######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037345 #META# 000.BookURI :: #1070.MuhammadKibrit.RihlaShitaWaSayf #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الله بن محمد، من أحفاد شرف الدين بن يحيى الحمزي الحسيني المولوي المعروف بـ كبريت (المتوفى: 1070هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1070 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رحلة الشتاء والصيف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلدان والجغرافيا والرحلات #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037345 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37345 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37345 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الأستاذ محمد سعيد الطنطاوي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1385 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | ديباجة المؤلف # الناس يهدون على قدرهم ... وإنني أهدي على قدري # يهدون ما يفنى وأهدي الذي ... يبقى مدى الأيام والدهر # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. يا من أودع كنوز الأرض أسرار ~~حكمته، يطلع عليها من جاب البلاد بحسن فطنته، وخص كل بقعة بخاصة لا توجد ~~إلا فيها، وجعل لهذا رغبة عن هذه فينأى عنها، ولهذا رغبة في هذه فيصطفيها، ~~صل على نبيك ورسولك وحبيبك وخليلك سيدنا وسندنا محمد، الذي شرفت به كثيرا ~~من البقاع، وعطرت بآثاره الشريفة الأكم والقاع، وعلى آله وصحبه وشيعته ~~وحزبه أكرم من ساروا في أقطار الأقاليم فعمروها، وأقاموا بالأراضي المجدبة ~~وبهاطل بركاتهم غمروها، ما اهتز بها أغصان الآمال بنسمات الإقبال، وما تذكر ~~مجروح الفؤاد على مر المنازل لذة الوطن والمناهل. # (أما بعد) فإنه لا يخفى على من سبر الدهر وخبر أحواله، ورأى تغيراته ~~وشاهد في ذوي الفضل أفعاله، أن من ارتدى بمحامد الخلال وتحلى بحلي الفضائل ~~والكمال نصب له الزمان مصايد المصايب، وأوقعه في شرك الهوان متجرعا غصص ~~النوى والنوائب، وفي وهاد حسراته محترق زفراته: # PageV01P003 # وكم للدهر من فعل عجيب ... به فيه أولو الألباب حاروا # وأعجب ما يرى فيه فقيه ... مهان والجهول هو المشار # أمور لا يتم لها قياس ... أرانا شأنها الفلك المدار # وكنت ممن ناواه الزمان، وكر عليه بسيف حيفه الحدثان، أتقلب من الحسرات ~~على فرش الغضا، وأجد لما بي أضيق ما يكون سعة الفضاء، فأعلل النفس ~~بالأماني، وأتسلى بذكر من لم يصف له التهاني، ولما عيل مني الصبر وأعياني ~~هذا الأمر دعاني داعي الأماني والآمال، وحركني فيه الرجاء والالتجاء إلى ~~الكريم # المتعال، أن أمتطي غارب الاغتراب، حسب فامشوا والبركة في الحركة والله ~~مسبب الأسباب وأنشدني لسان الحال قول من قال: # إن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل # لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل # فاقتضى الأمر العزم على السفر، واقتحام ms001 مهامه المشقة والخطر، وقصد ~~الأبواب الشريفة السلطانية، والتملي برؤية الموالي والأركان بالدولة ~~المنيفة الخاقانية، والوقوف على تلك المنازل والمناهل والأطلال، وما أبرزته ~~القدرة الإلهية من القوة # PageV01P004 # إلى الفعل ومن عالم المثال إلى عالم الأشكال. # ومن قبل تركيب الهوى كنت ساكنا ... ولكن برغمي حركتني العوامل # وسلكني دهري على غير منهجي ... ألا في سبيل الله ما الدهر فاعل # فامتطيت غارب الأمل إلى الغربة، وركبت مراكب المذلة والكربة، قاصدا ~~استعتاب الدهر الكالح، واستعطاف الزمان الغشوم الجامح، اغترارا بأن في ~~الحركة بركة، وأن الاغتراب داعية الاكتساب. # على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر # فإن نال بالسعي المنى تم قصده ... وإن خالف المقدور كان له عذر # وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، أو مع عبوس الحظ، ابتسام ~~الدهر الفظ. # فما كل غاد نحو قصد يناله ... ولا كل من زار الحمى سمع الندا # وكنت مهما وقفت عليه من خبر لطيف سطرته، وأيما شعر ظريف ظفرت به قيدته ~~وحبرته، حتى وجدت لدي جملة من اللطائف والظرائف، قد جمعتها أيدي الأقلام، ~~وأوقعتني عليها الأيام. # إن الغريب إذا ما كان ذا قلم ... فليس سلوته إلا بقرطاس # فيه يقيد ما يلقاه من نكت ... ومن ظرائف يبديها من الراس # فخطر لي أن أجعلها رحلة تعرب بحسن معانيها عن لطيف المعاني، وتفصح عن ~~عذوبة السجع بما يفوق رنات المثاني، وأودعها ما أقف عليه في سفري من لطائف ~~الأشعار، وغرائب النكت التي هي لدى طالبها غالية الأسعار، إلى غير ذلك من ~~منثور ومنظوم، إلى حين قدومي من الروم. لتكون نزهة لي ولأصحابي، وتحفة أخص ~~بها خلص أحبابي، بل عبرة لكل طامع في غير مطمع، بل عبرة تعبر عن مكتوم سر ~~طالما تكلم وتوجع. # إن الفؤاد إذا تكدر لم يكن ... يصفو بغير شكاية وعتاب # فإذا تحصل من ذلك ما تحصل، وصح ما دار وتسلسل، سميته: # PageV01P005 ### | رحلة الشتاء والصيف # وناسبت فيها مناسبة خلت من الخلل والحيف، وما أشبهها ~~بما قال: # رحلة لم يزل يفندني الصي ... ف إذا ms002 ما نويتها والشتاء # يتقي حر وجهي الحر والبر ... د وقد عز من لظى الاتقاء # ضقت ذرعا مما جنيت فيومي ... قمطرير وليلتي درعاء # كنت في نومة الشباب فما استي ... قظت إلا ولمتي شمطاء # وإذ أذن فجرها بالصباح، وصاح مناديها بالفلاح، جعلتها خدمة لجناب من ~~أناخت بفناه ركائب الأفاضل، ووضعت على علي أعتابه جباهها الأماثل. # حافظ السنة حفظا لا ترى ... معه أن تعمل الناس الأسنه # مركز الدائر من أهل النهى ... فإلى ما قد حوى تثنى الأعنه # كيف وهو المولى الذي ارتفع مقداره على فرق الفرقدين، وعلا مقامه على مقام ~~النيرين، منهاج وصول الأحكام، معراج حصول المرام، مجموعة الكمالات ~~النفسانية، خريدة السعادات الإنسانية، فاتحة إحياء علوم الدين، ومحكم خاتمة ~~قلوب العارفين، شيخ الإسلام الذي إذا أفتى أفنى المهج وأحيا الأرواح، وإذا ~~أفاد أجاد # وأظهر من الإحسان ما يروق في الغدو والرواح، وإذا فسر أحيا مآثر القاضي ~~أو المفتي بحسن سيرته، وحل من المشكلات ما يعجز كل ماهر عن إبداء خفاياه ~~وموضع نكته. # راض العلوم فسله عن دقائقها ... فعنده للخفايا أي إدراك # تذللي يا فروع الفقه مثمرة ... له ليدنو منه حلو مجناك # PageV01P006 # في النظم والنثر ما زالت فصاحته ... تقابل الدر أسلاكا بأسلاك # وفاتح الباب في فن البيان فلا ... يحتاج يوما إلى مفتاح سكاك # هو سيدنا الذي لا زال مقداره عليا، مولانا شيخ الإسلام يحيى بن زكريا، ~~متع الله المسلمين بطول بقائه ودوام أيامه، وعطر الأكوان من ذكره الشريف ~~بمسك ختامه، ولا زالت ظلاله على الأيام ممدودة الرواق، وبدور سعادته ~~وسيادته آمنة من الأفول والمحاق، ومناقبه الجميلة سائرة الأمثال في الآفاق. # ولا برحت تزداد عزا ورفعة ... بمنصبه العالي صدور المجالس # فقد قال الإسكندر في حق الحكيم الأول لما دون الحكمة وزين ديباجتها ~~بألقابه: من ذكرني فيما يبقى فقد أبقاني أبدا. # ما تنسج الأيدي يبيد وإنما ... يبقى لنا ما تنسج الأقلام # وعسى أن يلحظها حظ فتشرف بمطالعته، ويصلني دهري الخؤون من بعد مقاطعته، ~~وإذا كان علو مقامه يمنع من ذلك، وما بي من القصور يقول لست ms003 هنالك: # إن الملوك وإن جلت مناصبها ... لها مع السوقة الأسرار والسمر # فقصة الأعرابي بإهداء قربة ماء إلى خليفة الزمان، وإهداء رجل جرادة إلى ~~حضرة السيد سليمان، معلومة عند سمو شأنه، وعلو مكانه، ولقد قيل: # لو أن كل يسير رد محتقرا ... لم يقبل الله يوما للورى عملا # المرء يهدي على مقدار طاقته ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا # على أن الهدية ما كانت أقل، فهي أجمل للأجل، كما أن العطية ما كانت أجل، ~~فهي أفضل للأقل، وإن كنت في ذلك كمن أهدى الزهر إلى رياضه، والقطر إلى # PageV01P007 # حياضه، ولنا القول وهو أدرى بفحواه، وأهدى فيه من القطاه، على أن الغرض ~~من ذلك هو الالتجاء إلى ذلك الظل الظليل، من جور الزمان الظلوم، وظلمة ~~ليالي هذا الدهر الغشوم. # فالليالي من الزمان حبالى ... مثقلات تلدن كل عجيبة # قال الإمام زين العابدين نفع الله به هلك من ليس له كريم يعضده، وضل من ~~ليس له حكيم يرشده. # تعدو الأعادي على من لا خفير له ... وتتقي مربض المستأسد الحامي # هذا والمرجو من فتوة من وقف على ذلك، ونظر رياض هذه المسالك، أن ينظر ~~بعين الرضا إليها، ولا يتحامل لتفريط أو إفراط عليها، فإن السخط يقلب أعيان ~~المحاسن بالقبايح، ويفتح أبواب السيئات والفضايح، وكان يقال: من رضي عن شيء ~~تنعم به، ومن سخط على شيء تعذب به. # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا # يروى أن القاضي عبد الرحيم البيساني، كتب إلى العماد الأصفهاني، يعتذر عن ~~كلام استدركه عليه: وقد وقع لي شيء ولا أدري أوقع لك مثله أم لا؟ وذلك أني ~~رأيت أن لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غد لو كان غير هذا لكان ~~أحسن، # PageV01P008 # ولو زيد هذا المكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أجمل، ولو ترك هذا لكان ~~أفضل، وهذا من أعظم العبر، ودليل استيلاء النقص على جملة البشر. # ما خط كف امرئ شيئا وراجعه ... إلا وعن له تبديل ما فيه # وقال ذاك كذا أولى ms004 وذاك كذا ... وإن يكن هكذا تسمو قوافيه # والله تعالى المسؤول، أن يهب نسيمها بالقبول، وأن يسهل لنا القدرة على ~~الإتمام، ويجعل من مسك القبول حسن الختام. # ما زال هذا البين يسقي كأسه ... من رق من بين البرية طبعه # والدهر يقضي في الكرام بجوره ... حتى خلا من كل حر ربعه # هذه الرحلة التي قد تسامت ... وحوت نزهة الشتا والصيف # أول كأس تجرعته من مرامر البين، فراق المنازل الحرمية الذي كاد يكون من ~~سكرات الحين، بعد أن قضيت الحج ببيت الله الحرام، وتمليت بالمآثر المحترمة ~~الكرام، وذلك في سابع عشر محرم الحرام، افتتاح عام غلط من هجرة أشرف مرسل ~~عدل وما قسط، صلوات الله عليه وعلى آله الميامين وعلى من قال آمين. # كان رحيلي عن طيبة عجبا ... وحادثا من حوادث الزمن # من قبل أن أعرض الفراق على ... قلبي وأن أستعد للمحن # فبرزت من المدينة الشريفة، والآثار الوريفة، بروز من ضل رشده، واحترق ~~حشاه بفراق قد بلغ أشده. # PageV01P009 # وفارقت حتى لا أراع من النوى ... وإن غاب جيران علي كرام # وقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام # فواها لزمن الاجتماع ما كان أغضه، وآها من انصداع الشمل فما أمضه، فيا ~~لتلك المنازل التي سمت أن تسامى، ويا لهاتيك المسامرة التي بها هواطل ~~السرور تهامى. # فارقتها لا عن رضى، وهجرتها ... لا عن قلى، ورحلت لا متخيرا # أسعى لرزق في البلاد مشتت ... ومن العجائب أن يكون مقترا # وأصون وجه مدائحي متعففا ... وأكف ذيل مطامعي متسترا # لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى # فسرت مع بعض الإخوان، من ذوي المروءة والإحسان، صحبة الركب المصري، ~~والعيون بالمدامع تذري، لبعاد تلك المنازل، وفراق هاتيك المناهل. # فمني إليها كل وقت تحية ... وساكنها في كل آن له السنا # ثم لم نزل سائرين في المنازل الحرمية الشريفة، والمناهل السعيدة المنيفة، ~~والمقادير تقودنا كيف جرى القلم، وأنا المنقاد إلى حيث المشقة والألم. # أمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب # فلو تهت في ms005 البيداء والليل مسبل ... علي جناحيه لما لاح كوكب # ومازلنا كذلك نجوب الفيافي والمسالك، إلى أن وصلنا ينبع النخل # ، وروينا من مياهه التي هي كمجاج النحل، ولكن بعد أن تجرعنا المرامر، ~~وكادت تنشق منا المرائر، مما قاسيناه في النقب من ضيق الطريق، وازدحم القطر ~~الذي فرق بين الرفيق، إلى غير ذلك من الأوعار، ومصادمة الأحجار، في ليل ~~مظلم، وهول مؤلم، ولسان الحال ينادي في تلك الشعوب والبوادي: # فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغنى عن الحيل # ينبع النخل ### || (فائدة) # ينبع: بصيغة مضارع نبع الماء، إذا ظهر، من نواحي المدينة المنورة ~~على # PageV01P010 # أربعة أيام منها، سميت بذلك لكثرة ينابيعها وعدتها مائة وسبعون عينا، ~~ولما نظر إلى جبالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: لقد ~~وضعت على نقب من الماء عظيم. وأقطعه النبي صلى الله عليه وسلم العشيرة من ~~الينبع، ثم اشترى قطعة أخرى، وكانت بها أمواله عيونا تصدق بها. ومن محاسن ~~الفيومي: # إن كان قد قضي الفراق وصدني ... عنكم حجاز من نوى لا يرفع # فأنا الذي دمعي العقيق وناظري ... يا بدر بعد البعد عنكم ينبع # والنقب مضيق كثير الأوعار، يسلكه الركب المصري في أيامه، وهو على نصف ~~مرحلة من خيف بني عمرو، وهذا الخيف يشتمل على عيون جارية، ونخيل باسقة، ~~ومنازل عامرة بسكانها. (ولنرجع إلى ما كنا بصدده) فأقمنا بينبع المحروسة، ~~ومرابعها البهية المأنوسة، ثلاثة أيام، نهارنا تحت ظل النخيل، وليلنا في ~~مسامرة الصديق والخليل، وكان ذلك آخر عهدي بالمنازل التي بها كل قصدي. # وكان أول عهد العين منذ نأت ... بالدمع آخر عهد القلب بالجلد # ولما كان وقت العصر من اليوم الثالث، الذي هو آخر العهد بأيام الثالث، ~~وأوله بالليالي العوابث، زعق نفير الحاج، وأخذ الركب في الحركة والهياج، ~~فلحق العشاق من ألم النوى لمفارقة الحجاز، ما أجرى دمعهم رملا على ذلك ~~الصعيد الطيب، وأخرجهم من الحقيقة إلى المجاز، ثم في أقل من نظر محب إلى ~~حبيبه، أو شكوى عليل إلى طبيبه، حمل الركب ms006 وسار، ولم يبق له أثر في الدار. # كأنما حجل كانت بسفح ربى ... فرت كأنهم بالسفح ما كانوا # فارتحلنا في تلك الساعة البهية، متوجهين إلى نحو الديار المصرية، فقاسينا ~~في السفر ما لا يطاق، واحتملنا من نخع النعم ما لزورته حمل المشتاق: # PageV01P011 # ولما تناءت بالأحبة دارهم ... وصرنا جميعا من عيان إلى وهم # تمكن مني الشوق غير مسامح ... كمعتزلي قد تمكن من خصم # ثم تمادى بنا السفر من بعد العصر إلى أن أسفر الفجر، ورق جلد ما معنا من ~~الدواب، وتفرق شمل رفاقنا بين تلك الروابي والشعاب، ثم أنخنا الركاب، بقفر ~~خلا من المياه والأعشاب، فقلنا به ذلك اليوم، وقلنا نأخذ فيه راحة ما ~~بالنوم، ومن أين يجد الخاطر به القرار، وهو المعروف بوادي النار. # ما طاب عيشي بروض زاهر خضر ... حتى يبيت بقفر لا نبات به وادي نبط # ولما هبت الطوارف، نفر الركب متطايرا كالوجل الخائف، فاقتحمنا تلك ~~القفار، وانطوى بنا في السير الليل والنهار، حتى أسفر الفجر ولاح، وتشعشع ~~بضيائه الصباح، فأنخنا بواد يقال له نبط، خال من الأثل والخمط. ### || فائدة # في كتاب برهان الإعجاز في منازل الحجاز: نبط بفتح النون وسكون الموحدة ~~مفازة عرضها الميل وطولها سو، وهي شرقي الجنوب، بها الآبار عذبة المياه، ~~وفيها يقول أبو عبد الله الفيومي: # رو من نبط لهيبي ... واسقنا ثم توجه # PageV01P012 # ودع الحورا فإني ... صرت أشنأها وأكره # الحوراء # ثم لم نزل كذلك، نقطع هاتيك المسالك، غورا ونجدا، ومفازة ووردا، حتى ~~أنخنا بالحوراء، وهي ساحل خليج القلزم، المعروف ببحر السويس، ومبدؤه من باب ~~المندب إلى أن يتصل بالبحر الهندي، وطوله ألف وأربعمائة ميل كما في ~~الخريدة، وفي الخطط ألف وخمسمائة ميل، وعرضه من أربعمائة إلى ما دونها، وهو ~~بحر كريه المنظر والرائحة، وفيه مصب الدجلة والفرات، وعلى جوانبه السند ~~واليمن، كأنها جزيرة أحاط بها الماء من جهاتها الثلاثة، وهو يروع نهر مهران ~~كروع البحر الرومي نهر النيل، وسمي القلزم باسم مدينة كانت بساحله الغربي ~~بشرقي مصر، ويعرف موضعها اليوم بالسويس. # والقلزم بضم القاف وسكون ms007 اللام وضم الزاي، وكانت فرضة مصر والشام، ومنها ~~يحمل إلى الحجاز واليمن، وهذا البحر إنما هو خليج يخرج من المحيط، ويعرف ~~ببحر الظلمات لتكاثف البخار الصاعد وضعف الشمس عن حله، ولم يوقف من خبره ~~الأعلى ما عرف من بعض سواحله، وما قرب من جزائره طال الكلام، وخرج عن سلك ~~النظام: # ولربما ساق المحدث بعض ما ... ليس النديم إليه بالمحتاج # PageV01P013 # وبالجملة فإن الحديث شجون، والجنون فنون، والأمر كما قال، في تأليف القيل # والقال: # لو لم أقل هذا وهذا وذا ... بأي شيء كنت أملي الكتاب؟ # والحوراء هذه تشتمل على أشجار ملتفة وبها شجر الأراك، وأطيار متنوعة، إلا ~~أن ماءه في غاية الكدورة، مفرط في الإسهال، وقلت لما ذكرت بها فضيلة العين ~~الزرقاء: # قد أتينا الحوراء في يوم حر ... شمسه كالعقيقة الحمراء # وشربنا مياهه وحمدنا ... إذ عرفنا فضيلة الزرقاء # ويعجبني قول القائل: # مدينة خير الخلق تحلو لناظري ... فلا تعذلوني إن فتنت بها عشقا # يقولون في زرق العيون شآمة ... وعندي أن اليمن في عينها الزرقا ### || فائدة # العين الزرقاء منسوبة إلى الأزرق، مروان بن الحكم، لأنه أجراها وهو وال ~~على المدينة المنورة، وأصلها من غربي مسجد قبا، تجري إلى المصلى، وعليها ~~قبة، الماء منها في وجهين شرقي وشمالي، كذا قيل. ولعل الزرقاء صفة للعين ~~لأن جميع مياه ذلك الوادي ترى كالنيل الأزرق، ولأن ذلك الماء قبل مروان ~~وآبائه، وكانت بالمدينة عيون متنوعة متعددة وقد صارت في خبر كان، إلا أن ~~ذيولها وآثارها تشهد لها، قيل: وكان يجذ بالمدينة وأعراصها مائة وخمسون ألف ~~وسق بعير من التمر، ويحصد مائة ألف وسق من الحنطة. ويروى أن بالمدينة من ~~عيون النبع غير الجارية ستة عشر ألف ساقية. # (حكى) السمهودي في الخلاصة أنه لما قدم المدينة تتبع إحصاءها فكانت كذلك، ~~وهذه الخلاصة من أحسن تواريخ المدينة الشريفة، وأنشدني في ذلك إجازة لنفسه ~~الشيخ إبراهيم أبو الحرم: # PageV01P014 # من رام يستقصي معالم طيبة ... ويشاهد المعدوم كالموجود # فعليه باستيفاء تاريخ الوفا ... تأليف عالم طيبة السمهودي # يقول أبو عبد الله الفيومي المكي: # إني ms008 إذا نزحت ديار المصطفى ... وازداد شوقي نحوها وحنيني # طالعت في تاريخه السامي لكي ... أمشي على آثاره بعيوني # وبالجملة فإن في التاريخ مشاهدة ما، فهو كما قيل: # أملياني حديث من سكن الجز ... ع ولا تكتباه إلا بدمعي # فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي # وما أطيب قول النيسابوري: # يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره # فلقد ظفرت من الحبيب بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره # عودا إلى ما كنا بصدده، وانعطافا على ما يستعان بمدده، فأقمنا بها يومين ~~لما قاسته الرحال والرجال، ولم تكن دار إقامة. # أكره # ثم ارتحلنا قاصدين # أكره # ، متأملين بعين الفكرة، ناظرين إلى الأنفس والآفاق، وما فيها من سر تدبير ~~الخلاق، حتى وصلنا إليها، لا أعادنا الله عليها، وأكره بوزن جمرة، مسيل ~~قفر، وماؤه مر زعاف لا تقبل عليه النفس إلا بالكره، وقد توجد بتلاعه ديم. # وفي البرهان: أكرا بألف مفردة من أعمال الحوراء، وبينهما منزل للركب يعرف ~~ب الحريرة مصغر الحرة، وهي منتهى أحكام الحجاز الشريف. # ثم ارتحلنا سائرين في بواد وقفار، ومفاوز وحرار، إلى أن واجهنا الوجه # PageV01P015 # المبارك بعون الله تعالى وتبارك، ولاقينا فيه الأزالمة بالمبرات، واتصلت ~~بنا أخبار مصر # بالمسرات، ويباع فيه العليق بأقل من سعره في مصر، والوجه هذا شعب فيه ~~قلعة لطيفة فيها بئر وخارجها بئران، وكلها مطوية وماؤها من السيول، وربما ~~لا يوجد بها أيام المحل، وهي منتهى أحكام مصر، وسمي بذلك لأن به تكون ~~مواجهة الركب وكانت أولا بالأزلم. # أنشد الحافظ ابن حجر العسقلاني وقد مر به فوجده متسنيا: # أتينا إلى الوجه المرجى نواله ... فشح ولم يسمح بطيب نداه # وأسفر عن وجه وما فيه من حيا ... فقلت دعوه ما أقل حياه # ولما عاد إليه ممطورا قد صفت مشاربه، واخضرت جوانبه، وطاب به المقيل ~~فقال، وذلك مقال المستظل في الكلال: # أرانا الجميل الوجه معتذرا لنا ... فأوليته شكرا وما زلت مثنيا # وأطرقت نحو الأرض رأسي خجلة ... وما اسطعت رفع الرأس من كثرة الحيا # قلت: وإذا كان الحياء بمعنى ms009 ضد الوقاحة ممدودا، كما قيل في الحديث الحياء ~~من الإيمان والحيا بمعنى المطر مقصورا، فما تمت التورية في النظم، اللهم ~~إلا أن يقال ذلك على رأي من يرى قصر الممدود في الشعر، وهو أكثر من مد ~~المقصور، فلا كلام. وفي المعنى لأبي عبد الله الفيومي: # ولما وجدنا الوجه عند وروده ... خليا من الماء القراح فناؤه # زممت مطيي ثم قلت ترحلوا ... فلا خير في وجه إذا قل ماؤه # وقال آخر: # أقول ووادي الوجه سال من الحيا ... وقد طاب فيه للحجيج مقام # على ذلك الوجه المنير تحية ... مباركة من ربنا وسلام # PageV01P016 # وما أرجح قول القيراطي: # أتيت إلى الحجاز فقلت لما ... تبدى وجهه لي وارتويت # وكم في الأرض من وجه مليح ... ولكن مثل وجهك ما رأيت # الأزلم # ثم ارتحلنا منه ونزحنا عنه، حتى أتينا على الأزلم وتحملنا المشقة والألم، ~~وهو واد فيه قلعة يودع فيها ودائع الحاج للرجعة، وخان خراب كان قد بناه ~~الناصر، فهدمه الغوري، والأمر دائر بين هدم وبناء، لا الباني يكل ولا ~~الهادم يمل، يا حيرتي ما أعجب ما قال: # متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم # وماء هذا الوادي مر يكاد يفطر الأكباد، وهو كثير السنا، ونصف الطريق من ~~مكة المشرفة، ومنه إلى الينبع ربع ثالث، وبينه وبين الوجه فضاء بين جبل ~~يقال له اصطبل عنتر، وواد آخر يسمى السماق والدخاخين وهو كثير الشوك ~~والحطب. ومما قيل في الأزلم: # الأزلم المشهور قبح ذكره ... لم تصف عيشة من بواديه ألم # ما زال عن قلب مرارة مائه ... إلا وأهدى من قساوته ألم # المويلح # ثم لم نزل نجوب البوادي، ونقطع الفدافد خلف الدليل والحادي، حتى أتينا ~~على المويلح، ولا أدري أهو مشتق من الملاحة أم الملوحة، أم الحال كما قال: ~~ذات لها في نفسها وجهان. وبالجملة فهو ساحل راق ماؤه وصفا، وطاب به العيش ~~حتى كأنه ما ذاق طعم الجفا، قد اخضرت جوانب بقاعه، وتحقق لدى روضه ما نسخه ~~الورد الذكي برقاعه، فأقمنا به ثلاثة أيام تحت البواسق، ونشر ms010 تلك الرياض ~~العبيرية عابق، نهارنا على الماء والخضرة والوجه الحسن، وليلنا على ارتشاف ~~كؤوس الآداب ونفي الوسن، حتى انقضت تلك الليالي كأنها سنة، وقلنا في نفوسنا # هذه أول مسرات هذه السنة، فلله هاتيك الأيام، وما اشتملت عليه من الجمع ~~التام، واتفق # PageV01P017 # في المويلح من الرخاء ما لا تصفه الأقلام، ولا تحويه الأرقام، وفيه السمك ~~الطري، والفواكه المتنوعة، والأراك الكثير، ومما قيل فيه: # سألوا مديح مناهل فأجبتهم ... هذي المناهل مدحها لا يصلح # وأقول إن ألزمتم بمديحها ... هذا المويلح في المناهل أملح # وبالجملة فإنه لم يكن في تلك المنازل، أحسن من هذا الساحل، مياهه بالنسبة ~~إلى تلك المنازل مستعذبة، وبساتينه مزهرة طيبة، جوه فسيح، وهواؤه صحيح، فلا ~~زال كذلك، جنة في تلك المسالك. # (قال في البرهان): المويلح بالتصغير ساحل بالقلزم، يشتمل على أشجار ~~متناسقة؛ ونخيل باسقة؛ ومياه سائغة في الجملة؛ وفيه قلعة حصينة ومنازل ~~وعرب، عرضه كح وطوله عب. # عيون القصب # ولما كان آخر اليوم الثالث، وقد رق ثوب الأصيل، رحلنا منه قاصدين عيون ~~القصب. وهي مقصبة ينتهي إليها ماء من عين جارية من مسافة طويلة، على نخيل ~~باسقة، وأشجار متناسقة، قد يؤتى منها بأثمار فتباع على الركب، وقد انقطع ~~ذلك لانقطاع عوائد العرب من صلات السلطنة، فلذلك ارتفعت العرب، وصار الوادي ~~مخيفا، وماؤه في غاية العذوبة، يجري من بين القصب الفارسي بين نبت مختلف ~~طيب الطعم والرائحة، ومما قيل فيه: # قصب الوادي هبوا لي ماءه ... ففؤادي فيه حر الوصب # أو قفوا بي برهة يارفقتي ... أتروى من عيون القصب # وهذا الماء يجري من أعلى صخرة على ظهر الوادي بمقدار ميل، ثم يغور في ~~الرمل. وزعم بعضهم أنه ثقيل، سريع التعفن، يكره الإكثار منه. قال الحافظ ~~ابن # حجر في كتاب أنباء الغمر: في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة حفرت بعيون ~~القصب بئر عظيمة، فعظم النفع بها، وكانت عيون القصب تجري من واد عظيم ينبت ~~فيه القصب الفارسي، ويجري الماء من بين تلك الغابات. وكان للحجاج به رفق، ~~بحيث يبيتون به ليلة، ثم # PageV01P018 # غمرت تلك ms011 العيون وصاروا يقنعون بالحفائر، فأشار ناظر الجيش لما حج بحفر ~~البئر فخرج ماؤها عذبا فراتا، انتهى كلامه. قلت: وقد أجرى الله تعالى عوائد ~~بره وعاد الماء إلى مجاريه. # مغاير شعيب # ثم قمنا منه حتى أتينا على مغاير شعيب عليه السلام، وهي حفائر حلوة تحكي ~~النيل فيما قيل، في واد فيه نخل وأثل ومقل، بين جبال متضايقة كثيرة ~~المخاوف، وفيه بئر دارسة وأبنية متهدمة ورسوم يقال إنها مدين. # قال صاحب تقويم البلدان: مدين على شاطئ بحر القلزم، وهي خراب. وأما البئر ~~التي استقى منها موسى عليه السلام فقد بني على أفنيتها بيت من صخر، فيه كهف ~~يسمى كهف شعيب عليه السلام، وكانت تأوي إليها غنمه، وحولها قبور منقورة في ~~الصخر فيها عظام بالية كأمثال عظام الإبل. ولا أثر لذلك الآن غير تلك ~~الساقية التي بيد بني عطيفة، وحفر الماء العذب. وفيها يقول ابن أبي حجلة: # ولما وردنا ماء مدين بكرة ... وجدت عليه الناس يسقون بالقرب # فأطرب حادي الراقصات مسامعي ... كما أطرب التشبيب من أعين القصب # ثم لم نزل نجوب الوهاد، ونقطع هاتيك البواد، حتى أشرفنا على شرفة بني ~~عطيفة. وهي في واد قفر كثير الحطب ممحل، لا يكاد يمر به الطير، إتفق أنه لم ~~يكن في الركب إلا من إشتكى الظمأ، إلا من كان في حظيرة إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه. ومما قيل فيه: # وقد حللنا بواد لا أنيس به ... بنو عطيفة قد سموه بالشرفه # فنالنا منه بعد العي أربعة ... برد وخوف ظما والريح مختلفه # ذكرت بهذه المشقة قول ابن الحاجب: # من ذا الذي تصفو له أوقاته ... طرا ويبلغ كل ما يختار # والمرء في سفر وأي مسافر ... لا يعتريه من الطريق غبار # ثم لم نزل في أسر المسير ومشتاق الأسفار، حتى مررنا بظهر الحمار، وهو ~~محجر صعب، وحفائر الغنم وفيها المياه الكدرة، والنخل الكثير، والدار ~~الحمرا، وما أدراك ما الحمرا!! # ولقد أرى بين المسمى واسمه ... نسبا قد استغنى عن التبيين # PageV01P019 # الحويطات # إلى أن نزلنا تحت العقبة، في شعب فيه نخل ms012 كثير للعرب - الحويطات - من بني ~~عقبة، نسبوا إلى الحائط وقلعة محصنة على ساحل فصل من خليج القلزم، ويحفر في ~~ذلك الساحل على نحو ذراع فأكثر فيظهر ماء حلو، بل من موضع المد إذا كان ~~الجزر، فسبحان الذي أحسن كل شيء خلقه. والظاهر أن هذا الموضع مصب نهر غائر ~~في الرمل، داخل في البحر، بدليل أنه يحلو ويمر، كما يرى في النيل المتصل ~~بالبحر أيام الملتن. ### || فائدة # عقبة أيلة نسبة إلى مدينة عظيمة في ساحل البحر عفت معالمها وكانت تسمى ~~أيلة قال صاحب الروض المعطار في خبر الأقطار: أيلة أول حد الحجاز، مدينة ~~بها مجمع حاج مصر والمغرب، وأهلها أخلاط الناس، سميت بأيلة بنت مدين بن ~~إبراهيم عليه السلام، ومنها إلى بيت المقدس مراحل، وإلى طور موسى عليه ~~السلام يوم وليلة، وقد جهل الآن موضعها. وثم قلعة بناها الغوري وبئر ماء ~~عذب # ونخيل للحويطات، وهناك ملاقاة غزة والكرك والقدس وأعمالها، بأنواع ~~الفواكه والمأكول والأغنام. فأقمنا بذلك الوادي يومين من الأيام، والشمل ~~بالأحباب ملتام، ونحن في جمع من الأصحاب، نرشف كؤوس الآداب، أنشدني المولى ~~جمال الدين بن زويته: # PageV01P020 # إن علم الحساب علم جزيل ... ومعين إذ تشتري وتبيع # لم يضع قط درهم بحساب ... وألوف بلا حساب تضيع # وعلى ذكر الحساب فما أوقع ما قال: # لقد قعد الزمان بكل حر ... وأهدى فضله لذوي اليسار # كآحاد الحساب على يمين ... وآلاف الحساب على اليسار # وهذا مبني على القلم الهندي، وخرج عن ذلك حساب أبي جاد، فإن الآحاد على ~~اليسار والألوف على اليمين، وعليه قول الفاضل عبد المعين، حيث كتب إلى بعض ~~أصحابه يذكره بوعد وعده به ومطله، وذلك في قوله: # يا سيدا بالوعد أتحف عبده ... فضلا، ولكن وعده مثل السحاب # قد كنت أحسب صدقه فإذا به ... وعد به انخرمت قوانين الحساب # يريد أن لفظة وعد بطريق حساب أهل الفلك عود، لأن العين بسبعين والواو ~~بستة، والأكثر يقدم على الأقل كما علمت، وانظر إلى المواطن وأحكامها فإنك ~~لا تجد غير مقتضاها، ذكرت بالمطل والشيء بالشيء يذكر بالاستطراد ms013 وبالمناسبة ~~قول الأمير أبي فراس: # يا ابن الكرام أعد في الدهر ذكر فتى ... له بشطريه تحويل وتقليب # لا تعتبن على عرقوب واحدة ... فكل من فوقها بالوعد عرقوب # ونعود إلى ما كنا بصدده، ولما كان السحر حمل الركب ليقطع العقبة مبكرا، ~~وهي عقبة أيلة، بفتح الهمزة وسكون المثناة من تحت وفتح اللام بعدها. # قال في الخريدة: وهي قرية صغيرة على جبل عال صعب المرتقى يكون ارتفاعه ~~والانحدار منه في يوم كامل، ولا يسلك طريقها إلا الواحد بعد الواحد، وعلى ~~جانبيها أودية بعيدة المهوى انتهى. وهي مدن التيه، وهو أرض واسعة ليس بها ~~تل ولا قلعة ولا وهدة ولا رابية، وسعتها خمسة أيام في مثلها، وحكى العبدري ~~أن مسافة العقبة خمسة أميال، ولا زالت الملوك قديما وحديثا، يمهدونها ~~وتوعرها السيول، ويسهلها التسخير الإلهي. فلم نزل نسير في رمال وأحجار إلى ~~أن أشرق النهار، ثم ارتقينا صراطا كأنا نطلب # PageV01P021 # منه السحاب، ولم نزل من العناء والمشقة في وصب واكتئاب، القائم منا قاعد، ~~والقاعد عن قطاره متباعد، والذي جماله ألقت رحلها، ومدت رجلها، وقع في حيرة ~~بين أن يترك متاعه أو يستغيث رباعه: # وأين الرفيق الشفيق الذي ... إذا أقعدتك الرزايا أقاما # والذي تحرر وتقرر، قضت به العقبة، وحكمت به التجربة، إنه ليس لك من ~~الصديق إلا ما فضل عنه. وقد حكي عن جعفر البرمكي أنه لما أصيب قيل له: لو ~~بعثت إلى صديقك فلان ينظر في حال أهلك. فقال: دعوه يكن صديقا. ومن أراد ~~تحقيق هذا الموقف فليمعن النظر في كتاب الصداقة والصديق لأبي حيان ~~التوحيدي، ولله در القائل: # إذا أعرضت فالأهل مني أجانب ... وإن أقبلت فالأجنبي نسيب # وما زال الركب في كرب، حتى قطع العقبة، في يوم ذي مسغبة، ثم أقمنا على ~~سطحها قصدا للراحة، واستطاب كل مراحه، وقمنا ندك الفيافي من غور إلى نجد، ~~ومن سهل إلى وهد، مع ما لحقنا من البرد الشديد، والجهد الجهيد، حتى وصلنا ~~إلى قلعة نخر بفتح النون وكسر الخاء المعجمة بعدها راء، كأنه مأخوذ من ~~قولهم ms014 ما بالدار ناخر أي أحد، أو من العظام النخرة إذا دخل فيها الرياح ~~لكثرة تهابها، ووادي النخل ولا نخل فيه، لأنه لا يخلو من السافي الناعم ~~الذي كأنه # منخول، وبه بئر وفسقية تملأ منها، وحصار بناه الغوري زادت فيه العثامنة. # PageV01P022 # ثم لم نزل في نزول وارتحال، وقطع حرار ورمال، في ذلك التيه الذي أعيا ~~الرحال والرجال، وهو فضاء واسع عن يمينه جبل الطور وعن يساره العريش، وقدره ~~أربعون فرسخا في مثلها، شديد البرد أيام الشتاء، شديد الحر أيام الصيف، ~~معدوم الماء، ينتهي إلى بحر فاران مغرق فرعون. وفاران من مدن العمالقة، ~~وفيه تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ينزلون حيث يرحلون، وأكثر ما يرى فيه بصل ~~العنصل ويسمى روض الجمل، ما أحسن ما قال: # رعى الله ظبيا بالأريمل إذ بدت ... حشاشة قلب المستهام رعاها # إذا ما بدا والتيه بيني وبينه ... تحجب عني بالدلال وتاها # ثم انصرفنا من المنصرف على هضاب وجور ورمل كثير، يقال إن الاسكندر أراد ~~أن يخلط بحر السويس ببحر الروم من هذا الطريق، وهذه الحفر آثار ذلك. وقيل ~~بل كان فيها خليج من النيل متصل ببحر السويس فاقتضى الحال أن يطم فهو هذا. # عجرود # ثم أتينا عجرود ذات الجفا والصدود، متعطشين إلى الما، متألمين من الظما، ~~فشربنا من مائه الذي زاد على الملوحة بالمرار، ومن فقد العين تعلل بالآثار، ~~وهو من أعمال السويس على نصف مرحلة منها، واد فيه قلعة فيها بئر ماؤها ~~كالعلقم، ربما أسهل، ثم قمنا نقطع البوادي، وهي تقطع الأكباد، وقد أنفذ ~~فينا البين أمره، وأذاقنا من السفر حلوه ومره: # PageV01P023 # وكذاك الإنسان ما دام حيا ... فهو في لذة وفي آلام # ولما أقبل الليل، وقد أوهى القوى والحيل، انقطع كثير من الرجال، وتفرق ~~شمل تلك الرحال، حتى أن كثيرا من الناس ألقى أكثر أسبابه، حيث لم يجد له ~~مساعدا # في حملها من أصحابه، وأخذ الفناء ينحر في الجمال، والعي يهدم قوى الرجال، ~~ولم نزل في هذه الشدة شدة واحدة إلى ما بعد الزوال. # البويب # فمررنا بصدفة ms015 (البويب) وهو مضيق بين جبلين صغيرين، وله شرفة، وبه تل رمل ~~مستطيل، وفيه يقول ابن أبي حجلة: # ولما اعتنقنا للوداع عشية ... على بركة الحجاج والدمع يسكب # فرحنا وقد جزنا # البويب # لأنه ... إلى وصل من نهواه باب مجرب # وعلى ذكر الاعتناق فما أحسن قول القائل: # ولما اعتنقنا للوداع عشية ... وفي القلب نيران لفرط غليله # بكيت وهل يغنى البكاء لهائم ... إذا غاب عن عينيه وجه خليله # ثم بتنا على شاطئ نيل البركة، الذي أحاطت به البركة، وأنخنا بها الركاب، ~~وراق لنا الوقت والزمان وطاب، وقد استقر الخاطر من قلق السفر، وتهلل وجه ~~الزمان وأسفر، وأنشد لسان التمني في هذه المفاوضة، لو سلم من المعارضة: # فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر # وعلى ذكر البركة فما أبدع هذا التشبيه: # وبركة للعيون تبدو ... في غاية الحسن والبهاء # كأنها إذ صفت وراقت ... في الأرض جزء من السماء # وقال آخر: # وبركة ما تملك العين وصفها ... يحف بها نبت من الروض مزهر # ويسرح منها في الخمائل جدول ... كما سل من غمد حسام مجوهر # مصر # ولما أسفر الصباح ثامن عشر صفر الخير، توجهنا إلى مصر المحروسة، وشاهدنا # PageV01P024 # منازلها البهية المأنوسة، ولما دخلتها وجدتها بديعة الأوصاف، مخضرة ~~الجوانب والأكناف، بها الجوامع الجامعة للمحاسن، والمدارس الحافلة بالمكانة ~~والأماكن، ورأيت أهلها أرق أخلاقا من النسيم، وألطف شمائلا من الشمول ~~والشميم، إلا ما شاء من الأوغاد وجبابرة العباد، ورأيت لهم الذكاء المتوقد، ~~والذوق المتجدد، مع كمال الجد في الجد والإجتهاد، وبذل النفوس النفيسة في ~~تحصيل المراد، فلله درهم، ولا زال يزداد ويزدان بهم برهم وبرهم، فلقد تحقق ~~بهم صدق القائل: # قل للذي سار بلاد الورى ... وأظهر القوة والباسا # من لا رأى مصرا ولا أهلها ... فما رأى الدنيا ولا الناسا # وما أصدق من قال: # ما مصر إلا بلدة ما مثلها ... غريبها يرتع في نعيمها # نسيمها ألطف شيء في الورى ... وأهلها ألطف من نسيمها # ثم أقمت بها برهة من الأيام، صحبة الأخلاء الكرام، أطوف بأكنافها البهية، ~~وألوي على أعكانها الشهية: # بالسفح ms016 حينا وبالبقعاء آونة ... وبالكثيب زمانا والأثيلات # ثم لم أزل أتعهد الجامع الأزهر، وأتردد على كل درس فيه أوضح تقريرا من ~~الشمس وأنور، وأحاول النفس على أن استزيد علما، فيعاجلني من مضض الأيام ما ~~يربو على خطب الدهر هما وغما، وأجد الفهم لذلك كليلا، والقلب سقيما عليلا، ~~والشروط غير متوفرة، والدواعي متعذرة أو متعسرة، كيف لا وقد قيل: لو كلفت ~~بصلة ما حفظت مسألة وأنى يكون ذلك مع اشتغال البال، واشتعال البلبال: # PageV01P025 # ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان # ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وإسعاد أستاذ وطول زمان # ومن مجون بعض الفضلاء: # فرق فرق الدروس واجمع مالا ... فالعمر مضى ولم تنل آمالا # لا ينفعك القياس والعكس ولا ... إفعنلل يفعنلل افعنلالا # وقال آخر في جوابه: # بالعلم ينال كل عبد مالا ... فاجهد لتنال في الملا آمالا # ما أسوأ رأي من ينادي سفها ... فرق فرق الدروس واجمع مالا # ومن محاسن أحمد الشهاب الرومي: # إلى المال مل واجمعه إن كنت عارفا ... ففي هذه الدنيا له الشيل والحط # وفي قبضه عز النفوس وبسطها ... وناهيك ممن قبضه في الملا بسط # وله أيضا: # المال أحسن ما ادخرت فلا تكن ... سمحا به وتأن في تفصيله # ما حصلوا جمع العلوم بأسرها ... إلا ليحتالوا على تحصيله # قلت: وإلى ذلك أشار الشعراني في كتاب الجواهر في معتقد الأكابر. وقال ~~الفخر الرازي: الذي تحرر عندي، أن قدر الإنسان بالعلم وقدر العلم بالمال. ~~ونظم في ذلك من قال: # إن قدر المرء بالعلم كما ... أن قدر العلم بالمال سما # فجناحاك هما إن أسعدا ... طر كما تهوى إلى أعلى السما # PageV01P026 # حكى الشهاب النهرواني عن بعض الأكابر، أنه كان إذا وقع الدينار في يده ~~يقبله ويضعه على عينه، ثم يقول له: مرحبا بجامع شملي، وحافظ عقلي، وحبيب ~~قلبي، ولب لبي، أنت مرادي وقوتي وعمادي، يا نور عيني ويا ضياء جبيني، قد ~~صرت إلى من يعرف قدرك، ويعظم أمرك، وكيف لا وأنت تعظم الأقدار، وتفتض ~~الأبكار، وتؤمن من يخاف، وتسمو على الأشراف. ثم يطويه في كيسه ms017 وينشد: # بروحي محجوبا عن العين شخصه ... ومن ليس يخلو عن لساني ولا قلبي # ومن قربه قصدي من الكون كله ... وحتى من الخلان والأهل والصحب # قلت ولله در ابن المعتز حيث يقول: # إذا كنت ذا ثروة في الملا ... فأنت المسود في العالم # وحسبك من نسب صورة ... تخبر أنك من آدم # الجامع الأزهر # أول جامع أسس بالقاهرة، أنشأه القائد جوهر الصقلي مولى المعز سنة تسع ~~وخمسين وثلاثمائة، وكان به طلسم فلا يسكنه الطير، ثم جدده الحاكم وجعل عليه ~~أوقافا، كذا في المحاضرة. # هويت مصريا غدا قاهري ... بصارم من لحظه يشهر # أزهر وجها وغدا جامعا ... للحسن فهو الجامع الأزهر ### || فصل # في ذكر شيء من أخبار مصر المحروسة، ونشر محاسنها البهية المأنوسة، وليس ~~الغرض من ذلك إلا ما اشتمل عليه من لطائف النكت، أو من اعتبار واستبصار، ~~وإلا فمن أراد أخبار تلك الديار، فقد تكفل بها كتاب حسن المحاضرة في أخبار ~~مصر والقاهرة للسيوطي، وكتاب كوكب الروضة، وهو القائل فيه: # كتابي الكوكب المفدى ... دقت معان به عزيزه # ألفاظه المشتهاة تحكي ... من حسنها روضة وجيزه # وعلى الخصوص قاموس القصص، وهو الخطط، للفاضل تقي الدين المقريزي، وفيه ~~قيل: # من كان يهوى أن يحيط بسمعه ... علما بمصر كامل التمييز # فعليه بالخطط المحرر نقله ... تأليف عالم عصره المقريزي # PageV01P027 # قال الفاضل القزويني في كتاب: آثار البلاد وأخبار العباد: مصر نا حية ~~مشهورة، أرضها أربعون ليلة، طولها من العريش إلى أسوان، وعرضها من برقة إلى ~~أيلة، وسميت بمصر بن مصر بن حام بن نوح عليه السلام، وهي من أطيب الأرض ~~ترابا وأبعدها خرابا، ولا تزال البركة فيها ما دام عليها إنسان. # وفي الخطط: ديار مصر بعضها واقع في الإقليم الثاني وبعضها في الإقليم ~~الثالث، وبناء مصر طبقات بعضها فوق بعض، إلى خمس وست وسبع، وأحسنها القاهرة ~~المعزية. ### || فائدة # مصر غير منصرف للعلمية والعجمة، أولها وللتأنيث المعنوي باعتبار البقعة، ~~ومصروف لسكون وسطه، وأسماء البلاد تذكر وتؤنث وتصرف وتمنع قاله السيوطي. ~~وفي الخريدة: أرض مصر، وهي غربي جبل طالوت، إقليم العجائب، ومعدن ms018 الغرائب، ~~وكانت خمسا وثمانين كورة، منها أسفل الأرض خمس وأربعون، وفوق الأرض أربعون، ~~ونهرها يشقها والمدن على جانبيه ومن أحسن مدنه الروضة، وهي جزيرة يحيط بها ~~النيل من جميع جهاتها، بها المنتزهات والدور والقصور، وتسمى دار القياس. ~~وفي آثار البلاد: أول من قاس النيل يوسف الصديق عليه السلام، وبنى مقياسه ~~بمنف، وهي مدينة فرعون موسى. قيل إنها أول مدينة عمرت بعد الطوفان، وهي ~~المراد بقوله تعالى: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها. وكان فيها أربعة ~~أنهار تختلط مياهها في موضع سرير فرعون، ولذا قال: وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي. قال العصام نقلا عن التفتازاني: فرعون علم لمن ملك العمالقة، ويشبه ~~أن يكون مثل كسرى وقيصر من علم الجنس، لكن جمعه باعتبار الإفراد مثل ~~الفراعنة والقياصرة والأكاسرة، يدل على أنه علم # شخص سمي به كل من ملك ذلك ابتداء، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، انتهى، ~~من الأطول. والذي ملك الدنيا بأسرها كافران ومسلمان، فالمسلمان سليمان عليه ~~السلام وذو القرنين، والكافران نمرود بالدال المهملة، وحكاه العصام ~~بالمعجمة، وبخت نصر وهو من أسماء العجم من قبيل المركبات، فبخت بضم الباء ~~الموحدة وسكون المعجمة معناه ابن، ونصر بضم النون وفتح الصاد مشددة اسم ~~للصنم، قيل إنه # PageV01P028 # وجد عنده فقيل له ابن الصنم، فانتشى وملك الدنيا. # وفي الخطط القياس عمود من الرخام الأبيض مثمن، في موضع ينحصر فيه الماء ~~عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مفصل على ~~أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع، ما عدا الاثني عشر ذراعا الأولى، ~~فإنها مفصلة على ثمانية وعشرين إصبعا، يعني كل ذراع. # نهر النيل # وأما النيل وينبوعه من وراء خط الاستواء، من جبل هناك يعرف بجبل القمر، ~~فإنه يبتدئ في المزيد في شهر أبيب وعند ذلك يفسد ماؤه، والسبب في ذلك مروره ~~بنقائع يخالطها فتصحبه، فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا، وزاد السادس عشر ~~إصبعا واحدا، كسر الخليج واستحق السلطان الخراج، وإذا بلغ ثمانية عشر حدث ~~بمصر وباء عظيم، وإذا بلغ العشرين مات ms019 ملك مصر، ولكسره يوم معدود، ومقام ~~مشهود، ومجتمع غاص بحضرة العام والخاص. وحكى صاحب مباهج الفكر أن بعض ~~المفسرين ذكر أنه يوم الزينة الذي وعد فرعون موسى عليه السلام بالاجتماع ~~فيه، ومن محاسن الوزير أبي الحسن: # أرى أبدا قليلا من كثير ... وبدرا في الحقيقة من هلال # زيادة أصبع في كل يوم ... زيادة أذرع في حسن حال # وقال سبط ابن الفارض: # لقد بسطت في بحر جسمك بسطة ... أشار إليها بالوفاء الأصابع # فيا مشتهاها أنت مقياس قدسها ... وأنت الذي في روضة الحسن يانع # ولابن نباتة: # زادت أصابيع نيلنا ... وطفت وطافت في البلاد # وأتت بكل مسرة ... ما ذي أصابع ذي أيادي # PageV01P029 # ولابن الصاحب: # لله يوم الوفا والناس قد جمعوا ... كالروض تطفو على نهر أزاهره # وللوفاء عمود من أصابعه ... محلق تملأ الدنيا بشائره # وللبدر البشتكي: # عاتبت هذا النيل في ترك الوفا ... فأجابني حالا بغير توقف # سأفي وإن خانوا وأصلح بينهم ... ما كدت أفسده ومثلي من يفي # وما أحسن ما قيل: # رأيت النيل ذا عقل ولب ... لما يبدو لعين الناس منه # فيأتي عند حاجتهم إليه ... ويذهب حين يستغنون عنه # وللناس في المقياس، الأشعار الرائقة، والمقاطيع الفائقة، فمن ذلك: # إن مصرا لأحسن الأرض طرا ... ليس في حسنها البديع التباس # كل من قاسها بأرض سواها ... كان بيني وبينه المقياس # وللفيومي: # سكان طيبة أبلى الحب صبكم ... والشوق باق ليوم العرض في الطول # تالله لم ينسه المقياس ساحتكم ... ولا تسلى عن الزرقاء بالنيل # ولتاج الملك: # أنظر إلى النيل الذي ... ظهرت به آيات ربي # فكأنه في فيضه ... دمعي وفي الخفقان قلبي # ولبعضهم في مقدار النيل: # فائدة جليلة مستحسنه ... إن شئت أن تعرف كم نيل السنه # فانظر إلى عيد النصارى كم حكم ... في شهرك القبطي يا حاوي الحكم # PageV01P030 # وما مضى ضفه إلى واو وقاف ... فالسدس منه النيل وقيت المخاف # وما ألطف ما قال: # نيل همومي وما لقيت به ... لفرط وجدي وفيض بلوائي # وقفت أبكي على سواحله ... فمن دموعي زيادة الماء # حكى الجاحظ أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، منها بسائر الأرض عشر، ms020 ~~وباقيها بمصر، الهرمان، بفتح أوليه، وهما أطول بناء وأعجبه، من رآهما ظن ~~أنهما جبلان بالجزيرة. قال ابن الوردي في الخريدة: الجزيرة مدينة على ضفة ~~النهر، وهي أربعون قوسا على سطر واحد، وبها الأهرام التي هي من عجائب ~~الدنيا، ولم يبن مثلها، بنيت بصفة الهندسة، وكانوا يثقبون الصخر من طرفه ~~ويجعلون فيه قضيبا من الحديد، ويثقبون الحجر الآخر وينزلونه فيه، ويذيبون ~~الرصاص ويجعلونه في القطب. وهي ثلاثة أهرامات ارتفاع كل هرم في الهواء مائة ~~ذراع بالملكي، وهي مهندمة الجوانب، محدودة الأعالي من أواخرها، طولها على ~~ثلاثمائة ذراع. يقال إن داخل الهرم الغربي ثلاثون مخزنا من حجارة الصوان ~~الملونة، مملوة بالجواهر النفيسة والأموال الجمة، والأسلحة الفاخرة ~~المدهونة بأدهان الحكمة فلا تصدأ أبدا، وفيه الزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، ~~وفي الهرم الشرقي الهيئات الفلكية، والكواكب المنقوشة فيها ما كان وما يكون ~~إلى آخر الدهور. يقال إن أحد الهرمين قبر هرمس عليه السلام، والآخر قبر ~~امرأته وقيل قبر أبنه، وهرمس بلسان الحكماء هو إدريس عليه السلام، وهو الجد ~~الثالث لنوح # عليه السلام، وأبو صاب الذي تنسب إليه الصابئة التي تعظم الكواكب. # ويقال إن أحد الهرمين بني بيتا لعطارد، والآخر هيكلا للجوزاء، وسطح الهرم ~~مستو يسع نحو مائة رجل، وقيل إن أرسطاليس مدفون في أحدهما والإسكندر في ~~الآخر، وقيل بني باسمه ولم يدفن فيه، وقيل وقيل. .! # PageV01P031 # ولم نستفد من علمنا طول عمرنا ... سوى أن حفظنا منه قيل وقالوا # أبو الوليد ترجمه السيوطي في كتابه بغية الوعاة في طبقات النحويين ~~واللغاة بحيث قال فيه: # وكان من العلوم بحيث يقضى ... له في كل فن بالجميع # وقد قال سبط ابن الفارض: # برح بي أن علوم الورى ... علمان ما إن لهما من مزيد # حقيقة يعجز تحصيلها ... وباطل تحصيله لا يفيد # قيل: وفي الهرم الثالث أخبار الكهنة في توابيت من صوان، مع كل كاهن لوح ~~من ألواح الحكمة، وفيه عجائب صناعاته وأعماله، وفي الحيطان من كل جانب ~~أشخاص كالأصنام تعمل بأيديها جميع الصناعات على المراتب، ولكل هرم منها ~~خازن. # قال ms021 ابن الجوزي في سلوان الأحزان: ومن عجائب الهرمين أن سمك كل واحد ~~منهما أربعمائة ذراع، وهما من الرخام والمرمر، ومكتوب فيهما أنا بنيتهما ~~بملكي، فمن يدعي القوة في ملكه فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء. # عن سيدنا علي في ذم الدنيا أشرف لباس بني آدم لعاب دود، يعني الحرير، ~~وأشرف شرابهم رجيع النحل، يعني العسل. ويحكى أن سليمان عليه السلام، ~~والاسكندر، وأرسطاليس، صنع كل منهم بيوتا من زجاج لينظر إلى كيفية خروج ~~العسل منها، هل يخرج من فمها أو من أسفلها!؟ فلم يصنع النحل من العسل شيئا، # حتى لطخ باطن الزجاج بالطين بحيث لا يراها أحد!! # قيل وسمي نحلا لأن الله نحل العسل الذي يخرج من بطونها للناس، نقله ~~النووي في تهذيب الأسماء واللغات. # قال المسعودي في كتاب أخبار الزمان ومن أباده الحدثان: وكان المأمون لما ~~دخل الديار المصرية أراد هدمها، فلم يقدر على ذلك، فاجتهد وأنفق أموالا ~~عظيمة، حتى فتح في أحدهما طاقة صغيرة، فوجد خلف الطاقة من الأموال قدر الذي ~~أنفقه، وكتابا فيه قد علمنا أنك تأتي في عصر كذا ولا تستطيع أكثر من ذلك، ~~فجعلنا لك ما # PageV01P032 # أنفقت فلا تتعب فأنشد المأمون في ذلك: # أنظر إلى الهرمين واسمع منهما ... ما يرويان عن الزمان الغابر # لو ينطقان لخبرانا بالذي ... فعل الزمان بأول وبآخر # ومن ذلك ما يحكى أن المنصور لما أفضت الخلافة إليه هم بنقض إيوان ~~المداين، فوافقه أصحابه على ذلك إلا رجلا من الفرس، فإنه قال: تعلم يا أمير ~~المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من تلك القرية، وكان له فيها مثل ~~ذلك المنزل وتلك الحجر، فخرج أصحابه مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عزته ~~وصعوبة أمره، فأخذوه من يده قهرا وقتلوه، فمن نظر إليه علم قوة صاحبه، وأن ~~الذي استولى عليه إنما أخذه بمدد من الله تعالى، فلا يشك في تأييده. فاتهمه ~~المنصور لقرابته ثم أخذ في هدمه، فخرج على نقض شيء يسير منه جملة من المال، ~~فعدل عما كان أراده. وقد أكثر ms022 الشعراء من ذكر الأهرام فمن ذلك للمتنبي: # أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع # تتخلف الأيام عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتصرع # وللفقيه عمارة اليمني: # خليلي ما تحت السماء بنية ... تماثل في إتقانها هرمي مصر # بناء يخاف الدهر منه وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر # PageV01P033 # تنزه طرفي في بديع بنائها ... ولم يتنزه في المراد بها فكري # وقال: # تبين أن صدر الأرض مصر ... ونهداها من الهرمين شاهد # فيا عجبا وقد ولدت كثيرا ... على هرم وذاك النهد ناهد # وقال آخر: # قد علا نيل مصر في زيادته ... حتى لقد بلغ الأهرام حين طما # فقلت: هذا عجيب في دياركم ... أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما # وقال آخر: # مصر التي لحسنها ... قد قيل فيها إرم # لما جفت عشاقها ... بدا عليها الهرم # وقال سيف الدين بن جبارة: # لله أي عجيبة وغريبة ... في صنعة الأهرام للألباب # أخفت عن الأسماع قصة أهلها ... ونضت على الإبداع كل نقاب # فكأنما هي كالخيام مقامة ... من غير ما عمد ولا أطناب # عين شمس # ومنها عين شمس وهي شمالي القاهرة، وكانت في القديم دار المملكة، بها ~~الآثار الهائلة، والبلسان الذي لا ينبت إلا بها، وهو بستان طوله ميل في ~~ميل، والسر في بئره أن المسيح عليه السلام اغتسل فيه، كذا في الخريدة. # وفي الآثار عين شمس مدينة كانت بمصر، وهي محل سرير فرعون بالجانب الغربي ~~من النيل، والآن انطمست عمارات فرعون بالرمل، وهي بقرب الفسطاط، قيل بها ~~قدت زليخا قميص يوسف. # (ومن عجائبها) أن بها عمودين مثبتين على وجه الأرض من غير أساس، طول كل # PageV01P034 # منهما خمسون ذراعا، فيهما صورة إنسان على دابة وعلى رأسها شبه الصومعتين ~~من نحاس، فإذا جرى النيل رشحا وقطر الماء منهما، ولا تجاوزهما الشمس إلا في ~~الانتهاء، فإذا نزلت أول دقيقة من الجدي - وهو أقصر يوم في السنة - انتهت ~~إلى العمود الجنوبي ووقعت على قبة رأسه، وإذا نزلت أول دقيقة من السرطان - ~~وهو أطول يوم في السنة - انتهت إلى العمود الشمالي ووقعت ms023 على قبة رأسه، ثم ~~تطرد بينهما ذاهبة وآيبة سائر السنة، ويترشح منهما الماء وينزل إلى ~~أسفلهما، فينبت العوسج وغيره من الشجر. قيل: وبها تماثيل عملتها الجن ~~لسليمان عليه السلام. # (ومن عجائب مصر)، بل من عجائب الدهر، نهر النيل الذي ليس على وجه الأرض ~~أطول منه، لأن مسيره شهر في بلاد الإسلام، وشهران في بلاد النوبة، وأربعة ~~أشهر في الخراب، إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خط الاستواء، وليس في الدنيا ~~نهر يصب من الجنوب إلى الشمال، ويمد في شدة الحر عند انتقاص المياه، ويزيد ~~وينقص بترتيب إلا النيل ونهر مهران، وهو بالسند، عرضه عرض جيحون، يجري من ~~المشرق إلى المغرب ويقع في بحر فارس، كذا في الخريدة. وسلف نقلا من الخطط ~~أن مصبه بحر القلزم. # ### || فائدة # # قال بطليموس إن بهذا الربع المسكون مائتي نهر، كل نهر منها من خمسين ~~فرسخا إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري إلى المشرق وإلى المغرب، ومنها ما هو ~~بالعكس، ومنها ما هو من الشمال إلى الجنوب، ومنها ما هو بالعكس، وكلها ~~تبتدئ من الجبال وتصب في البحار بعد انتفاع العالم بها، وفي ضمن ممرها ~~تتصور بطايح وبحيرات، فإذا صبت في البحر المالح وأشرقت الشمس على البحار، ~~تصعد إلى # الجو بخارا، # PageV01P035 # أو تنعقد غيوما أبدية كالدولاب الدائر، فلا يزال الأمر كذلك حتى يبلغ ~~الكتاب أجله، انتهى من الخريدة. # وقال صاحب مباهج الفكر: مجموع ما في المعمور من الأنهار مائتان وثمانية ~~وعشرون، حكاه السيوطي. # وقد اختلف في ضبط جبل القمر، فقيل هو بفتح القاف والميم، بلفظ أحد ~~النيرين، وإنما سمي بذلك لأن العين تقمر منه إذا نظرت إليه لشدة بياضه، وهو ~~جبل مستطيل من الشرق إلى الغرب، كذا في المحاضرة. وفي مختصر المسالك أن ~~أناسا انتهوا إلى الجبل وصعدوه، فرأوا وراءه بحرا عجاجا ماؤه أسود كالليل ~~المظلم، يشقه نهر أبيض كالنهار، يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ~~ويتشعب على قبة هرمس التي بناها فيه لما بلغه. # وقيل: إن أناسا صعدوا الجبل فصار كل واحد يضحك ms024 ويصفق ويلقي نفسه إلى ما ~~وراء الجبل، فرجع البقية خوفا من أن يصيبهم مثل ذلك، وقيل إن أولئك إنما ~~رأوا حجر الباهت، وهي أحجار براقة من رآها لا يزال يضحك ويلتصق بها حتى ~~يموت. وقيل إن بعض الملوك جهز قوما للوقوف على أول النيل، فانتهوا إلى جبال ~~من نحاس، فلما طلعت عليها الشمس انعكست # PageV01P036 # عليهم أشعتها الواقعة عليها فأحرقتهم، كذا في المحاضرة. وفي كتاب كنز ~~الأسرار: جبل القمر سمي به لتلونه بزيادة القمر في كل ليلة، ففي أول ليلة ~~يعلوه نور أبيض، وفي الثانية يعلوه نور أصفر كشعاع الشمس، فيتلون كل ليلة ~~إلى ليلة البدر، فيكون كذنب الطاووس، ومنه يخرج النيل، وطوله إلى بحر الروم ~~ألف فرسخ وأربعون فرسخا، وفي الخطط جبل القمر، بضم القاف وسكون الميم ثم ~~راء مهملة، طوله أربعة أشهر، في عرض عشرين يوما إلى أقل من ذلك، ويحاذي ~~جزيرة سرنديب، وفيه بلاد كثيرة منها قمرية، وإليها ينسب الطاووس القمري. ~~وفي موضع آخر: جبل القمر # جبل عال، وإنما سمي جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه، لأنه خارج عن خط ~~الاستواء باثنتي عشرة درجة، والنيل يخرج من تحته، انتهى. ولا خلاف في إقبال ~~النيل من أرض الحبشة، وخبر حامد بن أبي شالوم بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ~~عليه السلام في ذلك مستفيض، حكاه السيوطي في المحاضرة بإسناده، ونقله في ~~الهيئة السنية، ورواه ابن الوردي في الخريدة. قال في آثار البلاد: وسبب مد ~~النيل أن الله تعالى يبعث ريح الشمال فتقلب عليه البحر المالح، فيحلو ويزيد ~~حتى يعم الروابي والعوالي، ويجري في الخلجان والمساقي، فإذا بلغ الحد الذي ~~هو تمام الري، بعث الله تعالى ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر المالح. قال ~~السيوطي: وتسمى هذه الريح التي تقلب عليه البحر المالح بالملتن، بفتح الميم ~~وسكون اللام وفتح المثناة الفوقية بعدها نون، وفي ذلك يقول الشاعر: # اشفع فللشافع أعلى يدا ... عندي وأسنى من يد المحسن # فالنيل ذو فضل ولكنه ... الشكر في ذلك للملتن ### || فائدة # الرياح أربع كما أشار إليه ms025 الرئيس بقوله: درست بتكرار الرياح # PageV01P037 # الأربع: الشمال ومبدؤها من نقطة الشمال إلى نقطة الغرب. والدبور بفتح ~~الدال، ويقال لها الغربية، منها إلى نقطة الجنوب بفتح الجيم، والجنوب تسمى ~~القبلية، كما تسمى الشمال الشامية، منها إلى نقطة المشرق، والصبا يقال لها ~~القبول والشرقية، منها إلى نقطة الشمال، وقد دار الدور وحار الداير. # وبي ظبية مثل النسيم لطافة ... ولكن حظي من محاسنها الهجر # إذا رمت أن أسلو هواها يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر # وما بين هذه الأمهات فهي نكباء، وأسماؤها كثيرة. ولا تدخل ريح على أخرى ~~في حدها، وأشرفها الصبا، ولما اشتملت عليه من اللطف والطيب اتخذها أهل ~~المحبة # رسولا إلى الأحباب. ومن محاسن ما كتب به ابن عبد الظاهر إلى والده، وكان ~~حصل له ضعف، وذلك قوله: # إن شئت تبصرني وتبصر حالتي ... قابل إذا هب النسيم قبولا # تلقاه مثلي رقة ونحافة ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا # PageV01P038 # فهي الرسول إليك مني ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا # قال ابن حجة: قوله ولأجل قلبك فيه ما يفتت الأكباد، ويحرك الجماد، وإن من ~~البيان لسحرا. # روت الصبا عنكم حديثا طيبا ... فلذاك أصبحت الصبا تستنشق # وتعطرت نفحاتها من نشركم ... فلذاك أضحى الكون منه يعبق # وقال: # قد سألت النسيم وهو خبير ... بسؤالي إذ غاب وجهك عني # قلت: قل لي هل ورد خديك غض؟ ... قال: قد ضاع نشره. قلت مني # وقال ابن نباته: # مسموع لفظك في القلوب ممكن ... في الحب فوق تمكن الملحوظ # حفظت فوائده وضاع نسيمه ... فاعجب له من ضائع محفوظ # وقال: # يداوي أسى العشاق من نحو أرضكم ... نسيم صبا أضحى عليه قبول # بروحي من ذاك النسيم إذا سرى ... طبيب يداوي الناس وهو عليل # PageV01P039 # وقال آخر: # وكم لي إذا هب النسيم تحية ... إلى نحوكم لو أنها تتكلم # وعندي من الأشواق ما لا يزيله ... سوى قربكم لا أوحش الله منكم # ويقول الحاجبي: # لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها # حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشرا فيا لله ما أذكاها # وقال آخر: # يا ms026 طيب ما جاء النسيم بعرفكم ... وحديثه عنكم حديث مرسل # حملته مني السلام عليكم ... فأطاعني لكنه يتعلل # وقال الصفدي: # يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي # أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا نشر ذكي # ولابن أبي حجلة: # يا طيب ريح سرى من نحوهم سحرا ... لولا تلافيه قلبي في الهوى تلفا # كم ذا أعلل قلبي بالنسيم وما ... أرى لداء غرامي في الهواء شفا ### || لطيفة # حكى العلامة الزمخشري في الكشاف، أن ريح الصبا هي التي تبلغ الأنباء ~~للأنبياء عليهم السلام. وذكر الواحدي في تفسيره الوسيط أن ريح الصبا هي ~~التي أوصلت ريح يوسف إلى يعقوب عليهما السلام، قاله عند قوله إني لأجد ريح ~~يوسف. ولذلك تجد العشاق يستخدمون هذه الريح في حمل السلام، كما قيل: # أستخدم الريح في حمل السلام لكم ... كأنما أنا في عصري سليمان # كأن يعقوب أنباني بقصته ... فللصبا عند قلب الصب أشجان # PageV01P040 # وما ألطف ما قال: # إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا # فأنا الذي أتلو عليهم ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا # قيل وتليها الشمال في الفضيلة، ولها ذكر في الأشعار فمن ذلك لأبي نواس: # هبت لنا ريح شمالية ... أتت إلى القلب بأسباب # أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي ### || فائدة # في تفسير الفخر الرازي: الرياح ثمان، أربع منها عذاب، وهي القاصف والعاصف ~~والصرصر والعقيم. وأربع منها رحمة، وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات ~~والذاريات. ومن الآثار عندها: اللهم إني أسألك خيرها وخير مافيها وخير ما ~~أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به. # وقال: الموجود ينقسم إلى واجب لذاته، وإلى ممكن لذاته وهو ما سوى الباري ~~تعالى، وهو المسمى بالعالم. وينقسم إلى ما هو متحيز وإلى ما هو صفة ~~للمتحيز، وإلى ما ليس بمتحيز ولا صفة له. والقسم الأول إما أن يقبل القسمة ~~وهو الجسم، أو لا يقبلها وهو الجوهر. والذي يقبل ينقسم إلى الأجسام العلوية ~~والأجسام السفلية، وهي إما بسائط وهي العناصر الأربعة، وإما ms027 مركبة وهي ~~المواليد التي هي المعادن # PageV01P041 # والنبات والحيوان. والقسم الثاني وهو ما هو صفة للمتحيز وهي الأعراض. ~~والقسم الثالث وهو ما ليس بمتحيز ولا صفة له وهي الأرواح، وهي إما علوية ~~وإما سفلية، والعلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية، وإما غير ~~متعلقة بالأجسام وهي القديمة، والسفلية صالحة ومردة. كذا في كنز الأسرار. ### || ذكر فضل النيل # قيل لم يسم في القرآن نهر سواه، وذلك قوله تعالى: فألقيه في اليم أجمع ~~المفسرون على أن المراد باليم هنا النيل بمصر. وعن كعب: أربعة أنهار من ~~أنهر الجنة في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في ~~الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنزل الله تعالى من الجنة إلى الأرض خمسة # أنهار: سيحون، وجيحون، ودجلة، والفرات، والنيل. أنزلها من عين واحدة من ~~الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل عليه السلام، واستودعها ~~الجبال وأجراها في الأرض بقدر، فذلك قوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أمر الله جبريل فرفع من ~~الأرض القرآن، والعلم، والحجر من البيت ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما ~~فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء، فذلك قوله: وإنا على ~~ذهاب به لقادرون. # PageV01P042 # ذكر ما قيل في النيل # من الأشعار البديعة والمعاني المنيعة # فمن ذلك للصفدي: # رأيت في أرض مصر إذ حللت بها ... عجائبا ما رآها الناس في جيل # تسود في عيني الدنيا فلم أرها ... تبيض إلا إذا ما كنت في النيل # وابن أبي حجلة: # النيل زاد زيادة قد آذنت ... من كل باسقة النخيل بطلعها # ولكم به من مركب في الجو قد ... أضحى عمود الصبح صاري قلعها # وللوراق: # هجم النيل في البيوت على النا ... س وثنى فيهم بقطع الطريق # ثقب الدور والبساتين لما ... جاء يسعى من كل فج عميق # ولابن اللبان: # مررت بشاطي النيل والماء مولع ... بلثم ثناياه يبوس ويصدر # فخلت فضول الموج في الشط بردة ms028 ... بحاشية بيضاء تطوى وتنشر # وغيره: # أما ترى البحر ما أحلى شمائله ... والموج يضرب برا ثم ينحرف # كأنه ملك تأتي الجيوش له ... تقبل الأرض طوعا ثم تنصرف # PageV01P043 # ولابن تميم: # يوم لنا بالنيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر # فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر # وللتقي السبكي: # لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنة العليا لمن يتفكر # وأبناؤها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر # ولعلي المغربي: # أيا ساكني مصر غدا النيل جاركم ... فألبسكم تلك الحلاوة في الشعر # وكان بتلك الأرض سحر وما بقي ... سوى أثر يبدو على النظم والنثر # وللبدر البشتكي: # رعى الله مصرا كم بها من مسرة ... ومنزل أنس لاح كالطالع السعد # رويت الهنا عن سدها يوم كسرها ... فها أنا مهما عشت أروي عن السد # وقال: # اشرب على مقياس مصر وغن لي ... من روضة المعشوق في عشاق # وافخر بمصر على البلاد فنيلها ... يعلو على الأوصاف باستغراق # لطيفة # ركب الأمير تميم بن المعز ليلة في النيل، فمر ببعض الطاقات المشرفة على ~~النيل فسمع جارية تغني وتنشد: # نبهت ندماني بدجلة موهنا ... والنجم في أفق السماء معلق # والبدر يضحك وجهه في وجهها ... والماء يرقص حولها ويصفق # فطرب عليها ولم يزل يشرب حتى انصرف وهو لا يعقل، فلما أصبح قابل ذلك ~~النظم بقوله: # PageV01P044 # شربنا على النيل في مده ... بموج يزيد ولا ينقص # كأن تكاثف أمواجه ... معاطف غانية ترقص # ولابن أبي حجلة: # قدمت على السلامة من دمشق ... فراق بنيل مصر ما تكدر # إذا ما احمر ماء النيل فيها ... فشارب روضها بالعشب أخضر # ولابن الصاحب: # كانت لمصر بهجة ... بالنيل مذ ولى خلت # كأنه زوج لها ... فبعده ترملت ### || قصة ظريفة # أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: غار ~~النيل على عهد فرعون فأتاه أهل مملكته فقالوا: يا أيها الملك أجر لنا ~~النيل. قال: إني لم أرض عنكم. فذهبوا ثم أتوه فقالوا: يا أيها الملك، ماتت ~~البهائم وهلكت الأبقار. إن لم تجر لنا النيل لنتخذن إلها غيرك. قال: اخرجوا ~~إلى الصعيد. فخرجوا فتنحى ms029 عنهم بحيث لا يرونه، فألصق خده بالأرض وأشار ~~بالسبابة ثم قال: اللهم إني خرجت إليك مخرج العبد الذليل، إني أعلم، أنك ~~تعلم، أني أعلم أنه لا يقدر على إجرائه غيرك فأجره. قال فجرى النيل فخروا ~~له سجدا!!. # وعرض جبريل عليه السلام فقال: أيها الملك أعني على عبدي. قال: وما قصته؟ ~~قال: عبد لي ملكته على عبيدي وخولته مفاتيحي فعاداني، فأحب من عاديت # وعادى من أحببت. قال: بئس العبد عبدك، لو كان لي عليه سبيل لغرقته في بحر # PageV01P045 # القلزم. فقال: أيها الملك اكتب لي كتابا. فدعا بكتاب وكتب: ما جزاء العبد ~~الذي خالف سيده، فأحب من عادى وعادى من أحب إلا أن يغرق في بحر القلزم. ~~فقال: أيها الملك اختمه. فختمه ثم دفعه إليه، فلما كان يوم البحر أتاه ~~جبريل بالكتاب وقال له: خذ، هذا ما حكمت به على نفسك، انتهى. من المحاضرة. ~~وفي ذلك قيل: # ولما طغى فرعون جهلا وقومه ... وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض # أتى نحوهم موسى وفي يده العصا ... فأغرقهم في اليم بعضا على بعض ### || حكاية لطيفة # فرعون موسى عليه السلام هو مصعب بن الريان، قيل من بقايا عاد. وقيل كان ~~عطارا أصفهانيا ركبته الديون فخرج إلى الشام، فلم يتيسر له المقام بها فدخل ~~مصر فرأى أهلها متروكين سدى، وكان وقع بها وباء عظيم، فتوجه نحو المقابر ~~فرأى ميتا يدفن، فتعرض لأوليائه، وقال: أنا أمين المقابر فلا يدفن إلا ~~بخمسة دراهم. فدفعوا إليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع مالا عظيما. إلى أن تعرض ~~يوما لأولياء ميت فمنعوه ورفعوه إلى فرعون مصر فقال: من أنت ومن أقامك؟ ~~فقال: لم يقمني أحد وإنما فعلت ذلك لأنبهك على اختلال مملكتك، وإني جمعت ~~بهذا الطريق هذا المقدار من المال. فأحضره ودفعه إليه وقال له: ولني أمورك ~~ترني أمينا. فولاه فسار بهم سيرة حسنة فاستقامت أحوالهم، فلما مات فرعون ~~أقامه مقامه، فكان من أمره ما كان. # وبينه وبين فرعون يوسف عليه السلام - وهو الريان - أكثر من أربعمائة سنة. ~~وحكى ابن أبي حجلة ms030 أن مدة ملك فرعون كانت أربعمائة سنة، وعاش نيفا وستمائة ~~سنة لم ير في حياته مكروها، ولم يزل مخولا في نعم الله تعالى حتى # أخذه الله نكال الآخرة والأولى وكان قصيرا وطول لحيته سبعة أشبار، كذا في ~~السكردان. ### || ومن محاسن مصر # (الروضة) قال المقريزي: وتطلق في زماننا على الجزيرة التي هي بين مدينة ~~مصر ومدينة الجيزة، والجزيرة كل بقعة في وسط البحر، سميت بذلك لأنها جزرت، ~~أي قطعت عن معظم الأعظم، والنيل دائر عليها وفيها من الثمار # PageV01P046 # والبساتين ما ليس في غيرها، وهي متنزه أهل مصر، وفيها قيل: # أرى سوح الجزيرة من بعيد ... كأحداق تغازل بالمغازل # كأن مجرة الجوزاء حطت ... وأثبتت المنازل في المنازل # وللأسعد بن مماتي: # جزيرة مصر لا عدتك مسرة ... ولا زالت اللذات فيك اتصالها # فكم لك من شمس على غصن بانة ... يميت ويحيي هجرها ووصالها # ومنها خليج مصر وهو بظاهر الفسطاط، ويمر من غربي القاهرة وهو أقدم خلجان ~~مصر الثمانية، احتفر أيام هاجر، وكان مصبه القلزم إلى أن قدم محمد # PageV01P047 # بن عبد الله بن الحسن العلوي بالمدينة، فكتب الخليفة المنصور إلى عامله ~~بمصر أن يطم هذا الخليج، حتى لا يحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فطم ~~وانقطع اتصاله بالقلزم. ولما بنيت القاهرة بشرقيه صار يعرف بخليج القاهرة، ~~وتسميه العامة بالخليج الحاكمي. وقال فيه الشعراء فأكثروا، قال ابن ~~الساعاتي: # وعلى السد عزة قبل أن تم ... لكه ذلة المحب الخضوع # كسروا جبره هناك فحاكى ... كسر قلب يتلوه فيض دموع # ولسبط الملك: # سد الخليج بكسره جبر الورى ... طرا فكل قد غدا مسرورا # الماء سلطان فكيف تواترت ... عنه البشائر إذ غدا مكسورا # قال آخر: # لله در الخليج إن له ... تفضلا لا نزال نشكره # حسبك منه بأن عادته ... يجبر من لا يزال يكسره # وقال آخر: # كسر الخليج وكان ذلك نعمة ... سرت قلوب العالمين بنشره # ومن العجائب والغرائب أنه ... جبرت قلوب العالمين بكسره # ولابن تميم: # خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرائي مسره # ترى فيه الملاح تجيد عوما ... كأنهم نجوم في المجره # PageV01P048 # بركة ms031 الفيل ### || ومن محاسنها # بركة الفيل، التي كأنها دارة الهلال، أو سماء تزينت مجرتها ~~بنجوم من الجمال، ونحوها بركة الرطلي، فإنها لا تزال تبدي محاسنها وتملي، ~~وفيها أنشد لنفسه التقي المقريزي: # انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت ... بها المناظر كالأهداب للبصر # كأنما هي والأبصار ترمقها ... كواكب قد أداروها على القمر # وقال حسن التميمي: # أقمت بالبركة الفيحاء مدهقة ... والماء مجتمع فيها ومسفوح # إذا النسيم جرى في مائها اضطربت ... كأنما ريحه في جسمها روح # مدراس ### || ومن محاسن مصر: # (المدرسة المنصورية) قال السيوطي: أنشأها والبيمارستان # الملك المنصور قلاوون، وكان على عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، ~~فلما تمت دخل إليه الشرف البوصيري فمدحه بقصيدة أولها: # أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا # فأعجبه ذلك وأجزل عطاءه، ورتب في هذه المدرسة دروس فقه على المذاهب ~~الأربعة، ودرس تفسير، ودرس حديث، ودرس طب. # ومدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون شرع في بنائها سنة ثمان ~~وخمسين وسبعمائة. قال المقريزي: لا يعرف ببلد الإسلام معبد يحكي هذه ~~المدرسة في كبر قالبها أو حسن هندامها، أقامت العمارة فيها مدة ثلاثين سنة ~~لا تبطل يوما واحدا، ورصد لمصروفها كل يوم عشرون ألف درهم، عنها ألف مثقال ~~ذهبا، حتى قال السلطان: لولا أن يقال سلطان عجز عن إتمام ما بناه لتركت ~~بناءها. # وذرع إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها، ويقال إنه أكبر من إيون ~~كسرى بخمسة أذرع. وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة. قال الحافظ ابن حجر في ~~أنباء الغمر: وكان السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض، فقال له ~~البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عنه. فاتفق وقوع قضية في ~~الفرائض مشكلة، فسئل عنها البهاء السبكي فلم يجب، فأرسلوا إلى الشيخ شمس ~~الدين الكلايء، فقال: إن كان الفرائض من أبواب الفقه فما له لايجيب عنها!؟ ~~فشق ذلك على البهاء وندم على # PageV01P049 # ما قال. وكان السلطان عزم على أن يبني أربع منائر فتمت ثلاثة، إلى أن كان ~~يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، ms032 سقطت المنارة التي ~~على الباب فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام، الذين كانوا قد رتبوا ~~بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بأن ذلك ينذر بزوال الدولة، فاتفق قتل ~~السلطان بعد ذلك بثلاثة وثلاثين يوما!! # وقلما قيل من شيء لمسألة ... إلا ويبدو لها في الناس من خبر # وفي هذه التواريخ ومدة العمارة تنظير. ### || ومن محاسن مصر # (المدرسة المؤيدية) قال السيوطي: انتهت عمارتها سنة تسع ~~عشرة وثمانمائة، وبلغت النفقة عليها أربعين ألف دينار، واتفق بعد ذلك بسنة، ~~ميل المنارة التي بنيت لها على البرج الشمالي بباب زويلة، فأكثر الشعراء من ~~القول في ذلك، قال الحافظ ابن حجر: وكنت قلت وأنشدت بمجلس المؤيد: # لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو وبالزين # تقول وقد مالت على البرج أمهلوا ... فليس على جسمي أضر من العين # فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني، فقال إن فلانا قد عرض ~~بك، فغضب واستعان بمن نظم له نقيضهما ونسبهما لنفسه، وعرف كل من يذوق الأدب ~~أنهما ليسا له، لأنه لم يقع له قريب من ذلك: # منارة كعروس الحسن إذ جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر # قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ... ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر # قلت: هما للنواجي الأبرص لا بارك الله فيه، انتهى. من أنباء الغمر. وكان ~~يقال ما أتي المرء إلا من نفسه، وقال ابن النبيه: # بجامع مولانا المؤيد أنشئت ... عروس سمت ما خلت قط مثالها # ومذ علمت أن لا نظير لها انثنت ... وأعجبها والعجب عنا أمالها # حوادث غريبة بمصر # ذكر بعض الحوادث الغريبة بمصر لما اشتملت عليه من الحكم: # حكى السيوطي في المحاضرة أن في سنة ست وستين من الهجرة وقع الطاعون بمصر، ~~وفي سنة سبعين كان الوباء، وحكي أن بعض الزهاد قال: بلغني ما وقع ببغداد # PageV01P050 # من القتل الذريع، فقلت يا رب كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له!؟ # فرأيت في النوم رجلا في يده كتاب فأخذته منه فإذا فيه: # دع الاعتراض فما الأمر لك ... ولا الحكم في حركات الفلك # ولا ms033 تسأل الله عن فعله ... فمن خاض لجة بحر هلك # ثم قال السيوطي قلت: أجرى الله عادته أن العامة إذا زاد فسادها وانتهكت ~~الحرمات بينهم، أرسل الله عليهم آية في أثر آية، فإن لم ينجح ذلك فيهم ~~أتاهم بعذاب من عنده، وسلط عليهم من لا يستطيعون له ردا ولا دفاعا، انتهى. ~~وأصل ذلك سر قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها. # وما أحسن ما قال: # PageV01P051 # سلم له الأمر تعش سالما ... وأرض بأحكام اللطيف الخبير # ولا تقل علمي ولا حكمتي ... فالحكم لله العلي الكبير # وفي سنة خمس وأربعين ومائة انتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح، ففزع ~~الناس لذلك. # وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ظهر في السماء شيء مستطيل دقيق الطرفين عريض ~~الوسط من ناحية الغرب، فأقام من وقت المغرب إلى العشاء الآخرة ثم انقض. ~~حكاه السيوطي عن صاحب المرآة. # وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال ابن الجوزي: طلع نجم ذو جمة، ثم صارت ~~الجمة ذؤابة. # وفي تلك السنة غار النيل فلم يبق منه شيء، وهذا شيء لم يعهد مثله. وفي ~~أيام أحمد بن طولون تساقطت النجوم، فراعه ذلك، فسأل العلماء والمنجمين عن ~~ذلك فما أجابوا، وللجمل في ذلك: # قالوا تساقطت النجو ... م لحادث خطب عسير # فأجبت عند مقالهم ... بجواب محتنك خبير # هذي النجوم الساقطا ... ت رجوم أعداء الأمير # وفي سنة أربع وثمانين ومائتين ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق، من ~~وقت العصر إلى الليل. # وفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال، قبل ~~مغرب الشمس فأضاءت الدنيا منه، وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد. # وفي سنة ثلاثين ظهر كوكب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما ~~جدا منتشرا، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل. # PageV01P052 # وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة شديدة، هدمت البيوت، ودامت ثلاث ~~ساعات. وفي سنة تسع وأربعين رجع حجاج مصر من مكة، فنزلوا واديا أخذهم فيه ~~السيل عن آخرهم. وفي سنة ستين سار رجل من مصر ms034 إلى بغداد وله قرنان، فقطعهما ~~وكواهما، وكانا يضربان عليه، حكاه صاحب المرآة. # وفي سنة أربع وثمانين وخمس وثمانين انفرد بالحج أهل مصر، ولم يحج ركب ~~العراق ولا الشام لفساد الطريق بالأعراب. # وفي سنة سبع وتسعين كسا الحاكم الكعبة القباطي البيض. # وفي سنة سبع وأربعمائة تشعب الركن اليماني من المسجد الحرام، وسقط جدار ~~من قبر النبي عليه السلام، وسقطت القبة الكبيرة على صخرة بيت المقدس. # وفي أيام الحاكم زلزلت مصر زلزله شديدة حتى رجفت أرجاءها وضجت الأمة، ~~فقال محمد بن قاسم بن عاصم شاعر الحاكم: # بالحاكم العدل أضحى الدين معتليا ... وكيف لا وهو نجل السادة النجبا # ما زلزت مصر من سوء يراد بها ... وإنما رقصت من عدله طربا # وفي سنة ثلاثين لم يحج أحد من الأقاليم بأسرها. # وفي سنة إحدى وأربعين ارتفعت سحابة سوداء ليلا وزادت على ظلمة الليل، # فظهرت جوانب السماء كالنار المضيئة، واستمرت ساعة والناس يتضرعون. # وفي سنة ثلاث وأربعين قال في المرآة: عم الوباء والقحط مصر والشام وبغداد ~~والدنيا، وانقطع ماء النيل، وفيها ظهر نجم له ذؤابة بيضاء طولها في رأي ~~العين نحو عشرة أذرع في عرض ذراع، واستمر كذلك شهرا كاملا ثم اضمحل. # وفي سنة ستين وقع بمصر غلاء لم يسمع بمثله من عهد يوسف الصديق عليه ~~السلام، وأقام سبع سنين متوالية، بحيث أكلت الميتة، وبيع الكلب بخمسة ~~دنانير، ولم يبق للخليفة سوى ثلاثة أفراس بعد العدد الكثير، ونزل الوزير ~~يوما عن بغلته، فأخذت من غلمانه فذبحت وأكلت، فأخذ الذين أكلوها وصلبهم، ~~فأصبحوا وقد أكلهم # PageV01P053 # الناس ولم يبق إلا عظامهم، وبلغت البيضة دينارا، وأردب القمح مائة دينار، ~~ثم انعدم حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر ~~فقالت: من يأخذه بمثله من البر؟ فلم يلتفت إليها أحد!! # وفي سنة سبع وتسعين هبط النيل فاشتد الغلاء والوباء، وتفرق الناس وتمزقوا ~~كل ممزق، وكان الرجل يذبح ولده، فتساعده أمه على طبخه، وكان الرجل يدعو ~~صديقه ليضيفه فيذبحه ويأكله، وفعل ذلك بالأطباء وكثر الفناء. قال الذهبي ms035 في ~~العبر فلو قال القائل مات ثلاثة أرباع الإقليم لما أبعد. # وقال العماد الأصفهاني: في سنة كذا اشتد الغلاء وامتد البلاء وحدثت ~~المجاعة وتفرقت الجماعة، وهلك القوي فكيف بالضعيف، وتساوى المبتذل والعفيف، ~~وخرج الناس حذر الموت من الديار المصرية، وتفرقوا في الأقطار الحجازية ~~والشامية، ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال. # وفي سنة أربع وسبعمائة ولدت كلبة أربعين جروا، وأحضرت بين يدي السلطان ~~فتعجب من ذلك وسأل المنجمين فلم يجيبوا عن ذلك. # وفي سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة رسم للأشراف بالديار المصرية والشامية، أن # يسموا عمائمهم بعلامة خضراء تمييزا لهم عن الناس، ففعل ذلك، وفيه يقول ~~ابن جابر الأندلسي صاحب البديعية وشارح الألفية في النحو: # جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر # نور النبوة في جمال وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر # وقال الشمس الدمشقي: # أطراف تيجان أتت من سندس ... خضر بأعلام على الأشراف # والأشرف السلطان خصصهم بها ... شرفا ليفرقهم من الأطراف # وقال طاهر الحلبي: # ألا قل لمن يبغي ظهور سيادة ... تملكها الزهر الكرام بنو الزهرا # لئن نصبوا للفخر أعلام خضرة ... فكم رفعوا للمجد ألوية حمرا # وفي سنة عشر وثمانمائة ولدت جاموسة ببلبيس مولودا برأسين وعنقين وأربع # PageV01P054 # أيد، وسلسلة ظهر واحدة ورجلين أثنين وفرج أنثى والذنب مفروق باثنين، ~~وكانت من بديع صنعة الله تعالى، ولا تزال النفوس تعجب من الغريب وفيها ما ~~يكفيها كما قال وفي أنفسكم أفلا تبصرون # في الأرض آيات فلا تك منكرا ... وعجائب الأشياء من آياته # وفي سنة إحدى وعشرين بعد كسر الخليج، غرق لبعض السوقة ولد، فأراد دفنه ~~فمنعه أعوان الوالي حتى يستأذنه، فمضى ليستأذنه فأمر بحبسه، ثم قيل له إنك ~~لا تطلق حتى تعطي الوالي خمسة دنانير، فالتزم بها وخرج فباع موجوده وموجود ~~زوجته أم الغريق، فبلغ أربعة دنانير واقترض دينارا آخر، وأخذ ولده فدفنه ~~وترك المرأة وهرب من القاهرة ليلا، فبلغ ذلك السلطان فساءه وطلبه الوالي ~~فضرب بحضرته، ولم يعزله. حكى الحافظ ابن حجر: فإن شئت فقل عدم عزله سياسة، ms036 ~~وإن شئت فقل إيثارا للمنافع، أو لأنه لم يجد عمالا لا من الملائكة ولا من ~~أهل # العصمة، وإن شئت فقل ما في الإمكان أبدع مما كان، فلا تطلب من شيء غير ما ~~تشاهد منه. # وفي الطبقات نقل الشيخ أحمد زروق عن الشيخ أحمد بن عقبة الحضرمي، أنه قال ~~له أو لرفيقه: أخرجوا من هذه البلاد - يعني مصر - فإنها تذهب نور الإيمان، ~~هكذا قال عن زورق، وقال: يتعين على كل من دخل هذه البلاد أن يجدد إيمانه، ~~يعني بما يشاهده من المنكر، وإنه لصحيح لمن نظر بعين الإنصاف. # وفي سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة ذبح جمل بغزة فأضاء لحمه كما يضئ الشمع، ~~وشاع ذلك حتى بلغ حد التواتر، ورمي من لحمه لكلب فلم يأكله!! # وفي سنة أربع وعشرين شنق بعض العوام نفسه قهرا من زوجته، وكان طلقها وهو ~~يحبها، فاتصلت بغيره وكادته فيه فقتل نفسه. وكان يقال: # إذا رأيت أمورا ... منها القلوب تفتت # فتش عليها تجدها ... من النساء تأتت # وما أصدق ما قال: # إن النساء وإن نسبن لعفة ... رمم تقلها النسور الحوم # اليوم عندك سرها وحديثها ... وغدا لغيرك ساقها والمعصم # وفي سنة ست وأربعين وصل الشريف علي بن حسن بن عجلان أمير مكة المشرفة # PageV01P055 # من الطور، وكان السلطان أرسل بالقبض عليه، فجهز في البحر إلى الطور ومعه ~~أخوه إبراهيم مقيدين، فحبسا ببرج القلعة وأخوهما أبو القاسم قد استقر في ~~الإمرة، وتوجه صحبة الركاب، وشرط عليه أن يبطل النزلة، ويعاقب من فعلها. ~~وقد خرجنا عن المقصود ولكن بحسب ما قيل: # إذا عرف الإنسان أخبار من مضى ... توهمته قد عاش من أول الدهر # وتحسبه قد عاش آخر عمره ... إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر # ومن العجائب بصعيد مصر شجرة العباس، وهي شجرة متوسطة وأوراقها قصيرة ~~منبسطة، فإذا قيل لها: يا شجرة العباس، حال الناس، اجتمعت أوراقها واحترقت ~~لوقتها، كذا في المحاضرة. # ومن محاسن مصر قصب السكر الذي لا يوجد مثله في غيرها، وعن الشافعي: ثلاثة ~~أشياء دواء للداء الذي لا دواء له، العنب ms037 ولبن التفاح وقصب السكر ولولاه ما ~~أقمت بمصر، وعلى ذلك فما أحلى قول القائل: # نزلنا على القصب السكري ... نزول رجال يريدون نهبه # بجز كجز رقاب العدا ... ومص كمص شفاه الأحبه # وقال آخر: # تحكيه سمر القنا ولكن ... يزيد في جسمه طلاوه # وكلما زدته عذابا ... زادتك من ريقه حلاوه # وقال آخر: # مهفهف قد ريقه الشهد إن بدا ... يحاكي القنا لكن بغير سنان # PageV01P056 # ويرجى لكل الناس منه منافع ... ويؤكل بعد العصر في رمضان # وفي المعنى: # وذي هيف كالرمح رنحه الصبا ... يفوق القنا طولا بغير سنان # له ولد كل البرايا تحبه ... وتشتاقه إن عز منه تداني # وأعجب ما فيه يرى الناس أكله ... حلالا بعيد العصر في رمضان # قال البصير في التذكرة: والقصب أجوده المصري والهندي، الغليظ، الكثير ~~الماء، الصادق الحلاوة، الطويل العقد، وهو حار في الأولى رطب في الثانية، ~~يهضم ويلطف الدم، وهو أشد ملايمة من السكر، وإن شرب عليه الماء الحار وأخرج ~~بالقيء، نقي البدن من الأخلاط اللزجة. # ومن محاسن مصر السبع زهرات التي تجتمع في صعيد واحد، وهي النرجس، ~~والأقاح، والشقيق، والياسمين، والبنفسج، والآس، والورد. ومن محاسن ما قيل ~~في هذه الأزهار: # أنت يا نرجسة الرو ... ض لما في الروض ست # ودليل القول عندي ... أن أوراقك ست # وعلى ذلك فما أبهى قول البهاء زهير: # بروحي من أسميها بستي ... فتنظرني النحاة بعين مقت # يرون بأنني قد جئت لحنا ... وكيف وإنني لزهير وقتي # PageV01P057 # إذا ملكت جهاتي الست حقا ... فلا عجب إذا ما قلت ستي # ولابن الساعاتي: # ونرجس كالثغور مبتسم ... له دموع المحدق الشاكي # أبكاه قطر الندى وأضحكه ... فهو مع القطر ضاحك باكي # وللفارقي: # إن في عينيه معنى ... حدث النرجس عنه # ليت لي من غصنه سه ... ما ففي قلبي منه # وقال آخر: # وأحسن ما في الوجوه العيون ... وأشبه شيء بها النرجس # يظل يلاحظ وجه النديم ... فريدا وحيدا فيستأنس # وللتلعفري: # وأكثر الناس في تشبيههم أبدا ... للنرجس الغض بالأجفان والحدق # وما أشبهه بالعين إذ نظرت ... لكن أشبهه بالعين والورق # وللأهوازي: # للآس فضل بقائه ووفائه ... ودوام منظره على ms038 الأوقات # قامت على أغصانه ورقاته ... كنصول نبل جئن مختلفات # PageV01P058 # قيل: الآس أول شيء غرسه نوح عليه السلام حين خرج من السفينة، ويكره ~~السواك بعوده وعود د الرمان، لأنهما يحركان عرق الجذام. وفي مناهج العبر: ~~اليونان تسمي الآس مرسينا وهو أنواع: أخضر وهو المشهور، وأصفر وهو ما فسد ~~منه، وأزرق يسمى الخسرواني. وثمره قدر الحمص، وله ذكر في الأشعار، وكثيرا ~~ما يشبه به العذار، فمن ذلك في هذه المسالك: # ومهفهف ألحاظه وعذاره ... يتعاضدان على قتال الناس # سفك الدماء بصارم من نرجس ... كانت خمائل غمده من آس # ومما قيل في المنثور - ولا تعبق رائحته إلا ليلا - # أنظر إلى المنثور ما بيننا ... وقد كساه الطل قمصانا # كأنما صاغته أيدي الحيا ... من أحمر الياقوت مرجانا # ولابن أبي حجلة: # زهر الوعود ذرى من طول مطلكم ... لأنه من نداكم غير ممطور # والعبد قد جهز المنظوم ممتدحا ... فطابقوه إذا وافى بمنثور # وقال آخر وفيه الجناس التام: # ولم أنس قول الورد لا تركنوا إلى ... معاهدة المنثور فهو يمين # ألم تنظروا منه بنانا مخضبا ... وليس لمخضوب البنان يمين # وقال: # كأن الياسمين الغض لما ... أدرت عليه وسط الروض عيني # PageV01P059 # سماء للزبرجد قد تبدت ... لها فيها نجوم من لجين # وقال: # يا مهديا لي بنفسجا عطرا ... يرتاح صدري له وينشرح # بشرني عاجلا مصحفه ... بأن ضيق الأمور ينفسح # ولابن تميم: # عاينت ورد الروض يلطم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق # لا تشربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق # وقال آخر: # للورد فضل على زهر الربيع سوى ... أن البنفسج أذكى منه في المهج # كأنه وعيون الناس ترمقه ... آثار قرص بدا في خد ذي غنج # وقد أفرد الناس التصانيف في محاسن مصر وما اشتملت عليه من العجائب، قال ~~الجلال السيوطي في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة: قال بعض من ~~صنف في فضائلها: بمصر الحمير المرسنة، والبقر الحسنة. # # نكتة # # حكى العبدري عن أبي عبيدة في كتابه المسالك أن أبا دلامة جاء إلى مصر ~~مرة، ثم رجع فسئل عنها فقال: ثلثها تراب، ms039 وثلثها كلاب، وثلثها دواب. قيل: ~~فأين الناس؟ قال في الثلث الأول. وعلى ذلك أقول: # ولقد أتيت ديار مصر مرة ... شوقا لقوم همت في إسعافهم # PageV01P060 # وسألت ذاك السفح عنهم قال لي ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم # استغفر الله، وليس هذا من باب التبرم بأهل مصر، على ما قال: # لا ترم في بئر شربت زلالها ... آجرة فيقال أنك غادر # وقال غيره: # وعماتك النخل كن مثلها ... لرامي الحجارة ترمي الرطب # فليت شعري أي فضيلة للنخل الذي لا يرمي حتى يرمى، وهل ذلك إلا من باب ~~المطاوعة رميته فارتمى؟ فالطاعة هنا ضرورية، لا يعلق المدح بها، وربما تعلق ~~بها الذم من وجه، كما قال قائل - وقد قيل له مالك تقع في الأمراء وأنت ~~تستميرهم؟ -: نأخذ بعض مالنا ونطالبهم عند الله في الباقي والحيلة عليهم ~~خير من الحاجة إليهم: # ولكل رأيت منهم مقاما ... شرحه في الكتاب مما يطول # قال أبو عبيدة: وأما أهلها فقيل أعقل الناس صغارا وأحمقهم كبارا، والعجب ~~من نسبة الحمق إليهم، فإنه ينافي ما اشتملوا عليه من المكر والخديعة وأصناف ~~الحيل المنقلب لديها بصر اللياقة خاسئا وهو حسير، وأما أدوات المعروف فيهم ~~فلا يشك في أنها لازمة لا متعدية، وإن كانت آراؤهم على سنن المكارم متعدية، ~~اللهم إلا ما اقتضته الأدوار الفلكية من الأوامر الملكية. # قال الفاضل العبدري في رحلته: وكان وصولنا إلى هذه المدينة - يعني مصر - ~~في أخريات رمضان المعظم، فأتممناه بها وصلينا معهم العيد، فلم أر يومئذ من ~~أولئك الناس، من صدر منه الإيناس، فقلت: # تذكرت يوم الفطر في مصر إذ أتى ... وقوس النوى ترمي الحشا أسهم الخطب # PageV01P061 # سراة نأوا أنسي بنادي محلهم ... وصحبا كراما ضمهم أفق الغرب # فأفطرت من قبل الغدو بعبرة ... شغلت بها يومي عن الأكل والشرب # وقال معين الدين المالكي: # يا أهل مصر رأيت أيديكم ... عن بسطها بالنوال منقبضه # فمذ عدمت الغذاء عندكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه # وقال البدر البشتكي: # من أهل مصر ليس يس ... لم لا الوضيع ولا المعظم # ناهيك أن بأرضهم ... جبلا فسموه المقطم # أستغفر ms040 الله أن القلم إذا جال، قال في سرحه القيل والقال، وإلا فإذا كانت ~~المنة من الاسترقاق، فأي حر يرضى بالقيد بعد الإطلاق؟ فكيف بمن يأنف من رق ~~الحسنة ولو في المنام، وينشد في هذا المقام: # اسقني خمرة كرقة عقلي ... أو كديني ولا أقول كحالي # حذرا من توهم السمع أني ... قلت هذا في معرض لسؤالي # وعلى جملة فإني أقول بمقتضى الحال: # كل البلاد فداء مصر لأجل من ... قد زانها وهو الأمير الأوحد # مولاي إسماعيل ذو الحسب الذي ... تسعى الكرام لبيته وتوحد # نكتة # الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسير قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر يوسف ~~أعراض عن هذاوتربة مصر تقتضي ذلك، يعني قلة الغيرة، وفي المعنى يقول أبو ~~مفلح: # في مصر من إذا رأى في أهله ... سوءا كما في محكم الذكر حكي # يقول إن كان له مروءة ... لا ترجعي واستغفري لذنبك # PageV01P062 # قال أبو حبان: وأين هذا مما جرى لبعض ملوك بلادنا؟ وهو أنه كان بمجلس ~~ندمائه وجارية تغني من وراء الستر، فاستعاد بعض الندماء من الجارية بيتا، ~~وكانت غنت به، فما لبث أن جيء برأس الجارية في طشت، وقال له الملك: استعد ~~هذا البيت من هذا الرأس، فسقط الكأس من يد النديم، ومرض مدة حياة الملك. # (قلت) وهذا من ذاك، وإلا فما الحامل على التعريض بالأسماع؟ # تناقض ما نرى إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار # وقد أراح نفسه من ذلك عبد المحسن الصوري حيث يقول: # تعشقته سكران من خمرة الصبا ... على غرة من لوعتي ونحيبي # وشاركني في حبه كل ما جد ... يقاسمني في مهجتي بنصيب # فلا تلزموني غيرة ما ألفتها ... فإن حبيبي من أحب حبيبي # ومن أبيات الوأواء الدمشقي: # ومحتجب بين الأسنة والظبا ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه # أغار إذا آنست في الحي أنه ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه # وفي المعنى للبهاء زهير: # أغار على حرف يكون من اسمها ... إذا ما رأته العين في خط كاتب # ومالي منها نائل غير أنني ... أعلل نفسي بالأماني الكواذب # حكى الصفدي ms041 في تذكرته عن الشيخ تاج الدين الفزاري أنه كان يقول: إن ~~الحكماء وأهل التجارب يزعمون أن من أقام ببغداد سنة وجد في عمله زيادة، ومن ~~أقام بالموصل سنة وجد في عقله زيادة، ومن أقام بحلب سنة وجد في نفسه # PageV01P063 # شحا، ومن أقام في دمشق سنة وجد في طباعه غلظا، ومن أقام بمصر سنة وجد في ~~أخلاقه رقة. # والذي يظهر أن ذلك بحسب الخلطة مع مساعدة البقعة والاستعداد، فقد رأيت من ~~أقام بمصر فظهر بالتجبر وآخر بالمذلة، وكان يقال: # عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والنار تطرح بالرماد فتخمد # روي أن الله تعالى لما خلق الأشياء، قال القتل: أنا لاحق بالشام، فقالت ~~الفتنة وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال ~~الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك. وقال الإيمان: أنا لاحق ~~باليمن، فقال # الحياء: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك. # (وروي) أن الله تعالى جعل البركة عشرة أجزاء تسعة منها في قريش وواحد في ~~سائر الناس، وجعل المكر عشرة أجزاء فتسعة منها في القبط وواحد في سائر ~~الناس، وجعل النجابة عشرة أجزاء تسعة منها في الروم وواحد في سائر الناس. # وحكي أن الحجاج سأل ابن القرية عن طباع أهل الأرض فقال: أهل الحجاز أسرع ~~الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها، رجالها حفاة، ونساؤها عراة، وأهل اليمن أهل ~~سمع وطاعة، ولزوم جماعة، وأهل البحرين قبط استعربوا، وأهل اليمامة أهل حق ~~وائتلاف، وأهل فارس أهل بأس شديد، وعز عتيد، وأهل العراق أبحث الناس عن ~~الصغيرة وأضيعهم للكبيرة، وأهل الشام أطوع الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، ~~وأهل مصر عبيد لمن غلب. # دع الأتراك والعربا ... وكن في حزب من غلبا # قال الجاحظ في كتاب الأمصار الصناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والحسن ~~بهراة، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والعجائب بمصر، قلت وكل ذلك في كل أحد ~~غاية ما في الباب، أن ذلك في هند أظهر منه في دعد، ومن أكثر من شيء نسب ~~إليه. ### || فائدة # قيل ليس في الدنيا شجرة ms042 إلا وهي توجد بمصر، عرفها من عرفها وجهلها من ~~جهلها. # ويوجد في مصر كل وقت من الزمان كثير من المأكول والمأدوم والمشموم، وسائر ~~البقول والخضر صيفا وشتاء، لا ينقطع منه شيء لبرد ولا حر. # PageV01P064 # أقول وكل ذلك لا يقوم بساعة من منادمة بعوضها وبرغوثها الذي لا سبيل إلى ~~السلامة منه. وعلى ذكر البرغوث لا جمع الله به: # ثلاث باءات بلينا بها ... البق والبرغوث والبرغش # ثلاثة أوحش ما في الورى ... ولست أدري أيها أوحش # ويقول الفيومي: # وخليل يقول لما رآني ... أبدا أوسع البراغيث ذما # إن في اسم البرغوث برا وغوثا ... قلت لكن الاسم غير المسمى # وقال آخر: # لا تكره البرغوث إن اسمه ... بر وغوث لك لو تدري # فبره مص دم فاسد ... والغوث إيقاظك للفجر # وقال آخر: # لا بارك الله في البعوض ولا ... بورك في البق والبراغيث # تناهبونا كأنهم عرب ... أو أمنا الحكم في المواريث # وقال آخر: # رقصت براغيث الشتا فأجابها ال ... ناموس فيه بالغناء المعلم # وتواجد البق الكثيف بطبعه ... طربا على شرب المدامة من دمي # وقال آخر: # بعوض جعلن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغاني # كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن المغاني # وقال: # لقد قسم الله البراغيث في الورى ... فأوفر منها عند قسمتها قسمي # PageV01P065 # أنوح لما ألقى فتزعم أنني ... أغني فما تنفك ترقص في جسمي # وقال: # لا سقى الله بلدة كنت فيها ... البراغيث كلهم أكلوني # قرصوني حتى تنمر جلدي ... لو خلعت الثياب لم تعرفوني # وقال: # أنزلنا الدهر على معشر ... تغر بالناس أحاديثهم # فما أكلنا من ضيافتهم ... ما أكلت منا براغيثهم # فائدة لدفع البرغوث: يؤخذ عود نخل أو رمان ويكتب عليه: أيها البراغيث ~~السود إنما أنتم جند من الجنود، أقسمت عليكم بعهد عاد وثمود إلا ما طلعتم ~~على هذا العود، ولا أقتل منكم والدا ولا مولودا، والله من ورائهم محيط بل ~~هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ويوضع في أحد أركان البيت، فإنه تجتمع عليه ما ~~جرت به عادة هذه العزيمة ومن شرطها الهمة وهي العزم الجازم!! # إذا تخلفت أمرا كنت تعهده ... يجري ms043 الزمان على مجرى عوائده # فإنما أنت لم تكمل شرائطه ... وإن ذاك التواني من فوائده # الطريق إلى مكة المشرفة # المحامل السلطانية وجماهير الركبان لا تخرج إلا من أربع جهات: مصر، ~~ودمشق، وبغداد، واليمن. فيخرج الركب المصري بالمحمل السلطاني والسبيل ~~المسبل للفقراء بالماء والزاد والأدوية، والكحالين والأئمة والمؤذنين، ~~والأمراء والجند، والقاضي والشهود والأمناء، وإذا نزلوا منزلا أو رحلوا ~~منه، تدق # PageV01P066 # الكوسات وينفر النفير، ليؤذن بالنزول والرحيل، فإذا خرج الركب من القاهرة ~~نزل البركة، وهي على عشرة أميال من القاهرة، فيقيم عليها ثلاثة أيام أو ~~أربعة ثم يرحل إلى السويس في خمس مراحل، ثم إلى نخل في مثلها، وفيه برك من ~~عمل أمراء المشورة في الدولة الناصرية، ثم يرحل إلى أيلة في خمس مراحل وبها ~~العقبة العظمى، فينزل منها حجز بحر القلزم، ويمشي على حجزه حتى يقطع من ~~الجانب الشمالي إلى الجانب الجنوبي ويقيم به أربعة أيام وبه سوق عظيم، ثم # يرحل إلى بئر مدين وبه مغاير شعيب عليه السلام، وعلى مائها سقى موسى عليه ~~السلام غنم بنات شعيب، ثم يرحل إلى عيون القصب في مرحلتين، ثم إلى المويلح ~~في ثلاث مراحل، ثم إلى الأزلم في أربع مراحل، وماؤه من أقبح المياه، ثم إلى ~~الوجه في خمس مراحل وماؤه من أعذب المياه، ثم إلى أكره في مرحلتين وماؤه من ~~أصعب المياه في هذا الطريق، ثم إلى الحوراء وهي ساحل بحر القلزم في أربع ~~مراحل وماؤه يشبه ماء البحر لا يكاد يشرب، ثم إلى نبط في مرحلتين وماؤه من ~~أعذب المياه، ثم إلى ينبع في خمس مراحل ويقيم بها ثلاثة أيام، ثم إلى ~~الدهناء في مرحلة، ثم إلى بدر في ثلاث مراحل، وهي مدينة حجازية بها عيون ~~وجداول وحدائق، ثم إلى رابغ في خمس مراحل وهي ناحية الجحفة التي هي ~~الميقات، ثم إلى خليص في ثلاث مراحل وفي طريقه بئر عسفان، ثم يرحل من بطن ~~مر إلى مكة المشرفة مرحلة واحدة، ثم يرجع إلى منازله إلى بدر فيعطف إلى ~~المدينة النبوية، فيدخل إلى الصفراء ms044 مرحلة، ثم إلى ذي الحليفة في ثلاث ~~مراحل، ثم إلى المدينة في مرحلة، ثم يرجع إلى الصفراء ويأخذ بين جبلين في ~~فجوة تعرف بنقب علي، حتى يأتي الينبع في ثلاث مراحل، ثم يستقيم على طريقه ~~إلى مصر. # وأما قدوم المبشر بسلامة الحاج فله حكمة لطيفة، وهي أن الدابة تخرج # PageV01P067 # من جبل جياد في أيام التشريق والناس بمنى، على ما روي، فذلك سابق الحاج ~~يخر بسلامة الحاج كذا في المحاضرة. ### || القاهرة المعزية # وأما القاهرة المعزية فالأصل في بنائها جوهر الصقلي، قائد المعز صاحب ~~المغرب ومصر، وهو أول من ملكها من الفاطميين، وذلك لما مات كافور الإخشيدي ~~صاحب مصر جهز المعز القائد جوهر إليها بعسكر عظيم، ومعه ألف حمل من السلاح ~~ومن الخيل ما لا يوصف، فلما انتظم حاله وملك مصر ضاقت # بالجند والرعية، فاختط سور القاهرة وبنى بها القصور وسماها المنصورة وذلك ~~في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، فلما قدم المعز من القيروان سماها القاهرة، ~~والسبب في ذلك أن القائد جوهر لما قصد إقامة السور جمع المنجمين، وأمرهم أن ~~يختاروا طالعا لحفر الأساس وطالعا لرمي الحجارة، فجعلوا قوائم من خشب وبين ~~القائمتين حبل فيه أجراس، وأفهموا العمال أنه ساعة تحريك الأجراس يرمون ما ~~بأيديهم من الطين والحجارة، ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع، ~~فاتفق وقوع غراب على خشبة فتحركت الأجراس، فألقى العمال ما بأيديهم فصاح ~~المنجمون: لا، القاهر في الطالع. وخانهم ما قصدوه وكان قصدهم أن يختاروا ~~طالعا فلا يخرج الملك عن نسلهم، فوقع أن المريخ كان في الطالع ويسمى عندهم ~~القاهر، فعلموا أن الأتراك لا تزال هذه البلدة في أيديهم وأنهم لا بد أن ~~يملكوا هذه الأقاليم، فلما قدم المعز أخبروه بذلك فوافقهم على أنها تؤول ~~للأتراك، وسماها القاهرة، فكان كما قيل وملكها الترك إلى يومنا هذا، انتهى. ~~من السكردان. وفي ذلك يقول: # PageV01P068 # نبكي على مصر وسكانها ... مذ خربت أركانها العامره # وأصبحت للروم مقهورة ... من بعد ما كانت هي القاهره # حكى المقريزي أن قاهرة المعز رابع موضع انتقل إليه سرير ms045 السلطنة من أرض ~~مصر في الدولة الإسلامية، ويشتمل على القصرين داري الخلافة، وهما القصر ~~الكبير الشرقي، وهو منزل سكنى الخليفة ومحل حريمه، والآخر الغربي ويتحول ~~إليه الخليفة أيام النيل للنزهة على الخليج والمتنزهات الغربية وهما ~~متقابلان. # وللفقيه عمارة يرثي العاضد وهو آخر الفواطم: # يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي # تالله زر ساحة القصرين وابك معي ... عليهما لا على صفين والجمل # PageV01P069 # وأما معاملة مصر فقال في المسالك: الدراهم ثلثاها فضة وثلثها نحاس، ~~والدرهم ثمانية عشر حبة خروب وهي ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة، ~~والدرهم قيمته ثمانية وأربعون فلسا، والدينار الحبشي ثلاث وعشرون درهما. # (وأما الكيل) فالإردب ست ويبات، والويبة أربعة أرباع، والربع أربعة ~~أقداح، والقدح مائتان واثنان وثلاثون درهما، ويختلف الكيل في أريافها، ~~والرطل اثنا عشر أوقية، وهي اثنا عشر درهما. كذا في المحاضرة. ولله در ~~القائل: # لا ترقب النجم في أمر تحاوله ... فالله يفعل لا جدي ولا حمل # مع السعادة ما للنجم من أثر ... ولا يضرك مريخ ولا زحل # PageV01P070 # وعلى ذكر الدراهم لبعضهم: # إن الدراهم شأنها ... ألم يشق على الكرام # الضرب أول أمرها ... والحبس في أيدي اللئام # وقال يزيد بن حاتم: # إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى طرق المعروف تستبق # لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق # وقال آخر ملغزا فيه: # يا فاضلا فاق في المعاني ... وهو بإحكامها خبير # ما اسم إذا المرء لم يصبه ... أصابه نصفه الأخير # وحكى الواقع من قال: # النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري # والمرء ما دام مشغوفا بحبها ... مكبل القلب بين الهم والنار # وعارضه من قال: # الدين أول دينار نطقت به ... والدرء للهم في الدرهم الساري # كالقلب ذا وضياء العين ذا وهما ... كم يصلحان أمور الدين والدار # حكى المقريزي أن مصر ذكرت في القرآن بضعا وعشرين موضعا كناية وتصريحا. # PageV01P071 # قال السيوطي: بل أكثر من ثلاثين موضعا، وقال: عدة من دخلها من الأنبياء ~~وفاقا وخلافا، اثنان وثلاثون، غير النسوة الأربع، وهن: ms046 مريم، وسارة، وآسية، ~~وأم موسى واسمها يوحانذ، وأسماء أم موسى ألفاظ يتصرف بتلاوتها. وقد نظمت في ~~ذلك أبياتا مشهورة، فقلت: # قد دخلت مصر فيما قد روي زمر ... من النبيين زادوا مصر تأنيسا # فهاك يوسف والأسباط اخوته ... يوحانذا وخليل الله إدريسا # لوطا وأيوب ذا القرنين خضر سلي ... مان أرميا يشع هارون مع موسا # شيثا ونوحا وإسماعيل قد ذكروا ... لازال من أجلهم ذا المصر مأنوسا # وبعده سارة لقمان آسية ... ودانيال وشعيا مريما عيسى # وحكي أن يوسف الصديق عليه السلام، لما دخل مصر وأقام بها قال: اللهم إني ~~غريب فحببها إلي وإلى كل غريب، فلا يدخلها غريب إلا أحب المقام بها. # نكتة # قال الكندي: قال تعالى حكاية عن يوسف الصديق وقد أحسن بي إذ أخرجني من ~~السجن وجاء بكم من البدو فجعل الشام بدوا، وسمى مصر مدينة، حكاه في ~~المحاضرة. وفي قوله وجاء بكم من البدو إشارة إلى تفضيل المدن على البادية، ~~ومنه: اللهم اجعلني حضريا تقيا ولا تجعلني بدويا شقيا. # وإني على ما في من حضرية ... ليعجبني ظل الخباء المطنب # لطيفة # قيل خلقت الدنيا على خمس صور الطير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه، فالرأس ~~مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، والجناح # الأيسر الهند والسند، والذنب من ذوات الحمام إلى مغرب الشمس. # فائدة # حكى المقريزي أن مطلع الشمس سهيل في سمت قبلة مصر، # PageV01P072 # وأما عرض مصر فثلاثون درجة، وطولها خمس وخمسون، على ما تحرر من الأزياج. # تتميم: أول من ملك الحرمين من آل عثمان: السلطان سليم بن بايزيد بن محمد ~~بن مراد، وذلك لما افتتح مصر وحلب والشام، في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ~~وفيها قتل الغوري بمرج دابق، وله قصة طويلة يطول شرحها، والسبب المعنوي في ~~خراب مملكته، بتحقيق خبر ما عادانا بيت إلا خرب، ولا عوانا كلب إلا جرب أنه ~~قتل طائفة من بني إبراهيم من أشراف ينبع، وبنى من رؤوسهم مسطبة جلس عليها ~~أمراء عساكره. # قال القبطي وكان السلطان سليم شهما عزيزا، اشتهر عنه بيتان من الشعر ~~تناقلتهما الركبان، ms047 ورأيتهما بخطه الشريف، في علو المقياس، على الكشك الذي ~~بناه لما فتح مصر وسكن الروضة، وهما قوله: # الملك لله من يظفر بنيل منى ... يتركه قهرا ويضمن بعده الدركا # لو كان لي أو لغيري قدر أنملة ... فوق التراب لكان الأمر مشتركا # وتحته ما صورته: وكتبه سليم. إلا أنه قد انمحى لطول الزمان مداده، ومال ~~إلى لون البياض سواده، وتوفي بعد ذلك بثلاث سنين، وشريف مكة إذ ذاك السيد ~~بركات وولده أبو نمي محمد، قاله في الأعلام. # الكون عندي كالخيال حقيقة ... في شكله وعمومه وخصوصه # يبدي الخيال إلى الشخوص تواضعا ... والناطق الفعال غير شخوصه ### || ما قيل في مصر من الأشعار الرائقة والنكت الفائقة # فمن ذلك قول الشهاب الرومي: # إذا رمت صبرا عند فقري ببلدتي ... يقول الحيا لن تستطيع معي صبرا # PageV01P073 # وإن قلت إن الشام أشرف منزل ... سمعت لسان الحال قال اهبطوا مصرا # وقال مقتبسا: # ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنوه مشرقا ومغربا # هذا وإن كنتم على سفر به ... فتيمموا منه صعيدا طيبا # وقال آخر: # رعى الله مصرا كم بها من مسرة ... ومنزل أنس لاح كالطالع السعد # رويت الهنا عن سدها يوم كسرها ... فها أنا مهما عشت أروي عن السدي # وقال آخر: # اشرب على مقياس مصر وغن لي ... من روضة المعشوق في عشاق # وافخر بمصر على البلاد فنيلها ... يعلو على الأوصاف باستغراق # وقال الفيومي: # تعلم هذا النيل من خلقي الوفا ... لسكان مصر لهف قلبي على مصر # وحاكاه دمعي حمرة وصبابة ... كما قد حكاني في احتراقي وفي كسري # وقال: # إذا سلسلوا من مصر رأس خليجها ... فما ذاك من نقص يلوح لفاضل # وما قصدوا إلا ليصدق أنه ... يقاد إلى جناتها بالسلاسل # وقال: # البدر فوق النيل قد ... ألقى شعاعا يأتلق # PageV01P074 # فحكى مسنا أزرقا ... وعليه حك من ورق # وقال: # الشمس فوق النيل قد ... ألقت شعاعا كاللهب # فحكى مسنا أخضرا ... وعليه حك من ذهب # ولابن أبي حجلة: # سقى السفح من ذيل المقطم عارض ... تعارضه من دمع عيني مواطره # فكم فيه من صب قضى وغرامه ... أوائله لا تنقضي وأواخره ms048 # وقال البدر: # عاتبت هذا النيل في ترك الوفا ... فأجابني حالا بغير توقف # سأفي وإن خانوا وأصلح بينهم ... ما كدت أفسده ومثلي من يفي # وقال آخر: # أتطلب من زمانك ذا وفاء ... وترجو ذاك جهلا من بنيه # وقد عدم الوفاء به وإني ... لأعجب من وفاء النيل فيه # وقال الدماميني: # رعى الله مصرا إننا في ظلالها ... نروح ونغدو سالمين من الجهد # PageV01P075 # ونشرب ماء النيل فيها براحة ... وأهل زبيد يشربون من الكد # وقال الفيومي: # إن مصرا نزهة الدنيا ... غاية المقصود والسول # مذ رأى الباري محاسنها ... رد عنها العين بالنيل # وقال ابن الوردي: # ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيل # يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل # وقال الفيومي: # أنظر إلى النيل وجرم السما ... وماله من حسن تخييل # وصبغة الله التي أظهرت ... لنا السماوي من النيل # وله أيضا: # جميع الأرض فيها طيب عيش ... ولذات وروضات أنيقه # ولكن كل ذا في غير مصر ... مجاز وهو في مصر حقيقه # وقال: # عدلت أيادي النيل في تقسيمها ... لنداه للخلجان والأنهار # أكرم بهذا النيل من ملك غدا ... في عدله يمشي على الآثار # وقال: # تأمل البحر والبدر المنير وقل ... جل المؤلف بين الماء واللهب # كأنما الريح فوق الماء قد نسجت ... درعا فحلاه نور البدر بالذهب # وقال: # ولما رأيت الشمس عند طلوعها ... ونحن بوسط البحر في النيل من مصر # PageV01P076 # تخيلت هاتيك القلوع وسفنها ... قصور نضار والقصور بنا تجري # وقال ابن نباتة: # آها لمصر وأين مصر وكيف لي ... بديار مصر مرتعا وملاعبا # والدهر سلم كيفما حاولته ... لا مثل دهري في دمشق محاربا # أنشد المصري: # أرى أهل الشآم يفاخرونا ... وتلك وقاحة فيهم وخصله # وكيف يفاخروا بالشام مصرا ... وشهوة كل من له في الشام نخله # وقال الشامي: # يا أهل مصر بوادينا المقدس من ... فواكه تشتهوها في منازلكم # أنتم زعمتم بأن النخل شهوتنا ... نعم صدقتم ولكن في سواحلكم # وقال الفيومي: # ينازع تفضيلي الشام مغرض ... كأني به قد مات فيما ينازع # وليس احتراق البحر إلا لأنه ... على كسره فاتته تلك المواضع # وقال: # مصر ms049 مناي ومنتهى أربي ... زمن الربيع وبركة الرطلي # والشام في أيام ربوتها ... وزهوها معدومة المثل # وقال آخر يصف مصرا: # بها ما يلذ العيش من حسن منظر ... وما ترتضيه النفس من شهواتها # زمردة خضراء قد زين قرطها ... بلؤلؤة بيضاء من زهراتها # وأصل هذا النظم ما قيل في وصفها أنها ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة ~~أشهر سبيكة حمراء، كذا في كتاب النوادر والأخبار. وقال الصفدي: # في أهل مصر معان ... من لطفهم تستفاد # PageV01P077 # ورقة في طباع ... بها على الناس سادوا # وقال: # لا تغالي بمدح مصر وقصر ... فهي دار سراتها الأوغاد # إن مصرا وإن تغاليت فيها ... جمعت في صفاتها الأضداد # وقال ابن أبي حجلة: # دع عنك مصر فأهلها بعد الوفا ... ألفوا الجفا وتحجبوا في الأبنيه # قلبت بها الأعيان حتى أنني ... شاهدت سعد الدين سعد الأخبيه # وأصل هذا الشعر ما يحكى أن شهاب الدين القوصي، كان يوما عند الملك ~~الأشرف، فدخل عليه سعد الدين الحكيم وكان بينهما وحشة، فقال له الأشرف: يا ~~شهاب الدين ما تقول في سعد الدين؟ فقال: هو عندك سعد السعود وعلى السماط # سعد بلع، وعند المرضى سعد الذابح، وعند الضيف سعد الأخبية، فضحك الملك ~~لذلك وأصلح بينهما، وأمر لكل منهما بتشريف. وقيل في باب زويلة: # يا صاح لو أبصرت باب زويلة ... لعلمت قدر محله بنيانا # لو أن فرعونا رآه لم يرد ... صرحا ولا أوصى به هامانا # مشهد سيدنا الحسين وذكر مقتله # وأجل فضيلة سمح بها الزمان لكليم البين، زيارة مشهد سيدنا الحسين، نفعنا ~~الله تعالى بأنفاسه الطيبة، ووالى على ضريحه شآبيب رحمته الصيبة، والحسين ~~هذا هو أبو عبد الله بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة ~~الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد سنة أربع وقتل سنة إحدى ~~وستين من الهجرة، بكربلاء من أرض العراق بناحية الكوفة، وإلى ذلك ينظر أبو ~~عبد الله الفيومي حيث يقول: # PageV01P078 # تركت جفني واصلا والكرى ... راء فجد بالوصل فالوصل زين # ولا تجبني يا حياتي بلا ... فالقلب يخشى كرب لا يا ms050 حسين # واختلف في قاتله لاجتماعهم على قتله، فقيل سنان بن أنس النخعي وقيل رجل # من مذحج وقيل شمر ابن ذي الجوشن وقيل عمر بن سعد. = # ومن تفكر في الدنيا وغايتها ... أقامه الفكر بين العجز والتعب # وكان الأمير على إخراج الخيل لقتاله عبيد الله بن زياد بأمر يزيد، كما ~~حكاه السيوطي في التاريخ ولقد تجاوز الحد من قال إنما قتل الحسين بسيف جده ~~ستكتب شهادتهم ويسألون. # تنام النصارى واليهود بأمرهم ... ونوم بني الزهراء نوم مشرد # وما هي إلا ردة مستحيلة ... وكفر قديم بالحديث يجدد # وكان الأمير على السرية عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان السبب في ذلك غرور ~~أهل العراق وكان يقال: # بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير ختال وقالي # ولم أر في الخطوب أشد وقعا ... وأصعب من معاداة الرجال # وذقت مرارة الأشيا جميعا ... فما شيء أمر من السؤال # ولما تبين له الغدر أراد الرجوع فمنع من ذلك، فلما كان يوم الجمعة الثالث ~~من المحرم قدم عمر في أربعة آلاف، وبعث بخمسمائة فارس فنزلوا # PageV01P079 # على الماء وحالوا بينه وبين الحسين. ونادى مناديا: يا حسين لا ترى الماء ~~حتى تموت عطشا. ثم إن عمر كتب إلى ابن زياد: أما بعد فإن الله تعالى قد ~~أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وقد أعطاني الحسين عهدا أن يرجع إلى المكان ~~الذي أتى منه، أو أن يسير إلى أي ثغر شئنا، أو أن يأتي يزيد فيضع يده في ~~يده. فكتب إليه أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتمنيه، ~~ولا لتعقد له عندي شافعا، أعرض عليهم النزول على حكمي، فإن أبوا فقاتلهم ~~ومثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، ~~فإنه عاق شاق ظلوم. فلما أتاه الكتاب ركب إلى الحسين وقال له: جاء الأمر ~~بكذا، ثم إن عمر خرج فيمن معه، والحسين في أصحابه. # في موقف وقف الحمام عليهم ... في ضنكة واستحوذ استحواذا # فأخذ عمر سهما ورمى به وقال: اشهدوا أني أول من رمى. وحمل أصحابه فصرعوا ms051 ~~رجالا وأحاطوا بالحسين وقاتلوه، فأدماه رجل من كندة يقال له مالك، فأخذ دمه ~~بيده وقال اللهم إن كنت حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير ~~منه، واشتد عطشه فدنا ليشرب، فرماه ابن تميم بسهم فوقع في فمه، فتلقى الدم ~~بيده ورمى به إلى السماء وقال: بعد حمد الله والثناء عليه. اللهم إني # أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيك، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا ~~تبق منهم أحدا. فأقبل شمر في نحو عشرة إلى منزل الحسين، وحالوا بينه وبين ~~رحله، وأقدم عليه وهو يحمل عليهم، وقد بقي في ثلاثة، ومكث طويلا من النهار، ~~ولو شاءوا قتله لقتلوه، ولكن كان يتقي بعضهم ببعضهم، ويحب هؤلاء أن يكفهم ~~هؤلاء، فنادى شمر في الناس: ويحكم ما تنتظرون بالرجل؟ # فحملوا عليه من كل جانب، فضرب كفه اليسرى وعاتقه ابن شريك التميمي، فحمل ~~عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولة ~~الأصبحي احتز رأسه، فأرعد وضعف، فنزل إليه وذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولة ~~وسلب الحسين ما كان عليه حتى سراويله، وانتهبوا متاعه وما على النساء، ~~وصنعوا ما صنعوا وما عسى أن نقول؟ # PageV01P080 # وقست منهم قلوب على من ... بكت الأرض فقدهم والسماء # فابكهم ما استطعت إن قليلا ... في عظيم من المصاب البكاء # ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وأربعون ضربة، ثم نادى عمر من ~~ينتدب للحسين فيوطئه فرسه. فانتدب عشرة فداسوه بخيولهم حتى رضوا ظهره ~~وصدره. # مصائب شتى جمعت في مصيبة ... ولم يكفها حتى قفتها مصائب # وكان عدة من قتل معه اثنين وسبعين رجلا، ومن أصحاب عمر ثمانية وثمانين ~~غير الجرحى، ثم دفن في اليوم الثاني بالطف حيث قتل، وفي ذلك قيل: # بالطف لي أسوة في كل حادثة ... فهات يا دهر ما أعددت من محن # ما كنت أدري الليالي في غوائلها ... تسقي الحسين الردى والسم للحسن # ثم بعث عمر بن سعد برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى ابن زياد، ودخل خوله بن ~~يزيد الأصبحي على ابن زياد برأس ms052 الحسين وهو ينشد: # املأ ركابي فضة وذهبا ... إني قتلت السيد المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا # فوضع الرأس بين يدي ابن زياد، فكان ينكت ثنايا الحسين بقضيب كان في يده، ~~وزيد بن أرقم حاضر وهو يقول له: اكفف، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقبل هذه الثنايا. # وإذا البينات لم تغن شيئا ... فالتماس الهدى بهن عناء # ثم بعد يومين دخل الكوفة عمر ومعه ثياب الحسين وأخواته، وفيهم علي بن # PageV01P081 # الحسين، وهو مريض، فأدخلهم علي بن زياد، وطيف برأس الحسين على خشبة في ~~الكوفة، ثم بعث به إلى يزيد بن معاوية. # خرجوا به ولكل باك خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطور # والشمس في كبد السماء مريضة ... والأرض واجفة تكاد تمور # وأرسل معه النساء والصبيان على الأقتاب، والأغلال في عنق علي بن الحسين ~~وفي يديه، إلى أن جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد في طست، فأمر الغلام ~~فرفع الثوب الذي كان عليه، فلما رآه ستر وجهه بكمه كأنه اشتم من رائحة، ~~وجعل يقرع ثناياه بقضيب كان في يده وهو يقول: الحمد لله الذي كفانا ~~المؤونة، (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله)، ومكث الرأس مصلوبا بدمشق ~~ثلاثة أيام، ثم ترك في خزائن السلاح، والقصة أشهر من نار على علم، وقد ~~أفردت بالتأليف. وإنما ذكرت هذه النبذة ردعا للنفس عند تطورها وتهورها، ~~وإلا فما ثمرة الأسف؟ والعتب على الماضي عبث. # ودع عنك أمرا قد مضى لسبيله ... ولكن على ما نالك اليوم فاقبل # وما أوقع ما قال: # يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من هبود # يحكم الله ما يشاء ويمضي ... ليس حكم الإله بالمردود # وقال وما يجدي المقال: # بعض الذي نالنا يا دهر يكفينا ... فامنن ببقيا وأودعها يدا فينا # إن كان قصدك إرضاء العدو بنا ... فدون هذا به يرضى معادينا # PageV01P082 # وقال آخر: # آل حرب أوقدتم نار حرب ... ليس يخبو لها الزمان وقود # فابن حرب للمصطفى وابن هند ... لعلي وللحسين يزيد # وما أحسن ما قال: # طالع تواريخ من في ms053 الدهر قد وجدوا ... تجد هموما تسلي عنك ما تجد # تجد أكابرهم قد جرعوا غصصا ... من الرزايا بها كم فتتت كبد # روي عن ابن عباس أنه قال: رأيت النبي صلوات الله عليه وسلم فيما يرى ~~النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث أغبر وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي ~~أنت وأمي ما هذا؟. قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألتقطه منذ اليوم. فكان قتله ~~في ذلك اليوم. # وكذلك رأت أم سلمة وقالت: سمعت الجن تبكي على الحسين وتنوح عليه. وأخرج ~~ثعلب في أماليه عن أبي حباب الكلبي، قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف ~~العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نواح الجن؟ فقال: ما تلقى أحدا إلا أخبرك أنه ~~سمع ذلك. قلت: فأخبرني ما سمعت أنت. قال: سمعتهم يقولون: # مسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود # أبواه من عليا قري ... ش وجده خير الجدود # وقال السدي: لما قتل الحسين بكت السماء عليه، وبكاؤها حمرتها. وعن عطاء ~~في قوله تعالى فما بكت عليهم السماء قال: بكاؤها حمرة أطرافها. وقيل مكثت ~~السماء محمرة الجوانب ستة أشهر، ثم لا زالت الحمرة فيها بعد ذلك، ولم تكن ~~ترى فيها # قبله، حكاه ابن حجر. # وعلى الأفق من دماء الشهيد ... ين علي ونجله شاهدان # فهما في أواخر الليل فج ... ران وفي أولياته شفقان # قصة # حكي أن الإمام زين العابدين لما أتي به إلى يزيد قال له: أنت ابن الذي ~~قتله الله!؟ فقال: أنا ابن الذي قتله الناس. فقرأ يزيد وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى فتلا الإمام زين العابدين ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها فلم يحر يزيد جوابا. وهذا من أعظم مواقف الحيرة، وإن تشعب فيه ~~طرق التأويل. # PageV01P083 # (وأما المشهد) فقال المقريزي: إن الأفضل ابن أمير الجيوش خرج في سنة إحدى ~~وتسعين وأربعمائة إلى البيت المقدس، ولما دخل عسقلان أخرج رأس الحسين من ~~مكان دارس، فعطره وحمله إلى القاهرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وبنى بها ~~ذلك المشهد الذي يشهد له بالإحسان، وكان الذي نقله إلى ms054 عسقلان من دار ~~السلاح سليمان بن عبد الملك، ولما تكامل البناء حمل الرأس على صدره، وسعى ~~به ماشيا إلى أن أحله في مقره، فكان كما قيل: # وضعوه في جدث كأن ضريحه ... في قلب كل موحد محفور # فيه السماحة والفصاحة والتقى ... وتراب تربة قبره الكافور # وفي هذا المجال قال من قال: # عجبا لهذا الدهر في أفعاله ... رأس بمصر وجثة في كربلا # يا قلب إن لم تعتبر مما ترى ... في الكون من تصريفه كر البلا # وقد اعتني الدهر بهذا المشهد، وصاروا لله المنة من أحسن عمارات مصر، وعلى ~~التربة رباط في غاية المحاسن، ومرتبات يؤدى واجبها. ولهذا المشهد يوم من ~~السنة وهو يوم عاشوراء، وفيه يقول البوصيري: # كل يوم وكل أرض لكربي ... منهم كربلا وعاشوراء # وهو يوم تجديد الأحزان، وتغيير وجه الزمان، ولو لم يكن فيه إلا إحياء سنة ~~أكثروا من ذكر هاذم اللذات وإن أعرضت عن ذلك نفوس همتها قتل المذكور بقتل ~~الذكر، إذ ليس في يدها غير ذلك. ولقد قيل: # PageV01P084 # أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب # وللشيعة في هذا اليوم سنن، منها عدم الاكتحال، وتلطف في ذلك من قال: # ولائم لام في اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين # فقلت دعني أحق عضو ... فيه بلبس السواد عيني # ومنها الندب والنياحة، وإلى الصبر مصير الجزع، وما أحسن ما قال المتنبي: # علينا لك الإسعاد إن كان نافعا ... بشق قلوب لا بشق جيوب # وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب # ومن المزارات التي بمصر مشهد السيدة نفيسة طيب الله ثراها، وهي بنت الحسن ~~ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أمها أم ولد، ولدت بمكة سنة أربع ~~وخمسين ومائة، وقدمت مصر سنة إحدى وسبعين، وبها نشأت وتزوجت بإسحاق المؤتمن ~~بن الإمام جعفر الصادق، فولدت منه القاسم وأم كلثوم ولم يعقبا، وكانت من ~~الزهد والصلاح على ما لا مزيد عليه، وحجت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن ~~وتفسره، ولا تأكل إلا في ثلاثة أيام أكلة واحدة. # ويحكى أن النيل توقف ms055 مرة فرفع إليها خبره، وما حصل بسببه من القحط، فأمرت ~~أن يلقى قناعها في النيل، فلما ألقي زاد النيل، كذا في الخطط! # ومن المزارات بمصر تربة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وفي ذلك قيل: # لما خشيت من الجحيم وحرها ... خوفا وقد ضاقت علي مسالكي # زرت الإمام الشافعي لعلني ... أجد الرضى بالشافعي من مالكي # بت بها ليلة تجاه ذلك القبر المعطر، والقراء حوله يتلون الكتاب المطهر، ~~بأحسن أداء يتحرك له الجماد ويصفو له الفؤاد، فبتنا تلك الليلة نحييها، ~~ونميت النوم ونعصي بالسهر أمره، فماله من سلطان على أعين القوم، وكانت ليلة ~~سبت مبارك، جاد بها الدهر من فضل الله تعالى وتبارك. # يا ليلة مرت لنا حلوة ... بها انتصفنا من صروف الزمان # كانت على وفق المنى ليلة ... كم جهد قولي كان فيها وكان # قال في إمتاع الأسماع: ولم يزل قبر الشافعي مزارا يتبرك به إلى سنة ثمان ~~وستمائة، حيث انتهى بناء هذه القبة التي هي على ضريحه، وقد أنشأها الملك ~~العادل ابن # PageV01P085 # أيوب، وبلغت النفقه عليها خمسين ألف دينار، وقال الشعراء في شأن هذه ~~القبة وأكثروا، فمن ذلك: # أتيت لقبر الشافعي أزوره ... فعارضني فلك وما عنده بحر # فقلت تعالى الله تلك إشارة ... تشير بأن البحر قد ضمه قبر # وقال النابلسي: # لقد أصبح الشافعي الإمام ... وفينا له مذهب مذهب # ولو لم يكن بحر علم لما ... غدا وعلى قبره مركب # القرافة # والقرافة على نحو ميلين من القاهرة، قال في المغرب في أخبار المغرب وبت ~~ليالي بقرافة الفسطاط وهي في شرقيها، وبها قبور عليها مبان معتنى بها، ~~وفيها القبة المزخرفة التي فيها قبر الإمام الشافعي، وبها مسجد وجامع، ~~ومدرسة كبيرة للشافعية، وترب كثيرة، ولا تكاد تخلو من الطرب ولا سيما ~~الليالي المقمرة، وهي أعظم مجتمعات أهل مصر. وفوق القرافة من شرقيها جبل ~~المقطم، وليس له علو ولا عليه اخضرار، وإنما يقصد للبركة والإجماع على أنه ~~ليس في الدنيا مقبرة # أعجب منها، ولا أبهى من أبنيتها، ولا أحسن تربة منها، كأنها الكافور ~~والزعفران، مقدسة في جميع ms056 الكتب، من أشرف عليها رآها كأنها مدينة بيضاء، ~~والمقطم عليها كأنه حائط من ورائها. وقال شافع بن علي: # تعجبت من أمر القرافة إذ غدت ... على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو # فألفيتها مأوى الأحبة كلهم ... ومستوطن الأحباب يصبو له القلب # PageV01P086 # وقال آخر: # إذا ما ضاق صدري لم أجد لي ... مقر نزاهة إلا القرافه # لئن لم يرحم المولى افتقاري ... وقلة ناصري لم ألق رافه # وفيها تربة الليث بن سعد الحنفي ويكون عنده سرج وخيرات وجمع، بحيث لا ~~يوجد في مكانه قدر شبر خال من القراء والفقراء والزوار، وهو مجرب لتفريج ~~المضايق، وفيه قيل: # الليث قدس سره ... وزكا أريجا نشره # ما أمه ذو كربة ... إلا وآذن بشره # قال ابن خلكان: إن الليث كان حنفي المذهب وإنه ولي القضاء بمصر، وإن ~~مالكا أهدى إليه صينية تمر فأعادها مملوءة ذهبا، توفي سنة خمس وسبعين ~~ومائة، وسمع من الهاتف عند دفنه: # دفن الليث فلا ليث لكم ... ومضى العلم غريبا وقبر # وهنالك تربة الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدس الله سره، وهي تحت ~~العارض، وهو مفازة بجبل المقطم، وفيه يقول أبو الحسين القصاب: # لم يبق صيب مزنة إلا وقد ... وجبت عليه زيارة ابن الفارض # لا غرو أن يروي الصدي ولحده ... أبدا ليوم العرض تحت العارض # ولابن حجلة: # سقى السفح من ذيل المقطم عارض ... تعارضه من دمع عيني مواطره # PageV01P087 # فكم فيه من صب قضى وغرامه ... أوائله لا تنقضي وأواخره # وهذه التربة تجلو عن القلب الصدأ، وترشده إلى سبيل الهدى، وفيها يجد ~~الفؤاد من السرور ما يملأ ألف واد، قال في البرق الوامض: ولد ابن الفارض ~~لست وأربعين وخمسمائة، وحدث عن القاسم بن عساكر وسمع منه الحافظ المنذري ~~وروى شعره، قال: وكان قد جمع بين الجزالة والحلاوة في شعره. وكان أبوه ~~يتولى الفروض بالقاهرة، قال ابن خلكان: كان على قدم التجريد، كثير الخير، ~~جاور بمكة زمانا، وكان محمود العشرة. وفي تذكرة الكندي قال: حدث شيخنا شهاب ~~الدين محمود، أن ابن الفارض كان قاضيا، فلما كان في بعض الأيام ms057 من يوم جمعة ~~دخل المسجد للصلاة وقت الخطبة، فوجد شخصا يغني فنوى تأديبه، فلما انقضت ~~الصلاة وانتشر الناس، برز، فناداه المذكور أن أقبل، فلما أقبل أنشده: # قسم الإله الأمر بين عباده ... فالصب ينشد والخلى يسبح # ولعمري التسبيح خير عبادة ... للناسكين، وذا لقوم يصلح # فكان ذلك سبب زهده وفراق رسوم تهامته ونجده، وفي تذكرة الصلاح للصفدي أنه ~~لما اجتمع بالشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة المشرفة أنشده: # PageV01P088 # في حالة البعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأرض عني فهي نائبتي # وهذه نوبة الأشباح قد حضرت ... فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي # وتوقف النيل في أيامه، فأرسل إليه الملك الكامل وهو بالروضة، فكتب رقعة ~~وأمرهم أن يلقوها في النيل، فلما ألقوها فيه زاد وغمر البلاد، وهي هذه ~~الأبيات: # يا أيها النيل المبارك إن تكن ... من عند ربك تأت فاجر بأمره # أو إن تكن من عند نفسك آتيا ... فالله يبسط بره في بره # كم من بلاد لست تسلك أرضها ... ملأ الإله بيوتها من بره # قال الصليبي اللعين بكفره ... والكفر يركض في جوانب صدره # مسرى سرى والنيل أضحى واقفا ... والدمع يجري من توقف بحره # ومضى النسيء وليس فيه زيادة ... إن النسيء زيادة في كفره # نحن الألى فزنا بجاه محمد ... وبدينه وبفضله وبفخره # فغنينا يرجوه ذخر غنائه ... وفقيرنا يرجو نداه لفقره # يا بر إن البر أصبح غاليا ... فارخص بحق ما غلا من سعره # وأفض على السد المبارك ماءه ... واكسره رب فجبرنا في كسره # ومن أحسن ما رأيت بمصر المحروسة خان الخليلي فإنه كنز جمع من المحاسن ~~أسناها، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن سعته وتشعب طرقه يكاد ~~يكون مدينة مستقلة، وفيه قيل: # كل أرض قد تسامت ... باقتضا أمر جليل # فعليها مصر جلت ... إذ حوت خان الخليل # PageV01P089 # ورأيت بها محلا يسمى الماورديين، يحويه ثمانية أبواب، وهو مرتب الوضع ~~متشعب، يكاد يضل فيه من لم يعرفه، بل ويقول بلسان الحال: # لا تسلكن طريقا لست تعرفها ... بلا دليل فتهوى في مغاويها # وقد جمع أنواع العطر وأصناف الثياب، إلى غير ms058 ذلك من المحاسن واللطائف، ~~وبقربه صاغة اليهود، ولها سبعة أبواب، فلهما مناسبة بالجنة والنار، من حيث ~~عدد الأبواب والكفر والإسلام. # بولاق # ومن محاسن مصر بولاق وما أدراك ما بولاق!!؟ ساحل ساح له السواح، وسح له ~~سحاب الغدو والرواح، ودارت أفلاكه بالدراري، وجرت فلكه بخزائن الأرض # في ذلك البحر الجاري، وغنى في رياضه الشحرور والهزار، وترنم الشادي في ~~محاسنه ببديع الأشعار: # سقى الله هاتيك المعاهد من مصر ... بلاد بها قد كان بيتي على البحر # وخود تراءت من خلال قصورها ... كما لاح من بين السحاب سنا البدر # إذا احتجبت عنا بفاضل برده ... رأيت لها ذيلا على دمية القصر # أعاذل في أهواء بولاق إن تكن ... محبتها ذنبي فإن الهوى عذري # إذا كنت في مصر ولم تك نازلا ... على نيلها الجاري فما أنت في مصر # سقى الجيزة الريا سحاب مقطب ... كما لقيتنا بالتأنس والبشر # رحلت إلى تحصيل لذاتها التي ... سمعت بها عنها إلى ما ورا النهر # نهار قصير فاق عمري كله ... فيالك يوم لا أرى مثله عمري # تباكرني يا صاح بالراح عصبة ... تراهم لفرط الألف كالماء والخمر # ومنيتها قد أصبحت لي منية ... وأمسيت لا أختار مصرا على مصر # وقال: # لم لا أهيم بمصر ... وأشتهيها وأعشق # ولم تر العين أحلى ... من مائها إن تملق # وقد طال حديث مصر وزاد، ولكن بحسب ما قيل: # أخبار مصر حديثها من حسنه ... يحلو لأن اللفظ منه سكر # PageV01P090 # يحلو إذا كررتموه وحسبكم ... بالسكر المصري حين يكرر # وأقول كما قيل: # أعد ذكر من حل الغضا يا معذبي ... وإن أضرموه بالأضالع والصدر # ولا تنس سكان العقيق وإن هم ... على وجنتي أجروه في مدة الهجر # وهذه قطعة من المقاطيع الحسنة، والنوادر المستحسنة، حسبما تيسر جمعها من # تلك الديار المصرية نقاية ونقلا، ورواية وإملاء، لئلا تخلو هذه الورقات ~~من فائدة، ولتكون صلة تلك الأبيات الأبيات عليها عائدة، فمن ذلك للفاضل أبي ~~الفتح البستي ولقد أفاد وأجاد: # إذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى ... وسيرته عدلا وأخلاقه حسنا # فبشره أن الله أولاه فتنة ... تغشيه حرمانا ms059 وتوسعه حزنا # وقال آخر: # أفد العلم ولا تبخل به ... وإلى علمك علما فاستزد # من يفده يجزه الله به ... وسيغنى الله عمن لم يفد # وقال: # لا تمنعن العلم طالبه ... فسواك أيضا عنده خبر # كم من رياض لا أنيس بها ... هجرت لأن طريقها وعر # وقال: # اجعل نديمك دفترا في ضمه ... حكم العلوم وطيها في نشره # لتنال آدابا وتكسب عزة ... تغنيك عن زيد الزمان وعمره # وقال: # العلم يأتي كل ذي ... خفض ويأبى كل آبي # كالماء ينزل في الوها ... د وليس يصعد في الروابي # PageV01P091 # وقال: # ألا لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن مجموعها ببيان # ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وهمة أستاذ وطول زمان # وقال: # بعشر تنال العلم قوت وصحة ... وحفظ وفهم ثاقب في التعلم # ودرس وحرص واغتراب وهمة ... وشرخ شباب واجتهاد معلم # قال: # علم الحديث فضيلة تحصيلها ... بالسعي والتطواف في الأمصار # فإذا أردت حصوله بإجازة ... فقد استعضت الصفر بالدينار # # فائدة # # قال الجلال السيوطي في الإتقان في النوع الرابع والثلاثين، في كيفية تحمل ~~القرآن: الإجازة من الشيخ، غير شرط في جواز التصدي للإقراء والإفادة، فمن ~~علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد، وعلى ذلك السلف الأولون ~~والصدر الصالح، وكذلك في كل علم في الإقراء والإفتاء خلافا لما يتوهمه ~~الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا، وإنما اصطلح الناس على الإجازة لأن أهلية ~~الشخص لا يعلمها غالبا ممن يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم، لقصور ~~مقامهم عن ذلك والبحث عن الأهلية، ولا تجب الإجازة على الشيخ ولا يجوز أخذ ~~الأجرة عليها. # ومليحة شهدت لها ضراتها ... والفضل ما شهدت به الأضداد # والشاطبي: # قل للأمير نصيحة ... من حاذق فطن نبيه # إن الفقيه إذا أتى ... أبوابكم لا خير فيه # PageV01P092 # وما أحسن ما قال: # إذا الفتى فاته مال يجمله ... ففي التأدب مما فاته خلف # هو اللباس الذي لا شيء يعدله ... والمفخر الزين فيه الفضل والشرف # وقال: # كفى شرفا بالعلم دعواه جاهل ... ويفرح أن يدعي إليه وينسب # ويكفي خمولا بالجهالة أنه ... يراع متى يعزى إليه ويغضب # وقال: # إذا ms060 ما اعتز ذو علم بعلم ... فعلم الفقه أولى باعتزاز # فكم عرف يفوح ولا كمسك ... وكم طير يطير ولا كباز # وقال: # وقد يدعي علم القراءات معشر ... وباعهم في النحو أقصر من شبر # فإن قيل ما إعراب هذا ووزنه ... رأيت طويل الباع أقصر من فتر # وقال: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان # وجرى في العلوم جري سكيت ... خلفته الجياد يوم الرهان # وما أصدق ما قال: # كل من يطالب العلوم وحيدا ... دون شيخ فإنه في ضلال # ليس في الكتب والدفاتر علم ... إنما العلم في صدور الرجال # PageV01P093 # وقال: # اليوم حرف وغدا مثله ... من نخب العلم التي تلتقط # يحصل المرء بها حكمة ... وإنما السيل اجتماع النقط # وقال: # قيد بخطك ما يبديه فكرك من ... نتيجة تعجب الحذاق والفضلا # فما نتائج فكر المرء بارزة ... في كل وقت متى ما شاءها فعلا # وقال: # جئنا إلى العلم في زمان ... يحط فيه من كان عالم # ويرتقي فيه للمعالي ... من عده الله في البهائم # وقال: # لو أن لقمان الحكيم الذي ... سارت به الركبان في الفضل # يبلى بفقر وعيال لما ... فرق بين التيس والبغل # وقال: # فصاحة حسان وخط ابن مقلة ... وحكمة لقمان وزهد ابن مريم # لو اجتمعت في المرء والمرء مفلس ... ونودي عليه لا يباع بدرهم # وقال: # إذا ما مات جارك ذات يوم ... ولست بواجد حب العشاء # فأنت بأن يعزوك اليتامى ... أحق من اليتامى بالعزاء # PageV01P094 # وقال: # إن كنت تسعى للزيادة فاستقم ... تنل المراد وقد سموت إلى السما # ألف الكتابة وهو بعض حروفها ... لما استقام على الحروف تقدما # ابن زيادة في النقصان: # من يستقم يحرم مناه ومن يزغ ... يختص بالإسعاف والتمكين # انظر إلى الألف استقام ففاته ... نقط وفاز به اعوجاج النون # وقال آخر: # ما للقريض غدت تعاف بحوره ... بين الأنام ودوحه لم يثمر # غلب الكساد عليه حتى أنه ... لو بيع عند النجم غاب المشتري # وقال: # يا من يحاول راحة في دهره ... صبرا على ما نلت من خطب عسر # وكن اسم فعل لا يؤثر عامل ... فيه وإلا فالضمير المستتر # وقال: # سرك ms061 إن أودعته ثانيا ... فاعلم بأن قد آن أن يفشيه # لأن ما أضمر في حالة ال ... إفراد تستخرجه التثنيه # وقال: # إياك من صاحب ترجو معونته ... أو فتية من بني الأيام تألفها # ولا تقل أبتغي ثان أضاف به ... فإن تثنية الأسماء تكشفها # وقال: # إذا نلت المنى بصديق ود ... وكان وفاقه وفق المراد # فحاذر أن تعامله بقرض ... فإن القرض مقراض الوداد # قال: # لا تقرضن الصديق شيئا ... إن رمت أن تقتني وداده # PageV01P095 # فالأخذ مثل النكاح حلو ... والرد أنكى من الولاده # وقال: # تأن وشاور لدى المشكلات ... فمنها جلى ومستغمض # فرأيان أثبت من واحد ... ورأى الجماعة لا ينقض # وقال: # إذا اجتمع الناس في واحد ... وخالفهم في الرضى واحد # فقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسد # وقال: # على قدرك الصهباء تعطيك نشوة ... ولست على قدر السلاف تصاب # ولو أنها أعطتك يوما بقدرها ... لضاقت بك الأكوان وهي رحاب # وقال: # لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لا ابن أمسه # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # وقال: # لعمرك ما الإنسان إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب # فقد فاز بالإسلام سلمان فارس ... وقد حط بالجهل الشريف أبو لهب # وقال: # هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... فيما يحدث كعب وابن مسعود # إن دام ذا الحال لم نحزن على أحد ... يموت منا ولم نفرح بمولود # وقال: # من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموت لأعتقا # في الموت ألف فضيلة لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا # PageV01P096 # وقال: # قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف # منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف # وقال: # جزى الله عنا الموت خيرا فإنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف # يعجل تخليص النفوس من الردى ... ويدني من الدار التي هي أشرف # وقال: # جزى الله الشدائد كل خير ... وإن جرعنني غصصي بريقي # وما شكري لها إلا لأني ... عرفت بها عدوي من صديقي # وقال: # يمثل ذو اللب في نفسه ... مصائبه قبل ms062 أن تنزلا # فإن نزلت بغتة لم يرع ... لما كان في نفسه مثلا # وقال: # إذا المرء من أعداه لم يشف نفسه ... فما نفعه إن قام للثار طالب # ومن لم يطب منه الثنا في حياته ... فلا نفع إن أثنت عليه النوادب # وقال: # لا تستدل على تغير صاحب ... وزوال صحبته وخفر ذمامه # يوما بأوضح من تجشم وجهه ... وجفاء منطقه وسخط ملامه # وقال: # ما دمت حيا فدار الناس كلهم ... فإنما أنت في دار المدارة # من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديما للندامات # وقال: # عود لسانك حسن القول تنج به ... من زلة اللفظ بل من زلة القدم # واحذر زمانك من خل تنادمه ... إن النديم لمشتق من الندم # PageV01P097 # وقال: # لا تحقرن امرءا إن كان ذا ضعة ... فكم وضيع من الأقوام قد رأسا # ورب قوم حقرناهم ولم نرهم ... أهلا لخدمتنا صاروا هم الرؤسا # وقال: # وكنت أظن أن جبال رضوى ... تزول وأن ودك لا يزول # ولكن القلوب لها انقلاب ... وأحوال ابن آدم تستحيل # وقال: # إن الصفا في شرب كل مودة ... لم يخل من كدر لمن هو وارد # فإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد وأين ذاك الواحد # وقال: # قوض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إن الذل مجتنب # وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه خشب # وقال: # تفقد السادات خدامهم ... مكرمة لا تنقص السؤددا # هذا سليمان على ملكه ... قد قال مالي لا أرى الهدهدا # وقال: # ترى الفتى ينكر فضل الفتى ... ما دام حيا فإذا ما ذهب # لج به الحرص على نكتة ... يكتبها عنه بماء الذهب # قال: # يا سادتي هل يخطرن ببالكم ... من ليس يخطر غيركم في باله # حاشاكمو أن تغفلوا عن حال من ... هو غافل في حبكم عن حاله # وقال: # نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم # ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم # PageV01P098 # وقال ابن الرومي: # إذا سرها أمر وفيه مآثم ... قضيت لها فيما تريد على نفسي # وما مر يوم أرتجي فيه راحة ms063 ... فأذكرها إلا بكيت على أمسي # قال: # أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني # وألثم فاها كي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان # وقال ابن مكانس: # ثلاث تجمعن في ريقها ... ملاح أدلتها واضحه # فإن قيل ما هي تلك الثلاث ... قل اللون والطعم والرائحه # وقال آخر: # زارت معطرة الشذى ملفوفة ... كي تختفي فأبى شذا العطر # يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... فتناظموا في اللف والنشر # وفي حركات البناء لابن الحنبلي: # ضممت إلى صدري فتاة صغيرة ... لها سحر أجفان تخلى عن الذم # ومذ كسرت أجفانها قلت هذه ... على الفتح لم تقدر فمالي سوى الضم # وفي المعنى: # شاقني ردف مليح ... لحروف النحو يجمع # يفتح الجزم لنصب ... ولأجل الجر يرفع # وقال آخر: # تأخرت عن موقفي ... فقلت يا خود قفي # ثم عديني موعدا ... ختامه مسك وفي # وقال آخر: # العيش دار رحبة وحليلة ... حسنا ومهر فاره # PageV01P099 # فاظفر بهن ولا تبالي فالورى ... إما محب مخلص أو كاره # وقال مهيار الديلمي: # وكنت ألوم العاشقين ولا أرى ... مزية ما بين الوصال إلى البعد # فأعدى إلي الحب صحبة أهله ... لم يدر قلبي أن داء الهوى يعدي # وقال آخر: # أملت أن يتعطفوا بوصلكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى # وعلمت أن جفاكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى # وقال الصفدي: # يا من تناسى ودادي بعد معرفة ... وقد غدا طوع لوام وعذال # ما أنت أول محبوب ظفرت به ... من الزمان فخابت فيه آمالي # وقال آخر: # تعشقت بدرا ليس لي فيه مطمع ... سوى أنني في حسنه أتفكر # مليح إذا قابلته ورأيته ... رأيت محل البدر من أين يسفر # وقال آخر: # سارقته نظرة أطال بها ... عذاب قلبي وما له ذنب # يا جور حكم الهوى ويا عجبا ... يسرقني ويقطع القلب # وقال آخر: # يا أيها الناس من رأى قمرا ... من أي أفق أراده طلعا # لو كلف العلمين قاطبة ... أن يعبدوا وجهه لما منعا # وقال آخر: # مداده في الطرس لما بدا ... قبله الصب ومن ms064 يزهد # PageV01P100 # كأنما قد حل فيه اللمى ... أو ذاب فيه الحجر الأسود # وقال آخر: # ولقد أقول لمن تعشق أغيدا ... أو غادة وغدا أسير وثاق # ما مذهبي عشق الجمال مقيدا ... بل عشقه ديني على الإطلاق # قد كان في ذكر الذين أحبهم ... ذكرى اللبيب وعبرة الأشواق # فاخلع محبة من يموت وخذ بنا ... يا قلب في عشق الجمال الباقي # وقال: # يا قلب إن خان الخليل فخله ... فلكم فتى ذاق العنا من خله # ولرب حادثة تخلى عندها ... من كنت أرخص مهجتي من أجله # وقال: # لا غرو من حزني لبينهم ... يوم النوى وأنا أخو الهم # فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم # وقال: # سامح أخاك إذا أتاك بمنكر ... فخلوص شيء قلما يتمكن # ولكل شيء آفة من جنسه ... إن السراج على سناه يدخن # ما أنصح ما قال: # مع العلم فاسلك حيث ما سلك العلم ... وعنه فكاشف كل من عنده فهم # ففيه جلاء للقلوب من العمى ... وعون على الدين الذي أمره حتم # فإني رأيت الجهل يزري بأهله ... وذو العلم في الأقوام يرفعه العلم # يعد صغير القوم وهو كبيرهم ... وينفذ منه فيهم القول والحلم # PageV01P101 # فأي رجاء في امرئ شاب رأسه ... وأفنى شبابا وهو مستعجم فدم # يروح ويغدو الدهر صاحب بطنه ... تركب في أحشائه الشحم واللحم # إذا سئل المحروم عن حال أمره ... بدت رحضاء العي في وجهه تسمو # فهل أبصرت عيناك أقبح منظر ... من الشخص لا علم لديه ولا حلم # ومن مدمن شرب المدام وما درى ... بما في مناهي شربها ما أتى الحكم # هي الحالة الشنعاء فاحذر عقوبة ... أوائلها خزي وآخرها ذم # وخالط رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زين وخلطتهم غنم # ولا تعد عيناك عنهم فإنهم ... نجوم إذا ما غاب نجم بدا نجم # فوالله لولا الله ما اتضح الهدى ... ولا لاح من غيب السماء لنا رسم # ما أسلم ما قال: # تجاوزت حد الأكثرين إلى السها ... وجاوزت واستبقيتهم في المراكز # وخضت بحارا ليس يدرك غورها ... وألقيت نفسي في فسيح المفاوز # ولججت في الأفكار ثم تراجع اخ ... تياري إلى استحسان ms065 دين العجائز # وما أرجى ما قال: # إلهي أنت تعلم أن عجزي ... بعفوك من عذابك يستجير # وإني يا غنيا عن عذابي ... إلى أن لا تعذبني فقير # وإنما حبرت هذه الأوراق من محاسن هذا الشعر بما رق وراق، لميل القلوب ~~إليها وما في النفس من الإقبال عليها، كما قيل: # PageV01P102 # لا شيء أحلى في مسامع مغرم ... يلهو به سوى الأشعار # فطروسها تحكي الرياض وإنها ... لذوي المعاني لذة الأبصار # قال ابن منير الثعالبي: وما زال السلف يحفظون الشعر حديثا وقديما، ~~ويتخذونه في الحوادث نديما، وينشدونه حال المجالسه، ويوردون دقائقه في ~~أوقات المخالسه، والآثار المسندة، والأخبار الممهدة، في شأنه حجج قوية، ~~ومحجة ضوئية، ويكفي في فضله أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد بعض أصحابه ~~من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مائة قافية وأن عمر مر بحسان وهو ينشد ~~الشعر في المسجد فنظر إليه شزرا، فقال له: كنت أنشد وفيه من هو خير منك ~~وهذا الخبر رواه البخاري وغيره، وما نقل من استحباب الوضوء بعد إنشاد ~~الشعر، فمحمول على الشعر الهجو. وأما ما يترتب عليه من الثواب والعقاب؛ ~~فليس من جهة الشعرية، وإنما هو من حيث المضمون، وقد قيل في قوله تعالى: وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له أن المراد قبيحه. # هو الشعر لا شيء سواه وإنه ... لأحسن ما قد قال قس وسحبان # يعنى به صب ويمدح محسن ... ويرثى به ميت ويعطف غضبان # ونعود إلى ما نحن بصدده ونندرج فيما نحن من عدده: # ولما طاب زمن الربيع وأوانه، واخضرت رياضه واخضلت أغصانه، تصمم العزم على ~~السفر، وركوب البحر وإن كان فيه الخطر، وقد أزهر جوانب تلك البقاع، وغردت ~~على دوح أفنانها في الأسحار بلابل الأطيار فلذ السماع، وكنت # PageV01P103 # لا أبغي الرحلة عن تلك المدينة، أو أشهد بها يوم الزينة، ولكن ليس ~~للإنسان ما تمنى، وربما سعى المرء إلى ما لم ينل وتعنى: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # فبرزت من تلك الروضة، وفارقت محاسن هاتيك الغيضة، ولي طبيعة ms066 تسمو إلى زمن ~~الربيع، وتتشوف إلى نشو النبات المريع، أجد من النفس نشاطا في أيامه، ~~ويهيجني نشر رنده وخزامه، وكان يقال من لم تطربه نغمات الأوتار؛ ولم يتحرك ~~لتغريد الأطيار؛ ولم يعجب لبديع الأزهار؛ ولم يهتز لنسمات الأسحار؛ هو فاسد ~~المزاج محتاج إلى العلاج. ولله در القائل: # ما مثل مصر في زمان ربيعها ... ما بين ماء واعتلال نسيم # أقسمت لا تحوي البلاد نظيرها ... لما نظرت إلى جمال وسيم # وقال: # استنشقوا الهوى الربيع فإنه ... نعم الصديق وعنده ألطاف # يغذي الجسوم نسيمه فكأنه ... روح حواها جوهر شفاف # فكان البروز من مصر المحروسة إلى بحر بولاق؛ ذات البها والإشراق؛ في يوم ~~الجمعة المبارك، بعون الله تعالى وتبارك، في تاسع ربيع الأول: # وخلفت مصر من ورائي وخاطري ... بمصر ولكن أين من ناصري مصر # بلاد بها ما يشتهي متيسر ... على جيدها يا حبذا اللف والنشر # فأكملت ذلك النهار مع الأخلاء الأخيار؛ من أهل الحرمين الشريفين ممن ~~نقلتهم يد الأقدار إلى هاتيك الديار، ونحن نتشاكى البعاد ونجدد عهود ~~الوداد، إلى أن آذنت الشمس للغروب وأشرقت كواكب الكروب، فوقفت لهم موقف من ~~ضل الرشاد، وتقرحت لفراقهم الأكباد، واستودعهم الله تعالى؛ والمدامع تترادف ~~وتتوالى، وقد عزمت على الذهاب، وأخذت في الإياب. # ذهبت وقد سد الغرام مذاهبي ... وقلبي إلى نحو الأحبة يجبذ # ذهلت فما أدري إلى أين قادني ... قضاء على الإنسان يجري وينفذ # PageV01P104 # ثم نزلت ذلك النيل في معاش صحبة رجل من الروم، لا يجد لديه المؤمل من ~~الوفاء ما يروم، وكنت أتوخى فيه مكارم الأخلاق، وأزعم أنه من أحسن الرفاق، ~~فوجدته بضد ما أملته: # وما كل وجه أبيض بمبارك ... ولا كل جفن ضيق بنجيب # أو هو كما قال: # أملته ثم تأملته ... فلاح لي أن ليس فيه فلاح # وإن من ينزل آماله ... بحادث السعد قليل النجاح # ولما أرخى الليل قناعه، ومد علينا شراعه، سرينا وقد ألقى البدر نوره، ~~ونشر الروض بالتعريف نوره، فسرنا والليل يسري، والكواكب تسير والنهر يجري، ~~وكأنما النيل بحر لجين في تموجه، أو خد ذي دلال ms067 في تضرجه، وقد قلبتنا ~~أصابعه، وتكسرت بتلك الأمواج أضالعه، حتى أسفر الصباح، وشعشع ضياؤه ولاح، ~~فإذا نحن في سيران ما بين جنان. # والماء تلعب أطراف النسيم به ... ما بين ماض وآت أي تلعاب # كأنه زرد الدرع المضاعف أو ... نقش المبارد أو تفريك أثواب # أو كما قيل: # النهر مولى والنسيم خديمه ... هذا الكلام ليس فيه تشكك # لو لم يكن في خدمة النهر انبرى ... ما كان يصقل ثوبه ويفرك ### || فائدة # قال السيوطي عند قوله تعالى فأخرجناهم من جنات وعيون: كانت الجنان بحافتي ~~النيل من أسوان إلى رشيد، وكلها كانت تروى من ستة عشر ذراعا، فسبحان الحكيم ~~الذي لم يزل. # PageV01P105 # ولما ارتفعت الشمس أكتسى الجو بالغمام، فاعتقدنا ذلك من تمام الإنعام، ~~ولم نزل كذلك، نسلك هاتيك المسالك، وأنا في ألذ نعيم، ما خلا النديم، وفي ~~ذلك أقول: # ليست على الحر اللبيب مشقة ... بأشق من أن لا يرى أمثاله # ذاك الغريب وإن يكن في أهله ... وا رحمتاه له لما قد ناله # ما أصدق ما قال الحسن بن شذقم: # وليس غريبا من نأى عن دياره ... إذا كان ذا مال وينسب للفضل # وإني غريب بين سكان طيبة ... وإن كنت ذا مال وعلم وفي أهلي # ولبس ذهاب الروح يوما منية ... ولكن ذهاب الروح في عدم الشكل # يحكى أن سليمان عليه السلام، لما أراد بالهدهد أشد العذاب، أشار عليه ~~وزيره آصف بن برخيا بحبسه في غير جنسه، وما أعجب ما قال: # قد سمعت الصدا وذاك جماد ... كل شيء تقول رد عليكا # وعلى ذكر الهدهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن الهدهد يرى الماء ~~من تحت الأرض، قيل له: فلم لا يرى الفخ إذا انقض عليه؟ فقال: إذا نزل القضا ~~عمى البصر. # هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر # ومن محاسن النواجي: # اركب النيل ما استطعت ففيه ... راحة للفتى وغاية بغيه # كم تنزهت حين سافرت فيه ... في بلاد وكم ظفرت بمنيه # وابن تميم: # انظر إلى سير المراكب إذ بدت ... والماء يعلو حولها ويدور ms068 # PageV01P106 # مثل السحائب لا يفرق بينها ... نظر، وكل بالرياح يسير # وللفيومي: # في النيل أعلام بدت ... بيض كأيدي المحسنينا # وإذا خفقن من الهوى ... تحكي قلوب العاشقينا # ولابن قلاقس: # انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق # غابت وألقت شعاعا منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق # وقال آخر: # الشمس فوق النيل قد ... ألقت شعاعا كاللهب # فحكى مسنا أخضرا ... وعليه حك من ذهب # وقال: # البدر فوق النيل قد ... ألقى شعاعا يأتلق # فحكى مسنا أزرقا ... وعليه حك من ورق # ولما كان الفجر من اليوم الثالث نزلنا بمرسى رشيد، المحفوفة بعناية الله ~~وفيضه المديد، فقلت إن كان سفر البحر كذلك، فما هو إلا راحة من المشاق ~~والمهالك، ولم أدر أنه قياس مع الفارق، وأن تشبيه الحميا بماء المحيا غير ~~مطابق. # يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب # ولما أشرقت بها الغزاله، قصدنا من روضها ظلاله، فنزلنا من ساحتها بوكالة ~~الوزير محمد باشا، فإذا هي بناء محكم الأساس، وبها وجوه من الناس، مأمونة ~~الخيانة أمينة على الأمانة، مع كثرة ما يردها من غمار البشر، وبني الرذالة ~~والأشر، فوضعت بها الأسباب، وأقمت بها في ظل ذلك الجناب، أقلب الطرف فيما ~~رق وراق، وأطوف بأكنافها البهية مع الرفاق. # حشاي على جمر ذكي من النوى ... وعيني في روض من الحسن ترتع # PageV01P107 # ثم نزلت بدار صادق الأخوة والاعتقاد، وكامل الفتوة نور الدين العقاد، ~~جزاه الله خير الجزاء، وأولاه عواطفه المتنوعة الأجزاء، فلقد رأيت منه ~~كمالا لا أحصيه، وإفضالا لا أستقصيه، ثم لازلت أتفيأ ظلال هاتيك البلاد، ~~وأسعى فيها لجوامع العباد، وأتنزه في قصورها المونقة، وبساتينها المورقة: # فيا حسن هاتيك الديار وتربها ... فكم قد حوت حسنا يجل عن العد # ولا سيما تلك النواعير إنها ... تجدد حزن الواله المدنف الفرد # أطارحها شجوي وصارت كأنما ... تطارح شجواها بمثل الذي أبدي # وفي شاطئ النيل المقدس نزهة ... تجدد ما قد فات من سالف العهد # سماء من البلور فيها كواكب ... عجيبة صنع اللون مصقولة الخد # ومن مرج البحرين أي ms069 عجائب ... تلوح وتبدو من قريب ومن بعد # فكم قد نعمنا في ظلال رياضها ... بعيش هنيء في أمان وفي سعد # فمن لي بها لو أن صحبي بحبها ... ومن لي بها في غير بلوى ولا جهد # غريبة # دخلت يوما إلى الجامع الكبير فرأيت متكلما، وقد طال به البحث في مسألة ~~الجوهر الفرد، إلى أن انجر الكلام إلى القول بوحدة الوجود، وقد كثر ~~الهذيان، فإذا بأشعث # في هيئة المجانين، وقد تناول كراسا من بين يدي الشيخ، وكتب على حاشيته ~~شيئا ونهض كالمغضب، فإذا المكتوب: # وتكفيك من ذاك المسمى إشارة ... ودعه مصونا بالجمال محجبا # وبالجملة فإن هاهنا تتطاير الرؤوس من أجسادها، والنفوس من موادها، أو كما ~~قيل: # مرام شط مرمى العقل فيه ... ودون مداه بيد لا تبيد # أو كما قيل: # أتيت بيوتا لم تنل من ظهورها ... وأبوابها عن قرع مثلك سدت # PageV01P108 # (مسألة والحديث شجون) قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في رسالته كشف ~~الحجاب: وسألوني عن الاتحاد، الذي تشير إليه أهل الإلحاد، هل المراد أن ~~ترجع صورة العبد هي عين الحق، أم المراد غير ذلك؟ فأجبتهم: المراد بالاتحاد ~~في لسان القوم: فناء مراد العبد في مراد الحق، فلا يصير للعبد مراد مع الحق ~~إلا بحكم التبعية، وهذا الحق ليس به خفاء، فدعني عن ثنيات الطريق، وفي هذا ~~الكلام كلام، قلما يخلو من الملام، أنشد لنفسه ابن أبي الحديد المعتزلي: # أفنيت خمسين عاما معملا نظري ... فيه فلم أدر ما آتي وما أذر # من كان فوق عقول القايسين فما ... ذا يدرك الفكر أو ما يبلغ النظر # وأحسن منه: # وما البحث في الآثار إلا مبعد ... عن المقصد الأسنى إلى الغاية القصوى # فلا تقتنع بالقشر دون لبابه ... ولا تحتجب بالباب عن حضرة النجوى # وما أحسن قول المتأدب: # تعشقت رب الحسن لما رأيته ... عيانا فجاهدت الهوى في سبيله # ومن حجبت عنه محاسن وجهه ... فغايته أن يهتدي برسوله # وقال: سئلت إذا كان لا حلول ولا اتحاد، فما القوة الحاملة للعبد؟ هل هي ~~عين أم غير؟ فإن قلنا هي غير فقد قام ms070 العبد بنفسه وهو محال، وإن قلنا هي ~~عين، فهو عين القول بالحلول، وما معنى كنت سمعه الذي يسمع به؟ فأجبت: هذه ~~المسألة لا ترتفع الشبهة فيها بالكلية إلا بالكشف، فاعملوا على جلاء مرآة ~~قلوبكم بالأعمال السنية، وإلا فالعقل في حيرة من ذلك، ومعنى الحديث: وما ~~رميت إذ رميت وأكثر من ذلك لا يقال، كما قال: # فما كل معلوم يباح مصونه ... ولا كل ما أملت عيون الظبا يروى # وعلى ذكر الحلول، فما أحلى قول أبي البركات الحاتمي: # لي حبيب لو قيل ما تتمنى ... ما تعديته ولو بالنون # PageV01P109 # أشتهي أن أحل في كل طرف ... فأراه بلحظ كل العيون # قال: وسئلت: هل وصل أحد إلى التنزيه المطلق الذي لا يشوبه تقييد؟ فأجبت: ~~لم يصل أحد إلى ذوقه، وإنما يصل الناس إلى العلم به، لأنه سمع في الشرع ولم ~~يوجد في العقل، وغاية الإطلاق تقييد، لأنك لا تطلق الحق إلا بعد تعقله ~~تقابله من التقييد فافهم،، والعجب من الذي وسع الأول كيف لا يسع الآخر! # إذا لام فيها الشيخ طفل غرامها ... على سكره فالشيخ كالطفل يلعب # ورأيت برشيد قبطيا قد جمع شتات الأدب، وطبع على محاسن الفصاحة ودأب، يقول ~~من يراه يميس في برد آدابه الجميلة، تعالى فضل الله أن يؤخذ بالحيلة، سمعت ~~منه للعتبي: # يا جاهلا قدر المحبة ساءني ... ما ضاع من كلفي ومن تبريحي # سيان عندك مغرم بك واله ... وخلي قلب فيك غير جريح # لو كنت أعلم أن طبعك هكذا ... لم أعص يوم نصحت فيك نصيحى # ما كان في عزمي السلو وإنما ... ألزمتنيه لكثرة التقبيح # وأنشدني للصفدي: # أنا والحبيب ومن يلوم ثلاثة ... لهم بديع الحسن أصبح ينتمي # فلي الجناس لأن دمعي عن دمي ... يجري ألست تراه مثل العندم # وله مطابقة التواصل بالجفا ... ولعازليه لزوم ما لم يلزم # ومن كلامه: # هذي رشيد وكم حوت من روضة ... غنا وقصر في الرياض مشيد # من لم يقبل بصفاء بهجة نيلها ... وبهائها تلقاه غير رشيد # ولم يكن في رشيد مما يعاب به، إلا ما فيها من مظاهر ms071 الاسم القاهر، وهم # PageV01P110 # الجند المستعبدون والعبيد المعتقون، والقبط المستعربون والأحداث ~~المستغربون، ومن حكمه: ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك: المرأة، والمملوك، والقبطي ~~من أهل مصر. # إن العبيد إذا ذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا # وفي ذلك سر التسخير إذ لا تكون الطاعة إلا عنه. ومن كلامه: ثلاثة يعدون ~~من المجانين وإن كانوا عقلاء: السلطان والسكران والغضبان. والعبرة بعموم ~~اللفظ عند العقلاء: # سكرات خمس إن رمي المر ... ء بها صار ضحكة الشيطان # سكرة المال والحداثة والجا ... ه وسكر الشراب والسلطان # ومن أمثاله: لا يخلو المرء من ودود يمدح، وحسود يقدح، فلا تبذل رقك لمن ~~لا يعرف حقك. وممن تشرفنا بحضرته وتملينا بجمال طلعته، مشيد أركان الشرع ~~الشريف، المورق غصن مجده الوريف، مولانا مؤمن زاده، لا زال يفتح له من ~~مكارم الأخلاق باب الزيادة، فلقد أمدني بجاهه الوجيه، وحقق لي ما كنت ~~أرتجيه. # سم سمة تحمد آثارها ... واشكر لمن أعطى ولو سمسمه # ومما أنشدنيه المولى نور الدين سلمه الله تعالى: # أما والذي أصفاك مني مودة ... فأضحى لها في ساحة القلب مغرس # لئن ظل بي من فقد وجهك موحش ... لقد بات لي من فكرتي فيك مؤنس # أناجيك بالإضمار حتى كأنني ... أراك بعيني فكرتي حين أجلس # ومن أملاه دام علاه: # يا ويح قلبي وكم جهدي أحمله ... ما لا يطاق وقد رثت علائقه # في كل يوم لنا خل نودعه ... على الدوام ومعشوق نفارقه # ثم ركبت النيل في نقيرة متوجها نحو الإسكندرية، فأقمنا بالبرج نتحرى ~~الرياح # PageV01P111 # المؤذنة بالنجاح، والبرج هذا على الساحل بين النخيل، التي آخرها يتصل به ~~النيل بالبحر الرومي، وفيه قيل: # كان التقاء النيل بالبحر إذ هما ... مليكان سارا في جحافل من جند # وقد نزلا للحرب واصطدم اللقا ... فلا طعن إلا بالمثقفة الملد # وعلى ذكر البحر قيل لرجل ما اسمك؟ قال: بحر. قيل: من أبوك؟ قال: أبو ~~الفيض. قيل: ابن من؟ قال: ابن الفرات. قيل: ينبغي لصديقك أن لا يلقاك إلا ~~في زورق. انتهى. # فلما ارتفعت الشمس هبت الرياح الشرقية، فما سرنا يسيرا حتى دخلنا ms072 البحر ~~العجاج، فإذا هو متلاطم الأمواج كثير الفزع والانزعاج، وكيف لا والداخل فيه ~~مفقود، والخارج منه مولود! # لا أركب البحر أخشى ... علي منه المعاطب # طين أنا وهو ماء ... والطين في الماء ذائب # وقال: # خلقت طينا وماء البحر يتلفني ... والقلب فيه نفور عن مراكبه # البحر غير رفيق بالرفيق له ... والبر مثل اسمه بر براكبه # وقال: # البحر مر المذاق صعب ... لا رجعت حاجتي إليه # أليس ماء ونحن طين ... فما عسى صبرنا عليه # وقال: # البحر أهون من مرارة مائه ... أن تستقر بأضلعي الرمضاء # فعليه يوم سرورنا بفراقه ... من كل قلع راية بيضاء # فما زالت تفسر لنا معاني الرفع والخفض أمواجه، والريح يجزم بأن ينالنا من # PageV01P112 # نصب الشراع إزعاجه، والهموم على الجوانح جوانح، والجوارح لتلك الأحوال ~~جوارح، وكأنما جمع الخاطر بالشتات تلقب، والقلب في لهيب الوحل يتقلب. # وقلما أبصرت عيناك من رجل ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه # ولما غربت الشمس أرسينا على ساحل الإسكندرية، والمزاج متكدر لتلك الأهوال ~~والأحوال الردية، فبتنا تلك الليلة على ذلك الساحل، إلى أن أصبحنا والضباب ~~يمنع من رؤية تلك المنازل: # وطال علي الليل حتى كأنه ... من الطول موصول به الدهر أجمع # فلما أضحى النهار، نزلنا بساحة تلك الديار، فأقمت بها لا أملك فتيلا ولا ~~أهتدي سبيلا، وأنا أطوف بجوانبها فلا أرى إلا غمار مغاربها، فرحت أجوس ~~خلالها وأتفيأ ظلالها، وقد أولتني مزيد الجفا وغلقت أبواب الصفا. # وقد بخلت علي بكل شيء ... من المعروف حتى بالسلام # وما ألطف قول من قال: # سلام على مصر ويا قلب إنني ... لقد كنت عن إسكندرية في شغل # وما شاقني يا مصر ثغر ملثم ... سوى من غزال فيك أعدمني عقلي # ولقد كنت أسمع من أولي التجاريب، أن السفر مرآة الأعاجيب، حتى رأيت ~~الزمان # بأسره عجائب، ولم يبق لي في الغرائب من رغائب: # من الغرائب فيما شاهدت مقلي ... أن الرغائب عنها الناس قد رغبوا # وما زلت في الإسكندرية بلا نديم ولا صديق حميم، مقيما على الوحشة والأسى، ~~متفكرا في حكم الباري صباحا ومسا، لا أجد ms073 بها من ذوي الكمال جليسا، ولا ~~ألتقي ممن تحلى بمحاسن الجمال أنيسا: # PageV01P113 # فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي # فكنت أعتكف تارة لمنادمة الوسواس، وتارة أبرز فيما بين الناس، فلا أجد ~~على الساحل غير النصارى واليهود، ولا أبصر غير الهمج والأتراك الوفود، ~~فأعود إلى تلك الخلوة واستعيد أسباب السلوة. # والبق والناموس حولي عسكر ... يتنادمون على مدام دمائي # فلم أزل كذلك مدة مديده، وعدة من الأيام عديدة، وحيد المقام شديد الأوام، ~~أتجرع كؤوس النوى وأشتاق العقيق واللوى، وقد تكامل الشوق وتضاعف وتواصل ~~الشغف وترادف. # أبكي إذا ذكر العقيق بمثله ... لعهود جيرته وحسن المعهد # فسقى الحيا تلك البقاع فتربها ... لجلاء عين القلب مثل الإثمد # وغيره: # وقال لي البين لما رأى ... لدي الخطوب وعندي العويل # ترفق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل # فكنت كثيرا ما أتسلى بالجامع المختوم، وأعلل النفس بالسلامة من هذا الأمر ~~المحتوم، وأقول إن الصروف تتصرف وتنصرف وتكف ثم تنكف وتنحرف. # والدهر لا شك ذو ضيق وذو سعة ... ولو أردت دوام الهم لم يدم # فأنا في تلك الأيام، أتحاشى تداني الأنام، فأتمشى بين تلك الأشجار، ~~وأتسلى بتغريد # هاتيك الأطيار: # ورب حمامة في الدوح صارت ... تجيد النوح فنا بعد فن # أقاسمها الهوى مهما اجتمعنا ... فمنها النوح والعبرات مني # PageV01P114 # وكنت في تلك الحال بحيث يقول الصلاح وإن كان نظمي الدمع المنثور: # توقد جمر القلب عند تغربي ... فمن أجله دمعي أتي جيد السبك # وما حفظت عيناي من سوء حظها ... على كثرة الأشعار إلا قفا نبك # وأما هذه المدينة، فهي آخر مدن المغرب، وهي على ضفة البحر الشامي، بها ~~الآثار العجيبة والرسوم التي تشهد لبانيها بالقوة والحكمة، وهي منيعة ~~الأسوار كثيرة الأشجار، ليس في معمور الأرض كمثلها، ولا في أقطار الأقاليم ~~كشكلها، وهي مقصد التجار من القفار والبحار، يحمل منها إلى سائر الأقاليم ~~كما يحمل إليها في الزمن الحادث والقديم، والنيل يدخل إليها من تحت أقبية ~~إلى معمورها، ويدور بها فينقسم في دورها، بصنعة عجيبة وحكمة غريبة، يتصل ~~بعضها ببعض ms074 أحسن اتصال، لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال، وناهيك ~~بمدينة جميع ما فيها عجب، ولكم ستر حسنها محاسن غيرها وحجب، وأحد عجائب ~~الدنيا بها المنار، الذي لم ير مثله في الأقطار، وهي على ميل من المدينة، ~~كذا في الخريدة. قلت: وأعجب من هذه المدينة مدينة الهيكل الإنساني. # فيا عطشي والماء الزلال أخوضه ... ويا وحشتي والمؤنسون حضور # وحكى السيوطي في المحاضرة نقلا عن مباهج الفكر أن من عجائب المباني منارة ~~إسكندرية، وهي مبنية بحجارة مهدمة مضببة بالرصاص على قناطر من زجاج، ~~والقناطر على ظهر سرطان من نحاس، وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها على بعض، ~~تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت، وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر، ~~وأختلف فيمن بناها، ويقال إن طولها ألف ذراع، وكان في أعلاها تماثيل # من نحاس، منها تمثال يشير بسبابته اليمنى نحو الشمس أينما كانت من الفلك، ~~يدور معها حيث دارت. ومنها تمثال وجهه إلى البحر، متى صار مركب منه على نحو ~~ليلة، سمع له صوت هائل، يعلم منه أهل المدينة طروق العدو. ومنها تمثال كلما ~~مضت ساعة من الليل صوت # PageV01P115 # صوتا مطربا، بأعلاه مرآة ترى منها القسطنطينية وبينهما عرض البحر، فكلما ~~جهز الروم جيشا رؤي. وفي المرآة حكى المسعودي: أنها لم تزل كذلك إلى أن ~~ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم في هدمها على الوليد بن عبد الملك، بأن ~~أنفذ أحد خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام، وأظهر الرغبة في الإسلام، ~~وأظهر كنوزا كانت بالشام ومن الدفائن، ما حمل الوليد على أن صدقه بأن تحت ~~المنارة أموالا ودفائن وأسلحة دفنها الاسكندر، فجهزه مع جماعة من خاصته إلى ~~الإسكندرية فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة، فعلم الناس أنها مكيدة فأستشعر ~~ذلك فهرب في مركب كان له هنالك، والله غالب على أمره، وقد صارت أثرا بلا ~~عين، بل خبرا عن ذلك الأثر، فلله در الليالي: # لنا ملك ينادي كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب # ومما قيل في المنار: # إن كنت تحسن تشبيه المنار فقل ... كما أقول وصفها مثلما ms075 أصف # كأنها غادة قامت على شرف ... تأتي الجواري إليها ثم تنصرف # وقال: # وسامية الأرجاء تهدي أخا السمرى ... ضياء إذا ما حندس الليل أظلما # ليست بها بردا من الأنس صافيا ... فكان بتذكار الأحبة معلما # PageV01P116 # وقد ظللتني من ذراها بقبة ... ألا حظ فيها من صحابي أنجما # أخيل أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد خيمت في كبد السما # ومن عجائب الاسكندرية عمود السواري، قال المقريزي: هو حجر أحمر منقط من ~~الصوان المانع، وكان حوله نحو أربعمائة عامود، وكانت كلها سماقية، كسرها ~~فراجا وإلي الإسكندرية أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ورماها بشاطئ ~~البحر لتوعر على العدو سلوكه. # ويحكى أن هذا العامود أحد الأعمدة التي كان عليها رواق أرسطاليس، وأنه ~~كان يدرس به الحكمة وكان دار العلم، ويقال: إن ارتفاع هذا العمود سبعون ~~ذراعا، وقطره خمسة أذرع، وقيل طوله بقاعدته اثنان وستون ذراعا وسدس ذراع، ~~وطول قاعدته السفلى اثنا عشر ذراعا، والعليا سبعة أذرع ونصف، كذا في الخطط. ~~وهذا العمود باق إلى يوم تخطيط هذه الأسطر، وهو على نصف ميل من باب السدرة ~~خارج السور، وكثير من العمد السماقية في أكناف البلدة بعضها قائم وبعضها ~~مطروح. وللحافظ الخزرجي: # نزيل سكندرية ليس يقرى ... بغير الماء أو نعت السواري # ويتحف حين يكرم بالهواء الم ... لاين والإشارة للمنار # وذكر البحر والأمواج فيه ... ونعت مراكب الروم الكبار # وإن يطلب هنالك حرف خبز ... فما فيها لذاك الحرف قاري # وقال: # يا ساكني إسكندرية فيكم ... بات النزيل بليلة الملسوع # تقرونه بهوائها وبمائها ... والنار في أحشائه بالجوع # نكتة لطيفة # قال السيوطي: وقد رأيت هذا العمود لما دخلت الإسكندرية في رحلتي، ودور ~~قاعدته ثمانية وثمانون شبرا، ومن المتواتر عند أهلها أن من حاذاه من قريب ~~وغمض عينيه ثم قصده، لا يصيبه بل يميل عنه، وذكروا أنه لم تحصل # PageV01P117 # إصابته # لأحد قط، مع كثرة تجربتهم لذلك، وقد جربت ذلك مرارا فلم أصبه، قاله في ~~المحاضرة. وأما خليجها فأختلف في بانيه فلا حاجة إلى خلاف لا ثمر له، فهاك ~~يسيرا من خبره، قال الأسعد ms076 في قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه عدة ~~ترع، وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة، وعرضه قصبتان ونصف ~~إلى ثلاث قصبات ونصف، ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان عاليا ~~أقام فيه ما يزيد على شهرين، كذا في الخطط. وحكى ابن الوردي أن الإسكندرية ~~كانت سبع قصبات وإنما أكلها البحر، ولم يبق منها إلا قصبة واحدة، وأن ~~مساجدها حصرت مرة فكانت عشرين ألف مسجد. قيل بانيها الذي بنى الأهرام، وقيل ~~يعمر بن شداد، وقيل الإسكندر الأول، وهو ذو القرنين اليوناني الذي جال ~~الأرض، وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسد على يأجوج ومأجوج، وقيل ~~بناها الاسكندر الثاني ابن دارا الرومي، وإنما شبه بالاسكندر الأول لأنه ~~ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأول كان مؤمنا، ~~والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاليس، وبين الأول والثاني دهر طويل، وقيل ~~بنتها الجن لسليمان عليه السلام! وقد كان أرباب الفصاحة كلما رأوا عجبا ~~عدوه من صنعة الجن. قيل وكان فيها اثنا عشر ألف حانوت يبيع البقل، قال ~~الكندي: أجمع الناس على أنه لم يكن في الدنيا مدينة على مدينة ثلاث طبقات ~~غير الإسكندرية، قيل بناها الاسكندر اليوناني في ثلاثمائة سنة، وهل هو نبي ~~أو ملك بفتح اللام أو بكسرها خلاف والأصح الأخير. وكان أهلها لا يمشون فيها ~~نهارا إلا بخرق سود في أيديهم خوفا على أبصارهم من شدة بياضها، وأقاموا على ~~ذلك سبعين سنة، وكان يقال إنها إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد. وقد أخلقت تلك الجدة وأسرعت في الذهاب إلى الدمار مجده. # فمن لعين ترى ما حل ساحتها ... من التلاف وكانت فوق ما تصف # PageV01P118 # ولله در القائل: # بني الدنيا أقلوا الهم فيها ... فما فيها مايؤول إلى الفوات # بناء للخراب وجمع مال ... ليفنى والتوالد للممات # قيل: وهبوب الصبا في أهلها، مما يصلح أمرهم ويرق طباعهم، ويرفع همتهم، ~~إلا أنهم على ذلك موصوفون بالشح. وهذا فيما كان، وأما الآن فلا نقص في ~~معايبهم، قال من لا قال ms077 في ساحتهم: # رأيت في النوم أبي آدما ... صلى عليه الله ذو الفضل # والناس يشكون بأنواعهم ... من حمق أهل الغرب والبخل # فقال: حوا أمكم طالق ... إن كان أهل الغرب من نسلي # وقال: # لا تعتبن على بخل مغاربة ... طباع أنفسهم تبدي الذي فيها # فالشمس تبدو وفي الدنيا أشعتها ... حتى إذا وصلت للغرب تخفيها # وقال آخر يهجوهم: # يقولون أهل الغرب أهل فضيلة ... وكل امرئ قد قال حسب مقاله # وما الغرب إلا مطلع كل ناقص ... وبرهان ما قلنا طلوع هلاله # أبو حبان الأندلسي: # وأوصاني الوصي وصاة نصح ... وكان مهذبا شهما أبيا # بأن لا تحسنن ظنا بشخص ... ولا تصحب حياتك مغربيا # قصة # وليست من باب المعاتبة، ولكن الشيء بالشيء يذكر بالاستطراد وبالمناسبة، ~~وبرزت يوما من باب السدرة متنزها، فرأيت جماعة من الناس حول عمود السواري، ~~فدنوت منهم فإذا بهلوان من أروام حلب، رطب القوام عذب الكلام، فوه # ماء الحياة، شاربه أخضر لم يصل إلى الظلام، قد نصب الحبال إلى رأس العمود ~~وارتقاها، وأظهر من فنون الصنعة وأعاجيبها ما أدهش به العقول وحير الأفكار، ~~ثم قال: يا أهل الإسكندرية أعينوني على السفر وأنا أريكم عجائب هذه الصنعة، ~~فلما نزل إليهم ليجمع منهم شيئا من الدنيا، فروا كالعرب المأخوذة فتذكرت ~~قول القائل: # PageV01P119 # يا كحيل العيون إنك ظبي ... بلقاه قد تسعف الأقدار # كل شيء يهون عندي إلا ... درهم ترتجيه أو دينار # هذا وكان فيهم الرؤساء والتجار، والعدد الذي لا يحصى ولكنه بلا مدد، على ~~أنها كانت دار الكرام، ومدار بلوغ المرام. # فتغيرت تلك البلاد وأهلها ... وغدت حديثا مثل أمس قد مضى # استغفر الله الستار، وإن نقل مثل هذا الكلام يدل على سخافة الناقل، ويقضي ~~على أنه ليس بعاقل، ولكن ذلك دأب أهل القيل والقال، ورواج آداب هذا المجال. ~~وكان البهلوان يلقي شيئا من المواليات الرائقة وهو يمشي على الحبال، فكتبت ~~منة هذا البيت لما اشتمل عليه من حسن الصنعة، ويسمى بالمنطق المردوف وذا ~~الاشتقاق: # قطعت كم بيد أطلب من وصاله باد ... وبالجفا باد مالي من أخذ لي بيد ms078 # والقلب قد صيد مع محبوب لحظه صاد ... كم من أسد صاد ما لو من أسود وصيد # قلت الوفا عيد أمرضني ولي ما عاد ... والحزن لي عاد من هجره وقربه عيد # أحوى حوى جيد للمحسن المفدى جاد ... بالوصل ما جاد لكن كل فعله جيد # وفي هذا الوزن الراجح: # أنفقت كم عين والحبوب مالي عان ... وأنا الشجي العان أضحى دمع عيني عين # والحب ما بين غزلان النقا والبان ... عنه العنا بان وانزاحت صروف البين # محب لو حين وجناته طلا في حان ... والصب قد حان فيها شرب كأس الحين # لامسه شين إلا دائما نشوان ... قد أمنحو شان ما قارن بسعده شين # وقد علمت أن هذا الوزن مبني على التسامح، واللحن يعذب فيه إذا كان به، ~~أحسن من أن يكون معربا، بل قال السيوطي في شرح الموشح النحوي أنه يجب فيه ~~اللحن. وفي كتاب منتهى الآمال من مشتهى الموال شيء من أحكامه. قيل وإليه ~~وقعت الإشارة على وفق ما فرطنا في الكتاب من شيء بقوله تعالى والطير محشورة ~~كل له أواب لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا كما قيل في استخراج اسم هود عليه ~~السلام من قوله تعالى ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها بطريق التعمية. وأصل ~~هذا الوزن من البحر البسيط، وسبب تسميته بالمواليا ما يحكى أن الرشيد لما ~~قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر، فرثته جارية له بهذا الوزن حيث لم ~~يكن # PageV01P120 # شعرا، وهي تندب وتقول: يا مواليا. فسمي بذلك. قيل وأول بيت قالته في هذا ~~الوزن قولها: # يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس ... أين الذي قد حموك بالقنا والترس # قالت تراهم رمم تحت الأراضي درس ... سكوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس ### || فائدة # قال المقريزي أهل الإسكندرية يستقبلون من الكعبة ما بين الركن الغربي إلى ~~الميزاب، فيجعلون الدب الأكبر خلف كتفهم الأيسر وقت طلوعه، ويكون الجدي على ~~الأذن اليسرى، انتهى بمعناه. ### || فوائد # عن الإمام الحافظ الشيخ أحمد المقري، وكان يدرس بجامع فراجا على الساحل ~~خارج السور، لأن البلدة تحول ms079 أكثرها إلى ذلك الموضع ولم يزل يتجدد بها ~~البنيان. # (ومنها) أن سورة الكوثر لم تشتمل على ميم، وفي ذلك إشارة إلى أن هذا ~~العطاء # غير مرجوع فيه، إذ الميم يرجع منتهاها إلى مبتداها من حيث أنها دائرة. # (ومنها) أنه قيل في تفسير قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر أن المراد به ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه من أسمائه، وإليه الإشارة بقوله تعالى طه ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى وذلك أن ل طه من العدد أربعة عشر، وهو كمال ~~البدر. # (ومنها) ما وقع في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت ~~خلقا فبي عرفوني. وذلك أن لفظ فبي له من العدد اثنان وتسعون وهو عدد لفظ ~~محمد. # (ومنها) أن بعض الأدباء استخرج عدد الرسل عليهم السلام، من إسم محمد ~~صلوات الله عليه، بحساب الجمل وذلك بتحليل الاسم إلى ثلاث ميمات، لكل ميم ~~من العدد تسعون، وعلى ذلك للحاء تسعة، وللدال خمسة وثلاثون، فالمجموع ~~ثلاثمائة وأربعة عشر!! # قال: وضمنت ذلك منظومتي السنوسية حيث قلت: # وعدة الرسل الكرام الكمل ... في اسم محمد بدت بالجمل # ميم وحاء ثم ميم كررت ... وبعدها دال كما قد قررت # (ومنها) أن بعض الأدباء استخرج مدة عمره عليه الصلاة والسلام، من # PageV01P121 # لفظة نبئ بالهمزة، لأن لها على ذلك من العدد ثلاث وستون. # (ومنها) أن ابن رشد كان يقول: ما من مسألة وإن كانت جلية في ظاهرها، إلا ~~وهي مفتقرة إلى الكلام على ما يخفى من باطنها، وقد يتكلم المرء على ما يظنه ~~مشكلا وليس بمشكل، وبخلافه. # (ومنها) أن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، والسكوت عن ~~ذلك من الكذب في العلم وكفره، ولا ينافيه خبر انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى ~~من قال: # إذا أفادك إنسان بفائدة ... من العلوم فجدد ذكرها أبدا # وقل فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها وخل الكبر والحسدا # ولا يخفى ما في هذا الكلام من الرعونة، وفيه كلام يحسن السكوت عنه. # (ومنها) أن كلا من البسملة والحمد لله أمر ms080 ذو بال، فيحتاج إلى سبق مثله ~~ويتسلسل، وأجاب بأن المراد ما يقصد في ذاته وليس وسيلة لغيره، وبأن كلا ~~منهما كما يحصل البركة لغيره ويمنع نقصه، يحصل ذلك لنفسه، كالشاة تزكي ~~نفسها وغيرها من الأربعين. # (ومنها) أن ابن جني حكى أن سيبويه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله ~~بك؟ فقال: خيرا، وذكر كرامة عظيمة. فقيل له: بم؟ قال: بقولي إن اسم الله ~~تعالى أعرف المعارف.! # (ومنها) أن ثعلبا قال في - الرحمن: إنه اسم أعجمي بالحاء المعجمة عرب ~~بالمهملة وهو غريب، ومن إملائه: # الحد والموضوع ثم الواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع # تصور المسائل الفضيله ... ونسبة فائدة جليله # حق على طالب علم أن يحيط ... بفهم ذي العشرة منبزها ينيط # تخصه قبل الشروع في الطلب ... كيما يكون عارفا فيما طلب # PageV01P122 # وقال غيره: # حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وإبصار كلام مع البقا # صفات لذات الله جل قديمة ... لدى الأشعري الحبر ذي العلم والتقى # وقال غيره: # أولو العزم خمس والشرائع خمسة ... يدان بها رب العباد ويعبد # فنوح وإبراهيم ذو الحلم والتقى ... وموسى وعيسى ثم جاء محمد # وقال غيره: # وكل نبي في القرآن فإنه ... لمن نسل إبراهيم ذي العلم والتقى # سوى خمسة لوط وهود وصالح ... ونوح وإدريس الذي فاز وارتقى # وقال غيره: # إلا إن قراء الأئمة سبعة ... بهم يهتدي في الذكر كل كبير # علي أبو عمرو وحمزة عاصم ... ونافع عبد الله وابن كثير # ولبعضهم: # إن الليالي للآنام مناهل ... تطوى وتنشر دونها الآجال # فطوالهن مع السرور قصيرة ... وقصارهن من الهموم طوال # ومنه: # نزيل سكندرية ليس يقرى ... بغير الماء أو نظر السواري # فلا تطمع برؤية قرص خبز ... فليس لضيفها المحتاج قاري # وفي عاشر شهر ربيع الأول، جاء كتاب يشتمل على قتل المرحوم السيد أحمد بن ~~عبد المطلب أمير مكة المشرفة، وبما وقع تحدث عامة أهل مكة قبل الوقوع، ~~وإرجاف العوام مقدمات لأمر واقع لا شك فيه، فلنذكر طرفا من خبر هذا السيد ~~الشهيد، لما في ذلك من الفائدة التي تعود صلتها على أهل الاعتبار. # كن عالما ms081 أخبار من عاش وانقضى ... وكن ذا اعتبار واغتنم أطيب العمر # PageV01P123 # ولنبدأ أولا بنسبه الشريف، فإن أنساب بني هاشم يقصر عنها طمع الطامع، أو ~~هم كما قال: # وما دخولهم في الناس أو مضر ... إلا دخول كلام الله في الكلم # فاقصر فإنك لا تحصي فضائلهم ... لو كان في كل عضو منك ألف فم # هو السيد المقدس المبرور أحمد بن عبد المطلب بن حسن ذي المآثر المشهورة # والنوادر المسطورة، ابن أبي نمي محمد بن بركات، وله الأخلاق الحسنة ~~والشمائل المستحسنة، قبض عليه التركي عام تسع وتسعمائة وذهب به إلى ~~القاهرة، فتألم لذلك أهل مكة المشرفة، وفي ذلك يقول ابن العليف: # عزيز على بيت النبوة والملك ... مقام على ذل المهانة والفتك # وأعظم ما يلقى الكريم من الأسى ... على نفس ما يلقى من الضيم والضنك # برغم العلا والمجد والسيف والندى ... حصلت أبا عجلان في قبضة الترك # وتلك لعمر الله أدهى مصيبة ... أصم بها الحاكي عن الحادث المحكي # فيالك من دهر تناهت خطوبه ... نظمت حصاة القلب والهم في سلك # عدمت الليالي ما أمر صروفها ... وأخلقها باللوم في الفعل والترك # رحلتم فربع الأنس ما زال موحشا ... خليا وستر العز أصبح في هتك # وأسلمتم كل القلوب إلى الأسى ... فهذا الورى ما بين باك ومستبكي # وغادرتم في الكرب جيرة طيبة ... كذا حيرة البطحاء والحرم المكي # ولما استقلت بالمسير خيولكم ... وحادي النوى يشكو إليه كما نشكي # وسرتم وسار الجود يمشي أمامكم ... وظلت بنو الآمال من خلفكم تبكي # رأينا الجبال الشم والمجد والعلى ... تسير بها بزل الجمال على وشك # وفي أيامه وأيام أبيه أبي نمي محمد، استولى على الديار المصرية ملك الروم ~~السلطان سليم، وجهز إليهما قاصدا بالاستقرار والاستمرار، وذلك في سنة تسع ~~وعشرين وتسعمائة: # فلا عدمتهم نعمة خلقت لهم ... ودنيا بهم فيها الحياة تطيب # PageV01P124 # وبركات المذكور هو ابن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان، الذي يقول في بنيه ~~الشاعر: # لو لم يكن في بني عجلان نافلة ... إلا سماحتهم في العز بالباس # لكان ذلك كاف في محبتهم ... وكيف لا وهم ms082 من أشرف الناس # وعجلان هذا، هو ابن رميثة ابن أبي نمي بن حسن بن علي بن أبي عزيز قتادة، ~~الذي دخل مكة بالسيف ودعا إليها الضيف، وطرد عنها الهواشم لأمر اقتضاه وحكم ~~به الباري تعالى وقضاه: # ومن تكن الأسد الضواري جدوده ... يكن ليله صبحا ومطعمه غضا # وذلك في سنة سبع أو تسع وخمسمائة، ويقال لعقبه القتادات، فلا خلا الله ~~منهم الوجود، ولا زالت منازلهم مأوى المكارم والجود، وكانت مملكته ممتدة من ~~الينبع إلى حلى، وعدله فيها ظاهر جلي، وكان بطلا شجاعا، مهابا مطاعا. # ملك أبوه وأمه من دوحة ... منها سراج الأمة الوهاج # شربوا بمكة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج # كتب إليه الناصر يستدعيه ويعده ويمنيه، فأجابه لذلك فسار من مكة إلى # PageV01P125 # العراق، فلما وصل إلى المشهد الفروي خرج لملاقاته الأعيان، وكان في جملة ~~من خرج من غمار الناس شخص معه أسد مسلسل، فتطير منه الشريف قتادة وقال: ~~مالي وبلدة تذل فيها الأسود؟ فرجع لوقته إلى الحجاز. فكتب إليه الناصر ~~يعاتبه على قدومه عليه ورجوعه قبل وصوله إليه، فكتب إليه الشريف قتادة: # بلادي وإن جارت علي عزيزة ... ولو أنني أعرى بها وأجوع # ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها ... بها أشتري يوم الوغا وأبيع # معودة لثم الملوك لظهرها ... وفي بطنها للمجدبين ربيع # أأتركها تحت الرهان وأبتغي ... لها مخرجا إني إذا لرقيع # وما أنا إلا المسك في غير أرضكم ... يضوع وأما عندكم فيضيع # فكتب إليه الناصر أما بعد فإذا نزع الشتاء جلبابه ولبس الربيع أثوابه، ~~قابلناكم بجنود لا قبل لكم بها، ولنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون. فلما ~~أحس بالشر # كتب إلى بني عمه أبناء الحسين من أهل المدينة يستنجدهم، وكتب إليهم ~~أبياتا منها قوله: # بني عمنا من آل موسى وجعفر ... وآل حسين كيف صبركم عنا # بني عمنا إنا كأفنان دوحة ... فلا تتركونا تتخذنا العدى قنا # إذا ما أخ خلى أخاه لآكل ... بدا بأخيه الأكل ثم به ثنى # فلما أقبلت الكتيبة الناصرية، وقد أتته رجال النجدة من بني الحسين، بدد ~~شمل ms083 تلك الكتيبة وكسرها، وأستأصل ساقتها وقهرها، وضاقت عليهم الأرض، حتى أن ~~هاربهم إذا رأى غير شخص ظنه رجلا. فلما رأى الناصر شدة بأسه # PageV01P126 # وعدة لباسه، مدحه على سيرته وأولاه صفاء سريرته، وأقطعه قرى متعددة ~~وأكرمه بصلات متجددة، فلم يزل أميرا على الحجاز، وملكا لها على الحقيقة لا ~~المجاز، ولله در علي بن المقرب حيث يقول: # من سالم الناس لم تسلم مقاتله ... منهم ومن عاش فيهم بالأذى سلما # ما كل ساع إلى الهيجاء يدركها ... من حكم السيف في أعدائه احتكما # وهكذا فلتكن الهمم العلية، والشمائل العلوية، وبالجملة فإنهم المعنيون ~~بقول القائل: # فتية لم تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولاد # وفيهم يقول مادحهم: # ويكاد من كرم الطباع وليدهم ... يهب التمائم ليلة الميلاد # وإذا امتطى مهدا أفليس ينيمه ... إلا نشيد مدائح الأجداد # أو هم كما قال: # وكم فيهم محاسن وهي شتى ... وأوصاف ألذ من المدامه # فلا زالت على الأيام تبقى ... محاسنهم إلى يوم القيامه # وقتادة المذكور هو ابن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن الحسين ~~بن # سليمان ابن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى ~~الجون بن عبد الله المحصن بن الحسن المثنى بن أمير المؤمنين الحسن بن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وفيه قيل: # كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف # الرائشون وليس يوجد رائش ... والقائلون هلم للأضياف # وما أصدق ما قال: # أولئك الناس إن عدوا وإن ذكروا ... ومن سواهم فلغو غير معدود # لو خلد الدهر ذا عز لعزته ... كانوا أحق بتعمير وتخليد # PageV01P127 # وأما سيرته فإنه كان شريف النسبين، كامل الحسبين: # فيا نسبا كالشمس أبيض واضحا ... ويا شرفا من هامة النجم أرفع # وكان عزيز النفس، صدوق الحدس: # تعرف من عينه نجابته ... كأنه بالذكاء مكتحل # محبا للفقراء ومستنزل الضيف للقرى، متنزلا لأهل الأدب، مولعا بالمنادمة ~~والطرب، تأدب بالأشعار والسير، ومشى في التصوف على طريقة الشيخ الأكبر، ~~وكانت في خدمته كثير من المشايخ الكبار، ms084 وسافر إلى اليمن فاجتمع برجالها، ~~وبشر بولاية مكة المشرفة فكان لا يزال يتشوفها، ويكنى عنها بطلوع الشمس، ~~سمعت منه عام اثنين وثلاثين وألف: # لقد صار قلبي قابلا كل صورة ... فمسرح غزلان ودير لرهبان # أدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني # وكان من أموره أنه لما قدم الوزير أحمد باشا متوجها إلى اليمن انكسر ~~مركبه بثغر جدة، فلما دخل البندر طلب من يغوص البحر لإخراج ماله منه، ~~فاخرجوا له البعض واعتذروا عن الباقي، فاتهمهم وقتل حاكم البلدة وأمين ~~قلعتها، وذلك في # شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وألف، وشريف مكة إذ ذاك السيد محسن بن ~~حسين بن أبي محمد، وقد توجه السيد أحمد المذكور إلى الوزير فأغراه على ~~الشريف محسن، وما زال به حتى وسمه بإمرة مكة المشرفة، وكان لا يملك شيئا في ~~تلك الحالة، فلله در من قال: # إذا اصطفاك لأمر هيأتك له ... يد العناية حتى تبلغ الأربا # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من باب فضلك ما علمتني الطلبا # PageV01P128 # ولما قضى على الوزير نادى باسمه في تلك الجهات، وأخذ العهود على أولئك ~~الجند، فأقبل عليه الشريف محسن وحاصره إلى سلخ شعبان، ثم رجع إلى مكة وقد ~~قتل جماعة ممن معه وثلاثة من بني عمه، وكان في عسكر لا يظن انكساره. # وما يمنع الجيش الكثير التفافه ... على غير منصور وغير معان # فلما كان سابع عشر شهر رمضان قدم السيد أحمد في عسكره إلى مكة المشرفة، ~~وخرج إليه الشريف محسن في جمع عظيم إلى ما وراء الحجون فوقع ما وقع، ورجع ~~الشريف محسن إلى الحسينية وكان لا يتوهم رجوعه، والله غالب على أمره متصرف ~~في ملكه، يفعل ما يشاء وهو العليم الخبير: # ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك # إلا لينتقل السلطان من ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك # ومالك العرش لم يزل أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك # ثم إن السيد أحمد دخل مكة المشرفة في ذلك الموكب الذي لم يسمع بمثله في ~~قومه وأهله، ms085 فاستقر به سلطانه، وعظم مكانه وإمكانه، وقد خلت منازل الأشراف ~~من سكانها، ونعق غراب البين في أركانها، وأصبحت تلك القصور كالممحوة من ~~السطور، ومكة مستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصائبها إبليس. # كأن لم يكن فيها أوانس كالدمى ... وأقيال مكة في بسالتهم أسد # تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا ... لنا عبرة تدمي الحشا ولمن بعد # فلم يزل بمكة أميرا متغلبا على الأشراف، منصورا بالرعب في سائر أقطار ~~الحجاز، حتى أن كثيرا من الناس توهم أنه القائم من أهل البيت، وأسعد الله ~~به من شاء من عباده، وأمده بسنا إمداده، وكان من أمره ما تناقله الركبان. # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # ولم يزل على ذلك الحال، وملوك مكة في أكناف الجبال: # ولقد وقفت على منازلهم ... وطلولها بيد البلى نهب # وبكيت حتى ضج من لغب ... نضوي ولج بعذلي الركب # PageV01P129 # وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب # ولما كان العشرون من المحرم افتتاح سنة تسع وثلاثين، قدم الوزير قانصوه ~~فاختلى بالسيد أحمد وخنقه بداره ودفنه في طاقة، فكثر اللغط بين الجند حتى ~~أدى إلى نبش قبره ليعلم حاله، وبقي مطروحا على أعين الناس من الصبح إلى وقت ~~الزوال، ولسان الحال يقول: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # ثم دفن ثانيا في تربة آل جده الحسن عليه الرحمة. # فإن دفنوا تحت التراب جماله ... فما دفنت أوصافه وشمائله # فيا عين سحي لا تشحي بوابل ... على ماجد لا يعرف النهر سائله # ثم انعقد الرأي على ولاية الكبير الخطير السيد مسعود بن إدريس بن حسن، ~~حفظ الله تعالى أيامه من الأكدار، ولا زالت داره أشرف دار، وذلك في الخامس ~~من صفر الخير من السنة القائل لسان حالها: # هذا حباه الله ملك جدوده ... ولذاك جنات النعيم تزخرف # وفيه يقول الشيخ الفرفوري: # أميرنا السيد المفضال مسعود ... من وصفه العدل والإنصاف والجود # توارث المجد عن إدريس والده ... أكرم به والدا أحياه مولود # وما أقرب ما قال: # قل للمقيم بغير دار ms086 إقامة ... آن الرحيل فودع الأحبابا # إن الذين صحبتهم ولقيتهم ... صاروا جميعا في التراب ترابا # ولما كان سادس عشر ربيع الثاني هبت الرياح الشرقية واعتدل حال البحر، # PageV01P130 # فعزمت على ركوبه والنفس عندها إباء وامتناع، لما شاع من قولهم ما خفق ~~الشراع، ولكن أي عقل لمعقول، وقد ورد في النقول: لو كشف لأحدكم لرأى قائدا ~~يقوده، فألجأتها إلى ركوبه وألزمتها، واقتحمت بها لجته وأنشدتها: # لقد خضت يا نفس بحر الهوى ... وأحرقت قلبي بنار النوى # علام نفورك من مركب ... سرى في أمان شديد القوى # فنزلت إحدى المراكب المتوجهة نحو الروم، منشدا بيتي المفتي أبي السعود ~~وحبر العلوم: # خل الديار بما فيها لأهليها ... وقل سلام على الدنيا وما فيها # وألق معتصما تلك العزيمة في ... بحر التوكل بسم الله مجريها # فسرنا تلك الليلة والليلة الثانية على أحسن حال وأنعم بال، ثم اضطرب ~~البحر وقامت فيه العناصل بحيث كادت لا تبقى شيئا على وجه الماء، وكان ~~المدفع إذ ذاك ما يناهز الثلاثين سفينة فتفرقت بجمعها، حتى لا ترى واحدة ~~منها واحدة ولا تظفر عنها بنبأ، وقد عقد الغيم غمائم غمه، وأمطرنا الوجل ~~سحائب همه، وأرسل الغمام علينا الأمطار كأفواه القرب، ولقد شاهدت الأهوال ~~من تلك الأحوال ولا عجب. # على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب # وامتد الحال وقل النوال، وقد نفد ما كان معنا من الما، واستولى علينا ~~الظما: # ومن العجائب أنني ... في لج بحر صرت راكب # وأموت من ظمأ ولك ... ن عادة البحر العجائب # ويقول غيره: # وكم مات في البحر أخو ظما ... بغلته والماء جار وراكد # PageV01P131 # فلا تحسبن كل المياه شريعة ... يبل الصدا منها وتوكى المزاود # كتب الحصري إلى المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية، وكان بعث إليه بخمسمائة ~~دينار يجهز بها إليه: # أمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك فاخصصه بذا الراء # ما أنت نوح فتنجيني سفينته ... ولا المسيح إذا أمشى على الماء # وكتب إليه أبو العرب الزبيري حين بعث له بمثل ذلك: # لا تعجبن لرأسي كيف شاب أسى ... وإعجب لسواد عيني ms087 كيف لم يشب # البحر للروم لا تجري السفين به ... إلا على غرر والبر للعرب # لطيفة # دخل الشيخ عبد الرزاق فاتح البيت المعظم على السيد الحسن بن أبي نمي شريف ~~مكة شرفها الله تعالى، ليستأذنه في ركوب البحر لضيق حاله، فأنشده الشريف: # فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل # فأنشده على البديهة من القصيدة: # أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي # فأمر له الشريف بألف دينار. وعلى ذلك في التحفة السنية في الدولة ~~الحسينية أن السيد شكر بن الحسن الملقب بتاج المعالي رأى فرسا مع شخص من ~~العربان، فأعجبته ولم يمكنه طلبها منه، فلما قضى مناسكه بعث وصيفا بألف ~~دينار يسأله # PageV01P132 # قبولها في مقابلة الفرس، فأمسى الوصيف على العربي فأضافه بالفرس. فلما ~~أصبح كلمه في ذلك، فقال: إنك لما أمسيت علينا لم يكن عندنا ما نضيفك به، ~~فذبحنا لك الفرس. فبهت الوصيف، ثم إنه دفع الألف إليه فأمتنع من قبولها، ~~فبالغه الوصيف حتى قبلها، فلما رجع إلى سيده قص عليه الخبر. فقال له: ما ~~فعلت بالألف؟ قال: أعطيتها العربي بالمبالغة. قال: نعم ما فعلت، ولو لم ~~تفعل ذلك لرأيت ما تكره، وحيث فعلت ذلك فأنت حر. توفي السيد تاج المعالي ~~سنة أربع وستين وأربعمائة وكان أميرا جليلا جواد جميلا، سارت بذكره ~~الركبان، وشهدت بفضله العربان، وهو رابع من ملك مكة من الدولة الحسينية، ~~فإنه ملكها عن أبيه الحسن بن جعفر، وملكها عيسى عن أبيه جعفر بن محمد ~~الحسيني المستولي عليها بالسيف، فإنه دخلها وقتل من طوائف العرب الهذيلية ~~والطلحية وغيرهم وأخلى الترك عنها، وبقيت في يده إلى أن دعاه واجب الإجابة ~~فلباه، وذلك في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أيام العزيز بالله الفاطمي. # وما هذه الأيام إلا صحائف ... نؤرخ فيها ثم تمحى وتمحق # وأعجب شيء أن دائرة المنى ... توسعها الآمال والعمر ضيق # PageV01P133 # مجير الدين بن تميم: # عجبت للبحر لما أن رأيت به ... تلك الصواري وقد أرمت على الحبك # أظنها لم تطل إلا وقد وليت ... حمل الرسائل ms088 بين الفلك والفلك # وقال: # ولما ركبت البحر والبحر قد طما ... وهاج علينا موجه يتلاطم # تمشت بنا في لجة ببطونها ... كما يتمشى في الصعيد الأراقم # وقال: # وركبت بحر الروم وهو كحلبة ... والموج تحسبه جواد يركض # كم من غراب للفظيعة أسود ... فيه يطير له جناح أبيض # وقال آخر: # سفر البر كيف كان جميل ... ليس لي في البحار من أوطار # لست ممن يلقى الهلاك بنفس ... طمعا في غنائم الأخطار # (حكى) الشيخ الأكبر أن رجلا من علماء المغرب قصد الحج ثم تردد بين أن ~~يسافر برا أو بحرا، فعقد النية على مشورة من يلقاه، فلما برز من داره # PageV01P134 # لم يلقه إلا يهودي، فاغتم لذلك ثم عزم على أن لا يحل ما عقده مع الله ~~تعالى، فاستشار اليهودي فقال له: إن الله تعالى يقول: هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر فلولا أن البر أفضل من البحر لما قدمه عليه، فرجع الشيخ مسرورا ~~بذلك والله ولي التوفيق. الشيخ الفرفوري: # أبا خالد أحسنت لا زلت محسنا ... رفيقا بمن يهوى جواريك هاديا # ثنيت عنان الفلك عنك مودعا ... وداع امرئ لا يرجع الدهر ثانيا # وقال آخر: # ولقد ركبت البحر أرجو راحة ... فشهدت فيه مواقع الأهوال # وعزمت أن لا عدت فيه ثانيا ... وهجرته في سائر الأحوال # ### || فائدة # # يقال من خواص الفيروزج أنه ما رؤي في إصبع غريق قط، قال بعض فقهاء اليمن: ~~وكان في نفسي شيء من ذلك فاتفق أنا وجدنا غريقا في نهر وقد بقى فيه رمق، ~~فحملناه إلى اليبس، فلما سكن جأشه قال: ما هذا الموضع؟ فسميناه له. فقال: ~~إني وقعت بأرض كذا. فإذا بين الموضعين سفر خمسة أيام!! ثم إنه طلب مأكولا ~~فذهبنا لإحضاره، فانقض عليه الجدار الذي كان تحته فقضى عليه، فعجبنا من ~~مسامحة البحر وتعدي الجدار، فلما أخذنا في تجهيزه رأينا في يده خاتم فضة # فيروزج، فعلمنا صحة خاصيته، ثم بعناه وجهزناه به، انتهى. بمعناه من كتاب ~~عقود النحر في نوادر البحر. # ولا يخفى عليك أن الخاصية قد تتخلف، وهي طبيعة مجهولة ولله در ms089 القائل: # لي مدة لا بد أبلغها ... محتومة فإذا انقضت مت # لو ساورتني الأسد ضارية ... لغلبتها إن لم يجئ وقت # PageV01P135 # ومن كتاب البحر: ينبغي لراكبه أن يكون ممتلئا من الطعام عند ركوبه، فإذا ~~حصل له القيء كان في معدته ما يستخرجه، ويستحب له مسح ظاهر الأنف وباطنه ~~بالإسفيداج، وشم الصندل والماورد، واستعمال شراب الحصرم. # ثم لم نزل كذلك، نجوب فيافي المهالك، حتى نظر الباري تعالى إلينا بعين ~~الرحمة، وكشف عنا بمنه غمائم الغمة، ونحن في موج يرفع ويخفض ويجرجرنا إلى ~~ما يسقم ويمرض، والريح تضرب الشراع وتمزق القلاع: # فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المراجع # فأقمنا على الماء تجاه جبال رودس أياما لوقوف الريح: # ونحن في مركب كالنون يذكرنا ... موسى بن عمران في يم بتابوت # ما كان أغناك عن بحر وعن خطر ... وبعد أهل وتغريب وتشتيت # قد شابت رؤوس الجبال واكتست عمائم الثلج، وخاضت آراء الرجال في الهرج ~~والمرج، وتمزقت بالأهوية القلوب والأستار، والبارق يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار. # هذي خفوق البرق والقلب الذي ... ضمت عليه جوانحي خفقان # ولما أمسينا ذات ليلة هبت علينا نسمة سارت بها الركبان، فوصلنا إلى رودس ~~أقل ما كان يتوقع، بل ربما كان ذلك في الواقع: # كعرش بلقيس لما جاء مختطفا ... إلى سليمان يسعى من رسوم سبا # فنزلنا من تلك المينا الأمينة إلى هاتيك المدينة، وقد أسفر الصباح عن ~~اليوم الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، فإذا هي بلدة لطيفة الشمائل ~~وريفة المنازل، ذات أسوار مانعة وأشجار يانعة، وطيور مختلفة وقصور مؤتلفة، ~~إلا أن ماءها أثقل من الرصاص، والإقامة بها تقوم مقام القصاص، وقد قامت بها ~~سوق الفسوق # PageV01P136 # على ساق، وتجاهر بالمعاصي فيها الفساق، فلم يفرق فيها بين الراح والماء ~~القراح، والله غالب على أمره، وهو المسؤول في السلامة من كيد الزمان قهره. ### || فائدة # في معرفة ثقيل الماء وخفيفه: تبل قطنتان متساويتان وتجففان في الظل، ~~والماء الذي قطنته أخف فهو أخف، كذا في تذكرة الشيخ جمال الدين العصامي. ثم ~~إني دخلت ms090 خاوي الوفاض، بادي الإنفاض، لا أملك بلغه، ولا أجد في جرابي مضغة، ~~فطفقت أجوب طرقاتها كالهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، أورد في مسارح ~~لمحاتي، ومسانح غدواتي وروحاتي، كريما أخلق له ديباجتي وأبوح إليه بحاجتي، ~~وأديبا تفرج رؤيته غمتي وتروي روايته غلتي، فانصرفت من حيث أتيت وقضيت ~~العجب مما رأيت، وهكذا شأن من لفظته معاول الإرفاق إلى مفاوز الآفاق، ومن ~~اقتعد غارب الإغتراب، وأنأته المتربة عن الأتراب، رأى من تقلب حاله ما لا ~~يجرى في خياله. # وإن اغتراب المرء من غير فاقة ... ولا حاجة يسمو لها لعجيب # وحسب الفتى ذلا وإن أدرك الغنى ... وإن نال مجدا أن يقال غريب # فأقمت بها مدة تناهز مدة الهلال، وعدة لم تسفر فيها وجوه الآمال، فلا ~~مسامر في تلك المسامر، ولا منادم بوجه سافر. # مدادي مدامي والكؤوس محابري ... نداماي أقلامي وفاكهتي شعري # ومسمعتي ورقاء ضنت بحسنها ... فأسدلت الأستار من ورق خضر # PageV01P137 # وأنا من سكانها بين خلق في صورة البشر، وأعيان جمعوا بين الحماقة والأشر، ~~فما أولاني في تلك الحال، بقول من قال: # يا ضيعة العمر في قوم تخالهم ... ناسا ولا غير أثواب على صور # لو أن ذا الحلم حل بينهم ... لود فيهم ذهاب السمع والبصر # لهم كلام تقشعر منه الآذان، بأصوات مقلوبة ما دقت باب الدخول، ولا فرقت ~~بين الفروع والأصول، فكم أطربت ولا أطربت وكم أغربت ولا أغربت. # وكم حوت # رودس # مع حسن بهجتها ... من كل فدم بليد الطبع فاسده # فكنت كما قال: # أصبحت في بلدة غراء تجهلني ... وكل ثاو بدار الجهل مجهول # في معشر ما لأهل الفضل عندهم ... قدر ولا لبني الآداب تفضيل # دار من مزخرفة الأركان ليس بها ... إذا سلكت الهدى إلا التماثيل # فحق أن أذكر الزورا وجيرتها ... وروضة الطهر فهي القصد والسول # لا أبعد الله هاتيك الرياض ولا ... زالت لها من سحاب الخير تظليل # فلا غرو أن أذكر معاهد الفضل ومواطنه، وأمتدح موارد الأدب ومعادنه، وأبوح ~~بهوى تلك البقاع البهية، وأنوح متشوقا إلى هاتيك الرباع الحرمية. # بلاد بها نيطت علي ms091 تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # فلا برحت تزهو على الأفق بالبها ... ولا زال يهمي في الرياض سحابها # رودس # ورودس هذه جزيرة في البحر الرومي، ساحتها ثلاثة فراسخ وعمارتها فرسخ، ~~وعليها ثلاثة أسوار منيعة، وثلاثة من الخنادق، وتمشي في عرض السور ثلاث ~~عربات، وهو مخرق من أعلاه إلى أسفله، في كل كوة مدفع يضرب ما يحاذيه، ولا ~~يؤثر في هذا الحصار شيء من المدافع، وفي بابه سلسلة عظيمة في وسط # PageV01P138 # البحر تمنع وصول شيء من المراكب إلى الباب، وهو قديم البناء محيط به ~~البحر من جانب وبر الجزيرة من جانبين، وفيها بساتين، وكنايس عظيمة صارت ~~مساجد، وحمام، وسوق كبيرة وهي الآن في ثوب البهاء، وخارج العمارة بساتين ~~مختلفة الثمار والأزهار. ولها خبر طويل في الفتوحات السليمانية افتتحها ~~السلطان سليم سنة تسع وعشرين وتسعمائة، فحصل بذلك لأهل الإسلام كمال ~~المسرة، وعملوا تواريخ منها يفرح المؤمنون بنصر الله، قاله القطبي في ~~الأعلام. # وأما البحر الرومي وهو بحر الشام والقسطنطينية، فهو يخرج في الإقليم ~~الرابع من المحيط، فيمر مشرقا بشمال الأندلس إلى القسطنطينية، ويمتد ببلاد ~~الجنوب إلى سبته إلى طرابلس الغرب إلى الإسكندرية، ثم إلى سواحل الشام وإلى ~~أنطاكية. قال المقريزي: وطول هذا البحر خمسة آلاف ميل وعرضه من سبعمائة إلى ~~ثلاثمائة، وفيه مائة وسبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة معروفة، وحكى بعض ~~الفلاسفة أنه كان ما بين الإسكندرية والقسطنطينية في قديم الزمان أرض تنبت ~~الجميز، وكانت وخيمة وسكانها من اليونان، إلى أن خرق الاسكندر إليها البحر، ~~فغلب على تلك الأرض. # ولما كان آخر جمادى الأولى، ركبت البحر صحبة أمير لواء البحر السكندري ~~جمال الأمراء محمد بن سويدان، لا زال في كلاءة الملك الديان، فظفرت منه بما ~~شغلني عن السكن والأهل والوطن، ولم أزل من مسامرته مدة مسايرته، فيما ~~أنساني بإحسانه شتات الليالي، وأولاني من منثور فوائده ما هو أشرف من عقود ~~اللآلي، فيا له من بحر يسير على بحر، وواسطة عقد محله من جيد المعالي ما ~~بين السحر والنحر، وقد اختصرت فيما ms092 سطرت، واقتصرت على ما ذكرت، فاقنعن من ~~صفات مجد طويل بمقالي، فإن الكتاب قصير. ولما رآني وجهت إليه آمالي، وعولت ~~فيما قصدت عليه، حقق لي أملي، ولم ينظر إلى عملي، وأذكرني # ما حكى المدايني، أن رجلا # PageV01P139 # دخل على الملك العظيم عيسى فأراد أن يعاقبه، وكان عنده ابن شبرمة، فقال ~~له الملك: أتعرف هذا الرجل؟ قال: نعم إن له بيتا وشرفا وقدما. فأمر بإطلاقه ~~وأحسن إليه. فقيل لإبن شبرمة: هل عرفته قبل ذلك؟ قال: ما رأيته قبل هذا ~~الوقت، ولكن لما نظر إلي فأمل في الخير كرهت أن أخذله. قيل: فكيف نعته؟ ~~قال: أعلم أن له بيتا يأوي إليه، وشرفه أذناه ومنكباه، وقدمه الذي يمشي ~~عليه، فلله هذا الاشتراك الذي لولاه ما تهيأ لمستتر مراد. ما أحسن ما قال: # إن لله غير أرضك مرعى ... نرتعيه وغير مائك ماء # إن لله في الخلائق لطفا ... سبق الأمهات والآباء # ثم إني سرت في صحبة هذا العزيز محفوظا بجنابه الحريز، وقد طار بنا ذلك ~~الغراب الرحب الجناب، وقد أقبل الشتاء وجنوده، وزمجرت رعوده، وأشهر لوامع ~~البرق، ورمى سهام أمطاره ما بين الغرب والشرق. # بسحاب إذا همى الماء منه ... ألهب الرعد في هواه البروقا # مثل ماء العيون لم يجر إلا ... ظل يذكي على القلوب حريقا # ونحن نسأل الله تعالى السلامة، وأن يخرجنا من هذا البحر وقد شملتنا منه ~~كل منة وكرامة، وعلى ذكر الشتاء فما ألطف قول القطب موريا بالبرد: # توق من الشتاء ولا تخاطر ... بنفسك قائلا إني جليد # فرضنا أن جسمك من حديد ... فهل يقوى على البرد الحديد # PageV01P140 # ثم لم أزل كذلك على ظهر ذلك البحر الأسود، وأنا أتمنى فراقه ولا أقول ~~العود أحمد ولولا ما حصل للخاطر في ذلك المقام من الجمع التام، لدى ذلك ~~المقام العالي الأعز المتلالي، فإني وجدت في خزانته من الكتب المفتخرة، ~~والدفاتر المعتبرة، ما وقعت به على ضالتي المنشودة، وبقية روحي المفقودة، ~~فكنت أسرح # طرفي في طرفها، وأسرح في رياضها فأجتني اللطائف من مبسوطها ونتفها. # إذا ما خلوت من ms093 المؤنسين ... طلبت المؤانس في الدفتر # فلم أخل من شاعر محسن ... ومن فاضل ناصح منذر # ومن حكم بين أثنائها ... فوائد للناظر المفكر # فلست أرى مؤثرا ما حييت ... نديما عليها إلى المحشر # ومن إملاه دام علاه: # لا تقعدن على ضيم ومسغبة ... لكي يقال عزيز النفس مصطبر # وأنظر بعينك هل أرض معطلة ... من النبات كأرض حفها الشجر # فعد عما يشير الأغبياء به ... فأي فضل لعود ماله ثمر # وانقل ركابك عن ربع ظمئت به ... إلى الجناب الذي يهمى به المطر # واستنزل الري من در السحاب فإن ... بلت يداك به فليهنك الظفر # وإن رددت في الرد منه منقصة ... عليك قد رد موسى قبل والخضر # ولما كان اليوم الثاني عشر من جمادى الآخرة، وصلنا إلى صاقص، وهو ~~بالتركية اسم للمصطكي سميت به تلك الجزيرة لأنه لا يوجد إلا بها، قيل يخرج ~~منها مائة صندوق في كل عام، فتوزع على سائر البلاد، في كل صندوق مائة أقة ~~بوزن البلاد، وما زاد على ذلك رمي في البحر كيلا يرخص # PageV01P141 # عن قيمته، وهو عجيب. # قال البصير في التذكرة: المصطكي وهو العلك الرومي، ولا يوجد إلا بصاقص من ~~أعمال رودس في الخامس، وقيل يوجد بإشبيلية من الأندلس إلا أنه غير جيد، ~~وشجره في البساطة ولطف العود والورق كشجر الأراك، يؤخذ صمغه في شمس الجوزاء ~~فتبقى قوته نحو عشرين سنة، وهو حار في الثانية يابس في الثالثة، أجوده ~~الأحمر البراق والأبيض المفرط في اليبس الهين الانفراط، ومن خواصه تسهيل ~~البلغم مضغا وإذهاب الصداع وحديث النفس، وإذا بخر به قطن بل بماء # ورد وجعل على العين سكن الرمد والوجع، قال وهو مجرب. ثم قمنا منها وقد ~~أغرقتنا الأنواء بالغمام، فتوقعنا قبل الوصول للحمى وصال الحمام، وبلينا من ~~خفق الغراب بأليم العذاب، وقد اسود السحاب فشابت منه ناصية البحر، وبات ~~الثلج منا ما بين السحر والنحر، وقد تطايرت القلوب من ليل هو أشد سوادا من ~~الغراب، وغراب هو أعظم في تقلبه من الطائر النعاب، فكنت كما قال: # وركبت بحر الروم وهو كحلبة ... والموج ms094 تحسبه جوادا يركض # كم من غراب للقطيعة أسود ... فيه يطير به جناح أبيض # الديار العثمانية # فلم نزال كذلك حتى نزلنا على مرمرة، وهي قرية لطيفة يحمل منها أحجار ~~المرمر إلى تلك البلدان، ثم أتينا إلى البغاز وهو في اللغة التركية بمعنى ~~المأزمين في العربية، وهو مضيق بين جبلين تحت كل منهما قصبة وقاض، وفيهما ~~عمال السلطنة فلا يخرج عنهما مراكب إلا بتمسك. ولما كان يوم الثلاثاء ~~الثاني والعشرون من جمادي الآخرة أقبلنا على القسطنطينية المحمية، ولاحت ~~لنا بهجة تلك الأراضي السنية، وارتفعت أعلام تلك الديار العثمانية، وأضاءت ~~أنوار القباب الخاقانية، فإذا هي بلدة تعطرت أرجاؤها عبهرا وعبيرا، وإذا ~~رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا قد تفردت بالكبر # PageV01P142 # وحسن العمارة وسعة المكان، وقال لسان النظر لما شاهد جمالها الباهر ~~وجلالها القاهر: ما في الإمكان أبدع مما كان، وكيف لا وقد تزينت بحلول من ~~رتع العالم في ظل عدله بالأمان، صاحب البند والعلم والسيف والقلم، سر الله ~~تعالى في الوجود المشرق بدره في أفق السعود، الملك الموفق للسداد، السلطان ~~مراد، علا على كل سلطان بسطوته، وقدمته ملوك الأرض بصولته، وكيف لا وهو ~~الخليفة على الخليقة، وصاحب السلطنة العظمى في الحقيقة، فلا زالت أصول ~~دوحته الشريفة ثابتة، وفروعها بأنواع ثمار اللطائف # المنيفة نابتة، وأفلاك زهر العدل بدولته القاهرة مشرقة الأنوار، ورياض ~~زهر الأمن بآياته الباهرة مونقة النوار، ولا برحت أركان البيوت العلوية ~~بشرف همته العلية قائمة، وله من مسك الثناء على مكارم أخلاقه حسن الخاتمة. # عليك إذا ما رمت ذكر مديحه ... يقول لسان الحال وهو صواب # تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثنى عليه يعاب # ولما أحلنيها الحظ، وسرحت فيها اللحظ: # رأيت بها ما يملأ العين قرة ... ويسلي عن الأوطان كل غريب # غير أني أقول كما قيل: # كيف يلذ العيش في بلدة ... سكان قلبي غير سكانها # لو أنها الجنة قد أزلفت ... لم أرضها إلا برضوانها # فأول مولى تشرفت بالمثول بين يديه، وتحققت أن السيادة قد طنبت لديه، ~~المولى الذي تطرزت ديباجة هذه ms095 الرسالة، ببعض ألقابه التي هي لبدر محاسنه ~~هالة. # أتيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار # فلا زال سعيه الطالع مسعود الجناب، ولا برح يحيا في سعد ممدود الإطناب، ~~فقابلني بالقبول التام، وعاملني بالبر والإكرام: # بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف الذي يأتي به وهو ضاحك # PageV01P143 # ولقد كنت أسمع بمحاسنه التي سارت بها الركبان، وشمائله التي تعطر بها ~~شميم البان: # حتى إلتقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري # وبالجملة فإنه المولى الذي حاز من الفضل منبع صفاته، وكأنه المعني بقول ~~القائل في بديع أبياته: # لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها # كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منزلة عندهم ولا جاها # أو هو كما قال: # ولقد سألت الناس عن أخلاقه ... وكماله وعلا نباهة قدره # فوجدتهم صنفين فيه فقاصر ... عن مدحه ومقصر عن شكره # فلله جماله الذي به قد تفرد، وكماله الذي إنفرد وتوحد، فلقد رأيت منه ~~الأحنف وأبا حنيفة، وما عسى أن أودعه هذه الصحيفة؟ # ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى الفضل حتى عد ألف بواحد # وقال: # وإني وإن أعطيت في القول بسطة ... وطاوعني فيه الكلام المحبر # لأعلم أني في الثناء مقصر ... وأن الذي قد نال أوفى وأوفر # ولكنني ما دمت حيا لشاكر ... وبشكره بعدي كتابي المسطر # وقال: # فيا كتابي إذا ما جئت منزله ... وزرت ذاك المقام المرتضى الحنفي # فحيه وانتشق من عرفه أرجا ... واشرح لديه اشتياقي في نحوه وصف # ورأيت في مجلسه الشريف من الأفاضل والأعيان ما ذكرت به قول أبي الطيب: # من مخبر الأكوان أني في الورى ... لاقيت أرسطاليس والإسكندرا # ورأيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله زمانهم والأعصرا # وكنت استأذنت في الدخول على حضرة المولى المأمول بهذين البيتين: # أيها الماجد المعظم يحيى ... بك يحيا بيت الحيا والمعالي # إن عبدا بالباب يطلب إذنا ... لينال المنى برؤيا الموالي # PageV01P144 # ثم إني اجتمعت بفخر الأغاوات وسردار السلطنة، المولى إدريس آغا وكان لي ~~إليه مطلب ركبت له المهالك، فامتنع من ذلك، وكنت أعتقد أن الله ms096 تعالى سيجري ~~على # يديه أنواع المبرات، ويسدي إلي من جميل لطفه أصناف المسرات: # وما كل ما يحكي التوهم صادقا ... ولا كل ما تحوي الظنون محصلا # مع أن أولى من لحظ من الصدقات السلطانية، دام نصرها بعين اللطف والإقبال، ~~وأحق من شملته العواطف الخاقانية، لا انقضى خيرها على كل حال. وفي كل حال، ~~العصابة العلوية التي اختصت من الزمان بالحرمان، والعترة النبوية التي لم ~~تظفر من نوائب الحدثان بالأمان!! # وإن لم أفز حقا إليك بنسبة ... لعزتها حسبي افتخارا بهمتي # هذا وهو النفس الناطقة للسلطنة، والعين الناظرة لأهل الحرمين، وذلك بعد ~~المعرفة والتعريف، والوقوف على ذلك الباب الشريف، وكان يقال من أم الماء ~~وجد الماء وما وقع العتاب إلا على الشراب: # لنا عتب على سلمات سلع ... وحاشا العامرية من عتاب # وقال: # وقد صدرت ولكن بعد مهلكة ... كما وردت لأمر خط في الكتب # وهذه الشمس تلقى عكس مقصدها ... في كل يوم ولولا ذاك لم تغب # وقال: # وما هو إلا الحظ يعترض المنى ... ولولاه كان الدهر أطوع مأمور # وكم في البرايا بين عان ومطلق ... وسال ومحزون ودان ومهجور # وقال: # فإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فغاض فصدق # PageV01P145 # أو أن محظوظا حوى في كفه ... عودا فأثمر في يديه فحقق # وقال: # وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن حظوظ وأرزاق بأقسام # كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي ويرزقه من ليس بالرامي # وقال: # فلو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا # ولو أعطى على قدر المعالي ... سقى الهضبات واجتنب الوهادا # وقال: # وأعظم ما بي أنني بفضائلي ... حرمت ومالي غيرهن ذرائع # إذا لم يرد بي موردي غير غلة ... فلا صدرت بالواردين شرائع # وقال: # علمي بسابقة المقدور ألزمني ... صبري وصمتي فلم أحرص ولم أسل # لو نيل بالسعي مطلوب لما حرم الرؤ ... يا الكليم وكان الحظ للجبل # وحكمة العقل إن عزت وإن شرفت ... جهالة عند حكم الرزق والأجل # وقال: # الرزق يأتي ولو لم يسع صاحبه ... حتما ولكن شقاء المرء مكتوب # وفي القناعة كنز لا نفاد له ... وكل ms097 ما يملك الإنسان مسلوب # وقال: # ما لي وللمجد والأيام عابسة ... والحظ واللحظ طول الدهر في عتب # PageV01P146 # ما أصعب الشيء ترجوه فتحرمه ... لا سيما بعد طول الجهد والتعب # وقال: # يا بانة الوادي التي سفكت دمي ... بلحاظها بل يا فتاة الأجرع # لي أن أبث إليك ما ألقاه من ... ألم النوى وعليك أن لا تسمعي # حكى القاضي شهاب التبريزي في كتاب الفوائد السنية، في محاسن القسطنطينية ~~وهو القائل فيه: # فوائدي في مغاني الروم وافية ... وحسنها يجتليه من تأمله # سنية جمعت منها محاسنها ... إن الفوائد جمع لا نظير له # قال: قصد بعض أهل الأدب الوزير علي باشا، وكان من وزراء السلطان بايزيد ~~بن السلطان محمد، في سنة سبعين وثمانمائة فلم ينل منه طائلا، فهجاه هجوا ~~بالغا، فلما بلغه الهجاء بعث إليه بعطاء لم يتوقع منه، فقيل له في ذلك، ~~فقال: إن الحسنات يذهبن السيئات. وأنشدوا: # إن العداوة تستحيل مودة ... بتدارك الهفوات بالحسنات # ثم قال: روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: من عظمت نعمة ~~الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن شكر الله تعالى تحمل تلك المؤن عنهم، ~~وزاد الله في نعمته، ومن لم يتحملها فقد عرض النعمة للزوال في الدنيا ~~وللنكال في الآخرة اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور. # ما أحسن ما قال: # إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا ... فعما قريب أنت ماض وتاركه # فكم زاحت الأيام أرباب دولة ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه # وقال: # إن الولاية لا تدوم لواحد ... إن كنت تنكر ذا فأين الأول # فاغرس من الفعل الجميل كرائما ... فإذا عزلت فإنها لا تعزل # ومما تدون في محاسن الملك الكامل بن العادل أيوب، أنه كتب إليه بعض عماله ~~رقعة يخبره أن المرتب على بيت المال في كل سنة مائة ألف دينار وسبعون ألف # PageV01P147 # دينار صدقة، وذلك خلل في بيت المال، فكتب على ظهر الرقعة الغربة تذل ~~الأعناق، والفاقة مرة المذاق، والمال مال الله وهو الرزاق، فأجر الناس على ~~عادتهم في الاستحقاق ما عندكم ينفد وما ms098 عند الله باق، وإنا لا نحب أن يؤرخ ~~عنا # المنع وعن غيرنا الإطلاق، والآثار الحسنة من مكارم الأخلاق واليكم هذا ~~الحديث يساق، وكان كثيرا ما يتمثل ببيتي حاتم: # شربنا بكاس الفقر يوما وبالغنى ... وما منهما إلا سقانا به الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بحسابنا الفقر # ونظير ذلك لما كثرت إنعامات الحاكم بأمر الله، توقف في إمضائها أمين ~~الأمناء # حسين بن ظاهر الوزان، فكتب إليه الحاكم بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~الحمد لله كما هو أهله: أصبحت لا أرجو ولا أتقي=إلا إلهي وله الفضل # جدي نبي وإمامي أبي ... وديني التوحيد والعدل # المال مال الله والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أرزاق ~~الناس ولا تقطعها والسلام. # كل الأمور تبيد عنك وتنقضي ... إلا الثناء فإنه لك باقي # لو أنني خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق # حكى المقريزي أن المرتبات في أيام كافور الإخشيدي بلغت خمسمائة ألف دينار ~~في السنة، لأرباب النعم والمسترفدين وأجناس الناس، ليس فيهم أحد من الجيش ~~ولا من الحاشية، فحسن له ابن الصلاح الكاتب أن يوفر من مال الرواتب، فلما ~~جلس لذلك حكه جبينه فحكه بقلمه، والحكاك يزيد، إلى أن قطع العمل لما به ~~وقام فعولج بالحديد، حتى مات في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وفي ذلك # PageV01P148 # موعظة لمن توسط للناس بالسوء، كما قال تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا ~~بأهله. وما أحسن ما قيل على لسان حال المحبرة: # حلفت من يكتب بي ... بالواحد الفرد الصمد # إن لا يمد مدة ... في قطع رزق لأحد # حكى الشيخ عبد الرحمن البسطامي في كتاب مباهج التوسل في مناهج الترسل أن # شخصا كتب إلى الصاحب يخبره أن رجلا مات عن ولد ومال له صورة، فكتب إليه ~~الصاحب: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والمال ثمرة الله والساعي لعنه ~~الله. # قيل: وجد مكتوب في خزانة الإسكندر، بالذهب الأحمر على الحرير الأخضر، ما ~~نصه: حركات الأفلاك أجل من أن تبقي على أحد نعمة، أو تديم عليه نقمة، فمن ~~ولي ms099 منكم الأمر فلتكن همته تقليد المنن أعناق الرجال، فإن الدولة تزول إما ~~بشكر جميل، أو بذم طويل. والأيام صحائف الدهر فاعتبروا يا أولي الأبصار # فإن كنت لم تسمع بأخبار من مضى ... ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر # فلا بد تصحو حين ينكشف الغطا ... وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر # ورأيت بدار السعادة من الأغوات خلقا جعلهم الله تعالى سببا للرحمة على من ~~سلف، وخدما لو أراد اليراع أن يصفهم لكل متنه ووقف: # ولكل رأيت منهم مقاما ... شرحه في الكتاب مما يطول # PageV01P149 # وقال: # وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدان # وقال: # وقد ساقني دهري المليم لفتية ... فتاهم ومن فيهم عزيز مكرم # تحلى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم # السلطان مراد # وفي يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة، برز صاحب الوقت في موكبه ~~لأداء صلاة الجمعة، في جامع أبيه المرحوم السلطان أحمد، فإذا هو كما قيل: # ملك إذا عاينت نور جبينه ... فارقته والنور فوق جبيني # ولو التثمت يمينه وبرزت من ... أبوابه لثم الأنام يميني # فلا زالت سيوف الشريعة في أيامه الشريفة مسلولة، وبقاع الأرض بندى عدله ~~مطلولة، ولا برح في سيادة يخدمها الملوان، وسعادة يثنى على حسن حالها ~~الأطيبان، والله تعالى يحسن ختام أموره، ويديم إشراق سعوده وبدوره. # ذكر نسب المولى المذكور # هو الملك المنصور السلطان مراد بن السلطان أحمد بن محمد بن مراد بن سليم ~~الثاني بن سليمان ابن سليم بن بايزيد محمد بن مراد بن محمد خان بن بايزيد ~~يلدرم خان بن مراد الغازي بن أورخان بن عثمان ملك الروم الغازي، الذي ~~ينسبون إليه. # PageV01P150 # قال القطبي: وهم من الترك التراكمة الرحالة النزالة من طائفة التتار، ~~ويتصل نسبه بيافث بن نوح، وهو الجد الأربعون لسليم، وأنشد فيهم لغيره: # ملوك بني عثمان إذ كان أصلهم ... كريما لهم في المكرمات مفاخر # وإذا ولد المولود منهم تهللت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر # تولى السلطان مراد الموفق للسداد، سنة اثنتين وثلاثين وألف من الهجرة، ~~وقال فيه صاحبنا بكري الصراف: # لما أراد الله ms100 نفع عباده ... ولى مرادا ملك خير بلاده # وأمده من فضله بعناية ... جعلت عداه تحت نعل جواده # وشدا لسان الحال في تاريخه ... بشرى له قد نال كل مراده # وكانت ولايته بعد وفاة أخيه الشهيد السلطان عثمان، وفيه يقول بعض أدباء ~~الشام: # قضى عثمان سلطان البرايا ... بأسياف العساكر والجنود # ووافته المنية في السرايا ... مؤرخة كعثمان الشهيد # أخبار آل عثمان # فائدة # سبب قيام آل عثمان عند ضرب النوبة، أن السلطان علاء الدين السلجوقي، لما ~~شاهد عزم السلطان عثمان، وعلم قابليته في فتح أطراف تلك البلاد، أكرمه ~~وأمده وبعث إليه الراية السلطانية والطبل والزمر ووسمه باسم السلطنة، تقوية ~~ليده وشدا لعضده، فلما وصل إليه ذلك وضربت النوبة بين يديه، قام عند أول ~~سماعه لها على قدميه تعظيما لذلك، فهم يقومون عند ضرب النوبة إحياء # PageV01P151 # لتلك السنة، وكان جلوس السلطان عثمان على تخت السلطنة في سنة تسع وتسعين ~~وستمائة، كذا في الإعلام للشيخ قطب الدين الحنفي. وكانت وفاة القطب ~~النهرواني عام تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة، وكان إمام المنثور والمنظوم، ~~بارعا في المنطوق والمفهوم، له البرق اليماني في الفتح العثماني وله ~~الإعلام بأعلام بلد الله الحرام وله الكنز الأسمى في فن المعمى وله تذكرة ~~جامعة، ورسائل في مسائل شتى، ورحلة أسفرت عن محاسن الوجوه، أخبرني بها ~~الأمير محمد بن سويدان ولم أقف عليها، وكانت رحلته سنة خمس وستين وتسعمائة، ~~لقي بها الأفاضل ونال الرياسة، وربما شكى فيها أو بكى، كما قال: # إذا حمد امرؤ يوما صباحا ... - وأنى ذاك - لم يحمد مساء # وله ديوان شعر لطيف، تقبل عليه القلوب لرقة ألفاظه ولطافة معانيه، ومن ~~نظمه: # الملح والكراث أشهى عندنا ... من أكل مأمونية بالسكر # ومشاهد الحرمين أعلى رتبة ... من أن نقيم بدار ملك أكبر # ومن غرر قصائده قوله: # بسيف الحجى عند اشتداد النوائب ... تقلدت فاستغنيت عن كل ناضب # الطاعون # قال القاضي شهاب في الفوائد السنية: اشتهر أن ملك الروم لا يموت ~~بالطاعون، كما أن صاحب مصر لا يموت بالفصل، كما أن # بغداد # لا يموت بها خليفة، وفي # ذلك ms101 يقول عمارة: # قضى ربها أن لا يموت خليفة ... بها، ما يشاء الله في خلقه يقضي # وعلى ذكر الفصل، لأبي عبد الله الفيومي: # أرى الفصل داء والرحيل دواؤه ... فلا تسكنوا في بلدة قد حوت فصلا # PageV01P152 # وأملي لكم أن ترحلوا ببنيكم ... ولا تقتلوا أولادكم خشية الإملا # فمن يترحل عنه يكفى شروره ... ومن يتثبت يكسب الأجر والفضلا # رأيت في بعض التعاليق نقلا عن العلامة بدر الدين الغزي، أن حمل كتابة ~~خلاق عليم يدفع الطاعون وأنه مجرب. ويقال التختم بالعقيق اليمني يمنع من ~~الطاعون. فائدة صحيحة مجربة، إذا انقضت المدة، لم تنفع العدة. # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # حكى الخطيب علي بن عراق في التذكرة أنه ظهر الطاعون بدمشق أيام عبد الملك ~~بن مروان، فخرج عبد الملك من البلد ومعه غلام له، فكان يغلبه النوم والفرس ~~يعدل به عن الجادة، فقال لغلامه: ويلك حدثني بما تحدث به أمثالك. فقال: ~~بلغني أن ثعلبا صادق أسدا على أن يجيره من السباع، فكان أبدا بين يديه، ~~فظهر في يوم من الأيام عقاب في الهواء، فخافه الثعلب ووثب على ظهر الأسد، ~~فانحط العقاب واختطفه. فقال الثعلب: يا أبا الحارث، العهد!! فقال: إنما ~~عاهدتك على أن أحفظك من أهل الأرض، وأما أهل السماء فلا قدرة لي عليهم. ~~فقال عبد الملك: لقد وعظتني يا غلام. ورجع إلى الشام وهو يقول: لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم توفي سنة ست وثمانين، وفيها كان طاعون ~~الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ بالنساء. ما أحسن ما قال: # PageV01P153 # ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر # وتيقني أن المقدر كائن ... حتما عليك صبرت أم لم تصبر # وقال: # لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر # والمرء ما عاش ممدود له أمل ... فالنفس واحدة والهم منتشر # ما أوعظ ما قال: # ملكنا أقاليم البلاد فأذنت ... لنا رغبة أو رهبة عظماؤها # فلما انتهت أيامنا علقت بنا ... شدائد أيام توالى رخاؤها # إذا ما ms102 هممنا أن نبوح بما جنت ... علينا الليالي لم يدعنا حياؤها # وكنا نلاقي النائبات بأوجه ... رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها # الطاعون يوناني، قال البصري: وهو كل ورم يظهر للحس، ثم خص بالحار القتال ~~السريع التعفن، ويطلق على الوباء للتلازم الحاصل بينهما غالبا، وإلا ~~فبينهما عموم وخصوص. # بغداد # (وأما بغداد) فهي قاعدة أرض العراق، بناها المنصور العباسي في الجانب ~~الغربي على الدجلة، وبلغت النفقة عليها أربعة آلاف ألف دينار، وحصرت ~~حماماتها فكانت ستين ألفا، حكاه الطبري في تاريخه. # يقال إن المنصور بنى أربع مدن على أربع طوالع فلا تخرب إلا بخراب الدنيا، ~~وهي الرافعة بأرض الجزيرة، والمصيصة بكسر الميم على بحر الشام، والمنصورة ~~بالسند وطولها ميل في ميل، وبغداد بالعراق وهي مدورة الشكل، وتسمى الزوراء ~~لازورار قبلتها، وفيها يقول بعض واصفيها: # بلد طيب وماء معين ... وترى طينه يفوح عبيرا # وإذا المرء قدر السير منه ... فهو ينهاه باسمه أن يسيرا # PageV01P154 # وقال: # لهفي على بغداد من بلدة ... كانت من الأسقام لي جنه # كأنني عند فراقي لها ... آدم لما فارق الجنه # هذا والقاضي عبد الوهاب المالكي لما نبت به تلك الديار، وخرج منها طالبا ~~مصر، قال بحسب حاله والحكم يدور مع العلة: # بغداد دار الأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق # ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في دار زنديق # وممن تشرفت بحضرته، وتمليت بسنا طلعته، فخر قضاه العساكر، وليث الفضاء ~~الكاسر، المولى أبو سعيد محمد بن أسعد، لا زال هام الفراقد يصعد، فإذا هو ~~أعز الله تعالى قدره، وأطلع في أفق المعالي بدره، قرة عين الأعيان، وغرة ~~جبهة الزمان، وهو القائل فيه: # علت درجات الفضل واتضحت ... دقائق من معاني لفظه البهج # هذا وليل الشباب الجون منسدل ... فكيف حتى يضئ الشيب بالسرج # يا حبذا أعين الأوصاف ساهرة ... بين الدقائق من علياه والدرج # كيف لا وهو الذي أثنت علوم الأوائل على طبعه السليم، وذوقه المستقيم، ~~وشهدت بفضله رواة الحديث النبوي، فما أعلى قدر من شهد بفضله الحديث ~~والقديم: # فالدهر يرقص والأيام تنشده ... هذا هو العيش ms103 إلا أنه الهاني # فلا زال متفقها في الخيرات ومدرسا ومعيدا، وكما أسعد براعة ابتدائه يجعل ~~ختامه سعيدا. # فإني وإن بالغت في الشكر والثنا ... عليه مقر بالقصور وبالعجز # PageV01P155 # ولكنني أرجو الذي عم فضله ... يجازيه عني فهو أكرم يجزى # من لطائفه زاد الله في عواطفه، أني قصدت زيارته فرأيت على أعتابه الشريفة # من القضاة وطالبي المناصب خلقا، قد تسربلوا بأنواع القماش، ونفخوا روح ~~العظمة في هيكل الشاش، فأردت الدخول فلم يؤذن لي، فتصاغرت نفسي، وفقدت ~~بالوحشة أنسي، وقلت هذه أثمان المطامع، خصوصا بغير الطالع، فكتبت هذين ~~البيتين: # إني أتيت لبابك العالي لكي ... أحظى بتقبيل الأيادي العاليه # فمنعت من حجاب حضرتك التي ... هي للوفود مكارم متواليه # وبعثتهما مع غلام له، توسمت فيه جمال اللطف ولطف الجمال، فجاء الإذن ~~فدخلت، وأخذت حظا من مكارم أخلاقه، فلما أردت الخروج وضع في الرقعة شيئا من ~~فاقع اللون الذي يسر الناظرين، بحيث لم يفهم ذلك من كان هنالك، وقال: احتفظ ~~الرقعة لتعود بها، فخرجت وأولئك القوم بحالهم على تلك الأبواب، وأظن العرق ~~فيهم على مراتبهم، لشدة الحر والزحام، والانتظار الذي حيل بينه وبين ~~المرام. # يقولون عيش البرمكيين طيب ... فقلت وعيشي بالسلامة أطيب # لطيفة # كتب المولى جمال الدين العصامي إلى الشيخ قطب الدين المكي يهنيه بشهر ~~رمضان: # يا قطب أهل العلم في أم القرى ... رمضان هل ببهجة لا توصف # فتهن وحدك إن ذاتك أصبحت ... هي أشرف في أشرف في أشرف # فكتب إليه الجواب وجعل في القرطاس أشرفيا: # يا ألطف الفضلاء أنت جمالنا ... فتهن بالشهر الشريف الأشرف # PageV01P156 # شعر بشعر ليس فيه ربا وقد ... زاد العيار بوزن هذا الأشرفي # وحكى النواجي في حلبة الكميت أن أعرابيا قصد المأمون وقال له: قلت فيك # شعرا. قال: أنشده. فأنشد: # حياك رب العرش حياكا ... إذ بجمال الوجه رقاكا # بغداد من نورك أشرقت ... وأورق العود بجدواكا # فقال المأمون: يا أعرابي قلت فيك شعرا، وأنشد: # حياك رب العرش حياكا ... إن الذي أملت أخطاكا # أتيت شخصا قد خلا كيسه ... ولو حوى شيئا لأعطاكا # فقال الأعرابي يا أمير ms104 المؤمنين إن بيع الشعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما ~~شيئا حتى يستطاب. فضحك المأمون وأمر له بصلة. # وكان ظافر الشاعر حسن البديهة، قال القاضي أبو عبد الله الآمدي حاكم ~~الإسكندرية: دخلت على الأمير ابن طقز في أيام ولايته للثغر، وفي يده خاتم ~~قد ضاق على يده حتى ورمت إصبعه جدا، فأستدعى الحداد وقطع الحلقة، فأنشده ~~ظافر على البديهة: # قصر في وصافك العالم ... وكثر الناظم والناثر # من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصر الخاتم # فاستحسن الأمير ذلك ووهب له الخاتم، وكان من ذهب! وكان عند الأمير غزال ~~مستأنس به، قد ربض ثم جعل رأسه في حجر الأمير، فقال ظافر المذكور: # عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمن تخطى به واعتمد # وأعجبه إذ بدا جاثما ... وقد اطمأن وأنت الأسد # فزاد الأمير والحاضرون في استحسان ذلك، ثم انصرف وتركنا متعجبين من ~~بديهته. # اقتباس لبعضهم: # PageV01P157 # قناعة المرء بما عنده ... مملكة ما مثلها مملكه # فارضوا بما قد جاء عفوا ولا ... تلقوا بأيديكم إلى التهلكه # مثله: # ولا تطلبوا ما بأيدي الأنام ... تصيروا بذلك أعداءهم # لذلك قد قال رب العباد ... ولا تسألوا الناس أشياءهم # ما أصدق ما قال: # لا تحسبن الشعر فضلا بارعا ... ما الشعر إلا محنة وخبال # الهجو قذف والرثاء نباهة ... والعتب ضغن والمديح سؤال # يقول ابن تميم: # وما الشعر مما أرتضي نسبتي به ... لعمري ولا وصفي في المحافل # ولا قلته كي أبتغي بمقاله ... ثناء ولا أجزى عليه بنائل # ولكن دعتني شيمة عربية ... إلى قوله معروفة في القبائل # فأبديت ما قد حاك في النفس سالكا ... بإبداء ما أبديت سبل الأفاضل # فلا تنكروا ما أبرزته سجية ... طبعت عليها من سجايا الأوائل # فما تنكر الأقوام سجع حمامة ... إذا هتفت في صحبها والأصائل # ابن دقيق العيد: # وزهدني في الشعر أن سجيتي ... بما تستجيد الناس ليس تجود # وتأبى طباعي أن أصوغ رديه ... فأصرفه عن خاطري وأذود # الشهاب الفاضل: # وما الشعر فخر للفتى ومزية ... إذا لم يكن عن كل فضل يترجم # ولكنه عنوان ذوق وفطنة ... ورقة طبع وهو للفضل أسلم # وممن تشرفت بالاجتماع ms105 به، وتحليت بمحاسن أدبه المولى محمد أفندي الحياتي # فإني وجدت منه نديما للسرور مديما، ونفس حر قد لبس من مكارم # PageV01P158 # الأخلاق أديما، فأزلت بطلعته السنية عن مرآة القلب صدأ القسوة والغم، ~~وسمعت من حديثه ما يسلو به الخاطر وينجلي الهم. # قال: # وكنت إذا حدثته أو رأيته ... تزول حرارات الصبابة والجوى # ولا سيما إن ظل يتلو لمسمعي ... أحاديث أرباب المحبة والهوى # وقال: # عرفتك دهري ليس لي فيك حيلة ... يروج بها فضلي لديك وأسلك # سوى اليأس مما في يديك وإن يكن ... رجاء ففي الأخرى التي لست تملك # وقال: # ألا قل لأصحابي عن القهوة انتهوا ... ولا تجلسوا في مجلس هي فيه # وما ذاك عن بغض ولا عن كراهة ... ولكن غدت مشروب كل سفيه # وكأنه مأخوذ من قول القائل: # إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه # وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه # وأين ذاك من قول الآخر: # إذا شوركت في أمر بدون ... فلا يلحقك عار أو نفور # ففي الحيوان يشترك اضطرارا ... أرسطاليس والكلب العقور # حكي أن الوزير مسيح باشا أمر بإبطال القهوة، فقال له بعض الفقراء إن ~~القهوة لا تبطل، قال: ولم؟ قال: لأن حسابها موافق اسم الله تعالى قوي. ~~بمعنى أن كلا منهما له من العدد مائة وستة عشر، فلها منه الاستمداد، فأمرها ~~وشأنها # PageV01P159 # قوي. فلم يسعه التأخر لأمر السلطان مراد، فما أفاد المنع، وكان الأمر كما ~~قيل. واشتهر # استعمال لفظ جبا عند تقديمها، ولا أعلم ما أصله إلا أنه ورد مورد الهبة، ~~ولا يخفى ما فيها من الفرح الذاتي. وثم لطيفة حسابية وهي أن عدد جبا ست، ~~فكان القائل يقول: جلبت لك المسرة والصفا من الست الجهات. # توفي العلامة المفتي أبو سعد سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وتاريخه ~~للفاضل أحمد الرومي قد مات أبو السعود مولى العلم وأنشدني لغيره: # وللناس عادات وقد ألفوا بها ... لها سنن يدعونها وفروض # فمن لم يعاشرهم على العرف بينهم ... فذاك ثقيل عندهم وبغيض # وأنشدني لنفسه في مرج دمشق: # بصبا المرج المبلل ذيله ... علل ms106 القلب عل يبرد ويله # ومر الروح أن تسيل دموعا ... إن أبى الجفن أن يغيثك سيله # وادكر بالرياض يومي حبيب ... سلفا والسلاف تربع خيله # PageV01P160 # وتمسك بسالفيه على البع ... د عسى الكرب ينجلي عنك ليله # ومن ذلك أيضا: # تأن ولا تجزع لأمر تحاوله ... فخير اختيار المرء ما الله فاعله # وما ضمن الرحمن لا تخش فوته ... ومالا فلا تجهد فما أنت نائله # دع السعي فالمسعود تطلبه المنى ... وسعي بلا سعد محال تحاوله # هو السعد يدعو آخر الأمر ساعيا ... وحسبك سعيا في المرام تناوله # ولا تبتئس إن أخلف المجد واصطبر ... هو الشهد قد شيبت بصبر أوائله # وما المجد إلا الصبر فهو أبو التقى ... وكم خامل بالصبر عزت منازله # تفيأ بظل الله من روض قوله ... أليس بكاف تلحقنك فواضله # وعزتهن دنياك واغن بتركها ... ولا تحفلن بالرزق فالله كافله # تحل بتاج القنع تغد مملكا ... تطول على هام الرجال كواهله # وسمعت منه قصيدة رأيته أمتدح بها عزمي زاده، وقد تضمنت من الحكم والأمثال ~~ما يعجز الفكر الثاقب عن إبداء مكنونها، فلو رآها المتنبي لتبرأ من دعواه ~~وقال إنه صاحب المعجزة. ورأيت حاشيته على البيضاوي أتى فيها بالأبحاث ~~الرائقة، والتحقيقات الفائقة، وله رحلة جامعة لفرائد الفوائد، سماها ~~الإسفار عن الأسفار، وديوان شعر جيد اللفظ والمعنى، وله تعليقات على فنون ~~من الحكمة، ورأيت بعض أهل الشام يقدح في شأنه وشرف مكانه، على قاعدة المرضى ~~من علماء الظاهر، وكان الأولى بالإنسان أن يمنعه من الوقوع في غيره ما ~~يعلمه من نفسه، وما أظن الحال معهم إلا كما قيل في هذا الابتلاء العام ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا # PageV01P161 # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... والقوم أعداء له وخصوم # كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنه لدميم # وأنشدني للحلي، وكانت له لغات متعددة: # بقدر لغات المرء يكثر نفعه ... وتلك له عند الملمات أعوان # فهافت على حسن اللغات مجاهدا ... فكل لسان في الحقيقة إنسان # وبحسب الحال أقول: # لا تقصد الروم خال من لغاتهم ... ولا تظن الغنى في منطق العرب # فلو أتيت بمضمون الصحاح ms107 فما ... أتيت فيهم بما يدني من الأرب # وبالجملة فإنه لا فرق بين الجماد وبين من لم يفهم ما تقول، حتى في ~~المغاني، وإذا دارت الأمور في العتاب فالعبرة باليد العليا فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم # إذا كان قدر المرء إن جاء طالبا ... أقل قليل كيف يطمع في الفضل # وبالله أن الذل في وجه سائل ... أمر من المران ناهيك بالذل # حكى السيوطي في تاريخ الخلفاء أن عبد الله بن الزبير كان له مائة غلام، ~~يتكلم كل غلام بلغة أخرى، وكان يكلم كل واحد منهم بلغته، عبد الله السواكني ~~المدني: # رأيت بلاد الروم لا عيش عندهم ... يطيب ولا صفو يعادل أكداري # وكيف يطيب العيش لي بين فتية ... نهارا وليلا يعرضون على النار # فقلت محولا للمعنى بتغيير يسير: # رأيت بلاد الروم عيشي عندهم ... يطيب وصفوي لا يشاب بأكدار # PageV01P162 # فقد ضل من قد قال فيهم بأنهم ... نهارا وليلا يعرضون على النار # فلما كان يوم الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، قدم علينا الشيخ العارف ~~شيخ القادرية بمدينة خير البرية، فسمعت منه حديث طيبة طيبا كأنه في صفحات ~~فكري رقيم، وظفرت من أخلاقه بمحاسن يجد السلو بها الفؤاد السقيم، أنشدني ~~للخطيب يوسف الثقفي قال: أنشدنيهما لما قدمت عليه بدمشق: # من رام يحظى بالمسرة والهنا ... فليصحبن العارف المدنيا # فحديثه يشفي السقام وشكله ... في أي زي شئته يتزيا # وأنشدني لما نزل بدار مصطفى جلبي قصاب باشي: # إن في الروم سادة بلقاهم ... زال ما أشتكيه من أوصاب # فاعذروني إذا انتميتم لأسد ... فأنا كلب مصطفى القصاب # وأنشدني فيما يناسب الحال: # إن الغنى يستهاب كلما اعتكرت ... دجى الكروب جلا عنها حنادسها # لا تنفع الخمسة الأشياء محدقة ... لديك إلا إذا ما كان سادسها # وفي أول ليلة جمعة من شهر رجب الفرد، أوقدت المناير وعمرت المساجد بصلاة ~~الرغايب، وهي غير معروفة بالحرمين الشريفين. قال ابن الأثير في جامع ~~الأصول: وهي أول ليلة جمعة من رجب تصلى فيما بين العشاءين ثنتي عشرة ركعة ~~بست تسليمات، كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة والقدر ثلاثا والإخلاص ثنتي عشرة ms108 ~~مرة. فإذا فرغ من صلاته قال اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله # بعد ما يسلم سبعين مرة، ثم يسجد سجدة ويقول فيها: سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه ويقول رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك ~~أنت العلي الأعظم، وفي الأخرى الأعز الأكرم سبعين مرة، ثم يسجد ويقول مثل ~~ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى. # PageV01P163 # وهو مروي عن أنس، ولم يوجد في الستة، والحديث مطعون فيه، انتهى كلامه. # وهذه الليلة عندهم من قبيل الأعياد، يتهادون فيها ويتزاورون وتفتح لها ~~الأسواق. وابن الأثير هذا هو المحدث العلامة مجد الدين أبو السعادات: # وبنو الأثير ثلاثة ... قد حاز كل مفتخر # فمؤرخ جمع العلوم ... وآخر ولي الوزر # ومحدث كتب الحدي ... ث له النهاية في الأثر # وممن تشرفت بحضرته المولى الأجل نقيب السادة الأشراف، واسطة عقد نزار في ~~آل عبد مناف، مولانا شيخ أفندي العلامة، رفع الله على منار الشرف أعلامه، ~~ولا زالت تتناسق الألفاظ في ميادين مدحه المطابق للواقع، بذكر شمائله ~~الشائقة، ونوافله الفائقة، وإحسانه المتتابع. # وإن أحسن قول أنت قائله ... قول يقال إذا ما قلته صدقا # ولا غرو إذ كان من دوحة أثمرت ملوكا نتجوا من عنصر النبوة والرسالة، ~~وأنتجوا مكارم الفتوة والبسالة. # لكم يا بني الزهراء في الذكر آية ... فجاحدها في الناس لاشك ملحد # إذا الله أثنى في الكتاب عليكم ... فما قدر ما تثنى الأنام وتنشد # رفعت يوما إلى معاطفه الرحيمة قصة وضمنتها هذا النظم: # يا ابن خير الخلق كن لي ... شافعا في بسط قبضي # فأولوا الأرحام نصا ... بعضهم أولى ببعض # فعطف علي بإحسانه، وتعطف بتلطفه وامتنانه، فما زلت في ظل مجده الوريف، ~~منشدا في شأنه الشريف: # إذا ذكر الراوي أحاديث فضله ... يقول الورى هذا الحديث المصدق # وممن تشرفت بطلعته السنية في تلك الديار، وساعدت بلقائه الأقدار، مولانا ~~عبد الرحمن # PageV01P164 # أفندي العشاقي، لا زال في كلاءة القدير الباقي، فرأيت منه متعه الله ~~بحياته وأمده بسني صلاته، مولى قد استغنى عن الألقاب، بما حواه ms109 من شرف ~~الجناب: # وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # ولم أكن أعرف ذاته الشريفة، ولا استنشقت عرف شمائله الوريفة، حتى دعتني ~~إليه مكارمه، وأمدتني بمعروفه مراحمه، وأنشد في شأنه عندليب إحسانه: # لا عيب في جوده إلا ترادفه ... قبل السؤال فراجيه كخجلان # ومما جرى به القلم، في شأن هذا المفرد العلم: # قد قلت للمجد من تهوى تواصله ... وكلنا لك ذو وجد وأشواق # فقال لي بلسان غير معتذر ... لا أشتهي أن أوافي غير عشاقي # ولعل هذه معرفة نشأت عن العهد القديم، فانتشرت روائح عرفها الشميم، حتى ~~أقول هذا مبتدأ وداد لابد وأن يرفع خبره، وصدق ولاء لاغرو أن يبدو على باب ~~الصفاء أثره: # فأبق لي وده يا دهر متصلا ... وخذ بقية ما أبقيت من أملي ### || ذكر القسطنطينية العظمى # حكى الشيخ الأكبر في كتاب محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار في غزاة مسلمة ~~بن عبد الملك بلاد الروم ودخوله فيها، أن جزيرتها ثمانية فراسخ، في المدينة ~~منها أربعة فراسخ، ولما قدم مسلمة على عمر بن عبد العزيز وأخذ يصفها له، ~~قال: ما # رأيت بلادا تحكيها، هي مدينة برية بحرية، كثيرة الفاكهة والطعام واللباس، ~~سورها من الحجر، وعرضه يسير عليه مائة فارس عرضا، وأما الأبواب فإنها حديد، ~~وعرض ما بين كل بابين ميل، انتهى. وفي الخريدة هي مثلثة الشكل، منها جانبان ~~في البحر وجانب في البر، وفيه باب الذهب، وطولها تسعة أميال، وعليها سور ~~حصين ارتفاعه أحد وعشرون ذراعا، ويحيط به سور آخر يسمى الفصيل وارتفاعه ~~عشرة أذرع، وله مائة باب أعظمها المموه بالذهب، وبها منارة بالقرب من دار ~~الشفاء، قد ألبست جميعها من نحاس أصفر كالذهب محكم الصنعة والتحزيم، وعليها ~~قبر قسطنطين، وعلى قبره صورة فرس من نحاس، عليه # PageV01P165 # شخص على صورة الملك، وقوائم الفرس محكمة بالرصاص ماعدا يده اليمنى فإنها ~~موقوفة في الجو، وقد فتح يده اليمنى مشيرا بها نحو بلاد المسلمين، وفي يده ~~اليسرى كرة - قيل في اليمنى - طلسم يمنع العدو، وعلى اليسرى مكتوب ملكت ~~الدنيا حتى صارت في ms110 يدي مثل هذه الكرة، وخرجت هكذا لا أملك منها شيئا وفي ~~المعنى: # وفي قبض كف الطفل عند ظهوره ... دليل على الحرص المركب في الحي # وفي بسطها عند الممات إشارة ... ألا فأنظروني قد خرجت بلا شي # وبلفظ آخر: # دليل على حرص ابن آدم أنه ... ترى كفه مضمومة عند وضعه # وفي بسطها عند الممات إشارة ... إلى صفرها مما حوى بعد جمعه # حكى القاضي شهاب في الفوائد السنية أن قسطنطين من أبناء الملك الأعظم ~~الملقب قيصر، نشأ بمدينة الرها ونقل العلوم، ولم يزل في غاية من السعادة ~~والظفر منصورا على من ناواه، وكان في أول أمره على دين المجوس، شديدا على ~~النصارى ماقتا لدينهم، ثم رجع إليه، وسببه أنه ابتلي بجذام ظهر عليه فأغتم ~~لذلك، # وجمع الحذاق من الأطباء فاتفقوا على أدوية دبروها له، وأمروه أن يستنقع ~~بعد أخذ تلك الأدوية في صهريج مملوء من دماء أطفال رضع ساعة، فأمر بجمع ~~جملة من أطفال الناس وذبحهم ليستنقع في دمائهم وهي طرية، فجمعت الأطفال ~~لذلك وعظم ضجيج أمهاتهم، فرحمهن وقال: احتمال علتي أولى وأوجب من هلاك هذه ~~العدة العظيمة من البشر، فأمر برد الأطفال إلى أمهاتهم، فانصرف النساء ~~بأولادهن، فلما صار من الليل إلى مضجعه، رأى في منامه قائلا يقول له: إنك ~~رحمت الأطفال وأمهاتهم، ورأيت احتمال علتك أولى من ذبحهم، فقد رحمك الله ~~تعالى ووهبك السلامة، فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى شلبشته وقف عند ما ~~يأمرك به. فانتبه مذعورا وبعث في طلب الرجل، فلما أتى به إليه أخبره بما ~~رآه في منامه فقص عليه دين النصرانية فالتزمه، وشفاه الله تعالى. فأعلن ~~بدين المسيح عليه السلام، فخلع طاعته أهل رومية فخرج عنها وبنى مدينة ~~القسطنطينية، فعرفت به فسكنها وصارت تخت الملك، ثم خرج إلى رومية فلما دنا ~~منهم # PageV01P166 # أذعنوا له والتزموا طاعته. # وفي القاموس: رومية سوق الدجاج بها ثلاثة فراسخ، حكى المقريزي أن ~~القسطنطينية من الإقليم السادس، وهو حيث يكون النهار الأطول خمس عشرة ساعة ~~ونصف ساعة، وارتفاع القطب الشمالي، وهو العرض ms111 خمسا وأربعين درجة وخمس درجة، ~~ومسافة هذا الإقليم مائتا ميل وعشرة أميال، وفيه من الجبال الطوال اثنان ~~وعشرون جبلا، ومن الأنهار الطوال اثنان وثلاثون نهرا، ومن المدن الكبار ~~تسعون مدينة، والغالب على ألوان أهلها الشقرة والبياض. # # فائدة # # أول من ملك القسطنطينية من آل عثمان أبو الفتح السلطان محمد خان، وساق ~~إليها السفن في البر والبحر، وحاصرها خمسين ليلة أشد الحصار، وكان الفتح في # سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وصلى الجمعة في أكبر كنائسها وهي أيا صوفيا، ~~وهي قبة تسامي قبة السماك، كأن أبراجها الأفلاك، ومسامير أبوابها نجوم ~~السماك. وتوفي سنة ست وثمانين وثمانمائة، وولي بعده السلطان بايزيد، قاله ~~القطبي. وموضع قبره مع ما يليه من جانب المرحوم شاه زاده، يكاد يكون قاعدة ~~تلك الديار لما اشتمل عليه من المحاسن، وفي أيام السلطان بايزيد المذكور ~~كان المولى شمس الدين الفناري، من أخباره أن الطلبة كانوا يعطلون يومي ~~الجمعة والثلاثاء، فأضاف إليهما يوم الاثنين، والسبب في ذلك أنه اشتهر في ~~زمانه تصانيف السعد التفتازاني، ورغب الطلبة في قراءتها فلم توجد تلك ~~الكتب، لعدم انتشار نسخها، فاحتاجوا إلى كتابتها، فلذلك أضاف إليها يوم ~~الاثنين لضيق الوقت عن الكتابة، كذا في الشقائق النعمانية، في علماء الدولة ~~العثمانية ومن محاسنها جامع المرحوم السلطان أحمد، فإنه ناطق بألسن الآثار ~~كما قيل: # همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان # إن البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدل على عظيم الباني # وبالجملة فإن ما اشتمل عليه من الإشراق وكمال الصفاء لا يكاد يوجد في ~~غيره، فلقد كنت أراها مظلمة من سائر الجهات آخر النهار ما خلا هذه البقعة ~~المباركة، فإني كنت أصلي المغرب في الجامع المذكور وأبرز إلى الميدان فأظن # PageV01P167 # الوقت صباحا، لما أجده من الإشراق والسرور الذي لا أعلم له سببا، مع ما ~~كان في الخاطر مما لا يليق ذكره، على ذلك أقول: # قد قلت للميدان أحرزت البها ... وأراك عن تلك البقاع بمعزل # ما ذاك إلا من جوارك أحمدا ... والسر في السكان لا في المنزل # وقيل ms112 في تاريخ بناء هذا الجامع: # تاريخ جامع أحمد ... من نص قرآن مبين # قد جاء فيه قوله ... لنعم دار المتقين # توفي السلطان أحمد سنة ست وعشرين وألف. # فقل للدهر أنت أصبت فالبس ... برغم منك أثواب الحداد # ومن محاسنها، بل من محاسن الوجود السليمانية، فلا زالت أثرا لمحاسن ~~الدولة العثمانية: # الملك لله الذي لم يزل ... يودعه في آل عثمان # من شك فيما قيل في شأنهم ... فلينظر الوضع السليماني # وهذه شذور من فوائد الفوائد السنية للقاضي شهاب، فمن ذلك هذا الغزل الذي ~~تحن إليه الجوارح، ويتحرك له ساكن الغرام: # إن في الروم للحسان عيونا ... ذكرت صبها بحرب البسوس # PageV01P168 # وقدودا هي الرماح تبدت ... مرخصات لغاليات النفوس # أسبلوا الشعر فوق مرمر جيد ... مخجل نوره ضياء الشموس # وأبانوا عوارضا وخدودا ... مشبهات للعاج في الأبنوس # وأداروا من الرضاب حميا ... فعلها أين منه راح الشموس # وقال: # لم تترك الترك في شمس ولا قمر ... حسنا لغيرهم يعزى وينتسب # لكنهم لم يفوا إن عاهدوك على ... ود وما هكذا في فعلها العرب # وقال: # فتنت بظبي من بني الترك أدمعي ... لهجرانه تنهل عسفا على خدي # تملك رقي وهو ملكي برقة ... فوا رحمتا لي إذ غدا سيدي عبدي # وقال: # بحمام السراي غزال سرب ... رقيق الطبع لا يصغي لواشي # يقول لعاشقيه يفوز مني ... بوصل من طواشي للطواشي # وقال: # إياك والأتراك إن لبعضهم ... أشخاص غزلان وفعل أسود # أجسامهم كالماء إلا أنها ... حملت قلوبا من صفا الجلمود # ومن الوصايا المليحة عن الأخلاق القبيحة: # إذا كنت والمحبوب يوما بخلوة ... ودارت لك الكاسات واكتمل البسط # فإياك والفعل المحرم إنه ... به المرء من أوج السعادة ينحط # فإن عفاف الذيل في شرعة الهوى ... لمن شاقه وصل الحبيب هو الشرط # PageV01P169 # وما أصدق ما قال: # بالروح يلعب في بداية أمره ... وسوى الغرام به فغير غرام # ماذا تكون نهايتي في عشقه ... والبدء فيه تحلل الأجسام # وقال: # تعس القياس فللغرام قضية ... ليست على نهج الحجى تنقاد # منها بقاء الشوق وهو بزعمهم ... عرض وتفنى دونه الأجساد # وقال: # تعلمت أسباب الرضا خوف هجره ... وعلمه حبي له ms113 كيف يغضب # ولي ألف وجه قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب # وقال: # تعشقت منه حالة لست قادرا ... على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي # تيقنت أني فيه أصبحت مغرما ... ولكنني لم أدر ما سبب الحب # وقال: # إذا دعا باسمه داع يحدثني ... كادت له شعبة من مهجتي تقع # لا أحمل اللوم فيه والغرام به ... لا يكلف الله نفسا فوق ما تسع # وقال: # زعمت بأني قد بلغت من الهوى ... إلى غاية ما بعدها إلي مذهب # ولما تفرقنا تذكرت ما مضى ... وأيقنت أني إنما كنت ألعب # وقال: # وبدا له من بعد ما أندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه # PageV01P170 # فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه # وقال: # سكنوا بقلب آنسوه وأوحشوا ... لحظا جرى من بعدهم وتدفقا # هذاك عندهم وذاك محجب ... سبحان من كتب السعادة والشقا # وقال: # أبكي إلى الغرب إذ لاحت منازلهم ... من جانب الشرق خوف القيل والقال # أقول في الخد خال حين أنعته ... خوف الرقيب وما بالخد من خال # وقال: # في خده عرق بدا ... ذا حمرة لصفائه # هذا يصدق قولهم ... الماء لون إنائه # وقال: # علي لربع العامرية وقفة ... ليملي علي الشوق والدمع كاتب # ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب # وقال: # وفي الحب تعذيب وفيه عذوبة ... فسل عنه صبا حكمته التجارب # وكل امرئ يهوى على قدر عقله ... وللناس فيما يعشقون مذاهب # PageV01P171 # وقال: # وما العيش إلا ما يلذ ويشتهى ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا # وقال: # يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط وجدي في هواه عزيز # عاملت أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز # وقال: # يا كتابي إذا وصلت إلى من ... حبه صير الفؤاد جذاذا # قل له ما عليك في البعد عتب ... سوء حظي أنالني منك هذا # وقال: # إني أبث إليك بالعلم الذي ... يقضي عليك بحرمتي وذمامي # وقرابة الأدباء يقصر دونها ... عند الكرام قرابة الأرحام # وقال: # ما بال عينك حين تلحظني ... يا ابن ms114 الكرام تعدني هملا # لو كان لي ذنب لبحت به ... كيلا يقال هجرتني مللا # PageV01P172 # وقال: # لا تعتب الدهر في خطب رماك به ... إن استرد فقل يا طالما وهبا # وانظر زمانك في حالي تقلبه ... تجده أعطاك أضعاف الذي ذهبا # وقال: # شاد الملوك قصورهم وتحجبوا ... عن كل طالب حاجة أو راغب # فإرغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالبا من طالب # وقال: # وقائل ما الملك قلت الغنى ... فقال لا بل راحة القلب # وصون ماء الوجه عن بذله ... في نيل ما ينفد عن قرب # وقال: # لا تصحبن ملكا أو من يلوذ به ... وإن تنل منهم عزا وتمكينا # يستخدمونك في لذات أنفسهم ... فيذهب العمر لا دنيا ولا دينا # وقال آخر: # إذا صحبت الملوك فالبس ... من التوقي أجل ملبس # وادخل إذا ما دخلت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس # وقال: # ومصاحب السلطان مثل سفينة ... في البحر ترجف دائما من خوفه # إن أدخلت في جوفها من مائه ... أدخلها وماءها في جوفه # وقال: # لا بد للكامل من زلة ... تخبره أنه ليس بالكامل # بينا يرى يضحك من جاهل ... حتى يرى مضحكة الجاهل # ومن النصائح: # لا تقعدن بمجلس في صدره ... إلا إذا ما كان ذلك منزلك # واترك لمن هو فوق قدرك موضعا ... فلقد أحطك رتبة من أنزلك # وإذا جلست فخل فوقك فسحة ... إن جاء صاحبها وإلا فهي لك # PageV01P173 # وقال: # أقول للقلب لا تجزع لفائتة ... أخلت باب التمني غير مفتوح؟ # فقال حقا ولكن عند ذي أدب ... لا شيء أوجع من ترجيح مرجوح # وقال آخر: # نوب الزمان كثيرة وأشدها ... شمل تحكم فيه يوم فراق # يا قلب لم عرضت نفسك للهوى ... أو ما رأيت مصارع العشاق ### || فائدة # كتاب مصارع العشاق كتاب في الأدب مؤلفه أبو محمد جعفر السراج وهو اثنان ~~وعشرون جزءا، رأيت منه الجزء الأول بالديار الرومية وعليه ما صورته: # هذا كتاب مصارع العشاق ... صرعى أيادي البين والأشواق # فإذا تصفحه اللبيب رثى لهم ... أسرى هوى أيسوا من الإطلاق # ومادته لابن أبي حجلة، ومنازل الأحباب للشهاب محمود: # يا خاطري كم ذا ms115 تكون مخاطرا ... متولعا بالجيد والأحداق # إن شئت تعلم ما نهاية ما ترى ... فانظر كتاب مصارع العشاق # وقال آخر: # تأمل ذا الوجود بعين فكر ... ترى الدنيا الدنية كالخيال # وما فيها جميعا سوف يفنى ... ويبقى وجه ربك ذي الجلال # وقال آخر: # دع المقادير تجري في أعنتها ... واصبر فليس لها صبر على حال # يوما يريك وضيع القدر مرتفعا ... إلى السماء ويوما يخفض العالي # وقال آخر: # ومن يحمد الدنيا لأمر يسره ... فسوف لعمري عن قريب يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # وقال آخر: # وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها # PageV01P174 # فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها # وقال آخر: # وما شيء بأثقل وهو حق ... على الأعناق من منن الرجال # فلا تفرح بشيء تشتريه ... بوجهك إنه بالوجه غالي # وقال آخر: # من كنت عن ماله غنيا ... فلا أبالي إذا جفاني # ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالذي يراني # وقال آخر: # لا تقطعن عادة الإحسان عن أحد ... ما دام يمكن في الإمكان تارات # واشكر صنائع لطف الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجات # وقال: # لنفعي للصديق أحق عندي ... وحق أبيك من خيلي ورجلي # ولكن لانكماشي في معاشي ... على قدر الفراش مددت رجلي # وقال: # إن أوصل الدهر أيدينا لمكرمة ... ثم امتنعنا فلا نلنا أمانينا # أو مانع الدهر إذ بالعجز أقعدنا ... فالذنب للعجز كف العجز أيدينا # وقال: # محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد # ملك الأماجد فاسترق رقابهم ... وتراه رقا بيد الأوغاد # وقال ابن جابر الأندلسي: # لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب الوطن # وإذا ما رمت عيشا بينهم ... خالق الناس بخلق حسن # وقال آخر: # قيامي للعزيز علي فرض ... وترك الفرض ما لا يستقيم # فهل أحد له عقل ولب ... ومعرفة يراك ولا يقوم # PageV01P175 # انتهى ما نقلته من الفوائد مضافا إليها ما تستعذب به موارده الهنية، وهذه ~~الأبيات مما جرى بها القلم، وتطفلت بها على حضرة مولانا شيخ الإسلام، وإنما ~~أثبتها لما اشتملت عليه من ذكر بعض ms116 مناقبه، الشريفة بل على وفق ما قيل: # ما إن مدحت مكملا في ذاته ... لكن مدحت مقالتي بصفاته # وإلا فالحال كما يقال: # لو أن في بابه للنظم مفخرة ... ألفت في مدحه ألفا من الكتب # لكنه البحر في كل الفنون فما ... إهداء در إلى بحر الأدب؟ # وفي اليوم السادس من شهر رجب الفرد، برزت صرة الحرمين في موكب لطيف، وكان ~~يوما مطيرا وبالنسبة إلي يوما عبوسا قمطريرا. # وقد هاج لي شوق ليثرب ليتني ... قضيت ولا يقضى علي بعادها # فيا رب جد لي قبل موتي بقربها ... ففي حبها لعيني سعادها # وهو يوم مشهود، ووقت معهود، يجتمع له البادي والحاضر، وأذن في الناس ~~بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وفي ذلك اليوم حصل لأبناء الحرمين ومن هو ~~في زيهم من الإهانة أقل ما يستوجبون، وذلك لازدحامهم على الصدقات، وكانت ~~تأتي إليهم الدراهم بعد التفاصيل بالجمل، وطالما قال جود السراي لكل حاتم ~~هذه التي لا ناقة لك فيها ولا جمل وكم أنشد لسان حالها في بهجة جمالها: # لله كم حال امرئ معدم ... قضيت في الروم بتنفيسه # ودرهم ولى ولكنه ... قد أخذ الأجر على كيسه # فسبحان من قام على التناقض ملكه، وجرت بخفي تدبيره نيرات أفلاكه، كما ~~سبحت باللطف في بحار حكمته فلكه، وما زلت مقيما بها إلى العشرين والتردد # شعاري، والتعهد دثاري، وأنا في تلك الحال، على إثر تمني المحال: # أقطع الوقت بالرجاء وناهي ... ك بقلب غذاؤه التعليل # PageV01P176 # كلما جاء كأس يأس مرير ... جاء كأس من الرجا معسول # وقد رمتني الحوادث بسهامها، وعبست الأيام بعد ابتسامها، فلله ما لاقيته ~~من المتاعب في تلك المطالب، ولقد كنت في سعة عن مطالب هاتيك المتاعب: # ولكن أسباب الضرورات لم تزل ... إلى غير ما تهوى النفوس تقود # ومثله: # أقمت بها شهرين في حال غربة ... أرجي نداها والجنون فنون # وما نلت منها طائلا غير أنني ... تعلمت طعم الذل كيف يكون # وقال غيره: # لي كلما ابتسم النهار تعلة ... بمحدث ما شان قلبي شأنه # فإذا الدجى وافى وأقبل جنحه ... فهناك يدري الهم ms117 أين مكانه # وقال غيره: # غنى في يد الآمال لا أستفيده ... ودين على الأيام لا أتقاضاه # يرى الصبر محمود العواقب معشر ... وما كل صبر يحمد المرء عقباه # فكنت كمن ترك الوقار وكان من أهله، وسلب القرار لذهاب عقله، وغدا يساور ~~الهموم، ويسامر النجوم، فلا يطيب له المقيل، والحال كما قيل: # يبيت كما بات السليم مسهدا ... وفي قلبه نار يشب لها وقد # وقد هجر الخلان من غير ما قلى ... وأفرده الهم المبرح والوجد # فلم يرث لي دهري الخؤون، ولا رق لي زماني المفتون، حتى كأني في # PageV01P177 # جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجا وأذى، يدافعني نيل الأمنية، ويكاد يسلمني ~~إلى المنية، قلت: # وكادت ديار الروم من فرط محنتي ... بما رحبت غما علي تضيق # وأنا مع ذلك أدافع الأيام، وأعلل النفس ببلوغ المرام، متلفعا بالقناعة ~~والكفاف، متقنعا بالنزاهة والعفاف. # إذا قيل هذا منهل قلت قد رأى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما # فما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما # وقد ذكرت بتلك الأبواب الفسيحة الرحاب، المنيعة الجناب، بيتين لبعض ~~الفضلاء، وهما قوله: # وأكرم من يدق الباب شخص ... ثقيل الحمل مشغول اليدين # ينوء إذا مشى ثقلا وحملا ... ويدفع بابه بالركبتين # وما أصدق ما قال الزمخشري: # وإذا رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدينار # وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجر يلين سائر الأحجار # وما أحسن ما قال: # دع السحر يا من تيم الحب قلبه ... فما السحر إلا في نقوش الدراهم # إذا ما دعوت الطير لباك مسرعا ... بدرهمك المنقوش لا بالعزائم # PageV01P178 # وقلت: # إذا عز من تهوى ولم تر حيلة ... فليس سوى الدينار أرجى وأرجح # يهون صعب الأمر في كل معضل ... وفي كل أمر فهو أنجى وأنجح # ولقد كنت أزعم أن أصير باختلاطي بالروم بعد العرب جامع الفضيلتين، ولا ~~أقول القياس إنما يتبع أخس المقدمتين، إلا أنني حصلت من الفقه على مسائل ~~الطهارة، وفي الإشارة ما يغني عن العبارة، وصرت لا أعرف من النحو بعد ذلك ~~الثبوت إلا كثر شربي السويق وهو ملتوت ms118 ولا أفهم من التصريف مقالا، إلا قاتل ~~يقاتل # مقاتلة وقتالا، ولا من المنطق بعد بذل المجهود، إلا إذا كانت الشمس طالعة ~~فالنهار موجود، ولو شرحت مطول جهلي بالأصول، وقلة مالي فيه من المحصول، ~~لتلخص للطالب من مختصر التلخيص تخليص، وتخصيص من تهذيب الكلام بأوفى تخصيص. # ولرحمة المتوجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء # وقال: # وحار لبي لما بليت به ... من الليالي وصرفها عجب # وقال: # وضاق ذرعي لضيق ذات يدي ... وساورتني الهموم والكرب # وقادني دهري الملوم إلى ... سلوك ما يستشينه الحسب # ولقد كان يخطر مثل ذلك بالبال، ويرسم في لوح الخيال، لما اشتهر من مذلة ~~السؤال، وقلة الاحتفال، ولقد سلمت من المصائب، لو تحققت بقول علي بن أبي ~~طالب، وذلك في وصيته لابنه الحسن عند انصرافه من صفين، والله تعالى الموفق ~~والمعين: يا بني إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله تعالى ذو نعمة فافعل، ~~فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله تعالى سبحانه، أكرم وأعظم ~~من الكثير من خلقه، وإن كان كل منه، قلت لله ما أحلى هذا الوصل، فليتني ~~تحققت به وأخذت بسببه. # وإذا جرب المجرب غمر ... فعليه إذا أصيب الملام # PageV01P179 # فأقمت لا منقول في المنقول، ولا معول في المعقول، وأنا أفصح عني ولكني ~~أكسي: # وصرت أذل من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم جليل # هذا والحديث ذوشجون وما أتلوه من الأقوال، نوع من ضرب الأعمال، وما ~~يعقلها # إلا العالمون: # إن الليالي والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا # فكنت أخالطهم مخالطة مسالمة، وأجالسهم مباسمه، لعلمي أن من لزم اليأس من ~~الناس، فقد سلم من البأس، وأن الإجمال في الطلب والإنتقال عن مظان العطب، ~~يؤمان إلى النجاح ويؤمنان من الافتضاح. # مجاملة الإنسان تكسب عيشه ... صفاء تحبوه الجميل من الذكر # على أن صبري للذي قد لقيته ... وأردافه بالعذر قبض على الجمر # وقد تحجب أهل الكرم في الأبنية، فلم أر من السعودات إلا سعد الأخبية، ~~ولعمر الله إنهم معذورون في ذلك، فلقد رأيت فيما هنالك من ms119 الطوائف القدسيين ~~والشاميين، وغيرهم ذوي عمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، وقد لزموا تلك ~~الأبواب لزوم الكاتبين، وصار أحدهم مع الرئيس كالخصمين المتحاسبين، يطالبه ~~بجائزة شعر، لو شعر بحقيقة أمره، لاستحيا منه ولزم حده بقية عمره. # قد بان لي عذر الكرام قصدهم ... عن أكثر الشعراء ليس بعار # لم يسأموا بذل النوال وإنما ... جمد الندى لبرودة الأشعار # أو كما قال الشريف العباسي: # رب خذ للشعر من زمر ... أسمعونا فيه ما أضنى # مثل مضغ الماء ليس له ... في فمي طعم ولا معنى # فلذلك انقطعت السبل عن أهل الحياء، ونفق في سوق النفاق عرض أهل الرياء، ~~فلم يجر باسم الفضلاء قلم لباري، ورضى العالم غاية استأثر بها الباري، ولله ~~در القائل: # لا تغضبن على امرئ ... لك مانع ما في يديه # وإغضب على الطمع الذي ... استدعاك تطلب ما لديه # PageV01P180 # وقال: # لا تكن طالبا لما في يد النا ... س فيزور عن لقاءك الصديق # إنما الذل في سؤالك للنا ... س ولو في سؤال أين الطريق # وقال: # لا أبتغي بالشعر رزقا ولو ... كنت على جيده أقدر # كيف وعلمي أن لي رازقا ... يرزقني من حيث لا أشعر # وقال: # من عف خف عن الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول # وأخوك من وفرت ما في كيسه ... فإذا اعترضت له فأنت ثقيل # فها أنا أخفض لهم الجناح، وأرفع عنهم الجناح، لأن الأمر مراحمه لا ~~مزاحمه، ومحاسنه لا مخاشنه، ومناسبة لا محاسبة: # وعني بالتلويح يفهم ذائق ... غني عن التصريح للمتعنت # فمشيت على هذا السنن القويم، والمسلك المستقيم، متحاشيا عن المباراة ~~متجنبا ما إستطعت عن المماراة، فإنهما يهدمان الدين ويعدمان اليقين: # وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولاموجعات القلب حتى تولت # فإن أجن من غرس المنى ثمر العنا ... فلله نفس في مناها تمنت # ولست بالمتصدي للقيل والقال، ولا المتعدي بالجدال إلى المحال، وكم من ~~متشبه لم يحك المثال، وناقل لم يحك عن النوال، وأين الماء من السماء؟ وموقع ~~السيل من مطلع سهيل؟ # تعرض قوم للغرام وأعرضوا ... بجانبهم عن صحبة فيه واعتلوا # رضوا بالأماني وابتلوا ms120 بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا # هذا ومن أجاب داعي الهوى يوشك أن لا يجاب، إذا هو في هوة الهوان، لا جرم # أن العثار سابق إلى قدمه، والاغترار سائق إلى ندمه، ألا يرى حسن # PageV01P181 # اخضرار العود، فإذا فارق منبته استعد للوقود، ولا يزال المرء حسن الظن في ~~نفسه، قليل التفحص عن رؤية حدسه، يتستر بالمحال، على غير العلم بالحال: # والمرء تلقاه مضياعا لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا # فها أنا أستغرق تارة في الجهل والطيش، فأراني في لذة العيش، وتارة ~~تلاحظني بقايا العناية، فأعلم أني من الجهل في غاية، فمن شاهدني قال الجنون ~~فنون، ومن تحققني أنشدني كأن لم يكن بين الحجون: # فليت أيام هذا الدهر تمدحني ... ببيت شعر قديم سار في الناس # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # وقال: # وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده # ولكن قلبا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي بي في مرام أحده # وقال: # وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأيت صبري على الذل ذلت # فقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت # هذا وشريف النفس هو الذي لا يرى الدنيا لها ثمنا، ولا يرتضيها لنفسه ~~سكنا، حيث لم يبسطها الباري تعالى إلا اختيارا، ولم يقبضها إلا اختبارا، ~~على أنها كزيارة ضيف، وسحابة صيف. # PageV01P182 # تالله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقى علينا ويأتي رزقها رغدا # ما كان في حق حر أن يذل لها ... فكيف وهي متاع يضمحل غدا # أبو السعود المفتي: # سل الأيام ما فعلت بكسرى ... وقيصر والقصور وساكنيها # أما استدعتهم للبين طرا ... فلم تدع الحليم ولا السفيها # أقول: ويعجبني في هذا المقام قول من قال: ما زهد الزاهدون فيما كتب لهم. ~~قال الشيخ الشعراني: إذا كان الزهد حقيقته ترك شيء ليس هو له، فالزاهد ~~جاهل، لأن زهده ما وقع إلا في عدم لا وجود له، وهذا مبني على توهم صحة ~~الاختيار، وهو كلام لا معنى له. انتهى كلامه. وكيف يصح للمرء ms121 ترك شيء لم ~~يقدر عليه؟ فيه كلام للأمة فتأمله. # يذمون دنياهم وهم يطلبونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتمدح # قال المثلي: # وبروحي فديته ذا جمال ... غنج اللحظ كالقنا الأملود # لقبوه بحامض وهو حلو ... قول من لم يصل إلى العنقود # وقال: # صرفت نفسي عن الدنيا وزخرفها ... لا فضة أبتغي فيها ولا ذهبا # نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة ... فكيف آسى على شيء إذا ذهبا # الشوق للوطن # ثم إني لم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، ~~وأنا أنادي حظا غير سميع، وأستعطف طالعا غير مطيع: # وقد ضقت بالأحوال ذرعا وحيلة ... فحتى متى أشكو ولا تنفع الشكوى # وقد اشتد بنا الأمر في الملازمة، وسايرنا سير مخازمة، حتى انثنيت مما ~~أردته، وجعل كلما طرق طارق طردته. # PageV01P183 # فلا أنا من هوى الفيحاء خال ... ولا ممن أحب قضيت ديني # وقال: # أقول غدا أفوز ببعض سؤلي ... فيأتي في غد مالا أشاء # فيا لله من عكس الليالي ... مقاصدي التي فيها الثناء # ولما وقفت على الجملة بالتفصيل، وتحققت أن الآمال سوفت بالأباطيل، أغمضت ~~عما هو بيد الزمان، وقبحت للنفس ما كان قد زان، وقد نبذت المرام إليه، ~~وقلت: خذه غير مأسوف عليه، فسخت النفس بما زاد على الزاد، ولم يبق لي من ~~الأماني سوى الرجوع إلى أوطاني، وقد تجاوزت من التمني حده، وما فاتني شيء ~~سوى الحظ وحده. # وإذا نظرت إلى الوجود بعينه ... فجميع ما في الكائنات مليح # ولكن أين أنا من تلك المعاهد، وبماذا أتوصل لمشاهدة هاتيك المشاهد، وقد ~~حالت من دونها تلك البحار، وأحوال هاتيك المفاوز والحرار: # كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهن حتوف # الرجل حافية ومالي مركب ... والكف صفر والطريق مخوف # ولا أقول هذه رحلة تشد إليها الرحال، حيث لم تسفر بمحاسنها عن وجوه ~~الرجال، فيا ناظرا إلى ما جرى به القلم، من تسطير المشقة والألم، ليس من ~~شرعة العقل سرعة العذل، فإن من عير شخصا ابتلي بدائه، ومن حكم الأقضية فقد ~~أزرى برأيه، وإنما هذه نفثة مصدور، جوابا لسؤال مقدر ms122 أو مذكور، حيث الأيام ~~فرص مغتنمه، وغصص مقسمه، نسائمها سمائم ومغنمها مغارم. # هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي # ولا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي # وما حال من فارق الحياة ونأى عنها، وكان في الجنة فأخرج إلى النار منها، ~~وقد دهمت بشهب صروفها الليالي، وذلك وفاق من كانت السعادة في يديه فلم ~~يصنها غير مبال. # عجبا لمثلي وهو يبصر رشده ... في الأرض كيف تقلبت حالاته # PageV01P184 # ثم نادى منادي التدبير من عالم التقدير، بأن الخير في الواقع، والأمن في ~~قطع المطالع، وقال لسان الحرمان: عليك الأمان إذا حصل ما قاتك، فلا تندم ~~على ما فاتك. # إذا رمت المطالب قبل وقت ... فلست بواجد إلا الأماني # فقبل الوقت كان سؤال موسى ... وكان جواب ذلك لن تراني # فعند ذلك أشتد الهيام، وتضاعف الوجد والغرام، شوقا لساكن الزوراء وزيارته ~~السنية، وتوقا إلى التملي بتجلي جماله، قبل تحكم المنية. # وما اشتياقي حمى الزوراء من عجب ... وجرح قلبي إليها غير مندمل # وقد حوى سفحها بدرا منازله ... صميم قلبي في حلي ومرتحلي # سقى بها مربعا تزهو جوانبه ... بوابل غيث بذاك الحي منهمل # وعطر الجو أنفاس الشذى وقضت ... يد النسيم على الأغصان بالميل # ويا رعى الله أوقاتا بها سلفت ... ما ضرها لو مشت فينا على مهل # سقيا لها من ليال مذ مضت تركت ... أحشاءنا ولهيب النار في شعل # أشتاقها بفؤاد غير مصطبر ... عنها وأبكي بدمع هامل هطل # لعل إلمامة بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في علل # ولما جعلتني المقادير نهزة الأسفار، ولم ترني نزهة الأسفار، بل كنت غرضا ~~لمتاعب البحار، وعرضا لمصائب القفار، وقد تزايد ما بي من الألم، ولم يبق ~~مني عضو إلا وبه ألم، توسلت في تلك الحال، إلى العلي المتعال، أن يردني إلى ~~حرمه بمنه وكرمه، وكثيرا ما كنت أتوسل بهذه الأبيات: # إلهي طال بعدي واغترابي ... وفي جنح الدجى طال التهابي # ونحو أحبتي قد زاد شوقي ... لأهلي والأقارب والصحاب # PageV01P185 # إلهي قد وهى جلدي وصبري ... لميلي نحو هاتيك الشعاب # إلهي من ms123 سواك بنا رحيم ... يوفقنا إلى سنن الصواب # إلهي أنت أولى من عفا عن ... ذنوب مثل أعداد التراب # إلهي جد بقرب عن قريب ... ومن على ذهابي بالإياب # إلهي واقض لي يا خير قاض ... برؤيا سفح هاتيك القباب # فصادف الدعاء الإجابة، وتحققت هذه الطلابة، وقد أخذ الشوق بزمام الفؤاد، ~~وأذكرني طيب واد أفديه بألف واد: # واد سما قدره بالساكنين به ... وطالع السعد في آفاقه طلعا # العودة إلى المدينة # وقد تهيأت أسباب الرحيل وقرأ الطالع للمطامع وحيل وهبت نسمات القبول ~~بالقرب والوصول، من حضرة السيد الرسول، صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. # أيا ساكني أكناف طيبة حسبكم ... من السعي للعلياء جيرة أحمد # فمن يبتغي عنها بلادا وإن سمت ... لأمر من الدنيا فليس بمهتد # وكان ذلك بإسعاف ذي القدر والمقدار، وقطب القسطنطينية الذي عليه المدار، ~~وهو مولانا شيخ الإسلام، لازال في فم الدهر ابتسام: # فلولاه لم أبلغ من الروم بلغة ... ولولا نداه ما رجعت إلى أهلي # وبالجملة، فلولا ما أسداه من الإحسان، وتفضل به وأعان، لحالت المنية دون ~~الأمنية، ولم أرد مشارع تلك الديار السنية: # ولما رماني الدهر من كل جانب ... بكل ملم ضاق عن حمله الصدر # لجأت إليه لا فقدت وجوده ... وناهيك من شخص هو البر والبحر # PageV01P186 # فحمدا لأياديه، وخواتيم أمره ومباديه، وشكرا لمنته البهية، وهمته العلية، ~~فإنها ما أرادت أمرا إلا أدركت غايته، واستدركت فائته. # على أنها عند الملمات لم تزل ... إذا جردت كالمشرقي المهند # بها يأمن اللاجئ خطوب زمانه ... كما يبلغ الراجي بها كل مقصد # وغيره: # أطلق لسانك بالثناءعلى الذي ... أولاك حسن رغائب وغرائب # واشكره شكر الروض باكره الحيا ... كيما تقوم له ببعض الواجب # فأخذت في الرحيل وودعت، وعزمت على أن لا أعود وأزمعت، فرجعت كثير الشغف، ~~ولي قلب كليم بالأسف: # ولقد نثرت مدامعي ودمي معا ... يوم الوداع وخاطري مكسور # لا تعجبوا لتلون في أدمعي ... لابد أن يتلون المنثور # فلا غرو أن أقول بلسان الحال، إذا كنت كرة لصوالجة الليال: # كأني في الزمان اسم صحيح ... جرى فتحكمت فيه العوامل # مزيد في ms124 بنيه كواو عمرو ... وملقى الحظ فيه كراء واصل # فصممت على رحيلي، وجمعت للرحلة ذيلي، وأخذت لا من الذهب بل في الذهاب، ~~وعزمت على عدم تمني الإياب، فقوضت خيام الغيبه، وأسرجت جواد الأوبه: # إلى بلدة نيطت علي تمائمي ... بها في جوار الهاشمي محمد # فنزلت الخليج السكندري، حتى أتيت على أسكدار، وهي بلدة عظيمة المقدار، ~~بها الجوامع الجامعة، والمدارس الساطعة، والمباني المشيدة، والأسواق ~~المتعددة، وعرض هذا الخليج مقدر بستة أميال، والميل البحري مقدر بمسافة لو ~~وصل غايتها البصر وكان ثمة شخص، عرف كونه قائما أو قاعدا. والبريد مقدر ~~بألف باع، وقيل بأربعة آلاف خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وفي ذلك قالوا: # إن البريد من الفراسخ أربع ... ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا # والميل ألف أي من الباعات قل ... والباع أربع أذرع فتتبعوا # PageV01P187 # ثم الذراع من الأصابع أربع ... من بعدها عشرون ثم الأصبع # ست شعيرات فبطن شعيرة ... منها إلى ظهر لأخرى يوضع # ثم الشعيرة ست شعرات غدت ... من شعر بغل ليس فيه تضعضع # غريبة # حكى القزويني عن صاحب تحفة الغرائب أن في حد خليج القسطنطينية قرية فيها ~~بيت من الحجر، وفي البيت صورة الرجال والنساء والخيل والبغال وغيرها من ~~الحيوانات، فمن أصابه وجع في عضو من أعضائه، يدخل ذلك البيت ويدنو من مثل ~~صورته، ويمسح بيده مثل العضو الموجع من الصورة، ثم يمسح العضو الموجوع، فإن ~~وجعه يزول في الحال.! قاله في الآثار. ومن العجائب المشهودة بهذا الخليج، ~~البرج القائم في وسط مائه التيار. ثم إنا سرنا وقد زمجرت تلك الرعود، ~~فشهدنا ذلك اليوم الموعود. # في يوم برد ترى أنفاسه ... تشوه الأوجه من قرصها # تود فيه الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها # وقال: # قالوا أضر بنا السحاب بقطره ... لما رأوه لعبرتي يحكي # لا تعجبوا مما ترون فإنما ... هذى السماء لعبرتي تبكي # ثم أتينا على قبيزة، وهي بلدة بديعة المعاني، آهلة المغاني، فنزلنا ~~بخانها الأمين المأمون، وقد رمينا بسهام بردها الميمون، وقد أوقدوا الحطب ~~بذلك الخان، حتى كادت الأنفس تزهق لتكاثف الدخان. # وهكذا المرء في ms125 أيام غربته ... يلقى من الضيم ما لم يجر بالبال # ولما كان آخر الليل، قمنا منه حتى أتينا على خليج الديل وقت الشروق، وهو # أوسع من خليج اسكدار، فقطعناه في مركب صغير، ثم مررنا بالديل، وهو اسم ~~لقرية لطيفة، فلما كان بعد الظهر أتينا على جاور كوى ومعناه قرية نصارى، ~~وفيها نهر عظيم يدور بتلك الشعاب، وفيها اجتمعنا بأمين البصرة، الأمير ~~محمود أغا ولما هدأ الليل قمنا نقطع هاتيك القلال، وأنا بحال من قال: # PageV01P188 # قلبي الخفوق ومدمعي الجاري دما ... مهما جرى ذكر العذيب أو اللوى # وإذا تألق بارق من بارق ... فهناك ينشر من هواه ما انطوى # فلما كان الضحى أتينا أزنيق وهي بلدة مسورة، بها الجداول والأشجار ~~المختلفة الثمار، وإليها ينسب الفخار الأزنيقي، لأن بها مصانعه وأحجاره. # ثم أتينا على لفقة وهي قرية لطيفة ذات أشجار يانعة وريفة، ثم أتينا على ~~سقوت وهي بلدة رحيبة الجناب، مخضرة الأرجاء والرحاب، ثم أتينا على أسكي شهر ~~ومعناه بلدة قديمة، وقد حفت بالأشجار، وجرت بين رياضها الأنهار، ومن ~~العجائب بها حمامها الذي ماؤه أحر من الجمر، من غير صنعة بشرية، لأن منابعه ~~من معادن كبريتية، وبها النهر التيار الذي لا يجاز إلا من جسره: # أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس # وعلى ذكر الجسر: # خط على ماء الشباب الذي ... بخده جسر من الشعر # صار طريقا لي إلى سلوتي ... وكنت فيه موثق الأسر # وقال: # ومما قضى الدهر الملم بنزلة ... على الفرس الميمون يبقى بها كسري # ولما قضى لم أقض غير تعجب ... ولكن رأيت اليسر يدنو مع العسر # فاكتريت بها بغلا لا نقص في معايبه، ولا يوجد ما يدانيه في مثالبه، # PageV01P189 # فما زلت أسير به وأنا معه أسير، وما زال يسير بي والطرف منه حسير: # أسير مثل أسير وهو يعرج بي ... كأنه نازل ينحط من درج # فإن رماني على ما فيه من عرج ... فما عليه إذا ما مت من حرج # وقال: # وقد كان مركوبي أعز خيولهم ... وأكرمهم إذ كان وافي الشرائط # وكنت عليه ms126 مطمئنا وثابتا ... كأني منه راكب فوق حائط # ثم أقمنا على بلدة السلطان السيد غازي، وهي بلدة آهلة المغاني، بديعة ~~المعاني، سميت باسم فاتحها في سنة إحدى وعشرين وتسعمائة، وقبره على الجبل ~~المطل عليها، وعليه مدرسة عظيمة، وحولها منازل عامرة بسكانها. # ثم أتينا على ينكي خان ومعناه الخان الجديد، وهو من بناء الوزير خسرو ~~باشا، عمره سنة تسع وثلاثين وألف، وحوله منازل حدثت بحدوثه. ثم أتينا على ~~بياض وهي قرية قوية البرد والأهوية، وذلك لكثرة الثلج على جبالها، وشدة ~~أخلاق رجالها. # ومن العجائب أن أقيم ببلدة ... يوما وأسلم من أذى أحوالها # قال البصير: الثلج ما تصاعد من البحر إلى كرة الزمهرير ليكون مطرا، ~~فتنعكس عليه الرياح الباردة، فينعقد ويسقط في البلاد البعيدة عن الشمس ~~كالدقيق، وهو بارد في الثالثة يابس في الثانية، ونفعه في الحميات الحارة، ~~والحكة وضعف المعدة عن الحر، ويسمن الحيوان غير الإنسان. # والثلج في الروم قد شاهدت موقعه ... كأنه القطن يهوي وهو مندوف # وقال: # انظر إلى وسط البسيطة أبيضا ... لم تبد فيه شامة سوداء # كرم السحاب فعم بالثلج الثرى ... إن الكريم له اليد البيضاء # تقي الدين السبكي: # أقول للسرو إذ كساه ... ثلج بدا نوره وأنهج # زمرد أنت في لجين ... فقال أبهى سنا وأبهج # ثم أتينا على قرية تسمى بلاوضون وهي كثيرة الخيرات، بها الأشجار # PageV01P190 # المؤتلفة، والأزهار المختلفة. ثم أتينا على آق شهر ومعناه قرية بيضاء، ~~وقد اخضلت في أرجائها الأشجار، وتغنت على أغصانها الأطيار، وفيها جدول ماء ~~يدور بشوارعها، وبالقرب من خانها جامع جمع المحاسن، وهو بناء الوزير حسن ~~باشا وتاريخه غيط، ولها تربة معمورة، وقبورها مبنية بالأحجار المخدومة ~~كمقابر الروم. # وما ينفع الإنسان بنيان قبره ... إذا كان فيه جسمه يتهدم # وفيها ضريح الخواجة ناصر الدين صاحب التفسير، المتوفى سنة ست وثمانين ~~وثلاثمائة، والعامة تزعم أنه جحا الذي يضرب أمثاله في الجد والهزل، وهو من ~~فزارة وكنيته أبو الغصن. قيل: كان يحفر بظهر الكوفة، فقيل له: مالك؟ قال: ~~دفنت دراهمي هنا وما أهتدي إليها. فقيل: كان عليك أن ms127 تعلمها. قال: قد فعلت. ~~قيل: ماذا؟ قال: كانت عليها سحابة تظلها. والحكايات عنه لا تكاد تضبط كثرة، ~~كذا في المستقصى. ورأيت في بعض التعاليق أنه كان فاضلا ماجنا، وقد عمل ~~الناس على لسانه كثيرا من النكت والنوادر، كما عملوا على لسان المجنون، ~~ولابن أبي اليمن الغفاري مؤلف في ذلك، يشتمل على ألف ورقة. حكي عنه أنه سئل ~~مرة عن القيامة فقال: بموتي تقوم. # حكي أن الزهراء بنية من عجائب الدنيا أنشأها أبو المظفر عبد الرحمن بن ~~محمد بن عبد الله الملقب بالناصر، أحد ملوك بني أمية بالأندلس، بقرب قرطبة ~~في أول سنة مائة وخمس وعشرين، ومسافة ما بينهما أربعة أميال وثلث ميل، وطول ~~الزهراء من الشرق والغرب ألفان وسبعمائة ذراع، وعرضها من القبلة إلى # الجنوب ألف وخمسمائة ذراع، وعدد السواري التي فيها أربعة آلاف سارية، ~~وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب. وكان الناصر المذكور يقسم جباية ~~الأموال ثلاثا، فثلث للجند، وثلث مدخر، وثلث ينفقه على عمارة الزهراء، ~~وكانت # PageV01P191 # جباية الأندلس خمسة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن ~~السوق المستخلص سبعمائة ألف وخمسمائة وستون دينارا، وهي من أهول بنيان ~~الدنيا وأجل خطرا، ذكر ذلك ابن بشكوال في تاريخ الأندلس. # ثم أتينا على أيلغين وهي بلدة عظيمة، وبها جامع لا نظير له في تلك ~~الجادة، بني باسم السلطان مراد سنة أربع وثمانين وتسعمائة، وعليه أوقاف ~~وصدقات، ولها برد كأنه ضرب المسامير، لكثرة الثلج والهواء البارد في شمس ~~الحمل. وفيها حمام للرجال وحمام للنساء، وماؤه حار لا بصنع البشر. وفيها ~~أبنية محكمة عالية، تدل على عظم بانيها. # ثم أتينا على لادك وهي خيف لطيف. ثم إننا قدمنا قونية، فنزلنا بجوار ~~الملاخنكار صاحب المثنوي، وأقمنا بها ثلاثة أيام، كأنها ساعة من منام، لما ~~فيها من الخيرات وصفاء الخاطر، وهي بلدة عظيمة مسورة بسور يعرب عن قوة ~~بانيه. # حكى السيوطي: أن مروان آخر ملوك بني أمية افتتحها سنة ست ومائة، وهي ~~كثيرة الأشجار، غزيرة الأنهار، محفوفة بالأزهار، أهويتها كأنها تهب ms128 بنسمات ~~الأسحار، رأيت بها خمسين حانوتا تصنع بها الحلوى الملونة، ولا يبقى آخر ~~النهار منها شيء، وهي منتصف الطريق إلى حلب، وللملا في ضحوة الخميس ~~والاثنين وبعد صلاة الجمعة، حضرة بالدفوف والقصب، تأخذ بمجامع القلوب ~~الخلية فيتواجدون عليها: # قال: # ومن يك وجده وجدا صحيحا ... فلم يحتج إلى طرب المغني # له من وجده طرب بديع ... وسكر دائم من غير دن # PageV01P192 # وقال غيره ولا يزالون مختلفين: # ما في التواجد إن فكرت من حرج ... ولا المثاني ولا الأصوات تعجبني # فكل معنى بديع من محاسنه ... وكل ناطقة في الكون تطربني # ثم سرنا نقطع تلك القفار، ونجوب هاتيك الحرار، حتى أتينا على أسمل، وهي ~~قرية لطيفة. ثم أتينا على قرابيار ومعناه العين السوداء، وهي قرية مخضرة ~~الأكناف، وفيها خان وجامع فيه مياه يردها المسافرون، وفي جنوب القرية ~~بالقرب من الآكام، قليب ماؤه مسائغ، ترده أهل القرية إذا قصر ماء الجامع. # ثم لم نزل نسير في واد فسيح الرحاب، حتى أتينا على أركلى وهي بلدة عامرة، ~~وبساتينها زاهية زاهرة، وبها نهر لطيف يطوف بأكنافها، وهي من بناء ~~هرقلينوس، يقال إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعوه إلى الإسلام، ~~فقال: بلدي قليلة الماء وأريد أن يجري فيها نهر، فقال: خذ آية من كتاب الله ~~تعالى وأكتبها في ورقة وضعها في أي موضع شئت ينبع فيه الماء ويعم بلدك، ~~فحكى ذلك لبطارقته فوعدوه بالإسلام إن صح ذلك، فكتب آية من كتاب الله ~~تعالى، وأتى إلى شعب يابس عندهم # PageV01P193 # ووضعه في شق صخرة، فنبع الماء وعم جميع بلده، فآمن هو وأهل دولته، وجعل ~~جميع ما يصل إليه هذا الماء وقفا على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي ~~إلى الآن يضبط ما فيها لجهة المدينة المنورة، فيها دور كثيرة، وحولها نحو ~~ألف وخمسمائة بيت، وقرى وضياع وبساتين، وجامع وقاضي. # ثم أتينا على خان محمد باشا وهو بناء محكم، وعنده قرية لطيفة، وقبله عقبة ~~ينزلها الراكب كرامة للسلطان مراد، زعموا أنه نزل عندها ومشى على قدميه، # ولعل ذلك ms129 شفقة على الدواب. # ثم سرنا بين رياض وأزهار، وحياض وأنهار، حتى أتينا على العقبة وما أدرك ~~ما العقبة، فيا لها من عقبة نالنا منها أليم العقاب، ومسنا من بردها أحر ~~العذاب. ثم أتينا جفته خان ومعنى جفته زوج، وذلك لأن هنالك خانين متقابلين. # ثم أتينا على خان بيري باشا فسرنا على أطراف تلك الجبال، لغزارة تلك ~~الأنهار، ثم أحوج الأمر إلى خوضها فدخلناها، وكنا نخوض مع الخائضين، وهي ~~أربعون مخاضة، وكلها من نهر واحد يدور في تلك الشعاب. # ثم أتينا على جاووش خان وهو بين رياض تتعبق، وحياض تتدفق. # ثم أتينا على وادي مخضل فيه نهر غزير يقال له شاقط. # ثم أتينا على أدنه وشاهدنا رياضها الحسنه. # دخلتها وشعاع الشمس متقد ... وحرها في الحشا تذكو هواجره # PageV01P194 # في موكب من عيون لو رميت بها ... صرف الزمان لما دارت دوائره # وهي بلدة حسنة الترتيب، بديعة الوضع العجيب، عمارتها عثمانية، وقلعتها ~~سليمانية، وبها عمارة الأمير خليل بن رمضان باشا، من الطوائف أيام الجراكسة ~~من بيت السلطنة، وكانوا تارة يطيعون صاحب مصر، وتارة يطيعون صاحب الروم، ~~وفيها الجوامع والمدارس، وعلى نهرها جسر يشتمل على خمس عشرة عقدا، وعليه ~~دولاب عجيب الوضع، يقال لهذا النهر سايح وربما قيل سيحون ولعله شبيه به. ~~قال ابن خلكان: سيحون بفتح السين المهملة وسكون الباء المثناه من تحت، وهو ~~وراء جيحون فيما وراء بلاد الترك، وبينهما مسافة خمسة عشر يوما، وهذان ~~النهران مع عظمهما وسعة عرضهما يجمدان في زمن الشتاء، وتعبر القوافل عليهما ~~بدوابها وأثقالها، ويبقيان كذلك ثلاثة أشهر، انتهى، من وفيات الأعيان من ~~ترجمة أبي طالب محمد أول ملوك السلجوقية. # وعلى ذكر الدولاب: # أبدى لنا الدولاب قولا معجبا ... لما رآنا قادمين إليه # أبكي وأشكو ما لقيت من الهوى ... قلبي معي وأنا أدور عليه # وقال الذهبي: # وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكى # من حين ضاع نشرها ... دار عليه وبكى # ورأيت بها عنبا أحمر شديد الحمرة في كبر البيض، وبها من أنواع الفواكه ~~شيء كثير، وأهلها يرحلون منها أيام الصيف ms130 إلى الأيلة، إلا العاجز الذي حبسه ~~عجزه: # أقمت بها يوما تقضى كأنه ... خيال غزال زار وهم حبيبه # ويوما حكى طيب الوصال وثالثا ... تقاضت به الأرواح نفحة طيبه # ثم برزت منها ورحلت عنها والقلب يتأسف عليها، والنظر يتشوف إليها، حتى ~~أتينا على نهر عظيم يقال له جايح، وعليه جسر عظيم ويقال أنه يتصل # PageV01P195 # بجيحون، النهر العظيم الفاصل بين خوارزم وبلاد خراسان وبين بخارى ~~وسمرقند، وكل ما كان من تلك الناحية فهو ما وراء النهر. # ثم أتينا على قرط كلال في ليلة النصف من شعبان، وفي مثل هذه الليلة ~~يستدبر الإنسان القمر ويكشف رأسه، وينظر إلى ظل عنقه في ضوء القمر، فإن ~~وجده مخلصا فإنه لا يموت في ذلك العام، وإن كان لاصقا بين جنبيه فإنه يموت ~~فيه، ومثل ذلك ما يفعل وقت شروق الشمس عند حلولها برج الحمل، ونحو ما يروى ~~أن من رأى السها ليلة المحرم بين العشاءين لم يمت في عامه، والسها ثابت في ~~الخامس والسادس على العناق، وهو الثاني من البنات، ومن علامته أنه لا يثبت ~~عليه البصر، كذا في برهان البراهمة. وعلى ذكر السها: # وحملت أعباء الغرام وثقله ... فرادا وحاربت الزمان وحيدا # ورعيت أنجمه فأكسبت السها ... سقمي وأكسب جفني التسهيدا # وقال: # يا شمالا هب من أكناف من ... وكل الطرف بأن يرعى السها # خبريني هل حبيبي ذاكر ... لي أم عما ألاقيه سها # وقال: # تالله ما فارقت أرضا لكم ... إلا ورافقت السهى والسهاد # ولا توجهت إلى نحوها ... إلا وواجهت الرشا والرشاد # وقرط كلال هذا واد فيه خانات متعددة، وأرضه معشبة جيدة وماؤها معين، ولها ~~بادية تأتي إلى الركب بما يحتاج إليه. # ثم أتينا على ياباس فلم نزل نسير في أوعار، وأحجار وأنهار، حتى أشرفنا ~~على بساتينها التي طابت بالأنفاس، وشاهدنا محاسنها القائل لسان التصديق في ~~جواب الاستفهام عنها لا باس: # لله كم نزهة يا صاح قد جمعت ... في روضة أزهرت تدعى بياباس # وكم بديع سبت عقلي شمائله ... ورحت من فرحي بالوهم في ياس # PageV01P196 # وهي بلدة على ساحل البحر الشامي. ms131 ثم توجهنا فمررنا بقرية لطيفة يقال لها ~~اسكندرونة وهي آخر ساحل مررنا به في تلك الجادة. # ثم أتينا على جبال ومحاجر إلى بيلان وهي بلدة على رأس جبل، كثيرة الماء ~~والخيرات. ثم أتينا على المفرق الذي منه طريق إلى حلب وطريق إلى إنطاكية ~~وكانت مرحلة مشطة. # ### || فائدة # # المراحل الرومية مقدرة المسير بالساعات، ورأيت في ذلك مؤلفا عند الأمير ~~محمود آغا أمين صرة الحرمين، والمراحل الشامية مسافتها مقدرة بالبرد، # والمصرية بالدرج. # ثم نزلنا على العين البيضاء وهي قرية أهلها رعاة، وماؤها ينبع من بين ~~الصخور، ولا تكاد تسلك أيام الأمطار وهي مخضرة الأكناف. # ثم أتينا على جبل الغاوي وهو صعب المسلك، ومساحته ثلاثة أميال ومن أعلاه ~~ترى حلب، فلم نزل نقطعه وحوافر البغال تكاد تتقطع، وأظافر الرجال تكاد ~~تتقلع، حتى أتينا على واد فيه مزارع وآبار، وفي غربيه من منتهى جبل الغاوي ~~صهاريج متعددة منحوتة، وفي شرقيه بناء قديم يقال له قبر الأربعين، فلم نزل ~~نسير في محاجر وأوعار، حتى أتينا على قرية التين وقد أبادتها الليالي، ثم ~~على أنجاره وهي عين جارية في بطن الوادي. # حلب المحروسة # ثم قدمنا حلب المحروسة وانتشقنا عبقة بساتينها البهية المأنوسة، وحمدنا ~~الله تعالى على الخلاص من تلك الطريق التي هي غير قويمة، وفراق هاتيك ~~المنازل التي هي كما يقال خداج عقيمه، فأول مسرة قرت بها العين، وسر بها ~~الجنان، دخولنا إلى فردوسها من باب الجنان. # PageV01P197 # عليك بصهوة الشهباء تكفي ... بجوشنها محاربة الزمان # فللغرفات في الفردوس طيب ... يفوح شذاه من باب الجنان # فنزلنا من تلك الأحياء، بوجوه زانها الحياء، وقد جادت السماء بوابلها، ~~وفاضت بطلها وهاطلها، فيا لها من بلدة كما تصفها الألسن، فيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين. # فسقا ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي # ولما حللت حماها، صانها الله وحماها، شكرت أيادي النوى، وجريت طلقا مع ~~الهوى، لولا ما يطرق في القلب بأشجانه، من تذكار الوطن وسكانه: # فلو أنني في جنة الخلد بعدها ... ذكرت ولا أنسى للذاتها أنسا # فنزلت بالقرب من ms132 باب الفرج، وانتشقت طيب ذلك الأرج، وأقمت وأنا لا أشتهي ~~الرحيل، وإن كان ذلك طمعا في مستحيل. # دخلنا على أن المقام ثلاثة ... فطاب لنا حتى أقمنا بها عشرا ### || فائدة # حلب هذه المدينة الشهباء، وهي من أوسع البلاد قطرا، وأنجعها قطرا، كثيرة ~~الخيرات طيبة الهواء، صحيحة التربة، لها سور حصين وقلعة بديعة المثال، ~~منيعة المنال. # ذكر اليافعي في تاريخه في حوادث سنة 583 ما ملخصه: أنه لما فتح صلاح # PageV01P198 # الدين مدينة حلب، أنشده القاضي يحيى شرف الدين أبو المعالي بن الحسن علي ~~محمد القرشي العثماني الأموي، قصيدة أجاد فيها كل الإجادة، وكان من جملتها ~~هذا البيت: # وفتحك القلعة الشهباء في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب # فكان ما قال، فتحت لثلاث بقين من رجب سنة 583، فقيل له من أين لك هذا؟ ~~فقال: أخذته من تفسير ابن مرجانة في قوله تعالى ألم غلبت الروم في أدنى ~~الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين والمنقول عن ابن مرجانة أنه ~~ذكر حسابا طويلا، وطريقا في استخراج ذلك من قوله بضع سنين انتهى المنقول من ~~التاريخ. # قال الزجاجي: وكان الخليل عليه السلام يحلب غنمه بها ويتصدق بثلثه، فيقول ~~الفقراء على سبيل الاستفهام: حلب؟ فسميت بذلك. وقيل كانت له ناقة شهباء ~~وكان يفعل بها كذلك. # أرتك يد الخير آثارها ... وأخرجت الأرض أثقالها # وما منعت جارها بلدة ... كما منعت حلب جارها # هي الخلد تجمع ما يشتهي ... فزرها فطوبى لمن زارها # وقال: # حلب الشهباء قالت ... سائر المدن عبيدي # وأنا بختي ورختي ... بين سعد وسعيد # وقال: # غدت حلب تقول دمشق حفت ... بأنواع من الورد العجيب # PageV01P199 # فبالجوري إن هي كاثرتنى ... قنعت أنا ببستان النقيب # رأيت بها الأبيض اليقق والأسود الحالك، والأصفر الفاقع، ورأيت بها أنواعا ~~من الأزهار العطرة، وأما المأكول فهو فيها على ضروب مختلفة، وأما قلعتها ~~فهي من عجائب القلاع في حسن الأوضاع. # قال القزويني: ولها نهر تيار يأتيها من جهة الشمال يقال له قويق ~~بالتصغير، فيخترق أرضها، ولها قناة مباركة تخترق شوارعها ودورها وحماماتها، ~~وماؤها عذب ms133 فرات، ولها القلعة الراسخة يقال في أساسها ثمانية آلاف عمود، ~~وهي ظاهرة الرؤوس بسفحها، وأبناؤها أهل السماحة والجود. # حكي أن شخصا كان بها يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف مالا ~~كثيرا، فأنفقه على الشعراء والزوار، فقصده البحتري وقد أعدم، فلما قدم إلى ~~حلب قيل إنه قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم لذلك وبعث المدحة إليه مع بعض ~~مواليه، فلما وصلته بكى وأمر غلامه أن يبيع داره، فقال له: تبيعها وتبقى ~~على رؤوس الناس!؟ فقال: لا بد من ذلك. فباعها بثلاثمائة دينار وكتب معها: # لو يكون الحباء حسب الذي أن ... ت له عندنا محل وأهل # لحثيت اللجين والدر واليا ... قوت حثوا وكان ذاك يقل # والأديب الأريب يسمح بالعذ ... ر إذا قصر الصديق المقل # فلما وصلت إلى البحتري رد الدنانير وكتب معها: # بأبي أنت، أنت للبر أهل ... والمساعي بعد وسعيك قبل # والنوال القليل بكثير إن شا ... ء مرجيك والكثير يقل # غير أني رددت برك إذ كان ... ربا منك والربا لا يحل # وإذا ما جزيت شعرا بشعر ... قضي الحق والدنانير فضل # فلما عادت الدنانير إليه ضم إليها خمسين أخرى، وحلف أنه لا يردها عليه، ~~فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول: # شكرتك إن الشكر للعبد نعمة ... ومن يشكر المعروف فالله زائده # PageV01P200 # لكل زمان واحد يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده # انتهى من النوادر المأنوسة في أخبار حلب المحروسة: # ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل # ومنها ما يحكى أن شاعرا قصد الجواد الأفضل وكانت له أيام يحتجب فيها، ~~فصادف أيام الاحتجاب فكتب في رقعة: # ماذا أقول إذا رجعت وقيل لي ... ماذا رأيت من الجواد الأفضل # إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... بخل الجواد بماله لم يجمل # فاختر لنفسك ما أقول فإنني ... لا بد أخبرهم وإن لم أسأل # ثم طوى الرقعة وجعلها في قصبة وختمها بشمع وأرسلها في قناة تسير بين يدي ~~الجواد، فلما وصلت إليه ونظر فيها، أمر له ببدرة مال وكتب معها هذه ~~الأبيات: # عاجلتنا ms134 فأتاك عاجل برنا ... قلا ولو أمهلتنا لم نقلل # فخذ القليل وكن كأنك لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نسأل # فلما خرج الخازن ودفع إليه المال قال الشاعر: # يا أيها المولى الذي ... أضحى وليس له نظير # لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير # ويحكى أن رجلا قصد سيف الدولة وقد عم القحط، واشتدت الأزمة وقل المسعد، ~~واستوى المقل والمكثر، والغني والمعسر، فكتب إليه رقعة وكان له إلى الفضل ~~ميل، وله على أهله أياد طويلة الذيل، وهذه صورة الكتابة: لقد عرضت فاقة ~~أسقطت رداء الحياء عن منكب الحرية، وأنطقت لسان التعفف على خلاف العادة ~~بالمسألة، وأحوجت أهل الصيانة إلى تحمل ذلك الابتذال، وقد وقع في النفس أن ~~في رأفة مولانا وبره ما يكشف ضرا، ويستوجب على الأبد حمدا وشكرا. # فامنن بما يغني ويثمر دائما ... حمدا يدوم على مدى الأيام # فلما وقف على ذلك وقع منه بموقع، فأرسل على يد غلام ما دفع الحاجة، فكتب ~~على يد الغلام: # PageV01P201 # شكرتك عني كل قافية ... تختال بين المدح والغزل # فلقد ملأت بما مننت به ... كف الرجاء ومنتهى الأمل # فلما وقف على ذلك طرب له وقال: هذا الرجل أهل للإحسان إليه، فاستدعاه ~~وأغدق عليه بلطائف بره. # وهكذا المجد إن صحت قواعده ... ليس التكحل في العينين كالكحل # أقول: خفض عليك، فلو أتيت بألف مجلد، فيها أخبار مائة ألف جواد، لم تجد ~~من يجود عليك بسماع قصة من تلك القصص، إلا على توهم أنه أخف، فخذ ما آتيتك ~~وكن من الشاكرين. وما أعجب ما قال: # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود حتى أخجل الديما # فإنها خطرات من وساسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # ومن محاسن الشهاب الحلبي: # شوقي شديد إلى لقياك يا حلب ... من نازح شفه في بعده النصب # فلاعج الشوق قد أودى تضرمه ... وهذه المهلكات الوجد والوصب # إن كان منك محب قد نأى فله ... قلب لديك لما قد ناله نحب # يا بلدة ألبستني بالبها حللا ... من الفخار سقى أرجاءك السحب # حياك هاطل مزن ms135 جاد وابله ... واعشوشب الروض واخضرت بك القضب # ولا عداك من الخيرات وافرها ... فربع واديك رحب يانع خصب # ولي لديك أخلاء وإن هجروا ... فشخصهم في سويدا القلب منتصب # أفديهم أسرة عال مقامهم ... قد زانهم في الورى الإفضال والحسب # بيض الوجوه كرام ما لفخرهم ... حد وشأنهم الإكرام والأدب # فأقمت في ربعها المنيع، وجنينا من ينيعها المريع، في رياض تسلسلت جداول ~~مياهها، وقصور تزين الأفق بنجوم سمائها، مع إخوان الصفا وخلان الوفا. # PageV01P202 # هكذا أقطع الزمان سرورا ... لو على وصله وجدت اقتدارا # وجنابي يقول عنه لساني ... لو دنا الحي أو وصلت الديارا # أين من رتبي الملوك وأني ... أين إسكندر الزمان ودارا # ولما كان آخر شعبان المكرم رحلنا فأتينا على سراقب، وهي ضيعة لطيفة فيها ~~خان، وبها أبنية محكمة العمارة، ومساجد، وحمامات. ثم أتينا على خان مرعى ~~وهو بنيان عظيم، وحوله زراعات وضيعة لطيفة. # المعرة # ثم أتينا على المعرة وهي بلدة كثيرة التين والزيتون، وإليها ينسب أبو ~~العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري صاحب التصانيف المشهورة والتآليف ~~المذكورة، يقال إنه كان ينتحل مذهب البراهمة، ولا يرى إتلاف الحيوان، ولد ~~سنة ثلاث وستين وثلاثمائة بمعرة النعمان، وجدر في السنة الثالثة فعمي، قرأ ~~الفنون ونظم # وله إحدى عشرة سنة، وكان في غاية الذكاء وأعجوبة في الحفظ، عاش ستا ~~وثمانين سنة، وأنشد على قبره ست وثمانون مرثية، من أجلها مرثية الشريف ~~الرضي التي منها: # إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دما # والناس يفاضلون بينه وبين ابن سيده، يقولون أعميان إمامان حافظان، أحدهما ~~بالمشرق والآخر بالمغرب. وله ديوان سماه سقط الزند شرحه كثير من العلماء، ~~منهم صدر الأفاضل، وله من نظم لزوم ما لا يلزم خمسة أجزاء، وله شعر نسب به ~~إلى الإلحاد، وقيل موضوع عليه منه، والله الهادي. # PageV01P203 # عقول تستخف بها السطور ... ولا يدري الفتى لمن الثبور # كتاب محمد وكتاب موسى ... وإنجيل ابن مريم والزبور # ويمكن أن يكون المراد الذين يتبعون ما تشابه منه، كما أخذ علي أبي طالب ~~المكي حيث ms136 قال: ليس على المخلوق أضر من الخالق، من لم يفهم المراد، فإن ~~الله تعالى هو النافع الضار، والإحتمالات كثيرة، والصحيح أن المراد لا يدفع ~~الإيراد، وعليه جاء من فسر القرآن الكريم برأيه فقد كفر ومنه: # راح من راح والثريا الثريا ... والسماك السماك والنسر نسر # ونجوم السماء تعجب منا ... كيف تبقى من بعدنا وتمر # وهذا كما تراه، ليس نصا في عدم فناء النجوم، بل تأخرها عنا، ولا خلاف فيه ~~غير أن النفوس لا تختار التقدم عليها إلا في الفناء، ولا تحب تأخيرها إلا ~~في البقاء، وقيل إنه تاب في آخر عمره وحسن اعتقاده، كما قيل في الزمخشري. ~~ونسب إليه القرطبي هذه الأبيات في تذكرته: # يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل # ويرى عروق نياطها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل # إغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول # PageV01P204 # وحكى المقري في تذكرته أنها للزمخشري. ولما دفن وجد مكتوب على قبره: # قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... لطيفة صاغها الباري من النطف # عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف # وأمر أن يكتب على قبره: # هذا ماجناه أبي علي ... ي وما جنيت على أحد # ومن كلامه: # أبا العلاء بن سليمانا ... عماك قد أولاك إحسانا # لو عاينت عيناك هذا الورى ... لم يلق إنسانك إنسانا # وله: # ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا # تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # وله: # من كان يطلب من أيامه عجبا ... فلي ثمانون عاما لا أرى عجبا # الناس كالناس والأيام واحدة ... والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا # ومن نصائحه: # إذا بلغ الوليد لديك عشرا ... فلا يدخل على الحرم الوليد # فإن خالفتني ونبذت نصحي ... فأنت وإن أفدت غنى بليد # حماة # ثم إنا قوضنا خيام المقيل، وأخذنا في الرحيل، فأتينا على خان الشيخون وهو ~~في واد مخضل وحوله ضيعتان بعيدتان، ثم أشرفنا على بساتين حماه المورقة، ~~ومحاسنها المونقة، وهي مدينة قديمة من عهد سليمان عليه ms137 السلام، وجامعها # وكنيستها بالسوق الأعلى، جدد في خلافة المهدي، وكان فيه لوح من الرخام ~~مكتوب فيه أنه جدد من خراج حمص، وكانت من أعمال حلب وكانت حمص كرسي هذه ~~البلاد. ومن غرائب أخبار حماة أن الزكي بن عبد الرحمن لما اجتمع بالملك ~~المظفر قبل أن يلي حماة أنشده: # PageV01P205 # متى أراك ومن تهوى وأنت كما ... تهوى على رغمهم روحين في بدن # هنالك أنشدوا الآمال حاضرة ... هنيت بالملك والأحباب والوطن # فوعده أنه إذا ملك حماة يعطيه ألف دينار، فلما ملكها أنشده: # مولاي هذا الملك قد نلته ... برغم مخلوق من الخالق # والدهر منقاد لما شئته ... وذا أوان الموعد الصادق # فدفع له الألف وأقام معه، ولزمته أسفار فأنفق فيها ذلك المال، ولم يحصل ~~بيده زيادة على ذلك، فقال: # ذاك الذي أعطوه لي جملة ... قد استردوه قليلا قليل # فليت لم يعطوا ولم يأخذوا ... وحسبنا الله ونعم الوكيل # فبلغ ذلك المظفر فأخرجه من دار كان أنزله فيها، فقال في ذلك: # أتخرجني من كسر بيت مهدم ... ولي فيك من حسن الثناء بيوت # فإن عشت لا أعدم مكانا يضمني ... وإن مت تدري ذكر من سيموت # فحبسه المظفر، فقال: ما ذنبي!؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأمر بخنقه. ~~فلما أحس بذلك قال: # أعطيتني الألف إجلالا وتكرمة ... يا ليت شعري أم أعطيتني ديتي # PageV01P206 # فكان حاله كحال من قال: # وكنت كالمتمني أن يرى فلقا ... من الصباح فلما أن رآه عمي # ولله در من قال: # ربما يرجو الفتى نفع فتى ... خوفه أولى به من أمله # رب من ترجو به دفع الأذى ... سوف يأتيك الأذى من قبله # ولحماة النهر العاصي، قال في الخريدة: وهو نهر حماة وحمص، مخرجه من قدس ~~ومصبه البحر بأرض السويدية من أنطاكية، وسمي العاصي لأن أكثر الأنهار تتوجه ~~إلى الجنوب وهذا يتوجه نحو الشمال، انتهى. وهذا التعليل إنما يتم لو كان ~~المتوجه نحو الشمال هو وحده دون غيره من الأنهار، فتأمل. وفيه الناعورة ~~التي يضرب بها المثل، وقد أكثر الشعراء فيها، فمن ذلك: # ناعورة في النهر أبصرتها ... تشوق الداني ms138 والقاصي # قد نبهتني للتقى والهدى ... لأنها تبكي على العاصي # وقال: # نواعير في عاصي حماة إذا بكت ... عليه دعت من عبرتي مدمعا قاصي # وإني على نفسي لأجدر بالبكا ... إذا كانت الأخشاب تبكي على العاصي # وقال: # حماة في بهجتها جنة ... فهي من الهم لنا جنه # لا تيأسوا من رحمة الله قد ... أبصرتم العاصي في الجنه # وقال: # وناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحي فأجرت مقلتي دموعها # وقد ضعفت مما تئن وقد غدت ... من الضعف والشكوى تعد ضلوعها # PageV01P207 # وقال: # قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم # فعروس جامع جلق ما مثلها ... شتان بين عروسها وحماتكم # وقال: # تالله إن حماة شامة شامكم ... وعروسها بمحاسن متزايده # ودمشقكم بعذراها الشيبي قد ... ولت شبيبتها وأمست بارده # وقال: # قالوا تسلى عن ثمار شطوطها ... فأجبت لا والتين والزيتون # يا عاذلي على محبتها لكم ... في ذاك دينكم ولى أنا ديني # في ناعورة لابن نباته: # وناعورة قالت وقد حال لونها ... وأضلعها كادت تعد من السقم # أدور على قلبي لأني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي # وقال: # يروق امتداد الجسر والقصر فوقه ... فيجلو طباق العيش بالمد والقصر # وقد أصبحت تلك الجزيرة جنة ... ألم تنظر الأنهار من حولها تجري # تفوق عيون الزهر بين شطوطها ... عيون المها بين الرصافة والجسر # وإن جزن تلك الغيد بين غصونها ... سلبن الحشا من حيث أدري ولا أدري # فيا جيرة العاصي إذا ذقت ماءكم ... أهيم كأني قد ثملت من السكر # ولولا بقايا طعمه في مذاقتي ... لما ظهرت هذي الحلاوة في شعري # وكم رام ذاك البحر يشبه لفظه ... فقلت انزلوا يا قوم في ساحل البحر # فآه على وادي حماة تأسفا ... خلافا لمن قد قال آه على مصر # فكم مر لي فيها حلاوة ليلة ... فكانت شبيه الخال في وجنة الدهر # وفي غيرها كم كنت أقضي لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري # PageV01P208 # نكتة لطيفة # هجا بعض المعتزلة الإمام إسماعيل بن المقري: # يقولون كذب المرء حيض لسانه ... فما بال إسماعيلكم لم يزل مقري # أراد بقوله كذب المرء حيض لسانه كانت تقول العرب ms139 حاض فلان أي كذب، وبقوله ~~لم يزل مقري أي حائض، فأجاب عن نفسه بقوله: # مدحت بما تهجو فأصبحت ضحكة ... فما القرء عند الشافعي سوى الطهر # قال الغزي: # إني أرى الجود بالدنيا إذا ملكت ... خيرا من الزهد فيها يا أبا الفرج # لا تعجبن لمن أغناه عن أدب ... جهل فإن العمى أغنى عن السرج # أخفاك مكثك في أرض نشأت بها ... وليس يعرف قدر الدر في اللجج # حمص # ثم أتينا على حمص وهي مدينة عظيمة، قد أخنى عليها الزمان، وكر عليها بسيف ~~حيفه الملوان، ولابن حبيب فيها: # جزيرة حمص كعبة الكون أصبحت ... يطوف بها دان ويسعى لها قاصي # لها حلة من نبتها سندسية ... تعلق في أكناف أذيالها العاصي # ومما قيل فيها لابن حجر: # جزيرة حمص لم تكن قط كعبة ... يطوف بها دان ويسعى لها قاصي # ولكنها للهو والقصف حانة ... ألم تنظروها كيف جاورها العاصي # وبها الأشجار والأزهار المختلفة الألوان، وللشعراء فيها الأقوال البديعة، ~~فمن ذلك: # ومهفهف حيا المحب بوردة ... بيضاء قد نشقت روائح نده # فكأنها وبها احمرار حامل ... ماء الحياة على صحيفة خده # PageV01P209 # قال: # شجرات ورد أحمر بعثت ... في قلب كل متيم طربا # يا من رأى من قبلها شجرا ... سقى اللجين وأنبت الذهبا # ولابن تميم: # حاذر أصابع من ظلمت فإنها ... تدعو بقلب في الدجى مكسور # فالورد ما ألقاه في جمر الغضا ... إلا الدعا بأصابع المنثور # ثم أتينا على حسية وهي واد فيه قلعة ومياه غزيرة، ثم أتينا على عيون ~~التجار وميدان الخيل وهو محل العرب النهابة، وقارة وهي قرية قد أشرفت على ~~الدمار، وكأنها كانت فبانت. # ثم أتينا على نبك وهي قرية تبسمت أزهارها، وتفاوضت أنهارها، وأهلها لا ~~يكادون يفقهون حديثا، وتوصف بالبرد الشديد. ثم أتينا على القطيفة وهي روضة ~~غناء، وغيضة حسناء، كأنما قطفت من فردوس الجنة، وبها الخان الذي هو ~~للواردين وقاية وجنة، وهو الخان الذي لا يرى له عديل، ولا يدانيه في محاسنه ~~مثيل: # تحير به الأبصار حسنا ورونقا ... وتمرح فيه الخلق بالأمن واليمن # وفيه تكية للوافدين، وهو من بناء ms140 الوزير سنان باشا، فلا غرو أن يقول ~~بلسان الحال: # إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار # وفي هذه القرية ما يزيد على برد الروم، وما ألطف ما قال: # هذي القطيفة التي ... لا تشتهى عقلا ونقلا # حشيت ببرد يابس ... فلأجل ذاك الحشو تقلا # ثم أتينا على القصير وقد أرسل علينا الغمام سحائب القطر، ومسنا من ذلك ~~البرد ما هو أحر من الجمر، ثم سرنا في واد طاب روح نسيمه، فصح مزاج إقليمه # PageV01P210 # وقد تباكت أمطاره، فتضاحكت أزهاره في رياض أريضه، وأهويه صحيحة مريضة. # جنان الشام # ثم أتينا على حرستا، يقال إنها أول قرية يخسف بها. ثم لم نزل في رياض # مشهوده، وحياض موروده، بين مبان وثيقه ومغان أنيقه، حتى أشرفنا على # جنان الشام # التي هي برداء المحاسن تتباهى، فإذا هو هي أو هي إياها، رياض تغنت ~~أطيارها، فتمايلت طربا أشجارها، رياض مخضلة الربى، وغياض معتلة الصبا، رياض ~~تنوح بها الأطيار، وتتباكى فيها الأمطار، رياض تميل طربا وتميد عجبا: # وما الشام في البلاد إلا كشامة ... عروسة أرض الله في الشرق والغرب # بها مرجة تزهو وقد فاح نشرها ... وشحرورها غنى سحيرا على القضب # بها الورد سلطان ينادي بدوحها ... هلموا قبيل الموت للأكل والشرب # ولابن عنين: # ولا تتركوا يوم السرور إلى غد ... فرب غدا يمضي المحيل إلى الترب # وقال: # دمشق التي شوقي إليها مبرح ... وإن لج واش أو ألح عذول # تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل # بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول # وقال: # حسنا ما رأيت من فعل نهر ... لهواه الغصون يجري إليها # فهو من فرط وجده إذ يراها ... شامخات يخر بين يديها # وقال: # تحن إلى وادي دمشق جوانحي ... وإن كان ممن قل فيه نصيبي # وإني لأهوى قاسيون لأنني ... رأيت اسمه يحكي فؤاد حبيبي # PageV01P211 # وقال: # دمشق بواديها رياض نواضر ... بها ينجلي عن قلب ناظرها الهم # على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم # وقال: # عللاني عن الشام بذكر ... حن قلبي إليه بالأشواق ms141 # مثلته الذكرى لعيني كأني ... أتمشى هناك بالأحداق # وقال: # دمشق في محاسنها جنان ... ولذات النعيم لساكنيها # وما فيها حماها الله عيب ... سوى الإكرام للغرباء فيها # وقال: # دمشق قل ما شئت في حسنها ... واحك عن الربوة ما تحكي # فالطير قد غنى على عوده ... وزفها بالدف والجنك # وقال: # انظر إلى الربوة مستمتعا ... تجد من اللذة ما يكفي # فالطير قد غنى على عوده ... في الروض بين الجنك والدف # وقال: # لله يوم في دمشق قطعته ... حلف الزمان بمثله لا يغلط # الطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والسحاب ينقط # وقال: # أشتاق في وادي دمشق معهدا ... كل الجمال إلى حماه ينسب # ما فيه إلا روضة أو جوسق ... أو جدول أو بلبل أو ربرب # وكأن ذاك النهر فيه معصم ... بيد النسيم منقش ومكتب # وإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعب # PageV01P212 # والورق تنشد والنسيم مشبب ... والنهر يسقي والحدائق تشرب # وضياعها ضاع النسيم بها فكم ... أضحى له من بيننا متطلب # ولكم طربت على السماع بعودها ... وغدا بربوتها اللسان يشبب # فمتى أزور معالما أبوابها ... بسماحها كتب الغرام تبوب # وقد أبدع ابن الصائغ حيث قال: # أدمشق لا بعدت ديارك عن فتى ... أبدا إليك بكله يتشوق # أشتاق منك منازلا لم أنسها ... إني وقلبي في ربوعك موثق # مهما اتجهت رأيت دوحا ماؤه ... متسلسل يعلو عليه ويخفق # فالريح تكتب والجداول أسطر ... خطا له نسج الغمام محقق # والطير يقرأ والنسيم مردد ... والغصن يرقص والغدير يصفق # ومعاطف الأغصان هزتها الصبا ... طربا فذا عار وهذا مورق # والورد في الألوان يجلو منظرا ... ونسيمه عطر كمسك يعبق # فبلابل منها تهيج بلابلي ... ولذاك أثواب الشقيق تشقق # وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوق # وكأنما في كل عود صادح ... عود حلا مزموره والمطلق # والورق في الأوراق شبه شجوها ... شجوي وأين مني الخلي الموثق # يتلو على الأغصان أخبار الهوى ... فيكاد ساكن كل شيء ينطق # يا سائرا والريح تعثر دونه ... والبرق يبسم إذ به يتألق # إن جئت من وادي دمشق منزلا ... لي نحوه حتى الممات تشوق # بالجبهة الغراء والنهر الذي ... يزهو ms142 به القطر المنيف الأبلق # ورأيت ذاك الجامع الفرد الذي ... في الأرض مثل جماله لا يخلق # أبلغ منازلها السنية أنني ... أبدا لحسن بهائها أتشوق # ما أنصح ما قال: # عرج ركابك عن دمشق فإنها ... بلد تذل لها الأسود وتخضع # PageV01P213 # ما بين جبهتها وباب بريدها ... قمر يغيب وألف بدر يطلع # ابن تميم: # رعى الله وادي النيربين فإنني ... قطعت به يوما لذيذا من العمر # درى أنني قد جئته متنزها ... فمد لتلقائي بساطا من الزهر # وأخدمني الماء القراح فأينما ... ذهبت وجدت الماء في خدمتي يجري # وقال: # دمشق فيها نزه ... وسفحها زاه نضر # في كل روض يلتقي ... ماء الحياة والخضر # وقال: # سقى دمشق وأياما مضت فيها ... من السحائب ساريها وغاديها # ولا يزال حنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشا أرضيها # وقال: # فوق وجه الثرى ترى الشام شامه ... ولكم للغريب فيها كرامه # سكن كلما تناءيت عنه ... حرك الوجد في الفؤاد غرامه # وفؤادي لولا زيارة طه ... ما لواه اللوى ولا رام رامه # جنة وهي بالمكاره حفت ... من أمور تقوم منها القيامه # الجامع الأموي # قال ابن الوردي: دمشق أجل إقليم الشام مكانا، وأحسنه بنيانا، وأعدله هواء ~~وأعذبه ماء، وبها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية ~~مخترقة، وعيون سارحة متدفقة، وأشجار باسقة، وقصور شاهقة، ولها ضياع كالمدن، ~~وبها الجامع الأموي الذي لم يكن على وجه الأرض مثله، # PageV01P214 # بناه الوليد بن عبد الملك، وأنفق عليه أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة ~~عشر ألف # دينار، واجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخم. # لله ترخيم بجامع جلق ... متناسب التخميس والتقسيم # قد زاد تحسينا يكذب قول من ... قد قال إن النقص في الترخيم # وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة، والمرمر المصقول، والجزع المحكوك، يقال ~~إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، ~~وهما عمودان مجزعان بحمرة لم ير مثلهما، ويقال إن رخام الجامع معجونا، ~~ولذلك إذا وضع على النار ذاب، وفي المحراب عمودان صغيران، يقال إنهما كانا ~~في عرش بلقيس، وعند منارة الجامع الشرقية حجر، يقال إنه ms143 من الحجر الذي ضربه ~~موسى عليه السلام بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عينا. # قال القزويني: ومن عجائب دمشق الجامع الأموي، وقد وصفه بعضهم فقال: هو ~~أحد العجائب وجامع الغرائب، بسط فرشه بالرخام، وألف على أحسن ترتيب ~~وانتظام، فصوصه ملتفة، وصنعته مؤتلفه، عمره الوليد، وكان ذا همة في أمر ~~العمارات وبناء المساجد، أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين، قيل من ~~عجائب الجامع إنه لو عاش أحد مائة سنة وكان يتأمله في كل يوم، لرأى في كل ~~يوم ما لم يكن رآه من حسن الصنعة، ومبالغة التنميق، وهذا المعنى في كل ذرة ~~من العالم للمبصر وفي أنفسكم أفلا تبصرون وهو مسقف بالرصاص إلى الآن، وفيه ~~نحو مائة ماء. # ومن محاسنه الفوار الذي على باب جيرون، فإن ماؤه يرتفع على نحو قامة ونصف ~~في غلظ الساق دائما أبدا، واتفق وقوفه مرة، فقال في ذلك المعنى ابن نباته ~~قوله: # PageV01P215 # لست أنسى الفوار وهو ينادي ... غيض مائي وعطل الدهر حالي # فتمنيت من لهيبي أني ... أشتري غيضة بروحي ومالي # وقيل إن دخل الجامع في كل يوم من أوقافه ألف ومائتا دينار، تصرف المائتان ~~في مصالحه، والباقي ينقل إلى خزانة السلطان، وبالجملة فإنه الجامع الذي هو ~~لأشتات المحاسن جامع، والمسجد الذي من سجد في محرابه شاهد من محاسنه النور ~~الساطع، ولا غرو إذ هو بيت ملك سعد من وقف بخدمته خاشعا، وشقي من لم يسع ~~إليه مخلصا، ويأتيه طائعا. # وإذا حلت الهداية قلبا ... نشطت للعبادة الأعضاء # وقال: # أرى الحسن مجموعا بجامع جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح # فإن يتغالى في الجوامع معشر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوح # وقال: # الجامع الأموي أضحى حسنه ... حسنا عليه في البرية مجمعا # حلوه إذ حلوه فانظر صحنه ... تلقاه أصبح للحلاوة مجمعا # ولقد تذكرت بذلك الجامع أوقاتي بتلك الروضة، وتشاغلت به فما أغنى التشاغل ~~بمحاسن تلك الرياض وهاتيك الغيضه. # بهجة العين روضة المختار ... تتجلى في مشارق الأنوار # حرم حل فيه خير إمام ... جامع الفضل قبلة الأبرار # أول العالمين في الخلق لكن ... آخر ms144 العالمين في الإنذار # باذخ الأصل ناسخ الجهل علما ... راسخ الفضل شامخ في الفخار # PageV01P216 # مضري وأبطحي حبيب ... قرشي وهاشمي نزاري # صفوة الخلق أشرف الخلق خلقا ... نخبة من سلالة الأخيار # يا رسول الإله كن لي شفيعا ... يا شفيع العصاة من حر نار # أنت في الأنبياء سلطان شرع ... جئت بالسيف منذر الكفار # فعليك السلام من عبد ود ... ما سرى سر نسمة الأسحار # وعلى الآل والصحاب جميعا ... وعلى التابعين والأنصار # ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، وطوله اثنا عشر ميلا، في عرض ثلاثة ~~أميال، وهو مغروس بأنواع الثمر والأزهار البديعة المنظر والمخبر. ### || فائدة # الشام خمس شامات: الأولى: طبرية وأعمالها، وهي مدينة جليلة على جبل مطل، ~~وأسفلها بحيرة عذبة وبها مراكب سابحة، ولها سور حصين، وبها حمامات حامية من ~~غير نار. الثانية: دمشق وأعمالها. الثالثة: حمص، وحماة، وحلب. الرابعة: ~~أنطاكية وأعمالها. الخامسة: غزة، والرملة، وبيت المقدس، وهو على جبل يصعد ~~إليه من كل جانب، وطول مسجده مائتا باع في عرض مائة وثمانين. # يقال إن جامع قرطبة سقفه أكبر من سقف الأقصى، وصحن الأقصى أكبر من صحن ~~جامع قرطبة، حكاه ابن الوردي. والشام من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي ~~طي إلى بحر الروم عرضا. # وفي الأخبار الشام صفوة الله من بلاده، وإليه يجتبي صفوته من عباده، قيل ~~المراد المدينة لأنها بالنسبة إلى مكة شام. # قال المقريزي: وسط الشام كدمشق وما والاها شمال مكة من غير ميل، فهم ~~يستقبلون أوسط الجنوب، بحيث يكون القطب # PageV01P217 # الشمالي المسمى بالجدي وراء ظهورهم، وأنت إذا نظرت إلى قبلة الجامع ~~والقطب وجدت السمت منحرفا، ولا كلام. # قال القزويني في الآثار: الغوطة الكورة التي قصبتها دمشق وهي كثيرة ~~المياه، نضرة الأشجار، مونقة الأزهار، متجاوبة الأطيار، مخضرة الجنان. ~~استدارتها # ثمانية عشر ميلا، وكلها بساتين وقصور. تحيط بها جبال عالية من جميع ~~جهاتها، ومياهها خارجة من تلك الجبال، وتمتد في الغوطة عدة أنهر، وينصب ~~فاضلها في أجمة هناك، والغوطة كلها أنهار وأشجار متصلة، قلما يوجد بها ~~مزارع، وهي أنزه بلاد الله على الإطلاق، وأحسنها ms145 من حيث البهجة والإشراق. # قال الخوارزمي: جنان الدنيا أربعة: غوطة دمشق، وصغد سمرقند، وشعب بوان، ~~وجزيرة الأبلة. وقد رأيتها كلها فأحسنها غوطة دمشق، أما صغد سمرقند فهو نهر ~~تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر، ومقداره اثنا عشر فرسخا في ~~مثلها، وأما شعب بوان فبقعة من نواحي سابور، مقدارها فرسخان، وقد أتحفتها ~~الأشجار بظلالها، وجلست الأنهار خلالها، وفيها يقول المتنبي: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان # وأما نهر الأبلة فهو من أعمال البصرة، وهو أربعة فراسخ وعلى جانبيه ~~بساتين كأنها بستان واحد، وأما الغوطة فهي من حيز دمشق، طولها ثلاثون ميلا ~~وعرضها خمسة عشر ميلا، وهي مشتبكة القرى، ولا تكاد الشمس تقع على أرضها ~~لالتفاف شجرها واكتناف زهرها، واختلاف الأخبار لاختلاف الأنظار. # PageV01P218 ### || ومن محاسنها # المرجة التي هي جنتها، وأنهارها التي هي بهجتها، فقلت: # ذكرت أحبتي بالمرج يوما ... فهاجت أدمعي نيران وهجي # فصرت أكابد الأشواق وحدي ... وكل الناس في هرج ومرج # وقال: # يا يومنا بالمرج هل من عودة ... ليت الليالي للوصال تعيد # فهواك لا يبدي السلو لطيبة ... والله يبدي ما يشا ويعيد # ولما أحلنيها الدهر، وشاهدت محاسن تلك الرياض، وبها ذلك النهر، نزلت على ~~مكارم عمادها، وبدر إسعادها، المولى الذي دخل به الكشاف تحت أستار الخجل، # وقال البيضاوي لنا من تسويد الصحائف وجل أي وجل، هو مولانا الحبر ~~العلامة، والبحر الفهامة، مفتي الديار الشامية وإمامها، وواحد ذوي المجد ~~المؤثل وهمامها، المعطر ذكره الشريف أرجاء البوادي، مولانا الشيخ عبد ~~الرحمن العمادي، لا زالت أقلام الأنام بأداء الشهادة بكماله رافلة في حلل ~~العدالة، وإذا نشأت فهي العيدان التي هي بأسمائه الشريفة للطرب نعم الآله. # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها # فلا انفك مسك لياليه شامة في وجنات الأيام، وله من ذلك إن شاء الله تعالى ~~حسن الختام. فنزلت من داره المعمورة بأشرف منزل، وصرت لما لقيته من الفرح ~~والسرور عن الهم بمعزل: # ولما بلوناه تلونا مديحه ... فيا طيب ما نبلو ويا حسن ما نتلو # هو البدر إلا أنه البحر ms146 زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل # محاسن يبديها العيان كما ترى ... وأيسر ما فيه السماحة والبذل # وقال: # رأيت عماد الشام في الفضل وحده ... ولا عجب إذ كان في الفضل قد نشا # إماما هماما عز قدرا ورتبة ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا # PageV01P219 # وقال: # رأيت العماد وأبناءه ... عماد المكارم فيمن رأيت # ففيهم مقامي بهم قد سما ... ومنهم رويت وعنهم رويت # رأيت لديه وبين يديه في ذلك المقام، من أبنائه الكرام، ثلاثة تشرق الدنيا ~~ببهجتهم، وتنجلي الفصاحة بحسن لهجتهم، كما قال: # كأنه وبنوه حول حضرته ... بدر الدجى ولديه الأنجم الزهر # فيا لهم من فتية عليهم سيما الحجى، وطلاوة نجوم الدجى، فكل منهم ملك ~~القول # وأميره، وواحد الفضل الذي لا يوجد نظيره: # إن العماد بنوه والذي شرفت ... به الأباطح أعني صفوة الباري # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري # فالتحفت برهطهم، وانتظمت في سمطهم، وما زلت فيهم فارغ البال، خالي ~~البلبال، نسيمي نسيم الصبا، وأيامي أيام الصبا: # ولو لم يزد إحسانهم وجميلهم ... على البر من أهلي حسبتهم أهلي # ولم أزل من مكارم هذا العزيز، في حوز حريز، ومن أخلاقه الشريفه، وخلائقه ~~اللطيفه، بين الروض ونسيمه، والأرج وشميمه: # سأشكر لا أني أجازي لنعمة ... بأخرى ولكن كي يقال له شكر # وأذكر أيامي لديه وحسنها ... وأفضل ما يبقى من الذاهب الذكر # ثم لم أزل في تلك الديار منذ حللت ربوعها، وارتبعت ربيعها، أفاني الأيام ~~فيما يروي الأوام، علما بأن الدهر سروره كطيف المنام، وشروره أكثر من أوغاد ~~الأنام، وأن من أخر أيام الصفا، وقابل وفاء الدهر بالجفا، فقد وقع في # PageV01P220 # هوة الندم، وصار وجوده عند أولي النهى كالعدم، ومن أهمل أوقات السرور، ~~والتزم مكابدة الهموم فهو في الغرور: # كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل # فها أنا أطلب قلبي في الهوى وأنشده، وأطارح صوت الصدى فينشدني وأنشده: # لقد كادت الدنيا تقول لأهلها ... مشافهة لو أنها تتكلم # خذوا من نصيب من نعيم ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم # أمطار وبرد ms147 غريبة الشكل ### || (غريبة) # في أواخر رمضان المكرم، وردت على أهل دمشق من أعمال الكرك ~~مكاتيب، فيها أنه وقع بتلك القرى في غضون الأمطار، برد على صور حيوانات # مختلفة.! # وفي كتاب السكردان لابن أبي حجلة: في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ورد ~~كتاب من حماة يخبر أنه وقع في هذه الأيام ب ماردين من أعمال حماة برد على ~~صور حيوانات مختلفة، فيها سباع وحيات وطيور ورجال ونساء وغير ذلك، وأن ذلك ~~ثبت بمحضر شرعي عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة، وحكى الحافظ ~~عبد الرحمن الربيع: في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة نزلت بردة من السماء، ~~طولها مائة وستون ذراعا، وعرضها عشرة أذرع، وسمكها باعان، فلما ذابت سقى ~~ماؤها أربع قطع من الأرض هنالك، انتهى، من بغية المستفيد في أخبار مدينة ~~زبيد!! ### || فائدة # دمشق اسم عبد الخليل عليه السلام، وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان حين ~~خرج عليه السلام من النار، ولما بنى الشام سماها باسمه، وكان جعله على كل ~~شيء له، كما ذكره ابن عساكر عن وهب بن منبه، كذا في الطراز المنقوش في ~~محاسن الحبوش قيل ومن خواص الشام الطعن والطاعة والطاعون، أما الطعن فهو ~~مشهور في جندها كما قيل: # ورجال الشام في طعنهم ... قاسيون القلب منهم لا يلين # PageV01P221 # وأما الطاعة فهي معروفة في أهلها للسلطان، حتى قيل في وصفهم إنهم أطوع ~~الناس للمخلوق وأعصاهم للخالق، وأما طاعونها فهو شر من أن يذكر حتى قيل: # أما دمشق فإنها قد أوحشت ... من بعد ما شهد الخلائق أنسها # تاهت بعجب زائد حتى لقد ... ضربت بطاعون عظيم نفسها # محاسن الشام # وقاسيون بكسر السين المهملة وضم المثناة من تحت، جبل مطل على دمشق من # جهتها الشمالية، فيه المنازل المليحة والمدارس الحسنة، والربط والبساتين، ~~ونهر يزيد ونهر تورا في ذيله، وفيه جامع كبير وفيه يقول ابن عنين: # وفي كبدي من قاسيون حرارة ... تزول رواسيه وليس تزول # قال القزويني: الربوة على فرسخ من دمشق، قال أهل التفسير: هو المراد من ~~قوله تعالى (وآويناهما إلى ms148 ربوة ذات قرار ومعين). # غريبة # قال صاحب تحفة الغريب في بادية الشام شجرة، إذا نظر الناظر إليها رأى ~~أوراقها كالسرج المشعولة، وكلما كان الليل أظلم كان الضوء أشد، فإذا هش ~~الورق لا يرى شيء من الضوء. # ومن محاسن الشام نهر بردى المشبب به في القصائد الطنانة، ويقال له الخاطف ~~لقوته، ومن خواصه أنه لا يزال باردا في الأوقات الحارة، وفيه يقول ابن ~~الفارض: # جلق جنة من تاه وباها ... ورباها منيتي لولا وباها # قال غال بردا كوثرها ... قلت غال برداها برداها # ومن محاسن الشام جامع يلبغا، سمعت فيه من العلامة العمادي للشيخ أبي ~~الفتح المالكي: # كم نزهة في يلبغا تبتغي ... ودارج لم يخل من دارج # يموج في بركته ماؤها ... تحت منار ليس بالمائج # مأذنة قامت على بابه ... تشهد للداخل والخارج # ومن محاسن الشام جامع البحر بالقرب من المولى خانه، يشقه نهر لطيف عليه ~~أنواع المسرات: # لله يوما به الدهر المشت سخا ... مع جيرة قلدوا من جودهم نحري # PageV01P222 # قضيته وقضت لي فيه بهجته ... بطيب عيش مضى في جامع البحر # ### || فائدة # # محاسن الشام كتاب مؤلف في المعنى، للشيخ تقي الدين البدري، ورأيت على ~~ظهره للشيخ أحمد المقري: # محاسن الشام جلت ... عن أن تحد بحد # كأنها معجزات ... مقرونة بالتحدي # ومن محاسن الشام: إحياء ليالي رمضان المعظم، وإقامة التراويح بأحسن أداء ~~يورث النشاط، فإن المكبرين يلونون في التكبير بالأصوات الحسنة، فيبتدئون ~~بمقام العراق ويختمون بمقام العشاق، والإمام يصليها بسورة الرحمن، ويلون ~~فيها الصوت الحسن بالألحان الحسان، هذا وإن كان من البدع إلا أنه قد صقله ~~التعارف، والعرف كما لا يخفى أمر عظيم. # وفي أخريات الشهر يصلون مع الإمام اثنتي عشرة ركعة، عقيب التراويح، ~~يزعمون أنها صلاة الرغائب، وهي غير معروفة بالحرمين الشريفين. # ومن محاسن الشام في هذه الليالي باب البريد، وما أدراك ما باب البريد! ~~وما يشتمل عليه من المحاسن التي يعجز القلم عن وصفها، فياله من باب لا ~~يدخله إلا أهل الدخول، ولا يصل إليه إلا من كان من أهل الوصول، كيف لا ms149 وهو ~~الذي تذل لغزلانه الأسود وتخضع، وترى قمرا يغيب وألف بدر يطلع، ويقال: ~~هاهنا تسكب البدرات، ولا عبرة بسكب العبرات. # دمشق دار البذرقه ... فيها الوجوه المشرقه # لو حل قارون بها ... حلت عليه الصدقه # فائدة # في كتاب الدارس من المدارس للنعيمي قال: في الجامع الأموي # PageV01P223 # أربعة وعشرون # سبعا، وكلها تجري عليها الأوقاف، وكان في السبع الكبير ثلاثمائة وأربعة ~~وخمسون نفرا، وكان بدمشق أربعة وعشرون جامعا، كلها ذات أوقاف فائضة. # ومن محاسن الشام شجر السرو وهو شجر حسن الهيئة قويم الساق، يضرب به المثل ~~في استقامة قده، ومشق قامته، وخضرة ورقه، ولا يزال مخضرا صيفا وشتاءا، ومن ~~خواصه أن التدخين بأغصانه في البيت يطرد البق، ومن التشبيه فيه: # والسرو مثل عرائس ... لفت عليهن الملا # شمرن فضل الأزر عن ... سوق خلاخلهن ما # ومن غرائب ما حكاه صاحب الخريدة أن خشب الزيتون لا دخان له. # ومن محاسن الشام حمام مصطفى باشا، فإنه لا نظير له في تلك الأقطار ولا ~~مداني، وذلك لما اشتمل عليه من حسن الصنعة ومحاسن المباني: # زين الشام وحق الصمد ... حسن حمام كثير العدد # لا ترى في سائر الدنيا له ... ثانيا لا والإله الأحد # حار عقلي لجحيم جنة ... بل نعيم في عيش رغد ### || لطيفة # أبواب دمشق ثمانية، وفي ذلك إشارة إلى أنها جنة الدنيا، وبالجملة فإنها ~~الروضة الغناء والغيضة الحسناء: # وما الشام في البلاد إلا كشامة ... وأقمار واديه الشميم تمام # فحيى محياه الإله وزانه ... ولا زال برق الحسن فيه يشام # وقال: # قال ماذا يقول في الشام حبر ... شام من بارق العلى ما شامه # PageV01P224 # قلت ماذا أقول في وصف أرض ... هي في وجنة المحاسن شامه # هذا، وشاعرها الشهاب الرومي، لما تضايقت عليه السبل فيها، وتكدر لديه من ~~مواردها الهنية صافيها، أنشأ يقول بلسان الاضطرار على ما قضت به الأقدار: # ترحل عن دمشق فليس فيها ... يقدم غير من أضحى سفيها # وطالعها مدى الأيام قبض ... على أغنى الورى من ساكنيها # كأن فتى بناها من قديم ... بنى رصد العكوس على بنيها # أكابرها على الفقراء جارت ms150 ... وجاهلها أذل بها النبيها # وقل بأن ترى إخوان صدق ... لنفسك في الكريهة ترتضيها # وأنفسهم تراه أشر نفس ... يميل إلى الخساسة يشتهيها # فيالله من زمن عجيب ... به قد تاهت الجهلاء تيها # تطوف بأرضها شرقا وغربا ... فلم تر في الرياض بها نزيها # فإن رمت التقرب من حماها ... إلى أرض لنفسك ترتضيها # فعرج بالركاب لحي مصر ... وحي غصون بان مسن فيها # تتيه على البلاد إذا تبدت ... بعصبتها وتفتن واصفيها # تحن على الغريب حنو أصل ... فتنسيه الديار وقاطنيها # بلاد قد حوت بالكسر جبرا ... وروضة مشتهاها أشتهيها # فيالله هل لي ما أراها ... فتلك ديار أنس أختليها # سيل في الكعبة المشرفة # وفي غرة شوال يوم عيد الفطر، كان الخطيب يوسف السقيفي وكانت خطبته على ~~نمط الخطب الرومية، ولم تكن تعرف هذه الطريقة في الديار الشامية، على ما ~~يقال، فهو أول من ابتدع ذلك هناك. وفي عاشر شوال داروا بالمحمل السلطاني ~~تذكيرا للحج، وهو من الأيام المعدودة، وفي آخر النهار احترق قصر الملك ~~الظاهر في غربي القلعة، فتشوشت له الخواطر، وفي صباح تلك الليلة وصل إلى ~~الشام # نجاب على يده مكاتيب إلى الروم، فأخبر بسقوط البيت الشريف، وكان من أمره ~~أنه لما كان العشرون من شعبان انهدم من البيت جانباه الشرقي # PageV01P225 # والشامي، بسبب الأمطار التي لم يسبق لها مثال، والسيول التي لم يعهد ~~مثلها في الإسلام، وفي ذلك يقول المهتار: # هدم البيت أمر رب تغشا ... ه بسيل لم يحو غرقاه ضبطي # في نهار الخميس عشرين شعبان ... قبيل الغروب من عام لغط # وأحسن منه للفاضل فضل الطبري: # سئلت عن سيل أتى ... والبيت منه قد سقط # متى أتى؟ قلت لهم ... مجيئه كان غلط # وكان من أمر هذا السيل أنه ذهب بالأموال والأرواح، وأعقب من الفناء في ~~أهل مكة ما أشبه بالوباء المصري والطاعون الشامي، وكان إرتفاع الماء في ~~المسجد الشريف إلى قفل باب المحترم، وبه أرخ من قال: رقى إلى قفل بيت الله. ### || لطيفة # على ذكر السيل في الأغاني نقلا عن الهيثم ابن عدي قال: حدثني عبد الله بن ms151 ~~العباس الهذلي عن رجل من بنى عامر قال: مطرنا مطرا شديدا ارتبعناه ودام ~~المطر ثلاثا، ثم أصبحنا على صحو، فخرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلا ~~جالسا على حجر، فقصدته فإذا هو المجنون جالسا يبكي، فكلمته طويلا وهو مطرق، ~~ثم رفع رأسه وأنشد بصوت حزين لا أنسى حرقته: # بكى السيل واستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتي غروب # وما ذاك إلا حيث أيقنت أنه ... يكون بواد أنت منه قريب # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى طيبكم فيطيب # PageV01P226 # فيا ساكني أكناف نخلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب # وقال زاد مغلطاي: # أظل غريب الدار في أرض عامر ... ألا كل مهجور هناك غريب # وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إلي وإن لم آته لحبيب # ولا خير في الدنيا إذا لم تزر بها ... حبيبا ولم يطرب إليك حبيب # ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وهجرانه مني إليه ذنوب # هجرتك مشتاقا وزرتك خائفا ... وإني علي الدهر منك رقيب # سأستلطف الأيام فيك لعلها ... بيوم سرور في هواك تثيب # ### || فائدة # # سيل الحجاب هدم بمكة دورا كثيرة وأحاط بالكعبة، أيام عبد الملك سنة ~~ثمانين، كذا في تاريخ الخلفاء، وفي سنة إحدى وسبعين وتسعمائة طاف بالبيت ~~سيل عظيم، وهدمت بسببه دور كثيرة، وفي ذلك للشيخ صلاح الدين بن ظهيرة مؤرخا ~~بلفظ ذراع وإن تسامح: # لما علا السيل على مكة ... وخرب الدور وأخلى البقاع # لاذ بباب الله مستغفرا ... وطاف بالبيت طواف الوداع # تاريخه إن رمت تعريفه ... علا على الركن اليماني ذراع ### || فائدة # بني البيت الشريف عشر مرات، ولم يكن هدم في واحدة بسبب السيل. وفي تاريخ ~~الخلفاء لابن حجر المكي: احترق البيت الشريف في زمن عبد الله بن الزبير، ~~أستاره وسقفه وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل عليه السلام، وكانا في ~~السقف، فبناه على قواعد إبراهيم عليه السلام، وفتح بابيها وجعلهما لاصقين ~~بالأرض، وأدخل فيه ستة أذرع من الحجر، فبقي بناؤه ولم يهدم الحجاج منه إلا ~~حائط الميزاب، وأراد الرشيد نقض ما فعله الحجاج فأقسم ms152 # PageV01P227 # عليه مالك أن لا يفعل، لئلا # يصير البيت ملعبة للملوك، فتزول هيبته من القلوب، فامتثل وصان الله بيته. ~~وفي طراز أعلام الزمن للخزرجي أن في أيام فتنة ابن الزبير، احترقت الكعبة ~~حتى انهدم سقفها وسقطت جدرانها. # بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم ... ورتبتهم حسب الذي أخبر الثقه # ملائكة الرحمن آدم ولده ... كذاك خليل الله ثم العمالقه # وجرهم يتلوهم قصي قريشهم ... كذا ابن زبير ثم حجاج لاحقه # ومن بعدهم من آل عثمان قد بنى ... مراد بخير أطلع الله شارقه # ضريح ابن عربي # وفي اليوم الثالث عشر تشرفنا بزيارة تربة المقدس المبرور الشيخ محي الدين ~~بن عربي، قدس الله سره العزيز، فتمليت بتلك الزيارة المحمولة إن شاء الله ~~على أجنحة القبول، وشاهدنا بها تلك الصالحية التي يقضي بكمال محاسنها ~~العقول: # الصالحية جنة ... والصالحون بها أقاموا # فعلى الديار وأهلها ... مني التحية والسلام # ورأيت على جدار التربة المباركة للدرويش القلشني: # شيخنا الحاتمي في الكون فرد ... وهو غوث وسيد وهمام # كم علوم أتى بها من غيوب ... من بحار التوحيد يا مستهام # إن سألتم متى توفي شهيدا ... منذ أرخت: مات قطب إمام # وللبيضاوي جواب سؤال رفع إليه في أمر الشيخ: الذي أعتقده في حال المسؤول ~~عنه، وأدين الله تعالى أنه كان شيخ الطريقة حالا وعلما، وإمام التحقيق ~~حقيقة ورسما، ومحي رسوم المعارف فعلا وإسما: # إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من مجده غرقت فيه خواطره # عباب لا تكدره الدلاء، وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته # PageV01P228 # تخترق السبع # الطباق، وتفترق بركاته الآفاق، وإني لأصفه وهو يقينا فوق ما أصفه، وأنطق ~~بما كتبته وغالب ظني أني ما أنصفه: # وما علي إذا ما قلت معتقدي ... دع الجهول يظن الحق بهتانا # والله والله العظيم ومن ... أقامه حجة للحق برهانا # إن الذي قلت بعض من مناقبه ... ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا # أما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر، وجواهرها لكثرتها لا يعرف لها أول من ~~آخر، وما وضع الواضعون مثلها، وإنما يخص الله بمعرفة قدرها أهلها، ومن ~~خواصها أنه ما واظب واحد على ms153 مطالعتها والنظر فيها، إلا وانشرح صدره، وتيسر ~~أمره، وقوي على حل المشكلات، وفك المعضلات. # وإذا خفيت عن الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء # وقال غيره: # نظرت إليه نظرة فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاته # فأوحى إليه القلب أني أحبه ... فأثر ذاك الوهم في وجناته # وقال: # إن الغريب إذا أقام ببلدة ... لعبت أنامله على الحيطان # فتراه يكتب والغرام يهزه ... والشوق يقلقه إلى الأوطان # وإلى يومنا هذا وأنا محاجر البين، لم أجتمع على نفسي طرفة عين، ولا لاحت ~~لي بارقة من وجودي، أعدها من أيام سعودي، ومع ذلك لم ينقطع الرجاء ~~والاستمداد، وإن قعد بي الاستعداد. # أمر بالكرم خلف حائطه ... تأخذني نشوة من الطرب # المحمل السلطاني # وفي اليوم السابع عشر كان خروج المحمل السلطاني، وهو يوم مشهود تخرج له # المخدرات، وكان أمير الركب أميره وابن أميره، والفرد الذي يعز # PageV01P229 # على الدهر أن يأتي بنظيره، وكم طمح لهذه الإمارة طامح، وسرح لخدمتها ~~سارح، فافتضح بقصوره وتقصيره، وكيف لا وهو الجامع لأشتات الفضائل، والحري ~~بقول القائل: # أتته الإمارة منقادة ... إليه تجرجر أذيالها # ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # وهو مولانا المقر العالي الأمير محمد بن الأمير فروخ باشا، خلد الله ~~تعالى رواق سيادته بدوام دولة أيامه، وأبد سرادق سعادته على مرور الدهور ~~وتوالي أعوامه، ولا زالت كتائب النوائب بعوادي نقمه إلى أعدائه مبعوثة، ~~وغرائب الرغائب بغوادي نعمه إلى أوليائه محثوثة. # آمين آمين لا أرضى بواحدة ... بألف آمين في ألفين آمينا # ولم أزل في تلك الديار العمادية، التي أقول فيها بلسان الحال: # دار العماد فرط شوقي لها ... يجل أن يذكر بين العباد # ما راق طرفي بعدها منزل ... لأنها في الحسن ذات العماد # فلما كان اليوم الثاني والعشرون برزنا من تلك الديار، إلى حيث تسوقنا ~~الأقدار: # فمن لي بقلبي إذ رحلت فإنني ... مخلف قلبي عند من فضله عندي # ولو فارقت روحي إليه حياتها ... لقلت أصابت غير مذمومة العهد # فآها على تلك الديار العمادية وأوقاتها، ms154 وحفظا لتلك الوجوه التي لشمس ~~المكارم ضوء على جبهاتها، وفي السلامة من أكدار الغربة، والعود إلى تلك ~~المنازل الطيبة التربة، ما يسلو به الفؤاد، ويروق مدى الآباد. # فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم # فمررنا بالكسوة، وهي على ثلاثة عشر ميلا من دمشق، وفيها يمكث الحاج. # PageV01P230 # ثم # أتينا على خان ذي النون وفيه شكل حصار، ويطبخ فيه شوربا بسلق لجميع ~~الحجاج. ثم أتينا على الصنمين، وهي من قرى حوران، فصعدنا منزلة رأس الماء، ~~وما ألطف ما قال: # سقى الله أرضا طوقها مثل طرزها ... وساترها برد من الوشي أخضر # تذكرت أحبابي بمثوى بريدها ... فعيني رأس الما وجسمي المغير # وخواص هذا المنزل البرغش والبرغوث، قال أعرابي: # تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الفضا ليل علي يطول # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل # ولابن ميمون ملغزا فيه: # ومعشر تستحل الناس قتلهم ... كما إستحلوا دم الحجاج في الحرم # إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي # ثم أتينا على المزيريب وهو واد به قلعة، وعندها بحرة ماء ينتهي ماؤها إلى ~~جسر الجوامع فيما يقال، وأصله من عين تنبع من شمال القلعة على نحو نصف ميل، ~~وما ألطف ما قال: # لقد قابلتنا بالعجائب بحرة ... مكملة الأوصاف بالطول والعرض # كأن الذي يرنو إليها بطرفه ... يرى نفسه فوق السما وهو في الأرض # والمزيريب مجتمع الحجاج، وفيه الأسواق العامرة بما يحتاج إليه الركب، بل ~~بما يتجر به، وفي هلال ليلة ذي القعدة يوقد ما في الوادي من الدكاكين، ألفا ~~ونحوه، وتعرف بالوقدة، وتوقد الشموع والمشاعل في الركب، وتكون ساعة عجيبة. # ولما كان الصباح رحلنا وأتينا على وادي القديم، ويعرف بالمفرق، لأن ~~الحجاج إذا رجعوا تفرقوا فيه، وهو مسيل كثير الزلق وحوله قرى وضياع. # PageV01P231 # ثم أتينا على الزرقاء وهو واد من أعمال عمان وبه قصر شبيب بن مالك، وفيه # نهر عظيم ينبت القصب الفارسي، وفيه ملاقاة. # ثم أتينا على البلقاء واد قفر، يقال في غربيه ms155 ماء، وفيه اجتمعت بالأمير ~~الذي فيه يقال: # أمير له في حلبة الجود والوغى ... سوابق للإنسان قبل التماحه # وعقل إذا ما جال أغنى برأيه ... عن الجيش يشكو الخوف شاكي سلاحه # ولما قصدته لأمر اقتضى ذلك وجدته فوق ما أملته، وأهديت إليه منظومة الصور ~~الفلكية وكتبت معها: # لما رأيتك في فضل وفي أدب ... علوت قدرا على العلياء والحبك # ناسبت قدرك يا من عز جانبه ... وقلت أهدي له منظومة الفلك # فظفرت من إحسانه وحسناه، بما تحقق به أنه المعني بقول القائل: # طلق يفيض على العفاة سجاله ... وعلى العداة بسطوه سجيلا # وإذا حباك بغرة من ماله ... ثنى وأعقب غرة تحجيلا # ثم أتينا على القطراني بعد معاقبة عقبات ومحاجر، وهو واد فيه قلعة وبركة ~~ماء تفيض على مثلها. ثم أتينا على الحسا من أعمال الكرك، وفيه نهر لطيف ~~وملاقاة. # ثم أتينا على عنيزة وهناك البرد الشديد، وبه خان قديم. ثم أتينا على معان ~~من أعمال الكرك، به ضيعة وقلعة، وآبار ماؤها ليس بالجيد. # ثم أتينا على عقبة الصوان منحدر على نصف ميل، وبها أحجار القدح الجيدة، ~~التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها تنقل للهدية، وإذا نزل عنها الركب أناخ ~~أسفلها ليتكامل، # PageV01P232 # فيخرجون أنواع الحلوى المعدودة لذلك ويفرقونها على بعضهم، فلذلك يقال لها ~~عقبة الحلوى، ورأيت العرب تأخذ القطن العتيق فتبله بالماء القراح، وتمسح به ~~عرق الضأن من تحت إبطيه وفخذيه، فإذا جف كان بمنزلة الضرم، ثم مررنا ~~بعبادان وليست هي التي قيل فيها ليس وراء عبادان قرية لأن تلك في # ساحل البحر المحيط، وهي التي يأخذ منها أهل الفلك أطوال البلدان. # وبالطلبيات، وبطن الغول، واد كثير شجر الغضا والعبيثران الذكي. # ثم أتينا على ذات حج، واد فيه قلعة لطيفة، فيها شجرة توت وريفة، ونقر في ~~حجر ينبع منه الماء، فيخرج من القلعة ويملأ البركة خارجها، وفيه نخيل ومياه ~~غير جيدة، ثم نزلنا بالعرائد، وهي قاع البسيطة، وفيها اجتمعت بالفاضل ~~المتفنن الشيخ محمد الحر، أحسن الله تعالى إليه، أنشدني إجازة لنفسه ~~النفيسة: # قلت لما ألجئت في ms156 هجو دهر ... بذل الجهد في احتفاظ الجهول # كيف لا أشتكي صروف زمان ... ترك الحر في زوايا الخمول # وأنشدني لغيره: # لعمرك ما الغريب بذي التنائي ... ولكن المقل هو الغريب # إذا ما المرء أعوز ضاق ذرعا ... بحاجته وأبعده القريب # وللشيخ نجم الدين الشامي: # علة شيبي قبل إبانه ... هجر حبيبي في المقال الصحيح # ويدعي العلة في هجره ... شيبي ففي القولين دور صحيح # مسألة الدور جرت ... بيني وبين من أحب # ولولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب # قلت وأنت خبير بأن هذا المعنى فيه ما فيه، إذا الدور توقف وجود كل # PageV01P233 # من الشيئين على وجود الآخر، وإذا كان الجفاء بسبب وجود الشيب، فالشيب ~~متقدم على الجفا، وإذا كان كذلك فكيف يجعل الشيب بسبب وجود الجفاء؟ فتأمله ~~فإنه خفي ظاهر، اللهم إلا أن يقال إن الدور على مجرد الدعوى، وفي هذا ~~المقام لا يتعين تقدم شيء على شيء، وما ألطف ما قال: # ما ازددت في حب من شغفت به ... إلا غراما عليه أو ولها # وعشقتي في هواه دائرة ... آخرها لا يزال أولها # التنبؤ بخراب العالم # وحكى السيوطي في تاريخه: لما كان سنة 582 إجتمعت الكواكب الستة في برج ~~الميزان، فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح، فشرع ~~الناس في حفر مغارات في التخوم، وسدوا منافذها ونقلوا إليها الماء والزاد، ~~وانتقلوا إليها وأقاموا ينتظرون تلك الليلة التي وعدوا فيها بالريح، وهي ~~الليلة التاسعة من جمادى الآخرة من هذه السنة، فلم يأت فيها شيء من الريح، ~~بل ولا هب نسيم، بحيث أوقدت الشموع بين يدي السلطان صلاح الدين فلم يتحرك ~~لها أصلا، وعملت الشعراء في وصف هذه الحادثة: # كلام المنجم في لفظه ... يحل لدينا محل الحدث # يخبر عن حادثات السما ... ويجهل في بيته ما حدث # وقال آخر: # أحساب النجوم أحلتمونا ... على علم أدق من الهباء # علوم الأرض لم تصلوا إليها ... فكيف بكم إلى علم السماء # ويعجبني قول أبي الغنائم محمد بن المعلم الواسطي: # قل لأبي الفضل قول معترف ... مضى جمادى وجاءنا رجب # ولا جرت ms157 زعزعا كما حكموا ... ولا بدا كوكب له ذنب # كلا ولا أظلمت ذكاء ولا ... بدت إذا في قرانها الشهب # يقضي عليها من ليس يعلم ما ... يقضي عليه هذا هو العجب # PageV01P234 # تبوك # ثم لم نزل في أسر المسير حتى أتينا على تبوك، وهي على النصف من طريق ~~الشام، وفيها عين ونخل وحائط، وهي آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفيها قلعة فيها بئر وشجرة توت، وحولها منازل للعرب ومزارع وأشجار على عيون ~~وعريش. # ثم أتينا على المعز وهو قفر لا أنيس به، وأنشدني فيه السيد الأجل زين ~~العابدين لعمه العلامة السيد زين الدين: # لا تحسبونا وإن شط المزار بنا ... وعاند الدهر في تفريقنا وقضى # نحول عن منهج الود القديم بكم ... أو نبتغي بالتنائي عنكم عوضا # وأنشدني للفاضل محمد أفندي الحنائي: # يا بني الزهراء لا لقيتم ... أبد الآباد سوءا من أحد # سركم لاح بمعنى آدم ... فلذا كل إليه قد سجد # وقال آخر: # يا آل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله # يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له # وقال: # من العشاق باح الدمع لما ... نوى ركب العراق إلى الحجاز # لزورة صاحب الزوراء من قد ... بنى سبل الحقيقة لا المجاز # ثم مررنا بالمضيق، وهو مسلك حصر كثير الأوعار والمحاجر، حتى أتينا على ~~الأخيضر وهو واد مثلث الجوانب في جنوبيه قلعة سليمانية، بتاريخ ثمان ~~وثلاثين وتسعمائة، وفيها عين تملأ منها ثلاث برك، تلاصق القلعة المبنية ~~لحفظ البئر من دفنها أيام عصيان بني لام وبني عقبة. # ثم أتينا على المعظم وهو واد فيه قلعة عثمانية عمرت سنة إحدى وثلاثين ~~وألف، # غير أنه لم يكن بها ماء، وقد أشرفت على الدمار، وفيه يقول بعضهم: # يا ذا المعظم إن فيك لقسوة ... فلأي معنى قد سميت معظما # إن المعظم من يغيث وفوده ... وأراك أفنيت الأنام من الظما # وعند القلعة بركة عظيمة متسعة جدا، يأتيها الماء من الأمطار، ولها خمس # PageV01P235 # وعشرون درجة، ولما وردناها وجدنا منها خمسة عشر درجة في الماء ms158 الفرات. # ثم أتينا على الأقيرع ثم بشطب العجوز، وهو شعب فيه ماء غزير من المطر، ~~ولا يكاد يخلو عنه فيما يقال. # ثم أتينا على المبرك وهو بين صخرتين عظيمتين كالمأزمين يمر من بينهما ~~الركب، ويكون له ضجيج بالاستغفار، وزعموا أن صالحا عليه السلام عقرت ناقته ~~هناك. # ثم أتينا على مداين صالح وهي بيوت منحوتة في الصخور، وعندها آبار. # ثم أتينا على العلى فاجتمعنا بأبناء البلاد من جيران سيد العباد، وسند ~~العباد، فقرت بهم النواظر واستقرت: # لله يومي بالعلى إذ شاهدت ... عيناي آثار النبي الهادي # ورأيت فيه جيرة من يثرب ... سقيت منازلهم بصوب عهاد # وقال غيره: # يا واردا من حمى المختار يخبرني ... عن جيرة شنف الأسماع بالخبر # ناشدتك الله إن أوليت مكرمة ... حدث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري # فأقمنا في العلى مع إخوان الصفا وخلان الوفاء، ثلاثة أيام بلياليها، تحكي ~~عقودا تزينت بلآليها: # لله ما لاقيت فيها من الهنا ... ولله حادي العامرية إذ يحدو # وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... شجونا فزدني من حديثك يا سعد # والعلى قرية لطيفة على ست مراحل من المدينة المنورة، وهي منقطع أحكام ~~الشام، وكانت معافاة أيام الجراكسة، فغزاهم عرب أيام العثامنة، فرفعوا ~~أمرهم إلى نائب الشام عيسى باشا، فأمر أن يبنى حصن ويجعل فيه حرس ويحيي # PageV01P236 # القرية، ويضرب على كل نخلة عثماني للحرس، فانتهت الجباية إلى الترقي وبطل ~~الحرس، فشكوا فلم تفدهم الشكوى وتضاعفت المظلمة، وكان الأمر كما قيل: # رب من ترجو به دفع الأذى ... سوف يأتيك الأذى من قبله # وهي كما يقال روضة غناء، وغيضة حسناء، بها النخيل الباسقه، والأشجار ~~المتناسقه، وفيها عينان تجريان: # مياه بوجه الأرض تجري كأنها ... صفائح تبر قد سبكن جداولا # كأن بها من شدة الجري جنة ... وقد ألبستهن الرياح سلاسلا # وقال: # كأنما النهر إذ مر النسيم به ... والغيم يهمي وضوء البرق حين بدا # رشق السهام ولمع البيض يوم وغى ... خاف الغدير سطاها فاكتسى زردا # وقال: # روض كمخضر العذار وجدول ... نقشت عليه يد النسيم مباردا # لطيفة # حكي أن ملك الروم كتب ms159 إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيام خلافته: بلغني ~~أن ببلادك شجرة تخرج ثمرا كآذان الحمر، ثم تنشق عن أحسن من اللؤلؤ المنضد، ~~ثم تخضر فتكون كالزمرد الأخضر، ثم تحمر وتصفر فتكون كشذور الذهب وقطع ~~الياقوت، ثم تنبع كأطيب الفالوذج ثم تيبس فتكون قوتا، فإن كان كذلك فلا شك ~~أنها من شجر الجنة. فكتب إليه: صدقت رسلك، وإنها الشجرة التي ولد تحتها ~~المسيح عليه السلام!. وقال خالد بن صفوان يصفها: هي الراسخات # في الوحل، المطعمات في المحل، الملقحات بالفحل، المونعات # PageV01P237 # كشهد النحل، تخرج أسفاطا غلاظا وأوساطا، ثم تنشق عن قضبان لجين وعسجد، ~~كالدر المنضد، ثم تصير ذهبا أحمر بعد أن كانت في لون الزبرجد # كأن النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسنا قباب زبرجد # وقد علقت في فروعها زينة لها ... قناديل ياقوت بأمراس عسجد # يروى أن النخلة أول شجرة استقرت على وجه الأرض، وأنها خلقت من فضلة طينة ~~آدم عليه السلام، وفي الخبر: أكرموا عماتكم النخل. وقال البهلول: # وعماتك النخل كن مثلها ... لرامي الحجارة ترمى الرطب # ثم أخذنا في قطع المراحل، وسلوك فجاج المسالك والمنازل، حتى مررنا بآبار ~~الفقير، وهي أربعون بئرا فيما يقال، ثم أتينا على مطران وهو واد قفر ممحل، ~~وفيه يقول القائل: # مط ران مثل الشعب قفر ممحل ... ما فيه من عطف على ولهان # ومن العجائب أنه لم يولنا ... مطرا ويسمى قفره مطران # ثم أتينا على بئر الزمرد وهي على الجادة بين جبال متضايقة، فارتوى منها ~~الظمآن، واطمأن بها الولهان، ورحلنا عن ذلك الواد، وقد طاب الفؤاد: # ومر بي النسيم فرق حتى ... كأني قد شكوت إليه ما بي # ولم نزل نجوب الأغوار، ونقطع الفيافي والقفار، حتى أتينا على شعب النعام ~~وهو قفر خال من الأنعام، اتفق أنا اشترينا فيه من العرب قربة ماء بنصف ~~دينار، ثم رحلنا وعنزة تختطف من الركب ما كتب لها: # وإذا رأيت مصائبا في معشر ... فحظوظ ضعفائهم أجل وأوفر # PageV01P238 # وقال: # فسرنا ووهج الجو أوقد حره ... وليس إلى شم النسيم سبيل # كان نسيم الجو ms160 قد مات وانطوى ... فعهدي به في الشام وهو عليل # ثم أتينا على هدية وهي شعب مسيل، فيه نخل وماء من بقايا السيل، وهو من ~~أخبث المياه وأضرها، وسمومها يورث الحميات، وبالجملة فإنها بقعة وخيمة ~~ورقعة ذميمة، سهام وبائها صائب وحمى خيبرها متناوب، وداخلها لا يأمن من ~~الدنيا الفراق، ولو كان له ألف راق، وكيف لا وهواؤها سهام بالليل، سموم ~~بالنهار، وماؤها يسيل بالصحة والأعمار، وهي على مرحلة من خيبر، وخيبر اسم ~~ولاية مشتملة على حصون وعيون ومزارع ونخيل، على ثلاثة أيام من المدينة، على ~~يمين الخارج إلى الشام. # ثم رحلنا فلم نزل نطوي بالسير الفيافي القفار، فمررنا بالعقبة السوداء، ~~ومنها ترى الفحلتان، ثم أتينا على الفحلتين وهما قنتان على شاهق جبل من ~~غربي الجادة، ثم أتينا على وادي القرى، قيل كان بها ألف قرية ولم يبق منها ~~غير الأطلال، ومنها كثير عزة، ولا ماء به، وحره شديد، ولذلك قيل: # وادي القرى شاهدته ... ما فيه للضيف قرى # وفي المصيف حره ... تحسب فيه سقرا # المدينة المنورة # ثم امتطينا متن الغبراء، وازور مسيرنا لنحو الزوراء، فلم نزل كذلك، نجوب ~~هاتيك المسالك: # ولأهل الزوراء في القلب ود ... فسلام على حمى ساكنيها # هي دار السلام طابت مقاما ... ومقيلا والقول ما قيل فيها # وقد زاد الشوق وحث السوق: # وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام # PageV01P239 # ثم أتينا على العراقيب فانتشقنا من تلقاء طيبة أطيب العرف، وسلكنا بحرف ~~واديها # فكانت طيبة الاسم والفعل والحرف: # فشممت من أرض الحج ... از نسيم أنفاس التلاق # وضحكت من فرح السرو ... ر كما بكيت من الفراق # ولما أسفر الصباح، وفاح عرف هاتيك البطاح، هبت لنا نسيمات العقيق والنقا، ~~مؤذنة بالتداني واللقا: # على ساكني بطن العقيق سلام ... وإن أسهروني بالفراق وناموا # حظرتم علي النوم وهو محلل ... وحللتم التعذيب وهو حرام # إذا بنتم عن حاجر وحجرتم ... على السمع أن يدنو إليه كلام # فلا ميلت ريح الصبا فرع بانة ... ولا سجعت فوق الغصون حمام # ولا قهقهت فيه الرعود ولا بكت ... على حافتيه ms161 بالعشاء غمام # فما لي وما للربع قد بان أهله ... وقد قوضت من ساكنيه خيام # ألا ليت شعري هل إلى الرمل عودة ... وهل لي بتلك البانتين لمام # وهل نهلة من بئر عروة عذبة ... أداوي بها قلبا كواه أوام # ألا يا حمامات الأراك إليكم ... فما لي في تغريدكن مرام # فوجدي وشوقي مسعد ومؤانس ... ونوحي ودمعي مطرب ومدام # ولما أشرقت الأرض بنور ربها، وتأرجت تلك البقاع بطيب تربها، تبدت # PageV01P240 # من البركتين عرائس تلك النخيل، وقال لسان حال دونك صفاء العيش والظل ~~الظليل: # ولي ثم بين البركتين معاهد ... على حفظها قلبي الحفيظ أمين # فيا طيب عيش مر لي في ربوعها ... ودادك باق لست فيه أمين # وقال غيره: # صاح هذي أعلام طيبة لاحت ... وفؤادي على اللقاء حريص # وتبدت نخيلها للمطايا ... فعيون المطي للنخيل خوص # فترحلت، ولو أمكن لمشيت على الأحداق، وتمليت بهاتيك الأنوار وبذلك ~~الإشراق، وحمدت الله تعالى على ما أولى وأنال، وأخذت أنشد قول من قال: # أيها المغرم المشوق هنيئا ... ما أنالوك من لذيذ التلاقي # قل لعينيك تهملان سرورا ... طالما أسعداك يوم الفراق # أبدل الحزن بالسرور ابتهاجا ... وجميع الأشجان والأشواق # وأمر العين أن تفيض سجالا ... وتوالي بدمعها المهراق # هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماقي # فتمليت من تلك الحضرة الشريفة، والروضة المطهرة المنيفة، بذلك المقام ~~النبوي والمرام العلوي: # ولعيني لما بدا نور طه ... وحمى فيه منبر ومقام # قلت يا حادي الركائب قل لي ... هذه يقظة وإلا منام # ولما ألقيت العصا والجراب، وعزمت على ترك الذهاب والإياب، رأيت ركابا تعد ~~للسرى، ورحالا تشد إلى أم القرى، فعصفت بي رياح الغرام، واهتاج لي الشوق ~~إلى البيت الحرام، فزممت ناقتي، ونبذت علاقتي: # وقلت للائمي أقصر فإني ... سأختار المقام على المقام # PageV01P241 # وأنفق ما جمعت بأرض جمع ... وأسلو بالحطيم عن الحطام # غيره: # يا سميري روح بمكة روحي ... شاديا إن رغبت في إسعادي # فذراها سربي وطيبي ثراها ... وسبيل المسيل وردي وزادي # كان فيها أنسي ومعراج قدسي ... ومقام المقام والفتح بادي # فبرزت من المدينة الشريفة، ونزلت على ذي الحليفة، ms162 وهي على ستة أميال ~~منها، فأحرمت منها بحجة لروح سيد المرسلين وخاتم النبيين، رجاء أن أكون من # المقبولين. # ثم أتينا على خيف بني عمرو وهو شعب بين جبال شاهقة، فيه النخيل الباسقة، ~~والأشجار المتناسقة، وماؤه من جدولين، أحدهما في الخيف الأعلى والآخر في ~~الخيف الأسفل، والقرية على سفح الجبل لأن السيل يغشى الوادي. # ثم مررنا بالحمراء والصفراء والحسينية، وهي خيوف حسنة وقرى مستحسنة، ~~وأخذنا على طريق زقاقه، وهي شرقي الطريق البدرية. # ثم أتينا على حسنا وهو واد قد يوجد به الماء من الأمطار، ثم أتينا على ~~مستورة واد كثير الرمل، وماؤه من حفائر يحلو مع المطر، ويهمج مع المحل، ~~وعليه قرية لطيفة. ثم أتينا على رابغ واد من الجحفة واسمه القديم رابوغ، ~~وهو ميقات أهل الشام، وماؤه من الحفائر وعليه مزارع، وهي على الساحل بحيث ~~يؤتى إليها بالسمك الطري في الغالب، وهي كثيرة الغبار وفي ذلك يقول ~~الفيومي: # PageV01P242 # لم أنس بالجحفة يوما غدا ... عقلي من أهواله زائغ # يوما لحوم الخلق فيه اشتوت ... من حره والقلب من رابغ # ثم أتينا على دفين، وهي كثبان قبيل السيل من جنة كلية، وفيه يقول: # ويوم سرنا على دفين ... أوقد حر النهار ناره # وصارت الشمس في التهاب ... وقودها الناس والحجاره # ثم أتينا على قديد، وهو واد فيه آبار ومزارع وقرية لطيفة، يقول لسان حال ~~سكانها: # بلاد ألفناها على كل حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن # وتستطيب الأرض التي لا هواؤها ... ولا ماؤها عذب ولكنه وطن # ثم مررنا بعقبة الرمل وتسمى عقبة السكر لأن أرباب النعم يقسمونه عليها. ~~ثم أتينا على خليص وهي عين غزيرة الماء، عليها نخل كثير وبركة متسعة جدا، ~~وإذا # احتاجت العين إلى العمارة جاء المصرف إليها من حاصل جدة، كذا في زهر ~~الرياض. وقد غفا رسم هذه العين لتغافل الدولة عنها، وعسى أن يعود الماء إلى ~~مجاريه: # لله در الليالي في تقلبها ... وكل أمر بدا من حكمة الهادي # بينا يرى الماء يجري في جداوله ... حتى يغور كأن لم يجر بالوادي # ومن ms163 لطائف الخطيب محمد بن حجر: # جمالنا مهفهف ... في أذنه أرخى خريص # طلبت منه قبلة ... فقال لي أنت لصيص # تريدها مستورة ... قلت له على خليص # ثم أتينا على عسفان وهي قرية جامعة على نحو يومين من مكة، بها آبار وبرك ~~وعين تعرف بالعولاء، ينقل ماؤها إلى مكة للتبرك به. ثم أتينا على البرقاء ~~وهي واد كثير الأعشاب، وماؤه من الأمطار ما بين تلك الشعاب. # PageV01P243 # ثم أتينا على الوادي وما أدراك ما الوادي!؟ واد فسيح الجناب مخضر الأرجاء ~~والرحاب، به النخيل التي لا تحصى، والجداول التي من محاسن رياضها لا ~~تستقصى، وفيه الكادي الذي هو أطيب الطيب، وأنواع البطيخ العجيب، وقد تزينت ~~أرجاؤه بقباب أبناء الزهراء، فلا فقدتهم تلك المنازل، ولا برح كل روض بهم ~~عاطر وآهل. ثم رحلنا منه والأشواق تقودنا إلى البيت الحرام، وتسوقنا إلى ~~البلد الذي لا يزال يقصد ويرام: # بلد به البيت المحرم قبلة ... للعالمين له المساجد تعدل # حرم حرام أرضه وصيوده ... والصيد في كل البلاد محلل # وبه المشاعر والمناسك كلها ... وإلى فضيلته البرية ترحل # وبه المقام وحوض زمزم مشرع ... والحجر والركن المشيد الأفضل # والمسجد العالي المحصب والصفا ... والمشعران لمن يطوف ويرمل # وبمكة الحسنا يضاعف أجرنا ... وبها المسيء من الخطايا يغسل # أم القرى # وجد بنا السير إلى أم القرى فدخلنا من باب السلام، إلى ذلك المقام، ~~وأقمنا بذلك البلد الحرام، ثم توجهنا إلى عرفة، وهي على اثني عشر ميلا من ~~مكة، فقضينا الحج وعلى الله القبول، كانت حجة الجمعة المشهور فضلها على ~~غيرها. ثم توجهنا إلى منى فرمينا الجمار، وبلغنا بها الأوطار، ومنى على ~~فرسخ من مكة بين جبلين مطلين عليها، أحدهما ثبير وهو موضع الكبش: # وآي منى خمس فمنها اتساعها ... لحجاج بيت الله لو جاوزوا الحدا # ومنع حداة خطف لحم بأرضها ... وقلة وجدان البعوض بها عدا # وكون ذباب لا يعاقر طعمها ... ورفع حصى المقبول دون الذي ردا # PageV01P244 # وقال: # ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح ms164 # فأقمنا في بيوت أذن الله أن يرفع شأنها، ويسبح فيها بالغدو والآصال ~~سكانها، وشهدنا من أهلها تلك الصباحة، وعلمنا مقر الملاحة والفصاحة، وما ~~ألطف ما قال القاضي عز الدين الكناني: # تطالبني نفسي مقاما بمكة ... فأذكر ضعف أهلها فأقصر # حياء من التقصير في حق بعضهم ... وإرضاء كل منهم متعذر # ويغلبني شوقي إليها فإنني ... أقدم رجلي تارة وأؤخر # وما أحسن ما قال: # يا أهل دار المعلى والبقيع سقت ... ربوعكم سحب منهله الديم # لو أن روحي في كفي لزرتكم ... سعيا على الرأس لا سعيا على القدم # ثم أخذنا بأطراف الملتزم، وتضلعنا من ماء زمزم، وأخذنا بحظ من ذلك ~~المقام، ورجونا الله تعالى تحقيق المرام: # أكرم بزمزم إذ غدا متفجرا ... بمعين ماء للمفاسد يصلح # حاوي الملاحة والعذوبة والشفا ... فلذاك يحلو للقلوب ويملح # ولما كان اليوم الثاني والعشرون من ذي الحجة الحرام، عدنا على تلك ~~المنازل التي تقدم ذكرها، ورجعنا كما ترجع إلى منازل الأفق زهرها، وعند ~~افتتاح عام ختم قدمنا المدينة وقد حصل المراد وتم: # PageV01P245 # فيا عيني بيتا في اعتناق ... ويا نومي قدمت على الكرامه # ويا قلبي هنيئا بالتداني ... وبشرى قد قدمت على السلامه # وها أنا قد ألقيت عصا الترحال بفنائها الفسيح، وعزمت على أن لا أفارقها ~~إلا مع الأجل المريح. # وقد طفت البلاد ومن عليها ... كرام في الطبائع أو لئام # فلم أر مثل جيراني وأهلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # وقال: # علي عهود عن ديارك لا أخطو ... وإن ضاق فيها العيش أو طاول القحط # على أنني فيها على خير حالة ... عزيز جناب لا يزاولني البسط # وقال: # إذا لم تقم في طيبة عند طيب ... به طيبة طابت فأين تطيب # وإن لم يجب في حبها ربنا الدعا ... ففي أي حي للدعاء يجيب # وقال غيره: # سقى الله يثرب من بلدة ... وطاف بها مستفيض السحاب # بلاد تسامت بمن حلها ... وعزت ففيها الدعا يستجاب # وقال غيره: # رعى الله طيبة من بلدة ... وساق السحاب لأعتابها # فقد جمعت كل فضل جزيل ... ولا يدخل الفصل من بابها # ومن محاسن الحانوتي: # يا أهل ms165 طيبة لا زالت شمائلكم ... كالروض باكره سار من الديم # أنفاسكم والنفوس الغر ما برحت ... كالزهر والزهر في لطف وفي كرم # ما أمكم زائر إلا وآب بما ... يربو على فكره من كل مغتنم # فأنتم الطيبون الطاهرون ومن ... لا ريب في مجدهم من سالف القدم # لا عيب فيكم سوى أن النزيل بكم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم # PageV01P246 # جميلكم جل أن يحصى وفضلكم ... في الناس أشهر من نار على علم # كفاكم بجوار المصطفى شرفا ... وجار ذي الجاه أنى كان لم يضم # لولاكم خيرة الله الكريم لما ... كنتم له جيرة من سائر الأمم # والله جل اسمه بالقرب خولكم ... وزادكم بسطة في العلم والهمم # لا زلتم وأمان الله يكلؤكم ... مما أحاذر في حرز من اللمم # وكيف أخشى الرزايا أن تلم بكم ... وأنتم من حمى المختار في حرم # عليه صلى إله العرش ما سجعت ... ورق الحمائم بين الضال والسلم # وآله الطهر أرباب الكمال ومن ... والاهم وجميع الصحب كلهم # وقال القزويني في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد: الحجاز ومنه مدينة ~~يثرب، وهي حرة سبخة مقدار نصف مكة، من خصائصها أن من دخلها يشم رائحة ~~الطيب، وللعطر فيها فضل رائحة لم توجد في غيرها: # وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار # قال: وأهلها أحسن الناس أصواتا، قيل لبعضهم: لم كنتم أحسن الناس أصواتا!؟ ~~قال: مثلنا كالعيدان خلت أجوافنا فصفت أصواتنا. في الخريدة هي مستوى من ~~الأرض، وعليها سور قديم، وحولها نخل كثير، وثمرها في غاية الحلاوة، وأما ~~حدائقها، فكما قال بعضهم: كنت إذا دخلتها كأني أبشر قلبي بنضح السرور ~~والفرح، ولم أجد لذلك سببا إلا انفساح جوها، وحسن هوائها وطيب نسيمها، وصحة ~~إقليمها. ويكفي في فضلها خبر: من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإني أشفع ~~لمن يموت بها # PageV01P247 # والجار محسوب على جيرانه ... جار كريم مسامح من ذنبه # وقال غيره: # يا أهل طيبة قد سكنتم أضلعي ... فودادكم نام وشوقي محكم # لاغرو أن أرعى هواكم منشدا ... من أجل عين ألف عين تكرم # الخاتمة # هذا آخر هذه الرحلة المكتوبة، ولله ms166 الحمد على فراق تلك الأوقات المتعوبة، ~~فليكن محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع، فقد علم الله تعالى أنها صدرت ~~عن قلب مكسور وفؤاد مصدوع، وقد أنشأتها بالاغترار، وأمليتها بلسان ~~الاضطرار، فكانت من سقط المتاع، المستوجبة لأن لا تباع، لا سيما إن رميت ~~بالكساد، وإفساد الحساد، وقيل هذا هذاء، هذاء إذا كان من منح هذا الدهر ~~الملوم إساءة وإيذاء، فالمرجو من ذوي الإنصاف، والمعصوم عن وصمة الاعتساف، ~~المعذرة فيما طغى به القلم، وزلت فيه القدم، على أن المعترض مصاب وإن أصاب. # وليس اعتقاد المرء ما خط كفه ... كما أن حاكي الكفر ليس بكافر # على أن الحاكم بالتخطئة لا يخلو من حسد أو عناد، ولا ينجو من هوى يعدل به ~~عن سبيل الرشاد، وعسى أن يظفر بمخرج صالح لو دقق النظر، أو يقف على # منهج واضح إن لاحظ المقصد المعتبر، ولكن من جبلت جبلته بماء التعسف، ~~وخمرت طينته بالعناد والتكلف، لا يزال يرفع عن قبول الحق شامخ أنفه، وإن ~~أوتي الحق الصريح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # خذ من زمانك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر # فالعمر أقصر مدة ... من أن يدنس بالغير # وحيث تشرفت بألقاب قطب دائرة الوجود، ومركز العلم والحلم والجود، فلا غرو ~~أن تكون من أحسن الرسائل وأنفع الوسائل، لا سيما وقد احتوت على كثير من ~~مفيد الأخبار، وانطوت على مواعظ ترتضيها الأحبار، إلى غير ذلك مما يفيد ~~سلامة الطبع لمن كان له قلب أو ألقى السمع. # يا رحلة جمعتها ... ألفاظها تستعذب # لا تستقلوا حجمها ... فيها الكثير الطيب # PageV01P248 # فلتكن تذكرة في الحياة، وأثرا بعد الممات، تصلح لمسامرة الجليس، وتكون ~~للوحيد نعم الأنيس: # رسالة طالب في الكون أضحى ... يرى مطلوبه في كل مصر # حوت أوراقها أبيات شعر ... ولكن كل بيت مثل قصر # وقال غيره: # وكم من رسالات رقمت نقوشها ... فلم أنتفع يوما بتلك الرسائل # أراني في حرمان ما كنت أرتجي ... وآخر عمري لاحقا بالأوائل # وأنا أستغفر الله تعالى من التجوز في المقال، وألجأ إليه من ms167 الوقوع في ~~ربقة القيل والقال، فلا أتعلل بالمموهات من الوساوس الشيطانية، والمسولات ~~من الهواجس النفسانية، ولا أكون ممن افتتن وقبح، وأسأله أن يختصني بالقبول ~~المرضي، والعطاء الفيضي، هذا وإن أخطأت تحقيقا، فمن البر ما يكون عقوقا: # كتبت وقد أيقنت أن جوارحي ... ستبلى ويبلى كل ما أنا ناقله # فإن كان خيرا سوف أحمد غبه ... وإن كان شرا أوبقتني غوائله # فأستغفر الله العظيم من الذي ... كتبت ومما قلت إني لقائله # والحمد لله أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا، ونشكره في الأولى والآخرة، ونسأله ~~عواطف رحمته الفاخرة، إنه الجواد الذي لا يخيب من أمله، ولا يخذل من قطع ~~رجاه من سواه وأم له. # يا سفرة شقت بكل مشقة ... وخلا محياها عن الإسفار # كتبت لنا خطا خلا من أحرف ... لكن ظفرت بنزهة الأسفار PageV01P249 ms168