######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح ¶ المؤلف : ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : #META# cat: كتب من مؤسسة الإمام زيد #META# bkid: 329 #META# الكتاب: البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح #META# bkord: 316 #META# idx: 1 #META# iso: البيان الصريح والبرهان الصحيح في مساله التحسين والتقبيح #META# comp: 1 #META# bk: البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح #META# max: 169 #META# digitization_comments: مصدر الكتاب : #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي عمت نعمته فعم وجوب شكرها، وجلت عظمته فعم وجوب الخضوع ~~لعالي قدرها، وبهرت حكمته فوجب اعتقاد حسن نهيها وأمرها، فمن معترف بلسان ~~الحال والمقال، ومقر بلسان الحال وإن أنكر بلسان الجدال، وسبحان الله عالم ~~الغيب والشهادة الكبير المتعال، الذي دل العقول في بديع صنعته على عظيم ~~علمه وباهر حكمته في جميع الأقوال والأفعال، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~إقرارا بوحدانيته حميدا مجيدا، وإيمانا بأن الله لا إله إلا هو قائما ~~بالقسط ببريته، عزيزا حكيما. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين} وصلى الله على مصطفاه من بريته أبي القاسم محمد ~~بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم وسلم، وبارك وتحنن وترحم، وعلى آله ~~الذين جعلهم أمانا لهذه الأمة من الضلال واصطفاهم، وأورثهم الكتاب وعلمهم ~~الحكمة واجتباهم. # أما بعد.. PageV01P001 # فإن هذا البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح يبين ~~ماهية المسألة وفائدتها، ويشير إلى عظيم خطرها وعموم التكليف بها، ويوضح ~~موضع الاتفاق والاجتماع، وموضع الاختلاف ومحل النزاع، ويكشف عن معنى هذين ~~اللفظين بما يرادفهما في المعنيين، ثم يذكر بشطر من البراهين العقلية ~~والنقلية، والأدلة السمعية القاضية بأن المسألة عقلية وسمعية، وأن الحكم ~~بمثل توحيد الله حسن في نفس الأمر من قبل الوحي والارسال، والحكم بخلاف ذلك ~~قبيح في جميع الأحوال لينبه على الاستدلال بأمثال ذلك مما لا يحصى، وعلى أن ~~الحكم بها جلي لا يدق مهمة ولا يخفى، حاكيا من آثار أهل البيت الربانيين ~~الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وسائر العلماء الذين يهتدون بهديهم وعليهم ~~يعتمدون، ومن كلام بعض مخالفيهم الذين سلكوا في المسألة طريق الانصاف، ~~وتجنبوا طريق الزيغ والاعتساف، فأما أهل البيت فهم الشهداء على الناس، ~~وبكلامهم يظهر الحق ويبطل الالباس، وأما سائر العلماء فلأنه كم من معرض عن ~~استماع الحجة إلى أن تعزى إلى ms01 بعض أئمته وأهل مقالته، وكم من نافر عن قبول ~~الحق إلى أن يعلمه مذهبا لبعض أسلافه وأهل نحلته، فأردنا بما نقلناه عنهم ~~في ذلك إرداة صحيحة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الدين ~~النصيحة)). # فصل # فأما الماهية: فقد قال أصحابنا للقبيح حدان: # حقيقي، ورسمي. # فالحقيقي: هو الفعل الذي ليس للقادر عليه المتمكن من الاحتراز منه أن يفعله. PageV01P002 # قلت: وهذا مدلول قول الله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق} وقوله: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء} ~~وقوله:{ما كان لله أن يتخذ ولدا} وقوله: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون ~~لنا أن نتكلم بهذا} ونحو ذلك. # وأما الرسمي: فقال في المنهاج: هو ما إذا فعله القادر عليه استحق الذم ~~على بعض الوجوه إلا في حالة عارضة. # قال أصحابنا: وأما الحسن فله حدان: # حقيقي، ورسمي: # فالحقيقي: هو الفعل الذي للقادر عليه المتمكن من الاحتراز منه أن يفعله، ~~هذا عند بعضهم. # وأما الرسمي فهو: الفعل الذي ليس للاقدام عليه تأثير في استحقاق الذم، ~~وقد حده الإمام المهدي عليه السلام بأنه ما ليس بقبيح ولفاعله فيه غرض صحيح. # وقال في المنهاج: هو ما إذا فعله المتمكن من العلم بصفته لم يستحق الذم لوجه. # قال: والحسن إنما يحسن لحصول غرض فيه وتعريه عن سائر وجوه القبح، هذا ما ~~يقوله أبو عبد الله البصري وعليه الجمهور. # وأما الشيخان: فعندهما أن الحسن أيضا يحسن لوقوعه على وجه، واعترضه ~~الجمهور بأنه يلزم حسن الكذب الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر، ويمكن الجواب ~~بأنهما يشرطان تعريه من وجوه القبح. # قلت: وأما المهدي عليه السلام فقد صرح بمثل مقالة أبي الهذيل بحسن الكذب ~~الذي فيه جلب نفع أو دفع ضرر. PageV01P003 # قال الفقيه قاسم: والذي يصححه المتأخرون ما ذكره الشيخ أبو عبد الله البصري ~~أنه لا وجه للحسن لمكانه بكونه حسنا، وإنما يحصل بحصول غرض فيه، وتعريه عن ~~سائر وجوه القبيح، وقد ذكر الفقيه حميد بن أحمد ms02 أنما ذكره أبو عبد الله من ~~حصول الغرض يرجع إلى ما ذكره الشيخان من الوجوه، فقد عاد الأمر إلى الوفاق ~~من حيث المعنى. # وأما ماهيتهما عند الأشاعرة: فالقبيح مانهي عنه شرعا، والحسن بخلافه. # فصل # وأما فائدتها: فاعلم أن هذه المسألة هي قطب رحى العدل وإليها يرجع من ~~مسائله كل فرع وأصل. # قال الإمام الناطق بالحق يحيى بن الحسين الهاروني عليه السلام: اعلم أن ~~أرباب التعديل والتجويز على أن الله لا يفعل القبيح. # وقال الإمام الهادي لدين الله أحمد بن يحيى عليه السلام: إنما وصفها ~~السيد مانكديم رحمة الله عليه في شرح الأصول بأنها مسألة كبيرة لأنها قاعدة ~~الخلاف بيننا وبين المجبرة في جميع مسائل العدل، ولو وافقونا فيها وافقونا ~~في سائر مسائل العدل. # فصل # وأما الإشارة إلى عظيم خطرها وعموم التكليف بها فذلك يظهر عند ذكر أدلتها ~~وقد قال الإمام المهدي عليه السلام في (الغايات): واعلم أن العمل بهذه ~~المسألة من فروض الأعيان؛ لأنه ينبني عليها العلم بعدل الله، وحكمته فهذا ~~أعني العلم بعدل الله وحكمته في أوامره ونواهيه، واعتقاد وجوب شكره وسائر ~~ما يدرك بالعقل حسنه، وقبح الظلم والكذب وسائر ما يدرك العقل قبحه سر ~~المسألة وفائدتها وثمرة الاختلاف فيها وغايتها. # فصل PageV01P004 وأما بيان موضع الاتفاق والإجماع فقال في (الفصول) و(شرح): المقاصد أنهم ~~اتفقوا على حسن الشيء وقبحه بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل، وبمعنى ~~الملائمة للغرض وعدمها كالعدل والظلم. # قال في شرح المقاصد: وبالجملة كلما يستحق عليه المدح والذم في فطر العقول ~~ومجاري العادات فإن ذلك يدرك بالعقل ورد الشرع أم لا بلا نزاع. # وأما محل النزاع ففي تعليق الشارع المدح والثواب لحكمته بما هو حسن في ~~علمه سواء أدرك العقل ذلك كالعدل والإحسان أم لم يدركه كصوم آخر يوم من ~~رمضان، وفي تعليق الذم والعقاب لحكمته بما هو قبيح في علمه سواء أدرك العقل ~~ذلك كنحو الظلم والعدوان أم لا كصوم أول يوم من شوال، وأئمتنا عليهم السلام ~~وموافقوهم يثبتون الحكمة لله لفظا ومعنى كما أثبتها لنفسه ms03 في كتابه الكريم ~~وعلى ألسنة رسله عليهم أفضل الصلاة والتسليم، والمخالفون لا يثبتونها ~~ويقولون لم يعلق الشارع المدح والثواب ولا الذم والعقاب بما هو حسن ولا بما ~~هو قبيح؛ لأن أفعاله تعالى عندهم لا لغرض ولا لعلة البتة. # قال القرشي رحمه الله في (المنهاج): الخصوم قد التزموا معنى العبث في حقه ~~تعالى وامتنعوا من إطلاق العبارة، وزعموا أن ذلك لا يقبح منه تعالى على مثل ~~كلامهم في الظلم وغيره. PageV01P005 # قلت: ولا يمكنهم إثبات الحكمة لله مع نفيهم الغرض في أفعاله وأحكامه فلا ~~ينفون عنه الظلم ولا الجور ولا غيرهما من القبائح، والعدلية جميعا ومن ~~وافقهم ينفون عنه ذلك كما نفاه عن نفسه في محكم كتابه وعلى ألسنة رسله ~~صلوات الله عليهم وسلامه، والذي يدل على أن مراد المثبتين للتحسين والتقبيح ~~إثبات الحكمة لله في أفعاله من كلام أئمتنا ومن وافقهم في ذلك من سائر ~~العلماء ما نحكيه عنهم بألفاظهم، وعلى أن مراد المخالفين لهم نفي الحكمة عن ~~الله سبحانه عما يقولون ما نحكيه عنهم بألفاظه. # قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين رضوان الله عليه ورحمته في ~~(الأحكام): يجب على من أراد التخلص من الهلكة والدخول في باب النجاة أن ~~يعلم أن الله عز وجل عن كل شأن شأنه عدل في جميع أفعاله، وأنه بريء من ~~مقالة الجاهلين، متقدس عن ظلم المظلومين، بعيد عن القضاء بالفساد للمفسدين، ~~متعال عن الرضا بمعاصي العاصين، بريء من أفعال العباد غير مدخل لعباده في ~~الفساد، ولا مخرج لهم من الخير والرشاد، وكيف يجوز ذلك على حكيم أويكون من ~~صفة رحيم. # وقال في كتاب معرفة الله من العدل والتوحيد: وذلك أنه من فعل شيئا من ذلك ~~أو أراده أورضي به ليس بحكيم ولا رحيم. # وقال السيد الإمام الناطق بالحق عليه السلام: قد قامت الدلالة أنه لا ~~ينهى إلا عما يكره ولا يكره إلا المعاصي بحكمته. PageV01P006 # وقال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام في (الشامل الحكيم في مصطلح ~~المتكلمين): هو الذي لا يفعل القبيح ولا يخل ms04 بالواجب، وأفعاله كلها حسنة، ~~والمقصود من الحكمة يحصل بالكلام في شأن هذه الأمور الثلاثة فلا جرم رتبنا ~~الأدلة على الحكمة -يعني دلالة الحسن والقبيح- وقال عليه السلام: على هذا ~~يكون قولنا حكيم مطابق لقولنا عدل. # وقال المهدي عليه السلام في (الغايات) في الموضع الثاني من كتاب العدل ~~وهو في حكاية المذهب وذكر الخلاف في كونه عدلا حكيما ما قد ذكرناه من قوله ~~عليه السلام: واعلم أن العلم بهذه المسألة من فروض الأعيان لأنه يبتني ~~عليها العلم بعدل الله وحكمته، وقال عليه السلام حاكيا عنهم في الجواب عن ~~قولنا أن الحكمة تصرفه عن فعل القبيح أنهم قالوا: أنتم الآن في الاستدلال ~~عليها-يعني على الحكمة- قال: أورده الفخر الرازي فتبين أن النزاع في إثبات ~~الحكمة له تعالى كما نقول أو نفيها عنه كما يقولون. # قال السيد محمد بن إبراهيم في كتاب (الإيثار): وليس النزاع إلا في نفي ~~الحكمة عن علمه تعالى لا عن معارف عقول العقلاء، قال: والخصم لا يجوز أن ~~يعلل شيء من أفعاله بحكمة، بل يجب عنده القطع بخلوها عن ذلك، بل يجب القطع ~~بأن ذلك هو الأولى بممادح الرب تعالى. PageV01P007 # قال: ومعناها -يعني الحكمة-: العلم بأفضل الأعمال والعمل بمقتضى ذلك العلم، ~~مثاله: العلم بأن الصدق أولى من الكذب، والعدل أولى من الجور، والجود أولى ~~من البخل، والإحسان أولى من الإساءة، ولا خلاف في تسمية هذا حكمة في حق ~~الحكماء والعلماء من الخلق، وإنما ادعى بعض الغلاة أن مثل ذلك محال في حق ~~الرب عز وجل. # وقال في شرح الصحائف تابعا لطريقة الإيضاح: والحق في هذه المسألة أن ~~أفعال الله وأحكامه لا تتعلق إلا بما هو أحسن وأولى لنفسه أو بالنسبة إلى ~~الغير؛ لأنها لو تعلقت بما لا يكون أحسن وأولى مطلقا مما يكون أحد الطرفين ~~أولى فحصول ذلك الشيء إن لم يكن أولى به كان فعله نقصا وسفها لأن ما لا ~~يكون أولى به لا في نفس الأمر وبالنسبة إلى الغير يكون فعله عبثا وسفها وهو ~~القادر الغني الحكيم، وساق كلامه ms05 إلى أن قال: وأيضا كيف يليق بالقادر ~~الحكيم الغني أن يترك الأولى ويفعل الأدنى وامتناع هذا ضروري...إلى آخر ما قال. # وقال في (الرسالة السعدية): ذهبت المعتزلة إلى أن الله عدل حكيم لا يفعل ~~القبيح، ومنعت الأشعرية من ذلك، وأسندوا القبائح كلها إلى الله تعالى. # وقال ابن القيم تابعا لطريقة الإيضاح: وسر المسألة أن من قال بحكمة الله ~~قال بالتحسين والتقبيح، ومن لم يقل بذلك وأن أفعال الله لا لغرض قال بأن لا ~~حسن في الأفعال ولا قبيح. PageV01P008 # فكل هذه النصوص التي ذكرناها من هؤلاء العلماء تشهد أن النزاع بيننا وبين ~~مخالفينا في هذه المسألة محله في إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه التي ~~يتعلق بفاعلها الذم والعقاب والمدح والثواب. # قال السيد محمد بن إبراهيم: وسبب وقوع الخلاف في ذلك أن قوما ممن أثبت ~~الحكمة غلوا في ذلك وأوجبوا معرفة العقول للحكمة بعينها على جهة التفصيل، ~~فرد عليهم طائفة من الأشعرية وغلوا في الرد وأرادوا حسم مواد الاعتراض بنفي ~~التحسين العقلي، واستلزم ذلك نفي الحكمة فتجاوزوا الحد في الرد، ووقعوا في ~~أبعد مما ردوه. # قلت: والذي عليه من أئمة أهل البيت عليهم السلام وسائر العدلية وهو الحق ~~إثبات الحكمة لله تعالى سواء أدرك العقل ذلك أم لم يدركه، قال تعالى: {كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} وقد قال القاسم بن إبراهيم ~~عليه السلام في جواب الملحد: واعلم أنه لو لم يعرف علل ذلك كان جائرا وذلك ~~أنه في بدء الأمر إذا أقمت الدلالة على أنه حكيم في نفسه وفعله، ثم دللت ~~على أن الكل حكمة استغنيت عن معرفة علله. PageV01P009 # قال ابن القيم: فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب ~~عنها، قال: وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه وأمره ~~وشرعه فيكفيهم فيه معرفتهم بالوجه العام أن يضمنه حكمة بالغة وإن لم يعرفوا ~~تفصليها، وأن ms06 ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فيكفيهم في ذلك ~~الاستنقاد إلى الحكمة العامة الشاملة. # وقال في الكاشف في تفسير قوله تعالى:{ الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام}: وأما الداعي إلى هذا العدد دون سائر الأعداد فلا شك ~~أنه داعي حكمة لعلمنا أنه لا يقدر تقديرا إلا بداعي حكمة وإن كنا لا نطلع ~~عليه ولا نهتدي إلى معرفته، ومن ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار ~~تسعة عشر وحملة العرش ثمانية، والشهور اثنا عشر، والسموات سبعا، والأرض ~~كذلك، والصلوات خمسا وأعداد النصب والحدود والكفارات وغير ذلك، والإقرار ~~بدواعي الحكمة في جميع أفعاله وبأن ما قدره حق وصواب هو الإيمان، وقد نص ~~عليه في قوله: {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذا أراد الله بهذا مثلا} PageV01P010 ثم قال: {وما يعلم جنود ربك إلا هو}. # والجواب أيضا في أن لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك، وقال في إرشاد ~~العقل السليم لأبي السعود في تفسير قوله: {كم أنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم}أن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة وإن غفل عنها ~~الغافلون ولم يتوصل إلى معرفة كنهها العاقلون. # وقال في الرسالة السعدية: ذهبت المعتزلة إلى أن الله يفعل لغرض وغاية ~~وحكمة مخصوصة ومعقولة لنا أو خفية عنا، لكن لا يفعل إلا لحكمة وغرض. # وقالت الأشعرية: إن الله تعالى يستحيل أن يفعل شيئا لغرض وغاية البتة فلم ~~يخلق الله تعالى العين للإبصار والأذن للسمع ولا الحواس للإدراك، ولا ~~الأغذية للانتفاع بها، ولا الأدوية لإزالة الضرر بها، ولم يخلق النار ~~للإحراق ولا الشمس للإشراق، ولا الغذاء للتغذي به، ولا الملاذ والفواكه ~~للالتذاذ بها، وبالجلمة لم يخلق شيئا لغاية البتة. # وهذا القول باطل لوجوه: # الأول: أن يلزم منه العبث في فعله تعالى لأنه لا معنى للعبث إلا الفعل ~~الخالي ms07 من الغاية والغرض وهو محال على الله تعالى. # والثاني: أنه يلزم منه الظلم في فعله لأنه إذا كلف العبد لا لغرض الإفادة ~~وألزمه مشاق التكليف لا لنفعه في الدنيا ولا في الآخرة فذلك محض الظلم وهو ~~منزه عن ذلك. PageV01P011 # الثالث: أنه يلزم منه إبطال دليل النبوة وذلك يوجب الكفر، بيان ذلك: أن ~~دليل النبوة مبني على مقدمة هي أن الله تعالى خلق المعجز على يد المدعي ~~للرسالة لغرض التصديق لأنه لو فعله لا لذلك لم يكن دليلا على التصديق. # قال: فإذا انتفى الغرض عندهم استحال العلم بصدق مدعي النبوة. # واعلم أن الأشاعرة التزموا حكمين أبطلوا بهما مقدمة دليل النبوة معا: # الحكم الأول: أنهم جوزوا وقوع القبيح من الله تعالى فلم يمتنع منه حينئذ ~~إضلال الخلق فلا يلزم صدق من صدق الله تعالى لجواز أن يصدق الكذاب. # الحكم الثاني: أنهم قالوا إن الله تعالى لا يفعل لغرض ودليل النبوة أن ~~الله تعالى فعل المعجز لأجل التصديق وكل من صدق الله تعالى فهو صادق، ~~والمقدمة الثانية تبطل بالحكم الأول، والمقدمة الأولى تبطل بالحكم الثاني. PageV01P012 # الرابع: أن الله تعالى قد نص في كتابه العزيز على ثبوت الغرض في أفعاله ~~فقال عز من قائل: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني} {وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} {وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما لاعبين} {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } {ولتجزى كل نفس بما كسبت} ~~و{لتجزى كل نفس بما تسعى} {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم } إلى غير ذلك.انتهى. # فصل # والخلاف في كون العقل حسنا أو قبيحا جار في مثل: هذا عمل صالح أو سيىء، ~~وهذا طيب أو خبيث، وهذا معروف أو منكر، وهذا أعلى أو أدنى، وهذا خير أو شر، ~~وهذا محبوب لله أومكروه له، وهذه حسنة أو سيئة، وهذا رشد أو غي، وهذا ضلال ~~أو هدى ونحو ذلك، فالمثبتون للصفة في الفعل قبل ورود الشرع يثبتون بهذه ~~الأفعال هذه الأوصاف جميعها، والنافون لا يثبتون لها شيئا من ms08 ذلك. # فصل PageV01P013 واعلم أن لفظ القبيح وما يرادفه والحسن وما يرادفه ألفاظ موضوعة لمعان ~~ثابتة، وذلك المعنى معلوم عند الواضعين له لا خلاف بين العقلاء من أهل ~~اللغة وغيرهم أن قولهم هذا قبيح وهذا حسن أو هذا حق وهذا باطل أو نحو ذلك ~~من الألفاظ المرادفة لهما المؤدية لمعناهما كلام مفيد، وليس من اللفظ ~~المهمل الذي لا يفيد، وإذا كان مفيدا فلا يخلو إما أن يفيد المعنى المعقول ~~منهما أولا، والثاني باطل بالإجماع فتعين الأول وبه يتبين المطلوب، وهذا ~~الحكم لازم لجميع الألفاظ اللغوية كلفظ قادر، وعالم وخالق لأن أهل اللغة ~~إنما يضعون الأسماء للمعاني، وهذا أمر ظاهر لا ينكره من له أدنى بصيرة؛ ~~فإذا ثبت ذلك فلا يكون خطاب الشارع مطابقا لذلك إلا وهو كذلك، وإذا ثبت ذلك ~~فقد ثبت له صفة الحسن والقبيح من قبل ورود الخطاب، وهذا مما لا خلاص منه ~~إلا بالقول بأن للأفعال صفات تقع عليها إذا اقتضت أن يؤمر بحسنها وينهى عن ~~سيئها ويخبر عن حسنها بما هو عليه، وعن قبيحها بما هو عليه، فيكون للخير ~~مخبر ثابت في نفسه فعلم العقل بأن الفعل حق حسن، وضده باطل قبيح، ثم علمه ~~بأن الشارع هدى إلى الحق وما هو في نفسه حسن، ونهى عن القبيح وما هو في ~~نفسه باطل طريق له إلى علم من هو أحق بأن يتبع إذا هدى إليه كما قال تعالى: ~~{أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} وهذا أيضا من ~~الطرق إلى تصديق الرسل وأنهم جاءوا بالحق من عند الله، PageV01P014 ولهذا قال بعض الأعراب وقد سئل بما ذا عرفت أن محمدا رسول الله؟ فقال: ما ~~أمر بشيء فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته أمر به، ~~قال الله تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما ~~يتذكر أولوا الألباب}. # وأخرج الماوردي، وابن السكري، وابن مندة، وأبو نعيم في معرفة الصحابة عن ~~عبد الملك بن ms09 عمير قال: بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم فأراد أن يأتيه فأتى قومه فانتدب رجلان فأتيا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالا: نحن رسل أكتم نسأل من أنت؟ وبم جئت به؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنا محمد بن عبد الله وأنا عبد الله ~~ورسوله ثم تلا عليهم: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} إلى:{ تذكرون})) ~~قالوا: اردد علينا هذا القول فردد عليهم حتى حفطوه فأتيا أكتم فأخبراه، ~~فلما سمع الآية قال: إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فكونوا ~~في هذا الأمر رأسا ولا تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا. PageV01P015 # ورواه الأموي في مغازيه وزاد: فركب متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فمات في الطريق، قال: ويقال نزلت فيه هذه الآية: {ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله...} الآية. # قال في المحجة البيضاء: لو لم يتقدم لنا العلم بقبح الأفعال في العقل لم ~~نعلم القبيح بالسمع لأن الله تعالى إذا أخبرنا أن الكذب قبيح، وأن الظلم ~~قبيح لم نفهم معنى القبيح لأنه لم يتقدم لنا العلم بمعناه في العقل، وكان ~~يجب أن لا نعلم بالعقل أنه تعالى لا يفعل القبيح لأنا لا نعلم بالعقل معنى ~~القبيح ومتى لم نعلم ذلك جوزنا عليه الكذب، والأمر بما فيه معنى الظلم ~~ومعنى الكذب والتلبيس والتعمية، والنهي عما فيه معنى الحسن فلا نعلم أنما ~~أمر به حسن ولا أنما نهى عنه قبيح، فالقول بأن القبيح بالشرع يعود على أصل ~~القبيح المعلوم بالشرع بالنقض والإبطال، وكل قول بثبوت حكم لذات يعود على ~~أصل ثبوتها بالنقض والإبطال فهو باطل. # فصل PageV01P016 في بيان أن شفاعة القول ينفي التحسين والتقبيح قد أوجبت موافقة أكثر ~~المخالفين لنا في هذه المسألة بخصوصها، ولهذا قال ابن القيم: وحسبك بمذهب ~~فسادا التزامه جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب، وأنه ليس بقبيح واستلزامه ~~التسوية بين التثليث ms10 والتوحيد في العقل، وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح ~~التثليث وعبادة الأصنام ولا تشبيه المعبود ولا شيئا من أنواع الكفر ولا ~~السعي في الأرض بالفساد، ولا يقبح شيء من أنواع القبائح أصلا، وقد التزم ~~النفاة ذلك وقالوا: إن هذه الأشياء لم تقبح عقلا وإنما جهة قبحها السمع ~~فقط، وأنه لا فرق قبل السمع بين ذكر الله والثناء عليه وحمده وبين ضد ذلك، ~~ولا بين شكره بما يقدر عليه العبد وبين ضده، ولا بين الصدق والكذب، والعفة ~~والفجور والإحسان إلى العالم والإساءة إليهم بوجه ما، وإنما التفريق بالشرع ~~بين متماثلين من كل وجه، وقد كان تصور هذا المذهب على حقيقته كافيا في ~~العلم ببطلانه وأن لا يتكلف رده، ولهذا رغب عنه فحول الفقهاء والنظار من ~~الطوائف كلهم فأطبق أصحاب أبي حنيفة على خلافه وحكوه عن أبي حنيفة نصا، ~~واختاره من أصحاب أحمد أبو الخطاب وابن عقيل وأبو يعلى الصغير، ولم يقل أحد ~~من متقدميهم بخلافه ولا يمكن أن يتقبل حرف واحد يوافق النفاة، واختاره من ~~أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن إسماعيل القفال الكبير وبالغ في ~~إثباته وبنى كتابه (محاسن الشريعة) عليه وأحسن فيه ما شاء، وكذلك الإمام ~~سعيد بن علي الزنجاني بالغ PageV01P017 في إنكاره على أبي الحسن الأشعري القول بنفي التحسين والتقبيح وأنه لم ~~يسبقه إليه أحد، وكذلك أبو القاسم الراغب، وكذلك أبو عبد الله الحليمي ~~وخلائق لا يحصون، وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ~~ودرء المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين؛ إذ لوكان ~~حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهي لم يتعرض لإثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط، ~~ولا يصح أن نفتح الكلام في القياس وتتعلق الأحكام بالأوصاف المناسبة ~~المقتضية لها دون الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها فيجعل الأول ضابطا ~~للحكم دون الثاني إلا على إثبات هذا الأصل فلو تساوت الأوصاف في أنفسها ~~لانسد باب القياس والمناسبات والتعليل بالحكم والمصالح ومراعاة الأوصاف ~~المؤثرة دون الأوصاف التي لا تأثير لها. # فصل # قال ms11 في (الأساس): أئمتنا وموافقوهم ولا يقبح الفعل إلا لوقوعه على وجه من ~~الظلم ونحوه، ثم قال أيضا أئمتنا وموافقوهم ويحسن الفعل إذا عري عن وجه القبح. # وقالت الأشاعرة: لا يقبح القبيح إلا للنهي عنه، ولا يحسن الحسن إلا لعدم ~~النهي عنه. # قال الإمام المهدي أحمد بن يحيى رضوان الله عليه وسلامه: قد اختلف الناس ~~في جهة قبح القبيح المقتضي لحسن الذم أو العقاب على خمسة أقوال. # قال أكثر البصرية: إنماقبح الفعل لوقوعه على وجه من كونه ظلما أو كذبا ~~أومفسدة، فالأولان وجها قبح عقليان، والثالث هو وجه قبح القبيح الشرعي. PageV01P018 # قال: والقبائح التي تعلم بالعقل هي الظلم والكذب والعبث، وتعظيم من لا ~~يستحق التعظيم، واعتقاد الجهل وإرادة القبيح، وإن كان العلم بها متفاوتا ~~فالعلم بقبح الثلاثة. # الأول: معدود في كمال العقل دون سائر القبائح العقلية. # قال: وقالت الأشعرية: بل للنهي، وقال بعض المجبرة: بل لكون الفاعل مملوكا ~~مربوبا. # قال: والأقرب عندي أن هذا القول من تمام القول الأول، وليس بقول مستقل. # قال: وقالت البغدادية: بل لعينه. # قال: والأقرب عندي أنه كقولنا وأن البغدادية لا يقولون أن الظلم إنما قبح ~~لكونه أكوانا فإن الانصاف أكوان كما أن الظلم أكوان، فمن البعيد أن يعللوا ~~بذلك، ومن البعيد أيضا أن يقصدوا أنه قبح لكونه هذه العين؛ إذ معنى ذلك ~~لكونه ليس غيره، وإذا كان معناه وكان هو علة القبح لزم أن يقبح الحسن لكونه ~~ليس غيره، وهذا لا يخفى على من له عقل فضلا عن علماء ذوي بصائر. # قال: وإنما أرادوا ما أردناه من أن الظلم إنما قبح لكونه ظلما فكأنما ~~عللناه بعينه لما قلنا قبح الظلم لكونه ظلما، فظاهر اللفظ يقتضي أن قبحه ~~معلل بعينه، ولهذا جاءوا بهذه العبارة أعني أنه قبيح لعينه وهم يريدون ما ~~أردنا حيث قلنا لكونه ظلما أي لكونه ضررا عاريا عن نفع ودفع واستحقاق، وهذا ~~هو الذي يتلخص لي من مقصد البغدادية. والله أعلم. # قال: وقالت الأحشيذية بقبح القبيح للإرادة. PageV01P019 # قال عليه السلام: والتحقيق عندي: أنهم لا ms12 ينازعون في أن قبح الظلم متفرع ~~على وقوعه على وجه مخصوص، ومتفرع على الإرادة لأنه لا يقع على ذلك الوجه ~~إلا بها، فالقبح مترتب على كل واحد منهما، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في ~~أولية نسبة اقتضاء القبح هل إلى الوجه أم إلى الإرادة؟ ولا طائل تحت هذا ~~الخلاف، لكن الأرجح ما ذكره أصحابنا من أنه إنما قبح الفعل لوقوعه على وجوه ~~واعتبارات فإنه إنما قبح الظلم لكونه ظلما أي لكونه ضررا عاريا عن نفع ودفع ~~واستحقاق، والكذب إنما قبح لكونه كذبا؛ إذ متى علمنا الفعل واقعا على ~~الوجوه التي ذكرناها من الظلم والكذب والعبث ونحوها علمنا قبحه، وإن جهلنا ~~ما جهلنا من كونه ملائما للطبع أو منافرا له ومنهيا عنه أوغير منهي أو غير ~~ذلك من الوجوه التي ذكرها الخصم ما علمنا فإنا حينئذ لا نعلم القبح أصلا ~~أصلا، فلما كان العلم بالقبيح يدور على العلم بكونه ظلما وجودا وعدما علمنا ~~أنه المؤثر فيه، وكذلك الحكم في سائر القبائح العقلية أعني أن العلم بقبحها ~~يدور على العلم بالوجوه التي وقعت عليها وجودا وعدما. هذه عبارة المهدي ~~عليه السلام. PageV01P020 # وفي شرح العقيدة المنصورية ما لفظه: وكذلك الكلام في القبائح نحو الظلم ~~والكذب وغيرهما فإن أحدنا متى علم المضرة التي يوصلها الفاعل إلى غيره ~~عارية عن جلب منفعة أو دفع مضرة أو استحقاق أو ظن الوجهين الأولين أو ~~أحدهما، أو ما يقوم مقام ذلك، فإنه يعلم أنها قبيحة، ومتى لم يعلم ذلك ولا ~~ما يقوم مقامه فإنه لا يعلم أنها قبيحة فلولا أن القبيح متعلق بالوجه الذي ~~ذكرناه لما وجب أن نعلم عند العلم بالوجه، وكذلك الخبر فإنا متى علمنا كونه ~~كذبا علمنا كونه قبيحا، ومتى لم نعلم ذلك وما يجري مجراه فإنا لا نعلمه ~~قبيحا فلو كان المقتضي لقبحه سوى ما ذكرنا لجاز أن يعلم ما عدا ذلك ولا ~~يعلم الوجه فيعلم القبيح أو يعلم الوجه ولا يعلم القبيح بأن لا يعلم ذلك ~~إلا من الأمر الزائد؛ لأنه لا يجوز أن ms13 يعلم القبيح من دون العلم بوجه ~~القبيح إما على الجملة أو التفصيل، ومعلوم خلافه. # قال في الكاشفة لأبي عبد الله الحسين بن مسلم رضي الله عنه: واعلم أن ~~القبائح العقلية غير جائز في شيء منها أن يعلم قبحه إلا مع العلم بالوجه ~~الذي لأجله قبح، وليس الغرض بذلك أن يعرف أنه الوجه الذي أثر في قبحه فإن ~~ذلك محتاج إلى تأمل ونظر، إنما الغرض في ذلك أنه لا يعرف قبحه إلا مع العلم ~~بما نجعله نحن وجها ومؤثرا فيه. # فصل PageV01P021 فأما الدليل على أن العلم بحسن الإحسان والعدل والصدق، وقبح الإساءة والظلم ~~والكذب حاصل بالضرورة فهو أنهم لا يخالفوننا في وجدان ما نجده في نفوسنا، ~~بل يجدون ذلك في نفوسهم كما نجده نحن، وإنما يخالفون في أن ذلك الموجود في ~~النفس هل هو علم أو غير علم؟ وهل هو علم ضروري أو مكتسب؟ وذلك مما يجوز ~~اختلاف العقلاء فيه؛ لأن طريقه الاكتساب. # فأما من خالفنا في وجدان ذلك من نفسه فمخالفته بطريقة المكابرة والعناد، ~~وبالقول لا بالاعتقاد، فلا اعتبار بمخالفته. # قال أبو عبد الله في (الكاشفة): وإن ذلك لا يوجد إلا نادرا من متعصب ~~لأسلافه ومقلد لمشائخه. # قال السيد ط: الإنسان إذا رجع إلى نفسه عرف الفرق بين الظلم والعدل كما ~~علم الفرق بين السواد والبياض، ويجد نفسه في العلم بهما على سواء. # قال: ولأنا نعلم أن الدهرية والملحدة يعرفون قبح الظلم والكذب كما يعرفون ~~المشاهدات، فلو جاز أن يقال أنهم لا يعرفون هذه الأشياء لجاز أن يقال أنهم ~~لا يعرفون المشاهدات. # قال في شرح (العقيدة المنصورية): وهم لا ينكرون المنهي الشرعي، بل ينكرون ~~المناهي وهم يعلمون قبحها. PageV01P022 # قال: ولا يصح أن يقول قائل أنهم غير عالمين على الحقيقة بقبحها وإنما غلبت ~~عليهم العادة، وقضوا بذلك من حيث الإلف فقط، وليس هذا الاعتقاد بعلم على ~~الحقيقة وذلك أن نفوسهم ساكنة إلى اعتقاد هذه الأشياء، كما أنها ساكنة إلى ~~اعتقاد أن السماء فوقهم والأرض تحتهم، فلئن جاز في اعتقادهم لقبح القبائح ms14 ~~ووجوب الواجبات أن لا يكون علما ليجوزن فيما ذكرناه ثابتا أيضا أن لا يكون علما. # وبعد فإنا نجد في الظالمين من يألف الظلم ويعتاده فكان يجوز أن يعتقد ~~حسنه وهو محال. # قال في الغايات: قالت المجبرة: لوكان قبح الظلم والكذب ونحوهما بالمعنى ~~الذي ذكرتم وهو القبح الذي يتبعه استحقاق الذم معلوما ضرورة لشاركناكم في ~~معرفة ذلك لأن هذا هو حكم البديهيات، أعني أنه لا يختلف العقلاء فيها كما ~~لا يختلفون أن الواحد هو نصف الإثنين ونحوذلك، ونحن قد خالفناكم فيما ~~ادعيتم أنه بديهي وأنكرنا العلم الذي ادعيتم ونحن الطبق الأعظم الذي يستحيل ~~على مثله التواطؤ على الكذب؛ فبطل ما زعمتم من كونه بديهيا. PageV01P023 # والجواب والله الموفق: أن رجل رجالكم وعضب نزالكم الفخر الرازي قد قال ما ~~هذا لفظه: إنا لا ننازع أن الناس يستحسنون أمورا ويستقبحون أمورا أخرى قبل ~~ورود الشرع حتى قال: إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدناها جازمة بحسن الصدق ~~والعدل والإنصاف، وقبح الكذب والجهل والظلم، قال: لكن ذلك كالاستحسان ~~والاستقباح مغايران للاستحسان والاستقباح اللذين وقع فيهما النزاع. هذه ~~ألفاظه بأعيانها. # فنقول: قد شهد عليكم إمامكم الأعظم أنكم تعلمون ضرورة الظلم والكذب ~~والجهل، وتعلمون ضرورة قبل ورود الشرع حسن الصدق والعدل والإنصاف، وأن ~~عقولكم حاكمة بذلك من غير تشرع بشرع، وإنما نازعتم في ماهية هذا القبيح ~~والحسن اللذين حكمت بهما العقول قبل ورود الشرع فعلمتم القبح إما بنفرة ~~الطبع أو صفة نقص، وقلنا: هو كون ليس لنا أن نفعله وأبطلنا ما زعمتم ~~وتكلمنا عليه بما لا تستطيعون مدافعته فلا يفتقر إلى إعادته. PageV01P024 # قال عليه السلام: ثم إن خلافكم في التحقيق راجع إلى وجه قبح ذلك القبيح ~~وحسن ذلك الحسن لا في ثبوت القبح والحسن، فقد اعترفتم بأنه ضروري ولم ~~تناكروا فيه، وتعيين الوجه أمر مما يعلم بالدليل وليس بضروري فلم تنكروا ~~الضرورة هنا، ثم قال عليه السلام: وإن زعمتم أنه حكي عنكم ما لا تقولون به ~~وقلتم لا تجدون فرقا بين الكذب والصدق والعدل والجور ناديتم على أنفسكم ms15 ~~بالسفسطة، بل بأبلغ منها وهو الالتحاق بالبهائم، بل تكونوا شرا من البهائم ~~لأنا نجدها تفرق بين الحسن وغيره، وحينئذ لا تستحقون أن يراجعكم عاقل كما ~~لا تراجع الوحوش وسائر البهائم. # قلت: وقدصرح بمثل مقالة الرازي سعد الدين في شرح المقاصد قال: وليس ~~النزاع في الحسن والقبح بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل، وبمعنى ~~الملائمة للغرض وعدمها كالعدل والظلم، وبالجملة كلما يستحق عليه المدح أو ~~الذم في فطر العقول ومجاري العادات فإن ذلك يدرك بالعقل ورد الشرع أم لا، ~~وإنما النزاع في الحسن والقبح عند الله بمعنى استحقاق فاعله في حكم الله ~~المدح أو الذم عاجلا، والثواب أو العقاب آجلا، فقد صرحوا بتسليم وجدان ذلك ~~في عقولهم كما ذكرناه، وإنما امتنعوا من ذلك في أفعاله تعالى وأوامره ~~ونواهيه لئلا يلزمهم القول بالحكمة المقتضية لزوم تعلق ذلك بالعلل ~~والأغراض. PageV01P025 # قال أبو عبد الله الحسين بن مسلم: كان الأكثر منهم يعتقدون الحسن والقبح في ~~الأفعال وإنما يقولون بأن الطريق ذلك هو الشرع دون العقل ولم يحك عن أحد ~~منهم نفي التحسين والتقبيح رأسا حتى ظهر منهم رجل ينسب إلى الأشعرية، ويحكى ~~أنه ينتحل في الباطن مذهب الفلاسفة، ثم عدل عن هذه الطريقة الفاسدة فقال: ~~بأن الظلم وغيره من القبائح إنما توصف بالقبح بطريقة الشهرة والعادة ~~الجارية بين كثير من العقلاء وتسمية ذلك قبيح في الشرع إنما هو وضع واصطلاح ~~بين الشرعيين، وقال بعضهم: الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأمر والمدح ~~والقبح عن كونه متعلق النهي والذم. # قال أبو عبد الله: والذي عند العدلية في ذلك أن العقل يقضي بقبح مقبحات ~~وحسن محسنات ووجوب واجبات، بل قالوا إن جملة كمال العقل العلم بذلك على ~~سبيل الجملة. PageV01P026 # قال: لأنا متى علمنا في شخص أنه عالم بقبح مقبحات وحسن محسنات ووجوب واجبات ~~مع ما تقدم من العلوم التي ذكرناها علمناه عاقلا، وإن خطر ببالنا كل أمر ~~يشار إليه ولهذا فإن الصبي متى لم يعلمه كذلك لم يعلمه عاقلا، والمجنون قد ~~تحصل فيه العلوم التي تقدم ms16 ذكرها، ويتكامل في حقهما في كثير من الأحوال ولا ~~يعدان في جملة العقلاء لما كانا غير عالمين بقبح قبائح وحسن محسنات ووجوب ~~واجبات، ثم قال: وافترقت المجبرة فرقتين، فمنهم من كان يذهب إلى ذلك إلا ~~أنهم يقولون بأن السمع لا يفارق العقل، وهؤلاء هم المتقدمون من النجارية ~~والضرارية، وذهب المتأخرون منهم إلى أن ذلك إنما هو اعتقادهم أن جميع ~~الأفعال من الله سبحانه فاستحال لذلك أن يعلموا القبح والحسن في الشاهد؛ ~~لأنهما فرعان للأفعال ولو تأملوا لعلموا أن الجميع لو كان من فعل الله لم ~~يكن بعضه حسنا وبعضه قبيحا. # وأما نفي الحسن والقبيح بالجملة، وقال: لا يعلمان عقلا ولا شرعا كما يذهب ~~إليه بعض المتأخرين منهم فقولهم أظهر في البطلان وأبين في الاستحالة. PageV01P027 # قلت: وهذا القول الآخر هو الذي ذكروه في كتبهم المتأخرة فإنه قال في شرح ~~المقاصد مجيبا عن المعتزلة في قولهم: لو لم يثبت القبح والحسن إلا بالشرع ~~لم يثبت أصلا؛ لأن العلم يحسن ما أمر به الشارع أوأخبر عن حسنه، ويقبح ما ~~نهى عنه أو أخبر عن قبحه يتوقف على أن الكذب قبيح لا يصدر عنه، وأن الأمر ~~بالقبح والنهي عن الحسن سفه وعبث لا يليق به وذلك إما بالعقل والتقدير أنه ~~معزول لا حكم له، وإما بالشرع فيدون. # والجواب: أنا لا نجعل الأمر والنهي دليل الحسن والقبح لنرد ما ذكرتم، بل ~~نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأمر والمدح، والقبح عن كونه متعلق ~~الذم والنهي. # قال إمام الحرمين: ومما يجب التنبيه له قولنا لا يدرك الحسن والقبح إلا ~~بالشرع تجوز حيث يوهم كون الحسن زائدا على الشرع موقوفا إدراكه عليه، وليس ~~الأمر كذلك، بل الحسن عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله، وكذلك في ~~القبح وإذا وصفنا فعلا بالوجوب فلسنا نقدر للفعل الواجب صفة بها يتميز عما ~~ليس بواجب، وإنما المراد بالواجب الفعل الذي ورد الشرع بالأمر به إيجابا، ~~وكذا الحظر. انتهى. # فحاصل ما ذكروه أن الفعل ليس له صفة حسن ولا قبح ms17 لا قبل ورود الشرع ولا ~~بعده، فالإيمان ليس له صفة حسن، وكذلك عبادة الأوثان ليس لها صفة قبح لا ~~سمعا ولا عقلا كما حققوه عن أنفسهم في تحقيق مقالتهم لما لزمهم القول به أو الدور. # فصل PageV01P028 ومن الأدلة على ما ذكرناه أن من عن له تحصيل غرض من الأغراض فاستوى في ~~تحصيله الصدق والكذب فإنه يؤثر الصدق على الكذب قطعا، ولا يتردد في ذلك ~~وإلا لذمه جميع العقلاء. # ومنها: أن من رأى شخصا قد أشرف على الهلاك وهو قادر على إنقاذه منه فإنه ~~يستحسن إنقاذه بعقله ويفعل من ذلك ما يدخل تحت قدرته، وإن لم يرج منه ثوابا ~~ولا شكرا، كما إذا كان المنقذ طفلا أومجنونا ولا يطلع عليه أحد ولا يخطر ~~بباله غرضا من جلب نفع أو دفع ضرر، بل ربما أنصب نفسه في ذلك وأتعبها ~~وحملها المشقة وأكلفها، ولو لم يفعل ذلك مع تمكنه منه وعلمه به لأجمع جميع ~~العقلاء على ذمه من موالفيهم ومخالفيهم، ألا ترى إلى قوله في شرح المقاصد ~~مجيبا على المعتزلة حين قالوا من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب بحيث لا ~~يرجح أصلا ولا علم باستقرار الشرائع على تحسين الصدق وتقبيح الكذب فإنه ~~يؤثر الصدق قطعا وما ذاك إلا لأن حسنه ذاتي ضروري عقلي، وكذا إنقاذ من أشرف ~~على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع وغرض ولو مدحا وثناء. # والجواب: أن إيثار الصدق بما تقرر في النفوس من كونه الملائم لغرض العامة ~~ومصلحة العالم، والاستواء المفروض إنما هو في تحصيل غرض ذلك الشخص واندفاع ~~حاجته لا على الإطلاق كيف والصدق ممدوح والكذب مذموم عند العقلاء، وعلى ~~مذهبكم عبد الله أيضا بحكم العقل، فسلم أن الصدق ممدوح عند العقلاء، والكذب ~~مذموم عندهم، وإنما جعل المختص بالمعتزلة قولهم أن الحكم عند الله كذلك. PageV01P029 # ومنها: لولا أن حسن المحسنات وقبح المقبحات الشرعية غير واقف على اختيار ~~مختار لما حسن التكليف أي الأمر بالحسن منها والنهي عن القبيح؛ لأن حسن ~~الأمر والنهي متوقف على حسن المأمور به ms18 ونهي المنهي عنه، فإذا كان الأمر ~~والنهي هما المؤثرين في حسن المأمور به وقبح المنهي عنه لزم من ذلك الدور ~~وهو واضح. ذكره في شرح المنهاج للبكري. # وقال في المحجة البيضاء ما معناه: وأيضا فإنا نقول بالعقل علمتم أن ~~الخالق المنعم تجب طاعته أم بالشرع؟ فإن قالوا: بالعقل. # قيل: فقد علمتم حكم الفعل بالعقل. # وإن قالوا: بالشرع. # قيل لهم: المجرد ذات الأمر والنهي وجب ذلك في أحدنا إذا أمر أو نهى أو ~~لأمر زائد على ذاته، فلا بخلو من أن يكون له تعلق به نحو إرادة أن يكون ما ~~تعلق به الخبر والأمر والنهي قبيحا، أو لا يكون له تعلق، بل لنحو كونه ~~مالكا أو ربا أو كوننا مربوبين أو ما أشبه ذلك، فإن كان الأول لزم ما ~~ذكرناه أولا إذا اقترنت به الإرادة، وإن كان الثاني لم يكن بأن يوجب القبيح ~~أولى من العكس. # قلت: هم قد صرحوا بالتزام ذلك. PageV01P030 # قال ابن القيم: ومعلوم أن عند النفاة يجوز أن يرد شرع الله ودينه، وأنه لا ~~فرق في نفس الأمر بين ما ورد به وما تقتضيه أهواؤهم ولو أنه ورد بأهوائهم ~~جاز، وكان تعبدا ودينا، وهذه مخالفة صريحة للقرآن، ومن المحال أن يتبع الحق ~~أهواءهم {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض} وأهواؤهم مشتملة ~~على قبح عظيم لو ورد الشرع به لفسد العالم أعلاه وأسفله وما بين ذلك. # قلت: فالأولى أن يقال: وإن كان الثاني قيل لهم بم عرفتم كونه مالكا ~~أوربا؟فإن قالوا بالعقل فقد سلموا المطلوب، وإن قالوا بمجرد إخباره بذلك ~~لزم في كل تحير وهو محال. # ومنها: أن الله وهو أصدق القائلين حكى عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه ~~استدل على قومه بالدليل العقلي الظاهر الضروري، وأنكر عليهم ترك العمل ~~بمقتضى عقولهم حيث يقول: {واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ~~ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}. # ومنها: أن من ms19 ذم أحدا على كون السماء فوقه والأرض تحته أو على ما يشبه ~~ذلك مما ليس بفعل له فإن العقلاء يذمونه، وكذلك من عظم البهائم والصبييان ~~فإن العقلاء يذمونه أيضا، وإنما يذمونه في الصورتين لقبحه في عقولهم. PageV01P031 # ومنها: أن كل عاقل يعلم ضرورة حسن شكر المنعم، وحسن مدحه بخلاف المسيئ، ~~ومعرفة ذلك معدودة من كمال العقل كما يأتي. # ومنها: أن وجوب النظر في معرفة صدق الرسول لا تكون إلا بالعقل ولو لم تكن ~~بالعقل كما قالوا لزم أن الرسول إذ قال لمن أرسل إليه قد جئتك بدعوة الحق ~~والبينة عليها أن يقول إنما يدلني على صدقك العقل إذا أجئت بالبينة ولا حكم ~~له ولا لإيجابة، فيلزم إفحام الرسول بأنه لا يلزمه اتباعه حتى يعلم صدقه ~~وصدقه لا يعلمه إلا بالضرورة، وإنما يعلمه بالنظر الذي أوجبه الخوف وهو ~~عقلي، والعقل لا حكم له. # ومنها: أن معرفة الله واجبة ولا يدرك الوجوب بالسمع لأن معرفة الإيجاب ~~تتوقف على معرفة الموجب فيستحيل معرفة الإيجاب قبل معرفة الموجب. # ومنها: أنه يلزم أن لا يقبح من الله سبحانه قبيح، ومن جملة القبائح ~~الكذب، وفي التزام تجويز الكذب عليه وأنه لا يقبح منه إبطال الشرائع وبعثة ~~الرسل بالكلية لأنه لا يمكن حينئذ تميز النبي الصادق من الكاذب وهذا باطل ~~إجماعا. PageV01P032 # قال ابن القيم: فيالله العجب كيف يجوز العقل التزام مذهب يلزم معه جواز ~~الكذب على رب العالمين وأصدق الصادقين، وأنه لا فرق أصلا بالنسبة إليه بين ~~الصدق والكذب، بل جواز الكذب عليه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ~~كجواز الصدق وحسنه كحسنه، وهل هذا إلا من أعظم الإفك والباطل، ونسبته إلى ~~الله تعالى جوازا كنسبة ما لا يليق بجلاله إليه من الولد والزوجة والشريك، ~~بل كنسبة أنواع الظلم والشر إليه جوازا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، ومن ~~أصدق من الله حديثا، ومن أصدق من الله قيلا، وهل كان الإفك المفترى إلا ~~رافعا للوثوق بأخبار وعده ووعيده، ومجوز عليه وعلى كلامه ما هو أقبح من ~~القبائح التي ms20 تنزه عنها بعض عبيده ولا يليق به فضلا عنه سبحانه فلو التزمتم ~~كل ذم يلزم منه الحسن والقبح العقليين لكان أسهل من التزام هذا الأذى الذي ~~يكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، ولا نسبة للقبح بين ~~الولد والشريك والزوجة وبين الكذب ولهذا فطر الله عقول عباده على الإزراء ~~والذم والمقت للكاذب دون من له زوجة وولد وشريك، فتنزيه أصدق القائلين عن ~~هذا القبيح كتنزيهه عن الولد والشريك والزوجة، بل لا نعرف أحدا من طوائف ~~العالم جوز الكذب على الله لما فطر الله عقول البشر وغيرهم على قبحه ومقت ~~فاعله وخسته ودناءته، ونسبت إليه طوائف المشركين الشريك والولد لما لم يكن ~~قبحه عندهم كقبح الكذب، وكفى بمذهب بطلانا وفسادا هذا القول العظيم والإفك PageV01P033 المبين لازمة ومع هذا فأهله لا يتحاشون من التزامه، وما أحسن قوله بعد هذا. # ونحن نستغفر الله من التقصير في رد هذا المذهب القبيح ولكن ظهور قبحه ~~للعقول والنظر أقوى شاهد على رده وإبطاله، ولقد كان كافيا في رده نفس تصوره ~~وعرضه على عقول الناس وفطرهم. # وليتأمل اللبيب الفاضل ماذا يعود على نظر المقالات والتعصب لها والتزام ~~لوازمها وإحسان الظن بأربابها بحيث يرى مساوئهم محاسن، وإساءة الظن بخصومهم ~~بحيث يرى محاسنهم مساوئ كم قد أفسد هذا السلوك من فطرة وصاحبها من الذين ~~يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون. # ومنها: أن قبح القول بالتثليث ثابت بالعقل واستدل الله به في كتابه ~~الكريم حيث يقول: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} وحيث يقول: {قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} وحيث يقول: {ضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون} وحيث يقول:{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}. # فصل PageV01P034 ومنها: أن الله خلق العقل ليدرك به المعقولات، كما خلق ms21 العين ليدرك بها ~~المبصرات، وكما خلق حاسة الشم ليدرك به المشمومات، والسمع ليدرك به ~~المسموعات، والذوق ليدرك به المطعومات، واللسان لينطق به، والأيدي ليبطش ~~بها والأرجل ليمشي بها، فمن أنكر إدراك العقل للمعقولات فهو كمن أنكر إدراك ~~الحواس للمحسوسات، قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض ~~فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور} فنسبة تصور قبح ماهية الظلم والكذب وغيرهما من ~~القبائح إلى العقل كنسبة تصور ماهية المنافرات الحسية إلى الحسن، فكما أن ~~إدراك الحواس المنافرات تقتضي نفرتها عنها، فكذلك إدراك العقل لحقيقة مثل ~~الظلم والكذب ولا فرق بينهما، فإن جاز القدح في مدركات العقول وحكمها فيها ~~بالحسن والقبح جاز القدح في مدركات الحواس، ومن لجأ إلى المكابرة في ~~المعقولات فقد فتح باب المكابرة في المحسوسات. PageV01P035 # قال بعض المحققين: ولهذا كانت السفسطة حالا تعرض في هذا، وهذا، وليست مذهبا ~~لأمة من الناس كما يظنه بعض أهل المقالات وإنما هي حال عارضة لكثير من ~~الناس وهي تكثر وتقل، وما من صاحب مذهب باطل إلا وهو مرتكب للسفسطة شاء أم ~~أبى، ولو تقرر عند المخالف أن الله حكيم عليم يضع الأشياء مواضعها وينزلها ~~منازلها لعلم أن مثل العدل والإنصاف والظلم والاعتساف، والصدق والكذب ~~بالنسبة إلى شرعه وتكليفه الذي يتعلق بالثواب والعقاب متباينان غاية ~~التباين، متفاوتان غاية التفاوت، وأنه يستحيل في حكمته التسوية بينهما وأن ~~يكونا على وتيرة واحدة، ومعلوم أن هذا هو المعقول عند ذوي العقول القائلين ~~بحكمة الله العزيز الحكيم. # فصل # ولو ذهبنا نستقصي ما شهد به العقل من تحسين وتقبيح في كثير من الأحكام، ~~وما يحكم به العقلاء من ذلك وتشهد به عقولهم على اختلاف أحوالهم وتباعد ~~ديارهم لم نجد إلى استقصاء ذلك سبيلا، فالمعتمد هو العلم ms22 الضروري الذي ~~ذكرناه فإن كل عاقل يحكم بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، وحسن رد ~~الوديعة والإنصاف وإنقاذ الغريق، وقبح الظلم والتعدي وإيذاء الحيوان بغير ~~فائدة، ومن كابر في ذلك فقد كابر مقتضى عقله ولو لم يكونا عقليين لم تكن ~~هذه الأحكام مركوزة في عقول العقلاء وسائر ما قدمناه من الأدلة العقلية ~~الضرورية والاستدلالية. # فصل # وأما الكلام في الأدلة السمعية والبراهين العقلية: PageV01P036 # فاعلم أن المخالف في هذه المسألة كما قد خرح عن المعقول فكذلك قد خرج عما ~~تقتضيه ضرورة المنقول، فمن الأدلة القرآنية الدالة على صحة قولنا وبطلان ~~قولهم أن الله ما بعث الأنبياء صلوات الله عليهم إلا مبشرين لمن خرج من ~~قومهم من قبيح ما هم عليه من الظلمات إلى النور كما قال تعالى:{ الر كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد} ومنذرين لمن بقى عليه قبح الكفر والطغيان كما قال تعالى:{ رفيع ~~الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم ~~التلاقي} وذم مرتكب القبائح من قيل إرسال الرسل على ألسنة رسله صلوات الله ~~عليهم بالكفر والضلال والفسق كما قال تعالى:{ لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} وكما قال:{ وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين}. PageV01P037 # وقال: {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين، قوم فرعون ألا يتقون} ~~وقال: {فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين} ~~وقال: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ~~أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين}. PageV01P038 # وقال: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما ~~فعل المبطلون} وقال: {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين} فأخبر تعالى أنما ~~قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة وأنه ms23 سبحانه لو أصابهم بما ~~يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولا وينزل عليهم كتابا، ~~فقطع هذه الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل، وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن ~~تصيبهم بها المصيبة، ولكنه سبحانه لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل كما قال: ~~{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} فالقبح ثابت للفعل بنفسه ولا يعذب الله ~~عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة، وقال حاكيا عن إبراهيم: {لقد كنتم أنتم ~~وآباؤكم في ضلال مبين} وقال: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} وكل رسول يبعث إلى أمة ~~فقد دعاهم إلى التوبة والاستغفار مما كانوا عليه من الضلال وقبيح الأعمال، ~~قال في نبينا صلوات الله عليه: {الر كتاب أحكمت PageV01P039 آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير ~~وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وكرر هذه الدعوة في جميع الأنبياء ~~صلوات الله عليهم فقال في قوم هود: {وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ~~وقال في قوم صالح: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ~~ربي قريب مجيب} وقال في إبراهيم: { سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا} وقال في قوم شعيب: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ~~ودود}وقال في قوم نوح: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء ~~عليكم مدرارا}. PageV01P040 # وقال في عامة الرسل: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه ~~مريب، قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم...} الآية. # فصل PageV01P041 ومنها ms24 أن الله ضرب الأمثال العقلية وجعل دلالة العقل شاهدة على أنه المعبود ~~بالحق كما قال: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون، فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون،ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون، ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} ففي ~~هذه الآية استدلال الله تعالى بالعقل الذي خلقه ليهدي إلى الحق حيث طلب من ~~العقلاء أن ينظروا هل يستوي الرجلان اللذان ذكرهما في عقولهم أم لا ~~يستويان؟ وكما قال:{ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} وكما قال: {قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنا PageV01P042 تؤفكون} {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي ~~إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون}. # فصل # ومنها أن الله شهد أنه قائم بالقسط، والقسط: هو العدل، قال: {شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم}. # وأمر عباده أن يحكموا بالعدل ومدحه بقوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما ~~يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا}. PageV01P043 # ونهاهم عن قتل الأولاد وغير ذلك من المناهي فقال: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه} فذكر توحيده وذكر المناهي التي نهاهم عنها والأوامر التي أمرهم بها، ~~ثم ختم الآيات بقوله: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها، ذلك مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة} ولا بد ms25 أن يكون العدل المأمور بالحكم به معلوما في العقول ~~معروفا عند المخاطبين، وكذلك السيئة والمكروه لا بد أن يكون معناهما معلوما ~~معقولا كما قال: {حم، والكتاب المبين، إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون} وقال: {كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون}. PageV01P044 # قال ابن القيم: وأيضا فإذا وقع ذلك منهم فهو عند النفاة للحسن والقبح محبوب ~~لله مرضيا له؛ لأنه إنما وقع بإرادته والإرداة عنده هي المحبة لا فرق ~~بينهما، والقرآن صريح بأن هذا كله قبيح عند الله مكروه مبغوض له وقع أو لم ~~يقع، وجعل سبحانه هذا البغض والقبح سببا للنهي عنه ولذا جعله علة وحكمة ~~لأمر، فتأمله، والعلة غير المعلول، وقال تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} ولا ~~تصح أن تكون المعاني للألفاظ حادثة لها بعد نزولها، وكانت من قبل فارغة لا ~~معنى لها، فإذا تقرر ذلك فمعنى الحسنة والسيئة ثابتة لهما قبل نزولها، ~~وكذلك سائر الألفاظ. # وأما على قولهم أن القرآن قديم فيلزم أن تكون المعاني الثابتة لها قديمة أيضا. # فصل PageV01P045 واحتج إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالعقل: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، ~~قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم ~~أو يضرون} ومن ذلك قوله تعالى: {ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب...} الآية. فاستحالة خلق الذباب على ~~من دون الله من الآلهة التي يعبدونها استحالة عقلية لا يتوقف الحكم بها على ~~السمع، واعتقاد ذلك هو في حكم الله مما يتعلق به الثواب والعقاب فهو نص في ~~موضع النزاع، فإنه قال في (العضد) ولا يعني به أن العقل لا حكم له في شيء ~~أصلا، بل إنه لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح في حكم الله تعالى، ويلزم على ~~هذا أن حكم العقل بالإيمان بالله وبوجوده ليس بحسن لما ms26 كان في حكم الله ~~تعالى، وأنه لم يحكم الله بالإيمان به عندهم لحسنه لنفيهم العلل والأغراض، ~~ومن ذلك قول الله تعالى: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي ~~للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون} ووضوح دلالة هذه PageV01P046 الآية على هداية الله إلى ما هو حق في نفسه والتمييز بين هدايته إليه ~~وهداية غيره بين جلي، وصريح غير خفي، ولو لم يكن الحق حقا في نفسه لم يكن ~~فرق بين من يهدي إلى ما يأمر به مما لم تثبت له الصفة التي يدرك العقل أنها ~~حق فجعل الله سبحانه وتعالى ذلك دليلا على بطلان قول المشركين في جعلهم من ~~لا يهدي إلى الحق آلهة، ومثل ذلك قوله تعالى: {ويريد الله أن يحق الحق ~~بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون} ~~وكذلك قوله: {والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله ~~هو السميع البصير} وقوله: {أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق ~~كارهون، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} وقوله ~~تعالى في سورة براءة: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون} وفي سورةالصف:{ هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} وفي سورة الفتح: {هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين PageV01P047 كله وكفى بالله شهيدا}. # وهذه أخبار من أصدق الصادقين مطابقة للواقع وواصفة للحق بأنه حق من قبل ~~أن يبعث الرسل وينزل الكتب كما قال تعالى أيضا: {المر تلك آيات الكتاب ~~والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} وقال الله: {أفمن ~~يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب} ~~{قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} {قل جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان ms27 زهوقا}وغير ذلك كثير كقوله: {هو الذي ينزل على عبده ~~آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور} وقال: {الله ولي الذين آمنوا ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}. # فصل PageV01P048 ومن الأدلة قول الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}وكذلك قوله: ~~{يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} وقوله: {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على ~~صراط مستقيم} وقوله: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}ولو لم تكن ~~هذه الصفات ثابتة لاشترك في ذلك الآمرون فيما أمروا به. # فصل # ومن الأدلة قول الله تعالى في كتابه الكريم مخبرا خبرا مؤكدا: {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} ~~لأنه إن كان ما أمر به عدلا وإحسانا، وما نهىعنه فحشا ومنكرا وبغيا من قبل ~~أن يأمر به، فالخبر الصادق من أصدق القائلين، وإن لم يكن كذلك لزم أن يكون ~~غير صادق لأنه لم يطابق ما في نفس الأمر من الواقع، فلا فرق حينئذ بين ~~الأمر بالعدل وبين الأمر بغيره إذ محصوله على مقتضى قولهم إن الله يأمر بما ~~يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، وهذا يصح في كل آمر وناه ويتعالى كلام الحكيم عنه. # فصل PageV01P049 ومن ذلك إخبار الله تعالى عن حكمته وتمدحه بها مما لا يحصى إلا بكلفة ~~وتطويل، وذلك في وصفه سبحانه لنفسه ووصف كتبه، ووصف رسله كقوله: {العزيز ~~الحكيم} في وصف نفسه في غير موضع، وكقوله في وصف الكتاب:{وإنه في أم الكتاب ~~لدينا لعلي حكيم}وكقوله في وصف نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: {ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} وقال: {كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} فإن لم تكن ~~الحكمة حكمة من قبل تعليمها فكل قادر على الكلام يصح منه أن يعلم ما يقول ~~ولا يعقل الفرق بين المتنبئ والرسول، وكذلك قوله تعالى: {يؤتي الحكمة من ~~يشاء ومن يؤت الحكمة ms28 فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب} ~~وقوله في وصف داود عليه السلام:{ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب}. # واعلم أن هذا الفصل فيه فصل الخطاب ولو اكتفى به في تحقيق المسألة وتحقيق ~~الخلاف فيها لكان هو الصواب فإن المخالف قد قال: لا ينكر اشتهار القضايا ~~الحسنة والقبيحة من الخلق، وكونها محمودة مشكورة يثنى على فاعلها أو يذم، ~~ولكن مستندها إما التدين بالشرائع، وإما الأغراض، ونحن إنما ننكرها في حق ~~الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه. PageV01P050 # قال في شرح الصحائف: والحق أن الله تعالى قادر حكيم غني ولا بد من الفعل أو ~~الترك، والفعل والترك بالنسبة إليه واحد في المقدور لأنه لا يباشر كما ~~نباشر أفعالنا، بل يكفي في حدوث الحوادث قوله كن فحينئذ يختار أولى الطرفين ~~وأحسنهما وما لا يكون قبيحا إذ ترك الأولى بلا ضرورة ولا حاجة عن مثل هذا ~~القادر نقص ومحال بالضرورة، وتلك الأولوية لا تكون بالنسبة إليه تعالى ~~لتنزهه، بل في نفس الأمر أو بالنسبة إلى العباد، والفعل على هذا الوجه غاية ~~الكمال، وخلافه عين النقص والعبث، وأيضا لا خلاف أن بعثة الأنبياء لاهتداء ~~الخلق وإظهار المعجز لتصديق الأنبياء فمن أنكر التعليل أنكر النبوة، وكل ~~دليل يأتي به يكونه قادحا في النبوة. # فإن قلت جائز أن يكون إنكارهم في غير هاتين الصورتين. # قلت: دلائلهم قادحة في التعليل مطلقا فتكون دعواهم كلية، وأيضا لو كان ~~كذلك لكان دلائلهم منقوضة بهاتين الصورتين، والدلائل العقلية لا تقبل ~~التخصيص. PageV01P051 # قال بعض المحققين: فهذا معترك النزال بين الفريقين في هذه المسألة قد ~~أرادوا بها نفي الحكمة والمصالح والعواقب الحميدة، والغايات التي يفعل ~~ويأمر لأجلها عن أحكم الحاكمين، وهذا مذهب قد خالفوا به صريح المعقول ~~والمنقول، وفي هذا من أدلة إثبات الحكمة المقصودة بالحق والأمر ما لا تسعه ~~الأوراق، وكيف يمكن إنكار ذلك والحكمة في خلق العالم وأجزائه ظاهرة لمن ~~تأملها، بادية لمن أبصرها، وقد رقمت صدورها على صفحات المخلوقات يقرأها كل ~~عاقل كاتب وغير كاتب، نصبت شاهدة لله بالوحدانية والربوبية، والعلم ms29 ~~والحكمة، واللطف والخبرة: # تأمل صدور الكائنات فإنها # وقد خط فيها لوتأملت خطها ... من الملأ الأعلى إليك رسائل # ألا كل شيء ما خلا الله باطل PageV01P052 ومن طلب النصوص على ذلك بهرته كثرتها وتطابقها، ولعلها تزيد على المئين، ~~وما يخطه المخالف في حكمة الله من أن إثباتها يستلزم افتقارا منه واستكمالا ~~بغيره فهوس ووسواس، فإن هذا بعينه وارد عليهم في أصل الفعل، وأيضا فهذا ~~إنما هو إكمال للصنع لا استكمال بالصنع، وأيضا فإنه سبحانه أفعاله صادرة عن ~~كماله فإنه كمل ففعل لا أن كماله عن أفعاله، فلا يقال فعل فكمل كما يقال ~~للمخلوق، وأيضا فإن مقصد الحكمة ومتعلقها وأسبابها عنه سبحانه فهو الخالق، ~~وهو الحكيم ووهو الغني من كل وجه أكمل الغنى وأتمه، وكمال الغنى والحمد في ~~كمال القدرة والحكمة، والمحال أن يكون سبحانه وتعالى فقيرا إلى غيره، فأما ~~إذا كان كل شيء فقير إليه من كل وجه وهو الغني عن كل شيء فأي محذور في ~~إثبات حكمته مع احتياج مجموع العالم وكلما يقدر معه إليه وهل الغنى إلا ~~ذلك، ولله سبحانه في كل صنع من صنائعه وأمر من شرائعه حكمة باهرة، وآية ~~ظاهرة، تدل على وحدانيته وحكمته،وعلمه وغناه، وقيوميته وملكه، لا تنكرها ~~العقول ولا الفطر: # ولله في كل تحريكة # وفي كل شيء له آية ... وتسكينة أبدا شاهد # تدل على أنه واحد # قال: وبالجملة فنحن لا ننكر حكمة الله ونساعدكم على جحدها لتسميتكم إياها ~~أغراضا، وإخراجكم لها في هذا القالب فالحق لا ينكر لسوء التعبير عنه، وهذا ~~لفظ بدعي لم يرد به كتاب ولا سنة، وقال قال الإمام أحمد: لا نزيل عن الله ~~صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين...إلى آخر ما قاله. PageV01P053 # قلت: ولو أن أهل هذه المقالة نظروا فيما قالوا في مسألة الصفات وقولهم أنها ~~غير الله وأنه قد استكمل بها للزمهم أنه قد استكمل بغيره، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا، ولكان حجة عليهم فيها، وهلا نزلوا عن وصفه بالحكمة ~~منزلة وصفه بالعلم. # قال السيد محمد بن إبراهيم: وقد أحالوا ms30 في تحسين مذهبهم بمجرد عبارات ~~مزخرفة ليس تحتها أثارة من علم مثل تسمية الحكمة العلة، وإيهام أن القول ~~بالحكمة يقدح في كون الله غنيا، وهذا من الظن الباطل، ولو كان ذلك يقدح في ~~غناه وجب أن يقدح في غناه وجوب وصفه بكونه عليما قديرا سميعا بصيرا إلى ~~سائر أسمائه الحسنى خصوصا كونه تعالى مريدا، ولا ريب ولا شبهة أن قاعدة ~~الكمال في الأفعال أن يكون صدورها عن الحكمة البالغة في توجيهها إلى ~~المصالح الراجحة والعواقب الحميدة، وكلما ظهر ذلك فيها كانت أدل على حكمة ~~فاعلها وعلمه، وحسن اختياره ومحامده، وكلما بعدت عن ذلك كانت أشبه بالآثار ~~الاتفاقية وما يتولد من العلل الموجبة، وأشبهت أفعال الصبيان في ملاعباتهم، ~~والمجانين في خيالاتهم، فمن نفى عن أفعال الله كل داع....وحكمة فقد جعلها ~~من هذه الجهة أنقص من أفعال الصبيان والمجانين وملاعباتهم وخيالاتهم، وإنما ~~قلنا أنهم جعلوها أنقص من ذلك لوجهين: PageV01P054 # أحدها: أنهم قطعوا بخلوها كلها عن كل حكمة وداع وسبب، ومنعوا أن تكون ~~أفعاله كلها أرجح من أضدادها فحكموا بأنه تعالى لوعكس الحكم في جميع أوامره ~~العادلة الحكمية في شرائعه وأحكامه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة لو عذب ~~الأولياء والأنبياء وأهانهم وأخزاهم بذنوب غيرهم، ثم أدخل أعداءه وأعداءهم ~~الجنة بحسنتهم وأكرمهم وعظمهم ماكان هذا المحال عليه بأبعد عن حكمته ~~ومحامده في العقل والسمع مما هو فاعله سبحانه مما تمدح به وسماه حقا وعدلا ~~وحكمة وصوابا، وتمدح لذلك بأنه لا معقب لحكمه ولا مبدل لكلماته، وأنه إذا ~~أبدل أنه لا يبدلها إلا بما هو خير منها، فزعموا أن التسوية بين أحكامه ~~وأضداده مقتضى العقول والشرائع، لكن الشرائع وردت بالخبر عن وقوع أحد ~~الجائزين المتماثلين في الحكمة مثل تماثلهما في القدرة، بل التماثل في ~~القدرة بلا حكمة عندهم إلا الصدق في الخبر عند بعضهم فواجب وحده فإنا لله، ~~إن كانت ذهبت العقول فأين الحياء من الله وكتبه ورسله والمسلمين؟. PageV01P055 # الوجه الثاني: أنهم جعلوا صدور الأفعال منه تعالى عن حكمة محالا عليه غير ~~ممكن له ولا ms31 داخل في مقدوره كإحالة الأكل والشرب عليه وصدروها عن حكمة غير ~~محال في حق الصبيان والمجانين والمفسدين عند الجميع، بل يلزمهم أن الله ~~-تعالى عن ذلك علوا كبيرا- لو عكس الصدق والحق وبعث الكذابين المفسدين ~~وأيدهم بالمعجزات ما كان أولى من عكس ذلك ولم ينفصلوا عن هذا الإلزام بوجه ~~بين، فقال بعضهم: إنما يمتنع الكذب في كلام الله لأنه قديم، قد جوز الكذب ~~من حيث هو محدث قبيح، لكنه مع ذلك ينسب إلى الله تعالى عدم القدرة عليه ~~فجمع بين تجويز نقصين: نقص الكذب لو دخل في قدرة الله، ونقص المعجز عنه ~~وأنه تعالى لا يقدر على إحداث كلام البتة تعالى الله عن ذلك علواكبيرا، وقد ~~أبطله الرازي بأن القدم يختص الكلام النفسي لا الأصوات عندهم، قال: إنما ~~يمتنع الكذب على الله تعالى لأنه صفة نقص، وهذا صحيح لكن كون الكذب صفة نقص ~~اعتراف بالتحسين والتقبيح العقليين وهو اعتراف بثبوت الحكمة عقلا، وإذا وقع ~~الإجماع على أن الكذب صفة نقص فكذلك تعذيب الأنبياء بذنوب أعدائهم، وإثابة ~~أعدائهم بحسناتهم صفة نقص محال على الله عقلا وسمعا من الجهة التي استحال ~~عليه الكذب منها، ومن زعم أن بينهما فرقا في النقص على العدل الحكيم فقد أبطل. PageV01P056 # ولما قرر بعض أئمة المعقولات منهم إلزامهم تجويز بعثة الكذابين وتأييدهم ~~بالمعجزات لم ينفصل عنه إلا بإلزام خصومهم مثله، وترك ذلك كذلك غنيمة باردة ~~للزنادقة والملحدة متى وقفوا عليه وظفروا به. والله المستعان.انتهى. # فالحاصل أن فرار هؤلاء القوم إنما هو من إثبات الحكمة في أفعاله فإنهم ~~يسلمون ذلك حتى يتعلق بحكم الله فإذا تعلق بحكم الله وخافوا لزوم أن يكون ~~الله تعالى أخبر أو أمر أو نهى لوجه قد علمه تعالى وحكمة ومصلحة كذلك، ~~وسواء علمناها أم لم نعلمها، أنكروا ما يعلمونه بعقولهم فضلا عما لا ~~يعلمونه، وإن كان الله قد فعل ذلك لحكمة ووجه نطق به كتابه ورسله ليردوا ~~ذلك إلى قاعدة الأشعري وإن خالف صريح الكتاب والكلام النبوي{ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ms32 ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} ~~{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}. # فصل PageV01P057 ومن الأدلة على ذلك قول الله سبحانه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} فدل ذلك على أن في الأمر قسطا، ~~وأن الله سبحانه أنزل كتابه وأنزل الميزان وهو العدل ليقوم الناس بالقسط ~~الذي أنزل الكتاب لأجله والميزان، فعلم أن في نفس الأمر ما هو قسط وعدل ~~وحسن، ومخالفته قبيحة، وأن الكتاب والميزان نزلا لأجله، ومن ينفي الحسن ~~والقبح يقول ليس في نفس الأمر ما هو عدل حسن وإنما صار قسطا وعدلا بالأمر ~~فقط، ومن هذا قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} وقوله تعالى: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} دليل على أنها في ~~نفسها فحشاء وأن الله لا يأمر بما يكون كذلك وأنه يتعالى ويتقدس عنه، ولو ~~كان كونه فاحشة إنما علم بالنهي خاصة كان بمنزلة أن يقال إن الله لا يأمر ~~بما ينهى عنه، وهذا كلام يصان عنه آحاد العقلاء فكيف بكلام رب العالمين، ثم ~~أكد سبحانه هذا الإنكار بقوله: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد وادعوه مخلصين له الدين} فأخبر أنه يتعالى عن الأمر بالفحشاء بل ~~أوامره كلها حسنة في العقول مقبولة في الفطر، فإنه أمر بالقسط لا بالجور، ~~وبإقامة الوجوه له عند مساجده لا لغيره، وبدعوته مخلصين له الدين لا بالشرك ~~به، هذا هو الذي يأمر به تعالى لا بالفحشاء. # فصل PageV01P058 ومن ذلك إخباره بحسن ما أمر به في نحو قوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه ~~لله وهومحسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا} وقوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} فاحتج الله سبحانه على حسن دين ~~الإسلام، وأنه لا شيء أحسن منه فإنه يتضمن إسلام الوجه لله ms33 وهو إخلاص القصد ~~والتوجه والعمل له سبحانه، والعبد مع ذلك محسن آت بكل حسن لا مرتكب للقبيح ~~الذي يكرهه الله، بل هو مخلص لربه، محسن في عباده بما يحبه ويرضاه، وهو مع ~~ذلك متبع لملة إبراهيم في محبته لله وحده وإخلاص الدين له، وبذل النفس ~~والمال في مرضاته ومحبته، وهذا احتجاج منه على أن دين الإسلام أحسن الأديان ~~بما تضمنه مما تستحسنه العقول، وتشهد به الفطر، وأنه قد بلغ الغاية القصوى ~~في درجات الحسن والكمال، وهذا استدلال بغير الأمر المجرد بل هو دليل على أن ~~ما كان كذلك فحقيق أن يأمر به عباده ولا يرضى منهم سواه، ومثل هذا ~~قوله:{ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله...}الآية. فهو احتجاج بما ركب في ~~العقول والفطر أنه لا قول للعبد أحسن من هذا القول. # فصل PageV01P059 ومن ذلك قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} ~~فأي شيء أصرح من هذا من حيث أخبر سبحانه أنه حرمه عليهم مع كونه طيبا في ~~نفسه، فلولا أن طيبه أمر ثابت له بدون الأمر لم يكن ليجمع الطيب والتحريم، ~~وقد أخبر الله تعالى أنه حرم عليهم طيبات كانت حلالا عقوبة لهم، فهذا تحريم ~~عقوبة بخلاف التحريم على هذه الأمة فإنه تحريم صيانة وحماية، ولا فرق عند ~~النفاة بين الأمرين بل الكل سواء. # فصل # فإن قيل: ما الجواب عن الأدلة التي ذكروها؟ # قلت: قد كفونا مؤنة إبطالها بقدحهم فيها وإخرابهم لها{ يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار}. # فأما الرازي: فاعتمد في استدلاله على المسلك المشهور وهو أن فعل العبد ~~غير اختياري، وماليس بفعل اختياري لا يكون حسنا ولا قبيحا عقلا باتفاق؛ لأن ~~القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان ~~اختياريا وقد ثبت أنه اضطراري فلا يوصف بحسن ولا بقبح على المذهبين. PageV01P060 # فأما بيان كونه غير اختياري؛ فلأنه إن لم يتمكن العبد من فعله وتركه كان ~~اضطراريا، وإن كان متمكنا من فعله وتركه، فإما أن يفتقر لترجيح الفاعلية ~~على ms34 التاركية إلى مرجح أولا؟ فإن لم يفتقر كان اتفاقيا، والاتفاقي لا يوصف ~~بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه إما أن يكون لازما، وإما ~~جائزا، فإن كان لا زما فهو اضطراري، وإن كان جائزا عاد التقسيم، فإما أن ~~ينتهي إلى أن يكون لازما فيكون ضروريا أو لا ينتهي إليه فيتسلسل وهو محال ~~أن يكون اتفاقيا فلا يتصف بحسن ولا بقبح. # فالجواب أنه لا يمكن أن يعود التقسيم بما افتقر إلى الترجيح الجائز إلى ~~ما لا يفتقر في الترجيح أصلا فيكون اتفاقيا كما زعم، ولا يمكن أيضا أن يعود ~~التقسيم بما افتقر إلى الترجيح الجائز إلى ما يفتقر إلى الترجيح اللازم ~~فبطلان ذلك ظاهر، فثبت أن المرجح حاصل بالاختيار. PageV01P061 # قال الإمام المهدي عليه السلام: ويقول الرازي إنك الآن بنيت دليلك على ~~قاعدة قد عرفت أنها منهارة، وأنها غير مستقيمة، وأن استقامتها يستلزم قدم ~~العالم وذلك حيث قلت في الجواب عن شبهة الفلاسفة أن الفاعل لا يفتقر إلى ~~المرجح في إيجاد أحد المستويين عنده وصرحت بذلك، وأنه يصح من الجائع أن ~~يبتدي بأي جوانب الرغيف لا المرجح، وكذا الملتجي إلى الهرب يسلك أحد ~~الطريقين المستويين لا المرجح، وربما ادعيت العلم الضروري بذلك فكيف يصح لك ~~بعد هذا الاعتراف أن تبني عليه مذهبك في خلق الأفعال وتجعله معتمدك أي ~~إنصاف هذا،ثم إنا نقول هب أنك قد رجعت عن ذلك الاعتراف والتزمت قول ~~الفلاسفة فإنك قدر صرحت أنه لا مخلص عن شبهتهم تلك التي تقتضي قدم العالم ~~إلا بتجويز أن الفاعل يصح أن يفعل أحد المستويين عنده وإلا لزم قدم، فكان ~~شأنك هاهنا إن كنت باقيا على القول بحدوث العالم أن تبين لنا ما قد حصل لك ~~في دفع شبهتهم بغير هذه الطريقة التي شهدت أنه لا مخلص من القول بقدم ~~العالم إلا بها، فإن كنت باقيا على العجز عن حل شبهتهم فلقد ارتحلت أكبر ~~الجهلين، فإن جهلك بحدوث العالم أعظم من جهلك بأنا المحدثون لأفعالنا، وإن ~~كان قد اتضح لك طريق ms35 آخر فكان من حقك أن تدل عليه لتحل به شبهة القوم ويزول ~~اللبس الذي قد ذكرت من أنه لا مخلص منها إلا بذلك الاعتراف، وإلا فقد أخللت ~~بواجب قطعا، ثم إنا وإن سلمنا أنه لا خلل عليك في الرجوع فإن دليلك هذا قد ~~أورده ابن الحاجب ثم قال: إنه PageV01P062 اعترضه بما معناه أنه يؤدي إلى القدح فيما علمناه ضرورة لأنه يستلزم أن ~~أفعالنا كلها ضرورية، وإذا كانت ضرورية لزم ألا يفرق بين الحركة الاختيارية ~~والحركة الاضطرارية. # قال: ونحن نجد الفرق بينهما ضرورة، هذا معنى كلامه. # قلت: فقد شهد بعض القوم على نفسه وأصحابه أن مذهبهم في خلق الأفعال يؤدي ~~إلى القدح في المعلوم ضرورة، وكل مذهب أدى إلى الدخول في السفسطة باعتراف ~~الذاهب إليه فالواجب رفضه وإبطاله، هذا هو الجواب الجدلي. # وأما الجواب الحقيقي فبيانه أن هذا الدليل مبني على أمرين باطلين: # أحدهما: أنه لا يصح الفعل إلا لداع ومرجح، وقد قدمنا الكلام على المسألة ~~وأوضحنا أن الحق أنه يصح فعل أحد المستويين لا لمرجح، وقامت الدلالة على ~~ذلك على وجه لا يمكن رده. PageV01P063 # الأمر الثاني: أنهم زعموا أن ذلك المرجح لا بد أن يكون موجبا، واستدلوا على ~~ذلك بأنه إذا تراخى وقوعه على وقوع المرجح كان وقوع الفعل عند وقوعه لا ~~لمرجح؛ لأنه لا وقت أولى من وقت، ووقوع أحد المستويين لا لمرجح محال، فظهر ~~لك أن دليلهم على خلق الأفعال مبني على استحالة الفعل من دون مرجح، وإذا ~~كانت هذه القاعدة قد انهدمت بما قدمنا من الأدلة واعترافهم عند الرد على ~~الفلاسفة بطل الدليل من أصله، وفي بطلانه بطلان المدلول، وقد قال ابن ~~الحاجب بعد أن ذكر ما حكاه عن المهدي عليه السلام من تضعيفه لما نجده من ~~الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية أنه يلزم علية فعل الباري أنه لا ~~يوصف بحسن ولا بقبح شرعا، والتحقيق أنه ترجيح بالاختيار، فاعترف كما ترى ~~بضعفه من وجوه: # الأول: أنا نفرق ضرورة بين الأفعال الضرورية والاختيارية كالسقوط والصعود ~~وحركتي الاختيار والرعشة، ms36 فيكون استدلالا في مقابلة الضرورة فيكون باطلا. # الثاني: في فعل الباري تعالى فيلزم أن لا يكون مختارا وأنه كفر. # الثالث: يلزم أن لا يوصف الفعل بحسن ولا قبح شرعا إذ لا تكليف لغير ~~المختار عندهم وإن جوزوه. # الرابع: وهو التحقيق والبواقي إلزامية أنا نختار أنه يحتاج إلى مرجح وهو ~~الاختيار، وسواء قلنا أي تكليف يجب به الفعل أولا يجب، يكون اختياريا إذ لا ~~معنى للاختياري إلا ما يترجح بالاختيار، هذا معنى عبارة العضد شارح المختصر ~~بألفاظه. PageV01P064 # قال في بعض شروح المختصر: فإن قلت إن التقسيم وارد لأن مع الاختيار إن وجب ~~الفعل لزم الجبر وإلا لزم الاتفاق. # قلت: عنه جوابان: # أحدهما -وهو الحق-: أن الفعل مع الاختيار يكون واجبا ولا يلزم من وجوبه ~~الجبر إذ هو وجوب لاحق حصل بعد فرض وجود العلة التامة التي هي القدرة ~~والداعي، وكما يلزم من حصول هذا الوجوب حصول للوجوب السابق، والموجب للجبر ~~إنما هو الوجوب بالمعنى الثاني لا الأول. # الثاني: أن المختار يرجح أحد طرفي مقدوره لا لمرجح. # وقال في شرح المقاصد بعد أن أورد ما ذكره الرازي من الاستدلال واعترض بأن ~~المرجح هو الإردة التي شأنها الترجيح والتخصيص وصدور الفعل معه عندنا على ~~سبيل الصحة دون الوجوب لا عند أبي الحسين، ولو سلم فالوجوب بالاختيار لا ~~ينافي الاختيار، ولا يوجب الاضطرار المنافي للحسن وصحة التكليف. PageV01P065 # وقال في المواقف وشرحه سائلا على هذا الاستدلال الذي ذكره الرازي: فإن قيل: ~~هل استدلالكم على كون العبد مجبورا نصب الدليل في مقابلة الضرورة إذ كل ~~واحد من العقلاء يعلم أن له اختيار في أفعاله، ويفرق بين الاختياري ~~والاضطراري، فلا يسمع؛ لأنه سفسطة باطلة ومكابرة ظاهرة، وأيضا فإنه أتى ~~دليلكم بنفي قدرة الله تعالى لاطراد الدليل في أفعاله والمقدمات المقدمات ~~والتقرير التقرير، وقال: أيضا فإنه ينفي الحسن والقبيح الشرعيين المتفرعين ~~على ثبوت التكليف، وإذا كان العبد مجبورا لم يثب عليه تكليف؛ لأنه تكليف ما ~~لايطاق، ونحن لا نجوزه، وأنتم وإن جوزتموه فلا تقولون بوقوعه ولا تكون كل ms37 ~~التكاليف كذلك، أي تكليفا بما لا يطاق كما لزم من دليلكم. PageV01P066 # والحاصل أن كون العبد مجبورا ينافي كونه مكلفا فلا يوصف فعله بحسن ولا قبح ~~شرعي، مع أنهما ثابتان عندكم فانتقص دليلكم بهما، فما هو جوابكم فهو ~~جوابنا، وإلا ظهر أن يقال أنه ينفي الشرعيين أيضا؛ لأنهما من صفات الأفعال ~~الاختيارية فإن حركة المرتعش والنائم والمغمى عليه لا توصف في الشرع بحسن ~~ولا قبح، ويستلزم كون التكاليف بأسرها تكليفا بما لا يطاق ولا قائل به، ~~وأيضا فالمرجح الذي يتوقف عليه فعل العبد داع له يقتضي اختياره الموجب ~~للفعل، وذلك لا ينفي الاختيار بل ثبته عليه، ثم أجاب فقال: قلنا أما الأول ~~فالضروري وجود القدرة والاختيار لا يوقع الفعل بقدرته واختياره، واستدلالنا ~~إنما هو على نفي الثاني دون الأول فلا يكون مصادما للضرورة. # قلنا: إذا لم يكن وقوع الفعل بقدرته واختياره فما معنى وجود القدرة ~~والاختيار؟. PageV01P067 # قال وأما الثاني: وهو النقص بأفعال الباري تعالى فالمقدمة القائلة بأن ~~الفعل الواقع لا لمرجح اتفاقي لا اختياري، إنما هي مقدمة الزامية بالنسبة ~~إلى المعتزلة القائلين بأن قدرة العبد لا تؤثر في فعل إلا إذا انظم إليه ~~مرجح فيسمونه الداعي، ونحن لا نقول بها فإن الترجيح بمجرد الاختيار المعلوم ~~بأحد طرفي الفعل لا لداع عندنا جائز، ولا يخرج ذلك الفعل عن كونه اختياريا ~~كما تقدم في مسألة الهارب من السبع والعطشان الواجد للقدحين المتساويين، ~~وإذا لم نفعل بهذه المقدمة لم يرد علينا النقص بفعل الله تعالى، هذا كلامه ~~فيه التصريح بالاعتراف ببطلان الدليل، وذكره على من عمه إلزاما للمعتزلة ~~القائلين بأن قدرة العبد لا تؤثر في الفعل إلا إذا انضم إليه مرجح يسمونه ~~الداعي. # قال: ونحن لا نقول بها، فإذا لم نقل بها فكيف يصح تركيب الاستدلال عليها؟ ~~والمعتزلة لا يقولون بما ذكره إنما يقول بذلك منهم أبو الحسين البصري، وإذا ~~قال به لم يلزمه نفي الاختيار، قال: وأيضا على تقدير صحة هذه المقدمة عندنا ~~ليس هذا بعينه جاريا في أفعاله تعالى؛ لأنا نختار أنه ms38 متمكن من الترك وأن ~~فعله يتوقف على مرجح، لكن ذلك المرجح قديم فلا يحتاج إلى مرجح آخر حتى يلزم ~~التسلسل في المرجحات، كما في فعل العبد إذ كان مرجحه صادرا عنه إذ لابد أن ~~يكون الصادر عنه جاريا محتاجا إلى آخره. PageV01P068 # فالمقدمة القائلة بأن مرجح الفعل إذا كان صادرا عن فاعله لزم التسلسل غير ~~صادقة في حقه تعالى، بل في حق العبد، وإلى ما قررناه أشار بقوله فمرجح ~~فاعليته تعالى قديم وهو إرادته وقدرته المستندتان إلى ذاته تعالى إيجابا ~~المتعلقات بالفعل في وقت مخصوص. # فإن قلت: مع ذلك المرجح القديم إن وجب الفعل انتفى الاختيار، وإلا جاز أن ~~يصدرمنه الفعل تارة ولا يصدر أخرى فيكون اتفاقيا كما مر في العبد. # قلت: لنا أن نختار الوجوب ولا محذور؛ لأن المرجح الموجب إرادته المسندة ~~إلى ذاته بخلاف إرادة العبد فإنها مسندة إلى غيره، فإذا كانت موجبة لزم ~~الجبر فيه قطعا وقد مر هذا مرة مع الإشارة إلى ما فيه من شائبة الإيجاب، ~~وقد ذكرنا كلامه ونقلناه ليعرف الناظر ما آل إليه كلامه من قوله في الوجوب ~~عن السؤال. # قلت: لنا أن نختار الوجوب ولا محذور... إلى آخر كلامه، فقد التزم نفي ~~الاختيار في أفعاله تعالى الله من ذلك علوا كبيرا، وكيف يقول أنه لا محذور ~~وقد التزم نفي اختيار الباري، فإذا لم يكن هذا محذورا فأي محذور سواه؟ وقد ~~قال في العضد: إن القول به كفر كما تقدم، تعالى الله عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. # ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو PageV01P069 ثم قال: وأما الثالث: وهو النقض بالقبح والحسن الشرعيين فلا يجب عندنا في ~~الواجب الشرعي تأثير قدرة الفاعل فيه، بل يجب أن يكون الفعل مما هو مقدور ~~عادة أي مما تقارنه القدرة والاختيار في الجملة، ولا يكفي ذلك في الواجب ~~العقلي عندكم إذ لا بد فيه من تأثير القدرة، فلا يتجه علينا النقض بالشرعي. # قلنا: إذا ثبت كونه مجبورا انتفى التحسين والتقبيح عقلا وشرعا، ولا مقدور ms39 ~~في العادة عندكم، وقد تقدم في أثناء كلامه في الايراد ما نفهم أنهم وإن ~~جوزوا تكليف مالا يطاق فإنهم لا يقولون بوقوعه في التكاليف بأسرها، ولا ~~تكون كل التكاليف كذلك وإن لزم ذلك من دليلهم، والظاهر أنهم يقولون بما ~~يلزم دليلهم؛ لأن التكاليف بأسرها تكليف ما لا يطاق. # قال: في حاشية على شرح العقائد للسعد ما لفظه: وقال الأسنوي بعد حكاية ~~الاختلاف في الوقوع وقد تردد للنقل عن الشيخ أبي الحسن الأشعري قال في ~~(البرهان): وهذا سوء معرفة مذهبه فإن التكاليف كلها عنده تكليف بما لا يطاق ~~لأمرين: # أحدهما: أن الفعل مخلوق لله فتكليفه به تكليف بفعل غيره. # والثاني: أنه لا قدرة عنده إلا حال الامتثال، والتكليف سابق، وقال فيها ~~أيضا: وصحح البيضاوي وابن السبكي: أنه يجوز التكليف بالمجاز مطلقا، وهو ~~اختيار الإمام الرازي وأتباعه. # وقال الزركشي: إنه مذهب جماهير العلماء، قال فيها: ومنع التكليف بالمحال ~~المعتزلة والحنفية أيضا لموافقتهم لهم بالقول بالحسن والقبيح العقليين. PageV01P070 # قال: ومنعه أيضا الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والغزالي وابن دفيق العيد لأنه ~~لا فائدة في طلبه منهم، ورجح هذا المذهب ابن الحاجب، ونص عليه الشافعي رضي ~~الله عنه كما نقله الأصفهاني في شرح (المحصول) عن صاحب التلخيص. # وقال ابن القيم بعد أن ذكر ما ذكره الرازي من شبهته: وهو فاسد من وجوه ~~متعددة: # أحدها: أنه يتضمن التسوية بين الحركة الضرورية والاختيارية وعدم التفريق ~~بينمها، وهو باطل بضرورة، والحس والشرع، فالاستدلال على أن فعل العبد غير ~~اختياري استدلال على ماهو معلوم البطلان ضرورة وحسا وشرعا، فهو بمنزلة ~~الاستدلال على الجمع بين النقيضين وعلى وجود المحال. # الوجه الثاني: لو صح الدليل المذكور لزم منه أن يكون الرب تعالى غير ~~مختار في فعله؛ لأن التقسيم المذكور والترديد صار فيه تعيينه بأن يقال فعله ~~تعالى إما أن يكون لازما أو جائزا، فإن كان لازما كان ضروريا، وإن كان ~~جائزا احتاج إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقي، ويكفي في بطلان الدليل ~~المذكور أن يستلزم كون الرب غير مختار. # قلت: ms40 وقد عرفت التزامه في شرح المواقف غير متحاش من ذلك وتعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا فهو يخلق ما يشاء ويختار:{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في ~~الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم}. PageV01P071 # قال ابن القيم: الوجه الثالث: أن الدليل المذكور لو صح لزم بطلان الحسن ~~والقبح الشرعيين؛ لأن فعل العبد ضروري أو اتفاقي، وما كان كذلك فإن الشرع ~~لا يحسنه ولا يقبحه؛ لأنه لا يرد التكليف به فضلا أن يجعله متعلق الحسن ~~أوالقبح. # وأما الدليل الذي اعتمده الآمدي: وهو أن حسن الفعل لوكان ذاتيا لزم قيام ~~المعنى بالمعنى أي الغرض بالغرض، واللازم باطل أما الأولى؛ فلأن حسن الفعل ~~مثلا أمره زئد على مفهوم الفعل وإلا لزم من يقعل الفعل يعقله، ولا يلزم أن ~~يعقل الفعل ولا يخطر بالبال حسنه، ثم يلزم أن يكون أمرا وجوديا؛ لأن نقيضه ~~لا حسن وهو سلب إذ لو لم يكن سلبا لاستلزم محلا موجودا فلم يصدق على ~~المعدوم أنه لا يحسن وأنه باطل بالضرورة، وأيضا إذا لم يصدق عليه أنه ليس ~~بحسن صدق عليه أنه حسن إذ لا مخرج على النفي والاثبات، فلم يكن الحسن وصفا ~~ذاتيا إذ المعدوم لا تكون له صفة إلا مقدرة موهومة، وكيف تكون صفة حقيقة ~~ذاتية لما لا حقيقة ولا ذات له؟ وإذا ثبت أن نقضيه سلب كان موجودا وإلا ~~ارتفع النقيضان فقد ثبت أنه زئد وجودي فهو معنى؛ لأن ذلك هو معنى المعنى، ~~ثم نقول الفعل قد يوصف به حيث يقال الفعل حسن فيلزم قيام الحسن بالفعل ~~لامتناع أن يوصف الشيء بمعنى يقوم بغيره، والفعل أيضا معنى وهو ظاهر فيلزم ~~قيام المعنى بالمعنى. PageV01P072 # وأما الثانية: فلأنه يلزم إثبات الحكم لمحل الفعل لا له؛ لأن الحاصل ~~قيامهما معا بالجوهر إذ هما معا حيث الجوهر ينفى له، وحقيقة القيام هو ~~التبعية في التحيز. وتحقيقة في علم الكلام. # قوله: ويلزم قيامه أي قيام الحسن بالفعل أو قيام المعنى بالمعنى -هذا ~~كلام الآمدي- وقد كفونا مؤنة إبطاله أيضا، واعترضوا عليه ms41 بوجهين: # الأول: النقص بإجراء الدليل في الممكن الثابت للفعل فيلزم أن لا يكون ~~الإمكان ذاتيا فلا يكون الفعل في نفسه ممكنا. # الثاني: أن الاستدلال بصورة النفي في كونه سلبا على وجود المنفي دور إذ ~~ليس كل منفي غير وجوديا، بل قد يكون ثبوتيا كل لا امتناع فإن المنفي فيه ~~ثبوت الامتناع لغيره، فمعناه كون الشيء لا يمتنع لا ما ليس امتناعيا، ~~والثبوت للغير أعم من الوجود له فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه ~~نحو الممتنع معدوما، وأيضا قد يكون النفي منقسما إلى وجود وعدم كلي لا ~~معلوم، فإن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم، وإذا جاز ثبت أن يكون ثبوتيا أو ~~متقسما فعلى التقديرين لا يلزم من كون النفي سلبا وجود المنفي كما في ~~المثالين، وإذا ثبت ذلك فلا يلزم المنفي وجودا إلا إذا ثبت أن السلب ليس من ~~أحد القبيلين، بل هو سلب الوجود وفيه يقف الشيء على نفسه. # وقال في شرح (الصحائف): والجواب ما مر أنه يجوز قيام الغرض بالغرض، وقد ~~بيناه .....في المبادئ. PageV01P073 # وقال في شرح (المقاصد): واعترض بأن النقيضين قد يكونان عدميين كالامتناع ~~وأن لا امتناع؛ وبأن صورة السلب تعني ما فيه حرف النفي لا يلزم من صدقه على ~~المعدوم أن يكون سلبا محضا لجواز أن يكون مفهوما كليا يصدق على أبعاض، ~~بعضها وجودي وبعضها عدمي كأن لا يمكن الصادق على ......والممتنع وبأنه ~~منقوض بإمكان الفعل فإنه ذاتي له مع إجراء الدليل فيه. # وقال في شرح (المواقف) مستدلا على ضعف هذا المسلك: قلنا: قد سبق الكلام ~~على مقدماته فإن نقيض العدم لا يجب أن يكون موجودا، وارتفاع النقضين إنما ~~يستحيل في الصدق دون الوجود، وأيضا لا نسلم قيام امتناع الغرض بالغرض إذ ~~لم يقم عليه دليل كما عرقت مع انتقاضه بالامكان والحدوث، فإن هذا الدليل ~~الذاتي أوردتموه على كون القبيح أمرا موجودا جاز فيهما مع كونهما اعتبارين. # فانظر كيف قالوا: على إبطال هذا الوجه مع اعتمادهم ما هو مثله في الضعف ~~أوأضعف منه. PageV01P074 # وقال ابن القيم: قولهم ms42 يلزم منه قيام المعنى بالمعنى غير صحيح بل المعنى ~~يوصف بالمعنى ويقوم به تبعا لقيامه بالجوهر الذي هو المحل، فيكون المعنيان ~~جميعا قائمين بالمحل وأحدهما تابع للآخر وكلاهما للآخر كما قام الغرض ~~بالغرض، وإنما قام الغرضان جميعا بالجوهر فالحركة والسرعة قائمتان ~~بالمتحرك، والصوت وشجاه وغلظه ودقته وحسنه وقبحه قائمة بالحامل له، والمحال ~~إنما هو قيام المعنى بالمعنى من غير أن يكون لهما حامل، فأما إذا كان لهما ~~حامل وأحدهما صفة للآخر وكلاهما قائم بالمحل فليس بمحال، وهذا هو غاية ~~الوضوح. PageV01P075 # قال: ولأن حسن الفعل وقبحه شرعا أمر زائد عليه؛ لأن المفهوم منه زائد على ~~المفهوم من نفس الفعل وهما وجوديان لا عدميان؛ لأن نقيضهما يحتمل على العدم ~~فهو عدمي فهما إذا وجوديان، فلو صح دليلكم المذكور لزم أن لا يوصف بالحسن ~~والقبح شرعا، ولا خلاص عن هذا إلا بالتزام كون الحسن والقبح الشرعيين ~~عدميين ولا سبيل إليه؛ لأن الثواب والعقاب والمدح والذم مرتب عليهما ترتب ~~المؤثر على مؤثره، والمقتضي على مقتضيه، وما كان كذلك لم يكن عدما محضا إذ ~~العدم المحض لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ولا مدح ولاذم، وأيضا فإنه لا ~~معنى لكون الفعل حسنا أو قبيحا شرعا إلا أن يشتمل على صفة لأجلها كان حسنا ~~محبوبا للرب مرضيا له متعلقا للمدح والثواب، وكون القبح مشتملا على صفة ~~لأجلها كان قبيحا مبغوضا للرب متعلقا للذم والعقاب، وهذه أمور وجودية ثابتة ~~له في نفسه ومحبة الرب له وأمره به كشاءه أمرا وجوديا زاده حسنا إلى حسنه، ~~ومبغضة له ونهيه عنه كساه أمرا وجوديا زاده إلى قبحه فجعل ذلك كله عدما ~~محضا ضروريا صرفا لا يرجع إلى أمر ثبوتي في غاية البطلان والإحالة. انتهى كلامه. # وقد مر أنهم لا يجعلون الحسن والقبح الشرعي بعد ورود الشرع أمرا وجوديا ~~كما مر نقله عن الجويني. PageV01P076 # قال في شرح المقاصد في هذا الموضع: وإنما لم ينقضوا الدليل بأنه يقتضي أن ~~لا يتصف الفعل بالحسن الشرعي للزوم قيام الغرض بالغرض؛ لأن الحسن الشرعي ~~عند ms43 التحقيق عدم لا غرض، ومتعلق بالفعل لا صفة له كما قال، وقد بينا ذلك في ~~شرح الأصول. # فصل # وأما الجواب عن الدليل الذي اعتمده كثير منهم كالقاضي وابن المغازلي، ~~وأبي عمرو بن الحاجب من المتأخرين غير الجاثية وهو أن الحسن والقبح لو كانا ~~ذاتين لما اختلفا باختلاف الأحوال والتعلقات والأزمان ولاستحال ورود النسخ ~~على الفعل؛ لأن ما ثبت للذات فهو باق ببقائها لا يزول وهي باقية، ومعلوم أن ~~الكذب يكون حسنا إذا تضمن عصمة نبي أو مسلم، ولو كان قبحا ذاتيا له لكان ~~قبيحا أين وجد، وكذلك ما نسخ من الشريعة إذ لو كان حسنه لذاته لم يستحل ~~قبيحا، ولو كان قبحه لذاته لم يستحل حسنا بالنسخ، فهو أن هذا الاستدلال قد ~~كفانا مؤنة الجواب عنه أنا لا نقول بأن القبيح قبيح لذاته وأن الحسن حسن ~~لذاته فلا يلزمنا الجواب عنه، بل لا قائل في التحقيق لهذه المقالة كما تقدم ~~تحقيقه في كلام الإمام المهدي عليه السلام، وإنما أخذ هذه المقالة من ظاهر ~~العبارة كما تقدم حيث قالوا في الظلم أنه قبيح لكونه ظلما، فتوهم هذه ~~العبارة أنهم يقولون أنه إنما قبح الشيء لذاته فإن كانوا يقولون بذلك فلا ~~شك في بطلانها. PageV01P077 # وقد أجيب عن ظاهر هذه العبارة بأن الكذب في الصورة المذكورة باق على قبحه ~~إلا أن ترك .......أقبح منه فلزم ارتكاب أقل القبحين تخلصا عن ارتكاب ~~الأقبح، فالواجب الحسن هو الإنجاء لا الكذب، وهذا إذا سلمنا عدم إمكان ~~التخلص بالتعريض وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن في ~~المعاريض لمندوحة عن الكذب)). # وقد أجاب ابن القيم عن هذا بأن هذا الاستدلال من أفسد المسالك لوجوه: # أحدها: أن يكون الفعل حسنا أو قبيجا لذاته أو لصفة لم يعن به إن ذلك يقوم ~~بحقيقته لا ينفك عنها محال مثل كونه غرضا أو كونه مفتقرا إلى محل يقوم به، ~~وكون الحركة والسواد لونا، ومن ها هنا غلط علينا المارعون لنا عن المسألة ~~وألزمونا ما لا يلزمنا، وإنما يعني ms44 بكونه حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفته أنه ~~في نفسه منشأ للمصلحة والمفسدة وترتبهما عليه كترتيب المسببات على أسبابها ~~المقتضية لها، وهذا كترتب الري على الشرب، والشبع على الأكل، وترتب منافع ~~الأغذية والأدوية ومضارها عليها، فحسن الفعل أو قبحه هو من حسن كون الدواء ~~الفلاني حسنا نافعا أو قبيحا ضارا، وكذلك الغذاء واللباس والمسكن، والجماع، ~~والاستفراغ، والنوم والرياضة وغيرها، فإن ترتب آثارها عليها ترتيب ~~المعلولات والمسببات على عللها وأسبابها، ومع ذلك فإنها تختلف باختلاف ~~الأزمان والأحوال والأماكن والمحل القابل، ووجود المعاريض فيختلف الشبع ~~والري عن اللحم والخبز والماء في حق المريض ومن به علة تمنعه من PageV01P078 قبول الغذاء لا يخرجه عن كونه مقتضيا لذلك لذاته حتى يقال لو كان ذلك لذاته ~~لم تختلف؛ لأن ما بالذات لا يختلف، وكذلك يختلف الانتفاع بالدواء في شدة ~~الحر والبرد في وقت تزايد العلة لا يخرجه عن كونه نافعا في ذاته، وكذلك ~~تخلف الانتفاع باللباس في زمن الحر مثلا لا يدل على أنه ليس في ذاته نافعا ~~ولا حسنا، فهذه قوى الأغذية والأدوية واللباس ومنافع الجماع والنوم تتخلف ~~عنها آثارها زمانا ومكانا وحالا وبحسب القبول والاستعداد فتكون نافعة حسنة ~~في زمان دون زمان ومكان دون مكان، وحال دون حال، وفي حق طائفة أو شخص دون ~~غيرهم، ولم يخرجها عن ذلك كونها مقضية لآثارها بقواها وصفاتها، فكذا أوامر ~~الرب تبارك وتعالى وشرائعه، وسواء كان منشأ المصلحة ونافعا للمأمور في وقت ~~دون وقت فيأمر به تبارك وتعالى في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه ثم ينهى ~~عنه في الوقت الذي يكون فعله فيه مفسدة على نحو ما يأمر به الطبيب بالدواء ~~والحمية في وقت هو مصلحة للمريض وينهاه في الوقت الذي يكون تناوله فيه ~~مفسدة له، بل أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح ~~عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص، وهل وضعت الشرائع ~~إلا على هذا، قال: وكذلك كلما نسخه تعالى من الشرائع بل الشريعة الواحدة ~~كلها لاتخرج عن هذا وإن خفي وجه ms45 المصلحة والمفسدة على أكثر الناس، قال: ~~وقرر أنه إذا نسخ آية أو حكما أتى بخير منه أومثله وإنه على كل شيء قدير، ~~قال: ثم نبه PageV01P079 سبحانه على حكمته البالغة في أن جعل القبلة أولا في بيت المقدس ليعلم ~~سبحانه واقعا في الخارج ما كان معلوما له قبل وقوعه من تتبع الرسل في جميع ~~أحواله وينقاد له ولأوامر الرب تعالى.... كيف كانت وحيث كانت، فهذا هو ~~المؤمن حقا الذي قد أعطى العبودية حقها :{ ومن ينقلب على عقبيه} من لم يرسخ ~~الإيمان في قلبه ولم يستقر عليه قدمه فعارض وأعرض، ورجع على حافرته وشك في ~~النبوة، وخالطت قلبه شبهة الكفار الذين قالوا: إن كانت القلبة حقا فقد ~~خرجتم عن الحق وإن كانت باطلا فقد كنتم على باطل، وضاق عقله المنكوس عن ~~القسم الثالث الحق وهو أنها كانت حقا ومصلحة في الوقت الأول ثم صارت مفسدة ~~باطلة بالاستقبال في الوقت الثاني، ولهذا أخبر سبحانه عن عظم شأن التحويل ~~والنسخ في القبلة فقال: { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } ثم قال ~~فهذا معنى كون الحسن والقبح ذاتيا ناشئا من ذاته، ولا ريب عند ذوي العقول ~~أن مثل هذا يختلف باختلاف الزمان والأمكنة والأحوال والأشخاص. PageV01P080 # قال: وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المنزلة فمنها ~~ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا، ومنها ما يكون ذلك فيه خفيا لا ~~يدركه إلا بفضل فطنة وجودة إدراك، ثم قال: فإن قيل محل النزاع أن الفعل ~~لذاته أو لوصف لازم له يقتضي الحسن والقبح والشرطان متعلقان بممتنع أن يكون ~~كل واحد منهما وصفا لازما؛ لأن اللازم يمتنع انفكاك الشيء عنه. # قيل: معنى قوله يقتضي الحسن والقبح لذاته أو لوصفه اللازم أن الحسن ينشأ ~~من ذاته، أو من وصفه بشرط آخر. # قال: فإذا علم شرط الاقتضاء أو وجد مانع يمنع اقتضاه زال الأمر المرتب ~~بسحب الذات أو الوصف لزوال شرطه أو لوجود مانعه، وهذا واضح جدا. # قلت: وفي هذا الكلام ما يقضي بصحة التأويل الذي تقدم، ms46 الذي ذكره الإمام ~~الهادي عليه السلام لمن يقول بأن الحسن القبح ذاتيان. # وقال ابن القيم: قولكم يحسن الكذب إذا تضمن عصمة نبي أو مسلم، فهذا فيه ~~طريقان: # أحدهما: لا نسلم أنه يحسن الكذب حينئذ فضلا عن أن يجب بل لا يكون الكذب ~~إلا قبيحا، وإنما الذي يحسن التعريض والتورية كما وردت به السنة النبوية ~~كما عرض إبراهيم للملك الظالم بقوله: هذه أختي لزوجته، وكما قال: إني سقيم، ~~فعرض بأنه سقيم قلبه من شركهم أو سيسقم يوما ما، وكما فعل في قوله: { فعله ~~كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} فإن الخبر والطلب كلامها معا متعلق ~~بالشرط متصل به. PageV01P081 # قال: فإن قيل: كيف سماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذبات وهي تورية ~~وتعريض صحيح؟ # قيل: لا يلزمنا جواب هذا السؤال إذا الغرض إبطال استدلالكم وقد حصل، ~~فالجواب: عنه تبرع منا وتكميل للفائدة. # قال: فنقول الخبر له نسبتان: نسبة إلى المتكلم وقصده وإرادته، ونسبة إلى ~~السامع وإفهام المتكلم إياه ومضمونه، فإذا أخبر المتكلم بخبر مطابق للواقع ~~وقصد بذلك إفهام المخاطب إياه صدق بالنسبتين، ولأن المتكلم إن قصد الواقع ~~وقصد إفهام المخاطب فهو صدق من الجهتين، وإن قصد خلاف الواقع وقصد مع ذلك ~~إفهام المخاطب خلاف ما قصد بل معنى ثالثا لا هو الواقع ولا المراد فهو كذب ~~من الجهتين بالنسبتين معا، وإن قصد معنى مطابقا صحيحا وقصد مع ذلك التعمية ~~على المخاطب وإفهام خلاف ما قصده فهو صدق بالنسبة إلى قصده، كذب بالنسبة ~~إلى إفهامه، ومن هذا الباب التورية والمعاريض ولهذا أطلق عليها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم اسم الكذب مع أنه الصادق في خبره ولم يخبر إلا صدقا. # الطريق الثاني: أن تخلف القبح عن الكذب لفوات شرط أو قيام مانع يقتضي ~~مصلحة راجحة على الصدق لا يخرجه عن كونه قبيحا لذاته، وتقريره ما تقدم، وقد ~~تقدم أن الله سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير للمفسدة التي في ~~تناولها وهي ناشئة من ذوات هذه المحرمات، وتخلف التحريم عنها عند الضرورة ms47 ~~لا يوجب، فهكذا لا يكون ذاتها مقتضية للمفسدة التي حرمت لأجلها الكذب ~~المتضمن نجاة نبي أو مسلم. انتهى. PageV01P082 # وهذا الكلام يدل على ما ذكره الإمام المهدي عليه السلام من أن مراد ~~القائلين من أن الشيء يقبح لذاته ما ذكره من رد قولهم إلى مثل قولنا، وقد ~~اعترف ابن حاجب والعضد أن هذا لا ينتهض دليلا على .........ولكن الإمام ~~المهدي عليه السلام ذكر الجواب عنه في (الغايات) فقال: لا نسلم حسنه في هذه ~~الصورة مع إمكان التعريض، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن في ~~المعاريض لمندوحة عن الكذب)) وما من كلام ظاهره الكذب إلا ويمكن صرفه إلى ~~ما يقتضي صدقه. # قال: فإن قدرنا أن المخبر في تلك الحال بلغ من الخلج حدا تعذر عليه فيه ~~التعريض فهو حكم من سبقه لسانه إلى الكلام من غير قصد إلى إفادة المخاطب؛ ~~لأن الحامل له عن الدفع عن الشيء إن كان مؤمنا أبلغ من الحامل له على ~~الإخبار، فإذا ألجأ إلى الإخبار لهيبة الظالم فهو كالملجي إلى الكذب لما ~~يجد في نفسه من الألم على الشيء، فيكون كمن سبقه لشأنه إلى الكذب فلا يقبح، ~~هذا أقرب ما يجيب به أصحابنا في هذا الموضع إن سلموا إمكان تعذر التعريض في ~~بعض الأحوال. PageV01P083 # وأما على ما أخبرنا من أن العلة في قبح الكذب الذي يعلم بضرورة العقل قبحه ~~مركبة من اثبات ونفي وهي كونه كذبا لا نفع فيه ولا دفع ضرر، وإن قبح الكذب ~~الذي فيه نفع أو دفع إنما يعلم بالسمع وهو إجماع الأمة على قبحه وعموم قوله ~~تعالى: { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله } وقوله: { قتل ~~الخراصون} {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} إلى غير ذلك، فعموم هذه ~~الأدلة تقتضي قبح كل كذب إلا ما خصته دلالة سمعية كخبر سويد بن عبلة: ما ~~رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الكذب إلا في ثلاث الرجل يحدث ~~أهله، والرجل يقول في الجهاد، والرجل يصلح بين اثنين، ms48 أو كما قال، وخبر ~~نعيم بن مسعود في صرف قريش وتفريق جموعهم يوم الخندق، وخبر الحجاج بن علاط ~~يوم وأذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إتيان مكة ليرفع مالا له ~~هنالك، وأنه لا يتم له إلا بأن يقول يعني ما هو كذب، وخبر محمد بن مسلمة ~~حين أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل كعب بن الأشرف، وذكر بأنه ~~لا يتم له إلا بأن يقول، وقول فتيان يوسف عليه السلام عن أمره: { إنكم ~~لسارقون} وظاهر قول إبراهيم عليه السلام :{ إني سقيم} {بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون} وقوله تعالى حاكيا عن أم عيسى عليه السلام: { ~~إني نذرت للرحمان صوما}. PageV01P084 # فالجواب عن هذا القول واضح وهو أنه لا يصح في الكذب الذي تضمن إحراز الشيء ~~عن القتل إذ لم تحصل فيه علة قبح الكذب الذي علم بضرورة العقل قبحه وهو ~~كونه كذبا لا نفع فيه ولا دفع، وهنا قد حصل فيه دفع ما لم يتألم به فلا ~~قبح. والله أعلم. # ومن ادعى هنا أنه لا يعلم قبحه بضرورة العقل أو دلالته فمكابرة ظاهرة فلا ~~يلتفت إلى قوله. # قالوا: إن قائلا لو قال: لأكذبن غدا لزم إما حسن الكذب غدا ليصدق؛ لأن ~~تركه يكذب الخبر الأول فيكون تركه قبيحا مع كونه كذبا، والشيء الواحد لا ~~يصح أن يكون فعله وتركه قبيجا؛ فيلزمكم إما تحسين الكذب غدا، أو تحسين تركه ~~وهو يستلزم كذب الخبر الأول، وإذا حسن اللازم حسن الملزوم فيلزم حسن أحد ~~الكذبين في هذه الصورة فينتقض قولكم أنه قبح لكونه كذبا. # قلنا: في هذا الكلام غفلة وذلك أن القبيح ليس محصورا في الكذب، بل قد ~~يكون الصدق قبيحا كالبغية إذا وعدت من نفسها تمكين غير زوجها من نفسها، ~~وكالغيبة للمسلم بما فيه بما ينقصه عند السامعين ولا ينتقص من دينه، ~~وكالنميمة وكأذية المسلم بذكر ما يكرهه، وقول القائل: لأكذبن أو لأظلمن غدا ~~قبيح من حيث أنه وعد بالمحظور، ولم يقبح إلا لقبح معناه، فقول ms49 القائل ~~لأكذبن غدا قبيح سواء صدق بما وعد به أم كذب، وأما فعله في الغد فينظر فيه ~~نفسه فإن كان قبيحا فهو قبيح للوجه الذي قبح من أجله في نفسه، وإن كان حسنا ~~فليس حسنه إلا للوجه الذي حسن من أجله في نفسه كذلك. PageV01P085 # وقد أجاب عنه في الغايات في باب الوعد والوعيد، فقال: قلت وهذا سؤال جوابه ~~أيسر ما يكون إلا على من حكمت عليه البلادة، فإنا نقول: إن الإنسان إذا قال ~~لأظلمن غدا فإما أن يخبر عن عزمه وهو عدم فهو صدق وليس بكذب سواء وفى بذلك ~~أو لم يف، وإذا أخبر لا عن عزم ولا ظن ولا اعتقاد، فإما أن يخبر عن علمه ~~بأنه سيفعل كذا فهو كذب من فوره سواء وفى بما وعد أو لم يف؛ لأنه أخبر أنه ~~عالم وليس بعالم؛ إذ لا طريق له إلى القطع بوقوع المستقبل إلا الوحي. PageV01P086 # وأما إن أخبر عن نفس الفعل من دون نظر إلى علم أو غيره فهذا هو الذي يقف ~~كونه صدقا أو كذبا على الوفاء والخلف أي هما كاشفان عن ذلك، إذ الحلف يكشف ~~عن عدم مطابقة الخبر، وحينئذ نقول يؤمر بترك الظلم ولا يحسن منه فعله، ~~والخبر الأول إن كان لا عن عزمه أو ظنه أو اعتقاده فهو كاذب؛ لأنه إن كان ~~عن علم ولا غيره فلعدم مطابقته ولم يكن في إقدامه على فعل ما أوعده ولا ~~تركه صدق ولا كذب، بل كشف عن صدق الخبر أوكذبه؛ لأنه أخبر عما في نفس ~~الأمر، فهو حيث طابق صدق وحيث خالف كذب، ونظيره قول القائل ...... جبريل في ~~السماء السابعة لا عن ظن ولا اعتقاد، فإنا لا نحكم عليه بصدق ولا كذب حتى ~~ينكشف لنا ما كان عليه جبريل في تلك الحال، فإن وافق فصدق، وإن خالف فكذب، ~~فهذا هو الخبر الموقوف، والوعد والوعيد إذا صدر من أحدنا لا عن ظن ولا ~~اعتقاد ولا عزم فهو من هذا القبيل، أعنى من الخبر الموقوف صدقه وكذبه على ~~الإنكشاف، لكنه ms50 يقبح الإقدام لا بكونه كذبا فحيث يكون الكاشف حسنا يؤمر به ~~الفاعل، وإن كشف عن كون الخبر السابق كذبا، ولا يلزم كونه قبيحا إذ لم يكن ~~وقوع الكذب لأجل وقوعه......كشف وقوعه عن كون ذلك الخبر غير مطابق ~~[...بياض...] الشيء حسن سواء كشف عن حسن أو قبيح، وتحق............أن ~~المخبر على هذا أخبر عما عنده فهو كالمخبر عن.....................تلك ~~الحال، إما صادق أو كاذب، لكنا..................عليه، ودلالته على الكذب ~~لايقتضي كونه قبيحا؛ إذ ليس PageV01P087 بكذب ولا مستلزم لوقوع الكذب، بل للعلم بالكذب، وما استلزم العلم بالكذب لم ~~يقبح لأجل ذلك، بل حكمه في الحسن والقبح راجع إلى نفسه لا إلى ما يكشف عنه، ~~وهذا واضح لمن تأمله بعين المعقول، ثم قال: الخلف يعني في الوعيد ليس بقبيح ~~لأجل كونه خلفا وإنما يقبح لوجه يقع عليه ويقارنه، وقد يجب، وقد يحسن بحسن ~~ما يقترن به من الوجوه. # مثال القبيح: أن تعد بأنه يقضي زيدا دينه فلايقضيه فيقبح لكونه إخلالا ~~بواجب لأجل كونه كشف عن كون ذلك الوعد خلفا أي كذبا. # ومثال الواجب: أنه يعد أنه لا يعطي زيدا وديعته غدا فيخلف بأن يعطيه في ~~الغد، فهذا الخلف واجب وإن انكشف كون الوعد كذبا. # ومثال الحسن: أن يعد بأنه لا يطالب غريمه بالدين غدا، ثم إنه خلف وطالبه ~~في الغد، فإن ذلك حسن أعني المطالبة بحقه إذ لا وجه لقبحه ولا وجوبه، وإن ~~كشف عن كذب الوعد، وهذا بيان حكمه كما ترى على التفصيل. # واعلم أنا لا نقطع بأنه كاشف عن كذب الوعد إخبارا مجزوما لا إذا فهم من ~~الوعد أنه يخبر عن عزمه أو ظنه أو اعتقاده؛ لأنه حينئذ صادق في خبره، كما ~~لو صرح بذكر العزم وقال: أنا عازم على كذا أوظان أني سأفعل أو معتقد أني ~~سأفعل كذا، لكن الوعد إنما هو الإخبار عن إيصال نفع في المستقبل أودفع ~~مضرة، أو العزم على ذلك. PageV01P088 # وأما الظن والاعتقاد: فلا مدخل لهما في الوعد، والوعيد نقيض الوعد، فإذا ~~عرفت ذلك فقد ظهر لك وجه حسن ms51 إخلاف الوعد منا لا من الله تعالى؛ لأن الوعيد ~~منا عزم فلا جزم بغير ذلك العزم إلى غيره مع صدقنا في الخبر الأول، ولو ~~قدرناه إخبارا عن نفس الفعل لا عن العزم حسن منا أيضا الإخلاف؛ لأن ترك ما ~~توعد به حسن وإن كشف عن كذب الخبر الأول، وأما من الباري تعالى فلا يصح منه ~~إخلاف الوعيد؛ لأنه يكشف عن الكذب والكذب لا يجوز على الله تعالى، وإنما ~~قلنا: إنه يكشف عن الكذب؛ لأنه سبحانه يخبر لا عن ظن ولا اعتقاد، بل على ~~القطع لعلمه بما سيكون، فإذا أخبر أنه سيفعل كذا على القطع فلم يقع انكشف ~~كون ذلك الخبر كذبا لا محالة والكذب قبيح. # قلت: ويدل على صحة ما ذكره عليه السلام قول الله تعالى: { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ...} الآية. واللغو هو ...................أمر يظنه ~~صدقا فينكشف خلافه. # قال الهادي عليه السلام: فأما اللغو فاليمين يحلف بها الحالف وهو يظن أنه ~~صادق فيها ولا يكون الذي حلف عليه كما حلف. # وروى ابن أبي حاتم والبيهقي عن عائشة أنها كانت تقول: هو الشيء يحلف عليه ~~أحدكم لا يريد منه إلا الصدق، وروى نحوه ابن جرير عن أبي هريرة وابن عباس. # ويدل على ذلك أيضا قول الله تعالى: { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~يعني في أخبار اعتقادهم. # فصل PageV01P089 قال في المواقف وشرحها ما لفظه: وللأصحاب في إبطال التحسين والتقبيح ~~العقليين مسالك ضعيفة نذكرها ونشير إلى وجه ضعفها: # أحدها: من قال لأكذبن غدا، فإذا جاء الغد فكذبه إما حسن فليس الكذب قبيحا ~~لذاته، وإما قبيح فتركه حسن مع أنه أي تركه يستلزم كذبه فيما قاله أمس ~~ومستلزم القبح قبيح، فيلزم أن يكون هذا الترك حسنا وقبيحا معا وهو باطل، ~~فتعين الأول وهو أن يكون قبح الكذب ذاتيا لانقلابه حسنا وهو المطلوب. # قلت: لا نسلم أن مستلزم القبيح قبيح؛ لأن الحسن لذاته قد يستلزم القبح ~~فتعدد جهة الحسن والقبح وأنه غير ممتنع فيكون مثلا الكلام الواحد من حيث ~~تعلقه بالمخبر عنه ما ms52 هو به حسنا ومن حيث استلزامه الذي هو الكذب الذي قاله ~~أمس، ومثل ذلك جائز عند ..... القائلين بالوجوه والاعتبارات فلا ينهض هذا ~~المسلك حجة عليهم، كما أن الوجه الثاني كذلك؛ إذ يتجه هناك أن يقال لم ~~يختلف القبح عن الكذب بل هو قبيح باعتبار تعلقه بالمخبر عنه لا على ما هو ~~به، وحسن باعتبار استلزامه العصمة والانجاء، وقد نبهناك على ذلك، أو يلتزم ~~قبحه أي أقبح كلامه في الغد مطلقا؛ لأنه قبيح إما لذاته إن كان كاذبا، وإما ~~لاستلزامه القبيح إن كان صادقا ونقول الحسن كالكلام الصادق فيما نحن فيه ~~إنما يحسن إذا لم يستلزم القبيح، وأنت خبير بانقلاب الحسن إلى القبح إنما ~~يأتي على القول بالوجوه الاعتبارية فضعف هذا المسلك إنما يظهر إذا جعل ~~دليلا على بطلان مذاهب المعتزلة. PageV01P090 # الثاني: من المسالك الضعيفة من قال زيد في الدار ولم يكن زيد فيها فالعلة ~~لقبح هذا القول إما لذاته وحده، أو مع كون عدم زيد في الدار إذ لاقائل بقسم ~~الثالث والقسمان باطلان، فالأول لا يستلزم قبحه وإن كان زيد في الدار. # والثاني: لأنه يستلزم كون العدم جزاء على الوجود. # قلنا: قد يكون قبحه مشروطا بعد كون زيد في الدار والشرط لا يمنع أن يكون عدميا. # الثالث: قبحه أي قبح الكلام الكاذب لكونه كذبا إن قام بكل حرف منه فكل ~~حرف كذب إذ المفروض أنه يتصف بالقبح المعلل بالكذب فهو خبر لأن الكذب من ~~صفات الخبر، وبطلانه ظاهر، وإن قام بالمجموع فلا وجود له لترتبهما أي لترتب ~~الحروف ولتقضي المتقدم منها عند حصول المتأخر، وإذا لم يكن للمجموع وجود ~~فكيف يتصور اتصافه بالقبح الذي هو صفة ثبوتية فالمتصف ردد في نفس القبح هل ~~هو قائم بكل حرف أو لمجموعها؟. # وأما الآمدي فإنه قال: لو كان الخبر الكاذب قبيحا عقلا فالمقتضي لقبحه ~~إما أن يكون صفة لمحموع حروفه أو لأحدها، والأول باطل؛ لأن ما لا وجود له ~~يتصف بصفة مقتضية لأمر ثبوتي؛ لأن المقتضي له لا بد أن يكون ثبوتيا فلا ms53 ~~يكون صفة للعدم، والثاني باطل أيضا؛ لأن مقتضي القبح في الخبر الكاذب إنما ~~هو الكذب ولا يمكن قيامه بكل حرف، وإلا كان كل حرف خبرا وهو محال أيضا. PageV01P091 # قلنا: هو أي القبح من صفاته النفسية لا من صفاته المعنوية فلا يستدعي صفة ~~يكون هو معلل بها، كما هو مذهب بعض القائلين بأن حسن الأفعال وقبحها ~~لذواتها لا لصفات حقيقة قائمة بها، وهذا هو الجواب إنما يتجه على تقرير ~~الآمدي. # وأما على تقرير الكتاب فينبغي أن يقال ليس يلزم من كون القبح ذاتيا أي ~~مسندا إلى الذات الشيء أن يكون موجودا خارجيا حتى يمتنع وقوعه صفة لأمر ~~عدمي لجواز أن لمقتضي ذات الشيء اتصافه بصفة اعتبارية يستحيل انفكاكها عنه، ~~أويقوم القبح بكل حرف بشرط انضمام الآخر إليه، فقبحه لكونه جزء خبر كاذب، ~~أو يقوم القبح بالمجموع لكونه كاذبا، فما هو جوابكم في قيام الكذب به ~~فجوابنا في قيام القبح به. # ثم ذكر الرابع من المسالك التي ضعفها فقال: # الرابع: كونه أي كون الفعل قبيحا ليس نفس ذاته ولا جزء، ومنها لتعلقها ~~دونه بل زائدة عليها وأنه موجود؛ لأنه نقيض للأقبح القائم بالمعدوم، فيلزم ~~حينئذ قيام المعنى الذي هو القبح بالمعنى الذي هو الفعل. # قلنا: قد سبق الكلام على مقدماته فإن نقيض العدمي لا يجب أن يكون موجودا ~~وارتفاع النقيض إنما يستحيل في الصدق دون الوجود، وأيضا لا نسلم امتناع ~~قيام الغرض بالغرض إذا لم يقم عليه كما عرفت مع انتقاضه بالإمكان والحدوث، ~~فإن هذا الدليل الذي أوردتموه على كون القبح أمرا موجودا جاز فيها مع ~~كونهما اعتباريين. PageV01P092 # الخامس: علة القبح حاصلة قبل الفعل ولذلك ليس له أن يفعله فلولا أن ما ~~يقتضي قبحه حاصل قبل وجوده لم يكن كذلك، ويلزم حينئذ قيام الصفة الحقيقية ~~بالمعدوم؛ لأن مقتضي القبح صفة وجودية، وقد يقال: لو كان القبح ذاتيا لزم ~~أن يقدم المعلول على علته؛ لأن قبح الفعل حاصل لما عرفت، وعلته إما ذات ~~الفعل أو صفته وليس شيء حاصل منها قبله. # قلنا: لا ms54 نسلم أن القبح أو علته حاصلة قبل الفعل، بل يحكم باتصافه بالقبح ~~وبما يقتضيه إذا حصل، وهذا الحكم هو المانع من فعله والإقدام عليه لاتصافه ~~بالقبح أو بما يقتضيه، علىأن القدماء منهم زعموا أن الذوات ثابتة متقررة في ~~الأزل، فيصح عندهم اتصافها بالصفات الثبوتية. # وأجاب الإمام المهدي عليه السلام على هذا فقال: للقبيح ماهية ولازم ولكل ~~واحد منهما مقتضى غير مقتضى الآخر، فماهية القبح ليس لنا أن نفعله، ~~والمقتضي لهذا الحكم كونه إذا وجد كان ظلما أو كذبا ونحو ذلك، فهو ومقتضيه ~~ثابتان في العدم، وأما لازمه فهو استحقاق الذم، وإنما يلزمه إذا وجد ما هو ~~حكم له، والمقتضي له وجود ذلك الفعل الذي كان القبح حكما له، وعليه يحتمل ~~كلام أصحابنا أن القبح تابع لحدوث الفعل إذ لو نفينا كلامه على ظاهره لزم ~~أن نعلم فاعل القبيح أنه ليس له أن يفعله قبل إيقاعه والضرورة تدفع ذلك، ~~فافهم هذه النكتة فإن بتحققها ترتفع إشكالات واردة لا يمكن التخلص عنها إلا ~~بما ذكرنا، بل لا يمكن تصحيح قاعدة مذهبنا إلا بذلك، وصحته واضحة لا تردد فيها. PageV01P093 # واعلم أن الرازي أورد هذا السؤال وجعله قدحا على أصحابه وعلينا، واعترف أنه مشكل. # قلت: أما على ما حققناه في الجواب فلا يلزمهم ولا يلزمنا إشكال بالقبح ~~وعلته ثابتان في القدم إذ جعلنا المقتضي لكونه ليس له أن يفعله وهو القبح ~~كونه إذا وجد كان ظلما أو نحوه، ولهم أن يقولوا: المقتضي للقبح في القدم ~~كونه إذا وجد نفر عنه الطبع أو نقص فاعله، أو كان مما يعاقب عليه، فارتفع ~~الإشكال عنهم وعنا جميعا بما حققنا، وبما ذكرناه يرتفع الإشكال على قبح ~~الكذب والظلم اللذين أوردهما الرازي في نهايته. PageV01P094 # لا يقال: إنكم في جوابكم هذا حكيتم ثبوت مقتضى ومقتضي في العدم، وذلك ~~يستلزم كونهما وصفين ذاتيين للفعل، والذاتي يرجع إلى إفراد الموصوف فيلزم ~~القبح في كل حرف من الكذب وحركة من الظلم، والمعلوم أن القبح إنما يثبت في ~~جملة الخبر وإلا كون التي لا ms55 يتم الظلم ظلما إلا بها؛ لأنا نقول إنما يلزم ~~ذلك لو كان المقتضى ومقتضيه وصفين ثبوتيين لهما ثبوت في الخارج، لكنا نقول ~~أن القبح حكم فرضي اعتباري ولم يرد ذلك فلا يلزم من مجرد العبارة ما ذكرت، ~~وليس بمزية للفعل ثابتة، وإن كان أمرا مفعولا فهو كالأمور النفسية التي ~~تعقل، وإن لم تكن مزايا ثابتة فمعنى القبح أن ليس لنا أن نفعله فهو أمر نفي ~~وليس حكما ثبوتيا مقتضى، وكذلك مقتضيه أمر اعتباري وهو كون الفعل إذا وجد ~~كان ظلما، وهذا ليس وصفا ثبوتيا فصح ثبوتهما في العدم وعقليتهما فيه معلومة ~~ضرورة لكل أحد يعقل؛ لأنه ليس له أن يفعل أو يعقل أيضا أن بعض الأحوال إذا ~~وجد كان ظلما، وأنه لأجل ذلك ليس له أن يفعله، فهما أمران اعتباريان ~~معقولان، ومعقول كون أحدهما معللا بالآخر ولا خلل في ذلك. # فصل # قالوا ولا ينهض ماذكرناه من الأدلة على القائلين بالوجوه بأنه إنما يقبح ~~القبيح لوقوعه على وجه. # قال في الأساس: هو قول أئمة الزيدية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم. PageV01P095 # وأما على ماذكره المهدي عليه السلام من أن القائلين بأنه إنما قبح القبيح ~~لعينه لم يريدوا أنه إلا ما ذكرناه، فهو قول جميع العدلية قالوا: لأنه إذا ~~كان لوجوه واعتبارات، أيدفع الاستدلال بأنه لو كان الحسن والقبح ذاتيا لما ~~اختلف بأن يكون فعل واحد حسنا تارة أو قبيحا أخرى لجواز الاختلاف. واندفاع ~~الاستدلال. # الثاني: بأنه لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان لجواز الاجتماع بالاعتبارين ~~واندفع الاستدلال. # الثالث: بأنه لو كان ذاتيا لزم قيام المعنى بالمعنى؛ لأنه قد لا يكون ~~معنى بل يكون أمرا اعتباريا، واندفع الاستدلال. # الرابع: بأن فعل العبد فعل بغير اختيار؛ لأنه مجبور؛ لأن اللازم ~~والاتفاقي قد يكون له وجوه واعتبارات. # قالوا: فالحجة الناهضة عليهم من العقل والنقل، أما من العقل فوجهان: # الأول: لو كان حسن الفعل وقبحه لأمر غير الطلب في الفعل لم يكن تعلق ~~الطلب لذاته، واللازم باطل، أما الملازمة فلتوقف تعلقه حينئذ على أمر زائد ~~على الفعل ms56 الذي هو المطلوب، وما هو الشيء بالذات لا يتوقف على أمر زائد. # وأما بطلان اللازم: فلأنا نعلم بضرورة العقل أن الطلب صفة ذات إضافية ~~يستلزم مطلوبا عقلا فلا يعقل حقيقة إلا متعلقا بمطلوب وهو الفعل أو الترك. PageV01P096 # والجواب: أن العقل عندكم معزول فما باله الآن اتبع والغرض في تعليق الطلب ~~بالمطلوب ممنوع، فما شأنه الآن لم يمتنع؟ وهل هذا إلا تسليم المطلوب في ~~المسألتين والتجاء إلى الحق في الطرفين، واعترف الشارح العلامة بتحيره في ~~تقرير هذا الدليل وأعرض عن ذلك جمهور المحققين منهم فلم يذكروه فيما ينتهض ~~على زعمهم ولا ما لا يتنهض مما استضعفوه. # وبعد فقد كفونا في هذا مؤنة الجواب فقال: في الرفو في الملازمة نظر إذ لا ~~منافاة بين حسن الفعل وقبحه لغير الطلب وبين معلق الطلب بالفعل لنقل الفعل. # وقال السعد في حاشية على العضد مجيبا على كلام العضد: # والجواب: أنا لا نفتي أن الطلب يتحقق ولا يتحقق مالم تعرض الصفات ~~والاعتبارات، بل إنه لا يتحقق الطلب حينئذ فإنه بنى الاستدلال على أن الطلب ~~قديم، فهو مع أنه لا ينتهض على المعتزلة ليستلزم القول بقدم العقل، أو تحقق ~~الطلب من غير تعلق بمطلوب متحقق. PageV01P097 # وقال بعض أهل التحقيق في جوابه كون المتعلق ذاتيا للطلب فلا يعلل بغير علة ~~الطلب لا ينافي توقفه على شرط فهب أن صفة الفعل لا تكون علة للتعلق فما ~~المانع أن يكون شرطا له ويكون تعلق الطلب بالفعل مشروطا بكونه على الجهة ~~المذكورة، فإذا انتفت تلك الجهة انتفى المتعلق لانتفاء شرطه، ثم قال: ولقد ~~أنصفكم خصومكم في ادعاهم عليكم لازم المذهب، وقالوا: لو رفع الحسن والقبح ~~من الأفعال الانشائية ورد إلى مجرد تعلق الخطاب بها بطلت المعاني العقلية ~~التي تستنبط من الأصول الشرعية، ولا يمكن أن يقاس فعل على فعل، ولا قول على ~~قول، ولا يمكن أن يقال: لم ولا لكذا إذ لا تعليل للذوات ولا صفات للأفعال ~~هي عليها في نفس الأمر حتى تربط بها الأحكام، وذلك رفع للشرائع بالكلية من ms57 ~~حيث إثباتها، ولا سيما والتعلق أمر عدمي، ولا معنى لحسن الفعل أو قبحه إلا ~~التعليق العدمي بينه وبين الخطاب، فلا حسن في الحقيقة ولا قبح لا عقلا ولا ~~شرعا، لا سيما إذا انظم إلى ذلك نفي فعل العبد واختياره بالكلية وأنه مجبور ~~محض، فهذا فعله وذلك صفة فعله، فلا فعل له ولا وصف لقوله البتة، فأي تعطيل ~~وقع للشرائع أكثر من هذا؟. # وقال بعض شراح (المختصر): إن قولكم لو كان الحسن لغير الطلب لما تعلق ~~الطلب بنفس الفعل إن عنيتم به أنه لا يكون أمرا بنفس الفعل من حيث هو فهو ~~مسلم ولو قلتم أنه محال. PageV01P098 # قال: والتعليق العقلي قد يتوقف على شرط، وإن عنيتم به أنه لا يكون أمرا ~~بالفعل من حيث هو مشتمل على ذلك النوع من المصلحة فهو ممنوع. # قال وثانيهما: أنه لو حسن الفعل وقبح لذاته ولصفته لم يكن الباري مجازا ~~في الحكم واللازم باطل بالإجماع. # بيان الملزوم: أن الأفعال تكون حينئذ غير متساوية بالنسبة إلى الأحكام، ~~فإن كان الفعل فيه أحد الحكمين راجح، فالحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، ~~فيكون قبيحا فلا يجوز عليه فيكون الحكم بالراجح متعينا عليه، وأن ينفي ~~الاختيار. # وهذا أيضا قد كفونا الجواب عنه كغيره فإنه قال في العضد عقيب هذا: وقد ~~يقال: إن امتناع الفعل لقيام صارف القبح لا ينفي الاختيار. # قال في شرحه للسعد: هذا اعتراض على الدليل المذكور يمنع المقدمة القائلة ~~بأن تعيين الحكم بالراجح ينفي الاختيار. # والجواب: عنه بأن أفعال الله تعالى لا تعلل بالحكم، والأغراض لا تستقيم ~~على أصول المعتزلة فلا تقوم حجة عليهم. # وقال بعض شراح (المختصر): إن حسن الفعل وقبحه لا يؤثران في الاختيار، ~~فيكون الحسن واجب الاختيار نظرا إلى الحكمة لا يلزم منه أن يكون واجبا مطلقا. # قال: وهذا الوجه الثاني إنما يرد على فقهاء المعتزلة لا على أبي علي، ~~وأبي هاشم القائلين بالوجوه. PageV01P099 # قالوا: وأما من السمع فقوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولو ~~كان الأحكام مدركها العقل لزم خلاف ذلك ms58 وهو التعذر قبل البعثة لتحقق الوجوب ~~والحرمة، وبهما يستلزمان التعذر عندهم لمنعهم العفو. # قلنا: قد سبق ما حكاه الله عنهم من ضلالهم فبل بعثة الأنبياء، وأنهم ~~كانوا ظالمين وكافرين وفاسقين وغير ذلك، ولا مانع أن يستحقوا العذاب ولا ~~يعذبون قبل بعثة الرسل. # قال في الأساس: الآية لا تنافي ما ذهبنا إليه؛ لأن المعنى وما كنا معذبين ~~بعد استحقاق العذاب بارتكاب القبائح العقلية بدليل قوله تعالى: { ذلك أن لم ~~يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} فأخبر الله تعالى أنهم قد ارتكبوا ~~القبيح الذي هو الظلم وهم غافلون عن السمع حيث لم تبلغهم الرسل فقال تعالى: ~~{ حتى نبعث رسول} لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل بأن يقولوا: حصل ~~العلم بالاستحقاق ولم يجزم بالوقوع لعدم معرفتهم لربهم، كمن يقتل نفسا ~~عدوانا على غفلة فإنه يعلم أن القصاص يستحق عليه ولم يجزم بوقوعه لتجويزه ~~أن لا يطلع عليه أحد، فيقولوا: لو أنذرنا منذر لاصطلحنا بدليل قوله تعالى: ~~{ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى}. PageV01P100 # وقال في العضد: لا يمتنع أن يقال بالجواب العقلي مع نفي التعذيب قبل ~~البعثة. # وقال في حاشية عليه لبعص سادات أهل البيت عليهم السلام: لأن الوجوب ~~العقلي إنما يقتضي جواز التعذيب لا وقوعه، والآية إنما تعرضت لنفي الوقوع ~~لا للجواز. # قلت: ولا يصح أن يكون واردا مورد التمدح إلا وهو ترك لأمر مستحق؛ إذ لا ~~يصح فما كنا معذبين للمحسنين حتى نبعث رسولا، ويؤيد هذا المعنى ما حكاه ابن ~~القيم عن المعتزلة حيث قال: وأما المعتزلة فقد أجابوا عن ذلك بأن قالوا: ~~الحسن والقبح العقلي يقتضي استحقاق العقاب على فعل القبيح وترك الحسن، ولا ~~يلزم من استحقاق العقاب وقوعه لجواز العقل عنه. # قالوا: ولا يرد هذا علينا حيث منع العفو بعد البعثة إذا وعد الرب على ~~الفعل؛ لأن العذاب قد صار واجبا بخبره ومستحقا بارتكاب القبيح، وهو سبحانه ~~لم يحصل منه إيعاد قبل البعثة فلا ms59 يقبح العفو؛ لأنه لا يستلزم خلفا في الحر ~~وإنما غايته ترك حق قد وجب قبل العبد. # والتحقيق في هذا: أن سبب العقاب قائم قبل البعثة، ولكن لا يلزم من وجود ~~سبب العذاب حصوله؛ لأن هذا السبب قد نصب الله سبحانه له شرطا وهو بعثة ~~الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه ومقتضيه. # وهذا فصل الخطاب في هذا المقام، وبه يزول كل إشكال في المسألة، وينقشع ~~غيمها، ويسفر صبحها. والله الموفق للصواب. PageV01P101 # وقال في الآيات البينات، وقال الجويني في تفسيره ما لفظه: والثاني أن ~~الإمام في تفسيره ضعف الاستدلال بالآية؛ لأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم ~~يثبت الوجوب الشرعي، وهذا باطل فذاك باطل. # بيان الملازمة من وجوه: # أحدها: أنه إذا جاء صاحب الشرع وادعى كونه نبيا من عند الله وأظهر المعجز ~~فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أولا يجب؟ فإن لم يجب ~~فقد بطل القول بالنبوة، وإن وجب فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع، فإن وجب ~~بالعقل فقد ثبت الوجوب بالعقل، وإن وجب بالشرع فهو باطل؛ لأن ذلك الشرع إما ~~أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل؛ لأنه يرجع حاصل ذلك الكلام ~~إلى أن ذلك الرجل يقول الدليل على أنه يجب دليل قولي أنى أقول يجب قبول ~~قولي وهذا اثبات الشيء بنفسه، وإن كان ذلك الشرع غيره كان الكلام فيه كما ~~في الأول ولزم الدور، وإما التسلسل وهما محالان. # وثانيهما: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى ~~للإيجاب والتحريم إلا أن يقول: لو تركت كذا لعاقبتك أو فعلت كذا لعاقبتك. # فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أولا يجب؟ فإن وجب عليه ~~الاحتراز عن العقاب فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع، فإن وجب بالعقل فهو ~~المقصود، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، ~~حينئذ يعود التقسيم ويلزم التسلسل وهو محال. PageV01P102 # وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله أن يعفو ms60 عن العقاب على ترك ~~الواجب، وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، فلم يبق إلا ~~أن ما هية الواجب إنما تقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، وهذا الخوف الحاصل ~~بمحض العقل، فثبت أن ما هية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف، وثبت أن هذا ~~الخوف حاصل بمجرد العقل، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمجرد العقل، فإن ~~قالوا: ما هية الوجوب إنما تقرر بسبب حصول الذم. # قلنا: إنه تعالى إذا عفا قد سقط الذم، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تقرر ~~لسبب حصول الخوف من الذم، وذلك حاصل بمحض العقل، فثبت بهذه الوجوه أن ~~الوجوب العقلي لا يمكن دفعه. انتهى. # فصل # قالوا: ولو سلمنا أن الحسن والقبح عقليا لم نسلم في مسألتين: # الأولى: وجوب شكر المنعم. # الثانية: مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع فلا يدرك العقل فيهما ~~بخصوصهما جهة حسن أو قبح. # أما المسألة الأولى: وهي مسألة شكر المنعم فلما عرفوه أنها ضرورة جلية، ~~وفي القول بها إبطال مذهبهم أرادوا تحذير أتباعهم، ومن رجع إلى فطرة العقل ~~منهم على أن يعتمد على ما يدركه بعقله أو يرجع إلى ما تقضي فطرته {يقولون ~~إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروه}. # قلنا: قد شهد الله عليهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكروها وأكثرهم ~~الكافرون، ويقال لهم: كيف تنكرون أن الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا يعلمون ~~شيئا وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون؟. PageV01P103 # قال في (الفصول): وهو يعني ما قالوه جحد للضرورة، والذي يدل على أن ذلك ~~معلوم بالضرورة أنا متى علمنا في شخص أنه لا يعلم بعقله الفرق بين المحسن ~~والمسيء ويقابلهما بمقابلة واحدة، ولا يجد في نفسه محبة من أحسن إليه وبعض ~~من أساء إليه علمنا أنه غير عاقل بل يكون ناقص حالا من البهائم فإنها تفرق ~~بين من أحسن إليها، وبين من أساء إليه علمنا أنه غير عاقل ولا يميز بل يكون ~~أنقص حالا من البهائم فإنها تفرق بين من أحسن إليها وبين من أساء إليها، ms61 ~~وتميز ذلك تمييزا حسنا، وإذا كان الفاعل للشكر على الإنعام محمود عند جميع ~~العقلاء غير مذموم عليه فهو معنى حسنه في العقول، فيلزم المنكرين أن يكون ~~شكر المنعم قبيحا، وقد أفهمته عبارتهم كما يأتي تحقيقة عند الكلام على تتبع ~~ألفاظهم. # قالوا: لو وجب لوجب لفائدة، واللازم باطل. # أما الأولى: فلأنه لولا الفائدة لكان عبثا وهو قبيح ولا يجب عقلا، وكان ~~إيحابه عبثا وهو قبيح ولا يجوز على الله. # وأما الثانية: فلأن الفائدة إما لله، وإما للعبد. # والثاني: إما في الدنيا، وإما في الآخرة، والثلاثة منتفية إما لله ~~....... عن الفائدة، وإما للعبد في الدنيا فلأنه منه فعل الواجبات وترك ~~المحرمات العقلية، وأنه مشقة وتعب... ولا حظ للنفس فيه، وما هو كذلك لا ~~يكون له فائدة دنيوية، وإما للعبد في الآخرة فلأن أمور الآخرة الذي لامجال ~~للعقل فيه. PageV01P104 # قلنا: من حق التسليم أن يقولوا: لو وجب لوجب لوقوعه على وجه كما قد سلمتم ~~في ما عداها بين المسألتين تنزيلا على زعمكم، ومسألة الشكر أجل منها فإن ~~حسن شكر المنعم معدود من كمال العقلي، وقولكم لو وجب لوجب لفائدة عدول عن ~~التسليم المقدر ومغالطة؛ لأن وجه الحسن ليس لفائدة وإنما هو شكرا للمنعم ~~ومكافأة له على إحسانه وإنعامه. # وقولكم: لا لفائدة لكان عبثا وهو قبيح فلا يجب عقلا، أوكان إيجابه عبثا ~~وهو قبيح فلا يجوز على الله. # قلنا: القول باستقباح العبث تسليم للحكم العقلي، ثم إن الرد والإنكار ~~توجه إلى رد شكر الله، ولهذا قالوا: وأما الثانية فلأن الفائدة إما لله، ~~وإما للعبد، والثاني: إما في الدنيا، وإما في الآخرة، والثلاث منتفية. # قلنا: هذا مبني على أن الوجه هو الفائدة وهو باطل، وكأنهم لا ينكرون حسن ~~شكر سائر المنعمين غير الله الذي ليست النعمة إلا منه ولا الفضل إلا له، ~~وهو قولكم: وإما للعبد فلأن منه فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية وأنه ~~مشقة وتعب، تأخر رجوع عن التسليم في سائر الواجبات التي تنزلوا بتسليمها؛ ~~لأن هذا ينافي التسليم لما فيه من التصريح بأنها ms62 لا تجب عقلا، ويقول في ~~اعتقاد أعظم الواجبات وهو التوحيد والعدل من مشقة. # قالوا: والذي ذهب إليه المعتزلة من هذه الأقسام وانفظوا به عن هذا ~~الإلزام هو أن الفائدة للعبد في الدنيا، وهو الأمن من احتمال العقاب لتركه، ~~وذلك الاحتمال لازم الحظور على باب كل عاقل. PageV01P105 # وهذه الفرقة قد شهدوا هم على أنفسهم بأن المعتزلة بين قائل بأن يحسن الشيء ~~أو يقبح لذاته، وبين قائل: بأنه يكون ذلك لوقوعه على من كونه ظلما أو كذبا، ~~أو إحسانا، أو شكرا أو نحو ذلك لأجل العقاب والثواب، وإن كان ذلك يقتضيها، ~~أو يستحسن ترتيبها عليهما، أي على ذلك، ولكن ليس هو الوجه المقتضي للحسن ~~والقبح بإقرارهم، وهو حقيقة روايتهم عن الجبائية، وأنهم يقولون بالوجوه ~~والاعتبارات في التحسين والتقبيح، لا أجل الفوائد والثمرات. # ثم إن هذه الفائدة التي ذكروها من تلقاء أنفسهم ردوها بأنهم يمنعون لزوم حضوره. # قالوا: بل المعلوم عدمه في أكثر الناس. PageV01P106 # فإن سلمنا قلنا: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} ~~وقد ذكر الله عن أكثر الناس أنهم لا يعقلون، وقال: {وما أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين} وقال فيمن رأى الآيات وشاهدها، وجاءته الرسل: {وما كان ~~أكثرهم بمؤمنين} وقال: {إنك لمن المنظرين، قال فبما أغويتني لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} وقال: ~~{إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} وقال: {لتنذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون} وقال: {إنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون، وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون، ولهم فيها نافع ومشارب أفلا يشكرون} وقال: {ولقد ~~مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون} وغير ذلك في ~~القرآن كثير. PageV01P107 # فإنكارهم لتعقل ذلك قد أنكره الله عليهم، ووصفهم بأنهم لا يعقلون، فلا ~~يؤمنون ولا يشكرون {وكفى بالله شهيدا} فقد شهد عليهم بأنهم يعرفون نعمة ~~الله ثم ينكرونها {وأكثرهم الكافرون} حتى قال الأشعري: لا نعمة ms63 لله على ~~كافر، كأنه لم يسمع قول الله تعالى: {فذرني والمكذبين أولي النعمة} وقوله: ~~{والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين، والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون، ~~فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون}. # فإذا ارتكب هذه المقالة فكيف يصح منه أن يقول بحسن شكر النعمة، وهو ينكر ~~حصولها، ويرد صرائح القرآن، ويأبى قبولها. PageV01P108 # قالوا: ولو سلم فخوف العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على فعل الشكر، ~~إما لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذن المالك؛ فإن ما يتصرف فيه العبد من ~~نفسه وغيرها ملك لله تعالى، وإما لأنه كالاستهزاء وما مثله إلا كمثل فقير ~~حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقا وغربا ويعم البلاد وهبا ونهبا وتصدق ~~عليه بلقمة خبز، فطفق يذكرها في الجامع ويشكره عليها بتحريك أنملته دائما ~~لأجله، فإنه يعد استهزاء منه بالملك، فكذا هنا بل اللقمة بالتسمية إلى ~~الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة إلى الله تعالى، ~~وشكر العبد بفعله أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك بتحريك أصبعه. ~~هذا كلام العضد. # والجواب: أن قولهم أنه تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك إقرار بالحكم ~~العقلي وتعيين للشكر بأنه تصرف بالفعل. # وقوله: فإنما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى. # يقال لهم: بم علمته أنه ملك لله تعالى أبالسمع أم بالعقل؟ فإن قالوا ~~بالسمع، فالمسألة مفروضة قبل ورود السمع، فإن قالوا بالعقل، فقد سلموا ~~الحكم العقلي، وكيف يتصور في العقل أن يكون خوف المعترف الشاكر كخوف الجاحد ~~الكافر، ثم التردد بين هذين الخوفين على زعمكم إن كان مدركه العقل فقد ~~أقررتم بالحكم العقلي، وإن كان غيرالعقل بطلت المعارضة التي ذكرتم لعدم ~~ثبوتها في العقل. ms64 # وقولهم: وأما لأنه كالاستهزاء...إلى آخره. PageV01P109 # والجواب عنه: أن الشكر على قدر موقع النعمة عند المنعم عليه، لا قدر ~~سهولتها ويسرها على المنعم، فلو أن هذه اللقمة التي ضربتم بها المثل كانت ~~موجبة لحياة المعطي وسلامة حواسه، وصحة بدنه، وحياة قلبه بالإيمان بالله ~~ومعرفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسائر النعم التي يبذل الإنسان من ~~نفسه ملك الدنيا لم يمكن منه في تحصيل بعضها فضلا عن جميعها لحسن في العقل ~~من هذا المتصدق عليه بهذه اللقمة التي صفتها هذه الصفة أن يبذل الوسع في ~~شكره ولا يستقبح في العقول. # وقد أشار في العضد في آخر كلامه إلى ضعف ما ذكره أصحابه. PageV01P110 # ونقول: وشكر العبد لفعله أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك بتحريك ~~أصبعه، وقد قال تلبيية لكلامه في حاشية العضد: وقال إن هذا لا يصح أن يكون ~~من الرد على المعتزلة بل هو مؤيد لكلامهم. هذا معنى كلامهم، ثم إن ~~الاستهزاء الذي ذكروه في مثل هذا إن كان مدركه العقل فقد سلموا أيضا الحكم ~~العقلي، وإلا فلا وجه لذكره، ويلزهم أن يكون تعظيم الله لنعمه تعظيما ~~للحقير، وأمره بالشكر عليها أمرا بالاستهزاء به، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ~~قال الله تعالى: {أفبنعمة الله يجحدون} وقال{أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله ~~يكفرون} وقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} ولأنه لو كان إيجاد اللقمة التي ~~ضربوا بها المثل من العدم وفهيا سلامة المتصدق عليه من العمى والخرس، ~~واستبراء الجذام والبرص، وعافيته من الألم، وصحة من اللمم وسائر الأسقام، ~~وما لايخفى من الإنعام، ومالا يعد جزيل الآلاء والمواهب كما وصف الله في ~~قوله: {هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} لكان فيها نعمة ~~عظيمة ومنة جسيمة كما قال في خاتمتها: {إن في ذلك PageV01P111 لاية لقوم يتفكرون} ثم قال عقيبها: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ~~والنجوم ms65 مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون(12)وما ذرأ لكم في الأرض ~~مختلفا ألوانه إن في ذلك لاية لقوم يذكرون(13)وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون(14)وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا ~~لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون(16)أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم} أفيكون تمييز ~~خلقها وتسهل أمرها على خالقها ناقصا لقدرة ومحقرا لأمرها؟ أم يكون ذلك ~~زيادة في شأن عظمة خالقها وعلو قدر صانعها، ومحكم تدبيرها، وعلو شأنها في ~~نفسها لكونها صنعة العلي العظيم، وكان فضل الله عليكم عظيما، فتباركت ~~آلاؤه، وتقدست أسماؤه { فبأي آلاء ربكما تكذبان} {تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام}. # فصل PageV01P112 واعلم أن الأدلة القرآنية والأخبار النبوية دالة على أن العبادات شرعت ~~شكرالله على ما أولى من عظيم نعمة التي لا تحصى ولا يحيط بها الواصف، فجميع ~~العبادات شكر لله فمنها ما أوجبه سبحانه وحتم على العباد فرضه، ومنها عفا ~~عن إيجابه وفرضه، فالشكر على قدر النعمة ولولا عفو الله ورحمته لم يبلغ ~~الإنسان شكر أقل نعمة بعد أن يبلغ في ذلك جهده ويتعب نفسه، كيف بجلائل ~~النعم وعظائم النعم والقسم؟. # وبهذا التقرير يندفع الإشكال الذي يذكر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم الشكر)) وقوله في الحج: ولو قلت لكل ~~عام لوجب لأن الجميع شكر له إن يعفو عن بعضه، ويقبل من عباده الشكر بالبعض ~~من القرب، ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم، وكذلك يندفع الإشكال الذي يرد ~~على جواب ما أوجبه العبد العبد على نفسه للوجه الذي ذكرناه فإنه لا يجب إلا ~~ما كان قربة، والقرب كلها شكر فإذا عينها العبد بالإيجاب تعينت كتعين ~~الشرائع، وحينئذ فيكون الثواب تفضلا. PageV01P113 # والدليل على أن ذلك اتفاق العدلية على وجوب شكر المنعم بضرورة العقل؛ ولأن ~~الملك إنما يحسن إلى أتباعه ليطيعوه ويمتثلوا ms66 أمره وينصروه إذا انتصر بهم، ~~ويعظموه، ويعزروه، ويوقروه، وكذلك كل من أحسن إلى غيره من مالك أوأمير أو ~~والد، وعلى قدر الإحسان يكون الشكر، فمن كانت النعمة عليه في إيجاده ~~وهدايته ومالا يحصيه من النعم التي أن عدها لم يحصها ولا ينفك عن نعمته في ~~جميع حالاته وكل أوقاته، فعليه أن يطيعه في جميع ما أمره به ونهاه عنه، ولم ~~تكن هذه النعم إلا من الله فوجبت طاعته. # هذه الدلالة العقلية، وأما الدلالة السمعية: فأولها قول الله تعالى: ~~{ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} فجعل ~~وجه العبارة كونه الرب الذي خلق الخلق وجعل العبارة ترجيا بحصول التقوى. # وثانيها: قوله تعالى: {لعلكم تشكرون}. # وثالثها: تعليله بالعبارة بما ذكره من النعم في قوله: {الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} فنكر هذه الأوصاف المقتضية لوجوب ~~عبادته ورتب العادة على النعمة وجعلها مسببة عنها. PageV01P114 # ورابعها: قوله تعالى منكرا على كافر النعمة العظيم شأنها: {كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون(28) هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو ~~بكل شيء عليم}. # وخامسها: قوله تعالى:{ التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبوني(40)وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به } ~~الآيات التي أمر فيها بالعبادة والتقوى مرتبا لذلك على ذكر النعمة. # وسادسه: قوله تعالى: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين(47)واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون}. # وسابعها: قوله تعالى: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون ....} الآية. # وثامنها: قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ~~وأنتم تنظرون}. # وتاسعها: قوله تعالى: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون}. PageV01P115 # وعاشرها: تكريره بعد ذلك تذكيره بالنعم لعلهم يهتدون إلى ms67 أن قال: {ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}. # والحادي عشر: قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ...}الآية إلى قوله {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين}. # والثاني عشر: قوله تعالى: { من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا ~~وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين(63)قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون}. # والثالث عشر: قوله تعالى: {ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون}. # والرابع عشر: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} إلى قوله: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون}. PageV01P116 # والخامس عشر: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } الآية إلى قوله: { لعلكم تشكرون}. # والسادس عشر: قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ...} الآية ~~إلى قوله: {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} فالإيمان بالله قول ~~واعتقاد وعمل، وجميع ذلك شكر والشكر نقيضه الكفر. # والسابع عشر: قوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}. # قال في بعض كتب التفسير: لأن المكلف متى ردد الدواعي بين الحسن والقبح ~~إما أن يختار الإيمان والطاعة فيكون شاكرا لله، وإما أن يختار الكفر فيكون ~~غير شاكر نعمة الله تعالى. # والثامن عشر: قوله تعالى: {واشكروا لي ولا تكفروني}. # والتسع عشر: قوله تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم ~~إن عذابي لشديد} . # العشرون: قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم ~~يكفرون} فنبه بذلك على الإيمان بالله شكرا على ما ذكره من النعم ومثل ذلك. PageV01P117 # الحادي والعشرون: قوله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس ~~من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون}. # الثاني والعشرون: قوله ms68 تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} فجعل الإيمان الذي هو ~~اعتقاد بالجنان وقول باللسان، وعمل بالأركان شكرا، وتركه كفرا ومثل ذلك. # الثالث والعشرون: قوله تعالى: {فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} ~~ومن الضرب الذي قبل هذا. # الرابع والعشرون: قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ~~من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون(73)فلا تضربوا لله الأمثال إن الله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون} ومنه. # الخامس والعشرون: قوله تعالى: {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} ومنه. # السادس والعشرون: قوله تعالى: {يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم ~~الكافرون} ومنه. PageV01P118 # السابع والعشرون: قوله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف بما كانوا يصنعون} ومنه. # الثامن والعشرون: قوله تعالى: {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} ومنه. # التاسع والعشرون: قوله تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} ومنه. PageV01P119 # الثلاثون والحادي والثلاثون، والثاني والثلاثون، والثالث والثلاثون، ~~والرابع والثلاثون: قوله تعالى: {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أئله مع ~~الله بل هم قوم يعدلون(60)أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أئله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(61) أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أئله مع الله قليلا ~~ما تذكرون(62)أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته أئله مع الله تعالى الله عما يشركون(63)أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ~~ومن يرزقكم من السماء والأرض أئله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين....} إلى قوله: {وإن ربك لذو فضل ms69 على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون} ومنه. PageV01P120 # الخامس والثلاثون: قوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا} ومنه. # السادس والثلاثون: قوله تعالى: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون ~~إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله ~~الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون} ومنه. # السابع والثلاثون: قوله تعالى: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ~~وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون}. # ومن الصريح في ذلك المبين لمعاني ما سبق وما يأتي. # الثامن والثلاثون: قوله تعالى: {اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي ~~الشكور}. # التاسع والثلاثون: قوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون(71)وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون(72)ولهم ~~فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون(73)واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون}. PageV01P121 # الأربعون: قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين(65)بل الله فاعبد وكن من الشاكرين}. # الحادي والأربعون: قوله تعالى: {ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون}. # الثاني والأربعون: قوله تعالى: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه }. # الثالث والأربعون، والرابع والأربعون، والخامس والأربعون: قوله تعالى: ~~{إن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون} وقوله: {إن الله لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون}وغيرها من مرادفاتها كقوله: {وما أكثر ~~الناس ولو حرصت بمؤمنين}. # السادس والأربعون: قوله تعالى: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ~~ورب غفور(15)فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى ~~أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل(16)ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا ~~الكفور} يعني المعرض عن الشكر. PageV01P122 # السابع والأربعون: قوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يكن من المشركين(120)شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم}. # الثامن والأربعون: قوله تعالى: {ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا ~~شكورا} وفي ما ms70 مدح الله به إبراهيم ونوحا وذم به أهل الجنتين نص صريح؛ لأن ~~مدح الشاكر وذم الكافر ثابت في حكم الله الذي هو محل النزاع فيما بيننا ~~وبين الأشاعرة. # التاسع والأربعون، والخمسون: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } إلى قوله: {واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من ~~الطيبات لعلكم تشكرون} يعني بطاعتك والإيمان بك وبرسلك. PageV01P123 # الحادي والخمسون: قوله تعالى: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ~~قليلا ما تشكرون....} الآيات إلى قوله: { ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين(17)قال اخرج منها ~~مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم أجمعين}. # الثاني والخمسون: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم... } إلى قوله: {لعلكم تشكرون}. # الثالث والخمسون: قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين(22)فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق }. # فصل PageV01P124 وهذه الأدلة قطرة من مطرة ومجة من لجة، ولو قلنا أن القرآن جميعه من فاتحته ~~إلى خاتميه داعيا إلى شكر الله الذي هو الإيمان بالله وأدناه إماطة الأذى ~~عن الطريق، وأنه جميعه مناد بمدح من اعترف وذم من اقترف لكان قولا صادقا، ~~وإلى سبيل الخير هاديا. # فصل # وقد دل ذلك على أن الثواب بفضل كما صرح به في غير موضع من القرآن ولنذكر ~~منها مواضع وإن لم نستقصها: # الأول: قوله تعالى: {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير(32)جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير(33)وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور(34)الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}. # الثاني: قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا ms71 بالله واعتصموا به فسيدخلهم في ~~رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما}. # الثالث: قوله تعالى: {إن المتقين في مقام أمين(51)في جنات وعيون...} ~~الآيات إلى قوله: { ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم}. PageV01P125 # الرابع: قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما ~~يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير}. # الخامس: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم}. # السادس: قوله تعالى: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم ~~يمهدون(44)ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب ~~الكافرين}. # السابع: قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا ~~مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور(29)ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله إنه غفور شكور}. # الثامن: قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله} ولا تنافي بين كونه أجرا وبين كونه فضلا، ولابين كونه ~~جزاء ولا بين كونه فضلا أيضا كما صرح بذلك الدليل. PageV01P126 # التاسع: وهو قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون(169)فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين ~~لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون(170)يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} فجمع بين كونه فضلا بقوله: ~~{ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} وقوله: { كذلك نجزي من شكر} ~~وقوله: { وسيجزي الله الشاكرين} ويدل علىذلك أيضا قوله تعالى: {ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين } وكذلك في الجزاء في قوله ~~تعالى: {إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في ~~الغرفات آمنون}. # العاشر: قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(69)ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما}. PageV01P127 # الحادي عشر: قوله تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا إلى أجل ms72 مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله}. # الثاني عشر: قوله تعالى: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا}. # الثالث عشر: قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير ~~من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون(7)فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم}، وإذا كان ذلك كذلك كان الجزاء عليه مثله فضلا من الله ونعمة، وكذلك ~~قوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا}ونحوها كقوله في غير موضع: {ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته }. # فإن قلت: إذا كان الثواب تفضلا، فما فائدة قولكم إن الله يتعالى عن فعل ~~القبيح؟ وما ثمرة الخلاف في ذلك؟ # قلت: أصل الثواب تفضلا لما كان في مقابلة الشكر، فلما وعد به سبحانه ~~وأوعد على كل من ترك الشكر صار متعاليا عن خلف الوعد أو الوعيد لما كان ~~إخلافه كذبا، والكذب قبيح. # فإن قلت: قالوا فإنما وعد به، أو أوعد عليه فضل أو أواجب؟ PageV01P128 # قلت: وقد صار بالوعد والوعيد في حكم الواجب، وإنما يتحاشى عن إطلاق الوجوب ~~عليه تعالى من غير إذن منه بذلك، ولكن يقال: تعالى عن إخلاف وعد أو وعيد ~~لما فيه من قبح الكذب، تعالى الله علوا كبيرا. # فإن قلت: فقد عاد الخلاف إلى الوفاق. # قلت: وقد قال في( المحيط): إن ......أعظم الشكر، وإذا كانت شكرا كان ~~ثوابها تفضلا وإن وجب ذلك بالوعد والوعيد ولفظه: إلزامنا إياهم أن لا يكون ~~عز وجل أنها تليق به العبادة حكمه ما تقدم؛ لأنه مالم يعرف عدله وحكمته لا ~~يعلم حسن العبادة له، وإذا لم نعلم أنه منعم ليستحق الشكر فكيف نعلم أنه ~~يستحق العبادة وهي غاية الشكر فلا يستحق إلا عليه النعمة، وكل هذه الوجوه ~~يوردها شيوخنا، وغير ذلك من الآيات التي في القرآن، ومن ضرورات الإلزامات ~~اقتدارا منهم على الكلام، وبيانا لهم أنهم كما قد خرجوا عن قضية العقل ~~فكذلك طريقة موجبات السمع كما عرفت من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ضرورة. انتهى ms73 بحروفه لما فيه من الفائدة المصرحة بأن العبادات شكر، وإذا ~~كانت شكرا كان ثوابها تفضلا، فلزم ارتفاع الخلاف في أصل الثواب، وكذلك ~~ارتفاعه بعد الوعد والوعيد كما سبق، وقد قيل: لا منافاة بين القول بأنها ~~شكر وأن الشكر لطف. # وقد أشار إلى عدم التنافي السيد العلامة عز الدين بن محمد بن عز الدين ~~المفتي رحمة الله عليه في كتابه المسمى ب(البدر الساري). PageV01P129 # المسألة الثانية: مالا يستحق عليه مدح ولا ذم كالمشي في البراري والتظلل ~~تحت الأشجار، والشرب من الأنهار، وتناول ما ينتفع به الحي ولا مضرة فيه على ~~أحد كالنابت في غير ملك، واختلف في ذلك فعند أئمتنا والجمهور أنه مباح عقلا ~~حتى يرد حظر شرعي. # وقال بعض الإمامية، والبغدادية، والفقهاء: بل محظور عقلا حتى ترد إباحة ~~شرعية، وتوقف الأشعري وبعض الشافعية بمعنى لا ندري هل هذا لك حكم، فلا ندري ~~هل هو حضرا أو إباحة؟ هكذا حكى الخلاف في الفصول. # وقال في المحصول: عند المعتزلة، والبصرية، وطائفة من فقهاء الشافعية، ~~والحنفية: أنها على الإباحة عند المعتزلة البغدادية، وطائفة من الإمامية، ~~وأبي على بن أبي هريرة من فقهاء الشافعية أنها على الحظر. # وعند أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الصيرفي وطائفة من الفقهاء: على أنها ~~على الوقف، ثم إن هذا الوقف تارة يعتبر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفا بل ~~قطعا بعدم الحكم، وتارة أنا لا ندري هل هناك حكم أم لا؟ وإن كان هناك فلا ~~ندري أنه إباحة أو حظر. # قال في (الغيث الهامع): وظاهر كلام المصنف-يعني مصنف جمع الجوامع- انتفاء ~~الحكم بنفسه وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر في محتصر (التقريب) وقاله الإمام ~~في (البرهان) والغزالي، وقال النووي: إنه الصحيح عند أصحابنا. # وقيل: المراد عدم الحكم بالعلم أي أن لنا حكما قبل ورود الشرع مالم يعلمه. PageV01P130 # وقال البيضاوي: إنه مراد الأشعري الوقف، وأن الحكم عنده قديم، وتفسير الوقف ~~بعد الحكم يلزم منه حدوث الحكم وهو خلاف مذهبه. # قال فيه: وقال ابن التلمساني: والقائلون بالحظر لا يريدون أنه باعتبار ~~صفة ms74 في المحل، بل حظر احتياطي كما يجب اختيار المنكوحة إذا اختلطت بأجنبية، ~~والقائلون بالوقف أرادوا بها وقف حيرة. # حجة القائلون بالإباحة: انتفاع المكلف بأنه ينتفع به كالنفس في الهواء ~~وغيره من الاضطراريات. # قال الرازي: ولا بد من القطع بأن العقل يقضي بأنه غير ممنوع منه، وقال: ~~إلا إذا جوزنا تكليف مالا يطاق. # قال في (العقد): وهذا الضرب لا خلاف فيه بين أهل العدل، فأما أهل الجبر ~~فخلافهم فيه كخلافهم فيما لا يلجئ إليه الإنسان. # وأما مالا يكون اضطراريا؛ فلأن ما كان فيه منفعة خالية عن أمارات المفسدة ~~ولا مضرة فيه على المالك وجب القطع بحسنه عقلا، فأما أنه منفعة فلا شك فيه، ~~وأما لأنه خال عن أمارات المفسدة؛ فلأن الكلام فيما إذا كان كذلك، وأما ~~لأنه لا ضرر على المالك فظاهر؛ ولأنه يحسن منه الاستظلال بحائط غيره والنظر ~~في مرآة الغير التقاط [..........بياض........] من حب غيره إذا خلا عن ~~أمارات المفسدة غير مضرة بالمالك، فالعلم بالحسن دائر مع العلم بهذه ~~الأوصاف وجودا وعدما، فوجب الجزم بأن ذلك حسن عقلا. # فإن قيل: هب أنكم تعلموا فيه مفسدة، ولكن احتمال المفسدة لا تعلمونها ~~قائم فلم لا يكفي ذلك في القبح؟ # قيل له: هذا مدفوع بوجهين: PageV01P131 # الأول: أن العبرة في قبح التصرف بالمفسدة المسندة إلى الأمارات، فالمفسدة ~~الخالية غير الأمارات فلا عبرة بها، ألا ترا هم يلومون من امنتنع من المرور ~~من تحت حائط صحيح لا ميل فيه لجواز سقوطه ولا يلومون عن الامتناع عند قيام ~~الأمارات، ويلومون من امتنع عن أكل طعام شهيا لتجويز كونه مسموما من غير ~~أمارة، ولا يلومون عن الامتناع عند قيام الأمارات، فعلمنا أن مجرد الاحتمال ~~لا يمنع. # الثاني: لو قبح الاقدام لتجويز كونه مفسدة لقبح الإحجام عنه لتجويز كونه ~~مفسدة، وفيه وجوب عدم الانفكاك عن كل واحد منهما وهو تكليف مالا يطاق، ~~قالوا: وأيضا إن الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام مع أمكان أن لا يخلقها ~~فيها وذلك يقتضي أن في خلقها غرض تخصصها وإن كان عبثا، ms75 ويستحيل أن تكون ~~لغرض النفع له تعالى لامتناع ذلك عليه، فلا بد وأن يكون الغرض عائدا إلى ~~غيره، فإما أن يكون الغرض هو الاضرار أوالإنتفاع أو لا هذا ولاذاك، والأول باطل. # أما أولا: فباتفاق العقلاء. PageV01P132 # وأما ثانيا: فلأنه لا يحصل الضرر إلا بإدراكها، فإذا كان الضرر مقصودا ~~والإدراك من لوازم الضرر كان مأذونا فيه؛ لأن لازم المطلوب مطلوب، ولا يجوز ~~أن يكون الغرض أمرا وراء الإضرار والانتفاع؛ لأنه باطل بالإتفاق، فثبت أن ~~الغرض هو الانتفاع، وذلك الانتفاع لا يعقل إلا على أحد ثلاثة أوجه: إما بأن ~~يدركها، وإما بأن يجتنبها لكون تناولها مفسدة، وإما بأن يستدل بها وفي ذلك ~~إباحة إدراكها؛ لأنه إنما يجتنب المفسدة بتجنبها إذا دعت النفس إلى ~~إدراكها، وفيه تقديم إدراكها، وإنما يستدل بها إذا عرفت والمعرفة بها ~~موقوفة على إدراكها؛ لأن الله تعالى لم يخلق فينا المعرفة من دون الإدراك، ~~فصح أنه لا فائدة فيها إلا إباحة الانتفاع. # قالوا: وقولهم لا حكم، هو حكم بعدم الحكم، والجمع بين إثبات الحكم وعدمه ~~متناقض، وقد سلم هذا الاستدلال في حاشية (العضد) قال: فإن قيل: الحكم بعدم ~~الحكم أيضا حكم. # قلنا: نعم لكنه رده على زعمه بقوله لكن لا يأت الفعل في نظر الشرع محظور ~~أو مباح أو غير ذلك على ما هو المتنازع فيه، هذه ألفاظه. # وقد عرفت أن النزاع إنما هو في حكم الأشاعرة عقلا قبل ورود الشرع لا في ~~حكم الشرع، فرده إلى مجرد الدعوى المتنازع فيها. # واحتج المبيح والحاظر على الوقوف بأن هذه التصرفات إما أن يكون ممنوعا ~~عنها فيكون على الحظر أولا فيكون على الإباحة، ولا واسطة بين النفي ~~والاثبات. PageV01P133 # واحتج المحتجون من السمع الدال على أن حكم العقل بالإباحة في ذلك متبع ~~لقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~فقد ورد عن علي عليه السلام أنه قال: لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: ms76 يا رسول ~~الله في كا عام، قال: ((لا ولو قلت نعم لوجب)) فأنزل الله تعالى فيها: { ~~ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} رواه أحمد ~~والترمذي، وقال حديث حسن. # وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من ~~أعظم المسلمين في المسلمين جرما من يسأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم ~~من أجل مسألته)) رواه الشيخان في صحيحهما. # وعن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن السمن ~~والخبز والفرا فقال: ((الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله ~~في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)) رواه ابن ماجة، قال في (المنتقى): ~~رواه الترمذي. # فصل # قالت الزيدية، والمعتزلة وغيرهم: والله تعالى لا يفعل القبيح ولا يحب ~~الفساد، ولا يريد ظلما، ولا يرضى لعباده الكفر. # وقال الأشعري: بل يريد الظلم ويرضى الكفر، وهذا الخلاف فرع المسألة ~~المتقدمة أعني قاعدة التحسين والتقبيح. PageV01P134 # قلنا: قولكم هذا مخالف لصرائح القرآن والسنة؛ ولأنه حكيم والحكيم لا يفعل ~~القبيح لحكمته وغناه وعدم حاجته فلا داعي له إليه. # فإن قيل: الفعل يصح وقوعه عندكم من غير داع، فما معنى قولكم فلا داعي له إليه؟ # فالجواب عنه: قد ذكره المهدي عليه السلام حيث قال في (الغايات): فإن قيل: ~~قولكم أنه لا داعي إلى القبيح فلا يفعله مبني على أن وجود الفعل لا يصح من ~~غيرداع. # فإن قلتم: بنينا على أنه عدل حكيم والحكيم لا يفعل الفعل إلا لداع، وإلا ~~جرى مجرى العبث. # قلنا: إنه لا يتم لكم أنه سبحانه حكيم حتى تقروا أنه لا يفعل القبيح، ~~وأنتم الآن في تقريره فليس لكم أن تقرروه بذكر ما بني على الحكمة وإلا كان دورا. PageV01P135 # والجواب: والله الهادي أنا نعلم ضرورة أن أحدنا متى كان عالما مميزا لفعله ~~فإنه لا يفعل إلا لداع، وإن كان يمكنه الفعل من دون الداعي فهذا الحكم ~~معلوم، ولا أجد له علة إلا أن يرجح فعله على ms77 ترك أمر حادث على سبيل الجواز، ~~فلا بد من مؤثر في ذلك الترجيح، والقادرية لا يعقل تأثيرها في الترجيح، ~~وإنما يؤثر في الوجود، والترجيح أمر اعتباري لا وجود له في الخارج وهو ~~أولية إيجاد الفعل فهو كالوجوب والجواز، فلا يعقل تأثيرها في الترجيح، ~~وترجيح الشيء ليس نفس إرادته بل هو باعث عليها، ولا الترجيح هو نفس الداعي ~~إلى الفعل بل الداعي هو المؤثر في الترجيح أي المقتضي؛ لأن الداعي علم الحي ~~أو ظنه أن له في الفعل منعة أو دفع مضرة، فليس العلم بذلك هو نفس الترجيح، ~~بل هو المؤثر في ترجيح الفعل وذلك يظهر مع التأمل، فالمرجح حكم مقتضي عن ~~الداعي، كما أن صفحة العقل مقتضاة عن القادرية، لكنه أمر اعتباري كالوجوب ~~والجواز إذ لا دليل على كونه حكما ثبوتيا له في الخارج ثبوت، فحصل من ذلك ~~كله أن العالم المميز لفعله لا يفعله إلا بعد مرجح للفعل على الترك علمنا ~~ذلك ضرورة، وإن كان قادرا على فعله من غير مرجح ولا مرجح إلا عن داعي، ~~والباري تعالى عالم مميز لفعله، ولا يفعله إلا بعد الترجيبح، ولا مرجح إلا ~~عن داعي له تعالى......القبيح فعلمنا أنه لا يفعله بالرد إلى ما علمناه في ~~الشاهد ضرورة من أن العالم المميز لفعله لا يفعل إلا بعد مرجح، وأنه لايرجح ~~إلا عن داعي إذ PageV01P136 لا يفعل مؤثر في الترجيح سوى الداعي؛ لأنه يدور عليه نفيا وإثباتا، وليس ثم ~~ما هو أولى بالثأير منه، ولا يتوهم متوهم من هذا الكلام أنا نقول بمقالة ~~أبي الحسين في اعتبار المرجح مع الداعي فليس كذلك، بل يعتبر الداعي دون ~~المرجح، فلو دعاه الداعي إلى أحد أمرين مستويين فقد حصل ترجح أحدهما لا ~~بعينه فيفعل أيهما لأجل المرجح الأصلي الذي أثر فيه الداعي، ولا يفتقر إلى ~~مرجح للذي اختاره بعينه كمسألة الرغيفين وقد مرت، لا يقال: إذا كان الباري ~~تعالى قادرا على فعل القبيح من غير داع فلا سبيل لكم إلى القطع بأنه لا ~~يفعله حينئذ، فإن قلتم ms78 الحكمة تصرفه عنه. # قلنا: أنتم الآن في الاستدلال عليها فيلزمكم الدور؛ لأنا نقول قد أورد ~~هذا الفخر الرازي وهو غير لازم؛ لأنه وإن كان قادرا على فعله فنحن نقطع أنه ~~لايفعله لغير داع إلى ما علمناه ضرورة في الشاهد كما قدمنا لا لأجل حكمته، ~~فلا يلزمنا ماذكرت. انتهى. # وفي هذا تصريح من الرازي بنفي الحكمة وأن النزاع فيها كما مر تحقيقة. # وقال في ( الرسالة السعدية): ذهبت المعتزلة إلى أن الله تعالى عدل حكيم ~~لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب، ومنعت الأشعرية من ذلك وأسندوا القبائح ~~كلها إلى الله تعالى فلزمهم من ذلك محالات. PageV01P137 # منها: امتناع الجزم بصدق أحد من الأنبياء؛ لأن دليل النبوة مبني على أن ~~الله تعالى لما صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه الرسالة عند ~~خلق المعجزة على يديه، وجب أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادقا، ~~ومع صحة إسناد القبائح إلى الله تعالى يمتنع هذا الحكم لجواز أن يصدق الله ~~الكذاب ليضل الإضلال، ويخلق المعجز كما تحدى به النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لا لغرض تصديقه، فكيف يمكن الجزم حينئذ بصدق مدعي النبوة؟. # ومنها: أنه لا يمكن الجزم حينئذ بصدقه تعالى؛ لأنا إذا جوزنا منه فعل ~~القبيح والكذب نوع منه جاز أن يكون الخبر الذي أخبرنا به كاذبا، ومع هذا ~~التجويز يمتنع الحكم بوجوب صدقه تعالى، وإنما يتم العمل بصدقه لو حكمنا ~~بامتناع الكذب عليه، وإنما يصح الحكم بامتناع الكذب عليه لو ثبت الحكم ~~بامتناع صدور القبيح منه تعالى، فعلم أنه لا يمكن الحكم بصدق الله تعالى في ~~إخباراته على قواعد الأشعرية، بل على قواعد المعتزلة انتفاء قاعدة التكليف ~~فتنتفي فائدة البعثة للرسل واللازم باطل قطعا فالملزوم مثله. PageV01P138 # بيان الملازمة: أن فائدة التكليف هي إيصال الثواب إلى المطيع والتعريض له، ~~ورفع العقاب عنه وإيقاعه بالمعاصي، وهذه الفائدة إنما تتم لو علمنا أن الله ~~تعالى لا يفعل القبيح؛ لأنه لو جاز منه صدرو القبيح أمكن أن لا يوصل الثواب ~~إلى مستحقيه، وأن ms79 يمنع المطيع عن حقة، وأن يثيب العاصي بأبلغ أنواع الثواب، ~~ولو جوزنا ذلك لم يحصل الجزم بل ولا الظن للمطيع بالانتفاع بطاعته، ولا ~~للعاصي التضرر بمعصيته، فيمتنع المطيع من الطاعة ويقدم العاصي على المعصية، ~~ولا شك في فساد ذلك. # ومنها: أنه يلزم تجويز وصف الله تعالى بالظلم والجور والعدوان، واللازم ~~باطل تعالى الله عنه والملزوم مثله. # بيان الملازمة: أنه لو جاز صدور هذا القبيح عنه أمكن أن يمنع المستحق عن ~~حقه وارتفع منه الظلم والجور والعدوان؛ لأنها من جملة القبائح، ولا شك في ~~امتناع ذلك وقد نص الله تعالى على ذلك في قوله:{ وما ربك بظلام للعبيد } ~~{وما الله يريد ظلما} {وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} {ولا يظلم ~~ربك أحدا} {لا ظلم اليوم} إلى غير ذلك من الآيات، فلينظر العاقل من نفسه هل ~~يجوز تقليد من يلتزم هذه المقالات الشنيعة المحالة، وهل يكون معذورا عند ~~الله تعالى بتقليد أمثال هؤلاء؟ وأن يجعلهم العاقل واسطة بينهم وبينه ~~تعالى، وهل أحد من الرسل والأنبياء صار إلى ذلك؟. # فصل PageV01P139 قال المسلمون كافة: ولم يكلف الله سبحانه وتعالى أحدا من خلقه إلا ما يطاق ~~لكونه قبيحا وقبحه معلوم بضروة العقل. هذه عبارة الأساس وشرحه. # قال في (الغابات): وصرح أبو الحسن الأشعري بجوازه، وقال: وكانت المجبرة ~~وإن أنكرت القبيح العقلي لا يلتزمه أي لا يلتزم القول بجواز أن يكلفنا الله ~~ما لا يطاق، بل يقضي بمنعه ويعللون منعه بعلل غبر القبح العقلي، وسنذكرها ~~ونوضح بطلانها وما زالوا ينكرونه حتى صرح أبو الحسن بجوازه. # قلت: المطابق لقياس مذهبهم كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. # قال: وقد حكى بعض أصحابنا تصريح الأشعري بجوازه، وأما ابن الخطيب: فأنكر ~~تصريحه. # قال الجويني في (البرهان) على ما حكاه عنه في حاشية (شرح العقائد): وهذا ~~سوى معرفة مذهبه، فإن التكاليف كلها عنده تكليف مالا يطاق لأمرين: # أحدهما: أن الفعل مخلوق لله فتكليفه به تكليف بفعل غيره. # والثاني: أنه لا قدرة عنده إلا حال الإمتثال والتكليف سابق. # قال في (منهاج) ms80 القرشي رحمه الله: اتفق أهل الجبر إلا الغزالي على جوازه ~~عقلا، واتفقوا أيضا إلا من لا يعبأ به على أنه ممنوع سمعا، ثم اختلفوا في ~~صحة تكليف ما لايعلم والعاجز، فمنعه محققوهم، وأجاز الباقون مع اتفاق ~~الجميع على منع تكليف الجماد. PageV01P140 # واعلم: أنه لا محصول لشيء من هذا الخلاف؛ لأنهم متفقون على أن الله تعالى ~~خالق لجميع الأفعال، وأنه لا يوجد شيء إلا بقدرته، فلا بد من أن يكون ~~التكليف بالأفعال تكيلفا بما لا يطاق، ولا ينجيهم من ذلك قولهم أن للمؤمن ~~قدرة على الإيمان وللكافر قدرة على الكفر؛ لأنه لا معنى لذلك إلا أن الله ~~أوجد الفعل عندها على ما يقولون. # وأما قولهم: بين الجماد والحيوان، فهو فرق نادر؛ لأنه إنما امتنع تكليف ~~الجماد؛ لأنه غير ممكن، وهذا غير حاصل في كل فاعل سوى القديم، وأعجب من هذا ~~فرقهم بين تكليف من لا يعلم وتكليف من لا يطيق فإن احتياج الفعل إلى القدرة ~~أعظم من احتياجه إلى العلم. انتهى. # والدليل على ما ذهبنا إليه: أنه لا شك أن تكليف مالا يطاق على سبيل ~~الجملة معلوم قبحه ضرورة كما يعلم قبح الظلم والكذب ضرورة، وإنما يقبح ~~لكونه تكليفا لما لا يطاق، علمنا قبحه وإن جهلنا ما جهلنا، ومتى جهلنا ذلك ~~لم يعلم قبحه فإذا قبح شاهدا قبح غائبا لحصول وجه القبح. # قال أبو الحسين: لأن لا نعلم ضرورة قبح كل تكليف بما لا يطاق فإذا علمنا ~~في الغائب أنه ما لا يطاق ألحقناه بالجملة المقررة، فيكون من باب إلحاق ~~التفصيل بالجملة كالعلم بقبح الظلم المعين، فالحاصل أن من علم أن كل تكليف ~~بما لا يطاق فهو قبيح، ثم علم في كل تكليف معين أنه تكليف بما لا يطاق، ~~فإنه لا يتوقف في العلم بقبحه كالعلم بصحة الظلم المعين بعد العلم بقبح ~~الظلم جملة. # فصل PageV01P141 وقياس الشاهد على الغائب في مثل هذا الصحيح بل لا له استعمال الله تعالى له ~~في إثبات وحدانيته بنحو قوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق ms81 أن يتبع أمن ~~لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} وقوله: {هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب} وقوله: {هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم}. PageV01P142 # قال ابن القيم رادا لقول من أنكر قياس الغائب على الشاهد: في مثل هذا قولكم ~~إن غاية هذا أن يدل على قبح الكذب وحسن الصدق شاهدا ولا يلزم منه حسنه ~~وقبحه غائبا إلا بطريق قياس الغائب على الشاهد، وهو باطل لوضوح الفرق ~~وإسنادكم في الفرق إلى ما ذكرتم من تخلية الله بين عباده يموج بعضهم في بعض ~~ظلما وفسادا، وقبح ذلك شاهد، فيالله العجب كيف يجوز العقل التزام مذهب يلزم ~~معه جواز الكذب على رب العالمين وأصدق القائلين؟ وأنه لا فرق أصلا بالنسبة ~~إليه بين الصدق والكذب بل جواز الكذب عليه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا، كجواز حسنه كحسنه، وهذا الأمر من أعظم الإفك والباطل، ونسبته إلى ~~الله تعالى جوازا كنسبة ما لا يليق بجلاله إليه من الولد والزوجة والشريك، ~~بل كنسبة أنواع الظلم والشر إليه جوازا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فمن ~~أصدق من الله حديثا، ومن أصدق من الله قيلا، وهل هذا إلا الإفك المفترى ~~الرافع للموثوق بأخبار وعده ووعيده، ويجوز عليه وعلى كلامه ما هو أقبح من ~~القبائح التي ينزه عنها بعض عبيده، ولا يليق به فضلا عنه سبحانه فلو التزم ~~كل ذم يلزم مثبتي الحسن والقبح العقليين لكان أسهل من التزام الأذى الذي ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، ولا يشبه في القبح ~~بين الولد والشريك والزوجة وبين الكذب، ولهذا فطرالله عقول عباده على ~~الإزراء والذم والمقت للكاذب دون من له زوجة وولد وشريك، فتنزيه أصدق ~~القائلين PageV01P143 عن هذا القبيح كتنزيهه عن الولد والشريك والزوجة، بل لا نعرف أحدا من طوائف ~~العالم جوز الكذب على الله لما فطر عقول البشر وغيرهم على قبحه، ومقت فاعله ~~وخسته ودناءته، ونسب إليه طوائف المشركين الشريك والولد بما لم يكن ms82 قبحه ~~عندهم كقبح الكذب، وكفى بمذهب بطلانا وفسادا هذا القول العظيم والإفك ~~المبين لازمه، ومع هذا فأهله يتحاشون من التزامه فلو التزم القائل أن مذهب ~~الذم كان خيرا له من هذا. # ونحن نستغفر الله من النقصة في رد هذا المذهب القبيح، ولكن ظهور قبحه ~~للعقول والفكر أقوى شاهد على رده وإبطاله، ولقد كان كافيا في رد.... تصويره ~~وغرضه على عقول الناس وفطرهم، فليتأمل اللبيب الفاضل ماذا يعود إليه نص ~~المقالات والتعصب لها، وإلزام لوازمها، وإحسان الظن بإزائها بحيث يرى ~~مساوءهم محاسن، وإساءة الظن بخصومهم بحيث يرى محاسنهم مساوئ، كم قد أفسد هذ ~~ا السلوك من فطرة وصاحبها من الذين يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون، ولا تتعجب من هذا فإن مرآة القلب لا يزال الهوى ينقش فيها حتى ~~يستحكم صلاحا، فليس لها أن ترى حينئذ الأشياء على خلاف ما هي عليها، فمبدأ ~~الهدى والصلاح صقال تلك المرآة ومنع الهوى من النفش فيها، وفتح عين البصيرة ~~في أقوال من يسيء الظن بهم كما يقبحها في أقوال من يحسن الظن به، وقيامك ~~لله، وشهادتك بالقسط، وإلا حملك بغض منازعك وخصومك على جحد حقهم، وتقبيح ~~محاسنهم وترك العدل فيهم فإن الله تعالى لا يعتذر ببعث من هذا شأنه PageV01P144 ولا يجد عمله عليه نفعا أحوج ما يكون إليه، والله يحب المقسطين ولا يحب ~~الظالمين. # ثم قال: قولكم: أن مستند الحكم عندكم غائبا قياس الغائب على الشاهد وهو ~~فاسد، فيقال الرب تعالى لا يدحل مع خلقه في قياس بمثل، ولا قياس سول يستوي ~~أفراده، فهذان النوعان من القياس يستحيل ثبوتهما في حقه عقلا ~~ونقلا......العقل فكالاستدلال لنا على أن يعطي الكمال أحق بالكمال، فمن جعل ~~غيره سمعيا بصيرا عالما متكلما، حيا حكيما، قادرا مريدا، رحيما محسنا فهو ~~أولى بذلك وأحق منه، ثبت له من هذه الصفات أكملها وأتمها. PageV01P145 # قال: وكل كمال يثبت بالمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ومعطيه إياه أحق به ~~كالوجود والحياة، والعلم، والسمع، والبصر والقدرة، والإرادة، والكلام، ~~والغنى والحكمة، والرحمة وغيرها، وكل ms83 نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق تعالى ~~أحق بالتنزه عنه كالكذب والظلم، والسفه والعيب، بل يجب تنزيبه الرب تعالى ~~عن النقائص والعيوب مطلقا، وأن ينزه عنها بعض المخلوق، وكذلك إذا استدللنا ~~على حكمته تعالى بهذه الطريق بجواز أن يقال: إذا كان الفاعل الحكيم الذي لا ~~يفعل فعلا لحكمة وعاقبة مطلوبة له من فعله أكمل ممن يفعل لا لغاية ولا ~~لحكمة، ولا لأجل محمودة وهي مطلوبة من فعله في الشاهد، ففي حقه تعالى أولى ~~وأحق بالتنزه عنه، وبهذا أو نحوه ضرب الله الأمثال في القرآن، وذكر العقول ~~ونبهها وأرشدها إلى ذلك كقوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا } فهذا مثل ضربه يتضمن قياس الأول في حقه ~~يعني إذا المملوك فيكم له ملاك مشتركون فيه وهم متنازعون، ومملوك آخر له ~~مالك واحد فهل يكون هذا وهذا سواء؟ فإذا كان هذا ليس عندكم لمن له رب واحد ~~ومالك واحد فكيف ترضون أن تجعلوا لأنفسكم آلهة متعددة تجعلونها شركاء لله ~~تحبونها كما تحبونه، وتخافونها كما تخافونه، وترجونها كما ترجونه، وكقوله: ~~{وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} يعني PageV01P146 أن أحدكم لا يرضى أن يكون له بنت فكيف تجعلون لله ما لا ترضونه لأنفسكم، ~~ولقوله: {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون، ~~وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} يعني ~~إذاكان لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر على شيء وغنى موسع عليه ينفق مما ~~رزقه الله فكيف تجعلون الصمم الذي هو أسوأ حالا من هذا العبد شريكا لله، ~~وكذلك إذا كان لا يستوي عندكم رجلان أحدهما أبكم لا يعقل ولا ينطق ومع ذلك ~~عاجز لا يقدر على شيء، وآخر على طريق ms84 مستقيم في أقواله وأعماله وهو آمر ~~بالعدل عامل له لأنه على صراط مستقيم، فكيف تسوون بين الله تعالى وبين الصم ~~في العبادة، ونظائر ذلك كثير في القرآن وفي الحديث كقوله في حديث الحارث ~~الأشعري: ((وإن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك ~~بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله وقال اعمل وأدى إلي وكان يعمل ~~ويؤدي إلى غير سيده)). PageV01P147 # فإنه يجب أن يكون عنده كذلك فالله سبحانه لا تضرب له الأمثال الذي يشترك هو ~~وخلقه فيها شمولا ولا تمثيلا، وإنما يستعمل في حقه قياس الأولى لما تقدم. # ثم قال: والنفاة إنما ردوا على خصومهم من الجهمية والمعتزلة في إنكار ~~الصفات بقياس الغائب على الشاهد، ثم قال: كيف تنكرونهما قياس الغائب على ~~الشاهد وتحتجون به في مواضع آخر، وأي تناقض أكثر من هذا؟ فإن كان قياس ~~الغائب علىالشاهد باطلا بطل احتجاجكم علينا، وإن كان صحيحا بطل ردكم له في ~~الموضع، فإما أن يكون حقا إذا استدللتم به، باطلا إذا استدل به خصومكم، ~~فهذا أقبح التطفيف وقبحه ثابت بالعقل والشرع. # فصل # واعلم: أن قد تصلف الأشعري في هذه المسألة والتزم لتصحيفها كل لازم عليها ~~وإن كان فساده معلوما بصريح الكتاب والسنة. # قال في شرح الصحائف: أقول قالت المعتزلة والغزالي: تكليف ما لايطاق محال، ~~وذهب الأشعري وقوم من تابعيه إلى أنه جائز، وقيل: إن الأشعري ما صرح به إلا ~~لأنه ظاهر البطلان، إلا أنه لزم من قوله الأول أن القدرة لا تكون إلا مع ~~الفعل؛ لأن التكليف إن كان سابقا على العقل لزم التكليف بما هو غير مقدور؛ ~~لأن قبل العقل لا تكون القدرة حاصلة، وإن كان مع العقل يلزم تحصيل الحاصل ~~وهو غير مقدور لكونه محالا. # فإن قلت: لم لايجوز أن يكون التكليف سابقا على العقل أو مع العقل، لكن ~~يكون الطلب بالنسبة إلى الزمان الثاني؟. # قلت: الزمان الثاني إنما يكون قبل الفعل أوعنده، ويلزم المحذور. PageV01P148 # الثاني: أن أفعال العباد واقفة بقدرة الله تعالى وإرادته، ولا ms85 تأثير لقدرة ~~العبد فيها فيلزم من هذا التكليف بما لم يطاق، والحق أن تكليف ما لا يطاق ~~محال لوجهين: # الأول: أنه عبث كما يؤمر الأكمه بنقد المصحف، والزمن بالطيران، والعبث ~~على الحكيم القادر الغني محال. # فإن قلت: لا نسلم العبث إلا بجواز أن تكون فائدته الابتلاء للبشر ~~والكراهة فيطيع المستبشر ويعصى الكاره؛ لأن التكليف بما لايطاق عبثا وتارة ~~لمصلحة تنشأ من نفس التكليف لا من الامتثال كالابتلاء بالبشر والكراهة. # قلت: هذه الفائدة تحسن من تكليف ما لا يطاق مع زيادة الامتثال فيكون عبثا ~~في تكليف ما لا يطاق، وأيضا البشر والكراهة غير مقدرين كما يجب، فحينئذ يكل العبث. # الثاني: احتج الخصم بوجوه: # الأول: الله تعالى أمر الكافر بالإيمان وعلم أنه لا يؤمن لامتناع الجهل ~~على الله تعالى والإيمان منه محال إذ لو فرضنا وقوعه لزم إنقلاب علم الله ~~جهلا، وكلما لزم من فرض وقوعه محال فهو محال، ومع ذلك كلفه بالإيمان. # والجواب: أن الله علم أنه لا يؤمن باختياره وحينئذ يكون مقدورا له ولا ~~يلزم إنقلاب علم الله جهلا، ونقول الإيمان تابع لعلمه تعالى، وعلمه تابعا ~~بعدم الإيمان، وعدم الإيمان تابع للقدرة فيكون امتناع الإيمان تابعا ~~للقدرة، وامتناع الشيء للقدرة لا ينافي القدرة بل يحققها، وأيضا يلزم من ~~دليلكم ألا يكون الله تعالى قادرا وهو باطل فكذا ما ذكرتم. PageV01P149 # الثاني: ...الله تعالى عن عدم إيمان الكفار بقوله: { وسواء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون} فيجب عدم إيمانهم لامتناع الكذب على الله تعالى. # والجواب: بمثل ما مر؛ لأن الخبر ينبغي أن يكون مطابقا للخبر عنه فيكون ~~تابعا للمخبر عنه وهو عدم الإيمان التابع للقدرة فيكون الخبر تابعا للقدرة، ~~والوجوب التابع للقدرة والإرادة لا ينافيهما كما مر في المسألة السابقة. # الثالث التكليف: إما من قبل الفعل أو عند الفعل، وأما ما كان يلزم ~~التكليف بما لا يطاق إذ لا قدرة قبل الفعل أو حال الفعل يجب الفعل، والواجب ~~لا يكون مقدورا. # والجواب: أنه قد مر في صحيفة الجبر والقدر أن القدرة ms86 قبل الفعل وأيضا ~~حالة الفعل لوجوب الفعل لا يلزم عدم القدرة. # الرابع: ما ذكره وهو ظاهر غني عن الشرح ولفظه في .....الأفعال بخلق الله ~~تعالى فلايكون مقدورا للعبد، قال: وأيضا هذان الدليلان يوجبان جميع ~~التكاليف تكليفا بالمحال باطل اتفاقا، ثم قال في شرح (الصحائف): # الخامس: كلف الله أبا جهل بتصديق رسوله في جميع ما أخبره، وجملة ما أخبر ~~عنه أنه لا يصدق في شيء أصلا فيكون أبو جهل مكلفا بأن يصدقه في أنه لا يصدق ~~شيئا في أخباره فلو صدق هذا للزم ألا نصدقه؛ لأن هذا أيضا خبر من أخباره، ~~فتصديق هذا الخبر يوجب عدم تصديقه فيكون محالا قد كلف الله به فلزم تكليف ~~ما لا يطاق. PageV01P150 # والجواب: لا نسلم أنه صدق هذا الخبر للزم ألا نصدقه، إنما يلزم ذلك أن لو ~~كان تصديق الشيء موجبا لوقوعه وليس كذلك. # فإن قلت: لو لم يجب لجاز أن نصدق مع هذا الخبر وحينئذ كذب الرسول؛ لأنه ~~أخبر أنه لا يصدق شيئا من إخباره لا من يصدقه، وحينئذ لا حاجة إلى هذه ~~التكليفات، بل يكفي أن يقال أنه تكليف بتصديق الرسول في كل ما أخبر، وقد ~~أخبر الرسول عليه السلام أنه لا يصدقه في شيء فيكون تصديقه محالا وقد كلف ~~به، وأيضا ههنا جواب آخر: وهو أن يقال لا نسلم أن الرسول عليه السلام أخبر ~~أنه لا يصدقه في شيء أصلا بل في الدين وأحكامه، وحينئذ جاز أنه لا يصدقه في ~~الدين وأحكامه وحينئذ لا يلزم المحال. انتهى. # وقد نبهناك على أن الغرض في نقل كلام القوم التنبيه على أن القوم معترفون ~~بصحة الدليل، ولعل ذلك يكون إن شاء الله أدعى لقبول الحق من منكريه؛ لأنه ~~قد قال به فحول سلفهم ومحققوا أصحابهم، وما التوفيق إلا بالله. # قال القرشي: (في المنهاج): قالوا قد كلف الله تعالى كما نعلم أنه لا يقع ~~والقدرة على خلاف العلوم محال؛ لأن ذلك يؤدي إلى انقلاب علم الله جهلا. PageV01P151 # والجواب: يقال من سلم لكم استحالة القدرة على خلاف ms87 المعلوم لأمكن، فإن ~~أحدنا يعلم من نفسه أنه قادر على إلقاء خاتمه في البحر، وعلى أن يسعى في ~~السوق وأن يقتل نفسه، وبعد هذا فلا بد لهم من الاعتراف بأن الله قادر على ~~أن يقيم القيامة الآن وعلى أن يطلع الشمس من مغربها، وينزل المطر من غير ~~سحاب، ويقلب الجبال ذهبا، ونحو ذلك مما قد يعلم تعالى أنه لا يقع، فإذا لم ~~يلزم من قدرته تعالى على ذلك إنقلاب علمه جهلا فكذلك لا يلزم من قدرتنا ~~عليه، وبعد فلو كان ما علم الله أنه يقع واجب الوقوع، وما علم أنه مستحيل ~~الوقوع لبطل الاختيار وزال معنى القادر في جميع الأفعال؛ لأنها بين واجب ~~الوقوع والمستحيل الوقوع، وبعد فلا خلاف بيننا وبينهم أن العلم تابع ~~للمعلوم ومتعلق به على ما هو به فإن العلم بكون زيد في الدار يتبع كونه ~~فيها، وليس كونه فيها يتبع العلم، وإذا كان العلم تابعا للمعلوم لم يصح أن ~~يكون مؤثرا فيه بنفي ولا إثبات، يوضحه أنه لا فرق بين أن يعلم وقوع الشيء ~~وبين أن يعلم أنه لا يقع في أنه لا تأثير لعلمنا في ذلك فكذلك في علم ~~الباري تعالى، والمروي عن ابن عمر أن رجلا أتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ~~قوما يزنون ويشربون الخمر ويقتلون النفس، ويقولون كان في علم الله ولم نجد ~~بدا منه، فغضب ثم قال: سبحان الله العظيم قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها ~~ولم يحملهم علم الله على فعلها، حدثني أبي عمر الخطاب أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله PageV01P152 وسلم يقول: ((مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم والأرض فكذلك لا ~~يستطيع الخروج من علم الله وكما لا يحملكم السماء والأرض على الذنوب كذلك ~~لا يحملكم علم الله عليها،ثم قال لعبد يعمل المعصية ثم نفر بذنبه على نفسه ~~أحب إلي من عبد يصوم النهار ويقوم الليل ويقول إن الله أولى بالخطيئة منه)) . # فإن قيل: لو قدرنا وقوع ما علم الله أنه لا يقع ms88 هل يدل على جهله؟. # قلت: الصحيح في الجواب ما علمه الله أنه لا يقع لابنفي قدرة الفاعل على ~~إيقاعه إلى أفعاله تعالى ولا أفعال خلقه فتجويز القدرة على إيقاعه لا ينفي ~~علم الله بأنه لا يقع ولا ينافي القدرة على إيقاعه، وكذلك السؤال الوارد ~~على تجويز الجهل على فعله القبيح وما لزم على القول بذلك من تجويز الجهل ~~عليه تعالى عنه أو العجز غير وارد، فإن تجويزنا للقدرة ينفي العجز ولا يكشف ~~عن جهل كما زعموا فإنه قد يفعل القبيح من هو عالم بقبحه فلا يلزم الجهل، ~~فإنه إذا جاز من أحدنا أن يفعل القبيح وهو عالم بقبحه فلا يكشف عن جهل، ~~فبالأولى تجويزنا لقدرة الله على فعله وهو العالم بذاته، وكنت قد ذكرت هذا ~~الجواب قبل أن أطلع عليه لغيري ثم وقفت على ما يقرب منه في كلام المهدي ~~عليه السلام في (الغايات) وإن كان قد صدر ذلك الامتناع عن الجواب بلا أو ~~بنعم، فإنه قال بعد كلام طويل وقاعدة مبنية على أن الملازمة بين الأمر إن ~~كانت بطريقة الاقتضاء استحال انفكاك أحدهما عن الآخر لما قد منا من أن ~~المقتضي الذي يتميز به PageV01P153 المقتضى كالوصف الذاتي له، مثاله اقتضاء الحيية بصحة أن يقدر ويعلم، فإنه ~~يستحيل انفكاك صحة القادرية عن ثبوت الحيية ويستحيل انفكاك ثبوت الحيية عن ~~صحة القادرية لما ذكرناه، وأما إذا لم تكن بطريقة الاقتضاء؛ فإن انفكاك ~~أحدهما عن الآخر لا يستحيل، مثال ذلك ملازمة وقوع القبيح لجهل فاعله أو ~~حاجته إليه فليس بين الأمرين طريقة اقتضاء، فيقال: إن وقوع القبح يقتضي ~~الجهل والحاجة، وإنما هي ملازمة عادته فلا يستحيل وقوع القبح فمن ليس بجاهل ~~لقبحه ولا محتاج إليه ويمكن أن يكون جاهل لا يقع منه لقبحه قبيح، وكذلك ~~وقوع المعلوم مطابقا للعلم ليس مقتضي عن العالمية، بل وقوع باختيار الفاعل ~~ولا ذاته لا يقع إلا مطابقا، وإذا كان كذلك لم يلزم من إمكان وقوع الفعل ~~غير مطابق للعلم مع القطع بأنه لا يقع كذلك إمكان ms89 جاهلية العالم؛ لأن طريقة ~~الاقتضاء غير ثابتة بين هذين المتلازمين فلا يلزم من إمكان أحدهما إمكان ~~الآخر، وهذه طريقة ...للاشكال من أصله. انتهى. PageV01P154 # قال في (المنهاج): قلنا الصحيح في الجواز ما قاله الشيخ أبو الحسين وهو أن ~~تقدير وقوع يتبعه تقدير العلم لوقوعه، كما أن تقدير احتمال الضدين يتبعه ~~تقدير العلم بوقوعه، كما أن تقدير احتمال الضدين يتبعه تقدير ارتفاع التضاد ~~بينهما، فنقول: لو قدرنا أنه وقع لكان الله عالما بوقوعه، وإنما يلازم ~~التقدير؛ لأن العلم تابع للمعلوم، فإن قدرناه واقعا كان العلم متعلقا ~~بوقوعه، وإن قدرناه غير واقع كان متعلقا بأنه لا يقع، والذي يقدر عالما لا ~~يطابق علمه معلومه كالذي يقدر قادرا لا يصح منه الفعل. # فإن قيل: أليس إذا لم يصح من القادر الفعل خرج عن كونه قادرا فكذلك قلنا ~~إذا وقع ما علم أنه لا يقع فلا بد أن يخرج عن كونه عالما بوقوعه؟ # قلنا: هو كذلك، لكن الذي دل على خروجنا عن كونه عالما بعدم الوقوع هو ~~الوقوع، والذي يلزم من تقدير الوقوع هو تقدير العلم بالوقوع. # وقد اعترض كلام أبي الحسين من المتأخرين من أصحابنا، وقالوا: قد ناقض حيث ~~قال: يصح ويستحيل. # قال في (المنهاج): والاعتراض غير سديد؛ لأنه إنما يكون مناقضا إذا قال ~~بالاستحالة والصحة من وجه واحد، فأما مع اختلاف الوجه فلا مناقضة بل لا بد ~~من الرجوع إلى ما قاله. PageV01P155 # قال البكري في شرحه: يقال بل ذلك لازم؛ لأن وصف الشيء بأنه صحيح من وجه ~~مستحيل من وجه مناقض وإن اختلف المقتضي للصحة فالاستحالة؛ لأنهما كالصفتين ~~المتضادين فلا يصح اجتماعهما لذات واحدة وإن اختلف المؤثر، كما لا يصح أن ~~يقال هذا الشيء موجود من وجه، بل أن يثبت له الوجود استحال أن يكون معدوما ~~بأي وجه، فكذلك لا يقال هذا الشيء صحيح الثبوت ثم يقال أنه مستحيل الثبوت ~~بأي وجه؛ لأنهما كالوجود والعدم سواء سواء، والأقرب أن الشيخ أبا الحسين لا ~~يجمع بين الصحة والاستحالة في حالة واحدة، بل يقول أنه ms90 يستحيل منه تعالى ~~فعل لعدم الداعي الذي هو شرط عنده في صحة وقوع الفعل من القادر، ولهذا شبه ~~بالآلة، ويقول: أنه تعالى مع ذلك قادر عليه أي يصح منه إيقاعه لو كان داع ~~إلى إيجاده، غير أنه يستحيل عليه الداعي إلى ذلك فاستحال وقوعه منه، وذلك ~~لايقدح في كونه قادرا عليه؛ لأنه ليس من حق القادر على الشيء أن يصح منه ~~فعله على الإطلاق، بل من حقه أن يصح منه فعله على بعض فلم يجمع بين الصحة ~~والاستحالة في حالة واحدة، بل نقول: إنه يستحيل منه تعالى القبيح لعدم ~~الداعي الذي شرط عنده في صحة وقوع الفعل من القادر ولهذا شبه بالآلة، ~~ونقول: أنه تعالى مع ذلك قادر عليه أي يصح منه إيقاعه لو كان له داع إلى ~~إيجاده غير أنه يستحيل عليه الداعي إلى ذلك فيستحال وقوعه منه، وذلك لا ~~يقدح في كونه قادرا عليه؛ لأنه ليس من حق القادر على الشيء أن يصح منه فعله ~~على الإطلاق، بل من PageV01P156 حقه أن يصح منه فعله على بعض الوجوه فلم يجمع بين الصحة والاستحالة في حالة ~~واحدة كما رأيت، بل جزم بوقوع الاستحالة لعدم الداعي، وجعل الصحة مشروطة ~~بوجود الداعي المستحيل عليه، وهذا قد صرح به الشيخ محمود في (الفائق) قال: ~~ويمكن أن نذكر في ذلك وجه آخر فيقال: إن التي أثبتها أبو الحسين مع ~~الاستحالة ليست الصحة التي هي نقيض الاستحالة، وإنما هي الصحة المقتضاة عن ~~القادرية وهو التعليق فلا يكون إذا قد جمع بين النقيضين، ولعل هذا الوجه هو ~~الذي حمل عليه المصنف كلام أبي الحسين. # قال: في (المنهاج): وأما سائر الشيوخ فيمنعون من الجواب بالنفي والاثبات ~~هنا كما تقدم في تقرير وقوع الظلم، أيدل عن الجهل والحاجة أم لا؟ وعلى كل ~~حال فالمطلوب هنا أن العلم تابع للمعلوم غير مؤثر فيه. # قال الإمام يحيى بن حمزة في (الشامل) ما معناه: الذي عيله أكثر الشيوخ ~~أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة وغيرهم من جلة البصريين وهؤلاء هم الذين ms91 ~~قالوا: بأن صدور القبيح من الله صحيحة فقد اضطربوا في هذه الشبهة، وأجابوا ~~عليها بأجوبة، ونحن نوردها وننبه على وجه ضعفها بمشيئة الله تعالى. PageV01P157 # الجواب الأول: وهو المحكي عن الشيخين أبي علي وقاضي القضاة وتابعهم على ذلك ~~أكثر المتكلمين وحاصل ما قالوه: هو أنا لو قدرنا وقوع القبيح من جهة الله ~~تعالى لما صح أن يقال: أنه يدل على الجهل والحاجة لقيام الدلالة على كونه ~~تعالى عالما غنيا، ولا أن يقال: أنه لا يدل على ذلك؛ لأن القبيح موضوع ~~للدلالة عليهما، قالوا: فنمسك على القولين جميعا ولا نجيبه لا بلا ولا ~~بنعم، وهكذا القول لو أخبرني صادق بأن زيدا لا يدخل الدار ثم قدرنا دخوله ~~لما صح أن يقال: أنه يدل على كذب النبي الصادق، ولا أن يقال: أنه لا يدل، ~~فلا نجيب أيضا لا بلا ولا بنعم. # قال: وأيدوا هذا الكلام بزعمهم بأن الذي يمتنع فيه الإمساك عن الجواب بلا ~~ولا بنعم إنما هو أمور خمسة: # أولها: أن يكون الأول هو الثاني نحو قولنا: لو فعل زيد الظلم لكان ظلما. # وثانيها: أن يكون الأول هو موجب الثاني في مثل قولنا: لو كان في قلب زيد ~~علم لكن عالما به. # ورابعها: أن يكون الثاني هو مصحح للأول مثل قولنا: لو صح من زيد الفعل ~~لكان قادرا عليه. # وخامسها: أن يكون الثاني هو الموجب للأول في مثل قولنا: لو كان زيد عالما ~~لكان في قلبه علم. # فهذه الأمور الخمسة يمتنع فيها الإمساك عن الجواب بلا أو بنعم، والوقف ~~فيها محال. PageV01P158 # فأما قولنا لو فعل الحكيم الظلم لكان إما أن يخلوحاله إما أن يدل على الجهل ~~والحاجة أو لا يدل، فليس من أحد هذه الأقسام الخمسة التي ذكرناها؛ لأن ~~الظلم ليس هو الجهل والحاجة ولا هو مصححا للحاجة ولا موجبا، ولا هي أيضا ~~مصححة له ولا موجبة، فلا جرم إن امتنعنا فيه من الجواب بلا أو بنعم. # قال: والاعتراض على ما ذكره من أوجه: # الأول: أن يقول ليس يخلو حال السؤال في ms92 نفسه إما أن يكون لازما أولا؟ فإن ~~كان لازما لا محيص عن الإجابة عنه، فالجواب لا محالة متوجه، ويكون عدم ~~الجواب انقطاعا وإفحاما للمسؤول بلا مرية، وإن لم يكن .....لازما واجبا وجب ~~رده بقوله غير مستحق للحق أي لفساده كمن يسأل عن المعدوم هل هو قديم أو ~~حادث، فمثل هذا السؤال لا يستحق جوابا، فإما أن يخرج عن قضايا العقول ~~بالامتناع عن الإجابة بلا أو بنعم، فهذا خطأ ظاهر، وزلل بين لا يسمع من قائله. # الوج الثاني: أن الغرض بالجواب إنما هو إيضاح ما التبس على السائل، وحل ~~الإشكال الذي توهمه، والامتناع من الإجابة إسقاط لفائدة الجواب، وإبطال ~~لحقيقته وهيئته، فإن من لا يجيب بأحد الأمرين يكون خارجا عما عليه العقلاء ~~في غمار السفسطة؛ لأنا نعلم بالضرورة أن استحالة الخروج عن النفي والاثبات ~~كاستحالة الحصول عليهما جميعا. # الوجه الثالث: أن المجيب لا ينفك عن حالين: PageV01P159 # أحدهما: أن لا يسعد السائل إلى فرضه وتقريره، بل يرد سؤاله مطلقا ولا يصغى ~~إلى ما قال، فعلى هذا يكون متخلصا عن عهدة المسؤول؛ لأنه أحال الغرض ودفع ~~التقرير فلا يلزمه الجواب. # وثانيهما: إن سلم السائل الغرض وساعده إليه فحينئذ يكون الجواب عليه حتما ~~لازما، وفرضا واجبا، إما بالنفي، وإما بالإثبات؛ لأنه قد ساعد السائل إلى ~~صحة الغرض والتقدير، فلا بد له من التزام أحد الجوابين لا محالة، فأما ~~الامتناع عن الجواب بلا أو بنعم فمما يعلم فساده وبطلانه بالضرورة. # الرابع: أن غرض السائل بسؤاله هو إلزامكم أنه لو كان قادرا على القبيح ~~على قولكم لصح وقوعه من جهته، فإذا لم يمكنكم الجواب عن سؤاله ودفعه ~~بالإنكار هذا الخطأ الظاهر، فالتزامكم لمذهبه واعتقاد مقالته أهون من ~~إنكاركم لهذا الخطأ الفاحش، وكيف يمكن دفع المحال بما هو داخل منه في ~~الاستحالة؟. # وأما المثال الذي أورده النبي الصادق لو قدرنا خلافه هل يدل على كذبه أم ~~لا؟ فهو خطأ؛ لأن من حق المثال أن يكون للسورة الممثلة إيضاحا وجلاء؛ لأن ~~المقصود بالأمثلة هو كشف الغطاء عن الممثلات ms93 وإخراجها عن غمرة الإشكال. PageV01P160 # وهذا الذي ذكروه هو نفس المسألة من غير زيادة ولا نقصان، فإن الإشكال فيها ~~قائم والنزاع فيها واحد، وهذا لو أردنا أن ننقل الكلام في مسألة القدرة على ~~القبيح إلى مسألة النبي لكان الكلام فيها واحدا، وهذا يدل على أن أحدهما هو ~~الآخر، فكيف يقال بأن أحدهما مثال والآخر ممثول مع استوائهما من كل وجه؟. # قال: والعجب من هؤلاء الجماهير وشيوخ الكلام كيف اطمأنوا إلى هذه الأجوبة ~~الإقناعية؟ واعتمدوا هذه المسالك الخيالية والأوهام الظنية؟ والذي غرهم من ~~ذلك أنهم ظنوا أنه لا خلاص لهم عما ألزمه النظام وطبقته إلا بارتكاب ما ~~ذكروه، ولعمري أن دفعه بما ارتكبوا من هذه الشناعة وهو الخروج عن قضية ~~النفي والإثبات واضح، ولكن يلزمهم من الخطأ وقبح الدليل ما لا خفاء به عما ~~حققناه. # الجواب الثاني ذكره أبو هاشم وهو إن قال: أن قول القائل لو وجد الله ~~الظلم لكان لا يخلو إما أن يدل على الجهل والحاجة أو لا يدل، هو تعليق ~~المحال بالجائز، وتعليق المحال بالجائز غير جائز فلا ينبغي أن يجاب بواحد ~~منهما، بل محال الجوابان جميعا، وإنما قلنا: أن تعليق المحال بالجائز غير ~~جائز؛ فلأنه يؤذن بخروج المحال عن كونه محالا، وهذا لا يمكن ولا يتصور، ألا ~~ترى أنه لا يمكن أن يقال: لو دخل زيد الدار لانقلب السواد بياضا، فانقلاب ~~السواد بياضا محال والممكن لايلزم عليه المحال. PageV01P161 # واعلم أن الشيخ أبا هاشم يمنع من تعليق المحال بالجائز على جهة الإخبار كما ~~ذكرنا في تعليق وقوع الظلم بالجهل والحاجة، وبخبر تعليق المحال بالجائز على ~~جهة الاعتبار، ومعنى الاعتيار: هو أن الله تعالى لو فعل القبيح لا ستحق ~~الذم على فعله فيعتبر بذلك أنه لا يفعله لما كان استحقاقه للذم محالا وفعله ~~للقبيح جائز، ويعني الإخبار: هو أن الله تعالى لو فعل الظلم لدل على جهله ~~وحاجته من غير اعتبار واسطة الاستحقاق الذي ذكره في الاعتبار، فهذا ما نقل ~~في هذه الشبهة عنه. # والاعتراض على ما ذكره: ما ms94 حققه اليشخ أبو الحسين وذلك من أوجه ثلاثة: # أولها: أن للنظام أن يقول إن قصدي أن أبين أن قدرة الله تعالى على الظلم ~~غير جائز؛ لأنه يؤدي إلى وقوعه، ووقوعه لا شك في كونه محالا، فإذا قلتم في ~~الجواب أن وقوع الظلم من جهة الله تعالى جائز وقد تعلق به المحال وهو الجهل ~~والحاجة، كان جوابا بنفس ما وقع فيه النزاع فلا يكون مقبولا ويجب رده. # وثانبها: أنه يقال له: أليس قد جوزت تعليق المحال بالجائز على جهة ~~الاعتبار كما حكيناه عنك فقلت: لو فعل الله الظلم لا ستحق الذم على فعله ~~فاعتبرت بذلك أنه يستحيل منه فعله، فهلا جوزت تعليق المحال والجائز على جهة ~~الإخبار وقلت لو فعل الظلم لدل على الجهل والحاجة، فاعتبرت بذلك أنه يستحيل ~~منه فعله، فلم منعت منه؟ وفيه إقرار بتعليق المحال بالجائز الذي فررت منه، ~~ويبطل الامتناع عن الإجابة بلا أو بنعم، وهذا مرادنا. PageV01P162 # وثالثها: أنا نقول هل يصح تعليق المحال بالجائز أو لا يصح؟ فإن كان صحيحا ~~فلم قلت أنه غير جائز؟ فإن كان لا يصح فليس في قولك أنه يصح جواب مقنع ~~لخصمك ....ويقطع ....بل السؤال من جهته قائم. هذا تلخيص ما ذكره أبو الحسين ~~في اعتراض أبي هاشم. # الجواب الثالث: حكى صاحب (المعتمد) عن بعض المتكلمين أنه قال: لو وقع ~~القبيح من الله تعالى لما دل على الجهل والحاجة؛ لأن الشرط في دلالة القبيح ~~على جهل فاعله، وحاجته هو أن يكون فاعله ممن يصح عليه الجهل والحاجة، فإذا ~~كانا في حقه تعالى مستحيلين لم يكن وقوع القبيح منه دلالة على جهله وحاجته، ~~تعالى الله عن ذلك، فلهذا قلنا: إن تصدير وقوع القبيح من جهة الله لا يدل ~~على الجهل والحاجة في حقه. # والاعتراض على هذا الجواب: ما حققه السيخ أبو الحسين وذلك من أوجه: # أولها: أنه إذا كان الشرط في دلالة القبيح على كونه فاعلا جاهلا محتاجا ~~هو صحتها عليه فيلزمكم أن تجوزوا الآن كون الله فاعلا للقبيح كما تجوزون ~~كونه ms95 فاعلا للحسن؛ لأن الجهل والحاجة لا يجوزان عليه حتى يكون عالما غنيا ~~مع وقوع القبيح من جهته لاستحالة الجهل والحاجة عليه وهذا محال. # فإن قالوا: لو وقع القبيح منه تعالى لما كان عالما غنيا. # قلنا: فيبطل قولكم أن فعل القبيح لا يدل على جهله وحاجته. PageV01P163 # وثانيها: أنا نقول إنما يعلم بالضرورة، وأن فعل القبيح للدلالة على جهل ~~فاعله وحاجته لذاته، كما أن دلالة القادر على محدثه لذاته، فيبطل أن يشترط ~~في دلالة القبيح على جهل فاعله وحاجته صحتهما في حقه، ولهذا فإنا متى علمنا ~~صدور القبيح من أي فاعل، كان استدلالنا به على جهل فاعله وحاجته، سواء ~~علمنا صحته عليه أولم نعلم، بل لا يخطر ببالنا ذلك، وفي هذا دلالة على أن ~~فعل القبيح لا يشترط في دلالته على الجهل والحاجة صحتهما في حق من صدر منه ~~فعل القبيح بما ذكرناه. # وثالثها: أن يقال لهم: ما دليلكم على أن صحة الجهل والحاجة شرط في دلالة ~~القبيح على جهل فاعله وحاجته حتى قلتم لو وقع القبيح من العالم الغني لم ~~يدل عليهما في حقه؟ فإن قالوا: إنما قلنا بذلك من أجل فرض المخالف؛ لأن فرض ~~وقوع القبيح من العالم الغني فاقتضى ما فرضه أنه لا بد من اشتراط الصحة في ~~دلالته عليهما. # قلنا: هذا خطأ، إن وجب أن يقولوا: لو وقع القبيح من العالم الغني لم يدل ~~على جهله وحاجته؛ لأن المخالف قد فرض وقوع القبيح من العالم الغني فاقتضى ~~ذلك أن لا يكفي مجرده في الدلالة على جهل فاعله وحاجته، يقولوا أيضا بأن ~~فعل القبيح دلالة على جهل فاعله وحاجته؛ لأنكم قد جعلتموه دلالة عليها على ~~الإطلاق، فليس بأن يقولوا لا يدل على الجهل والحاجة؛ لأن المخالف فرض وجوده ~~مع ما يقرب العقول من كونه دلالة على الجهل والحاجة، فبطل ما ذكروه، وهذا ~~محصول كلام الشيخ أبي الحسين في فساد ما قالوه. PageV01P164 # قال: والجواب الرابع: وهو المختار عندنا على طريقة الشيوخ أبي علي وأبي ~~هاشم وقاضي القضاة قد حكينا من ms96 مذهبهم أن القبيح صحيح بالإضافة إلى القدرة ~~والداعية، وأن وقوعه ممكن من جهة الله تعالى أنا نعلم بالضرورة أن وقوع ~~القبيح في نفسه مخالف لصحة وقوعه، وإن كان وقوعه والمخالفة بينهما ظاهرة؛ ~~لأن إمكان القبيح وصحته هما دلالة على القادرية فقط من غير زيادة، وأما ~~وقوعه فهو دلالة على جهل الفاعل وحاجته لامحالة، فحينئذ لا يلزم من فرض ~~الصحة فرض الوقوع. # الجواب الخامس: وهو المختار عندنا في جواب هذه الشبهة ولنا مع الخصم ~~مقامان: # الأول: أنا لا نساعد الخصم إلى فرض وقوع القبيح من جهة الله كما زعمه ~~ونمنعه عن ذلك ونقول: الأدلة إنما دلت على إمكانه من حيث القدرة، وهذا محال ~~فيه أصل، وأما فرض الوقوع فلا سبيل إليه، لا يقال إن القول بالقدرة عليه هو ~~الذي أدى إلى المحال؛ لأنا نقول: هذا خطأ؛ لأن المحال إنما جاء من فرض ~~الخصم للوقوع وأين الإمكان عن الوقوع؟. # المقام الثاني: وهو أنا نساعد الخصم إلى فرض الوقوع فنقول له: قد دللنا ~~على أن الله قادر على فرض القبيح لصح منه وقوعه. # قلنا: فماذا يكون؟ فإن قال: لو صح وقوعه لوقع. # قلنا: هذا معلوم بطلانه بالبديهة فإنا نعلم بالضرورة أنه لا يلزم من فرض ~~إمكان الشيء وقوعه فإن الله قادر على إقامة القيامة الآن ونقطع بأنه ما ~~أقامها، فإن قال: أقول أنه إذا صح وقع ولكني أقدر وقوعه. PageV01P165 # قلنا: نحن نسلم أنه لو وقع لدل على الجهل والحاجة، ولكنا نقطع بأنه لا سبيل ~~إلى وقوعه، فإن تلخيص الجواب وتحقيقه أن المحال إنما يلزم من الوقوع لا من ~~الصحة ولا سبيل إليه بحال، فهذا ما يتوجه عندي في الجواب عما أورده النظام. ~~والله أعلم بالصواب. # قلت: هذه الأجوبة والاعتراضات مبنية على أنه لا يفعل القبيح إلا جاهل أو ~~محتاج، وهو غير صحيح، بل نعلم بالضرورة وقوع القبيح من غير جاهل لقبحه، ولا ~~محتاج إلى فعله فضلا عن صحة وقوعه أو إمكانه، وهذا عكس ما ادعاه أبو ~~الحسين، وقد تقدم ما يدل على خلافه ms97 من كلام الإمام المهدي عليه السلام حيث ~~قال: إن وقوع القبيح ليس مقتضي للجهل والحاجة، وإنما هي ملازمة عادية فلا ~~يستحيل وقوع القبيح ممن ليس بجاهل لقبحه ولا محتاج إليه. PageV01P166 # قال: ويمكن أن يكون جاهل لا يقع منه، فإذا كان مراد أبي الحسين بما ذكره من ~~أن فعل القبيح موضوع للدلالة على جهل فاعله وحاجته ما ذكره المهدي عليه ~~السلام من الملازمة العادية فهو قريب الأول في كلامه ما يدفع هذا التأويل؛ ~~ولأنه يلزم من قوله في الجواب المختار عنده على طريقة الشيوخ أنا نعلم ~~بالضرورة أن وقوع القبيح في نفسه مخالف لصحة وقوعه، فإمكان وقوعه تجويز صحة ~~قادرية الله على تجهيل نفسه، فإن كان ذلك فهو محال؛ ولأنه لا دليل على ما ~~ادعوه، بل أقام الدليل على خلافه، والمروي عن المعتزلة في شأن قسمة العقل ~~إلى الحسن والقبيح أن الفعل على ضربين؛ لأن المكلف القادر عليه العالم ~~بحاله إن لم يكن له فعله أي إن لم يكن من شأنه الإتيان به فهو قبيح، وإن ~~كان له فعله أي كان من شأنه ذلك فهو حسن، ويلزم من ذلك أن يكون الفعل الغير ~~المقدور والمجهول حاله لا يوصف بحسن ولا قبح، فإذا اعتبروا قيد العلم فكيف ~~يدل فعل القبيح على الجهل؟ وقد قدمنا أن الصحيح أن فاعل القبيح يصح أن ~~يفعله وهو غير جاهل لحاله، وقد ذكرنا ما ذكره المهدي عليه السلام فلهذا قبح ~~العبث، فالقائل بمثل هذه المقالة قد غفل عن قوله بقبح العبث، وقد قال ~~القاضي عبد الله الدواري: كيف حكمتم بأن الواحد منا لو فعل العبث لكان ~~قبيحا منه، والعبث قبيح وله عنه صارف ولا حاجة لفاعله إليه إذ العبث ما لا ~~غرض فيه، ويرد كلامكم في هذا الدليل أن العبث لا يفعله مكلف، فعده من ~~الأفعال التي ...من فاعلها PageV01P167 لا وجه له إذ لا وجود له من مكلف. # قال والجواب: أن يقال أن كلام علماءنا في ذلك على جهة الغرض والتقدير لو ~~قدرنا وقوعه من مكلف. # وأما ms98 وجوده تحقيقا: فهو كما ذكرت أيها السائل لا ثبوت له، هذا كلام التزم ~~فيه ما علم وقوع خلافه، وهو إلزام لازم لهم وإن لم يكن عليها برهان. فالله ~~المستعان. # وأما صاحب (الكشاف) فإنه قد أثبت وقوعه من بعض مرتكب القبيح لسفه، فقال ~~في تفسير قوله تعالى: {ومن أصدق من الله حديثا} لأنه عز وجل وعلا صادق لا ~~يجوز عليه الكذب، وذلك أن الكذب مستقل لصارف عن الإقدام عليه وهو قبحه ووجه ~~قبحه الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فمن كذب لم ~~يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع مضرة إذ هو غني عنه ~~إلا أنه يجهل غناه، أو هو جاهل لقبحه، أو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في ~~إحباره، ولا تنافي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أجلى على حنكة من الصدق. انتهى. PageV01P168 # فلو أنهم أجابوا بأن القدرة على الفعل لا تستلزم الوقوع فكان صحيحا لاعتبار ~~علته، والوقوع لا يستلزم الجهل ولا الحاجة، وقد تقدم ما ذكرناه عن حميد ~~الشهيد رحمه الله في شرح (العقيدة المنصورية) حيث قال: وكذلك الكلام في ~~القبائح ونحوها ظلم والكذب وغيرهما، فإن أحدنا متى علم المضرة التي يوصلها ~~الفاعل إلى غيره عارية عن جلب منفعة أو دفع مضرة أو استحقاق، أو ظن الوجهين ~~الأولين أو أحدهما أو ما يقول مقام ذلك، فإنه يعلم أنها قبيحة، ومتى لم ~~يعلم ذلك ولا يقوم مقامه فإنه لا يعلم أنها قبيحة... إلى آخر ما قال. # وكذلك ما تقدم لأصحابنا عند ذكر وجه القبح كما قال الإمام المهدي عليه ~~السلام فلما كان العلم بالقبح يدور على العلم بكونه ظلما وجودا وعدما علمنا ~~أنه المؤثر فيه، وكذلك الحكم في سائر القبائح العقلية، أعني أن العلم ~~يقبحها يدور على العلم بالوجوه التي وقعت عليها وجودا وعلما. انتهى. # فإذا كان أحدنا يعلم غناه عن فعل بعض القبائح ويعلم قبحها ويعلم بالأولى، ~~ويعلم بالضرورة قدرته على فعلها، فبالأولى العالم بكل شيء، القادر على كل ~~شيء، ms99 سبحانه عن أن يوصف بالعجز عن شيء من المقدورات، وسبحانه عن أن يفعل ~~شيئا من المقبحات، فهو الحكيم الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # والحمد لله رب العالمين # وصلى الله على سيدنا # محمد وآله # وسلم # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم PageV01P169 ms100