######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_001186
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: رفيع الدين محمد بن حيدر النائيني
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1082
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: الحاشية على أصول الكافي
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ قسم الفقه
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_001186
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1186_الحاشية-على-أصول-الكافي-رفيع-الدين-محمد-بن-حيدر-النائيني
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: محمد حسين الدرايتي
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1424 - 1382ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله خالق الأشياء بلا أصول أزلية،
~~وكافي مهمات البرايا بالقدرة الصمدية، الذي دل بذاته على ذاته، وتنزه عن
~~مشابهة مخلوقاته، تعالى جده، وتعاظم مجده، ونبتهل إليه في أن نصلي أجم
~~الصلوات، ونسلم أتم التسليمات على صفوته من بريته وخيرته من خليقته، سيد
~~الكل في الكل، المبشر برسالته أعاظم الرسل، محمد، المبعوث لإبانة أحق
~~السبل، وعترته الأنجبين، وحامته الأقربين الذين هم روقة الأصفياء، وسادة
~~الأوصياء إلى يوم طي السماء.
# وبعد؛ فهذه تعليقات دقيقة، وتدقيقات أنيقة، متعلقة بإيضاح المقصود،
~~وتبيين المرام، وإبداء احتمالات الأحاديث المروية عن أهل بيت العصمة (عليهم
~~السلام) في نبذ من أصول كتاب الكافي الذي لم يؤلف مثله في الإسلام، علقها
~~عليه باقتراح جم من المتعلمين سيد الفضلاء، وأستاذ العلماء، ذو القريحة
~~الملكوتية، والفطرة البرهانية، البارع الفطن، والفائق اللسن، المرتقي في
~~المعقولات إلى الدرجة العليا، والفائز في المنقولات بالقدح المعلى، لا زال
~~- كاسمه السامي - رفيعا، وما برح ظله ظليلا، معرضا عن الإسهاب والإطناب،
~~مقتصرا على ما يحتاج إليه في كل باب، كما هو سجية أولي الألباب، وإلى الله
~~المرجع والمآب. (2)
# PageV00P029
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود لنعمته، المعبود لقدرته،
~~المطاع في سلطانه، المرهوب لجلاله،
# PageV00P031
# المرغوب إليه فيما عنده، النافذ أمره في جميع خلقه؛ علا فاستعلى، ودنا
~~فتعالى، وارتفع فوق كل منظر؛ الذي لا بدء لأوليته، ولا غاية لأزليته،
~~القائم قبل الأشياء، والدائم الذي به قوامها، والقاهر الذي لا يؤوده حفظها،
~~والقادر الذي بعظمته تفرد بالملكوت، وبقدرته توحد بالجبروت، وبحكمته أظهر
~~حججه على خلقه.
# اخترع الأشياء إنشاء، وابتدعها ابتداء بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل
~~الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداء. خلق ما شاء كيف شاء متوحدا بذلك
~~لإظهار حكمته، وحقيقة ربوبيته.
#
____________________
#
قوله: (علا فاستعلى).
# الاستعلاء استفعال من العلو بمعنى فعل. وعن عبد القاهر أن المعنى في لفظ
~~استفعل يتغير قليلا، وأن " استقر " و" استعلى " أقوى من " قر " و" علا "؛
~~فالتفريع في قوله: " فاستعلى " على تقدير المغايرة يصح على كونهما متعديين ms001
~~أو لازمين، وعلى كونه بمعنى فعل بلا مغايرة يبنى على كون أحدهما متعديا
~~والآخر لازما، والأخير أولى باللزوم.
# قوله: (تفرد بالملكوت).
# الملكوت فعلوت من الملك كالرغبوت من الرغبة، والرهبوت من الرهبة،
~~والرحموت من الرحمة، والجبروت من الجبر. وعالم الملكوت يطلق على المجردات
~~والمفارقات، كما أن عالم الملك يطلق على الجسمانيات والمقارنات.
# قوله: (اخترع الأشياء).
# الاختراع والابتداع متقاربان في المعنى. وكثر استعمال الاختراع في
~~الإيجاد لا بالأخذ من شيء يماثل الموجد (1) ويشابهه، والابتداع في الإيجاد
~~لا لمادة وعلة، فقوله: (لا من شيء) أي لا بالأخذ من شيء (فيبطل الاختراع،
~~ولا لعلة) أي لمادة، فيبطل الابتداع.
# PageV00P032
# لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به
~~مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الأبصار، وضل فيه تصاريف الصفات.
# احتجب بغير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، ووصف بغير
~~صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلا الله الكبير المتعال، ضلت الأوهام عن بلوغ
~~كنهه، وذهلت العقول أن تبلغ غاية نهايته، لا يبلغه حد وهم، ولا يدركه نفاذ
~~بصر، وهو السميع العليم، احتج على خلقه برسله، وأوضح الأمور بدلائله،
~~وابتعث الرسل مبشرين ومنذرين؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة،
~~وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه، ويوحدوه
~~بالإلهية بعد ما أضدوه.
# أحمده حمدا يشفي النفوس، ويبلغ رضاه، ويؤدي شكر ما وصل إلينا، من سوابغ
~~النعماء، وجزيل الآلاء، وجميل البلاء.
# وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ
~~صاحبة
____________________
#
قوله: (لا تضبطه العقول).
# أي تبلغ (1) العقول إدراكه بنحو قاصر عن الإحاطة به وضبطه، فهو غير محدود
~~و غير منضبط الحقيقة، ولكنه مصدق بوجوده منفيا عنه جميع ما يحيط به العقول
~~والأفهام.
# (ولا تبلغه الأوهام) حيث يتعالى عن أن يحس به (ولا يدركه الأبصار) حيث لا
~~صورة له ولا مثال، ولا يتشكل بشكل، ولا يحاط بحد، ولا يتقدر بمقدار.
# قوله: (احتجب بغير حجاب ms002 محجوب، واستتر بغير ستر مستور).
# المحجوب والمستور إما بمعنى الحاجب والساتر والحجاب حاجب والستر ساتر.
~~وإما بمعنى المفعول؛ فإن الحجاب والستر إذا لم يكن مستور الباطن ومحجوبه،
~~(2) لم يكن حاجبا ساترا.
# PageV00P033
# ولا ولدا، وأشهد أن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبد انتجبه، ورسول
~~ابتعثه، على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم وانبساط من الجهل،
~~واعتراض من الفتنة، وانتقاض من المبرم، وعمى عن الحق، واعتساف من الجور،
~~وامتحاق من الدين.
# وأنزل إليه الكتاب، فيه البيان والتبيان (قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم
~~يتقون) قد بينه للناس ونهجه، بعلم قد فصله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد
~~أوجبها، وأمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة إلى النجاة، ومعالم تدعو
~~إلى هداه.
# فبلغ (صلى الله عليه وآله) ما أرسل به، وصدع بما أمر، وأدى ما حمل من
~~أثقال النبوة، وصبر لربه، وجاهد في سبيله، ونصح لأمته، ودعاهم إلى النجاة،
~~وحثهم على الذكر، ودلهم على سبيل الهدى من بعده، بمناهج ودواع أسس للعباد
~~أساسها، ومنائر رفع لهم أعلامها، لكي لا يضلوا من بعده، وكان بهم رؤوفا
~~رحيما.
# فلما انقضت مدته، واستكملت أيامه، توفاه الله وقبضه إليه، وهو عند الله
~~مرضي عمله، وافر حظه، عظيم خطره، فمضى (صلى الله عليه وآله) وخلف في أمته
~~كتاب الله، ووصيه أمير المؤمنين وإمام المتقين صلوات الله عليه، صاحبين
~~مؤتلفين، يشهد كل واحد منهما لصاحبه بالتصديق، ينطق الإمام عن الله في
~~الكتاب بما أوجب الله فيه على العباد، من طاعته، وطاعة الإمام وولايته،
~~وواجب حقه، الذي أراد من استكمال دينه، وإظهار أمره، والاحتجاج بحججه،
~~والاستضاءة بنوره، في معادن أهل صفوته ومصطفي أهل خيرته.
# فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله) عن دينه،
~~وأبلج بهم عن سبيل مناهجه؛ وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، وجعلهم مسالك
~~لمعرفته، ومعالم لدينه، وحجابا بينه وبين خلقه؛ والباب المؤدي إلى معرفة
~~حقه، وأطلعهم على المكنون من غيب سره.
#
____________________
#
قوله: (ومعالم تدعو إلى هداه).
# الهاء في ms003 " هداه " إما ضمير راجع إليه سبحانه (1) أضيف إليه الهدى. وإما
~~زائدة في الوقف.
# PageV00P034
# كلما مضى منهم إمام، نصب لخلقه من عقبه إماما بينا، وهاديا نيرا، وإماما
~~قيما، يهدون بالحقوبه يعدلون. حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين
~~بهديهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد.
# جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم
~~للإسلام. وجعل نظام طاعته وتمام فرضه التسليم لهم فيما علم، والرد إليهم
~~فيما جهل، وحظر على غيرهم التهجم على القول بما يجهلون، ومنعهم جحد ما لا
~~يعلمون؛ لما أراد تبارك وتعالى من استنقاذ من شاء من خلقه، من ملمات الظلم،
~~ومغشيات البهم. وصلى الله على محمد وأهل بيته الأخيار الذين أذهب الله عنهم
~~الرجس وطهرهم تطهيرا.
# أما بعد، فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة
~~وتوازرهم وسعيهم في عمارة طرقها، ومباينتهم العلم وأهله، حتى كاد العلم
~~معهم أن يأزر كله
____________________
#
قوله: (أن يأزر كله).
# الأزر - بتقدم (1) المنقوطة على غيرها - جاء بمعنى القوة، وبمعنى الضعف،
~~و هاهنا (2) بمعنى الضعف.
# ويحتمل أن يكون " يأرز " بتقدم (3) غير المنقوطة عليها، وسيجئ في باب
~~الغيبة:
# " فيأرز العلم كما يأرز الحية في جحرها ". (4) وقال الجوهري في معنى " إن
~~الإسلام ليأرز إلى المدينة كما يأرز الحية إلى جحرها " (5): أي ينضم إليها
~~ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. (6)
# PageV00P035
# وينقطع مواده، لما قد رضوا أن يستندوا إلى الجهل، ويضيعوا العلم وأهله.
# وسألت: هل يسع الناس المقام على الجهالة، والتدين بغير علم، إذا كانوا
~~داخلين في الدين، مقرين بجميع أموره على جهة الاستحسان، والنشوء عليه،
~~والتقليد للآباء والأسلاف والكبراء، والاتكال على عقولهم في دقيق الأشياء
~~وجليلها؟
# فاعلم يا أخي - رحمك الله - أن الله - تبارك وتعالى - خلق عباده خلقة
~~منفصلة من البهائم في الفطن والعقول المركبة فيهم، محتملة للأمر والنهي،
~~وجعلهم جل ذكره صنفين:
# صنفا منهم أهل الصحة والسلامة، وصنفا منهم أهل الضرر والزمانة. فخص أهل
~~الصحة والسلامة بالأمر والنهي، بعد ما أكمل لهم آلة التكليف، ووضع التكليف
~~عن أهل الزمانة والضرر؛ ms004 إذ قد خلقهم خلقة غير محتملة للأدب والتعليم، وجعل
~~عز وجل سبب بقائهم أهل الصحة والسلامة، وجعل بقاء أهل الصحة والسلامة
~~بالأدب والتعليم. فلو كانت الجهالة جائزة لأهل الصحة والسلامة لجاز وضع
~~التكليف عنهم، وفي جواز ذلك بطلان الكتب والرسل والآداب، وفي رفع الكتب
~~والرسل والآداب فساد التدبير، والرجوع إلى قول أهل الدهر؛ فوجب في عدل الله
~~- عز وجل - وحكمته أن يخص من خلق من خلقه خلقة محتملة للأمر والنهي بالأمر
~~والنهي، لئلا يكونوا سدى مهملين؛ وليعظموه ويوحدوه، ويقروا له بالربوبية،
~~وليعلموا أنه خالقهم ورازقهم؛ إذ شواهد ربوبيته دالة ظاهرة، وحججه نيرة
~~واضحة، وأعلامه لائحة تدعوهم إلى توحيد الله عز وجل، وتشهد على أنفسها
~~لصانعها بالربوبية والإلهية؛ لما فيها من آثار صنعه، وعجائب تدبيره، فندبهم
~~إلى معرفته لئلا يبيح لهم أن يجهلوه ويجهلوا دينه وأحكامه؛ لأن الحكيم لا
~~يبيح الجهل به، والإنكار لدينه، فقال جل ثناؤه: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق
~~الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) وقال: (بل كذبوا بما لم يحيطوا
~~بعلمه)، فكانوا محصورين بالأمر والنهي، مأمورين بقول الحق، غير مرخص لهم في
~~المقام على الجهل، أمرهم بالسؤال والتفقه في الدين فقال: (فلولا نفر من كل
~~فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) وقال:
~~(فسلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
# فلو كان يسع أهل الصحة والسلامة المقام على الجهل، لما أمرهم بالسؤال،
~~ولم يكن PageV00P036
# يحتاج إلى بعثة الرسل بالكتب والآداب، وكانوا يكونون عند ذلك بمنزلة
~~البهائم، ومنزلة أهل الضرر والزمانة، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفة عين،
~~فلما لم يجز بقاؤهم إلا بالأدب والتعليم، وجب أنه لا بد لكل صحيح الخلقة،
~~كامل الآلة من مؤدب ودليل ومشير، وآمر وناه، وأدب وتعليم، وسؤال ومسألة.
# فأحق ما اقتبسه العاقل، والتمسه المتدبر الفطن، وسعى له الموفق المصيب،
~~العلم بالدين، ومعرفة ما استعبد الله به خلقه من توحيده، وشرائعه وأحكامه،
~~وأمره ونهيه، وزواجره وآدابه؛ إذ كانت الحجة ثابتة، والتكليف لازما، والعمر
~~يسيرا، والتسويف غير مقبول. والشرط ms005 من الله - جل ذكره - فيما استعبد به
~~خلقه أن يؤدوا جميع فرائضه بعلم ويقين وبصيرة، ليكون المؤدي لها محمودا عند
~~ربه، مستوجبا لثوابه وعظيم جزائه؛ لأن الذي يؤدي بغير علم وبصيرة، لا يدري
~~ما يؤدي، ولا يدري إلى من يؤدي، وإذا كان جاهلا لم يكن على ثقة مما أدى،
~~ولا مصدقا؛ لأن المصدق لا يكون مصدقا حتى يكون عارفا بما صدق به من غير شك
~~ولا شبهة؛ لأن الشاك لا يكون له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرب مثل ما
~~يكون من العالم المستيقن، وقد قال الله عز وجل: (إلا من شهد بالحق وهم
~~يعلمون) فصارت الشهادة مقبولة لعلة العلم بالشهادة، ولو لا العلم بالشهادة،
~~لم تكن الشهادة مقبولة.
# والأمر في الشاك - المؤدي بغير علم وبصيرة - إلى الله جل ذكره، إن شاء
~~تطول عليه فقبل عمله، وإن شاء رد عليه؛ لأن الشرط عليه من الله أن يؤدي
~~المفروض بعلم وبصيرة ويقين؛ كي لا يكونوا ممن وصفه الله، فقال تبارك
~~وتعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن
~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر
____________________
#
قوله: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) (1)
~~أي على وجه واحد كأن يعبده على السراء لا الضراء، أو على شك، أو على غير
~~طمأنينة.
# والحاصل: أنه لا يدخل في الدين متمكنا مستقرا.
# PageV00P037
# الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) لأنه كان داخلا فيه بغير علم ولا
~~يقين، فلذلك صار خروجه بغير علم ولا يقين.
# وقد قال العالم (عليه السلام): " من دخل في الإيمان بعلم، ثبت فيه، ونفعه
~~إيمانه، ومن دخل فيه بغير علم، خرج منه كما دخل فيه ".
# وقال (عليه السلام): " من أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله
~~عليه وآله، زالت الجبال قبل أن يزول، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال، ردته
~~الرجال ".
# وقال (عليه السلام): " من لم يعرف أمرنا من القرآن، لم يتنكب الفتن ".
# ولهذه العلة انبثقت على أهل دهرنا بثوق هذه الأديان الفاسدة، والمذاهب ms006
~~المستشنعة، التي قد استوفت شرائط الكفر والشرك كلها، وذلك بتوفيق الله
~~تعالى وخذلانه، فمن أراد الله توفيقه وأن يكون إيمانه ثابتا مستقرا، سبب له
~~الأسباب التي تؤديه إلى أن يأخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه صلوات الله
~~عليه وآله بعلم ويقين وبصيرة، فذاك أثبت في دينه من الجبال الرواسي، ومن
~~أراد الله خذلانه وأن يكون دينه معارا مستودعا - نعوذ بالله منه - سبب له
~~أسباب الاستحسان والتقليد والتأويل من غير علم وبصيرة، فذاك في المشيئة، إن
~~شاء الله تبارك وتعالى، أتم إيمانه، وإن شاء، سلبه إياه، ولا يؤمن عليه أن
~~يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ لأنه كلما رأى كبيرا
~~من الكبراء، مال معه، وكلما رأى شيئا استحسن ظاهره، قبله، وقد قال العالم
~~(عليه السلام): " إن الله عز وجل خلق النبيين على النبوة، فلا يكونون إلا
~~أنبياء، وخلق الأوصياء على الوصية، فلا يكونون إلا أوصياء، وأعار قوما
~~إيمانا، فإن شاء تممه لهم، وإن شاء سلبهم إياه " قال: " وفيهم جرى قوله:
# (فمستقر ومستودع) ".
# وذكرت أن أمورا قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها،
~~وأنك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنك لا تجد
~~بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها.
# وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما
~~يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين
~~والعمل به بالآثار PageV00P038
# الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) والسنن القائمة التي عليها العمل،
~~وبها يؤدى فرض الله عز وجل وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله).
# وقلت: لو كان ذلك، رجوت أن يكون ذلك سببا يتدارك الله تعالى بمعونته
~~وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا، ويقبل بهم إلى مراشدهم.
# فاعلم يا أخي - أرشدك الله - أنه لا يسع أحدا تمييز شيء مما اختلفت
~~الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه، إلا على ما أطلقه العالم
~~(عليه السلام) بقوله: " اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عز وجل
~~فخذوه، ms007 وما خالف كتاب الله فردوه ".
# وقوله (عليه السلام): " دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم ".
# وقوله (عليه السلام): " خذوا بالمجمع عليه؛ فإن المجمع عليه لا ريب فيه
~~".
# ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلا أقله ولا نجد شيئا أحوط ولا أوسع من رد علم
~~ذلك كله إلى العالم (عليه السلام) وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله (عليه
~~السلام): " بأيما أخذتم من باب التسليم وسعكم ".
#
____________________
#
قوله: (مما اختلف (1) الرواية فيه).
# المراد بالروايات المختلفة، التي (2) لا تحتمل الحمل على معنى يرتفع به
~~الاختلاف بملاحظتها جميعها وكون بعضها قرينة على المراد من البعض، لا التي
~~يتراءا فيه (3) الاختلاف في بادئ الرأي.
# وطريق العمل في المختلفات الحقيقية (4) كما ذكره - بعد شهرتها واعتبارها
~~- العرض على كتاب الله، والأخذ بموافقه دون مخالفه، ثم الأخذ بمخالف القوم
~~وحمل الموافق على التقية، ثم الأخذ من باب التسليم بأيما تيسر.
# PageV00P039
# وقد يسر الله - وله الحمد - تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخيت،
~~فمهما كان فيه من تقصير فلم تقصر نيتنا في إهداء النصيحة؛ إذ كانت واجبة
~~لإخواننا وأهل ملتنا، مع ما رجونا أن نكون مشاركين لكل من اقتبس منه، وعمل
~~بما فيه في دهرنا هذا، وفي غابره إلى انقضاء الدنيا؛ إذ الرب - جل وعز -
~~واحد، والرسول محمد خاتم النبيين - صلوات الله وسلامه عليه وآله - واحد،
~~والشريعة واحدة، وحلال محمد حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ووسعنا
~~قليلا كتاب الحجة وإن لم نكمله على استحقاقه؛ لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه
~~كلها.
# وأرجو أن يسهل الله - جل وعز - إمضاء ما قدمنا من النية، إن تأخر الأجل
~~صنفنا كتابا أوسع وأكمل منه، نوفيه حقوقه كلها إن شاء الله تعالى، وبه
~~الحول والقوة، وإليه الرغبة في الزيادة في المعونة والتوفيق. والصلاة على
~~سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين الأخيار.
# وأول ما أبتدئ به وأفتتح به كتابي هذا كتاب العقل وفضائل العلم، وارتفاع
~~درجة أهله، وعلو قدرهم، ونقص الجهل، وخساسة أهله، وسقوط منزلتهم؛ إذ كان
~~العقل هو القطب الذي ms008 عليه المدار، وبه يحتج، وله الثواب، وعليه العقاب،
~~والله الموفق. PageV00P040
# كتاب العقل والجهل كتاب العقل والجهل
____________________
#
قوله: (كتاب العقل والجهل).
# العقل يطلق على حالة في النفس، داعية إلى اختيار الخير والنافع، بها يدرك
~~الخير والشر، ويميز بينهما، ويتمكن من معرفة أسباب المسببات وما ينفع فيها
~~وما يضر، وبها يقوى على زجر الدواعي الشهوانية والغضبية ودفع الوساوس
~~الشيطانية.
# ويقابله الجهل، ويكون لفقد (1) أحد الأمور، ولفقد (2) أكثرها، ولفقد (3)
~~جميعها.
# وقد يطلق العقل ويراد به قوة إدراك الخير والشر والتمييز بينهما والتمكن
~~من معرفة أسباب الأمور ذوات الأسباب وما يؤدي إليها وما يمنع منها. والعقل
~~بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب.
# والعقل بالمعنى الأول " ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ". ولعل الأول
~~هو الكامل من الثاني، فتبادر (4) عند الإطلاق، وشاع استعماله فيه.
# وفي الحديث الأول في (5) هذا الباب استعمل في الثاني وأشير (6) إلى أن
~~كماله
# PageV00P041
#
#
____________________
#
لا يكون إلا فيمن أحب، وفي الحديث الثاني
~~والثالث استعمل في الكامل يعني المعنى الأول، وفي بعض الأحاديث التالية لها
~~استعمل في الأول، وفي بعضها في الثاني، يعرف بالتدبر.
# وقد يطلق العقل على أول مخلوق من الروحانيين، كما نطق به الأحاديث
~~الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، ووافقتها كلمة الكملة من الحكماء
~~المحققين.
# فإن صح القول بثبوته للنفس - على ما قاله المحققون من أن نسبته إلى النفس
~~كنسبة النفس إلى البدن، وقالوا للنفس: إنها صورة البدن، وأن " الناطق "
~~الذي هو فصل الإنسان، وصورته التي هي النفس مختلفان باعتبار اللا بشرطية
~~وشرط (1) اللائية، كما أن الحيوان الذي هو الجنس، والبدن الذي هو المادة
~~مختلفان بالاعتبارين المذكورين، وإذ لم يبالوا بإطلاق التوصيف مع الاختلاف
~~بالمفارقة والمقارنة بين النفس والبدن لمجرد (2) التعلق الخاص بينهما، فكيف
~~مع الاتفاق في التجرد الذاتي كما في النفس والعقل - فلا يستبعد (3) حمل
~~العقل في الأحاديث الدالة على اتصاف النفس به وكونه حالة لها على ذلك
~~الروحاني المخلوق أولا. وكثير من أحاديث هذا الباب يؤيد ذلك ويقويه، ولا
~~يبعد أن يقال: ms009 إن للنفس بارتباطها بالعقل المجرد الذي خلقه الله أولا قبل
~~خلق النفس إشراقا من (4) ذلك العقل، فينتسب إلى النفس باعتبار إشراقه
~~عليها، وإن كان قد يطلق العقل على حالة النفس باعتبار ذلك الإشراق ويتبع
~~ذلك الإشراق حصول العلم والمعرفة للنفس.
# وقد يفرق بين العلم والمعرفة (5) بتخصيص المعرفة بإدراك الشيء بآثاره، أو
~~بإدراك الشيء إدراكا يتوصل إليه بتفكر وتدبر، وإطلاق العلم على إدراك
~~الشيء
# PageV00P042
# 1. أخبرنا أبو جعفر محمد بن يعقوب قال: حدثني عدة من أصحابنا منهم:
# محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن
~~رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " لما خلق الله
~~العقل استنطقه،
____________________
#
بذاته ويشمل ما يتوصل إليه بتفكر وغيره.
# ولو قيل: المعرفة إدراك صفات الشيء وآثاره إدراكا لو وصل إليه أدرك أنه
~~هو لكونه (1) موصوفا بتلك الصفات، فإدراك صفات الشيء وآثاره على هذا النحو
~~معرفة لذلك الشيء، والعلم بالشيء قد لا يكون بمعرفة صفاته، لكن يعتبر في
~~العلم الإحاطة بالمعلوم وحصوله للعالم، ولا يعتبر في المعرفة، ولذلك يقال:
~~عرفت الله، ولا يقال: علمته، ويقال: علم الله، ولا يقال: عرف الله، لكان
~~أوجه.
# ويفارقان العقل بأن العقل إدراك كلي بإشراق من المبادئ، غير مختص بماهية
~~معلوم خاص، بل متعلق بكثرة في وحدة يتفرع عليه (2) تفصيلها وتجزيتها إلى
~~معلومات خاصة، فإذا أدرك مهية بخصوصها، كان إدراكها علما بها، فالعقل يتبعه
~~العلم والمعرفة، وقد يوجد الناقص منهما مفارقا للعقل.
# ويحصل أيضا عن العقل المشرق على النفس الذكاء والفهم والفطنة.
# أما الذكاء، فسرعة القطع بالحق - ويقال له: الذهن - فيما وقع فيه النزاع
~~والخلاف.
# وأما الفطنة، فسرعة إدراك المشكلات واستنباط الرموز والدقائق.
# وأما الفهم، فإدراك الأمور الجزئية والتميز بين المتميزات منها.
# والفهم من مقدمات العقل، والعقل لا يفارقه وهو يفارق العقل كما في
~~النكرة. (3) والعقل قد يفارق الذكاء والفطنة، وإن كان الكامل منه لا
~~يفارقهما.
# PageV00P043
# ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتي ms010 وجلالي
~~ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر،
~~وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب.
#
____________________
#
قوله: (ثم قال له: أقبل فأقبل).
# إقبال العقل عبارة عن توجهه إلى المبدأ، وإدباره عبارة عن توجهه إلى
~~المقارنات.
# ويصح إطلاقهما (1) في أول خلق من الروحانيين، وفي القوة النفسانية
~~الداعية إلى اختيار الخير والنافع، وفي قوة إدراك الخير والشر والتميز
~~بينهما.
# وقوله: (ولا أكملتك إلا فيمن أحب) يلائم الأخيرين، وإن كان يصح في الأول
~~باعتبار الارتباط والإشراق على النفس بعناية، فيكون المراد بإكمال ذلك
~~العقل فيمن أحب إكمال ارتباطه وإشراقه.
# وقوله: (إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب) يناسب الأخير؛ فإنه مناط
~~التكليف.
# ولما كان سببا لصحة تعلق التكليف بالنفس وكان النفس مكلفا، لكونها عاقلا،
~~فكأنه مكلف، قال: " إياك آمر... " وإن كان يصح في الثاني (2) بعناية (3)،
~~وفي الأول (4) بزيادتها.
# PageV00P044
# 2. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن مفضل بن صالح، عن
~~سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي (عليه السلام) قال: " هبط جبرئيل
~~(عليه السلام) على آدم (عليه السلام) فقال: يا آدم، إني أمرت أن أخيرك
~~واحدة من ثلاث، فاخترها ودع اثنتين، فقال له آدم: يا جبرئيل، وما الثلاث؟
~~فقال: العقل والحياء والدين، فقال آدم: إني قد اخترت العقل، فقال جبرئيل
~~للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا: يا جبرئيل، إنا أمرنا أن نكون مع
~~العقل حيث كان، قال: فشأنكما، وعرج ".
# 3. أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي
~~عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما العقل؟ قال: " ما عبد به الرحمن،
~~واكتسب به الجنان "
____________________
#
قوله: (علي بن محمد) هو علي بن محمد بن
~~إبراهيم بن أبان الرازي الكليني المعروف بعلان، وهو من الموثقين.
# قوله: (إني أمرت أن أخيرك واحدة من ثلاث (1)).
# الظاهر أن آدم (عليه السلام) حين هبوط جبرئيل (عليه السلام) عليه كان ذا
~~عقل وحياء ودين، والأمر باختيار واحدة ms011 من ثلاث لا ينافي حصولها. وقول
~~جبرئيل (عليه السلام) للحياء والدين بعد اختيار العقل: " انصرفا " لإظهار
~~ملازمتهما للعقل بقولهما: " إنا أمرنا أن نكون مع العقل ".
# ولعل الغرض من ذلك أن يتنبه آدم (عليه السلام) بعظم نعمة العقل، ويشكر
~~الله على إنعامه.
# قوله: (قال: ما عبد به الرحمن واكتسب (2) به الجنان).
# PageV00P045
# قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال: " تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي
~~شبيهة بالعقل، وليست بالعقل ".
# 4. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن الحسن بن
~~الجهم، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: " صديق كل امرئ عقله، وعدوه
~~جهله ".
# 5. وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم، قال: قلت
~~لأبي
____________________
#
الظاهر أنه تفسير للعقل بمعنى القوة الداعية
~~إلى اختيار الخير والنافع، أو الارتباط (1) بالعقل المجرد المشرق عليه.
# ويحتمل أن يكون المراد بالعقل المسؤول عنه هاهنا (2) ما يعد به المرء
~~عاقلا عرفا، وهو قوة التمييز بين الباطل والحق (3)، والضار والنافع التي لا
~~تكون منغمرة في جنود الجهل، فعند غلبة جنوده لا يسمى الفطن المميز عاقلا؛
~~حيث لا يعمل بمقتضى التميز والفطانة، ويستعمل في مشتهيات جنود الجهل.
# وقوله (عليه السلام): (تلك النكراء) يعني الدهاء والفطنة، وهي جودة الرأي
~~وحسن الفهم، وإذا استعمل في مشتهيات جنود الجهل يقال له: الشيطنة. ونبه
~~(عليه السلام) عليه بقوله: " تلك الشيطنة " بعد قوله: " تلك النكراء ".
# قوله: (صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله).
# لأن الصديق يحب للصديق الخير والنافع، ويوصله إليهما، والعدو يريد للعدو
~~الشر والضار، ويوصله إليهما والموصل إلى الخير والنافع هو العقل، والموصل
~~إلى الشر والضار هو الجهل، وهما مستقلان (4) بالإيصالين، ولا يستقل بهما
~~غيرهما، إنما من الغير المعاونة لا غير.
# PageV00P046
# الحسن (عليه السلام): إن عندنا قوما لهم محبة، وليست لهم تلك العزيمة
~~يقولون بهذا القول، فقال (عليه السلام): " ليس أولئك ممن عاتب الله تعالى،
~~إنما قال الله: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) ".
# 6. أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن ms012 سيف بن
~~عميرة، عن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " من كان
~~عاقلا كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة ".
# 7. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي بن يقطين،
~~عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إنما
~~يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في
~~الدنيا ".
# 8. علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن محمد بن
~~سليمان
____________________
#
قوله: (لهم محبة وليس (1) لهم تلك العزيمة).
# أي يحبون الأئمة وأهل البيت (عليهم السلام) وليست لهم قوة عقلية توجب
~~الاعتقاد الجازم بالإمامة اعتقادا ناشئا من الحجة والبرهان حتى يقولوا بهذا
~~القول، أي القول بالإمامة كما يقول (2) الإمامية عن بينة ودليل.
# وقوله: (فقال ليس أولئك) يعني القاصرين العاجزين عن تحقيق الحق مكلفين
~~بما عجزوا عنه، إنما قال الله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار). (3)
~~قوله: (إنما يداق الله العباد).
# التداق: التفاعل من الدقة. والمداقة أن تداق صاحبك الحساب.
# قوله: (علي بن محمد بن عبد الله) هو علي بن محمد بن عبد الله بن أذينة من
~~مشايخ الكليني.
# PageV00P047
# الديلمي، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فلان من عبادته
~~ودينه وفضله كذا؟
# فقال (عليه السلام): " كيف عقله؟ " قلت: لا أدري، فقال: " إن الثواب على
~~قدر العقل، إن رجلا من بني إسرائيل كان يعبد الله في جزيرة من جزائر البحر،
~~خضراء، نضرة، كثيرة الشجر، ظاهرة الماء، وإن ملكا من الملائكة مر به، فقال:
~~يا رب أرني ثواب عبدك هذا، فأراه الله تعالى ذلك، فاستقله الملك، فأوحى
~~الله تعالى إليه: أن أصحبه، فأتاه الملك في صورة إنسي، فقال له: من أنت؟
~~قال: أنا رجل عابد بلغني مكانك وعبادتك في هذا المكان، فأتيتك لأعبد الله
~~معك، فكان معه يومه ذلك، فلما أصبح، قال له الملك: إن مكانك لنزه، وما يصلح
~~إلا للعبادة، فقال له العابد: إن ms013 لمكاننا هذا عيبا، فقال له: وما هو؟ قال:
~~ليس لربنا بهيمة، فلو كان له حمار رعيناه في هذا الموضع، فإن هذا الحشيش
~~يضيع، فقال له ذلك الملك: وما لربك حمار؟ فقال: لو كان له حمار ما كان يضيع
~~مثل هذا الحشيش، فأوحى الله تعالى إلى الملك: إنما أثيبه على قدر عقله ".
# 9. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام):
# قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا بلغكم عن رجل حسن حال،
~~فانظروا في حسن عقله، فإنما يجازى بعقله ".
# 10. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان
~~قال:
# ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء والصلاة، وقلت: هو
~~رجل عاقل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " وأي عقل له وهو يطيع
~~الشيطان؟ " فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟
# فقال (عليه السلام): " سله: هذا الذي يأتيه من أي شيء هو؟ فإنه يقول لك:
~~من عمل الشيطان ".
# 11. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابه، رفعه، قال:
# قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما قسم الله للعباد شيئا أفضل من
~~العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر
____________________
#
قوله: (وهو يطيع الشيطان) ويفعل ما يأمره به،
~~فسأله السائل عن إبانة أنه يطيع بفعله الشيطان، فبينه (عليه السلام) بأنه
~~لو سئل عن مستنده لم يكن له بد من أن يسنده إلى الشيطان؛ حيث لا شبهة في
~~أنه لا مستند له في الشرع ولا في العقل.
PageV00P048
# الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل؛ ولا بعث الله نبيا ولا رسولا
~~حتى يستكمل العقل، ويكون عقله أفضل من جميع عقول أمته، وما يضمر النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، وما أدى العبد فرائض
~~الله حتى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل،
~~والعقلاء هم أولوا الألباب الذين قال الله تعالى:
# (وما يتذكر إلا أولوا ms014 الألباب) ".
# 12. أبو عبد الله الأشعري، عن بعض أصحابنا، رفعه، عن هشام بن الحكم، قال:
~~قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): " يا هشام، إن الله تبارك
~~وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (فبشر عباد * الذين يستمعون
~~القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) ".
# يا هشام، إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين
~~بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالأدلة، فقال: (وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو
~~الرحمن الرحيم * إن في خلق السموات والأرض واختلف الليل والنهار والفلك
~~التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا
~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين
~~السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون).
# يا هشام، قد جعل الله ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: (وسخر
~~لكم الليل
____________________
#
قوله: (ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم
~~ما بلغ العاقل) أي بعقله، فإن للعقل فضلا؛ لأنه به يحصل المعرفة واختيار
~~الخير، ويتفرع عليهما الخشية والتذلل والإطاعة والانقياد والإتيان بالحسن
~~الجميل، وإنما كمال العبادة بحسن التذكر والتذلل والخشية، وقال الله تعالى:
~~(إنما يتذكر أولوا الألباب) (1) وقال - عز من قائل -: (إنما يخشى الله من
~~عباده العلماء) (2).
# PageV00P049
# والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخر تم بأمره إن في ذلك لآيات لقوم
~~يعقلون).
# وقال: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم
~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى
~~ولعلكم تعقلون) وقال: (إن في اختلاف الليل والنهار * وما أنزل الله من
~~السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها * وتصريف الرياح والسحاب المسخر
~~بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) وقال: (يحي الأرض بعد موتها قد بينا
~~لكم الآيات لعلكم تعقلون) ". وقال: (وجنت من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير
~~صنوان يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ms015 لآيات لقوم
~~يعقلون)؟ ". وقال:
# (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض
~~بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). وقال: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم
~~عليكم ألا تشركوا بهى شيئا وبالوالدين إحسنا ولا تقتلوا أولدكم من إملاق،
~~نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا
~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصلكم بهى لعلكم تعقلون). وقال: (هل
~~لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم
~~كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون).
# يا هشام، ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة، فقال: (وما الحيوة الدنيا
~~إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون).
# يا هشام، ثم خوف الذين لا يعقلون عقابه، فقال تعالى: (ثم دمرنا الآخرين *
~~وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون). وقال: (إنا منزلون على
~~أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منها آية
~~بينة لقوم يعقلون).
# يا هشام، إن العقل مع العلم، فقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما
~~يعقلها إلا العالمون).
# يا هشام، ثم ذم الذين لا يعقلون، فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل
~~الله قالوا بل PageV00P050
# نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون)
~~وقال: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صمم
~~بكم عمى فهم لا يعقلون) وقال: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو
~~كانوا لا يعقلون) وقال: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا
~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا). وقال:
# (لا يقتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد
~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) وقال: (وتنسون أنفسكم
~~وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون).
# يا هشام، ثم ذم الله الكثرة فقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن
~~سبيل الله) وقال: (ولئن سألتهم من ms016 خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد
~~لله بل أكثرهم لا يعلمون) وقال: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا
~~به الأرض منم بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون).
# يا هشام، ثم مدح القلة فقال: (وقليل من عبادي الشكور) وقال: (وقليل ما
~~هم) وقال: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول
~~ربى الله) وقال: (ومن آمن وما آمن معه إلا قليل). وقال: (ولكن أكثرهم لا
~~يعلمون). وقال:
# (وأكثرهم لا يعقلون) وقال: (وأكثرهم لا يشعرون).
# يا هشام، ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر، وحلاهم بأحسن الحلية، فقال:
# (يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا
~~أولوا الألباب) وقال: (والر سخون في العلم يقولون آمنا بهى كل من عند ربنا
~~وما يذكر إلا أولوا الألباب) وقال: (إن في خلق السموات والأرض واختلف الليل
~~والنهار لآيات لأولى الألباب) وقال: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق
~~كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب) وقال: (أمن هو قنت آناء الليل ساجدا
~~وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا
~~يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) وقال: (كتب أنزلناه إليك مبرك ليدبروا
~~آياته وليتذكر أولوا الألباب). وقال: (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بنى
~~إسرائيل الكتب * هدى PageV00P051
# وذكرى لأولى الألباب) وقال: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).
# يا هشام، إن الله تعالى يقول في كتابه: (إن في ذلك لذكرى لمن كان لهو
~~قلب) يعني:
# عقل، وقال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال: الفهم والعقل.
# يا هشام، إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس، وإن الكيس لدى
~~الحق يسير، يا بني إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن
~~سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل، وقيمها العقل،
~~ودليلها العلم، وسكانها الصبر.
# يا هشام، إن لكل شيء دليلا، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت،
~~ولكل شيء
____________________
#
قوله: (قال: الفهم ms017 والعقل).
# يعني أعطاه الله الفهم والعقل، وعليهما مدار الحكمة التي هي المعرفة
~~الحقة والتخلق بالخلق الحسن الجميل، وباستعمالهما يحصل الحكمة، فكان
~~إعطاؤهما إعطاءها.
# قوله: (تواضع للحق تكن أعقل الناس).
# المراد بالتواضع للحق الإقرار به، والإطاعة والانقياد له. والإقرار بالحق
~~دليل العقل؛ لأن العقل يأمر به، والجهل يمنع عنه.
# وقوله: (إن الكيس لدى الحق يسير).
# في المصادر: الكيس والكياسة " زيرك شدن " والكيس " به زيركى غلبه كردن ".
~~فيحتمل أن يكون " اليسير " بمعنى القليل، والكيس بأول المعنيين، وأن يكون "
~~اليسير " مقابل العسير، والكيس بأحد المعنيين، والمراد أن إدراك الحق
~~ومعرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أن الغلبة بالكياسة عند القول بالحق
~~والاقرار به يسير.
# ويحتمل أن يكون " الكيس " بالتشديد، أي ذو الكياسة عند ظهور الحق بإعمال
~~الكياسة والإقرار بالحق قليل.
# قوله: (ودليل العقل التفكر) فإن العقل يصل إلى مطلوبه بالتفكر، ودليل
~~التفكر الصمت، فإن التفكر يتم به.
PageV00P052
# مطية، ومطية العقل التواضع، وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه.
# يا هشام، ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله،
~~فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأكملهم
~~عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
# يا هشام، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة، فأما الظاهرة
~~فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول.
# يا هشام، إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.
# يا هشام، من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور
~~تفكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات
~~نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.
# يا هشام، كيف يزكو عند الله عملك، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك، وأطعت
~~هواك على غلبة عقلك؟!
# يا هشام، الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل
~~الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله أنسه في الوحشة،
~~وصاحبه في الوحدة، وغناه في ms018 العيلة، ومعزه من غير عشيرة.
#
____________________
#
قوله: (ومطية العقل التواضع).
# يعني التذلل والانقياد للأوامر والنواهي، فمن ركب المنهي عنه ولم يتواضع
~~للأوامر والنواهي، بقي عقله بلا مطية، فيصير إلى الجهل.
# قوله: (فأحسنهم استجابة).
# لما كان غاية البعثة والإرسال حصول معرفة الله، فمن كان أحسن معرفة كان
~~أحسن استجابة، ومن كان أحسن عقلا كان أعلم بأمر الله وأعمل به، فالأكمل
~~عقلا أرفع درجة؛ حيث يتعلق رفع الدرجة بكمال ما هو الغاية.
# قوله: (نصب الحق لطاعة الله).
# أي أقيم الحق بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ليطاع الله في أوامره ونواهيه،
~~ولا نجاة إلا
PageV00P053
# يا هشام، نصب الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم،
~~والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة
~~العلم بالعقل.
# يا هشام، قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى
~~والجهل مردود.
# يا هشام، إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولم يرض بالدون من
~~الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم.
# يا هشام، إن العقلاء تركوا فضول الدنيا، فكيف الذنوب، وترك الدنيا من
~~الفضل، وترك الذنوب من الفرض.
# يا هشام، إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها، فعلم أنها لا تنال إلا
~~بالمشقة، ونظر إلى الآخرة، فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة، فطلب بالمشقة
~~أبقاهما.
# يا هشام، إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة؛ لأنهم علموا أن
~~الدنيا طالبة ومطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة، طلبته
~~الدنيا حتى
____________________
#
بإطاعة، ولا يتحقق الطاعة إلا بالعلم
~~والمعرفة، ولا يكفي عقول الناس للإحاطة بالعلوم والمعارف من غير تعلم، بل
~~يحصل لهم المعرفة بالتعلم، والتعلم باستعمال العقل في تحصيل الاعتقاد، ثم
~~التعلم ينتهي لا محالة بعالم رباني يكون علمه من جانب الله تعالى، ومعرفة
~~ذلك العلم والعالم به بالعقل، فلا نجاة إلا بعقل تحصل (1) به المعرفة
~~الناشئة عن الله إما بلا تعلم، أو بتعلم من عالم رباني يعرف بالعقل.
# قوله: (لأنهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة).
# لا ms019 يبعد أن يقال: الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: " الآخرة طالبة
~~ومطلوبة " وتركه في قوله: " الدنيا طالبة مطلوبة " للتنبيه على أن الدنيا
~~طالبة موصوفة بالمطلوبية، فيكون " الطالبية " (2) - لكونها موصوفة - بمنزلة
~~الذات، فدل على أن الدنيا من حقها في ذاتها أن تكون طالبة، ويكون المطلوبة
~~(3) - لكونها صفة لاحقة بالطالبة (4) -
# PageV00P054
# يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت، فيفسد
~~عليه دنيا هو آخرته.
# يا هشام، من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في
~~الدين، فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما
~~يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى
~~أبدا.
# يا هشام، إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد
~~إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) حين علموا أن القلوب تزيغ
~~وتعود إلى عماها ورداها.
# إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه
~~على معرفة
____________________
#
من الطوارئ التي ليس من حق الدنيا في ذاتها أن
~~تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة. وأما الآخرة فلما كان
~~الأمران - أي الطالبية والمطلوبية - كلاهما مما تستحقها وتتصف بها في ذاتها
~~فأتى بالعاطف.
# وإن حمل قوله: " الدنيا طالبة مطلوبة " على تعدد الخبر، ففي ترك العاطف
~~دلالة على عدم ارتباط طالبيتها بمطلوبيتها (1)، وأما في الآخرة فالأمران
~~فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر، (2) ولذا أتى بالواو الدالة على
~~التقارن في أصل الثبوت لها.
# قوله: (إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله) إلى آخره.
# لعل المراد أنه من لم يكن صالحا لم يخف الله؛ لأنه من لم يكن صالحا لم
~~يكن قوله مصدقا لفعله، وسره موافقا لعلانيته؛ ومن لم يكن كذلك لم يكن ذا
~~معرفة ثابتة (3) يجد حقيقتها في قلبه؛ لأن الله تبارك وتعالى جعل الظاهر
~~دليلا على الباطن، فالفعل ظاهر (4) يدل على الاعتقاد الذي هو ms020 من الخفايا
~~والسرائر ويكشف عنه،
# PageV00P055
# ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله
~~لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا؛ لأن الله - تبارك اسمه - لم يدل على
~~الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه، وناطق عنه.
# يا هشام، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد الله بشيء أفضل
~~من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه
~~مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف،
~~ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من
~~العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره،
~~ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في
~~نفسه، وهو تمام الأمر.
#
____________________
#
والقول ظاهر (1) يعبر عنه، فإن دل الفعل على
~~عدم تقرر الاعتقاد وثبوته ولم يصدقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل. وأما
~~دلالة الفعل على التقرر والثبوت لحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير
~~متصور، فإن القول إذن فعل دال على عدم ثبوت حقيقة المعرفة وتقررها في قلبه،
~~ومن لم يجد (2) حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب الله،
~~ومن لم يكن عاقلا عن الله لم يخف الله.
# قوله: (ما عبد الله بشيء أفضل من العقل).
# فإن حقيقة العبادة التذلل والخضوع، وإنما الكاملة البالغة نهايتها
~~بالمعرفة (3).
# قوله: (ويرى الناس كلهم خيرا منه).
# وذلك بأن يحسن ظنه بهم، ويتهم نفسه، فكل ما في غيره - مما يحتمل وجها
~~حسنا - يحمله عليه، وكل ما فيه - مما يحتمل وجها قبيحا - يجوزه في نفسه،
~~فيظن بغيره خيرا، ولا يظن بنفسه خيرا، فيظن لكل منهم أنه خير منه، ويكون هو
~~عند نفسه شرا منهم.
# PageV00P056
# يا هشام، إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
# يا هشام، لا دين لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا عقل له، وإن أعظم
~~الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا، أما إن ms021 أبدانكم ليس لها ثمن إلا
~~الجنة، فلا تبيعوها بغيرها.
# يا هشام، إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إن من علامة العاقل
~~أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام،
~~ويشير بالرأي الذي يكون
____________________
#
قوله: (إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه)
~~حذرا من فضيحته عند الظهور.
# قوله: (ولا مروة لمن لا عقل له) فإن من لا عقل له لا يكون عارفا (1) بما
~~يليق به ويحسن، وما لا يليق به ولا يحسن، فقد يترك اللائق ويجيء بما لا
~~يليق، ومن يكون كذلك لا يكون ذا دين.
# قوله: (لا يرى الدنيا لنفسه خطرا).
# وذلك لأنه لا يحصل إلا بمعرفة كاملة بأحواله وأحوالها، وتلك المعرفة لا
~~تكون إلا مع كمال العقل، ومن كمل عقله كان من أعظم الناس قدرا.
# قوله: (أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها).
# عبر عن استعمال الأبدان في الاكتسابات ببيعها بالمكتسبات، فالمكتسب ثمن
~~لها فقال (عليه السلام): " ليس لها ثمن " أي ما يليق بأن يكون ثمنا إلا
~~الجنة: " فلا تبيعوها بغيرها " من الدنيا ومهويات الأنفس.
# قوله: (يجيب إذا سئل).
# يعني يكون قادرا على الجواب عما يسأل والنطق عند عجز القوم عن الكلام،
~~ومشيرا بالرأي الذي فيه صلاح القوم، وعارفا بصلاحهم، وآمرا به، فمن لم يكن
~~فيه شيء من هذه الثلاث فهو أحمق، أي عديم الفهم، ناقص التميز بين الحسن
~~والقبيح.
# PageV00P057
# فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء فهو أحمق.
# إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه
~~هذه الخصال الثلاث، أو واحدة منهن، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس، فهو
~~أحمق.
# وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من
~~أهلها، قيل: يا ابن رسول الله، ومن أهلها؟ قال: الذين قص الله في كتابه
~~وذكرهم، فقال: (إنما يتذكر أولوا الألباب) قال: هم أولوا عقول.
# وقال علي بن الحسين (عليهما السلام): ms022 مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح،
~~وآداب العلماء
____________________
#
ولعل قوله (عليه السلام): " يجيب إذا سئل "
~~ناظر إلى الفتاوى في النقليات والشرعيات.
# وقوله: (وينطق إذا عجز القوم عن الكلام) ناظر إلى تحقيق المعارف
~~والعقليات.
# وقوله: (ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله) ناظر إلى معرفة التدابير
~~والسياسات في العمليات، فمن جمع فيه الخصال الثلاث دل على كمال عقله النظري
~~والعملي، ومن لم يكن فيه شيء منها يكن ناقص العقل بقوتيه.
# وقوله: (لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه) إلى آخره؛ لأن صدر المجلس
~~مكان من يراجع الناس إليه لحوائجهم، فيستحق أن يعظموه ويوقروه، وأصول
~~الحاجات هذه الثلاثة، فمن لم يكن فيه شيء منها فوضع نفسه هذا الموضع، فهو
~~أحمق فاعل فعل الحمقاء.
# قوله: (إذا طلبتم الحوائج...).
# أي أصولها التي هي الدينية، وفروعها التي هي الدنياوية. واختصاص طلب
~~الحوائج الدينية بأولي العقول ظاهر. وأما الحوائج الدنيوية فللذل الذي في
~~رفع الحاجة إلى الناقص في الدين، ولعدم الأمن من حمقه، فربما يمنعه أو يأتي
~~بما ضره أكثر من نفعه.
PageV00P058
# زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام
~~المروءة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه
~~راحة البدن عاجلا وآجلا.
# يا هشام، إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه ولا
~~يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته
~~بالعجز عنه.
# 13. علي بن محمد، عن سهل بن زياد رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه
~~السلام): " العقل غطاء ستير، والفضل جمال ظاهر، فاستر خلل خلقك بفضلك،
~~وقاتل هواك بعقلك، تسلم لك المودة، وتظهر لك المحبة ".
#
____________________
#
قوله: (واستثمار المال تمام المروة...).
# وذلك لأنه يتمكن به من أن يأتي بما يليق به من الإنسانية. وفي إرشاد
~~المستشير شكر لنعمة (1) العقل، ومعرفة الرشاد والشكر من الحقوق اللازمة.
# قوله: (العقل غطاء ستير...). الغطاء: ما يستر (2) به. والستير: المستور.
~~والفضل ما يعد من المحاسن والمحامد. ms023 والجمال: حسن الخلق والخلق والفعل.
# والمراد أن العقل يستر مقابح المرء؛ فإن حسن العقل يغلب كل قبيح، لكنه من
~~المستورات التي يعسر الاطلاع عليها. والفضل جمال ظاهر، فينبغي أن يستر خلل
~~الخلق بالفضل، وأن يستر مقابح ما يهوى بمدافعة العقل للهوى، فلا يظهر ويبقى
~~مستورا.
# وقوله: (تسلم لك المودة).
# يحتمل أن يكون المراد به أنه إذا سترت خلل الخلق بفضلك، تسلم لك المودة
~~والإحسان إلى الناس، وإذا سترت مقابح ما تهويه بمدافعة عقلك، يظهر لك محبتك
~~لهم وعدم إرادة سوء بهم.
# ويحتمل أن يكون المراد به سلامة مودة الناس له، فلا يفعلون به إلا إحسانا
~~وظهور محبتهم له فلا يبغضونه.
# PageV00P059
# 14. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن سماعة بن
~~مهران، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة من مواليه،
~~فجرى ذكر العقل والجهل، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " اعرفوا العقل
~~وجنده، والجهل وجنده تهتدوا " قال سماعة: فقلت: جعلت فداك، لا نعرف إلا ما
~~عرفتنا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " إن الله عز وجل خلق العقل -
~~وهو أول خلق من الروحانيين - عن يمين العرش من نوره، فقال له: أدبر
~~
____________________
#
قوله: (وهو أول خلق من الروحانيين).
# الروح - بالضم - ما دق ولطف عن إدراك الحواس من الجواهر، فلا يدرك من جهة
~~البصر من خارج، (1) وكل ما هذا شأنه يكون من عالم الأمر، ومقابله عالم
~~الخلق.
# ويطلق الروح على النفس الإنسانية والملك.
# وقد يطلق على ما به الحياة؛ فيشمل غير الإنسان من الحيوانات. والنسبة
~~إليه " روحاني " بالضم.
# ويطلق على كل واحد باعتبار النسبة إلى الطبيعة، كما يقال لكل واحد من
~~أنواع الحيوان مثلا: " إنه نوع حيواني ". ويجوز أن يكون إطلاق الروحاني على
~~الملك باعتبار النسبة إلى الروح الإنساني، وهو الغالب إطلاقه عليه؛ لشدة
~~المناسبة والارتباط.
# ويحتمل أن يكون باعتبار النسبة إلى الروح الذي هو ملك وجهه كوجه الإنسان،
~~فيطلق على كل ملك سواه للنسبة إليه وكونه من جنسه، وعليه تغليبا، كالذاتي ms024
~~على النوع.
# وبالجملة، فالعقل (أول خلق من الروحانيين) خلقه الله (عن يمين العرش) أي
~~أشرف جانبيه وأقواهما وجودا (من نوره) أي من نور منسوب إليه تعالى؛ لشرفه،
~~أو من ذاته تعالى لا بوساطة (2) شيء، أو عن مادة، أو فيها.
# PageV00P060
# فأدبر؛ ثم قال له: أقبل فأقبل؛ فقال الله تبارك وتعالى: خلقتك خلقا
~~عظيما، وكرمتك على جميع خلقي ". قال: " ثم خلق الجهل من البحر الأجاج
~~ظلمانيا، فقال له: أدبر فأدبر؛ ثم قال له: أقبل فلم يقبل، فقال له:
~~استكبرت، فلعنه، ثم جعل للعقل خسمة وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما أكرم
~~الله به العقل وما أعطاه، أضمر له العداوة، فقال الجهل: يا رب، هذا خلق
~~مثلي خلقته وكرمته وقويته، وأنا ضده ولا قوة لي به، فأعطني من الجند مثل ما
~~أعطيته، فقال: نعم، فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي قال: قد رضيت،
~~فأعطاه خمسة وسبعين جندا، فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين الجند:
# الخير، وهو وزير العقل، وجعل ضده الشر، وهو وزير الجهل؛ والإيمان، وضده
~~الكفر؛
____________________
#
(ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ظلمانيا) أي من
~~المادة الظلمانية الكدرة، أو بوساطتها. (1) والمراد بالجهل هنا مبدأ الشرور
~~والمضار والمكائد والآفات والمناقص والمفاسد، كما أن العقل مبدأ الانكشاف
~~واختيار الخير والنافع.
# قوله: (فقال له: أدبر...) فإن قيل: في الحديث الأول ذكر الأمر بالإقبال
~~أولا بعكس ما في هذا الحديث.
# قلنا: لا منافاة؛ لجواز تعدد الأمر بالإقبال أو الأمر بهما.
# قوله: (ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جندا...).
# الجند: العسكر والأعوان والأنصار. وإطلاق الجند على واحد (2) باعتبار
~~الأقسام والشعب والتوابع؛ فكل واحد - لكثرة أقسامه وتوابعه - كأنه جند.
# قوله: (الخير وهو وزير العقل).
# في المصادر الخير: " از كسى بهتر بودن وبهترين برگزيدن (3) ". ولعله
~~المراد،
# PageV00P061
# والتصديق، وضده الجحود؛ والرجاء، وضده القنوط؛ والعدل، وضده الجور؛
~~والرضا، وضده السخط؛ والشكر، وضده الكفران؛ والطمع، وضده اليأس؛ والتوكل،
~~وضده الحرص؛ والرأفة، وضدها القسوة؛ والرحمة، وضدها الغضب؛ والعلم، وضده
~~الجهل؛
____________________
#
دون غيره كالمعنى التفضيلي. والشر ms025 مقابله.
# (والإيمان) هو الاعتقاد الجازم الثابت بالمبدأ وما يتبعه، وينسب إليه من
~~المعارف الضرورية اعتقادا لا يجامع الرد والإنكار، بل ترك (1) الاعتراف
~~والإقرار اختيارا. ومقابله الكفر.
# والمراد بالتصديق أن يصدق بما يظهر حقيته عليه من غير تلك المعارف، أو أن
~~يصدق مدعي الحق إذا عرفه. ومقابله الجحود.
# (والرجا) بالقصر، وقد يمد. والمراد بها توقع حصول ما يحصل بالاستحقاق
~~كالدرجات الأخروية، ويفارقه الطمع بأنه فيما ليس حصوله بالاستحقاق كالنعمة
~~(2) الدنيوية.
# (والقنوط) - المقابل للرجاء -: الحكم بعدم حصول ما حصوله بالاستحقاق له؛
~~للجزم بعدم الاستحقاق فلا يسعى له.
# (واليأس) - المقابل للطمع المعدود من جنود العقل -: القطع بعدم حصول
~~التوسعة الدنيوية، فيترك طلبها عند الحاجة.
# (والتوكل) هو الاعتماد على الله فيجمل في الطلب، ويكون الوثوق بالله
~~والاعتماد عليه، لا على طلبه. ومقابله الحرص.
# (والرأفة) هي العطوفة الناشئة عن الرقة. ومقابلها القسوة والغلظة.
# (والرحمة) هي الميل النفساني الموجب للعفو والتجاوز. ومقابله الغضب.
# (والعلم) يشمل التصور، والتصديق. ومقابله الجهل: بسيطه ومركبه.
# PageV00P062
# والفهم، وضده الحمق؛ والعفة، وضدها التهتك؛ والزهد، وضده الرغبة؛ والرفق،
~~وضده الخرق؛ والرهبة، وضده الجرأة؛ والتواضع، وضده الكبر؛ والتؤدة، وضدها
~~التسرع؛ والحلم، وضدها السفه؛ والصمت، وضده الهذر؛ والاستسلام، وضده
~~الاستكبار؛ والتسليم، وضده الشك؛ والصبر، وضده الجزع؛ والصفح، وضده
~~الانتقام؛ والغنى،
____________________
#
(والفهم): إدراك الأمور الجزئية. ولعل المراد
~~به هنا (1) المتعلقة بالحكمة العملية. (2) ومقابله الحمق.
# (والعفة): الامتناع عن مقتضى القوة الشهوية من الملاذ الحيوانية المتعلقة
~~بالبطن والفرج، فلا يأتي بها إلا بقدر الحاجة للمنفعة آثرا أحسن وجوهه.
~~ومقابله الهتك.
# (والزهد): الاكتفاء بالزهيد، أي القليل من الدنيا، وهو أقل ما يصلح
~~للقناعة رغبة عنها. ومقابله الرغبة وشدة الميل إليها.
# (والرفق) هو حسن الصنيعة والملاءمة. ومقابله الخرق. والأخرق من لا يحسن
~~الصنيعة.
# (والحلم): الأناة وإمساك النفس عن هيجان الغضب. ومقابله السفه، يعني
~~التسرع إلى الفساد الذي من آثار خفة العقل.
# (والصمت) وهو هنا السكوت عما لا يحتاج إليه. ومقابله الهذر.
# (والاستسلام) هو الانقياد، ويشتمل على شيئين: الخضوع، والتصديق؛ وكذا
~~التسليم، فباعتبار (3) الأول عبر عنه بالاستسلام، وجعل ms026 مقابله الاستكبار،
~~وباعتبار (4) الثاني عبر عنه بالتسليم، وجعل مقابله الشك.
# (والغنى) كإلى، وإذا فتح مد. وينبغي أن يحمل على غنى النفس؛ فإنه من
~~أحوالها وآثارها ومن توابع العقل. وأما الغنى بالمال فليس بصنعه؛ فكم من
~~عاقل لبيب مهذب اللب عنه الرزق منحرف، بل العقل مما يضيق المداخل، والجهل
~~يوسعها. ومقابله الفقر.
# PageV00P063
# وضده الفقر؛ والتذكر، وضده السهو؛ والحفظ، وضده النسيان؛ والتعطف، وضده
~~القطيعة؛ والقنوع، وضده الحرص؛ والمؤاساة، وضدها المنع؛ والمودة، وضدها
~~العداوة؛ والوفاء، وضده الغدر؛ والطاعة، وضدها المعصية؛ والخضوع، وضده
~~التطاول؛ والسلامة، وضدها البلاء؛ والحب، وضده البغض؛ والصدق، وضده الكذب؛
~~
____________________
#
(والتفكر) وفي بعض النسخ بدله: " والتذكر "
~~وهو يلزم التفكر، ولا يجامعهما السهو والغفلة.
# ثم ذكر القنوع وقابله بالحرص. (1) والقناعة: الرضا بما دون الكفاف، وعدم
~~طلب الزيادة.
# ولما كان الحرص زيادة السعي في الطلب ويشتمل على شيئين: الإفراط في
~~الطلب، والاعتماد على الطلب الذي يلازمه، جعله باعتبار اشتماله على الأول
~~مقابل القنوع، وباعتبار اشتماله على الثاني مقابل التوكل.
# (والحفظ) فإن العاقل يحفظ ما ينبغي حفظه، والجاهل يتركه وينسيه.
# ثم ذكر المودة، وهي الإتيان بمقتضيات المحبة والأمور الدالة عليها.
~~ومقابلها العداوة وهي الإتيان بمقتضيات المباغضة وفعل ما يتبعها.
# (والوفاء) بالعهد. ومقابله الغدر.
# (والطاعة) وهي متابعة من ينبغي متابعته في أوامره ونواهيه. والمعصية
~~مقابلها.
# (والخضوع): التذلل لمن يستحق أن يتذلل له. ومقابله التطاول وهو الترفع.
# (والسلامة) هي البراءة من البلايا، وهي العيوب والآفات. والعاقل يتخلص
~~منها حيث يعرفها ويعرف طريق التخلص، والجاهل يختارها ويقع فيها من حيث لا
~~يدري.
# (والحب) هو الميل النفساني، والعاقل يميل إلى المحاسن ويريدها وكذا إلى
~~من يتصف بها، بل العاقل يريد الخير لكل أحد، ولا يرضى بالشر والنقيصة
# PageV00P064
# والحق، وضده الباطل؛ والأمانة، وضدها الخيانة؛ والإخلاص، وضده الشوب؛
~~والشهامة، وضدها البلادة؛ والفهم، وضده الغباوة؛ والمعرفة، وضدها الإنكار؛
~~والمداراة، وضدها المكاشفة؛ وسلامة الغيب، وضدها المماكرة؛ والكتمان، وضدها
~~الإفشاء؛ والصلاة، وضدها الإضاعة؛ والصوم، وضده الإفطار؛ والجهاد، وضده
~~
____________________
#
لأحد، فهو يحب الكل، إنما يبغض الشرور
~~والمناقص. والبغض ms027 مقابله.
# ثم ذكر الحق. والمراد به اختيار الحق، ويقابله الباطل واختياره.
# (والشهامة) هي ذكاء الفؤاد وتوقده. ومقابلها البلادة.
# (والفهم) ولعل المراد به هنا (1) الإدراك المتعلق بالنظريات بكمال القوة
~~النظرية ويقابلها العبادة.
# (والمعرفة) وهي إدراك الشيء بصفاته وآثاره بحيث لو وصل إليه عرف أنه هو.
~~ومقابله الإنكار، يعني عدم حصول ذلك الإدراك؛ فإن الإنكار يطلق عليه كما
~~يطلق على الجحود.
# (والمداراة وضدها المكاشفة) (2) وهي المنازعة والمجادلة.
# (وسلامة الغيب) والمراد سلامة غيره عنه في غيبته فلا يمكره. (وضدها
~~المماكرة).
# (والكتمان) فإن العاقل من حاله وصفته أن يكتم ما يليق به الكتمان. (وضدها
~~الإفشاء).
# (والصلاة) أي إقامتها والإتيان بها كما طلب منه. (3) ومقابلها الإضاعة.
# (والصوم) بأن يكف النفس عما أمر بالكف عنه. (وضده الإفطار).
# (والجهاد) والإقبال على نصرة الحق وبذل النفس فيها. ومقابله
~~النكول.
# PageV00P065
# النكول؛ والحج، وضده نبذ الميثاق؛ وصون الحديث، وضده النميمة؛ وبر
~~الوالدين، وضده العقوق؛ والحقيقة، وضدها الرياء؛ والمعروف، وضده المنكر؛
~~والستر، وضده التبرج؛ والتقية، وضدها الإذاعة؛ والإنصاف، وضده الحمية؛
~~والتهيئة، وضدها البغي؛
____________________
#
(والحج) وتذكر العهد والميثاق لله بالربوبية
~~ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ولعلي (عليه السلام) بالوصية؛ حيث جعل
~~الميثاق في الحجر؛ لأنه كان أول من أسرع إلى الإقرار بذلك، فاختاره الله
~~لأن يجعل فيه ميثاقهم، فيشهد يوم القيامة لكل من وافاه وحفظ الميثاق؛ كما
~~هو المروي. (1) فمن أتى بالحج راعى الميثاق وتذكره، ومن تركه لم يكن مراعيا
~~للميثاق ولم يتذكره، فيكون ناسيا له وتاركا له.
# ولا يبعد أن يجعل العبادات الأربع جندا واحدا، فلا يزيد الجنود على ما
~~ذكره أولا. (2) ثم قال: (والحقيقة) والمراد بها الخلوص في التوحيد. (وضدها
~~الريا).
# (والمعروف) أي الإتيان به واختياره. (وضده المنكر) واختياره.
# (والستر) أي إخفاء ما ينبغي إخفاؤه. (وضده التبرج) والإظهار.
# (والتقية) وهي الستر في موضع الخوف. (وضدها الإذاعة) والإفشاء.
# (والإنصاف) والتسوية بين نفسه وغيره. (وضده الحمية).
# (والتهيئة) والموافقة والمصالحة للجماعة وإمامهم. (وضدها البغي)
~~والمخالفة.
# PageV00P066
# والنظافة، وضدها القذر؛ والحياء، وضدها الجلع؛ والقصد، وضده العدوان؛
~~والراحة، وضدها التعب؛ والسهولة، وضدها ms028 الصعوبة؛ والبركة، وضدها المحق؛
~~والعافية، وضدها البلاء؛ والقوام، وضده المكاثرة؛ والحكمة، وضدها الهوى؛
~~
____________________
#
(والنظافة) والطهارة. (وضدها القذر) والنجاسة.
# (والحياء، وضده الجلع) وهو عدم الحياء أو قلتها.
# (والقصد) ولزوم وسط الطريق الموصل إلى المقصود. (وضده العدوان) والخروج
~~عن الطريق.
# (والراحة) واختيار ما يوجبها بحسب النشأتين. (وضدها التعب).
# (والسهولة) أي اللين ويسر المطاوعة، أو اختيار السهلة السمحاء التي هي
~~الملة القويمة. (وضدها الصعوبة) والإباء وعسر المطاوعة، أو الخروج عن
~~السهلة السمحاء.
# (والبركة) وهي النماء والزيادة والبقاء والثبات ودوام العطية. ومقابلها
~~المحق وهو البطلان، والمحو وذهاب البركة، فالعاقل يحصل من الوجه الذي يصلح
~~له، و يصرف فيما ينبغي الصرف فيه، فينمو ويزيد، ويبقى ويدوم له، والجاهل
~~يحصل من غير وجهه ويصرف في غير المصرف، فيبطل ما له ويذهب بركته.
# (والعافية) من المكاره (وضدها البلاء) فالعاقل بالشكر والعفو يدوم النعمة
~~عليه ويعفى عنه، والجاهل بالكفران وشدة المؤاخذة يبتلى بالمكاره وزوال
~~النعم.
# (والقوام) كسحاب، وهو العدل وما يعاش به. والمراد به هنا التوسط.
# (والرضا بالكفاف، وضدها المكاثرة (1)) وهي المغالبة بالكثرة في المال أو
~~العدة.
# (والحكمة) وهي اختيار النافع والأصلح. (وضدها الهوى) واتباع الشهوة
~~والغضب.
# PageV00P067
# والوقار، وضده الخفة؛ والسعادة، وضدها الشقاوة؛ والتوبة، وضدها الإصرار؛
~~والاستغفار، وضده الاغترار؛ والمحافظة، وضدها التهاون؛ والدعاء، وضده
~~الاستنكاف؛ والنشاط، وضده الكسل؛ والفرح، وضده الحزن؛ والألفة، وضدها
~~الفرقة؛ والسخاء، وضده البخل.
#
____________________
#
(والوقار) وهو الثقل والرزانة. (وضدها الخفة)
~~فإن العاقل لا يزول عما هو عليه بكل ما يرد عليه، ولا يحركه إلا ما يحكم
~~العقل بالحركة له أو إليه لرعاية خير وصلاح، والجاهل يتحرك للتوهمات
~~والتخيلات واتباع القوى الشهوانية والغضبية، فمحرك العاقل قليل الحصول،
~~عزيز الوجود، ومحرك الجاهل كثير التحقق، قلما يخلو عنه الأوقات والأزمان.
# (والسعادة وضدها الشقاوة) فإن العاقل يختار ما يوجب حسن العاقبة وينتهي
~~إليه، والجاهل بخلافه.
# (والتوبة وضدها الإصرار) فالعقل يوجب الندامة على القبيح ويأمر بالانتهاء
~~عنه، والجهل بخلافه.
# (والاستغفار وضدها الاغترار) فالعاقل لا يغتر لما يعلمه فيستغفر، والجاهل
~~يغتر لجهله.
# (والمحافظة) أي على ms029 ما كلف به (وضدها التهاون).
# (والدعاء) والطلب من بارئه على جهة التذلل (وضدها الاستنكاف).
# (والنشاط) في العمل للآجل (وضدها الكسل).
# (والفرح) فلا يحزن للأمور الدنيوية؛ للعلم بزوالها وعدم ثباتها، وللرضا
~~بالقدر والقضاء فيها. (وضده الحزن) فالجاهل يحزن لها ولا يترتب على حزنه
~~إلا زيادة مكروه.
# (والألفة، وضدها الفرقة) فالعاقل يألف الموافق والمخالف بعقله، والجاهل
~~يفارقهما بجهله.
PageV00P068
# فلا تجتمع هذه الخصال كلها من أجناد العقل إلا في نبي أو وصي نبي، أو
~~مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، وأما سائر ذلك من موالينا فإن أحدهم لا
~~يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل، وينقى من جنود الجهل، فعند
~~ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء، وإنما يدرك ذلك بمعرفة
~~العقل وجنوده، وبمجانبة الجهل وجنوده؛ وفقنا الله وإياكم لطاعته ومرضاته ".
# 15. جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن
~~فضال، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما كلم رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله قط ". وقال: " قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): إنا - معاشر الأنبياء - أمرنا أن نكلم الناس على قدر
~~عقولهم ".
# 16. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن
~~أبيه (عليهما السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إن قلوب
~~الجهال تستفزها الأطماع، وترتهنها المنى،
____________________
#
(والسخاء، وضده البخل) فالعاقل يسخي ويجود
~~بماله، فيعطي ما يزكو به ماله، والجاهل يمنعه ويبخل به.
# قوله: (امتحن الله قلبه للإيمان).
# يقال: امتحن الله قلوبهم، أي شرحها ووسعها.
# قوله: (ما كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) العباد بكنه عقله) أي
~~بنهاية ما يدركه بعقله.
# وقوله: (أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم) أي بما يكون على قدر يصل
~~إليه عقولهم.
# قوله: (إن قلوب الجهال تستفزها الأطماع) أي تستخفها وتخرجها من مقرها
~~(وترتهنها المنى) وهي إرادة ما لا يتوقع حصوله، أو المراد به ما يعرض
~~للإنسان من أحاديث النفس وتسويل ms030 الشيطان، أي تأخذها وتجعلها مشغولة بها،
~~ولا تتركها إلا
PageV00P069
# وتستعلقها الخدائع ".
# 17. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبيد الله
~~الدهقان، عن درست، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: قال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " أكمل الناس عقلا أحسنهم خلقا ".
# 18. علي، عن أبي هاشم الجعفري قال: كنا عند الرضا (عليه السلام) فتذاكرنا
~~العقل والأدب، فقال:
# " يا أبا هاشم، العقل حباء من الله، والأدب كلفة، فمن تكلف الأدب قدر
~~عليه، ومن تكلف العقل، لم يزدد بذلك إلا جهلا ".
#
____________________
#
بحصول ما يتمناه (وتستقلقها) (1) - بالقافين -
~~أي تجعلها (الخدائع) منزعجة منقطعة عن مكانها.
# وفي بعض النسخ (تستعلقها) بالعين المهملة قبل اللام والقاف بعدها، أي
~~تربطها بالحبال كما يعلق الصيد بالحبال.
# وفي بعضها بالغين المعجمة من استغلقني في بيعته، أي لم يجعل (2) لي خيارا
~~في رده.
# قوله: (أحسنهم خلقا).
# الخلق - بالضم وبضمتين - الهيئة الحاصلة للنفس بصفاتها، ويقال لها:
~~السجية.
# ويدل عليها الآثار والأفعال. وقد يطلق على الآثار والأفعال الدالة عليها،
~~تسمية للدال باسم المدلول.
# قوله: (العقل حباء من الله) أي عطية منه تعالى (والأدب) وهو الطريقة
~~الحسنة في المحاورات والمكاتبات والمعاشرات وما يتعلق بمعرفتها وملكتها
~~(كلفة) وهي ما يكتسب ويتحمل بمشقة، وكل ما هذا شأنه يحصل لمن يتكلفه ويحتمل
~~المشقة في طلبه، فمن تكلف الأدب قدر عليه، وما يكون حصوله للشخص بحسب
# PageV00P070
# 19. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة،
~~عن إسحاق ابن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك،
~~إن لي جارا كثير الصلاة، كثير الصدقة، كثير الحج لا بأس به؟ قال: فقال: "
~~يا إسحاق، كيف عقله؟ "، قال: قلت له: جعلت فداك ليس له عقل، قال: فقال: "
~~لا يرتفع بذلك منه ".
# 20. الحسين بن محمد، عن أحمد بن محمد السياري، عن أبي يعقوب البغدادي،
~~قال:
# قال ابن السكيت لأبي الحسن (عليه السلام) لماذا بعث الله موسى بن عمران
~~(عليه السلام) بالعصا ويده البيضاء
____________________
#
الخلقة ms031 وإعطاء من الله سبحانه كالعقل فلا يحصل
~~بتكلف واحتمال مشقة، فمن تكلف العقل (1) لم يقدر عليه، ولم يزدد بتكلفه ذلك
~~إلا جهلا. (2) ولا ينافي ذلك القدرة على اكتساب العلم، وحصوله باحتمال
~~المشاق في طلبه. وظهور فعل القوة العقلية وكماله بحصول العلم.
# قوله: (لا بأس به) أي لا يظهر منه عداوة لأهل الدين وشدة على المؤمنين،
~~أولا يطلع منه على معصية.
# (فقال: يا إسحاق كيف عقله؟) أي قوة التمييز بين الحق والباطل تمييزا يوجب
~~الانقياد للحق والإقرار به، فأجابه إسحاق بقوله: (ليس له عقل) فقال (عليه
~~السلام) (لا ينتفع (3) بذلك منه) أي لا يقع الانتفاع بما ذكر من كثرة
~~الصلاة والصدقة من غير العاقل.
# وفي بعض النسخ " لا يرتفع بذلك منه " أي لا يرتفع ما ذكرته من الأعمال
~~بسبب قلة العقل منه.
# ويحتمل أن يكون الفعل على البناء للمفعول كالنسخة الأولى والباء في "
~~بذلك " للتعدية، والظرف في موضع (4) الحال، أي لا يرفع الأعمال حال كونها
~~من غير العاقل.
# PageV00P071
# وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمدا - صلى الله عليه وآله وعلى
~~جميع الأنبياء - بالكلام والخطب؟
# فقال أبو الحسن (عليه السلام): " إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان
~~الغالب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله،
~~وما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة
____________________
#
قوله: (وآلة السحر...).
# السحر ما لطف مأخذه ودق. والآلة ما يعتمل به من أداة. ويكون السحر بآلة
~~دائما أو غالبا، فللآلة اختصاص به، بخلاف المعجزة، حيث لا حاجة فيها إلى
~~الآلة، فباعتبار ذلك الاختصاص أضاف الآلة إلى السحر. وعطف آلة السحر على
~~العصا من (1) عطف العام على الخاص.
# وقوله (عليه السلام): (وبعث عيسى (عليه السلام) بآلة الطب).
# إطلاق الآلة هنا إما بتبعية إطلاقها في السحر، أو باستعمالها فيما يترتب
~~عليه الفعل، أو يظهر به الصنعة مجازا.
# قوله: (بالكلام والخطب) أي بالكلام المنتهي بلاغته حد الاعجاز. والخطبة:
# الكلام المنثور المسجع.
# قوله: (كان الغالب على أهل عصره السحر).
# الحاصل: أن ms032 الغالب على أهل العصر مما يستكمل (2) صنعته ويبلغ حد كماله،
~~فالغلبة فيه وفي شبهه أقوى وأتم في إثبات المقصود، حيث عرفوا نهاية المقدور
~~لهم فيه، فإذا جاوزه حصل لهم العلم بأنه ليس من فعل أشباههم وأمثالهم، بل
~~من فعل خالق القوى والقدر، أو من فعل من أقدره عليه بإعطاء قدرة مخصوصة به
~~له.
# وأما المتروك في العصر فربما يتوهم أنهم لو تناولوه (3) وسعوا فيه
~~واكتسبوه بلغوا الحد الذي يتأتى منهم الإتيان بما أتى به.
# PageV00P072
# عليهم، وإن الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات،
~~واحتاج الناس إلى الطب، فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله،
~~وبما أحيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى، وأثبت به
~~الحجة عليهم. وإن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) في وقت كان
~~الغالب على أهل عصره الخطب والكلام - وأظنه قال: الشعر - فأتاهم من عند
~~الله تعالى من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم ".
# قال: فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثلك قط، فما الحجة على الخلق
~~اليوم؟ قال:
# فقال (عليه السلام): " العقل، يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب
~~على الله فيكذبه " قال:
# فقال ابن السكيت: هذا - والله - هو الجواب.
# 21. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء عن المثنى الحناط، عن
~~قتيبة الأعشى، عن ابن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر (عليه
~~السلام) قال: " إذا
____________________
#
قوله: (فما الحجة على الخلق اليوم؟) أي كان
~~الحجة على الخلق في صدق الرسل معجزاتهم، فما الحجة عليهم اليوم في صدق من
~~يجب اتباعه وتفترض طاعته، حيث لا يعرف بالمعجزة الظاهرة؟ فقال (عليه
~~السلام): (العقل يعرف به الصادق على الله...) فإنه بعد نزول الكتاب وانضباط
~~الآثار الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله) يعرف بالعقل الصادق على الله
~~عن الكاذب عليه؛ فإن الصادق على الله عالم بالكتاب، راع له، متمسك بالسنة،
~~حافظ لها، والكاذب على الله تارك للكتاب، ms033 غير عالم به، مخالف للسنة بقوله
~~وفعله.
# قوله: (وضع الله يده على رؤوس العباد).
# وضع اليد كناية عن إنزال الرحمة والتقوية بإكمال النعمة.
# وقوله: (فجمع بها عقولهم) يحتمل وجهين:
# أحدهما: أنه يجعل عقولهم مجتمعين على الإقرار بالحق، فلا يقع بينهم
~~اختلاف ويتفقون على التصديق.
# والآخر: أنه يجمع عقل كل واحد منهم، ويكون جمعه باعتبار مطاوعة القوى
~~النفسانية للعقل، فلا يتفرق لتفرقها.
PageV00P073
# قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به
~~أحلامهم ".
# 22. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم،
~~عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " حجة الله على
~~العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل ".
# 23. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد مرسلا، قال: قال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم؛
~~وبالعقل يكمل، وهو دليله
____________________
#
وقوله: (وكملت به أحلامهم) تأسيس على الأول،
~~تأكيد على الثاني.
# قوله: (حجة الله (1) على العباد النبي (صلى الله عليه وآله)). أي الحجة
~~الموصلة للعباد إلى السعادة والنجاة بعد الاعتقاد بإلهيته تعالى هو النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، والحجة فيما بين العباد وبين الله الموصلة للعباد
~~إلى معرفة الله تعالى والتصديق به هو العقل.
# ويحتمل أن يكون المراد أن حجة الله على العباد - أي ما يقطع به عذرهم
~~فيبكتهم (2) - اللطف بهم بإرسال النبي، والمتوسط في الإيصال إلى معرفته
~~تعالى ومعرفة الرسول، والطريق إلى المعرفة بين العباد وبين الله تعالى هو
~~العقل، ويناسب هذا إيراد لفظة " على " أولا، وتركها ثانيا.
# قوله: (دعامة الإنسان العقل...).
# الدعامة - بكسر الدال - عماد البيت، والخشب المنصوب للتعريش، والمراد أن
~~قيام أمر الإنسان ونظام حاله بالعقل، فكل من لم يكن عاقلا يكون ساقطا غير
~~منتظم الأحوال.
# PageV00P074
# ومبصره ومفتاح أمره، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما، حافظا،
~~ذاكرا، فطنا، فهما، فعلم بذلك كيف ولم وحيث، وعرف من نصحه ومن غشه، فإذا
~~عرف ms034 ذلك عرف مجراه وموصوله ومفصوله، وأخلص الوحدانية لله، والإقرار
~~بالطاعة، فإذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات، وواردا على ما هو آت، يعرف ما
~~هو فيه، ولأي شيء هو هاهنا، ومن أين يأتيه، وإلى ما هو صائر؛ وذلك كله من
~~تأييد العقل ".
# 24. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن بعض رجاله، عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " العقل دليل المؤمن ".
# 25. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن حماد بن عثمان، عن
~~السري بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): يا علي، لا فقر أشد من الجهل،
____________________
#
ويمكن أن يكون بالنظر إلى النوع، فلو لا العقل
~~لما بقي النوع، لأن الغرض من إيجاد الإنسان المعرفة التي لا تحصيل إلا
~~بالعقل (والعقل) يحصل أو ينشأ (منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم) وهذا إلى
~~قوله: " فإذا كان تأييد عقله " كالدليل لسابقه.
# قوله: (فإذا كان تأييد عقله من النور) أي إذا كان تقوية عقله - أي الحالة
~~التي للنفس باعتبار الاتصال والارتباط بالجوهر المفارق المخلوق أولا - من
~~النور، أي ذلك المخلوق الأول الذي ذكر سابقا أنه خلقه من نوره، وذلك
~~التأييد بكمال إشراقه عليها.
# ولعل المراد أنه إذا كان عقله متقويا (1) بذلك الإشراق، كان جامعا لهذه
~~الصفات بكمالها ولو لم يتعلم، وإذا كان غير متأيد به، كان له بعضها أو بعض
~~المراتب منها، ويبلغ بالتعلم والاكتساب إلى الكمال المتيسر له.
# قوله: (لا فقر أشد من الجهل) لأن الجاهل فاقد ما يوصل إلى المنافع، ويكون
~~دليلا على معرفتها واختيارها واقتنائها، بل جهله يوصله إلى المضار
~~والمناقص، ويوجب اختيارها.
# PageV00P075
# ولا مال أعود من العقل ".
# 26. محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن العلاء بن
~~رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " لما خلق الله
~~العقل، قال له: أقبل، فأقبل.
# ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت ms035 خلقا أحسن منك، إياك
~~آمر، وإياك أنهى، وإياك أثيب، وإياك أعاقب ".
# 27. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن
~~الحسين بن خالد، عن إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
~~" الرجل آتيه وأكلمه ببعض كلامي، فيعرفه كله، ومنهم من آتيه فأكلمه
~~بالكلام، فيستوفي كلامي كله، ثم يرده علي كما كلمته، ومنهم من آتيه فأكلمه،
~~فيقول: أعد علي؟ فقال: " يا إسحاق،
____________________
#
(ولا مال أعود) أي أنفع (من العقل) لأن المال
~~كالآلة لمن يريد الخير والنافع في الوصول إليهما، والعقل هو الدليل الموصل
~~إلى المنافع والمصالح، وبه معرفتها و اختيارها واقتناؤها.
# قوله: (وأكلمه ببعض كلامي) أي أكلمه ببعض كلامي الذي أريد أن أكلمه بكله
~~فيعرف كله: ما كلمته به وما لم أكلمه به.
# ثم ذكر القسمين الآخرين (1): أي الذي يفهم ما كلمه به ويضبطه (ثم يرده)
~~أي الكلام عليه ويجيبه (كما كلمه)، أي على وفق كلامه عند المباحثة، أو
~~المراد رد كلامه عليه كما هو عند الإعلام والإفهام، والذي لا يفهم ما كلمه
~~به، أو يفهم ولا يضبطه. ومقصوده: إظهار خفاء سبب (2) هذا الاختلاف بين
~~الأفهام عليه والسؤال عنه، فأتى (عليه السلام) أولا بإظهار ما هو مقصوده
~~بقوله: " وما تدري لم هذا " بالعاطف على كلامه، فصدقه السائل بقوله: " لا "
~~أي لا أدري لم هذا.
# ويحتمل أن يكون قوله: " وما تدري " استفهاما، أي أو ما تدري؟ لكن لا يحسن
~~الواو حينئذ، فإنه لا وجه للعطف حينئذ ولا حسن للاستيناف.
# PageV00P076
# وما تدري لم هذا؟ " قلت: لا، قال: " الذي تكلمه ببعض كلامك فيعرفه كله،
~~فذاك من عجنت نطفته بعقله؛ وأما الذي تكلمه فيستوفي كلامك ثم يجيبك على
~~كلامك، فذاك الذي ركب عقله فيه في بطن أمه؛ وأما الذي تكلمه بالكلام فيقول:
~~أعد علي، فذاك الذي ركب عقله فيه بعدما كبر، فهو يقول لك: أعد علي ".
# 28. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بعض من رفعه، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: ms036 " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم الرجل
~~كثير الصلاة، كثير الصيام، فلا تباهوا به حتى
____________________
#
ثم شرع (عليه السلام) في بيان سبب الاختلاف،
~~فقال: (الذي تكلمه...) وهو أول من ذكره السائل (من عجنت نطفته بعقله) أي
~~خلقت النفس المتعلقة ببدنه المناسبة له على هيئة كمالية تناسب العقل، فيشتد
~~ارتباطها به، ويقوى إشراقه عليها، وتتصل به.
# ثم قال (عليه السلام): (وأما الذي تكلمه فيستوفي كلامك، ثم يجيبك على
~~كلامك) أي يكلمك بكلام على طبق كلامك (فذلك الذي ركب عقله فيه في بطن أمه)
~~أي حصل لنفسه ذلك الارتباط، واستحكم فيه بالإشراق بعد التعلق بالبدن
~~بالقابلية الحاصلة لها باعتباره، منضمة إلى ما لها (1) في نفسها.
# ثم قال: (وأما الذي تكلمه بالكلام فيقول: أعد علي، فذاك (2) الذي ركب
~~عقله فيه بعد ما كبر) أي استحكم فيه ذلك الارتباط بعد استعمال الحواس وحصول
~~البديهيات والمبادئ، فما للثالث يكون للثاني على الوجه الأتم مع زيادة، وما
~~لهما يكون للأول على الوجه الأكمل مع زيادة.
# قوله: (لا تباهوا به) من المباهاة بمعنى المفاخرة، أي لا تفتخروا بكونه
~~كثير العبادة، ولا تعدوه من المفاخر.
# ويحتمل أن يكون من بهأ به بهاء، مهموز اللام، مخفف " لا تباهئوا " أي لا
~~تؤانسوا به حتى تنظروا كيف عقله؛ فإنه لا فخر بما ليس معه عقل؛ فإن كل حسن
~~مستور بقبح الجهل، مضمحل معه، ومؤانسة غير العاقل غير مرضي عند
~~العقل.
# PageV00P077
# تنظروا كيف عقله؟
# 29. بعض أصحابنا، رفعه، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " يا مفضل، لا يفلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من
~~يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة،
____________________
#
قوله: (لا يفلح من لا يعقل).
# الفلاح: الفوز والنجاة، والمراد بمن لا يعقل: من لا يتبع حكم العقل، ولا
~~يكون عقله مستوليا على قوى نفسه، ولا يعقل ولا يستولي عقله على قوى نفسه من
~~لا يحصل العلم ولا يصير ذا علم؛ فإنه بالعلم من ms037 جنوده يحصل له الاستيلاء
~~والغلبة.
# (وسوف ينجب من يفهم).
# النجيب: الفاضل النفيس في نوعه، والمراد أنه من يكون ذا فهم فهو قريب من
~~أن يصير عالما، ومن صارعا لما (1) فقريب من أن يستولي ويغلب عقله على قوى
~~نفسه وهواه.
# وكذا (يظفر من يحلم) أي يعقل، أو يكون ذا أناة، وهو من آثار غلبة العقل
~~على القوى الغضبية والشهوانية، فلا يسرع إلى مقتضاهما، فالظفر بالمقصود
~~والفوز يحصل له عن قريب.
# (والعلم جنة) أي وقاية من غلبة القوى الشهوانية والغضبية والدواعي
~~النفسانية ومن أن يلبس عليه الأمر ويدخل عليه الشبه. (2) وهذا شروع في ذكر
~~محاسن بعض من جنود العقل، فذكر العلم أولا، ثم الصدق
# PageV00P078
# والصدق عز، والجهل ذل، والفهم مجد، والجود نجح، وحسن الخلق مجلبة للمودة،
~~والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، والحزم مساءة الظن، وبين المرء
~~والحكمة نعمة
____________________
#
من جنوده، فقال: (والصدق عز) أي شرف، أو قوة
~~وغلبة. والمراد بالصدق هنا الصدق في الاعتقاد، ولذا قابله بالجهل؛ فإن
~~الاعتقاد الكاذب جهل، كما أن الاعتقاد الصادق علم. (والفهم مجد) والمجد نيل
~~الشرف والكرم. (والجود) بالمال (نجح) والنجح - بضم النون والحاء المهملة
~~بعد الجيم -: الظفر بالحوائج (وحسن الخلق مجلبة للمودة). المجلبة إما مصدر
~~ميمي حمله على حسن الخلق، كما حمل سائر المصادر السابقة (1) على سائر
~~الصفات مبالغة، أو اسم مكان.
# والأول أوفق بنظائره.
# ولما ذكر أن العقل بجنوده من العلم والفهم والصدق مناط الفلاح والعز
~~والمجد، وكان فيه الدلالة على بطلان الطواغيت؛ لجهلهم وخلوهم من الفهم
~~والصدق والعلم وانقياد العقل، بل اتبعوا أهواءهم فادعوا لأنفسهم ما ليس لهم
~~وتركوا الحق وأهله وظلموهم، فكان مظنة توهم أنه كيف يجوز على الجمع الكثير
~~كثرة لا يخرج عنها إلا قليل نادر مثل هذا الاتفاق على ترك الحق مع ظهوره
~~عليهم، أو على أكثرهم واتباع الأهواء وابتداع الآراء الباطلة، فأزال (2)
~~(عليه السلام) هذا الوهم بقوله (عليه السلام): (والعالم بزمانه لا يهجم
~~عليه اللوابس) أي لا يدخل عليه الشبهات. أو المراد من الهجوم الدخول بقوة ms038
~~وغلبة، فإن العالم بزمانه يعرف أن أهل الزمان مع كثرتهم وبلوغهم أضعاف
~~أولئك قلما يرى (3) في جماهيرهم ووجوه مشاهيرهم من لا يستكبر عن الإقرار
~~بالحق ولا يتبع هواه، حتى من يبالغ منهم في السداد وإظهار الصلاح، (4)
~~والتقوى والفلاح، فانضم فيهم الإضلال إلى الضلال، وتقوى (5) ضلالهم
~~بالإضلال، وعسى أن
# PageV00P079
#
#
____________________
#
يكون الإقرار بالحق والانقياد له عند القليل
~~النادر المتروك عندهم، المذموم لديهم، المحسود لهم، فيبغضونه للتعارف الذي
~~بينهم وينكرونه، تقوية لباطلهم وترويجا له، كما كان في أسلافهم حذو النعل
~~بالنعل، بل البطلة من أهل هذه الأزمان أسوأ حالا وأشد خسرانا من أولئك
~~الظلمة من السابقين؛ حيث لا ينالون باستكبارهم عن الحق ما نالوه من الدنيا
~~بل شروا الحق بثمن بخس تسلية أنفسهم بإخفاء الحق والتلبيس على الحمق
~~والوجاهة عندهم.
# ثم لما كان مظنة أن يقال: الظن بالسلف أنهم مثل أبناء هذه الأزمان (1) بل
~~تجويز ذلك من سوء الظن بهم، فقال (عليه السلام): (والحزم مساءة الظن). (2)
~~الحزم: إحكام الأمر وضبطه والأخذ فيه (3) بالثقة، والمساءة مصدر ميمي.
# والمراد أن إحكام الأمر وضبطه والأخذ بالثقة وتحصيل العلم فيه يوجب سوء
~~الظن بهم، أو يترتب (4) على سوء الظن بهم وتجويز كونهم مثل هؤلاء؛ فإنه لو
~~لم يجوز ذلك لحسن الظن بهم، لم يتتبع (5) ولم يسع في طلب معرفة الحق، فلا
~~يحصل له العلم بالحق، فمن يريد تحصيل العلم والاعتقاد الجازم الثابت يبني
~~(6) الأمر على تجويز السوء منهم أولا حتى يتبين (7) الأمر بالبينة، ومن
~~يجوز السوء بهم يوصله ذلك التجويز إلى إحكام الأمر والبناء فيه على الموثوق
~~به الذي يوجب الاعتقاد الجازم الثابت.
# PageV00P080
# العالم، والجاهل شقي بينهما، والله ولي من عرفه، وعدو من تكلفه، والعاقل
~~غفور،
____________________
#
قوله: (وبين المرء والحكمة (1) نعمة العالم
~~(2) والجاهل شقي بينهما).
# لعل المراد بكون الشيء بين المرء والحكمة كونه موصلا للمرء إلى الحكمة
~~وواسطة في حصولها له، كما في رواية جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): " بين العبد والكفر ترك الصلاة ". (3) أي ترك الصلاة موصل ms039 للعبد إلى
~~الكفر.
# والغرض أن ما أنعم الله به على العالم من العلم والفهم والصدق على الله
~~واسطة للمرء يوصله إلى الحكمة، فإن المرء إذا عرف حال العالم اتبعه وأخذ
~~منه، فيحصل له الحكمة ومعرفة الحق والإقرار به والعمل على وفقه. وكذا
~~بمعرفة حال الجاهل
# PageV00P081
# والجاهل ختور، وإن شئت أن تكرم فلن، وإن شئت أن تهان فاخشن، ومن كرم أصله
~~لان قلبه،
____________________
#
وأنه غير عالم فهم صادق على الله يترك متابعته
~~والأخذ منه، ويسعى في طلب العالم فيطلع عليه ويأخذ منه، فالجاهل باعتبار
~~سوء حاله باعث بعيد لوصول المرء إلى الحكمة، فهو شقي محروم يوصل معرفة حاله
~~المرء إلى سعادة الحكمة. وهذا الكلام كالتفصيل والتأكيد لما سبقه.
# ويحتمل أن يحمل البينية في الأولى (1) على التوسط في الإيصال، وفي
~~الثانية على كون الشيء حاجزا مانعا من الوصول، والجاهل شقي مانع من الوصول
~~إلى الحكمة.
# ولا يبعد أن يقال: المراد بنعمة العالم العالم نفسه، والإضافة بيانية، أو
~~يكون العالم بدلا من قوله: " نعمة " فإن العالم من أشرف ما أنعم الله
~~بوجوده على عباده.
# وقد قيل في معنى هذه العبارة وجوه أخر بعيدة (2) تركناها لمخافة الإطناب.
# قوله: (والله ولي من عرفه) (3) أي العالم (وعدو من تكلفه) أي تكلف
~~العرفان، والمراد به إراءة ما ليس له من المعرفة.
# قوله: (والعاقل غفور والجاهل ختور).
# " الغفور " إما من غفره، بمعنى غطى عليه، عفا عنه، أو من غفر الأمر، يعني
~~أصلحه. و" الختور " إما من الختر بمعنى المكر والخديعة، أو من الختر، بمعنى
~~خباثة (4) النفس وفسادها.
# قوله: (ومن كرم أصله لان قلبه).
# لعل المراد بكرم الأصل كون النفس فاضلة شريفة ذات ارتباط شديد وتأيد
~~بالنور، ومن كان كذلك لان قلبه الذي هو مبدأ الآثار العقلانية؛ لأن أول
~~تعلق النفس
# PageV00P082
# ومن خشن عنصره غلظ كبده، ومن فرط تورط، ومن خاف العاقبة تثبت عن التوغل
~~فيما لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه، ومن لم يعلم لم
~~يفهم، ومن لم يفهم لم ms040 يسلم، ومن لم يسلم لم يكرم، ومن لم يكرم يهضم، ومن
~~يهضم كان ألوم، ومن كان
____________________
#
بالروح الحاصل في القلب، (1) فلان عناصره التي
~~ينحل إليها بدنه باستمداد من الروح الذي يجيء إليها من القلب.
# (ومن خشن عنصره غلظ كبده) أي ومن لم يكن كريم الأصل - وهو من خشن عنصره
~~وخبث طينته - غلظ منه ما هو المناط في قوام البدن وقوته، وهو الكبد،
~~فيستولي القوى البدنية فيه على القوى العقلانية.
# قوله: (ومن فرط تورط) أي من عجل ولم يتفكر في العواقب، بل عمل بمقتضى
~~القوى الشهوانية والغضبية، وقع في الورطة، أي فيما يعسر الخروج منها.
# (ومن خاف العاقبة) وذلك بتفكره في العواقب (تثبت عن التوغل فيما لا يعلم)
~~أي الدخول فيه باستعجال، بل لا يدخل فيه إلا بعد معرفة حاله، والعلم بمآله،
~~فلا يتبع من لا يعلم حاله.
# (ومن هجم على أمر بغير علم) أي بذلك الأمر، واطلاع عليه، كمن تصدى لتعليم
~~ما لا يعلمه وتقرير ما لا يدركه (جدع) - بالجيم والدال والعين المهملتين -
~~أي قطع (أنف نفسه) يعني جعل نفسه ذليلا غاية الذل (2).
# قوله: (ومن لم يعلم لم يفهم) أي من لم يكن عالما بشيء لم يميز بين الحق
~~والباطل فيه.
# (ومن لم يفهم) أي لم يميز بين الحق والباطل فيما يرد عليه (لم يسلم) من
~~ارتكاب الباطل، بل لم يسلم في شيء أصلا. أما في ارتكاب الباطل فظاهر، وأما
~~في ارتكابه الحق - إن اتفق - فلأن القول به بلا علم هلاك وضلالة.
# (ومن لم يسلم لم يكرم) - على البناء للمفعول - أي لم يعزز ولم يعمل
~~معه
# PageV00P083
# كذلك كان أحرى أن يندم ".
# 30. محمد بن يحيى رفعه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " من
~~استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها، واغتفرت فقد ما سواها،
~~ولا أغتفر فقد عقل ولا دين؛
____________________
#
معاملة الكرام، بل يخذل، أو على البناء
~~للفاعل، أي لم يكن شريفا فاضلا.
# (ومن لم يكرم يهضم) - على البناء للمفعول - أي يكسر عزه ms041 ويهان، أو يترك
~~مع نفسه ويوكل أمره إليه.
# وفي بعض النسخ " تهضم " من باب التفعل، أي يكون مظلوما لنفسه، أو ظالما
~~عليها.
# (ومن يهضم (1) كان ألوم) أي أشد ملومية وأكثر استحقاقا لأن يلام (ومن كان
~~كذلك) أي أكثر استحقاقا للملامة (كان أحرى أن يندم) أي أجدر بالندامة على
~~ما ساقه إلى الألومية من التوغل فيما لا يعلم، والهجوم على أمر بغير علم.
# قوله: (من استحكمت لي فيه خصلة من خصال الخير) " الخصلة " تستعمل في
~~الصفات، فضائلها ورذائلها، ولكن استعمالها في الفضائل أكثر. ويقال: أحكمتها
~~فاستحكمت، أي صارت محكمة، والمراد بصيرورتها محكمة صيرورتها ملكة.
# وقوله (عليه السلام): " لي " باعتبار تضمين معنى الثبوت، أو ما شابهه.
# وقوله: (احتملته عليها) أي احتملته كائنا على هذه الخصلة (واغتفرت فقد ما
~~سواها) أي تجاوزت عن فقد ما سواها من خصال الخير، وما آخذته بفقدها،
~~وارتضيت بحاله هذه له. والحاصل تجويز نجاته بسبب الخصلة الواحدة.
# والمراد بخصال الخير الخصال التي من توابع الخير، وقد سبق أن الخير من
~~جنود العقل وزيره، فالعقل خارج من خصال (2) الخير، وكذا الدين؛ فإنه لا يعد
~~خصلة عرفا، فالمعنى أن من وجدته ذا خصلة واحدة محكمة فيه من خصال الخير،
~~قبلته ورضيت
# PageV00P084
# لأن مفارقة الدين مفارقة الأمن، فلا يتهنأ بحياة مع مخافة، وفقد العقل
~~فقد الحياة، ولا يقاس إلا بالأموات ".
#
____________________
#
باحتماله، وتجاوزت عن فقد ما سواها. وأما
~~العقل والدين فليسا مما يكتفى بأحدهما عن الآخر، أو يكتفى عنهما بغيرهما،
~~بل إنما يكتفى في القبول بالخصلة الواحدة من خصال الخير بعد العقل والدين
~~كما قال: (ولا أغتفر فقد عقل ولا دين).
# ويمكن أن يجعل هذا القول قرينة على كون المراد بخصال الخير ما عداهما.
# ويحتمل أن يكون المراد بخصال الخير هنا ما يشمل العقل والدين، ويكون
~~قوله: " ولا أغتفر " كالاستثناء.
# ثم استدل على أن فقدان العقل أو الدين (1) لا يغتفر ولا يقبل فاقد أحدهما
~~بقوله:
# (لأن مفارقة الدين مفارقة الأمن) وهذا أقل مراتبه التي يجامع العقل التي
~~هي الإقرار ms042 ظاهرا والتمسك تكلفا، والمفارق (2) حقيقة كالداعي بلا علم
~~والمتبع لغير العالم، الآخذ معالم دينه من الجاهل، فمن كان كذلك كان خائفا؛
~~لعدم علمه بإصابته (3) الحق، وإجابته لما دعي إليه، ومن كان كذلك يخاف عليه
~~أن لا يخرج من الدنيا إلا بعد تسلط الشيطان عليه، واتباعه لوساوسه المؤدية
~~إلى الكفر؛ نعوذ بالله من شره.
# (فلا يتهنأ بحياة مع مخافة).
# في المصادر: " التهنؤ گوارنده شدن " والبناء للمفعول، والباء للتعدية.
# ويمكن أن يكون المراد بالحياة هنا المعرفة المتعلقة بالله تعالى وبالنبي
~~(صلى الله عليه وآله) وبالكتاب وحقية (4) الشريعة، فمن لم يحصل العلم
~~بمفصلات الأحكام من مأخذه الذي ينبغي أن يؤخذ (5) منه، وآثر اتباع الجاهل،
~~وترك اتباع العالم، كان مخافة أن يزول عنه حياته التي كانت له، ومعرفته
~~التي حصلت له (وفقد العقل فقد الحياة)
# PageV00P085
# 31. علي بن إبراهيم بن هاشم، عن موسى بن إبراهيم المحاربي، عن الحسن بن
~~موسى، عن موسى بن عبد الله، عن ميمون بن علي، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إعجاب المرء بنفسه دليل
~~على ضعف عقله ".
# 32. أبو عبد الله العاصمي، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن الحسن
~~بن الجهم، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: ذكر عنده أصحابنا وذكر
~~العقل، قال: فقال (عليه السلام): " لا يعبأ بأهل الدين ممن لا عقل له ".
~~قلت: جعلت فداك، إن ممن يصف هذا الأمر قوما لا بأس بهم عندنا وليست لهم تلك
~~العقول؟ فقال: " ليس هؤلاء ممن خاطب الله، إن الله تعالى خلق
~~
____________________
#
فإن حياة النفس بالعقل وبالمعرفة، كما أن حياة
~~البدن بالنفس (ولا يقاس إلا بالأموات) أي لا يقدر فاقد العقل إلا على مثال
~~الأموات. يقال: قست الشيء بالشيء: إذا قدرته على مثاله.
# قوله: (إعجاب المرء بنفسه).
# " الإعجاب " مصدر مبني للمفعول أضيف إلى المفعول، أي كون المرء معجبا
~~بنفسه. والعجب أن يظن الإنسان بنفسه منزلة لا يستحقها، ويصدق نفسه في هذا
~~الظن تصديقا ما، وذلك إنما يحصل من قلة ms043 التميز والمعرفة وضعف العقل، فهو
~~دليل على ضعف العقل.
# قوله: (لا يعبأ بأهل الدين ممن لا عقل له) وفي بعض النسخ: " بمن لا عقل
~~له " فيكون بدلا عن (1) قوله: " بأهل الدين " والمعنى أنه لا يبالي بمن لا
~~عقل له من أهل الدين، أي لا يعد شريفا، ولا يلتفت إليه، ولا يثاب على
~~أعماله ثوابا جزيلا.
# قوله: (إن ممن يصف هذا الأمر) أي إن ممن يقول بقول الإمامية (قوما لا بأس
~~بهم) في الاعتقاد والعمل (عندنا) أي في بلادنا، أو باعتقادنا (وليست لهم
~~تلك العقول).
# دل بإتيان لفظة " تلك " - وهي للإشارة إلى البعيد - على علو درجة
~~العقول
# PageV00P086
# العقل فقال له: أقبل، فأقبل، وقال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي
~~ما خلقت شيئا أحسن منك أو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي ".
# 33. علي بن محمد، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ليس بين الإيمان والكفر إلا قلة العقل
~~". قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ قال: " إن العبد يرفع رغبته إلى مخلوق،
~~فلو أخلص نيته لله لأتاه الذي يريد في أسرع من ذلك ".
#
____________________
#
المسلوبة عنهم إشارة إلى أن لهم قدرا من العقل
~~اهتدوا به إلى ما اهتدوا به، ولكن قريب المنزلة من إدراك الحواس والمشاعر،
~~وغرضه السؤال عن حالهم أيعبأ بهم أم لا؟ (فقال: ليس هؤلاء ممن خاطب الله إن
~~الله خلق العقل) إلى قوله: (ما خلقت شيئا أحسن منك أو أحب إلي منك). هذا
~~ترديد من الراوي.
# وفي قوله: (بك آخذ وبك أعطي) دلالة على أن المؤاخذة بالمعاصي والإعطاء
~~بالإطاعة والانقياد بالعقل وهو مناطهما، فكلما كمل كثرت المؤاخذة والإعطاء،
~~وكلما نقص قلت (1) المؤاخذة والإعطاء، فيصل إلى مرتبة لا يبالي بهم، ولا
~~يهتم بأمرهم، ولا يشدد ولا يضيق عليهم.
# قوله: (ليس بين الإيمان والكفر إلا قلة العقل) (2) أي ليس المخرج من
~~الإيمان إلى الكفر إلا قلة العقل. ولما كان الإيمان من الفطرة وبمنزلة
~~الثابت لكل أحد، ms044 فمن كفر كان خارجا من الإيمان إلى الكفر، قال: " ليس بين
~~الإيمان والكفر " أي ما يوصل من الإيمان إلى الكفر " إلا قلة العقل ".
# قوله: (وكيف ذاك يا بن رسول الله؟) أي كيف إيصال قلة العقل إلى الكفر؟
~~(قال:
# PageV00P087
# 34. عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبيد الله الدهقان، عن أحمد بن
~~عمر الحلبي، عن يحيى بن عمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:
# بالعقل استخرج غور الحكمة، وبالحكمة استخرج غور العقل، وبحسن السياسة
~~يكون الأدب الصالح. قال: وكان يقول: التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي
~~الماشي في الظلمات
____________________
#
إن العبد يرفع رغبته) أي مرغوبه ومراده من
~~حوائجه إلى مخلوق؛ لقلة عقله واعتقاده أن الحصول لا يكون إلا بالرفع إليه،
~~فيعظمه ويتذلل له ويتخذه ربا معطيا، ولو كان عاقلا كامل العقل يعرف أن في
~~إخلاص النية لله والرفع إليه دون غيره سرعة الوصول إلى المطلوب (فلو أخلص
~~نيته لله لأتاه) أي جاءه. وفي بعض النسخ " لآتاه " من باب الإفعال، أي
~~أعطاه الذي يريده (في أسرع من ذلك) أي من الحصول بعد رفع الحاجة إلى
~~المخلوق.
# قوله: (بالعقل استخرج (1) غور الحكمة) أي قعر الحكمة، والبالغ منها نهاية
~~الخفاء. والحكمة العلوم الحقة والمعارف اليقينية التي يدركها العقل،
~~فالوصول إلى أخفاها وحقيقة بواطنها بالعقل.
# (وبالحكمة استخرج غور العقل) أي نهاية ما في قوته من الوصول إلى العلوم
~~والمعارف؛ فإنه بالعلم والمعرفة يعرف نهاية مرتبة العقل، أو يظهر نهاية
~~مرتبته، ويبلغ كماله.
# (وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح) أي بحسن الأمر والنهي، أو بحسن
~~التأديب يحصل الأدب الصالح.
# قوله: (وكان يقول: التفكر حياة قلب البصير) أي قلب البصير الفهم يصير
~~حيا
# PageV00P088
# بالنور بحسن التخلص وقلة التربص ".
# 35. عدة من أصحابنا، عن عبد الله البزاز، عن محمد بن عبد الرحمن بن حماد،
~~عن الحسن بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل: " إن أول
~~الأمور ومبدأها وقوتها وعمارتها - التي لا ينتفع شيء إلا به ms045 - العقل الذي
~~جعله الله زينة لخلقه ونورا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنهم
~~مخلوقون، وأنه المدبر لهم، وأنهم المدبرون، وأنه الباقي وهم الفانون؛
~~واستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه، من سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله
~~ونهاره، وبأن له ولهم خالقا ومدبرا لم يزل ولا يزول، وعرفوا به الحسن من
~~القبيح، وأن الظلمة في الجهل، وأن النور في العلم، فهذا ما دلهم عليه العقل
~~".
# قيل له: فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره؟ قال: " إن العاقل لدلالة عقله
~~- الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته - علم أن الله هو الحق، وأنه هو
~~ربه، وعلم أن لخالقه محبة، وأن له كراهية، وأن له طاعة، وأن له معصية، فلم
~~يجد عقله يدله على ذلك، وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه، وأنه لا
~~ينتفع بعقله إن لم يصب ذلك بعلمه، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذي
~~لا قوام له إلا به ".
#
____________________
#
عالما عارفا بالتفكر، وهو الحركة النفسانية في
~~(1) المقدمات الموصلة إلى المطلوب ومنها إلى المطلوب. فالفهم يمشي ويتحرك
~~بتفكره في حال جهله بالمطلوب إلى المطلوب بحسن التخلص والنجاة من الوقوع في
~~الباطل وقلة التربص والانتظار في الوصول إلى الحق (كما يمشي الماشي في
~~الظلمات بالنور). شبه الحركة الفكرية حال الجهل بالمطلوب، بسبب الفهم
~~والبصيرة بمشي الماشي في الظلمات بالنور.
# وقوله: (بحسن التخلص) يحتمل تعلقه بالمشبه به، وبالمشبه، وبهما، ويعلم
~~الاشتراك على الأولين بالتشبيه.
# PageV00P089
# 36. علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن ابن أبي عمير، عن النضر بن سويد، عن
~~حمران وصفوان بن مهران الجمال، قالا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: " لا غنى أخصب من العقل، ولا فقر أحط من الحمق، ولا استظهار في أمر
~~بأكثر من المشورة فيه ".
# وهذا آخر كتاب العقل [والجهل] والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله
~~وسلم تسليما. PageV00P090
# كتاب فضل العلم باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه 1. أخبرنا محمد بن
~~يعقوب، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن ms046 أبي الحسين
~~الفارسي، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " قال
____________________
#
قوله: (كتاب فضل العلم. باب فرض العلم).
# كذا في كثير من النسخ، ويؤيدها (1) عد النجاشي كتاب فضل العلم - بعد ما
~~ذكر كتاب العقل - من كتب الكافي. (2) وفي كثير منها " باب فرض العلم " بلا
~~زيادة ذكر الكتاب قبله، ويوافقها عد الشيخ كتاب العقل وفضل العلم كتابا
~~واحدا من كتب الكافي. (3) والأمر فيه سهل.
# قوله: (أخبرنا محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم).
# ذكر " محمد بن يعقوب " هنا من زيادات الناقلين لكتبه، ففي أول كل كتاب
~~ذكروه إظهارا لأنه راوي هذا الكتاب، ولم يتركوا ذكره في أول الكتب إلا لما
~~ينبه عليه في موضعه.
# PageV00P091
# رسول الله (عليه السلام): طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب
~~بغاة العلم ".
#
____________________
#
قوله: (طلب العلم فريضة على كل مسلم).
# المراد بالعلم هنا العلم المتكفل لمعرفة الله تعالى وصفاته وما يتوقف
~~عليه المعرفة، والعلم المتعلق بمعرفة الشريعة القويمة.
# والأول له مرتبتان:
# الأولى: مرتبة يحصل فيها الاعتقاد الحق الجازم وإن لم يقدر على حل الشكوك
~~والشبهات. وطلب هذه المرتبة فرض عين.
# الثانية: مرتبة يقدر فيها على حل الشكوك ورفع الشبهات. وطلب هذه المرتبة
~~فرض كفاية.
# والثاني - أي العلم المتعلق بالشريعة القويمة - أيضا له مرتبتان.
# إحداهما: العلم بما يحتاج إلى عمله من العبادات وغيرها (1) ولو تقليدا.
~~وطلبه فرض عين.
# والثانية: العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، واصطلح في هذه
~~الأعصار على التعبير عنها بالاجتهاد. وطلبها فرض كفاية.
# وإنما وجوب هذه المرتبة كفاية في الأعصار التي لا يمكن الوصول فيها إلى
~~الحجة. وأما في العصر الذي كان الحجة ظاهرا، والأخذ منه ميسرا، ففيه كفاية
~~عن الاجتهاد، وكذا عن المرتبة الثانية من العلم المتكفل بمعرفة الله وصفاته
~~وتوابعه.
# ثم نقول: مراده ظاهرا فرض العين وبحسب ذلك الزمان، فيكون المفترض
~~المرتبتين الأولتين من العلمين.
# ولما بين فرض العلم رغب في المرتبة غير المفروضة، وهو الاشتغال بتحصيل ms047
~~العلوم وضبطها واتخاذه حرفة بقوله: (ألا إن الله يحب بغاة العلم) أي طلبته؛
~~فإن " بغاة العلم " و" طلبة العلم " ظاهر عرفا فيمن يكون اشتغاله به دائما،
~~وكان شغله الذي يعرف، ويعد من أحواله طلب العلم.
# PageV00P092
# 2. محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله، عن عيسى بن
~~عبد الله العمري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " طلب العلم فريضة ".
# 3. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض
~~أصحابه، قال: سئل أبو الحسن (عليه السلام): هل يسع الناس ترك المسألة عما
~~يحتاجون إليه؟
# فقال: " لا ".
# 4. علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد؛ ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد
~~بن عيسى، جميعا عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق
~~السبيعي، عمن حدثه، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: " أيها
~~الناس، اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب
~~عليكم من طلب المال؛ إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وضمنه
~~وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله، فاطلبوه ".
# 5. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي
~~عبد الله - رجل من أصحابنا - رفعه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "
~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): طلب العلم فريضة ".
#
____________________
#
قوله: (إن كمال الدين طلب العلم، والعمل به).
# المراد بهذا العلم، العلم المتعلق بالعمل، فمن طلبه ولم يعمل به، أو لم
~~يطلبه، كان ناقص الدين. ونبه عليه بالتنبيه على أن طلب العلم أوجب من طلب
~~المال، وقال:
# (إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم وضمنه) فما قدر بكل أحد
~~منكم أجراه إليه ولم يستحسن طلب المال من أحد ولم يحوج أحدا إلى طلب المال
~~من مثله، ولم يرتض له به، بل وسع لهم طرق الاكتساب.
# وأما العلوم الشرعية فمأخذها واحد، وطريق الأخذ ms048 واحد، وقد أمرتم بطلبه
~~(1) من أهله.
# PageV00P093
# * وفي حديث آخر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا وإن الله يحب بغاة
~~العلم ".
# 6. علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى،
~~عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " تفقهوا
~~في الدين؛ فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي؛ إن الله تعالى يقول
~~في كتابه: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم
~~يحذرون) ".
# 7. الحسين بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن القاسم بن الربيع، عن مفضل بن
~~عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " عليكم بالتفقه في دين
~~الله، ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه
~~يوم القيامة، ولم يزك له عملا ".
#
____________________
#
قوله: (ولا تكونوا أعرابا) أي كالأعراب في عدم
~~التفقه؛ فقد ذم الله تعالى الأعراب بقوله: (الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر
~~ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) (1) وبين وجوب التفقه في الدين وأكده بقوله:
~~(فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له
~~عملا).
# وتفصيل المقام أنه بين (عليه السلام) وجوب التفقه بوجوه:
# الأول: أن عدم التفقه جدير بمن هو أشد كفرا ونفاقا، ومن اختاره يكون كمن
~~آثر الكفر والنفاق.
# الثاني: أن من لم يتفقه في دين الله لم ينظر (2) إليه يوم القيامة ولم
~~يزك له عملا، أي لا يشملهم رحمته، ولا يثابون على أعمالهم؛ لأن أعمالهم لم
~~تكن على وجه الانقياد والإطاعة لله؛ لأن الإطاعة والانقياد إنما يتصور فيما
~~يعلم فيه الأمر والنهي، ومن لم يتفقه لم يعلم، وكل ما لا يكون على وجه
~~الإطاعة والانقياد لله لم يكن عبادة له، ومن لم يعبد الله لم يكن محسنا،
~~ولم ينل رحمة الله، ولم يكن مثابا بعمله.
# PageV00P094
# 8. محمد بن إسماعيل، عن ms049 الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن
~~دراج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لوددت أن
~~أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا ".
# 9. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عمن رواه، عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال: قال له رجل: جعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر، لزم
~~بيته ولم يتعرف إلى أحد من إخوانه؟ قال: فقال: " كيف يتفقه هذا في دينه؟ ".
# باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء 1. محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل
~~بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن درست
~~الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال:
~~" دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل،
~~فقال: ما هذا؟ فقيل: علامة، فقال: وما العلامة؟ فقالوا له: أعلم الناس
~~بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، والأشعار العربية، قال: فقال النبي
~~(صلى الله عليه وآله): ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه؛ ثم قال
~~النبي (صلى الله عليه وآله): إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو
~~
____________________
#
الثالث: ما استدل به في الحديث السابق على هذا
~~الحديث بقوله: " إن الله يقول في كتابه: (ليتفقهوا في الدين) " (1) فأوجب
~~الخروج للتفقه، ولو لم يكن التفقه واجبا لم يكن الخروج له واجبا.
# باب صفة العلم وفضله قوله: (ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه)
~~أي لا يتضرر أحد بجهله، ولا يكون بفقدانه سيئ الحال، ولا يترتب نفع على
~~حصول ذلك العلم
# PageV00P095
# فريضة عادلة، أو سنة قائمة، وما خلاهن فهو فضل ".
#
____________________
#
وإن كان في نفسه نوع فضيلة، وما هذا شأنه لا
~~يعتد به، ولا ينبغي أن يعد من العلوم؛ فإن ما يحتاج إليه من العلوم وما
~~ينتفع به كثير لا مجال للاشتغال عنها بمثل ذلك العلم.
# (إنما العلم) أي الحقيق بأن يعد علما هو ms050 العلم المحتاج إليه والمنتفع به
~~في الدين والدنيا، وهو (ثلاثة) أقسام:
# العلم بآية محكمة من الكتاب بمعرفة (1) ما فيها من المعارف والأحكام؛
~~والآية المحكمة هي التي لم تكن منسوخة ولا محتاجة إلى التأويل.
# أو العلم بفريضة عادلة. والمراد بالفريضة ما أوجبه الله تعالى بخصوصه،
~~سواء علم وجوبه بالمحكمات من الآيات أو بطريق آخر، أو الفريضة الواجب
~~مطلقا.
# والمراد بالعادلة القائمة، أي الباقية غير المنسوخة.
# وقيل: الفريضة العادلة المعدلة على السهام المذكورة في الكتاب والسنة.
# وقيل: ما اتفق عليه المسلمون. وما ذكرناه أقرب.
# أو العلم بسنة قائمة. والمراد بالسنة الطريقة أي ما يكون ثبوته من جهة
~~الطريقة التي سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإذا قوبلت بالفريضة
~~يراد بها ما لا يكون فريضة، فكل من هذه العلوم يغاير الآخرين ولذا ثلث
~~القسمة، ولا يضر اجتماع بعضها مع بعض في الجملة، ولا حاجة إلى تخصيص الأول
~~بالمعارف الأصولية بقرينة المقابلة كما ظن، ويندرج فيها المعارف الأصولية
~~والمسائل الفروعية، سواء وجب الفعل أو الترك، أو سن الفعل أو الترك.
# يحتمل أن يكون المراد من العلم بآية محكمة الاطلاع على الآية وفهمها، ومن
~~العلم بالفريضة العادلة ما هو من المعارف الأصولية، ويكون العادلة حينئذ
~~بمعنى
# PageV00P096
# 2. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، عن أبي
~~البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن العلماء ورثة الأنبياء،
~~وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من
~~أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا،
____________________
#
القائمة في النفوس أنها مستقيمة، ومن العلم
~~بالسنة القائمة العلم بالشريعة كلها.
# والأول يغاير الآخرين وإن كان قد يوصل إليهما كالعلم بالدليل [فإنه]
~~يغاير العلم بالمدلول وإن كان موصلا إليه.
# قوله: (إن العلماء ورثة الأنبياء) (1).
# المراد بالوارث هنا هو الباقي بعد المورث، الذي يصير إليه ما بقي بعد
~~المورث وتركه، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): " اللهم متعني بسمعي
~~وبصري، واجعلهما الوارث مني " (2) أي أبقهما بعد ms051 انحلال القوى النفسانية
~~حتى يصير إليهما ما بقي بعدها من مواد تصرفها (3) ويكون لهما، فمن لم يبق
~~منه إلا العلوم ولم يترك سواها، لم يكن له وارث سوى من صار إليه ما تركه
~~وبقي منه. وبينه (عليه السلام) بقوله: (وذاك (4) أن الأنبياء لم يورثوا
~~درهما ولا دينارا وإنما أورثوا (5) أحاديث من أحاديثهم) أي من علومهم التي
~~حدثوا بها.
# وأتى ب " من " التبعيضية لأن من أحاديثهم أحاديث لم يورثوها، بل نسخت
~~(فمن أخذ شيئا) من الأحاديث الموروثة متمسكا به (فقد أخذ حظا وافرا)
~~لشرف
# PageV00P097
# فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه؟ فإن فينا - أهل البيت - في كل خلف عدولا
~~ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ".
#
____________________
#
المأخوذ وفضيلته؛ حيث إنه مما آثره خير الناس
~~ومن مواريثه التي تركها لأمته، ولا نجاة للأمة إلا بها، ولا غنى لهم عنها،
~~وما كان هذا شأنه فينبغي أن يهتم بأمره، ويؤخذ من مأخذه، ولا يساهل فيه،
~~فنبه (عليه السلام) عليه بقوله: (فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه) فإن
~~التساهل في معرفة الطريق إلى المأخوذ به تساهل في المأخوذ.
# وقوله (عليه السلام): (فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه
~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) ناظر إلى ما روي عنه (صلى
~~الله عليه وآله): " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف
~~الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ". (1) أي العدول - الذين ذكرهم
~~النبي (صلى الله عليه وآله) - فينا أهل البيت. يدلك عليه قوله (صلى الله
~~عليه وآله): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي " الحديث. (2) تم
~~الفحص عن أحوال أهل البيت وأحوال المخالفين لهم.
# والمراد بكل خلف، كل قرن من القرون بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
# والمراد بالعدول، الملتزمون للطريقة الفضلى التي هي التوسط (3) بين
~~الإفراط والتفريط.
# و" التحريف ": صرف الكلام عن وجهه.
# و" الغالين ": المجاوزين (4) الحد.
# و" الانتحال ": أن يدعي لنفسه ما لغيره، كأن يدعي الآية أو الحديث في
~~غيره أنه فيه.
# PageV00P098
# 3. الحسين بن محمد، عن معلى بن ms052 محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد بن
~~عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه
~~في الدين ".
# 4. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد
~~الله، عن رجل، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: " الكمال كل الكمال:
~~التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة ".
#
____________________
#
و" المبطلين ": الذين جاؤوا بالباطل، وقرروه،
~~وذهبوا بالحق، وضيعوا الحق، وأخفوه.
# و" تأويل الجاهلين ": تنزيلهم الكلام على غير الظاهر، وتبيين مرجعه، (1)
~~وهذا إنما يجوز ويصح من العالم، بل الراسخ في العلم.
# فإن قيل: إنما (2) في زمان ظهور الحجة يتمكن من الأخذ عنه، وفي زمان
~~الغيبة لا يتمكن من الأخذ عن الحجة، فما يصنع الطالب؟
# قلنا: في حال الغيبة يتمكن الطالب من الأخذ عن العدول الظاهرين في القرون
~~السابقة، وإن لم يتمكن من الأخذ عن الغائب فيأخذ عنهم (عليهم السلام). وما
~~لم يكن له فيه سبيل إلى الأخذ يتوقف فيه، ولا يصير إلى الأخذ عن الجاهل،
~~وإنما وقع أهل هذه الأعصار فيما وقعوا فيه من سوء اختيارهم وغلبة الأهواء
~~فيهم على العقول، فجاءهم الضرر من أنفسهم.
# قوله: (والصبر على النائبة وتقدير المعيشة). (3) " النائبة ": ما ينزل
~~بالإنسان من المهمات والحوادث. و" تقدير الشيء ": التفكر في تسوية
~~أمره.
# PageV00P099
# 5. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل
~~بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " العلماء أمناء، والأتقياء
~~حصون، والأوصياء سادة ".
# * وفي رواية أخرى: " العلماء منار، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة ".
# 6. أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن إدريس بن الحسن، عن أبي إسحاق
~~الكندي، عن بشير الدهان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لا خير
~~فيمن لا يتفقه من أصحابنا، يا بشير، إن الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه
~~احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم ".
#
____________________
#
قوله: (العلماء أمناء).
# " الأمين ": هو المعتمد ms053 عليه، الموثوق به، والعلماء موثوق بهم فيما آتاهم
~~الله من فضله، وأعطاهم من المعرفة والعلم، فيحفظونه ويوصلونه إلى من
~~يستحقه.
# (والأتقياء حصون) لأنه بتقواهم واجتنابهم عن المحرمات يحصل حفظ الأمة عن
~~دخول النوائب ونزول العذاب عليهم، وبهم يدفع عن غيرهم كما للحصن بالنسبة
~~إلى المدينة.
# (والأوصياء سادة).
# " السيد ": الجليل العظيم الذي له الفضل على غيره، وهو الرئيس الذي يعظم،
~~ويطاع في أوامره ونواهيه، ولم يكن لأحد الخروج من طاعته.
# (وفي رواية أخرى: العلماء منار) " المنار ": موضع النور وعلم الطريق،
~~والمراد به المهتدى به.
# قوله: (يا بشير، إن الرجل منهم) أي الرجل من أصحابنا (إذا لم يستغن
~~بفقهه) عن المراجعة إلى غيره في المسائل الضرورية للعمل (احتاج إليهم) عند
~~شدة التقية، أو عدم حضور الفقيه وتيسر الوصول إليه (فإذا احتاج إليهم)
~~راجعهم وجالسهم، وإذا راجعهم وجالسهم (أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم)
~~أي يحسن الشيطان
PageV00P100
# 7. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام)، عن آبائه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~لا خير في العيش إلا لرجلين: عالم مطاع، أو مستمع واع ".
# 8. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير؛ ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن
~~محمد، عن ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه
~~السلام) قال:
# " عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد ".
# 9. الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن معاوية بن
~~عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في
~~الناس، ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ولعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه
~~الرواية، أيهما أفضل؟ قال:
#
____________________
#
قولهم وعملهم في نظره ويرغبه إليه، فيميل
~~إليهم ويدخل في باب ضلالتهم من حيث لا يدري.
# قوله: (رجل راوية لحديثكم).
# " الراوية ": كثير الرواية، والتاء للمبالغة. والمراد ببث الحديث في
~~الناس نشره بينهم بإيصاله إليهم. و" السداد " - بالسين المهملة ms054 -:
~~الاستقامة وعدم الميل.
# وقوله: (يسدده) أي يقرره سديدا (1) بتضمين معنى التقرير (في قلوب الناس،
~~وقلوب شيعتكم) من عطف الخاص على العام؛ لزيادة الاهتمام.
# وفي بعض النسخ: " يشدده " بالشين المعجمة، أي يوثقه ويجعله مستحكما في
~~قلوبهم. وعلى النسخة الأولى يحتمل هذا المعنى أيضا؛ فإن التسديد قد يراد به
~~التوثيق.
# ولما ذكر السائل هذا القسم والقسم الذي قابله به - وهو العابد من الشيعة
~~ليست له تلك الرواية - وصرح بغرضه الذي هو السؤال عن النسبة بينهما في
~~الفضيلة، أجاب
# PageV00P101
# الراوية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد ".
# باب أصناف الناس 1. علي بن محمد، عن سهل بن زياد؛ ومحمد بن يحيى، عن أحمد
~~بن محمد بن عيسى جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام بن سالم، عن
~~أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمن حدثه ممن يوثق به، قال: سمعت أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) يقول: " إن الناس آلوا بعد رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم على هدى من الله قد أغناه الله بما
~~
____________________
#
عنه (عليه السلام) بأن (الراوية لحديثنا الذي
~~يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد). وفيه إشعار بأن الفضيلة باعتبار
~~النشر بين الشيعة وإخبارهم به، لا بالنشر بين غيرهم، وإن لم يكن فيه
~~الإخلال بالواجب من التقية.
# فإن قيل: لم قال في هذا الحديث: " أفضل من ألف عابد " (1) وفي الحديث
~~السابق في النسبة بين العالم الذي ينتفع بعلمه والعابد " أفضل من سبعين ألف
~~عابد "؟
# قلنا: للتفاوت بين العلم ورواية الحديث؛ فإن الراوي حافظ للكلام، ناقل
~~له، ولا يلزم أن يكون عالما؛ فإنه لا ينافي (2) روايته جهله بالمراد مما
~~يرويه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فبين (عليه السلام) التفاوت بين
~~العالم المنتفع بعلمه والعابد بأنه أفضل من سبعين ألف عابد، والتفاوت بين
~~الراوية والعابد بأنه أفضل من ألف عابد، فيفهم منهما أن العالم المنتفع
~~بعلمه أفضل من سبعين راوية للحديث يشد به (3) قلوب الشيعة.
# باب أصناف الناس ms055 قوله: (إن الناس آلوا بعد رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) إلى ثلاثة) أي رجعوا إلى ثلاثة؛ فإنه
# PageV00P102
# علم عن علم غيره، وجاهل مدع للعلم لا علم له، معجب بما عنده قد فتنته
~~الدنيا وفتن غيره، ومتعلم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة، ثم هلك من
~~ادعى، وخاب من افترى ".
#
____________________
#
إذا فتش عن أحوالهم وجدت راجعة إلى ثلاثة،
~~فيكون رجوع الناس باعتبارها إلى ثلاثة أقسام: (عالم) بالمعارف ومسائل
~~الشريعة (على هدى من الله) أي مستقر على هدى من جانب الله وبتأييده.
~~والمراد به الحجة؛ وهو أحد الأقسام الثلاثة.
# وغير العالم ينقسم قسمين:
# أحدهما: الذي لا يتعلم، ولا يرجع في تحصيل المعرفة إلى العالم ابتداء أو
~~بواسطة، فيرى ما عنده من رأيه أو الأخذ عن (1) الجاهل كافيا له، فهو مدع
~~للعلم؛ فإنه من الظاهر أنه لا كفاية (2) إلا بالعلم، فمن يرى الكفاية فيما
~~عنده - من الرأي الفاسد والأخذ عن غير العالم يكون مدعيا لكونه علما. وهذا
~~هو القسم الثاني الذي عبر عنه بقوله (عليه السلام): (وجاهل مدع للعلم لا
~~علم له، معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره) والمراد بالجاهل إما
~~مقابل العالم، وقوله (عليه السلام): " لا علم له " تأكيد لجهله. وإما مقابل
~~العاقل، وجميع ما بعده مما يترتب على جهله.
# والآخر: المتعلم من العالم ابتداء أو بواسطة.
# ولما فرغ من ذكر الأقسام، قال: (ثم هلك من ادعى، وخاب من افترى) أي بعد
~~ما آل الناس إلى ثلاثة هلك هذا القسم بعمله بمقتضى جهله وادعائه العلم من
~~الله لنفسه، والبقاء على ضلاله وإضلاله للناس وإضاعته للحق وإعلائه للباطل،
~~وخاب وخسر بقوله على الله بما لا يعلم، وافترائه بالكذب على الله، والإفتاء
~~في حكم الله من غير دليل.
# PageV00P103
# 2. الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن
~~أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " الناس ثلاثة:
# عالم، ومتعلم، وغثاء ".
# 3. محمد بن يحيى، ms056 عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن
~~رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال لي أبو عبد الله
~~(عليه السلام): " اغد عالما، أو متعلما، أو أحب أهل العلم، ولا تكن رابعا
~~فتهلك ببغضهم ".
# 4. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: سمعته يقول: " يغدوا الناس على ثلاثة أصناف: عالم،
~~ومتعلم، وغثاء،
____________________
#
قوله: (عالم ومتعلم وغثاء).
# المراد بالعالم والمتعلم ما ذكر في الحديث السابق. " والغثاء " - بضم
~~الغين المعجمة وبالثاء المثلثة والمد -: ما يجيء فوق السيل مما يحمله من
~~الزبد والوسخ وغيره، وغير العالم والمتعلم - مما لا ينتفع به ولا يدرى إلى
~~ما ينتهي أمره وأين يستقر - فهو كالغثاء في عدم الانتفاع به والاطلاع على
~~منتهى أمره ومستقره، أو المراد أن غيرهما ليس حركته وجريه في أحواله إلا
~~بإجراء الأهوية وإغواء الأبالسة، بل ليس القصد إلى وجوده إلا تبعا وبالعرض،
~~كما أن الغثاء ليس حركته إلا بتبعية حركة السيل بالعرض.
# قوله: (اغد عالما، أو متعلما، أو أحب أهل العلم) أي كن في كل غداة عالما،
~~أو متعلما، أو أحب أهل العلم؛ فإنه يجره إلى التعلم وإن لم يكن متعلما في
~~كل غداة، أو المراد بالمتعلم من يكون التعلم كالصنعة له، ومن لم يكن عالما
~~من الله، ولا متخذا التعلم (1) صفة له وأحب أهل العلم يأخذ منهم ويدخل في
~~المتعلم بالمعنى الأعم، ومن لم يحبهم ويكون ذلك لجهله وحبه له، فيبغض أهل
~~العلم، وبحبه الجهلة وبغضه العلماء يهلك.
# PageV00P104
# فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء ".
# باب ثواب العالم والمتعلم 1. محمد بن الحسن وعلي بن محمد، عن سهل بن
~~زياد؛ ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن
~~عبد الله بن ميمون القداح؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن
~~القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله ms057
~~عليه وآله): من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن
~~الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه يستغفر لطالب العلم من في
~~السماء ومن في الأرض
____________________
#
قوله: (فنحن العلماء وشيعتنا المتعلمون، وسائر
~~الناس غثاء).
# المراد بالمتعلم هاهنا من يأخذ العلم عن (1) أهله، ويطلبه في الجملة وعند
~~الحاجة وبقدرها.
# باب ثواب العالم والمتعلم قوله: (من سلك طريقا يطلب فيه علما).
# الجملة صفة أو حال، والضمير فيها للطريق أو السلوك. والطريق إلى الشيء:
~~ما الدخول فيه وطيه يوصل (2) إليه، ومن طرق العلم الفكرة، ومنها الأخذ من
~~العالم ابتداء، أو بواسطة، أو وسائط.
# ويحتمل أن يكون المراد بالطريق معناه المتعارف، وبسلوكه أن يسير فيه
~~للوصول إلى العالم والأخذ منه، أو للوصول إلى موضع تيسر (3) له فيه تحصيل
~~العلم.
# وقوله: (سلك الله به طريقا إلى الجنة) أي أدخله الله طريقا يوصل سلوكه
~~إلى الجنة.
# PageV00P105
# حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم
~~ليلة
____________________
#
وقوله: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب
~~العلم).
# " وضع الأجنحة ": (1) حطها وحفظها وهو هيئة تواضع الطائر. وتواضع الملك
~~عبارة عن التعظيم والفعل على وفق مطلوب من يتواضع له، وإعانته.
# وقوله: (رضا به) أي لأنه يرتضيه، أو لإرضائه.
# قوله: (وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في
~~البحر).
# " الاستغفار ": طلب ستر الزلات والعثرات، والتجاوز عن السيئات بنزول
~~الرحمة وشمولها، أو طلب إصلاح الحال، والتثبيت على الصراط المستقيم المنجر
~~إلى البقاء والنجاة في المآل.
# والمراد (2) بمن في السماء ومن في الأرض كل ذي حياة، ويعم ذوي العقول
~~وغيرهم مما يصح إسناد الطلب إليه.
# والتعبير بلفظة " من " - وهي لذوي العقول - لتغليب ذوي العقول على غيرهم،
~~أو لإسناد ما هو معدود من أحوال ذوي العقول عرفا - وهو الاستغفار - إلى
~~المعبر عنه بها، وكون كل ذي حياة مستغفرا له فلأنه كل عاقل وغير عاقل يريد
~~بقاءه وصلاح حاله، وسقوط ما ينجر إلى زواله وسوء حاله، ms058 وما به يحصل ذلك
~~المراد يكون ذلك مطلوبه، وإصلاح حال طالب العلم وإبقاؤه مما يحصل به البقاء
~~وحسن الحال للكل
# PageV00P106
# البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا
~~درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر ".
# 2. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح،
~~عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن الذي يعلم العلم
~~منكم له أجر مثل أجر المتعلم، وله الفضل عليه، فتعلموا العلم من حملة
~~العلم، وعلموه إخوانكم كما علمكموه العلماء ".
# 3. علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن الحكم، عن علي بن
~~أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " من
~~علم خيرا فله مثل أجر من عمل به ".
#
____________________
#
عندنا، وللسفليات عند آخرين، فيكون كل عاقل
~~كامل من ذوي العقول - علويا كان أو سفليا - يطلب المغفرة لطالب العم خصوصا
~~ومن حيث يدري، وكل جاهل ناقص العقل من ذوي العقول وكل ما لا يعقل من ذوي
~~الحياة يطلب المغفرة لطالب العلم بما هو من مقدمات حصول صلاح حاله ومن حيث
~~لا يدري، أو نسبة طلب المغفرة إلى ما لا يعقل وإسنادها إليه بتبعية الإسناد
~~إلى ذوي العقول.
# قوله: (له أجر مثل أجر المتعلم وله الفضل عليه).
# ظاهر هذه العبارة مساواة أجر التعليم والتعلم، لكن في الرعية حيث قال:
~~(إن الذي يعلم العلم منكم)، وباعتبار نفس التعليم والتعلم المقيس أحدهما
~~إلى الآخر، وللمعلم أجر (1) التعلم (2) أيضا مثل أجر تعليمه، وللمعلم الفضل
~~على المتعلم؛ لأن المعطي والمفيض أعلى رتبة وأكثر فضلا من المعطى له
~~والمفاض عليه.
# قوله: (من علم خيرا فله مثل أجر من عمل به) أي من المتعلمين منه.
# PageV00P107
# قلت: فإن علمه غيره يجري ذلك له؟ قال: " إن علمه الناس كلهم جرى له ".
~~قلت: فإن مات؟ قال: " وإن مات ".
# 4. وبهذا الإسناد، عن محمد بن عبد الحميد، عن العلاء بن رزين، عن أبي ms059
~~عبيدة
____________________
#
وقوله: (قلت: فإن علمه غيره يجري ذلك له؟)
~~يحتمل وجهين:
# أحدهما: السؤال عن أن التعليم يجري فيه ما يجري في العمل، فيكون له مثل
~~أجر من علمه (1) كما أن له مثل أجر من عمل به.
# والجواب بأن تعليم المتعلم كعمله، وللمعلم مثل أجر تعليم المتعلم كما له
~~مثل أجر عمله؛ وذلك لاستنادهما إلى تعليمه.
# والثاني: السؤال عن العمل بتعليم غيره من متعلميه أي عمل المتعلم بواسطة،
~~فكأنه فهم من كلامه أولا عمل المتعلم بلا واسطة، فسأل عن المتعلم بواسطة،
~~فأجاب بأنه يجري له ذلك فيه، وذلك لكونه بتعليمه ولو بواسطة.
# ويحتمل أن يكون المراد من علم خيرا ابتداء، وكان منه خروجه وظهوره أولا،
~~فله أجر كل من عمل به، ويكون معنى كلام السائل فإن علمه غيره يجري ذلك له
~~إن علمه غيره (2) وعمل بتعليم الغير يكون للمعلم أولا مثل ثواب هذا العامل
~~(3) الذي ليس عمله بتعليمه.
# والجواب أن له مثل ثواب من عمل به بتعليم كل أحد، وذلك لكونه منشأه
~~ومبدأه.
# PageV00P108
# الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " من علم باب هدى فله مثل أجر من
~~عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، ومن علم باب ضلال كان عليه مثل
~~أوزار من عمل به، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا ".
# 5. الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد، رفعه، عن أبي حمزة، عن علي بن
~~الحسين (عليه السلام) قال: " لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو
~~بسفك المهج وخوض اللجج، إن الله - تبارك وتعالى - أوحى إلى دانيال أن أمقت
~~عبيدي إلي الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وأن أحب
~~عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم
____________________
#
قوله: (من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل
~~به).
# المراد بتعليم باب الهدى وتعليم باب الضلال تعليم طريق السلوك إلى أحدهما
~~والدخول فيه.
# ويجري في هذا الحديث ما ذكر في الحديث السابق من الحمل على المعلم (1)
~~ابتداء ويكون له ms060 مثل ما لكل عامل ولو لم يكن بتعليمه، والحمل على كل معلم
~~ويكون له مثل ما لكل عامل ينتمي عمله إلى تعليمه ولو بواسطة.
# قوله: (ولو يعلم الناس ما في طلب العلم) أي من حصول الفضل والشرف والأجر
~~(لطلبوه ولو بسفك المهج) (2) أي بإراقة الدماء (وخوض اللجج) أي دخول اللجج
~~وهي جمع لجة أي معظم الماء.
# وقوله: (وأن أحب عبيدي إلي التقي) قابله بالجاهل؛ لأن التقوى من آثار
~~كمال العقل المقابل للجهل.
# والمراد بطالب الثواب الجزيل: العامل لما يوصله إليه، سواء قصد به حصوله
~~أولا.
# والمراد بملازمة العلماء: كثرة مجالستهم ومصاحبتهم.
# PageV00P109
# للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء ".
# 6. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود
~~المنقري، عن حفص بن غياث، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " من
~~تعلم العلم، وعمل به، وعلم لله دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلم
~~لله، وعمل لله، وعلم لله ".
#
____________________
#
والمراد بالحلماء: العقلاء، ومتابعتهم: سلوك
~~طريقتهم التي سلكوها. (والقابل عن الحكماء): الآخذ عنهم ولو بواسطة أو
~~وسائط.
# والمراد بالحكماء العدول الآخذون بالحق والصواب قولا وعملا.
# والظاهر أن المراد بالحلماء والحكماء الأنبياء والأوصياء والقريب منهم
~~كلقمان وآصف؛ فإن كمال العقل والحكمة لهم. والعلماء يشمل غيرهم ومن لا
~~يدنوهم من أهل العلم.
# قوله: (من تعلم العلم وعمل به وعلم لله). (1) أي يكون كل من التعلم
~~والعمل والتعليم لله، كما صرح به في آخر الحديث.
# وقوله: (دعي في ملكوت السماوات (2) عظيما) أي سمي عظيما، وذكر بالعظمة في
~~ملكوت السماوات.
# والملكوت مبالغة الملك، (3) أي أعلى مراتبه الجامعة لتوابع الملك ولوازمه
~~من
# PageV00P110
# باب صفة العلماء 1. محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن
~~الحسن بن محبوب عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: " اطلبوا العلم، وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه
~~العلم، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب
~~باطلكم بحقكم ".
#
____________________
#
كثرة الجنود والأتباع المسخرين ms061 القائمين
~~بأوامر الملك المطيعين له وكثرة آيات العظمة والجلالة، فيطلق ويراد به عز
~~الملك وسلطانه، ويطلق ويراد به آيات العظمة والجلالة وآثار الملك والسلطنة
~~(1)، ويطلق ويراد به الجنود المسخرين.
# والمراد بملكوت السماوات إما الآيات كما قيل، أي سمي في الآيات السماوية
~~وهي أعظم الآيات الظاهرة، ويسميه (2) أهلها - وهم (3) الملائكة والأرواح
~~العلوية - عظيما، أو المراد به الجنود السماوية وهم الملائكة والأرواح، أي
~~يسمى بينهم عظيما، ويذكر بالعظمة بينهم.
# باب صفة (4) العلماء قوله: (وتواضعوا لمن تعلمونه العلم) أي في أوان (5)
~~اشتغاله بالطلب
# PageV00P111
# 2. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد بن عثمان، عن
~~الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز
~~وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال: " يعني بالعلماء من صدق فعله
~~قوله، ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم ".
#
____________________
#
(وتواضعوا (1) لمن طلبتم منه العلم) أي عند
~~الطلب وبعده (ولا تكونوا علماء جبارين) أي متكبرين (فيذهب باطلكم) أي
~~تكبركم (بحقكم) أي بعلمكم، فلا يبقى العلم عندكم، ويرتحل (2) عن قلوبكم، أو
~~بفضلكم شرفكم بالعلم؛ فإنه لا يبقى فضل وشرف بالعلم مع التكبر به، أو
~~بفضلكم وثوابكم على التعليم والتعلم؛ حيث لا فضيلة ولا استحقاق للثواب بهما
~~مع التكبر بالعلم.
# قوله: (يعني بالعلماء من صدق فعله قوله) (3).
# المراد بمن صدق فعله قوله من يكون ذا علم ومعرفة ثابتة مستقرة في قلبه
~~استقرارا لا يغلبه معه هواه. والمعرفة الثابتة المستقرة كما تدعو إلى القول
~~والإقرار باللسان، تدعو إلى الفعل والعمل بالأركان، فيكون فعله مصدقا
~~لقوله، والعالم بهذا
# PageV00P112
# 3. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي
~~سعيد القماط، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال أمير
~~المؤمنين (عليه السلام): ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ من لم يقنط الناس
~~من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم
~~
____________________
#
المعنى الحقيق بذلك الاسم له خشية من ربه ليست
~~لغيره، وهذه ms062 الخشية تؤديه إلى الإطاعة والانقياد قولا وفعلا؛ فإن الجرأة
~~على العصيان لا تجامع الخشية الحقيقية.
# قوله: (ألا أخبركم (1) بالفقيه حق الفقيه) أي حقيقة الفقيه. و" حق الفقيه
~~" بدل عن " الفقيه " وما بعده خبر مبتدأ محذوف، أي هو (من لم يقنط الناس).
# ويحتمل أن يكون " حق الفقيه " مبتدأ وما بعده خبره، والمراد أن الفقيه
~~حقيقة ليس إلا من هو عالم بالمراد بما ورد في الوعيد والوعد والعفو بملاحظة
~~بعضها مع الآخر حتى يتبين له المراد، ومن يقتصر على ملاحظة البعض دون
~~الباقي ويعتمد على ما يفهمه بتلك الملاحظة فيؤديه إلى أن يقنط الناس من
~~رحمة الله، أو يؤمنهم من عذاب الله، أو يرخص لهم في معاصي الله، فبمجرد
~~علمه بالمسائل الشرعية الفروعية لا يكون فقيها، وكذا حقيقة الفقيه لا يكون
~~إلا لمن أخذ بكتاب الله وتفكر فيه ولم يرغب عنه (2) إلى غيره؛ فإن التارك
~~لكتاب الله لا يكون فقيها وإن كان حافظا للأحاديث، ضابطا لها؛ فإن معرفة
~~الأحاديث وفهمها لا تتم إلا بمعرفة كتاب الله والتفكر فيه. وأما من ترك
~~التفكر في كتاب الله، ثم قاس على الأحاديث، فعدوله عن الحق أكثر.
# PageV00P113
# في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم
~~ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس
~~فيها تفكر ".
# * وفي رواية أخرى: " ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في
~~قراءة ليس
____________________
#
ويحتمل أن يكون قوله: (ألا لأخير في علم ليس
~~فيه تفهم) (1) ناظرا إلى ما ذكره أولا؛ فإن من كان يتفهم يعلم أن الوعيد
~~للتقريب من الإطاعة، والتقنيط يبعد عنها، فمن يقنط لم يكن في علمه تفهم.
# وقوله: (ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر) ناظرا (2) إلى ما ذكره
~~ثانيا؛ فإن من يتدبر في قراءته للكتاب والقصص المذكورة فيه - من نزول
~~العذاب عند المعاصي - علم أنها نزلت لئلا يأمنوا من عذاب الله، لا يجترئوا
~~(3) على ms063 المعاصي، ولا يرخصوا لأنفسهم فيها.
# وقوله: (ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر) ناظرا (4) إلى ما ذكره ثالثا
~~من قوله (ولم يترك القرآن رغبة عنه) فإن من تمسك بالقرآن وعمل بما فيه، كان
~~آخذا بما يتعبد به من مأخذه بالتفكر، ومن ترك التمسك به ورغب عنه إلى غيره،
~~كان آخذا له من غير مأخذه الذي كان يجب أن يأخذ عنه تاركا لأخذه كما ينبغي
~~بالتفكر.
# قوله: (وفي رواية أخرى: ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم...). (5) اختلاف
~~هذه الرواية مع الرواية السابقة في الفقرة الثالثة هو اختلاف في العبارة،
~~والمراد واحد، وزيادة الفقرة الرابعة هنا تدل على أن الفقرة الثانية ناظرة
~~إلى
# PageV00P114
# فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة لا فقه فيها، ألا لا خير في نسك لا ورع
~~فيه ".
# 4. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى؛ ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل
~~بن شاذان النيسابوري جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن الرضا (عليه
~~السلام) قال: " إن من علامات الفقه الحلم والصمت ".
# 5. أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن بعض أصحابه، رفعه، قال:
# قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " لا يكون السفه والغرة في قلب العالم
~~".
# 6. وبهذا الإسناد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سنان، رفعه، قال: قال
~~عيسى ابن مريم (عليه السلام): " يا معشر الحواريين، لي إليكم حاجة اقضوها
~~لي "، قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله، فقام فغسل أقدامهم، فقالوا: كنا نحن
~~أحق بهذا يا روح الله، فقال: " إن أحق الناس بالخدمة العالم، إنما تواضعت
~~هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي
____________________
#
الأمن من عذاب الله، والرابعة ناظرة إلى
~~الرخصة في المعاصي.
# والنسك: الطاعة والعبادة وكل ما يتقرب به إلى الله. والورع في الأصل:
~~الكف عن المحارم والتحرج منه، ثم استعمل للكف عن التسرع إلى تناول أعراض
~~الدنيا حسب ما يليق بالمتورع، فمنه واجب، وهو الكف عن المحرمات، وهو ورع
~~العامة؛ لأن الاجتناب عن المحرم على الكل. ومنه ms064 ندب، وهو الوقوف عند
~~الشبهات، وهو ورع الأوساط. ومنه فضيلة، وهو الاقتصار على الضروريات، وهو
~~ورع الكاملين.
# والمراد به ها هنا الأول، ويحتمل الثاني؛ فإنه مع فقدانه لا يكون خير
~~يعتد به.
# قوله: (من علامات الفقه الحلم والصمت).
# الحلم: الأناة وترك النزاع والجدال. والصمت: السكوت عما لا يحتاج إليه.
# قوله: (لا يكون السفه والغرة في قلب العالم).
# السفه: قلة الحلم أو عدمه. والغرة - بكسر الغين المعجمة -: الغفلة.
# قوله: (إن أحق الناس بالخدمة العالم) وذلك لشدة استعداده للفيضان من
~~المبدأ عليه، ولفضله وشرفه وعزه بالعلم، فبتواضعه وتذلله بالخدمة يفاض عليه
~~ما يليق به،
PageV00P115
# لكم " ثم قال عيسى (عليه السلام): " بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر،
~~وكذلك في السهل ينبت الزرع، لا في الجبل ".
# 7. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عمن ذكره، عن معاوية بن
~~وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) يقول: يا طالب العلم، إن للعالم ثلاث علامات: العلم والحلم والصمت،
~~وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه بالمعصية، ويظلم من دونه بالغلبة،
~~ويظاهر الظلمة ".
#
____________________
#
ويتزين عزه وشرفه بالتواضع، ولا يلحقه ذل
~~بذلك، بخلاف الجاهل؛ فإنه لقلة استعداده أو لسوء استعداده إنما يفاض عليه
~~ما يليق به ويناسب استعداده، ولذله ومنقصته بالجهل يكون مناسبا للخدمة، ولا
~~يكون في خدمته تواضع، فلا يزيد به (1) إلا ذلا، فالعالم (2) أحق بأن يفعل
~~الخدمة؛ حيث له فيها منافع كثيرة وعز وشرف، والجاهل لا ينتفع بارتكابه
~~ويزيد به ذلا، إنما فعل ما هو مناسب لذله وهو (3) فيه ذل ولا عز له في
~~ارتكابه وتحمله، والعالم يعز بارتكابه، فهو من هذه الحيثية له عز.
# قوله: (إن للعالم ثلاث علامات: العلم، والحلم، والصمت...) (4).
# يعني بالعالم من استقر العلم في قلبه كما سبق. ومن علامات هذا العالم
~~المعرفة الظاهرة والحلم والصمت، وبالمتكلف: الذي يدعي أن المعرفة الظاهرية
~~القولية من عقائده المستقرة الثابتة في قلبه. ومن علاماته المنازعة لمن
~~فوقه ومن عليه إطاعته والأخذ عنه بالمعصية وترك الإطاعة (5) له، ms065 والظلم على
~~من دونه بغلبته عليه
# PageV00P116
# باب حق العالم 1. علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن
~~خالد، عن سليمان بن جعفر الجعفري، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:
# إن من حق العالم أن لا تكثر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلت عليه
~~وعنده
____________________
#
وإسكاته بالباطل الذي لا يقدر من دونه على حله
~~والتخلص عنه، والمظاهرة والمعاونة للظلمة. (1) باب حق العالم قوله: (من حق
~~العالم أن لا تكثر (2) عليه السؤال).
# يحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه الإكثار المتضمن للضرر، بأن يكثر
~~لينفد ما عنده، أو ليظهر خطؤه أو عجزه.
# ويحتمل أن يكون المراد بالإكثار عليه الزيادة على القدر الذي يعمل به، أو
~~يحفظه (3) ويضبطه.
# ويحتمل أن يكون الظرف متعلقا بالسؤال، ويكون المراد بالسؤال عليه الإيراد
~~والرد عليه، أو لا يراد ب " على " مفادها، ويراد به السؤال منه كما في
~~الاحتمال الثاني.
# وفي كل منها ترك رعاية حق العالم وتعظيمه وتوقيره.
# والمراد بالجلوس بين يديه الجلوس حيث يواجهه، ولا يحتاج في الخطاب
~~والمواجهة إلى انصراف إلى جانب السائل.
# والمراد بالجلوس خلفه ما يكون بخلاف ذلك، فيحتاج في التوجه والخطاب إلى
~~الانصراف نحوه.
# PageV00P117
# قوم فسلم عليهم جميعا، وخصه بالتحية دونهم، واجلس بين يديه، ولا تجلس
~~خلفه، ولا تغمز بعينك، ولا تشر بيدك، ولا تكثر من القول: قال فلان وقال
~~فلان، خلافا لقوله، ولا تضجر بطول صحبته، فإنما مثل العالم مثل النخلة
~~تنتظرها حتى يسقط عليك منها شيء، والعالم أعظم أجرا من الصائم القائم،
~~الغازي في سبيل الله ".
#
____________________
#
والمراد بالغمز بالعين الإشارة بها، وفي كل من
~~الغمز بالعين والإشارة والإكثار من نقل قول القائلين بخلاف قوله ترك
~~التعظيم والإجلال للعالم الذي من حقه أن يعظم ويبجل (1).
# وقوله: (ولا تضجر بطول (2) صحبته).
# لما كان مظنة أن يتوهم أن رعاية كمال التعظيم والإجلال توجب طول الصحبة،
~~فإنه قلما يتيسر السؤال عما يشتبه على السائل ms066 فيؤدي إلى أن يضجر ويغلق
~~بالغم الحاصل من التربص والانتظار، قال (عليه السلام): ولا ينبغي أن يضجر
~~بطول صحبته، فإن في طول صحبته انتفاعا ونيلا للمطلوب عاجلا وآجلا، وإن سرعة
~~الوصول إلى المطلوب مع كسر شأن العالم وترك رعاية حقه توجب الخسران العظيم؛
~~فإن التعلم على هذا الحال لا يستحق به الثواب، ولا ينال به الفضل والشرف،
~~ويبقى عليه المؤاخذة على إهانة العالم وحط مرتبته والمنقصة بكسر شأنه.
# (فإنما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شيء) ولا
~~تكسرها ولا تقطعها لإبطاء السقوط منها عليك، فكما أن في كسر النخلة أو
~~قطعها تفويتا أكثر مما يتوقع (3) من الانتفاع به بسقوط شيء منها، كذلك في
~~حط مرتبة العالم والاستخفاف به تفويت أعظم مما يتوقع (4) حصوله بالسؤال
~~عنه.
# قوله: (والعالم أعظم أجرا من (5) الصائم القائم الغازي في سبيل الله) لأن
~~الصائم
# PageV00P118
# باب فقد العلماء 1. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان
~~بن عيسى، عن أبي أيوب الخزاز، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه ".
# 2. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال: " إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا
~~يسدها شيء ".
#
____________________
#
يكون صومه كفا لنفسه مما أمر بالكف عنه، ولا
~~يوجب كف أحد في الصوم كف آخر، وكذا إقامة الصلاة. والعالم يكف نفسه عن
~~الاعتقادات الباطلة بالدلائل القاطعة، ويقيم الاعتقادات ألحقه بالبراهين
~~القطعية الواضحة، وهذه الدلائل والبراهين توجب كف كل نفس عن الآراء
~~الباطلة، وقيام كل على المذاهب الحقة، وكذا الغازي في سبيل الله يدفع طغيان
~~أهل الكفر والضلال الذين (1) يجاهدهم ويسعى في إزالة باطلهم، فيقاتلهم حتى
~~يقروا بالحق أو يعملوا بالذمة. والعالم يدفع الشبه الموجبة للكفر والضلال،
~~ويسعى في إزالتها، فيهتدي بذلك كل من وصل إليه وسمعه (2) ونظر بعين
~~الإنصاف؛ فلهذا صار العالم ms067 أعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل
~~الله.
# باب فقد العلماء قوله: (إذا مات المؤمن الفقيه ثلم (3) في الإسلام ثلمة
~~لا يسدها شيء) لأن الفقهاء
# PageV00P119
# 3. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن علي بن أبي حمزة،
~~قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: " إذا مات المؤمن
~~بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء
~~التي كان يصعد فيها بأعماله،
____________________
#
الموجودين في كل وقت كل منهم كحصن للإسلام في
~~ذلك العصر، فإذا مات ثلم ثلمة لا يسدها شيء؛ لأن كل واحد من الموجودين حين
~~وفاته كحصن آخر فلا يسد هذه الثلمة التي بزوال (1) هذا الحصن به، وإذا قيل
~~بحصول كمال لآخر (2) عند موته فيصير به ذلك الحصن أشد استحكاما.
# قوله: (بكت عليه الملائكة) أي الملائكة الموكلون (3) بالناس وبأعمالهم،
~~أو الملائكة كلهم.
# وقوله: (وبقاع الأرض التي كان يعبد الله) أي هذا المؤمن (عليها) إن كان
~~البناء للفاعل. ويحتمل البناء للمفعول أي كل بقعة توقع (4) عبادة الله
~~عليها. والمراد أهل تلك البقاع من الملائكة والأرواح والناس العابدين لله.
# ولعل المراد بأبواب السماء - التي كان يصعد فيها بأعماله - ما يوصل
~~الأعمال إلى مقرها من العلويات، ويكون وسيلة لوصولها ودخولها وانضباطها
~~فيها ملكا كان، أو روحا، أو نفوسا كاملة شريفة قدسية، أو قوة، أو نفسا
~~علوية.
# ويحتمل أن يكون المراد بها مواضع مخصوصة من الفلك، ويكون المراد بكاء
~~الموكلين على هذه المواضع من الأرواح والملائكة.
# PageV00P120
# وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام
~~كحصن سور المدينة لها ".
# 4. وعنه، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن سليمان بن خالد،
~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى
~~إبليس من موت فقيه ".
# 5. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم،
~~عن داود بن فرقد، قال: قال أبو عبد الله (عليه ms068 السلام): " إن أبي كان يقول:
~~إن الله - عز وجل - لا يقبض العلم بعد ما يهبطه، ولكن يموت العالم فيذهب
~~بما يعلم، فتليهم
____________________
#
وبالجملة، يراد بالبكاء الحزن الموجب لجري
~~الدموع فينا، سواء كان هناك مع الحزن جري دموع (1) أو لا.
# وقوله: (لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام) أي الحافظون له بحفظ العقائد
~~الصحيحة والشريعة القويمة، المانعون عنه بالمنع عن دخول الشبه (2)
~~والأباطيل والبدع فيه.
# والحصون جمع حصن بكسر الحاء، وهو كل موضع منيع لا يوصل إلى جوفه.
# وقوله: (كحصن سور المدينة لها) الحصن - بضم الحاء - مصدر حصن - ككرم - أي
~~منع.
# لما ذكر أن الفقيه المؤمن (3) مانع عن دخول شيء (4) في الإسلام، شبه منعه
~~بمنع سور المدينة لها عن الوصول إلى داخله.
# قوله (عليه السلام): (إن الله عز وجل لا يقبض العلم).
# يعني لا يقبض العلم من بين الناس بعد هبوطه وإنزاله، بل يبقى فيهم، ويكون
~~فيهم من يعلمه، ولكن يموت العالم (فيذهب بما يعلم) أي بعلمه الذي كان
~~له
# PageV00P121
# الجفاة، فيضلون ويضلون، ولا خير في شيء ليس له أصل ".
# 6. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عمن ذكره، عن جابر،
~~عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول:
~~إنه يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله: (أو لم يروا أنا نأتي
~~الأرض ننقصها من أطرافها) وهو ذهاب العلماء ".
# باب مجالسة العلماء وصحبتهم 1. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن
~~يونس، رفعه، قال: قال لقمان لابنه:
# " يا بني، اختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوما يذكرون الله جل وعز
~~فاجلس معهم؛ فإن تكن عالما نفعك علمك، وإن تكن جاهلا علموك، ولعل الله أن
~~يظلهم برحمته فيعمك
____________________
#
(فتأمهم) أي تأخذهم تابعين مطيعين مقرين
~~بإمامتهم (الجفاة) الجافي: الكز الغليظ أي الذي يبس، فلا يؤثر فيه الإصلاح
~~والهداية إلى الحق، ولا يعرف وجه الصواب فيما يقصده، فيختار الباطل.
# وفي بعض النسخ " فتليهم الجفاة " أي تملك التصرف في أمورهم. ms069
# قوله: (يسخي نفسي في سرعة الموت) في بعض النسخ " يسخي " من باب التفعيل.
~~وفي بعضها " تسخى " من المجرد.
# وعلى النسخة الأولى فاعله " قول الله " ومفعوله " نفسي " وقوله: " فينا "
~~متعلق بسرعة الموت والقتل. وعلى الثانية فاعلها " نفسي " وقوله: " فينا "
~~خبر لقوله: " قول الله ".
# باب مجالسة (1) العلماء وصحبتهم قوله: (اختر المجالس على عينك) (2) أي
~~على بصيرة منك ومعرفة لك بحالها، ثم بين طريق معرفة خيرها من شرها بقوله:
~~(فإن رأيت قوما يذكرون الله) وقوله: (أن يظلهم) أي يغشيهم.
# PageV00P122
# معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإن تكن عالما لم
~~ينفعك علمك، وإن كنت جاهلا يزيدوك جهلا، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فيعمك
~~معهم ".
# 2. علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى
~~جميعا، عن ابن محبوب، عن درست بن أبي منصور، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن
~~أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: " محادثة العالم على المزابل
~~خير من محادثة الجاهل على الزرابي ".
# 3. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن شريف بن سابق، عن الفضل
~~بن أبي قرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): قالت الحواريون لعيسى: يا روح الله، من نجالس؟ قال من تذكركم
~~الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله ".
# 4. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن
~~حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة ".
# 5. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الأصبهاني، عن سليمان بن
~~داود المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، قال: سمعت أبا جعفر
~~(عليه السلام) يقول:
# " لمجلس أجلسه إلى من أثق به أوثق في نفسي من عمل سنة ".
#
____________________
#
قوله: (خير من محادثة الجاهل على الزرابي).
# الزرابي من النبت ما اصفر أو احمر وفيه خضرة، ويطلق ms070 على البسط الملونة
~~بالألوان تشبيها لها بالزرابي من النبت، أو المراد بها النمارق، والنمرقة:
~~الوسادة.
# قوله: (عن مسعر بن كدام) " مسعر " بكسر الميم وفتح العين بين السين
~~الساكنة والراء غير المعجمات، وقد يفتح ميمه تفألا.
# و" كدام " بالكاف المكسورة والدال غير المعجمة. ومسعر شيخ السفيانين:
# سفيان الثوري وسفيان بن عيينة.
# قوله (عليه السلام): (لمجلس أجلسه إلى من أثق به).
# يحتمل أن يكون المجلس مصدرا ميميا، ويكون المنصوب في " أجلسه " في موضع
~~المفعول المطلق.
PageV00P123
# باب سؤال العالم وتذاكره 1. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير،
~~عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته
~~جنابة، فغسلوه فمات، قال: " قتلوه ألا سألوا، فإن دواء العي السؤال ".
# 2. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن
~~زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي، قالوا: قال أبو عبد الله (عليه السلام)
~~لحمران بن أعين في شيء سأله: " إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون ".
# 3. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله
~~بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: " إن هذا العلم
~~عليه قفل، ومفتاحه المسألة ".
# * علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) مثله.
# 4. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن
~~أبي جعفر الأحول، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا يسع الناس حتى
~~يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا إمامهم. ويسعهم أن يأخذوا بما يقول وإن كان تقية
~~".
#
____________________
#
ويحتمل أن يكون اسم مكان وتقدير الكلام أجلس
~~فيه " وإلى " بمعنى " مع " أي مع من أثق به.
# باب سؤال العالم وتذاكره قوله: (ألا سألوا فإن دواء العي السؤال).
# " ألا " حرف تحضيض. و" العي " - بكسر العين المهملة - أن لا يهتدي لوجه
~~(1) المراد ويعجز عنه.
# قوله: (ويسعهم أن يأخذوا) أي قولا واعتقادا وعملا في كل زمان (بما ms071 يقول)
~~أي في ذلك الزمان وإن كان تقية؛ فإن ما يقوله الإمام تقية يسع السائل أن
~~يعتقده، ويقول به إذا لم يتنبه للتقية، وأما العمل به والأمر بالعمل به مع
~~التنبه (2) للتقية أيضا لازم عند التقية.
# PageV00P124
# 5. علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أف لرجل لا يفرغ نفسه
~~في كل جمعة لأمر دينه، فيتعاهده ويسأل عن دينه ".
# وفي رواية أخرى: " لكل مسلم ".
#
____________________
#
قوله (عليه السلام): (أف لرجل لا يفرغ نفسه في
~~كل جمعة لأمر دينه فيتعاهده).
# " أف " (1) كلمة ضجر.
# وقوله: " لا يفرغ " إما من المجرد، أي لا يقصد نفسه كل جمعة أمر دينه،
~~وإما من المزيد، أي لا يجعل نفسه قاصدا لأمر دينه.
# وتعاهد الشيء تفقده وإحداث العهد بالشيء ولقاؤه. (2) والمراد بالفراغ
~~لأمر الدين ترك الاشتغال بالأمور الدنيوية للتوجه إلى العبادة والاشتغال
~~بالأمور الدينية والأخروية.
# والمراد بتعاهده طلب ما يفقده منه وإحداث العهد به ولقاؤه؛ (3) لا التحفظ
~~وتجديد الحفاظ؛ لأن الشائع المتعارف في التعبير عن التحفظ التعهد لا
~~التعاهد، ولذا يقال: " تعهدت الضيغة " أفصح من " تعاهدت الضيعة " وإن كان
~~قد يستعمل كل منهما في المعنى الشائع من الآخر.
# وبالجملة، فالمعنى الشائع في التفاعل تشارك الفاعلين، ثم ما يكون بين
~~الاثنين (4)
# PageV00P125
# 6. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن
~~الله - عز وجل - يقول: تذاكر العلم بين عبادي مما تحيا عليه القلوب الميتة
~~إذا هم انتهوا فيه إلى أمري ".
#
____________________
#
كالمفاعلة. وقد يستعمل لمعان أخر، وتلك
~~المعاني غير المتعارفة بالنسبة إلى ذلك الباب ربما تكون متعارفة في مادة
~~خاصة، فلا يضر عدم التعارف بالنسبة إلى الباب حينئذ. وما نحن فيه ليس من
~~ذلك القبيل؛ فإن التحفظ هنا ليس من الأول ولا من الثاني، ولم يتعارف
~~استعمال التعاهد فيه، إنما ms072 شاع استعمال التعهد فيه.
# قوله (عليه السلام): (مما تحيا عليه القلوب الميتة إذا هم انتهوا فيه إلى
~~أمري) (1) أي تذاكر العباد وتشاركهم في ذكر العلم بأن يذكر كل للآخر شيئا
~~من العلم ويتكلموا فيه مما يحيي القلوب الميتة حال كونها ثابتة عليه.
# وقوله: " يحيا " يحتمل أن يكون من المجرد، وأن يكون من المزيد المجهول من
~~باب الإفعال. وذلك الإحياء أو الحياة بحصول العلم الذي هو حياة قلب البصير
~~أو بتذكره، لكن لا يكون العلم حياة القلب إلا إذا كان علما مستقرا يحفظ به
~~النفس عن متابعة الهوى، ويؤدي إلى الإطاعة والانقياد لأمره سبحانه، ولذا
~~قيده بقوله: " إذا هم انتهوا فيه إلى أمري " أي إذا وصلوا في التذكر إلى
~~أمري ولم يتجاوزوه. والوصول إلى الأمر وعدم التجاوز عنه عبارة عن إطاعة
~~الأمر والانقياد له. هذا إن كان المراد بالأمر خطاب الإيجاب.
# ويحتمل أن يكون الأمر واحد الأمور، يقال: أمر فلان مستقيم وأموره
~~مستقيمة، وأن يكون أمره عبارة عن الروح الذي كان مع رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام)، قال الله تعالى: (وكذلك أوحينا
~~إليك روحا من أمرنا) (2).
# PageV00P126
# 7. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي
~~الجارود، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " رحم الله عبدا أحيا
~~العلم ". قال: قلت: وما إحياؤه؟ قال: " أن يذاكر به أهل الدين وأهل الورع
~~".
# 8. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن بعض
~~أصحابه، رفعه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " تذاكروا وتلاقوا
~~وتحدثوا، فإن الحديث جلاء للقلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف، وجلاؤها
~~الحديث ".
#
____________________
#
فعلى الأول يكون المراد بالانتهاء إلى أمره
~~الوصول إلى صفاته وأسمائه بالمعرفة (1)، وإلى أوامره ونواهيه بالمعرفة
~~والإطاعة والانقياد.
# وعلى الثاني يكون الانتهاء في التذاكر إلى أمره عبارة عن استناد ما
~~يتذاكرونه من العلوم الدينية وانتهاء أخذه إليهم (عليهم السلام).
# قوله: (قلت: وما إحياؤه؟ قال: أن يذاكر ms073 به (2) أهل الدين وأهل الورع).
# يحتمل أن يكون المراد ذكره لهم وحده، أو مع ذكرهم العلم له. والمراد
~~بإحياء العلم جعله محفوظا بين الناس، سواء كان إحداثا للحفظ وتجديدا له، أو
~~إبقاء وتثبيتا؛ فإن الابقاء لما كان في معرض الزوال والغناء يقال له:
~~الإحياء؛ قال الله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (3)
~~والتخصيص بأهل الدين وأهل الورع لكون غيرهم مظنة أن يغيروه ويفسدوه، فلا
~~يوجب الذكر والنقل لهم أو عنهم حفظا، فلا يكون فيه إحياء.
# قوله (عليه السلام): (تذاكروا العلم (4) وتلاقوا وتحدثوا).
# أمر (صلى الله عليه وآله) بتذاكر العلم. ولما لم يكن صريحا في المراد وهو
~~التحدث بالعلم - لأن التفاعل للتشارك في أصل الفعل، والتشارك فيما هو مقابل
~~النسيان، وهو الذكر،
# PageV00P127
# 9. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب،
~~عن عمر بن أبان، عن منصور الصيقل، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:
~~" تذاكر العلم دراسة، والدراسة صلاة حسنة ".
#
____________________
#
لا يدل على التحدث والمكالمة - عقبه بقوله: "
~~وتلاقوا وتحدثوا " أي بالعلم؛ بيانا للمراد من التذاكر، وهو أن يتحدث
~~ويكالم بعضهم بعضا فيما يتعلق بمعرفة الدين ومعرفة الشريعة القويمة.
# قوله: (فإن الحديث جلاء للقلوب).
# الجلاء - بالكسر - هو الصقل (1)، مصدر قد يستعمل لما يجلى به، فاستعمل
~~فيه، أو حمل على الحديث مبالغة. والرين: الوسخ.
# وقوله: (جلاؤه الحديد) أي جلاء السيف الحديد. وفي بعض النسخ بدل " الحديد
~~": " الحديث " أي جلاء القلب الحديث.
# قوله (عليه السلام): (تذاكر العلم دراسة) (2).
# الدراسة: قراءة الكتاب والعلم، يقال: درست الكتاب دراسة، أي قرأته.
# (والدراسة) أي قراءة العلم (صلاة حسنة) أي دعاء جميل، لأنه يترتب عليها
~~ما يترتب على أكمل الأدعية، وهو الدعاء الذي يطلب فيه جميع الخيرات من
~~المطالب الدنيوية والأخروية، فيستجاب، أو تعظيم لله سبحانه جميل؛ لأن فيه
~~تعظيما ظاهرا ينشأ عن تعظيم باطني وينبئ عنه، فيثمر تعظيما باطنيا لآخر، أو
~~المراد بالصلاة معناها الشرعي، وبالصلاة الحسنة الصلاة المفروضة، كما قيل
~~في قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن ms074 السيئات) (3) يعني أن الصلوات الخمس تكفر
~~ما بينها. والمراد بكونها صلاة مفروضة تشاركهما في الدرجة الرفيعة والثواب
~~الجزيل، أو في تكفير ما بينها من السيئات.
# PageV00P128
# باب بذل العلم 1. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن
~~إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن حازم، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: " قرأت في كتاب علي (عليه السلام): إن الله لم يأخذ على
~~الجهال عهدا بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال؛ لأن
~~العلم كان قبل الجهل ".
#
____________________
#
باب بذل العلم قوله: (لأن العلم كان قبل
~~الجهل). (1) هذا دليل على سبق أخذ العهد على العالم ببذل العلم للجاهل على
~~أخذ العهد على الجاهل بطلب العلم، أو بيان لصحته.
# ويمكن أن يقرر بحمل القبلية على القبلية الزمانية، وبتنزيلها على القبلية
~~بالرتبة والشرف.
# أما الأول، فبأن يقال: العلم قبل الجهل؛ حيث كان خلق الجاهل من العباد
~~بعد وجود العالم كالقلم واللوح وسائر الملائكة المقربين، وكخليفة الله في
~~أرضه آدم (عليه السلام) بالنسبة إلى أولاده، فيصح كون الأمر بالطلب بعد
~~الأمر ببذل العلم، أو يكون الأمر ببذل العلم سابقا؛ حيث يأمر بما يقتضيه
~~حكمته البالغة، وبما هو الأصلح عند وجود من يستحق أن يخاطب به، ولأن من لم
~~يسبق الجهل على علمه يعلم باطلاع منه سبحانه حسن أن يبذل العلم ومطلوبيته
~~له تعالى، فيعلم كونه مطلوبا منه البذل،
# PageV00P129
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن
~~المغيرة ومحمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في
~~هذه الآية: (ولا تصعر خدك للناس) قال: " ليكن الناس عندك في العلم سواء ".
#
____________________
#
وهذا أخذ العهد ببذل العلم.
# أما الثاني، فبأن يقال: العلم أشرف من الجهل، والعالم أقرب من (1) جنابه
~~سبحانه في الرتبة، ولا يصل العهد منه سبحانه إلى الجاهل إلا بواسطة العالم،
~~ويعلم العالم من ذلك أن عليه البذل عند الطلب، ms075 أو يقال: من جملة علمه وجوب
~~بذل العلم عند الطلب.
# قوله: (ولا تصعر (2) خدك للناس) (3).
# قال: (ليكن الناس عندك في العلم سواء).
# تصعير الخد إمالته عن النظر إلى الناس تهاونا. وقال (عليه السلام):
~~المقصود به التسوية بالنسبة إلى طلاب العلم، فلا يميل وجهه عن أحد منهم،
~~وذلك لأن المقصد الأقصى من بعثة الرسل تبليغ الشريعة القويمة وتعليم الدين
~~المبين، فالظاهر كونه نهيا عما يخل بما هو المقصود الأصلي، ولأنه ليس النهي
~~عن التصعير لاشتماله على التكبر والتهاون بالنسبة إلى الناس؛ لأن التكبر لا
~~يكون منه، والتهاون بالنسبة إلى الكل غير منهي عنه، بل لكونه منعا عما يجب
~~بالنسبة إلى الكل، وهو التعليم والتبليغ.
# PageV00P130
# 3. وبهذا الإسناد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر،
~~عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " زكاة العلم أن تعلمه عباد الله ".
# 4. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عمن
~~ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قام عيسى بن مريم (عليه
~~السلام) خطيبا في بني إسرائيل، فقال: يا بني إسرائيل، لا تحدثوا الجهال
~~بالحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ".
# باب النهي عن القول بغير علم 1. محمد بن يحيى، عن أحمد وعبد الله ابني
~~محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن مفضل بن يزيد قال: قال
~~لي أبو عبد الله (عليه السلام): " أنهاك عن خصلتين
~~
____________________
#
قوله (عليه السلام): (لا تحدثوا الجهال (1)
~~بالحكمة).
# المراد بالجهال من لا علم لهم، ولا يطلبونه، ولا يحبونه، فلا يلتفتون
~~إليه، ولا يقرون به؛ أو من الجهل مقابل العقل، أي الداعي إلى اختيار الشر
~~وما لا صلاح فيه.
# والمراد بأهل الحكمة مقابلهم.
# باب النهي عن القول بغير علم قوله: (نهاك أن تدين الله بالباطل) (2) أي
~~أن تعبد الله بما هو مأخوذ، لا من جهة يجب الأخذ منها، سواء كان من العقائد
~~والمعارف، أو من الأعمال فعلا أو تركا.
# والجهة المأخوذ منها في العقائد ms076 الأصولية البراهين والأدلة العقلية، وقد
~~يتمسك في بعضها بالسمعيات، وفي المسائل الفروعية الكتاب والسنة المنقولة
~~المنتهية
# PageV00P131
# فيهما هلاك الرجال: أنهاك أن تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم
~~".
# 2. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن عن
~~عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " إياك
~~وخصلتين ففيهما هلك من هلك:
# إياك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم ".
#
____________________
#
إلى الحجة، ولغير العارف القوي على استنباط
~~مقاصدهما على منهاج الاستقامة والسداد العارف بهما، فيؤخذ بقوله وفتياه.
# وقوله: (وتفتي الناس بما لا تعلم) ذكر للخصلة الثانية. وكما أنه لا يجوز
~~للآخذ أخذ العلم من غير مأخذه، لا يجوز للمفتي أن يفتي، أي يجيب في المسائل
~~ويبينها أو يقضي بما لا يعلم؛ فإن المفتي إن لم يكن واصلا إلى مرتبة معرفة
~~الكتاب والسنة وتصدى للإفتاء، فقد ركب متن عمياء، وإن وصل إلى تلك المرتبة
~~وأفتى بما لم يأخذه (1) متنهما على ما هو طريق الأخذ - تمكن من الأخذ أو لم
~~يتمكن - فقد خبط خبط عشواء. (2) قوله (عليه السلام): (إياك أن تفتي الناس
~~برأيك) أي لا بالأخذ من الكتاب والسنة على منهاجه.
# وقوله: (أو تدين (3) بما لا تعلم) أي أن تعبد الله بما لا تعلمه بثبوته
~~(4) بالبراهين والأدلة العقلية، أو بالكتاب والسنة والأدلة السمعية.
# ويحتمل أن يكون من دان به، أي اتخذه دينا، يعني إياك أن تتخذ ما لا تعلم
~~(5) دينا، وأن يكون " تدين " من باب التفعل، أي تتخذ الدين متلبسا بالقول
~~فيه بما لا تعلم. (6)
# PageV00P132
# 3. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن
~~رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " من أفتى
~~الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من
~~عمل بفتياه ".
# 4. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن
~~أبان الأحمر، ms077 عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ما
~~علمتم فقولوا، وما لم تعلموا
____________________
#
و" الدين " اسم لجميع ما يتعبد (1) الله به
~~والملة.
# قوله (عليه السلام): (من أفتى الناس بغير علم ولا هدى). (2) الهدى - بضم
~~الهاء -: الطريقة والسنة التي يهتدى (3) به والدلالة. وإنما يجوز الإفتاء
~~والجواب في المسائل وإبانتها والحكم فيها بعلم حاصل من مأخذه، سواء كان من
~~جانب الله سبحانه ابتداء، أو بتوسط ملاحظة برهان أو دليل، أو إرشاد ودلالة
~~من العالم، أو اتباع من يهتدى بهداه، فبذكر الهدى بعد العلم نبه على أنه
~~العمدة في أسباب العلم بما يحتاج إليه في الفتيا، فمن أفتى بغير علم ولا
~~هدى لعنته ملائكة الرحمة؛ حيث تعرض لما يوجب الحرمان من رحمة الله، وملائكة
~~العذاب؛ حيث أتى بما يستحق به العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه، منضما إلى
~~وزره بفتياه؛ حيث أضله، ولو لا إفتاء غير العالم لراجعوا إلى العالم وأخذوا
~~منه.
# قوله (عليه السلام): (ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله
~~أعلم).
# هذا خطاب مع العلماء من شيعته وأصحابه، وهم العالمون بكثير من المسائل
~~أو
# PageV00P133
# فقولوا: الله أعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما
~~بين السماء والأرض ".
# 5. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد
~~الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " للعالم إذا
~~سئل عن شيء وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، وليس لغير العالم أن يقول ذلك
~~".
# 6. علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن حماد بن عيسى، عن حريز
~~بن عبد الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا
~~سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدري، ولا يقل: الله أعلم، فيوقع في
~~قلب صاحبه شكا، وإذا قال المسؤول: لا أدري،
____________________
#
أكثرها بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل
~~باطلاع على مآخذها وطريق الأخذ ms078 منها سابق على الخروج إلى الفعل، فيظن بهم
~~العلم بما يسأله السائل.
# وقوله: (إن الرجل لينتزع الآية من القرآن) أي يقلعها ويفصلها منه ويأخذها
~~ليبينها ويفسرها.
# وقوله: (يخر فيها أبعد ما بين السماء والأرض) إما حال عن الضمير في "
~~ينتزع " أو خبر بعد خبر، والمعنى يقع في الآية، أي في تفسيرها ساقطا على ما
~~هو بعيد عن المراد، بينهما (1) أبعد ما بين السماء والأرض.
# قوله (عليه السلام): (للعالم إذا سئل عن شيء) أي لمن كان مطلعا على أكثر
~~المآخذ بقدر الوسع وعلى طريق الأخذ - ويعبر عنه في هذه الأعصار بالمجتهد -
~~إذا سئل عن شيء حال كونه غير عالم به بالفعل (أن يقول: الله أعلم) ولا يضر
~~دلالته على نحو علم له به؛ فإن (2) العلم بالمآخذ وطريق الأخذ نحو علم
~~بالمأخوذ منها، ويترتب عليه العلم بما يؤخذ منها ولو بالقوة القريبة من
~~الفعل (وليس لغير العالم ذلك)؛ لإشعاره بادعائه ما ليس له من العلم.
# قوله (عليه السلام): (إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم فليقل: لا أدري).
# يحتمل أن يكون المراد بالرجل من الشيعة هنا غير العالم؛ فإنه ليس في
~~الكلام
# PageV00P134
# فلا يتهمه السائل ".
# 7. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن جعفر بن سماعة،
~~عن غير واحد، عن أبان، عن زرارة بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه
~~السلام): ما حق الله على العباد؟ قال: " أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند
~~ما لا يعلمون ".
#
____________________
#
إشعار بعالميته، وهو الغالب الأكثري الوجود،
~~وليس له أن يقول: الله أعلم، إنما له أن يقول: لا أدري؛ لئلا يقع في قلب
~~صاحبه - وهو من سأله - شك ولا يتهمه (1) بكونه عالما.
# ويحتمل أن يكون المراد يعم العالم وغيره، ويكون المعني بإيقاع الشك
~~والاتهام الشك في كونه عالما بالمسؤول عنه عند السؤال معرضا عن الجواب لعلة
~~واتهامه بذلك، فيكون المنهي عنه أن يقول: الله أعلم عند مظنة وقوع الشك
~~والاتهام، وذلك في العالم نادر، وفي غيره يكون غالبا؛ فإن العالم ms079 همه في
~~نشر العلم وإذاعته كما أن الجاهل همه في ستر ما اطلع عليه وإضاعته.
# قوله (عليه السلام): (ما حق الله على العباد؟) الحق: الواجب الثابت الذي
~~يطالب به صاحبه من عليه؛ وسؤاله عن الحقيق بهذا الاسم من بين الفرائض
~~والواجبات، فأجاب (عليه السلام) (أن يقولوا ما يعلمون) (2) أي يكون مقولهم
~~(3) مقصورا على ما يعلمون، أو إتيانهم بعد السؤال واستدعاء الجواب بقول ما
~~يعلمونه، وأن يقفوا عند ما لا يعلمون.
# والمراد أن الحقيق بهذا الاسم الاقتصار على القول بما يعلمه، والوقوف عن
~~القول بما لا يعلمه، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى (عليه السلام):
~~(حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) (4) والقول في العلوم الدينية عند
~~عدم العلم قول على الله
# PageV00P135
# 8. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس [بن عبد الرحمن]
~~عن أبي يعقوب إسحاق بن عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن
~~الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم
~~يعلموا، وقال عز وجل: (ألم يؤخذ عليهم
____________________
#
بغير الحق؛ فإن القول دال على اعتقاد القائل
~~وعلمه بالمقول، وكل قول في العلوم الدينية قول على الله، فالقول فيها من
~~غير العالم قول على الله بغير الحق من حيث عدم مطابقته لما عليه الأمر في
~~نفسه، أو من حيث عدم معلوميته له وإن طابق اتفاقا، فمن حق الله على العباد
~~أن يقفوا عن القول عند ما لا يعلمون، وأن يقتصروا على القول بالحق فيها.
# قوله (عليه السلام): (إن الله تعالى حض عباده بآيتين من كتابه) الحض -
~~بالمعجمة بعد المهملة -: الحث، والمعنى حث عباده بآيتين من كتابه (أن لا
~~يقولوا) أي على أن لا يقولوا قبل العلم (ولا يردوا) إلا بعد العلم، فحذف "
~~على ".
# ويحتمل أن يكون " أن لا يقولوا " تفسيرا لحثه تعالى؛ فإن حثه عباده يكون
~~بالقول، فصح وقوع هذا القول تفسيرا له، و" لا " في الموضعين حينئذ للنهي،
~~وعلى ms080 الأول للنفي.
# وفي بعض النسخ " خص " بالمهملة بعد المعجمة، والمعنى خص عباده أي هذه
~~الأمة، والتعبير عنهم بوصف العبودية مضافا إليه سبحانه لتشريفهم وتعظيمهم
~~من بين الأمم بإنزال آيتين من كتابه وإعلامهم بمضمونهما وحثهم عليهما دون
~~سائر الأمم.
# وقوله: " أن لا يقولوا " حينئذ إما بدل من " آيتين "، أو تفسير للخصوص.
# وقوله: " وقال عز وجل " معطوف على " حض " من عطف أحد التعبيرين عن الشيء
~~على آخر؛ لمغايرة بينهما عبارة ومعنى، إجمالا وتفصيلا، حجية وادعاء، مطابقة
~~والتزاما.
# وقوله: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) أي الثابت الواقع. ولما نهاهم
~~عن
PageV00P136
# ميثاق الكتب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) وقال: (بل كذبوا بما لم
~~يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) ".
# 9. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد، عمن
~~حدثه، عن ابن شبرمة قال: ما ذكرت حديثا سمعته عن جعفر بن محمد (عليه
~~السلام) إلا كاد أن يتصدع قلبي، قال: " حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ". قال ابن شبرمة: وأقسم بالله ما كذب أبوه على جده،
~~ولا جده على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: " قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): من عمل بالمقاييس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس بغير علم
~~وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك ".
#
____________________
#
القول على الله مستثنى منه الحق، لم يكن لهم
~~الإتيان إلا بما علموا واعتقدوا كونه مستثنى، فقولهم قبل العلم واعتقاد
~~الحقية إتيان بالمنهي عنه، والآية الأخيرة صريحة في النهي عن رد ما لم يعلم
~~والتكذيب به.
# قوله (عليه السلام): (من عمل بالمقاييس).
# المقياس ما يقدر به الشيء على مثال، والمراد به ما جعلوه معيار إلحاق
~~الفرع بالأصل من الاشتراك في المظنون عليته للحكم وعدم الفارق، والمراد من
~~العمل به اتخاذه دليلا شرعيا معولا عليه، واستعماله في استخراج الحكم
~~الشرعي، والقول بموجبه ومقتضاه بعد جعله دليلا شرعيا؛ فإن العمل بالدليل
~~الاستدلال به والتعويل عليه ms081 والقول بمدلوله؛ لدلالته عليه.
# وقوله: (فقد هلك وأهلك) أي بضلالته في العمل وإضلاله من تبعه واقتفى
~~أثره.
# وقوله: (ومن أفتى الناس) أي بما يأخذه عن (1) الكتاب والسنة (وهو لا يعلم
~~الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه فقد هلك وأهلك) وفيه دلالة على أنه
~~كما يجوز للمفتي أن يقول: كذا فهمت من الكتاب أو السنة، يجوز له أن يقول -
~~إذا
# PageV00P137
# باب من عمل بغير علم 1. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن
~~أبيه، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) يقول: " العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده
~~سرعة السير إلا بعدا ".
#
____________________
#
سئل عن الحكم -: كذا حكم الله، أي في ظني،
~~وأنه يجب عليك أن تعمل كذا.
# باب من عمل بغير علم قوله: (العامل على غير بصيرة) أي غير معرفة بما
~~يعمله بما هو طريق المعرفة في العمليات، فمنها: ما يحصل الجزم بكونه مطلوبا
~~(1) للشارع عند الفحص (2) عن الأدلة. ومنها: ما يحصل الظن به عند الفحص
~~عنها، كالأخبار غير المتواترة وغير المقترنة بما يفيد الجزم، وكالظواهر من
~~المتواترات. والساعي في الفحص عنها بقدر الوسع هو المجتهد، ويجيب عليه
~~العمل بمقتضى معرفته وعلمه وظنه المستتبع للعلم، ويجب على غير العالم
~~الرجوع إلى مجتهد (3) في الأخذ والعمل على وفق معلوم المرجوع إليه، فالمقلد
~~لعلمه بوجوب الأخذ عن العالم واطلاعه على فتياه على بصيرة، كما أن العالم
~~لعلمه بوجوب الأخذ عن الأدلة - كالكتاب والسنة - واطلاعه على ما فيها على
~~بصيرة في عمله.
# ولا يبعد أن يحمل العمل هنا (4) على ما يشمل السعي والاجتهاد في أخذ
~~المسائل عن الأدلة.
# وقوله: (كالسائر على غير الطريق) لأن العامل يريد بعمله الإطاعة والوصول
~~إلى النجاة، ولا إطاعة في العمل بلا بصيرة (5) وعلم بكونه على وفق ما طلب
~~وأريد منه،
# PageV00P138
# 2. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن ابن
~~مسكان، عن حسين الصيقل قال: سمعت أبا ms082 عبد الله (عليه السلام) يقول: " لا
~~يقبل الله عملا إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلته المعرفة على
~~العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له،
____________________
#
فلا ينتهي عمله إلى ما أريد الانتهاء إليه
~~بارتكابه والاشتغال به، فلا يكون طريقا للمطلوب، ويكون سلوكه سلوك غير
~~طريقه، (1) فلا يزيد سرعته إلا بعدا عن المطلوب كالسائر على غير الطريق.
# وأيضا كل ما شأنه هذا (2) فارتكابه قبيح منهي عنه، والاشتغال به شغل عن
~~المأمور به، فبما يريد الإطاعة به والنجاة يعصي ويهلك، وبزيادته كمية أو
~~كيفية - أي كثرة أو سرعة باختلاف النسختين فإن في بعضها مكان سرعة السير
~~كثرة السير - لا يزداد إلا عصيانا وضلالا وبعدا عن المقصود.
# قوله (عليه السلام): (لا يقبل الله عملا إلا بمعرفة) أي بمعرفة بالعمل،
~~وبما يتوقف عليه المعرفة بالعمل، أو بمعرفة صحيحة مأخوذة عن (3) مأخذها
~~الذي يجب الأخذ عنه كما هو طريقه، وتلك المعرفة تكون للعالم القادر على
~~الأخذ من الأدلة بالأخذ منها، وتكون للمقلد العاجز عن الأخذ منها بالأخذ عن
~~العالم فيما يجوز فيه التقليد.
# وقوله: (ولا معرفة إلا بعمل).
# إما معطوف على " عملا " و" لا " مؤكدة للنفي، أي لا يقبل الله معرفة
~~متعلقة بعمل (4) إلا بعمل يتعلق به المعرفة، أو لا يقبل الله معرفة إلا
~~بعمل يتعلق بها.
# وإما معطوف على قوله: " لا يقبل الله عملا " و" لا " لنفي الجنس، أي ولا
~~معرفة كاملة تستحق أن تعد معرفة إلا بعمل يتعلق بها، ولا أقل من الإقرار
~~باللسان وما في حكمه، فكل معرفة لا يترتب عليه عمل لا يعتد بها، ولا يعد
~~(5) معرفة؛ حيث لا يترتب عليها آثار المعرفة، ولا تكون مقبولة؛ فإنه كما لا
~~يؤثر هاهنا لا يؤثر
# PageV00P139
#
#
____________________
#
هناك، وذلك لعدم استقرارها وتمكنها في القلب،
~~فالمعرفة المتعلقة بالمبدأ وصفاته والرسالة والوصاية متى فارقها الإقرار
~~باللسان وما في حكمه لا يعتد بها، ولا تكون إيمانا، وكذا المعرفة المتعلقة
~~بعمل، إن كان من المتيقن ثبوته من الشريعة، كالضروريات الدينية، إن ms083 فارقها
~~الإقرار لا يعتد بها، ولم يكن (1) تلك المعرفة من الإيمان، ولذا يحكم بكفر
~~منكر ضروري الدين وإن كان عارفا به.
# وأما الظنيات من الفروع فالاعتقاد بها ومعرفتها الظنية ليست من الإيمان،
~~إنما المعتبر في الإيمان الاعتقاد والتصديق بجميع ما جاء به النبي (صلى
~~الله عليه وآله) عموما بهذا العنوان وخصوصا في المتيقن ثبوته شرعا
~~كالضروريات عند ملاحظتها، فإنكارها وإن لم يخرج من الإيمان، لكن هذه
~~المعرفة الظنية فائدتها الإقرار والعمل، فبعدمهما يكون وجودها كعدمها، فلا
~~تكون مقبولة ولا معدودة في المعرفة، بل وجودها أسوأ من عدمها؛ لغلبة شرية
~~النفاق والخلاف بين الباطن والظاهر، أو القول والفعل، وتكذيب كل منهما
~~الآخر على خيريتها.
# وقوله: (فمن عرف دلته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له)
~~تفصيل وتبيين لما ذكر قبله إجمالا، والمراد أن المعرفة من شأنها الدلالة
~~والإيصال إلى العمل، والعمل من آثارها المترتبة عليها؛ ومن لم يترتب أثر
~~المعرفة على ما فيه ويظنه معرفة، فإما لعدم كونه معرفة في ذاته، أو لعدم
~~كونه معرفة له، أي ثابتة مؤكدة الثبوت له، ظاهرة فيه، غالبة على أضدادها،
~~فالحالة الحاصلة في الشخص - من اجتماع ما للقلب والقوة العقلية، وما للقوى
~~الخيالية والوهمية، وما للقوى الشهوانية والغضبية - لا كمالية ولا معدودة
~~معرفة، كالمركب من المسك والقاذورات لا يشم منه إلا المركب من كيفيتهما وهو
~~النتن، لا الطيب، فلا يقال لرائحة المسلك المخلوطة بنتن القاذورات والجيف
~~عند الاختلاط والاضمحلال في كيفيتها: عرفا وريحا طيبا، ولا يكون مستعمل
~~المسك على هذا النحو مستعملا
# PageV00P140
# ألا إن الإيمان بعضه من بعض ".
# 3. عنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عمن رواه، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال:
# " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من عمل على غير علم كان ما يفسد
~~أكثر مما يصلح ".
# باب استعمال العلم 1. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حماد بن
~~عيسى، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي ms084 قال:
~~سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه
~~قال في كلام له: " العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه، فهذا ناج، وعالم
~~تارك لعلمه، فهذا هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه،
~~
____________________
#
للطيب، كذا المعرفة المنغمرة في الأهواء
~~والمنى والجهالات الداعية إلى الشر والفساد لا تكون معرفة ولا يكون صاحبها
~~على هذا النحو سالكا طريق النجاة، بل الحالة المركبة من جميع هذه الأمور
~~أقوى في الإيصال إلى الضلال والهلاك.
# وقوله: (إلا أن الإيمان بعضه من بعض) أي بعض مما اعتبر فيه - وهو العمل
~~المعتبر في أصله أو العمل المعتبر في كماله - نشأ من بعض وهو المعرفة
~~الدالة عليه؛ فإن المعرفة التي هي مناط الإيمان أقل مراتبها يدل على أقل
~~مراتب العمل، وهو الإقرار والقول بها، وأكملها يدل على أكمل مراتب العمل
~~وهو الموافقة لها قولا وفعلا، والأوساط على الأوساط، وينشأ من كل مرتبة من
~~المعرفة ما يطابقها من مراتب العمل.
# قوله (عليه السلام): (من عمل على غير (1) علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح)
~~أي كان الفساد في عمله الذي لم يكن من علم أكثر من الصلاح فيه، وكل ما كان
~~الفساد فيه أكثر من الصلاح كان قبيحا غير مطلوب للحكيم.
# باب استعمال العلم قوله (عليه السلام): (وإن أهل النار ليتأذون من ريح
~~العالم التارك لعلمه) أي الذي لم يعمل
# PageV00P141
# وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله، فاستجاب له وقبل
~~منه، فأطاع الله، فأدخله الله الجنة وأدخل الداعي النار بتركه علمه،
~~واتباعه الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الأمل ينسي
~~الآخرة ".
#
____________________
#
بمقتضى علمه ولم يتبعه، بل اتبع الهوى.
# وقوله: (وإن أشد أهل النار ندامة (1) وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله (2)
~~فاستجاب له) أي وقع الاستجابة والقبول عقيب دعوته، وترتب (3) على استجابته
~~وقبوله الإطاعة لله والعمل، فبدعوته إلى الإيمان آمن، وبإيمانه أطاع؛ حيث
~~دلته معرفته الكاملة المستقرة على العمل، ms085 وأوصلته (4) إليه، والداعي لم
~~يوجب إيمانه الإطاعة ومعرفته الوصول إلى العمل؛ لغلبة الهوى فاتبعه وترك
~~العلم.
# وقوله: (أما اتباع الهوى (5) فيصد عن الحق) أي علما كان أو عملا، فهو من
~~موانع تناول الحق (وطول الأمل ينسي الآخرة) فهو موجب لعدم تذكر الآخرة
~~المقتضي للعمل، فاتباع الهوى مانع، وطول الأمل موجب لرفع المقتضي.
# ويمكن أن يكون " ينسئ " من الإنساء مهموز اللام، أي يؤخر العمل للآخرة،
~~فحذف العمل وأسند الفعل إلى الآخرة، فطويل الأمل لظنه البقاء يؤخر
~~العمل
# PageV00P142
# 2. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر،
~~عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل،
~~ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه، وإلا ارتحل عنه ".
# 3. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن محمد القاساني،
~~عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " إن العالم إذا
____________________
#
للآخرة، ويقول: سأفعل لها فيما بعد.
# قوله: (العلم مقرون إلى العمل) أي قرن العلم مع العمل في كتاب الله
~~وكلامه، كقوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وعلق المغفرة والنجاة
~~عليهما.
# وقوله: (فمن علم عمل، (1) ومن عمل علم) أمر في صورة الخبر، أي يجيب أن
~~يكون العلم مع العمل بعده، والعمل مع العلم قبله.
# وقوله: (والعلم يهتف بالعمل) أي يصيح ويدعو صاحبه بالعمل على طبقه، فإن
~~أجابه وعمل استقر فيه وتمكن، وإلا ارتحل عنه بدخول الشك والشبهة عليه ولو
~~إلى ساعة الارتحال من دار الدنيا.
# ويحتمل أن يكون المراد بمقرونية العلم مع العمل عدم افتراق الكامل من
~~العلم عن العمل بحسب مراتب كماله، وعدم افتراق بقاء العلم واستكماله عن
~~العمل على وفق العلم، فقوله: " فمن علم " أي علما كاملا معتبرا مقبولا
~~باقيا " عمل، ومن عمل علم " أي أبقى علمه واستكمله؛ تفصيل لما أجمل قبله.
# وقوله: (والعلم يهتف بالعمل) أي مطلقا (2) فإن أجابه وعمل، قوي واستقر
~~وتمكن في قلبه، وإلا ضعف ms086 وزال عن قلبه.
# PageV00P143
# لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا ".
# 4. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن علي بن
~~هاشم بن البريد، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليه السلام)
~~فسأله عن مسائل فأجاب، ثم عاد ليسأل عن مثلها، فقال علي بن الحسين (عليه
~~السلام): " مكتوب في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما
~~علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا،
~~
____________________
#
قوله: (إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت
~~موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا).
# الموعظة: النهي عن الدخول في المحارم والمعاصي - فعلا كان أو تركا - أو
~~ذكر ما يلين القلب من الثواب والعقاب، والمعنى: إذا لم يعمل العالم بمقتضى
~~علمه، ونهى عن ارتكاب ما ارتكبه من ترك العمل بعلمه أو ذكر الثواب والعقاب
~~لتليين (1) القلوب، لم يؤثر نهيه أو ذكره ذلك في القلوب، إنما يمسها ويزل
~~عنها كما يزل المطر عن الصفا.
# والصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة والحجر الأملس، فما كان من القلوب صوافي
~~البواطن يقبل على العمل؛ لما فيها من الرقة والصفا لا بتأثير موعظته، وما
~~كان قاسية كدرة، لا يستقر (2) هذه الموعظة ولا تدخلها لتؤثر، إنما
~~الاستقرار والدخول لموعظة العامل بعلمه.
# قوله: (لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم) أي إذا كان من
~~شأن علمكم عدم التأثير فيكم، وعرفتم ذلك من أنفسكم بترك العمل بما علمتم،
~~فالأصلح لكم ترك طلب العلم بما لا تعلمونه من الأعمال (لأن العلم إذا لم
~~يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا) أي جحودا، فإن ترك العمل مع العلم جحود
~~وعدم إقرار بما عرفه وكفر به، والجاهل لا يلزمه الإنكار، ولا يكون منه
~~الجحود.
# فهاهنا ثلاث مراتب:
# الأول: الجاهل بالجهل الصرف بدون إنكار. (3)
# PageV00P144
# ولم يزدد من الله إلا بعدا ".
# 5. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، ms087 عن المفضل
~~بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: بم يعرف الناجي؟ قال:
~~" من كان فعله لقوله موافقا فأثبت له الشهادة، ومن لم يكن فعله لقوله
~~موافقا فإنما ذلك مستودع ".
#
____________________
#
والثاني: الجاهل بما يجب العلم به مع الإنكار،
~~وهذا أسوأ حالا من الأول.
# والثالث: العالم به مع جحده، وهذا أسوأ حالا منهما؛ فإن المعرفة في نفسها
~~وإن كانت حسنة لكن الجحود بعدها من أقبح القبائح، والحالة الملتئمة منهما
~~أسوأ حالا من الملتئمة من الإنكار والجهل، ومن الجهل الصرف بكثير، ثم مراتب
~~الجحود مختلفة.
# فمنها: الجحد على الإطلاق، وهو الخالي عن كل وجه من وجوه الإقرار بعد
~~العلم، وهو كفر مطلق في الربوبية، أو التوحيد، أو الرسالة، أو ما هو من
~~ضروريات الدين.
# والثانية: الجحد بترك العمل مطلقا بعد الإقرار باللسان. وهذه كالأولى في
~~كونه كفرا مطلقا، وإنما تجري في العمليات.
# والثالثة: الجحد بترك العمل ببعض من الضرويات بعد الإقرار باللسان، وهذا
~~ليس كفرا مطلقا، (1) بل هو كفر به.
# وقوله: (ولم يزدد من الله إلا بعدا) أي من رحمته وثوابه ونيل ما عنده،
~~وذلك لأن في الجحود من استحقاق العقاب والبعد عن المغفرة والثواب أكثر مما
~~في الجهل والترك، وفي الإنكار معهما.
# قوله: (من كان فعله لقوله موافقا فأثبت له الشهادة) وفي بعض النسخ " فأبت
~~له " بالباء الموحدة قبل المنقوطة بنقطتين من البت. وسيذكر (2) هذا الحديث
~~في
# PageV00P145
#
#
____________________
#
المعار وعلامته هكذا:
# قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إن الحسرة والندامة والويل كله لمن لم
~~ينتفع بما أبصره ولم يدر ما الأمر (1) الذي هو عليه مقيم، أنفع له أم ضر "
~~قلت: فبم يعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك؟ قال: " من كان فعله لقوله
~~موافقا، فأتت (2) له الشهادة بالنجاة، ومن لم تكن فعله لقوله موافقا فإنما
~~ذلك مستودع ". (3) فلا يبعد أن يكون هنا أيضا " فأتت " بالتاءين كما في
~~ثمة.
# أما على النسخة الأولى فمعناه " من كان فعله لقوله موافقا " - أي لما
~~يقول به ويعتقده، ms088 أو المراد من القول الكلام الحاكي عن الاعتقاد - " فإنما
~~له الشهادة " أي شهادة الشاهد بالنجاة، وهو موافقة الفعل للقول الدالة على
~~ثبوت الاعتقاد ورسوخه واستقراره حتى يوصله إلى النجاة، فدل بأداة الحصر على
~~انحصار الشهادة له مؤكدة بتقديم الظرف. ومن لم يكن فعله لقوله ومعتقده
~~(موافقا فإنما ذلك مستودع) أي اعتقاده كالوديعة عنده يؤخذ عنه ويسلب، (4)
~~أو المراد بالشهادة عدم غيبة المعرفة عن قلبه وحفظه لها، فيحصل النجاة بها.
# وأما على الثانية " فأبت له الشهادة " أي فقطع له الشهادة، أي حضور
~~الاعتقاد وحفظها عن الزوال والسلب عنه، أو المراد فقطع له شهادة شاهد
~~النجاة بحفظ معرفته عن السلب والزوال.
# وأما على موافقة ما في الحديث المنقول ثمة " فأتت له الشهادة بالنجاة "
~~أي فجاءت وحصلت له شهادة شاهد النجاة، وهو موافقة الفعل للقول والاعتقاد
~~بالنجاة، وظاهر أول الحديث على ما نقله ثمة أن السؤال عمن اعتقد الحق وقال
~~به.
# PageV00P146
# 6. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، رفعه، قال: قال
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطب به على المنبر: " أيها الناس،
~~إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل بغيره كالجاهل
~~الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم، والحسرة
~~أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على
____________________
#
قوله: (إن العالم العامل بغيره) أي بغير
~~العلم، (1) والعمل بالشيء إعماله، أو بغير ما علم وجوب العمل به من
~~الأعمال. والباء صلة.
# وقوله: (كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله).
# الحائر هو الذي لا يهتدي لجهة أمره. والاستفاقة: الرجوع إلى ما شغل عنه،
~~وشاع في الرجوع عن السقم إلى الصحة. ومنه استفاقة المريض والمجنون والمغمى
~~عليه.
# وقوله: (بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم) أي قد علمت علما قريبا من
~~المعاينة أن الحجة على هذا العالم أعظم من الحجة على هذا الجاهل. والظرف
~~متعلق بالحجة، والمتعلق ب " أعظم " محذوف اعتمادا على المذكور فيما يتلو
~~هذه القرينة، أو ms089 المذكور فيما يتلوها متعلق بكل منهما.
# وقوله: (والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ (2) من علمه) أي المشرف على
~~الانسلاخ.
# وقوله: " على هذا العالم " متعلق بقوله: " أدوم " والجملة معطوفة على
~~قوله: " بل قد رأيت " أو على مدخول " أن ".
# PageV00P147
# هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، ولا
~~تشكوا فتكفروا،
____________________
#
وقوله: (وكلاهما حائر بائر) البائر: الهالك.
# قوله: (لا ترتابوا فتشكوا). (1) الريب مصدر رابني الشيء: إذا حصل فيك
~~الريبة. والريب في الأصل تحصيل الريبة والإيصال إليها والإيقاع فيها.
~~وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها.
# ومنه حديث الحسن بن أمير المؤمنين (عليهما السلام) قال: " سمعت رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
# " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، والصدق طمأنينة ". (2)
~~والارتياب: الوصول إلى الريبة والوقوع فيها، أو اتخاذ الريب بالمعنى
~~المذكور.
# وليس الريب في هذا الحديث مستعملا في الشك أو التهمة أو غيرهما من لوازم
~~معناه الأصلي، أو ملزوماته التي شاع استعماله فيها.
# والمراد لا توقعوا أنفسكم في القلق والاضطراب بالتوغل في الشبهات، أو
~~بمعارضة العلم في مقتضاه من العمل فينتهي أمركم إلى أن تشكوا في المعلوم
~~والمتيقن لكم.
# وقوله: (ولا تشكوا) أي لا توقعوا أنفسكم في الشك واحذروا من طريانه على
~~العلم (فتكفروا) (3) أي يوصلكم إلى الكفر وينتهي إلى الشك فيما يكون الشك
~~فيه كفرا.
# PageV00P148
# ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحق فتخسروا، وإن من الحق أن
~~تفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وأغشكم
~~لنفسه أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخب ويندم ".
# 7. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عمن ذكره، عن
~~
____________________
#
وقوله: (ولا ترخصوا لأنفسكم) أي لا تسهلوا
~~لأنفسكم أمر الإطاعة والعصيان، ولا تخففوا عليها ما شدد الله عليها من
~~حقوقه (فتدهنوا) أي تظهروا وتقولوا خلاف ما تضمرونه، أو (1) تلينوا عند
~~إظهار الباطل ولا تنكروه. والإدهان: إظهار خلاف ما تضمر، (2) أو المقاربة
~~في ms090 الكلام والتليين.
# وقوله: (ولا تدهنوا في الحق فتخسروا) أي لا تدهنوا فيما يعرفونه (3)
~~بالحقية (4) " فتخسروا " أي فيحصل لكم النقص في المعرفة الحاصلة لكم، أو في
~~رأس ما لكم الذي هو الإيمان.
# قوله: (وإن من الحق أن تفقهوا) أي من حقوق الله ومما أوجبه عليكم أن
~~تتفقهوا. التفقه: تعلم (5) الفقه وتحصيل المعرفة بجميع ما هو معدود من
~~العلوم الشرعية، أصولها وفروعها.
# وقوله: (ومن الفقه أن لا تغتروا) أي لا تنخدعوا (6) بالباطل ولا تطمعوا
~~فيه.
# قوله: (وإن أنصحكم...) النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح له، وهي اسم من
~~النصح - بالفتح - وهو فعل النصيحة.
# والغش: إظهار خلاف ما أضمر، والاسم منه الغش بالكسر.
# والخيبة: الحرمان والخسران وعدم نيل المطلوب.
# PageV00P149
# محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر (عليه
~~السلام) يقول: " إذا سمعتم العلم فاستعملوه، ولتتسع قلوبكم، فإن العلم إذا
~~كثر في قلب رجل لا يحتمله قدر الشيطان عليه، فإذا خاصمكم الشيطان فأقبلوا
~~عليه بما تعرفون، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا ".
# فقلت: وما الذي نعرفه؟ قال: " خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز وجل ".
#
____________________
#
قوله: (إذا سمعتم العلم فاستعملوه).
# والمراد بالعلم المذعن به، لا نفس التصديق والإذعان؛ فإن التصديق والعلم
~~يطلق على المعلوم المذعن به، والمقصود أنه بعد حصول العلم ينبغي الاشتغال
~~بإعماله والعمل على وفقه عن طلب علم آخر قبل إعماله، فاحفظوه (1) واربطوه
~~بالعمل لتكونوا عالمين وحافظين للعلم من الزوال.
# وقوله: (ولتتسع قلوبكم) أي يجب أن تتسع قلوبكم لما علمتم، والمراد أنه
~~يجب أن يكون طلبكم للعلم بقدر تتسعه قلوبكم، ولا تستكثروا منه (فإن العلم
~~إذا كثر في قلب رجل لا يحتمله) ولا يكون قلبه متسعا له، قادرا على ضبطه
~~(قدر الشيطان) بتلبيس الشبهات (عليه) حتى يتشكك (2) فيما علمه ويترك (3)
~~العمل به.
# وقوله: (فإذا خاصمكم الشيطان فاقبلوا عليه بما تعرفون).
# تنبيه على دفع ما يتوهم من أن القناعة من العلم بما يتسعه القلب تؤدي إلى
~~العجز عن مخاصمة الشيطان، والاستكثار منه (4) من أسباب القوة على ms091 معارضته
~~ودفعه.
# وجوابه: أن الإقبال على الشيطان بما تعرفون من العقائد المعتبرة في أصل
~~الإيمان يكفي في دفعه (فإن كيد الشيطان كان ضعيفا).
# والمراد بقوله: (خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله تعالى) خاصموه بآثار
~~قدرته، الدالة على إلهيته (5) وتوحيده، الظاهرة في أنفسكم وفي العالم؛
~~وبآثار
# PageV00P150
# باب المستأكل بعلمه والمباهي به 1. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن
~~عيسى؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة،
~~عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) يقول: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): منهومان لا يشبعان:
# طالب دنيا، وطالب علم، فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله له سلم، ومن
~~تناولها
____________________
#
قدرته، الظاهرة في الرسول وعلى يده، الدالة
~~على رسالته؛ وبآثار قدرته، الظاهرة في الوصي من فطانته وعلمه وصلاحه بعد
~~تنصيص النبي (صلى الله عليه وآله) على عينه أو صفاته.
# باب المستأكل بعلمه والمباهي به قوله: (منهومان لا يشبعان).
# النهم: إفراط الشهوة في الطعام وشدة الحرص عليه. شبه إفراط الشهوة في طلب
~~الدنيا وطلب العلم وشدة الحرص عليهما بإفراط الشهوة في الطعام وشدة الحرص
~~عليه، واستعمل الموضوع له فيهما.
# وقوله: (طالب دنيا) أي من يكون مطلوبه الدنيا لنفسها لا لرفع الحاجة، فإن
~~طالبها لرفع الحاجة طالب للكفاية.
# وقوله: (وطالب علم) أي من يكون شهوته في طلب العلم لحصول العلم له، فهذان
~~لا يشبعان، ولا يصلان إلى حد يزول (1) شهوتهما في الزيادة؛ حيث لا نهاية
~~لهما، ولا انزجار للقوى الإنسانية عنهما.
# ولما حكم بأنهما لا يشبعان، ولم يكن فيه تفصيل حالهما، فصله بقوله: (فمن
~~اقتصر من الدنيا المطلوبة له على ما أحل الله له) وكف عما حزمه عليه (سلم)
~~عن الهلاك بارتكاب ما حرمه الله عليه منها، واستحقاق العقاب وإن كان فيه
~~شهوة
# PageV00P151
# من غير حلها هلك، إلا أن يتوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل
~~بعلمه نجا، ومن أراد به ms092 الدنيا فهي حظه ".
#
____________________
#
الطلب. (ومن تناولها من غير حلها هلك)
~~بارتكابه المحرم واستحقاقه العقاب، (1) ولم يتعرض في التفصيل لذم الرغبة في
~~الدنيا، بل اقتصر على ما هو مناط الهلاك والنجاة عنه صريحا، ويعلم منه كون
~~الموصل إلى الهلاك غالبا مذموما.
# ولما حكم بهلاكه مطلقا استثنى منه من حصل له النجاة بالتوبة، أو بأن يرجع
~~الله عليه بفضله وقبوله وهو تواب على عباده، والتوبة بشروطها يحصل بها
~~النجاة لكل من يتوب.
# وأما النجاة بمراجعة الله بفضله على العبد فلمن يستحق فضل الله وقبوله،
~~ويتوب الله عليه؛ فإن من تناولها من غير حلها في الجملة وفي بعض الأحوال
~~دون بعض، ربما يكون بكثرة الطاعة والاجتناب عن أكثر الكبائر مستحقا لأن
~~يتوب الله عليه ويراجعه بفضله وقبوله، فينجيه من الهلاك وتشديد الأمر عليه
~~بالعقاب وقال: (2) (إلا أن يتوب، أو يراجع) (3) على البناء للمجهول، أي
~~يراجعه الله (4) بفضله أو على البناء للفاعل، أي يراجع الله ذلك المتناول
~~من غير الحل في الجملة، ويكون كثير المراجعة إلى الله بالطاعات وترك أكثر
~~الكبائر من المعاصي، فيرجع الله عليه بفضله؛ لاستحقاقه له بمراجعته إلى
~~الله تعالى.
# وقوله: (ومن أخذ العلم من أهله وعمل به (5) نجا) تفصيل لحال طالب العلم
~~بأن النجاة لمن أخذ العلم من أهل العلم وهو العالم المأخوذ علمه من المأخذ
~~الذي يجب الأخذ عنه، العامل بعلمه، المطابق قوله لفعله.
# PageV00P152
# 2. الحسين بن محمد بن عامر، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن
~~أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من أراد
~~الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة
~~أعطاه الله خير الدنيا والآخرة ".
# 3. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الأصبهاني، عن المنقري،
~~عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من أراد الحديث
~~لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ".
# 4. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم، عن المنقري، ms093 عن حفص بن غياث عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه
~~على دينكم، فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب ".
#
____________________
#
والمراد بالعلم المأخوذ ما يشمل المسائل
~~والأدلة الشرعية والبراهين العقلية، فحصول النجاة بالعلم المقرون بالعمل
~~به، وما ذكر إنما يكون لمن يريد العلم لحقيته (1) وللعمل على وفقه ومقتضاه،
~~[ما] يترتب عليه، ومن لم يتقيد بالأخذ من أهل العلم ولم يعمل بعلمه، فلا
~~يكون همه بالعلم لتحقيق الحق والعمل به، وإنما همه بطلب العلم ليقال له:
~~إنه عالم ويتبعه الجهال، ويراجعه السلاطين والأكابر من أهل الدنيا ليرخص
~~لهم فيما يريدونه من المحظور، فيأكل من عطاياهم وجوائزهم، ويترأس بقربهم
~~على من لا رئاسة له عليه، وهو الذي عبر عنه بقوله: (ومن أراد به الدنيا فهي
~~حظه) أي نصيبه وما يصل إليه من طلبه العلم، وليس له من العلم والعمل
~~المترتب عليه والنجاة المترتب عليهما حظ، إنما حظه دنياه التي نالها بطلبه.
# قوله: (فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب) أي كل محب لشيء يحفظ ويتعهد من هذا
~~الشيء ومن مقابله ما أحب، ومحبة المقابل للشيء المنافي له لا تجامع حب ذلك
~~الشيء؛ فمن أحب الدنيا لم يحب الآخرة كما في قول أمير المؤمنين (عليه
~~السلام): " فمن أحب الدنيا وتولاها أبغض الآخرة وعاداها " (2) وللإشعار إلى
~~ما ذكر قال: " يحوط ما
# PageV00P153
# وقال (عليه السلام): " أوحى الله إلى داود (عليه السلام): لا تجعل بيني
~~وبينك عالما مفتونا بالدنيا، فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق
~~عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم
____________________
#
أحب " ولم يقل: " يحوطه " ومن المعلوم أن حفظ
~~الدنيا وتعهدها لا يجامع إظهار الحق والعمل به غالبا، فمن يحوطها يميل إلى
~~الباطل كثيرا، فكل قول وفعل منه مظنة كونه من الكثير الغالب، فينبغي أن
~~يتهمه العاقل ويسئ الظن به، ولا يأتمنه على دينه، ولا يعتمد عليه في أخذ
~~العلوم الدينية.
# قوله: (لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدنيا) أي ms094 لا تجعل المفتون
~~بالدنيا أي المعجب بها بين الله وبينك وسيلة إلى حصول معرفة الله ومعرفة
~~دينه وشريعته التي شرعها لعباده (فيصدك) ويمنعك (عن طريق محبتي) بالترغيب
~~إلى الدنيا وتهييج الشهوة إلى طلبها وتشييد محبتها في القلب. (1) وقوله:
~~(فإن أولئك قطاع (2) طريق عبادي المريدين) لأنهم يميلون الناس من الرغبة
~~إلى الله وإلى الآخرة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها، أو لأنهم بإراءتهم
~~للناس أنهم علماء أمالوا الناس من طلب العالم الرباني إلى الرجوع إليهم
~~والأخذ عنهم، فأضلوهم عن السبيل إليه.
# وقوله: (أدنى ما أنا صانع بهم) أي أقل ما أجزيهم بكونهم مفتونين بالدنيا،
~~وذلك لمن فيه أقل مراتب الافتتان، وهو المتحرز عن تناولها، لا من حلها مع
~~حبه
# PageV00P154
# أن أنزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم ".
# 5. علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " الفقهاء أمناء الرسل ما لم
~~يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله، وما دخولهم في الدنيا؟ قال: " اتباع
~~السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم ".
# 6. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد
~~الله، عمن حدثه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " من طلب العلم ليباهي به
~~العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده
~~من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها ".
#
____________________
#
لها (أن أنزع حلاوة مناجاتي) أي الحكاية معي
~~والدعاء وعرض الحاجة علي من قلبه، وذلك لشغل قلبه بالدنيا عن الله سبحانه
~~وعن حقوقه، فلا يدرك حلاوة المناجاة؛ لشغل قلبه بغير من يناجيه، أو لأن
~~إدراكه لكيفية المناجاة وطعمها مشوب بإدراك كيفية نيل الدنيا وطعمها وما هي
~~مرة في ذاتها - وإن وافقت ذائقته - فلا يخلص (1) له حلاوة المناجاة مع ربه،
~~فهو سبحانه بتركه على افتتانه نزع حلاوة المناجاة عن قلبه.
# ولا يبعد أن يقال: المراد بالمناجاة هنا معناها الأصلي من (2) المسارة
~~والحكاية بالسر؛ فإن في الإسرار مع الحبيب حلاوة ms095 ليست في الإظهار، وهو لحبه
~~للدنيا و افتتانه بها يحلو عنده، وفي ذوقه الإظهار دون الإسرار.
# قوله: (اتباع السلطان) وهو اتخاذ طريقته قدوة، واستحسان ما حسنه،
~~واستقباح ما قبحه، والاهتمام بفعل ما يرتضيه وترك ما ينكره.
# (فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم) أي فاحذروهم محافظة على دينكم، أو
~~خوفا منهم على دينكم، ولا تراجعوهم (3) للسؤال عن المعارف الإلهية والمسائل
~~الدينية.
# قوله: (من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف
~~به
# PageV00P155
#
#
____________________
#
وجوه الناس إليه، فليتبوأ (1) مقعده من
~~النار).
# المباهاة: مفاعلة من البهاء، ومعناها المغالبة في الحسن، أي فيما يعد من
~~المحاسن والمفاخر.
# والمماراة: المجادلة والمنازعة. والمراد أن من طلب العلم لتحصيل الرئاسة.
# ومن وجوهها التي تناسب طلب العلم المفاخرة وادعاء الغلبة به، وذلك مع
~~العلماء لا يصل إلى النزاع والجدال؛ حيث لا يمارون؛ لعلمهم بقبحه فيسلم له
~~المفاخرة وادعاء الغلبة، ومع الجهال المتلبسين بلباسهم يورث النزاع
~~والجدال، وإذا كانت الرئاسة مطلوبة له يماري ويجادل ليظهر غلبته عليهم.
# ومنها صرف وجوه الناس إليه من العالم الرباني، فيحصل له الرئاسة بمراجعة
~~الناس إليه فيما ينبغي المراجعة فيه إلى من هو أهل للرئاسة، ولا ينتقل
~~الذهن إلى وجه آخر من الرئاسة يناسب طلب العلم ولا يؤول إلى ما ذكر.
# وقوله: " فليتبوأ مقعده من النار " أي فلينزل مكانه ومقره من النار، أو
~~فليتخذ مقره ومكانه من النار.
# وقوله: (إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها) دليل لما قبله، وأهل الرئاسة من
~~أوجب الله على عباده المراجعة إليه، والأخذ عنه، والتسليم لأمره، وتحملها
~~بالنسبة إليهم من التكاليف الشاقة، حيث لا يريدونها؛ لما عرفوه بعقولهم
~~الكاملة ومعارفهم الربانية من الفضل في تركها وعدم إرادتها، فهم يفعلون فعل
~~الرؤساء في زي الفقراء،
# PageV00P156
# باب لزوم الحجة على العالم وتشديد الأمر عليه 1. علي بن إبراهيم بن هاشم،
~~عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: قال: " يا حفص، يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ms096 أن يغفر
~~للعالم ذنب واحد ".
#
____________________
#
ولا يزدادون بفعلهم ورئاستهم إلا كسر أنفسهم،
~~كما في دعاء بعضهم (عليهم السلام) " اللهم لا تجعل لي عزا ظاهرا إلا وجعلت
~~لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها ". (1) باب لزوم الحجة على العالم قوله:
~~(يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد).
# للجهل بالحكم مراتب:
# أحدها: جهل المكلف بالحكم الشرعي مطلقا، بأن لا يعلمه بالأخذ عن العالم
~~تقليدا، ولا بالأخذ من أدلته التفصيلية، ولا يعلم ما يترتب عليه من الفضل
~~والثواب، وعلى تركه من الخذلان والعقاب، أو يعلمه. (2) وثانيها: عدم العلم
~~به من أدلته التفصيلية، وعدم العلم بما يترتب عليه وعلى تركه مع العلم
~~التقليدي (3).
# وثالثها: عدم العلم بما يترتب عليه مع العلم به من الأدلة.
# وإن اعتبر التقليد والاستدلال بالنظر إلى العلم بما يترتب عليه فعلا
~~وتركا، زادت المراتب، وكل مرتبة من الجهل جهل بالنسبة إلى ما فوقها، وما
~~فوقها علم بالنسبة إليه.
# PageV00P157
# 2. وبهذا الإسناد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " قال عيسى بن
~~مريم - على نبينا وآله وعليه السلام -: ويل للعلماء السوء كيف تلظى عليهم
~~النار ".
# 3. علي بن إبراهيم، عن أبيه؛ ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا،
~~عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: " إذا بلغت النفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة،
~~ثم قرأ: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة) ".
#
____________________
#
ثم الجاهل والعالم (1) في كلامه (عليه السلام)
~~يحتمل الجاهل على الإطلاق الذي لا يقال له:
# " العالم " أصلا، والعالم على الإطلاق الذي لا يطلق عليه " الجاهل "
~~أصلا. ويحتمل الجاهل والعالم الإضافيين، فالأمر شديد على كل عالم بالنسبة
~~إلى من هو جاهل بالنظر إليه.
# قوله: (ويل للعلماء السوء).
# يقال: ساء سوءا، ورجل سوء ورجل السوء بفتح السين والإضافة. ويقال: علماء
~~السوء بالإضافة فإن من يظهر منه السوء كأنه لا يعرف إلا السوء، فأضيف الصفة
~~إلى السوء معرفة كالضارب الرجل، أو ms097 غير معرفة. ثم لما أراد التعبير عن
~~الصفة المضافة إلى معمولها وتعريفها، قال: العلماء السوء، وليس السوء في
~~مثل هذا الموضع صفة بل مضاف إليه، لكن الإضافة هنا في معنى التوصيف، أي
~~المضاف موصوف بما أضيف إليه، والمشتق منه محمول على المضاف كما قيل في رجل
~~سوء وامرأة سوء.
# وقوله: (كيف تلظى) أي تلهب وتشتعل وتمد لهبها (عليهم النار).
# قوله: (إذا بلغت النفس هاهنا وأشار بيده إلى حلقه).
# المراد ببلوغ النفس إلى الحلق قطع تعلقها عن الأعضاء، والانتهاء في قطع
~~التعلق
# PageV00P158
# 4. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر
~~بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي بصير، عن أبي جعفر
~~(عليه السلام) في قول الله عز وجل: (فكبكبوا فيها هم والغاوون) قال: " هم
~~قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره ".
# باب النوادر 1. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن
~~البختري، رفعه، قال:
# كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: " روحوا أنفسكم ببديع الحكمة،
~~فإنها تكل كما تكل الأبدان ".
#
____________________
#
إلى حوالي الحلق من الصدر والرأس، وهو في آخر
~~ساعة من الحياة الدنيوية.
# وقوله: (لم يكن للعالم توبة) أي لمن يعلم الأدلة وما يترتب على العمل
~~فعلا وتركا، تضييقا وتشديدا للأمر عليه.
# وقوله: (ثم قرأ (إنما التوبة...) (1)) تمسك فيما قاله بكتاب الله سبحانه؛
~~حيث حكم بانحصار استحقاق قبول التوبة للجاهلين، والجاهل هنا مقابل العالم
~~بالمعنى الذي ذكرناه، وحمل الآية على انحصار قبول التوبة عند الخروج من
~~الدنيا للجاهل؛ لدلالة الأدلة على قبول التوبة لغير الجاهل قبله.
# وقوله: (قال: هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره) أي الغاوون
~~قوم وصفوا عدلا، أي حقا ثابتا مستقرا من العقائد والمذاهب، وذكروه بالحقية
~~(2) بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره.
# باب النوادر (3) قوله: (روحوا أنفسكم ببديع الحكمة).
# الترويح من الروح بمعنى الراحة، أو (4) من الروح بمعنى نسيم الريح
~~ورائحتها
# PageV00P159
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ms098 نوح بن شعيب النيسابوري، عن عبيد
~~الله بن عبد الله الدهقان، عن درست بن أبي منصور، عن عروة بن أخي شعيب
~~العقرقوفي، عن شعيب، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: يا طالب العلم، إن العلم ذو
~~فضائل كثيرة؛ فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه
~~الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية،
____________________
#
الطيبة، أي صيروا أنفسكم طيبة أو في راحة
~~ببديع الحكمة، أي ما يكون مبتدعا غير متكرر من الحكمة بالنسبة إلى أنفسكم؛
~~فإن النفوس تكل وتعيا بالمتكرر من المعرفة وتكرار تذكرها، كما تكل الأبدان
~~بالتكرار من الفعل.
# قوله: (إن العلم ذو فضائل كثيرة) (1) أي تتبعه (2) وفضائل كثيرة، بها
~~يظهر الآثار المقصودة من العلم، وهي للعلم بمنزلة الأعضاء والقوى والآلات
~~والخدم والتبعة والأسباب والأعوان.
# قوله: (فرأسه التواضع...) تفصيل لتلك الفضائل، وابتدأ بالتي منها بمنزلة
~~الأعضاء من العلم، وقال: " فرأسه التواضع " أي لا يفارق العلم وحصوله
~~التواضع، فتوقع حصول العلم بلا تواضع كتوقع وجود شخص وحياته بلا رأس، فمن
~~يريد طلب العلم فعليه بالتواضع.
# (وعينه البراءة من الحسد) فالعلم مع الحسد كمن لا عين له، فلا يرى، فإن
~~الطالب إذا حسد يخفي علمه ولا يتذاكر به، فيخفى عليه مواضع الشبه، ولا
~~يتميز عنده حقه من باطله حق التميز.
# (وأذنه الفهم) فإن من أخذ شيئا من العلوم، ولم يبالغ في فهمه أو فهم ما
~~يوصله إليه، فعلمه به كالذي يخاطب بما لا يسمع.
# (ولسانه الصدق) فإن العلم مع عدم مراعاة الصدق كالذي لا لسان له ليفيد
~~غيره.
# PageV00P160
# وعقله معرفة الأشياء والأمور، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته
~~السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء،
~~وسلاحه لين الكلمة،
____________________
#
(وحفظه الفحص) وهو البحث والكشف عن الشيء،
~~والعلم بدون الفحص كالذي لا حفظ له، فيغفل عن كثير وينسى كثيرا.
# (وقلبه حسن النية) فإن العلم إذا لم يكن معه حسن النية كان كالذي لا قلب
~~له ms099 ولا قوة على أن يأتي بما ينبغي منه، أو كالذي لا حياة له، ولا يظهر منه
~~آثار وجوده.
# (وعقله معرفة الأشياء والأمور) (1) كمعرفة أحوال الأوقات والأعصار وأهلها
~~ومصير كل شيء إلى ما ينتهي إليه، فيظهر من العلم مع تلك المعرفة ما ينبغي
~~ظهورها منه وما يكون خيرا له حينئذ.
# (ويده الرحمة) أي الرحمة على المحتاجين إلى العلم والعمل به؛ فإن العلم
~~مع عدم الرحمة كالذي لا يد له، ولا يقدر على ما ينبغي له أو يريد فعله.
# (ورجله زيارة العلماء) ولولا زيارة العلماء لما انتقل العلم من أحد إلى
~~آخر، وكان كمن لا رجل له، ولا ينتقل من مكانه، ولا يتعدى إلى آخر؛ وهذا آخر
~~ذكر الأعضاء وعد العقل فيها لكونه المدار عليه في الشخص، واحتياجه إليه أشد
~~من احتياجه إلى الأعضاء.
# (وحكمته) أي ما به اختياره الصدق والصواب (الورع) وهو التقوى والتحرز عن
~~ارتكاب المحرمات.
# ويحتمل أن يكون " حكمته " بفتح الحاء والكاف وهو المحيط من اللجام بحنك
~~الدابة، أي المانع لمركبه من الخروج عن طريقه والتوجه إلى خلاف مقصده الذي
~~ينبغي أن يتوجه إليه.
# (ومستقره) أي مسكنه الذي إذا وصل إليه سكن واستقر فيه (النجاة)
# PageV00P161
# وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة العلماء، وماله الأدب،
~~وذخيرته اجتناب الذنوب،
____________________
#
والتخلص (1) عن الشبه وطرق الضلال.
# (وقائده) أي ما يقوده ويجره نحو مستقره (العافية) أي البراءة من الآفات
~~والعاهات والأمراض النفسانية.
# (ومركبه) أي ما بركوبه وسوقه يصل إلى مستقره (الوفاء) بما في ذمته من
~~وجوب الإتيان بما يجب فعله، والانتهاء عما يجب (2) تركه، فبركوبه وسوقه يصل
~~العلم إلى النجاة.
# (وسلاحه) وما يدافع به عدوه الذي يريد إبطاله وإسقاطه (لين الكلمة) فإن
~~لين الكلمة يؤدي إلى قلة التعرض للعلم.
# (وسيفه الرضا) (3) أي ما يدفع به العدو عند اللقاء ويؤمن من غائلته (4)
~~الرضا؛ فإنه إذا رضي بما وقع من العدو بالنسبة إليه ولم يتعرض لدفعه، سلم
~~العلم عن (5) الهلاك والاندفاع بالمماراة والجدال.
# (وقوسه) وما يرمي به عدوه من بعيد (المداراة) وهو حسن ms100 الخلق والملاينة مع
~~الخلق.
# (وجيشه) وما يقوى به من الأعوان والأنصار (محاورة العلماء) ومكالمتهم
~~والمجاوبة معهم.
# (وماله) أي بضاعته التي يتجر بها ويزيد بها ربحه (الأدب) وحسن التناول في
~~التعليم والتعلم والمعاشرة.
# (وذخيرته) أي ما يحرزه لوقت الحاجة (اجتناب الذنوب) فإنه إذا اجتنب
~~لم
# PageV00P162
# وزاده المعروف، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه محبة الأخيار ".
# 3. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر،
~~عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): نعم وزير الإيمان العلم، ونعم وزير العلم الحلم،
~~ونعم وزير الحلم الرفق، ونعم وزير الرفق الصبر ".
#
____________________
#
يضعف ويبقى (1) قوته، بل يقوى يوما فيوما،
~~فعند إرادة العدو إزالته ينتفع به.
# (وزاده) وما به قوته على سلوك الطريق (المعروف) من الأفعال، فبفعل
~~المعروف يقوى على سلوك طريق النجاة.
# (وماؤه) (2) وما يسكن به عطشه وحرقة فؤاده وحرارة كبده (الموادعة) و
~~المصالحة.
# (ودليله) إلى النجاة (الهدى) أي ما يهتدى به من الطريقة المأخوذة من
~~الكتب والرسل والأوصياء.
# (ورفيقه) وما يؤمن بمرافقته من قطع الطريق عليه (محبة الأخيار) فإنها
~~تورث اختيار الخير والاجتناب عن الشر.
# قوله: (نعم وزير الإيمان العلم ونعم وزير العلم الحلم).
# الوزير الذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، ويحمل عن الأمير ما حمله من
~~الأثقال.
# والمراد بالإيمان التصديق بإلهيته سبحانه، ووحدانيته، وبالرسول، وبما جاء
~~به بحيث لا يجامع الإنكار والجحود.
# وبالعلم معرفة المعارف بأدلتها معرفة توجب مراعاتها اضمحلال الشبه
~~والشكوك.
# وبالحلم الأناة، وأن لا يزعجه هيجان الغضب - وهي حالة نفسانية - يوجب ترك
~~المراء والجدال، وأن لا يستفزه الغضب.
# PageV00P163
# 4. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن عبد الله
~~بن ميمون القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)
~~قال: " جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، ما
~~العلم؟ قال: الإنصات، قال: ثم مه؟ قال: الاستماع، قال: ثم مه؟ ms101 قال: الحفظ،
~~
____________________
#
وقوله: (ونعم وزير الحلم الرفق) (1) أي الميل
~~إلى التلطف وتسهيل الأمر والإعانة، أو المراد به الفعل.
# وقوله: (ونعم وزير الرفق العبرة (2)) وهي العبور العلمي من الأشياء إلى
~~ما يترتب عليها وينتهي إليه، فالإيمان في استقامة أمره يحتاج إلى رأي العلم
~~وتدبيره، والعلم كذلك يحتاج إلى رأي الحلم وتدبيره، والحلم كذلك إلى رأي
~~الرفق وتدبيره، والرفق أيضا إلى رأي العبرة وتدبيرها، وكل يحمل عن سابقه
~~مما حمله من الأثقال.
# وقوله: (ما العلم (3)؟ قال: الإنصات).
# لعل السؤال عما هو مناط العلم حصولا وبقاء، أو عما يعرف به حصول العلم
~~للعالم ويمتاز به عن الجاهل، فأجابه (صلى الله عليه وآله) بأنه الإنصات،
~~وهو أن يسكت سكوت مستمع، وهو مناط العلم وعلامته.
# وقوله: (قال: ثم مه؟) أصلها " ما " قلبت الألف هاء؛ فإن ألف " ما "
~~الاستفهامية قد تقلب هاء، كما في حديث أبي ذؤيب " قدمت المدينة ولأهلها
~~ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: هلك رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ". (4) وقوله: (قال: الاستماع) أي المناط بعد الإنصات
~~الاستماع، وهو مما حصوله علامة العلم.
# PageV00P164
# قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: نشره ".
# 5. علي بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " طلبة
~~العلم ثلاثة فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف
~~يطلبه للاستطالة والختل، وصنف
____________________
#
وقوله: (قال: ثم مه؟ قال: الحفظ) (1) أي
~~المناط بعد الاستماع الحفظ، وهو أيضا مما وجوده من علامات العلم.
# وقوله: (قال: ثم مه؟ قال: العمل به) فإن العمل مناط بقاء العلم وتقرره
~~فيه، وهو من علامات العلم.
# وقوله: (قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: نشره) فإنه (2) هو مناط بقاء
~~العلم مطلقا وتقرره فيه، وهو من علامات وجود (3) العلم فيه، ولا يبعد أن
~~يكون السؤال الأخير (4) ابتداء السؤال من غير جنس ما سأل عنه أولا؛ فإنه
~~لما انتهى الكلام في الجواب إلى مناطية العمل للعلم ودلالته عليه، فدل على
~~أنه مما يجب ms102 الإتيان به، فابتدأ السائل هنا سؤالا آخر، وهو أنه بعد العمل
~~بالعلم ما الذي يجب على العالم أن يأتي به؟ ولذا أعاد النداء، وصرح بها
~~عنده، وقال: " يا رسول الله " فأجاب (صلى الله عليه وآله) بأنه ما يجب على
~~العالم بعد أن عمل بعلمه نشر العلم.
# قوله: (فأعرفهم بأعيانهم) (5) أي بخواصهم وأفعالهم المخصوصة بهم، أو
~~بالشاهد و (6) الحاضر من أفعالهم.
# PageV00P165
# يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء موذ، ممار، متعرض للمقال في
~~أندية الرجال
____________________
#
قوله: (صنف (1) يطلبه للجهل) (2) أي ليكون آلة
~~له يستعمله (3) في المراء والجدال ومنازعة السفهاء، فالجهل هنا مقابل
~~العقل.
# وقوله: (وصنف يطلبه للاستطالة والختل) بفتح الخاء المعجمة والتاء المثناة
~~من فوق، أي للتفوق والترفع بالنسبة إلى العلماء، والختل والخدعة بالنسبة
~~إلى أهل الدنيا.
# وقوله: (وصنف يطلبه للفقه والعقل) أي ليكون فقيها عارفا بالمسائل،
~~وليستعمله العقل فيعمل بمقتضاه، فإن العلم مقصود بذاته، والعمل به أيضا
~~مقصود.
# ولما ذكر الأصناف الثلاثة شرع في بيان ما يختص بكل واحد منها، وما حضر و
~~شهد من أفعال كل واحد فيعاين ويرى فيه، وقال: (فصاحب الجهل والمراء مؤذ) أي
~~فاعل للأذية، وهي المكروه، فيسمع من يباحثه بما يكرهه. (ممار) أي منازع
~~مجادل. (متعرض للمقال في أندية الرجال).
# النادي: مجتمع القوم ومجلسهم، ويقال لأهل المجلس أيضا، والندي
~~بمعناه،
# PageV00P166
# الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق
~~الله من هذا خيشومه، وقطع منه حيزومه، وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق،
~~
____________________
#
والأندية جمع الندي ومجئ الجمع على أندية
~~وأنداء إما لأخذ الجمع من الندي والاكتفاء به، أو لكونه الأصل المأخوذ منه
~~النادي، فلوحظ الأصل عند بناء الجمع من النادي.
# وقد قيل: الأنداء جمع النادي، وقد ظن في الأندية كونها جمعه أيضا.
# (بتذاكر العلم وصفة الحلم).
# تذاكر العلم: ذكر المسائل والمعارف بينهم وإظهار العلم بها، وصفة الحلم:
~~ذكر أوصافه وإظهار اتصافه به.
# (قد تسربل بالخشوع).
# السربال - بكسر السين المهملة -: القميص، أو الدرع، أو كل ما لبس، وقد ms103
~~تسربل به، أي تلبس به وجعله لباسا له.
# والمراد بالتسربل بالخشوع إظهاره الخضوع والتواضع والسكون والتذلل.
# (وتخلى من الورع) والتقوى واجتناب المحرم عليه من الإيذاء والمماراة
~~ومخالفة قوله فعله.
# قوله: (فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه).
# بيان لما يترتب على طلبه العلم للجهل، والمراد بدق الخيشوم - وهو أعلى
~~الأنف وأقصاه -: إذلاله، وإبطال أمره، ورفع الانتظام من أحواله وأفعاله.
# والمراد بقطع الحيزوم - بفتح الحاء المهملة وهو وسط الصدر - إفساد ما هو
~~مناط الحياة والتعيش عليه.
# قوله: (وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق).
# الخب - بكسر الخاء -: الخداع والخبث والغش. والملق: المداهنة والملاينة
~~باللسان والإعطاء باللسان ما ليس في القول والفعل.
PageV00P167
# يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم
~~هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره،
~~وصاحب الفقه والعقل
____________________
#
وقوله: (يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع
~~للأغنياء من دونه) تفصيل لبيان خبه وملقه؛ فإن خباثته (1) وغشه باستطالته
~~على مثله ومن يساويه في المرتبة والعز من أشباهه، وهم أهل العلم وطلبته
~~وكذا خداعه بفعله هذا وإن كان خداعا لغير أهل العلم وملقه بالنسبة إلى
~~الأغنياء ومعهم بتواضعه للأغنياء " من دونه " أي من غيره يعني من غير صنفه
~~وجنسه، وهم طلبة العلم، أو من دونه، أي ممن هو دونه ومن هو خسيس، أو ضعيف
~~بالنسبة إليه.
# وقوله: (فهو لحلوانهم هاضم ولدينه حاطم).
# الحلوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام -: أجرة الدلال والكاهن وما
~~أعطى من نحو رشوة. والمراد به هاهنا ما يعطيه الأغنياء، فكأنه أجر (2) لما
~~يفعله بالنسبة إليهم ولهم، أو رشوة على ما يتوقع منه بالنسبة إليهم.
# وفي بعض النسخ " فهو لحلوائهم هاضم " والحلواء (3) ما يتخذ من الحلاوة من
~~الأطعمة اللذيذة.
# والهضم في الأصل: الكسر، ثم استعمل في تصرف الطبيعة في الطعام والغذاء
~~بكسره وإزالة صورته كسرا وإزالة يستعد (4) به لأن يصير (5) جزءا من
~~المغتذي، ويترتب عليه الغرض المطلوب منه فتصيره جزءا صالحا من الأعضاء،
~~فيتقوى به، وينتفع.
# والحطم: هو الكسر ms104 المؤدي إلى الفساد، وخروج الشيء عن أن يترتب عليه الغرض
~~المطلوب منه.
# PageV00P168
# ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه، وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى
~~
____________________
#
ولما ذكر حال هذا الصنف وفعله، بين ما يترتب
~~على فعله بقوله: (فأعمى (1) الله على هذا) أي من أجل فعله هذا (خبره) -
~~بكسر الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة - أي علمه، فلا يميز بين طريق الحق
~~والباطل، ولا يختار الحق، ولا يهتدي إليه، ولا يترتب على علمه ما هو من
~~آثار العلم وفوائده.
# (وقطع من آثار العلماء) وما يبقى بعدهم ويذكرون به في القرون الآتية
~~(أثره) أي ما يبقى بعده من آثار علمه، فلا يذكر به، فجزى الله كل صنف من
~~الصنفين المذكورين بمقابل مقصودهم وفعلهم في الدنيا.
# فالصنف الأول لما كان المقصود في طلبه تقوية جهله وسفهه حتى يؤذي ويماري
~~وينغص (2) العيش على طلبة العلم، ويحصل العز لنفسه، جزاه الله سبحانه في
~~الدنيا بإذلاله وإبطال أمره وتنغيص (3) العيش عليه.
# والصنف الثاني لما كان مقصوده الاستطالة بالفعل وخدع أهل الدنيا من
~~الأغنياء، فغش العلماء واستطال على من لا فضل له عليه من طلبة العلم،
~~وتواضع للأغنياء ليصير محبوبا عندهم، ويشتهر بين الناس بالفضل، جزاه الله
~~سبحانه بإزالة نور الفهم عنه، فلا يهتدي بعلمه، ويكون ما حصله للفضل لا
~~يزيده إلا نقصا، ويقطع أثره من آثار العلماء، فلا يبقى له شهرة ولا ذكرا.
# قوله: (وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر) أي الذي يطلب العلم للفقه
~~والعقل، وفيه إشارة إلى أن من طلب العلم لأن يكون فقيها، وليكون آلة
~~للعقل،
# PageV00P169
#
#
____________________
#
مقويا له، كان له بحصوله ما أراده من الفقاهة
~~وقوة العقل، وذلك بخلاف الصنفين الآخرين؛ فإنهما لم يزيدا (1) بطلب العلم
~~إلا ما طلباه له من الجهل والمراء والاستطالة والختل، ولقد عبر عنهما بصاحب
~~الجهل وصاحب الاستطالة والختل.
# و" الكآبة " - بفتح الكاف -: انكسار النفس من شدة الحزن والهم.
# و" الحزن ": الهم (2) ووجع القلب على فوات الفائت أو عدم حصول متوقع
~~الحصول. ms105
# قوله: (قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه).
# " التحنك ": إدارة العمامة تحت الحنك، أو المراد به الانقياد والمتابعة.
# و" البرنس " - بالباء الموحدة المضمومة والراء المهملة الساكنة والنون
~~المضمومة والسين المهملة -: قلنسوة طويلة كان يلبسها النساك والعباد في صدر
~~الإسلام. كذا ذكر الجوهري. (3) و" الحندس " - بالحاء المهملة المكسورة
~~والنون الساكنة والدال المكسورة والسين المهملتين -: الليل المظلم، أو ظلمة
~~الليل، والمعنى كونه متحنكا متهيئا للاشتغال بالعبادة عند لبس البرنس،
~~وكأنه كان مما يلبس عند الفراغ من الاشتغال بالمكاسب (4) والمعاملات
~~الدنيوية وترك معاشرة الناس، وفي الخلوات، أو منقادا للأوامر والنواهي
~~الشرعية في الخلوات، وكونه مشتغلا بالعبادة في ليلته المظلمة، أو في ظلمة
~~ليله.
# وقوله: (يعمل ويخشى) أي يعمل بما كلف به، ويخشى الله مع كونه عاملا،
~~ويخاف أن لا يكون عمله على خلوص يليق بعبادته، أو أن لا يديمه له
# PageV00P170
# وجلا داعيا مشفقا، مقبلا على شأنه، عارفا بأهل زمانه، مستوحشا من أوثق
~~إخوانه، فشد الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه ".
# * وحدثني به محمد بن محمود أبو عبد الله القزويني، عن عدة من أصحابنا
~~منهم جعفر بن محمد الصيقل بقزوين، عن أحمد بن عيسى العلوي، عن عباد بن صهيب
~~البصري، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
# 6. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، قال: سمعت
~~أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " إن رواة الكتاب كثير، وإن رعاته قليل،
~~وكم من مستنصح للحديث
____________________
#
(وجلا): خائفا من سوء عقابه (داعيا): طالبا
~~منه سبحانه التوفيق للاهتداء بالهدى والثبات على الإيمان والتقوى ونيل
~~السعادة الأبدية ومغفرته وعفوه (مشفقا) من الانتهاء إلى الضلال والشقاء
~~وسوء العاقبة (مقبلا على شأنه) وإصلاح حاله حذرا مما يشفق منه (عارفا بأهل
~~زمانه) فلا ينخدع (مستوحشا من أوثق إخوانه) لما يعرفه من أهل زمانه.
# وبعد ما ذكر حال هذا الصنف وفعله بين ما يترتب عليه وقال: (فشد الله من
~~هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه) أي أصلح حاله في الدنيا بإفاضة
~~المعرفة ms106 وإكمال العقل وتمكنه من إعمال العلم والعمل على وفقه، وحاله في
~~الآخرة بإعطاء الأمان، فجزاه الله على طباق ما كان يطلب العلم له من حسن
~~الحال في الدنيا والآخرة.
# ولما كان المطلوب للصنفين الأولين الدنيا لا غير، ذكر مجازاتهم (1) بضد
~~مطلوبهما في الدنيا، وسكت عن حالهما في الآخرة؛ حيث لم تكن (2) من
~~مطالبهما.
# ولما كان الصنف الثالث مطلوبه الدنيا والآخرة، ذكر مجازاته على وفق
~~مطلوبه فيهما.
# قوله: (إن رواة الكتاب كثير، وإن رعاته قليل).
# أراد برواة الكتاب رواة القرآن، قراءة كان أو تفسيرا، وبرعاته من يتفكر
~~فيه،
# PageV00P171
# مستغش للكتاب، فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية، والجهال يحزنهم حفظ الرواية،
~~فراع يرعى حياته، وراع يرعى هلكته، فعند ذلك اختلف الراعيان، وتغاير
~~الفريقان ".
#
____________________
#
ويتنبه لمقصوده، ويعمل بمطلوبه، أو المراد
~~برواته رواة الفرض، أو الحكم ونقلته، وبرعاته الآخذون له من مأخذه،
~~العاملون على وجهه.
# وقوله: (وكم من مستنصح للحديث) أي مستخلص للنقل عن الغش (مستغش للكتاب)
~~بأحد الوجهين المذكورين. وفيه إشارة إلى أن استنصاح الحديث لا يستلزم رعاية
~~الكتاب، بل يندر المقاربة. (1) وقوله: (فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية،
~~والجهال يحزنهم حفظ الرواية).
# يقال: أحزنه، وحزنه كنصره: إذا جعله محزونا. والمعنى أن العلماء العاملين
~~بعلمهم يحزنهم ترك الرعاية والتفكر في الكتاب والتنبه لمقصوده والعمل
~~بمطلوبه، وفواتها عاجلا عنهم؛ (2) حيث يعلمون ما في الترك من سوء العاقبة،
~~وآجلا عند ظهور الآيات والعلامات، فيحزنهم ما يترك من مقصودهم الذي هو
~~الرعاية، والجهال - الذين لا يريدون العلم للعمل، ولا يتفكرون في المطالب،
~~ولا يختارون حسن العواقب - يحزنهم حفظ الرواية، ويصير حفظها من أسباب
~~حزنهم؛ لاشتداد الأمر عليهم بسبب العلم والاطلاع على الكتاب ونقله والقول
~~به وترك التدبر فيه والعمل به، فيحزنون بحفظها آجلا عند ظهور الآيات،
~~ويحزنهم مطلوبهم من الرواية وحفظها.
# والحاصل: أن مطلوب العلماء مما تركه يوجب حزنهم، ويؤدي إليه، ومطلوب
~~الجهال مما فعله والاهتمام به يوجب حزنهم ويؤدي إليه. أو المراد بالحفظ
~~الرعاية وبالرواية المروي، أي يحزنهم رعاية ما يروونه، كما أن العلماء
~~يحزنهم ترك ms107 الرعاية.
# وقوله: (فراع يرعى حياته، وراع يرعى هلكته) أي فراع - وهو العالم - يرعى
~~ويحفظ ما فيه حياته ونجاته وحسن عاقبته، وهو التدبر والتفكر في الكتاب،
~~والعمل بما فيه، وراع - وهو الجاهل - يرعى ويحفظ ما فيه هلاكه وسوء عاقبته،
~~وهو رواية الكتاب بلا تدبر فيه وعمل بما فيه.
# PageV00P172
# 7. الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن عبد
~~الرحمن بن أبي نجران، عمن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من
~~حفظ من أحاديثنا أربعين حديثا، بعثه الله يوم القيامة عالما فقيها ".
# 8. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عمن ذكره، عن زيد
~~الشحام، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: (فلينظر الإنسان
~~إلى طعامه) قال: قلت ما طعامه؟ قال: " علمه الذي يأخذه، عمن يأخذه ".
# 9. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن عبد
~~الله بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد الزهري، عن أبي جعفر (عليه
~~السلام) قال:
# " الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثا لم تروه خير
~~من
____________________
#
قوله: (من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثا) أي
~~من الأحاديث المروية عنا أهل البيت، ويأخذها عنا - ولو بالواسطة - أخذا
~~مقرونا بالتدبر والعمل بها، ونشرها (بعثه الله يوم القيامة عالما فقيها) أي
~~معدودا من الفقهاء وفي زمرتهم وجماعتهم.
# قوله: (قال: علمه الذي يأخذه عمن يأخذه) أي المراد بالطعام في الآية ما
~~يدرك طعمه ويغتذي به، أعم من أن يكون إدراكا واغتذاء جسمانيا أو روحانيا
~~ونفسانيا، والأهم من ذلك النفساني فكأنه المقصود الأصلي. فمراده (عليه
~~السلام) أن المهتم به أشد اهتماما به من طعامه علمه الذي يأخذه، فيجب أن
~~ينظر إليه، ويلاحظ عمن يأخذه، ولا يأخذه إلا بطريق حل له أخذه به.
# قوله: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) أي التثبت عند
~~الشبهة حتى يتبين الأمر خير من الاقتحام والدخول وإدخال (1) نفسه فجأة في
~~الهلكة؛ ms108 وهي - بضم الهاء وفتح اللام -: الهلاك، وعبر عن الضلال بالهلاك.
# والدخول في الشبهة وما لا يكون معلوم الثبوت - عقلا أو شرعا، لا
~~ابتداء
# PageV00P173
# روايتك حديثا لم تحصه ".
#
____________________
#
ولا ثانيا، (1) اعتقادا أو قولا أو فعلا -
~~ضلال هلاك.
# وقوله: (وتركك حديثا لم تروه) أي لم تحمل (2) على روايته. وكونه محمولا
~~على روايته عبارة عن كونه محفوظا مصححا عنده الحديث بحيث يكون له روايته،
~~أو يجب عليه.
# والفعل مجهول من باب الإفعال أو التفعيل يقال: رويته الشعر أي حملته على
~~روايته، وأرويته أيضا أو معلوم من أحد البابين أي لم تحمل من تروي (3) له
~~على روايته، ولم تصيره (4) بحيث يكون له أو يجب عليه روايته، ومناط الجواز
~~في صور الجواز والوجوب في صورة كونه مأخوذا عن طريقه المعتبر الثابت
~~بالأدلة العقلية أو النقلية محفوظا لفظه أو معناه السالم عن التغير والتبدل
~~فيما هو المقصود إفادته، أو مجرد، (5) أي تركك حديثا لم تكن راويا له على
~~حاله فلا ترويه. (6) وقوله: (خير من روايتك حديثا لم تحصه) خبر لقوله: "
~~وتركك "، و" لم تحصه " صفة لقوله: " حديثا " هنا، كقوله: " لم تروه "
~~لقوله: " حديثا " هناك.
# والمراد أن حالك - باعتبار تركك رواية حديث غير ثابت بطريقه، أو حديثا لم
~~تكن راويا له فلا ترويه - خير من حالك باعتبار روايتك حديثا لم تحصه.
# والإحصاء - لغة -: العد، لما كان عد الشيء يلزمه الاطلاع على واحد واحد
~~مما فيه، استعمل في الاطلاع على جميع ما في شيء والإحاطة العلمية التامة
~~بما فيه،
# PageV00P174
# 10. محمد، عن أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن الطيار، أنه
~~عرض على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض خطب أبيه، حتى إذا بلغ موضعا منها،
~~قال له: " كف واسكت " ثم
____________________
#
وشاع ذلك الاستعمال، فإحصاء الحديث عبارة عن
~~العلم بجميع أحواله متنا وسندا وانتهاء إلى المأخذ الشرعي، فما لم يكن من
~~الأحاديث معلوما له بأحواله - متنا؛ للاشتباه في ألفاظه ومعانيه، وفي بقائه
~~ومنسوخيته، أو سندا حيث لا يعرف كيفية سنده، ms109 أو انتهاء حيث لا يعلم أن
~~المنتهي إليه من المآخذ الشرعية - ترك (1) روايته خير من روايته؛ لأنه إذا
~~لم يروه رجع الناس فيه إلى من عنده العلم به، فيأخذونه على ما هو عليه،
~~وإذا رواه يرجع إليه كثير من الجهلة والمسامحين في أمر الدين، ويبقى كثير
~~على الضلال وإن بالغ في التحرز عن التصرف وفي الإسناد إلى الناقلين وإلى
~~المأخذ المنتهي إليه، ولم يزدد (2) على النقل ولم يدع حقيته. (3) وقوله:
~~(عرض على أبي عبد الله (عليه السلام) بعض خطب أبيه).
# عرض الكتاب والخطبة: إظهاره على من يعرض عليه، سواء كان لتصحيح لفظه، أو
~~فهم معناه، أو إظهار ما فهمه؛ ليختبر عن صحته وفساده.
# وقوله: (كف واسكت) عند بلوغه موضعا من المواضع أمر بالكف عن عرض الخطبة
~~بأن لا يقرأها، وبالسكوت عن التكلم؛ لداعية إلى إفادة ما أفاده، وشدة
~~اهتمام به، أو لفهمه مما في الخطبة في هذا الموضع ما لم يكن صوابا، فأمره
~~بالكف عن العرض، والسكوت عن بيان ما فهمه، وأفاد أن المواضع المشكلة التي
~~لا تعلمون كفوا عن حملها على معنى، وردوا الأمر فيها إلى أئمة الهدى، أو
~~لكونه في معرض بيان ما فهمه، فأمره بالإعراض عنه والسكوت، وأفاد ما أفاد.
~~(4)
# PageV00P175
# قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون
~~إلا الكف عنه، والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد،
~~ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرفوكم فيه الحق، قال الله تعالى: (فسلوا أهل
~~الذكر إن كنتم لا تعلمون) ".
# 11. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان
~~بن عيينة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " وجدت علم الناس
~~كله في أربع: أولها: أن تعرف ربك، والثاني: أن تعرف ما صنع بك، والثالث: أن
~~تعرف ما أراد منك، والرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك ".
#
____________________
#
وقوله: (حتى يحملوكم فيه على القصد).
# القصد: استقامة الطريق، أو الوسط بين الطرفين، وهو العدل والطريق
~~المستقيم. ms110
# (ويجلوا) أي يذهبوا (عنكم فيه العمى) والعمى: ذهاب البصر، ويستعمل لذهاب
~~بصر العقل، فيراد به الجهل والضلال.
# قوله: (أولها (1) أن تعرف ربك) أي علم الناس بما يحتاجون إلى معرفته
~~وينتفعون به منحصر في أربع معارف:
# " أولها " أي أول المعارف الأربع، أو أول أقسام المعارف؛ حيث عرف
~~انقسامها بالأقسام (2) " أن تعرف ربك " بكونه موجودا أزليا أبديا واحدا
~~أحدا عالما قادرا و (3) بسائر صفات ذاته وصفات فعله معرفة يقينية فيما يمكن
~~منها تحصيل اليقين فيه.
# والثاني من الأقسام: معرفتك بما صنع (4) بك من إعطاء العقل والحواس
~~والقدرة واللطف بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وسائر نعمه العظام.
# والثالث: معرفتك بما أراد منك وطلب فعله والكف عنه وبما أراد من
~~طريق
# PageV00P176
# 12. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، قال:
~~قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حق الله على خلقه؟ فقال: " أن يقولوا
~~ما يعلمون، ويكفوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى الله حقه ".
# 13. محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن محمد بن مروان
~~العجلي، عن علي بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "
~~اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا ".
#
____________________
#
معرفته وأخذه من مآخذه (1) المعلومة بالعقل،
~~أو النقل.
# (والرابع: أن تعرف ما يخرجك من دينك) كاتباع الطواغيت، والأخذ من غير
~~المآخذ، وإنكار الضروري من الدين.
# قوله: (فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى الله حقه).
# وذلك لأنه إذا قال بما علمه قولا يدل على إقراره ولا يكذبه بفعله، وكف
~~عما لا يعلمه، هداه الله إلى علم ما بعده، وهكذا حتى يؤدي إلى أداء حقوقه.
# قوله: (اعرفوا منازل الناس على قدر روايتهم عنا) فكل طائفة كثر مراجعتهم
~~إلى أهل البيت، وكان رجوعهم إلى روايات أهل البيت في الأخذ بالمعارف
~~والمسائل، فهؤلاء أكمل عقلا، وأسلم قلبا، وأطوع لأوامر الله ونواهيه. ومن
~~كان يرجع إليهم في كثير، ويأخذون دينهم منهم ومن غيرهم، فهؤلاء ممن يرجى
~~فيهم أن يصلوا إلى ms111 النجاة بفضل الله. ومن يراجع غيرهم، وكان اعتماده في أخذ
~~دينه على القائلين بآرائهم وأهوائهم في الدين، فهؤلاء لا خير فيهم، ولا
~~يرجى منهم الصلاح والرجوع إلى الحق.
# وذلك لأن من أخذ بقولهم كان آخذا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~كقوله: " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي " وما في معناه.
~~(2)
# PageV00P177
# 14. الحسين بن الحسن، عن محمد بن زكريا الغلابي، عن ابن عائشة البصري،
~~رفعه، أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في بعض خطبه: " أيها الناس،
~~اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء
~~الجاهل عليه؛ الناس أبناء ما يحسنون،
____________________
#
ومن تركهم كان تاركا لما أمر (صلى الله عليه
~~وآله) به من الأخذ عنهم، آخذا بما نهى أخذ دينه عنه من غير كتاب الله
~~وعترته، وهما لا يفترقان كما نص عليه بقوله: " لا يفترقان حتى يردا علي
~~الحوض ".
# قوله: (ليس بعاقل من انزعج من قول الزور) أي من قلق وخرج عن مكانه من قول
~~الزور، أي الكذب والمائل عن الحق، مدحا كان أو ذما (فيه) أو في عدوه؛ لأنه
~~إذا كان فيه كمال ونفاه الكاذب، لم يحصل له به منقصة، ولم يحصل للنافي إلا
~~منقصة واستحقاق للعذاب، وإذا كان فيه منقصة، لم يحصل له بإثبات الكمال من
~~الكاذب الكمال، ولم يرفع (1) به عنه المنقصة، وكذا في عدوه، والعقل يمنع من
~~الانزعاج بما يحكم بعدم ضره، وبما يحكم بعدم نفعه.
# وقوله: (ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه) لأن الحكيم عارف بأسباب
~~الأشياء ومسبباتها، ويعرف أن التخالف وعدم التناسب يوجب التنافر في
~~الطبائع، وأن الجاهل لا يميل إلا إلى مشاكله، (2) فلا يثني إلا على الجاهل،
~~أو من يعتقد جهله ومناسبته له، أو من يستهزئ به باعتقاده، أو من يزيد أن
~~يخدعه، والحكيم لا يرضى بشيء من ذلك، فالحكمة لا تجامع الرضا بثناء الجاهل،
~~والعقل لا يجامع الانزعاج من قول الزور، وبالرضا يعرف انتفاء الحكمة،
~~وبالإنزعاج انتفاء العقل.
# قوله: (الناس ms112 أبناء ما يحسنون) أي ينبغي أن يكون افتخار الناس بما يحسنون
~~(3)
# PageV00P178
# وقدر كل امرئ ما يحسن، فتكلموا في العلم تبين أقداركم ".
# 15. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن
~~عبد الله بن سليمان، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول وعنده رجل من
~~أهل البصرة يقال له:
# " عثمان الأعمى " وهو يقول: إن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم
~~يؤذي ريح بطونهم أهل النار، فقال أبو جعفر (عليه السلام): " فهلك إذن مؤمن
~~آل فرعون، ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا (عليه السلام)، فليذهب
~~الحسن يمينا وشمالا، فوالله ما يوجد العلم إلا هاهنا ".
#
____________________
#
أي يعلمون. وهو يحسن الشيء إحسانا: أي يعلمه،
~~والشائع افتخار الأبناء بآبائهم، فهم أبناء ما يعلمون، أي ينبغي أن يكون
~~افتخارهم به، أو المراد أنه كما أن نظام حال الابن وصلاحه بالأب، كذا نظام
~~حال الناس وصلاحهم بما يعلمونه، فهم أبناء ما يعلمون، والمعنى أن الافتخار
~~وعدمه، أو صلاح الحال وفساده بالعلم وعدمه، لا بالذم والمدح (1) والثناء.
# وقوله: (وقدر كل امرئ ما يحسن) أي مرتبته في العز والشرف ما يعلمه،
~~وبظهور مراتبهم في العلم يظهر مراتبهم في العز والشرف (فتكلموا في العلم)
~~أي فتحدثوا به وتباحثوا فيه (تبين) أي إن تكلمتم في العلم تتبين وتتضح (2)
~~(أقداركم).
# قوله: (فهلك إذن مؤمن آل فرعون) بكتمانه إيمانه ومعرفته بالله.
# والحاصل: أنه كيف يكون الكتمان قبيحا موجبا للعقاب، وكان المؤمنون
~~يكتمونه تقية كمؤمن آل فرعون، وفي العلوم الحقيقية الفائضة من المبدأ على
~~أولي العزم ما يتقى فيه عامة الناس، ولا يجوز إظهارها بينهم.
# PageV00P179
# باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة والتمسك بالكتب 1. على بن إبراهيم،
~~عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي
~~عبد الله (عليه السلام) قول الله جل ثناؤه: (الذين يستمعون القول فيتبعون
~~أحسنه)؟ قال: " هو الرجل يسمع الحديث، فيحدث به كما سمعه، لا يزيد
~~
____________________
#
(وما زال هذا ms113 العلم مكتوما منذ بعث الله
~~نوحا).
# وكان مطلب الحسن من ادعائه ذلك إظهار أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~لم يكن عنده علم سوى ما اشتهر بين الناس وفي أيديهم من أحاديثه، ولم يكن
~~عند أمير المؤمنين (عليه السلام) علم بغير ما هو المشهور، وتكذيب من يدعي
~~أن عنده علما من علوم النبي (صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس،
~~فأبطل (عليه السلام) قوله ورده بأن الكتمان عند التقية أو الحكمة المقتضية
~~له طريقة مستمرة منذ زمن النوح (عليه السلام) (1) إلى الآن. (فليذهب الحسن)
~~الذي يزعم انحصار العلم فيما في أيدي الناس (يمينا وشمالا) أي إلى كل جانب
~~ليطلبه من الناس؛ فإنه لا يوجد عندهم أكثر علوم المعارف والشرائع (فوالله
~~لا يوجد العلم إلا هاهنا) أي عند أهل البيت الذين ائتمنهم رسول الله على
~~علومه وهي عندهم مكتومة.
# باب رواية الكتب (2) والحديث قوله: (هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما
~~سمعه) أي المستمع للقول المتبع أحسنه (3) هو الرجل يسمع الحديث ويحفظه،
~~فيحدث به ويرويه كما سمعه بلا
# PageV00P180
# فيه ولا ينقص منه ".
# 2. محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن
~~محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسمع الحديث منك
~~فأزيد وأنقص؟ قال: " إن كنت تريد معانيه، فلا بأس ".
# 3. وعنه، عن محمد بن الحسين، عن ابن سنان، عن داود بن فرقد، قال: قلت
~~لأبي عبد الله (عليه السلام): إني أسمع الكلام منك، فأريد أن أرويه كما
~~سمعته منك فلا يجيء؟ قال:
#
____________________
#
زيادة ونقصان. فالاتباع عبارة عن السلوك بقوله
~~رواية مسلك ما سمعه وحدثه به غيره اقتداء، واقتفاء لأثره، والاحتذاء به
~~حذاءه بلا زيادة ونقصان؛ وأحسن القول أكثره حسنا وهو المحكم الباقي مد
~~الدهور حكمه فقوله تعالى: (أحسنه) مفعول لقوله: (فيتبعون) (1) كما في قوله
~~تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم). (2) قوله: (أسمع الحديث منك
~~فأزيد وأنقص) أي عندما أحدث به وأرويه.
# والمراد السؤال عن ms114 جواز الزيادة والنقصان فيما يسمع من الحديث عند
~~روايته، فأجاب بقوله: (إن كنت تريد معانيه) (3) أي تقصد وتطلب بالزيادة
~~والنقصان إفادة معانيه، أو إن كنت تقصد حفظ معانيه، فلا تختل بالزيادة
~~والنقصان (فلا بأس) بأن تزيد وتنقص في العبارة.
# قوله: (إني أسمع الكلام منك فأريد أن أرويه كما سمعته منك فلا يجيء) (4)
~~أي هل يجوز فيما سمعته منك وأريد أن أرويه كما سمعته بألفاظه فلا يجيء كذلك
~~أن أرويه كما يجيء؟
# PageV00P181
# " فتعمد ذلك؟ " قلت: لا، فقال: " تريد المعاني؟ " قلت: نعم، قال: " فلا
~~بأس ".
# 4. وعنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن
~~محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه
~~السلام): الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك، أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟
~~قال: " سواء، إلا أنك ترويه
____________________
#
قال (عليه السلام) في جوابه: (فتعمد (1) ذلك؟)
~~يقال: تعمدته: إذا قصدته كعمد له، أي أفتقصد اللفظ وتريد روايته بألفاظه
~~حينئذ؟ فقال السائل: (لا، فقال (عليه السلام): تريد المعاني؟) أي روايته
~~بمعانيه من غير محافظة على اللفظ، فقال السائل: (نعم، فقال (عليه السلام):
~~فلا بأس) أي إذا كنت بصدد نقل المعنى، فلا بأس بعدم المحافظة على اللفظ.
# ويحتمل أن يكون قوله في الجواب: " فتعمد " من المجرد. يقال: عمدت الشيء،
~~أي أقمته بعماد، أو " فتعمد " من باب الإفعال. يقال: أعمدته [أي] جعلت تحته
~~عمادا، ويكون المعنى: أفتضم إليه شيئا من عندك تقيمه به وتصلحه (2) كما
~~يقام الشيء بعماد يعتمد عليه؟ فقال السائل: " لا " فقال (عليه السلام): "
~~تريد المعاني " وتقصدها و تحفظها من الزيادة والنقصان، فقال السائل: " نعم
~~" أي أقصد المعاني وأريد حفظها ولا أزيد ولا أنقص، فقال (عليه السلام): "
~~فلا بأس " أي في النقل بالمعنى مع إرادة المعاني وحفظها من الزيادة
~~والنقصان.
# قوله: (الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك).
# هذا السؤال يحتمل وجهين:
# أحدهما: هل فرق بين رواية المسموع منك عن أبيك، وبين رواية المسموع من
~~أبيك عنك أم ms115 لا؟
# والثاني: هل يجوز أن أروي عن أبيك ما كان سماعه منك، أو أروي عنك ما كان
~~سماعه من أبيك؟ (3)
# PageV00P182
# عن أبي أحب إلي ". وقال أبو عبد الله (عليه السلام) لجميل: " ما سمعت مني
~~فاروه عن أبي ".
# 5. وعنه، عن أحمد بن محمد؛ ومحمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن عبد الله
~~بن
____________________
#
ومعنى الجواب على الأول أنهما سواء في الجواز،
~~فكما يجوز أن تروي عن أبي ما تسمعه مني؛ حيث تعلم أن حديثي حديثه ومأخوذ
~~منه، فكذلك يجوز أن تروي عني ما كان سماعه من (1) أبي؛ لما تعلم أن
~~أحاديثنا واحدة لا تختلف.
# وعلى الثاني أن السماعين سواء في الجواز بالنسبة إلى الروايتين، وذلك حيث
~~أخبر (عليه السلام) مجملا بأن ما كان يقول به أحد من الحجج (عليهم السلام)
~~يقول به الآخر، وأن أحاديثهم لا تختلف.
# وقوله: (إلا أنك ترويه عن أبي أحب إلي) جار في الاحتمالين. وعلى الاحتمال
~~الثاني يمكن تعلقه بالقرينتين (2) وبالأخيرة. وأحبيته إليه إما للتقية، أو
~~للتحرز عن إيهام هو خلاف الواقع من سماعه بخصوصه من المروي عنه.
# وقوله: (وقال أبو عبد الله (عليه السلام) لجميل).
# هذا من كلام أبي بصير ويحتمل أن يكون ابتداء ذكر حديث آخر من الكليني
~~بترك الإسناد.
# وقوله: (وما سمعت مني فاروه عن أبي) أي ما أحدثك به هو مما سمعته من أبي
~~وأرويه عنه، فاروه عنه بواسطتي وإن لم تذكر الواسطة.
# PageV00P183
# سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يجيئني القوم فيستمعون مني
~~حديثكم، فأضجر ولا أقوى، قال: " فاقرأ عليهم من أوله حديثا، ومن وسطه
~~حديثا، ومن آخره حديثا ".
# 6. عنه، بإسناده عن أحمد بن عمر الحلال قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه
~~السلام): الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول: " اروه عني " يجوز لي
~~أن أرويه عنه؟ قال: فقال:
# " إذا علمت أن الكتاب له، فاروه عنه ".
# 7. علي بن إبراهيم، عن أبيه وعن أحمد بن محمد بن خالد، عن النوفلي، عن
~~السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ms116 قال: قال أمير المؤمنين (عليه
~~السلام): " إذا حدثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدثكم، فإن كان حقا فلكم، وإن
~~كان كذبا فعليه ".
#
____________________
#
قوله: (يجيئني القوم فيسمعون مني حديثكم فأضجر
~~ولا أقوى) أي يجيئني القوم لسماع حديثكم مني، فأقوم بقضاء حاجتهم، ويسمعون
~~مني حديثكم ولا أقوى على ما يريدون من سماع كل ما رويته من حديثكم مني،
~~وأضجر لعدم الإتيان بمرادهم. فقال (عليه السلام) في جوابه: (فاقرأ عليهم من
~~أوله) أي من أول كتاب الحديث (حديثا ومن وسطه حديثا ومن آخره حديثا).
# والمعنى أنه إذا لم تقو على القيام بمرادهم - وهو السماع على الوجه
~~الكامل - فاكتف بما يحصل لهم فضل السماع في الجملة، وليقنعوا بما به يجوز
~~العمل والنقل من الإجازة، أو إعطاء الكتاب وغيره، كما ورد في الأخبار
~~والأحاديث.
# قوله: (إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه) أي إعطاء كتاب الحديث ممن يعلم
~~أنه من مروياته ومسموعاته كاف في رواية الكتاب عنه، أو المراد أن العلم بأن
~~الكتاب له ومن مروياته كاف للرواية عنه، سواء كان مع إعطاء الكتاب أو لا،
~~لكن لا يقول: " أخبرني " أو " حدثني " بل يقول: " روى " وأمثاله.
# قوله: (إذا حدثتم بحديث فأسندوه) أي كلما تحدثون بحديث وتروونه، فأسندوه
~~عند روايته (إلى الذي حدثكم به).
PageV00P184
# 8. علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن أبي أيوب المدني، عن
~~ابن أبي عمير، عن حسين الأحمسي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "
~~القلب يتكل على الكتابة ".
# 9. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عاصم بن
~~حميد، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " اكتبوا،
~~فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا ".
# 10. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن
~~ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "
~~احتفظوا بكتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها ".
# 11. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ms117 عن بعض أصحابه، عن
~~أبي سعيد الخيبري، عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " اكتب وبث علمك في إخوانك، فإن مت فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي
~~على الناس زمان هرج
____________________
#
ويحتمل أن يكون الفعل مجهولا، أي إذا سمعتم
~~الحديث من راويه، فأسندوه عند روايته إلى الذي حدثكم به، وأخذتم الرواية
~~عنه.
# قوله: (القلب يتكل على الكتابة).
# هذا تحريص منه (1) (عليه السلام) على كتابة الحديث، وعدم الاكتفاء بالحفظ
~~والاتكال على الحافظة.
# قوله: (فإنكم سوف تحتاجون إليها).
# هذا إخبار منه (2) (عليه السلام) بوقوع (3) الغيبة، وبعدم تمكن الناس من
~~المراجعة إلى الحجة، وعنده لا بد من الرجوع إلى الكتب المصنفة في (4)
~~أحاديثهم (عليهم السلام).
# قوله: (فأورث كتبك بنيك) (5) أي اجعلها بحيث يصل إليهم بعدك ويبقى في
~~أيديهم.
# PageV00P185
# لا يأنسون فيه إلا بكتبهم ".
# 12. وبهذا الإسناد، عن محمد بن علي، رفعه، قال: قال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " إياكم والكذب المفترع ". قيل له: وما الكذب المفترع؟ قال: " أن
~~يحدثك الرجل بالحديث فتتركه وترويه عن الذي حدثك عنه ".
#
____________________
#
ويحتمل أن يكون الفعل مجهولا و" بنيك " مصغرا.
# وقوله: (فإنه يأتي على الناس زمان هرج).
# يقال: هرج الناس: إذا اختلطوا. والمراد اختلاط الباطل بالحق بحيث لا يمكن
~~فيه التوصل إلى الحجة والحق الصريح. وزمان الغيبة زمان ذلك الاختلاط. وما
~~روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) " بين يدي الساعة هرج " (1) إشارة إلى
~~ذلك الزمان وما فيه، وإذ لا تيسر للوصول إلى الحجة فيه، فلا بد من التوصل
~~إلى ما أمكن الوصول إليه بالكتب، كما قال (عليه السلام): (لا يأنسون فيه
~~إلا بكتبهم).
# قوله: (إياكم والكذب المفترع). (2) افترع البكر: اقتضها. و" المفترع "
~~إما اسم فاعل، أي المزيل لبكارة البكر، أو اسم مفعول، أي ما أزيل بكارته.
# وعلى الأول معناه الكذب الذي يترتب (3) عليه ما لم يكن قبله من إزالة
~~المانع من العمل بالخبر، وهو حال الراوي إذا لم يكن بحيث يجوز العمل بخبره،
~~أو وصف له
# PageV00P186
# 13. محمد بن ms118 يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر،
~~عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " أعربوا حديثنا،
~~فإنا قوم فصحاء ".
# 14. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن عمر بن عبد
~~العزيز، عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره، قالوا: سمعنا أبا عبد الله
~~(عليه السلام) يقول: " حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث
~~الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليهم
~~السلام) وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحديث
~~رسول الله قول الله عز وجل ".
# 15. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد
~~شينولة، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليهم السلام): جعلت فداك، إن مشايخنا
~~رووا عن أبي جعفر
____________________
#
بصفة فاعله؛ فإنه مفترع به حيث لم يشاركه غيره
~~في خصوصه.
# وعلى الثاني معناه الكذب الذي سبقكم به غيركم، ويكون إشارة إلى وقوع هذا
~~القسم من الكذب من السابقين من رواة الحديث.
# قوله: (أعربوا حديثنا؛ فإنا قوم فصحاء).
# الإعراب: الإبانة والإيضاح. والمراد إظهار الحروف وإبانتها بحيث لا تشتبه
~~بمقارباتها، وإظهار حركاتها وسكناتها بحيث لا يوجب اشتباها، أي حدثوا به
~~كما حدثناكم به؛ فإنا قوم فصحاء، نتكلم بما لا يكون فيه اشتباه في الحروف
~~أو الحركات (1)، ولا نلحن في القول لحنا في الحرف (2) أو في الحركة.
# قوله: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي) أي أحاديث كل واحد منهم
~~منتهية إلى قول الله عز وجل، فلا اختلاف في أحاديثهم كما لا يختلف قوله عز
~~وجل، ولا مدخل فيه للآراء والظنون، فلا يجوز الرجوع أو الاختلاف (3)
~~والمروي عن كل واحد منهم موافق للمروي عن غيره منهم.
# PageV00P187
# وأبي عبد الله (عليهما السلام) وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم ولم ترو
~~عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال: " حدثوا بها، فإنها حق ".
# باب التقليد 1. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد ms119 بن خالد، عن عبد الله بن
~~يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت
~~له: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ فقال: " أما والله، ما
~~دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم
____________________
#
قوله: (وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم
~~ترو (1) عنهم) أي لما كانت التقية شديدة، كتموا كتبهم التي كتبوا فيها
~~رواياتهم، (2) فلم ترو عنهم تلك الكتب، ولم تصل إلينا برواية الرواة عنهم
~~(فلما ماتوا وصلت كتبهم (3) إلينا) أي ونحن نعرف أنها كتبهم بالقرائن
~~المفيدة للعلم، أو بقول الثقات العارفين بأنها كتبهم، (فقال: حد ثوابها) أي
~~بالأخبار بأن فلانا روى في كتابه كذا (فإنها حق) (4) أي فإن تلك الروايات
~~معتبرة ثابتة عنهم، وعمن رووا عنه (5) بنقلهم وإثباتهم لها في كتبهم.
# باب التقليد قوله: (قلت له: (اتخذوا أحبارهم (6) ورهبانهم أربابا من دون
~~الله) (7)) أي سألته عن معنى هذه الآية.
# PageV00P188
# ما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث
~~لا يشعرون ".
# 2. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن إبراهيم بن محمد الهمذاني، عن محمد
~~بن عبيدة قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): " يا محمد، أنتم أشد
~~تقليدا، أم المرجئة؟ " قال: قلت
____________________
#
وقوله: (ولو دعوهم ما أجابوهم) أي على وفق
~~دعوتهم كما في (أجيبت دعوتكما). (1) وقوله: (ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا
~~عليهم حلالا) أي على وفق أهوائهم وميلهم إلى استرضاء أهل الدنيا، أو إلى أن
~~لا يظن بهم أنهم لا يعلمون (فعبدوهم) أي فقبلوا منهم وسلموا وجوب الإطاعة
~~لهم فيما يقولونه، وهو المراد بعبادتهم؛ (2) فإن الإطاعة والانقياد للأوامر
~~والنواهي - من حيث هو أمر ونهي لأحد، لا لأنه مما أوجبه (3) الله سبحانه -
~~عبادة له، وخصوصا فيما علم أنه يخالف فيه أمره سبحانه.
# أو المراد بعبادتهم إياهم نفيا وإثباتا (4) فعل العبادات كالصلوات لهم،
~~كما في حديث آخر الباب من التصريح بنفي العبادات لهم مستشعرا، " فعبدوهم "
~~بالقبول منهم والطاعة لهم (من حيث لا يشعرون) أنه عبادة وذلك لعدم ms120 تفكرهم
~~ومساهلتهم في أمر دينهم.
# أو المراد أن أفعالهم وعباداتهم خصوصا فيما يخالف حكم الله عبادة لهم.
# قوله: (أنتم أشد تقليدا أم المرجئة؟).
# كان الشائع في سابق الزمان التعبير بالقدرية والمرجئة عمن يضاهي المعبر
~~عنه في هذه الأعصار بالمعتزلة والأشاعرة في أصول الاعتقادات، كما فيما روي
~~عن ابن عباس أنه أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أبرأ من خمسة: من
~~الناكثين وهم أصحاب
# PageV00P189
# قلدنا وقلدوا، فقال: " لم أسألك عن هذا، فلم يكن عندي جواب أكثر من
~~الجواب الأول " فقال أبو الحسن (عليه السلام): " إن المرجئة نصبت رجلا لم
~~تفرض طاعته وقلدوه، وأنتم نصبتم
____________________
#
الجمل، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام، ومن
~~الخوارج وهم أهل النهروان، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم،
~~قالوا (1) لا قدر، (2) ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم، فقالوا:
~~الله (3) أعلم. (4) والمراد بالتقليد الانقياد والإطاعة في الأوامر
~~والنواهي.
# وقوله: (إن المرجئة نصبت رجلا) أي عينوه وأقاموه من عند أنفسهم لإمارتهم
~~وإمامتهم من غير أن يكون معينا من عند الله وعند رسوله، كالخلفاء في ذلك
~~العصر.
# وقوله: (لم تفرض طاعته) أي من عند الله أصلا في الواقع (5) ولا بخصوصه
~~باعتقادهم (وقلدوه): وانقادوا لأوامره ونواهيه وأطاعوه (وأنتم نصبتم (6)
~~رجلا)
# PageV00P190
# رجلا وفرضتم طاعته ثم لم تقلدوه، فهم أشد منكم تقليدا ".
# 3. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد بن عيسى، عن ربعي بن عبد
~~الله، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله جل وعز:
~~(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) فقال: " والله ما صاموا لهم
~~ولا صلوا لهم، ولكن أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا، فاتبعوهم ".
# باب البدع والرأي والمقاييس 1. الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد،
~~عن الحسن بن علي الوشاء؛ وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال
~~جميعا، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
~~" خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس، فقال: أيها الناس، ms121 إنما بدء وقوع
~~الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال
~~
____________________
#
وعينتموه للإمامة، وقلتم بإمامته (وفرضتم (1)
~~طاعته) أي حكمتم بوجوب طاعته من عند الله (ثم لم تقلدوه) ولم تطيعوه حق
~~الإطاعة (فهم أشد منكم (2) تقليدا) من حيث تقليدهم وعدم تقليدكم، ومن حيث
~~إن تقليدهم لإمامهم لإطاعته، وتقليدكم لإمامكم لإطاعة الله، لا لمحض
~~إطاعته.
# باب البدع والرأي والمقاييس قوله: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع
~~وأحكام تبتدع).
# " البدء " إما بمعنى الأول، أو بمعنى الابتداء.
# و" الفتنة ": الامتحان والاختبار، ثم كثر استعماله لما يختبر به (3) من
~~المكروه،
# PageV00P191
# رجالا، فلو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، ولو أن الحق خلص لم يكن
~~اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيجيئان معا، فهنالك
~~استحوذ الشيطان على أوليائه، ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى ".
# 2. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور العمي يرفعه، قال:
# قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر
~~العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله ".
#
____________________
#
ثم كثر استعماله بمعنى الضلال والكفر والقتال.
# و" الأهواء " جمع هوى. وهوى - بالقصر -: الحب المفرط في الخير والشر
~~وإرادة النفس، والمعنى أن أول الفتن أهواء و" الوقوع " مقحم، أو أول وقوعها
~~وقوع الأهواء، أو ابتداء وقوع الفتن منها، أو منشأ وقوع الفتن ومبتدؤها (1)
~~أهواء.
# وقوله: (يخالف فيها كتاب الله). توضيح وبيان لقوله: " تبتدع ".
# وقوله: (يتولى فيها رجال رجالا).
# يقال: تولاه: إذا اتخذه وليا. ويصح هنا حمل الولي على الحبيب، والناصر،
~~والأولى بالتصرف.
# وقوله: (فلو أن الباطل خلص، لم يخف على ذي حجى). تفصيل لما ذكره - من بدء
~~وقوع الفتن والأهواء المتبعة والأحكام المبتدعة - بأنها أوقعت الضلال
~~بخلطها ومزجها بالحق، والافتتان باجتماعهما؛ فإن الباطل الخالص لا يخفى
~~بطلانه " على ذي حجى " أي ذي عقل وفطانة، والحق الخالص واحد لا يكون به
~~ضلال ولا اختلاف (ولكن يؤخذ من هذا) الباطل (ضغث) أي ms122 قبضة (ومن هذا) الحق
~~(ضغث فيمزجان فيجيئان معا) أي مقارنين، فيحصل الاشتباه (فهنا لك) أي عند
~~الاشتباه (استحوذ) أي غلب (الشيطان على أوليائه) أي محبيه وأتباعه (ونجا
~~الذين سبقت لهم من الله الحسنى) أي في مشيته وقدره وقضائه.
# PageV00P192
# 3. وبهذا الإسناد، عن محمد بن جمهور، رفعه، قال: من أتى ذا بدعة فعظمه،
~~فإنما يسعى في هدم الإسلام.
# 4. وبهذا الإسناد عن محمد بن جمهور، رفعه، قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): " أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة ". قيل: يا رسول الله، وكيف
~~ذلك؟ قال: " إنه قد أشرب قلبه حبها ".
# 5. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية
~~بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): إن عند كل بدعة - تكون من بعدي يكاد بها الإيمان - وليا
~~من أهل بيتي موكلا به يذب عنه، ينطق بإلهام
____________________
#
قوله: (فليظهر العالم علمه) أي مع التمكن وعدم
~~الخوف على نفسه أو على غيره من المؤمنين.
# قوله: (من أتى ذا بدعة فعظمه) أي لكونه ذا بدعة، أو لا لتقية (فإنما يسعى
~~في هدم الإسلام) لأن تعظيمه مما يقويه في ترويج بدعته، ورواج البدعة إبطال
~~للشريعة، وإدخال لما ليس منه فيه.
# قوله: (قد أشرب قلبه حبها) أي لا يوفق صاحب البدعة للتوبة؛ لأنه خالط
~~حبها قلبه، فيعمى (1) بصيرته عن إدراك قبحه، أو فساده وبطلانه، فلا يندم
~~على فعله، ولا يهتدي إلى معرفة الطريق المستقيم.
# قوله: (عند كل بدعة يكون (2) من بعدي يكاد بها الإيمان) أي بها يمكر
~~الإيمان، أو يراد بسوء، أو يحارب (3). وفيه إشارة بوقوع بدعة يكاد بها
~~الإيمان بعده (صلى الله عليه وآله) وكثرتها.
# وقوله: (وليا) أي ناصرا للإيمان (موكلا به) أي بالإيمان. والموكل بالشيء
~~هو الذي جعل حافظا له. والمعنى جعل حافظا للإيمان من عند الله تعالى (يذب
~~عنه) أي
# PageV00P193
# من الله، ويعلن الحق وينوره، ويرد كيد الكائدين، يعبر عن الضعفاء،
~~فاعتبروا يا أولي الأبصار، ms123 وتوكلوا على الله ".
# 6. محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه؛ وعلي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن
~~مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)؛ وعلي بن إبراهيم، عن أبيه،
~~عن ابن محبوب، رفعه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " إن من أبغض
~~الخلق إلى الله عز وجل لرجلين: رجل وكله الله إلى نفسه، فهو جائر عن قصد
~~السبيل، مشعوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة؛
~~
____________________
#
يدفع عن الإيمان ويمنع عنه أعداء الإيمان، وهم
~~أهل البدع (ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره) أي يظهر الحق ويقول به
~~قولا ظاهرا، ويجعله واضحا بينا بالبراهين والأدلة الواضحة، (ويرد كيد
~~الكائدين) أي يجيب عن شبههم (يعبر عن الضعفاء) أي يتكلم عن قبلهم. والضعفاء
~~الذين ضعفوا عن إظهار الحق وإبانته بالأدلة.
# ويحتمل أن يكون " يعبر عن الضعفاء " ابتداء كلام من الصادق (عليه
~~السلام)، والمعنى أنه (صلى الله عليه وآله) بقوله ذلك يعبر عن الضعفاء، أي
~~الأئمة الذين ظلموا واستضعفوا في الأرض.
# وقوله: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) الظاهر أنه من كلام الصادق (عليه
~~السلام).
# قوله: (رجل وكله الله إلى نفسه) أي ترك إصلاحه، وصرف أمره إليه.
# وقوله: (فهو جائر - إلى قوله - فهو فتنة) تفصيل للمذكور إجمالا. و" الجور
~~":
# الميل عن الحق والقصد. " وقصد السبيل " استقامته، والمراد المائل عن
~~السبيل المستقيم.
# وقوله: (مشعوف بكلام بدعة) إما بالعين المهملة من شعفني حبه، أي غشي الحب
~~القلب من فوقه؛ أو بالغين المعجمة من شغفها حبا، أي أصاب حبه شغافها.
# و" الشغاف " غلاف القلب. وقيل: سويداء القلب. و" اللهج " بالشيء: الولوع
~~به والحرص فيه. و" الفتنة ": الامتحان والاختبار.
# و" الضلال " و" الإضلال " أطلق على ما يفتتن به.
PageV00P194
# فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله، مضل لمن اقتدى به في
~~حياته وبعد موته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته.
# ورجل قمش جهلا في جهال الناس، عان بأغباش الفتنة، قد سماه أشباه الناس
~~عالما، ولم يغن فيه يوما سالما، بكر فاستكثر، ما ms124 قل منه خير مما كثر، حتى
~~إذا ارتوى من آجن
____________________
#
وقوله: (ضال عن هدي من كان قبله) أي ببدعته
~~(مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد موته) أي بفتنته، فهذا الرجل هو الذي يريد
~~الإصلاح، ويتكل في الإصلاح على ما يحبه ويراه إصلاحا، فيبتدعه، فجازاه الله
~~لاعتماده في الإصلاح على رأيه وابتداعه واتكاله على نفسه، بأن وكله الله
~~إلى نفسه فانتهى إلى ما انتهى إليه أمره، ولذا عبر عنه بأنه رجل وكله الله
~~إلى نفسه.
# وقال في الرجل الآخر: (رجل قمش جهلا).
# و" القمش " - بالقاف والميم المفتوحة والشين المعجمة -: جمع الشيء من
~~هاهنا (1) ومن هاهنا (2)، وكذلك التقميش، وذلك الشيء القماش.
# والمراد بالجهل المأخوذ عن غير ما هو المأخذ، فلا يكون الاعتماد فيه إلا
~~على توهمات فاسدة وظنون باطلة أو روايات غير ثابتة ممن هو الحجة، فيضل هو
~~بها، ويضل غيره.
# وقوله: (عان بأغباش الفتنة) يقال: عنيت به فأنا عان، أي اهتممت به
~~واشتغلت.
# و" الأغباش ": جمع غبش محركة بالباء الموحدة بين المعجمتين، وهو البقية
~~من الليل، أو ظلمة آخر الليل، أي مهتم مشتغل ببقية المظلم، أو الظلمة من
~~الفتنة.
# وقوله: (وقد سماه أشباه الناس) أي أمثالهم في الصورة الظاهرية والقوى
~~الحسية والوهمية (عالما) لتنزلهم عن (3) المرتبة اللائقة بالإنسانية من
~~التمييز العقلي والتفكر والتدبر في الأمور وعواقبها.
# وقوله: (ولم يغن) أي لم يعش من غني بالكسر (فيه) أي في شغله (يوما
~~سالما)
# PageV00P195
# واكتنز من غير طائل جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره،
~~وإن خالف قاضيا سبقه، لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان
~~قبله، وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه، ثم قطع
~~به، فهو من لبس
____________________
#
أي من جمع الجهل والاشتغال بالفتنة.
# وقوله: (بكر) أي بادر كل يوم إلى جمع الجهالات والاهتمام بظلم الفتن
~~(فاستكثر) (1) وحصل كثيرا منها.
# وقوله: (ما قل منه خير مما كثر) أي ما قل صدوره منه ولم يهتم ms125 به خير مما
~~كثر واهتم به.
# وهاتان الجملتان تدلان على عدم السلامة له أصلا.
# وقوله: (حتى إذا ارتوى من آجن).
# " الارتواء ": الشرب من الماء بقدر الحاجة. و" الآجن ": الماء المتغير
~~الطعم واللون. شبه الجهالات بالماء الآجن، وجمعه بقدر يكفيه باعتقاده
~~بالارتواء.
# وقوله: (واكتنز) أي امتلأ (من غير طائل) أي من غير نافع، أي مما لا نفع
~~فيه.
# وقوله: (جلس بين الناس قاضيا). أي حاكما بينهم.
# وقوله: (ضامنا لتخليص ما التبس على غيره) أي أخذ الخلاصة من مواقع (2)
~~الاشتباه. والمراد بالخلاصة الحق غير المخلوط بالشبهة والشك، وهذه في
~~الفتاوى، كما أن الأولى في القضايا والأحكام.
# وقوله: (وإن خالف قاضيا سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه من يأتي بعده كفعله
~~بمن كان قبله) ناظر إلى قوله: " جلس بين الناس قاضيا ".
# وقوله: (وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هيأ لها حشوا من رأيه ثم
~~قطع) ناظر إلى قوله: " ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ".
# PageV00P196
# الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، لا يحسب العلم في شيء
~~مما أنكر، ولا يرى أن وراء ما بلغ فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب
~~نظره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به؛ لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له:
~~لا يعلم، ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات، خباط جهالات، لا يعتذر
~~مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض
____________________
#
وقوله: (فهو من لبس الشبهات في مثل غزل
~~العنكبوت).
# " اللبس " - بفتح اللام -: الخلط، والمعنى فهو من خلط الشبهات بعضها
~~ببعض، أو من خلط الشبهات بغيرها، فما عنده شيء إلا فيه شبهة (لا يدري أصاب
~~أم أخطأ) حيث يفتي بما لا يعلم أنه مأخوذ من مأخذه الذي ينبغي أن يؤخذ منه،
~~بل يعتمد فيه على ما يميل بطبعه إلى الاعتماد عليه، فتارة يعتمد على شيء
~~ويفتي، وتارة يعتمد على ما يقابله ويفتي بخلافه، (ولا يحسب) أن يكون لأحد
~~(العلم في شيء مما أنكر) ولا يعلمه (ولا يرى أن ما (1) وراء ms126 ما بلغ) من جمع
~~الجهالات وخلط الشبهات (فيه مذهبا، إن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره) ويظن أن
~~ما يميل إليه ويتوهمه مما يعتمد عليه (وإن أظلم عليه أمر) ولا يقع نظره فيه
~~على شيء أصلا حتى شبهة (اكتتم به) وستره (لما يعلم من جهل نفسه لكي لا يقال
~~له: لا يعلم) ولم يظهر جهله (ثم) بعد ما كان على هذا الحال (جسر) أي جرأ
~~وأقدم على الأمر الخطير من القضاء بالحكم بين الناس، أو الإفتاء فيما لا
~~يعلم ولا يظن (فقضى).
# وقوله: (فهو مفتاح عشوات).
# " العشوة " (2) - بفتح العين وسكون الشين -: أن يركب أمرا على غير بيان،
~~وهذا ناظر إلى قوله: " وإن قاس شيئا بشيء لم يكذب نظره ".
# وقوله: (ركاب شبهات) ناظر إلى قوله: " وإن أظلم عليه أمر ".
# PageV00P197
# في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه
~~المواريث، وتصرخ منه الدماء؛ يستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه
~~الفرج الحلال، لا مليء بإصدار ما عليه ورد، ولا هو أهل لما منه فرط، من
~~ادعائه علم الحق ".
# 7. الحسين بن محمد؛ عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن
~~عثمان، عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
~~" إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس، فلم تزدهم المقاييس من الحق
~~إلا بعدا، وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس ".
#
____________________
#
وقوله: (خباط جهالات) ناظر إلى قوله: " ثم جسر
~~فقضى ".
# وقوله: (لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم) أي من الحكم، أو الفتيا بما لا يعلم
~~- ناظر إلى الأخيرة.
# وقوله: (ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم) ناظر إلى الثانية.
# وقوله: (يذري الروايات ذرو الريح الهشيم) (1) ناظر إلى الأولى. وذلك
~~لترجيح القياس على الخبر الواحد، أو جعله معارضا للخبر، أو مرجحا للضعيف
~~على القوي من الأخبار.
# وكذا قوله: (يبكي (2) منه المواريث...) ناظر إلى الثالثة.
# وقوله: (لا مليء بإصدار ما عليه ورد) ناظر إلى الثانية.
# وقوله: (ولا هو أهل لما منه فرط) - أي سبق ms127 وتقدم - ناظر إلى الأولى.
# قوله: (إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم) أي بالمسائل الشرعية، ولما لم يكن
~~القياس من سبيل السلوك إليها لم يزد مراعاتهم المقاييس إلا بعدا من الحق.
# (وإن دين الله) أي الدين الذي شرعه (لا يصاب بالمقاييس) إذ ما لم يرد فيه
~~حكم من الشارع، فهو على الإباحة، وليس لأحد إثبات حكم فيه بالقياس، وما
~~ورد
# PageV00P198
# 8. علي بن إبراهيم، عن أبيه؛ ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، رفعه،
~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: " كل بدعة ضلالة، وكل
~~ضلالة سبيلها إلى النار ".
# 9. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم، قال: قلت
~~لأبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك، فقهنا في الدين وأغنانا الله
~~بكم عن الناس، حتى أن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه تحضره
~~المسألة ويحضره جوابها فيما من الله علينا بكم، فربما ورد علينا الشيء لم
~~يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شيء، فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء
~~لما جاءنا عنكم، فنأخذ به؟ فقال: " هيهات
____________________
#
فيه حكم من الشارع ليس لأحد ترك طلبه وأخذه من
~~حملته والاعتماد فيه على القياس؛ كيف، والأحكام الثابتة إذا لوحظت، فأكثرها
~~مما يخالف قياسهم.
# قوله: (فقهنا في الدين) من فقه ككرم، أي صار فقيها، والفعل معلوم؛ أو من
~~باب التفعيل، والفعل مجهول.
# وقوله: (حتى أن الجماعة منا لتكون (1) في المجلس ما يسأل (2) رجل (3)
~~صاحبه يحضره (4) المسألة ويحضره جوابها) أي ما يسأل رجل منهم. (5) والجملة
~~حال من فاعل " لتكون " (6) وهو ضمير الجماعة.
# وقوله: (فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا).
# لعل المراد بالأحسن ما لا يكون فيه تقية ولا يلحقه تغيير، (7) وهو الأصل.
# وقوله: (أوفق الأشياء لما جاءنا عنكم) أي في الجواب عما ورد علينا قياسا
~~على
# PageV00P199
# هيهات، في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم ". قال: ثم قال: " لعن الله
~~أبا حنيفة، كان يقول: قال علي، وقلت ". قال محمد بن حكيم لهشام بن الحكم: ms128
~~والله ما أردت إلا أن يرخص لي في القياس.
# 10. محمد بن أبي عبد الله، رفعه، عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي
~~الحسن الأول (عليه السلام): بما أوحد الله؟ فقال: " يا يونس، لا تكونن
~~مبتدعا، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله) ضل،
~~ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر ".
#
____________________
#
ما جاءنا عنكم (فنأخذ به) ونقوله في الجواب.
~~(1) وقوله: (هيهات هيهات) تأكيد في بعده عن المسلك المستقيم وإصابة الحق.
# وقوله: (في ذلك) أي في الأخذ بالقياس (هلك من هلك) من العاملين بالقياس.
# وقوله: (قال علي، وقلت).
# ظاهره أنه كان يقول: قال علي يعني قياسا، وقلت قياسا، وافقه أو خالفه،
~~فأخذ بالقياس وظن بعلي (عليه السلام) ذلك.
# ويحتمل أن يكون مراده مخالفته (2) بالقياس لقول علي (عليه السلام) ولو
~~كان رواية؛ لظنه بالنبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول بالقياس، وترجيح
~~قياسه على قياسه (صلى الله عليه وآله)، أو لترجيح قياسه على رواية علي
~~(عليه السلام). ولكنه بعيد؛ لاشتماله على ضلال وطغيان فيه قلما يرتكبه
~~ويظهره مسلم.
# قوله: (لا تكونن مبتدعا) أي مثبتا حكما من عندك لا بالكتاب والسنة، بل
~~برأيك والقياس (ومن نظر برأيه هلك).
# قوله: (ومن ترك أهل بيت نبيه (صلى الله عليه وآله) ضل) أي من تركهم ولم
~~يأخذ عنهم أولا أو بواسطة أو وسائط، لم يتمكن من الوصول إلى الحق في
~~المعارف والأحكام؛ حيث ترك السبيل إليها وهو الأخذ عنهم، فاحتاج إلى الرجوع
~~إلى القياس والرأي،
# PageV00P200
# 11. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء، عن مثنى الحناط، عن أبي
~~بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها
~~في كتاب الله، ولا سنة، فننظر فيها؟ فقال: " لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر،
~~وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل ".
# 12. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عمر
~~بن أبان الكلبي، عن عبد الرحيم القصير، ms129 عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار
~~".
#
____________________
#
وربما يؤدي ضلاله إلى ترك الكتاب وقول النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، وذلك عند معرفته من الكتاب وجوب الرجوع إليهم، ومن
~~مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله
~~وعترتي " (1) فيكون بتركهم تاركا لما علم ثبوته من الكتاب وقول النبي (صلى
~~الله عليه وآله) مدعيا جواز الترك لهما بالآراء، ومجوز ترك كتاب الله وقول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) بالرأي كافر، فنبه عليه بقوله: (ومن ترك كتاب
~~الله وقول نبيه كفر).
# قوله: (فنظر فيها).
# يحتمل أن يكون المراد النظر بالقياس. والمراد بقوله: (إن أصبت لم تؤجر)
~~الإصابة في أصل الحكم وعلته.
# ويحتمل أن يكون المراد النظر بالاستنباط مما في الكتاب والسنة (2) من
~~العمومات لا بطريق القياس، فربما يكون مصيبا في الحكم والاستنباط كليهما
~~ولم يكن مأجورا؛ لتقصيره في تتبع الأدلة وتحصيل الظن بعدم دليل آخر،
~~والمصنف حملها على الأول، فأوردها في هذا الباب.
# PageV00P201
# 13. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن
~~سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت: أصلحك الله،
~~إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا، فلا يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطر،
~~وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه
~~شيء، فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه، فنقيس على أحسنه؟ فقال: " وما
~~لكم وللقياس؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس " ثم قال: " إذا جاءكم ما
~~تعلمون، فقولوا به، وإن جاءكم مالا تعلمون فها - وأهوى بيده إلى فيه - " ثم
~~قال: " لعن الله أبا حنيفة، كان يقول: قال علي وقلت أنا، وقالت الصحابة
~~وقلت " ثم قال: " أكنت تجلس إليه؟ " فقلت: لا، ولكن هذا كلامه. فقلت: أصلحك
~~الله، أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس بما يكتفون به في عهده؟
~~قال: ms130 " نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة ". فقلت:
#
____________________
#
قوله: (وإن جاءكم ما لا تعلمون فها - وأهوى
~~بيده إلى فيه -).
# " ها " اسم فعل بمعنى " خذ " ويحتمل أن يكون " فها " للمفرد. ويحتمل أن
~~يكون فهاؤوا للجمع، وقوله: " وأهوى بيده " على الأول ك " هوى بيده " على
~~الثاني للحال (1) بتقدير " قد "، والباء في " بيده " للتعدية، أي مد ورفع
~~يده مشيرا إلى فيه.
# يقال: هوت يدي له وأهوت: إذا امتدت وارتفعت. والمعنى: إذا جاءكم ما لا
~~تعلمون فخذوا من أفواهنا.
# وقوله: (فقال: نعم، وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة) أي نعم، أتى بما
~~يكتفون به في عهده، وبما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة من الأحكام الشرعية.
# تصديق ذلك قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) (2)
~~وقوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) (3) فهو سبحانه لما
~~أكمل الدين، بين لنبيه (صلى الله عليه وآله) جميع الأحكام الشرعية، وأنزلها
~~إليه، ولما أمره بتبليغ ما أنزل إليه، بلغ بنفسه ما أمكن تبليغه إلى من
~~أمكن تبليغه، وحمل بعضا ليبلغ إلى آخرين، فلم يبق حكم من أحكام الله إلا
~~وقد أتى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمته.
# PageV00P202
# فضاع من ذلك شيء؟ فقال: " لا، هو عند أهله ".
# 14. عنه، عن محمد، عن يونس، عن أبان، عن أبي شيبة، قال: سمعت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) يقول: " ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة، إملاء رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) بيده، إن
~~
____________________
#
وقوله: (هو عند أهله) أي عند من حمله رسول
~~الله ذلك، وهو أهل للتحمل والتبليغ، وأهل ما حمل يعني أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) وأوصياءه.
# وتصديق ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب
~~الله وعترتي " (1) وقوله (صلى الله عليه وآله):
# " أنا مدينة العلم وعلي بابها ". (2) قوله: (ضل علم ابن شبرمة عند
~~الجامعة).
# المراد بالعلم إما المأخوذ من مأخذه من المسائل، وإما ما يظن ويراه بأي
~~طريق كان، سواء كان ms131 مأخوذا من (3) المآخذ الشرعية، أو من الرأي والقياس.
# و" الضلال " إما بمعنى الخفاء والغيبوبة حتى لا يرى، أو بمعنى الضياع
~~والهلاك والفساد، أو مقابل الهدى.
# فإن حمل العلم على الأول، ناسبه الأول من معاني الضلال؛ لأنه من قلته
~~بالنسبة إلى ما في الجامعة من جميع المسائل مما لا يرى ولا يكون له قدر
~~بالنسبة إليه وفي جنبه.
# وإن حمل العلم على الثاني ويشمل جميع ظنونه وآرائه، ناسبه أحد الأخيرين
~~من معاني الضلال؛ فإنه ضائع هالك عند ما أتى به رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) لمخالفته له، وضل هذا العلم، أي ظهر ضلاله وخروجه عن الطريقة
~~المستقيمة عند ما ثبت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو منهاج الهدى
~~لمخالفته إياه.
# PageV00P203
# الجامعة لم تدع لأحد كلاما، فيها علم الحلال والحرام، إن أصحاب القياس
~~طلبوا العلم بالقياس، فلم يزدادوا من الحق إلا بعدا، إن دين الله لا يصاب
~~بالقياس ".
# 15. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد
~~الرحمن بن الحجاج، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "
~~إن السنة لا تقاس، ألا ترى أن المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؛ يا أبان،
~~إن السنة إذا قيست محق الدين ".
# 16. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، قال: سألت أبا
~~الحسن موسى (عليه السلام) عن القياس، فقال: " ما لكم والقياس، إن الله لا
~~يسأل كيف أحل وكيف حرم ".
#
____________________
#
وقوله: (إن دين الله لا يصاب بالقياس).
# وذلك لأنه إذا كان في كل مسألة حكما خاصا صادرا (1) من الشارع، فقلما
~~يطابقه ما يقاس (2) ويقال (3) فيه بالرأي والتخمين؛ فإن الأحكام الواردة في
~~الشريعة أكثرها لا يطابق القياس، والعلل في الأحكام الشرعية غير منتظمة،
~~فقلما يفارق النظر فيها عن الالتباس.
# قوله: (إن السنة لا تقاس) أي لا يوصل إليها، ولا تعرف بالقياس؛ لما فيها
~~من ضم المختلفات في الصفات الظاهرة، وتفريق المتشاركات في الأحوال الواضحة،
~~كما في قضاء صوم الحائض، ms132 وعدم قضاء صلاتها. و (إن السنة إذا قيست) وأثبتت
~~بالقياس (محق) أي محي وأبطل الدين بإدخال ما ليس منه فيه، وإخراج ما يكون
~~منه عنه، والإكثار منهما يلزم العمل بالقياس، أعاذنا الله من إطاعة إبليس،
~~والدخول في التباس. (4) قوله: (إن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم) أي لا
~~يأتي في التحليل والتحريم بما يوافق مدارك عامة العباد من المصالح والحكم
~~حتى لو سئل عنه أجاب بما هو
# PageV00P204
# 17. علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، قال: حدثني
~~جعفر، عن أبيه (عليهما السلام): " أن عليا - صلوات الله عليه - قال: من نصب
~~نفسه للقياس، لم يزل دهره في التباس، ومن دان الله بالرأي، لم يزل دهره في
~~ارتماس ".
# قال: وقال أبو جعفر (عليه السلام): " من أفتى الناس برأيه، فقد دان الله
~~بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم، فقد ضاد الله؛ حيث أحل وحرم فيما
~~لا يعلم ".
# 18. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن الحسين
~~بن مياح، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن إبليس قاس نفسه
~~بآدم، فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، ولو قاس الجوهر الذي خلق الله
~~منه آدم بالنار، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار ".
#
____________________
#
مرغوب مداركهم ومستحسن طباعهم، بل في أحكامه
~~حكم ومصالح لا يصل إليها أفهام أكثر الناس من العوام والخواص.
# قوله: (لم يزل دهره في التباس) أي من أقام نفسه للعمل بالقياس، لم يزل
~~دهره في التباس، أي اشتباه وخلط بين الباطل والحق (ومن دان الله بالرأي) أي
~~اعتقد أنه من دين الله الواجب مراعاته والعمل بمقتضاه (لم يزل دهره في
~~ارتماس) أي انغماس في الباطل ودخول فيه بحيث يحيط به إحاطة تامة.
# قوله: (من أفتى الناس برأيه) أي بمظنونه المأخوذ، لا من الأدلة والمآخذ
~~المنتهية إلى الشارع، بل من الإستحسانيات العقلية، أو القياسات الفقهية
~~(فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله ms133 بما لا يعلم) وأدخل في دين الله
~~ما ليس منه (فقد ضاد الله) حيث نصب نفسه لأن يحل ويحرم من عندها، وجعلها
~~شريكا لله في وضع الشريعة لعباده.
# قوله: (فلو (1) قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم بالنار، كان ذلك أكثر
~~نورا وضياء من النار).
# المراد بالجوهر الذي خلق منه آدم النور العقلاني الذي في نفسه، وهو أكثر
~~ضياء
# PageV00P205
# 19. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن حريز، عن
~~زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحلال والحرام؟ فقال: "
~~حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة،
~~لا يكون غيره ولا يجيء غيره ". وقال: " قال علي (عليه السلام): ما أحد
~~ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة ".
# 20. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن
~~عبد الله القرشي، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال
~~له: " يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس؟ " قال: نعم، قال: " لا تقس، فإن أول
~~من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار
~~والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء
~~أحدهما على الآخر ".
# 21. علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن قتيبة، قال: سأل رجل أبا عبد الله
~~(عليه السلام) عن مسألة، فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا
~~ما يكون القول فيها؟ فقال له:
# " مه، ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسنا
~~من " أرأيت " في شئ ".
# 22. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، مرسلا، قال: قال
~~
____________________
#
من النار؛ فإنه به يظهر ما لا يظهر بالنار،
~~كالمعقولات، وبه يظهر ما يظهر بالنار، كالمحسوسات.
# قوله: (ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة) لأنه لما كان في كل مسألة
~~بيان من الشارع وحكم فيها، فمن قال بما لم ms134 يكن في الشرع وابتدع شيئا، ترك
~~به سنة وحكما من أحكامه.
# قوله: (أرأيت إن كان كذا وكذا كان ما يكون القول فيها) أي أخبرني عن رأيك
~~فيما ينبغي أن يقال في المسألة هذه.
# وقوله: (فقال له: مه) أي أكفف، فإنا لا نقول إلا ما وصل إلينا من رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، لسنا نقول برأينا.
PageV00P206
# أبو جعفر (عليه السلام): " لا تتخذوا من دون الله وليجة فلا تكونوا
~~مؤمنين، فإن كل سبب ونسب وقرابة ووليجة وبدعة وشبهة منقطع إلا ما أثبته
~~القرآن ".
# باب الرد إلى الكتاب والسنة وأنه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما
~~يحتاج الناس إليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة 1. محمد بن يحيى، عن أحمد بن
~~محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: " إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى
~~
____________________
#
قوله: (لا تتخذوا من دون الله وليجة).
# وليجة الرجل: من يجده معتمدا عليه. والمراد هاهنا (1) المعتمد عليه في
~~أمر الدين، ومن يعتمد في أمر الدين وتقرير الشريعة على غير الله يكون
~~متعبدا لغير الله، والمتعبد لغير الله لا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر.
# وأيضا فما لم يستند إلى موجبه الحقيقي الذي لا يزول - وهو الله سبحانه -
~~يزول بزوال مستنده الذي اتخذ وليجة من دون الله، وذلك لأن كل ما لم يثبته
~~القرآن من السبب والنسب والقرابة والوليجة (2) والبدعة والشبهة منقطع لا
~~تبقى (3) ولا ينتفع بها في الآخرة، فلا يبقى الإيمان حينئذ؛ لزوال مستنده
~~وموجبه، أو نقول: فلا يجامع الإيمان - أي الاعتقاد الثابت بالله واليوم
~~الآخر - الاعتماد عليها في أمر الدين.
# باب الرد إلى الكتاب والسنة قوله: (كل شيء) أي مما يحتاج إليه العباد؛
~~بقرينة ما بعده.
# PageV00P207
# والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد - حتى لا يستطيع عبد يقول: لو
~~كان هذا أنزل في القرآن - إلا وقد أنزله الله فيه ".
# 2. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، ms135 عن حسين بن المنذر، عن عمر
~~بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: " إن الله تبارك
~~وتعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه، وبينه لرسوله
~~(صلى الله عليه وآله) وجعل لكل شيء حدا، وجعل عليه دليلا يدل عليه، وجعل
~~على من تعدى ذلك الحد حدا ".
#
____________________
#
وقوله: (حتى لا يستطيع عبد يقول) أي قولا
~~صحيحا.
# وقوله: (لو كان هذا أنزل في القرآن) للتمني.
# وقوله: (إلا وقد أنزله الله فيه) استثناء من قوله: (ما ترك الله شيئا
~~يحتاج إليه العباد) وما بعد إلا جملة ابتدائية وقعت حالا من قوله: " شيئا "
~~و" إلا " معطية في المعنى فائدتها الاستثنائية، مفيدة كون كل متروك من
~~المحتاج إليه قد أنزل في القرآن، أو المراد ما ترك شيئا محتاجا إليه على
~~حال إلا منزلا في القرآن. وتوسيط الغاية (1) بينهما إما رعاية لاتصالها بذي
~~الغاية، أو لجعله مفسرا لمثله المحذوف قبل الغاية.
# قوله: (وجعل لكل شيء حدا) أي لكل شيء مما يحتاج إليه العباد حدا ومنتهى
~~معينا لا يتجاوزه ولا يقصر عنه.
# وقوله: (وجعل عليه دليلا يدل عليه) ويبينه للناس كالنبي (صلى الله عليه
~~وآله) في زمانه، والإمام في زمانه، فعلى الناس أن يراجعوا الدليل ويأخذوا
~~عنه، أو جعل عليه دليلا من الكتاب.
# قوله: (وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا) أي جعل على من ترك ذلك الحد ولم
~~يقل به ولم يأخذه من دليله ولم يراجعه حدا من العقاب والنكال.
# PageV00P208
# 3. علي، عن محمد، عن يونس، عن أبان، عن سليمان بن هارون، قال: سمعت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) يقول: " ما خلق الله حلالا ولا حراما إلا وله حد
~~كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من
~~الدار حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة ".
# 4. علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال:
# سمعته يقول: " ما من شيء إلا وفيه كتاب أو ms136 سنة ".
# 5. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد، عن عبد الله بن
~~سنان، عن أبي الجارود، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): " إذا حدثتكم بشيء
~~فاسألوني من كتاب الله " ثم قال في بعض حديثه: " إن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال ". فقيل له: يا
~~ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: " إن الله عز وجل يقول: (لا خير
~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) وقال:
~~(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما) وقال: (لا تسلوا عن
~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم) ".
# 6. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عمن
~~حدثه، عن المعلى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " ما من أمر
~~يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل، ولكن لا تبلغه عقول
~~الرجال ".
#
____________________
#
قوله: (نهى عن القيل والقال...).
# المراد بالقيل والقال نقل الحكايات، كما يقال: قيل كذا وكذا في نقل
~~التواريخ والوقائع وأقوال بعضهم في بعض كما هو الشائع إظهارا للاطلاع
~~عليها، أو اطلاعا لهم عليها، أو جعل قلوبهم مشغولة بحكايته، مستأنسة بها،
~~لا للتعليم أو التذكير في المسائل العلمية وما ينتفع بها، أو الإصلاح؛ فإن
~~المطلوب حينئذ التعليم والتذكير لا الحكاية.
# والمراد بفساد المال ترك إصلاحه، أو صرفه في غير مصرفه.
# والمراد بكثرة السؤال السؤال عن الأكثر مما يحتاج إليه. (1)
# PageV00P209
# 7. محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن
~~أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيها
~~الناس، إن الله - تبارك وتعالى - أرسل إليكم الرسول (صلى الله عليه وآله)
~~وأنزل إليه الكتاب بالحق وأنتم أميون عن الكتاب ومن أنزله، وعن الرسول ومن
~~أرسله، على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، وانبساط من الجهل،
~~واعتراض من ms137 الفتنة، وانتقاض من المبرم، وعمى عن الحق، واعتساف من الجور،
~~وامتحاق من الدين، وتلظ من الحروب، على حين اصفرار من رياض جنات الدنيا،
~~ويبس
____________________
#
قوله: (إلا وله أصل في كتاب الله) أي ما يمكن
~~معرفته منه ولو بضمه إلى غيره من الكتاب أو السنة، أو مقدمة عقلية أو حسية.
# وقوله: (ولكن لا تبلغه عقول الرجال) أي أكثرهم، بل إنما يبلغه عقول الكمل
~~منهم، أو من هداه الله إليه وخصه بمزيد فضله.
# قوله: (وأنتم أميون عن الكتاب).
# يقال لمشركي العرب: أميون؛ لنسبتهم إلى ما عليه أمة العرب وجماعتهم من
~~ترك تعلم الكتابة وجهلهم بالكتاب وغفلتهم عنه، ثم غلب فيمن لا يكتب.
# وقد يقال: الأمي منسوب إلى الأم، أي من هو باق على حالته الجبلية التي
~~ولد عليها ولم يكتب.
# وقوله: (على حين فترة من الرسل) أي على قرب زمان خال من الرسول بين
~~الرسولين، أو طرفه، أو في زمان خال من الرسل وشريعتهم الباقية المحفوظة.
# و" الفترة ": السكون وقلة الاجتهاد، والزمان الخالي من الرسول بين
~~الرسولين.
# وقوله: (وطول هجعة من الأمم) أي طول غفلة. و" الهجعة ": النوم بالليل عبر
~~بها عن الغفلة بالجهالة.
# وقوله: (وانتقاض من المبرم) أي (1) المحكم من الشريعة السابقة.
# وقوله: (وامتحاق من الدين) أي بطلان وانمحاء.
# وقوله: (على حين اصفرار من رياض جنات الدنيا) بدل من قوله: " على حين
~~فترة من الرسل ".
# PageV00P210
# من أغصانها، وانتثار من ورقها، ويأس من ثمرها، واغورار من مائها، قد درست
~~أعلام الهدى، فظهرت أعلام الردى، فالدنيا متهجمة في وجوه أهلها، مكفهرة،
~~مدبرة غير مقبلة، ثمرتها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها
~~السيف، مزقتم كل ممزق، وقد أعمت عيون أهلها، وأظلمت عليها أيامها، قد قطعوا
~~أرحامهم، وسفكوا دماءهم، ودفنوا في التراب الموؤودة بينهم من أولادهم،
~~يجتاز دونهم طيب العيش ورفاهية خفوض الدنيا؛
____________________
#
وقوله: (قد درست أعلام الهدى) تبيين لما سبق
~~ذكره، وتعبير عنها موضحا ترتب بعضها على بعض، فدروس أعلام الهدى وظهور
~~أعلام الردى ناظر إلى خلو ms138 الزمان من الرسول والشريعة القويمة وغفلة الأمم
~~وانبساط الجهل، وترتب عليه (1) تهجم الدنيا في وجوه أهلها، كما قال:
~~(فالدنيا متهجمة في وجوه أهلها مكفهرة).
# " التهجم ": مبالغة الهجوم. و" الهجوم ": الدخول بلا إذن. والمراد
~~بتهجمها في وجوه أهلها ملاقاتها لهم لا على وفق مأمولهم ومتمناهم.
# و" المكفهر " من الوجوه: القليل اللحم، الغليظ الذي لا يستحي.
# وقوله: (مزقتم كل ممزق).
# " التمزيق ": الخرق، أو (2) التفريق، والممزق - كمعظم (3) - مصدر
~~كالتمزيق.
# وقوله: (ودفنوا في التراب الموؤودة بينهم).
# الموؤودة: البنت المدفونة حية. وقوله: " بينهم " متعلق بالدفن، أو الوأد
~~بتضمين معنى الشيوع.
# وقوله: (يختار (4) دونهم طيب العيش ورفاهية خفوض الدنيا) أي يختار لغيرهم
~~طيب العيش ورفاهية الدعة وسعة الدنيا.
# وفي بعض النسخ " يحتاز " - بالحاء المهملة والزاي - أي يجمع ويمسك وراءهم
~~طيب العيش والتوسع في الدنيا.
# PageV00P211
# لا يرجون من الله ثوابا، ولا يخافون والله منه عقابا؛ حيهم أعمى نجس،
~~وميتهم في النار مبلس، فجاءهم بنسخة ما في الصحف الأولى، وتصديق الذي بين
~~يديه، وتفصيل الحلال من ريب الحرام.
# ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، أخبركم عنه، إن فيه علم ما مضى، وعلم
~~ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو
~~سألتموني عنه لعلمتكم ".
# 8. محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان،
~~عن عبد الأعلى بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " قد
~~ولدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أعلم كتاب الله، وفيه بدء
~~الخلق، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وفيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر
~~الجنة وخبر النار، وخبر ما كان، وخبر ما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظر
~~
____________________
#
وقوله: (لا يرجون من الله ثوابا، ولا يخافون
~~والله منه عقابا) إشارة إلى حالهم من عدم معرفتهم بالعقائد الدينية.
# وقوله: (حيهم أعمى بخس (1)) أي عديم المعرفة، ناقص الحظ (وميتهم في النار
~~مبلس) من أبلس إذا يئس. (2) وقوله: (ولن ينطق لكم) إشارة إلى أن الاهتداء
~~بالكتاب موقوف على ms139 بيان الحجة من أهل البيت، كما بينه رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله).
# / وقوله: (وفيه بدء الخلق) أي ذكر فيه أول الخلق، منه بدأ الله الخلق.
~~والمراد كل ما اتصف بالوجود فيما مضى من الخلق (وما هو كائن) أي ما يتصف
~~بالوجود من المخلوقات في الحال وفي المستقبل (إلى يوم القيامة، و) ذكر (فيه
~~خبر السماء وخبر الأرض) أي أحوالهما (وخبر الجنة وخبر النار، وخبر ما كان
~~وما هو كائن) أي ذكر أحوال ما كان وما هو كائن. وهذا من التعميم بعد ذكر
~~الخاص، فذكر أولا
# PageV00P212
# إلى كفي، إن الله يقول: (فيه تبيان كل شيء) ".
# 9. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن
~~إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كتاب الله فيه نبأ
~~ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه ".
# 10. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن
~~سيف بن عميرة، عن أبي المغراء، عن سماعة، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)
~~قال: قلت له:
# أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) أو تقولون فيه؟
~~قال: " بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ".
# باب اختلاف الحديث 1. علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى،
~~عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي،
~~قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام):
#
____________________
#
اشتمال الكتاب على المخلوقات وذكرها فيه، ثم
~~ذكر اشتماله على أخبارها، وذكر أحوالها مبتدئا بالعمدة الظاهر منها في
~~الدنيويات، أعني السماء والأرض، وفي الأخرويات، أعني الجنة والنار، ثم عمم
~~بقوله: " وخبر ما كان وما هو كائن ".
# قوله: (فيه نبأ ما قبلكم).
# الخطاب لهذه الأمة وما قبلهم السابق عليهم من الأمم وغيرهم، و" ما بعدهم
~~" ما يكون بعد انقراضهم إلى يوم القيامة، وفصل ما بينهم الحكم في القضايا
~~الشرعية.
# قوله: (أو يقولون ms140 (1) فيه) أي أو يقول الناس: إن كل شيء في كتاب الله،
~~وليس كل شيء فيه.
# باب اختلاف الحديث قوله: (فأقبل علي) أي فتوجه إلي.
# PageV00P213
# إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي
~~الله (صلى الله عليه وآله) غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما
~~سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، ومن الأحاديث
~~عن نبي الله (صلى الله عليه وآله) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله
~~باطل؛ أفترى الناس يكذبون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين،
~~ويفسرون القرآن بآرائهم؟
# قال: فأقبل علي، فقال: " قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقا
~~وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا
~~ووهما، وقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عهده حتى قام خطيبا
~~فقال: أيها الناس، قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده
~~من النار، ثم كذب عليه من بعده، وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
#
____________________
#
وقوله: (إن في أيدي الناس...) شروع في الجواب.
# وقوله: (حقا وباطلا) أي من حيث الاعتقاد والرأي (وصدقا وكذبا) أي من حيث
~~الرواية والنقل.
# وقوله: (حفظا ووهما) أي محفوظا عند الراوي، متيقنا له أنه سمعه على ما
~~ينقله، (1) وموهوما له غير متيقن الانحفاظ، فينقله على ما يتوهم أنه سمعه
~~عليه، سواء وافق الحق رجما بالغيب، أو لا.
# وقوله: (قد كثرت علي الكذابة) الكذابة - كالكتابة - مصدر، أي كثر الكذب
~~علي.
# ويحتمل أن يكون على صيغة المبالغة.
# وقوله: (فمن كذب علي متعمدا) أي لا عن وهم.
# قوله: (وإنما أتاكم الحديث من أربعة).
# وجه الضبط أن الراوي الذي يؤخذ عنه الحديث ويعتمد على روايته إما كاذب،
~~أو صادق.
# PageV00P214
# رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدا؛ فلو علم الناس أنه منافق كذاب، لم
~~يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم ms141 قالوا هذا قد صحب رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) ورآه وسمع منه، وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله. وقد أخبره الله عن
~~المنافقين بما أخبره، ووصفهم بما وصفهم، فقال عز وجل: (وإذا رأيتهم تعجبك
~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم) ثم بقوا بعده، فتقربوا إلى أئمة الضلالة
~~والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال، وحملوهم على
~~رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم
~~الله، فهذا أحد الأربعة.
# ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا،
~~فهو في يده، يقول به، ويعمل به، ويرويه، فيقول: أنا سمعته من رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنه
~~وهم لرفضه.
#
____________________
#
والكاذب الذي يعتمد عليه إما ظاهر الصلاح،
~~متصنع بالإسلام، غير متحرج من الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) -
~~وقد أخبر سبحانه بوجودهم في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصفهم بما
~~وصفهم، ثم بقوا بعده - وإما متحرج عن الكذب على رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) عمدا، ولكن يتوهم ويغلط، حيث لم يحفظ الحديث على وجهه، فيكذب
~~عليه من حيث لا يدري.
# والصادق إما غير عالم بالناسخ والمنسوخ، فيحدث بالمنسوخ ويقول به، أو
~~عالم بالناسخ والمنسوخ حافظ للحديث على وجهه، فلا يحدث إلا بالناسخ أو
~~بالمنسوخ (1) على أنه منسوخ متروك القول والعمل به بعد أن حفظه على وجهه
~~الذي حدث به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأراد به من العموم والخصوص،
~~والوجه المراد من الكلام الذي له وجهان.
# PageV00P215
# ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا أمر به ثم نهى عنه
~~وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم
~~يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه
~~منسوخ لرفضوه.
# وآخر رابع لم يكذب على رسول ms142 الله (صلى الله عليه وآله)، مبغض للكذب خوفا
~~من الله وتعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لم ينسه، بل حفظ ما سمع
~~على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من
~~المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (صلى الله عليه وآله)
~~مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه قد كان يكون من رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) الكلام له وجهان: كلام عام، وكلام خاص مثل
~~القرآن، وقال الله عز وجل في كتابه:
# (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فيشتبه على من لم يعرف
~~ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وليس كل أصحاب رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) كان يسأله عن الشيء
____________________
#
وقوله: (فإن أمر النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) مثل القرآن...) بيان لوجود القسم الثاني والثالث بتحقق الناسخ
~~والمنسوخ في الأحاديث النبوية، فيقع نقل المنسوخ والقول به لغير العالم
~~بالناسخ، ويحقق (1) العام والخاص، والكلام له وجهان فيها، فيقع الاشتباه،
~~وينقل العام على عمومه، ويقال به ويتوهم، فيحمل ما له الوجهان على غير
~~المراد، فيحدث عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فهمه.
# ولما انتهى كلامه (عليه السلام) إلى أن الأحاديث كالقرآن في الاشتمال على
~~الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والكلام ذي الوجهين، عمم البيان بعده ما
~~يشملهما، فبين أن ما جاز وقوعه في الحديث جاز وقوعه في القرآن، وأبان أن
~~المرجع في بيان الكتاب والمبين له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بقوله (2) عز وجل (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). (3) ثم
~~بين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أودع بيان ما يحتاج إلى البيان
~~من الكتاب عند أهل بيته
# PageV00P216
# فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجيء
~~الأعرابي والطارئ، فيسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يسمعوا.
# وقد كنت أدخل على رسول الله (صلى الله عليه ms143 وآله) كل يوم دخلة وكل ليلة
~~دخلة، فيخليني فيها، أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض
~~منازله أخلاني وأقام عني نساءه، فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي
~~في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني، وكنت إذا سألته أجابني، وإذا
~~سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي، فكتبتها بخطي، وعلمني
~~تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها،
~~ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما
~~أملاه علي وكتبته منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال
~~ولا حرام،
____________________
#
بقوله (فما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) آية من القرآن) فكل ما يحتاج إليه الناس محفوظ عندهم، ولا يسع الناس
~~ترك الأخذ عنهم والاستبداد بآرائهم في الأخذ عن الكتاب، بل عليهم أن
~~يراجعوا أهل البيت فيما فيه احتمال تخصيص، أو إرادة وجه دون وجه، أو وقوع
~~نسخ، فبعد المراجعة إليهم إذا علم عدم تخصيص، يفسر العام على عمومه، وإذا
~~علم عدم إرادة وجه آخر، يحمل على هذا الوجه، وإذا علم عدم وقوع نسخ، عمل به
~~وعد محكما.
# وأما صنيع الجماهير من ترك المراجعة إليهم، والاستبداد بآرائهم،
~~والاعتماد على ظنونهم وقياساتهم، ففيه من الاستهانة بأمر الدين ما لا ينبغي
~~للمتدين، وخصوصا بعد الاطلاع على قوله (صلى الله عليه وآله): " يا أيها
~~الناس إني تركت فيكم من إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي
~~". (1)
# PageV00P217
# ولا أمر ولا نهي، كان أو يكون، ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو
~~معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع ms144 يده على صدري ودعا
~~الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت
~~وأمي، منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا، ولم يفتني شيء لم أكتبه،
~~أفتتخوف علي النسيان فيما بعد؟ فقال: لا، لست أتخوف عليك النسيان والجهل ".
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب
~~الخراز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: ما
~~بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا
~~يتهمون بالكذب، فيجئ منكم خلافه؟ قال: " إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن ".
# 3. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن
~~منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما بالي أسألك عن
~~المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال:
~~" إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان.
# قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقوا على
~~محمد (صلى الله عليه وآله) أم كذبوا؟ قال: " بل صدقوا ". قال: قلت: فما
~~بالهم اختلفوا؟ فقال: " أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) فيسأله عن المسألة، فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك ما
~~ينسخ ذلك الجواب؛ فنسخت الأحاديث بعضها بعضا ".
#
____________________
#
قوله: (قال: بل صدقوا).
# لما كان الظاهر أن السؤال عن غير المنافقين فيما لا يجري فيه الاشتباه
~~الناشئ عن العموم والخصوص، أو كون (1) الكلام ذا وجهين، أجاب (عليه السلام)
~~بأنهم صدقوا، وأسند الاختلاف (2) إلى الناسخية والمنسوخية.
# PageV00P218
# 4. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي
~~عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال لي: " يا زياد، ما تقول لو
~~أفتينا رجلا ممن يتولانا بشيء من التقية؟ ". قال: قلت له: أنت أعلم، جعلت
~~فداك. قال: " إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجرا ".
# * وفي رواية ms145 أخرى: " إن أخذ به أوجر، وإن تركه والله أثم ".
# 5. أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن بن علي، عن ثعلبة بن
~~ميمون، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن مسألة
~~فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر،
~~فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول
~~الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان، فأجبت كل واحد منهما
~~بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: " يا زرارة، إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم،
~~ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم
~~".
#
____________________
#
قوله: (بشيء من التقية) أي مما يتقى به من
~~العامة. والمراد أنه ما تقول؟ هل يثاب ويؤجر عليه ويبرأ ذمته من المكلف به؟
~~فقال زياد: (أنت أعلم) فقال (عليه السلام) (إن أخذ به فهو خير له وأعظم
~~أجرا) أي من العمل بالمكلف به على وجهه عند عدم التقية، أو عند التقية إن
~~قلنا بصحته حينئذ.
# قوله: (إن أخذ به أوجر) أي على فعل ما فيه التقية أجر العمل بالمأمور به
~~على وجهه، وأجر ارتكابه التقية.
# قوله: (وإن تركه - والله - أثم) أي على ترك التقية، أو عليه وعلى الإتيان
~~بخلافه إثم ترك الواجب إن قلنا بعدم صحة المأتي به على وجهه حينئذ.
# قوله: (ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا) أي لحكموا بصدقكم
~~علينا، فحكموا بموالاتكم لنا، وإذا اختلفتم في الرواية عنا، لم يحكموا
~~بصدقكم علينا، فلم يحكموا بموالاتكم لنا.
PageV00P219
# قال: ثم قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة
~~أو على النار لمضوا، وهم يخرجون من عندكم مختلفين قال: فأجابني بمثل جواب
~~أبيه.
# 6. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن نصر
~~الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " من عرف أنا لا نقول
~~إلا حقا فليكتف بما يعلم منا، ms146 فإن سمع منا خلاف ما يعلم، فليعلم أن ذلك
~~دفاع منا عنه ".
# 7. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، والحسن بن محبوب جميعا،
~~عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه
~~رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه: أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه
~~عنه، كيف يصنع؟ فقال: " يرجئه حتى
____________________
#
وقوله: (ولكان أقل لبقائنا وبقائكم) أي لكان
~~حكمهم بصدقكم علينا وموالاتكم لنا لا يبقينا ولا يبقيكم.
# وقوله: (فليكتف بما يعلم منا) أي بما يعلمه صادرا عنا من الأقوال
~~والأفعال، ولا تفتش عن مستنده ومأخذه.
# وقوله: (فإن سمع منا خلاف ما يعلم) أي خلاف ما علم صدوره عنا (فليعلم أن
~~ذلك) أي قولنا بخلاف ما يعلمه منا دفاع منا عنه.
# قوله: (كيف يصنع؟) أي في هذه الصورة، وبم يقول ويفتي فيها؟ أو بم يعمل؟
# والأخير أظهر، حيث لم يبين وجوه الترجيح، فيحمل على المقلد، لا على
~~المفتي.
# وقوله: (يرجئه) أي يؤخر العمل والأخذ بأحدهما، أو يؤخر في الترجيح
~~والفتيا.
# وقوله: (حتى يلقى من يخبره) أي من أهل القول والفتيا، فيعمل حينئذ
~~بفتياه، أو من أهل الرواية، فيخبره بما يرجح (1) إحدى الروايتين على
~~الأخرى، فيقول، ويفتي (2) بالراجح.
# PageV00P220
# يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه ".
# * وفي رواية أخرى: " بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك ".
# 8. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن
~~بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " أرأيتك لو حدثتك بحديث
~~العام، ثم جئتني من قابل، فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ؟ " قال: قلت: كنت
~~آخذ بالأخير. فقال لي:
# " رحمك الله ".
# 9. وعنه، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن
~~المعلى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن
~~أولكم، وحديث عن آخركم، بأيهما نأخذ؟ فقال: " خذوا به حتى يبلغكم عن الحي،
~~فإن بلغكم عن الحي، فخذوا بقوله ".
# قال: ثم قال أبو ms147 عبد الله (عليه السلام): " إنا - والله - لا ندخلكم إلا
~~فيما يسعكم ".
#
____________________
#
ويحتمل أن يكون المراد بمن يخبره الحجة، وذلك
~~في زمان ظهور الحجة.
# وقوله: (فهو في سعة حتى يلقاه) أي في سعة في العمل حتى يلقى من يعمل
~~بقوله، أو من يروي ما يرجح إحدى الروايتين، فيفتي بالراجح.
# قوله: (بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك).
# " التسليم ": الرضا، أو الانقياد، أي بأيهما أخذت رضا بما ورد من
~~الاختلاف وقبولا له، أو انقيادا للمروي عنه من الحجج، لا من حيث الظن بكون
~~أحدهما حكم الله، أو كونه بخصوصه متعينا للعمل، وسعك وجاز لك.
# قوله: (أرأيتك) أي أخبرني عنك لو حدثتك بحديثين مختلفين متقدما ومتأخرا
~~بأيهما تأخذ؟ فقال: (كنت آخذ بالأخير) فاسترحم (عليه السلام) له تصديقا له،
~~وذلك لحدوث سبب التغيير (1) من الأول إلى الثاني وعدم العلم بزواله.
# قوله: (إنا والله لا ندخلكم إلا فيما يسعكم) أي يجوز لكم القول أو العمل
~~به تقية أو إلزاما في المأمور به على نحو الإطلاق والعموم بخاص من خواصه
~~لأحد
# PageV00P221
# * وفي حديث آخر: " خذوا بالأحدث ".
# 10. محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن
~~يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه
~~السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحا كما إلى
~~السلطان وإلى القضاة، أيحل ذلك؟ قال: " من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما
~~تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له
____________________
#
وبخاص آخر لآخر لمصلحة تستدعيه، كاختلافهم في
~~الرواية عن الحجة، أو في العمل لئلا يصدقوا في تولاهم بالحجة، أو لا يظن
~~بهم ذلك، إلى غير ذلك من الحكم (1) وغيرها.
# قوله: (بينهما منازعة في دين أو ميراث...).
# ذكر الدين والميراث إما على سبيل التمثيل والمراد المنازعة مطلقا، أو
~~المراد السؤال عن المنازعة في الدين أو الميراث، أي النزاع في الوارثية، أو
~~في قدر الإرث في غير المجمع عليه بين المسلمين، أو في ثبوت ms148 الإرث بحصول ظن
~~الحاكم به بإقامة الشهود مع عدم علم المدعي؛ ففي جميع هذه الصور لا يجوز
~~الأخذ بحكم الجائر، ويكون المأخوذ حراما، بخلاف الأعيان ومنافعها مع علم
~~المدعي؛ فإنه وإن حرم الأخذ بحكم الجائر لكن لا يحرم المأخوذ الذي هو حقه
~~المعلوم له عليه، وحرمة المأخوذ في تلك الصور لا تنافي صحة المقاصة في
~~الدين المعلوم ثبوته وحقيته له، والمعني بحرمة المأخوذ كونه غير جائز
~~التصرف فيه بعد الأخذ، وبحرمة الأخذ عدم جواز إزالة يد المدعى عليه
~~واستقرار اليد عليه.
# وقوله (عليه السلام): (فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة) أي السلطان
~~الجائر وقضاته.
# وقوله (عليه السلام) في الجواب: (من تحاكم إليهم في حق أو باطل) يحتمل
~~العموم والشمول للأعيان والديون والمواريث وغيرها.
# PageV00P222
# فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقا ثابتا له؛ لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر
~~الله أن يكفروا به، قال الله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد
~~أمروا أن يكفروا بهى).
# قلت: فكيف يصنعان؟ قال: " ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا،
~~ونظر
____________________
#
وقوله: (وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا) إن حمل
~~على أنه يأخذ أخذا سحتا، أي حراما، فعلى عمومه، وإن حمل على أنه يأخذ مالا
~~سحتا، أي حراما عليه أن يتصرف فيه، فمخصص بما لا يكون المدعى به عينا معلوم
~~الحقية للمدعي؛ فإنه له التصرف في المأخوذ حينئذ، بخلاف ما إذا كان ثابت
~~الحقية عنده بحكم الحاكم، أو مظنون الحقية، أو مشكوكها، أو كان المدعى به
~~دينا؛ فالاستحقاق في العين والتعين (1) في الدين بحكم الطاغوت لا يوجب جواز
~~التصرف.
# وقوله: (فإنما تحاكم إلى الطاغوت) أي الشيطان، أو ما يزين لهم أن يعبدوه
~~من الأصنام.
# ولما كان المتحاكم إلى الجائر متحاكما إلى من استند حكم الجائر إليه من
~~الشيطان أو نفسه وهواه، والمتحاكم إلى هوى نفسه كان متخذا هواه إلها
~~ومعبودا له، فكان المتحاكم إلى الجائر متحاكما إلى الطاغوت.
# قوله: (من كان منكم ممن قد روى حديثنا...).
# اعتبر في المتحاكم إليه - بعد ms149 كونه على طريقة النجاة وسبيل الحق والرشاد
~~- كونه آخذا من روايات أهل البيت، ناظرا في حلالها وحرامها، عارفا بالأحكام
~~التي تستنبط منها، والموصوف بهذه الصفات هو المعبر عنه بالفقيه عند السلف،
~~وبالمجتهد في هذه الأعصار عند الإمامية، وإن كان المجتهد في العصر الأول
~~بينهم مستعملا في العامل بالقياس والرأي، ولذلك منعوا عن الاجتهاد،
~~فالمجتهد عبارة عن العارف بالأحكام الشرعية الفرعية معرفة مستندة إلى النظر
~~في الحلال والحرام على ما في الأدلة من الكتاب والروايات (2) والأحاديث بعد
~~الجمع والترجيح.
# PageV00P223
# في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم
~~حاكما،
____________________
#
وفي قوله: (وعرف أحكامنا) دلالة إلى بلوغه
~~مرتبة معرفة جميع الأحكام، أو القدر المعتد به بحسب الوسع معرفة بالفعل، أو
~~بالقوة القريبة منه بحيث يصح إطلاق المعرفة عليه. وتلك المعرفة تحصل بعد
~~الفطنة القويمة والعلم بأساليب الكلام بممارسته ملاحظة الأحاديث، ونهج
~~بيانهم للأحكام، وملازمة العلماء ذوي البصائر (1) والاستمداد منهم.
# وقد سعى السلف في جمع ما يستمد به في معرفة أساليب الكلام ومعانيها
~~وترجيح الأخبار وجمعها، شكر الله مساعيهم وجزاهم أحسن الجزاء، ولكن لا يغني
~~ما أتوا به من تلك الممارسة والملازمة، فلا يعتمد قبلهما على تحدسه
~~بالمراد، وإذا حصل له تلك المعرفة اطلع من جانب الله بإلهام وإعلام على
~~جواز عمله بما يفهمه من الروايات؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
# وأما القاصرون من المزاولين لأقوال الفقهاء، المكابرين مع العلماء،
~~الممارين للسفهاء، فيضلون عن السبيل بادعاء ما ليس لهم والدخول فيما حظر
~~عليهم، ولا ينتفعون بمساعيهم، فما هم إلا كباسط كفيه إلى الماء، وليس ببالغ
~~فاه، ويضلون الناس، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، أعاذنا من فتنتهم والتصنع
~~بصنعتهم، وهدانا الله إلى اتباع المهتدين من عباده الهادين إلى سبيل
~~الرشاد.
# قوله: (فإني قد جعلته عليكم حاكما) أي قد صيرته حاكما عليكم، أو قد وصفته
~~بكونه حاكما عليكم، وحكمت بذلك، وسميته بالحاكم.
# يقال: جعل فلان زيدا أعلم الناس: إذا وصفه بذلك وحكم به. ومنه قوله
~~تعالى:
# (وجعلوا الملائكة الذين ms150 هم عبد الرحمن إناثا) (2) أي وصفوهم بذلك، وحكموا
~~بكونهم إناثا.
# PageV00P224
#
#
____________________
#
وعلى الأول يكون حكومة المجتهد بنصبه (عليه
~~السلام) لها، فلا يثبت (1) له حكومة بدون النصب ما لم يدل دليل آخر.
# وعلى الثاني يكون المجتهد متصفا بالحكومة، ويكون قوله (عليه السلام)
~~مبينا لاتصافه بها.
# والثاني أولى؛ لوجوه:
# منها: أنه لم يكونوا (عليهم السلام) في تلك الأعصار ينصبون الحكام.
# ومنها: أنهم لو نصبوا لأعلموا الناس بنصب الفقيه للحكومة ابتداء ولكان
~~هذا من المعلوم عند الإمامية، ولو كان لنقل، وإذ (2) لم ينقل علم أنه لم
~~يكن.
# ومنها: أنه لم يعهد نصب غير المعين.
# ومنها: أن الضرورة ماسة بحكومة الفقيه: أما عند الغيبة، فظاهر، وأما مع
~~ظهور الحجة، فلعدم إمكان رجوع الكل في كل الأحكام إلى الحجة لا بوسط
~~وحكومته بمعنى كونه جائز الحكم بعد ما تحاكما إليه نافذ الحكم حينئذ، وظهور
~~الحجة وغيبته سواء في ذلك، ويكون حكومة أخرى لشخص بخصوصه بنصب الحجة عند
~~ظهوره وتمكنه.
# ولو حمل على الأول فإما أن يحمل على نصبه (عليه السلام) للفقيه في عصره
~~وفي الأعصار بعده، أو على نصبه في عصره.
# وعلى الأول فيكون الفقيه منصوبا ما لم ينعزل بعزله، أو بعزل من يقوم
~~مقامه.
# وعلى الثاني ينقضي أيام نصبه بانقضاء أيامه (عليه السلام) حيث يكون الحكم
~~لغيره بعده.
# ويحتمل الحكم بنصبه بعده ما لم ينعزل؛ لاتحاد طريقتهم (عليهم السلام)
~~واستحسان اللاحق ما حسنه السابق منهم، وكون المتأخر خليفة للمتقدم؛ فما لم
~~يظهر منه خلاف ما جاء من المتقدم حكم بإبقائه له.
# PageV00P225
# فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد
~~علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله ".
# قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في
~~حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
# قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما،
~~
____________________
#
والظاهر من الحاكم القاضي - وهو الذي يحكم في
~~الوقائع الخاصة وينفذ الحكم كالحكم ms151 - لا المفتي، وهو المبين للحكم الشرعي
~~عموما.
# وقوله: (فإذا حكم بحكمنا) أي إذا قضى عليه بالحكم الشرعي الذي وصل إليه
~~منا (فلم يقبله) أي المحكوم عليه (فإنما استخف بحكم الله) حيث لم يرض به،
~~وقد جاءه من طريقه الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يؤخذ
~~منه (وعلينا رد) حيث رد قضاء من وصفناه بالحكومة، وحكمنا بحكومته وقضائه
~~(والراد علينا الراد على الله) حيث لم نقل إلا بما جاء من عند الله (وهو)
~~أي المستخف بحكم الله الراد على الله (على حد الشرك بالله) أي على مرتبة من
~~الضلالة لا مرتبة فيها أشد منها، والمرتبة المتجاوزة منها مرتبة الشرك
~~بالله؛ لأنه برده على الله يخرج من الإيمان، وباستخفافه بحكم الله يخرج عن
~~التحافظ على الإسلام والانقياد الظاهري، فلم يبق له إلا الإسلام الضعيف غير
~~المتحافظ عليه وحفظ الدم والمال به، والمرتبة التي بعدها الشرك بالله،
~~فيخرج عن انحفاظهما إلا بجزية لأهل الذمة من المشركين.
# قوله: (واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم).
# أي وقع اختلافهما فيما حكما به، أو في حكمها، وكلاهما وقع الاختلاف
~~بينهما في حديثكم، أي اختلافهما في الحكم استند إلى اختلافهما في الحديث.
# وقوله: (الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث) أي من
~~يكون حديثه أصح من حديث الآخر بأن ينقله من أعدل أو أكثر من العدول
~~والثقات.
PageV00P226
# ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر ".
# قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على
~~الآخر؟
# قال: فقال: " ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع
~~عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند
~~أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه؛ وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده
~~فيتبع، وأمر بين غيه
____________________
#
وظاهر هذه العبارة الحكم بترجيح حكم الراجح في
~~هذه الصفات (1) جميعها.
# ويحتمل الترجيح بحسب الرجحان في واحدة منها (2) أيها كانت.
# وعلى الأول يكون حكم الرجحان بحسب ms152 بعضها دون بعض مسكوتا عنه.
# وعلى الثاني يكون حكم تعارض الرجحان في بعض منها للرجحان في بعض آخر
~~مسكوتا عنه.
# والاستدلال على الأولوية والرجحان بالترتيب الذكري ضعيف. والمراد أن
~~الحكم الذي يجب قبوله من الحكمين المذكورين حكم الموصوف بما ذكر من الصفات
~~الأربع، ويفهم منه وجوب اختياره لأن يتحاكم إليه ابتداء، وأن ترجيح الأفضل
~~لازم في الصور المسكوت عنها. ومن هاهنا ابتدأ في الوجوه المعتبرة للترجيح
~~في القول والفتيا.
# قوله: (قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان...) أي فإن الراويين لحديثكم
~~العارفين بأحكامكم عدلان مرضيان، لا يفضل واحد منهما على صاحبه في شيء من
~~الصفات المذكورة، فإذا كان كذلك فبحكم أيهما يؤخذ؟
# وأجاب (عليه السلام) وبين له وجها آخر للترجيح بقوله: (ينظر إلى ما كان
~~من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك) أي المشهور
~~روايته بين أصحابك (فيؤخذ) بأشهرهما رواية. (ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور
~~عند أصحابك فإن المجمع عليه) أي المشهور في الرواية (لا ريب فيه).
# PageV00P227
# فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا
~~من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم ".
#
____________________
#
وفي قوله: " لا ريب فيه " إشارة إلى أن المناط
~~غلبة الظن بصحة الرواية، واستناد الحكم بالرواية الصحيحة.
# وقوله: (وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب،
~~وأمر مشكل).
# المراد بالبين رشده الظاهر حقيته؛ لغلبة الظن أو العلم بصحة الرواية
~~المتضمنة له، أو دلالة الكتاب عليه، وبالبين غيه الظاهر بطلانه؛ لغلبة الظن
~~أو العلم بصحة الرواية المتضمنة له، أو دلالة الكتاب عليه. والأمر المشكل
~~ما لا يغلب الظن بحقيته أو بطلانه فضلا عن العلم من أدلته من الكتاب
~~والسنة؛ لعدم وضوح دلالة الكتاب وصحة الحديث، أو دلالته، فهذا لا يحكم فيه
~~ولا يفتي، بل (يرد علمه إلى الله وإلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)).
# وقوله: ms153 (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حلال بين، وحرام بين
~~وشبهات بين ذلك) استشهاد لما ذكره.
# وقوله (صلى الله عليه وآله): (فمن ترك الشبهات) أعم مأخذا مما ذكره (عليه
~~السلام) بقوله: " يرد علمه إلى الله " لشموله العمل واختصاص ذلك بالحكم
~~والفتيا (فمن ترك الشبهات) أي فتيا و حكما وعملا (نجا من المحرمات) فإن
~~الفتيا بالمشتبه حرام، وكذا الحكم به، وكذا العمل به على أنه مطلوب (ومن
~~أخذ بالشبهات) أي فتيا أو حكما أو عملا (ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا
~~يعلم) لأنه حينئذ متعبد لهواه والشيطان، وهو على حد الشرك بالله.
# وفي قوله: " فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات " دلالة على فضل ترك ما هو
~~مشتبه الحرمة.
PageV00P228
# قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: " ينظر،
~~فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة، فيؤخذ به، ويترك ما خالف
~~حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة ".
# قلت: جعلت فداك، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة،
~~ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ؟
~~قال: " ما خالف العامة ففيه الرشاد ".
# فقلت: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: " ينظر إلى ما هم إليه
~~أميل
____________________
#
قوله: (فإن كان الخبران عنكما مشهورين...).
# الظاهر أن المراد الخبران عن الصادق والباقر (عليهما السلام)، والخطاب
~~للصادق وأبيه (عليه السلام).
# وتخصيصها بالذكر والخطاب لاشتهار الروايات عنهما، وشيوع الأخذ عن أهل
~~البيت في زمانهما دون السابقين؛ لشدة التقية حينئذ وتعلق الأغراض بالأخذ عن
~~غيرهم وتركهم.
# وإذا كان الخبران مشهورين، غلب الظن بصحتهما، فلا يخلوان من (1) موافقة
~~الكتاب والسنة أو موافقة العامة للتقية، فيكون أحدهما موافقا للكتاب
~~والسنة، والآخر موافقا للعامة وآرائهم، فيؤخذ بالموافق لهما المخالف
~~للعامة.
# والمراد بموافقة الكتاب والسنة احتماله الدخول في المراد من الكتاب أو
~~السنة الثابتة، والكون من محاملهما.
# قوله: (أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة...) أي وجد كل
~~واحد منهما ما حكم به موافقا للكتاب والسنة، وكان أحد ms154 الخبرين موافقا
~~للعامة والآخر مخالفا لهم، فالترجيح للمخالف للعامة؛ فإنه جمع بحمل الموافق
~~على التقية.
# وقوله: (فإن وافقها (2) الخبران جميعا) أي وافق كل خبر بعضا من العامة.
# وقوله: (ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم) أي ينظر إلى ما
~~حكامهم
# PageV00P229
# حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر ".
# قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: " إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى
~~إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ".
# باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب 1. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي،
~~عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
# " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب
~~نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه ".
#
____________________
#
وقضاتهم إليه أميل، و" حكامهم " بدل من الضمير
~~المنفصل في قوله: " ما هم " ويترك الموافق لهم ومختارهم؛ لكونه أولى
~~بالتقية، ويؤخذ ويفتي ويحكم بالذي لا يميل إليه حكامهم وقضاتهم.
# وقوله: (فإن وافق حكامهم الخبرين) أي كان ميل الحكام إلى ما في الخبرين
~~من الحكم سواء، ولا يكونون إلى أحدهما أميل.
# وقوله: (فأرجه) أي أخر الفتيا والحكم بما في أحدهما، ولا تفت ولا تحكم
~~بأحدهما (حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات) وترك الفتيا والحكم فيها
~~بترجيح أحد الطرفين مع الاشتباه (خير من الاقتحام) والدخول (في الهلكات)
~~بالترجيح والفتوى والحكم من غير مرجح.
# و" الهلكات " جمع هلكة محركة بمعنى الهلاك. والمراد الدخول في الضلال وما
~~يوجب العقاب والنكال.
# باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب قوله: (إن على كل حق حقيقة) أي على كل
~~ثابت في نفس الأمر من الأمور الدينية وغيرها - والمقصود هو الدينية - ما
~~يكون مصيره إليه، أي ينتهي ثبوته وبيانه إليه.
PageV00P230
# 2. محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن
~~عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: وحدثني حسين بن أبي العلاء أنه حضر
~~ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد ms155 الله (عليه السلام) عن
~~اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به؟ قال: " إذا ورد عليكم
~~حديث، فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول
____________________
#
وقوله: (وعلى كل صواب نورا) أي على كل اعتقاد
~~مطابق لما في نفس الأمر موضحا مبينا يهدي إليه.
# قوله: (فما وافق كتاب الله) أي ينتهي في البيان والاستدلال إليه أو إلى
~~ما يوافقه (فخذوه وما خالف كتاب الله) أي ينتهي بيانه إلى ما يخالف كتاب
~~الله، ولا ينتهي إليه ولا إلى ما يوافقه (فدعوه).
# قوله: (قال: وحدثني حسين بن أبي العلاء أنه حضر...).
# هذا الكلام يحتمل وجوها:
# أولها: قال علي بن الحكم: وحدثني حسين بن أبي العلاء أنه - أي الحسين -
~~حضر ابن أبي يعفور في المجلس الذي سمع منه أبان.
# وثانيها: قال أبان: وحدثني حسين بن أبي العلاء أنه - أي الحسين - حضر ابن
~~أبي يعفور في مجلس سؤاله عن أبي عبد الله (عليه السلام).
# وثالثها: قال أبان: وحدثني حسين بن أبي العلاء أن ابن أبي يعفور حضر مجلس
~~السؤال عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وكان السائل غيره. وهذا بعيد،
~~والأمر فيه سهل.
# قوله: (يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به).
# هذا الكلام يحتمل وجهين:
# أحدهما: السؤال عن الاختلاف الواقع في الحديث برواية الموثقين للحديثين
~~المختلفين، فيشكل الأمر للثقة بالرواة (1) وحصول الظن بثبوتهما. ويكون
~~قوله:
# " ومنهم من لا نثق به " إشارة إلى أن من الأحاديث المختلفة ما يرويه من
~~لا نثق به
# PageV00P231
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلا فالذي جاءكم به أولى به ".
# 3. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد،
~~عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: " كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو
~~زخرف ".
#
____________________
#
منهم، أي من المحدثين، ولا يشكل حينئذ؛ لعدم
~~(1) الوثوق بالرواية.
# وثانيهما: السؤال عن اختلاف الحديث ms156 برواية من نثق به، أي أصحابنا
~~الإمامية المعدلين، وبرواية من لا نثق به منهم، أي من العامة الذين هم
~~عندنا غير موثوق بهم، ويكون السؤال عن اختلاف الحديث مطلقا، سواء كان في
~~أحاديثنا، أو في أحاديث العامة. (2) وقوله (عليه السلام) في الجواب: (إذا
~~ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم)) أي فاقبلوه، والجزاء محذوف (وإلا) أي وإن (3) لم
~~تجدوا له شاهدا من الكتاب أو السنة الثابتة منه (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فلا تقبلوا من الذي جاءكم به، وردوه عليه؛ فإنه أولى بروايته، وأن تكون
~~عنده لا تتجاوزه. (4) قوله: (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة) أي يجب أن
~~ينتهي كل شيء من الأمور الدينية إلى الكتاب أو السنة وأن يكون مأخوذا عنه
~~(وكل حديث لا يوافق كتاب الله) بل يخالفه (فهو زخرف) والزخرف من القول حسنه
~~بترقيش الكذب أي تزيينه، والمراد كذب مزين بإسناده إلى النبي (صلى الله
~~عليه وآله) أو الحجج (عليهم السلام).
# PageV00P232
# 4. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة،
~~عن أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " ما لم يوافق من
~~الحديث القرآن فهو زخرف ".
# 5. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن
~~الحكم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " خطب النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بمنى فقال: أيها الناس، ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا
~~قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ".
# 6. وبهذا الإسناد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، قال: سمعت أبا عبد
~~الله (عليه السلام) يقول: " من خالف كتاب الله وسنة محمد (صلى الله عليه
~~وآله) فقد كفر ".
# 7. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، رفعه، قال: قال
~~علي بن الحسين (عليه السلام): " إن أفضل الأعمال عند الله ما عمل بالسنة
~~وإن قل ".
# 8. عدة من أصحابنا، ms157 عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران، عن
~~أبي سعيد القماط وصالح بن سعيد، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (عليه
~~السلام) أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها، قال: فقال الرجال: إن الفقهاء لا
~~يقولون هذا، فقال: " يا ويحك، وهل رأيت
____________________
#
قوله: (من خالف كتاب الله وسنة محمد (صلى الله
~~عليه وآله)) أي في الفتيا، وأفتى بخلاف ما أنزل في المحكم من الكتاب، أو ما
~~أتى به النبي (صلى الله عليه وآله) عالما عامدا معتقدا لفتياه (فقد كفر)
~~بالله وبرسوله؛ لأن الاعتقاد بالله ورسوله (1) لا يجامع الاعتقاد بخلاف ما
~~أنزل في (2) الكتاب، وأتى به النبي (صلى الله عليه وآله) عالما بالمخالفة.
# قوله: (إن أفضل الأعمال عند الله ما عمل بالسنة) أي العمل بما جاء في
~~السنة النبوية عالما بأنه عمل بما جاء فيها لمجيئه فيها، ويكون " ما "
~~مصدرية، أو ما عمل بالسنة فيه، ويكون المراد بالأعمال (3) التي عملت.
# PageV00P233
# فقيها قط؟! إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة،
~~المتمسك بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) ".
# 9. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أبي إسماعيل
~~إبراهيم بن إسحاق الأزدي، عن أبي عثمان العبدي، عن جعفر، عن آبائه، عن أمير
~~المؤمنين (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا قول
~~إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة
~~السنة ".
# 10. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن
~~جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: " ما من أحد إلا وله شرة وفترة،
~~فمن كانت فترته إلى سنة فقد
____________________
#
قوله: (إن الفقيه حق الفقيه الزاهد في
~~الدنيا...) لأن من استقر العلم في قلبه كان عاملا بعلمه، والعالم العارف
~~إذا عمل بعلمه زهد في الدنيا، ورغب في الآخرة، وتمسك بما فيه نجاته.
# قوله: (لا قول إلا بعمل) أي لا يجدي ms158 القول والإقرار والاعتقاد في
~~العمليات إلا بعمل، ولا يجدي القول والعمل إلا بنية، أي بقصد متعلق بالفعل
~~إن الإتيان به من جهة الإطاعة والانقياد لله سبحانه، ولا ينفع القول والعمل
~~والنية مجموعها (إلا بإصابة السنة) أي بالأخذ من السنة والإتيان بما
~~يوافقها.
# قوله: (شرة وفترة...).
# " شرة الشباب ": حرصه ونشاطه. و" الفترة ": السكون بعد حدة، واللين بعد
~~شدة. والمراد بالفترة إلى السنة السكون إليها والاستقرار عند الوصول إليها.
# والمعنى أنه ما من أحد إلا وله نشاط يتحرك بسببه إلى جوانب مختلفة، وفترة
~~وسكون إلى ما يستقر عنده ويسكن إليه، فبنشاطه يتوجه إلى كل جانب، ويتحرك
~~إليه في أخذ دينه، وينظر في كل ما يجوز كونه مأخذا، ثم يستقر عند ما يعتقد
~~صلوحه للمأخذية دون غيره بفترته، ويسكن إليه، فمن كان (1) سكونه إلى السنة
~~وما
# PageV00P234
# اهتدى، ومن كانت فترته إلى بدعة فقد غوى ".
# 11. علي بن محمد، عن أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن حسان؛ ومحمد بن يحيى
~~عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن حسان، عن موسى بن بكر، عن زرارة بن أعين، عن
~~أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كل من تعدى السنة رد إلى السنة ".
# 12. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله،
~~عن آبائه (عليهم السلام) قال: " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): السنة
~~سنتان: سنة في فريضة، الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة؛ وسنة في غير فريضة،
~~الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غير خطيئة ".
#
____________________
#
ينتمي (1) إليها، ويجعلها مأخذا ومنتهى في
~~الأمور الدينية، فقد اهتدى. ومن كان سكونه إلى ما لا يوافق السنة، بل
~~يخالفها من البدع، فقد غوى وضل وخاب وخسر.
# قوله: (رد إلى السنة) أي يجب أن يرد إلى السنة، كمن زاد أو نقص في
~~الفرائض أو غيرها من المحدودات في السنة قولا أو عملا، فيجب رده إلى السنة،
~~ونهيه عن مخالفتها.
# قوله: (سنة في فريضة).
# السنة الطريقة المنسوبة إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الحديث المروي
~~عنه (عليه السلام). ms159 (2) وعلى الأول فكونها في فريضة كون العام في خاص من
~~خواصها، أي سنة تكون فريضة.
# وعلى الثاني فكونها في فريضة كونها في بيانها، أي سنة تكون مبينة لفريضة.
# وقوله: (الأخذ بها) أي العمل على وفقها والقول بوجوبها أو مفادها (هدى،
~~وتركها) قولا أو فعلا (ضلالة).
# وقوله: (وسنة في غير فريضة) أي كائنة في غيرها كون العام في خاصه، أو في
~~بيان غيرها.
# PageV00P235
# تم كتاب فضل العلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله
~~الطاهرين.
#
____________________
#
وقوله: (الأخذ بها) أي العمل على وفقها
~~(فضيلة، وتركها إلى غير خطيئة) أي ينتهي إلى غير خطيئة، (1) أو هو من غير
~~خطيئة، أو هو غير خطيئة؛ لأنه ترك ما جوز الشارع تركه ولم يوجب فعله. وأما
~~عدم القول به - لعدم الاطلاع عليه - وترك تحصيل الاعتقاد بما جاء في السنة
~~هذه، فليس بخطيئة. وأما عدم القول للإنكار بعد ما اطلع على السنة، فعلى حد
~~الشرك بالله.
# قوله: (تم كتاب العقل) وفي بعض النسخ: " هذا آخر كتاب فضل العلم من كتاب
~~الكافي ".
# PageV00P236
# كتاب التوحيد باب حدوث العالم وإثبات المحدث 1. أخبرنا أبو جعفر محمد بن
~~يعقوب، قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم،
~~عن يونس بن عبد الرحمن، عن علي بن منصور، قال: قال لي
~~
____________________
#
كتاب التوحيد (1) المقصود في هذا الكتاب ذكر
~~ما يتعلق بإثباته سبحانه متوحدا بالإلهية والصانعية لكل ما يغايره، وبما
~~يصح له ويمتنع من الصفات والأسماء والأفعال.
# باب حدوث العالم وإثبات المحدث المقصود في هذا الباب إثبات المحدث الواحد
~~للعالم، والاستدلال عليه بحدوث ما لا ريب في حدوثه منه. والمراد بالحدوث
~~هنا (2) الخروج من العدم ومرتبة الخلو عن الوجود إلى الموجودية ومرتبة
~~الخلط بالوجود.
# PageV00P237
# هشام بن الحكم: كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~أشياء، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، وقيل له: إنه خارج بمكة،
~~فخرج إلى مكة ونحن مع أبي عبد الله، فصادفنا ونحن مع ms160 أبي عبد الله (عليه
~~السلام) في الطواف، وكان اسمه " عبد الملك " وكنيته " أبو عبد الله " فضرب
~~كتفه كتف أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام):
~~" ما اسمك؟ " فقال: اسمي عبد الملك، قال: " فما كنيتك؟ " قال: كنيتي أبو
~~عبد الله، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " فمن هذا الملك الذي أنت
~~عبده؟ أمن ملوك الأرض، أم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك، عبد إله
~~السماء، أم عبد إله الأرض؟ قل: ما شئت تخصم ". قال هشام بن الحكم: فقلت
~~للزنديق: أما ترد عليه، قال: فقبح قولي.
# فقال أبو عبد الله: " إذا فرغت من الطواف فأتنا ". فلما فرغ أبو عبد الله
~~أتاه الزنديق، فقعد بين يدي أبي عبد الله ونحن مجتمعون عنده، فقال أبو عبد
~~الله (عليه السلام) للزنديق: " أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا؟ " قال: نعم،
~~قال: " فدخلت تحتها؟ " قال: لا، قال: " فما يدريك
~~
____________________
#
ولما كان هذا الخروج في الحوادث الزمانية
~~ظاهرا لا يحتاج إلى مؤونة بيان، ولم يكن للمجادل سبيل إلى إنكاره، أخذ
~~يستدل بها على الاحتياج إلى المحدث ووجوده، ويتمم (1) مطلوبه من التوحيد
~~بما يبينه، كما سيظهر (2) عند تقرير الدلائل.
# قوله: (أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا...؟) ابتدأ (عليه السلام) بإزالة إنكار
~~الخصم، وإخراجه من مرتبة الإنكار إلى مرتبة الشك؛ ليستعد نفسه للإقبال على
~~الحق وقبول ما جبلت العقول السليمة على قبولها والإذعان بها؛ فإن الأسباب
~~الفاعلية والشروط الخارجية لا تغني عن (3) سلامة القابل واستعداده للتحلي
~~بكماله القابل له، والإنكار من الآفات المانعة عن إدراك الحق على ما هو
~~عليه في نفس الأمر، فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما في الأرض تحتها، وليس
~~له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيء.
# PageV00P238
# ما تحتها؟ " قال: لا أدري، إلا أني أظن أن ليس تحتها شيء. فقال: أبو عبد
~~الله (عليه السلام): " فالظن عجز لما لا تستيقن ".
# ثم قال أبو عبد الله: " أفصعدت السماء؟ " قال: لا، قال: " أفتدري ما
~~فيها؟ " قال: لا؛ قال: " عجبا لك لم ms161 تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم
~~تنزل الأرض، ولم تصعد السماء، ولم تجز هناك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد بما
~~فيهن، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! ".
# قال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك. فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
~~" فأنت من ذلك في شك، فلعله هو ولعله ليس هو؟ " فقال الزنديق: ولعل ذلك.
# فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " أيها الرجل، ليس لمن لا يعلم حجة على
~~من يعلم، ولا حجة للجاهل. يا أخا أهل مصر، تفهم عني، فإنا لا نشك في الله
~~أبدا، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان فلا يشتبهان ويرجعان، قد
~~اضطرا، ليس لهما مكان إلا مكانهما،
____________________
#
فلما تقرر هذا في ذهنه، زاده بيانا بأن السماء
~~التي لم يصعدها كيف يكون له الجزم والمعرفة بما فيها وما ليس فيها.
# ولما تقرر هذا أيضا في ذهنه، وأقر بأنه ليس له معرفة بما فيها، أقبل
~~(عليه السلام) عليه يوبخه لإنكاره وجود إله وصانع للسماوات والأرضين وما
~~فيهن، ووجود آياته وآثار ربوبيته وصنعه فيهما التي لو اطلع عليها لانقلب
~~الشك يقينا والجهل علما، فلما عرف قبح إنكاره لما لا معرفة له فيه، وتنزل
~~من الإنكار إلى الشك، وأقر بأنه شاك بقوله: " ولعل ذلك " تصديقا لقوله
~~(عليه السلام): " فأنت من ذلك في شك " فأخذ (عليه السلام) في هدايته، وقال:
~~ليس للشاك دليل وللجاهل حجة، فليس لك إلا طلب الدليل على ما هو الحق، فكن
~~طالبا واستمع وتفهم عني، فإنا نتيقن بوجود الصانع ولا نشك فيه أبدا.
# فاستدل على مطلوبه بوجود حوادث من أحوال العالم من السماء وكواكبها
~~والأرض وعوارضها، وقال: (أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار...) أي تعلم
~~الليل والنهار وآيتيهما بولوج كل من الليل والنهار في صاحبه، أي دخول شيء
~~من الوقت والقدر الذي كان داخلا في الليل في النهار، وبالعكس (فلا يشتبهان)
~~أي فلا يشتبه قدرهما
PageV00P239
# فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان؟ وإن كانا غير مضطرين فلم لا
~~يصير الليل نهارا والنهار ms162 ليلا؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما،
~~والذي اضطرهما أحكم
____________________
#
بالدخول والخلط، بل محفوظ على نسق واحد حتى
~~يعودا مثل ما كانا عليه أولا، وبرجوع الشمس والقمر إلى حالهما الذي كانا
~~عليه أولا بعد زوالهما، حال كونهما مضطرين، ليس لهما مكان في مسيرهما إلا
~~مكانهما الذي هما عليه ذهابا ورجوعا.
# أو تعلم الشمس والقمر قد اضطرا والحال أن الليل والنهار يلجان فلا
~~يشتبهان ويرجعان.
# أو تبصر الشمس والقمر والحال أن الليل والنهار؛ إلى آخره.
# وقوله: (قد اضطر) حينئذ استيناف لبيان الاضطرار.
# والأول أنسب بقوله فيما بعد: " فلم يرجعان ".
# وقوله: (ليس لهما مكان...) دليل على اضطرارهما؛ لأنه متى رأى العاقل حركة
~~منضبطة على نسق واحد لا يتغير أبدا، تحدس بأن المتحرك بها غير مختار، كما
~~في الجمادات يتحدس من عدم اختلاف مقتضياتها - مخلى بطبائعها - بعدم
~~اختيارها.
# وقوله: (فإن كانا يقدران...) تنبيه على اضطرارهما في الرجوع والانضباط
~~بأنه إن كانا يقدران (على أن يذهبا) عند الرجوع (فلم يرجعان؟) من غير تخلف
~~(وإن كانا غير مضطرين) في الانضباط، فلم لا يختلف (1) الحركة ليصير الليل -
~~أي ما يكون ليلا - عند الاتساق كله أو بعضه نهارا، والنهار أيضا ليلا.
# وقوله: (اضطرا والله) تصريح منه بالنتيجة مؤكدا لها (2)؛ فإذا (3) ظهر أن
~~هذه ليست اختيارية للمتحرك، ولا يجوز أن تكون طبعية (4)؛ لأن الطبيعة
~~الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة والانصراف عنها.
# PageV00P240
# منهما وأكبر ". فقال الزنديق: صدقت.
#
____________________
#
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " وإن كانا غير
~~مضطرين " بيان انتفاء كونها طبيعية بعد ما أبان أنها ليست إرادية، ويكون
~~المراد بالاضطراري غير الطبيعي والإرادي.
# وتحريره أنه وإن كانا غير مضطرين بعد كونهما غير مختارين في هذه الحركات
~~بل يكون هذه طبيعية، لكان لها غاية لا ينصرف عنها ولا يزول، فينبغي أن
~~يستقر عند الوصول إليها، فيدوم النهار أو الليل، ويصير أحدهما آخر، وإذا
~~كانا مضطرين كان الذي اضطر هما وجعلهما مضطرين (أحكم منهما) أي أكثر إحكاما
~~وأقوى.
# بني التفضيل من المزيد فيه ms163 على الشذوذ كما في " أخصر " من الاختصار، وفي
~~" أفلس " من الإفلاس (وأكبر) منهما.
# وأشار بكونه " أحكم " إلى عدم جواز احتياجه في وجوده إلى محل وموضوع، فلا
~~يكون من أحوال المضطر وعوارضه، وبكونه " أكبر " إلى عدم جواز كونه محاطا
~~بما ألجأه ومحصورا فيه، فلا يكون قائما بمحل ولا محاطا بالمضطر ومحصورا
~~فيه، أو (1) المراد بالأكبر أكبر من أن يوصف بمثل صفة المضطر، ولا يجوز أن
~~يكون المبدأ الأول لهذا الاضطرار جسما محيطا بالأفلاك؛ لأن الجسم لا يكون
~~مؤثرا في الجسم إلا بالمجاورة، ولا يكون تحريكه إياه إلا بحركة منه غير
~~مختلفة، مناسبة لحركة ما يتحرك به، والكلام فيه كالكلام في المتحرك الأول،
~~ولا سبيل إلى عدم تناهي الأجسام وعدم الانتهاء إلى مبدأ غير الجسم
~~والجسماني؛ لاستحالة عدم تناهيها، ووجوب تناهي الأبعاد.
# ولما صدق المخاطب بوجود مبدأ أول غير جسم ولا جسماني وقال (2): (صدقت)
~~فأزال (عليه السلام) ذهاب وهمه إلى أن هذا المبدأ للكل أو للسفليات هو
~~الدهر بعد ما أخبره
# PageV00P241
# ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): " يا أخا أهل مصر، إن الذي تذهبون
~~إليه وتظنون أنه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم؟ وإن كان يردهم
~~لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر، لم السماء مرفوعة والأرض
~~موضوعة؟ لم لا يسقط السماء على الأرض؟
#
____________________
#
بذهاب وهمه إليه وقال: (إن الذي تذهبون إليه
~~وتظنون أنه الدهر) أي مذهبكم ومظنونكم أن ذلك المبدأ الجبار القاهر للكل أو
~~للسفليات هو الدهر بقوله: (إن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردهم؟ وإن كان
~~يردهم لم لا يذهب بهم؟) هذا استدلال باختلاف الأفعال الدالة باختلافها على
~~كونها اختيارية غير طبيعية لفاعلها على أن الفاعل لها مختار.
# ونبه على أنه لا يمكن أن يكون الفاعل المختار لها هو الموصوف بالذهاب
~~والرجوع بقوله (القوم مضطرون) أي في الذهاب والخروج من الوجود (1) والرجوع
~~والدخول فيه، فيجب أن يكون مستندا إلى الفاعل القاهر للذاهبين والراجعين
~~على الذهاب والرجوع، والدهر لا شعور ms164 له فضلا عن الاختيار. ثم لما كان هذا
~~البيان مخصوصا بالكائن الفاسد المتغير في أحواله بحسبها، نبه بالاختلاف
~~الواقع في المحفوظة على أحوال مختلفة غير متغيرة على اختيار مبدئها، حتى
~~يتبين عدم مبدئية الدهر للعلويات أيضا، سواء كان متوهما أو مظنة للتوهم
~~بقوله: (لم السماء مرفوعة والأرض موضوعة).
# ولتقرير هذا الكلام وجهان:
# [الوجه] الأول: لم لا يكون السماء والأرض ملتصقين، فلا يكون السماء
~~مرفوعة والأرض موضوعة؟
# PageV00P242
# لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها، ولا يتماسكان، ولا يتماسك من عليها؟ "،
~~قال الزنديق:
# أمسكهما الله ربهما وسيدهما.
#
____________________
#
(لم لا تسقط السماء على الأرض؟) أي لا تتحرك
~~بهذا النحو من الحركة حتى تقع على الأرض بأن يحركها اضطرارا بهذه من كان
~~يحركها تلك الحركات الاضطرارية.
# (لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟). طباق الأرض ما علاها، أي لم لا تنهبط
~~الأرض من فوق ما علاها منها؟ أو لم لا تعلو وترتفع فوق ما علاها؟
# " تنحدر " على احتمالي كونها من الانحدار والتحدر (1) بمعنى التورم
~~والتسمن تشبيها لنتوها وارتفاعها بالسمن والتورم.
# (ولا تتماسكان) (2) أي لا تتمالكان ولا تحفظان حالهما (ولا يتماسك من
~~عليها) أي على الأرض. وعدم التماسك على الأولين ظاهر. وأما على الثالث
~~فلأنه مع انهباطها أو ارتفاعها وتحدبها لا يتيسر جري القنوات والأنهار ونبع
~~العيون والآبار، أو ينجر إلى إحاطة الماء بها.
# الوجه الثاني: لم السماء أي ما ارتفع من السماء والسحاب والأبخرة مرفوعة،
~~والأرض وما فيها من الأنهار والبحار والمياه موضوعة؟ لم لا يسقط (3) السماء
~~أي المرتفع من السحاب والأبخرة على الأرض؟ لم لا ينحدر (4) الأرض، أي لم لا
~~تغور ما فيها من المياه والآبار من فوق طباقها، أو لم لا يرتفع (5) ولا
~~تعلو ما فيها من المياه فوق طباقها، وإذا وقع شيء من ذلك لا يتماسكان ولا
~~يتماسك (6) من في الأرض، فلهما ممسك قادر مختار حكيم، فأقر المخاطب وقال:
~~(أمسكهما الله ربهما وسيدهما).
# PageV00P243
#
#
____________________
#
أقول: هذا الدليل والأدلة التي ستذكر في
~~الأحاديث الآتية كلها مبنية على مقدمات مرتكزة ms165 في العقول السليمة، لا يشك
~~فيها إلا عند الاشتباه الناشئ من ورود الشبه التي لا يقدر على حلها؛ للعجز
~~عن التفصيل والتبيين اللذين بهما يتبين انحلالها، ولم يتوجه (عليه السلام)
~~إلى بيانها؛ حيث لم يتوقف المخاطب في التصديق للشك فيها، ولقد وقع الاحتياج
~~إليها في زماننا؛ لشيوع الشبه وكثرة ذكرها بين المتأخرين، وكثر نفع بيان
~~تلك المقدمات للطالبين، فرأيت أن أوردها لينتفع بها في إثبات البارئ الأول:
# المقدمة الأولى: أن ما يخرج من العدم إلى الوجود لا يمكن أن يخرج بنفسه،
~~بل يحتاج إلى موجد موجود مباين له؛ لأن ما لا يكون موجودا فيصير موجودا لا
~~يمكن أن يصير موجودا ويحصل له الوجود إلا بمحصل لوجوده، وسبب لاتصافه به،
~~ولا يجوز أن يكون ذلك المحصل للوجود مهيته الخالية عن الوجود؛ لأن إعطاء
~~الوجود وتحصيله من غير الموجود لا يتصور، فلا بد أن يكون الموجد له، والعلة
~~المطلقة لوجوده موجودا مباينا له.
# وقد استعملها (1) أبو عبد الله (عليه السلام)، كما رواه الصدوق ابن
~~بابويه بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال أبو شاكر الديصاني لأبي عبد الله
~~(عليه السلام): ما الدليل على أن لك صانعا؟
# فقال: " وجدت نفسي لا يخلو (2) من إحدى جهتين: إما أن أكون صنعتها أنا،
~~فلا أخلو من أحد معنيين: إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة، أو صنعتها وكانت
~~معدومة، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنيت بوجودها (3) عن صنعتها،
~~وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا؛ فقد ثبت المعنى الثالث
~~أن لي صانعا
# PageV00P244
#
#
____________________
#
وهو الله رب العالمين ". (1) والمقدمة
~~الثانية: أن ما يوجد فيه شيئان - ولو بالتحليل - لا بد لضمهما من موجب -
~~أحدهما كان أو ثالثا - فبيانها أنه ما ينحل إلى الشيئين في العقل، ويحكم
~~العقل بانحلاله إليهما حكما صادقا - سواء كان الانحلال إلى ذاتيين، أو إلى
~~الذاتي والعرضي انحلالا يخلو فيه كل منهما في مرتبته عن الآخر - فللاتحاد
~~أو الخلط والمقارنة فيه لا محالة سبب، وسببه إما أحدهما أو الثالث.
# ثم ms166 لا يجوز في الوجود المطلق - الذي لا يكون ذاتيا للموجود في الخارج؛
~~لكونه من المنتزعات العقلية - أن يكون سببا لهذا الانضمام الذي هو
~~الموجودية؛ فإن مقتضي كون الشيء موجودا - أي كونه بحيث يصح انتزاع الوجود
~~منه - لا يكون إلا ما هو موجود، فضلا عن أن يكون ما لا يتصور وجوده، ولا
~~يجوز سببية المهية الخالية عن الوجود - أي المأخوذة بحيث لا يصح أن ينتزع
~~منها الوجود - لهذا الانضمام ولصحة الانتزاع التي هي كونه موجودا؛ لأن
~~المعدوم لا يصح (2) إيجاده لشيء فضلا عن أن يوجد ذاته بديهة (3)، فالسبب في
~~صحة انتزاع الوجود وانضمامه إلى المهية - التي يصح خلوها في مرتبة اللحاظ
~~العقلي عن الوجود - لا يكون إلا موجودا آخر يفيد وجود هذا الموجود.
# المقدمة الثالثة: أن الموجودات - التي يحتاج كل واحد منها إلى موجد مباين
~~له - يحتاج مجموعها إلى الموجب المباين له، وحكم الواحد والجملة لا يختلف
~~فيه؛ لأن مجموعها ماهيات يصح عليها جملة أن تكون خالية عن الوجود؛ فإنه كما
~~يصح تحليل كل واحد إلى مهية ووجود منتزع منها، وامتيازهما عند العقل
~~في
# PageV00P245
#
#
____________________
#
ملاحظتهما امتيازا لا يكون معه وفي مرتبته خلط
~~بينهما، ولذلك يحكم بكونه محتاجا إلى سبب مباين له موجود، كذلك يصح على
~~الجملة والمجموع منها متناهية ما كان يصح على كل واحد، وكذلك يصح على
~~الجملة والمجموع غير المتناهية المؤلفة من تلك الآحاد ما يصح على كل واحد
~~منها؛ فإن العقل لا يفرق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية، والجملة غير
~~المتناهية كما لا يفرق فيه الجملة المتناهية وكل واحد.
# وإذ قد تمهدت المقدمات، فأقول:
# خلاصة الاستدلال أنه لا شك في [أن] حركات المتحركات من العلويات حركات
~~ليست طبيعية (1) للمتحرك بها؛ للانصراف عما يتحرك إليه، ولا إرادية
~~للمتحرك؛ لانضباطها ودوامها وانحفاظها الدالة على عدم اختلاف أحوال المتحرك
~~بالحركة من الاستنشاط، أو الكلال، أو حدوث ميل وغيرها التي يتحدس منها
~~بكونها غير إرادية للمتحرك. وكلما وجدت الحركة، كان المحرك الموجب لها
~~موجودا بحكم المقدمة الأولى والثانية، ms167 وإذ (2) ليست طبيعية أو إرادية
~~للمتحرك، فله (3) محرك يضطره إلى الحركة، والقاهر الذي اضطره إلى الحركة
~~أقوى منه وأحكم؛ لأن الضعيف لا يمكنه قهر القوي، فلا يكون حالا في المتحرك،
~~محتاجا إليه، وأكبر من أن يحاط بالمتحرك أو يحصر (4) فيه، أو أن يتصف بمثل
~~صفته الاضطرارية، ولا بد أن ينتهي إلى محرك لا يكون جسما؛ لأن الجسم لا
~~يحرك الجسم إلا بالمجاورة والحركة، أو إحداث محرك في المتحرك.
# وإذ (5) عرفت أن المحرك ليس في المتحرك، فيكون التحريك بالحركة،
~~والكلام
# PageV00P246
# قال: فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله (عليه السلام). فقال له حمران:
~~جعلت فداك، إن آمنت الزنادقة على يدك فقد آمن الكفار على يدي أبيك، فقال
~~المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله (عليه السلام): اجعلني من تلامذتك،
~~فقال أبو عبد الله: " يا هشام بن الحكم، خذه إليك وعلمه "، فعلمه هشام،
~~فكان معلم أهل الشام وأهل مصر الإيمان، وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد
~~الله.
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن عبد
~~الرحمن بن محمد بن أبي هاشم، عن أحمد بن محسن الميثمي، قال: كنت عند أبي
~~منصور المتطبب، فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا وابن أبي العوجاء
~~وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام، فقال ابن المقفع: ترون هذا الخلق -
~~وأومأ بيده إلى موضع الطواف - ما منهم أحد أوجب له اسم الانسانية إلا ذلك
~~الشيخ الجالس - يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) - فأما
~~الباقون فرعاع وبهائم. فقال له ابن أبي العوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا
~~الشيخ دون هؤلاء؟ قال: لأني رأيت عنده ما لم أره عندهم. فقال له ابن أبي
~~العوجاء: لا بد من اختبار ما قلت فيه منه، قال: فقال له ابن المقفع: لا
~~تفعل، فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك، فقال: ليس ذا رأيك، ولكن تخاف أن
~~يضعف رأيك عندي في
____________________
#
في حركته كالكلام في حركة ms168 الأول (1)، وينتهي
~~بالضرورة انتهاء الأجسام المتحركة، ولكون جميعها محتاجة إلى خارج بحكم
~~المقدمة الثالثة، فلا بد من محرك لا يكون جسما، قاهر للمتحرك في حركته، فإن
~~لم يكن له مبدأ فهو المبدأ الأول، وإن كان له مبدأ فلا بد من مبدأ أول بحكم
~~المقدمة الثالثة.
# وإنما استدل من الحركة لضرورة احتياجها إلى المحرك؛ لضرورة خروجها من
~~العدم إلى الوجود دون الأجسام، ولم يستدل من الكائنات الفاسدات؛ لأنه ما
~~يتوهم أن لا مبدأ له هي العلويات دون السفليات، ولأن الغالب القاهر على
~~العلويات أحق بالغلبة على السفليات الظاهر تأثرها من العلويات دون
~~العكس.
# PageV00P247
# إحلالك إياه المحل الذي وصفت؟ فقال ابن المقفع: أما إذا توهمت علي هذا
~~فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل، ولا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى
~~عقال، وسمه ما لك أو عليك. قال: فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن
~~المقفع جالسين، فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال: ويلك يا ابن المقفع،
~~ما هذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا ويتروح إذا شاء
~~باطنا فهو هذا. فقال له: وكيف ذلك؟ قال: جلست إليه،
~~
____________________
#
قوله: (أما إذا توهمت علي هذا فقم إليه...).
# " أما " للشرط، وفعله محذوف، ومجموع الشرط والجزاء الذي بعدها جواب لذلك
~~الشرط. وذكر " علي " لتضمين التوهم معنى الكذب والافتراء (وتحفظ) أي لا
~~تغفل (ما استطعت).
# وقوله: (ولا تثن) نهي. وفي بعض النسخ " ولا تثني " ويكون نفيا يراد به
~~النهي، وإنشاء في قالب الخبر، أي ولا تعطف (عنانك).
# و" العنان ": سير اللجام الذي يمسك (1) به الدابة، والمراد به هاهنا ما
~~يمسك (2) به نفسه (إلى استرسال) أي رفق وتؤدة، أي لا تمل إلى الرفق
~~والمساهلة (فيسلمك إلى عقال) من التسليم أو الإسلام، يقال: أسلم أمره إلى
~~الله أي سلمه.
# وقوله: (وسمه ما لك وعليك (3)) السوم: أن يجعل الشيء في معرض البيع
~~والشرى، ويتعرض للمعاملة بأخذه أو إعطائه (4). والمراد أنه تحفظ ولا تساهل
~~وساومه فيما لك وما عليك، أي أعرض عليه ms169 ما لك واستمع منه ما عليك ناظرا
~~فيهما بنظر البصيرة لئلا تغلب وتصير محجوجا.
# وقوله: (يتجسد) أي يصير ذا جسد وبدن يبصر به ويرى (إذا شاء [ظاهرا]
~~ويتروح) أي يصير روحا صرفا ويبطن ويختفي عن الأبصار والعيون (باطنا).
# PageV00P248
# فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال: " إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء،
~~وهو على ما يقولون - يعني أهل الطواف - فقد سلموا وعطبتم، وإن يكن الأمر
~~على ما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم ".
# فقلت له: يرحمك الله وأي شيء نقول، وأي شيء يقولون؟ ما قولي وقولهم إلا
~~واحد.
# فقال: " وكيف يكون قولك وقولهم واحدا، وهم يقولون: إن لهم معادا وثوابا
~~وعقابا، ويدينون بأن في السماء إلها وأنها عمران، وأنتم تزعمون أن السماء
~~خراب ليس فيها أحد؟! ".
# قال: فاغتنمتها منه، فقلت له: ما منعه - إن كان الأمر كما يقولون - أن
~~يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان؟ ولم احتجب عنهم
~~وأرسل إليهم الرسل؟
# ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به. فقال لي: " ويلك وكيف احتجب
~~عنك من أراك قدرته في نفسك: نشوءك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوتك بعد
~~ضعفك،
____________________
#
والفاعل إما بمعنى المصدر كقولك: قمت قائما،
~~أو تميز من " يتروح " أي كونه روحا صرفا من جهة أنه باطن مخفي (1).
# قوله: (ويدينون بأن في السماء إلها) أي للسماء مدبرا معبودا يعبد فيها،
~~ويستحق لأن يكون معبودا لكل أحد، فأرسل الرسل، ودعا خلقه إلى عبادته، وشرع
~~لهم الشرائع (وأنها عمران) أي إن لها أهلا وهم الذين يعبدون الإله،
~~ويطيعونه فيها (وتزعمون أن السماء خراب) أي ليس لها أهل (وليس فيها أحد) لا
~~من يعبد من أهلها، ولا من يعبده فيها أهلها، ويستحق لأن يعبد، ولا رسالة
~~ولا شريعة.
# قوله: (ما منعه إن كان الأمر كما يقولون...) شبهة من الزنديق على مطلوبه،
~~بأنه لو كان الأمر كما يقولون ولا مانع من ظهوره على خلقه ودعوة عباده إلى
~~عبادته، لظهر ودعا، ولما لم يظهر لخلقه، علم ms170 أنه ليس الأمر على ما يقولون.
# وقوله (عليه السلام): (وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك...) استدلال
~~منه (عليه السلام) على ظهوره سبحانه لخلقه وعدم احتجابه عنهم بأن أراهم
~~قدرته في أنفسهم
# PageV00P249
# وضعفك بعد قوتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك
~~بعد رضاك، وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد حزنك، وحبك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك،
~~وعزمك بعد أناتك، وأناتك بعد عزمك، وشهوتك بعد كراهتك، وكراهتك بعد شهوتك،
~~ورغبتك بعد رهبتك، ورهبتك بعد رغبتك، ورجاءك بعد يأسك،
~~
____________________
#
بظهور (1) آثارها فيهم.
# ولما كان الاستدلال على المبدأ الأول المستحق للعبادة، الموصوف بالإلهية،
~~إنما يتم باستناد ما يجب أن يكون من الأفعال الصادرة بالقصد والشعور إليه
~~سبحانه، استدل عليه بآثار القدرة التي هي (2) أفعال إرادية، وعددها عليه،
~~وابتدأ من ابتداء خلقه، فقال: (نشوءك بعد ما لم تكن) يقال: نشأ نشوء ونشأ
~~أي حيي وربى.
# وتقرير الاستدلال: أنه لما وجدت في نفسك آثار القدرة التي ليست من
~~مقدوراتك ضرورة، علمت أن لها بارئا قادرا. أما كونها من آثار القدرة،
~~فلكونها حادثة محكمة متقنة غاية الإحكام والإتقان؛ فإن حصول الشخص الإنساني
~~بحياته ولوازمها بعد ما لم يكن لا بد له من فاعل مباين له، يدلك على وحدته
~~تلاؤم ما فيه من الأفعال والأحوال، وتغير أحواله بعد إتقانها، وعدم ثباته
~~على حال واحدة تدل على كون الفاعل لها قادرا مختارا يفعل بحكمته ومشيته،
~~وهذه الأحوال المتغيرة المتبدلة كثيرة - وقد عد (عليه السلام) كثيرا منها -
~~لا شبهة في أنها ليست من فعل النفس الإنسانية، وأنها من فاعل مباين قادر
~~على إحداثها بعد ما لم تكن، وكل ذلك مما لا يجوز إنكاره على من يعد من
~~العقلاء إلا قوله: (وعزمك بعد أناتك وأناتك بعد عزمك) فإنه قد ذهب وهم من
~~بعض (3) القاصرين إلى كون العزم من الأفعال المقدورة الاختيارية للعباد،
~~ولم يعلم أن العزم لو كان فعلا مقدورا له، لكان مسبوقا بمرجح منه لوقوعه
~~بالاختيار، والمرجح القريب لكل فعل اختياري لنا ms171 عزم الفاعل
# PageV00P250
# ويأسك بعد رجائك، وخاطرك بما لم يكن في وهمك، وعزوب ما أنت معتقده عن
~~ذهنك ". وما زال يعدد علي قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت
~~أنه سيظهر فيما بيني وبينه.
#
____________________
#
عليه، ولا بد من الانتهاء إلى عزم لا يكون من
~~فعله، فإما أن يكون العزم على الفعل أولا مستندا إلى غيره، أو منتهيا إلى
~~عزم مستند إلى غيره. على أنا نعلم بديهة عدم تعدد العزم، وأن ليس إلا عزم
~~واحد على الفعل.
# وما يتوهمه - من جواز وقوع العزم بقدرته بلا ترجيح بالإرادة والعزم -
~~يؤدي إلى تجويز الترجح (1) بلا ترجيح، أو عد ما يستند إلى اقتضاء الفاعل
~~إياه لا بإرادة منه فعلا اختياريا مقدورا له، ولم يذهب وهم واهم إلى أحدهما
~~وسيجئ لهذا زيادة توضيح إن شاء الله تعالى.
# وقوله: (وخاطرك بما لم يكن في وهمك).
# الخاطر من الخطور، وهو حصول الشيء مشعورا به في الذهن، والخاطر في الأصل
~~للمشعور به الحاصل في الذهن، ثم شاع استعماله في المشعر المدرك له من حيث
~~هو شاعر به، واستعمله هاهنا في الإدراك والشعور.
# أو استعمل الخاطر على صيغة الفاعل بمعنى المصدر، كما في قمت قائما، ويكون
~~المعنى خطورك بما لم يكن في وهمك من باب القلب؛ فإن الأصل خطور ما لم يكن
~~في وهمك ببالك. وهذا إشارة إلى ما يحصل في الذهن باعتبار الحصول بعد العدم
~~من غير اعتبار الاعتقاد بعد ما لم يكن في الذهن أصلا حتى وهما.
# وقوله: (وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك) إشارة إلى زوال ما كان ثابتا قوي
~~الثبوت، فلا يكون يزول إلا بمزيل.
# PageV00P251
# * عنه، عن بعض أصحابنا، رفعه، وزاد في حديث ابن أبي العوجاء حين سأله أبو
~~عبد الله (عليه السلام) قال: عاد ابن أبي العوجاء في اليوم الثاني إلى مجلس
~~أبي عبد الله (عليه السلام) فجلس وهو ساكت لا ينطق، فقال أبو عبد الله
~~(عليه السلام): " كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه؟ " فقال: أردت ذلك يا ms172 ابن
~~رسول الله. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " ما أعجب هذا، تنكر الله
~~وتشهد أني ابن رسول الله! ". فقال: العادة تحملني على ذلك. فقال له العالم
~~(عليه السلام): " فما يمنعك من الكلام؟ " قال:
# إجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء وناظرت
~~المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك، قال: " يكون ذلك،
~~ولكن أفتح عليك بسؤال " وأقبل عليه، فقال له: " أمصنوع أنت أو غير مصنوع؟ "
~~فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع، فقال له العالم (عليه
~~السلام): " فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ " فبقي عبد الكريم مليا لا
~~يحير جوابا، وولع بخشبة كانت بين يديه، وهو يقول:
# طويل، عريض، عميق، قصير، متحرك، ساكن، كل ذلك صفة خلقه، فقال له العالم:
~~" فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك
~~مما يحدث من هذه الأمور ".
# فقال له عبد الكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، ولا
~~يسألني أحد بعدك عن مثلها، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " هبك علمت
~~أنك لم تسأل فيما مضى، فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد، على أنك يا عبد
~~الكريم نقضت قولك؛ لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء، فكيف قدمت وأخرت؟!
~~". ثم قال: " يا عبد الكريم، أزيدك وضوحا: أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر،
~~فقال لك قائل: هل في الكيس دينار؟ فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك صف
~~لي الدينار وكنت غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس
~~وأنت لا تعلم؟ " قال: لا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " فالعالم أكبر
~~وأطول وأعرض من الكيس، فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من
~~غير الصنعة ". فانقطع عبد الكريم، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه، وبقي معه
~~بعض.
# فعاد في اليوم الثالث، فقال: أقلب السؤال، فقال له أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " سل عما شئت ".
# فقال: ms173 ما الدليل على حدث الأجسام؟ فقال: " إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا
~~كبيرا إلا وإذا PageV00P252
# ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان
~~قديما ما زال ولا حال؛ لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون
~~بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأزل دخوله في العدم، ولن
~~تجتمع صفة الأزل والعدم والحدوث والقدم في شيء واحد ".
# فقال عبد الكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت
~~واستدللت بذلك على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن
~~تستدل على حدوثهن؟ فقال العالم (عليه السلام): " إنما نتكلم على هذا العالم
~~الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا
~~إياه ووضعنا غيره، ولكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا، فنقول: إن الأشياء لو
~~دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز
~~التغيير عليه خروجه من القدم، كما أن في تغييره دخوله في الحدث ليس لك
~~وراءه شيء يا عبد الكريم " فانقطع وخزي.
# فلما كان من العام القابل التقى معه في الحرم، فقال له بعض شيعته: إن ابن
~~أبي العوجاء قد أسلم، فقال العالم (عليه السلام): " هو أعمى من ذلك لا يسلم
~~". فلما بصر بالعالم قال: سيدي ومولاي، فقال له العالم (عليه السلام): " ما
~~جاء بك إلى هذا الموضع؟ " فقال: عادة الجسد، وسنة البلد، ولننظر ما الناس
~~فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة؟ فقال له العالم (عليه السلام): " أنت
~~بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم ". فذهب يتكلم، فقال له (عليه السلام):
~~" لا جدال في الحج " ونفض رداءه من يده وقال: " إن يكن الأمر كما تقول وليس
~~كما تقول، نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول وهو كما نقول، نجونا وهلكت
~~". فأقبل عبد الكريم على من معه، فقال:
# وجدت في قلبي حزازة فردوني، فردوه، فمات لا رحمه الله.
# 3. حدثني محمد بن جعفر الأسدي، عن ms174 محمد بن إسماعيل البرمكي الرازي، عن
~~الحسين بن الحسن بن برد الدينوري، عن محمد بن علي، عن محمد بن عبد الله
~~الخراساني خادم الرضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزنادقة على أبي
~~الحسن (عليه السلام) وعنده جماعة. فقال أبو الحسن (عليه السلام): " أيها
~~الرجل، أرأيت إن كان القول قولكم، وليس هو كما تقولون، ألسنا وإياكم شرعا
~~سواء، لا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ ". فسكت الرجل، ثم
~~PageV00P253
# قال أبو الحسن (عليه السلام): " وإن كان القول قولنا، وهو قولنا، ألستم
~~قد هلكتم ونجونا؟ ".
# فقال: رحمك الله، أوجدني كيف هو؟ وأين هو؟ فقال: " ويلك، إن الذي ذهبت
~~إليه غلط، هو أين الأين بلا أين، وكيف الكيف بلا كيف، فلا يعرف بالكيفوفية
~~ولا بأينونية،
____________________
#
قوله: (أوجدني كيف هو؟ وأين هو؟) أي أفدني
~~كيفيته ومكانه، وأظفرني بمطلبي الذي هو العلم بالكيفية والأين فيه. وغرضه
~~ذلك التوسل بسؤاله إلى النفي الذي هو مطلوبه؛ لأنه إن نفى عنه الكيف والأين
~~- كما هو معتقد أهل الحق - يكون في ظنه دليل العدم، أو عدم ربوبيته. (1)
~~ولو قيل بثبوت الكيفية والأين يتمسك بنفي احتياجه في استغناء الأجسام عن
~~المبدأ، كما توهمه.
# ولذا لما نفى (عليه السلام) عنه الكيف والأين بقوله: (هو أين الأين...)
~~أي أوجد حقيقة الأين وأوجد حقيقة الكيف، فكان متقدما على وجود الأين والكيف
~~(فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية) أي بالاتصاف بالكيف والأين، وبكونه ذا
~~كيفية وذا أين.
# وذلك لأنه هو مبدأ قبل وجود الكيف والأين، فلا يعرف المبدأ بكونه ذا
~~كيفية أو أين. (2) ولأن الخالق الموجد لشيء متعال عن الاتصاف به؛ لأن
~~الاتصاف خروج من القابلية إلى الفعلية، والقابل خال عن الوصف قبل الاتصاف،
~~عادم له، والعادم لشيء وللأكمل والأتم منه لا يكون معطيا له، فالفاعل
~~الخالق لا يكون معطيا نفسه ما يستكمل به.
# ولأن المبدأ الأول لما لم يجز عليه الخلو من الوجود فلو كان فيه قابلية
~~الصفة، لكان له جهتان (3)، ولا يجوز استنادهما فيه إلى ثالث؛ إذ لا ثالث في ms175
~~تلك المرتبة،
# PageV00P254
# ولا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشيء ".
# فقال الرجل: فإذا إنه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس؟ فقال أبو
~~الحسن (عليه السلام):
# " ويلك، لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن
~~
____________________
#
ولا استناد إحداهما إلى أخرى؛ إذ لا يوجب
~~القابلية فعلية الوجود لذاته ولا فعلية فعليته الخلو عن كما له، والاستعداد
~~لما هو نقص له.
# ولأن الأين لا يكون إلا المتقدر، ولا يجوز عليه التقدر بالمقدار كما
~~سنبينه.
# (ولا يدرك بحاسة) إذ لا كيفية له ولا إحساس إلا بإدراك الكيفية.
# (ولا يقاس بشيء) أي لا يعرف قدره بمقياس؛ إذ لا أين له ولا مقدار له.
# (قال (1) الرجل: فإذا إنه لا شيء) يعني أردت بيان شأن ربك فإذا الذي
~~ذكرته يوجب نفيه؛ لأن ما لا يمكن إحساسه لا يكون موجودا، أو المراد أنه
~~فإذا هو ضعيف الوجود ضعفا يستحق أن يقال له: لا شيء.
# وقوله (عليه السلام): (لما عجزت حواسك عن إدراكه...) أي جعلت تعاليه عن
~~أن يدرك بالحواس وعجزها عن إدراكه دليلا على عدمه أو ضعف وجوده، فأنكرت
~~ربوبيته، ونحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس أيقنا أنه ربنا،
~~بخلاف شيء من الأشياء، أي ليس شيء من الأشياء المحسوسة ربنا؛ لأن كل محسوس
~~ذو وضع، وكل ذي وضع بالذات منقسم بالقوة إلى أجزاء مقدارية لا إلى نهاية؛
~~لاستحالة الجوهر الفرد، وكل منقسم إلى أجزاء مقدارية يكون له أجزاء متشاركة
~~في المهية، ومشاركة للكل فيها، وكل ما يكون كذلك يكون ذا مهية ووجود يصح
~~عليها الخلو عنه، وكل ما يكون كذلك يكون محتاجا إلى مبدأ مغاير له، فلا
~~يكون مبدأ أول، بل يكون مخلوقا ذا مبدأ، فما هو مبدأ أول لا يصح عليه
~~الإحساس، فالتعالي عن الإحساس - الذي جعلته مانعا للربوبية، وباعثا على
~~إنكارك - مصحح للربوبية، ودال على
# PageV00P255
# إدراكه أيقنا أنه ربنا، بخلاف شيء من الأشياء ".
# قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): " أخبرني متى
~~لم يكن ms176 فأخبرك متى كان ".
# قال الرجل: فما الدليل عليه؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): " إني لما
~~نظرت إلى جسدي ولم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع
~~المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن
____________________
#
اختصاصه بصحة الربوبية بالنسبة إلى الأشياء
~~التي يصح عليها أن تحس.
# ولما أزال (عليه السلام) وهمه من جهة الكيفية والكمية، أراد الإيراد من
~~جهة الزمان، وقال الرجل: (متى كان؟) وهذا سؤال عن ابتداء زمان كونه ووجوده،
~~أو سؤال عن زمان وجوده الذي هو كائن فيه كون الزمانيات. وسقط من نسخ الكافي
~~التي رأيناها جواب هذا السؤال، والسؤال الذي أجاب عنه (عليه السلام) بقوله:
~~(إني لما نظرت إلى جسدي).
# والساقط موافقا لما أورده الصدوق ابن بابويه من هذه الرواية في توحيده
~~(1) هكذا: " قال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى
~~كان؟ قال الرجل: فما الدليل عليه؟ " (2) وتقرير الجواب على التقدير الأول:
~~أنه إنما يقال: " متى كان " لما لم يكن ثم كان، والمبدأ الأول يستحيل عليه
~~العدم ولا يصح أن يقال فيه: " لم يكن " حتى يصح أن يقال: " متى كان ".
# وعلى التقدير الثاني: أن الكائن في الزمان إنما يكون فيه بتغير وتبدل في
~~ذاته أو صفاته الذاتية، لأن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير، فيكون بحال
~~في زمان لا يكون في زمان آخر، والمتعالي عن التغير في الذات والصفات
~~الذاتية لا يصح عليه " لم يكن فكان " وإنما يصح " متى كان " لما يصح أن
~~يقال: " متى لم يكن " لعدم انفكاك
# PageV00P256
# لهذا البنيان بانيا، فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء
~~السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات
~~العجيبات المبينات، علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا ".
# 4. علي بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق الخفاف أو عن أبيه، عن محمد بن
~~إسحاق، قال: إن عبد الله الديصاني سأل هشام بن الحكم، فقال له: ألك رب؟
~~فقال: بلى، قال أقادر هو؟ قال: نعم قادر قاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا ms177
~~كلها البيضة لا تكبر
____________________
#
الزماني عن التغير في ذاته أو صفاته الذاتية.
~~(1) ولما زال شبهة الرجل في إنكار المبدأ الواجب ووهمه فيه، سأل عن الدليل
~~على وجوده سبحانه بقوله: " فما الدليل عليه؟ " وأجابه (عليه السلام) بقوله:
~~" إني لما نظرت إلى جسدي... " (2).
# وهذا استدلال بما يجده في بدنه من أحواله، وانتظام تركيبه، واشتماله على
~~ما به صلاحه ونظامه وعدم استنادها إليه؛ لكونها من آثار القدرة وعدم قدرته
~~عليها، وبالعلويات وحركاتها المتسقة (3) المنتظمة المشتملة على اختلاف لا
~~يمكن أن يكون طبيعيا لها ولا إراديا لها، وبما يحدث بينها وبين الأرض،
~~وانتظام الجميع نظما دالا على وحدة ناظمها ومدبرها وخالقها، على (4) أن
~~لهذا العالم - المنتظم المشاهد من السماوات والأرضين وما فيهما وبينهما -
~~مقدرا ينتظم بتقديره، ومنشئا يوجد بإنشائه.
# قوله: (يقدر أن يدخل الدنيا).
# حاصل كلامه السؤال عن القدرة على إدخال الكبير في الصغير باقيين على
~~الكبر
# PageV00P257
# البيضة ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام: النظرة، فقال له: قد أنظرتك حولا. ثم
~~خرج عنه،
____________________
#
والصغر، ولما لم يكن عند هشام جوابه، قال:
~~(النظرة) أي أسألك التأخير في المطالبة بالجواب، فلما أنظره وأمهله، ركب
~~هشام إلى أبي عبد الله (عليه السلام) وسأله عن المسألة، فبين له أبو عبد
~~الله (عليه السلام) جوابها بأن حمل المسألة على ما لا تهافت ولا تساقط
~~فيها، أعني دخول الكبير في الصغير دخولا لا يوجب كون الكبير صغيرا؛ وكون
~~الصغير كبيرا، فيرجع السؤال إلى أنه هل لهذا الدخول معنى محصل مقدور له؟
~~وبين أن لهذا النحو من الدخول تحققا ومصداقا، وهو دخول الصورة المحسوسة
~~المتقدرة بالمقدار الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة، أي مادتها الموصوفة
~~بالمقدار الصغير بنحو الوجود العيني الخالية في نفسها عن المقدار مطلقا،
~~ولا استحالة فيه (1)؛ إذ كون الصورة الكبيرة في الحاسة بالوجود الظلي لا
~~يوجب اتصاف المادة بالمقدار الكبير، إنما يوجب الاتصاف حصول المقدار فيها
~~بالوجود العيني.
# ولما كان منظور السائل ما يشمل هذا النحو من الدخول ولم يكن نظره مقصورا
~~على ms178 الوجود العيني، أجاب (عليه السلام) بقدرته سبحانه عليه.
# ويوافق هذا رأي المشائين في كون الإبصار بانطباع صورة المبصر في الحاسة،
~~ووجودها فيها وجودا ظليا، ولذا لم يراجع بعد ما سمع الجواب ولم يقل: مرادي
~~الدخول بالوجود العيني، والدخول في الحاسة ليس من هذا القبيل.
# ومثل هذه الرواية (2) ما روي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: جاء
~~رجل
# PageV00P258
#
#
____________________
#
إلى الرضا (عليه السلام)، فقال: هل يقدر ربك
~~أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟ قال: " نعم "، في أصغر من
~~البيضة، قد جعلها في عينك وهي أقل من البيضة؛ لأنك إذا فتحتها عاينت السماء
~~والأرض وما بينهما، ولو شاء أعماك عنها ". (1) وأما ما روي عن عمر بن
~~اذنية، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " قيل لأمير المؤمنين (عليه
~~السلام): هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن يصغر الدنيا و يكبر
~~البيضة؟ قال: إن الله لا ينسب إلى العجز (2) والذي سألتني لا يكون ". (3)
~~فمعناه أن الله تعالى لا يعجز عن شيء، أي كل ما له معنى محصل فهو سبحانه لا
~~يعجز عنه.
# ولما كان غرض السائل السؤال عن الدخول بحسب الوجود العيني، وكان مرجع
~~سؤاله إلى كونه كبيرا صغيرا معا وهذا لفظ ليس له معنى محصل، قال: " والذي
~~سألتني " أي أردت بسؤالك " لا يكون " أي لا يصح نسبة الكون إليه حتى يجري
~~فيه العجز.
# وما رواه أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " جاء رجل
~~إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة
~~ولا تصغر (4) الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إن الله لا يوصف بعجز،
~~ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة " (5) أيضا معناه مثل معنى رواية عمر
~~بن أذينة.
# وقوله: " ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة " إشارة إلى أن المتصور
~~المحصل المعنى من دخول الكبير في الصغير صيرورة الكبير صغيرا أو بالعكس،
~~وهذا المتصور مقدور له سبحانه، وهو قادر على كل ms179 ما لا يستحيل.
# PageV00P259
# فركب هشام إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فاستأذن عليه، فأذن له، فقال
~~له: يا ابن رسول الله، أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا
~~على الله وعليك. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام):
# " عما ذا سألك؟ " فقال: قال لي: كيت وكيت، فقال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " يا هشام، كم حواسك؟
# قال خمس، قال: " أيها أصغر؟ " قال: الناظر، قال: " وكم قدر الناظر " قال:
~~مثل العدسة أو أقل منها، فقال له: " يا هشام، فانظر أمامك وفوقك وأخبرني
~~بما ترى " فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وبراري وجبالا وأنهارا، فقال
~~له أبو عبد الله (عليه السلام): " إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة أو
~~أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة، لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة
~~" فأكب هشام عليه وقبل يديه ورأسه ورجليه، وقال: حسبي يا ابن رسول الله،
~~وانصرف إلى منزله؛ وغدا عليه الديصاني، فقال له: يا هشام، إني جئتك مسلما
~~ولم أجئك متقاضيا للجواب، فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب،
~~فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله (عليه السلام) فاستأذن عليه،
~~فأذن له، فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد، دلني على معبودي فقال له أبو
~~عبد الله (عليه السلام): " ما اسمك؟ " فخرج عنه ولم يخبره باسمه، فقال له
~~أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟ قال: لو كنت قلت له: عبد الله، كان يقول:
# من هذا الذي أنت له عبد، فقالوا: له عد إليه وقل له: يدلك على معبودك ولا
~~يسألك عن اسمك، فرجع إليه، فقال له: يا جعفر بن محمد، دلني على معبودي ولا
~~تسألني عن اسمي فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " اجلس " وإذا غلام له
~~صغير في كفه بيضة يلعب بها، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " ناولني
~~يا غلام البيضة " فناوله إياها فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): " يا
~~ديصاني:
# هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد ms180 الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد
~~
____________________
#
والحاصل أنه قادر على كل شيء يدرك له معنى
~~ومهية، والمستحيل لا مهية ولا معنى له.
# وقوله: (فأكب هشام عليه) أي أقبل عليه (وقبل يديه ورأسه ورجليه وقال:
# حسبي) أي يكفيني ذلك في الجواب عنه.
# قوله: (دلني على معبودي) أي من علي عبادته في الواقع، أو بزعمك.
~~PageV00P260
# الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة،
~~ولا الفضة الذائبة
____________________
#
قوله: (هذا حصن مكنون).
# " الحصن ": كل موضع حصين محكم. و" الكن ": وقاء كل شيء وستره.
# وقوله: (له جلد غليظ) ناظر إلى قوله: " حصن ".
# وقوله: (وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق) ناظر إلى قوله: " مكنون ".
# وقوله: (وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة) أي تحته جسم شبيه
~~بالذهبة المائعة، وجسم شبيه بالفضة الذائبة.
# " الذوب ": ضد الجمود ويقاربه الميعان لغة، لكن الذوب يستعمل فيما من
~~طبعه (1) الجمود، أو في المنتقل من الجمود، والميعان يستعمل فيه وفي غيره،
~~ولما كان من طبع الفضة الجمود ذكر معه الذوب، وذكر الميعان مع الذهب الذي
~~ليس من طبعه ما من طبع الفضة من الجمود.
# وتقرير استدلاله (عليه السلام) المذكور في هذا الحديث: أن ما في البيضة -
~~من الإحكام والإتقان، والاشتمال على ما به صلاحه، وعدم اختلاط ما فيها من
~~الجسمين السيالين، وإحاطة أحدهما بالآخر ليس فيها مصلح حافظ لها على ما
~~عليها من الأجسام، فيخرج مخبرا عن صلاحها، ولا يدخلها جسماني من خارج،
~~فيفسدها ويخرجها عن تلك الحالة، فيدخلها مخبرا عن فسادها وخروجها عن (2)
~~الحالة التي كانت عليها إلى ما يؤول إليها وهي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس
~~- تدل (3) على أن له مبدأ غير جسم ولا جسماني. ومن يتنبه (4) لما في البيضة
~~يتنبه لما في العلويات والسفليات من الكواكب وحركاتها وأحوالها والمواليد
~~وقواها وأفعالها وسائر ما في العالم من الإحكام والإتقان والاتساق
~~والانتظام والحكم والمصالح التي
# PageV00P261
# تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن
~~صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر ms181 عن فسادها، لا يدرى للذكر خلقت، أم
~~للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبرا؟ " قال: فأطرق مليا،
~~ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله
____________________
#
لا يشك معها في استنادها إلى مبدأ عالم قادر
~~حكيم خبير بما فيها لا بآلة، قاهر لما يشاء على ما يشاء.
# وإنما أخذ (عليه السلام) يستدل من المحسوسات - التي لا يشك فيها ذو حاسة
~~- على المبدأ الأول في الكلام مع الزنادقة، ولم يستعمل المقدمات الكلية
~~البرهانية من غير التفات إلى المحسوسات؛ لأنهم ما كانوا يقبلون ما لا
~~يدركونه بحاستهم، أو لا يكون من المتقررات في أذهانهم، كما في رواية علي بن
~~منصور، عن هشام بن الحكم، أنه دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد الله
~~(عليه السلام)، ثم قال: ما الدليل على حدوث العالم؟
# فقال أبو عبد الله (عليه السلام): " يستدل (1) عليه بأقرب الأشياء " قال:
~~وما هو؟ قال: فدعا أبو عبد الله (عليه السلام) ببيضة (2) فوضعها على راحته،
~~فقال: " هذا حصن ملموم داخله غرقئ رقيق نظيف (3)، به فضة سائلة، وذهبة
~~مائعة، ثم تنفلق عن مثل الطاووس أدخلها شيء؟ " قال: لا، قال: " فهذا الدليل
~~على حدوث العالم " قال: أخبرت فأوجزت، وقلت فأحسنت، وقد علمت أنا لا نقبل
~~إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو شممناه بمناخرنا، أو
~~أذقناه بأفواهنا، أو لمسناه بأكفنا، أو تصور في القلوب بيانا، أو استنبطه
~~الروايات (4) إيقانا. قال أبو عبد الله (عليه السلام): " ذكرت الحواس الخمس
~~وهي لا تنفع شيئا بغير دليل، كما لا يقطع الظلمة بغير مصباح ". (5)
# PageV00P262
# وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على
~~خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه.
# 5. علي بن إبراهيم عن أبيه، عن عباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن الحكم
~~في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله (عليه السلام) وكان من قول أبي عبد
~~الله (عليه السلام): " لا يخلو قولك إنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين،
~~أو يكونا ضعيفين، أو يكون ms182 أحدهما قويا والآخر ضعيفا، فإن كانا قويين فلم لا
~~يدفع كل واحد منهما صاحبه ويتفرد بالتدبير، وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر
~~ضعيف ثبت أنه واحد كما نقول؛ للعجز الظاهر في الثاني، فإن قلت: إنهما
~~اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة،
____________________
#
قوله: (لا يخلو قولك: إنهما اثنان...).
# هذا استدلال على بطلان الاثنينية في المبدأ الأول الموجود بذاته لا
~~بموجد.
# وتحرير هذا الدليل أنه لو كان المبدأ اثنين، فلا يخلو (من أن يكونا
~~قديمين قويين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا والآخر ضعيفا).
# والمراد بالقوي: القوي على فعل الكل بالإرادة مع إرادة استبداده (1) به.
~~والمراد بالضعيف: الذي لا يقوى على فعل الكل، أو لا يستبد به ولا يقاوم
~~القوي.
# (فإن كانا قويين فلم لا يدفع كل منهما صاحبه ويتفرد به) أي يلزم من
~~قوتهما انفراد كل بالتدبير، ويلزم منه عدم وقوع الفعل (فإن (2) زعمت أن
~~أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد) أي المبدأ للعالم واحد؛ لعجز الضعيف
~~عن المقاومة والتأثير، وثبت أيضا احتياج الضعيف إلى العلة الموجدة؛ لأن
~~القوي أقوى وجودا من الضعيف، وضعف الوجود لا يتصور إلا بجواز خلو المهية عن
~~الوجود، ويلزم منه الاحتياج إلى المبدأ المباين الموجد له.
# (فإن قلت: إنهما اثنان) أي المبدءان اثنان، وهذا هو الشق الباقي، أي
~~كونهما ضعيفين بأن يقدر ويقوى كل منهما على بعض، أو يفعل بعضا دون بعض
~~بالإرادة
# PageV00P263
# أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، والتدبير
~~واحدا، والليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر
~~على أن المدبر واحد، ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا
~~اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما
____________________
#
وإن كان يقدر على الكل، وفي هذا الشق (لا يخلو
~~(1) من أن يكونا متفقين) أي في الحقيقة (كل جهة) ويلزم من هذا عدم الامتياز
~~بالتعين؛ للزوم المغايرة بين الحقيقة والتعينين المختلفين، واستحالة
~~استنادهما إلى الحقيقة واستحالة استنادهما إلى ms183 الغير، فيكون لهما مبدأ (2)
~~(أو) يكونا مختلفين (مفترقين من كل جهة) وذلك معلوم الانتفاء؛ فإنا (لما
~~رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، والتدبير واحدا، والليل والنهار والشمس
~~والقمر دل صحة الأمر والتدبير، وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد) لا اثنان
~~مختلفان من كل جهة.
# ثم ذلك المدبر الواحد لا يجوز أن يكون واحدا بجهة من حيث الحقيقة، مختلفا
~~بجهة أخرى، فيكون المدبر اثنين (ويلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما) لأن
~~لهما وحدة فلا يتمايزان إلا بمميز فاصل بينهما (حتى يكونا اثنين) لامتناع
~~الاثنينية بلا مميز بينهما.
# وعبر عن الفاصل المميز بالفرجة؛ حيث إن الفاصل بين الأجسام يعبر عنه
~~بالفرجة، وأولئك الزنادقة لم يكونوا يدركون غير المحسوسات تنبيها على أنكم
~~لا تستحقون أن تخاطبوا إلا بما يليق استعماله في المحسوسات. وذلك المميز لا
~~بد أن يكون وجوديا داخلا في حقيقة أحدهما؛ إذ لا يجوز التعدد مع الاتفاق في
~~تمام الحقيقة كما ذكرنا.
# ولا يجوز أن يكون ذلك المميز ذا حقيقة يصح انفكاكها عن الوجود
~~وخلوها
# PageV00P264
# معهما، فيلزمك ثلاثة، فإن ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتى تكون
~~بينهم فرجة، فيكونوا خمسة، ثم يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في
~~الكثرة ".
#
____________________
#
عنه ولو عقلا، وإلا لكان معلولا محتاجا إلى
~~المبدأ، فلا يكون مبدأ أول ولا داخلا فيه، فيكون المميز الفاصل بينهما
~~قديما موجودا بذاته كالمتفق فيه، فيكون الواحد المشتمل على المميز الوجودي
~~اثنين لا واحدا، ويكون الاثنان اللذان ادعيتهما ثلاثة.
# (فإن) قلت به و (ادعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين) من تحقق المميز بين
~~الثلاثة، ولا بد من مميزين وجوديين حتى يكون بين الثلاثة فرجتان، ولا بد من
~~كونهما قديمين كما مر (فيكونوا خمسة) وهكذا.
# (ثم يتناهى (1) في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة) أي يتناهى الكلام
~~في التعدد إلى القول بما لا نهاية له في الكثرة، أو يبلغ عدده إلى كثرة غير
~~متناهية.
# أو المراد أنه يلزمك أن يتناهى المعدود المنتهي ضرورة ms184 بمعروض ما ينتهي به
~~العدد، أي الواحد إلى كثير لا نهاية له في الكثرة (2)، فيكون عددا بلا
~~واحد، وكثرة بلا وحدة، وعلى هذا يكون الكلام برهانيا لا يحتاج إلى ضميمة،
~~وعلى الأولين يصير بضم ما ذكرناه من ثالث الاحتمالات برهانيا. (3) ولا يبعد
~~أن يكون الإتيان منه (عليه السلام) بكلام ذي وجهين ليفهم منه المجادل
~~القاصر عن الوصول إلى البرهان ما يسكته، والواصل إلى درجة البرهان ما يوصله
~~إلى اليقين في نفي التعدد.
# PageV00P265
# قال هشام: فكان من سؤال الزنديق أن قال: فما الدليل عليه؟ فقال أبو عبد
~~الله (عليه السلام): " وجود الأفاعيل دلت على أن صانعا صنعها، ألا ترى أنك
~~إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني، علمت أن له بانيا، وإن كنت لم تر الباني ولم
~~تشاهده ". قال: فما هو؟ قال: " شيء
____________________
#
قوله: (فما الدليل عليه؟).
# لما بين (عليه السلام) أنه لا يجوز تعدد المبدأ الأول للعالم، سأله
~~السائل من الدليل على أن للعالم مبدأ، فأجابه (عليه السلام) بأن وجود
~~الأفاعيل المحكمة المتقنة المتسقة المنتظمة تدل على وجود صانع لها، ونبه
~~(عليه السلام) عليه بأنك (إذا نظرت إلى بناء مشيد) أي مطول أو مستحكم.
# ولما كان البناء يستعمل لغير المبني، أردفه بقول: " مبني " فإن الناظر
~~إلى البناء المطول المستحكم العالي يعلم أن له بانيا، وإن لم ير الباني ولم
~~يشاهده.
# قوله: (قال: فما هو؟ قال: شيء بخلاف الأشياء...).
# السؤال عن حقيقته بالكنه، أو بوجه يتماز به عن جميع ما عداه. والجواب
~~بيان الوجه الذي به الامتياز وهو وجه سلبي، أي كونه غير متصف بصفات الحقائق
~~المعلولة ومهياتها أصلا، أو على نحو اتصاف المعلولات بها، بل مخالفا إياها
~~حتى في الشيئية؛ فإن الشيئية لا يمكن انتزاعها منه انتزاعا يتجرد عن
~~الشيئية (1) ولو في اللحاظ العقلي، بخلاف المهيات المعلولة، فإنها كما تصير
~~في اللحاظ العقلي مجردة عن الوجود، وتعقل غير مخلوطة به، كذا تجرد (2) في
~~اللحاظ العقلي عن الشيئية، وتعقل غير مخلوطة به، فهو كما هو موجود بذاته،
~~شيء بذاته، ms185 وهي كما أن وجودها بغيرها، شيئيتها بغيرها، ومطابقة الجواب على
~~تقدير السؤال عن الكنه بأنه جواب باستحالة المعرفة بالكنه، إنما المتصور
~~المعرفة بالوجه السلبي المميز عن جميع الممكنات.
# PageV00P266
# بخلاف الأشياء، ارجع بقولي إلى إثبات معنى وأنه شيء بحقيقة الشيئية، غير
~~أنه لا جسم ولا صورة، ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس الخمس، لا تدركه
~~
____________________
#
وقوله: (ارجع بقولي إلى إثبات معنى) أي مقصود
~~باللفظ، (وأنه شيء) أي المبدأ موصوف بالشيئية (بحقيقة الشيئية) أي هو موصوف
~~بحقيقة الشيئية (1) وإطلاق الشيء عليه بهذا الاعتبار، والشيء مساو للموجود
~~إذا أخذ الوجود أعم من الذهني والخارجي، وأعم من الموجود العيني. (2)
~~والفرق بينهما أن المخلوط بالوجود هو الذي يصح انتزاع الوجود منه، سواء كان
~~بتجريدها عن الوجود الخارجي أو بدونها، فالمخلوط بالوجود مطلقا من حيث
~~الخلط شيء، وشيئيته كونه مهية قابلة له صحيح الخلط به، والوجود هو المعنى
~~البديهي المنتزع من الماهية المخلوطة به. فهنا مخلوط، وخلط، ومخلوط به،
~~فالمخلوط كالقابل، والمخلوط به كالصفة، والخلط كالاتصاف، وهو بما هو قابل
~~ومنتزع منه شيء، وبخلطه بالوجود موجود. والشاهد على تغايرهما - كما ذكرناه
~~- صحة قولك: " شيء موجود " دون " موجود شيء " ولشدة الاتصال بين المعنيين
~~وصعوبة التميز بينهما قال بعض بالعينية، وقوم بالمساوقة، وحقيقة الأمر ما
~~أشرنا إليه.
# والحاصل أنه حقيقة من الحقائق ينتزع منه الوجود، لكن لا يصح تجريد حقيقته
~~وتخليته في مرتبة من المراتب عن الوجود كما في الممكنات. وأشار إلى ذلك
~~بقوله: (غير أنه لا جسم ولا صورة) أي ليس مهية من المهيات المدركة لعقولنا
~~(3) التي (4) [هي] قابلة للتجريد عن الوجود الخارجي كالجسم [و] المادة
~~للصور والصور (5) الحالة فيها، ويندرج فيها كل الأمور المتعلقة بالمادة
~~وبالمتعلق بها نحوا من التعلق
# PageV00P267
# الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الأزمان ".
#
____________________
#
يعد به كالصورة لما تتعلق به، فيدخل فيها
~~النفس والعقل وأكثر الأعراض (1) (ولا يحس) أي ليس من شأنه أن يدرك بحاسة
~~البصر؛ فإن الإحساس في اللغة الإبصار، قال في الغريبين: " قوله تعالى: ms186
~~(فلما أحس عيسى منهم الكفر) (2) أي علمه وهو في اللغة أبصره، ثم وضع موضع
~~العلم والوجود. ومنه قوله تعالى: (هل تحس منهم من أحد) (3) أي هل ترى.
~~يقال: هل أحسست فلانا أي هل رأيته؟ " انتهى.
# (ولا يجس) (4) أي لا يمكن مسه باليد (ولا يدرك بالحواس الخمس) أي لا
~~بذاته ولا بكيفية له؛ فإنه لا كيفية له فضلا عن أن يكون له كيفية محسوسة
~~بأحد من الحواس الظاهرة.
# ثم نفى كونه مدركا بالحس الباطني بقوله: (لا تدركه الأوهام) فإن الوهم
~~يدرك كل ما يدركه سائر الحواس الباطنية وهو يدرك ما لا يدركه سائر الحواس.
~~فلما نفى كونه مدركا بالوهم، لزم كونه غير مدرك بشيء من الحواس الباطنة.
# ثم أراد تنزيهه عن النقص والتغير فقال: (ولا تنقصه الدهور (5) ولا تغيره
~~الأزمان) (6).
# PageV00P268
# 6. محمد بن يعقوب، قال: حدثني عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي،
~~عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي سعيد
~~الزهري، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " كفى لأولي الألباب - بخلق الرب
~~المسخر، وملك الرب
____________________
#
ولما كان الدهر ظرف الثابت بالنسبة إلى
~~المتغير، ويعبر عنه بنسبة الثابت إلى المتغير، والزمان ظرف المتغير بما هو
~~متغير، ويعبر عنه بنسبة المتغير إلى المتغير، فكل ما في الدهر يتصف بالنقص،
~~أي يخلو عما يقبله ويستحقه، أو يتصف بما لا يليق به، والأحرى به الخلو عنه؛
~~لكونه موضوعا للمتغير (1)، وكل ما في الزمان واقع في التغير؛ فبقوله: " ولا
~~تنقصه الدهور " نفي كونه واقعا في الدهر وموضوعا للمتغير، أو مرتبطا بما في
~~الدهر ارتباطا يوجب الاتصاف بما يتصف به الواقع في الدهر، وبقوله: " ولا
~~تغيره الأزمان " نفي كونه واقعا في الزمان أو مرتبطا بما في الزمان ارتباطا
~~يوجب اتصافه بصفات متغيرة.
# قوله: (كفى لأولي الألباب بخلق الرب المسخر...).
# " الخلق ": الإنشاء والإبداع، أو المراد به المخلوق.
# وعلى الأول فالمسخر اسم فاعل صفة للخلق أو الرب.
# وعلى الثاني اسم مفعول إذا جعل صفة للخلق. وكل ms187 مقهور مذلل لا يملك لنفسه
~~ما يخلصه من القهر مسخر.
# و" الملك " - بضم الميم وسكون اللام -: السلطنة والعز والقهر والغلبة.
# و" الجلال ": العظمة والرفعة والعلو.
# و" الظاهر ": بمعنى البين، أو بمعنى العالي الغالب، أو بمعنى العالم
~~بالأمور.
# وعلى الأول صفة للجلال. وعلى الأخيرين صفة للرب على الظاهر.
# و" النور ": ما به يظهر ويبصر الخفيات المحجوبات عن الأبصار.
# PageV00P269
# القاهر، وجلال الرب الظاهر، ونور الرب الباهر، وبرهان الرب الصادق، وما
~~أنطق به ألسن العباد، وما أرسل به الرسل، وما أنزل على العباد - دليلا على
~~الرب ".
#
____________________
#
و" البهر ": الإضاءة أو الغلبة.
# و" البرهان ": الحجة.
# وحاصل كلامه (عليه السلام) أن في الخلق - المسخر المتحرك بالاضطرار لا
~~بالطبع أو الإرادة - دلالة على وجود قاهر يقهره، والقاهر له الغلبة
~~والسلطنة والعزة، فهو إله ومعبود يستحق أن يعبد. وجلاله وعظمته وتعاليه عن
~~أن يشاركه غيره في الألوهية أو يدانيه يدل على وحدته كما سبق من دليل
~~التوحيد.
# والمراد بنور الرب: القوة العقلية الحاصلة للنفس بإشراق من المبادئ
~~العقلية عليها، الغالبة على الإدراك الحسي والوهمي.
# والمراد ببرهان الرب الصادق: المقدمات الحقة الضرورية التي يبتني عليها
~~إثبات الألوهية والتوحيد؛ فإنه بنور العقل يدرك المقدمات الضرورية وما في
~~الخلق المسخر، ويهتدى به إلى إلهيته ووحدته. ومن كمل عقله فلا يحتاج إلى
~~شيء آخر.
# ومن ضعف قوته العقلانية يحتاج إلى غيره مما أرسل به الرسل وجاؤوا به من
~~عند الله وما أنزل الله على العباد من الكتاب والحكمة والآيات، وإلى بيان
~~بعض من عباده لبعض، وأشار إليها بقوله: (وما أنطق به ألسن العباد وما أرسل
~~به الرسل وما أنزل على العباد).
# ويحتمل أن يكون المراد بما أنطق به ألسن العباد اللغات المختلفة، وبما
~~أرسل به الرسل الآيات وخوارق العادات، أو الشريعة المشتملة على الحكم
~~والمصالح، وبما أنزل على العباد البلايا والمصائب النازلة عليهم عند خروجهم
~~عن الإطاعة والانقياد، وطغيانهم وعدوانهم. وفيها من الدلالة على إلهيته
~~متوحدا ما لا يخفى، والمذكورات أولا دلائل من العاديات، وجل هذه من
~~خوارقها.
ms188 PageV00P270
# باب إطلاق القول بأنه شيء 1. محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمد
~~بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن
~~التوحيد، فقلت: أتوهم شيئا؟ فقال: " نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع
~~وهمك عليه من شيء فهو خلافه، لا يشبهه شيء ولا تدركه الأوهام، كيف تدركه
~~الأوهام وهو خلاف ما يعقل، وخلاف ما يتصور في الأوهام؟! إنما يتوهم شيء غير
~~معقول ولا محدود ".
# 2. محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن الحسن، عن
~~بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد، قال: سئل أبو جعفر الثاني (عليه السلام):
~~يجوز أن يقال لله: إنه شيء؟ قال: " نعم، يخرجه من الحدين: حد التعطيل، وحد
~~التشبيه ".
#
____________________
#
باب إطلاق القول بأنه شيء قوله: (سألت أبا
~~جعفر (عليه السلام) عن التوحيد) أي معرفته متوحدا بحقيقته وصفاته، فلا يوصف
~~بصفات غيره المغايرة للموصوف.
# وقوله: (أتوهم شيئا) أي أدركه (1) وأتصوره شيئا، وأصفه بالشيئية.
# وقوله: (نعم، غير معقول) أي نعم (2) توهمه وتصوره شيئا غير معقول، أي غير
~~مدرك بالعقل بكنهه إدراكا كليا (ولا محدود) أي بحدود عقلية أو حسية، وكل
~~مدرك بالحواس والقوة الوهمية (3) إدراكا جزئيا محدود، فما وقع وهمك عليه
~~وتدركه به فهو سبحانه خلافه، وكيف يدركه الأوهام وهو خلاف ما يعقل ويتصور
~~في الأوهام؛ لأنه يجوز على كل معقول ومتصور بالوهم تجريد العقل إياه عن
~~الإنية والوجود، بخلافه سبحانه.
# قوله: (قال: نعم يخرجه من الحدين...) أي يجوز أن يقال لله: إنه شيء، ويجب
~~أن يخرجه القائل من الحدين، فقوله: " يخرجه " إنشاء في قالب الخبر.
# PageV00P271
# 3. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي المغراء، رفعه، عن
~~أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: " إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه،
~~وكل ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله ".
#
____________________
#
والمراد بحد التعطيل الخروج عن الوجود وعن
~~الصفات الكمالية والفعلية (1) والإضافية، وبحد التشبيه الاتصاف بصفات ms189
~~الممكن والاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات.
# قوله: (إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه).
# " الخلو " - بكسر الخاء وسكون اللام -: الخالي. والمراد أنه سبحانه لا
~~يتصف بالشيء المغاير له (2)، ولا يكون المغاير جزءا له، ولا يكون جزءا من
~~شيء، أو صفة لشيء؛ لأن كل شيء مغاير له مخلوق له؛ لامتناع تعدد الموجد
~~الأول، وكون كل ممكن محتاجا إلى المبدأ مخلوقا له، فكل ما يغايره مخلوقه،
~~واتصافه بمخلوقه مستحيل (3)؛ لأن كل ما يمكن اتصافه بشيء يكون فيه
~~استعداده، والمستعد للشيء فاقد له (4)، والفاقد للشيء وللأتم (5) والأكمل
~~منه لا يتأتى منه إعطاؤه، فإن كان الأول
# PageV00P272
# 4. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن النضر
~~بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) يقول: " إن الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وكل ما
~~وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء، تبارك الذي
~~ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ".
#
____________________
#
سبحانه موصوفا في حد ذاته بحقيقة الصفة،
~~فحقيقتها موجودة بذاته متحدة بالواجب تعالى، فكيف يخلق صفة؟ وإن كان موصوفا
~~في حد ذاته بالأتم والأكمل، فكيف يتصف بالناقص المضاد للكامل؟ على أن نسبة
~~الفاعل إلى المفعول نسبة بالوجوب، ونسبة قابل الشيء إليه نسبة بالإمكان،
~~ولا يكون نسبة شيء واحد إلى شيء بالوجوب والإمكان إلا إذا كان له جهتان
~~يأتلف منهما، فيقع الاختلاف من جهتين، وكل ما هذا شأنه ممكن محتاج في ذاته
~~إلى علة؛ لأن المتألف لا بد له من موجب له موجود، ولا يكون أحدهما
~~لاتحادهما خارجا، فيكون الموجود الموجب مغايرا له، وكل محتاج إلى مغاير له
~~ممكن مخلوق.
# قوله: (وكل ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله فهو مخلوق، والله خالق كل
~~شيء) أي ابتداء لا بأن يكون خالق شيء.
# وقوله: (تبارك الذي ليس كمثله شيء) أي تقدس وتنزه الذي ليس شيء مثله.
# ويعلم من هذا ms190 كونه خالقا ابتداء لكل شيء بأنه لو خلق غيره لكان مثله في
~~الخالقية والإيجاد والإلهية لخلقه، وهو منزه عن أن يشاركه شيء في الخالقية؛
~~لأن المشارك في الخالقية يجب أن يكون مشاركا له في الإيحاب، ولا إيجاب إلا
~~مما له الوجوب، والوجوب بالغير صفة للغير حقيقة، وإلا فيتأخر عن الوجود،
~~فيكون وجوبا لاحقا، لا سابقا مصححا للموجودية والإيجاب والإيجاد.
# وقوله: (وهو السميع البصير).
# إشارة إلى أن كونه سميعا بصيرا لا يوجب مشاركته ومماثلته لغيره. ولا
~~اتصافه بمخلوق كما في المخلوق.
PageV00P273
# 5. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير. عن علي بن عطية، عن خيثمة،
~~عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " إن الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وكل
~~ما وقع عليه اسم شيء ما خلا الله تعالى، فهو مخلوق، والله خالق كل شيء ".
# 6. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن هشام بن
~~الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال للزنديق حين سأله: ما هو؟
~~قال: " هو شيء بخلاف الأشياء، ارجع بقولي إلى إثبات معنى، وأنه شيء بحقيقة
~~الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة، ولا يحس ولا يجس، ولا يدرك بالحواس
~~الخمس، لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور، ولا تغيره الأزمان ".
# فقال له السائل: فتقول: إنه سميع بصير؟ قال: " هو سميع بصير: سميع بغير
~~جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه؛ ليس قولي: إنه سميع
~~يسمع بنفسه وبصير يبصر بنفسه أنه شيء والنفس شيء آخر، ولكن أردت عبارة عن
~~نفسي إذ كنت مسؤولا، وإفهاما لك إذ كنت سائلا، فأقول: إنه سميع بكله لا أن
~~الكل منه له بعض، ولكني أردت إفهامك، والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك
~~إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير، بلا اختلاف الذات ولا اختلاف
~~المعنى ".
#
____________________
#
وهذه الرواية والتي قبلها والتي بعدها أوردت
~~في هذا الباب لتضمنها استثناءه سبحانه من قوله: " كل ما وقع عليه اسم شيء
~~فهو مخلوق " بقوله: " ما خلا ms191 الله ".
# قوله: (لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان).
# مضى مثله في باب حدوث العالم وشرح هناك.
# وقوله: (لا أن الكل منه له بعض) أي ليس المراد بكله أنه مجتمع من أبعاض
~~وله بعض، بل المراد بكونه سميعا بكله كونه سميعا بحقيقته وذاته الواحدة غير
~~المنقسمة والمتكثرة، أو المعنى أنه سميع بكله، لا أن الكل منه له بعض حتى
~~يتوهم أنه يسمع به، فالمراد بكونه سميعا بكله نفي كونه سميعا ببعضه.
# وقوله: (وليس مرجعي في ذلك (1) إلا إلى أنه السميع البصير العالم الخبير،
~~بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى) أي ليس مرجعي في كلامي ولا يرجع
~~كلامي
# PageV00P274
# قال له السائل: فما هو؟ قال أبو عبد الله: " هو الرب، وهو المعبود، وهو
~~الله، وليس قولي: " الله " إثبات هذه الحروف: ألف ولام وهاء، ولا راء، ولا
~~باء ولكن ارجع إلى معنى وشئ خالق الأشياء وصانعها ونعت هذه الحروف، وهو
~~المعنى سمي به الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه، وهو
~~المعبود جل وعز.
#
____________________
#
إلا إلى كونه سميعا بصيرا، ومرجع السمع والبصر
~~فيه إلى كونه عالما خبيرا بالمسموع والمبصر كعلم السامع البصير (1) منا،
~~لكن لا بآلة وجارحة كما في الحيوان، بل بلا اختلاف الذات بالأجزاء " ولا
~~اختلاف المعنى " أي الصفة للذات، أو للصفة؛ لما سبق (2) من امتناع اختلاف
~~جهتي القابلية والفعلية، والإمكان والوجوب في المبدأ الأول جل شأنه.
# قوله: (قال له السائل فما هو؟) أي إذا لم يكن له جزء ولا صفة، فما الذي
~~يقال عليه ويعرف به؟ وقال أبو عبد الله (عليه السلام) في جوابه: (إنه (3)
~~الرب وهو المعبود) أي يعرف بالفعل والإضافة بالنسبة إلى من يريد معرفته، أو
~~منسوب إليه، أو بالنسبة إلى الكل، فلا يضاف إلى منسوب إليه كالتعبير عنه
~~بأنه هو الله؛ فإنه ليس المقصود بقوله: " هو الله " أنه هذه الحروف: ألف
~~ولام وهاء، ولا بقوله: " هو الرب " أنه راء وباء، ولكن إثبات معنى، أي صفة
~~فعلية هو خالق الأشياء وصانعها، فيعرف بأنه ms192 موصوف بالصفة الفعلية. وهذه
~~حروف وضعت للموصوف بهذه الصفة، فينتقل منها إليه، وليست هو هي؛ فإن (نعت
~~هذه الحروف وهو المعنى).
# وقوله: " ونعت " مبتدأ مضاف إلى قوله: " هذه " وخبره " الحروف "، والمعنى
~~أن نعت هذه الحروف التي في " الله " و" رب " أنها حروف، وأنها ألف، لام،
~~هاء، راء، باء، و" هو " أي المقصود إثباته المعنى (سمي به) أي سمي المعنى
~~بالاسم الذي هو هذه الحروف. فتذكير الضمير باعتبار الاسم.
# PageV00P275
# قال له السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا، قال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا؛ لأنا لم نكلف غير
~~موهوم، ولكنا نقول: كل موهوم بالحواس
____________________
#
وقوله: (الله والرحمن) مبتدأ، خبره من أسمائه.
# قوله: (قال له السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا) أي فلم نجد المدرك
~~بالوهم إلا مخلوقا؛ لما ذكرت أنه لا تدركه الأوهام، فما يحصل في الوهم يكون
~~مخلوقا، وما لا يحصل في الوهم لا يكون مدركا للوهم، فأجاب (عليه السلام)
~~بأن كل مدرك للوهم (1) لو كان حاصلا بحقيقته في الوهم (لكان التوحيد عنا
~~مرتفعا لأنا لا نكلف (2)) ما لا ندركه بالوهم، ولكن ليس الإدراك بالوهم
~~مستلزما لحصول حقيقة المدرك في الوهم ونقول: كل موهوم مدرك (3) بالحواس
~~بإحدى الجهتين:
# أولاهما: أن تحده الحواس وتحيط به بحقيقته.
# وثانيتهما: أن تمثله بصورته وشبحه فهو مخلوق.
# أما الجهة الأولى: فلأن حصول الحقيقة بعد النفي، ونفيها بعد الحصول في
~~الوهم إبطال وعدم للحقيقة، كل ما يطرأ عليه العدم، أو يكون معدوما يكون
~~ممكن الوجود، محتاجا إلى الفاعل الصانع له، فلا يكون مبدأ أول.
# وأما الجهة الثانية: أي الحصول بالشبح والصورة المشابهة يتضمن التشبيه،
~~والتشبيه صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف؛ لأن التشبيه بالمماثلة في
~~الهيئة والصفة، ولا تكونان إلا للمخلوق المركب، أو المؤلف من الأجزاء، أو
~~من الذات والصفة.
# ويحتمل أن يكون الجهتان جهتي الاستدلال بالمحدودية بالوهم والتمثل (4)
~~فيه على المخلوقية، إحداهما جهة النفي، وثانيتهما جهة التشبيه.
# PageV00P276
# مدرك بها، تحده الحواس وتمثله، فهو ms193 مخلوق؛ إذ كان النفي هو الإبطال
~~والعدم. والجهة الثانية: التشبيه؛ إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر
~~التركيب والتأليف، فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود المصنوعين والاضطرار
~~إليهم أنهم مصنوعون، وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم؛ إذ كان مثلهم شبيها بهم
~~في ظاهر التركيب والتأليف وفيما يجري عليهم من حدوثهم بعد إذ لم يكونوا،
~~وتنقلهم من صغر إلى كبر، وسواد إلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال موجودة لا
~~حاجة بنا إلى تفسيرها لبيانها ووجودها ".
# قال له السائل: فقد حددته إذ أثبت وجوده، قال أبو عبد الله (عليه
~~السلام): " لم أحده ولكني أثبته
____________________
#
قوله: (فلم يكن بد من إثبات الصانع لوجود
~~المصنوعين...) أي لا بد من القول بثبوت صانع لتحقق المصنوعين وثبوت
~~الاضطرار لهم. ف " إلى " في قوله:
# (والاضطرار إليهم) بمعنى اللام، أو بمعنى " من ".
# والمراد بالاضطرار إما شدة الحاجة إلى الصانع غير المصنوع، أو اضطرار
~~المصنوعين في الأفعال التي يجب استنادها إلى القادر المختار، حتى يثبت
~~الصانع بقدرته واختياره.
# وقوله: (أنهم مصنوعون...) تحرير للاستدلال على وجود الصانع الواجب الوجود
~~المنزه عن صفات المخلوقين ومشابهتهم بعد التنبيه على ما هو مناطه.
# وخلاصة الاستدلال: أنه لا شك في وجود المصنوعات، والمصنوعات بجملتها
~~مصنوعة محتاجة إلى صانع غير مصنوع لا يماثلهم فيما لا ينفك عن الاحتياج من
~~التركيب في الذات، والتأليف عن الذات، والصفة، والخروج من العدم، والخلو عن
~~الوجود إلى الوجود، والخروج من حال إلى حال، كالتنقل من صغر إلى كبر، وسواد
~~إلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال أخر لا حاجة إلى شرحها؛ لظهورها لنا
~~وتحققها فينا.
# وقوله: (فقد حددته إذ أثبت وجوده) إيراد سؤال على كونه موجودا بأن إثبات
~~الوجود له يوجب التحديد، إما باعتبار التحدد بصفة هو الوجود، أو باعتبار
~~كونه
PageV00P277
# إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلة ".
# قال له السائل: فله إنية ومائية؟ قال: " نعم، لا يثبت الشيء إلا بانية
~~ومائية ".
#
____________________
#
محكوما عليه، فيكون موجودا في الذهن محاطا به.
# والجواب أنه لا يلزم ms194 تحديده وكون حقيقته حاصلة في الذهن، أو محددة بصفة؛
~~فإن الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن، والوجود ليس من الصفات
~~المغايرة التي تحد بها الأشياء. وأشار إليه بقوله (عليه السلام): (لم أحده
~~ولكني أثبته (1) إذ لم يكن بين النفي والإثبات منزلة) فلما انتفى النفي ثبت
~~الثبوت.
# ثم (قال له السائل: فله إنية ومائية) أي وجود منتزع، وحقيقة ينتزع منها
~~الوجود، فأجاب (وقال: نعم، و (2) لا يثبت الشيء) أي لا يكون موجودا إلا
~~بإنية ومائية، أي مع وجود وحقيقة ينتزع الوجود منها.
# وينبغي أن يعلم أن الوجود يطلق على المنتزع المخلوط بالحقيقة العينية
~~عينا، وعلى مصحح الانتزاع، والمنتزع غير الحقيقة في كل موجود، والمصحح في
~~الأول تعالى حقيقته العينية وإن دلنا عليه غيره، والمصحح في غيره مغاير
~~للحقيقة والمهية، فالمعنى الأول مشترك بين الموجودات كلها، والمعنى الثاني
~~في الواجب عين الحقيقة الواجبية.
# ولعل المراد هنا المعنى الأول؛ لإشعار السؤال بالمغايرة وكذا الجواب
~~بقوله: " لا يثبت (3) الشيء إلا بإنية ومائية " حيث جعل الكل مشتركا فيه،
~~والمشترك فيه إنية مغايرة للمائية (4).
# PageV00P278
# قال له السائل: فله كيفية؟ قال: " لا، لأن الكيفية جهة الصفة والإحاطة،
~~ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه؛ لأن من نفاه فقد أنكره ودفع
~~ربوبيته وأبطله، ومن شبه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين الذين
~~لا يستحقون الربوبية، ولكن لا بد من إثبات أن له كيفية لا يستحقها غيره،
~~ولا يشارك فيها ولا يحاط بها، ولا يعلمها غيره ".
#
____________________
#
وقوله: (قال: لا؛ لأن الكيفية جهة الصفة
~~والإحاطة) أي الكيفية حال الشيء باعتبار الاتصاف بالصفة والانحفاظ والتحصل
~~بها؛ لأن الاتصاف فعلية من القوة؛ فهو بين الفعلية بالصفة الموجودة، أو
~~بعدمها، وهو في ذاته بين بين، خال من الفعليتين، فعلية (1) وجوده وتحصله
~~محفوظة بالكيفية ولا بد له من جهة أخرى، فإذا هو مؤتلف مصنوع تعالى عما
~~يقوله الظالمون.
# وقوله: (ولكن لا بد من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه) أي لا بد من
~~القول بوجوده سبحانه واتصافه بكماله ms195 في ذاته، وهو الخروج من التعطيل،
~~وبتنزهه سبحانه من الاتصاف بالصفات الزائدة كاتصاف المخلوقين وهو الخروج من
~~جهة التشبيه (لأن من نفاه) أي قال بزوال وجوده، وحكم بعدمه في ذاته، أو في
~~اتصافه بالصفات الكمالية الذاتية أو الفعلية (فقد أنكره) بما هو عليه من
~~وجوده بذاته (ودفع ربوبيته [وأبطله] ومن شبهه بغيره) أي قال باتصافه
~~بالصفات الزائدة كاتصاف المخلوقين (فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين
~~الذين لا يستحقون الربوبية) كما نبهت عليه.
# وقوله: (ولكن لا بد من إثبات أن له كيفية) بيان لصحة أن يقال: " له كيفية
~~"
# PageV00P279
# قال السائل: فيعاني الأشياء بنفسه؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): " هو
~~أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة ومعالجة؛ لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا
~~تجيء الأشياء له إلا بالمباشرة والمعالجة، وهو متعال نافذ الإرادة
~~والمشيئة، فعال لما يشاء ".
#
____________________
#
لا بالمعنى المصطلح عليه للكيفية كما يقال في
~~سائر الألفاظ ولا بمعانيها اللغوية أو الاصطلاحية؛ لأن الألفاظ بحسب وضعها
~~لمعانيها ابتداء إنما هي لمدركات الأوهام والأفهام، ثم استعمل عند التنبه
~~(1) لما يتعالى عن تلك الإدراكات وعدم وجدان لفظ موضوع له فيه (2) كاستعمال
~~الألفاظ في مجازاتها.
# والمراد أن له كيفية لا كتلك الكيفيات المدركة لنا (لا يستحقها غيره) أي
~~لا يمكن لغيره من المهيات المغايرة للوجود، فلا يتصف بها غيره، لا
~~بالانفراد ولا بالمشاركة.
# وقوله: (ولا يحاط بها) أي لا يقع بها الإحاطة، فلا يخرج بها من قابلية
~~إلى فعلية.
# قوله: (قال السائل فيعاني الأشياء بنفسه؟) معاناة الشيء: ملابسته
~~ومباشرته (3) وتحمل التعب في فعله. والمراد أنه إذا كان واحدا أحدا لا
~~تركيب فيه ولا تأليف متفردا بالربوبية، إذ لا يستحقها مصنوع، فيباشر خلق
~~الأشياء وصنعها بنفسه ويعالجها (4)، ويتحمل مشقة فعلها بذاته.
# وأجاب (عليه السلام) عنه ب [أن] الله سبحانه (أجل من أن يعاني الأشياء
~~بمباشرة ومعالجة؛ لأن ذلك) أي المعاناة بمباشرة ومعالجة (صفة المخلوق الذي
~~لا يجيء الأشياء له) أي لا يحصل له ولا يتيسر له فعلها؛ لعجزه وقصوره عن أن
~~يترتب ms196 وجود الأشياء على إرادته ومشيته، فلا يتأتى له فعلها (إلا بالمباشرة
~~والمعالجة، وهو سبحانه متعال) عن ذلك (نافذ الإرادة والمشية، فعال لما
~~يريد) فإذا أراد وجود شيء بأسبابه يوجد مترتبا على وجود أسبابه، وإذا أراده
~~لا بأسبابه العادية يوجد بلا أسبابه على خلاف العادة.
# PageV00P280
# 7. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن عيسى، عمن ذكره
~~قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام): أيجوز أن يقال: إن الله شيء؟ قال: " نعم،
~~يخرجه من الحدين: حد التعطيل وحد التشبيه ".
# باب أنه لا يعرف إلا به 1. علي بن محمد، عمن ذكره، عن أحمد بن محمد بن
~~عيسى، عن محمد بن حمران، عن الفضل بن السكن، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " اعرفوا الله بالله، والرسول
~~بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان ".
# ومعنى قوله (عليه السلام): " اعرفوا الله بالله " يعني أن الله خلق
~~الأشخاص والأنوار والجواهر
____________________
#
باب أنه لا يعرف إلا به قوله: (اعرفوا الله
~~بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان).
# أقول: هذا الكلام يحتمل وجوها:
# أحدها: أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشيء به بأنه هو هو، فمعنى "
~~اعرفوا الله بالله " أنه أعرفوه بأنه هو الله مسلوبا عنه جميع ما يعرف به
~~الخلق من الأجسام والأرواح والأعيان والألوان والأنوار، وبالجملة من
~~الجواهر والأعراض ومشابهة شيء منها أو مماثلته، فهو هو الله معروفا بسلب
~~المشابهة والمماثلة للمخلوقات. وهذا هو الذي ذكره المصنف (رحمه الله)
~~بقوله: (ومعنى قوله: اعرفوا الله بالله يعني أن الله خلق الأشخاص
~~والأنوار).
# وأما قوله: " والرسول بالرسالة " فمعناه أن معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه
~~الشريعة، وهو مرسل بهذه الأحكام وهذا الكتاب وهذا الدين، ومعرفة أولي الأمر
~~بأنه الآمر بالمعروف والعالم العامل به و" بالعدل " أي الطريقة الوسطى، و"
~~الإحسان " أي الاستقامة واتباع طريقة السابقين عليه من السالكين على
~~الطريقة
PageV00P281
#
#
____________________
#
المستقيمة. والحاصل أنه يعرف الإمام بأنه الذي
~~عين لإقامة المعروف والعدل والإحسان ms197 (1)، وهو العالم به، القائم عليه،
~~المقيم له.
# وثانيها: أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوى النفس
~~العاقلة والمدركة وما يكون بمنزلتها ويقوم مقامها، فمعنى " اعرفوا الله
~~بالله " أنه أعرفوه بالله، أي بنور الله المشرق على القلوب ولو بوساطة
~~العقول المفارقة؛ فإن القوى النفسانية بنفسها قاصرة عن (2) معرفته سبحانه،
~~إنما يعرف بنور الله المطلع على الأفئدة. واعرفوا الرسول بالرسالة، أي بما
~~يشرق على النفوس بتوسط رسالة الرسول. واعرفوا أولي الأمر بالمعروف، أي
~~بالعلم بالمعروف والعدل والإحسان، وما يحصل للنفس من استكمال القوة العقلية
~~بها.
# وثالثها: أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة والحجج، فمعنى " اعرفوا
~~الله بالله " أنه أعرفوه بالمقدمات العقلية البرهانية التي هداكم الله
~~إليها وأعطاكم علمها، وإن كانت قد يحتاج إلى تنبيه وهداية إليها، لا بما
~~أرسل به الرسول من الآيات والمعجزات، وبقول الرسل (3)؛ فإنها متأخرة
~~المعرفة عن معرفة الله و" اعرفوا الرسول بالرسالة " أي بما أرسل به من
~~الآيات والدلائل بعد معرفته سبحانه، واعرفوا أولي الأمر بعلمه بالمعروف
~~وإقامة العدل والإحسان بعد معرفتكم المعروف بتوسط معرفة الله ومعرفة الرسول
~~والاطلاع على ما جاء به.
# ووجه رابع لمعرفة الله بالله، وهو أن جميع ما يعرف به ينتهي إليه سبحانه،
~~كما ذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) في كتاب التوحيد بقوله: "
~~الصواب في هذا الباب أن يقال: عرفنا الله بالله؛ لأنا إن عرفناه بعقولنا
~~فهو عز وجل واهبها، وإن عرفناه U
# PageV00P282
# والأعيان؛ فالأعيان: الأبدان، والجواهر: الأرواح، وهو جل وعز لا يشبه
~~جسما ولا روحا، وليس لأحد في خلق الروح الحساس الدراك أمر ولا سبب، هو
~~المتفرد بخلق الأرواح والأجسام، فإذا نفى عنه الشبهين - شبه الأبدان، وشبه
~~الأرواح - فقد عرف الله بالله، وإذا شبهه بالروح أو البدن أو النور فلم
~~يعرف الله بالله.
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن علي بن
~~عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال: ms198 سئل أمير المؤمنين (عليه السلام): بم عرفت ربك؟ قال: " بما عرفني نفسه
~~". قيل: وكيف عرفك نفسه؟ قال: " لا يشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس
~~بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شيء ولا
~~
____________________
#
بأنبيائه ورسله وحججه (عليهم السلام) فهو عز
~~وجل باعثهم ومرسلهم ومتخذهم حججا، وإن عرفناه بأنفسنا فهو عز وجل محدثها؛
~~فبه عرفناه " (1) انتهى.
# لكن على هذا يكون معرفة الرسول وأولي الأمر أيضا بالله، فلا ينبغي الفرق
~~بينهما وبين معرفة الله في ذلك، وأيضا لا يلائمه قوله: " اعرفوا الله بالله
~~".
# اللهم إلا أن يقال: الفرق باعتبار أصناف المعرفة، فالمعرفة (2) بالرسالة
~~صنف من المعرفة بالله، والمعرفة بالمعروف صنف آخر منها، ومعرفة الله فيها
~~أصناف لا اختصاص لها بصنف. والمراد ب " اعرفوا الله بالله ": حصلوا معرفة
~~الله التي تحصل بالله.
# قوله: (علي بن عقبة بن قيس بن سمعان بن أبي ربيحة) (3) وفي كتب الرجال
~~بالراء المهملة المضمومة والباء المنقطة تحتها نقطة، ثم الياء المنقطة
~~تحتها نقطتين.
# وفي بعض النسخ بالزاي المفتوحة، والياء المثناة تحت، ثم حاء مهملة.
# قوله: (قال (عليه السلام): لا يشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس
~~بالناس) أي عرفته بنفي الشبه والمماثلة والمحدودية بالحواس والمقايسة
~~بالناس. والمعني
# PageV00P283
# يقال: شي فوقه، أمام كل شيء ولا يقال: له أمام، داخل في الأشياء، لا كشئ
~~داخل
____________________
#
بالمقايسة أن يقال: ما نسبته إلى خلقه مثلا
~~كنسبة الصورة والقوة من المادة، أو كنسبة النفس إلى البدن، أو كنسبة الأب
~~إلى الابن، أو كنسبة الزوج إلى زوجته؛ تعالى عما يشركون.
# وقوله: (قريب في بعده) أي قريب من حيث إحاطة علمه بالكل في بعده من الكل
~~من حيث المباينة في الذات والصفات، أو من حيث عدم إحاطة علم أحد من خلقه
~~به.
# (بعيد في قربه) فهو عند الإحاطة بالكل علما وتصرفا بعيد ذاتا وتنزها عن
~~أن يحدد (1) ويحاط بالمدارك.
# وقوله: (فوق كل شيء) أي بالقدرة والغلبة عليه وكماله وتماميته بالنسبة
~~إلى كل شيء ونقص الكل بالنسبة ms199 إليه، فكل متوجه إلى فوق ما عليه متوجه إليه،
~~وكل متنزل صارف عنه.
# وقوله: (ولا يقال: شيء فوقه) فيه إشعار إلى أن إطلاق الفوق فيه بالمعنى
~~المجازي، ولا يصح هذا المجاز في شيء بالنسبة إليه. وكذا قوله: (أمام كل
~~شيء) أي سابق على كل شيء ومتقدم عليه في جهة وجهته؛ فإن كل شيء متوجه نحو
~~كماله.
# (ولا يقال: له أمام) ولا يصح هذا الإطلاق مجازا في شيء بالنسبة إليه.
# وقوله: (داخل في الأشياء) أي لا يخلو شيء من الأشياء ولا جزء من أجزائه
~~بالغا ما بلغ كيف بلغ عن تصرفه وحضوره العلمي، لا كدخول الممكنات في
~~الأمكنة، ولا كدخول الجزء في الكل، ولا كدخول العارض في المعروف.
# والحاصل: أن دخول الماديات بعضها في بعض بحسب قرب الأمكنة والاتصالات
~~والأوضاع الجرمانية، ودخول المهيات بعضها في بعض دخول الجزء في الكل، أو
~~دخول العارض في المعروض، وقرب المجرد المفارق عن المادة
# PageV00P284
# في شيء، وخارج من الأشياء، لا كشئ خارج من شيء، سبحان من هو هكذا ولا
~~هكذا غيره، ولكل شيء مبتدأ ".
# 3. محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن
~~حازم، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني ناظرت قوما فقلت لهم: إن
~~الله - جل جلاله - أجل وأعز وأكرم من أن يعرف بخلقه، بل العباد يعرفون
~~بالله، فقال: " رحمك الله ".
#
____________________
#
قرب بحسب الحضور العلمي والاتصالات العقلية،
~~فهو داخل حاضر في الأشياء بعلمه بها، خارج من (1) الأشياء، يتعالى ذاته عن
~~ملابستها ومقارنتها، والاتصاف بصفتها، والائتلاف منها، لا كخروج شيء من شيء
~~بالبعد المكاني، أو المحلي، أو التحدد بحدود مختلفة يوجب خروج شيء من شيء
~~مع التشارك في المهية الإمكانية، بل لتعاليه عن المهية المغايرة للوجود
~~(سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره) أي لا يشاركه في هذه الصفات شريك وذات
~~مغاير له (وهو (2) لكل شيء مبتدأ (3)) أي لا واجب غيره، وكل شيء مخلوق له،
~~فلا يوافق شيئا منها موافقة الموافقات منها، ولا يخالف شيئا ms200 منها مخالفة
~~المخالفات منها، ولو كان كذلك لصدر منه بعض دون بعض، بل نسبته إلى الكل في
~~التوافق والتخالف غير مختلفة، فهو في مبدئيته متساوي النسبة إلى الكل، وإن
~~توقف بعضها على بعض.
# قوله: (إن الله جل جلاله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه) أي (4) أن يعرف
~~بوجوده وصفاته الكمالية وتقدسه وتنزهه عما لا يليق به بوساطة العلم بصدق
~~خلقه كالنبي والحجج، وبإخباره؛ لأن الله سبحانه أول الأشياء، وبرهانه أول
~~البراهين وأظهر الأشياء، وبرهانه أظهر البراهين، وصدق الأنبياء والحجج إنما
~~يعرف بمعرفة الله سبحانه، فكيف يعرف الله سبحانه بقولهم؟!
# أو المراد من أن يتوقف معرفته على وجود خلقه، فلا يعرفه أحد إلا
~~بتوسط
# PageV00P285
# باب أدنى المعرفة 1. محمد بن الحسن، عن عبد الله بن الحسن العلوي؛ وعلي
~~بن إبراهيم، عن المختار بن محمد بن المختار الهمداني جميعا، عن الفتح بن
~~يزيد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن أدنى المعرفة، فقال: "
~~الإقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنه قديم مثبت
~~
____________________
#
معرفته بخلق غيره، أو بمخلوقية خلق؛ لأنه
~~سبحانه (1) أعظم وأجل من أن لا يقدر على إقامة البراهين لمعرفته بلا توسط
~~معرفة خلق آخر، أو معرفة مخلوقية شيء من الأشياء، وأكرم وألطف بعباده من أن
~~يقدر عليها ولا يقيم ولا يهديهم إليها، بل معرفة الأنبياء والحجج تتوقف على
~~معرفة باعثهم وخالقهم.
# ويحتمل أن يكون قوله: (يعرفون بالله) على صيغة المعلوم، أي بل العباد -
~~أي العقلاء من خلقه - يعرفون الله بالله، لا بتوسط المخلوق، ويكون إشارة
~~إلى طريقة الصديقين الذين يستدلون بالحق (2)، لا عليه.
# باب أدنى المعرفة قوله: (سألته عن أدنى المعرفة فقال: الإقرار بأنه لا
~~إله غيره) أي ما لا بد لكل أحد من المكلفين بالمعرفة. ولا يكون بدونه من
~~أهلها الإقرار والاعتقاد بوجود إله، أي خالق مستحق لأن يعبد، متفرد
~~بالإلهية، متنزه عن الشبه، فلا يشبه هو غيره.
# أو المراد: لا شبيه له في استحقاق العبادة (ولا نظير له) أي المماثل
~~الممانع، فلا ms201 يشاركه غيره في مرتبته ولا يعارضه (وأنه قديم) أي غير محتاج
~~إلى علة
# PageV00P286
# موجود، غير فقيد، وأنه ليس كمثله شيء ".
#
____________________
#
ولا مخرج من العدم إلى الوجود (مثبت) أي محكوم
~~عليه بالثبوت والوجود لذاته بالبراهين القاطعة (موجود) أي حقيقة عينية، لها
~~ما ينتزع العقل ويدركه منه من المعنى البديهي المعبر عنه بالوجود، أو من
~~الوجدان، أي معلوم (غير فقيد) أي غير مفقود زائل الوجود، أو لا يفقده
~~الطالب، أو غير مطلوب عند الغيبة؛ حيث لا غيبة له.
# والحاصل: أنه لا مبدأ لوجوده، فهو الأول ولا نهاية لوجوده، فهو الآخر،
~~وهو مثبت الوجود لذاته بالأدلة القاطعة الظاهرة؛ فهو الظاهر مخفي لشدة
~~ظهوره (1) وعدم غيبته عن شيء؛ فلا يغيب عنه شيء، فهو الباطن لخفائه أو
~~اطلاعه على البواطن والخفايا.
# (وأنه ليس كمثله شيء) أي لا يشاركه شيء في حقيقته، أو فيها وفي صفاته
~~وأموره، فلا هو كشئ من خلقه فيما يعد من صفة خلقه ويليق به، ولا شيء غيره
~~مثله في حقيقته، أو فيما هو من صفاته وما يليق به.
# وهذا الحديث قريب مما روي عن ابن عباس (2) قال: جاء أعرابي إلى النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله علمني من غرائب العلم، قال:
~~" ما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه؟ " قال الرجل: ما رأس العلم يا
~~رسول الله؟ قال: " معرفة الله حق معرفته " قال الأعرابي: وما معرفة الله حق
~~معرفته؟ قال: " تعرفه بلا مثل ولا شبه ولا ند وأنه واحد أحد، ظاهر باطن،
~~أول آخر، لا كفو له ولا نظير له، فذلك حق معرفته " (3).
# PageV00P287
# 2. علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن طاهر بن حاتم في حال استقامته أنه
~~كتب إلى الرجل: ما الذي لا يجتزأ في معرفة الخالق بدونه؟ فكتب إليه: " لم
~~يزل عالما وسامعا وبصيرا، وهو الفعال لما يريد ". وسئل أبو جعفر (عليه
~~السلام) عن الذي لا يجتزأ بدون ذلك من معرفة الخالق، فقال: " ليس كمثله
~~شيء، ولا يشبهه شيء، لم ms202 يزل عالما سميعا بصيرا ".
#
____________________
#
قوله: (عن طاهر بن حاتم في حال استقامته).
# ذكر مشايخنا في كتب الرجال أن طاهر بن حاتم بن ماهويه القزويني أخو فارس،
~~كان مستقيما، ثم تغير وأظهر القول بالغلو، وهو من أصحاب الرضا (عليه
~~السلام) (1).
# وقوله: (كتب إلى الرجل) أي (2) أبي الحسن الرضا (عليه السلام).
# روى (3) ابن بابويه في كتاب التوحيد بإسناده عن طاهر بن حاتم بن ماهويه،
~~قال:
# كتبت إلى الطيب يعني أبا الحسن (عليه السلام): ما الذي لا يجتزأ في معرفة
~~الخالق (4) بدونه؟
# فكتب: " ليس كمثله شيء، لم يزل سميعا وعليما وبصيرا، وهو الفعال لما يريد
~~" (5).
# وقوله: (وسئل أبو جعفر (عليه السلام)).
# يحتمل أن يكون من تتمة مكاتبة طاهر بن حاتم، ويحتمل أن يكون حديثا
~~مستأنفا مرسلا (6).
# وقوله: (ليس كمثله شيء) أي لا مماثل له في الحقيقة (ولا يشبهه شيء) أي لا
~~مشابه له في الصفات والأحوال والإضافات والأفعال.
# PageV00P288
# 3. محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن يوسف بن بقاح،
~~عن سيف بن عميرة، عن إبراهيم بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: إن أمر الله كله عجيب، إلا أنه قد احتج عليكم بما قد عرفكم من نفسه
~~".
# باب المعبود 1. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن الحسن بن
~~محبوب، عن ابن رئاب، وعن غير واحد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "
~~من عبد الله بالتوهم فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد
~~الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع
____________________
#
قوله: (إن أمر الله كله عجيب).
# " العجيب ": الأمر العظيم الغريب المخفي سببه. والمراد أن أمر الله كله
~~من الخفايا التي لا يطلع عليها إلا بتعريف وتبيين من الله سبحانه، وإعطائه
~~القلوب مبادئ معرفته، إلا أنه احتج على عباده بما عرفهم من نفسه وأعطاهم
~~مبادئ معرفته، ولم يحتج عليهم ولم يكلفهم بما سواه (1)، فلا ينبغي لأحد أن
~~يتعرض لمعرفته ما لم يكلفه به ms203 من أمره سبحانه، ويتكلف تحقيق ما لم يعط
~~مبادئ معرفته.
# باب المعبود قوله: (من عبد الله بالتوهم) أي بأن يتوهمه محدودا مدركا
~~بالوهم (فقد كفر) لأن كل محدود مدرك بالوهم غيره سبحانه، ومن عبده كان
~~عابدا لغيره، وعبادة غيره سبحانه كفر.
# وقوله: (ومن عبد الاسم) أي بالحروف، أو بالمفهوم الصفتي له (دون المعنى)
~~أي المعبر عنه بالاسم (فقد كفر) لأن الحروف والمفهوم غير واجب الوجود
~~الخالق إله الكل سبحانه، وعبادة غيره كفر، وإنما الاسم بلفظه ومفهومه تعبير
~~عن المعنى
# PageV00P289
# الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه، فعقد عليه قلبه، ونطق به لسانه
~~في سرائره وعلانيته، فأولئك أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا ".
# * وفي حديث آخر: " أولئك هم المؤمنون حقا ".
# 2. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن الحكم أنه سأل
~~أبا عبد الله (عليه السلام) عن أسماء الله واشتقاقها: الله مما هو مشتق؟
~~قال: فقال لي: " يا هشام، الله مشتق من إله، والإله يقتضي مألوها، والاسم
~~غير المسمى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر
____________________
#
المقصود أن يعبر عنه، أي ذاته الأحدي المتعالي
~~عن إحاطة العقول والإدراكات (ومن عبد الاسم والمعنى) أي مجموعهما، أو كل
~~واحد منهما (فقد أشرك) حيث أدخل في عبادته غيره سبحانه (ومن عبد المعنى
~~بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه) أي كما وصف (فعقد عليه
~~قلبه) أي اعتقد المعنى وإلهيته، أو أنه يعبده اعتقادا جازما صادقا (1)
~~(ونطق به لسانه في سريرته (2) وعلانيته) فإن الاعتقاد بالقلب إذا فارق
~~اختيارا عن الإقرار باللسان لم يكن كافيا في الإسلام والإيمان، ولا بد من
~~النطق به مع التمكن (فأولئك) أي من عبده (3) معتقدا بقلبه، مقرا بلسانه (من
~~أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا) أي ممن أخذ بقوله، كما قال: "
~~واتبع هداه، وسلك سبيله واقتفاه ". وهم المؤمنون، كما في قوله: (وفي حديث
~~آخر: أولئك هم المؤمنون حقا).
# قوله: (الله مشتق من أله...).
# يحتمل أن يكون المشتق منه " إله " كفعال ويحتمل أن يكون ms204 " أله " كفعل،
~~وعلى التقديرين ففيه معنى الإله (والإله يقتضي مألوها) أي من له إله؛ فإن
~~معنى الإله (4) نسبي يقتضي نسبته إلى غيره، ولا يتحقق بدون الغير، والمسمى
~~لا حاجة له
# PageV00P290
# ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسم والمعنى فقد كفر وعبد اثنين، ومن عبد
~~المعنى دون الاسم فذاك التوحيد؛ أفهمت يا هشام؟ "، قال: فقلت: زدني، قال: "
~~إن لله تسعة وتسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كل اسم منها إلها،
~~ولكن الله معنى يدل عليه بهذه الأسماء، وكلها غيره. يا هشام، الخبز اسم
~~للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمحرق،
~~أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعداءنا والمتخذين مع الله - جل وعز
~~- غيره؟ "، قلت: نعم، قال: فقال: " نفعك الله به وثبتك يا هشام "، قال
~~هشام:
# فوالله ما قهرني أحد في التوحيد حتى قمت مقامي هذا.
# 3. علي بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن عبد الرحمن بن أبي نجران،
~~قال:
# كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أو قلت له: جعلني الله فداك، نعبد
~~الرحمن الرحيم الواحد الأحد الصمد؟ قال: فقال: " إن من عبد الاسم دون
~~المسمى بالأسماء أشرك وكفر وجحد ولم يعبد شيئا، بل أعبد الله الواحد الأحد
~~الصمد المسمى بهذه الأسماء، دون الأسماء، إن الأسماء صفات وصف بها نفسه ".
#
____________________
#
إلى غيره، فيكون الاسم غير المسمى، كما قال:
~~(والاسم غير المسمى).
# ثم فرع على المغايرة كفر من عبد الاسم دون المعنى، وأن لا يكون عابد
~~الاسم عابدا لشيء موجود عيني؛ لأن الاسم غير موجود عيني، لا بلفظه، ولا
~~بمفهومه، وشرك من عبدهما.
# قوله: (قال: إن لله تسعة وتسعين اسما).
# لما طلب الزيادة في البيان أجابه (عليه السلام) ببيان المغايرة بين الاسم
~~والمسمى بتعدد الأسماء ووحدة المسمى، وبإيراد الأمثلة من الأسماء المغايرة
~~للمسمى - ولا مفهومات لها صفتية يتوهم اتحادها مع المسمى - كالخبز والماء
~~والثوب والنار؛ فإنها أسماء لموصوفات بصفات، وهي مغايرة لمفهومات الصفات
~~والألفاظ.
# قوله: (فقد أشرك وكفر وجحد) أي أشرك بعبادة الأسماء المتعددة، ms205 وكفر وجحد؛
~~حيث لم يعبد المسمى (ولم يعبد شيئا) أي موجودا عينيا؛ لعدم وجود الاسم
~~وبقائه لفظا ولا مفهوما.
PageV00P291
# باب الكون والمكان 1. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب،
~~عن أبي حمزة، قال: سأل نافع بن الأزرق أبا جعفر (عليه السلام) فقال: أخبرني
~~عن الله متى كان؟ فقال: " متى لم يكن حتى أخبرك متى كان، سبحان من لم يزل
~~ولا يزال فردا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ".
# 2. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي
~~نصر، قال: جاء رجل إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من وراء نهر بلخ،
~~فقال: إني أسألك عن مسألة، فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك، فقال أبو
~~الحسن (عليه السلام): " سل عما شئت " فقال:
# أخبرني عن ربك متى كان؟ وكيف كان؟ وعلى أي شيء كان اعتماده؟ فقال أبو
~~الحسن (عليه السلام):
#
____________________
#
باب الكون والمكان قوله: (متى لم يكن حتى
~~أخبرك متى كان).
# لما كان " متى كان " سؤالا عن الزمان المختص بين الأزمنة بوجوده، ولا يصح
~~فيما لا اختصاص لزمان به، أجابه (عليه السلام) بقوله: " متى لم يكن حتى
~~أخبرك متى كان " ونبه به على بطلان الاختصاص الذي أخذ في السؤال.
# ثم صرح بسرمديته بقوله: (سبحان من لم يزل ولا يزال) وبعدم مقارنته
~~للمتغيرات واستحالة التغير عليه بدخول شيء فيه واتصافه به، أو خروج شيء منه
~~حتى يصح الاختصاص بزمان باعتبار من الاعتبارات بقوله: (فردا صمدا لم يتخذ
~~صاحبة ولا ولدا).
# قوله: (فإن أجبتني فيها بما عندي) أي بالجواب الحق الذي صح حقيقة عندي
~~بالبراهين اليقينية أو بقول المعصومين من الأنبياء والحجج صلوات الله
~~عليهم.
# وقوله: (متى كان) أي أخبرني عن زمان وجوده المختص به.
# وقوله: (كيف كان) سؤال عن كيفية المتكيف بها.
# وقوله: (وعلى أي شيء كان اعتماده) أي بأي شيء كان استمداده في خلق ما
~~خلق؟
PageV00P292
# " إن الله تبارك وتعالى أين الأين بلا أين، وكيف الكيف بلا كيف، ms206 وكان
~~اعتماده على قدرته ". فقام إليه الرجل فقبل رأسه وقال: أشهد أن لا إله إلا
~~الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~والقيم بعده بما قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنكم الأئمة
~~الصادقون، وأنك الخلف من بعدهم.
# 3. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم
~~بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر
~~(عليه السلام) فقال له: أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: " ويلك، إنما يقال
~~لشيء لم يكن: متى كان، إن