######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010778 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: يوسف البديعي #META# 010.AuthorNAME :: يوسف البديعي الدمشقي (المتوفى : 1073هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1073 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصبح المنبي عن حيثية المتنبي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الصبح المنبي عن حيثية المتنبي #META# 030.LibURI :: JK_010778 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # نص الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P001 سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر ~~الأدب الفض، وفضل عض عباده باقتناء المآثر على بعض، نحمده على تراكم الآية ~~ونشكره على ترادف نعمآية، ونصلي على افضل مخلوقاته المرسل رحمة للعبادة ~~وافصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله ~~وأصحابه ينابيع الحكم. ومصابيح الظلم وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني ~~يوسف المشهور بالبديعي لما تشرفت الشهباء بانسار عين الكمال. وعين إنسان ~~الافضال، علم العلم، وطور الحلم. الذي ما طلع نجم في سماء العذالة اسعد من ~~سهيل طلعته ولا سطع كوكب في فلك الايالة ارفع من سماك رفعته الحاوي من ~~الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها. فلا مكرمة إلا وهو ~~لها حايزة ولا محمدة إلا وهو بها فايزة ويصدق فيه المدح حتى كإنما، يسبح من ~~صدق المقالة شاعرة، الماجد الذي فضايله لا تحصي، وفواضله لا تستقصي، ومن ذا ~~يقدر على سكر مسيل البحر، وسد طريق القطر، فهو البحر الذي يغترف العلماء من ~~تياره، والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره الحسام الماضي أجل موالي الدهر ~~عبد الرحمن نجل الحسام، حرس الله بوجوده الأدب فأنه حليته وزينة وصان ~~بعقابه العلم فانه جنته وصونه ، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على ~~توحده في الدهر، واتفق آهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت سدته ~~المنفذ كهف الفضلاء وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء. أجبت أن الشرق ~~لخدمته بتأليف كتاب يشتمل على غرر الآداب ونتائج الالباب، لم ينسج فكر علي ~~منواله. ولم تسمح قريحة يمثاله، ليكون وسيلة إلى أن أعد من جملة خدامه. ~~واترف بتقبيل مواطئ أقدامه، فينقذني من شوك الفقر، ويستخلصني من مخالب ~~الدهر فصدتني الأيام عن وجهتي، وعارضتني بعوائقها عن طلب بغيتي وكان مدامه ~~ظل، ورفع إلي أوج مرمه كل. يلهج بقلائد ابن الحسين وتمييزه علي الطايين، ~~ولعمري أن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع بعد التأمل الصادق إليه فهممت ~~العزم قبل تفويق ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف علي جمع مختصر يحتوي على ms001 ~~ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره ويشتمل على نبذ من قلايد أشعاره خادما به ~~جناب ذلك المولي،رزقه الله سعادتي الآخرة والأولي وأن كنت في إهدائه إلى ~~عالي حضرته، وسامي سدته كمتبضع التمر إلى بعجزه ومهدي الفصاحة إلى أهل ~~الوبرة ونامل المسك راقت صفاء ورقت كل حاشية منها وصدقت معانيها على الفكرة ~~، كأنها من عصى موسى قد اكتسبت فلم تدع، للسوي صنعا ولم تدر، تضمنت نظم ~~أخبار قد انتشرت، لابن الحسين بليغ البدو والحفر. ودونت باسم مولانا الذي ~~برعت، يرح العدالة في أيامه الغور. نجل الحسام الذي ماضي عزيمته، في ~~المشكلات يرى أمضى من القدر مولى كريم السجايا من خلايقه، تخلقت نسمات ~~الروض في السحر. لو كان للزهر من لآلاء سويد، جزء لما احتجبت يوما عن ~~النظر. طالت مدائحه من كل ذي أدب، وهل تطول يد للأنجم الزهر، وإن يقصر ~~مديحي عن علاه فكم، قد أثنى مادح بالعي أو الحصر، أضمرت ذكر اسمه في طي ~~مدحته، إذ كان أشهر في الدنيا من القمر، يا من فضائله من كل ذي بصر، في ~~الشرق والغرب بلاء السمع والبصرة ، أبقيت ذكر إنما أسديت في حلب، كالذكر ~~نتلوه في الآصال والبكر. ثم ورد ما قاله حمادي الرواية، وتعالبي الدراية، ~~صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي، وهو بتأليف مولا: البديعي يوسف، تجدد ما ~~لابن الحسين من الفضل،تحلى به جيد الزمان وأصبحت. له نفرة كالروض غودي ~~بالطل. وقد زيد حسنا انه صيغ باسم من، له قلم ما زال أمضى من النصل، يذكرنا ~~ياقوت أدنى حروفه، وكل مثال منه جل عن المثل، سما ربه كثر الهداية والحجر، ~~سماء العلى والمجد والفضل والبدل، حليف التقى نجل الحسام الذي ذهبت، به حلب ~~الشهباء والأب كالنجل، وزحزح عنها ظلمة الظلم وانتفى، على عاتق العدوان وان ~~سيفا من العدل، وابدأ بها بدر الفضائل بازغا، ومن قبله قد كان في صدف ~~الجهل، ومن قبله والله لم نر قاضيا، له سطوة الضرغام في ورع الشبلي، هذا ما ~~اخترناه من التقريضات ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعا فأنه ms002 لم يبق فاضل ~~ولا شاعر من أبناء الشهباء ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضا ~~ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى مساعدا لنا في مدحه لقصورنا عني شكر ~~ما أسداه لنا وما يسديه فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قايله، والسنة ~~الأقلام على أمد الليالي PageV01P002 بالإفصاح عن محامد قائله، ولا برحت ~~قلوب أعاديه من هيبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة، وهذا ~~دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به لسان، وقد تم ووقع الفراغ من يسخر، من ~~نسخة، أصله، على يد العبد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن ~~الحاج عثمان، الحلبي غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم ~~السابع عشر من شهر رجب الفرد من شهور، سنة أربعة وخمسون وألف أحسن الله ~~ختامها والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين. # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر الأدب الغض، وفضل بعض عبادة باقتناء ~~المآثر على بعض: نحمده على تراكم آلائه، ونشكره على ترادف نعمائه، ونصلي ~~على أفضل مخلوقاته، المرسل رحمة للعباد، وأفصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر ~~بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم. # وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني، يوسف المشهور بالبديعي، لما تشرفت ~~الشهباء بإنسان عين الكمال، وعين إنسان الإفضال، علم العلم، وطود الحلم، ~~الذي ما طلع نجم في سماء العدالة أسعد من سهيل طلعته، ولا سطع كوكب في لك ~~الإيالة، أرفع من سماك رفعته، الحاوي من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن ~~الأوصاف أفضلها وأشرفها، فلا مكرمة إلا وهو لها حائز، ولا محمدة إلا وهو ~~بها فائز. # ويصدق فيه المدح حتى كأنما ... يسبح من صدق المقالة شاعرة # الماجد الذي فضائله لا تحصى، وفواضله لا تستقصى؛ ومن ذا يقدر على سكر ~~مسيل البحر، وسد طريق القطر؟ فهو البحر الذي يغترف العلماء من تياره، ~~والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره. الحسام الماضي، أجل موالي الدهر، عبد ~~الرحمن نجل ms003 الحسام، حرس الله بوجوده الأدب؛ فإنه حليته وزينة، وصان ببقائه ~~العلم؛ فإنه جنته وصونة، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على توحده في ~~الدهر، واتفق أهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت سدته المنيفة كهف ~~الفضلاء، وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء. # أحببت أن أتشرف لخدمته بتأليف كتاب، يشتمل على غرر الآداب، ونتائج ~~الألباب، لم ينسج فكر على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، ليكون وسيلة إلى ~~أن أعد من جملة خدامه، وأتشرف بتقبيل مواطئ أقدامه ، فينقذني من شرك الفقر، ~~ويستخلصني من مخالب الدهر، فصدتني الأيام عن وجهتي وعارضتني بعوائقها عن ~~طلب بغيتي، وكان - مد الله ظله، ورفع إلى أوج مرامه محله - يلهج بقلائد ابن ~~الحسين وتمييزه على الطائيين ولعمري إن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع ~~بعد التأمل الصادق إليه. # فصممت العزم قبل تفويف ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف، على جمع مختصر ~~يحتوي على ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره، ويشتمل على نبذ من قلائد أشعاره. ~~خادما به جناب ذلك المولى، رزقه الله سعادتي للآخرة والأولى؛ وإن كنت في ~~إهدائه إلى عالي حضرته، وسامي سدته. كمستبضع التمر إلى هجر، ومهدي الفصاحة ~~إلى أهل الوبر، وناقل المسك، إلى التركوالعود إلى الهنود، والعنبر إلى ~~البحر الأخضر، وكمن ساق إلى البحر نهرا وأهدى إلى الشمس نورا، بل كمن أهدى ~~كوز ماء أجاج، إلى بحر فرات عجاج؛ فإنه الهمام الذي جمع صفات الكمال، فلا ~~يباري، وأحرز قصب السبق في مضمار البلاغة فلا يجاري وسميته: بالصبح المنبي، ~~عن حيثية المتنبي. # أخبار المتنبي # هو أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الملقب بأبي الطيب وكان ~~والده الحسين يعرف بعيدان السقا. # وكان مولد المتنبي بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة وكان شاعرا عظيما مشهورا ~~مذكورا محظوظا من الملوك والكبراء. قدم الشام في صباه وجال في أقطارها. ~~PageV01P003 وكان يكتم نسبه. فسئل عن ذلك، فقال: إني أنزل دائما على قبائل ~~العرب، وأحب ألا يعرفوني، خيفة أن يكون لهم في قومي ترة. # قال أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي. # كان أبو الطيب وهو ms004 صبي ينزل في جواري بالكوفة، وكان محبا للعلم والأدب، ~~فصحب الأعراب في البادية، وجاءنا بعد سنين بدويا قحا وكان تعلم الكتابة ~~والقراءة فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الوراقين فكان علمه من ~~دفاترهم. # وأخبرني وراق قال: ما رأيت أحفظ من ابن عيدان قط، فقلت له: كيف ذلك؟ ~~فقال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتابا نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ابن ~~عيدان ينظر فيه طويلا. فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه، وقد قطعتني عن ~~ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون - إن شاء الله - بعد شهر. قال: فقال له ~~ابن عيدان: فإن كنت حفظته في هذه المدة فما لي عليك؟ قال. أهب لك الكتاب. ~~قال: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه، حتى انتهى إلى آخره. # ومثله في قوة الحافظة، ما حكاه الأمير أسامة بن منقذ عن أبي العلاء ~~المعري، قال كان بإنطاكية خزانة كتب، وكان الخازن بها رجلا علويا، فجلست ~~يوما عنده، فقال لي: قد خبأت لك خبيئة غريبة ظريفة، لم يسمع بمثلها في ~~تاريخه، ولا في كتاب منسوخ. قلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد ~~إلى ، وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب؛ وذاك أتى أقرأ عليه الكراسة ~~والكراستين مرة واحدة، فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو على ما قد سمعه، ~~كأنه كان محفوظا له. قلت: فلعله قد يكون. قال شبحان الله! كل كتاب في ~~الدنيا يكون محفوظا له! ولئن كان ذلك كذلك فهو أعظم. ثم حضر المشار إليه، ~~وهو صبي دميم الخلقة، مجدر الوجه، على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر ~~بإحدى عينيه قليلا ، وهو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طويل من الرجال، أحسبه يقرب ~~من نسبه، فقال له الخازن: يا ولدي، هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك ~~عنده، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعا له وطاعة، فيختار ما ~~يريد. # قال ابن منقذ: فأخترت شيئا. وقرأته على الصبي وهو يموج ويستزيد، فإذا مر ~~بشيء يحتاج إلى تقريره ms005 في خاطره، يقول: أعد هذا، فأرده عليه مرة أخرى، حتى ~~انتهيت إلى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي. قال: أجل، ~~حرسك الله! قلت: كذا، وتلا على ما أمليته عليه، وأنا أعارضه بالكتاب حرفا ~~حرفا، حتى انتهى إلى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت ~~أنه ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله؛ وسألت عنه، فقيل لي: ~~هذا أبو العلاء المعري التنوخي من بيت العلم والقضاء والثروة والغناء. # وأعجب من هذه. ما حكى بعض طلبته عنه، قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي، ~~فاتفق أنه غاب عن المعرة، فحضر رجل أعجمي يطلبه، قد قدم من بلده، فوجده ~~غائبا، فلم يمكنه المقام، فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه. فجعل ~~ذلك الرجل يتكلم بالفارسية، وأبو العلاء يصغي إليه، إلى أن فرغ من كلامه، ~~ولم يكن أبو العلاء يعرف الفارسية، ومضى الرجل، وقدم جاره الغائب، وحضر عند ~~أبي العلاء، فذكر له حال الرجل، وجعل يذكر له بالفارسية ما قال، والرجل ~~يبكي ويستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من حديثه، وسئل عن حاله، فأخبر أنه أخبر ~~بموت أبيه واخوته وجماعة من أهله. # ومثل هذه ما ذكره تلميذة أبو زكريا التبريزي: أنه كان قاعدا في مجلسه ~~بمعرة النعمان بين يدي أبي العلاء، يقرأ شيئا من تصانيفه. قال: وكنت قد ~~أقمت عنده سنين ولم أر أحدا من أهل بلدي، فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة، ~~فرأيته وعرفته، وتغيرت من الفرح. فقال لي أبو العلاء: أي شيء أصابك؟ فحكيت ~~له أني رأيت جارا لي، بعد أن لم ألق أحدا من أهل بلدي سنين. فقال: قم ~~فكلمه. فقلت حتى أتمم السبق. فقال: قم وأنا انتظرك. فقمت وكلمته بلسان ~~الأذربية شيئا كثيرا، إلى أن سألت عن كل ما بدا لي، أي لسان: هذا؟ قلت: هذا ~~لسان أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ~~ثم أعاد على اللفظ بعينه، من غير أن ينقص ms006 منه أو يزيد عليه. وهذا من أعجب ~~العجائب، لأنه حفظ ما لم يفهمه. PageV01P004 وحكى عنه بعض أصحابه أيضا أن ~~جارا سمانا كان بينه وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاء ذلك الرجل، ~~وحاسبة برقاع يستدعي فيها ما يأخذه منه عند حاجته إليه. وكان أبو في غرفة ~~يسمع محاسبتها. قال: فسمع أبو العلاء السمان المذكور بعد مدة يتأوه ~~ويتململ، فسأله عن حاله، فقال: كنت حاسبت فلانا برقاع كانت له عندي، وقد ~~عدمتها، ولا يحضرني حسابه، فقال: ما عليك من بأس، أنا أملى عليك حسابه، ~~وجعل يملي معاملته رقعة برقعة، والسمان يكتبها، إلى أن فرغ وقام،فما مضت ~~إلا أيام يسيرة، ووجد السمان الرقاع، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء، ~~فطابق إملاؤه الرقاع. # والعلم الفرد في قوة الحافظة عبد الله بن عباس، رضى الله عنهما. # قال أبو العباس المبرد في كامله: ويروي أن ابن الأزرق أتى أبن عباس يوما، ~~فجعل يسأله حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله أبن ~~أبي ربيعة على أبن عباس وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له أبن عباس: ألا ~~تنشدنا شيئا من شعرك؟ فقال: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر # بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # تهم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر # ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر # وأخرى أتت من دون نعم ومثلها ... نهى ذو النهى لو يرعوي أو يفكر # إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة ... لها كلما لاقيته يتنهر # عزيز عليه أن أمر ببابها ... يسر لي الشحناء والبغض يظهر # ألكني إليها بالسلام فإنه ... يشهر إلمامي بها وينكر # بآية ما قالت غداة أجبتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهر # قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه؟ ... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟ # أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن ... وعيشك أنساه إلى يوم أقبر # فقالت: نعم لا شك غير لونه ... سرى الليل يحيني ms007 نصه والتهجر # لئن كان إياه لقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغير # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر # حتى أتمها، وهي ثمانون بيتا، فقال له أبن الأزرق: الله أنت يا بن عباس! ~~أنضرب إليك أكباد الإبل نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك ~~سفها فتسمعه؟ فقال: تالله ما سمعت سفها فقال ابن الأزرق: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيخزي وأما بالعشي فيخسر # فقال ما هكذا قال، وإنما قال: " فيضحى وأما بالعشي فيحضر " . # قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه ولو شئت أن ~~أردها لرددتها. قال: فارددها فأنشده إياها كلها. # ومثلها ما حكاه أبو عبادة البحتري عن أبي تمام، قال البحتري: أول ما رأيت ~~أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد مدحته بهذه القصيدة: # أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أم خان عهدا أم أطاع شفيقا # إن السلو كما زعمت لراحة ... لو راح قلبي للسلو مطيقا # هذا العقيق وفيه مرأى مونق ... للعين لو كان العقيق عقيقا # أشقيقه العلمين هل من نظرة ... فتبل قلبا للغليل شقيقا؟ # وسمتك أردية السماء بديمة ... تحيي رجاء أو ترد عشيقا # ولئن تناول من بشاشتك البلى ... طرفا وأوحش أنسك الموموقا # فلرب يوم قد غنينا نجتلي ... مغناك بالرشا الأنيق أنيقا # عل البخيلة أن تجود بها النوى ... والدار تجمع شائقا ومشوقا # كذب العواذل أنت أفتك لحظة ... وأغض أطرافا وأعذب ريقا # ماذا عليك لو اقتربت لموعد ... ينئى الجوى وسقيتنا ترنيقا # غدت الجزيرة في جناب محمد ... ريا الجناب مغاربا وشروقا # برقت مخايله لها وتخرقت ... فيها عزالي جوده تخريقا # صفحت له عنها السنون وواجهت ... أطرافها وجه الزمان طليقا PageV01P005 ~~رفع الأمير أبو سعيد ذكرها ... وأقام فيها للمكارم سوقا # يستمطرون بدا يفيض نوالها ... فيغرق المحروم والمرزوقا # يقظ إذا اعترض الخطوب برأيه ... ترك الجليل من الخطوب دقيقا # هلا سألت محمدا بمحمد ... تجد الخبير الصادق المصدوقا # وسل الشراة فإنهم أشقى به ... من أهل موقان الأوائل موقا # كنا نكفر من أمية عصبة ms008 ... طلبوا الخلافة فجره وفسوقا # ونقول تيم قربت وعديها ... أمرا بعيدا حيث كان سحيقا # وللوم طلحة والزبير كليهما ... ونعنف الصديق والفاروقا # وهم قريش الأبطحين إذا انتموا ... طابوا أصولا فيهم وعروقا # حتى انبرت جشم بن بكر تبتغي ... إرث النبي وتدعيه حقوقا # جاءوا براعيهم ليتخذوا به ... عمدا إلى قطع الطريق طريقا # طرحوا عباءته وألقوا فوقه ... ثوب الخلافة مشربا راوقا # عقدوا عمامته برأس قناته ... ورأوه برا فاستحال عقوقا # وأقام ينفذ في الجزيرة حكمه ... ويظن وعد الكاذبين صدوقا # حتى إذا ما الحية الذكر انكفا ... من أرزن حنقا يمج حريقا # غضبان يلقى الشمس منه بهامة ... تغشي البروق تألقا وبريقا # أوفى عليه فظل من دهش يظ ... ن البر بحرا والفضاء مضيقا # غدرت أمانيه به وتمزقت ... عنه غيابة سكره تمزيقا # طلعت جيادك من ربا الجودي قد ... حملن من دفع المنون وسوقا # يطلبن ثار الله عند عصابة ... خلعوا الإمام وخالفوا التوفيقا # يرمون خالقهم بأقبح فعلهم ... ويحرقون قرانه المنسوقا # فدعا فريقا من سيوفك حتفهم ... وشددت في عقد الحديد فريقا # ومضى ابن عمر وقد أساء بعمره ... ظنا ينزق مهرة تنزيقا # ركبت جوانحه قوادم روعه ... فحذفته خذف المرير الفوقا # فأجتاز دجلة خائضا وكأنها ... قعب على باب الكحيل أريقا # لو خاضها عمليق اوعوج إذن ... ما جوزت عوجا ولا عمليقا # لو لا اضطرب الخوف في أحشائه ... رسب العباب به فمات غريقا # خاض الحتوف إلى الحتوف معانقا ... زجلا كفهر المنجنيق عتيقا # يجتاب حزة سهلها ووعورها ... والطير هان مراده ودقوقا # لو نفته الخيل لفته ناظر ... ملأ البلاد زلازلا وفتوقا # لشنى صدور السمر تكشف كربة ... ولوى رؤوس الخيل تفرج ضيقا # ولبكرت بكر وراحت تغلب ... في نصر دعوته إليه طروقا # حتى يعود الذئب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا # ههيهات مارس قلقلا متقظا ... قلقا إذا سكن البليد رشيقا # مستسلفا جعل الغبوق صبوحة ... ومرى صبوح غد فصار غبوقا # لله ركضك إذ يبارك المدى ... ومبين سبقك إذ أتى مسبوقا # جاذبته فضل الحياة فأفلتت ... من كفه قمنا بذاك حقيقا # فرددت مهجته وقد كرع الردى ... ليحف منها منهلا مطروقا # لبس الحديد أساورا ms009 وخلاخلا ... فكفيته التسوير والتطويقا # بالتل تل ربيع بين مواضع ... ما زال دين الله فيها يوقي # ساتيدما وسيوفنا في هضبة ... يفري إياس بها الطلى والسوقا # حتى تناول تاج قيصر مشربا ... بدم وفرق جمعه تفريقا # والجازران وهتم إبراهيم في ... ثنيهما تلك الثنايا الروقا # قتل الدعى ابن الدعى بضربة ... خلس وخرق جيشه تخريقا # والزاب إذ خانت أمية فاغتدت ... تزجى لنا جعديها الزنديقا # كشفوا بنل كشاف أروقة الدجى ... عن عارض ملأ السماء بروقا # نلناهم قبل الشروق بأذرع ... يهزون في كبد الظلام شروقا PageV01P006 حتى ~~تركنا الهام يندب منهم ... هاما ببطن الزابيين فليقا # يا تغلب ابنة تغلب حتى متى ... تردون كفرا موبقا ومروقا # تتجاوبون لدعوة مخذولة ... دعوى الحمير إذا أردن نهيقا # ولقد نظرنا في الكتاب فلم نجد ... لمقالكم في آية تحقيقا # أو ما علمتم أن سيف محمد ... أمسى عذابا بالطغاة محيقا # لا تنتضوه بأن تروموا خطة ... عسراء تعبي الطالبين لحوقا # لا تحسبن إن صفرت بهم ... رعيانكم بهما أطاع ونوقا # خلوا الخلافة إن دون لقائها ... قدرا بأخذ الظالمين خليقا # قد ردها زيد بن حصن بعدما ... مدوا عليه رداءها المشقوقا # بالنهروان فعاهدوه وأكدوا ... عقدا له بين القلوب وثيقا # ورجال طي مصلتون أمامه ... ورقا هناك من الحديد رقيقا # لم يرضها لما اجتلاها صعبة ... لم ترضه خدنا لها ورفيقا # لو واصلت أحدا سوى أصحابها ... منهم لكان أخا لها وصديقا # فسر بها أبو سعيد، وقال: أحسنت والله يا فتى. # وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر في مجلسه، يكاد ~~يمس ركبته، فأقبل على وقال: يا فتى أما تستحي؟ هذا شعري تنتحله وتنشده ~~بحضرتي؟ فقال أبو سعيد: أحقا ما تقول؟ قال: نعم، وإنما علقة مني فسبقتني به ~~إليك، ثم اندفع فأنشد القصيدة حتى شككني - علم الله - في نفسي، وبقيت ~~متحيرا فأقبل على أبو سعيد وقال: يا فتى لقد كان في قرابتك منا، وودك لنا ~~ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي، ما سبقني ~~إليه أحد، ولا سمعته ولا انتحلته، فلم ينفع ms010 ذلك شيئا، وأطرق أبو سعيد، وقطع ~~الكلام حتى تمنيت أني سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجر رجلي فخرجت، فما ~~هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان إلى فردوني، فأقبل على الرجل، ~~وقال: الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعت به إلا منك، ولكن ظننت ~~أنك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، ~~تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت ألا تلد ~~طائية إلا مثلك. وجعل أبو سعيد يضحك، فدعاني أبو تمام فضمني إليه وعانقني، ~~وأقبل يقرضني ولزمته بعد ذلك، وأخذت عنه، واقتديت به. # ونادرة الدنيا في سرعة الحفظ الأستاذ أبو الفضل أحمد بن الحسين بديع ~~الزمان الهمذاني، فإنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط فيحفظها كلها ~~ويؤديها من أو لها إلى آخرها لا يخرم حرفا، وينظر في الأربعة والخمسة ~~الأوراق من كتاب لا يعرفه ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سردا ويطلعك ~~على حقيقته ذلك ما جرى بينه وبين الأستاذ أبي بكر الخوارزمي من المناظرة ~~يوم اجتماعها في دار السيد أبي القاسم المستوفي، بمشهد من القضاة والفقهاء ~~والأشراف وغيرهم من سائر الناس. # قال البديع: وأول القصة أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، ~~وإلا جوار السادة جوارا، وقديما كنا نسمع بهذا الفاضل، ونقدر أنا إذا وردنا ~~بلدة يخرج لنا في العشرة عن القشرة؛ فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة ~~الغربة نظمتنا، وقد قال الشاعر: # أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب # فاخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف،وقد كان اتفق ~~علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق من بزة بزوها، وفضة ~~فضوها وذهب ذهبوا به؛ ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة؛ وزي أوحش من ~~طلعة المعلم، فما حللنا إلا قصبة جواره. ولا وطئنا إلا عتبة داره بعد ما ~~كتبنا له: إنا لقرب الأستاذ أطال الله بقاه " كما طرب النشوان مالت به ~~الخمر " . # ومن الارتياح للقائه " كما انتفض العصفور ms011 بلله القطر " ومن الامتزاج ~~بولائه " كما التقت الصهباء والبارد العذب " ومن الابتهاج بمزاره " كما ~~اهتز تحت البارح الغصن الرطب " فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين ~~قصبتي العراق وخراسان، بل عتبتي الجبلونيسابور؟ وكيف اهتزازه لضيف: # رث الشمائل منهج الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب # وهو أيده، الله ولى إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقري لأفضى إليه بما ~~عندي. PageV01P007 قال البديع: فلما أخذتنا عينه سقانا الدردي من أول دنة. ~~وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنه. من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، ~~وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، فقاربناه إذ جانب، وواصلناه إذ ~~جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشوتنه، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي ~~استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستميل فؤاده، بقولنا: ~~الأستاذ أزرى بضيفه إذ وجده يضرب آباط القلة في أطمار الذلة. فأعمل في ~~تربيته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايقة؛ من إيماء بنصف ~~الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ الكلام، ~~وتكلف لرد السلام، وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا ~~وتأبطته شرا. ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه ~~الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزز صف النعال. # فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب لقلت إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية ~~رواح، وناسا يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف: # وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل # ولو طرحت بأبي بكر إليهم طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريبا، ومحط ~~الرحل رحيبا، ووجه لمضيف خصيبا، ورأى الأستاذ أبي بكر في الوقوف على هذا ~~العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله. # فأجاب: وصلت رقعة سيدي ومولاي، ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، ~~وعرفت ما تضمنته من حسن خطابه ومؤلم عتابه وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا ~~يخلو منه من مسه عسر. ونبابه دهر. أما ما شكاه سيدي من مضايقتي إياه في ~~القيام، فقد وفيته حقه على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه. فأما القوم الذين ms012 ~~صدر عنهم فكما وصف. ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد. # فإن أك قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم # والله يعلم نيتي للناس كافة، ولسيدي خاصة، فإن أعانني على ما في نفسي. ~~بلغت إليه ما في النية، وجاوزت مسافة القدرة، وإن قطع على طريق عشرتي ~~بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناتي عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار: # فما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدر كان صفوا معينها # وبعد فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا،فأما أن يسلفنا ~~العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله. # قال البديع: فلما ورد الجواب عمدنا لذكره فسحوناه عن صحيفتنا، ومحونا، ~~وصرنا إلى اسمه فأخذناه، ونبذناه، وتركنا خطته، وتجنبنا خلطته، ومضى على ~~ذلك الأسبوع، ودبت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، ~~وصرنا لا نعير السماع ذكره، ولا نودع الصدر حديثه، وجعل يستزيد ويستعيد ~~بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه وتردها إلي، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه ~~وتعيدها على. فكاتبناه: أنا أرد من الأستاذ شرعة وده وإن لم تصف، وألبس ~~خلعة بره وإن لم تضف. وقصاراي أن أكيله صاعا عن مد، وإن كنت في الأدب دعى ~~النسب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيئ المنقلب. # سيدي ناقشني في الحساب القبول أولا، وصار فني في الإقبال ثانيا؛ فأما ~~حديث الاستقبال وأمر الإنزال فنطاق الطمع ضيق عنه، غير متسع لتوقعه منه، ~~وبعد فكلفة الفضل بينة، وفروض الود متعينة، وأرض العشرة لينة، فلم اختار ~~قعود التعالي مركبا، وصعود التغالي مذهبا، وشوقي قد كد الفؤاد برحا إلى ~~برح، ونكأة قرحا على قرح، ولكنها مرة مرة. ونفس حرة، وليس إلا غصص الشوق ~~نتجزعها وحلل الصبر نتدرعها، وأنا لو أعرت جناح طائر لما طرت إلا إليه، ولا ~~وقعت إلا عليه. PageV01P008 قال البديع: وبقينا نقنع بالذكر وصلا حتى جعلت ~~عواصفه تهب، وعقاربه تدب، وأفضت الحال إلى أن قال: لو أن بهذا البلد رجلا ~~تأخذه أريحية الكرم يجمع بيني وبينه؟، واتفق أن السيد أبا علي نشط للجمع ~~بيننا، فدعاني فأجبت، ثم عرض على ms013 حضوره فطلبت، فلما جاءنا تركناه على ~~غلوائه حتى إذا نفض ما في رأسه وفرغ جعبة وسواسه، عطفنا عليه، وقلنا: ~~فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك ولتسكن سورتك. ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب. ~~ولا تحم لغير سبب، وقديما كنت أسمع بحديثك؛ فيعجبني الالتقاء بك، والاجتماع ~~معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فهلم إلى الأدب ننفق يومنا عليه، وإلى الجدل ~~نتجاذب طرفيه، ولنبدأ بالفن الذي ملكت به زمانك، وأخذت منه مكانك، وطار به ~~اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه . . . # فقال: وما هو؟ قلت الحفظ إن شئت، والنظم إن أردت، والنثر إن اخترت، ~~والبديهة إن نشطت، فأحجم عن الحفظ رأسا، ولم يجل في النثر قدحا، وقال ~~أبادهك، واقترح علينا أن نقول على وزن قافية أبي الطيب: أرق على أرق ومثلي ~~يأرق وابتدر أبو بكر إلى الإجازة، ولم يزل إلى الغايات سباقا فقال: # وإذا ابتدهت بديهة يا سيدي ... فأراك عند بديهتي تتغلق # وإذا قرضت الشعر في ميدانه ... لا شك أنك يا أخي تشقق # إني إذا قلت البديهة قلتها ... عجلا وطبعك عند طبعي يرفق # مالي أراك ولست مثلي عندها ... متموها بالترهات تمخرق # إني أجيز على البديهة مثل ما ... تريانه وإذا نطقت أصدق # لو كنت من صخر أصم لهاله ... مني البديهة واغتدى يتلفق # أو كنت ليثا في البديهة خادرا ... لرئيت يا مسكين مني تفرق # وبديهة قد قلتها متنفسا ... فقل الذي قد قلت يا ذا الأخرق # ثم وقف يعتذر، ويقول: هذا كما يجيء لا كما يجب، فقلت قبل الله عذرك فخذ ~~الآن جزاء عن قرضك، وأداء لفرضك. وقلت: # مهلا أبا بكر فزندك أضيق ... فأخرس فإن أخاك حي يرزق # دعني أعرك إذا سكت سلامة ... فالقول ينجد في ذويك ويعرق # ولفاتك فتكات بيض سيوفكم ... فدع الستور وراءها لا تخرق # وأنظر لأشنع ما أقول وأدعى ... أله إلى أعراضكم متسلق # يا أحمقا، وكفاك ذلك خزية ... جربت نار معرتي هل تحرق؟ # فلما أصابه حر الكلام، ومسه لفح هذا النظام، قال: يا أحمقا لا يجوز، فإنه ~~لا ينصرف، وقطع علينا؛ فقلنا: يا ms014 هذا لا تقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة ~~عيب، فليس بظرف ظرف، وأما أحمق فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف ~~معه، وعرفناه أن للشاعر أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف، كما أن له ~~رأيه في القصر والحذف. # وقلنا: أخبرنا عن بيتك الأول، أمدحت أم قدحت؟ وذكيت أم جرحت؟ ففيه شيئان ~~متفاوتان، ومعنيان متباينان، بدأت فخاطبت بيا سيدي، وعطفت فقلت تتغلق. وهما ~~لا يركضان في حلبة، ولا يخطان في خطة؛ ثم قلت له: خذ وزنا من الشعر حتى ~~أسكت عليك، فتستوفي من القول حظك، وأسكت علينا حتى نستوفي حظنا، ثم إني ~~أحفظ عليك أنفاسك، وأوافقك عليها، واحفظ على أنفاسي ووافقني عليها؛ فإن ~~عجزت حفظتها لك. وأخذنا بيت المتنبي: أهلا بدار سباك أغيدها. PageV01P009 ~~فقلت: يا نعمة لا تزال تجحدها، ومنة لا تزال تكندها فقال: ما معنى تكندها؟ ~~فقلت: كند النعمة كفرها، فرفع رأسه وقال: معاذ الله أن يكون كند بمعنى جحد، ~~فتلونا: )إن الإنسان لربه لكنود(. وقلت له: أليس الشرط أملك، والعهد بيني ~~وبينك أن تكست ونسكت، كي تتم ونتم، فنبذ الأدب وراء ظهره، وصار إلى السخف ~~يكلينا بصاعه ومده، فقلت: يا هذا إن الأدب غير سوء الأدب. ولو كان في باب ~~الاستخفاف شيء أعظم من الاحتقار، وإنكار أبلغ من ترك الإنكار، لبلغته منك. ~~فأخذ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه وقلت: أستغفر الله من مقالتك، ~~وسكت حتى عرف الناس أني أملك من نفسي ما لا يملكه، وأسلك من طريق الحلم ما ~~لا يسلكه، ثم عطفت عليه فقلت: يا أبا بكر إن الحاضرين قد أعجبوا من حلمي ~~بأضعاف ما أعجبوا من علمي. وتعجبوا من عقلي أكثر مما تعجبوا من فضلي وبقى ~~الآن أن يعلموا أن هذا السكوت ليس عن عي وأن تكلفي للسفه أشد استمرارا من ~~طبعك، وغربي في السخف أمتن عودا من نبعك، فقال: أنا قد كسبت بهذا العقل دية ~~أهل همذان مع قلته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزراته؟ فقلت: هذا الذي به ms015 ~~تتمدح من أنك شحذت فأخذت، فهذا عندنا صفة ذم، وقد صدقت. أنت بهذه الحلبة ~~أسبق، وفي هذه الحرفة أعرق، وأنا قريب العهد بهذه الصنعة، حديث الورد لهذه ~~الشرعة، وما أضيع وقتا قطعته بذكرك، ولسانا دنسته باسمك، وملت إلى القوال. ~~فقلت: أسمعنا خيرا، فغنى أبياتا منها: # وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا اللطم في الخد الرقيق # فقال أبو بكر: أحسن ما في الأمر أني أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها. ~~فقلت: إن أنشدتكها ساءك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها، فقال: أنشد، فقلت: ~~روايتي تخالف هذه الرواية، وأنشدت: # وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوشم في الخد الصفيق # فأتته السكتة، وأضجرته النكتة، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، ~~ودفع القوال فبدأ بأبيات، ولحسن بأصوات، وجعل النعاس يثني الرءوس، ويمنع ~~الجلوس، فقمنا إلى ما وطئ من مضجع، ومهد من مهجع، ولم يكن النوم ملأ ~~العيون، ولا شغل الجفون، حتى أقبل وفد الصباح، وحيعل المؤذن بالفلاح، وندب ~~إلى النهوض بالمفروض، فلما قضينا الفرض، فارقنا الأرض، وظني أن هذا الفاضل ~~يأكل يده ندما، ويبكي على ما جرى دمعا ودما، وأنه إذا نام هاله منا طيف، ~~وإذا انتبه راعه منا سيف، وسعوا بيننا بالصلح، وعرفنا له فضل السن، فقصدناه ~~معتذرين إليه، فأومأ إيماءة مهيضة، واهتز اهتزازة مغيضة، وأشار إشارة ~~مريضة، بكف سحبها على الهواء سحبا، وبسطها في الجو بسطا، وعلمنا أن للمقهور ~~أن يستخف ويستهين، وللقاهر أن يحتمل ويلين، فقلنا: إن بعد الكدر صفوا، كما ~~أن عقب المطر صحوا، وعرض علينا الإقامة سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصوم، ~~فلم يقبل العذر وألح، فقلت: أنا وذاك، فطعمنا عنده، وخرجنا والنية على ~~الجميل موفورة، وبقعة الود معمورة، وصرنا لا نتعلل إلا بمدحه، ولا نتنقل ~~إلا بذكره، ولا نعتد إلا بوده، لا. بل ملأنا البلد شكرا، والأسماع نشرا، ~~وبينا نحن من الحال في أعذبها شرعة، ومن المقة في أطيبها جرعة، ومن المودة ~~في أعزها بقعة، وأوسعها رقعة، حتى طرأ علينا رسولان محتملان مقالته، ~~ومؤديان رسالته، ذاكران أن أبا بكر يقول قد تواترت الأخبار، وتظاهرت ~~الآثار، ms016 في أنك قهرت، وأني قهرت، ولا شك أن ذلك التواتر عنك صدرت أوائله، ~~والخبر إذا تواتر به النقل، قبله العقل، ولا بد أن نجتمع في مجلس بعض ~~الرؤساء، فتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تفعل ذلك لم آمن عليك ~~تلامذتي، أو تقر بعجزك وقصورك عن بلوغك أمدي. ومنال يدي، فقلت: هذا التواتر ~~ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن ساءك فأحر أن يسوءك عند مجتمع ~~الناس، ومحتفل أولى الفضل، ولأن تترك الأمر مختلفا فيه خير لك من أن يتفق ~~عليه، وإن أحببت أن تطير هذا الواقع، وتهيج هذا الساكن، فرأيك موفق. ~~PageV01P010 ثم مضت على ذلك أيام، ونحن منتظرون لفاضل ينشط لهذا الفصل، ~~وينظر بيننا بالعدل، فاتفقت الآراء على أن يعقد هذا المجلس في دار أبي ~~القاسم الوزير، واستدعيت، فسرحت الطرف من ذلك السيد في عالم أفرغ في عالم، ~~أو ملك في درع ملك، ونطق فودت الأعضاء لو أنها أسماع مصغية، واستمع فودت ~~الجوارح لو أنها ألسنة ناطقة، وكنت أول من حضر، وطلع الإمام أبو الطيب وهو ~~بنفسه أمة، ووحده عالم. ثم حضر السيد أبو الحسين، وهو أبن الرسالة ~~والإمامة، وعامر أرض الوحي، والمحتبي بفناء النبوة، وحضر بعد ذلك أبو عمر ~~البسطامي، وناهيك به من حاكم يفصل، وناظر يعدل، ثم حضر القاضي أبو نصر، ~~والأدب أدنى فضائله، وأيسر فواضله، وحضر الشيخ أبو سعيد محمد بن أرمك، وهو ~~الرجل الذي تحميه لألاؤه، ولوذعيته من أن يذال بمن؟ أو ممن الرجل؟ وحضر أبو ~~القاسم بن حبيب، والفقيه أبو الهيثم، ورائد الفضل يقدمهما، وقائد العقل ~~يخدمهما، وحضر الشيخ أبو نصر المرزبان، والفضل منه بدأ وإليه يعود، وحضر ~~بعده أصحاب الإمام أبي الطيب وأصحاب الأستاذ أبي الحسن الماسرجسي، وأصحاب ~~الأستاذ أبي عمر البسطامي، وهم في الفضل كأسنان المشط، ومنه بأعلى مناط ~~العقد، وحضر الشيخ أبو سعيد الهمذاني، وله في الفضل قدحه المعلى، وفي الأدب ~~حظه الأعلى، ثم حضر أصحاب الأسبلة المسبلة، والأسوكة المرسلة، رجال يلعن ~~بعضهم بعضا، فقلت: من هؤلاء؟ فقالوا: أصحاب الخوارزمي. # فلما ms017 أخذ المجلس زخرفه ممن حضر، وانتظر أبو بكر فتأخر، اقترحوا على قوافي ~~أثبتوها، واقتراحات كانوا بيتوها، فما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار: من ~~لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته. على ريق لم أبلعه، ونفس لم ~~أقطعه. وقال الإمام أبو الطيب لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي، ونعين ~~المعاني، وننص على بحر، فإن قلت على الروي الذي أسومه، وذكرت المعنى الذي ~~أرومه، فأنت حي القلب كما عهدناك، شجاع الطبع كما وجدناك، فلما خرجت من ~~عهدة هذا التكليف، حتى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب، والحوقلةمن آخر. ~~وتعجبوا إذ أرتهم الأيام ما لم ترهم الأحلام، وجادهم العيان بما بخل به ~~السماع، وأنجزهم الفهم ما أخلفهم الوهم، ثم التفت فوجدت الأعناق تلتفت وما ~~شعرت إلا بهذا الفاضل، وقد طلع في شملته، وهب بجملته، ومشى إلى فوق أعناق ~~الناس يريد الصدر، فقلت: يا أبا بكر تزحزح عن الصدر، فقال لست برب الدار، ~~فتأمر على الزوار، فقلت: حضرت لتناظري، والمناظرة اشتقت إما من النظر، وإما ~~من النظير، ومن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحدا، حتى يتبين الفاضل من ~~المفضول، ثم يتطاول السابق، ويتقاصر المسبوق، فقضت الجماعة بما قضيت. # ثم قلت: في أي علم تريد أن نتناظر؟ فأشار إلى النحو، فقلت: إن شئت أن ~~أناظرك فيه فسلم ما كنت تدعيه، من سرعة في البديهة، وجودة في الروية، وقدرة ~~على الحفظ، ونفاذ في الترسل، فقال: لا أسلم ذلك، ولا أناظر في غير هذا، ~~وارتفعت المضاجة، واستمرت الملاجة، حتى قال له الأستاذ أبو عمر: أنت أديب ~~خراسان، وبهذه الأبواب التي قد عدها هذا الشاب كنا نعتقد لك السبق، وتثاقلك ~~عن مجاراته فيها مما يوهم، واضطره إلى منازلة أو نزول عنها. فقال: سلمت ~~الحفظ، فقلت: خفف الله عنك كما خففت عنا في الحفظ، فلو سلمت البديهة مع ~~الترسل، حتى نفرغ للنحو والأمثال واللغة والعروض والأشعار فقال: ما كنت ~~لأسلم الترسل، ولا سلمت الحفظ، فقلت: الراجع في فيئه كالراجع في قيئه؛ لكنا ~~نقيلك عن ذلك السماح. # أنشدنا خمسين بيتا ms018 من قبلك مرتين، حتى أنشدك عشرين بيتا من قبلي عشرين ~~مرة، فعلم أن من دون ذلك خرط القتاد، فسلمه ثانيا، كما سلمه باديا، وصرنا ~~إلى البديهة، فقال أحد الحاضرين هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله: # أبقى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض # فبدأ أبو بكر مقدارا أنا نغفل عن أنفاسه، أو نوليه جانب وسواسه، ولم يعلم ~~أنا نحفظ عليه الكلم، فقال: # يا قاضيا ما مثله من قاض ... أنا بالذي تقضي علينا راض # فلقد لبست ضفية ملمومة ... من نسج ذاك البارق الفضفاض # لا تغضبن إذا نظمت تنفسا ... إن الغضى في مثل ذاك تغاض # فلقد بليت بشاعر متقادر ... ولقد بليت بناب ذيب غاض PageV01P011 ولقد ~~قرضت الشعر فأسمع وأستمع ... لنشيد شعر طائعا وقراض # فلأغلبن بديهة ببديهتي ... ولأرمين سواده ببياض # فقلت ما معنى ضيفة ملمومة؟ وما الذي أردت بالبارق الفضفاض؟ فأنكر أن يكون ~~قاله قافية، فقالوا له: قد قلت. ثم قلت ما معنى قولك ذيب غاض؟ فقال هو الذي ~~يأكل الغضى قلت: استنوق الجمل، وصار الذئب جملا يأكل الغضى. فما معنى أن ~~الغضى في مثل ذاك تغاض، فإن الغضى لا أعرفه بمعنى الإغضاء فقال لم أقل ~~الغضى، وأنكر البيت جملة فقلت: ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك، وتتبرأ ~~منه وهو يلحق بك. فما معنى قراض فلم أسمعه مصدرا من قرضت الشعر. ثم دخل ~~الرئيس أبو جعفر، والقاضي أبو بكر، والشيخ أبو زكريا الحيري، وطبقة من ~~الأفاضل وأخذ الرئيس مكانه من الصدر، وقال: قد ادعيت عليه أبياتا أنكرها ~~فدعوني من البديهة على النفس واكتبوا ما تقولون فقلت: # برز الربيع لنا برونق مائة ... فانظر لروعة أرضه وسمائه # فالترب بين ممسك ومعنبر ... من نوره بل مائة وروائه # والماء بين مصندل ومكفر ... في حسن كدرته ولون صفائه # والطير مثل المحصنات صوادح ... مثل المغنى شاديا بغنائه # والورد ليس بممسك رياه بل ... يهدي لنا نفحاته من مائه # زمن الربيع جلبت أزكى متجر ... وجلوت للرائين خير جلائه # فكأنه هذا الرئيس إذا بدا ... في خلقه وصفاته وعطائه ms019 # ما البحر في تزخاره والغيث في ... إمطاره والجو في أنوائه # بأجل منه رغائبا ومواهبا ... لا زال هذا المجد حلف قبائه # والسادة الباقون سادة عصرهم ... متمدحون بمدحه وثنائه # وقال أبو بكر تسعة أبيات رددتها عليه، وقلت لمن حضر أرأيتم لو أن رجلا ~~حلف بالطلاق لا ينشد شعرا قط وأنشد هذه الأبيات فقط، هل تطلق امرأته؟ فقالت ~~الجماعة لا يقع بهذا طلاق. ثم قلت: أنقد علي كما نقدت، وأحكم عليه كما ~~حكمت. فأنتقد ما انتقد، وكفتني الجماعة جوابه، وقالوا: قد علمنا أي الرجلين ~~أشعر؟ وأي الخصمين أقدر. # ثم ملنا إلى الترسل فقلت: اقترح على غاية ما في طوقك، ونهاية ما في وسعك، ~~حتى أقترح عليك أربع مائة صنف في الترسل، فإن سرت فيها برجلين، ولم أطر ~~بجناحين، فلك يد السبق، ومثال ذلك أن أقول لك: اكتب كتابا يقرأ منه جوابه ~~هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك أكتب كتابا في المعنى الذي أقول، وأنص عليه، ~~وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل، ولا تغافل حتى إذا كتبت ذلك قرئ ~~من آخره إلى أوله، وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسفله، هل كنت تفوق لهذا ~~الغرض سهما، أو تجيل قدحا، أو تصيب نجحا؟ أو قلت لك أكتب كتابا إذا قرئ من ~~أوله إلى آخره كان كتابا؛ وإذا عكست سطوره مخالفة كان جوابا، أو قلت لك! ~~كتب كتابا في المعنى الذي يقترح لا يوجد فيه حرف منفصل، من راء تتقدم ~~الكلمة بديهة، هل كنت تفعل؟ أو قلت لك أكتب كتابا خاليا من الألف واللام هل ~~كنت تقف من ذلك موقفا محمودا؟ أو قلت لك أكتب كتابا يخلو من الحروف ~~العواطل، هل كنت تحظى منه بطائل؟ أو تبل لهاتك بناطل؟ أو قلت لك اكتب كتابا ~~أوائل سطوره كلها ميم وآخرها جيم، على المعنى الذي يقترح هل كنت تغلو في ~~قوسه غلوة؟ أو تخطو في أرضه خطوة؟ أو قلت لك: اكتب كتابا إذا قرئ معرجا ~~وسرد معوجا وسرد معوجا كان شعرا هل كنت تقطع في ذلك ms020 شعرا؟ بلى والله تصيب ~~ولكن من بدنك. وتقطع ولكن من ذقنك. أو أقوال لك: اكتب كتابا إذا فسر على ~~وجه كان مدحا، وإذا فسر على وجه كان مدحا، وإذا فسر على وجه آخر كان قدحا، ~~هل كنت تخرج عن هذه العهدة؟ أو أقوال لك: اكتب كتابا تكون حفظته من قبل أن ~~لحظته، هل كنت تثق من نفسك به إلى ما أطاولك بعد؟ لا. بل )أست البائن ~~أعلم..(. PageV01P012 فقال أبو بكر هذه الأبواب شعبذة. فقلت: وهذا القول ~~طرمذة. فما الذي تحسن أنت من الكتابة وفنونها حتى أباحثك على مكنونها، ~~وأكاثرك بمخزونها، وأشبر قلمك، وأسبر فيها لسانك وفمك؟ فقال الكتابة التي ~~يتعاطاها أهل الزمان المتعارفة بين الناس. فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة ~~سوى هذه الطريقة الساذجة. وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، المتناول ~~بكل لسان وفم، ولا تحسن هذه الشعبذة؟ فقال: نعم. فقلت: هات الآن حتى أطاولك ~~بهذا الحبل. وأناضلك بهذا النبل، ثم تقاس ألفاظي بألفاظك، ويعارض إنشائي ~~بإنشائك. واقترح كتاب يكتب في النقود وفسادها، والتجارات ووقوفها، ~~والبضاعات وانقطاعها. والأسعار وغلائها. فكتب أبو بكر: الدرهم والدينار ثمن ~~الدنيا والآخرة، بهما يتوصل إلى جنات النعيم ويخلد في نار الجحيم، قال الله ~~تبارك وتعالى: )خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم(. وقد ~~بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد الإكبار. وأنكرناه أعظم الإنكار؛ لما ~~نراه من الصلاح للعباد وننويه من الخير للبلاد. وتعرفنا في ذلك ما يربح ~~للناس في الزرع والضرع. ويعود إليه أمر الضر والنفع . . . إلى كلمات لم ~~تعلق بحفظنا فقلت: إن الإكبار والإنكار والعباد والبلاد وجنات النعيم ونار ~~الجحيم والزرع والضرع أسجاع قد ثبتت في المعد، ولم تزل في اليد. وقد كتبت ~~وكتبت. ولا أطالبك بمثل ما أنشأت، وناولته الرقعة فتبقى وبقيت الجماعة، ~~وبهت وبهتت الكافة، وقالوا لي أقراه فجعلت أقرؤه واسرده معكوسا. وكان ما ~~أنشأناه: الله شاء إن المحاضر صدور بها، وتملأ المنابر ظهور لها، وتفرع ~~الدفاتر وجوه بها، وتمشق المحابر بطون لها ترشق آثارا كانت فيه آمالنا ms021 ~~مقتضى على أياديه في تأييده الله أدام الأمير جرى فإذا المسلمين ظهور عن ~~الثقل هذا ويرفع الدين أهل عن الكل هذا يحط أن في إليه نتضرع ونحن واقفة ~~والتجارات زائفة، والنقود صيارفة؛ أجمع الناس صار فقد كريما نظرا لينظر ~~شيمه مصاب وانتجعا كرمه بارقة وشمنا هممه على آمالنا رقاب، وعلقنا أحوالنا ~~وجوه له، وكشفنا آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن ونعماه ~~تأييده وأدام بقاه الله أطال الجليل الأمير رأى إن. # وصلى الله على محمد وآله الأخيار. # فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين، فملنا إلى اللغة، فقلت: خذ ~~غريب المصنف إن شئت وإصلاح المنطق إن أردت، وألفاظ ابن السكيت إن نشطت، ~~ومجمل اللغة إن اخترت، وأدب الكتاب إن أردت، واقترح على أي باب شئت من هذه ~~الكتب حتى أجعله لك نقدا وأسرده سردا، فقال اقرأ من غريب المصنف فقرأت ~~الباب الذي أراده ولم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه. ثم قلت اقترح ~~غيره، فقالوا كفى ذلك فقلت له اقرأ الآن باب المصادر من فصيح الكلام. فوقف ~~حماره، وخمدت ناره. وقال الناس اللغة مسلمة لك أيضا، فهاتوا غيره. فقلت يا ~~أبا بكر هات العروض؛ فهو أحد أبواب الأدب، وسردت منه خمسة أبحر بألقابها ~~وأبياتها وعللها وزحافها فقلت: هات الآن فاسرده كما سردت. وضجر الناس وتقوض ~~المجلس. # هذا ملخص ما جرى بينهما. # قال أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي: قدم أبو الطيب المتنبي ~~اللاذقية في سنة نيف وعشرين وثلاثمائة وهو كما عذر وله وفرة إلى شحمتي ~~إذنيه فأكرمته وعظمته لما رأيته من فصاحته وحسن سمته. فلما تمكن الأنس بيني ~~وبينه، وخلوت معه في المنزل اغتناما لمشاهدته، واقتباسا من أدبه، قلت: ~~والله إنك لشاب خطير تصلح لمنادمة ملك كبير. # فقال: ويحك أتدري ما تقول؟ أنا نبي مرسل! فظننت أنه يهزل، ثم تذكرت أني ~~لم أسمع منه كلمة هزل قط منذ عرفته، فقلت له: ما تقول؟ فقال: أنا نبي مرسل. ~~فقلت له: مرسل إلى من؟ فقال: إلى هذه ms022 الأمة الضالة المضلة. قلت: تفعل ماذا؟ ~~قال: املأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا. قلت: بماذا؟ قال بإدرار الأزراق ~~والثواب العاجل لمن أطاع وأتى، وضرب الرقاب لمن عصا وأبى. فقلت له: إن هذا ~~أمر عظيم أخاف منه عليك وعذلته على ذلك فقال بديهة: # أبا عبد الإله معاذ إني ... خفي عنك في الهيجا مقامي # ذكرت جسيم ما طلبي وأنا ... نخاطر فيه بالمهج الجسام # أمثلي تأخذ النكبات منه ... ويجزع من ملاقاة الحمام # ولو برز الزمان إلى شخصا ... لخضب شعر مفرقة حسامي PageV01P013 وما بلغت ~~مشيتها الليالي ... ولا سارت وفي يدها زمامي # إذا امتلأت عيون الخيل مني ... فويل في التيقظ والمنام # فقلت: ذكرت أنك مرسل إلى هذه الأمة أفيوحي إليك؟ قال: نعم. قلت: فاتل على ~~شيئا مما أوحى إليك، فأتاني بكلام ما مر بسمعي أحسن منه، فقلت: وكم أوحى ~~إليك من هذا؟ فقال: مائة عبرة وأربع عشرة عبرة قلت: وكم العبرة؟ فأتى ~~بمقدار أكبر الآي من كتاب الله تعالى. قلت: في كم مدة أوحى إليك؟ قال: جملة ~~واحدة. قلت أسمع في هذه العبرات أن لك طاعة في السماء، فما هي؟ قال: أحبس ~~المدرار لقطع أرزاق العصاة والفجار، قلت: أتحبس في السماء مطرها؟ قال: إي ~~والذي فطرها! أما هي معجزة؟ قلت: بلى والله! قال فإن حبست المطر عن مكان ~~تنظر إليه ولا تشك فيه، هل تؤمن بي وتصدقني على ما أوتيت من ربي؟ قلت: إي ~~والله قال سأفعل، ولا تسألني عن شيء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة، ولا تظهر ~~شيئا من هذا الأمر حتى يظهر، وانتظر ما وعدته من غير أن تسأله. ثم قال لي ~~بعد أيام أتحب أن تنظر المعجزة التي جرى ذكرها قلت: إي والله، فقال لي: إذا ~~أرسلت إليك هذا العبد فاركب معه، ولا تتأخر، ولا تخرج معك أحدا، قلت: نعم. ~~فلما كان بعد أيام تغيمت السماء في يوم من أيام الشتاء، وإذا عبده قد أقبل، ~~فقال: يقول لك مولاي اركب للموعد. فبادرت إلى الركوب معه، وقلت أين ركب ~~مولاك؟ قال إلى الصحراء، ms023 واشتد وقع المطر، فقال: بادر بنا حتى نستتر من هذا ~~المطر مع مولاي، فإنه ينتظرنا بأعلى تل لا يصيبه فيه المطر. قلت وكيف عمل؟ ~~قال أقبل إلى السماء أول ما بدا السحاب الأسود، وهو يتكلم بما لا أفهم ثم ~~أخذ السوط، فأدار به في موضع ستنظر إليه، وإذا هو على تل بعيد عن البلد نصف ~~فرسخ، فأتيته فإذا هو على التل، ولم يصبه من ذلك المطر شيء، وقد خضت في ~~الماء إلى ركبة الفرس، والمطر في أشد ما يكون، ونظرت إلى نحو مائتي ذراع في ~~مثلها من ذلك التل ما فيه قطرة مطر، فسلمت عليه، فرد على السلام. فقلت: ~~أبسط يديك أشهد أنك رسول الله . . . فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوته ~~ثم قال: # أي محل ارتقى؟ ... أي عظم أتقى؟ # وكل ما قد خلق الل ... ه وما لم يخلق # محتقر في همتي ... كشعرة في مفرق! # وأخذت بيعته لأهلي، ثم صح بعد ذلك أن البيعة عمت كل مدينة في الشام، وذلك ~~بأصغر حيلة تعلمها من بعض العرب وهي صدحة المطر يصرفه بها عن أي مكان أحب ~~بعد أن يحوي بعصا، وينفث في الصدحة التي لهم. # قال أبو عبد الله: وقد رأيت كثيرا منهم بالسكون وحضرموت والسكاسك من ~~اليمن يفعلون هذا، ولا يتعاظمونه، حتى إن أحدهم يصدح عن غنمه وإبله. وعن ~~القرية فلا يصيبها شيء من المطر، وهو ضرب من السحر. وسألت المتنبي بعد ذلك ~~هل دخلت السكون؟ قال: نعم أما سمعت قولي من قصيدتي التي أولها # ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فأسقها السم النقيعا # أمنسي السكون وحضرموتا ... ووالدتي وكندة والسبيعا # فقلت: من ثم استفاد ما جوزه على طغام أهل الشام. # ومن كلامه الذي كان يزعم أنه قرآن أنزل عليه: )والنجم السيار، والفلك ~~الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار امض على سننك، واقف أثر من ~~كان قبلك من المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضل عن ~~السبيل(. ومما كان يمخرق به على أهل البادية أنه كان مشاء قويا ms024 على السير، ~~يسير سيرا لا غاية بعده، وكان عارفا بالفلوات، ومواقع المياه، ومحال العرب ~~بها. وكان يسير من حلة إلى حلة بالبادية، وبينهما مسيرة أربعة أيام، فيأتي ~~ماء، فيغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم يأتي أهل هذه الحلة فيخبرهم عما حدث في ~~تلك الحلة التي فارقها ويوهم أن الأرض تطوى له. # وسئل في تلك الأيام عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبر بنبوتي حيث ~~قال: أنا لا نبي بعدي وأنا اسمي في السماء " لا " . # وعلى ذكر قرآن المتنبي نذكر ما قيل من أن أبا العلاء المعري عارض القرآن ~~بكتاب وعنونه )بالفصول والغايات في مجاراة السور والآيات( فقيل له: ما هذا ~~إلا جيد إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن. فقال: حتى تصقله الألسن في ~~المحاريب أربعمائة سنة. وعند ذلك انظروا كيف يكون. PageV01P014 قال ~~الباخرزي في الدمية : أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري ~~التنوخي ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ~~ومحجوب خصمه الألد محجوج، وقد طال في ظلال الإسلام آناؤه، لكن ربما يترشح ~~بالإلحاد إناؤه؛ وعندنا خبر بصره، والله أعلم ببصيرته، والمطلع على سريرته، ~~وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه ~~بالفصول والغايات، ومجاراة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الخيانة وجذ ~~تلك الهوسات كما تجذ العير الصليانة حتى قال القاضي أبو جعفر: # كلب عوى بمعرة النعمان ... لما خلا عن ربقة الإيمان # أمعرة النعمان ما أنجبت إذ ... أخرجت منك معرة العميان # ومما ظهر من قرآن أبي العلاء:أقسم بخالق الخيل، والريح الهابة بليل بين ~~الشرط ومطالع سهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الذيل، اتق ~~مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنج وما إخالك بناج. # قال ابن سنان: وهذا الكتاب إذا تأمله العاقل علم أنه بعيد عن المعارضة، ~~وهو بمعزل عن التشبيه بنظم القرآن العزيز والمناقضة، وقد وضعه على حروف ~~المعجم، ففي كل حرف فصول وغايات، فالغاية مثل قوله بناج، والفصل ما يتقدم ~~الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد والمواعظ، ms025 ويختمه بالغاية على حروف ~~المعجم مثل تاج وراج وحاج، كالمخمسات والموشحات، وهذه فصول منه، وقد انتقدت ~~عليه. # لبك نبيك الصادق، فأنظر ما يخبرنك ولا تخالفنه، وعليك سجية المؤمن،وشاكه ~~فنه، ما أثق بخبر ينفيه اللب. غير الكلم بغض وحب. اتبع معقولك فإنه يهديك، ~~ولا تكن شر تبيع. كيف أسفك على الغصون الناضرة هزها نسيم لطف فذبلن. لو ~~صدقنا المخبر لوقع الجد، ولكن بان كذبه لمن يعقل، فما أطاق الناس الكلف، ~~وبالله الواحد أتعوذ من شر الألسنة وما أجلن: من زعم أنه قد هدى فذلك هو ~~المرء المتحير. ما لعماك لحاه الله مانت الصمد أخباره: أخبرك زعيم عن ربك ~~فخطت بالكذب أخباره؛ من ربح من سوق الكذب فذلك المعروف خساره: قد غبر قليل ~~العمر، وذهب في الباطل ساره أجعل معقولك دليلك. وأبرد بالنسك غليلك، وأحذر ~~أن تهضم دليلك. رب حديث يستمع والعقل يخبرك ضده. عز مصور الأمم لم يثبت ~~الفكر نده. العقل نبئ، والخاطر خبئ والنظر ربئ، ونور الله لهذه الثلاثة ~~معين. القوة بك إله الجبارين. أخبر عنك فسمعت الخبر، وكيف يظهر سرك إلى ~~المخلوقين، ومنحتني حسا يشهد أن أخبارهم أباطيل، فإذا صدقتها ألغيت ما ~~منتحتنيه وإن كذبتها أفمعاقبي أنت برد ما دفعه المعقول؟ كيف أصدق ما نقله ~~أبن دأب. نستغفرك وأنت الواحد، ما لعظمتك جاحد. أخبر بعض الناس عنك فكذب؛ ~~وأنت أهل العظمة ما أوجه الكذبة وضاء. ما نقدر على ما يرضيك. لأنا لا نعرف ~~غرضك، لكن العقل يخبر أن فعل الخير لوجهك. إن كتب كاتب على فليحفظ عن لساني ~~وشفتي، أني أقر بالله فلا أجحده، وأستغفره وأوحده، وأشهد على أن كان ذنبي ~~بخطأ وتفريط لا أحسم أملي من عفو الله العظيم، وأزدري نفسي من دون الأنفس، ~~وقل ما أنظر إلى البشر بازدراء، ما أنطق وما أقول، في شأن الصمد ضلت ~~العقول، ما يئست من كرمك ولا أبلست، ألست عبدك ألست؟ بلى، ولكني مسيء، فلا ~~إله إلا أنت استغنيت بمعرفتك عن كل السفراء؛ الحمد لك إذ لم تنشر لي حديثا ~~في ms026 البشر كحديث العبري إذ فعل مع الكنة فعل غير سري. تلتمس. من ربك، وليس ~~في الأنوار المشرقة شيء أعظم إنارة من حجاك. # ولما اشتهر أمره وشاع ذكره، وخرج بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي قبض ~~عليه أبن على الهاشمي في قرية يقال لها كوتكين، وأمر النجار بأن يجعل في ~~رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف، فقال المتنبي: # زعم المقيم بكوتكين بأنه ... من آل هاشم بن عبد مناف # فأجبته مذ صرت من أبنائهم ... صارت قيودهم من الصفصاف # ولما صار معتقلا في الحبس كتب إلى الوالي: # بيدي أيها الأمير الأريب ... لا لشيء إلا لأني غريب # أو لأم لها إذا ذكرتني ... دم قلب بدمع عين يذوب # إن أكن قبل أن رأيتك أخطأ ... ت فإني على يديك أتوب # عائب عابني لديك ومنه ... خلقت في ذوي العيوب العيوب PageV01P015 قيل: ~~كان للوالي الذي حبس المتنبي ولد صغير فسمع به، فدخل لينظره، فرآه منزعجا ~~من القيود مضطربا، فقال له: اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل: وهذه ~~موضوعة، لأنها نقلت عن أحد أبناء الخلفاء العباسية، وكتب إليه من السجن ~~قصيدة يستعطفه بها أولها: # أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود # يقول في أثنائها في استعطاف ذلك الأمير والتنصل إليه مما اتهم به: # لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود # فأنجم أمواله في النحوس ... وأنجم سؤاله في السعود # ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرته بالخلود # قيل: ولما وصل الوالي إلى هذا البيت وهو: # و بيض مسافرة لا يقم ... ن لا في الرقاب ولا في الغمود # قال: لقد تصبب عرقا، وتقلب أرقا حتى استنبط هذا المغني من قول أبي بكر ~~النحوي المعروف ببرمة وهو: # وبيض تسافر ما إن تقيم ... لا في الرقاب ولا في القرب # بطيء رضاهن لكنها ... غداة اللقاء سراع الغضب # إلى أن قال: # أمالك رقي ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد # دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد # دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد # وقد كان ms027 مشيهما في النعال ... فقد صار مشيهما في القيود # وكنت من الناس في محفل ... فها أنا في محفل من قرود # تعجل في وجوب الحدود ... وحدي قبل وجوب السجود # أي إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب على الصلاة بعد ويجوز أن ~~يكون صغر أمر نفسه عند الوالي، لأن من كان ضبيا لم يظن به اجتماع الناس ~~إليه للشقاق والخلاف. ومنها: # وقيل عدوت على العالمي ... ن بين ولادي وبين القعود # فمالك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهود # فلا تسمعن من الكاذبين ... ولا تعبأن بمحك اليهود # وكن فارقا بين دعوى أردت ... ودعوى فعلت بشأو بعيد # وفي جود كفيك ما جدت لي ... بنفسي ولو كنت أشقى ثمود # وكتبت إلي أبي دلف سجان الوالي الممدوح بالقصيدة السابقة وقد بره في ~~السجن: # أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد يا أبا دلف # غير اختيار قبلت برك لي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف # كن أيها السجن شئت فقد ... وطنت للموت نفس معترف # لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف # والبيت الثاني مأخوذ من قول أبي على البصير: # ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعى الهشيم # ومنه أخذ المهلبي قوله: # وما كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار # والبيت الرابع يشابه قول أبي نصر الخبزأرزي: # حصلت منكم على ما ليس يقنعني ... وكيف يقنع سوء الكيل والحشف # وليس سكناي نقصانا لمنزلتي ... فيكم كما الدر لا يزرى به الصدف # وأحسن ما قاله مسجون قول علي بن الجهم لما حبسه المتوكل: # قالتحبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد # أوما رأيت الليث بألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد # والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلي إن لم تثرها الأزند # والغيث يحظره فما يرى ... إلا وريقة يراح ويرعد # والبدر يدركه الظلام فتنجلي ... أيامه فكأنه متجدد # والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوة تتوقد # غير الليالي باديات عود ... والمال عارية يفاد فينفذ # لا يؤسنك من تفرج كربة ... خطب أتاك به الزمان الأنكد # فلكل حال معقب ولربما ... أجلى لك ms028 المكروه عما يحمد # كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبة والعود # صبرا فإن اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد # والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتردد # لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبد PageV01P016 ~~بيت يجدد للكريم كرامة ... وتزار فيه ولا تزور وتقصد # ومنها: # أمن السوية يا بن عم محمد ... خصم تقربه وآخر تبعد # إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تجحد # شهدوا وغبنا عنهم وتحكموا ... فينا وليس كغائب من يشهد # لو يجمع الخصمانعندك مجلس ... يوما لبان لك الطريق الأقصد # والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد # وقال عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف: # قالوا حبست فقلت خطب أنكد ... أنحى علي به الزمان المرصد # لو كنت حرا كان سربي مطلقا ... ما كنت أحبس عنوة وأقيد # لو كنت كالسيف المهند لم يكن ... وقت الكريهة والشدائد يغمد # لو كنت كالليث الهصور لما رعت ... في الذئاب وجذوتي تتوقد # من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكابر في قوله متجلد # ما الحبس إلا بيت كل مهانة ... ومذلة ومكارة لا تنفذ # إن زارني فيه العدو فشامت ... يبدي التوجع تارة ويفند # أو زارني فيه الصديق فموجع ... يذري الدموع بزفرة تتردد # يكفيك أن الحبس بيت لا ترى ... أحدا عليه من الخلائق يحسد # تمضي الليالي لا أذوق لرقدة ... طعما وكيف حياة من لا يرقد؟ # في مطبق فيه النهار مشاكل ... لليل والظلمات فيه سرمد # قال أبو علي: قيل للمتنبي على من تنبأت؟ قال على الشعراء. فقيل: لكل نبي ~~معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبت ~~بالمتنبي لقولي: # أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدا وغيظ الحسود # أنا في أمة تداركها الل ... ه غريب كصالح في ثمود # ما مقامي بأرض نحلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود ms029 # قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: وحدثت أن المتنبي كان إذا سئل ~~عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة أي المرتفع من الأرض، وكان قد طمع ~~في شيء قد طمع فيه من هو دونه؛ ثم قال: وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان ~~متألها ومثل غيره من الناس متدلها. فمن ذلك قوله: # ولا قابلا إلا لخالقه حكما # وقوله: # ما أقدر الله أن يخزي بريته ... ولا يصدق قولا في الذي زعموا # ثم قال: وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبي عن اعتقاد الإنسان، ~~لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينا، ~~وإنما يجعل ذلك تزينا. # ثم قال: وحدثت أن المتنبي كان يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة ~~الأعراب، وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر. ويجوز أنه كان على سفر، وأن ~~القصر له جائز. # ثم قال: وحدثت عنه حديثا معناه أنه لما حصل في بني عدي، وحاول أن يخرج ~~فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: هاهنا ناقة صعبة فإن قدرت على ركوبها ~~أقررنا أنك مرسل، وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى ~~وثب على ظهرها، فنفرت ساعة، وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها، ومشت مشى الممسحة ~~وأنه ورد بها الحلة، وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من ~~دلائله عندهم. # وحدثت أيضا أنه كان في ديوان اللاذقية؛ وأن بعض الكتاب انقلبت على يده ~~سكين الأقلام، فجرحته جرحا مفرطا، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه وشدها، ~~غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلها في يومك، وعد له أياما وليالي، ~~وأن ذلك الكاتب قبل منه، فبرئ الجرح فصاروا يعتقدون في آبي الطيب أعظم ~~اعتقاد، ويقولون: هو كمحي الأموات. # وحدث رجل كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من ~~السواحل، وأراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ~~ولقيهما كلب ألح في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: ~~إنك ms030 ستجد الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفي الأمر على ما ذكر. # ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئا من المطاعم مسموما وألقاه وهو يخفي عن ~~صاحبه ما فعل. PageV01P017 وقال له بعض الأكابر وهو في مدينة السلام: ~~أخبرني من أثق به أنك قلت: أنا نبي، فقال: الذي قلته: أنا أحمد النبي. # قال أبو عبد الله ياقوت الرومي: ولم يزل المتنبي بعد خروجه من الاعتقال ~~في خمول وضعف حال في بلاد الشام، حتى اتصل بأبي العشائر ومدحه بعدة قصائد ~~أولها: # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي # كيف ترثى التي ترى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي # أنت منا فتنت نفسك لكن ... ك عوفيت من ضنى واشتياق # حلت دون المزار فاليوم لو زر ... ت لحال النحول دون العناق # ومنها في المديح:: # وتكاد الظبي لما عودوها ... تنتضي نفسها إلى الأعناق # وإذا أشفق الفوارس من وق ... ع القنا أشفقوا من الإشفاق # ومنها القصيدة التي أولها: # لا تحسبوا ربعكم ولا طلله ... أول حي فراقكم قتلة # قد تلفت قبله النفوس بكم ... وأكثرت في هواكم العذله # ومنها في المديح: # مستحييا من أبي العشائر أن ... أسحب في غير أرضه حلله # أسحبها عنده لدى ملك ... ثيابه من جليسه خجله # وأراد أبو العشائر سفرا فقال عند وداعه ارتجالا قصيدة أولها: # الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه # والجود عين وفيك ناظره ... والناس باع وفيك يمناه # ومنها: # تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه # إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعه عيناه # وأصل هذا المعنى لنصيب حيث قال: # فعادوا وأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب # وتبعه معوج الرقي في قوله: قد أتتني من أبي العب - اس يوم المهرجان خلع ~~تثنى عليه الده - ر من غير لسان وإذا تأمل المتأمل عرف الفرق بينهما وبين ~~أبي الطيب. # ومنها: # سبحان من خار للكواكب بالبع ... د ولو نلن كن جدواه # لو كان ضوء الشموس في يده ... لصاغه جوده وأفناه # يا راحلا كل من يودعه ... مودع دينه ms031 ودنياه # إن كان فيما تراه من كرم ... فيك مزيد فزادك الله # فأكرمه أبو العشائر، وعرف منزلته، وكان أبو العشائر والى إنطاكية من قبل ~~سيف الدولة. # ولما قدم سيف الدولة إلى إنطاكية قدم المتنبي إليه، وأثنى عنده عليه، ~~وعرفه منزلته من الشعر والأدب واشترط المتنبي علي سيف الدولة أول اتصاله به ~~أنه إذا أنشده مديحه لا ينشده إلا وهو قاعد؛ وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين ~~يديه، فنسب إلى الجنون، ودخل سيف الدولة تحت هذه الشروط، وتطلع إلى ما يرد ~~منه؛ وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ولما أنشده قصيدته التي أولها: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمة # وما أنا إلا عاشق كل عاشق ... أعق خليليه الصفيين لائمه # وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه # بليت بلي الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمة # قيل: كان أبو العلاء المعري إذا ذكر الشعراء يقول: قال أبو نواس كذا، قال ~~البحتري كذا، قال أبو تمام كذا، فإذا أراد المتنبي قال: قال الشاعر كذا، ~~تعظيما له. فقيل له يوما: لقد أسرفت في وصفك المتنبي، قال: أليس هو القائل: # بليت بلي الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه # فقيل له: كم قدر ما يقف الشحيح على الخاتم؟ قال: أربعين يوما فقيل له: ~~ومن أين علمت ذلك؟ قال : سليمان بن داود عليهما السلام وقف على طلب الخاتم ~~أربعين يوما. فقيل له: ومن أين علمت أنه بخيل؟ قال: من قوله تعالى: )وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي( وما كان عليه أن يهب الله لعباده أضعاف ملكه! ~~ومنها: # كئيبا توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه ~~PageV01P018 قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء ~~غارمه # وهذا من قول الخبزأرزي: # إلى كم أذل وأستعطف ... وأنت تجور ولا تنصف # أيا يوسف الحسن صل مدنفا ... مدامعه لم تزل تذرف # أعيذك من ظالم غاشم ... سوى الخلف في الوعد لا يعرف # ولي مهجة أنت ms032 أتلفتها ... عليك غرامة ما تتلف # وبيت المتنبي فيه زيادة أكسبته حسنا. # ومنها: # سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمامه # وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه # وقال البحتري في هذا المعنى: # أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا # وقال الخبزأرزي في هذا المعنى: # وما حاجة الركب السراة إذا بدا ... لهم وجهه ليلا إلى طلعة البدر # وأنشد في مجلس المعتمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية أعادها الله كما كانت ~~قوله منها: # إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معي المطي ورازمه # فجعل المعتمد يردده استحسانا له، وكان في مجلسه أبو محمد عبد الجليل ابن ~~وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالا: # لئن حاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا # تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها # ومنها في المديح: # له عسكرا خيل وطير إذا رمى ... بها عسكرا لم تبق إلا جماجمه # أجلتها من كل طاغ ثيابه ... وموطئها من كل باغ ملاغمه # فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه # ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند مما تلاطمه # سحاب من العقبان يزحف تحتها ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه # واعترض على هذا البيت. أو سعيد العميدي، حيث قال: " لم يسمع بأن السحابة ~~تسقى ما فوقها " وجوابه ظاهر. وهذا معنى حوى طرفي الإعجاب والإغراب وقد ~~تجاذبته أفكار الشعراء، فمما جاء منه قول النابغة: # إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # وقال أبو نواس: # يتوخى الطير غدوته ... ثقة باللحم من جزرة # وقال مسلم بن الوليد: # قد عود الطير عادات وثقن به ... فهن يتبعنه في كل مرتحل # وقد كرره أبو تمام في شعره؛ فمما جاء له منه: # وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل # وقال # إذا ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها ms033 الذئب والنسر # وقد ذكر هذا المعنى قديما وحديثا وأورده بضروب من العبارات غير هؤلاء إلا ~~أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السبك أو من جهة ~~الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحدا أغرب في هذا الطريق مع اختلاف مقصده إليها ~~إلا مسلم بن الوليد، فقال: # أشربت أرواح العدا وقلوبها ... خوفا فأنفسها إليك تطير # لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور # وكذلك فعل أبو الطيب، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريقة التي ~~سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، ~~وحاز الإحسان بجملته، فصار كأنه المبتدع لهذا المعنى دون غيره. فمما قال ~~فيه: # يفدى أتم الطير عمرا سلاحه ... نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم # وقال في موضع آخر: # وذي لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحش المثار بسالم # تمر عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم # إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم ~~PageV01P019 وهذه من أعاجيب أبي الطيب المشهودة، ولو لم يكن له من الإحسان ~~في شعره غيرها لا ستحق بها فضيلة التقديم. # وقد تصرف في هذا المعنى أبو عامر بن أبي بن شهيد الأندلسي، فقال: # وتدري سباع الطير إن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع # تطير جياعا فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع # وكذلك أخذه أبو بكر العطار. فغربه بعد الابتذال، فقال: # تظل سباع الطير عاكفة بهم ... على جثث قد سل أنفسها الذعر # وقد عوضتهم من قبور حواصلا ... فيا من رأى ميتا يطير به قبر # وآخر القصيدة: # تحاربه الأعداء وهي عباده ... وتد خر الأموال وهي غنائمه # ويستكبرون الدهر والدهر دونه ... ويستعظمون الموت والموت خادمه # وإن الذي سمى عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظالمه # وما كل سيف يقطع حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه # حسن موقعه عنده وقربه وأجازه الجوائز السنية، ومالت نفسه إليه، وأحبه، ~~فسلمه إلى الرواض، فعلموه الفروسية والطراد، والمثاقفة. ms034 # وصحبسيف الدولة في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفنا التي لم ~~ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستة أنفار أحدهم المتنبي، وأخذت الطرق ~~عليهم الروم، فجرد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر،وخرق الصفوف، وبدد ~~الألوف. وحكى الرقي عن سيف الدولة قال: كان المتنبي يسوق فرسه، فاعتقلت ~~بعمامته. طاقة من الشجر المعروف بأم غيلان فكان كلما جرى الفرس انتشرت ~~العمامة، وتخيل المتنبي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج قال ~~سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فود أن الأرض ~~غيبته، فقال له ابن خالويه: أيها الأمير أليس أن ثبت معك حتى بقيت في ستة ~~أنفار تكفيه هذه الفضيلة؟ وحكى أن السري الرفاء حين قصد سيف الدولة أنشده ~~بديها: # إني رأيتك جالسا في مجلس ... قعد الملوك به لديك وقاموا # فكأنك الدهر المخيط عليهم ... وكأنهم من حولك الأيام # ثم أنشده بعد ذلك ما كان قاله فيه من الشعر، وبعد ثلاثة أيام أنشده ~~المتنبي قصيدة قافية، فأمر له بفرس وجارية، وأول القصيدة: # أيدري الربع أي دم أراقا ... وأي قلوب هذا الركب شاقا # لنا ولأهله أبدا قلوب ... تلاقى في جسوم ما تلاقى # وما عفت الرياح له محلا ... عفاه من حدا بهم وساقا # فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا # نظرت إليهم شكري ... فصارت كلها للدمع ماقا # وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا # وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا # وطرف إن سقى العشاق كأسا ... بها نقص سقانيها دهاقا # قال فلما قال: # وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا # فقال السرى هذا والله معنى ما قدر عليه المتقدمون. وما يقال من أنه حم في ~~الحال حسدا، وتحامل إلى منزله، ومات بعد ثلاث أيام، فلا صحة له،لأن السري ~~مات بعد المتنبي وسيف الدولة. على أن السري قد استعمل هذا المعنى بقوله: # أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق # وحكى صاحب المفاوضة قال: كان سيف الدولة يميل ms035 إلى أبي العباس النامي ~~الشاعر ميلا شديدا إلى أن جاءه المتنبي، فمال عنه إليه، فغاظ ذلك أبا ~~العباس، فلما كان ذات يوم خلا به وعاتبه وقال: أيها الأمير، لم تفضل على ~~ابن عيدان السقا؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه، فلج وألح، وطالبه بالجواب ~~فقال: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله: # يعود من كل فتح غير مفتخر ... وقد أغذ إليه غير محتفل # فنهض من بين يديه مغضبا، واعتقد ألا يمدحه أبدا. وأبو العباس هذا هو ~~القائل: كان قد بقي في الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون ~~سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما. أما أحدهما فقوله: # رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال PageV01P020 فصرت ~~إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال # والآخر قوله: # في جحفلستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان # واستنشد سيف الدولة أبا الطيب يوما قصيدته التي مدحه بها، وقد سار لبناء ~~الحدث، وذكر إيقاعه بالدمستق عليها وكشفه له، وقتله خلقا من أصحابه وأسره ~~صهره وابن بنته، وإقامته على الحدث إلى أن بناها، وذلك في يوم الثلاثاء ~~لتسع خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأولها: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم # وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم # ومنها: # هل الحدث الحمراء تعرف لونها ... وتعلم أي الساقيين الغمائم # سقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم # بناها فأعلىوالقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم # وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم # طريدة دهر ساقها فرددتها ... على الدين بالخطى والدهر راغم # تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم # وكيف ترجى الروم والروس هدمها ... وذا الطعن لها ودعائم # وقد حاكموها والمنايا حواكم ... فما مات مظلوم ولا عاش ظالم # أتوك يجرون الحديد كأنما ... سروا بجياد ما لهن قوائم # إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم # خميس بشرق ms036 الأرض والغرب زحفه ... وفي أذن الجوزاء منه زمازم # تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما يفهم الحداث إلا التراجم # فلله وقت ذوب الغش ناره ... فلم يبق إلا صارم أو ضبارم # تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا ... وفر من الفرسان من لا يصادم # وهذه الأبيات الأخيرة من أحسن ما قيل في الجيوش الكثيرة، وكذلك ورد قول ~~أبي تمام من قصيدة يمدح بها المأمون: # فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه ... حسن اليقين وقاده الإقدام # فنهضت تسحب ذيل جيش ساقه ... ولهم بمنخرق الفضاء زحام # ملأ الملا عصبا فكاد بأن يرى ... لا خلف فيه ولا له قدام # يقال: اثعنجرت العين دمعا، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، ~~ولجب كثير الأصوات، والسلاف: المتقدمون، والملا مقصورا: ما اتسع من الأرض. # وقال النابغة في عظم الجيش: # بحر يظل له الفضاء معضلا ... يذر الإكام كأنهن صحاري # ومعضل: من قولهم عضلت المرأة عند الولادة: إذا عسر خروج الولد. # وقال مالك المازني: # بجيش لهام يشغل الأرض جمعه ... على الطير حتى ما يجدن منازلا # وقال البحتري: # بجمع ترى فيه النهار قبيلة ... إذا سار فيه والظلام قبائلا # وقال سلم الخاسر: # وكتائب تغشى العيون إذا جرى ... ماء الحديد عليهم الرجراج # وتفرقت زرق الأسنة فيهم ... تسقى الحنايا ما لهن مزاج # نزلت نجوم الليل فوق رءوسهم ... ولكل رأس كوكب وهاج # وقال مسلم: # في عسكر تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل # ولما بلغ المتنبي إلى قوله: # وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله: # كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال # ينبغي له أن يقول: # كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال # ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال PageV01P021 ~~وكذلك كان ينبغي أن تقول: # وقفت وما في الموت شك لواقف ms037 ... ووجهك وضاح وثغرك باسم # تمر بك الأبطال كلمي هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم # فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر ~~منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه ~~البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعلم جملته، والحائك يعلم تفاصيله، ~~وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، والشجاعة في منازلة ~~الأعداء بالسماحة في شراء الخمر للأضياف للتضايف بين كل من الفريقين، وكذلك ~~لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن ~~تلاؤما، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوسا، وعينه باكية قلت: " ووجهك وضاح ~~وثغرك باسم " ، لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامه. # قال ابن جنتي: حدثني أبو علي الحسين بن أحمد الفسوي قال: خرجت بحلب أريد ~~دار سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح ~~طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة، فحسر لثامه، فإذا المتنبي ~~وأنشد: # نثرت رءوسا بالأحيدب منهم ... كما نثرت فوق العروس الدراهم # ثم قال: كيف هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت: ويحك: قد قتلتني يا رجل. قال ابن ~~جني: فحكيت هذه الحكاية لأبي الطيب بمدينة السلام، فعرفها، وضحك منها. # قال ابن بابك: حضر المتنبي مجلس أب أحمد بن نصر البازيار، وزير سيف ~~الدولة، وهناك أبو عبد الله بن خالويه النحوي، فتماريا في أشجع السلمي وأبي ~~نواس البصري؛ فقال ابن خالويه: أشجع أشعر، إذا قال في هارون الرشيد: # وعلى عدوك يابن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والإظلام # فإذا تنبه رعته وإذا غفاء ... سلت عليه سيوفك الأحلام # فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن في بني برمك: # لم يظلم الدهر إذ توالت ... فيهم مصيباته دراكا # كانوا يجيرون من يعادي ... منه فعاداهم لذاكا # قال عبد المحسن علي ابن كوجك: إن أباه حدثه قال: كنت بحضرة سيف الدولة ~~وأبو الطيب اللغوي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، ~~وقد ms038 جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، ~~والمتنبي ساكت، فقال له سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها ~~بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي، وضعف قول ابن خالويه. # فأخرج من كمه مفتاحا حديدا ليلكم به المتنبي، فقال له المتنبي: اسكت ~~ويحك، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي، فما لك وللعربية؟ فضرب وجه المتنبي بذلك ~~المفتاح فأسأل دمه على وجهه وثيابه، فغضب المتنبي من ذلك، إذ لم ينتصر له ~~سيف الدولة لا قولا ولا فعلا، فكان ذلك أحد أسباب فراقه سيف الدولة. # قال ابن الدهان في المآخذ الكندية من المعاني الطائية: إنه قال أبو فراس ~~لسيف الدولة: إن هذا المتمشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاث ~~آلاف دينار،عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرا ~~يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام، وعمل فيه، وكان ~~المتنبي غائبا، وبلغته القصة فدخل على سيف الدولة، وأنشد: # ألا ما لسيف الدولة عاتبا ... فداه الورى أمضى السيوف مضاربا # ومالي إذا ما اشتقت أبصرت دونه ... تنائف لا أشتاقها وسباسبا # وقد كان يدني مجلسي من سمائه ... أحادث فيها بدرها والكواكبا # حنانيك مسئولا ولبيك داعيا ... وحسبي موهوبا وحسبك واهبا # أهذا جزاء الصدق إن كنت صادقا ... أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا # وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا # فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيرا، ~~وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع ~~يعمل القصيدة التي أولها: # وأحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم # وجاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه كقوله: PageV01P022 ~~مالي أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعى حب سيف الدولة الأمم # إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم # قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم # فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله ms039 وإعراض سيف الدولة عنه، ~~فلما وصل في إنشاده إلى قوله: # يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # فقال أبو فراس: مسخت قول دعبل واعيته وهو: # ولست أرجو انتصافا منك ما ذرفت ... عيني دموعا وأنت الخصم والحكم # فقال المتنبي: # أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل ~~الأمير في مجلسه؟ فأستمر المتنبي في إنشاده ولم يرد إلى أن قال: # سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ... بأنني خير من تسعى به قدم # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم # فزاد ذلك غيظا في أبي فراس، وقال: سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في ~~قوله: # أوضحت من طرق الآداب ما اشتكلت ... دهرا وأظهرت إغرابا وإبداعا # حتى فتحت بإعجاز خصصت به ... للعمي والصم أبصارا وأسماعا # ولما وصل إلى قوله: # والخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم # قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، ~~والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك وتأخذ جوائز ~~الأمير؟أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النخعي الكوفي المعروف بابن ~~العريان العثماني، وهو: # أعاذلتني كم مهمة قد قطعته ... أليف وحوش ساكنا غير هائب # أنا ابن الفلا والطعن والضرب والسري ... وجرد المذاكي والقنا والقواضب # حليم وقور في البوادي وهيبتي ... لها في قلب الناس بطش الكتائب # فقال المتنبي: # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم # قال أبو فراس: وسرقت هذا من معقل العجلي، وهو: # إذا لم أميز بين نور وظلمة ... بعيني فالعينان زور وباطل # ولمحمدبن أحمد بن أبي مرة المكي مثله، وهو: # إذا المرء لم يدرك بعينيه ما يرى ... فما الفرق بين العمى والبصراء # وغضب سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، ~~وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال: # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم ms040 # فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار: # إذا رضيتم بأن نجفي وسركم ... قول الوشاة فلا شكوى ولا ضجر # ومثله لابن الرومي وهو: # إذا ما الفجائع أكسبني ... رضاك فما الدهر بالفاجع # فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي ، ~~عنه في الحال، وأدناه إليه، وقبل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفه بألف ~~أخرى، فقال المتنبي: # جاءت دنانيرك مختومة ... عاجلة ألفا على ألف # أشبهها فعلك في فيلق ... قلبته صفا على صف # وفي آخر هذه القصيدة يقول: # شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم # وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم # البيت الثاني مأخوذ من أبيات لصاحب العلوي الداعي بطبرستان: # أنا من جناب سواك في مرعى ند ... وأقيم عندك في جناب مجدب # إن كنت ذا بصر فميز فضل ما ... بين الفراء وبين صيد الأرنب # فجعل موضع الفراء الباز الأشهب، وموضع الأرنب الرخم، الأول من قول محمد ~~بن عيينة المهلبي من قصيدة أولها: دمية قفرة وربع جديب # لا تثق بالكذوب واعلم يقينا ... أن شر الرجال عندي الكذوب # لي وفاء محض وكف جواد ... وجلال باد ورأى صليب PageV01P023 أخبث الأرض ما ~~خلت من صديق ... وأضر الأفعال فعل معيب # وحكى أبو الفرج الببغاء قال: كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف ~~الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي ~~الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلمه، والمتنبي ~~يجيبه في أكثر الأوقات، ويتغاضى في بعضها، قال أبو الفرج الببغاء: وأذكر ~~ليلة وقد استدعى سيف بدرة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله ابن خالويه ~~طيلسانه فحثا فيه سيف الدولة صالحا، ومددت ذيل دراعتي فحثا لي جانبا، ~~والمتنبي حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، فما فعل، فغاظه ~~ذلك، فنثرها كلها على الغلمان، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم ~~الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته ~~في رقبته، فاستحى ms041 ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه ~~سيف الدولة في ذلك، فقال: يتعاظم تلك العظمة، وينزل إلى مثل هذه المنزلة ~~لولا حماقته. # وحكى أن أبا الطيب المتنبي دخل مجلس ابن العميد، وكان يستعرض سيوفا، فلما ~~نظرا أبا الطيب نهض من مجلسه، وأجلسه في دسته، ثم قال له: اختر سيفا من هذه ~~السيوف، فاختار منها واحدا ثقيل الحلي، واختار ابن العميد غيره. فقال كل ~~واحد منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على تجربتهما. فقال ابن ~~العميد: فماذا نجربهما؟ قال أبو الطيب في الدنانير يؤتي بها، فينضد بعضها ~~على بعض، ثم يضرب به، فإن قدها فهو قاطع؛ فأستدعى ابن العميد عشرين دينارا ~~فنضدت، ثم ضربها أبو الطيب فقدها، وتفرقت في المجلس، فقام من مجلسه المفخم ~~يلتقط الدنانير المتبددة فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه، فإن أحد ~~الخدام يلتقطها ويأتي بها إليك. فقال: بل صاحب الحاجة أولى. وحكى أبو بكر ~~الخوارزمي أن المتنبي كان قاعدا تحت قول الشاعر: # وأن أحق باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل # وإنما أعرب عن طريقته وعادته بقوله: # بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه # قال: وحضرت عنده يوما وقد أحضر مال بين يديه من صلات سيف الدولة على حصير ~~قد فرشه، فوزن وأعيد إلى الكيس، وتخللت قطعة كأصغر ما يكون خلال الحصير، ~~فأكب عليها بمجامعه يعالج ليستنقذها منه، واشتغل عن جلسائه حتى توصل إلى ~~إظهارها، وأنشد قيس بن الخطيم: # تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب # ثم استخرجها، فقال له بعض جلسائه: أما يكفيك ما في هذه الأكياس حتى أدميت ~~إصبعك لأجل هذه القطعة؟ فقال: إنها تحضر المائدة. PageV01P024 وحكى علي بن ~~حمزة البصري قال: بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة؛ وتلك أنه ما كذب، ~~ولا زني، ولا لاط، وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة؛ وتلك أنه ما صام، ولا صلى، ~~ولا قرأ القرآن، وقال ابن فورجة في كتاب: التجني على أبي العلاء المعري، ms042 عن ~~رجل من أهل الشام، كان يتوكل لأبي الطيب في داره يعرف بأبي سعيد قال: دعاني ~~أبو الطيب يوما ونحن بحلب، ولم أكن أعرف منه الميل إلى اللهو مع النساء ولا ~~الغلمان فقال لي: أرأيت الغلام ذا الأصداغ الجالس إلى حانوت كذا من السوق؟ ~~وكان غلاما وسيما فحاشا، فيما هو سبيله، فقلت: نعم أعرفه. قال: فامض وأتني ~~به، واتخذ دعوة وأنفق وأكثر، وكنت أستطلع رأيه في جميع ما أنفق، فمضت ~~واتخذت له ثلاثة ألوان من الأطمعة، وعدة صفحات من الحلوى، واستدعيت الغلام، ~~فأجاب، وأنا متعجب من جميع ما أسمع منه، إذ لم تجر له عادة في مثله، فعاد ~~أبو الطيب من دار سيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفرغ من اتخاذ ~~الطعام، فأكلا وأنا ثالثهما، ثم جن الليل، فقدمت شمعة، ومرفع دفاتره، وكانت ~~تلك عادته كل ليلة، فقال: أحضر لضيفك شرابا، واقعد إلى جانبه ونادمه، ففعلت ~~ما أمرني به. كل ذلك وعينه إلى الدفتر، يدرس ولا يلتفت إلينا إلا في حين ~~بعد حين، فما شربنا إلا قليلا حتى قال: افرش لضيفك، وافرش لنفسك، وبت ~~ثالثنا، ولم أكن قبل ذلك أبايته في بيته؛ ففعلت وهو يدرس، حتى مضى من الليل ~~أكثره، ثم أوى إلى فراشه ونام. فلما أصلحنا قلت له: ما يصنع؟ فقال احبه ~~واصرفه فقلت له: وكم أعطيه؟ فأطرق ساعة؛ ثم قال: أعطه ثلاثمائة درهم. ~~فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي، فدنوت منه، وقلت له: إنه ممن يجيب بالشيء ~~اليسير، وأنت لم تنل منه حظا. فغضب ثم قال: أتظنني من أولئك الفسقة؟ أعطه ~~ثلاثمائة درهم، ولينصرف راشدا. ففعلت ما أمرني به، وصرفته. # قال ابن فورجة: كان المتنبي داهية مر النفس شجاعا حافظا للأدب، عارفا ~~بأخلاق الملوك، ولم يكن فيه ما يشينه ويسقطه إلا بخله وشرهه على المال. # وقال أبو البركات بن أبي الفرج المعروف بابن زيد التكريتي الشاعر، قال: ~~بلغني أنه قيل للمتنبي قد شاع عنك من البخل في الآفاق ما قد صار سمرا بين ~~الرفاق، وأنت تمدح في ms043 شعرك الكرم وأهله، وتذم البخل وأهله، ألست أنت ~~القائل: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # ومعلوم أن البخل قبيح، ومنك أقبح؛ لأنك تتعاطى كبر النفس، وعلو الهمة، ~~وطلب الملك، والبخل ينافي سائر ذلك. فقال: إن لبخلي سببا،وذلك أني أذكر وقد ~~وردت في صباي من الكوفة إلى بغداد، فأخذت خمسة دراهم في جانب منديلي، وخرجت ~~أمشي في أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة، فرأيت عنده خمسة من ~~البطيخ باكورة، فاستحسنتها ونويت أشتريها بالدراهم التي معي، فتقدمت إليه ~~وقلت: بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ، فقال: بغير اكتراث: اذهب، فليس هذا من ~~أكلك، فتماسكت معه وقلت: أيها الرجل دع ما يغيظ واقصد الثمن، فقال: ثمنها ~~عشرة دراهم. فلشدة ما جبهني به ما استطعت أن أخاطبه في المساومة، فوقفت ~~حائرا؛ ودفعت له خمسة دراهم، فلم يقبل، وإذا بشيخ من التجار قد خرج من ~~الخان، ذاهبا إلى داره، فوثب إليه صاحب البطيخ من دكانه، ودعا له، وقال له: ~~يا مولاي، هذا بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى منزلك. فقال الشيخ: ويحك بكم ~~هذا؟ قال: بخمسة دراهم. فقال: بل درهمين. فباعه الخمسة بدرهمين، وحملها إلى ~~داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسرورا بما فعل، فقلت له: يا هذا، ما رأيت ~~أعجب من جهلك، استمت على في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت قد ~~أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولا. فقال: اسكت هذا يملك ~~مائة ألف دينار. فعلمت أن الناس لا يكرمون أحدا إكرامهم من يعتقدون أنه ~~يملك مائة ألف دينار، وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولون: إن ~~أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار. # قلت وقع في شعر أبي الطيب الوصية بالحزم، وضبط الأموال، كقوله في قصيدته ~~التي أولها: # أود من الأيام ما لا توده ... وأشكو إليها بينها وهي جنده # يباعدن حيا يجتمعن ووصله ... فكيف بحب يجتمعن وصده # أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده PageV01P025 ~~إلى أن قال: # وأتعب خلق الله ms044 من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس جهده # فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده # ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # فأمر كافورا بالبخل، حيث حرمه، وسلك في ذلك مسلك كثير عزة فإنه دخل على ~~هشامبن عبد الملك، وكان بخيلا، فمدحه، فلم يثبه، فقال كثير يخاطبه بقوله: # إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو خليل توافقه # منعت وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقه # فقيل لكثير: ما حملك على أن تعلم أمير المؤمنين البخل، فقال: إنه منعني ~~من رفده، وآلمني برده، فأردت أن أحبب إليه المال، فيمنع غيري كما منعني، ~~فيتفق الناس على ذمه. # وأحسن قصائد أبي الطيب في سيف الدولة، وتراجع شعره بعد مفارقته، وسئل عن ~~سبب ذلك فقال: قد تجوزت في قولي، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة منذ فارقت آل ~~حمدان وفيهم من يقول: # تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفني مثلي على حاله نكر # فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم فهم كثر # فقلت لها لو شئت لم تتعنتي ... ولم تسألي عني وعندك بي خبر # فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا ... فقلت معاذ بل أنت والدهر # وما كان للأحزان لولاك مسلك ... إلى القلب لكن الهوى للبلى جسر # وتهلك بين الهزل والجد مهجة ... إذا ما عداها البين عذبها الهجر # فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر # وإني لنزال بكل مخوفة ... كثير إلى نزلها النظر الشزر # وإني لجرار لكل كتيبة ... معودة ألا يخل بها النصر # وأظمأ حتى يرتوي البيض والقنا ... وأسغب حتى يشبع الذئب والنسر # ويقول: # صبور ولو لم تبق مني بقية ... قؤول ولو أن السيوف جواب # وقور وأحداث الزمان تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهاب # ستذكر أيامي نمير بن عامر ... وكعب على علاتها وكلاب # أنا الجار لا زادي بطيء عليهم ... ولا دون بأبي في الحوادث باب # يعني ms045 أبا فراس. وفيهم من يقول: # وقد علمت بما لاقته منا ... قبائل يعرب وبني نزار # لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قضار # يعني أبا زهير بن مهلهل بن نصر بن حمدان. وفيهم من يقول: # أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط # لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط # يعني أبا العشائر. قال أبو الفتح بن جني: كنت قرأت ديوان المتنبي عليه، ~~فلما وصلت إلى قوله: # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب # فلما انتهيت إلى قوله: # لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب # ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكى فيها ولا أتعتب # وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب # وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملي على وأكتب # إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمم كافورا فما يتغرب # فقلت له: يعز على أن يكون هذا الشعر في ممدوحغير سيف الدولة، فقال: ~~حذرناه، فما نفع فيه الحذر ألست القائل فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنت ~~مالكه ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل # فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقلة تمييزه، وهذا البيت من قصيدة ~~له يمدح سيف الدولة بها ويصف دخول رسول ملك إليه، ولو لم يكن للمتنبي سوى ~~هذه القصيدة لاستحق بها فضيلة التقدم على كل من تقدمه وهي: # دروع لملك الروم هذي الرسائل ... يرد بها عن نفسه ويشاغل # هذا أحسن من قول أبي تمام: PageV01P026 غدا خائفا يستنجد الكتب مذعنا ... ~~إليك فلا رسل ثنتك ولا كتب # هي الزرد الضافي عليه ولفظتها ... عليك ثناء سابغ وفضائل # وأني اهتدي هذا الرسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل # ومن أي ماء كان يسقى جياده ... ولم تصف من مزج الدماء المناهل # هذا أيضا أحسن من قول البحتري: # يغالب طعم الماء في ملتقاهم ... حسا الدم حتى يلفظ الماء شاربه # أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه ... وتنقذ تحت الذعر منه المفاصل # يقوم تقويم السماطين مشيه ms046 ... إليك إذا ما عوجته الأفاكل # فقاسمك العينين منه ولحظه ... سميك والخل الذي لا يزايل # بنصب العينين، واللحظ، والسمى، والخل. # وأبصر منه الرزق والرزق مطمع ... وأبصر منه الموت والموت هائل # وقبل كما قبل الترب قبله ... وكل كمي وقف متضائل # وأسعد مشتاق وأظفر طالب ... همام إلى تقبيل كمك واصل # مكان تمناه الشفاه ودونه ... صدور المذاكي والرماح الذوابل # فما بلغته ما أراد كرامة ... عليك ولكن لم يخب لك سائل # وأكبر منه همة بعثت به ... إليك العدا واستنصرته الجحافل # فأقبل من أصحابه وهو مرسل ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل # هذا يشابه قول البحتري: # لحظوك أول لحظة فاستصغروا ... من كان يعظم عندهم ويبجل # قد نافس الغيب الحضور على الذي ... شهدوا وقد حسد الرسول المرسل # تحير في سيف ربيعة أصله ... وطابعه الرحمن والمجد صاقل # وما لونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحس الأنامل # إذا عاينتك الرسل هانت نفوسها ... عليها وما جاءت به والمراسل # رجا الروم من ترجى النوافل كلها ... لديه ولا ترجى لديه الطوائل # فإن كان خوف الأسر والقتل ساقهم ... فقد فعلوا ما الأسر والقتل فاعل # فخافوك جتي ما لقتل زيادة ... وجاءوك حتى ما تراد السلاسل # أرى كل ذي ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول # أخذه من ابن المعتز: # ملك تواضعت الملوك لعزه ... قسرا وفاض على الجداول بحره # إذا مطرت ومنك سحائب ... فوابلهم طل وطلك وابل # هذا أيضا كقول البحتري: # أنذرتكم عارضا تبدو مخايله ... فالقطرة الفذ منه وابل هطل # كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقيحت حرب فإنك نازل # هذا المعنى مأخوذ من خبر روى عن حاتم الطائي قيل إنه بارز عامر بن الطفيل ~~وفقد رمح عامر، فخافه عامر فقال: يا حاتم لأبخلنك قال: بماذا؟ قال: ادفع ~~إلى رمحك أقاتلك به فرمى إليه برمحه، ورجع موليا. وقال بشار ما ينظر إلى ~~هذا المعنى: # لو كان لي سيف غداة الوغى ... طبت به نفسا لأعدائي # وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول البحتري: ماض على عزمه في الجواد لو وهب ~~الشباب يوم لقاء البيض ما ms047 ندما قال ابن أحمر: # إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سفر # ومازال المتنبي بعد مفارقة سيف الدولة يعرض بمدحه تارة، ويصرخ أخرى؛ فمن ~~ذلك قوله في أول قصيدته التي مدح بها كافورا: فراق ومن فارقت غير مذمم ومن ~~ذلك أيضا قوله في قصيدة كافورية: # عشية أحفى الناس بي من جفوته ... وأهدى طريقي الذي أتجنب # ورأيت له قصيدتين في هجاء كافور، ومدح سيف الدولة، ونقلتهما من خط أبي ~~منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النسابوري. قال: إنهما وجدتا ~~في رحلة لما قتل، وعملهما بواسط إحداهما قوله: # أفيقا خمار الهم نغصني الخمرا ... وسكري من الأيام جنبني السكرا # تسر خليلي المدامة والذي ... بقلبي يأبى أن أسر كما سرا # لبست صروف الدهر أخشن ملبس ... فعرقني ناب ومزقني ظفرا # وفي كل لحظ لي ومسمع نغمة ... يلاحظني شزرا ويسمعني هجرا PageV01P027 ~~سدكت بصرف الدهر طفلا ويافعا ... فأفنيته عزما ولم يفنني صبرا # أريد من الأيام مالا يريده ... سواي ولا يجري بخاطره فكرا # وأسأله ما أستحق قضاءه ... وما أنا ممن رام حاجته بسرا # ولي همة من رأى همتها النوى ... فشركبني من عزمها المركب الوعر # تروق بني الدنيا عجائبها ولى ... فؤاد ببيض الهند لا بيضها مغري # أخو همم رحالة لا تزال بي ... نوى تقطع البيداء أو أقطع العمرا # ومن كان عزمي بين جنبيه حثه ... وصير طول الأرض في عينه شبرا # صحبت ملوك الأرض مغتبطا بهم ... وفارقتهم ملآن من حنق صدرا # ولما رأيت العبد للحر مالكا ... أبيت إباء الحر مسترزقا حرا # ومصر لعمري أهل كل عجيبة ... ولا مثل ذا المخصي أعجوبة نكرا # يعد إذا عد العجائب أولا ... كما يبتدا في العد بالإصبع الصغري # فيا هرم الدنيا ويا عبرة الورى ... ويأيها المخصي من أمك البظر # لويبية لم تدر أن بنيها ال ... لويبي دون الله يعبد في مصر # ويستخدم البيض الكواعب كالدمى ... وروم العبدي والغطارفة الغرا # قضاء من الله العلي أراده ... إلا ربما كانت إرادته شرا # ولله آيات وليس كهذه ... أظنك يا كافور آيته الكبرى # لعمرك ما دهر ms048 به أنت طيب ... أبحسبني ذا الدهر أحسبه دهرا؟ # وأكفر يا كافور حين تلوح لي ... ففراقت مذ فارقتك الشرك والكفرا # عثرت بسيري نحو مصر فلالعا ... بها ولعا بالسير عنها ولا عشرا # وفارقت خير الناس قاصد شرهم ... وأكرمهم طرا لا لأمهم طرا # فعاقبني المخصي بالغدر جازبا ... لأن رحيلي كان عن حلب غدرا # وما كنت إلا فائل الرأي لم أعن ... بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا # وقد أرى الخنزير أني مدحته ... ولو علموا قد كان يهجي بما يطري # جسرت على دهياء مصر ففتها ... ولم يكن الدهياء إلا من استجرا # سأجلبها أشباه ما حملته من ... أسنتها خزرا مقطلة غبرا # وأطلع بيضا كالشموس مطلة ... إذا طلعت بيضا وإن غربت حمرا # فإن بلغت نفسي المنى فبعزمها ... وإلا فقد أبلغت في حرصها عذرا # والأخرى قوله: # قطعت بسيري كل يهماء مفزع ... وجبت بخيلي كل صرماء بلقع # وثلمت سيفي في رءوس وأذرع ... وحطمت رمحي في نحور وأضلع # وصيرت رأيي بعد عزمي رائدي ... وخالفت آراء توالت بمسمعي # ولم أنرك أمرا أخاف اغتياله ... ولاطمحت نفسي إلى غير مطمع # وفارقت مصرا والأسيود عينه ... حذار مسيري تستهل بأدمع # ألم يفهم الخنثى مقالي وأنني ... أفارق من أقلي بقلب مشيع # ولا أرعوي إلا إلى من يودني ... ولا يطبيني منزل غير ممرع # أبا النتن كم قيدتني بمواعد ... مخافة نظم للفؤاد مروع # وقدرت من فرط الجهالة أنني ... أقيم على كذب رصيف مصنع # أقم على عبد خصي منافق ... لئيم رديء الفعل للجود مدعي # وأترك سيف الدولة الملك الرضا ... كريم المحيا وابن أروع # فتى بحره عذب ومقصده غنى ... ومرتع مرعي جوده خير مرتع # تظل إذا ما جئته الدهر آمنا ... بخير مكان بل بأشرف موضع # قال ابن سعيد: إن سيف الدولة كان يكاتب المتنبي، ويهاديه فقال بمدحه، ~~وأنفذها إليه من الكوفة، وكان سيف الدولة قد كاتبه إليها بأجمل مكاتبه، ~~وأنفذها إليه كسوة وبرا، وعرض له بالعود. # ما لنا كلنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول # إلى أن قال: # نحن أدري وقد سألنا بنجد ... أقصير طريقنا أم طويل # وكثير من ms049 السؤال اشتياق ... وكثير من ردة تعليل # لا أقمنا على مكان وإن طا - ب ولا يمكن المكان الرحيل PageV01P028 كلما ~~رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل # فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والذميل # والمسمون بالأمير كثير ... والأمير الذي بها المأمول # الذي زلت عنه شرقا وغربا ... ونداه مقابلي ما يزول # ومعي حيثما سلكت كأني ... كل وجه له بوجهي كفيل # فإذا العذل في الندى زار سمعا ... ففداه العذول والمعذول # وموال تحييهم من يديه ... نعم غيرهم بها مقتول # فرس سابق ورمح طويل ... ودلاص زغف وسيف صقيل # وأرسل إليه من بغداد قصيدة جواب كتاب ورد منه في سنة ثلاث وخمسين ~~وثلاثمائة وهي: # فهمت الكتاب أبر الكتب ... فسمعالأمر أمير العرب # إلى أن قال: # وما لاقني بلد بعدكم ... ولا اعتضت من رب نعماي رب # ومن ركب الثور بعد الجوا - د أنكر أظلافه والغبب # وما قست كل ملوك البلاد ... فدع ذكر بعض بمن في حلب # ولو كنت سميتهم باسمه ... لكان الحديد وكانوا الخشب # أفي الرأي يشبه أم في السخا - ء أم في الشجاعة أم في الأدب؟ ولما عزم أبو ~~الطيب على الرحيل من حلب، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة لم يجد بلدا ~~أقرب إليه من دمشق؛ لأن حمص كانت من بلاد سيف الدولة، فسار إلى الشام، ~~وألقى بها عصا تسياره، وكان بدمشق يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل ~~كافور ملك مصر، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فثقل عليه، فغضب ابن ملك، وجعل ~~كافور الإخشيدي يكتب في طلب المتنبي من ابن ملك، فكتب إليه ابن ملك: إن أبا ~~الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلت مصر فما قصدي إلا قصدي إلا ابن سيده، ~~ونبت دمشق بأبي الطيب، فسار إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسين بن طغح ~~هدايا نفيسة، وخلع عليه، وحمله على فرس بمركب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وكان ~~كافور الإخشيدي يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ وأخبر ~~المتنبي أنه واجد عليه ثم كتب كافور يطلبه من أمير الرملة، فسار إليه. # وكافور هذا ms050 عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل ~~البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال رأيت أمة ~~سوداء تأمر وتنهي، وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش ~~يستخدمونه في مصالح السوق، وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم ~~فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن ~~طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، ~~وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو ~~بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذته البيعة لولد سيده، ~~وتفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء فنظر الناس ~~إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى بعضهم ببعض ~~حتى صار الرجل لا يأمن أهل داره على أسراره، وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير ~~من سيده، ثم ملك الأمر على ابن سيده وأمر ألا يكلمه أحد من مماليك أبيه، ~~ومن كلمة أتلفه، فلما كبر ابن سيده وتبين ما هو فيه جعل يبوح بما هو في ~~نفسه في بعض الأوقات على الشراب ففزع الأسود منه، وسقاه سما فقتله، وخلت ~~مصر له. # ولما قدم أبو الطيب عليه أمر له بمنزل، ووكل به جماعة وأظهر التهمة له، ~~وطالبه بمدحه فلم يمدحه فخلع عليه، فقال أبو الطيب في سنة ست وأربعين ~~وثلاثمائة بمصر يمدحه بقصيدته التي أولها: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # إلى آخرها، وكان وعده أن يبلغه ما في نفسه فأنشده قصيدته التي أولها: # من الجآذز في زي الأغاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلالبيب # وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب ~~بحاجبين من ممالكيه وهما بالسيوف والمناطق، وكان لا يجلس في مجلس كافور، ~~فأرسل إليه من قال له قد طال قيامك يا أبا الطيب في مجلسه؛ يريد أن يعلم ما ms051 ~~في نفسه. # فقال ارتجالا: # يقل له القيام على الرءوس ... وبذا المكرمات من النفوس # إذا خانته في يوم ضحوك ... فكيف تكون في يوم عبوس PageV01P029 قلت: ينبغي ~~التعجب! لا يرضى أبو الطيب أن ينشد قائما عند سيف الدولة وهو على ما كان ~~عليه، وبعد اشتهار في أقطار الأرض، ومعرفة ملوكها بفضله. فعل ما سمعته. ~~ورأيت له قصيدة ليست في ديوانه يرثى بها أبا بكر ابن طغج الإخشيد أولها: # هو الزمان مشت بالذي جمعا ... في كل يوم ترى من صرفه بدعا # إن شئت مت أسفا أو فابق مضطربا ... قد حل ما كنت تخشاه وقد وقعا # لو كان ممتنع تغنيه منعته ... لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا # وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات. # وسأل أبو الطيب كافورا أن يوليه صيداء من بلاد الشام أو غيرها من بلاد ~~الصعيد، فقال له كافور: أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك ~~إلى النبوة فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع، فمن يطيقك؟ ثم وقعت الوحشة ~~بينهما، ووضع عليه العيون والأرصاد خوفا من أن يهرب وأحس المتنبي بالشر. ~~قال الوحيد كنت بمصر وبها أبو الطيب، ووقفت من أمره على شفا الهلاك ودعتني ~~نفسي لحب أهل الأدب إلى أن أحثه على الخروج من مصر فخشيت على نفسي أن يشيع ~~ذلك عني، وكان هو مستعد للهرب، وإنما فات أظافير الموت، ومخالب المنية من ~~قرب، وهو جني ذلك على نفسه، لأنه ترك مدح ابن حنزابة وهو وزير كافور، ~~والمقرب منه، وهو مع ذلك من بيت شريف أهل وزارة ورياسة ومن العلم والأدب ~~بموضع جليل، وهو باب الملك، فأتى من غير الباب، وأنشد القصيدة اليائية، ~~وأولها ما يتطير منه، كيف لا ويراعتها: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # تمنيتها لما تمنيت أن ترى ... صديقا فأعيا أو عدوا مذاجيا # قلت: تذكرت بهذا البيت حكاية وهي ما حدث محمد بن الحسن الخوارزمي قال: ~~مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه الموسوس وهو يقول مدح الناس ms052 المتنبي على ~~قوله: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # ولو قال ما من مداراته أو من مداجاته بد لكن أحسن وأجود قال: واجتاز ~~المتنبي به فوقف عليه وقال أيها الشيخ أحب أن أراك، فقال له رعاك الله، ~~وحياك، فقال له بلغني أنك أنكرت على قولي: عدوا له ما من صداقته بد فما كان ~~الصواب عندك؟ فقال له إن الصداقة مشتقة من الصدق في المودة، ولا يسمى ~~الصديق صديقا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في ~~هذا الموضع، ولو قلت ما من مدارته أو مداجاته لأصبت.هذا رجل منا: يريد نفسه ~~قال: # أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدو لي يلقب بالحبيب # فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال نعم: # وقد عبث الشراب بوجنتيه ... فصير خده كسنا اللهيب # فقلت له متى استعملت هذا ... لقد أقبلت في زي عجيب # فقال الشمس أهدت لي قميصا ... مليح اللون من نسج المغيب # فثوبي والمدام ولون خدي ... قريب من قريب من قريب # فتبسم المتنبي وانصرف وسيبويه يصيح عليه: أبكم الرجل وحلال الله وكأن ~~المتنبي يذكر قول سيبويه في هذا البيت. قال الوحيد وهذا الابتداء مما تمجه ~~الأسماع فقبح ابن حنزابه أثره، ثم لم يزل يذكر سواد كافور، ووراءه من ينبه ~~على عيوبه كقوله في قصيدته التي أولها: # إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء # إلى أن قال: إنما يفخر الكريم أبو الم - سك بما يبتني من العلياء وبأيامه ~~التي انسلخت عن - ه وما داره سوى الهيجاء ويما أثرت صوارمه البي - ض له في ~~جماجم الأعداء وبمسك يكني به ليس بالمس - ك ولكنه أريج الثناء ومنها: نزلت ~~إذ نزلتها الدار في أح - سن منها من السنا والسناء # حل في منبت الرياحين منها ... منبت المكرمات والآلاء # تفضح الشمس كلما ذرت الشم - س بشمس منيرة سوداء # إن في ثوبك الذي المجد فيه ... لضياء يزري بكل ضياء # إنما الجلد ملبس وابيضاض الن - فس خير من ابيضاض القباء # كرم في شجاعة وذكاء ms053 ... في بهاء وقدرة في وفاء # من لبيض الملوك أن تبدل اللو - ن بلون الأستاذ والسجناء # يا رجاء العيون في كل أرض ... لم يكن غير أن أراك رجائي PageV01P030 فكان ~~يقول ابن حنزابة إنه هزئ بكافور في هذه الأبيات، ويسهل على الناس أمر لونه، ~~ويحسنه له. قال الوحيد: كان المتنبي يعلم أن ذكر السواد على مسامع كافور ~~أمر من الموت فإذا ذكر لونه بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه وعرضها للقتل ~~والحرمان، وكان من إحسان الصنعة، وإجمال الطلب ألا يذكر لونه، وله عنه ~~مندوحة، ولكن الرجل كان سيئ الرأي، وسوء رأيه أخرجه من حضرة سيف الدولة، ~~وشدة تعرضه لعداوة الناس، وقد ذكر سواد كافور في عدة مواضع، وكان اللائق ~~ألا يذكره إلا كقوله: # فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت خلفها ومآقيا # وهذا في أعلى طبقات الإحسان لكونه كني عن سواده بإنسان عين الزمان. ومن ~~هذه القصيدة: # فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلا نرجي التلاقيا # ومنها: # أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا ... إليه وذا الوقت الذي كنت راجيا # أبا كل طيب لا أبا المسك وحده ... وكل سحاب لا أخص الغواديا # يدل بمعنى واحد كل فاخر ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا # ومن قول سام لو رآك لنسله ... فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا # قال أبو الفتح بن جني لما قرأت قوله في كافور على أبي الطيب: # وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب # فقلت له لم تزد على أن جعلته أبازنة، فضحك أبو الطيب، فإنه بالذم أشبه ~~منه بالمدح، وبعد هذا البيت: # وتعذلني فيك القوافي وهمتي ... كأني بمدح قبل مدحك مذنب # ومن هذه القصيدة: # وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ تملي على وأكتب # إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويميم كافورا فما يتغرب # ومنها: # إذا ضربت في الحرب بالسيف كفه ... تبينت أن السيف بالكف يضرب # تزيد عصاياه على اللبث كثرة ... وتلبث أمواه السحاب فتضب # أبا المسك هل في الكأس فضل أنا له ... فإني أغني منذ ms054 حين وتشرب # وهبت على مقدار كفى زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب # يضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وأبكي من أحب وأندب # أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب # فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب # إلى أن قال في أثنائها: # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب # وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان أحدهما أن المنعم يحسد المنعم عليه، ~~وكذلك ورد قوله في كافور: # فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده # فإنه إذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه بالذم أولى منه بالمدح؛ ~~لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيبت ~~بلفظ رب التي معناها التقليل أي لست من نوالك على يقين، فإن نلته فقد وصلت ~~إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده. # وكثيرا ما يقصد المتنبي هذا القسم في كافورياته كقوله: # عدوك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # إلى أن قال في أواخرها: # قضى الله يا كافور أنك أول ... وليس بقاض أن يرى ثان # فما لك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلان # وما لك تعني بالأسنة والقنا ... وجلدك غني عنه بالحدثان # وهذا مما يدل على براعة البليغ وقدرته على المعاني، ومثله ورد في الحديث ~~النبوي من كلام النبوة الأولى " إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " فهذا الحديث ~~على معنين ضدين ومثله قول الفرزدق: # إذا جعفر مرت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الأحياء منها قبورها # فإنه يدل أيضا على معنيين: أحدهما ذم الأموات، والآخر مدح الأموات. وقوله ~~أيضا في كافور: # فدى لأبي المسك الكرام فإنها ... سوابق خيل يهتدين بأدهم # أغر بمجد قد شخصن وراءه ... إلى خلق رحب، وخلق مطهم PageV01P031 ومن رام ~~معرفة مراد أبي الطيب في هذين البيتين فعليه بقول ms055 ابن الرومي وهو: # هم الغرة البيضاء من آل مصعب ... وهم بقعة التحجيل والناس أدهم # وكان أبو الطيب يأنس بمصر بفاتك الإخشيدي المعروف بالمجنون، ومدحه ~~بالقصيدة التي أولها: # لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # واجز الأمير الذي نعماه فاجئه ... بغير قول ونعمى الناس أقوال # فتوفي فاتك ورثاه المتنبي وهجا كافورا بقصيدة أولها: # الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصى طيع # ومنها: # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع # ومنها: # كنا نظن دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكل دار بلقع # المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الكريم الأروع # ومنها: # يا من يبدل كل يوم حلة ... أني رضيت بحلة لا تنزغ # لازلت تخلعها على من شاءها ... حتى لبست اليوم مالا يخلع # ومنها: # من للمحافل والجحافل والسرى ... فقدت بفقدك نيرا لا يطلع # ومن اتخذت على الصفوف خليفة ... ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع # قبحا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل لؤم برقع # أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الخصي الأوكع # وله فيه أيضا من قصيدة قالها بعد رحيله من مصر وهي: # من لا تشابهه الأحياء في شيتم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم # عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم # ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت ... إلى من اختضبت أخفافها بدم # أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفة الصنم # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # أكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # أسمعتني ودوائي ما أشرت به ... فإن غفلت فدائي قلة الفهم # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # وآخر ما مدح به كافورا قصيدته التي أولها: # منى كن لي أن البياض خضاب ... فيخفي بتبيض القرون شباب # ليالي عند البيض فوداي فتنة ... وفخر وذاك الفخر عندي عاب # فكيف أذم اليوم ما كنت أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب # جلا اللون عن لون هدى كل مسلك ... كما انجاب عن ضوء ms056 النهار ضباب # وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ... ولو أن ما في الوجه منه حراب # لها ظفر إن كل ظفر أعده ... وناب إذا لم يبق في الفم ناب # يغير مني الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب # وإني لنجم تهتدي صحبي به ... إذا حال من دون النجوم سحاب # غني عن الأوطان لا يستفزني ... إلى بلد سافرت عنه إياب # ومنها: # وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب # أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب # وفي النفس حاجاته وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب # وانقطع أبو الطيب بعد إنشاد هذه القصيدة لا يلقى الأسود إلا أن يركب ~~فيسير معه في الطريق، وعمل على الرحيل، وقد أعد كل ما يحتاج إليه على ممر ~~الأيام بلطف ورفق، ولا يعلم به أحد من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، ~~وطال عليه التحفظ، فخرج ودفن الرماح في الرمال، وحمل الماء على الإبل لعشر ~~ليال، وتزود لعشرين، وقال في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاثمائة قبل سيره من ~~مصر بيوم: # عيد بأية حال عدت يا عيد ... بما مضى أم لأمر فيك تجديد # ومنها: # إني نزلت بكذابين ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود # جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود # ومنها: # أكلما اغتال عبد السوء سيده ... أو خانه فله في مصر تمهيد PageV01P032 ~~صار الخصي إمام الآبقين بها ... فالحر مستعبد والعبد معبود # وآخرها: # أولى اللثام كويفير بمعذرة ... في كل لؤم وبعض العذر تفنيد # وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود # وفي يوم العيد سار من مصر هاربا، وأخفى طريقه، فلم يؤخذ له أثر، حتى قال ~~بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقا ~~تحت الأرض، وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب، وبذل كافور في طلبه ~~ذخائر الرغائب، وكتب إلى عماله في سائر أعماله، ودخل أبو الطيب إلى موضع ~~يعرف بنخل بعد أيام، وسار حتى قرب من ms057 النقاب فرأى رائدين لبني سليم على ~~قلوصين، فركب الخيل، وطردهما، حتى أخذهما، فذكروا له أن أهلها أرسلوهما ~~رائدين، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسارا معه حتى توسط بيوت ~~بني سليم آخر الليل، فضرب له ملاعب خيمة بيضاء، وذبح له، وسار إلى النقيع، ~~فنزل ببادية معن، فذبح له، وسار إلى أن دخل حسمي، وهي أرض كثيرة النخل، ~~وطابت له حسمي، فأقام بها شهرا، وكان نازلا بها عند وردان بن ربيعة الطائي، ~~فاستغوى عبيده، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من ~~رحله. وكاتب الأسود سائر قبائل العرب في طلبه، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، ~~وكان وردان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفا مستورا، فسأله أن ينظره، فأبى، ~~لأنه كان على قائمته مائة مثقال من الذهب، وكان السيف ثمينا، فجعل الطائي ~~يحتال على العبيد بامرأته، طمعا في السيف، لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر ~~أبو الطيب أمر العبيد، ووقف على مكاتبة الأسود، ترك عبيده نياما، وتقدم إلى ~~الجمال فشد عليها أسبابه، وسار والقوم لا يعلمون برحيله، وطرح عبيده على ~~الإبل وهم لا يعلمون، وأخذ في المسير، وأخذ بعض العبيد السيف في الليل، ~~فدفعه إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال ~~الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو ~~وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه ~~العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو ~~الطيب القطعة التي أولها: # أعددت للغادرين أسيافا ... أجدع منهم بهن آنافا # وقال أيضا يهجو وردان: # إن تك طيئ كانت لئاما ... فألأمها ربيعة أو بنوة # وإن تك طيئ كانت كراما ... فوردان لغيرهم أبوه # مررنا منه في حسمي بعبد ... يمج اللؤم منخره وفوه # أشذ بعرسه عني عبيدي ... فأتلفهم ومالي أتلفوه # فإن شقيت بأيديهم جيادي ... لقد شقيت بمنصلي الوجوه # ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثورا يلوح ~~فقال هذه منارة الجامع، ونظر ms058 آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب ~~وضحكت البادية التي كانت معه وقال: # بسيطة مهلا سقيت القطارا ... تركت عيون عبيدي حياري # فظنوا النعام عليك النخيل ... وظنوا الصوار عليك المنارا # وأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قصد النوم فيهم وحارا # وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها: # الأكل ماشية الخيزلي ... فدى كل ماشية الهيذبي # وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض ~~بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام. # أبو الطيب في مدينة السلام PageV01P033 قال أبو علي الحاتمي: كان أبو ~~الطيب عند وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن ~~العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا ~~يرى أحدا إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك ~~رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير ~~منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي ~~أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق بشيء من ~~مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن ~~بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ~~ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس ~~أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت ~~مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئا من شعره فحين استؤذن ~~لي نهض من مجلسه ودخل بيتا إلى جانبه، ونزلت عن بغلتي وهو يراني، ودخلت إلى ~~مكانه، فلما خرج إلي نهضت إليه فوفيته حق السلام غير مشاح له في ذلك، وكان ~~سبب قيامه من مجلسه لئلا يقوم لي عند الدخول إليه ولبس سبعة أقبية ملونة ~~وكان الوقت أحر ما يكون من الصيف وأحق بتخفيف اللبس فجلس وأعرض عني ساعة لا ms059 ~~يعيرني طرفا، ولا يكلمني حرفا، فكدت أتميز غيظا، وأقبلت أستخف رأيي في ~~قصده، وأعاتب نفسي في التوجه إلى مثله، وهو مقبل على تكبره ملتفت إلى ~~الجماعة الذين بين يديه وكل واحد منهم يومي إليه، ويوحي بطرفه، ويشير إلى ~~مكاني، ويوقظه من ستة جهله ويأبى إلا ازورارا ونفارا جريا على شاكلة خلقه، ~~ثم توجه إلي فوالله ما زادني على قوله: أي شيء خبرك؟ فقلت ما جنيته على ~~نفسي من قصدك وكلفت قدمي من السعي إلى مثلك، ثم انحدرت عليه انحدار السيل ~~وقلت أبن لي عافاك الله ما الذي يوجب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء؟ هل ~~هنا نسب يورثك الفخر، أو شرف توجت به دون أبناء الدهر، أو علم، أصبت فيه ~~علما يقع الإيماء إليه، أو مورد تقف الهمم عليه؟ وهل أنت إلا وتد بقاع في ~~أشر البقاع؟ وإني لأسمع جعجعة ولا طحن فامتقع لونه، وجعل يعتذر عن جنايته، ~~وأقول له يا هذا إذا أتاك شريف في نسبه تجاهلت عليه، أو عظيم في أدبه صغرت ~~قدره، أو مقدم عند سلطانه لم تعرف موضعه، هل العز تراث لك دون غيرك؟ كلا ~~والله، ولكنك مددت الكبر سترا، رواقا دون جهلك، فعاد إلى الاعتذار وأخذت ~~الجماعة في تليين جانبي، والرغبة في قبول عذره وإعمال مياسرته ومسامحته، ~~ويحلف بالله أنه لم يعرفني فأقول: يا هذا ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما ~~كان في هؤلاء الجماعة من يعرفك بي إن كنت جهلتني؟ وهب كان ذلك ألم ترتحتي ~~بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يدي عدة غلمان؟ أما شاهدت لباسي أما ~~شممت نشري أما راعك شيء من أمري أتميز به عن غيري؟ وهو خافض جناح الذل، وقد ~~زال عنه ما كان فيه وأقبل على، وأقبلت عليه. # ثم قلت له يا هذا يختلج في نفسي أشياء من شعرك أريد أن أسألك عنها، ~~وأراجعك فيها. قال وما هي؟ قلت أخبرني عن قولك: # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول # أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك: # خف ms060 الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # أهكذا يتشبب بالمحبوب؟ وعن قولك: # ولا من في جنازتها تجار ... يكون وداعها نفض النعال # أهكذا رثاء أحت الملك؟ والله لو قلت هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا، وعن ~~قولك: # سلام الله خالقنا حنوطا ... على الوجه المكفن بالجمال # أما استحييت من سيف الدولة؟ عن قولك في هجاء ابن كيغلغ: # وإذا أشار محدثا فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم # أما كان في أفانين الهجاء التي تصرفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام ~~الذي تنفر عنه الأسماع، ويمجه كل طبع. وأخبرني أيضا عن قولك في صفة الكلب: # فصار ما في جلده في المرجل ... ولم يضرنا معه فقد الأجدل PageV01P034 أي ~~شيء أعجبك من هذا الوصف؟ أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز الحسن ~~بن هانئ وطردية ابن المعتز أما كان في المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران ~~ما تتشاغل به عن بنيات فكرك من اللفظ اللئيم؟ وعن قولك: # أرق على أرق ومثلي يأرق ... وجوى يزيد وعبرة تترقرق # أهكذا تكون الافتتاحات؟ وعن قولك: # أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن ريعا # أهكذا تكون المخالص؟ وعن قولك: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيسى كلهن قلاقل # قال أبو علي الحاتمي فأقبل على وقال أين أنت من قولي؟ # كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد # وأين أنت من قولي في وصف جيش: # في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره # وأين أنت من قولي؟: # لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا # ومن قولي أيضا: # أينفع في الخيمة العذل ... وتشمل من دهره يشمل # وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل # وقولي فيها أيضا: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل # وأين أنت من قولي؟ # الناس ما لم يروك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه # وأين أنت من قولي؟ # وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول # يحرمه ms061 لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيل # أما يكفيك إحساني في هذه وتغفر إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحسانا في ~~جميع ما ذكرت، وإنما أنت سارق متبع، وآخذ مقصر وفيما تقدم عن المعاني ~~مندوحة عن التشاغل بها. # فأما قولك: # كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد # وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد # فمنقول من منصور النمري: # فكأنما وقع الحسام بهامه ... خدر الأسنة أو نعاس الهاجع # وأما قولك: # في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره # فإنما نقلته نقلا لم تحسن فيه، وهو قول الناجم: # ولي في أحمد أمل بعيد ... ومدح قد مدحت به طريف # مديح لو مدحت به الليالي ... لما دارت على لها صروف # والناجم نقله من قول أرسطو وهو: قد تكلمت بكلام لو مدحت به الدهر لما ~~دارت على صروفه. # وأما قولك: # لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا # فهذا معنى مبذول قد تجاذبته الشعراء، وأول من نطق به الفرزدق بقوله: # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # ثم تكرر على ألسنة الشعراء، إلى أن قال أبو تمام: # لو سعت بقعة لإعظام أخرى ... لسعى نحوها المكان الجديب # وأخذ هذا المعنى البحتري، فقال: # ولو إن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنير # وأما قولك: # وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل. # فهذا مأخوذ من قول رحل مدح بعض أمراء الموصل، وقد عزم على المسير، فاندق ~~لواؤه فقال: # ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مرتلا # إلا لأن العود صغر متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا # وأما قولك: # الناس ما لم يرك أشباه ... والدهر لفظ وأنت معناه # فمنقول من قول منصور بن بسام # قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر أين الرجال # هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال # وأما قولك: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل. # فمنقول من قول أبي نواس: # أمام خميس أرجوان ms062 كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد # وقال بعض الحاضرين ما أحسن قوله: قوموا انظروا كيف تسير الجبال! فقال أبو ~~الطيب اسكت ما فيه من حسن إنما سرقة من قول النابغة وهو: # يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح PageV01P035 قال ~~الحاتمي وأما قولك: " والدهر لفظ وأنت معناه " فمنقول من الأخطل وهو: # وإن أمير المؤمنين وفعله ... لك الدهر لا عار بما فعل الدهر # ثم قلت له: أتراه أخذه من أحد؟ فأطرق هنية ثم قال: ما تصنع بهذا؟ قلت ~~ليستدل به على موضعك وموضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال الله أكبر، سأفهمك، ~~ثم قال: ألا قلت بل أخذه من قول النابغة الذبياني: وهو أول من ابتكره، ~~فقال: # وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاه من عار # أخذه أبو تمام فقال وأجاد: # خشعوا لصولتك التي هي فيهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار # وأما قولك: # وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول # يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصول # فهو من قول عبد الله بن دارة. # ألم تعلمي يا أحسن الناس أنني ... وإن طال هجري في لقائك جاهد # فلا تعذلينا في التنائي فإننا ... وإياك كالظمآن والماء بارد # يراه قريبا دانيا غير أنه ... تحول المنايا دونه والمراصد # فقال أبو الطيب: ألست القائل: # ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا # شرف ينطح النجوم بروقي - ه وعز يقلقل الأجبالا قلت بل أخذت البيت الأول ~~من بكر بن النطاح: # يتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنا بوجه وقاح # هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجد غير طرق المزاح # وأخذت الثاني من بيت أبي تمام وأفسدته. # همة تنطح النجوم وحظ ... آلف للحضيض فهو حضيض # قال: فأي شيء أفسدته؟ قلت: جعلت لشرف الرجل قرنا. قال هي استعارة. قلت: ~~استعارة خبيثة. قال: أقسمت بالله إني لم أقرأ شعرا قط لأبي تمامكم. فقلت: ~~هذه سوءة لو سترتها كان أولى. قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو ~~القائل؟: # خشنت عليه أخت بني الخشين ... وأنجح فيك قول ms063 العاذلين # وهو الذي يقول: # تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... جلودها قبل نضج التين والعنب # وهو الذي يقول: # أقول لقرحان من البين لم يصب ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب # ما قرحان البين؟ أخرس الله لسانه! فقلت له: يا هذا، قد كذبت نفسك، هذا من ~~أدل الدليل على أنك قد قرأت شعر الرجل، بتتبعك مساويه، ثم قلت: يتسم أبو ~~تمام بميسم النقيصة وهو الذي يقول: # نوالك رد حسادي فلولا ... وأصلح بين حسادي وبيني # هلا اعتبرت البيت بهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؟ وأما ~~قوله تسعون ألفا . . . البيت، فله خبر لو عرفته وتقصيته، لما قلت ما قلتثم ~~قصصت عليه سبب إيراده. ثم قلت له وفي هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من ~~متقدمي الشعراء، وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال وما هو؟ ~~قلت لو قال قائل لم يبدأ أحد بأوجه ولا أحسن ولا أخصر من قوله: # السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # لما عنف في ذلك، وفيها يقول: # رمى بك الله برجيها فهدمها ... ولو رمى بك غير الله لم يصب # وفيها: # لما رأى الحرب رأى العين توفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب # ومنها: # فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب # غادرت فيهم بهيم الليل وهو ضحى ... يشله وسطها صبح من اللهب # حتى كأن جلابيب الدجى رغبت ... عن لونها وكأن الشمس لم تغب # أجبته معلنا بالسيف منصلتا ... ولو أجبت بغير السيف لم تجب # وأما قوله. أقول لقرحان من البين . . . البيت فإنه يريد رجلا لم يقطعه ~~أحبابه ولم ينأوا عنه وفي هذه القصيدة من المعاني الرائعة، والتشبيهات ~~العجيبة، والاستعارات البارعة، ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، فمن ذلك ~~قوله. # إذا العيس لا قت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب # يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب # وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب PageV01P036 ~~وقد علم الأفشين وهو الذي به ... يصان رداء الملك من ms064 كل جاذب # بأرشق إذ سالت عليهم غمامة ... جرت بالعوالي والعتاق الشوازب # بأنك لما استحنك الأمر واكتسى ... أهابي تسفي في وجوه التجارب # وفيها يقول: # ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب # ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # فبهره ما أوردته عليه، وأمسك عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن ~~الإجابة لسانه، وكاد أن يشغب، لولا ما خاف من عاقبة شغبه ومعرفته بمكاني في ~~تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: أكثرت من أبي تمام فلا ~~قدس الله روح أبي تمام! فقلت: لا قدس الله روح السارق منه، الواقع فيه! ثم ~~قلت: ما الفرق في لغة العرب بين التقديس والقداس والقادس؟ قال: وأي شيء ~~غرضك في هذه المذاكرة؟ بل المهاترة؟ ثم قال: التقديس: التطهير، ولذلك سمي ~~القدس قدسا، لأنه يشتمل على الذي يكون به الطهور. وكل هذه الأحرف تئول ~~إليه، فقلت له: ما أحسبك أمعنت النظر في كتب اللغة، وعلوم العرب، ولو تقدم ~~منك مطالعة لها، ما جمعت بين معاني هذه الكلمات، مع تباينها؛ لأن القداس ~~بتشديد الدال: حجر يلقى في البئر لعلم غزارة ما فيه من قلته. حكى ذلك ابن ~~الأعرابي. والقداس يشبه الجمان يعمل من الفضة حكى ذلك الخليل، واستشهد ~~بقوله " كنظم قداس سلكه متقطع " . # والقادس: السفينة فلما علوته بالكلام قال: يا هذا، اللغة مسلمة لك، فقلت: ~~كيف تسلمها وأنت أبو عذرتها وأولى الناس بها، وأعرفهم باشتقاقاتها والكلام ~~على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن غربيها منك، وشرع الجماعة يسألونني ~~العفو عنه، وقبول عذره، وكنت بلغت شيئا كان في صدري، وعلمت أن الزيادة على ~~الحد الذي انتهيت إليه ضرب من الأشر والبغي، ولا أراه في مذهبي، ورأيت له ~~حق التقدم في صناعته فطأطأت له كنفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت، فنهض ~~لي مشيعا إلى باب الدار، حتى ركبت وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت ~~بقية يومي بشغل عن لي عن حضرة الوزير المهلبي، وانتهى إليه ms065 الخبر. # وأتت رسله ليلا، فسرت إليه، وقصصت عليه القصة بتمامها، فحصل له من السرور ~~والابتهاج بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، وإخباره بكل ما أخبرته. ~~وأخبرني الرئيس أبو القاسم محمد بن العباس أنه بمجرد دخوله على معز الدولة ~~قال: أعلمت ما كان من أبي علي الخاتمي والمتنبي؟ فإنه شفي منه صدرا. قال ~~أبو علي الحاتمي: وشاهدت من فضيلته، وصفاء ذهنه، وجودة حذقه، ما حداني على ~~عمل الحاتمية، وتأكدت بيني وبينه الصحبة، وصرت أتردد إليه أحيانا. # قال الخالديان: كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد. ولقد حكي ~~بعض من كان يحسده أنه كان يضع من الشعراء المحدثين؛ ويغض من البلغاء ~~الملفقين، وربما قال أنشدوني لأبي تمامكم شيئا حتى أعرف منزلته من الشعر، ~~فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، فأنشد أحدنا ~~لمولانا أيده الله شعرا له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام استحسنه مولانا أدام ~~الله تأييده فاستجاده واستعاده. # فقال أبو الطيب هذا يشبه قول أبي تمام، وأتى بالبيت المأخوذ منه المعنى، ~~فقلنا قد سررنا لأبي تمام إذ عرفت شعره، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر ~~أبي تمام، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده فقلنا قد قيل إنك تقول كيت وكيت، ~~فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام، وكان يروي ~~جميع شعره. # وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين علي غريبها، ولا يسأل عن شيء ~~إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي ~~قال له يوما: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له في الحال حجلي وظربي. # قال الشيخ أبو علي الفارسي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لها ~~ثالثا فلم أجد. وحسبك من يقول مثل أبي على في حقه ذلك. ولما استقر بدار ~~السلام، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذاهبا بنفسه عن مدح غير الملوك شق ذلك ~~على المهلبي، فأغرى به شعراء العراق، حتى نالوا من عرضه، وتباروا ms066 في هجائه، ~~فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي ~~لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم: PageV01P037 أرى المتشاعرين غروا بذمي ... ~~ومن ذا يحمد الداء العضالا # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # وقوله: # أفي كل يوم تحت ضبني شويعر ... ضعيف يقاويني قصير يطاول # لساني بنطق صامت عنه عادل ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل # وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل # وما التيه طبعي فيهم غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتغافل # وقولي: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل # ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء ~~العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أي فضل لشاعر يطلب الفض - ل من الناس ~~بكرة وعشيا عاش حينا يبيع بالكوفة الما - ء وحينا يبيع ماء المحيا وكان ابن ~~لنكك حاسدا له، طاعنا عليه، هاجيا إياه، زاعما أن أباه كان يسقي الماء ~~بالكوفة، فشمت به، وقال: # قواد لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشد من جهل بهم وعموا # أعطيتمو المتنبي فوق منيته ... فزوجوه برغم أمهاتكم # لكن بغداد جاد الغيث ساكنها ... نعالهم في قفا السقاء تزدحم # ومن قوله فيه: متنبيكم ابن سقاء كوفا - ني ويوحي من الكنيف إليه # كان من فيه يسلح الشعر حتى ... سلحت فقحة الزمان عليه # ومن قوله فيه: # ما أوقح المتنبي ... فيما حكى وادعاه # أبيح مالا عظيما ... لما أباح قفاه # يا سائلي عن غناه ... من ذاك كان عناه # إن كان ذاك نبيا ... فالجاثليق إله # ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ~~ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان ~~وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، ~~والبحر دجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له ~~مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزنا، ولم يجبه عن كتابه، ms067 وقيل إن ~~المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل ~~إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضا يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في ~~شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم ~~استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن ~~الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه ~~عن مدح الوزراء. # وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجها إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ~~ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض عن سماع شعره. قال الربعي : ~~قال لي بعض أصحاب ابن العميد: قال دخلت عليه يوما قبل دخول المتنبي فوجدته ~~واجما، وكانت قد ماتت أخته عن قريب، فظننته واجدا لأجلها، فقلت لا يحزن ~~الله الوزير. فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن ~~أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتابا في التعزية ما منها إلا وقد صدر ~~بقوله: # طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب # حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي # فكيف السبيل إلى إخماد ذكره؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من ~~إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر، وهذان ~~البيتان من قصيدة لأبي الطيب يرثى بها أخت سيف الدولة، وأنفذها إليه من ~~بغداد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأول القصيدة: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب # وفي الشطر الثاني من هذا البيت نقد للمتأمل. # وفي صفر سنة أربع وخمسين ورد على أبي الفضل بن العميد وهو بأرجان فحسن ~~موقعه منه، وأنشده: # باد هواك صبرت أو لم تصبرا ... وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى # قيل: سئل أبو الطيب عن نصب تصبرا، فقال: سلوا الشارح، يعني ابن جني. # كم غر صبرك وابتسامك صاحبا ... لما رآه وفي الحشا ما لا يرى PageV01P038 ~~قال أبو عبد الله: كان ابن العميد كثير الانتقاد علي ms068 أبي الطيب، فإنه لما ~~أنشده هذا البيت قال: يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غر ~~صبرك؟ ما أسرع ما نقضت ما ابتدأت به! فقال تلك حال وهذه حال: # أمر الفؤاد لسانه وجفونه ... فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا # تعس المهاري غير مهري غدا ... بمصور لبس الحرير مصورا # نافست فيه صورة في خدره ... لو كنتها لخفيت حتى يظهر # لا تترب الأيدي المقيمة فوقه ... كسرى مقام الحاجبين وقيصرا # يقيان في أحد الهوادج مقلة ... رحلت وكان لها فؤادي محجرا # وقد استعمل أبو الطيب هذه الطريقة حيث قال في وصف الخيمة وهو: # وأحسن من ماء الشيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه # عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه # وفوق حواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه # ترى حيوان البر مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه # إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتد أي ضراغمه # وفي صورة الرومي ذي التاج ذلة ... لأبلج لا تيجان إلا عمائمه # وكذلك أوردها أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: # صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن ندى كل جبس # إلى أن قال في وصف إيوان كسرى: # وهوينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس # فإذا ما رأيت صورة إنطا - كية ارتعت بين روم وفرس # والمنايا مواثل وأنوشر ... وأن يزجي الصفوف تحت الدرفس # في اخضرار من اللباس على ... أصفر يختال في صبيغة ورس # وعراك الرجال بين يديه ... في خفوت منهم وإغماض جرس # من مشيح يهوى بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس # تصف العين أنهم جد أحيا - ء لهم بينهم إشارة خرس # يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس # والسابق إليها أبو نواس في قوله: # قرراتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسي الفوارس # ومن قصيدة المتنبي: # أرجان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يذر الوشيح مكسر # لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله ... ما شق كوكبك العجاج الأكدرا # أمي أبا الفضل المبر أليتي ... لأيممن أجل بحر جوهرا # أفتى برؤيته الأنام وحاش ms069 لي ... من أن أكون مقصرا أو مقصرا # صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا # ومنها: # يتكسب القصب الضعيف بخطه ... شرفا على صم الرماح ومفخرا # ويبين فما مس منه بنانه ... تيه المدل فلو مشى لتبخترا # يا من إذا ورد البلاد كتابه ... قبل الجيوش ثنى الجيوش تحيرا # أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا # قطف الرجال القول قبل نباته ... وقطفت أنت القول لما نورا # فهو المتبع بالمسامع إن مضى ... وهو المضاعف حسنه إن كررا # وإذا سكت فإن أبلغ خاطب ... قلم لك اتخذ الأنامل منبرا # ورسائل قطع العداة سحاءها ... فرأوا قنا وأسنة وسنورا # فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا # خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا # أرأيت همة اناقتي في ناقة ... نقلت يد اسرحا وخفا مجمرا # تركت دخان الرمث في أوطانه ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا # وتكرمت ركباتها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذفرا # لا يخفي ما في هذا البيت. # ومنها: # من مبلغ الأعراب أنى بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا PageV01P039 ~~ومللت نحر عشارها فأضافني ... من ينحر البدر النضار لمن قرى # وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملكا متبديا متحضرا # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # ورأيت في نسخة قديمة )وأتت فذلك(. # ومن تأمل هذه الأبيات علم أن أبا الطيب قد ملك رقاب الكلام، واستعبد ~~كرائمها، واستولد عقائمها، وفي ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس. # ومنها: # يا ليت باكية شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا # فترى الفضيلة لا ترد فضيلة ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا # وتنازع ندماء ابن العميد في البيت الأخير، فقال: أثبتوه حتى أتأمله، ~~فأثبت البيت، ووضع بين يديه، فأطرق مليا يفكر فيه، ثم قال هذا يعطلنا عن ~~المهم، وما كان الرجل يدري ما يقول. # وقد أشار المتنبي إلى أن ابن العميد ينتقد شعره بقوله: هل لعذري إلى ~~الهمام أبي الفض - ل قبول سواد عيني مداده # أنا من شدة الحياء عليل ... مكرمات المعلة ms070 عواده # ما كفاني تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتى ثناه انتقاده # إنني أصيد البزاة ولكن - ن أجل النجوم لا أصطاده # رب مالا يعبر عنه ... والذي يضمر الفؤاد اعتقاده # ما تعودت أن أرى كأبي الفض - ل وهذا الذي أتاه اعتياده # إن في الموج للغريق لعذرا ... واضحا أن يفوته تعداده # وهذه الأبيات من قصيدته التي يمدح بها ابن العميد، ويهنئه بالنوروز ~~وأولها: # جاء نيروزنا وأنت مراده ... وررت بالذي أراد زناده # هذه النظرة التي نالها من - ك إلى مثلها من الحول زاده # ينثني عنك آخر اليوم منه ... ناظر أنت طرفه ورقاده # نحن في أرض فارس في سرور ... ذا الصباح الذي نرى ميلاده # عظمته ممالك الفرس حتى ... كل أيام عامه حساده # ما لبسنا فيه الأكاليل حتى ... لبستها تلاعه ووهاده # وكان من عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخرها: ~~كثر الفكر كيف نهدي كما أه - دت إلى ربها الرئيس عباده والذي عندنا من ~~المال والخي - ل فمنه هباته وقياده # فبعثنا بأربعين مهار ... كل مهر ميدانه إنشاده # عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده # فارتبطها فإن قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده # وهذا من إحسان أبي الطيب.واحتج عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من ~~العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من ~~القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف ~~اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، ونسخت القصيدتان، وأنفذتا من ~~أرجان إلى أبي الفتح بن أبي الفضل بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه ~~إلى أبي الطيب، وسروره به، وأنفذ أبياتا نظمها طعن فيها على المتعرضين لقول ~~الشعر، فقال أبو الطيب والكتاب بيده ارتجالا: # بكتب الأنام كتاب ورد ... فدت يد كاتبه كل يد # يعبر عمالنا عنده ... ويذكر من شوقه ما نجد # فأخرق رائيه ما رأى ... وأبرق ناقده ما انتقد # إذا سمع الناس ألفاظه ... خلقن له في القلوب الحسد # فقلت وقد فرس الناطقين ... كذا يفعل الأسد ms071 ابن الأسد # وأبو الفضل بن العميد هذا هو الذي ورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نبانة ~~السعدي وامتدحه بالقصيدة التي أولها: # برح اشتياقي وادكاري ... ولهيب أنفاس حرار # ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار # لله قلبي ما يجن - ن من الهموم وما يواري لقد انقضى سكر الشبا - ب وما ~~انقضى وصب الخمار # وكبرت عن وصل الصغا ... روما سلوت عن الكبار # سقيا لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري # أيام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار PageV01P040 حجي إلى حجر ~~الصرا - ة وفي حدائقها اعتماري ومواطن اللذات أو - طاني ودار اللهو داري # لم يبق لي عيش يلذم ... سوى معاقرة العقار # حثي بألحان ترا - ءت بين ألحان القماري وإذا استهل ابن العمي - د تضاحكت ~~ديم القطار # خرق صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار # فكأنما ردفت موا - هبه بأمواج البحار # وكأن نشر حديثه ... نشر الخزامي والعرار # وكأننا مما تفرم ... ق راحتاه في نثار # كلف بحفظ السر يح - سب صدره ليل السرار إن الكبار من الأمو - ر تنال ~~بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل انبعث - ن هواجس الشعر السواري فتأخرت صلته ~~عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على ~~الإهمال، مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم ~~المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، ~~وأشار بيد إليه، وقال: أيها الرئيس إني قد لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل ~~النعل، وأكلت النوى المحرق، انتظارا لصلتك فوالله ما بي شيء من الحرمان إلا ~~شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة ~~أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ~~ويأس مسقم، فإن كان للنجح علامة فأين هي؟ وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما ~~مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم ~~سناما، وأنورهم شعاعا، وأشرفهم يفاعا، فحار ابن العميد، ولم بدر ما يقول، ~~فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: ms072 هذا وقت يضيق عن الإطالة مني في المعذرة، ~~وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها ~~الرئيس هذه نفثة صدر قد دوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغنى ~~إذا مطل يستلأم، فاستشاط ابن العميد وقال: قد والله ما استوجبت هذا العتب ~~من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون هذا حتى دفعنا إلى شغب عاتم، ~~ولجاج قاتم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما ~~أوقرته في مسامعي، ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر، هذا، ولا استقدمتك ~~بكتاب، ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مديحي، ولا كلفتك تقريضي، فقال ابن ~~نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول ولا ~~سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكنك جلست في صدر إيوانك بأبهتك، وقلت لا ~~يخاطبني أحد إلا بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فأني وزير ~~ركن الدولة، وزعيم أولياء الحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني ~~بلسان الحال، وإن لم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضبا، وأسرع في ~~صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباته وهو ~~مار في صحن الدار يقول: والله إن سف التراب، والمشي على الجمر، أهون لنا من ~~هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينا له، ومشتريه مماكسا فيه. فلما ~~سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه، التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل ~~أثر ما كان منه، فكأنما غاض في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن ~~العميد إلى أن مات. # وسار أبو الطيب من بعد ما ودع ابن العميد ومدحه بالقصيدة التي أولها: # نسيت وما أنسى عتابا على الصد ... ولا خفرا زادت به حمرة الخد # قاصدا أبا شجاع عضد الدولة وهو بشيراز، وأنشده القصيدة التي أولها: # أوه بديل من قولتي واها ... لمن نأت والبديل ذكراها # وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتى رأيت مولاها # قيل لما سمع سيف الدولة هذا البيت قال أتراه أدخلنا في هذه ms073 الجملة؟ ~~ومنها: # ومن مناياهم براحته ... بأمرها فيهم وينهاها # أبا شجاع بفارس عضد الد ... ولة فنا خسرو شهنشاها # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها PageV01P041 تذكرت بهذا ~~البيت ما نقله بعض أئمة الأدب: أن رجلا من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب ~~المتنبي، فآلى على نفسه ألا يسكن مدينة يذكر بها أبو الطيب، وينشد كلامه، ~~فهاجر من مدينة السلام، وكان كلما وصل بلدا يسمع بها ذكره يرحل عنها، حتى ~~وصل إلى أقصى بلاد الترك، فسألا أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه، فتوطنها، ~~فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع، فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر ~~أسماء الله الحسنى. # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها # فعاد إلى دار السلام. ومن القصيدة: # لو فطنت خيلة لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها # هذا البيت له معنيان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لما رضيت له ~~أن تكون من جملتها لأنها أنفس منها. والثاني لم ترض لأنه إذا ملكها وهبها. # ومنها: # تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها # دان له شرقها ومغربها ... ونفسه تستقل دنياها # تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها # وحكى عبد العزيز بن يوسف الجرجاني وكان كاتب الإنشاء عند عضد الدولة عظيم ~~المنزلة منه قال: لما دخل أبو الطيب المتنبي مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، ~~أتبعه بعض جلسائه، وقال له: سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم ~~منا؟ فامتثلت أمره، وجاريت المتنبي في هذا الميدان، وأطلت معه عنان القول، ~~فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، ولقد ~~اختصر اللفظ وأطال المعنى وأجاد فيه، وكان ذلك منه أوكد الأسباب التي حظي ~~بها عند الدولة، وكان أبو علي الفارسي إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى ~~دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله ~~على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي ~~الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد ms074 يذمه أو يحيط منه. وكان يسوء ~~إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يوما اذكروا لنا بيتا من الشعر ~~نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد: # حلت دون المزار لوزر ... ت لحال النحول دون العناق # فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ~~ابن جنى: للذي يقول: # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغرى بي # فقال والله هذا حسن بديع جدا، فلمن هما؟ قال للذي يقول: # أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فثم له هنا # فكثر إعداب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي ~~يقول: # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى # فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي ~~لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام ~~اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم. # قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء ~~على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتا من ~~الشعر. # قال الربعي: كنت يوما عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي ~~بالباب، وكانت تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو ~~علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءا من كتاب ~~التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما: # سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد # ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا # ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان ~~وأولها: # مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان # ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان # ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان # فلما وصل إلى قوله: # فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني # وألقى الشرق منها في ثيابي ms075 ... دنانير تفر من البنان # فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل: PageV01P042 لها ثمر تشير إليك منه ~~... بأشربه وقفن بلا أوان # وأمواه يصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني # ومنها: # تحل به على قلب شجاع ... وترحل منه عن قلب جبان # ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان # وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدان # يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسار إلى الطعان؟ # أبوكم آدم سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنان # إلى أن قال: # فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من الحدق الحسان # ولم أر قبله شبلي هزبر ... كشبلية ولا مهري رهان # أشد تنازعا لكريم أصل ... وأشبه منظرا بأب هجان # وأكثر في مجالسه استماعا ... فلان دق رمحا في فلان # وأول رأية رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان # وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فك عانى # وكنت الشمس تبهر كل عين ... فكيف وقد بدت معها اثنتان # فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان # ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان # أي زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنه زيادة نقص، وقد ابتدع هذا ~~المعنى # دعاء كالثناء بلا رياء ... يؤديه الجنان إلى الجنان # ومن قصائده في عضد الدولة القصيدة التي أولها: # أثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل # ومنها: # قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلمتني أن الهوى ثمل # ومنها: # قد روا عفوا وعدوا وفوا اسئلوا ... أغنوا علوا ولوا عدلوا # فوق السماك وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا # أخذه من قوله ابن الرومي وهو قوله: # نزلتم علي هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيركم بالسلالم # وذاك بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي، لأنه قال: إنكم نزلتم علي ~~هام المعالي، وأن غيركم يرقى إليها رقيا، وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا ~~أردتم غاية نزلتم، وأما قوله فوق السماك فإنه يغني عنه قول ابن الرومي ~~نزلتم علي هام المعالي إذ المعالي فوق كل شيء لأنها مختصة بالعلو مطلقا، ~~وقال ms076 يعزي عضد الدولة بعمته، وقد توفيت ببغداد، وورد عليه الكتاب بشيراز ~~بالقصيدة التي أولها: # آخر ما الملك معزي به ... هذا الذي أثر في قلبه # لا جزعا بل أنفا شابه ... أن يقدر الدهر على غضبه # لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيت الأيام من عتبه # لعلها تحسب أن الذي ... ليس لديه ليس من حزبه # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه # يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه # استغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه # يحسبه دافنه وحده ... ومجده في القبر من صحبه # ما كان عندي أن بدر الدجى ... يوحشه المفقود من شهبه # وقال يودعه وهي آخر شعره، وفي أثنائها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه ~~نفسه وهي من محاسن ما يؤتي به في المعنى الوداع وأولها: # فدى لك من يقصر عن مداكا ... فلا ملك إذن إلا فداكا # إلى أن قال: # أروح وقد ختمت علي فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا # وقد حملتني شكرا طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حراكا # أحاذر أن يشق على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سواكا # لعل الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا # لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته ~~أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في المسير عنها، ليقضي حوائج في نفسه، ثم ~~يعود إليها، فأذن له، وأمر بأن يخلع عليه الخلع الخاصة، وتعاد صلته بالمال ~~الكثير، فامتثل ذلك، وأنشده هذه القصيدة، وفي أثنائها كلام ينعى فيه نفيه ~~وإن لم يقصده كما قدمنا، فمنه قوله: PageV01P043 فلو أنى استطعت خفت خفضت ~~طرفي ... فلن ابصر به حتى أراكا # وهذه لفظة يتطير منها: # أرى أسفي وما سرنا شديدا ... فكيف إذا غدا السير ابتراكا # وهذا الشوق قبل البين سيف ... وهأنا ما ضربت وقد أحاكا # إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمت لا صاحبت فاكا # وهذا أيضا من ذاك، ومنه: # ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودة لقلت ولا منكاكا # أي ms077 لولا أن أكثر ما تمنى قلبي أن يعاودك لقلت له ولا بلغت مناك، ومنه: # قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلك ما شفاكا # أي قد أضمرت يا قلب شوقا إلى أهلك، فكان ذلك داء لك، فاستشفيت منه بأن ~~فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء لك أيضا أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك ~~تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدة الشوق إلى أهلك، وهذا شبيه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسلامة داء " . ومنها: # فأستر منك نجوانا وأخفى ... هموما قد أطلت لها العراكا # إذا عاصيتها كانت شدادا ... وإن طاوعتها كانت ركاكا # ومنه: # زكم دون الثوية من حزين ... يقول له قدومي ذا بذاكا # الثوية من الكوفة. يقول له قدومي ذا بذاكا: أي هذا القدوم بتلك الغيبة ~~ولك هذا السرور بذلك الحزن. ومنه: # ومن عذب الرضاب إذا أنخنا ... يقبل رحل تروك والوراكا # تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك شيء يتخذه ~~الراكب كالمخدة تحت وركه. # يحرم أن يمس الطيب بعدي ... وقد علق العبير به وصاكا # وهذا أيضا منه: # ويمنع ثغره من كل طيب ... ويمنحه البشامة والأراكا # يحدث مقلتيه النوم عني ... فليت النوم حدث عن نداكا # وما أرضي لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا # ولا إلا بأن يصغى وأحكي ... فليتك لا يتيمة هواكا # ومنه: # وفي الأحباب مختص يوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا # إذا اشتبهت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى # فزل يا بعد عن أيدي ركاب ... لها وقع الأسنة في حشاكا # هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل له حسا. # وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا # جعل قافية البيت الهلاك فهلك؛ وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور ~~مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة ~~عضد الدولة فقتل، كما سنشرحه. ومنها: # أذمت مكرمات أبي شجاع ... لعيني من نواي على ألاكا # ومن أعتاض عنك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا # وما أنا ms078 غير سهم في هواء ... يعود ولم يجد فيه امتساكا # قال الخالديان كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما صدر لأبي ~~الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف قتل؟ وأبو نصر هذا من وجوه ~~الناس في تلك الناحية، وله فضل، وأدب جزل، وحرمة، وجاه، فأجابنا عن كتابنا ~~جوابا طويلا يقول في أثنائه: وأما ما سألتما عنه من خبر مقتل أبي الطيب ~~المتنبي فأنا أسوقه لكما، وأشرحه شرحا بينا: اعلما أن مسيره كان من أواسط ~~في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ~~وثلاثمائة، وقتل بضيعة تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا ~~من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجل من بني أسد يقال له ~~فاتك بن أبي جهل بن فراس ابن بداد. وكان من قوله لما قتله وهو متعفر: قبحا ~~لهذه اللحية يا سباب. وسبب ذلك أن فاتكا هذا خال ضبة أخو والدته. وضبة ابن ~~يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله: # ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه # وإنما قلت ما قل ... ت رحمة لا محبه # وما عليك من الق ... تل إنما هي ضربه # وما عليك من العا ... ر أن أمك قحبه # وما يشق على الكل ... ب أن يكون ابن كلبه # ما ضرها من أتاها ... وإنما ضر صلبه # ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زبه # يا أطيب الناس نفسا ... وألين الناس ركبه # وأرخص الناس أما ... تبيع ألفا بحبه PageV01P044 كل الأيور سهام ... بأمه ~~وهي جعبة # وما على من به الدا ... ء من لقاء الأطبة # فيقال إن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكرها بالقبح في هذا الشعر، وما ~~للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أو هي كلاما، فكان مع سخافته وركاكته سبب ~~قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله. # وأما شرح الخبر فإن فاتكا صديق لي، وهو كما سمى فاتك، لسفكه الدماء، ~~وإقدامه على الأهوال في مواقف القتال، فلما سمع الشعر الذي هجى به ضبة اشتد ~~غضبه، ورجع على ضبة باللوم، وقال له: ms079 كان يجب ألا تجعل لشاعر عليك ~~سبيلا،وأضمر غير ما أظهر، واتصل به انصراف المتنبي من بلاد فارس، وتوجهه ~~إلى العراق، وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل عن فرسه، ومعه ~~جماعة من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه؛ من طلبه واستعلام خبره من كل ~~صادر ووارد، وكان فاتك خائفا أن يفوته، وكان كثيرا ما ينزل عندي، فقلت له ~~يوما وقد جاءني وهو يسائل قوما مجتازين عن المتنبي: قد أكثرت المسألة عن ~~هذا الرجل. فأي شيء تريد منه إذا لقيته؟ فقال ما أريد إلا الجميل، وعذله ~~على هجاء ضبة، فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر ~~والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه، ولأمحقن حياته ~~إلا أن يحال بيني وبينه قلت له كف - عافاك الله - عن هذا القول، وارجع إلى ~~الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإن الرجل شهير الأسم، بعيد الصيت، ولا يحسن ~~منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية، والخلفاء في ~~الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشاعر: # هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجي وتمدح PageV01P045 ~~ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف، ولم يمض ~~لهذا القول غير ثلاثة أيام حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة بكل شيء من ~~الذهب، والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات لأنه كان إذا ~~سافر لم يخلف في منزله درهما، ولا شيئا يساويه، وكان أكثر إشفاقه على ~~دفاتره، لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحا، قال أبو نصر: ~~فتلقيته، وأنزلته داري، وسألته عن أخباره، وعمن لقى، فعرفني من ذلك ما سررت ~~به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله، وأدبه، وعلمه، وكرم عضد الدولة ورغبته ~~في الأدب، وميله إلى أهله، فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيب: على أي شيء ~~أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل مركبا، فإن السير فيه يخف على. قلت: هذا ~~هو الصواب رجاء أن ms080 يخيفه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلدا بعيدا، وقلت له: ~~والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخفية ~~جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد،فقطب وجهه وقال: لم قلت هذا القول؟ فقلت: ~~لتستأنس بهم. فقال أما والجراز في عنقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره، قلت ~~الأمر كما تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبي عن تعريض، ~~وتعريضك ينبي عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب، قلت: إن هذا الجاهل ~~فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك، لأنك هجوت ابن ~~أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضا نحو العشرين ~~من بني عمه، قولهم مثل قوله، فقال غلام أبي الطيب وكان عاقلا: الصواب ما ~~رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو ~~الطيب من غلامه غيظا شديدا، وشتمه شتما قبيحا، وقال والله لا أرضي أن يتحدث ~~الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه ~~قوما من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك فقال: والله لا فعلت ~~شيئا من هذا، ثم قال: يا أبا نصر: أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخاف ~~على؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون بخمس ~~وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده. معاذ ~~الله أن اشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له قل إن شاء الله فقال: هي كلمة ~~مقولة لا تدفع مقضيا ولا تستجلب آتيا، ثم ركب، فكان آخر العهد به. ولما صح ~~عندي خبر قتله وجهت من دفنه، ودفن ابنه، وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدرا. هذا ~~هو الصحيح من خبره. وقيل سبب قتله أنه لما ورد على عضد الدولة ومدحه وصله ~~بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة ثم دس له من يسأله: أين هذا ~~العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال: إن ms081 سيف الدولة كان يعطي طبعا،وعضد الدولة ~~طبعا، فغضب عضد الدولة، فلما انصرف جهز إليه قوما من بني ضبة فقتلوه بعد أن ~~قاتل قتالا شديدا، ثم انهزم، فقال له غلامه أين قولك: # الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم # فقال قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قتل. وقيل إن الخفراء جاءوه وطلبوا ~~منه خمسين درهما ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فتقدموه، ووقع به ما وقع، ~~ولما قتل رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي. # لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا بمثل ذاك اللسان # ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان # كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي الكبرياء ذا سلطان # هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني # ورثاه أيضا ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستشير فيها عضد الدولة ~~على فاتك الأسدي وهي: # الدهر أخبث والليالي أنكد ... من أن تعيش لأهلها يا أحمد # قصدتك لما أن رأتك نفيسها ... بخلا بمثلك والنفائس تقصد # ذقت الكريهة بغتة وفقدتها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقد # قل لي إن اسطعت الخطاب فإنني ... صب الفؤاد إلى خطابك مكمد # أتركت بعدك شاعرا والله لا ... لم يبق بعدك في الزمان مقصد # أما العلوم فأنها يا ربها ... تبكي عليك بأدمع لا تجمد # يأيها الملك المؤيد دعوة ... ممن حشاه بالأسى يتوقد PageV01P046 هذي بنو ~~أسد بضيفك أوقعت ... وحوت عطاءك إذ حواه الفرقد # وله عليك بقصده ياذا العلا ... حق التحرم والذمام الأوكد # فارع الذمام وكن لضيفك طالبا ... إن الذمام على الكريم مؤيد # ورثاه أبو الفتح ابن جنيبقصيدة أولها: # غاص القريض وأودت نضرة الأدب ... وصوحت بعد ري دوحة الكتب # منها: # سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه ... كما تخطف بالخطية السلب # مازلت تصحب في الجلي إذا نزلت ... قلبا جميعا وعزما غير منشعب # وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ... تمطو بهمة لاوان ولا نصيب # من للهواجل يحي ميت أرسمها ... بكل جائله التصدير والحقب # قباء خوصاء محمود علالتها ... تنبو عريكتها بالحلس والقتب # أم من لسرحانها تقريه فضلته ... وقد تضور ms082 بين الباس والسغب # أم من لبيض الظباتوكا فهن دم ... أم من لسمر القنا والزغف واليلب # أم للمعارك يذكي جمر جماحهما ... حتى يعريها عن ساطع اللهب # أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب # أم للمناهل والظلماء عاكفة ... يواصل الكرتين الورد والقرب # أم للملوك تحليها وتلبسها ... حتى تمايس في أبرادها القشب # باتت وسادي أطراب تؤرقني ... لما غدوت لقى في قبضة النوب # عمرت خدن المساعي غير مضطهد ... ومت كالنصل لم يدنس ولم يعب # فأذهب عليك سلام المجد ما قلقت ... خوص الركائب بالأكوار والشعب # وعلماء الأدب في شعره مختلفون: فمنهم من يرجحه على أبي تمام والبحتري، ~~ومنهم من يرجحهما عليه، ومنهم من يرجح أبا تمام عليهما، ومنهم من يرجح ~~البحتري. والكلام في هذا المكان يحتاج إلى إرخاء العنان في حلبة البيان، ~~فنقول: قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ~~ذللوا جموح الآداب وشموسها. وأطلعوا أقمارها وشموسها. وهم أصول الأدب ~~وفروعه، ومعدته وينبوعه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف ~~الخواطر والأسماع. وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم ~~تقتني. # قال ابن الأثير في المثل السائر: هؤلاء الثلاثة لات الشعر وعزاه ومناته ~~الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، ~~وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء. # أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى ~~مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على ~~الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب ~~وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته أعنة ~~الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه ~~أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة ~~والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل ~~أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه ms083 فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر ~~البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا ~~عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من ~~سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه ~~أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية. ~~PageV01P047 وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت ~~عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم ~~والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه ~~متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من ~~نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن ~~الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يضل بسالكه، ويقوم ~~بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه ~~عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، ~~وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من ~~شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق ~~الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة: # لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا # ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم # ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق ~~يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام ~~وأبي الطيب للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض، ولم ~~أجد أحسن تهذيبا للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة، ولا أبهج سبكا. # وقال الشريف الرضي في هذا المقام، وكلام الشريف شريف الكلام، أما تمام ~~فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر. ms084 ~~قال ابن الأثير: الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ ~~الجزلة تتخيل كأشخاص عليها مهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي ~~دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال، قد ~~ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها ~~نساء حسان، عليهن غلائل مصبغات، وقد تحلين بأصناف الحلي. # وقال ابن شرف القيرواني في مقامته التي ذكر فيها الشعراء: وأما أبو تمام ~~الظائي فمتكلف، إلا أنه يصيب؛ ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة ~~والتجنيس، جيد ذلك أو بئيس جزل المعاني، مرصوص المباني، مدحه ورثاؤه، لا ~~غزلة وهجاؤه، فهما طرفا نقيض، وسماء وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، ~~وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت لها الأمثال،وحفظت له الأقوال، وديوانه ~~مقرو، وشعره متلو. # قال ابن بسام : أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية،ولا ~~تعلقت بذيلها عصيبة، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة. # قال ابن شرف: وأما البحتري فالفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج ~~وهاج، على أهدي منهاج، يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، بيسر مراد، ولين ~~قياد، إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعنيه ولا العناد ~~يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكره غزيره. # وأما المتنبي فقد شغلت به الأسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ ~~لشعره، والغائص في بحره، والمفتش عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف وكثر ~~عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعب في جرحه، والذي أقول: ~~إن له حسنات وسيات، وحسناته أكثر عددا، وأقوى مددا، وغرائبه طائرة، وأمثاله ~~سائرة، وعلمه فسيح، وميزة صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر. # والذي يشعر به كلام ابن شرف تقديم البحتري، كما أنه يشعر كلام الشريف ~~بتقديم أبي تمام. # وكان الشيخ أبو سعد محمد بن أحمد العميدي عن أبي الطيب في غاية الانحراف، ~~حائدا في التمييز عن سنن الإنصاف، ونحن نورد كلامه، ونرد في نحره سهامه، ~~فإنه تجاوز الحد، وأكثر الرد. ms085 # سعى جهده لكن تجاوز حده ... وأكثر فارتابت ولو شاء قللا # وبراعة كلامه: PageV01P048 إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، ~~وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين، فلا نقيصة عندي اقبح سمة ~~من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغ وصمة من إنكار فضيلة من يقع ~~الإجماع على فضله، ولا منقبة أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت ~~دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم ~~أبين من التوقف عند الشبهات، حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النصفة ~~حتى تهديك أعلامها، وما أحسن أثر الحاكم إذ عدل وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال ~~عن الحق وجنف، والظلم قبيح، وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخيف، ~~وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميز عن العوام بمزية تقديم وتخصيص. ~~سلق المحسنين بلسان ذم وتنقيص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل، نظر إلى ~~المميزين بعين التقصير والتجهيل، وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائهم أنهم، لا ~~يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلهم عن منهج الحق وطريقه، ~~فإذا سمعوا فصلا من كتاب، أو بيت شعر ممن لا يكاد يجيل في الأدب قدحا، ولا ~~يعرف هجاء ولا مدحا، فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم والإجلال ~~والتعظيم، وليس يدري ما رواه: سليم اللفظ أو مختلة، صحيح المعنى أو منحلة ~~وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن؟ وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو ~~مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله أو هو ~~مبتدع؟ وأورد نظيره سواه أو هو مخترع؟ استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه، ~~واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، ~~وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار،ثم إن بينت لهم عوار ما رووه ~~والله، وخطأ ما حكوه وخطله التزموا نصرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار، ~~ومائلين عن طريقة الإنصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء ~~الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاما، ودربتهم العلوم فأصبحوا بين ~~الناس قضاة وحكاما، وإنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب التقليد من ~~يكون في علومه ms086 خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صفر وطاب الأدب، ضيق مجال ~~الفضل، قصير باع الفهم، جديب رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع ~~أن يميز بين غث الكلام وسمينه؛ ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما ~~يحسن أن يعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل ~~إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق ~~والاستيحاب، ولا يحل أحدا من رتب الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا ~~يعظم الجاهلية لتقدمهم إذا أخرتهم معايب، أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين ~~لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحا، ويضرب عن ~~استشعار الباطل صفحا، ويحل من يشهد بفضائله شهود عدول، ويذل من كلامه عند ~~التأمل منحول معلول. ولقد جرى يوما حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، ~~فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه، ~~وجمع له من المحاسن ما فضل به كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع ~~المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة ~~الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحققته، وإلا ~~فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس: # رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم # أليس هذا أبلغ من قول القائل: # درير كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيط موصل # لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب،وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما ~~يقارب هذا المعنى في نعت فرسه، وهو قوله: # يجري كما أختاره فكأنه ... بجميع ما أبغيه منه عالم # رجلاه رجل واليدان يد إذا ... أحضرته والمتين منه سالم # فصاح، وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مسكة من عقل؟ أو بلغه من فضل؟ ~~والله إن للمتنبي غلمانا وأتباعا أجل من هذا البليد المجهول، من أي قبيلة ~~هذا العاجز الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله، حديثنا في ~~الإبداع لا في الاتباع، وفي الآداب لا في الأنساب ليس يغني ms087 المتنبي جلالة ~~نسبه، مع ضعف أدبه، ولا يضره خلاف دهره، مع اشتهار ذكره. PageV01P049 ولقد ~~تأملت أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه،وتعتبر فيها آدابه ~~من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم مساوخة. وإني لأعجب من ~~جماعة يغلون في حديث المتنبي وأمره، ويدعون الإعجاز شعره، ويزعمون أن ~~الأبيات المعروفة له هو مبتدعها، ومخترعها، ومحدثها ومفترعها، لم يسبق إلى ~~معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر. # وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللمع التي يزعمون أنه استنبطها وأثارها، ~~والمعتدون بالفقر التي يدعون أنه افتض أبكارها، والمترنمون له بأبيات سائرة ~~يذكرون أنه انفرد بألفاظها وعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون ~~بها في مجالسهم ونواديهم والمستعملون لها في خلواتهم وأغانيهم، كيف لا ~~يستحون أن يقولوا بعصمته؟ ويتهالكوا في الدلالات على حكمته؟ وكيف يستجيزون ~~لنفوسهم ويستحسنون في عقولهم، أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكما جزما ~~بأنها له غير مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ توطئتهاغير ~~مسلوكة لغيره، ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علما بنصف دواوين الشعراء ~~للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلا عن جميعها؟ أم هل فيهم من ~~يميزيين مستعملها وبديعها حتى يطلقوا القول غير محتشمين أن المتنبي من بين ~~أولئك الشعراء أبدع معاني لم يفطن لها سواه ولم يعثر بها أحد ممن يجري ~~مجراه؟ ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: أنه لما صنف كتابه على حروف ~~المعجم بأسماء الشعراء، جمع داوين ألف شاعر حتى اختار من عيونها ما أراد، ~~وامتار من متونها ما ارتاد. # وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما ~~بلغه أحرق خمس مئة ديوان للشعراء في أيامه حسدا لهم لئلا تشتهر أشعارهم، ~~وتنشر محاسنهم وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتهم ~~في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره، وهل للذين يتدينون بنصرته ~~بصائر بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق ~~السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصنعة والترتيب، وإبدال البعيد ~~بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب حتى يدعوا علم ms088 الغيب في تنزيهه ~~عن السرقات التي لا تخفي صورها على ناقد، وتبرئته عن المعايب التي يشهد ~~عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودة شعره، ~~وصفاء طبعه، وحلاوة كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقة نظمه، ولا أنكر اهتداءه ~~لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البعيد لحظا، واستيفاءه حدود الحذق إذا ~~سلخ المعنى وكساه من عنده لفظا، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي ~~يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام ~~الصنعة ببعض من سبقه، وغوصه على ما يستصفي ماؤه ورونقه، وسلامة كثير من ~~أشعاره من الخطل والخلل، والزلل والدخل، والنظام الفاحش الفاسد، والكلام ~~الجامد البارد، والزحاف القبيح المستبشع، واللحن الظاهر المستشنع؛ وأشهد ~~أنه عن درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع، ~~غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة؛ لا أبرئه من نهب وسرقة ولا أرى أن أجعله ~~وأبا تمام رب المعاني، ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة واحدة ولا ألحقه ~~في عذوبة الألفاظ وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف ~~بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة والاقتدار على ضروب ~~الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، ~~والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصب له ~~تقليدا، ويغلو فيجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمدا بعيدا، إلى أن قال: ~~ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أساميهم في محافل ~~الرؤساء، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على أشعارهما يغير، ولم يسمع بابن ~~الرومي وهو من أشعاره يمير، ويسبهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم متى ~~أنشد لهم مصراع، لكان الناس يغضون عن معايبه ويغطون على مساويه ومثالبه، ~~ويعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجري بذمهم لسان. ~~PageV01P050 ولقد حدثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبي وجد معه ديوانا أبي ~~تمام والبحتري بخطه وعلى حواشي الأوراق علامة كل بيت أخذ معناه وسلخه، فهل ~~يحل له أن ينكر أسماء الشعراء وكناهم، ms089 ويجحد فضائل أولاهم وأخراهم إلى أن ~~قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، ~~وادعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السابقين، ويسمه ~~بما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين. # قلت: ليعلم أنه لا بد من تقديم متقدمتين قبل إيراد ما سرق به أبو الطيب ~~المتنبي، ليصير العاذل عاذرا والمحجوج مفارخرا: المقدمة الأولى: من المقرر ~~عند أرباب هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، أن من المعاني ما يتساوى فيه ~~الشعراء ويشترك فيه المحدثون والقدماء، لأنه كضياء القمر لا يخفي على من ~~أوتي فضيلة النظر، كما إن قلنا في مولانا نجل الحسام: له عزمة أمضى من ~~الحسام، وهو كالليث يوم جداله، وكالغيث وقت نواله، أو إذا قلنا: وجهه ~~كالبدر الزاهر، وكفه كالبحر الزاخر، أو إذا قلنا: كلماته كبرد الشباب ~~وألفاظه كبرد الشراب، أو إذا قلنا: لا أشبه وجه مولانا إلا بالعيد المقبل ~~لو كان العيد تبقى ميامنه، وتدوم محاسنه، أو إذا قلنا: مولانا كالبدر في ~~ارتفاع قدره، وكالبحر في اتساع صدره، لو أن البحر لا يتغير ماؤه، والبدر لا ~~ينقص ضياؤه، أو إذا قلنا: لمولانا خلق هو المسك لولا سواده، وكف هو البحر ~~لولا نفاده، ووجه هو الشمس لولا كسوفه، والقمر لولا خسوفه، أو إذا قلنا: ~~مولانا كالدهر لولا صروفه، والجبل لولا وقوفه، وقد شاهدت من مساطر كلامه، ~~ومقاطر أقلامه، روضات حزن، بل جنات عدن وكقولهم: عفت الديار وما عفت آثارها ~~من القلوب، وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم ~~بمزار الطيف لساءه، وأشباه ذلك، وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول ~~حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان ~~قبيلة، ويجري هذا الأمر في سائر أنواع الشعر، فإن أمثال هذه المعاني ~~الظواهر تتوارد عليها جميع الخواطر، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق ~~على المتأخر اسم السرقة، وإنما يطلق اسمها في معنى مخصوص كقول أبي الطيب: # بناها على والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها ms090 متلاطم # وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم # فإن هذا معنى، مخصوص ابتداعه أبو الطيب، وكذلك في عضد الدولة وولديه # وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان # وهذا المعنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى ~~أو بجزء منه فإنه يكون سارقا له، وزعم بعض أهل الأدب أن ابن الرومي ابتدع ~~قوله: # تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان # وليس الأمر كما زعم فإنه من المثل المضروب وهو تلدغ وتضيء ويضرب لمن يبدأ ~~بالأذى ثم يشكو. وزعم كثير أن ابن الخياط ابتدع قوله: # أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه # وهو مأخوذ من قول أبي الطيب: # لو قلت للدنف الحزين فديته ... مما به لأغرته بفدائه # وهو أدق معنى من قول ابن الخياط. # المقدمة الثانية: في السرقات الشعرية، والمحمود منها والمذموم، وهي على ~~خمسة عشر ضربا: الضرب الأول: أن يأخذ الثاني من الأول المعنى واللفظ جميعا، ~~كقول الفرزدق: # أتعدل أحسابا لئاما حماتها ... بأحسابنا؟ إني إلى الله راجع # وكقول جرير: # أتعدل أحسابا كراما حماتها ... بأحسابكم؟ إني إلى الله راجع # فتخالفهما في لفظة واحدة، وهذا الضرب مذموم والمتأخر ملوم. ومن هذا الضرب ~~قول أبي نواس الحكمي: # دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا # أخذه من معبد: # لهفي على فتية ذل الزمان لهم ... فما أصابهم إلا بما شاءوا # الضرب الثاني: أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، وهذا الضرب ينقسم قسمين: ~~مذموم ومحمود، فالأول كقول أبي تمام: # محاسن أصناف المغنين جمة ... وما قصبات السبق إلا لمعبد # أخذه من قول بعض المتقدمين يمدح معبدا صاحب المغنى: PageV01P051 أجاد ~~طويس والسريجي بعده ... وما قصبات السبق إلا لمعبد # والثاني كقول أبي الشيص: # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # أخذه أبو الطيب فقال: # أأحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه # وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا. # الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج ms091 منه ما يشبهه، وهذا من أدقها ~~مذهبا، وأحسنها صورة فمن ذلك قول الحماسي: # لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل # أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيها به، فقال: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل # ومن هذا الضرب قول أبي تمام: # رعته الفيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها، وماء الروض ينهل ساكبه # أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال: # شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأى السميع المبصر # ركبا القنا من بعد ما حملا القنا ... في عسكر متحامل في عسكر # ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا: # لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا # أخذه البحتري فقال: # أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحي الشيب إذ هو مبعدي # الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجردا من اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا ~~قليلا، ومنه قول جرير: # ولا يمنعك من أرب لحاهم ... سواء ذو العمامة والخمار # أخذه المتنبي فقال: # ومن في كفه منهم قناه ... كمن في كفه منهم خضاب # الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيرا من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، ~~وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري: # فوق ضعف الصغار إن وكل الأم ... ر إليه ودون كيد الكبار # أخذه من قول أبي نواس: # لم يجف من كبر عما يراد به ... من الأمور ولا أزرى به الصغر # وكذلك قول البحتري أيضا: # كل عيد له انقضاء وكفى ... كل يوم من جوده في عيد # أخذه من قول علي بن جبلة: # للعيد يوم من الأيام منتظر ... والناس في كل يوم منك في عيد # وكذلك قول البحتري أيضا: # جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء # أخذه من علي بن جبلة: # أعطيت حتى لم تدع لك سائلا ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها # وكذلك قول أبي تمام: # قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما # أخذه من ديك الجن: # وإذا شئت أن ترى الموت في صو ... رة ليث في ms092 لبدتي رئيال # فالقه غير إنما لبدتاه ... أبيض صارم وأسمر عالي # تلق ليثا قد قلصت شفتاه ... فيرى ضاحكا لعبس الصيال # ومن هنا أخذ المتنبي قوله: # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم # لكنه أبرزه في صورة حسنة، فصار أولى به. # وكذلك قال أبو تمام: # ولم أمدحك تفخيما بشعري ... ولكني مدحت بك المديحا # أخذه من قول حسان في النبي صلى الله عليه وسلم: # ما إن مدحت محمدا بمقالتي ... لكن مدحت مقالتي بمحمد # وكذلك قول ابن الرمي: # وكلت مجدك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضيا ووكيلا # أخذه من قول أبي تمام: # وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي # وكذلك قول ابن الرومي: # ومالي عزاءعن شباب علمته ... سوى أنني من بعده لا أخلد # أخذه من قول منصور النمري: # قد كدت أقضي على فوت الشباب أسى ... لولا تعزى أن العيش منقطع # الضرب السادس: أن يأخذ المعنى فيقلبه، وذلك محمود، ويخرجه حسنه عن حد ~~السرقة، فمما جاء منه قول أبي تمام: # كريم متى أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي # أخذه من تأخر عنه فقال: # مدحتهم وحدي فلما هجوتهم ... هجوتهم والناس كلهم معي # الضرب السابع: أن يأخذ بعض المعنى، وهذا الضرب محمود، فمن ذلك قول أمية ~~ابن أبي الصلت: PageV01P052 عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... ببذل وما كل ~~العطاء يزين # ونيس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين # أخذه أبو تمام فقال: # تدعى عطاياه وفرا وهي شهرت ... كانت فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتني شرفا # ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة: # وأثل ما لم يحوه متقدم ... وإن نال منه آخر فهو تابع # أخذه المتنبي فقال: # ترفع عن عون المكارم قدره ... فما يفعل الفعلات إلا عذاريا # والمتنبي وأبو تمام أبرزا ما أخذاه هاهنا في صورة حسنة، وكذلك قال أبو ~~تمام: # كلف برب المجد يعلم أنه ... لا يبتدى عرف إذا لم يتمم # أخذه البحتري فقال: # ومثلك إن أبدي الفعال أعاده ... وإن صنع ms093 المعروف زاد وتمما # الضرب الثامن: أن يأخذ المعنى فيزيد عليه معنى آخر، وهذا الضرب لا يكون ~~إلا حسنا، فمن ذلك قول جرير: # غرائب ألاف إذا حان وردها ... أخذن طريقا للقصائد معلما # أخذه أبو تمام فقال: # غرائب لاقت في فنائك أنسها ... من المجد فهي الآن غير غرائب # فهذا أحسن من قول جرير للزيادة التي فيه. وهذا البيت من قصيدة يمدح بها ~~أبا دلف العجلي، وهي من أمهات قصائده، وأولها: # على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب # أقول لقرحان من البين لم يصب ... رسيس الهوى بين الحشا والترائب # أي أقول لرجل لم يقطعه أحبابه، ولم تبعد عنه أصحابه، وأصل القرحان. الذي ~~لم يخرج عليه الجدري. ويروي: لفرحان بالفاء. # أعني أفرق شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب # يقول: قد اجتمع دمعي، لأني لم أبك رجاء أن يقرب الشمل، والآن فقد رأيته ~~ليس بالمتقارب، فأعنى بوقفة على منازلهم، حتى أبكيهم فأستريح. # فما كان في ذا اليوم عذلك كله ... عدوي حتى صار جهلك صاحبي # وما بك إركابي من الرشد مركبا ... ألا إنما حاولت رشد الركائب # يخاطب الرجل القرحان الذي لم يصب بالمصائب، وعذله على الرحيل؛ يقول: ليس ~~بك رشدي. ولكنك تريد أن تريح الركائب، وأريد أن أتعبها بالمسير. # فكلني إلى شوقي وسر يسير الهوى ... إلى حرقاني بالدموع السوارب # يقول: أنا لا أطاوعك على ما تريده، فسر وسلمني إلى شوقي، فإن هواي سيبعث ~~دمعي، ثم خاطب ديار أحبابه، فقال: # أميدان لهوى من أتاح لك الردى ... فأصبحت ميدان الصبا والجنائب # أصابتك أبكار الخطوب فشتت ... هواي بأبكار الظباء الكواعب # وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب # هذا مثل، يقول: يسكرون ويسكرون المطي من التعب فكأنهم سقوها زجاجة ولم ~~تقصد لها كف قاطب أي ليس هي على الحقيقة زجاجة فيها شراب يناولها الساقي. # فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصارت لها أشباحهم كالغوارب # يقود نواصيها جديل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب # ويروي: يصرف مسراها، يقول: يسير بهذه الإبل رجل عالم بالشرق ms094 والغرب يريد ~~نفسه وهذا من المثل الذي قاله الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك وعذيقها ~~المرجب، ويضرب لمن يستشفي برأيه، والجذل خشبة تحتك بها الإبل الجربي، ~~والعذق النخلة والتصغير فيهما للتفخيم. # يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آئب # يقول: يصرف هذه الركاب رجل محبب إليه السفر في طلب العلا، فإذا رأى ~~الكاعب من النساء، رأى بها طلعة ثائر دنا لينال منه، لبغضه الكاعب، وحبه ~~السفر، ليبلغ مراده، وإذا رأى الناقة السريعة السير فكأنه رأى غرة إنسان ~~مقبل عليه. # كأن به ضغنا على كل جانب ... من الأرض، أو شوقا إلى كل جانب # يقول: من حبه للسير في البلاد، كأن به ضغنا على كل مكان، حتى يفارقه، أو ~~شوقا إلى كل مكان، حتى يبلغه؛ وكل ما ذكره من حبه للسير، حتى يقول: # إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب # وهذه الجملة معترضة، جمح بها القلم في ميدانه؛ ونعود إلى ما نحن بصدد ~~بيانه. PageV01P053 ومن هذا الضرب قول مسلمة بن عبد الملك: # أذل الحياة وكره الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرا جميلا # أخذه أبو تمام، فقال: # مثل الموت بين عينيه والذل ... وكلا رآه خطبا عظيما # ثم سارت به المنية قدما ... فأمات العدا ومات كريما # وقول أبي تمام أحسن. وكذلك ورد قول الطغرائي: # يا من إذا اجتمع الكتاب كان له ... فضل الإمارة مقتادا كتيبتها # شكت إليك دواتي شيب لمتها ... وأنت أخلق من طرى شبيبتها # وقال مولانا السيد الأمجد أحمد أفندي الشهير بابن النقيب، دامت معاليه: # لدواة داعيكم مداد شاب من ... جور اليراع، وقد رثت لمصابه # وأتت تؤمل فضلكم وتروم من ... إحسانكم تجديد شرخ شبابه # ففي قوله - أيده الله - زيادة حسنة، وهي جور اليراع، وقد رثت لمصابه. ~~وكذلك ورد قول أبي نواس: # قل لمن يدعي سليمى سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت ملصق مثل واو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو # أخذه البحتري فقال: # خل عنا فإنما أنت فينا ms095 ... واو عمرو أو كالحديث المعاد # فالبحتري زاد على أبي نواس: الحديث المعاد. # وأحس من قولهماقول ماجد الديار الشامية، مولانا أحمد أفندي الشاهيني، طال ~~بقاه، وهو: # إنما البهنسي أحمد خطب ... لا خطيب ولا جليل بقدر # زيدت الياء فيه ظلما وعدوا ... نا كواو غدت بآخر عمرو # ووجه حسنه المناسبة فيه بين الحرفين، وكذلك ورد قول الشريف الرضي: # ولو أن لي يوما على الدهر إمرة ... وكانت لي العدوى على الحدثان # خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوادا بعمري واقتبال زماني # فقال الشاهيني حرس الله ببقائه الفضل والكرم؛ ولا برحت أياديه التمائم من ~~العدم: يخاطب شيخه أبا العباس أحمد بن محمد المقريالمغربي في آخر قصيدة، ~~وأرسل إليه هدية وخمسين غرشا ولا يخفي ما في هذا البيت الثاني من الحسن: # لو كان لي أمر الشباب خلعته ... بردا على علياك ذا أردان # لكن تعذر بعث أول غايتي ... فبعثت نحوك غاية الإمكان # وكذلك ورد قول أبي تمام: # يصد عن الدنيا إذا عن سؤدد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد # أخذه من قول ابن المعذل # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر # وكذلك ورد قول البحتري: # ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يبدع في السماح ويغرب # أخذه من قول مسلم بن الوليد # ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر # إلا أنه زاد عليه: جذلان يبدع في السماح ويغرب. وكذلك ورد قول أبي نواس: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # أخذه من قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # يحكى عن أبي تمام: أنه دخل على ابن أبي داود فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا ~~تمام فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا. قال من أين هذه يا أبا ~~تمام؟ فقال: من قول الحاذق أبي نواس وأنشده البيت السابق، وفي بيت أبي نواس ~~زيادة حسنة قد ملكته رق هذا المغني؛ وذلك أن جريرا جعل الناس كلهم في بني ~~تميم، وأبا نواس جعل العالم ms096 كله في واحد وذلك أبلغ . # الضرب التاسع: أن يأخذ المعنى فيكسيه عبارة أحسن من الأولى، وهذا هو ~~المحمود الذي يخرجه حسنه عن باب السرقة، وعليه قول أبي نواس: # يدل على ما في الضمير من الهوى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى # أخذه المتنبي فأجاد حيث قال: # وإذا خامر الهوى قلب صب ... فغليه لكل عين دليل # الضرب العاشر: أن يأخذ المعنى؛ ويسبكه سبكا موجزا، وذلك من أحسن السرقات، ~~فمن ذلك قول بعض المتقدمين: # أمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع # فصرت الفقير وأنت الغنى ... وما كنت تعدو الذي تصنع # أخذه المتنبي فقال: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # وكذلك ورد قول أبي تمام: PageV01P054 كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن ~~أحمد بن سعيد أطيب الخبر # حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني مما قد رأى بصري # فأخذه أبو الطيب فقال: # وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر # وقال أبو تمام: # كم صارم عضب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال # سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال # أخذه المتنبي فقال وأحسن: # يسابق القتل فيهم كل حادثة ... فما يصيبهم موت ولا هرم # الضرب الحادي عشر: أن يكون المعنى عاما، فيجعله خاصا، أو بالعكس، وهذا من ~~السرقات التي يسامحفيها صاحبها، ومنه قول الأخطل: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم # أخذه أبو تمام فقال: # ألوم من بخلت يداه وأغتدى ... للبخل تربا؟ ساء ذاك صنيعا # وكذلكقول أبي تمام: # ولو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن منعت الدر والضرع حافل # أخذه المتنبي فقال: # وما يؤلم الحرمان من كف حارم ... كما يؤلم الحرمان من كف رازق # الضرب الثاني عشر: أن يزيد المعنى بيانا مع المساواة في أصله؛ ومنه قول ~~أبي تمام: # هو الصنع إن يعجل فنفه وان يرث ... فلريث في بعض المواطن أنفع # أخذه المتنبي فأوضحه بمثال فقال: # ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام # الضرب الثالث عشر: وهو اتحاد الطريق، ms097 واختلاف المقصد، فمن ذلك قول بعضهم: # كأنه غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم # أخذه مولانا الشاهيني أدام الله سودده، فقال وأحسن غاية الإحسان: # وقائلة والشمس أعني وقد رأت ... قروحا على خد يفوق على الورد # أما تغتدي تهدي لحبك عوذة ... فقلت وهل تغني الرقي من أخي الوجد # فجاءته ولهى بالنجوم تمائما ... فأدهشتها حتى نثرن على الخد # وعلماء الأدب يسمون هذا الضرب سلخا. # الضرب الرابع عشر: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، وهذا الضرب يسمى ~~مسخا. فمما ورد منه قول ديك الجن: # نحن نعزيك ومنك الهدى ... مستخرج والصبر مستقبل # نقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل # إذا عفا عنك وأودى بنا الد ... هر فذاك المحسن المجمل # أخذه المتنبي فقال: # إن يكن صبر ذي الرزية فضلا ... تكن الأفضل الأعز الأجلا # أنت يا فوق أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا # وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا # الضرب الخامس عشر: قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، ولا يسمى هذا الضرب ~~مسخا وإن سموه، لأنه محمود، والمسخ مذموم، فمن ذلك قول المتنبي: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # أخذه الشريف الرضي فقال: # أحن ما تضمن الخمر والحلي ... وأصدف عما في ضمان المآزر # وهاهنا ضرب آخر: وهو أن ينقل المعنى من غير اللغة العربية إليها، وهذا ~~يجري مجرى الابتداع كقول المرحوم البوريني: # يقولون في الصبح الدعاء مؤثر ... فقلت نعم لو كان ليلى له صبح # وكذلك قوله: # وأنظر إلى ورق الغصون فإنها ... مشحونة بأدلة التوحيد # فإنه نقلها من اللغة الفارسية وإذا كانت المقدمة الأولى على ذكر منك، ولم ~~تذهب ضروب الثانية عنك، فيجب أن نورد عليك ما قاله العميدي وأبانه، وما شنع ~~على المتنبي في الإبانة ومن أنصف بعد الوقوف عليهما، ورد ما أورده إليهما، ~~علم أن العميدي دعاه الحسد إلى أن جعل محاسن أبي الطيب عيوبا، وحسناته ~~ذنوبا قال العميدي: قال ديك الجن: # دعص يقل قضيب بان فوقه ... شمس النهار تقل ليلا مظلما # قال المتنبي: ms098 # غصن على نقوي فلاة نابت ... شمس النهار تقل ليلا مظلما PageV01P055 قال ~~العميدي مثل هذا البيت تسميه أصحابه التوارد، وأخصامه النسخ، وأنا أعرف أنه ~~تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب، قلت كل من البيتين ليس فيه معنى ~~مخصوص حتى يحكم بالسرقة، وتشبيه القد بالقضيب وما تحويه المآزر بالكثيب، ~~والوجه بالشمس، والشعر بالظلام، مما تتوارد عليه الأفهام، وبيت المتنبي وإن ~~كان هو الأخير فإنه سالم من التكرير، وقد قال أهل الفضل إنه من الوجوه ~~المنقصة لقول العرب القتل أنفى للقتل، فتنبه لأمثاله، ولا تحفل بمقالة. قال ~~العميدي. # قال العلوي الكوفي المعروف بالحماني في برية. # تيهاء لا يتخطاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنجم معقود # قال المتنبي: # عقدت بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحر وجهي بحر الشمس إذ أفلا # قلت: بيت المتنبي أحسن لما فيه من التجنيس والزيادة في المعنى. # قال العميدي: ذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار لبعض الأعراب: # لي همة فوق السما ... ء وباب رزقي الدهر مغلق # هل ينفع الحرص الكثي ... ر لصاحب الرزق المضيق # إن امرأ أمن الزما ... ن لمستغر العقل أحمق # قال المتنبي: # فالموت آت والنفوس نفائس ... والمستقر بما لديه الأحمق # قلت: الفرق بينهما كما بين السراب والشراب لمن يهتدي مناهج الصواب. قال ~~العميدي: قال ابن الرومي: # شكواي لو أنا أشكوها إلى جبل ... أصم ممتنع الأركان لا نفلقا # قال المتنبي: # ولو حملت صم الجبال الذي بنا ... غداة افترقنا أو شكت تتصدع # قلت: لو لم يكن في بيت المتنبي إلا ما تراه من الرقة والانسجام لكفاه ~~العدول عن الانفلاق إلى التصدع في هذا المقام. # قال العميدي: قال أبو تمام. # له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع # وقال العطوي: # أبعدك الله من بياض ... بيضت من عيني السوادا # قال المتنبي: # ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم # قال العميدي: قوله أسود في النحو ركيك لم يسمع إلا في أبيات شواذ نوادر. ~~قلت لنا مندوحه عن الوجه الذي يرد عليه الاعتراض بأن يكون ms099 من للتبعيض قال ~~العميدي: قال نصر الخبزأرزي: # وأسقمني حتى كأني جفونه ... وأثقلني حتى كأني روادفه # وقال محمد بن أبي زرعة الدمشقي: # أسقمني طرفه وحملني ... هواه ثقلا كأنني كفله # قال المتنبي: # أعارني سقم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره # قلت: لو سمع هذا أبو الطيب لأنشد قول البحتري: # إذا محاسني اللاتي أتيت بها ... كانت ذنوبي فقل لي كف أعتذر # قال العميدي: قال البحتري: # جل عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديح فيه هجاء # وقال نصر الخبز أرزي: # ومن قلة ما أثني ... عليه صرت كالهاجي # قال المتنبي # وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا # قلت حسن بيت المتنبي لا يخفي على ذي مسكة. قال العميدي: قال ابن الرومي: # أقسمت بالله ما استيقظتم لخنا ... ولا وجدتم عن العليا بنوام # وقال بشار بن برد: # سهرتم في المكرمات وكسبها ... سهرا بغير هوى وغير سقام # قال المتنبي: # كثير سهاد العين من غير علة ... يؤرقه فيما يشرفه الذكر # قلت: بيت المتنبي أشرف لشرف الذكر. # قال العميدي: قال ابن الرومي: # وقد سار شعري الأرض شرقا ومغربا ... وغنى به الحضر المقيمون والسفر # قال المتنبي: # هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يغني بهم حضر ويحدو بهم سفر # قلت: أصاب شاكلة الصواب بقوله: ويحدو. # قال العميدي: أنشد ابن قتيبة لبعض الأعراب: # بصير بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عينا على غد # قال المتنبي: # ماضي الجنان يريه الحزم قبل غد ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غد # قال المقبول الجزري: # يجود مالا على العافي سحابهم ... وتمطر الدم أسياف لهم قضب # وقال أبو الحسن النحاس: # إذا أروت الأرض أسيافهم ... من الدم خلت سحابا همع PageV01P056 وقال ابن ~~الرومي: # سماء أظلت كل شيء وأعملت ... سحائب شتى صوبها المال والدم # قال المتنبي: # قوم إذا أمطرت موتا سيوفهم ... حسبتها يحبا جادت على بلد # قال ابن الرومي: # يغدو فتكثر باللحاظ جراحنا ... في وجنتيه وفي القلوب جراحه # قال المتنبي: # ما باله لاحظته فتضرجت ... وجناته وفؤادي المجروح # قال أبو القوافي: # ردت صنائعه عليه حياته ms100 ... فكأنه من نشرها منشور # وقال مؤنس بن عمران البصري: # طوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يخلقها الدهر # قال المتنبي: # كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور # قال بشار بن برد: # وإذا أقل لي البخيل عذرته ... إن القليل من البخيل كثير # وقال بعض المتقدمين: # قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل # قال المتنبي: # وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير # قال ابن الرومي: # وأعوام كأن العام يوم ... وأيام كأن اليوم عام # وقال أبو تمام: # أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام # ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... بجوى أسى فكأنها أعوام # ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام # قال المتنبي: # إن أيامنا دهور إذا غب ... ت وساعاتنا القصار دهور # قال أبو تمام: # فما تترك الأيام من أنت آخذ ... ولا تأخذ الأيام من أنت تارك # وقال معوج الرقي : # ما يفسد الدهر شيئا أنت تصلحه ... وليس شيئا أنت تفسده # قال المتنبي: # ولا تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق # قال أبو العتاهية: # قد كنت صنت دموعي قبل فرقته ... فاليوم كل مصون فيه مبتذل # وقال معوج الرقي: # هان من بعد بعدك الدمع والصب ... ر وكانا أعز خلق مصون # قال المتنبي: # قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعد كم هانا # قال معقل العجلي: # ما في الملابس مفخر لذوي النهى ... إن لم يزنها الجود والإحسان # ليس اللئيم تزينه أثوابه ... كالميت ليس تزينه الأكفان # قال المتنبي: # لا يعجين مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن # قال جابر السنبسي: # خيل شوازب أمثال الصقور لها ... فوارس لا يخافون الردى بسل # كأنهم خلقوا والخيل تحته ... م أسود وفي أنيابها الأجل # قال المتنبي: # وكأنها نتجت قياما تحتهم ... وكأنهم خلقوا على صهواتها # وقال السيد الحميري: # قوم نبالهم ليست بطائشة ... وفيهم لفساد الدين إصلاح # ويفصحون عن المعنى بألسنة ... كأنما هي أسياف وأرماح # وقال البحتري: # وإذا تألق في الندى كلامه المص ... قول خلت لسانه من عضبه ms101 # قال المتنبي: # كأن ألسنهم في النطق جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا # قال امرؤ القيس: # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # وقال الخليع الأول: # وزائرة ما ضمخت قط ثوبها ... بمسك ومن أثوابها المسك يسطع # ينم عليها ريقها وحليتها ... وغرتها في الليل والليل أدرع # وقال بشار بن برد: # وزائرة ما مسها الطيب برهة ... من الدهر لكن طيبها الدهر فائح # قال المتنبي: # أتت زائرا ما خامر الطيب ثوبها ... وكالمسك من أردانها يتضوع # قال ابن الرومي: # لو أبي الراغبون يوما نداه ... لدعاهم إليه بالترغيب # قال المتنبي: # وعطاء مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن تلاقي طالبا # قال التنوخي الكاتب: # أنت في الدهر كالطري من الور ... د وفي الشعر كالبديع الغريب # فيك بشر يدني النجاح من الرا ... جي ويقضي بالنيل للمطلوب # قال المتنبي: # ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها # قال العوني: # مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه ... جيش من الحر يرمي الأرض بالشرر # كأن بالجو ما بي من جوى وهوى ... ومن شحوب فلا يخلو من الكدر PageV01P057 ~~قال المتنبي: # كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا # قال بعض المتقدين وهو جميل بن معمر: # ونغص دهر الشيب عيشي ولم يكن ... ينغصه إذ كنت والرأس أسود # نخص زمان الشيب بالذم وحده ... وأي زمان يا بثينة يحمد # قال المتنبي: # من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمد # قال محمد بن كناسة الأسدي: # ترى خيلهم مربوطة بقبابهم ... وفي كل قلب من سنابكها وقع # قال المتنبي: # قيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدو # قال ديك الجن: # أخا الرأي والتدبير لا تركب الهوى ... فإن الهوى يريدك من حيث لا تدري # ولا تثقن بالغانيات وإن وفت ... وفاء الغواني بالعهود من الغدر # قال المتنبي: # إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألا يدوم لها عهد # قال علي بن يحيى المنجم من أبيات يغني بها: # وجه كأن البدر ليلة تمه ... منه استعار النور والإشراقا # وأرى عليه حديقة أضحى ms102 لها ... حدقي وأحداق الأنام نطاقا # قال المتنبي: # وخصر ثبت الأبصار فيه ... كان عليه من حدق نطاقا # قال بشار بن برد: # إذا ابتسمت جادت دموعي بوابل ... من الغيث أجرته بروق المباسم # وقال الخبز أرزي: # فواعجبا حتام يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا # قال المتنبي: # تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها # قال عبد الصمد بن المعذل # يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلا وهو يعتذر قال المتنبي: # يعطيك مبتدئا فإن أعجلته ... أعطاك معتذرا كمن قد أجرما # قال صالح بن حيان الطائي: # صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلى من جني النحل في الفم # قال المتنبي: # فثب واثقا بالله وثبة ماجد ... ترى الموت في الهيجا جني النحل في الفم # قال أبو تمام: # لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا # قال المتنبي: # لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا # قال أبو مسلم محمد بن صبيح: # فعيش ذي الهم في هم وفي نكد ... وذو الجهالة في خصب وفي فرح # وقال أبو الفتح الإسكندري: # اختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون # زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون # لا تكذبن بعقل ... ما العقل إلا جنون # ولمحمد البجلي الكوفي: # هذا زمان مثوم ... كما تراه غشوم # الجهل فيه جميل ... والعقل عيب ولوم # والمال طيف ولكن ... على اللئام يحوم # قال المتنبي: # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # وقال محمد البيدق الشيباني: # إني لأنصف في إخائك دائما ... حاشاك من ظلم فلم لا تنصف # الظلم طبعك والعفاف تكلف ... والطبع أقوى والتكلف أضعف # قال المتنبي: # والظلم من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # قال أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي: # لم أنس يوم تعانقنا وعللني ... من ريقي صافيا ما شابهكدر # أبصرته فرأيت الشمس طالعة ... تغشى العيون فيعشى دونها البصر # هذا على أن حول الشمس من شعر ... ليل يقال له الأصداغ والطرز # أنا القتيل وطرفي قاتلي ودمي ... ما بين قلبي ومن ms103 علقته هدر # وقال دعبل: # لا تأخذوا بظلامتي أحدا ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا # قال المتنبي: # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل # قال العتكي: # هدانا الله بالقتلى نراها ... مصلبة بأفواه الشعاب # قال المتنبي: # إذا سلك السماوة غير عاد ... فقتلاهم لعينيه منار # قال أبو تمام: # ولطالما أمسى فؤادك منزلا ... ومحلة لضباء ذاك المنزل # وقال أيضا: # وقفت وأحشائي منازل للأسى ... بها وهي قفر قد تعفت منازلة # وقال معوج الرقي: # كم وقفنا على الطلول وجدنا ... بسحاب من الدموع يهل PageV01P058 يا محل ~~الآرام والعين أهلا ... لك في القلب منزل ومحل # قال المتنبي: # لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل # قال أبو تمام: # ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد # قال المتنبي: # تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم يضق فيها عساكره # قال الناشي: # لما عطفن رءوسهن ... إلى الظعائن في الكلل # قدرتهن لعشقهن ... طلبن منهن القبل # قال المتنبي: # ويغيرني جذب الزمام لقلبها ... فمهما إليك كطالب تقبيلا # قال البحتري: # تلقاه يقطر سيفه وسنانه ... وبنان راحته ندى ونجيعا # قال المتنبي: # ملك سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا # قال أبو العتاهية: # وإذا الجبان رأى الأسنة شرعا ... عاف الثبات فإن تفرد أقدما # قال المتنبي: # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا # قال مسلم بن عياش العامري: # وخيل مؤدبة لا تزال ... قوائمها عالكات اللجم # تحن إلى الحرب من غير أن ... تقاد وما أقلقتها الحزم # وقد ستر النقع أعرفنها ... فآذانها كرءوس القلم # قال المتنبي: # قاد الجياد إلى الطعان ولم يقد ... إلا إلى العادات والأوطان # إن خليت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان # في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان # قال محمد بن مسلم المعروف بابن المولى: # ما زلت تقرعهم في كل معترك ... ضربا يحل الشيب باللمم # ترى الجماجم منه غير آمنة ... وسائر الجسم منها صار في حرم # قال المتنبي: # خص الجماجم والوجوه كأنما ... جاءت إليك جسومهم بأمان # قال علي بن هارون المنجم: # كريم نهته ms104 النفس عن شهواتها ... ووافته أقساط المعالي بلا بخس # إذا لم تكن نفس ابن آدم حرة ... تحن إلى العليا فلا خبر في النفس # قال المتنبي: # تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها # قال أبو تمام: # فإن لم يفد يوما إليهن طالب ... وفدن إلى كل امرئ غير وافد # وقال أيضا: # وفدت إلى الآفاق من نفحاته ... نعم تسائل عن ذوي الإقتار # قال المتنبي: # وأنفسهم مبذولة لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفد # قال أبو عمران الضرير الكوفي: # لست أدري كيف ابتليت بقوم ... لا يخافون ربهم حسادي # حسدوني على الحياة ومن لي ... بحياة أنال فيها مرادي # قال المتنبي: # ولكني حسدت على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور # قال أبو أحمد الخراساني: # وكم مهمة قد جبته بعد مهمة ... وكم مسلك وعر وكم منهل قفر # يلين بعزمي كل صعب أرومه ... وهل خطب دهر لا يهونه صبري # قال المتنبي: # قد هون الصبر عندي كل نازلة ... ولين العزم حد المركب الخشن # قال بشر بن هدية الفزاري: # أرى الحرب في عيني مثل عقيلة ... فيؤنسني غشيانها وعناقها # ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابهم ... ورود المنايا وهي أرى مذاقها # قال المتنبي: # يرى الجبناء حب الموت جهلا ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # قال معوج الرقي: # يفنى المواهب كي تبقى محامده ... ويخلص الجود من من ومن كدر # تلقاه إن وهب الدنيا بجملتها ... لسائل خجلا في زي معنذر # قال المتنبي: # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # قال الناشي: # ومن علت في اكتساب المجد همته ... ولم يساعده جد بات في تعب # قال المتنبي: # وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده # قال البحتري: # وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك # قال المتنبي: # لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل # قال عبد الله بن طاهر: # إذا كرمت الفتى عف قلبه ... وساعده عيناه واليد والفم PageV01P059 وغير ~~جميل أن يرى المرء مطرقا ... وفي قلبه نار من الشوق تضرم # قال المتنبي: # وإطراق طرف العين ليس ms105 بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق # قال أبو العتاهية: # بدني ناحل وصبري بدين ... واعتزامي ماض وجسمي حسير # ومن الموت قد سلمت ولكن ... بعد هذا إلى الممات أصير # يا خليلي كيف يخدعني الده ... ر وإني به بصير خبير # أسقياني من قبل أن يتقضى ... أمل أرتجى وعمر قصير # قال المتنبي: # فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي # وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام # تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام # فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام # وقال زريق البصري: # فلا تحسبوا الإقتار عارا عليكم ... وأعداؤكم مشرون بين المحافل # كذا عادة الدهر الخئون ولم يزل ... يخلط في الأحكام حقا بباطل # رأيت الغنى عند الأراذل محنة ... على الناس مثل الفقر عند الأفاضل # قال المتنبي: # والغنى في يد اللئيم قبيح ... مثل قبح الكريم في الإملاق # قال الناشي: # يا أكرم الناس أخلاقا وأوفرهم ... عقلا وأسبقهم فيه إلى الأمد # أصبحت أفضل من يمشي على قدم ... بالرأي والعقل لا بالبطش والجلد # لئن ضعفت وأظناك السقام فلم ... يضعف قوى عقلك الصافي ولم يمد # لو كان أفضل ما في الخلق بطشهم ... دون العقول لكان الفضل للأسد # وإنما العقل شيء لا يجود به ... للناس غير الجواد الواحد الصمد # قال المتنبي: # لو لا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # قال إدريس الأعور يرثى عبد الله بن طاهر: # أجيل طرفي فما ألقى سوى جدث ... وارى محاسن ذاك المنظر البهج # وتربة ما رأتها عين غانية ... إلا سخت بدم بالدمع ممتزج # وسودتها بنقس بعد غالية ... وبدلت حمرة التفاح بالسبج # قال المتنبي: # وأبرزت الخدور مخبآت ... يضعن النقس أمكنة الغوالي # قال أبو تمام: # تعود بسط الكف حتى لو انه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله # وقال ابن الرومي: # تعودت المواهب والعطايا ... أنامل فيض راحتها انسجام # فليس لها عن الحمد انفراج ... وليس لها على المال انضمام # قال المتنبي: # عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها # قال العكوك: # عجبت لحراقة ابن ms106 الحسين ... كيف تعوم ولا تغرق # وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق # وأعجب من ذاك عيدانها ... وقد مسها كيف لا تورق # وقال أبو البيداء: # هو المشترى الحمد الكثير بماله ... وفي يده للسائلين سحاب # ولو مطرت كفاه أرضا لأخصبت ... وأورق صفوان عليه تراب # قال المتنبي: # وعجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق # قال أبو تمام: # ومن خدم الأقوام يرجو نوالهم ... فإني لم أخدمك إلا لأخدما # قال المتنبي: # وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده # قال ابن المعتز: # وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدم تبدت في ثياب حداد # وقال معوج الرقي: # كأن بنات نعش حين لاحت ... نوائح واقفات في حداد # قال المتنبي: # كأن بنات نعش في دجاها ... خرائد سافرات في حداد # قال بشار: # وظن وهو مجد في هزيمته ... ما لاح قدامه شخصا يسابقه # قال أبو نواس: # فكل كف رآها ظنها قدحا ... وكل شيء رآه ظنه الساقي # قال المتنبي: # وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # قال أبو المتورد: # حل المسيب بمفرقي ... فكأنه سيف صقيل # أقبح بضيف قال لي ... لما أتى قرب الرحيل # وقال البحتري: # وددت بياض السيف يوم لقيني ... مكان بياض الشبب حل بمفرقي # قال المتنبي: PageV01P060 ضيف ألم برأسي غير محتشم ... والسيف أحسن فعلا ~~منه باللمم # قال الخليع الأكبر: # وخير بلاد الله عندي بلدة ... أنال بها عزا وأحوى بها حمدا # وقال البحتري: # وأحب أقطار البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب # قال المتنبي: # وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب # قال النابغة: # وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب لجون أشقرا # وقال أبو المهاجر البجلي: # وخاضت عتاق الخيل في حومة الوغى ... دماء فصارت شهب ألوانها دهما # قال المتنبي: # جفتني كأني لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشهب في صورة الدهم # قال قدامة بن موسى الجمحي: # شجاع يرى الإحجام كفرا فيتقي ... وسمح يرى الإفضال فرضا فيفضل # وما يتناهى القول في وصف مدحه ... ولكنني أبغي اختصارا فأجمل # قال المتنبي: # هو ms107 الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد بعد الجبن من بخل # قال إبراهيم البند نيجي الكاتب: # أحاول أمرا والقضاء يعوقه ... فبيني وبين الدهر فيه طراد # ولولا الذي حاولت صعبا مرامه ... لساعدني فيه عليه شداد # قال المتنبي: # أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد # وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # قال الناشي: # إليكم بنى العباس عني فإنني ... إلى الله من ميل إليكم لتائب # تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه ... وأقصتكم عنه ظنون كواذب # سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا ... وتبعد كم سمر القنا والقواضب # أترضون أن تطوى صحائف عصبة ... كرام لهم في السابقين مراتب # ألم تعلموا أن التراث تراثهم ... وهم أظهروا الإسلام والكفر غالب # فلا تذكروا منهم مثالب إنما ... مثالب قوم عند قوم مناقب # قال المتنبي: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد # قال أبو راسب البجلي: # ولولا انتقاد الدهر لم يكس قاسما ... جلالا ولم يسلب سواه المعاليا # قال المتنبي: # ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد # وقال أبو راسب أيضا: # ولو كنت تحوي عمر من قد نهبته ... بسيفك في الدنيا لكنت مخلدا # قال المتنبي: # نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد # قال أبو العتاهية: # شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقا على المداح # قال المتنبي: # وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا # قال أبو العالية: # أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها # فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها # قال المتنبي: # انعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهن أوائل # قال السيد الحميري: # تخفى على أغبياء الناس منزلتي ... إني النهار وهم فيه الخفافيش # قال المتنبي: # وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء # قال العوني: # يا صاحبي بعدتما فتركتما ... قلبي رهين صبابة وتصابي # أبكي وفاء كما وعهد كما كما ... أبكي المحب معاهد الأحباب # قال المتنبي: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # قال ms108 العوني: # أحب ابن بنت المصطفى وأزوره ... زيارة مهجور يحن إلى الوصل # وما قدمي في سعيه نحو قبره ... بأفضل منه رتبة مركز العقل # قال المتنبي: # خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام # قال البحتري: # اغتنم فرصة من الدهر واطرب ... ليس شيء من الجديدين باقي # وزمان السرور يمضي سريعا ... مثل طيب العناق عند الفراق # قال المتنبي: # للهو آونة تمر كأنها ... قبل يزودها حبيب راحل # قال منصور النمري: # رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميدا والكريم ألوف # قال المتنبي: PageV01P061 خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا ... لفارقت شيبي ~~موجع القلب باكيا # قال البحتري: # تعنو له وزراء الملك خاضعة ... وعادة السيف أن يستخدم القلما # وقال ابن الرومي: # كذا قضى الله للأقلام مذ خلقت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم # قال المتنبي: # حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم # اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم # قال البحتري: # أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا # وقال نصر الخبرأرزي: # وما حاجة الركب السراة إذا بدا ... لهم وجهه ليلا إلى طلعة البدر # قال المتنبي: # وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه # قال علي بن جبلة: # قمر نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدرا طلعا # وقال الشعباني: # فإذا جزعت من الرقيب فلا تزر ... فالبدر يفضح كل ليل مظلم # قال المتنبي: # أمن ازديارك في الدجا الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء # قال أبو تمام: # مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد # قال المتنبي: # وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غير غاد # قال أبو تمام: # وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي # قال المتنبي: # محبك حيث ما اتجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد # قال البحتري: # ولم أر في رنق الصري لي موردا ... فحاولت ورد النيل عند احتفاله # وقال الكسروي: # وما أنا تارك بحرا نميرا ... وأطمع في الجداول والسواقي # إذا لجحدت ما أوليتنه ... من النعمى ومت من النفاق # وقال العطوي: ms109 # أأمتاج من بئر قليل معينها ... وأقعد عن بحر زلال مشاربه # قال المتنبي: # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # قال إبراهيم بن عيسى في معرض العتاب: # يا وارث المجد التلي ... د وباني الكرم الأصيل # مالي أراك قبلت أق ... وال الوشاة بلا دليل # قد كنت أحسب أنني ... أحظى بنائلك الجزيل # حتى رأيت وسائلي ... خلقت وضاعت في السبيل # فعلمت أني قد غلط ... ت وتهت في خطب طويل # ولقد أتيتك آنفا ... أرجوك في أمر قليل # أنصف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل # إما إزاحة علة ... فيها الشفاء من الغليل # إما فقوت ما أعي ... ش يصون وجهي عن بخيل # إما فإذن استق ... ل به على وجه جميل # من لم يعنك على المقا ... م فقد أعان على الرحيل # قال العميدي لمح المتنبي جميع هذه الأبيات وسلخ البيت الأخير في قوله: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم # قال أبو هفان المهزمي: # جلست فقام الدهر فيما تريده ... ونمت عن الأشغال والجد ساهر # وأنت لأرباب المكارم كلهم ... إمام وإن غابوا فإنك حاضر # قال المتنبي: # ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام # وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام # قال العميدي: أترى يخفي على النساء دون الرجال هذا وما يجري مجراه أنه ~~سرقة؟ قال عبد الله بن محمد الرقي المكنى بابن عمران: # صينت ظهور مطايانا لغيبته ... فليس يركبها من أحد # من يصحب الدهر لم يأمن تقلبه ... يعيش حيران ينفذ الأبد # قال المتنبي: # نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنا أن نلم به ركبا # ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا # قال إسماعيل بن محمد الراداني يمدح الحسن بن وهب: # كأنما الناس مخلوق من ظلم ... وأنت وحدك مخلوق من النور # تهتز كالغصن عند الجود من طرب ... وتستعين بقلب غير مذعور # قال المتنبي: # فلو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا # أشدهم في الندى هزة ... وأبعدهم في عدو مغارا # قال الهرمزي: PageV01P062 سقيم المجد مذ سقمت، ويبرا ... حسين ms110 تبرا، ~~وبالأعادي السقام # وإذا ما سلمت فالناس طرا ... سلموا مثلما سلمت وقاموا # قال المتنبي: # المجد عوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم # قال سعيد الخطيب: # وما كنت أدري أن في كفك الغنى ... وأنت قد أصبحت للمجد عنصرا # وقد كنت في ليل من لشك مظلم ... إلى أن بدا صبح اليقين فاسفرا # تبرعت بالأموال من غير كلفة ... وحزت بها عني الثناء المحبرا # قال المتنبي: # وعادي محبيه بقوله عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم # قال المستهل بن الكميت: # وإني وإن ألبست ثوب خصاصة ... فلست لعمري للبخيل بمادح # ومن رام مدح الباخلين فإنه ... ضعيف أساس العقل بادي القبائح # نصحتك: لا تكرم عدوا ولا تهن ... صديقا لك الخيرات فاقبل نصائحي # وما أربي في العيش لولا محبتي ... لنفع محب أو مضرة كاشح # قال المتنبي: # لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم # قال البحتري: # إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب # قال المتنبي: # فإن الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد # قال أبو العتاهية: # يا جامع المال والآمال تخدعه ... خوفا من الفقر والعدم # أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابت قلبك الظلم # قال ابن الرومي: # ومن راح ذا فقر وبخل فإنه ... فقير أتاه البخل من كل جانب # قال المتنبي: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # قال أحمد بن مهران الكاتب: # أتاني كتاب منك فيه بلاغة ... يعظمها عجبا به كل كاتب # معان كأخلاق الكرام حميدة ... صحاح بألفاظ كزهر الكواكب # قال المتنبي: # كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجوم الثريا أو خلائقك الزهر # قال أبو أحمد الخراساني: # وليس يضرني ضعف وفقر ... إذا أنفقت مالي في المعالي # رأيت العار في بخل وكبر ... ولست أراه في فقر الرجال # قال المتنبي: # غثاثة عيشي أن تغث كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل # قال العميدي لقد صار هذا غثا لاجتماع الغثاثات فيه. # قال ابن وهب الفزاري وهو جاهلي: # أرى الموت في الحرب مثل الحياة ... لتبليغي النفس ms111 فيها الأمل # وأعلم أني امرؤ لا أذو ... ق طعم الممات بغير الأجل # قال المتنبي: # فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في إرب النفوس # قال تميم بن خزيمة: # وليس يضرني قومي إذا ما ... غزاهم في ديارهم كلاب # زنادي غير مصلدة وسيفي ... عليه من دمائهم قراب # فلا تستحقروني لانفرادي ... فإن التبر معدنه التراب # قال المتنبي: # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام # قال بشار بن برد: # إذا اعتذر الجاني إلى عذرته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا # فمن عاتب الجهال أتعب نفسه ... ومن لام من لا يعرف اللوم أفسدا # قال المتنبي: # وما كل بمعذور ببخل ... ولا كل على بخل يلام # قال العميدي متهكما: هذه الألفاظ إذا سمعها الصوفية تواجدوا عليها ~~لمجانستها كلامهم قال أبو سعيد المخزومي: # لم يترك الجود فيه غير عادت ... ولم يشن وعده كذب ولا حلف # فلا يلام على إتلافه كرما ... أمواله والذي لم يعطه تلف # حفظ المروءة يؤذي قلب صاحبها ... والحب مغزي به المستهتر الكلف # قال المتنبي: # تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام # قلت بيت المتنبي أشرف من بيت أبي سعيد المخزومي لمن تأملهما إلا أن لفظه ~~تؤذي آذت بيت المتنبي لضعف تركيبها فيه. PageV01P063 وبيان ذاك: أن هذه ~~اللفظة إذا أوردت في كلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ليحسن ~~موقعها، كما وردت في قوله تعالى: )إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم(، ~~وجاءت في بيت المتنبي منقطعة، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث ~~النبوي، وأضيف لها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه ~~اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء جبريل عليه السلام فقال: )باسم الله ~~أرقيك من كل داء يؤذيك(، فإنه لما زيد فيها أصلحها وحسنها؛ ولهذا تزاد ~~الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى: )ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه(، ~~وهذا الموضع غامض يحتاج إلى إمعان نظر، وربما ينكر هذا من لم يذق طعم ~~الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها ms112 فكم من لفظة واحدة ~~وردت في موضعين زانت أحدهما، وشانت الآخر، وذلك من خاصة التركيب، كما ورد ~~القرآن الكريم : )إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة( فلفظه لي ~~مثل تؤذي، وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطة لا ~~تجيء لائقة، كقول أبي الطيب المتنبي: # تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي # فهذه اللفظة وقعت في الآية في غاية الحسن، بخلاف وقوعها في البيت، ونظير ~~ذلك أنك ترى لفظتين يدلان على معنى واحد إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في ~~موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من دق فهمه، فمن ~~ذلك قول تعالى: )ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه(، وقوله تعالى: )رب إني ~~نذرت لك ما في بطني محررا( ، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ~~ولم يستعمل إحداهما مكان الأخرى، وكذلك قوله تعالى: )ما كذب الفؤاد ما ~~رأى(، وقوله: )إن في ذلك لذكرى لمن كاف له قلب(،والقلب والفؤاد سواء، ولم ~~يستعمل أحدهما في مكان الآخر، وعلى هذا ورد قول الحماسي: # نحن بنو الموت إذا الموت نزل ... لا عار بالموت إذا حم الأجل # والموت أحلى عندنا من العسل وقال أبو الطيب: # إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد # فلفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحلى من العسل، وقد وردت لفظة العسل في ~~القرآن الكريم دون لفظة الشهد فوقعت أحسن من الشهد، وكثيرا ما تجد ذلك في ~~أقوال الشعراء المفلقين، وبلغاء الكتاب، ومصاقع الخطباء، وتحته دقائق ~~ورموز. # رجع إلى ما قاله العميدي، قال: قال ضمضم الكلابي: # ومعترك ضنك المجال شهدته ... ولم أخش أسباب المنايا هنالكا # شفيت جوى صدري وصنت عشيرتي ... وغادرت وجه المجد أبيض ضاحكا # فمن شاء أن يبقى له العز خالدا ... نفى الضيم واستسقى السيوف البواتكا # إذا لم يكن عن قبضة الموت مخلص ... فعجز وجبن أن تخاف المهالكا # قال المتنبي: # وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن ms113 العجز أن تكون جبانا # قال أبو العتاهية: # إني أكاشر أعدائي مغالطة ... وفي الحشا لهب من غيظهم ضرم # ولج في العذل أقوام مقتهم ... وكان في أذني عن عذلهم صمم # قال المتنبي: # كأن رقبيا منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها عذل # قال بشار بن برد: # كأن جفوني كانت العيس فوقها ... فسارت وسالت بعدهن المدامع # قال المتنبي: # كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا # قال هرون بن علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم # أرى الصبح فيها منذ فارقت مظلما ... فإن أبت صار الليل أبيض ناصعا # قال المتنبي: # فالليل حين قدمت فيها أبيض ... والصبح منذ رحلت عنه أسود # قال العوني: # إن دهرا سخا بمثلك سمح ... ولقد كان قبل هذا بخيلا # قال المتنبي: # أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا # قال الخطيب في تلخيص المفتاح، وإن كان الثاني دون الأول فالثاني مذموم ~~كقول أبي تمام: # هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل # وقول أبي الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا. # وميز الشارح بيت أبي تمام بعدة وجوه: PageV01P064 منها أن قول المتنبي: ~~)ولقد يكون( لم يصب محزة، إذ المعنى على المضي، ومنها أن المضارع إذا كان ~~على معناه أي يكون الزمان بهلاكه بخيلا،لعلمه بأنه سبب لصلاح الدنيا، ونظام ~~العالم، فيرد: أنه إذا سخا به فقد بذله، فلم يبق له في تصرفه حتى يسمح ~~بهلاكه أو يبخل، ومنها أنه على تقدير تصحيح ذلك الوجه يكون فيه مضاف، ولا ~~قرينة تدل عليه. # ونقل عن أبي على الفارسي أن في بيت أبي تمام تقصيرا، لأن الغرض في هذا ~~النحو نفي المثل، وأن يقال: إنه يعز وإنه لا يكون، فإذا جعل سبب فقد مثله ~~بخل الزمان به، فقد أخل بالغرض، وجوز وجود المثل، ولم يمنعه من حيث هو، بل ~~من حيث بخل الزمان بأن يجود بمثله. قال أبو الشمقمق: # المرء ليس بمدرك ... من دهره ما يبتغيه # يسقى العليل من الدوا ... ء خلاف ما هو يشتهيه # قال المتنبي: # ما كل ما ms114 يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # قال محمود بن الحسن الوراق: # لا تلح شيبي وما شاهدت من كبرى ... ما دمت أغدو صحيح العقل والبصر # قالوا: # أبوك تميمي وهمته ... شم القتار وأكل الشحم بالوضر # وما تميم إذا عدت أولى كرم ... فقلت في النار معنى ليس في الحجر # قال المتنبي: # فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب # قال العميدي هذا لفظ غث عامي، وذاك منطقي. # قلت بلغ منه تعصبه أنه ذم كلاما أجمع أهل الأدب على حسنه قال مروان بن ~~سعيد البصري: # أغنيتني عن سؤال الباخلين فلا ... أحتاج ما أنت تبقى لي إلى رجل # وصنت عرضي عمن كنت أقصده ... فلم أنل منه غير المنع والبخل # مالي وما لثماد المال أقربه ... في لجة البحر ما يغني عن الوشل # أنت الذي فيك مجد الناس كلهم ... لولاك أصبحت الدنيا بلا رجل # قال المتنبي: # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل # قال كعب بن معدان الأشقري: # كأن الرماح السمهريات بينهم ... هموم فما يطرقن غير الحشا طرقا # حماة كماة لم يزنوا بريبة ... ولا غدروا يوما ولا ضيعوا حقا # قال المتنبي: # وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد # قال محمد بن العباس: # أما ترى الزعفران الغض تحسبه ... وقت الصباح إذا أبصرته عنما # مسك وورد ولد طيب رائحة ... في حالة وكذلك المسك كان دما # قال المتنبي: # وإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # قال علي بن الجهم: # فدارى ومالي والضياع وكل ما ... تمتلكه من بعض ما هو باذله # قال المتنبي: # أسير إلى إقطاعه في ثيابه ... على طرفه من داره بحسامه # قال البحتري: # ملوك يعدون الرماح مخاصرا ... إذا زعزعوها والدروع غلائلا # قال المتنبي: # متعودا لبس الدروع يخالها ... في البرد خزا والهواجر لاذا # قال الخبزأرزي: # وشادن زرته فرحب بي ... ترحيب جان على مواليه # جنيت وردا من خده بفمي ... فعشت لا عاش من يعاديه # تحيي رفات العظامقبلته ... لأن ماء الحياة من ms115 فيه # قال المتنبي: # فذقت ماء حياة من مقبلها ... لو صاب تريا لأحيا سالف الأمم # قال أبو نواس: # يبكي فيذري الدر من نرجس ... وبلطم الورد بعناب # وقال ابن الرومي: # كأن تلك الدموع قطر ندى ... تقطر من نرجس على ورد # قال المتنبي: # ترنو إلى بعين الظبي مجهشة ... وتسمح الطل فوق الورد بالعنم # قال معقل العجلي: # كم كتمت الهوى حياء من النا ... س وأخفيت لوعتي واحتراقي # أعلنت عبرتي سرائر حبي ... كيف تخفي سرائر العشاق؟ # قال المتنبي: # وكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الدمع لا تخفي سرائره # قال العوني: # تحار خواطر المداح فيه ... ويعجز عن فضائله اللسان # وقالا أيضا: # تضل عقول الناس في نعت فضله ... ويغرق في أمواج أفضاله الفكر # قال المتنبي: PageV01P065 إذا تغلغل فكر المرء في طرف ... من مجده غرقت ~~فيه خواطره # قال البحتري: # وبلوت منك خلائقا محمودة ... لو كن في فلك لكن نجوما # قال المتنبي: # أقلب منك طرفي في سماء ... وإن طلعت كواكبها خصالا # قال العوني: # وإني ليسري بي أغر محجل ... سرى لا يبالي فيه بالنحس والسعد # ويصحبني من نسل أعوج ضمر ... عتاق هداة لا تجور عن القصد # عليها كهول دارعون تلثموا ... حياء فهم بالبعد في صورة المرد # قال المتنبي: # تبدل أيامي وعيشي ومنزلي ... نجائب لا يفكرن في النحس والسعد # وأوجه فتيان حياء تلثموا ... عليهن لا خوفا من الحر والبرد # وقال في موضع آخر: ... كأنهم من طول ما التثموا مردا # قال السيد الحميري: # وإن مسيري من ذراك ضرورة ... ولولا اضطراري ما رضيت بذالكا # وما رحلتي إلا تبشر عاجلا ... بأني أقيم الدهر تحت ظلالكا # قال بعض المتقدمين: # سنرجع إن عشنا ونقضي أذمة ... فكم من فراق كان داعية الوصل # وقال أبو تمام: # أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع # قال المتنبي: # لعل الله يجعله رحيلا ... يعين على الإقامة في ذراكا # قال ابن الرومي: # يرى الصعب سهلا إن توجه نحوه ... بعزم صقيل لا تفل مضاربه # وغرة وجه يهزم النحس سعده ... وتطلع في أفق السعود كواكبه # قال المتنبي: # فإنك ما مر النحوس بكوكب ... وقابلته إلا ms116 ووجهك سعده # قال الهيثم بن الأسود النخعي: # إذا نال بالسيف الفتى سؤل نفسه ... ترفع عن تدنيسها بسؤال # ومن لم يصن في حاجة ماء وجهه ... عن الناس لم يلبس ثياب جلال # قال المتنبي: # من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # وقال موسى بن عمران: # أصبحت من معشر ما في قلوبهم ... من السيوف ومن خوض الردى فرق # يستسهلون صعاب الحادثات فهم ... يلقونها بنفوس ما بها قلق # قال المتنبي: # وإنا لنلتقي الحادثات بأنفس ... كثير الرزايا عندهن قليل # لمن هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليل # وقال البحتري: # كستك يد الأيام ثوب جلالة ... فغابت عواديها وزالت خطوبها # إذا اعتل ذو فقر فأنت شفاؤه ... وإن شكت الدنيا فأنت طبيبها # قال المتنبي: # وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟ # قال ابن الرومي: # إن أقبلت فالبدر لاح وإن مشت ... فالمسك فاح وإن رنت فالريم # قال المتنبي: # بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا # قال مخلد بن بكار الموصلي: # لا عدمناه من همام كريم العهد ... غمر الندى حميد الخصال # يحسن الكر في الكلام وفي الإق ... دام يوم الوغى وعند النوال # قال المتنبي: # هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم # قال أبو العتاهية: # أجداده علموه في طفولته ... قتل العدا واكتساب الحمد بالجود # فاجتث دابر أعداء ذوي حسد ... وفي السماحة أفنى كل موجود # قال المتنبي: # فتى علمته نفسه وجدوده ... قراع الأعادي وابتدار الرغائب # ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله في الكتائب # قال بشار بن برد: # لعمري لقد هذبت قولي ولم أدع ... مقالات لمغتاب ودعوى لمن لحا # ومن كان ذا فهم بليد وعقله ... به علة عاب الكلام المنقحا # قال المتنبي: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # قال عبد الرحمن بن دارة: # فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم ... فكونوا بقايا للخلوق وللكحل # وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدوا ... على العار وابتاعوا المغازل بالنبل # قال الناشي الأكبر: # إن كنت بالذل راضيا فأرح ... في الجفن حد المهند الخذم # فالمرء ms117 بالجود والشجاعة وال ... همة يحوي محاسن الكرم # قال المتنبي: PageV01P066 إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن ~~الحسام اليمانيا # ولا تستطيلن الرماح لغارة ... ولا تستجيدن العتاق المذاكيا # قال بشار بن برد: # والجد ليس بزائد في رزق من ... يسعى وليس بنائم عن نائم # ويموت راعى الضأن عند تمامه ... موت الطبيب الفيلسوف العالم # قال المتنبي: # يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبه # وقال الخبزأرزي: # إن نفسي تذوب في كل حين ... حسرات ومن جفوني تسيل # وقال الجهمي: # وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روح تذوب فتقطر # وقال الواسطي: # وقائله: أي الدماء التي غدت ... تجود بها عند الوداع المحاجز # فقلت لها: نار الحشا صعدت بها ... فهن على خدي بيض بوادر # ألم تر حسن الورد يبيض ماؤه ... فيقطر من نار تجن الضمائر # وقال الجعفي الكوفي: # دمعي جرى من جفوني يوم بينهم ... فلست أعلم دمعي كان أم روحي؟ # وقال بشار: # حشاشتي ودعتني يوم بينهم ... وشيعتهم وخلتني وأحزاني # وقد أشاروا بتسليم على حذر ... من الرقيب بأطراف وأجفان # قال المتنبي: # حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع؟ # أشاورا بتسليم فجدنا بأنفس ... تسيل من الآماق والسم أدمع # قال أبو العتاهية: # قد صار يحسدني من كان يعذرني ... فيه، ويعذرني رهطي وأضدادي # والسقم لازمني حتى أنست به ... وفر مني أطبائي وعوادي # قال المتنبي: # عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد # ألح على السقم حتى ألفته ... ومل طبيبي جانبي والعوائد # قال أبو الشيص: # دعتني جفونك حتى عشقت ... ولم أك من قبلها أعشق # فدمعي يسيل وصبري يزول ... وجسمي في عبرتي يغرق # قال المتنبي: # وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق # قال السيد الحميري: # همة تنطح الثريا وعز ... نبوي يزعزع الأجبالا # وعطاء إذا تأخر عنه ... سائلوه اقتضاهم استعجالا # قال المتنبي: # شرف ينطح النجوم بروقي ... ه وعز يقلقل الأجبالا # قال صاحب نصر بن سيار: # طال عتب الزمان ظلما علينا ... وجفانا فما له إعتاب # فأجرنا من عتبه وأذاه ... أنت ترجى لمثله وتهاب # ما ms118 لنا منصف سواك فيشكي ... أنت كالنصل والملوك قراب # قال المتنبي: # لنا عند هذا الدهر حق يلطه ... وقد قل إعتاب وطال عتاب # ولا ملك إلا أنت والملك فضلة ... كأنك سيف فيه وهو قراب # قال إبراهيم بن متمم بن نويرة: # والخيل قد نسجت على صهواتها ... أيدي الرياح براقعا وجلالا # ضاقت عليهن الفلاة فلا ترى ... من كثرة القتلى لهن مجالا # قال المتنبي: # صافيات الألوان قد نسج النق ... ع عليها براقعا وجلالا # ولتمضن حيث لا يجد الرم ... ح مدارا ولا الحصان مجالا # قال بشار بن برد: # حظي من الخير منحول وأعجب ما ... أراه أتى على الحرمان محسود # أغدو وأمسى وآمالي قطعت بها ... عمري تخيب وأموالي المواعيد # وأكرم الناس من تأتى مواهبه ... من غير وعد فيه الخير موجود # قال المتنبي: # ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود # أمسيت أروح مثر خازنا ويدا ... أنا الغنى وأموالي المواعيد # جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود # قال العميدي: من قال إن هذا غير مأخوذ من كلام بشار فقد عدم الفطنة ~~والتمييز، وجميع الرشاد والتوفيق. وجهل مواقع الأخذ، واحتاج أن يسقى شربة ~~تشحذ فهمه، وتجلو طبعه، وتزيل العي عنه. # قال محمد بن أبي عيينة المهلبي: # إني لأختار الحما ... م على مصاحبة اللئام # وأفر منهم ما حيي ... ت ولا أفر من الحسام # نفسي الكريمة لا تقر ... على المذلة والملام PageV01P067 والموت أطيب في ~~فمي ... عند الهوان من المدام # قال المتنبي: # وعندها لذ طعم الموت شاربه ... إن المنية عند الذل قنديد # قال أبو العتاهية: # أزف أبكار أشعاري إليك فما ... عندي سوى الشكر لا خيل ولا مال # فأقبل هدية من تصفو مودته ... إن لم تساعده فيما رامه الحال # قال المتنبي: # لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال # قال علي بن الجهم: # ولا خير في عيش امرئ وهو خامل ... وذكر الفتى بالخير عمر مجدد # فنبه عن النوم الحسام ولا تنم ... لتبقى فما في الأرض شيء مخلد # قال المتنبي: # ذكر الفتى عمره ms119 الثاني وحاجته ... ما قاته وفضوله العيش أشغال # قال سليمان الخزاعي: # فطن بالذي أريد فقولي ... ليس يغنى ولا سكوتي يضر # يسبق البذل وعده فنداه ... ليس يفنى وسحبه ما تعز # وقال بعض المتقدمين: # أروح بلا شغل وأغدو بمثله ... وحسبك بالتسليم منى تقاضيا # وقال العرزمي: # وإذا طلبت إلى كريم جاجة ... فلقاؤه يغنيك والتسليم # قال المتنبي: # وفي نفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب # ومما ينتظم في هذا السلك قول بعض خدام واحد الدنيا ونير فلك العليا، من ~~زينب بمدائحه غرز الآداب، المولى المخدوم بهذا الكتاب، من قصيدة يمدحه بها ~~ويهنئه بعيد الأضحى من سنة خمسين وألف: # يا بن من ماله إذا كان قد عد ... م أولو الفضل في الفضائل ثاني # وهما النيران في كل مجد ... دونه في علوه النيران # أنت أذكى الأنام طرا وقد جئ ... ت وحالي تغنى عن الترجمان # وإذا ما أعرتني وحي حظ ... كنت أدري مني بما في جناني # قال العميدي: قال سليمان بن مهاجر البجلي الكوفي: # دقت مضارب سيفه فكأنه ... صب وأعناق الرجال حبائب # وأسنة الأرماح يحكى ضوءها ... شمسا وأحشاء الرجال مغارب # قال المتنبي: # رقت مضاربه فهن كأنما ... يبدين من عشق الرقاب نحولا # والمتنبي وإن أخذ بعض معاني الأبيات التي أوردها العميدي فقد زاد من ~~ألفاظه ما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخف على القلوب موضعه، ~~ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، وكساها من عنده ~~ملاحة، فاستوفى شروط الكمال كلها، وأذهب كلها، ونظم محاسنها المتفرقة بحسن ~~صنعته، وأزال الكزازة عنها بحذقة وبراعته، فصار أولى بها من مبدعها، وأحق ~~بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها، لجلالة وقعها، قال علي بن منصور الحلبي ~~المعروف بابن القارح: كان أبو محمد بن وكيع متأدبا ظريفا، ويقول الشعر، ~~وعمل كتابا في سرقات المتنبي، وحاف عليه كثيرا، وسألني يوما أن أخرج معه، ~~واستصحب مغنيا وأمره ألا يغني إلا بشعره فغنى: # لو كان كل عليل ... يزداد مثلك حسنا # لكان كل صحيح ... يود لو كان مضني # يا أكمل الناس حسنا ... صل أكمل الناس ms120 حزنا # غنيت عني ومالي ... وجه به عنك أغنى # فقلت له: هل تثقل عليك المؤاخذة؟ قال: لا. فقلت: إن أبياتك مسروقة: الأول ~~من قول بعضهم. # فلو كان المريض يزيد حسنا ... كما تزداد أنت علي السقام # لما عبد المريض إذن وعدت ... شكايته من النعم الجسام # والثاني من قول رؤبة: # سلم ما أنساك ما حييت ... لو أشرب السلوان ما سليت # مالي غنى عنك ولو غنيت فقال: والله ما سمعت بهذا. فقلت: إذا كان الأمر ~~على هذا فاعذر المتنبي على مثله، ولا تبادر إلى الحط عليه، ولا المؤاخذة ~~له، والمعاني يستدعي بعضها بعضا. # قال ياقوت: كان المتنبي يوما جالسا بواسط فدخل عليه بعض الناس، فقال أريد ~~أن تجيز لنا هذا البيت، وهو: # زارنا في الظلام يطلب سترا ... فافتضحنا بنوره في الظلام # فرفع رأسه، وكان ابنه المحسد واقفا بين يديه، وقال له: يا محسد: قد جاءك ~~بالشمال، فأنه باليمين، فقال ارتجالا: # فالتجأ إلى حنادس شعر ... سترتنا عن أعين اللوام PageV01P068 ومعنى قول ~~المتنبي لولده جاءك بالشمال فأته باليمين، أي أن اليسرى لا يتم بها عمل، ~~وباليمين تتم الأعمال، ومراده: أن المعنى يحتمل الزيدة، فأوردها، وقد لطف ~~في الإشارة. # وعقد الثعالبي لذكره بابا مستقلا في يتيمته فقال: الباب الخامس في ذكر ~~أبي الطيب المتنبي وما له وعليه. # هو وإن كان كوفي المولد شامي المنشأ، وبها نخرج، ومنها خرج نادرة الفلك، ~~وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة، المنسوب إليه ~~المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه، ورفع قدره، ونفق سعر شعره، وألقى عليه ~~شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في البدو والحضر، ~~وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال: # وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا # فساو به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغنى مغردا # وكما قال: # ولي فيك ما لم يقل قائل ... وما لم يسر قمر حيث سارا # وعندي لك الشرد السائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دارا # قواف إذا ms121 سرن عن مقولي ... وثبن الجبال وخضن البحارا # وهذا من أحسن ما قيل في وصف الشعر السائر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم، ~~وهو: # ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر # فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر # فليس اليوم مجالس الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس ولا أقلام ~~كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون القوالين ~~والمغنين أشغل من كتب المؤلفين والمصنفين، فقد ألفت الكتب في تفسيره، وحل ~~مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في ~~الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا فرقا في ~~مدحه وذمه، والقدح فيه، والنضح عنه، والتعصب له وعليه؛ وذلك أدل دليل على ~~وفور فضله، وتقدم قدمه، وتفرده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي، ورق ~~المعاني، فالكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته. PageV01P069 وقد ~~انتدب العلماء لديوانه، وشرحوه شروحا كثيرة: فمنهم من تكلم على ديوانه ~~أجمع، ومنهم من تكلم على بعضه، فمن شروحه كتاب ابن جني، وهو أول من شرحه، ~~وكتاب اللامع العزيزي لأبي العلاء المعري، وكتاب معجز أحمد لأبي العلاء ~~أيضا، وكتاب أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، وكتاب الموضح لأبي زكريا ~~التبريزي، وكتاب عبد القاهر الجرجاني، وكتاب أبي منصور محمد بن عبد الجبار ~~السمعاني، وكتاب أبي القاسم إبراهيم بن محمد الأفليلي، وكتاب أبي الحجاج ~~يوسف بن سليمان الأعلم، وكتاب عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وكتاب في سرقات ~~المتنبي للحسن بن محمد بن وكيع، وسماه المنصف، وكتاب أبي البقاء عبد الله ~~العكبري، وكتاب أبي اليمن يزيد بن الحسين الكندي، وكتاب عبد الواحد بن محمد ~~بن علي بن زكريا، وكتاب محمد ابن علي بن إبراهيم الهراسي الكافي، وكتاب أبي ~~الحسن محمد بن عبد الله الدلقي عشر مجلدات، وكتاب كمال الدين بن القاسم ~~الواسطي، وكتاب الوساطة للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب أبي بكر ~~محمد بن العباس الخوارزمي، وكتاب عبد الرحمن بن دوست ms122 النيسابوري، وكتاب أبي ~~الفضل أحمد بن محمد العروضي، وكتاب التجني على ابن جني لابن فورجة، وكتاب ~~الفتح على أبي الفتح لابن فورجة أيضا، وكتاب معاني أبياته لابن جني، وكتاب ~~التنبيه لأبي الحسن علي بن عيسى الربعي، وقد رد فيه على ابن جني أيضا، ~~وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وكتاب الحسين بن محمد ~~بن طاهر الشاعر، وكتاب أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني، وكتاب ~~علي بن جعفر بن القطاع، وكتاب الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد، وكتاب ~~أبي الحسن عبد الرحمن الصقلي، وكتاب قصائد الصبا للأعلم، وكتاب نزهة الأديب ~~في سرقات المتنبي من حبيب لابن حسنون المصري، وكتاب الانتصار لأبي الحسن ~~أحمد بن أحمد المغربي، وكتاب التنبيه عن رذائل المتنبي لأحمد المغربي أيضا، ~~وكتاب بقية الانتصار، المكثر من الاختصار لأحمد المغربي أيضا، وكتاب ~~الرسالة الحاتمية لأبي الحسن محمد بن المظفر الحاتمي وكتاب جبهة الأدب ~~للحاتمي أيضا، وكتاب المآخذ الكندية من المعاني الطائية، وكتاب الاستدراك ~~علي ابن الدهان للوزير ضياء الدين ابن الأثير الجزري، وكتاب الإبانة للصاحب ~~العميدي. سوى الشروح التي لم نسمع بذكرها. # ولم يسمع بديوان شعر في الجاهلية ولا في الإسلام شرح هكذا مثل هذه الشروح ~~الكثيرة سوى هذا الديوان، ولا تداول على ألسنة الأدباء في نظم ونثر أكثر من ~~شعر المتنبي. # هذا الصاحب مع بغضه له، وتعصبه عليه، أكثر الناس استعمالا لكلماته، في ~~محاضراته ومكاتباته. # فمن ذلك فصل له من رسالة في وصف قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة كذا، ~~فقد كانت بقية الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، ~~وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام قد صالحتها على الإعفاء من ~~القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن ~~بجدتها وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والنهار، وظنوا ~~الأقدار تأتيهم على مقدار، فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين، ومثواهم ~~القديم، نهزه الحوادث، وفرصة البوائق، ومجر العوالي ومجرى السوابق. # وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب ms123 أحدهما: # حتى أتى الدنيا ابن بجدتها ... فشكى إليه السهل والجبل # والآخر: # تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق # ومن ذلك فصل آخر له أيضا. # لئن كان الفتح جليل الخطر، حميد الأثر فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، ~~يعلم معها أن الله أسرار في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها. # وهو من قول أبي الطيب: # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # ومن ذلك ولو كان ما أحسنه شظية من قلم كاتب لما غير خطة، أو قذى في عين ~~نائم لما انتبه جفنه. # وهو من قول أبي الطيب: # ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب # وقول نصر: # ضنيت حتى صرت لو زج بي ... في ناظر النائم لم ينتبه # ومنه أخذ ابن العميد قوله: # فلو أن ما أبقيت من جسدي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء # ومن ذلك في التعزية.. PageV01P070 إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما ~~يقتضيه، والأسوة في الدين وما يجب فيه، لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر ~~بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى بمذهبه، فكيف لنا بتعزيته عند حادث رزيته، إلا ~~إذا رددنا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه وإنما ~~هو حل من قول أبي الطيب: # أنت يا فوق أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا # وبألفاظك اهتدي فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا # ومن ذلك: وقد أثنى عليه ثناء لسان الزهر على راحة المطر، وهو من قول أبي ~~الطيب: # وذكى رائحة الرياض كلامها ... تبغي الثناء على الحيا فتفوح # والأصل فيه قول ابن الرومي: # شكرت نعمة الولي على الوس ... مي ثم العهاد بعد العهاد # فهي تثنى على السماء ثناء ... طيب النشر شائعا في البلاد # من نسيم كأن مسراه في الأر ... واح مسرى الأرواح في الأجساد # ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد ~~عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ بحر ms124 في وصف مراكبه وعجائبه: وقد علمت أن ~~سيدنا كتب وما أخطر بفكره سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلا، لا يفضل ~~عن التبرض، وثمدا. لا يكثر عن الترشف. # وكم من جبال جبت تشهد أنك ال ... جبال وبحر شاهد أنك البحر. # وله من رسالة في التهنئة ببنت، أولها: )أهلا بعقيلة النساء، وكريمة ~~الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار( ثم يقول فيها: # ولو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # وله من كتاب تعزية: )وقلنا قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك ~~يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل، ولا يصل الصروف بالصروف، ولا يجمع ~~الكسوف إلى الخسوف. فأبى حكم الملوين. وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، فأبى إلا ~~أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر بالماضي. # وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب # ما كان أقصر وقتا كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورد والقرب # أقول هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب ~~السفر من تقدم بعض، وكل بين الرحل؛ لا يترك الموت ساعيا على وجه الأرض حتى ~~ينقله إلى بطن التراب. # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه # تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه # فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه # وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره وكان ~~مثله معه كما قال الشاعر: # شتمت من تيمني مغالطا ... لأصرف العاذل عن لجاجته # فقال لما وقع البزاز في الثم ... وب علمنا أنه من حاجته # وكما قال الآخر: # وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب # وكما قال الآخر: # نبئت أني إذا ما غبت تشتمني ... قل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب # وليس الصاحب بأوحد في الاقتباس من كلام المتنبي؛ وهذا أبو إسحاق الصابي ~~له من ذلك غير فصل. # فمن ذلك ما كتب في تقريظ شاب مقتبل الشبيبة، ms125 مكتهل الفضيلة: )ولقد آتاه ~~الله في اقتبال العمر جوامع الفضل، وسوغه في عنفوان الشباب محامد ~~الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا ~~الحنكة(. # وهذا من قول أبي الطيب: # لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلة تلافاها # وأخذه من قول البحتري: # تكرمت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما # ومن ذلك ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء القضاة: منزلة قاضي القضاة تجل ~~عن التهنئة بالولاية لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر ويدرعونه ~~فيها من الجمال والفخر، سابق له عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها ~~يدا تجذبها إلى سفال . جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب عناه، ~~أو حكاه بقوله: # فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا PageV01P071 ومن ~~ذلك ما كتب: )وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى ~~الروض الماحل( وهذا من قول أبي الطيب: # وعدت إلى حلب ظافرا ... كعود الحلى إلى العاطل # وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب ~~في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر: # ألا إن حل الشعر زينة كاتب ... ولكن منهم من يحل فيعقد # وممن يحذو حذوهما الأستاذ أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي. وما أظرف ما ~~قاله في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين، فكان في ~~الحسن روضة حزن، بل جنة عدن، وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد ~~والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب، وهو من قول أبي الطيب: # كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب # ومن ذلك فصل لأبي بكر الخوارزمي: )وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء، ~~وامتلأت من ذكره الأرض والسماء. وأبصره الأعمى بلا عين، وسمعه الأصم بلا ~~أذن( وهو من قول أبي الطيب: # تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه # إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه # ولأبي بكر الخوارزمي من رسالة: )ولقد تساوت الألسن حتى ms126 حسد الأبكم، وأفسد ~~الشعر حتى أحمد الصمم(. # وهو من قول أبي الطيب: # ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد افسد القول حتى أحمد الصمم # قال أبو الطيب: # وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا # أخذه أبو الفرج الببغاء فلطفه، وقال: # أو ليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته وحييت بعد فراقه # يا من يحاكي البدر عند تمامه ... أرحم فتى يحكيه عند محاقه # وقال أبو الطيب: # قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمي وألف في ذا القلب أحزانا # أخذه المهلبي، فقال: # تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي إلا على عبرة تجري # وقال أبو الطيب: # وكنت إذا يممت أرضا بعيدة ... سريت فكنت السر والليل كاتمه # أخذه الصاحب، فقال: # تجشمتها والليل وحف جناحه ... كأني سر والظلام ضمير # وقال أبو الطيب: # لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا # أغار عليه الصاحب؛ فقال: # لبسن برود الوشي لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين برود # وقال أبو الطيب: # سقاك وحيانا بك الله إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه # أخذه السري، فقال: # حيا به الله عاشقيه فقد ... أصبح ريحانة لمن عشقا # وقال أبو الطيب: # يخدن بنا في جوزه وكأننا ... على كرة أو أرضه سفر # أخذه السري، فقال: # وخرق طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب # قال أبو الطيب: # هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تمدد له طنبا # أخذه السرى، فقال: # وأحلها من قلب عاشقها الهوى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب # قال أبو الطيب: # ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم # أخذه السرى، فقال: # وأنا الفداء لمن مخيلة برقه ... عندي، وعند سواي من أنوائه # وقال أبو الطيب: # فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال # وقال أيضا: # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام # أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين فقال: # فديتك ما بدا لي قصد حر ... سواك من الورى إلا بدا لي # وأنك منهم وكذاك أيضا ... من الماء الفرائد واللآلي # وتسكن دارهم وكذاك سكنى ال ... حجارة ms127 والزمرد في الجبال # وهذا معنى قد اخترعه المتنبي، وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية ~~الإحسان حيث قال: # فإن يك سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد # وقال أيضا: # فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب # ألم به أبو الفتح البستي، فقال: # أبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد PageV01P072 ~~وفي الخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وفي النار نور ليس يوجد في الزند # وخير من القول المقدم فاعترف ... نتيجة والنحل يكرم للشهد # وقال أيضا: # أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه بلا ضيم عليه ولا ذيم # فلا يعجبن الناس مما اقوله ... وأقضي به فالغيث أندى من الغيم # وقال أبو الطيب: # وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام # أخذه أبو بكر الخوارزمي، فقال: # قد ظلمناك بحسن الظم ... ن يا بعض الأنام # وقال أبو الطيب: # أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # أخذه أبو الفتح، وحسنه، فقال: # لا غرو أن لم نجد في الدهر مخترفا ... فقد أتيناه بعد الشيب والخرف # وقال أبو الطيب: # هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق # امتثله السلامي، فقال: # وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر # وقال أبو الطيب: # لم تزل تسمع المديح ولكن ... م صهال الجياد غير النهاق # أخذه الزعفراني، ولطفه، فقال: # وتغنيك في الندى طيور ... أنا وحدي ما بينهن الهزار # قال مخلد الموصلي: # يا منزلا ضن بالسلام ... سقيت ريا من الغمام # لم يترك الدهر منك إلا ... ما ترك الشوق من عظامي # أخذه أبو الطيب، فجوده حيث قال: # ما زال كل هزيم الودق ينحلها ... والشوق ينحلني حتى حكت جسدي # قال عمرو بن كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وابنا بالملوك مضفدينا # أخذه أبو تمام، فأحسن إذ قال: # إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب # أخذه أبو الطيب، فلم يحسن في تكرير النهب، وذكر القماش إذ هو من ألفاظ ~~العامة والسوقة، حيث قال: # ونهب نفوس أهل ms128 النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش # وقال بشار بن برد: # كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # أخذه أبو الطيب، وذكر الرماح مكان الأسياف، فقال: # وكأنما كسي النهار بها دجى ... ليل وأطلعت الرماح كواكبا # وقال مسلم بن الوليد: # أرادوا ليخفوا قبره من عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر # ألم به أبو الطيب، فقال: # وما ريح الرياض لها ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا # قال الفرزدق: # وكنت فيهم كمطمور ببلدته ... يسر أن جمع الأوطان والمطرا # أخذه المتنبي، فقال: # وليس الذي يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل # وفي قوله في هذه القصيدة: # وخيل إذا مرت بوحش وروضة ... أبت رعيها إلا ومرجلنا يغلي # رائحة من قول امرئ القيس: # إذا ما ركبنا قال ولد أن أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب # قال أبو نواس: # وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفيك تأسو كل ما جرحا # ويقال إنه أمدح بيت للمحدثين، أخذه أبو الطيب وزاد فيه حسن التشبيه، ~~فقال: # تتبع آثار الرزايا بجوده ... تتبع آثار الأسنة بالفتل # قال أبو نواس في وصف الخمر، وهو من قلائده: # إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدره برحيل # أخذه أبو الطيب، ونقله إلى معنى آخر، فقال: # وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل # قال ابن أبي عيينة، ويروي للخليل: # زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... في منزل حاضر إن شئت أو بادي # تلقى به السفن والظلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي # وهذا أحسن ما قيل في وصف مكان يجمع بين أوصاف البر والبحر والحاضر ~~والبادية. # ألم به أبو الطيب في وصف متصيد عضد الدولة بناحية سهلية جبلية تجمع ~~الأضداد: سقيا لدشت الأرزن الطوال # بين المروج الفيح والأغيال ... مجاور الخنزير للرئبال # داني الخنانيص من الأشبال ... مشترف الدب على الغزال # مجتمع الأضداد والأشكال PageV01P073 قال بعض العرب وهو من الأمثال ~~السائرة: # إذا بل من داء به ظن أنه ... نجا، وبه الداء الذي هو قاتله # أخذه ms129 أبو الطيب، فقال، وأحسن: # وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام # قال بعض الرجاز: هل يغلبني واحد أقاتله ريم على لباته سلاسله. # سلاحه يوم الوغى مكاحله أخذه أبو الطيب، فأكمل الوصف، وأظهر الغرض حيث ~~قال: # من طاعني ثغر الرجال جآذر ... ومن الرماح دمالج وخلاخل # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل # قال أبو تمام: # غربت خلائقه وأغرب شاعر ... فيه فأبدع مغرب في مغرب # أخذه أبو الطيب، فقال: # شاعر المجد خدنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق # قال أبو تمام: # يمدون بالبيض القواطع أيديا ... فهن سواء والسيوف القواطع # أخذه أبو الطيب، فأوقع التشبيه على الجملة حيث قال: # همام إذا ما فارق الغمد سيفه ... وعاينته لم تدر أيهما النصل؟ # قال ابن الرومي: # لا قدست نعمى تسر بلتها ... كم حجة فيها لزنديق # أخذه أبو الطيب، فقال: # فإنه حجة يؤذي القلوب بها ... من دينه الدهر والتعطيل والقدم # وقال ابن الرومي: # وأحسن من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرد # أخذه أبو الطيب، فقال: # ورب قبح رحلي ثقال ... أحسن منها الحسن في المعطال # قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # وجربت حتى ما رأى الدهر مغربا ... على بشيء لم يكن في تجاربي # أخذه أبو الطيب، فقال: # قد بلوت الخطوب مرا وحلوا ... وسلكت الأنام حزنا وسهلا # وقتلت الزمان علما فما يغ ... رب قولا ولا يجدد فعلا # وكرر هذا المعنى، فقال: # عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما # وكتب ابن المعتز لعبيد الله بن سليمان يعزيه عن ابنه أبى محمد، ويسليه ~~ببقاء أبي الحسين القاسم أبياتا منها: # ولقد غبنت الدهر إذ شاطرته ... لكن يمنى المرء خير يديه # فأخذ أبو الطيب هذا المعنى، وقال لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بها عن أخته ~~الصغرى، ويسليه ببقاء الكبرى حيث قال: # قاسمتك المنون شخصين جورا ... جعل القسم نفسه فيك عدلا # فإذا قست ما أخذن بماغا ... درن سرى عن الفؤاد وسلي # وتيقنت أن حظك أوفى ... وتبينت أن جدك أعلى ms130 # وكان أبو الطيب كثير الأخذ من ابن المعتز، على تركه الإقرار بالنظر في ~~شعر المحدثين، فمما أخذه منه قوله: # تكسب الشمس منك النور طالعة ... كما تكسب منها نورها القمر # وهو معنى قول ابن المعتز: # البدر من شمس الضحى نوره ... والشمس من نورك تستملي # وأخذه قوله، وهو من قلائده، قيل ولعله أمير شعره: # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي # من مصراع لابن المعتز . . . # ذكر ابن جني، قال حدثني المتنبي وقت القراءة عليه قال: قال لي ابن حنزابة ~~وزير كافور: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها وجماعة من أهل الأدب يطلبون لي من ~~أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا بذلك، وكان أكثر من رأيت كتبا. قال ابن ~~جني: ثم إني عثرت بالموضع الذي أخذه منه إذا وجدت لابن المعتز مصراعا بلفظ ~~لين صغير جدا فيه معنى بيت المتنبي كله على جلالة لفظه وحسن تقسيمه، وهو ~~قوله: فالشمس نمامة والليل قواد. ولن يخلو المتنبي من إحدى ثلاث إما أن ~~يكون ألم بهذا المصراع فحسنه، وزينه، وصار أولى به. وإما أن يكون قد عثر ~~بالموضع الذي عثر ابن المعتز به، فأربى عليه في جودة الأخذ. وإما أن يكون ~~قد اخترع المعنى، وابتدعه، وتفرد به، ولله دره. وناهيك بشرف لفظه، وبراعة ~~نسجه. وما أحسن ما جمع أربع مطابقات في بيت واحد، وما أراه سبق إلى مثلها، ~~وما زال الناس يتعجبون من جمع البحتري ثلاث مطابقات في قوله: # وأمة كان قبح الجور يسخطها ... دهرا فأصبح حسن العدل يرضيها # حتى جاء أبو الطيب، فزاد عليه، مع عذوبة اللفظ، ورشاقة الصنعة. # قال ابن الرومي: PageV01P074 أرى فضل مال المرء داء لعرضه ... كما أن نضل ~~الزاد داء لجسمه # فليس لداء العرض شيء كبذله ... وليس لداء الجسم شيء كحسمه # ألم به أبو الطيب، فقال: # يتداوى من كثرة المال بالإق ... لال جودا كأن مالا سقام # قال: # وأنت المرء تمرضه الحشايا ... لهمته وتشفيه الحروب # وقال: # وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام # وقال: # ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى ms131 ... من غير جرم واصلي صلة الضنى # وقال: # فياليت ما بيني وبين ثحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب # وقال: # إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا # وقال: # أصبحت تأمر بالحجاب لخلوة ... هيهات لست على الحجاب بقادر # من كان ضوء جبينه ونواله ... لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر # فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بطنت فأنت عين الظاهر # وقال: # أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بألا يجودا # وقال: # ألا إن الندى أضحى أميرا ... على مال الأمير أبي الحسين # وقال: # ومال وهبت بلا موعد ... وقرن سبقت إليه الوعيدا # وقال: # لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود # وقال: # وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده # وقال: # فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش # وقال: # قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا # وقال: # كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل # وقال: # كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا # وقال: # كأنك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كل حرب للمنية عاشق # وقال: # الذي زلت عنه شرقا وغربا ... ونداه مقابلي ما يزول # وقال: # ومن فر من إحسانه حسدا له ... تلقاه منه حينما سار نائل # وقال: # فكأنما نتجت قياما تحتهم ... وكأنما ولدوا على صهواتها # وقال: # وطعن غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم # وقال: # جرحت مجرحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف وللسهام # وقال: # رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال # فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال # وقال: # وشيكتي فقد السقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاء # وقال: # لم يترك الحب من قلبي ومن كبدي ... شيئا تتيمه عين ولا جيد # وقال: # تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... وتفزع فيها الطير أن تلقط الحبا # وقال: # إذا أتتها الرياح النكب من بلد ... فما تهب بها إلا بترتيب # وقال: # إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثل الدراهم # وقال: # وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان ms132 # وقال: # ولقد بكيت على الشباب ولمتي ... مسودة ولماء وجهي رونق # حذرا عليه قبل يوم فراقه ... حتى لكدت بماء جفني أشرق # وقال: # هاوية ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل # وقال: أم الخلق في شخص حي أعيدا وقال: ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق ثم ~~كرره، وزاد فيه، فقال: # ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا # نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا # والأصل فيه قول أبي نواس: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # وقوله وقد كرره: # متى تحطي إليه الرحل سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان # وقال أبو الطيب: # هو الشجاع يعد البخل جبن ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل # وقال: # فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفرق # والأصل فيه قول أبي تمام: # أيقنت أن من السماح شجاعة ... تدمي وأن من الشجاعة جودا # وقال أبو الطيب: PageV01P075 ومن اعتاض منك إذا افترقنا ... وكل الناس ~~زور ما خلاكا؟ # وقال في مثله فتبرد وبالغ: # إنما الناس حيث أنت وما النا ... س في موضع منك خالي # وقال: # إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض # وقال: # وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا # وقال: # تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثنى عليه يعاب # وقال: # وعظم قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا # وقال: # وكان من عدد إحسانه ... كأنما أسرف في سبه # والأصل فيه قول البحتري: # جل عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديح فيه هجاء # وقال: # نال الذي نلت منه منى ... لله ما تصنع الخمور # وقال: # أفيكم فتى حتى فيخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني؟ # وقال: # عليم بأسرار الديانات واللغى ... له خطرات تفضح الناس والكتبا # وقال: # كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش # وقال: # ووكل الظن بالأسرار فانكشفت ... له سرائر أهل السهل والجبل # وقال: # فاغفر ... فدى لك واحبني من بعدها لتخصني بعطية منها أنا # وقال: # له أياد إلى سالفة ... أعد ms133 منها ولا أعددها # وقال، وهو من قلائده: # خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام # وقال: # وإن الفئام التي حوله ... لتحسد أقدامها الأرؤس # وقال: # وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... ولكنه في فعلة والخلائق # وقال في وصف الخيل: # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # وقريب منه قوله: # يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام # وقال في معنى قد تصرفت فيه الشعراء: # ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام # وقال: # عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود # وقال: # إذا ما لم تسر جيشا إليهم ... أسرت إلى قلوبهم الهلوعا # وقال: # بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي # وقال: # قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا يصنع البهم # وقال: # أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا # وقال: # صيام بأبواب القباب جيادهم ... وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو # وقال: # تغير عنه على الغارات هيبته ... وماله بأقاصي البر أهمال # والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم )نصرت بالرعب( ثم أكثر الناس ~~منه، ومن أوجز ما قالوا: قول علي بن جبلة العكوك: # غدا مجتمع العزم ... له جند من الرعب # وقال: # وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجدد # وقال: # لحى الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب # وقال: # ومعال إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق # وقال: # مسكية النفحات إلا أنها ... وحشية بسواهم لا تعبق # ذكر ما ينعى علي بن أبي الطيب من معايب شعره ومقابحه. # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # ثم نقفي على آثارها بذكر محاسنه، وسياق بدائعه وفرائده. # فحسن دراري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب # فمنها قبح المطالع، وحقها الحسن والعذوبة لفظا، والبراعة والجودة معنى، ~~لأنها أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد، مجه ~~السمع، وزجه القلب، ونبت عنه النفس، وجرى أمره على ما ms134 تقول العامة: أول ~~الدن دردي. # ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها ~~عليه العائبون مستشنعة مستبشعة، لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب ~~لها بابه، كقوله: # هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا PageV01P076 فإنه ~~لم يرض بحذف علامة النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين حتى ذكر ~~الرسيس. والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، كقوله: )أوه بديل من قولتي ~~واها( وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك، وكقوله وهو ~~مما تكلف له للفظ المتعقد، والترتيب المتعسف لغير معنى بديع، لا يفي شرفه ~~وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بإزاء التأذى ~~باستماعه: # وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه # وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقيه: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر ~~منها السوقة فضلا عن الملوك. # حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر فقال: إن أول ما يحتاج ~~فيه إليه حسن المطلع، فإن ابن أبي الثياب أنشدني في يوم نوروز قصيدة ~~ابتداؤها: # أقبر وما طلت ثراك يد الطل # فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت له: كذاك كانت حال ~~أبي مقاتل الضرير، لما أنشد مخدومه الداعي إلى الحق العلوي الثائر ~~بطبرستان، وهو الحسن بن زيد بن محمد، من أولاد زيد بن علي، واستولى على ~~طبرستان وما يليها، في خلافة المستعين، ويسمى بالداعي الأكبر، وقد ولى ~~الأمر بعده الأمر بعده أخوه محمد بن زيد، إلى أن قتل بجرجان # موعد أحبابك بالفرقة غد # أغضبه التفاؤل بهذا الافتتاح، وقال له: بل موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل ~~السوء. # ودخل أيضا على الداعي يوم المهرجان، وأنشده: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان # فإنه نفر من قوله: )لا تقل بشرى( أشد نفار، وتطير،، وقال: أعمى ويبتدئ ~~بهذا في ms135 يوم مهرجان، وأمر بضربه خمسين سوطا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من ~~ثوابه، ولما أنشد أبو نواس الفضل بن يحيى البرمكي قصيدته التي مدحه بها، ~~وأولها: # أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك، وإني لم أخنك ودادي # تطير الفضل من هذا الابتداء، فلما انتهى إلى قوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادي. # استحكم تطيره، ولم يمض أسبوع حتى نزلت بهم النازلة. # ولما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان. جلس فيه، وجمع أهله وأصحابه ~~وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه ~~إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشده شعرا حسنا، إلا أنه ~~استفتحه بذكر الديار وعفائها، وقال: # يا دار غيرك البلى ومحاك ... ياليت شعري ما الذي أبكاك؟ # فتطير المعتصم من ذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، كيف ذهب إلى ~~مثل ذلك، مع معرفته وعلمه، وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم، وانصرفوا، ~~فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى )سر من رأى( وخرب ~~القصر. # وينبغي للشاعر إذا أراد ذكر دار في مديحه، فليذكر كما ذكر أشجع السلمي ~~حيث قال: # قصر عليه تحية ويلام ... خلعت عليه جمالها الأيام # وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم. ~~وقصيدة أبي نواس التي أولها: # يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم يبق فيك لذاذة تستام # من أشرف شعره، وأعلاه منزلة، وهي مستنكرة الابتداء، لأنها في مدح الخليفة ~~الأمين، هلا قال كما قال العماني: # على منبر العلياء جدك يخطب ... وللبلدة العذراء سيفك يخطب # وافتتاح المديح بمثل ذكر الديار ودثورها يتطير منه ولا سيما في مشافهة ~~الخلفاء والملوك والوزراء، وللاحتراز عن التطير، تأبى أهل الظرف إهداء ~~السفرجل إلى الأحباب، لاشتمال اسمه على )سفرجل(، فكيف لا يلومون مهيارا ~~الديلمي على قوله: # وإنك مدخور لإخياء دولة ... إذا هي ماتت كان في يديك النشر # وهل خلع هارون على كاتبه إذا سأله عن شيء، فقال: لا و أيد الله أمير ~~المؤمنين، إلا لأنه ms136 لم يسمع ما عليه الأغبياء فيما بينهم من ترك الواو في ~~مثل هذا الجواب. PageV01P077 قال الصاحب بن عباد: هذه الواو أحسن من واوات ~~الأصداغ في خدود المرد الملاح. وسأل هارون المأمون عن جمع المسواك فقال: ضد ~~محاسنك يا أمير المؤمنين؛ فأعجب به غاية الإعجاب. وسأل بعض الملوك كاتبه عن ~~شجرة تراءت له، فقال: شجرة الوفاق، تفاديا من شجرة الخلاف، ولما دخل ذو ~~الرمة علي عبد الملك، وأنشده قصيدته التي أولها: ما بال عينيك منها الماء ~~ينسكب وكانت عين عبد الملك تدمع، فتوهم أنه خاطبه، فقال له: ما سؤالك عن ~~هذا يا بن الفاعلة؟ ومقته، وأمر بإخراجه، وكذلك قول البحتري وقد أنشد يوسف ~~بن محمد قصيدته التي أولها: لك الويل من ليل تقاصر آخره فقال له: لك الويل ~~والحرب وكقوله أيضا: # فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا # فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، ولو كانت في المرائي ~~لحسن موقعها، وكذلك قول أبي تمام: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد والذي ~~ألقاه في هذه الورطة، التجنيس بين تجرع والجرع، ولما أنشد الأخطل عبد الملك ~~بن مروان قصيدته التي أولها: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا # قال له عبد الملك: لا، بل منك، وتطير من قوله. ولما دخل أبو النجم علي ~~هشام بن عبد الملك، وأنشده أرجوزة؛ منها في وصف الشمس: كأنها في الأفق عين ~~الأحوال. # وكان هشام أحول فأمر بإخراجه. # واعلم أن شروط الابتداء ألا يكون يتطير منه كما مر، ولا يمجه السمع، كقول ~~أبي تمام: # قدك اتئب أسرفت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي # وكقوله: # تقي جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس جنيبي إن عذلت بمصحبي # وكقول المتنبي: # أقل فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجد فيه نلت أو لم أنل جد # أي أقل فعالي جد، دع أكثره، وهذا الجد في المجد جد، نلت أو لم أنل. # وكقوله: # كفى أراني وينك لومك ألوما ... هم أقام على فؤاد أنجما # ومعنى هذا البيت هو ما قاله ابن جني لا غير. يقول للعاذلة كفى ms137 واتركي ~~عذلي، فقد أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. # قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام، وتجمع ~~من الحساب مالا يدرك بالأرتماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقا. # أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد # وهذا كلام الحكل ورطانة الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه، ~~فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، فأي هزة تبقى هناك؟ ~~وأي أريحية تثبت هنا؟ وهذا البيت مدخول من وجوه: الأول: أن هذا البناء لا ~~يتجاوز رباع إلا نادرات. الثاني: أن أحاد لا تستعمل في موضع الواحد، وكذلك ~~سداس، الثالث: حذف الهمزة من أحاد. قال الواحدي: وأكثروا في معنى هذا ~~البيت، ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق للفظ وإن حكيت ما قالوا فيه طال ~~الكلام، ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى، وهو أنه أراد: واحدة أو ست في ~~واحدة، إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف، ولم يرد الضرب الحسابي بسبع وخص ~~هذا العدد، لأنه أراد ليالي الأسبوع، وجعله اسما لليالي الدهر كلها لأن كل ~~أسبوع بعده أسبوع آخر، إلى آخر الدهر. يقول هذه الليلة واحدة، أم ليالي ~~الدهر كلها. جمعت في هذه الواحدة، حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ وهو ~~قوله ليلتنا المنوطة بالتناد. هذا كلام فيه ما فيه لمن تأمله. # ومن ابتداءاته البشعة التي تنكرها بديهة السماع قوله: # ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا # وقوله: # ثلث فإنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل # وقوله: # بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زموا لا الجمالا # قال الصاحب: ومن افتتاحاته العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عن ~~المصيبة: # لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب PageV01P078 قال ~~الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من حالاته؟ ~~قلت: بلغ بغض الصاحب أبا الطيب إلى أن حرف بيته، واعترض، وإلا فالصاحب أجل ~~من أن يشتبه عليه مثل هذا، والمعنى لا أحزنه الله، فإنه إذا حزن حزنت ولقد ~~أبدع في التلويح بالحزن، والنون ms138 في لا يحزن مكسورة،وهو دعاء، ومن هذه ~~القصيدة البيت الذي أفسده حشوه وهو: # ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب # وأجاب عنه بعض الشراح جوابا غير مرضى. # ومنها إتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، والإفصاح بذلك في شعره عن ~~كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما ~~يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة، ويجمع بين البديع النادر. ~~والضعيف الساقط؛ فبينا هو يصوغ حلى، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشي، ~~ويختال في حديقة ورد، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في أبعاد الاستعارة، ~~وتعويض اللفظ، وتعقيد المعنى إلى المبالغة في التكلف، والزيادة في التعمق، ~~والخروج إلى الإفراط والإحالة، أو السفسفة والركاكة، أو التبرد والتوحش، ~~باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفوها، وأعقب حلاوتها ~~مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحك بأسنة الطاعنين، فمن ~~متمثل بقول الشاعر: # أنت العروس لها جمال رائع ... لكنها في كل يوم تصرع # ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة تشتمل على غرائب المأكولات، وبدائع ~~الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أو من يتبخر بالند المعشب،المثلث ~~المركب من العود الهندي، والمسك الأصهب، والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإرسال ~~الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين، ~~ينطق بنوادر الكلم، وطرائف الحكم، ثم تعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح ~~أحواله، وأمثل أقواله أن يقول: اعذروني فان العذرة متعذرة. فمما نشر أبو ~~الطيب من هذا النمط قوله: # أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي؟ # وهذا ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، لولا ما كدر صفوه، وقبح ~~حسنه وشفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره، وهو قوله: # كيف ترثى التي ترى كل جفن ... راءها غير جفنها غير راقي # فبينما الذوق يستلذ حلاوة البيت الأول، إذ شرق بمرارة البيت الثاني، ~~وقوله: # ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل # يبن لي البدر الذي لا أريده ... ويخفين بدرا ما إليه سبيل # وما عشت من بعد الأحبة سلوة ... ولكنني للنائبات حمول ms139 # وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول # إلى أن قال: # يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيل # من قصيدة اخترع أكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها، فجاءت مطبوعة مصنوعة، ثم ~~اعترضته تلك العادة المذمومة فقال: # أغركم طول الجيوش وعرضها ... على شروب للجيوش ولم يمنعك أنك فيل # ثم أتى بما هو أطم منه، فقال - وذكر الصاحب أنه من أوابده التي لا يسمع ~~طول الأبد بمثلها: # إذا كان بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول # فإن تكن الدولات قسما فإنها ... لمن ورد الموت الزؤام تدول # قال الصاحب قوله: الدولات وتدول من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها ~~لجاز. وقال من قصيدة جمع فيها بين الشذرة والبعرة والدرة والآجرة: # لك يا منازل في القلوب منازل ... اقفرت أنت وهن منك أو أهل # وهذا ابتداء حسن، ومعنى لطيف، ثم قال: # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل # وهو وإن كان مأخوذا من قول دعبل: # لا تطلبا بظلامتي أحدا ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا # فإنه أخذ بأطراف الرشاقة والملاحة. ثم استمر في القصيدة فجاء بالتوسط ~~المقارب، والبديع النادر، والرديء النافر، حيث قال: # ولذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل # وهو معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ. # كم وقفة سجرتك شوقا بعدما ... غرى الرقيب بنا ولج العاذل PageV01P079 فلم ~~يحسن موقع سجرتك، أي ملأتك، هكذا الرواية بالجيم ولو كانت بالحاء من السحر، ~~لم يكن بأس، ثم قال وملح: # دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل # أي قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب، ثم قال وأحسن غاية ~~الإحسان: # للهو آونة تمر كأنها ... قبل يزودها حبيب راحل # جمع الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل # حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يته المنى وهو المقام الهائل # قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول: إن المنى ~~رؤيته إلا أن هيبته تهول، ثم قال فجمع أوصافا في بيت ms140 واحد: # للشمس فيه وللرياح وللسحا ... ب وللبحار وللأسود شمائل # ثم قال وتحذلق وتبرد: # ولديه ملعقيان والأدب المفا ... د وملحياة وملممات مناهل # وإنما ألم في صدر هذا البيت بقول أبي تمام: # نأخذ من ماله ومن أدبه # ثم قال: # علامة العلماء واللج الذي ... لا ينتهي ولكل لج ساحل # ثم قال فأحال: # لو طاب مولد كل حي مثله ... ولد النساء وما لهن قوابل # قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن المقابلة، وإن ~~استغني عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب، فقال: # ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل # ستروا الندى ستر الغراب سفاده ... فبدا وهل يخفى الرباب الهاطل # ثم قال، وتوحش، وتبغض ما شاء الحاسد: # جفخت وهم لا يجخفون بها بهم ... شيم على الحسب الأغر دلائل # ولفظة الجفخ مرة الطعم إذا مرت على السمع اقشعر منها، ويا لله العجب أليس ~~أنها بمعنى فخرت، وهي لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع جخفت ~~لما اختل شيء من وزنه، فأبو الطيب ملوم من وجهين: أحدهما أنه استعمل ~~القبيح، والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنه، ومثل بيت أبي ~~الطيب ما ورد في الحماسة لتأبط شرا حيث قال: # يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك # فلفظ جحيش من الألفاظ المنكرة، وهي بمعنى فريد، فعليه من اللوم ما على ~~أبي الطيب، وكذلك ورد قول أبي تمام: # قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا # فلفظة اطلخم من الألفاظ المنكرة، وهي مع غرابتها غليظة في السمع كريهة ~~على الذوق، وكذلك لفظة دهاريس، ثم قال: # يا افخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل # أي يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض، وتبادي ثم قال: # لا تجسر الفصحاء تنشد هاهنا ... بيتا ولكني الهزبر الباسل # ما نال أهل الجاهلية كلهم ... شعري ولا سمعت بسحري بابل # ثم قال، وأرسله مثلا سائرا، وأحسن جدا: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي ms141 الشهادة لي بأني فاضل # ثم قال، وتعسف في اللفظ: # وأما وحقك وهو غاية مقسم ... للحق أنت وما سواك الباطل # الطيب أنت إذا أصابك طيبة ... والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل # وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت ~~به، وإنما ألم فيه بقول القائل: # وتزيدين طيب الطيب طيبا ... إن تمسيه أين مثلك أينا؟ # تذكرت بقول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ما يحكى أن أبا العلاء المعري: كان ~~في بعض الأيام حاضرا في مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبي، فهضم ~~المرتضى من جانبه، فقال المعري: لو لم يكن له من الشعر إلا قوله: # لك يا منازل في القلوب منازل # لكفاه، فغضب المرتضى، وأمر بإخراجه، وقال أتدرون ما عنى؟ فقالوا: لا. ~~قال: عني به قول المتنبي: وإذا أتتك البيت. PageV01P080 ومن التلميح بهذا ~~البيت ما حكاه صاحب الحدائق أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ العقيان، ~~فقال فيه: رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، لا يتطهر من جناية، ولا يظهر ~~مخايل إنابة. فبلغ ذلك ابن الصائغ، فمر يوما على الفتح بن خاقان، وهو جالس ~~في جماعة، فسلم على القوم، وضرب على كتف الفتح، وقال له: إنها شهادة يا ~~فتح، ومضى. فلم يدر أحد ما قال إلا الفتح، فتغير لونه، فقيل له ما قال لك؟ ~~فقال: إني وصفته كما تعلمون في قلائد العقيان، فما بلغت بذلك عشر ما بلغ هو ~~مني بهذه الكلمة، فإنه أشار بها إلى قول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ومن ~~التلميح ما قيل: إنه دخل على سيف الدولة بعض الشعراء فقال أيها الأمير: ~~بماذا تفضل علي ابن عيدان السقا؟ قال لحسن شعره، فقال أيها الأمير. اختر أي ~~قصيدة له حتى أعارضها، بأحسن منها، فقال سيف الدولة: عليك بقصيدته التي ~~أولها: # لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى ... وللحب ما لم يبق مني وما بقى # فلم يرها من مختاراته، فأمعن النظر، فرأى في أثنائها: # بلغت بسيف الدولة النور رتبة ... أنرت بها ما بين غرب ومشرق # إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ms142 ... أراه غباري ثم قال له: الحق # فامتنع عن معارضتها، وعلم قصد سيف الدولة. # قال ابن بسام في الذخيرة، إن أبا عبد الله بن شرف قال يوما للمأمون ابن ~~ذي النون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره في ذراه وقد أجروا ذكر أبي ~~الطيب، فذهبوا في وصفه كل مذهب: إن رأى المأمون )لا فارق العزة والعلاء( أن ~~يشير إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسى اسمه، ~~وتعفى رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه علما بضيق جنابه، وإشفاقا من ~~فضيحته وانتشابه، وألح أبو عبد الله حتى أحرج ابن ذي النون، وأغراه، فقال ~~له: دونك قوله: # لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى # فخلا بها ابن شرف أياما فوجد مركبها وعرا ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى ~~عذرا، وأرهق نفسه من أمرها عسرا؛ فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل ~~ابن ذي النون بعد. أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة؟ فقال: لأن أبا الطيب، ~~يقول فيها: بلغت بسيف الدولة النور رتبة، وأنشد البيتين. قال ابن بسام وقد ~~حدثت أيضا أن أبا علي بن شيق ناجي نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، ~~وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، وأعمل النظرة بعد النظرة، ~~فاختار من شعره ما لم يطر ذكره، ولا انحط قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، ~~إلى معارضة قوله: # أمن ازديارك في الدجى الرقباء # فبث عيونه، واستمد شياطينه، فلم يدع ثنية إلا طلعها، ولا دوية إلا اتسع ~~لها، فوسعها، ثم صنع قصيدة رأى أنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة فنه ووسعه، ثم ~~حكم نقده، ورضى ما عنده، فرأى أن قد قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان ~~كنز لا يوجد بالطلب. # ومن التلميح ما كتبه العلامة عماد الفضائل والآداب سمى من ألف برسمه هذا ~~الكتاب إلى مضاهيه ومثليه، ورسيله في الفضل وزميله، شيخنا النجم الذي بنوره ~~تشرق الدجنة، وأرسله من دمشق إلى حلب مع هدية، من جملتها أديب عليه سيمياء ~~أهل الجنة: # أنجم الدين من ملك القلوبا ms143 ... فقلبي في حماه لن يثوبا # أخي فكأن أمضا أرضعتنا ... معا في الشام أو حلب الحليبا # ومن لي بعادي عنه هم ... عسى ألقى له فرجا قريبا # لقد أهديت قاضينا إليكم ... لينشدكم من الشعر الغريبا # ولطفك ليس ينكر في الهدايا ... على من زاركم فيها أديبا # فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا نجم الغروبا # والتلميح إلى الأديب الذي ذكره أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي يمدح ~~بها علي بن سيار بن مكرم التميمي، وأولها: # ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهم حبيبا # ومنها: # اعزمي طال هذا الليل فانظر ... أمنك الصبح يفرق أن يئوبا # كأن الفجر حب مستزار ... يراعي من دجنته رقيبا # كأن نجومه حلى عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا # كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا # كأن دجاه يجذبها سهادي ... فليس تغيب إلا أن يغيبا PageV01P081 الضمير ~~في: ليس تغيب يعود إلى دجاه، وهي جمع دجية، وفي: إلا أن يغيبا يعود إلى ~~سهادي. ومنها: # أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد به على الدهر الذنوبا # وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا # مأخوذ من قول امرئ القيس: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وثاء بكلكل # إلا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح، وما إلا صباح منك بأمثل # ولو لم يكن لأبي الطيب إلا هذه الأبيات، لاستحق أن يتقدم بها على كل من ~~تكلم بقافية، ومنها: # أيا من عاد روح المجد فيه ... وعاد زمانه البالي قشيبا # تيممني وكيلك مادحا لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا # قال أبو الحسن علي بن أحمد: سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل قال: ~~سمعت والدي أبا بشر قاضي القضاة قال: أنشدني أبو الحسن الشامي الملقب ~~بالمشوف المعلم قال: كنت عند المتنبي فجاء هذا الوكيل، فأنشده هذه الأبيات ~~وهي: # فؤدي قد انصدع ... وضرسي قد انقلع # وعقللي لليلتي ... قد انهوى وما رجع # يا حب ظبي غنج ... كالبدر لما أن طلع # رأيته في بيته ... من كوة قد اطلع # فقلت ته ته وته ... فقال لي مر يا لكع # هات قطع ثم ms144 قطع ... ثم قطع ثم قطع # وضع بكفي ففي ... حتى أدعكك يضع فضع # فهذا الذي عناه بقوله، وأنشدني من الشعر الغريبا، ثم قال المتنبي: # فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا # ولست بمنكر منك الهدايا ... ولكن زدتني فيها أديبا # فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا # ومما يندرج في هذا الباب، ما ذكر في بعض كتب الآداب، وملخصه أن بعض ~~الشعراء ألجأته الضرورة، فقصد نادي بعض الوزراء، وحملته دقة حاله على أن ~~تقاضاه في الطلب، واشتكى في زمانه كساد سوق العلم والأدب، وأنشده لأبي ~~تمام: # أكابرنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ بح وأنتم مناهل # فأعرض عنه، ولم تجده الوسائل، ثم قال له من القائل؟ # الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا # فقال: هو للذي يقول: # بنا فلو حليتنا لم تدر ما ... ألواننا مما امتقعن تلونا # والبيت الذي أنشده الوزير مطلع لأبي الطيب المتنبي، ومراده التلميح إلى ~~قوله في أثناء هذه القصيدة: # وانه المشير عليك في بضلة ... فالحر ممتحن بأولاد الزنا # فلما علم ما قصده الوزير ذلك الشاعر أجابه بالبيت الثالث من القصيدة، ~~ومراده التلميح إلى بيت ثالث من مقصده، وهو: # ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى # وكان الوزير مغرما بابنة السلطان، وقد بدا من شأنهما ما نقلته الركبان، ~~فتوسل ذلك الشاعر إلى أن أوقف أباها على جلية الخبر واستفهم عنه، فإذا هو ~~أظهر من القمر، وكأن أجل ذلك الوزير قد دنا، فقتل، # عداوة الشعراء بئس المقتنى PageV01P082 ومن التلميحات الخفية ما يحكى عن ~~رجل من المناقذة أصحاب حصن شيرز، وهو أولهم الذي استنقذهم، وكان قبل ملكه ~~إياه في خدمة محمود بنصالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب سديد الملك، فبينا ~~هو في مكانه إذ حدثت له حادثة أوجبت أن هرب، ومضى إلى مدينة طرابلس في زمن ~~بني عماد أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح، واستعطفه ليعود إليه، فخافه، ~~ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل البلد صديقا لابن منقذ وبينهما لحمة ~~مودة ms145 أكيدة، فأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثقه من ~~جهة ابن صالح، ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر خلاف ~~ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب، هلك، فأفكر وهو يكتب الكتاب في ~~إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه، يحذر بها ابن منقذ، فأدار فكره إلى أن ~~كتب في آخر الكتاب عند انتهائه، إن شاء الله تعالي، وشدد إن وكسرها، ~~وضبطها، ليعلم منه الفطن الذكي أنه ليس عن سهو، ثم سلم الكتاب إلى ابن ~~صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده، وعلم ما فيه، قال: ~~هذا كتاب صديقي، وما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه علم ~~صفاء قلب ابن صالح ما كتب إلى، ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ~~ولده، فأخذ الكتاب، وكرر نظره فيه، ثم قال: مكانك، فإن صديقك قد حذرك، ~~وقال: لا تعد، فقال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كتب إن شاء الله تعالى في آخر ~~الكتاب، وشدد إن، وكسرها وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك ~~أنه يقول: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى صديقك ~~فاسأله، فأرسل إليه، وسأله، فقال: هو ما قال ولدك، فأقام، ولم يعد إلى حلب. ~~وهذه الحكاية ينسبها من لا اطلاع له على الأخبار إلى أبي الطيب المتنبي، ~~ويقول: إنه أرسل إلى صاحب حلب كتابا يقول فيه: إنه يعود إليه، وكتب في آخره ~~إن شاء الله تعالى، وشدد إن وزاد نونها ألفا صغيرة، فلما ورد الكتاب، وسمع ~~به صديقه، توهم أنه ما فهم إشارته، فساءه ذلك، ثم تأمل الكتاب، فرأى في ~~آخره إنا شاء الله تعالى بزيادة ألف في نونها، فعلم أنه فهم، وأنه يقول: ~~إنا لن ندخلها، وهذه موضوعة. # ومما اشتهر بين الطغام الذين هم كالأنعام أن أبا الطيب يمم المغرب بجماعة ~~كثيرة، وآلات خطيرة، ونصبت خيامه على باب مدينة حاكمها، فارتجت له دعائم ~~معالمها، واستكشف خبره، ms146 فإذا هو شاعر أتاه، وعلم أنه يعجز عن رضاه، فقال ~~شاعره وهو ابن هاني الأندلسي: على رده قبل أن تراه، ثم تزيا بزي غث، وتجلبب ~~بجلباب رث، وعمد إلى شيء من الحنطة والشعير، ووضعهما على أحد الحمير، ثم مر ~~المتنبي، وهو ينظر إلى الماء وتجعيده بيد الهواء وهو يكرر هذا الشطر: # نسج الريح على الماء زرد # فقال ابن هانئ: # ياله درع منيع او جمد # فسأله أبو الطيب عن خبره، فأخبره أنه شاعر تلك البقاع، فاستنشده، فأنشده ~~من مدائحه مخدومه ما تسكر منه الأسماع. # ضحك الزمان وكان قدما عابسا ... لما فتحت بسيف عزمك قابسا # أنكحتها بكرا وما أمهرتها ... إلا دقنا وقواضبا وفوارسا # من كانت البيض الصوارم مهرة ... جلبت له بيض الحصون عرائسا # الله أكبر ما اجتنبت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبلك غارسا # فقال: ما حباك على هذه القوافي الجليلة؟ فأشار إلى ما على حماره، وقال ~~هذه الجائزة الجزيلة، فقوض عن المغرب خيامه، وجعل المشرق أمامه، وبعد برهة ~~من الزمان قصد ابن هانئ سيف الدولة بن حمدان، والمتنبي إذ ذاك شاعره، ~~ونديمه، وصاحبه، وحميمه، وكان اطلع على تلك المكيدة، وصمم على أن يكيده، ~~فتلقاه تلقى كثير لعزة، وأحله داره وأعزه، واستطلع رأيه في مدح سيف الدولة، ~~وسأله عن أسلوبه. ليتبع قوله، فأرشده، فنظم على ذلك الأسلوب ما تسجد له ~~جباه الأفهام، ولما مثل لينشده، رآه مبانيا لذلك المقام: # سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب # ولما أنشده ما أبدعه فلم يطرب، علم أن واحدة بواحدة جزاء، فعدل عن ذلك ~~الأسلوب، وأعمل قريحته، وشحذ فكرته، ونظم قصيدته التي أولها: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر PageV01P083 وأنشدها على ريق لم يبلعه، ونفس ~~لم يقطعه، فأعجب به سيف الدولة إعجاب ابن المعتصم بحبيب، وحظي في ذلك الوقت ~~من الجوائز بأوفر نصيب، فحسدته الشعراء، وغبطته الأدباء، فقال المتنبي: لا ~~يحسد الميت على النزاع، ولا يغبط من عدم بحياته الانتفاع، وسئل عن معنى ذلك ~~فقال: رأيته قد صوح تحت أقدامه أخضر النبات، وحم ذلك المسكين لوقته، ثم ms147 ~~مات. وهذه الحكاية الموضوعة والغربية المصنوعة، تروي على وجوه مختلفة، ~~وأنحاء غير مؤتلفة، وهي مأخوذة من خبرين لأبي تمام: أحدهما أنه قصد البصرة، ~~وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله، خاف أن يميل الناس ~~إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل وصوله البلد: # أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وتلقاهم بوجه مذال # لست تنفسك راجيا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال # أي ماء يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال # فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده، ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، ~~فلا حاجة لنا فيه، والثانية ما قيل إن أبا تمام امتدح أحمد بن المعتصم ~~بقصيدته التي أولها: # ما في وقوفك ساعة من باس ... نقضي ذمام الأربع الأدارس # فلعل عينيك أن تعين بمائها ... والدمع منه خاذل ومواسي # لا يسعد المشتاق وسنان الهوى ... يبس المدامع بارد الأنفاس # إن المنازل ساورتها فرقة ... أخلت من الآرام كل كناس # من كل ضاحكة الشمائل أرهفت ... إرهاف خوط البانة المياس # بدر أطاعت فيك بادرة النوى ... ولعا وشمس أولعت بشماس # وإذا مشت تركت بقلبك ضعف ما ... بحليها من كثرة الوسواس # قالت وقد حم الفراق فكأسه ... قد خولط الساقي بها والحاسي # لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي # إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرف الأحراس # فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس # والحمد برد جمال اختالت به ... غرر الفعال وليس برد لباس # نور العراة نوره ونسيمه ... نشر الخزامي اخضرار الآس # فلما انتهى إلى قوله: # إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس # قال الكندي يعقوب الفيلسوف وكان حاضرا: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلا، ~~ثم رفع رأسه وأنشد: # لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس # فعجبوا من سرعته وفطنته. # وما ذكر من أنه أنشد القصيدة للخليفة وأن الوزير قال: أي شيء طلبه فأعطه، ~~فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوما، ms148 لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة ~~الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا المقدار، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ ~~فقال: أريد الموصل، فولاه إياها، وتوجه إليها، وبقي هذه المدة، ومات، فشيء ~~لا صحة له أصلا. والصحيح ما نقله ابن بسام في الذخيرة، قال: وقد قيل إن ~~الكندي لما خرج، قال هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل ~~السيف الصقيل غمده، فكان كذلك ، فإن الحسن ابن وهب أعتني به، وولاه بريد ~~الموصل، فأقام بها أقل من سنتين، وتوفي، وتمام القصيدة: # إن تحو فضل السبق في أنف الصبا ... يا بن الخليفة يا أبا العباس # فلرب نار منكم قد أنتجت ... بالليل من قبس من الأقباس # غلب السرور على همومي بالذي ... أظهرت من برى ومن إيناسي # أثر المطالب في الفؤاد وإنما ... أثر السنسن ووسهما في الراس # فالآن حين غرست في كرم الثرى ... تلك المنى وبنيت فوق أساس # وهذه قصيدة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، المزعوم، أنها سيف لدولة ~~بن حمدان، وهي في أبي الفرج الشيباني: # فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر # وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر # وضربتم هام الكمادة ورعتم ... بيض الخدور بكل ليث مخدر # أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر PageV01P084 ~~من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير # القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزرا إلى لحظ السنان الأخزر # شعث النواصي حشرة آذانها ... قب الأباطل ظاميات الأنسر # تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خد العزيز الأصعر # جيش تقدمه الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر # فكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشق من العجاج الأكدر # وكأنما اشتملت قناه ببارق ... متلق أو عارض مثعنجر # تمتد ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظلتي مزن عليه كنهور # ويقوده الليث الغضنفر معلما ... في كل شثن اللبدتين غضنفر # نحسر القبول من الدبور وسار في ... جمع الهرقل وعزمة الإسكندر # في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر # لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من ms149 القنا المتكسر # أنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقري البيد جنة عبقر # يغشون بالبيد القفار وإنما ... تلد السبنتي في اليباب المقفر # فرواية الصنديد تخبر عنهم ... وأسامة الصديق أصدق مخبر # قد جاوروا أجم الضواري حولهم ... فإذا هم زأروا بها لم تزأر # ومشوا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مرمر # قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر # وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر # فحياضهم من كل مهجة خالع ... وخيامهم من كل لبدة قسور # من كل أهرت كالح ذي لبدة ... أو كل أبيض واضح ذي مغفر # حي من الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير مكدر # راحوا إلى أم الرئال عشية ... وغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر # طردوا الأوابد في الفدافد طردهم ... للأعوجية في مجال العثير # ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم ... في زيهم يوم الخميس المصحر # إنا لتجمعنا وهذا الحي من ... بكر أذمة سالف لم تخفر # أحلافنا فكأننا من نسبة ... ولداتنا فكأننا من عنصر # اللابسين من الجلاد انهبوا ما ... أغناهم عن لأمة وسنور # لي منهم سيف إذا جردته ... يوما ضربت به رقاب الأعصر # وفتكت بالزمن المدجج فتكة ال ... براض يوم هجائن ابن المنذر # صعب إذا نوب الزمان استصعبت ... متنمر للحادث المتنمر # فإذا عفا لم تلق غير مملك ... وإذا سطا لم تلق غير معفر # وكفاه من حب السماحة أنها ... منه بموضع مقلة من محجر # فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنة ويمينه من كوثر # وحكى عن بعض علماء القاهرة المعزية قال: كنت في حرم البيت الشريف، فدعاني ~~إلى بعض الأماكن الشريف بن الشريف وسمع بتلك الدعوة أحد بني عمه الكرام، ~~فسارع إلينا مسارعة القطر من الغمام، واتفق أن سقط من يده الكريمة حاتم به ~~حجر ثمين القيمة، فقال له ابن الشريف: لم لم تقف على طلب ذلك الخاتم ~~الثمين؟ فقال له ألست من أبناء أمير المؤمنين . . . ومراد ابن الشريف قول ~~أبي الطيب: # بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه # ومراد ابن عمه قول المتنبي: ms150 # كذا الفاطميون الندى في بنانهم ... أعز امحاء من خطوط الرواجب ~~PageV01P085 وهذا البيت من قصيدة كثيرة العيون، يمدح بها طاهر بن الحسين ~~العلوي؛ حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسين السلمي قال: سألت محمد بن ~~القاسم المعروف بابن الصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم ~~طاهر بن الحسين العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب ~~في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عند الإفطار أن يخص أبا القاسم طاهرا ~~بقصيدة من شعره، يمدحه بها، وذكر أنه اشتهى ذلك، ولم يزل أبو الطيب يمتنع ~~ويقول: ما قصدت غير الأمير: وما أمتدح أحدا سواه، فقال له أبو محمد: قد كنت ~~عزمت أن أسألك قصيدة أخرى في فاجعلها في أبي القاسم، وضمن له عنه مائة ~~دينار فأجابه إلى ذلك. # قال محمد بن القاسم الصوفي: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي ~~الطيب، فركب معنا أبو الطيب،حتى دخلنا عليه، وعنده جماعة من أهل بيته أشراف ~~وكتاب، فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره، وتلقاه بعيدا من ~~مكانه فسلم عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة كان فيها قاعدا، وجلس بين ~~يديه، فتحدث معه طويلا، ثم أنشده: قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن ~~القاسم الكاتب، قال: كنت حاضرا لهذا المجلس، وهو كمحدثك به أبو بكر الصوفي، ~~ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر شاعر جلس الممدوح بين يديه ~~مستمعا لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهرا تلقاه، ثم أجلسه مجلسه، وجلس ~~بين يديه، وأنشده: # أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب # فإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب # بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدب بحاجب # هذا كقول بشار: # جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار # ومنها: # وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب # هذا كقول العباس بن الأحنف: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # وفيه ms151 نقد من جهة المعنى: وقد أخذه الباخوزي، فسلم منه، وأجاد حيث قال: # ولطالما اخترت الفراق مغالطا ... واحتلت في استثمار غرس ودادي # وطمعت منها بالوصال لأنها ... تبنى الأمور على خلاف مرادي # ومنها: # فياليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب # أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب # ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب # ومنها في المديح: # كأن رحيلي كان من كف طاهر ... فأثبت كوري في ظهور المواهب # فلم يبق خلق لم يردن فناءه ... وهن له شرب ورود المشارب # ومنها: # وأبهر آيات التهامي أنه ... أبوك وإحدى ما لكم من مناقب # وإحدى تروي بالحاء والجم. وروى ابن فورجة وأكبر آيات التهامي آية ومنها: # وما قربت أشباه قوم أباعد ... ولا بعدت أشباه قوم أقارب # ومنها: # يرى أن ما مابان منك لضارب ... بأقتل مما بان منك لعائب # ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله في الكتائب # حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحجي سقى الرياض السحائب # فحييت خير ابن لخير أب بها ... لأشرف بيت في لؤي بن غالب # حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسن السلمي، قال: حدثني محمد ابن القاسم ~~المعروف بالصوفي، قال: أرسلني الأمير أبو محمد إلى أبي الطيب، فصعدت إليه ~~في دار يسكنها، فسلمت عليه، وعرفته رسالة الأمير أبي محمد، وأنه منتظر له، ~~فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعرا، وما قلت شيئا، فقلت له: ليس نفترق ~~فقال لي: اقعد إذن، ثم دخل إلى بيت في الحجرة، ورد الباب عليه فلبث فيه ~~مقدار كتب القصيدة، ثم خرج إلى، وهي لم تجف، فقلت: أنشدنيها، فامتنع، وقال ~~الساعة تسمعها، ثم ركب، وسرنا، فدخل على الأمير، وعين الأمير ممدودة إلى ~~الباب، منتظرا لورودنا، فسأل عن سبب الإبطاء، فأخبرته الخبر، فسلم عليه، ~~ورفعه أرفع مجلس، وأنشده القصيدة التي أولها: # أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بسين تلك المعالم ~~PageV01P086 حدث بعض المغاربة، قال: كنا عند ملك المغرب، فورد عليه ms152 مكتوب ~~من بعض ثغوره يتضمن أن أعداء المسلمين خرجوا من البحر وفتكوا بعساكر ذلك ~~الثغر، حتى لم يبق منهم من ينقل السلاح، وصارت القتلى كالآكام على تلك ~~البطاح، وكان ببادية ذلك الثغر أمير تهابه الحتوف، وتفرق من ملاقاته ~~الألوف، فسار إليه أعداء الدين بجمع لا يبلغ عشر من قتلوا، وأرسل بأمرهم أن ~~يذهبوا من حيث أتوا، فما قبلوا فتلقاهم بالبيض المشرفية والسمر الخطية، ~~فانهزمت أرواحهم إلى النار، وثبتت أجسامهم كالأحجار، وعمد إلى سفنهم، ~~فأغرقها،وإلى أشلائهم فأحرقها، فلما تمت قراءة الكتاب: قال: رحم الله أبا ~~الطيب المتنبي، ومراده قوله فليس يأكل إلا الميت الضبع وهذا الشطر من قصيدة ~~لأبي الطيب، يمدح بها سيف الدولة، وقد مر في غزاة السنبوس بسمندو وعبر آلس، ~~وهو نهر عظيم ونزل، على صارخة وخرشنة، فأحرق ربضهما وكنائسهما، وقفل غانما، ~~فلما صار على آلس راجعا وافاه الدمستق، فصافه الحرب، فهزمه، وأسر من ~~بطارقته، وقتل، ثم سار فواقعه في موضع آخر، فهزمه أيضا، ثم واقعه على نهر ~~آخر، وقد مل أصحابه السفر، وكلوا من القتال، واجتاز أبو الطيب ليلا بقطعة ~~من الجيش نيام بين قتلى الروم، فقال يذكر الحال وما جرى في الدرب من ~~الخيانة وهي: # غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جنبوا أو حدثوا شجعوا # أهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي ما يزع # وما الحياة ونفسي بعد ما علمت ... أن الحياة كما لا تشتهي طبع # ليس الجمال لوجه صح مازنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع # أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟ # والمشرفية ما زالت مشرفة ... دواء كل كريم أو هي الوجع # وفارس الخيل من خفت فوقرها ... في الدرب والدم في أعطافها دفع # يريد بفارس الخيل سيف الدولة، ومنها: # وأوحدته وما في قلبه قلق ... وأغضبته وما في لفظه قذع # بالجيش تمتنع السادات كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع # قاد المقانب أقصى شربها نهل ... على الشكيم وأدنى سيرها سرع # لا يعتقي بلد مسراه عن بلد ... كالموت ليس له ري ولا شبع ms153 # حتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع # خرشنة: معروفة في بلاد الروم، والأرباض: ما حول المدينة. ومنها: # للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا # مخلى له المرج منصوبا بصارخة ... له المنابر مشهودا بها الجمع # صارخة: مدينة بالروم. ومنها: # يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع # ولو رآه حواريوهم لبنوا ... على محبته الشرع الذي شرعوا # ذم الدمستق عينيه وقد طلعت ... سود الغمام فظنوا أنها قزع # القزع: قطع السحاب المتفرقة الواحدة قزعة، ومنها: # فيها الكماة التي مفطومها رجل ... على الجياد التي حوليها جذع # فيها: أي في سود الغمائم. والجذع: التي أتى عليها حولان. ومنها: # تذري اللقان غبارا في مناخرها ... وفي حناجرها من آلس جرع # كأنها تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ماتسع # ومنها: # وما نجا من شفار البيض منفلت ... نجا ومنهن في أحشائه فزع # يباشر الأمن دهرا وهو مختبل ... ويشرب الخمر حولا وهو ممتقع # كم من حشاشة بطريق تضمنها ... للباترات أمين ماله ورع # يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين يضطجع # يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النوم عنه حين عودي فتندفع # قل للدمستق إن المسلمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا # وجدتموهم نياما في دمائكم ... كأن قتلاكم إياهم فجعوا # ضعفى تعف الأعادي عن مثالهم ... من الأعادي وإن هموا بهم نزعوا # لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميتة الضبع # ومنها: PageV01P087 وإنما عرض الله الجنود بكم ... لكي يكونوا بلا فسل ~~إذا رجعوا # فكل غزو إليكم بعد ذا فلة ... وكل لسيف الدولة التبع # يمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع # وهل يشينك وقت كنت فارسه ... وكان غيرك فيه العاجز الضرع # من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع # لم يسلم الكر في الأعقاب مهجته ... إن كان أسلمها الأصحاب والشيع # ومنها: # الدهر معتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع # وما الجبال لنصران بحاميه ... ولو تنصر فيها الأعصم الصدع # الأعصم: الوعل. والصدع: ما ms154 بين السمين والمهزول. ثم قال: # وما حمدتك في هول ثبت له ... حتى بلوتك والأبطال تمتصع # فقد يظن شجاعا من به خرق ... وقد يظن جبانا من به زمع # إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع # وقيل: إن رجلا جلس على جسر بغداد، فأقبلت امرأة بارعة الجمال من ناحية ~~الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب، وقال لها: رحم الله علي ابن ~~الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا، بل سارا مشرقا ~~ومغربات، قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: لئن لم تخبرني بما أراد بابن ~~الجهم، وأردت بأبي العلاء لأفعلن بك، فضحكت، وقالت: أراد بعلي بن الجهم ~~قوله في أول قصيدته: # عيون المهابين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى # وأردت بأبي العلاء قوله: # فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال # ومن قصيدة لأبي الطيب جمع فيها بين الغث والسمين، وهي التي أولها: # قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألف في ذا القلب أحزانا # أملت ساعة واكشف معصمها ... ليلبث الحي دون السير حيرانا # ولو بدت لأتاهتهم فحجبها ... صون عقولهم من لحظها صانا # بالواخدات وحاديها وبي قمر ... يظل من وخدها في الخدر حشيانا # وحشيان بالحاء المهملة من الغريب الوحشي الذي لا يأنس به السمع، ولا ~~يقبله القلب، يقال: حشى الرجل يحشى حشى، فهو حشيان، إذا أخذه البهر. # يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر، أخذه البهر لترفه، ومن المؤدبين من ~~يروي خشيان بالخاء المعجمة من الخشية. # ثم قال، وأحسن، ولطف، وظرف: قد كنت أشفق من دمعي على بصري، فاليوم كل ~~عزيز بعدكم هانا ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى كما قاله ~~الصاحب بأخزى الخزايا، فقال: # لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعزانا # قال الصاحب: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها؟ والممدوح لعل له عصبة لا ~~يريدن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط؟ ~~ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة ms155 بقوله: # فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا # ثم قال وأجاد في مدح أولية الممدوح: # إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا # كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا # كأنهم يردون الموت من ظمأ ... أو ينشقون من الخطى ريحانا # ثم قال: # خلائق لو حواها الزنج لانقلبوا ... ظمي الشفاه جعاد الشعر غرانا # قال الصاحب: الزنجي لا يوجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلبون عن الجعودة إلى ~~الجعودة وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من ~~خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة: # وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل # يفاجيء جيشا بها حينه ... وينذر جيشا بها القسطل # ثم يتصرف في هذا الكلام الغث الرث، فيتبعه به، حيث يقول: # جعلتك بالقلب لي عدة ... لأنك باليد لا تجعل # ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحى له منه. PageV01P088 وهذه القصيدة ~~قالها في سيف الدولة، وهو بميافارقين، وقد ضربت له خيمة كبيرة، وأشاع الناس ~~أن مقامه يتصل أياما، فهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الناس عند ~~سقوطها، فقال أبو الطيب: # أيقدح في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل # وتعلو الذي زحل تحته ... محال لعمرك ما تسأل # فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فص خاتمه يذبل # يقول فلم لا تلوم الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس الذي أعجزها ~~الاشتمال عليه يقصر يذبل مع عظمة عن فص خاتمه، والضمير في خاتمه راجع إلى ~~سيف الدولة. وقيل معناه: فلم لا تقول الخيمة للائمها ما فص خاتمك يذبل، فإن ~~قال اللائم: يذبل جبل، وكيف يصح أن يتختم به؟ قالت له الخيمة:وكيف يصح أن ~~تثبت خيمة، وتشتمل على من شمل دهرها؟ وقيل المعنى: فلم لا تلوم الخيمة ~~لائمها على أن ليس فص خاتمه يذبل؟ فكما أن لوم الإنسان على ذلك مستحيل لأنه ~~ليس في الطاقة فكذلك لوم الخيمة، وقال: # تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل # وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل # وكيف تقوم على راحة ms156 ... كان البحار لها أنمل # فليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل # أي لو فرقته لخص الخيمة ما يوقرها ويثبتها عن السقوط: # فصار الأنام به سادة ... وسدتهم بالذي يفضل # رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل # أي اكتسبت من نورك ما صارت به كالشمس التي لا يزول نورها. # وأن لها شرفا بذخا ... وأن الخيام بها تخجل # فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل # ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل # ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل # فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل # وعرف أنك من همه ... وأنك في نصره ترفل # وعرف أنك من همه: أي من إرادته. # ومما يشان علي بن أبي الطيب المتنبي استكراه اللفظ وتعقيد المعنى، وهو ~~أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة، فيضل، ~~ويضل،ويتعب، ويتعب، ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة: # شيم الليالي أن تشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء # فتبيت تسئل مسئدا في نيها ... إسآدها في المهمة الإنضاء # الإسآد: إسراع السير، والني: الشحم والسمن، والإنضاء: مصدر أنضاه ينضيه ~~إذا هزله، ومسئدا: حال من الناقة، وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء. يقول: تبيت ~~ناقتي تسير سائرا في جسدها الهزال سيرها في المهمة. وهما من قصيدة يمدح بها ~~أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب وأولها: # أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء # أخذه من قول علي بن جبلة: # بأبي من زارني مكتتما ... حذرا من كل واش جذعا # طارق نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدرا طلعا؟ # رصد الخلوة حتى أمكنت ... ورعى السامر حتى هجعا # كابد الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا # قال: # قلق المليحة وهي مسك هتكها ... ومسيرها في الليل وهي ذكاء # كأنه من قول امرئ القيس: # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # وقول الآخر # درة كيفما أديرت أضاءت ... ومشم من حيث ما شم فاحا # ومن هذا قول بشار: # وتوق الطيب ليلتنا ... إنه ms157 واش إذا سطعا # ومن هذا المعنى قول الآخر: # وأخفوا على تلك المطايا مسيرهم ... فنم عليهم في الظلام التنسم # وقال أبو عبادة البحتري: # وحاولن كمان الترحل في الدجى ... فنم بهن المسك حين تضوعا # وقال أيضا: # وكان العبير بها واشيا ... وجرس الحلبي عليها رقيبا # وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع بقوله: # ثلاثة منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليل خوف الكاشح الحنق # ضوء الجبين ووسواس الحلي وما ... يفوح من عرق كالعنبر العبق PageV01P089 ~~هب الجبين بفضل الكم تستره ... والحلي تنزعه ما الشأن في العرق؟ # ومنها: # بيني وبين أبي علي مثله ... شم الجبال ومثلهن رجاء # وعقاب لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء # لبس الثلوج بها علي مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء # وكذا الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماء # وفي هذا البيت نقد قد يظهر بالتأمل. # ومنها: # في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء # ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء # من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء # ومنها: # من يظلم اللؤماء في تكليفهم ... أن يصبحوا وهم له أكفاء # ونذيمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء # وقد أكثر الشعر في هذا المعنى: فقال أبو تمام: # وليس يعرف طيب الوصل صاحبه ... حتى يصاب بنأي أو بهجران # وقال أيضا: # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # وقال أيضا: # سمجت ونبهنا على استساجها ... ما حولها من نضرة وجمال # فلذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحالي # وقد ملح بشار في قوله: # وكن جواري الحي ما دمت فيهم ... قباحا فلما غبت صرن ملاحا # وقال البحتري: # وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيب # وحسن داري الكواكب أن ترى ... طوالع في داج من الليل غيهب # ومنها: # من نفعه في أن يهاج وضره ... في تركه لو تفطن الأعداء # فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء # ومنها: # يا أيها المجدي عليه روحه ... إذ ليس يأتيه لها استجداء # أحمد عفاتك لا فجعت ms158 بفقدهم ... فلترك ما لم يأخذوا إعطاء # لا تكثر الأموات كثرة قلة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء # والقلب لا ينشق عما تحته ... حتى تحل به لك الشحناء # ومنها: # أبدأت شيئا منك يعرف بدؤه ... وأعدت حتى أنكر الإبداء # فالفخر عن تقصيره بك ناكب ... والمجد من أن تستزاد براء # فإذا سئلت فلا لأنك محوج ... وإذا كتمت وشت بك الآلاء # وإذا مدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء # وإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الدأماء # لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء # لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء # وآخرها: # لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء # اللذ: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك ~~جماله وشرفه وأفضله، لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار ~~لها ولد، وهذا البيت مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه فإذا قرع السمع، لم يصل ~~إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدا الخاطر، ثم إن ظفر به بعد العناء ~~والمشقة فقلما يحصل على طائل. # ومما يشان على أبي الطيب قوله في المدح: # أني يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد # وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا، وأبوك محمد، وأنت الثقلان. # وقال من نسيب قصيدة: # إذا عذلوا فيها أجبت بأنة ... حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل # أراد يا حبيبتي، أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفا، وقلبي منصوب لأنه بدل ~~من حبيبتا، وفؤادي بدل من قلبي، وهذا كقولك أخي، سيدي، مولاي، نداء بعد ~~نداء، ويقال في النداء: يا زيد وأبا زيد، وهيا زيد. وأشباه هذه الأبيات ~~كثيرة في شعره، كقوله: # لساني وعيني والفؤاد وهمتي ... أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر # ومما ينعى علي بن أبي الطيب التعسف في اللغة والإعراب، وهو مما يشبق إلى ~~القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عنه، اعتذار له، ومناضلة دونه، كقوله: # فدى من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد ms159 الجائد القرم ~~PageV01P090 ولك يحك عن العرب الجائد، وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ~~ومطر جواد، وهذا من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي وأولها: # ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم # فلو لم تغر لم تزو عني لقاءكم ... ولو تردكن لم تكن فيكم خصمى # وقال محمد بن وهيب في هذا المعنى: # وحاربني فيه ريب الزمان ... كأن الزمان له عاشق # وقال البحتري: # قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذاك الربرب # منها: # أمنعمة بالعودة الظبية التي ... بغير ولي كان نائلها الوسمي # أصل هذا المعنى مع كثرة تداوله لبشار، حيث قال: # قد زرتني زورة في الدهر واحدة ... ثنى ولا تجعليها بيضة الديك # وقبل البيت الذي فيه لفظة الجائد: # أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني على الصرم # ومعنى هذا البيت ظاهر، ولكن عيب عليه قافيته فإنها وإن كانت في أصل اللغة ~~بمعنى القطع، لكن غيرتها العامة وجعلتها دالة على ما يقبح ذكره، وهذه ~~الكلمة وما يجري مجراها، لا يعاب البدوي على استعمالها، لأن الألفاظ لم ~~تتغير في زمنه كقول أبي صخر الهذلي: # قد كان صرم في الحياة لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم # فإنه لا يعاب عليه كما عيب على المتنبي، وكقوله: # فأرحام شعر يتصلن لدنه ... وأرحام مال لا تنى تتقطع # وتشديد النون من لدن غير معروفة في لغة العرب. قال ابن جني لدنه فيه قبح ~~وبشاعة، إذ لم يكن بعد النون نون، وروى يتصلن بجوده ، وبعد هذا البيت: # فتى ألف جزء رأيه في زمانه ... أقل جزيء بعضه الرأي أجمع # ألف جزء خبر مبتدأ، وهو رأيه، وأقل مبتدأ، بعضه الرأي خبره، وهذان ~~البيتان من قصيدة أولها: # حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أيذ الظاعنين أشيع # أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس ... تسيل من الآماق والسم أدمع # حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع # إلى أن قال في أثنائها في وصف القلم: # خبت نار حرب لم تهجها بنانه ... وأسمر عريان من ms160 القشر أصلع # جعل القلم أصلع للينه، وملاسته كالرأس الاصلع. # نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع # يقول: هذا القلم رقيق الأطراف، يريد رقة جلفته، وأم رأسه: وسطه،ويحفى: أي ~~يكل عن المشي، فيقوى عدوه إذا قط: # يمج ظلاما في نهار لسانه ... ويفهم عمن قال ما ليس يسمع # ذباب حسام منه أنجي ضريبة ... وأعصى لمولاه وذا منه أطوع # بكف جواد لو حكتها سحابة ... لما فاتها في الشرق والغرب موضع # وقال أبو تمام فيه من قصيدة أولها: # متى أنت عن ذهيلة الحي ذا هل ... وقلبك منها مدة الدهر آهل # إلى أن قال مخاطبا لأبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات: # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل # لك الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجني اشتارته أيد عواسل # له ريقه طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل # فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل # إذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل # وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل # وقال بعض مداح العلامة المخدوم بهذا الكتاب من قصيدة أولها: # غفر القرب ما جناه البعاد ... وأكنته في الهوى الأكباد # إلى أن قال في وصف القلم: # ذو يراع إذا مشى ينبت الدر ... بأرض القرطاس منه المداد # أسمر ليس مثله يحسن الأب ... يض فعلا والأسمر المنآد PageV01P091 علم في ~~العلوم يمشي على بي ... داء نور فيظهر الإرشاد # ذو بيان لولاه أخفي مرور الد ... م هر ما شاده قديما زياد # كل علم يرام منه إذا ما ... شدخوا رأسه به يستفاد # وإذا أعجم الكلام فقد أعرب ... ما يستبين منه السداد # مقصد الكاتبين حتى إذا ما ... قصدوه لم يدركوا ما أرادوا # وتراه يجري على الرأس في خد ... مة باريه ms161 إن دعاه مراد # أخرس غير أنه ربما ين ... طق فصل الخطاب وهو جماد # رق جسما وسح دمعا إلى أن ... خلته مدنفا جفته سعاد # قال أبو تمام يرثى ابنين كانا لعبد الله بن طاهر صغيرين ماتا في يوم واحد ~~بقصيدة أولها: # ما زالت الأيام تخبر سائلا ... أن سوف تفجع مسهلا أو عاقلا # إلى أن قال في أثنائها: # مجد تأوب طارقا حتى إذا ... قلنا أقام الدهر أصبح راحلا # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # إن الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجل منا بالرياض ذوابلا # لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # قل للأمير وإن لقيت موقرا ... منه يريب الحادثات حلاحلا # إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا # فالثقل ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كان وهما بازلا # لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقينا حماما للبرية آكلا # إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه تمهل ذرا وأث أسافلا # شمخت خلالك أن يواسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قادها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا # هل تكلف الأيدي بهز مهند ... إلا إذا كان الحسام الفاصلا # وقال أبو الطيب المتنبي في مرثية بولد صغير لسيف الدولة، أولها: # بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... وهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي # كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا عشت فاخترت الحمام على الثكل # تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموع تذيب الحسن في الأعين النجل # تبل الثرى سودا من المسك وحده ... وقد قطرت حمرا على الشعر الجثل # فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # ومثلك لا يبكي على قدر سنة ... ولكن على قدر المخيلة والأصل # ألست من القوم الألى من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفضل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # أقل بلاء بالرزايا من القنا ms162 ... وأقدم بين الجحفلين من النبل # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # مقيم من الهيجاء في كل منزل ... كأنك من كل الصوارم في أهل # ولم أر أعصى منك للحزن عبرة ... وأثبت عقلا والقلوب بلا عقل # تخون المنايا عهده في سليسله ... وتنصره بين الفوارس والرجل # ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل # ومن كان ذا نفس كنفسك حرة ... ففيه لها معن وفيها له مسلي # وما الموت إلا سارق دق شخصه ... ويسلمه عند الولادة للنمل # بنفسي وليد عاد من بعد حمله ... إلى بطن أم لا تطرق بالحمل # بدا وله وعد السحابة بالروي ... وصد وفينا غلة البلد المحل # وريع له جيش العدو وما مشى ... وجاشت له الحرب الضروس وما تغلى # وقد مدت الخيل العتاق عيونها ... إلى وقت تبديل الركاب من النعل ~~PageV01P092 فانظر إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف ~~هام كل واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه، وسأبين ما اتفقنا ~~فيه، وما اختلفنا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه، ~~فإن أبا تمام قال: # لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # وقال أبو الطيب: # بمولودهم صمت اللسان كغيره ... ولكن في أعطافه منطق الفصل # فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهو ~~المطابقة في قوله: صمت اللسان، ومنطق الفصل، وقال أبو تمام: # نجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا # وقال أبو الطيب: # بدا وله وعد السحابة بالروي ... وصد وفينا غلة البلد المحل # فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وفينا غلة البلد المحل. أما ما ~~اختلفنا فيه، فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضا، وذلك أن معناه أمتن ~~من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، فإن أبا الطيب المتنبي قال: # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام هما: # إن ترز في طرفي نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلابلا # فالثقل ms163 ليس مضاعفا لمطية ... إلا إذا ما كن وهما بازلا # فإن قول أبي الطيب: )والشدائد للنصل( أكرم لفظا ومعنى، من قول أبي تمام: ~~إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا. # وقال أيضا: # تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل # وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما: # لا غرو إن فننان من عيدانه ... لقيا حماما للبرية آكلا # إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه اتمهل ذرا وأث أسافلا # وكذلك قال أبو الطيب: # ألست من القوم الألي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل # تسليهم علياؤهم عن مصابهم ... ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل # وهذان البيتان خير من بيتي أبي اللذين هما: # شمخت خلا لك أن يؤاسيك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا # إلا مواعظ قلدها لك سمحة ... إسجاح لبك سامعا أو قائلا # ومن تأمل هاتين القصيدتين لهذين الشاعرين المفلقين، علم فضل أبي الطيب ~~على أبي تمام، ورأى قولي ما قالت حذام. # ومما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي وصف الأسد، ~~ومبارزته، فحكم لأبي الطيب بالتقدم على البحتري، وذلك أن بشر بن عوانة ~~العبدي سبقهما إلى هذه الطريقة في قصيدته الرائية، وهي من النمط العالي ~~الذي لم ينسج على منواله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس ~~بمذكور فيها: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بثرا # إذا لرأيت ليثا أم ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # تقدم ثم أحجم عنه مهري ... محاذرة فقلت: عقرت مهرا # أنل قدمي ظهر الأرض إني ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا # يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا # وفي يمناي ماضي الحد أبقى ... بمضربه قراع الحرب أثرا # ألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا # وقلبي مثل قلبك ليس يخثى ... مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟ # وأنت تروم للأشبال قوتا ... وأطلب لابنة الأعمام مهرا # ففيم تسوم مثلي أن يولي ... ويجعل في يديك النفس قسرا # نصحتك فالتمس يا ليث غيري ... طعاما إن لحمي كان مرا ms164 # فلما ظن أن الغش نصحي ... وخالفني كأني قلت هجرا # مشى ومشيت من أسدين وأما ... مراما كان إذ طلباه وعرا # يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب على أخرى # هززت له الحسام فخلت أني ... شققت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بجائشة أرته ... بأن كذيته ما منته غدرا # وأطلقت المهند من يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا PageV01P093 فخر ~~مضرجا بدم كأني ... هدمت به بناء مشمخرا # وقلت له يعز على أني ... قتلت مناسبي جلدا وفخرا # ولكن رمت شيئا لم يرمه ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا # فإن تك قد قتلت فليس عارا ... فقد لاقيت ذا طرفين حرا # وقال أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: أجدك لا ينفك يسري لزينبا. # وفي أثنائها تعرض لذكر الأسد، ومبارزة الفتح بن خاقان له. قال: # وما نقم الحساد إلا أصالة ... لديك وفعلا أريحيا مهذبا # وقد جربوا بالأمس منك عزيمة ... فضلت بها السيف الحسام المجربا # غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا # إذا شاء غادى عانة أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا # شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا # وانتقد على البحتري هذا البيت؛ فإن قوله )الهيابة النكس كذبا( تفريط في ~~المدح، وكان ينبغي أن يقول إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في ~~الموضع الذي يفر فيه الجبان؟ وهلا قال كما قال أبو تمام: # فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا # ومنها: # هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # أدل بشغب ثم هالته صولة ... رآك لها أمضى جنانا وأشغبا # فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا # فلم يغنه أن كر نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا # حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا # لما انتهت النوبة إلى أبي الطيب المتنبي، قال يمدح بدر بن عمار، وقد خرج ms165 ~~إلى أسد، فهاجه عن بقرة افترسها فوثب على كفل فرسه؛ وأعجله عن استلال سيفه، ~~فضربه بسوطه، فزل عن كفل فرسه، ودار به الجيش، فقتل، وخرج إلى أسد آخر. فكر ~~عليه، فهرب الأسد منه، بقصيدة أولها: # في الخد أن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا # إلى أن قال: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا؟ # وقعت على الأردن منه بلية ... نضدت بها هام الرفاق تلولا # ورد إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفرات زئيره والنيلا # متخضب بدم الفوارس لابس ... في غبله من لبدتيه غيلا # ما قوبلت عيناه إلا ظنتا ... تحت الدجى نار الفريق حلولا # في وحدة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا # يطأ الثرى مترفقا من تيهه ... فكأنه آس يجس عليلا # ويرد غفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا # وتظنه مما يزمجر نفسه ... عنها لشدة غيظه مشغولا # قصرت مخافته الخطا فكأنما ... ركب الكمى جواده مشكولا # ألقى فريسته وبربر دونها ... وقربت قربا خاله تطفيلا # فتشابه الخلقان في إقدامه ... وتخالفا في بذلك المأكولا # أسد يرى عضويه فيك كليهما ... متنا أزل وساعدا مفتولا # نيالة الطلبات لولا أنها ... تعطي مكان لجامها مانيلا # في سرج ظامئة الفصوص طمرة ... يأبى تفردها لها التمثيلا # تندى سوالفها إذا استحضرتها ... وتظن عقد عنانها محلولا # ما زال يجمع نفسه في زوره ... حتى حسبت العرض منه الطولا # ويدق بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا # وكأنه غرته عين فادني ... لا يبصر الخطب الجليل جليلا # أنف الكريم من الدنيئة تارك في عينه العدد الكثير قليلا # والعار مضاض وليس بخائف ... من حتفه من خاف مما قيلا # سبق التقاءكه يوثبه هاجم ... لو لم تصادمه لجازك ميلا # خذلته قوته وقد كافحته ... فاستنصر التسليم والتجديلا PageV01P094 قبضت ~~منيته يديه وعنقه ... فكأنما صادفته مغلولا # سمع ابن عمته به وبحاله ... فنجا يهرول منك أمس مهولا # وأمر مما فر منه فراره ... وكقتله ألا يموت قتيلا # تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا # والذي يشهد به الحق، أن معاني أبي الطيب أكثر عددا، وأسد ms166 مقصدا، ألا ترى ~~أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح. في تشبيهه بالأسد ~~مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك؛ وأما أبو الطيب فإنه أتى ~~بذلك في بيت واحد وهو قوله: # أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا # ثم إنه تفنن في ذكر الأسد: فوصف صورته، وهيئته، ووصف أحواله، في انفراده ~~في خيلائه، وفي هيئة مشيه. واختياله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في ~~الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء،ثم ذكر الأنفة، والحمية التي بعثت الأسد على ~~قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن مخرج، ~~وأبرزه في أحسن معنى، ولفطانة أبي الطيب لم يتعرض لما ذكر بشر في أبياته ~~التي ذكرناها، لعلمه أن بشرا قد ملك رقاب تلك المعاني، واستحوذ عليها، ولم ~~يترك لغيره شيئا يقوله، ولم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل ~~بشر، لأنه قصر عنه تقصيرا كثيرا، ولما كان الأمر كذلك، عدل أبو الطيب عن ~~سلوك تلك الطريقة، وسلك غيرها، فجاء فيما أورده مبرزا، فإن بشرا قال: # إذا لرأيت ليثا أم ليثا ... هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # مشى ومشيت من أسدين راما ... مراما كان إذ طلباه وعرا # وقال البحتري: # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابه النكس كذبا # هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # وقال بشر: # وقلت له وقد أبدى نصالا ... محددة ووجها مكفهرا # يدل بمخلب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا # وقال البحتري: # غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا # ومما توارد عليه أبو الطيب وأبو عبادة البحتري وصف السيف: قال أبو الطيب: # كفرندي فرند سيفي الجزار ... لذة العين عدة للبزار # تحسي الماء خط في لهب النا ... ر أدق الخطوط في الأحراز # كلما رمت لونه منع النا ... ظر موج كأنه منك هازي # ودقيق قدى الهباء أنيق ... متوال في مستو هزهاز # ورد الماء فالجوانب قدرا ... شربت والتي تليها جوازي # حملته حمائل الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خراز # وهو لا تلحق الدماء ms167 غراري ... ه ولا عرض منتضيه المخازي # يا مزيل الظلام عني وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز # واليماني الذي لو اسطعت كانت ... مقلتي غمده من الإعزاز # لإن برقي إذا برقت فعالي ... وصليلي إذا صللت ارتجازي # لم أحملك معلما هكذا إلام ... لضرب الرقاب والأجواز # ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازي # سله الركض بعد وهن بنجد ... فتصدى للغيث أهل الحجاز # وتمنيت مثله فكأني ... طالب لابن صالح من يوازي # ومن قصيدته الأسدية: # وكأن برقا في متون غمامة ... هندية في كفه مسلولا # ومحل قائمه يسيل مواهبا ... لو كن سيلا ما وجدن مسيلا # رقت مضاربه فهن كأنما ... يبدين من عشق الرقاب نحولا # ومن قصيدته النوروزية: # قلدتني يمينه بحسام ... أعقبت منه واحدا أجداده # كلما استل ضاحكته إياه ... تزعم الشمس أنها أرآده # مثلوه في جفنه خشية الفق ... د ففي مثل أثره إغماده # منعل لا من الحفا ذهبا يح ... مل بحرا فرنده إزهاده # يقسم الفارس المدجج لا ... نسلم من شفرتيه إلا بداده # جمع الدهر حده ويديه ... وثنائي فاستجمعت آحاده # وتقلدت شامة في نداه ... جلدها منفساته وعتاده PageV01P095 قال البحتري ~~من قصيدة أولها: أهلا بذلكم الخيال المقبل # قد جدت بالطرف الجواد فثنه ... لأخيك من أدد أبيك بمنصل # يتناول الروح البعيد مناله ... عفوا ويفتح في القضاء المقفل # بإنارة في كل حتف مظلم ... وهداية في كل أرض مجهل # ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل ومصقول وإن لم يصقل # يغشى الوغى فالترس ليس بجنة ... من حده والدروع ليس بمعقل # مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل # متوقد يفرى بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها في يذبل # وإذا أصاب فكل شيء مقتل ... وإذا أصيب فماله من مقتل # وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيد في قراه وأرجل # وكأن شاهره إذا استعصى به ... في الروع يعصى بالسماك الأعزل # حملت حمائله القديمة بقلة ... مذ عهد عاد غضة لم تذبل # ومن تعسفات أبي الطيب قوله: # شديد البعد من شرب الشمول ... ترنج الهند أو طلع النخيل # والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما ms168 يغلط فيه العامة. # قال الصاحب: لا أدري الاستهلال حسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله: ترنج أفصح؟ ~~وكقوله: # بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيها، ويمنعها الحياء تميسا # فنصب تميس مع حذف أن، وهو ضعيف عند أكثر النحويين وكقوله: # وتكرمت ركبانها عن مبرك ... تقعان فيه وليس مسكا أذ فرا # فجمع الركيات، ثم انتقل إلى الثنية، فقال تقعان، وهو ضعيف، وغير سديد في ~~صناعة الإعراب. # وكقوله: # ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول # وقوله: # لم تر من نادمت إلاكا ... لا لسوى ودك لي ذاكا # فوصل الضمير بإلا، وحقه أن ينفصل عنه، كما قال الله تعالى: ضل من تدعون ~~إلا إياه(. # وكقوله: # ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود في عيني من الظلم # وألف التعجب لا تدخل على ألف أفعل، إنما يقال أشد سوادا، وحمرة وخضرة. # وكقوله: # جللا كما بي فلبك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح؟ # وحذف النون من يكن إذا استقبلها الألف واللام خطأ عند النحويين، لأنها ~~تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافا إذا سكنت. # وكقوله: # أمط عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحد فوقي وما أحد مثلي # والتشبيه بما محال. # وكقوله: # لعظمت حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتما بها جبرين # قال الصاحب: وقلب هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب ~~جبريل عليه السلام يرضى منه بهذا المجون، هذا على ما في معنى البيت من ~~الفساد والقبح. # وكقوله: # حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجى سقى الرياض السحائب # أي سقى السحائب الرياض. # ومنها: # تفكره علم ومنطقة حكم ... وباطنه دين وظاهره ظرف # وقد خرج فيه عن الوزن، لأنه لم يجيء عن العرب مفاعلين في عروض الطويل غير ~~مصرع؛ وإنما جاء مفاعلن. قال الصاحب: ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء ~~والمحدثين على بحر الطويل فما نجد له على خطئه مساعدا. # قال القاضي أبو الحسن، وقد عيب أيضا بقوله: # إنما بدر بن عمار سحاب ... هطل فيه ثواب وعقاب. # لأنه أخرج الرمل على فاعلاتن، وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات ms169 غير ~~المصرعة، وإنما جاء الشعر على فاعلن وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن. # ومنها: استعماله الغريب الوحشي، وإذا كان المتنبي من المحدثين بل من ~~العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفة بينهم، بل ~~ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة، ثم تعاطى الغريب، الوحشي، والشاذ ~~البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين، حصل كلامه بين طرفي نقيض، ~~وتعرض لاعتراض الطاعتين. # فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من ~~أبناء عصره، قوله: # وما أرضى لمقلته بحلم ... إذا انتبهت توهمه ابتشاكا PageV01P096 ~~والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعرا قديما ولا محدثا سوى هذا البيت.وقوله ~~في وصف الغيث: # لساحيه على الأجداث حفش ... كأيدي الخيل أبصرت المخالي # الساحي: القاشر. ومنه سميت المسحاة، لأنها تقشر الأرض، والحفش: مصدر حفش ~~السيل حفشا: إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع. # وقوله في وصف السيف: # ودقيق قدى الهباء أنيق ... متوال في مستو هزهاز # قدى: بمعنى مقدار. يقال بينهما قيد رمح، وقاد رمح وقدى. # وقوله: # أركائب الأحباب إن الأدمعا ... تطس الخدود كما تطسن اليرمعا # تطس: أي تدق. واليرمع: الحجارة البيض الرخوة. # وقوله: # وإلى حصى أرض أقام بها ... بالناس من تقبيله يلل # الليل: إقبال الأسنان، وانعطافها على باطن الفم. ولم يسمع في شعره غيره. # وقوله: الشمس تشرق والسحاب كنهورا الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب. # وقوله: وقد غمرت نوالا أيها النال والنال:المعطى. # وقوله: أسائلها عن المتديريها قال الصاحب: لفظة )المتديريها( لو وقعت في ~~بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس للمقت فيها نهاية، ~~ولا للبرد معها غاية، والمتديروها: المتخذوها دارا، قال الصاحب: ومن أطم ما ~~يتعاطاه: التفاصح بالألفاظ النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء ~~وغذى لبن، ولم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر. # فمن ذلك قوله: # أيفطمه التوارب قبل فطامه ... ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل # وليس ذلك سائغا لمثله وهو وليد قرية، ومعلم صبية. # ومن الجموع الغربية التي يوردها قوله في جمع الأرض: # أروض الناس من ترب وخوف ... وأرض ms170 أبي شجاع من أمان # وقوله في جمع اللغة: عليم بأسرار الديانات واللغى. وفي جميع الدنيا: أعز ~~مكان في الدنا سرج سابح وقوله في جمع الأخ: كل آخائه كرام بني الدنيا. قال ~~الصاحب: لو وقع الآخاء في رائيه الشماخ لاستثقل، فكيف مع أبيات منها: # قد سمعنا ما قلت في الأحلام ... وأنلناك بدرة في المنام # والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته وبهرجته نقاده. # ومنها الركاكة والسفسفة بألفاظ العامة والسوقة ومعانيهم كقوله: # رماني خساس الناس من صائب استه ... وآخر قطن من يديه الجنادل # وقوله: # وإن ما رأيتني فاركب حصانا ... ومثله تخر له صريعا # وقوله: # إن كان لا يدعى الفتى إلا كذا ... رجلا فسم الناس طرا إصبعا # وقوله: # قسا فالأسد تفزع من يديه ... ورق فنحن نفزع أن يذوبا # وقوله: # تألم درزه والدرزلين ... كما تتألم العضب الصنيعا # وعلى ذكر الدرز، فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة ~~الطولونية الغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتها تقول: يا ~~جارية على بالقميص المعمول في النسيج؛ فقد آذاني ثقل الدروز. # وقوله: # ليرى لباسه خشن القطن ... ومروي مرو لبس القرود # وقوله: # ما أنصف القوم ضبه ... وأمه الطرطبه # رموا برأس أبيه ... وباكوا الأم غلبه # وقوله: ولفظ در يريك الدر مخشلبا وقوله: # إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام # قال الصاحب: )حينئذ( هاهنا أنفر من عير منفلت. # قال ومن ركيك صنعته في وصف شعره، والزراية على غيره قوله: # إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام # منه ما يجلب البراعة وانفض ... ل ومنه ما يجلب البرسام # قال: وهاهنا بيت نرضى باتباعه فيه، وما ظنك بمحكم مناوية، ثقة بظهور حقه، ~~وإيراء زنده، وإن لم يكن التحكيم بعد أبي موسى من موجب العزم، ومقتضى ~~الحزم. وهو: # أطعناك طوع الدهر يا بن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرغم # وقوله: # تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز # وقوله: # فكأنما حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرني والآزاذا # قال الصاحب: إذا جمع السكر إلى البرني والأزاذ، ms171 تم الأمر. PageV01P097 ~~قال: وكانت الشعراء تصف المآزر تنزيها لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى ~~هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد إليه غيره فقال: # إني على شغفي بما في خمرها ... لأعف عما في سراويلاتها # وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف. # قال القاضي ومن أمثاله العامية قوله: # وكل مكان أتاه الفتى ... على قدر الرجل فيه الخطا # ومنها إبعاد الاستعارة، والخروج بها عن حدها، كقوله: # مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض والبلب # وقوله: # تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها # وقوله: # لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرحضاء # وقوله: # إلا يشب فلقد شابت له كبد ... شيبا إذا خضبته سلوة نصلا # وقوله: # وقد ذقت حلواء البنين علي الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل # فجعل للطيب والبيض واليلب قلوبا، وللسحاب حمى، وللزمان فؤادا، وللكبد ~~شيبا، وهذه استعارات لم تجر على شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة ~~وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرق من الشبه والمقاربة. # قال الصاحب: وما زلنا نعجب من قول أبي تمام وهو: )لا تسقني ماء الملام( ~~فخف علينا )بحلواء البنين(. # ومنها الاستكثار من قول )ذا(. # قال القاضي: وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت ~~موضعا تليق به، فاكتسبت قبولا، فأما في مثل قوله: # قد بلغت الذي أردت من البر ... ومن حق ذا الشريف عليكا # وإذا لم تسر إلى الدار في وق ... تك ذا خفت أن تسير إليكا # وقوله: # لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء # وقوله: # عن ذا الذي حرم الليوث كماله ... ينسى الفريسة خوفه بجماله # وقوله: # وإن جزعنا له فلا عجب ... ذا الجزر في البحر غير معهود # وقوله: # أفي كل يوم الدمسق مقدم ... قفاه على الإقدام للوجه لأئم # وقوله: # أبا المسك ذا الوجه الذي كنت تائقا ... إليه وذا الوقت الذي كنت راجيا # وقوله: # أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب # وقوله: # أريد من زمني ذا ms172 أن يبلغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن # وقوله: يضاحك في ذا اليوم كل حبيبه فهو كما تراه سخافة وضعف، ولو تصفحت ~~شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكرناه من هذه الإشارة، وأنت لا تجد منها في عدة ~~دواوين جاهلية حرفا، والمحدثون أكثر استعانة بها، لكن في الفرط والندرة أو ~~على سبيل الغلط والفلتة.الإفراط في المبالغة: ومنها الإراط في المبالغة، ~~والخروج فيه إلى الإحالة كقوله: # ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونا ... وصاد الوحش نملهم دبيبا # وقوله: # وضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # فبعده وإلى ذا اليوم لو ركضت ... بالخيل في لهوات الطفل ما سعلا # وقوله: # وأعجب منك كيف قدرت تنشا ... وقد أعطيت في المهد الكمالا # وأقسم لو صلحت يمين شيء ... لما صلح العباد له شمالا # وقوله: # بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر # وقوله: # ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب # وقوله: # من بعد ما كان ليلى لا صباح له ... كأن أول يوم الحشر آخره # فهو مما لا يستهجن في صنعة الشعر، على أن كثيرا من النقدة لا يرتضون هذا ~~الإفراط. # ومنها: تكرير اللفظ في البيت الواحد من غير تحسين، كقوله: # ومن جاهل بي وهو يجهل جهله ... ويجهل علمي أنه بي جاهل # وقوله في هذه القصيدة: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيسى كلهن قلاقل # قال الصاحب: وما زال الناس يستبشعون قول مسلم: # سلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا # حتى جاء هذا المبدع، فقال: PageV01P098 وأفجع من فقدنا من وجدنا ... قبيل ~~الفقد مفقود المثال # وأظن المصيبة في الراثي أعظم منها في المرثى. # وقوله: # عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت وهو العظم عظما عن العظم # قال الصاحب: وما أحسن ما قال الأصمعي لمن أنشده: # فما للنوى جذ النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعة لوصال # )لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله( وقوله: # ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف ms173 بل مثله ألف # وقثوله: # ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام # وقوله: # العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن # وقوله: # وإني وإن كان الدفين حبيبه ... حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي # وقوله: # لك الخير غيري رام من غيرك الغني ... وغيري بغير اللاذقية لاحق # وقوله: # ملولة ما يدوم ليس لها ... من ملل دائم بها ملل # وقوله: # قبيل أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام # وقوله: # وكلكم أتى مأتي أبيه ... فكل فعال كلكم عجاب # وقوله: # وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن شعري فيك من نفسه شعر # وقوله: # إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناس في موضع منك خالي # وقوله: # ولولا تولى النفس حمل حلمه ... عن الأرض لا نهدت وناء بها الحمل # وقوله: # ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل النهب من نهب القماش # وقوله: # وطعن كأن الطعن لأطعنن عنده ... وضرب كأن النار من حره برد # وقوله: # أراه صغيرا قدرها عظم قدره ... فما لعظيم قدره عنده قدر # وقوله: # جواب مسائلي أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا ألا لا # قال الصاحب: ما قدرت أن مثل هذا البيت يلج سمعا، وقد سمعت بالأفأفاء، ولم ~~أسمع باللألاء حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف الذي لا يقف حيث يعرف. # ومنها: إساءة الأدب بالأدب كقوله: # فغدا أسيرا قد بللت ثيابه ... بدم وبل ببوله الأفخاذا # وقوله: # وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل # وقوله: # خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق # ويقال: لما أنكرت عليه )حاضت( غيره، فجعله )ذابت(.وذكر البول والحيض مما ~~لا يحسن وقوعه في مخاطبة الملوك والرؤساء، وأقبح موقعا من ذلك قوله في ~~قصيدة يرثى بها أخت سيف الدولة، ويعزيه عنها، حيث قال: # وهل سمعت سلاما لي ألم بها ... فقد أطلت وما سلمت عن كثب # وما باله يسلم على حرم الملوك، ويذكر منهن ما يذكره المتغزل في قوله: # يعلمن حين تحيا حسن مبسمها ... وليس إلا الله بالشنب # وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لو ms174 عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا ~~لألحقته بها، وضربت عنقه على قبرها، قال الصاحب: ولقد مررت على مرثية في أم ~~سيف الدولة، تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكا ~~في أمه بقولع: # بعيشك هل سلوت فإن قلبي ... وإن جانبت أرضك غير سال # فيتشوق إليها، ويخطئ خطأ لم يسبق إليه؛ وإنما يقول ذلك من يرثى بعض أهله، ~~فأما استعماله إياه في هذا الموضع؛ فإنه دال على ضعف البصر بمواقع الكلام. # وفي هذه القصيدة: # رواق انعز فوقك مسبطر ... وملك على ابنك في كمال # ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الرقيق الصفيق المبين. # قال ولما أبدع في هذه القصيدة، واخترع، قال: # صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال # فلا أدري هذه الاستعارة أحسن أم وصفه وجه والدة ملك يرثيها بالجمال، أم ~~قوله في وصف قرابتها وجواريها: # أتتهن المصيبة غافلات ... فدمع الحزن في دمع الدلال PageV01P099 الإيضاح ~~عن ضعف العقيدة ورقة الدين على أن الديانة ليست عيارا على الشعراء، ولا سوء ~~الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر، ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ ~~الإخلال به قولا وفعلا، ونظما ونثرا، ومن استهان بأمره، ولم يضع ذكره وذكر ~~ما يتعلق به في مواضع استحقاقه، فقد باء بغضب من الله تعالى، وعرض لمقته في ~~وقته، وكثيرا ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله: # يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد # وقوله: # ونصفي الذي يكنى أبا الحسن الهوى ... ونرضي الذي يسمى الإله ولا يكنى # وقوله من قصيدة مدح بها العلوي: # وأبهر آيات التهامي أنه ... أبوكم وإحدى ما لكم من مناقب # وقوله: # تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذي الأفلاك فيه والدنا # وقد أفرط جدا، لأن الذي الأفلاك فيه والدنا، هو علم الله عز وجل. # وقوله: # الناس كالعابدين آلهة ... وعبده كالموحد اللاها # وقوله لفاخسرو: # لو كان علمك في الإله مقسما ... في الناس ما بعث الإله رسولا # أو كان لفظك فيهم ما أنزل الت ... وراة والفرقان والإنجيلا # وقوله: # لو كان ms175 ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا # أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى # عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح عليه الصلاة والسلام بإذن الله عز ~~وجل. # وقوله: # أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى # وكأن المعاني أعيته، حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء. # وفي هذه القصيدة: # يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبدا ونطرد باسمه إيليسا # وقوله وقد جاوز حد الإساءة: # أي محل ارتقى ... أي عظيم أتقى؟ # وكل ما قد خلق الل ... ه وما لم يخلق # محتقر في همتي ... كشعرة في مفرقي # وقبيح بمن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما حامل بول وعذرة، ~~أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا تسعه معذرة. # ومنها الغلط بوضع الكلام غير موضعه كقوله: # أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين # وهذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه، كما قال أبو الفتح كشاجم ~~وأحسن: # أغار إذا دنت من فيه كأس ... على در يقبله زجاج # فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها. # وكقوله: # وغر الدمستق قول الوشا ... ة إن عليا ثقيل وصب # فجعل الأمراء يوشي بهم، وإنما الوشاية: السعاية ونحوها. ومن شأن الممدوح ~~أن يفضل على عدوه ويجري العدو مجرى بعض أصحابه، وليس بسائغ في اللغة أن ~~يقال وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته. # وكقوله في وصف الحمى المعرقة. # إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # وليس الحرام أخص بالاغتسال منه من الحلال. # وكقوله في وصف مهره: وزاد في الأذن على الخرانق وأذن الفرس يستحب فيها ~~الدقة والانتصاب، وتشبه بطرف القلم، وأذن الأرنب على الضد من هذا الوصف. # ومنها: امتثال ألفاظ المتصوفة، واستعمال كلماتهم المعقدة، ومعانيهم ~~المغلقة، في مثل قوله في وصف فرس: سبوح لها منها عليها شواهد وقوله: # إذا ما الكأس أرعشت اليدين ... صحوت فلم تحل بيني وبيني # وقوله: # أفيكم فتى حي يخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني # وقوله: # نال الذي نلت منه مني ms176 ... لله ما تصنع الخمور # وقوله: # كبر العيان على حتى إنه ... صار اليقين من العيان توهما # وقوله: # وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسي # وقوله: # ولولا أنني في غير نوم ... لكنت أظنني مني خيالا # قال الصاحب: ولو وقع قوله: # نحن من ضايق الزمان له في ... ك وخانته قربك الأيام # في عبارات الجنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرا بعيدا. # ومن أشد ما قاله في هذا المعنى: # ولكنك الدنيا إلى حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب # ومنها الخروج عن رسم الشعراء إلى الفلسفة كقوله: PageV01P100 ولجدت حتى ~~كدت تبخل حائلا ... للمتنهى ومن السرور بكاء # وقوله: # والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق # وقوله: # إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مر المذاق # وكقوله: # تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب # فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب # وقوله: # خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا # وقوله: # تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كرى تحت الرجام # فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام # قال ابن جني: أرجو ألا يكون أراد بذلك أن نومه القبر لا انتباه لها. # ومنها استكراه التخلص؛ قال القاضي: لعلك لا تجد في شعره تخلصا مستكرها ~~إلا قوله: # أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا # فهذا تخلص ليس عليه شيء من الجمال، وهاهنا يكون الانتضاب أحسن من التخلص، ~~فينبغي لسالك هذا الطريق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن أتاه التخلص حسنا أتى ~~به، وإلا فليدعه. # وكذلك قال في قصيدته التي أولها: # أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا # عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي صيرتني في الهوى مثلا # والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوة إلا أبو ~~نواس حيث قال: # سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواي لعل الفضل يجمع بيننا # على أن ms177 أبا نواس أخذ ذلك بن ذريح، لكنه أفسده، ولم يأت به كما أتى به ~~قيس. # ولذلك حكاية: وهو أنه لما هام بلبني في كل واد، وجن بها، رق له الناس ~~ورحموه، فسعى ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس وزوجها ~~إياه، فقال عند ذلك: # جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق # وقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق # سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأى حدت فيه عن طريقي # وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي # وأما قوله: # فأفنى وما أفنته نفسي كأنما ... أبو الفرج القاضي له دونها كهف # وقوله: # لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا # وقوله: # أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # وبحر أبي المسك الخضم الذي له ... على كل بحر زخرة وعباب # فهي، وإن لم تكن مستحسنة، فليست بالمستهجن الساقط. # ومنها قبح المقاطع: كقوله بعد أبيات أحسن فيها غاية الإحسان، وترقى فيها ~~الدرجة العالية، وهي: # ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان # أيلتمس الأعداء بعد الذي رأت ... قيام دليل أو وضوح بيان # رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلى ... بغدر حياة أو بغدر زمان # ومنها: # قضى الله يا كافور أنك واحد ... وليس بقاض أن يرى لك ثاني # فما لك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلان # وما لك تعني بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان # ولم تحمل السيف الطويل نجاده ... وأنت غني عنه بالحدثان # أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به ... فإنك ما أحببت في أتاني # هذا البيت الذي هو عوذتها: # لو الفلك الدوار أبغضت سعيه ... لعوقه شيء عن الدوران # وكقوله في قصيدة منها: # في خطه من كل قلب شهوة ... حتى كأن مداده الأهواء # ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء # هذا البيت الذي جعله المقطع: # لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء # وكقوله في آخر ms178 قصيدة: # خلت البلاد من الغزالة ليلتها ... فأعاضهاك الله كنى لا تحزنا # ومن ولوع أبي الطيب بالتصغير قوله: ... أذم إلى هذا الزمان أهيله # وقوله: PageV01P101 من لي بفهم أهيل عصر يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم ~~باقل # وقوله: حبيبتا قلبي فؤادي هيا جمل. # وقوله: ونام الخويدم عن ليلنا وقوله: أفي كل يوم تحت ضبني شويعر فقد كان ~~مولعا بالتصغير لا يقنع من ذلك بخلسة الغير، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة ~~صارت كالطبع، فما حسن منها مأنوس الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، هكذا قال ~~المعري في رسالة الغفران. # نبذة من محاسنه وروائعه وغرائبه وقلائده وفرائده التي زاد فيها على من ~~تقدم وسبق بها جميع من تأخر: فمنها حسن المطلع كقوله: # فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا # نزلنا عن الأكسوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا # وقوله: # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # فإذا هما اجتمعنا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان # وقوله: # إذا كان مدح فالنسيب المقدم ... أكل فصيح قال شعرا متيم؟ # لحب ابن عبد الله أولى فإنه ... به يبدأ الذكر الجميل ويختم # وقوله: # أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل # وقوله في الشكاية: # فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام # وقوله أيضا: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وقوله: # اليوم عهدكم فأين الموعد ... هيهات ليس ليوم عهدكم غد # الموت أقرب مخلبا من بينكم ... والعيش أبعد منكم لا تبعدوا # وقوله في التهنئة بزوال المرض: # المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم # ومن ابتداءاته التي تسكر العقول، وتفعل فعل الشمول، قوله في قصيدة يمدح ~~بها كافورا، ويذكر الصلح بينه وبين ابن سيده، وكانت جرت بينهما وحشة، فبدأ ~~قصيدته بذكر الغرض المقصود، فقال: # حسم الصلح ما اشتهيته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد # وأرادته أنفس حال تدبي ... رك ما بينها وبين المراد # صار ما أوضع المخبون فيه ... من عتاب زيادة في الوداد ms179 # وكلام الوشاة ليس على الأح ... باب سلطانه على الأضداد # إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوى في الفؤاد # وكذلك قوله في أول قصيدة مدح بها سيف الدولة، وكان البطريق أقسم برأس ~~ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، ويثبتن له، وسأل ~~ملكه إمداده، وإنجاده ببطارقته، وعدده، ففعل ذلك، فخيب الله ظنه، وأتعس ~~جده، وولى هاربا، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر، فقال: # عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم # وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دل أنك في الميعاد متهم # وقوله وقد فارق سيف الدولة، وسار إلى مصر: # فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم # وقوله في الغزل: # أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفى برود وهو في كبدي جمر # وقوله أيضا: # حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا ... فلم أدر أي الظاعنين أشيع؟ # ولأبي تمام ابتداءات غريبة: منها لما حاصر المعتصم عمورية زعم أهل ~~النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا، حتى شاع وصار أحدوثة ~~بين الناس، فلما يسر الله فتحها على يد المعتصم، مدحه أبو تمام بقصيدة ~~عديمة النظير، وبنى مطلعها على هذا المعنى، فقال: # السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب # والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب # أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب؟ # تخرصا وأحاديثا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب # وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب. # وكذلك قوله في أول قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر خروج بابك الخرمي عليه، ~~وظفره به: PageV01P102 الحق أبلج والسيوف عواري ... فحذار من أسد العرين ~~حذار # وقوله متغزلا: # عسى وطن يدنو بهم ولعلما ... وأن تعتب الأيام فيهم فربما # ومن ابتداءات أبي عباده البحتري قوله، وهو غاية في بابه: # بودي لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق # وأحسن ابتداءات المتقدمين قول امرئ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب ms180 ... نقض لبانات الفؤاد المعذب # وقول النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # قدمه ابن المعتز وغيره لسلامته على قول امرئ القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # لما فيه من عدم التناسب، فإنه وقف، واستوقف، وبكى، واستبكى، وذكر الحبيب ~~والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السبك، ولم يتفق له مثل ذلك في النصف ~~الثاني بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة، فباين الأول بخلاف بيت ~~النابغة، فإنه لا تفاوت بين قسميه. # ومن أحسن ابتداءات المولدين قول أبي نواس: # خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم # وقول إسحاق الموصلي: # هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل # ومن محاسن الابتداءات ما ذكره المبرد في الروضة، قال: إن الرشيد غزا غزوة ~~في بلاد الروم، وإن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه، ~~واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض نقفور العهد، ولم يجسر أحد على إعلام ~~الرشيد لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على ~~أن يقولوا أشعار في إعلامه، فأشفقوا من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرا من أهل ~~جدة يكنى أبا محمد، فنظم قصيدة، وأنشدها الرشيد، أولها: # نقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور # أبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير # فلما أنهى الأبيات، قال الرشيد أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج، وحصل ~~له الفتح. # ومن لطيف الابتداءات قول مهيار: # أما وهواها حلفة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا # فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض التشبيب، وكان وشى به ~~إلى الممدوح، فافتتح قصيدته بهذا المعنى. ومن ذلك قول بعض العراقيين: # وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر # ولولا ولوع منك بالصد ماسعوا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر # فسلك مسلك مهيار، وزاد عليه في المعاتبة على الإصغاء إلى قول الوشاة ~~والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى. # ومن الابتداءات ms181 الحسنة قول الشاهيني حرسه الله تعالى من قصيدة يمدح بها ~~من تقصر عن أدنى فضائله ألسنة الأقلام يحيى أفندي شيخ مشايخ الإسلام متع ~~الله ببقائه الأنام )المفتي الآن بدار السلطنة العثمانية حرسها الله تعالى ~~إلى يوم القيامة(. # لا يسلني عن الزمان سؤول ... إن عتبي على الزمان يطول # وكذلك قوله أدامه الله تعالى، وأبقى معاليه: # كم أداري ولست ممن يداري ... ليت قلبي في عشقه بالخيار # ومن الابتداءات الحسنة قول شيخنا عالم حلب الشهباء إحدى العواصم، بدر فلك ~~الفضل، وشمس سماء المكارم، نجم الدين أفندي الأنصاري لازال ملاحظا بعين ~~عناية الباري: # أترى الزمان يعيد لي إيناسي ... ويرق لي ذاك الحبيب القاسي # واعلم أن حسن الابتداء يجري في الشعر من ذلك ما قيل لكاتب: اكتب إلى ~~الأمير، وعرفه أن بقرة ولدت حيوانا على شكل إنسان، فكتب بعد البسملة: أما ~~بعد حمد الله الذي خلق الأنام، في بطون الأنعام. PageV01P103 ومن ذلك ما ~~كتب أبو إسحاق الصابي عن الخليفة الطائع لله إلى الأطراف عند عودة إلى كرسي ~~ملكه، وزوال ما نزل به من الأتراك، فقال: الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، ~~وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم، ~~والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ ~~الألفة عليهم وإن شابت ذلك في الأحيان شوائب من الحدثان، فلن يتجاوز بهم ~~الحد الذي يوقظ غافلهم، وينسبه ذاهلهم، ثم إنهم عائدون إلى أفضل ما أولاهم ~~الله، وعودهم ووثق لهم، ووعدهم من إيمان سربهم، وإعذاب شربهم وإعزاز ~~جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون. # وإذا نظرت إلى فواتح السور رأيت من البلاغة والتفتن ما تقصر عن كنه وصفه ~~العبارة كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذا الابتداء بالنداء كقوله ~~في مفتتح سورة النساء: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. ~~وفي سورة الحج: الحج: يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، ~~فإن مثل هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذا في الابتداء ~~بالحروف ms182 نحو الم، حم، مما يبعث على الاستماع والتطلع نحوه، لأنه يقرع السمع ~~شيء غريب ليس بمثله عادة. # ومن بدائع أبي الطيب حسن الخروج والتخلص كقوله: # مرت بنا بين تربيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادن العربا # فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الثرى وهو من عجل إذا انتسبا # وقوله أيضا: # وخرق مكان العيس منه مكاننا ... من العيس فيه واسط الكور والظهر # ويوم وصلناه بليل كأنما ... على أفقه من برقه حلل حمر # وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنه حلل خضر # وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر # أو ابن ابنه الباقي على بن أحمد ... يجود به لو لم أجز ويدي صفر # وقوله: # إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك مقالا العالم # وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم # وقوله: # حدق الحسان من الغواني هجن لي ... يوم الفراق صبابة وغليلا # حدق يذم من القاتل غيرها ... بدر بن عمار بن إسماعيلا # وقوله: # ولو كنت في أسر غير الهوى ... ضمنت ضمان أبي وائل # فدى نفسه بضمان النضمار ... وأعطى صدور القنا الذبل # ومما جاء من التخلصات الحسنة قوله: # وأوردت نفسي والمهند في يدي ... موارد لا يصدرن من لايجالد # ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم تحمل القلب ساعد # خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومني القصائد # فلا تعجبا، إن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد # هذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض ألا ترى أن الخروج إلى مدح الممدوح ~~في هذه الأبيات، كأنه أفرغ في قالب واحد، وهو من بدائعه المشهورة. # وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما يأتي به من التخلصات، وهو في قصيدته ~~التائية التي أولها: # سرب محاسنه عدمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها # فقال في أثنائها: # ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها # ومقانب بمقانب غادرتها ... أقوات وحش كن من أقواتها # أقبلتها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في ms183 جبهاتها # الثابتين فروسة كجلودها ... في ظهرها والطعن في لباتها # ومنها: # تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجد يغلبها على شهواتها # سقيت منابتها التي سقت الورى ... بيدي أبي أيوب خير نباتها # فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مديح الممدوح، ~~والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب. # وقوله: # نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق ~~PageV01P104 وهذا النوع مهم من مهمات البلاغة، وحقيقته: أن يأخذ مؤلف ~~الكلام في معنى من المعاني، فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل ~~الأول سببا إليه، فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غير أن ينقطع كلامه، ~~ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على ~~حذق الشاعر، وقوة تصرفه من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا ~~للوزن والقافية، فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته. # وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر ~~أكثر مما يشق على الناثر. # ومن بديع ما أتى في هذا الباب ونادرة قول أبي تمام: # يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القود # أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود # وقوله أيضا في وصف أيام الربيع: # خلق أطل من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر # في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سرج تزهر # تنسى الرياض وما يروض جوده ... أبدا على مر الليالي يذكر # وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها. # وكذلك قوله في قصيدته التي أولها: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا # غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا # يضحى العذول على تأنيبه كلفا ... بعذر من كان مشغوفا بها كلفا # يجاهد الشوق طورا ثم يجذبه ... جهاده للقوافي في أبي دلفا # وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصناعة، وكذلك جاء قوله: # زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... منها طلول باللوى ورسوم # لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر ms184 وأن أبا الحسين كريم # ما حلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم # وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه. # ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي ~~أولها: أجارة بيتنا أبوك غيور فقال عند الخروج إلى ذكر المدوح: # تقول التي في بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في إثرهن عبير # ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيب أمير # والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر المفلق المشهور ~~بالإجادة في إيراد الألفاظ، واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر ~~لا يجهل، وشعره السهل الممتنع الذي تراه كالشمس: قريبا ضوءها بعيدا مكانها، ~~وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، ~~وعنقاؤهم في الإغراب، مع هذا، فإنه لم يوفق في التخلص إلى المديح، بل ~~اقتضبه اقتضابا، وليس له من ذلك إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من ~~قصيدة: # وكفاني إذا الحوادث أظلم ... ن شهابا بغرة ابن شهاب # وكقوله: # قصدت لنجران العراق ركابنا ... فطلبن أرحبها محلة ماجد # آليت لا يلقين جدا صاعدا ... في مطلب حتى تناخ بصاعد # وكقوله في قصيدته التي أولها: حلفت لها بالله يوم التفرق فإنه تشوق فيها ~~إلى العراق من الشام، فوصفت العراق ومنازله ورياضة، فأحسن في ذلك كله، ثم ~~خرج إلى مدح الفتح بن خاقان فقال: # رباع من الفتح بن خاقان لم نزل ... غنى لفقير، أو فكاكا لموثق # ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني، وكذلك ورد قوله في قصيدته التي ~~أولها: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها فإنه وصف البركة فأبدع، ثم خرج منها ~~إلى مدح المتوكل، فقال: # كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها # وأحسن ما وجد له وهو ما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ~~ابن بسطام ومطلعها: نصيب عينيك من سح وتسجام ms185 فقال عند تخلصه: هل الشباب ملم ~~بي فراجعة # لو أنه نائل غمر يجاد به ... إذا تطلبته عند ابن بسطام # وله مواضع أخر يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره. PageV01P105 ومما استظرف في ~~هذا النوع قول ابن الزمكدم الموصلي: # وليل كوجه البر قعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه # سريت ونومي عن جفوني مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه # على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه # إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه # وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك أن شرف الدولة قرواش صاحب الموصل كان جالسا ~~مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء في جملة هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان ~~البرقعيدي مغنيا، وسلمان بن فهد وزيرا، وأبو جابر حاجبا، فالتمس شرف الدولة ~~من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فذكر هذه الأبيات ارتجالا، وهي ~~غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى ~~رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول بهجو ~~البرقعيدي، فهجاه في ضمن مراده، وذكر أوصاف ليالي الشتاء جميعها، وهي ~~الظلمة، والبرودة، والطول، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح ~~بألطف وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد. # ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن حجاج البغدادي: # ألا يا ماء دجلة لست تدري ... باني حاسد لك طول عمري # ولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري # فقال الماء ما هذا عجيب ... بم استوجبته يا ليت شعري # فقلت له لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر # تراه ولا أراه وذاك شيء ... يضيق عن احتمال فيه صدري # ولا يظن أن هذا الشيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، ~~وفات من تقدمهم من العرب لما عندهم من قشف العيش، وغلظ الطبع، بل قد سبق ~~أولئك إلى هذا الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر المحدثون، وأي حسن من محاسن ~~البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم فهم، ~~فمما جاء للفرزدق ms186 قوله: # وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب # سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب # إذا آنوا نارا يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالب # فانظر إلى هذا الاستطراد، ما أفحله وأفخمه!. # ومن بدائع أبي الطيب التثبيت بالأعرابيات، كقوله: # من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلي والمطايا والجلابيب # إن كنت تسأل شكا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب # سوائر ربما سارت هوادجها ... منيعة بين مطعون ومضروب # أي لشدة الرغبة فيهن، وكثرة الذب عنهن، والمحاربة دونهن. # وربما وخدت أيدي المطى بها ... على نجيع من الفرسان مصبوب # كم زورة لك في الأعراب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب # أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي # قد وافقوا الوحش في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويض وتنطيب # فؤاد كل محب في بيوتهم ... ومال كل أخيذ المال محروب # ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب يتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب # أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # ولا برزن من الحمام ماثلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب # ومن هوى كل من ليست مموهة ... تركت لون مشيي غير مخضوب # ومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعر في الوجه مكذوب # وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة. وله طريقة في وصف البدويات، وقد تفرد ~~بحسنها فأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله: # هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تمدد له طنبا # مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا # وقوله أيضا: # إن الذين وقفت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول # الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل كلما نزلوا # في مقلتي رشأ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل PageV01P106 تشكو المطاعم ~~طول هجرتها ... وصدودها فمن الذي تصل # يصفها بقلة الأكل وهو محمود فيهن جدا. # ما أسأرت في القعب من لبن ... تركته وهو المسك والعسل # قالت: ألا تصحو فقلت لها ... أعلمتني أن الهوى ثمل # وقوله: # ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بطول القنا يحفظن لا ms187 بالتمائم # حسان التثني يتنقش الوشى مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم # ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم # ومنها حسن التصرف في سائر أنواع الغزل، كقوله: # قد كان يمنعني الحياء من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا # حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرق مدمعا # سفرت ويرقعها الحياء بصفرة ... سترت محاسنها ولم تك برقعا # فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلؤ قد رصعا # كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا # وهي مما يتغنى بها في المجالس لرشاقتها، وبلاغتها كل مبلغ، من حسن اللفظ، ~~وجودة المعنى، واستحكام الصنعة، وقوله: # كأنما قدها إذا انفتلت ... سكران من خمر طرفها ثمل # يجذبها تحت خصرها عجز ... كأنه من فراقها وجل # وقوله أيضا: # كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما سرن سالا # لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يصن به الجمالا # وضفرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا # وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره فيه. # قال ابن الأثير الجزري: اعلم أني وجدت الأئمة من علماء العربية يقفون مع ~~تقدم الزمان في تفضيل الشعراء، ويتركون النظر في فضيلة أشعارهم في هذا بين ~~أمرين: إما أنهم لم يحققوا معرفة علم البيان من الفصاحة والبلاغة، ولا ~~نقبوا عن أسرارهما اللفظية والمعنوية، وإما أنهم رأوا أن الفضيلة للزمن، ~~ونسوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون فضلا، وهذا ~~الحكم يقع في كل من تأخر زمانه وتقدم، وكذلك أقول: إن في الشعراء من ~~المتأخرين من فاق الأولين، والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد: أن ~~جريرا والفرزدق والأخطل أشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين ~~أولئك فرق يعيد، وإذا استفتيت قلت: إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر من ~~الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في جاهلية ولا إسلام فإن أبا تمام ~~وأبا الطيب قد غاصا على المعاني فعمقا، ودققا، وأتيا بكل غريبة، وأما ~~البحتري فإنه أتى بديباجة السبك ms188 التي ليست لغيره، فإن أولئك قالوا ما قالوه ~~في غير تنقيب. ولا تنقير، ولا حفظ، ولا درس، فشذ عنهم الشيء الكثير من ~~المعاني الدقيقة، وأما الألفاظ فإنهم أتوا بمحاسنها ولم يفتنهم شيء منها، ~~لكنها توجد متفرقة في أشعارهم، وخلطوها بما قبح من الألفاظ، والمتأخرون ~~حصلوا على القسمين معا، لأنهم نقبوا، وحفظوا، ودرسوا، وأتقنوا، فترى الشاعر ~~منهم قد حوى شعره ما تفرق في أشعار كثيرة من شعراء العرب، وإذا أنصف ~~الناظر، وترك التحامل، ثم ترك التقليد، علم أن حرف الميم وحرف اللام من شعر ~~أبي الطيب المتنبي قد تضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول ~~من شعراء العرب، وكأني بسامع قولي هذا، وقد ربا غيظا، ودارت عيناه، )وليس ~~ذلك إلا محض تقليد وجهل بمعرفة أسرار الألفاظ والمعاني( ثم قال: كيفيشبه ~~المتنبي بامرئ القيس، أو من كان في طبقته؟ فأقول: إن كان لأحدهم رأسان، أو ~~لسانان، أو كان له أربعة أرجل. أو كان النظر إنما هو في تقدم الزمان. فلا ~~شك أن أولئك أشعر، وإن كان النظر إنما هو في الألفاظ والمعاني فلو عاش امرؤ ~~القيس، ثم مات، ثم عاش، لما أداه فكره إلى تدقيق النظر في هذا المعنى الذي ~~أورده المتنبي في قوله: # لو قلت للدنف المشوق فديته ... مما به لأغرته بفدائه # ولا أن يقول في مرثية امرأة: # قد كان كل حجاب دون رؤيتها ... فما قنعت لها يا أرضث بالحجب # ولا رأيت عيون الإنس تدركها ... فهل حسدت عليها أعين الشهب PageV01P107 ~~ولا أن يقول في مرثية امرأة أيضا: # وما التأنيث لاسيم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال # ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال # على أني ما تركت ديوان فحل من فحول الشعراء حتى طالعته، وحفظت منه شيئا، ~~فلم أجد لأحد منهم في مرائي الناس ما يقرب من هذه الأبيات التي للمتنبي ~~وكذلك يجري الحكم في المحدثين، فإنهم لم يأتوا بمثلها ولا ما يقرب منها، ~~ومن أين لامرئ القيس لطافة خاطر، يستخرج منها مثل قول المتنبي في ms189 السيوف ~~والخوف منها: # واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال # فإن الشعراء كلهم قد كرروا هذا المعنى، إلا أنهم لم يخرجوا عن أن الخوف ~~يشيب، وإذا بالغوا قالوا: إنه يشيب الطفل، والمتنبي لم يقل كما قالوا، ~~وإنما تلطف في هذا المعنى فابرزه في صورة عجيبة كما ترى، وكذلك لا يستطيع ~~الشاعر العربي أن يصف الجيش فيقول: # صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم # فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم # ولو لم يكن للمتنبي سوى هذين البيتين لاستحق بهما فضيلة التقدم على ~~الشعراء، ولذلك قال في هذه القصيدة، وقد حلف ابن الدمستق والبطاريق أن ~~يلقوا سيف الدولة: # أين البطاريق والحلف الذي حلفوا ... بمفرق الملك والزعم الذي زعموا # ولى صوارمه إكذاب قولهم ... فهن ألسنة أفواهها القمم # نواطق مخبرات في جماجمهم ... عنه بما جهلوا منه وما علموا # وقد غربلت الأشعار قديمها ومحدثها، وتأملتها تأمل المنتقد، فما وجدت ~~لشاعر ما لأبي تمام ولأبي الطيب في باب المعاني ولا ما لأبي عبادة البحتري ~~في باب الألفاظ فمن قلدني في ذلك فقد أصاب، وطرح عن نفسه ثقل التنقيب ~~والتنقير. ومن خالفني عن علم ومعرفة فليتأمل من الأشعار ما تأملته حتى يعلم ~~ما علمته، وإن كان جاهلا بهذا الفن فليدرج في عشه، فليس منه ولا إليه، ومن ~~الناس من يزعم أنه ليس لأبي تمام ولا للمتنبي من الغزل شيء يروق ولا يحسن. ~~وهذا القول لا يصدر إلا عن تعصب أو جهل، وأي غزل أحلى وأعذب وأرق من قول ~~أبي تمام: # أنت في حل فزدني سقما ... أفن جسمي واجعل الدمع دما # وارض لي الموت بهجريك فإن ... ألمت نفسي فزدها ألما # محنة العاشق ذل في الهوى ... فإذا استودع سرا كما # ليس منا من شكا علته ... من شكا ظلم حبيب ظلما # وهل لكثير من المتقدمين أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ وكذلك ورد ~~قوله في طيف الخيال: # استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام # الليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام ms190 # يا لها لذة تنزهت الأر ... واح فيها سرا من الأجسام # مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام # وهذه الأبيات لم يؤت في الطيف بأدق منها ولا أسلس. وكذلك قوله أيضا: # شبيه الخد بالتفا ... ح والريقة بالخمر # بديع الحسن قد أل ... ف من شمس ومن بدر # له وجه إذا أبصر ... ته ناجاك عن عذر # وكذلك قوله: # يا لابسا ثوب الملاحة أبله ... فلأنت أولى لابسيه بلبسه # لم يعطك الله الذي أعطاكه ... حتى أضر ببدره وبشمسه # مولاك يا مولاي صاحب لوعة ... في يومه وصبابه في أمسه # دنف يجود بنفسه حتى لقد ... أمسى ضعيفا أن يجود بنفسه # وهذه الأبيات أرق من كل شعر رقيق. # وله من الغزل في مبادي القصائد شيء كثير، كقوله في مطلع قصيدته اللامية: # أجل أيها الربع الذي خف آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله # وقفت وأحشائي منازل للأسى ... به وهو قفر قد تعفت منازله # أسائلكم ما باله حكم البلى ... عليه وإلا فاتركوني أسائله # دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجري ووابله # بيوم يريك الموت في صورة النوى ... أواخره من حسرة وأوائله # وكذلك قوله في مطلع قصيدته التي أولها: إن عهدا لو تعلمين ذميما. # إلى أن قال: PageV01P108 قد مررنا بالدار وهي خلاء ... فبكينا أطلالها ~~والرسوما # وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بشفاء وما سألنا حكيما # كنت أرعى البدور إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النجوما # وكذلك قوله من قصيدة: # يا موسم اللذات غالتك النوى ... بعدي فربعك للصبابة موسم # ولقد أراك من الكواعب كاسيا ... فاليوم أنت من الكوعب محرم # لحظت بشاشتك الحوادث لحظة ... ما زلت أعلم أنها لا تسلم # أين التي كانت إذا شاءت جرى ... من مقلتي دمعي يعصفره دم # بيضاء تسرى في الظلام فيكتسي ... نورا وتبدو في الضياء فيظلم # ولو أتيت بما له من الأغزال لأطلت. # وهكذا يجري الحكم فيما للمتنبي من الغزل الرقيق كقوله في قصيدته التي ~~مطلعها: # القلب أعلم يا عذول بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائه # أ أحبه وأحب فيه ملامة ... إن الملامة فيه من ms191 اعدائه # مهلا فإن العذل من أسقامه ... وترفقا فالسمع من أعضائه # لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه # إن المحب مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه # وكذلك قوله وهو مما لا يؤتي في الغزل بمثله: # ليس القباب على الركاب وإنما ... هن الحياة ترحلت بسلام # أرواحنا انهملت وعشنا بعدها ... من بعد ما قطرت على الأقدام # لو كن يوم جرين كن كصبرنا ... يوم الرحيل لكن غير سجام # ومن بدائعه حسن التشبيه بغير أداة كقوله: # بدت قمرا ومالت غصن بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا # وقوله: # ترنو إلى بعين الظبي مجهشة ... وتمسح الطل فوق الورد بالعنم # وقوله: # قمرا ترى وسحابتين بموضع ... من وجهة ويمينه وشماله # وقوله: # أعارني سقم عينيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره # وقوله: # عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا # وقوله: # وأتيت معتزما ولا أسد ... ومضيت منهزما ولا وعل # وقوله: # خرجن من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل # وقوله: # وجياد يدخلن في الحرب أعرا ... ء ويخرجن من دم في جلال # واستعار الحديد لونا وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال # ومنها الإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات كقوله في السهر: # وإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب # بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كل هدب بحاجب # قال ابن جني: هذا من قول بشار: # جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار # وذكر القاضي أنه مأخوذ من قول الطرمي في رطانة: # ورأسي مرفوع إلى النجم كنما ... قفاي إلى صلبي بخيط مخيط # وقوله: # كأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل # وقوله: # رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس والبدر في البحر # وقوله في الحمى: # وزائري كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام # بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي # يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام # إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام # كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام # أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة ms192 المشوق المستهام # ويصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام # أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف خلصت أنت من الزحام # جرحت مجرحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف ولا السهام # ألا يا ليت شعر يدي أتمسى ... تصرف في عنان أو زمام # وهل أرمي هواي براقصات ... محلاة المقاود باللغام # وربتما شفيت غليل صدري ... بسير أو قناة أو حسام # وضاقت خطة فخلصت منها ... خلاص الخمر من نسج الفدام PageV01P109 وهذا ~~أحسن ما قيل في وصف محنة نهكت صاحبها واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة ~~وقد هذبته تلك الحال، وزادته صفاء وسهولة. # وفارقت الحبيب بلا وداع ... وودعت البلاد بلا سلام # يقول لي الطبيب أكلت شيئا ... وداؤك في شرابك والطعام # وما في طبه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجمام # تعود أن يغبر في السرايا ... ويدخل من قتام في قتام # فأمسك لا يطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجام # فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي # وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام # وقوله وهو مما لم يسبق إليه: # كريم نفضت الناس لما لقيته ... كأنهم ما جف من زاد قادم # وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم # ومن بدائع أبي الطيب قوله في وصف الظبي: # أغناه حسن الجيد عن لبس الحلي ... وعادة العرى عن التفضل # كأنه مضمخ بصندل وقوله: # رضوا بك كالرضا بالشيب قسرا ... وقد وخط النواصي والفروعا # وقوله في وصف الشعر: # إذا خلعت على عرض له حللا ... وجدتها منه في أبهى من الحلل # بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل # قيل إن أبا الطيب لما أنشد سيف الدولة قصيدته: # أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل # وناوله نسختها وخرج، فنظر سيف الدولة فيها حتى انتهى إلى قوله: # يأيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من قبل الإحسان لا قبلي # أقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل # فوقع تحت أقل: أقلناك، ms193 وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: ~~أقطعناك الضيعة الفلانية - ضيعة بباب حلب - وتحت احمل: يقاد إليه الفرس ~~الفلاني، وتحت على: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل وتحت أعد: أعدناك إلى ~~حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا، وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد ~~أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. قال ابن جني: قد بلغني عن المتنبي أنه قال: ~~إنما أردت سر من السرية فأمر له بجارية، وتحت صل: قد فعلنا. قال: وحكى لي ~~بعض إخواننا أن المعقلي كان حاضرا بحضرته، وهو شيخ ظريف، قال له وقد حسد ~~المتنبي على ما أمر له به: يا مولانا قد فعلت في كل شيء سألكه، فهلا قلت له ~~لما قال: هش بش هه هه هه يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة، وقال له: ولك أيضا ~~ما تحب، وأمر له بصلة. قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب ~~الوساطة إن أبا الطيب المتنبي نسج على منوال ديك الجن حيث قال: # احل وامرر وضر وانفع ولن وأخ ... شن ورش وابر وانتدب للمعالي # ومن هذه القصيدة قوله: # بالشرق والغرب أقوام نحبهم ... فطالعاهم وكونا أبلغ الرسل # وعرفاهم بأني في مكارمه ... أقلب الطرف بين الخيل والخول # وشتان بين حالته هذه وبين الحال التي قال فيها حين كان يتجشم أسفارا أبعد ~~من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، يطوي المراحل والمناهل، ويضرب الجراب على ~~صفحة المحراب، ولا مطية له إلا الخف والنعل. # لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها # شراكها كورها ومشفرها ... زمامها والشسوع مقودها # وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي نواس: # إليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرمي الملسنا # قلائص لم تعرف حنينا على طلا ... ولم تدر ما قرع الفنيق ولا الهنا # وكما قال في شكوى الدهر، ووصف الخوف: # أظتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت على مصائبا # وحبيت من خوض الركاب بأسود ... من دارش فغدوت أمشي راكبا # وكما قال في الاعتداد بالراحلة والقدرة على الرجلة: # ومهمه جبته على ms194 قدمي ... تعجز عنه العرامس الذلل # إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل # في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل PageV01P110 وكان قبل ~~اتصاله بسيف الدولة يمدح البعيد والقريب، ويصطاد ما بين الكركي إلى ~~العندليب. # ويحكى أن علي بن منصور الحاجب لم يجزه على قصيدته التي أولها: # بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلابيا # ومنها: # يستصغر الخطر الكبير لوفده ... ويظن دجلة ليس تكفي شاربا # إلا دينارا واحدا، فسميت الدينارية: ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت ~~له أخلاف الدنيا على يده كان من قوله فيه: # تركت السرى خلفي لمن قل ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # ومن بدائع أبي الطيب قوله: # وإنما نحن في جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على بدن # حولي بكل مكان منهم خلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن # من إنما يستفهم بها عمن يعقل: يقول هؤلاء كالبهائم، فقولي لهم من أنتم ~~خطأ، إنما ينبغي أن يقال. لهم: ما أنتم؟ لأن موضع ما لما لا يعقل. # ويحكى أن جريرا لما قال: # يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا # قال له الفرزدق، ولو كان ساكنة قرودا، فقال له جرير لو أردت هذا لقلت: ما ~~كان، ولم أقل: من كان. # ومن بدائع المتنبي التمثيل بما هو من جنس صناعته، كقوله: نتاج رأيك في ~~وقت على عجل كلفظ حرف وعاه سامع فهم وقوله: # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # وقوله: # أمضى إرادته فسوف له قد ... واستقرب الأقصى فم به هنا # سوف للاستقبال، وقد موضوعة للمضي، ومقاربة الحال، يقول: إذا نوى أمرا ~~فكأنما يسابق نيته. # وقوله: # دون التعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقهما وضم الشاكل # وقوله: # ولولا كونكم في الناس كانوا ... هراء كالكلام بلا معان # وقوله: # قشير وبلعجلان فيها خفية ... كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق # وقوله: # إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم # يقول ms195 إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته، وقبل أن يقال لم يفعل، وإن يفعل. # ومن بدائع أبي الطيب: المدح الموجه، كالثوب له وجهان، ما منهما إلا حسن، ~~كقوله: # نهبت من الأعمار ما لوحويته ... لنئت الدنيا بأنك خالد # قال ابن جني: لو لم يمدح أبو الطيب سيف الدولة إلا بهذا البيت وحده لكان ~~قد بقى فيه لا يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه، لأنه بنى البيت على ذكر ~~كثره ما استباحه من أعمار أعدائه، ثم تلقاه من آخر البيت بذكر سرور الدنيا ~~ببقائه، واتصال أيامه. # وكقوله: # عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا # مال كأن غراب البين يرقبه ... فكلما قيل هذا مجتد نعبا # وقوله: # تشرق تيجانه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها # وقوله: # تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم # وقوله: # إلى كم ترد الرسل عما أتوا له ... كأنهم فيما وهبت ملام # وقوله: # يخيل لي أن البلاد مسامعي ... وأني فيها ما تقول العواذل # وقوله: # كأن ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا # ومن بدائع أبي الطيب حسن التصرف في مدح سيف الدولة، فإنه أخرجه في مخارج ~~لطيفة كقوله: # لقد رفع الله من دولة ... لها منك يا سيفها منصل # وقوله: # لولا سمى سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لكن كالأجفان # وقوله: # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # وقوله: # يسمى الحسام وليست من مشابهة ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم # وقوله: # كل السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها غير سيف الدولة السأم # وقوله: # تهاب سيوف الهند حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا # وقوله: # تحير في سيف ربيعة أصله ... وطابعه الرحمن والمجد صاقل # وقوله: # قلد الله دولة سيفها أن ... ت حساما بالمكرمات محلى PageV01P111 فإذا ~~اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للعدا كان نصلا # وقوله: # وأنت حسم الملك والله ضارب ... وأنت لواء الدين والله عاقد # وقوله: # لقد سل سيف الدولة المجد معلما ... فلا المحد مخفيه ولا الضرب ثالمه # على عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه # وإن الذي ms196 سمى عليا لمنصف ... وإن الذي سماه سيفا لظاله # وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه # وقوله: # إن الخليفة لم يسمك سيفه ... حتى بلاك فكنت عين الصارم # وإذا تتوج كنت درة تاجه ... وإذا تختم كنت فص الخاتم # وقوله: # من للسيوف بان تكون سميها ... في أصله وفرنده ووفائه # طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعلى المطبوع من آبائه # وقوله: # عيب عليك ترى بسيف واحد ... ما يصنع الصمصام بالصمصام # وقوله: # اتحسب بيض الهند أصلك أصلها ... وأنك منها ساء ما تتوهم # إذا نحن سميناك خلنا سيوفنا ... من التيه في أغمادها تتبسم # ومن بدائعه سنان قناته وبنانه ... يتباريان دما وعرفا ساكبا # كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا # كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا # كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... جردا ويبعث للبعيد سحائبا # وقوله أيضا: # ليس التعجب من مواهب ما له ... بل من سلامتها إلى أوقاتها # عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها # لو مر يركض في سطور كتابه ... أحصى بحافر مهره مماتها # كرم تبين في كلامك مائلا ... وبين عئق الخيل في أصواتها # أعياز والكث عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار من هالاتها # ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها # وقوله: # وما زلت حتى قادني الشوق نحوه ... يسايرني في كل ركب له ذكر # وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر # هذا ضد قولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه. # ومنها: # أزالت بك الأيام عتبى كأنما ... بنوها لها ذنب وأنت لعا عذر # وقوله: # ألا أيها المال الذي قد أباده ... تعز فهذا فعله بالكتائب # لعلك في وقت شغلت فؤاده ... عن الجواد أو كثرت جيش محارب # وقوله: # بعثوا الرعب في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي # وتكاد الظبا لما عودوها ... تنضى نفسها إلى الأعناق # كل ذمر يزيد في الموت حسنا ... كبدور تمامها في المحاق # كرم خشن الجوانب منهم ... وهو كالماء في الشفار الرقاق # ومعال إذا ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق # وقوله أيضا: # قوم بلوغ ms197 الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم # كأنما يولد الندى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم # إذا تولوا عداوة كشفوا ... وإن تولوا صنيعة كتموا # تظن من فقدك اعتدادهم ... أنهمو أنعموا وما علموا # إن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم # أو شهدوا الحرب لاقحا أخذوا ... من مهج الدارعين ما احتكموا # أو حلفوا بالغموس واجتهدوا ... فقولهم خاب سائلي القسم # أو ركبوا الخيل غير مسرجة ... فإن أفخاذهم لها حزم # تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم # أعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متهم # وقوله: # فلما رأوه وحده دون جيشه ... دروا أن كل العالمين فضول # وأوردهم صدر الحصان وسيفه ... فتى بأسه مثل العطاء جزيل # جواد على العلات بالمال كله ... ولكنه بالدارعين بخيل # وقوله: # أرى كل ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول PageV01P112 إذا مطرت ~~منهم ومنك سحابة ... فوابلهم طل وطلك وابل # وقوله: # ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام # وكل أناس يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام # ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام # وقوله: # هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم # ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودة في البهائم # وقوله: # أغر أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكثروا الذي فعلوا # إنك من معشر إذا وهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بخلوا # كتيبة لست ربها نفل ... وبلدة لست حليها عطل # وقوله: # لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها # كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عندهم ولا جاها # ومن بدائع أبي الطيب المتنبي مخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة ~~المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع، وهو مذهب له، مفرد به، واستكثر من ~~سلوكه اقتدارا منه وتبحرا في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة ~~الشعراء، وتدريجيا لها إلى مماثلة الملوك، كقوله لكافور: # وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب # وما شئت إلا إن أذل عواذلي ... على أن رأيي في هواك صواب # وأعلم قوما خالفوني وشرقوا ... وغربت إني قد ظفرت وخابوا # إذا نلت منك الود فالمال ms198 هين ... وكل الذي فوق التراب تراب # وقول فيه: # ولو لم تكن في مصر ما سرت نحوها ... بقلب المشوق المستهام المعذب # وقوله لابن العميد: # تفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد # فجد لي بقلب إن رحلت فإنني ... مخلف عند من فضله عندي # وقوله لسيف الدولة: # مالي أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعى حب سيف الدولة الأمم # إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم # يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم # إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم # ما كان أخلقنا منكم يتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم # إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما الجرح إذا أرضاكم ألم # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ... والله يكره ما تأتون والكرم # ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم # أرى النوى تقتضي كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم # لئن تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هم # شر البلاد بلاد لا صديق بها ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم # وشر ما قنصته راحتي تنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم # ومن بدائع أبي الطيب استعماله ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، ~~وهو أيضا مما لم يسبق إليه، وتفرد به، فأظهر فيه الحذق بحسن النقل، وأعرب ~~عن جودة التصرف والتلعب بالكلام كقوله: # أعلى الممالك ما يبنى الأسل ... والطعن عند محبيهن كالقبل # وقوله وهو من فرائده: # شجاع كأن الحرب معشوقة له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل # وقوله: # وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضا بلا رجل # ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثمل # وقوله: # والطعن شزر والأرض راجفة ... كأنما في فؤادها وهل # قد صبغت خدها الدماء كما ... يصبغ خد الخريدة الخجل ms199 # والخيل تبكي جلودها عرقا ... بأدمع ما تسحها مقل # وقوله: # تعود ألا تقضم الحب خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق PageV01P113 ~~ولا ترد الغدران إلا وماؤها ... من الدم كالريحان تحت الشقائق # وقوله: # فأتتك دامية الأظل كأنما ... حذيت قوائمها العقيق الأحمرا # وإذا الحمائل ما يخدن بنفنف ... إلا شققن عليه بردا أخضرا # وقوله: # قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان # وقوله: # وجرى على الورق النجيع القاني ... فكأنه النارنج في الأغصان # وقوله: # حمى أطراف فارس شمري ... يحض على التباقي بالتفاني # بضرب هاج أطراب المنايا ... سوى ضرب الثالث والمثاني # كأن دم اللجماجم في العناصي ... كسا البلدان ريش الحيقطان # فلو طرحت قلوب العشق فيها ... لما خافت من لخدق الحسان # وقوله: كرعن بسبت في إناء من الورد ومن بدائعه حسن التقسيم: حكى أبو ~~القاسم الآمدي في كتاب الموازنة بين شعري الطائيين، قال: سمع بعض الشيوخ من ~~نقدة الشعر قول العباس بن الأحنف: # وصالكم هجر وحبكم قلي ... وعطفكم صد وسلمكم حرب # وأنتم بحمد الله فيكم فظاظة ... وكل ذلول من مراكبكم صعب # فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس وقول أبي الطيب في هذا الفن أولى ~~بهذا الوصف وهو: # ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل # فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل # وقوله: # الدهر مغتذر والسيف منتظر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع # للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا # وقوله: # لم يخل من نصر له من له يد ... ولم يخل من شكر له من له فم # ولم يخل من سمائه عود منبر ... ولم يخل دينار ولم يخل درهم # وقوله: # يجل عن التشبيه لا الكف لجة ... ولا هو ضرغام ولا الرأي مخدم # ولا جرحه يوسي ولا غوره يرى ... ولا حده ينبو ولا يتثلم # ومنها: # محلك مقصود وشانيك مفحم ... ومثلك مفقود ونيلك خضرم # ومن هذه القصيدة البيت المشهور وهو: # فلو ضر مرأ قبله ما يسره ... لأثر فيه بأسه والتكرم # ضر: فعل، وفاعله: ما يسره، ومرأ، ms200 مفعول، والضمير في قبله للممدوح، وفي ~~يسر للمرء وفي فيه وبأسه للممدوح. يقول: لو ضر الذي يسر أحدا قبل هذا ~~الممدوح لضر هذا الممدوح باسه وتكرمه، لأنه يسر بهما. # وقوله: # قليل عائدي سقيم فؤادي ... كثير حاسدي صعب مرامي # عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السكر من غبر المدام # وقوله: # بمصر ملوك لهم ماله ... ولكنهم مالهم همه # فأجود من جودهم بخله ... وأحمد من حمدهم ذمة # وأشرف من عيشهم موته ... وأنفع من وجدهم عدمه # وقوله: # لم نفتقد بك من مزق سوى لثق ... ولا من البحر غير الريح والسفن # ولا من الليث إلا قبح منظره ... ومن سواه سوى ما ليس بالحسن # وقوله: # أذم إلى هذا الزمان أهيله ... فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد # وأكرمهم كلب وأبصرهم عم ... وأسهدهم فهد وأشجعهم قرد # وقوله: # وغناك مسألة وطيشك نفخة ... ورضاك فيشلة وربك درهم # وقوله: # عربي لسانه، فلسفي ... رأيه، فارسية أعياده # وقوله: # سقتني بها القطربلي مليحة ... على كاذب من وعدها ضوء صادق # سهاد لأجفان وشمس لناظر ... وسقم لأبدان ومسك لناشق # وأغيد يهوي نفسه كل عاقل ... عفيف ويهوي جسمه كل فاسق # أديب إذا ما جس أوتار مزهر ... بلا كل سمع عن سواه بعائق # يحدث عما بين عاد وبينه ... وصدغاه في خدي غلام مراهق # كقوله: # على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق # وقوله: # ألا أيها السيف الذي ليس مغمدا ... ولا فيه مرتاب ولا منه عاصم ~~PageV01P114 هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا ... وراجيك والإسلام أنك سالم # وقوله: # ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام # حروف هجاء الناس فيه ثلاثة ... جواد ورمح ذابل وحسام # لما سمى الجيش جوابا جعل حروفه جودا ورمحا وحساما، اقتدارا واتساعا في ~~الصنعة. # وقوله: # ومرهف سرت بين الجحفلين به ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم # فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم # قال ابن جني: قد سبق الناس إلى ذكر ما جمعه في هذا البيت، ولكنلم يجتمع ~~مثله في بيت، وقد قال البحتري: # اطلبا ثالثا سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد # وهذا لفظ عذب، ولكن ليس فيه ms201 ما في بيت المتنبي. # وقوله: # أنت الجواد بلا من ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذل # وقوله: # بي حر شوق إلى ترشفها ... ينفصل الصبر حين يتصل # الثغر والنحر والمخلخل والمع ... صم دائي والفاحم الرجل # وكقوله: # ولكن بالفسطاط بحرا أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا # وقوله من قصيدة أخرى: # أمنيا وأخلاقا وغدرا وخسة ... وجبنا أشخصا لحت لي أم مخازيا؟ # ومن بدائعه إرسال الأمثال في أنصاف الأبيات كقوله: # بذا قست الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا # أعزا مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب # وبيتنا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم # لعل عنبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل # ولو لم تبق لم تعش البقايا ... وفي الماضي لمن بقى اعتبار # يراد من القلب نسيانكم ... ويأبى الطباع على الناقل # سبقت إليهم مناياهم ... ومنفعة الغوث قبل العطب # ليزد بنو الحسن الشراف تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل # أعاذك الله من سهامهم ... ومخطئ من رميه القمر # ولكني حسدت على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور # يفدى بنيك عبيد حاسدهم ... بجبهة العير يفدى حافر الفرس # إلام طماعية العاذل ... ولا رأى في الحب للعاقل # وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد # لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... وليس تأكل إلا الميت الضبع # ما لنا في الندى عليك اختيار ... كل ما يمنح الشريف شريف # غير اختيار قبلت برك بي ... والجوع يرضى الأسود بالجيف # فلا تنكرن لها صرعة ... ومن فرح النفس ما يقتل # وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه # وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيسغريب حيثما كانا # أنت الوحيد إذا ركبت طريقة ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا؟ # وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد # وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل # لهم حق بشركك في نزار ... وأدنى الشرك في نسب جوار # وأصبح ms202 شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد # أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها # إن النفوس عدد الآجال ... سقيا لدشت الأرزن الطوال # وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم # والهجر أقتل ولي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل # ولم يسلها إلا المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما # ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب # وقنعت باللقيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير # وما التيه طي فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتعاقل PageV01P115 إن ~~السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع # القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل # لعل بينهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار # الموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... والبر أوسع والدنيا لمن غلبا # لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل # كرم تبين في كلامك ماثلا ... ويبين عتق الخيل في أصواتها # ومنها إرسال المثلين في مصراعي البيت الواحد كقوله: # وكل امرئ يولى الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب # وقوله: # في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد أختها بدل # وقوله: # الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلفا # وقوله: # ذل من يغبط الذليل يعيش ... رب عيش أخف منه الحمام # وقوله: # من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام # وقوله: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # وقوله: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وقوله: # وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل # وقوله: # لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد # وقوله: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي ms203 يحفظ اليدا؟ # وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # ومنها إرسال المثل والاستملاء على لسان التجربة في البيت والبيتين ~~فصاعدا، وحسن التصرف في الحكمة والموعظة الدهر، والدنيا، والناس، وما يجري ~~مجراها كقوله: # وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجد والفهما # وقوله: # يخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح # وقوله: # والأمر لله رب مجتهد ... ما خاب إلا لأنه جاهد # وقوله: # إليك فإني لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب # وقوله: # خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا # وقوله: # ليس الجمال لوجه صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع # وقوله: # وليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل # قال ابن جني: هذا كما قال أهل الجدل، من شك في المشاهدات فليس بكامل ~~العقل. # وقوله: # وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه # وقوله: # وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام # وقوله: # وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقتكم والدهر أخبث صاحب # وقوله: # من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يحمد # وقوله: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # وقوله: # وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام # وقوله: # تلف الذي اتخذ الشجاعة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا # وقوله: # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللائى سررن ألوف # وقوله: # وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء # وقوله: # إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول # وقوله: # فآجرك الإله على مريض ... بعثت إلى المسيح به طبيبا # وقوله: # إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟ # وقوله: PageV01P116 وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني ~~فاضل # وقوله: # إذا ما قدرت على نطقة ... إني على تركها أقدر # وقوله: # واحتمال الأذى ورؤية جاني ... ه غذاء تضوي به الأجسام # وقوله: # وتوهموا اللعب الوغى ms204 والطعن في ... الهيجاء غير الطعن في الميدان # وقوله: # وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا # وقوله: # ومن الخير بطئ سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام # وقوله: # وليس الذي يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل # وقوله: # أبلغ ما يطلب النجاح به الطبع ... وعند التعمق الزلل # وقوله: # كم مخلص وعلا في خوض مهلكة ... وقتلة قرنت بالذم في الجبن # وقوله: # وما قلت للبدر أنت اللجين ... ولا قلت للشمس أنت الذهب # ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب # وقوله: # فقر الجهول بلا قلب إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن # لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن؟ # وقوله: # إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتم وذاقا # فلم أر ودهم إلا خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا # وقوله: # ذريني أنل ما لا ينال من العلا ... فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل # تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولا بد دون الشهد من إبر النحل # وقوله: # تمن يلذ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي # وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد # وقوله: # ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتني # لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيقنا # وقوله: # وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب # إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب # وقوله: # تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع # ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويومها طلب المحال فتطمع # كأنه من قول لبيد: # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # وقوله: # وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده # فلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل مجد كان بالمال عقده # ودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زنده # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # إذا كنت ذا شك من ms205 السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعده # وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده # وقوله: # إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وفقت هوى في الفؤاد # وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقادم الميلاد # إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد # وقوله: # وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق # وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق # وجائزة دعوى المحبة والهوى ... وإن كان لا يخفي كلام المنافق # وما يوجع الحرمان من كف حارم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق # وقوله: # إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا # من أطاق التماس شيء غلايا ... واقتسارا لم يلتمسه سؤالا # كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا # وقوله: # لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال # وقلما يبلغ الإنسان غايته ... ما كل ماشية بالرحل شملال PageV01P117 إنا ~~لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال # ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما فاته فضول العيش أشغال # وقوله: # ترى الجبناء أن العجز جزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم # وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم # قيل له أني يكون الشجاع حكيما؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~كان شجاعا حكيما. # وكم من غائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القرائح والعلوم # وقوله: # ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققا يميت ولا سوادا يعصم # والهم يحترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم # ذو العقل يشقي في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # لا يخدعنك من عدو دمعه ... وأرحم شبابك من عدو ترحم # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم # قال ابن جنى: أشهد بالله أن لو لم يقل غير هذا البيت لتقدم به أكثر ~~المحدثين، وهذه الأبيات كلها غرر وفرائد، لا يصدر مثلها إلا عن فضل باهر، ~~وقدرة على الإبداع ظاهرة، ومنها: # والظلم من ms206 خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # ومن البلية عذل من لا ير عوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم # ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم # وقوله: # أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده الردى ... وحب الشجاع النفس أورده الحربا # وقوله: # ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا # وقوله: # وفيك إذا جنى الجاني أناة ... تظن كرامة وهي احتقار # بنو كعب وما أثرت فيهم ... يد لم يدمها إلا السوار # بها من قطعه ألم ونقص ... وفيها من جلالته افتخار # لهم حق بشركك في نزار ... وأدنى الشرك في نسب جوار # لعل في سطوة الأرباب عيب ... ولا في ذلة العبدان عار # وقوله: # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم # هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم # لا تشكون إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # وكن على حذار للناس تستره ... ولا يغرنك منهم ثغر مبتسم # وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سائر الأمم # أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # وقوله: # الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان # ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران # لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان # وقوله: # لحي الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب # ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكى فيها ولا أتعتب # وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا بنت القوم قلب # أما تغلط الأيام في بأن أرى ... بغيضا تنائي أو حبيبا تقرب # وقوله: # أبي خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده # وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده # وقوله: # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما ms207 يعتاده من توهم # وعادي محبيه يقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم # وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم # وأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كف فيهم كف منعم # وأشرفهم من كان أشرف همة ... وأكثر إقداما على كل معظم PageV01P118 لمن ~~تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم؟ # وقوله: # فؤاد ما تسليه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام # ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام # وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام # وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام # ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام # ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنب عنق صيقله الحسام # وقوله: # أبدا تسترد ما تهب الدنيا ... يا فيا ليت جودها كان بخلا # فكفت كون فرحة تورث الغم ... وخل يغادر الوجد خلا # وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ ... عهدا ولا تتمم وصلا # كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلى # أي كل من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منها. ولا يخليها الإنسان إلا ~~قسرا يفك يديه عنها. # ومن هذه القصيدة: # شيم الغافيات فيها فلا أدري ... لذا أنث اسمها الناس أم لا # ولذيذ الحياة أنفس في النف ... س وأشهى من أن يمل وأحلى # وإذا الشيخ قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعف ملا # آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى # وقوله: # ما كل ما تمنى المرء يدركه ... تحري الرياح بما لا تشتهي السفن # قال ابن جنى: حدثني المتنبي، قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حران بمصر ~~قال: أحدثك إلى امرأتي بحران كتابا تمثلت فيه ببيتك وهو: # بم العلل لا أهل ولا وطن ... ولا نديم ولا كأس ولا سكن # فأجابتني عن الكتب وقالت: ما كنت والله كما ذكرت في هذا البيت، بل أنت ~~كما قال الشاعر في هذه القصيدة: # سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوني الوسن # قال: ولما سمع سيف الدولة الذي يتلوه وهو: # وان بليت ms208 بود مثل ودكم ... فإنني بفراق مثله قمن # قال: سار وحق أبي وهذه الأبيات من قصيدة قالها بمصر، وقد بلغه أنه نعي في ~~مجلس سيف الدولة بحلب، وبعد مطلعها: # أريد من زمني ذا أن يبلغني ... ما ليس يبلغه في نفسه الزمن # لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام يصحب فيه روحك البدن # فما يديم سرورا ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن # مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا # تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم ... في أثر كل قبيح وجهه حسن # ومنها أيضا: # يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهن # كم قد قتلت وكم قدمت عندكم ... ثم انتفضت فزال القبر والكفن # قد كان شاهد دفني قبل موتهم ... جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا # ومنها: # رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن # جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم أضغن # وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن # فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العين والأذن # تحبو الرواسم من بعد الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثفن # إني أصاحب حلمي وهو بي كرم ... ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن # ولا أقيم على مال أذل به ... ولا ألذ بما عرضي به درن # ومنها: # وإن تأخر عني بعض موعده ... فما تأخر آمالي ولا تهن # وهو الوفي ولكني ذكرت له ... مودة فهو يبلوها ويمتحن # ومن بدائعه افتضاضه أبكار المعاني في المراثي والتعازي كقوله: # سالم أهل الوداد بعدهم ... يسلم للحزن لا لتخليد # أي إذا مات الصديق يسلم صديقه للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت. # فما يرجى الخلود من زمن ... أحمد حاليه غير محمود # أي أحمد حاليك أن تبقى بعد صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجل الحزن ~~وانتظار الأجل. # وقوله: PageV01P119 المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الكريم ~~الأروع # والناس أنزل في زمانك منزلا ... من أن تعايشهم وقدرك أرفع # قبحا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبح ms209 برقع # أيموت مثل أبي شجاع فاتك ... ويعيش حاسده الحصي الأوكع؟ # وقوله: # من لا تشابهه الأحياء في شيم ... أمسى تشابهه الأموات في الرمم # عدمته وكأني سرت أطلبه ... فما تزيدني الدنيا على العدم # وقوله: # وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعينا دواء الموت كل طبيب # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب # تملكها الآتي تملك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب # هذا كقول بعض الوعاظ: فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين استخلفها الباقون، ~~كما تركها الماضون، وقد أفصح عن هذا المعنى بعض أهل العصر بقوله: # هذى منازلنا التي كانت لهم ... للغير نبقيها مدى الأحقاب # وقوله: # علينا لك الإسعاف إن كان نافعا ... بشق قلوب لا بشق جيوب # فرب كثيب ليس تندي جفونه ... ورب كثير الدمع غير كثيب # وللواجد المكروب من زفراته ... سكون عزاء أو سكون لغوب # وقوله: # ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور # ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال تسير # خرجوا به ولكل باك خلفه ... صعقات موسى يوم دك الطور # حتى أتوا جدثا كأن ضريحه ... في قلب كل موحد محفور # كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور # وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته: # ولعمري لقد شغلت المنايا ... بالأعادي فكيف تطلب شغلا # خطبة للحمام ليس لهارد ... وإن كانت لها المسماة ثكلا # وإذا لم تجد من الناس كفؤا ... ذات خدر أرادت الموت بعلا # وهذا أحسن ما قبل في مراثي حرم الملوك. # وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه: # فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل # ومثلك لا يبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل # عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل # ولم أر أعصى منك للدمع عبرة ... وأثبت عقلا والقلوب بلا عقل # تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل # ويبقى على مر الحوادث صبره ... ويبدو ما يبدو الفرند على الصقل # وما الموت إلا سارق دق شخصه ... يصول ms210 بلا كف ويسعة بلا رجل # يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ... ويلمه عند الولادة للنمل # ومنها: # إذا ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل # وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل # وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل # وقوله: # نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه # تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه # فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه # لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسببه لم يسبه # لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربه # يموت راعي الضان في جهله ... موتة جالينوس في طبه # وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه # وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه # فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه # ومن قلائده الإبداع في الهجاء، كقوله: # إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربه # أو آنستك المخازي ... فإنها لك نسبه # وقوله: # إني نزلت بكذابين، ضيفهم ... عن القرى وعن الترحال محدود PageV01P120 جود ~~الرجال من الأيدي وجودهم ... من السان فلا كانوا ولا الجود # ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها عود # يعني العود الذي يتناوله المعالج للشيء القذر ليكون واسطة بينه وبين يده # العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود # من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد # أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود؟ # وذاك أن الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود # كأنه من قول أبي علي البصير: # عجز الراكب البصير وأولى ... منه بالعجز راجل مكفوف # وقوله: # فلا ترج الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه # وقوله: # أخذت بمدحه فرأيت لهوا ... مقالي للأحيمق يا حكيم # ولما أن هجوت رأيت عيا ... مقالي لأبن آوى يا لئيم # فهل من عاذر في ذا وهذا ... فمدفوع إلى السقم السقيم # وقوله: # لقد كنت أحسب قبل الخصي ... بأن ms211 الرؤوس محل النهي # فلما نظرت إلى رأسه ... رأيت النهي كلها في الخصي # وقوله: # يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم # وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروقة أوفت فيها حصرم # وتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم # وإذا أشار مكلما فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم # يقلي مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يد يتعمم # ومن قلائد أبي الطيب إبراز المعاني اللطيفة في معارض الألفاظ الرشيقة ~~الشريفة، والرمي بالطرف والملح كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد ~~فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد وهو: # فراق ومن فارقت غير مذمم ... وأم ومن يممت خير ميمم # ثم قال معرضا بسيف الدولة: # وما منزل، اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرم # رحلت فكم باك بأجفان شادن ... علي وكم باك بأجفان ضيغم # المصراع الثاني تصديق لقوله: ليحدثن لمن ودعتهم ندم # وما ربة القرط المليح مكانه ... بأجزع من رب الحسام المصمم # فلو كان ما بي من حبيب مقنع ... عذرت ولكن من حبيب معمم # وهذا أيضا مما نبهت عليه من إجرائه الممدوح من الملوك مجرى المحبوب في ~~كثير من شعره. # رمي واتقي رمي ومن دون ما اتقى ... هوى كاسر كفى وقوسي وأسهمي # وقوله في مدح كافور والتعريض بالقدح في سيف الدولة: # قالوا هجرت إليه الغيث قلت لهم ... إلى غيوث يديه والشآبيب # إلى الذي تهب الدولات راحته ... ولا يمن على آثار موهوب # ولا يروع بمغرور به أحدا ... ولا يفزع موفورا بمنكوب # يا أيها الملك الغاني بتسمية ... في الشرق والغرب عن نعت وتلقيب # يعني أنه مستغن بشهرته عن لقب كلقب سيف الدولة. # أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبا غير محبوب # وهذا أيضا من ذاك. # وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض باستزادة يومه وشكر ~~أمسه، وهو من فرائده: # وإن فارقتني أمطاره ... فأكثر غدرانها ما نضب # وإني لأتبع تذكاره ... صلاة الإله وسقى السحب # ومنها في التعريض لكافور: # ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه ms212 والغبب # وقوله في هز كافور والتعريض باستزادته: # أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإني أغنى منذ حسين وتشرب # يقول: مديحي إياك يطربك، كما يطرب الغناء الشارب، فقد حان أن تسقيني من ~~فضل كأسك. # وعبت على مقدار كفى زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلب # وقوله أيضا في التعريض بالاستزادة: # أرى لي بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب # وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب PageV01P121 ~~أقل سلامي حب ما خف عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب # أي خب ما خف عليكم. # وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب # وقوله في وصف الفرس: # وبوم كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب # وعيني إلى أذني أغر كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب # أي كأنه قطعة من الليل، وكأن الغرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه، لأنه ~~كامن لا يرى شيئا، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فإن رآه قد توحش بهما، تأهب إلى ~~أمره، وأخذ لنفسه الحذر، وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: ~~أذن الوحشي أصدق من عينيه. # له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب # شققت به الظلماء أدنى عنانه ... فيطغى وأرخيه مرارا فيلعب # أي إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه، وعزة نفسه، وإذا أرخيت عنانه لعب ~~برأسه. # وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب # وقوله في التوديع: # وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي في فنائك غير غاد # محبك حيث ما اتجهت ركاب ... وضيفك حيث كنت من البلاد # وقوله: # سر حل حيث تحله النوار ... وأراد فيك مرادك المقدار # وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار # وأراك دهرك ما تحاول في العدا ... حتى كأن صروفه أنصار # أنت الذي بجح الزمان بذكره ... وتزينت بحديثه الأسمار # وقوله في الرفق بالصديق والعنف بالعدو: # إني لأجبن عن فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع # ويزيدني غضب الأعادي جرأة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع # وقوله في حسن الكناية: # تشتكي ms213 ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إلينا والشوق حيث النحول # وإنما كنى عن تكذيبها، ولم يصرح به، أي أنا أشتكي الشوق، ونحولي يدل على ~~ذلك، وهي غير ناحلة، فليست مشتاقة. # وقوله: # عفيف ما في ثوبه مأمونه ... أبيض ما في تاجه ميمونه # أي عفيف الفرج، فكنى به. # وقوله في العيادة: # لا تعذل المرض الذي بك شائق ... أنت الرجال وشائق علاتها # ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها # أي لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم. # وقوله: # قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك البلاد والسبل # لم تبق إلا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل # وقوله: # يجشمك الزمان هوى وودا ... وقد يؤذي من المقة الحبيب # وكيف تعلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟ # وكيف تنوبك الشكوى بداء ... وأنت المستغاث لما ينوب # وقوله: في التهنئة: # المجد عوفي إذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم # وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا # وقوله: # إنما التهنئات للأكفاء ... ولمن يدني من البعداء # وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء # وقوله: # الصوم والفطر والأعياد والعصر ... منيرة بك حتى الشمس والقمر # ما الدهر عندك إلا روضة أنف ... يا من شمائله في دهره زهر # ما ينتهي لك في أيامه كرم ... فلا انتهى لك في أعوامه عمر # فإن حظك من تكرارها شرف ... وحظ غيرك منها النوم والسهر # وقوله في الشيب: # تغير حالي والليالي بحالها ... وشبت وما شاب الزمان الغرانق # وقوله: # تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم # وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم # ومنها حسن المقطع، كقوله: # قد شرف الله أرضا أنت ساكنها ... وشرف الناس إذ سواك إنسانا # وقوله: # سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يسارا يسارا # ومن كنت بحرا له يا علي ... لم يقبل الدر إلا كبارا # وقوله: PageV01P122 أنلت عبيدك ما أملوا ... أنا لك ربك ما تأمل # وقوله: # وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام # وقوله في ms214 حسن الحشو: # صلي الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام # وقوله: # وتحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا # وقوله: # إذا خلت منك حمص لا خلت أبدا ... فلا سقاها من الوسمي باكره # ومما أورده له في حسن الحشو البيت المشهور وهو: # إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # بشريطة أن يكون لفظ وبلغتها بتاء الخطاب، أما إذا كانت للمتكلم، فليس منه ~~لكن أفادنا المولى المعنون باسمه الشريف هذا الكتاب أن البيت فيه نظر يظهر ~~بالتأمل. إذا كان بتاء الخطاب، ولم نسمع بهذا النقدمن غيره، أدام الله ~~علوه، وزاد في أوج المعارف سمره، فإنه المولى الذي تقتبس الفضائل من ~~أنواره، وتغترف الفواضل من تياره، فلا زالت أيامه بالمحامد مشرقة، ولا برحت ~~بحار فضائله بالفوائد مغدقة ما سطح بدر العدل، ولمع برق الفضل. # خاتمة # هذا، ونوادر أبي الطيب المتنبي غزيرة، وأخباره كثيرة، وقد اخترنا منها ما ~~يستظرف إيراده، ويطرب الألباب إنشاده، ومذ تم ما جمع، وسمي بالصبح المتنبي ~~عن حيثية المتنبي، تواردت التقريظات من العلماء الأعلام، وسميت بنسمة ~~الصبح، وجرت منها مجرى الختام. # وأول ما ورد ما كتبه مخدومنا شخص الفضل وصورته، وحلى الأدب وزينته، سيد ~~سادات من في الشهباء من آل النبي، أحمد أفندي الشهير نسبة الكريم بابن ~~النقيب الحسني، وهو: # أيوسف إن أظهرت روضا مدبجا ... يراعك لا فصل الربيع ربيعه # وجددت للكندي ذاكرا بجامع ... لأخباره، قد قل من يستطيعه # وتوجته باسم الهمام الذي له ... من الفضل ما بين الأنام جميعه # سليل حسام الدين ذي المجد من غدا ... حساما بهام الظالمين وقوعه # وصدر موالي الروم من نور عدله ... تلألأ مثل الصبح زاد سطوعه # ومن لم يزل للشرع بالزهد حافظا ... وقد كانت الأطماع قبل تضيعه # ومن شرف الشهباء مذ حل ربعهما ... وأحيا بني الآداب فيها صنيعه # فمن يتلقب بالبديع فإنما ... يكون بديعا كل شيء بديعه # وإن كنت قد حسرت فيه مدائحا ... يسير بها من كل ركب سريعه # فما هو إلا الصاحب الندب سؤددا ... وفضلا وإقبالا، وأنت بديعه ms215 # ثم ورد ما تفضل به شيخنا، الذي بزغت في الشهباء فضائله. وعمت فضلاء ~~الأدباء فواضله. وأزري سنا سؤدده بالدراري، شمس المجد، بدر الفضل، نجم ~~الدين أفندي الأنصاري، وهو قوله، مد الله ظله، ورفع محله: # رسالة مولانا البديعي روضة ... تنزه فيها السمع والطرف والفكر # أبانت مزايا ابن الحسين التي بها ... على شعراء الدهر قدمه الشعر # وأسكرت الألباب حتى كأنما ... أحاديثها المستحسنات بها خسر # ولا بدع أن أبدي البديعي دره ... إذ البحر منه دائما يحرج الدر # فكيف ومن صيغت له العلم الذي ... على ما به الدهر الضنين سخا الدهر # أتاها وليل الظلم ملق رواقه ... فلما رأته مقبلا سطع الفجر # إمام كسا الشهباء ساطع عدله ... بهاء على مر الزمان له الذكر # بماذا يجاد القول في مدح عالم ... بكل فم في كل أرض له شكر # جواد إذا ضن الجواد بما له ... ولو لم يجد أغناك عن بذله البشر # إذا ما تصدى للعلوم مباحثا ... علمت لماذا يشبه العالم البحر # فيا واحد الدنيا الذي جمعت له ال ... معالي كما الأيام يجمعها الشهر # ويابن الحسام والذي به ... بشهبائنا مذ حلها حصل الفخر PageV01P123 ~~رأيناك أولى الناس بالمدح من ذوي ... الفضائل إذ أنت الذي عبده حر # فدم ما تغنت في الرياض بلابل ... وأحدق في فصل الربيع بها الزهر # ثم ورد ما قاله عالم الشهباء وابن عالمها، ومشيد بالفضائل دعائم معالمها ~~صاحب النهج المرضى وهو الشيخ أبو الوفا العرضي، متع الله ببقائه الأنام: # يا جوهرا قام الكمال بذاته ... وأضاء مجدا من صفاء صفاته # والفاضل الفطن الذي دل على ... إحسانه آثار تنميقاته # رب المعاني والبديعي الذي ... زان البيان بديع تحسناته # عاشت بك الآداب وهي رميمة ... وبعثت للكندي روح حياته # ونسخت من ذكرى حبيب كل ما ... نسخته أيدي الدهر من كلماته # ونبذت من عبث الوليد ما ... نطقت به الأيام من أبياته # وأبنت بالبرهان معجز أحمد ... وكشفت سجف الطعن عن حسناته # وأقمت ميزان العدالة مقسطا ... لم تترك المثقال من ذراته # لله درك من أديب مصدع ... أبدا حلال السحر من كلماته # في ضمن تأليف ms216 تحرر باسم من ... زان الزمان بدر تحقيقاته # السالك السنن الأغر نباهة ... مشوي العدالة من جميع جهاته # قل للذين قدموا وتأخروا ... نور الهدى اقتبسوه من مشكاته # وتعلموا الأحكام كيف قضاؤها ... مهما تواري الحق في شبهاته # وتأملوا فيه العفاف طبيعة ... كغوامض التحقيق من ملكاته # هو من سيوف الله وابن حسامه ... من ريع قلب الزور من عزماته # وأنارت الشهباء لما جاءها ... وقد استنار الكسف في مرآته # فإنجاب عنها كل ظلمة ظالم ... فيها وعم العدل من بركاته # لا زالت الفضلاء تخدم بابه ... والنصر لا ينفك عن حركاته # ثم ورد ما نمقه كشاجم عصره، وفاضل مصره، بل واحد دهره، السيد الأوحد في ~~الخلائق فضلا، ربيع الفضل، يحي الصادق: # لله ما نمقت من مرقص ... يغني أخا اللب عن المطرب # أثبت من حرك في طيه ... إعجاز آيات أبي الطيب # وهكذا الفاضل من شأنه ... نصرة ذي الفضل على الأجنبي # هذا وقد قيل على أنه ... كناقل التمر إلى يثرب # أو ساكب القطر على البحر أو ... مهدي رذاذ الطل للصيب # أو حامل الدر إلى يمه ... أو مرسل النور إلى الكواكب # لأنه عنونه باسم من ... لولا ختام الرسل قلنا نبي # فقلت مهلا هذه عادة ... لا ينكر العادة إلا غبي # انظر إلى الطاهي وتقديمه ... الطعام للمولى ولا تعجب # وقيم البستان قد يتحف ... المالك بالفاخر والأطيب # والشاكري يحمل أستاذه ... على ذرا الأصهب والأشهب # وهكذا رب البديع الذي ... يدعى البديعي ليس بالمعتب # لأنه أهدى لأستاذه ... باكورة الفضل ولم يسهب # مع أن ما يعلمه فوق ذا ... لكنه قد جاء بالأعذب # يعرضه بين يدي واحد الد ... نيا وأم الشرق والمغرب # حامي حمي الشرع القويم الذي ... قد شرف الشهباء بالمنصب # سيف من الرحمن قد سله ... وابن حسام الدين إن ينب # وكل من يطمع في مثله ... من دهره لقب بالأشعبي # ثم ورد ما قاله نسيج وحده، ووارث الفصاحة عن نزاره ومعده، ومالك رق ~~المعاني، الحسيب النسيب السيد موسى الحمداني، وهو: # غنينا عن الياقوت واللؤلؤ الرطب ... بعقد جمان عد من جملة الكتب # تضمن أخبارا يلذ استماعها ... كما لذات الشكوى ms217 من الحب للحب # ولاحت به لابن الحسين قلائد ... تخبر عنه أنه أشعر العرب # وكيف ومنشيه الذي قد أطاعته ... نظاما ونشرا كل مبتكر صعب PageV01P124 ~~وحيد بلاد الشام بالفضل يوسف ... البديعي من عنه مؤلفه ينبي # برسم وحيد الدهر من عم عدله ... وسارت به الركبان في الشرق والغرب # سليل الحسام اللوذعي الذي غدت ... له عزمة أمضى من الصارم والعضب # أجل موالي الروم من جود جوده ... على أمد الأيام أجدى من السحب # ومن شرفت شهباؤنا بقدومه ... وتاهت به عجبا على السبعة الشهب # ومن فرجت أيامه كل كربة ... فصار اسمها في الناس فراجة الكرب # فلا زال مخدوم الأفاضل مورد ... الفضائل مقصودا على البعد والقرب # ثم ورد ما قاله صاحب النسب النبوي، الأمجد السيد محمد التقوى، وهو: # أسحر بابل أم ذي نسمة السحر ... سرت عن الشحر أم عقد من الدرر # أم غرة في جبين الدهر شادخة ... أم غادة فتنت بالدل والحور # أم البديعي أبدى بنت فكرته ... بكل معنى رفيق اللفظ مبتكر # راقت صفاء ورقت كل حاشية ... منها ودقت معانيها على الفكر # كأنها من عصا موسى قد اكتسبت ... فلم تدع للسوي صنعا ولم تدر # تضمنت نظم أخبار قد انتثرت ... لابن الحسين بليغ البدو والحضر # ودونت باسم مولانا بزغت ... يوح العدالة في أيامه الغرر # نجل الحسام الذي ماضي عزيمته ... في المشكلات يرى أمضى من القدر # مولى كريم السجايا من خلائقه ... تخلقت نسمات الروض في السحر # لو كان للزهر من الألاء سؤدده ... جزء لما احتجبت يوما عن النظر # طالت مدائحه من كل ذي أدب ... وهل تطول يد للأنجم الزهر # وإن يقصر مدخي عن علاه فكم ... قد انثنى مادح بالعي والحصر # أضمرت ذكر اسمه في طي مدحته ... إذ كان أشهر في الدنيا من القمر # يا من فضائله من كل ذي بصر ... في الشرق والغرب ملء السمع والبصر # أبقيت ذكرا بما أسديت في حلب ... كالذكر نتلوه في الآصال والبكر # ثم ورد ما قاله حمادي الرواية وثعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر ~~الحموي وهو: # يتألف مولانا البديعي يوسف ... تجدد ما لابن الحسين ms218 من الفضل # تحلى به جيد الزمان وأصبحت ... له نضرة كالروض غودي بالطل # وقد زيد حسنا أنه صيغ باسم من ... له قلم ما زال أمضى من النصل # يذكرنا ياقوت أدنى حروفه ... وكل مثال منه جل عن المثل # سما ربه كنز الهداية والحجا ... سماء العلا والمجد والفضل والبذل # حليف التقى نجل الحسام الذي زهت ... به حلب الشهباء والأب كالنجل # وزحزح عنا ظلمة الظلم وانتضى ... على عاتق العدوان سيفا من العدل # وأبدى بها بدر الفضائل بازغا ... ومن قبله قد كان في سدف الجهل # ومن قبله والله لم نر قاضيا ... له سطوة الضرغام في ورع الشبلي # هذا ما اخترناه من التقريضات، ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعا، فإنه لم ~~يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء، ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد ~~كتب تقريضا، ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى، مساعدا لنا في مدحه، ~~لقصورنا عن شكر ما أسداه لنا، وما يسديه، فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده ~~قائلة، وألسنة الأقلام على أمد الليالي بالإفصاح من محامده قائلة، ولا برحت ~~قلوب أعاديه من هبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة. وهذا ~~دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به كل إنسان. # وقد تم ووقع من نسخه، من نسخة أصله على يد الفقير الراجي عفو ربه الكريم ~~المنان حسين ابن الحاج عثمان الحلبي، غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، ~~وذلك في اليوم السابع من شهر رجب الفرد، من شهور سنة أربعة وخمسونوألف، ~~أحسن الله ختامه. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~أجمعين. # ترجمة المصنف PageV01P125 يوسف المعروف بالبديعي، الدمشقي الأديب، الذي ~~زين الطروس برشحات أقلامه، فلو أدركه البديع، لاعتزل صنعة الإنشاء والقريض، ~~عند استماعه نثره ونظامه. # خرج من دمشق في صباه، فحل في حلب، فلم يزل حتى بلغ الشهرة الطنانة في ~~الفضل والأدب. وألف المؤلفات الفائقة، منها كتابة الموسوم )بالصبح المنبي، ~~عن حيثية المتنبي(، وهو كتاب جم الفائدة، وله كتاب )الحدائق( في الأدب. ~~ولما رأى كتاب )الريحانة(، عمل كتاب )ذكرى حبيب، ms219 فأحسن وأبدع، وأطال وأطاب، ~~وأعرب عن لطافة تعبيره، وحلاوة ترصيعه، وتمكنه من الاطلاع، إلا أنه لم ~~يساعده الحظ في شهرته، فلا أعلم له نسخة إلا في الروم، كانت عند أستاذي ~~المرحوم شيخ العزتي، ونسخة عندي، وكان ألف كتابه )الصبح( باسم شيخ الإسلام، ~~عبد الرحمن بن الحسام، إذ كان قاضيا بحلب، وكان يميل إلى البديعي ويقربه. ~~ولما ولي قضاء الشام، كان في خدمته أيضا، وله في مدائح كثيرة، وشعر كثير، ~~أوردت له منه في كتابي )النفحة( ما فيه مقنع. وأخبرني والدي أن البديعي، ~~كتم قد ولي قضاء الموصل في آخر عمره، ووصل بعدها إلى قسطنطينية، فتوفي بها ~~في ثلاث وسبعين وألف. # نقلت من آخر تاريخ الأمين الدمشقي. # جاء في الصفة التالية لصفحة الترجمة السابقة بخط دقيق جميل: )هذا الكتاب ~~عندي بطريق العارية، للأكمل الشيخ محي الدين التافي، وذلك في غرة جاء سنة ~~1254(. PageV01P126 ms220