تعالى فيهم القدرة والعقل وأمره لهم بما يحكم ~~تعالى لهم معه بالإيمان ثم اختاروا المخالفة إلى الكفر والفسوق والعصيان ~~بعناية من خلقهم للنار وخلق قدرهم وعقولهم داعية لهم إلى ما يوقعهم فيها، ~~ثم أطلق تعالى على ذلك قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس} ويدل على هذه الاستعارة والتأويل الظاهر الحسن قوله تعالى بعد ذلك: PageV02P233 # {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون ~~بها}(1) فأخبر تعالى أنه خلق فيهم هذه الآلات فلم ينتفعوا بها مع أنها مع ~~استعمالها في الإسلام الكامل يحصل بها قطعا، ثم شبههم تعالى حيث استعملوها ~~حيث لم يأمرهم به فيها بالأنعام التي أوجد تعالى ms356 القلوب فيها مجردة عن ~~العقول التي يحصل بها الفقه، وأوجد تعالى فيها عيونا للبصر ولا عقل مع ذلك ~~وآذان تسمع بها الأصوات ولا تميز بين الحسن والقبيح من المسموع والمبصر ~~لعدم العلم والعقل فقال تعالى مشبها لهم حين لم يستعملوا معاني هذه القلوب ~~فيما علموا {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا * أولئك هم الغافلون}(2) ~~فنسب تعالى الغفلة إليهم، وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~وهذه الآية مقابلة لقوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس} ~~لا يمكن الجمع بينهما وهما غير منسوختين إجماعا إلا بهذا التأويل لأجل ~~الحصر بما وإلا في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وقال ~~تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} فنسب تعالى الظلم إليهم ونفاه ~~تعالى عن نفسه -تعالى، [116ب] ولو خلقهم -تعالى، لقصد جهنم وتعذيبهم بغير ~~اختيار منهم للمعاصي لكان تعالى ظالما لهم -تعالى الله عن قول المجبرة ~~الفجرة الملعونين الكفرة. # قالوا: قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له}(3). PageV02P234 # قلنا: من يضلل الله تعالى من يحكم بضلالته؛ لأجل اختياره القبائح والطغيان ~~لقوله تعالى بعد ذلك: {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} فقال تعالى: {في طغيانهم ~~يعمهون} فنسب تعالى ذلك الطغيان والعمه إليهم ولم ينسبه تعالى إليه؛ ~~والإضلال في اللغة بمعنى الحكم به لأنه من أضلله يضلله بمعنى صيره ضالا بأن ~~حكم عليه بذلك كأحبس بحبسه فلانا أي صيره مستحقا للحبس بالحكم عليه به، ~~وبمعنى الإهلاك، وبمعنى الضياع، وبمعنى الإغواء عن الطريق الحق؛ والله ~~يتعالى عن أن يضيع شيئا وعن أن يغوي عن الحق وكيف يكذب عليه شهود إبليس ~~وخصماء الرحمن من الجبرية وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقال ~~تعالى: {وإن تشكروا يرضه لكم} وروي أن أول من أظهر الجبر في الإسلام معاوية ~~بن أبي سفيان. # روي أنه قام خطيبا بالشام فقال: إنما أنا خازن من خزان الله، أعطي من ~~أعطاه الله، وأمنع من منعه الله، فقام إليه أبو ذر فقال: كذبت يا معاوية، ~~إنك لتعطي من ms357 منعه الله، وتمنع من أعطاه الله. فقام عبادة بن الصامت فقال: ~~صدق أبو ذر. فقام أبو الدرداء فقال: صدق عبادة. قال ثم نزل عن المنبر وهو ~~يقول: فنعم إذن فنعم إذن. PageV02P235 # وروي عن شريك عن ليث عن طاووس عن عبد الله بن عمر قال: تركت أبي يتهيأ ~~للمضي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسمعته يقول: ((ليدخلن علي رجل يموت على غير ملتي ~~........أنا))(1) فما زالت عيني إلى الطريق حتى دخل معاوية. # وروي أنه مات وفي عنقه صليب. # وروي عن مكحول عن أبي هريرة أن رجلا من خثعم قام إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: متى يرحم الله عباده؟ فقال: ((ما لم يعملوا بالمعاصي ~~ثم يزعمون أنها من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك انتزعت منهم الرحمة انتزاعا، ~~قال الخثعمي: يا رسول الله، يضل الرجل وهو يقرأ القرآن؟ قال: إذا قال هذا ~~القول طبع على قلبه))(2). # وروي عن ابن عباس عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول: ((ما هلكت أمة حتى يكون الجبر قولهم))(3). # والقول بالعدل قول الأنبياء والرسل والسلف الصالح من هذه الأمة وفي هذا ~~كفاية لمن استبصر والله الهادي. # فصل في الشكر لله تعالى PageV02P236 الشكر لله تعالى هو الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل وهو اعتقاد ~~صحيح، كمعرفة الله تعالى حق معرفته من كونه تعالى واجب الوجود، أول لا حد ~~لأوليته، آخر بلا حد، ليس بجسم ولا عرض، بل هو تعالى شيء لا يشبه ~~المخلوقين، خالق غير مخلوق، حي، عالم، قادر بذاته لا بأمر زائد ولا صفاته ~~-تعالى- غير ذاته، لا يوصف بحد، ولا يقترن بأمد، ولا يدرك معرفة كنه ذاته ~~-تعالى- إلا هو تعالى، ولا يقاس بالناس، عدل، حكيم، كريم، عزيز، رحمان، ~~رحيم، غفور، لا يبخل، ولا يشح، ولا يذل، ولا يرق، ولا يتضرر، ولا يتألم، ~~ولا يشتهي، ولا [117أ] يحتاج، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يثنى، ولا يعد في ~~جملة ms358 المنتظمين بالعدد والتحديد، إذا وصف بشيء من كنه هذه المشتبهات، لا ~~يشبه -تعالى- الأجسام والأعراض في عجزها عن إحداث أمثالها ولكان احتاج إلى ~~محدث كما احتاجت، ومن ضرورة أن كل فاعل يخالف مفعوله في جميع أوصافه وذاته، ~~كالبناء خالف الباني وغير ذلك، ومعرفة صدق كل ما أخبر الله تعالى به من ~~علوم الغيب من البعث والحساب والخلود في جنة أو نار لمن يستحقه، والحياة ~~بعد الموت، والحشر، واعتقاد أن لله تعالى ملائكة ليسوا إناثا، وأنهم أفضل ~~الخلق، وأنهم متفاضلون، وأن لله تعالى أنبياء هم حق، وأن ما جاءوا به عن ~~الله تعالى حق وصدق، وأنهم أفضل الثقلين، وأنهم متفاضلون، وأن نبينا محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم سيد المرسلين وخاتمهم وأفضلهم، وأن الإمامة بعده ~~صلى الله عليه وآله PageV02P237 وسلم لعلي الوصي بلا فصل عليه السلام وأن المتقدم عليه قد خالف الحق، ~~وأن الإمامة بعد علي عليه السلام لولديه الحسن والحسين وإن كان الثلاثة ~~عليهم السلام أئمة من وقت النص عليهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ~~وأبوهما خير منهما))(1) فهم أئمة في وقت واحد يجب على كل مكلف اعتقاد ذلك، ~~وجوازه وإنما قدم كل واحد منهم صاحبه في التصرف فقط إحسانا واكتفاء. PageV02P238 # فأما علي عليه السلام فأفضليته عليهما وعلى غيرهما -أعني ابنيه- وعلى ~~الناس ما عدا الأنبياء والملائكة ظاهرة مشهورة، فقدمه ابناه في التصرف ~~لأفضليته وكونه وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم دونهما ولعدم تكليفهما ~~يوم موت أبيهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والكل أئمة بالنص ~~عليهم وأن الإمامة في ذريتهما من بعدهما لمن قام بها أو لم يقوم بها إذا ~~كان من أهل العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عاملا بذلك محصورة فيهم محظورة على غيرهم وأن أهل البيت عترة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذريته [صلى الله عليه وآله وسلم] أفضل الخلق بعد ~~الملائكة والأنبياء، وأن ms359 الحق معهم، وأنهم قرناء القرآن لا يفارقونه ولا ~~يفارقهم إلى يوم القيامة ، وأن تقديمهم في كل خصلة شريفة تزيدهم شرفا وفضلا ~~وصلاحا في الدين واجب على كل مكلف من أمة رسول الله محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأن الكتب حق التي نزلت على الأنبياء والملائكة من الله تعالى، ~~وأن القرآن أفضلها والحاكم عليها، وأن العمل بما لم ينسخ منه واجب على ~~التفصيل المتقدم بعد معرفة التأويل، وأن نبينا محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم يجب العمل بما صح من سنته قولا وفعلا، وتركا على منازلها من قطعي ~~وظني، وأن يؤمن بالعرش، والكرسي، واللوح، والبعث، والحساب، والميزان، ~~والجزاء، والجنة، والنار، والخلود، والدرجات لكل مما عملوا هذا الاعتقاد. PageV02P239 # والعمل بالجوارح الإقرار بهذه كلها بالقول من صحيح اللسان، ومن الأصم يكفي ~~الاعتقاد، وبالجوارح الأعضاء السبعة للصلاة أو بعضها في غير الصلاة على حسب ~~الحاجة إلى عضو منفرد أو مع صاحبه مع النية الصالحة لما يحتاج إلى النية ~~كالوضوء والصلاة قبل العمل أو مقارنة أول جزء ، أو مصاحبته لأي جزء ~~كالجهاد، والزكاة،[117ب] والحج، والصوم، والكفارات وكل عمل صالح إن كان ~~واجبا عبادة الله تعالى وجبت فيه النية، وإن كان واجبا غير عبادة، كسد ~~الجوع بالطعام، أو غيره مما يرجع إلى خاصة الإنسان من أعمال الدنيا فالنية ~~في ذلك سنة وندب ومستحب، والنية في النفل نفل. # فهذه حقيقة الشكر قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، جعلنا ~~الله كذلك آمين. # فالذي يدل على أن الشكر هذا الذي فصلنا قوله تعالى: {اعملوا آل داود ~~شكرا}(1) إذ كل من الثلاثة الأركان من القول والاعتقاد ومعالجة الجوارح، ~~والكف عن القبائح كل ذلك يسمى عملا لغة وشرعا ويسمى شكرا، ولا يتم كونه ~~شكرا مستحقا عليه الثواب إلا الثلاثة جميعا مع الإمكان في فعل الجوارح ~~والقول. PageV02P240 # وأما الاعتقاد فهو فرض على كل عاقل ولو لم يمكنه القول ومعالجة الجوارح، ~~لأن ذلك يعرف بالعقل ويكفي فيه، وقوله تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون}(1) يعني تعالى من خير أو شر، ولذا ms360 رتب الله تعالى الجزاء على الشكر ~~ولا يستحق الجزاء إجماعا إلا على هذه الثلاثة الأركان مع الإمكان، وتضيق ~~الوجوب فقال تعالى في ذلك: {وسيجزي الله الشاكرين}(2) وقال تعالى: {وإن ~~تشكروا يرضه لكم}(3) وجعل الله تعالى الشكر نقيض الكفر وأن من حصل فيه ~~مؤمن، ومن لم يحصل فيه كافر، فقال تعالى في ذلك: {واشكروا لي ولا ~~تكفرون}(4) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الإيمان ~~إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالأركان))(5) ومن اللغة أنه الثلاثة ~~فقال الشاعر: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا # وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: الشكر قول مقول، وعمل معمول، وعرفان ~~العقول. # فصل في اللطف PageV02P241 واللطف حقيقته هو التوفيق وشرح الصدر الحاصل من الله تعالى بعد العلم ~~بمقتضى ما قضى به العقل الكامل من وجوب شكر المنعم ومعرفة كيفية الشكر على ~~ألسنة الرسل -صلى الله عليهم- ومن كتاب الله تعالى وسنة رسوله في حقنا أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل ~~الجملة وما لابد منه من التفصيل والعمل بمقتضى ذلك كذلك، فحين إذ بعد ذلك ~~والعمل به يرتقي صاحبه إلى الطاعات، واجتناب المقبحات، والتأويل الصحيح، ~~والورع الشحيح، ورد المتشابه إلى المحكم، والفرق بين الشبهة والحق والباطل، ~~والصبر لكل مصيبة بطيبة نفس واحتساب، ويصحب تعظيما لمولاه تعالى في كل حال ~~وعسر ويسر، وفي ذلك كله يقول تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى}(1) ويقول ~~تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة}(2) ويقول تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا}(3) ويقول تعالى: ~~{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام}(4) ويقول تعالى: {أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}(5) يعني تعالى {ميتا} جاهلا، ~~{فأحييناه} فعلمناه، {وجعلنا له نورا} علما مع اللطف بسبب العمل الصالح ~~{يمشي به في الناس} يهديهم إلى الخير بعد المعرفة وهداية نفسه، فدل على ~~وجوب نشر العلم وتعليم الناس [118أ] وغير ذلك من الأدلة، فاللطف الصلاحية ~~لفعل ms361 الزائد بعد المزيد عليه وحصوله من الله تعالى PageV02P242 بسبب فعل الأول؛ هذه حقيقته. # فصل # حسن نظر الله سبحانه لعباده فيما يصلحهم ويرشدهم ويكونون معه أقرب إلى ما ~~يرضيه تعالى عنهم وأبعد من الحرج، وأيسر عليهم في التكليف، وأحسن لهم ~~عاقبة، وأبعد من الخطر، وأدخل في السعادة والأجر، والخير في الدنيا والآخرة ~~خير لهم من نظرهم لأنفسهم ونظره تعالى لهم في تفضيل بعضهم على بعض ابتداء، ~~وجعلهم تابعا ومتبوعا خيرا من نظرهم لأنفسهم وفي ذلك، وأنهم لا يملكون عليه ~~اختياره تعالى، وأنه غالب لهم عليه في الدنيا والآخرة، وأن اختياره تعالى ~~فعله وليس فعلهم، وأن اختياره تعالى لهم أصلح لهم في دنياهم وآخرتهم وأصوب ~~من نظرهم لأنفسهم ومن اختيارهم لأنفسهم، وأنه تعالى مراده ليس تابع مرادهم، ~~ففي ذلك كله يقول تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة}(1) ~~فأخبر أنه ليس لأحد أن يختار غير ما قضى، وأن الخيرة له في قضائه وقدره، ~~فلو قضى على قوم أن يكفروا كما زعم الجاهلون لم يكن لهم أن يختاروا غير ذلك ~~-تعالى الله عما يصفون- وقال: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ~~ومن فيهن}(2) فأخبر أن تدبيره لو كان على ما يهوى العباد لفسدت الدنيا، ~~وأنه لا يكون صلاح الدنيا وصلاح أهلها إلا بما دبر لهم وخلق وقضى وقدر ~~واختار، وليس في الكفر والمعاصي صلاح ولا منفعة ولا خير في دنيا ولا آخرة، ~~فتبين بذلك أنها ليست من اختيار الله لخلقه لأنها فساد في الدين وسوء تدبير ~~وفاعلها ملوم مذموم، وهذا دليل على PageV02P243 أنها من فعل المخلوقين لا من فعل رب العالمين. # وقال تعالى: {والضحى والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير ~~لك من الأولى}(1) فأخبر أن الآخرة في وقت وفاة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كانت خيرا له من الدنيا وما فيها، وبقاءه ما كانت الحياة خير له، ~~وتوفاه حين كانت الوفاة خير له، ولذلك قال تعالى: {وللآخرة خير لك من ~~الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى ms362 * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى} ~~فعلمنا بهذه الآيات ونحوها أن نظر الله لخلقه أحسن من نظرهم لأنفسهم، وأن ~~ما صنع الله فهو خير، وأن ما قضى ففيه الصلاح، وأنه لا يفعل بعباده إلا ما ~~فيه لهم الصلاح والسداد والرشاد، وأنه تعالى عما يصفه الجاهلون من ذلك علوا كبيرا. # فصل في مشيئة العباد وإرادتهم PageV02P244 ذكر الله تعالى مشيئة العباد وإرادتهم في كتابه فقال عز وجل: {ترجي من تشاء ~~منهن وتؤوي إليك من تشاء}(1) وقال: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ~~رغدا حيث شئتما}(2) وقال: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث ~~يشاء}(3) وقال: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}(4) وهذا ~~على الوعيد والتهديد، وكذا قوله: {اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير}(5) ~~وقال: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}(6) وقال: {تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة} وقال: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} وقال: {ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}(7) وقال: {ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا}(8). # فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن العباد يريدون ما قد جعل الله لهم السبيل ~~إلى إرادته، ويشاءون [118ب] ما قد قواهم على مشيئته غير غالبين لله ولا ~~خارجين من سلطانه، وهذا خلاف قول القدرية الذين يزعمون أن ليس لأحد من ~~الخلق مشيئة ولا إرادة مع قولهم أنهم يريدون لأنفسهم الخير والله يريد لهم ~~بزعمهم الشر ولا بزعمهم يصلحون -تعالى الله عن ذلك. # فصل في ذكر العبادة PageV02P245 ذكر الله العبادة في كتابه وأنه خلق الخلق لعبادته فقال: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون}(1) وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}(2) ~~ولم يقل إني أرسلت الرسل ليكذبوا أو ليقتلوا، ولا أني خلقت خلقي لعبادة ~~غيري، وقال: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى}(3) وقال: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~* وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك ms363 دين القيمة}(4). # فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله إنما خلق الخلق لعبادته وطاعته لا ~~لمعصيته والكفر به كما زعمت القدرية والمجبرة أن الله خلق أكثر خلقه لعبادة ~~غيره -تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # فصل في ذكر الاستطاعة وعدم جواز تكليف ما لا يطاق وما خلق سبحانه منها PageV02P246 فقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت}(1) وقال: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله ~~نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}(2) وقال: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}(3)، فأوجب ~~الحج على من استطاعه، ووضعه عمن لم يستطعه، وقال: {يحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون}(4) فأخبر أنهم ~~يستطيعون الخروج ولكن لا يفعلون، وقال: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا....الآية}(5) ثم أخبر أنه ~~من لم يستطع الصيام فلا صيام عليه وقال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مساكين}(6) وإنما المعنى لا يطيقونه، فأخبر أنه قد وضع عنهم الصيام وجعل ~~عليهم الفدية بدلا من الصيام لأن الصيام يجهدهم، وقال: {ليس على الأعمى حرج ~~ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}(7) فوضع التكليف عمن لا يستطيع ~~وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}(8) وقال: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر}(9) فأخبر أنه لا عسر في دينه ولا ضيق، فلو كلف عبيده ما لا ~~يطيقون ثم عذبهم لكان أضيق الضيق وأعسر العسر، PageV02P247 وقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}(1) فلو لم يكن أعطاه القوة لم يأمره أن ~~يأخذه بقوة، وقال حاكيا: {نحن أولوا قوة وألوا بأس شديد}(2) فلم يكذبهم ولم ~~يرد مقالتهم كما أكذب المنافقين حين زعموا أنهم لا يستطيعون ms364 الخروج، وأنهم ~~لو استطاعوا لخرجوا فقال عز وجل: {يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم ~~لكاذبون}(3) وكذلك العفريت حين قال لسليمان -عليه السلام: {أنا آتيك به قبل ~~أن تقوم من مقامك وإن عليه لقوي أمين}(4) فلم يكذبه الله ولم يرد عليه ولا ~~أكذبه سليمان صلى الله عليه وآله وسلم وقال: {خذها بقوة وأمر قومك يأخذوا ~~[119أ] بأحسنها}(5) فلولا أنه أعطاهم القوة على الأخذ لم يأمرهم به، ومثله: ~~{قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}(6) فأثبتت ~~له القوة، فلم ينكر عليها أبوها ولم يكذبها ربها. # فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله لا يكلف أحدا من خلقه ما لا يطيقون ~~وأنه قوى عباده على ما أمرهم به من طاعته، وبتلك القوة التي خلقها فيهم ~~لطاعته يسير من سار منهم إلى معصيته، وبذلك علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل. # فصل في الدليل على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال ولا المجانين PageV02P248 ذكر الله في كتابه آيات دل فيها أنه لا يعذب الأطفال والمجانين ولا من ليس ~~له ذنب، فقال عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}(1) والأطفال لم ~~يأتهم رسول، وكذلك المجانين، وقال: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}(2) وقال: ~~{وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}(3) والأطفال فلم يأتهم رسول ولا تلي عليهم ~~كتاب وليسوا ظالمين، وقال: {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون}(4) ولا غفلة أشد من غفلة الأطفال والمجانين. # فإن زعم زاعم أن الله يؤاخذهم بما علم منهم قبل أن يكلفهم ويبلغهم الرسل ~~قبل أن يفعلوه فقد كذب الله في خبره، وجوره في حكمه؛ لأنه لو رد أهل النار ~~إلى الدنيا لعادوا كما قال عز وجل فلم يؤاخذهم بما علم منهم إذ لم يفعلوه ~~وقال: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}(5) فقد علم أنه لو بسط ~~لبغوا ms365 فلم يؤاخذهم بذلك قبل أن يبسط ويبغوا، والأطفال أجدر أن لم يؤاخذهم ~~بما لم يكن منهم -تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. PageV02P249 # فبهذه الآيات ونحوها علمنا أن الله لا يعذب الأطفال يوم القيامة ولا ~~يؤاخذهم بذنوب آبائهم ولا بما علم منهم مما لم يفعلوه، وكذلك أطفال ~~المؤمنين والمشركين وأولاد الزنا والمجانين إذا أصابهم الجنون في صغرهم فلم ~~يفيقوا حتى ماتوا، فتعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا. # فصل في إرادة الله سبحانه ومشيئته لأفعال عباده المرضي منها # وإرادته تعالى ومشيئته لترك عباده القبيح منها ولم يعرف العباد الفرق بين ~~قبيحها وحسنها إلا بتعريف الله سبحانه بما خلق سبحانه فيهم من العقول وأرسل ~~إليهم من الرسل، فإرادة الله ومشيئته سبحانه في أفعالهم الحسنة، وإرادته ~~سبحانه ومشيئته في تركهم الأفعال القبيحة بعد تعريفه لهم سبحانه وبعد خلقه ~~سبحانه فيهم القدرة الصالحة للعملين، فهي إنما هي إرادة أمر ونهي وتفويض ~~وتمكين مع تخيير وتحذير، ومشيئة ذلك لا إرادة حتم وجبر، ومشيئة ذلك إرادة ~~منهم، وشاء الطاعة غير مكره لهم عليها كما أراد، وشاء أن لا تكون منهم ~~المعصية غير حائل بينهم وبينها، بل بالطوع منهم أراد كونها وشاء لا ~~بالإكراه والقسر لهم عليها والإجبار، فأمرهم ونهاهم، وبصرهم وهداهم، ومكنهم ~~من العملين بما جعل فيهم من القدرة والقوة الصالحة للطريقين، ولم يحل بينهم ~~وبين القبيح بالقهر ولا بسلب القوة عنهم، بل وهداهم في ذلك للنجدين، [119ب] ~~ثم قال سبحانه: {من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون}(1) ثم PageV02P250 قال جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها}(1)، فكانت إرادته ومشيئته في ~~أفعالهم الأمر لهم بالمرضي من أعمالهم، فبقدرته إرادته ومشيئته في الأمر ~~لهم كما أراد وشاء، ولو أراد وشاء أن يجبرهم على طاعته لجبرهم، ولو جبرهم ~~على صنعهم وأفعالهم لكان العامل لما يعملونه دونهم من أعمالهم، ولو كان ~~العامل لما ms366 يعملونه دونهم من أعمالهم لكان الأمر لنفسه دونهم بما فعلوه ~~وكان المشرك بنفسه لا هم ولكان العابد لأصنامهم دونهم لو كانوا على ما ~~يقولون، إذ هو الصانع لكل ما صنعوا، الممضي دونهم لكل ما أمضوا ولكانوا هم ~~من كل مذموم أبرياء، وفي حكم الحق مطيعين أتقياء، وعند الله في الثواب ~~مستأهلين سعداء، إذ هم فيما صرفهم ربهم منصرفون، وفي قضيته ومشيئته ماضون، ~~فتعالى الله الرحمن الرحيم عما يقول فيه حزب الشيطان الرجيم. PageV02P251 # فإن قال قائل: فقد فهمنا ما احتججتم به في الفرق بين إرادة الله ومشيئته في ~~فعله وإرادته ومشيئته فيما سوى ذلك من فعل غيره، فما عندكم فيما قصه الله ~~وذكره وأخبر به من أخبار الآخرة وقيام الساعة، فهل أراد وشاء تبارك وتعالى ~~أن تقوم القيامة ويكون الثواب لأهله ويقع بأهله العقاب فقد نجده قد أخبرنا ~~بذلك كله، فهل أراده وشاه كما أراد وشاء الإخبار به؟ ونذكر ما ذكر فكان ما ~~أراد وشاء، وكانت إرادته ومشيئته في ذلك هي المراد من الإخبار نفسه، فإما ~~أن يكون أراد وشاء أن تقوم القيامة ويقع الجزاء عندما أخبر به من خبرهما ~~فلا لم يرد ذلك ولم يشاه، ولو كان مراده ومشيئته فيه كذلك لكان أول الخلق ~~قد وقع وعاين القيامة والجزاء وكان قد انقطع النسل والنما، وحل بالأولين ~~دون الآخرين ما يتقى، لكنه سبحانه أخبر عما سيكون من فعله، وهو سبحانه بغير ~~شك يريد ويشاء أن يقيمها في وقت ما يشاء، والوقت في علمه معلوم مسمى، فإذا ~~أراد وشاء إقامتها قامت، وإذا أراد وشاء أن يجليها تجلت؛ ولم يشأ أن يجليها ~~سبحانه إلا في وقتها الذي إليه أجلها كما قال سبحانه: {يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها * قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في ~~السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها ~~عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(1) فهو سبحانه يريد ويشاء أن يقيمها ~~لوقتها ولم يشأ أن يقيمها دون ما جعل ms367 من مدتها، وبين يريد ويشاء وأراد وشاء في PageV02P252 اللغة واللسان فرق عند جميع أهل العربية والبيان؛ لأن معنى يريد ويشاء: هو ~~سيفعل، لأنه فعل، ومعنى أنه أراد وشاء: فهو أمضى وفعل لا سيفعل، وبين الفعل ~~المستقبل والفعل الماضي فرق في جميع المعاني من القول والإعراب وغير ذلك من ~~غوامض الأسباب، يعرفه ويقف عليه ذوو الألباب، [120أ] وليس من قيل أنه يريد ~~ويشاء أن يفعل كذا وكذا في الحكم كمن قيل أنه قد فعل ما به أقدم وعليه ~~أحرى، والحكم عليه من الله ورسوله ومن الأئمة الهادين بالقطع والظن والقتل ~~والضرب والحبس والتنكيل، فلا يقع على من يريد عمل ما يجعل فيه ذلك ولم ~~يفعله، وإنما يقع ذلك ويجب على من دخل فيه واكتسبه وفعله، وفي أقل من ذلك ~~نور وبرهان وفرق بين أراد وشاء ويريد ويشاء، وفصل وتبيان عند كل ذي علم ~~وحجة وبصيرة ويقين واهتداء، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على محمد ~~المصطفى، وعلى من قام من عترته وزكى. # فصل في الكلام في مشيئته سبحانه ومحبته وإرادته PageV02P253 مشيئته سبحانه ومحبته وإرادته لأفعاله تعالى رضاه بها وإيجاده لها في ~~الأوقات التي يعلم أنه يوجدها فيها، ولا فرق بين مشيئته تعالى لأفعاله ~~وإرادته ومحبته، وهو يرضاها سبحانه ويريدها ويشاها ويحبها لأنها كلها حسنة، ~~حكمة وعدل وصواب، ومشيئة الله سبحانه ومحبته وإرادته لأفعال عباده رضاه ~~بالحسن منها، قال الله سبحانه في ذلك: {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما}(1) يعني تعالى: وما ~~تشاءون اتخاذ السبيل إلى الله أي: إلى رضاه إلا أن يكون الله قد شاء وأحب ~~وأراد لكم الوصول إلى رضاه سبحانه بما جعل فيكم من القوة على الأعمال ~~الحسنة، وركب فيكم من العقول، وأرسل إليكم من الرسل، ومد لكم من الآجال، ~~وأسدى إليكم من الصحة، وأعطاكم من الأرزاق، فما شئتم طاعته إلا وقد شاءها ~~وأحبها وأرادها لكم، ولم يحل بينكم وبينها بقهر ولا غيره، ولا جبركم على ~~تركها، ولا ms368 نهاكم عنها، بل أمركم بها، وجعل لكم الاستطاعة عليها، وعرفكم ~~كيفية فعلها على ألسنة رسله، فلو لم يجعل ذلك لكم لما كلفكم ووصلتم إليها، ~~فله في طاعتكم المنة عليكم أن أعانكم عليها، وله المنة عليكم في ترك معصيته ~~أن عوضكم من الحلال عنها {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا}(2) رضا إلى ربه ~~سبيلا الله بعد هذه المشيئة والإرادة والمحبة منه تعالى للعبد بتعريفه وخلق ~~القدرة فيه، وإمهاله وتمكينه أن يختار سبيل الخير الذي هو عبادة الله التي ~~خلق الله جميع PageV02P254 خلقه لأجلها، ويفعلها باختيارهم له تعالى غير مغصوبين ولا مقهورين، فمن شاء ~~فعل ذلك، فقد خلق الله المكلفين لعبادته ولم يخلقهم تعالى لأجل نفوسهم، قال ~~الله تعالى في ذلك: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(1) فهذا معنى ~~الآية الأولى في هذا الموضع، ومعنى هذه الآية أنه تعالى ما خلق الجن والإنس ~~إلا ليعبدوه تعالى مختارين بعد تكليفهم بتركيب العقول، وتعريفهم كيفية ~~العبادة على لسان الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم] وخلق القوة فيهم، وجعل ~~لهم الإمهال، وخلق فيهم الصحة، وخلق ما يقيم الأجسام حية قوية من الأرزاق؛ ~~لأن الله تعالى جعل الرزق الذي هو المطعم والمشرب ونحو ذلك في الإنس والجن ~~في بقاء حياتهم، وبقاء قواهم، وبقاء استطاعتهم، وبقاء أرواحهم [120ب] ~~وعافيتهم التي خلق فيهم حتى في آجالهم المضروبة شرطا، وخلق الله سبحانه أهل ~~الجنة في الآخرة للبقاء، ولم يجعل المطعم والمشرب ونحوه فيها شرطا في بقاء ~~أرواحهم وحياتهم وقواهم، بل خلق ذلك لهم ليتفكهوا به، ويتلذذوا به، وزاد في ~~شهواتهم ودواعيهم في كل إحسان ابتدأه إليهم وأكرمهم، قال الله تعالى في ~~ذلك: {فواكه وهم مكرمون}(2) فأخبر أن رزقهم للتفكه وهو التلذذ، وللكرامة مع ~~الإكرام وهو التعظيم البليغ لا لسد الفاقة وقوام الأرواح والقوى كما في ~~الدنيا، وعلى هذا التأويل قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن PageV02P255 يستقيم}(1) ثم قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن ms369 يشاء الله رب العالمين} فأخبر ~~تعالى أنه لو لم ينصرهم ويمكنهم ويخلق فيهم العقول، ويرسل إليهم الرسول ~~ليعلمهم على لسانه كيفية الاستقامة، ويقدر عليها بالقوة التي خلقها سبحانه ~~فيهم، ويمهلهم حتى يفعلوا ما به الاستقامة، ويرزقهم ما يقيمون به الأرواح ~~والقوى لما أحسنوا المشيئة طاعة فضلا عن فعلها، وإذا لم يحسنوا مشيئة ~~الاستقامة ثم يستقيموا بالطاعة لم يكونوا مستقيمين، فنفى الموانع سبحانه ثم ~~كلفهم بعد الاستطاعة والتعريف، فالمنة له علينا وعلى الخلق أجمعين وعليهم، ~~وليست المنة لنا عليه ولا لمخلوق على خالقه منة، فلله خالقنا ومالكنا المنة ~~علينا سواء فعلنا الطاعة أو لم نفعل، ونسأل الله لنا وللمؤمنين والمؤمنات ~~أن نكون من المطيعين له تعالى. PageV02P256 # فهذا الكلام في مشيئة الله سبحانه لأفعال عباده الحسنة ليست مشيئة إجبار ~~ولا قسر ولا غصب ولا إكراه، قال الله تعالى في ذلك: {لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم}(1) ومعنى قوله: {إن الله كان عليما ~~حكيما}(2) بعد قوله: {وما تشاءون إلا ان يشاء الله} فالعلم في حقه تعالى هو ~~العالم الذي لا يخفى عليه شيء ........................ فلا يعجزه سبحانه ~~شيئا أن يبين لكم ويفعل لكم ما تستطيعون معه معصية، وقوله تعالى: {حكيما} ~~فلا يفعل بقدرته تعالى إلا ما كان عدلا لا يستقبح عقلا بأن يكون عبثا وليس ~~فيه مراد صلاح وسداد كتكليف ما لا يطاق، أو ظلم العباد، أو ألجأهم إلى أن ~~يفعلوا ما يقدرون عليه مغصوبين ثم يثابوا عليه ولم يختاروا فعله ويمدحهم ~~عليه وهم كارهون لإيقاع سبب المدح لم يفعلوه إلا غصبا وقسرا، ومشيئة الله ~~سبحانه في ترك القبيح، فهو سبحانه لا يرضاه ولا يفعله سبحانه، وكيف يفعل ما ~~لا يرضاه تعالى من أن يلجيه إلى ذلك أحد من خلقه وهو سبحانه فلا شريك له ~~ولا مثيل ولا قاهر له ولا مغالب سبحانه ولا قادر عليه سبحانه، ومشيئته ~~سبحانه لترك عباده ما حرم عليهم، فهي رضاه ms370 سبحانه بترك الحرام وتبيينه لهم ~~ونهيهم عنه بغير قسر ولا إلجأ مع خلقه سبحانه لهم القوة التي يستطيعون معها ~~على تركه. PageV02P257 # وأما كراهته سبحانه للقبائح فهي عدم مشيئته وعدم محبته وعدم إرادته لها ~~لعلمه سبحانه بأن الحكمة والخير في تركها، ولعلمه سبحانه بما يحصل ويحسن ~~ويجب في الحكمة على فاعليها [121أ] عالمين مختارين، عقلا من العقاب الذي لا ~~ينقطع في الآخرة والجزاء في الدنيا، قال الله سبحانه: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر}(1) وقال سبحانه في المعاصي: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}(2) ~~فكل ما لم يشأه الله ويحبه ويريده فهو لا يفعله ولا يرضى لأحد أن يفعله، ~~وكلما ما يشاء الله ويريد ويحب أن يفعل فقد رضي به أن يفعله هو سبحانه إن ~~ذلك من أفعاله تعالى أو أن يفعله عبيده إن كان ذلك من أفعالهم. # فصل في تفسير غضب الله سبحانه وسخطه # هو حكمه تعالى على أهل الكبائر بالخزي والهوان في الدنيا والآخرة، ~~والعذاب الذي لا ينقطع في الآخرة وإلا فهو سبحانه لا يتضرر ولا يتعب ولا ~~يتألم من معصية عاص وهو الغني الحميد، قال الله تعالى سبحانه في الحكم على ~~العصاة بذلك وأن غضبه عليهم ذلك: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}(3). # فصل في تفسير رحمة الله سبحانه PageV02P258 هي الجنة والرؤوف على عبيده الصالحين من غير ترفق في الدنيا والآخرة، وفعله ~~تعالى لهم من الإحسان ما لا يفعله لهم غيره -تعالى- من صديق ولا رفيق، قال ~~الله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه ms371 أولئك هم ~~المفلحون}(1)، وقال تعالى: {وهو أرحم الراحمين}(2). # فصل # إن قيل: من أين يلزم أهل القبلة الكفر أو الفسق وقد سماهم الله مسلمين ~~ومؤمنين؟ PageV02P259 # قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين -عليه السلام: والجواب في ذلك ~~بأصل جامع لا يدفعه -إن شاء الله- أحد من العلماء، من ذلك أنا وجدنا الله ~~تبارك وتعالى ألزم من ألزمه من أهل الكبائر القتل على ما يجترم من كبائر ~~عصيانه، وكذلك فعله فيمن قتل مؤمنا ظلما متعمدا، وكذلك حكمه فيمن قطع ~~الطريق وسفك الدماء، وكذلك حكمه فيمن عاند أئمة الحق من الباغين؛ فأوجب ~~عليهم الحرب والقتال، والقتل والنكال، حتى يفيئوا إلى أمر الله ويرجعوا إلى ~~حكمه، فلما وجدنا حكمه سبحانه فيمن بغى من أهل القبلة وتعدى القتل والقتال، ~~حتى يرجعوا إلى الحق في كل قول وفعال، علمنا أنهم في ذلك الوقت -وقت وقوع ~~القتل- بحكم الله عليهم ووجوب الهلكة فيهم لله أعداء مباينون، وحزبا لله ~~محاربون، لأنه سبحانه لا يوجب الحرب والقتل على ولي من أوليائه، ولا يحكم ~~به سبحانه إلا على عدو من أعدائه، ولم نجد الله سبحانه عادى إلا كافرا ولا ~~والى إلا مؤمنا، فلما أن قتلهم بحكمه، ومثل بهم سبحانه بأمره علمنا أنهم من ~~الموالاة له أبرياء، وأنهم له بأحق الحقائق أعداء، وأنه لا يعادي سبحانه ~~مؤمنا بغيا، وأنه لا يباين في المحاربة عبدا زكيا، فصح عندنا بإباحة الله ~~لدمائهم، وافتراضه ما افترض على المؤمنين من جهادهم أنهم على غير ما ارتضى، ~~وأن فعلهم على غير ما أوجب وشاء، ومن كان فعله على خلاف [121ب] إرادة الله ~~فليس من المؤمنين، ومن كان اختياره غير ما اختار الله فليس من المؤمنين، ومن PageV02P260 ترك فرائض الله وسعى في ضدها من حرام الله فليس من المهتدين، ومن كان كذلك ~~فهو لله من العاصين، ومن عصى الله وفسق في دينه وخالف أمره في نفسه وغيره ~~فلم يحكم في فعله بحكم الله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو من الكافرين، ~~وفي ذلك ما يقول أحكم الحاكمين ms372 فيما نزل من الكتاب المبين: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}[المائدة:44] فأخبر سبحانه بالدلالة على ~~الكافرين ووصفهم بالعدول عن شرائع الدين، ومن عدل عن شرائع الدين ولم يحكم ~~في فعله بحكم رب العالمين فهو في حكم الله عنده من الكافرين، لا يسميه ذو ~~عقل وبيان فيما أتى به من المعاندة لحكم الله والعصيان إلا بما سماه الله ~~من الكفران، ومن الحجة في ذلك أنا لم نجد أصل الكفر والشرك وعبادة الأوثان ~~وعبادة الشيطان، وعبادة النجوم والأنصاب والنيران، والدعاء مع الله إلها ~~آخر غير المعصية، بل وجدنا هذه الأنواع كلها هي من المعصية لله سبحانه فيما ~~صح عندنا أن من عبد من دون الله غيره أنهم لم يعبدوه إلا بمعصية الله ~~سبحانه؛ لأن الله سبحانه نهى أن يعبد معه غيره، فتعدى أمره وكان له عاصيا، ~~وكان بعصيانه له كافرا، إذ نهاه أن يعبد معه غيره، فعبد معه سواه. PageV02P261 # وكذلك اليهود والنصارى لم نجد أصل كفرهم وشركهم إلا معصيتهم لله في محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ولو أطاعوا الله في محمد والتصديق بما جاء به من ~~عند الله ولو كانوا مؤمنين، فثبت عليهم الشرك بمعصية الله بترك طاعتهم ~~لمحمد وهم بالله مقرون، وله فيما أمر به عاصون، فلما عصوه في أمره كانوا ~~عنده كافرين وفي حكمه فاسقين، وكذلك من ينتحل اسم الإسلام والإيمان وهو ~~مقيم لله سبحانه على كبائر العصيان، فحاله عندنا كحال من ذكرنا من العاصين، ~~وإن كان لمحمد من المقرين فهو مقر بلسانه، جاحد بفعله عن الله، معرض بقلبه، ~~وقد أبى الله عز وجل أن يكون من كان كذلك أو على شيء من ذلك مؤمنا حتى يقيم ~~شرائع الإيمان بفعله، ويصحح القول بعمله، وفي ذلك ما يقول الله تبارك ~~وتعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}(1) فدل بقوله إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا وفعلوا على أن من لم يفعل ذلك فليس من المؤمنين، ومن ~~لم ms373 يكن من المؤمنين فليس من المتقين، ومن لم يكن من المؤمنين المتقين فهو ~~من الكافرين والفاسقين، وفي ذلك ما يروى عن علي عليه السلام أنه قال: ~~الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول. وقال الله سبحانه: {إنما ~~المؤمنون إخوة} والمؤمن العامل بطاعة الله أخ للملائكة المعصومين والأنبياء ~~المعصومين بإيمانه الذي هو الإتيان بالواجب واجتناب القبيح مع التوبة، ~~وحاشا الملائكة PageV02P262 والأنبياء أن يكونوا إخوة لمن هتك حرمات الله من قتل النفوس المحرمة بغير ~~الحق، ومن قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، ومن أهل الربا، وشرب الخمر، ~~والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل، وكشف العورات بين الناس لغير ضرورة ~~[122أ] ولا حاجة، لا نقول بإيمان من هذه صفته، وأنه أخ لأولياء الله مستحق ~~للمدح بالشهادتين والإقرار بالبعث والحساب وجملة التوحيد مصححة بأدلتها مع ~~فعله هذه الكبائر لا نقول بإيمانه مع هذه الكبائر مسلم، ولو أقر ووحد كما ~~ذكرنا فضلا عن أن يكذب على الله تعالى وعلى رسوله، إن الله تعالى حكم له ~~بالإسلام الكامل الذي هو الإيمان، بل قد سماه الله ورسوله كافرا وفاسقا ~~وظالما؛ لأنه حكم لنفسه وعلى غيره بغير ما أنزل الله، فسماه الله كافرا، ~~وفاسقا، وظالما بسبب ذلك، فقال تعالى فيه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون}(1) وفي أخرى في الفاسق والظالم مع أن الفاسق كافر نعمة ~~لا كافر شرك: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}(2) فسمينا من ~~حكم بغير ما أنزل الله تعالى من المتمردين والمستحلين للكبائر بما سماهم ~~الله تعالى، وحكمنا عليهم بما حكم الله به عليهم، وأخرجناهم بما أخرجهم ~~الله من حد المؤمنين وصفتهم إلى صفة ضدهم، إذ لا يجتمع الضدان في محل واحد ~~في حال واحد وقلب واحد وجسم واحد، كما لا يجتمع النقيضان، وفي هذا كفاية ~~لمن أنصف. # فصل PageV02P263 والخذلان -نعوذ بالله تعالى منه- هو نقيض اللطف، وهو عدم حصول الزيادة لمن ~~خالف ما قضى به العقل الكامل وعرف تفصيل الشكر فلم يفعل بذلك وأصر على تركه ~~استحلالا كالكافر، وتمردا ms374 كالفاسق، وفي ذلك يقول الله تعالى حاكيا عن قوم ~~موسى -عليه وآله الصلاة والسلام- بعد قول موسى لهم ما حكى الله تعالى عنه ~~بقوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قومي لما تؤذونني وقد تعلمون أني رسول ~~الله إليكم}(1) ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بما فعله فيهم وهو لا يقصر على ~~سببه إجماعا بعد علمهم بالحق وكمال العقل من خذلانه تعالى لهم بسلبه اللطف ~~الزائد بسبب المخالفة بعد العلم فقال تعالى في ذلك: {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}(2) يعني تعالى: لما زاغوا عن قبول ~~الحق {أزاغ الله قلوبهم} سلبهم زيادة التنوير والمحاسن الزائدة على العقل ~~الكامل بزيادة سبب الامتثال {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني تعالى لا ~~يحكم لهم بالهداية مع فسقهم؛ لأن الفسق ضد الهدى، ويقول تعالى: {ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون}(3) يعني تعالى ومن يرد الله تعالى أن يضله أي: يحكم تعالى ~~عليه بأنه ضال بفعله أي: المكلف ما يضل به من القبائح، ثم قال تعالى: {يجعل ~~صدره ضيقا حرجا} يعني تعالى بتركه على حالته الأولى من العقل الكامل، ولا ~~يفسح تعالى صدره للإسلام الكامل لعدم قبوله وفعله PageV02P264 له في أول ما عرفه تعالى إياه ونعمته تعالى عليه {كأنما يصعد في السماء} ~~كأنما يتطلع قلبه الذي في صدره لضيق صدره بالخذلان الحاصل بسبب المعاندة ~~لله تعالى في السماء في الجو من شدة قلقه ونفرته عن الإسلام الكامل أو ~~الكل، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا [122ب] أنه يفعل للمعاندين التاركين للحق ~~بعد كمال الحق ومعرفة الحق ذلك الخذلان فقال تعالى في ذلك: { كذلك يجعل ~~الله الرجس على الذين لا يؤمنون} لا يؤمنون بالحق لا يحفظونه بعد معرفته ~~بالعمل به والأخذ به لهم وعليهم، بل يضيعونه، والرجس: الخذلان، فيكونون مع ~~ذلك الخذلان الحاصل من ترك الحق بعد معرفته معاندة أبعد من الشارع بالتكليف ~~قبل المعرفة، وذلك لما جعل الله ms375 عليه من الرجس لعنادهم، فتكون حالتهم مع ~~ذلك الخذلان مع إمكان الإلتطاف من فعلهم ولم يفعلوه، كحالة من جعل الله ~~تعالى صدره ضيقا حرجا لا يدخل فيه الإسلام أبدا، وبحالة من أراد الله أن ~~يكون ضالا ثم لما كانت الحالتان يشتبهان استعار تعالى لأحدهما كلام الأخرى ~~من الإرادة والتضييق الشديد، وقال تعالى ذلك إنما يكون ذلك ويحصل منه ما ~~يوجب خذلانه وسلبه اللطف، ويكون مشبها بمن لا يرضى بخير أصلا وبمن كان ~~مجبول على المعاصي وإن لم يجبل على ذلك، فقال تعالى: {كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون} فقال تعالى رافعا لوهم من قال: أنه يخلق الكفر ويمنع ~~من الإسلام: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} ثم قال تعالى بعد ~~ذلك رافعا لوهم PageV02P265 الكفار من المجبرة وغيرهم أن بعض العبيد لا يقدر على الإسلام، فقال تعالى ~~في دفع ذلك: {وهذا صراط ربك مستقيما} يعني تعالى دينه بينا عدلا لمن أحب ~~الدخول فيه، وكل مكلف لا يصعب عليه الدخول فيه أصلا، ثم قال تعالى بعد ذلك ~~موضحا للبيان ومخبرا بإمكان معرفة أحكامه تعالى والدخول فيها فقال تعالى في ~~ذلك: {قد فصلنا الآيات لقوم يتفكرون}(1) وقال تعالى: {وما كان لنفس أن تؤمن ~~إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}(2) يعني تعالى: وما كان ~~لنفس عاقلة مكلفة أن {أن تؤمن} أن تدخل في الإيمان الدين الإسلام المرضي ~~{إلا بإذن الله} إلا بتيسيره تعالى وجعله فيها عقلا يميز به بين الحسن ~~والقبيح، وقدرة وتعليم كيفية الإيمان بوحي منه تعالى إلى رسله وأنبيائه ~~عليهم السلام {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} لا يعقلون الحق لا يعونه ~~ولا يوطنون أنفسهم على العمل به وقبوله بعد معرفتهم له، قال تعالى: {حتى ~~إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا}(3) فيجعل تعالى ~~بعد حصول تلك المعاندة بعد المعرفة عليهم الرجس وهو الخذلان؛ لأن سبب ~~التنوير الزائد على حجة العقل الكامل، فيكونون في عدم معرفة الأدلة السمعية ~~أعظم حالا في ms376 العمى لعدم العمل بما عرفوا ممن لم يعرف منها شيئا -قاتلهم ~~الله- وقال تعالى نافيا لكونه يرضى الكفر ويشاه فقال تعالى في ذلك: {ولا ~~يرضى لعباده الكفر}(4) وقال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن PageV02P266 كانوا هم الظالمين}(1) وقال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(2) وقال تعالى: ~~{وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون}(3) وقال تعالى: {وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}(4) وقال تعالى: ~~{فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون}(5) وكذلك [123أ] ~~الطبع، والختم في القرآن يتأول بالمجاز في حق الكفار والمنافقين ونسبتها ~~لحالتهم حيث لم يهتدوا بعد البيان بالسمع ومع كمال العقل بما قد طبع الله ~~تعالى على قلبه، وأصم تعالى سمعه، وأعجم تعالى كلامه، وأعمى تعالى عينيه، ~~فلا ينتفع بشيء مما عرف به مع كماله في الحواس والعقول الموصلة مع ~~استعمالها إلى معرفة الحق، والعمل عليه ظاهرا وباطنا فيهم، والله سبحانه ~~شبه حالة بحالة وإن لم يوجد المشبه به، وذلك جار في فصيح لغة العرب وبليغها ~~لا ينكر ذلك إلا مكابر لعقله، والقرآن نزل بلغة العرب، وكفر عن المجاز، ~~فشبههم تعالى بأولئك الممنوعين وإن لم يوجد الممنوعون، ثم وصف تعالى أولئك ~~المتمكنين لعنادهم بأوصاف الممنوعين، ثم أطلق تعالى التشبيه وأطلق تعالى ~~صفات المشبه بهم من أهل الآفات في القلوب والحواس على المشبهين من سالمي ~~القلوب والحواس المعاندين للحق مع قدرتهم على الدخول فيه بكمال عقولهم، ~~وسلامة حواسهم، فقال تعالى فيهم كذلك ممثلا لحالتهم بحالة الممنوعين بآفات ~~الحواس وأهل الختم والطبع على القلوب وتغطية الأبصار، فقال تعالى فيهم PageV02P267 لذلك: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.....الآية} وضرب ~~تعالى لهم مثلا آخرا وتشبيها ثانيا فقال تعالى فيهم كذلك ممثلا لحالتهم ~~ومطلقا عليهم تلك الصفات من الآفات لعنادهم مع معرفتهم للحق وقدرتهم على ~~الدخول فيه فلم يدخلوا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم ~~بكم ms377 عمي فهم لا يرجعون} يعني تعالى: مثلهم في كمال عقولهم ومعرفتهم الحق ~~مستنورين بنور العقل ليخرجوا بذلك عن ظلمة الجهل كمثل قوم استوقدوا نارا في ~~حندس ظلمة الليل الشديدة، فلما أصاب النار ما حوله من الأرض وتميز له طفيت ~~النار فعادة الظلمة على حالها كذلك، فعرفوا الحق بنور العقل وأظهروا ~~الإسلام وأبطنوا الكفر وهم المنافقون وبعد ذلك عاندوا، فكانوا بإبطانهم ~~الكفر، وتستروا بكلمة الإسلام، ففضحهم الله تعالى كمن ذهب الله تعالى بنور ~~عقله وسلبه إياه، وفضحه وعذبه، ولم ينفعه إظهار إسلامه مع إبطان خلافه، ~~فانقطع عليه نفع إسلامه الذي لم يكن في الباطن كالظاهر كانقطاع نور النار ~~التي خمدت، ثم أطلق تعالى عليهم اسم المشبه به فقال تعالى: {ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون}(1) أي لا ~~يرجعون إلى الحق بعد المعاندة حتى يتركوها ويتوبوا، ثم مثل تعالى حالتهم ~~بحالة أخرى فقال تعالى: {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم PageV02P268 من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين}(1) فمثل تعالى حالتهم حين يتلى ~~عليهم القرآن ويعرفون تفصيل الشكر مع العقول الكاملة ثم يخالفون ويعاندون ~~بعد ذلك حذرا وخوفا من أن يدخلوا في الدين بحالة من أصابه صيب من السماء ~~وهو المطر الشديد الوقع، فيه ظلمات من تراكم السحاب وظلمة الليل ورعد قاصف، ~~وبرق [123ب] لامع بتكاثر متتابع، وصواعق وهي نوع من البرق قطعة نار تحرق ~~الجبال وتهلك ما لاقت، ثم تطفى بعد ذلك {يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق} من شدة صوتها لئلا تتصدع لذلك قلوبهم {حذر الموت} من صدع القلوب ~~بالصواعق مصاحبة لتلك الأفزاع الهائلة، فحالتهم في هرب من الحق، والمبالغة ~~في عدم سماعه مع الإمكان كحالة هؤلاء سواء سواء من غير ملج لهم إلى ذلك إلا ~~محبة الكفر وإيثار الباطل على ما خلقوا لأجله من الحق وهم يعلمون، ثم أخبر ~~تعالى بعد ذلك أنه لم يذهب أسماعهم ولا أبصارهم في حالات تكليفهم، وأنه لو ~~شاء لذهب بها ms378 لقدرته تعالى عليها ليرفع وهم من قال: أنه تعالى يكلف مع سلب ~~الحواس أو أن الحواس لا تقدر على شيء أو لا يقدر بعض الناس على الإسلام ~~معها، فقال تعالى بعد ذلك كله: {يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم ~~مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله ~~على كل شيء قدير}(2). # فصل PageV02P269 علم الله تعالى سابق لفعل كل مكلف وفعل كل مخلوق حي غير سابق إلى ذلك ~~الفعل، بل تصدر الأفعال من العبيد باختيارهم قبيحها وحسنها بعد أن يجعل ~~الله تعالى فيهم قدرة صالحة للضدين وتركهما، وقد تقدمت الأدلة على أن أفعال ~~العبيد منهم لا من الله تعالى. # وقالت الجبرية: إن من علم الله تعالى أنه يدخل النار بكفره أو فسقه، فإنه ~~لا يقدر على الإيمان، ومن علم الله تعالى أنه يدخل الجنة بإيمانه فإنه لا ~~يقدر على الكفر ولا الفسق، وأن القدرة لا تصلح لغير ما علم الله تعالى أن ~~العبد يصير بسببه إلى جنة أو نار، والفعل الحاصل بالقدرة هو فعل الله تعالى. # قلنا لهم: أما كون أفعال العبيد منهم لا من الله تعالى، فقد تقدمت الأدلة ~~على ذلك من قوله تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} وغير ذلك. PageV02P270 # وأما كون علمه تعالى سابقا غير سائق وأن القدرة صالحة للضدين من الإيمان ~~والكفر وتركهما كالفسق، فذلك معلوم بضرورة الحس الذي لا ينكرها عاقل، ويدل ~~على كون القدرة صالحة للضدين من الإيمان والكفر وتركهما كالفسق قوله تعالى: ~~{وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا}(1) قد نسب تعالى الحق إليه لقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم} ونسب ~~تعالى مشيئة الإيمان والكفر إليهم بقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ~~فلو كانوا لا يقدرون على الإيمان لما أمرهم تعالى بما لا يقدرون عليه لأن ~~تكليف ما لا يطاق قبيح عقلا والله يتعالى عن الأمر به، وقال تعالى: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} ولو كان الكفر ms379 والفسق لا يقدرون عليهما ولا تصلح ~~قدرتهم إلا لأحدهما، ولا يقدرون على تركهما لكان قبيح منه تعالى أن يأمرهم ~~بترك ما لا يقدرون على تركه من كفر أو فسق وأن يعاقبهم على شيء لا يقدرون ~~على تركه من كفر أو فسق، إذ يكون ذلك قبيحا وظلما عند جميع العقلاء والله ~~غني حميد، وقال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} وقال تعالى: {لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها} وقال تعالى مخبرا أن لهم قدرة صالحة للضدين: {إنا خلقنا الإنسان ~~من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا}(2) يعني تعالى جعلنا فيه ذلك من ~~السمع والبصر، وجعلنا فيه القدرة على سماع الحق ومعرفته والقدرة [124أ] على ~~البصر الذي هو القدرة على العمل مع الرؤية بحاسة العين بما PageV02P271 نشاهد من المنظرات، ثم قال تعالى: {إنا هديناه السبيل}[الإنسان:3] يعني ~~تعالى هديناه بما ركبنا فيه من العقل الكامل والقدرة الصالحة لأعمال الخير ~~والشر، السبيل: سبيل الخير، وأمرناه باتباعه، وهديناه سبيل الشر بصرناه ~~وعرفناه بما لا يرضاه من القبيح ونهيناه عن اتباعه، ثم أخبر تعالى أن ~~القدوة صالحة للضدين وتركهما وحصول أنهما من الإنسان من كفر وفسق أو شكر ~~باختياره فقال تعالى في ذلك: {إما شاكرا وإما كفورا} يعني تعالى: إما فاعل ~~للشكر باختياره لنسبته تعالى ذلك إليه إجماعا وإما فاعل للكفر أو الفسق ~~باختياره لنسبته تعالى ذلك إليه إجماعا، وقال تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر}[الكهف:29] ولم يقل تعالى فمن شئت وإلا لو كانوا لا يقدرون على ~~واحد أو لا قدرة لهم لما كذب تعالى عليهم تعالى علوا كبيرا، فقوله تعالى ~~مخبرا أن فيهم قدرة صالحة للضدين متوقف على العمل بها على اختيارهم لقوله ~~تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ولكان قال تعالى في ذلك فمن شئت ~~كان مؤمنا ومن شئت كان كافرا تعالى الله عن قول مجوس هذه الأمة الكفرة ~~الفجرة المجبرة الملاعين المفترين الكذب على رب العالمين وشهود إبليس ~~اللعين لعنهم الله تعالى لعنا وبيلا وأخزاهم إلى يوم الدين. PageV02P272 # قالوا -أعني المجبرة-: لو ms380 لم يكن علمه تعالى سابقا سابقا لكشف ذلك عن الجهل ~~في حقه تعالى بتأثيراته تعالى إذا علم أن العبد من أهل النار بسبب الكفر ~~والفسق، وقلتم: إن العبد يقدر على الإيمان مع ذلك، لكان لو فعل الإيمان ~~ودخل الجنة خلاف ما علم الله تعالى من أنه يدخل النار بالكفر أو الفسق. # قلنا لهم: لا يلزمنا ما قلتم؛ لأنا نقول والله الهادي: إن الله سبحانه ~~يعلم أن العبد يصير إلى النار بشرط أن يختار العبد الكفر أو الفسق ويفعله ~~وهو سبحانه يعلم هل العبد يختار القبيح ويفعله أو لا يختاره ويفعله وهو ~~سبحانه يعلم الشيء قبل وجوده وثبوته وكيف يكون لو لم يكن وهل يكون مفعولا ~~أو متروكا؟ وهل يفعل أو لا يفعل؟ قال تعالى في ذلك: {لو اطلعت عليهم لوليت ~~منهم فرارا ولملئت منهم رعبا}[الكهف:18] فأخبر تعالى النبي -صلى الله عليه ~~وآله وسلم- بالشيء الذي لم يوجد وهو التولي فرارا والملئ رعبا ولم يوجدا ~~أبدا؛ لأن شرطهما وهو الاطلاع لم يوجد أبدا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله ~~وسلم- لم يطلع عليهم اطلاع رؤية في حالتهم أبدا، وقال تعالى: {فإما نذهبن ~~بك فإنا منهم منتقمون، أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون}[الزخرف:41،42] فأخبر تعالى كيف يكون الحال لو فعل ذلك قبل أن ~~يوجد، وكذلك قوله تعالى: {أو نرينك الذي وعدناهم} من العذاب PageV02P273 {فإنا عليهم مقتدرون} فاعلون بهم ذلك بعد هذه الحال في يوم بدر وغيره، ~~فأخبر تعالى بالإذهاب والاراة والحالة التي يفعلها إذا حصل أيهما. # قيل: وجود ذلك إلا وأراه العذاب. # وقيل: نبوته تعالى الله عن الجهل علوا كبيرا. # فصل ما لا يعلمه الله تعالى محال وجوده # ولا يصور وجوده العقل ولا الوهم ولا الخيال أبدا كالمحال وكون مع الله ~~إله ثان واجتماع النقيضين في الوجود وانتفائهما جميعا فمحال لا صورة له ~~أبدا أن يقال محدث غير محدث موجود معدوم موجود غير موجود لا موجود ولا ~~معدوم، كل هذا محال، أو الضدين، كالسواد والبياض، والحركة والسكون على محل ~~واحد وجزء واحد ولذلك ms381 جعل الله تعالى المحال غير متصور ولا هو شيء مقدور ~~ولا يوصف بأنه شيء ولا موجود ولا يسمى موجودا ولا يسمى شيئا، بل يقال فيه: ~~لا شيء، ويقال فيه: عدم وغير متصور، ولا يوصف بأن تعذره لأجل العجز، فقال ~~تعالى في ذلك: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}[الأعراف:40] ~~وقال تعالى: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من ~~القول}[الرعد:33]. # فصل PageV02P274 لا يثيب تعالى ولا يعاقب على ما يعلم تعالى من العبد من فعل قبيح أو فعل ~~واجب قبل وقوع ذلك من العبد عالما كامل العقل وذلك معلوم ضرورة وهو إجماع، ~~وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى} {بظلم وأهلها غافلون}[] وقال تعالى: ~~{وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}[التوبة:115] ~~وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}[الإسراء:15] فأخبر تعالى أنه ~~لا يعذبهم على ما علم تعالى منهم من هذه الأشياء على جهة الوجود حتى ~~.....عذر تعالى إليهم بالتبيين على ألسنة الرسل والعلماء الآخذين علمهم عن ~~الرسل والأنبياء -عليهم السلام- فبالأولى إذا لم توجد منهم وعلم تعالى أنها ~~ستوجد منهم إنه تعالى لا يعاقبهم قبل أن يوجد منهم أصلا تعالى الله عن ~~الظلم، وقد قال تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49] وقال تعالى: {ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون} مع أنه تعالى يعلم هل يخلق تعالى العبد الذي علم ~~أنه يختار المعصية أو لايخلقه أو يمهله حتى يفعلها أو لا يمهله وفي ذلك ~~يقول تعالى حاكيا ما قاله نبيه الخضر -عليه السلام- من وحيه تعالى إليه: ~~{وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا}[الكهف:80] ~~فأخبر تعالى أن الغلام لو أمهله تعالى لعق والديه واحتال على إيقاعهما PageV02P275 في الكفر والطغيان وهو تعالى لم يمهله تعالى بل أم تعالى الخضر -عليه ~~السلام- بقتله فلم يرهق أبويه فبقيا على الإيمان ولم يعص الغلام بالاحتيال ~~عليهما ولو كان تعالى يعاقب على ما علم به من قبل وجوده لما أمر تعالى ~~الخضر -عليه السلام- بقتله لئلا يحصل ذلك ms382 إذ أمره تعالى بذلك مع أنه لا ~~يسقط عنهم تعالى حكمه عبثا تعالى اللع عن ذلك علوا كبيرا. # فصل وجه وجوب الواجبات كلها ووجوب اجتناب المقبحات # أما وجه وجوب الواجبات كلها فلكونها شكر الله تعالى الذي أنعم على المكلف ~~البالغ العاقل بإيجاده تعالى له بعد أن كان عدما وبجعله حيوانا بعد أن كان ~~ترابا وماء مهينا نطفة ضعيفة من أضعف الماء، أو بجعله عاقلا بعد أن كان مثل ~~سائر الأنعام، وبجعله قادرا بعد أن كان عاجزا، وبجعله عالما بعد أن كان ~~جاهلا، وبجعله في أحسن صورة بعد أن كان لا صورة له حسنة، وبفرقه تعالى بينه ~~وبين سائر الحيوانات البهائم والطير بالعقل، وأحسن التقويم باعتدال الخلقة ~~والاستقامة، وبحفظه تعالى إياه من جميع الآفات قال تعالى في ذلك: {قل من ~~يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون}(1) {من يكلؤكم} ~~من يحفظكم مما تستحقون بتفريطكم ومن كل ما تخافون من القوارس، كالأحناش، ~~والحيات، والعقارب، والسباع، وشياطين الإنس والجن {بالليل} حين تنامون ~~كالموتى، وبالنهار حين تنصرفون وتتقلبون في فضله تعالى، فمن يحفظكم عن هذه ~~الأشياء التي لا عقل فيها ولا دين في بعضها PageV02P276 يكفه عنكم {من الرحمن} أي: أمر منه تعالى حفظكم من هذه الأشياء ومما يريده ~~هو تعالى بكم لولا كلمة سبقت منه تعالى بتأخير معاجلة عقاب الآخرة من ~~معاجلة العذاب لإصراركم على المعاصي، وإعراضكم عن الطاعات إلا هو تعالى ~~حفظكم ومنعها منكم بذاته تعالى، وحفظكم عنها بحفظه الذي لا يرام، ومنعها ~~عنكم بمنعه الذي لا يضام، وأمهلكم عن تعجيل العقوبة بالإصرار على جميع ~~الإجرام، ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بعنادهم ليذكر نعمة الله وفعل شكرها ~~بعد معرفتهم لمنته تعالى عليهم بما ركب تعالى فيهم من العقول فقال تعالى في ~~ذلك: {بل هم عن ذكر ربهم معرضون} يعني تعالى مع هذه النعمة كلها أعرضوا عن ~~إعطائها حقها من ذكره تعالى شكره تعالى، وقال تعالى في ذلك: {يعرفون نعمة ~~الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} يعني تعالى يعرفون نعمته ms383 تعالى، ثم ~~تقضي عقولهم عليهم بوجوب شكره تعالى عليها على ما يريد الله تعالى المنعم ~~بها عليهم {ثم ينكرونها} لا يشكرونه تعالى عليها لما فرض تعالى عليهم ~~{وأكثرهم الكافرون} به تعالى الجاحدون لكون النعمة منه تعالى بعد معرفتهم ~~أنه تعالى المنعم فيعاندون ما عرفوا فيجحدون مع العلم وذلك كفر إجماعا، ~~وبعضهم لا يجحد وهو الأقل في ذلك الوقت ولكن يترك الواجبات تمردا، فلا يخرج ~~إلى الكفر بذلك، فقال تعالى: {وأكثرهم} ليخرج تعالى المتمرد غير المستحل، ~~فإنه لا يكفر إذا كان قد أسلم والتزم أحكام الإسلام قبل ذلك وإلا فهو كافر ~~إلا تمردا إجماعا، PageV02P277 وقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}(1) قبل ذلك ولو لم يجحد النعمة {إن ~~الإنسان لظلوم كفار}(2) وقال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره * من أي شيء ~~خلقه* من نطفة خلقه فقدره* ثم السبيل يسره* ثم أماته فأقبره* ثم إذا شاء ~~أنشره* كلا لما يقض ما أمره* فلينظر الإنسان إلى طعامه* أنا صببنا الماء ~~صبا* ثم شققنا الأرض شقا* فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا* وزيتونا ونخلا* ~~وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا* متاعا لكم ولأنعاكم}(3) فانظر بعقلك أيها الغافل ~~كيف ذكر تعالى في هذه الآية حصول النعم من خلق الإنسان سويا وتيسيره تعالى ~~له أي: بتصييره وله تعالى سبيل الخير والشر ليحذر الشر ويفعل الخير بما ركب ~~تعالى فيه من العقل والقدرة، [125ب] وتعليمه تعالى له كيفية شكره تعالى، ~~وإخراجه تعالى طعامه من العدم إلى الوجود لحاجة العبد على الصفة التي ذكرها ~~تعالى، وإخراجه تعالى طعام البهائم وإيجاده تعالى لها بحاجة المكلف ونحوه، ~~وإيجاده تعالى ما تحتاج إليه هي، وإكرامه تعالى للإنسان بالقبر، ونشره ~~تعالى له للجزاء، وكذلك أيضا سائر الحيوانات يحييها تعالى للعوض الذي لا ~~ينقطع لكن لا بعد القبر والإكرام، فذكر تعالى هذه النعمة لينظر العبد فيها ~~فيقضي عقله بوجوب الشكر عليها، والاعتراف بعدم مماثلة فاعلها تعالى للخلق ~~الضعيف المحدود المحتاج الحفيف. PageV02P278 # وأما اجتناب المقبحات فلكون في فعلها مخالفة لمن أنعم بهذه النعم التي لا ~~يقدر العبد على ms384 حصرها ومخالفته تعالى، وهو المنعم تعالى بها قطعا محرمة ~~عقلا وسمعا، وقبيحة عقلا وسمعا، فوجبت الواجبات، وحرم فعل المقبحات لكون ~~فعل الواجبات شكرا له تعالى، وفعل المقبحات إنكارا لنعمته تعالى استحلالا ~~أو تمردا، وكفر المنعم تعالى وإنكار نعمته تعالى وترك ما فرض من شكره ~~تعالى عليها من أقبح القبائح عقلا وسمعا، فوجبت الواجبات، وحرمت المقبحات ~~لكون ذلك شكرا لله تعالى المنعم بأصول النعم وفروعها، ويدل على أنها وجبت ~~لكونها شكرا لله تعالى العقل والسمع الذي ذكرنا أولا، كما ذكرنا بكماله من ~~دلالته على وجوب شكر المنعم تعالى، والآيات المتقدمة الدالة على وجوب شكره ~~تعالى، وقوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} أي: اعملوا عملا ليكون ذلك ~~العمل شكرا للمنعم تعالى على النعم، وقوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}(1) وقوله تعالى: ~~{واشكروا لي ولا تكفرون}(2). # قالت المعتزلة: بل وجبت الواجبات لكونها لطفا في أداء العقليات من رد ~~الأمانة ونحو ذلك، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر}(3). PageV02P279 # قلنا: المقصود أن الفاعل للصلاة على أحسن أحوالها متما ركوعها وسجودها ~~وطهورها خاشعا قلبه وجوارحه فيها، والذاكر لله تعالى، المعظم له تعالى، ~~الخائف منه في جميع الأحوال يحمله ذلك على أنه لا يصر على كبيرة لأنه يتوقف ~~لفعل باقي الواجبات، واجتناب المنكرات والفاحشات، ليس المقصود بالآية ~~الكريمة وجوب الصلاة لأجل ينتهي، بل أخبر تعالى بحالة ذلك وأن الأغلب على ~~فاعل الصلاة كاملة أنه يترتب على فعلها كذلك نهي نفسه عن الفحشاء والمنكر، ~~فكأن الصلاة لما كانت يحصل له بعد فعلها صحيحة من فعل نفسه اجتناب هذا ~~المنهي عنه، فكأنها نهته، ونتأولها بهذا التأويل وهو ظاهرها، ولنا عليهم ~~حجة العقل والسمع المتقدم الدالان على أن الواجبات وجبت لكونها شكرا لله ~~تعالى المنعم بها، ولنا عليهم ما لا يحتمل تأويلا ولا يصح له نسخ قوله ~~تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} وهذا نص صريح في أن العمل وجب لكونه شكرا لا ~~لكونه لطفا إجماعا. ms385 # فصل PageV02P280 ومصلحة الشكر وعقاب تركه راجع إلى المكلف لأن الله تعالى غني عن العالمين ~~[126أ] قال تعالى حاكيا قول سليمان -عليه السلام: {ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم}(1) وقال تعالى: {ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}(2) وقال تعالى: ~~{ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين}(3) ولكن فرض الله ~~تعالى على المكلف ما قضى به عقله الذي ركبه تعالى فيه من وجوب شكر صاحب ~~النعمة وموليها، ولو لم يجب شكر مولي النعمة الذي قضى به العقل لكان خلق ~~العقل عبثا إذا لم تفترق حالة من ركبه تعالى فيه وحالة من لم يركبه تعالى ~~فيه من البهائم والمجانين، ولا يفترق الحال كذلك إلا بإيجاب ما قضى به ~~العقل من شكر المنعم تعالى وترك مخالفته -تعالى- ولذا إن الله تعالى مثل ~~التاركين الشكر بعد خلقه -تعالى- العقل الكامل فيهم ولم ينتفعوا به في فعل ~~الشكر بالمسلوبين عنه من الأنعام، وجعلهم -تعالى- أضل منها؛ لأنها تعمل ~~بالإلهام اليسير الذي فيها بخلافهم فلا يعملون في أمر الآخرة بشيء مما قضى ~~به العقل عليهم إذ لو عملوا لما أصروا على معصية يعملونها لله تعالى، فقال ~~تعالى في أولئك المخالفين من العقلاء: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا}(4). # فصل PageV02P281 في أشياء من المخلوقات الله يعلم أنها لا تفنى بعد أن خلقها تعالى أول مرة، ~~فتلك الجنة والنار بعد أن خلقهما تعالى لا يفنيان ولا ينقطعان، ولا نهاية ~~لهما أبدا، ولا حد لهما ينتهيان إليه يسمى آخرهما بعد أن خلقهما تعالى أول ~~مرة، وذلك لأن حياة أهلهما بعد الدنيا وموتة القبر لا يقطعهما الله تعالى ~~أبدا، ولا غاية لها، قال تعالى في أهل الجنة: {لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى}(1) وقال تعالى في أهل النار: {ويأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ}(2) وقال تعالى: {وما هم عنها بغائبين}(3) ~~يعني تعالى بعد الوقوع فيها، وقال تعالى: ms386 {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}(4) وقال تعالى: {وما هم بخارجين ~~من النار}(5) فلو كان للجنة والنار نهاية لكان لأهلهما خروج منهما بتلك ~~النهاية، وقد أخبر الله تعالى في خبر أهل القطع أن أهل كل واحدة منها لا ~~يفارقونها أبدا، ولا يموتون أبدا، وأخبر تعالى أن نعيم أهل الجنة لا ينقضي ~~بعد أن خلقها تعالى وأدخلهم إياها، وأن عذاب أهل النار لا ينقطع بعد خلقه ~~تعالى لسببه من النار وإيقاعه تعالى لأهلها فيها، ووقوع أجله فيه، فقال ~~تعالى ما تقدم من الأدلة، وقال تعالى: {فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ~~ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ~~ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد}(6) وقال تعالى في PageV02P282 أهل الجنة وأنه لا نهاية لنعيمهم بعد أن خلقه تعالى ودخولهم فيه: {وأما ~~الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك ~~عطاء غير مجذوذ}(1) وقال تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر ~~غير ممنون}(2) أي: غير مقطوع، والمن في اللغة: القطع، ويقال: منا للقطعة من ~~الشيء، وأخبر تعالى على القطع بأن الجنة ونعيمها دائم بعد أن خلقها تعالى ~~فقال تعالى: [126ب] {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار}(3) وقال ~~تعالى مخبرا على القطع أن أهل الجنة لا يخرجون منها ولا يفارقون نعيمها ~~لحظة بعد دخولهم فيها: {إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما ~~هم منها بمخرجين}(4) فلا نهاية لحياتهم ولا لما هم فيه من النعيم، لأنه لو ~~كان له نهاية لعلمها تعالى وما لا يعلمه لا يتصور وجوده قطعا لما قال ~~تعالى: {وما هم منها بمخرجين} إذ لو كان ثم نهاية لها لخرجوا منها -تعالى ~~الله عن الكذب علوا كبيرا- فهو تعالى لا يكذب -تعالى عن ms387 الكذب علوا كبيرا- ~~قال تعالى: {ومن أصدق من الله قيلا}(5) وفي هذه الأدلة أعني قوله تعالى في ~~الجنة والنار بالاستمرار بعد أن خلقهما تعالى دلالة على أنهما لم قد يخلقا ~~في أيام الدنيا -أعني الجنة والنار- لأنهما لو كانتا قد PageV02P283 خلقتا لهلكتا؛ لأنهما لو كانا قد خلقتا من جملة الأشياء الهالكة، وقد قال ~~تعالى في صفة الجنة: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} وقال تعالى: ~~{عطاء غير مجذوذ} وقال تعالى: {فلهم أجر غير ممنون} أي غير مقطوع، وقال ~~تعالى مخبرا أن كل شيء مخلوق في الدنيا غير الآخرة فهو معدود للفناء فقال ~~تعالى في ذلك: {كل شيء هالك إلا وجهه} يعني تعالى إلا ذاته تعالى، واستثنى ~~تعالى وجهه يعني: ذاته تعالى أنه تعالى لا يجري عليه تعالى الهلاك، وهو ~~تعالى غير مخلوق لكن لعموم قوله تعالى: {كل شيء هالك} وهو تعالى شيء، وذلك ~~لأنه تعالى موجود قبل كل شيء، مستمر الوجود قطعا لا يصح عليه تعالى العدم ~~ولا الفناء، فاستثنى نفسه تعالى لما كان تعالى شيئا موجودا، ولم يستثني ~~تعالى شيئا من مخلوقات الآخرة لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت وقت الهلاك إلا ~~عدما، والعدم هو لا شيء، فلما كان مخلوقات الآخرة معدومين لم يستثنهم ~~تعالى؛ لأن المخلوق قبل خلقه لا يكون شيئا، فلو كانت الجنة والنار قد ~~خلقهما تعالى ووجدتا، وقد أخبر تعالى أنهما لا ينقطعان لاستثناهما تعالى في ~~الباقين كما استثنى نفسه لما كان تعالى شيئا موجودا، فلما لم يستثنهما ~~تعالى عرفنا بذلك أنهما لم قد يخلقا وهذا هو قول الهادي إلى الحق يحيى بن ~~الحسين عليه السلام وأكثر العترة عليهم السلام محتجين بهذه PageV02P284 الأدلة، وهذا هو الصحيح عندنا لما ذكرنا، وقال قوم: بل قد خلقتا لنا ما ~~تقدم من قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله تعالى في بقاء الجنة: ~~{أكلها دائم وظلها} وفي النار ما تقدم أن أهلها لا يفارقون عذابها بعد ~~وجودها ودخولهم ms388 فيها، ولا يحتاج للإعداد إلا من يتروى ويتفكر والله سبحانه ~~عالم قادر على إيجاد الشيء وقت العمل به على الفور تبارك وتعالى. # قالوا: قال تعالى: {أعدت للكافرين} وفي الجنة: {أعدت للمتقين}. # قلنا: أعدت في علم الله تعالى، ليس أنها قد وجدت لما تقدم من الدليل. # وقال قوم: يجوز ويجوز. # قلنا: صريح الأدلة خلاف الجواز لأن الحصر والاستثناء لا عموم معهما لصح ~~خصوصه إلا بذلك الاستثناء المتصل لا غير؛ لأنه لو كان غير المستثنى خارج من ~~حكم [المستثنى منه لذكر في الاستثناء المتصل فبقى العام بعد الاستثناء منه ~~قطعيا في غير المستثنى من المعاني قطعا وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~لعلي -عليه السلام: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي))(1) فثبتت الإمامة قطعا إجماعا في اللغة والشرع لا ينكر ذلك عقل عاقل. # فصل PageV02P285 وكلما أخبر الله تعالى بأنه لا نهاية له أو أنه محال لا يتصور وجب اعتقاده ~~كذلك، ومن لم يعتقده لذلك كفر إجماعا لمخالفته لله تعالى، والمخالف له ~~تعالى كاذب وقائل غير الواقع إجماعا، ومن ادعى علم ما لا يعلمه الله تعالى ~~أو ادعى وجود ذلك فقد قال بالمحال والزور والبهتان وكفر إجماعا، ولذا قال ~~الله تعالى منكرا على اليهود ما قالوا من أن الأنبياء كانوا هودا أو نصارى ~~كونه تعالى لا يعذبهم إلا أياما معدودة: {قل أأنتم أعلم أم الله}(1) وقال ~~تعالى: {أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول} وكذلك من ادعى ~~من علم الغيب غير ما علمه الله تعالى على لسان رسله وأنبيائه -عليهم وآلهم ~~السلام- وغير ما أخذه من ذلك من منطوق ومفهوم وعموم وخصوص فقد قال الكذب ~~والزور وكفر إجماعا لقوله تعالى: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشاء}(2) يعني تعالى لا يطلعكم غير الأنبياء على شيء ~~من علم الغيب بأن يوحي إليكم بشيء منه {ولكن الله يجتبي} يختار تعالى لعلم ~~ما أراد تعالى من الغيب، يختار لذلك من رسله من ms389 يشاء فيبلغون ما أمرهم ~~تعالى تبليغه إليهم من المكلفين على حسب ما تحتاجون في تفصيل الشكر، وقال ~~تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم}(3) كرسيه تعالى علمه {ولا يؤوده حفظهما} ~~يعني تعالى حفظ السموات والأرض لا يؤوده تعالى لا يثقله تعالى PageV02P286 {حفظهما} من الفساد والنقصان والذهاب والزوال وإقلالهما في الهوى وعلى متن ~~أمواج الماء والماء في الهواء من غير عمد، والهواء والماء لا يمسكان حبة ~~الخردل ولا صغير الحجر كالحصى، ولا تمسك الهواء قطرة الماء ولا حبة الخردل ~~إذا الفساد فيه وهما ممسكتان بقدرته تعالى وتبارك، وليس قدرته تعالى غير ~~ذاته، وهو القادر على ما يشاء. # فأما الرؤيا فهي وحي لكن لا تكون ابتداء شرع إجماعا إلا بحق الأنبياء ~~-عليهم السلام وآلهم- وقال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا ~~من ارتضى من رسول}(1) والتنوير يتفاضل أهل العلم فيه في أخذ الأحكام من ~~الكتاب والسنة وباجتهاداتهم في ذلك لا في شيء جديد ليس له أصل من ذلك، فلا ~~يحل ولا يكون لما ذكرنا، وفي تفاضلهم في ذلك يقول الله تعالى: {وفوق كل ذي ~~علم عليم}. PageV02P287 # وأما الرسل والأنبياء فيتفاضلون في العلم باعتبار الوحي والاجتهاد فيما لهم ~~مستند وحي، وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العلم ~~والاجتهاد فيما له مستند وحي وفي العقل صلى الله عليه وآله وسلم وذريته ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعترته صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من غيرهم ~~بعد الملائكة والأنبياء في العلم المأخوذ من الكتاب والسنة والاجتهاد وفي ~~العقل لآية الاصطفاء، والوراثة، وآية الذكر، وحديث السفينة، وإني تارك ~~فيكم، وآية التطهير وغير ذلك بما قدمنا، ولما روينا بالإسناد الموثوق به ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم [127ب] أنه قال: ((قال لي جبريل عليه ~~السلام طفت مشارق الأرض ومغاربها فلم أرى أهل بيت أفضل من بني هاشم))(1) ~~ولا شك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضل بني هاشم ms390 قطعا إجماعا، ~~وأجمع أهل البيت عليهم السلام وإجماعهم حجة قاطعة لما قدمنا من الأدلة ~~أنهم أفضل الناس بعد الأنبياء عليهم السلام وتفضيل أهل البيت عترة النبي ~~محمد وذريته صلى الله عليه وآله وسلم على من عدا الأنبياء والملائكة ~~عليهم السلام إجماع الزيدية وغيرهم أيضا لا ينكرون فضلهم ومزيتهم لكونهم ~~عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهو صلى الله عليه وآله وسلم صفوة الصفوة، وعترته وذريته الخيار لا نفرق ~~بينه وبينهم صلى الله عليه وآله وسلم في التفضيل إلا PageV02P288 بفضل الرسالة والنبوة وزيادة العقل فيه صلى الله عليه وآله وسلم وما خصه ~~دليل غير ذلك، وقد قال تعالى في هذا: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون}(1) وقال تعالى: {وفوق كل ذي علم ~~عليم} وقال صلى الله عليه وآله وسلم ناصا على أن عترته وذريته صلى الله ~~عليه وآله وسلم أعلم من غيرهم سلفا بعد خلف بعد الأنبياء والملائكة عليهم ~~السلام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تعلموا أهل بيتي فإنهم أعلم ~~منكم))(2). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن ~~تخلف عنها غرق وهوى))(3). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي إن اللطيف الخبير نبأني أنهما ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(4). PageV02P289 # وقلنا: واجتهاده صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الرسل باعتبار الوحي فذلك ~~معلوم، ولقوله تعالى: {إن هو إلا وحي يوحى} والرؤيا وحي في غير إيجاب حكم ~~من الأحكام الشرعية أو تحريمه أو سنته أو ندبه، بل ذلك مختص بالرسل ~~والأنبياء إجماعا، وهي -أعني الرؤيا- إلى سائر الناس وحي فيما عدا الشرائع ~~وأحكامها، فذلك أعني كونها وحي كذلك بتقرير ه تعالى رؤيا الملك الريان على ~~لسان رسوله يوسف عليه السلام وتفسير يوسف عليه السلام للسبع البقرات ~~السمان والعجاف بسبع سنين قحط وسبع سنين ms391 خير، فقرر تعالى ذلك وصححه أنه وحي ~~منه تعالى، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الرؤيا الحسنة من الرجل ~~الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة))(1) وكان يقول صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((لم يبق بعدي إلا المبشرات، فقالوا: وما المبشرات يا رسول ~~الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له جزء من ستة ~~وأربعين جزءا من النبوة))(2)، وكان يقول: ((الرؤيا من الله والحلم من ~~الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث نفثات إذا استيقظ ~~ثم ليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله تعالى))(3). وقال ~~تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}(4) والآية تعم الرؤيا ~~الصالحة، وفي الحديث عنه -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن بشائر المؤمنين لا ~~يخرج من الدنيا حتى يرى منزله في الجنة أو ترى له))(5) فهذا صحيح PageV02P290 على هذا الترتيب، وقد فاضل تعالى بين الجمادات ابتداء من غير علة للحكمة ~~البالغة فضلا عن العقلاء، فقال تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ~~أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل}(1) وفضل تعالى جنس الحيوانات غير العقلاء بعضه على بعض، وفاضل ~~سبحانه وتعالى بين العقلاء من الناس في الشرف والرزق ليبلوهم تعالى فيما ~~آتاهم من نعمة الجاه والمال كيف يشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف ~~بالوضيع فيما أوجب الله تعالى له عليه، وكيف يصنع الوضيع فيما أوجب الله ~~تعالى للشريف عليه، وكيف يصنع الحر بالعبد، والغني بالفقير، فقال سبحانه ~~وتعالى في ذلك: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ~~ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك لسريع العقاب}(2) لمن خالف الله تعالى أو اعترض ~~عليه في التفضيل {وإنه لغفور رحيم} لمن تاب وامتثل وفعل ما أوجب الله ~~تعالى، ولا ينكر التفضيل ابتداء أو كونه حكمة إلا كافر ومكابر، هذا تحقيق ~~هذا الباب والله الموفق لكل صواب. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين خاصة: ((من أحب أن ms392 ~~يتمسك بقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله تعالى في جنات عدن فليتمسك بحب ~~علي -عليه السلام))(3) وروي عن جابر الأنصاري أنه سئل عن علي عليه السلام ~~فقال: ذلك خير البشر. PageV02P291 # فأما الحسن والحسين فهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت ~~الصحابة تدعوهما بذلك، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((كل بني بنت ينتمون إلى أبيهم غير ابني فاطمة فأنا أبوهما ~~وعصبتهما))(1). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: ((الحسن والحسين إماما شباب أهل ~~الجنة وأبوهما خير منهما))(2). وهذا يقتضي أنهما سيدا المتقين والعابدين ~~والزاهدين العالمين؛ لأن أهل الجنة من المكلفين هذه صفاتهم. # وروي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من أحبهما في الجنة، ومن أبغضهما في النار))(3). # وروى أبو هريرة أيضا قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: ((أنا حرب لمن حاربهم سلم لمن ~~سالمهم))(4). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قاتلنا آخر الزمان فكأنما قاتل مع ~~الدجال))(5). روى هذا الحديث علي بن موسى الرضا بإسناده إلى النبي -صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # وروى علي بن موسى الرضا عليه السلام بإسناده إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((غضب الله وغضب ~~رسوله [128ب] على من أهرق دم ذريتي أو آذاني في عترتي))(6). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما يتقلب جناح ~~طائر في الهواء إلا وعندنا في ذلك علم))(7). PageV02P292 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سيدا شباب أهل ~~الجنة الحسن والحسين وأبوهما خير منهما))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: ((يا علي ~~إنك قسيم النار وإنك تقرع باب الجنة فتدخلها بلا حساب))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي ~~كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها يزج في ms393 النار))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي إذا كان ~~يوم القيامة أخذت بحجزة الله عز وجل وأخذت أنت بحجزتي وأخذ ولدك بحجزتك ~~وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم))(4) فترى من يؤمن بما قال أبو القاسم الطائي: سألت ~~أبا العباس ثعلب عن الحجزة، فقال: هي السبب، وسألت نفطويه النحوي عن ذلك، ~~فقال: هي السبب. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنا أهل بيت لا ~~تحل لنا الصدقة وأمرنا بإصباغ الطهور وأن لا ننزي حمارا على عقيبه))(5). # وبإسناده قال: قال رسول -صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي إنك سيد ~~المسلمين ويعسوب المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين))(6) قال ~~أبو القاسم الطائي: سألت أحمد بن يحيى عن اليعسوب، قال: هو الذكر من النحل ~~الذي يقدمها أو يحامي عنها. PageV02P293 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لما أسري بي إلى ~~السماء أخذ جبريل عليه السلام بيدي وأقعدني على درنوك من درانيك الجنة، ~~ثم ناولني سفرجلة فأنا أقلبها إذ انفلقت فخرجت منها جارية حوراء لم أرى ~~أحسن منها، فقالت: السلام عليك يا محمد، قلت: ومن أنت؟ قالت: أنا الرضية ~~المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أصناف سفلي من مسك، ووسطي من كافور، وأعلاي ~~من عنبر، عجنني من ماء الحياة قال الجبار: كوني فكنت، خلقني لأخيك وابن عمك ~~علي بن أبي طالب -عليه السلام))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن موسى بن ~~عمران سأل ربه ورفع يديه فقال: يا رب أبعيد أنت أناديك أم قريب فأناجيك، ~~فأوحى الله إليه: يا موسى أنا جليس من ذكرني))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي إني ~~سألت ربي فيك خمس خصال فأعطاني، أما أولهن: فسألت ربي أن تنشق عني الأرض ~~فأنفض التراب عن رأسي وأنت معي فأعطاني، وأما الثانية: فسألت ربي أن يوقفني ~~عند كفة الميزان وأنت معي فأعطاني، وأما الثالثة: فسألت ربي أن يجعلك حامل ~~لوائي وهو ms394 لواء الله عز وجل الأكبر علينا المفلحون والفائزون في الجنة ~~فأعطاني، وأما الرابعة: فسألت ربي أن يسقي أمتي من حوضي فأعطاني، وأما ~~الخامسة: فسألت ربي أن يجعلك قائد أمتي إلى الجنة فأعطاني والحمد لله الذي ~~من بذلك علي))(3). PageV02P294 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ~~{يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} قال: ((ندعي كل قوم بآبائهم، وكتاب ربهم، وسنة ~~نبيهم))(1)[129أ]. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من بهت مؤمنا ~~أو مؤمنة أوقال فيه ما ليس فيه أقامه الله على تل من النار حتى يخرج مما ~~قال فيه))(2). # قلت: وأهل بيت الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- سيما من عرف منهم ~~بالعلم والعمل به أحق بالاحترام والانتصاف لهم كذلك. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتاني جبريل ~~عليه السلام عن ربه عز وجل وهو يقول: ربي يقريك السلام ويقول: يا محمد بشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويؤمنون بك وبأهل بيتك في الجنة، فلهم عندي ~~جزاء الحسنى وسيدخلون الجنة))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله عز وجل ~~ليحاسب كل خلق إلا من أشرك بالله عز وجل فإنه لا يحاسب يؤمر به إلى ~~النار))(4). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المغبون لا ~~محمود ولا مأجور))(5). # قلت: حيث لم يحتسب عنايته عند الله ويصبر على التخلية التي هي حكمة من الله. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سب نبيا ~~قتل، ومن سب صاحب نبي جلد))(6). PageV02P295 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا سميتم الولد ~~محمد فأكرموه ووسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من قوم كانت ~~لهم مشورة فحضر معهم أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما ms395 من مائدة ~~وضعت وقعد عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس ذلك المنزل في كل يوم ~~مرتين))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنما سميت ~~ابنتي فاطمة لأن الله فطمها وفطم من أحبها من النار))(4). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ليغضب ~~لغضب فاطمة ويرضى برضاها))(5). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الولد ريحانة ~~وريحانتاي الحسن والحسين -عليهما السلام))(6). # وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض))(7). # قلت: ومن أفتى الناس بعداوة أحد من أهل بيت الرسول دعاتهم ومقتصديهم بغير ~~دليل معين لمعصيته قاطع فقد أفتى الناس بغير علم، ولا شك في فسقه، ولا يبعد ~~أن يكفر حيث استحل. PageV02P296 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس منا من غش ~~مسلما أو غره أو ماكره))(1). يعني عليه السلام غلبه بمكره عليه وحيلته ~~حتى يخدعه ويأخذ حقه. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قال الله تبارك ~~وتعالى: يا ابن آدم لا يغرنك ذنب الناس عن ذنبك، ولا نعمة الناس عن نعمة ~~الله عليك، ولا تقنيط الناس من رحمة الله تعالى عليك وأنت ترجوها ~~لنفسك))(2). # وبإسناده قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ثلاث أخافهن على أمتي ~~بعدي، الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة النظر والفرج))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: [129ب] ((العلم ~~خزائن ومفتاحها السؤال، فسألوا رحمكم الله فإنه يؤجر أربعة، السائل والمعلم ~~والمستمع والمجيب))(4). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله تعالى ~~يبغض من يدخل عليه بيته ولا يقابل))(5). # وبإسناده قال: سألت أبي محمد بن علي بن الحسين -عليهم السلام: لما أوتم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أبويه؟ قال: لئلا يجب عليه حق المخلوق. # وبإسناده قال: حدثني أبي جعفر بن محمد ms396 -عليهما السلام- قال: أدنى العقوق ~~أف ولو علم الله عز وجل شيئا أهون من أف لنهى عنه. PageV02P297 # وبإسناده قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام في قوله تبارك ~~وتعالى: {أكالون للسحت} قال: هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته. # قلت: إذا كانت الحاجة دينية كتعليم القرآن والعلم ونحو ذلك من الواجبات ~~الدينية المحضة لا غير ذلك. # وبإسناده قال: حدثني أبي موسى بن جعفر عليه السلام قال: كان على خاتم ~~محمد بن علي -عليه السلام: ظني بالله حسن، وبالنبي المؤتمن، وبإلهي ذي ~~المنن، وبالحسين والحسن. # وبإسناده قال: حدثني علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: سمي حسن يوم ~~سابع، واشتق من اسم حسن حسين، وذكر أنه لم يكن بينهما إلا الحمل. # وبإسناده قال: حدثني أبي علي بن الحسين عليه السلام أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أذن في أذن الحسين بالصلاة يوم ولد. # وبإسناده قال: حدثني علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال أمير ~~المؤمنين -عليه السلام: لا دين دان لمخلوق في معصية الخالق. # وبإسناده قال: سئل جعفر بن محمد -عليهما السلام- عن زيارة قبر الحسين بن ~~علي عليه السلام فقال: أخبرني أبي قال: من زار قبر الحسين بن علي -عليهما ~~السلام- عارفا بحقه كتبه الله في العليين، ثم قال: لدخول قبره سبعون ألف ~~ملك شعثا غبرا يبكون عليه إلى أن تقوم الساعة. PageV02P298 # وبإسناده قال: قال علي بن الحسين -عليهما السلام: كأني بالقصور وقد شيدت ~~حول قبر الحسين بن علي عليه السلام وكأني بالأسواق وقد حفت حول قبر ~~الحسين حتى يسار إليه من الآفاق، ولا تذهب الليالي والأيام، وذلك عند ~~انقطاع ملك بني مروان. # وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يقول: ((إني أخاف عليكم استخفافا بالدم، وبيع الحكم، ~~وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير تقدمون أحدكم وليس بأفضلكم في ~~الدين))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي لولاك ~~ما عرف المؤمنون بعدي))(2). # وبإسناده قال: قال ms397 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي إنك ~~أعطيت ثلاثا، قلت: فداك أبي وأمي وما أعطيت؟ قال: أعطيت صهرا مثلي، وأعطيت ~~مثل زوجتك فاطمة، وأعطيت مثل ولديك الحسن والحسين))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ستة من ~~المروءة، ثلاثة منها في الحضر، وثلاثة في السفر، فأما اللاتي في الحضر: ~~فتلاوة كتاب الله تعالى، وعمارة مساجده، واتخاذ الإخوان في الله؛ وأما التي ~~في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله))(4)[130أ]. # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((التوحيد نصف ~~الدين، واستنزلوا الرزق من الله عز وجل بالصدقة))(5). PageV02P299 # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((اصطنع الخير إلى ~~من هو أهله ومن ليس من أهله، فإن لم تصب أهله فأنت من أهله))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((رأس العقل بعد ~~الدين التودد إلى الناس، واصطناع إلى كل بر وفاجر))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((سيد طعام ~~الدنيا والآخرة اللحم، وسيد شراب الدنيا والآخرة الماء، وأنا سيد ولد آدم ~~ولا فخر))(3). # وبإسناده قال: حدثني أبي الحسين بن علي -عليهما السلام- أن يهوديا سأل ~~علي بن أبي طالب عليه السلام قال: أخبرني عما ليس لله؟ وعما ليس عند ~~الله؟ وعما لا يعلمه عز وجل؟ قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: أما ما ~~لا يعلمه الله فذلك قولكم معاشر اليهود: عزير بن الله، والله لا يعلم له ~~ولدا، وأما قولك: أخبرني عما ليس عند الله تعالى؟ فليس عند الله ظلما ~~للعباد، وأما قولك: أخبرني عما ليس لله؟ فليس لله شريك. فقال اليهودي: وأنا ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله-صلى الله عليه وآله سلم. PageV02P300 # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((يقول الله عز ~~وجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات والأرض دونه، ~~فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه، ms398 وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ~~ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن ~~استغفرني غفرت له))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الإيمان إقرار ~~باللسان ومعرفة بالقلب وعمل بالأركان))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((يقول الله عز ~~وجل: لا إله إلا الله حصني، فمن دخله كان آمنا من عذابي))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أربعة أنا شفيع ~~لهم يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في ~~أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه))(4). # وبإسناده قال: حدثني أبي علي بن أبي طالب -عليهما السلام- قال: أكملكم ~~إيمانا أحسنكم خلقا. # وبإسناده قال: حدثني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ~~من كنوز الجنة إخفاء العمل، والصبر على الرزايا، وكتمان المصائب. # وبإسناده قال: حدثني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: ~~حسن الخلق خير قرين. # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: عنوان ~~صحيفة المؤمن حسن خلقه. PageV02P301 # وبإسناده سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ ~~قال: ((تقوى الله عز وجل وحسن الخلق))(1). # وبإسناده وسئل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ما أكثر ما يدخل ~~النار؟ قال: ((الأجوفان، البطن والفرج))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((الويل للظالمين ~~أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل [130ب] من النار))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((قاتل الحسين في ~~تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا وقد شد يداه بسلاسل من نار ومنكس ~~في النار حتى يوضع في جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة ريح ~~نتنه، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، كلما نضجت جلودهم بدل الله لهم ~~الجلود حتى يذوقوا العذاب لا يفتر عنهم ساعة، ويسقى من حميم جهنم، الويل له ~~من عذاب الله عز ms399 وجل))(4). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة ~~العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب))(5). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله عز وجل ~~قدر المقادير ودبر التدابير من قبل أن يخلق آدم بألفي عام))(6). PageV02P302 # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تضيعوا ~~صلاتكم، فإن من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان وفرعون وكان حقا على الله أن ~~يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته وأداء سنته))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرمت الجنة على ~~من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، والمعين عليهم، ومن سبهم، أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من عامل الناس ~~فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم، فهم ممن كملت مروءته، ~~وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته))(3). # وبإسناده قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أقربكم مني مجلسا يوم ~~القيامة أحسنكم خلقا، وخيركم خيركم لأهله، وألطفكم بأهله، وأنا ألطفكم ~~بأهلي))(4). # وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: ليس في غير القرآن يا ~~أيها الذين آمنوا إلا في التوراة يا أيها الناس. # وبإسناده قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: لو رأى العبد أجله وصرعته ~~لأبغض الأمل وطلبه الدنيا. PageV02P303 # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي عليه السلام أن الحسن والحسين ~~كانا يلعبان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى مضى عامة الليل، ثم ~~قال لهما: انصرفا إلى أمكما، فبرقت برقة فما زالت تضيء لهما حتى دخلا على ~~فاطمة عليهم السلام والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى البرقة ~~فقال: ((الحمد لله الذي أكرمنا أهل البيت))(1). # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: من عرض ~~نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن. # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين ms400 عليه السلام قال: ورثت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابين: كتاب الله عز وجل، وكتاب في قرارة ~~سيفي، قال: من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه فعليه لعنة الله. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((دعاء أطفال ~~ذريتي مستجاب ما لم يقارفوا الذنوب))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كرامة ~~المؤمن على الله أنه لم يجعل لأجله وقتا حتى يهم ببائقة، [131أ] فإذا هم ~~ببائقة قبضه الله))(3). # قال كان جعفر بن محمد عليه السلام يقول: تجنبوا البوائق تمد لكم ~~الأعمار. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم ارحم ~~خلفائي -ثلاث مرات- قيل: يا نبي الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ~~فيروون آحاديثي وسنتي ويعلمونها الناس))(4). PageV02P304 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ضمن لي واحدا ~~ضمنت له أربعة: يصل رحمه، فيحبه أهله، ويوسع له في رزقه، ويزاد في أجله، ~~ويدخله الله الجنة التي وعده))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليس أبغض إلى ~~الله عز وجل من بطن ملآن))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((النجوم أمان ~~لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي))(3). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كأني قد دعيت ~~وأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل ~~ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني ~~فيهما))(4). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من حفظ على ~~أمتي أربعين حديثا ينتفعون بها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما))(5). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من شيء في ~~الميزان أثقل من حسن الخلق))(6). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لينال الرجل ~~بحسن الخلق درجة الصائم القائم))(7). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ms401 وسلم: ((من أسدل مؤمنا ~~أو موته أو احتقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم ~~يفضحه))(8). PageV02P305 # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه ~~فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره))(1). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تزال أمتي ~~بخير ما تحابوا أدوا الأمانة واجتنبوا الحرام وأقروا الضيف وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين))(2). # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أفضل الأعمال ~~عند الله عز وجل إيمان لاشك فيه وغزو لا غلول فيه وحج مبرور وأول من يدخل ~~الجنة شهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده ورجل عفيف متعفف ذو عبادة ~~وأول من يدخل النار إمام متسلط وذو نزق من المال لم يعط المال حقه وفقير ~~فخور))(3). # وبإسناده قال: حدثني أبي الحسين بن علي عليه السلام قال: دعا رجل أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام فقال له علي: أجيبك على أن تضمن لي ثلاث خصال ~~فقال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: لا يدخل علي شيئا من خارج ولا يدخل ~~علي شيئا في البيت ولا تجحف بالعيال. قال: ذلك لك. وأجابه علي -عليه ~~السلام. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((عليكم بالعدس ~~فإنه مبارك مقدس، وإنه يرق القلب، ويكثر الدمعة، وإنه قد بارك فيه سبعون ~~نبيا آخرهم عيسى بن مريم [131ب] -عليه السلام))(4). PageV02P306 # وبإسناده قال: حدثني أبي محمد بن علي الباقر -عليهما السلام- قال: حدثني ~~أبي علي بن أبي طالب -عليه السلام: خمس لو دخلتم فيهن ما قدرتم على مثلهن ~~لا يخف عبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سئل عما لا ~~يعلم أن يتعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا ~~صبر له. # وبإسناده قال: حدثني الحسين بن علي عليه السلام قال: إن أعمال الأمة ما ~~من صباح ومساء إلا تعرض على ms402 الله عز وجل. # وبإسناده قال: حدثني أبي الحسين بن علي -عليهما السلام- أنه وجد لوح تحت ~~حائط مدينة من المدائن فيه مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسول الله ~~عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن ~~اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب. # وبإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أتاني ملك ~~الموت فقال يا محمد إن ربك يقريك عليه السلام ويقول: إن شئت جعلت لك ~~بطحاء مكة ذهبا فرفع رأسه إلى السماء فقال: يا رب أشبع يوما فأحمدك وأجوع ~~يوما فأسألك))(1). PageV02P307 # وبإسناده قال: حدثني أبي علي بن الحسين -عليهما السلام- قال: حدثتني أسماء ~~بنت عميس قالت: أقبلت جدتك فاطمة -عليها السلام- بالحسن والحسين -عليهما ~~السلام- فلما ولد الحسن جاءني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((يا ~~أسماء هلمي ابني فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وقال: يا أسماء ألم أعهد إليك أن لا تلقي المولود في خرقة ~~صفراء، فلففته في خرقة بيضاء ودفعته إليه فأذن في أذنه اليمنى وأقام في ~~اليسرى ثم قال لعلي عليه السلام بأي شيء سميت ابني هذا ؟ قال علي: ما كنت ~~لأسبقك باسمه يا رسول الله وقد كنت أحب أن أسميه حربا فقال النبي -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: وأنا لا أسبق باسمه ربي عز وجل ثم هبط جبريل عليه السلام ~~فقال: السلام عليك يا محمد، العلي الأعلى يقريك السلام ويقول: علي منك ~~بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك فسم ابنك هذا باسم بن هارون قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : وما اسم بن هارون يا جبريل؟ قال : شبر قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لساني عربي. قال: سمه الحسن. قالت أسماء: فسماه ~~الحسن فلما كان يوم سابعه عق عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبشين ~~أملحين فأعطى القابلة فخذ الكبش وحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقا وطلى رأسه ~~بالخلوق ثم ms403 قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية قالت أسماء: فلما كان بعد حول ~~من مولد الحسن عليه السلام ولد الحسين عليه السلام فجاءني PageV02P308 النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أسماء هلمي ابني فدفعته إليه في ~~خرقة بيضاء فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ووضعه في حجره وبكى قالت ~~أسماء: فداك أبي وأمي مم بكاؤك؟ قال: من ابني هذا. قلت: إنه ولد الساعة. ~~قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي ثم قال: ~~يا أسماء لا تخبري فاطمة -عليها السلام- فإنها حديثة عهد بولادته ثم قال ~~لعلي عليه السلام أي شيء سميت به ابني هذا؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا ~~رسول الله [132أ] وقد كنت أحب أن أسميه حربا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم : ما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل فأتاه جبريل عليه السلام ~~فقال: يا محمد، الجبار يقريك السلام ويقول لك: سمه باسم بن هارون. قال: وما ~~اسم بن هارون؟ قال: شبير قال: لساني عربي قال: سمه الحسين؛ فسماه الحسين ثم ~~عق عنه يوم سابعه كبشين أملحين وحلق رأسه وتصدق بوزن شعره ورقا وطلى رأسه ~~بالخلوق وقال: الدم فعل الجاهلية وأعطى القابلة فخذ الكبش))(1). # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: كلوا خل ~~الخمر ولا تأكلوا ما أفسدتموه أنتم. # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: عليكم ~~باللحم فإنه ينبت اللحم ومن ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه. PageV02P309 # وبإسناده قال: ذكروا الشحم واللحم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال: ((ليس منهما بضعة تقع في المعدة إلا أنبتت مكانها شيئا وأخرجت مكانها ~~داء))(1). # وبإسناده قال: قال أمير المؤمنين علي -عليه السلام: الحناء بعد النورة ~~أمان من الجذام والبرص. # وبإسناده قال حدثنا أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه- قال: كلوا خل ~~الخمر فإنه يقتل الديدان في البطن. # وبإسناده قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي -عليه السلام: الطب يسر ~~والعسل يسر والنظر والركوب إلى الخضرة يسر. ms404 # وبإسناده قال: حدثني علي بن حسين -عليهما السلام- أن الحسين بن علي عليه ~~السلام دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام لها فقال: يا غلام ~~اذكرني بهذه اللقمة إذا خرجت فأكلها الغلام فلما خرج الحسين عليه السلام ~~قال: يا غلام أين اللقمة؟ قال: أكلتها يا مولاي، قال: أنت حر لوجه الله، ~~قال له رجل: أعتقته يا سيدي؟ قال: نعم، سمعت جدي رسول الله وهو يقول: ((من ~~وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح وغسل منها ما غسل ثم أكلها لم تستقر في ~~وجهه وجوفه حتى أعتقه الله من النار))(2) ولم يكن استعبد رجلا أعتقه الله ~~من النار. PageV02P310 # وبإسناده قال: قال جعفر بن محمد -عليهما السلام: السبت لنا والأحد لشيعتنا، ~~والاثنين لبني أمية والجمعة والخميس لشيعتهم، والأربعاء لبني العباس، ~~والثلاثاء لشيعتهم، والجمعة لله رب العالمين وليس فيه سفر، قال الله جل ~~ذكره: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} يعني ~~سبحانه يوم السبت ليعلم من وقف على هذه الأحاديث أنا أتينا بها في علي ضمن ~~أحاديث فضائل أهل البيت عليهم السلام وأحاديث إمامتهم وتقديمهم وجوبا على ~~هذه الأمة ينتفع بها في الأحكام من انتفع فلا يتوهم متوهم أنا أتينا بها في ~~هذا الموضع عبثا. # وبإسناده قال: حدثني أبي علي بن الحسين -عليهما السلام- قال: حدثتني ~~أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- قالت: كنت عند فاطمة جدتك -عليها السلام- ~~إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقها قلادة من ذهب كان ~~أمير المؤمنين عليه السلام قد اشتراها لها من فيء له فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((لا يغرنك الناس أن يقولوا بنت محمد وعليك لبس ~~الجبابرة))(1) فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها، فسر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بذلك # باب # في أدلة إمامة أمير المؤمنين (ع) من القرآن الكريم PageV02P311 في آيات [132ب] في القرآن تدل على إمامة علي أمير المؤمنين وإمامة ذرية ~~رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفضيلتهم وتقديمهم في كل أمر ms405 ~~شريف على أمته صلى الله عليه وآله وسلم وجوبا، وذم المتقدمين عليهم، وهي ~~كثيرة مفرقة في القرآن، وكل آية مدح للمؤمنين فعلي عليه السلام أولاهم ~~بها، وقد ذكرنا كثيرا منها في هذا المؤلف ولنذكر بعضها هنا فمن ذلك قوله ~~تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}(1) فالمنذر النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم والهادي علي عليه السلام والأئمة العلماء من أهل بيت رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم ~~من على وجه الأرض يؤيد هذا ويدل عليه ما روي عن ابن عباس قال: وضع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على منكب علي ثم قال: ((أنت الهادي يا ~~علي، بك يهتدي المهتدي بعدي))(2). # وعن أبي برزة الأسلمي قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~{إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} فأشار بيده إلى صدره ثم ردها إلى صدر علي ~~وقال: {ولكل قوم هاد} يعني عليا عليه السلام قالها ثلاث مرات. # وعن علي عليه السلام في تفسير قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد} أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أنا المنذر، والهادي رجل ~~من بني هاشم. وفي رواية غيره: رجل من ولدي))(3). # وروى عن عثمان البخاري ومسلم وأبوا داود والقاسم إمام عارف. PageV02P312 # وروي عن زيد بن أرقم: ((من أراد أن يدخل جنة ربي التي غرسها فليحب ~~عليا))(1). # وعن ابن عباس: المنذر النبي والهادي علي. # وعن محمد بن علي الباقر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((خذوا بحجزة هذا الأنزع -يعني عليا- فإنه الصديق الأكبر، والهادي لمن ~~اتبعه، ومن اعتصم به أخذ بحبل الله، ومن تركه صرف من دين الله، ومن تخلف ~~عنه محقه الله، ومن ترك ولايته أذله الله، ومن أخذ بولايته هداه الله))(2) ~~أضله الله حكم بضلالته. # وقوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. # روى السيد الإمام أبو طالب بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عن ~~رسول الله صلى الله ms406 عليه وآله وسلم قال لما نزلت هذه الآية: {ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب} : ذلك من أحب الله ورسوله وأحب أهل بيتي صادقا غير ~~كاذب، وأحب المؤمنين شاهدا وغائبا ألا بذكر الله فتحابوا))(3). # وقوله تعالى: {وجعلنا لهم أزواجا وذرية}(4) قالوا: إن اليهود عيروا النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم بالنكاح فنزلت هذه الآية؛ فيدل على أن الحسن ~~والحسين وأولادهما ذريته، ويدل عليه قوله: {ومن ذريته} ثم ذكر عيسى. # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى الحسن والحسين يمشيان ~~فحملهما ثم التفت إلى أصحابه فقال: ((أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض))(5). PageV02P313 # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل بني أنثى ينتسبون ~~إلى آبائهم غير بني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما))(1). # وروى سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الحسن والحسين ~~ابناي، من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ~~ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار ~~على وجهه))(2) وقد بيناه في [133أ] قوله تعالى في قصة المباهلة: {ندع ~~أبناءنا} فأخرج الحسن والحسين، وكان يقول للحسن: إن ابني هذا سيد))، وقوله ~~تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} هو علي بن أبي طالب شهد ~~للنبي وهو منه أي من لحمته وألصق الناس به، عن ابن عباس: شهد للنبي وهو منه. # وروى الناصر للحق بإسناده قال: قال علي -عليه السلام: ما من رجل من قريش ~~إلا وقد نزلت فيه آية أو آيتان من كتاب الله تعالى فقال له رجل: فما نزل ~~فيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أوما تقرأ الآية التي في سورة هود: {أفمن كان ~~على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} فمحمد على بينة من ربه وأنا الشاهد. # وعن جعفر بن محمد عن آبائه في قوله: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه ~~شاهد منه} قال: فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه قال: فرسول الله صلى ms407 الله عليه وآله وسلم على بينة من ~~ربه وعلي من رسول الله. PageV02P314 # وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا}(1) المروي عن جماعة المفسرين أن هذه الآية من قوله تعالى: {اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(2) نزلت يوم عرفة بعد العصر في حجة ~~الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفات وروي أنه كان ~~على ناقته العضباء، وروي أنه لم ينزل بعدها شيء، وعاش رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعده أحد وثمانين يوما؛ فلا بد أن يكون ذلك أمرا عظيما ما ~~من على المسلمين وتمم دينهم ببيانه، ومعلوم أنه تعالى قد شرع جميع الشرائع ~~قبل ذلك فلم يبق إلا أنه أمره أن ينص على علي بالإمامة ويجعله الحجة على ~~خلقه وحفظ دينه، فلما بلغ غدير خم ونزل {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك} على ما بينه من بعد نزل في واد ليس بموضع النزول، فنص عليه وبين ~~فضله وشرفه وعلمه وأنه القائم مقامه بعده، وكان المشركون يقولون إنه أبتر ~~لا يقوم مقامه أحد إذ لا ولد له على زعمهم، فبين تعالى أنهم يئسوا من ذلك ~~حين نص عليه وتم به الشرع والدين وهذه فضيلة ظاهرة. PageV02P315 # وقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون}(1) الهادي إلى الحق رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعلي بعده، والدليل عليه قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}، ~~وروي أن الهادي أمير المؤمنين علي -عليه السلام. # وقوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون} نزلت في علي لما تصدق بخاتمه وهو راكع. # وعن أبي ذر في حديث طويل أن سائلا سأل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا وكان ~~علي راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان متختما، فأخذ ms408 السائل الخاتم، ~~فلما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاة قال: يا رب إن موسى سألك ~~فقال: {رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ~~* واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي اشدد به أزري * وأشركه في أمري}(2) ~~اللهم فأنا رسولك وصفيك، فاشرح لي صدري، ويسر لي، واجعل لي وزيرا من أهلي ~~عليا اشدد به ظهري، [133ب] فنزل جبريل بقوله: {إنما وليكم الله ورسوله .... ~~الآية} ))(3) وقد ذكر جماعة أنها نزلت في جماعة المؤمنين، والذي يبين صحة ~~ما قلناه أنه وصف المعنى بالآية بصفات لا يليق بجميع المؤمنين: # أحدها: أنه قال: {وليكم} فجعل له مثلما لله ولرسوله وهو وجوب الطاعة. # وثانيها: أنه قال {ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(4) يعني بحال الركوع ولم ~~يروى ذلك لأحد غيره. PageV02P316 # وثالثها: أن دخوله تحت الآية مجمع عليه ودخول غيره مختلف فيه ولا دليل عليه . # ورابعها: أنه لا يخلو إما أن يراد بالولي الأولى فلا يليق إلا به ، أو ~~الموالاة ظاهرا وباطنا ، فكذلك . # وخامسها: أجمع أهل البيت عليهم السلام أنها نزلت فيه . # وسادسها: عند كل من قال بالولي الإمامة قال إنه المعنى بالآية، وقد ثبت ~~أن المراد بالولي الأولى وهو الإمامة، ولما نزل قوله تعالى : {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس}(1) المروي أنها لما نزلت هذه الآية قام رسول الله [صلى الله عليه ~~وآله وسلم]خطيبا بغدير خم وأخذ بيد علي ورفعها حتى رأى بعضهم بياض إبطه ثم ~~قال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: من كنت مولاه ~~فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل ~~من خذله. فقام عمر وقال: بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة ))(2) وأنشد حسان أبياتا أنشدها بعد أن استأذن رسول الله [صلى الله ~~عليه وآله وسلم]في إنشادها وهي : # يناديهم يوم الغدير نبيهم # فقال ومن مولاكم ونبيكم # إلهك مولانا ms409 وأنت نبينا # فقال له قم يا علي فإنني # هناك دعا اللهم وال وليه ... بخم وأسمع بالرسول مناديا # فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا # وما لك منا في الولاية عاصيا # رضيتك من بعدي إماما وهاديا # وكن الذي عادى عليا معاديا # وقد ذكر أهل النقل والتفسير مثل ذلك. PageV02P317 # وروي عن ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي أنه لما نزل قوله تعالى {يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}(1) أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيد علي وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، ~~وعاد من عاده. فقال عمر: يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة))(2) وحديث الموالاة حديث غدير خم قد رواه جماعة من الصحابة وتواتر ~~النقل به حتى دخل في حيز التواتر، فرواه زيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري، ~~وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله واختلف ألفاظهم وزاد بعضهم ونقص ~~بعض، وفي حديث جابر وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~انصرف من حجة الوداع ووافى الجحفة أمر بسمرات فقصمن أو دوحات وكان يوما ~~حارا ما أتى علينا يوما أشد منه، وإن أحدنا ليستظل بثوبه ويبل الخرقة ~~فيعصبها على رأسه من شدة [134أ] الحر، وأمر فوضع له شيء عالي، فقام عليه هو ~~وعلي ثم قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من ~~عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. يقولها ثلاثا فقال عمر: هنيئا لك يا ~~ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)) قال جابر: وكنا اثني عشر ~~ألف رجل . PageV02P318 # وعن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حجة ~~الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقصمن ثم قال: ((كأني قد دعيت فأجبت، إني ~~قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ~~فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ثم قال: ~~الله تعالى مولاي وأنا ms410 ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي وقال: من كنت وليه فهذا ~~وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه))(1). قال أبو الطفيل: قلت لزيد ~~:أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال: ما كان من ~~بالدوحات أحد إلا وقد رآه بعينه وسمعه بأذنه. PageV02P319 # وعن أبي الطفيل: أن قوما جاءوا من اليمن إلى علي بن أبي طالب فقالوا: يا ~~مولانا، فقال : أنا مولاكم عتاقة، قالوا: لا، نحن قوم من العرب سمعنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم ~~وال من والاه، وعاد من عاداه. قال: فهاجه ذلك فنادى بالناس، فاجتمعوا حتى ~~امتلأت الرحبة، فقام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم قال: أنشد الله من شهد يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم إلا ~~رجل سمع أذناه ووعى قلبه، فقام اثنا عشر رجلا ثمانية من الأنصار ورجلان من ~~قريش ورجل من خزاعة والآخر لا أدري ممن هو ثم قال لهم: اصطفوا فاصطفوا ~~فقال: هاتوا ما سمعتم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: نشهد ~~أنا أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع حتى إذا ~~أتينا بغدير خم نزل ونزلنا وصلينا الظهر معه ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: ((أيها الناس إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني مسئول وإنكم مسئولون، ~~فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا نقول: اللهم قد بلغت، قال: اللهم اشهد ثلاث ~~مرات، ثم قال: أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، سألت الله ذلك لهما فأعطانيه ثم ~~قال :أيها الناس اعلموا أن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بكم ~~من أنفسكم قال ذلك ثلاث مرات قال وقلنا: نعم، قالوا: وهو آخذ بيدك حتى ~~عرفناك باسمك PageV02P320 وعرفناك بيدك وهو يقول : من كنت مولاه هذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه -قال ذلك ms411 ثلاث مرات))(1). وقد روى حديث غدير خم ابن عباس وسعد بن ~~أبي وقاص في حديث طويل ورواه أبو هريرة أيضا. # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((علي ولي كل مؤمن ~~ومؤمنة من بعدي))(2). # وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((علي مني ~~وأنا منه وولي كل مؤمن من بعدي))(3). # وعن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إني سألت الله تعالى ~~فيك خمسا فمنعني واحدة [134ب] وأعطاني أربعا، سألته أن يجمع عليك أمتي فأبى ~~علي وأعطاني فيك أنك أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأنت معي مع لواء ~~الحمد، وأنت تحمله بين يدي أسبق الأولين والآخرين، وأعطاني أنك أخي في ~~الدنيا والآخرة، وأعطاني أن بيتك مقابلا بيتي في الجنة، وأعطاني أنك ولي ~~المؤمنين بعدي))(4)، والخبر يدل على إمامته وأنه كان معصوما الظاهر والباطن ~~لا يتغير، ويدل أن الإمامة له وفي عنزته على ما يقوله. # وقوله تعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}(5) هم أهل بيت ~~رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV02P321 # وعن الربيع بن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن من أمتي قوما ~~على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم))(1)، وهذا يوافق قوله: ((لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض)) يعني كتاب الله وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~،وقوله تعالى : {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم}(2) يعني تعالى أن كل قوم يدعون ~~بمن يأتمون به من نبي وإمام وغيره وقد جعل الله الأئمة على نوعين: قال ~~تعالى : {وجلعنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا}(3) وقال : {وجعلناهم ~~أئمة يدعون إلى النار}(4) فالداعي إلى الجنة والهدى: علي بن أبي طالب ~~وذريته، والداعي إلى النار: أعداؤهم ولا شبهة أن داعيا لو قال: هلموا إلى ~~النار لما أجابه أحد؛ فالمراد الداعي إلى أمور الموجبات للعذاب ودخول النار ~~وقد ثبت أن عليا عليه السلام كان يدعو إلى طاعة الله وسنة نبيه واتباع ~~شريعته ومن أجاب إلى ms412 ذلك دخل الجنة وأن من خالف ذلك دخل النار وكذاك ذريته ~~من بعده الحسن والحسين وزيد وابنه يحيى وكالنفس الزكية وغيرهم من أئمة أهل ~~البيت عليهم السلام ومعلوم أن أعدائهم دعوهم إلى العصيان وإيثار الدنيا ~~واتباع الشهوات، فلما استجابوا استوجبوا النار. PageV02P322 # وروى ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله ~~عهد إلي عهدا في علي فقلت: يا رب بينه لي؟ فقال: يا محمد اسمع، علي راية ~~الهدى إمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، فمن ~~أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني))(1). # وروى أسعد بن زرارة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوحى الله ~~إلي في علي أنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين))(2). # وروى عمار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((حقك يا علي على المسلمين ~~كحق الوالد على ولده))(3)، وفي الخبر المشهور قال لعلي: ((أنت وصيي، ~~وخليفتي، وقاضي ديني))(4). # وقوله تعالى : {ويوم نبعث من كل أمة شهيدا}(5) اختلفوا، قيل: هم الرسل ، ~~وقيل: عدول كل أمة وقيل الأئمة في كل عصر؛ فعلي وذريته ذرية رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعليهم- لا شك داخلون في العدول والأئمة ويبين صحتها ~~قوله تعالى : {ويتلوه شاهد منه}وقد بيناه. # وقوله تعالى : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا}، المروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي علي وفاطمة والحسن ~~والحسين عليهم السلام وإذهابه الرجس بإلطافه تعالى[135أ]. PageV02P323 # وعن أبي سعيد لما نزلت هذه الآية جللهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بكساء وقال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قال: ~~وأم سلمة على باب البيت فقالت: يا رسول الله وأنا؟ قال: وأنت إلى خير))(1). # وعن أم سلمة في الآية أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي ~~وفاطمة والحسن والحسين. # وعن عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وآله ms413 وسلم من عندي وعليه مرط شعر ~~أسود قالت: فجاء الحسن فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت ~~فاطمة فأدخلها معهم، ثم جاء علي فأدخله معهم فيه، ثم ضم عليهم المرط، ثم ~~قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا))(2). # وعن أم سلمة قالت: في بيتي نزل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا}. # وعن أم سلمة قالت: في بيتي نزل: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس...الآية} وفي البيت سبعة، جبريل، وميكائيل، ورسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، قالت: وأنا على باب البيت ~~جالسة فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنك على خير من أزواج ~~النبي -صلى الله عليه وآله وسلم))(3)، وما قال إني من أهل. PageV02P324 # وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فنزلت ~~هذه الآية في بيتي، فقلت: يا رسول الله وأنا منهم؟ فقال: وأنت إلى ~~خير))(1). # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن سعيد لما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل ~~بيتي في أمتي كمثل النجوم، كلما أفل نجم طلع نجم))(2). # وعن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواد ~~بين مكة والمدينة يدعى خم فقال: ((إنما أنا بشر يوشك أن يدعى فأجيب، ألا ~~وإني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وهو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ~~ومن تركه كان على الضلالة، ثم أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي -ثلاث ~~مرات))(3). # وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((مثل أهل بيتي كمثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني ~~إسرائيل))(4). # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى جعل الجزاء عليكم ~~المودة في ms414 القربى، وإني سائلكم غدا فمحق في المسألة))(5). # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قاتلني في ~~الأولى وقاتل أهل بيتي في الثانية فأولئك شيعة الدجال))(6). PageV02P325 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((في كل خلف من أهل بيتي عدول ينفون عن هذا ~~الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا إن أئمتكم ~~ووفدكم إلي، فانظروا من تفدون بدينكم))(1) وهذا وصف أئمتنا عليهم السلام ~~وقد يليق بكلامهم وتصانيفهم ما يبقى الأبد، وجاهدوا كل مبطل، وجادلوا كل ~~مبتدع ضال. # وقوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما}(2) المروي أنها لما نزلت هذه الآية قالوا: يا ~~رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم))(3). # عن ابن عباس وعن ابن مسعود: إذا صليتم على الرسول فأحسنوا الصلاة، فلعل ~~ذلك يعرض عليه. # قلنا: علمنا ذلك [135ب] فقال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك ~~على سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك وإمام الخير وقائد ~~الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون، اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد. # وروى الناصر بإسناده عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال: ((لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، لأنه لم يصلي معي رجل ~~غيره))(4). PageV02P326 # وقوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا}(1) نزلت في علي بن أبي طالب، كان ناس من ~~المنافقين يؤذونه. عن مقاتل. # وروى عمر بن خالد قال: حدثني زيد بن علي وهو آخذ بشعره قال: حدثني علي بن ~~الحسين وهو آخذ بشعره قال: حدثني الحسين بن علي وهو آخذ بشعره قال: حدثني ~~علي بن أبي طالب وهو آخذ بشعره قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وهو آخذ بشعره: ((من آذى شعرة ms415 منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى ~~الله، ومن آذى الله لعنه الله ملء السماوات وملء الأرض))(2). # وعن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ((أيها ~~الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديا، قلت: يا رسول الله وإن صام ~~وصلى وزعم أنه مسلم؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم))(3). # وعن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: ((من آذى عليا فقد آذاني، ومن سب ~~عليا فقد سبني))(4). # ولما نزل قوله تعالى في سورة سبأ: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري ~~إلا على الله} وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى}(5) قالوا: هل رأيتم أعجب من هذا؟ يسفه أحلامنا، ويشتم ~~آلهتنا، ويرى قتلنا، ويطمع أن نحبه؛ فنزل: {قل ما سألتكم من أجر فهو ~~لكم}(6) أي: ليس في ذلك أجر؛ لأن منفعة المودة تعود إليكم وهو ثواب الله ~~ورضوانه. PageV02P327 # وقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}(1) قيل: القسمة ترجع إلى ~~العباد، وقيل: إلى الذين أورثهم، وعلي ممن ورث وهو سابق بالخيرات. # وعن عبد الرحمن بن خالد قلت لقثم بن العباس: بأي شيء ورث علي النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم دونكم؟ قال: إنه كان أولنا به لحوقا، وأشدنا به لصوقا ~~-يعني بعلم المداومة الصحبة. # وعن ميسرة العبدي قال: سأل رجل عليا فقال: يا أمير المؤمنين بما ورثت ابن ~~عمك دون عمك؟ قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب ~~وقدم إليهم طعاما فأكلوا، ثم قال: يا بني عبد المطلب إنما بعثت إليكم عامة ~~والناس خاصة، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي ووصيي ووارثي -قال ثلاثا ~~والقوم سكوت- ويقول له علي فيأمره أن يجلس، فلما كان آخر ذلك ضرب يده علي ~~يد علي، قال: فبذلك ورثته. PageV02P328 # وعن جابر في حديث طويل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ((أنت ~~مني ms416 وأنا منك ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي ~~بعدي))(1) [136أ] وهذا الميراث لا يحتمل إلا العلم والإمامة، وأهل بيت رسول ~~الله وذريته صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخر التكليف بانقطاعهم من على ~~وجه الأرض داخلون تحت صريح قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من ~~عبادنا....الآية} إذ هم وأبوهم رسول الله محمد عليه السلام وعلي عليه ~~السلام أبوهم -عليه السلام وعليهم- صفوة الصفوة، فعلماؤهم وارثون من رسول ~~الله أبيهم محمد -صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- العلم والإمامة إلا من ~~ظلم نفسه بالكبائر من المعاصي مع الإصرار عليها وترك العلم تفريطا قطع ~~ميراثه باختيارهم من العلم والإمامة لا من النسب الشريف، والأهلية لصلاحية ~~العقل الذي هو التعلم مع العقل والقدرة، فهم وارثون ما ورث أولاد الأنبياء ~~منهم من العلم والإمامة والتعظيم والتوقير والتقديم في كل أمر شريف، وذلك ~~الميراث من أبيهم رسول الله محمد -صلى الله عليه وعليهم- وقد قال تعالى في ~~ذلك في أولاد الأنبياء -عليهم السلام: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من ~~آلا يعقوب}(2) ويقول تعالى: {وورث سليمان داود} وهم عصبته -صلى الله عليه ~~وعليهم- لقوله -صلى الله عليه وعليهم: ((كل بني بنت ينتمون إلى أبيهم ~~وعصبتهم إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما))(3) وغير ذلك PageV02P329 من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل بني أنثى ينتسبون إلى آبائهم إلا ~~الحسن والحسين فأنا أبوهما وعصبتهما))(1)، وإذا هم عصبته -صلى الله عليه ~~وعليهم- فهم ورثته، وميراثه -صلى الله عليه وآله- العلم والإمامة، والإيثار ~~والتقديم في كل أمر شريف وميراث مال، وهذا التفسير مجمع عليه بين الأمة. # وقوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}(2) ابتدأ ~~الله بذكر الولاية فقال: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ثم عقب ذلك ~~بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} دل أن أولاده أولى بمقامه في ~~الولايات من غيرهم، ويصحح ذلك ما روينا في حديث غدير خم أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، ms417 قال: فمن كنت ~~مولاه فهذا علي مولاه)). # وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((كل بني أنثى ~~ينتسبون إلى آبائهم إلا الحسن والحسين فأنا أبوهما وعصبتهما))(3) ولا يقال: ~~إن المراد به في الميراث لأنه لم يجر له ذكر لا متقدم ولا متأخر، ولأنه ~~قال: {من المؤمنين والمهاجرين} دل على أنه أراد الولاية في أمته لذريته دون غيرهم. PageV02P330 # وقوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}(1) قيل: نزل قوله تعالى: {فمنهم من ~~قضى نحبه} في حمزة ومن معه جاهدوا حتى قتلوا، فكانوا عاهدوا الله لا يولون ~~الأدبار، فقضى نحبه حمزة {ومنهم من ينتظر} علي بن أبي طالب مضى على الجهاد، ~~ومات على ما عاهد، لم يغير ولم يبدل. # قوله: {ينتظر} إذا ما صار إليه إخوانه من درجة الشهادة، وقيل ينتظر الأجل ~~المكتوب له، ولما قتل زيد بن علي نعي إلى جعفر -عليهما السلام- فاستعذر ~~باكيا ثم تلا: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...الآية} ثم ~~قال: ذهب والله عمي زيد وأصحابه على ما ذهب عليه جده علي بن أبي طالب ~~[136ب] والحسن والحسين شهيدا من أهل الجنة، التابع لهم مؤمن، والشاك فيهم ~~ضال، والراد عليهم كافر، فإنهم يحشرون يوم القيامة أحسن الخلق زينة وهيئة ~~ولباسا وفي أيديهم كتب كأمثال الطوامير، فتقول الملائكة: هؤلاء خلف الخلف، ~~ودعاة الحق، ولا يزالون كذلك حتى ينتهى بهم إلى فراديس العلى، فويل لقاتلهم ~~من جبار الأرض والسماء. # وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}(2) حبل الله: أهل ~~بيت رسول الله وكتاب الله. # وعن جعفر بن محمد فيما روي عنه: نحن حبل الله الذي قال الله: {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا}. PageV02P331 # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((أيها ~~الناس إني تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من ~~الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي فإنهما لن ms418 ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض))(1) وقد روى هذا الخبر جماعة منهم: زيد بن ~~ثابت، وزيد بن أرقم، وأبو ذر وغيرهم. وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ذلك في مواضع كثيرة. # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ~~ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق))(2). # وعن سلمة الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((النجوم ~~أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي))(3). PageV02P332 # وعن أبي سعيد الخدري لما مرض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله ~~عليه وآله- مرضه الذي توفي فيه أخرجه علي والعباس حتى وضعاه على المنبر ، ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين لن تعمى ~~قلوبكم، ولن تزل أقدامكم، ولن تقصر أيديكم أبدا ما أخذتم بهما، كتاب الله ~~سبب بينكم وبين الله، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، قال: فعظم من كتاب الله ~~ما شاء ثم سكت حتى رأينا أنه لا يذكر شيئا، فقام عمر فقال: يا نبي الله، ~~هذا أحدهما قد أعلمتنا به فأعلمنا الآخر؟ فقال: إني لم أذكره ولا أريد أن ~~أخبركم به غير أنه أخذني الريق فلم أستطع أن أتكلم، ألا عترتي ألا عترتي ~~ألا عترتي -ثلاث مرات- والله لا يبعث الله رجلا يحبهم إلا أعطاه الله نورا ~~حتى يرد علي الحوض يوم القيامة، ولا يبعث الله رجلا يبغضهم إلا احتجب الله ~~عنه يوم القيامة. ثم إنهما حملاه على فراشه في خبر طويل))(1). # وعن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال: ((أحبوا الله لما ~~يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي))(2). # وروى زيد بن أرقم وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى ~~علي وفاطمة والحسن والحسين قال: ((أنا حرب لمن حاربكم وحاربتم، سلم لمن ~~سالمكم وسالمتم))(3). PageV02P333 # والمروي أن أبا ذر أخذ بحلقة الكعبة وقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم ~~يعرفني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms419 يقول: ((من ~~قاتلني في المرة الأولى وقاتل أهل بيتي في المرة الثانية كان في شيعة ~~الدجال، وإنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف ~~عنها غرق وهوى))(1). # وعن ابن مسعود: ((إن لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرقة وجماعة، ~~فجامعوها إن اجتمعت، [137أ] فإن افترقت فكونوا معها النمط الأوسط، ثم ~~ارقبوا أهل بيت نبيكم، فإن حاربوا فحاربوا، وإن سالموا فسالموا، فإن زالوا ~~فزولوا معهم حيث زالوا، فإنهم مع الحق لن يفارقهم ولن يفارقوه))(2). # وعن الحسين بن علي -عليهما السلام: ((من سمع داعيتنا أهل البيت فلم يجبها ~~أكبه الله على منخريه في النار))(3). # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن شهر بن حوشب قال: كنت عند أم سلمة إذ ~~استأذن رجل فقيل له: من أنت؟ فقال: أنا أبو ثابت مولى علي، فقالت أم سلمة: ~~مرحبا بك يا أبا ثابت، ادخل، فدخل، فرحبت به، ثم قالت: يا أبا ثابت أين طار ~~قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ فقال: مع علي بن أبي طالب، فقالت: وفقت ~~والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((علي ~~مع الحق والقرآن، والقرآن والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض))(4). PageV02P334 # وروى بإسناده عن علي قال: كنت أبايع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~على السمع والطاعة في العسر واليسر، فلما ظهر الإسلام وكثر أهله قال: يا ~~علي ألحق فيها: وعلى أن تمنعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته ~~من بعده مما منعتم منه أنفسكم وذراريكم، قال علي: فوضعتها والله على رقاب ~~قوم، وفى بها من وفى، وهلك بها من هلك. # وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم}(1) جاء في التفسير: ~~الناس الذي جمع أبو سفيان، والذي زادهم إيمانا علي بن أبي طالب، وذلك في ~~قصة ms420 حمراء الأسد، وهم أبو سفيان بالرجوع، وقيل: في موعد أبي سفيان بدر ~~الصغرى، وكلا القصتين بعد أحد. PageV02P335 # وقوله تعالى في سورة النساء: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} روى الناصر للحق بإسناده عن أبي مريم الأنصاري قال: سألت جعفر بن ~~محمد الصادق فقلت: يابن عبد الله، أخبرني عن هذه الآية؟ قال: كان علي والله ~~منهم، وقد اختلف المفسرون في أولي الأمر، فقيل: أمراء السرايا عن أبي هريرة ~~وابن عباس والسدي وأبي علي، وقيل: العلماء عن جابر وابن عباس ومجاهد والحسن ~~وعطاء، وقيل الخلفاء الأربعة، وقيل المهاجرون والأنصار عن عطاء، وقيل ~~الصحابة عن بكر بن عبد الله، وقيل الأئمة والسلاطين عن ابن زيد، وقالت ~~العترة سلفا بعد خلف وأجمعوا على ذلك وإجماعهم حجة، وقالت الشيعة: المراد ~~علي بن أبي طالب والأئمة من أولاده، وأولاد سيد الرسل محمد المصطفى عترته ~~من ولد فاطمة الزهراء -عليها السلام- ما تناسلوا إلى يوم القيامة وكذلك ~~العلماء منهم، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ~~الثقلين ...الخبر)) وهذا هو الوجه لوجوه: # منها: أنهم أجمعوا أن عليا مراد بالآية على اختلاف أقاويلهم، واختلفوا ~~فيمن عداه. # ومنها أنه أوجب طاعته مطلقا ولا يجب كذلك إلا لمعصوم. PageV02P336 # ومنها أنه قرر طاعته بطاعة الله وطاعة رسوله، وذلك يوجب أن طاعته واجبة ~~ظاهرا وباطنا، فيوجب العصمة ولا يدعي لأحد ما قالوه من العصمة سوى علي بن ~~أبي طالب وكذلك جماعة كل عصر من ذريته عليه السلام [137ب] الذين هم ذرية ~~رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله- فلهم ذلك الحكم من كونهم أولي الأمر ~~بعد علي -عليه السلام. # ومنها أنه أوجب طاعة أولي الأمر، فلا بد من بيان منهم، وأجمعوا أن طاعته ~~واجبة وكذلك علماء آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا فيمن ~~عداهم الذي يؤيده ما روى أبو ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول لعلي: ((من أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، ومن أطاعني ~~أطاع الله، ومن عصاني عصى الله، ms421 ومن فارقني فارق الله، ومن فارقك فقد ~~فارقني))(1). # وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ((اللهم أدر الحق معه ~~حيث دار))(2). # وروى سعد بن زرارة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أوحى ~~الله إلي في علي أنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر ~~المحجلين))(3). # وقوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم}(4). PageV02P337 # روى الناصر للحق بإسناده عن سعيد بن جبير قال: سألت زيد بن علي عليه ~~السلام عن هذه الآية: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم} فقال ~~-عليه السلام: الرد إلينا نحن، والكتاب الثقلان، فالرد منا وإلينا، قال ~~الناصر: ويؤيد ذلك أنه قرن طاعته بطاعة رسوله، فوجب أن يكون في الصفة مثله، ~~فالرد إلى الرسول رد إلى سنته، والرد إلى أولي الأمر رد إلى ذريته لأنه ~~قال: ((إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله ~~وعترتي))(1). # وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مع القرآن والقرآن ~~مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(2) رواه الناصر للحق. PageV02P338 # وروى أيضا بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((أقضى أمتي بكتاب الله علي بن أبي طالب، فمن أحبني فليحبه، وإن العبد لا ~~ينال ولايتي إلا بحب علي))(1) وقد اختلف العلماء في قوله: {وأولوا الأمر ~~منكم} وقوله: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فقيل: الولاة عن السدي وأبي علي ~~وابن زيد، وقيل: العلماء عن الحسن وقتادة وابن جريج، وقيل: ذووا الرأي من ~~الصحابة كعلي وذرية رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- وذرية ~~علي عليه السلام من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] داخلون فيه ~~باتفاق المفسرين؛ ولأنه أوجب الرد إليهم والقبول منهم كما أوجب في الرسول، ~~فيجب أن يكون علي وجماعة أهل بيت الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~معصومين ليصح ذلك، وليس ذلك إلا علي بن أبي طالب وجماعة أهل بيت رسول الله ~~صلى ms422 الله عليه وآله وسلم في كل عصر علماء فيه، فقد ثبت عصمتهم دون غيرهم ~~من الأمة إلا بدخولهم في جماعة آل الرسول -صلى الله عليه وآله- ولأنه [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] قال في علي [عليه السلام]: ((أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب))(2). PageV02P339 # وقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ... إلى قوله: وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما درجات منه} أجمعت الأمة على أن علي بن أبي طالب رأس ~~المجاهدين، وأنه لم يبلغ أحد مبلغ جهاده، [138أ] فقالت العترة عليهم ~~السلام والشيعة: فيه نزلت هذه الآية، وأكثر أهل التفسير أن قوله: {ومن ~~الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}(1) فيه نزلت. PageV02P340 # وقوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام...إلى قوله: وأولئك ~~هم الفائزون} فيه نزلت، وكان كاشف الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمجاهد بين يديه، فكما سبق جميع الأمة في العلم والعقل والاختصاص ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسبقهم بالجهاد، فلم يروى لأحد ما روي له ~~من مقاماته المشهورة، وجهاده في غزواته المأثورة، وكمال خصاله حمل الناس ~~على عداوته، ودفعه عن مقامه، ولحسدهم بارزوه بالقتال، وأظهروا فيه سوء ~~المقال، ثم فعلوا بذريته ما هو مشهور؛ فمن مقاماته بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم يوم بدر أول حرب شهدها ففعل الأفاعيل، وأحصي له خمس ~~وأربعون من الجرح والقتل، وقيل: بل سبعون وما قارب ذلك كل منهم مشهور، ~~وأسماؤهم منقولة، قال أبو جهل وسأل عنه ابن مسعود فقال: هو الذي فعل ~~الأفاعيل، وما أبقى لشيخ موضعا، ثم كان مقامه يوم أحد وقد انهزم الجماعة ~~ولم يبق إلا خمسة من بني هاشم علي أحدهم، فقاتل بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم حتى خضب سيفه ويده من دماء صناديد الكفار، ووقى بنفسه ~~النبي المختار. # وروى أبو رافع أنه سمع صوتا من السماء: # لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا ms423 علي # وروى أبو رافع قال: كان راية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع علي ~~يوم أحد، وكان راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي وأخذها بعده ~~جماعة فقتلهم، وتراجع المسلمون وانهزم الكفار. PageV02P341 # وروى زيد بن علي عن آبائه قال: كسر زند علي يوم أحد وفي يده لواء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فتحاماه الناس، فقال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ضعوه في يده الشمال فإنه صاحب لوائي في الدنيا والآخرة))(1). # ومن مقاماته يوم الخندق عند اجتماع الأحزاب يوم زاغت الأبصار وبلغت ~~القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، وقال المنافقون: ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا، فقتل عمرو بن عبد ود بعد أن برز يطلب البراز وكاع الناس ~~منه؛ وذلك مقام لا يعادله مقام إلى يوم الدين وذلك لعلي أمير المؤمنين، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لقتال علي مع عمرو بن ~~عبد ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة))(2). # ومن مقاماته قتله عامر بن الطفيل أحد الشياطين وأدرك منه ثأر المسلمين. # ومن مقاماته في خيبر ما هو معروف مشهور، فيروى أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لما سار إلى خيبر بعث عمر مع الناس إلى حصنهم فانهزم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأبعثن إليهم رجلا يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله له. فتطاول ~~الناس لقتالهم ثم مكث ساعة وقال: أين علي؟ قالوا: هو أرمد. قال: ادعوه، ~~فلما جاءه قال علي: أتيته ففتح عينيه فتفل فيها ثم أعطاني اللواء، فخرجت ~~حتى أتيتهم فبرز مرحب يرتجز شعرا: # قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب[138ب] # إذ الحروب أقبلت تلهب PageV02P342 فبرزت أرتجز وأقول: # أنا الذي سمتني أمي حيدرة ... كليث غابات كريه المنظرة # أكيلهم بالسيف كيل السندرة # فالتقينا فقتله الله على يدي وانهزم أصحابه وتحصنوا وأغلقوا الباب وأتيت ~~الباب، فلم أزل أعالجه حتى فتحه الله. رواه الناصر للحق بإسناده. # وروي عن ms424 عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن الناس قالوا له: قد أنكرنا من ~~علي أمرا، إنه كان يخرج في البرد في الملابين الخفيفتين، وفي الصيف في ~~الثوب الثقيل والحشو، قال: فسألت عن ذلك علي فقال: أوما كنت معنا بخيبر؟ ~~قلت: بلى، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وعقد ~~له اللواء، فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنونه، ثم عقد لعمر اللواء، فرجع ~~منهزما، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار يفتح الله له. قال: ~~فأرسل إلي وأنا يومئذ أرمد، فجئته، فتفل في عيني وقال: اللهم اكفه أذى الحر ~~والبرد، فما وجدت في ذلك حرا ولا بردا))(1). PageV02P343 # وروي لنا عن السيد أبي طالب عن محمد بن بندار عن الحسن بن سفيان عن عبد ~~العزيز بن سلام عن علي بن الحسين بن شقيق أبي حمزة عن ليث عن أبي جعفر محمد ~~بن علي عن جابر قال: شق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ما ~~تلقون من أهل خيبر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأبعثن بالراية ~~مع رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)) فدعا عليا وإنه يومئذ لأرمد، ~~فتفل في عينيه وأعطاه اللواء أو الراية ففتح الله عليه، فجعل المسلمون لا ~~يدرون كيف يأتونهم، فقلع علي الباب فوضعه على عاتقه، ثم أسنده لهم وصعدوا ~~عليه حتى مروا وفتحها الله، فنظروا بعد ذلك إلى الباب فما حمله دون أربعين رجلا. # ومن مقاماته قتل أسد بن عويلم فاتك العرب وخرج وسأل البراز فأحجم الناس، ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا علي اخرج إليه ولك الإمامة ~~بعدي))(1) فخرج فضربه على مفرق رأسه فذهب السيف في بدنه حتى خر نصفين، فرجع ~~علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: # ضربته بالسيف وسط الهامة # أخو نبي الله ذي العلامة ... أنا علي صاحب الصمصامة # قد قال إذ عممني العمامة # أنت الذي بعدي له ms425 الإمامة # ومن مقاماته بهوازن عند انهزام الناس بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم حتى هزم القوم. # ومن مقاماته أسر عمر بن معد كرب فارس العرب جاء به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عمامته في عنقه. PageV02P344 # ومن مقاماته في غزوة بني المصطلق قتل مالك وابنه حتى انهزم القوم، وفي هذه ~~الغزوة أسرت جويرية، فأعتقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوج بها. # وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم قريظة حتى كان ~~الفتح، وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح، وفي ~~الجملة ما شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من المشاهد إلا ~~[139أ] وهو شاهد به، وهو صاحب رايته سوى تبوك، فإنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم استخلفه على المدينة، وأمره في الجهاد بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أظهر من أن يحتاج إلى رواية، وإذا ثبت ذلك {وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين} وجب أن يكون أفضل من غيره من الصحابة، وبهذه الآية ~~يستدل بأن زيد بن علي عليه السلام كان أفضل أهل زمانه؛ لأنه جمع الخصال ~~إلى جهاد أعداء الدين. # ومتى قيل: أليس الصحابة كانوا مجاهدين أيضا. # قلنا: بلى، ولكن لم يجمعوا من الخصال ما جمعه هو ولذلك أجمعت الأمة أنه ~~أفضل منهم كأبي دجانة وغيره، ومن وقع النزاع في التفضيل بينه وبينهم أبو ~~بكر وعمر وعثمان، ولم يكن لهم من المقام ما كان له، فلم يرو لأبي بكر فقال: ~~ولا روي أنه قتل أحدا، وكذلك عمر وعثمان. # ومتى قيل: هذا لا يدل على ما رويتم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان رأس المجاهدين ولم يقتل أحدا ولا قاتل بنفسه. PageV02P345 # قلنا: هو كان صاحب الأمر، والجهاد صدر منه؛ فحاله بخلاف حال أولئك، وبعد ~~ففضله لأجل النبوة سواء جاهد أو لم يجاهد، وبعد فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقاتل على ما روي عن ms426 علي عليه السلام: كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان أقرب الناس إلى العدو ~~وقتل أبي بن خلف يوم أحد، فثبت في جميع المشاهد عند انهزام أصحابه. # ومتى قيل: هم وإن لم يجاهدوا بأنفسهم فجاهدوا بآرائهم أرأيت أن عليا لم ~~يكن له رأي. # قلنا: بل كان يجاهد بنفسه ورأيه ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كان يشاورهم تطييبا لقلوبهم وإلا فهو كان غنيا عن رأيهم ومشاورتهم، وقد عرف ~~علي عليه السلام أن مشاورتهم لتطيب قلوبهم، وهو عليه السلام نفس رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفسه طيبة، وقلبه مطمئن، ولو لم يشاور، ~~وقد استشاره صلى الله عليه وآله وسلم في الصدقة في قوله تعالى: {فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة} فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما تقول، دينار؟ ~~فقال: بل حبة من شعير، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لزهيد ~~[....277]. PageV02P346 # وقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله ~~شديد العقاب}(1) قيل نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير عن الحسن، وقال ~~الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنون ~~بها فخالفنا فأصابتنا خاصة. وقيل: نزلت الآية في أهل بدر عن السدي، وقيل: ~~في الصحابة عن ابن عباس، وقيل: الضلالة عن زيد، وقيل: اختبار وبلية عن ~~الحسن هوجاء، وقيل: عذاب استئصال، واختلفوا في قوله: {لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم} قيل: لا تصيب إلا الظالم عن أبي علي، وقيل: لا تصيب الظالم وحده بل ~~من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر تصيبه عن ابن عباس، وقيل معناه لا ~~تصيبن الذين ظلموا، وقيل: لا: زائدة أي: تصيب الذين ظلموا، وقيل: أراد أنها ~~تعم الظالم يصيبه العذاب، وغير الظالم محنة وبلية، وعلى هذا لا بد من أن ~~تحمل أو عذاب الاستئصال، وقيل: أراد به القحط، وفي حديث أبي أيوب أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار: ((ستكون بعدي هنات حتى يختلف السيف ms427 ~~فيما بينهم ويقتل بعضهم بعضا، [139ب] فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع ~~-يعني علي بن أبي طالب))(2) في حديث طويل سنذكره إن شاء الله. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي: ((إنك تقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين))(3)، فلما بويع علي قام خزيمة بن ثابت على المنبر ~~وأنشأ يقول: # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا # وجدناه أولى الناس بالناس إنه PageV02P347 وإن قريشا ما تسبق غباره إذا # وفيه الذي فيهم من الخير كله ... أبو حسن مما نخاف من الفتن # أطب قريش بالكتاب وبالسنن # ما جرى يوما على الضمر البدن # وما فيهم كل الذي فيه من حسن # وعن عبد الله بن سلمة: لقيت عمارا بصفين شيخا طويلا آدم آخذا الحربة بيده ~~وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى ~~يبلغوا بنا شعيبات هجر لعرفنا أن عليا على الحق وأنهم على الضلالة. # وقوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} نزلت الآية في الملأ من قريش لما ~~اجتمعوا بدار الندوة وهي دار قصي بن كلاب وتشاوروا في أمر النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال بعضهم: يحبس، وقال بعضهم: ينفى من الأرض، وأشار أبو ~~جهل بالقتل واتفقوا عليه، وأعدوا الرجال والسلاح، وجاء جبريل وأخبر النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إلى الغار وأمر عليا فبات على فراشه، فلما ~~أصبحوا فتشوا عن الفراش وجدوا علي بن أبي طالب، ونزلت الآية: {وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا} ومعنى {يمكر الله} أي: يدبر، وتدبيره خير من تدبيرهم عن أبي ~~مسلم، وقيل: احتالوا في أمرك من حيث لا تعلم، وأحل الله بهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون، وقيل: مكروا فجاراهم الله على مكرهم. PageV02P348 # وقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قيل لما ~~أسلم أربعون نفرا نزلت هذه الآية، وكان أمير المؤمنين أولهم، وقيل: نزلت ms428 ~~بالبيداء في وقعة بدر قبل القتال، وكان فارس رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم وصاحب لوائه في بدر أمير المؤمنين وهو الذي برز أولا مع عمه حمزة ~~وابن عمه عبيدة بن الحارث إلى قتال عتبة وشيبة والوليد بن عتبة فقتلوهم ~~وقتل جماعة، وكان في جميع غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كاشف ~~الكرب عنه يقاتل بين يديه، فهذه الآية تليق به، وقيل في معنى الآية وجهان: ~~أحدهما: حسبك الله ناصرا، والمؤمنون يعينونك، وقيل: حسبك وحسب المؤمنين ~~ناصرا الله تعالى. # وقوله عز وجل: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} قيل: نزلت في أسارى بدر لما ~~أسروا ، واستشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم أصحابه، فأشار ~~علي وعمر بالقتل، وأبو بكر وعثمان بالتبقية والفداء، ففاداهم، فعاتبه الله ~~تعالى ونزلت الآية. # ومتى قيل: لما لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك؟ # قلنا: كان لم يوح إليه فيهم بشيء ففاداهم، وكان ينبغي أن يصبر حتى ينزل ~~الوحي، فوقعت صغيرة، وقتل عقبة بن أبي معيط صبرا بعد الأسر قتله علي بن أبي ~~طالب بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [140أ] ومن ذلك كانت عداوة ~~الوليد بن عقبة لأمير المؤمنين -عليه السلام. PageV02P349 # وقوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجز الله وأن الله مخزي الكافرين} ~~أجمع المفسرون ونقلت الأخبار لما نزلت دفعها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى أبي بكر وكان يحج بالناس هو تلك السنة، ثم أخذها منه ودفعها إلى ~~أمير المؤمنين، واختلفوا في تفصيل ذلك، فقيل: بعثه ثم بعث عليا خلفه، وقيل: ~~بل أخذه قبل الخروج، وقيل: رجع أبو بكر وقال: هل نزل في شيء، فقال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: لا إلا خير، لكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني، فحج ~~أبو بكر ms429 وقرأ علي سورة براءة، وقيل: نزلت سورة براءة سنة سبع، وبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أميرا على الحج، فدفع إليه صدرا من ~~براءة ليقرأها على الناس، وذهب، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عليا وبعثه على إثره يأخذ منه براءة ويقرؤها على الناس، فخرج على ناقة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة ~~فأخذها منه وقدما مكة، فحج أبو بكر بالناس، فلما كان يوم النحر قام علي ~~وأذن بالناس وقرأ عليهم سورة براءة، وقيل: بل قرأ يوم عرفة وبلغ رسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت قريش: نتبرأ من عهدك وعهد ابن عمك، ~~والمروي عن ابن عباس أنه دفع إلى أبي بكر، فلما ولى دعاه وأخذها منه فدفعها ~~إلى علي وقال: ((لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني)). PageV03P001 # وروي أنه دفع براءة إلى أبي بكر، ثم أخذها منه ودفعها إلى علي عن عروة ابن ~~الزبير وأبي سعيد الخدري وأبو هريرة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقوي ذلك فقال: ((علي مني ~~وأنا منه، لا يقضي ديني إلا أنا أو علي بكسر الدال))(1). # وقوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون} نزلت الآية في علي والعباس وطلحة ~~بن أبي شيبة، تفاخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت. وقال العباس: أنا صاحب ~~السقاية. وقال علي: أنا صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب ~~الجهاد. عن الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرضي، وقيل: تفاخر المهاجرون ~~وسقاة البيت، فقالوا: نحن سقاة الحاج، وعمار المسجد الحرام، فنحن أعظم أجرا ~~فأنزل الله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج ...الآية} عن الأصم، وقيل: قال علي ~~للعباس: ألا تهاجر؟ فقال: ألست في أبلغ فضل من ms430 الهجرة، أسقي الحاج، وأعمر ~~المسجد الحرام، فنزلت الآية. عن ابن سيرين ومرة الهمداني. PageV03P002 # وقوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ~~فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبة ثم وليتم مدبرين...الآية} ~~قيل: نزلت في غزوة حنين، انهزم الناس غير جماعة، منهم علي، والعباس، وأبو ~~سفيان بن الحارث. # وعن البراء بن عازب: كان العباس آخذا بلجام بغلة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأبو سفيان آخذ بركابه والعباس [140ب] ينادي الناس، وروي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يركض ببغلته على العدو فلما سمع ~~الناس كلام العباس: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة، ~~تراجعوا فقالوا: لبيك لبيك، فقوله: {لقد نصركم الله} يعني أمير المؤمنين، ~~لأن الناس انهزموا وبقي وحده يقاتل. PageV03P003 # وقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات...الآية} قيل: نزلت فيمن ~~بايع بيعة الرضوان، عن الشعبي، وقيل: هم الذين صلوا القبلتين عن سعيد ابن ~~المسيب والحسن وابن سيرين وقتادة، وقيل: هم أهل بدر عن عطاء بن أبي رباح، ~~وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة عن أبي علي؛ وجميع هذه الخصال اجتمعت في ~~أمير المؤمنين وإن افترقت في غيره، واختلفوا في أول من آمن، فقيل: علي بن ~~أبي طالب عن ابن عباس وجابر بن زيد وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة ~~الرأي ومجاهد ومحمد بن كعب وابن إسحاق قال مجاهد وابن إسحاق: وله عشر سنين، ~~وقال ابن إسحاق: كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذه من أبي ~~طالب وضمه إلى نفسه ورباه فلم يزل معه حتى بعث نبيا. # وعن علي: أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب، صليت قبل الناس سبع ~~سنين. وقد قال بعضهم: أول من أسلم أبو بكر، وقال بعضهم: زيد، وقال ابن ~~إسحاق: أسلم علي أولا غير أنه لم يظهر إسلامه كإسلام أبي بكر؛ لأن أبا بكر ~~قام بالدعوة فأجابه جماعة، منهم: ms431 سعد، وعبد الرحمن، وعثمان، وكتب معاوية ~~إلى علي كتابا يفتخر فيه بأنه كاتب الوحي وصهر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال علي مجيبا: أعلي يفتخر بن آكلة الأكباد وأنشأ يقول: # محمد النبي أخي وصهري # وجعفر الذي يضحي ويمسي # وبنت محمد سكني وعرسي # وسبطا أحمد ابناي منها # سبقتكم إلى الإسلام طرا PageV03P004 وآتاني ولايته عليكم # فويل ثم ويل ثم ويل ... وحمزة سيد الشهداء عمي # يطير مع الملائكة ابن أمي # مسوط لحمها بدمي ولحمي # فأيكم له سهم كسهمي # صغيرا ما بلغت أوان حلمي # رسول الله يوم غدير خم # لمن يلقى الإله غدا بظلمي # وعن معاذة العدوية سمعت عليا على منبر البصرة يقول: أنا الصديق الأكبر، ~~آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم. # وعن أبي رافع: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين فصلى علي ~~يوم الثلاثاء. # فأما سنه يوم أسلم فقيل: خمس عشرة عن الحسن، وقيل: ثمان سنين عن عروة، ~~وقيل: ثلاث عشرة عن أبي الأسود، قال السيد أبو طالب وهو الصحيح وقيل: عشر ~~سنين عن مجاهد وابن إسحاق، وقيل: إحدى عشرة عن شريك، وقيل: تسع سنين عن ~~محمد بن علي. # وروى الناصر بإسناده عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((أولكم وارد علي الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب))(1). # وعن أنس بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين [141أ] وأسلم ~~علي يوم الثلاثاء. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: ((صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يصل فيها أحد ~~غيري وغيره))(2). PageV03P005 # وقوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن} نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام وقيل: نزلت في الأنصار، ~~والآية لعلي أليق؛ لأنه أوجب له الجنة، والمقطوع عليه بأنه من أهل الجنة ~~علي بعينه من أنه وصفه ms432 بصفة تليق به وهو قوله: {يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون} ولأنه بين أن ذكره في التوراة والإنجيل، ولأنه موافق لقوله تعالى: ~~{ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} وذلك نزل في أمير المؤمنين، ~~وهذا نظيره، فإن سلمنا أنه نزل في الأنصار والمجاهدين على ما قاله بعضهم أو ~~في المجاهدين على ما قاله بعضهم أو في المهاجرين والأنصار فلا شبهة أن عليا ~~مراد بالآية ممدوح بها، وأن الخلاف فيمن عداه. # وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} اختلف ~~المفسرون فيمن نزلت الآية، فقيل: معناه كونوا مع علي بن أبي طالب وأصحابه ~~عن ابن عباس رواه الكلبي، وقيل: مع آل محمد عن أبي جعفر محمد بن علي، وقيل ~~مع محمد وأصحابه عن نافع، وقيل: مع المهاجرين والأنصار عن ابن جريج، ولا ~~شبهة أن عليا منهم، وعلى هذا المراد اعملوا بعملهم حتى تلحقوا بهم، وقيل: ~~أراد لازموا الصدقة. PageV03P006 # وعن شهر بن حوشب: كنت عند أم سلمة إذ استأذن رجل، فقيل له: من أنت؟ قال: ~~أنا أبو ثابت مولى علي، فقالت أم سلمة: مرحبا بك يا أبا ثابت، ادخل، فرحبت ~~به ثم قالت: يا أبا ثابت، أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ قال: مع ~~علي بن أبي طالب. قالت: وفقت، والذي نفسي بيده سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول: ((علي مع الحق والقرآن، والقرآن والحق مع علي، ولن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض))(1). # وعن سلمان قال: طارت القلوب مطائرها، فالحمد لله لقد علمت أين طار قلبي، ~~قلنا: وأين طار قلبك؟ قال: ويحك إلى آل محمد. # وعن أم سلمة: شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة. # وعن أبي جعفر: لن تنال ولايتنا إلا بورع، وليس من شيعتنا من ظلم الناس. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي العتاهية قال: امتنعت من قول الشعر ~~وتركته، أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه إلى الحبس، ~~فلما دخلته دهشت وذهل عقلي ورأيت منه منظرا هائلا، فرميت بطرفي ms433 أطلب موضعا ~~آوي إليه أو رجلا آنس بمجالسته، فإذا كهل حسن السمت، نظيف الثوب، بين عينيه ~~سيما الخير، فقصدته، فجلست إليه من غير أن أسلم عليه وأسأله عن شيء من أمره ~~لما أنا فيه من الحرج والحيرة، فمكثت كذلك مليا وأنا مطرق ومفكر في حالي، ~~فأنشد الرجل هذين البيتين شعرا: # تعودت مس الضر حتى ألفته # وصيرني يأسي من الناس واثقا ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر # بحسن صنيع الله من حيث لا أدري PageV03P007 فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إلي عقلي، فأقبلت على الرجل، فقلت له: ~~تفضل أعزك [141ب] الله بإعادة البيتين، فقال لي: ويحك يا إسماعيل -ولم ~~يكنني- ما أسوأ أدبك، وأضعف عقلك، وأقل مروءتك، دخلت علي فلم تسلم علي ~~تسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلى، ولا سألتني مسألة ~~الوارد على المقيم، حتى إذا سمعت مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك ~~غيره خيرا ولا أدبا، ولا جعل لك معاشا غيره لم تتذكر ما سلف منك فتلافاه، ~~ولا اعتذرت مما قد قدمته وفرط فيه من الحق حتى استنشدتني مبتديا كأن بيننا ~~أنسا قديما ومعرفة سابقة وصحبة تبسط المنقبض. فقلت له: تعذرني متفضلا، ~~فدونما أنا فيه يدهش، وقال لي: أنت إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك ~~عندهم وسبيلك، فحبسوك حتى تقول، وأنت لا بد من أن تقول فتطلق، وأنا يدعى بي ~~الساعة فأطالب بعيسى بن زيد بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن ~~دللت عليه لقيت الله بدمه، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خصمي فيه ~~وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري. قلت: يكفيك ~~الله، وأطرقت خجلا منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع اسمع البيتين ~~واحفظهما، فأعادهما علي حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي، فلما قمنا قلت: من أنت ~~أعزك الله؟ قال: أنا صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين ~~يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟ فقال: ما يدريني أين عيسى بن زيد طلبته ~~وأخفته ms434 فهرب PageV03P008 منك في البلاد، وأخذتني فحبستني، فمن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس ~~فقال له: فأين كان متواريا؟ وأين كان آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟ فقال: ما ~~لقيته منذ توارى، ولا أعرف له خبرا، فقال له: والله لتدل عليه أو لأضربن ~~عنقك الساعة، فقال: اصنع ما بدا لك أنا أدلك على ابن رسول الله لتقتله ~~وألقى الله تعالى ورسوله يطلبانني بدمه، والله لو كان بين ثوبي وجلدتي ما ~~كشفت عنه، فقال: اضربوا عنقه، فقدم وضرب عنقه، ودعاني فقال: أتقول الشعر ~~وإلا ألحقتك به. فقلت: بل أقول الشعر. فقال: أطلقوه. قال محمد بن القاسم بن ~~مهرويه والبيتان اللذان سمعا من حاصر في شعره الآن. # وروى السيد أبو طالب بإسناده قال: كان إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ~~يقاتل بنا حمرا فسمع رجلا من الزيدية وقد ضرب رجلا من القوم على رأسه وقال: ~~خذها إليك وأنا الغلام الحداد، فقال إبراهيم: لم قلت أنا الغلام الحداد؟ قل ~~أنا الغلام العلوي، فإن إبراهيم -صلوات الله- عليه يقول: فمن تبعني فإنه ~~مني، فأنتم منا ونحن منكم، لكم مالنا وعليكم ما علينا. # وروى السيد أبو طالب بإسناده أن جماعة جاءوا إلى شعبة يسألونه عن إبراهيم ~~والقيام معه، فقال شعبة: تسألوني عن إبراهيم والقيام معه، تسألوني عن أمر ~~قام به إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لهو عندي بدر ~~الصغرى. PageV03P009 # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام ~~عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ثلاثة أنا شفيع لهم يوم ~~القيامة الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم لما اضطروا إليه، ~~والمحب لهم بقلبه ولسانه))(1). # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: [142أ] عن ~~عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله مم اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن ~~حبنا أهل البيت. فقال أبو برزة ms435 الأسلمي: وما علامة حبكم؟ قال: حب هذا ووضع ~~يده على رأس علي بن أبي طالب -عليه السلام))(2). # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي ذر قال: ضرب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على كتف علي يوم عرفة ثم قال: ((يا علي، من أحبنا فهو ~~العربي، ومن أبغضنا فهو العلج))(3). # وبإسناده عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يقول: ((لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق))(4). PageV03P010 # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن جرير عن الأعمش عن عطية العوفي قال: خرجت ~~مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائرا قبر الحسين بن علي -عليهما السلام- ~~فلما وردنا كربلاء دنى جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثم ائتزر بإزار وارتدى ~~بآخر، ثم فتح صرة فيها شعر قنبرة على يديه، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله، ~~حتى إذا دنى من القبر قال: ألمسنيه، فألمسته، فخر على القبر مغشيا عليه، ~~فرششت عليه شيئا من الماء فلما أفاق قال: يا حسين يا حسين يا حسين ثلاثا، ~~ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لك بالجواب وقد سجيت أوداجك على ~~أنباجك وفرق بين يديك ورأسك، فأشهد أنك ابن خير النبيين، وابن سيد الوصيين، ~~وابن حليف التقوى وسبيل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن ~~فاطمة سيدة النساء، وما بالك ألا تكون هكذا وقد غذتك كف محمد سيد المرسلين، ~~وربيت في حجور المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام فطبت حيا ~~وطبن ميتا غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك ولا شاكة في الخيرة لك، ~~فعليك سلام الله ورضوانه، فأشهد أنك مضيت على ما مضى يحيى بن زكريا. قال ~~عطية: ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليك أيتها الأرواح الطيبة التي ~~بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم ~~بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين، والذي بعث ~~محمدا بالحق -صلى الله عليه وآله- لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطية، فقلت PageV03P011 لجابر ms436 بن عبد الله: وكيف ولم تهبط واديا ولم تعل جبلا والقوم فرقت بين ~~رؤوسهم وأولادهم وأبدانهم، فأوتمت الأولاد، وأرملت الأزواج فقال: يا عطية ~~سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من أحب قوما حشر ~~معهم، ومن أحب عمل قوم شرك في عملهم))(1) أحدر بي نحو باب كوفان، فلما صرنا ~~في بعض الطريق قال لي: يا عطية، هل أوصيك وما أظنني بعد هذه السفرة لاقيك، ~~أحب محب آل محمد ما أحبهم، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم وإن كان صواما قواما. # وقوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفا ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا}(2) نزلت في النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفي أهل بيته وذريته وعترته سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف بزوالهم ~~من على وجه الأرض - عليهم السلام- ويقرر ذلك قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم[142ب]: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)). # وقوله تعالى لنبيه إبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ~~ينال عهدي الظالمين}(3) فنفاها سبحانه عن الظالم فقط وأثبتها للمحسن، وقول ~~الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا...الآية}(4) وغير ذلك. PageV03P012 # ومتى قيل: كيف ذلك في ذريته صلى الله عليه وآله وسلم وعترته بعده ولم ~~يأمنوا ولم يتمكنوا كما أمن صلى الله عليه وآله وسلم بعد الخوف وتمكن هو ~~وأصحابه؟. # قلنا: استخلفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله تعالى ومكنهم ~~وأمر بطاعتهم، فمنعهم الظلمة، ومكن دينهم حتى لم يقدر الظالمون على بطلانه ~~وإن راموا، والأمن ظهور الدين حتى أمنوا من تغييره وبطلانه، ويؤيد ذلك حديث ~~جابر وجماعة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي في غزوة تبوك: ~~((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) وقد ~~مضى ذلك، وحديث غدير خم وقد مضى، وقوله صلى الله عليه وآله ms437 وسلم لعلي: ~~((أنت خليفتي وقاضي ديني))(1) وقد مضى. PageV03P013 # وروى الناصر للحق بإسناده في حديث طويل، لما قدم علي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد فتح خيبر قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((لولا ~~أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى لقلت فيك اليوم ~~مقالا لا تمر بملأ إلا أخذ التراب من تحت قدميك ومن فضل طهورك يستشفون به، ~~ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك تبري ذمتي، وتقاتل على سنتي، وأنك غدا في ~~الآخرة أقرب الناس مني، وأنك أول من يرد علي الحوض، وأول من يكسى معي، وأول ~~داخل في الجنة من أمتي، وأن شيعتك على منابر من نور، وأن الحق على لسانك، ~~وفي قلبك، وبين عينيك))(1)، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض))(2). # وروي عن أبي بكر أنه قال: علي بن أبي طالب عترة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يعني من عترته. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي ذر قال وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لسلمان حين قال له: من ~~وصيك؟ قال: ((وصيي وأعلم من أخلف بعدي علي بن أبي طالب))(3) وسمعته يقول ~~حين أخرج الناس من المسجد وأسكن عليا: ((إن عليا مني بمنزلة هارون من موسى ~~إلا أن رجالا وجدوا من إسكاني عليا وإخراجهم، بل الله أسكنه وأخرجهم))(4). PageV03P014 # وقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار}(1) اختلفوا في ~~المعني بالآية، قيل: المساجد، وقيل بيوت الأنبياء، وقيل: بيوت المدينة، ~~وقيل: بيوت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن جعفر بن محمد ms438 الصادق عليه السلام واختلفوا في معنى ترفع فقيل: يتلى ~~فيها كتابه عن ابن عباس، وقيل: يصلى عن الحسن، وقيل: تبنى وترفع عن مجاهد، ~~وقيل: تعظم عن [143أ] الحسن، ولا يليق ذلك إلا بالنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأهل بيته، وذلك لأن الكتاب يتلى فيها بالوحي. # فإن قال قائل: وسائر المؤمنين كذلك. # قلنا: كيف والله تعالى يقول: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما}(2). # وقوله تعالى: {فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}(3) أهل الذكر: هم أهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلفا بعد خلف إلى انقضاء التكليف ~~بزوالهم من على وجه الأرض بدليل قوله تعالى: {ذكرى رسولا}(4) وقوله: {وما ~~هو إلا ذكر للعالمين}(5) وقوله تعالى: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا}(6) ~~ونظيره قوله تعالى حاكيا: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}. PageV03P015 # وروى زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال في قوله: {وجعلنا لهم لسان صدق عليا}: ((أنت اللسان يا علي، ~~بولايتك يهتدي المهتدون))(1). # وقوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا}(2) ~~المروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب، فما من مؤمن إلا وفي ~~قلبه لعلي محبة، واختلف المفسرون في هذه المحبة متى تكون؟ قيل: في الدنيا ~~عن ابن عباس ومجاهد وهو الصحيح؛ وإذا كانت في الدنيا كانت في الآخرة، وقيل: ~~في الآخرة، فإن حملناه على الأول فإضافته إليه تعالى، قيل: لأنه يؤمره ~~ويطعه فيه، وقيل: يهب له من الخصال ما يحبونه لأجلها. # وللصاحب -رحمه الله تعالى: # وما حبي عليا باكتساب # ولو لم أرج من حبيه شيئا # ولغيره # أحب خمسا ولا أبغي بها بدلا # محمد ثم سبطاه وابنته # وللصاحب أيضا # حب علي بن أبي طالب # والحمد لله على أنني # إن كان تفضيلي له بدعة ... ولكن من فوائد فضل ربي # كفى منه حلاوته بقلبي # حتى يعود غراب البين في البين # وخامس القوم مولاهم أبو حسن # هو الذي يهدي إلى ms439 الجنة # ممن له أوتى وله المنة # فلعنة الله على السنة PageV03P016 وروى زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: لقيني رجل فقال: يا ~~أبى الحسن، أما والله إني لأحبك في الله، فرجعت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فأخبرته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا ~~علي اصطنعت إليه معروفا؟ قال: والله ما اصطنعت إليه معروفا، فقال رسول الله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي جعل قلوب المؤمنين تتوق إليك ~~بالمودة))(1)، قال: فنزل قوله: {إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا}. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعلي: ((من زعم أنه يحبني ~~ويبغضك فقد كذب))(2). # وقوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى}(3). # روى أبو سعيد الخدري قال: لما نزل قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي باب علي وفاطمة تسعة أشهر كل وقت ~~صلاة، فيقول: الصلاة رحمكم الله {إنما يريد الله ليذهب عنكم [143ب] الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(4). قال أبو الحمراء: إنه أربعين صباحا كان يفعل. # وقوله تعالى في سورة الأنبياء: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى ~~حين}(5)، # روى الربيع قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى فلانا ~~-يعني بعض بني أمية على منبره، فشق عليه ذلك فنزل: {وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين}. PageV03P017 # وروى جماعة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا رأيتم معاوية ~~على منبري فاقتلوه))(1) وقال الحسن: فلم يفعلوا فأذلهم الله. # وعن الحسن: لعن الله معاوية نازع الأمر أهله علي بن أبي طالب. # وروى محمد بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن هذا ~~وأشار إلى معاوية سيريد الأمر، فمن أدركه منكم وهو يريده فليبقر بطنه))(2). # وقوله تعالى في سورة الحج: {هذان خصمان اختصموا في ربهم...الآيات}(3) ~~قيل: نزلت في ستة نفر يوم بدر، حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث ms440 بن عبد المطلب، ~~وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة عن أبي ذر وعطاء وكان أبو ذر يقسم بالله أنها ~~نزلت فيهم، وقيل: الكفار والمؤمنون عن مجاهد، وقيل: أهل الجنة والنار. # وروي أن أول من برز يوم بدر عتبة وشيبة والوليد، فخرج إليهم ثلاثة من ~~الأنصار فقالوا: من أين أنتم؟ فانتسبوا، فقالوا: قوم كرام، لكنا نريد ~~أكفاءنا من قريش، فخرج إليهم علي وحمزة وعبيدة فقتلوهم. # وقوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}، ~~المروي عن زيد بن علي -عليهما السلام- قال: فينا نزلت: {أذن للذين ~~يقاتلون...الآية} وقيل نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ~~هاجروا وأذن لهم في القتال. # وعن زيد بن علي: من ينصرني ويقاتل معي يأت يوم القيامة أنا وهو وحدي ~~كهاتين -وأشار بأصبعيه. PageV03P018 # ومما روي لنا عن أبي سعيد السمان قال بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليه ~~السلام قال: كل راية تنصب لغير الزيدية فهي راية ضلالة. # وعن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: لو ~~نزلت من السماء راية لم تنصب إلا في الزيدية، ولا ظلم أعظم مما جرى على زيد ~~بن علي وابنه يحيى وأهل بيته والأئمة من بعده، ومن نظر في الأخبار علم أنهم ~~يقاتلون وهم المظلومون، وأي ظلم أعظم ممن قتل وصلب وأحرق وذري في الفرات. # وقوله تعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس}. # روى ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ~~أما علمت أنا كنا نقرأ: جاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم ~~في أوله. قال: بلى يا أمير المؤمنين، ومتى هي؟ قال: إذا كان بنوا أمية ~~الأمراء، وبنوا المغيرة الوزراء. # وعن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: ((شر قبائل العرب ثلاث: بنو حنيفة ms441 ~~وبنو أمية وبنو ثقيف))(1). PageV03P019 # قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا}[144أ] اختلفوا في هذه الرؤيا، فقيل: إنه رؤيا عين لا رؤيا نوم وهو ~~ما رآه ليلة المعراج، وقيل: بل نوم، ثم اختلفوا فقيل: إنه رأى أنه سيدخل ~~مكة، وقيل: هو ما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامه أن بني ~~أمية ينزون على منبره، فاغتم لذلك فنزلت الآية، رواه سهل بن سعد، واختلفوا ~~في هذه الشجرة، قيل: شجرة الزقوم ومعناه: الملعونة أكلها، وقيل: هم اليهود، ~~وقيل: الشجرة الملعونة بنو أمية. # وروي أنه قيل للحسن: يا أبا سعيد قتل الحسين بن علي، فبكى حتى اختلج ~~جنباه ثم قال: وا ذلاه لأمة قتل ابن دعيها ابن نبيها، يعني بابن دعيها: ~~عبيد الله بن زياد. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن علي قال: قال ليلة صفين: يا أيها الناس ~~لا يفتننكم الهوى، يا أيها الناس لا تأفكوا عن الهدى، يا أيها الناس لا ~~تقاتلوا أهل بيت نبيكم، فوالله ما سمعت أمة آمنت بنبيها قاتلت أهل بيت ~~نبيها غيركم. PageV03P020 # وبإسناده عن جابر الجعفي قال: قال محمد بن علي الباقر عليه السلام: إن أخي ~~زيدا خارج وإنه لمقتول وهو على الحق، فويل لمن خذله، والويل لمن حاربه، ~~والويل لمن قتله، قال: فلما أزمع زيد على الخروج قلت له: إني سمعت أخاك ~~يقول كذا، فقال لي: يا جابر، لا يسعني أن أسكن وقد خولف كتاب الله، وتحوكم ~~إلى الجبت والطاغوت، وذلك أني شهدت هشاما ورجل عنده يسب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فقلت للساب: ويلك يا كافر، أما إني لو تمكنت منك ~~لاختطفت روحك وعجلتك إلى النار، فقال هشام: مه عن جليسنا يا زيد. فوالله لو ~~لم يكن إلا أنا وابني يحيى لخرجت عليه وجاهدته حتى أفنى. # وروى بإسناده عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((حرمت ms442 الجنة على من ظلم أهل بيتي وقاتلهم، وعلى المعين عليهم، ~~أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(1). # وعن الأعمش عمن رأى عليا بصفين يصفق بيده ويعض عليها ويقول: يا عجبا أعصى ~~ويطاع معاوية. # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((والذي ~~نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار))(2). PageV03P021 # وعن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((حرم الله الجنة على من ظلم ~~أهل بيتي وقاتلهم والمعين عليهم أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(1). # وعن أم سلمة قالت: من سب عليا واجبا، فقد سب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحبه. # وعن المنهال بن عمر قال: دخلت على علي بن الحسين فقلت: كيف أصبحت؟ قال: ~~أصبحنا في البلية بمنزلة بني إسرائيل من آل فرعون، يذبحون أبناءهم ويستحيون ~~نساءهم، وأصبح خير البرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلعن ~~على المنابر، وأصبح من يحبنا منقوص حقه بحبه إيانا. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا ~~رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه))(2). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا بلغ بنو مروان ثمانين اتخذوا مال ~~الله دولا وعباده خولا))(3). # وعن الشعبي: كان خطباء بني أمية يسبون عليا فكأنهم يرفعونه، ويلعنون ~~[144ب] أسلافهم فكأنما يكشفون عن جيفة. PageV03P022 # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ويل لبني أمية ويل لبني أمية))(1) ~~رواه ابن عمر في قوله تعالى: {ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار}(2) قال: هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو ~~أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمنعوا إلى حين. # ونعود إلى الآية فسمى الله بنو أمية الشجرة الملعونة، وهو أمية بن ms443 عبد ~~شمس، فمنهم عتبة وشبية والوليد قتلوا كفارا يوم بدر، ومنهم عبد الله بن ~~كرير حث طلحة والزبير على محاربة أمير المؤمنين وعلى الخروج إلى البصرة، ~~وأعان عليه بأموال كثيرة، وهند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان، وأبو سفيان ~~وابنه معاوية وابنه يزيد، وهند أمرت بقتل حمزة، وأبو سفيان هو الذي قاتل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواطن جمة، ومعاوية قاتل عليا، ~~ويزيد قاتل الحسين، ومنهم الحكم بن أبي العاص، ومروان بن الحكم لعنهما رسول ~~الله وولداهما، ومنهم المروانية عبد الملك وأولاده، ومنهم هشام قاتل زيد بن ~~علي، والوليد بن يزيد الملحد الذي أحرق المصحف، ومروان الحمار المعروف ~~بالإلحاد، ومنهم العاص بن سعيد قتله علي يوم بدر كافرا، ومنهم عبد الله بن ~~أبي سرح الذي ارتد عن الإسلام، وسعد كان منافقا، وعقبة بن أبي معيط قتل ~~كافرا يوم بدر، والوليد بن عقبة سماه الله تعالى فاسقا في موضعين من كتابه، ~~وصلى وهو سكران وضرب الحد. PageV03P023 # وأما والد أبي معيط فهو أبو عمر، وقيل كان يسمى ذكوان سماه أمية أبا عمرو، ~~وقيل كان أمية بالشام فوقع على أمة يهودية من أهل صفورية فولدت ولدا أسماه ~~ذكوان فاستلحقه أمية وسماه أبا عمرو، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لعقبة بن أبي معيط حين أمر بقتله يوم بدر: ((إنما أنت يهودي من ~~صفورية))(1) ولو تقصينا خبر القوم وما ورد فيهم من الآثار لطال. # قوله تعالى في سورة الكهف: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}(2) اختلف المفسرون، ~~فروي عن علي عليه السلام أنها نزلت في أهل حرورى، وأنكر الأصم ذلك، ~~واستدل بقوله تعالى: {أولئك الذين كفروا} فإن صح الخبر عن علي عليه السلام ~~فلا يلتفت إلى طعن الأصم واستدلاله غير صحيح؛ لأنه عقل أنه كان يكفرهم كما ~~يزعم بعض الشيعة وغيرهم، وقد روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((كلاب أهل النار الخوارج))(3). # وعن أبي ms444 سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تكون ~~فرقة من طائفتين من أمتي تمرق بينهما مارقة تقتلهما أولى الطائفتين ~~بالحق))(4). # وعن علقمة: سمعت عليا يقول: أمرت أن أقاتل الناكثين، والمارقين، ~~والقاسطين. PageV03P024 # وقوله تعالى في سورة الجرز: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون......الآية}(1) نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة جرى بينهما ~~كلام فقال الوليد لعلي: اسكت فإنك صبي، فأنا والله أبسط منك لسانا وأحد ~~سنانا، فقال له علي -عليه السلام: اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية، فسمى الله ~~تعالى عليا مؤمنا، [145أ] وسمى الوليد فاسقا. كذلك في قوله: {إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا}(2) أجمع المفسرون أنها نزلت في الوليد، بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق لأخذ صدقاتهم وكان بينه وبينهم عداوة ~~الجاهلية فرجع وقال: إنهم منعوا الصدقات، فغضب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وهم بغزوهم فنزلت الآية، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وبينوا كذبه، فبعث خالد بن الوليد، فأخذ صدقاتهم، وقد سمى الله ~~تعالى عليا مؤمنا في هذه الآية وفي آيات، وسماه وليا في قوله: {إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون}(3) وسماه وأولاده ذرية رسول الله محمد -صلى الله عليه- أولي الأمر ~~في قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(4) وقد سماه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء، وكناه بكنى، فمن ذلك أنه لما ولد ~~سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا؛ لأن أبا طالب لم يسمه حتى ~~سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماه الصديق PageV03P025 الأكبر، وخاصف النعل، على ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~لأصحابه: ((إن منكم من يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. وروي: من يقاتل ~~على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقيل: من هو؟ قال: خاصف النعل))(1) ~~وبشر به علي فلم يرفع به رأسه، كأنه شيء قد سمعه، وسماه يعسوب المؤمنين، ~~ومولى المؤمنين في ms445 قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقال له: ((أنت أمير ~~البررة، وقاتل الفجرة، ومتبر المشركين))، وقال له: ((أنت أخي وقاضي ديني ~~وخليفتي في أهلي)) وقال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) وسماه قسيم الجنة ~~والنار، وصاحب اللواء، والفاروق، والهادي، وسيد العرب، وأمير المؤمنين، ~~وسيد المحسنين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين إلى غير ذلك من الأسماء ~~التي يتضمن كل واحد منها مدحا وتعظيما، ومنها ما هو نص جلي في الإمامة ~~والوصاية والخلافة والأخوة والوراثة، وكلها نصوص في الإمامة والتقديم بعده ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفي التعظيم والمدح بعده صلى الله عليه وآله ~~وسلم وفي حياته -صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P026 # فأما كناه: فيسمى أبو الحسن، وأبو الحسين. والمروي عن علي عليه السلام ~~قال: ما قال لي الحسن والحسين يا أبه حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان يقولان له: يا أبه، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قالا لي: يا أبه، فكان الحسن يقول: يا أبا الحسين، وكان الحسين يقول: ~~يا أبا الحسن. وكناه أبا تراب، فروى سهل بن سعيد قال: استعمل رجل من آل ~~مروان على المدينة فأمرني أن أشتم عليا فأبيت، فقال: قل لعن الله أبا تراب، ~~فقلت: ما كان لعلي اسم أحب إلي من أبي تراب. فقيل: لما سمي بذلك؟ فقال: جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت فاطمة فقالت: كان بيني وبينه ~~شيء فخرج وجاء وهو نائم في المسجد وسقط رداه عن شقه وأصابه تراب، فجعل يمسح ~~التراب عنه ويقول: قم يا أبا تراب. وقد روي في سببه غير ذلك إلا أنهم ~~اتفقوا أنه كناه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان الصاحب إذا ~~أنشد قول الشاعر: # إنا وجميع من فوق التراب ... فداء تراب نعل أبي تراب[145ب] # يقول: لم يخرج هذا إلا عن قلب مخلص في مولاة أمير المؤمنين. PageV03P027 # وقوله تعالى في سورة الحجرات: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا...الآية}(1) نزلت في الوليد بن عقبة، ms446 وقد بينا ما كان بينه وبين ~~علي عليه السلام حتى سماه الله فاسقا في موضعين من كتابه، وقد مضى في ~~سورة السجدة، وقوله تعالى فيها: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله...الآية} قيل: نزلت في الأوس والخزرج، وقيل في علي ومخالفيه وهو ~~الوجه؛ لأنهم البغاة كما روي عنه -عليه السلام: إخواننا بغوا علينا. وقد ~~قال بعض الفقهاء: لولا قتال علي أهل البغي ما عرفنا ذلك. PageV03P028 # والصحيح أن ذلك قد عرف من قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله...إلى آخر الآية} إذ ليس البغي المذكور في الآية كفر لقوله تعالى ~~أولها: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} وهذا معلوم أنها ~~في فرقة المسلمين، فأخذ علي عليه السلام في أحكام البغاة بصريح هذه الآية ~~الكريمة، وهي دالة بصريحها على أحكام البغاة التي فعلها علي عليه السلام ~~فيهم، وقد حدث بها ابن مسعود قبل حصولها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وقد علمها علي عليه السلام وحدث بها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~باللفظ وبالمعنى، وعلي عليه السلام باب مدينة العلم عليه السلام ولأن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على معنى الآية الكريمة وفعل علي عليه ~~السلام تفسير للآية الكريمة وبيان لكيفية العمل بها في الصلحين والفئة إلى ~~أمر الله، فأمر علي عليه السلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ~~والبغي في الآية الكريمة في قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} تعم الناكثين ~~والقاسطين والمارقين، إذ كل ذلك بغي في اللغة والشرع وذلك إجماع، فوجب نصرة ~~علي عليه السلام وقتال أهل البغي معه عليه السلام وهو معاوية ومن نحا ~~نحوه، ومن تخلف عن علي عليه السلام لا بد أن يكون عاصيا فاسقا حيث شك في ~~كون علي عليه السلام على الحق لعصمة علي PageV03P029 عليه السلام ومعنى الآية الكريمة أن قوله تعالى: {وإن ms447 طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا} إما أن تعرف الطائفة الباغية من أول القتال مع معاوية ومن حذا ~~حذوه ممن تقدم للإمامة بغير دليل، وقد منعه من التقدم لها الأدلة القاطعة ~~بأن يكون من غير ذرية محمد رسول الله وعترته بعده صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى انقطاع التكليف بزوال ذريته -صلى الله عليه وآله- من على وجه الأرض فقد ~~قال تعالى: {فأصلحوا بينهما} فالصلح بين الطائفة التي هي مثل هؤلاء بأن ~~يسعى بينهم وبين المبغي عليهم من يؤمن عليه من ضررهم من علماء أهل الحق ~~المبغي عليهم أو غيرهم، فيحلون شبهتهم، ويرفعون عنهم ما كان سببا لتجريهم ~~من الظلامات سواء كانت صدرت إليهم من ولاة أمرهم المحقين خطأ أو عمدا، ~~وتضمن الباغية النفوس والأموال بالمثل في المثلي والقيمة في القيمي يوم ~~الغصب، ويجب القصاص والدية مع العفو على من قتل المحقين من البغاة وتعين ~~القاتل بإقراره أو ببينة في وقت [146أ] المصافة وغيرها في وقت هزيمة ~~المحقين فيضمنون -أعني أهل البغي- فيقتص ممن عرف أنه قتل ببينة عليه عادلة ~~أو إقرار منه، ويضمن المحقون من النفوس من قتلوه في غير وقت المصافة، ~~ويضمنون من قتلوا في حال انكسار البغاة حيث لم يغلب بظنهم أنهم يعودون، وكل ~~على ظنه، ويصدق المحقون في خشية عودهم، وإذا دافع الباغي في حال هزيمته ~~المحقين وأظهر أنه لا يعود لم يكن عليه في ذلك قصاص ولا دية، ومن قتله منهم ~~في تلك الحال من PageV03P030 المحقين فعليه القصاص أو الدية مع العفو، ولا يضمنون -أعني المحقين- من ~~الأموال ما أخذوه في موضع الحرب لكن إذا غلب الظن أن البغاة انهزموا ثم لا ~~يعودون فلا يؤخذ شيء مما بقي في أيديهم وقت الهزيمة؛ لأن قتالهم وأخذ ما في ~~أيديهم للدفع فقط، وفي هزيمتهم والظن يغلب أنهم لا يعودون إلى التغلب على ~~الباطل سواء تابوا أو لم يتوبوا قد فاءوا إلى أمر الله وهو ترك الباطل، وقد ~~قال: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} وقد فاءت بترك الباطل، ~~والتغلب على ms448 ما ليس لها بحق سواء تابت أو لم تتب وذلك حيث لا يكون انهزامهم ~~إلى منعة، كمدينة أو حصن، فإن كانت إلى منعة ولم يغلب بالظن ضعفها وغلب ~~بالظن عودهم إلى الحرب وتغلبهم على الولاية وقصدها المنهزم؛ فإن لم يقصد ~~الهرب إليها بل إلى غيرها فإنه يكف عنه ولا عبرة بها؛ فإن قصد الرجوع إليها ~~كما ذكرنا وخشي عوده أو تغلبه جاز قتالهم مدبرين أو إليها خشية القتل وأظهر ~~أنه لا يعود أو كان قد جرح ففيئتهم بالتوبة فقط، أو يصالحون على غير محظور ~~غير نفس تغلبهم لضعف المؤمنين، أو لمصلحة زائدة على مفسدة تركهم على أمرهم ~~الذي ليس لهم ويعدلوا في باقي الأمور، فيجوز ذلك، ولا يجب على المحقين، ~~والظاهر عدم الجواز مع القوة ولو عدلوا وذلك معلوم؛لأن نفس توليهم بغير ~~دليل مع وجود من على وجوب ولايته وجوازها أدلة قاطعة وهم أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وهم لا ينقطعون إلى انقضاء التكليف محظورة، وذلك معلوم PageV03P031 عدم جواز تقريرهم على ولايتهم ولو عدلوا في الرعايا من الأدلة القطعية ~~القاطعة، وهو إجماع معلوم ضرورة تحريم تقريرهم عليها مع وجود أهل بيت ~~الرسول الناصر على بغي المتغلبة على الملك بغير دليل من سائر أمة محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثم قال تعالى: {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} والصلح الثاني هذا ما قدمنا من الضمان ~~للنفوس والأموال من الفريقين حسب أخذ المال فيما بينهم، وسقط القتل على ~~التفصيل المتقدم، وحيث لم يسقط القتل فالصلح به الأول بدعائهم إلى الحق، ~~وحل شبههم، ورفع المظالم عنهم، وتألف قلوبهم بما جاز ووجب لهم من المحقين ~~وولاية القصاص حيث وجب هنا، وكذلك الدية إلى أولياء المقتول حيث علموا، ~~وإلى الإمام حيث التبسوا. # وإن كانت الطائفتان من أولي الأمر كإمامين أو أكثر من أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذريته[صلى الله عليه وآله وسلم] فكلهم محقون، ~~وعلى إمامتهم كلهم الدليل. PageV03P032 # ومن قال منهم يبطل ms449 حق صاحبه ويستبد بالأمر دونه بغير دليل من ظلم بين يعمده ~~صاحبه ولا تفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، [146ب] ولا جهل بما ~~يحتاج إليه الدين من العلم، ولا ظهر له منه معصية كبيرة فيما بينه وبين ~~الله تعالى وأصر عليها وهي عمد وقال ببطلان حقه معه وحزب عليه مع ذلك ~~وأحزبه وحربه عن المشاركة أو التسليم له؛ فإنه يبطل حقه -أعني حق من أراد ~~الاستبداد- هذه حتى يتوب، ويكون حكمه وأتباعه ما قدمنا في الآية في ~~الصلحين، ومتى تاب رجع حقه وشارك في الأمر، ومدة ظلمه له حكم الظلمة لقوله ~~تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} هذا حكم هذه المسائل. # ثم قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله} يعني ~~تعالى اتقوه في وقت محاربتكم وسلمكم وصلحكم، فلا تحيفوا ولا تميلوا عن الحق ~~في حق محق ومبطل، وأنصفوا الناس من أنفسكم برهم وفاجرهم، ومحسنهم وظالمهم ~~كما تحبون أن ينصفوكم، واحكموا في صلحكم بين الطائفتين بالكتاب والسنة ~~المحكمين، ولا تجعلوه طاغوت شيطان، وتعديا وميلا، إما تصرفون محقا عن حقه ~~فتخالفون الله تعالى، أو تحكمون على مبطل بغير قدر جنايته جزاء منكم إلى ~~المحق فتخالفون الله. PageV03P033 # ثم رتب تعالى الرحمة على التقوى كذلك، فقال تعالى: {لعلكم ترحمون} وأخويكم ~~يعني تعالى بأخويكم صنفي الطائفتين من المسلمين المبغي عليهم والباغين؛ فإن ~~لم يكف أهل الحق عن الظلم وغلبوا عن الإنصاف للبغاة، لكن علي أمير المؤمنين ~~عليه السلام معصوم إذ لا حجة له عنده لمعاوية ولا للخوارج، وقد أنصفهم ~~عليه السلام فأبوا إلا الباطل، وكذلك الحسن والحسين معصومان إجماعا وهم ~~منصفون، فالكلام في غيرهم صار الحق في طائفة ثالثة من أهل بيت الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم ومن اتبعها فهو على الحق وهي تكون متفرقة بين الطائفة ~~الأولى التي كانت على الحق أو في غير موضعها وصار الطائفتان الأولتان ~~ظالمتين باغيتين يجب على الثالثة القيام عليهما مع الناصر وإنصاف مظلومهما ~~من ظالمهما والأخذ عليه أو الهجرة عنهما معا مع الضعف، وصار البغاة ms450 الأولون ~~محقون في نفس دفعهم عن نفوسهم ما ليس عليهم فرض، فهل يجوز معاونتهم في دفع ~~الظلامة عنهم للثالثة المحقة مع القدرة؟ # قلت: نعم إذا لم يؤدي إلى قوة ظلمهم وأخذهم زائدا على قدر ما يجوز لهم من ~~مظلمتهم، فإن أدى إلى ذلك حرمت المعاونة لقوله تعالى: {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان} فإذا أدى إلى ذلك ولم يقدر أهل الحق على منع أحدهما من ~~الأخرى وجبت التخلية بينهما مع عدم القدرة على إنصاف بعضهم من بعض لقوله ~~تعالى في ذلك كذلك: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}. PageV03P034 # فإن قلت: هل يجوز قطع الميرة عليهم قياسا على المحاربين من الكفار؟ # قلت: يجوز ذلك، وقد يجب قياسا على مقاتلتهم لكن بشرط أن لا يختلط بهم من ~~لا يقدر على الهجرة من ضعفة المسلمين والأسرى الذي في أيديهم من المحقين، ~~فإن اختلطوا بهم كذلك ولم يعاونوهم على حرب المحقين لم يجز قطع الميرة عنهم ~~لأن الإنفاق إلى ضعفة المسلمين من أنواع البر، وقد قال تعالى في ذلك: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى}(1) فإن كانوا -أعني غير المحاربين- معهم ~~المختلطين [147أ] بهم يستطيعون مفارقتهم بالهجرة جاز قطع الميرة، ولا عبرة ~~بهم إلا في قدر تأهبهم لها، فلا تقطع لأجلهم حتى يخرجوا أو يبقوا مختارين ~~البقاء والهجرة ممكنة. # فإن قلت: فإذا خشينا من قطع الميرة أن العدو الباغي يستأصل بذلك من أهل ~~الحق أو كان كافرا استئصل أولا هل يجوز قطع الميرة؟ # قلت: نعم إذا علمنا ذلك بشواهد الأحوال أو غلب الظن به لشاهد الحال ~~لتأدية ترك قطعها إلى أنكر من هلاك الضعفاء، وقد قال الله تعالى: {ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} . # فإن قلت: هل خشية الفقر بمفارقة الأموال المنقولة أو غيرها أو أن الظالم ~~يستولي عليها غصبا حيث هاجر وأعذر في ترك الهجرة فلا تقطع الميرة عن ~~المحاربين لأجلهم. # قلت: كل ذلك ليس بعذر لقوله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله إن شاء}. PageV03P035 # فإن ms451 قلت: فالخوف في الطريق هو عذر في ترك الهجرة فلا تقطع الميرة حيث خشي ~~من قطعها الضرر أو التلف على المختلطين بالمحاربين من البغاة، ولا بد في ~~عدم جواز قطع الميرة في جميع الصور من خشية الضرر أو التلف مع عدم القدرة ~~على الهجرة. # قلت: الخوف على النفس أو قطع العضو أو الخوف على البضع في حق النساء ~~والظن يغلب بحصول ذلك في الطريق، ولا يقدر المهاجرون على دفع الأكراد ~~بالحرب عذر في ترك الهجرة، فلا تمنع الميرة من بلد البغاة لأجلهم حيث خشي ~~عليهم الضرر والتلف. # فإن كان في بقاهم بين المحاربين مصلحة دينية عامة أو خاصة، هل يكون ذلك ~~عذرا في ترك الهجرة ولا تقطع الميرة؟ # قلت: إن كانت المصلحة الدينية العامة أو الخاصة هي حل شبه البغاة أو ~~تبليغهم ما جهلوه من الشرائع ولإقامة الحجة لله تعالى أو أمر بالمعروف ونهي ~~عن المنكر ولهم تأثير ويخدعونهم ويسيرون بهلكتهم ، فالبقاء بينهم لذلك ~~جائز، بل قد يجب إذا غلب بالظن ارتداعهم بذلك أو تسقط بعض المنكرات بذلك، ~~أو للتبليغ، فيجب البقاء حتى يبلغوهم ويبينوا لهم ما جهلوا، ولو لم يؤثروا ~~في التبليغ والتبيين كالأنبياء عليهم السلام ففي وقت هذه المصالح وبقاء ~~أهلها فيهم لها وهو يخشى على أهلها ضرر أو تلف بقطع الميرة يحرم قطعها، ~~فإذا لم يكن شيء منها ولا ضعف عن الهجرة جاز قطع الميرة، وقد تجب حسب ~~المصلحة. PageV03P036 # فإن قلت: هل يجوز أو يجب على أهل الطعام من الزرعة وغيرهم إدخال الميرة إذا ~~خشوا على المختلط الضرر أو التلف؛ والمختلطون معذورون من الهجرة بما قدمنا ~~ولا يمكنهم يمتنعوا عن البيع من الظلمة بعد دخول أمصارهم ويخص المستحقين وحدهم؟ # قلت: يجوز لهم إدخالها ويجب فرض كفاية لضرر من ذكرنا، ويجب على المحقين ~~تخليتهم لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ولا يؤاخذون بذنب البغاة ~~المحاربين لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. # قلت: ولا يجوز لمن أرسل الطعام في هذه الحال أن يقصد نفع الفسقة ولا ~~معاونة الظلمة؛ ms452 فأما السلاح والكراع فيحرم بيعه منهم إلا بأفضل لعلم الضرر ~~في ذلك، وقد قال تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}. # فإن قلت: إذا لم يجز البيع منهم هل ينعقد مع الإثم؟ # قلت: نعم لأنه [147ب] لم يحرم بعينه بل لعارض المعاونة كالبيع وقت نداء ~~الجمعة ولقوله تعالى: {تجارة عن تراض} ولم يفصل. # فإن قلت: ما حكم الثمن منهم؟ # قلت: حلال ما لم يعلم البائع أنه مغصوب على معين من الرعايا أو من أموال ~~الله تعالى وليس البائع مصرفها، فإن كان مصرفها صرفها في نفسه حيث التبس أهلها. # فإن قلت: إذا كان إدخال الميرة وعدمه سواء في أن المحاربين لا يضرهم تركه ~~لسعة الأموال عندهم ولم يقصد بذلك نفعهم ولا خصهم، وهذا في غير السلاح ~~والكراع، فأما هما فلا مطلقا إلا بأفضل؟ PageV03P037 # قلت: جاز إدخال الميرة ويقصد نفع نفسه، هذا إذا لم يوهم الجهلة أنهم محقون، ~~وقد قال تعالى في ذلك: {وأحل الله البيع} ولم يفصل. # فإن قلت: فإن كان منعهم الميرة يؤدي إلى أنكر منه من الاعتداء على ~~المسلمين ولا قوة في المسلمين على ردهم. # قلت: وجب أن لا تقطع لقوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم}(1). # فإن قلت: فإذا جاز قطعها فالمال المطموع هل يرد إلى الجلاب؟ # قلت: إن كان قد تعرف القبح ولم يكن شيء مما قدمنا من المصالح أو كان ~~جاهلا لحالة المحاربين رد له وحلف، وإن كان قد عرف القبح ولم يجهل حالتهم ~~ولا شيء مما قدمنا أخذ من المال بقدر ما يزجره إن لم يتب عن العود ولا يجحف ~~بحاله ورد الباقي لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وتجوز ~~عقوبته للزجر، وقد تجب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في مانع الزكاة: ~~((أخذناها وشطرا من ماله عزمة من عزمات ربنا))(2). # فإن قلت: إذا لم يرتدع السعاة إلى البغاة المحاربين بالزجر بالوعظ وهو ~~يزجرهم الحبس أو أخذ بعض المال ولم يتب من السعي إلى المحاربين بالطعام ~~وغيره من ms453 السلاح والكراع ولا شيء في تسويغ إدخال الطعام إليهم من بقاء ~~الضعفاء بينهم وبقاء مؤمنين بينهم لشيء من المصالح التي قدمنا، فهل يقدم ~~الحبس أو أخذ المال؟ PageV03P038 # قلت: ما كان أخف في العقوبة قدم وجوبا، ولا يحل الجمع له بين الحبس وأخذ ~~المال؛ إذ لا يجمع عليه بين عقوبتين فيكون ذلك ظلما، فإن كان المال لغيره ~~وهو رسول فإذا علم المرسل به حالف المحاربين، ولا مصلحة كما قدمنا كالضعفاء ~~بينهم ومن بقي لمصلحة من العلماء زجر بحبس أو أخذ مال أيما كان أخف عقوبة، ~~ولا يجمع بينهما حيث يكفي أحدهما. # فإن قلت: هل يمنع المحاربون من شرب الماء ومن المباحات في الأرض من ~~الأشجار والفواكه ونحوها كزرع مباح؟ # قلت: لا يجوز ذلك ولو في وقت محاربتهم، لأنهم يملكون ذلك بأخذه فيكون ~~كسائر أموالهم، ولا يحل منعهم الماء ونحوه من المباحات لقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((الناس شركاء في ثلاثة)) ولم يفصل، ولأن أمير المؤمنين ~~علي عليه السلام لم يمنع معاوية وأصحابه من نهر الفرات وهم محاربون له ~~وهم بغاة. # فإن قلت: هل يجوز إضافة البغاة وكذا أهل الطاغوت إذا قصدوا للضيافات في ~~البلدان قبل الإقلاع والتوبة أو الهزيمة لهم من أهل الحق وإنزالهم المنازل. PageV03P039 # قلت: نعم تجب ضيافتهم، ويجوز [148أ] إنزالهم المنازل لحرمة الإسلام ولأنهم ~~على شبهة ولأن ذلك من مكارم الأخلاق، وقد أمر الله تعالى بها، ولأنهم ~~حالتهم في حالة قصدهم للضيافات مسالمين كحالة من فاء إلى أمر الله تعالى ~~بالهزيمة؟، وكحالة المشرك إذا استجار حتى يسمع كلام الله، ولأنهم لا يحل ~~ابتداؤهم بالحرب إذ قتالهم للدفع، ولا يحل في حال ضيافتهم أن يقاتلوا إلا ~~أن يقاتلوا ولا في غيرها، ولا يغزون بتاتا ولا غيابا حتى يبدءوا بالحرب، بل ~~يجب التحرز لعدم الثقة بهم حتى يبدءونا. # هذه أحكامهم وقد استوفيناها على حسب الإمكان بحمد الله تعالى لتعرف ~~حالاتهم وليفرق العقلاء بين المسلمين والكفار، وهذا الذي ذكرناه مأخوذ من ~~صريح القرآن والسنة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من ms454 حي عن بينة وإن الله ~~لسميع عليم. PageV03P040 # فإن كان في الزمان إمامان أو أكثر ترتبوا بأن دعا أحدهم قبل الآخر أو دعوا ~~في حالة واحدة وكان الولاة من قبل الأئمة حصل بينهم الشقاق والخلاف على سبب ~~الملك والدنيا واحتربوا فيما بينهم وكل يستند بزعمه إلى إمامه، فإنه يجب ~~على كل إمام كف ولاته من حرب ولاة الآخر، فإن لم يقدر الأئمة وأتباعهم على ~~كف الولاة بقول ولا حرب وجب اعتزال الولاة والتبري منهم على الأئمة ~~وأتباعهم وصار الولاة وأتباعهم أعداء لله تعالى جميعهم تخلي الأئمة بينهم، ~~ولا يعينوا بعضهم على بعضهم، ويخلوا بينهم حيث لم يقدروا على كف بعضهم عن ~~بعض من الظلم كما خلى الله تعالى بينهم بقوله تعالى: {وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}(1). PageV03P041 # فإن زحف أحد الأئمة على ولاة الآخر لظلمهم لمن معه من المحقين في غير ~~المحقين لدفع ظلمهم وبغيهم وجب على الإمام الثاني معاونته حسب القدرة، فإن ~~لم يقدر وجب عليه أن يخلي بينه وبينهم، فإن أعانهم على الإمام الآخر المحرب ~~لهم لظلمهم وبغيهم أو خذله وهو يقدر على معاونته بطلت إمامته حتى يرجع إلى ~~الوفاق للداعي إلى الحق ويتوب، فيرجع حقه من غير تجديد دعوة، وإذا خلا بعض ~~الظلمة ببعض واقتتلوا فالقاتل والمقتول عصاة حيث لا مدافعة من أيهما عن نفس ~~محرمة القتل ولا مال محرم الأخذ لقوله تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون} ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا تواجه ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قيل: يا رسول الله هذا ~~القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه))(1). PageV03P042 # فإن كان أحد الإمامين في الجند يأمر وينهى فقصده الإمام الآخر ليعينه عليهم ~~فأحربه ولاته -أعني ولاة المقصود- فأحربهم وإمامهم فيهم، فدافع إمامهم ومن ~~معه من المحقين على نفوسهم حيث لم يحترمهم فسقة ولاة الإمام القاصد ولا ~~أمكنهم يتميزوا من بين البغاة إلى ناحية فدافعوا عن نفوسهم من قاتلهم ودافع ~~الإمام الذي قصد عن نفسه من قاتله صار ms455 الفريقان من الإمامين وأتباعهما من ~~المحقين محسنين مستحقين للجنة شهيد من قتل منهم؛ لأنهم كلهم دافعون البغاة ~~عن أنفسهم وعن بغيهم وقد قال تعالى في ذلك ورضاه به: {إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم} وقال تعالى في ذلك: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير ~~الحق[148ب]} ولا قصاص ولا دية بعد التحام القتال وقت المصافة لأن الكل مدافع. # فإن قلت: هل يجوز إيناس الظلمة إذا قصدوا بالسلام والترحيب؟ # قلت: نعم، ذلك أخلاق الأنبياء والصالحين. PageV03P043 # فأما الودائع التي للبغاة والديون والمغصوب عليهم والرهن فيرد لهم ذلك ولو ~~كانوا في وقت مصافة الحرب لقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها} ولم يفصل ولقوله تعالى: {فليؤدي الذي ائتمن أمانته} ولم يفصل، ~~ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل عمل في الجاهلية موضوع تحت قدمي هذه ~~إلا الأمانة فإنها مؤدات إلى البر والفاجر))(1) ولأنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعا وقال: ((بل عارية مؤداة))، ولقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك))(2) ~~ولم يفصل، ولنعد إلى ما كنا بصدده من الاستدلال على إمامة علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام وأخوته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ووصايته وتقديمه وتفضيله بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وإمامة ذرية محمد -صلى الله عليه وعليهم- على أمته وتقديمهم وجوبا عليها في ~~كل أمر شريف وذكر ما يدل على أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~كانوا مسلمين على دين أبيهم إبراهيم عليه السلام وإسلام أبي طالب وبعض ~~معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفضائله، فمن ذلك قوله تعالى في ~~سورة الشعراء: {فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم}(3). PageV03P044 # روى الناصر للحق بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال: نزلت ~~هذه الآية فينا وفي شيعتنا: {فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم} وذلك أن ~~الله ms456 تعالى يفضلنا ويفضل شيعتنا حتى أننا نشفع ويشفعون، فإذا رأى ذلك من ~~ليس منهم قالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. # وعن حعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليهم السلام أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، قال: ~~علي: من هم يا رسول الله؟ قال: هم شيعتك وأنت إمامهم))(1). # وروى بإسناده عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ~~((شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة))(2). # وسئل الحسن: من شيعتكم؟ قال: هم الذين قال الله تعالى: {وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما...الآيات}(3). # وروي عن علي -عليه السلام: ما أحبنا أهل البيت أحد فزلت به قدم إلا ثبتت ~~قدم أخرى حتى ينجيه الله يوم القيامة. PageV03P045 # وقوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}(1) عن البراء بن عازب قال: لما نزل ~~قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العيس، ~~فأمر عليا فأتى برجل شاة فقال: ادنوا بسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا ~~وشبعوا، ثم دنا بقعب من لبن فشرب منه، ثم قال: اشربوا على اسم الله، فشربوا ~~حتى رووا، فبدرهم أبو لهب وقال: هذا ما سحركم به [149أ] الرجل، فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ولم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ~~ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم ودعاهم إلى الإيمان فقال: ((من يؤازرني ~~ويؤاخيني، ويكون وليي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي. فسكت القوم، فقال علي: ~~أنا، فأعاد ثلاثا والقوم سكوت وعلي يقول كل مرة أنا، فقال في المرة ~~الثالثة: أنت. فقاموا يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك))(2). دل ~~ذلك على إمامة علي إذ خليفته صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه ووزيره ومن ~~اختص بأخوته هو إمام عادل يتصرف بعده صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا نبي ~~بعده -صلى الله عليه- فدل ms457 بذلك -صلى الله عليه وآله- على الإمامة والأخوة ~~والفضيلة على جميع الأمة. # وقوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين}(3) تقلبك من نبي إلى نبي حتى أخرجك في ~~هذه الأمة. عن ابن عباس، وقيل: أراد صلاته، وقيل: تصرفه بين أصحابه. PageV03P046 # وعن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنما ~~خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم لم يصبني سفاح الجاهلية ولم أخرج ~~إلا من طهر))(1). # وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((إن الله خلق روحي وروح علي قبل أن ~~خلق آدم بما شاء الله، فلما خلق آدم أودع أرواحنا صلبه، فلم يزل ينقلها من ~~صلب طاهر إلى رحم طاهر لم يصبها دنس الشرك ولا عهر الجاهلية حتى أقرها في ~~صلب عبد المطلب، ثم أخرجها من صلبه فقسمها قسمين، فجعل روحي في صلب عبد ~~الله وروح علي في صلب أبي طالب، فعلي مني وأنا منه، علي نفسه كنفسي وطاعته ~~كطاعتي، لا يحبني من يبغضه، ولا يبغضني من يحبه))(2). وروى ابن نابوته ~~بإسناده وروى نحوه عن أبي ذر وجابر. # وقوله تعالى في سورة النمل: {الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى}(3) ~~هم الأنبياء عليهم السلام وأهل بيت سيد الرسل محمد وهم أعني أهل بيته ~~عترته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف ~~-صلىالله على أبيهم محمد رسوله وعليهم- لقوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} ولقوله تعالى في محمد رسوله ~~وأهل بيته عترته وذريته -صلى الله عليه وآله- {ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله}(4). PageV03P047 # وقوله تعالى في سورة القصص: {إنك لا تهدي من أحببت}(1) قال بعض الناصبية: ~~إن الآية نزلت في أبي طالب وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن ~~يؤمن ولم يؤمن، ورواه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن من المفسرين، وقد ~~بينا فيما بعد أن إسلام أبي طالب صحيح وأجمعت ms458 العترة على ذلك، وليس في ظاهر ~~الآية ما يدل على أنه نزل فيه. # ومن عجيب روايتهم قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكره ~~إيمان وحشي ويحب إيمان أبي طالب فنزل جبريل فقال عن الله تعالى لرسوله: ~~((من تحب إيمانه لا يؤمن، ومن تكره إيمانه يؤمن))(2) ونزل قوله تعالى: {إنك ~~لا تهدي من أحببت}(3) في أبي طالب ونزل قوله تعالى: {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم} في وحشي قاتل حمزة، وهذا فاسد من وجوه؛ لأن النبي صلى ~~الله [149ب] عليه وآله وسلم كان يحب إيمان جميع الخلق فأي اختصاص لأبي ~~طالب في ذلك، ولا يجوز أن يكره إيمان أحد ولا يرضى بكفره؛ لأن الرضى بالكفر ~~كفر وكراهة الإيمان كفر، ولا نعلم في المجبرة أحدا قال بأن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان يريد الكفر من أحد ولا يريد الإيمان من أحد إلا ~~ما حكي عن بعضهم -أعني المجبرة- شاذا وكيف يعاقبه الله تعالى في إرادة ~~الإيمان بمخالفة مراده صلى الله عليه وآله وسلم في أبي طالب وهو تعالى ~~بعثه للدعاء إليه -أعني إلى الإيمان- وكيف يظن الناصبي بربه مع فضله تعالى ~~ورأفته أن يفعل ما يغيض رسوله PageV03P048 في إيمان عدوه وكفر عمه، وهذا كله تخليط من القوم. # فأما وحشي وإن روي إسلامه فإنه روي ما يعارض ذلك، وروي أنه ارتد، روي ~~إسلامه وارتداده عن الملة المحمدية في كتاب {مؤازرة الإخوان) فأبى الله أن ~~يجمع بين حمزة وقاتله في دار الآخرة، كما أبى أن يجمع بين علي وقاتله ابن ~~ملجم أشقى الآخرين فيها، وبين الحسين وقاتله الأبرص العنس شمر بن ذي ~~الجوشن. # قال في {مؤازرة الإخوان) ما معناه: أنه لما أسلم وحشي كره النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم رؤيته فأمره أن يخرج من المدينة، فخرج إلى الشام ~~وارتد بعد ذلك، وبعد فإن تصح روايته عن ابن عباس وغيره ولعله من دسيس ~~الملحدة. # فمتى قيل: فما معنى الآية؟ وفيمن نزلت؟ # قلنا: نزلت في جميع المكلفين لأنه داع ومبين. ms459 # فأما الاهتداء وغيره فليس إليه. # فأما معنى الآية فقيل: ليس إليك هدايتهم بأن تجبرهم على الاهتداء، وقيل: ~~هو الهداية إلى الجنة والثواب، وقيل: الحكم بالهداية، وقيل: هو اللطف الذي ~~به يهتدي المكلف، وذلك مقدور له تعالى. # فأما قوله: {ولكن الله يهدي من يشاء} قيل: بالأدلة وهم المكلفون، وقيل: ~~إلى الثواب وإلى الجنة وهم المؤمنون، وقيل: باللطف وهو من له لطف. # فأما قوله: {من أحببت} قيل: من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته لقرابته. PageV03P049 # وأما قوله تعالى في سورة الأنعام: {وهم ينهون عنه وينأون عنه}(1) فقالت ~~الناصبية: إنها نزلت في أبي طالب، كان يمنع الناس عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ولا يتبعه، ورووه عن عطاء ومقاتل وربما يروونه عن ابن عباس. # ورووا عن مقاتل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عند أبي طالب ~~يدعوه إلى الإسلام، فاجتمع الملأ عنده من قريش يريدون سوءا بالنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ويسألون أبا طالب تسليمه إليهم فأبى وأنشأ يقول: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي # وعرضت دينا قد عرفت بأنه # لولا الملامة أو حذاري سبة ... حتى أوسد في التراب دفينا # وابشر وقر بذاك منك عيونا # فلقد صدقت وكنت ثم أمينا # من خير أديان البرية دينا # لوجدتني سمحا بذاك مبينا # قال: وروي أنه لما توفي جاء علي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأخبره بموته قال: اذهب فواره، ورووا أنه يشفع له حتى يكون في ضحضاح من النار. PageV03P050 # والجواب: أما الآية فليس في ظاهرها شيء [150أ] مما ذكروا، وما ذكروا عدول ~~عن الظاهر وتلبيس للكلام، ولأن ما تقدم وما تأخر كلها في ذم القوم، وقيل: ~~إن الآية نزلت في كفار مكة عن مجاهد والسدي والضحاك ومحمد بن الحنفية، ~~ومعنى {ينهون عنه} ينهون عن اتباعه غيرهم وينأون هم عنه، ولأن ينهون عنه ~~خرج مخرج الذم، ولأن أبا طالب ........ رباه صغيرا ونصره كبيرا، وقام بأمره ~~كبيرا وناشئا، وقد ثبت بالنقل أنه كان مسلما، ms460 وثبت بإجماع أهل البيت أنه ~~أسلم، وإجماعهم حجة قاطعة، وعلى أن نقلهم أولى بالاتباع وجوبا وهو أولى من ~~نقل غيرهم؛ لأنهم أولاده فهم أعلم بأحواله. # وقد روي في حديث الاستسقاء أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى ما ~~رأى من المعجز: ((لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت به عيناه من ينشدنا ~~قوله، فأنشده أمير المؤمنين الأبيات التي مدحه بها منها قوله: # وما ترك قوم لا أبا لك سيدا # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... يحوط الذرايا غير ذرب مواكل # ثمال اليتمامى عصمة للأرامل # وروى ابن عمر أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا ~~تركت الشيخ فآتيه -وكان أعمى- فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، ~~والذي بعثك بالحق لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشد مني فرحا بإسلام أبي ألتمس ~~بذلك قرة عينك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صدقت صدقت))(1). PageV03P051 # وروى أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لما دعا أبا طالب إلى الإسلام قال له: ما أشد تصديقنا لحديثك، ~~وأقبلنا لنصحك، وهؤلاء بنوا أبيك قد اجتمعوا وأنا كأحدهم وأسرعهم -والله- ~~إلى ما تحب، فامضي لما أمرت به، فإني والله إني مانعك ما حييت، ولا أسلمك ~~حتى يتم أمرك، وأما أنت يا علي فما بك رغبة عن الدخول فيما دعاك إليه ابن ~~عمك وأنت لأحق من وازره، وأنا من ورائكما حافظ ومانع. فسر بذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وشد أبو طالب ظهره وقال: # وبالغيب آمنا وقد كان قومنا # وقال أيضا: # ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا # أليس أبونا هاشم شد أزره ... يصلون للأوثان قبل محمد # نبيا كموسى خط في أول الكتب # وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب # وروى الطبري أيضا أن رؤساء قريش والمشركين لما رأوا ذب أبي طالب عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اجتمعوا إليه قالوا: جئناك بفتى قريش ms461 جمالا وجودا ~~وشهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك يكون بصره وميراثه لك، وتدفع إلينا ابن ~~أخيك الذي فرق جماعتنا، وسفه أحلامنا فنقتله. فقال أبو طالب: والله ما ~~أنصفتموني، تعطوني ابنكم فأغذوه وأعطيكم ابني فتقتلوه، بل فليأت كل رجل ~~منكم بولده فأقتله. وهموا بالاغتيال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فمنعهم أبو طالب وقال في ذلك شعرا: # منعنا الرسول رسول المليك # أذب وأحمي رسول المليك ... ببيض تلألأ كلمع البروق # فما يتحامل عليه شفيق PageV03P052 فأما الخبر فلا يصح مع ما كان إليه من أبي طالب من النصرة والقيام بأمره ~~ومع ما غلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الرحمة وشرف الأخلاق لا ~~يقول عند موت عمه: اذهب فواره، وكان بعد موته يطلب ناصرا ويتردد في ~~المواقف، ويعرض [150ب] نفسه فلا يجد ناصرا. # وأما حديث الشفاعة، فأجمعت الأمة أنه لا شفاعة للكفار، والعجب من قوم ~~يروون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أمه وبكى، فلما سئل قال: ~~((رأيت ما هي فيه من عذاب الله ولم أغني عنها شيئا))(1)، ثم يروون في أبي ~~طالب وهو لم يسلم بزعمهم الشفاعة، ويروون لا شفاعة للكفار، ويروون أن أبا ~~طالب مات كافرا ويشفع له، فيروون الشيء وخلافه ولا يعلمون ما يروون. PageV03P053 # وأما أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالصحيح أنها مسلمة، وسيأتي زيادة ~~في هذا -إن شاء الله تعالى- وروايتهم هذا الحديث أنه زار قبر أمه وبكى فلما ~~سئل...إلى آخره، فذلك من حشو الحشوية في الحديث ما ليس منه، والصحيح أن ~~آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمهاته كانوا مسلمين على دين ~~إبراهيم قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا مؤمنين به صلى الله ~~عليه وآله وسلم قبل بعثته وبعدها، ويعارض روايتهم هذا الحديث القرآن رادا، ~~والحديث المعروض على القرآن الذي رواه علماء العترة عليهم السلام عن ابن ~~عباس وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم حاكيا عن الله تعالى قال: ((إن ~~الله تعالى خلق روحي وروح علي قبل أن ms462 خلق آدم بما شاء الله، فلما خلق آدم ~~أودع أرواحنا صلبه، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر لم يصبها دنس ~~الشرك ولا عهر الجاهلية حتى أقرها في صلب عبد المطلب، ثم أخرجها من صلبه ~~فقسمها قسمين، فجعل روحي في صلب عبد الله، ورح علي في صلب أبي طالب))(1) ~~والرحم الطاهر والصلب الطاهر هو المسلم إجماعا. PageV03P054 # وقوله تعالى في سورة حمعسق: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى}(1) اختلفوا في معنى الآية، قيل: تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم ~~عن علي بن الحسين وسعيد بن جبير وعمر بن سعيد، وقيل: تودوا قرابتي للتقرب ~~إلى الله بطاعته، وقيل: تودوا لقرابتي، وقيل: نزل بمكة وأراد: صلوا رحمي، ~~واحفظوني في أولادي، ويجوز أن يكون الله أطلع نبيه على ما يفعلون بأولاده ~~وأنزل هذه الآية. # ومتى قيل: أليس جميع الأنبياء قال: {قل لا أسألكم عليه أجرا} فلما استثنى ~~نبينا خاصة -صلى الله عليه؟ PageV03P055 # قلنا: لما علم من صنيع أمته إلى أولاده دون سائر الأمم، فكأن كل أمة تعظم ~~عترة نبيها غير هذه الأمة فإنهم حاربوهم وقتلوهم وطردوهم وشردوهم في ~~البلاد، ولذلك قال علي -عليه السلام: يا أيها الناس لا يفتننكم الهوى، يا ~~أيها الناس لا تأفكوا عن الهدى، يا أيها الناس لا تقاتلوا أهل بيت نبيكم، ~~فوالله ما سمعت بأمة آمنت بنبيها قاتلت أهل بيت نبيها غيركم. وقد تقدم في ~~تفسير قوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} ومن نظر في مقاتلهم من ~~لدن علي بن أبي طالب إلى يومنا هذا علم أحوالهم، فهم بين مقتول ومحبوس ~~ومخذول ومسموم ومطرود ومقهور، قتل علي بالسيف، وسم الحسن، وقتل الحسين مع ~~نيف وعشرين من أهل بيته وجماعة من شيعته في نصف يوم وفرق بين رؤوسهم ~~وأبدانهم، وقتل زيد بن علي وصلب وأحرق، وقتل يحيى بن زيد وصلب، وقتل النفس ~~الزكية محمد بن عبد الله، وإبراهيم، ويحيى بن عبد الله وجماعة كثير من ~~أولاده، وقتل [151أ] موسى بن جعفر وابنه علي بن موسى الرضا ms463 عليهم السلام ~~دس إليه المأمون السم، وتفصيل ذلك مما يحتاج إلى دفاتر، ومات عيسى بن زيد ~~مستترا، وكذلك القاسم -عليه السلام. PageV03P056 # وروي عن محمد بن زكريا العلائي روى هذا أبو طالب في الأمالي قال: صرت إلى ~~أحمد بن عيسى بن زيد وهو متوار بالبصرة فقال: لما طلبنا هارون -يعني الملقب ~~بالرشيد- خرجت أنا والقاسم بن إبراهيم وعبد الله بن موسى فتفرقنا في ~~البلاد، فوقعت إلى ناحية الري، ووقع عبد الله بن موسى إلى ناحية الشام، ~~وخرج القاسم بن إبراهيم عليه السلام إلى ناحية اليمن، فلما توفي هارون ~~اجتمعنا في الموسم فتشاكينا ما مر علينا فقال القاسم عليه السلام: أشد ما ~~مر بي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن صرت في مفازة لا ماء فيها ومعي بنت ~~عمي وهي زوجتي وبها حبل، فجاء المخاض في ذلك الوقت فحفرت لها حفرة لتتولى ~~أمر نفسها وضربت في الأرض أطلب لها ماء فرجعت إليها وقد ولدت غلاما وأجهدها ~~العطش، فألححت في طلب الماء، فرجعت إليها وقد ماتت والصبي حي، فكان بقاء ~~الغلام أشد علي من موت أمه، فصليت ركعتين ودعوت أن يقبضه، فما فرغت من ~~دعائي حتى مات. PageV03P057 # وشكى عبد الله أنه خرج من بعض قرى الشام وقد حث عليه الطلب وأنه صار إلى ~~بعض المشائخ وقد تزيا بزي الأكرة والفلاحين، فسخره بعض الجند وحمل على ظهره ~~شيئا وكان إذا أعيا وضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربا شديدا وقال: لعن ~~الله العبيد ولعن من البعيد منه، قال أحمد بن عيسى: وكان من غليظ ما نالني ~~أني صرت إلى ودرتين ومعي ابني محمد وتزوجت إلى بعض الحاكة وتكنيت حفص ~~الخصاص وكنت أغدو وأقعد مع بعض من آنس به من الشيعة، ثم أروح إلى منزلي ~~كأني قد عملت يومي، وولدت المرأة بنتا فتزوج ابني محمد إلى بعض موالي عبد ~~القيس هناك، فأظهر مثلما أظهرته، فلما صار لابنتي نحو عشر سنين طالبني ~~أخوالها بتزويجها من رجل من الحاكة له فيهم قدر، فضقت ذرعا بما وقعت إليه ms464 ~~وخفت من إظهار نسبي وألح القوم علي في تزويجها منه، ففزعت إلى الله تعالى ~~وتضرعت إليه في أن يخترمها ويقبضها ويحسن علي الخلف فيها والعوض، فأصبحت ~~الصبية عليلة ثم ماتت من يومها، فخرجت مبادرا إلى ابني محمد أبشره فلقيني ~~في الطريق، فأعلمني أنه ولد له ابن فسميته عليا، وهو بناحية ودرتين لا أعرف ~~له خبرا للاستتار الذي أنا فيه، قال السيد أبو طالب، هذا الخبر هو طريق ~~إثبات نسب علي بن محمد صاحب البصرة. PageV03P058 # ونعود إلى الآية الكريمة فروى ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا ~~رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة ~~وابناهما. ومما يؤيد ذلك حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: ((أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم)). # وعن زيد بن علي عن آبائه [151ب] أنه قال -أعني عليا عليه السلام-: شكوت ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسد الناس لي، فقال: ((أما ترضى ~~أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا ~~وعن أيماننا وشمائلنا وذريتنا خلف أزواجنا وشيعتنا وراءنا))(1). # روى ابن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى ~~أكون أحب إليه من نفسه، وأهلي أحب إليه من أهله، وعترتي أحب إليه من عترته، ~~وذاتي أحب إليه من ذاته))(2). قال فقال رجل من القوم: يا أبا عبد الرحمن لا ~~تزال تحيي بالحديث يحيي الله به القلوب. # وقوله تعالى في سورة الزخرف: {وجعلها كلمة باقية في عقبه}(3) فاختلفوا في ~~الكلمة، قيل: التوحيد، وقيل: ما وصى بنيه على ما ذكره في سورة البقرة، ~~وقيل: هو قوله: {أسلمت لرب العالمين}(4). # قلت: المقصود بالكلمة دين الإسلام على جميع التفاسير، واختلفوا في العقب ~~قيل: آل محمد عن السدي، وقيل في ذريته وولده عن مجاهد والحسن. PageV03P059 # قلت: المقصود بالعقب فرقة من ذرية إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق آل محمد، ~~ومحمد عليه السلام صفوة ولد إبراهيم ms465 ومعظمهم وغيرهما من ولد إبراهيم ~~-عليهما السلام- تبقى تلك الفرقة على دين الإسلام في كل عصر إلى آخر ~~التكليف، وتلك الفرقة الناجية في كل عصر لا تنقطع هم صفوة ولد إبراهيم محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وخيرته، ثم الأنبياء من ولد رسول الله وخليله ~~إبراهيم -صلى الله عليه- صفوة ولده عليه السلام ثم أتباعه من ذريته ~~وأولاده عليهم السلام ثم عترة سيد المرسلين وصفوتهم محمد خاتم الأنبياء ~~وصفوتهم وخيرتهم وإمامهم وسيدهم، وذريته -صلى الله عليه- إلى آخر التكليف ~~ووصيه -صلى الله عليه وآله- والإمام بعده بلا فصل وخليفته سيد الوصيين علي ~~بن أبي طالب عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرة هؤلاء ~~كلهم. وهذا التفسير مجمع عليه ظاهر كالشمس في البيان منطوق هذه الآية ~~وغيرها من كثير الآيات هذا التفسير فالحمد لله. # وقوله تعالى: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم ~~فإنا عليهم مقتدرون}(1). PageV03P060 # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله في حديث طويل بذكر ~~نعيه ثم قال: أخبر جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أمتك ستختلف ~~من بعدك، وأوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: {ربي إما تريني ~~ما يوعدون فلا تجعلني في القوم الظالمين}(1) فقال النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ذلك. فنزل: {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون}(2) فلما نزلت ~~هذه الآية جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يشك أنه يرى ذلك، قال ~~جابر: فبينا أنا جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بمنى يخطب ~~الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أيها الناس قد بلغتكم؟ قالوا: نعم. ~~قال: لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، أما إن فعلتم ~~لتعرفني في كتيبة أضرب وجوهكم فيها بالسيف -قال: فكأنه غمزه من خلفه ~~أحد))(3)- فالتفت ثم أقبل علينا محمارا وجهه فقال: أو علي بن أبي طالب قال: ~~فأنزل الله تعالى: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون} بعلي بن أبي طالب {أو ms466 ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون} قال [152أ] الكلبي حرب الجمل. PageV03P061 # وعن ابن عباس: ما حسدت عليا في شيء مما سبق له من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من سوابقه غير مرة، بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذ قال: ((يا قريش، كيف أنتم وقد كفرتم رأيتموني في كتيبة أضرب ~~فيها وجوهكم، قال: فغمزه جبريل فقال: إن شاء الله أو علي بن أبي طالب قال ~~فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أو علي بن أبي طالب))(1). # وقوله تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك} قيل: شرف، وقيل: عظة، واختلفوا في ~~مقامه، قيل: قريش، وقيل: أهل بيته، وقيل: جميع الأمة. # وعن ابن عباس كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على ~~القبائل للنصر، فإذا قالوا: لمن الملك بعدك، أمسك حتى نزلت هذه الآية، فكان ~~بعد ذلك إذا قيل: لمن الملك بعدك؟ يقول: لقريش، فلا يجيبونه حتى قبلته ~~الأنصار على ذلك. # وقوله تعالى في سورة الجاثية: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} قيل: ~~نزلت في قصة بدر في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث لما برزوا لقتال عتبة وشيبة ~~والوليد، فالذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، والذين اجترحوا السيئات ~~عتبة وشيبة والوليد. PageV03P062 # وقوله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {فهل عسيتم إن توليتم ~~أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم...الآية}(1) قيل: نزلت في بني أمية وبني هاشم عن الفراء والأصم، ~~فبنو أمية ومن والهم قطعوا الرحم وقاتلوا بني هاشم وفعلوا وفعلوا لما تولوا ~~غاصبين، والآية عامة لجميع الولاة الظلمة المخالفين للكتاب والسنة، نعوذ ~~بالله من حالتهم فإنهم يقطعون لأجل الملك والدنيا الرحامة بينهم وبين دعاة ~~الحق وهداة الخلق وعلمائهم من أهل بيت نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته وذريته -صلى الله عليه وآله- ويقتلونهم، ويبطلون حقهم وعلمهم لأجل ~~يتم لهم غصب ms467 الولاية وليسوا بأهلها بظلمهم بأخذهم لها على أهلها، ولظلمهم ~~المسلمين وهضم حقوقهم يتخذونهم خولا، وأموالهم دولا، قاتل الله الظالمين ~~ولعنهم وأصمهم وأعمى أبصارهم. # ثم قال تعالى في ولاة السوء: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها}(2) والظالم لنفسه من فسقة أهل البيت الطالب للملك والدنيا، الفاعل ~~مثل أفعال الظلمة، المحارب دعاة أهل بيته المحقين داخل تحت الآية بصريحها، ~~لاحق له حكمها حتى يتوب من ظلمه. # وقوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول}(3) قيل: نزلت في المنافقين، قيل: ~~معناه لما يظهر من مخارج كلامهم وفحواه، وقيل المعاذير الكاذبة عن الحسن، ~~وقيل: ببغض علي بن أبي طالب. PageV03P063 # وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري في قوله: {ولتعرفنهم في لحن ~~القول} قال ببغضهم علي بن أبي طالب. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: لم نزل نعرف ~~المنافقين ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببغضهم علي بن أبي ~~طالب. ويؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: ~~((حبك إيمان [152ب] وبغضك نفاق)). # وقوله تعالى في سورة الفتح: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون}(1) اختلفوا في هذا الداعي، فبعض المفسرين ~~قال: إنه أبو بكر وعمر بدعائهم الناس إلى حرب الروم وفارس وأهل الردة، وقال ~~بعضهم الداعي علي بن أبي طالب و}أولوا بأس} أهل صفين ذكره السيد أبو طالب، ~~وقال بعضهم: الداعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهؤلاء المخلفون ~~غير الذي قال الله تعالى: {قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا}(2) ~~وإليه يذهب الشريف المرتضى، وقد قدمنا في هذا في كتاب {الإمامة) من الجواب ~~ما فيه كفاية. PageV03P064 # وقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله...الآية}(1) وقوله ~~تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما}(2) نزلت في ~~أهل الحديبية، قال جابر: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فقال ms468 لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنتم اليوم خير أهل الأرض. فبايعنا تحت ~~الشجرة على الموت، فما نكث أحد إلا جد بن قيس. # قلت: نعم لم ينكث في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إلا هو، ~~فأما بعده صلى الله عليه وآله وسلم- فقد نكث منهم الجم الغفير منهم معاوية ~~وطلحة والزبير وعائشة لكن روي توبة عائشة وطلحة والزبير. # فأما معاوية والخوارج وأتباعهم فبقيوا على النكث إلى الموت نعم، وكان جد ~~بن قيس منافقا لم يسر مع القوم، فلما تم الصلح أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم- عليا أن يكتب كتاب الصلح، وكتب: هذا ما صالح محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم- فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: لو كنا نقر ~~بأنك رسول الله لما خالفنا. فأمره أن يكتب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ~~وقال: سيكون لك يوم يا علي مثل هذا اليوم، وكان يوم الحكمين على ما تقدم، ~~وأولى الناس بهذه الآية علي بن أبي طالب لأنه قال تعالى: {وأثابهم فتحا ~~قريبا} يعني فتح خيبر، فكان ذلك على يدي علي بن أبي طالب. PageV03P065 # وقوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه...إلى آخر الآيات} الذين معه من ~~أصحابه ومن اتبعه سيماهم، قيل في القيامة بياض وجوههم ومواضع سجودهم كالقمر ~~ليلة البدر، وقيل: علاماتهم في الدنيا من أثر الخشوع، وقيل: صفرة ألوانهم ~~ونحول أبدانهم، قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. # وروى الحارث أن عليا نظر فإذا سمان متكئون حول القصر فقال لغلامه: من ~~هؤلاء؟ قال: شيعتك يا أمير المؤمنين قال: ما لي لا أرى عليهم سيما الشيعة، ~~قال: وما سيما الشيعة؟ قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفات من الظمأ، عمش ~~العيون من البكاء، كان يريد رضا ربه بسخط نفسه ومن لم يسخط نفسه لم يرض ~~ربه، المؤمن من نفسه في عناء والناس منه في راحة، والأحمق من نفسه في راحة ~~والناس منه في أذى. # وسئل الحسين من شيعتك قال: الذين قال الله ms469 تعالى فيهم {وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا...الآيات}. PageV03P066 # وقوله تعالى في سورة الحجرات: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} عن ~~علي عليه السلام قال: اجتمعت قريش [153أ] عند النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم- فقالوا: يا محمد أرقاؤنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- ثم قال: لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله ~~عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان يضرب رقابكم على الدين، قيل: يا ~~رسول الله أبو بكر قال: لا ، قيل عمر، قال: لا، ولكنه خاصف النعل الذي في ~~الحجرة -يعني عليا عليه السلام قال: علي -عليه السلام: وأنا أخصف نعل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم))(1). # وقوله تعالى في سورة العنكبوت: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين}(2). PageV03P067 # روى ابن أبي ليلى عن أمير المؤمنين قال: يا أيها الناس، والله لقد نزلت هذه ~~الآية في وفي شيعتي وعدوي وفي أشياعهم، قوله تعالى: {الم أحسب ~~الناس...الآية} فهذه في عدوي وفي أشياعهم، وأخبر عمن مضى من الأمم السالفة ~~كيف فتنوا وقال: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا} فأنا ~~وشيعتي من الصادقين في إيمانهم وأعمالهم وعلمهم {وليعلمن الكاذبين} هم ~~أعدائي الكاذبون في إيمانهم وأعمالهم وعلمهم وعملهم ثم قال: {ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} فأنا وشيعتي المجاهدون ~~لأنفسنا والله غني عن عدوي. رواه الناصر للحق بإسناده. PageV03P068 # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب ~~الأنصاري فقلنا: يا أبا أيوب إن الله تعالى أكرمك بنبيه إذ أوحى إلى راحلته ~~فبركت على بابك وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ضيفا لك، فضيلة ~~من الله فضلك بها، أخبرنا عن مخرجك مع علي بن أبي طالب؟ قال أبو أيوب: فإني ~~أقسم لكما لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا البيت الذي ~~أنتما فيه وما في البيت غير ms470 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي جالس ~~عن يمينه وأنا جالس عن يساره وأنس بن مالك قائم بين يديه إذ تحرك الباب ~~فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: يا أنس انظر من بالباب، فخرج أنس ونظر قال: ~~هذا عمار بن ياسر فقال: افتح لعمار الطيب المطيب، ففتح أنس الباب ودخل عمار ~~فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرحب به ثم قال لعمار: ((إنه ~~سيكون في أمتي من بعدي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم ~~بعضا وحتى يتبرأ بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني ~~علي بن أبي طالب، فإن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي ~~وخلي عن الناس، يا عمار إن عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى، يا عمار ~~طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله))(1). PageV03P069 # وعن أبي عثمان النهدي عن علي قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- على حديقة فقلت: يا رسول الله ما أحسنها، فقال: لك في الجنة خير ~~منها، ثم انتحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وبكى فقلت: يا رسول ~~الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك إلا من بعدي. قلت: ~~بسلامة من ديني. قال: بسلامة من دمك))(1). # وعن عطاء بن السائب قال: أخبرني أكثر من عشرة أن أبا موسى دخل عليه علي ~~عليه السلام [153ب] فقال: ما هذا الذي تحدث به؟ قال أبو موسى: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((تكون فتنة، المضطجع فيها خير من ~~القاعد، والقاعد خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فإذا كان ذلك ~~فاقطعوا أوتار قسيكم واضربوا بسيوفكم الحجارة))(2)، فقال له علي: أنشدك ~~الله قال ذلك لك خاصة أنت فيها يا أبا موسى مضطجع خير منك قائم قال علي ~~هكذا فحدث الناس. ذكره الناصر للحق. PageV03P070 # وروى أيضا بإسناده عن أبي مريم الحنفي قال: كنت أصلي مع أبي موسى بالكوفة، ~~فلما صلى يوما ms471 الفجر قال: قدم الليلة رجل من خيار أصحاب محمد عمار بن ياسر ~~فمن أحب أن ينطلق معي فليفعل فإن له حقا، فانطلقنا ودخلنا عليه فسلمنا وسلم ~~أبو موسى فما سمعناه رد، ثم كان أول كلامه أن قال: ويلك يا عبد الله بن قيس ~~أنت المثبط للناس عن علي وأنت الذي تقول قطعوا أوتار قسيكم، ويلك فمن يضرب ~~خراطيم الفتن، وأين قول الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}(1) وأنت ~~القائل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((ستكون فتنة، النائم ~~فيها خير من اليقظان))(2) ويلك يا عبد الله بن قيس أما سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم- قال: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار))(3) وأنا أشهد أنك كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~قال: فرأيت أبا موسى يتفرع كما يتفرع الديك وقام وخرج. # المروي أنه لما صالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديبية مع ~~أبي سفيان وسهيل بن عمرو وأمر عليا يكتب كتاب الصلح، فكتب: هذا ما صالح ~~محمد رسول الله فقال أبو سفيان: لو كنا نقر بأنك رسول الله ما قاتلناك، ~~فأمر أن يكتب محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وقال: لك يا علي يوم مثله. ~~وكان يوم صفين عند التحكيم: هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين، فقالوا: لا، ~~حتى كتب علي بن أبي طالب. PageV03P071 # وقوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين}(1). # روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي عليه السلام في قوله تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} قال فينا نزلت. والجهاد على ضروب: # جهاد بالنفس وذلك ينقسم إلى تحصيل العلم والعمل به والإقامة على طاعة ~~الله وحبس النفس عن معاصيه. # والثاني: جهاد الكفار بالسيف واللسان وبذل المهجة فيه. # والثالث: جهاد الظلمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمنع عن الظلم ~~والعصيان. # والرابع: جهاد البغاة مع إمام الحق من آل محمد عترته وذريته صلى الله ~~عليه وآله وسلم- ومعه صلى الله عليه وآله وسلم- في ms472 زمانه وحياته فهو جهاد ~~كفار، نعم وجهاد البغاة مع إمام الحق هو منعهم من الفساد في الأرض ودفع ~~شرهم بما أمكن. # وقد قدمنا تفاصيل ذلك في مواضع في هذا المؤلف من صريح القرآن والسنة ~~وأفعال أمير المؤمنين علي عليه السلام- وأقواله. PageV03P072 # والخامس: جهاد المبتدعة ببيان الأدلة وحل الشبهة لمن حضر والتصانيف والكتب ~~المؤلفة لمن غاب، وجميع ذلك حاصل لأئمتنا صلوات الله عليهم، فأما أمير ~~المؤمنين والحسن والحسين فلا شبهة في حالهم وبعدهم زين العابدين علي بن ~~الحسين وابنه زيد بن علي ويحيى بن زيد بن علي، [154أ] وعبد الله بن الحسن ~~وأخوهم حسن بن الحسن ومحمد بن عبد الله النفس الزكية وإبراهيم ويحيى بن عبد ~~الله وإبراهيم بن الحسن والقاسم بن إبراهيم وأبوه إبراهيم بن إسماعيل ~~وإسماعيل كذلك ومحمد بن القاسم والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين وأبو ~~الحسين بن القاسم والناصر الأطروش وابنا الهادي الناصر والمرتضى وغير ذلك ~~من أمثالهم منهم من جاهد بالسيف كأمير المؤمنين علي عليه السلام وكثير من ~~أولاده أولاد سيد المرسلين محمد -صلى الله عليه وعليهم- وجاهد مع السيف ~~باللسان والكتب والتصانيف، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من ~~جاهد بغير السيف من باقي أصناف الجهاد، وقد روي عن زيد بن علي أنه كان ~~يقول: الإمام منا أهل البيت المفترض الطاعة على المسلمين الداعي إلى كتاب ~~ربه وسنة نبيه، وجرت على ذلك أحكامه، وعرف بذلك فذاك الإمام الذي لا يسعنا ~~وإياكم جهالته. # فأما من لم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر فأنى يكون ذلك. # أما ما روي أنه كان يقول عند الوقعة: والله إني كنت لأستحي من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- أن ألقاه ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنه عن منكر. PageV03P073 # وعن زيد بن علي أنه كان يقول: أعينوني على قتال الفاسقين، أعينوني على جهاد ~~من قد أمركم الله بقتاله، والله لا يقاتل معي أحد إلا أخذت بيده يوم ~~القيامة حتى أدخله الجنة، وروي أنه قال: هذا ثم تلا: {إن الذين يكفرون ~~بآيات ms473 الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~فبشرهم بعذاب أليم}(1) وجهاده في سبيل الله وجهاد الأئمة بعده مقاتلتهم ~~مشهورة ومدونة. # وقوله تعالى في سورة الروم: {فآتي ذا القربى حقه}(2) قيل: هم قرابة النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم- واختلف من قال في قوله {حقه} فقال بعضهم: أعطوهم ~~حقهم الذي أوجب الله لهم من المودة لقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى} وقيل: هو ما وجب لهم من الحقوق المالية من الخمس، ~~وقيل: المراد قرابة المتصدق والأول الوجه لوجهين: # أحدهما: أن حقيقة الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # والثاني: أنهم المعهودون والألف واللام للعهد. # وروى الحسكاني بإسناده في شواهد التنزيل عن ابن عباس قال: لما أنزل الله ~~تعالى: {وآتي ذا القربى حقه} دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~فاطمة وأعطاها فدكا وذلك بصلة القرابة، وقد قدمنا في هذا المؤلف في تحقيق ~~مودة آل الرسول في أنها الاتباع لهم والإحسان إليهم ما فيه كفاية. PageV03P074 # وقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} اختلفوا في ~~الفساد الذي ظهر قبل عقوبة الناس الفساد، وقيل: الجدوبة والقحط وذهاب ~~البركة، واختلفوا في قوله: {بما كسبت أيدي الناس} قيل: بالمعاصي، وقيل: قتل ~~هابيل، وقيل: بقتل الحسين -عليه السلام. # سورة يس # قوله تعالى: {يس والقرآن الحكيم} اختلفوا في معنى يس فقيل: اسم للسورة عن ~~أبي علي، وقيل: إشارة إلى أن القرآن مؤلف من هذه الحروف ليعلم أنه معجز عن ~~أبي مسلم، وقيل: ليعلم أنه محدث عن أبي بكر الزبيري، وقيل: بل له معنى، ثم ~~اختلفوا، فقيل معناه يا رجل عن أبي العالية، وقيل: معناه آل يس. # قال السيد الحميري: هذا البيت: # يا نفس لا تمحضي بالنصح مجتهدا ... على المودة إلا آل ياسينا # وقال الصاحب [154ب]: # إذا تراخى مديحي آل ياسينا ... وجدت في القلب أحزانا أفانينا # وقيل: معناه يا سيد المرسلين. # وقوله تعالى في سورة الصافات: {وقفوهم إنهم مسئولون}(1) قيل: عن سائر ~~أعمالهم وقيل: عن ms474 خطاياهم عن الضحاك، وقيل: عن ولاية علي، وروى ذلك أبو ~~الأخوص، والآية تعم ذلك كله، ويدخل تحتها بصريحها سؤالهم عما فرض الله ~~عليهم من مودة أهل بيت نبيهم محمد وذريته وعترته من الإتباع لهم والإئتمام ~~بهم وتوقيرهم وتعظيمهم والإحسان إليهم كافة والاتباع والتقليد والإئتمام ~~لعالمهم والرد إليه والديانة بولاية عالمهم العامل بكتاب ربه وسنة نبيه ~~وأبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P075 # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((لا تزول قدم العبد يوم ~~القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ~~ماله مما اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت))(1) وفي آخر: ((وعن ~~ولايتنا أهل البيت))(2) والولاية والمحبة واحد في المعنى، لأن محبتنا أهل ~~البيت الاتباع لعالمنا، والإحسان إلى كافتنا لآية التطهير، وحديث السفينة، ~~وإني تارك فيكم، والاتباع فرع عن الإقرار والاعتقاد لولايتنا. # وقوله تعالى: {سلام على آل يس}(3) قيل: آل محمد، ويس اسم من أسماء النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكأنه قيل: سلام على آل محمد. # وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {سلام على آل يس} قال: على آل محمد. # فائدة # الصاحب: هو الصاحب الخليل أبو القاسم بن عباد وهو من كبار المعتزلة وله ~~جد واجتهاد في حب أهل البيت عليهم السلام ويدل على أنهم -أعني أمة محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسئلون عن ولايتنا أهل البيت، وأن أهل ~~بيت محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- معصومون بالسؤال للأمة عن ولايتنا في ~~قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} أي: عن ولايتنا أهل البيت، وعن العمل ~~بكتاب الله تعالى، ولايتنا هي الإئتمام بعالمنا، والإحسان إلينا كافة. PageV03P076 # حديث الرايات الذي قدمناه وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- رجع من سفر له وهو متغير اللون، فخطب خطبة بليغة ~~وهو يبكي ثم قال: ((يا أيها الناس إني قد خلفت فيكم الثقلين، كتاب الله ~~وعترتي أهل بيتي وأرومتي فلن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ms475 ألا وإني ~~أنتظرههما، ألا وإني سائلكم يوم القيامة في ذلك عند الحوض، ألا وإنه سترد ~~علي ثلاث رايات من هذه الأمة، راية سوداء فيقفون فأقول: من أنتم؟ فينسون ~~ذكري ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب فأقول: أنا محمد نبي العرب والعجم. ~~فيقولون: نحن من أمتك. فأقول: كيف خلفتموني في عترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: ~~أما الكتاب فضيعنا، وأما عترتك فحرصنا على أن نبيدهم. فأولي وجهي عنهم ~~فيصدرون عطاشا قد اسودت وجوههم، ثم ترد راية أخرى أشد سوادا من الأولى، ~~فأقول: من أنتم؟ فيقولون كالقول الأول: نحن أهل التوحيد. فإذا ذكرت اسمي ~~قالوا: نحن من أمتك. فأقول: كيف خلفتموني في الثقلين، كتاب ربي وعترتي؟ ~~فيقولون: أما الكتاب فخالفنا، وأما العترة فخذلنا ومزقناهم كل ممزق. فأقول ~~إليكم عني، فيصدرون عطاشا مسودة وجوههم، ثم ترد [155أ] علي راية أخرى تلمع ~~نورا فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى، نحن من ~~أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحن بقية أهل الحق، حملنا كتاب ربنا ~~فأحللنا حلاله، وحرمنا حرامه، وأحببنا ذرية محمد فنصرناهم من كل ما نصرنا ~~به أنفسنا وقاتلنا PageV03P077 معهم، وقتلنا من ناوأهم. فأقول لهم: اشربوا فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم كما ~~وصفتم، ثم أسقيهم من حوضي، ألا وإن جبريل أخبرني بأن أمتي تقتل ولدي الحسين ~~بأرض كربلاء، ألا ولعنة الله على قاتله وخاذله أبد الدهر ثم نزل ولم يبق ~~أحد إلا وتيقن أن الحسين مقتول))(1). # وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا ~~كان يوم القيامة أوقف أنا وعلي على الصراط فما يمر بنا أحد إلا سألناه عن ~~ولاية علي بن أبي طالب، فمن كانت معه وإلا ألقيناه في النار وذلك قوله ~~تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون}(2). # وروى أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((إن الله خلق الأنبياء من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة، فأنا ~~أصلها وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمارها، وأشياعنا أوراقها، فمن تعلق بغصن ms476 ~~نجا، ومن زاغ هوى، ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام، ثم ألف ~~عام ألف حتى يصير كالشن البالي، ثم لم يدرك محبتنا أكبه الله على منخريه في ~~النار ثم قرأ : {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}(3). PageV03P078 # ومن خصائص علي بن أبي طالب مع النبي -عليهما السلام- حديث سؤال الأنبياء ~~-عليهم الصلاة والسلام- عن ولايته مع ولاية النبي محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم- قال: ((لما أسري بي إلى السماء إذا ملك قد أتاني فقال: يا محمد، سل ~~من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا فقال: معاشر الرسل والنبيين على ~~ما بعثكم الله قبلي؟ قالوا: على ولايتك يا محمد وولاية علي بن أبي ~~طالب))(1). # وبإسناد أخي قلت: على ما بعثوا ؟ قال: يعني الملك على ولايتك وولاية علي ~~بن أبي طالب وفي تفسير قوله: {كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}(2) ~~عن عبد الرحمن بن عوف خذوا مني حديثا من قبل أن تشاب الأحاديث بالأباطيل ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((أنا الشجرة وفاطمة فرعها ~~وعلي لقاحها وحسن وحسين ثمرتها، وشيعتنا ورقها، وأصل الشجرة في جنات عدن، ~~وسائر ذلك في سائر الجنة))(3). # وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- كان ~~بعرفات وعلي تجاهه فقال: ((يا علي أدن مني، ضع جسمك في جسمي، يا علي خلقت ~~أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، يا علي من ~~تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة))(4). PageV03P079 # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ليلة أسري بي ~~ما سألت ربي شيئا إلا أعطانيه، سمعت مناديا من خلفي يقول: يا محمد أنت منذر ~~ولكل قوم هاد، قلت: أنا المنذر فمن الهادي؟ قال: علي الهادي المهتدي، ~~القائد أمتك إلى جنتي غرا محجلين برحمتي))(1). # وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا المنذر وعلي الهادي من بعدي فضرب ~~يده إلى صدر علي فقال: أنت الهادي بعدي، يا علي بك ms477 يهتدي المهتدون))(2). # قلت[155ب]: وفي هذا يقول الله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} وقد ~~قدمنا في تفسيرها أن الهادي علي عليه السلام والأئمة من آل الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم- وفي ذلك أحاديث منه صلى الله عليه وآله وسلم- وهذا ~~لا ينافيه. # ومن خصائص علي عليه السلام حديث الدار في الجنة قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((طوبى لهم وحسن مآب طوبى شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها ~~في الجنة على أهل الجنة))(3) وسئل عنها مرة أخرى قال: ((شجرة في الجنة ~~أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة، فقيل له في ذلك: فقال: داري ودار ~~علي واحدة))(4). # وفي تفسير قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه}(5) ~~قال علي -عليه السلام: البينة رسول الله وأنا الشاهد. # وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- {ويتلوه شاهد منه} علي بن أبي طالب. PageV03P080 # وقال جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ومن خصائص علي عليه ~~السلام ما روي في تفسير قوله تعال: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة} من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ظلم عليا ~~مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي))(1). # ومن خصائصه عليه السلام حديث العرش قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((رأيت ليلة أسري بي إلى السماء على العرش مكتوب لا إله إلا الله ~~وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي))(2)، فذلك قوله: {هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين} وفي بعض الروايات: ((أيدته بعلي ونصرته به)) ولم ~~يذكر المؤمنين. # ومن خصائصه عليه السلام حديث اللوزة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم- جاع جوعا شديدا فهبط عليه جبريل بلوزة خضراء من الجنة ~~فقال: افككها. ففكها، فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به))(3). # ومن خصائصه عليه السلام حديث باب الجنة عن جابر قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ms478 وسلم: ((مكتوب على باب الجنة قبل أن يخلق الله السماوات ~~والأرض بألفي عام: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي))(4). PageV03P081 # ومن خصائصه عليه السلام آية المودة الذي ذكر الله تعالى يوم القيامة، قال ~~ابن عباس: إن لعلي بن أبي طالب في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس، قوله: ~~فأذن مؤذن بينهم فهو المؤذن بينهم يقول: ألا لعنة الله على الذين كذبوا ~~بولايتي، واستخفوا بحقي. # وعن محمد بن الحنفية عن علي عليه السلام قال: قوله تعالى: {وأذن مؤذن ~~بينهم أن لعنة الله على الظالمين} فأنا المؤذن. # ومن خصائصه عليه السلام حديث الإسراء قال النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لما أسري بي إلى السماء سمعت تحت العرش أن عليا راية الهدى وحبيب ~~من يؤدي، بلغ يا محمد))(1) ونزل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك} وفي رواية أخرى قال الله تعالى: ((وإني لا أبعث نبيا إلا جعلت ~~له وزيرا وإنك رسول الله، وإن عليا وزيرك))(2) فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم- أن يحدث الناس بها؛ لأنهم كانوا قريبي العهد بالجاهلية حتى ~~مضى ستة أيام، فنزل: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك...الآية} فاحتمل رسول ~~الله [156أ] صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم الثامن ثم نزل {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك} رواه ابن عباس. PageV03P082 # ومن خصائصه عليه السلام أنه لما خرج من الأنبار سار في برية وأخرج بها ~~عينا بقرب دير فسأل عنها الراهب فقال: إنما بني الدير لهذه العين، وإنها ~~عين راحوما ما استخرجها إلا نبي أو وصي نبي، ولقد شرب منها سبعون نبيا ~~وسبعون وصيا. فأخبروا بذلك عليا وكان في طريقه لحرب معاوية. # ومن خصائصه عليه السلام خبر غدير خم عن أبي سعيد الخدري لما نزلت: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم..الآية} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب لرسالتي وولاية علي ~~بن أبي طالب من بعدي، ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ms479 اللهم وال من والاه ~~وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله))(1) وقد قدمنا ذلك في تفسير ~~قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} مع زيادة ونقص عما هنا. PageV03P083 # ومن خصائصه عليه السلام حديث رواه جماعة وافرة من الصحابة عن الأعمش عن ~~ابن عباس عن غياثة بن ربعي قال: بينما عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أقبل رجل متعمم بعمامة، ~~فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إلا قال ~~الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن ~~وجهه وقال: يا أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن ~~جنادة البدري أبو ذر الغفاري، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين ~~وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول: ((علي قائد البررة، وقاتل ~~الكفرة، منصور من نصره، ومخذول من خذله))(1) أما إني صليت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد ~~فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء فقال: اللهم اشهد أني سألت في ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي ~~راكعا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى أخذ ~~الخاتم من خنصره، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته رفع ~~رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ربي اشرح لي صدري، ~~ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي، ~~هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، فأنزلت عليها قرآنا PageV03P084 ناطقا: {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا}(1) اللهم وأنا محمد نبيك ~~وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا ~~قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا أخي، اشدد به أزري. قال أبو ذر فوالله ~~ما استتم رسول ms480 الله صلى الله عليه وآله وسلم- الكلام حتى هبط جبريل من عند ~~الله وقال: يا محمد هنيئا لك بما وهب الله لك من أخيك، قال: وما ذاك يا ~~جبريل؟ قال: أمر الله أمتك بموالاته إلى يوم القيامة، وأنزل عليك: {إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون}(2) وقد قدمنا في تفسيرها ما يكفي ويشفي، ولكن هذا زيادة بيان. # ومن خصائصه عليه السلام أنه حصن الله، قال ابن عمر: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم[156ب]: ((ولاية علي بن أبي طالب حصني، فمن دخل حصني ~~أمن من عذابي))(3). # ومن خصائصه عليه السلام أنه الثواب الذي ذكر الله تعالى ثوابا من عند ~~الله، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنت الثواب وأصحابك ~~الأبرار))(4). PageV03P085 # ومن خصائصه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وصفه بصفات ~~الأنبياء وجعل النظر إليه كالنظر إليهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى إبراهيم في ~~حلمه، وإلى يحيى بن زكريا في جوده، وإلى موسى في بطشه فلينظر إلى علي بن ~~أبي طالب عليه السلام ))(1) ومثل ذلك لا يوجد لغيره من الصحابة أبدا. # ومن خصائصه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- لم يولي ~~عليه أحدا، وولى عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر مرة، ومرة ولى عليهما ~~أسامة بن زيد، وفيه بيان أنهما لا يصلحان أن يتقدما عليه. # ومن خصائصه أنه سيد العرب، قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم-: يا ~~سيد العرب. فقال: ((أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب))(2). # ومن خصائصه: تعظيم النبي -صلى الله عليه- له بما لا يعظم به غيره، كما ~~روي أنه عليه السلام كان إذا عطس قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~أعلى الله كعبك يا علي، وإذا عطس النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قال له ~~علي: أعلى الله ذكرك يا رسول الله. # ومن خصائصه أنه الذي ولاه النبي صلى ms481 الله عليه وآله وسلم- غسله وتجهيزه، ~~قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يا أبا الحسن إذا أنا مت فاغسلني ~~أنت، فإنه لا ينظر إلي أحد حينئذ غيرك إلا ذهب بصره، وليكن من ينقل إليك ~~الماء من أهل بيتي مسدود العين))(3). PageV03P086 # ومن خصائصه أن قوله عليه السلام حجة لدلالة آية التطهير على ذلك لأنا قد ~~بينا أنه من أهل البيت، وإذا كان الله قد طهره من الرجس، فالرجس يقع على ~~الكبيرة والصغيرة، فيجب أن يكون كله قد ذهب عنه وذلك يقتضي أن يكون قوله ~~حجة، ويدل عليه خبر المنزلة، فإن من منازل هارون أن قوله ولو كان اجتهادا ~~في الدين حجة، ويدل عليه أنه قد ثبت عصمته، فيجب أن يكون قوله حجة، وقوله ~~اجتهاده، وأيضا فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: }الحق مع علي وعلي مع ~~الحق))(1) وهذا الخبر لم يدفعه أحد. # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن ~~يفترقا حتى يردا علي الحوض))(2). # وعن ابن عباس: إذا بلغنا شيء من علي من قصة أو فتيا لم نجاوزه إلى غيره. ~~وأخبار الحق معه وهو مع الحق كثيرة جدا، وقال فيه النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((علي أول من آمن بي، وأول من صدقني، وأول من يرد علي الحوض، ~~وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، والفاروق بين الحق ~~والباطل))(3). # ومن خصائصه من بين أمته صلى الله عليه وآله وسلم- أن الله أقسم أن لا ~~يعذبه ولا من يحبه، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((قال جبريل: لقد ~~آلى ربنا على نفسه أن لا يعذب عليا بالنار ولاشيعته ولا أحباه أبدا))(4). PageV03P087 # ومن خصائصه أنه الصراط المستقيم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~لعلي بن أبي طالب: ((وأنت الصراط المستقيم، وأنت الطريق الواضح، وأنت يعسوب ~~المؤمنين))(1). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((من سره أن [157أ] يجوز على ~~الصراط كالريح العاصف ويلج الجنة بغير حساب فليتول وليي ووصيي وصاحبي ~~وخليفتي ms482 على أهلي علي بن أبي طالب، ومن سره أن لا يلج الجنة فليترك ولايته، ~~فوعزة ربي وجلاله إنه لباب الله الذي لا يؤتى إلا منه، وإنه الصراط ~~المستقيم، وإنه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة))(2) ولا ينافي هذا ~~حديث الرايات أنه يسأل عن ولاية أهل البيت عترته وذريته -صلى الله عليه ~~وآله- أهل كل عصر منهم إلى آخر التكليف؛ لأن هذا -أعني قوله عليه السلام ~~في علي وإنه الذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة مفهوم صفة، فلا ترد ~~النصوص إجماعا ولا ينافي حديث الرايات؛ لأن في علي عليه السلام زيادة ~~تأكيد على ذرية محمد -صلى الله عليه وآله وسلم. # وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن وليتموها ~~عليا فهاد مهتد يقيمكم على صراط مستقيم))(3). PageV03P088 # ومن خصائصه عليه السلام أنه لا يشرب من الحوض حوضه صلى الله عليه وآله- ~~من أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إلا من تولاه واعتقد ~~ولايته وأقر بها، فيأذن له علي عليه السلام يوم القيامة للشرب منه، وأن ~~ولاية الحوض بيده في ذلك المقام ما روي عن جابر بن عبد الله قال: كنا نقيل ~~في المسجد ومعنا علي بن أبي طالب عليه السلام قال: فخرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- ومعه عسيب رطب، فضربنا به، فجفلنا وجفل علي بن ~~أبي طالب معنا فأدركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وأخذ بثوبه وقال: ~~إنك لست كهيأتهم، إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، كأني بك على حوضي بيدك عصا من ~~عوسج تذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادي على الماء، يقتلك أشقى هذه ~~الأمة كما قتل ناقة الله أشقى بني فلان من ثمود))(1) وغير هذا الحديث من ~~الآيات والأحاديث، وكما قدمنا وغير ما قدمنا مما سيأتي أنه لا يسقى من حوض ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا من تولى عليا وتولى ms483 آل محمد ~~عترته وذريته -صلى الله عليه وآله- وبأن اعتقدها وأقر بها وفعل من نصرتهم ~~على إنقاذ الحق ما قدر عليه بالمال والنفس وذلك معلوم من الأدلة القاطعة، ~~كآية المودة، وآية التطهير، وحديث السفينة وغير ذلك، وأنه لا يدخل الجنة من ~~هذه الأمة ويسقى من الحوض إلا من والاهم كذلك، وهذا قد لحق بما هو معلوم PageV03P089 ضرورة والحمد لله. # وقوله تعالى في سورة تنزيل: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذي لا يعلمون إنما ~~يتذكر أولوا الألباب}(1). # روى السيد أبو طالب بإسناده عن جندب ابن عبد الله الأسدي قال: شهدت أبا ~~ذر وهو آخذ بحلقة باب الكعبة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- يقول لسلمان حين سأله من وصيك؟ فقال: ((وصيي وأعلم من أخلف بعدي علي ~~بن أبي طالب))(2). # وروى بإسناده عن الأصبع بن نباته قال: خرج أمير المؤمنين ذات ليلة يمشي ~~وأنا خلفه وقنبر بين يديه إذ سمع قنبر رجلا يقرأ بصوت حزين: {أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما...الآية}(3) فوقف قنبر فقال: أراك [157ب] والله ~~منهم، قال: فضرب أمير المؤمنين بين كتفيه وقال: امضي، نوم على يقين خير من ~~صلاة في شك، إنا آل محمد نجاة كل مؤمن. ولما كان يوم النهروان وجدنا الرجل ~~القارئ في القتلى مع الخوارج قال قنبر: صدق أمير المؤمنين يا عدو الله، كان ~~والله أعلم بك مني. PageV03P090 # وسمع رجل من التابعين أنس بن مالك يقول: إن قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء ~~الليل ساجدا} الآية نزلت في علي بن أبي طالب، قال فأتيته لأنظر إلى عبادته، ~~فأشهد لقد رأيته وقت المغرب فوجدته يصلي بأصحابه المغرب، فلما فرغ منها جلس ~~في التعقيب إلى أن قام إلى العشاء الآخرة، ثم دخل منزله فوجدته طول الليل ~~يصلي ويقرأ القرآن إلى أن طلع الفجر، ثم جدد وضوءه وخرج المسجد فصلى بالناس ~~صلاة الفجر، ثم جلس في التعقيب إلى أن صلى بهم صلاة العصر، ثم أتاه ms484 الناس ~~يختصمون وهو يقضي بينهم إلى أن غابت الشمس، فخرجت وأنا أقول: أشهد أن هذه ~~الآية نزلت فيه. # وقوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون}(1) قيل: نزلت ~~في أبي بكر عن أبي العالية وجماعة، وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم- وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الصديقون ثلاثة: حبيب النجار ~~مؤمن آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب مؤمن آل محمد))(2). # عن معاذة العدوية: سمعت عليا على منبر البصرة يقول: أنا الصديق الأكبر، ~~آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم. # وروي عن علي قال: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، لقد صليت قبل الناس سبع سنين. PageV03P091 # وقوله تعالى في سورة السجدة: {أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم ~~القيامة..الآية}(1) قيل: نزلت في علي بن أبي طالب وشيعته وأعدائه. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن الطيالسي قال: لما قتل أبو جعفر محمدا ~~وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن عليهم السلام وجه شيبة من عقال ~~إلى الموسم ينال من آل أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن علي بن ~~أبي طالب شق عصابة المسلمين، وخالف أمير المؤمنين، وأراد هذا الأمر لنفسه، ~~فحرمه الله أمنيته، وأماته بغصته، ثم هؤلاء ولده يقتلون، وبالدماء يخضبون. ~~فقام إليه رجل فقال: نحمد الله رب العالمين، ونصلي على أنبيائه المرسلين، ~~أما ما قلت من خير فنحن أهله، وأما ما قلت من شر فأنت به أولى، وصاحبك ~~أحرى، يا من ركب غير راحلته، وأكل غير زاده، ارجع مأزورا، ثم أقبل على ~~الناس فقال: أخبركم بأحسن من ذلك ميراثا، وأبين من ذلك خسرانا، من باع ~~آخرته بدنيا غيره وهو هذا، ثم جلس، فقال الناس: من هذا؟ فقيل: جعفر بن محمد ~~-عليه السلام. # وقوله تعالى في سورة القمر: {في مقعد صدق عند ms485 مليك مقتدر}(2). # روى السيد الإمام أبو طالب بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحبك وتولاك أسكنه الله معنا، ثم تلا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- {إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر}. PageV03P092 # قوله تعالى في سورة الرحمن: {مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} قيل: البحران ~~العذب والمالح يخرج منهما اللؤلؤ ، وقيل: البحران علي [158أ] وفاطمة ~~{بينهما برزخ} رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} الحسن والحسين عن سلمان وسفيان الثوري وسعيد بن جبير؛ فإن صح ذلك ~~عنهم فلا بد من حمله على التوقيف وأنه مسموع عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأن الظاهر لا يدل عليه. # وقوله تعالى في سورة الواقعة: {والسابقون السابقون}(1) إن قيل: هم الذين ~~صلوا القبلتين وسبقوا إلى الإسلام، وقيل: السابقون إلى طاعة الله، وقيل: ~~إلى الهجرة، وقيل: إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- وكل ذلك ~~متقارب موجود في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. # وقوله تعالى في سورة المجادلة: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة}(2) قيل: سألت الناس رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم- فأكثروا، فأمروا بتقديم صدقة على المناجاة، عن ابن عباس قال ~~قتادة: لما نهوا عن مناجاته حتى يتصدقوا لم يناجيه إلا علي، قدم دينارا ~~فتصدق بها ثم نزلت الرخصة. # وعن علي عليه السلام : إن في كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد قبلي، ~~ولا يعمل بها أحد بعدي: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة} ثم نسخت. PageV03P093 # وعن ابن عمر قال: لعلي ثلاث، لو كانت لي منها واحدة كانت أحب إلي من حمر ~~النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. وهذه الصدقة ~~كانت واجبة ثم نسخة بالآية التي بعدها، ويجوز أن تتصل التلاوة وإن نزلت ~~بعدها ms486 بزمان، واختلف المفسرون، فقيل: بقي الأمر به زمانا ثم نسخ، وقيل: عشر ~~ليال ثم نسخ عن مقاتل، وقيل: كانت ساعة ثم نسخت عن الكلبي، واختلفوا فقيل: ~~عمل بها علي فقط وعليه يدل خبر علي وابن عمر، وقيل: عمل بها أفاضل الصحابة ~~وفيهم علي والأول أظهر في الرواية. # وقوله تعالى في سورة الحشر: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى...الآية}(1) لا خلاف أن المراد به قرابة الرسول، ثم ~~اختلفوا في هذا السهم، فقيل: استحقاقه بالقسم على حسب المواريث، وقيل: ~~بالفقر وهو قول أبي حنيفة، وقيل: كان بالنصرة ثم صار بالفقر عن أبي بكر ~~الجصاص، وقيل: كان ذلك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم- ثم سقط بموته، ~~وقيل: استحقاقه بأن يكون على الحق ونصرة الدين عن الهادي عليه السلام ~~واستدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم- لعثمان: ((إنهم لم يفارقونا في ~~جاهلية ولا إسلام -يعني بني المطلب)). PageV03P094 # وقوله تعالى في سورة الممتحنة: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ~~على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا ~~يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم...الآية}(1). # روى الزبير بن العوام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~يدعوا النساء إلى البيعة حين نزلت: {يا أيها النبي} فكانت فاطمة بنت أسد ~~أول امرأة بايعت. # وعن جعفر بن محمد أن فاطمة بنت أسد أول امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم- من مكة إلى المدينة على قدميها وكانت أبر الناس برسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم- وسمعت رسول الله [158ب] صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: ((إن الناس يحشرون يوم القيامة عراة، فقالت: وا سوأتاه، ~~فقال لها: فإني أسأل الله أن يبعثك كاسية. وسمعته يذكر ضغطة القبر فقالت: ~~وا ضعفاه، فقال: إني اسأل الله أن يكفيك ذلك))(2). # وعن جابر لما توفيت فاطمة بنت أسد حزن عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ms487 وسلم- حزنا شديدا ثم قال: يرحمك الله يا أماه، فلقد كنت تشبعيني ~~وتجوعين عليا وجعفرا وعقيلا، يرحمك الله يا أماه فلقد كنت تؤثريني على نفسك ~~وولدك))(3). PageV03P095 # وقوله تعالى في سورة المتحرم: {إن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين}(1) ~~قيل هو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فيدل على أنه أفضل أمته وأشدهم عبئا ~~في نصرته، وأكثر اختصاصا به، ولذلك قرنه بالملائكة المقربين وهذا كلام ~~الملك يهدد مخالفا له فيقول: لا تطمع ولي مثل فلان وفلان، فيذكر أكثرهم ~~شجاعة وفضلا ونبلا، وقيل: هم الأنبياء عليهم السلام عن قتادة، وقيل: خيار ~~المؤمنين، وقيل: أبو بكر وعمر، وروي عن علي وأسماء بنت عميس أن المراد به ~~علي عليه السلام وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- علي ~~وأسماء، وكان علي عليه السلام كشاف الكرب عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم- في جميع مقاماته ملازما له في حضره وسفره، فلم يكن لأحد من ~~الاختصاص مثل ما له. PageV03P096 # وقوله تعالى في سورة آل عمران: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به}(1) قد قدمنا في هذا المؤلف تحقيق تفسير هذه الآية أن ~~الراسخون في العلم علم القرآن والسنة هو محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم- ووصيه والإمام بعده بنص الله تعالى ورسوله المقطوع به وذرية ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- سلفا بعد خلف إلى انقطاع التكليف ~~بزوالهم من على وجه الأرض، فهم -أعني ذرية محمد وعترته وهو صلى الله عليه ~~وآله وسلم- إلى يوم القيامة- الراسخون في العلم يجب على جميع الأمة أمة ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم- الأخذ في تأويل المتشابه من القرآن وكذلك ~~متشابه السنة لما أخذ به فيهما أهل بيت رسول الله محمد وذريته إلى يوم ~~القيامة -صلى الله عليه وآله- لقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(2) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى))(3) وفي ~~رواية: ((ومن تخلف عنها زج في ms488 النار))(4) -وفي رواية: ((ومن تخلف عنها ~~هلك))(5) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم....الخبر)) ~~وغير ذلك. PageV03P097 # وكذلك يجب الأخذ بما أخذ به أهل بيت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- في تبيين المجمل من الكتاب والسنة، وكذلك يجب الأخذ بما أخذوا به في ~~تخصيص العام، وتأويل الظاهر، وإطلاق المطلق، وتقييد المطلق، وتصحيح القياس، ~~وتصحيح الإجماع، والأخذ بما هم عليه في ذلك في الأصول من الدين والشريعة ~~والفروع، وقد بينا هذا في أبواب مؤلفنا هذا مفصلا، والخلاف المهلك وغيره. # وقد روي في علي بن أبي طالب أمير المؤمنين -رضي الله عنه- في كونه عليه ~~السلام رأس عترة محمد وإمامهم بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم- [159أ] في الرسوخ في العلم أحاديث كثيرة موافقة للآيات متواترة بين ~~الأمة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة العلم وعلي ~~بابها)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أقضاكم علي)). # وعن عمر: لولا علي لهلك عمر، وعنه: لا أبقاني الله لمعضلة ليس فيها أبو الحسن. # وروى ابن يزداد بإسناده عن أبي الدرداء قال: العلماء ثلاثة، رجل بالشام ~~-يعني نفسه- ورجل بالكوفة -يعني ابن مسعود- ورجل بالمدينة يعني عليا؛ فالذي ~~بالشام يسأل الذي بالكوفة، والذي بالكوفة يسأل الذي بالمدينة، والذي ~~بالمدينة لا يسأل أحدا. PageV03P098 # وعن زاذان عن علي: لو ثني لي الوساد وروي: لو كسرت لي الوسادة ثم جلست ~~عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين ~~أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في ~~بر ولا بحر ولا سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل ولا ليل ولا نهار إلا وأنا ~~أعلم متى نزلت وفي أي شيء نزلت، وما من رجل من قريش جرت عليه المواشي إلا ~~وأنا أعلم أية آية نزلت فيه، تسوقه إلى جنة أو إلى نار. # وقوله تعالى: {قد كانت لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة} المروي عن ابن مسعود أنها نزلت في قصة بدر، ms489 وكان صاحب راية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- علي بن أبي طالب، وبرز عتبة وشيبة ~~والوليد وطلبوا البراز، فخرج إليهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فقتل حمزة ~~شيبة، وقتل علي الوليد، واختلف الطعان بين عبيدة وعتبة فأعانه علي وقتلاه، ~~فذلك قوله: {قد كانت لكم آية في فئتين التقتا} يعني في بدر. PageV03P099 # وقوله تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين}(1) المروي عن ابن عباس والحسن والشعبي والسدي وابن ~~إسحاق وغيرهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا جميعا في حديث المباهلة: قدم وفد ~~نجران وهم بضعة عشر رجلا من أشرافهم وفيهم نفر يتولون أمورهم هم العاقب وهو ~~أميرهم وصاحب مشورتهم وعن رأيه يصدرون، وهو عبد المسيح رجل من كندة، وأبو ~~الحارث بن علقمة وهو رجل من ربيعة ومعه أخوه كرز، وأبو الحارث أسقفهم ~~وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم وله فيهم قدر ومنزلة قد شرفه ملك الروم ~~واتخذوا له الكنائس وولوه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، ووصلوا من نجران، وأخو ~~أبي الحارث على بغلة له فعثرت به فقال: تعس الأبعد -يعني النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال له أخوه أبو الحارث: تعست أنت، أتشتم رجلا من ~~المرسلين، إنه للنبي الذي كنا ننتظره، قال: وما منعك أن تتبعه وأنت تعلم ~~هذا منه. قال: شرفنا القوم فأكرمونا وأبوا علينا إلا خلافه، ولو أتبعه ~~لنزعوا كلما ترى، فأعرض عنه أخوه، فتبعه أخوه وهو يقسم بالله لا يثني له ~~عنان حتى يقدم المدينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أخوه أبو ~~الحارث: مهلا يا أخي فإنما كنت مازحا، قال: وإن مزحت. ثم مر يضرب بطن ~~راحلته وهو يقول شعرا: # إليك يعدوا قلقا وصينها ... معترضا في بطنها جنينها[159ب] PageV03P100 مخالفا دين النصارى دينها # فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمد الله قال: وأقبل ~~القوم حتى مروا باليهود في بيت مدارسهم، فنادوا يا ابن صوريا، يا ms490 كعب بن ~~الأشرف، انزلوا إخوة القردة والخنازير، فنزلوا، فقالوا لهم: هذا الرجل ~~عندكم منذ كذا وكذا وفد عليكم، احضروا المحنة غدا، فأتوا النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ونزلوا بين يديه، فتقدم الأسقف وقال: يا أبا القاسم، موسى ~~ابن عمران من أبوه؟ قال: عمران. قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب. قال: فأنت ~~من أبوك؟ قال: عبد الله بن عبد المطلب. قال: فعيسى من أبوه؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الوحي فهبط جبريل - بهذه الآية: {إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا ~~تكن من الممترين}(1) قال: فقرأها عليهم، قال: فتراءى الأسقف ثم دق به يعني ~~سقط على الأرض فغشي عليه، ثم رفع رأسه قال: أتزعم أن الله أوحى إليك أن ~~عيسى خلقه من تراب، ما نجد هذا فيما أوحي إليك، ولا نجده فيما أوحي إلينا، ~~ولا يجده هؤلاء اليهود فيما أوحي إليهم، فهبط جبريل بهذه الآية: {فمن حاجك ~~فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين}(2) قالوا: ~~أنصفت يا أبا القاسم، فمتى نباهلك؟ قال: غدا إن شاء الله تعالى. فانصرفوا، ~~فقال رئيس اليهود: انظروا هذا الرجل، فإن هو PageV03P101 خرج غدا في عدة من أصحابه فباهلوه فإنه كذاب، وإن هو خرج في خاصة من أهل ~~بيته فلا تباهلوه فإنه نبي، وإن باهلناه لنهلكن، وقالت النصارى: والله إنا ~~لنعلم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ولئن باهلناه لنهلكن ولا نرجع إلى أهل ولا ~~مال، فقالوا: فكيف نعمل؟ قال الأسقف أبو الحارث: رأينا رجلا كريما يغدوا ~~عليه فيسأله أن يقيلنا، فلما أصبحوا اجتمع النصارى واليهود وبعث النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى أهل المدينة ومن حوله من العوالي فلم تبقى بكر لم ~~ترى الشمس إلا خرجت، فاجتمع الناس ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فخرج نبي الله -عليه وآله السلام بأبي هو ms491 وأمي- وعلي بين يديه والحسن ~~عن يمينه قابضا بيده والحسين عن شماله وفاطمة خلفه ثم قال: هلموا، فهؤلاء ~~أبناؤنا الحسن والحسين، وهؤلاء أنفسنا لعلي ونفسه، وهذه نساؤنا لفاطمة، ~~قال: فجعلوا يستترون بالأساطين، ويستتر بعضهم ببعض مخافة أن نبدأهم ~~بالملاعنة، ثم أقبلوا حتى بركوا بين يديه، ثم قالوا: أقلنا أقالك الله يا ~~أبا القاسم، قال: أقيلكم أن تجيبونني إلى واحدة من ثلاث، قالوا: هات. قال: ~~أدعوكم إلى الإسلام فتكونون إخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا. قالوا: لا ~~سبيل إلى هذه، فهات الأخرى. قال: جزية نضربها عليكم تؤدونها إلينا كل سنة ~~وأنتم صغرة. قالوا: لا سبيل إلى هذه، فهات الثالثة. قال: الحرب كما قال ~~الله: {فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين}(1)، قالوا: لا طاقة PageV03P102 لنا بحربك، فصالحوه على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، وعلى عارية ~~ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين فرسا إن كان بالثمن كبد. # وذكر الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله [160أ] وسلم- صالح أهل نجران على مائتي أوقية وعشرين ~~أوقية من الذهب وعلى مائتي حلة كل حلة ثوبان يكون أربع مائة ثوب كل ثوب ~~قيمته عشرون درهما وعارية ثلثين درعا وثلاثين فرسا إلى والي اليمن، وعلى ~~إنزال الرسل عشرين يوما. قال -عليه السلام: بغير ذلك لضعف أهلها، فجوز ~~للقائم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أن يصالحهم على قدر حالهم من ~~زيادة أو نقص. # قلت: أما الزيادة على ما وضعه عليهم -صلى الله عليه وآله- فلا يجوز لقوله ~~تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر}(1) ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ضامن لها -أعني العارية- ~~ثلاثين درعا وثلاثين فرسا حتى يؤديها إليهم، فقال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((والذي نفسي بيده لو باهلتهم ما بقي على وجه الأرض منهم أحد ولقد ~~حشر على الطير والعصافير من رؤوس الشجر لمباهلتهم))(2). PageV03P103 # قال: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا ms492 يسيرا حتى رجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين. ~~واختلف الشيعة في المعنى الذي لأجله دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ~~إلى المباهلة عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام دون غيرهم من ~~أكابر الصحابة -رضي الله عن صالحيهم- وقالوا فيه أقوالا: # فمنهم من قال: إنما خصهم لتبين منزلتهم وأنه ليس في أمته بعده من يساويهم ~~في الفضل، وتنبيها على رعاية الفضل لهم بكماله. # ومنهم من قال: خصهم بذلك ليكون حجة على مخالفته ويؤثر لعنهم، ويجري ذلك ~~اللعن مجرى لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # ومنهم من قال: خصهم لكونهم معصومين. # ومنهم من قال: ليعلم أن التغيير والتبديل لا يجوز عليهم. # ومنهم من قال: إن الإمامة لا تخرج منهم. # ومنهم من قال: خصهم ليعلم أنه أجراهم مجرى نفسه، وفاطمة بضعة منه، والحسن ~~والحسين ابناه، وعلي كنفسه. # وقال بعضهم: إنه حضر للمباهلة فكان يجب أن يحضر كل من كان عنده أعز، ~~وشفقته عليه أكثر، وحذره على أنفسهم أوفر؛ فلذلك خصهم به ولا يقال: كيف صح ~~جميع ما ذكرتم والحسن والحسين هما صغيران؟. # قلنا: يحتمل أنهما بلغا تلك الدرجة، ويحتمل أنه تعالى جعلهما كذلك معجزة ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- كما فعل ليحيى وعيسى -عليهما السلام- ~~ولا يقال أنه أخرجهم لقرب النسب منه. PageV03P104 # قلنا: لو كان كذلك لأخرج العباس وعقيلا، ومما يعضد ما ذكرنا من الآثار حديث ~~بريدة أن عليا كان في غزاة وفيها خالد بن الوليد، فأصاب علي جارية وكتب ~~خالد كتابا نال فيه من علي ودفعها إلي وأمرني أن أنال من علي عند رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ودفعت ~~إليه الكتاب، فلما قرأ الكتاب رأيت الغضب في وجهه وقال: يا بريدة، لا تقع ~~في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي))(1). # وروي أنه قال: ((يا بريدة لا تبغض عليا فإنه مني وأنا منه وإن الناس ~~خلقوا من شجرة وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة))(2). # وروي ms493 أنه صلى الله عليه وآله وسلم- سئل عن أصحابه وذكرهم بخير فقال له ~~قائل: فعلي. فقال صلى الله عليه وآله وسلم[160ب]: ((إنما سألتني عن الناس، ~~ولم تسألني عن نفسي))(3). PageV03P105 # وروى جماعة أنه لما انهزم المسلمون يوم أحد وبقي علي يجاهد عن الدين ويعين ~~بنفسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ويقاتل القوم حتى فض جمعهم ~~وانهزموا فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إن هذا هو ~~المواساة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبريل إنه مني وأنا منه. فقال ~~جبريل: وأنا منكما فأجرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- عليا مجرى ~~نفسه كما نصت الآية على ذلك في قوله تعالى: {وأنفسنا}؛ لأن المراد به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم- وعلي عليه السلام ولا يقال: إن المراد قوله: ~~{وأنفسنا} النبي صلى الله عليه وآله وسلم- لأنه الداعي فلا بد أن يكون ~~المدعوون غيره، وتواتر النقل أنه علي، ثم ورد آثار أخرى تؤيد ما ذكرنا. # وروى السيد الإمام أبو طالب بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم- قال لعلي: ((أنت فارس العرب، وقاتل الناكثين ~~والقاسطين والمارقين، وأنت أخي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وأنت سيف الله الذي ~~لا يخطئ، وأنت رفيقي في الجنة))(1). PageV03P106 # وروي بإسناده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال: كان لي عشر ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ما أحب بأن لي بإحداهن ما طلعت ~~عليه الشمس قال لي: ((يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت أقرب الخلائق ~~مني في الموقف يوم القيامة، ومنزلك يواجه منزلي في الجنة كما يتواجه منزل ~~الأخوين في الله، وأنت الولي، وأنت الوزير، وأنت الوصي والخليفة في الأهل ~~والولد والمال والمسلمين في كل غيبة، وأنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة، ~~وليك وليي، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله تعالى))(1). # وروى الناصر للحق بإسناده عن أبي ذر قال وهو مسند ظهره إلى الكعبة: أيها ~~الناس هلموا أحدثكم بما سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم- يقول ms494 لعلي ~~كلمات لئن يكون لي إحداهن أحب إلي من الدنيا وما فيه، سمعته يقول: ((اللهم ~~انصره وانصر به فإنه عبدك وأخو رسولك))(2). # وبإسناده عن أنس قال: دخل علي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~فقال: ((أنت أخي ووزيري وخليفتي في أهلي، وخير من أخلفه بعدي))(3). # وبإسناده عن علي: إنما أنا عبد الله وأخو رسوله لم يقلها أحد قبلي ولا ~~يقولها بعد إلا كذاب. PageV03P107 # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي الجحاف عن عبيد بن عمير قال: آخى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم- بين المؤمنين فقام علي فقال: يا رسول الله ~~كلهم يرجع إلى أخ غيري. فقال: أما ترضى أن تكون أخي؟ قال: بلى. قال: فأنا ~~أخوك في الدنيا والآخرة))(1) قال أبو الجحاف: قلت: آالله الذي لا إله إلا ~~هو لقد سمعته يا عبيد بن عمير من ابن عمر، وقال: آالله الذي لا إله إلا هو ~~لقد سمعته من ابن عمر فاستحلفته ثلاث مرات فحلف. # وقد تواتر النقل بأنه صلى الله عليه وآله وسلم- آخى بينه وبين نفسه وكان ~~يقول في مقامه: ((هو أخي)) وقد قيل إن فائدته بيان من يلي أحدهما درجة ~~صاحبه كأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن، ولا يقال إنه آخى [161أ] بين ~~الصحابة للمواساة؛ لأنه آخى بين المهاجرين، وهذا سوى ما آخى بين المهاجرين ~~والأنصار لأجل المساواة. PageV03P108 # وروي في حديث المؤاخاة أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما آخى بين أصحابه ~~قال علي: يا رسول الله لقد ذهب روحي، وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ~~ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط علي فلك العتبى والكرامة. فقال -صلى الله ~~عليه وآله وسلم: والذي بعثني بالحق نبيا ما أخرتك إلا لنفسي، فأنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث ~~منك يا رسول الله؟ قال: ما يورثه الأنبياء قبلي. قال: وما هو؟ قال: كتاب ~~ربهم، وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة بنتي، وأنت أخي ms495 ~~ورفيقي، ثم تلا: {إخوانا على سرر متقابلين}(1) المتحابين في الله ينظر ~~بعضهم إلى بعض))(2). # وعن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- خطب فقال: ((أيها الناس ~~إن الله تعالى أمر موسى بن عمران أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو ~~وهارون وابنا هارون شبير وشبر، وإن الله تعالى أمرني أن أبني مسجدا لا ~~أسكنه إلا أنا وعلي والحسن والحسين، سدوا هذه الأبواب إلا باب علي. فخرج ~~حمزة يبكي وقال: يا رسول الله، أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك، فقال:ما أنا ~~أخرجتك ولا أنا أسكنته ولكن الله تعالى أسكنه، فقال بعض الصحابة وقيل إنه ~~أبو بكر: دع لي كوة أنظر فيها، فقال: ولا رأس إبرة))(3). PageV03P109 # وعن زيد بن أرقم فجلسنا إلى سعد بن أبي وقاص فسمعته يقول: سد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- الأبواب إلا باب علي، وقيل لابن عمر: ما تقول في ~~علي وعثمان؟ فقال: أما علي فلا يقرب منه أحد انظر إلى منزله من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فإنه سد أبوابنا في المسجد وترك. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن أنس بن مالك قال: لما خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم- إلى غزوة تبوك استخلف عليا على المدينة وما هناك، ~~فقال المنافقون عند ذلك: إن محمدا قد سئم ابن عمه ومله، فبلغ ذلك عليا، فشد ~~رحله وخرج من ساعته، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~فخبره بقول المنافقين في علي وخروج علي للحاق به، فأمر رسول الله مناديا، ~~فنادى بالتعريس في مكانهم، قال: ففعلوا، ثم جاءوا إليه فسألوه عن نزوله في ~~غير وقت التعريس، فأخبرهم بما أتاه به جبريل عن الله تعالى، فأخبرهم أن ~~الله تعالى أمره أن يستخلف عليا على المدينة قال: فركب قوم من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم- ليتلقوه فما راموا مواضعهم إلا وقد طلع علي ~~مقبلا، قال: فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ماشيا فتبعه ~~الناس، فعانقه رجل رجل، ثم جلس رسول الله ms496 صلى الله عليه وآله وسلم- وحوله ~~الناس، فقال لعلي: ما أقبل بك إلينا يا ابن أبي طالب؟ فقص عليه القصة من ~~قول المنافقين، فقال -صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي ما خلفتك إلا بأمر ~~الله، وما كان PageV03P110 يصلح لما هناك غير وغيرك، أما ترضى يا ابن أبي طالب أن أكون أستخلفك كما ~~استخلف موسى هارون، أما والله إنك مني بمنزلة هارون [161ب] من موسى غير أنه ~~لا نبي بعدي، قال: فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم ~~الغنائم بين الناس ودفع إلى علي سهمين، فأنكر ذلك قوم، فقال رسول الله -صلى ~~الله عليه وآله وسلم: أيها الناس، هل أحد أصدق مني؟ قالوا: لا يا رسول ~~الله، قال: أيها الناس أما رأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة ~~مرة وفي الميسرة مرة؟ فقالوا: رأيناه يا رسول الله صلى الله عليك وماذا؟ ~~قال: ذاك جبريل عليه السلام قال لي: يا محمد إن لي سهما مما فتح الله ~~عليك وقد جعلته لابن عمك علي بن أبي طالب فسلمه إليه. قال أنس: وكنت فيمن ~~بشر عليا بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد روى خبر المنزلة جماعة كثيرة منهم أبو سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص ~~وابن عباس وجابر وأبو رافع وأسماء بنت عميس، وتلقته الأمة بالقبول، ورواه ~~أصحاب الحديث في الصحاح وفي أمثاله كثير أجراه مرة مجرى نفسه، ومرة ذكر أنه ~~أخوه، وأخرى أنه وارثه وخليفته، وكل ذلك يدل على أنه كان يرشحه للخلافة، ~~وينبه بذلك على الإمامة، وينص بذلك عليها وعلى الوصاية والأخوة والخصوصية ~~وأن لعلي عليه السلام حكمه صلى الله عليه وآله وسلم في جميع خلاله ~~وخصاله صلى الله عليه وآله إلا في النبوة؛ لأنه لا نبي بعده وفي زمنه ~~غيره صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P111 # فأما فاطمة عليها السلام فالآية تقضي بفضلها وتنص على فضلها بصريحها مع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وعلي والحسن والحسين -عليهم الصلاة ~~والسلام. # وروي عن النبي صلى الله عليه ms497 وآله وسلم- أنه قال: ((فاطمة بضعة مني ~~يريبني ما رابها))(1). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((سيدات نساء العالمين أربع: آسية، ~~ومريم، وخديجة، وفاطمة))(2). # وروي عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال لفاطمة: ((إن ~~الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك))(3). # وعن الصادق: لفاطمة ثمانية أسماء: الصديقة، والزهراء، والطاهرة، والزكية، ~~والرضية، والمرضية، والبتول، وفاطمة. # وعن علي عليه السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إذا خرج ~~كان أول عهده بفاطمة. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ~~ينادي مناد يوم القيامة يا أهل الجمع غضوا أبصاركم تمر فاطمة بنت محمد قال: ~~فتخرج من قبرها ومعها ثياب تشخب بالدم حتى تنتهي إلى العرش فتقول: يا رب ~~انتصف لولدي ممن قتلهم، قال: يا ابن عباس فوالله لينتصفن لهم ممن قتلهم. # وعن جابر بن يزيد: سئل الباقر وكم عاشت فاطمة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم؟ فقال: أربعة أشهر وتوفيت ولها ثلاث وعشرون سنة. # وعن الصادق: وتوفيت ولها ثمانية عشر سنة وسبعة أشهر. # ولما توفيت قال علي عليه السلام شعرا: # نفسي على زفراتها محبوسة PageV03P112 لا خير بعدك في الحياة وإنما ... يا ليتها خرجت مع الزفرات # أبكي مخافة أن تطول حياتي # ثم أخذ في جهازها ودفنها وهو يقول: # لكل اجتماع من خليلين فرقة # وإن افتقادي فاطما بعد أحمد ... وإن الذي دون الممات قليل # دليل على أن لا يدوم خليل # ولما أقبل من قبرها زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وقال: إن ~~الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصيبة [162أ] بك ~~لجليل وما بعدك لجليل وأنشأ يقول: # ما غاض دمعي عند نازلة # فإذا ذكرتك سامحتك به # إني أجل ثرى حللت به ... إلا جعلتك للبكا سببا # مني الجفون وفاض واستكبا # ما إن أرى سواه مكتسبا # فأما الحسن والحسين فالآية تدل على فضلهما، والآيات في ذكر فضائلهما كثيرة. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب الحسن ~~والحسين ms498 فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني))(1). # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن ~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما))(2). # وروى سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين ابناي، ~~من أحبهما فقد أحبني ومن أحبني أحبه الله ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن ~~أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله ومن أبغضه الله أدخله النار على ~~وجهه))(3). PageV03P113 # وعن عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- اشتمل بالعباءة وقد ~~ألصق صدر علي إلى صدره وصدر فاطمة إلى ظهره والحسن عن يمينه والحسين عن ~~شماله عمهم ونفسه بالعباءة، قالت عائشة: ولقد لفهم فيه حتى أنه جعل أطرافه ~~تحت قدميه ورفع طرفه إلى السماء وأشار بسبابته وقال: اللهم أهل بيتي ~~وخاصتي، أنا سلم لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، اللهم وال من والاهم، وعاد ~~من عاداهم، وانصر من نصرهم، واخذل من خذلهم قال ذلك رسول الله وجبريل حاضر ~~يؤمن على الدعاء قال جبريل: وأنا معكم، قال: نعم))(1). # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم- قبل موته بثلاث يقول لعلي: ((سلام الله عليك يا أبا الريحانتين، ~~أوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك، والله خليفتي عليك. فلما ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- قال علي: هذا أحد ركني الذي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- فلما ماتت فاطمة قال علي: هذا ركني ~~الثاني الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم))(2). # وروى بإسناده عن أبي رافع قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- ~~أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة. PageV03P114 # وبإسناده عن زيد بن علي عن آبائه عن علي قال: لما ثقل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم- في مرضه والبيت غاص بمن فيه قال: ادعوا لي الحسن والحسين ~~فجعل يلثمهما حتى أغمي عليه قال: فجعل علي يرفعهما عن وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم- قال: ففتح عينيه وقال: دعهما ms499 يتمتعان مني وأتمتع ~~منهما فإنهما سيصيبهما من بعدي أثرة، ثم قال: أيها الناس إني خلفت فيكم ~~كتاب الله وسنتي وعترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب الله كالمضيع لسنتي، ~~والمضيع لسنتي كالمضيع لعترتي، أما إن ذلك لن يفترق حتى اللقاء على ~~الحوض))(1). # والمروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل بني أنثى أبوهم عصبتهم ~~إلا ولد فاطمة فأنا أبوهم وعصبتهم)) نعم. PageV03P115 # ولما ولد علي عليه السلام سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم- وفي حجره ~~المبارك رباه، ولما بعث صلى الله عليه وآله وسلم- للرسالة كان أول من ~~أجابه وصلى معه، وكان كشاف الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- وذابا عن الدين ابتغاء رضى الله، وكان جامعا كل الخصال [162ب] إلا ~~النبوة من العلم، والزهد، والشجاعة، والسخاء، وما كان عليه من أخلاقه ~~المعروفة وفضائله المشهورة ولم ينقم النبي صلى الله عليه وآله وسلم- عليه ~~طول صحبته، ولا أنكر عليه شيئا من قوله وفعله، بل أنكر على من شكاه معرضا ~~عنه قائلا له: ((مالكم ولعلي علي مني وأنا منه وهو وليكم بعدي))، ولما تم ~~ما أمره به وأكده أنزل تعالى قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي}(1) بما خلفه رسوله تعالى من كتابه تعالى وعترته صلى الله عليه وآله ~~وسلم- وأجراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- مجرى نفسه، وأخرجه معه ~~في آية المباهلة دون غيره من أصحابه، وآخى بينه وبين نفسه لما آخى بين ~~أصحابه وقال: هو أخي في الدنيا والآخرة، وزوجه ابنته فاطمة سيدة نساء ~~العالمين مع كثرة خطابها من سادات العرب، وقال لها: زوجتك أعلمهم علما، ~~وأقدمهم سلما، ولم يول عليه أحد قط، وما بعثه في جيش ولا سرية إلا أمره ~~عليهم، وأمرهم بطاعته، وحذرهم عن مخالفته، وكان صاحب لوائه في غزواته حتى ~~سأله جابر بن سمرة: يا رسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: وما عسى ~~أن يحملها PageV03P116 إلا من يحملها اليوم علي بن أبي طالب وأخذ براءة من أبي بكر ودفعها إليه ~~وقال: لا يبلغها عني ms500 إلا أنا أو رجل مني نعم، وميزه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على أمته -صلى الله عليه وآله- ونص على إمامته نصا جليا ~~موافقا لنص الله على إمامته -أعني عليا عليه السلام- في القرآن وإلزاما ~~بإمامته عليه السلام وإيضاحا لها بحديث غدير خم وغيره مما تضيق به ~~الأوراق، فعليهم الجميع الصلاة والسلام، وجعل النجاة لمتبعه، وفيه نزل قوله ~~تعالى في سورة البقرة مدحا له عليه السلام وتفضيلا وشهادة من الله تعالى ~~له بالإيمان على الإطلاق وذما لأعداء الله تعالى وأعداء الإسلام المنافقين: ~~{وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}(1). PageV03P117 # روى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن أبي الخزرجي وأصحابه ~~خرجوا فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- فقال ~~لأصحابه: انظروا كيف أرد عنكم هؤلاء السفهاء، فسلم عليهم ورحب بهم، ثم أخذ ~~بيد علي وقال: مرحبا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وسيد ~~بني هاشم خلا رسول الله -صلى الله عليه وآله- فقال علي: يا عبد الله، اتق ~~الله ولا تنافق فإن المنافق شر خلق الله، فقال: مهلا يا أبا الحسن، إلي ~~تقول هذا، والله إن إيماننا كإيمانكم، ثم تفرقوا، فقال عبد الله بن أبي ~~لأصحابه: كيف رأيتم ما فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا وقالوا: لا نزال بخير ما ~~عشت، ورجع أمير المؤمنين والمسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~ونزلت هذه الآيات، فتدل على أشياء: # منها: شهادة الله على الإطلاق لأمير المؤمنين بالإيمان ظاهرا وباطنا، ~~وتدل على عصمته. # ومنها ما كان منه من قطع مولاة المنافقين وإظهار عداوتهم والدعاء إلى الدين. # ومنها: إجابة الله عنه بما قيل فيه، والمراد بالشياطين رؤساء الكفار، ~~ومعنى قوله: {الله يستهزئ بهم} قيل: يجازيهم [163أ] على استهزائهم كقوله: ~~{وجزاء سيئة سيئة} وقيل: يعاملهم معاملة المسهزئين بإظهار ما يبطنونه من ~~قبول ما أتوا به، ثم ما يلحقهم من عذاب ms501 الله تعالى. # وقد روى جماعة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قال لعلي: ((لا يحبك ~~إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق))(1). PageV03P118 # وعن حذيفة وأبو سعيد الخدري: كنا نعرف المنافقين في بغضهم علي بن أبي طالب. # وفي فضائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- محمد وأهل بيته عترته ~~صلى الله عليه وآله وسلم- في بعض التفاسير # قوله تعالى في سورة البقرة: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}(1). # روى السيد الإمام أبو طالب -أجزل الله ثوابه- بإسناده عن جبير عن الضحاك ~~عن ابن عباس قال: لما أمر الله تعالى آدم بالخروج من الجنة رفع طرفه إلى ~~السماء فرأى خمسة أشباح عن يمين العرش فقال: إلهي هل خلقت خلقا قبلي؟ فأوحى ~~الله إليه: أما تنظر إلى هذه الأشباح؟ قال: بلى. قال تعالى: هؤلاء الصفوة ~~من نوري، اشتققت أسماءهم من اسمي فأنا الله المحمود وهذا محمد وأنا العلي ~~وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ولي الأسماء ~~الحسناء وهذا الحسين، فقال آدم: فبحقهم فاغفر لي. فاوحى الله إليه قد غفرت ~~لك، وهي الكلمات الذي قال الله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فأتمهن فتاب ~~عليه} وقد قيل في الكلمات أقوال جمة: أولاها: قوله تعالى حاكيا: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا}. # وأما قوله: فرأى أشباحا. يحتمل أنه رأى صورا ويحتمل أنه رأى أسماءهم، فإن ~~حملناه على الأشباح فيحتمل أنه جعل تلك الأجزاء في ظهر آدم ثم خلق منه رسول ~~الله وأهل بيته -صلى الله عليه وآله. PageV03P119 # وقوله: أنا الفاطر. هذا روي لنا وفاطم أولى، وروى بعض الآحاد: إنما سميت ~~فاطمة لأن الله تعالى فطم محبيها من النار، وروي في بعض الأخبار: سميت ~~فاطمة لأن الله تعالى فطم ذريتها من النار. # فأما غفران آدم فليس هناك كبيرة، فمعناه يتفضل عليه بأن يتمم ما نقصت تلك ~~الصغير من ثوابه، وسيأتي تحقيق ذلك في تنزيه الأنبياء إن شاء الله تعالى. # وقوله تعالى في سورة البقرة: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ~~والله رؤوف بالعباد}(1). # المروي عن ms502 ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب لما بات على فراش رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى خرج إلى الغار، وروي أنه لما نام على ~~فراشه قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي: بخ بخ، من مثلك ~~يا ابن أبي طالب يباهي الله تعالى بك الملائكة، فنزلت الآية بين مكة ~~والمدينة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم متوجه إلى المدينة عن السدي، ~~ومعنى شرى باع، وليس ثم بيع غير أنه بذل نفسه في طاعة الله وسعى جميع عمره ~~في مرضاته. # وروى السيد أبو طالب بإسناده عن الحسن بن علي عليهم السلام قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه تركه أبو ~~طالب حتى إذا نامت العيون جاء إليه وأنهضه من فراشه وأضجع عليا مكانه، فقال ~~يوما علي: يا أبتاه إني مقتول ذات ليلة، فقال أبو طالب شعرا: # اصطبر يا علي فالصبر أحجى # قد بليناك والبلاء شديد # لفداء الأغر ذي النسب الثاقب PageV03P120 إن تصبك المنون عنه فأحرى ... كل حي مصيره لشعوب # في فداء النبي وابن النجيب # ذي الباع والرضي الحسيب[163ب] # فمصيب منه وغير مصيب # قال السيد أبو طالب: والأحاديث التي سمعها الحسن من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم- مجموعة قد جمعها أصحاب الحديث وهي عزيزة، وهذا الخبر منها في ~~مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- يقول أمير المؤمنين شعرا: # وقيت بنفسي خير من وطئ الحصى # رسول إله خاف أن يمكروا به # وبات رسول الله بالغار آمنا # وبت أراعيهم وما ينبئونني ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر # فنجاه ذو الطول الإله من المكر # موقا وفي حفظ الإله وفي ستر # وقد وطنت نفسي على القتل والأسر # ثم هاجر وحده ودمية أصابعه، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- فعانقه ودعا له في حديث طويل، وكان حديث أبي طالب على منزلهم في حصار ~~الشعب، وحوصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين، وكانت قصة ~~الصحيفة. # وقوله تعالى: {فالذين ينفقون ms503 أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(1). # المروي عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب كان معه أربعة دراهم ~~فأنفقها على هذه الصفة بالليل والنهار سرا وعلانية، فنزلت الآية. PageV03P121 # وروي عن ابن عباس أيضا لما نزل قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله...الآية}(1) بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أهل الصفة وبعث علي ~~ليلا بوسق من تمر فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقة علي ونزلت الآية ~~فيهما، فصدقة النهار صدقة عبد الرحمن، وصدقة الليل صدقة علي. # وقوله تعالى في سورة الحاقة: {وتعيها أذن واعية}(2) عن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام لما نزلت هذه الآية قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سألت الله أن يجعلها أذنك يا ~~علي))(3)، قال علي: فما نسيت شيئا بعد وما كان لي أن أنساه. # وعن بريدة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- قال لعلي: ~~((إن الله تعالى أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأعلمك وتعي، وحق على الله أن ~~تعي، فنزل: {وتعيها أذن واعية} واختلفوا فقيل: {واعية} أي: حافظة، وقيل: ~~سامعة، وقيل: عقلت ما سمعت، وتقدير الكلام: وتعيها كل أذن واعية. PageV03P122 # وروى الناصر للحق بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: دعاني رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم- ليبعثني إلى اليمن قاضيا قلت: يا رسول الله ~~أتبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا شاب حدث لا علم لي بالقضاء، قال: فوضع يده ~~على صدري ثم قال: إن الله مثبت لسانك، وهاد قلبك، فإذا جلس الخصمان فلا ~~تقضي للأول حتى تسمع قصة الآخر))(1) فما شككت في قضاء بعد، وروي عن الباقر ~~نحوا من ذلك، وقال في آخر: فما أردت بعد ذلك قضاء إلا كأني انظر إليه في ورقة. # وقد قدمنا في هذه الآية ما يزيد على ما فسرنا به هنا من وجه وينقص من ~~وجه، وتحقيقها على ما قدمنا، وقد استدللنا بها على ms504 أن المعتبر في الإجماع ~~بمن وعى الحق، ودل الدليل من الكتاب والسنة على طهارته وعصمته [164أ] من ~~عترة المصطفى محمد رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله ومن شايعهم ولم ~~ينفرد عنهم وطابق بقوله قولهم فهو مع دخولهم في إجماعه حجة كما قدمنا تحقيق ~~ذلك في غير موضع من هذا المؤلف فليطالع ويحتفظ عليه ففيه تبيين النجاة لمن ~~أنصف، فقد جمعنا فيه من قول الله تعالى خالقنا ومولانا ومالكنا ومن سنة ~~أبينا رسول الله ونبينا بما يشفي القلوب ويعرف به كيف رحض الذنوب، وتحقق ~~توحيد علام الغيوب، والحمد لله. PageV03P123 # قوله تعالى في سورة سأل: {سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من ~~الله}(1) قيل: لما توعد الله أهل مكة بالعذاب إن لم يؤمنوا قال بعضهم لبعض: ~~لمن هذا العذاب؟ فنزلت: {سأل سائل} عن الحسن وقتادة. # وسئل سفيان بن عيينة: في من نزل {سأل سائل}؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ~~ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ~~قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم نادى الناس ~~فاجتمعوا إليه، أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: ((من كنت مولاه فهذا علي ~~مولاه))(2) فشاع ذلك في البلاد وبلغ الحارث بن النعمان، فأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على ناقة بالأبطح وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا ~~محمد أمرتنا عن الله ربنا نشهد أن لا إله إلا الله فقبلنا منك، وأمرتنا أن ~~نصلي خمسا فقبلنا منك، وأمرتنا بالزكاة والصوم والحج فقبلناه منك، ثم لم ~~ترض بعد هذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي ~~مولاه، فهذا شيء منك أو من الله؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو إنه من ~~الله، فولى الحارث بن النعمان وقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فخر على هامته وخرج ~~من دبره فقتله، وأنزل ms505 الله تعالى فيه: {سأل سائل بعذاب}، قيل: السائل ~~تكذيبا. # وقوله تعالى في سورة المدثر: {في جنات يتساءلون عن المجرمين}(3). PageV03P124 # المروي عن محمد بن علي الباقر عليهم السلام قال: نحن وشيعتنا من أصحاب ~~اليمين، وقيل: هم المؤمنون، وقيل: هم الذين لا ذنب لهم، فهم ميامين على ~~أنفسهم، وشيعة علي بهذه الصفة. # وعن أبي ذر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- في مرضه ~~الذي توفي فيه وهو مغمى عليه ملقا في حجر علي بن أبي طالب، فلما أفاق سمعته ~~يقول: ((من حشر الله يوم القيامة محبا لهذا الرجل -وجعل يده في صدر علي- ~~دخل الجنة))(1). # وقوله تعالى في سورة هل أتى: {يوفون بالنذر...الآية}(2) قيل: نزلت السورة ~~في علي وفاطمة والحسن والحسين وجارية لهم يقال لها فضة عن ابن عباس ومجاهد. PageV03P125 # وروي في قصة طويلة أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وفضة صوم ثلاثة ~~أيام إن شفاهم الله، فلما برئا فصاموا ولم يكن عندهم شيء، فاستقرض علي ~~ثلاثة أصواع من طعام لكل ليلة صاعا وطحنت فاطمة وخبزت، فلما حان وقت ~~الإفطار في الليلة الأولى جاءهم مسكين سائلا فأعطوه ذلك ولم يذوقوا غير ~~الماء، فلما كان في الليلة الثانية وقربوا الطعام جاءهم يتيم سائلا فأعطوه ~~ذلك وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء، فلما كان في الليلة الثالثة وقربوا ~~الطعام جاء أسير فأعطوه الباقي وباتوا ولم يذوقوا غير الماء، فلما أصبحوا ~~جاء أمير المؤمنين ومعه الحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم- [164ب] ونزل جبريل بسورة هل أتى وقال: هنيئا لك يا محمد ما هناك الله ~~في أهل بيتك وقرأ عليه السورة إلى آخرها، وقيل: نزل في أنصاري أطعم في يوم ~~واحد مسكينا ويتيما وأسيرا عن مقاتل وليس بالوجه لتظاهر الأخبار أنها نزلت فيهم. PageV03P126 # قوله تعالى في سورة المطففين: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرائك ينظرون} قيل: نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ~~وغيرهم من مشركي مكة، كانوا يضحكون من بلال وعمار وأصحابهم ويستهزئون بهم، ms506 ~~وقيل: إن علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم قالوا لأصحابهم: ~~رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فأنزل الله هذه الآية قبل أن يصل إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم- علي وأصحابه عن مقاتل والكلبي، وقيل: لما استعمل ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- عليا على بني هاشم كان إذا مر ~~بالمنافقين ضحكوا منه فنزلت الآية عن الكلبي، {فالذين آمنوا} علي وشيعته، ~~والكفار وأعداؤه الذين استهزءوا به. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: ((من آذى عليا فقد ~~آذاني ومن سب عليا فقد سبني))(1). # وروى مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد قال: كنت جالسا في المسجد أنا ~~ورجلان معي فنلنا من علي فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- غضبان ~~يعرف في وجهه الغضب فتعوذت بالله من غضبه وقال: ((ما لكم ولي، من آذى عليا ~~فقد آذاني))(2). قال: وكنت أوتى بعد ذلك فيقال: إن عليا يعرض بك ويقول فتنة ~~الأخنس، وأقول: هل سماني؟ فيقال: لا، فأقول: إن أخنس الناس كثير، معاذ الله ~~أن أوذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدما سمعت منه. PageV03P127 # وقوله تعالى في سورة الضحى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}(1). # روى أبو الزناد عن زيد بن علي -عليهما السلام- أنه قال: من رضي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم- أن يدخل أهل بيته الجنة. # وعن ابن عباس: رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. # قلت: أما من مات غير تائب من الكبائر بعد أن فعلها عالم بقبحها فلا يصح ~~دخوله الجنة لتأدية ذلك إلى تكذيب آيات الله تعالى في آيات الوعيد، فيحمل ~~على أهل الإيمان والتوبة، قيل: هو مقام الشفاعة، وقيل: هو في الدنيا النصر ~~والفتوح وفي الآخرة الثواب والجنة، ولا تنافي بين هذه المعاني؛ فقوله ~~تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} يعمها كلها فتدخل كلها تحت عمومها. # وقوله تعالى في سورة لم يكن: {إن الذين ms507 آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم ~~خير البرية...إلى آخر السورة}(2) خير البرية: محمد وأهل بيته ذريته وعترته ~~سلفا بعد خلف إلى يوم القيامة، وفي الدنيا والآخرة صلوات الله عليهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علي خير البشر من أبى فقد ~~كفر))(3). # وعن عطية بن شعبة قال جابر بن عبد الله -وهو شيخ كبير- فقلنا له: أخبرنا ~~من هذا الرجل علي بن أبي طالب؟ قال: فرفع حاجبيه بيده ثم قال: ذاك خير البشر. PageV03P128 # وعن ابن عباس قال شكت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~[165أ] ما يعيرنها نساء قريش بعلي: إن أباك زوجك عائلا لا مال له، فقال لها ~~النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منهم ~~رجلين، أحدهما أباك والآخر بعلك))(1). # سورة العصر # قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا ~~بالصبر}(2) قيل: هو علي بن أبي طالب، وقيل: {الذين آمنوا} أبو بكر، {وعملوا ~~الصالحات} عمر، {وتواصوا بالحق} عثمان، {وتواصوا بالصبر} علي عن ابن عباس، ~~وروي مرفوعا، والصحيح عموم الآية لكل من اتصف بالإيمان والعمل الصالح وكان ~~من أهل الحق والصبر، وذلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأتباعهم ~~المتأسين بهم في جميع أقوالهم وأفعالهم، وقد تواترة النصوص القرآنية ~~والتفسيرية، كآية التطهير، وحديث السفينة، وآية المودة وغير ذلك أن أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام وذرية محمد رسول الله وعترته إلى آخر التكليف ~~سلفا بعد خلف ومن اتبعهم المتأسون به في الأقوال والأفعال، ولا ينجا من أمة ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- إلا من تمسك بسهم واتبعهم من غير ~~تفريق ولا تضليل للمحسنين منهم ولو إفرادهم. PageV03P129 # فأما تضليل جماعتهم فذاك خروج من الإسلام والدين بلا إشكال، فهم ومن اتبعهم ~~بالأدلة القاطعة كآية التطهير وآية المودة وحديث السفينة وغير ذلك في أمة ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- سيد الأنبياء وخاتمهم {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} بعد محمد أبيهم رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم- وأمير ms508 المؤمنين أبوهم علي بن أبي ~~طالب رأسهم في الإيمان والعمل الصالح والحق والصبر وأخذهم علومهم في الأصول ~~من الشريعة وفروعها عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم- لا يعدلون عن ذلك ويتركون ما لم يكن عن علي عليه السلام إلا إذا ~~وافق ذلك ما رواه علي عليه السلام ولم ينافه، فهم -أعني ذرية محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله جميع علمائهم لا يخالفون ما رواه علي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم- إلا إذا لم يصح لهم عن علي عليه السلام بأن ~~ينافي محكم القرآن أو محكم السنة المتواترة أو السنة المحكمة المروية عن ~~علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- برواية أخرى غير ~~المنافية للقرآن، أو السنة المحكمة المتواترة المروية عن علي عليه السلام ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم- ولا نجاة لمن عدل عن علماء آل محمد ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم- فهم ~~وأبوهم محمد [165ب] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- وأبوهم علي بن أبي PageV03P130 طالب والأنبياء عليهم السلام وأتباعهم على كل حال فيما يجب ويجوز ويحرم ~~المقصودون بالاستثناء في قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} وهذا معلوم مجمع عليه. # سورة الكوثر # قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو ~~الأبتر}. # قيل في سبب نزولها: إن قريشا قالوا: إن محمدا مبتور لا ولد له يقوم مقامه ~~بعد موته فينقطع أمره فنزلة السورة تكذيبا لهم وأعطاهم الله من الأولاد ما ~~لا يحصيه العد، وقيل: توفي له ابن يسمى عبد الله فسمته قريش أبتر، وقيل: ~~قال عتبة بن أبي معيط للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أبتر، وقيل: قاله ~~العاص بن وائل قالوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذاك الأكثر فنزلت الآية. # فأما الكوثر قيل: نهر في الجنة، وقيل: الخير الكثير، وقيل: القرآن، وقيل: ~~النبوة، وقيل: كثرة الأتباع، وقيل: الفقه، وقيل: المعجزات، وقيل: الشفاعة، ~~وقيل: الشرائع، ms509 وقيل: النسل الكثير الطيب، وقيل: الصيت الرفيع، ويجب أن ~~يحمل على الكل؛ لأنه تعالى أعطاه جميع ذلك، واتصل نسله إلى يوم القيامة ~~وكثر حتى لا يأتي عليهم الإحصاء والعد وجميع نسله ولد علي وفاطمة -عليهما ~~السلام- وقد روينا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((كل بني أنثى أبوهم ~~عصبتهم إلا الحسن والحسين فأنا أبوهما وعصبتهما))(1). PageV03P131 # وقد أتينا على جملة ما قصدنا، وأسأل الله أن يدخلني في شفاعة جدي وأبي محمد ~~سيد المرسلين، وأبي علي سيد الوصيين، وأمي فاطمة سيدة نساء العالمين، وأبي ~~الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة والمؤمنين والمؤمنات، وصلى الله على سيد ~~الرسل محمد وآله وسلم. # باب # في المؤثر وأحكامه # فصل # لا تأثير للعدم في إحداث شيء وذلك معلوم بضرورة العقل، وذلك إجماع بين ~~المسلمين والكافرين، ومن المعلوم عند كل عاقل أن أفعال العبيد وهي إنما هي ~~تصرف في مخلوق إلى مخلوق من مخلوقاته تعالى، أو فعل ما علمهم الله تعالى ~~كيفية فعله من العبادة إحالة جلية مخلوق من بياض إلى سواد أو العكس ومعنى ~~إلى معنى بواسطة آلة فمن ني إلى نضيج بواسطة آلة وهي النار وإلهام كيفية ~~ذلك، والإلهام من الله تعالى في ابتداء تلك الصناعة بإلهامه تعالى أو بوحيه ~~تعالى بكيفية فعلها إلى نبي من أنبيائه تعالى، ويعلمها ذلك النبي غيره، ثم ~~تناسخ من بعض الناس إلى بعض مع القدرة وكمال العقل أو بعضه كإلهام البهائم ~~والنحل لترصيف بيوتها ونحو النحل من الطيور وغيرها، فكل هذه الأفعال وهي ~~كما ترى تصرف في شيء قد ثبت ووجد وليست إخراج شيء محكم من عدم محتاج إلى ~~فاعل من المخلوقين القادرين العالمين بتعليم الله تعالى، ولا يوجد شيء منها ~~من العدم ذلك معلوم بضرورة العقل، ولا يوجد وهي بمراحل عن أفعاله تعالى إلا ~~بفاعل مختار أو مكره يقدر على الفعل من العبيد وأن لا يكن فاعل له لم يوجد ~~إجماعا لضرورة العقل، فكذلك PageV03P132 السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقين، ومن المخلوقين ما لا يحصي عدد ~~ذلك إلا الله ms510 تعالى [166أ] وهي ما بين جسم وعرض وحيوان وجماد، كل ذلك يشهد ~~بلسان حاله ومقاله، أو لسان حاله فقط بأن له فاعلا لا يشبهه ولا يجوز عليه ~~ما جاز عليه في التجسيم والصورة بضرورة أن كل بناء يدل على بان له يخالفه ~~في ذاته لكون ذلك البناء جماد، أو لكونه من بناء حجر فوق حجر ومنظوم بحسن ~~التقديم والتأخير والمداخلة لكل شيء في موضعه فيعلم ضرورة ولو لم تشاهد ~~باني ذلك البناء ولا أخبرك عنه مخبر أنه لا بد له من بان يخالفه في ذات ~~البناء وتأليف البناء ليقدر على إيجاد ذلك البناء، ولولا أن الباني خالف ~~ذلك البناء لما وجد منه ذلك البناء ولكان ليس أحدهما البناء وبانيه بإيجاد ~~أحدهما الآخر بأولى من الآخر، فرأينا السماوات والأرض وما بينهما من حيوان ~~وجماد كالبناء بما فيهما من التحديد والزيادة في الجبال بعضها على بعض ~~والنقصان واختلاف مصاب مياه الأرض، ولكل أرض واد مفروض من البحار أو الرمال ~~لئلا يبقى ذلك فيهلك العالم بإذهابهم ومعايشهم ومواشيهم واختلاف النجوم في ~~طلوعها وأفولها وجري الشمس والقمر على حسب ما يريد سبحانه وتعالى ولما في ~~الحيوان من التأليف البليغ والفرق بينه وبين الجمادات في الجسمية والصورة ~~والحياة والحفظ لكل عضو منه في موضعه وشده ووصل بعضها إلى بعض بالعروق ~~والأعصاب وتهيئة صفة القدرة فيه على الأفعال على وجه لا يشاهد، ويتبين ذلك ~~المعنى إلا عند PageV03P133 حصول الفعل بتلك القدرة، فعلمنا بالمشاهدة أن هذه السماوات والأرض وأنفسنا ~~وغيرنا من الأجسام والأعراض بهذه الدلائل المحسوسة لا يخرج هذه الدلائل من ~~العدم الذي ليس هو شيء إلى الوجود على ذلك التأليف العجيب والاختلاف ~~المتباين العديد إلا بفاعل مختار يخالف هذا الذي ثبت فيه هذه العلامات ~~الدالة على الحدث والعجز عن إحداث أنفسها وأمثالها قطعا، وواجب الوجوب ~~تعالى مخالف لها يقال ليقدر على إيجادها وإلا لزمه لو لم يخالفها ما لزمها ~~من العجز والحدث مثلها لو ماثلها بأن يكون جسما أو عرضا ولو ماثلها في تقدم ~~العدم أو ms511 كان معدوما لاحتاج إلى محدث له تعالى يخالفه تعالى كما احتاجت ~~-تعالى الله علوا كبير. # فثبت بهذا الدليل المعلوم أن الله سبحانه واجد الوجود وجود غير محدود، ~~وأنه تعالى شيء ليس كالأشياء، وأنه تعالى حي عالم قادر قوي، وأنه تعالى ~~مريد وكاره، وأنه تعالى لطيف ورحيم كريم تبارك الله رب العالمين. PageV03P134 # إذا عرفت هذا الدليل العقلي الحسي الدال قطعا على أنه لا تأثير لغير الله ~~تعالى في خلق السماوات والأرض وما بينهما وجميع الأجسام والأعراض والإماتة ~~والإحياء والقدرة والقوة وأن العقل قد أحال أن ذلك العالم المحدث يوجد نفسه ~~أو يوجد مثله أو دونه من كل جسم أو عرض، وأن في ذلك شاهدا عليه بضرورة ~~العقل على حدثه وعجزه عن إيجاد نفسه ومثله ودونه من الأجسام والأعراض عرفت ~~قطعا أنه لا تأثير في ذلك لغير الله تعالى فيعرف كفر من جعل التأثير للنجوم ~~في الخير والشر كالمنجمة لعنهم الله تعالى وكفر من جعل التأثير في الآجال ~~للحرارة والبرودة لعنهم الله تعالى ، وكفر من جعل التأثير للجن [166ب] ~~والملائكة أو الناس أو الكهنة أو الدهر أو الطبع أو العلة أو القوة القديمة ~~التي جعلها الفلاسفة مؤثرة بالقوة الأزلية لعنهم الله تعالى ، فادعوا مع ~~الله تعالى ثانيا مع مشاركتهم للأولين الكفر، أو من جعل التأثير في المطر ~~لرطوبة الوقت والأرض ويبوستها في الصحو، أو للسحاب، أو للمطر في إيجاد ~~الزرع مع اجتماعه بتراب الأرض، أو لوقوع النطفة في الرحم في خلق الإنسان، ~~أو نحو ذلك، كل ذلك كفر لعن الله الجاعلين التأثير لأي ذلك من دون الله ~~تعالى وصنعه تعالى وتربيته تعالى بعض ذلك في إثر بعض، ولعن الله من فرق بين ~~والد وولد، وفرع وأصل، وسبب ومسبب، وعلة ومعلول في استواء كل ذلك في الحدث ~~أو قال: أن التأثير في بعض لله تعالى دون البعض في الحدث لعن الله القائلين PageV03P135 بذلك لعنا وبيلا آمين. # وفي ذلك كله يقول الله تعالى الملك الجليل تعالى ملزما للعقلاء بما ~~يسكتهم وبما يتيقن من ضرورة ms512 عقولهم أن العدم لا تأثير له وأن نفوسهم ومثلهم ~~لا يقدر على خلقهم ولا غيرهم من خلقه تعالى يقول تعالى في ذلك: {أم خلقوا ~~من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون}(1) ~~ويقول تعالى: {هل من خالق غير الله}(2) ويقول تعالى: {إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر}(3) ويقول تعالى: {الله خالق كل شيء}(4) ويقول تعالى: {ما أشهدتهم خلق ~~السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}(5) ويقول تعالى: ~~{هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان ~~من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا}(6) ويقول تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين * ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون* ولقد ~~خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين}(7) فأخبر تعالى ملزما لهم ~~ومبينا لهم ما قد علموه بضرورة عقولهم أنه تعالى أوجدهم {من سلالة} وهي ~~النطفة {من طين} وذلك آدم عليه السلام {فجعلناه نطفة في قرار مكين * ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا PageV03P136 العلقة مضغة...إلى آخر ذلك} فأخبر تعالى وألزمهم ما عرفوا بعقولهم بأنه ~~تعالى خلق أصلهم وفروعهم وذريتهم تعالى شيئا بعد شيء، وأحال تعالى ~~بفعله الطين إنسانا والنطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما، وخلق تعالى ~~عليها لحما، وأنشأه تعالى خلقا غير المتقدم {آخر} يعني تعالى صوره صورة ~~غير صورة الميت بأن أنشأ تعالى فيه الروح الذي خلق تعالى بها الحياة، ~~وأنشأ له تعالى عقلا، وشق له تعالى بفعله سمعا وبصرا، ولينه تعالى ~~لينا غير منبسط، وعدله تعالى بأحسن تقويم، وجعله ينعطف بسهولة بما خلق ~~تعالى فيه من المفاصل، وشبك تعالى بعضه إلى بعض بالعروق والعصب، وأجرى ~~فيه تعالى الدم، وزينه تعالى تزيينا، وألفه تعالى تأليفا، فأخبر ~~تعالى أن [167أ] هذه الأصول ms513 والفروع، والوالد والمولود والمحال عنه ~~والمحال إليه كل ذلك فعله تعالى وتبارك، ولو كان بالاستحالة من بعضه عن بعض ~~كاستحالة الرخو من الجمادات شديدا بجفاف ما فيه مخالط لأجزائه من الماء لما ~~قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين * ثم خلقنا النطفة علقة} فلو كان للنطفة تأثير أنها تنعكس بنفسها علقة ~~من غير أن ينقلها تعالى بفعله تعالى إلى العلقة لما قال تعالى: {ثم ~~خلقنا النطفة علقة} ولقال تعالى لو كانت استحالت بذاتها إلى العلقة من غير ~~فعله تعالى فلو يكن كذلك لقال تعالى، ثم صارت PageV03P137 النطفة أو استحالت النطفة علقة، ثم قال تعالى: {فخلقنا المضغة عظاما} ~~العلقة مضغة ، ولم يقل تعالى فصارت العلقة مضغة، ثم قال تعالى: {فخلقنا ~~المضغة عظاما} ولم يقل تعالى فاستحالة المضغة عظاما، ثم قال تعالى: ~~{فكسونا العظام لحما} ولم يقل تعالى فكست العظام أنفسها لحما، ثم قال ~~تعالى: {ثم أنشأناه خلقا آخر} ولم يقل تعالى ثم استحال خلقا آخر، ثم قال ~~تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ثم قرن تعالى ذكر الموت والخلق ~~الأخروي بالخلق الابتدائي وبخلق غير الحيوان من السماوات الفوقانية ليعرف ~~ويتقرر لأهل العقول أنه لا فرق بين خلق وخلق سواء كان بعض مرتب على إثر بعض ~~أو بسبب ومسبب، أو محال إليه ومحال عنه، أو أصل أو فرع أو والد أو ولد في ~~أن ذلك كله لا يتصور عقلا ولا سمعا إلا بفعله تعالى؛ لأن في الفروع ~~والمسببات والمعلولات من آثار الحديث وعلاماته مثلما في الأصل والعلة ~~والسببين التجسيم والتأليف والزيادة والنقص والاقتران بالأعراض المحدثة ~~قطعا والاختلاف والافتراض، فلا فرق بين فرع وأصل، ولا يقدر على خلق شيء من ~~ذلك إلا الله تعالى، ولا تقدر الملائكة عليهم السلام إذا نزلت إلى ~~الأنبياء عليهم السلام في صورة الرجال ولا الجن يقدر أن يكون شيئا من صور ~~الحرشات أو نحو ذلك، فلا تقدر الملائكة ولا الجن قطعا تحول صورها غير ما ~~خلقها الله تعالى عليه من الصورة ms514 إلا بفعل الله تعالى، وخلقه تعالى لها ~~في الصورة الثانية PageV03P138 في الإنسانية، ولا تقدر على إعادة أنفسها إلى الصورة الأولى إلا إذا أعادها ~~تعالى وردها إلى تلك الأولى بفعله تعالى لا بأفعال أنفسها لعجزها عن ذلك ~~لما فيها من أثر الحدث القاضي قطعا بعجزها عن خلق أنفسها وتحويل صورها إلى ~~صور غيرها، وفي ذلك كله يقول الله تعالى مبطلا لأقوال فرق الكفر كلها ~~وأقوال المدعين أن بعض الخلق يقدر على تحويل شيء من صورته إلى صورة غيره ~~يقول تعالى في إبطال ذلك كله: {هل من خالق غير الله} وقال تعالى: {ما ~~أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}(1) ~~وقال تعالى: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل}(2) وقال تعالى: {أم ~~جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو ~~الواحد القهار}(3) وجعل تعالى انتفاء خلق غيره تعالى دليلا على انتفاء ~~الشركاء -تعالى- له بالإلهية بقوله تعالى منكرا على الجاعلين [167ب] له ~~تعالى شركاء من العقلاء من غير دليل لعدم وجوده واستحالته: {أم جعلوا له ~~شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء} فلو كان يوجد ~~من المخلوقين أو من أي مخلوق ملك أو غيره خلق مخلوق أو خلق صورة إلى صوره ~~لما أمرهم تعالى أن يستدلوا بانتفاء الخلق من غيره تعالى على أنه تعالى ~~لا شريك له في الإلهية، إذ لو كان قد وجد من غيره تعالى أو غيره تعالى ~~يقدر لم يكن فيه -أعني المخلوق- دليل على التوحيد، بل PageV03P139 دليل أنه يحتاج إلى فاعل أي فاعل تعالى الله علوا كبيرا عن قول من كذب عليه ~~تعالى أو نسب إلى المخلوقين الخلق أو جعلهم مشاركين له تعالى في ذلك، فقد ~~قال المحال عقلا وسمعا تعالى الله علوا كبيرا، ويكفر من قال بهذه المقالات ~~ولا يبينها له عقل ولا سمع وما لا دليل عليه عقلا ولا سمعا لا يحل القول به ~~أبدا، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ومن ms515 الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه ~~يوم القيامة عذاب الحريق* ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}(1) ~~يعني تعالى ومن الناس من يجادل في حقه تعالى من إثبات عليه تعالى ومعه ~~تعالى ما يستحيل وجوده من غيره تعالى من نسبة بعض خلقه تعالى إلى ~~العلة والاستحالة الفروع عن أصولها كالأبناء عن الآباء والحيوان من الطين ~~ومن النطفة والعلقة عن النطفة والمضغة عن العلقة ونحو ذلك من طبع المحل ~~كالأرحام أو التحويل من خلقة إلى خلقة أخرى من غير فعله تعالى وتحويله ~~تعالى أو يصف الله تعالى ويقول عليه تعالى ما لا يثبته العقل ولا ~~السمع من غلو الغالين كالمعتزلة من وصف زائد على ذاته تعالى لا هو هو ~~تعالى ولا هو غيره ولا قديم ولا محدث ولا شيء ولا لا شيء، فلم يثبت هذا ~~عقلا ولا سمعا، ومن نسبة المجبرة للقبيح إليه تعالى، ونزهوا نفوسهم عن ~~القبيح، كأنهم في دعواهم لعنهم الله تعالى خيرا من PageV03P140 الله لعنهم الله تعالى. # فهذه كلها ليس عليها دليل من عقل ولا سمع ولا هي علم للخالق تعالى ولا ~~للمخلوق صحتها، فقال تعالى في أهلها: {ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم}(1) يعني تعالى بغير علم عنده بل اتباع الهوى ودعوى ما لا يصح أن يكون ~~عليه دليل على وفق قوله وقول من نسب إليه تعالى. {ولا هدى} يعني تعالى ولا ~~اهتدى بما ركب تعالى فيه من العقل الدال على قبح دعوى ما لا دليل عليه ~~ولا معه دليل من هداية عقل يجلب إليه استعمالها صحة ما قال به، بل يجلب ~~إليه خلاف ما قال به {ولا كتاب منير} كالقرآن وما يوافقه من السنة النبوية ~~-على صاحبها وآله الصلاة والسلام- {ثاني عطفه} يعني تعالى لاوي عنقه ~~وجوارحه وغالب لعقله عما أراد الله تعالى منه من طلب الحق وأهله، وفعله ~~مجانب لعبادة ربه والخضوع له والإقرار له ms516 تعالى بفضله تعالى متكبر ~~معاند لسيده تعالى وتبارك مجاوز لقدره، خائض فيما فرض الله تعالى عليه ~~تركه، معرض عما يعناه بشغله بتثبيت ما استحال وجوده، [168أ] ثم قال تعالى ~~مخبرا بمراد من كان هذه صفته فقال تعالى: فعل ذلك ليكون قدوة وإماما في ~~مخالفة مولاه واتباع هواه، وإماما لنفسه في اتباع هواها، وإضلالها عن رشدها ~~لا لخير قصد، فقال تعالى في ذلك: {ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي} عند ~~الله تعالى في حكمه تعالى وعند كل مؤمن {ونذيقه يوم القيامة} أي: في ~~الآخرة {عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك} من افتراء PageV03P141 الكذب على الله تعالى من قول ما لم يدلك تعالى بعقلك عليه ولا كتابه ~~تعالى {وأن الله ليس بظلام للعبيد} منك ومن غيرك، بل يجزي تعالى كلا ~~بفعله من خير وشر -تبارك وتعالى رب العالمين. # دلت هذه الآية على معصية من هذه حالته متعمدا قطعا فيكون كفرا إلزاما ~~كالمعتزلة أو صريحا كالمجبرة، وأهل القول بالتأثير لغير الله تعالى، وأهل ~~الكهانة والشعبذة وغيرهم من المدلسين ومدعين المحالات، والمفتين بما لا ~~يعلمون، ثم يقولون هو من عند الله، كحكام الطاغوت وغير أولئك من المعاندين ~~في الأصول، وما كان قطعيا من الفروع؛ لكونهم مجادلين في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير، وما خلا عن الثلاثة فهو محال أو بدعة كفرية تأويلا أو ~~تصريحا، وفي القرآن العلم، رزقنا الله تعالى والمؤمنين معرفته والأخذ بما ~~فيه والعمل به. # فصل PageV03P142 وتجوز النسبة مجازا إلى السبب من غير أن يعتقد المكلف التأثير في خلق ~~المسبب للسبب سواء كان فعل الله في ذلك السبب مرتبا على سبب هو حيوان أو ~~جماد أو علة من أيهما أو معلول أو شرط أو مشروط من فعله تعالى ذلك الشرط ~~والسبب أو العلة أو من فعل العبد مع اعتقاد أن الله تعالى يقدر أن يفعل ~~المسبب على غير السبب، لكنه تعالى رتب بعض ذلك على بعض حكمة واختيارا لمن ~~يتغير إلى الكفر من الخلق ومن لا يتغير، ms517 وهو تعالى يعلم بأولئك كلهم ~~ليتميز لنا الخالص من غيره عند الاختيار، أو لأنهم لا يعاقبهم الله تعالى ~~ولا من لم يتغير مع عدم سبب التغيير وحصول التغيير في العقاب، وحصول الثبوت ~~على الحق في الثواب إلا بعد وقوع سبب التغيير، فلم يغير المثابون إذ لا ~~يثيب تعالى على ما يعلم من العبد أنه تعالى لو كلفه به لفعله حتى ~~يفعله، ولا يعاقب تعالى العبد على ما لم يعلم أنه لو كلفه به لخالفه ~~تعالى قبل أن يكلفه تعالى بذلك فيفعل العبد المخالفة وخلاف هذا وهو ~~المعاقبة على ما لم يفعله العبد لأجل علمه تعالى أنه يفعل المخالفة ولو ~~لم يفعل، أو الإثابة على ما يعلم أنه تعالى لو أمر به العبد لفعله من دون ~~أن يفعل يكون ذلك عبثا وقبيحا عقلا وسمعا والله تعالى لا يفعل القبيح ~~لأنه تعالى لا يحتاج -تعالى الله العظيم الغفار علوا كبيرا- ويقول تعالى: ~~{ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ولكن لا تحل تلك النسب المجازية PageV03P143 فيما فعله مختص بالله تعالى [168ب] إلا بدليل سمعي من كتاب الله تعالى أو ~~السنة المتواترة المحكمة وإلا فلا يجوز مطلقا، إذ لا دليل عقلا ولا سمعا ~~أبدا بل مستحيلة في حق المخلوق حقيقة لعجزه، ولا يصح مجازا؛ لأن الأصل ~~الحظر، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل معين لكل نسبة شيء إلى شيء بعينه من غير ~~أن يقاس عليه غيره لقوله تعالى: {هل من خالق غير الله} ولقوله تعالى: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم}، ومن أمثلة ذلك الذي قد ينسب إلى غيره تعالى مجازا ~~ما في قوله تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا} وقوله تعالى: ~~{وأرسلنا الرياح لواقح} وقوله تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون}. PageV03P144 # وقلنا: وقد يكون بسبب شيء من أفعاله تعالى من فعل المكلف كثواب المكلفين ~~فإنه فعل الله تعالى وسببه امتثال ما أمر الله تعالى به أو نهى تعالى ~~عنه، وقد يكون السبب في نقص الأجل وهو فعل الله تعالى -أعني نقص الأجل ~~بالموت- الحاصل ms518 بعد السبب قد يكون سبب نقصه تعالى له بالموت فعل العبد ~~كإلقاء بنفسه إلى التهلكة المعرفة للبينة، أو نزول مواضع الاستدام لغير ~~أهلها، أو قتل نفس بغير حق، فيقتص منه ويؤاخذ بذلك باطلا، أو دعوة إلى خير ~~أو شر فيقتل لأجل ذلك قبل الأجل المتأخر الذي لو سلم ذلك السبب لعاش إليه ~~بإذن الله تعالى، وقد ينقص الله تعالى الأجل لأجل فعل معصية كبيرة ويصر ~~عليها العبد في علم الله تعالى إلى الموت، وقد يزيد فيه تعالى ليزداد ~~العبد الفاجر للاستحقاق إثما، وقد يمتد لفعل الله تعالى إلى آخره لأجل ~~مصلحة عامة أو يرد الدين أو دعوة مجاب، وقد ينتقص الله تعالى منه إذا لم ~~يحصل ذلك مع التمكن منه أو عدمه، وقد ينقص تعالى منه لدعوة مجاب أو دفعا ~~عن مؤمن؛ وذلك كله معلوم له تعالى ومعلوم له سبحانه هل يختار العبد فعلها ~~-أي الأسباب أولا- وهل يتمكن منها أو لا، فيجوز نسبة ذلك بعضه إلى بعض ~~مجازا، ويجب اعتقاد أن الله تعالى يقدر على أن يفعل بغير تلك الأسباب، ~~وأنه تعالى يقدر على الدفع مع حصولها وبمد الأجل ونقصه، وأنه ينخرم عن ~~آخرها على هذه التفصيلات بقول الله تعالى على ذلك كله، وأنه معلوم له PageV03P145 تعالى كله، يقول تعالى في ذلك: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا ~~في كتاب إن ذلك على الله يسير}(1). # قالوا: من قال إنه أجل واحد، قال تعالى: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون}(2)؟ # قلنا لهم: قد دل الدليل على المد والنقص، فيجب تقييد قوله تعالى: {لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} لآخر الآجال مع السلامة أو الأجل حين حدوثه ~~على أي وجه، ولأنه لو كان أجلا واحدا لما وجب القصاص ولا ضمان الحيوانات؛ ~~لأنه لا قصاص فيما أذن الله تعالى به وحتمه، وأن الإنسان لا يتأخر عنه. # قالوا: قال تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم}(3). # قلنا: المقصود لو كنتم في بيوتكم لما أطاعكم ms519 المؤمنون بالتخلف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم و}لبرز الذين كتب عليهم القتل { يعني تعالى ~~حكم عليهم تعالى به بشرط خروجهم ومقاتلتهم ليجمع بين الأدلة وذلك واجب ~~ولقوله تعالى: {قل إن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير ~~مما يجمعون * ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون}(4) فجعلهما تعالى ~~آيتين بواو التخيير ليدل تعالى بذلك على [169أ] أنهما شيئان، والآجال ~~كثير والقتل أحدها وهو خرم لأحدها والله تعالى يعلمه وفي هذا كفاية. # فصل PageV03P146 وقد ينسب إلى الله تعالى أفعال العباد على طريق المجاز فيما ورد فيه دليل ~~سمعي بعينه، ولا يقاس عليه غيره ولك المجاز من نسبة المسبب إلى السبب، وذلك ~~وارد في اللغة وذلك مثل قوله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون}(1) يعني تعالى بقوله تعالى: {زينا لهم أعمالهم} أن سبب ~~فعلهم كل عمل خبيث بسبب ما أنعمنا به عليهم من العقل والقدرة على فعل الشر ~~والخير وتركهما والإمهال والأموال وكوننا لم نخل بينهم وبين المعاصي بقهر، ~~فكأننا لما فعلنا ذلك زينا لهم أعمالهم القبيحة، وهذا جار في اللغة، يقول ~~كبراء العرب لسفهائهم إذا لم يعاجلوهم بعقوبة مخالفتهم: نحن الذين زينا لكم ~~ما فعلتم، ولو منعناكم لم تفعلوا؛ وكيف يقال عليه تعالى أنه يزين الأعمال ~~القبيحة على الحقيقة التي هي تزيين رضا، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر} تعالى الله علوا كبيرا، وقد يقال قضى الله تعالى أفعال العباد ~~بمعنى أخبرهم تعالى بقبيحها وحسنها وأعلمهم تعالى بها قال تعالى: ~~{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا}(2) أي: أعلمناهم وأخبرناهم بما سيختارون فعله من الفساد والعلو وليس ~~المقصود أنه تعالى قضى إليهم ذلك بمعنى أمرهم بذلك وكيف يقال أنه تعالى ~~قضى إليهم ذلك بمعنى أمرهم به تعالى وقد قال تعالى: {إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}(3) وقد PageV03P147 يقال قضى الله تعالى أفعال العباد بمعنى أمرهم تعالى بحسنها، ms520 ونهاهم عن ~~قبيحها، قال تعالى في ذلك: {وقضى ربك ان لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا}(1) أي: أمرهم تعالى بالإحسان إلى الوالدين ويكون القضا بمعنى ~~الخلق قال تعالى: {وقضاهن سبع سموات في يومين}(2) أي: خلقهن تعالى فلا ~~يقال: قضا الله تعالى أعمال العباد بمعنى خلقها تعالى إذ لو كان كذلك لما ~~نسبها تعالى إليهم خاصة فقال تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} ~~والقضا قد يكون بمعنى الإماتة قال تعالى: {فلما قضينا عليه الموت}. # والقدر قد يكون بمعنى الوقوع في أفعاله تعالى التي يريد إيجادها منه ~~تعالى حتما، والإلزام والإيجاب في حق المخلوقين، قال تعالى في ذلك كله: ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا} أي: وقوعه منه تعالى حتما محتوما إذا علم ~~أنه تعالى سيوجده في أي وقت ومكان. PageV03P148 # وأمره تعالى للعباد بما فرض عليهم من فعل أو ترك باختيارهم حتما محتوما، ~~أي: واجبا أكيدا، ولا يقال: إن الله تعالى قدر أفعال العباد بمعنى رضي ~~لهم فعل القبيح وأجبرهم عليه -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وقد قال ~~تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} وقد يكون القدر بمعنى الخلق على حسب تعديله ~~على مقتضى حكمته تعالى قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه [169ب] بقدر}(1) ~~يعني تعالى بقوله تعالى: {بقدر} أي: بحكمة وإحكام لا تفاوت فيه بخلاف خلق ~~غيرنا من العبيد لأفعالهم فإنه تفاوت، فمنها حسن ومنها قبيح، فبعضها حكمة ~~وهو الحسن، وبعضها عبث وقبيح فليس فيه حكمة، فالمقصود في قوله تعالى: {إنا ~~كل شيء خلقناه بقدر} أي: إنا كل شيء خلقناه من خلقنا وفعلنا فهو بقدر منا ~~أي: بحكمة وإحكام بخلاف أفعال العباد فهي ليست منا فليست بقدر واحد، بل ~~متفاوتة في الحكمة. PageV03P149 # والقدر قد يكون بمعنى الحكم والتضييق قال تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه}(1) ~~أي: ظن أن لن نضيق عليه، ومن النسبة مجازا قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر}(2) يعني: يسيركم تعالى يجعل لكم قدرة على المسير، ويجعل لكم ~~ما يحملكم من الأنعام والسفن فيهما؛ فكأنه تعالى بذلك يسيرهم ms521 من نسبة ~~المسبب إلى السبب، ولو كان هو تعالى المسير لهم على الحقيقة بغير ~~اختيارهم لما أمرهم تعالى بالسير وهو فعله تعالى في قوله تعالى: {قل ~~سيروا في الأرض}(3) وفي قوله تعالى: {سيروا فيها لياليا وأياما آمنين}(4) ~~ولقوله تعالى: {امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}(5) فنسب ~~تعالى السير إليهم في قوله تعالى: {امشوا في مناكبها} وبقوله تعالى: ~~{سيروا} ونسب فعله تعالى من رزقه تعالى لهم وإحياءهم يوم القيامة إليه ~~تعالى ويقال: الأفعال لله تعالى التي أمرها إليه تعالى يريد فعلها ~~بالعباد من إحياء وإماتة، وألم وسقم، وزيادة في الخلق ونقص، ليس للعبد في ~~ذلك تصرف، بل أمره إلى الله تعالى، وكل غائب لم قد يحصل ويعلم الله تعالى ~~العبد به فأمره إلى الله تعالى يعني أمر علمه، وفي ذلك كله يقول الله ~~تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}(6) وليس المقصود أني لا أقدر على فعل ~~الخير والشر من أفعالي وأن فعلي فعل الله PageV03P150 تعالى، إذ لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ولكان التكليف بالواجبات ~~واجتناب المقبحات عبثا وقبيحا تعالى الله كيف وقد قال تعالى: {ولا يرضى ~~لعباده الكفر} وقال تعالى: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} وقال تعالى: {إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون}. # فصل # وينسب الرزق حقيقة إلى الله تعالى ولا ينسب حقيقة إلى غيره تعالى بل ~~تحرم نسبته إلى غيره تعالى حقيقة وذلك لأن الرزق مخلوق من مخلوقات الله ~~تعالى لا يقدر على إيجاده من العدم إلا الله تعالى، وقد قال تعالى: {هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون}(1) وقال ~~تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن ~~يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب}(2) وقال تعالى: ~~{إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}(3) وقال تعالى: {أمن هذا الذي ms522 يرزقكم ~~إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور}(4) وقد ينسب مجازا إلى المخلوق لأجل ~~الملابسة للرزق والسعي لأخذه من محله، فقد ينسب إليه مجازا لا حقيقة، فلا ~~يجوز، بل ذلك كفر إجماعا ورد لما علم ضرورة عقلا وسمعا، فلا شك في كفر من ~~نسب الرزق على الحقيقة باعتبار الخلق للرزق إلى المخلوق، فإما مجاز باعتبار ~~الإعطاء من فضله تعالى وباعتبار السعي والملابسة، فذلك جائز، ويدل على ~~جواز تلك النسبة المجازية قوله تعالى: {وارزقوهم منه} وقوله PageV03P151 تعالى[170أ]: {ومن لستم له برازقين}. # فصل # وينسب غلاء السعر ورخصه حقيقة إلى الله تعالى، فغلاه ينسب إليه تعالى ~~إذا ابتلى تعالى العبيد بالحطام بقلة الأمطار في وقت قد عودهم فيه تعالى ~~المطر، وبضرب الزروع والثمار بالآفات، وينسب رخصه إليه تعالى حقيقة إذا ~~أراد تعالى الخيرات بالأمطار في أوقاتها من الصيف والخريف والعياض وصرف ~~تعالى عنها الآفات، فلا ينسبان حقيقة إلا إلى الله تعالى، ولذا إنهم حين ~~شكوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غلاء السعر وأن يسعر لهم ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الله المسعر القابض الباسط)) فلم يفعل ~~صلى الله عليه وآله وقد ينسبان مجازا إلى التجار إذا أفاضوا ما عندهم في ~~وجه يسر ويقال: عسر، وقد ينسب مجازا الغلاء إليهم إذا احتكروا ما في أيدي ~~أهل بلد وقبضوا خوف العسر، فيكلفون البيع لا التسعير حيث خشي التلف أو ~~الضرر، وإنما قلنا مجازا في حقهم الرخص والغلاء؛ لأنهم لا يقدرون بمنع رزق ~~الله تعالى ولا ببسطه، بل ذلك كله إلى الله تعالى بسط رزقه تعالى ~~وقبضه، ولذلك ذم الله تعالى من قال أن الرزق والغنى يخليه من الكفار حيث ~~حكى تعالى ما وعظ به العلماء قارون بقوله تعالى بعد إتيانه تعالى له ~~أعني قارون ما حكى بقوله تعالى: {وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة} فلم يؤدي حق ذلك من الشكر والاعتراف لله تعالى بأنه ~~من فضل الله، فلما PageV03P152 رأى ذلك علما قومه منه وعظوه ووعظه صالحهم ms523 وغيره، وأنكر عليه جميعهم؛ لأن ~~كل مسلم ينكر على من جحد نعمة الله تعالى ونسبها إلى نفسه وحيلته ولم ~~ينسبها إلى الله تعالى، فوعظه قومه بما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: ~~{إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله ~~الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ ~~الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} ثم حكى الله تعالى جواب قارون ~~لعنه الله تعالى لكلام أهل الوعظ ذاما تعالى لقارون لعنه الله تعالى ~~بسبب نسبة قارون ما أتاه الله تعالى إلى نفسه ولم يشكر لله تعالى ~~النعمة ويترك البغي على موسى عليه السلام والكذب عليه والفخر والخيلاء ~~وأخبر تعالى بكفر قارون بذلك فخسف به الأرض بتعجيل عقوبة الله حيث لم يتب ~~من ذلك، فحكى تعالى جوابه لأهل الوعظ، ثم حين لم يتب ويمتثل ما قالوا فعل ~~تعالى به ما فعل تعالى بتعجيل عقوبة له، فقال تعالى حاكيا جواب قارون ~~للوعظ بقوله تعالى: {قال إنما أوتيته على علم عندي} ثم قال تعالى ذاما له ~~فقال تعالى: {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون} يعني تعالى: أولم يعلم قارون ~~أحوال من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا من المهلكين قبله فيتعظ قارون بما شاهد ~~من آثار من قد أهلكه الله تعالى من قبله، وكانوا أشد منه قوة PageV03P153 وأكثر جمعا من الأخدام والخول والأموال، فأهلكهم الله تعالى حين لم ~~يشكروا ولم يتبعوا الرسل، [170ب] ولم يسألهم تعالى عن ذنوبهم، بل عاقبهم ~~تعالى بها من غير رضاهم، وقهرهم تعالى بقوته ولم يؤاذنهم في العقاب على ~~ذنوبهم، فلو كان ابتداء النعم والأرزاق فعلهم وحيلتهم وليست لله تعالى ~~عليهم أصولها وفروعها مخلوقة له تعالى جميعها، فكان إذا هي لهم وقد قدروا ~~بزعمهم على ابتدائها فليقدروا على استمرارها ودفع زوالها وما نزل بهم حين ~~يريد الله تعالى انقضاءها، ms524 فإذا لم يقدروا على رد ما نزل بهم من زوالها، ~~فكيف ينسبون إلى أنفسهم وحيلتهم خلقها وابتداءها، إذ من قدر على الابتداء ~~قدر على حفظ ما ابتداه، فإذا لم يقدر على حفظه عرف وعلم أن المبتدي له ~~غيره؛ فإذا لم يقدر العالم على حفظ النعم والأرزاق من الزوال بالموت ~~والآفات علموا قطعا أن الذي أزالها وهو الله تعالى هو الذي خلقها لهم ومن ~~بها عليهم ابتداء وليست بحيلتهم ولا خلقهم ولذا قال تعالى: {امشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه} ولم يقل تعالى: من رزقكم أنفسكم تعالى الله عن ~~مقالة المفترين ثم أخبر تعالى مشنعا على قارون لعنه الله تعالى بما حصل ~~فيه الوعظ من العتو والنفور والتكبر والفخر والرياء والمباهاة بما حكى ~~تعالى من فعله أي قارون بعد ذلك بقوله تعالى ذاما له مع عدم فعله لما ~~يجب منه عليه من الشكر للمنعم عليه به بقوله تعالى: {فخرج على قومه في زينته PageV03P154 قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلما أوتي قارون إنه لذو حظ ~~عظيم} وذلك أن قارون لما وعظه قومه أراهم تلك الزينة فينظر هل يحبون ما ~~يحب، وليظهر لهم التطاول عليهم وأنهم ليس لهم به قبل، وأنهم لو أرادوا ~~مباينته لم يقدروا لما هو عليه من الزينة بالمال والملك العظيم، فاختلف ~~الناس عند إظهار قارون للزينة بخروجه فيها، فقال تعالى حاكيا اختلافهم عند ~~ذلك وتأثير فعله في أهل الحياة الدنيا منهم بقوله تعالى: {قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا يا ليت لنا مثلما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين ~~أوتوا العلم والإيمان ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها ~~إلا الصابرون}(1) ثم حكى تعالى ما فعله تعالى من الخسف عقوبة لقارون على ~~بغيه على رسوله موسى عليه السلام وكذبه عليه، وافتخاره، ونسبته النعمة ~~إلى علمه وحيلته، وكان ابن عم موسى عليه السلام فباين موسى وظلمه، وافتخر ~~وتكبر، وعتا وتجبر، ففعل الله تعالى به ما فعل}ولعذاب الآخرة أشد وأكبر} ~~فأخبر تعالى بذلك الذي ms525 فعله بقارون فقال تعالى حاكيا لذلك بقوله تعالى: ~~{فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من ~~المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون وي كأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا وي كأنه لا يفلح ~~الكافرون}[171أ] فلما عاين غير العلماء من قومه ما حصل به من العقاب على PageV03P155 مخالفة رسول الله موسى عليه السلام وعلى افتخاره بالزينة، وعلى نسبته ~~النعمة إلى علمه وحيلته، قالوا ما حكى الله تعالى عنهم وشرحوا صدورهم ~~بالفقر مع السلامة، وأقروا بمغبة الملك والزينة إذا لم يشكر الإنسان عليها، ~~ويعترف أنها من فضل الله تعالى أصلها وفرعها ليس له في إيجاد أعيانها من ~~العدم حيلة ويتبع الرسل طاعة لله تعالى، ولا يتكبر عليهم، فذلك كفر، ونسبة ~~النعمة من الرزق وغيره من الله تعالى، وإخراج عين ذلك الرزق إلى الوجود بعد ~~العدم إلى حيلة الإنسان كفر، والكبر والتفاخر بالأموال والأولاد والخدم ~~والزيادة في الجسم على المساكين والفقراء وأهل النقائص كل ذلك حرام أو فسق ~~في بعضها ولذلك قال تعالى في آخر الآية مقررا لحكايته تعالى عنهم ما ~~قالوه من تكفيرهم قارون بذلك الذي فعل بقوله تعالى: {وي كأنه لا يفلح ~~الكافرون}. # ونحن معترفون له تعالى بخلق أصول النعم والأرزاق وفروع ذلك من العدم وليس ~~لنا في ذلك إلا أخذه من حيث خلقه، أو أخذه من الآخذ له من حيث خلقه تعالى. # وفي هذا كفاية، وصلى الله على سيد الرسل وسيدنا وأبينا محمد المصطفى وآله وسلم. PageV03P156 # دلت هذه الآيات على تحريم أفعال الملوك من إظهار ما معهم من الزينة ليرهبوا ~~بذلك على الدعاة إلى الخير من الأئمة السابقين والمقتصدين، والعلماء ~~الراشدين، والمساكين من المؤمنين، كفعل قارون من إظهار الزينة، وعلى تحريم ~~نسبة الرزق إلى نفس الإنسان وحيلته باعتبار تحصيله وخلقه لذمه تعالى ~~قارون على ذلك بقوله تعالى حاكيا: {قال إنما أوتيته على علم عندي...الآية} ~~وذلك كفر إجماعا، وعلى تحريم إظهار الزينة ms526 وفعلها، والتزين بما حرمه الله ~~تعالى من المفاخرة والمكاثرة، وعلى تحريم المناظرة لأحوال أهل الدنيا ~~بقوله تعالى ذاما لأهلها حاكيا: {قال الذين يريدون الحياة الدنيا...الآية} ~~وعلى تحريم مخالفة الدعاة إلى الخير من العلماء والأئمة فيما دعوا إليه من ~~الخير بقوله تعالى في أول الآيات ذاما لقارون ومكفرا له لأجل ذلك: {إن ~~قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم} وعلى تحريم مقابلة إحسان الواعظ بما يرد ~~وعظه ويبطل تأثيره كل التأثير من الحيل والاعتراض والاستهزاء بقلة بصره أو ~~بفقره أو بقصوره عن الموعوظ في الجسم والمال والجاه لما حكى الله تعالى من ~~تحريم ذلك وذمه تعالى لقارون على ذلك بقوله تعالى ذاما له حين قابل وعظهم ~~له ودعاهم له إلى الخير فقال تعالى في ذلك حاكيا: {فخرج على قومه في ~~زينته...الآية} وذلك إجماع نعوذ بالله من ذلك كله وهو مع كثير، ونستغفر ~~الله ونتوب إليه من كل ذنب، ونسأله التوفيق وحسن الخاتمة آمين، وصلى الله ~~على أبينا PageV03P157 محمد وسيدنا وآله وسلم. # فصل # وكذلك العلم لا تحل نسبته باعتبار خلقه وخلق ما به يحصل من العقل والقدرة ~~إلى فعل العبد وحيلته، فمن نسبه كذلك فهو كافر عقلا وسمعا إجماعا، [171ب] ~~ويدل على ذلك وفيه بعينه وبطلان تلك الدعوى قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء}(1) وقوله تعالى: {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم ~~عليم}(2) وقوله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى}(3) وقوله تعالى: {أومن كان ميتا ~~فأحييناه}(4) أي: ميتا بالجهل وبكونه ترابا، ونطفة، وعلقة، ومضغة، وعظاما ~~مكسوة لحما، كل ذلك خلقا منا ولكنه في تلك الحال ميتا فأحييناه بالروح بعد ~~ذلك، وعلمناه من العلم ما يخرجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم بالحق، فيعني ~~تعالى أومن كان ميتا بعدم الروح التي خلق تعالى منها الحياة، وميتا ~~بالجهل بعد إحيائه تعالى له بالروح فأحييناه بالعلم وبالروح قبل تعلمه ~~العلم، ولذا قال تعالى بعد ذلك: {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} والنور ~~نور العلم بأصول الدين وفروعه من كتاب الله ms527 تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من غير تقليد. PageV03P158 # قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور}(1) تبارك ربنا وتعالى إلهنا العالم بكل شيء من غير تعليم، المؤتي ~~لكل ذي فضل فضله، الرحمن الرحيم. # وتجوز نسبة العلم إلى المخلوق باعتبار تبليغه ما علم منه وحفظه له حقيقة ~~لا باعتبار أنه خلقه وأوجده وأنه من حيلته وجوده وخلقه أصله أو فرعه فذلك ~~كفر إجماعا ورد لقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} ومن رد ~~آية كفر إجماعا، وفي نسبة العلم إلى أهله بذلك المعنى أي: باعتبار حفظه ~~وتبليغه ومعرفته قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون}(2) وقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}(3) ~~فنسبته إليهم حقيقة باعتبار أنهم عرفوه جائزة وواجبة لنسبته تعالى إياه ~~إليهم بهذا المعنى في هذه الآيات بقوله تعالى: {كونوا ربانيين...الآية}، ~~وبقوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} لا باعتبار أنهم خلقوه أو ~~خلقوا ما به حصل من القدرة والعقل، فذلك كفر إجماعا ورد لقوله تعالى: {ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} وفيه ما قدمنا من الأدلة الحاصرة لذلك، ~~وفي هذا كفاية، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # فصل PageV03P159 ونسبة العافية إلى الله تعالى حقيقة وإلى الأدوية مجازا إذا حصلت من الله ~~تعالى بعدها العافية، ويجوز نسبتها إلى الأدوية والأطباء مجازا باعتبار أن ~~هذه الأشياء جرت مجرى السبب لما أعطى تعالى ما يحب العبد من الشفاء بعدها ~~أو شفع تعالى القرآن أو صالحا في دعوته بذلك، فنسبت إليهم العافية مجازا ~~من باب نسبة المسبب إلى السبب، ولا يجوز جعل التأثير لها والنسبة إليها ~~حقيقة، فذلك كفر إجماعا ورد لقوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} وذلك ms528 ~~كفر لا شك فيه ورد لقوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء}(1). # فصل PageV03P160 وتنسب تولية [172أ] الصالحين والأنبياء عليهم السلام والأوصياء والأئمة ~~السابقين ومن حذى حذوهم من المؤمنين إلى الله تعالى حقيقة، وكذلك علماء أهل ~~البيت المطهرين عترة محمد المصطفى وذريته إلى يوم الدين تنسب تولية أولئك ~~إلى الله تعالى حقيقة باعتبار أنه تعالى جعلها لهم ورضيها لهم، ومكنهم ~~فيها بما جعل تعالى فيهم من العقل والقدرة، وعلمهم تعالى من العلم ~~بأصول الدين وفروعه من كتابه تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مع العمل بما علموا، فبعد ذلك حكم تعالى لهم على الخلق بالملك، وحصره ~~تعالى في العالم العامل بالكتاب والسنة بعد الرسول محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم من عترته وأهل بيته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته ~~فاطمة الزهراء عليها السلام من غير واسطة مخلوق إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بالتأسي به والأخذ عنه صلى الله عليه وآله وسلم وفي ~~غيرهم بواسطتهم وتوليتهم بشرط العلم والعمل. PageV03P161 # وفي أهل البيت محمد المصطفى سيد الرسل عترته وذريته من ابنته فاطمة الزهراء ~~إلى يوم الدين من الأدلة القاطعة كحديث السفينة، وإني تارك فيكم، وآيات ~~الاصطفاء، وآية التطهير، وآية المودة، وطهارة الذرية ما يدل بصريحه قطعا ~~بأنهم الذين حكم الله تعالى لهم بالملك والتصرف فيه بمقتضى كتابه تعالى ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة أبيهم رسول الله محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم دون غيرهم إلى يوم القيامة، وأنهم الذين ~~شاء الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم الملك من الناس والجان بعد رسوله ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي ذلك يقول الله تعالى: {قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء}(1) أي: تحكم به لمن تشاء ممن لا يخالفك فيه أبدا ~~أو يتوب بعد المخالفة وهم رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ~~والأنبياء قبله عليه السلام وعليهم وأهل بيت رسول الله محمد صلى الله ms529 ~~عليه وآله وسلم لا يخالف جماعتهم الحق قطعا ولا المعصوم منهم ولو فردا، ~~فهم الذين يشاء الله أن يؤتيهم الملك المرضي الذي يرضاه تعالى؛ وهو ملك ~~الدعاء إلى الخير، والتحذير عن الشر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ~~وحكم لهم تعالى به في كتابه تعالى وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم {وتنزع الملك ممن تشاء} يعني تعالى يحكم بنزعه ممن أراد أخذه ~~بالتخلية والقهر والغلبة لأهله الذين هم رسول الله محمد صلى الله PageV03P162 عليه وآله وسلم والأنبياء من قبله وأهل بيت رسول الله محمد المصطفى وعترته ~~وذريته من ابنته فاطمة الزهراء إلى يوم الدين كائنا من كان، وممن ظلم منهم ~~بتعدي حدوده ومخالفة كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن حكم ~~في الرعايا بغير حكمك وفي ذلك يقول الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. # وفي الغاصبين الولاية على أهل بيت رسول الله محمد المصطفى عترته صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعد معرفة حقهم وهو معلوم ضرورة. # وفي غيرهم من الظلمة يقول الله تعالى فيهم: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة ~~الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار}(1) ويقول ~~تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}(2). # وفيمن ظلم من أهل البيت عليهم السلام وخالف حكم الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في الرعايا في بطلان حقه حتى يتوب ويرجع إلى حكمه ~~تعالى، [172ب] ففيه يقول تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. # وعن علي أمير المؤمنين عليه السلام قال: حق على الإمام أن يحكم بما ~~أنزل الله تعالى، وأن يعدل في الرعية، فإذا فعل ذلك فحق عليهم أن يسمعوا ~~ويطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا، وأيما إمام لم يحكم بما أنزل الله تعالى فلا ~~طاعة له. # وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أيما والي احتجب من حوائج الناس احتجب الله منه يوم القيامة))(3). وينزعه ~~أيضا من الأولين بالموت. PageV03P163 # فإن قلت: إن الظلمة يتولون ويتغلبون ويتصرفون وقد يقتلون الدعاة ms530 إلى الخير ~~ويذودونهم عن البلاد، ويقهرون العباد، فما تقول في ولايتهم وأنت تعلم أن من ~~عدل الله تعالى وأفعاله كلها عدل وحكمة من أنكر كفر إجماعا ألا يحكم لهم ~~بولاية قطعا؟ # قلت: نعم من عدل الله تعالى وأفعاله كلها عدل وحكمة من أنكر ذلك كفر ~~وافترى إجماعا أن لا يحكم لهم بولاية أبدا وهم مقيمون على الظلم، وفي ذلك ~~يقول الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} ولكن الله تعالى لم يمنعهم منع ~~قهر وغلبة وإبطال قوى، بل خلى تعالى بينهم وبين العباد، وأمر تعالى ~~العباد بالنصرة للمحق وقتالهم امتحانا لهم وتمحيصا للمؤمنين منهم وعقوبة ~~لمن خذل المحقين وتخلف عن إجابتهم بهم من غير أن يرضى تعالى بولايتهم ~~حاشاه تعالى وقد نفى تعالى نفيا جازما بقوله تعالى: {لا ينال عهدي ~~الظالمين} فيتقوى عن الظلمة على العباد بتلك التخلية، فأمر الله تعالى ~~العباد بدفعهم ووعدهم بالنصر إن نصروه سبحانه وتعالى، فقال تعالى في ذلك: ~~{يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}(1) فلم يفعل ~~كلهم، فخلى تعالى بينهم وبينهم، ومنع تعالى المحقين القليلين بالشهادة ~~إلى الجنة أو منعة من الله في الحياة الدنيا، ولا تزال طائفة أهل البيت ~~عليهم السلام على الحق إلى يوم القيامة إلا من ضل من جهلة الأمراء غير ~~الأئمة فهذه تخلية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وكذلك PageV03P164 نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون}(1) أي: نخلي بينهم ولا ننصر أيهم ~~على الآخر إلا من ظلم ورجع إلى الحق واستجار بنا منهم وباينهم ورجع إلى ~~الحق فإنا نتولاه بالنصرة دونهم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أعان ~~ظالما أغري به))(2) فنسبة توليتهم إلى الله تعالى مجازا نسبة تخلية من ~~باب السبب والمسبب أي: تخليته تعالى بينهم ومنعهم بالقول منه تعالى دون ~~القهر يكون ذلك ذريعة إلى أخذ الملك لا حكما ورضا منه تعالى بهم فحاشاه ~~تعالى، وقد قال تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} بل حكم تعالى بنزعه منهم ~~وأن ليس لهم فيه نصيب بقوله تعالى: {لا ms531 ينال عهدي الظالمين} وقوله تعالى: ~~{وتعز من تشاء} يعني تعالى تحكم له بالعز بطاعتك والجهاد للظالمين ابتغاء ~~وجهك، وقوله تعالى: {وتذل من تشاء} يعني تعالى تحكم عليه بالذل بسبب ~~معصيته لك، وخذلان أوليائك، والافتخار على الأخيار من عبادك، وإنكار فضيلة ~~أوليائك وأهل بيت نبيك، وقوله تعالى: {وترزق من تشاء بغير حساب[173أ]} لهم ~~والمستحق في الآخرة الصابرين على التقوى مع أنواع البلايا في الحياة الدنيا ~~وفي الحياة الدنيا بالحكم للملائكة والأنبياء والأوصياء وذرية رسول الله ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته بالإمامة والتفضيل والتشريف على ~~غيرهم من أمته صلى الله عليه وآله وسلم كل في منزلته عنده تعالى بغير ~~حساب بأن يحاسبهم تعالى مع الصلاح الذي فيهم حساب PageV03P165 أهل النار ومؤاخذتهم بسبب ما زاد لهم تعالى من الفضيلة حيث لم يفعلوا ~~بسببها إلا مثل ما افترض تعالى على غيرهم أو ما افترض عليهم مع تلك ~~الفضيلة العظمى والمحل الأسنى، فله الحمد كثيرا. # ومن التقديم لهم على الخاص والعام والأجر في الآخرة بغير حساب؛ لأن ~~الأنبياء عليهم السلام أشد الناس بلاء في الحياة الدنيا وأعظمهم صبرا ~~فيها ورضى، ثم الأوصياء، ثم صالحي أهل بيت رسول الله محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم ثم المؤمنين على حسب حكمته تعالى في ذلك، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}(1) ويقول تعالى: {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب}(2) وغير ذلك من الآيات والأحاديث. # فصل # وكل عاقل عربي يعرف معاني القرآن من ظاهره مع التدبر لمعانيه ويعرفه ~~العجم إذا عرف الكلمة العربية منه ما هي في اللغة العجمية وذلك لجلائه ~~وكونه تعالى أنزله على أفصح اللغة العربية المتداولة بين العرب المأنوسة ~~وهو على ظاهره إجماعا إلا لدليل قاطع منه أي القرآن أو السنة المتواترة ~~والمحكمة، يوجب تأويله على خلاف ظاهره باعتبار تقييد، كالإيمان في رقبة ~~كفارة القتل الخطأ ونقصره على أحد معانيه الظاهرة كقوله تعالى: {وجوه يومئذ ~~ناظرة إلى ربها ناظرة}(3) فيقصر على الانتظار دون نظر المشاهدة والمقابلة ~~لقوله تعالى: {لا تدركه ms532 الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}. # فصل PageV03P166 وإن كان القرآن يعرف معانيه كل عاقل، فأما تأويله ورد معانيه ورد الحوادث ~~إليه وعمومه وخصوصه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومبينه ومطلقه ومقيده وكيفية ~~النسخ وحقيقته وما يصح نسخه منه وما لا يصح وفيما يحمل الأمر على الندب ~~والسنة أو الإباحةوالاستحباب وفيما يحمل النهي على الكراهة أو الحظر، وأين ~~يعذر المكلف عن شيء من الواجبات ويرخص له في ذلك وجوبا أو إباحة، وأين لا ~~يجوز الأخذ بالعذر وأين يجوز، فذلك كله إلى الله تعالى وإلى الراسخين في ~~العلم وذلك لقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب * ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} فدلت هذه ~~الآيات بصريحها على أن في القرآن محكما في المعنى والمتن، ومتشابها في ~~المعنى دون المتن، ودلت بصريح قوله تعالى فيها بعد قوله تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} دال على أن العلماء صنفان، صنف زاغت قلوبهم عن اتباع الحق بعد ~~الإسلام [173ب]والمعرفة واتبعوا المتشابه وتعسفوا تأويل المحكم ليحملوه على ~~ظاهره فلم يقدروا على ذلك إلا لمخالفة الحق والكفر والفسق {ابتغاء الفتنة} ~~أي: فترتب على ذلك PageV03P167 ابتغاء الفتنة لأنفسهم ولمن اتبعهم، وصاروا هم وأتباعهم من الذين قال الله ~~تعالى فيهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ~~واتخذوا آياتي ورسلي هزوا}(1) ومن الذين قال تعالى فيهم: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين ms533 ~~اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}(2) ومن الذين قال تعالى فيهم: {ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على عقبيه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين * يدعو من دون ~~الله}(3) أي: بسبب مخالفته للتأويل الصحيح الذي أمره الله تعالى به ودله ~~تعالى على أهله من الراسخين في العلم من رسول الله محمد المصطفى وأهل بيت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عترته وذريته يدعو ذلك المخالف في ~~التأويل القاضي بكفره أو فسقه وكذلك غيره من عبدة غير الله تعالى بعد ~~دخولهم في الإسلام ثم ارتدوا عنه إلى الكفر لما أصابهم في الإسلام من فتنة ~~التكاليف والفقر {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير} ~~وعلماء السوء أهل الزيغ وغيرهم ممن ذكرنا من المرتدين عن الإسلام من ~~التكاليف PageV03P168 ونحوها، هم الذين عبدوا الله على حرف، فلما أصابهم وجوب اتباع آل رسول الله ~~محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ارتدوا عنه إلى الكفر لما أصابهم ~~في الإسلام من فتنة التكاليف والفقر واتباع التأويل الذي أهل البيت عليه ~~عليهم السلام وهو التأويل الذي أمر الله تعالى به، فعد أهل الزيغ الاتباع ~~فتنة وانقلبوا على وجوههم إلى اتباع غير أهل الحق، ودخلوا بذلك فيمن خسروا ~~الدنيا والآخرة ممن عرف الإسلام الصحيح وتركه أو يرد بعض أحكامه الواجبة ~~قطعا تكبرا على أهله وخشية أن يكون معه فتنة الاتباع لهم ذلك أي خسران ~~الدنيا والآخرة هو الخسران المبين، وحسبوا أنهم هم ومن اتبعوا من شيوخهم ~~يحسنون الصنع وقد خالفوا الحق ويوم القيامة يهلك التابع والمتبوع، ويتبرأ ~~المتبعون من التابعين فنعوذ بالله من الضلال المبين ثم قال تعالى: {وما ~~يعلم تأويله} يعني تعالى على الوجه المخلص من ابتاع غير الحق ومن كفر ~~وفسق. {إلا الله} أي: فهو تعالى بكل شيء عليم، ثم أخبر تعالى بالصنف ~~الثاني من العلماء ms534 المرضيين عنده، المصطفين المختارين فقال تعالى: ~~{والراسخون في العلم} يعني تعالى يعلمون تأويله على الوجه الذي أخبرهم الله ~~تعالى به أنه تعالى يؤوله عليه {والراسخون في العلم} الثابتون فيه، ~~العاملون به في كل حادث، العارفون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الناظرون ببواطن عقولهم، والمتبعون ~~[174أ] أحسن القول PageV03P169 ممن شهد الله تعالى ورسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالعصمة ~~وأن الحق معهم إلى يوم القيامة بقوله تعالى: {إنما يريد الله أن ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(1) وحديث السفينة، وإني تارك فيكم من أهل ~~بيت رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وعترته إلى يوم القيامة ~~سلفا بعد خلف كذلك إلى يوم القيامة، فهم وأبوهم رسول الله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم الراسخون في العلم بشهادة الله تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى إن الرسخون في العلم الذين ~~هم أولئك رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيت رسول الله محمد ~~المصطفى صلى الله عليه وعليهم أجمعين يؤمنون ويصدقون بالمحكم والمتشابه ~~ويعتقدونه كما أمرهم الله تعالى به من الاعتقاد مصلحة وحكمة وصوابا من عند ~~الله تعالى كله محكمه ومتشابهه، فقال تعالى في ذلك: {يقولون آمنا به} أي: ~~صدقناه واعتقدناه أن فيه حكمة واختبارا ومصلحة وتبيينا للفضل من المفضول ~~ولأهل الزيغ من العلماء من أهل الثبوت منهم {كل من عند ربنا} أي:محكمه ~~ومتشابهه أنزله تعالى وهو تعالى عليم حكيم لا يفعل إلا حكمة وإحكاما ~~وعدلا وصوابا، ومصلحة واستحقاقا تبارك وتعالى، ثم قال تعالى: {وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب} أي: ما يذكر ما يريد الله تعالى من التأويل الصحيح {إلا ~~أولوا الألباب} أي: أهل العقول المستعملون لها في مراد الله تعالى PageV03P170 لا المتجانفين إلى الشبهة الآخذون بالمعاذير، الظانون ظن السوء من علماء ~~السوء، ثم أمر تعالى بالدعاء بالاستقامة على التأويل الصحيح وأن لا يحصل ~~خذلان بفعل العبد يوقعه في الزيغ واتباع المتشابه في ms535 كل معانيه، فقال تعالى ~~آمرا للراسخين في العلم بالدعاء بذلك فقال تعالى في ذلك آمرا لهم ليثبتوا: ~~{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} يعني تعالى: لا تزغها عن اتباع الحق ~~بعد إذ هديتنا بالعقول والتبيين لطريق الحق ومن هو معه من رسولك محمد ~~المصطفى وأهل بيته وعترته وذريته صلى الله عليه وآله {وهبنا لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب} أي: هب لنا من لدنك رحمة بتوفيقك لنا بالثبوت على ما ~~تحب من الحق {إنك أنت الوهاب} أي: لكل خير في الدنيا والآخرة، فأصل الخير ~~وفرعه منك، وكل شيء فهو من العبيد تبارك الله وتعالى رب العالمين الرحمن ~~الرحيم. # فصل PageV03P171 في أشياء استأثر الله تعالى بعلم حصولها في أي وقت على كل مخلوق ملك أو نبي ~~أو غيرهما وغيرها يطلع الله تعالى الملائكة والأنبياء على ما يشاء تعالى، ~~ويفاضل تعالى بينهم في ذلك على ما يشاء، وإطلاعهم بالوحي منه تعالى ~~إليهم على أنواعه غير مشافهة له تعالى وكيفية نزول الوحي إلى الأنبياء ~~عليهم السلام على ما روى لنا آباؤنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه سأل جبريل عليه السلام كيف يأخذ ذلك، فقال: آخذه من ملك فوقي، ويأخذه ~~الملك من ملك فوقه، فقال: كيف يأخذه ذلك الملك ويعلمه؟ فقال جبريل عليه ~~السلام يلقيه الله في قلبه إلقاء ويلهمه إياه إلهاما. # إن قيل: إن الله تعالى أنزل القرآن جملة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ~~قال تعالى في ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أنزلناه في ليلة القدر}. PageV03P172 # قلنا: لا يمتنع الجمع بين ذينك الدليلين وهو أن الله تعالى ينزله [174ب] ~~تعالى جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم يوحي تعالى بإنزاله إلى النبي ~~محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على حسب الحوائج للإنس والجن ~~والحوادث، والحكمة بذلك التنزيل الأول من أنه تعالى يلقيه في قلب الملك ~~الفوقاني ويلهمه بما يؤخذ من القرآن من تلك الجملة وما يكفي الحاجة لينزل ~~إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والملك ms536 يخبر الملك الثاني ما يأخذ من ~~تلك الجملة للحاجة، والملك الثاني يخبر جبريل عليه السلام ما يؤخذ منها ~~وينزل به جبريل عليه السلام إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما السنة فعلى التنزيل الأول، وكذلك كتب سائر الأنبياء، لكنها الأغلب ~~على نزولها إليهم جملة غير مفرقة ولم يتوفى الله تعالى رسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم حتى قد كملت إليه تلك الجملة مفرقة على حسب ما علم الله ~~تعالى من الحكمة قال تعالى في ذلك: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(1). PageV03P173 # وأما غير الأنبياء فيأخذون عن الأنبياء عليهم السلام ما قدروا عليه من ~~علمهم، وأفضل البشر وأعلمهم وأفضل الأنبياء وأعلمهم رسول الله محمد المصطفى ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأفضل البشر وأعلمهم بعده صلى الله عليه وآله ~~وسلم وبعد الأنبياء عليهم السلام عترته ووصيه وأهل بيته وذريته صلى ~~الله عليه وآله وسلم سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة لآية التطهير وآية ~~الاصطفاء والوراثة وآية المودة وحديث السفينة وإني تارك فيكم وغير ذلك من ~~الأدلة المصرحة بأن عترة رسول الله محمد المصطفى وذريته صلى الله عليه ~~وآله وسلم أعلم الناس بعد الأنبياء عليهم السلام وأفضلهم كذلك عليهم ~~السلام ووضعه بإذنه تعالى. # رجع الكلام إلى تبيين ما لا يعلم حصوله في أي وقت قبل حصوله إلا الله تعالى: # الأول: حصول الساعة في أي وقت، فلا يعلم ذلك الوقت قبل حصولها وبعد ~~إقامته تعالى لها فيه إلا هو تعالى قال تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها}(1) وقال تعالى: {لا يجليها ~~لوقتها إلا هو}(2) وقال تعالى: {أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة}(3) ~~وقال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة}(4). # الثاني: نزول الغيث في أي وقت على التعيين قبل حصول الغيث لا يعلمه إلا ~~الله تعالى، قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث}(5). PageV03P174 # الثالث: علم ما في الأرحام بعد بينونة الحمل هل ذكر أو أنثى، تام أم ms537 ناقص، ~~بعيد الخروج عن العادة أو قريب، حي أو ميت، لا يعلمه قبل وضعه إلا الله ~~تعالى، قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام}(1). # الرابع: ما يحدث من فعل الله تعالى أو فعل الإنسان في غد وما يتم وما لا ~~يتم في المستقبل مما أراد الإنسان فعله، فلا يعلم ذلك قبل وقوعه إلا الله ~~تعالى، قال تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} وقال تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله}(2). # الخامس: حصول الموت في أي أرض وفي أي وقت، فلا يعلم ذلك قبل وقوع الموت ~~إلا الله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت}(3) وقال [175أ] تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}(4) فمن ~~ادعى من الخلق المكلف علم وقت حصول أي هذه الخمس قبل حصوله كفر إجماعا، ومن ~~أنكر حصولها في الوقت المعلوم عند الله تعالى من فعله تعالى كفر إجماعا. PageV03P175 # السادس: علم كيفية الروح التي بها حياة المخلوق الحي بإذن الله تعالى، فلا ~~يعلم كيفيتها وصورتها إلا الله تعالى، قال تعالى في ذلك: {ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} {من أمر ربي} ~~أي: شيء مصور مخلوق محدود من صنع ربي تعالى لم يطلع تعالى الخلق على ~~كيفية ذلك الروح، سبحان الله وتعالى رب العالمين الرحمن الرحيم، العليم ~~الحكيم. # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيد الأولين والآخرين محمد المصطفى وآله الطاهرين ~~المطهرين. # باب في تحريم مخالفة من شهد الله تعالى ورسوله محمد المصطفى له بطهارته ~~واصطفائه PageV03P176 ووجوب مودته والرد إليه في المتنازع، ومن قرن تعالى طاعته بطاعته تعالى ~~وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بآية التطهير وهي قوله تعالى: {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم ms538 الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}(1) وهي في الخمسة ~~وذراريهم إلى يوم القيامة وانقطاع التكليف بزوالهم من على وجه الأرض ~~إجماعا، وبحديث الكساء، وآية الاصطفاء والوراثة وهي قوله تعالى: {ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير}(2) وهي في رسول الله محمد المصطفى ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعترته وأهل بيته وذريته صلى الله عليه وآله ~~وسلم ابنته فاطمة الزهراء وذريته صلى الله عليه وآله وسلم منها سلفا بعد ~~خلف منها عليها السلام ومنهم إلى يوم القيامة إجماعا، ومن ظلم نفسه من ~~التسول المتأخر من الأفراد فإثمه على نفسه حتى يتوب، ولا يحل أن يؤاخذ غيره ~~بجرمه إجماعا لقوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}(3) ولقوله تعالى: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى}(4) وآية الرد وهي قوله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم}(5) وهم أهل البيت ذرية محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته سلفا بعد خلف منهم إلى PageV03P177 يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم هم أولو الأمر، والأمر من الأمن أو ~~الخوف أي أمر منهما إلى يوم القيامة، وإنما قلنا: هم أولو الأمر المقصودون ~~في الآية بالرد إليهم لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(1) وليس أمراء السرايا مقصودين في ~~الاستنباط لأحكام الكتاب والسنة في كل أمر الأمة بالإجماع إلا أن يكونوا ~~ممن قرن الله تعالى طاعته تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بطاعته من العلماء العاملين من أهل البيت المطهرين، وذرية سيد المرسلين، ~~الذين شهد الله تعالى بعصمتهم، وفرض تعالى مودتهم، واصطفاهم لإرث ~~كتابه، فهم الذين يستنبطون أحكام كل حادثة أمر خوف أو أمن من الكتاب والسنة ~~هم وأبوهم رسول الله [175ب] محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P178 # وقوله تعالى: {فإن تنازعتم ms539 في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}(1) والمقصود كتاب الله تعالى ~~ورسوله [صلى الله عليه وآله وسلم] إن كان حيا وسنته المعروضة على القرآن إن ~~كان ميتا، وهم أهل البيت عترة رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله ~~وسلم وذريته إلى يوم القيامة هم أهل كتاب الله تعالى إجماعا، وأهل السنة ~~المعروضة إجماعا ومن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطهارة ~~ودعا لهم بها في حديث الكساء، وشهد أنهم على الحق وأنهم قرناء القرآن لا ~~يخالفونه إلى يوم القيامة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ~~ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن ~~اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))(2) وقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها ~~غرق وهوى))(3) وغير هذا من الآيات، كقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون}(4) وهم أهل الذكر بإجماعهم ومن تبعهم، وهو حجة قاطعة، وهم ~~من أهل الذكر بإجماع الأمة معهم وهو حجة قاطعة وغير هذا من الآيات، كآية ~~المباهلة وغيرها وغير هذا من الأحاديث. PageV03P179 # قوله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته وذريته وعترته صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((قدموهم ولا تقدموهم، وتعلموا منهم ولا تعلموهم، ولا تخالفوهم ~~فتضلوا، ولا تشتموهم فتكفروا))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تعلموا أهل بيتي فإنهم أعلم ~~منكم))(2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:((إني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، ~~فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر ~~منهما كتاب الله سبب ما بين السماء والأرض طرف بيد الله وطرف بأيديكم، ~~فتمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، والأصغر منهما عترتي أهل بيتي، فقد نبأني ~~اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تعلموا أهل بيتي ~~فإنهم أعلم منكم، ولا تسبقوهم فتمرقوا، ولا تقصروا ms540 عنهم فتهلكوا، ولا ~~تتولوا غيرهم فتضلوا، أيها الناس أطيعوا قولي، واحفظوا وصيتي))(3) وغير هذا ~~من الأحاديث في علم أصول الدين وأصول الفقه وأصول الشرائع. PageV03P180 # والمعلوم من فروع الجميع بدليل قاطع والظني إذا أجمعوا عليه نقلا أو قال به ~~بعضهم وهو معصوم لما ذكرنا من الأدلة على نجاتهم وأن الحق معهم ونجاة ~~متبعهم إلى يوم القيامة من آية التطهير وغيرها من الآيات، وحديث السفينة ~~وغيره، كحديث: إني تارك فيكم مع ما نقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فهي ~~ناجية))(1) ودلت هذه الأدلة على أن الفرقة الناجية هم أهل بيت رسول الله ~~محمد وعترته وذريته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله ~~وسلم لأنا تصفحنا الحديث حديث: ((وستفترق)) وإذا سبب الهلاك الافتراق ~~والاختلاف في أصول الدين والمعلوم من فروعه وهو صلى الله عليه وآله وسلم ~~لا يكذب، [176أ] ووجدنا الأمة اختلفت في الدين أصوله وفروعه غاية الاختلاف ~~من بعد أن قبض الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى سفك ~~بعضهم دم بعض لأجل ذلك، وتصفحنا الآيات والأحاديث فوجدناها شاهدة بعصمة ~~رسول الله محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وعصمة عترته وذريته وأهل ~~بيته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم ~~لا يختلفون في أصول الدين ولا أصول الشرائع ولا فيما عليه دليل قطعي في ~~الفروع ولا في ظني، بل أجمع سلفهم فيه على معنى من معانيه أو أقروها كلها ~~حيث لا تنافي بينها ولا دليل يخص بعضها مع أنها نقل آحاد من حديث الآحاد PageV03P181 وإلا فهي قطعية إذا كانت مستوية المعاني غير متنافية، ولا يختلفون في شيء ~~قد رواه أحد المعصومين الأربعة بعد صحته لهم وإنما يختلفون فيما لا تهلكة ~~فيه عند الله تعالى وهو ما عدى هذا المذكور من اختلاف اجتهاد في دليل لم ~~يجمع سلفهم على خلاف ذلك الاجتهاد ولم يصح لهم ms541 فيه اجتهاد معصوم في فروع ~~الدين، وليس في هذا حرج من الله تعالى أبدا، ولا يعد صاحبه في الفرق ~~الهالكة إجماعا، وهذا التأويل في اختلافهم وإجماعهم على جوازه، وتأويلهم ~~كذلك اختلافهم سلفا بعد خلف منهمإلى يوم القيامة، ولا حرج فيه إجماعا، فيجب ~~الاجتماع على اتباع عترته صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وأهل بيته سلفا ~~بعد خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم على هذا التنزيل ~~في أصول الدين وفروعه، ولا يخالفوا في ذلك كذلك أبدا، وقد أوجب الله تعالى ~~اتباعهم والكون معهم بما قدمنا من الأدلة، ونزههم تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم بما قدمنا من الأدلة، وهو تعالى عدل حكيم لا يكذب ولا ~~يحل تكذيبه ومن كذبه تعالى كفر إجماعا، وجعل تعالى اتباعهم على ما هم ~~عليه والأخذ بما هم عليه على مثل ما قدمنا أصول دينه تعالى وفروعه وأنه ~~الدين المجتمع غير المفترق، وشيده تعالى ومدحه ولم يخرج به أهله بشيء من ~~الاختلاف على التنزيل المتقدم إلى الباطل أبدا، وذم تعالى الاختلاف في ~~الدين على غير النحو المتقدم كالاختلاف في الأصول وما عليه دليل PageV03P182 قاطع قطعي من الفروع أو أجمعت العترة على ظني من الفروع أو الأمة داخلة ~~فيهم العترة، فذم تعالى المختلفين فيه؛ لأنه لا برهان قاطع ولا ظني معمول ~~به في تصويبهم، وقد خالفوا من عنده الدليل القاطع القطعي أو الظني الصحيح ~~ممن أمرهم الله تعالى أن يكونوا على وفقه من أهل بيت نبيهم وعترته سلفا بعد ~~خلف منهم إلى يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم ففي ذم اختلافهم في ~~ذلك كذلك مخالفين للعترة المعصومين، وكذلك سائر فرق الأمم المخالفين لدين ~~أنبيائهم الآخذين بعضه والتاركين لبعض، كاليهود والنصارى وغيرهم، يقول الله ~~تعالى مخبرا بهلاكهم وأن رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس منهم في ~~شيء، وأن حسابهم إليه تعالى بما اجترحوا من مخالفته تعالى بترك اتباع من ~~أمرهم تعالى أن يحذوا حذوه من الرسل والأنبياء قبل وجوده صلى الله ms542 عليه ~~وآله وسلم والتزام الاتباع لمحمد [176ب] صلى الله عليه وآله وسلم ~~والتصديق به وبعترته وذريته سلفا بعد خلف منهم إلى يوم القيامة قبل وجوده ~~صلى الله عليه وآله وسلم وفيمن لحق وجوده صلى الله عليه وآله وسلم، -أعني ~~رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بترك اتباعه على كل حال علم عنه ~~صلى الله عليه وآله وسلم والحذو حذوه وترك اتباع عترته وذريته صلى الله ~~عليه وآله وسلم والحذو حذوهم بعده، فهم باب رسول الله محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم الذي يؤتى منه صلى الله عليه وآله وسلم PageV03P183 ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم باب الله تعالى الذي يؤتى دينه تعالى ~~منه وفي التاركين ذلك كذلك ومن أمروا بالاتباع له والحذو حذوه من رسوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وعترته وذريته وأهل بيته سلفا بعد خلف منهم إلى ~~يوم القيامة صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله تعالى في ذلك كله مخبرا ~~بهلاك المختلفين المخالفين كذلك: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}(1) أي: من ~~المعاندة لست منهم في شيء من أمر دينهم، ولا دينهم دينك الذي هو من الله ~~تعالى وهم، وهم الذين قالوا: نتبع بعض من أمرنا باتباعه ونترك بعضا، ونتبع ~~من الحق بعضا ونترك بعضا، فهؤلاء فرقوا دينهم بالتزام بعض وترك بعض، فإن ~~كان استحلالا أو يكفي الاعتقاد فذلك كفر إجماعا ولهذه الآية، ويقول تعالى ~~في وجوب الاجتماع في الدين على النحو المتقدم: {شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ~~ولا تتفرقوا فيه}(2) ثم قال تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}(3) ~~أي: من الدين واجتماعه، ثم قال تعالى: {يجتبي إليه من يشاء}(4) يعني تعالى ~~{يجتبي إليه من يشاء} يختار إليه إلى دينه تعالى المجتمع من يشاء تعالى ~~من يختار تعالى أن يصطفيه تعالى لدينه المجتمع غير المفترق بشرط ms543 أن ~~يختار ذلك الاختيار المكلف {ويهدي إليه من PageV03P184 ينيب} أي: يرجع إلى الدين المجتمع باختياره أي: المكلف {أن أقيموا الدين} ~~أي: أقيموا الدين عظموه حق تعظيمه وكونوا من أهله {ولا تتفرقوا فيه} أي: ~~فيما علمتم من أصوله وفروعه واجتمعوا عليه واجتهدوا فيها على مطابقة ما ~~أمركم الله به ولا تتبعوا أهواءكم في لذة مخالفة الله تعالى ومخالفة من ~~جعله الله تعالى عليكم حجة من رسله عليهم السلام وخاتم رسله رسوله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم خذوا عنه دينكم فإن دينه هو الذي شرعه الله لكم ~~وهو الدين الإسلامي المجتمع غير المفترق في أصوله وفروعه ما علم منه بدليل ~~معلوم هو الذي شرعه الله لكم على لسان رسوله محمد [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] وشرعه تعالى مجتمعا إسلاميا غير مفترق في أصل ولا فرع للأنبياء ~~عليهم السلام كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وذكر تعالى هؤلاء ~~وغيرهم من الأنبياء كذلك دينه ذكر البعض يدل على الكل، وهؤلاء أعني نوحا ~~وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام أكثر من خولف وأوذي، وهم من المشاهير ~~الكبار، فذكرهم تعالى عليهم السلام وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة ~~[177أ] فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}(1) فأخبر تعالى أن الاختلاف ~~بغيا وأن PageV03P185 هناك منهم فرقة هداهم تعالى للحق المختلف فيه لما لم يعاندوا ونظروا في ~~أحسن القول فاتبعوه ولم يخالفوا إلى الباطل بالأخذ بالشبهات والمعاذير ~~الكاذبة، فقال تعالى فيهم: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه}(1) أي: بتيسيره ولطفه حين التطفوا لإصابة الحق المختلف في إصابته ~~بالنظر السديد بما ركب تعالى فيهم من العقول وبين لهم على ألسنة الرسل ~~والأنبياء عليهم السلام وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((افترقت أمة أخي ~~موسى عليه السلام على ms544 إحدى وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فإنها ~~الناجية)) وقال تعالى في الفرقة الواحدة الناجية في قوم موسى -عليه السلام: ~~{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}(2) وهم الذين أسلموا، الذين ~~صدقوا برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعيسى وجميع الرسل، ~~والتزموا اتباعهما على حد ما أمرهم به الله تعالى على لسان رسوله موسى ~~عليه السلام في التوراة سواء لحقوا زمانه [صلى الله عليه وآله وسلم] كعبد ~~الله بن سلام أو لم يلحقوا، فهؤلاء الناجية من قوم موسى عليه السلام ~~وافترقت أمة أخي عيسى عليه السلام على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إلا ~~فرقة واحدة فإنها ناجية، وقال تعالى في النصارى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون}(3) يعني تعالى لا يستكبرون عن الدخول في الإسلام PageV03P186 واتباع رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان به صلى الله ~~عليه وآله وسلم ثم قال تعالى مخبرا بدخولهم في الإسلام وأحكامه: {وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ~~يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين}(1) والشاهدون هم أمة محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم والشاهدون بعده على أمته صلى الله عليه وآله وسلم فهم ~~عترته وذريته وأهل بيته صلى الله عليه وآله لآية التطهير وحديث السفينة ~~وإني تارك فيكم وغير ذلك، وهذه الفرقة من النصارى التي أسلمت هي الناجية، ~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة فإنها هي ~~الناجية -وفي رواية: فرقة في الجنة وسائرها في النار)) وقال تعالى في ~~الناجية من أمة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وممن خلقنا أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون}(2) ودلت آية التطهير وآية المودة وآية الاصطفاء ~~والوراثة وآية الرد وآية وأولي الأمر منكم وآية واسألوا أهل الذكر وآية ~~المودة وحديث السفينة وإني تارك فيكم وغير ذلك من الآيات والأحاديث ~~والإجماع. PageV03P187 # المعلوم أن الفرقة الناجية هم عترة رسول الله ms545 محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وذريته وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم سلفا بعد خلف إلى يوم ~~القيامة كما أن القرآن على الحق إلى يوم القيامة، [177ب] كذلك من أخبر الله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يفارقه إلى يوم القيامة وهم ~~عترة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذريته وأهل بيته كذلك صلى ~~الله عليه وآله وسلم هم الفرقة الناجية ومن تبعهم واقتدى بهم، والمخالف ~~لهم على النحو المتقدم هم الفرقة الضالة، وأمته صلى الله عليه وآله وسلم ~~فوق سبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة واحدة هم العترة الطاهرة عترة رسول ~~الله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] وذريته صلى الله عليه وآله وسلم ~~سلفا بعد خلف أهل كل عصر منهم إلى يوم القيامة وأهل بيته كذلك [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] فهم ومن تبعهم وحذا حذوهم وفضلهم الفرقة الناجية لما قدمنا ~~من الأدلة على نجاتهم، وغيرهم هالكون لما في الخبر السبعين الفرقة المعروض ~~المتواتر بين الأمة ولما في الآيات من تهليك المخالفين المختلفين في أصول ~~الدين المعلوم من فروعه، العاندين عن الفرقة الناجية من عترته صلى الله ~~عليه وآله وسلم وذريته سلفا بعد خلف وأهل كل عصر منهم إلى يوم القيامة ~~-فنعوذ بالله من الاختلاف في الدين على غير ما يرضيه تعالى، ونسأله ~~التوفيق، وكوننا من الذرية الطاهرة عملا كما قد جعلنا تعالى منها نسبا، PageV03P188 فله الحمد كثيرا والمنن، وصلى الله على سيد الرسل سيدنا محمد وآله وسلم، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # إن قيل: فقد قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك ~~خلقهم}(1) فلم يعب تعالى عليهم الخلاف في هذه الآية متصلا بها. # قلنا: ليس المقصود الخلاف المذموم وهو مخالفة ما علم من الدين والاختلاف ~~فيه، وإنما المقصود أن الله تعالى أخبر أنه خلقهم وأنهم لا يزالون مختلفين ~~باختيارهم، فمنهم عاص له تعالى باختيار العاصي، ومنهم مطيع له تعالى ~~باختيار المطيع، ثم قال تعالى: ms546 {ولذلك خلقهم} أي: ولأجل أنهم لا يجتمعون ~~على الكفر أو الفسق بل يعقدونه تعالى جميعا أو يختلفون، فبعضهم يختار ~~طاعته تعالى، وبعضهم يختار معصيته تعالى فيخالف العاصي المطيع ولا يجمع ~~معه على معصية الله تعالى فلذلك خلقهم تعالى أي: لأجل علمه تعالى أنهم أي ~~المكلفين لا يجتمعون على عصيانه تعالى، بل بعضهم يطيعه تعالى باختياره ~~خلقهم تعالى ولو علم تعالى أنهم لا يطيعونه كلهم ويجتمعون على الكفر أو ~~الفسق جميعهم لما خلقهم تعالى، إذ يكون خلقهم تعالى لخلاف ما أراد تعالى ~~منهم وهي العبادة والإثابة عليها قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون}(2) فلو علم تعالى أنه لا يعبده منهم أحد لما خلقهم، ولذلك قال ~~تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها}(3) وقال ~~تعالى للملائكة PageV03P189 عليهم السلام بعد قولهم ما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {قالوا أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون} يعني تعالى إني أعلم أن في من جعلته فيها خليفة وهو آدم عليه ~~السلام وذريته من لا يعصيني إلا وتاب أو لا يعصيني أبدا كبيرة عمدا أو ~~جرأة في دون الكبيرة كآدم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعلي أمير المؤمنين عليه السلام [178أ] وفاطمة سيدة النساء ابنة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد زوجة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وآسية بنت مزاحم بعد إسلامهما، والحسن ~~والحسين ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابني صنوه علي أمير ~~المؤمنين عليه السلام وجماعة ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~وعترته صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم وما ~~بين آدم ومحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] من الأنبياء عليهم السلام ~~وجماعة الأمة مع دخول العترة فيهم والأفراد غير من ذكر قد يعصي كبيرة ويتوب ~~فلا يخرج من طاعة مستمرا إذا تاب، ويعصي ms547 يختارا العناد أبدا. PageV03P190 # قوله تعالى: {إلا من رحم ربك}(1) أي: إلا الفرقة الناجية كالأنبياء عليهم ~~السلام وأتباعهم على كل حال ورسول الله محمد خاتمهم صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعترته وذريته إلى يوم القيامة ومتبعوهم على النحو المذكور، فهم لا ~~يختلفون اختلافا يقضي بكفر أو فسق فرحمهم الله تعالى باختيارهم مراده ~~تعالى من الحق الذي قد علموا أن ذلك هو الدين الذي أمرهم الله تعالى به، ~~فهم لا يختلفون فيه خلاف يعذب الله صاحبه بالنار، وهذا تحقيق هذا الباب، ~~والله الهادي إلى كل صواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، وتفسيرنا ~~هذا لهذه الآية مثل تفسير الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام. # باب فيما لا يحل أن يسمى به غير الله تعالى من الأسماء الحسنة PageV03P191 وذلك الله تعالى وشيء يفيد ليس كالأشياء، فلا يصح أن يقال في حق غير الله ~~تعالى ليس كالأشياء؛ لأنا وجدنا كلما يشاهد ويوجد من الأجسام والأعراض وإن ~~اختلف شيئان منها في صفة أو جنسية أو جسمية أو عرضية اتفقت ضرورة في صفة ~~أخرى ولا شيء يخالف الأشياء في جميع حدودها من جنسية في جسمية أو عرضية، ~~وكل علامة حدث إلا الله تعالى فليس جسما ولا عرضا تبارك وتعالى فهذه ~~عندنا هي عندنا أهل البيت عليهم السلام صفة الله الأخص التي لا يملكها ~~عليه مالك ولا يشاركه تعالى فيها مشارك، وهي صفة سلبية مع ثبوت ولم ~~يستحقها تعالى بأمر زائد على ذاته تعالى ولا لعلة، ولا لمعلول، ولا هي ~~صفة زائدة على ذاته، ولا نريد بها إلا اختصاصه تعالى بنفي جميع الصفات ~~التي تقضي بالحدث وعدم القدم والتجسيم والمقارنة وهي هذه التي ذكرها أبونا ~~نجم آل الرسول الإمام ترجمان الدين القاسم بن الإمام إبراهيم عليهم السلام ~~بهذا القول الذي ذكرناه لفظا أو ذكرناه معنى، ومن الحقيقة العرفية الدينية ~~غير المشتقة من الرقة لأن الرقة والحزن من صفات أهل الحاجات من المخلوقين ~~تعالى الله عنهما علوا كبيرا فمن الحقيقة العرفية الدينية غير مشتق من ms548 ~~الرقة الرحمن الرحيم، فرحمن لا يحل اسما لغير الله تعالى، وإطلاقه على غيره ~~أو الجلالة على غيره تعالى كفر وشرك إجماعا، والرحيم إن لم يضف فهو خاص ~~لله تعالى لا يحل إطلاقه على غيره تعالى وإن أضيف جاز مع PageV03P192 التعريف، فالرحيم بقومه ومع غيره كرحيم [178ب] بعشيرته. # ومن الأسماء التي لا يحل إطلاقها على غير الله تعالى: علام الغيوب، وعالم ~~الغيب والشهادة، وملك الملوك، وملك الأملاك، وأحسن الخالقين، وأكرم ~~الأكرمين، ورب العالمين، والمتكبر باعتبار مدح وأعظم العظماء، وأعلم ~~العلماء، وأحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء، وأكرم الأكرمين، وأكرم الكرماء ~~ونحو ذلك، والحي القيوم، ومن لا تأخذه سنة ولا نوم وباعتبار اجتماع صفات ~~مدح بعضها إلى بعض في قول واحد كقوله تعالى: {السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى}(1) التي في قوله تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم}(2). # ومن الأسماء التي لا يحل أن يسمى بها غير الله تعالى: أول بغير حد ولا ~~نهاية، وخالق غير مخلوق، ورب غير مربوب، وقاهر غير مقهور، ويجير ولا يجار ~~عليه، وعليم بغير أن يتعلم. # ومما يختص به تعالى من الأسماء ولا تحل لغيره تعالى مع اجتماعها، ~~وباعتبار ما دلت عليه على أبلغ حقائقها وإن أفرد بعضها عن بعض ما في قوله ~~تعالى من قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء ~~عليم}(3). PageV03P193 # ومما يختص به تعالى من الأسماء من غير أن يكون تعالى منتظما بجملة عدد ~~باعتبار أنه تعالى أحدهم في جسمية أو عرضية أو مثل أحدهم فيهما، بل ~~باعتبار علمه تعالى بهم وحفظه تعالى بذاته ما صدر منهم على أبلغ الوجوه ~~ما في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم}(1) وغير هذا ms549 كقوله تعالى: {الرزاق ~~ذو القوة المتين}(2) وقوله تعالى: {ذو الجلال والإكرام}(3) مجموع بعض هذين ~~الاسمين أعني ذو الجلال والإكرام والرزاق ذو القوة المتين لا يحل جمعهما ~~في قول واحد إلا في حق الله تعالى وغير هذا، وفي هذا كفاية لمن سلم العمى، ~~وتنكب سبيل الردى، وقدر الله خالقه ومولاه حق قدره، تبارك ربنا وتعالى الحي ~~القيوم، العزيز الحكيم، الكريم، الرحمن الرحيم، ذي الطول لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم، وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين وسيدنا أجمعين، ~~ومولانا ومالكنا وسيدنا محمد وآله الطاهرين المطهرين، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. # باب # في وجوب النظر في المخلوقات عند الغفلة PageV03P194 وعروض الشبهة،وقسوة القلب،ووساوس الشيطان بما لا يحل في حق الله العزيز ~~الجبار،الكبير المتعال، العليم الغفار، ذي العزة والسلطان، ذي الطول ~~والإحسان، والتفضل على الملائكة والإنس والجان، وكل مخلوق كائنا ما كان، ~~لينحاز قطعا بالنظر تلك الهيئات التي لو اعتقد المكلف وجودها أو صحتها كفر ~~بالرحمن، ودخل في الهوان والطغيان؛ فإذا نظر أطرف نظر بالعقل الحجة زال عنه ~~ذلك ولم يقدر أن يحصل فيه تأثير شيطان إنس ولا جان، وقد أمر الله تعالى ~~بالنظر والتفكر في تلك المصنوعات فرضا عند الخشية في الوقوع في خيال أهل ~~الأهواء والترهات، وسن تعالى [179أ] ذلك وندبه عند عدم الخشية، وبعد ~~المعرفة لله تعالى وكل التنزيهات، فقال تعالى في ذلك كذلك بعد قوله تعالى: ~~{وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}(1) آمرا لهم بالاستدلال ~~والنظر في أنه تعالى إلههم واحد لا شريك له وليس معه إله، وأنه الرحمن ~~الرحيم لا يستحق الإلهية غيره ولا ذلك الوصفين الرحمن الرحيم غيره تعالى ~~فقال تعالى آمرا لهم بالاستدلال على ذلك بالسماوات والأرض والنظر فيهما ~~فيما فيهما من علامة الحدث الدالة عليه تعالى قطعا بلسان حال عجزها ~~وافتراقها واجتماعها واختلافها وزيادتها ونقصانها وملازمتها للأعراض ~~المحدثة قطعا من حركة حيواناتها وسكونها وكل محدث منها بعد عدم صاحبها، ~~فيدل الناظر فيها وفي نفسه كذلك أن له ولها خالقا ms550 موجودا وجوبا، حيا، ~~عالما، قادرا، لا PageV03P195 يشبههما، فقال تعالى آمرا بالاستدلال والنظر في ذلك كذلك وجوبا أو سنة أو ~~ندبا كما قدمنا: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك ~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون}(1) ثم أخبر تعالى بعد ذلك وبعد تحقق أهل ~~العقول ما يشاهدون من الدلائل القطعية من خلق السماوات والأرض وعلامات ~~الحدث فيهما الدالة قطعا على خالقهما تعالى وتنزهه تعالى عن كل قبيح ~~أنهم يعاندون بعد ذلك ويقلدون شيوخهم من عبدة الأوثان والضاربين لله ~~القياسات والأمثال ناظرين بذلك ليقيسوه تعالى على الإنسان من المعتزلة ~~الغلاة، والجبرية الطغاة، وأهل الإرجاء البغاة، وغير أولئك ممن اتبع هواه، ~~وأعرض عن كلام مولاه، ورسله وأنبيائه وخاتمهم وسيدهم محمد وأهل بيته وذريته ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال تعالى في ذلك موبخا ومكفرا لأهل ذلك: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد ~~العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا ~~كذلك يريهم اللهم أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}(2) PageV03P196 وقال تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا}(1) وقال تعالى: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله} (2) أي: غير الله {لفسدتا} ومعلوم لم يفسدا، فثبت أنه ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وقال تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين * ~~وفي أنفسكم أفلا تبصرون * وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء ~~والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}(3) وقال أمير المؤمنين علي -عليه ~~السلام: من عرف نفسه عرف ربه، وقال ms551 تعالى: {إن في خلق السموات والأرض ~~واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق [179ب] السموات والأرض ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما ~~للظالمين من أنصار * ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم ~~فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار* ربنا ~~وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد} وقال ~~تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى ~~الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت * فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم ~~بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر *إن إلينا إيابهم * ~~ثم إن علينا حسابهم}. # بسم الله الرحمن الرحيم PageV03P197 وصلى الله على سيدي والدي محمد وآله الطاهرين المطهرين. # باب # في وجوب التوبة على من فعل شيئا بعد كمال عقله # وإمكان الطاعة لربه تعالى من عمد المعاصي متعمدا مع علمه أنها معصية لله ~~تعالى أو لا يعذر في جهلها، كأصول الدين وأصول الشرائع مما لا يكون صحيح ~~الإسلام كامله إلا به، قال الله تعالى في ذلك آمرا لرسوله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن يدعو العصاة سواء كانوا كفارا أو فساقا إلى أن يرجعوا ~~إلى طاعته تعالى، والتوبة الصحيحة وحسن الإسلام غير مبالين بما قد صدر، ~~فيترك التوبة خوفا من أن الله تعالى لا يقبلها لأجل كثرة التهور في المعاصي ~~الذي هو الإسراف على النفس ولا آيسين من رحمته تعالى لمن رجع إليه ~~بالإقلاع عن المعاصي كائنة ما كانت، وأنه يصير بعد الإنابة والتوبة الصحيحة ~~العبد المسرف على نفسه بالمعاصي كمن لم يذنب ذنبا والمولود المبتدأ خلقا، ~~فيدخل بتلك التوبة في الصالحين، ويكون حكمه عند الله تعالى أنه من المتقين، ~~ويجب على المسلمين أقصاهم وأدناهم له ذلك الحكم عندهم من المتقين المؤمنين ~~مولاة ظاهرة وباطنة وحرمة دم وعرض ومال، قال الله تعالى آمرا لرسوله ms552 محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو العباد إلى التوبة وأن لهم ما ذكرنا: {قل ~~يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل ~~أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا PageV03P198 أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ~~* أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو ~~تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي ~~كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين} ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا بنجاة المتقين وهم ~~التائبون من جميع المعاصي قلت أو كثرت نجاة منه تعالى لا هلكة بعدها، ~~فقال تعالى في ذلك مخبرا بنجاتهم كذلك: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ~~لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون[180أ]} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~توبوا إلى الله توبة نصوحا}(1) أي: صحيحة وهي الكاملة، يقال: زرع نصوح وثمر ~~نصوح إذا كان كاملا في الصلاحية ليس فيه آفة من برد أو ضرب ولا عطش ولا خفي ~~شيء من سنبله ولا عطب شيء مما خرج فيه، فالتوبة النصوح هي الكاملة، وإسناد ~~النصوح إلى التوبة إسنادا مجازيا، والإسناد في الحقيقة إلى صاحبها المكلف ~~كذلك التي ليس معها إصرار على معصية الله تعالى يعلم المكلف أنها معصية لله ~~تعالى أو لا يعذر في جهلها، كالمعلوم ضرورة من أصول الدين وأصول الشرائع ~~وما لا يكون الإسلام صحيحا إلا به من التفاصيل لا ماضية ولا في الحال ولا ~~في الاستقبال، وحقيقتها أعني التوبة ونصوحها أن يندم على فعل كل معصية PageV03P199 لله تعالى لقبحها على الجملة، وأن يوطن نفسه بالعزم أن لا يعود إلى شيء مما ~~يعلم أنه معصية لله تعالى ms553 في المستقبل لقبح ذلك، وأن يوطن نفسه على قضا ما ~~لم يفعله من الواجبات حسب الإمكان، فهذه هي التوبة النصوح التي يصير ~~لصاحبها عند الله تعالى وعند المسلمين حكم الأولياء الصالحين ولو كان قد ~~فعل قبلها أي معصية، وتقبل شهادته في الأموال والنفوس والنكاح ويصلى خلفه ~~من غير اختبار بيوم ولا شهر؛ لأن الله تعالى قد غفر ذنوبه جميعا، قال تعالى ~~في ذلك التائب كذلك: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}(1) وقال تعالى: {ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا}(2) وقال تعالى: {ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا}(3) وقال تعالى: {ولا تزكوا أنفسكم}(4) أي: تحكموا ~~لها بالطهارة، وأنه لا يصدر منها ذنب؛ فإذا كانت التزكية عن الذنوب لا تمكن ~~إلا بالتوبة الصحيحة ولا يمكن تزكية النفس من كل ذنب سنة كاملة على زعم من ~~اعتبر الاختبار، ولا شهرا، ولا يوما؛ فلا معنى للاختبار حينئذ بعد صحة ~~التوبة في الظاهر، فيجب حمل الباطن على الظاهر ولذا قال صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((إنما نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر))(5) ولا يخلو ~~الاختبار الذي قال به بعض من أصحابنا عن الحرج والغلو وتحميل النفس ما لا ~~يمكن وتكليفها بما لا دليل عليه بل على خلافه، وفي ذلك وأمثاله وأعظم منه ~~يقول الله تعالى: {لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق}(6) PageV03P200 ويقول تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}(1) وإن كان القائلون بذلك من ~~أصحابنا إن شاء الله تعالى معذورين؛ لأنهم لم يتعمدوا خلاف ما أمروا به، ~~فهم في هذه إن شاء الله تعالى من المخطئ المعذور، ولعل ذلك أعني القول ~~باختبار سنة إنما هو تخريج وليس له عند أئمتنا أصل ولا نصوا عليه صريحا ~~وإنما نصوا على التوبة الصحيحة كما نص الله تعالى عليها عليهم السلام ثم ~~قال تعالى بعد ذلك: {هو أعلم بمن اتقى} يعني تعالى: أنه أعلم بمن زكى وتطهر ~~من الذنوب بالتوبة الصحيحة منكم فلا يحتاج تعالى إلى شهادتكم لأنفسكم ~~بأنها زكية طاهرة، ولا يوفق تعالى إيمان ms554 أحد منكم وطهارته على قولكم بصحة ~~طهارته وإيمانه أو لم يصح عندكم، بل المتبع قوله تعالى وقول رسوله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقول وصيه [180ب] علي أمير المؤمنين والحسن ~~والحسين وفاطمة عليهم السلام لعصمتهم وجماعة العترة الطاهرة إلى يوم ~~القيامة في كل عصر بحاله، وجماعة الأمة داخلة فيهم جماعة العترة، فذلك هو ~~الحق المبين، وهم لا يجمعون على خلاف مراده تعالى. # فصل PageV03P201 والتوبة مقطوع بقبولها من الله تعالى مهما بقية حجة العقل إلى أن يغرغر ~~المكلف بالموت لقوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب} والجهالة يعني تعالى {بجهالة} أي: بجهالة ~~الجاهلية المتجاهلين المشركين، وبجهالة، يعني تعالى بفعلهم فعل الجهالة؛ ~~لأنهم لو استحضروا ما أمروا به ونهوا عنه في كل وقت لما فعلوا سوى معصية ~~يعلمون أنها معصية لله تعالى عمدا، وليس المقصود بجهالة كون المعصية معصية ~~وأنه لا يغفر الذنب إذا فعلت المعصية عمدا مع العلم بأنها معصية لله تعالى، ~~فليس المقصود بقوله: بجهالة ذلك إجماعا لقوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} ثم قال تعالى بعد ذلك: {ثم يتوبون من قريب} أي: يتوبون توبة قريبة ~~من فعل المعصية وذلك وقت كمال العقل الحجة منه قبل حضور الملائكة وغرغرة ~~الموت لقوله تعالى بعد ذلك مخبرا بأن وقت التوبة وتأثير فعلها في إرجاع ~~صاحبها إلى المؤمنين المحكوم لهم برضوان الله رب العالمين وخالق الخلق ~~أجمعين: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ~~إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} ~~وأخبر تعالى أنه يقبل التوبة في هذا الوقت الذي نص تعالى عليه فقال تعالى ~~بعد قوله تعالى: {ثم يتوبون من قريب} قال تعالى في قبول التوبة منهم في ذلك ~~الوقت القريب: {فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} ولا تقبل ~~توبة عند حضور PageV03P202 ملائكة الموت وغرغرة ملك الموت وقت نزع الروح إجماعا لقوله تعالى: {وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ms555 أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} وعلامة حضورهم وغرغرة ~~الموت هو وقت النزاع، ولو لم يزل العقل، ولا تقبل توبة الملجئ لعدم قبوله ~~تعالى توبة فرعون وإتمامه، حيث قال تعالى حاكيا توبة فرعون وعدم قبوله ~~تعالى لذلك منه بقوله تعالى: {حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذين آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} فقال تعالى حاكيا لرده ~~تعالى لقبول توبته وقبول إسلامه: {آالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * ~~فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} وعلامات خروج الروح، كميل الأنف ~~وخفض الصدغ وامتداد جلدة الوجه واسترخاء القدمين لا العجمة، فقبل ذلك ولو ~~حصلت عجمة التوبة مقبولة إجماعا لقوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} والقريب قبل حضور الموت وغرغرته ~~لقوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعا} ويكون لصاحبها حكم المؤمنين عند ~~الله تعالى وعند المؤمنين، فيصلى [181أ] عليه ويغسل وجميع الأحكام، ويدعىله ~~بالخير، وبعد حضور ملائكة الموت وقت غرغرة الموت ولو لم يزل العقل ولم يتب ~~العاصي لا يكون له شيء من أحكام المؤمنين ولو تاب لقوله تعالى: {وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}. PageV03P203 # فصل # وليس من شرط قبول التوبة عند الله تعالى إظهار العاصي إياها لمن علم منه ~~المعصية من الناس مع إمكان الإظهار، بل تصح ويقبلها الله تعالى بين الله ~~تعالى وبين العبد من غير إظهار التوبة إجماعا لقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا توبوا إلى الله} ولم يقيدها بالإظهار على أحد من الخلق، ولقوله ~~تعالى: {وأنيبوا إلى ربكم} ولقوله تعالى في توبة المؤمنين: {ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم} ولم يقل تعالى: ذكروا الله وأظهروا لغيره تعالى ~~توبتهم، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الإمرأة التي اعترفت عنده ~~بالزنا: ((لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لغفر لهم)) وروي مثل هذا في ~~ماعز، ومعلوم أنهما لم يظهراها ms556 بل علمها صلى الله عليه وآله وسلم من جهة الوحي. # وروى علي بن موسى الرضا بإسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إذا كان يوم القيامة يخل الله لعبده المؤمن، فتوقفه ذنوبه ذنبا ~~ذنبا، ثم يغفر الله له لا يطلع الله عز وجل على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا ~~مرسلا، ويستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد ثم يقول لسيئاته كوني حسنات)) ~~نسأل الله التوفيق بالتوبة النصوح ونستغفره ونتوب إليه لكل ذنب لقبحه ~~عازمين على أن لا نعود إليه وإلى مثله لقبحه ما بقينا بفضل الله تعالى ~~وتوفيقه ولطفه. # باب # في الفناء PageV03P204 وحقيقة إذهاب ذات أو هيئة أو إذهاب روح سواء كان أي القبيلين جسما أو عرضا، ~~حيوانا أو جمادا من أهل الدنيا نقيضه الآخرة وفي هلاكه كذلك يقول الله ~~تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} (1) ويقول تعالى: {كل من عليها فان ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (2). # فصل # والفناء أقسام وهو حقيقة في كل قسم منها: # الأول: فناء الحيوانات أهل الأرواح، فهو إذهاب معنى الحياة منها بإذهاب ~~أرواحها وحفظها منه تعالى في غير أجسامها حيث يشاء تعالى قال الله ~~تعالى في ذلك: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت} يعني تعالى: يمسكها تعالى بحفظ روحها التي جعلها ~~الله تعالى سببا وشرطا في حياة الأنفس، والأنفس هي الذوات، ويكون ~~انتثارها -أعني الأجسام عن تأليفها بعد ذلك وتبدد أجزاءها بين أجزاء ~~الأرض ولجج البحار وبطون السباع واجتماعها في موضع من قبر أو كهف حتى ~~ينشرها تعالى أحياء سوية، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وما من دابة في ~~الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم ~~إلى ربهم يحشرون} فجعل تعالى بقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون} كل ذي روح [181ب] يجري عليه حكم المكلفين ms557 من غيرهم والحشر، وقال ~~تعالى في أن الفناء إذهاب الأرواح التي بها بإذن الله تعالى الحياة PageV03P205 ويبدد الأجسام أجزائها بين أجزاء الأرض وأنه تعالى يعلم أين صار كل جزء من ~~ذلك ليعيده حيا سويا، فقال تعالى في ذلك كذلك حاكيا قول الكافرين ومجيبا ~~عليه بما يسكته على لسان سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله بقوله ~~تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو ~~بكل خلق عليم} (1) وقال تعالى حاكيا دور الكفار بقوله تعالى: {بل عجبوا أن ~~جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك ~~رجع بعيد} (2) فقال تعالى في ذلك منكرا عليهم إنكارهم للبعث واستبعادهم له ~~ومكفرا لهم بإنكاره وهو دون الإنشاء في اليسر وتركه قبيح وعبث؛ لأن العوض ~~على ألم الموت وثواب الطاعات وعقاب المعاصي متعقب له قطعا والإخلال بذلك ~~قبيح عقلا، والله تعالى غني حميد، ثم قال تعالى مخبرا لهم ولجميع أهل ~~العقول أنه يعلم أين صاروا ليعيدهم تعالى أحياء للجزاء والأعواض، فقال ~~تعالى في ذلك كذلك: {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} ثم ~~أمرهم تعالى أن يقيسوا النشأة الآخرة على ما يشاهدون من أحداث الخلق الأول ~~ووقوعه على وفق إخباره تعالى به قطعا ، وأخبر تعالى بأنهم يعرفون ذلك ~~المقيس عليه، وأنهم يعرفون الله تعالى خالقهم، وأنه لا يكذب بما ركب فيهم ~~من العقول السليمة، وإنما مرادهم إنكار الخلق معاندة لعقولهم، واستبعادا ~~بما لم يشاهدوا، فقال تعالى في ذلك كذلك، وأمرهم تعالى بعد ذلك أن PageV03P206 ينظروا بعقولهم في الصنع ليذهب عنهم استببعاد ما كذبوا به واستبعدوا: {بل ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج* أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزينا ها وما لها من فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ~~ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد* والنخل باسقات لها طلع نضيد* رزقا ~~للعباد وأحيينا به ms558 بلدة ميتا كذلك الخروج} (1) يعني تعال فإذا قد تحققوا ~~صدق مخبر المقيس عليه، وفعل المقيس عليه بفضل فالإخلال به لا يذم عليه ~~العقلاء؛ لأنه ليس قبيحا عقلا؛ لأن الحكم إذا لم يكن في إظهار حكمته قضى ما ~~يذمه عليه العقلاء من جهة القبيح العقلي لم يقبح منه ترك إظهارها، فالله ~~تعالى لا يذم على ترك خلق العالم ابتداء. PageV03P207 # وأما المقيس على ما يشاهدون وهو الخلق الجديد بعد الفناء فإن للذم والقبح ~~عقلا في الإخلال به مدخلا؛ لكون الإيلام بالموت أو القتل في حق العقلاء ~~وذبح الحيوانات غير العقلاء وموتها لم يكن له عوض يخرجه عن قبحه إلى حسنه ~~إلا بعد الحياة التي بعد الفناء، وهذا يدركه بعقولهم جميع العقلاء إذا ~~نظروا بها وتفكروا أطرف تفكر؛ ولهذا قال تعالى بعد تقريره لأمر[182أ] ~~المقيس عليه الذي لا يصح تركه عقلا، وأنه تعالى قد أوجده وتفضل به من خلق ~~السماء، ومد الأرض على وجه الماء، وإمساك السماء في الهواء، وهو أعني ~~الهواء لا يمسك حبة خردل، وإنزال المطر، وإخراجه تعالى بعده الثمار، ~~والأرواح النبات المختلفة التي تكن شيئا، وجعلها تعالى رزقا للعباد، قال ~~تعالى بعد ذلك مبينا لهم: {كذلك الخروج} يعني تعالى: كما ترون المشاهدة هذه ~~من فعلنا كذلك يفعل لكم وبكم الخروج من القبور وأينما تكونون من أقاصي ~~الأرض وأدانيها كاملي الصورة في أي صورة أجزاؤكم ولحومكم وعظامكم جمعناها، ~~وأعدنا إليها الأرواح، قال تعالى في ذلك: {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه* ~~بلى قادرين على أن نسوي بنانه} وقال تعالى : {أفعيينا بالخلق الأول بل هم ~~في لبس من خلق جديد} فقد وعد الله تعالى بإحياء الخلق بعد الموت على سبيل ~~القطع، وأن الخلق والحياة جارية قطعا على هذه الأعضاء، واللحوم التي في ~~الدنيا، وأن هذه الأعضاء واللحوم التي كانت في الدنيا أحياء يجمعها تعالى من حيث PageV03P208 وقعت، وفي أي موضع صارت، وأن الله تعالى لا يضيع منها شيئا، ولا يعييه ~~تعالى بعد أن حلت فيه الروح عن الإعادة خلقا جديدا أحياه، وأن ms559 هذا الفناء ~~يبدد أجزاء في الحيوانات لا فناء عدم محض بحيث يقال أنها لا توجد مجموعة ~~ولا مفرقة في علم الله تعالى في أي موضع ومكان؛ فلا يحل القول بذلك لما ~~قدمنا من الأدلة العقلية والسمعية، ومن ضرورة كون المعاد بالخلق الجديد ~~إيصال الأعواض التي يقبح الإخلال بها غيرها، وذلك الغير عبارة عنها بالقصد، ~~فذلك محال ثبوته على وجه العدل يهملها تعالى ويعدمها تعالى مجموعة ~~ومفترقة حتى تكون لا شيء مما يجعل تعالى خلقا غيرها جديدا حيا ويجعل ~~أعواضها لذلك الخلق الثاني، ويهملها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد قال ~~تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون* فتعالى الله ~~الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} وقال تعالى: {كما بدأنا أول خلق ~~نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} وقال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~تارة أخرى} وقال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون لحمده وتظنوا إن لبثتم إلا ~~قليلا} وقال تعالى: {قتل الإنسان ما أكفره* من أي شيء خلقه* من نصطفة خلقه ~~فقدره* ثم السبيل يسره* ثم أماته فأقبره *ثم إذا أنشره} فأطلق تعالى كل هذه ~~النسب وقوعا منه تعالى على جميع المخلوقين المبددين ترابا وعظاما ورفاتا، ~~وأن العدم المحض الذي ليس بشيء لم يجر عليها؛ إذ لو جرى عليها لما PageV03P209 نسب تعالى إليها هذه الواقعة على جميع المبدد الموجود أجزاء مجتمعة أو ~~متفرقة، ولكان المعاد غير الأولين لأجل الأولين ولا مصلحة للأولين في ذلك ~~قطعا، فتعالى الله عن قول من وهم بأن فناء الحيوان عدم محض حتى يقال لا ~~يوجد جملة ولا أجزاء أصلا، وأما الله تعالى فإنه قادر على ذلك، لكنه امتنع ~~في العدل عقلا وسمعا كما ذكر. # والقسم الثاني: [182ب] فناء السماوات والأرض، فهو يبدد ويشقق السماء ~~ويبدد حتى لو رآها الإنسان لم ير منها قطعة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ~~{وإذا السماء كشطت}(1) وتفنى صفتهما الأولى، ويرجع الله لها صفة أخرى، وفي ~~ذلك يقول الله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا ms560 لله ~~الواحد القهار} أي ظهرت الحيوان جميعها من بين أجزاء الأرض والسماء بإذن ~~الله تعالى، وخلقه وإعادته تعالى لهم خلقا جديدا أحياء يشاهدون أرضا ~~وسماء قد بدلنا صفتاهما، وقال الله تعالى مخبرا أن ذلك فناء السماوات ~~والأرض فناء تبدد وتبديلهما تبديل صفة لا إعدام محض حتى تكونا لا شيء جملة ~~ولا مفترقا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا} وقال الله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} ~~وقال الله تعالى: {والسموات مطويات بيمينه} وقال الله تعالى: {وسيرت الجبال ~~فكانت سرابا} وقال الله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا* ~~فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} وقال تعالى: PageV03P210 # {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء}(1) فنأخذ من مجموع هذه الأدلة أن فناء السماوات والأرض فناء تبدد ~~وتبديل وصفة لا تبديل نفس الذات وإعدامها حتى تكون لا شيء بيان ذلك أن تشقق ~~السماء في قوله تعالى: {ويوم تشقق السماء بالغمام} تحريقها وطيها في قوله ~~تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب} جمعها؛ لأن الطي في اللغة ~~الجمع، وليس ذلك عدمها محضا، ثم نشرها بعد ذلك هو تبديلها، وبنسف جبال ~~الأرض وتطييرها في الهواء في قوله تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ~~ربي نسفا* فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} (2) لأن النسف في ~~اللغة هو ما ذكرنا من تبديدها في الهواء تبديدا كالرماد، والغبار إذا طارت ~~بهما الرياح، ومساواة الأرض غير ما كانت عليها من جبال وأودية عرف ذلك ~~بقوله تعالى: {فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا} وقوله تعالى: ~~{لا ترى فيها عوجا} أودية {ولا أمتا} جبالا صغارا، فذلك تبديلها، وقد جرى ~~على ذلك بذلك اسم الهلاك. PageV03P211 # والقسم الثالث والرابع: فناء المياه، ولهب النار، والأوقات، والساعات، ~~والليل، والنهار، وجميع الأعراض كالحركة، والسكون، والألوان، والسحاب، ~~والرياح، والدخان غير الأرواح فذلك فناء عدم، وبطلان ينقرض ذلك ويصير عدما ~~محضا ولو لم يكن ms561 عدما محضا لكان أمس هو اليوم، وغير ذلك من التناقض من كون ~~الشيء في الأعراض متحركا ساكنا في محل واحد، وحالة واحدة، والساعات ~~والأوقات يفنى الوقت الأول وعليه الآخر ليس لذلك حد. # فأما الجن: فحكمه في الموت أمة بعد أخرى وليسوا كالملائكة عليهم السلام ~~يموتون دفعة واحدة آخر أيام الدنيا حكم الإنس في أنهم يموتون ويخلفهم آخرون ~~يخلقهم الله تعالى بعضهم من بعض كالإنس لقوله تعالى في الإنس والجن: {وحق ~~عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين}[183أ] {قد خلت من قبلهم} مضت وانقرضت بالموت والفناء أمة بعد أمة، ~~دل ذلك على أن الجن يموتون كالإنس شيئا بعد شيء ذلك قال تعالى: {قد خلت}. # فأما إبليس لعنه الله تعالى فإنه ينظر إلى آخر الدنيا وأوائل يوم القيامة ~~ثم يموت في الصعقة الأولى مع الملائكة والأرواح وبقية الإنس والجن وباقي ~~الحيوانات لقول الله تعالى فيه: {قال فانظرني إلى يوم يبعثون* قال فإنك من ~~المنظرين} ولقوله تعالى فيه: {قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون* قال فإنك من ~~المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}. PageV03P212 # وأما غير إبليس من شياطين الجن فإنهم يموتون أمة بعد أخرى كالإنس لقوله ~~تعالى: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم ~~القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن الإنس إنهم كانوا خاسرين} فأخبر الله ~~تعالى أن المزينين وهم شياطين الجن والمزين لهم المختارين اتباع شياطين ~~الجن وهم شياطين الإنس يموتون شيئا بعد شيء لقوله تعالى: {وحق عليهم القول ~~في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس}. # وأما إبليس لعنه الله تعالى فإن الله تعالى يميته في أول وقت القيامة في ~~الصعقة الأولى لقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، نعم ، والساعات ~~والأوقات يفنى الوقت الأول ويخلفه الآخر كذلك ليس لذلك حد. # باب # في البعث PageV03P213 وحقيقة إخراج الموتى من القبور وغيرها من أي موضع أحياء بعد فناء جميع ~~الأشياء إلا الله تعالى والفناء على ما قدمنا من ms562 الأقسام الأربعة وبعد ~~تبديل الأرض غير الأرض والسماوات تبديل صفتهما لا ذاتهما، وهذا البعث مقطوع ~~به عقلا وسمعا، من أنكره كفر إجماعا، ودليله في الوقوع، وأنه لا بد منه ~~قطعا في الحكمة العقلية من العقل أن إيلام أهل الأرواح بالموت وتخلية ~~الظالم من المظلوم بالقتل والضرب وأخذ المال ونحوه من الحبس والإهانة وترك ~~أهل المعاصي المتمردين والمستحلين من غير أن يعاقبوا على كلها في الدنيا ~~يكون ذلك قبيحا إذا لم يكن هنالك بعث لهم بعد ذلك للتعويض لمن لا يستحق ~~الإيلام ولا يحسن في حقه ولا يخرج عن القبيح عقلا من الأطفال والمؤمنين ~~وسائر أهل الأرواح العاقلة وغير العاقلة إلا بالعوض الذي لا يعقبه إيلام ~~وهو الجنة، وكذلك التخلية بين المحسن والمسيء والظالم والمظلوم [183ب] ولم ~~يمنع تعالى أحدهما وهو المسيء بالقهر على جهة التفصيل أو بسلب القدرة من ~~الظالم وانقضت على جهة التفصيل الدنيا ولم يحصل من الله تعالى الانتصاف ~~مخبرا تعالى للمظلوم أن تلك العقوبة للظالم انتصافا له لو لم يبعث الله ~~تعالى الخلق بعد الدنيا لينتصف للمظلوم ويخبره تعالى أن تلك العقوبة ~~للمسيء أو الزيادة للمظلوم بقدر ما جنى عليه الظالم إن تاب الظالم شيئا في ~~الجنة يخبر تعالى بذلك بأن تلك عوض عن مظلمته أو إن كانا جميعا من أهل ~~النار جعل PageV03P214 تعالى للظالم شيئا من العذاب، ويخبر تعالى المظلوم من أهل النار بأن ذلك ~~الشيء من العذاب انتصاف للمظلوم، ومعلوم أن ذلك لم يحصل التناصف والإخبار ~~على جهة التفصيل بأن ذلك العقوبة انتصاف له للمظلوم من الظالم لم يحصل شيء ~~من ذلك في دار الدنيا، وأن أهل المعاصي كذلك لم يحصل كلما يستحقون من ~~الهوان الذي يقابل معاصيهم لله تعالى الواحد القهار، بل قد لا يحصل مع أحد ~~منهم إلا الموت وإن حصل شيء ولم يتذكروا فهو مما يستحقون تعجيل شيء منه هو ~~بعضه لقوله تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب}(1) فإذا كان الأمر كذلك وجب ~~عقلا القطع بالبعث من الله تعالى الذي هو إحياء ms563 جميع أهل الأرواح للتعويض ~~بالعوض الذي لا ألم بعده والانتصاف مع إخبار المنصف له بخبر منه تعالى أن ~~ذلك الانتصاف عن مظلمته لأجل تخليته تعالى بينه وبين الظالم في الدنيا ~~وإلا كانت التخلية قبيحة إذا لم يكن انتصاف منه تعالى ولأجل عقاب العاصين ~~الذين كابروا عقولهم بترك ما قضت عليهم بوجوبه من شكر خالقهم وطاعته تعالى ~~فيما فرض ولما علم قطعا أن المطيعين لم يحصل ثوابهم الذي لم يتعقبه ألم على ~~طاعاتهم إلا في الآخرة، فوجب بعثهم لذلك أحياء؛ لأن الإخلال به قبيح عقلا ~~والله غني عن القبيح. PageV03P215 # قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام: فلما تصرمت أعمال ~~المطيعين ولم يثابوا، وانقضت آجال العاصين ولم يعاقبوا وجب على قود التوحيد ~~واطراد الحكمة أن دارا غير هذه الدار يثاب فيها المطيعون، ويعاقب فيها ~~المسيئون، وهذه أمور أوجبتها الفطرة. تم كلامه عليه السلام. # وقوله عليه السلام: "أو جبتها الفطرة" يعني عليه السلام ما فطر الله ~~الناس عليه والجن من خلقه تعالى لهم عقلا لعبادته ليثيبهم تعالى عليها ~~أو يعاقب من خالفها باختيار المخالف بعد قيام الحجة عليه من العقل وتفصيل ~~ما قضى به العقل من شكره تعالى لإنعامه بأصول النعم وفروعها على ألسنة ~~الرسل والأنبياء من البشر على أنهم رسل الله تعالى وأنبياؤه بإتيانهم لما ~~لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى مما يعجز عنه البشر من جنسهم وغيرهم من ~~المخلوقين. PageV03P216 # وأما السمع فقد أخبر الله تعالى بالبعث منه لجميع أهل الأرواح أحياء بعد ~~فنائهم، وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات تبديل صفة كما تقدم، وأخبر تعالى ~~أنه تعالى يبعثهم كذلك، وللأعواض التي لا ألم بعدها لمن لا يستحق الألم ~~من المؤمنين والأطفال والبهائم والطيور وكل ذي روح [184أ] غير عاقل، ~~وللعقاب للعقلاء المخالفين الحق بعد قيام الحجة عليهم في الدنيا بالعقل ~~وتبيين الله تعالى على ألسنة الرسل والأنبياء بعد معرفة أنهم رسل الله ~~تعالى وأنبياؤه لما جعل الله تعالى على أيديهم ولهم مما يعجز عن مثله ~~جميع البشر وغير البشر ms564 من الخلق غيرهم، فأخبر الله تعالى بذلك من فعله ~~تعالى كذلك ولذلك في مواضع متعددة فأخبر تعالى أنه إن لم يفعله كان خلقه ~~تعالى لهم وللسماوات والأرض وما بينهما عبثا والعبث قبيح عقلا وهو تعالى ~~غني حميد، وأن خلق السماوات والأرض باطل لو لم يفعله كذلك، وأخبر تعالى أن ~~عدم التفرقة بين المطيع الذي يموت على الإيمان وبين الكافر والفاسق الذي ~~يموت على عصيانه له تعالى بأن لا يكون بعث لثواب المطيع وعقاب المسيء ~~فيستويان قبيح عقلا وخلاف الحكمة وهو تعالى حكيم قطعا، والحكمة أوجبت ~~البعث لذلك فوجب القطع بالبعث لذلك، وفي ذلك كله يقول الله تعالى: {وما من ~~دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}(1) ويقول تعالى: {أفعيينا بالخلق الأول بل PageV03P217 هم في لبس من خلق جديد}(1) ويقول تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم}(2) ويقول تعالى مخبرا بالفرق بين من تبع شريعة رسوله محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم من المؤمنين وبين من عند عنها من العاصيين وأنه ~~تعالى لو لم يبعثهم تعالى للتفرقة في يعقاب هذا وجزاء هذا بالثواب لكان ~~ذلك حكما سيئا قبيحا، فقال تعالى في ذلك كذلك: {ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين * هذا بصائر للناس ~~وهدى ورحمة لقوم يوقنون}(3) فأخبر تعالى في ذلك أنه ولي المتقين، فهو ~~تعالى يفرق تعالى بينهم وبين العصاة باعتبار ولايته تعالى بالثواب ~~الذي لا ينقطع، وليس ذلك إلا في الأخوة فوجب البعث لهم إحياء لذلك؛ لأن كل ~~الدنيا لزوالها وانقضائها بالموت ليست محل ثواب الله تعالى لأوليائه؛ لأن ~~ثوابه تعالى لأوليائه على ولايتهم له تعالى واختيارهم طاعته تعالى ~~على ما تهوى نفوسهم من القبائح أعظم من أن ينقطع بموت أو ينقص ms565 وليس ذلك إلا ~~بعد الموت والبعث لهم أحياء وأن العصاة لو لم ينلهم تعالى أليم عقابه على ~~معاصيهم مستمرا لكان تعالى قد ساوى بينهم وبين المطيعين في ترك العذاب ~~وقال تعالى في ذلك مع ما تقدم نافيا للمساواة PageV03P218 بينهم أي الفريقين في الآخرة: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون * وخلق ~~الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون}(1) فأخبر ~~تعالى في ذلك بخلاف حسناتهم وأنه تعالى لا يصح نسبة المساواة بين ~~الفريقين إليه تعالى، وقد خلق[184ب] تعالى السماوات والأرض بالحق وهو ~~العدل الذي هو لقصد أن يخلق تعالى فيهما من يعبده تعالى ثم يثيبه ~~تعالى على العبادة بعد حصول الفرق بالموت بين الدنيا والآخرة، ويفرق ~~تعالى بين الفريقين المطيع والعاصي بعد الفرق بين الدارين للموت، فأخبر ~~تعالى أنه خلق السماوات والأرض لذلك الحق الذي هو عبادته تعالى في ~~الدنيا، والحكم على من خالف ما يحصل به الفرق بين المطيع والعاصي من العذاب ~~الدائم للعصاة في الآخرة والثواب الذي هو الجزاء الذي لا ينقطع للمؤمنين في ~~الآخرة فقال تعالى في ذلك: {ولتجزى كل نفس بما كسبت} أي: من خير وشر {وهم ~~لا يظلمون} وقال تعالى: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما ~~نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين ~~كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب}(2) فأخبر تعالى أنه لو لم يعذب الذين ~~نسوا يوم PageV03P219 الحساب بإصرارهم على الكفر وما يوجب الفسق أو الكفر، ويفرق تعالى بين ~~أوليائه المؤمنين الذين ماتوا على الإيمان بعذاب العصاة الذين ماتوا مصرين ~~على الكفر وما يوجبه أو الفسق وما يوجبه أن يكون تعالى لو لم يفعل كذلك ~~قد خلق السماوات والأرض وما بينهما من الحيوانات والهوى باطلا أي: عبثا لا ms566 ~~حكمة فيه، ثم قال تعالى ذلك أي: اعتقاد خلقهما باطلا بأن لا يعاقب تعالى ~~من عصاه وهو تعالى خالقهما وما بينهما، ويفرق بين العاصي والمطيع بثواب ~~المطيع الذي يموت على الطاعة وبعقاب العاصي الذي يموت مصرا على الكفر أو ~~الفسق، وما يوجب أيهما: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}(1) ~~فكفرهم تعالى بذلك الظن كفرا إلى كفرهم، ثم أخبر تعالى بإنكاره تعالى ~~مقالتهم وظنهم وأنه تعالى نزيه عن العبث والباطل الذي ظنوه من التسوية ~~بين المطيع والعاصي وبترك البعث للفريقين أحياء للجزاء للخير والشر، فقال ~~تعالى في ذلك لو لم يفعل للكل منهم وبهم ذلك: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك}(2) كثير البركة قاض بصريحه بما يوافق حجة العقل من وجوب شكر المنعم ~~تعالى وقبح الإخلال به وبما يوافق العقل بالفرق بين الولي لله تعالى ~~والعدو له تعالى من جزاء المطيع بالإحسان والعاصي بالعذاب والنسيان وبأن ~~الجزاء لا يكون جزاء وثوابا إلا إذا لم يتعقبه ما PageV03P220 يعود عليه بالنقض من فاعله بالموت وإلا لا، وليس ذلك إلا في الآخرة ~~للانتقال بالموت قطعا من دار الدنيا، ثم قال تعالى حاثا لهم على الأخذ بما ~~فيها أي: الكتاب من الهدى إلى الخير: {ليدبرا آياته وليتذكر أولوا ~~الألباب}(1) أي: أهل حجج العقول ما فيه مما يبعدهم عن سخطه تعالى ويدخلهم ~~في رضوانه تعالى. # فصل [في أول من تنشق عنه الأرض] # والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أول من تنشق عنه الأرض للبعث حيا ~~لقوله تعالى في حقه [صلى الله عليه وآله وسلم] [185أ]: {وأنا أول المسلمين} ~~يعني تعالى: أولهم عبادة في أمته صلى الله عليه وآله وسلم وأولهم خروجا ~~من القبر بالبعث حيا في جميع المخلوقين وغير ذلك من الخصال الشريفة ولقوله ~~-صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض))(2). [ بياض في ~~المخطوطة ] # فصل PageV03P221 والدليل من السمع غير ما تقدم على إنصاف المظلوم ممن ظلمه سواء ms567 كان المظلوم ~~مؤمنا أو كافرا أو فاسقا، ويخبر الله تعالى المظلوم بذلك ليعرف عدل الله ~~تعالى وليشفي صدره عوضا عن غيظه الحاصل من الظالم قوله تعالى ممتدحا: {أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}(1) وقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(2) ~~وقوله تعالى في المؤمنين: {إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم ~~من بعض}(3) وقوله تعالى للرسل والمؤمنين: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد}(4) وقوله تعالى: {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين}(5) فإن كان الظالم بعد توبته يستحق ثوابا من المظلوم لزيادته على ~~المظلوم بالسبق إلى جميع القرب أو كونه ممن طاعته أحسن موقعا لقربه من رسول ~~الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكونه من ذريته صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعترته أو نسائه صلى الله عليه وآله وسلم والمظلوم دون ذلك الحال ~~أو يستويان؛ فإذا كان المظلوم غير مساو أعطي شيئا من الجنة زائدا على ما ~~يستحق لو لم يظلم، ولو كان دون من ظلمه مع الزيادة على حقه والظالم مع ~~توبته لأجل قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكونه من ذريته ~~وعترته صلى الله عليه وآله وسلم أو يشابه فوق ذلك المظلوم وفوق ما أعطي ~~المظلوم بمراحل وإن استويا حالا كونهما من ذريته وعترته صلى الله عليه ~~وآله وسلم أو يشابه PageV03P222 الظالم التائب والمظلوم أعطى الله تعالى المظلوم شيئا من الجنة قدر مظلمته ~~زائدا على حقهما يخبره تعالى أن تلك عوض مظلمته من أخيه من دون أن يخبر ~~تعالى أخاه الظالم التائب بزيادة صاحبه عليه لأجل المظلمة وهما سواء في ~~السبق وكونهما جميعا من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه ~~تعالى يبشر الظالم التائب بأنه قد غفر له مظلمة أخيه وأرضاه عنه على سبيل ~~الجملة من دون تفصيل الزيادة عليه لئلا يحصل بذلك إيغار صدره، وليس في ~~الجنة نصب، ويحصل في نفسه أنه دون صاحبه مع الإيمان وحسن موقع الطاعة إلا ~~إن كان ms568 له مظلمة يساويها من المظلوم أو غير ما خبره الله تعالى على ~~النعتين لانتفاء تلك العلة وفي ذلك يقول الله تعالى: {ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل إخوانا على سرر متقابلين}(1) ويقول الله تعالى: {لا يبغون عنها ~~حولا}(2) ويقول الله تعالى: {لا يمسهم فيها نصب}(3) ويقول الله تعالى: {لهم ~~ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}(4). PageV03P223 # أفادت هذه الآيات بصريحها أن التفاضل بينهم والتناصف على وجه لا يكون فيه ~~مشقة على أحد منهم ولا هوان ولا نصب لقوله تعالى: {لا يمسهم فيها نصب}(1) ~~أي: تعب ولا حيف لقوله تعالى: {لا يبغون عنها حولا} ولا غل لقوله تعالى: ~~{ونزعنا ما في صدرهم من غل...الآية} تبارك الله الملك الجليل، وكذلك ~~التناصف في الحيوانات غير العاقلة يناصف الله [185ب] تعالى لكل منهما بأن ~~يعطي المظلومة شيئا من الجنة يلهمها تعالى أنه زائد على ما يستحق من عوض ~~ألم الموت لأجل مظلمتها في الدنيا، ويلهمها الله تعالى ما فعل ظالمها معها ~~من تلك المظلمة لها ولصاحبتها التي لم تظلم عوض ألم الموت أو الذبح عوضا لا ~~ينقطع فقط من غير زيادة، وللمظلومة ذلك وزيادة لأجل مظلمتها، وفي ذلك كله ~~يقول الله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة}. PageV03P224 # فأما آلام الأطفال والذين لم يبلغوا الحلم والمجانين إذا عرفوا وقد غيروا ~~قبل حياتهم إليه إذا ماتوا على الكفر أو الكبائر فإن العدل من الله تعالى ~~في ألمهم قبل التكليف، وهو سبحانه العدل الحكيم أن يسقط عنهم ألمهم جزءا من ~~النار من غير تخفيف ما بقي بعد ذلك الجزاء من عذاب الأخرى الباقية، إذ لو ~~لم يكن ذلك لكان إيلامه تعالى لهم في حال الصغر، فهو تعالى يعلم أنهم ~~لا يدخلون الجنة لأجل معاصيهم التي اختاروها بعد التكليف وموتهم عليها، ولا ~~صبر يحكم لهم بثوابه لرفع القلم فيحيط بها عبثا والعبث قبيح عقلا، فالله لا ~~يفعله -تعالى علوا كبيرا ويخبرهم الله تعالى أن إسقاط ذلك الجزء عوض عن ~~إيلامهم قبل التكليف، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا يظلم ms569 ربك أحدا}. # فأما المؤمن إذا ابتلاه الله تعالى بالمصائب ثم كفر وفسق والعياذ بالله ~~بعد ذلك فإن صبره على ذلك من جملة طاعاته لله تعالى وقد حبطت بالموت على ~~الكبائر. # فصل PageV03P225 والانتصاف المذكور إنما يكون بين العقلاء إذا لم يكن الظالم قد راضى ~~المظلوم بشيء من أرزاق الدنيا عن مظلمته، بل مات المظلوم قبل ذلك أو لم ~~يأخذ عوضا عن مظلمته في الدنيا من أرزاقها، بل أبرأ عنها أخاه وعفا عنه، ~~ففي ذلك يقول الله تعالى مرتبا للأجر على العفو بغير عوض في الدنيا من ~~الظالم سواء تاب الظالم أو لم يتب: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله}(1) وقوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}(2) {ولمن ~~صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}(3) فإن كان المظلوم من أهل النار والظالم ~~من أهل الجنة نقص الله عنه من عذاب النار شيئا من عقاب سيئاته من غير أن ~~يقطع تعالى عنه العذاب ساعة لكن ينقص الله تعالى جزءا منه يستحقه ~~بسيئاته على ما معه من الإجزاء لو لم يظلمه أحد ويخبره الله تعالى أن ذلك ~~إنصاف له ممن ظلمه من أهل الجنة ليعرف عدل الله تعالى لقوله تعالى: {أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه}(4) ولم يفصل تعالى بين أي داع مؤمن كان أو كافرا ~~أو فاسقا، وفي الحديث المشهور عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله ~~ينصف للجما من ذات القرنين))(5) ولقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} وكل هذا ~~إذا لم يأخذ المظلوم من العقلاء عوض مظلمته من مطامع الدنيا، بل أبرأ وعفا ~~لقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} فإن ~~كانا جميعا من أهل النار، فإن كان كل واحد منهما قد ظلم PageV03P226 وظلمه غيره من أهل النار جعل الله تعالى لكل حيث استووا في جنس الظلم ~~وقدره شيئا من العذاب إنصافا لصاحبه الذي ظلمه، ويخبر الله تعالى كلا من ~~الظالم المظلوم ومن ظالمه المظلوم أن ذلك القدر من العذاب إنصافا لكل منهما ms570 ~~من صاحبه، ويخبر [186أ] وينقص الله تعالى جزءا من عذاب سيئات كل واحد من ~~غير انقطاع العذاب ولا تخفيف باقي العذاب لقوله تعالى: {إن المجرمين في ~~عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~هم الظالمين}(1) بقدر ما له من المظلمة، ويخبرهم الله تعالى أن ذلك النقص ~~عوض عن مظالمهم، وحيث اختلفوا فلكل وعليه من العذاب ونقصه بقدر ما فعل وفعل ~~معه، ويخبرهم الله تعالى أن ذلك جزاء عن المظلمة كذلك، وإن كان أحدهما ~~ظالما لنفسه بترك الواجب وفعل القبيح بينه وبين الله تعالى ولم يظلم الخلق ~~وظلم وجني عليه مع ذلك نقص الله تعالى من عقاب سيئاته جزءا من غير انقطاع ~~العذاب، ويخبره تعالى أن ذلك النقص عوض عن مظلمته، وزاد تعالى في عقاب ~~من ظلمه حيث كان الظالم له مكلفا بقدر ظلمه لصاحبه جزءا من العذاب من غير ~~انقطاعه ساعة، ويخبرهما تعالى أن ذلك جزاء عن المظلمة، وهذا التفصيل ~~لقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(2) ولقوله تعالى: {إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة}(3) ولقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}(4) ولقوله تعالى: {أمن يجيب ~~المضطر إذا دعاه}(5) ولقوله تعال: PageV03P227 # {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}(1) والدليل من السنة كذلك أنه لا بد من ~~التناصف يوم القيامة في التظالم وأن الله تعالى يخبر المظلوم بالإنصاف له ~~بزيادة عذاب صاحبه بقدر ظلمه له لا ينقص جزءا من عذاب سيئات المظلوم، ~~ويخبره أن ذلك إنصاف له حيث مظلمته باقية حتى مات ولم قد تسقط في الدنيا ~~بعوض من الظالم فيها أو برئ وأن الله تعالى يأخذ للمظلوم إذا كان من أهل ~~النار وظالمه من أهل الجنة بقدر ظلامته من حسنات صاحب الجنة، ويخبر تعالى ~~صاحب الجنة بذلك، ولا يلحق صاحب الجنة بذلك بغضة ولا غضاضة ولا مضرة ولا ~~حاجة، بل لتطيب نفسه أن الله تعالى قد قضى عنه، وينقص تعالى من عذاب صاحب ms571 ~~النار جزءا من عذاب سيئاته من غير انقطاع باقي العذاب ساعة، ويخبره تعالى ~~أن ذلك النقص من عذابه عن مظلمته التي له عند صاحب الجنة، وأن قد نقص ~~تعالى على صاحب الجنة من جزاء حسناته بقدر مظلمته التي عليه لصاحب النار، ~~فيعرف عدل الله تعالى ويزداد صاحب النار ندامة على ترك الطاعات وعلى ترك ~~الصبر على التخلية، ففي ذلك كذلك مع الآيات هذه المحكمة من السنة عنه صلى ~~الله عليه وآله وسلم ما روى السيد أبو طالب بإسناده قال فيه: حدثنا الحارث ~~بن محمد بن أبي أسامة قال: حدثنا هدية قال: حدثنا همام قال: حدثنا قاسم بن ~~عبد الواحد قال: سمعت عبد الله بن محمد يحدث عن جابر بن عبد الله قال: بلغني PageV03P228 حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فابتعت بعيرا فشددت ~~عليه رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا هو عبد الله بن أنيس ~~الأنصاري، فأتيت منزله فأرسلت إليه أن جابر على الباب ، فرجع الرسول، فقال: ~~جابر بن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني، قال قلت: حديث ~~بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى [186ب] الله عليه وآله وسلم في المظالم ~~لم أسمعه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((يحشر ~~الله تبارك وتعالى العباد أو قال الناس شك همام وأومأ بيده إلى الشام ~~حفاة عراة بهما. قلت: ما بهما؟ قال: ليس عليهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من ~~بعد ويسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن ~~يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار ~~أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: ~~وكيف؟ وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا؟ قال: الحسنات والسيئات))(1) ومن ~~العقل ما تقدم أن التخلية بين الظالم والمظلوم لا تحسن عقلا إلا بذلك ~~التناصف، فوجب لك عقلا وسمعا. # فصل PageV03P229 ويعوض الله تعالى البهائم في ضربها الذي لا ms572 يتم ما سخرت لأجله من الأعمال ~~إلا به ولو لم يكن ظلما، وفيما زاد عليه، ويجوز المعتاد ما لم يرق دما أو ~~يهشم عظما وإلا أثم، وذلك لما قرره الله تعالى من فعل رسوله سليمان عليه ~~السلام مع الهدهد وهو لا يعقل في قوله تعالى حاكيا قول سليمان رسوله عليه ~~السلام في الهدهد: {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين} وذلك ليتم ما سخره الله تعالى لأجله من الدلالة على الماء فلم يجده ~~سليمان عليه السلام وقت حاجة الماء للصلاة، ولما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه أتاه بعضهم ليعينه في نكاح فحاله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ناقة عجفاء، فأعطاها إياه، فركب فوقها وهي تقوم وتبرك لعجفها ولم ~~ينكر ذلك الركوب صلى الله عليه وآله وسلم بأن زاد على المعتاد أو نفرت عن ~~التذلل لأمر قد علمه الله تعالى من الحكمة ترك تعالى تذليلها لم يجز ~~الزائد على ما يعتاد المذلل؛ فإن زاد مع التذليل أو عدمه أثم ووجبت التوبة ~~ما لم يكن فعله دفعا لها عن نفس أو مال ولم يندفع بالمعتاد أو لم يمكن ~~دفعها عن النفس للترتيب بالزجر ثم الضرب، بل بقتلها من أول الأمر جاز في ~~النفس والمال المجحف لا دون المجحف، فبالترتيب للضرب والزجر قبله مطلقا، ~~وفي ذلك وغيره يقول الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} وللأطفال ~~المميزين هذا الحكم إلا أنهم لا يكونوا إلا فيما لهم فيه مصلحة أو دفعا PageV03P230 عن نفس أو مال على الترتيب وكون المال مجحفا وهلاك النفس أو ضررها ولا ~~ينتهي إلى الضرب والقتل إلا الضرب اليسير فيما يرجع إلى أنفسهم كالزنا منهم ~~وشرب الخمر، وللمجانين هذا الحكم وذلك لرفع القلم عنهم بنقص العقل أو سلبه ~~لقوله تعالى: {واتقوني يا أولي الألباب} ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى ~~يستيقظ))(1) فإن كانت المظلمة خطأ أو غلطا أعطى الله تعالى صاحبها عوضها ~~حيث ms573 لم يتعوض في الدنيا على التفصيل المتقدم من دون نقص على الفاعل لقوله ~~تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم} وفي ذلك ~~الإنصاف والأعواض والعدل من الله تعالى [187أ] في القليل والكثير لكل من ~~يستحق على هذه التفاصيل مع الأدلة المتقدمة، يقول الله تعالى: {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ويقول الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}(2). # فصل [حكم أهل الحيوانات المأكولة] PageV03P231 لا يحل إهلاك الحيوان المأكول لحمه لغير غرض الأكل الذي شرعه الله تعالى ~~له، فلا يحل غير ذلك من الرمي بالبندق للحمام وغيرها وهو لا يلحق تذكيتها ~~كما يفعل أجناد الملوك وفساق عساكر الأئمة والمحتسبين والذبح ولا ثم لها ~~أكل ولا خشي عذابها من عطش أو جوع لا تجد ما يسد رمقها وفاقتها به إلا بما ~~يلحقه باتفاق رآه عليها التلف والضرر لا التألم فقط أو يلحق غيره محترم ~~الدم أو فوت أو فوت العبادة إذا أسقاها الماء وتضررت ضررا شديدا جاز الذبح ~~ولو لم يكن هناك أكل إذا كان يغلب بظنه أنها لا تسلم التلف إلى السعة، وفي ~~هذا وغيره يقول الله تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ~~ويقول الله تعالى: {ولا تبذروا تبذيرا} ويقول الله تعالى فيما سخرها تعالى ~~له دون غيره: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ~~ومشارب أفلا يشكرون} فإن كانت غير مأكولة فيتركها إذا لم يقدر على سد ~~فاقتها حتى تموت كغيرها، فإن كان أحد من المسلمين ينتفع بهما حيين ويسد ~~فاقتهما وجب تركهما له، فإن حيتا فعلى صاحبهما قيمة النفقة وأجرة الحفظ في ~~المأكولة والزائد على سد الفاقة في غير المأكول له إذا لم يقربا لرغبة ~~عنهما، وله الرجوع ما لم يتصدق بهما أو يكون الموهوب له ذا رحم محرم غير ~~ولد؛ فإن كان ولدا فله الرجوع ما لم يتصدق ms574 أو يتلفا قبل الرجوع. # فصل PageV03P232 الأصل فيما لم يظهر عليه أثر ملك من تهذيب شجر وتخييط وخندف وأثر ضربة ~~الإسلام أو مسودا على وجه الأرض في دار الإسلام مطلقا، ولو ضربه الكفار إن ~~كان المسلمون يتعاملون بهما فلقطة وإلا فغنيمة وليس بحيوان يحترم أو مملوك، ~~بل من الحيوان الذي علم ضرره كالحنش ونحوه والغراب ونحوه والأسد والذئب ~~ونحوهما أو من غير الحيوان من الأموال لم يظهر عليه وفيه أثر ملك ولا علم ~~له مالك إلا الله تعالى الإباحة، فلا حرج على من انتفع به سواء كان معدنا ~~أو كنزا أو حطبا أو حشيشا أو نحو ذلك من ذهب أو فضة أو ملح أو موات أرض ليس ~~للمسلمين فيها حق عام ولا خاص إلا برضاهم في المحصورين أو مصلحة عامة فيه ~~من غير مضرة على أكثرهم أو أحدهم معلومة في غير المنحصرين أو المصلحة لهم ~~من دون مفسدة زائدة أو مساوية، وعليه الخمس فيما يجب في الخمس لأهله، فأصل ~~ذلك الإباحة يملكه من أخذه، ويجوز له تناوله، ويجب عليه أخذه لسد فاقته ~~لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. # فصل PageV03P233 ومن الأدلة القاطعة التي يكفر من ردها على أن البعث للموتى أحياء مقطوع به ~~غير ما تقدم قوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا} وقوله تعالى: {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا [187ب] إنا كنا ~~فاعلين} وقوله تعالى: {فانظر إلى آثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ~~إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير} وقوله تعالى: {وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون * أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان ~~الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} ms575 وقوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحي ~~من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} وقوله ~~تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} وقوله تعالى: ~~{واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم ~~الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ~~ذلك حشر علينا يسير} وقوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} وقوله تعالى: {ونفخ في الصور} ~~والصور جميع صور PageV03P234 الحيوانات وهو جمع صورة، كصوف جمع صوفة والنافخ في أي: الصور هو الله ~~تعالى، يحيي تعالى بتلك النفخة جميع الموتى من أهل الأرواح لا يقدر على ~~ذلك إلا هو تعالى ولقوله تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا} وقوله تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} وقوله تعالى: {وأن عليه النشأة الأخرى} وقوله تعالى: {ثم الله ~~ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} وقوله تعالى: {فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون * قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ~~وقوله تعالى: {ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره} ~~وقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها ~~كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت الأرض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هباء ~~منبثا * وكنتم أزواجا ثلاثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون} وغير هذه ~~من الآيات، فلعن الله المكذبين بالبعث وغيره من قول الله أصدق القائلين، ~~وصلى الله على والدنا وإمامنا وإمام المرسلين والمتقين محمد وآله سفينة ~~الحق، وأئمة الخلق بعده صلى الله عليه وآله الطاهرين المطهرين، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم. # باب في الحساب وأحكامه ms576 PageV03P235 الحساب في اللغة: تفصيل الجمل وعدها، كل شيء منها على التعيين أو بعضها دون ~~كلها على التعيين. # وفي الشرع الحساب: تعديد النعم من الله تعالى أصلا وفرعا، وتعديد الأعمال ~~الصالحة والإبتلاءات بالنقص بالآلام والتخلية بين الظالم والمظلوم ليجزي ~~تعالى عن ذلك من لم يحبطه [188أ] بالخروج عن الإيمان بمخالفة القاطع من ~~حجة العقل معضود بالكتاب والسنة القاطعين المحكمين كأصول الدين، ووجوب ~~الشكر على الجملة، وبمخالفة ما عليه دليل قاطع محكم من الكتاب والسنة من ~~فروع العبادات حتى يموت على عدم المخالفة ولو بالتوبة يكون عوضا عن جميع ~~ثواب ما أحبطته المعاصي من الأعمال بالثواب الذي لا ينقطع أبدا أبدا، ~~والحساب الشرعي في حق العصاة تعديد الله تعالى عليهم نعمه أصلا وفرعا، ~~وتذكيرهم ما فرض عليهم من شكرها مما يكونون عنده تعالى لو فعلوه مستحقين ~~الثواب الذي لا ينقطع أبدا، وتعديد طاعاتهم المحبطة بفعل ما يحبطهم عنده ~~تعالى من الإيمان أو الإسلام من الكبائر، وتعديد ما فعلوا من تعمد ما يوجب ~~كفرا أو فسقا ليجزيهم تعالى على ذلك بالعقاب الذي لا ينقطع أبدا أبدا ~~نعوذ بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين من حالتهم وما ~~يقرب إليها، وتعديد ظلاماتهم التي جنى عليهم بها على غير حد ما أجازه ~~تعالى فيهم ولهم، والإنصاف لهم بنقص جزء من العذاب غير انقطاعه ساعة كله ~~إذا لم يستوفوها ممن ظلمهم في الحياة الدنيا، ويخبرهم تعالى PageV03P236 بجميع ذلك ليعرفوا ويتيقنوا المخبر كما تيقنوا الخبر في الدنيا، ودليل وقوع ~~الحساب قطعا من العقل بهذه الصفة أن الحكيم تعالى لا يهمل خلقه تعالى ~~من أن يفعل لهم وبهم من الجزاء والأعواض والتناصف والفرق بين المطيع ~~والعاصي بجنة أو نار ما يخرج التكليف مع تركيب العقول عن حد القبح العقلي ~~من التخلية والأمر بالطاعات التي قضى بوجودها العقل فأمسكت، والنهي عن ~~المعاصي التي قضى بقبحها العقل ففعلت، ثم نقصت أيام الدنيا بالموت المنسي ~~لكل نعمة، والمتمم لكل نقمة، ولما يحصل الثواب والأجر على الطاعات، ~~والأعواض على المصائب ms577 والآلام التي آخرها مفارقة الدنيا بالموت، ولا يخرج ~~كل ذلك عن كون فعله أو التكليف قبيحا عقلا إلا بالبعث لأهله أحياء بعد ~~الموت والحساب الذي هو تعديد لكل ذلك وإخبار به ليعرف المكلف وغيره من أهل ~~الأرواح أنما أسدى إليهم الله تعالى حين يخبرهم تعالى بذلك كذلك جزاء ~~وعوضا وأجرا وثوابا وجزاء على الخير والشر، فيعرفون عدل الله تعالى فيما ~~فعل تعالى لهم وبهم، فإذا كان الأمر كذلك وجب في الحكمة والعدل والله ~~تعالى معلوم أنه عدل حكيم أن لا بد قطعا من البعث للموتى للحياة التي لا ~~انقطاع لها والحساب على القليل والكثير. PageV03P237 # وأما دليل وقوعه من السمع قطعا فقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين} {ونضع الموازين} يعني تعالى نبسطها للحساب على الخير والشر من ~~الطاعات والمعاصي وأعواض الآلام لمن لا يستحقها إلا بالعوض من الأطفال ~~والحيوانات والعقلاء المؤمنين الذين ماتوا على الإيمان بالتوبة أو كانوا ~~معصومين عن الكبائر كالأنبياء ونحوهم ومن له ذلك الحكم، ونضعها لحساب أهل ~~المعاصي من كافر وفاسق في كل ما فعلوا من كثير المعاصي وقليلها، فلا تسقط ~~مثقال حبة من خردل من حسابهم على إثبات بذكرها ليوبخهم والجزاء عليها ~~بالعقاب الدائم؛ لأنهم لأجل المخالفة لا يستحقون الإحسان بتخفيف العذاب ~~ساعة، [188ب] ونضعها لحساب المؤمنين العقلاء لنذكرهم إن كانوا معصومين ~~كالأنبياء ونحوهم الصغائر والعفو عنها، وإن كانوا غير معصومين وقد خلطوا ~~العمل الصالح بالكبائر ثم تابوا وماتوا على الإيمان فيذكرهم ذلك وقبول ~~توبتهم الصحيحة والمغفرة وتبديل السيئات حسنات تبديل كتب، أو أن لكل سيئة ~~لأجل الإقلاع عنها بالتوبة ثواب حسنة، والقسط والعدل الذي لا حيف فيها على ~~أي نفس مؤمنة وغيرها عاقلة وغيرها. # والمقصود بوضع الموازين القسط استقصاء الجزاء على الخير والشر وأعواض ~~الآلام لمن لا يستحقها على وجه العدل وأن لا يضيع ويهمل شيء من ذكر الله ~~تعالى له يوم القيامة. PageV03P238 # {وإن كان مثقال حبة من خردل} أي: ms578 وإن كان العمل في القلة من المؤمن من عمل ~~الخير يساوي عوضه من الجزاء مثقال حبة من خردل لقلته لم يضيع ولم يهمل، وإن ~~كان الألم لمن لا يستحق يساوي عوضه مثقال حبة من خردل لم تضع ولم تهمل، وإن ~~كان عمل الشر من الفاسق الذي مات مصرا على فسقه يساوي جزاؤه مثقال حبة من ~~خردل من العقاب لم يضيع ولم يهمل، وإن كان أي مظلمة على المكلف معه لأخيه ~~كائنا من كان مؤمنا أو فاسقا أو غير جنسه من المخلوقين أهل الأرواح مات ~~المظلوم ولم يصدر فيها عوض لمن كان من العقلاء، وأما غيرهم فلا حكم للعوض ~~بل هي باقية مطلقا أو له مظلمة على أي أولئك وإن كان مثقال حبة من خردل ~~يعني تساوي الجزاء عليها من خير أو شر أو نقص عقاب أو زيادة ثواب، وقد تقدم ~~ذلك مفصلا مثقال حبة من خردل لم تضيع عن الذكر والإخبار به والجزاء عليه ~~بذلك، فمثل الله تعالى ذلك الاستقصاء بأقصى ما يكون للشاهد من وضع الميزان، ~~وليس هناك ميزان على الحقيقة له كفتان ولسان كما نشاهد في الدنيا؛ لأن ~~القسط بالوزن في الآخرة الاستقصاء من الله تعالى على حسب العدل والحكمة وقد ~~حصل، والوزن على قول من قال أن هناك ميزانا على الحقيقة غير ما قلنا، ~~وموزونا على الحقيقة، والعالم ينتظرون تمام ذلك في المحشر على زعمه، فهذا ~~القول محال؛ لأنه إما أن يقول: إن الموزون كذلك ذوات الأعمال والآلام، وكل ~~ذلك لا يمكن وزنه على الحقيقة؛ لأن العمل والألم معاني لا يمكن في العقل ~~وزنها ولا PageV03P239 يتصور، وقد مضت صورة علاجها في أيام الدنيا، وانقضت أعراضها؛ ولو كانت ~~باقية لكان الآلام ومعالجة الطاعات في أهلهما باقيا غير منفصل؛ لأن العرض ~~لا ينفصل إلا بعدمه المحض الذي هو البطلان حتى لا يكون العرض شيئا؛ فإذا ~~كان لا يتصور وزن الأعمال لما ذكرنا بطل وزنها على الحقيقة، وإن قالوا: إن ~~الموزون جزاؤها من جنة أو نار؛ فكيف يخصون بالوزن ما ms579 لا يحصى ولا ينقطع، ~~وإن قالوا: الموزون الأسماء دون المعاني؛ فكيف يتصور عقلا وزن الاسم بالقول ~~على الحقيقة وهو معنى، وإن قالوا: الوزن الاسم مكتوبا في ورق، خرجوا عن وزن ~~ما قصدوا من الخير والشر ولا فائدة في ذلك أي: وضع الورق المكتوب فيها ~~أسماء ما فعلوا في الميزان؛ لأن ذلك ليس المقصود من الوزن [189أ] بالقسط، ~~بل الجزاء والذكر بالحساب للقليل والكثير؛ فإذا استحال الوزن الحقيقي بقي ~~ضرورة الوزن التمثيلي وهو الاستقصاء بالذكر، والجزاء والدليل على ذلك كذلك ~~غير ما ذكرنا استحالة الحقيقي وأن الاستقصاء المقصود على وجه الحكمة والعدل ~~حتى يكون حقا قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} ففسر تعالى الوزن الذي يسبق ~~فيه الذهن إلى الحقيقة الموزونة في ذات الكفتين من الأجسام بغير تلك ~~الحقيقة، فقال تعالى: {والوزن يومئذ الحق} الذي هو الاستقصاء بغير جور ميل ~~ولا حيف على ذي روح، فدلت هذه الاستحالة، وقوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} ~~على بطلان الموازنة حقيقة، والوزن حقيقة كوزن الأجسام في الدنيا وأن ذلك ~~تمثيل منه PageV03P240 تعالى لعدله تعالى. # فصل # وحساب المؤمن قال الله تعالى فيه: {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا}(1) يعني تعالى حسابا سهلا؛ وهو أن يعرفه الله تعالى نعمته ~~عليه بجميع ما فعل له، ومحا عنه تعالى من السيئات كبيرها وصغيرها ~~بالتوبة، وينقلب بعد ذلك إلى أهله في الجنة مسرورا برضوان الله تعالى ~~عليه، والسلامة مما شاهد للفجرة من النار نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها. # فصل # وحساب الفاجر قال الله تعالى فيه: {فسوف يدعو ثبورا}(2) بعد قوله: {وأما ~~من أوتي كتابه ورواء ظهره} يعني تعالى علامة لفجوره، فحسابه يكون توبيخا ~~وتعريفا له بالنعمة وإنكارها بعدم الشكر، وتذكيرا له بكل قبيحة فعلها، وأن ~~جزاء ذلك العقاب الذي لا ينقطع لكون ذلك العاصي لا يستحق الإحسان بانقطاع ~~العذاب ساعة، بل جزاؤهأن يستمر من غير انقطاع، فحين يعلمه الله تعالى بذلك ~~قبل دخول النار في وقت الحساب يدعو ذلك العاصي حين أيس من الرحمة من الله ~~تعالى ms580 ثبورا تحسرا على نفسه فيقول: وا ثبوراه، وا هلاكاه؛ فلا يستحي حينئذ ~~{ويصلى سعيرا} أي بعد ذلك نارا مستعرة شديدة الأخذ لمن وفد إليها، تشبيها ~~لها بمن أصابه داء السعر من الحيوانات، ولا يترك شيئا مما يشاهد إلا عالج ~~أكله {ويصلى سعيرا} يقلب عليها دائما بغير انقطاع للعذاب جزاء على شؤم ~~أفعاله واستكباره على خالقه تعالى وتبارك، ثم علل تعالى ما أصدر تعالى ~~إليه من الهوان بقوله PageV03P241 تعالى حاكيا سيئ أفعال العاصي وتكذيبه بما وعد الله تعالى وتوعد وتنعمه ~~في فضله تعالى في الدنيا مع أهله على النعيم من الله تعالى غير شاكر ~~ولا مصدق ببعث للحياة بعد الموت: {إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن ~~يحور} أي: ظن أن لن يرجع إلى حكما عليه بجزاء طاعة أو معصية بعد البعث ~~لحياة الآخرة، والحور: الرجوع في اللغة، بل ظن أن ذلك الوعد بالرجوع إلى ~~حكمنا حيا سويا بعد الموت كذبا، ثم قال تعالى رادا لذلك أي: لما اعتقد ~~العاصي من التكذيب {بلى} يعني تعالى بلى ذلك الرجوع كائن لا محالة {إن ربه} ~~تعالى {كان به} بالعبد وإرجاعه {بصيرا} عليما لا يعيا عليه إحياؤه بعد ~~الموت ومجازاته على الخير والشر تبارك الله رب العالمين. # باب في الإحباط (الإبطال) وأحكامه PageV03P242 الإحباط: الإبطال [189ب]أي: إبطال في اللغة، وفي الشرع: إبطال الأعمال ~~الصالحة حكما لمخالفة ما عليه دليل قاطع عمدا عالما بالمخالفة أو مما لا ~~يعذر المكلف في جهله كأصول الدين وما يلحق بها من فروعه من فعل قبيح أو ترك ~~واجب متضيق ذلك الواجب، وفي ذلك الإحباط وثبوته عند الله تعالى بتلك ~~المخالفة على تلك الصفة يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} يعني تعالى لا تبطلوا أعمالكم بمخالفة ~~الله تعالى ومخالفة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذلك معلوم بدليل ~~أنه تعالى قال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ثم قال تعالى: {ولا تبطلوا ~~أعمالكم} وليس بطلانها إلا بطلان حكمها بالمخالفة في بعض الأحوال ms581 إذ لو ~~كانوا مبطلين بكل الأحكام لم يثبت تعالى لهم الإيمان قبل ذلك بقوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا} إذ لو كانوا غير مطيعين في جميع الأحوال كانوا كافرين، ~~فثبت أن المقصود لا تبطلوها بالمخالفة عمدا لما علمتم من طاعة الله تعالى ~~وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم غير مستحلين، ويقول تعالى: {أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون} أي: لا تشعرون أن الذي تعمدتموه عالمين بأنه ~~معصية لله تعالى ولرسوله تحبط أعمالكم الصالحة وهو يحبطها عنده تعالى ~~ويخرجون به مع العمد إلى خلاف الحق المعلوم عن الإيمان إلى الفسوق ~~والعصيان، ولذا قال تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} أي يعني ~~تعالى جرمه خارج عما PageV03P243 يرد تعالى منكم لا يتسامح به، وهو في هذه الآية أي: {تحسبونه هينا} قذف ~~المحصنات، ولا فرق بين الرجال والنساء وسماع ذلك بغير إنكاره على فاعله ~~باللسان أو الحد مع الشهود غير نفسه إن كان إمام حق، إذ لا يحل أن يحد ~~بعلمه بل بالشهود وغير نفس المشاهد إن كان المشاهد خصيما، وقال تعالى: ~~{أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} ~~فهذا ضرب مثل من الله تعالى لمن يحب ويريد أن يكون من أهل الجنة ولم يعمل ~~عملهم في الدنيا بأن يصون الطاعة مما يبطلها ويفعلها، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} ويقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ~~ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} ويقول تعالى: ~~{ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب ~~أليم}(1) ويقول تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا} ويقول تعالى: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له كاتبون}[الأنبياء:94] فهذه بصريحها دلت على الإحباط وهي ~~قطعية المتن والمعاني لا يدخل على معانيها ولا متنها نسخ ms582 ولا إبطال فيما ~~دلت عليه في أهله الذين ذكروا فيها إجماعا، وهو لا يمكن تأويلها إلا ~~بمخالفة أهل الحق واتباع أهل الزيغ بإجماع المسلمين PageV03P244 والمؤمنين بأن تكون في الكفار فقط، [190أ] بل دلت بصريحها على أن ذلك ~~الإحباط في المخالفين عمدا في القاطع المحكم أو ما لا يعذر المكلف في فعله ~~من المسلمين سواء كان الموت مع العصيان أو مع الإيمان، بل يحبط باعتبار ~~الحال ما مضى قبل المعصية المحبطة وقبل التوبة عنها سواء علم الله تعالى أن ~~صاحبها يتوب أو لا يتوب، فيكون عدوا لله تعالى حتى يتوب حابطا عمله كذلك، ~~ولو علم الله تعالى أنه يعود إلى ولايته تعالى بالتوبة في وقت التكليف، ~~فإذا تاب صار وليا لله تعالى وكانت التوبة عوضا لما فات عليه من قبول ~~الطاعات وفي ذلك يقول الله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمسون على الأرض ~~هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ~~* والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت ~~مستقرا ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما * والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}(1) يعني تعالى يبدلها حسنات بشرط ~~التوبة والعمل الصالح مصاحبا للإيمان مجانبا لما يحصل به الفسوق والعصيان ~~إن بقي بعد التوبة حتى تتضيق عليه الأعمال المفروضة، فيكتب الله تعالى له مكان PageV03P245 السيئات كتب الحسنات، ويجعل تعالى في كل ندم عن معصية حسنة على قدر الندم ~~على الجملة أو على التفصيل، فهذا معنى تبديل السيئات حسنات، وليس المقصود ~~أنه يثيب تعالى على نفس السيئات مع التوبة ويرد ما حبط من الصالحات إذ لا ~~دليل يفيد العلم برد ما قد فات بالإحباط، وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس ms583 ~~لك به علم}(1) وقال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}(2) وقد حبطت ~~الأعمال وبطلت بالمعاصي العمد المعلومة بيقين الأدلة القطعية، وبدلت ~~الأعمال تبديلا باعتبار عوض التوبة عنها بيقين الأدلة القاطعة، فلا وجه لمن ~~شرط الإحباط بالموت على المعصية من كفر أو فسق. # قالوا: قال تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فرتب تعالى ~~إحباط العمل والخلود في النار على الموت كافرا بقوله تعالى: {فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~فمفهوم الآية الكريمة أنه لو تاب قبل الموت لم تحبط طاعاته التي قبل ~~المعصية وأنه لا يحكم ببطلان حكمها في الأجر والثواب إلا بشرط الموت على ~~الكفر، فقوله تعالى: {فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} دل ذلك على أن ~~المعاصي لا تبطل ثواب الطاعات التي قبلها وبعدها قبل أن يموت فاعلها إلا ~~إذا مات غير تائب. PageV03P246 # قلنا في الجواب عليهم: صريح أدلتنا من قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} ~~وقوله تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} وقوله تعالى: {لئن أشركت ~~ليحبطن عملك} وقوله تعالى: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~[190ب]ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}. # فهذه أدلة صريحة لا يمكن تأويلها ولا تقييدها إجماعا بين المسلمين ولا ~~يدخلها نسخ إجماعا ولا تخصيص إجماعا إلا بالتوبة في قبول العمل الذي بعد ~~التوبة أو عدم حبوطه إذا كان بعد التوبة، وفيما قبل التوبة، دلت بصريحها ~~على بطلان حكمه ولهذا إنه قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} ولم ~~يقل تعالى: يرفع عنه حكم بطلان حسناتهم، ويقول تعالى: {فمن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون}[الأنبياء:94]. PageV03P247 # فمفهوم هذه الأدلة أن العمل الصادر ولو صالحا مع الخروج عن ms584 الإيمان لا ~~يقبل، بل يكفر ذلك السعي ويعطبه الكفر والخروج عن الإيمان ويحبطه، ويعضد ~~ذلك المفهوم صريح الأدلة من قوله تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} ~~وقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} وقوله تعالى: {ولو أشركوا لحبط عنهم ~~ما كانوا يعملون}(1) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم}(2) وقوله تعالى: {فيمت وهو كافر فألئك ~~حبطت أعمالهم} منطوق ذلك حبوط عمل من مات على الكفر، ومفهومه مفهوم صفة إن ~~مات تائبا لا يحبط عمله شيء بسبب المعصية، والمفهوم سواء كان مفهوم صفة أو ~~شرط لا يصادم الأدلة الصريحة ولا يقيدها ولا ينسخ شيئا من معانيها ولا ~~يخصها إجماع بين المسلمين، وقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} وقوله تعالى: ~~{أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} وغيرهما كقوله تعالى: {إنما يتقبل الله ~~من المتقين}(3) صريح ذلك في الإحباط سواء مات تائبا أو لا، وهو مبطل لمفهوم ~~قوله تعالى: {فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} قاصر له على منطوقه دون ~~مفهومه إجماعا بين العترة ومن تبعهم، والأمة مجمعون أيضا على أن النصوص ~~الصريحة مثل هذه الأدلة تبطل مفهوم الصفة وغيره، فكان قولنا الإحباط من غير ~~شرط الموت هو الحق لما ذكرنا من الأدلة الصريحة والإجماع المعلوم، ويتأول ~~أيضا: {فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم} على أن المقصود PageV03P248 حبطت لعدم التوبة قبل الموت كلها، فلم يكن هناك شيء يستحق به الجنة لا توبة ~~ولا سلامة من الكفر وأن ذلك الذي مات على الكفر والمعاصي هو الذي حبط عمله ~~على الحقيقة وكان غيره ممن تاب وحصل بالتوبة له عوض عما بطل عليه لم يحبط ~~عمله أصلا وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب ~~عليه))(1) وما احتمل مع كونه مفهوما أيضا وغير مفهوم لم يبطل شيئا من معاني ~~الصرائح إجماعا إذا لم يكن نصا في معنى واحد أو معاني مستوية لا تنافي بينها. # فصل PageV03P249 والدليل من السمع أن الله تعالى يخبر أهل الأرواح بالأعواض والأجور والثواب ms585 ~~والانتصافات ومن العقل ما تقدم، ومن السمع ما تقدم، ومن السمع غير ما تقدم ~~قوله تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم ~~بعلم وما كنا [191أ] غائبين}(1) والذين أرسل إليهم الرسل جميع المكلفين ~~وغير المكلفين مرسل إليهم الرسل مجاز، وسؤال المرسلين: هل أطيعوا أم لا؟ ~~على سبيل تقرير الحجة على العصاة لله تعالى ولرسله وليشرح صدر المؤمن إذا ~~شهد له الله تعالى ورسله وأنبياؤه بالطاعة والانقياد والصبر {فلنقصن عليهم ~~بعلم} منا ما فعلوا من خير وشر وفعل بعضهم مع بعض وأنما يصدر إلى كل منهم ~~عن شيء فعله من خير أو شر أو فعله معه غيره في إنصافه أو فعله هو مع غيره ~~في إنصاف ذلك منه كما تقدم، فنقص عليهم ذلك أي: نخبرهم به كذلك عن علم منا ~~لا بوهم وظن تعالى الله عن صفات النقص وقوله تعالى: {ثم لتنبئن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير}(2) وغير ذلك من الآيات. # فصل PageV03P250 في بطلان قول من قال: إن الحسنات يثبت ثوابها مع الإصرار على مخالفة دليل ~~قاطع بحكم من الكتاب والسنة غير منسوخ بمعلوم عمدا عالما مصرحا ذلك الدليل ~~بوجوب أو تحريم أو جاهلا فيما لا يعذر العاقل كامل العقل في جهله، كأصول ~~الدين وأنها بزعمهم إن زادت الحسنات مهما لم تكن المعاصي تكفرها أو ينص ~~الله تعالى على أنها تدخل فاعلها بعينها حيث مات مصرا على عدم التوبة من ~~فعلها، كقتل النفس المحرم، فإنه حيث أتت من هذه النصوص عليها يساقط عنه من ~~أجزاء عذاب بقدر هذه الحسنات ويخبره الله تعالى بذلك النقص ولا تحبط ~~الحسنات ويدخل النار مع ذلك، وإن كان من غير المنصوص على أنها تدخل الفاعل ~~النار بعينها حيث مات عليه فإنه يدخل الجنة ولو لم يتب إذا كان مسلما ~~وزادت، وإن استويا أو زادت السيئات دخل الجنة برحمة الله، فالذي يدل على ~~بطلان ذلك القول قطعا، وأنه تعالى لا يمحو السيئات التي دل تعالى على ~~كونها سيئات بأدلة معلومة إلا بالتوبة، وأنها أي ms586 الحسنات لا يثبت حكمها ~~تعالى إلا مع التقوى الذي هو عدم الإصرار على معصية قد فعلة معلومة بدليل ~~قاطع قوله تعالى: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا*إلا من ~~تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما}(1) فلم يرفع تعالى حكم تلك المعاصي ولا بعضه التي عددها تعالى من الخلود PageV03P251 في النار ومضاعفة العذاب الذي لا ينقطع إلا بالتوبة مصاحبة للإيمان والعمل ~~الصالح التي دل تعالى على كونها معاصي مع العمد وهذا نص صريح على خلاف ما ~~قالوا من نفي حكم الطاعات مع عدم التوبة من المعاصي المعلومة بدليل معلوم، ~~وقوله تعالى في إبطال حكم جميع الطاعات التي لم تكن مصحوبة بالتقوى الذي هو ~~عدم الإصرار على المعلوم من المعاصي بأدلة معلومة قطعية قوله تعالى بعد ~~ذكره تعالى أحكام أهل الكبائر: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات}، وقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}(1). # قالوا : قال تعالى : {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم}. PageV03P252 # قلنا: قال في آخرها: {عسى الله أن يتوب عليهم} وذلك صريح في [191ب] أنه ~~تعالى لا يسد عنهم باب التوبة والتكليف باق وأنهم يرجعون للتوبة ويتوفقون ~~للخير ويتوبون توبة صحيحة لا يخلطون معها إصرارا على معصية لاعترافهم ~~بالذنوب وتعديدها مخلوطة بعمل صالح فندموا لأجل حبوطه عليهم بالسيئ، ويدل ~~على ذلك أن الاعتراف اعتراف توبة وندم قوله تعالى في آخر الآية: {فأولئك ~~عسى الله أن يتوب عليهم}(1) وعسى في حق الله تعالى بمعنى القطع؛ لأنه لا ~~يصح عليه الشك والاعتراف الذي دل عليه آخر الآية أنه اعتراف توبة هو قوله ~~تعالى في أول الآية: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ~~عسى الله أن يتوب عليهم} ويحتمل أن الخلط تعقبه التوبة؛ لأنه فعل ماض فيجب ~~تأويلها لاحتمالها ذلك التأويل بظاهرها لترد إلى ما لا يحتمل التأويل ms587 من ~~المحكم لقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} ومن قوله تعالى: {إلا من ~~تاب} وقد قال تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} فهي من ~~المتشابه الذي يجب قطعا قصره على ما يوافق المحكم من المعاني بالتأويل ~~والرد إلى المحكم. # قالوا: قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}. PageV03P253 # قلنا: مع التقوى لقوله تعالى: {ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف ~~له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} وهذه الآية الكريمة ~~محكمة إجماعا، فيجب أن يتأول ما ناقضهما لأجل عمومه إلى المعنى الذي ~~يوافقها لوجوب رد المتشابه إلى المحكم إجماعا لقوله تعالى: {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب...}الآية ولقوله تعالى: {ومن يعصي الله ورسوله ويتعدى ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها} مع قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما * ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}. # فصل # قال الله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} وقال ~~تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها} وقال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم}. PageV03P254 # دل ذلك على أن في المعاصي كبائر وهي ما علم المكلف أن على كونها معصية لله ~~تعالى دليلا منه تعالى قاطعا محكما معينا لها بعينها مع اقتراب الوعيد ~~عليها بعينها لا الوعيد على العموم والذي يدل على الجملة كقوله تعالى: {ومن ~~يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالد فيها وله عذاب مهين} بأن ~~يكون ترك واجب عليه دليل قطعي محكم أو فعل محرم على تحريمه دليل قاطع محكم ~~وهو عالم بذلك الدليل، ومما لا يعذر المكلف في جهله كالذي لا يتم الإسلام ~~الصحيح إلا به من أصول الدين وفروعه وإذا اجتنب المكلف ذلك بالتوبة أو ~~بالتحرز كالأنبياء ms588 عليهم السلام ومن دل الدليل على عصمته من الأنبياء ~~وغيرهم كالأربعة المعصومين فقد اجتنب كبائر ما ينهى عنه وكفر الله تعالى من ~~سيئاته ما عدى ذلك؛ فأما ما كان غير ذلك مما دل تعالى عليه بأنه معصية ~~بدليل قاطع مع العمد والعلم أو ما لا يعذر المكلف في جهله بعد إمكان ~~المعرفة بالاستدلال كأصول الدين فلا يعفى إلا بالتوبة لقوله تعالى[192أ] في ~~المعاصي التي جعل تعالى على تحريمها دليلا قاطعا: {ولا يزنون ومن يفعل ~~ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما} ولقوله تعالى فيمن عصى مكلفا عالما عن دليل معلوم قطعي أو فيما لا ~~يعذر المكلف في جهله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا PageV03P255 فيها} وهذه الآيات المشددة قطعية محكمة إجماعا، والآيات الأخرى متشابهة ~~ظاهرة في المعاني التي يردها بالتأويل وعدم التناقض إلى هذه المحكمات، فيجب ~~قطعا تأويلها على ما يطابق هذه المحكمات. # وهذا أحسن ما يقال في هذا الباب وهو إجماع العترة عليهم السلام ولقوله ~~تعالى مرتبا لتكفير السيئات المعلومة بأدلة منه تعالى معلومة على التوبة ~~النصوح لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ~~ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم} وهذه الآيات المشددة قطعية محكمة غير منسوخة ~~إجماعا، والآيات الأخرى متشابهة أعني قوله تعالى {إن الحسنات يذهبن ~~السيئات} وقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~ظاهرة في المعاني التي نردها بالتأويل وعدم التناقض إلى هذه المحكمات، فيجب ~~تأويلها على ما يطابق به المحكمات من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~توبوا إلى الله توبة نصوحا} يعني تعالى توبوا إلى الله توبة نصوحا أي من كل ~~ذنب معلوم يدل على كونه معصية لله تعالى دليل من الله تعالى معلوم محكم، ~~ثم رتب تعالى تكفير السيئات على تلك التوبة الصحيحة بقوله تعالى: {عسى ربكم ~~أن يكفر عنكم سيئاتكم}(1) فدل تعالى ms589 بذلك أنه يريد تعالى بقوله تعالى: ~~{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}(2) يعني تعالى بالتوبة ~~تجتنبوها أو باختيار ترك الكبائر وهي كل معصية معلومة بدليل معلوم في حق ~~الأنبياء عليهم السلام PageV03P256 والمعصومين لا الاجتناب بعد وقوع شيء من المعاصي المعلومة بدليل معلوم من ~~غير توبة في حق من يقع منه وهو غير المعصوم، فليس الدليل المقصود ذلك لقوله ~~تعالى مرتبا لتكفير السيئات على التوبة النصوح: {يا أيها الذين آمنوا توبوا ~~إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم}(1) وهذا أحسن ما يقال ~~في هذا الباب وهو إجماع العترة عليهم السلام. # إن قيل: إذا قلت أن أعمال العصاة تحبط بمعاصيهم ويبطل أحكامها من الثواب ~~والأجر بالإصرار على المعاصي، فهل يجب عليهم قضاء ما عملوه من الطاعات ~~لبطلان ثوابه مع الإصرار إذا تابوا؟ PageV03P257 # قلت: آيات الإحباط تقضي بذلك من قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} ومن قوله ~~تعالى: {أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} وقوله تعالى: {إنما يتقبل الله ~~من المتقين} يقضي بذلك أي بوجوب القضاء لولا إجماع الأمة على أنه لا يجب ~~عليهم القضاء ولما قد علم من أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم ~~يأمر أحدا من المنافقين إذا صح إيمانه بالقضاء ولم يأمر أحدا ممن فسق أو ~~كان فاسقا بالأصالة مع أن الفسقة من المسلمين موجودون في وقته صلى الله ~~عليه وآله وسلم [192ب] ولذا قال الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا}(1) وقال تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}(2) وهم ~~معلومون عنده صلى الله عليه وآله وسلم غير خائف عليه السلام من تبيين ~~أحكامهم، فلم يأمرهم بالقضاء كما كان يحث على التوبة، ولم يحث صلى الله ~~عليه وآله وسلم على قضاء فريضة فعلت مع المعصية، فكان ذلك مقيدا لإطلاق ~~آيات الإحباط، وهذا إذا فعلوها تامة الركوع والسجود والطهور مع النيات حال ~~إصرارهم وألا يفعلوها تامة الأركان، بل كنقر الديك منحوسة الركوع والسجود ~~وجب عليهم القضاء، وإن كان المحبط كفرا ms590 لم يجب عليهم القضاء لقوله تعالى: ~~{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}(3) ولقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم : ((الإسلام يجب ما قبله))(4) إلا أن يكون الوقت باقيا يسع ~~المقضي أو تقييده مع الوضوء وجب القضاء والحد تجب إعادته PageV03P258 لبقاء وقته؛ لأنه العمر ويشترط في تضييق وجوبه والإيصاء به الاستطاعة ~~كالابتداء لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}(1) ~~وأما لو حج ثم فسق أو كان الحج مصاحبا للفسق لم تجب إعادته لما قدمنا من ~~الأدلة وذلك إجماع، ولا يجزي أن كون أجيرا مع فسقه المجمع عليه إجماعا ~~ولقوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}(2). # قلت: وإذا لم يجب القضاء بعد التوبة من الكبائر وكذلك أعمال المرائين ~~............. # فصل PageV03P259 وما ظن المكلف حسنه وكان مما لا يعذر المكلف البالغ العاقل في جهله، كأصول ~~الدين ولم يقصر في البحث ثم فعل غير متعمد لمخالفة مراد الله تعالى، ثم علم ~~بعد ذلك أن مراد الله تعالى خلاف فعله بدليل معلوم لم يكن ذلك الفعل معصية ~~تجب منها التوبة ولا هي محبطة ولا كبيرة وكذلك ما فعل من الكبائر غير عمد ~~بل سهوا أو سبقا أو قصد الجائز أو الواجب فوقع في الحرام ذلك كله ليس ~~بمعصية تجب من التوبة ولا هي كبيرة ولا ملتبسة بين كبر وصغر وسواء ترك ~~التحرز من قبلها أو لم يترك إذا لم يصاحبها العمد وسواء ظن أنه بعدم التحرز ~~وفعل الجائز يقع فيها أو لا ما لم يعلم، وعلى هذا التنزيل والوجوب تحمد ~~معاصي الأنبياء عليهم السلام كآدم عليه السلام في أكله من الشجرة بعد ~~حلف إبليس الملعون له أنه له من الناصحين غير مريد له خلاف رضوان الله ~~تعالى خالقه رب العالمين، فأكل ناسيا للتحذير من الله تعالى من عدوه تعالى ~~إبليس وعدو رسوله آدم عليه السلام وزوجته حوى -عليهما السلام فقال ~~تعالى في آدم عليه السلام في شأن المعصية بالمخالفة: {فنسي} يعني تعالى ~~فنسي آدم عليه السلام نسى الوصية بالتحذير ms591 من الشيطان حال مقاسمة الشيطان ~~لهما أنه لهما من الناصحين، ثم قال تعالى: {ولم نجد له عزما} يعني تعالى لم ~~يعزم على تعمد مخالفة ما يريد منه من ترك أكل الشجرة وطاعة عدونا وعدوه ~~إبليس اللعين، والصحيح أن إبليس لعنه الله تعالى ظهر لآدم وحوى ورأيا PageV03P260 شخصه، وظهوره معجزة لرسول الله ونبيه آدم عليه السلام مثل ظهور الملائكة ~~ورؤيتهم حين رآهم آدم عليه السلام [193أ] وأخبرهم بالأسماء التي خصه الله ~~تعالى بها حيث قال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} ثم قال تعالى بعد ذلك ~~وعجز الملائكة وجهلهم لها: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} وهذا دليل وغيره أن ~~آدم رسول إلى الملائكة في هذا الإنباء بالأسماء ولا مانع من هذا الظهور من ~~إبليس لآدم عليه السلام ويحتمل أنه لم يظهر لآدم شخصه إذ لو عرفه ولم ينس ~~التحذير منه لم يغتر به ولكنه كلم آدم عليه السلام فسمع كلامه من ذلك ~~المكان ولم ير شخصه كما قال الله تعالى في ذلك كذلك: {إنه يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم}(1) ويحتمل أنه رآه على خلقه الذي خلقه الله تعالى عليه ~~إذ كان آدم عليه السلام لا يستوحش من رؤية الملائكة على صورهم بخلاف بني ~~نبيه ولم يعرف آدم أنه إبليس الذي حذر الله تعالى من خدعه أو عرفه ولم يعرف ~~أنه قصد بذلك خدعه أو لم يعرف آدم عليه السلام أن أكل الشجرة من جملة ما ~~أراد إبليس عداوته به مع نسيانه للنهي من الله تعالى عنها نهي تحريم ~~ومفسدة، ولكن الظاهر مع المقاسمة أنه ظهر لهما أو كلمهما من مكان محجوب ~~وليس ذلك بمجرد الوسوسة فقط؛ لأن الوسوسة أمر خفي والأنبياء عليهم السلام ~~معصومون عن تأثيرها فيهم ما يتعبهما وينقص ثوابهما، إذ قد عرف إبليس لعنه ~~الله أنه لا يلقي الله تعالى تعب الدنيا إلا على من لم يخالف في PageV03P261 صغير ولا كبير. # وأما قوله تعالى: {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما}(1) فالمعنى أنه ~~إنما أراد بخديعتهما أن تبدو لهما ms592 بسبب طاعتهما له ما يتعبهما من مقارفة ~~الذنوب بسبب الخروج من جنتهما. # قالوا: قال الله تعالى: {ينزع عنهما لباسهما} وذلك ثيابهما. # قلنا: ذلك النزع محاولة إبليس لعنه الله تعالى في إغوائهما، فينزع عنهما ~~إن أطاعاه فيما يتعقب خروجهما من الجنة لباس التقوى أو ظن إبليس أن آدم ~~عليه السلام حين صدقه في مقاسمته أنه قد نزع عنهما لباسهما الذي هو لباس ~~التقوى والإيمان وظن أن آدم قد خالف الله ربه عمدا عدوانا فينزع عنهما بذلك ~~لباس التقوى، وقوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم}(2) فذلك قد اختلف فيها، والصحيح عندنا أن الكلمات هو ما كان ~~الله تبارك وتعالى قد أعلمه بخلق من سيخلفه من ذريته أعني آدم عليه السلام ~~ونسله وأنه سيكون منهم مطيع ومنهم عاص باختيارهم وأنه سبحانه يقبل التوبة ~~من تائبهم إذا تاب وأصلح وأخلص التوبة ورجع، فلما كان منه ما كان من أكل ~~الشجرة ذكر ما كان الله قد أعلمه من القبول للتوبة، فعرف آدم عليه السلام ~~وحوى عليها السلام أن الله سبحانه يقبل توبتهما ولا ينقص ثوابهما سبحانه ~~بعدها فقالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين}(3) يعني لو واخذتنا في تصديق إبليس واتباع ما قال حين أقسم لهما ~~في أنه لهما من الناصحين في أن PageV03P262 الله تعالى يرضى لهما في الأكل منها على شريطة الوفاء بالعبادة إلى آخر ~~الدنيا كحالة الملائكة، وقد حكى الله قول إبليس لهما بقوله تعالى: {وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} يعني ~~بذلك إلا لأن لا تكونا [193ب] ملائكة مقربين تعبدون مثلهم مخلدين إلى آخر ~~الدنيا، فأراد التخفيف عنكم بنهيكم عنها، فإن كنتما تقدران على المحافظة ~~كما تقدر الملائكة فكلا منها، فإن الله تعالى بعد ذلك يجعل لكما رتبة ~~الملائكة بالكرامة والتبقية إلى آخر الدنيا أنتما ونسلكما في الجنة جنة ~~الدنيا التي تفنى معكما وتبقى ما بقيتما فظن آدم عليه السلام حسن ms593 فعله ~~وليس ذلك الذي فعله من أصول الدين وهو أكل الشجرة إجماعا، فانكشف قبح فعله. PageV03P263 # وأما فعله تعالى مع آدم وإخراجه من الجنة بذلك وتعب أحواله فذلك تأديب وليس ~~بعقوبة، وتوبة آدم عليه السلام من ذلك استشناعا وتواضعا وندما على عدم ~~التحرز لا؛ لأنه يستوجب بذلك سخط الجبار تعالى ودخول النار أبدا فهو ~~معصوم وهو صفوة الله تعالى ورسوله، وقوله تعالى: {فعصى آدم ربه فغوى}(1) ~~فذلك يسمى المخالفة معصية وغوى، ولو لم توجب دخول النار لقوله تعالى: {فنسي ~~ولم نجد له عزما} وقد قال تعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم}(2) والحكم واحد إجماعا، فلا جناح على آدم عليه السلام ~~حينئذ لنسيانه وكونه لم يتعمد بقلبه حيث لم يعزم وفي ذلك قال تعالى فيه ~~وفعله {فنسي ولم نجد له عزما} والعزم فعل المعصية عالما بكونها معصية بدليل ~~معلوم عامدا، فنزه الله تعالى آدم، فويل للمفترين عليه عليه السلام بخلاف ~~ما قال تعالى فيه من التنزيه. # وما قيل إن آدم وحوى عليهما السلام تعورا وذهبت عنهما الثياب بعد ذلك ~~مع حضور الملائكة وتدريج العدو إبليس عليهما. PageV03P264 # قلنا: حاشا لله تعالى أن يعور نبيه ورسوله وصفوته آدم عليه السلام وقد ~~نزهه تعالى عن كونه فعل كبيرة وأخبر تعالى أنه نسي ولم يعزم على المخالفة ~~بقوله تعالى في آدم عليه السلام: {فنسي ولم نجد له عزما} ثم يعوره وزوجته ~~ويشمت بهما الملائكة والجن وإبليس العدو على نفس معصية لا عقاب عليها وهي ~~على سبيل النسيان والخطأ وفي ذلك يقول الله تعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} ~~ثم يفعل تعالى معه ما قلتم من التشميت بالتعور وهو تعالى يستر على الفسقة ~~العصاة في الدنيا وعلى الكفار ولم يعورهم تعالى لكشف عوراتهم وهم أعداء، ~~بل أمهلهم تعالى وسترهم، فكيف يقولون ذلك في نبي من أنبياء الله تعالى لقد ~~أعظموا الفرية وقالوا غير مراد الله تعالى باتباع ما يهوون. # قالوا: قال تعالى: {فلما ذاق الشجرة بدت لهما سوءاتهما}(1) والسوءة ~~العورة. PageV03P265 # قلنا: إن ms594 السوءة تطلق على العورة وعلى غيرها مما يسوء الإنسان، والعورة ~~تطلق على العورة المخصوصة وعلى غيرها من الفقر وعدم المنعة من العدو وعلى ~~ذلك قوله تعالى حاكيا قول المنافقين: {يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ~~إن يريدون إلا فرارا}(1) فلما أخرج آدم وحواء من الجنة تأديبا منه تعالى ~~لهما ليتحرزا من العدو في المستقبل بدت لهما سوءاتهما أي بدت لهما من ~~الأمور والتعب ما يسوؤهما ويتعبان منه من الشمس بعد الظل، والغم بعد التلذذ ~~بالجنة، كتعب من انكشفت عورته وسوءته، فسمى ذلك التعب عورة تأدية استعارة ~~كقولهم للرجل الشجاع أسد. # قالوا: قال تعالى: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}(2) وذلك لتعورهما ~~وإلا فما الخصف لأجله. PageV03P266 # قلنا: ليس ذلك[194أ] لكونه تعالى كشف عورتهما حاشاه تعالى وهو الستار على ~~الفسقة والكفرة فضلا عن المؤمنين والأنبياء والمرسلين، بل لما خرج من الجنة ~~وأتعبهما حر الشمس بعد الظل كما قال تعالى: {وإنك لا تظمأ فيها ولا ~~تضحى}(1) وحكم عليهما بالخروج من جنتهما تأديبا، أخذا من أوراق شجر الجنة ~~ليتلذذا بها ويدفعا بها من تعب حوم الشمس، ولفقا بعض ذلك إلى بعض ليظللا به ~~عليهما، وليس المقصود بذلك كسوة للعورة تعالى الله عن أن يلجأهما إلى كسوة ~~ورق التين، وهو تعالى القادر على ما يشاء ويعورهما تعالى بغير معصية ~~كبيرة ولم يكن لهما إلا ما قلنا من الصغيرة ولو كان قد يحتاج المؤمن فإن ~~الله تعالى لا يبلغه تعالى حالة شماتة الأعداء وكشف عورته فيهم زمانا ~~تعالى الله علوا كبيرا. PageV03P267 # هذا تحقيق ما شرحه الله تعالى وأعاننا على تبيينه، وقد بينه تعالى في شأن ~~نبيه ورسوله آدم عليه السلام وأمنا حوى عليهما السلام وكذلك داود عليه ~~السلام ليس منه إلا مجرد العرض على صاحبه من فراق زوجته ما أحببته نفسه من ~~زواجتها بطيبة نفس صاحبه وذلك جائز إجماعا، وتوبته تواضع، وعتابه تأديب، ~~وليس في ذلك ذنب يعاقب صاحبه بالنار أبدا، وكذلك موسى عليه السلام قتله ~~للقبطي لكفر القبطي ولكن كان تركه حتى يصير موسى ms595 ذا قوة بحبل من الناس مع ~~معونة الله أحسن من قتله لما أدى ذلك إليه من خوف موسى عليه السلام أو أن ~~موسى خفف فزاد القتل خطأ بغير عناية فقال موسى عليه السلام ما حكى عنه ~~تعالى: {رب إني ظلمة نفسي}(1) بتسببي للخوف بعد الأمن من فرعون وجنده أو ~~بعدم التحرز من زيادة الوكزة كما قال تعالى: {فوكزه موسى فقضى عليه}(2) ~~وكذلك أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام كان فعلهم مع أخيهم يوسف عليهم ~~السلام قبل التكليف لهم وله بليل قوله تعالى حاكيا عنهم ما قالوا ليعقوب ~~عليه السلام {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب}(3) فلم ينكر يعقوب وهو رسول الله ~~عليه السلام قولهم: يرتع ويلعب معهم بلعبهم، ولو كانوا مكلفين في ذلك ~~الوقت لأنكر عليهم ذلك يعقوب؛ لأن اللعب حرام في جميع الشرائع، بل قال لهم ~~عليه السلام ما حكى الله تعالى عنه: {إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون}(4) والأنبياء عليهم PageV03P268 السلام معصومون بعد التكليف قبل البعثة وبعدها، وكان أولاد يعقوب عليه ~~السلام على أمهات متفرقة هذا الذي يجب في حق الرسل عليهم السلام والله ~~الموفق بخير الكلام، وصلى الله على من هو للأنبياء ختام وإمام محمد وآله ~~البررة الكرام. # فصل # لا يحبط على الأنبياء عليهم السلام والمعصومين من غيرهم عملا لعدم صدور ~~المعاصي العمد التي عن دليل قاطع عالمين بها منهم. # فصل # وعصمة المؤمنين غير المعصومين كل فرد كالأنبياء عليهم السلام والأربعة ~~عليهم السلام ونحوهم، فقد تقدم حكم أولئك أنه لا يصدر منهم فعل كبيرة عمدا ~~عالمين بها أو مما لا يعذر المكلف في جهله، كأصول الدين، فعصمة المؤمنين ~~غيرهم أن لا يتركوا التوبة عن عمد المعاصي التي علموها معصية لله تعالى عن ~~دليل منه تعالى قاطع وأنهم فعلوها عالمين بكونها معصية كذلك وفي ذلك يقول ~~الله تعالى [194ب] في حقهم ناهيا لهم عن الرياء المتزايد لسبب الآجال أو ~~غيرها وآمرا لهم تعالى بالتقوى مخبرا في ذلك بعدم عصمتهم من فعل هذه كلها ~~إلا أنهم إن صدرت منهم ms596 الكبائر تابوا وأقلعوا في اعتقادهم فلا يخرجون حينئذ ~~عن الإيمان إلا في حال فعل الفاحشة عمدا، ثم يعود لهم رسم الإيمان ومعناه ~~في التوبة ويكون عوضا عما حبط عليهم ويعود لهم الإيمان والعدالة من غير ~~اختبار في شيء من شهادة مال أو جرح أو قصاص أو صلاة خلفهم أو غير ذلك، بل ~~في ساعة توبتهم وعقبها فورا يقول الله تعالى في ذلك كله وأن PageV03P269 عصمتهم بعدم الإسراف في وقت التكليف ولو قبل حضور الموت وإن صاروا أعداء له ~~تعالى حتى يتوبوا: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين}(1) {وأطيعوا ~~الله والرسول لعلكم ترحمون}(2) {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}(3) وتفسير هذه الآية الكريمة ~~واضح فيما ذكرناه أولا من أن عصمة المؤمنين أن لا يصروا على معصية يعلمونها ~~عن دليل قاطع معلوم متعمدين فعلها وأنهم لا يخرجون عن الإيمان إلا حالة ~~فعلها وحالة الإصرار عليها، ثم عقيب التوبة فورا يعود لهم الإيمان وأحكامه ~~في جميع الأحوال من غير اختبار بساعة واحدة لقوله تعالى فيها في صفة ~~المؤمنين كذلك: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون} فأثبت الله تعالى الإيمان لهم مع الذكر والاستغفار وعدم الإصرار ~~ولم يفصل بقوله تعالى: {ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا PageV03P270 الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون...الآية}(1) وهي محكمة إجماعا ودلت ~~على تحريم الربا النسيئة والحاضر وأنه يخرج عن الإيمان وأن الربا والمضاعفة ~~وهي الزيادة على رأس المال قليله أو ms597 كثيره لأي علة أو لا لعلة لقوله تعالى ~~فيها ناهيا : {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا ~~الله} يعني تعالى واتقوا الله بتركه وغيره من المعاصي الكبائر وعلى وجوه ~~ملازمة التقوى بقوله تعالى آمرا {واتقوا الله} وأن الفلاح وهو الفوز بالجنة ~~والحكم بها مترتب عليه بقوله تعالى: {واتقوا الله} ثم رتب الفلاح على ~~التقوى بقوله تعالى بعد الأمر بالتقوى: {لعلكم تفلحون}والتقوى هو الإيمان ~~والانقياد لله تعالى في جميع الأحوال وعلى وجوب تذكر ما أعد لمن كفر بالله ~~تعالى أو لم يشكر على النعمة عند طموح النفس إلى فعل القبائح المستلذات ~~بقوله تعالى محذرا: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}(2) وعلى أن الطاعة ~~إذا عملت لوجه الله تعالى ورهبة من عقابه لا تخرج [195أ] بذلك عن كونها دين ~~خالصا يقبله الله تعالى بقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله ...الآية}(3) وذكر الله تعالى ذكر حقه تعالى وعظمة ~~مقامه تعالى. PageV03P271 # وأما من خاف مقام ربه وذكر عذابه وعقابه على المعاصي مع الإصرار إلى الموت ~~وبقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين}وعلى وجوب طاعة الله تعالى ~~وملازمتها في كل حال، وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما علم ~~عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته [صلى الله عليه وآله وسلم] وبعد ~~موته بقوله تعالى آمرا: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}(1) لأن طاعته تعالى ~~وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي أصل التقوى وفرعه وأن الرحمة ~~مرتبة على كمال ذلك لقوله تعالى بعد أمره تعالى بطاعته تعالى وطاعة ~~رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال تعالى بعد ذلك: {لعلكم ~~ترحمون} وعلى وجوب المسارعة إلى طاعة الله تعالى التي يغفر الله تعالى ~~بها الذنوب من ترك جميع المعاصي وفعل ما يمكن المكلف منه من الواجبات التي ~~لله تعالى عليه وبينه وبين الناس من الذنوب والمظالم لقوله تعالى آمرا: ~~{سارعوا إلى مغفرة من ربكم...الآية} يعني تعالى بإلى مغفرة إلى ما تحصل به ~~المغفرة من ms598 التوبة في وقت قبولها والتخلص من المظالم حسب الإمكان لقوله ~~تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}(2) وعلى أن الجنة مقطوع بها لمن مات ~~على التقوى، فيكون له من الله تعالى ومن الناس حكم المؤمنين بقوله تعالى: ~~{وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} وأن للمؤمنينسبعة أحكام هي شرط ~~في الإيمان وكماله حسب الإمكان لا يكلف الله نفسا إلا وسعها PageV03P272 الإنفاق في كل واجب على حسب وجود المال بقوله تعالى مادحا وواصفا للمتقين ~~ومبينا لهم ما يحصل به التقوى بقوله تعالى: {الذين ينفقون في السراء ~~والضراء }(1) وذلك على قدر ما يجد ويملك من المال لقوله تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها}(2) يعني ما آتاها من المال في العسر واليسر. # الثاني: كظم الغيظ وهو أن لا يخرجهم غيظهم إلى الباطل بقوله تعالى مادحا ~~لهم : {والكاظمين الغيظ} وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}(3) وقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((المؤمن من إذا غضب لم يخرجه غضبه وإذا لم يرض لم يدخله رضاه في ~~الباطل))(4) والغيظ ما ملأ صدر المكلف من تعب المعاندين، وأما ما بينه وبين ~~خالقه تعالى فإنه يشتفي بذلك ولا يغيظ منه ويجب عليه الصبر كذلك صبر رضا ~~واحتساب وقبول وفرح بأن الله تعالى اصطفاه بالمحيص، قال الله تعالى: ~~{وليمحص الله الذين آمنوا { فإذ علم العبد التطهر بالتوبة ثم ابتلي كان ~~الحق أن يفرح بذلك، نسأل الله التوفيق والتسديد والرضوان. # الثالث: العفو عن الناس عامتهم وخاصتهم في حق المكلف نفسه وجوبا حيث ~~اعتذر وأراد وإبراءه ذممهم وندما حيث لم يعتذروا بقوله تعالى مادحا وواصفا ~~للمتقين والتقوى بذلك، بقوله تعالى في ذلك: {والعافين عن الناس { . PageV03P273 # الرابع: الإحسان إلى الناس على منازلهم بالنصيحة للبر والفاجر والنصرة ~~للظالم بنهيه عما علم من ظلمه وللمظلوم بالدفع عنه وأن لا يأخذ إلا قدر حقه ~~بقوله تعالى مادحا ومخبرا بمحبته تعالى لأهل ذلك وطلب محبته [195ب] تعالى ~~بفعل ما يرضيه تعالى واجب عقلا وسمعا ms599 والمدح على فعل الشيء أمر به والأمر ~~للوجوب عقلا وسمعا إلا لقرينة دليل قوله تعالى في ذلك الوصف والمدح ~~والمحبة: {والله يحب المحسنين}. # الخامس: إذا صدرت فاحشة منهم عمدا عالمين كونها معصية عن دليل معلوم قاطع ~~أو ظني فيما يوجد فيه بالظني وجوبا أو احتياطا حيث لا دليل بل شبهة أنها ~~معصية لم يصروا على ترك التوبة عن ما فعلوا من القبيح أو أخلوا به من ~~الواجب وهم يعلمون ذلك بقوله تعالى مادحا لهم على ذلك: {والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا الله لذنوبهم ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}. # السادس: ملازمة ذكر الله تعالى بالتعظيم والتوقير والاستغفار في كل وقت، ~~فتعظيم الله في كل وقت واجب والاستغفار وهو التوبة ندب حيث لم يعلم العبد ~~المعصية العمد الجرأة على الله تعالى بقوله تعالى مادحا لهم: {ذكروا الله} ~~أي عظموه حق تعظيمه. PageV03P274 # السابع: وجوب اعتقادهم في حق الله تعالى أنه يقبل التوبة وقت التكليف وقبل ~~حضور الموت وأنه لا يبالي تعالى رد العبد إلى ولايته ومحبته في وقت ~~التكليف وقبل حضور ملائكة الموت وأن لا يستوفوا التوبة إياسا من قبوله ~~تعالى لها لكثرة الذنوب بقوله تعالى مادحا للمؤمنين التائبين: {والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله} يعني تعالى ذكروا الله ذكروا ~~عظمته تعالى وأنه تعالى يقبل من رجع إليه تعالى بالتوبة في وقتها وهو ~~زمان التكليف {فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ~~ما فعلوا وهم يعلمون} ولذا قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} أي: لا ~~يغفرها إلا هو تعالى بالرجوع إليه بالإقلاع عن المعاصي ولا ملجأ منه ولا ~~مهرب منه إلا إليه تعالى بطاعته والتوبة الصحيحة، ودلت على كبر الإصرار ~~وهو أن لا يتوب العبد عن المعاصي بدليل معلوم قطعي فعلها عمدا بقوله تعالى ~~فيها: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} ولذا قال صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((لا كبيرة مع الاستغفار ولا ms600 صغيرة مع الإصرار))(1). # إن قيل: إن الله تعالى قال في آدم وحوى عليهما السلام حاكيا فعل إبليس ~~معهما بقوله تعالى في ذلك: {ينزع عنهما لباسهما ليبدي لهما ما ووري عنهما ~~من سوءاتهما}(2). PageV03P275 # قلنا: المقصود بذلك النزع معالجة إبليس اللعين لهما بفعل ما يظن أنه يسخط ~~الله تعالى من أكل الشجرة فينزع عنهما لباسهما الذي هو التلذذ بالجنة وعدم ~~الهروب، وذلك لباس مجاز، فلما تعقب معالجته لهما فعل ما خرجا به من الجنة ~~تأديبا وصارا به إلى التعب بسبب ذلك النزع إلى المسبب المصالح وهو إبليس ~~لعنه الله تعالى، والنعمة والتقوى والجوع وكل ما تلبس به الإنسان وكثرت ~~ملازمته له وأن له به نفعا أو ضررا يسمى لباسا مجازا لقوله تعالى: {ولباس ~~التقوى}(1) يعني تعالى التقوى لباس، وقوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون} فاللباس مجاز هنا وهو ما كان فيه من نعيم الجنة ~~التي خلقها الله لهما في الأرض ونسبة النزع لذلك، والنزع الإخراج [196أ] من ~~الجنة جنة الدنيا نسبته إلى الله تعالى حقيقة ونسبة السبب إلى الشيطان لعنه ~~الله تعالى وهو المعالجة والخدع لهما حقيقة {وليبدي لهما} لآدم وحوى {ما ~~ووري عنهما من سوءاتهما} ما أخفى عنهما مما يسترهما من شرور الدنيا ومحنها ~~لقوله تعالى: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو}(2). # وأما قوله تعالى في رسوله يونس عليه السلام: {فالتقمه الحوت وهو ~~مليم}(3) فالمقصود بقوله تعالى: {وهو مليم} يعني تعالى وهو مليم مخالف ~~للأحكام ومستحق للتأديب بذلك لا العقوبة. # إن قيل: فلما قال ما حكى الله تعالى عنه: {إني كنت من الظالمين}(4). PageV03P276 # قلنا: يقول ذلك الصلحاء؛ وفي هذا دليل على أنه نقض وإن لم يتعمدوا معصية ~~عالمين بها وأنها معصية عن دليل معلوم قاطع. # إن قيل: قال تعالى في حقه عليه السلام أي يونس: {فنبذ بالعراء} وهي ~~الأرض العارية من الشجر {وهو مذموم} والذم دليل المعصية العمد. # قلنا: مذموم يذمه الأعداء للشماتة لو رأوه على حالة خروجه من البحر كفرخ ~~الطائر لا يدفع عن نفسه الذباب، فتداركه تعالى ms601 برحمته وأنبت عليه تعالى ~~شجرة من يقطين وهي القرع أعني الدبا لئلا ينكأه الذباب، لأن الذباب لا ~~يقارب شجرة اليقطين، فرباه تعالى هنالك بعيدا عن الشامتين حتى رجع إليه ~~بإذن الله قواه وجسمه المعتاد من الجلد ورده تعالى رسولا كما حكى تعالى ~~ذلك بقوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون}(1) يعني تعالى أو ~~يزيدون في مرأى الناظر تبارك الله الكبير المتعال، وليس ذلك كله عقابا ~~وإنما هو تأديب المؤمنين ولذا قال تعالى في يونس: {فظن أن لن نقدر عليه}(2) ~~يعني تعالى فظن يونس أن لن نقدر عليه أي: لن نضيق عليه بالتأديب بفراق قومه ~~قبل الإياس من هدايتهم ولذا قال تعالى بعد التأديب مخبرا تعالى أنه ~~اصطفاه بعد ذلك وصبره عليه عليه السلام شاكرا راضيا: {فاجتباه ربه فجعله ~~من الصالحين}. PageV03P277 # هذا أحسن ما يقال في حق الأنبياء والصالحين وهو الحق اليقين الموافق للعدل ~~المتين، وهو إجماع العترة الطاهرة ومن اقتدى بهم وذلك حجة قاطعة واجبة ~~الاتباع، وصلى الله على سيدي والدي محمد وآله وسلم. # وأما قوله تعالى: {فكان من المدحضين}(1) فليس دحوضه معصية؛ وإنما هو وقوع ~~السهم عليه امتحانا أو اختبارا لما يريد تعالى من تأديبه وابتلائه ليثيبه ~~تعالى على ذلك، وهو واثق من الله تعالى بالنجاة وهو إلقاؤه لعلة الوحي ~~أيضا مع إلقائه بنفسه إلى البحر غير ملق بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه واثق من ~~الله تعالى بالنجاة وإلقاؤه لعلة الوحي أيضا أو وثوقا، وكل ذلك ليس بإلقاء ~~أو أنهم قهروه وألقوه بعد خروج السهم عليه عليه السلام فنجاه الله تعالى، ~~وكل ذلك ابتلاء حسنا والحمد لله الهادي إلى كل صواب فصل. # باب في شفاعة النبي محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم # [حقيقة الشفاعة] # حقيقة الشفاعة في اللغة: طلب الزيادة، أو إسقاط حق من المشفوع إليه على ~~وجه الترقب. # وفي الشرع: طلب زيادة في حق أو إسقاطه، أو طلب عفو عن ذنب ممن يقدر على ~~ذلك على جهة [197أ] الترقب من الشافع وعظم حاله في حقه عند المشفوع ms602 إليه. # فصل [أدلة ثبوتها] # ثبوت شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم عند الله تعالى ووقوعها وتأثيرها ~~وعظمها وشرفها ونفوذها معلوم بضرورة الدين، من أنكر شفاعته صلى الله عليه ~~وآله وسلم كفر بالإجماع، وأدلتها من العقل أن الحبيب يستقبح رد شفاعته عقلا. PageV03P278 # وأما السمع فإن الله تعالى يقول: {عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا}(1) يعني ~~تعالى محمودا ذلك المقام في يوم البعث من القبر عند الله تعالى بأن يعطيك ~~الجنة والوسيلة والشفاعة، ومحمودا عند الخلق بأن تشفع لمن أحب الله تعالى ~~أن يشفعك فيه منهم، وقياس على الملائكة بجامع المحبة والكرامة، فهو يشفع ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما يشفعون، وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم ~~أقرب من شفاعتهم؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم من جنس المشفوع لهم بخلاف ~~الملائكة فإنهم يشفعون لغير جنسهم بجامع الإيمان لا الجنسية، والنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يشفع لغيره صلى الله عليه وآله وسلم بجامع الإيمان ~~والجنسية. # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((دخرت شفاعتي لثلاثة من أمتي: رجل أحب ~~أهل بيتي بقلبه ولسانه، ورجل قضى لهم حوائجهم لما احتاجوا إليه، ورجل ضارب ~~بين أيديهم بسيفه))(2). # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((ويل لأعداء أهل بيتي المستأثرين عليهم ~~لا نالوا شفاعتي، ولا رأوا جنة ربي))(3). # وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا ~~سببي ونسبي))(4). # فصل [حكم الشفاعة لمن مات غير تائب] PageV03P279 لا يستحق الشفاعة ولا تحل لمن مات غير تائب من الكبائر كالزنا، والربا، ~~وشرب الخمر، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وقذف المحصنات، وكشف المجمع ~~عليه من العورة، كالفخذ والركبة، ولا يستحقها أيضا من مات مصرا على ما يحقق ~~كونه معصية بدليل قاطع فعله عمدا عالما، أو مما لا يعذر المكلف في جهله ~~كأصول الدين، فلا تحل له ولا تجوز ولا تصح ولا يحل القول بها لقوله تعالى: ~~{ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}(1) ولقوله تعالى: {وما للظالمين من ~~أنصار}(2) ولقوله تعالى في الملائكة ms603 وهم أشرف منزلة عنده تعالى: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون}(3) ولقوله تعالى: {وكم من ملك ~~في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى}(4) فثبت بهذه الأدلة القطعية أن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمن الذي ~~ليس بظالم لنفسه بكبير معصيته؛ لأنه لو مات أو حضره الموت غير تائب من ~~الظالمين وغير المرتضين عند الله تعالى إذا مات أو حضره الموت غير تائب من ~~المعاصي المعلومة بدليل معلوم قطعي فعلها عالما أو مما لا يعذر المكلف في ~~جهله كأصول الدين. # فصل [الشفاعة للمؤمن] PageV03P280 والشفاعة للمؤمن ليزيده الله تعالى منزلة فوق منزلته التي يستحقها بعمله أو ~~يستحقها بتفضيل الله تعالى عليه من غير عمل كالأطفال، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}(1) يعني تعالى الحسنى المقابلة ~~لإحسانهم إلى أنفسهم بالإيمان وزيادة عليها من جنسها حسنى أخرى زائدة في ~~الصفة على الأولى بشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم. # قال قوم: الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم المحتاجون، وللحديث الذي رووه أنه ~~قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))(2). # قلنا: أما الحاجة فالمؤمن يحب الزيادة في منزلة [197ب] الشرف، وأما ~~الحديث فلم يصح؛ لأنه صادم من كل وجه قوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع}(3) وقوله تعالى: {وما للظالمين من أنصار}(4) وقوله تعالى: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى}(5) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في مبغضي أهل ~~البيت عترته صلى الله عليه وآله وسلم وذريته عليه وعليهم السلام وفي ~~أعدائهم لما كان بغضهم وعداوتهم عليهم السلام من الكبائر قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((ويل لأعداء أهل بيتي المستأثرين عليهم، لا نالوا شفاعتي، ~~ولا رأوا جنة ربي))(6). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم ~~القيامة يهوديا))(7). PageV03P281 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من سمع داعيتنا أهل البيت ولم يجبها كبه ~~الله على منخريه في نار جهنم))(1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ms604 ((حرمت الجنة على من أبغض أهل بيتي، ~~وعلى من حاربهم، وعلى المعين عليهم أولئك لا خلاق لهم في الدنيا ولا يكلمهم ~~الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم))(2). # وقوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم}(3) فعارض الحديث هذه الأدلة القاطعة، فرد ووجب اعتقاد أنه ~~أكذوب؛ فإن صح الحديث على الفرض والتقدير قيل فيه لأهل الكبائر إذا ماتوا ~~على التوبة الصحيحة. # فصل [مبغضوا آل محمد والشفاعة] # ولا شفاعة لمبغضي آل محمد عترته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم على ~~الجملة؛ لأن المبغضين لهم كفار بالإجماع، ذلك معلوم ضرورة، ولا شفاعة لمن ~~أنكر مرتبتهم الزائدة على غيرهم غير الأنبياء عليهم السلام لأجل قرابتهم ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكونهم عترته وذريته صلى الله ~~عليه وآله وسلم إذ قرابتهم منه صلى الله عليه وآله وسلم فوق قرابة الخلق ~~أجمعين؛ لأن منكرها أعني مرتبتهم لأجل القرابة كافر بالإجماع لرده محكم ~~الكتاب والسنة. PageV03P282 # وأما على التفصيل؛ فإن أبغضوا فردا منهم لأجل رسول الله محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم أو مرتبته على الباغض فذلك كفر إجماعا، وإن كان لمكروه صدر ~~إليه منه يفسق بذلك المكروه فاعله بدليل قاطع أو لفعله كبيرة مجاهرة يفسق ~~بفعلها بدليل قاطع وأبغضه لفعله لا لأجل قربه من رسول الله، ولا أنكر نسبه ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل ذلك المكروه، ولا أهانه لأجل ~~ذلك المكروه، ولا لعن نسبه، ولا نسبه إلى خبث مولد؛ فلا حرج عليه في بغضه ~~لأجل فعله إذ لم يصحب كراهته لأجل فعله شيء من الأمور المتقدمة حتى يتوب من ~~ذلك، ولا يحل بغضه أبدا بعد ذلك ولا إنكار مزيته أبدا، وفيما قلنا إنه لا ~~شفاعة لمبغض آل محمد جملة أو تفصيلا على ما قررنا أدلة كثيرة من الكتاب ~~والسنة قد تقدمت تخرجنا ذكرها عن الاختصار منها أن ms605 ذلك إجماع قولي مستنده ~~الأدلة القاطعة، ومن أنكر ما هذه حاله كفر إجماعا لإنكاره ما عرف من الدين ضرورة. # فصل [شفاعة الملائكة] # وشفاعة الملائكة ثابتة للمؤمنين يجب اعتقاد وقوع ذلك لقوله تعالى: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى[198أ]}. # فصل [شفاعة الأنبياء] PageV03P283 وشفاعة الأنبياء ثابتة للمؤمنين يجب اعتقاد ذلك لقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((للمؤمن شفاعة في الناس مثل شفاعة نبي من أنبياء بني إسرائيل، قال ~~رجل: يا رسول الله، وهل لأنبياء بني إسرائيل شفاعة في الناس؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: أبعد يا قليل العقل، الأنبياء أفضل أم دواب ~~الشهداء؟ قال: الأنبياء أفضل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((لدواب ~~الشهداء شفاعة في الناس فكيف لا تكون للأنبياء شفاعة))(1) ولا شفاعة للفاسق ~~فيما تقدم ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صنفان من أمتي لا تنالهما ~~شفاعتي: الأمير الجائر، والفاسق المعلن لفسقه))(2) ويشفع المؤمنون ~~والأنبياء والشهداء بعضهم لبعض كل لمن دونه من غيره لقوله تعالى: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}(3) يجب اعتقاد ذلك، ولقوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((للمؤمن شفاعة في الناس مثل شفاعة نبي من أنبياء بني ~~إسرائيل))(4). تم الكلام وصلى الله على من هو للأنبياء ختام وإمام، محمد ~~وآله البررة الكرام، وحشرنا في زمرته وزمرتهم عليه وعليهم أفضل الصلاة ~~والسلام. # باب في الوعد والوعيد # [الوعد] PageV03P284 قال الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}(1) فقرن تعالى الغائب وهو ~~الموعود به وهو الجنة والنار لمن يستحق أيتهما بالمشاهد من الرزق، ثم أقسم ~~تعالى بصدق الموعود به الغائب كصدق الموجود من خلقه تعالى المشاهد من ~~الأرزاق، فقال تعالى مقسما بنفسه تعالى بصحة ذلك ووقوعه لا محالة كصحة ~~المخلوق المشاهد، وكصحة النطق المنطوق به من المتكلمين الموعودين بإقداره ~~تعالى لهم على النطق من فضله تعالى بقوله تعالى: {فورب السماء والأرض ~~إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}(2) أي: كما أن نطقكم معلوم ينكر على من أنكره ~~ووقوعه ممن يقدر عليه منكم كل عاقل، فما وعد الله تعالى به من البعث لكم ms606 ~~أحياء إلى جنة لمن يستحقها وإلى نار لمن يستحقها حق مثل ذلك يجب على كل ~~عاقل أن ينكر على من أنكر ذلك الموعود به لصدقه وحصوله قطعا مثل إنكاره على ~~من أنكر وقوع النطق ممن يقدر عليه من المكلفين بعد وقوعه منهم وصحته منهم ~~قطعا، والرزق من السماء المطر الذي يخلق الله تعالى منه جميع ما يحتاج إليه ~~المخلوق من الطعام والكساء والأخشاب والحديد، وما توعدون من الجنة فهي ~~يخلقها الله تعالى في أرفع مكان من السماء وهو ظهر السماء السابعة بإجماع ~~المفسرين وذلك سائغ لا حرج فيه ولا في القول بذلك بأس، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}. PageV03P285 # وأما ما توعدون باعتبار ما توعدون من النار لمن يستحقها، فالمقصود أن ~~الملائكة سكان السماوات بعد إحياء الله تعالى لهم بعد فنائهم في السماوات ~~يحييهم تعالى فيها بعد تبديلها تبديل صفة، ثم بعد ذلك الإحياء يجمع الله ~~تعالى الإنس والجن في المحشر يوم القيامة كما قال تعالى: {ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود}(1)، ثم ينزل الله تعالى من السماء لأمر الحساب ~~ويوليه ثمانية أصناف من الملائكة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} يعني تعالى يحمل ~~[198ب] عرشه تعالى أي: أمر الحساب والتوبيخ وجميع أمور ذلك الجمع في ~~الخمسين ألف عام، وروي لنا بالإسناد الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((إن في القيامة خمسين موقفا مقام كل موقف ألف سنة))(2) قال ~~الله تعالى: {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة}(3) فهو حينئذ خمسون موقفا ~~وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر ثمانية أصناف من الملائكة ~~لا يعلم عدد كل صنف منهم أفرادا وجملة إلا الله تعالى، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا * وجيء يومئذ بجهنم}(4) بعد قوله تعالى: ~~{كلا إذا دكت الأرض دكا دكا} وهم الجميع الجن والإنس مجموعون في مكان ~~الحشر، وقد روي ms607 لنا أنه في أرض الشام، وفي تفسير قول الله تعالى: {واستمع ~~يوم ينادي المنادي من مكان قريب}(5) أن المنادي إسرافيل PageV03P286 عليه السلام ينادي لاجتماع الخلائق إلى المحشر من مكان قريب من الأرض؛ ~~وهو من على صخرة بيت المقدس وهو من أرض الشام، فيكون المحشر واجتماع ~~الخلائق للحساب حيث النداء وهو أرض بيت المقدس فيكون المحشر ببيت المقدس، ~~فدل ذلك بصريحه أن النار في الأرض لا في السماء، وإنما نسبت إلى السماء في ~~عموم قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}(1) إلا باعتبار أن ~~الملائكة الذين يعقب الله تعالى النار والمجيء بها لمستحقيها بعد حساب أهل ~~السماء من الملائكة لأهل المحشر ويوليهم تعالى من أمورهم بأمره تعالى ~~وإذنه وعلى حساب ما يأمرهم تعالى به؛ فكأن تلك الأفعال من أهل السماء ~~وهم الملائكة جارية مجرى السبب للنار والعذاب بها والوقوع فيها بعد ذلك؛ ~~فكأنها في السماء لما يعقب العقاب بها أعمال أهل السماء من الحساب، ومجيء ~~الله تعالى في قوله تعالى: {وجاء ربك} عبارة عن مجيء أمره تعالى ووحيه ~~تعالى وقوله وإلا فهو تعالى يتعالى عن الزوال والانتقال علوا كبيرا. PageV03P287 # وصفة المحشر كما قال تعالى في هذه الآيات؛ إن الجن والإنس والوحوش وجميع ~~أهل الأرواح غير الملائكة يجمعون في عرصة القيامة، ثم تحيط بهم جموع ~~الملائكة صفا بعد صف لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ويتولى أمر الحساب ~~ثمانية أصناف منهم والباقون كالمركز وفي ذلك يقول الله تعالى: {وجاء ربك ~~والملك صفا صفا}(1) ويقول تعالى: {ويحمل عرش ربك} أي: أمر الحساب {فوقهم ~~يومئذ ثمانية}(2) قيل: ثمانية أصناف لا يعلم عدد كل صنف منهم إلا الله ~~تعالى، كما قال تعالى: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}(3) وقيل: ثمانية آلاف. # قلت: وتنزيل الملائكة الثمانية الأصناف أو الآلاف غير الحافظين في الحياة ~~الدنيا. # فأما هما فهما السائق والشهيد في قوله تعالى: {وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد}(4) فيحاسب المكلف من الثقلين على نظرهما، وشاهدان له في ذلك اليوم ~~أو عليه، ويعني تعالى بقوله: {وجاءت كل ms608 نفس معها سائق وشهيد} كل نفس مكلفة ~~من الإنس والجان، إذ لا معنى للشهادة على غير مكلف، وبعد الشهادة والحساب ~~يسوقانه إلى جنة أو نار مع بقية الملائكة الذين نزلوا لأمر الحساب. PageV03P288 # قلت: ويخلق الله لهم -أي: الملائكة- من يشتهوا المستلذات من مطعوم ومنكوح ~~وغير ذلك ما يكون لهم جزاء على الأعمال لغيرهم من المكلفين إذ هم منهم، ~~وباقي الملائكة على أطراف السماء مع اشتقاقها وانفطارها مجازا في ذلك الوقت ~~بعد التبديل لها خلقا جديدا بصفة غير الأولى بعد فنائها بالتشقق والتبدد، ~~ثم تعاد هي والأرض ويكون البعث إحياءا والإحياء لجميع أهل الأرواح بعد ~~إعادتها، وذلك مرتب في القرآن وفي العقل أيضا بقدم المحل قبل المحتاج إليه ~~إلى الخلود فيه، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموات وبرزوا لله الواحد القهار}(1) ولكن لهول المحشر وما خلق الله ~~تعالى من جنة في السماء للأولياء من عظمها، وما خلق الله تعالى في الأرض من ~~النار وعظم وحشتها كما روي لنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن ~~الرجل من أهل النار لو كان في المشرق لأحرق من في المغرب))(2) فكأن السماء ~~لذلك الهول منشقة ومنفطرة، وكأن الأرض مخربة مدكدكة وإلا فهما صحيحتان بعد ~~التبديل خلقا جديدا لا يتغيران أبدا بعد ذلك كما قال تعالى لهول اعتقاد ~~اتخاذ الله تعالى للولد: {وتخر الجبال[199أ] هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * ~~وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا}(3) وفي ذلك يقول الله تعالى معرفا لهول ذلك ~~اليوم وعظمه وكأن السماء تنشق منه وتنفطر والأرض تدكدك مجازا بعد التبديل ~~صحيحتين بقوله تعالى: {السماء منفطر به كان وعده مفعولا} ويقول PageV03P289 تعالى فيمن لم ينزل من الملائكة الأرض يوم القيامة محدقين محيطين بأطراف ~~السماء مع انشقاقها مجازا بعد التبديل عن صفتها في الدنيا صحيحة بعد فناء ~~التبدد، ناظرين ما يكون من العالم بعد نزول الجم الغفير منهم إلى الأرض ~~لحساب العالم والتركيز مع المحاسبين: صفا صفا ما يكون من العالم بعد ذلك ~~الحساب وردا لمن نزل ms609 منهم عليهم السلام يقول الله تعالى فيمن لم ينزل من ~~الملائكة الأرض لذلك كذلك: {وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على ~~أرجائها}(1) أي: أطرافها، وينزل ثمانية أصناف للحساب والباقون مركز لهم معا ~~صفا صفا في الأرض، قال تعالى في ذلك: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}. # فصل والجنة الوعد بها # وهي حق لمن يستحقها جزاء على العمل الصالح من المكلفين ولمن له حكم ~~العامل صالحا لكونه تعالى لم يخلق فيه حجة عقل كاملة من الأطفال والمجانين ~~وسائر البهائم والحيوانات غير العقلاء وعوضا على ما أصدر الله تعالى إليها ~~من ألم الموت وعلى الظلامات من المكلفين وغيرهم لها. PageV03P290 # وقد تقدم تفصيل المناصفات والأعواض، فذلك أي: الوعد بالجنة وحصولها ودخولها ~~لأولئك) حق مقطوع به، وخلوده فيها خلودا لا انقطاع له مقطوع بذلك كذلك من ~~أنكر (أي ذلك) كفر إجماعا، ولا مسلم يكون مسلما بغير الإقرار والاعتراف ~~بكونه حقا مقطوعا بوقوعه، وأدلة ذلك من العقل والكتاب والسنة كثيرة العدد ~~وبعيدة الإحصاء لمن عد يكفي من العقل ما قدمنا في باب البعث، ويكفي من ~~السمع قوله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون} ثم أقسم تعالى بصحة ذلك ~~وصدقه وأحقية وقوعه وحقيقته وكونه حكمة وعدلا لا خلف له، فقال تعالى مقسما ~~بنفسه تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون} وفي الخلود ~~في الجنة بعد دخولها وأن دخولها وحصولها ووقوعها أجرا وجزاء وثوابا وعوضا ~~لأهل الأعمال الصالحات المؤمنين والمؤمنات المكلفين على منازلهم ومراتبهم ~~وعوضا لا ينقطع لغير المكلفين من غيرهم عن ألم الموت، قوله تعالى في الناس ~~وأجر المؤمن منهم: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل ~~سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون} أي: غير ~~مقطوع، وقوله تعالى في حقهم كذلك: {فمنهم شقي وسعيد} ثم قال تعالى بعد ذلك ~~في المؤمنين: {فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} أي: غير مقطوع، والجذ القطع في ~~اللغة، وجذ الثمار ms610 والزروع قطعها، وقوله تعالى: {بل الذين كفروا يكذبون * ~~والله أعلم PageV03P291 بما يوعون * فبشرهم بعذاب أليم * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر ~~غير ممنون} وقوله تعالى في حقهم وحق غيرهم من الملائكة ومؤمن الإنس والجن ~~وأن ذلك جزءا لا يعلم تفصيل حسنه وملاحته إلا الله تعالى: {أفمن كان مؤمنا ~~كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات ~~المأوى نزلا بما كانوا يعملون} بعد ذكره تعالى للمؤمنين بصفاتهم وذكر ~~جزائهم بأعمالهم من أي المكلفين هم من [199ب] الملائكة والأنبياء عليهم ~~السلام والإنس والجن، وأن جزاءهم الذي تقر أعينهم به لإيمانهم وعملهم ~~الصالح والصبر على أحكام التكليف والصبر على ألم الموت والقتل بحق أو ~~مظلوم، والصبر على كل مصيبة، فقال تعالى في صفاتهم وجزائهم المتعقب لتلك ~~الصفات وعظمه على تلك الأحكام: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}(1) ثم قال تعالى بعد ذلك مخبرا ~~بالجزاء لكل أولئك أهل تلك الصفات من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ~~ومؤمني الجن والإنس وعظم ذلك الجزاء بحيث لا يعلم كنه تفصيله بكل الصفات ~~إلا الله تعالى لعظمه بقوله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~جزاء بما كانوا يعملون}(2) ثم قال تعالى مخبرا أن ذلك الجزاء هو الجنة ~~الموعود بها قطعا: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما PageV03P292 كانوا يعملون}(1) وقوله تعالى في الجنة كذلك جزاء الصابرين على كل بلاء مع ~~الرضا والشكر: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(2) وقوله تعالى في حشر ~~جميع المخلوقات أهل الأرواح وتعويضهم وعوض غير المكلفين يسمى عوضا ولا يسمى ~~جزاء ولا ثوابا ولا أجرا، بل عوض عن آلامهم؛ لأن الأجر والثواب والجزاء هو ~~المستحق على جهة التعظيم كما قال تعالى: {وهم مكرمون}(3) وتعظيم من لا يعقل ~~مصلحة التعظيم والتشريف ولا يفرق بين فعله وتركه ما لم يصل رمته ما يؤلمه ~~إيلاما لأجل ms611 الروح من ساوى البهائم والطيور وغير الإنس والجن والملائكة ~~والأنبياء عليهم السلام يكون عبثا وإلا فهم وإن فارقوا الدنيا أطفالا ~~يبعثون في سن أربعين سنة كاملي العقل، فيعظمهم بفضل فيستحقون الجزاء والأجر ~~والثواب ويكون ذلك على ألم الموت عوضا مع التعظيم والتشريف لوجود العقل ~~الكامل فيهم، فيجازون بما يقطع عليهم من عمر الدنيا بفراقها صغارا وبما لم ~~يحصل لهم من محاسنها ويعرفوا ما لهم وعليهم فيها من أنواع العلم كأجناسهم ~~إذا قد علم الله تعالى أنه لو أحياهم في الدنيا حتى يكلفوا ويمكنهم العلم ~~والعمل لدخلوا فيه باختيارهم فإنه يعوضهم تعالى عن ذلك ويخبرهم بالعوض، ~~وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}(4) وفي حشر جميعها كذلك لعوض ~~وثواب وجزاء وأجر في الثقلين والملائكة وعوض فقط لغير العقلاء من الحيوان ~~غير الإنس والجن يقول الله تعالى في ذلك الحشر: PageV03P293 # {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون}(1) هذا تحقيق باب الوعد ويسمى الخلود في ~~الجنة وهي ثوابا للملائكة والثقلين من الإنس والجن غير عصاتهم (أي: ~~الثقلين) وفي ذلك يقول الله تعالى: {ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ثوابا من عند الله [200أ] والله عنده حسن الثواب} هذه الآية في غير العصاة ~~من الجن وفي جميع المتقين من الملائكة وصالحي الجن مع الإنس غير العصاة ~~يقول الله تعالى في خيرهم والخير للمكلف في الآخرة الثواب والجزاء أو العوض ~~والأجر: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار} فثبت بهذا التقرير أنما أصدر ~~تعالى في الآخرة إلى المؤمنين والأطفال له أربعة أسماء مترادفة جزاء وثوابا ~~وأجر وعوض وإلى غيرهم من الحيوانات، كالبهائم والطيور ونحوها عوض فقط، وكل ~~ذلك لا انقطاع له ولا يتعيض فيه ولا يريد أحد أن يتحول عنه كما قال تعالى: ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * خالدين ms612 فيها ~~لا يبغون عنها حولا} وقال تعالى: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} وقال ~~تعالى: {لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين}. # فصل PageV03P294 وأعلى منزلة في الجنة بعد منزلة الملائكة لرسول الله محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم وذلك إجماع من أنكره كفر إجماعا ولقوله تعالى فيه: {وأنا أول ~~المسلمين}(1) ولقوله تعالى: {ورفع بعضهم درجات}(2) ولقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((كنت نبيا وآدم بين الماء والطين))(3) ولقوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))(4) ولقوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة))(5) ولقوله تعالى: {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا}(6) ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اسألوا ~~الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة، قالوا: يا رسول الله وما الدرجة الوسيلة؟ ~~قال: هي أعلى درجة من الجنة لا ينالها إلا نبي أرجو أن أكون أنا))(7) ~~ولعترته وذريته صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة حكمه في ذلك ~~لينشرح صدره صلى الله عليه وآله وسلم بملازمة من هو بضعة منه صلى الله ~~عليه وآله وسلم لقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا ~~بهم ذريتهم}(8) يعني تعالى واتبعتهم ذريتهم بإيمان لما حصل منهم ما يدخلون ~~به الجنة من الإيمان وغيرهم من آبائهم وأمهاتهم والجد أب {ملة أبيكم ~~إبراهيم}(9) أحسن منهم إيمانا بكثرة سبقهم في العبادة والورع عما لا يضطرون ~~إليه من المباحات واشتغالهم عن ذلك بالعبادات وتأثيرها أكثر منهم ثوابا ~~وأعظم منزلة في الجنة {ألحقنا بهم PageV03P295 ذرياتهم} يعني تعالى ألحقناهم بهم رفعنا الذرية إلى منزلة من يحب الاستيفاء ~~بملازمتهم من الآباء ليتم السرور للكل وللملائكة وللأنبياء على مراتبهم ~~وفضائلهم وتفاضلهم عند الله تعالى كل ما يجب وزيادة، واعتقاد هذا واجب، ~~وكذلك المؤمنون والمؤمنات كل له منزلة على ما يحب وزيادة، واعتقاد هذا ~~واجب، قال الله تعالى في ذلك: {لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد}(1) # فصل # ومما يحب المؤمن ويشاء ويكرمه الله تعالى به تطهير ظاهره وباطنه من ~~المؤذيات الذي كانت ms613 تعتريه في الدنيا وتلم بجسمه بعد الطعام والشراب من بول ~~وغائط وشم كريه ومخاط وصورة شويهة، قال الله سبحانه ناصا على ذلك كله وغيره ~~من المحاسن من غير أن يستثني من ذلك شيئا قال سبحانه في ذلك: {لهم ما يشاؤن ~~فيها ولدينا مزيد} وقال سبحانه فيهم وفي طعامهم: {فواكه وهم مكرمون} وقال ~~سبحانه: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكئون * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} وقال سبحانه: {وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [200ب] وأنتم فيها خالدون}(2) وقال سبحانه في ~~طهارة النساء من الحيض: {ولهم فيها أزواج مطهرة}(3) فأخبر سبحانه أن أهل ~~الجنة فيها في شغل باللذات لا تبرح ساعة، فنفى سبحانه عنهم النوم والتعرض ~~للغائط والبول، فأخبر سبحانه أنهم فاكهون في جميع حالاتهم، فلا يصيبهم ألم ~~رائحة كريهة، ولا ألم سآمة، ولا ألم هم، ولا ألم غم، ولا ألم غل، ولا ألم حسد، PageV03P296 وأنهم مكرمون بما أوتوا من النعم يلتذون بكل ما يحبون أطيب من لذة الفقير ~~الجائع المحتاج في الحياة الدنيا، ولا يفتقرون إلى المطاعم والمشارب لإقامة ~~أرواحهم؛ لأنهم خلقوا للبقاء من غير توقف بقاهم أحياءا على طعام ولا شراب ~~كما في الدنيا؛ وإنما أعطاهم الله سبحانه ليتلذذوا بذلك وينتعموا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على ~~صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا ~~يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ~~ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على ~~صورة أبيهم آدم عليه السلام الطول ستون ذراعا في السماء))(1) وفي حديث ~~آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أول زمرة يدخلون الجنة ~~من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء ~~إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل، لا يتغوطون ولا يبولون، ولا يتمخطون، ولا ~~يبصقون، أمشاطهم المسك، ومجامرهم الألوة، ورشحهم ms614 المسك، أخلاقهمعلى خلق رجل ~~واحد، على خلق أبيهم آدم عليه السلام ستون ذراعا))(2) وهذا معلوم من فضل ~~الله سبحانه مقطوع به. # فصل PageV03P297 قال الله سبحانه: {حور مقصورات في الخيام}(1) وقال سبحانه: {فيهن قاصرات ~~الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}(2) وقال سبحانه: {وعندهم قاصرات الطرف ~~أتراب}(3) فأخبر سبحانه في هذه الآيات الكريمة أن نساء أهل الجنة مقصورة ~~طرفهن وشهواتهن بقوله سبحانه: {فيهن قاصرات الطرف} وبقوله سبحانه: {مقصورات ~~في الخيام} والطرف النظر بالعيون على أزواجهن لا يردن ولا يشتهين غيرهم من ~~رجال الجنة، وليس ذلك قصر تعب وتكليف، بل كقصر شهواتنا في المطاعم على ما ~~سوى طعام البهائم من الحشيش الأخضر ونحو ذلك، وفي ذلك أن شهواتهن لا يدركن ~~وجودها إلا عند مداعبات أزواجهن لهن، فإذا انصرفوا إلى غير ما دانوه منهن ~~انصرفت شهواتهن حتى يعودوا إليهن، ولا يزلن أبكارا، قال الله سبحانه فيهن: ~~{إنا أنشأناهن إنشاءا * فجعلناهن أبكارا...الآية}(4) ومن ماتت على التقوى ~~هي وزوجها ولم يكن أبانها بالطلاق البائن في الدنيا أو قد انقضت عدتها ولم ~~تتزوج غيره، فهي زوجته في الآخرة مع غيرها في الجنة. # فصل في تفاضل أهل الجنة في منازلهم PageV03P298 وقد قدمنا في ذلك ما كفى، قال الله سبحانه: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~ولا الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} وقال سبحانه: {يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات} وقال سبحانه: {ولكل درجات مما عملوا} وقال ~~سبحانه: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة [201أ] ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} وقال سبحانه: {لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا ~~وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ~~ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما}(1). # وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~((إن أهل الجنة يتراءون من فوقهم كما يتراءون ms615 الكوكب الدري الغابر من الأفق ~~من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل ~~الأنبياء لا يدخلها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بي وصدقوا ~~المرسلين))(2). # فصل PageV03P299 لا يحب أحد من أهل الجنة غير منزلته التي هو فيها؛ لأن فيها ما يحب وزيادة، ~~قال الله سبحانه: {لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد}(1) وقال سبحانه: {لا ~~يبغون عنها حولا}(2) ويشتركون }أعني أهل الجنة جميعا) في رضوان الله سبحانه ~~عنهم وفي إخباره لهم بذلك من دون أن يروه سبحانه؛ لأن رؤيتهم له سبحانه لا ~~تصح عقلا ولا سمعا، قال الله سبحانه في أنه تعالى يكلمهم ويخبرهم ويسلم ~~عليهم: {سلام قولا من رب رحيم}(3) وقال سبحانه: {ورضوان من الله أكبر}(4) ~~وقال سبحانه: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}(5). # وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: ((إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ~~يا ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى ~~يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ~~ذلك؟ فيقولون: أجل. فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا))(6) وغير ~~ذلك مما قدمنا. # فصل في ذكر قوة أهل الجنة في شهواتهم. # واعلم أن الدنيا في ذلك وجانبه كما تدخل يدك في البحر وتطلعها والكف ~~مبسوطة فتنظر ما ذا أطلعت. # وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يعطى المؤمن في ~~الجنة قوة كذا وكذا من الجماع. قالوا: يا رسول الله أو يطيق ذلك؟ قال: يعطى ~~قوة مائة))(7). PageV03P300 # وذكر البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله، أنفضي إلى ~~نسائنا في الجنة؟ قال: إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد ~~إلى مائة عذراء))(1). # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: ((أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا ms616 أبكارا))(2). # فصل في صفة الجنة # وصفها الله سبحانه في كتابه من ذلك قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد ~~المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ~~ربهم}(3) وقال سبحانه: {لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ~~تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد}(4) وقال سبحانه: ~~{مثل الجنة التي وعد المتقون أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا}(5) ~~إلى غير ذلك من الأوصاف الكثيرة. # وروي عن سيد الرسل محمد [201ب] المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك))(6). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قيل له: يا رسول الله أخبرنا عن ~~الجنة، ما بناؤها؟ قال: ((لبنة من ذهب ولبنة من فضة ملاطها المسك الأذفر، ~~وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد فلا يموت، لا ~~يفنى شبابه، ولا تبلى ثيابه)). PageV03P301 # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((للجنة ثمانية ~~أبواب))(1). # قد ذكرنا مما تقدم أن أهل الجنة لا ينامون؛ إذ النوم فرع السأم والتعب ~~وهم لا يتعبون ولا يسأمون، وفي النوم نقص العقل في حالته ومنع التصرف فيما ~~يجب، ولم يجعل الله سبحانه فيهم شيئا من ذلك. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قيل له: أينام أهل الجنة؟ ~~قال: لا، النوم أخو الموت))(2) ثم قال في حديث آخر: ((والجنة لا موت ~~فيها))(3). # وروى أمير المؤمنين الوصي لسيد الرسل محمد المصطفى علي بن أبي طالب صلى ~~الله على رسوله وعليه وعلى آلهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها، ويرى ظهورها من بطونها، ~~وبطونها من ظهورها. فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن ~~أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام))(4). # وروي عن ms617 عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((إن المرأة من نساء أهل الجنة ليرى بياض ساقها من وراء ~~سبعين حلة، ثم يرى مخها))(5) وذلك أن الله عز وجل يقول: {كأنهن الياقوت ~~والمرجان}(6) فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته ~~من ورائه. PageV03P302 # وروي عن سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أول زمرة ~~يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في ~~السماء، ولكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقها من وراء اللحم وما في ~~الجنة أعزب))(1). # وروي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((إن أول زمرة يدخلون الجنة يوم القيامة ضوء وجوههم على مثل ~~ضوء القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على مثل أحسن كوكب دري في السماء، ~~لكل واحد منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من ~~ورائها))(2). # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن للمؤمن في الجنة ~~لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم ~~المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا))(3). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((في الجنة خيمة من لؤلؤة ~~مجوفة، عرضها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل ما يدرون الآخرين يطوف عليهم ~~المؤمن))(4). # وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن أدنى أهل الجنة الذي ~~له ثمانون ألف خادم، واثنان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد ~~وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء))(5). PageV03P303 # ويصدق هذه الأشياء القرآن، فإن فيه لأهل الجنة من الأوصاف لما أعد الله ~~[202أ] سبحانه لهم على العموم والتعيين أعظم وأجل، قال الله سبحانه في ذلك: ~~{سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين}(1) ~~وغيرها من الآيات. # فصل في قلة أهل الجنة من مكلفي الإنس والجن # وإن كثروا بالنظر إلى كثرة ms618 أهل النار من مكلفيهما قال الله سبحانه: ~~{وكنتم أزواجا ثلاثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ~~ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون في جنات النعيم * ~~ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين * وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * في ~~سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة * لا ~~مقطوعة ولا ممنوعة * وفرش مرفوعة * إنا أنشأناهن إنشاءا *فجعلناهن أبكارا * ~~عربا أترابا *لأصحاب اليمين * ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين}(2) ثم كلف ~~سبحانه بأهل النار من غير تقليل، فلم يقل سبحانه فيهم قليل ولا ثلة، يل ~~أطلقهم بكثرتهم فقال سبحانه: {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال * في سموم ~~وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * ~~وكانوا يصرون على الحنث العظيم}(3) دخل في هذه }أعني الإتراف والإصرار على ~~الحنث العظيم) الكفار والفساق الأغنياء الأصحاء، والملوك الظلمة من الكفار، ~~والفسقة الأصحاء أهل الكبائر الذين حضرهم الموت عليها فاعلين أو مصرين على ~~ما فعلوا PageV03P304 منها غير تائبين، ودخل في قوله تعالى: {يصرون على الحنث العظيم} ولو لم ~~يترف بالنعم الفقير الكافر والفاسق أهل الكبائر كما تقدم، ثم قال سبحانه ~~يخص الكفار وهم: منافق مبطل لكفره، وكافر مظهر لكفره، فقال فيهم: {وكانوا ~~يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما إنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون}(1) ~~ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالجواب عليهم بالقطع بحصول ما ~~أنكروه واستهزءوا به واستبعدوه وكفروا بسبب استبعاده وإنكاره والاستهزاء ~~به، فقال سبحانه في ذلك آمرا: {قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات ~~يوم معلوم * ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم * ~~فمالئون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم * هذا ~~نزلهم يوم الدين...الآيات الأخر}(2) في الدليل للمكلفين في الدنيا والتوفيق ~~لأهل النار في الآخرة في الدنيا للدليل والتحذير وبالإخبار بأحوالهم، ويتلى ~~على أهل النار في الآخرة لتوبيخهم وتنديمهم وتحسيرهم، فقال سبحانه في ذلك ~~كذلك: {نحن خلقناكم فلولا تصدقون * أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون...إلى آخر الآيات}(3) وقال ms619 سبحانه في كثرة أهل النار: {يوم ~~نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}(4) ويجمع أهل النار ثلاثة أسماء ~~كما في صريح القرآن المحكم القطعي كفار، وكفار نفاق، وكفار نعمة؛ وكفار ~~نعمة فساق المسلمين؛ فهؤلاء أهل النار حيث حضرهم الموت على هذه الصفات، وأهل PageV03P305 الجنة من المكلفين من عداهم من الإنس والجن. # فأما الملائكة عليهم السلام فهم مكلفون، وهم من أهل الجنة كلهم، وهم ~~أكثر من الإنس والجن. # وأما من لم يبلغ التكليف من الإنس والجن، فقد يكونون أكثر من المكلفين أو ~~مثلهم أو دونهم، وهم [202ب] من أهل الجنة جميعا. # وأما البهائم، ففي الجنة فيما يليق بهن خلودا لا ينقطع، وخلود الجميع ~~ودوامهم، ولا يموتون إلا الموتة الأولى. # وأما الحشرات المؤذيات كالحيات ونحوها فهي زيادة في عذاب أهل النار تأكل ~~من لحومهم وتستلذ بذلك، ولا تتألم بحر النار، بل هي عليها كما قال الله ~~تعالى: {بردا وسلاما}(1). PageV03P306 # وروي في قلة أهل الجنة من مكلف الثقلين وكثرة أهل النار من مكلفيهما مما ~~روى أبو سعيد الخدري وغيره أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((يقول الله عز وجل: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك. ~~قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين. قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قال: فاشتد ذلك عليهم قالوا: يا ~~رسول الله، أين ذلك الرجل؟ فقال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم ~~رجل واحد. قال ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا لربع أهل ~~الجنة. فحمدنا الله عز وجل وكبرنا ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن ~~تكونوا ثلث أهل الجنة. فحمدنا الله عز وجل وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده ~~إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء ~~في جلد الثور الأسود أو كالرقمة في ذراع الحمار))(1) وفي ms620 بعض طرق هذا ~~الحديث من الزيادة: ((اللهم هل بلغت))(2) وفي بعض طرقه: ((وذكر ضعف النار ~~فقال رجل: فمن الناجي منا بعد ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير))(3). PageV03P307 # قلت: وقوله: ((ألف من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد)) المقصود به المبالغة؛ ~~فالمؤمنون من غيرهم قليل، لعلهم يكونون عشر من أسلم على يد الأنبياء عليهم ~~السلام أو أقل أو أكثر، ولعل قوله: ((ألفا من يأجوج ومأجوج)) حشو مكذوب، ~~وقد روي في حديث آخر بحذف ألف من يأجوج ومأجوج، ولا شك أن قوله: ((ألف من ~~يأجوج ومأجوج وواحد منكم)) مكذوب لتأديته إلى أن غيرهم من أهل الجنة، وهذا ~~مردود بالأدلة القاطعة؛ فأما باقي الحديث فهو مطابق للكتاب والسنة والعقل ~~أن يكون من الألف واحد من غير ذكر يأجوج ومأجوج؛ فليتأمل هذا الإنصاف لسيد ~~الرسل من ولده بعرض حديثه على كتاب الله سبحانه كما أمر بذلك صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # فصل # في أن أمة محمد سيد الرسل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أفضل أمم ~~الأنبياء وأكثرهم في دخول الجنة. # قال الله سبحانه فيهم وخيارهم ذرية الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~وأعلامهم وسادتهم والشهداء عليهم والحجة لهم وعليهم: {كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}(1) وقال سبحانه: {وكذلك خلقناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}(2) إلى غير ~~ذلك من الآيات في فضله صلى الله عليه وآله وسلم وفضلهم. PageV03P308 # ومما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضله [صلى الله عليه وآله ~~وسلم] وفضلهم [203أ] على سائر أمم الأنبياء عليهم السلام وكثرتهم بالنظر ~~إلى كل أمة على خيرها من أمم الأنبياء عليهم السلام أنه قال: ((أنا أول ~~الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعا))(1). # فصل # في ذكر الحوض حوض النبي محمد المصطفى سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم ~~وذكر حياض الأنبياء على جميعهم الصلاة والسلام. # قال الله سبحانه لنبيه -صلى الله ms621 عليه وآله وسلم: {إنا أعطيناك ~~الكوثر}(2) والكوثر هو الذرية الكثيرة وجميع المحاسن الكثيرة في الدنيا ~~والآخرة، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله أعطاني الكوثر ~~نهر في الجنة يسيل في حوضي))(3) ثم اعلم أن من شرب من الحوض فهو من أهل الجنة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((عرضه من مقامي إلى ~~عمان، شرابه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فيه ميزابان يمدانه من ~~الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من ورق))(4). # وعن أبي ذر قلت: يا رسول الله، ما آنيته؟ قال: ((والذي نفس محمد بيده ~~لآنيته أكثر عددا من نجوم السماء وكواكبها في الليلة المظلمة الصحية، من ~~شرب منه شربة لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمان إلى آيلة، ماؤه أشد بياضا ~~من اللبن وأحلى من العسل))(5). PageV03P309 # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن لي حوضا ما بين بيت ~~المقدس والكعبة، أبيض من اللبن، فيه عدد الكواكب آنية، وأنا فرطكم على ~~الحوض، ولكل نبي حوض، وكل نبي يدعو أمته، فمنهم من يرد عليه فئام من الناس، ~~ومنهم من يرد عليه ما دون ذلك، ومنهم من ترد عليه العصابة، ومنهم من يرد ~~عليه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يرد عليه أحد. فيقول: اللهم هل بلغت، ~~اللهم هل بلغت ثلاثا))(1). # فصل في لواء الحمد # لواء النبي محمد المصطفى سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم واعتقاد ~~ثبوته واجب، وفيه دليل مع غيره من الأدلة القاطعة المعلومة على فضيلة محمد ~~المصطفى على سائر الأنبياء عليه وعلى آله وعليهم الصلاة والسلام لكونهم ~~تحت لوائه صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P310 # قد روي فيه أخبار كثيرة، منها ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أنه قال: ((إن أول ما يدعى به يوم القيامة يدعا بي فأقوم عن يمين العرش في ~~ظله فأكتسي حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على بعض فيكون ~~سماطين عن يمين العرش يكسون حللا خضرا من ms622 حلل الجنة، وإني أخبرك يا علي أن ~~أمتي أول الأمم يحاسبون، ثم إنه أول من يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي ~~ويدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، آدم عليه السلام ~~وجميع الأنبياء يستظلون بظل لوائي يوم القيامة، طوله مسيرةألف سنة من ~~ياقوتة حمراء، قضيبه من فضة بيضاء، زجه درة خضراء له ثلاث ذوائب من نور ~~ذوابة في المشرق وذوابة في المغرب والثالثة وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة ~~أسطر: بسم الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد لله رب العالمين، والثالث: ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر مسيرة ألف سنة، وعرضه مسيرة ~~ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن [203ب] يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف ~~بين يدي إبراهيم في ظل العرش ثم تكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم ينادي ~~المنادي من تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا ~~علي إنك تكسى إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحيا إذا حييت))(1). # وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ~~قال: ((من آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا))(2). PageV03P311 # وفي خصوصية علي عليه السلام بحمل لوائه صلى الله عليه وآله وسلم دليل ~~ذلك اليوم على فضيلته عليه السلام على سائر الثقلين ما خلا الأنبياء ~~عليهم السلام وعلى إمامته عليه السلام ووجوب تقديمه مع غير ذلك مما يعسر ~~علينا وعلى غيرنا من الناس استقصاؤه. # باب في الوعيد # [الوعيد] # قال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ~~وله عذاب مهين} وقال الله تعالى: {ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} وقال ~~الله تعالى: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} وقال الله ~~تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم * يصلبونها يوم الدين* وما هم عنها بغائبين} ~~وقال تعالى: {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم وهم فيه ~~مبلسون، وما ms623 ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين، ونادوا يامالك ليقض علينا ربك ~~قال إنكم ماكثون، لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون}[الزخرف:7478] ~~وقال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه}[آل عمران:30] وقال تعالى: ~~{الأخلاء يومئذ PageV03P312 بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}[الزخرف:67] وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون، حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ~~القرين}[الزخرف:36-38] وقال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} وقال ~~تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له ~~من دون الله وليا ولا نصيرا} وقال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} وقال تعالى: ~~{من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا} وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ~~ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} وقال تعالى: ~~{ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} وقال تعالى: ~~{ومن الناس من يجادل في PageV03P313 الله [204أ] بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله ~~له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك بما قدمت يداك وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد} وقال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من ~~اتبعك من الغاوين * وإن ms624 جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم} وقال تعالى: {وعباد الرحمن الذي يمشون على الأرض هونا وإذا ~~خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين ~~يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون * ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا PageV03P314 أصحاب اليمين} وقال تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي ~~المأوى} وقال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك ~~على الله يسيرا} وقال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم ~~وأنا ms625 التواب الرحيم} وقال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقال ~~تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب ~~بالمغفرة فما أصبرهم على النار * ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله PageV03P315 أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ ~~يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب، [204ب] إذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين ~~اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار}[البقرة: 165167](1) وقال تعالى: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما غنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا}(2) وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا ~~قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار}(3) وقال تعالى: {يعرفون نعمة ~~الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}(4) وقال تعالى: {يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا}(5) ~~وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}(6) وقال ~~تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير PageV03P316 ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا}(1). # دلت هذه الآيات الكريمة بصريحها على أن النار حق لمن يستحقها وأن التعليل ~~بها لمن يستحقها من العصاة الذين فارقوا الدنيا مصرين على الكبائر بعد ~~فعلها حق واقع بهم، من أنكر ذلك كفر إجماعا ورد ms626 محكم القرآن، ومن رده ~~ومعانيه كلها أو بعضها لغير دليل قاطع كفر إجماعا فيما لا يدخله تخصيص، ~~وهذه الآيات محكمة المعنى والمتن قطعيتهما إجماعا لا يدخل عليها نسخ ~~إجماعا؛ لأنها إخبار والنسخ للخبر يقضي بكذبه والله تعالى لا يكذب، ولا ~~يدخلها تخصيص مهما بقي أهلها على المعاصي التي دخلوا تحت وعيد هذه الآيات ~~بفعلها مصرين بعد فعل المعاصي على عدم التوبة النصوح مما مضى من هذه ~~المعاصي المفعولة بعد العلم بأنها معصية كبيرة بدليل قاطع معين ذلك الدليل ~~للوعيد عليها بعينها النار مع لفظ فيه مصرح بكبرها كالزنا وقتل النفس ~~المؤمنة بغير حق عمدا مخالفة لما دل عليه دليل قاطع كذلك عالمين به أو مما ~~لا يعذرون بجهله كأصول الدين وما لا يكون الإسلام والفرائض القطعية صحيحين ~~إلا به قطعا. PageV03P317 # ودلت بصريحها القاطع غير المحتمل للتأويل، وهي محكمة قطعية المتن والمعنى ~~إجماعا لكل صحيح إسلام من الأمة وإجماع العترة عليهم السلام سلفا بعد خلف ~~على تخليد من دخل تحتها (أي: هذه الآيات) بمعصيته المعلومة بدليل معلوم في ~~النار بعد دخوله فيها خلودا لا ينقطع ولا يفنى ولا يخفف سواء في ذلك الكافر ~~والمسلم الفاسق الذي حضره الموت مصرا على الكبيرة بعد فعلها تخليدا وعدم ~~انقطاع للعذاب بعد الدخول وإن اختلفت منازل العذاب في أعظم ودونه. PageV03P318 # ودلت بصريحها على أن من فعل شيئا من المعاصي التي عينتها ولم تكن منه منها ~~توبة صحيحة إلى حضور ملائكة الموت عليهم السلام أنه يستحق الخلود في ~~النار بغير انقطاع بعد دخولها قطعا سواء كان مسلما فاسقا أو كافرا، ولا تخص ~~هذه الآيات المحكمات ويقيد إطلاقها إلا دليل قاطع إجماعا ولا دليل قاطع ~~موجود يقيد إطلاق صريحها في دخول من [205أ] دخل تحت حكمها من التخليد في ~~النار تخليدا لا ينقطع مع سخط الله الجبار الواحد القهار الكبير المتعال ~~إلا الآيات القاطعة في قبول التوبة الصحيحة في وقت القبول قبل حضور ملائكة ~~الموت وقبل إغلاق لباب التوبة بشروط -أي طلوع الشمس من الغرب، وخروج يأجوج ms627 ~~ومأجوج من السد، وانقطاع ذرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الحياة في الأرض، وإتيان أهل الأرض ما يوعدون، وفي ذلك يقول الله تعالى: ~~{ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد ~~فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات وكان الله غفورا رحيما}(1) ويقول تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل ان يأتيكم العذاب ثم ~~لا تنصرون}(2) ويقول تعالى في وقت قبولها ممن فعلها وحد القبول فيه دون ~~غيره: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من PageV03P319 قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون ~~وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما}(1) وقال تعالى مخبرا أن التوبة لا ~~تقبل بعد ظهور شيء خاص من علامات الساعة: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع ~~نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا}(2) وقال تعالى: ~~{حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا ~~هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ~~ظالمين}(3) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما ~~أن النجوم أمان لأهل السماء، فإذا زالت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما ~~يوعدون، وإذا زال أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون))(4) ولا دليل ~~يخرج شيئا مما دخل تحت هذه الآيات معلوم، وقد قال تعالى: {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم}(5) وقال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}(6) وتقيد آيات ~~إطلاق الوعيد في تخليد فساق المسلمين الذين ماتوا على معاصيهم المعلومة أو ~~حضرهم ملائكة الموت عليهم السلام ms628 عليها مصرين أو ظهور بعض علامات الساعة ~~التي دل الدليل على أن التوبة لا تقبل بعدها كالذي ذكرنا عن الله تعالى من ~~فتح يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وزوال أهل بيت رسول الله محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وذريته PageV03P320 بالموت. # وقالت المرجئة: لا نقطع بدخول فسقة المسلمين النار، ويقطع عندهم أن من ~~دخلها منهم {أي: فسقة المسلمين) فإنه يعذب ثم لا يخلد فيها، بل يخرج بعد ~~زمان لقوله تعالى: {فمنهم شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}(1). # قالوا: فقال تعالى مستثنيا [205ب] من التخليد {ما دامت السماوات والأرض} ~~وهو دوامهما لا ينقطع بعد خلقهما خلقا جديدا بعد فنائهما فناء تبدد كما ~~تقدم {إلا ما شاء ربك} في الفريقين أهل الجنة والنار؛ فذلك الاستثناء ~~بزعمهم لإخراج فسقة المسلمين من النار مع تعذيبهم زمانا، فتقديره فأما ~~غيرهم {الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض إلا ما شاء ربك} وهو إخراج فسقة المسلمين إلى الجنة مع ~~تخليدهم فيها زمانا طويلا، وتقديره: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك} وهو بقاؤهم في المحشر إجماعا، ~~وفي بعضهم على قول المرجئة وهم فسقة المسلمين ذلك البعض من أهل النار حتى ~~يخرجوا إلى الجنة؛ هذا تقدير شبهتهم. PageV03P321 # قلنا لهم في الجواب: هذا الاستثناء معناه مجمل يعين ذلك المعنى المجمل فيه ~~إلى الأدلة القطعية من الكتاب والسنة ولا يحكم للمجمل بتعيين أي معانيه إلا ~~بدليل قاطع أو ظني في غير أصول الدين ولا يصادمه (أعني الظني) قاطع قد بين ~~بخلاف بيان الظني، وإذا كان المجمل لا بد من بيانه بدليل قاطع في أصول ~~الدين وعلوم الغيب التي هي أصول دين مثل هذا إجماعا، والقرآن ms629 يبين بعضه ~~بعضا، ويبين السنة إجماعا لقوله تعالى فيه: {تبيانا لكل شيء}(1) وقوله ~~تعالى: {إلا ما شاء ربك} مجمل إجماعا يحتمل ما قلتم ويحتمل يوم المحشر، ~~ويحتمل {إلا ما شاء ربك} لأجل قدرته تعالى، فإنه يقدر على أن يخرجهم من ~~النار، ولكن المقطوع في الحكمة ووعده تعالى وعدم استحقاقهم للإحسان، وليس ~~الله تعالى ممن يحتاج إلى الأجر فيعفوا عنهم من غير توبة في وقت قبولها ~~الذي حده تعالى وبينه في غير الآخرة من وقت التكليف في الدنيا ألا يخفف ~~عنهم بقطع العذاب وإدخالهم الجنة بعد دخولهم النار التي هي جزاؤهم مستمرا ~~ساعة واحدة؛ لأنهم ليسوا من أهل الإحسان بالعفو، وإذا احتمل كذلك رجعا إلى ~~تبيينه بالأدلة التي قدمناه وهي محكمة إجماعا، ورددناه إلى وجه من التبيين ~~يوافقها، وإن قلنا فيه بما قلتم ناقضها وأبطل حكمها، ورد المتشابه إلى ~~المحكم معلوم مجمع عليه إذا نقضه المتشابه لقوله تعالى في ذلك: {هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ PageV03P322 فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم...الآية} وتأويله رده إلى المحكم إجماعا لقوله ~~تعالى فيه: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} أي أمة في الرد ~~إليهن ما اشتبه في الرد إليهن ما اشتبه معناه بالحق والباطل، فيقول في ~~الفريقين: {إلا ما شاء ربك} وهو يوم المحشر، أو باعتبار قدرة الله تعالى ~~وقادريته تعالى لا يفعل بها وإن قدر خلاف الحكمة وخلاف ما وعد به وتوعد ~~قطعا تعالى علوا كبيرا عن الكذب وقد وعد تعالى وتوعد تعالى بالخلود في ~~النار بغير انقطاع، فلا يبدل تعالى ذلك وكيف يبدله تعالى بإخلافه له ~~تعالى وقد قال تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} ودخولها ~~لمن مات مصرا على معصيته لله تعالى معلومة [206أ] بدليل معلوم فعلها عمدا ~~أو مما لا يعذر المكلف في جهله كأصول الدين بما قدمنا عن الله تعالى من ~~الأدلة ms630 المحكمة القطعية من قوله تعالى: {ومن يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}(1) وقوله تعالى: {إن المجرمين في ~~عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون}(2) وقوله تعالى: {وإن ~~الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين}(3) وإنما ~~استثنى تعالى في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} لما ذكر تعالى ديمومة السماوات والأرض قارنا للخلود به وهما PageV03P323 دائمتان وقت المحشر قبل دخول الفريقين الجنة والنار، فاستثنى تعالى من ~~اقتران التخليد المذكور بذلك الدوام للسماوات والأرض يوم المحشر، فقال ~~تعالى في ذلك: {خالدين فيها} في الفريقين {إلا ما شاء ربك} من كل اقتران ~~التخليد بكل دوام السماوات والأرض الذي هو ممتد من قبل البعث بعد فنائهما ~~قبل البعث بعد فنائهما وتبديلهما لئلا يكذب تعالى إذا عمم الاقتران في ~~التخليد بكل دوامهما من غير استثناء، وفي ذلك امتحان لأهل الزيغ، فتبارك ~~الله أصدق القائلين، العدل الحكيم، الحاكم لذرية محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وعترته بالتأويل الصحيح، والدين الحريز عن الخطر، والحمد لله. # فصل PageV03P324 وبعد تمام الحساب الذي يتعقب البعث قال الله تعالى بعد ذكره تعالى الفصل ~~والقضا بالحق حيث قال تعالى: {وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون}(1) وذلك ~~القضاء بعد الإحياء بالنفخ في كل صورة، قال تعالى: {ثم نفخ فيه}(2) أي في ~~الصور الذي هو كل صورة ميتة بعد حياة، ثم قال تعالى: {أخرى} يعني تعالى غير ~~النفخة في الصور {الأولى) للفناء التي قال تعالى فيها: {ونفخ في الصور فصعق ~~من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله}(3) ثم قال تعالى: {ثم نفخ ~~فيه} أي في الصور {أخرى فإذا هم قيام}(4) فإذا هم قيام من القبور وغيرها ~~أحياء {ينظرون} الأرض بأبصارهم ويعاينون صدق وعد الله تعالى بالبعث أحياء ~~لمراده تعالى من إقامة العدل الذي هو البعث أحياء للجزاء والأعواض عما ~~مضى، فقال تعالى في ذلك العدل بعد القيام: {وأشرقت الأرض بنور ربها} أي: ~~بعدله تعالى ms631 وقضائه الحق وبنور يخلقه تعالى تضيء به الأرض من غير شمس ~~ولا قمر {ووضع الكتاب} كتاب الحسنات والسيئات والقرآن وكتب الأنبياء عليهم ~~السلام وعومل جميع العالم بما يشهد به عليهم ولهم ذلك الكتاب من الجزاء ~~على عمل الخير والشر وعوض الآلام {وجيء بالنبيين} ليشهدوا لأممهم لمن ~~أطاعهم بالطاعة لله تعالى وعلى من عصاهم بالمعصية لله تعالى، والشهداء من ~~المؤمنين من أمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يشهدون للأنبياء ~~عليهم السلام بتبليغ الرسالات إلى الأمم، فقال تعالى PageV03P325 فيهم: {لتكونوا شهداء على الناس}(1) وجيء برسول الله محمد المصطفى صلى ~~الله عليه وآله وسلم يشهد على أمته بطاعة من أطاع الله تعالى بطاعته صلى ~~الله عليه وآله وسلم وعلى من عصاه تعالى بمعصيته صلى الله عليه وآله وسلم ~~فقال تعالى في ذلك: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} وقال تعالى: {وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا}(2) ثم قال تعالى مخبرا بما بعد ذلك: {وقضي بينهم[206ب]} ولم ~~يفعلوا بها الطاعات وخرجوا عما قضت به عليهم عقولهم من فريضة الطاعة لنا ~~ولرسلنا وأنبيائنا لما خالفت تلك الطاعة بعض ما يهوون من انقطاع اللذة ~~بالنساء وغيرها من محاسن الملك والدنيا عليهم في وقت فعل الطاعات واجتناب ~~المحرمات، فخالفوا متمردين مؤثرين لكل هواهم على طاعتنا وأمرنا لهم بالطاعة ~~{فحق عليها القول} وجب عليها الهلاك الذي هو موجب القول بالعذاب للمخالفين ~~بسبب فعل المخالفة {فدمرناها} بذلك العتو والمخالفة واتباع كل الهوى ~~{تدميرا} أهلكناها لذلك بتعجيل عقوبة الاستئصال إهلاكا لا يرد أبدا، وقال ~~تعالى: {فلما آسفونا} أي: أعصونا ولم يرجعوا عن ذلك إلينا بالتوبة في وقت ~~التكليف {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون}(3). PageV03P326 # دلت هذه الأدلة القاطعة بصريحها أن الله تعالى إذا أقام الحجة على قوم على ~~ألسنة رسله وأنبيائه وأنزل المعجز ليعرفوا أنهم رسله وأنبياؤه وأن الكتب ~~ومن دلهم الأنبياء والرسل والكتب في الاتباع والطاعة ms632 هو المتبع وهو يعلم ~~تعالى بعلمه الأزلي الذي ليس زائدا على ذاته وعلمه تعالى هو ذاته لا شيء ~~زائد عليها من المعاني تعالى الله علوا كبيرا إن أولئك القوم لا يهتدون ~~ولا يرجعون إلى الحق بعد النبيين بل يعاندون ويؤثرون هواهم ويجعلون هواهم ~~إلههم قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}(1) ~~فإنه تعالى يعجل لهم في الدنيا أنواعا من العقوبات يمحق بها نعمتهم ويذيقهم ~~تعالى بها البأس الشديد وذلك من الجوع بالحطام وضرب الثمار بالآفات وقبض ~~الأمطار وبالخوف بتسليط الضعف والركة عليهم حتى لا يقدرون على دفع العدو ~~عنهم محقا كان أو مبطلا، وهذا معنى قوله تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون}(2) ومن أمثلتها كفار قريش بمكة، وبهلاك التدمير ~~بالآلام والمصائب وبقلة الأرزاق حتى تذهب الأعمار وتخرب الديار، وبالخسف ~~والفناء وهلاك الاستئصال، وكل ذلك تعجيل شيء من العقوبة التي يستحقونها ~~بشؤم أفعالهم لا للتذكر، فهو يعلم تعالى أنهم لا يتذكرون إلا وقد فاتهم ~~الخير وزحف إليهم شر العذاب الذي لا توبة تقبل عنده كتوبة فرعون لعنه الله ~~تعالى التي أخرها وادعى الربوبية إلى وقت الإلجاء على لوح في PageV03P327 البحر ومتن الماء، فلم يقبلها الله تعالى أبدا، ولو رد الملعون لعاد للغوى، ~~قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}(1) وأنه تعالى قد ~~يعجل الهلاك لمن ليس فيه مصلحة إسلام أو كماله حتى يكون إيمانا مع انتهاك ~~المحارم من ترك الإسلام الكامل الذي هو الإيمان الكامل، وفي ذلك قوله ~~تعالى: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين}(2) وقال تعالى: {ويمحق [207أ] الكافرين} فهذا كله تعجيل عقوبة، ~~قال تعالى: {فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد}. # فصل [عذاب القبر] # وعذاب القبر لأهله واقع ولكن لا يستمر في كل وقت كعذاب بعد البعث لقوله ~~تعالى: {قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا}(3) ولو كان مستمرا لم يسموه ~~مرقدا؛ لأن المرقد موضع الهمود والسكون والجمود عما يؤذي، وعذابه {أي ~~القبر) ثابت ms633 لقوله تعالى في آل فرعون: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا}(4) والغدو والعشي من أيام الدنيا، وذلك أن الله ~~تعالى يرد الأرواح إلى الأجسام مع العقول ثم يعذبهم، وفي ذلك هذه الآية ~~وأحاديث صحيحة معروضة عليها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV03P328 # وسئل أحمد بن عيسى عن منكر ونكير، قال الإمام القاسم بن إبراهيم عليهما ~~السلام حين سئل عن منكر ونكير إن الحديث فيهما كثير وأن الله سبحانه يقدر ~~عليه كما يقدر على غيره، وقال الحسن بن يحيى حين سئل عن منكر ونكير وما ~~يسئل عنه العبد فقال: سمعنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي ~~-صلى الله عليهما أنهما قالا: }القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النار، ويسأل عن خمس، يسأل من ربك، ومن نبيك، وما دينك، وما إمامك، وما ~~وليك؟ فيقول المؤمن: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، والإسلام ديني، ~~وعلي وليي)). # وقال الحسن بن يحيى فيما روى ابن الصباح عنه وهو قول محمد في المسائل: ~~منكر ونكير حق، ومن لم يقر بمنكر ونكير جهلا منه فينبغي له أن يتعلم من ~~العلماء، وإن كان لا يقر به إنكارا لذلك، فقد ثبت لنا عن رسول الله [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] أنه أثبت منكرا ونكيرا وعذاب القبر، وأجمع على ذلك ~~علماء آل رسول الله[صلى الله عليه وآله وسلم] وغيرهم، وقد ثبت لنا عن علي ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من ~~حفر النار" فهو كما روي عنه. # وروي عن علي[صلى الله عليه وآله وسلم] أنه قال: "حرام على نفس تخرج من ~~الدنيا حتى تعلم إلى أين مصيرها". PageV03P329 # قال محمد بلغنا عن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] وعن علي وعن علي بن ~~الحسين وأبي جعفر وزيد بن علي عليهم السلام وغيرهم من علماء أصحاب رسول ~~الله [صلى الله عليه وآله وسلم] في منكر ونكير أحاديث صحيحة كثيرة، وهو ~~عندنا كما قالوا، ms634 وقال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((القبر أول ~~منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج ~~منه فما بعده أشد منه)). # وقال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((ما رأيت منظرا قط إلا ~~والقبر أفضع منه))(1). PageV03P330 # وروى أبو سعيد الخدري قال: دخل رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] مصلى ~~فرأى ناسا كأنهم يكشرون فقال: ((أما إنكم لو تذكرون هادم اللذات لشغلكم عما ~~أرى، فأكثروا ذكر هادم اللذات }الموت) فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم ~~فيه فيقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحدة، أنا بيت التراب، أنا بيت ~~الدود، فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلا، أما إن كنت لأحب ~~من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فترى صنيعي. قال: فيتسع ~~له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر قال ~~له القبر: لا مرحبا ولا أهلا، أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذا ~~وليتك اليوم وصرت إلي فترى صنيعي بك. قال: فيلتئم عليه حتى يلتقي عليه ~~وتختلف أضلاعه قال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] بأصابعه[207ب] ~~فأدخل بعضها في بعض قال: ويقيض له سبعين تنينا لو أن واحدا منهم نفخ في ~~الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا، فتنهشه وتخدشه حتى يقضي الله إلى ~~الحساب، قال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: إما القبر روضة من رياض ~~الجنة أو حفرة من حفر النار))(1). PageV03P331 # وقال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((يقول القبر للميت إذا وضع ~~فيه: ويحك يا ابن آدم ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة ~~وبيت الدود، ما غرك بي إذ كنت تمر بي فذذا قال: فإن كان مصلحا أجاب عنه ~~مجيب القبر فيقول: أرأيت إن كان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال ~~فيقول القبر: فإني إذا أعود عليه حسيرا، ويعود جسده نورا، وتصعد روحه إلى ms635 ~~رب العالمين))(1) ذكر هذا الحديث الآخر من قوله ويحك يا ابن آدم أبو أحمد ~~الحاكم في كتاب (الكني) وذكره أيضا قاسم بن الأصبع. والفذاذ الذي يقدم رجلا ~~ويؤخر أخرى (يعني الذي يمشي مشية المتبختر). # فصل ولزة القبر ثابته # وهي في المؤمن عبارة عن دهشه عند أول انتباهه لفراق الدنيا، ثم تؤانسه ~~الملائكة، ويثبته الله تعالى بالقول الثابت من التوحيد والشهادة به وأن ~~محمدا رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] وأن القرآن والإسلام وذرية ~~الرسول ووصيه علي أمير المؤمنين [عليه السلام] كل ذلك حق، فينشرح ويستأنس، ~~ويمثل الله تعالى له مكانه في النار والنار ويبشره بالسلامة، ويمثل له ~~تعالى مكانه في الجنة والجنة فينشرح، ويقبض تعالى روحه كالنوم بغير تعب إلى ~~يوم القيامة، نسأل الله التثبيت بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة. PageV03P332 # وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] ~~ذكر قبض روح المؤمن فقال: ((ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في ~~قبره ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني ~~الإسلام، ونبيي محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] فينادي مناد من السماء: أن ~~صدق عبدي، فذلك قول الله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت}(1). # ودهشته في أول الأمر كذلك مثل دهشة من يدخل من المكلفين على من يحبه من ~~الملوك ولا يخشى ضرره، بل دخل عليه ليكرمه ويعظمه فإنه يدهش لعظم المقام، ~~ومقام الله تعالى أعظم وأعظم وأعظم وهو أكرم وأعظم وألطف وأرحم، فذلك هو ~~المقصود، وفي الحديث عنه [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((إن للقبر لزة لو ~~سلمها مؤمن لسلمها سعد بن معاذ))(2). # فصل # قال الله تعالى: {وعلىالله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}(3) وقال تعالى: {فإذا ~~عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}(4) وقال تعالى: {الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون}(5) وقال [صلى الله عليه وآله وسلم]: }إن لله عند كل ~~بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإسلام وليا موكلا من أهل بيتي يعلن الحق ms636 ~~وينوره ويرد كيد الكائدين، فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على ~~الله))(6). PageV03P333 # دلت هذه الآية بصريحها غير المحتمل على وجوب التوكل على الله وأنه أصل من ~~أصول الدين وأن تاركه قد يكفر في بعض الأحوال أو يفسق أو يخالف الأحسن في ~~بعضها، وحقيقة التوكل المنصوص عليه في هذه الآيات والحديث بصريحها وصريحه ~~هو أن يفعل المكلف الواجب مع القدرة عليه ويأمر به ويترك القبيح وينتهى عنه ~~غير مبال لما يحصل بسببه في المستقبل من تلف أو ضرر أو أخذ مال أو هلاك نفس ~~أو سب وتضليل من أهل شبهة أو عالم سوء أو فاسق جارحة لسان، فيفعل ما فرض ~~الله تعالى عليه من جميع ذلك [208أ] ويتبع من فرض الله تعالى عليه اتباعه ~~من علماء أهل بيت رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] محمد وذريته غير ~~مبال بحادثة في المستقبل، وفي ذلك يقول الله تعالى: {يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم}(1) ويقول الله تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}(2) ويقول الله تعالى ذاما لغير ~~المتوكلين: {يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة}(3) ويقول تعالى: {وقالوا إن نتبع ~~الهدى معك نتخطف من أرضنا}(4). PageV03P334 # وأما في الحال أو علموا في الاستقبال وكان مما يعذر فيه على ما فصلنا في ~~باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي باب الهجرة والجهاد ولا بأس حيث ~~هناك علم لا ظن لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}(1) ولقوله تعالى: ~~{وإن الظن لا يغني من الحق شيئا}(2) ويدخل في التوكل الوضوء والغسل في ~~السيرات والجهاد وإجابة دعاة أهل البيت عليهم السلام ووجوب طلب العلم ~~ووجوب الاكتساب من الحلال لنفسه ومن يعول مع القدرة والفقر ووجوب إخراج ~~الزكاة أو الخمس ولو كثر، والمعونة في قتال الكفار والبغاة بالمال، وترك ~~الرياء والربا والزنا وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، ويدخل في التوكل ~~فعل الواجبات، والله الهادي إلى فعل الصالحات، وصلى الله على سيدي والدي ~~محمد وعترته وذريته، فذلك ms637 من الأعمال الصالحات، والحمد لله على الحياة ~~والممات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم رب الأرضين والسماوات ورب ~~الأحياء والأموات. # فصل PageV03P335 والمنادي في قوله تعالى: {واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب يوم ~~يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * ~~يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير} المنادي هو ملك من ملائكة ~~الحسنات وهو إسرافيل عليه السلام يأمره الله تعالى أن ينادي بصوته فيسمعه ~~الإنس والجن بعد أن أحياهم الله تعالى، فيجيئون إلى مكان النداء من مواضعهم ~~سراعا مسرعين لا يتخلفون ولا يعتذرون، وذلك المكان القريب أقرب موضع من ~~أماكن أهل المحشر من الإنس والجن وهو من على صخرة بيت المقدس وذلك النداء ~~في يوم الخروج من القبور ومن الموت إلى الحياة الآخرة، وتنشق الأرض عنهم ~~عما فيها وبين أطباقها من جميع الموتى، فإذا خرجوا كل في موضعه الذي أحياه ~~الله تعالى فيه ناداهم إسرافيل ليجتمعوا للحساب من ذلك الموضع، وفي ذلك ~~يقول الله تعالى: {يوم يدع الداعي إلى شيء نكر} وهو الحساب الذي يستنكره ~~الكفار لشدته عليهم {يقول الكافرون هذا يوم عسر * خشعا أبصارهم} من شدة هول ~~ذلك اليوم وما يعاينون من عجائبه تخشع أبصارهم جميعا تواضعا لله تعالى ~~وإجلالا له فيستحيون من النظر إلى السماء والهواء حياء من الله تعالى قال ~~تعالى: {يخرجون من الأجداث} وهي جمع جدث، وهي القبور إذ ترى كلهم لكثرتهم ~~{جراد منتشر * مهطعين إلى الداع} خاشعين ذليلين، وأهطع ذل وخضع، لا كما في ~~الدنيا من الكبر والتبختر والتجبر والخيلاء الذي في الجبابرة الظالمين ~~المعتدين PageV03P336 الفاسقين، بل قد ذل المتجبرون وتواضع المتكبرون لعزة الله الملك الجليل ~~الكبير المتعال {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} فيذل العزيز ~~بالمعاصي ويعز الذليل المستضعف في الدنيا بالعمل الصالح، فيعود المستضعف في ~~[208ب] طاعة الله تعالى عزيزا والمتعزز بمعصية الله تعالى ذليلا. # فصل # قال الله تعالى: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم وأزواجهم في ~~ظلال على الأرائك متكئون ms638 * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون} فذكر تعالى ما ~~لهم من المحاسن التي فوق محاسن الملوك والمترفين في الدنيا بمراحل، وقد ~~روينا في الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الواحد من أهل الجنة ~~يرى ملكه في الجنة مسيرة ألف يوم، والأرائك جمع أريكة وهي السرير في ~~الحجلة، وكلما أحب أهل الجنة أعطاهم الله تعالى إياه فورا {ولهم ما يدعون} ~~أي: كل ما يحبون حاصل من فضل الله تعالى قال تعالى: {لهم ما يشاؤن فيها ~~ولدينا مزيد} ثم قال تعالى بعد ذلك زائدا لهم تعالى على كل ما يحبون ~~زيادة تكون أحب إليهم وأكبر وأعظم وأشرح لنفوسهم مما هم فيه من نعيم الجنة ~~وهي قوله تعالى لهم، قوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} أي: سلام عليكم ~~أهل الجنة {قولا من رب رحيم} أي: منه تعالى لكم وإتحافا بقوله تعالى السلام ~~عليكم من غير أن يجعله تعالى على لسان ملك ولا نبي بل يسلم على أهل الجنة ~~بسلام هو قوله تعالى من غير واسطة بينكم وبينه كما في الدنيا وذلك كلام ~~وقول يسمعه أهل PageV03P337 الجنة منه تعالى من غير حيز جهة من الأماكن، ولا رؤية منهم له تعالى ~~لأنه تعالى ليس من جنس المرئيات بل كتكليمه تعالى لموسى ومحمد عليهم ~~السلام من غير واسطة، يوم الطور في موسى عليه السلام وليلة الإسراء في ~~محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] دل ذلك بصريحه أن الله تعالى يكلم أهل ~~الجنة بالسلام، فيقول لهم السلام عليكم ويخبرهم برضوانه تعالى عنهم كما ~~قال تعالى: {ورضوان من الله أكبر} فيكون ذلك السلام منه وإخباره تعالى ~~لهم برضوانه تعالى عنهم أعظم عندهم وأشرح لنفوسهم مما هم فيه من نعيم الجنة. # فصل PageV03P338 ويكلم الله تعالى أهل النار من غير واسطة ومن غير حيز جهة يكون تعالى فيها؛ ~~لأنه تعالى لا يحويه مكان، فيوبخهم تعالى ويندمهم ويعاتبهم، وفي ذلك ~~كله يزدادون بعدا وحسرة وإياسا من الرحمة، فيقول لهم الله تعالى حين ~~يقولون: يا مالك ليقضي علينا ms639 ربك. فيقول الله تعالى: {إنكم ماكثون} أي ~~دائمون لابثون أحياء لا تموتون ولا يخفف عنكم العذاب، ثم يعاتبهم تعالى ~~على ما فرطوا في الدنيا فيقول تعالى: {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق ~~كارهون}[الزخرف:78] وإنما قال تعالى أكثركم ولم يقل كلكم؛ لأن منهم ~~منضعفائهم في الدنيا وأراذلهم من يحب الحق ولولا خشية مخالفة من يتبعه من ~~الرؤساء وسلاطين الكفر والفسق لآمن ودخل في الإسلام، فيقول لهم تعالى حين ~~يفعلون فيها ويقولون ما حكى الله تعالى عنهم بقوله تعالى: {وهم يصطرخون ~~فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}[فاطر:37] فيقول الله تعالى ~~مجيبا عليهم من غير واسطة: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم ~~النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير}[فاطر:37] ويقول تعالى أنهم يقولون بعد ~~لفح النار وجوههم: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون}[المؤمنون:106،107] PageV03P339 فيكلمهم تعالى بقوله تعالى ما حكى تعالى أنه يقول لهم بقوله تعالى: ~~{قال اخسئوا فيها ولا تكلموني، إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين، فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري ~~[209أ] وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم ~~الفائزون}[المؤمنون:108-111]. # فصل # ولا يحب أهل الجنة شيئا مما يكون في الدنيا محرما لسفه ولغو كلام فاحش ~~ونظر عورة أجنبي وهوان مسلم لقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~تأثيما(25)إلا قيلا سلاما سلاما}[الواقعة:25،26] ولقوله تعالى: {وهم ~~مكرمون} ولقوله تعالى في النساء: {فيهن قاصرات الطرف}[الرحمن:56] وقوله ~~تعالى: {حور مقصورات في الخيام}[الرحمن:72] فلا تتعلق شهواتهن بالأجانب، بل ~~مقصورة شهوتهن على أزواجهن، فلا ينظرن غيرهم في تعلق شهواتهن به لعدم ~~الحاجة إليه (أي الغير) وفيهم كفايتهن لكثرة قوة الرجل من أهل الجنة وكثرة ~~شهوته في النكاح، فلا تضرر ولا تعب فيها، فليس ذلك القصر تكليف يتعب ~~كالدنيا. # فصل في إسلام أبي طالب -رضي الله عنه- PageV03P340 اعلم أن إسلامه عندنا صحيح وذلك إجماع علماء أهل البيت عليهم السلام لا ~~نعلم قائلا منهم يحكم بكفره وعدم إسلامه، بل ms640 أجمعوا على إسلامه، وروي لنا ~~بالرواية المشهورة بين الأئمة أن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] لما دعا ~~أبا طالب إلى الإسلام قال: ما أشد تصديقنا لحديثك وأقبلنا لنصحك، وهؤلاء ~~بنو أبيك قد اجتمعوا وأنا كأحدهم وأسرعهم -والله- إلى ما تحب فامضي لما ~~أمرت به فإني والله مانعك ما حييت ولا أسلمك حتى يتم أمرك، وأما أنت يا علي ~~فما بك رغبة في الدخول عما دعاك إليه ابن عمك وإنك لأحق من وازره وأنا من ~~ورائكما حافظ ومانع. فسر رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] واشتد ظهره، ~~وقال في ذلك أبو طالب ما يدل قطعا على إسلامه وإيمانه بالنبي محمد [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] ودخوله في دين الإسلام وأنه لم يعبد وثنا وأنه آمن ~~برسول الله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] بالغيب قبل أن يبعث [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] بالنبوة وبعد البعثة لقوله (أعني أبا طالب) # وبالغيب آمنا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبل محمد # والغيب الإيمان برسول الله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] والإسلام قبل ~~وجود رسول الله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] وبعد وجوده، وكان يكتم ~~إيمانه من صناديد قريش كمؤمن آل فرعون، وليدفع عن النبي [صلى الله عليه ~~وآله وسلم] ويسمعوه مهما أظهر لهم (أعني كفار قريش) موافقتهم. PageV03P341 # فأما ولاء النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فأظهره وقال أيضا: # ألم يعلموا أنا وجدنا محمدا # أليس أبونا هاشم شد أزره ... نبيا كموسى خط في أول الكتب # وأوصى بنيه بالطعان وبالحرب # فدل قوله: أنا وجدنا محمدا نبيا كموسى خط في أول الكتب # أنه [عليه السلام] مؤمن بجميع الرسل والأنبياء [عليهم السلام] ويدل على ~~إسلام أبي طالب مع ما تقدم وأنه آمن بالله تعالى ورسوله محمد [صلى الله ~~عليه وآله وسلم] وجميع الرسل والأنبياء والكتب ما روى ابن عمر أن أبا بكر ~~جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] ~~فقال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ((ألا ms641 تركت الشيخ فآتيه -وكان ~~أعمى- فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، والذي بعثك بالحق نبيا لأنا ~~كنت بإسلام أبي طالب أشد مني فرحا بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك، فقال ~~[صلى الله عليه وآله وسلم]: صدقت صدقت)). PageV03P342 # والصحيح عندنا أن أبا النبي محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] وأمهاته مسلمون ~~على دين إبراهيم مصدقون بمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] قبل بعثه رسولا، ~~ومن لحقه منهم آمن به وأنهم الذين أجاب الله تعالى فيهم دعوة إبراهيم [عليه ~~السلام] الذي حكاها تعالى في إسلامهم، لأنهم لم يعبدوا صنما ولم يشركوا ~~بالله شيئا بقوله تعالى حاكيا دعوة إبراهيم ولم يردها بل أجابها: {واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام}[إبراهيم:35] وقوله تعالى [209ب] حاكيا عن إبراهيم ~~وإسماعيل معا، وبنوا إسرائيل ليسوا من ولد إسماعيل: {ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك}[البقرة:128] وقوله تعالى في إبراهيم [عليه ~~السلام] وعقبه: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون، إلا ~~الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم ~~يرجعون}[الزخرف:26-28] أي: وجعل الله تعالى أو وجعل إبراهيم عليه السلام ~~بأن دعا إلى الله تعالى فأجابه تعالى بأن جعلها كلمة باقية في عقبه أي: ~~عقب إبراهيم وهي كلمة الإسلام والتبري من عبادة غير الله تعالى وعقب ~~إبراهيم [عليه السلام] ذريته ما تناسلوا إلى آخر التكليف لا يزال المسلم ~~غير المشرك بالله شيئا من ذريته وذرية ابنيه إسماعيل وإسحاق [عليهم السلام] ~~وغيرهما [عليهم السلام] PageV03P343 إلى آخر التكليف {لعلهم يرجعون} يعني تعالى جعلها كذلك فيهم لا يزال المؤمن ~~منهم يدعو الفاسق والكافر إلى دين الإسلام الصحيح، وكان قبل النبي محمد ~~[صلى الله عليه وآله وسلم] آباؤه وأمهاته على دين أبيهم إبراهيم [عليه ~~السلام] لا يعبدون وثنا ولا يشركون بالله شيئا وإن حملوا معهم شيئا من حجار ~~مكة فللتبرك بها لا ليعبدوها، وهذا الصحيح عندنا إن لم يمنعه إجماع نقلي ~~يخص هذه الأدلة التي عرفناها بخبر ذلك الإجماع أن آباء النبي محمد [صلى ~~الله عليه وآله وسلم] ms642 تغيروا عن دين إبراهيم كغيرهم من قريش بعبادة ~~الأوثان. # وروى أبو العباس في (المصابيح) عن جعفر الصادق أنه هبط جبريل [عليه ~~السلام] على النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فقال: يا محمد إن الله يقرئك ~~السلام ويقول: إني حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، فقال ~~[صلى الله عليه وآله وسلم]: بين لي منهم؟ فقال: أما الصلب الذي أنزلك فعبد ~~الله بن عبد المطلب، وأما البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب، وأما الحجر الذي ~~كفلك فعبد مناف بن عبد المطلب وهو أبو طالب. # قلت: وهذا مستقيم كما ذكرنا من قبل إذا أتوا بالواجبات العقلية وما التحق ~~بها مما ظهر من شريعة رسول الله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كالصلاة ~~والزكاة والصيام والحج والطهارة والجنائز والذبائح مع ما يصح به من ~~التفاصيل على تنزههما من قبل شريعة محمد المصطفى عليه وعليهم الصلاة ~~والسلام ونحو ذلك وهم كذلك. PageV03P344 # وقد روي عن علي [عليه السلام] أنه قال: ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا ~~هاشم ولا عبد مناف صنما قط، قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلون إلى ~~البيت الحرام على دين إبراهيم الخليل متمسكين به. # وروى السيد الإمام أبو طالب في (الأمالي) بإسناده عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]: ~~((يبعث عبد المطلب يوم القيامة أمة وحده))(1) قال وكان لا يستقسم بالأزلام ~~ولا يعبد الأصنام ويقول أنا على دين إبراهيم. # فأما الإقرار بالله تعالى وأنه خالق الخلق أجمعين فإن قريشا وأكثر فرق ~~الكفار مقرون بذلك مع عبادة الأصنام أو غيرها قال الله تعالى: {ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}[لقمان:25] وقال الله تعالى: {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنا ~~يؤفكون}[العنبكوت:61] وقال سبحانه: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون}[العنكبوت:63]. PageV03P345 # تم الكتاب بحمد الله العزيز الوهاب، وصلى ms643 الله على سيدي والدي سيد الرسل ~~محمد وآله الذين أذهب الله عنهم الرجس إذهاب، وطيب أنسابهم وأحسابهم في ~~الأحساب والأنساب، وتفضل علينا وعليهم بالتقدمة والتشريف بعد أبينا رسول ~~الله محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] في أمته بغير حساب، ولا تعب اكتساب، ~~ونسأله تعالى لنا وللمؤمنين والمؤمنات حسن الثواب، وطيب المآب، والتوفيق ~~[210أ] في الحياة وعند الممات وبعد الممات في القبر عند الحياة التثبيت ~~لقول الحق والصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، العزيز ~~الحكيم، وصلى الله على أبينا سيد المرسلين محمد، وخير الوصيين، وفاطمة ~~الزهراء سيدة نساء العالمين، وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وآلهما ~~الطاهرين المطهرين، وعلينا فيهم ومعهم آمين آمين آمين. PageV03P346 # تم والحمد لله وذلك تأليف الفقير إلى الله الغني المهدي لدين الله تعالى ~~محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن سليمان العالم ~~الفاضل بن عمر بن عامر بن عانوب بن المهدي بن عبد الله بن السيد العالم ~~الفاضل الشهيد عماد الدين يحيى بن سليمان بن أحمد بن السيد الإمام الفاضل ~~الزاهد بدر الدين إسحاق بن الإمام الداعي إلى الله تعالى يوسف بن الإمام ~~المنصور بالله يحيى بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى ~~الحق يحيى بن السيد الإمام الحافظ الحسين بن الإمام نجم آل الرسول القاسم ~~بن الإمام إبراهيم طباطبا بن السيد الإمام إسماعيل الديباج بن الإمام ~~إبراهيم الشبه بن الإمام الحسن الرضا بن الإمام الحسن السبط بن الإمام ~~الوصي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة وآله وصلى الله على سيد ~~الرسل أبينا محمد وآله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # بخط أفقر العباد، وأحوج من في البلاد، إلى نيل مغفرة من لا يخلف الميعاد: ~~صلاح بن حسن بن مهدي البشري عامله الله بلطفه، وغفر له بطوله، ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، آمين آمين آمين[210ب]. PageV03P347 ms644