######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3591, 3592 #META# المؤلف: محمّد بن المرتضى [ الفيض الكاشاني ] #META# المحقق: فالح عبدالرزاق العبيدي #META# الناشر: دار الحوراء للطباعة والنشر والتوزيع #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤٢٨ هـ.ق #META# الصفحات: ٤٣٢ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * وبه الاعتصام يا كريم # سبحان من حارت لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته ، وسبحان من لم ~~يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته ، إلا بالعجز عن معرفته. عجزت العقول عن إدراك ~~كنه جماله ، وقصرت الألسن عن وصف ثنائه ، كما يليق بجلاله. # ضلت فيه الصفات ، وتفسخت دونه النعوت. دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن ~~مجانسة مخلوقاته ، ذلكم الله ربكم ، لا إله إلا هو ، نحمده على حسن توفيقه ~~، وسأله هداية طريقه ، وإلهام الحق بتحقيقه ، وقلبا موقنا بتصديقه ، وعقلا ~~نورانيا بعناية تسبيقه ، ونفسا مطمئنة من الجهل وتضييقه ، وفكرا ساميا عن ~~زخرف الفاني وتزويقه ، وبصيرة تشاهد سير الوجود في تغريب الدور وتشريقه ، ~~وقريحة منقادة بزمام الشرع وتوثيقه ، ووقتا مساعدا بجمع الكلام وتفريقه. # والصلاة على من أوتي جوامع الكلم ، وبه تم كمال مرتبة النبوة ، وختم ، ~~الذي بعثه بالرسالة في الأميين ، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ، ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. PageV01P019 # وعلى آله المطهرين من الأدناس البشرية ، والأرجاس ، المحفوظين في سماء ~~قدسهم ، وعصمتهم عن طعن أوهام أشباه الناس ولا ناس. # خزان العلوم والحكم ، وهداة أمته للتي هي أقوم ، لا سيما وصيه الذي نصبه ~~بالنص الجلي ، قطب فلك الولاية ، ومركز دائرة الإمامة والخلافة ، منبع ~~الفتوة والكرم ، الذي بولايته كمل الدين وتم ، وصلى الله عليه وعليهم ~~أجمعين وسلم. ### ||| ** أما بعد : # فيقول الحقير في عيون العقلاء ، والفقير في فنون الفضلاء ، محمد بن مرتضى ~~، الملقب بمحسن ، أحسن الله عواقبه : هذه رموز ربانية ، أوتيتها من فضل ~~الله ، وكنوز عرفانية انتقدتها من نفائس خزائن أهل الله ، وأنوار ملكوتية ، ~~اقتبستها من مشكاة المستضيئين بنور الله ، وأسرار جبروتية ، التمستها من ~~هدي الراسخين في العلم من أولياء الله ، قد صرفت أياما من عمري في مدارستها ~~، متعمقا في استكشاف حقائقها ، وقضيت أعواما من دهري في ممارستها ، ممعنا ~~في استطلاع دقائقها ، بتمرينها مرة بعد أخرى ، وتليينها كرة غب أولى ، حتى ~~ازدادت لنفسي إشراقا ، واعتبارا ، وضياء ، واستبصارا ، فكشفت عني أكنة ~~أستارها ، وتبينت لي أعلامها ، ومنارها ، ببراهين نورانية ، أو إلهامات ~~رحمانية ، أو إشارات ms001 فرقانية ، أو أمارات ذوقية وجدانية ، فاطمأنت نفسي ~~إليها ، وسكن قلبي لديها ، وانشرح صدري لها ، كمن قد وجد ضالة له ، عزيزة ~~عليه ، بلى إن الحكمة ضالة المؤمن ، والحكمة أعز على أهلها من الدنيا بما ~~فيها ؛ لأنهم بالحكمة عرفوها ، فاستقذروها ، واستنكفوا عنها ، وتركوها ~~لأهلها وبنيها ، وشمروا لما هو خير وأبقى ، تشميرا. PageV01P020 # وبالجملة : من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. # وإنما حداني إلى إملاء ذلك وجمعه أمور : # منها : كثرة محبتي للعلوم الحقيقية ، والمعارف البرهانية ، وشدة رغبتي ~~إلى معرفة الأسرار الدينية ، والرموز الفرقانية ، ومزيد اعتنائي لضبط ما ~~أتحقق به ، وأعتقده من أمر الدين ، وما أعتمد عليه في طريق الحق واليقين. # ومنها : حبي لب المباني ، ومخ الكلم ، وإيثاري الاختصار على فصوص الحكم ، ~~وملالي من الأقوال المختلفة ، والآراء الغير المؤتلفة ، وتطويل المقال ~~بالقيل والقال ، فرأيت أن أنظم الفرائد ، وأرفض الزوائد ، بعد تفريق الخطأ ~~عن الصواب ، وتمييز القشر من اللباب ، وأن أجمع شتاتها ، مهذبا لها تهذيبا ~~، وأفصلها فصولا وجيزة ، مرتبا لها ترتيبا. # ومنها : تبيان أنها منطبقة على طريقة أهل البيت عليهم السلام ، مقتبسة من ~~أنوارهم وآثارهم ، موزونة بميزان أحاديثهم وأخبارهم ، لئلا يبادر أحد إلى ~~إنكارها ، حسبما قال مولانا الإمام أبو عبد الله ، جعفر بن محمد الصادق ~~عليه السلام : «كل علم لا (1) يخرج من هذا البيت فهو باطل» (2)، وأشار بيده ~~إلى بيته. # وقال لبعض أصحابه : «إذا أردت العلم الصحيح فخذ عن أهل البيت ، فإنا ~~رويناه ، وأوتينا شرح الحكمة ، وفصل الخطاب ، إن الله اصطفانا وآتانا ما لم ~~يؤت أحدا من العالمين» (3). # فأردت أن أذكر طرفا مما ورد من الأخبار عن نبينا وعترته الأطهار ، PageV01P021 # صلوات الله وسلامه عليهم ، في أصول الدين ، مما وصل إلي بطريق معتبر ، مع ~~شرح وتوضيح لبعضها ، مما ينال إليه فهمي ، ومبلغي من العلم ، وقسطي من ~~المعرفة ، في كل باب ، وليتبين للناس أن أمثال هذه المعارف والأسرار واردة ~~عن صاحب الشرع ، صلوات الله عليه وآله ، على وجه أعلى وأتم ، وأن حكماء أهل ~~البيت وعلماءهم ، صلوات الله عليهم ، نطقوا بمخ الحكمة تصريحا وتلويحا ، ~~وأتوا بلباب العلم رمزا وكشفا ms002 ، على حسب تفاوت درجات المخاطبين ، وأنهم ~~عليهم السلام صعدوا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية ، ونوروا طبقات ~~أنوار أعلام الفتوى بالهداية ، بل سائر العلماء والحكماء ، من الأولين ~~والآخرين ، إنما استضاؤوا بأنوارهم ، واقتبسوا من روحانياتهم في عالم ~~الأرواح ، فالكليم ألبس حلة الاصطفاء ، لما عهدوا منه الوفاء ، وروح القدس ~~في جنان الصاغورة ذاق من حدائقهم الباكورة ، وشيعتهم الفرقة الناجية ، ~~والفئة الزاكية ، سيما رئيسهم وسيدهم ، سيد الموحدين ، وإمام المتقين ، علي ~~بن أبي طالب ، صلوات الله عليه ، فإنه كان في عالم الأنوار معلم جبرئيل ~~الأمين ، وكان قد فقأ عين الفتنة بباطنها ، وظاهرها ، وكان لا يسئل عن شيء ~~دون العرش إلا أجاب فيه ، وفي كلامه شفاء من كل داء ، وهو دون كلام الخالق ~~، وفوق كلام المخلوق ، وقد نطق بالأسرار الإلهية مع فقدان الحملة ، ما لا ~~يطيق حمله الفحول من العارفين ، فكيف لو وجدهم صلوات الله عليه؟ # ومنها : إرادتي أن أجمع بين طريقة الحكماء الأوائل في المعارف والأسرار ، ~~وبين ما ورد في الشرع المبين من العلوم والأنوار ، فيما وقع فيه الاشتراك ، ~~ليتبين لطالب الحق أن لا منافاة بين ما أدركته عقول العلماء العقلاء ، ذوو ~~المجاهدات والخلوات ، أولو التهيؤ لواردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها ~~من العالم العلوي ، وبين ما أعطته الشرائع والنبوات ، ونطقت به ألسنة PageV01P022 # الرسل والأنبياء ، صلوات الله عليهم ، من أصول المعارف ، غير أنه بقي ~~لأولي العقول الصرفة من العلم بالله واليوم الآخر مما هو وراء طور العقل ~~الجمهوري أمور ، تممها لهم الرسل، وأن نظر الأنبياء أوسع وأحد ، ومعرفتهم ~~بالغة إلى جزئيات الأمور ، وتعيين الأعمال المقربة إلى الله تعالى ، كما هي ~~بالغة إلى كلياتها ، وأن لهم قدرة النزول في المعارف بالله إلى العامي ~~الضعيف الرأي بما يصلح لعقله من ذلك ، وإلى الكبير العقل ، الصحيح النظر ، ~~بما يصلح لعقله ، وأنهم أعلم خلق الله فيما غاب عنهم ، وأن همتهم في معرفة ~~حقائق أمور النشأة الآخرة أكثر منها في معرفة أمور هذه النشأة ، بل لا ~~يخوضون من الفانية إلا فيما هو وسيلة إلى الباقية. # ولهذا لما سئل نبينا ms003 صلى الله عليه وآله عن التشكلات البدرية والهلالية ~~للقمر ، أمر بالإعراض عن الجواب إلى أمر آخر ؛ تنبيها على أن هذا السؤال ~~ليس بمهم ، وإنما المهم من ذلك ما يقرب إلى الله سبحانه ، والدار الآخرة. # وأما أولو العقول الصرفة فلم يؤتوا من العلم والقدرة والنظر ما أوتي ~~النبيون ، ولم تصل أفكارهم إلى النشأة الآخرة كما ينبغي. # ومع ذلك فلا يجوز التقصير في حقهم ، والتفريط في شأنهم ، على وجه يفضي ~~إلى الإزراء بهم وبإيمانهم ، حاشاهم عن ذلك ، لا سيما وكلماتهم مرموزة ، ~~وما ورد عليهم وإن كان متوجها على ظاهر أقاويلهم ، لم يتوجه على مقاصدهم ، ~~فلا رد على الرمز ، وإنما خضت من طريقتهم في ضوابط وأصول كانت وسيلة إلى ~~فهم أسرار الشرع ومرموزاته ، أو أبحاث لهم في معرفة أعيان الحقائق كانت ~~ذريعة الإحاطة بما عليه الوجود ، بقدر الوسع والطاقة ، تكميلا للنفس ، ~~وتوسيعا لساحة ميدان التفكر في عظمة الله سبحانه ، لا كما يخوض فيه ~~الغافلون ، بل على PageV01P023 # نهج يرجع إلى التوحيد والتمجيد ، والتقرب إلى الله ، ذي العرش المجيد. # ومنها : أدل شيء من شكر الله جل جلاله ، على ما آتاني من معارفه هذه ~~المعارف، وما رزقني من فهم هذه اللطائف ، امتثالا لقوله تعالى : ( @QUR@04 ~~وأما بنعمة ربك فحدث ) (1)، ودخولا فيمن قال فيهم : ( @QUR@03 ومما ~~رزقناهم ينفقون ) (2)، ( @QUR@025 لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر ~~يسرا ) (3)، ربي زدني علما ، وإيمانا ، ويقينا ، وألحقني بالصالحين. # ولما كانت الحكمة مركبة من علم ، هو العلم بحقائق الموجودات على ما هي ~~عليه ، بقدر الطاقة البشرية. وعمل ، هو العمل بما ينبغي أن يكون الإنسان ~~عليه ، ليكون أفضل في أحواله كلها ، اللذين أشار نبينا صلى الله عليه وآله إلى ~~الأول منهما ، بقوله : «أرنا الأشياء كما هي» (4)، وإلى الثاني ، بقوله : ~~«تخلقوا بأخلاق الله» (5). # وأشار الخليل ، على نبينا و عليه السلام ، إلى الأول ، بقوله : ( @QUR@04 ~~رب هب لي حكما )، وإلى الثاني بقوله : ( @QUR@02 وألحقني بالصالحين ) (6). # لا جرم افتن المقصود إلى فنين : علمي ، وعملي. ms004 # وفائدة العلمي انتقاش صورة الوجود كله على ما هو عليه بنظامه PageV01P024 # وتمامه في النفس الإنسانية ، ليصير عالما معقولا ، مضاهيا للعالم ~~الموجود. # وجملة ما يذكر فيه ترجع إلى علم التوحيد ، وفروعه. # وفائدة العملي تخلية النفس الإنسانية عن الرذائل ، وتحليتها بالفضائل ، ~~حتى تصير مرآة مجلوة ، تشاهد فيها آيات الحق جل وعلا ، بل يتجلى فيها وجه ~~الرب ، تقدس وتعالى. # وجملة ما يذكر فيه ترجع إلى علم العبودية وفروعه. # ثم ينقسم كل من القسمين إلى : # ما يستقل فيه العقل غالبا ، من دون توقف على الشرع ، إلا في زيادة تتميم ~~، أو تبيين ، أو تنبيه. # وإلى ما لا يستقل فيه العقل ، بل يفتقر إلى استعانة من الشرع. # فهذه أربعة أقسام. # فوضعت هذا الكتاب لبيان القسم الأول ، وسميته ب «عين اليقين» في أصول ~~الدين ، ولقبته ب «الأنوار والأسرار» ، لتضمنه أنوار الحكم ، وأسرار الكلم. ~~ورتبته على مقدمة ، ومقصدين ، ذوي مطالب ، ذوات فصول. # فالمقدمة فيما ينبغي التنبيه عليه قبل المقصود. # والمقصد الأول : في أصول العلم. # والثاني : في العلم بالسماوات والأرض وما بينهما. # وقد جاء بحمد الله كتابا في أبين لفظ ، وأمتن معنى ، باصطلاحات مأنوسة ، ~~تعرفها الجماهير ، وألفاظ سلسة ، لا ينبو عنها طباع أهل النكير ، وإن كانت PageV01P025 # معانيها مما لا يمسه إلا المطهرون ، ولا يهتدي إلى غورها إلا الخواص ~~الأقلون ، وما من مسألة من العلوم الحقيقية إلا ويوجد فيه أصلها ولبها ، ~~مجردا عن القشور ، والملابس الساترة ، وما من نكتة عرفانية ، إلهية ، إلا ~~ويرى فيه منبعها وسرها ، خالصا من الألفاظ الخطابية السائرة ، وما من أصل ~~من الأصول العقلية إلا ويعرف فيه بيانه ، وشرحه ، مطابقا للكتاب العزيز ~~والسنة الطاهرة ، فهو كما قيل له : كتاب له استحقاق ما يكتبونه ، بمدات نور ~~في صفائح حوره ، فطوبى لشخص بعد تحقيق علمه ، توغل باستغواره بدحوره ، ~~فناهيك به رفيقا ، وأخا عالما شفيقا ، بشرط تحصيلك أولا طرفا من العلوم ، ~~وتطهير باطنك من غش الجهالة ، وكل خلق مذموم ، وكون سريرتك مجبولة على ~~الإنصاف ، مفطورة على التجنب عن الجور والاعتساف ، فعند ذلك يفرقك هذا ~~الكتاب مع ما صنفناه لبيان الأقسام ms005 الثلاثة الأخر ، عن سائر الكتب المصنفة ~~في سائر العلوم ، ما عدا الوضعية منها ، كالأدب والرسوم ، أو التخمينية ، ~~كالطب ، والرمل ، والنجوم ، أو الآلية ، كالمنطق ، والحساب ، وما يجري ~~مجراهما من العلوم ، وبالجملة ما لا يرافقك إلى الآخرة ، وإنما يكون معك ما ~~دمت في هذه النشأة البائرة. # وجميع ما في المقدمة والمقصدين ينحصر في خمسين مطلبا ، بهذا التفصيل. # أما المقدمة ففيها خمسة مطالب : # [1] في الإشارة إلى فضيلة علم التوحيد ، وشرف أهله ، وكيفية تحصيله. # [2] في بيان قلة أهل الله ، وصعوبة هذا الأمر وغموضه. # [3] في الحث على كتمان الأسرار. # [4] في بيان أصناف الناس. PageV01P026 # [5] في تحقيق تظاهر العقل والشرع. # وأما أصول العلم ، ففيه أربعة وعشرون مطلبا : # في متشابهات الكتاب والسنة ، في ضوابط مهمة ، في الوجود والعدم ، في ~~العلم والجهل ، في النور والظلمة ، في الحياة والموت ، في الإيمان والكفر ، ~~في الخير والشر ، في اللذة والألم ، في الغنى والفقر ، في الماهيات ~~وتعيناتها ، في الواحد والكثير ، في المتقدم والمتأخر ، في القديم والحادث ~~، في القوة وما يقابلها ، في السبب والمسبب ، في الجوهر والعرض ، في ~~الأبعاد والجهات وحدودها ، في الحركة والسكون ، في الزمان والآن ، في ~~المكان والحيز ، في أصول (1) النشآت وكيفية نشوء الآخرة من الأولى ، ووجوه ~~الفرق بينهما ، في مبدأ الوجود جل ذكره وتوحيده ، في كيفية إفاضة الوجود. # وأما العلم بالسماوات والأرض وما بينهما ، ففيه أحد وعشرون مطلبا : # في هيئة العالم وأجرامه البسيطة ، في كيفية حركات الأفلاك وما يتبع ذلك ، ~~في مقادير الأبعاد والأجرام ، في لمية حركات الأفلاك ، في خلق المركبات ، ~~في كائنات الجو ، في الجبال والأحجار المعدنية ، في النبات ، في الحيوان ، ~~في تشريح أعضاء الحيوان الكامل ، في الملائكة الموكلين على الحيوان الكامل ~~، في تجرد نفس الحيوان الكامل ، في الإنسان بما هو إنسان ، في إطاعة ~~الأكوان للإنسان لأجل خلافة الله ، وبيان الخليفة ، في تقدم خلق الأرواح ~~على الأجساد وتأخرها عنها ، وهبوط آدم من الجنة ، في الآيات الإنسانية من ~~العجائب والغرائب ، في الجنة والشياطين ، في حدوث العالم ، في أن العالم ~~مخلوق على PageV01P027 # أجود النظامات الممكنة ، في سريان العشق والشوق والعبادة والذكر في ms006 جميع ~~الموجودات ، في أن مصير كل شيء إلى الله سبحانه. # فهذه خمسون مطلبا ، يشتمل عليها فن العلميات العقلية ، المتضمن لأنوار ~~الحكم ، وأسرار الكلم ، نور الله به قلوب الطالبين ، وسكن به أفئدة ~~المسترشدين ، وجعله لي ذخرا ليوم الدين ، وعصمه من مس أيدي الشياطين ، ~~واستراق أسماع الأشرار ، ولا جعل قبور أسراره إلا صدور الأحرار ، فإنه يجب ~~أن يكون مكنونا عن كل ذي عمه وجهل ، مضنونا عمن ليس له بأهل ، إنه ليس ككتب ~~الغاغة والمتفلسفين ، أصحاب الظن والتخمين ، الذين هم بين مقلد كالحيارى ، ~~أو مجادل كالسكارى ، كلما دخلت أمة لعنت أختها ، كلا بل هي ذكر لآيات بينات ~~، في صدور الذين أوتو العلم ( @QUR@011 يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين ) (1). PageV01P028 ### | المقدمة ### ||| * ( @QUR@010 وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ### ||| * @QUR@07 وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) # (سورة هود ، الآية 120) PageV01P029 ### ||| * [1] ### | في الإشارة إلى فضيلة علم التوحيد ، وشرف أهله ، ### ||| * وكيفية تحصيله # إن شرف العلم يكون على قدر شرف المعلوم ، ورتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم. # ولا ريب أن أجل المعلومات وأعلاها وأشرفها هو الله الصانع ، المبدع ، ~~الحق ، الواحد ، فعلمه وهو علم التوحيد أشرف العلوم ، وأجلها وأكملها ، ~~وأهل هذا العلم أفضل العلماء ، ولهذا انتظموا تارة في سلك الله تعالى ~~وملائكته ( @QUR@010 شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) ~~(1)، وأخرى في سلك الله تعالى وحده ( @QUR@08 وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم ) (2)، والمراد علماء التوحيد ، لقوله عز وجل : ( ~~@QUR@07 يقولون آمنا به كل من عند ربنا )، وهم الأنبياء والأوصياء ، ~~وبعدهم العلماء ، الذين هم ورثة الأنبياء ، وكلهم إنما يأخذون علمهم من ~~الله تعالى بلا واسطة ( @QUR@05 وعلمك ما لم تكن تعلم ) (3)، ( @QUR@04 ~~وعلمناه من لدنا علما ) (4). PageV01P031 # قال أبو يزيد (1): أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي ~~لا يموت (2). # وإنما يحصل هذا العلم بعد فراغ القلب ، وصفاء الباطن ، وتخليته عن ~~الرذائل ، وتحليته بالفضائل ، والزهد في الدنيا ، ومتابعة الشرع ، وملازمة ~~التقوى ( @QUR@04 واتقوا الله ويعلمكم الله ) (3)، ( @QUR@06 إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا ) (4) ( @QUR@011 ومن ms007 يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب ) (5)، ( @QUR@05 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) (6). # وفي الحديث : ليس العلم بكثرة التعلم ، إنما هو نور يقذفه الله في قلب من ~~يريد الله أن يهديه (7). # العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه ، وأنطق به على لسانهم. ~~العلم علم الله لا يعطيه إلا لأوليائه. الجوع سحاب الحكمة ، فإذا جاع العبد مطر PageV01P032 # بالحكمة (1). من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه (2). من علم وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم (3). ما من عبد ~~إلا ولقلبه عينان ، وهما غيب يدرك بهما الغيب ، فإذا أراد الله بعبد خيرا ~~فتح عيني قلبه ، فيرى ما هو غائب عن بصره (4). # وفي كلام أمير المؤمنين ، وسيد الموحدين ، عليه الصلاة والسلام : «إن من ~~أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف ~~، فزهر مصباح الهدى في قلبه إلى أن قال : قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلى من ~~الهموم إلا هما واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى ، ~~وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك ~~سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال ~~بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس» (5). # وفي كلام آخر له عليه السلام : «قد أحيا قلبه ، وأمات نفسه ، حتى دق جليله ~~، ولطف غليظه ، وبرق له لامع كثير البرق ، فأبان له الطريق ، وسلك به ~~السبيل ، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ، ودار الإقامة ، وتثبت رجلاه ~~لطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة ، بما استعمل قلبه ، وأرضى ربه» (6). PageV01P033 ### ||| * [2] ### | في بيان قلة أهل الله ، وصعوبة ### ||| * هذا الأمر ، وغموضه # ( @QUR@04 إن هؤلاء لشرذمة قليلون ) (1)، كما قال تعالى : ( @QUR@04 ~~وقليل من عبادي الشكور ) (2)، ( @QUR@015 ولكن أكثر الناس لا يعلمون* ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (3)، ( @QUR@04 ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (4)، ( @QUR@04 ولكن المنافقين لا يفقهون ) (5) # وذلك لأن هذا الأمر صعب مستصعب ، عزيز المنال ، دقيق المدرك ، تضعف عن ~~إدراكه بصائر الأكثرين ، كضعف أبصار الخفافيش عن إدراك ms008 ضوء الشمس ، ولهذا ~~إنما يخاطب الجمهور بظواهر الشرع ، ومجملاته ، دون أسراره وأغواره ؛ لعدم ~~احتمالهم ذلك ، بل يضرهم استماعه ؛ لقصور أفهامهم ، واعوجاج أذهانهم ، ~~فيضلون ويضلون ، وينكرون فينكرون حثيثا ؛ إذ لا يكادون يفقهون حديثا ، ولا ~~يسعهم الجمع بين الظاهر والباطن ؛ لضيق وعائهم ، وقصور PageV01P034 # حوصلتهم. # ذكرت التقية يوما عند سيد العابدين عليه السلام فقال : «والله لو علم أبو ~~ذر ما في قلب سلمان لقتله ، ولقد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما ، ~~فما ظنكم بسائر الخلق ، إن علم العلماء صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا نبي ~~مرسل ، أو ملك مقرب ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان. # قال : وإنما صار سلمان من العلماء لأنه امرؤ منا أهل البيت ، فلذلك نسبته ~~إلى العلماء» (1). # أراد عليه السلام أهل بيت التوحيد ، والعلم ، والمعرفة ، والحكمة ، لا أهل ~~بيت النسوان ، والصبيان ، والأهل ، والأولاد. # وفي الحديث النبوي أيضا : «سلمان منا أهل البيت» (2). # وفيه أيضا : «لو علم أبوذر ما في بطن سلمان من الحكمة لكفره» ، وفي رواية ~~«لقتله» (3). # وعن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : «المؤمن أعز ~~من الكبريت الأحمر» (4). # وعن أبيه الباقر عليه السلام : «الناس كلهم بهائم إلا قليل من المؤمنين» (5). # قلت : وتصديق ذلك قول الله عز وجل : ( @QUR@06 أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو PageV01P035 # @QUR@09 يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) (1)، ( @QUR@030 ~~ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون ) (2)، ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) (3). PageV01P036 ### ||| * [3] ### | في الحث على كتمان الأسرار # أنظر إلى عظمة قدر أبي ذر رضى الله عنه ، ثم إلى ما سمعت في حقه ، ~~واستشهد به على عظمة السر المودع عند سلمان رضوان الله عليه ، وعلى ~~المبالغة في كتمان أسرار الله ، حيث ظهر أن كبار الصحابة كانوا يخفون بعضهم ~~عن بعض. # وعن الإمام الصادق عليه السلام : «إن أمرنا سر (1) مستور ، في سر مقنع ~~بالميثاق ، من هتكه أذله الله» (2). # وعنه عليه ms009 السلام : «إن أمرنا سر مستور ، في سر مستسر (3)، وسر لا يفيده ~~إلا سر ، وسر على سر ، مقنع بسر» (4). # وعنه عليه السلام : «هو الحق ، وحق الحق ، وهو الظاهر ، وباطن الظاهر (5) ~~، وباطن الباطن ، وهو السر ، وسر المستسر ، وسر مقنع بالسر» (6). PageV01P037 # وإلى كتمان هذا السر أشار عليه السلام بقوله : «التقية ديني ودين آبائي ، ~~فمن لا تقية له لا دين له» (1). # وقال : «خالطوا الناس بما يعرفون ، ودعوهم مما ينكرون ، ولا تحملوا على ~~أنفسكم وعلينا ، إن أمرنا صعب مستصعب ، لا يحتمله إلا ملك مقرب ، أو نبي ~~مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان» (2). # وقال الإمام زين العابدين عليه السلام في أبيات منسوبة إليه : # إني لأكتم من علمي جواهره %~% كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن %~% إلى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به %~% لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي %~% يرون أقبح ما يأتونه حسنا # وفي الحديث النبوي : «من وضع الحكمة في غير أهلها جهل ، ومن منع عن أهلها ظلم». # «إن للحكمة حقا ، فأعط كل ذي حق حقه». # وفيه : «إن من العلم كهيئة المكنون ، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله ~~تعالى ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله» (3). # وكان صلى الله عليه وآله إذا أراد إيداع مثل هذه الأسرار في قلوب أصحابه ، ~~وخواصه ، PageV01P038 # يخلوبهم ، ويقوله في آذانهم ، كما فعل بأمير المؤمنين عليه السلام ، وأخبر ~~عنه الأمير بقوله : «تعلمت من رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم ~~، ففتح لي بكل باب ألف باب» (1). # وقال عليه السلام : «اندمجت على مكون علم ، لو بحت به لاضطربتم اضطراب ~~الأرشية في الطوى البعيدة» (2). # وسأله كميل بن زياد النخعي عن الحقيقة ، فقال عليه السلام : «مالك ~~والحقيقة! قال : أولست صاحب سرك ، قال : بلى ، ولكن يرشح عليك ما يطفح مني ~~، ثم أجابه عما سأل» (3). # وروى كميل : أنه عليه السلام أخذ بيدي ، فأخرجني إلى الجبان ، فلما أصحر ~~تنفس الصعداء ، ثم قال لي : «يا كميل بن زياد ms010 ، إن هذه القلوب أوعية ، ~~فخيرها أوعاها ، فاحفظ عني ما أقول لك : الناس ثلاثة : فعالم رباني ، ~~ومتعلم على سبيل النجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، يميلون مع كل ريح ، ~~لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق إلى أن قال : ها إن ههنا ~~لعلما جما وأشار إلى صدره لو أصبت له حملة ، بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه ~~، مستعملا آلة الدين للدنيا ، ومستظهرا بنعم الله على عباده ، وبحججه على ~~أوليائه ، أو منقادا لحملة الحق ، لا بصيرة له في أحنائه ، ينقدح الشك في ~~قلبه لأول عارض من شبهة ألا (4) لا ذا ولا ذاك ، أو منهوما باللذة ، سلس ~~القياد للشهوة ، أو مغريا PageV01P039 # بالجمع والادخار ، ليسا من رعاة الدين في شيء ، أقرب شبها بهما الأنعام ~~السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه ، اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من ~~قائم لله بحجة ، إما ظاهرا مشهورا ، وإما خائفا مغمورا ، لئلا تبطل حجج ~~الله وبيناته ، وكم ذا ، وأين أولئك ، أولئك والله الأقلون عددا ، ~~والأعظمون عند الله قدرا ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته ، حتى يودعوها ~~نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، ~~وباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره (1) المترفون ، وأنسوا بما ~~استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى ، ~~أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه. آه آه ، شوقا إلى رؤيتهم» (2). PageV01P040 ### ||| * [4] ### | في بيان أصناف الناس # ( @QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة ) (1)، ( @QUR@017 ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ~~الله ) (2). # وعن الإمام الصادق عليه السلام : «الظالم يحوم حوم نفسه ، والمقتصد يحوم ~~حوم قلبه ، والسابق يحوم حوم ربه» (3). # وعن الأصناف الثلاثة وقع التعبير في الحديث السابق بالعالم والمتعلم ، ~~والهمج الرعاع (4). # وفي حديث أهل البيت عليهم السلام : «الناس يغدون على ثلاثة : عالم ، ~~ومتعلم ، وغثاء ، فنحن العلماء ، وشيعتنا المتعلمون ، وسائر الناس غثاء» (5). # والشيعة في عرفهم عليهم السلام عبارة عن الخواص من أهل الله ، المشايعين ~~لهم عليهم السلام ، في سلوك سبيل الله ، علما وعملا ، الحافظين لأسرارهم ، ~~المطيعين لأوامرهم ونواهيهم ، المستفيدين ms011 من علومهم ، المستضيئين بأنوارهم. PageV01P041 # وإليهم الإشارة بقولهم عليهم السلام : «إن شيعة علي الحلماء العلماء ، ~~الذبل الشفاه ، تعرف الرهبانية في وجوههم» (1). # وبقولهم عليهم السلام : «إن شيعتنا الذين يتبعوننا ، ويطيعون جميع أوامرنا ~~ونواهينا ، فأما من خالفنا في كثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا ، ~~إنما هم من موالينا ومحبينا» (2). # فظهر أن من لم يكن على الصفات المذكورة ممن سواهم عليهم السلام فهو داخل ~~في الهمج والغثاء ، وإن كان من أهل النجاة من وجه ، بل من المنتسبين إلى ~~العلم إذا كان علمه مقصورا على العلوم الرسمية الظاهرية ، كما يستفاد من ~~قول أمير المؤمنين عليه السلام في الحديث السابق «أو منقادا لجملة الحق ، لا ~~بصيرة له في أحنائه» (3)، فإن المراد به المقلد الشامل لمن ذكر ، مع أن ~~سياق كلامه عليه السلام يقتضي دخوله في الهمج ، وكذا قولهم عليهم السلام : ~~«وإنما هم من موالينا ومحبينا» (4) مع أنهم عليهم السلام حصروا غيرهم في ~~الشيعة والغثاء ، إلا أن في دخول مثله على الإطلاق في أصحاب الشمال إشكالا ~~على المحجربين (5)، وإن كان ذلك غير لازم ، وعسى أن ينحل في محله ، فإنا ~~سنعود إلى هذا البحث إن شاء الله. PageV01P042 ### ||| * [5] ### | في تظاهر العقل والشرع # ولنقتصر فيه على كلام بعض الفضلاء (1)، فإنه كاف في هذا المقام. # قال : اعلم أن العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لن يتبين إلا بالعقل ، ~~والعقل كالأس ، والشرع كالبناء ، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس ، ولن يغني أس ~~ما لم يكن بناء. # وأيضا : العقل كالبصر ، والشرع كالشعاع ، ولن ينفع البصر ما لم يكن شعاع ~~من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ، فلهذا قال تعالى : ( @QUR@021 ~~قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ) (2). # وأيضا : فالعقل كالسراج ، والشرع كالزيت الذي يمده ، فما لم يكن زيت لم ~~يشعل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضىء الزيت ، وعلى هذا نبه بقوله تعالى : ~~( @QUR@06 الله نور السماوات والأرض مثل نوره ) إلى قوله : ( @QUR@03 نور ~~على نور ) (3). # وأيضا ms012 : فالشرع عقل من خارج ، والعقل شرع من داخل ، وهما PageV01P043 # يتعاضدان ، بل يتحدان ، ولكون الشرع عقلا من خارج. سلب الله اسم العقل من ~~الكافر في غير موضع من القرآن ، نحو : ( @QUR@06 صم بكم عمي فهم لا يعقلون ~~) (1). # ولكون العقل شرعا من داخل ، قال تعالى في صفة العقل : ( @QUR@018 فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون ) (2)، فسمى العقل دينا. # ولكونهما متحدين قال : ( @QUR@03 نور على نور )، أي نور العقل ، ونور ~~الشرع ، ثم قال: ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) (3)، فجعلهما نورا ~~واحدا ، فالعقل إذا فقد الشرع عجز عن أكثر الأمور ، كما عجزت العين عند فقد النور. # واعلم أن العقل بنفسه قليل الغناء ، لا يكاد يتوصل إلا إلى معرفة كليات ~~الشيء ، دون جزئياته ، نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق ، وقول الصدق ، ~~وتعاطي الجميل ، وحسن استعمال المعدلة ، وملازمة العفة ، ونحو ذلك ، من غير ~~أن يعرف ذلك في شيء شيء. # والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته ، ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء ~~شيء ، وما الذي هو معدلة في شيء شيء ، ولا يعرف العقل مثلا أن لحم الخنزير ~~والدم والخمر محرمة ، وأنه يجب أن يتحاشى من تناول الطعام في وقت معلوم ، ~~وأن لا ينكح ذوات المحارم ، وأن لا يجامع المرأة في حال الحيض ، فإن أشباه ~~ذلك لا سبيل إليها إلا بالشرع ، فالشرع نظام الاعتقادات PageV01P044 # الصحيحة ، والأفعال المستقيمة ، والدال على مصالح الدنيا والآخرة ، من ~~عدل عنه فقد ضل سواء السبيل. # ولأجل أن لا سبيل للعقل إلى معرفة ذلك ، قال تعالى : ( @QUR@06 وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا ) (1)، وقال : ( @QUR@020 ولو أنا أهلكناهم بعذاب ~~من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ~~ونخزى ) (2). # وإلى العقل والشرع أشار بالفضل والرحمة ، بقوله : ( @QUR@010 ولو لا فضل ~~الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) (3)، وعنى بالقليل ~~المصطفين الأخيار. انتهى كلامه (4). # ويصدقه ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : «العلم علمان (5): مطبوع ~~ومسموع ، ولا ينفع المسموع إذا لم يكن ms013 المطبوع» (6)، كما لا ينفع نور ~~الشمس ، ونور العين ممنوع. # وقد ظهر من تضاعيف ما ذكر أن أصحاب العقل قليل جدا ، وأن من لم يهتد لنور ~~الشرع ، ولم يطابق عقله ، فليس من ذوي العقول في شيء ، وأن العقل فضل من ~~الله ، ونور ، كما أن الشرع رحمة منه وهدى ، ( @QUR@05 وأن الفضل بيد الله يؤتيه PageV01P045 # @QUR@02 من يشاء ) (1) و ( @QUR@05 يهدي الله لنوره من يشاء ) (2)، ( ~~@QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) (3)، ( @QUR@06 والله ~~يقول الحق وهو يهدي السبيل ) (4). PageV01P046 ### ||| ** المقصد الأول : ### | في أصول العلم ### ||| * ( @QUR@07 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ) # (سورة الجاثية ، الآية 20) PageV01P047 ### | في متشابهات الكتاب والسنة ### ||| * ( @QUR@08 منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) (1) ### ||| * أصل # إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا ، وله صورة وقالبا ، وقد تتعدد الصور ~~والقوالب لحقيقة واحدة ، وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودهما ~~في القوالب تستعمل الألفاظ فيها على الحقيقة ؛ لاتحاد ما بينها. # مثلا : لفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح ، من دون أن يعتبر ~~فيها كونها من قصب ، أو حديد ، أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون جسما ، ولا كون ~~النقش ، محسوسا ، أو معقولا ، ولا كون اللوح من قرطاس ، أو خشب ، بل مجرد ~~كونه منقوشا فيه ، وهذا حقيقة اللوح ، وحده وروحه. # فإن كان في الوجود شيء تسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به ~~أن يكون هو القلم ، فإن الله علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ، بل هو ~~القلم الحقيقي ، حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته ، وجد من دون أن يكون معه ~~ما هو خارج عنه. # وكذلك الميزان مثلا فإنه موضوع لعيار تعرف به المقادير ، وهذا معنى PageV01P049 # واحد هو حقيقته وروحه ، وله قوالب مختلفة ، وصور شتى ، بعضها جسماني ، ~~وبعضها روحاني ، كما توزن به الأجرام والأثقال ، مثل ذي الكفتين والقبان ، ~~وما يجري مجراهما ، وما توزن به المواقيت والارتفاعات ، كالاصطرلاب ، وما ~~توزن به الدوائر والقسي ، كالفرجار ، وما توزن به الأعمدة ، كالشاقول ، وما ~~توزن به الخطوط ، كالمسطر ، وما يوزن به الشعر ، كالعروض ، وما توزن به ms014 ~~الفلسفة ، كالمنطق ، وما يوزن به بعض المدركات ، كالحس والخيال ، وما توزن ~~به العلوم والأعمال ، كما يوضع ليوم القيامة ، وما يوزن به الكل ، كالعقل ~~الكامل ، إلى غير ذلك من الموازين. # وبالجملة : ميزان كل شيء يكون من جنسه. # ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حده ، وحقيقته الموجودة فيه ، ~~وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى. # وأنت إذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا ، وفتحت لك أبواب الملكوت ، ~~وأهلت لموافقة الملأ الأعلى ( @QUR@03 وحسن أولئك رفيقا ) (1)، كذا أفاد ~~بعض العلماء قدس الله تعالى سره ، ونزيدك مما استفدنا منه. ### ||| * أصل # ما من شيء في عالم الحس والشهادة إلا وهو مثال وصورة لأمر روحاني في عالم ~~الملكوت ، هو روحه المجرد ، وحقيقته الصرفة ، كما سيتبين لك. PageV01P050 # وعقول الخلائق في الحقيقة أمثلة للعقول العالية ، فليس للأنبياء ~~عليهم السلام أن يتكلموا معهم إلا بضرب الأمثال ؛ لأنهم أمروا أن يكلموا ~~الناس على قدر عقولهم ، وقدر عقولهم أنهم في النوم بالنسبة إلى تلك النشأة ~~، والنائم لا ينكشف له شيء في الأغلب إلا بمثل ، ولهذا من يعلم الحكمة غير ~~أهلها يرى في المنام أنه يعلق الدر في أعناق الخنازير ، وعلى هذا القياس ، ~~وذلك لعلاقة خفية بين النشآت ، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، وعلموا ~~حقائق ما سمعوه بالمثال وأرواح ذلك ، وعقلوا أن تلك الأمثلة كانت نشورا. # قال الله سبحانه : ( @QUR@022 أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع ~~زبد مثله )، فمثل العلم بالماء ، والقلب بالأودية والينابيع ، والضلال ~~بالزبد ، على ما فسره المفسرون. # ثم نبه في آخرها فقال : ( @QUR@04 كذلك يضرب الله الأمثال ) (1)، فكل ما ~~لا يحتمل فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي كنت في النوم ، مطالعا ~~بروحك للوح المحفوظ ، ليمثل لك بمثال مناسب ، وذلك يحتاج إلى التعبير ، ~~فالتأويل يجري مجرى التعبير ، فالمفسر يدور على القشر ، فافهم. ### ||| * وصل # ولك أن تقول : إن متشابهات الكتاب والسنة كلها محمولة على ظواهرها ، ~~ومفهوماتها الأولية ، من دون حاجة إلى تأويل ، أو حمل على تمثيل ، أو تخييل ، PageV01P051 # إلا ms015 أن للمفهومات مظاهر مختلفة ، ومنازل شتى ، وقوالب متعددة حسب تعدد ~~النشآت ، واختلاف المقامات ، وكذلك لله سبحانه ، وصفاته في كل عالم من ~~العوالم مظاهر ومرائي ومنازل ومعالم يعرف بها ، كما سيأتي بيانه وتفصيله. # فكل إنسان يفهم من تلك الألفاظ ما يناسب مقامه ، والنشأة التي غلبت عليه ~~، والكل صحيح ، وهي حقيقة في الكل ، ولكن لكل في محله. # قال صاحب الفتوحات ، في بيان نشأة الملكوت : كل حديث وآية وردت عندنا ، ~~فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الأرض (1). ### ||| * وصل # قد ورد في الحديث أن : «المساجد بيوت الله» (2)، فلفظ البيوت فيه حقيقة ~~؛ وذلك لأن المسجد محل للعبادة ، ومحل العبادة بما هي عبادة هو محل حضور ~~المعبود ، وموقف شهوده ، فيكون بيتا له بالحقيقة ، لا بالمجاز ، والتخييل ، ~~ولكن يكون بيتا معقولا ، لا محسوسا بإحدى هذه الحواس ، وما هو المحسوس منه ~~ليس معبدا ومشعرا للعبادة ، بل هو من هذه الجهة كسائر مواضع الأرض ، وكل ~~محسوس ذي وضع ليس ذاته بذاته محسوسا من كل وجه ، فإن زيدا مثلا ليس بمحسوس ~~من جميع وجوهه ، بل إنما محسوسيته من حيث كونه متقدرا ، متحيزا ، ذا وضع ، ~~وأما من حيث كونه ناطقا ، متوهما ، متخيلا ، عالما ، أو جاهلا ، فليس مما ~~يناله الحس ، والإشارة الوضعية ، كما سيتبين فيما بعد. PageV01P052 # ويؤيد هذا ما ورد في حديث آخر : «إن المسجد ينزوي بالنخامة» (1)، مع أن ~~المحسوس منه لم تتغير مساحته أصلا ، فكأن المراد أن النخامة توجب قلة ~~توقيره وتعظيمه ؛ لأنه محل عبادة الله ، فيجب أن يكون موقرا مستعظما ، ~~والنخامة فيه تنافي ذلك ، فيقل عظم قدره في العقل ، لا في الحس ، وهذا ~~وأمثاله مما يدركه أهل البصيرة ( @QUR@05 وما يذكر إلا أولوا الألباب ) (2). ### ||| * وصل # ولما كان الناس إنما يكلمون على قدر عقولهم ، ومقاماتهم ، فما يخاطب به ~~الكل يجب أن يكون للكل فيه نصيب ، فالقشرية من الظاهريين لا يدركون إلا ~~المعاني القشرية ، كما أن القشر من الإنسان وهو ما في الإهاب ، والبشرة من ~~البدن ، لا ينال إلا قشر تلك المعاني ، وهو ما في الجلد والغلاف من السواد ~~والصور ms016 ، وأما روحها وسرها وحقيقتها فلا يدركها إلا أولوا الألباب ، وهم ~~الراسخون في العلم. # وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وآله في دعائه لبعض أصحابه ، حيث قال : ~~«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (3)، ولكل منهم حظ ، قل أم كثر ، ~~وذوق ، نقص أو كمل ، ولهم درجات في الترقي إلى أطوارها ، وأغوارها ، ~~وأسرارها ، وأنوارها. # وأما البلوغ للاستيفاء ، والوصول إلى الأقصى ، فلا مطمع لأحد فيه ، ولو PageV01P053 # كان البحر مدادا لشرحه ، والأشجار أقلاما. فأسرار كلمات الله لا نهاية ~~لها ، فنفد البحر قبل أن تنفد كلماته. ### ||| * وصل # ومما ذكر يظهر سبب اختلاف ظواهر الآيات والأخبار الواردة في أصول الدين ؛ ~~وذلك لأنها مما خوطب به طوائف شتى ، وعقول مختلفة ، يجب أن يكلم كل على قدر ~~فهمه ، ومقامه ، ومع هذا فالكل صحيح ، غير مختلف من حيث الحقيقة ، ولا مجاز ~~فيه أصلا ، واعتبر ذلك بمثال العميان والفيل ، وهو مشهور. # وعلى هذا فكل من لم يفهم شيئا من المتشابهات من جهة أن حمله على الظاهر ~~كان مناقضا بحسب الظاهر لأصول صحيحة دينية ، وعقائد حقة يقينية عنده ، ~~فينبغي أن يقتصر على صورة اللفظ ، ولا يبدلها ، ويحيل العلم به إلى الله ، ~~والراسخين في العلم ، ثم يترصد لهبوب رياح الرحمة من عند الله ، ويتعرض ~~لنفحات أيام دهره الآتية من قبل الله ، لعل الله يأتي له بالفتح أو أمر من ~~عنده ، ويقضي الله أمرا كان مفعولا ، فإن الله سبحانه ذم قوما على تأويلهم ~~المتشابهات بغير علم ، فقال سبحانه : ( @QUR@021 فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم ) (1). # وعن مولانا الإمام الباقر عليه السلام قال : «قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله : إن حديث آل محمد صعب مستصعب ، لا يؤمن به إلا ملك مقرب ، ~~أو نبي مرسل ، أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان ، فما عرض عليكم من حديث آل ~~محمد فلانت له قلوبكم ، PageV01P054 # وعرفتموه ، فخذوه ، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه ، فردوه إلى الله ، ~~وإلى الرسول ، وإلى العالم من آل محمد ، إنما الهالك ms017 أن يحدث أحدكم بشيء ~~منه فيقول : والله ما كان هذا ، والله ما هذا بشيء ، والإنكار هو الكفر» (1). # ومن تدبر فيما حققناه ثم فيما ورد في الشرع من أصول الدين ، علم أن مقتضى ~~العقل الصريح لا ينافي موجب الشرع الصحيح بوجه من الوجوه ، ولله الحمد. PageV01P055 ### | في ضوابط مهمة ### ||| * ( @QUR@05 هدى للناس وبينات من الهدى ) (1). ### ||| * أصل # إن من المستبينات المركوزة في فطرة الله التي فطر الناس عليها ، أنه لا ~~يجوز أن يترجح أحد المتساويين على الآخر ، من غير مرجح ، ولا أن يرجحه غيره ~~بدون ذلك ، وأنه لا يجوز أن يدخل في دار الوجود أمر جزافا ، ولا اتفاقا ، ~~كما قال مولانا الإمام الصادق عليه السلام : «أبى الله أن يجري الأشياء إلا ~~بالأسباب» (2). # وسنبين بالبرهان أن لكل موجود سببين ، فاعليا ، وغائيا ، ولكل منهما ~~سببان آخران كذلك ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب ، فعند ذلك يقف ~~اللم ؛ لاتحاد السؤال هنالك بالجواب ، كما ستقف عليه إن كنت من أهله. ### ||| * أصل # إن لله سبحانه في خلق الكائنات أسبابا ، ومبادىء ، غائبة عن شعور PageV01P056 # أذهاننا ، وغايات وحكما ، محجوبة عن أعين بصائرنا ، وإن الجهل بالشيء لا ~~يستلزم نفيه ، فإن إنكار أحد طرفي الممكن من غير حجة ليس إلى الحق أقرب من ~~الإقرار بطرفه الآخر من غير بينة. فعليك الاعتصام بحبل التوقف في كل ما لم ~~يبرهن استحالته لك. # قال بعض العلماء : لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل ~~باستحالته ، نعم يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه ، بمعنى ~~أنه لا يدرك بمجرد العقل ، ومن لا يفرق بين ما يحيله العقل ، وبين ما لا ~~يناله العقل ، فهو أخس من أن يخاطب ، فليترك وجهله (1). ### ||| * أصل # ليس شيء من الموجودات إلا وله خاصية ذاتية ، ولوجوده حكمة عظيمة ، وسر ~~غريب ، لا يوجد في غيره. # قال الله تعالى : ( @QUR@016 وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) (2)، ( @QUR@08 ما ~~خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) (3). # إلا أن الناس لا يتعجبون مما تكرر ms018 مشاهدتهم إياه ، وإنما يتعجبون من ~~النوادر وإن كان المتكرر أجل حكمة ، وأعظم أمرا ، وأعجب فعلا من النادر ، PageV01P057 # ولذلك تحرك الإنسان في الجهات التي تخالف جهة حركته التي بحسب طبيعة بدنه ~~بمجرد إرادة نفسه الناطقة ، التي هي جوهر ملكوتي من عالم الأمر ليس معدودا ~~عندهم من العجائب ، وصاروا يتعجبون من جذب حجر المغناطيس مثقالا من الحديد. # قال بعض العلماء : والعجب من بعض الجهلة من الطبيعيين ، ومن تشبه بهم ، ~~حيث يأخذون في طلب السبب في فعل الطبيعة التي لبعض المركبات ، مثل الطبيعة ~~التي للسقمونيا في إسهال الصفراء ، والأقيمون في إسهال السوداء ، والطبيعة ~~التي في حجر المغناطيس الموجبة لجذب الحديد ، ثم صاروا يتعجبون من صدور هذه ~~الآثار والأفاعيل منها ، ولا يتعجبون من النار كيف تفرق المجتمع ، وكيف ~~تحيل أجساما كثيرة إلى مثل طبيعته في ساعة ، ولا يشتغلون بالبحث عن علته ، ~~وغاية ما يجيبون به عنه إذا سئلوا عن ذلك أن يقولوا : لأن النار حارة. # ثم السؤال لازم في أن الحار لم يفعل هكذا؟ فيكون منتهى الجواب للطبيعي أن ~~يقال: إن الحرارة قوة ، من شأنها أن تفعل هذا الفعل. # ثم إن سئلوا بعد هذا : أنه لم كان هذا الجسم حارا دون البارد؟ لم يكن ~~جوابهم إلا الجواب الإلهي : من أن إرادة الصانع هكذا ، ولا يقنعون بهذا ~~الجواب في جذب المغناطيس الحديد إذا اشتغلوا بالبحث عن علته ، من أن في ~~المغناطيس قوة جاذبة للحديد ، وأن سبب وجودها إرادة الصانع. # وليس هذا الجواب قاصرا ، لكن تعجبوا عما استندروا وجوده ، وألهاهم التعجب ~~البحث عن علته ، ولم يعرض لهم ذلك مما كثرت مشاهدتهم له ، وإن كانت حكمته ~~أعجب من حكمة المغناطيس في جذب الحديد ، وهو هذا الحيوان PageV01P058 # الحساس المتحرك بالإرادة ، الذي يغتذي ، وينمو ، ويولد ، بل الإنسان الذي ~~هو عالم صغير ، وما يخصه من الأحكام الإنسانية (1). ### ||| * أصل # ومن المستقرات في مقر الفطرة الإنسانية : بطلان الدور ، المستلزم لتقدم ~~الشيء على نفسه ، وتأخره عنها ، فإن ذلك يحكم به كل من له أدنى مسكة من دون ~~تجشم برهان. # وأما التسلسل في الأمور ms019 المترتبة المجتمعة الآحاد ، فلا تقضي ببطلانه ~~أوائل العقول ، بل يحتاج فيه إلى إقامة البرهان. # ولكن الإنصاف أن البراهين المشهورة في ذلك من التطبيق ، والتضايف ، وذي ~~الوسط ، وغيرها ، كافية لمن لا تغلبه شيطنة الوهم ، مع أن هذا الحكم من ~~الأمور المقررة ، المفروغ عنها عند أهل العلم كافة ، فلا مجال للتوقف فيه ، ~~وعليه يبنى كثير من المسائل والعلوم ، كما ستقف عليه. ### ||| * أصل # ومن القواعد المقررة ، الكثيرة الفوائد ، قاعدة الإمكان الأشرف ، ~~الموروثة من بعض أكابر القدماء (2)، وهي مبنية على ثلاث مقدمات ، مبرهنة ~~في محالها ، PageV01P059 # كما يأتي : # أحدها : أن البسيط الذي لا تركيب فيه أصلا ، لا يكون مبدأ لفعلين من جهة واحدة. # والثانية : أن صانع العالم بسيط ، أحدي ، ذاتا ، وصفة ، وفعلا. # والثالثة : أنه سبحانه أعلى وأشرف من جميع الموجودات. # فإذا تقررت هذه المقدمات ، فنقول في بيان القاعدة : إنه لا يجوز أن يوجد ~~الممكن الأخس إلا وقد وجد الممكن الأشرف قبله ، وإلا لم يبق للصانع جهة خلق ~~الأشرف ، فإذا فرض الأشرف موجودا استدعى جهة أشرف مما عليه الصانع ، هذا خلف. # وإنما تجري هذه القاعدة في الإبداعيات ، دون المكونات المبنية على ~~الحركات ، والأسباب الخارجة عن الذات ؛ لجواز حرمان الأكمل الأشرف عن ~~الوجود في المكونات ، لممانعة أسباب سماوية ، وعلل طبيعية ، تابعة ~~لاستعدادات أرضية ، تابعة لحركات سماوية ، إلا أن الخسيس في الأشياء ~~الكائنة وإن أمكن أن يكون متقدما على الشريف ، زمانا ، وطبعا ، بحسب ~~الإعداد ، كالنطفة متقدمة على الحيوان ، والبيضة على الدجاج ، والبذر على ~~الشجر ، لكن عند التأمل يظهر أن الشريف متقدم على الخسيس ذاتا ، بحسب ~~الإيجاد ، وأن الفضل والكمال للمتقدم بالذات في الإيجاد ، والخسة والنقيصة ~~للمتأخر بالذات فيه ، وسيأتي : أن ما بالفعل أبدا متقدم على ما بالقوة ، ~~والوجوب متقدم على الإمكان مطلقا. PageV01P060 ### | في الوجود والعدم ### ||| * ( @QUR@08 وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ### ||| * @QUR@03 وهذا ملح أجاج ) (1) ### ||| * أصل # الوجود البحت الخالص الحق هو الله سبحانه ، والعدم البحت لا ذات له ، ولا ~~أثر ، ولا تميز ، بل هو لا شيء محض ، والوجود المشوب بالعدم ما سوى الله ، ~~وهو خلق الله ، وهو ms020 مركب من وجود له من الله ، هو بمنزلة صورته ، ومن عدم ~~له من نفسه ، تميز بذلك الوجود ، وتخصص به بحسب قابليته له في علم الله ، ~~وإمكانه الذاتي ، الذي به تمكن من امتثال أمر «كن» ، وهو بمنزلة مادته ، ~~وهو المعبر عنه في لسان الشرع ب «الماء» ( @QUR@04 وكان عرشه على الماء ) ~~(2)، لقبوله الأمر بسهولة ، كما يقبل الماء التشكلات بسهولة ، فمنه عذب ~~فرات ، ومنه ملح أجاج. # وباعتبار تقدمه على الأشياء لكونه مادة لها ، وشرطا في إيجادها ، ورد : ~~«أول ما خلق الله الماء» (3)، ولأن العقل أول الأشياء خلقا ، ورد : «أول ما خلق PageV01P061 # الله العقل» (1). # قال مولانا الباقر عليه السلام : «لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف ~~اثنان ، إن الله تعالى قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماء عذبا ، أخلق منك ~~جنتي ، وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا ، أخلق منك ناري ، وأهل معصيتي ، ثم ~~أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر ، والكافر المؤمن» (2). # وفي لفظ آخر : «إن الله تعالى حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا ، وماء مالحا ~~أجاجا ، فامتزج الماءان» الحديث (3). # وهذه جملة نأتي بتفاصيلها وبراهينها إن شاء الله تعالى. ### ||| * أصل # ليس في الوجود موجود بالذات سوى الوجود ، إذ لو وجد غيره ، فإما أن يكون ~~الوجود زائدا عليه ، فيلزم أن يكون له وجود قبل وجوده ؛ لأن ثبوت الشيء ~~للشيء فرع لثبوت المثبت له ؛ أو جزء له ، وننقل الكلام إلى الجزء الآخر ، ~~وهكذا إلى أن يتسلسل ، وهو محال. # نعم ، للعقل أن ينتزع من الوجودات الممكنة معنى غير الوجود ، لست أقول ~~منفكا عنه ، فإن الكون في العقل وجود عقلي ، كما أن الكون في الخارج وجود ~~خارجي ، بل أقول من شأنه أن يلاحظه وحده ، من غير ملاحظة الوجود ، PageV01P062 # وعدم اعتبار الشيء ليس باعتبار لعدمه ، وذلك المعنى يسمى ب «الماهية» (1) ~~، و «العين الثابت» (2)، وهي ليست بموجودة بالذات ، بل بالعرض ، أي بتبعية ~~الوجود ، لا كما يتبع الموجود الموجود ، بل كما يتبع الظل للشخص ، والشبح ~~لذي الشبح. # ومن هنا قيل : الأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ( @QUR@013 إن هي إلا ~~أسماء ms021 سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ) (3). # سؤال : هب أن ثبوت الشيء للشيء فرع لثبوت المثبت له ، لكن الوجود إنما هو ~~ثبوت الشيء ، لا ثبوت الشيء للشي؟ # جواب : فالوجود إذن غير زائد على الشيء ؛ إذ لو كان زائدا لكانا شيئين ، ~~أحدهما ثابتا للآخر. # سؤال : لم لا يجوز أن يكون المسمى بالماهية هو الأصل في التحقق ، ويكون ~~الوجود معنى اعتباريا ، منتزعا منه ، لا تأصل له حتى يجري فيه الترديد ~~المذكور في البرهان؟ # جواب : لأن الماهية قبل انضمام الوجود إليها ، أو اعتبار الوجود معها ، ~~أو صيرورتها بحيث يمكن انتزاع الوجود عنها ، غير موجودة ، وأنها إذا اعتبرت ~~بذاتها لا مع اعتبار الوجود ، وإن كان بعد الوجود ، فهي غير موجودة ، ولا ~~معدومة ، فإذن لو لم يكن وجود ، ولو بالاعتبار والانتزاع ، لم توجد ماهية ، ~~وما لم توجد ماهية لم يمكن ثبوت وجود لها ، ولا انضمامه إليها ، ولا ~~اعتباره معها ، PageV01P063 # ولا انتزاعه عنها ؛ لأن ثبوت شيء لشيء ، أو انضمامه إليه ، أو اعتباره ~~معه ، أو انتزاعه عنه ، أو ما شئت فسمه ، فرع لثبوت المثبت له ، والمنضم ~~إليه ، والمعتبر معه ، والمنتزع عنه ، وهذا مع اشتماله على الدور الظاهر ~~مقتض لأن لا يوجد موجود أصلا ، فقد ثبت وتحقق أن الأصل في التحقق ، والحقيق ~~بالتأصل ، هو الوجود ، لا غير. # وما أحسن ما قيل : إن العقل الصحيح الفطرة يشهد بأن الماهية إذا كانت ~~موجودة بنفس وجودها لا قبل وجودها بوجود آخر ، يكون الموجود بالذات ~~وبالأصالة منهما لا محالة هو نفس الوجود ، لا نفس الماهية ، كما أن المضاف ~~بالحقيقة هو نفس الإضافة ، لا ما هو المضاف المشهوري. # وأيضا : لو كانت الماهية هي الأصل دون الوجود ، وكان الوجود أمرا ~~اعتباريا ، لم يبق فرق بين الوجود الخارجي ، والوجود الذهني ، إلا بحسب ~~الاعتبار ، دون صدور الآثار ؛ إذ الماهية بعينها منحفظة التقرر فيهما ، وهي ~~بعينها ، وبحسب ذاتها ، غير منفكة عن الحكم عليها بالوجود على ذلك التقدير. ### ||| * أصل # موجودية الماهية عبارة عن كونها بحيث تنسب إلى موجدها ، وترتبط به ، ~~فتكون موجودة بهذا الكون ، لا بالذات ms022 ، ويكون الموجود بالذات كونها على هذه ~~الحيثية ، دون نفسها بما هي هي. # وأما الوجود فكونه وجودا هو بعينه كونه موجودا ، وهو موجودية الشيء في ~~الأعيان ، أو الأذهان ، لا أن له وجودا آخر ، بل هو الموجود من حيث هو PageV01P064 # وجود ، والذي يكون لغيره منه ، وهو أن يوصف بأنه موجود ، يكون له في ذاته ~~، وهو نفس ذاته ، كما أن التقدم والتأخر لما كانا فيما بين الأشياء ~~الزمانية بالزمان ، كانا فيما بين أجزائه بالذات ، من غير افتقار إلى زمان آخر. # سؤال : فيكون كل وجود واجبا ؛ إذ لا معنى للواجب سوى ما يكون تحققه بنفسه. # جواب : معنى وجود الواجب أنه بمقتضى ذاته ، من غير احتياج إلى فاعل وقابل ~~، ومعنى تحقق الوجود بنفسه ، أنه إذا حصل إما بذاته ، كما في الواجب ، أو ~~بفاعل ، كما في غيره ، لم يفتقر إلى وجود آخر يقوم به ، بخلاف غيره من ~~الماهيات ، وهذا لا ينافي إمكانه الذاتي ؛ لأن معنى الإمكان في الوجود أن ~~يكون تعلقي الذات ، ارتباطي الحقيقة ، وهو يجامع الضرورة الذاتية ، بل هو ~~عينها. وأما الإمكان بمعنى لا ضرورة الوجود والعدم ، فهو مختص بالماهيات. # كذا أجاب أستاذنا الأجل صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي (1)، # وهو من عظماء الفلسفة الإلهيين ، الذين لا يجود بهم الزمن إلا في فترات ~~متباعدة من القرون ، وهو يعد المدرس الأول لمدرسة الفلسفة الإلهية في هذه ~~القرون الثلاثة الأخيرة في البلاد الإسلامية الإمامية ، والوارث الأخير ~~للفلسفة اليونانية والإسلامية ، والشارح لهما والكاشف عن أسرارهما. # ولا تزال الدراسة عندنا تعتمد على كتبه ، لا سيما «الأسفار» ، الذي هو ~~القمة في كتب الفلسفة ، قديمها وحديثها ، والأم لجميع مؤلفاته هو. # ونقل عن المحقق الشيخ محمد حسين الأصفهاني أنه كان يقول : «لو أعلم أحدا ~~يفهم أسرار كتاب الأسفار لشددت إليه الرحال للتلمذة عليه ، وإن كان في أقصى ~~الديار». PageV01P065 # سلمه الله وأبقاه (1). # وتحقيق المقام : ما ذكره بعض العرفاء ، فاستمع له. # ولد في «شيراز» ، من والد صالح اسمه إبراهيم بن يحيى القوامي ، وهو من ~~عائلة محترمة ، هي عائلة قوامي. # ويظهر أن أول حضوره حين ms023 انتقل إلى أصفهان كان على الشيخ بهاء الدين ~~العاملي «953 1031 ه». # ومن ولعه في طلب العلم أنفق كل ما خلفه والده من المال في تحصيله ، وأشرب ~~المذهب الصوفي الفلسفي (العرفاني)، الذي كان هو السائد في ذلك العصر ، ~~فانعكس على نفسية هذا الطالب الذكي ، فأولع فيه ولوعا أخذ عليه جميع ~~اتجاهاته ، وخلق منه صوفيا عرفانيا وفيلسوفا إلهيا فريدا ، قل نظيره ، أو ~~لا نظير له. # وقد صرح بهذا في مقدمة الأسفار ، فقال : «قد صرفت قوتي في سالف الزمان ~~منذ أول الحداثة والريعان في الفلسفة الإلهية بمقدار ما أوتيت من المقدور ، ~~وبلغ إليه قسطي من السعي الموفور». # ومن أثر ولعه بالفلسفة انقطع إلى درس فيلسوف عصره السيد الداماد محمد ~~باقر ، المتوفى «1040 ه». # من مؤلفاته : الأسفار الأربعة ، المبدأ والمعاد ، الشواهد الربوبية في ~~المناهج السلوكية ، أسرار الآيات وأنوار البينات ، المشاعر ، الحكمة ~~العرشية ، شرح الهداية الأثيرية ، شرح إلهيات الشفاء ، رسالة الحدوث ، ~~وغيرها من المؤلفات الكثيرة ، التي لا يسعنا المقام في سردها ، لئلا يطول ~~بنا المقام. # توفي سنة «1050 ه» في البصرة في طريقه للحج للمرة السابعة ، أو بعد رجوعه. # أنظر ترجمته في : سفينة البحار : 1 : 311 ، والكنى والألقاب : 2 : 372 ، ~~وأمل الآمل : 2 : 233 ، وروضات الجنات : 4 : 117 ، وسلافة العصر : 499. PageV01P066 ### ||| * وصل # الممكن هو الوجود المتعين ، فإمكانه من حيث تعينه ، ووجوبه من حيث حقيقته ~~، وذلك أن التعين نسبة عقلية ، فهي بالنسبة إلى المرجح واجبة للمتعين ، ~~والتعين هو حدوث ظهور الوجود من وجه معين يعينه القابل المعين للوجود ، ~~بحسب خصوصه الذاتي ، فيمكن بالنظر إلى كل تعين حادث للوجود أن ينسلخ الوجود ~~عنه ، ويتعين تعينا آخر ، وينعدم التعين الأول ؛ إذ نفس التعين هو الواجب ~~للوجود الحق الساري في الحقائق ، بمعنى أنه شرط لظهوره في المراتب ، لا ~~لتحققه في ذاته ، وإلا لانقلب الواجب ممكنا ، وليس كل تعين معين واجبا له ~~على التعيين إلا لموجباته ، والوجود المتعين لا ينقلب عدما ، بل تنقلب ~~تعيناته بتعينات أخر ، غير متعينات قبلها ، فتحقق من هذا حقيقة الإمكان ~~المتعين المعين ، وهو نسبة عدمية في ms024 الوجود ، فهو بين عدم ووجود ، فمهما ~~رجع الحق إلى إفاضة نور الوجود على ذلك الوجه المعين بقي موجودا. # والتحقيق : أنه لا يبقى آنين ، بل يتبدل مع الآنات ، وإن أعرض عنه التجلي ~~الوجودي انعدم وعاد إلى أصله ، هذا أصل الإمكان. # وأما اسم الغير والسوي للممكنات فذاك من حيث امتيازاتها النسبية والذاتية ~~بالخصوصيات الأصلية ، فهي من هذا الوجه أعيان ، بعضها مع بعض ، وأما ~~غيريتها للوجود المطلق الحق ، فمن حيث إن كلا منها تعين مخصوص للوجود ~~الواحد بالحقيقة ، تغاير الآخر بخصوصيته ، والوجود الحق المطلق لا يغاير ~~الكل ، ولا يغاير البعض ؛ لكون كلية الكل وجزئية الجزء نسبا ذاتية له ، فهو ~~لا ينحصر في الجزء ، ولا في الكل ، فهو مع كونه فيهما عينهما ، لا يغاير ~~كلا منهما PageV01P067 # في خصوصهما ، ولكن غيريته في أحدية جمعه الإطلاقي مطلقة عن الكلية ~~والجزئية ، والإطلاق ، فما في الحقيقة إلا وجود مطلق ، ووجود مقيد ، وحقيقة ~~الوجود فيهما حقيقة واحدة ، والإطلاق والتعين والتقيد نسب ذاتية له ، وتلك ~~المعاني والنسب ليست زائدة عليها إلا في التعقل دون الوجود ، فلا تمايز ، ~~ولا تغاير إلا في التعقل ، ولكن العقول الضعيفة تغلط. # ولنزدك من كلامه وبيانه ، فانصت : ### ||| * وصل # وجود الممكنات ليس مغايرا لوجود الحق الباطن المجرد عن الأعيان والمظاهر ~~إلا بنسب واعتبارات ، كالظهور والتعين والتعدد الحاصل بالاقتران ، وقبول ~~حكم الاشتراك ، ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه بواسطة التعلق بالمظاهر. # فللوجود اعتباران : # أحدهما : من حيث كونه وجودا فحسب ، وهو الحق ، وأنه من هذا الوجه لا كثرة ~~فيه ، ولا تركيب ، ولا صفة ، ولا نعت ، ولا اسم ، ولا رسم ، ولا نسبة ، ولا ~~حكم ، بل وجود بحت. # والاعتبار الآخر : من حيث اقترانه بالممكنات ، وشروق نوره على أعيان ~~الموجودات ، وهو سبحانه ، إذا اعتبر تعين وجوده مقيدا بالصفات اللازمة لكل ~~متعين من الأعيان الممكنة ، فإن ذلك التعين والتشخص يسمى «خلقا» ، و «سوى» ، ~~وينضاف إليه سبحانه إذ ذاك كل وصف ، ويسمى كل اسم ، ويقبل كل PageV01P068 # حكم ، ويتقيد بكل رسم ، ويدرك بكل مشعر ، من بصر وسمع وعقل وفهم ؛ وذلك ~~لسريانه في كل شيء بنوره ms025 الذاتي المقدس عن التجزىء ، والانقسام ، والحلول ~~في الأرواح والأجسام ، ولكن كل ذلك متى أحب ، وكيف شاء ، وهو في كل وقت ~~وحال قابل لهذين الحكمين المذكورين المضادين بذاته ، لا بأمر زائد عليه ، ~~إذا شاء ظهر بكل صورة ، وإن لم يشأ لا تنضاف إليه صورة ، لا يقدح تعينه ~~وتشخصه واتصافه بصفاتها في كمال وجوده وعزته وقدسه ، ولا ينافي ظهوره بها ، ~~وإظهار تقيده بها ، وبأحكامها غناه بذاته عن جميع ما وصف بالوجود ، وإطلاقه ~~عن كل القيود ، بل هو الجامع بين متماثلاتها ومتخالفاتها جميعا ، فتأتلف ~~وتختلف. ### ||| * وصل # قد ظهر من هذه البيانات أن الماهيات كلها وجودات خاصة في الواقع ، عينا ~~وذهنا ، وإن كان المفهوم من الماهية غير المفهوم من الوجود في اعتبار العقل ~~، فهما متحدان اتحاد الأمر العيني مع المفهوم الاعتباري ، ولكل منهما تقدم ~~على الآخر ، لا بمعنى التأثير ؛ إذ لا معنى لتأثير الماهية في الوجود ، ~~وإلا لزم أن تكون قبل الوجود موجودة. ولا لتأثير الوجود في الماهية ؛ لأنها ~~ليست مجعولة ولا موجودة في نفسها لنفسها ، بل تقدم الوجود عليها عبارة عن ~~أصالته في التحقق ، ومتبوعيته لها ، وتقدمها على الوجود عبارة عن صحة ~~ملاحظة العقل إياها وحدها ، من غير ملاحظة الوجود ، لا الخارجي ولا الذهني ~~، وبهذا الاعتبار يصير الوجود نعتا لها ، ويحكم عليه بأنه زائد عليها ، ~~وإلا فالحقيقة العينية ليست إلا للوجود. PageV01P069 ### ||| * وصل # كيف لا يكون للوجود حقيقة عينية وغيره به يكون متحققا وكائنا في الأعيان ~~، أو في الأذهان ، فهو الذي به ينال كل ذي حق حقه ، فهو أحق الأشياء بأن ~~يكون ذا حقيقة ، كما أن البياض أولى بأن يكون أبيض مما ليس ببياض ، ويعرض ~~له البياض. # ومن هنا قيل : الوجود حقيقته أنه في الأعيان لا غير ، وكيف لا يكون في ~~الأعيان ما هذه حقيقته ، يعني به الوجود البحت الذي لا ماهية له ، فإن ما ~~لا ماهية له لا يمكن تصوره بالحد ، ولا بالرسم ، ولا بصورة مساوية له ؛ إذ ~~تصور الشيء عبارة عن حصول معناه وانتقاله من حد العين إلى حد الذهن ، وكل ~~ما ms026 كان حقيقته أنه في الأعيان فيمتنع أن يكون في الأذهان ، وإلا لزم انقلاب ~~الحقيقة عما كانت بحسب نفسها ، فكل ما يرتسم من الوجود في النفس ، وتعرض له ~~الكلية والعموم ، فهو ليس حقيقة الوجود ، بل هو وجه من وجوهه ، وحيثية من ~~حيثياته ، وعنوان من عنواناته. # فليس عموم ما ارتسم من الوجود في النفس بالنسبة إلى الوجودات عموم المعنى ~~الجنسي ، بل عموم أمر لازم اعتباري انتزاعي ، كالشيئية للأشياء الخاصة من ~~الماهيات المتحصلة المتخالفة المعاني. ### ||| * وصل # وإذ ليس له مفهوم ، فليس بكلي ولا جزئي ، ولا عام ولا خاص ، ولا مطلق ولا ~~مقيد ، بل تلزمه هذه الأشياء بحسب ما يوجد به من الماهيات وعوارضها ، PageV01P070 # كما إنه تلزمه الجوهرية والعرضية بحسب اتحاده بماهية الجوهر والعرض ، من ~~غير حصول تغير في ذاته وحقيقته ، من حيث هو هو ، فإن قيد ذاته بالإطلاق ~~يشترط فيه أن يتعقل ، بمعنى أنه وصف سلبي ، لا بمعنى أنه إطلاق ، ضده ~~التقييد ، بل هو إطلاق عن الوحدة والكثرة العدديتين ، وعن الحصر أيضا في ~~الإطلاق والتقييد ، وفي الجمع بين ذلك والتنزه عنه ، فيصح في حقه كل ذلك ~~حال تنزهه عن الجميع ، ولا يصح أن يحكم عليه بحكم أو يعرف ، أو يضاف إليه ~~نسبة ما ، من وحدة أو وجوب وجود ، أو مبدأية إيجاد ، أو صدور أثر ، أو تعلق ~~علم منه بنفسه ، أو بغيره ؛ إذ كل ذلك مقتضى التعين والتقيد ، فلا طريق إلى ~~العلم إليه بوجه. ### ||| * وصل # سيتبين لك أن الوجود في بعض الموجودات مقتضى ذاته من غير احتياج إلى فاعل ~~وقابل ، وفي بعضها مفتقر إلى أحدهما ، أو كليهما. # ولا يخفى أن الأول أولى بالموجودية من الأخيرين ، وهو متقدم عليهما ~~بالطبع ، والثاني أقوى وأتم من الثالث. # فللوجود أفراد حقيقية وراء الحصص ؛ لاتصافه بلوازم الماهيات المتخالفة ~~الذوات ، أو المتخالفة المراتب ، فشموله للأشياء من باب الانبساط والسريان ~~على هياكل الموجودات ، سريانا مجهول التصور ، فهو مع كونه أمرا شخصيا ~~متشخصا بذاته ومشخصا لما يوجد به من ذوات الماهيات الكلية مما يجوز القول ~~بأنه مختلف الحقائق ، بحسب الماهيات المتحدة به ms027 ، كل منها بمرتبة من مراتبه ~~، ودرجة من درجاته المتفاوتة بالتشكيك ، فالوجودات هي حقائق متشخصة بذواتها ~~، متفاوتة بنفس حقيقتها ، مشتركة في مفهوم الموجودية العامة PageV01P071 # التي هي من الأمور الاعتبارية. # فتخصص كل وجود : إما بالتقدم والتأخر ، أو بالكمال والنقص ، أو الغنى ~~والفقر. # وإما بعوارض مادية إن وقع في المواد ، وهي لوازم الشخص المادي وعلاماته ، ~~فوقوع كل وجود في مقام من المقامات ، ومرتبة من المراتب مقوم له ، لا يتصور ~~وقوعه في مرتبة أخرى ، لا سابقة ، ولا لاحقة ، ولا هو وقوع وجود آخر في ~~مرتبته ، لا سابق ، ولا لاحق. # ومن هنا قيل : لا يصح أن يوجد الوجود المحتاج غير محتاج ، كما إنه لا يصح ~~أن يوجد الوجود المستغني محتاجا ، وإلا بدل حقيقتهما. ### ||| * وصل # وما يقال : من أن الذات والذاتي بالقياس إلى أفراده يمتنع أن يكون ~~متفاوتا بشيء من أنحاء التشكيك ، فغير محقق في الوجود ، وإن سلم في ~~الماهيات. # وما قيل في بيانه : إنه لو لم يشتمل الأكمل على ما ليس في الأنقص ، فلا ~~افتراق ، وإن اشتمل عليه فهو إما معتبر في سنخ الطبيعة ، فلا اشتراك ، وإلا ~~فلا تفاوت فيها ، بل في شيء آخر. # فقد قيل : إنه مصادرة على المطلوب الأول ؛ إذ الكلام في أن التفارق قد ~~يكون بنفس ما فيه التوافق ، لا بما يزيد عليه. # ومثله ما قيل : لو كانت الذات هي الأكمل ، فالأنقص ليس نفس الذات ، PageV01P072 # وكذا العكس ، على أن الوحدة النوعية ليست كالوحدة العددية غير محتملة ~~للتعميم والتفاوت ، بل هي وحدة جمعية جامعة للمحدود ، والكلي الطبيعي في ~~المشكك أشد إبهاما منه في المتواطىء ، ليس فيهما بمعنى واحد. # قيل : ومما ينبه على ذلك أن أجزاء الزمان متشابهة الماهية ، مع تقدم ~~بعضها على بعض بالذات ، لا بما هو خارج عنها ، وكذا مراتب السوادات ~~والبياضات في الأشدية والأضعفية ، ومراتب سائر المقدارات في الأزيدية ~~والأنقصية ، إلى غير ذلك ، وإن كان بعض هذا مما قد يناقش فيه. # والحق أن التفاوت في جميع ذلك يرجع إلى أنحاء الوجودات ، فللوجود أطوار ~~مختلفة في نفسه ، والمعاني تابعة لأطواره ، وعلى هذا ms028 فلا فرق بين الذاتيات ~~والعوارض ، ولا بين الجواهر والأعراض ، في قبولها التشكيك ، لكن لا بذواتها ~~، بل بواسطة وجوداتها الخاصة ، فالقابل للتشكيك بالحقيقة ليس إلا الوجود ، ~~وهو بذاته متقدم وتقدم ، ومتأخر وتأخر ، وغني وغنى ، وفقير وفقر ، وكامل ~~وكمال ، وناقص ونقص ، وشديد وشدة ، وضعيف وضعف ، إلى غير ذلك. # وإلى هذا أشير بقوله تعالى : ( @QUR@010 أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو ~~أشد منهم قوة ) (1)، فإن قوته تعالى عين ذاته المقدسة. ### ||| * وصل # الوجود لا تتألف حقيقته من حيث هي من أجزاء خارجية ، أو ذهنية ، وإلا فلا ~~يخلو إما أن يكون شيء منها محض حقيقة الوجود ، فالوجود قد حصل PageV01P073 # به قبل نفسه ؛ أو لا يكون شيء منها ذلك ، فيلزم أن يكون غير الوجود ~~متقدما على الوجود بالوجود ، وهو ظاهر البطلان. # وإذ استحال قبلية غير الوجود على الوجود بالوجود ، ظهر أن الوجود من حيث ~~هو وجود لا فاعل له ينشأ منه ، ولا مادة تستحيل هي إليه ، ولا موضوع يوجد ~~هو فيه ، ولا صورة يتلبس هو بها ، ولا غاية يكون هو لها ؛ لأن لكل من هذه ~~الأمور التقدم ، وأما من حيث إن له ماهية ، فيجوز اتصافه بهذه الأمور. ### ||| * أصل # الوجود يتنزل من سماء الإطلاق إلى أرض التقييد مترتبا ، فيبتدىء من ~~الأشرف فالأشرف إلى أن ينتهي إلى ما لا أخس منه في الإمكان ، ولا أضعف ، ~~فتنقطع عنده السلسلة النزولية ، ثم يأخذ في الصعود ، فلا يزال يترقى من ~~الأرذل إلى الأفضل إلى أن ينتهي إلى الذي لا أفضل منه في هذه السلسلة ~~الصعودية ، فيكون هو بإزاء ما بدأ منه في النزول ، كما أشير إليه بقوله ~~سبحانه : ( @QUR@09 يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) (1)، ~~وكلما كان إلى مبدئه سبحانه أقرب ، فهو إلى البساطة والوحدة والغنا أقرب ، ~~ومن الاختلاف والتركب والافتقار أبعد. # ففي المرتبة الأولى لا يفتقر في تقومه ، ولا في شيء من صفاته وأفعاله ، ~~إلى شيء سوى مبدعه القيوم جل اسمه ، ويسمى أهل تلك المرتبة على اختلاف ~~درجاتهم بالعقول والأرواح ، والملائكة المقربين. PageV01P074 # وفي المرتبة الثانية ، وإن لم يفتقر ms029 في تقومه إلى غير ما فوقه ، ولكنه ~~يفتقر في أفعاله وصفاته إلى ما دونه من المراتب ، ويسمى أهلها على تفاوت ~~أقدارهم بالنفوس ، والملائكة المدبرين. # وفي المرتبة الثالثة يفتقر في تقومه أيضا إلى ما دونه ، ويسمى بالصور ~~والطبائع. # وفي المرتبة الرابعة ليس له حيثية سوى حيثية الإمكان والقوة ، ولا شيئية ~~له في ذاته متحصلة إلا قبول الأشياء ، ويسمى بالمادة ، والماء ، والهباء ، ~~والهيولى الأولى ، وهي نهاية تدبير الأمر. # ثم يأخذ في العود ، فأول ما يحصل فيه مركب من مادة وصورة ، ويسمى بالجسم ~~، ثم يتخصص الجسم بصورة أعلى وأشرف ، فيصير بها ذا اغتذاء ونمو ، ويسمى ~~بالنبات ، ثم يزيد تخصصه بصورة أخرى أعلى مما قبلها يصير بها ذا حس وحركة ، ~~ويمسى بالحيوان ، ثم يزيد تخصصه بصورة أعلى وأفضل يصير بها ذا نطق ، ويسمى ~~بالإنسان ، وللإنسان مراتب كثيرة إلى أن يصير ذا عقل مستفاد ، فحينئذ تتم ~~دائرة الوجود ، ومنتهى سلسلة الخير والجود. # فالوجودات ابتدأت فكانت عقلا ، ثم نفسا ، ثم صورة ، ثم مادة ، فعادت ~~متعاكسة كأنها دارت على نفسها جسما مصورا ، ثم نباتا ، ثم حيوانا ، ثم ~~إنسانا ذا عقل ، فابتدأ الوجود من العقل ، وانتهى إلى العقل ( @QUR@03 كما ~~بدأكم تعودون ) (1)، ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) (2). # والشرف والكمال إنما هو بالدنو من الحق المتعال ، ففي البدء كل ما تقدم PageV01P075 # كان أوفر اختصاصا ، وفي العود كل ما تأخر كان أعلى مكانا. # وإلى البدء أشير بليلة القدر ، وإنزال الكتب ، وإرسال الرسل المعنويين ( ~~@QUR@09 تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ) (1). # وإلى العود بيوم القيامة ، والمعراج المعنوي ( @QUR@011 تعرج الملائكة ~~والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) (2). # وعنهما عبر في الأخبار بالإقبال والإدبار ، قال مولانا الصادق عليه السلام ~~: «إن الله خلق العقل ، وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ، من نوره ~~، فقال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال له : أقبل ، فأقبل ، فقال الله تعالى : ~~خلقتك خلقا عظيما ، وكرمتك على جميع خلقي ، قال : ثم خلق الجهل من البحر ~~الأجاج ، ظلمانيا ، فقال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له : أقبل ، فلم يقبل ms030 ، ~~فقال له : استكبرت ، فلعنه» (3)، ثم ذكر عليه السلام جنود العقل من الخيرات ~~، وجنود الجهل من الشرور. # والمراد بالجهل ما يقابل العقل ، تقابل التضاد الشبيه بتقابل العدم ~~والملكة ؛ لأنه وجودي شبيه بالعدمي ، حيث هو وجود للعدم ، كما يأتي تحقيقه ~~في بيان معنى الألم من مباحث الخير والشر. # فالجهل تابع للعقل ، متميز به ، فوجوده بالعرض من غير صنع ، وإدباره تابع ~~لإدبار العقل وإقباله جميعا ، وإنما لم يقبل ؛ لأنه بالإدبار بلغ أقصى ~~مراتب الكمال المتصور في حقه ، ولهذا استكبر ، وسنبرهن على وجوب هذا ~~الترتيب نزولا وصعودا فيما بعد إن شاء الله. PageV01P076 ### ||| * وصل # هذه المراتب كلها على تفاوت درجاتها متواصلة على نعت الاتصال بدءا وعودا ~~، بحيث لا ثلمة في الوجود أصلا ، بناء على قاعدة الإمكان الأشرف ، فيتقوم ~~السافل بالعالي دائما ، فلا يوجد السافل إلا وقد وجد العالي قبله ، هكذا ~~جرت سنة الله ، كما قال: ( @QUR@05 ما ننزل الملائكة إلا بالحق ) (1)، ~~فآخر كل مرتبة متصل بأول المرتبة التي هي أسفل منه ، أو أعلى ، بل آخر كل ~~درجة من درجات مرتبة واحدة متصل بأول درجة أخرى أسفل منه أو أعلى ، وإلا ~~يلزم انحصار غير المتناهي بين حاصرين ، فآخر مراتب الألوهية متصل بأول ~~درجات العقل الأول ، وآخر درجات العقل الأول متصل بأول درجات العقل الثاني ~~، وهكذا. # فليس شيء من العقول محدودا في حد غير منقسم فرضا ، بل كل منها ذو سعة في ~~الرحمة الوجودية على درجات غير متناهية. # ومن العقول النازلة ما يقرب من النفوس ، ومن النفوس البشرية ما كاد يكون ~~لبعض البهائم ، ومن النفوس الغير البشرية ما لا يحتاج إلى توسط الروح ~~البخاري ، من شدة نقصه ، كالنفوس النباتية والجمادية ، ومن المعادن ما قرب ~~من هيئة النبات ، كالمرجان ، ومن النبات ما قرب من الحيوان ، كالنخل ، ومن ~~الحيوان ما قرب من الإنسان في كمال القوة الناطقة وغيرها ، كالقرد وغيره ، ~~ومن الإنسان ما كاد يكون عقلا. # فالطبقة العالية نازلها يقرب من الطبقة السافلة ، والطبقة السافلة عاليها في PageV01P077 # جميع الموجودات يكاد يقرب من الطبقة العالية. # قال أستاذنا أدام الله أيام إفادته ms031 : وكل كامل في مرتبة من المراتب يحوي ~~جميع الكمالات التي دونه ، فالحق سبحانه يحوي جميع ما في الوجود ، وكذا ~~العقل الأول يحوي جميع ما هو دونه في الوجود ، ولهذا يصدر بوساطته عقل آخر ~~، ونفس ، وخيال ، وحس ، وطبع ، وجرم ، ومادة ، وهي كلها مترتبة في الوجود ~~متصلة في أعلى مراتبها العقلية إلى أدناها المادية ، وهكذا في غيره من ~~العقول والنفوس ، وفي كل قوة مجردة أو مادية. # فما من درجة من درجات الوجود إلا وقد خرجت من القوة إلى الفعل ، متحدة ~~بما قبلها ، أو مفصولة عنه ، فليس بين مراتب الوجود خلاء عقلي على قاعدة ~~الإمكان الأشرف ، كما ليس بين الأجسام خلاء مقداري ، كما برهن عليه. ### ||| * وصل # كل ما لا يفتقر من هذه المراتب في تقومه إلى شيء آخر غير مبدعه القيوم ، ~~بل هو قائم بذاته ، فوجوده لذاته ، وكل ما يفتقر في ذلك إلى شيء آخر بأن ~~يكون وجوده قائما بشيء آخر ، فوجوده ليس إلا لغيره. # ومثل هذا الشيء لا يدخل في دار الأعيان إلا بالتركيب الاتحادي بينه وبين ~~ذلك الغير ، بأن يكون أحدهما بمنزلة القوة والنقص بالنسبة إلى الآخر ، ~~والآخر بمنزلة الفعل والكمال بالنسبة إليه ، فلو كان كل منهما قوة بالنسبة ~~إلى الآخر ، وفعلية وكمالا ، لم يكن أحدهما أولى ، بأن يكون وجوده الآخر ~~وقائما به من الآخر بعكسه. PageV01P078 # وأيضا لا يكون إذا بينهما ارتباط إلا بمجرد الإضافة ، والإضافة بين ~~الشيئين لا توجب أن يكون أحدهما للآخر ، أو قائما به ، وسيأتي لهذا مزيد ~~انكشاف عن قريب ، إن شاء الله. ### ||| * وصل # ومن هذا يظهر أن الأجسام والجسمانيات كلها من حيث وجوداتها الخارجية ~~ضعيفة الوجود جدا ؛ وذلك لأنها كما يأتي مركبة من مادة هي قوة وجوداتها ، ~~وصورة هي فعليتها ، بالتركيب الاتحادي ، والمادة أمر عدمي ؛ لأنها قوة ~~الوجود لا نفسه ، وهذا حظها من الوجود ، والصورة ليس وجودها لنفسها ، وإلا ~~لاستقلت بذاتها ، ولم تقم بالمادة ، فهي إذن وجودها للمادة ، وقيامها بها ~~على نحو من الاتحاد ، والقائم بما يشبه المعدوم المتحد معه لا محالة يكون ~~شبيها بالعدم قريبا منه. ms032 # فالأجسام ليست إلا كظلال للموجودات القائمة بذواتها التي في عالم الغيب ~~المبرهن عليه فيما بعد ، ولهذا ترى كلا من أجزائها معدوما عن الآخر ، ~~مفقودا عنه ، وليس له من الجمعية والتحصل قدر يمكن أن يجمع بعضه بعضا ، ~~وكذا ليس له من البقاء ما يجمع أوله آخره ، فأوله ينقطع عن آخره ، وآخره ~~يفوت أوله ، بل كل بعض فرض منه فهو غائب عن بعض آخر ، وكذا حكم بعض البعض ~~منه بالقياس إلى بعض بعضه الآخر ، فالكل غائب عن الكل ، مفقود عنه ، فهي ( ~~@QUR@011 كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) (1). PageV01P079 # نعم لو كانت صورها موجودة لأنفسها ، قائمة بذواتها ، كما في عالم الغيب ، ~~أو كانت موجودة لشيء له وجود لنفسه ، كوجوداتها لقوانا الحسية والخيالية ~~والعقلية ، على ما سيأتي بيانه ، فهي إذن وجودات خالصة لا يشوبها شوب عدم ، ~~سوى العدم الذاتي الأصلي العام ، لما سوى الله ، فافهم واغتنم ، فإنه من ~~الأسرار التي لا يمسها إلا المطهرون ، وسيأتي له مزيد كشف وإيضاح إن شاء ~~الله العزيز. ### ||| * أصل # العدم ليس له ماهية إلا رفع الوجود ، فلا يتميز إلا بالوجود ، وحيث علم ~~أن وجود كل شيء هو نفس هويته ، فكما لا يكون لشيء واحد إلا هوية واحدة ، ~~فكذلك لا يكون له إلا وجود واحد وعدم واحد ، فلا يتصور وجودان لذات بعينها ~~، ولا عدمان لشخص بعينه. # وأما تعدد العدم للحادث الزماني من حيث السبق واللحوق فهو من تصرفات ~~الوهم ؛ إذ العدم لا يتعدد عند العقل إلا بتعدد الملكات ، فلا ذات قبل ~~الوجود ، ولا بعده ، حتى يقال إنها واحدة ، أو متعددة متماثلة ، وإنما يضيف ~~العقل نسبة العدم إلى ذات يختص وجوده بزمان معين قبل وجوده ، وبعد وجوده ، ~~ومرجعه إلى انحصار وعائه الوجودي وضيق استعداده عن الاستمرار والانبساط ~~سابقا ولا حقا ، إلا أن المحجوب لقصور نظره عن الإحاطة يتوهم أن العدم يطرأ ~~على شيء ويرفع وجوده الخاص عن متن الواقع ، ويحك هويته عن صفحة الأعيان ، ~~ولم يتفطن بأن طريان العدم على الشيء الثابت في الواقع لا يخلو إما ms033 أن يكون ~~في مرتبة وجوده وفي وعاء تحققه المختص به بعينه ، فيلزم اجتماع النقيضين في ~~مرتبة واحدة ، أو في زمان واحد بعينه ، وإما أن يكون في PageV01P080 # غير مرتبة وجوده ووعاء تحققه ، فالشيء يستحيل أن يكون له وجود إلا في ~~مرتبة وجوده وظرف فعليته ، فإن لكل شيء نحوا خاصا من الوجود ، ومرتبة ~~متعينة من الكون ، مع توابعه ولوازمه من الصفات والأزمنة والأمكنة اللائقة ~~به يقتضيه ، له أسبابه السابقة ، وشرائطه المتقدمة المنبعثة عن وجود المبدأ ~~الأول ، جل كبرياؤه ، ولم يتصور له طور آخر من الكون غير ما هو الواقع حتى ~~يطرأ عليه العدم ، ويرفعه عن ساهرة الأعيان ، أو يقع العدم بدلا عنه في ~~مقامه المفروض له. ### ||| * وصل # ومن هنا يظهر أن المعدوم لا يجوز أن يعاد بعينه ؛ لأن الهوية الشخصية ~~المستأنفة إذا كانت بعينها هي الهوية المبتدأة على ما هو المفروض ، فكان ~~الوجود أيضا واحدا ، فإن وحدة الهوية عين وحدة الوجود ، وقد فرض متعددا ، ~~هذا خلف. # على أنه يلزم أن تكون حيثية الابتداء عين حيثية الاستئناف ، مع كونهما ~~متنافيين ، وأن يتخلل العدم بين الشيء ونفسه ، فيكون هو قبل نفسه ، قبلية ~~بالزمان ؛ لاتحاد الهوية والوجود ، وهو بحذاء الدور الذي هو تقدم الشيء على ~~نفسه بالذات. # وأما إعادة الإنسان بعد موته فهو بمعنى إنشائه في نشأة أخرى ، كما قال ~~الله تعالى : ( @QUR@011 وما نحن بمسبوقين* على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا PageV01P081 # @QUR@01 تعلمون ) (1)، على أن الإنسان لا يعدم بالموت ، بل ينتقل من دار ~~إلى دار ، كما يأتي تحقيقه في محله. PageV01P082 ### | في العلم والجهل ### ||| * ( @QUR@04 وما يستوي الأعمى والبصير ) (1) ### ||| * ( @QUR@07 هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) (2). ### ||| * أصل # العلم : هو حصول صورة الشيء للعالم ، وظهوره لديه مجردا عما يلابسه. # والجهل : ما يقابله. # وهما يرجعان إلى الوجود والعدم ؛ وذلك لأن من علم شيئا ، فإن كانت صورة ~~المعلوم عين ذاته ، فيعلمها بذاته ، وذاته عبارة عن وجوده الذي لا ينفك عنه ~~فيعلمها دائما بوجوده ، فوجوده العالم ، ووجوده المعلوم ، ووجوده العلم ، ~~وذلك كعلم الله سبحانه بذاته ، وعلمنا بذواتنا. # وكذلك إذا كانت ms034 صورة المعلوم داخلة في ذاته ، بأن تكون مرتبة من مراتبه ~~النازلة ، كعلم الله سبحانه بما سواه ، وعلمنا بقوانا وإن كانت خارجة عن ~~ذاته ، فلا بد أن تكون فيه قوة هيولانية قابلة لأن تتصور بتلك الصورة ، حتى ~~يمكن له إدراكها. PageV01P083 # ثم إن تلك الصورة لا يجوز أن تفيض عليه من ذاته بالاستقلال ؛ لأنها صورة ~~كمالية لذاتها التي هي ناقصة من دونها ، فلا محالة تفيض عليه مما فوقه مما ~~هو بالفعل في إدراكها ، ولكن بتوسط استعداد منه ومرور عليه ، وهذا كإدراكنا ~~لما سوى ذواتنا ، وما أحاطت به ذواتنا من المحسوسات والمتخيلات والموهومات ~~والمعقولات ، فإن صورة هذه كلها إنما تفيض على أنفسنا من الجوهر العقلي ~~الذي هو رب نوعنا ، ومقيم صورنا بإذن الله ، واستعداد منا ، ورجوع إلى ذلك ~~الجوهر العقلي ، واتصال به ، كما يأتي بيانه في محله. # وإنما شرطنا فيه القوة الهيولانية القابلة للتصور بتلك الصورة في إدراكها ~~؛ لأن العلم بالأمر الخارج عن ذات العالم هو كالعلم بذات العالم ، وبما في ~~ذاته ، فلا يتحقق إلا بالاتحاد بالمعلوم ، والاستكمال به ، بأن يكون العالم ~~في نفسه ناقصا من جهة هذا العلم ، فيصير تاما بالمعلوم ، فتكون نسبته إليه ~~نسبة القوة إلى الفعل ، ونسبة النقص إلى الكمال ، فكأنه يرتقي من وجود إلى ~~وجود أعلى منه ، وهذا أيضا من الأسرار والغوامض التي لا يمسها إلا ~~المطهرون. وقد كان رأي جماعة من المتقدمين. # وممن برهن عليه من حكماء الإسلام ثقتهم ورئيسهم ، أفضل الدين القاساني ~~رحمه الله (1)، فإنه استدل عليه بأن الإدراك لا بد فيه من نيل المدرك لذات # (أنظر : الذريعة : 2 : 364 ، وج 9 : 116 ، وهدية العارفين : 2 : 128). PageV01P084 # المدرك ، وذلك إما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه ، أو بإدخاله إياه في ~~ذاته ، وخروج الشيء من ذاته محال ، وكذا دخول الشيء في ذات آخر ، إلا أن ~~يتحد معه ويتصور بصورته. # وقال أستاذنا مد ظله : لو لم تكن ذات العالم مصورة بصورة المعلوم فبأي ~~شيء يناله؟ أبذاته العارية من تلك الصورة ينال تلك الصورة؟ هذا محال ، وهل ~~هو إلا مثل ms035 أن يبصر الأعمى شيئا ، كيف ( @QUR@010 ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور ) (1). # أو ينال تلك الصورة بتلك الصورة ، فما لم يدرك تلك الصورة أولا كيف يدرك ~~بها؟ وإلا فتكون تلك الصورة عالمة ومعلومة ، والمفروض خلافه. # أو ينالها بصورة أخرى ، فننقل الكلام إلى تلك الأخرى جذعا ، ويتسلسل. # ولا يجوز أن يكون إدراكه لها بمجرد حصولها له ، حصول موجود مباين لموجود ~~مباين ، كوجود السماء والأرض لنا ، أو أمر عارض ؛ وذلك لأن الحاصل في مثل ~~ذلك ليس إلا إضافة محضة ، والإضافة من أضعف الأعراض وجودا ، بل وجودها وجود ~~الطرفين على وجه إذا عقل أحدهما غفل الآخر ، فهذا حظها من الوجود ، لا أن ~~لها صورة في الأعيان. # ثم إن وجود الإضافة إلى شيء غير وجود ذلك الشيء ، فإن إضافة الدار والفرس ~~والغلام لنا لا يوجب وجود شيء منها لنا ، أو فينا ، نعم ربما حصلت صورها ~~لذاتنا ، أو لقوانا ، والكلام عائد في تلك الصور وكيفية حصولها لنا ، أهي ~~بمجرد الإضافة ، أو بالاتحاد معنا؟ فإن كان بمجرد الإضافة فحصول الإضافة PageV01P085 # ليس حصولا لصورة شيء ، وهكذا يتسلسل الأمر إلى غير نهاية ، وهو محال. # وإن كان بالاتحاد ، فهو المطلوب. # وكذلك حكم العوارض اللاحقة لاستغناء الموضوع عنها في تحصله النوعي ~~والشخصي ، على أن المعلوم قد يكون جوهرا ، أو مع جوهر ، فعلم أن كل إدراك ~~وعلم فهو باتحاد بين العالم والمعلوم. # وكل من أنصف من نفسه علم أن النفس العالمة ليست ذاتها بعينها هي الذات ~~الجاهلة ، بل الجاهل من حيث هو جاهل لا ذات له أصلا ؛ لأنه من هذه الحيثية ~~قوة العلم فحسب ، والقوة عدمية ، وليست الصور العلمية كالقنية المالية من ~~الذهب والفضة ، والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ، أي وجودات ~~الماديات ذوات الأوضاع الجسمية بعضها لبعض الذي مرجعه إلى وجود النسب ~~الوضعية (1). ### ||| * وصل # قد تبين من هذا البيان أن العلم لا يتعلق بالأجسام بما هي أجسام ، أي ~~بوجوداتها الخارجية ؛ وذلك لأن صورها بما هي هي ليست حاصلة هذا النحو من ~~الحصول الاتحادي الذي وصفناه ، إلا لموادها ms036 ، كما دريت. # وإذا كان حصولها لموادها فلم تحصل أنفسها لها ، بل لا يحصل لها شيء أصلا ~~؛ لأن القائم بالغير الحاصل له تكون إنيته بعينها إنيته للمحل ، فلو حصل له ~~شيء يكون حصوله في الحقيقة لمحله لا له ، والمادة إذ هي أمر عدمي ليست إلا PageV01P086 # جهة القوة في الوجودات ، فليس لها في نفسها ذات يصح أن تدرك شيئا وتعلمه ~~حتى تدرك الصور الحاصلة فيها هذا الحصول ، فإن ما ليس له حصول في نفسه كيف ~~يحصل له شيء؟ # وإذا لم تكن الصور الخارجية للأجسام مما يصح أن يحصل لها شيء الحصول ~~المعتبر في العلم ، ولا هي حاصلة لما يصح له أن يعلمها ، فليست هي عالمة ~~بشيء أصلا ، ولا لشيء أن يعلمها بعينها كما هي ، فهي إذن معلومة بالقوة لا ~~بالفعل ، بمعنى أن في قوتها أن تنتزع منها صورا فتعلم تلك الصور. # لست أقول : إن متعلق العلم هو هذه الصورة بعينها بعد انتزاعها ؛ لاستحالة ~~انتقال المنطبعات في المواد. بل أقول : صور أخرى مثلها. # فالمعلوم بالذات من كل شيء ليس إلا صورا إدراكية قائمة بالنفس ، متحدة ~~معها ، لا صورا مادية خارجية ، سواء كان العلم بطريق الإحساس ، أو بغير ذلك ~~، فالمعلوم بالفعل لا يكون معلوما لغير عالمه ، فكل عالم فمعلومه غير معلوم ~~عالم آخر ، بل هو متحد بمعلومه ، بل هو بعينه العالم والمعلوم والعلم ، ~~فافهم واغتنم. ### ||| * وصل # الأجسام لما كانت بمنزلة ظلال للموجودات الغيبية القائمة بذواتها ، ولها ~~نحو اتحاد معها ، لقيوميتها إياها ، وتلك الوجودات عالمة بذواتها ومعلومة ~~لها ؛ لأن وجوداتها لأنفسها ، فالأجسام أيضا من هذه الجهة ، لها علم وشعور ~~بقدر اتصالها بها ، وبحسب وجوداتها. PageV01P087 # ألا ترى إلى الحجر المرمي إلى فوق مثلا كيف يتحرك إلى تحت ، ولو لم يكن ~~له شعور بأن المكان التحتي أوفق له ، وبطبعه لما تحرك إليه ، إذ لو لم يكن ~~له في ذلك مقتض ذاتي لما فعله بالذات ، وإذ لم يكن لمقتضاها وجود إلا أخيرا ~~فله نحو من الثبوت أولا ، المستلزم لنحو من الشعور ، وإن لم يكن على سبيل ~~القصد والروية ms037 ، كما في القرآن المجيد ( @QUR@010 وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) (1). # ثم ألم تنظر إلى إناث النخل وميلانها إلى صوب بعض ذكرانها ، وإلى سائر ~~الأشجار ، وميل عروقها إلى جانب الماء في الأنهار ، وانحرافها في الصعود عن ~~الجدار ، وإخراجها الأوراق الكثيرة بين الفواكه لتسترها عن صنوف الآفات ، ~~ويبقى لب الثمار ، إلى غير ذلك مما لا يحصى ، فيتبين أن العلم والشعور إنما ~~يكون بقدر الوجود ، فما يكون وجوده أقوى فعلمه أقوى ، وما يكون وجوده أضعف ~~فعلمه كذلك. فالعلم والجهل للأشياء هما عين الوجود والعدم لها. PageV01P088 ### | في النور والظلمة ### ||| * ( @QUR@08 وما يستوي الأعمى والبصير* ولا الظلمات ولا النور ) (1) ### ||| * أصل # النور : هو الظاهر بنفسه ، المظهر لغيره. # والظلمة : ما يقابله. # وهما أيضا يرجعان إلى الوجود والعدم ؛ إذ المظلم إنما يسمى مظلما لأنه ~~ليس للأبصار إليه وصولا ؛ إذ ليس موجودا للبصر ، مع أنه موجود في نفسه ، ~~والذي ليس موجودا لا لغيره ولا لنفسه ، فهو الغاية في الظلام ، بل هو ~~الظلمة الحقيقية. # وفي مقابله الوجود ، فهو النور الحقيقي ، وكما أن ما به يتحقق ويوجد ~~الشيء يجب أن يكون موجودا في نفسه ، لا بوجود زائد عليه ، أعني اتصافه ~~بالوجود ليس بجعل جاعل ، وإن كانت ذاته مجعولة جعلا بسيطا ، فكذلك ما به ~~يظهر الشيء لا بد وأن يكون ظاهرا في نفسه ، لا بظهور زائد عليه ، أي لا ~~مظهر له ، وإن كانت ذاته الظاهرة مجعولة جعلا بسيطا ، فالوجود والنور ~~والظهور كأنها ألفاظ مترادفة تعرب عن معنى واحد. PageV01P089 # فكل ما قيل أو يقال في باب الوجود من الأحكام ، كالبساطة ، والغنى عن ~~التعريف، وانتفاء الحد والرسم عنه ، وثبوت الشدة والضعف ، والتقدم والتأخر ~~له ، وكونه غنيا وفقيرا ، وجاعلا ومجعولا ، ومتعينا بذاته ، وغير ذلك ، ~~تصدق كلها في باب النور ؛ لأن الوجود والنور حقيقة واحدة ، وأقسام كل منهما ~~هي بعينها أقسام الآخر ، لا تغاير بينهما ، إلا بحسب تغاير الاصطلاحات ، ~~كذا أفاد أستاذنا دام ظله . # قال : وأما المسمى بالنور عند الجمهور ، كنور الكواكب ، ونور النار ، ~~وغير ذلك من الأضواء ، فليس بنور حقيقي خالص ؛ لأن ms038 نوريته وظهوره إنما هو ~~بالإضافة إلى القوة الباصرة فقط ، وأما بالنسبة إلى سائر الحواس فهو ظلمة ~~وخفاء ، لا خبر لها عنه أصلا ، ونسبة المبصر إلى المبصر كنسبة المسموع ~~والمشموم إلى السامعة والشامة ، وكذلك غيرها ، لا فرق بينها إلا فيما يرجع ~~إلى شدة الوجود وضعفه ، فإن قوة الباصرة لما كانت أقوى الحواس والمدرك ~~دائما من باب المدرك ، فمدركات الباصرة تسمى بالنور بحسب العرف لأجل ذلك ، ~~وإلا فكما أن الضوء ظاهر بذاته عند الباصرة ، مظهر لغيره ، من معروضاته ~~عليها ، فكذلك الصوت ظاهر بذاته للسامعة ، مظهر لغيره من معروضاته عليها ، ~~فيقال : صوت الرعد ، وصوت الرحى ، وكذلك الريح ظاهر بذاته للشامة ، مظهر ~~لغيره من معروضاته عليها ، فيقال : ريح المسك ، وريح الورد ، وهكذا في سائر ~~المدركات. # وكما أن الصوت لا يظهر ، ولا يظهر لغير حاسة السمع ، والطعم لا يظهر ولا ~~يظهر لغير حاسة الذوق ، فالضوء أيضا لا يظهر ولا يظهر على غير حاسة البصر ، ~~فلا فرق بينها في النورية أصلا. # قال في الفتوحات : لو لا النور ما أدرك شيء ، لا معلوم ، ولا محسوس ، ولا PageV01P090 # متخيل أصلا ، ويختلف على النور الأسماء الموضوعة للقوى ، فهي عند العامة ~~موضوعة للقوى ، وعند العارفين أسماء للنور المدرك به ، فإذا أدركت ~~المسموعات سمي ذلك النور سمعا ، وإذا أدركت المبصرات سمي بصرا ، وغير ذلك ~~لمسا ، وذوقا ، وشما ، وخيالا ، ووهما ، وعقلا ، وحافظة ، ومفكرة ، ومصورة ~~، وكل ما يقع به إدراك فليس إلا النور (1). ### ||| * وصل # قد تبين مما ذكر أن ظهور كل محسوس ووجوده بما هو محسوس إنما هو بالإضافة ~~إلى حس واحد ، وذلك أيضا من جهة تجرده عن المادة ، وأما من حيث انطباعه في ~~المادة فنوريته بالقوة وهو بالفعل ظلمة وغسق ، وظهوره بالإضافة إلى النفس ~~أيضا من جهة تجرده ليس إلا بتوسط هذه الحواس ، ولهذا إذا فقدت عنها هذه ~~الحواس كما في يوم القيامة كورت الشمس ، وانكدرت النجوم ، وظهوره بالإضافة ~~إلى العقول أيضا إنما هو بتوسط النفوس ، ولهذا السماوات مطويات بيمينه. # والنور الحقيقي والوجود البحت ما يكون ظاهرا في نفس الأمر بلا توسط شيء ms039 ~~من الحواس والنفوس ، وفي جميع المراتب والأحوال. # ومن هنا يظهر أن وجود عالم الحس كله مشوب بالعدم ، ونوريته مخلوطة ~~بالظلمة ، وعلمه ممزوج بالجهل ، فافهم. PageV01P091 ### | في الحياة والموت ### ||| * ( @QUR@05 وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) (1) ### ||| * أصل # الحياة : هي ما يساوق الفعل والإدراك معا. # والموت : ما يقابلها. # وهما أيضا يرجعان إلى الوجود والعدم ؛ لأن مبدأ الأفعال والآثار إنما هو ~~الوجود ، وهو كما دريت عين الإدراك ، فكل موجود حي على حسب وجوده ، شدة ~~وضعفا ، وكل معدوم ميت من جهة أنه معدوم ، وكذلك كل عالم فهو حي بقدر علمه ~~، وكل جاهل فهو ميت على حسب جهله. # ومن هنا قال سبحانه عند ذكر العلماء والجهال : ( @QUR@05 وما يستوي ~~الأحياء ولا الأموات ). # وقال : ( @QUR@04 لينذر من كان حيا ) (2)، ( @QUR@03 فلنحيينه حياة طيبة ~~) (3)، ( @QUR@02 أومن كان PageV01P092 # @QUR@016 ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها ) (1). إلى غير ذلك من الآيات. ### ||| * وصل # كل ما وجوده لنفسه فحياته ذاتية ، وكل ما وجوده لغيره فحياته عرضية ؛ ~~لأنها بتوسط ذلك الغير ، فلو لم يكن لذلك الغير وجود لنفسه ، كصور الأجسام ~~القائمة بالمواد ، فمثل هذا الشيء ميت إلا بقدر اتصاله بوجوده الغيبي ~~القائم بالذات ، فإنه من تلك الجهة حي. # وبالجملة : الحياة كالعلم والنور تابعة للوجود ، كما أن متقابلاتها تابعة ~~للعدم ، فالمجردات عن المادة حياتها ذاتية ، والماديات حياتها عرضية ، لكن ~~الماديات التي لها نفوس مجردة يمكن أن يطلق عليها الحي بالذات ؛ لأن الغلبة ~~والقهر فيها للنفوس ، والحيوان أخص من الحي بالمعنى الأعم مطلقا ، وأعم من ~~الحي بالذات من وجه ؛ لأنه إنما يطلق على الحساس المتحرك بالإرادة ، سواء ~~كانت حياته ذاتية ، أو عرضية. PageV01P093 ### | في الإيمان والكفر ### ||| * ( @QUR@09 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ### ||| * @QUR@08 والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ### ||| * @QUR@01 الظلمات ) (1) ### ||| * ( @QUR@07 مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ### ||| * @QUR@02 يستويان مثلا ) (2) ### ||| * أصل # الإيمان : هو التصديق بالشيء على ما هو عليه ، ولا محالة هو مستلزم لتصور ~~ذلك الشيء كذلك بحسب الطاقة ، فهو يرجع إلى العلم الراجع إلى نحو من ~~الوجود. # وفي الشرع ms040 : عبارة عن التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ( ~~@QUR@014 آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله ) (3)، ويدخل في الكتب والرسل أوصياء الرسل صلوات الله PageV01P094 # عليهم أجمعين وسائر ما جاؤوا به. # والكفر : ما يقابله ، وهو بمعنى الستر والغطاء ، فهو يرجع إلى الجهل ~~الراجع إلى نحو من العدم. # والشرك : هو الاعتقاد بالشيء على خلاف ما هو به. # سئل الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام عن أدنى ما يكون العبد مشركا ، ~~فقال : «من قال للنواة إنها حصاة ، وللحصاة هي نواة ، ثم دان به» (1). # وقال : «الكفر أعظم من الشرك ، فمن اختار على الله وأبى الطاعة وأقام على ~~الكبائر فهو كافر ، ومن نصب دينا غير دين المؤمنين ، فهو مشرك» (2). ### ||| * وصل # كما أن للوجود درجات مترتبة بعضها فوق بعض ، وهو معقول عليها بالتشكيك ، ~~فكذلك الإيمان له درجات مترتبة في القوة والضعف. # قال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : «الإيمان ~~حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص ~~البين نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه» (3). # وقال أيضا : «لو علم الناس كيف خلق الله تعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا ~~، قيل: وكيف ذاك؟ فقال : إن الله تعالى خلق أجزاء بلغ بها تسعة وأربعين PageV01P095 # جزء ، ثم جعل الأجزاء أعشارا ، فجعل الجزء عشرة أعشار ، ثم قسمه بين ~~الخلق ، فجعل في رجل عشر جزء ، وفي آخر عشري جزء ، حتى بلغ به جزء تاما ، ~~وفي آخر جزء وعشر جزء، وآخر جزء وعشري جزء ، وآخر جزء وثلاثة أعشار جزء ، ~~حتى بلغ به جزئين تامين ، ثم بحساب ذلك حتى بلغ بأرفعهم تسعة وأربعين جزء ، ~~فمن لم يجعل فيه إلا عشر جزء لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين (1)، ~~ولا يكون مثل صاحب الثلاثة الأعشار ، وكذلك من تم له جزء لا يقدر على أن ~~يكون مثل صاحب الجزئين ، ولو علم الناس أن الله تعالى خلق هذا الخلق على ~~هذا لم يلم أحد أحدا» (2). # وعن أبيه الباقر عليه السلام : «إن المؤمنين على ms041 منازل ، منهم على واحدة ، ~~ومنهم على اثنتين ، ومنهم على ثلاث ، ومنهم على أربع ، ومنهم على خمس ، ~~ومنهم على ست ، ومنهم على سبع ، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم ~~يقو ، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو. وساق الحديث ، ثم قال : وعلى هذه ~~الدرجات» (3). ### ||| * وصل # أوائل درجات الإيمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه ، على اختلاف مراتبها ~~، ويمكن معها الشرك ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) (4)، PageV01P096 # وعنها يعبر بالإسلام في الأكثر ( @QUR@014 قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) (1). # وعن الصادق عليه السلام : «الإيمان أرفع من الإسلام بدرجة ، إن الإيمان ~~يشارك الإسلام في الظاهر ، والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن ، وإن ~~اجتمعا في القول والصفة» (2). # وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة ( @QUR@07 الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا ) (3). # وأكثر إطلاق الإيمان عليها خاصة ( @QUR@017 إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) (4). # وأواخرها تصديقات كذلك ، مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة للمبدأ جل ~~ذكره ، وشوق تام إلى حضرته المقدسة ( @QUR@022 يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء ) (5). # وعنها العبارة تارة بالإحسان «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» (6)، ~~وأخرى بالإيقان ( @QUR@03 وبالآخرة هم يوقنون ) (7). PageV01P097 # وإلى المراتب الثلاث الإشارة بقوله سبحانه : ( @QUR@024 ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) (1). # وإلى مقابلاتها التي هي مراتب الكفر ، الإشارة بقوله تعالى : ( @QUR@020 ~~إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) (2). # فنسبة الإحسان واليقين إلى الإيمان كنسبة الإيمان إلى الإسلام. # قال الصادق عليه السلام : «إن الإيمان أفضل من الإسلام ، وإن اليقين أفضل ~~من الإيمان ، وما من شيء أعز من اليقين» (3). ### ||| * وصل # إن لليقين مراتب ثلاث : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين ms042 ، ( ~~@QUR@011 كلا لو تعلمون علم اليقين* لترون الجحيم* ثم لترونها عين اليقين ) ~~(4)، ( @QUR@05 إن هذا لهو حق اليقين ) (5). # والفرق بينها إنما ينكشف بمثال ، فعلم اليقين بالنار مثلا هو مشاهدة ~~المرئيات بتوسط نورها ، وعين اليقين بها هو معاينة جرمها بفيض ذلك النور ، PageV01P098 # وحق اليقين بها الاحتراق فيها ، وانمحاء الهوية بها ، والصيرورة نارا ~~صرفا ، وليس وراء هذا غاية ( @QUR@05 واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) (1)، ~~أي الحق ، ولا هو قابل للزيادة «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» (2)، رزقنا ~~الله الوصول إليه بمنه. PageV01P099 ### | في الخير والشر ### ||| * ( @QUR@06 ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) (1) ### ||| * أصل # الخير والشر معناهما ظاهر ، وهما أيضا يرجعان إلى الوجود والعدم ؛ لأن ~~الوجود كله خير ، والشر لا ذات له ، بل هو عدم ذات ، أو عدم كمال الذات ؛ ~~وذلك لأن الشر لو كان أمرا وجوديا ، فلا يخلو إما أن يكون شرا لنفسه ، أو ~~لغيره ، والأول باطل ؛ لأن معنى كون الشيء شرا لشيء أن يكون معدما له ، أو ~~لبعض كمالاته ليس إلا ، والشيء لا يقتضي عدمه ، وإلا لما وجد. # وكذا لا يقتضي عدم كماله ، كيف وجميع الأشياء طالبة لكمالاتها ، لا ~~مقتضية لعدمها؟ مع أنه لو اقتضى أحدهما لكان الشر ذلك العدم ، لا نفسه. # وكذا الثاني ؛ لأن كونه شرا لغيره ، إما لأنه يعدم ذلك الغير ، أو يعدم ~~بعض كمالاته ، فليس الشر إلا عدم ذلك الشيء ، أو عدم كاله ، لا نفس الأمر ~~الوجودي المعدم. # فالشر إما عدم ذات ، أو عدم كمال الذات ، وكل ما لا يكون كذلك فهو خير ، ~~فالوجود من حيث إنه وجود خير محض ، والعدم من حيث إنه عدم شر PageV01P100 # محض ، فكل ما وجوده أقوى فخيريته أتم وأوفر ، وكل ما وجوده أضعف فخيريته ~~أنقص وأقل، إلى أن ينتهي إلى أضعف الموجودات ، وهو المادة الجسمانية التي ~~هي قوة الوجودات ، فهي قوة الخيرات. ### ||| * وصل # ومن هذا ظهر أن إطلاق الشر على ما يقتضي منع المتوجه إلى كمال عن وصوله ~~إلى ذلك الكمال ، مثل البرد المفسد للثمار ، والحر المعفن لها ، والمطر ~~المانع للقصار عن تبييض الثياب. وكالأفعال المذمومة ، مثل الظلم ms043 ، والزنا. ~~وكالأخلاق الردية ، مثل الجبن ، والبخل. وكالمؤلمات والغموم ، وغير ذلك من ~~الأمور الوجودية التي يتبعها أعدام إنما هو على سبيل المجاز ؛ وذلك لأن هذه ~~الأشياء ليست في أنفسها شرورا ، بل إنما يتأدى إلى الشرور بالعرض ، فإنا ~~إذا تأملنا في ذلك وجدنا البرد في نفسه من حيث هو كيفية ما ، وبالقياس إلى ~~علته الموجبة له ليس بشر ، بل هو كمال من الكمالات ، وإنما هو شر بالقياس ~~إلى الثمار لإفساده أمزجتها ، فالشر بالذات هو فقدان الثمار كمالاتها ~~اللائقة بها. # والبرد إنما صار شرا بالعرض ؛ لاقتضائه ذلك ، وكذلك الحر والمطر. # وأيضا الظلم والزنا ، ليسا من حيث هما أمران يصدران عن قوتين ، كالغضبية ~~والشهوية مثلا بشر ، بل هما من تلك الحيثية كمالان لتينك القوتين ، إنما ~~يكونان شرا بالقياس إلى المظلوم ، أو إلى السياسة المدنية ، أو إلى النفس ~~الناطقة الضعيفة عن ضبط قوتيها الحيوانيتين ، فالشر بالذات هو فقدان أحد ~~تلك الأشياء كماله ، وإنما أطلق على أسبابه بالمجاز ، لتأديته إلى ذلك. PageV01P101 # وكذلك القول في الأخلاق التي هي مبادؤها. # وعلى هذا القياس المؤلمات ، فإنها ليست بشرور من حيث إنها أمور خاصة ، ~~ولا من حيث وجوداتها في أنفسها ، أو صدورها عن مبدئها ، إنما هي شرور ~~بالإضافة إلى المتألم الفاقد لاتصال عضو من شأنه أن يتصل مثلا. # فهذه الوجودات ليست من حيث هي وجودات بشرور ، إنما هي شرور بالقياس إلى ~~الأشياء العادمة كمالاتها ، لا لذواتها ، بل لكونها مؤدية إلى تلك الأعدام ~~، فشريتها المجازية أيضا إنما هي بالإضافة إلى أشخاص معينة ، وأما في ~~أنفسها فليست بشرور ، كيف والشيء لا ينافي نفسه؟ وكذلك بالقياس إلى أشخاص ~~أخر لا تنافيها ، وهو ظاهر. # وأما الخيرات فقد تكون حقيقية ، وقد تكون إضافية. # سؤال : نحن نعلم بالوجدان أن في الألم الذي هو نوع من الإدراك الراجع إلى ~~نحو من الوجود يحصل شران : أحدهما بالعرض ، وهو الأمر العدمي ، كقطع العضو ~~مثلا أو زوال الصحة. والآخر بالذات ، وهو الأمر الوجودي الذي هو نفس الألم ~~؛ إذ لا شك أن تفرق الاتصال شر ، سواء أدرك ، أو لم يدرك. # ثم ms044 الألم المترتب عليه شر آخر بين الحصول ، لا ينكره عاقل حتى لو كان ~~التفرق حاصلا بدون الألم لم يتحقق هذا الشر الآخر ، ولو فرض تحقق هذا الألم ~~من غير حصول التفرق لكان الشر بحاله ، فثبت أن نحوا من الوجود شر بالذات. # جواب : الألم إدراك للمنافي العدمي ، كتفرق الاتصال ونحوه بالعلم الحضوري ~~، وهو الذي يكون العلم فيه هو المعلوم بعينه ، لا صورة أخرى حاصلة منه ، ~~فليس في الألم أمران أحدهما مثل التفرق والقطع ، والثاني صورة حاصلة منه ~~عند المتألم يتألم لأجلها ، بل حضور ذلك المنافي العدمي هو الألم بعينه ، فهو PageV01P102 # وإن كان نوعا من الإدراك لكنه من أفراد العدم وثبوته على نحو ثبوت أعدام ~~الملكات ، كالعمى والسكون. # وقد علمت أن وجود كل شيء عين ماهيته ، فوجود العدم عين ماهية ذلك العدم ، ~~كما أن وجود الإنسان عين الإنسان ، فهاهنا الوجود عين التفرق ، أو القطع ، ~~الذي هو عدمي ، والإدراك المتعلق به عين ذلك الوجود ، الذي هو نفس الأمر ~~العدمي ، الذي هو شر بالذات ، وظاهر أن العدم الذي يقال إنه شر هو العدم ~~الحاصل لشيء ، لا العدم مطلقا ، كذا أفاد أستاذنا دام ظله (1). PageV01P103 ### | في اللذة والألم ### ||| * ( @QUR@09 وما يستوي الأعمى والبصير* ولا الظلمات ولا النور* ولا ### ||| * @QUR@03 الظل ولا الحرور ) (1) ### ||| * أصل # اللذة : هي إدراك الملائم. # والألم : هو إدراك للمنافي. # وهما أيضا عند التحقيق يرجعان إلى الوجود والعدم ؛ لأن الملائم للشيء ما ~~هو خير وكمال بالنسبة إليه ، والمنافي له ما هو شر ووبال بالقياس إليه ، ~~ومآل الخير والشر كما دريت إلى الوجود والعدم ، ومآل الإدراك إلى الاتحاد ~~بالمدرك ، وأما الأمور الوجودية المؤلمة فإنما إيلامها يرجع إلى الأعدام ~~كما أشرنا إليه ، ولو كانت وجودات بحتة لما كانت مؤلمة ، وكذا لو كانت ~~أعداما بحتة لما أمكن إدراكها أصلا ، مع أن الألم أيضا من جنس الإدراك ، ~~ولكنه متعلق بالوجود المستلزم لعدم ما ، من حيث استلزامه له ، أو بوجود ~~العدم ، كما دريت. PageV01P104 ### ||| * وصل # ولما كانت الملائمة والمنافرة المعتبرتان في اللذة والألم ما يكون ~~بالإضافة ، وملائم الشيء قد يكون غير ما يلائم ms045 الشيء الآخر ، كالغلبة للقوة ~~الغضبية ، والمطعم والمنكح للقوة الشهوية ، والرجا للوهمية ، والعلوم ~~والإدراكات للعقلية ، إلى غير ذلك ، فلا جرم كل لذيذ بالنسبة إلى شيء لا ~~يجب أن يكون لذيذا بالنسبة إلى شيء آخر. # وكذا ما يكون لذيذا في حال أو في نشأة ليس بواجب أن يكون لذيذا في حال ~~آخر، أو نشأة أخرى ، إلا أن يكون ذلك الملذ ملائما للملتذ مطلقا ، وكذا ~~القول في جانب الألم. # ولا بد أيضا من الشعور بالملائمة والمنافرة ؛ إذ لو كان غافلا عن ذلك لم ~~يلتذ ، ولم يتألم ، ولهذا لا نلتذ بالصحة والسلامة مع أنهما كمال وخير لنا ~~، فإن استمرار المحسوسات يذهل النفوس عن إحساسها ، ألا ترى إلى المريض ~~الطويل المرض إذا عاد إلى الحالة الطبيعية مغافصة (1) غير خفي التدريج كيف ~~يجد لذة عظيمة؟ # ومن هذا القبيل قلة التذاذ بعض العلماء بعلمهم ، وقلة تألم الجهال بجهلهم ~~، أو عدم تألمهم رأسا ، فإن سبب ذلك خروج أنفسهم عن مقتضى الطبيعة الأصلية ~~بالعادات الردية ، والآفات العارضة ، والإلف مع المحسوسات والإخلاد إلى ~~الأرض ، فإن هذه العوارض في النفس بمنزلة الخدر في العضو يمنعها عن PageV01P105 # الالتفات إلى المعقولات ، كما يمنع الخدر العضو عن الإحساس بالاحتراق ~~مثلا ، وما لم تقبل النفس على المعقولات لم تجد ذوقا منها ، فلم يحصل لها ~~شوق إليها. # وأما الجهل فلما كان مستمرا غير متجدد ، وكانت النفس مشتغلة بغيره لم تكن ~~مدركة له ، فلم تكن متألمة به. ### ||| * وصل # ثم إن نسبة اللذة إلى اللذة هي بعينها نسبة المدرك إلى المدرك ، والإدراك ~~إلى الإدراك ؛ وذلك لأن المحدود والحد يجب أن يكونا متطابقين في قبول الشدة ~~والضعف ، كالسواد الذي يحد بأنه لون قابض للبصر ، ثم كان بعض الألوان أقبض ~~للبصر من بعض ، فوجب أن يكون بعض ما هو سواد أشد من بعض ، فكل ما وجوده ~~أقوى ، وخيريته أتم ، وملائمته أوفر ، وإدراكه أشد ، فالالتذاذ به أكثر ، ~~والابتهاج به أكمل ، والسرور به أدوم. # وكل ما هو استلزامه للعدم أقوى ، وشريته أتم ، ومنافرته أوفر ، وإدراكه ~~أشد ، فالتألم به أكثر ، والاغتمام به أكمل ms046 ، والحزن به أدوم ، وعلى هذا ~~القياس. ### ||| * وصل # قد دريت أن المجردات عن المواد وجوداتها أقوى ، ومدركيتها أتم ، وأن ~~الخيرية والملائمة فرعان للوجود ، فإدراكها لا محالة ألذ من إدراك الماديات ~~على اختلاف مراتبها جميعا ، فاللذات العقلية أقوى وأشد من اللذات الخيالية ~~، والخيالية أقوى وأتم من الحسية. PageV01P106 # بل نقول لا نسبة للذات العقلية إلى الحسية ، كيف لا والعقل يدرك الشيء ~~على ما هو عليه مجردا عما هو غريب له من القشور واللبوسات ، فينال حاق ~~جوهره ولب ذاته ، وأما الحس فلا يدرك إلا الخلطاء ، ولا ينال إلا المشوبات ~~بالغير ، فلا يحس باللون ما لم يحس معه بالطول والعرض ، والوضع والأين ، ~~وبأمور أخرى غريبة عن حقيقة اللون. # وأيضا فإن إدراك العقل يطابق المدرك ، ولا يتفاوت ، والحس يرى الشيء ~~الواحد عظيما في القرب ، صغيرا في البعد ، وكلما صار أبعد يراه أصغر إلى أن ~~يصير بسبب البعد كنقطة ، ثم تبطل رؤيته ، وكلما صار أقرب كان أعظم إلى أن ~~يصير بسبب القرب ساترا لنصف العالم ، ثم تبطل رؤيته. # وأيضا فإن مدركات العقل الأرواح الباقية الأزلية التي يمتنع فناؤها ، ~~والذوات الثابتة النورية التي يستحيل تغيرها ، وهي تقوي العقل وتزيده نورا ~~، كلما كثرت. # وأما مدركات الحس فهي الأجسام المتغيرة الفانية ، وأعراضها المادية ~~المستحيلة الزائلة ، وهي تفسد الحس إذا قويت لذته ، فإن لذة العين مثلا في ~~الضوء ، وألمها في الظلمة. والضوء القوي يفسدها. وكذا الصوت القوي يفسد ~~السمع ويمنعه من إدراك الخفي بعد. PageV01P107 ### ||| * وصل # فتبا وتعسا لأوهام عامية خسيسة زعمت أن اللذات القوية المستعلية هي ~~الحسية ، وأن ما عداها لذات ضعيفة ، وكلها خيالات غير حقيقية. # قال في الإشارات : وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تمييز ما ، فيقال له ~~: أليس ألذ ما تصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات ، والمطعومات ، وأمور ~~تجري مجراها ، وأنتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما ، ولو في أمر خسيس ~~كالشطرنج والنرد ، قد يعرض له مطعوم ومنكوح فيرفضه لما يعتاضه من لذة ~~الغلبة الوهمية ، وقد يعرض مطعوم ومنكوح في صحبه حشمة (1) فينفض اليد منهما ~~مراعاة للحشمة ms047 ، فتكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك من المطعوم ~~والمشروب ، وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام يصيبون موضعه آثروه ~~على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه ، وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم ~~مسرعين إلى الإنعام به. # وكذلك فإن كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ، ~~ويستحقر هول الموت ، ومفاجأة العطب عند مناجزة الأقران والمبارزين ، وربما ~~اقتحم الواحد منهم على عددهم ممتطيا ظهر الخطر ، لما يتوقعه من لذة الحمد ، ~~ولو بعد الموت ، كأن تلك تصل إليه وهو ميت ، فقد بان أن اللذات الباطنة ~~مستعلية على اللذات الحسية. PageV01P108 # وليس ذلك في العاقل فقط ، بل وفي العجم من الحيوانات ، فإن من كلاب الصيد ~~ما يقتنص على الجوع ، ثم يمسكه على صاحبه ، وربما حمله إليه ، والراضعة من ~~الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها ، وربما خاطرت محامية عليه أعظم من ~~مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها. # فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة ، وإن لم تكن عقلية ، فما قولك ~~في العقلية؟ (1) ### ||| * وصل # وطوبى وبشرى لعقول خاصية شريفة تمثلت فيها جلية الحق الأول قدر ما يمكنها ~~أن تنال منه ببهائه الذي يخصه ، ثم يتمثل فيها الوجود كله على ما هو عليه ~~مجردا عن الشوائب ، مبتدئا فيه بعد الحق الأول بالجواهر العقلية الجبروتية ~~، ثم الروحانية الملكوتية ، والأجرام السماوية ، ثم ما بعد ذلك تمثلا لا ~~يمايز الذات. # قال بعض العلماء (2): لو علم الملوك ما نحن فيه من لذة العلم لحاربونا ~~بالسيوف ( @QUR@05 وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) (3). # وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال : «لو يعلم الناس ما ~~في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما متع به الأعداء من زهر ~~الحياة الدنيا PageV01P109 # ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطأونه بأرجلهم ، ولنعموا بمعرفة ~~الله تعالى ، وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله. ~~إن معرفة الله تعالى آنس من كل وحشة، وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، ~~وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم ، ثم ms048 قال : وقد كان قبلكم قوم يقتلون ~~ويحرقون وينشرون بالمناشير ، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عما هم ~~عليه شيء مما هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم، ولا أذى ، بل ما ~~نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، فسلوا ربكم درجاتهم ، ~~واصبروا على نوائب دهركم ، تدركوا سعيهم» (1). PageV01P110 ### | في الغنى والفقر ### ||| * ( @QUR@04 والله الغني وأنتم الفقراء ) (1) ### ||| * أصل # الغنا : هو استقلال الشيء بذاته ، في كل ما له ، من غير تعلق له بالغير ~~أصلا ، ويرجع إلى ضرورة الوجود الذاتية المسماة بالوجوب الذاتي ، وهي كون ~~الشيء بحيث ينتزع عن نفس ذاته بذاته الموجودية ، ويحكم بها عليه ، مع قطع ~~النظر عن جميع ما عداه ، ويسمى صاحبها الغني بالذات ، والواجب بالذات. # والفقر : هو عدم استقلال الشيء بذاته ، وتعلقه بالغير ، ولو في شيء ما ، ~~ويرجع إلى لا ضرورة الوجود ، ولا العدم بالذات ، المسماة بالإمكان الذاتي ، ~~وهي كون الشيء بحيث لا ينتزع عن نفس ذاته الموجودية بذاته ، بل بحسب إعطاء ~~الغير ذلك ، فيفتقر في هذا الانتزاع إلى ملاحظة ذلك الغير ، ويسمى صاحبها ~~المستغني بالغير ، والواجب بالغير. # وقد تكون ضرورة الوجود بالنظر إلى الغير ، بأن يستدعي الغير وجود الشيء ~~استدعاء أعم من الاقتضاء ، ومرجعه إلى أن الغير تأبى ذاته إلا أن يكون ~~للشيء ضرورة الوجود ، سواء كان باقتضاء ذاتي ، أو بحاجة ذاتية ، ووجود PageV01P111 # تعلقي ، وإليه أشير في الحديث القدسي : «يا موسى أنا بدك اللازم» (1)، ~~ويسمى صاحبها الغني ، أو الواجب ، بالقياس إلى الغير ، وهو قد يكون غنيا ~~بالذات ، وقد يكون فقيرا. # وكذلك ضرورة العدم ، إما بالذات أو بالغير ، أو بالنظر إلى الغير ، فله ~~الأقسام الثلاثة ، ويسمى بالامتناع ، وصاحبها بالممتنع ، والهالك ، على ~~القياس. # وأما لا ضرورة الوجود ، ولا العدم ، فهي إنما تكون بالذات ، أو بالقياس ~~إلى الغير ، ولا تكون بالغير ، وإلا فلو قطع النظر عن ذلك الغير يبقى هو ~~ممكنا فقيرا في حد ذاته ، أو واجبا غنيا ، أو ممتنعا هالكا ، فإن كان ممكنا ~~فلا تأثير للغير في إمكانه ، لتساوي فرض وجوده وعدمه ، واعتباره ولا ~~اعتباره ، وقد فرض كونه ms049 مؤثرا ، هذا خلف. # وإن كان واجبا ، أو ممتنعا في ذاته ، فقد أزاله ذلك الغير عما يقتضيه ~~ذاته ، وكساه خلاف ما استوجبه بطباعه ، وهذا محال ، كيف لا ، وما بالذات لا ~~يزول ، ولا يزال ، إذن يلزم الانقلاب المحال ، وليس كذلك إذا كان الوجوب أو ~~الامتناع بالغير حين كون الذات متصفة بالإمكان الذاتي ؛ لأنه عبارة عن لا ~~اقتضاء الذات إحدى الضرورتين ، لا اقتضاؤها سلبهما. # وبينهما فرق ؛ إذ الأول سلب تحصيلي ، لا إيجاب سلب ، أو إيجاب عدول ، ~~والثاني إيجاب لأحدهما ، والسلب البسيط التحصيلي بما هو كذلك لا يخرج صدقه ~~على شيء بحسب ذاته إلى اقتضاء من تلقاء تلك الذات له ، بل يكفي فيه عدم ~~الاقتضاء على الإطلاق. PageV01P112 # وإما تجويز أن يكون لشيء واحد باعتبار واحد إمكانان ، أحدهما بالذات ، ~~والآخر بالغير ، فهو ظاهر الفساد ؛ إذ كما لا يتصور لشيء واحد باعتبار واحد ~~وجودان ، أو عدمان ، فكذلك لا يتصور لواحد بعينه من الذوات أو الحيثيات ~~المكثرة للذات ضرورتا وجود واحد ، أو ضرورتا عدم واحد ، ولا ضرورتا وجود ~~وعدم واحد. # كيف ، وهذه المعاني طبائع ذهنية لا تحصل إلا بالإضافة ، ولا يتعدد كل ~~منها إلا بتعدد ما أضيفت هي إليه؟ # وقد ظهر من هذه البيانات أن كلا من الواجب بالذات والممتنع بالذات لا ~~يكون واجبا بالغير ، ولا ممتنعا بالغير ، وإلا يلزم إما عدم تأثير ذلك ~~الغير ، وتساوي اعتباره ولا اعتباره ، وإما زوال ما بالذات ، وانقلاب ~~الحقيقة ، وكلاهما مستبين الفساد. ### ||| * أصل # قد دريت أنه لا يجوز ترجح أحد طرفي المتساويين من دون مرجح ، فالماهية ~~الممكنة ما لم يترجح وجودها لم توجد ، وما لم يترجح عدمها لم تنعدم ، ولا ~~يجوز أن تقتضي ذاتها رجحان أحد الطرفين من غير سبب خارج عن نفسها ، لما ~~دريت أن الماهية لا ذات لها قبل جعل الوجود ، وأنها ما لم تدخل في دار ~~الوجود دخولا عرضيا ليست في نفسها شيئا من الأشياء حتى نفسها ، فلا يصلح ~~لإسناد مفهوم ما إليها إلا بحسب التقدير البحت. # وأما اتصافها بالإمكان والامتناع وإن كان من أحوالها السابقة على PageV01P113 # وجودها ms050 ، وصفات وجودها ، باعتبار العقل ، فمرجعه إلى أنها لو انقلبت من ~~التقديرية إلى الحقيقة المستقلة بحسب الفرض الجائز ، أو المستحيل ، كان ~~الإمكان أو الامتناع من اعتباراتها ، لا أنها في حال عدمها بما هي عدم ~~موصوفة بأحدهما. # كيف ، والمعدوم ليس بشيء؟ فإما تجويز كون الشيء مكون نفسه ، ومقرر ذاته ، ~~مع بطلانه الذاتي ، فلا يتجشمه ذو مسكة ، على أنه يلزم أن يكون الشيء ~~الواحد مفيدا لوجود نفسه ، ومستفيدا عنه ، فيلزم تقدمه بوجوده على وجوده. ### ||| * وصل # وما لم يبلغ الرجحان الخارجي إلى حد الوجوب ، أو الامتناع ، لم يوجد ~~الممكن ، ولم ينعدم ؛ لأن وقوع أحد الطرفين مع ذلك الرجحان ، إما ممكن ، أو ~~واجب ؛ إذ لا وجه للامتناع ، فإن كان ممكنا عاد الكلام في سبب ترجحه ولا ~~يقف ، بل يؤدي إلى الافتقار بعد كل سبب إلى سبب آخر لا إلى نهاية ، ويلزم ~~منه أيضا أن لا يكون ما فرض سببا بسبب ، وهو محال ، فإذن وقوعه مع الأولوية واجب. # وأيضا وقوع الطرف الآخر مع مرجوحيته غير جائز ، وإلا لزم ترجح المرجوح ، ~~فوقوع الراجح واجب ، فالوجوب منتهى سلسلة الإمكانات ، والغني بالذات مرجع ~~الفقراء ، ومن هنا قيل : إن وجوب الشيء قبل إمكانه ، وفعليته قبل قوته. PageV01P114 ### ||| * وصل # إمكان الماهيات الخارج عن مفهومها الوجود ، عبارة عن لا ضرورة وجودها ~~وعدمها بالقياس إلى ذاتها من حيث هي ، وإمكان الوجودات كونها بذواتها ~~مرتبطة ومتعلقة ، وبحقائقها روابط وتعلقات إلى غيرها ؛ حيث إن حقائقها ~~حقائق تعلقية ، وذواتها ذوات لمعانية ، كما سيأتي بيانه ، فصدق عليها لا ~~ضرورة الطرفين من حيث خصوصياتها وتعيناتها ؛ حيث إنها من هذه الحيثية عين ~~الماهيات ، وأما من حيث استهلاكها في الوجود الواجبي ، مع قطع النظر عن ~~تشخصاتها ، فليس يثبت لها الإمكان في شيء ، بل هي من هذه الحيثية واجبة ~~بعين وجوبه تعالى. ### ||| * أصل # الإمكان اللازم للماهية إن كان كافيا في فيضانها عن الواجب لذاته ، دامت ~~الماهية موجودة بدوام الواجب ، وإلا توقف على شرائط ، فيكون لها إمكانان ، ~~أحدهما الإمكان اللازم للماهية ، والثاني الاستعداد التام الذي يحصل عند ~~حصول الشرائط وارتفاع الموانع ، وهذه الشرائط ms051 تكون لا محالة حادثة مسبوقة ~~بحوادث أخر ، وكذلك تلك الحوادث الأخر ، وهكذا ليكون كل سابق مقربا للسبب ~~الموجد إلى المسبب ، بعد بعده عنه ، وذلك إنما يكون بحركة دائمة إلا ما شاء ~~الله ، كما سيأتي تحقيقه. # ولا بد لتلك الحوادث من محل ليتخصص الاستعداد بوقت دون وقت ، PageV01P115 # وبمحل دون آخر ، وذلك المحل هو المادة ، كما ستعرف. # ومن هذا يظهر أن كل حادث فله مادة. ### ||| * وصل # الإمكان الاستعدادي له حظ من الوجود ؛ لكونه بالفعل من جهة أخرى غير جهة ~~كونها قوة وإمكانا لشيء ، فإن المني مثلا وإن كان بالقياس إلى حصول الصورة ~~الإنسانية له بالقوة ، لكن بالقياس إلى نفسه وكونه ذا صورة منوية بالفعل ~~فهو ناقص الإنسانية ، تام المنوية ، وهذا بخلاف الإمكان الذاتي ، الذي هو ~~أمر سلبي محض ، وليس له من جهة أخرى معنى محصل. # وأيضا المقوي عليه في الإمكان الاستعدادي هو أمر معين ، وصورة خاصة ، ~~كالإنسانية في مثالنا ، بخلاف ما يضاف إليه الإمكان الذاتي ؛ لأنه مطلق ~~الوجود والعدم ، إنما التعين ناشىء من قبل الفاعل من غير استدعاء الماهية ~~بإمكانها إياه. # وأيضا الإمكان الاستعدادي يزول عند طريان ما هو استعداد له ؛ لأنه إنما ~~هو بحسب حال الماهية قبل وجودها ، بخلاف الإمكان الذاتي الذي هو بحسب حال ~~الماهية في مرتبة بطلان نفسها ، وباعتبار عدم ذاتها ، فالذاتي أشد فيما ~~تستدعيه الممكنية من القوة والفاقة والشر ، ولأجل أن للاستعدادي حظا من ~~الوجود يقبل الشدة والضعف بحسب القرب من الحصول والبعد عنه ، فاستعداد ~~النطفة مثلا للصورة الإنسانية أضعف من استعداد العلقة لها ، وهو من استعداد ~~المضغة ، وهكذا إلى استعداد البدن الكامل بقوته وأعضائه ، مع مزاج صالح لها. PageV01P116 # وبحسب هذا الإمكان يمكن لماهية واحدة أنحاء غير متناهية ، من الحصول ~~والكون لأجل استعدادات غير متناهية ، تلحق لقابل غير متناهي الانفعال ، ~~ينضم إلى فاعل غير متناهي التأثير ، فيستمر نزول البركات ، وينفتح باب ~~الخيرات إلى غير النهاية ، كما ستطلع على كيفيته ، ولو انحصر الإمكان في ~~القسم الأول لا نغلق باب الإفاضة والإجادة ، ولبقي في كتم العدم عدد من ~~الوجود لم ms052 يخرج إلى فضاء الكون أكثر مما وقع ، وهذا لا يليق بالجواد الكريم ~~، والواسع العليم. ### ||| * أصل # كل ما وجد فقد وجب وجوده مادام كونه موجودا ؛ إذ لو جاز له العدم في زمان ~~الوجود ومع الوجود لجاز الاقتران بين النقيضين ، والتالي باطل ، فالمقدم ~~مثله. وإذا لم يجز له العدم فقد وجب له الوجود. # وكذلك كل ما لم يوجد أو عدم فقد امتنع وجوده ما دام كونه معدوما ، لمثل ~~ما ذكر. # وهذا الوجوب والامتناع بالقياس إلى الماهية الممكنة بالغير ، وبالقياس ~~إلى وجودها بالذات. # أما الأول : فلأن الموصوف بالوجوب على هذا التقدير إنما هي الماهية بشرط ~~الوجود، على أن يكون الوجود خارجا عنها ، لا مجموع الماهية ، ومفهوم الوجود ~~، فالماهية الموجودة متقدمة على وجوبها اللاحق ، وضرورة وجودها بحسب الواقع ~~لا تنفك عن إمكانه لها بحسب نفسها. PageV01P117 # وأما الثاني : فلأن صدق مفهوم الوجود على حقيقة كل وجود من قبل صدق ~~ذاتيات الشيء عليه ؛ حيث إنها ضرورية ذاتية مادامت الذات متحققة ، كما ~~سنبينه ، فحيث تحقق الوجود فقد وجب بذاته ، وحيث لم يتحقق فقد امتنع بذاته. # نعم ، لو جردت الوجودات الخاصة الإمكانية بحسب الفرض عن تعلقها بجاعلها ~~لم يبق لها عين وذات أصلا ، بخلاف الماهيات ، فإنها حين صدور وجودها عن ~~المبدأ بحسب ذاتها ممكنة الوجود. ### ||| * أصل # كل ممكن لحقه الوجود والوجوب بغيره في وقت من الأوقات ، فإنه كما يمتنع ~~عدمه في ذلك الوقت ، كذلك يمتنع عدمه في مطلق نفس الأمر ، أي ارتفاعه عن ~~الواقع مطلقا ، بلا تقييده بالأوقات المباينة لذلك الوقت ؛ لأن ارتفاعه عن ~~الواقع إنما يصح بارتفاعه عن جميع مراتب الواقع ، والمفروض خلافه ، فمعنى ~~جواز العدم للممكن الموجود في وقت ، جوازه بالنظر إلى ماهيته ، لا بالنظر ~~إلى الواقع. ### ||| * أصل # إذا صدر شيء من الفاعل ، فلا يفتقر بعد صدوره منه إلى جاعل يجعل ذاته تلك ~~الذات ؛ لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري ، والضروري لا يفتقر إلى السبب ، ~~فالإنسان مثلا إذا وجد فقد استغنى عن جاعل يجعله إنسانا ، فهو واجب PageV01P118 # الإنسانية ، وإن كان ممكن الوجود. # وكذا الموجود الحادث واجب الحدوث ms053 ، لا يفتقر في حدوثه إلى سبب ، وإن ~~افتقر في وجوده. # ولا استبعاد في أن يكون اتصاف الشيء ببعض الصفات ممكنا ، إلا أنه متى ~~اتصف به يكون اتصافه بصفة أخرى عند ذلك واجبا لا يفتقر فيه إلى السبب. # ومن هنا قيل : الجوهر جوهر لنفسه ، والعرض عرض لنفسه ، وليس إذا كان كون ~~الذات ذاتا متفرعا على نفس الذات ، والذات مجعولة محتاجة إلى الجاعل ، ~~فتكون هذه النسبة أيضا محتاجة إلى الجاعل ، ومجعولة ؛ لأنه فرق بين ~~الاحتياج الناشىء من الشيء بالذات ، والاحتياج الناشىء منه بالعرض ، وعلى ~~سبيل الاتفاق فالذاتيات ولوازم الماهيات لا تحتاج إلى جعل جاعل ، وتأثير ~~مؤثر ، بل جعلها تابع لجعل الذات وجودا وعدما ، فإن كانت الذات مجعولة ، ~~كانت ذاتياتها ولوازمها مجعولة بنفس ذلك الجعل ، وإن كانت الذات غير مجعولة ~~، كانت الذاتيات واللوازم غير مجعولة باللاجعل الثابت للذات ، وكما أن ~~الضرورة الأزلية تدفع الحاجة إلى المبدأ ، كذلك الضرورة الذاتية. # والفرق بينهما إنما هو بعدم الاحتياج التبعي في الأول ، وثبوته في الثاني ~~، فاختلاف الموصوفات والملزومات إنما هو لأجل اختلاف الصفات واللوازم التي ~~هي ذاتيات ، أو عرضيات. # وأما اختلاف الصفات واللوازم فهو لنفس اختلاف ذواتها ووجوداتها التي هي ~~متخالفة المراتب ، كمالا ونقصا ، وشدة وضعفا ، وسبقا ولحوقا ؛ لأن الباري ~~تعالى أبدعها مختلفة بأعيانها ، لا لعلة فيها ، بل لنفسها ، ولو كان ~~اختلافها لعلة أخرى لتمادى إلى غير النهاية. PageV01P119 # وإلى مثل هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام بقوله : «لو علم الناس كيف ~~خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا» (1). ### ||| * وصل # فالماهية الممكنة الفاقرة إنما تتعلق بالفاعل ، وتفتقر إليه في أصل ~~وجودها ، دون سائر صفاتها التي هي من لوازم وجودها الخاص ، كالحدوث وغيره ، ~~فهي إن كانت دائمة الوجود بالفرض ، فهي متعلقة بالفاعل ، ومفتقرة إليه ~~دائما ، بحيث لو فرض الوهم أن يمسك الفاعل عن إفاضة الوجود لحظة لعادت إلى ~~عدمها الأصلي ، وإن كان وجودها مختصا بزمان معين ذي مبدأ ومنتهى ، فهي ~~متعلقة به في ذلك الزمان كذلك. # وعلة تعلقها بالفاعل إنما هو وجوبها بالغير ، وافتقارها في نفسها ، سواء ~~دام ms054 وجودها أم لا ؛ وذلك لأن الوجوب بالغير أعم من المسبوقية بالعدم ، ~~وكلاهما مشترك في مفهوم التعلق بالغير ، وإذا كان معنيان أحدهما أعم من ~~الآخر ، ويحمل على مفهوميهما معنى ، فإن ذلك المعنى للأعم بذاته وأولا ~~وللأخص بعده ؛ لأنه لا يلحق الأخص إلا وقد لحق الأعم ، من غير عكس. PageV01P120 ### ||| * أصل # كل فقير بالذات من وجه ما فهو فقير بالذات من جميع الوجوه ؛ إذ لو كان ~~غنيا بالذات من وجه فلا يخلو إما أن يكون ذلك الوجه ذاته ، أو شيئا من ~~صفاته ، لا جائز أن يكون شيئا من صفاته بعد أن يفرض فقيرا في ذاته ؛ إذ كل ~~صفة فإنما تكون بعد الذات ، فلو افتقر في ذاته افتقر في صفاته بطريق أولى. # ولا جائز أن يكون ذلك الوجه ذاته بعد أن يفرض فقيرا في شيء من صفاته إلى ~~غيره ؛ لأنه حينئذ إذا اعتبر ذاته من حيث هو بلا شرط ، أي مع قطع النظر عن ~~ذلك الغير ، وجودا وعدما ، فإما أن يكون غنيا بالذات مع وجود تلك الصفة ، ~~أو مع عدمها ، وكلاهما محال ؛ لاستلزام الأول وجود المسبب مع قطع النظر عن ~~وجود سببه. والثاني عدمه مع قطع النظر عن عدمه ، مع أنه لا يخلو في نفس ~~الأمر عن الأمرين ، فإذا كان غناؤه في ذاته مع قطع النظر عن الغير محالا ، ~~فيكون مفتقرا في ذاته إلى الغير ، فلا يكون غنيا بالذات في ذاته ، وقد ~~فرضناه كذلك ، هذا خلف. ### ||| * أصل # كل مستغن بالغير فهو غير بسيط الحقيقة ؛ لأن الذي له باعتبار ذاته غير ~~الذي له باعتبار غيره ، وهو حاصل الهوية منهما جميعا في الوجود. # فهو ذو جهتين : جهة بها يكون موجودا مستغنيا بالغير من حيث هو موجود ~~مستغن بالغير ؛ وجهة بها تتعين هويته الوجودية وهو اعتبار كونه في أي PageV01P121 # درجة من درجات الوجود ، قوة وضعفا ، وكمالا ونقصانا ، فهو في نفسه ومن ~~حيث طبيعته بالقوة ، ومن تلقاء سببه بالفعل ، فذاته منتظمة من مادة وصورة ~~متعقلتين ، هما المسماتان بالماهية والوجود ، وكل منهما مضمن فيه الآخر ، ~~وله بحكم الماهية الليسية ms055 الصرفة ، وبحكم جود فاعله الأيسية الفائضة عنه ، ~~فإن القوة والإمكان والفقر يشبه المادة والفعلية ، والوجوب والغنا يشبه ~~الصورة ، ففي كل ممكن بالذات كثرة تركيبية من أمر يشبه المادة ، وآخر يشبه ~~الصورة. ### ||| * وصل # فاستلزام الممكن للواجب بالذات إنما هو من جهة وجوب وجوده ، لا من جهة ~~ماهيته ، وكذلك الشيء إذا استلزم الممتنع بالذات فإنما يستلزمه من جهة ~~امتناعه ، وإن كانت له جهة أخرى إمكانية. # مثلا : كون الجسم غير متناهي الأبعاد يستلزم ممتنعا بالذات ، هو كون ~~المحصور غير محصور ، الذي مرجعه إلى كون الشيء غير نفسه ، مع أنه عين نفسه ~~، فأحدهما محال بالذات ، والآخر محال بالغير ، فلا محالة يكون ممكنا ~~باعتبار غير اعتبار علاقته مع الممتنع بالذات. ### ||| * أصل # العقل لا يقدر أن يتعقل حقيقة الواجب بالذات ، ولا الممتنع بالذات. # أما الأول : فلغاية مجده ، وعلوه ، وشدة نوريته ، ولا تتناهي عظمته ، ~~وكبريائه ، ولإحاطته بكل شيء ، فلا يحاط للعقل. PageV01P122 # وأما الثاني : فلغاية نقصه ومحوضة بطلانه ، ولا شيئيته ، ولفراره من صقع ~~الوجود ، والشيئية ، فلا حظ له من الهوية حتى يشار إليه ، ويحيط به العقل ، ~~ويدركه الشعور. # فالدليل على وجود الواجب بالذات إنما يكون بنحو من البيان الشبيه ~~بالبرهان اللمي. # وكذا الحكم بكون الشيء ممتنعا بالذات ، إنما هو بضرب من البرهان على سبيل ~~الفرض والاستتباع. PageV01P123 ### | في الماهيات وتعيناتها ### ||| * ( @QUR@010 إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ### ||| * @QUR@03 بها من سلطان ) (1) ### ||| * أصل # الماهية لما وجدت شخصية ، وعقلت كلية ، علم أنه ليس من شرطها أن تكون في ~~نفسها كلية ، ولا شخصية ، ولا واحدة ، ولا كثيرة ، وليست إذا لم تخل من ~~وحدة أو كثرة أو عموم أو خصوص ، لكانت في حد نفسها إما واحدة ، أو كثيرة ، ~~أو عامة ، أو خاصة. وسلب الاتصاف من حيثية لا ينافي الاتصاف من حيثية أخرى ~~، وليس نقيض اقتضاء شيء شيئا إلا لا اقتضاؤه له لا اقتضاؤه مقابله ليلزم من ~~عدمها اقتضاء أحد المتقابلين لزوم المقابل الآخر. # وليس إذا لم يكن للممكن في مرتبة ماهيته وجود كان له فيها العدم ، أو ~~اللاوجود ؛ لأن خلو الشيء ms056 عن النقيضين وإن كان مستحيلا في الواقع لكنه جائز ~~في مرتبة ذاته ، فقد ظهر أن الماهية ليست من حيث هي إلا هي. PageV01P124 ### ||| * أصل # الماهية قد تؤخذ وحدها ، بأن يتصور معناها فقط ، بحيث يكون كل ما يقارنه ~~زائدا عليه ، منقسما إليه ، فإذا اعتبر المجموع من حيث المجموع كانت ~~الماهية جزء له ، متقدمة عليه في الوجود ، فيمتنع حملها عليه ، لانتفاء شرط ~~الحمل ، وهو الاتحاد في الوجود ، فهي بهذا الاعتبار نوع عقلي في نفسها ، ~~ومادة بالقياس إلى ما يقارنها ، إن كانت متقومة به ، غير متحصلة بدونه ، ~~وهو صورة بالقياس إليها بشرط أن يؤخذ وحده ، وإن لم تكن متقومة به ، سواء ~~كانت متحصلة في نفسها ، أو غير متحصلة ، فهي موضوع بالقياس إليه ، وهو عارض لها. # وقد تؤخذ من حيث هي هي ، من غير اشتراط قيد عدمي ، أو وجودي ، مع تجويز ~~كونها مع قيد ، أو مع عدم قيد ، فيحتمل صدقه على المأخوذة مع قيد ، وعلى ~~المأخوذة مع عدمه. # والماهية المأخوذة كذلك ، المحتملة للقسمين ، قد تكون غير متحصلة في ~~نفسها عند العقل ، بل قابلة لأن تكون مشتركة بين أشياء متخالفة المعاني ، ~~بأن يكون عين كل منها ، وإنما تتحصل مما ينضاف إليها ، فتخصص به ، وتصير ~~بعينها أحد تلك الأشياء ، فتكون بهذا الاعتبار جنسا لتلك الأشياء ، وهي ~~أنواع لها ، والمنضاف إليها الذي قومها وجعلها أحد تلك الأشياء ، فصل لها. # وقد تكون متحصلة في ذاتها ، غير مفتقرة إلى ما يحصلها معنى معقولا ، بل ~~تفتقر إلى ما يجعلها موجودة في الحس فقط ، فهي في نفسها نوع ، سواء كان ~~بسيطا ، أو مركبا ، إلا أن البسيط إنما يفرض فيه العقل هذه الاعتبارات ~~بالتعمل ، وأما في الوجود فلا امتياز فيه. PageV01P125 ### ||| * أصل # الجنس في المركبات الخارجية مأخوذ من المادة ، والفصل من الصورة ، وكما ~~أن المادة بما هي مادة أمر مبهم ، غير متحصل إلا باعتبار كونه قوة شيء ما ~~واستعداده ، وإنما يوجد ويتحصل ويصير شيئا بالفعل بالصورة ، فهي مستهلكة ~~فيها ؛ إذ نسبتها إليها نسبة النقص إلى التمام ، والضعف إلى القوة ، وتقوم ~~الحقيقة ليس إلا بالصورة ms057 ، وإنما الحاجة إليها لأجل قبول آثارها ولوازمها ، ~~وانفعالاتها الغير المنفكة عنها ، من الكم والكيف والأين وغيرها ، حتى لو ~~أمكن وجود تلك الصورة مجردة عن المادة لكانت هي تلك الحقيقة بعينها ، فكذلك ~~الجنس بما هو جنس ، بالنسبة إلى الفصل ، من غير فرق. # فالأجناس في المركبات بمنزلة الشروط والمعدات باعتبار ، وهي الآلات ~~والفروع لذات واحدة باعتبار آخر ؛ حيث إن وجوداتها فروع وتوابع لوجودات ~~الفصول. ### ||| * وصل # وإذ ليس افتقار الجنس إلى الفصل في معناه ومفهومه ، بل في أن يتحصل ويوجد ~~بالفعل ، فوجب أن يكون الفصل بما هو فصل متحصلا بذاته ، وإلا لافتقر إلى ~~فصل آخر ، فلا يكون فصلا ما فرضناه فصلا ، بل جزءه ، بل من متممات الجنس إن ~~كان ، ويكون الفصل ذلك الآخر ، ثم ننقل الكلام إليه ، فإما أن يتسلسل ، أو ~~ينتهي إلى ما يتحصل بنفس ذاته ، والأول باطل ، والثاني هو PageV01P126 # المطلوب. # ثم ليس ما يتحصل ويوجد بنفس ذاته سوى الوجود ؛ إذ كل ما هو غيره فإنما ~~يوجد ويتحصل به ، ولو في العقل ، فحقائق الفصول ليست إلا الوجودات الخاصة ~~للماهيات ، التي هي أشخاص حقيقية ، إما في العقل ، وإما في الخيال ، وإما ~~في الخارج. ### ||| * وصل # فما يذكر في التعاريف بإزاء الفصول ليس بفصول حقيقية ، بل هي لوازم ~~الفصول. # كيف لا ، ولو كان الحساس مثلا فصلا للحيوان ، وليس معناه إلا المفهوم ~~المتألف من ذات ما والانفعال الشعوري ، أو الإضافة الإدراكية ، لزم تقوم ~~الجوهر من الانفعال ، أو الإضافة ، فالفصل بالحقيقة إنما هو مبدأ هذا الفعل ~~والانفعال ، أعني كونه ذا هوية دراكة ، وهو لا يزيد على نفس الوجود للحيوان ~~، وكذلك في كل فصل. ### ||| * وصل # فقد ظهر أن ما يتقوم ويوجد به الشيء من ذوات الماهيات البسيطة والمركبة ~~ليس إلا الفصل الأخير الذي هو متحد بصورته النوعية ، وسائر الفصول والصور ~~التي تؤخذ منها وتتحد بها إنما هي كالأجناس ، بمنزلة القوى والشرائط ~~والآلات والأسباب المعدة لوجود الماهية ، الذي هو عين الفصل الأخير ، بدون PageV01P127 # دخولها في تقرر ذاته ، وقوام حقيقته ، وإن كان كل منها مقوما لحقيقة أخرى ~~غير هذه الحقيقة ms058 بحسب وجوده. ### ||| * وصل # فالوجود من كل شيء هو نفس الوجود له ، لكن العقل ينتزع من نفس ذاته ~~مفهومات كلية عامة ، أو خاصة ، ومن عوارضه أيضا كذلك ، فيحكم عليها ~~بمفهومات ذاتية ، جنسية وفصلية ، أو عرضية ، عامة وخاصة ، فما يحصل في ~~العقل من نفس ذاته يسمى بالذاتيات ، وما يحصل فيه من جهة أخرى يسمى ~~بالعرضيات. # فالذاتي متحد معه ، ومحمول عليه بالذات ، والعرضي بالعرض ، وهذا معنى ~~وجود الكلي الطبيعي ، أي الماهية من حيث هي في الخارج ، فإن الوجود منسوب ~~إليه بالذات إذا كان ذاتيا ، بمعنى أن ما هو الموجود الحقيقي أعني نحو ~~الوجود متحد معه في الحس ، لا أن ذلك شيء وهو شيء آخر متميز عنه في الواقع. # وأما الكلي بمعنى ما يحتمل الشركة ، أو لا يمنعها ، فيمتنع وقوعه في الحس ~~، وإلا لحصلت له هوية متشخصة ، فلا تصح فيها الشركة ، بل وجوده في العقل ~~أيضا متخصص بأمور شخصية ومميزات كتجرده عن الأمور الحسية ، ونحو ذلك ، فليس ~~كليا صرفا ، اللهم إلا بضرب من التعمل ، ونحو من الاعتبار ، فتساوي نسبته ~~إلى أشخاصه المختلفة في الأوضاع والخصوصيات المادية ، إنما هو لكونه مجردا ~~، وتلك الأشخاص مادية ، لا أنه كلي بحت. PageV01P128 ### ||| * وصل # فالماهية الكلية ما لم تتشخص ولم تصر جزئية ، لم توجد في الحس ، ولا في ~~العقل المشوب به إلا بنحو من الاعتبار ، والتشخص والجزئية إنما يكونان بنحو ~~الوجود ؛ لأن الشيء إذا قطع النظر عن نحو وجوده فالعقل لا يأبى عن تجويز ~~الشركة فيه ، وإن ضم إليه ألف تخصيص ، فإن الامتياز في الواقع غير التعين ؛ ~~إذ الأول للشيء بالقياس إلى المشاركات، وفي أمر عام ، والثاني باعتباره في ~~نفسه ، حتى لو لم يكن له مشارك لا يحتاج إلى مميز زائد ، مع أن له تعينا في نفسه. # نعم ، لا يبعد أن يكون التميز يوجب للشيء المادي استعداد التعين الوجودي ~~، فإن المادة ما لم تكن متخصصة الاستعداد لواحد معين من النوع لا يفيض ~~وجوده من المبدأ الأعلى ، وأما سائر الخصوصيات من الزمان والمكان والوضع ~~وغيرها من العوارض ، فإنما هي من علامات ms059 التعين ، ولوازم الوجود ، لا من ~~مقوماته ؛ لأن لكل منها ماهية وتعينا ، والكلام في تعينه عائد ، فلا بد وأن ~~ينتهي إلى ما يتعين بذاته ، والمتعين بالذات ليس إلا أنحاء للوجودات ، كما ~~دريت. كذا حقق أستاذنا دام ظله هذه المباحث (1). ### ||| * فصل # إذا ثبت هذا ، أعني أن التعين إنما يكون بالوجود ، وقد ثبت أن أثر الفاعل PageV01P129 # إنما هو الوجود كما يأتي ، وأن للوجود تقدما على الماهية ضربا من التقدم ~~، وثبت أن لوازم الوجود غير مجعولة ، فلا يرد السؤال عن وجه اختصاص بعض ~~الأمور بموضع معين من مواضع جرم بسيط الحقيقة ، أو بفرد معين من أفراد ~~ماهيته ، مع تشابه الأبعاض والأفراد في الاستحقاق ، كاختصاص المناطق ~~والأقطاب بمواضع مخصوصة من الأفلاك ؛ وذلك لأن وجود كل شيء أمر شخصي به ~~تتعين ماهية ذلك الشيء ، ويقبل الهذية ، ويصير هذا الشخص المعين من جملة ~~أشخاص مفروضة ، تحتمل ماهية الشركة بينها في الذهن ، ولها العموم والكلية ~~بالنسبة إليها ، وكل من تلك المفروضات وإن كان يحتمل قبول الوجود من حيث ~~ماهيته الإمكانية ، إلا أن هذا الوجود لما خرج بسبب فاعله من الإمكان إلى ~~الوجوب سبق سائر تعينات الماهية ، وعند تحصل الماهية بهذا الوجود وهذا ~~التشخص استحال حصول غيره معه ، ولا بدلا منه ابتداء أو تعاقبا ؛ لأن هذا ~~الوجود لا يقبل التماثل ، ولا التضاد ، فإذا كان تعين الماهية بوجودها ، ~~وكانت العوارض الشخصية لها من توابع وجودها ، ولوازم تعينها ، كان جعلها ~~ووجودها تابعا لجعل الماهية ووجودها ، من غير علة ، فالسؤال في طلب تعيين ~~اللوازم كالسؤال في طلب تعيين الوجود ، من غير فرق. # وهذا من التحقيقات المختصة بالأستاذ دام ظله (1)، وبه يندفع بعض ~~المعضلات التي أعيت الفضلاء عن حلها. PageV01P130 ### ||| * أصل # كل معنى نوعي لا يجوز أن يتكثر بنفسه ، وإلا لم يوجد منه واحد شخصي ، ولا ~~بصفة لازمة ؛ لما ذكرنا ، فلا بد في كثرة الأشخاص من صفات متفارقة في ~~الوجود ، يتفارق بها المعنى الواحد ، والصفات المتفارقة الموجودة لشيء واحد ~~، لا بد وأن ينقسم بها ذلك الشيء في الوجود ، لا في العقل فقط ، والمنقسم ~~بأمور ms060 متساوية في الحقيقة لا بد وأن يكون قابلا لتلك الأمور ، والقابل لا ~~يكون إلا مادة أو ما في مادة ، فالمتكثر بالذات بالقوة ، والمقبول هو ~~المادة ، وسبب التكثر هو حدوث القطع ، والقطع لا يحدث إلا بالجسم ؛ لأن ~~المادة ما لم تتجسم لم تقبل عروض القطع ، والقطوع التي تعرض الأجسام بسبب ~~كثرة القواطع ، وكثرة القواطع أيضا منشؤها كثرة شيء ، وهكذا إلى أن انتهت ~~إلى شيء يتكثر بذاته بالفعل. # وقد ثبت أن سبب كل حادث حركة القابل ، فإذن المتكثر بذاته بالفعل هي ~~الحركة ؛ إذ ليست حقيقتها إلا التجدد والانقضاء ، وأن يكون ماضيا ولا حقا ، ~~كما أن الجسم وجوده أن يكون هناك وهنا ، فبوجود هذين الأمرين تنقسم المعاني ~~بالعدد ، فبالجسم ينقسم المعنى الواحد في الوضع ، وبالحركة ينقسم في ~~الزمان. # ومن ها هنا قيل : التعين من لوازم الوضع ، والزمان ؛ لأنهما لا زمان ~~لوجود الجسم والحركة ، وبالوضع ينقسم الجسم بالقوة والإمكان ، وبالزمان ~~تنقسم الحركة بالفعل والوجوب ، وبالأربعة ينقسم المعنى الواحد في الوجود. # وقد ظهر من هذا أن كل ما تجرد عن المادة فحق نوعه أن ينحصر في فرده ، ~~وكذلك كل مادي يلحق مادته ما يمنعه من القطع والانفصال. PageV01P131 ### ||| * وصل # فما لا سبب له أصلا يتعين بنفس ذاته ، وما له فاعل فقط من غير قابل يتعين ~~بفاعله ، وما له قابل إن اقترن به ما يمنعه من الانفصال يتعين بوضعه اللازم ~~لقابله ، وإلا فيتعين بوضعه وزمانه العارضين لقابله ، والنفس تتعين ~~بعلاقتها إلى ما هو كالقابل لها. # وهذا التفصيل لا ينافي قولنا : بأن تعين الشيء لا يكون إلا بنحو وجوده ؛ ~~لأن ما ذكرناه هي أنحاء الوجودات ، والوجود مما يتعين بنفسه ، ويتفاوت ~~كمالا ونقصا ، وغناء وفقرا ، وقوة وضعفا ، كما دريت. PageV01P132 ### | في الواحد والكثير ### ||| * ( @QUR@07 أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) (1) ### ||| * أصل # الواحد : حقيقي ، وغير حقيقي. # والحقيقي : ما تكون جهة الوحدة فيه ذاته بذاته ، وهو جنسي ، كمفهوم ~~الحيوان. ونوعي ، كمفهوم الإنسان. وشخصي ، وهو منقسم في الخارج ، وغير منقسم. # والمنقسم : واحد بالاتصال ، كالجسم الواحد البسيط ، وواحد بالتركيب ، كزيد. # وغير المنقسم : ذو وضع ms061 ، كالنقطة ، وغير ذي وضع ، وهو منقسم في الذهن ، ~~كالعقل. وغير منقسم فيه ، كالواجب الوجود تعالى. # وغير الحقيقي : ما تكون وحدته باشتراك في الحقيقي ، وهو إما بالجنس ، ~~كالإنسان والفرس. أو بالنوع ، كزيد وعمرو. أو بالمحمول ، كالقطن والثلج. أو ~~بالموضوع ، كالكاتب والضاحك. PageV01P133 # وتتغاير أسماؤه بتغاير ما نسب إليه ، فالاتحاد في النوع مماثلة ، وفي ~~الجنس مجانسة ، وفي الكيف مشابهة ، وفي الكم مساواة ، وفي الوضع مطابقة ، ~~وفي الإضافة مناسبة. # وإطلاق الكثير على هذا القسم أولى ؛ لأن وحدته ذهنية ، وإنما له في ~~الخارج الكثرة. ### ||| * وصل # الكثير يقابل الواحد ، وينقسم بانقسامه ، وقد يتصادقان باعتبارين ، كما دريت. # ومقولتيهما على ما تحتهما بالتشكيك ، وكل وحدة خاصة تقابلها كثرة خاصة ، ~~والوحدة المطلقة تقابلها الكثرة المطلقة ، كما أن الوجود الخاص الذهني ، أو ~~الخارجي ، يقابله العدم الذي بإزائه ، والعدم المطلق في مقابله الوجود ~~المطلق. ### ||| * أصل # إنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه ، وإن لم يخل موجود ما عن وحدة ما ، ~~حتى أن العشرة في عشريته واحدة ، بل هي لنفسه واحدة ، ولغيره عشرة ، فكل ما ~~هو أبعد عن الكثرة فهو أكمل ، وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة ~~الوحدة إليه إلى أقل ، فالأحق بالوحدة هو الواحد الحقيقي ، وأحق أقسامه ما ~~لا ينقسم أصلا ، لا في الكم ، ولا في الحد ، ولا في القوة ، ولا في الفعل ، ~~ولا بالتحليل إلى ماهية ووجود ، وكان الأحرى باسم الحقيقي أن يخص بهذا ~~القسم ، PageV01P134 # ثم ما لا ينقسم في الكم أصلا قوة ، أو فعلا ، ثم الواحد بالاتصال ، ثم ~~الواحد بالاجتماع الطبيعي. # والواحد الشخصي أحق بالوحدة من الواحد النوعي ، لكون وحدته ذهنية ، وهو ~~من الواحد الجنسي ، لشدة إبهامه. ### ||| * فصل # قال أستاذنا دام ظله : الوحدة تساوق الوجود في صدقها على الأشياء ، فكل ~~ما يقال عليه إنه موجود ، يقال عليه إنه واحد ، وفي عدم تقومها للماهيات ، ~~وكيفية عروضها لها ، فإن الماهية إذا أخذت بنفسها من حيث هي هي فلا تخلو عن ~~شوب وحدة ، إلا أن للعقل أن يجردها عن كافة الوحدات ، ثم يحكم عليها بلزوم ~~الوحدة ، وعروضها إياها كالوجود بعينه. # وفي ms062 تقومها للإنيات ومقوليتها عليها بالتشكيك ، وفي أن لها معنى انتزاعيا ~~هو كون الشيء واحدا ، ومعنى حقيقيا هو ما به يكون الشيء واحدا بالذات ، ~~والأول من لوازم نفي الكثرة ، والثاني من لوازمه نفي الكثرة ، والأول ظل ~~للثاني ، ينتزع فيه من نفس ذاته بذاته ، لا يزيد عليه إلا باعتبار العقل ، ~~وينتزع في غيره لأجل ارتباطه وتعلقه به ، فما أشبه حالها بحال الموجود ، بل ~~هي عينه حقيقة ، وإن كانت غيره مفهوما ، ولهذا توافقه في القوة والضعف ، ~~فكل ما وجوده أقوى فوحدانيته أتم (1). # لا يقال : الكثير من حيث هو كثير موجود ، ولا شيء من الكثير من حيث PageV01P135 # هو كثير بواحد ، فليس كل موجود بواحد ، فإذن الوحدة مغايرة للوجود. # لأنا نقول : إن أردت بالحيثية المذكورة ما تميز ذاتي الشيء عن غيره ، ~~فالصغرى ممنوعة. # وإن أردت أن الشيء الكثير ، بما هو شيء كثير موجود في الواقع ، سلمناها ، ~~لكن الكبرى ممنوعة ؛ إذ الكثير بما هو كثير كما هو موجود ، فكذلك هو واحد ~~بوجه ما ، وإن لم يكن واحدا وحدة تقابل كثرته ، فإن كل موجود ما له وحدة ما ~~، والكثير المقابل له غير موجود. # فموضوع الكثرة كالرجال العشرة من حيث كونهم عشرة ، ليس لهم وجود غير ~~وجودات الآحاد ، إلا بمجرد اعتبار العقل ، وكما أن للعقل أن يعتبرها موجودة ~~، فله أن يعتبرها واحدة. ### ||| * أصل # الوحدة ليست بعدد ، بل هي مبدأ له ، وهو لا يتقوم إلا بها ، إذ لو تقوم ~~بغيرها مما دونه من الأعداد لزم الترجيح من غير مرجح ، فإن تقوم العشرة ~~مثلا بخمسة وخمسة ، ليس بأولى من تقومها بستة وأربعة ، ولا من تقومها بسبعة ~~وثلاثة ، وتقومها بالجميع يستلزم تكرار أجزاء الماهية المستلزم لاستغناء ~~الشيء عما هو ذاتي له ؛ لأن كل واحد منها كاف في تقويمها ، فتستغني به عما ~~عداه ، ولو تقومت بالقدر المشترك بينها من دون اعتبار الخصوصيات ، فهو ~~المطلق ؛ إذ القدر المشترك هو الوحدات لا غير. PageV01P136 ### ||| * وصل # إذا انضم إلى الوحدة مثلها حصلت الاثنينية ، وهي نوع من العدد ، وإذا ~~انضم إليها مثلاها حصلت الثلاثية ، وهي نوع آخر ms063 ، وهكذا تحصل أنواع لا ~~تتناهى بتزايد واحد واحد لا إلى نهاية. # وإنما علم اختلاف حقائق مراتبها باختلاف لوازمها ، من الصمم ، والمنطقية ~~، والتشارك ، والتباين ، وغيرها ، فإن اختلاف اللوازم دليل اختلاف الذوات ، هذا. # وقال أستاذنا دامت إفاداته : الوحدة المحضة المتقدمة على جميع المراتب ~~العددية بإزاء الوجود الواجبي الحق الذي هو مبدأ كل وجود بلا واسطة ، ومع ~~واسطة ، والمحمولات المنتزعة من نفس كل مرتبة من العدد بإزاء الماهيات ~~المتحدة مع كل مرتبة من الوجود ، والاختلاف الواقع بين الأعداد بنفس ما به ~~الاتفاق ، كالتفاوت الحاصل بين الوجودات بنفس هويتها المتوافقة في سنخ ~~الموجودية ، فيمكن القول بالتخالف النوعي بين الأعداد ، نظرا إلى التخالف ~~الواقع بين المعاني المنتزعة عن نفس ذواتها بذواتها ، وهي التي بإزاء ~~الماهيات المتخالفة المنتزعة عن نفس الوجودات. # ويمكن القول بعدم تخالفها النوعي ؛ نظرا إلى أن التفاوت بين ذواتها ليس ~~إلا بمجرد القلة والكثرة في الوحدات ، ومجرد التفاوت بحسب قلة الأجزاء ~~وكثرتها في شيء لا يوجب الاختلاف النوعي في أفراد ذلك الشيء. # وأما اختلاف اللوازم فإنما يدل على القدر المشترك بين التخالف النوعي PageV01P137 # والتخالف بحسب القوة والضعف ، والكمال والنقص ، لا غير (1). ### ||| * وصل # قال : ومن اللطائف أن العدد مع غاية تباينه عن الوحدة ، وكون كل مرتبة ~~منه حقيقة برأسها ، موصوفة بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها ، إذا فتشت ~~حاله وحال مراتبه المختلفة لم تجد فيها غير الوحدة ، وإنك لا تزال تثبت في ~~كل مرتبة من المراتب عين ما تنفيه ، فنقول: الواحد ليس بعدد ، والعدد ليس ~~بواحد ، لأنه يقابله ، مع أنه عين الواحد الذي يتكرر ، والواحد عين العدد ~~الذي يحصل بتكرره ، فلك أن تقول لكل مرتبة : إنها مجموع الآحاد ، وأن تقول ~~: إنها ليست مجموع الآحاد ؛ لاتصافها بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها ، ~~ومجموع الآحاد جنس لكل مرتبة ، وكل مرتبة نوع برأسها ، فلا بد لها من أمر ~~آخر غير جميع الآحاد ، وليس فيها شيء غير جميع الآحاد ، فلا تزال تثبت عين ~~ما تنفي ، وتنفي عين ما تثبت ، وهذا أمر عجيب هو بعينه ، كما يقال : إن ~~الحق ms064 المنزه عن نقائص الحدثان ، بل عن كمالات الأكوان ، هو الخلق المشبه ، ~~وإن كان قد تميز الخلق بإمكانه ونقصه عن الحق بوجوبه وشرفه (2). PageV01P138 ### ||| * فصل # ومن أحوال الوحدة الهو هو ، كما أن من أحكام الكثرة الغيرية. # والهو هو عبارة عن الاتحاد بين شيئين متغايرين في المفهوم في أحد ~~الوجودين ، سواء كانا موجودين بالذات ، كقولنا : زيد إنسان ، أو بالعرض ، ~~كقولنا : الكاتب متحرك ، فإنهما إنما يوجدان بوجود الإنسان. # أو أحدهما بالذات والآخر بالعرض ، كقولنا : الإنسان كاتب ، فجهة الاتحاد ~~قد تكون في الطرفين ، وقد تكون في أحدهما ، خارجة عنهما. ### ||| * أصل # لا يجوز اتحاد الاثنين من غير تغاير ، بمعنى صيرورة الذاتيين ذاتا واحدة ~~؛ لأنهما بعد الاتحاد إن كانا موجودين كانا اثنين ، لا واحدا ، وإن كان ~~أحدهما فقط موجودا ، فقد فني أحدهما ، وبقي الآخر ، وإن لم يكن شيء منهما ~~موجودا فقد فنيا وحدث أمر ثالث ، وعلى التقادير فلا اتحاد ، كما هو ~~المفروض. # وأما ما قيل : من اتحاد النفس حين استكمالها بالعقل ، فالمراد به حالة ~~روحانية تليق بالمعقولات ، لا أن هناك امتزاجا أو بطلانا لإحدى الهويتين ، ~~بل على نحو آخر سيأتي ذكره في محله. # وقريب من ذلك اتحاد العقل بالمعقول ، كما مضى. PageV01P139 ### ||| * أصل # وحدة المعقولات ليست كوحدة المحسوسات ، وحدة عددية ؛ لأن المعقولات ليست ~~محصورة في مدلول الوحدة ، ولا مقيدة بالواحدية ؛ لأنهما يستلزمان الكثرة ~~والكثيرية ، فليستا بحقيقيتين بالحقيقة ، ووحدة المعقولات وحدة حقيقية لا ~~يتوقف تعقلها على تعقل الكثرة ، ووحدة جمعية لا تنافيها الكثرة الوضعية. # ألا ترى إلى صورة الإنسان في العقل كيف يصدق على الكثيرين ، مع أنها في ~~ذاتها واحدة ، ولو كانت وحدتها عددية لما صدقت على الكثيرين ، وإلا لكان ~~الشيء الواحد المعين موصوفا في حالة واحدة بالأعراض المتضادة ، مثل كونه ~~أبيض وأسود ، هذا خلف. # وسيأتي لهذا مزيد كشف إن شاء الله. ### ||| * فصل # ومن أنحاء الغيرية التقابل ، وهو على أنواع : # منها : ما يكون بالإيجاب والسلب ، كفرس ولا فرس ، وإنما يكون بالذات بين ~~النفي والإثبات ، وفي القضايا بالعرض ، وهو فيها مشروط بالثمان وحدات ~~المشهورة ، مع زيادة وحدة الحمل ، فيما قد ms065 تغاير فيه الحمل ، كالقضايا ~~الطبيعية. # مثل قولنا : الجزئي جزئي ، والجزئي ليس بجزئي. PageV01P140 # فإن الأول إنما يصدق بالحمل الذاتي الأولي ، المسمى ب «هو هو» ، وهو ما ~~يكون الموضوع فيه عين المحمول. # والثاني إنما يصدق بالحمل المتعارف المسمى ب «ذو هو» ، وهو ما يكون ~~الموضوع فيه من أفراد المحمول وجزئياته ، وباختلاف الكم والجهة في المحصورة ~~والموجبة على الوجه المقرر. # وهذا التقابل إنما يتحقق في الذهن دون الخارج ، لاعتبارية أحد الطرفين ~~فيه ، ويستحيل فيه الواسطة ، واجتماع الطرفين ، صدقا وكذبا ، إلا في ~~المعدوم. # ومنها : ما يكون بالملكة والعدم ، والأول مأخوذا باعتبار خصوصية ما ، ~~كالبصر والعمى. # ومنها : ما يكون بالتضاد ، كالبياض والسواد ، وإنما يكون في الأنواع ~~المندرجة تحت جنس قريب ، دون الأجناس ، كما علم بالاستقراء. # ويتعاكس هو وما قبله عموما وخصوصا ، في الحقيقي والمشهوري ، لاشتراط غاية ~~الخلاف في حقيقي التضاد ، والقبول بحسب الشخص في مشهوري العدم. # ومنها : ما يكون بالتضايف ، بأن يعقل أحدهما بالقياس إلى الآخر ، كالأبوة ~~والبنوة ، ولا يجتمعان في شيء واحد ، من جهة واحدة ، ويشترط فيه ، وفيما ~~قبله ، أن يكون الطرفان وجوديين ، والمضاف الحقيقي هو الإضافة ، وأما ~~المحمول عليه والمركب منهما فهو المشهوري ، وكذا في كل مشتق ، واندراجه تحت ~~التقابل إنما هو بحسب المفهوم وأعميته منه باعتبار ما يصدق عليه ، فلا محذور. PageV01P141 ### | في المتقدم والمتأخر ### ||| * ( @QUR@07 ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ) (1) ### ||| * أصل # التقدم : زماني ، كما لإبراهيم على محمد عليهما السلام ؛ وشرفي ، كما ~~للعالم على الجاهل ؛ وطبعي ، وهو تقدم العلة الناقصة على المعلول ، أي تقدم ~~ما يمتنع بعدمه وجود المعلول ، ولا يجب بوجوده وحده ، كتقدم الواحد على ~~الاثنين ؛ ورتبي ، سواء كان بحسب الوضع ، كتقدم الإمام على المأموم ، إذا ~~اعتبر المحراب ، وبالعكس ، إذا اعتبر الباب ، أو بحسب الطبع ، كتقدم العموم ~~إذا ابتدأت من الجوهر هابطا إلى الإنسان ، وإذا عكست الأمر رجع المتقدم ~~متأخرا ، أو علي ، كتقدم العلة الكاملة على معلولها ، ويقال له وللطبيعي ~~الذاتي. # وزاد أستاذنا دام ظله قسمين آخرين ، هما التقدم بالحق ، والتقدم ~~بالحقيقة. # والأول ما للحق باعتبار تجليه في أسمائه ، وتنزله في ms066 مراتب شؤونه التي هي ~~أنحاء وجودات الأشياء ، فإن له بهذا الاعتبار تقدما وتأخرا بذاته ، لا بشيء ~~آخر ، فلا يتقدم متقدم ، ولا يتأخر متأخر إلا بحق لازم ، وقضاء حتم. PageV01P142 # والثاني ما لوجود الجاعل على وجود المجعول إذا كان لكل منهما شيئية ووجود ~~، فإن تقدم الشيئية على الشيئية من جهة اتصافها بالوجود تقدم بالذات ، ~~وتقدم نفس الوجود على الوجود تقدم بالحقيقة (1). # وزاد بعض سادة فضلاء العصر (2) قسما آخر سماه : تقدما دهريا ، وبنى عليه ~~إثبات حدوث العالم ، أخذا مما قاله الأوائل : إن نسبة الثابت إلى الثابت ~~سرمد ، ونسبة الثابت إلى المتغير دهر ، ونسبة المتغير إلى المتغير زمان. ~~ويأتي الكلام فيه. ### ||| * وصل # ملاك التقدم في الزماني الزمان بحسب هويات أجزائه ، وفي الشرفي الفضيلة ، ~~وفي الرتبي القرب إلى المبدأ المحدود ، وفي الطبيعي أصل الوجود ، وفي العلي ~~الوجوب ، وفي الحقي الحقية ، وفي الحقيقي تجوهر الحقيقة وتقومها ، وأما ~~الدهري فلا ملاك له. ### ||| * وصل # المتأخر يقابل المتقدم ، وينقسم بانقسامه ، وقد يتصادقان باعتبارين ، ~~وكذا المعية ، إلا أن للمعية قسما آخر هو المعية في الوجود مطلقا ، كمعية ~~شيئين ليس بينهما علاقة ذاتية ، ولا يكونان زمانيين حتى تكون المعية زمانية ، سواء PageV01P143 # كان أحدهما زمانيا ، وهو المسمى بالدهر ، أو لا يكون ، وهو المسمى ~~بالسرمد ، بل المعية بين الزمانيات إذا اعتبرت جواهر ذواتها مع قطع النظر ~~عن تغيراتها الزمانية ، معية غير زمانية. ### ||| * فصل # الزمانيات تحتاج في عروض التقدم والتأخر ، والمعية لها إلى الزمان ، وأما ~~أجزاء الزمان فهي بنفس ذاتها متقدمة ومتأخرة ، ومع لا بشيء آخر ، وتقدمها ~~وتأخرها عين معيتها في الوجود ؛ لأنها عين نحو وجودها ، ولا يتصور لها وجود ~~غير هذا ، لضعفها وقصورها ، فهي وإن كانت متشابهة إلا أن اختلافها بالتقدم ~~والتأخر من ضروريات حقيقتها ؛ لأن حقيقة الزمان اتصال أمر متجدد متقض لذاته ~~، فأجزاؤه لا يمكن أن تكون لذواتها إلا متقدمة ومتأخرة ومع ، وظرف وجوداتها ~~أنفسها ، فهي قبلية وقبل ، وبعدية وبعد ، ومعية ومع ، باعتبارين. PageV01P144 ### | في القديم والحادث ### ||| * ( @QUR@010 أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) (1) ### ||| * أصل # القديم : ذاتي ، وزماني. # والذاتي : ما ms067 لا يكون وجوده من غيره. # والزماني : ما لا أول لزمان وجوده. # ويقابله الحادث بالمعنيين ، فالحادث زمانيا كان أو ذاتيا يستلزم ~~المسبوقية بالعدم ، أو اللاوجود. # أما الزماني فظاهر. # وأما الذاتي ، فلأن ما يكون وجوده من غيره لا يكون موجودا قبل أن يوجده ~~ذلك الغير ، فلا يكون موجودا لو انفرد ، وحال الشيء باعتبار ذاته متخليا عن ~~غيره قبل حاله من غيره قبلية بالذات ، فإذن يكون وجوده مسبوقا بعدمه ، أو ~~لا وجوده. # وهذا مثل ما تقول : حركت يدي فتحرك المفتاح ، أو ثم تحرك المفتاح ، PageV01P145 # ولا تقول : تحرك المفتاح فتحركت يدي ، وإن كانا معا في الزمان. # أو تقول : الشعاع من النير ، ولا تقول : النير من الشعاع ، وإن لم ينفك ~~أحدهما عن الآخر بحسب الزمان. # وأما القدم والحدوث الدهريان ، اللذان اخترعهما بعض فضلاء العصر (1)، ~~فلا محصل لهما ، كما يأتي بيانه في مباحث حدوث العالم إن شاء الله. ### ||| * وصل # القديم الذاتي لا يسبقه العدم أصلا ؛ لأن ما لا يكون وجوده من غيره لا ~~يكون ممكنا ؛ لما دريت أن الممكن وجوده من غيره. ولا ممتنعا ؛ إذ الكلام في ~~الموجودات ، فهو إذن واجب ، والواجب لا يسبقه العدم بالضرورة. # وأما القديم الزماني فقد يكون مسبوقا بالعدم ، حيث يكون وجوده من غيره ، ~~فيتصادق مع الحادث الذاتي. # والحق أن ما لا يدخل تحت الزمان لا يتصف بالقدم والحدوث الزمانيين ، فلا ~~فرد للقديم الزماني ، لما سيأتي من بيان حدوث كل ما يدخل تحت الزمان بحسب ~~الزمان. PageV01P146 ### ||| * فصل # حدوث الأشياء الزمانية على ثلاثة أنحاء : # لأنها إما أن تحدث دفعة في آن من الآنات ، فينطبق حدوثها لا محالة على ~~ذلك الآن، كالوصول والمماسة والانطباق ونحوها. # وإما أن تحدث في مجموع زمان معين على نحو الانطباق عليه ، بحيث تنفرض ~~فيها الأجزاء بإزاء ما ينفرض من الأجزاء في ذلك الزمان ، فيكون وجود كل جزء ~~منها في جزء معين من الزمان ، كالحركة بمعنى القطع ، كما يأتي ، بل الطبائع ~~كلها على ما سيتبين ، ومثل هذا الحادث بقاؤه عين حدوثه. # وإما أن تحدث في جميع الزمان ، لا على نحو ms068 الانطباق عليه ، بل بأن يوجد ~~في كل جزء ينفرض في ذلك الزمان ، ولا يلزم أن يكون لمثل هذا الحادث آن يكون ~~أول آنات وجوده ، والحدوث لا يستلزم ذلك ، فإن الحادث ما يكون زمان وجوده ~~مسبوقا بزمان عدمه ، سواء كان لحدوثه أول آني ، أو لا. # ومن هذا القبيل وجود الحركة بمعنى التوسط ، كما يأتي ، وكذا الآن والسيال ~~الذي هو الموجود من الزمان ، وحدوث الزاوية وأشباهها. # وقياس العدم الحادث كقياس الوجود الحادث في تثليث الأقسام ، لكن ليس نحو ~~عدم كل حادث كنحو حدوثه ، فإن وجود الآن الذي هو طرف الزمان على النحو ~~الأول ، وعدمه على النحو الثالث ، وكذا اللاوصول ، واللامماسة ، ~~واللاانطباق ، والفساد وأمثالها. PageV01P147 ### | في القوة وما يقابلها ### ||| * ( @QUR@010 أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ) (1) ### ||| * أصل # القوة قد تقال لمبدأ التغير في شيء آخر من حيث هو آخر ، سواء كان فعلا أو ~~انفعالا. # وقد تقال لما به يجوز أن يصدر عن الشيء فعل أو انفعال ، وأن لا يصدر ، ~~ويرجع إلى الإمكان الاستعدادي بالمعنى الذي مضى ذكره ، ويقابلها الفعل. # وقد تقال لما به الشيء غير متأثر عن مقاوم ، ويقابلها الضعف. ### ||| * أصل # قوة المنفعل قد تكون مهيئة نحو القبول دون الحفظ ، كالماء ، وقد تكون قوة ~~عليهما ، كالشمعة ، وقد تكون قوة الشيء على أمر واحد ، كقوة الفلك على ~~الحركة الوضعية ، أو أمور محدودة ، أو غير متناهية ، كقوة المادة الأولى ؛ ~~إذ لا صورة لها ، ولكن تقوى بتوسط شيء على شيء. PageV01P148 # وكذا قوة الفاعل قد تكون محدودة نحو أمر واحد ، كالنار على الإحراق ، وقد ~~تكون على أمور كثيرة ، كقوة المختارين على ما يختارونه ، والقوة الإلهية ~~على الكل. # قال أستاذنا مد ظله : الضابط في القبيلين : أن الشيء كلما كان أشد تحصلا ~~كان أكثر فعلا ، وأقل انفعالا ، وكلما كان أقل تحصلا كان أكثر انفعالا ، ~~وأقل فعلا. # فالباري سبحانه لما كان في غاية التحصل وشدة الوجود ، كان فاعلا للكل ، ~~وكانت قوته وراء ما لا يتناهى مما لا يتناهى. # والمادة الأولى لما كانت في ذاتها مبهمة غاية الإبهام في ms069 الوجود ؛ ~~لتعريها عن كافة الصور ، كانت فيها قوة جميع الأشياء. # لست أقول : استعدادها ؛ إذ الاستعداد لكونها قوة قريبة مخصوصة ، لا يكون ~~إلا بسبب صورة مخصوصة ، فلا استعداد للمادة الأولى في ذاتها ، وإنما تستعد ~~لشيء لأجل لحوق صورة بها (1). ### ||| * أصل # القوة الفاعلية المحدودة إذا لاقت القوة الانفعالية المحدودة وجب صدور ~~الفعل منها ، ولو كانت الحوادث تامة القوة على قبول الإفاضة في هوياتها ~~لكانت موجودة دائما ، لكنها إنما تتم إمكاناتها واستعداداتها للوجود ~~بتغيرات تعرض لها شيئا فشيئا ، فتتم بها قوتها على الوجود ، فإذا تمت قوتها ~~وجدت بلا مهلة وتراخ. PageV01P149 ### ||| * أصل # القوة الفعلية قد تسمى قدرة ، وهي إذا كانت مع شعور ومشيئة ، سواء كان ~~الفعل دائما من غير تخلف أو لا ، وليس من شرط الفعل أن يكون مسبوقا بالعدم ~~، إلا أن يعنى بالفاعل ما هو معنى إحدى المقولات التسع العرضية ، لا الفاعل ~~بمعنى المفيض للوجود ، فلهذا صح أن المعلول لا يفتقر إلى الفاعل إلا في ~~الحدوث ، لا في البقاء ؛ إذ لا بقاء له كما سيأتي ، وإلا فلا وجه له ؛ لما ~~دريت أن للفاعل ليس بالذات سببا للحدوث ، بل للوجود ، فما دام المعلول ~~موجودا فهو متعلق بالفاعل ، ومفتقر إليه. ### ||| * أصل # القوة الفعلية قد تكون مبدأ للوجود بالإفاضة ، وقد تكون معدة للوجود ~~بالتحريك ، والأحق باسم الفاعل هو المعنى الأول ؛ لأن الموجد المفيض يطرد ~~العدم عن الشيء ، ويزيل الشر والنقص ، والمعد المحرك ليس من شأنه إلا تهيئة ~~المواد وتخصيص الأجساد بالاستعداد ، مع أنه في نفسه متصرم متجدد ، فهو محرك ~~متحرك ، حافض متغير. PageV01P150 ### ||| * أصل # القوى التي هي مبادىء الحركات بعضها يقارن النطق والتخيل ، وبعضها لا ~~يقارن ذلك ، والأولى يصدر عنها الشيء وضده ، فلا تكون قوة تامة ، وإنما تتم ~~إذا اقترنتها إرادة جازمة تتوقف على علم بداع ، فيجب الفعل ، فالقدرة فيها ~~عين القوة والاستعداد. # ومن هنا قيل : الإنسان مضطر في صورة مختار ، وسيأتي تحقيق هذا. ### ||| * أصل # الموجود : إما بالفعل من كل وجه ، فيمتنع عليه الخروج عما كان ، كالواجب ~~الوجود. # وإما بالقوة من كل جهة ، وهذا غير متصور في ms070 الوجود ، إلا فيما كان له ~~فعلية القوة ، ومن شأنه أن يتقوم بأي شيء كان ، كالمادة الأولى. # وإما بالفعل من جهة ، وبالقوة من جهة ، فلا محالة تكون ذاته مركبة من ~~شيئين ، بأحدهما بالفعل ، وبالآخر بالقوة ، كأكثر الموجودات. PageV01P151 ### | في السبب والمسبب ### ||| * ( @QUR@03 فليرتقوا في الأسباب ) (1) ### ||| * أصل # السبب ويقال له العلة ما يجب الشيء بوجوده ، ويمتنع بعدمه. # والمسبب ويقال له المعلول ما يجب بوجود الشيء ، ويمتنع بعدمه ، أو عدم ~~شيء منه. # وقد يقال : السبب بإزاء ما له مدخل في وجود الشيء ، فيمتنع بعدمه ، وإن ~~لم يجب بوجوده ، وهو بهذا المعنى أربع : فاعل ، وغاية ، وهما علتان للوجود ~~، ومادة ، وصورة ، وهما علتان للماهية ، أي بحسب القوام. # فالفاعل : ما به وجود الشيء ، كالنجار للسرير. # والغاية : ما لأجله وجود الشيء ، كالاستواء للسرير. # والمادة : هي التي عنها الشيء ، كالخشب للسرير ، فهي التي يكون الشيء ~~معها بالقوة. # والصورة : هي التي يلزم منها وجود الشيء ، فمعها يكون الشيء بالفعل ، ~~كصورة السرير. PageV01P152 ### ||| * أصل # العلة الفاعلية بالقياس إلى الماهية الموجودة المعلولة ، فاعل ، وبالنسبة ~~إلى نفس الوجود المفاض عليها منها ، مقوم لا فاعل ؛ لأن هذا الوجود غير ~~مباين له ، وأما بالقياس إلى نفس تلك الماهية بما هي هي فلا تكون لها سببية ~~، ولا تقويم أصلا ؛ لأن الأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود كما عرفت. ### ||| * أصل # العلة الغائية علة فاعلية لفاعلية الفاعل بماهيتها ، ومعلولة له في ~~الوجود ، فهي غاية بوجه ، وعلة غائية بوجه. # وكما أن العلة الغائية ما هي متمثلة عند الفاعل لا الواقعة عينا ، فكذلك ~~الغاية الواقعة في العين هي ما يرجع إلى الفاعل ، فالنجار للسرير لأجل ~~الجلوس ، أو الباني للبيت لسكنى غيره ، أو الماشي لحاجة مؤمن ، أو لرضاء ~~فلان ، كلهم إنما فعلوا أفاعيلهم لأمر يرجع أخيرا إلى نفوسهم. # ومن هنا قيل : أول الفكر آخر العمل. ### ||| * أصل # المادة بالقياس إلى المركب علة مادية ، وبالقياس إلى ما ليست جزءه عنصر ، ~~أو موضوع. PageV01P153 # وكذا الصورة علة صورية للمركب ، وصورة للمادة ، وإقامتها للمادة ليست على ~~نحو إقامتها للمركب ؛ لأنها مفيدة الوجود في الأول ، إفادة لا بالاستقلال ، ~~بل ms071 مع شريك يوجدها أولا فتقيم بها الآخر ، فتكون واسطة وشريكا. # وفي الثاني ليست مفيدة للوجود ، بل إنما يفيد الوجود شيء آخر ، ولكن لها ومنها. # فالصورة مبدأ فاعلي لشيء ، ومبدأ صوري لشيء آخر ، فالعلل لا يزيد عددها ~~على أربعة. ### ||| * أصل # الصورة في كل شيء تمام حقيقته ، سواء كانت مجردة عن المادة ، أو مقترنة ~~بها ، وإنما حاجتها إلى المادة ليست لذاتها ، ولا لوجودها وشخصيتها الذاتية ~~، بل لما يعرض لها من اللواحق اللازمة لشخصيتها ، من الكم والكيف وغيرهما ، ~~فالسرير سرير بهيئته لا بمادته ، والعرش عرش بصورته لا بمادته. ### ||| * أصل # المادة للشيء مادة له بما هي مبهمة ، لا بما هي معينة ، وإلا لكانت صورة ~~لا مادة. # فمادة السرير إنما هي حاملة إمكانه واستعداده ، لا بما له صورة خشبية ، ~~بل بما له قوة قبول أشياء كثيرة ، منها السرير ، فالمادة منشؤها النقص ~~والقصور. PageV01P154 # ثم مادة الخشب إنما هي مادة له بما فيه إمكان الخشبية ، لا بما فيه فعلية ~~صور العناصر ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المادة الأولى ، والقوة المحضة التي ~~ليست لها جهة فعلية أصلا إلا قوة كل شيء ، ولهذا تقبل الأشياء كلها على ~~التدريج. ### ||| * أصل # الفاعل والغاية قد يتحدان ، كما سيأتي أن فاعل الكل هو بعينه غاية الكل ، ~~وجودا وعقلا ، وقد يتحدان معا مع الصورة ، كما في الأب ، فإنه مبدأ لتكون ~~الصورة الآدمية من النطفة بصورته الآدمية ، لا شيء آخر منه ، وليس الحاصل ~~في النطفة إلا صورة آدمية ، وهي أيضا الغاية التي تتحرك إليها النطفة ، ~~لكنها من حيث تقوم مع المادة نوع الإنسان ، فهي صورة ، ومن حيث يبتدىء ~~تركيبه منها ، فهي فاعلة ، ومن حيث تنتهي الحركة إليها ، فهي غاية. # فإذا قيست تلك الواحدة إلى المادة كانت صورة ، وإذا قيست إلى الحركة كانت ~~فاعلة مرة ، وغاية أخرى ، فاعلة باعتبار ابتداء الحركة ، وهي صورة الأب ، ~~وغاية باعتبار انتهاء الحركة ، وهي صورة الابن. ### ||| * وصل # بل إذا نظرت حق النظر إلى العلة الغائية وجدتها في الحقيقة عين العلة ~~الفاعلية دائما ، ماهية ووجودا ، إنما التغاير بحسب الاعتبار المحض ، بل ~~وجدتها ms072 عين الغاية أيضا بحسب الماهية ، فإن الجائع مثلا إذا أكل ليشبع ، ~~فإنما أكل PageV01P155 # لأنه تخيل الشبع فحاول أن يستكمل له وجود الشبع ، فيصير من حد التخيل إلى ~~حد العين ، فهو من حيث إنه شبعان تخيلا هو الذي يأكل ليصير شبعانا وجودا ، ~~فالشبعان تخيلا هو العلة الفاعلية بما يجعله فاعلا تاما ، وهو بعينه العلة ~~الغائية ، والشبعان وجودا هو الغاية المترتبة على الفعل ، فالأكل صادر من ~~الشبع ، ومصدر للشبع ، ولكن باعتبارين مختلفين ، فهو باعتبار الوجود العلمي ~~فاعل ، وعلة غائية ، وباعتبار الوجود العيني غاية. ### ||| * وصل # بل إذا تأملت في الأسباب القريبة لشيء واحد وجدتها كأنها كلها شيء واحد ، ~~متوجه من حد نقصان إلى حد كمال ، فإن النجار بالفعل ليس ذات شخص إنساني كيف ~~كان ، بل مع تهيئه بالآلة والوقت والمكان وغيرها ، وليس في الخشب أيضا بأي ~~وجه كان استعداد قبول النجر ، بل مع مقارنته بيد النجار كأنهما شيء واحد ~~متحرك في الأوضاع. # ثم لكل نجر من الفاعل ، وانفعال من القابل ، صورة خاصة متصلة في ~~الاستحالات والتشكلات ، ولها غاية قريبة موصولة بها ، وهكذا اتصلت ~~الاستحالات ، وتواردت الصور على الانفعالات حتى انتهت إلى صورة أخيرة هي ~~غاية بوجه ، وصورة بوجه آخر ، والغاية أيضا فاعل من جهة ، وغرض من جهة ، ~~وعلة غائية من جهة. PageV01P156 ### ||| * أصل # إن من الأشياء ما يكون له جميع هذه الأسباب ، كالإنسان ، ومنها ما ليس له ~~إلا الفاعل والغاية ، كالعقل ، ومنها ما له الفاعل والغاية والصورة ، وليس ~~له مادة ، كالصورة الخيالية ؛ وذلك لأن الصورة كما تحصل من الفاعل بحسب ~~استعداد المادة ، كذلك قد تحصل منه من غير مشاركة المادة ، بل على سبيل ~~الإبداع ، يوجبها تصور الفاعل من غير مادة قبل وجودها. # ومن هذا القبيل الصور الخيالية الصادرة عن النفس ، كما يأتي بيانه ، وما ~~تجتمع فيه الأسباب تكون علة قوامه ، غير علة وجوده ، أعني سببه المقارن غير ~~سببه المفارق ، وما لم يكن له إلا الفاعل والغاية كان ما هو ، ولم هو فيه ، ~~شيئا واحدا. ### ||| * أصل # الفاعل قد يكون بالقوة ، كما هو قبل الشروع ، وقد ms073 يكون بالفعل ، كما هو ~~بعده ، وقد يكون كليا كمطلقه ، وجزئيا كمحسوسه ، عاما كما قيل : النجار علة ~~للسرير ، أو خاصا كما قيل : هذا النجار قد صنعه. # وقد يكون قريبا كالعفونة للحمى ، وبعيدا كالاحتقان مع الامتلاء لها ، وقد ~~يكون بالذات كالطبيب للعلاج ، وقد يكون بالعرض إما لأنه مصحوب بما هو فاعل ~~حقيقة ، كما يقال : الكاتب يعالج ، فإن المعالج بالذات هو من حيث إنه طبيب ~~، وإما لأن معلوله بالذات أمر آخر يلزمه شيء نسب إلى ذلك الفاعل PageV01P157 # بالعرض ، كالتبريد المنسوب إلى السقمونيا ؛ لأنه يبرد بالعرض ، وفعله ~~بالذات استفراغ الصفراء ، ويتبعه نقصان الحرارة. # ومن هذا القبيل كون الطبيب فاعلا للصحة ، وكون مزيل الدعامة علة لسقوط ~~الحائط ، والبناء علة للبناء ، والنار للسخونة ، فإن معطي الصحة مبدأ أجل ~~من الطبيب ، ومبدأ الانحدار الثقل الطبيعي للسقف ، والبناء حركته علة لحركة ~~لبن ما ، ثم سكونه علة لسكون ذلك اللبن ، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع ~~مادة ، وذلك الاجتماع علة لشكل ما ، ثم انحفاظ ذلك مما يوجبه طبيعة اللبن ~~من الثبات على نحو من الاجتماع. # وكذا النار ليست علة للسخونة بالذات ، بل لأن تبطل البرودة المانعة لحصول ~~السخونة ، وأما حصول السخونة في الماء ، واستحالته إلى النار ، فبالفاعل ~~الذي يكسو العناصر صورها. # وكذا الحكم في طرح البذر في الأرض ، والفكر في المقدمات ، وسائر ما يشبه ~~هذه الأشياء ، فإن هذه ليست عللا بالحقيقة. ### ||| * أصل # الفاعل قد يكون بالطبع ، وهو الذي يصدر عنه الفعل ، ولا يكون من شأنه ~~الاختيار ، ويكون فعله ملائما لطبعه الأصلي ، كالنار للإحراق ، والإنسان ~~للصحة ، وحفظ المزاج. # وقد يكون بالقسر ، وهو الذي يصدر عنه الفعل ، ولا يكون من شأنه الاختيار ~~، ويكون على خلاف مقتضى طبعه الأصلي ، كالحجر المرمي إلى فوق PageV01P158 # للحركة إليه ، والإنسان للمرض ، والسمن والهزال. # وقد يكون بالجبر ، وهو الذي يصدر عنه فعله بلا اختياره ، بعد أن يكون من ~~شأنه اختيار الفعل والترك ، كالرجل الصالح للفعل القبيح المجبور عليه. # وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في كون كل منها غير مختار في فعله. # وقد يكون بالقصد ، وهو الذي يصدر عنه الفعل ms074 مسبوقا بإرادته ، المسبوقة ~~بعلمه المتعلق بغرضه من ذلك الفعل ، وتكون نسبة أصل قدرته وقوته من دون ~~انضمام الدواعي والصوارف إلى فعله وتركه واحدة ، كالإنسان للمشي. # وقد يكون بالعناية ، وهو الذي يتبع فعله علمه بوجه الخير فيه بحسب نفس ~~الأمر ، ويكون علمه بوجه الخير في الفعل كافيا في صدوره عنه من غير قصد ~~زائد على العلم ، كالإنسان لما يحصل منه بمجرد التوهم والتصور ، كالسقوط من ~~الجدار الحاصل منه عند تخيل السقوط ، والقبض الحاصل في جرم لسانه المعصر ~~للرطوبة عند تصوره للشيء الحامض. # وقد يكون بالرضا ، وهو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سببا لوجود ~~شيء ، ونفس معلومية الشيء له نفس وجوده عنه بلا اختلاف ، كالإنسان لتصوراته ~~وتوهماته. # وقد يكون بالتجلي ، كالحق سبحانه للعالم عند أهل الله ، على ما سيأتي ~~بيانه وهو قريب مما قبله. # وهذه الأربعة مشتركة في كون كل منها فاعلا بالاختيار ، وإن كان الأول ~~منها مضطرا في اختياره ؛ وذلك لأن اختياره حادث فيه بعد العدم ، ولكل حادث ~~محدث ، فيكون اختياره عن سبب مقتض وعلة موجبة ، فإما أن يكون ذلك السبب هو ~~أو غيره ، فإن كان غيره ، فهو مضطر فيه ، وإن كان نفسه ، فإما أن تكون PageV01P159 # سببيتها لاختياره باختياره ، أو لا ، فعلى الأول يعود الكلام وينجر إلى ~~التسلسل في الاختيارات ، وعلى الثاني يكون وجود الاختيار فيه لا بالاختيار ~~، فيكون مضطرا ومحمولا على ذلك الاختيار من غيره ، فتنتهي الأسباب الخارجة ~~عنه بالآخرة إلى الاختيار الأزلي الذي أوجب الكل على ما هو عليه بمحض ~~الاختيار ، من غير داع زائد ، ولا قصد مستأنف ، وغرض عارض ، وهذا هو معنى ~~الاختيار الذي هو الكمال في الحقيقة ، لا ما يفهمه العوام. # وهذا التقسيم مما استفدناه من أستاذنا سلمه الله (1). ### ||| * أصل # قد دريت أن الوجود منتهى سلسلة الإمكانات ، وأن الممكن ما لم يجب لم يوجد ~~، فالعلة ما لم يجب صدور المعلول عنها لم يوجد المعلول ، فكل علة واجب ~~العلية ، وكل معلول واجب المعلولية ، فلا يجوز تخلف أحدهما عن الآخر ، ولا ~~انفكاكهما في الوجود ، إلا أن ms075 المعلول مع العلة وبها ، والعلة مع المعلول ~~لا به ، ونزيدك فاسمع : ### ||| * وصل # العلة إما أن تكون لذاتها مؤثرة في المعلول ، أو لا. # فإن لم يكن تأثيرها في المعلول لذاتها ، بل لا بد من اعتبار قيد آخر ، مثل PageV01P160 # وجود ، أو صفة ، أو إرادة ، أو آلة ، أو مصلحة ، أو غيرها ، لم يكن ما ~~فرض علة علة ، بل العلة إنما هي ذلك المجموع ، ثم الكلام في ذلك المجموع ~~كالكلام في المفروض أولا علة ، إلى أن ينتهي إلى أمر يكون هو لذاته وجوهره ~~علة ، فعلية كل علة تام العلية بذاته وسنخه ، لا بأمر عارض لها ، فمعلولها ~~لا محالة من لوازمها الذاتية المنتزعة عنها ، المنتسبة إليها بسنخها ~~وذاتها. ### ||| * وصل # وكما أن وجود العلة التامة مستلزم لوجود المعلول ، فكذلك عدمها ، أو عدم ~~جزء منها ، مستلزم لعدم المعلول ، وكما أن معنى تأثير العلة في وجود ~~المعلول أن يبدع أمرا هو المسمى بالوجود فينتزع منه ماهية ما ، كما أشرنا ~~إليه من قبل ، وسنبينه عن قريب ، فكذلك تأثير عدمها في عدم المعلول أن لا ~~يبدع أمرا كذلك ، فعدم العلة وإن كان نفيا محضا في طرف العدم ، إلا أن له ~~حظا من الثبوت بحسب ملاحظة العقل ، فإن العقل من شأنه أن يتصور لكل أمر ~~مفهوما ، ويجعل ذلك المفهوم عنوانا ، سواء كان وجودا أو عدما ، إلا أن ~~تمايز الأعدام إنما يكون باعتبار الملكات ، فالعقل يتصور أشياء متمايزة يصح ~~أن يحكم عليها بالعلية والمعلولية ، وغيرهما من الأحكام والأحوال ، وذلك ~~القدر من الثبوت كاف في الترجيح العقلي ، والحكم باستتباع عدم العلة لعدم ~~المعلول. PageV01P161 ### ||| * أصل # قد عرفت فيما قبل أن موجودية الماهيات إنما هي بوجوداتها ، وأن الموجود ~~بالذات من كل شيء هو نحو وجوده ، فإذن أثر الفاعل بالذات ليس إلا الوجود ، ~~وكذا فاعل الأثر ، فالجاعلية والمجعولية لا تكونان إلا بنفس الوجود ، على ~~وجه البساطة ، فالجعل إبداع هوية الشيء وذاته التي هي نحو وجوده الخاص. # وأما المسمى بالماهية فهو المجعول بالعرض تبعا لجعل الوجود ، كما أنه ~~موجود بالعرض تبعا له. ونزيدك فاسمع : ### ||| * وصل # المعلول يجب ms076 أن يكون مناسبا للعلة ، وقد تحقق كون الواجب تعالى عين ~~الوجود والموجود بنفس ذاته ، فالفائض عنه يجب أن يكون وجود الأشياء ، لا ~~ماهياتها الكلية ؛ لفقد المناسبة بينها وبينه تعالى. # قال بعض العرفاء : إن كل معلول فهو مركب في طبعه من جهتين ، جهة بها ~~يشابه الفاعل ويحاكيه ، وجهة بها يباينه وينافيه ؛ إذ لو كان بكله من نحو ~~(1) الفاعل كان نفس الفاعل لا صادرا عنه ، فكان نورا محضا ، ولو كان بكله ~~من نحو يباين نحو الفاعل استحال أن يكون صادرا عنه ؛ لأن نقيض الشيء لا يكون PageV01P162 # صادرا عنه ، فكان ظلمة محضة. # والجهة الأولى النورانية تسمى وجودا ، والجهة الأخرى الظلمانية هي ~~المسماة ماهية ، وهي غير صادرة عن الفاعل ؛ لأنها الجهة التي تثبت بها ~~المباينة مع الفاعل ، فهي جهة مسلوب نحوها عن الفاعل ، ولا ينبعث من الشيء ~~ما ليس عنده ، ولو كانت منبعثة عن الفاعل كانت هي جهة الموافقة ، فاحتاجت ~~إلى جهة أخرى للمباينة. # قال : فالمعلول من العلة كالظل من النور ، يشابهه من حيث ما فيه من ~~النورية ، ويباينه من حيث ما فيه من شوب الظلمة ، فكما أن الجهة الظلمانية ~~في الظل ليست فائضة من النور ، ولا هي من النور ؛ لأنها تضاد النور ، ومن ~~أجل ذلك توقع المباينة ، فكيف تكون منه؟ فكذلك المسماة ماهية في المعلول. # قال : فثبت صحة قول من قال : الماهية غير مجعولة ، ولا فائضة من العلة ، ~~فإن الماهية ليست إلا ما به الشيء شيئا فيما هو ممتاز عن غيره من الفاعل ، ~~ومن كل شيء ، وهو الجهة الظلمانية المشار إليها التي تنزل في البسائط منزلة ~~المادة في الأجسام (1). ### ||| * وصل # وليس أنه إذا خرجت الماهية عن حيز الجعل ، فقد ألحقت بالواجب في ~~الاستغناء عن العلة ؛ لأن الماهية إنما كانت غير مجعولة لأنها دون الجعل ؛ ~~لأن الجعل يقتضي تحصلا ما ، وهي في أنها ماهية لا تحصل لها أصلا. PageV01P163 # ألا ترى أنها متى تحصلت بوجه من الوجوه ، ولو بأنها غير متحصلة ، كانت ~~مربوطة إلى العلة حينئذ ؛ لأن الممكن متعلق بالعلة وجودا وعدما ، وواجب ~~الوجود إنما ms077 كان غير مجعول ؛ لأنه فوق الجعل ، من فرط التحصل والصمدية ، ~~وكيف يلحق ما هو غير مجعول ؛ لأن الجعل فوقه مما هو غير مجعول ؛ لأنه فوق الجعل. # ومن هنا قيل : إن القول بكون الماهيات غير مجعولة ، من فروع مسألة ~~الماهية المطلقة، وإنها في نفسها غير موجودة ، ولا معدومة. ### ||| * وصل # وليعلم أن الجعل إنما يتعلق بالوجود من حيث تعينه وخصوصيته ، لا من حيث ~~ذاته وحقيقته ؛ لما دريت في مباحث الوجود والعدم أن الإمكان إنما يتعلق ~~بالوجود من حيث التعين ، لا من حيث الحقيقة. # فالتحقيق الأتم : أن الماهية كما أنها ليست مجعولة ، بمعنى أن الجاعل لم ~~يجعل الماهية ماهية ، فكذلك الوجود ليس مجعولا ، بمعنى أن الجاعل لم يجعل ~~الوجود وجودا ، بل الوجود وجود أزلا وأبدا ، وموجود أزلا وأبدا ، والماهية ~~ماهية أزلا وأبدا ، وغير موجودة ولا معدومة أزلا وأبدا ، وإنما تأثير ~~الفاعل في خصوصية الوجود ، وتعينه لا غير. PageV01P164 ### ||| * أصل # البسيط الذي لا تركيب فيه أصلا لا يكون علة لشيئين بينهما معية بالطبع ؛ ~~لأن البسيط إذا كانت ذاته وبحسب حقيقته البسيطة علة لشيء كانت ذاته محض علة ~~ذلك الشيء ، بحيث لا يمكن تحليلها إلى ذات وعلة ، لتكون عليتها لا بنفسها ~~من حيث هي ، بل بصفة زائدة ، أو شرط ، أو غاية ، أو وقت ، أو غير ذلك ، فلا ~~يكون مبدأ بسيطا ، بل مركبا. # فالمراد من البسيط ما تكون حقيقته التي بها تجوهر ذاته هي بعينها كونه ~~مبدأ لغيره ، وليس ينقسم إلى قسمين يكون بأحدهما تجوهر ذاته ، وبالآخر حصول ~~شيء آخر عنه ، كما أن لنا شيئين نتجوهر بأحدهما وهو النطق ، ونكتب بالآخر ، ~~وهو صنعة الكتابة ، فإذا كان كذلك وصدر عنه أكثر من واحد ، ولا شك أن معنى ~~مصدر كذا غير مصدر كذا ، فتقوم ذاته من معنيين مختلفين ، وهو خلاف المفروض. ### ||| * وصل # لا يفهمن من لفظ الصدور وأمثاله الأمر الإضافي ، الذي لا يتحقق إلا بعد ~~شيئين ؛ لظهور أن الكلام ليس فيه ، بل كون العلة بحيث يصدر عنها المعلول ، ~~فإنه لا بد وأن يكون للعلة خصوصية بحسبها يصدر عنها المعلول ms078 المعين دون ~~غيره ، وتلك الخصوصية هي المصدر في الحقيقة ، وهي التي يعبر عنها تارة ~~بالصدور ، ومرة بالمصدرية ، وطورا بكون العلة بحيث يجب عنها المعلول ؛ وذلك لضيق PageV01P165 # الكلام عما هو المرام ، حتى أن الخصوصية أيضا لا يراد بها المفهوم ~~الإضافي ، بل أمر مخصوص ، له ارتباط وتعلق بالمعلول المخصوص ، ولا شك في ~~كونه موجودا ، أو متقدما على المعلول المتقدم على الإضافة العارضة لهما ، ~~وذلك قد يكون نفس العلة ، إذا كانت العلة علة لذاتها ، وقد يكون زائدا عليها. # فإذا فرض العلة بما هي علة بسيطا حقيقيا يكون معلوله أيضا بسيطا حقيقيا ، ~~وبعكس النقيض : كلما كان معلوله فوق واحد ليس بعضها بتوسط بعض ، فهو منقسم ~~الحقيقة ، إما في ماهيته ، أو في وجوده. ### ||| * أصل # لا يجوز أن يكون لمعلول واحد شخصي ، أو نوعي ، علتان فاعليتان مستقلتان ، ~~سواء كانتا مجتمعتين ، أو متبادلتين تبادلا ابتدائيا أو تعاقبيا. اللهم إلا ~~أن يكون ذلك الواحد ذا شؤون كثيرة وأطوار متعددة ؛ وذلك لأنه لا يخلو إما ~~أن يكون لخصوصية أحدهما مدخل في وجود ذلك المعلول ، فيمتنع حصوله بالأخرى ~~وحدها بالضرورة ، بل إنما وجب بها أو بمجموعهما ، وإما أن لا يكون لشيء من ~~الخصوصيتين مدخل فيه ، فكان العلة بالحقيقة هو القدر المشترك والخصوصيات ~~ملغاة ، فالعلة على التقديرين أمر واحد ، ولو بالعموم. # وأيضا إذا كانت إحداهما مستقلة بالتأثير كان المعلول معها واجبا ، ~~والواجب يستحيل تعلقه بالغير ، فهو مع كل واحدة منهما يمتنع افتقاره إلى ~~الأخرى ، فيمتنع افتقاره إليهما ، مع أنه واجب الافتقار إليهما بالفرض ، ~~هذا خلف. # وأما الواحد الجنسي ، فقد يستند إلى متعدد ؛ لإبهام وحدته وضعفها ، وذلك PageV01P166 # كالحرارة فإنها تقع تارة بالشعاع ، وأخرى بالحركة ، وأخرى بملاقاة النار. # وقد يكون لأشياء كثيرة لازم واحد ، واللازم إنما يستند إلى الملزوم ~~ويتقوم به. # ألا ترى إلى طبائع الأجناس كيف تتقوم بالفصول في الوجود ، وهي لوازم ~~خارجية لها ، وكذا الزوجية بالنسبة إلى مراتب الأزواج المختلفة بالنوع ، ~~إلى غير ذلك ، والعلة في هذه الصور إنما هي الفرد المنتشر ، لا الطبيعة ~~المطلقة الملغاة عنها الخصوصيات ؛ لإبهامها ، وعدم تحصلها ms079 جدا. # وأيضا فإنه لا يلزم اشتراكها في وصف عام تكون جهة الاستناد ؛ لأنا ننقل ~~الكلام إلى ذلك الوصف ، فهو إن لم يكن لجهة أخرى مشتركة ، بل كان لجهة غير ~~مشتركة فذلك هو المطلوب ، وإلا لزم التسلسل في الجهات الاشتراكية. # فقد ظهر أن المعلول إنما يفتقر لذاته إلى علة ما غير معينة ، وإنما ~~التعيين لأمر ما يعود إلى العلة ؛ لأن ذات العلة بما هي هي مقتضية للمعلول الخاص. ### ||| * أصل # الجسم لا يكون علة فاعلية لوجود أصلا ، لا بتمامه ، ولا بأحد جزئيه ؛ ~~وذلك لأن المادة أمر عدمي ، وكذا ما يشتمل عليها من حيث يشتمل عليها. # وأما الصورة فلأن تأثيرها في شيء إنما هو بتوسط المادة ؛ لأنها لو استغنت ~~عن المادة في فعلها فبالأولى أن يستغني عنها في وجودها في نفسها ؛ إذ ~~الإيجاد متقوم بالوجود ، والتالي محال ، كما سنبينه ، فكذا المقدم ، فإذا ~~كان تأثيرها بواسطة المادة فتكون المادة سببا قريبا لوجود الشيء ، مع أنها ~~أمر عدمي. PageV01P167 ### ||| * أصل # وكما لا يجوز أن يكون الجسم علة فاعلية لوجود ، فكذلك الجسماني ، سواء ~~كان صورة ، أو نفسا ؛ وذلك لأن كل ما يتقوم وجوده ، أو فعله ، بالمادة ~~فإنما بتوسط المادة في تأثيره بما يستدعيه من الوضع ، فلا يكفي في تأثيره ~~وجوده بما هو وجوده كيف كان ، ووجود المستعد كذلك ، بل لا بد أن يقع على ~~حالة يكون للمادة فيها بوضعها توسط ، وذلك التوسط غير متشابه ، ولذلك يختلف ~~تأثير القوة التي فيها بحسب القرب والبعد والمماسة وغيرها ، وهذا النحو من ~~التوسط للمادة بين القوة التي فيها ، وبين المفارق الصرف ، والمعدوم المحض ~~، محال ، فلو فرضنا كون القوة الجسمانية مؤثرة في المفارق ، أو المعدوم ، ~~لزم أن يكون وجود المادة فيه لغوا ، وقد قلنا : إن تلك القوة متعلقة ~~بالمادة في صدور أفاعيلها. # وهذا بخلاف تأثير الروحاني في الجسماني ، فإن الروحاني العقلي غير محتاج ~~في فعله إلى المادة بما فيها من وضعها ، وتخصيص حالها بالنسبة إليه ، بل ~~يكفيه وجود ذاته في أن يفعل في المستعدات ، بل نسبة الجميع إليه نسبة واحدة ~~عامة ، فإن ms080 ذوات الأوضاع في أنفسها ليست بذوات أوضاع بالقياس إليه ، وإن ~~كانت كذلك بقياس بعضها إلى بعض ، وبخلاف تأثر الجسماني عن الروحاني ، فإنه ~~لا يحتاج في انفعالاته عنه إلى توسط من المواد ، ونسبة خاصة لها إليه ؛ لأن ~~المادة فيه هي المنفعلة نفسها ، لا المتوسطة بين المنفعل وبين غيره ، وهناك ~~لم تكن هي الفاعلة ، بل المتوسطة. # وأما إيجاد النفس واختراعها للصور الخيالية على ما سيأتي فإنما هو PageV01P168 # من جهتها العقلية الروحانية ، لا النفسية البدنية. # وما يشاهد من حصول بعض الموجودات من بعض الأجسام والجسمانيات ، كتكون بعض ~~العناصر من تأثير بعض ، وكحصول الأولاد من الآباء ، والزروع من الزراع ، ~~والأبنية من البانين ، ونحو ذلك ، فليس على ما يظن ويتوهم من كونها فواعل ؛ ~~لأنها ليست أسبابا موجدة بالحقيقة ؛ لوجوب تقدم الموجد بالذات والحقيقة دون ~~الزمان والحركة ، بل هي معدات من جهة تسببها ، والمعطي للوجود في الكل هو ~~الله تعالى ، كما أشار إليه بقوله سبحانه : ( @QUR@08 أفرأيتم ما تمنون* ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) (1)، ( @QUR@08 أفرأيتم ما تحرثون* أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون ) (2)، ( @QUR@010 أفرأيتم النار التي تورون* ~~أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن ) (3)، فأشار سبحانه إلى أن ما يسمونه ~~فاعلا ليس إلا مباشر الحركات ، ومحرك المواد. # وأما فاعل الصور فهو القيوم سبحانه باستخدام بعض ملائكته المسخرين له. # والغلط فيما زعموه نشأ من جهة أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات. ### ||| * أصل # الشيء الواحد يمتنع أن يكون فاعلا وقابلا لأمر واحد ، فعلا وقبولا ، PageV01P169 # تجدديين ؛ للتقابل البين بين القوة والفعل من جهة واحدة ؛ ولامتناع كون ~~معطي الكمال قاصرا عنه ؛ ولأن الشيء لو كان مبدأ لثبوت صفة أو معنى لنفسه ، ~~لدامت تلك الصفة أو ذلك المعنى له مادامت ذاته موجودة ، ومتى كان كذلك لم ~~يكن متغيرا ، فمبدأ تغير الشيء لا بد وأن يكون غيره لا محالة. # وأما الاتصاف اللزومي ، فيجوز أن يكون المبدأ والقابل فيه واحدا ، وذلك ~~كبداية الماهيات للوازمها ، وقبولها إياها. ### ||| * أصل # كل فاعل يفعل فعلا لغرض أو غاية ، فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض أو ~~الغاية أولى له من ms081 لا حصوله ، وإن كان ذلك الغرض إكمال غيره ، أو نفي الفقر ~~عنه ، أو إيصال الخير إليه ؛ لأن حصول شيء من ذلك لغيره ولا حصوله له ، إن ~~كانا بمنزلة واحدة بالقياس إلى ذلك الفاعل ، فلا داعي له إلى ذلك الشيء ، ~~ولا مرجح لحصول ذلك الخير لغيره دونه ، فصدور الفعل عنه في حد الإمكان ، ~~فلم يصدر. # وأيضا فإن الغرض المقتضي للفعل حينئذ ليس غرضا للفاعل ، وقد فرضناه غرضا ~~له ، وإن لم يكونا بمنزلة واحدة فقد رجع آخر الأمر إلى غرض يتصل بذاته ، ~~فإن سؤال «لم» لا يزال يتكرر في الغرض إلى أن يبلغ ذات الفاعل من خير يعود ~~إليه ، أو شر ينفى عنه ، فحينئذ يقف السؤال ؛ إذ حصول الخير للشيء ، وزوال ~~الشر عنه ، هو المطلوب بالذات ، فكل طالب غرض ناقص. # وبالجملة : فطالب الغرض يطلب شيئا ليس له. PageV01P170 ### ||| * وصل # فكل فاعل لغرض يجب أن يكون غرضه ما فوقه ، وإن كان بحسب الظن ، فليس ~~للفاعل غرض حق فيما هو دونه ، ولا قصد صادق لأجل معلوله. # وأيضا فإن ما يكون لأجله قصد يكون ذلك المقصود أعلى من القصد بالضرورة ، ~~فلو كان إلى معلول قصد صادق غير مظنون لكان القصد معطيا لوجود ما هو أكمل ~~منه ، وهو محال بالبديهة. # وما يرى من تحقق بعض المعلولات على حسب ما يقصده قاصد ، كحصول الصحة من ~~قصد الطبيب في معالجة شخص ، وتدبيره إياه ، فليس بذاك ، فإن مفيد الصحة ~~مبدأ أجل من الطبيب ، وقصده ، وهو واهب الخيرات على المواد حين استعدادها ، ~~والقصد مطلقا مما يهيىء المادة لا غير ، والمفيد دائما أرفع من القاصد ، ~~فالقاصد يكون فاعلا بالعرض ، لا بالذات ، وإذا قصده قاصد بفعله تحصيل صفة ~~لنفسه ، فهو إنما أراد به نفسه مع تلك الصفة ، لا الصفة فقط ، فلا قصد منه ~~إلى أخس ، ولا إلى المعلول. # وما يرى كثيرا من وقوع القصد إلى ما هو أخس من القاصد وقصده ، فذلك إنما ~~يكون على سبيل الغلط والخطأ ، وربما يكون الفاعل بحسب ذاته جوهرا رفيعا ~~أشرف مما قصده ، وبحسب مخالطته المواد وقواها الحسية ms082 والخيالية التي هي في ~~الحقيقة توجب القصد إليه، يكون أخس منه. PageV01P171 ### ||| * أصل # الغاية قد تكون ذاتية ، كوصول الحجر الهابط إلى الأرض بالنسبة إلى حركته ~~الطبيعية ، وقد تكون عرضية ، كشبح الحجر في هبوطه بالنسبة إلى تلك الحركة. # والعرضية قد تكون ضرورية ، كالموت بالنسبة إلى حركة النفس نحو كمالها ، ~~وكحب الولد التابع للغاية من التزويج ، وهو التناسل. # ومن هذا القبيل الحل والعقد ، والتسويد والتبييض ، وغيرها ، بالقياس إلى ~~الحرارة ، فإن القوة المحرقة لها غاية واحدة هي إحالة المحترق إلى مشاكلة ~~جوهرها ، وأما سائر الأفاعيل فهي توابع ضرورية. ### ||| * أصل # وليعلم أنه لا يخلو معلول ما من علة غائية ، كما لا يخلو من علة فاعلية ؛ ~~لأن كل معلول فهو ممكن ، ودريت أن الممكن ما لم يترجح وجوده بداع ومقتض لم ~~يوجد ، وذلك الداعي هو غاية الإيجاد ، حتى أن العبث له غاية ، وإن لم تكن ~~غاية عقلية ، فإن الفعل لا يجب أن تكون له غاية بالقياس إلى ما ليس مبدأ له ~~، بل بالقياس إلى ما هو مبدأ له ، ومبدأ العبث ليس أمرا عقليا ، بل أمر ~~خيالي ، فله غاية خيالية هي خير بالقياس إلى مبدئه ، فإن كل فعل نفساني ~~فلشوق مع تخيل ، وإن لم يكن ذلك التخيل ثابتا ، بل يكون زائلا ، فلم يبق ~~الشعور به ، فإن التخيل غير الشعور به ، ولو كان قبل كل شعور شعور لتسلسل. PageV01P172 # ثم لكل شوق علة وباعث ، فاللاعب باللحية ، والنائم ، والساهي ، لا يخلو ~~فعلهم من شوق ، ولا شوقهم من باعث وعلة ، إما عادة ، أو ضجر عن هيئة ، أو ~~إرادة انتقال إلى هيئة أخرى ، أو حرص من القوى الحاسة أن يتجدد لها فعل ، ~~إلى غير ذلك من أسباب جزئية لا يمكن ضبطها ، والعادة لذيذة ، والانتقال من ~~المملول لذيذ ، والجديد لذيذ ، كل ذلك بحسب القوى الحيوانية ، وتلك اللذات ~~خير حسي ، أو تخيلي ، فهي خير حقيقي للحيوان بما هو حيوان ، وظني بحسب ~~الخير الإنساني ، فليس مثل هذا الفعل خاليا عن خير حقيقي بالقياس إلى ما هو ~~مبدأ له ، وإن لم يكن خيرا حقيقيا عقليا ، وحتى ms083 أن لأفعال الطبائع مع أنها ~~غير ذوات الشعور غايات ، وليس إذا عدمت الطبيعة الروية كان الفعل الصادر ~~عنها غير متوجه إلى غاية ، فإن الروية لا تجعل الفعل ذا غاية ، بل إنما ~~تميز الفعل الذي تختار ، وتعينه من بين أفعال يجوز اختيارها. # ثم يكون لكل فعل من تلك الأفعال غاية مخصوصة ، يلزم تأدي ذلك إليها لذاته ~~، لا بجعل جاعل ، حتى لو قدر كون النفس مسلمة عن اختلاف الدواعي والصوارف ، ~~لكان يصدر عن الناس فعل متشابه على نهج واحد ، من غير روية ، كما في الفلك ~~، فإن الأفلاك سليمة عن البواعث والعوارض المختلفة ، فلا جرم أفاعيلها على ~~نهج واحد ، من غير روية. # ومما يؤيد ذلك أن نفس الروية فعل ذو غاية ، وهي لا تحتاج إلى روية أخرى. # وأيضا إن الصناعات لا شبهة في تحقق غايات لها ، ثم إذا صارت ملكة لم تحتج ~~في استعمالها إلى الروية ، بل ربما تكون الروية مانعة ، كما في الكاتب ~~الماهر ، فإنه لا يروي في كل حرف ، وكذا العواد الماهر ، لا يتفكر في كل نقرة ، PageV01P173 # وإذا روى الكاتب في كتابة حرف ، أو العواد في نقرة ، يتلبد في صناعته ، ~~فللطبيعة غايات بلا قصد وروية. # وقريب من هذا اعتصام الزالق بما يعصمه ، ومبادرة اليد في حك العضو من غير ~~فكر ولا روية. # ثم إن للأمور الاتفاقية أيضا غايات لما يتأدى إليها ، وهي بالنسبة إلى ~~أسبابها واجبات. # مثلا : من حفر بئرا فعثر على كنز ، فعثوره على ذلك الكنز واجب بالنسبة ~~إلى ذلك الحفر في ذلك الموضع ، فهذا من باب الدائم بالقياس إلى هذا الفرد ~~الجزئي ، وإن كان نادرا أقليا بالنسبة إلى سائر أفراد النوع. # فالأمور الموجودة بالاتفاق إنما هي بالاتفاق عند الجاهل بأسبابها وعللها ~~، وأما بالقياس إلى مسبب الأسباب ، والأسباب المكتنفة بها ، فلم يكن شيء ~~منها اتفاقا ، فالأسباب الاتفاقية حيث تكون ، تكون لأجل شيء ، إلا إنها ~~أسباب فاعلية بالعرض ، والغايات غايات بالعرض ، وكذلك الفساد ، والذبول ، ~~والموت ، والتشويهات ، والزوائد ، كلها غايات لما تتأدى إليها ، ولها نظام ~~لا يتغير ، كما لأضدادها ، وإن لم تكن ms084 مقصودة للطبيعة بالذات ، فالاتفاق ~~غاية عرضية لأمر طبيعي ، أو إرادي ، أو قسري ، ينتهي إلى طبيعة أو إرادة ، ~~فتكون الطبيعة والإرادة أقدم من الاتفاق لذاتيهما ، فما لم يكن أولا أمور ~~طبيعية ، أو إرادية ، لم يقع اتفاقا. # فالأمور الطبيعية والإرادية متوجهة نحو غايات بالذات ، والاتفاق طارىء ~~عليهما إذا قيس إليهما ، وإذا قيس إلى أسبابه المؤدية إليه يكون غاية ذاتية ~~له ، طبيعية أو إرادية. PageV01P174 ### | في الجوهر والعرض ### ||| * ( @QUR@08 أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء ) (1) ### ||| * أصل # الجوهر : ما حق وجوده الخارجي أن لا يكون في موضوع. والعرض : ما يقابله. # ونعني بالموضوع المحل المستغني عن الحال. # ونعني بالحلول كون الشيء بحيث يكون وجوده في ذاته عين وجوده لغيره على ~~وجه الاتصاف. # ثم الجوهر إن كان قابلا للأبعاد الثلاثة ، فجسم ، إما عيني خارجي ، أو ~~خيالي مثالي ، وإلا فإن كان جزء منه هو به بالفعل ، سواء كان في جنسه ، أو ~~نوعه ، فصورة امتدادية ، أو طبيعية ، أو بالقوة ، فمادة وهيولى. # وإن لم يكن جزء منه ، فإن كان متصرفا فيه بالمباشرة فنفس وروح ، وإلا فعقل. # وأصول الأعراض تسعة ، هي : الكم ، والكيف ، والأين ، ومتى ، والإضافة ، PageV01P175 # والملك ، والوضع ، وأن يفعل ، وأن ينفعل ، وكل منها مقولة برأسها. # والجوهر مقولة واحدة. # وكل ما له حد نوعي من الأشياء فهو مندرج تحت واحدة من هذه المقولات العشر ~~بالذات ، وما لا حد له نوعيا ، مما يدرك بنفسه ، كالوجود والوحدة ، وفصول ~~الأنواع البسيطة ، فلا يقع تحت شيء منها بالذات ، بل إن وقع فبالعرض ، وكذا ~~أعدام الملكات ، كالعمى والجهل ، ونحوهما ، فإنها ملحقة بملكاتها بالعرض. # ومن هذا القبيل النقطة ، والآن ، بمعنى نهاية الخط والزمان ، فإنهما ~~عدمان يضافان إلى الوجود ، بخلاف الخط والسطح ، فإن لهما حظا من الوجود. # وأما مثل الشيئية والممكنية من الأمور الشاملة ، والاعتبارات العامة ، ~~فلا تحصل له إلا بالخصوصيات ، فهو أيضا إنما يدخل تحت المقولات بالعرض ، لا ~~بالذات. # وقد يتداخل بعض المقولات في بعض بالعرض ، وقد يكون الشيء الواحد من ~~مقولتين ، إحداهما بالذات ، والأخرى بالعرض. # وقد يدخل الشيء بالذات تحت مقولة باعتبار ، وهو باعتبار آخر ms085 غير داخل تحت ~~شيء من المقولات. # وقد يتركب الشيء من جزئين ، يكون كل منهما من مقولة غير مقولة الآخر ، ~~ولا يلزم لمثل هذا الشيء أن يكون هو في نفسه تحت شيء من المقولات ؛ لأن ~~الوحدة معتبرة في التقسيم. PageV01P176 ### ||| * وصل # الأعراض تابعة للجواهر ، قائمة بها ، والجواهر إما فعالة غير منفعلة ، ~~وهي العقول ، أو منفعلة غير فعالة ، وهي الأجسام بما هي أجسام ، أو فعالة ~~منفعلة تنفعل من العقول وتفعل في الأجسام ، وهي النفوس والطبائع. # وهذه الأقسام يقضي العقل بإمكانها ، وأما إثبات وجودها فيحتاج إلى برهان. # نعم ، الأجسام معلومة الوجود بإعانة الحس ، وأما البواقي فتدل عليها ~~حركات الأجسام ، وغير ذلك. # ونحن الآن بصدد إثبات كل منها بالبرهان بقول كلي يتضمن بيان حقيقته ، ~~ولنبدأ بالجوهر ، ثم الجسم الخارجي ، ثم جزئيه الصوري والمادي ، ثم الطبيعة ~~، ثم العقل ، ثم النفس، ثم الجسم المثالي ، ثم العرض ، ثم المقولات التسع. ~~فاسمع : ### ||| * أصل # لا شك في أنا نشاهد من الموجودات المحسوسة شيئا ، فذلك الشيء إما أن يكون ~~قائما بذاته غير مضطر إلى حامل يحمله ، أو لا يكون كذلك. # فإن كان الأول فهو الجوهر ؛ إذ لا نعني به إلا ما يكون قائما بنفسه ، أي ~~غنيا عن موضوع يحمله ، وإن كان غير قائم الذات ، بل يفتقر إلى ما يحمله ، ~~فذلك الحامل لا بد وأن يكون قائما بالذات ، أو ينتهي إلى قائم بالذات ، ~~دفعا للتسلسل. PageV01P177 # وعلى تقدير عدم الانتهاء لا بد لمجموع هذه السلسلة من حامل وموضوع ، وهو ~~المطلوب. فثبت الجوهر. ### ||| * وصل # وكما أن سلسلة الوجود في جانب العلو والرفعة والجلالة تنتهي إلى مبدأ ~~يحيط بجميع المراتب والعوالم ، حتى لا يغيب عن وجوده شيء من الأشياء ، ولا ~~يعزب عن نور وجهه ذرة في الأرض ولا في السماء ، وإلا يلزم التسلسل ، ومفاسد ~~أخر ، كما يأتي بيانه ، فكذلك لا بد أن ينتهي في جهة القصور والنقص إلى حيث ~~لا حضور لذاته في ذاته ، بل تغيب ذاته عن ذاته ، فضلا عن غيره ، وهو الوجود ~~الذي له امتداد وانبساط وتخصص مكاني ، وتقيد زماني ، وليس له من ms086 الجمعية ~~والتحصل قدر يمكن أن يجمع بعضه بعضا ، بل الكل غائب عن الكل ، وهو منبع ~~الجهالة والظلمة ؛ وذلك لأن مثل هذا الشيء من مراتب الوجود فعدمه نقص وشر ، ~~وعدم إيجاده ضيق وبخل على مبدعه ، تعالى عنه ، فيجب انتهاء نوبة الوجود إليه. # وأيضا فإن عدم هذا الجوهر الظلماني يستلزم وقوف الفيض على عدد متناه من ~~الوجود ؛ لبطلان التسلسل في المترتبات ترتبا عليا ومعلوليا ، فينسد بذلك ~~باب الرحمة والإجادة عن إفادة النفوس الإنسانية وغيرها في سلسلة المعدات ~~والعائدات ، كما يأتي بيانه ، هذا خلف ، فثبت الجسم. كذا أفاده أستاذنا ~~سلمه الله (1). PageV01P178 ### ||| * وصل # لا شك أن في الجسم سنخا تتوارد عليه الصورة والهيئات ، وله خميرة تختلف ~~عليها الاستحالات والانقلابات ، فإن التراب مثلا يصير نطفة ، والنطفة بشرا ~~، والبذر شجرا ، والشجر رمادا ، أو فحما ، إلى غير ذلك. # فلا يخلو إما أن تكون النطفة باقية نطفة ومع هذا فهو بشر ، حتى تكون في ~~حالة واحدة نطفة وبشرا ، أو تكون بطلت بكليتها ، حتى لم يبق منها شيء أصلا ~~، فحينئذ ما خلق البشر من النطفة ، بل ذلك شيء بطل بكليته ، وهذا شيء آخر ~~حصل جديدا بجميع أجزائه. # أو يكون الجوهر الذي كانت فيه الهيئة النطفية بطلت عنه تلك الهيئة ، ~~وحصلت فيه الهيئة البشرية. # والقسمان الأولان باطلان بالبديهة ، وليس يعتقده عامي ، فضلا عن الخواص ، ~~ولذلك كل من زرع بذرا لينبت منه شيء ، أو تزوج ليكون له ولد ، يحكم على ~~الزرع بأنه من بذره ، ويفرق بين ولده وغيره بأنه من مائه. # أولا يرى أنه لا يحصل في الزراعة من البر غير البر ، ومن الشعير غير ~~الشعير ، ولا في التوليد من الإنسان غير الإنسان ، ومن الفرس المحض غير ~~الفرس ، ومن الحمار غير الحمار ، ومن المزدوج بين القسمين غير المزدوج من ~~صفات كل منهما ، فتعين القسم الثالث. # فثبت إذن وجود مادة في الأجسام تتوارد عليها الصور والهيئات ، وهي باقية ~~في الأحوال. PageV01P179 ### ||| * وصل # لا جائز أن تكون تلك المادة الباقية جواهر فردة متقومة بذواتها ، غير ~~قابلة للتجزئة أصلا ، لا وهما ، ولا فرضا ، ولا قطعا ms087 ، ولا كسرا ، سواء ~~كانت متناهية أو غير متناهية ؛ لاستحالة ذلك في نفسه ، فضلا عن تألف الجسم ~~منه ، فإن كل جوهر يناله الحس ، وله وضع وإشارة وتخصيص بحيز بوجه ما ، فلا ~~بد أن يكون له وجه إلى فوق ، ووجه إلى مقابله، فينقسم ولو وهما. # وكذا له وجهان إلى الشرق والغرب ، فينقسم كذلك ، وهكذا له وجهان إلى كل ~~جهتين متقابلتين من جهات العالم ، تتكثر أجزاؤه بحسب محاذاته لكل جانب من ~~الجوانب ، عينا ، أو وهما ، أو عقلا ، فإن الشيء الواحد من حيث هو واحد كما ~~لا يمكن أن يكون ذا # أوضاع متعددة ، كذلك لا يجوز أن يكون له بما هو واحد نسب مختلفة ، أو ~~متعددة إلى أشياء ذوات أوضاع مختلفة ، من غير عروض كثرة وتعدد في ذاته تصحح ~~ثبوت هذه النسب الكثيرة. # وأما تجويز تعدد النهايات والأطراف لشيء واحد ذي وضع من غير أن تتطرق ~~إليه بحسبها كثرة وإثنينية ، لا في الخارج ، ولا في الوهم ، فهو قرع باب ~~السفسطة. ### ||| * وصل # وأيضا لو فرضنا جوهرا فردا بين جوهرين فردين ، فإما أن يحجز عن المماسة ~~بين الطرفين ، فينقسم ؛ إذ يلقى كل منهما منه غير ما يلقاه الآخر ، أو لا PageV01P180 # يحجز ، فاستوى وجود الوسط وعدمه. # وهكذا الحكم في كل وسط ، فلم يبق حجاب في العالم ، ولا تقدر وحجم ، هذا خلف. # وأيضا لو فرضناه فوقهما ، وعلى ملتقاهما ، فإن لقي بكله أو ببعضه كل ~~كليهما فيتجزى ، أو بكله كل أحدهما فقط ، فليس على الملتقي ، وقد فرض عليه ~~، وإن لقي بكله أو ببعضه من كل منهما شيئا ، فانقسم وانقسما جميعا. # وأيضا لو فرضنا سطحا متألفا من أربعة خطوط جوهرية يتركب كل منها من أربعة ~~أجزاء ، لزم مساواة القطر للضلع ، وقد ثبت بطلانه في الأصول الهندسية ~~القطعية. # وأيضا قد ثبت فيها أن كل خط يمكن تنصيفه ، فلو تركب الخط من أجزاء وتر ~~عددا لزم انقسام الجزء الوسطاني. # وأيضا كل قسمة برهن في الهندسة على صحتها في المقادير ولا توجد هي في ~~الأعداد على الصحة ، فهو برهان مبين على بطلان الجوهر ms088 الفرد ، كما لا يخفى ~~، وقد تبين بطلانه ببيانات أخر ، وبراهين كثيرة لا يحتمل ذكرها الكتاب ، مع ~~أن فيما ذكر كفاية وبلاغا لقوم عابدين. ### ||| * وصل # ولا جائز أيضا أن تكون تلك المادة الباقية أجساما صغارا صلبة متماسة غير ~~قابلة للقسم الانفكاكية ، بل الوهمية فقط ؛ لأن قبول القسمة الانفكاكية ~~ثابت للجسم إلى غير النهاية ، كسائر أنحاء القسمة ؛ وذلك لأن PageV01P181 # الجسمية المشتركة بين جميع الأجسام ماهية نوعية متحصلة في الخارج ، وإنما ~~تختلف أفرادها من حيث هي أفرادها بأمور منضافة إليها من خارج ، وقد مر في ~~مباحث الماهية بيان الفرق بين الجسم بالمعنى الذي هو مادة الأنواع ، وبين ~~الجسم بالمعنى الذي هو جنس. # فالفصول عوارض خارجية منضمة بالقياس إلى المعنى الأول ، ومتممات داخلية ~~مضمومة بالنسبة إلى المعنى الثاني ، فجسمية إذا خالفت جسمية أخرى كانت ~~بأمور خارجية ، سواء كانت جواهر صورية ، أو أعراضا. # وأما جسم إذا خالف جسما آخر مباينا له في النوع ، كان بأمور داخلية ، ~~وعدم الفرق بين هذين المعنيين مما يغلط كثيرا. # وبالجملة : لا شبهة في أن الصورة الامتدادية ، وهي تمام حقيقة الجسم بما ~~هو جسم في جميع الأجسام ، أمر واحد نوعي ، محصل ، ومقتضاها فيها واحد ، وما ~~يجوز ويمتنع لها في بعض الأفراد يجوز ويمتنع في الكل ، فحينئذ لو كان ~~الاتصال بين الجزئين المتصلين مقتضى ذات الطبيعة الامتدادية يلزم أن تكون ~~الأجسام والامتدادات كلها متصلا واحدا ، ولو كان الانفكاك بين الجسمين ~~المنفصلين ذاتيا لها لم يوجد شيء من تلك الطبيعة متصلا واحدا ، بل لم يتحقق ~~لا في العين ، ولا في الوهم ، وذلك ضروري البطلان ، بل نقول : لو قطع النظر ~~عن تشابه الأجسام المنفصلة ، لتم البرهان ؛ وذلك لأن النظر في جسم مفرد ~~وقبوله للانفراد والاتصال يوجب أن يقبل الجزء المقداري منه ما يقبله الكل ، ~~وبالعكس ؛ لتشابه الكل والجزء ، فإن الحقيقة الامتدادية أجزاؤها جزئياتها ، ~~فللكل وجود بالفعل وتشخص عيني ، وللجزء وجود بالقوة وتشخص ، فيجوز بحسب ~~الماهية المشتركة أن يعرض لأحدها ما يعرض للآخر ، سوى المقدار PageV01P182 # الذي هو من ضروريات تعين الكل كلا ، والجزء جزء ، فليجز ms089 أن يكون المتصل ~~منفصلا ، والمنفصل متصلا. ### ||| * وصل # وأيضا إن كلا من تلك الأجسام لو كان بسيطا ذا طبيعة واحدة كانت كرية ~~الأشكال ، لما سيأتي ، فيحصل بينها فرج خالية ، والخلاء محال ، وإن كان ~~مركبا من أجسام مختلفة الطبائع لم يكن متصلا واحدا ، هذا خلف. # ومما يدل على بطلان ذلك أيضا وجود التخلخل والتكاثف الحقيقيين في الأجسام ~~، كما تدل عليهما التجربة في القارورة الضيقة الرأس ، الجذابة للماء بعد ~~المص ، والقمقمة الصياحة في النار بعد السد ، مع كون الخلاء محالا ، كما ~~سنبينه. ### ||| * وصل # فتلك المادة الباقية إما نفس الجسم الذي هو أمر واحد بسيط ، لا تركيب فيه ~~بوجه من الوجوه ، بل هو من حيث جوهريته يسمى جسما ، ومن حيث إضافته وقبوله ~~للصور والمقادير يسمى مادة ؛ وإما جوهر أبسط من الجسم متقوم بجوهر آخر يحل ~~فيه يسمى صورة ، يتحصل من تركبهما جوهر وحداني الحد قابل للمقادير والأعراض ~~والصور اللاحقة ، وهو الجسم ، فيكون الجسم مركبا من الجزئين ، ينعدم أحدهما ~~عند الانقلابات ، ويبقى الآخر ، لا سبيل إلى الأول ؛ لأن الجسم بما هو جوهر ~~ذو بعد ، أمر بالفعل ، وبما هو قابل للفصل PageV01P183 # والوصل وغيرهما من الأشياء المفقودة عنه المستعد هو لها ، كالسواد ~~والحركة والحرارة والصورة النوعية المكملة له اللاحقة به ، أمر بالقوة. # ففي كل جسم من حيث مجرد جسميته جهتا فعل وقوة ، وحيثيتا وجوب وإمكان ، ~~والشيء من حيث هو بالفعل لا يكون هو من حيث هو بالقوة ؛ لأن مرجع القوة إلى ~~أمر عدمي ، هو فقدان شيء عن شيء ، ومرجع الفعلية إلى حصول حقيقة لشيء ، ~~والشيء الواحد من الجهة الواحدة لا يكون مصححا لهاتين الصفتين ، ومنشأ ~~لاجتماع هاتين الحالتين. # فإذن الجسم بما هو جسم مركب في ذاته مما عنه له القوة ، ومما عنه له ~~الفعل ، وهما جزآه المسميان بالمادة والصورة. # ونزيدك فاسمع : ### ||| * وصل # كل حيثية ثابتة لشيء ما في نفس الأمر فلا بد له من مبدأ لانتزاعها ، ~~ومنشأ لحصولها ، والقوة وإن كانت عدما ، ولكن ليست عدما بحتا ، بل لها حظ ~~من الثبوت ، فإنها عدم شيء عما من شأنه ms090 أن يكون وجود ذلك الشيء له ، أو ~~لنوعه ، أو لجنسه ، ولكن ليس بالفعل حاصلا له ، فلا بد لها من مبدأ. # والمبادىء للأشياء الطبيعية تنحصر في أربعة : مادة ، وصورة ، وفاعل ، ~~وغاية. والثلاثة الأخيرة إنما هي مبادىء لفعلية تلك الأشياء ، فلا يمكن أن ~~يكون شيء من العلل مبدأ للقوة والفقدان إلا المادة. # مثلا : قبول صورة الكرسي ليس صفة للفاعل ، ولا للغاية ، كيف وهما PageV01P184 # منشآن للفعلية والحصول لا للقوة والقبول! ولا للصورة الكرسوية ، كيف ~~ووجود الصورة نفس الفعلية لنفسها ، فلا يكون قبولا لها! فالموصوف بها إنما ~~يكون مادة الكرسي. # وإذا علم هذا في مادة الكرسي فننقل الكلام إلى مادة هذه المادة ، هل هي ~~نفس القابل بما هو قابل ، أو معنى صوري له قابل؟ # فنقول : معناه الصوري كالخشب مثلا لكونه أمرا تاما في نوعيته وحقيقته ، ~~لا يجوز أن يكون جهة قوة وإمكان للصورة الكرسوية ، بل القابل هو مادة ذلك ~~الخشب لا صورته ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى قابل ليس هو في نفسه معنى من ~~المعاني التي هي بالفعل. # والامتداد للجسم بما هو جسم أمر صوري ، لكونه مبدأ الفصل للجوهر الجرمي ، ~~فلا بد من أمر آخر يكون هو مصحح القوة والاستعداد ، لا بأن تكون القوة صورة ~~طبيعية حادثة له حتى يحتاج إلى أسباب أربعة لثبوته ، فيحتاج إلى قابلية ~~أخرى ، ويتسلسل ، بل بأن يكون لازما لماهية القابل من غير قابلية أخرى في ~~الواقع ، اللهم إلا بمجرد اعتبار العقل والتفاته ، فينقطع بانقطاع الالتفات ~~كسائر خطرات الأوهام المتكررة. # فالمصحح لقبول الحوادث الكونية في الجسم ليس هو نفس الامتداد ، بل القابل ~~له وهو مادته ، ففعلية مادة الجسم فعلية القوة ، وجوهريتها جوهرية القبول ~~للأشياء ، لا فعلية وجود من الوجودات المتحصلة ، وجوهرية حقيقة من الحقائق ~~المتأصلة. # ولا تستوجب بهاتين الجهتين أن تكون ذات جزئين ، بأحدهما تكون بالفعل ، ~~وبالأخرى تكون بالقوة ، إلا بحسب اعتبار العقل ؛ لأن نسبتها إلى PageV01P185 # الجوهرية والاستعداد ليست كنسبة المركب الطبيعي إلى المادة والصورة ، بل ~~كنسبة النوع البسيط إلى ما هما بمنزلة الجنس والفصل ، فهي نوع بسيط ، جنسه ~~الجوهر ms091 ، وفصله أنه مستعد لأي شيء ، لا لشيء مخصوص ، وإلا لكان مركبا من ~~القابلية ومن الخصوصية التي بها قابل من القوابل. # اللهم إلا أن يكون منشأ تلك الخصوصية أمرا ورد عليها من الصور اللاحقة ، ~~أو يكون من الجهات الناشئة عن الفاعل ، فهي بما هي بالقوة تكون بالفعل ، ~~وبما هي بالفعل تكون بالقوة ، لكل شيء أو لأشياء مخصوصة ، على الوجهين ~~المذكورين. # وبفعلية القوة تمتاز عن العدم المحض ، فهي إذن عبارة عن جهة فقر الأشياء ~~، وقصوراتها في الوجود العيني ، كما أن الإمكان الذاتي عبارة عن جهة فقر ~~الذوات ، وقصورات الماهيات بحسب تقومها في مرتبة الذات والماهية. ### ||| * وصل # ما من جسم في الخارج إلا وفيه شوب قوة لكمال ، أو قصور في أوضاع وأفعال ، ~~وتجدد وانتقال من حال إلى حال ، وإن كان في أيسر غرض وأسهل عرض ، فإن الفلك ~~وإن كان بالفعل من جهة جوهريته ، وكمه ، وكيفه ، وأينه ، ووضعه في نفسه ، ~~وجميع هيئاته القارة ، إلا أن فيه القوة من جهة أوضاعه بالقياس إلى الغير ؛ ~~لعدم إمكان الجمع بين سائر الأوضاع. # فلما ثبت أن جهة القوة ترجع إلى شيء هو محض القبول والإمكان ، فالجسمية ~~في هذا العالم لا تخلو عن المادة ، وكذلك المادة بما هي مادة لا PageV01P186 # تتجرد عن كافة الصور ، وإلا تكون أمرا بالفعل ، ولها قوة قبول الأشياء ، ~~ولا أقل لها استعداد شيء ما ، وإلا لم تكن مادة فتركب ذاته من جهة بها تكون ~~بالفعل ، ومن جهة بها تكون بالقوة ، وقد فرضت بسيطة ، هذا خلف. # ومن هنا يظهر أن التركيب بين المادة والصورة اتحادي ، بمعنى أنهما شيء ~~واحد في الحقيقة ، له جهتان في الخارج ؛ إذ لو كانتا اثنتين لكان كلتاهما ~~بالفعل ، ولم يكن أحدهما بالقوة المحضة. ### ||| * فصل # المادة لا تتهيأ لقبول الإشارة الحسية ، والأبعاد المقدارية ، وتخصص ~~الأحياز والجهات، وحصول الفصل والوصل والوحدة والتعدد بالذات ، بل إنما ~~تتهيأ لشيء من تلك الأوصاف بالعرض ، بعد تعينها المستفاد من قبل الصورة ، ~~وإن كانت ذاتها لا تخلو من الاتصاف بشيء من الأوصاف المذكورة في نفس الأمر ~~، ولو بواسطة الصورة ms092 ، فهي حين الاتصال لها وحدة شخصية ذاتية ، ووحدة ~~اتصالية ، فإذا طرأ الانفصال زالت عنها الوحدة الاتصالية بدون زوال ذاتها. # وهذا بخلاف الجوهر الممتد ، فإن وحدة الاتصال فيه هي الوحدة الشخصية ، أو ~~مساوقة لها ، فلا جرم لم تبق ذاتها حين الانفصال ، فمادة الجرمين الحادثين ~~عند الانفصال واحدة في ذاتها ، متعددة بتعدد الجرمين ، وهي محفوظة الوجود ~~في جميع المراتب ، باقية الذات في حالتي الاتصال والانفصال ، غير حادثة ~~بحدوث شيء منهما ليلزم التسلسل في المواد الحادثة ، ولا متكثرة بتكثر ~~الانفصال في ذاتها ليلزم اشتمال الجسم على الأجزاء الغير المتناهية ، بل ~~الزوال والحدوث ، والوحدة الاتصالية ، والكثرة الانفصالية ، إنما تعرض ~~للجوهر الممتد PageV01P187 # بالذات ، والمادة لا تقتضي شيئا من ذلك ، ولا أيضا تأباه. # فمادة الجسمين اللذين أحدهما في المشرق ، والآخر في المغرب ، لها نحو ~~وحدة ذاتية بجامع اثنينيتها ، وحصولها في الجهات المتخالفة ، والأحياز ~~المتباعدة ، عبارة عن قبولها الأجسام المتعددة ، الموصوفة بالوقوع في تلك ~~الجهات والأحيان بالذات ، فوحدتها الشخصية لا تنافي الكثرة الانفصالية ، ~~بخلاف وحدة المتصل ؛ وذلك لأن وحدتها مفهوم سلبي من لوازم نفي الكثرة ، بل ~~هي عين نفي الكثرة ، ووحدة المتصل معنى وجودي ، نفي الكثرة إنما هو من ~~لوازمه. ### ||| * وصل # وما يقال : من أن القوة تبطل عند وجود ما ، هي قوة عليه ، فلا تكون باقية ~~عند وجود ذلك الشيء ، فصحيح إن أريد القوة الخاصة لشيء خاص ، وأما القوة ~~المطلقة لحصول الأشياء الغير المتناهية فإنما تبطل إذا حصل جميع تلك ~~الأشياء ، وهو محال. # إذن يلزم انتهاء مقدورات الله تعالى ، وقد برهن على أن قدرته سبحانه غير ~~متناهية. # والمادة الأولى هي بالقوة كل شيء ، فبعض ما يحصل فيها يعوقها عن بعض ، ~~فيحتاج المعوق عنه إلى زواله ، وبعض ما فيها لا يعوق عن بعض آخر ، ولكنه ~~يحتاج إلى ضميمة أخرى حتى يتم الاستعداد ، وهذه القوة هي قوة بعيدة. # وأما القوة القريبة فهي التي لا تحتاج إلى أن تقارنها قوة فاعلية قبل القوة PageV01P188 # الفاعلية التي تنفعل هي عنها ، فالشجرة مثلا ليست بالقوة مفتاحا ، بل ~~تحتاج إلى أن تلقاها أولا قوة ms093 قالعة ، ثم ناشرة ، ثم ناحتة ، ثم بعد ذلك ~~تتهيأ لأن تنفعل من ملاقاة القوة الفاعلة المفتاحية ، فتصير مفتاحا. # فالمادة الأولى ليست استعدادا واحدا نحو صورة واحدة حتى تبطل ذاته بوجود ~~تلك الصورة ، بل هي قوة مطلقة لجميع الصور ، وليست في ذاتها واحدة بالعدد ، ~~بل بالمعنى ، ولا جوهرا مستقلا في الوجود ، بل بتبعية صورة ما مطلقة. # ألا ترى إلى حال البدن كيف تصحبه قوة مستمرة للهيئات والصور المتبدلة ~~للأعضاء ، وغيرها ، واستعداداتها المتعاقبة ، فلم يزل يلزمه مادام في هذه ~~النشأة نقيص ، وبحسبه قوة مستمرة نحو الاستكمال طورا بعد طور ، وحالا غب ~~حال ، بحيث تتبدل فيه جميع الصور التي للأعضاء والأمشاج ، ومع ذلك هو محفوظ ~~الوحدة الشخصية للصورة المطلقة وللاستعداد المطلق بنفس شخصية ، باق من أول ~~العمر إلى آخر الأجل. # فقس عليه حال العالم الجسماني كله ، في وحدته الشخصية ، ووحدة مادته ، ~~التي هي قوة محضة مستمرة إلى آخر الدهر ، مع تبدل الصور وتعدد الاستعدادات ~~، وفيه سر آخر أعلى وأتم سننبه عليه. ### ||| * وصل # ولما كان وجود المادة تابعا لوجود الصورة ، فهي متأخرة عن الصورة وإن ~~كانت متقدمة عليها من وجه. # والسر فيه أن ما بالفعل مطلقا متقدم على ما بالقوة ، كما مر بيانه. PageV01P189 # وأما القوة الجزئية فهي متقدمة على الفعل الذي هي قوة عليه ، فكل قوة ~~تابعة لفعل متقدم ، وهو إمكان الفعل تتقدم هي عليه ، وتضاف إليه. # فالقوة على الرجولية تابعة للصورة الطفولية ، مقترنة بها ، والقوة على ~~الطفولية تابعة للصورة المنوية ، والقوة عليها تابعة للصورة الدموية ، ~~والقوة عليها تابعة لصورة الغذاء ، وهكذا متعاقبة إلى ما يقارن صور البسائط ~~، ثم تعود إلى صورة المركبات تارة أخرى بغير واسطة ، أو بواسطة ترددها من ~~بسيط إلى بسيط ، حتى تنتهي إلى المركب ، فلا تزال الاستعدادات تابعة للصور ~~بوجه ، والصور تابعة للاستعدادات بوجه آخر ، كالمد والجزر للبحر ، والطلوع ~~والغروب للفلكيات ، والقبض والبسط للصوفي. ### ||| * وصل # ولما ثبت عدم استغناء إحداهما عن الأخرى ثبت أن بينهما علاقة ذاتية ، ~~ولما ثبت تقدم كل منهما على الأخرى من وجه ، ثبت عدم كون إحداهما ms094 علة ~~للأخرى ، أو واسطة مستقلة ، أو آلة مستقلة ؛ إذ لكل منها التقدم من كل ~~الوجوه. # ونزيدك بيانا ، فاسمع : ### ||| * وصل # لو كانت المادة علة للصورة ، أو واسطة ، أو آلة لتقدمها بالقوة مطلقا على ~~ما بالفعل ، وقد دريت فساده ، على أن المادة لها الاستعداد والقبول لا ~~الفعل والاقتضاء ، والمستعد بما هو مستعد لا يكون سببا لوجود ما هو مستعد ~~له ، وإلا PageV01P190 # لوجب أن يوجد عنه دائما من غير استعداد. # وأيضا لو كانت المادة علة للصورة لوجب أن تكون لها ذات بالفعل ، مع قطع ~~النظر عن الصورة ، كما هو معنى التقدم العلي ؛ إذ المعدوم لا يكون علة ~~للموجود ، وقد دريت أن المادة في ذاتها قوة محضة. # وأيضا يلزم أن تكون المادة من حيث هي مستكملة بالصورة ، قابلة لها ، ومن ~~حيث إنها توجبها موجدها ، لكن الشيء من حيث هو قابل غيره من حيث هو موجب ، ~~فتكون المادة ذات أمرين ، بأحدهما تستعد ، وبالآخر يوجد عنه شيء ، فيكون ~~المستعد منهما هو جوهر المادة ، وذلك الآخر أمرا زائدا على كونه مادة ~~يقارنه ، ويوجب فيه أثرا ، فيكون ذلك الشيء هو الصورة الأولى ، ويعود ~~الكلام جذعا. # ولو كانت الصورة علة للمادة ، أو واسطة مستقلة ، أو آلة مستقلة ، فهل ~~الصورة المطلقة الغير المفارقة لها ، أم الصورة الجزئية المفارقة لها إلى ~~بدل عاقب؟ لا سبيل إلى الأول. # كيف ، وتشخص أفراد الجوهر الامتدادي لا يتحقق إلا بعوارض انفعالية غير ~~واجبة اللزوم للطبيعة دائمة ، وإلا لما كان وجودها في مادة ، بل كانت ~~الصورة قائمة بنفسها ، وبعالمها المقومة لوجودها ، فتشخص الصورة إنما يحصل ~~بالمادة ، والتشخص مقدم على الإيجاد ؛ لأنه إما عين الوجود ، أو مساوق له ، ~~فيلزم أن تكون المادة سابقة على نفسها بالوجود بمرتبتين ، هذا محال. # ولا سبيل إلى الثاني ، لما ذكرنا من أن مطلق المادة متقدم على الصورة ~~الجزئية ، وأن تشخص الصورة الجزئية متوقف عليه. # وأيضا لو كانت الصورة الجزئية علة للمادة التي تعدم عنها ، لكانت تعدم PageV01P191 # بعدمها المادة ، فتكون للصورة المستأنفة مادة أخرى مستأنفة أيضا ، وقد ~~تقرر أن كل حادث يحتاج إلى ms095 مادة سابقة ، وقوة سابقة ، واستعداد لحامل القوة ~~، فلزم أن تكون للمادة مادة أخرى ، وهذا مستحيل ؛ لأن الكلام في المادة ~~الأولى ؛ ولأنه يلزم أن يكون المفروض مادة ، صورة ، ولأننا ننقل الكلام إلى ~~مادة المادة ، وهكذا ، فيلزم التسلسل في المواد المجتمعة. # وإذا بطل كون إحداهما علة للأخرى تعين أن يكون كلاهما معلولي علة واحدة ، ~~ولكن بشرط أن تكون بينهما علاقة أخرى ، وإلا لم يكن التلازم بينهما بالذات ~~، وهو خرق الفرض ؛ إذ قد ثبت امتناع ثبوت كل منهما نظرا إلى ذاتها ، بدون ~~صاحبتها ، فحينئذ لو لم تكن إحداهما أقرب إلى تلك العلة يلزم أن يكون وجود ~~كل واحد منهما عنها بواسطة الأخرى ، وهذا محال ، فيجب أن تكون إحداهما في ~~درجة المعلولية أقرب إلى العلة ، لكن لا على وجه الاستقلال ، ليعود إلى ~~جواز تحقق إحداهما في مقام لم تكن الثانية بعد في ذلك المقام ، ويكون خرق ~~الفرض ، بل على وجه آخر نبينه ، فاسمع : ### ||| * وصل # الصورة بنفسها جزء من علة مستقلة ، وشريك لعلة متشخصة في إفادة وجود ~~المادة ، فالمادة وجدت عن تلك العلة بواسطة صورة غير معينة لا تفارق المادة ~~إلا بورود صورة أخرى مثلها ، تفعل فعل ما عدمت عن المادة في إقامتها بإفاضة ~~هذه العلة المعطية دائما ما به تقوم المادة من الصور المتماثلة في التقويم ~~، وهي جوهر روحاني ؛ إذ لو كان جسما ، أو جسمانيا لكان الكلام فيه باقيا ~~إلى أن يعود إلى جوهر قدسي. PageV01P192 # والمعية بينهما لا تنافي كون الصورة مفيدة ، والمادة مستفيدة ، بل كما أن ~~العلة إذا كانت علة بالفعل ، لزم عنها المعلول ، وأن يكون المعلول معها ؛ ~~إذ المعية في الوجود غير المعية في فضيلة الوجود واستقلاله ، والأول لا ~~يستلزم الثاني ، فكذلك الصورة إذا كانت صورة وموجودة يلزم عنها غيرها ~~مقارنا لها ، والمفيد لوجود شيء قد يكون مباينا له ، وقد يكون ملاقيا. # وهكذا حال الجواهر مع الأعراض ، فإن الجوهر واسطة في وجود الأعراض الحالة ~~فيه بعد تقويه في ذاته بالفعل. # سؤال : كيف يصح أن تكون طبيعة مطلقة مبدأ لوجود شخصي ، ووحدة عمومية ms096 ، ~~علة لوحدة عددية ، مع أن العلة يجب أن تكون أشد تحصلا ، وأجود تعينا من ~~المعلول؟ # جواب : الواحد بالعموم هاهنا مستحفظ الوحدة بواحد بالعدد ، أعني المفارق ~~القدسي ، فالعلة في الحقيقة هو ذلك المفارق ، إلا أنه إنما يتم عليته ~~بانضمام أحد أمور تقارنه أيها كانت لا بعينه ، وذلك لا يخرجه عن الوحدة ~~العددية ، بل إنما يجعل الواحد بالعدد تام التأثير من جهة حصول المناسبة ~~بواسطته بين المفارق المحض الذي هو بالفعل من كل جهة ، وبين ما هو في ذاته ~~قوة محضة. # بل إن سألت الحق فالوحدة الشخصية التي للمادة ليست وحدة شخصية أبت في ~~ذاتها أن تكون مستندة بوحدة نوعية للصورة ، بل هذه إنما هي متعينة بتلك. # وأما الافتقار إلى انضمام الأمر القدسي فليس لأن مرتبة تحصل المادة ، ~~ونحو تشخصها ، يستدعي الاستناد إلى واحد بالعدد دون واحد بالعموم ، بل لأن PageV01P193 # الصورة في كونها سببا افتقرت إليه لتكون محفوظة الوجود به ، وبواحد من ~~أفرادها الشخصية، كما دريت. ### ||| * أصل # لكل واحد من أنواع الأجسام المادية صورة أخرى غير الصورة الجسمية ، بها ~~يصير ذلك النوع نوعا ؛ لأن اختصاص بعض الأجسام ببعض الآثار دون بعض ، لا ~~يجوز أن يكون للجسمية المشتركة ، وإلا لاشتركت الأجسام كلها في ذلك ، هذا خلف. # فهو إذن إنما يكون لأمر آخر غير الجسمية ، إما داخل في حقيقة تلك الأجسام ~~، أو خارج عنها. # وعلى الأول تكون لا محالة جهة الفعل ، فتكون صورة أخرى غير الصورة ~~الجسمية ، وهو المطلوب. # وعلى الثاني لا يجوز أن تتساوى نسبته إلى جميع الأجسام ، وإلا لم تختلف ~~الآثار ، فيكون لا محالة له خصوصية ببعضها دون بعض ، تلك الخصوصية لا يخلو ~~إما أن تكون مستندة إلى الأجسام ، أو إلى ذلك الأمر ، فإن كانت مستندة إلى ~~الأجسام فهي إما داخلة في حقيقتها ، وهو المطلوب ، وعارضة لها ، فيكون ~~عروضها لا محالة لجسمية مخصوصة ، وننقل الكلام إلى خصوصية ذلك الجسم ، فلو ~~كانت تلك الخصوصية أمرا عارضا متأخرا عن ذات ذلك الجسم عاد الكلام جذعا ، ~~فيتسلسل الأمر ، أو يدور ، فلا بد أن تكون الخصوصية ms097 بالآخرة أمرا داخلا في ~~ذلك الجسم المخصوص ، متقدما عليه ، PageV01P194 # مقوما له ، وهو المطلوب. # وإن كانت تلك الخصوصية مستندة إلى ذلك الأمر الخارج ، فإن كان جسما أو ~~جسمانيا ، عاد الكلام إلى تخصصه بتلك الخصوصية جذعا ، وإن كان أمرا مفارقا ~~لزم أن يكون المفارق الصرف محركا للأجسام على سبيل المباشرة ، من دون واسطة ~~مبدأ قريب مقارن لها ، وقد ثبت أنه لا يجوز ذلك ، بل إنما يفعل المفارق في ~~الأجسام على نحو بعيد عن المزاولة ، كالعلة الغائية المشوقة للعلة الفاعلية ~~، كنفس المعلم التي تحرك لأجلها نفس المتعلم بدنها تقربا إليها ، وتشبها ~~بها ، لئلا تفقد المناسبة بين المفيض والمفاض بالكلية ، فلا بد في الأجسام ~~من أمور تنفعل من تلك المبادىء المفارقة ، وتفعل في الأجسام المادية ، وما ~~هي إلا الصور النوعية ، وذلك ما أردناه. # على أنا نعلم بالضرورة أن العنصر الثقيل مثلا إنما يتحرك إلى المركز بحسب ~~ذاته ، والعنصر الخفيف إنما يتحرك إلى المحيط بحسب ذاته ، أو بحسب أمر خاص ~~بكل منهما غير خارج عن ذاته ، وعن مقومات ذاته ، ومحصلات وجود ذاته ، فلو ~~لم يكن فيهما إلا المادة والصورة الجسمية لم تحصل تلك الآثار من تلك ~~الأجسام. ### ||| * وصل # إن نسبة هذه الصورة إلى الصورة الجسمية كنسبة الصورة الجسمية إلى المادة ~~الأولى ، وتلازمها معها كتلازمها معها ، وتقدمها عليها كتقدمها عليها ، ~~بعينها ، لا فرق بينهما إلا في شيء واحد ، وهو أن الصورة الجسمية تتبدل ~~بتبدل هذه الصورة ، لتقدمها عليها ، وكونها منها بمنزلة الفصل من الجنس ، بخلاف PageV01P195 # المادة ؛ وذلك لأن المادة أمر بالقوة ، مبهمة الذات والحقيقة ، يكفي في ~~تشخصها مطلق الصور. # وأما الجسم بما هو جسم فهو ماهية نوعية ، تفتقر في تشخصها إلى صورة ~~مخصوصة ، فزوال الصورة المخصوصة يوجب زوال الجسم ، ولا يوجب زوال المادة ~~مادام يبقى مطلق الصور. ### ||| * وصل # ومما يدل على تقدم هذه الصورة على الجسمية والمادة الأولى أنها لو كانت ~~متأخرة لزم أن يكون الجسم بما هو جسم ، أي غير مأخوذ فيه إلا المادة ~~والصورة الامتدادية أمرا قائما بالفعل ، ثم يلحقه كونه على مقدار خاص ms098 ، ~~وشكل خاص ، ومكان خاص ، وغير ذلك ، وهذا محال ؛ إذ مقتضى الجسم بما هو جسم ~~مكان مطلق ، وشكل عام جنسي ، ومقدار كذلك. # وبالجملة : مقتضاه من كل صفة أمر عام ، لا وجود له إلا في الذهن ، فكيف ~~يوجد في الخارج قائما بالفعل من دون اقتران بالخصوصيات؟ # ولا يجوز أيضا أن تكون الصورتان متكافئتين ، من غير تقدم وتأخر لإحداهما ~~بالنسبة إلى الأخرى ؛ إذ يلزم منه أن تقوم المادة البسيطة صورتان ، كل ~~منهما على انفرادها ، مع أن في تقويم إحداهما غني عن تقويم الأخرى ، إذا ~~كانتا في درجة واحدة ، وإذ ثبت تقدم هذه الصورة في الجعل والوجود على الجسم ~~بما هو مادة متفقة الحقيقة في الكل ، فلا يرد السؤال بأن المادة أمر واحد ، ~~فكيف اختصت بصورة نوعية دون أخرى؟ PageV01P196 ### ||| * وصل # وهذه الصورة تسمى بالطبيعة ، ولا يخلو عنها شيء من الأجسام ، لكونها غير ~~خالية عن أثر غير عام من الآثار ، وأقلها حركة أو سكون ، وهي أمر سيال ~~الذات ، متجدد الحقيقة ، لا تبقى زمانين ، ولا تستقر لحظتين ، كما رآه ~~العلماء الراسخون بأعين الشهود والعيان ، ونطقت به الحكماء الإلهيون ، ~~بتصريح وبيان ، وأقاويل اليونانيين منهم مشحونة به ، وإن لم يفهمه ~~المتأخرون ، ولم ينله إلا الأقلون ، وفي كلمات العرفاء إشارات إليه ، وفي ~~الشرع أمارات ودلالات عليه ، ولكن أكثر الناس لا يفقهون. # وقد ألهم أستاذنا أدام الله تأييده لإثباته ببراهين وبيانات ما تيسر لأحد ~~قبله ، نشير إلى خلاصتها في فصول خالية عن فضول ، فاسمع : ### ||| * أصل # لما كانت الحركة والسكون من آثار الطبيعة ، وقد تقرر أن كل ساكن فمن شأنه ~~أن يتحرك ، فالطبيعة إذن محركة دائما ، إما بالفعل ، أو بالقوة ، فهي إذن ~~أمر سيال الذات ، متجدد الحقيقة ؛ إذ لو لم يكن سيالا لم يمكن صدور الحركة ~~عنه ؛ لاستحالة صدور المتجدد عن الثابت ، فإن الحركة لو كانت علتها القريبة ~~أمر ثابت الذات لم تنعدم أجزاؤها ، فلم تكن الحركة حركة ، بل سكونا ، ولا ~~المتجدد تجددا ، بل قرارا. # سؤال : لم لا يجوز أن تكون في كل حركة سلسلتان ، إحداهما سلسلة PageV01P197 # أصل الحركة ، والأخرى سلسلة ms099 منتظمة من أحوال متواردة ، فالثابت كالطبيعة ~~مع كل شطر من إحداهما علة لشطر من الأخرى ، وبالعكس ، لا على سبيل الدور ~~المستحيل؟ # أجوبة : الكلام في العلة الموجبة للحركة ، لا العلة المعدة لها ، ولا بد ~~في كل معلول من علة مقتضية ، ففرض السلسلتين نعم العون على وجود أمور مخصصة ~~لأجزاء الحركة ، بأن يقال : الطبيعة بانضمام كل حالة من حالات القرب والبعد ~~، أو غيرها ، علة لقطعة خاصة من الحركة ، ومع كل حركة خاصة علة لتجدد حالة ~~مخصوصة أخرى ، ولا شبهة في أن الحالة الأولى المخصصة لجزء من الحركة سابقة ~~عليها بالزمان ، وهي أيضا سابقة زمانا على الحالة الأخرى التي تخصصت بتلك ~~الحركة ، فيكون كل منها معدة للأخرى ؛ إذ لو كانت كل منها مقتضية للأخرى ~~لزم تخلف المعلول عن علته الموجدة التامة ، ولا مخلص عن هذا إلا بأن يذعن ~~أن الطبيعة جوهر سيال ، إنما نشأت حقيقتها المتجددة بين مادة شأنها القوة ~~والزوال ، وفاعل محض شأنه الإفاضة والإكمال ، فلا يزال ينبعث عن الفاعل أمر ~~، وينعدم في القابل ، ثم يجبره الفاعل بإيراد البدل على الاتصال. # وأيضا من راجع إلى وجدانه ونظر إلى حال السلسلتين معا بجميع أجزائهما ، ~~ولا محالة أنهما متأخرتان في وجودهما معا عن وجود الطبيعة ، علم أن الكلام ~~في لحوقهما معا عائد أنها من أين حصلتا ، ومم حصل تجددهما ، بعد ما كان ~~الأصل ثابتا ، والأعراض تابعة؟ # وهذا على قياس ما ذكر في برهان إبطال التسلسل ، من أنه إذا كان جميع ~~الآحاد ما عدا الطرف الأخير أوساطا ، من غير أن يكون لها طرف أول ، فمن أين ~~حصلت تلك السلسلة؟ PageV01P198 # وأيضا أن الحركة أمر نسبي ، ليس لها في ذاتها حدوث ، ولا قدم ، إلا ~~بتبعية ما أضيفت هي إليه ؛ إذ معناها خروج الشيء من القوة إلى الفعل شيئا ~~فشيئا ، فبالحقيقة الخارج المتجدد ذلك الأمر الذي فيه الحركة ، والحركة هي ~~تجدد المتجدد ، وحدوث الحادث بما هو حادث. # سؤال : إذا كان وجود كل متجدد مسبوقا بوجود متجدد آخر ، يكون علة تجدده ، ~~فالكلام عائد في تجدد علته ، فيؤدي ما ذكرت ms100 إما إلى التسلسل ، وإما إلى ~~التغير في ذات الباري ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. # جواب : التجدد للشيء إن لم يكن صفة ذاتية ففي تجدده يحتاج إلى مجدد ، وإن ~~كان صفة ذاتية فلا يحتاج ذلك الشيء إلا إلى جاعل يجعل ذاته ، لا إلى جاعل ~~يجعلها متجددة ؛ إذ الذاتيات لا تعلل. # وكما أن الوجود متفاوت الحصول بنفسه في الأشياء بالأشدية ، والأضعفية ، ~~والغنا ، والحاجة ، والتقدم والتأخر ، فكذلك بعض الوجودات تدريجي الذات ~~والهوية لا بصفة عارضة له. # ولا بد لكل متغير أن ينتهي إلى شيء يكون كذلك ، أي نفس التغير والانقضاء ~~حتى يصح أن يكون علة لها ، ويكون هو لثبات حدوثه وتجدده غير محتاج إلى علة ~~حادثة ، حتى يصح استناده إلى القديم ، وليس في الوجود ما هذا شأنه سوى ~~الطبيعة ؛ إذا الحركة والزمان أمران نسبيان تابعان ، على أن الكلام في ~~العلة الموجبة ، ويجب أن تكون مع معلولها ، كما مر ، وأن يكون وجودها أقوى ~~من وجود معلولها ، وهما ليسا بموجودين بالفعل ، كما سيأتي بيانه ، وليس شيء ~~آخر يكون نحو وجوده عين التجدد والتغير ، فتعين الطبيعة. PageV01P199 ### ||| * وصل # فتجدد الطبيعة عين ثباتها ، كما أن قوة المادة الأولى عين فعليتها ، ~~فالطبيعة بما هي ثابتة مرتبطة إلى الحق ، وبما هي متجددة مرتبط إليها تجدد ~~المتجددات ، وحدوث الحادثات، كما أن المادة الأولى بما هي لها فعلية ، وإن ~~كانت فعلية القوة ، صدرت عن المبدأ على سنة الإبداع ، وبما هي قوة وإمكان ~~استعدادي يستصح بها الحدوث والانقضاء ، والدثور والفناء ، فهذان الجوهران ~~بدثورهما وتجددهما واسطتان في الحدوث والزوال للأمور الجسمانية ، وبهما ~~يحصل الارتباط بين القديم والحادث ، فللمادة في كل آن صورة أخرى بالاستعداد ~~، ولكل صورة مادة أخرى بالإيجاب ؛ لتقدم حقيقة الصورة على المادة ~~بالاستلزام طبعا ، وتأخر هويتها الشخصية عنها باللحوق الانفكاكي زمانا ، ~~فلكل منهما تجدد ودوام بالأخرى ، لا على وجه الدور المستحيل ، كما مر بيانه. # ولتشابه الصور في الجسم البسيط ظن أن فيه صورة واحدة بالعدد ، لا على ~~التجدد ، وليست كذلك ، بل هي واحدة بالحد لا بالعدد ؛ لأنها متجددة متعاقبة ~~على نعت الاتصال ms101 ، لا بأن تكون متفاصلة متجاوزة ليلزم تركب المقادير ~~والأزمنة من غير المنقسمات. # فالموجودات الجسمانية باقية دائرة ، أما بقاؤها فبتجدد صورها ، وأما ~~دثورها فبدثور الصورة الأولى عن تجدد الأخرى ، والدثور لازم للصورة والمادة ~~، ولا جائز أن تكون للطبيعة جهة ثبات واستمرار بنفسها من حيث هي تكون بها ~~مستندة إلى القديم. كيف ، والأمر التجددي البحت لا بقاء له أصلا ، فضلا عن ~~كونه قديما! PageV01P200 # ولا جائز أيضا أن يكون ثباتها وقدمها باعتبار ماهيتها الكلية. كيف ، ~~والماهيات ليست جاعلة ، ولا مجعولة ، فلا عبرة باستمرارها! # فإذن الحق في ذلك ما ذكره الأستاذ دام ظله موافقا لمرموزات المتقدمين ~~وتصريحاتهم ، وهو ما نذكره ، فاسمع : ### ||| * أصل # إن لكل طبيعة حقيقة عقلية عند الله تعالى ، موجودة في علمه سبحانه ، بها ~~بقاؤها وثباتها وتقومها ووجودها ، وهي بحقيقتها العقلية لا تحتاج إلى مادة ~~واستعداد وحركة وزمان ، ولها شؤونات متعاقبة متصلة واحدة في علم الله. # وإذا نظرت إلى تكثر شؤونها الحادثة المتجددة وجدت كلا منها موجودا في وقت ~~، محتاجا إلى قابل مستعد يتقدم عليه زمانا ، وذلك القابل من حيث كونه أمرا ~~بالقوة أمر عدمي ، لا يحتاج إلى علة معينة ، لكونه بمعنى عدم شيء ما عن شيء ~~ما ، فيكفي في حصوله وجود صورة ما مطلقة تكون القوة قوة لها على كمال ما من ~~الكمالات ، ومن حيث استعداده الخاص القريب يفتقر إلى صورة معينة هي جهة ~~استعداده وقوته القريبة من الفعل ، فإذا خرج من هذه القوة القريبة إلى ~~الفعل الذي يقابلها وجب أن تبطل صورته السابقة بلحوق صورته اللاحقة ؛ لعدم ~~إمكان الاجتماع بينهما ، كما تبطل صورة النطفة إذا حدثت صورة الحيوان ، ~~وهكذا كل صورة تتجدد بانقضاء سابقتها ، وتبطل بحدوث عاقبتها ، على نعت ~~الاتصال التجددي. # وأما اختصاص كل صورة خاصة شخصية بوقتها الجزئي فليس ذلك بأمر PageV01P201 # زائد على هويته حتى يرد السؤال في لميته (1). # ونزيدك بيانا وبرهانا من كلامه : ### ||| * وصل # قد دريت أن الجسم والجسماني لا يكونان لذاتيهما علة فاعلية لشيء ، فإذن ~~جميع الصفات الطبيعية كالحركة وغيرها ، يجب أن يكون وجودها من لوازم وجود ~~الطبيعة ms102 ، من غير تخلل جعل بين الطبيعة وبينها ، فلا بد وأن يكون في الوجود ~~مبدأ أعلى من الطبيعة ، يفعل الطبيعة ولوازمها (2)، فتكون الطبيعة وآثارها ~~الذاتية ، كالحركة للفلك مثلا معين في الوجود والحدوث والبقاء ، غاية الأمر ~~أن فيض الوجود يمر من المبدأ على الطبيعة أولا ، وبواسطتها على صفاتها ~~الذاتية ، فالأوضاع المتجددة للفلك تجددها تابع لتجدد الطبيعة الفلكية ، ~~وكذا الاستحالات الطبيعية ، والحركات الكمية الطبيعية ، التي في العنصريات ~~البسائط ، والمركبات (3). # ونزيدك بيانا من إفادته دام ظله : PageV01P202 ### ||| * وصل # قد دريت أن تشخص كل شيء إنما هو بوجوده ، وأن الزمان والوضع والكم والأين ~~، وغيرها من العوارض ، لوازم للشخص ، وعلامات له. # فكل تشخص جسماني تتبدل عليه هذه العوارض كلا أو بعضا ، فتبدلها تابع ~~لتبدل الوجود ، بل هو عينه بوجه ، فإن وجود الطبيعة الجسمانية يحمل عليه ~~بالذات أنه الجوهر المتصل الوضعي المتكمم الزماني ، المتحيز لذاته ، فتبدل ~~الأوضاع والأزمنة والأيون (1) والمقادير يوجب تبدل الوجود الشخصي للجوهر ~~الجسماني ، وهذا هو الحركة في الجوهر الشخصي ؛ إذ وجود الجوهر جوهر ، كما ~~أن وجود العرض عرض (2). وهذا هو البرهان على تجدد الطبيعة. # وقد تقرر أن كل متحرك فهو مفتقر إلى محرك آخر غير ذاته ، لكن المتحرك ~~بنفسه لا يفتقر إلى ما يحركه ، وإلا لزم تخلل الجعل بين الشيء ونفسه ؛ إذ ~~لا يمكن أن يكون له وجود غير هذا الوجود ، وهو كونه متحركا ، بل يفتقر إلى ~~محرك يعطي وجوده ، ويجعل ذاته المتحركة جعلا بسيطا ، وذلك المحرك المقوم ~~يجب أن يكون أمرا ثابتا مفارقا عن المادة ولواحقها ، وإلا لعاد الكلام ~~فيتسلسل. # وما سوى العقل ليس كذلك ؛ لأن النفس بما هي نفس حكمها حكم الطبيعة في ~~تجددها ، فيكون مقوم كل طبيعة جوهرا مفارقا ، نسبته إلى جميع أفراد النوع PageV01P203 # من الطبيعة ومراتبها وحدودها نسبة واحدة ، فهو المقوم لوجود تلك الأفراد ~~، والمحصل لنوعها ، والمقيم للمادة باشتراك الطبيعة ، والمكمل لجنسها نوعا ~~طبيعيا ، فيكون صورتها المفارقة ، وهذا هو البرهان على ثبات الطبيعة. # وأيضا لا بد في الحركة من بقاء الموضوع ثابتا مع تبدل خصوصيات الحركة ، ~~ووحدة المادة جنسية ، فلا بد ms103 من واحد ثابت ينحفظ به أصل الطبيعة وسنخها مع ~~تبدل خصوصياتها ، فالطبيعة تنتظم ذاتها من جوهر ثابت عقلاني ، وجوهر متجدد ~~مادي ، فلا محالة تكون الطبيعة متحدة الوجود بذلك الجوهر الثابت اتحادا ~~معنويا ، تكون ذاتها ذاته ، وفعلها فعله ، مع كونه عقليا وكونها حسية. ### ||| * وصل # فكل شخص جوهري له طبيعة سيالة متجددة ، غير مستقر الذات ، وله أيضا أمر ~~عقلي ثابت مستمر باق أزلا وأبدا في علم الله سبحانه ، ببقاء الله ، لا ~~بإبقاء الله إياه ، فإن بين المعنيين فرقانا. # وذلك الأمر العقلي رب الطبيعة ، وسببها الفاعلي ، والله سبحانه رب ~~الأرباب ، ومسبب الأسباب ، ونسبة ذلك الأمر إلى الطبيعة نسبة الروح ~~الإنساني من حيث ذاته إلى الجسد ، فإن الروح الإنساني لتجرده من حيث الذات ~~باق ، وطبيعة البدن أبدا في التجدد والسيلان والذوبان ، وإنما هو متجدد ~~الذات الباقية بورود الأمثال ، والخلق لفي غفلة عن هذا ( @QUR@07 بل هم في ~~لبس من خلق جديد ) (1). PageV01P204 # فالطبيعة وجود دنيوي ، بائد ، داثر ، لا قرار له ، والعقل وجود ثابت عند ~~الله غير داثر ؛ لاستحالة أن يزول شيء من الأشياء أو يتغير في علمه تعالى ~~وتقدس ، ( @QUR@07 ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) (1). ### ||| * وصل # وإذ لا مناسبة بين الثابت المحض ، والمتجدد المحض ، إلا بتوسط ذي جهتين ، ~~فلا يمكن تأثير العقل في الطبيعة المعينة إلا بتوسط أمر كذلك ، وهو النفس ؛ ~~لأن ذاتها مجردة ، وفعلها مادي ، فالنفس واقعة بين العقل والطبيعة ، فذاتها ~~عقل ، وفعلها طبيعة ، وهكذا ذات الطبيعة نفس ، وفعلها جسم. ثم ما يلحق ~~الجسم بواسطة حركاتها الطبيعية. # ونسبة كل عال إلى سافله كنسبة الصورة الجسمية إلى المادة ، وتلازمهما ~~كتلازمهما بعينه على التفصيل السابق ، والله سبحانه وراء الكل ، وهو القاهر ~~فوق عباده. ### ||| * وصل # قال صاحب أثولوجيا : لما كان من شأن الجسم أن يتفرق ويتقطع فلا يجوز أن ~~يكون هو علة لوحدانية ذاته واتصالها ، فلو لم يكن له نفس تحفظ وحدانيته ~~واتصاله لم يثبت على حال واحد. PageV01P205 # وأما العقل الصرف فنسبته إلى جميع أشخاص النوع واحدة ، ولا بد لكل شخص من ~~حافظ لوحدته واتصاله ، فهو إذن ms104 ليس إلا النفس. # وأيضا لو لم تكن القوة النفسانية موجودة في أشخاص الأجرام ، ومن طبيعتها ~~السيلان والفناء ، لبادت إذن وهلكت ؛ إذ لا بد للعقل الصرف من جهات ليتخصص ~~بالنسبة إلى الجزئيات ، وليست سوى الأنفس. # وأيضا الأرض التي هي أكثف الأجسام وأبعدها عن ينبوع الوجود والحياة ، ~~تنمو وتنبت الكلأ ، وتنبت الجبال ، فإنها نبات أرضي ، وفي داخل الجبال ~~حيوانات كثيرة ، ومعادن ، فلو لم تكن ذات نفس لما تفعل هذه الأفاعيل ~~العجيبة العظيمة ؛ إذ النفس الأرضية هي التي تتحرك في الجوهر فتصير نفسا ~~نباتية ، هذا محصل كلامه. ### ||| * وصل # فظهر أن لكل شيء ملكوتا ، وأن لكل شهادة غيبا ، وما من شيء في هذا العالم ~~إلا وله قوة روحانية من عالم آخر ، وهي المسماة في لسان الشرع ب «الملك» ، ~~ولكل شيء حياة باعتباره ، وتسبيح لصانعه عز وجل ، وأحسن (1) شيء إلا يسبح ~~بحمده ( @QUR@08 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) (2). PageV01P206 ### ||| * وصل # ثم إن كانت الجهة العقلية قوية في الجسم ، بحيث يكثر ظهور آثار الحياة ~~فيه ، بأن تكون له حركات إرادية مختلفة ، وإدراكات متفننة ، وتصرفات في ~~دقائق الأمور ، واستنباطات للعلوم الكلية ، أو الجزئية ، بالفكر والروية ، ~~فنفسه نفس مجردة عن المادة ؛ لأن لها أن تبقى بعد بوار جسمها بوجود مستقل ، ~~وهي إما ناطقة ، أي ذات إدراكات كلية عقلية ، كالإنسان ، أو غير ناطقة ، ~~كبعض الحيوانات الكاملة الأخر. # وإن لم تكن كذلك ، بل تكون ضعيفة لا يظهر منها أمثال ذلك ، سواء كانت ذات ~~حس وحركة إرادية ، أو لم تكن ، فنفسه نفس جرمية ، لا بقاء لها بعد تفرق ~~جسمه ، وتبدده ، كالحيوانات الضعيفة الإدراك ، والنباتات ، والجمادات. # وتحقيق ذلك يأتي فيما بعد إن شاء الله. ### ||| * أصل # وأما الجسم المثالي البرزخي فإثباته بالقول الكلي على ما استفدناه من ~~الأستاذ سلمه الله أن يقال : إنا نشاهد في قوة خيالنا صورا مخترعة لنا ، ~~ذوات مقادير وأبعاد ، وهي ليست منطبعة في جسم من أجسام هذا العالم ، كالفوق ~~والتحت ، أو غير ذلك ؛ لأنا لا يمكننا أن نشير إليها إشارة حسية بأنها هنا ~~أو هناك ، وكيف تكون في ms105 موضع من الدماغ والروح التي فيه مع قلة مقداره ~~وحجمه جبال شاهقة ، وصحاري واسعة مع أشجارها وأنهارها ، وتلالها ووهادها ، PageV01P207 # وأفلاك وكواكب عظيمة جدا ، مع أنا نتصورها على الوجه الجزئي المانع من ~~الاشتراك ، فهي إذن ليست في هذا العالم ، وليست أعراضا ؛ لقيامها لا في محل ~~، مع أنها ذوات أبعاد ومقادير ، فهي أجسام بسيطة صورية ليست لها مادة ؛ ~~وذلك لأنها غير مصحوبة بقوة واستعداد ، ولا قابلة لتغير وتبدل من اتصال ~~وانفصال أو نحو ذلك ، حتى يجري فيها برهان إثبات المادة ، بل هي تبدع دفعة ~~كما هي عليها ، وتفنى دفعة بالكلية كذلك ، فإذا أردنا قسمة جسم مثلا في ~~الخيال إلى نصفين ، فلا سبيل لنا إلى ذلك إلا بإبداع نصفين لا أن نقسم ذلك ~~الجسم إليهما. # وكذلك إن أردنا تسويد الجسم الأبيض هنالك اخترعنا جسما أسود مثله ، وعلى ~~هذا القياس ، فافهم واغتنم ، فإنه من الأسرار ، وسيأتي لإثبات هذه النشأة ~~والنشأة العقلية براهين وحجج أخرى أوضح مما ذكر ، إن شاء الله تعالى. ### ||| * أصل # وأما العرض فإثباته بالقول الكلي ، أن يقال : لا شك في مشاهدتنا للأجسام ~~أحوالا ، كالحركة والسكون ، والاجتماع والافتراق ، والاستحالات ، والتغيرات ~~، وغيرها ، فتبدل الحالة الأولى بالثانية لا يخلو إما يقتضي تجدد أمر ما ، ~~أو لا يقتضي ، فإن اقتضى فقد حدث أمر لم يكن ، وذلك هو العرض الفرض. # وإن لم يقتض يلزم أن يكون هذا التجدد والتبدل والتعدد والتزيل في العدم ~~البحت والنفي الصرف ، وذلك محال. # ثم الأعراض أكثرها محسوس ، أو معقول ، مستغن عن البرهان ، بل المحسوس بما ~~هو محسوس إن كان هذا الأمر الخارجي فليس إلا الأعراض PageV01P208 # فقط ، وأما الجواهر فلا تستقل الحواس بإدراكها حتى الجسم ، فإن حقيقته ~~غير محسوسة ، بل ظواهره وسطوحه التي هي أعراض فقط. # ولنشر إلى المقولات التسع وأقسامها إشارة. ### ||| * وصل # الكم إما متصل ، وهو الذي يكون لأجزائه المفروضة حد مشترك ، وإما منفصل ، ~~وهو ما يقابله. # والأول إما قار الذات ، أي مجتمع الأجزاء في الوجود ، كالخط والسطح ، ~~والثخن ، أو غير قار الذات ، كالزمان. والثاني هو العدد. ويشملهما قبول ~~القسمة والمساواة وعدمها ms106 ، بالعد أو التطبيق ، بالفعل أو بالقوة ، بإمكان ~~وجود العاد. ### ||| * وصل # الكيف إما غير مختص بالكميات ، أو مختص بها ، والأول إما كمالات أو ~~استعدادات. # والكمالات إما محسوسة ، أو غيرها. # وكل منهما إما ثابتة أو غير ثابتة ، فالمحسوسة الثابتة تسمى انفعاليات ، ~~كصفرة الزعفران ، وحلاوة العسل. وغير الثابتة تسمى انفعالات ، كحمرة الخجل ~~، وصفرة الوجل. # وغير المحسوسة الثابتة تسمى ملكات ، كالعلم من العالم النحرير ، والحقد PageV01P209 # من الحقود. وغير الثابتة تمسى حالات ، كالظن الضعيف ، وغضب الحليم ، وهي ~~المختصة بذوات الأنفس الحيوانية. # والاستعدادات منها ما للتأبي والامتناع ، كالصلابة والمصحاحية ، لا الصحة ~~، وتسمى قوة طبيعية ، سواء كانت في المحسوس ، أو في غيره ، ومنها ما للقبول ~~، كاللين والممراضية ، وتسمى لا قوة طبيعة في القسمين. # وأما المختصة بالكميات ، فبالمتصلة منها ، كالاستقامة ، والاستدارة ، ~~والتقعير ، والتقبيب ، والتكعيب ، والتثليث ، والشكل. وبالمنفصلة ، ~~كالزوجية والفردية. ### ||| * وصل # الكيفيات المحسوسة تنقسم بانقسام الحواس الظاهرة إلى خمس : # فللمس الكيفيات الأربع الأول ، التي هي الحرارة ، والبرودة ، والرطوبة ، ~~واليبوسة ، وما ينتهى إليها ، وهي اللطافة ، والكثافة ، واللزوجة ، ~~والهشاشة ، والجفاف ، والبلة ، والثقل ، والخفة. # وللبصر الضوء واللون أولا ، ثم غيرهما من الأطراف ، والحجم ، والبعد ، ~~والوضع ، والشكل ، والتفرق والاتصال ، والعدد ، والحركة والسكون ، والملاسة ~~والخشونة ، والشفيف والكثافة ، والظل والظلمة ، والحسن والقبح ، والتشابه ~~والاختلاف ، وما يرجع إلى بعض ذلك من الترتيب والنقوش ، والاستقامة ، ~~والانحناء ، والتحدب ، والتقعر ، والقلة والكثرة ، والضحك والبكاء ، والبشر ~~، والطلاقة ، والعبوس ، والتقطيب. PageV01P210 # وللسمع الأصوات ، والحروف وعوارضها ، من الهمس ، والجهر ، والشدة ~~والرخاوة ، والاستعلاء ، والإطباق ، وغيرها. # وللذوق التسعة الحاصلة من فعل الحرارة والبرودة ، والمتوسطة بينهما في ~~اللطافة والكثافة ، والمعتدل بينهما وهي الحرافة ، والمرارة ، والملوحة ، ~~والحموضة ، والعفوصة ، والقبض ، والدسومة ، والحلاوة ، والتفاهة ، وهي ~~بسائط الطعوم. # ويتركب منها ما لا نهاية لها ، فمنها ما له اسم على حدة ، كالبشاعة ~~المركبة من مرارة وقبض ، وكالزعوقة المركبة من مرارة وملوحة. # ومنها ما لا اسم له بخصوصه ، كالمركب من الحلاوة والحرافة ، ولا أسماء ~~لأنواع المشمومات إلا من جهة الموافقة والمخالفة ، والإضافة إلى المحل ، أو ~~باعتبار ما يقارنه من طعم. ### ||| * وصل # الأين هو النسبة إلى المكان ، ومتى هو النسبة إلى الزمان ، أو ms107 حد منه. # والحقيقي منهما النسبة إلى ما لا يفضل عن الشيء ، ككونه في مكانه الخاص ~~به ، وكون الخسوف في ساعة معينة. # وغير الحقيقي بخلافه ، ككون الشيء في السماء ، وكون الخسوف في يوم كذا ، ~~أو شهر كذا. # وكل من الحقيقيين لا يجوز فيه الاشتراك مع وحدة الآخر ، وإنما يجوز مع ~~تعدده بأن تتصف أشياء كثيرة بالكون في مكان معين مع تغاير الزمان ، أو PageV01P211 # الكون في زمان واحد ، مع تعدد المكان. # وغير الحقيقي يجوز فيه ذلك مطلقا. ### ||| * وصل # الأمر الذي له متى بالذات هو وجود الطبيعة الجوهرية ، على ما مر شرحه ، ~~فإنه لتجدده وسيلانه له كون تدريجي يطابق الزمان ، وفي حكمه الكميات ، ~~والكيفيات ، والأوضاع ، والأيون التدريجية الوجود ، مما لها أكوان تدريجة. # وأما ماهياتها فلا متى لها إلا بالعرض ، وكذا الحركات ؛ لأنها لا تدريج ~~لها ، بل هي عين التدريج. # وأما الجواهر المقدسة عن التغير فلها كون آخر. ### ||| * وصل # كون الشيء في المكان أو الزمان ليس ككون الشيء في نفسه ؛ لأن الشيء يتحقق ~~له كون أولا ، ثم تعرض له الإضافة إلى المكان ، أو الزمان ، فوجود الشيء في ~~نفسه قبل وجوده فيهما ، ولو كان وجود الشيء في المكان نفس وجوده في الأعيان ~~لكان كونه في الزمان أيضا وجودا له ، فكان لشيء واحد وجودات كثيرة. # وليس أيضا ككون السواد في الجسم ؛ لأن كون العرض في موضوعه عين كونه في ~~نفسه ، وليس وجود الشيء في مكانه عين وجوده في نفسه ، وإلا لبطل PageV01P212 # وجوده عند زواله عن مكان ، ثم إذا حصل في مكان آخر صار المعدوم بعينه ~~معادا ، وتحت هذا سر ينكشف بالتأمل في تجدد الطبيعة. ### ||| * وصل # الإضافة نسبة متكررة من الجانبين ، وقد يتعاكسان رأسا برأس ، كالأخوة ، ~~وقد يتخالفان ، كالأبوة والبنوة ، وقد تفتقر إلى حصول صفة في كل من الطرفين ~~، كالعاشقية والمعشوقية ، أو في أحدهما ، كالعالمية والمعلومية بالعلم ~~الحصولي ، وقد لا تفتقر ، كالتيامن والتياسر ، ويتكافأ طرفاها من حيث هما ~~طرفاها في الإبهام والتحصل ، والعموم والخصوص ، والتنوع والتشخص ، والقوة ~~والفعل ، والوحدة والتعدد ، والوجود والعدم. # مثلا : الضعف المطلق بإزاء النصف ms108 المطلق ، والعددي بإزاء العددي ، ~~والأربعة بإزاء الاثنين ، وتعدد الأبناء يوجب تعدد الآباء ، ولو بالاعتبار ~~، فذو الأبناء له أبوة بالقياس إلى كل واحد منهم ، فهو آباء كثيرة من حيث ~~الوصف ، وإن كان بالذات واحد ، وإذا عدم واحد عدم أبوته من حيث هو أبوه ، ~~وإن كان موجودا في ذاته ، وباعتبارات أخر. # وتعرض الإضافة لجميع الموجودات ، فلله سبحانه كالأول ، وللجوهر كالأب ، ~~وللكم كالمساوي ، وللكيف كالمشابه ، وللأين كالعالي ، ولمتى كالمقدم ، ~~وللوضع كالأشد انتصابا ، وللملك كالأكسى ، وللفعل كالأشد تسخينا ، ~~وللانفعال كالأشد تسخنا. # وقد تقع فيها كلها إضافة في إضافة ، فقد عرضت الإضافة لنفسها أيضا ، ~~وأكثر صيغ التفضيل مدلوله من هذا القبيل. PageV01P213 ### ||| * وصل # الوضع هو كون الجسم بحيث تكون لأجزائه بعضها إلى بعض نسبة في الجهات ~~المختلفة ، كالقيام والقعود ، وليس هو النسبة ؛ لأنها من باب الإضافة. # والملك هيئة تحصل للشيء بسبب ما يحيط به إحاطة ما ، وتنتقل بانتقاله ~~طبيعيا كان ، كالإهاب للهرة ، أو غير طبيعي ، كالقميص للإنسان ، والعمامة له. # قال صاحب الشفاء (1): أما أنا فلا أعرف هذه المقولة حق المعرفة. # وقال في الشفاء : ولم يتفق لي إلى هذه الغاية فهمها ، ولعل غيري يفهمها ، ~~فليتأمل ذلك في كتبهم. ### ||| * وصل # أن يفعل هو التأثير التدريجي ، كالحال الذي للمسخن مادام يسخن. # توفي في سنة «428 ه» وقد أكمل الخمسين من عمره تقريبا ، فدفن في همدان ، ~~وأخيرا شيدت الحكومة الإيرانية وجمعية البناء المتحدة ضريحا مهيبا ، ومكتبة ~~ضخمة سميت باسمه. (أنظر كتاب : في سبيل موسوعة فلسفية ، للدكتور مصطفى غالب ~~، «تسلسل 3»). PageV01P214 # وأن ينفعل هو التأثر التدريجي ، كالحال الذي للمتسخن مادام يتسخن. # فإذا فرغ الفاعل والمنفعل عن النسبة التي بينهما من تجدد التأثير والتأثر ~~، فما هو الحاصل لكل منهما عند الاستقرار ليس من أن يفعل ، وأن ينفعل في ~~شيء ، بل إما كيف ، كما في المثال المذكور ، أو كم ، أو وضع ، أو غير ذلك. # وأنواع هذين الجنسين هي أنواع الحركة ، بل هما نفس الحركة تنسب تارة إلى ~~الفاعل ، وتارة إلى القابل. # وقال أستاذنا دام ظله : بل السلوك التدريجي ، أي الخروج من القوة إلى ~~الفعل ms109 ، سواء كان في جانب الفاعل أو المنفعل ، هو الحركة ، وهو نحو وجود ~~خاص ليس من المقولات في شيء ، وإنما المقولة هي وجود كل منهما من حيث كونه ~~تدريجيا يحصل منه تدريجي آخر ، ويحصل (1) من تدريجي آخر. انتهى (2). # وإنما عبر عنهما بأن يفعل وأن ينفعل ، دون الفعل والانفعال ؛ لأن الفعل ~~والانفعال : الإيجاد بلا حركة ، والقبول بلا تجدد ، ككون الباري تعالى ~~فاعلا للعالم ، والعالم منفعلا عنه ، وليس في ذلك حركة ، لا في جانب الفاعل ~~، ولا المنفعل ، بل وجود يستتبع وجودا ، وتعرض لهما إضافة فقط ، فالفاعل ~~والمنفعل بهذا المعنى إضافتان فقط ، بخلاف المقولتين الواقعتين تحت الزمان. PageV01P215 ### | في الأبعاد والجهات وحدودها ### ||| * ( @QUR@03 رفع سمكها فسواها ) (1) ### ||| * أصل # الأبعاد والامتدادات المادية متناهية ، وإلا فيفرض فيها سلسلة من حيثيات ~~مختلفة ، أو أجسام مختلفة ، ونجري فيها براهين إبطال التسلسل من التطبيق ، ~~والتضايف ، والحيثيات ، وذي الوسط وغيرها ، فإنها مطردة فيها ، كما في ~~المعقولات ، فيلزم الخلف. ### ||| * وصل # وأيضا لو كانت الأبعاد غير متناهية لأمكن أن يخرج من مبدأ واحد امتدادان ~~على نسق واحد ، كأنهما ساقا مثلث ، وكلما كان أعظم كان البعد بينهما أزيد ، ~~فيكون في الانفراج بينهما أبعاد غير متناهية فوق بعد الأصل ، زائدة عليه ، ~~متزايدة ، فتكون هناك زيادات على البعد الأصل ، غير متناهية متساوية ، ~~وأبعاد غير متناهية متفاضلة بقدر واحد. PageV01P216 # فإذن كل زيادة وكل مجموع زيادات فهو واقع في بعد ما من تلك الأبعاد ؛ إذ ~~لو لم يكن كذلك لزم أن يوجد بعد يشتمل على جملة ما دونه من الزيادات ، ولا ~~يشتمل عليه ، وعلى المزيد عليه بعد آخر فوقه ، فلا جرم يكون هو آخر الأبعاد ~~الانفراجية ، وهذا خلف. # فإذن كل زيادة ، وكل مجموع زيادات ، أي مجموع كان ، فهو في بعد فوقها ، ~~فمجموع الزيادات الغير المتناهية في بعد فوقها ، فقد صار غير المتناهي ~~بالفعل محصورا بين حاصرين. # وأيضا قد صار الساقان منتهيين عند ذلك البعد. ### ||| * وصل # وأيضا لو امتد البعد إلى غير النهاية أخرجنا خطا مستقيما غير متناه ، ~~ووضعنا كرة يكون قطر منها موازيا له ، فإذا تحركت الكرة انتقل قطرها إلى ms110 ~~المسامتة ، ولأن المسامتة حادثة ، فيجب أن تكون في الخط الغير المتناهي ~~نقطة هي أول نقط المسامتة ، فينتهي الخط بها ؛ إذ لو كان فوقها نقطة فإما ~~أن لا يسامتها القطر الموازي ، فيلزم الطفرة ، أو يسامتهما معا ، وهو ضروري ~~البطلان ، أو يسامتها أولا ، فلم تكن النقطة المفروضة أول نقط المسامتة، ~~هذا خلف. ### ||| * وصل # وأيضا إذا فرضنا خطين غير متناهيين متقاطعين ، تحرك أحدهما على الآخر إلى ~~أن يوازيه ، فيجب أن يتخلص عنه ، وهو إنما يكون في آن وعند نقطة PageV01P217 # منه ، فهي نهاية ذلك الخط ، وقد فرض غير متناه ، هذا خلف. # وقد يبين هذا ببيانات أخر طوينا ذكرها ، ونشير إلى بعض الشبهات ، وحلها. # سؤال : إن إنسانا لو وقف على طرف العالم ، فهل يمكن له مد اليد إلى خارج ~~العالم، أو لا يمكن؟ فعلى الأول يلزم الخلف ؛ لوجود البعد خارج جميع ~~الأبعاد ، وكذا على الثاني ، لوجود جسم يمنع عن ذلك. # جواب : لا يمكنه ذلك ، لا لوجود مانع مقداري عنه ، بل لفقد الشرط ، وهو ~~البعد، بل الشروط ، فإن الجسم الذي هناك ليس في طبعه حركة مكانية ، بل حاله ~~هناك شبيه بأحوال ما في عالم المثال. # سؤال : إن العالم لو كان متناهيا ، فلو قدرنا أزيد مما هو عليه الآن ~~بذراع ، كان حيزه أوسع من هذا الحيز ، ولو قدرنا أزيد بذراعين لكان أوسع من ~~ذلك الأوسع ، وهكذا ، فخارج العالم أحياز وجودية هي مقادير ، أو ذوات ~~مقادير. # جواب : هذا مجرد أمر وهمي ، لا حاصل له في الوجود ، فلا عبرة به. # سؤال : الجسمية حقيقة واحدة كلية غير مقتضية ؛ لانحصار نوعها في شخصها ، ~~كما دل عليه الحس والبرهان جميعا. # وجزئيات كل كلي غير متناهية عند العقل بحسب القوة ، وليس بعضها أولى ، ~~بالإمكان من بعض ؛ لأن الإمكان إذا كان من لوازم الماهية كان مشتركا بين ~~أفرادها جميعا ، فإذن في الوجود إمكان أجسام غير متناهية ، فهي موجودة ؛ ~~لأن الباري تعالى عام الفيض ، والاستحقاق ثابت ، فيجب الإيجاد. # جواب : الموانع قد تكون في خارج الماهية ؛ لعدم انحصار المانع فيما هو PageV01P218 # من لوازم الماهية ، فالجسمية وإن ms111 لم تمنع من الكثرة لكن الوجود الصوري ~~الذي للجسم المحيط يمنع أن يكون نوعه إلا في شخص واحد (1). ### ||| * أصل # الجسم ينتهي بسطحه ، وهو قطعه ، والسطح ينتهي بخطه ، وهو قطعه ، والخط ~~ينتهي بنقطة ، وهي قطعه (2)، والجسم يلزمه السطح ، لا من حيث تقوم جسميته ~~، بل من حيث يلزمه التناهي بعد كونه جسما ، فلا كونه ذا سطح ، ولا كونه ~~متناهيا ، أمر يدخل في تصوره جسما ، ولذلك قد يمكن قوم أن يتصوروا جسما غير ~~متناه إلى أن يبين لهم امتناع ما يتصورونه. # وأما السطح ، كسطح الكرة من غير اعتبار حركة أو قطع ، فيوجد ولا خط ، ~~وأما المحور والقطبان والمنطقة فمما يفرض عند الحركة والخط ، كمحيط الدائرة ~~قد يوجد ولا نقطة. # فأما المركز فعند ما تتقاطع أقطار ، أو عند حركة ما ، أو بالفرض وقبل ذلك ~~، فوجود نقطة في الوسط كوجود نقطة في الثلثين وسائر ما لا يتناهى فإنه لا ~~وسط ، ولا سائر مفاصل الأجزاء في المقادير إلا بعد وقوع ما ليس بواجب فيها ~~من حركة ، أو تجربة. PageV01P219 ### ||| * أصل # كل جسم فله شكل طبيعي من ربه ؛ لأن كل جسم متناه ، لما دريت ، وكل متناه ~~مشكل ؛ لأنه يحيط به حد أو حدود ، وهي المواد بالشكل ، وكل شكل فله شكل ~~طبيعي من ربه ؛ لأنا لو فرضنا ارتفاع تأثير القواسر لكان على شكل معين ، ~~فذلك الشكل إما أن يكون لطبعه من ربه ، أو لقاسر ، لا سبيل إلى الثاني ؛ ~~لأنا فرضنا عدم القواسر ، فإذن هو لطبعه من ربه ، وهو المطلوب. ### ||| * أصل # الشكل الطبيعي للجسم البسيط إنما هو الكرة ؛ لأن الجهة العقلية بسبب ~~الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلا متشابها ، وإلا لزم ~~الترجيح من غير مرجح. # وسائر الأشكال غير الكرة فيها أفعال مختلفة من الزوايا والنقاط ، ~~ولاختلاف الأجزاء في الانجذاب وغيره. # وأما ما يشاهد مما ليس كذلك من الأجسام البسيطة التي ليست الأفعال فيها ~~متشابهة ، كبعض الأجسام الفلكية ، فذلك إنما هو لأسباب خارجة ومرجحات نشأت ~~من جهات متعددة من المبادىء العالية ، كما تبين في محله. PageV01P220 ### ||| * أصل # الأبعاد الجسمانية ms112 متمانعة عن التداخل ، ولا ينفذ جسم في جسم واقف له غير ~~متنح عنه ، وذلك مما يعرف بأدنى تأمل ؛ والسبب فيه إما مجرد المقدار ، أو ~~بشرط المادة ، ولا يجوز خلوها عن الشاغل ؛ لأنها على هذا التقدير لا تكون ~~موهومة محضة ، لقبولها المساحة والتقدير ، والزيادة والنقصان ، والمساواة ~~والمفاوتة ، مع كونها ذات وضع ، فيجري فيها برهان إثبات المادة ، فيكون ~~جسما ، أو مملوة منه لا خلاء. ### ||| * وصل # فإذن ظهر أن فوق كل بعد مادي بعدا آخر ماديا ، إلى أن ينتهي إلى بعد هو ~~آخر الأبعاد المادية الوضعية ؛ لوجوب التناهي فيها. # ثم إن كان فوقه بعد فهو غير محتاج إلى مادة ، ولا قوة انفعالية ، لغلبة ~~أحكام الفعلية والصورية عليه ، وهو غير قابل للإشارة الحسية ، بل إنما يقبل ~~الإشارة الخيالية. # قال أستاذنا دام ظله : ويشبه أن يكون المراد بسدرة المنتهى في لسان ~~الشريعة ، هو آخر الأبعاد الوضعية ، وبالعرش الذي تستوي عليه الرحمة ~~الإلهية ، هو ما يحيط بجميع المتماديات الحسية ، إحاطة غير وضعية ، فيكون ~~ذا جهتين ، وواسطة بين العالمين ، فمن أحد الجانبين وهو الأعلى ينفعل عن ~~الحق بالصور والتماثيل ، ومن الجانب الأسفل يتصل بالصور الجسمية النوعية ~~وأبعادها PageV01P221 # المادية ، كالخيال الذي فينا. انتهى كلامه ، مد ظله (1). # وسيأتي تحقيق ذلك في تضاعيف ما سنذكر إن شاء الله. ### ||| * وصل # وإذا ثبت تناهي الأبعاد والامتدادات المادية ، ثبت تناهي الإشارات ~~الوضعية ، ومنتهى الإشارات هي الجهات ، فالجهة موجودة. # وأيضا لو كانت معدومة لما أمكن اتجاه المتحرك إليها ، ولكن المتحرك يتجه ~~إليها ويتوخى بلوغها ، أو القرب منها بالحركة ، فإن الأجسام العنصرية يتحرك ~~بعضها إلى جهة الفوق ، وبعضها إلى جهة التحت ، كما هو مشاهد ، وليس ذلك ~~لأنها تطلب أمكنتها الطبيعية من حيث هي أمكنة ، بل إنما تطلب بالحركة ~~الجهات والأوضاع الحاصلة لها بالنسبة إلى حدود الجهات ، كما سيأتي بيانه. # وأيضا لو كانت الجهة بحسب الخارج معدومة صرفة لما امتازت جهة الفوق عن ~~جهة التحت بحسب نفس الأمر ، ولا اليمين عن الشمال ، ولا جهة القدام عن جهة ~~الخلف ؛ لأنه على هذا التقدير تكون الجهة من مخترعات ms113 الوهم ، من غير أن ~~يكون لها منشأ في الوجود ، ومادة بحسب الواقع ، لكنا نعلم ضرورة حسية ~~امتياز الجهات بعضها عن بعض امتيازا بحسب الواقع ، وفي نفس الأمر ، فهي ~~موجودة بوجه ما. PageV01P222 ### ||| * وصل # الجهات غير متناهية ؛ لأن الجسم يقبل القسمة إلى لا نهاية ، فيمكن أن ~~تخرج منه خطوط غير متناهية ذاهبا كل منها إلى جهة أخرى. # والمشهور منها ست ؛ لأن الأبعاد المعتبرة في الأجسام وهي المتقاطعة على ~~الزوايا القائمة ثلاثة ، ولكل منها طرفان ، فأطرافها الستة هي الجهات الست. # والحقيقية منها اثنتان ، هما : الفوق ، والتحت ، وهما مختلفتان بالطبع ~~والنوع ؛ وذلك لتوجه بعض الأجسام في حركته الطبيعية إلى إحداهما ، والبعض ~~الآخر المباين له بالطبع إلى الأخرى. # والطبيعة إذا اقتضت توجها ورغبة من شيء إلى شيء فلا بد وأن يكون الشيئان ~~متخالفين نوعا ، والأطراف وإن اتفقت آحادها في كونها نقطا ، أو خطوطا ، ~~لكنها مما يقبل التخالف الحقيقي من جهة حيثيات مختلفة تلحقها ، فإن للحد ~~الواحد ، من حيث كونه عاليا يخالف نفسه من حيث كونه سافلا ، تخالفا نوعيا ~~راجعا إلى التخالف النوعي بين العلو والسفل ، فإن المضاف المشهوري من حيث ~~هو مضاف حكمه حكم المضاف الحقيقي ، ومن ثمة لا تتبدل إحداهما بالأخرى ؛ إذ ~~ليس ثبوتهما باعتبار إضافتهما إلى شيء خارج عنهما ، فليس فوقية الفوق ~~باعتبار وقوعه فيما يلي رأس الإنسان ، ولا تحتية التحت باعتبار وقوعه فيما ~~يلي قدميه ، بل الوضع الطبيعي للإنسان هو أن يكون كذلك ، فإذا انقلب هذا ~~الوضع بالانتكاس لم يبق الإنسان على الوضع الطبيعي ، لا أن ينقلب الفوق ~~تحتا ، وبالعكس. PageV01P223 # بخلاف الأربع الباقية ، فإنها ليست بحقيقية ، فإن كونها تلك الجهات ليست ~~باعتبار نفس الحقيقة ، بل باعتبار إضافتها إلى ما هو خارج عنها ، بل كل ~~منها عند التحقيق جهة فوق أو تحت ، اعتبرت معها إضافة إلى شيء تارة ، فصارت ~~بها جهة ، وإلى مقابل ذلك الشيء أخرى ، فصارت بها جهة أخرى مقابلة للجهة ~~الأولى ، ولهذا تتبدل تلك الإضافات، فإن اليمين مثلا بالحقيقة جهة فوق ، أو ~~تحت ، اعتبر كونها واقعا فيما يلي أقوى جانبي الإنسان. ms114 # وكذا اليسار إنما هو إحداهما معتبرة معها وقوعها فيما يلي أضعف الجانبين ~~، ولهذا ينقلب اليمين يسارا ، وبالعكس ، بانقلاب الإضافتين. ### ||| * وصل # الجهات محدودة ؛ لأنها منتهى الإشارة ، ولأنه لو لم تنته جهة الفوق إلى ~~ما هو فوق حقيقي ، لا فوق له ، لكان لكل فوق فوق ، وهكذا إلى لا نهاية ، ~~فلم يكن شيء من هذه الفوقات فوقا أصلا ، لا حقيقيا ، وهو ظاهر ، ولا إضافيا ~~؛ لأنه فرع الحقيقي ، فعدم تناهي امتداد جهة الفوق يوجب بطلانه ، وهكذا في ~~جميع الجهات ، فلا بد من كل جهة إلى نهاية ينتهي إليها السلوك والإشارة ، ~~وإلا فلا سلوك ولا إشارة ، هذا خلف. # فلا بد لجهة السفل من نهاية ، هي أسفل سافلين ، ولجهة العلو من غاية ، هي ~~أعلى عليين. PageV01P224 ### ||| * وصل # الجهات غير منقسمة في امتداد مأخذ الحركة ؛ لأنها لو انقسمت ووصل المتحرك ~~إلى أقرب الجزئين ، فإما أن يسكن ، أو يستمر على حركته ، فإن سكن لزم أن ~~يكون المقصد هو الجزء الأقرب ، ولا يكون للأبعد مدخل أصلا. # وإن تحرك فإما أن يتحرك عن المقصد ، أو إلى المقصد ، فإن تحرك عن المقصد ~~لم يكن أبعد الجزئين من الجهة ، وإن تحرك إلى المقصد لم يكن الأقرب من ~~الجهة ، فالجهة ليست بجسم ؛ لأن الجسم يقبل الانقسام في سائر الامتدادات ، ~~فهي إذن غير جوهر ؛ لبطلان ما سوى الجسم من ذوات الأوضاع الجوهرية ، فهي ~~قائمة بأمر آخر ، جسم أو جسماني ، يحددها ويعين وضعها. ### ||| * وصل # ذلك الأمر لا يجوز أن يكون خلاء ؛ لامتناعه ، كما مر ، ولا ملاء متشابها ~~، وإلا لما كانت الفوق والتحت مختلفتين بالطبع ؛ ضرورة تشابه الحدود ~~المفروضة في الملاء المتشابه ، وعدم تحقق الأمور المتخالفة بالذات فيه ، ~~فهو إذن شيء مختلف خارج مما يتشابه ، فهو إما جسم واحد من حيث هو واحد ، أو ~~لا من حيث هو واحد ، أو جسمان يحدد كل واحد منهما واحدة من الجهتين. # أما الجسم الواحد من حيث هو واحد فلا يمكن أن يكون محددا ؛ لأن كل امتداد ~~فله جهتان ، هما طرفاه ، وذلك لوجوب تناهيه ، كما مر ، وكذلك اللتان بالطبع ~~فإنهما أيضا ms115 طرفا امتداد ، فالمحدد يجب أن يحدد جهتين معا ، والجسم PageV01P225 # الواحد من حيث هو واحد إن حدد ما يليه بالقرب ، فلا يمكن أن يحدد ما ~~يقابله ؛ لأن البعد عنه ليس بمحدود. # وأما التحديد بالجسمين فهو أيضا باطل ؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون على ~~سبيل إحاطة أحدهما بالآخر ، أو على سبيل المباينة ، والأول يقتضي دخول ~~المحاط في التحديد بالعرض ؛ لأن المحيط وحده كاف في تحديد امتدادين بالقرب ~~الذي يتحدد بإحاطته ، والبعد الذي يتحدد بأبعد حد من محيطه وهو مركزه ، ~~فهذا القسم يرجع إلى ما كان المحدد جسما واحدا لا من حيث هو واحد. # وأما القسم الآخر ، وهو أن يكون بالمباينة ، فباطل لوجهين : # أحدهما : أن كل واحد من الجسمين لا يتحدد به إلا القرب منه ، ولا يتحدد ~~البعد عنه ، فإذن لا تتحدد الجهتان معا بكل واحد منهما. # وقلنا : إن المحدد يجب أن يحدد الجهتين معا ؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يكون ~~التحدد بجسمين متباينين ، باعتبار القرب فقط من غير احتياج إلى اعتبار ~~البعد ، بأن يكون الجسمان المتباينان مختلفين بالطبع ، ويتحدد بقرب كل ~~منهما واحدة من الجهتين ؛ لأن تينك الجهتين متقابلتان ، حتى أن أي بعد فرض ~~من أحدهما كالفوق مثلا في كل جانب يمتد إلى الجهة الأخرى التي يقابلها ، ~~وهي السفل ، وبالعكس. # فعلى التقدير المذكور لا يلزم أن يكون البعد عن أحد الجسمين قربا من ~~الآخر ؛ لاحتمال وقوعه في سمت غير الامتداد الواصل بينهما ، فالبعد عن ~~أحدهما الذي ليس قربا من الآخر يكون جهة حقيقية مغايرة لكل من جهتي القرب ~~منهما ؛ إذ كل جهة راجعة إلى الجهة الحقيقية ، كما مر ذكره ، لكن المعلوم PageV01P226 # من الجهة الحقيقية ليس إلا الفوق والتحت. # والوجه الثاني : أن لكل واحد منهما جهات لا تتناهى بحسب فرض الامتدادات ~~الخارجة منه ، ووقوع الآخر منه في جهة من تلك الجهات ، وعلى بعد معين منه ، ~~دون سائر الأبعاد الممكنة ، ليس بأولى من وقوعه في جهة أخرى ، وعلى بعد آخر ~~مما يمكن ، فإن الوقوع في كل جهة وعلى كل بعد من ذلك ممكن ms116 بحسب العقل ، وإن ~~امتنع فلمانع مؤثر في التحديد ، وهو أيضا يجب أن يكون جسمانيا ، ذا وضع ، ~~والكلام في وقوعه في بعض جهات هذين دون بعض ، وعلى بعد معين منهما ، ~~كالكلام فيهما ، فإن علل بهذين صار دورا ، وإلا تسلسل ، ولما بطل هذا القسم ~~ثبت أن تحديد الجهة يتم بجسم واحد ، لا من حيث هو واحد ، ولا على أي وجه ~~يتفق ، بل من حيث الإحاطة وهي الحالة الموجبة لتحديدين متقابلين ، كما مر ، ~~فإذن محدد الجهات جسم واحد محيط بالأجسام ذوات الجهات. ### ||| * وصل # وهذا الجسم لا يجوز أن يفارق موضعه ؛ لأن كل ما يقبل الحركة الأينية فإنه ~~متجه إلى جهة ، وتارك أخرى ، وكل ما هذا شأنه فالجهات متحددة قبله ، لا به ~~، ولا يجوز أن يكون مؤلفا من أجسام مختلفة ، أو متشابهة ؛ لأن اختصاص كل ~~جسم منها بأن يكون في جهة من الأشياء الداخلة فيه دون جهة يقتضي امتناع ~~تأخر الجهة عن أجزائه المتقدمة عليه ، ويلزم من ذلك تقدم الجهة على محددها. # وأيضا لا يخلو إما أن يكون لكل من أجزائه شكل طبيعي ، أو قسري ، فإن كان ~~الأول ، والشكل الطبيعي للبسيط إنما هو الكرة ، للزم تحقق الخلاء في فرج PageV01P227 # تلك الأجزاء ، ولاستحال أن يحصل من مجموعها سطح واحد كري ، متصل الأجزاء. # وإن كان الثاني كان كل منها طالبا للشكل الطبيعي عند زوال القاسر ، فإن ~~القاسر لا يكون دائميا ، فيكون قابلا للحركة الأينية ، هذا خلف. # فإذن هو بسيط ، ليس له أجزاء إلا بالفرض. ### ||| * وصل # ويجب أن تكون نسب تلك الأجزاء المفروضة بعضها إلى بعض ، وجميعها إلى ~~المركز ، وهي التي يلحقها الوضع بسببها متشابهة ؛ لأنها إن اختلفت فصار بعض ~~الأجزاء أقرب إلى المركز من بعض لزم من اختصاص القريب بجهة وبعد غير جهة ~~البعيد وبعده ، اختلاف أجزاء المحدد ، ويلزم من ذلك أيضا تقدم الجهة على ~~محددها ، هذا خلف. # وتشابه أجزاء الشيء في الوضع هو الاستدارة ، فإذن محدد الجهات مستدير ~~الشكل ، وله التقدم على سائر الأجسام ذوات الجهات من حيث إنها ذوات جهات ، ~~تقدما بالطبع ؛ لتوقفها من ms117 هذه الحيثية على الجهة المحددة به. ### ||| * وصل # ويجب أن يكون مصمتا ؛ لامتناع الخلاء ، فما لم يكن مصمتا لم يدخل في دار ~~الوجود ، فما لم يكن مصمتا لم يحدد الجهات ، فالمحدد للجهات في الحقيقة هو ~~مجموع الأجسام والجسمانيات بأسرها من حيث وحدتها ، وبهذا الاعتبار PageV01P228 # عبر عنه أو عما يحيط به إحاطة غير وضعية بالعرش ، في قوله سبحانه : ( ~~@QUR@012 خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) ~~(1)، أي على المجموع. # كما قال الإمام الصادق عليه السلام ، في قوله تعالى : ( @QUR@04 الرحمن ~~على العرش استوى ) (2): «إنه استوى من كل شيء ، فليس شيء أقرب إليه من ~~شيء» (3). # وقال أيضا : «العرش من وجه هو جملة الخلق» (4). # وتمام الحديث يأتي مع تتمة الكلام في العرش. ويأتي أيضا أنه غير ذي وضع ، ~~ولا في جهة. ### ||| * وصل # ويجوز على هذا الجرم المحدد أن يتحرك بالحركة الوضعية الدورية ؛ لأن بعض ~~الأوضاع ليس أولى له من بعض ، لما ثبت من بساطته ، وقد دريت أن لكل جوهر ~~جسماني طبيعة ونفسا وعقلا ، فهذا الجرم كذلك ، بل هو أولى بذلك ، بل طبيعته ~~ونفسه وعقله من جهة هو طبيعة مجموع الأجسام ، ونفس الكل ، وعقل PageV01P229 # الكل ، باعتبار جهة وحدتها ، فإن للكل وحدة ، كما يأتي بيانه إن شاء الله ~~، ولتكن هذه الأحكام ثابتة عندك ، ولله الحمد. PageV01P230 ### | في الحركة والسكون ### ||| * ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) (1) ### ||| * أصل # كل ما له جهتا قوة وفعل ، فله من حيث كونه بالقوة أن يخرج إلى الفعل ~~بغيره ، وإلا لم تكن القوة قوة. # وهذا الخروج إما بالتدريج ، أو دفعة ، والأول معنى الحركة ، ويقابله ~~السكون تقابل العدم والملكة. # ثم الحركة لكونها صفة لا بد لها من قابل ، ولكونها حادثة ، بل حدوثا ، لا ~~بد لها من فاعل ، ولا بد من أن يكونا متغايرين ؛ لاستحالة كون الشيء فاعلا ~~وقابلا ، فعلا وقبولا تجدديين ، وكون معطي الكمال قاصرا عنه ، فالمحرك لا ~~يحرك نفسه ، بل شيئا لا يكون في نفسه متحركا ، لتكون حركته بالقوة ، فقابل ~~الحركة أمر بالقوة ، وفاعلها أمر بالفعل ، إما من هذه ms118 الجهة ، وإما من كل ~~جهة ، ولا محالة منتهى جهات الفعل إلى ما هو بالفعل من كل وجه ؛ دفعا للدور ~~، والتسلسل. # كما أن جهات القوة ترجع إلى أمر بالقوة من كل وجه ، إلا كونه بالقوة ؛ ~~دفعا لهما. PageV01P231 ### ||| * وصل # للحركة معنيان : # أحدهما : توسط الشيء بين المبدأ والمنتهى بحيث أي حد يفرض في الوسط لا ~~يكون ذلك الشيء قبل وصوله إليه ، ولا بعده فيه ، وهو صفة واحدة شخصية ، غير ~~متغيرة بتبدل حدود التوسط ، لكن بواسطة نسبته إلى حدود المسافة الغير ~~المتناهية بالفرض ، مما يقبل انقساما بغير نهاية بالفرض ، إذ له حدود ~~بالقوة من جهة اتصال موافاة حدود المسافة ، فهو مستقر بحسب الذات ، غير ~~مستقر بحسب النسبة إلى تلك الحدود ، وكما أن كل حد في المسافة المتصلة وكل ~~نقطة في الخط بين طرفيه لا يكون بالفعل ، ولكن بالقوة ، فكذلك كل كون من ~~هذه الأكوان لا يكون إلا بالقوة ، فهذا المعنى من الحركة وجود بين صرافة ~~القوة ومحوضة الفعل ، ويسمى بالحركة التوسطية. # والثاني : ما يحصل من هذا بسبب استمرار ذاته واختلاف نسبه إلى حدود ~~المسافة ، وهو أمر متصل منطبق على المسافة ، منقسم بانقسامها ، واحد ~~بوحدتها ، ويسمى بالحركة القطعية. والتوسطية كأنها فاعلة للقطعية. # مثال ذلك : النقطة المنتقلة ، كرأس مخروط مماس لسطح ، يرسم بحركته ~~وسيلانه على ذلك السطح خطا ، فقد تعرض للنقطة مماسة منتقلة ، يحصل من ~~استمرارها على ذلك السطح خط تفرض فيه نقط متوهمة ليس شيء منها فاعلة له ، ~~ولأجزائه ، بل متأخرة عنه ، ففي الحركة شيء كالخط المرسوم وهو الحركة ~~المتصلة القطعية ، وشيء كالنقطة الفاعلة للخط، وهو الحركة التوسطية ، ~~وأشياء كالنقط المفروضة فيه التي لم تفعله ، بل تأخرت عنه ، وهي الأكوان ~~المفروضة PageV01P232 # حسب انفراض حدود المسافة ، وسنبين أن الزمان مقدار الحركة ، ففيه أيضا ~~شيء ، كالراسم ، يقال له الآن السيال ، وشيء كالمرسوم ، يقال له الزمان ~~المتصل ، وأشياء كالحدود والنهايات ، يقال لكل منها الآن بالمعنى الآخر. # وكل من الأمور الثلاثة في كل واحد من الأشياء الثلاثة ينطبق على نظيريه ~~في الآخرين ، وليس الباقي مع المتحرك إلا الواحد المستمر ms119 من كل منها ؛ ~~ضرورة أنه لا يكون مع المنتقل خط المسافة ، إذ قد خلفه ، ولا الحركة بمعنى ~~القطع ، فقد انقضت ، ولا الزمان المتصل ، فقد مضى. # فإذن إنما يكون معه من القطع التوسط ، ومن المسافة النقطة ، أو ما في ~~حكمها ، ومن الزمان الممتد ذلك الآن. # والمتحرك من حيث إنه متحرك حاله بعينها حال الحركة في تحقق الأمور ~~الثلاثة فيه ، فإنه من حيث إنه متوسط بين مبدأ المسافة ومنتهاها مع استمرار ~~مبدأ لنفسه من حيث إنه قد انتقل ؛ إذ هو بهذا الاعتبار كأنه شيء ممتد منطبق ~~على المسافة ، ونفسه من حيث إنه وصل إلى حد حد مبدأ لنفسه من حيث إنه قطع ~~المسافة إلى ذلك الحد. ### ||| * وصل # فللحركة وجود ضعيف تدريجي ، بعضه سابق ، وبعضه لاحق ، وليس موجوديتها في ~~الخارج إلا تحقق حدها فيه ، وصدقها على أمر كوجود الإضافات ، وأما حضورها ~~الجمعي فليس إلا في الذهن. # والحركة بمعنى التوسط وإن كان لها إبهام بالقياس إلى الحصولات الآنية PageV01P233 # والزمانية ، التي يعتبرها العقل ، إلا أنها مع ذلك لها تعين من جهة تعين ~~الموضوع ، ووحدة المسافة ، ووحدة الزمان ، والفاعل المعين ، والمبدأ الخاص ~~، والمنتهى الخاص ، ويكفيها هذا القدر من التعين لضعف وجودها ، ونسبة تلك ~~الحصولات إلى التوسط المستمر نسبة الجزئيات إلى الكلي ، ونسبتها إلى معنى ~~القطع المتصل نسبة الأجزاء والحدود إلى الكل ، وكلا المعنيين ذو حظ من ~~الوجود ، وإن كان ضعيفا. ### ||| * أصل # الحركة لا تقع في الآن ، وإلا يلزم أن يكون بإزائه جزء غير متجزىء من ~~المسافة ، لتطابقهما ، وقد دريت استحالته ، فكل آن يفرض في أثناء الحركة لا ~~يتصف الجسم فيه بالحركة ، ولا بالسكون ؛ لأن تقابله معها تقابل العدم ~~والملكة ، ولاتصال الحركة ، ولا يلزم من ذلك خلو الموضوع عنهما ؛ لأن ~~الحركة في الآن أخص من اللاسكون ، ومما يساويه ، فانتفاؤها لا يستلزم ~~انتفاء ما يساويه ؛ لتحققه بالحركة ، لا في الآن. # والحاصل : أن الآن إن أخذ ظرفا للاتصاف ، فالجسم يتصف فيه بالحركة ~~الواقعة في الزمان ، لا فيه ، وإن جعل ظرفا لوقوع الحركة ، أو السكون ، فلا ~~يقع شيء منهما فيه ms120 ، ولا يلزم خلو الموضوع عن الاتصاف بهما. PageV01P234 ### ||| * أصل # الحركة : إما ذاتية ، أو عرضية. # والذاتية : ما تكون القوة المحركة فيه موجودة في المتحرك ، من حيث إنه ~~متحرك ، وهي : إما إرادية ، أو طبيعية ، أو قسرية ، أو تسخيرية ؛ وذلك لأن ~~القوة المحركة إما غير مستفادة من خارج ، أو مستفادة منه. # وعلى الأول إما مع شعور ، أو لا معه ، وعلى الثاني إما على سبيل الإعداد ~~، أو الفاعلية. # فالأول هي الإرادية ، كحركة الأفلاك ، والحيوانات. والثاني هي الطبيعية ، ~~كحركة العناصر ، والنباتات. والثالث هي القسرية ، كحركة الحجر المرمي إلى ~~فوق ، والشجر إلى اليمين والشمال بالريح. والرابع هي التسخيرية ، كحركة ~~المواد ، والأجساد ، بما هي مادة وجسد ، لا بما هي محصلة أنواعا بحركات ما ~~فيها من الصور والطبائع والنفوس ، وكانفعال السافل من العالي. # والعرضية : ما يقابل الذاتية ، كحركة المحمول. # وقد يتركب بعض هذه مع بعض ، فيختلف بالاعتبار ، كحركة النبات فإنها ~~تسخيرية وطبيعية ، باعتبارين. ### ||| * أصل # الفاعل للحركة القسرية طبيعة الجسم المقسور ، لكن مع انضمام ميل قسري ~~إليها ، يكون القاسر علة معدة له ، ولو كان القاسر فاعلا للحركة القسرية ، PageV01P235 # أو للميل القسري ، لا ينتفي كل منهما بانتفائه ، وليس كذلك. # وأما الحركة الإرادية والتسخيرية ففاعلهما النفس باستخدام الطبيعة ~~المادية التي أحدثتها في الجسم ، أعني القوة المحركة للعضلات ، والأوتار ، ~~والرباطات ، فإن تلك القوة هي بعينها طبيعة تلك الأعضاء والآلات جعلت مطيعة ~~للنفس بعد تحقق التخيل والإرادة والشوق ، ومعلوم بالوجدان أن الأمر المميل ~~للجسم والصارف له من مكان إلى مكان ، أو من حال إلى حال لا يكون إلا قوة ~~فعلية قائمة به ، وهي المسماة بالطبيعة ، فالطبيعة هي المميلة القريبة إياه. # وهذه الطبيعة غير الطبيعة الموجودة في عناصر البدن وأمشاجه بالعدد ، فإن ~~تسخير النفس لهذه ذاتي ؛ لأنها قوة منبعثة من ذاتها ، ولتلك قسري ، ولهذا ~~يقع الإعياء والرعشة بسبب تعصيها عن طاعتها أحيانا. # فللنفس طبيعتان مقهورتان ، إحداهما مطاوعة لها ، والأخرى مكرهة ، فثبت أن ~~الفاعل المباشر لجميع الحركات هي الطبيعة ، إلا أنه في الطبيعية طبيعة ~~مطلقة مجبولة ، وفي القسرية طبيعة مقسورة ، وفي الإرادية والتسخيرية طبيعة ~~مسخرة ، والكل ms121 مما تستخدمه القوة العقلية المفارقة ، طاعة لله تعالى ؛ إذ ~~كما أنها تقيم كلا من الصورة والمادة بالأخرى ، أو معها ، كذلك لها مدخل في ~~إقامة كل ما يلزمهما من الاستحالات والحركات ، وغيرهما. # فالحركة بمنزلة شخص ، روحه الطبيعة ، كما أن الزمان شخص روحه الدهر ، ~~والطبيعة بالقياس إلى النفس ، بل العقل ، كالشعاع من الشمس ، يتشخص ~~بتشخصها. كذا أفاده أستاذنا ، سلمه الله (1). PageV01P236 ### ||| * أصل # لا بد في الحركة في أي مقولة وقعت أن يكون الموضوع فيها ثابتا ، لوجوده ~~وتشخصه ، وتتبدل عليه أفراد تلك المقولة بحيث يكون له في كل آن فرض من آنات ~~زمان تلك الحركة فرد من تلك المقولة ، يخالف الفرد الذي يكون له في آن آخر ~~مخالفة نوعية ، أو صنفية ، إلا أنه يكفي في بقاء الموضوع انحفاظ وحدته ~~الشخصية بوحدة عقلية فاعلية نورية، كالعقل المدبر المعتني بكلاية الشخص ، ~~وحفظه في مراتب التطورات والتقلبات في النشآت ، أو بوحدة إبهامية قابلية ، ~~كوحدة المادة الأولى ، فإنه يكفي في تشخصها وجود صورة ما ، وكيفية ما ، ~~وكمية ما ، وأين ما ، إلى غير ذلك من الأعراض ، ويجوز التبدل له في خصوصيات ~~كل منها ، فهذه الأفراد الغير المتناهية إنما توجد بوجود واحد اتصالي ، له ~~حدود غير متناهية بالقوة ، بحسب حدود مفروضة فيه ، ففيه وجود أنواع بلا ~~نهاية ، بالقوة لا بالفعل ، وبالمعنى لا بالوجود. # وهذا الوجود الواحد المتصل مع وحدته وتشخصه ؛ حيث إن الوجود إنما يتشخص ~~بذاته يندرج تحت أنواع كثيرة ، وتتبدل عليه معان ذاتية ، وفصول منطقية ، ~~حسب تبدله في شؤونه وأطواره ، فهو مع وحدته واستمراره بعينه وجود متجدد ، ~~ينقسم إلى سابق ولاحق ، وناقص وكامل ، وله بعينه أبعاض وأفراد ، بعضها زائل ~~، وبعضها حادث ، وبعضها آت ، ولكل من أبعاضه المتصلة حدوث في وقت معين ، ~~وعدم في غير ذلك ، قبله وبعده. # فما أعجب حال مثل هذا الوجود ، وتجدده في كل حين ، كذا أفاد أستاذنا ، ~~دام ظله. PageV01P237 ### ||| * وصل # وليست الحركة عبارة عن تغير حال المقولة المعينة ، فإن معنى التسود مثلا ~~ليس أن سوادا واحدا يشتد حتى يكون الموضوع الحقيقي للحركة في السواد ، نفس ~~السواد. ms122 # كيف ، وذات الأول في نفسها كانت ناقصة ، والزائدة ليست بعينها الناقصة ، ~~وليس لأحد أن يقول ذات الأول باقية وينضم إليه شيء آخر ، فإن الذي ينضم ~~إليه إن لم يكن سوادا ، بل يكون شيئا آخر ، فما اشتد السواد في سواديته ، ~~بل حدثت فيه صفة أخرى ، وإن كان الذي ينضم إليه سوادا آخر ، فيحصل سوادان ~~في محل واحد ، بلا امتياز بينهما في الحقيقة ، أو المحل ، أو الزمان ، وهو محال. # وكذا اتحاد الاثنين منهما ، فليس ذلك إلا بانعدام ذات الأول ، وحصول سواد ~~آخر أشد منه. # وكذا الكلام في الحركة الكمية بعينه ، فإن المقدار الأول ينعدم بالكلية ، ~~ويوجد مقدار آخر أزيد ، أو أنقص ، والعبرة ببقاء الأمر العقلي ، والمادة ~~المبهمة ، كما بيناه. ### ||| * أصل # الحركة : قد تكون في الكم ، كالنمو والذبول ، والسمن والهزال ، والتخلخل ~~والتكاثف. # وقد تكون في الكيف ، كتسخن الماء وتبرده ، وكانتقال الجسم من البياض PageV01P238 # إلى السواد على التدريج ، وتسمى استحالة. # وقد تكون في الأين ، كانتقال الجسم من أين إلى آخر تدريجا ، وتسمى نقلة. # وقد تكون في الوضع ، كحركة الكرة في مكانها ، فإن بها تختلف نسب أجزائها ~~بعضها إلى بعض ، وإلى الأمور الخارجة على التدريج. # وقد تكون في الجوهر ، على ما حققه أستاذنا ، دام ظله (1)، واختص بتحقيقه ~~، وقد نبهنا عليه في بيان تجدد الطبيعة. # ومما يدل عليه أيضا استكمالات النفس الإنسانية من لدن كونها جنينا ، بل ~~منيا ، إلى غاية كونها عقلا بالفعل ، وما هو فوقه ، فإن الذهن الصافي ، ~~والقلب السليم يحكم بأن التفاوت بين الجنين والطفل الجاهل الناقص ، وبين ~~الشيخ الحكيم والولي ، ليس بأمور عرضية زائدة على جوهرية كل من هذين ، حتى ~~لو فرض زوالها لم يتغير في تجوهره الحقيقي شيء. # وأيضا لو كان حصول كل من الصور الواردة عليه من المنوية والنباتية ~~والحيوانية والإنسانية ، دفعية بلا تدرج في الاشتداد والاستكمال ، بل بحسب ~~فساد وكون ، للزم تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين فعله إلى الآخر ، وهذا غير ~~جائز في الأفعال الطبيعية ، بل إنما جاز في الصناعات الاختيارية التي تكون ~~بالقصد والروية. # ومما يدل على الحركة الجوهرية أيضا ms123 انقلاب الصورة النوعية من المائية إلى ~~الهوائية عند ورود الحرارة الشديدة عليها ، المضعفة للمائية قليلا قليلا PageV01P239 # بالتدريج ، حتى تقرب طبيعة الماء إلى طبيعة الهواء ، وانتقصت مائيته حتى ~~صار هواء ؛ إذ لو لم يكن حد مشترك بين الماء والهواء حتى يكون أسخن الأفراد ~~المائية ، وأبرد الأفراد الهوائية ، لكان الانتقال للمادة من الصورة ~~المائية إلى الصورة الهوائية بلا جامع ، فيلزم إما تتالي الآنين، أو خلو ~~المادة عن الصور في آن واحد ، وكلاهما مستحيل. # والسر في ذلك ، ما دريت ، أن الوجود مما يشتد ويضعف دون الماهية ، وأن ~~مبادىء الآثار هي وجودات الأشياء ، لا ماهياتها ، فالماء إذا اشتد في ~~سخونته أو تضعف في برودته ، وهما صفتان ، وكل صفة عرضية لشيء ، فهي معلولة ~~لوجود جوهري ، والوجود ما لم يتغير في قوته وضعفه لا يمكن أن يختلف أثره في ~~القوة والضعف ، لكن كل تضعف أو اشتداد لا يوجب أن يتغير به حد الماهية في ~~جواب «ما هو» ، إنما التدرج في أحدهما مما ينتهي إلى حيث يتغير جواب «ما ~~هو» دفعة. # ومن هنا اشتبه الأمر على الجمهور ، فزعموا أن الانقلاب دفعي ، والاستحالة ~~تدريجية ، فأنكروا الحركة في الصورة ، وأثبتوها في الكيفية. # وليس الأمر كذلك ، بل الاستحالة لا تخلو عن الكون والفساد ، إلا أن ~~الاستحالة محسوسة في الأكثر ، والتفاوت في الوجود والحركة في الجوهر غير ~~محسوسين ، إلا في الأقل ، ولا يلزم من ذلك وجود أنواع بلا نهاية بالفعل بين ~~جوهر وجوهر ، بل هناك وجود واحد شخصي متصل ، له حدود غير متناهية بالقوة ، ~~كما نبهنا عليه على قياس الاشتداد الكيفي والكمي ، من غير فرق. PageV01P240 ### ||| * وصل # وأما بقية المقولات فلا تقبل الحركة إلا بالعرض. # أما الإضافة فإنها إن كانت عارضة لمقولة تقع فيها الحركة ، فهي متحركة ~~بتبعيتها ، وإلا فلا ، فإن الماء إذا تحرك في السخونة فقد انتقل من الأشد ~~إلى الأضعف ، أو بالعكس ، على التدريج بالتبعية. # وكذا الانتقال من الأعلى إلى الأسفل تابع للانتقال من أين إلى أين ، ~~والانتقال من الأكبر إلى الأصغر تابع للانتقال الكمي ، ومن الأشرف في الوضع ~~إلى ms124 الأخس فيه تابع للانتقال الوضعي. # وأما الملك فتبدل الحال فيه إنما هو أولا في الأين ، فإن الحركة أولا في ~~العمامة بحسب الأين ، ثم في التعمم ، وفي السلاح ثم في التسلح ، فالحركة ~~فيه بالعرض ، لا بالذات. # وأما متى ، فإن وجود الحركة للجسم إنما هو بتوسطه ، فإن كل حركة إنما ~~تكون في متى ، فلو كان فيه حركة لكان لمتى متى آخر ، وهو محال. # وكذلك أن يفعل ، وأن ينفعل ، ليس فيهما حركة ؛ لأن الحركة خروج عن هيئة ~~قارة إلى هيئة قارة ؛ لأنها لو كانت عن هيئة غير قارة لما كان خروج عنها ~~وترك لها ، بل إمعان في تلك الهيئة. # مثلا : إن كانت الحركة من التسخن إلى التبرد ، وكان الجسم في حالة تسخنه ~~يتبرد ، فإنه لم يخرج عن التسخن حتى يكون قد تحرك في مقولة أن ينفعل ، فإن ~~كان قد ترك التسخين فالحركة في غير مقولة أن ينفعل. PageV01P241 # وأيضا لو كان في مقولة متى حركة للزم أن يكون له في كل آن يفرض من زمان ~~حركته فرد من أفراده ، كسنة أو شهر ، أو غير ذلك ، مع أن الآن طرف لأفراده. # وعلى هذا القياس حكم المقولتين الأخريين ، إذ أخذ في مفهوميهما التدرج ~~وعدم الاستقرار ، فإنهما التأثير والتأثر على نهج التجدد الاتصالي ، ~~فالانتقال فيهما دفعي ليس على سبيل الحركة. # وأما ازدياد الحركة في الكيف ، أو الكم ، أو غيرهما ، شدة وسرعة ، ~~ازديادا تدريجيا ، فليس من الحركة في أن ينفعل في شيء حتى يكون سلوكا من ~~انفعال ضعيف إلى انفعال شديد على التدريج ؛ لأن هذا السلوك وإن كان سلوكا ~~واحدا وانتقالا متصلا بحسب الحس ، لكنه بحسب الواقع سلوكات متعددة في سلوك ~~توجد فيه مرتبة واحدة من السرعة ، باقية مستمرة في بعض من الزمان الذي يقع ~~الكل فيه ، فالانتقال من السرعة إلى سرعة أخرى أشد منها ليس شيئا فشيئا ، ~~وإن كان أصل السلوك تدريجيا. ### ||| * أصل # الحركة إما سريعة ، وهي التي تقطع مسافة أطول في الزمان المساوي ، أو ~~الأقصر ، أو مسافة مساوية في زمان أقل. وإما بطيئة ، وهي ما يقابلها. ms125 # والبطؤ ليس لتخلل السكنات ، وإلا لكانت نسبة السكنات المتخللة بين حركات ~~الفرس الذي يقطع خمسين فرسخا مثلا في يوم واحد إلى حركاته ، كنسبة فضل ~~حركات الشمس في ذلك اليوم إلى حركات الفرس ، لكن فضل تلك PageV01P242 # الحركات أزيد من حركاته ، فسكنات الفرس أزيد من حركاته ، مع أنا لا نحس ~~بشيء من سكناته. ### ||| * وصل # الحركة لا تخلو عن حد ما من السرعة والبطؤ ؛ لأن كل حركة إنما تقع في شيء ~~ما يتحرك المتحرك فيه مسافة كانت ، أو غيرها في زمان ما ، وقد يمكن أن ~~يتوهم قطع تلك المسافة أو ما يجري مجراها بزمان أقل من ذلك الزمان ، فتكون ~~الحركة أسرع من الأولى ، أو بزمان أكثر ، فتكون أبطأ منها. # والمراد من السرعة والبطؤ شيء واحد بالذات ، وهو كيفية واحدة قابلة للشدة ~~والضعف ، وإنما تختلفان بالإضافة العارضة لهما ، فما هو سرعة بالقياس إلى ~~شيء ، هو بعينه بطؤ بالقياس إلى آخر. ### ||| * وصل # ولما كانت الحركة ممتنعة الانفكاك عن هذه الكيفية ، وكانت الطبيعة التي ~~هي مبدأها نسبة جميع الحركات المختلفة الشدة والضعف إليها واحدة ، كان صدور ~~حركة معينة منها دون ما عداها ممتنعا ؛ لعدم الأولوية ، فاقتضت أولا أمرا ~~يشتد ويضعف بحسب اختلاف الجسم ذي الطبيعة في الكم ، أو الكيف ، أو الوضع ، ~~أو غير ذلك ، وبحسب ما يخرج عنه، كحال ما فيه الحركة من رقة القوام وغلظه ، ~~ثم اقتضت بحسبه الحركة ، وذلك الأمر هو الميل ، وهو محسوس في الحركة ~~الأينية ، يحسه الممانع ، ويوجد مع عدم الحركة أيضا ، كما نجده من الزق PageV01P243 # المنفوخ فيه إذا حبسناه بأيدينا تحت الماء ، وكما نجده من الحجر إذا ~~أسكناه في الهواء ، فلا يحتاج إثباته فيها إلى مزيد بيان. # وكذا في الحركة الكمية ؛ لأنها مستلزمة للأينية ، إذ لا بد للنامي ~~والذابل من وارد يتحرك إليه ، أو خارج يتحرك منه. # وأما الوضعية ، فلأن أجزاء المتحرك بتلك الحركة تخرج عن أمكنتها ، ~~فاستدعت ميلا ومدافعة. # وكذا الحركة الكيفية إذا كانت طبيعية ، فإنها لما كان منشأ التبدل فيها ~~حينئذ هو المتحرك ، فقد أخرج نفسه من كيفية وطلب ms126 كيفية أخرى ، فله مدافعة ~~من الكيفية الأولى إلى الكيفية الثانية ، وهو المراد بالميل فيها. # وكذا الكلام في الحركة الجوهرية. ### ||| * وصل # كل ما يقبل الكون والفساد ففيه مبدأ ميل مستقيم البتة ؛ وذلك لما سيأتي ~~من أن كل جسم فله حيز طبيعي ، ولا يكون لجسم حيزان طبيعيان ، فالصورة ~~الكائنة لا تخلو إما أن تحصل في حيزها الطبيعي ، أو في حيز غريب ، وعلى ~~الثاني يقتضي ميلا مستقيما إلى حيزها الطبيعي ، وعلى الأول كانت قبل الفساد ~~حاصلة في حيز غريب ، فكانت تقتضي ميلا مستقيما إلى حيزها الطبيعي. PageV01P244 ### ||| * وصل # ولما كان الميل هو السبب القريب للحركة بوجه ما ، كان منقسما إلى أقسامها ~~، فمنه ما يحدث من طباع المتحرك ، وينقسم إلى ما تحدثه الطبيعة ، كميل ~~الحجر عند هبوطه ، وإلى ما تحدثه النفس ، كميل النبات عند تبرزه من الأرض ، ~~وميل الحيوان عند اندفاعه الإرادي إلى جهة ، ومنه ما يحدث من تأثير قاسر ~~خارج من الجسم فيه ، كميل السهم عند انفصاله عن القوس. # وإنما تختلف الأجسام في قبوله والامتناع عن ذلك بحسب الأمور الذاتية ~~وغيرها ، والاختلاف الذاتي هو الذي يكون بحسب قوة الميل الطبيعي وضعفه ، ~~وهو أن يكون الأقوى بحسب الطبع ، كالحجر العظيم أكثر امتناعا من قبول ~~القسري ، والأضعف أقل امتناعا ، وما عدا هذا الاختلاف يكون بالأسباب ~~الخارجة ، وذلك ككون الأضعف أكثر امتناعا ، إما لعدم تمكن القاسر منه ، ~~كالرملة الصغيرة ، أو لعدم تمكنه من دفع الموانع ، كالتبنة ، أو لتخلخله ~~الذي لأجله تتطرق إليه الموانع بسهولة ، كالريشة ، أو لغير ذلك. ### ||| * وصل # ولما كان الميل هو السبب القريب للحركة ، وكان من الممتنع أن يتحرك الجسم ~~حركتين مختلفتين معا بالذات ؛ لأن الحركة الواحدة تقتضي توجها إلى مقصد ما ~~، ويلزمه عدم التوجه إلى غير ذلك المقصد. # والحركتان المختلفتان معا يلزمهما التوجه وعدمه إلى كل واحد من PageV01P245 # المقصدين معا ، ويمتنع أن يقتضي الشيء شيئا وعدمه معا ، فكان من الممتنع ~~أن يوجد ميلان مختلفان في جسم واحد بالفعل ، سواء كانا مستقيمين ، أو ~~مستديرين ، أو مختلفين ، إلا أن يكون أحدهما بالعرض ، كما تجتمع حركتان كذلك. ms127 # فإذا طرأ على جسم ذي ميل طبيعي بالفعل ميل قسري تقاوم السببان ، أعني ~~القاسر والطبيعي ، فإن غلب القاسر وصارت الطبيعة مقهورة حدث ميل قسري ، ~~وبطل الطبيعي ، ثم تأخذ الموانع الخارجية والطبيعية معا في إفنائه قليلا ~~قليلا ، وتقوى الطبيعة بحسب ذلك ، ويأخذ الميل القسري في الانتقاص ، وقوة ~~الطبيعة في الازدياد إلى أن تقاوم الطبيعة الباقي من الميل القسري ، فيبقى ~~الجسم عديم الميل ، ثم تجدد الطبيعة ميلها مشوبا بآثار الضعف الباقية فيها ~~، ويشتد الميل بزوال الضعف ، فيكون الأمر بين قوة الطبيعة ، والميل القسري ~~قريبا من الامتزاج الحادث بين الكيفيات المتضادة. ### ||| * أصل # الحركة لا تكون طبيعية إلا ويكون الجسم على حالة غير طبيعية ، كأين غير ~~طبيعي ، أو وضع ، أو كم ، أو كيف كذلك ، وبإزاء كل حالة غير طبيعية منها ~~حالة طبيعية ؛ لأن الجسم إذا خلي وطباعه لم يكن له بد منها ، فاقتضاء ~~الحركة والسكون من الطبيعة بالحقيقة شيء واحد تقتضيه الطبيعة الواحدة ، وهو ~~استدعاء الحالة الطبيعية فقط ، فإن كانت غير حاصلة فذلك الاستدعاء يستلزم ~~حركة تحصلها ، وإن كانت حاصلة فهو بعينه يستلزم سكونا ، ومعناه أنه لا ~~يستلزم حركة. PageV01P246 # فالجسم إذا وصل إلى الحالة الطبيعية يجب أن يبطل ميله إليه ، ولم يكن له ~~ميل عنه ، فإذن هو عديم الميل في هذه الحالة. ### ||| * أصل # لا بد بين كل حركتين مختلفتين من سكون ؛ وذلك لأن المبدأ القريب لتحرك ~~الجسم من حد إلى آخر في المسافة وهو الميل ، أو ما يجري مجراه ، يجب أن ~~يكون معه ، فالموصل له إلى ذلك الحد يجب وجوده عند وجود الوصول ، وهو آن ~~الوصول ، ولا امتناع في ذلك ؛ إذ الميل ونحوه ليس كالحركة غير آني الوجود ~~بالضرورة. # ثم إذا رجع الجسم من ذلك الحد ، أو انعطف ، فلذلك الرجوع أو الانعطاف ميل ~~آخر هو علة قريبة له ؛ لأن الميل للواحد لا يكون علة للوصول إلى حد معين ، ~~وللمفارقة عنه رجوعا ، أو انعطافا ، والميل حدوثه في الآن ، وليس أن حدوث ~~الميل الثاني هو الآن الذي صار الميل موصلا بالفعل ؛ لامتناع أن يحصل في ~~الجسم ms128 الواحد في الآن الواحد ميلان إلى جهتين مختلفتين ، فإذن حدوث الميل ~~الثاني في غير الآن الذي صار فيه الميل الأول موصلا بالفعل ، وبينهما زمان ~~يكون الجسم فيه ساكنا بالضرورة ، وهو المطلوب. ### ||| * وصل # الحبة المرمية إلى فوق إذا نزلت بنزول جبل من فوقه ، فحركتها النزولية ~~حركة عرضية ، كحركة جالس السفينة ، فلا تنافي سكونها الذاتي ، فلا يلزم منه PageV01P247 # سكون الجبل ، كذا أفاد أستاذنا ، دام ظله. # وبه تندفع كثير من الشبهات في هذا الباب. ### ||| * أصل # قد سبق أن الجهات بالطبع ، إما فوق ، وهو المحيط ، وإما تحت ، وهو المركز ~~، فالميل الطبيعي إما يتوخى الفوق ، وهو الخفة ، وتختص بالنار والهواء وما ~~غلبا ، أو أحدهما ، عليه من المركبات. وإما يتوخى السفل ، وهو الثقل ، ~~ويختص بالأرض والماء ، وما غلبا ، أو أحدهما عليه ، وما تقتضيه النفوس ~~النباتية والحيوانية يكون كحركاتها وجهات حركاتها. # وأما الميل الذي في الحركة الوضعية المستديرة فلا يجوز أن يكون طبيعيا ؛ ~~لأن الميل الطبيعي هرب عن حالة منافرة لطلب حالة ملائمة ، فلا جرم إذا وصل ~~المتحرك إلى تلك الحالة الملائمة استقر ، واستحال أن يعود بالطبع إلى ما ~~فارقه ، وما من حالة في الاستدارة إلا ويعود إليها المتحرك ، بل توجهه عنها ~~هو بعينه توجه إليها ، وهو زائد حايد ، فلا يكون ذلك بالطبع. # وأيضا فالطبيعة المحضة ليست مقاصدها وميولها إلا بحسب ما يليق بأحوال ~~الجسم بما هو جسم ، وهو من باب المقادير والجهات والأمكنة والأحياز ، وليس ~~الموافق لحال الجسم المعين بما هو جسم إلا أمر محصور في مكان أو وضع لا ~~يتعداه ، فلا يكون مطلوبه من الأوضاع إلا واحدا ، وكذلك من الأحياز ~~والمقادير ، ولا يكون واحدا بالعموم ولا مختلفا بالأعداد ، فإن ذلك شأن ~~الوجود العقلي ، أو النفسي ، ليس إلا ، كذا أفاد أستاذنا ، مد ظله. PageV01P248 # وسنبين أن حركات الأفلاك مستديرة ، وضعية ، نفسانية ، فالحركات البسيطة ~~ثلاثة : حركة من المركز ، وحركة إليه ، وحركة عليه ، وفي كل منها ميل بسيط ~~، اثنان مستقيمان طبيعيان ، وواحد مستدير نفساني. PageV01P249 ### | في الزمان والآن ### ||| * ( @QUR@09 ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ### ||| * @QUR@02 ولا يستقدمون ) (1) ### ||| * أصل ms129 # الشيء إذا كان عدمه مع وجود شيء آخر ، فإذا صار موجودا كان ذلك الشيء ~~متقدما عليه باعتبار اقترانه مع عدم هذا الحادث ، ومعه باعتبار اقترانه مع ~~وجوده ، فتقدم الشيء المتقدم ليس باعتبار نفس ذاته ؛ لأن ذاته قد توجد مع ~~ذات المتأخر ، بخلاف قبليته ، كالأب بالقياس إلى الابن ، فإن جوهر الأب قد ~~يوجد مقارنا لجوهرين ، وأما قبليته للابن فلا توجد مع جوهر الابن ، فإذن ~~قبليته زائدة على ذاته. # ولا باعتبار وصف لازم لذاته ، فإنه أيضا باطل ، يظهر بطلانه بما ذكر من ~~أن ذات المتقدم توجد مع زوال وصف التقدم ، وذلك عند كونه مقارنا لوجود ما ~~تقدم عليه ، ولا نفس عدم المتأخر ؛ إذ قد يكون بعد وجوده أيضا ، ولا اعتبار ~~مركب من اعتبار نفس وجود المتقدم ، واعتبار نفس عدم المتأخر ؛ إذ قد تتحقق ~~هذه الهيئة التركيبية بعد ، كما إذا فرضنا وجود الأب مع العدم الحاصل لابنه بعد PageV01P250 # الوجود ، مع أنه ليس بهذا الاعتبار متقدما على ابنه ، بل متأخر عنه ، ولا ~~ذات الفاعل ، فإنه قد يكون قبل ، ومع ، وبعد. # وبالجملة : لا بد لعروض القبلية والبعدية من أمر يكون عروضهما له لذاته ؛ ~~إذ كلصفة يتصف بها شيء أو أشياء لا بالذات ، فلا بد لها أن تنتهي إلى ما ~~يتصف بها بالذات ؛ لاستحالة التسلسل ، ولا يجوز أن يكون المعروض بالذات ~~للقبلية وللبعدية ، أمورا متفاصلة غير منقسمة يقتضي كل منها لذاته سبقا على ~~لاحقه ، ولحوقا بسابقه ؛ إذ لو فرضنا متحركا نقطع بحركته مسافة تكون بين ~~ابتداء حركته وانتهائها قبليات وبعديات متصرمة ومتجددة مطابقة لأجزاء ~~المسافة والحركة ، فإذا تحقق قبليات وبعديات متفرقة متجددة على سبيل ~~الاتصال والانطباق لأجزاء المسافة والحركة ، فيجب أن يكون المعروض بالذات ~~لتلك القبليات والبعديات أمرا لا يزال متصرما ومتجددا على الاتصال ، بحيث ~~يستحيل عليه انفكاك التصرم والتجدد عنه ، ويكون جزء منه لذاته قبل ، وجزء ~~منه لذاته بعد ، ويمتنع لذاته صيرورة القبل منه بعدا ، والبعد منه قبلا ، ~~وهذا هو المعني بالزمان. ### ||| * وصل # وأيضا إذا فرضنا حركة في مسافة معينة بقدر من السرعة والبطؤ ، وأخرى ms130 في ~~تلك المسافة بذلك القدر من السرعة ، فإن توافقتا في الأخذ والترك ، بأن ~~ابتدأتا معا ، وانتهيتا ، فلا محالة يقطعان المسافة معا ، وإن تخالفتا في ~~الأخذ ، فبالضرورة تقطع الثانية أقل من الأولى، وكذا إن توافقتا في الأخذ ~~والترك وكانت إحداهما أبطأ ، فإنها تقطع أقل ، فبين أخذ السريعة الأولى ، ~~وتركها إمكان قطع مسافة معينة بسرعة معينة ، وإمكان قطع مسافة أقل منها ~~ببطؤ معين ، وبين PageV01P251 # أخذ السريعة الثانية وتركها إمكان أقل من الإمكان الأول ، لكونه جزء من ~~ذلك الإمكان ، فهناك أمر مقداري أي قابل للزيادة والنقصان بالذات ، تقع فيه ~~الحركة ، وتتفاوت بتفاوته ؛ ضرورة أن قبول التفاوت ينتهي إلى ما يكون قبوله ~~إياه بالذات ، وهو الذي عبرنا عنه بالإمكان ، وهو متصل واحد ؛ لأنه لو كان ~~منقسما إلى أمور غير منقسمة لأدى ذلك إلى تركب المسافة من الأجزاء التي لا ~~تتجزى ؛ لانطباقه على الحركة المنطبقة على المسافة ، وليس هو نفس شيء من ~~المسافة ، والحركة والسرعة والبطؤ ؛ لأن كل واحدة منها تختلف مع الاتفاق به ~~، وتتفق مع الاختلاف فيه ، وهو غير ثابت ؛ إذ لا توجد أجزاؤه معا ، وإلا ~~لكان إما مقدارا للمسافة ، أو لمادة المتحرك ، وكل منهما باطل ؛ إذ على ~~الأول يلزم كون جميع الحركات الواقعة في مسافة واحدة ، أو مسافات متساوية ، ~~متساوية في ذلك الإمكان ، وليس كذلك. # وعلى الثاني يلزم كون زيادة المادة بزيادته ، ونقصانها بنقصانه ، ويلزم ~~كون الأصغر جسما أسرع حركة ، والأكبر أبطأ ، وإذا ثبت أنه مقدار ، وأنه ~~متصل واحد ، وأنه غير مجتمع الأجزاء ، فليس هو إذن سوى الزمان ؛ إذ هو ~~المعني منه ، فهو إذن موجود. ### ||| * وصل # وهو لقبوله الزيادة والنقصان مع اتصاله الغير القار ، إما مقدار جوهري ~~مادي غير ثابت الذات ، بل متجدد الحقيقة ، أو مقدار تجدده وعدم قراره. # وبالجملة : إما مقدار حركة ، أو ذي حركة يتقدر به من جهة اتصاله ، ويتعدد ~~من جهة انقسامه الوهمي إلى متقدم ومتأخر ، فهذا النحو من الوجود له PageV01P252 # ثبات واتصال ، وله أيضا تجدد وانقضاء ، فكأنه شيء بين صرافة القوة ، ~~ومحوضة الفعل ، فمن جهة وجوده ودوامه يحتاج إلى ms131 فاعل حافظ ، ومن جهة حدوثه ~~وتصرمه يحتاج إلى قابل يقبل إمكانه ، وقوة وجوده ، فلا محالة يكون جسما ، ~~أو جسمانيا. # وأيضا له وحدة اتصالية ، وكثرة تجددية ، فمن جهة كونه أمرا واحدا يجب أن ~~يكون له فاعل واحد ، وقابل واحد ؛ إذ الصفة الواحدة يستحيل أن تكون إلا ~~لموصوف واحد ، من فاعل واحد ، ومن جهة كونه ذا حدوث وتجدد وانقضاء وتصرم ، ~~ففاعله القريب المباشر له يجب أن يكون له تجدد وتصرم ، وكذا قابله يجب أن ~~يكون مما يلحقه أكوان تجددية على نعت الاتصال والوحدة ، ففاعله على الإطلاق ~~لا بد وأن يكون أمرا ذا اعتبارين ، وله جهتان ، جهة وحدة عقلية ، وجهة كثرة ~~تجددية. # فبجهة وحدته يفعل الزمان بهويته الاتصالية ، ونسبته إلى أجزائه المتقدمة ~~والمتأخرة نسبة واحدة ، ويفعله وما معه فعلا واحدا ، وهو علة حدوثه وعلة ~~بقائه معا ؛ إذ الشيء التدريجي الغير القار بقاؤه عين حدوثه. # وبجهة تجدده ينفعل تارة عنه ، ويفعل أخرى ، بحسب هويات أبعاضه المخصوصة ، ~~كذا أفاد أستاذنا (1). PageV01P253 ### ||| * وصل # وإذ هو شيء واحد متصل ليس فيه حدود بالفعل ، فالحركة المتقدرة به الحافظة ~~له يجب أن تكون مثله في الاتصال الوحداني ، فما هي بالحركات المستقيمة ~~الأينية ، ولا الكمية ، ولا الكيفية ؛ لأنها متوجهة إلى غاية ما ، ثم راجعة ~~عنها ، لتناهي الأبعاد المكانية ، واستلزام الكمية والكيفية للأينية ، فلا ~~يتصل شيء منها بعضها ببعض ، بحيث يصير المجموع حركة واحدة ، فهي لا محالة ~~متكثرة غير وحدانية ، ويجب أيضا أن تكون أسرع الحركات وأظهرها فعلية ؛ لأن ~~الزمان المستحفظة بها أظهر المقادير آنية ، وأوسعها إحاطة ؛ ولأنه كمية ~~سائر الحركات وعددها ومقدارها ، المضبوطة هي به ، وما يكال به سائر الأشياء ~~المكيلة ويعد ينبغي أن يكون أقل كمية ، وأكثر كيفية ومعنى ، وأقربها إلى ~~الوحدة والانضباط ، وأبعدها من عروض التكثر ، والانتشار. # فهي إذن إما الحركة المستديرة الوضعية التي لا يكون في المستديرات أسرع ~~منها ، وهي الحركة اليومية ، التي بها تتقوم الأيام والساعات والشهور ~~والسنوات ، وبمقدار ما يقول أحد واحد يقطع المتحرك بها خمسة آلاف ومائة ~~وستة وتسعين ميلا من محدب الفلك الثامن ، كما ms132 ورد في الحديث. # وإما الحركة في الطبائع الجوهرية ، التي ليس في الوجود أسرع منها ، ومن ~~فرط سرعتها لا ينالها الحس ، سيما طبيعة الجرم الأعلى المحيط بالأجرام كلها ~~، من حيث إنه موجود واحد بما فيه مجدد للجهات والأمكنة كلها ، لكن الحركة ~~الوضعية اليومية من توابع الحركة الجوهرية ، وفروعها ، لما تقرر أن الحركة ~~في العرض فرع الحركة في الجوهر ، فتعين الحركة الجوهرية التي للطبائع لذلك. PageV01P254 # وأيضا فإنا بينا أن الطبيعة ذات جهتين : جهة وحدة عقلية ثابتة ، وجهة ~~كثرة تجددية زائلة ، وأنها مشتملة على مادة شأنها القبول. # وبالجملة : لها كل ما لا بد منه في فاعل الزمان ، وقابله من الصفات التي ~~ذكرناها ، فإذا ثبت أن الزمان لا بد له من محل وحافظ على الصفات المذكورة ، ~~وثبت أن الطبائع الجوهرية كذلك ، وليس شيء آخر بهذه المثابة إلا بتبعيتها ، ~~فليكن هو هي ، فالحركة الحافظة للزمان إذن هي الحركة في الطبائع الجوهرية ، ~~التي ثبتت لها بالذات ، وهي الكون والفساد اللذين لها عن العدم ، وإليه. # ومن هنا قيل : الزمان هو مقدار الوجود مطلقا ، والمراد وجود الطبائع ؛ إذ ~~هي المفتقرة إلى المقدار ، وهي وإن كانت لجميع الأجسام والأنفس ، إلا أن ~~القائمة منها بالجرم الأعلى المحيط من حيث اشتماله على الكل هي الأحرى بأن ~~يستحفظ بها الزمان ؛ لأنه المتقدم على الكل ، وهو بما فيه كموجود واحد ، له ~~نفس واحد ، وعقل واحد ، كما سيتبين في محله ؛ ولأن الطبائع العنصرية لا ~~تخلو عن التضاد والتفاسد ، بسيطة كانت أو مركبة ، فليس في واحد منها دوام ~~اتصالي ، والمجتمع من الحركات المنقطعة بوجود الأشخاص المتعاقبة على الدوام ~~لا يكفي في تحديد الزمان ؛ لأنه مقدار متصل لا حدود فيه ، فمحدد الجهات ~~والأمكنة هو بعينه محدد المدد والأزمنة ، على النحو المذكور. ### ||| * وصل # فالزمان هو مقدار الطبيعة ، من جهة تقدمها وتأخرها الذاتيين ، كما أن ~~الثخن مقدارها من جهة قبولها الأبعاد الثلاثة ، فللطبيعة امتدادان : أحدهما ~~تدريجي زماني ، يقبل الانقسام الوهمي إلى متقدم ومتأخر زمانيين ، والآخر PageV01P255 # دفعي مكاني ، يقبل الانقسام إلى متقدم ومتأخر مكانيين. # وليس اتصال الزمان غير اتصال ms133 الطبيعة من جهة الانقضاء والتجدد ، أعني ~~الحركة ، كما ليس اتصال الثخن غير اتصالها من جهة الامتداد المكاني ، أعني ~~كونها ذات أبعاد ، بل هاهنا شيء واحد من حيث هويته الاتصالية الغير القارة ~~، يسمى حركة ، ومن حيث تعينه المقداري يسمى زمانا ، كما أن هناك شيئا واحدا ~~يتعدد بالاعتبار. # فحال الزمان مع الصورة الطبيعية ذات الامتداد الزماني ، كحال الثخن مع ~~الصورة الجرمية ذات الامتداد المكاني. ### ||| * أصل # قد دريت أن الجسم والجسماني لا يكون علة فاعلية لشيء ، وأن علة الشيء لا ~~بد وأن تكون غير متعلقة الذات والوجود بذلك الشيء ، ففاعل الزمان والحركة ~~إذن منزه عن الزمان والحركة ، فليس تقدمه عليهما تقدما زمانيا ، ولا هو في ~~طرف هذه السلسلة أصلا ، بل هو خارج عنها ، نسبته إلى جميع أجزائها نسبة واحدة. # وكذلك حكم مجموع العالم ، بما هو مجموع ، فإنه لا زمان له أصلا ؛ لأنه ~~إذا أخذنا في العالم من الأزمنة والزمانيات كلها بما هو شيء واحد ، مسمى ~~باسم واحد ، فلم يبق شيء خارجا منه حتى يكون زمانا للمجموع ، وإلا لم يكن ~~المجموع مجموعا على قياس ما يأتي في المكان بعينه. # وكما أن الحركة على قسمين : إحداهما متصلة ، كحركة الطبائع والأفلاك PageV01P256 # وما فيها ، والأخرى منفصلة ، كحركات العناصر وما منها التي لها ابتداء ~~زماني وانتهاء زماني. # فكذلك الزمان أيضا على قسمين بوجه : أحدهما الزمان المتصل ، وهو مقدار ~~حركة العالم ، من الأيام والليالي والشهور والسنين والقرون ، والثاني ~~الزمان المنقطع ، كزمان نمو النبات ، وبلوغ الحيوان ، أو فصول السنة. # فكما أن عمر الشخص ومدة تكونه لا يمكن أن يكون متحققا قبله ، فكذلك عمر ~~العالم ، ومدة تكونه لا يمكن أن يكون حاصلا قبله ، وستتضح هذه المباحث مزيد ~~اتضاح في مباحث حدوث العالم ، إن شاء الله. ### ||| * فصل # وأما الآن ، فله معنيان : # أحدهما : ما يتفرع على الزمان ، وهو أطرافه ، ونهاياته الغير المنقسمة ، ~~المفروضة فيه ، وهو فاصل للزمان باعتبار ، وواصل له باعتبار آخر. # أما كونه فاصلا ؛ فلأنه يفصل الماضي عن المستقبل ، وهو بهذا الاعتبار ~~واحد بالذات ، اثنان بالاعتبار ، فإن مفهوم كونه نهاية للماضي غير ms134 مفهوم ~~كونه بداية للمستقبل. # وأما كونه واصلا ؛ فلأنه حد مشترك بين الماضي والمستقبل ، ولأجله يكون ~~الماضي متصلا بالمستقبل ، وهو بهذا الاعتبار واحد بالذات والاعتبار جميعا ؛ ~~لأنه باعتبار واحد يكون مشتركا بين القسمين ؛ لأنه جهة اشتراكهما ، وقد مضى ~~كيفية حدوث الآن بهذا المعنى ، وكيفية عدمه ، في مباحث القديم PageV01P257 # والحادث. # والمعنى الثاني : ما يتفرع عليه الزمان ، وهو الذي يفعل الزمان المتصل ~~بسيلانه ، ويقال له : الآن السيال ، وقد سبق تحقيق وجوده في مباحث الحركة ، ~~وكذا تحقيق الفرق بينه وبين المعنى الأول ، وأن اعتبار الآن في ذاته غير ~~اعتبار كونه فاعلا بحركته وسيلانه للزمان ، كالنقطة بالنسبة إلى الخط ، ~~والحركة التوسطية بالإضافة إلى الأكوان الدفعية والوصولات الآنية. PageV01P258 ### | في المكان والحيز ### ||| * ( @QUR@04 ولقد مكناكم في الأرض ) (1) ### ||| * أصل # كل جسم نسب إلى مكان بأنه فيه يكون مكانه غيره ، وغير أجزائه ، ويصح ~~انتقاله منه بالكلية ، أو بتبدل أجزائه بالنسبة إلى أجزائه إن لم ينتقل. # ويصح حصول جسمين في واحد منه على سبيل البدل ، ولا ينتقل بانتقال الجسم ، ~~ولا تحصل معه مباينة بحسب الوضع فيه ، بل هو بجملته مساو له. # فهذه أمارات المكان وخواصه ، وهو لا يجوز أن يكون أمرا غير منقسم ، ولا ~~أن يكون منقسما في جهة واحدة فقط ؛ لاستحالة حصول الجسم في النقطة ، أو ~~الخط ، فهو إما منقسم في جهتين ، فيكون سطحا ، أو في الجهات ، فيكون بعدا ، ~~وإذا كان سطحا لا يجوز أن يكون حالا في المتمكن ، وإلا لانتقل بانتقاله ، ~~بل فيما يحويه. # ولا بد أن يكون مماسا للمتمكن حاويا له من جميع الجوانب ، وإلا لم يكن ~~مالئا له. PageV01P259 # وإذا كان بعدا لم يجز أن يكون عرضا ؛ لتوارد المتمكنات عليه ، ولا ماديا ~~، وإلا يلزم تداخل الجواهر المادية. # فهو إما السطح الباطن من الجسم الحاوي ، المماس للسطح الظاهر من الجسم ~~المحوي ، وإما البعد المجرد المنطبق على مقدار الجسم بكليته ، ولا استبعاد ~~في وجود البعد المجرد بعد التصديق بوجود الصور الخيالية والمنامية المعلومة ~~بالضرورة ، وأن في الوجود عالما مقداريا محيطا بهذا العالم ، لا كإحاطة ~~الحاوي للمحوي ، بل كإحاطة الطبيعة للجسم ms135 ، والروح للبدن ، كما مرت الإشارة ~~إليه ، وسيأتي البرهان عليه ، غاية الأمر أن ذلك مما ليس بقابل للإشارة ~~الحسية ، والمكان قابل لها بتبعية المتمكن ، ويتعين بتعينه ، ولا ضير في ذلك. # وأما حديث امتناع التداخل فقد عرفت أن ذلك مختص بالماديات. # وأيضا فإذا توهمنا خروج الماء من الإناء مثلا وعدم دخول الهواء فيه يلزم ~~أن يكون البعد الثابت بين أطراف الإناء موجودا. # وأيضا فإن كون الجسم في المكان ليس بسطحه فقط ، بل وبحجمه ، فيكون كالجسم ~~ذا أقطار ثلاثة ، فهو إذن ليس إلا البعد. ### ||| * أصل # كل جسم فله حيز طبيعي من ربه ، يطلبه عند الخروج عنه بأقرب الطرق ؛ لأنا ~~إذا لا حظنا الجسم وقطعنا النظر عن تأثيرات الأمور الخارجة عن ذاته لكان في ~~حيز معين لا محالة ، وإذ لا قاسر فهو إنما يستوجبه لذاته وطبيعته المستفادة ~~من ربه. PageV01P260 # ونعني بالحيز المكان ، لكن لا بما هو مكان ، بل بما هو في جهة مخصوصة ، ~~وله وضع مخصوص ، من الجسم المحدد للجهات ، مع ترتيب بين أجزاء العالم ، فإن ~~المكان بما هو مكان ليس طبيعيا لجسم من الأجسام أصلا ، سواء كان بعدا مجردا ~~، أو سطحا. # أما على الأول ؛ فلتشابه أجزائه في الهيئة والحقيقة ، كما يشهد به النظر ~~الصحيح ، فلا اختصاص لبعض أجزائه بكونه طبيعيا لبعض الأجسام ، دون بعض. # وأما على الثاني ؛ فلأنه يلزم أن تسكن الأرض بطبعها لو فرضت فيما بين ~~الماء في أي موضع كان ، سواء انطبق مركز ثقلها على مركز العالم ، أم لا ، ~~وأن تتحرك الأرض بطبعها لو فرضت في وسط العالم غير محاطة بالماء ، ~~واللازمان ، كلاهما ظاهر البطلان ، فكذا الملزوم ، فالمطلوب بالطبع للأجسام ~~إنما هو الوضع والجهة ، والمكان مطلوب بالعرض. # فالأرض مثلا تطلب مكانها الذي هي فيه ؛ لأنه تحت جميع الأمكنة ، والماء ~~يطلب أن يكون محيطا بالأرض بكليته ، بشرط أن تكون الأرض على مركز العالم. ### ||| * وصل # الحيز الذي يقتضيه الجسم بطبعه ويكون فيه عند عدم القواسر ، يكون واحدا ~~لا محالة ؛ لاستحالة كون الجسم الواحد في المكانين ، فالحيز الطبيعي لكل ~~جسم واحد. # وأيضا كل جسم ms136 له طبيعة واحدة ، وهو ظاهر. والطبيعة الواحدة لا تقتضي PageV01P261 # شيئا مختلفا. # وأيضا لو كان لجسم واحد حيزان طبيعيان ، فإذا حصل في أحدهما ، فإما أن ~~يطلب الآخر ، أو لا ، فإن طلبه لم يكن ما حصل فيه طبيعيا ؛ لأنه يهرب منه. ~~وإن لم يطلبه لم يكن هو طبيعيا ؛ لأن الحيز الطبيعي ما يطلبه الجسم عند ~~الخروج منه. ### ||| * وصل # وكذلك الحيز الواحد لا تقتضيه طبيعتان مختلفتان نوعا ؛ وذلك لأن اقتضاء ~~الطبيعة لحيز ما إنما هو بواسطة ما اقتضتها من لوازمها الخاصة ، كالحرارة ~~للنار ، والبرودة للأرض. # فعلى هذا إن اقتضت طبيعة أخرى ذلك الحيز بعينه ، فإما أن يشاركها في تلك ~~اللوازم ، فلا مخالفة بينهما بحسب الحقيقة ، بل هما فردان من نوع واحد ، ~~وإلا فالثانية غير مقتضية لذلك الحيز ؛ لعدم اقترانها باللوحق الذاتية التي ~~لها دخل في اقتضاء ذلك الحيز. ### ||| * وصل # لما كانت طبيعة الأجزاء هي بعينها طبيعة الكل ، فكما أن الطبيعة في الكل ~~تقتضي أن تكون على وضع خاص بالنسبة إلى المحدد المحيط ، فطبيعة الجزء في ~~مادته تقتضي ذلك من غير تفاوت ، فتتحرك إلى تلك الجهة والحيز ، ويكون ميله ~~الطبيعي إلى جانب كله ، وإلى حيزه ، فإذا وجد بينه وبين كل جسم غريب PageV01P262 # شقه وخرقه إن أمكنه حتى اتصل بكله على وجه يكون حيزه حيز كله ، فإذا اتصل ~~بكله أو بقطعة أخرى من نوعه استهلكا بتعينهما وتشخصهما ، وحصل من المجموع ~~أمر آخر له تعين منفرد ، وكان المطلب واقتضاء الحيز له من غير أن يكون ~~لأجزائه طلب مستقل ، فإن أفراد الطبيعة الواحدة شديدة الالتئام ، بحيث يتصل ~~بعضها ببعض ، ويصير المجموع أمرا واحدا ، ويفنى كل منهما ، ويستهلك. ### ||| * وصل # ولا يجوز أن تكون حركة الجزء إلى مكان الكل بالقسر ، إما بجذب مما يتحرك ~~إليه ، أو بدفع مما يتحرك منه ، لا بالطبع ؛ وذلك لأن الكبير من أجزاء ~~العناصر يتحرك إلى أمكنتها أسرع من الصغير ، كما يشهد به الوجود. # ولو كانت حركته بالقسر لكانت أبطأ ؛ لأن الأكبر يكون أشد ميلا ، وأقل ~~مطاوعة للقاسر. ### ||| * وصل # وكما لا يكون لجزء البسيط مكان ms137 إلا بعد حصول الجزئية والقسمة لذلك البسيط ~~، بل موقع التجزئة في المتمكن هو موقع التجزئة في المكان ، فمكان الجزء ليس ~~أمرا خارجا عن مكان الكل ، فلذلك لا يكون للمركب مكان إلا بعد حصول التركيب ~~، والتركيب أمر يعرض بعد الإبداع ، ولو بعدية بالطبع. # فلو كان للمركب مكان حالة الإبداع يلزم وجود الخلاء قبل التركيب ثمة ، ~~ولو قبلية بالطبع ، ومن اقتضائه الحصول فيه ، يلزم وجود الخلاء بعد التركيب هاهنا. PageV01P263 # ثم إن التركيب حيث لا يقتضي زيادة في التجسم فلا احتياج بسببه إلى مكان ~~زائد على ما كان للبسائط ، فأمكنة المركبات هي أمكنة البسائط بعينها ، وكما ~~أن حيز البسيط واحد لا غير ، فكذلك المركب حيزه ليس إلا واحدا ؛ لأن حيزه ~~ما يقتضيه الغالب من أجزائه إن كان فيه غالب ميلا (1)، إما مطلقا ، أو ~~بحسب جهة الحيز ، أو بحسب فعل صورته النوعية المناسب لفعل الغالب من أجزائه ~~، أو ما اتفق وجود فيه إذا تساوت الميول فيه ، وتجاذبت إن أمكن وجود مثل ~~هذا الجسم. ### ||| * أصل # إذا ثبت أن الحيز هو المكان من حيث الجهة المخصوصة والوضع المخصوص ، فما ~~لا وضع له ولا جهة بالنسبة إلى شيء ما لا خلاء ولا ملاء ، فلا حيز له. # وقد دريت أن الأبعاد والجهات متناهية ، فإذا أخذ مجموع ما في العالم من ~~الأحياز والمتحيزات كلها بما هي شيء واحد مسمى باسم واحد ، فلم يبق شيء ~~خارجا منه ، خروجا وضعيا حتى يكون حيزا للمجموع ، أو يكون للمجموع وضع وجهة ~~بالنسبة إليه ، وإلا لم يكن المجموع مجموعا ، فلا حيز للعالم جميعا ، كما ~~لا زمان له جميعا. # وكما لا عدد لجميع الأعداد والمعدودات من جنسها ؛ وذلك لأنها إذا فرضها ~~الذهن بحيث لا يشذ عنها عدد ولا معدود ، لا يكون بهذا الاعتبار PageV01P264 # مقسوما أبدا ، ولا عادا ، ولا معدودا ، فكذلك حكم مجموع الأجسام والكميات ~~المتحيزة إذا أخذت بأجمعها كأنها شيء واحد ، فلا يخرج عنه جسم ، ولا مقدار ~~، فلم يكن منقسما بوجه من الوجوه ، فيكون حكمه حكم النقطة ، بل أرفع منها ~~عن التحيز ؛ لكونها ذات وضع ms138 بوجه ، بخلافه. # ومن هنا يظهر أن الدار الآخرة ليست من جنس هذه الدار ، بل لها نشأة ثانية ~~داخل حجب السماوات والأرض ، كما يأتي تحقيقها. PageV01P265 ### | في أصول النشآت ، وكيفية نشوء الآخرة ### ||| * من الأولى ووجوه الفرق بينهما ### ||| * ( @QUR@09 أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ### ||| * @QUR@011 من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث ### ||| * @QUR@02 بعده يؤمنون ) (1) ### ||| * أصل # العوالم كثيرة ، لا يعلم عددها إلا رب العالمين ، وأصولها ترجع إلى نشآت ثلاث : # عقلية روحانية ، تسمى بعالم الغيب والجبروت ، وأصحابها السابقون ( ~~@QUR@05 أولئك المقربون* في جنات النعيم ) (2). # وخيالية مثالية ، تسمى بعالم البرزخ والملكوت ، وأصحابها أصحاب اليمين ( ~~@QUR@05 في سدر مخضود* وطلح منضود ) (3). # وحسية جسمانية ، تسمى بعالم الشهادة والملك ، وأصحابها أصحاب PageV01P266 # الشمال ( @QUR@06 في سموم وحميم* وظل من يحموم ) (1)، وهؤلاء إنما ~~يتعذبون في دار أخرى هي من جنس النشأتين الأوليين ، خلقت بالعرض لا بالذات ~~، كما يأتي تحقيقه. بخلاف الأولين فإن السابقين يتنعمون أينما كانوا ، ~~وأصحاب اليمين يتنعمون في دارهم المختصة بهم. # وقد يطلق الغيب والملكوت على ما يشمل الأوليين ، والجبروت على صفات الله ~~وأسمائه ، ويقيد الملكوت بالأعلى والأسفل. # ولنفصل هذا الإجمال تفصيلا بليغا ، ثم لنبرهن على النشآت ، ومن الله ~~التأييد. ### ||| * وصل # أما النشأة العقلية فهي نشأة الحياة الحقيقية ، والبقاء الأبدي ، والخير ~~المحض ، والنور الصرف ، والظهور التام ، والإدراك البحت ، أهلها كلهم علماء ~~حضور بعضهم لدى بعض ( @QUR@06 في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) (2)، ينظر ~~إليهم ، وينظرون إليه ، بعيون القلب ، وهم الملائكة المقربون ، وأهل ~~السعادة الحقيقية الكاملة ، من الناس ( @QUR@012 الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) (3)، لا غيبة ~~هناك ، ولا فقد أصلا بوجه من الوجوه ، وهي نشأة وحدانية لكل ما له ماهية ~~نوعية ، وفيها ترجع الأشياء كلها PageV01P267 # إلى وجود تام كاملي ، لا كثرة فيه ، ولا تغير ، كما قال الصادق ~~عليه السلام في شأن الأئمة عليهم السلام : «علمنا واحد ، وفضلنا واحد ، ونحن ~~شيء واحد» (1). # وقال : «وكلنا واحد عند الله» (2). # وهذه النشأة لغاية شرفها ونقائها وعلوها وبعدها عن إقليم نفوسنا المتعلقة ~~بالاجرام ، لم يتيسر لنا في ms139 هذا العالم أن نشاهدها مشاهدة تامة نورية ، ~~ونراها رؤية كاملة عقلية ، لا لحجاب بيننا وبينها ، أو منع من جهتها ، بل ~~لقصور نفوسنا وعجزها ، وضعف إدراكها ؛ وذلك لأن الإدراك التام كما دريت لا ~~يحصل إلا باتحاد المدرك بالمدرك ، فما دام لم يحصل لنفوسنا الاتحاد بتلك ~~الموجودات ، فلا جرم إنما نشاهدها مشاهدة ضعيفة ، مثل من أبصر شخصا من بعد ~~، أو في هواء مغبر ، فيحتمل عنده أشياء كثيرة ، فكذلك تلك الصور تحتمل ~~عندنا الكلية ، والإبهام ، والاشتراك ، بالنسبة إلى أشخاص هي أفعالها ~~ومعاليلها ، وتتحد معها ضربا من الاتحاد. ### ||| * وصل # وكان إلى هذه النشأة العقلية أشار سيد العابدين عليه السلام حيث قال : إن ~~«في العرش تمثال جميع ما خلق الله ، من (3) البر والبحر ، قال : وهذا تأويل قوله PageV01P268 # تعالى : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) (1)» (2). # وقال بعض المتألهة من الحكماء المتقدمين : من وراء هذا العالم سماء ، ~~وأرض ، وبحر ، وحيوان ، ونبات ، وناس سماويون ، وكل من في ذلك العالم سماوي ~~، وليس هناك شيء أرضي ، والروحانيون الذين هناك ملائمون للإنس الذين هناك ، ~~لا ينفر بعضهم عن بعض ، وكل واحد لا ينافر صاحبه ، ولا يضاده ، بل يستريح ~~إليه (3). # وقال أيضا : الأشياء التي هناك كلها مملوءة غنى ، وحياة كأنها حياة تغلي ~~وتفور ، وجري حياة تلك الأشياء إنما ينبع من عين واحدة ، لا كأنها حرارة ~~واحدة ، أو ريح واحدة فقط ، بل كلها كيفية واحدة ، فيها كل طعم (4). # ونقول إنك تجد في تلك الكيفية الواحدة طعم الحلاوة والشراب ، وسائر ~~الأشياء ذوات الطعوم ، وقواها ، وسائر الأشياء الطيبة الروائح ، وجميع ~~الروائح ، وجميع الألوان الواقعة تحت البصر ، وجميع الأشياء الواقعة تحت ~~اللمس ، وجميع الأشياء الواقعة تحت السمع ، أي اللحون كلها ، وأصناف ~~الإيقاع ، وجميع الأشياء الواقعة تحت الحس ، وهذه كلها موجودة في كيفية ~~واحدة مبسوطة على ما وصفناه ؛ لأن تلك الكيفية حيوانية عقلية ، تسع جميع ~~الكيفيات التي وصفناها ، ولا تضيق عن شيء منها من غير أن يختلط بعضها ببعض ~~، وينفسد بعضها ببعض ، بل كلها فيها محفوظة ، كأن كلا منها قائم على حدة. PageV01P269 # وقال أيضا : إن العالم الأعلى ms140 كلها ضياء ؛ لأنها في الضوء الأعلى ، ولذلك ~~يرى فيها الأشياء كلها في ذات صاحبه ، فصار لذلك كلها في كلها ، والكل في ~~الواحد ، والواحد منها هو الكل (1). # قال : فليس موضع العين مثلا في ذلك الإنسان غير موضع اليد ، ولا مواضع ~~الأعضاء كلها مختلفة ، بل كلها في موضع واحد (2). # إلى غير ذلك من كلماته في وصفها ، وهي كثيرة. ### ||| * وصل # وأما النشأة المثالية ، فهي أيضا ذات حياة وبقاء ، ونورية وإدراك ، إلا ~~أنها دون الأولى في هذه الأحكام ، ووجودها وإن كان مستقلا مجردا عن مادة ~~الجسم ، وكذا جميع مدركاتها مجردة عن المواد الجسمانية ، قائمة بأنفسها ، ~~وبذات فاعلها ، إلا أنها شريكة مع الأجسام في أنها ذات امتدادات وكثرة ~~مقدارية ، وإن لم تكن كثرتها كثرة موجبة للتزاحم في المكان والزمان ، أو ~~قبول القسمة ، أو غيبة بعض الأجزاء عن بعض ، ككثرة الأجسام فهي متوسطة بين ~~النشأتين. # أنظر إلى صورة زيد الحاصلة في ذهنك ، وكل ما تدركه من الصور والأشباح ~~الخيالية ، وكل ما تراه في المنام فإنها كلها من موجودات تلك النشأة ، إلا ~~أن أهلها قسمان : قسم خلقه الله سبحانه على سبيل الإبداع ، أو التكميل بعد PageV01P270 # التكوين ، فهم قائمون بذواتهم ، باقون ببقاء بارئهم ، إما وجوههم ناضرة ، ~~إلى ربها ناظرة ، وهم الملائكة المدبرون في هذا العالم الجسماني ، والسعداء ~~المتوسطون من الإنس والجن ، الذين هم أهل النجاة ، من الزهاد والعباد ، ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لهم هناك جنات تجري من تحتها الأنهار وهم ~~فيها خالدون. وإما وجوههم قترة عليها غبرة ، أولئك هم الكفرة الفجرة ، ~~والشياطين المكرة. # وقسم يصدر عن نفوسنا بإذن الله بإبداعنا إياه في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ، وهو قائم بنفوسنا قيام الفعل بالفاعل ، وإنما يبقى ببقاء توجه ~~النفس والتفاتها إليه ، واستخدامها المتخيلة في تصويره وتثبته ، فإذا أعرض ~~عنه انعدم وزال ؛ وذلك لأن الله سبحانه خلق النفس الإنسانية وأبدعها مثالا ~~لنفسه ذاتا وصفة وفعلا ، مع التفاوت بين المثال والحقيقة ، لتكون معرفتها ~~مرقاة لمعرفته ، فنفخ فيها من روحه ، وجعل ذاتها مجردة عن الأكوان والأحياز ~~والجهات ، وصيرها ذات قدرة ، وعلم ، وإرادة ، وحياة ms141 ، وسمع ، وبصر ، وجعلها ~~ذات مملكة شبيهة بمملكته ، يخلق ما يشاء ويختار ما يريد ، فلها في ذاتها ~~عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة والمادية ، والأفلاك والعناصر ~~والمركبات ، وسائر الخلائق ، إلا أنها لضعفها وبعدها عن ينبوع الوجود ~~بوسائط وتنزلات ، وغلبة أحكام التجسم عليها بصحبة المادة وعلائقها ، لا ~~تترتب على أفعالها وآثارها مادامت في هذه النشأة ما يترتب على الأشياء ~~الخارجية ، بل وجودات آثارها حينئذ كظلال وأشباح للوجودات الخارجية ، وإن ~~كانت الماهية بعينها محفوظة في الوجودين. # نعم من تجرد عن جلباب البشرية ، واتصل بعالم القدس ومحل الكرامة ، وكملت ~~قوته ، فإنه يقدر على إيجاد أمور موجودة في الخارج ، مترتبة عليها الآثار ، ~~ولو كان بعد في هذه النشأة. PageV01P271 # كما قال في الفتوحات المكية : بالوهم يخلق كل إنسان في قوة خياله ما لا ~~وجود له إلا فيها ، وهذا هو الأمر العام لكل إنسان ، والعارف يخلق بالهمة ~~ما يكون له وجود من خارج محل الهمة ، ولكن لا تزال الهمة تحفظه ، ولا يؤدها ~~حفظ ما خلقه ، فمتى طرأ على العارف غفلة عن حفظ ما خلق عدم ذلك المخلوق ، ~~إلا أن يكون العارف قد ضبط جميع الحضرات ، وهو لا يغفل مطلقا (1). ### ||| * وصل # وإلى هذه النشأة المثالية أشير فيما نقل عن الأقدمين أن في الوجود عالما ~~مقداريا غير العالم الحسي ، لا تتناهى عجائبه ، ولا تحصى مدنه ، من جملة ~~تلك المدن جابلقا ، وجابرصا ، وهما مدينتان عظيمتان ، لكل منهما ألف باب ، ~~لا يحصى ما فيهما من الخلائق. # وقال في الفتوحات ، في الباب الثامن الذي يذكر فيه أرض الحقيقة وما فيها ~~من الغرائب والعجائب ، قال : وفي كل نفس يخلق الله فيها عوالم يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون. # وخلق الله من جملة عوالمها عالما على صورنا ، إذا أبصرها العارف يشاهد ~~نفسه فيها. # وقد أشار إلى ذلك عبد الله بن عباس فيما روي عنه في حديث : هذه الكعبة ~~وإنها بيت واحد من أربعة عشر بيتا ، وإن في كل أرض من الأرضين السبع PageV01P272 # خلقا مثلنا ، حتى إن فيهم ابن عباس مثلي. وصدقت هذه الرواية عند ms142 أهل الكشف. # قال : وكل ما فيها حي ناطق ، وهي باقية لا تفنى ، ولا تتبدل ، وإذا دخلها ~~العارفون إنما يدخلون بأرواحهم ، لا بأجسامهم ، فيتركون هياكلهم في هذه ~~الأرض الدنيا ، ويتجردون. وفيها مدائن لا تحصى ، بعضها يسمى مدائن النور ، ~~لا يدخلها من العارفين إلا كل مصطفى مختار. # قال : وكل حديث وآية وردت عندنا فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على ~~ظاهرها في هذه الأرض ، وكل جسد يتشكل فيه الروحاني من ملك وجن ، وكل صورة ~~يرى الإنسان فيها نفسه في النوم ، فمن أجساد هذه الأرض (1). ### ||| * وصل # روى محمد بن الحسن الصفار رحمه الله في كتاب بصائر الدرجات ، بإسناده عن ~~هشام الجواليقي ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : إن الله مدينة خلف ~~البحر ، سعتها مسيرة أربعين يوما للشمس ، فيها قوم لم يعصوا الله قط ، ولا ~~يعرفون إبليس ، ولا يعلمون خلق إبليس ، نلقاهم في كل حين فيسألونا عما ~~يحتاجون إليه ، ويسألون الدعاء فنعلمهم ، ويسألونا عن قائمنا متى يظهر ، ~~وفيهم عبادة واجتهاد شديد. # لمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ ، لهم تقديس ~~واجتهاد شديد ، لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم. يصلي الرجل منهم شهرا لا يرفع ~~رأسه من سجوده ، طعامهم التسبيح ، ولباسهم الورع ، ووجوههم مشرقة بالنور ، PageV01P273 # إذا رأوا منا واحدا تحيوه واجتمعوا إليه ، وأخذوا من أثره من الأرض ~~يتبركون به ، لهم دوي إذا صلوا أشد من دوي الريح العاصف ، فيهم جماعة لم ~~يضعوا السلاح منذ كانوا ، ينتظرون قائمنا ، يدعون الله أن يريهم إياه ، ~~وعمر أحدهم ألف سنة ، إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة ، وطلب ما يقربهم ~~إليه ، إذا احتبسنا ظنوا أن ذلك من سخط ، يتعاهدون أوقاتنا التي نأتيهم ~~فيها ، لا يسأمون ، ولا يفترون ، يتلون كتاب الله كما علمناهم ، وإن فيما ~~نعلمهم ما لو تلي على الناس لكفروا به ، ولأنكروه ، يسألوننا عن الشيء إذا ~~ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه ، فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما ~~يسمعون منا ، وسألوا الله لنا طول البقاء ، وأن لا يفقدونا ، ويعلمون أن ~~المنة من الله عليهم فيما نعلمهم عظيمة ، ولهم خرجة مع ms143 الإمام إذا قاموا ~~يسبقون فيها أصحاب السلاح منهم ، ويدعون الله أن يجعلهم ممن ينتصر به لدينه. # فيهم كهول وشبان إذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم ~~حتى يأمره. لهم طريق هم أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الإمام ، فإذا أمرهم ~~الإمام بأمر قاموا عليه أبدا حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره. لو أنهم وردوا ~~على ما بين المشرق والمغرب من الخلق لأفنوهم في ساعة واحدة ، لا يختل ~~الحديد فيهم ، ولهم سيوف من حديد غير هذا الحديد ، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلا ~~لقده حتى يفصله ، يغزو بهم الإمام الهند ، والديلم ، والكرك ، والترك ، ~~والروم ، وبربر ، وما بين جابرسا إلى جابلقا ، وهما مدينتان ، واحدة ~~بالمشرق وأخرى بالمغرب ، لا يأتون على أهل دين إلا دعوهم إلى الله وإلى ~~الإسلام وإلى الإقرار بمحمد صلى الله عليه وآله ، ومن لم يقر بالإسلام ولم ~~يسلم قتلوه ، حتى لا يبقى بين PageV01P274 # المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلا أقر (1). # وبإسناده عن الحسن بن علي عليه السلام ، قال : إن لله مدينتين ، إحداهما ~~بالمشرق ، والأخرى بالمغرب ، عليهما سور من حديد ، وعلى كل مدينة منهما ~~سبعون ألف ألف مصراع من ذهب ، وفيها سبعون ألف ألف لغة ، يتكلم كل لغة ~~بخلاف لغة صاحبه ، وأنا أعرف جميع اللغات ، وما فيهما وما بينهما ، وما ~~عليهما حجة غيري ، وغير الحسين أخي (2). # وبإسناده عن أبي عبد الله ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أمير ~~المؤمنين عليهم السلام ، قال : إن لله بلدة خلف المغرب ، يقال لها : جابلقا ~~، وفي جابلقا سبعون ألف أمة ، ليس منها أمة إلا مثل هذه الأمة ، فما عصوا ~~الله طرفة عين ، فما يعملون من عمل ولا يقولون قولا إلا الدعاء على الأولين ~~، والبراءة منهما ، والولاية لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله (3). # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : إن من وراء أرضكم هذه أرضا ~~بيضاء ، ضوؤها منها ، فيها خلق يعبدون الله لا يشركون به شيئا ، يتبرأون من ~~فلان وفلان (4). # وبإسناده عن أبي جعفر عليه ms144 السلام ، قال : إن الله خلق جبلا محيطا بالدنيا ~~من زبرجد خضر ، وإنما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل ، وخلق خلفه (5) خلقا PageV01P275 # لم يفترض عليهم شيئا مما افترض على خلقه من صلاة ، وزكاة ، وكلهم يلعن ~~رجلين من هذه الأمة ، وسماهما (1). # وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : إن من وراء عين شمسكم هذه ~~أربعين عين شمس ، فيها خلق كثير ، وإن من وراء قمركم أربعين قمرا ، فيها ~~خلق كثير ، لا يدرون أن الله خلق آدم أم لم يخلقه ، ألهموا (2) إلهاما لعنة ~~فلان وفلان (3). # وروى محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله في كتاب الكافي ، بإسناده عن أبي ~~حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : قال لي ليلة وأنا عنده ، ~~ونظر إلى السماء ، فقال : يا با حمزة ، هذه قبة أبينا آدم عليه السلام ، وإن ~~لله تعالى سواها تسعا وثلاثين قبة ، فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين (4). # وأمثال هذه الروايات كثير جدا ، وكلها إشارة إلى موجودات النشأة المثالية ~~، فيما أحسب ، ويشبه أن يكون تثنية المدينتين الشرقي والغربي المسماتين ~~بجابرسا وجابلقا ، إشارة إلى ما تقدم من هذه النشأة على النشأة الدنياوية ، ~~وما يتأخر منها عليها ، كما يأتي بيان القسمين ، إن شاء الله. # وإنما وصفها بالبيضاء حيث سماها أرضا ؛ فلأن نورها ذاتي ، كما وصفها ~~بقوله : ضوؤها منها ، بخلاف هذه الأرض ، ووصفها بالخضرة حيث سماها جبلا ؛ ~~لأن الخضرة برزخ بين البياض والسواد ، كما أنها برزخ بين الأرواح النورية ~~والأجساد الظلمانية. PageV01P276 # وكلمات العارفين المكاشفين في وصف هذه النشأة أكثر من أن تحصى ، وناهيك ~~بما في الباب الثامن من الفتوحات المكية في ذلك (1)، فإن فيه لبلاغا. # ولعل الرجعة التي تكون في زمن القائم عليه السلام كما ورد من أهل البيت ~~عليهم السلام في أخبار كثيرة إنما تكون لأشخاص من هذا العالم ، تشاهد في ~~الحس الظاهر ، والعلم عند الله. ### ||| * وصل # وأما النشأة الحسية ، فهي نشأة الموت ، والفناء ، والفقد ، والظلمة ، ~~والجهل ، وهي مركبة من مادة وصورة سائلتين زائلتين ، دائمتي التغير ~~والتفرقة والانقسام ، لا يتعلق بها شعور ، ولا إشعار إلا ms145 بتبعية النشأتين ~~الأخريين ، وإنما يظهر للحس بتوسط الأعراض ، وذلك أيضا من حيث وحدتها ~~الاتصالية. # وأما من حيث كثرتها المقدارية المتجزية عند فرض القسمة فكل من أجزائها ~~معدوم عن الآخر ، مفقود عنه ، فالكل غائب عن الكل ، معدوم عنه. # وكذا كل ما تعلق بها من حيث هو متعلق بها ؛ وذلك لأنها مادية ، والمادية ~~مصحوبة بالعدم والظلمة ، بل هو جوهر مظلم ، وهي أول ما ظهر من الظلام ، ~~لكونها بالقوة في ذاتها ، وبما لها في أصلها من عالم النور قبلت جميع الصور ~~النورية ، للمناسبة ، فانتفت ظلمتها بنور صورها ، فالصور أظهرتها ، فكل ما ~~وجد فيها قلت نوريته ، وضعفت الوجودية فيه ، وخفيت ، فاحتيج في إدراكه إلى ~~مصادفته مجردا عن المادة حتى خلص الوجود عن العدم ، فظهر ظهورا مطلقا. PageV01P277 # فهذه النشأة مشوبة بالظلمة ، مخلوطة بالعدم ، فهي أخس النشآت وأضعفها ، ~~ولضعفها احتاجت إلى مهد المكان ، وظئر الزمان ، وأهلها الذين هم أهلها ~~أشقياء الإنس والجن ، وسائر الحيوانات ، والنباتات ، والجمادات ، من ~~البسائط والمركبات المحسوسة في هذا العالم الأدنى ، الذين لا يكلمهم الله ، ~~ولا ينظر إليهم أبدا ، كما ورد في الحديث القدسي : «ما نظرت إلى الأجسام مذ ~~خلقتها» (1). # والأشقياء وإن كانوا في النشأة المتوسطة أيضا بأبدانهم ، ولكنهم ليسوا من ~~أهلها ؛ لعدم شوقهم إليها ، وتعلقهم بها ، بل إنما تعلقهم وركونهم وشوقهم ~~بهذه النشأة الأدنى الأرذل ؛ لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، ~~فإذا فارقوها عذبوا بفراقها ، وهذا بخلاف السعداء فإنهم وإن كانوا في ~~النشأة الفانية أيضا بأبدانهم ، ولكنهم ليسوا من أهلها ؛ لعدم تعلقهم بها ، ~~وركونهم إليها ، بل إنما شوقهم وحنينهم إلى النشأة الأخرى ، ولهذا نعموا ~~بالوصول إليها ، ومفارقة هذا الأدنى. # ومن هنا ورد في الحديث : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (2)، وتصديق ~~هذا ما روي في نهج البلاغة ، من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، في وصف ~~الزهاد : «كانوا قوما من أهل الدنيا ، وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ~~ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلب أبدانهم ~~بين ظهراني أهل الآخرة ، ويرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشد ~~إعظاما لموت ms146 قلوب أحيائهم» (3). PageV01P278 ### ||| * وصل # وإلى هذه النشأة الفانية أشار أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث قال : ~~«إنها حلوة خضرة حفت بالشهوات ، وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلت ~~بالآمال ، وتزينت بالغرور ، لا تدوم حبرتها ، ولا تؤمن فجعتها ، غرراة ، ~~ضرارة ، حائلة ، زائلة ، نافدة ، بائدة ، أكالة ، غوالة ، لا تعدو إذا ~~تناهت إلى أمنية أهل الأرض والرغبة بها (1)، أن تكون كما قال الله عز وجل : ~~( @QUR@012 كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح ) (2)» (3). # وقال عليه السلام : «رنق مشربها ، ردع مشرعها ، يونق منظرها ، ويوبق ~~مخبرها ، غرور حائل ، وضوء آفل ، وظل زائل ، وسناد مائل» (4). # وقال عليه السلام : «أقرب دار من سخط الله ، وأبعدها من رضوان الله» (5). # إلى غير ذلك مما ورد في كلامه ، وكلام غيره من الأولياء عليه و ~~عليهم السلام ، وفي القرآن المجيد في غير موضع ( @QUR@06 وما الحياة الدنيا ~~إلا متاع الغرور ) (6). PageV01P279 ### ||| * وصل # وهذه النشآت الثلاث متطابقة ، مترتبة في الصدور ، بمعنى أن كل موجود في ~~هذه النشأة الدنيا من الجواهر والأعراض حتى الحركات والسكنات والهيئات ~~والطعوم والروائح ، فله صورة في النشأة الوسطى ، متقدمة عليه في الوجود ، ~~وله حقيقة في النشأة العليا ، متقدمة على كلتيهما ، بل كل ما في هذا العالم ~~الأدنى من الذوات والهيئات والنسب والأشكال والترتيبات الجسمانية ~~والنفسانية ظلال ورسوم وتمثالات لما في العالم الأعلى من الذوات الروحانية ~~، والهيئات العقلية ، والنسب المعنوية ، إنما تنزلت وتكدرت وتجربت بعد ما ~~كانت نقية صافية مقدسة عن النقص والشين ، مجردة عن الكدورة والرين ، ~~متعالية عن الآفة والقصور ، منزهة عن الهلاك والدثور. # ولكل من الثلاث طبقات متفاوتة ، مترتبة ، فالإنسان العقلي إنما يفيض مثلا ~~بنوره على هذا الإنسان السفلي بوسائط مترتبة في العوالم العقلية والمثالية ~~، كلها أناس متفاوتو المراتب والنشآت. # وكذلك بين النار العقلية والنار السفلية نيرانات مترتبة ، ولهذا ورد في ~~الحديث : «أن هذه النار غسلت بسبعين ماء ، ثم أنزلت» (1)، إشارة إلى تنزل ~~مرتبتها عن كمال حقيقتها النارية ، وتضعف تأثيرها وتنقص جوهرها على حسب كل نزول. PageV01P280 # ومن هنا قال بعض متألهة الحكماء (1): إن هذه الحسايس عقول ضعيفة ، وتلك ~~العقول ms147 حسايس قوية. # وروى الشيخ الصدوق بإسناده إلى أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، أنه قال ~~في ذكر حديث المعراج : «أنزل الله العزيز الجبار عليه محملا من نور ، فيه ~~أربعون نوعا من أنواع النور ، كانت محدقة حول العرش ، عرش الله ، يغشي ~~أبصار الناظرين ، أما واحد منها فأصفر ، فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة ، وواحد ~~منها أحمر ، فمن أجل ذلك احمرت الحمرة ، وواحد منها أبيض ، فمن أجل ذلك ~~ابيض البياض ، والباقي على قدر سائر ما خلق الله من الأنواع والألوان» (2). # وإلى تفاوت الطبقات أشير فيما رواه في بصائر الدرجات ، بإسناده عن أبي ~~جعفر الباقر عليه السلام ، قال : «إن الله خلق محمدا وآل محمد ، من طينة ~~عليين ، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلك ، وخلق شيعتنا من طينة دون عليين ، ~~وخلق قلوبهم من طينة عليين ، فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد ، وإن الله خلق ~~عدو آل محمد من طين سجين ، وخلق قلوبهم من طين أخبث من ذلك ، وخلق شيعتهم ~~من طين دون طين سجين ، وخلق قلوبهم من طين سجين ، فقلوبهم من أبدان أولئك ، ~~وكل قلب يحن إلى بدنه» (3). PageV01P281 ### ||| * وصل # فهذه هي صفات النشآت الثلاث ، وبيان ماهياتها ، وأما إنياتها والبرهان ~~على وجودها فنحن الآن بصدد ذلك ، فنقول : # أما النشأة الدنيا فلا يفتقر إثباتها إلى بيان وبرهان ؛ لأنها محسوسة ~~مشاهدة ، ويأتي ذكر تفاصيل ما فيها ، وبيان ذلك في المقصد الثاني ، إن شاء الله. # وأما الباقيتان ، فالبرهان على وجودهما من وجوه : # منها : ما مضى ذكره : من إثبات حقيقة عقلية ثابتة لكل طبيعة جوهرية ~~متجددة ، وإثبات أجسام مثالية غير مادية ، قائمة لا في محل. # ومنها : ما يأتي في تضاعيف ما سنتلو عليك من المباحث الآتية. # ومنها : قاعدة الإمكان الأشرف ، وقد مضى برهانها ، وتقريره هاهنا ، على ~~ما استفدناه من الأستاذ دام ظله في النشأة العقلية ، وأجريناه في المثالية ~~أيضا : أن النشأة الجسمانية موجودة ، كما دلت عليه المشاهدة ، والباقيتان ~~أشرف منها ، وأبعد عن علائق الظلمات ، كما هو ظاهر ، وهما ممكنتان ، فهما ~~إذن موجودتان قبلها ، بناء على القاعدة ، وإنما قلنا : إنهما ممكنتان ms148 ؛ لأن ~~كل ما له وجود في عالم الحس فله ماهية موجودة في الذهن ، يعرض لها إمكان ، ~~فالماهية إمكانية ، فالمانع لها عن الوجود العقلي والمثالي إن كانت عقلية ~~أو مثالية ، ففي الذهن أيضا لها وجود عقلي ومثالي ، وإن كان قيامها بالذات ~~وقيام أشخاص نوعها بالمادة ، فقد تبين أن الوجود مما يجوز في أفراد نوع ~~واحد منه الاختلاف بالحلول وعدمه ، مع أن هذا منقوض بوجودها الذهني ؛ إذ لا ~~مادة في PageV01P282 # الذهن ، وإن كان من جهة بساطة الوجود العقلي والمثالي ، وتركب الجسماني ~~فقد تحقق أن تمام كل ذي كثرة طبيعية إنما هو بصورته ؛ إذ بها يصير بالفعل ، ~~وكل ما وحدته بالفعل فكثرته بالقوة ، والإنسان الطبيعي مثلا أمر واحد ، ~~وجهة وحدته بصورته النفسانية لا بأعضائه. # وكذا الشجر شجر بصورته النباتية ، حتى لو فرضت صورته النباتية قائمة ~~بذاتها ، مجردة عن أجزائه وعناصره ، لكانت نباتا عقليا ، أو مثاليا. # وكذا الياقوت والمرجان والذهب وغيرها من الموجودات ، فتلك الأجزاء ~~المقدارية أجزاء لمقاديرها ، لا لحقائقها ، فالحقائق بسيطة أينما وجدت ، بل ~~لنا أن نقول : إن وجودها الذهني على هذين الوجهين هو بعينه وجود خارجي لهما ~~أيضا ، كما أشرنا إليه من أن المعقولات ذوات نورية مستقلة تشاهدها النفس ~~مشاهدة ضعيفة ، ومحكي عنها حكاية ما ، وأن الخيالات تبدعها النفس في ذاتها ~~وعالمها ، وعالمها عالم مستقل ، كما يأتي بيانه. ### ||| * وصل # ومما يدل على النشأة المثالية ، ما أفاد صاحب الإشراق : من دلالة ~~المنامات والكهانات الصادقة ، فإن صاحبها لا يوجد علمه بالأشياء في ذاته ~~لذاته موافقا ، فإن عجزه ظاهر ، وعجز نوعه ، والنائم ليس في قواه قدرة ذلك ~~، ولا لنفسه ، وإلا لكان في اليقظة أقدر على إبداعه ، ثم إن كان يخترع ~~بنفسه علمه بما سيقع فينبغي أن يعلمه قبل أن يعلمه ، ليخترع جرما على وفاته ~~، وهذا محال ، مع أن الإنسان يعرف بالضرورة في الجملة أن الاعلام من شيء ~~آخر ، فلا محالة هذه الأمور ثابتة في عالم آخر أعلى. PageV01P283 ### ||| * وصل # وليعلم أن أهل كل نشأة من هذه النشآت الثلاث ، إنما يدرك الموجودات التي ~~فيها على سبيل المشاهدة ms149 والعيان ، ويدرك الصور التي هي في إحدى النشأتين ~~الأخريين على سبيل الحكاية والاستخبار ، بالعبارة والبيان ، فشهادة كل نشأة ~~غيب في الآخر ، وعيانه علم وخبر في غيره ، وظاهره باطن ، وتنزيله تأويل ، ~~ولكل معنى أو صورة ظهور وأثر في واحدة منها غير ظهوره وأثره في صاحبتيها. # ألا ترى أن صورة الجسم الرطب ، كالماء ، متى فعلت في مادة جسم قابل ~~للرطوبة من هذه النشأة كيف قبلتها فصار رطبا مثله ، ومتى فعلت في مادة أخرى ~~من نشأة أخرى ، كالقوة الحسية ، أو الخيالية ، اللتين هما من عالم الملكوت ~~، لم يقبل مثل الأولى ، ولم تصر رطبة مثلها ، بل قبلت مثالها ، فلها أثر في ~~نشأة غير أثرها في أخرى. # وكذلك إذا فعلت في النفس الناطقة ، باعتبار قوتها العاقلة ، التي هي من ~~عالم الجبروت ، فإن أثرها هناك صورة عقلية كلية. # فانظر حكم تفاوت النشآت ، وقس عليه حال كل ماهية بحسب تخالف أنحاء ~~الوجودات ، وإن شئت فانظر إلى النفس الناطقة الإنسانية التي هي من النشأة ~~العليا ، أو الوسطى ، كيف ظهرت في النشأة الدنيا بصورة البدن ، وإلى العلم ~~، وهو معنى عقلي ، وجوهر روحاني ، تتقوى به النفس ، وإنما تحصل بعد حذف ~~الزوائد والاختلافات عما يدركه الحس من أشخاص النوع ، وبقاء صورة غير ~~مختلفة ، بل لب خالص سائغ نيله للعقل الإنساني ، كيف يظهر في المنام وهو نشأة PageV01P284 # خيالية بصورة اللبن الذي هو غذاء لطيف لذيذ سائغ شرابه للبدن ، وإنما ~~يحصل بعد حذف الاختلافات من الأغذية ، وحصول صورة وحدانية غير مختلفة بين ~~فرث ودم ، والبدن مثال للنفس ، ونسبة اللبن إليه نسبة العلم إليها. # وعلى هذا فقس ، بل بعض الموجودات ليس معقوله مطلقا لمحسوسه ، أو متخيله ~~أصلا ؛ وذلك مثل الزمان والحركة والدائرة والثخن وأمثال ذلك ، فإن هذه ليس ~~لها حظ من الوجود العقلي ؛ إذ كل معقول كلي لا يكون ممتدا متقدرا ، ~~فالمعقول من المقدار ليس مقدارا في الحقيقة ، بل شيئا آخر مناسبا له ، فإذا ~~أراد الله سبحانه إظهار ما لا صورة لنوعه في هذا العالم في الصور الحسية ~~شكله بأشكال المحسوسات بالمناسبات التي بينها ms150 وبينه ، على قدر استعداد ما ~~له التشكل ، وفي هذا سر متشابهات الكتاب والسنة ، كما أشرنا إليه في صدر ~~الكتاب. ### ||| * وصل # كل واحدة من النشأتين العلياوين تنقسم إلى ما يتقدم على النشأة الدنياوية ~~، وإلى ما يتأخر عنها ؛ وذلك لأن النشآت كلها إنما نشأت من تنزلات الوجود ~~ومعارجه ، كما أشرنا إليه فيما سلف ، وحركات الوجود نزولا كحركاته صعودا ، ~~على التعاكس بين السلسلتين ، وكل مرتبة من إحداهما غير نظيرتها من الأخرى ~~وجودا ، وإن كانت عينها مرتبة وحقيقة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، وهو محال. # ومن هنا قيل : إن الله لا يتجلى في صورة مرتين. وستعرف معنى التجلي. PageV01P285 # وقد شبهوا هاتين السلسلتين بقوسي الدائرة ؛ إشعارا بأن الحركة الثانية ~~رجوعية انعطافية ، لا استقامية ، فالمتقدمة منهما على الدنيا هي الجنة التي ~~خرج عنها أبونا آدم وزوجه ، لخطيئتهما ، وهي موطن العهد ، ومنشأ أخذ ~~الميثاق من الذرية ، ومحل الملائكة المقربين ، والمدبرين ، كلا في مقامهم ، ~~وهي المسماة على اختلاف نوعيها بالجبروت والملكوت ، وقد يسميان ، أو الأول ~~منهما ، بعالم الأرواح ، والمتأخرة منهما عن الدنيا هي الجنة التي وعد ~~المتقون ، والنار التي أعدت للكافرين ، ومنشأ من صور الأعمال ، ونتيجة ~~الأفعال السابقة في الدنيا ، وهي موطن السعداء ، ومقر الأشقياء ، وتسمى ~~بدار الآخرة ، والأخرى ، والعقبى ، والجنة المأوى ، ولظى ، ودار الجزاء ، ~~ودار القرار. # وقد تخصص دار الجزاء بالملكوت ، ودار القرار بالجبروت ، والأربع تسمى ~~باليمين ، كما تسمى الدنيا بالشمال ؛ لقوتها وشرفها عليها ، وقد تسمى ~~الأربع ، أو العقلية منها ، بعالم الأمر ، كما تسمى الدنيا بعالم الخلق ؛ ~~لأنها وجدت بأمر كن ، بلا استعداد مادة ، والدنيا متقدرة بالمساحة ، فإن ~~الخلق بمعنى التقدير. ### ||| * وصل # كل واحدة من النشآت الثلاث كأنها حيوان واحد برأسها ، لها جهة وحدة ~~وتمامية ، قال الله سبحانه : ( @QUR@04 وما أمرنا إلا واحدة ) (1)، وقال : ~~( @QUR@05 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) (2). PageV01P286 # وكذلك مجموع الثلاث من حيث المجموع ، كأنه حيوان واحد ، له نفس واحدة ، ~~هي النشأة العقلية ، وقلب هو النشأة الخيالية ، وبدن هو النشأة الجسمانية ، ~~قال الله سبحانه : ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) (1). # قال صاحب الفتوحات : العالم صورة الحق ، وهو ms151 روح العالم المدبر له ، فهو ~~الإنسان الكبير (2). # وأنت يمكنك أن تعرف هذا وتصدق به بعد تدبرك فيما مضى من الأصول ، واطلاعك ~~على ما سيأتي من المعارف ، ويعينك على ذلك ما أشرنا إليه من وحدة العقول ، ~~وأنها كلها لفرط الفعلية والكمال كأنها شيء واحد ، اختلفت أفاعيله ، كما أن ~~المواد كلها لفرط القوة والانفعال كأنها شيء واحد ، اختلفت انفعالاته ، وأن ~~العقل الأول مشتمل على الجميع ، بل هو عين الكل ؛ لما دريت من التحقيقات ~~التي أسلفناها ، أن الفصل الأخير لكل مركب الحقيقة هو بعينه مصداق حمل جميع ~~المعاني التي توجد في المركب مجتمعة ، وفي الأنواع التي هي دونه متفرقة ، ~~وأن كل وجود عال فهو تمام الوجود السافل ، ولغير ذلك من البيانات التي ~~ستطلع عليها. # ومن هنا قال بعض متألهة الحكماء : الأشياء كلها من العقل ، والعقل هو ~~الأشياء ، وإنما صار العقل هو جميع الأشياء ؛ لأن فيه جميع صفات الأشياء ، ~~وليس فيه صفة إلا وهي تفعل شيئا مما يليق بها ؛ وذلك أنه ليس في العقل شيء ~~إلا وهو مطابق لكون شيء آخر (3). PageV01P287 # روى في بصائر الدرجات بإسناده عن سعد ، عن الإمام الباقر عليه السلام ، ~~أنه قال في حديث له أجراه إلى أن قال : «ومن يكتب الله له رضوانه الأكبر ~~يجمع بينه وبين إبراهيم ومحمد والمرسلين في دار الجلال ، قال : فقلت : وما ~~دار الجلال؟ فقال : نحن الدار ، وذلك قول الله ( @QUR@014 تلك الدار الآخرة ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) (1)، ~~فنحن العاقبة ، يا سعد ، وأما مودتنا للمتقين ، فقال الله تبارك وتعالى : ( ~~@QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (2)، فنحن جلال الله وكرامته ~~التي أكرم الله تبارك وتعالى العباد بطاعتنا» (3). # أقول : هذا الحديث من مكنون العلم ، وإنما ينكشف النقاب عنه حق الانكشاف ~~في مباحث الإنسان بما هو إنسان ، من المقصد الآتي ، إن شاء الله. ### ||| * وصل # لا مكان لشيء من النشآت إذا أخذ كل واحد منها بتمامها شيئا واحدا ، مسمى ~~باسم واحد ، كما يومي إليها إطلاق لفظة الدار عليها ، فإن الدار هي المكان ~~، والمكان لا ms152 مكان له ، كما هو ظاهر. # وأما إذا أخذت من حيث أبعاضها ، فالنشأة الحسية لها أمكنة من هذه الحيثية ~~، كما هو معلوم ، وقد مر تحقيق معنى المكان فيها ، وأن مجموعها كيف PageV01P288 # صار بلا مكان. # وأما الباقيتان فليس لأبعاضهما أمكنة حقيقية ، كما ليست لمجموعهما ، إلا ~~أن لكل منهما كلا ، أو بعضا أمكنة نسبية ، ومظاهر جزئية يظهر فيها باعتبار ~~بعض صفاتها ورقائقها لبعض المدارك في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأوقات بأسباب ~~وشرائط مخصوصة. # أما أمكنتها النسبية فكما يقال : إن النشأة العقلية فوق النشأة المثالية ~~، أو محيطة بها ، والمثالية فوق الحسية أو محيطة بها ، لا كإحاطة الحقة ~~بالدرر ، بل كإحاطة الروح بالجسم ، أو يقال : الجنة فوق السماء السابعة ، ~~والنار تحت الأرض السفلى ، أو يقال : إن مقعر أرض الجنة هو سقف النار ، أو ~~نحو ذلك. # وأما مظاهرهما الجزئية فكما ورد في الحديث النبوي : إن «ما بين قبري ~~ومنبري روضة من رياض الجنة» (1)، وذلك بالقياس إلى كشفه عليه السلام وشهوده ~~إياها هناك ، فإن بعض المواضع بمنزلة المرائي المجلوة التي تشاهد فيها ~~الصور لمن قابلها ضربا من المقابلة ، ولا يستحيل أن يكون ذلك في أمكنة ~~متعددة في حين واحد ، ولا في أمكنة ضيقة جدا ؛ لأن حكم الإنشاء النسبي لا ~~ينافي هذا ، فإن الشيء الواحد في حالة واحدة يمكن أن ينسب إلى أمور متخالفة ~~، باعتبار وجوده الإضافي ، دون الحقيقي. # ويمكن أن يجامع ضده من هذه الحيثية ؛ إذ المتضادان لا يكونان متضادين من ~~جميع جهاتهما واعتباراتهما ، بل بحسب البعض ، كالنار والماء ، فإنهما لا ~~يتضادان من كل الوجوه ، بل يتوافقان مثلا في كونهما موجودين في العقل ، ~~ونحو ذلك ؛ ولهذا لم يمتنع اجتماعهما فيه ، وتحققهما معا ، كما أشير إليه PageV01P289 # بقوله تعالى : ( @QUR@04 ... أغرقوا فأدخلوا نارا ) (1)، كذا أفاد ~~أستاذنا ، مد ظله (2). # وبهذا التحقيق تتلائم الأخبار الواردة في تعيين الأمكنة للجنة والنار على ~~كثرتها واختلافاتها ، وقد ذكرنا نبذا منها في كتاب علم اليقين ، مع تفاصيل ~~ما في النشأة الآخرة ، والآن فلنبين كيفية نشوء الآخرة من الأولى ، ووجوه ~~الفرق بينهما ، وبالله التوفيق. ### ||| * أصل # الآخرة : إما ms153 جنة ، أو نار. # والجنة جنتان : جنة معقولة للمقربين ، وهو العالم العقلي بما هو متأخر عن ~~هذه النشأة الدنياوية ، أعني ما يحصل منه في سلسلة العود ، وهي إنما تنشأ ~~من العلوم الحقة ، والمعارف اليقينية ، فإن المعرفة في هذه الدنيا بذر ~~المشاهدة في الآخرة ، واللذة الكاملة موقوفة على المشاهدة ، فإن الوجود ~~لذيذ ، وكماله ألذ ، فالمعارف التي هي مقتضى طباع القوة العاقلة ، من العلم ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله ، إذا صارت مشاهدة للنفس كانت لها لذة لا يدرك ~~الوصف كنهها ؛ ولهذا ورد في الحديث : «لا عيش إلا عيش الآخرة» (3). # وجنة محسوسة لأصحاب اليمين ، وهو العالم الخيالي ، بما هو متأخر أيضا ، ~~فإن الخيال في الآخرة يصير عين الحس الظاهري ، ويتحد به ، وهي إنما PageV01P290 # تنشأ من الأخلاق الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، بإبداع النفس الصور الملذة ~~، من الحور والقصور والغلمان واللؤلؤ والمرجان ، في عالمها وصقعها. # وقد دريت أن للنفس اقتدارا على ذلك ، ولكنها ما دامت في هذه النشأة لا ~~تترتب عليها آثارها ؛ لضعفها واشتغالها بالمحسوسات ، فإذا قويت وصفت وزالت ~~الشواغل وانحصرت القوى كلها في قوة واحدة ، وهي المتخيلة ، وصارت عينها ~~باصرة للنفس ، وقدرة فعالة ، وانقلب العلم مشاهدة ، فلا يخطر بالبال شيء ~~تميل إليه النفس إلا ويوجد في الحال بإذن الله ، أي يوجد بحيث تراه رؤية ~~عيان ، وتحس به إحساسا قويا ، لا أقوى منه. # وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله : «إن في الجنة سوقا يباع فيه ~~الصور» (1)، والسوق عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع ~~الصور بحسب المشيئة ، ونيلها بالحس. # وفي الحديث القدسي : «يابن آدم ، خلقتك للبقاء وأنا حي لا أموت ، أطعني ~~فيما أمرتك به ، وانته عما نهيتك عنه ، أجعلك مثلي ، حيا لا تموت ، أنا ~~الذي أقول لشيء كن فيكون ، أطعني فيما أمرتك به أجعلك مثلي ، إذا قلت لشيء ~~كن فيكون» (2). # وفي حديث آخر ، قال صلى الله عليه وآله : «فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء ~~كن إلا ويكون» (3). PageV01P291 # وكذلك النار ناران : نار معقولة ، تطلع على الأفئدة ، للمنافقين ~~والمتكبرين والمكذبين. # ونار محسوسة تحرق الأبدان ، أعدت ms154 للكافرين. # وكلتاهما إنما تكونان في العالم المتوسط ، إحداهما وهي المعقولة إنما ~~تنشأ فيه بتبعية عالم العقل ، بسبب فقدان معارفه ولذاته ، بعد إدراكها ، ~~والشوق إليها ، فإن العقل وإن لم يتألم حيث لا حظ له من الشقاء ، وليس من ~~دار الشقاء ، إلا من اشتاق إليه ، وحرم الوصول ، يسمى ألمه : ألما عقليا ، ~~مشاكلة للذة العقلية ، ومقابلة لها ؛ إذ الألم يرجع في الحقيقة إلى العدم ، ~~كما دريت ، والعدم إنما يعرف ويمتاز بالوجود. # والنار الأخرى وهي المحسوسة إنما تنشأ بوسيلة هذه النشأة الدنياوية ، ~~بسبب فقدان متاعها بعد حصول الإلف له ، والتعلق به ، والإخلاد إليه ، ~~وارتكاب الأعمال السيئة ، والأخلاق الردية ، فإن النفس بسبب ذلك تنشىء في ~~عالمها صورا مؤذية مناسبة لها ، من الحيات والعقارب والسموم واليحموم ، ~~وغيرها ، فتتأذى بها ، ولا تقدر على عدم إنشائها ، كما أنها إذا أصابتها ~~مصيبة في الدنيا فكلما تخطر ببالها اغتمت وتأذت ، ولا يمكنها أن لا تخطرها ~~، ولكنها في الدنيا تغفل عنها أحيانا بسبب الشواغل ، بخلاف الآخرة فإنها لا ~~تنفك عنها ؛ لعدم الشاغل ، وصفاء المحل ، وقوته ، وصيرورة القوى كلها قوة ~~واحدة ، كما بيناه. PageV01P292 ### ||| * وصل # كل من الجنة والنار المحسوستين عالم مقداري صوري ، إحداهما صورة رحمة ~~الله ، والأخرى صورة غضبه. # قال أستاذنا مد ظله : إن جهنم ليست بدار حقيقية متأصلة ؛ لأنها صورة غضب ~~الله ، كما أن الجنة صورة رحمة الله ، وقد ثبت أن رحمة الله ذاتية واسعة كل ~~شيء ، والغضب عارضي ، وكذا الخيرات صادرة بالذات ، والشرور واقعة بالعرض ، ~~فعلى هذا لا بد أن تكون الجنة موجودة بالذات ، والنار مقدرة بالتبع (1). # وقال أيضا : إن جهنم من سنخ الدنيا ، وأصلها ، فمادتها هي تعلق النفس ~~بأمور الدنيا من حيث هي دنيا ، وصورتها هي صورة الهيئات المؤلمة ، والأعدام ~~، والنقائص ، فإن الأعدام والنقائص وإن كانت من حيث هي أمور سلبية غير ~~مؤثرة ، ولا معذبة ، إلا أن صورها الحضورية ، وحصولها الخارجية ، ضرب من ~~الوجود للشيء الموصوف بها ، وهي من هذه الجهة شرور حقيقية حاصلة للشيء. # ألا ترى أن تفرق الاتصال مع أنه أمر عدمي ؛ لأنه عبارة عن زوال الاتصال ms155 ~~عما من شأنه الاتصال ففيه غاية الألم للحس اللامس به ؛ لأنه عدم محسوس ، ~~مشهود للنفس ، وإذا كان العدم موجودا كان شرا حقيقيا ، ويكون إدراكه اللمسي ~~إدراك أمر مناف ، حاصل بنفسه للمدرك ؛ لأن العلم الشهودي هو PageV01P293 # بعينه نحو وجود المعلوم الخارجي ، والمعلوم بهذا العلم إذا كان عدما ~~خارجيا كان ذلك العدم مع كونه عدما أمرا موجودا ، فيكون شرا حقيقيا ، ففيه ~~غاية الألم ، ونهاية الشرية (1). # قال : فصورة جهنم في الآخرة هي صورة الآلام التي هي أعدام ونقائص حاصلة ~~للنفس ، فالنفوس الشقية ما دامت على فطرة تدرك بها النقائص والأعدام ~~الموصوفة بها التي من شأنها تلك النفوس أن تتصف بمقابلاتها تكون لها آلام ~~شديدة بحسبها ، فتلك الآلام باقية فيها إلى أن يزول عنها إدراكها ، إما ~~بتبدل فطرتها إلى فطرة أدنى وأخس من تلك الفطرة ، أو بزوال تلك النقائص ~~والأعدام ، بحصول مقابلاتها ، من جهة ارتفاع حال تلك النفوس ، وقوة ~~كمالاتها ، واشتغالها بإدراك أمور عالية كانت تعتقدها من قبل ، وصارت ذاهلة ~~عنها ، ممنوعة عن إدراكها ؛ لانصراف توجهها عنها إلى تلك الشواغل الحسية ، ~~فعلى التقديرين يزول العذاب ، وتحصل الراحة. # والحاصل : أن جهنم هي صورة الدنيا من حيث هي دنيا حالة في موضوع النفس ~~يوم القيامة ، فتلك الصورة الجحيمية مشتملة على جميع ما في السماء والأرض ~~من حيث نقائصها وشرورها ، لا من حيث كمالاتها وخيراتها ، فإنها من حيث ~~كمالاتها وخيراتها هي من الجنة ، فالنفس ما دامت في هذا العالم تدرك ~~الموجودات العالمية بهذه الحواس البدنية ، وكل ما يدرك بهذه الحواس يكون ~~مخلوطا غير متميز حقه من باطله ، وصحيحه من فاسده ، فترى الشمس والقمر ~~والنجوم والسماء والأرض على صورة مخلوطة ، مشتبهة ، فتزعم أن لها بقاء ~~وثباتا ، وأن ضوء الشمس ونور القمر والكواكب بحسب الحقيقة على هذه PageV01P294 # الهيئة ، وأنها ذاتية لتلك الأجرام ، قائمة بها ، لا بغيرها ، وأن السماء ~~والأرض كل منهما على هذه الهيئة التي يدركها الحس ، من البقاء والثبات ~~والارتفاع والانخفاض والوضع والترتيب ، فإذا جاء يوم القيامة تبدلت هذه ~~الأشياء غيرها ، وانفصل ما لها عما ليس لها ، وامتاز ms156 حقها من باطلها ، ~~ونورها العرضي من ظلمتها الأصلية ، وخبيثها من الطيب ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@014 ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب ) (1). # فصورة جهنم عبارة عن الحقيقة الأصلية لهذا العالم ، متميزة عما هو خارج ~~عنها من الخيرات والكمالات ، فإذا قامت القيامة واستقرت كل طائفة في دارها ~~، رجعت كل صورة إلى حقيقتها ، فيكون الحكم في أهل الجنة بحسب ما يعطيه ~~الأمر الإلهي في النشأة الآخرة ، ويكون الحكم في أهل النار بحسب ما يعطيه ~~الأمر الإلهي في مادة هذا العالم الذي أودع الله في حركات الأفلاك وفي ~~الكواكب الثابتة والسبعة المطموسة ، أنوارها ، فهي كواكب لكنها مطموسة ~~الأنوار في القيامة ، وكذا الشمس شمس لكنها منكسفة النور ؛ لأن أنوارها ~~مستفادة من مبادئها الأصلية ، فهي بالحقيقة قائمة بتلك المبادىء ، لا بهذه ~~الأجرام (2). # روى علي بن إبراهيم في تفسيره ، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ، أنه قال ~~: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، يجريان بأمره ، مطيعان له ، ~~ضوؤهما من نور عرشه ، وحرهما من جهنم ، وإذا كانت القيامة عاد إلى العرش ~~نورهما ، وعاد إلى النار حرهما ، فلا يكون شمس ، ولا قمر» (3). PageV01P295 # وقال في الباب الستين من الفتوحات : يقرب حكم النار من حكم الدنيا ، فليس ~~بعذاب خالص ، ولا بنعيم خالص ، ولهذا قال تعالى : ( @QUR@05 لا يموت فيها ~~ولا يحيى ) (1)، [إلى أن قال : ] وسبب ذلك أنه بقي ما أودع الله عليهم في ~~الأفلاك وحركات الكواكب من الأمر الإلهي ، وتغير منه على قدر ما تغير من ~~صور الأفلاك بالتبديل ، ومن صور الكواكب بالطمس والانتثار ، فاختلف حكمها ~~بزيادة ونقص (2)، وغير ذلك. # وقال في معرفة جهنم : إعلم عصمنا الله وإياك أن جهنم من أعظم المخلوقات ، ~~وهي سجن الله في الآخرة ، وسميت جهنم لبعد قعرها ، يقال : بئر جهنام ، إذا ~~كانت بعيدة القعر ، وهي تحوي على حرور وزمهرير ، ففيها البرد على أقصى ~~درجاته ، والحر على أقصى درجاته ، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون إلى مائة ~~من السنين. واختلف الناس فيها ، هل خلقت بعد ، أو لم تخلق؟ والخلاف مشهور فيها. ms157 # [إلى أن قال : ] وكذلك اختلفوا في الجنة. وأما عندنا وعند أصحابنا أهل ~~الكشف والتعريف فهما مخلوقتان غير مخلوقتين. أما قولنا : مخلوقتان ، فكرجل ~~يبني دارا ، فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة ، فيقال : هي دار ، ~~فإذا دخلتها لم تر إلا سورا دائرا على فضاء وساحة ، ثم بعد ذلك ينشىء ~~بيوتها على أغراض الساكنين فيها ، من بيوت ، وغرف ، وسرادق ، ومسالك ، ~~ومخازن ، وما ينبغي أن يكون فيها. [إلى أن قال : ] وفي دار حرورها هواء محرق ~~لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتخذة آلهة والجن لهبها. PageV01P296 # قال تعالى : ( @QUR@03 وقودها الناس والحجارة ) (1)، وقال : ( @QUR@08 ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) (2)، وقال : ( @QUR@07 فكبكبوا ~~فيها هم والغاوون* وجنود إبليس أجمعون ) (3). # وتحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجن والإنس ، الذين يدخلونها ، وقد خلقها ~~الله تعالى من صفة الغضب ، وجميع ما يخلق فيها من الآلام والمحن التي يجدها ~~الداخلون فيها فمن صفة الغضب الإلهي ، ولا يكون ذلك إلا عند دخول الخلق ~~فيها متى دخلوها ، وأما إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا ألم في نفسها ، ~~ولا في نفس ملائكتها ، بل هي ومن فيها من زبانيتها في رحمة الله ، منغمسون ~~ملتذون ، يسبحون لا يفترون ، يقول الله تعالى : ( @QUR@012 ولا تطغوا فيه ~~فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) (4)، فإن الغضب هاهنا هو ~~عين الألم. # فمن لا معرفة له ممن يدعي طريقتنا ويريد أن يأخذ الأمر من التمثيل ~~والمناسبة فيقول : إن جهنم مخلوقة من القهر الإلهي ، وإن الاسم القاهر هو ~~المتجلي ، ولو كان الأمر كما قاله لشغلها ذلك بنفسها عما وجدت له من التسلط ~~على الجبابرة ، ولم يمكن لها أن تقول : ( @QUR@03 هل من مزيد ) (5)، ولا ~~أن تقول : أكل بعضي بعضا ، فبنزول الحق إليها برحمته التي وسعت كل شيء ، ~~وسع لها المجال في الدعوى والتسلط على الجبابرة والمتكبرين ، فالناس غالطون ~~في شأن خلقها. PageV01P297 # ومن أعجب ما درينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان قاعدا مع أصحابه ~~في المسجد فسمعوا هدة عظيمة ، فارتاعوا ، فقال صلى الله عليه وآله ms158 : تعرفون ما ~~هذه الهدة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : حجر ألقي من أعلى جهنم منذ ~~سبعين سنة ، الآن وصل إلى قعرها ، فكان وصوله إلى قعرها وسقوطه فيها هذه ~~الهدة ، فما فرغ من كلامه صلى الله عليه وآله إلا والصراخ في دار منافق من ~~المنافقين قد مات ، وكان عمره سبعين سنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~: الله أكبر ، فعلم علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذلك المنافق ، وأنه منذ ~~خلقه الله يهوي في جهنم ، وبلغ عمره سبعين سنة ، فلما مات حصل في قعرها ، ~~قال الله تعالى : ( @QUR@07 إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) (1). # فكان سماعهم تلك الهدة التي أسمعهم الله ليعتبروا. فانظر ما أعجب كلام ~~النبوة ، وما ألطف تعريفه ، وما أغرب كلامه صلى الله عليه وآله (2). ### ||| * وصل # قال أستاذنا أدام الله بركاته : اعلم أنه ذهب بعضهم كصاحب اخوان الصفا ~~وغيره إلى أن جهنم عبارة عن عالم الكون والفساد ، والنار هي الطبيعة ~~المحللة للأجساد ، المستولية على الأبدان والجلود ، بالإذابة والتحليل ، ~~والتبديل في كل آن ، المفنية لها في أسرع زمان ، لو لم يورد الغاذية بدلها ~~، كما في قوله تعالى : ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب ) (3)، وقوله PageV01P298 # تعالى : ( @QUR@06 فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) (1)، ~~وقوله : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) (2)، فإن هذه ~~الأجساد العنصرية لها طبيعة متصرفة فيها بالنضج والإحالة ، فحسبوا أن النار ~~المشار إليها في القرآن هي الطبيعة السارية في الأجسام الحسية ، سيما التي ~~تحت السماء الدنيا. # ومما يؤكد هذا الحساب وإن كان باطلا عندنا أن الأكوان الطبيعية كلها ~~سائلة زائلة ، واقعة تحت الفساد بواسطة استيلاء الطبيعة عليها بالتحويل ~~والتحليل ، وكذا النفس ما دامت متعلقة بهذا البدن ، متحدة به ، تؤثر ~~الطبيعة في ذاتها وفي قواها الحسية ، فإنها منفعلة عن تأثير نيران الطبيعة ~~الكامنة في البدن بالإذابة والتحليل ، وتجفيف الرطوبات الصالحة الحاصلة لها ~~من الأغذية شيئا فشيئا على الدوام ، حتى يؤدي إلى الموت ، وكذا تؤلم النفس ~~بإثارة حرارة الشهوة ، ونار الغضب وغيرها ، وكذا تؤلم بإحداث الآلام ~~والحميات ms159 والأوجاع التي منشؤها الطبيعة المحللة ، خلقها الله لمصلحة دفع ~~المواد المفسدة. # على أن المصلحة في أصل وجود الطبيعة وإشعالها الحرارة الغريزية ، استكمال ~~النفس الناطقة للإنسان ما دامت في البدن بهذه التحولات والتقلبات ، لينقلب ~~إلى أهله مسرورا ، فإذا ارتفع الإنسان من هذا العالم إلى عالم التصور ، أو ~~التعقل ، خلص من عذاب النيران ؛ إذ لا وجود للطبيعة في غير هذا العالم. # ومما يؤكد ظنهم أيضا كون عدد الزبانية وسدنة الجحيم بعينه ، كعدد القوى ~~الخادمة المدبرة للأبدان الحيوانية ، وكذا كون أبوابها سبعة ، كأبواب القوى ~~الطبيعية المفتوحة إلى جهنم البدن من عالم النفس ، فإن أصل القوى منشبعة منه ، PageV01P299 # وهي مفتوحة لأهل الجحيم من الجن والإنس ، وباب القلب مغلق على من طبع ~~الله على قلبه. # ومن ذلك كونها موصوفة في القرآن بأنها أسفل سافلين ، والطبيعة العنصرية ~~كذلك ، فالجحيم هي الطبيعة ، ومن ذلك دلالة قوله تعالى : ( @QUR@04 كلما ~~خبت زدناهم سعيرا ) (1). # على أن النار محسوسة ، فإن الصورة النارية لا تتصف بالزيادة والنقصان إلا ~~من جهة كونها قائمة بالمادة الجسمانية ؛ لأن حقيقة النارية لا تقبل هذا ~~الوصف من حيث ذاتها ، وإنما يقبله الجسم المحترق بالنار ، الذي تسخره ~~النارية. # وقيل : معنى الآية : كلما خبت : يعني النار المتسلطة على أبدانهم بواسطة ~~خمود الشهوة والغضب ، وركود القوى لمرض أو هرم. # زدناهم : يعني المعذبين ، ولم يقل : زدناها ، يعني أن العذاب ينقلب إلى ~~بواطنهم من جهة اكتساب الملكات والأمراض في نفوسهم ، وهو أشد من العذاب ~~الحسي ؛ إذ قد سلط الله على بواطنهم التفكر في ما كانوا فيه من التفريط في ~~جنب الله ، فيكون عذابهم النفساني أشد من حلول العذاب المقرون بتسلط النار ~~المحسوسة على أجسادهم ، ومنشؤه نار النفس الأمارة بالسوء ، التي تطلع على ~~الأفئدة. # ومن ذلك دلالة قوله تعالى : ( @QUR@017 وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا* ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) (2). PageV01P300 # قال في الفتوحات : من عرف معنى هذا القول عرف مكان جهنم ، ولو قال النبي ~~صلى الله عليه وآله لما سئل لقلته ، فلما سكت عنه وقال في علم ms160 الله (1)، ~~فسكوتنا عنه هو الأدب. # ومن ذلك أن النار لا تقبل تخليد موحد ، وما ذلك إلا لأن نفسه بعلم ~~التوحيد قد صارت عقلا بالفعل ، وجازت عن مقام الحس والطبع ، كما قال الإمام ~~عليه السلام : جزناها وهي خامدة. # ومن ذلك الأخبار الدالة على أن مكانها في هذا العالم السفلي ، ثم ذكر دام ~~ظله الأخبار التي جاءت في ذلك ، مثل ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ~~أنه سأل يهوديا : أين موضع النار في كتابكم؟ قال : في البحر ، قال ~~عليه السلام : ما أراه إلا صادقا ، لقوله تعالى: ( @QUR@02 والبحر المسجور ) (2). # ويروى أيضا في التفاسير أن البحر المسجور هو النار (3). # وعن النبي صلى الله عليه وآله : البحر : هو جهنم. # وعنه صلى الله عليه وآله : «لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا ، أو معتمرا ، فإن ~~تحت البحر نارا ، وتحت النار بحرا» (4). # وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «أبغض البقاع إلى الله تعالى وادي برهوت ~~، فيه أرواح الكفار ، وفيه بئر ماؤها أسود منتن ، تأوي إليها أرواح الكفار» (5). PageV01P301 # وعن ابن عباس : أن النار تحت أبحر مطبقة. # إلى غير ذلك من الأخبار والآثار ، وقد ذكرنا شطرا منها في كتاب علم ~~اليقين. # ثم قال : والجواب عن هذه الوجوه والدلائل كلها : أن لكل من الجنة والنار ~~نشأة أصلية هي في عالم الآخرة ، ونشأة جزئية ، ومظاهر كونية في الدنيا ، ~~ومستقر النار وحقيقتها هي دار البوار ، ولها مظاهر ومكامن في هذا العالم ، ~~فما ذكر من الوجوه العقلية لا تدل على أكثر من أن لها كينونة جزئية ، ~~وظهورا خاصا في هذا العالم. # وكذا ما نقل من الأخبار لا يدل على أزيد من أن لها مظاهر في هذا العالم. # وأما النار الحقيقية فمحل اشتعالها وبروزها بحيث لا تكمن على الخلائق ~~كلهم ، وظهور سلطانها هي الدار الآخرة ، حينما أحاط بهم سرادقها ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@04 وبرزت الجحيم لمن يرى ) (1)، وقال تعالى : ( @QUR@011 ~~كلا لو تعلمون علم اليقين* لترون الجحيم* ثم لترونها عين اليقين ) (2)، ~~فهي الآن كامنة باطنة ، غير بارزة ، ولا ظاهرة ، إلا على أهل الكشف ~~واليقين. # وهذا المحسوس من ms161 النار غير محرق حقيقة ، والذي يباشر الإحراق والتفريق ~~حقا وحقيقة هي نار إلهية مستورة عن هذه الحواس ، خارجة عن الفكر والقياس ، ~~لكنها مرتبطة بهذا المحسوس ارتباطا ، ومحل ناريتها الحقيقية دار البوار ، ~~لا دار الوجود. PageV01P302 # وقال دام ظله في موضع آخر : اعلم أن هذه النار التي نراها في الدنيا ليس ~~هذا الصفا والإشراق والتلألؤ واللمعان داخلا في حقيقتها ، فإن ذلك كله ~~مسلوب من النار الحقيقية العقلية ، ومن النار الجسمانية الأخروية ، وإنما ~~تثبت لهذه النيران ؛ لأنها ليست نيرانا محضة ، بل فيها نار ونور ، وأما ~~النار المحضة فتمامها أنها محرقة مؤذية ، فظاعة ، نزاعة. # قال : وكما أن حرارة الحمى الشديدة أثر من الأخلاط الردية ، وانحراف ~~المزاج عن الاعتدال في الطبيعة ، فكذلك شدة حرارة نار جهنم سببها المعاصي ~~والأفعال السيئة ، والانحراف عن العدالة ، ونهج الشريعة. # وقال صاحب الفتوحات : وللنار أمثلة جزئية هي طبيعة كل واحد ، وهواه ، في ~~أولاه وأخراه ، ولها أبواب ومشاعر هي سبعة ، وهي عين أبواب الجنة ، فإنها ~~على شكل الباب الذي إذا فتح إلى موضع انسد به موضع آخر ، فعين غلقه لمنزل ~~عين فتحه لمنزل آخر (1). # وهذه الأبواب مفتوحة على الفريقين : أهل النار والجنة ، إلا باب القلب ، ~~فإنه مطبوع على أهل النار أبدا ، لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ؛ لأن صراط الله أدق من الشعر ، فيحتاج ~~من يسلكه إلى كمال التلطيف والتدقيق ، وأنى يتيسر للحمقاء الجاهلين ، خصوصا ~~مع الاغترار والاستبداد برأيهم من غير تسليم وانقياد. # فأبواب الجحيم سبعة ، وأبواب الجنة ثمانية ، وهذا الباب الذي لا يفتح لهم ~~، ولا يدخل عليه أحد منهم ، هو في السور ، فباطنه فيه الرحمة ، وظاهره من ~~قبله العذاب ، وهي النار التي تطلع على الأفئدة. PageV01P303 # وللنار على الأفئدة اطلاع لا دخول ؛ لغلق ذلك الباب ، فهو كالجنة حفت ~~بالمكاره. والسور حجاب مضروب بين الفريقين ، يسمى الأعراف. ### ||| * وصل # قال أستاذنا دام ظله : لما علمت أن الجنة فوق السماء السابعة ، من حيث ~~الرتبة ، وهي بحسب الحقيقة والذات في داخل حجب السماوات والأرض ؛ لأنها في ~~عالم ms162 الملكوت وعالم الملكوت باطن الملك ، وعلمت أن نشوء الآخرة من الدنيا ، ~~فاعلم أن هذا العالم بمنزلة مطبخ ينضج فيه أطعمة أهل الجنة ، وتصلح ~~مأكولاتهم بحرارة الحركات السماوية ، وأشعة الكواكب ، كذلك أعمال بني آدم ~~هي مواد أغذيتهم التي بها نشوء نفوسهم وأبدانهم الأخروية ، فكلما كانت ~~أعمالهم أتم اعتدالا وأكثر نضجا من جهة الرياضات الدنيوية والمتاعب البدنية ~~في سبيل الله كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانية الأخروية أوفق وأتم ~~صلوحا ، وأشد تقوية للحياة الباقية. # قال بعض أهل الكشف : إن كرة الأثير وأشعة الشمس والكواكب التي هي بمنزلة ~~الجمرات تحت القدر كما تؤثر في المولدات ، وهذه الفواكه والمعادن بحرارتها ~~نضجا لما في ذلك من المنفعة كانت رحمة مع كونها نارا ، كذلك من عرف نشأة ~~الآخرة وموضع الجنة والنار ، وما في فواكه الجنة من النضج الذي يقع به ~~الالتذاذ لآكليه من أهل الجنان علم أين النار وأين الجنة ، وأن نضج فواكه ~~الجنة سببها حرارة النار التي تحت مقعر أرض الجنة ، فتحدث النار حرارة في ~~مقعر أرضها فيكون بها صلاح ما في الجنة من المأكولات ، ولا نضج إلا ~~بالحرارة ، وهي لها كحرارة النار تحت القدر ، فإن مقعر أرض الجنة هو سقف PageV01P304 # النار ، والشمس والقمر والنجوم كلها في النار ، ومن أحكامها أنها أودع ~~الله فيها ما كانت منافع حيوانات الدنيا وحيوانات الجنة التي هي نفوس أهل ~~النجاة بأبدانهم المناسبة لها في الأشكال والصور ، فتفعل حرارة النار ~~بالأشياء هناك علوا ، كما يفعل بالأشياء هاهنا سفلا ، وكما هو الأمر هاهنا ~~كذلك ينتقل إلى هناك بالمعنى ، وإن اختلفت الصور. # ألا ترى أرض الجنة مسكا ، كما ورد في الخبر ، وهو حار بالطبع ، ولما فيه ~~من النار وأشجار الجنة مغروسة في تلك التربة المسكية كما تقتضي حال نبات ~~هذه الدار الدنيا الزبل ؛ لما فيه من الحرارة الطبيعية ؛ لأنه معفن ، ~~والحرارة تعطي التعفين في الأجسام القابلة للتعفن ، وهذا القدر كاف في تقوي ~~النار ، أعاذنا الله منها. انتهى كلامه (1). # وهذا الكلام وإن كان مبناه على المقدمات الخطابية والتمثيلات إلا أنه إذا ~~استقصى عاد برهانيا ms163 ، ولو لا مخافة الإطناب لأوضحناه على وجه الحكمة ، ~~وسبيل البرهان. # وإياك أن تحمل كلامه على أن جهنم ليست إلا هذا العالم تحت الفلك الأقصى ؛ ~~لأن جهنم هي من النشأة الآخرة ، وإن كانت صورتها هي مآل الدنيا وباطنها ~~وحقيقتها. # والذي ذهب إليه هذا المحقق من أن نضج فواكه الجنة وطبخ طعامها بحرارة هذا ~~العالم وأشعة الكواكب سببه أن الإنسان إنما يتكون وينمو ، ويتم خلقه ، ~~وتكمل خلقته ، باستحالات وانقلابات تطرأ على مادته ، ولا يمكن ذلك إلا ~~بحرارة غريزية محللة ، وتلك الحرارة مستفادة من حركات الأجرام الفلكية PageV01P305 # وأشعتها ، كما ثبت في مقامه. # ثم إن استكمال نفس الإنسان ، بحسب كلتي قوتيه النظرية والعملية ، إنما ~~يتم بالحركات البدنية والفكرية ، والحركة تحتاج إلى الحرارة ، والحرارة ~~والحركة متصاحبتان ، لا تنفك إحداهما عن الأخرى. # وكما أن جميع الحركات في هذا العالم تنتهي إلى حركات الأفلاك ، سيما ~~الفلك الأقصى ، فكذلك جميع الحرارات الغريزية والأسطقسية تنتهي إلى أضواء ~~الكواكب ، سيما ضوء الشمس ، كما يظهر عند التفتيش والاعتبار والاستقراء. # ثم لا يخفى عليك أن كل مادة مصورة بصورة أدنى ، إذا انتقلت إلى أن تلبس ~~صورة أعلى ، فذلك إنما يكون بأن يحصل لها بصورتها الأولى شبه التعفن والهضم ~~والانكسار ، كالحبة المدفونة في الأرض ، فما لم تضعف صورتها الجمادية ولم ~~تتعفن باستيلاء الحرارة عليها لم تقبل صورة نباتية ، وكذا القياس في ~~انتقالات النطفة في أطوارها النباتية والحيوانية. # وهكذا الحكم في الترقيات الواقعة في النفس ، فإنها مسبوقة بانكسارات ~~وانهضامات نفسانية منشؤها الحركات البدنية في النسك البدنية ، والحركات ~~الفكرية في النسك العقلية ، والكل منوط بحركات الأفلاك والكواكب بأضوائها ، ~~فانكشف أن الكمالات العلمية والعملية للنفوس التي بها تحصل حياتها الأخروية ~~وبها يتم نعيمها وغذاؤها وطعامها وشرابها في الجنة ، إنما يحصل بحرارة ~~الطبيعة الدنيوية التي هي من جوهر نار الجحيم وسنخها. # أقول : وقد ظهر مما ذكرنا من البيانات والتبيانات أن كلا من الجنة والنار ~~، وما فيهما من الملذ والمؤذي ، إنما تنشأ من النفس الإنسانية ، وكذلك جميع ~~ما ورد في الشرع من أحوال الآخرة وأهوالها ، من السياق ، والصراط ms164 ، ~~والميزان ، PageV01P306 # والحساب ، والكتاب ، وغير ذلك ، مما ذكرنا تفصيله وبيانه في كتاب علم ~~اليقين ، فإنها جميعا تنشأ من النفس ، بل هي كلها عين النفس ، وصفاتها ، ~~وأحوالها ، كما يظهر عند التأمل في الأصول السالفة والآتية ، وفيما ورد من ~~الأخبار الواردة فيها. # قال في الفتوحات : اعلم يا أخي تولاك الله برحمته إن الجنة التي تصل ~~إليها في الآخرة ، والنار التي يصل إليها من هو أهلها في الآخرة ، هي ~~مشهودة لك اليوم ، من حيث محلها ، لا من حيث صورتها ، فأنت فيها تنقلب على ~~الحال التي أنت عليها ، ولا تعلم أنك فيها ، فإن الصورة تحجبك التي تجلت لك ~~فيها ، فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنه الناس يرون ذلك المحل إن كان ~~جنة روضة خضراء ، وإن كان جهنم يرونها بحسب ما يكون فيه من نعوت زمهريرها ~~وحرورها وما أعد الله فيها (1). # وأكثر أهل الكشف في بداية الطريق يرون هذا ، وقد نبه الشرع على ذلك بقوله ~~: «بين منبري وقبري روضة من رياض الجنة» (2). # وقال نجم الكبرى : اعلم أن النفس والشيطان والملك ليست أشياء خارجة عنك ، ~~بل أنت هم ، وكذلك السماء والأرض والعرش والكرسي ليست أشياء خارجة عنك ، ~~ولا الجنة والنار ، إنما هي أشياء فيك ، فإذا سرت وصفوت تبينت إن شاء الله ~~، وسيأتي تحقيق هذا في المقصد الآتي إن شاء الله. PageV01P307 ### ||| * وصل # وإذ ثبت أن الآخرة داخل حجب السموات والأرض ، فما لم ينهدم بناء الظاهر ~~لم ينكشف أحوال الباطن ؛ لأن الغيب والشهادة لا يجتمعان ، ولهذا ورد في ~~الحديث : «لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول : الله الله» (1). # ومنزلتها من هذا العالم منزلة هذا العالم من الرحم ، فلا يقوم إلا إذا ~~زلزلت الأرض زلزالها ، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ، وانتثرت الكواكب ، ~~وكورت الشمس ، وخسف القمر ، وسيرت الجبال ، وعطلت العشار ، وبعثر ما في ~~القبور ، وحصل ما في الصدور ، فما دام السالك خارج حجب السماوات والأرض فلا ~~تقوم له القيامة ، ومن مات فقد قامت قيامته. # والله سبحانه داخل هذه الحجب ، وعنده علم الساعة ، وهذا هو الجواب الحق ~~مع الكفار ms165 ، إذ قالوا : ( @QUR@06 متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) (2)، ~~فمن كان بعد على وجه الأرض مع هذه الطبيعة الحاجبة عن أنوار الآخرة لم يحشر ~~بعد إلى الله ، فإذا خرج عن الدنيا حشر إليه تعالى ، وقامت قيامته ، وإذا ~~مات الكل ينفخ الصور ، وصعق من في السماوات ومن في الأرض ، قامت القيامة ~~الكبرى ، فظهر نور الأنوار ، وانكشف ضوؤه الحقيقي ، وتجلى جمال الأحدية ، ~~فلم يبق لأنوار الكواكب عنده ظهور ، فهي مطموسة الأنوار ، مطوية السماوات ، ~~بيمين الحق ، ويتصل كل مستفيض بالمفيض عليه ، فجمع الشمس والقمر ، واتحدت ~~النفوس بالأرواح ، وزالت المباينة بين الأشباح والأرواح ، ولهذا تكون أبدان ~~أهل الجنة PageV01P308 # بصورة نفوسها ، كالشخص وظله ، ورجعت السماوات والأرض إلى ما كانتا عليه ~~قبل انفتاقهما من الرتق ، فعادتا إلى مقام الجمعية والحضور المعنوي ، من ~~هذه التفرقة. # وكذا العناصر الأربعة ، تصير كلها عنصرا واحدا ، مظلما ، وتنقلب كلها ~~نارا غير هذه النار الأسطقسية ، وتصير الهيولى كلها بحرا مسجورا ( @QUR@03 ~~وإذا البحار سجرت ) (1)، ( @QUR@03 أغرقوا فأدخلوا نارا ) (2). # وبالجملة : يتصل البر بالبحر ، ويتحد الفوق والتحت ، وتزول الأبعاد ~~والأحجام ، واتحد ذو النور مع النور ، والفعل بالفاعل ، فلم يبق من القوى ~~والحواس تأثر ، ولا للمحسوس بما هو محسوس عين ، ولا أثر ، ( @QUR@06 لا ~~يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ) (3)، ( @QUR@06 وحملت الأرض والجبال فدكتا ~~دكة واحدة ) (4)؛ لأنها أبدا في الزلزال والاندكاك من خشية الله ، لا ~~استقرار لها ، ولا جمود في الواقع ، بل الجبال كالسحاب في الذوبان والسيلان ~~، والحس يغلط فيها ، ( @QUR@08 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ~~) (5)، ( @QUR@03 فيومئذ وقعت الواقعة ) (6)، وكشف الغطاء ، ويرى كل شيء ~~على أصله ، من غير تغليط وتزويق ، فالسماء والأرض وغيرهما لكونها من ذوات ~~الأوضاع الشخصية التي ركبت من مواد وصور وأعراض مختلفة قام بها نحو وجودها ~~المحسوس الذي PageV01P309 # مظهره الحواس وانفعالاتها ، فليس لها في مشهد آخر هذا النحو من الوجود ~~الذي تنفعل منه الحواس ، بل يشاهد هذه الأشياء في عرصة الآخرة بحقائقها ، ~~بمشعر أخروي يتنور بنور ملكوت الله شأنه مشاهدة الأصل ، والمخبر ، وملاحظة ~~الباطن والسر ، فيشاهد الجبال كالعهن المنفوش ؛ لضعف وجودها ، ويتحقق بمعنى ~~قوله تعالى ms166 : ( @QUR@016 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا* فيذرها ~~قاعا صفصفا* لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) (1). # وتحضر الخلائق كلهم في عرصات القيامة ، فإذا هم بالساهرة ؛ إذ لا نوم ~~فيها ، وتنكشف الأغطية والحجب لأهل البرازخ ، وترتفع الحواجز كما قال تعالى ~~: ( @QUR@04 وبرزوا لله الواحد القهار ) (2). # والمتخلصون عند ذلك عن البرازخ يتوجهون إلى الحضرة الربوبية ( @QUR@07 ~~فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) (3)، ( @QUR@010 إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) (4)، إذ عدمت عند ذلك الآجال ، وزالت ~~السنون والساعات ، ولا يبقى إلا الله الواحد القهار ، الذي إليه مصير جميع ~~الأمور ، بلا وقت وزمان ، ولا حيز ولا مكان ، فلا قبل يومئذ ، ولا بعد ، ~~ولا هنا ، ولا هناك ، ولا ستر ، ولا حجاب ، وتبدل الأرض غير الأرض ، فتمد ~~مد الأديم ، وتبسط فلا ترى فيها عوجا ، ولا أمتا ، تجمع فيها الخلائق من ~~أول الدنيا إلى آخرها ؛ لأنها يومئذ مبسوطة على قدر تسع الخلائق كلها ، ومن ~~أطلق الله حقيقته عن قيد الزمان والمكان يعرف أن مجمع الزمان وما يطابقه ~~كساعة واحدة هي شأن PageV01P310 # واحد من شؤون الله ، مشتمل على شؤون التجليات الواقعة في كل يوم وساعة. # وكذا مجموع الأمكنة الواقعة في كل وقت ، فكما اتصلت الآنات في نظر شهوده ~~، اتصلت الأمكنة التي في كل آن. # فعلى هذا القياس اتصلت الأرض الموجودة الآن مع الأراضي الموجودة في ~~الآزال والآباد ، فهكذا تصير الأراضي كلها أرضا واحدة ، فيها الخلائق كلها ~~، عند شهود الملائكة والنبيين والشهداء ، كما قال الله عز وجل : ( @QUR@012 ~~وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق ) (1). ### ||| * وصل # قال أستاذنا دام ظله : ولنمثل لاجتماع الخلائق عند الله في يوم واحد ، ~~على ساهرة ، بمثال واحد جزئي ، وهو أن ملاقاة الكرة المدحرجة مع السطح ~~المستوي لا تكون في كل آن ، ولا في كل زمان من أزمنة السكون ، إلا بنقطة ~~واحدة متعينة ، وتكون ملاقاتها معه في زمان الحركة الدورية بخط متصل واحد ، ~~بل بنقطة واحدة تجمع النقاط كلها ، لا كجمعية النقاط التي تكون في مقدار ~~قار ساكنة ، بل ms167 جمعية أخرى انطوت بسببها جميع أجزاء الخط ، وجميع النقاط ~~التي كل منها واقعة في آن غير آن صاحبتها ، في نقطة الملاقاة. فكذلك حال ~~اجتماع الخلائق في عرصة القيامة عند الله. PageV01P311 ### ||| * وصل # قال مد ظله : ومما يثبت ذلك عقلا أن الزمان بكميته الاتصالية شخص واحد ~~موجود في وعاء الدهر ، وكذا الحركة القطعية بامتدادها الاتصالي لها هوية ~~مقدارية حاضرة عند الباري جل ذكره ، وعباده المقربين المقيمين عنده من ~~الملائكة والنبيين والشهداء ، وكذا كل ما يقترن الزمان والحركة لها حضور ~~جمعي يوم الجمع ، لا ريب فيه ، فسطح الأرض وإن كان في كل زمان بجملة ما ~~عليه غير ما هو في زمان آخر ، سابقا كان ، أو لاحقا ؛ لعدم اجتماع أجزائه ~~كلها ، ولعدم حضور ما يقارنها ويوازيها من المتجددات والمتغيرات عند ~~المحبوسين في سجن المكان المقيدين بقيود الزمان ، بل في كل زمان يسع وجه ~~الأرض عددا معينا محصورا من الخلائق ، ثم تفرغ عنها وتسع خلقا جديدا غيرها ~~، إلا أنه إذا انكشف الغطاء ، وأخذت جملة الزمان متصلا واحدا ، كما هو عند ~~المرتفعين عن قيود عالم الزمان والمكان ، كان يجب أن يتصور شكل وجه الأرض ~~على هيئة سطح واحد متصل ، يتضمن جميع السطوح الأرضية الموجودة ، كل منها في ~~زمان معين من الأزمنة الكائنة من ابتداء وجود العالم ، إلى انتهائه ، وتكون ~~جميع هذه السطوح التي لا يمكن إحصاؤها سطحا واحدا ، يسع الخلائق كلها ، يوم ~~القيامة ، الموجودة في الآزال والآباد ، وإذا أخذ ذلك السطح على هذا الوجه ~~لم يكن من ذوات الأوضاع الحسية ؛ إذ ليس حاصلا في جهة معينة من الجهات ، ~~ولا في زمان معين من الأزمنة ، ولا محسوسا بإحدى هذه الحواس ، بل إنما يدرك ~~بحواس الآخرة. # وهكذا مجموع الأمكنة إذا أخذت جملة واحدة لم يكن موجودا حسيا له PageV01P312 # وحدة حسية ، بل موجودا عقليا له وحدة عقلية. # وهكذا مجموع عالم الأجسام بما هو مجموع ليس مما يناله الحس ، بل يشعر به ~~، إما العقل بذاته ، أو بآلة من مشاعر عالم الآخرة ؛ إذ ليس لعالم الأجسام ~~كله وضع خاص ، ولا إليه ms168 إشارة حسية ، ولا له جهة ، ولا مكان ، فإذا كان ~~وجود سطح الأرض على هذا الوجه من مقدورات الله تعالى من غير شبهة ولا ريب ؛ ~~لأنه مما قاد إليه البرهان ، ويحكم به الوجدان ، ولا نزاع فيه لأحد ممن له ~~قدم راسخ في المعارف العقلية ، وحقق الأمر في نسبة المتغيرات والمتجددات ~~إلى الثابتات والكلمات التامات ، وعلم معنى الدهر والسرمد ، ونحو وجود ~~الحركة بهويته الاتصالية ، والزمان بكميته الامتدادية التجددية ، وما ~~انطبقا عليه ، ووجدا معه ، وبه ، بالذات أو بالعرض ، فكيف تقصر قدرته جلت ~~كلمته عن جميع الخلائق كلها دفعة واحدة ، في ساهرة واحدة ، كما قال : ( ~~@QUR@07 فإنما هي زجرة واحدة* فإذا هم بالساهرة ) (1). # قال : وفي قوله سبحانه : ( @QUR@012 يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ~~وتضع كل ذات حمل حملها ) (2)، بعد قوله : ( @QUR@05 إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم ) (3)، دليل واضح على ما ذكر لدلالة الكلية على الشمول العمومي لجميع ~~المرضعات ، وذوات الأحمال ، متى كن ، وأين كن. PageV01P313 ### ||| * فصل # ولنذكر الآن جملة وجوه الفرق بين الدنيا والآخرة ، في نحو الوجود ~~الجسماني : # فمنها : أن الدنيا لا بد وأن تفنى ؛ لأنها لم تخلق لذاتها ، بل لتكون ~~وسيلة إلى تحصيل نشأة أخرى ، وتمتعا لها ، وبلغة إليها ، فلا بد من ~~انقطاعها ومصيرها إلى البوار ، والآخرة باقية أبدا ببقاء بارئها وقيومها ؛ ~~لأنها خلقت لذاتها ، لا لشيء آخر ، فهي محل الإقامة ودار القرار ، قال الله ~~تعالى حكاية عن العبد الصالح الناصح لقومه : ( @QUR@010 إنما هذه الحياة ~~الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) (1). # ومنها : أن القوة في الدنيا لأجل الفعل ، فتقدم عليه بوجه ، والفعل في ~~الآخرة متقدم على القوة ، ولأجلها ، وأيضا الفعل أشرف من القوة في الدنيا ، ~~والقوة في الآخرة أشرف من الفعل ؛ وذلك لأن معنى القوة في الدنيا كون الشيء ~~بحيث يكون من شأنه أن يصير شيئا آخر ، ومعناها في الآخرة كونه بحيث يكون من ~~شأنه أن يفعل ويفيض. # ومنها : أن الأجساد الدنيوية قابلة لنفوسها على سبيل الاستعداد ، والنفوس ~~الأخروية فاعلة لأجسادها على سبيل الاستيجاب والاستلزام ، فهاهنا مرتقى ~~الأبدان بحسب تزايد استعداداتها إلى حدود النفوس ms169 ، وفي الآخرة يتنزل الأمر ~~إلى النفوس فتنسج منها الأبدان. # ومنها : أن القوة الخيالية في الدنيا غير الحواس الظاهرة ، وفي الآخرة PageV01P314 # تصير عينها ، وتتحد معها ، كما ظهر من التحقيقات السالفة ؛ ولهذا قيل : ~~إن اللذة الخيالية لا تكون في الجنة ؛ لأنها من قضيات الوهم ؛ إذ من شأنه ~~أن يتخيل أشياء على طريق التمني فتلتذ بها النفس ، والمنى رأس مال ~~المفاليس. والآخرة دار الصدق ودار الحقائق ، ولذلك سميت الحاقة ؛ لأن فيها ~~حواق الأمور ، وليس فيها أباطيل وأكاذيب ، ولا أمنية ؛ إذ فيها ما تشتهي ~~الأنفس ، وتلذ الأعين ، نقدا (1)، وإنما التذاذهم بالوجود المشاهد. # ومنها : أن الشهوات في الدنيا تابعة للمشتهيات ، والمشتهيات في الجنة ~~تابعة للشهوات ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) ~~(2)، فما يريد يستحضر ، لا أنه يكون موجودا ثم يستحضر ، بل يستحضر فيكون ~~موجودا بالاستحضار ، فالحضور هناك ليس بقطع المسافة. # ومنها : أن باطن الإنسان يكون ثابتا في الآخرة ، فإنه عين ظاهر صورته في ~~الدنيا ، والتبدل فيه خفي ، وهو خلقه الجديد في كل آن الذي هم منه في لبس ، ~~ويكون ظاهره فيها مثل باطنه في الدنيا ، فيتنوع ظاهره هناك كما يتنوع باطنه ~~في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي ينصبغ بها انصباغا. # ومنها : أن نيل الشهوات في الآخرة لم يمنع من التجلي بخلافه في الدنيا. # قال في الفتوحات : وإنما لم يمنع نيل الشهوات في الآخرة ، وهي أعظم من ~~شهوات الدنيا ، من التجلي ؛ لأن التجلي هنالك على الأبصار ، وليست الأبصار ~~محل الشهوات ، والتجلي هنا في الدنيا إنما هو على البواطن دون الظواهر (3)، PageV01P315 # والبواطن محل الشهوات ، ولا تجتمع الشهوة والتجلي في محل واحد ، فلهذا ~~جنح العارفون الزهاد في هذه الدنيا إلى التقليل من نيل شهواتها ، والشغل ~~بكسب حطامها (1). # ومنها : أن المادة الحاملة للصور الدنيوية تحتاج إلى فاعل مباين يكملها ~~على سبيل التربية ، شيئا فشيئا ؛ لأنها في عالم الحركات والاتفاقات كمحل ~~السواد مثلا إذا زالت عنه صورة السواد يحتاج في استرجاعها إلى سبب جديد ~~مباين عن ذاته ، وهذا بخلاف المادة الحاملة للصور الأخروية ، فإنها قوة ms170 ~~نفسانية مستكفية بذاتها ، وبأسبابها الذاتية ، فإذا زالت عنها الصور ففي ~~استرجاعها يكفي تذكرها من غير حاجة إلى تجشم اكتساب من فاعل جديد ( @QUR@06 ~~لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) (2). # ومنها : أن المادة الأخروية أشرف صورة ، وأسرع قبولا للصور ، وأسهل ~~انفعالا من الفاعل ؛ لأنها ألطف جوهرا ، وأشد قربا من الروحانية بالنسبة ~~إلى المواد الدنيوية. # أو لا ترى إلى الماء لما كان جوهره ألطف من جوهر التراب كيف صار لقبول ~~الطعوم والأصباغ والأشكال أسرع ، والهواء لكونه ألطف منهما كيف يقبل ~~الأصوات والروائح والأشكال أسهل مما يقبلانه؟ # ثم الأرواح الحيوانية والأنوار الحسية لكونها ألطف من الثلاثة كيف تقبل ~~الصور المحسوسة بها دفعة بلا مهلة؟ ولطافة جواهر النفوس على تفاوت مراتبها ~~في اللطافة والكثافة أشد بكثير من لطافة الأنوار المحسوسة والأضواء ؛ ولهذا PageV01P316 # تقبل رسوم سائر المحسوسات والمتخيلات والمعقولات عند كونها في مراتب ~~أنوار الحس والخيال والعقل ، على تفاوتها في اللطافة والنورية ، ويقدر ~~الإنسان أن يستحضر في قوته المتخيلة من الممكنات ما لا يقدر أن يستحضرها في ~~قوة حسه ؛ لأن تلك القوة أخروية ، وهذه دنيوية ، وتلك تدرك وتستحضر من داخل ~~وغيب ، وهذه تدرك وتستحضر من خارج وشهادة ، وعالم الغيب أفسح ، ومجالها ~~أبسط ، وهكذا قياس القوة العقلية في اللطافة والنورية ونسبتها إلى ما تقبله ~~من رسوم أنوار العقليات. # ومنها : أن الأرض في النشأة الأولى تثبتنا ، فنتثبت منها ، وفي النشأة ~~الآخرة تخرجنا إخراجا على الصورة التي يشاء الحق أن يخرجنا عليها ، كما قال ~~عز وجل : ( @QUR@03 وأخرجت الأرض أثقالها ) (1)، ( @QUR@03 يومئذ تحدث ~~أخبارها ) (2)، أي تبرزها فيها ، وتحدث بأنه ما بقي فيها مما اختزنته شيء. # ومنها : أن الدار الآخرة دار لا فاعل ولا مؤثر هناك إلا الحق سبحانه ؛ إذ ~~الأسباب المتقابلة والعلل المتضادة مرتفعة ، وكذا الموانع والقواسر والحجب ~~منتفية في ذلك العالم ، فلا مؤثر ، ولا مالك ، إلا هو ( @QUR@03 الملك ~~يومئذ لله ) (3). # ومنها : أن الدنيا دار الحكمة والأسباب ، والآخرة دار القدرة والعجاب ، ~~فإن القدرة قد تبرز ما لا يتناهى متناهيا ، وتظهر الشيء اليسير المتناهي ~~بلا نهاية ، حتى أن الحال الواحد من أحوال ms171 أهل النار وأحوال أهل الجنة ~~يجدها صاحبها منسجا من الأزل إلى الأبد ، فيكون فيه بقدر ما بين الأزل إلى ~~الأبد ، PageV01P317 # وهو آن واحد ، ثم ينتقل منه إلى غيره ، كما يريده الله ، وهذا سر غريب ، ~~لا يكاد العقل يقبله. # سئل الصادق عليه السلام عن الرجعة ، فقال : «تلك القدرة ، ولا تنكرها إلا ~~القدرية لا تنكرها تلك القدرة لا تنكرها إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتى ~~بقباع من الجنة ، عليه غدق يقال له سنة ، فتناولها ، سنة من كان قبلكم» (1) ~~، يعني الرجعة. # ومنها : أن عدد الأبدان في الآخرة كعدد النفوس غير متناهية ؛ إذ ليس ~~بممتنع وجود الغير المتناهي فيه ؛ لعدم التضايق والتزاحم ، ونفي المواد ~~الجسمانية والتداخل والمباينة والمسامتة هناك ؛ لأنها ليست في أمكنة وأبعاد ~~، واتصال بعضها ببعض ، اتصال عقلي ، وتلاق معنوي ، وكلما كثرت الأرواح ~~المفارقة عن الأبدان المتعارفة المؤتلفة واتصل بعضها ببعض اتصال معقول ~~بمعقول ، كان التذاذ كل واحد منها بالأخرى أشد ، وكلما لحق بهم من بعدهم ~~زاد التذاذ من لحق بمصادفة الماضين ، وزادت لذات الماضين بمصادفة اللاحقين ~~، كما قال سبحانه : ( @QUR@013 ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (2)؛ لأن كل واحد منهم هوية وجودية نورية ، ~~فيعقل ذاته ، ويعقل مثل ذاته مرات كثيرة ، ولأن المتلاحقين إلى غير نهاية ~~يكون تزايد قوة كل واحد واحد ، ولذاته في غابر الزمان إلى غير نهاية ، نوعا ~~وكما وكيفا. # ومنها : أن الأجساد الدنيوية أجسام لحمية طبيعية ، مركبة من أخلاط أربعة ~~قابلة للتغيرات والاستحالات ، معرضة للآفات ، والأجساد الأخروية PageV01P318 # ليست كذلك ، قال الله تعالى : ( @QUR@08 لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا ~~فيها لغوب ) (1)، ( @QUR@07 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) (2) ~~، ( @QUR@06 لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (3). # وفي الحديث : «جرد مرد مكحلون» (4) وهم أبناء ثلاث وثلاثين (5). # ومنها : أن الموجودات الأخروية أقوى في الوجود ، وأشد تحصلا في التجوهر ~~من الحسيات الدنياوية بكثير ، كما مر بيانه مرارا. # ومنها : أن الآخرة نشأة قريبة من الله ، يتكلم فيها الإنسان مع الله ، ~~وينظر إلى الله بعين قلبه ، وينظر الله إليه ، وهذه ms172 بعيدة من الله ، دائرة ~~ذاتها ، بائدة أهلها ، هالكة ذووها ، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ، كما ~~في الحديث القدسي : ما نظرت في الأجسام مذ خلقتها. # وأما مكالمة الأنبياء عليهم السلام مع الله ، فهي من ظهور سلطان الآخرة ~~على قلوبهم. # ومنها : أن الآخرة نشأة الوجود والنور والإدراك والحضور والحياة والظهور ~~، وكل ما فيها حي مدرك ، كما ورد في الحديث أن الأنواع من الفاكهة ليقلن ~~لولي الله : يا ولي الله كلني قبل أن تأكل هذا قبلي ، وأن المؤمن إذا جلس PageV01P319 # على سريره اهتز سريره فرحا ، وفي القرآن المجيد : ( @QUR@08 وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ) (1)، وهذه النشأة موصوفة بمقابلات ~~ذلك ، وقد مضى بيان ذلك كله مستوفى. # ومنها : أن هذه النشأة الدنياوية لضعف وجودها التدريجي يحتاج الإنسان ~~مادام فيها إلى مهد المكان ، وظئر الزمان ، وكل منهما لضعف وجوده غير مجتمع ~~الوجود ، ولا قار الذات ، فوجود كل جزء منهما حضوره يقتضي فقد صاحبه وغيبته ~~، وأما النشأة الأخروية فلتمامها مستقلة بنفسها ، مستكفية بذاتها ، وكذلك ~~كل ما فيها تام قائم بذاته ، وذات مبدعه ، من غير افتقار إلى الأزمنة ، ~~والمواد المنقسمة المنفصلة المتصرمة المتقضية ، بل المجتمعة الثابتة التي ~~لا يمكن أن يخبر عنها لأهل هذا العالم المقيدين بسلاسل الزمان ، وأغلال ~~المكان ، إلا بضرب الأمثال ، كما أخبر عن زمان الآخرة ومتاها بأقل زمان ~~وألطفه ، قال تعالى : ( @QUR@09 وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~) (2)، وعن مكانها بأوسع مكان ، قال سبحانه : ( @QUR@05 وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض ) (3)، وكما أن البدء غير زماني ولا مكاني ، كما قال عز وجل ~~: ( @QUR@06 وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) (4)، فكذلك العود ( ~~@QUR@03 كما بدأكم تعودون ) (5)، ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة ) (6). PageV01P320 # ومنها : أن النفس الواحدة من النفوس الإنسانية فيها مع ما تتصوره وتدركه ~~من الصور بمنزلة عالم عظيم نفساني ، أعظم من هذا العالم الجسماني بما فيه ، ~~وأن كل ما فيها من الأشجار والأنهار والأبنية والغرف حية بحياة واحدة ذاتية ~~، هي حياة النفس التي تدركها وتوجدها ، وأن إدراكها للصور هو بعينه إيجادها ~~لها ، لا ms173 أنها أدركتها فأوجدتها ، أو أوجدتها فأدركتها ، بل أدركتها موجودة ~~، وأوجدتها مدركة ، بلا تقدم وتأخر ، ولا مغايرة ؛ إذ الفعل والإدراك هناك ~~شيء واحد ، هذا لأهل الجنة. # وأما دار جهنم فليست كذلك ؛ لأنها ليست دارا روحانية خالصة ، بل هي مكدرة ~~مشوبة بهذا العالم ، فكأنها هي هذا العالم انساق إلى الآخرة بسائق القهرمان ~~وزمام التسخير ، فالجهنمي يريد ما لا يجده ، ويشتهي ما يضره ، ويفعل ما ~~يكرهه ، ويختار ما يعذبه ، ويهرب عما يصحبه ، قائلا : ( @QUR@08 يا ليت ~~بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) (1)، وجميع مشتهياته عقاربه ~~وحياته. # وبالجملة : حقيقة جهنم وما فيها هي حقيقة الدنيا ومشتهياتها ، تصورت ~~للنفوس الشقية بصورة مؤلمة معذبة ، لها محرقة لأبدانها ، مذيبة للحومها ~~وشحومها ، مبدلة لجلودها ، مشوهة لخلقتها ، مسودة لوجوهها. # ومنها : أنه ما لم تخرب الدنيا لم توجد الآخرة ، وهذا فرقان مبين ؛ إذ لو ~~كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصح أن الدنيا تخرب ؛ لأن الدنيا إنما هي ~~دنيا بالجوهر ونحو الوجود ، لا بالتخصصات الشخصية ، والامتيازات التعينية ، ~~وإلا لكان كل يوم دنيا أخرى لتبدل الأشكال والهيئات والمشخصات ، ولكان ~~القول بالآخرة تناسخا ، ولكان البعث عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها ، وإجماع PageV01P321 # العقلاء منعقد على أن الدنيا تضمحل وتفنى ، ولا تعود ، ولا تعمر أبدا. # ومنها : أن الآخرة عالم تام لا ينتظم مع الدنيا في سلك واحد ، ولا أحدهما ~~من الآخر في جهة واحدة ، أو في اتصال واحد ، زماني أو مكاني ، بل لا مكان ~~للآخرة لا كلها ولا أجزائها ، كما دريت سابقا. # نعم ، لها إحاطة بالدنيا إحاطة الروح بالجسم ، وإنما يراها الكمل من ~~الأولياء الذين انقلبت نشآتهم إلى تلك النشأة في الدنيا ، دون غيرهم ؛ إذ ~~ليس عند غيرهم منها ومن الصور الموجودة فيها إلا الألفاظ الموضوعة شرعا ~~لأجلها من غير دلالة لها على خصوص معانيها ، إلا على الأمثلة البعيدة ، كما ~~أخبر الله سبحانه عنه بقوله : ( @QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين ) (1)، وقوله : ( @QUR@05 وننشئكم في ما لا تعلمون ) (2). # قال ابن عباس رضى الله عنه : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ms174 (3). # ومنها : أن القدرة على الإيجاد في المادة الأخروية أوسع وأكمل وأتم منها ~~على الإيجاد في المادة الدنيوية ، والتأثير فيها ؛ لأن الموجود في الدنيا ~~لا يوجد في مكانين ، وإذا صارت النفس مشغولة باستماع واحد ومشاهدته ومماسته ~~صارت مستغرقة محجوبة عن غيره ، وأما الموجود في الآخرة فيتسع اتساعا لا ضيق ~~فيه ، ولا منع ، حتى لو اشتهى مشاهدة النبي صلى الله عليه وآله مثلا ألف شخص ، ~~في ألف مكان ، في حالة واحدة ، لشاهدوه كما خطر ببالهم في الأمكنة PageV01P322 # المختلفة ، وأما الإبصار الحاصل عن شخص النبي الدنيوي فلا يكون إلا في ~~مكان واحد ، وأمر الآخرة أوسع وأوفى بالشهوات ، وأوفق لها. # وقد دريت أن كل ما يصدر من الفاعل لا بواسطة المادة الجسمانية ، فحصوله ~~في نفسه عين حصوله لفاعله ، وليس من شرط الحصول الحلول والاتصاف ، فإن صور ~~الموجودات حاصلة للباري سبحانه ، قائمة به من غير حلول ، ولا اتصاف ، وأن ~~حصول الشيء للفاعل أوكد من حصوله للقابل ، فلكل واحد من أهل السعادة في ~~الآخرة عالم فيه ما يريد ، ومن يرغب في صحبته ينشأ في لحظة عين ، أو فلتة ~~خاطر ، فالعوالم هناك بلا نهاية ، كل منها كعرض السماوات والأرض ، بلا ~~مزاحمة شريك وسهيم ، فكل عالم عالم ، والله رب العالمين جل جلاله ، وله الحمد. PageV01P323 ### | في مبدأ الوجود ، وتوحيده سبحانه ### ||| * ( @QUR@09 هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) (1) ### ||| * أصل # قد اهتديت في مواضع مما أسلفنا من الأصول إلى آيات مبينات ، لوجود المبدأ ~~، ومبدأ الوجود عز اسمه ، بطرق متعددة : # فمنها : آية أصل الوجود ، فإنه إن كان قائما بذاته غير متعلق بغيره أصلا ~~، فهو الله المبدأ المبدىء ، وإن كان قائما بغيره ، وذلك الغير يكون وجودا ~~أيضا ؛ إذ غير الوجود لا يتصور أن يكون مقوما للوجود ، فننقل الكلام إليه ، ~~وهكذا إلى أن يتسلسل ، أو يدور ، أو ينتهي إلى وجود قائم بذاته ، غير متعلق ~~بغيره أصلا. # ثم جميع تلك الوجودات المتسلسلة ، أو الدائرة ، في حكم وجود واحد في ~~تقومها بغيرها ، وهو الله القيوم جل ذكره. # ومنها : آية الإمكان والفقر ، فإنه لو لم ms175 يوجد الواجب أعني الغني بالذات ~~لم يوجد الممكن أعني المستغني بالغير فلم يوجد موجود أصلا ؛ لأن ذلك الغير ~~على هذا التقدير مستغن بالغير ، فإما أن يتسلسل ، أو يدور ، وعلى التقديرين ~~جاز انتفاء الكل بأن لا يوجد شيء منها أصلا ، فلا بد من مرجح خارج PageV01P324 # عنها ، يرجح وجودها ، وهو الله الغني بالذات ، ( @QUR@04 والله الغني ~~وأنتم الفقراء ) (1). # ومنها : آية الماهيات ، فإن كل ما له ماهية غير الوجود ، فالوجود له من ~~الغير ؛ لاستحالة كون الوجود من اللوازم للماهية ، وإلا لكان وجودها متقدما ~~على وجودها ، ولكانت موجودة ، سواء فرضت موجودة ، أو معدومة ، كما هو شأن ~~اتصاف الماهيات بلوازمها ، فلا بد بالتقريب المذكور من الانتهاء إلى ما لا ~~يكون وجوده إلا عين ذاته ، ومقتضى ذاته ، من غير افتقار إلى الغير ، وهو ~~الله الواحد الأحد جل اسمه. # ومنها : آية الجسم وتركبه من المادة والصورة ، وكون كل منهما لتلازمهما ~~ومعيتهما في الوجود مفتقرا إلى صاحبه ، فلهما موجد غيرهما ، لا يكون جسما ، ~~ولا جسمانيا ، فإن كان غنيا بالذات من جميع الوجوه ، فهو الله البارىء ، ~~وإلا فينتهي إليه لا محالة. # ومنها : آية العقل ، والتقريب ما ذكر ، فإنه يجب انتهاؤه إلى منتهى ~~الحاجات ، تعالى ذكره. # ومنها : آية النفس ، فإنها لما كانت جوهرا ملكوتيا خارجا من حد القوة ~~والاستعداد إلى حد الكمال العقلي كما يأتي بيانه مفصلا في المقصد الثاني ~~فلا بد لها من مكمل عقلي ، مخرج لها من القوة إلى الفعل ، ومن النقص إلى ~~الكمال ، ولا بد أن لا يكون عقلا بالقوة ، وإلا لكان معطي الكمال قاصرا عنه ~~، ولاحتاج إلى مخرج آخر ، أو ينتهي إلى عقل وعاقل بالفعل ، ثم إلى الله ~~المصير. # ومنها : آية الحركة ، من جهة حدوثها وتجددها وافتقارها إلى فاعل حافظ PageV01P325 # للزمان ، ومحدد للمكان ، ومفيد لجسم يقبل حركات غير متناهية ، عن قوة غير ~~متناهية إلا ما شاء الله ؛ لينتظم به وجود كل حادث ، ولا بد أيضا أن يكون ~~غاية هذه الحركات والأشواق أمرا عقليا ، لا يقع تحت تغير ونقصان ، كما ~~سنبينه فيما بعد إن شاء الله ، فالحركة دلت ms176 على وجود فاعل ، وغاية يكون ~~مقدسا عن الحدوث والأفول ، والعدم والنقصان ، والفقر والإمكان ، وهو الله ~~الحق جل كبرياؤه. ### ||| * وصل # أشرف الدلائل وأوثقها وأسرعها في الوصول ، وأغناها عن ملاحظة الأغيار ، ~~هو طريقة الصديقين ، الذين يستشهدون بالحق على كل شيء ، لا بغيره عليه ، ~~فيشاهدون جميع الموجودات في الحضرة الإلهية ، ويعرفونها في أسمائه وصفاته ، ~~فإنه ما من شيء إلا وله أصل في عالم الأسماء الإلهية ، وله وجه إلى الحق ~~سبحانه ؛ لما دريت أن كل ممكن فهو زوج تركيبي ، ولذلك لما سئل نبينا ~~صلى الله عليه وآله : بم عرفت الله؟ فقال : «بالله عرفت الأشياء». # وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «اعرفوا الله بالله» (1)، يعني انظروا ~~في الأشياء إلى وجوهها التي إلى الله سبحانه لكي تعرفوا أولا أن لها ربا ~~صانعا ، ثم اطلبوا حينئذ معرفته بآثاره فيها ، من حيث تدبيره لها ، ~~وقيوميته إياها ، وتسخيره لها ، وإحاطته بها ، وقهره عليها ، حتى تعرفوا ~~الله بهذه الصفات القائمة به ، ثم تعرفوا PageV01P326 # الأشياء بقيامها به. # ولا تنظروا إلى وجوه الأشياء التي إلى أنفسها ، أعني من حيث إنها أشياء ، ~~لها ماهيات لا يمكن أن توجد بذاتها ، بل مفتقرة إلى موجد يوجدها ، فإنكم ~~إذا نظرتم إليها من هذه الجهة تكونوا قد عرفتم الله بالأشياء ، يعني ~~أتيتموه بها ، وأقررتم بوجوده فحسب ، فلن تعرفوه إذن حق المعرفة ، فإن ~~معرفة كون الشيء مفتقرا إليه في وجود الأشياء ليست بمعرفة له في الحقيقة ، ~~على أن ذلك غير محتاج إليه ؛ لأنها فطرية ، بخلاف النظر الأول ، فإنكم ~~تنظرون في الأشياء أولا إلى الله عز وجل وآثاره من حيث هي آثاره ، ثم إلى ~~الأشياء وافتقارها في أنفسها. # فإنا إذا عزمنا على أمر مثلا وسعينا في إمضائه فلم يكن علمنا أن في ~~الوجود شيئا غير مرئي الذات يمنعنا عن ذلك ، وعلمنا أنه غالب على أمره ، ~~وأنه مسخر للأشياء على حسب مشيئته ، ومدبر لها على حسب إرادته ، وأنه منزه ~~عن صفات أمثالنا ، وهذه صفات بها يعرف صاحبها بعض المعرفة ، وفي هذه ~~الطريقة السالك ، والمسلك ، والمسلوك منه ، والمسلوك إليه ، كله واحد ، وهو ms177 ~~البرهان على ذاته تعالى : ( @QUR@07 شهد الله أنه لا إله إلا هو ) (1). # وبعد هذه الطريقة في الإحكام والشرف ، طريقة معرفة النفس ، كما أشير إليه ~~بقوله عليه السلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (2)، «أعرفكم بنفسه أعرفكم ~~بربه» (3)، وفي هذه الطريقة يكون المسافر عين الطريق ، فيمتاز عن سائر الطرق PageV01P327 # بهذا الوجه ، وبعدها سائر الطرق الآفاقية ، على تفاوت مراتبها. # وإلى الثلاث الإشارة بقوله عز وجل : ( @QUR@019 سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) (1). ### ||| * أصل # وإذ قد دريت في الأصول عدم موجودية ما سوى الموجود بالذات ، استغنيت عن ~~نفي زيادة الوجود على ذاته تعالى. # ولكنا نقول مع التنزل : لو كان حقيقته تعالى غير الوجود لافتقر إليه في ~~موجوديته ، تعالى عن ذلك ، أو نقول : لو كان وجوده زائدا عليه لم يكن في حد ~~ذاته مع قطع النظر عن العوارض موجودا ، وكل ما كان كذلك فهو فقير محتاج ؛ ~~لأن اتصافه بالوجود لا يجوز أن يكون بسبب ذاته ؛ لاستلزامه تقدم الشيء ~~بالوجود على نفسه ، فتعين أن يكون بسبب غيره ، فيكون مفتقرا إلى ذلك الغير ~~، هذا خلف. # بل نقول : إنه سبحانه لا ماهية له سوى الوجود البحت ، سواء كانت متأصلة ، ~~أو غير متأصلة ، وإلا لكان العقل أن يحلله إلى ماهية ووجود ، ويحكم عليه ~~بعدم الوجود في مرتبة الماهية من حيث هي هي ، مع أنها مرتبة من مراتب نفس ~~الأمر ، فلا يكون وجودا تاما متأكدا غنيا من جميع الوجوه ، هذا خلف. # وأيضا : كل ماهية فنفس تصورها لا تأبى أن تكون لها جزئيات ، وكلما وقع من ~~جزئيات كلي بقي الإمكان بعد ، فلو كان له سبحانه ماهية فلا يجوز أن PageV01P328 # تكون تلك الماهية ممتنعة لذاتها ، وإلا لم يوجد هذا الفرد منها. ولا ~~ممكنة ، وإلا لم يكن هذا واجبا لذاته. ولا واجبة ، وإلا لم تنعدم الأفراد ~~الأخر ، وإن امتنعت بسبب غير نفس الماهية فتكون ممكنة في نفسها ، وقد فرضت ~~واجبة ، هذا خلف. # كذا أفاد بعض العلماء (1). ### ||| * أصل # وإذ ليس له سبحانه ms178 ماهية سوى الوجود البحت ، فلا يمكن تصوره بوجه من ~~الوجوه ، وإلا لكان الوجود الخارجي العيني من حيث هو وجود عيني وجودا ذهنيا ~~، هذا خلف. كذا أفاد أستاذنا دام ظله . # وإذا استحال تصوره استحال أن يكون له أجزاء ذهنية ، وإذ لا يتقدم عليه ~~شيء فليس له أجزاء عينية ؛ لتقدم الجزء على الكل بالضرورة ، وكيف يكون له ~~جزء وكل ذي جزء فإنما هو بجزئه يتقوم ، وبتحققه يتحقق ، وإليه يفتقر ، وهو ~~سبحانه غني عن العالمين. # وأيضا هو سبحانه عين الوجود ، وقد بينا أن الوجود لا جزء له ، لا عينا ، ~~ولا ذهنا. # وأيضا : إما أن يكون شيء من أجزائه عين الوجود الأتم ، فيكون الغني ~~بالذات ذلك الجزء ، والجزء الآخر خارجا عنه ، ولا يكون الكل حينئذ عين ~~الوجود الأتم ؛ ضرورة تغاير الكل والجزء ، أو لا يكون شيء منها ذلك ، فيجوز PageV01P329 # للعقل تحليل كل منها إلى شيء ووجود ، ويلزم أن يكون الكل كذلك ، مع أنا ~~قد بينا بطلانه. # وأيضا : إن كان شيء من أجزائه غنيا ، أو فقيرا ، مستندا إلى غني آخر ، ~~لزم تعدد الغني بالذات ، وسنبطله ، وإن كانت كلها فقراء مستندة إليه ، فلا ~~يكون شيء منها موجودا في مرتبة ذاته ، فإما أن يستغني عنها في تلك المرتبة ~~، ويتم بدونها ، فلا يكون شيء منها جزءا ، أو لا ، فلا يكون غنيا بالذات ، ~~بل ولا موجودا في تلك المرتبة ، تعالى عنه. # أو نقول : مع الاستناد إليه ، يلزم تقدم الشيء على نفسه ؛ ضرورة تغاير ~~الكل للأجزاء ، هذا خلف. # وهذا البرهان مما ألهمت به. ولله الحمد. # وإذ ليس له سبحانه جهة فقر أصلا فلا أغنى منه ، ولا أتم ، ولا أشد ، ولا ~~أقدم ، بل هو غير متناه في الفناء والتمامية والشدة والتقدم ؛ إذ لو كان ~~متناهيا في شيء من ذلك لكانت تتصور مرتبة فوقه يكون فاقدا لها ، مفتقرا ~~إليها ، هذا خلف. فلا يحده حد ، ولا يضبطه رسم ( @QUR@08 ولا يحيطون به ~~علما* وعنت الوجوه للحي القيوم ) (1). PageV01P330 ### ||| * أصل # وإذ ثبت أن حقيقته تعالى هو الوجود البحت الغير المتناهي ، ثبت أنه تعالى ~~واحد ، لا شريك ms179 له ؛ إذ لا تعدد في صرف شيء ، ونعم ما قيل : صرف الوجود ~~الذي لا أتم منه ، كلما فرضته ثانيا فإذا نظرت فهو هو ؛ إذ لا ميز في صرف ~~شيء ، فإذن شهد الله أنه لا إله إلا هو. # وأيضا لو اقتضى ذاته من حيث هو ، ولأنه غني بذاته أن يكون هذا بعينه فلا ~~يصح أن يكون غيره ، وإن كان بسبب ما صار هذا فيكون هذا فقيرا ، هذا خلف. # فإذن لا إله إلا هو. # وأيضا لو تعدد فلا يمتاز أحدهما عن الآخر بنفس ما اشتركا فيه ، ولا ~~بلازمه ، وهو ظاهر ، ولا بعارض غريب ؛ إذ ليس وراء هما مخصص ، وإن خصص ~~أحدهما نفسه وصاحبه فيكونان قبل التخصص متعينين لا بالمخصص ، هذا خلف. فلم ~~يكن له كفوا أحد. # وأيضا إما أن تقتضي ذاته الوحدة ، فلا يكون إلا واحدا ، أو التعدد ، فلا ~~يوجد في واحد ، وإذ لا واحد فلا متعدد ، هذا خلف ، أو لا ذا ولا ذاك ~~فتتساوى نسبة مراتب الأعداد إليه ، فالتعين إما لمرجح ، فيفتقر إليه ، أو ~~لا لمرجح ، فيلزم الترجيح بلا مرجح ، فلا ند له. # ويلزم من الشق الثاني أيضا أن لا يوجد بمحوضته وصرافته ، وأن يتقدم عليه ~~شيء ما ، فإن كل عدد يتأخر عما دونه بالطبع ، وأن يفتقر إلى الأفراد PageV01P331 # وإلى الأمور الزائدة على الذات. ويلزم من الأول عدم موجوديته في مرتبة ~~الذات ، ومن الثاني والثالث مع الافتقار أن لا يكون غير متناه في القدم. ~~ومن الرابع مع ذينك أن لا يكون التعدد مقتضى الذات ، من حيث هو هو ، وهو ~~خرق الفرض. # وأيضا لو تعدد فإما أن يفتقر كل منهما أو أحدهما إلى الآخر ، فلا يكون ~~غنيا مطلقا ، ولا وجودا تاما ، أو يستغني عنه فيكون المستغنى عنه عادما ~~لكمال ما هو فقر كل شيء إليه ، ومفتقر في تحصيله إلى غيره ، ولزم المحذور ~~أيضا ف ( @QUR@08 لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ) (1). # وأيضا لو كان بينهما علاقة ذاتية موجبة لتعلق أحدهما بالآخر لزم فقرهما ، ~~أو فقر أحدهما ، وإلا فيكون لكل منهما كمال ms180 وجودي ليس للآخر ، ولا مستفادا ~~منه ، فيتركب كل منهما من حصول شيء وفقدان شيء آخر ، فلا يكون ذاته وجودا ~~خالصا تاما ، ولا واحدا حقيقيا ، هذا خلف. فليس معه من إله. # وهذا البرهان لأستاذنا سلمه الله . # وأيضا يلزم أن يكون أثر أحدهما بعينه ممكنا أن يكون أثر الآخر ؛ ~~لاتفاقهما في الحقيقة ، أعني الوجود الأتم ، فاستناده إلى أحدهما دون الآخر ~~يوجب ترجحا بلا مرجح ، وصدوره عنهما جميعا يوجب صدور أمر واحد بالشخص عن ~~متعدد ، وكلاهما محال ، فإذن لو كان في السماوات والأرض آلهة إلا الله ~~لفسدتا ، فإن عدم الأثر فساد. PageV01P332 ### ||| * أصل # وإذ هو واحد فلا شريك له في الإيجاد ؛ لاستناد الكل إليه تعالى ، ولا ~~ينافي ذلك إثبات الوسائط والروابط من الملائكة العمالة بإذنه تعالى ؛ إذ لا ~~تأثير لها أصلا في الإيجاد ، بل في الإعداد وتكثير الخيرات ، فإن من ~~الفقراء ما فقره اللازم لماهيته كاف في صدوره عنه سبحانه من غير شرط ، ~~ومنها ما لا يكفي فقره ، بل لا بد من حدوث أمر قبله حتى يستعد به للصدور ~~عنه تعالى ، فإذن له الخلق والأمر. # وأيضا لا يجوز أن يفيض الوجود إلا ما هو بريء من جميع جهات الفقر ، وإلا ~~لكان للعدم شركة في إفادة الوجود ، وليس ما هذا شأنه سوى الله ، أو ما ~~أغناه الله بحيث استهلك غناؤه في غنائه تعالى ، فالكل من عند الله تعالى. # سؤال : لم لا يجوز أن تكون إفاضته الوجود من جهة غنائه فحسب؟ # جواب : لأن المفيض بالذات على هذا التقدير إنما تكون تلك الجهة ، وهي له ~~مستفادة من الغير ؛ لما دريت أن كل فقير بالذات من جهة ما فهو فقير بالذات ~~من جميع الجهات ، فالمفيض بالحقيقة ذلك الغير دونه ، وتلك الجهة إنما تكون ~~مستهلكة في غناء ذلك الغير ، لا يكون أمرا وراءه ، بل شأنا من شؤونه إن كان ~~، على أنها ليست تمام ما فرضناه مفيضا للوجود ، فلا يكون ما فرضناه مفيضا ~~مفيضا ، بل غيره ، هذا خلف. # وسيأتي لهذا مزيد بيان وبرهان ، من كلام أستاذنا دام ظله . PageV01P333 # تمثيل : نسبته ms181 تعالى إلى ما سواه ( @QUR@03 له المثل الأعلى ) (1) نسبة ~~نور الشمس لو كان قائما بذاته إلى الأجسام المستنيرة به ، المظلمة بحسب ~~ذواتها ، فإنه بذاته منير ، وبسببه تستنير تلك الأجسام ، فإذا أشرقت الشمس ~~على موضع وأنارته ، ثم حصل من ذلك النور نور آخر ، فلا جرم يحكم بأن النور ~~الثاني من الشمس ، ويستند إليه ، فكذلك حال وجودات الأشياء بالنسبة إلى ~~الله تعالى ، فالله غالب على أمره ، وهو القاهر فوق عباده ، ليس شأن ليس ~~فيه شأنه. ### ||| * وصل # وكما أن ائتلاف أعضاء الشخص الواحد الإنساني منتظمة في رباط واحد ، ~~منتفعة بعضها عن بعض مع اختلافها وامتياز بعضها عن بعض ، يدل على أن مدبرها ~~وممسكها عن الانحلال قوة واحدة ، ومبدأ واحد ، فكذلك ارتباط الموجودات ~~بعضها ببعض ، على الوصف الحقيقي والنظم الحكمي ، دليل على أن مبدعها ~~ومدبرها ، وممسك رباطها عن أن ينقصم ، واحد حقيقي ، يمسك السماوات والأرض ~~أن تزولا ، إذ لو كان معه من إله لتميز صنع بعضهم عن بعض ، فينقطع الارتباط ~~ويختل النظام ( @QUR@014 إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~سبحان الله عما يصفون ) (2). # سئل مولانا الصادق عليه السلام : ما الدليل على أن الله واحد؟ قال : ~~«اتصال التدبير ، وتمام الصنع ، كما قال عز وجل : ( @QUR@06 لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله PageV01P334 # @QUR@01 لفسدتا ) (1)» (2). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام في وصاياه لابنه الحسن عليه السلام : ~~«واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ~~، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنه إله واحد ، كما وصف نفسه ، لا يضاده في ~~ملكه أحد ، ولا يزول أبدا» (3). ### ||| * وصل # كل ما سمعت في بيان التوحيد كان إشارة إلى التوحيد الألوهي ، وهو توحيد ~~الأنبياء صلوات الله عليهم ، وتوحيد الظاهر ، وعليه نبه قول الله سبحانه : ~~( @QUR@026 قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) (4). # وقول نبينا صلى الله عليه وآله : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله» (5). # والشرك المقابل لهذا ms182 التوحيد هو الشرك الجلي ، وإليه الإشارة بقول الله ~~سبحانه : ( @QUR@09 واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) (6). # وهاهنا توحيد آخر أعلى وأجل وأشرف وأكمل ، وهو التوحيد الوجودي ، PageV01P335 # وهو توحيد الأولياء عليهم السلام ، وتوحيد الباطن ، وعليه نبه قوله سبحانه ~~: ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) (1)، وقول النبي صلى الله عليه وآله : ~~«لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله» (2). # والشرك المقابل لهذا التوحيد ، هو الشرك الخفي ، وإليه الإشارة بقوله ~~سبحانه : ( @QUR@07 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) (3)، وقول ~~النبي صلى الله عليه وآله : «دبيب الشرك في أمتي أخفى من دبيب النملة السوداء ~~على الصخرة الصماء (4) في الليلة الظلماء» (5). # وقد بينوا هذا التوحيد ببيانات وعبارات ، ولكن ما اتفق أيضا لأحد كما ~~اتفق لأستاذنا أدام الله أيام بركاته و ( @QUR@06 ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ) (6)، وها نحن ذاكرون برهانه وبيانه دام ظله فاستمع : PageV01P336 ### ||| * وصل # قد دريت أن الإيجاد هو إبداع هوية الشيء وذاته التي هو نحو وجوده الخاص ، ~~فكل ما هو مفتقر إلى موجد فهو في ذاته متعلق ومرتبط إليه ، فيجب أن تكون ~~ذاته بما هي ذاته عين معنى التعلق والارتباط ؛ إذ لو كانت حقيقة غير التعلق ~~والارتباط بالغير ، أو يكون التعلق بموجده صفة زائدة عليه ، وكل صفة زائدة ~~على الذات فوجودها بعد وجود الذات ؛ لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له ~~، فلا يكون ما فرضناه مفتقرا مفتقرا ، بل غيره ، فيكون ذلك الغير مرتبطا ~~إليه ، ويكون هذا المفروض مستقل الحقيقة ، مستغني الهوية عن السبب الفاعلي ~~، وهو خرق الفرض. # فإذا ثبت أن كل فاعل بما هو فاعل فاعل بذاته ، وكل مفعول بما هو مفعول ~~مفعول بذاته ، وثبت أيضا أن ذات كل منهما عين وجوده ؛ إذ الماهيات أمور ~~اعتبارية فالمسمى بالمفعول ليس بالحقيقة هوية مباينة لهوية فاعله المفيضة ~~إياه ، منفصلة عنها ، حتى تكون هناك هويتان مستقلتان ، إحداهما مفيضة ، ~~والأخرى مستفاضة ، أي موصوفة بهذه الصفة ، وإلا لم تكن ذاته بذاته مفاضة ، ~~فانفسخ ما أصلناه من كون الفاعل فاعلا بذاته ، والمفعول مفعولا بذاته ، ~~فإذن المجعول ms183 بالجعل البسيط الوجودي لا حقيقة له متأصلة سوى كونه مضافا إلى ~~فاعله بنفسه ، ولا معنى له منفردا غير كونه متعلقا به ، وتابعا له ، وما ~~يجري مجراهما. # كما أن الفاعل كونه متبوعا ومفيضا عين ذاته ، وإذا تحقق هذا وقد ثبت ~~تناهي الوجودات إلى حقيقة واحدة ظهر أن لجميع الوجودات أصلا واحدا ذاته PageV01P337 # بذاته فياض الموجودات ، وبحقيقته محقق للحقائق ، وبسطوع نوره منور ~~للسماوات والأرض ، فهو الحقيقة ، والباقي شؤونه ، وهو الذات ، وغيره أسماؤه ~~ونعوته ، وهو الأصل ، وما سواه أطواره وفروعه ، ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا ~~وجهه ) (1). # ولنبين ذلك ببيان آخر ، وإن كانت هذه المعاني لا تدخل تحت البيان ، ولا ~~قوة إلا بالله. ### ||| * وصل # قد دريت في الأصول أن وحدة المعقولات ليست كوحدة المحسوسات ، وحدة عددية ~~، بل هي وحدة حقيقية جمعية ، لا تنافيها الكثرة من وجه ؛ لأنها منزهة عن ~~الحصر والتقيد في مدلول الواحدية والوحدة ، فما ظنك بوحدة مبدأ الكل التي ~~هي فاعل الوحدات والكثرات جميعا ، فهي أولى بالتنزه عما يفهمه الجمهور من ~~مفهومي الوحدة والكثرة ، سيما وتلك الوحدة عين ذاته تعالى ، فلا يجوز أن ~~يتوقف تعقلها على تعقل الكثرة ، بل نسبة كل واحدة من الوحدة والكثرة إليها ~~من حيث هي كذلك على السواء ، كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين ~~عليه السلام بقوله : «كل مسمى بالوحدة غيره قليل» (2)، يعني : أنه واحد ~~كثير ، لقوله أيضا : «الأحد لا بتأويل العدد» (3). PageV01P338 # فهو سبحانه واحد من كل وجه بهذا التقرير ؛ إذ هو الذي ليس معه إلا هو ، ~~ومن هنا قيل : هو هو في أنا وأنت وهو ، فهو هو وحده لا إله إلا هو ، وفي ~~أسمائه سبحانه ، يا هو ، يا من هو ، يا من لا هو إلا هو. # قال بعض العلماء : المتفرد بالوجود هو الله سبحانه ؛ إذ ليس موجود معه ~~سواه ، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته ، لا قوام له بذاته ، بل هو قائم به ~~، فلم يكن موجودا معه ؛ لأن المعية توجب المساواة في الرتبة ، والمساواة في ~~الرتبة نقصان في الكمال ، بل الكمال لمن لا نظير له في رتبته ms184 ، وكما أن ~~إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصا في الشمس ، بل هو من جملة كمالها ~~، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويها في الرتبة. فكذلك وجود كل ما ~~في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة ، فيكون تابعا. # فإذن معنى الربوبية التفرد بالوجود ، وهو كمال. انتهى كلامه (1). # ونزيدك بيانا مما ألهمت به ، فاستمع ، وعه : ### ||| * وصل # قد بينا وجوب انتهاء كل جهة من جهات الفقر إلى غني بالذات من تلك الجهة ، ~~وبينا أن الغني بالذات واحد ، وقد ثبت أن الاختلاف النوعي في الوجودات لا ~~بد وأن يكون مستندا إلى اختلاف جهات في الفاعل ، ودريت أن المستغني بالغير ~~إنما يكون من سنخ موجده المغني له ، ليس له هوية ووجود غير هويته ووجوده. PageV01P339 # فظهر من هذه المقدمات أن للغني بالذات بإزاء كل نوع من أنواع الموجودات ~~جهة هي مبدأ أفراد ذلك النوع ، متحدة معها نحوا من الاتحاد ، بل هي عين كل ~~واحد منها ، فإن وحدتها ليست عددية من جنس وحدات الأشياء حتى يحصل من ~~تكررها الأعداد ، كما عرفت ، والاتحاد فرع الاثنينية. # وقد دريت أن ليس للمفيض والمستفيض هويتان ، وإطلاق مثل هذه الألفاظ من ~~ضيق العبارة ، فإذن تلك الأفراد من حيث وجوداتها واستغنائها بتلك الجهة ~~ليست أمورا وراء تلك الجهة ، وأما من حيث ذواتها فهي معدومات صرفة. # وتلك الجهات هي أسماء الله الحسنى ، وسيأتي بيانها ، وأنها على وجه لا ~~يوجب تكثرها تكثرا في الذات الأحدية بوجه من الوجوه أصلا ، بل إنها ليست ~~لها وجودات وراء الذات ، وإلا لزم تعدد الغني بالذات ، إن كانت أغنياء ، ~~والتسلسل والانتهاء إلى جهات أخرى متكثرة في الذات إن كانت فقراء ، وكلها ~~محالات. # فإذن هي نفس الذات ، مع تعين ما ، فهو سبحانه مع وحدته الحقة وبساطته ~~الحقيقية من كل وجه ، كل الأشياء ، وليس هو شيئا من الأشياء ؛ لأن وحدته ~~وحدة حقيقية ، لا مكافىء لها في الوجود ، ولهذا كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة ، ولو قالوا : ثالث اثنين لم يكونوا كفارا إذ ( @QUR@013 ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ms185 رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم )، فهو رابع ~~الثلاثة ، وسادس الخمسة ، ( @QUR@09 ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ~~) (1)، فهو بكل مكان ، وفي كل حين وأوان ، ومع كل إنس وجان ، «مع كل شيء ~~لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة» (2)، وهو معكم أينما كنتم. PageV01P340 ### ||| * وصل # وأيضا لو لم يكن هو سبحانه بوحدته كل الأشياء لكانت ذاته متحصلة القوام ~~من هوية أمر ، ولا هوية أمر ، فيكون مركبا ، ولو في العقل ؛ وذلك لأن ما به ~~الشيء هو هو ، غير ما به ، يصدق عليه أنه ليس هو ، فإنا إذا قلنا مثلا : ~~الإنسان يسلب عنه الفرس، أو الفرسية ، فليس هو من حيث هو إنسان ، لا فرس ، ~~وإلا لزم من تعقله تعقل ذلك السلب ؛ إذ ليس سلبا بحتا ، بل سلب نحو من ~~الوجود ، فكلما كان الشيء أبسط ، فهو أحوط للوجود ، وأشمل ، وبالعكس ، كذا ~~أفاد أستاذنا ، دام ظله (1). # فهو سبحانه لما كان مجرد الوجود ، القائم بذاته من غير شائبة كثرة أصلا ، ~~فلا يسلب عنه شيء من الأشياء ، فهو تمام كل شيء وكماله ، والمسلوب عنه ليس ~~إلا قصورات الأشياء ، فما من ذرة من ذرات العالم إلا وهو محيط بها ، قاهر ~~عليها ، أقرب من وجودها إليها ؛ لأنه تمامها ، وتمام الشيء أحق به ، وأوكد ~~له من نفسه. # ومن هنا قال تعالى : ( @QUR@06 وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) (2)، ~~ونحن أقرب إليه منكم ( @QUR@06 ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) (3)، ( ~~@QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) (4). PageV01P341 ### ||| * وصل # كيف لا يكون الله سبحانه كل الأشياء ، وهو صرف الوجود الغير المتناهي شدة ~~وقوة وغنى وتماما ، فلو يخرج عنه وجود لم يكن محطيا به ؛ لتناهي وجوده دون ~~ذلك الوجود ، تعالى عن ذلك ، بل إنكم لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط ~~على الله (1)، و ( @QUR@09 فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) (2). # قال بعض السالكين : ما رأينا شيئا إلا ورأينا الله بعده. # فلما ترقوا عن تلك المرتبة درجة من المشاهدة والحضور قالوا : ما رأينا ~~شيئا إلا ورأينا ms186 الله فيه. # فلما ترقوا قالوا : ما رأينا شيئا إلا ورأينا الله قبله. # فلما ترقوا قالوا : ما رأينا شيئا سوى الله. # والأولى مرتبة الفكر ، والاستدلال عليه ، والثانية مرتبة الحدس ، ~~والثالثة مرتبة الاستدلال به ، لا عليه ، والرابعة مرتبة الفناء في ساحل ~~عزته ، واعتبار الوحدة المطلقة محذوفا عنها كل لاحق. ### ||| * وصل # وإذ ليست وحدته سبحانه عددية ، فليست معيته للأشياء بممازجة ، ولا PageV01P342 # مداخلة ، ولا حلول ، ولا اتحاد ، ولا معية في درجة الوجود ، ولا في ~~الزمان ، ولا في الوضع، تعالى عن ذلك كله علوا كبيرا. # فهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وكل ظاهر غيره غير باطن ، وكل باطن ~~غيره غير ظاهر ، لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ منها ~~فيقال : هو منها بائن. # الظاهر لا يقال مما ، والباطن لا يقال فيما. ### ||| * وصل # قد ظهر من هذه التحقيقات أن الموجودات على تباينها في الذات والصفات ~~والأفعال، وترتبها في القرب والبعد من الحق الأول ، والذات الأحدية ، ~~تجمعها حقيقة واحدة إلهية ، جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أن ~~المركب من المجموع شيء واحد هو الحق سبحانه ، حاشا الجناب الإلهي عن وصمة ~~الكثرة والتركب ، بل بمعنى أن تلك الحقيقة الإلهية مع أنها في غاية البساطة ~~والأحدية ينفذ نورها في أقطار السماوات والأرضين ، فما من ذرة إلا وهو محيط ~~بها ، قاهر عليها عن سلطانه. ### ||| * وصل # في الكافي والتوحيد ، بإسنادهما عن الصادق عليه السلام ، أنه قال رجل عنده ~~: الله أكبر ، فقال عليه السلام : الله أكبر من أي شيء؟ فقال : من كل شيء ، ~~فقال الصادق عليه السلام : حددته ، فقال الرجل : كيف أقول؟ قال : قل : الله ~~أكبر أكبر من أن PageV01P343 # يوصف (1). # وفي رواية أخرى أنه عليه السلام قال : «وكأنه ثمة شيء ، فيكون أكبر منه ، ~~فقيل : فما هو؟ قال : الله أكبر من أن يوصف» (2). # وفي التوحيد ، عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه سئل عن وجه الرب تعالى ~~، فدعا بنار وحطب ، فأضرمه ، فلما اشتعلت قال : أين وجه النار؟ قال السائل ~~: هي وجه من جميع حدودها ، قال : هذه النار مدبرة مصنوعة لا نعرف وجهها ms187 ، ~~وخالقها لا يشبهها ( @QUR@08 ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله ) (3)، لا يخفى على ربنا خافية (4). ### ||| * وصل # كل ما قيل ، أو يقال في تقسيم التوحيد ومراتبه ، ثنائيا وثلاثيا ورباعيا ~~وخماسيا ، فلا يخرج عن هذين القسمين : الألوهي والوجودي ، إلا توحيد الحق ~~سبحانه ذاته ، فإنه خارج عنهما ؛ وذلك لأن الكلام في التوحيد المتعلق ~~بالسالك أو العباد ، وإلا فالتوحيد الحقيقي ليس إلا ذاك ، كما أشار إليه ~~الشيخ الهروي (5) PageV01P344 # بقوله : # ما وحد الواحد من واحد %~% إذ كل من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته %~% عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده %~% ونعت من ينعته لاحد # وتمام الكلام في توحيد الوجود يأتي فيما بعد ، إن شاء الله. ### ||| * أصل # وإذ قد بينا وجوب انتهاء كل من جهات الفقر إلى غني بالذات من تلك الجهة ، ~~ثبت وجوب انتهاء كمالات الوجود كلها إلى كامل بالذات فيها الذي كانت له ~~بالفعل دائما في جميع المراتب ، وكما أن مفيض الوجود ليس مسلوب الوجود في ~~مرتبة ، فكذلك واهب الكمال لا يجوز أن يكون ممنوعا في حد ذاته ؛ إذ المفيض ~~لا محالة أكرم وأعلى وأمجد من المفاض عليه ، فكما أن في الوجود وجودا قائما ~~بالذات ، غير متناه في التأكد ، وإلا لم يتحقق وجود بالغير ، فكذلك يجب أن ~~يكون في العلم علم متأكد قائم بذاته ، وفي الاختيار اختيار قائم بذاته ، ~~وفي القدرة قدرة قائمة بذاتها ، وفي الإرادة إرادة قائمة بذاتها ، وفي ~~الحياة حياة قائمة بذاتها ، حتى يصح أن تكون هذه الأشياء في شيء لا بذواتها ~~، بل بغيرها ، فإذن فوق كل ذي علم عليم ، وفوق كل ذي قدرة قدير ، وفوق كل ~~ذي سمع سميع ، وفوق كل ذي بصر بصير ، إلى غير ذلك من صفات الكمال. # ويجب أن يكون جميع ذلك واحدا حقيقيا ؛ لامتناع تعدد الغني بالذات ، فهو ~~سبحانه كما قيل وجود كله ، وجوب كله ، علم كله ، قدرة كله ، حياة كله ، لا PageV01P345 # أن شيئا منه علم ، وشيئا آخر قدرة ، ليلزم التركب في ذاته ، ولا أن شيئا ~~فيه علم ، وشيئا آخر فيه قدرة ، ليلزم التكثر في ms188 صفاته الحقيقية (1). # يعني أن ذاته بذاته ، من حيث هو هو مع كمال فرديته ، منشأ لهذه الصفات ، ~~ومستحق لهذه الأسماء ، فيكون هو نفس هذه الصفات وجودا ، وعينا ، وفعلا ، ~~وتأثيرا ، وإن كانت هي غيره بحسب المعنى والمفهوم ؛ وذلك لجواز أن توجد ~~الأشياء المختلفة ، والحقائق المتباينة ، والمفهومات المتغايرة ، بوجود ~~واحد ؛ لما دريت أن الوجود هو الأصل ، والماهيات تابعة ، ودريت أن ذاته ~~سبحانه بسيطة في غاية البساطة ، ليس له جهتا قوة وفعل ، وأنه غير متناه في ~~الغنا والتمامية والكمال ، فلا يجوز أن يكون في مرتبة من المراتب ، أو ~~باعتبار من الاعتبارات ، عرية عن كمال ما. # قال أمير المؤمنين عليه السلام : «أول الدين معرفته ، وكمال معرفته ~~التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال ~~الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل ~~موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ~~ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله» (2). # وقال الصادق عليه السلام : «هو نور لا ظلمة فيه ، وحياة لا موت فيه ، وعلم ~~لا جهل فيه ، وحق لا باطل فيه» (3). # وقال أيضا : «هو نور ليس فيه ظلمة ، وصدق ليس فيه كذب ، وعدل ليس PageV01P346 # فيه جور ، وحق ليس فيه باطل» (1). ### ||| * وصل # وكذلك لا يجوز أن تلحقه سبحانه إضافات مختلفة ، توجب اختلاف حيثيات فيه ، ~~بل لإضافة واحدة هي المبدئية تصحح جميع الإضافات ، كالرازقية ، والمصورية ، ~~ونحوهما ، ولا سلوب كذلك ، بل له سلب واحد يتبعها جميعها ، وهو سلب الفقر ، ~~فإنه يدخل تحته سلب الجسمية والعرضية وغيرهما ، كما يدخل تحت سلب الجمادية ~~في الإنسان ، سلب الحجرية والمدرية عنه. # على أن هذه الأمور من خواص الماهيات دون الوجود ، وقد بينا أنه سبحانه ~~وجود بحت ، لا ماهية له بوجه من الوجوه. ### ||| * وصل # ثم إن نسبة ذاته سبحانه وأسمائه الحسنى إلى ما سواه من الفاقرات يمتنع أن ~~تختلف بالمعية واللامعية ، والإفاضة واللا إفاضة ، وإلا فيكون بالفعل مع ~~بعض ، وبالقوة مع آخرين ، فتتركب ذاته من جهتي فعل وقوة ، وتتغير صفاته حسب ~~تغير ms189 المتجددات المتعاقبات ، تعالى عن ذلك ، بل نسبة ذاته التي هي فعلية ~~صرفة ، وغناء محض من جميع الوجوه إلى الجميع ، وإن كان من الحوادث الزمانية ~~نسبة واحدة إيجابية ، ومعية قيومية ثابتة غير زمانية ، ولا متغيرة أصلا ، ~~والكل عنده PageV01P347 # واجبات ، وبغنائه بقدر استعداداتها مستغنيات كل في وقته ومحله ، وعلى حسب ~~طاقته ، وإنما إمكانها وفقرها بالقياس إلى ذواتها وقوابل ذواتها ، وليس ~~هناك إمكان وقوة البتة. # فالمكان والمكانيات بأسرها بالنسبة إليه سبحانه كنقطة واحدة في معية ~~الوجود ( @QUR@03 والسماوات مطويات بيمينه ) (1)، والزمان والزمانيات ~~بآزالها وآبادها كان واحد عنده في ذلك ، جف القلم بما هو كائن ، ما من نسمة ~~كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ، والموجودات كلها شهادياتها ~~وغيبياتها كموجود واحد في الفيضان عنه تعالى ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم ~~إلا كنفس واحدة ) (2)، وإنما التقدم والتأخر ، والتجدد والتصرم ، والحضور ~~والغيبة ، في هذه كلها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في ~~مطمورة الزمان ، المسجونين في سجن المكان ، لا غير ، وإن كان هذا لمما ~~تستغربه الأوهام. # وأما قوله عز وجل : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن ) (3)، فهو كما قاله بعض ~~العلماء : إنها شؤون يبديها ، لا شؤون يبتديها (4)، وسيأتي الكلام في ذلك ~~في مباحث حدوث العالم ، إن شاء الله. PageV01P348 ### ||| * وصل # روى في كتاب التوحيد بإسناده الصحيح عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه ~~سئل عن قول الله عز وجل : ( @QUR@04 الرحمن على العرش استوى ) (1)، قال : ~~«استوى من كل شيء ، فليس شيء أقرب إليه من شيء ، لم يبعد منه بعيد ، ولم ~~يقرب منه قريب ، استوى من كل شيء» (2). # وفي الكافي ، بإسناده ، مثله (3). # وفيه ، بإسناده عن مولانا الهادي النقي عليه السلام ، أنه قال : «الأشياء ~~كلها له سواء ، علما ، وقدرة ، وملكا ، وإحاطة» (4). ### ||| * وصل # قد ظهر مما ذكر أن إلهيته تعالى ثابتة له في الأزل ، وهو تام الفاعلية ~~فيه ، فلا يجوز أن يسنح له فيها سانح ، أو يغيره منها مغير ، أو يعوقه عنها ~~عائق ، ولا تتعلق فاعليته بداع خارج من ذاته ، سواء كان إرادة حادثة ، أو ~~وقتا ، أو حالة عارضة ؛ لأن ذلك كله يوجب الاستحالة ms190 والحركة والافتقار إلى ~~الغير ، وأن لا يكون أولا من كل وجه ، وأن يتركب من قوة وفعل ، وتؤدي إلى ~~انفعاله تعالى عن PageV01P349 # قاهر يقهره ، وسلطان يعجزه ، وشريك يشركه ، تعالى عن ذلك كله علوا كبيرا. # وكيف تتعلق فاعليته بتجدد حال ، وحال ما يتجدد كحال ما يمهد له التجدد ~~ليتجدد ، فذاته بذاته فياض لم يزل ، ولا يزال ، بلا منع وتقتير ، وبخل ~~وتقصير ، على جري مستمر ، وسنة واحدة ( @QUR@05 ولن تجد لسنة الله تبديلا ) (1). ### ||| * وصل # وكذلك عالميته وسمعه وبصره ، وغير ذلك من الصفات ، فإنه سبحانه أدرك ~~الأشياء جميعا إدراكا تاما ، وأحاط بها إحاطة كاملة ، فهو عالم بأن أي حادث ~~يوجد في أي زمان من الأزمنة ، وكم يكون بينه وبين الحادث الذي بعده ، أو ~~قبله ، من المدة ، ولا يحكم بالعدم على شيء من ذلك ، بل بدل ما نحكم بأن ~~الماضي ليس موجودا في الحال يحكم هو بأن كل موجود في زمان معين لا يكون ~~موجودا في غير ذلك الزمان من الأزمنة التي تكون قبله ، أو بعده ، وهو عالم ~~بأن كل شخص في أي جزء يوجد من المكان ، وأي نسبة تكون بينه وبين ما عداه ~~مما يقع في جميع جهاته ، وكم الأبعاد بينهما على الوجه المطابق للحكم ، ولا ~~نحكم على شيء بأنه موجود الآن أو معدوم ، أو موجود هناك أو معدوم ، أو حاضر ~~أو غائب ؛ لأنه سبحانه ليس بزماني ، ولا مكاني ، بل هو بكل شيء محيط ، أزلا ~~وأبدا ( @QUR@014 يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء ) (2). PageV01P350 ### ||| * وصل # قال أمير المؤمنين عليه السلام : «لم تسبق له حال حالا ، فيكون أولا قبل ~~أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا» (1). # وقال عليه السلام : «علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين ، ~~وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى» (2). # وعن مولانا الباقر عليه السلام : «كان الله ولا شيء غيره ، ولم يزل عالما ~~بما يكون ، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه» (3). # وعن مولانا الرضا عليه السلام : «له معنى الربوبية إذ لا ms191 مربوب ، وحقيقة ~~الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ، ~~وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق ، ولا بإحداثه ~~البرايا استفاد معنى البارئية ، كيف ولا تغيبه مذ ، ولا تدنيه قد ، ولا ~~تحجبه لعل ، ولا توقته متى ، ولا تشمله حين ، ولا تقارنه مع». الحديث (4). ### ||| * وصل # وإذ ثبت أن كمالاته سبحانه ليست بأمر زائد على ذاته ، وأنها ثابتة له في PageV01P351 # الأزل ، ظهر أن مجده وعلوه تعالى في الفاعلية والعالمية والقادرية ، ~~ونحوها من صفات الكمال ، ليس بالمعنى الإضافي الذي هو متأخر عن ذاته ، وعن ~~وجود ما أضيفت هي إليه ، على أن وجود الفعل عنه موقوف على كونه فاعلا ، فلو ~~كانت فاعليته موقوفة على وجود الفعل لزم الدور ، بل علوه ومجده في هذه ~~الصفات إنما هو بمبادىء تلك الإضافات المتقدمة على وجود ما تعلقت هي به ، ~~وهي كونه في ذاته بحيث تنشأ منه هذه الصفات ، وهو سبحانه إنما هو كذلك بنفس ~~ذاته ، فإذن علوه ومجده في صفاته العليا ليس إلا بذاته لا غير. # وهذه جملة تأتي بتفاصيلها. ### ||| * أصل # وإذ هو سبحانه بسيط الحقيقة ، منزه الذات عن الموضوع والمادة والعوارض ، ~~وسائر ما يجعل الذات بحال زائدة ، ويراها على غير ما هي عليه ، فلا لبس له ~~، فهو صراح ، وذاته غير محتجبة عن ذاته ، فهو ظاهر بذاته على ذاته ، فهو ~~يدرك ذاته أشد إدراك ، ويعلمها أتم علم ؛ لظهورها له أشد ظهور ، بل لا نسبة ~~لعلمه بذاته إلى علوم ما سواه بذواتها ، كما لا نسبة بين وجوده ووجودات ~~الأشياء ، حيث هو وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى. ### ||| * وصل # فعلمه بذاته عبارة عن كون ذاته ظاهرة لذاته ، ولا يوجب ذلك أن تكون هناك ~~اثنينية في الذات ، ولا في الاعتبار ، فإنه ليس إلا اعتبار أن له حقيقة ظاهرة PageV01P352 # بذاتها ، هي ذاته ، وأنه حقيقة ظاهرة ذاته له ، ففي الاعتبار تقديم ~~وتأخير في ترتيب المعاني والغرض المحصل شيء واحد ، ولا يجوز أن تحصل حقيقة ~~الشيء مرتين ، فذاته سبحانه مع وحدته الصرفة عالم ومعلوم وعلم ms192 ، على أنك قد ~~دريت ذلك في كل علم. ### ||| * وصل # ولما كان ذاته تعالى فاعلا تاما لجميع ما عداه ، ومبدأ لفيضان كل إدراك ، ~~حسيا كان أو عقليا ، ومنشأ لكل ظهور ، عينيا كان أو ذهنيا ، إما بدون واسطة ~~، أو بواسطة هي منه ، وفاعليته عين ذاته ؛ إذ هي من الكمالات ، والعلم ~~التام بالفاعل التام للشيء من حيث حقيقته التي بها فاعل يستلزم العلم بكونه ~~فاعلا لذلك الشيء ، وهو مستلزم للعلم بذلك الشيء ، فهو سبحانه عالم بجميع ~~الموجودات قاطبة على الترتيب الإيجادي ، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ~~ولا في السماء ، وما تخرج من ثمرة من أكمامها ، وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير. ### ||| * وصل # ولما كان ظهور ذاته سبحانه لذاته إنما هو بذاته لا بغيره ، وظهور ما سواه ~~من الفاقرات أيضا بذاته ؛ لاستناد الكل إليه ، فهو النور المطلق ، كما قال ~~: ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) (1)؛ لما دريت أن النور هو الظاهر ~~في نفسه ، المظهر PageV01P353 # لغيره ، فله الإشراق والتسلط المطلق ، فلا يحجبه شيء عن شيء ، فهو مستغن ~~في علمه بالأشياء عن ارتسام صورها في ذاته تعالى ، أو في شيء آخر عنده ، ~~ونحن إنما احتجنا إلى الصورة في الأشياء لأن ذواتها كانت منفصلة عنا ، غير ~~مقهورة لنا ، ولو كانت مقهورة لما احتجنا إلى صورة أخرى ، كما في علمنا ~~بأنفسنا ، وبالأشياء التي نتصورها في أذهاننا ، على ما دريت. # وأما الأشياء الظاهرة لأبصارنا عند عدم الحجاب فالمعلوم بالذات لنا منها ~~ليس إلا ما هو مقهور لنا ، حاضر عندنا من صورها الذهنية دون الصور الخارجية ~~الغير المقهورة ، كما مر بيانه. # فإذن علمه تعالى وبصره واحد ، كما هما فينا. ### ||| * وصل # وأيضا لما كانت فاعليته تعالى للأشياء إنما هي بنفس وجوده الذي هو عين ~~ذاته ، وهو يعلم ذاته بمجرد وجوده الذي هو به فاعل ، فيجب أن يعلم منه كل ~~ما يصدر عنه ، أي بحسب كونها موجودة ، لا بمجرد ماهياتها من حيث هي مع قطع ~~النظر عن ms193 خصوص وجوداتها ؛ لأنها من تلك الحيثية فقط من غير اعتبار الوجود ~~معها ليست صادرة عنه ، كما بيناه من قبل. # والعلم بها من حيث كونها صادرة موجودة في الخارج ليس إلا بنفس وجوداتها ~~الخارجية؛ لأن أفراد الموجودات الخارجية بما هي تلك الأفراد بعينها لا يمكن ~~حصولها في الذهن حصولا مطابقا لها ، وإلا يلزم أن يكون الموجود الخارجي من ~~حيث هو موجود خارجي موجودا ذهنيا ، هذا خلف. PageV01P354 # كذا أفاد أستاذنا ، دام ظله (1). # ونرتقي إلى بيان أعلى : ### ||| * وصل # وقد دريت أن ذاته سبحانه مع وحدته وبساطته كل الأشياء ، فعلمه بذاته إذن ~~عين علمه بكل شيء ، وقد أفادوا ذلك بقولهم : تجلي ذاته لذاته ، وذكروا أن ~~حقيقته تعالى من حيث المبدئية عبارة عن التعين الكلي الجامع لجميع التعينات ~~الكلية والجزئية ، الأزلية والأبدية ، ويسمى بالتعين الأول ، فعلمه ~~بالتعينات الغير المتناهية الواقعة في جميع العوالم من الأزل إلى الأبد عين ~~علمه بذاته البسيطة ، فذاته سبحانه منطو على الموجودات كلها انطواء أزليا ~~في مرتبة ذاته ، محيط بها إحاطة تامة ، بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ، فذاته كمجلاة يرى بها ، وفيها صور الموجودات قاطبة ~~، من غير حلول ، ولا اتحاد؛ إذ الحلول يقتضي وجود شيئين لكل منهما وجود ~~يغاير وجود صاحبه ، والاتحاد يستدعي ثبوت أمرين يشتركان في وجود واحد ، ~~ينسب ذلك الوجود إلى كل منهما بالذات، وقد دريت أن هنالك ليس كذلك. # وكما أن علمه سبحانه بذاته هو عين ذاته من غير مغايرة هناك بين العلم ~~والعالم والمعلوم بالذات ، بل ولا بالاعتبار ، فكذلك علمه سبحانه بالأشياء ~~أيضا يجب أن يكون عين ذاته ، بناء على الانطواء المذكور ، من دون مغايرة ~~بين الثلاثة بالذات ، وإنما المغايرة هنا بحسب الاعتبار من حيث إنه سبحانه إنما PageV01P355 # هو عين الأشياء في الظهور ، وليس هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه ، بل ~~هو هو ، والأشياء أشياء. # فإذن الأشياء غيره ، باعتبار التعين والتقيد ، ومخالطة الأعدام ، ~~والنقائص ، وإن كانت عينه من حيث الوجود والحقيقة. # ومن هنا يعلم أن الأشياء من حيث هي أشياء ، وباعتبار ms194 ذواتها ، ليست في ~~مرتبة ذاته تعالى ، كان الله ولم يكن معه شيء ، وإن كان هو من حيث هو عين ~~الأشياء ، والعلم بها ، والله بكل شيء محيط. ### ||| * وصل # فعلمه سبحانه بالأشياء من حيث إنه عين ذاته تعالى متبوع للأشياء ، ومقدم ~~على إيجادها ، ومن حيث إنه عين الأشياء تابع لها ، ومقارن لإيجادها ، بل هو ~~عين إيجادها. # ومعلومية الأشياء له تعالى بالاعتبار الأول عبارة عن كونها ظاهرة له في ~~ذاته بذاته ، حيث إنها عين ذاته بحسب الحقيقة الوجودية. # وبالاعتبار الثاني عبارة عن كونها ظاهرة له في ذواتها بأنفسها ، على قدر ~~وجودها ونوريتها ، سواء كانت موجودات عينية قائمة بذواتها ، أو صورا ~~إدراكية قائمة بحالها ، كلية أو جزئية ، عقلية أو حسية ، جواهرا أو أعراضا ~~، وظهورها له بهذا الاعتبار هو بعينه صدورها عنه ، منكشفة عنده ، حاضرة لديه. # والأشياء بالاعتبار الأول علم الله ، وهي بهذا الاعتبار عند الله ، ~~وبالاعتبار الثاني معلومات الله ، وهي بهذا الاعتبار عند أنفسها ، وما عند ~~الله منها أحق مما PageV01P356 # عند أنفسها إذ ذاك هي الحقائق المتأصلة التي نزل الأشياء منها منزلة ~~الصور والأشباح ، والعلم هنالك أقوى من علم الشيء بذاته وبغيره علما حضوريا ~~؛ لأنه أقوى في شيئية المعلوم من المعلوم في شيئية نفسه ؛ لأنه مذوت الذوات ~~، ومحقق الحقائق ، والشيء مع نفسه بالإمكان ، ومع مشيئه وموجده بالوجوب ~~والتمام ، وتمام الشيء فوق الشيء وكماله وغايته، فإذا كان ثبوت الأشياء ~~بذواتها حضورا لله سبحانه وعلما وظهورا ، كما في العلم المقارن للإيجاد ، ~~فثبوت ما هو أولى بها من ذواتها أولى بأن يكون حضورا وعلما وظهورا ، كما في ~~العلم المقدم على الإيجاد. ### ||| * وصل # فالموجودات كلها ثابتة في الأزل في مرتبة الذات قبل صدور شيء عنه ، قبلية ~~كقبلية الذات ، لكن بالعرض ، كما أنها موجودة بوجود الذات بالعرض ، ولما ~~كان علمه سبحانه بذاته هو نفس وجوده ، وكانت تلك الأعيان موجودة بوجود ذاته ~~، فكانت هي أيضا معقولة بعقل واحد ، هو مثل الذات ، فهي مع كثرتها معقولة ~~بعقل واحد ، كما أنها مع كثرتها موجودة بوجود واحد ؛ إذ العقل والوجود هناك ~~واحد ، فإذن ms195 قد ثبت علمه سبحانه بالأشياء كلها في مرتبة ذاته قبل وجوداتها ~~، فعلمه تعالى بالأشياء علم فعلي سبب لوجوداتها في الخارج ؛ لأن علمه بذاته ~~هو وجود ذاته ، وذلك الوجود بعينه علم بالأشياء ، وهو بعينه سبب لوجوداتها ~~في الخارج ، التي هي صور عقلية تتبعها صور مثالية ، تتبعها صور طبيعية ، ~~تتبعها المواد الخارجية ، وهي أخيرة المراتب الوجودية. # فالحق تعالى بوجود واحد تعقلها أولا قبل إيجادها ، وتعقلها ثانيا بعد PageV01P357 # إيجادها ، فبعقل واحد كان يعقلها سابقا ولا حقا ، وبعين واحدة كان يراها ~~في الأزل واحدة ، وبعد الأزل متكثرة. ### ||| * وصل # وكما أنه لا يلزم من فاعليته تعالى للأشياء كون وجوداتها في ذواتها في ~~مرتبة ذاته سبحانه ، بل كونه بحيث يتبع وجوده وإيجاده وجود الأشياء وصدورها ~~عنه ، فكذلك لا يلزم من عالميته بها كونها في ذواتها في مرتبة ذاته ، بل ~~كونه بحيث يتبع انكشاف ذاته بذاته على ذاته ، انكشاف ذوات الأشياء بذواتها ~~على ذاته ، وكما أن إيجاده للموجودات المتكثرة لا يقدح في بساطته الحقة ؛ ~~لكونها صادرة عنه على الترتيب السببي والمسببي ، كما سيجيء بيانه ، فكذلك ~~علمه سبحانه بالأشياء الكثيرة لا يثلم وحدته الصرفة ؛ لأنه على ذلك الترتيب ~~بعينه ، فتلك الكثرة ترتقي إليه وتجتمع في واحد محض ؛ إذ الترتيب يجمع ~~الكثرة في واحد ، فله الكل من حيث لا كثرة فيه ، فهو من حيث هو ظاهر بذاته ~~على ذاته ، يعلم الكل من ذاته ، فعلمه بالكل بعد ذاته ، وعلمه بذاته ، ففي ~~علمه بالكل كثرة حاصلة بعد ذاته ، ومتحد الكل بالنسبة إلى ذاته ، فهو الكل ~~في وحدة ، وسيأتي لهذه المعاني مزيد بيان وإيضاح في مباحث الأسماء ، إن شاء الله. PageV01P358 ### ||| * وصل # روى في كتاب التوحيد ، بإسناده عن مولانا الكاظم عليه السلام ، قال : «علم ~~الله لا يوصف الله منه بأين ، ولا يوصف العلم من الله بكيف ، ولا يفرد ~~العلم من الله ، ولا يبان الله منه ، وليس بين الله وبين علمه حد» (1). # وبإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : «لم يزل الله جل وعز ربنا ~~والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ms196 ذاته ولا مبصر ، ~~والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه ~~على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصر ، والقدرة على ~~المقدور» (2). ### ||| * أصل # وهو سبحانه أجل مبتهج بذاته ابتهاجا ، منزها عن الانفعال ، متعاليا عن ~~الحدوث ، والحد والمثال ؛ لأنه مدرك لذاته على ما هو عليه من البهاء ~~والجمال ، وهو مبدأ كل جمال وزينة وبهاء ، ومنشأ كل حسن ونظام ورواء ، فهو ~~من حيث كونه مدركا أجل الأشياء وأعلاها ، وأشدها قوة ، ومن حيث كونه إدراكا ~~أشرفها وأكملها وأقواها ، ومن حيث كونه مدركا أحسنها وأرفعها وأبهاها ، فهو ~~إذن أقوى مدرك لأجل مدرك ، بأتم إدراك ، بما عليه هو من الخير والكمال ، ~~وقد دريت أن الابتهاج إنما يكون على قدر قوة المدرك وشرفه ، وتمامية ~~الإدراك PageV01P359 # وشدته ، وخيرية المدرك وملائمته. # ويظهر ذلك أيضا من المراجعة إلى الوجدان في اللذات الحسية والعقلية على ~~اختلاف مراتبها. ### ||| * وصل # وإذ ثبت ابتهاجه سبحانه بذاته ثبت ابتهاجه بلوازمه وآثاره التي هي ~~موجودات العالم بأسرها ؛ إذ كل من أحب ذاتا متصفة بالبهاء والكمال فلا ~~محالة يحب ما يصدر عنه وينشأ منه بذاته من الآثار واللوازم من حيث إنها ~~تصدر عنه وتنبع عنه ، ولما لم يكن للفاقرات حيثية أخرى سوى كونها أثرا من ~~آثار ذاته ، ورشحا من مرشحات فيضه وجوده فلا يمكن أن يتعلق بها ابتهاج ~~ومحبة منه سبحانه ، إلا من جهة ابتهاجه بذاته ومحبته لها ، فابتهاجه بها ~~منطو في ابتهاجه بذاته ، بل هو هو بعينه. # ومن هنا قال بعض أهل المعرفة عند سماع قوله تعالى : ( @QUR@02 يحبهم ~~ويحبونه ) (1): بحق يحبهم ، فإنه ليس يحب إلا نفسه ، على معنى أنه كل ~~الوجود ، وليس في الوجود غيره ، فهو كمن لا يحب إلا نفسه ، وأفعال نفسه ، ~~وتصانيف نفسه ، فلا يتجاوز حبه ذاته ، وتوابع ذاته من حيث هو متعلق بذاته ، ~~فهو إذن لا يحب إلا نفسه. انتهى كلامه (2). PageV01P360 ### ||| * وصل # ولما كان الابتهاج عبارة عن نفس الإدراك ، وإدراكه سبحانه للأشياء ، ~~وعلمه بها ، على نحو من الترتيب على ما أشرنا إليه ، كما أن صدورها عنه ~~كذلك ، فابتهاجه ms197 بها إذن إنما يكون على الترتيب ، فكل ما هو أقرب منه وأشرف ~~وأكمل في سلسلتي البدء والرجوع ، فهو أحب إليه ، وهكذا متدرجا إلى الأحب ~~فالأحب ، حتى ينتهي إلى أخس الموجودات ، وأنجس العاصيات ، وهو إبليس من ~~الأحياء ، والمادة الجسمية من الأموات. ### ||| * أصل # وكما أن الأغيار كلها باطلات الذوات ، هالكات الحقائق ، دون وجهه الكريم ~~، فكذلك صفاتها كلها مستهلكة في صفاته تعالى ، مستغرقة فيها ، وكما أن ~~وجوده سبحانه كل الوجود ، وكله الوجود ، فكذلك صفاته تعالى كل الصفات ( ~~@QUR@07 لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) (1)؛ لأنه سبحانه بسيط ~~الحقيقة ، ليس فيه نقصان ، وما هذا شأنه يكون كل الشيء ، كما مر بيانه. # فعلمه سبحانه واحد ، ومع وحدته يكون علما بكل شيء ، وكل علم بشيء ؛ إذ لو ~~بقي شيء ما لا يكون ذلك العلم علما به لم يكن علما حقيقيا ، بل علما بوجه ، ~~وجهلا بوجه آخر ، وحقيقة الشيء لا يكون ممتزجا بغيره ، فلم يخرج جميعه من ~~القوة إلى الفعل ، وقد دريت أنه سبحانه ليس فيه جهة فقر وقوة PageV01P361 # أصلا ، ومن استصعب عليه أن يكون علمه تعالى مع وحدته علما بكل شيء فذلك ~~لظنه أنه واحد وحدة عددية ، وقد سبق أن وحدته تعالى ليست كالآحاد ، فكذلك ~~وحدة صفاته الكمالية. ### ||| * وصل # بل كل ما يطلق عليه سبحانه وعلى غيره فإنما يطلق عليهما بمعنيين مختلفين ~~، ليسا في درجة واحدة ، حتى أن الوجود الذي هو أعم الأشياء اشتراكا لا ~~يشمله وغيره على نهج واحد ، بل كل ما سواه وجوداتها ظلال وأشباح محاكية ~~لوجوده سبحانه. # وهكذا في سائر صفاته ، كالعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والمحبة ، والرحمة ~~، والغضب ، والحياء ، وغيرها ، فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق ، بل هو ~~في حق الخلق يصحبه نقص وشين ، بخلافه في حق الخالق ، فإنه مقدس عن القصورات ~~والنقائص ، وإنما يطلق في حقه تعالى باعتبار غاياتها التي هي الكمالات دون ~~مبادئها التي هي النقائص ، وواضع اللغات إنما وضع هذه الأسامي أولا للخلق ؛ ~~لأنه أسبق إلى العقول والأفهام ، وفهم معانيها في حقه تعالى عسر جدا ، ~~وبيانها أعسر منه ، بل كلما ms198 قيل في تقريبها إلى الأفهام فهو تبعيد له من ~~وجه ، ولعل إلى هذا المعنى أشار من قال : «من عرف الله كل لسانه» (1). PageV01P362 ### ||| * وصل # بل الحق أنه كما لا يجوز لغيره سبحانه الإحاطة بمعرفة كنه ذاته تعالى ، ~~فكذلك لا يجوز له الإحاطة بمعرفة كنه صفاته تعالى ، وكل ما وصفه به العقلاء ~~، فإنما هو على قدر أفهامهم ، وبحسب وسعهم ، فإنهم إنما يصفونه بالصفات ~~التي ألفوها وشاهدوها في أنفسهم، مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم ~~بنوع من المقايسة ، ولو ذكر لهم من صفاته تعالى ما ليس لهم ما يناسبه بعض ~~المناسبة لم يفهموه ، كما لم يفهموا ذاته التي هي وجود لا ماهية ؛ لأنه ليس ~~لهم ذلك ، فتوصيفهم إياه سبحانه إنما هو على قدرهم ، لا على قدره ، وبحسبهم ~~ليس بحسبه ، جل جلاله عما يصفون ، وتعالى شأنه عما يقولون ( @QUR@05 وما ~~قدروا الله حق قدره ) (1). # كيف وقد قال سيدنا ونبينا ، سيد الخلائق والنبيين والمرسلين ، صلوات الله ~~عليه وعليهم : «لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (2). # وما أحسن ما قال الإمام الباقر عليه السلام : «هل سمي عالما وقادرا إلا ~~لأنه وهب العلم للعلماء ، والقدرة للقادرين ، وكل ما ميز تموه بأوهامكم في ~~أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، والباري تعالى واهب الحياة ~~ومقدر الموت ، ولعل النمل الصغار يتوهم أن لله زبانيين فإنهما كمالها (3)، ~~وتتصور أن عدمهما نقصان لمن لا يكونان له ، هكذا حال العقلاء فيما يصفون ~~الله تعالى به PageV01P363 # فيما أحسب وإلى الله المفزع». انتهى كلامه عليه السلام (1). ### ||| * وصل # وأما ما يوهم التشبيه مما ورد في الكتاب والسنة ، فإنما ذلك من حيث ~~أسمائه وصفاته ومعيته للأشياء ، لا من حيث ذاته بما هي هي ، بل الحق أنه جل ~~جلاله من حيث ذاته منزه عن التنزيه ، كما أنه منزه عن التشبيه. # وأما من حيث مراتب أسمائه وصفاته ومعيته للأشياء ، وقربه منها ، وإحاطته ~~بها ، فيتصف بالأمرين ، من غير فرق ؛ لأن له في كل عالم من العوالم مظاهر ~~ومرائي ومنازل ومعالم يعرف بها ، كما قال جل اسمه في ms199 الحديث القدسي : «لا ~~يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع ~~به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها» (2). # قال في الفتوحات : # فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا %~% وإن قلت بالتشبيه كنت محددا وإن قلت بالأمرين كنت مسددا %~% وكنت إماما في المعارف سيدا (3) # وذلك لأن التنزيه تحديد وتقييد له بما عدا ما ثبتت له تلك الأمور المنزه ~~عنها ، فهو تشبيه من وجه ، فالإطلاق لمن يحب له هذا الوجه تقييد له به. PageV01P364 # ولهذا وردت الشرائع بالأمرين جميعا ؛ لئلا يلزم التعطيل المحض ، ولا ~~التشبيه الصرف ( @QUR@06 ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) (1). # قال بعض العرفاء (2): إن ما لا تحويه الجهات وله أن يظهر في الأحياز ~~فظهر فيها ، فاقتضى ذلك الظهور انضياف وصف ، أو أوصاف إليه ، ليس شيء منها ~~يقتضيه لذاته ، فإنه لا ينبغي أن ينفي عنه تلك الأوصاف مطلقا ، وينزه عنها ~~، ويستبعد في حقه ، ولا يثبت له أيضا مطلقا ، ويسترسل في إضافتها إليه ، بل ~~هي ثابتة له من وجه ، ومنتفية عنه من وجه ، وهي له في الحالتين أوصاف كمال ~~، لا نقص لفضيلة الكمال المستوعب ، والحيطة والسعة التامة ، مع فرط النزاهة ~~والبساطة ، ولا يقاس غيره مما يوصف بتلك الأوصاف عليه ، لا في ذم نسبي ، ~~ولا في محمدة ؛ لأن نسبتها إلى ذات شأنها ما ذكر تخالف نسبتها إلى ما ~~يغايرها من الذوات (3). # وقال أيضا : اعلم أن المعرفة الحاصلة للعقلاء توجب باتفاقهم ، وتقتضي ~~بإجماعهم وإطباقهم تنزيه الحق سبحانه عن صفات المحدثات والجسمانيات ، # من مؤلفاته الكثيرة : تفسير القرآن الكريم ، الدرة الناضرة في تحقيق مذهب ~~الصوفيين والحكماء والمتكلمين في وجود الواجب ، تاريخ هراة ، شرح الكافية ~~لابن الحاجب في النحو ، وشرح النقاية مختصر الوقاية في الفقه الحنفي. (معجم ~~المؤلفين : 5 : 122 رقم 259). PageV01P365 # وسلب النقائص عن جنابه ، ونفي النعوت الكونية الحدوثية عنه ، فالعقول ~~مطبقة على ذلك، ولو كان المراد الإلهي من معرفته هذا القدر لكان بالعقول ~~استغناء عن إنزال الشرائع والكتب ، وإظهار المعجزات والآيات لأهل الحجب ، ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى غني عن تنزيه العقول بمقتضى ms200 أفكارها المقيدة ~~بالقوى الجزئية المزاجية ، وتتعالى عن إدراكها ما لم تتصل بالعقول الكلية ، ~~فاحتاجت من حيث هي كذلك في معرفته الحقيقية إلى اعتناء رباني ، وإلقاء ~~رحماني ، يهبها استعدادا لمعرفة ما لا تستقل العقول البشرية بإدراكه ، مع ~~قطع النظر عن الفيض الإلهي ، فلما جاءت ألسنة الشرائع بالتنزيه والتشبيه ~~والجمع بينهما كان الجنوح إلى أحدهما دون الآخر باستحسان فكري ، تقييدا أو ~~تحديدا للحق بمقتضى الفكر والعقل من التنزيه عن شيء ، أو أشياء ، أو ~~التشبيه بشيء أو أشياء ، بل مقتضى العقل المنصف للمتصف بصفة نصفه أن يؤمن ~~بكل ما وردت به الشرائع على الوجه المراد للحق من غير جزم بتأويل معين ، ~~ولا جنوح إلى ظاهر المفهوم العام مقيدا بذلك ، ولا عدول إلى ما يخرجه عن ~~ظاهر المفهوم من كل وجه محددا لذلك ، فإن الحق منزه في عين التشبيه ، ومطلق ~~عن التقيد والحصر في التشبيه والتنزيه ؛ وذلك لأن التنزيه عن سمات ~~الجسمانيات وصفات المتحيزات تشبيه استلزامي ، وتقييد تضمني بالمجردات ~~العرية عن صفات الجسمانيات من العقول والنفوس التي هي عرية عن سمات ~~المتحيزات ، برية عن أحكام الظلمانيات ، والتنزيه عن الجواهر العقلية ~~والأرواح العلية والنفوس الكلية أيضا تشبيه معنوي بالمعاني المجردة عن ~~الصور العقلية ، والنسب الروحانية والنفسانية ، والتنزيه عن كل ذلك أيضا ~~إلحاق للحق بالعدم ؛ إذ الموجودات المحققة الوجود ، والحقائق المشهودة على ~~النحو المعهود ، منحصرة في هذه الأقسام الثلاثة ، والخارج عنها تحكم وهمي ، ~~وتوهم تخيلي ، لا علمي ؛ وذلك PageV01P366 # أيضا تحديد عدمي بعدمات لا تتناهى. # وعلى كل حال فهو تحديد وتقييد ، وذلك تنزيه ليس له في التحقيق وجه سديد ، ~~وحقيقة الحق المطلق تأباه وتنافيه ، ولا سيما وقد نزلت الشرائع بحسب فهم ~~التخاطب على العموم ، ولا يسوغ أن يخاطب الحق عبده بما يخرج عن ظاهر ~~المفهوم ، فكما أمرنا أن نكلم الناس بقدر عقولهم ، كذلك لا يخاطبهم أيضا ~~إلا بمقتضى مفهومهم ومعقولهم ، ولو لم يكن المفهوم العام معتبرا من كل وجه ~~، لكان ساقطا ، وكانت الإخبارات كلها مرموزة ؛ وذلك تدليس ، والحق تعالى ~~يجل عن ذلك. # فيجب الإيمان بكل ما أخبر ms201 به من غير تحكم عقلي ، ولا تأويل فكري ؛ إذ ( ~~@QUR@011 ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) (1) ~~، وحيث أقرت العقول بالعجز عن إدراك الحقائق فعجزها عن إدراك حقيقة الحق ~~أحق ، فلا طريق لعقل عاقل ، ولا فكر مفكر أن يتحكم على الذات الإلهية ~~بإثبات أمر لها ، أو سلب حكم عنها ، إلا بإخباره عن نفسه ، فإن الذات ~~المطلقة غير منضبطة في علم عقلي ، ولا مدركة بفهم فكري ، ولا سيما لا وجه ~~للحكم بأمر على أمر إلا بإدراك المحكوم به ، والمحكوم عليه ، والحكم حقيقة ~~، وحقيقته النسبة بينهما ، وهذا مقرو عقلا وكشفا وإيمانا. # فليس لأحد أن يتحكم بفكره على إخبارات الحق عن نفسه ، ويأولها على ما ~~يوافق غرضه ، ويلائم هواه ، فإن الإخبارات الإلهية مهما لم يرد فيها نص ~~بتعيين وجه ، وتخصيص حكم ، فهي متضمنة جميع المفهومات المحتملة فيها ، من ~~غير تعيين مفهوم دون مفهوم ، وهي إنما تنزل في العموم على المفهوم الأول ، PageV01P367 # وفي الخصوص على كل مفهوم تفهمه الخاصة من تلك العبارة ، والحق إنما ذكر ~~تلك العبارة عالما بجميع المفهومات ، محيطا بها ، وجميعها مراد له بالنسبة ~~إلى كل فاهم ، ولكن بشرط الدلالة اللفظية بجميع وجوه الدلالة المذكورة على ~~جميع الوجوه المفهومة عنها ، في الوضع العربي ، أو غيره ، أي لغة كانت تلك ~~الإخبارات بها ؛ لأن للحق ظهورا في كل مفهوم ، ومعلوم ، وملفوظ ، ومرقوم ، ~~وفي كل موجود موجود ، سواء كان من عالم الأمر ، أو من عالم الخلق ، أو من ~~عالم الجمع ، فهو الظاهر في الكل بالكل ، وهو عين الكل ، والجزء ، وكل الكل ~~، فهو الظاهر في كل مفهوم بحسبه ، غير منحصر فيه ، ولا في غيره من ~~المفهومات ، وهو الباطن عن كل فهم ، ومفهوم ، إلا من رزقه الله فهم الأمر ~~على ما هو عليه ، وهو أن يرى أن العالم صورة الحق ، وهوية العالم هوية ~~الاسم الظاهر ، وصورة العالم هو الاسم الظاهر ، وهوية العالم هو الاسم ~~الباطن ، وهو من حيث هو مطلق عن التقيد بالظاهر والباطن ، والحصر في الجمع ~~بينهما ، وهو الغير المتعين المطلق مطلقا في ms202 عين تعينه تعين كل عين من ~~أعيان العالم ، فافهم ، والله الملهم. PageV01P368 ### | في كيفية إفاضته الوجود ### ||| * ( @QUR@07 ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) (1) ### ||| * أصل # إنما يفيض الله سبحانه الوجود على هياكل الموجودات بواسطة أسمائه الحسنى. # قال عز وجل : ( @QUR@05 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) (2). # والاسم هو الذات من حيث تقيده بمعنى ، أي الذات الموصوفة بصفة معينة ، ~~كالرحمن، فإنه ذات لها الرحمة ، والقهار ذات لها القهر ، ومن هنا قال : ( ~~@QUR@03 سبح اسم ربك ) (3)، فاسمه سبحانه ليس بصوت ، فإنه لا يسبح ، بل ~~يسبح به. # وقال : ( @QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (4)، فوصفه بذلك ~~يدل على أنه حي لذاته ، فالاسم هو عين المسمى ، باعتبار الهوية والوجود ، ~~وإن كان غيره باعتبار المعنى والمفهوم ، فهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء ~~الأسماء. PageV01P369 # سئل الإمام الرضا عليه السلام عن الاسم : ما هو؟ قال : صفة الموصوف (1). # وعن الصادق عليه السلام : «من عبد الله بالتوهم فقد كفر ، ومن عبد الاسم ~~دون المعنى فقد كفر ، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك ، ومن عبد المعنى ~~بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه ، فعقد عليه قلبه ، ونطق به ~~لسانه ، في سر أمره وعلانيته ، فأولئك هم المؤمنون حقا» (2). ### ||| * وصل # فالوجود يتجلى بصفة من الصفات ، فيتعين ويمتاز عن الوجود المتجلي بصفة ~~أخرى ، فيصير حقيقة ما من الحقائق الأسمائية. # فالفرق بين ذاته سبحانه وبين أسمائه وصفاته ، كالفرق بين الوجود والماهية ~~في ذوات الماهيات ، إلا أنه سبحانه لا ماهية له ؛ لأنه صرف إنية انبجست منه ~~الإنيات كلها ، فكما أن الوجود موجود في نفسه ، والماهية ليست موجودة في ~~نفسها ، من حيث نفسها ، بل من حيث الوجود ، فكذلك صفات الحق وأسماؤه ~~موجودات لا في أنفسها ، من حيث أنفسها ، بل من حيث الحقيقة الإلهية ، وهذا ~~الوجود الذي يتجلى بالصفات هو الوجود من حيث الإلهية ، وهو في نفسه من حيث ~~الإطلاق حقيقة الاسم الله المتضمن لسائر الأسماء. # وأما الذات من حيث هي فلا اسم لها ؛ إذ ليست هي محل أثر ، ولا معلومة ~~لأحد ، وإنما الأسماء للتعريف والتمييز ، وهو باب ممنوع لكل ما سوى ms203 الله PageV01P370 # بالقياس إليه ، فلا يعلم الله إلا الله ، كما قيل : # تبارك الله دارت عينه حجب %~% فليس يعلمه إلا الله بالله ### ||| * أصل # للحقائق الأسمائية أنحاء من الوجود : # فتارة لها صور علمية ، ومظاهر عقلية ، على وجه إجمالي تظهر بحسبه صفاتها ~~وكمالاتها وشؤونها وحيثياتها على صورة وحدانية مندمجة بعضها في بعض ، وهذا ~~في علم الله المقدم على الإيجاد ، وهي بهذا الاعتبار عين الذات الأحدية ، ~~بنحو من الانطواء ، من غير تكثر ، ولا تغير ، فهي من هذه الحيثية باقية ~~أزلا وأبدا ، لا يتعلق الجعل والإيجاد بها ، كما لا يتطرق الفناء والعدم إليها. # وتارة لها صور عينية ، ومظاهر خارجية على وجه تفصيلي ، تظهر بحسبه تلك ~~الصفات والحالات بصور متعددة متمايزة بعضها عن بعض ، وهذا له مراتب مختلفة ~~حسب اختلاف العوالم والنشآت ، وهي بهذا الاعتبار وجودات خاصة ، وهويات ~~جزئية ، هي أفعاله سبحانه ، وآثاره ، وهي من هذه الحيثية متعلقة للجعل ~~والإيجاد ، متصفة بالحدوث والكثرة. # ويختلف ظهور تلك الحقائق قوة وضعفا بحسب القرب من الحق والبعد عنه ، وقلة ~~الوسائط وكثرتها ، وصفاء الاستعداد وكدره ، فأقوى ظهوراتها في الحضرة ~~العلمية ؛ لأنها هي الأصل ، وسائر العوالم منها بمنزلة الظلال والأشباح ، ~~ثم في عالم الأرواح ؛ لصفائها وتقدسها عن المواد أصلا ، ثم في عالم البرزخ ~~؛ للطافتها الإضافية ، ثم في عالم الحس. PageV01P371 # فموجودات العالم بأسرها مظاهر لأسماء الله الحسنى ، فهو سبحانه يخلق ~~ويدبر كل نوع من الأنواع باسم من الأسماء ، وذلك الاسم هو رب ذلك النوع ، ~~والله سبحانه رب الأرباب ، وأحسن الخالقين. # وإلى هذا أشير في كلام أهل البيت عليهم السلام في أدعيتهم ، بقولهم : ~~«وبالاسم الذي خلقت به العرش ، وبالاسم الذي خلقت به الكرسي ، وبالاسم الذي ~~خلقت به الأرواح» (1)، إلى غير ذلك من هذا النمط. # والاسم الأعظم هو رب الإنسان الكامل ؛ لأنه غاية الوجود ، وكما أن كل نوع ~~تحته أفراد لا تحصى ، فكذلك كل اسم من الأسماء الكلية تحته أسامي جزئية لا ~~تتناهى ، هي كلمات الله التي لا تنفد ، بها يدبر تلك الأفراد ( @QUR@08 ~~إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ) (2)، ( @QUR@04 إليه يصعد ~~الكلم الطيب ms204 ) (3). # وعن مولانا الصادق عليه السلام : «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل ~~الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا» (4). # فالأنواع البسيطة مظاهر لأسماء خاصة معينة ، والمركبة مظاهر لأسماء حاصلة ~~من اجتماع أسامي متعددة ، وأشخاصها مظاهر لرقائق الأسماء التي تحصل من ~~اجتماع بعضها مع بعض ، وما له صفات متعددة فهو مظهر لها كلها ، فإن كان ~~يظهر منه في كل حين صفة منها ، فهو مظهر تلك الصفة في ذلك الحين. # ومن هذه الاجتماعات تحصل أسماء غير متناهية ، وكلمات لا تحصى ، PageV01P372 # ومن هنا قال تعالى : ( @QUR@018 قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (1). ### ||| * وصل # ولك أن تقول : إن حقائق الموجودات هي بعينها أسماء الله وكلماته ؛ لأنها ~~وجودات خاصة متعينة ، لها اتحاد ما بتلك الجهات العقلية التي هي الأسماء ~~بالحقيقة من وجه ؛ ولدلالتها على ذاته سبحانه دلالة الاسم على المسمى ، فإن ~~الدلالة كما تكون بالألفاظ ، كذلك تكون بالذوات ، من غير فرق بينهما فيما ~~يؤول إلى المعنى ، فكل موجود بمنزلة كلام صادر عنه تعالى دال على توحيده ~~وتمجيده ، بل كل منها عند أولي البصائر لسان ناطق بوحدانيته ، يسبح بحمده ~~ويقدسه عما لا يليق بجنابه ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ) (2). # وإن شئت قلت : كل من الموجودات ذكر وتسبيح له تعالى ؛ إذ يفهم منه ~~وحدانيته ، وعلمه ، واتصافه بسائر صفات الكمال ، وتقدسه عن صفات النقص ~~والزوال ، فإن البراهين قائمة ، بل العقول السليمة قاضية بوجوب انتهاء كل ~~طلب إلى مطلوب ، وكل فقر إلى غناء، وكل نقصان إلى تمام ، كما أنها قاضية ~~بوجوب رجوع كل مخلوق إلى خالق ، وكل مصنوع إلى صانع ، وكل مربوب إلى رب ، ~~فنقصانات الخلائق دلائل كمالات الخالق جل ذكره ، وكثراتها واختلافاتها PageV01P373 # شواهد وحدانيته ، ونفي الشريك عنه ، والضد والند ، جل جلاله. # كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «بتشعيره المشاعر عرف أن لا ~~مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، وبمضادته بين الأشياء عرف ~~أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف ms205 أن لا قرين له» ، إلى أن قال : ~~«ففرق بين قبل وبعد ، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا ~~غريزة لمغرزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها ، حجب بعضها عن بعض ؛ ~~ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه». الحديث (1). # وقال بعض الحكماء في هذا المعنى ، وهو يصف النرجس : # عيون في جفوف في فنون %~% بدت فأجاد صنعتها المليك بأبصار التغنج طامحات %~% كأن حداقها ذهب سبيك على غصن الزمرد مخبرات %~% بأن الله ليس له شريك (2) ### ||| * فصل # لكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء ، دون الكل ، كحظ الملائكة من ~~اسم السبوح ، والقدوس ، ولذلك قالوا : ( @QUR@05 نحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) (3). PageV01P374 # وحظ الشيطان من اسم الجبار المتكبر ، ولذلك عصى واستكبر ، وحظ الحيوانات ~~من اسم السميع والبصير والحي والقدير ، وأشباهها ، وحظ النار من القهار ، ~~والهواء من اللطيف ، والماء من النافع ، والأرض من الصبور ، والأدوية ~~السمية من الضار ، والدنيا من الأول ، والآخرة من الآخر ، إلى غير ذلك. # واختص الإنسان بالحظ من جميع الأسماء ؛ ولذلك أطاع تارة ، وعصى أخرى ( ~~@QUR@05 خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) (1). # ومن هنا قال تعالى : ( @QUR@04 وعلم آدم الأسماء كلها ) (2)، أي ركب في ~~فطرته من كل اسم من أسمائه المتقابلة المنقسمة إلى الجمالية ، والجلالية ، ~~المعبر عنهما باليدين في قوله تعالى: ( @QUR@02 خلقت بيدي ) (3). # ولما كانت كيفية علمه تعالى بالموجودات من جهة اشتمال أسمائه على كل شيء ~~، قال تعالى : ( @QUR@018 فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم ~~غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (4)، كأنهم حيث لم ~~يحصل لهم العلم بالأسماء لم يعرفوا كيفية علمه تعالى بكل خفي ، وجلي ، ~~وجزئي وكلي. PageV01P375 ### ||| * فصل # إن للأسماء دولا ، بحسب ظهوراتها وظهورات أحكامها : # فمنها : ما لا ينقطع حكمه أزلا وأبدا ، كالحاكم على الأرواح ، وما لا ~~يدخل تحت الزمان. # ومنها : ما ينقطع حكمه في الأزل دون الأبد ، كالحاكم على النشأة ~~الأخروية. # ومنها : ما ينقطع أزلا وأبدا ، ثم يدخل في الغيب المطلق الإلهي ، كالحاكم ~~على النشأة الدنياوية مطلقا ، أو يستتر ويختفي تحت الاسم الذي حان حين ~~دولته ms206 ، كالحاكم على أدوار الكواكب السبعة التي مدة كل دور منها ألف سنة ، ~~وكأنه إليه أشير في أحد معاني قوليه سبحانه : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن ) ~~(1)، ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) (2). ### ||| * فصل # أمهات الأسماء أربعة ، هي : الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن. # فكل اسم يكون مظهره أزليا وأبديا ، فأزليته من الاسم الأول ، وأبديته من ~~الاسم الآخر. PageV01P376 # وما يكون ظاهرا وباطنا ، فظهوره من الاسم الظاهر ، وبطونه من الاسم ~~الباطن. # فالأسماء المتعلقة بالإيجاد والإبداء داخلة في الأول ، والمتعلقة ~~بالإعادة والجزاء داخلة في الآخر ، وما يتعلق بالظهور والبطون داخلة في ~~الظاهر والباطن. # والأشياء لا تخلو من هذه الأربعة : الظهور ، والبطون ، والأولية ، ~~والآخرية ، والاسم الجامع للأربعة هو الرحمن ؛ ولذا صار مقرونا بالاسم ~~«الله» الذي هو اسم للذات ، من حيث الإلهية ، أي من حيث له أسماء وصفات ( ~~@QUR@012 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) ~~(1)، الداخلة تحت حيطتهما. # والاسم الباطن من حيث إنه ضد الظاهر أي من حيث وجهه الذي لا يجتمع معه لا ~~يمكن أن يوجد في الخارج ؛ لأنه من هذه الحيثية طالب للبطون ، هارب عن ~~الظهور ، فهو بهذا الاعتبار مكنون مخزون في علم الله سبحانه. ### ||| * فصل # رويا في كتابي الكافي والتوحيد ، عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه قال ~~: «إن الله عز وجل خلق اسما بالحروف غير متصوت ، وباللفظ غير منطق ، وبالشخص ~~غير مجسد ، وبالتشبيه غير موصوف ، وباللون غير مصبوغ ، منفي عنه الأقطار ، ~~مبعد عنه الحدود ، محجوب عنه حس كل متوهم ، مستتر غير مستر ، فجعله كلمة ~~تامة على أربعة أجزاء معا ، ليس منها واحد قبل الآخر ، فأظهر منها ثلاثة أسماء PageV01P377 # لفاقة الخلق إليها ، وحجب واحدا منها وهو الاسم المكنون المخزون ، بهذه ~~الأسماء التي ظهرت ، فالظاهر هو الله تعالى ، وسخر سبحانه لكل اسم من هذه ~~أربعة أركان ، فذلك اثنا عشر ركنا ، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسما ، ~~فعلا منسوبا إليها ، فهو الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، الخالق ، ~~البارىء ، المصور ، الحي ، القيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، العليم ، ~~الخبير ، السميع ، البصير ، الحكيم ms207 ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، العلي ، ~~العظيم ، المقتدر ، القادر ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، البارىء ، ~~المنشىء ، البديع ، الرفيع، الجليل ، الكريم ، الرازق ، المحيي ، المميت ، ~~الباعث ، الوارث ، فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ~~ثلاثمائة وستين اسما ، فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة ، وهذه الأسماء ~~الثلاثة أركان ، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة ، ~~وذلك قوله تعالى : ( @QUR@012 قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ~~فله الأسماء الحسنى ) (1)» (2). ### ||| * فصل # لما كان كل اسم من الأسماء له صورة في الحضرة العلمية ، فلا بد أن يكون ~~للاسم الباطن وما يختص به من الأسماء الغيبية من حيث إنه ضد الظاهر ، أي من ~~حيث وجهه الذي لا يجتمع معه أيضا ، صورا في تلك الحضرة ، وهي لما كانت ~~بذواتها طالبة للبطون ، هاربة عن الظهور ، لا يمكن أن توجد في الخارج ، فهي ~~إذن وجودات علمية لازمة لذاته تعالى ، يمتنع اتصافها بالوجود العيني ، فهي PageV01P378 # مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو ، وإليها أشار نبينا صلى الله عليه وآله ~~في دعائه ، بقوله : «أو استأثرت به في علم غيبك» (1). # فمفاتيح الغيب هي الممتنعات التي لا سبيل للعقل إليها أصلا ، وأما ~~الممتنعات التي يفرضها العقل ، كشريك الباري ، واجتماع النقيضين ، وأمثال ~~ذلك ، فهي أمور متوهمة ينتجها العقل المشوب بالوهم ، وعلمه سبحانه إنما ~~يتعلق بها من حيث علمه بالعقل ، والوهم ، وما يلزمهما مما لا وجود له ، ولا ~~عين ، من دون أن يكون لها ذوات في العلم ، أو صور أسمائية ، وإلا يلزم ~~الشريك في نفس الأمر ، والوجود. # ومن هنا قيل : لم يكن ثمة شريك أصلا ، بل هو لفظ ظهر تحته العدم المحض ، ~~فأنكرته المعرفة بتوحيد الله الوجودي ، فيسمى منكرا من القول وزورا. ### ||| * أصل # كل حقيقة ممكنة الوجود وإن كانت باعتبار ثبوتها في الحضرة العلمية أزلا ~~وأبدا ، ما شمت رائحة الوجود ، لكن باعتبار مظاهرها الخارجية كلها موجودة ~~وليس شيء منها باقيا في العلم ، بحيث لم توجد بعد ؛ لأنها بلسان ~~استعداداتها طالبة للوجود العيني ، فلو لم يعط الواهب الجواد وجودها ، لم ~~يكن الجواد جوادا ، ولو أوجد بعضها دون ms208 بعض مع أنها كلها طالبة للوجود ، ~~يكون ترجيحا بلا مرجح ، وأفرادها لتوقفها بأزمانها التي يعلمها الحق وقوعها فيها PageV01P379 # تظهر من الغيب إلى الشهادة ظهورا غير منقطع إلى انقراض النشأة الدنياوية ~~، وفي الآخرة أيضا ، كما جاء في الحديث : «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة ~~كان حمله ووضعه وسنه في ساعة ، كما يشتهي» (1)، قال تعالى : ( @QUR@013 ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون* نزلا من غفور رحيم ) (2). ### ||| * وصل # هذا الطلب وإن كان متوقفا على الاستعداد ، ولكن الاستعداد أيضا من نعمه ~~سبحانه ، ومن هنا قيل في الأدعية المأثورة : «يا مبتدىء النعم قبل ~~استحقاقها» (3)، وإعطاؤه سبحانه الاستعداد دعاء منه إلى الطلب ، فالطلب ~~بهذا الاعتبار إجابة لدعوة الحق ( @QUR@03 أجيبوا داعي الله ) (4)، وهو ~~باعتبار آخر سؤال منه سبحانه ، يسأله من في السماوات والأرض. # وهذا السؤال إنما هو بلسان الحاجة والافتقار ، وعلى وجه الذل والاضطرار ، ~~وإنما هو باسم من أسمائه سبحانه ، مناسب لحاجة السائل. # فالفقير مثلا يدعوه بالاسم الغني ، والمريض بالاسم الشافي ، والمظلوم ~~بالاسم المنتقم ، وعلى هذا القياس. # فكل ذرة من ذرات العالم تدعو الله اضطرارا بلسان حالها ، باسم من PageV01P380 # أسمائه تعالى ، وهو سبحانه يجيب دعوتها في حضرة ذلك الاسم الذي دعاه به ، ~~كما قال : ( @QUR@05 أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) (1)، وذلك الاسم هو صورة ~~إجابته تعالى لدعوة ذلك المضطر من وجه ، وهو رب ذلك المضطر بإذن الله من ~~وجه آخر ، ومطالب الكل على حسب مسؤولاتهم مبذولة دائما ، وحوائجهم مقضية ~~أبدا ( @QUR@05 وآتاكم من كل ما سألتموه ) (2)، لا يخيب منه أحد قط ، إلا ~~من كان على بصيرته غشاوة من استعداد فأخذ يدعو الله بلسان المقال ، خلاف ما ~~يدعوه بلسان الحال ، فذلك يخيب قولا ، وإن استجيب حالا ، وهو قوله سبحانه : ~~( @QUR@06 وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) (3). # وسائر أفعاله سبحانه ترجع إلى هذه الإجابة لدعوة المضطرين ، وهي ترجع إلى ~~إفاضة الوجود ، وإنما تختلف أساميها باختلاف الاعتبارات. ### ||| * وصل # روى في كتاب التوحيد ، بإسناده عن يحيى الخزاعي ، قال : دخلت مع أبي عبد ~~الله عليه السلام على بعض مواليه يعوده ، فرأيت الرجل يكثر ms209 من قول : آه ، ~~فقلت له : يا أخي ، اذكر ربك واستغث به ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : ~~إن آه اسم من أسماء الله تعالى ، فمن قال: آه ، فقد استغاث بالله تبارك ~~وتعالى (4). PageV01P381 ### ||| * فصل # قال صاحب الفتوحات : اعلم أن للأسماء الإلهية لسان حال يعطيها الحقائق ، ~~فاجعل بالك لما تسمع ، ولا تتوهم الكثرة ، ولا الاجتماع الوجودي ، وإنما ~~أورد في هذا الباب ترتيب حقائق معقولة كثيرة من جهة النسب ، لا من جهة وجود ~~عيني ، فإن ذات الحق واحدة من حيث ما هي ذات ، كثيرة بالأسماء (1). # فأقول بعد تقرير هذا : إن الأسماء اتفقت بحضرة المسمى ، ونظرت في حقائقها ~~ومعانيها ، فطلبت ظهور أحكامها حتى تتميز أعيانها بآثارها ، فإن الخلاق ~~الذي هو المقدر ، والعالم ، والمدبر ، والمفصل ، والباري ، والمصور ، ~~والرازق ، والمحيي ، والمميت ، وجميع الأسماء الإلهية نظروا في ذواتهم ولم ~~يروا مخلوقا ، ولا مدبرا ، ولا مفصلا ، ولا مصورا ، ولا مرزوقا ، فقالوا : ~~كيف العمل حتى تظهر هذه الأعيان التي تظهر أحكامنا فيها ، فيظهر سلطاننا ، ~~فجاءت الأسماء الإلهية التي يطلبها بعض حقائق العالم ، بعد ظهور عينه إلى ~~الاسم البارىء ، فقالوا له : عسى توجد هذه الأعيان لتظهر أحكامنا ، ويثبت ~~سلطاننا ؛ إذ الحضرة التي نحن فيها لا تقبل تأثيرنا. # فقال الباري : ذلك راجع إلى الاسم القادر ، فإني تحت حيطته ، فكان أصل ~~هذا أن الممكنات في حال عدمها سألت الأسماء الإلهية سؤال ذلة وافتقار ، ~~وقالت لها : إن العدم قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضا ، وعن معرفة ما يجب لكم PageV01P382 # من الحق علينا ، فلو أنكم أظهرتم أعياننا وكسوتمونا حلة الوجود ، أنعمتم ~~علينا بذلك ، وقمنا بما ينبغي لكم من الإجلال والتعظيم ، وأنتم أيضا كانت ~~السلطنة تصح لكم بظهورنا بالفعل، واليوم أنتم علينا سلاطين بالقوة ~~والصلاحية ، فهذا الذي نطلبه هو في حقكم أكثر منه في حقنا. # فقالت الأسماء : إن هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح ، فتحركوا في طلب ذلك ، ~~فلما لجأوا إلى الاسم القادر ، قال القادر : أنا تحت حيطة المريد ، فلا ~~أوجد عينا منكم إلا باختصاص ، ولا يمكنني الممكن من نفسه إلا أن يأتيه أمر ~~الآمر من ms210 ربه ، فإذا أمره بالتكوين، وقال له : كن ، مكنني من نفسه ، وتعلقت ~~بإيجاده ، فكونته من حينه ، فالجأوا إلى الاسم المريد عسى أنه يرجح ويخصص ~~جانب الوجود على جانب العدم ، فحينئذ نجتمع أنا والأمر والمتكلم فنوجدكم. # فالتجأوا إلى الاسم المريد ، فقالوا له : إن الاسم القادر سألناه في ~~إيجاد أعياننا ، فأوقف أمر ذلك عليك ، فما ترسم؟ # فقال المريد : صدق القادر ، ولكن ما عندي خبر ما حكم الاسم العالم فيكم ، ~~هل سبق علمه بإيجادكم فأخصص ، أو لم يسبق؟ فأنا تحت حيطة الاسم العالم ، ~~فسيروا إليه واذكروا له قصتكم. # فساروا إلى الاسم العالم ، وذكروا له ما قاله الاسم المريد ، فقال العالم ~~: قد سبق علمي بإيجادكم ، ولكن الأدب أولى ، فإن لنا حضرة مهيمنة علينا ، ~~وهي الاسم «الله» ، فلا بد من حضورنا عنده ، فإنها حضرة الجمع. # فاجتمعت الأسماء كلها في حضرة الله ، فقال : ما بالكم؟ فذكروا له الخبر ، ~~فقال : أنا اسم جامع لحقائقكم ، وإني دليل على مسمى ، وهو ذات مقدسة ، له ~~نعوت الكمال والتنزيه ، قفوا حتى أدخل على مدلولي. PageV01P383 # فقال له ما قالته الممكنات ، وما تحاورت فيه الأسماء ، فقال : اخرج ، وقل ~~لكل واحد من الأسماء يتعلق بما تقتضيه حقيقته في الممكنات ، فإن الواحد ~~لنفسي ، والممكنات إنما تطلب مرتبتي ، وتطلبها مرتبتي ، والأسماء الإلهية ~~كلها للمرتبة لالي ، إلا الواحد خاصة ، وهو اسم خصيص لا تشاركني في حقيقته ~~من كل وجه ، لا من الأسماء ، ولا من المراتب ، ولا من الممكنات. # فخرج الاسم الله ومعه الاسم المتكلم يترجم عنه الممكنات ، وحكم العالم ، ~~فلما ظهرت الأعيان والآثار في الأكوان ، وتسلط بعضها على بعض ، وقهر بعضها ~~بعضا ، بحسب ما يستند إليه من الأسماء ، فأدى إلى منازعة وخصام ، فقالوا : ~~إنا نخاف علينا أن يفسد نظامنا ، ونلحق بالعدم الذي كنا فيه ، فنبهت ~~الممكنات الأسماء بما ألقى إليها الاسم العليم والمدبر ، وقالوا : أنتم ~~أيها الأسماء لو كان حكمكم على ميزان معلوم ، وحد مرسوم ، بإمام ترجعون ~~إليه ، يحفظ علينا وجودنا ، ونحفظ عليكم تأثيراتكم فينا ، لكان أصلح لنا ~~ولكم ، فالجأوا إلى الله عسى يقدم من يحد لكم حدا ms211 تقفون عنده ، وإلا هلكنا ~~، وتعطلتم. # فقالوا : هذه عين المصلحة ، وعين الرأي. ففعلوا ذلك ، فقالوا : إن الاسم ~~المدبر ينهي أمركم ، فأنهوا إلى المدبر الأمر ، فقال : أنا لها ، فدخل وخرج ~~بأمر الحق إلى الاسم الرب ، وقال له : افعل ما تقتضيه المصلحة في بقاء ~~أعيان هذه الممكنات ، فاتخذ وزيرين يعينانه على ما أمر به الوازر ، أحدهما ~~الاسم المدبر ، والآخر المفصل ، قال تعالى : ( @QUR@08 يدبر الأمر يفصل ~~الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) (1)، الذي هو الإمام. # فانظر ما أحكم كلام الله تعالى حيث جاء بلفظة مطابقة للحال الذي ينبغي PageV01P384 # أن يكون الأمر عليه. # فحد الاسم الرب لهم الحدود ، ووضع لهم المراسم لإصلاح المملكة ، و ( ~~@QUR@04 لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) (1). ### ||| * أصل # ثم ليعلم أن فعله تعالى إفاضة الوجود مطلقا ، وأثره لوازم الوجودات من ~~الماهيات وسائر الصفات الفعلية راجعة إلى الإبداع للوجود ؛ لأنه سبحانه ~~بسيط الحقيقة ، لا كثرة له بوجه من الوجوه ، ففعله يجب أن يكون واحدا على ~~ما دريت ، فإن ما يوجد منه إنما يوجد بما هو هو ، لا بما هو غير ذاته ، وما ~~يفيض منه فإنما ينبعث عن صريح ذاته ، وحاق حقيقته ، من غير صفة زائدة ؛ ~~لتعاليه عنها ، وتقدسه. # فأول ما نشأ من الوجود الحق الغني بالذات ، الذي لا وصف له ، ولا نعت ، ~~إلا صريح ذاته المندمج فيه جميع الحالات والنعوت الجمالية والجلالية ، ~~بأحديته ، وفردانيته ، من حيث الاسم الله ، المتضمن لسائر الأسماء ، هو ~~الوجود المطلق المنبسط الذي يقال له الهوية السارية ، وحقيقة الحقائق. # وهذه المنشئية ليست إيجادا ؛ لأن الإيجاد من حيث كونه إيجادا يقتضي ~~المباينة بين الموجد والموجد ، فهي إنما تتحقق بالقياس إلى الوجودات الخاصة ~~المتعينة ، من حيث تعينها واتصاف كل منها بعينها الثابتة التي تنشأ من هذا ~~الوجود المطلق ، من حيث خصوصيات أسمائه الحسنى المندمجة في الاسم الله ، PageV01P385 # وإن كانت تلك أيضا لا تزيد على هذا الوجود من وجه ؛ حيث إنه ذو جهتي وحدة ~~وكثرة ، كما دريت في الأصول ، فسبحان من ربط الوحدة بالوحدة ، والكثرة ~~بالكثرة ، وإلا لم يكن بين المؤثر والمتأثر مناسبة ، وهو ينافي التأثير ms212 ~~والإيجاد. # ونزيدك ، فاسمع : ### ||| * وصل # قد دريت أن موجودات العالم لا حقائق لها متأصلة سوى كونها مضافة إلى ~~موجدها ، ومتعلقة بها ، وما يجري مجرى ذلك ، وأن ليس لها هوية مستقلة سوى ~~هوية موجدها وقيومها. # ودريت في موضع آخر أن أفعاله سبحانه وآثاره هي بعينها أسماؤه الحسنى ، ~~وكلماته التي لا تنفد ، من حيث ظهوراتها على وجه تفصيلي تظهر بحسبها صفاتها ~~وكمالاتها بصور متعددة ، متمايزة بعضها عن بعض. # ودريت أن الاسم هو الذات المتجلي بصفة من الصفات ، وتعين من التعينات ، ~~فأفعاله سبحانه بعينها هي ذاته المتعين بتعينات مختلفة من حيث ظهوره ~~التفصيلي ، فالوجود المطلق يتجلى فيتعين ويتناهى ، ويظهر ظهورا تفصيليا ~~تصدر منه بحسبه الآثار ، فيصير خلقا من الخلائق ، وإيجاده سبحانه للعالم ~~عبارة عن هذا التجلي والظهور ، فالعقل والنفس والفلك والأجرام كلها أسماء ~~على الحق تعالى ( @QUR@032 ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (1). PageV01P386 ### ||| * وصل # وبهذا التحقيق تندفع شبهة مشهورة تاه فيها الأكثرون ، وهي أنه قد ثبت في ~~محله أن العلم بالشيء لا يحصل إلا بعد العلم بفاعله التام ، من حيث هو فاعل ~~، والأشياء كلها مستندة إلى الله سبحانه ، إما بغير واسطة ، أو واسطة هي ~~منه تعالى ، فيلزم أن لا يحصل العلم بشيء من الأشياء إلا بعد العلم بذاته ~~سبحانه. # ووجه الدفع : أن ذاته سبحانه من حيث هو فاعل للشيء هو بعينه وجوده النازل ~~إلى مرتبة ذلك الشيء ، وتعينه بذلك ، فهو بعينه وجود ذلك الشيء ، وهو بعد ~~وجوده تعالى والعلم به الذي هو عين ذاته ، فالعلم بذلك الشيء الذي هو نفس ~~وجوده لم يحصل إلا بعد العلم به تعالى في مرتبة ذاته ، الذي هو نفس وجوده ~~تعالى ، فتدبر فيه لئلا تتوهم أن ذاته سبحانه تصير شيئا من الأشياء ، تعالى ~~الله عن ذلك ، فإنه موضع مزلة الأقدام. ### ||| * أصل # قد دريت أن الوجود الحق من حيث ذاته لا اسم له ، ولا نعت ms213 ، فالاسم الله ~~المتضمن لسائر الأسماء هو الوجود المطلق ، وهو بعينه الاسم النور ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@04 الله نور السماوات والأرض ) (1)؛ إذ به تتنور سماوات ~~الأرواح وأراضي الأشباح. # فللوجود الحق ظهور لذاته في ذاته ، يقال له غيب الغيوب ، وظهور بذاته ، PageV01P387 # لفعله هو هذا الظهور ، وهو نور واحد ، تظهر به الماهيات بلا جعل وتأثير ، ~~وبسبب تمايز الماهيات الغير المجعولة وتخالفها من دون تعلق جعل وتأثير اتصف ~~هذا النور الذي هو حقيقة الوجود المطلق بصفة التعدد والتكثر بالعرض ، لا ~~بالذات ، فتعاكس أحكام كل من الماهية والوجود إلى الآخر ، وصار كل منهما ~~مرآة لظهور أحكام الآخر فيه ، بلا تعدد وتكرار في التجلي الوجودي أصلا ، بل ~~التعدد إنما هو في المظاهر والمرايا لا غير ، كما قيل : # وما الوجه إلا واحد غير أنه %~% إذا أنت عددت المرايا تعددا # ألم تر إلى النور الشمسي كيف يتكثر ويتعدد بتكثر المشبكات والرواشن ، وهو ~~في نفسه واحد لا تكثر فيه أصلا ، وإلى الواقع منه على الزجاجات المختلفة ~~الألوان كيف ينصبغ بصبغ ألوانها المتعددة ، وهو في نفسه لا لون له ، ولا ~~تفاوت فيه بوجه من الوجوه. # ولو لا هذا الظهور الذي هو إظهار منه سبحانه لنفسه بالذات ، ولغيره ~~بالعرض ؛ لما ظهر شيء من الموجودات ، ولا وجدت بوجه من الوجوه ، بل كانت ~~باقية في حجاب العدم وظلمة الاختفاء لعريها بحسب ذواتها عن الوجود والظهور ~~، كما دريت ، فإنما ظهورها به سبحانه ، وله ، ومعه ، ومنه ، وفيه ، وما هي ~~في حدود أنفسها إلا أمور اعتبارية ، أو عدمية ، من تعينات أو تناهيات وحدود ~~، فهي في الحقيقة من حيث ذواتها ( @QUR@014 كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ) (1). # ومن هنا قيل عند سماع حديث : كان الله ولم يكن معه شيء : الآن كما PageV01P388 # كان. هكذا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى دائرة الحقيقة ، واستكملوا ~~معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أنه ليس في الوجود إلا الله ، وأن كل شيء ~~هالك إلا وجهه ، لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلا ~~وأبدا ms214 ، لا يتصور إلا كذلك. ### ||| ** تمثيل : # ليس حال ما يطلق عليه السوي والغير بالنظر إليه سبحانه ، وله المثل ~~الأعلى ، إلا كحال الأمواج على البحر الزخار ، فإن الموج لا شك أنه غير ~~الماء عند العقل ، من حيث إنه عرض قائم بالماء ، وأما من حيث الوجود فليس ~~فيه شيء غير الماء ، فمن وقف عند الأمواج التي هي وجودات الحوادث وصورها ، ~~وغفل عن البحر الزخار الذي بتموجه تظهر من غيبه إلى شهادته ، ومن باطنه إلى ~~ظاهره هذه الأمواج ، يقول بالامتياز بينهما ، ويثبت السوي والغير ، ومن نظر ~~إلى البحر وعرف أنها أمواجه ، والأمواج لا تحقق لها بأنفسها ، قال بأنها ~~أعدام ظهرت بالوجود ، فليس عنده إلا الحق سبحانه ، وما سواه عدم ، تخيل أنه ~~موجود متحقق ، فوجوده خيال محض ، والمتحقق هو الحق لا غير ، وفي هذا قيل : # البحر لج على ما كان في قدم %~% إن الحوادث أمواج وأنهار لا يحجبنك أشكال تشاكلها %~% عمن تشكل فيها فهي أستار ### ||| ** تمثيل آخر : # أو كحال مراتب العدد بالنسبة إلى الواحد ، لا بشرط شيء ، فإن لكل مرتبة PageV01P389 # من مراتبه معاني ذاتية ، وأوصافا عقلية مخصوصة بها ، مع أنها عين الواحد ~~في الحقيقة ، فإيجاد الواحد بتكراره العدد مثال لإيجاد الحق تعالى الخلق ~~بظهوره في آيات الكون ، ومراتب الواحد مثال لمراتب الوجود واتصافها بالخواص ~~واللوازم ، كالزوجية والفردية والصمم والمنطقية مثال لاتحاد بعض مراتب ~~الوجود بالماهيات ، واتصافه بها على هذا الوجه من الاتصاف المخالف لسائر ~~الاتصافات المستدعي للتغاير بين الموصوف والصفة في الواقع ، وتفصيل العدد ~~مراتب الواحد مثال لإظهار الأعيان أحكام الأسماء الإلهية والصفات الربانية ~~، والارتباط بين الواحد والعدد مثال للارتباط بين الحق والخلق ، وكون ~~الواحد نصف الاثنين ، وثلث الثلاثة ، وربع الأربعة ، وغير ذلك مثال للنسب ~~اللازمة التي هي صفات الحق ، وظهور العدد بالمعدود مثال لظهور الوجودات ~~الإمكانية بالماهيات. # وكما أن الواحد غير محتاج إلى شيء من الأعداد من حيث هو هو ، وهي محتاجه ~~إليه ، فكذلك الحق غير محتاج إلى أحد من الموجودات ، وهي محتاجة إليه. # وكما أنه يلزم من عدم الواحد عدم جميع أنواع العدد ms215 ، من غير عكس ، فكذلك ~~الحق والموجودات. # وكما أن الواحد إذا ضرب في نفسه ، أو في عدد آخر ، لا يلزم منه تكثر ، بل ~~كان على ما كان ، فكذلك الحق إذا أخذ مع صفاته ، أو مع غيره. # وكما أن الواحد لو قسط لا ينقسم من حيث إنه واحد ، فكذلك الحق. # إلى غير ذلك من المناسبات. PageV01P390 ### ||| * وصل # فالموجودات كلها صور تفاصيل الحق ، ولها اعتباران : اعتبار أنها مرايا ~~لوجود الحق وأسمائه وصفاته ، واعتبار أن وجود الحق مرآة لها ؛ لأنها قد ~~ظهرت فيه لكونها لوازم أسمائه وصفاته. # فبالاعتبار الأول لا يظهر في الخارج إلا الوجود المتعين ، بحسب تلك ~~المرايا ، المتعدد بتعددها ، كما إذا قابلت وجهك بشيء فيه مرايا متعددة ~~تظهر صورتك في كل منها ، فتتعدد. # فعلى هذا ليس في الخارج إلا الوجود ، والماهيات على حالها في العلم ~~معدومة العين ، ما شمت رائحة الوجود الخارجي ، كما يراه الموحد الذي غلبه ~~شهود الحق. # وبالاعتبار الثاني ليس في الوجود إلا الماهيات ، والأعيان ووجود الحق ~~الذي هو مرآة لها في الغيب ما تجلى من وراء تتق (1) العزة ، وسرادقات ~~الجمال والجلال ، كما يراه من غلبه مشاهدة الخلق. # وأما من يشاهد النشأتين فلا يزال يلاحظ المرآتين : مرآة الأعيان ، ومرآة ~~الحق ، والصور التي فيها من غير انفكاك وامتياز ، وهذا الظهور منه سبحانه ~~في الكلي ، أو بصورة الكل ، ليس من حيث وحدته وذاته ، بل باعتبار الحضرة ~~الأسمائية ، كما قيل : واحد بالذات ، كل بالأسماء ، فلا يلزم منه كثرة في ~~ذاته ووجوده أصلا ، فهو الكل من غير تغير فيه ، ولا يلزم من هذا أن يصدق على كل PageV01P391 # واحد واحد من مظاهره أنه هو ، كما لا يصدق على كل واحد واحد أنه الكل ، ~~فافهم ، فإنه دقيق ، واحفظ ، فإنه نافع. # وفي هذا قيل : # كل شيء فيه معنى كل شيء %~% فتفطن واصرف الذهن إلي كثرة لا تتناهى عددا %~% قد طوتها وحدة الواحد طي ### ||| * أصل # ثم هذا الظهور والتعين الموجود المنبسط أيضا لا يجوز أن يتعدد في المرتبة ~~الأولى ، بل لا بد وأن يكون على ترتيب ؛ لأنه أيضا بسيط ms216 أحدي ، فلو اقتضى ~~ذاته في مرتبة ذاته تعينين مثلا لتعدد جهة اقتضائهما ؛ ضرورة تغاير اقتضاء ~~شيء لشيء ؛ لاقتضائه لآخر ، وننقل الكلام في الجهتين ، ويلزم التكثر في ~~الذات لا محالة. # فأول فيضه تعالى من حيث التفضيل أيضا أمر وحداني ، كما قال سبحانه : ( ~~@QUR@04 وما أمرنا إلا واحدة ) (1)، ولا يجوز أن يكون ذلك عرضا ، ولا صورة ~~؛ لتأخرهما عن الموضوع والمادة ، ولا مادة ؛ لتقومها بالصورة ، ولا جسما ؛ ~~لتركبه ، ولا نفسا ؛ لتقومها في تشخصها وفاعليتها بالمادة. # فإذن هو جوهر مفارق الوجود والتأثير عن المادة ، فهو العقل ، فأول ما خلق ~~الله العقل ، وهو ملك مقرب ، ليس خلق أقرب إلى الله سبحانه ، ولا أحب PageV01P392 # منه ، كما ورد في الحديث. # وعن مولانا الصادق عليه السلام : إنه «أول خلق من الروحانيين عن يمين ~~العرش» (1). # ثم إن للعقل وحدة بالذات ، من حيث وجوده المفاض عن الحق سبحانه ، وله ~~كثرة بالعرض ، من جهة ماهيته التي لزمته من دون جعل ولا تأثير ، بل لضرورة ~~قصور ذاته عن ذات مفيضه سبحانه. # فبجهة وجوده النوري الذي هو ذاته المعقولة له ، حيث إنه مجرد عن الغواشي ~~، أفاض الله سبحانه ثانيا ، وبجهة وجوبه به سبحانه ، ومشاهدته إياه وعشقه ~~له ، حيث لا حجاب بينهما ثالثا ، وبجهة ماهيته وإمكانه وفقره رابعا ، ~~بالأشرف الأشرف ، وبالأخس الأخس ، ثم ازداد التكثر في الجهات ، فازدادت ~~الكثرة في الفيض. # فإن قيل : يجوز مثل هذه الاعتبارات أولا في المبدأ ، فليجز صدور الكثرة ~~منه أولا. # قلنا : اعتبارات الذات البسيطة من جميع الوجوه لا تباين فيها ، وليس هناك ~~أمر بالعرض حتى يصدر منه بسببه الكثرة. # إن قيل : لا بد لكم من اعتبار أمور مختلفة في المبدأ ليفيض منه المفاض ~~الوحداني ، فإنه لا بد له من علمه به ، وإرادته له ، وقدرته عليه ، إلى غير ذلك. # قلنا : هذه الاعتبارات أيضا على ترتيب واستلزام ، فإن اعتبار الحياة ~~متقدم على اعتبار العلم ، وهو متقدم على اعتبار الإرادة ، وهو على اعتبار ~~القدرة ، وهو على اعتبار الكلام ، أعني قول : كن ، فليتدبر. PageV01P393 ### ||| * وصل # ولعل إلى هذه الجهات المكثرة أشير في الحديث النبوي ، حيث ms217 قيل : «أول ما ~~خلق الله جوهرة ، فنظر إليها بعين الهيبة ، فذابت أجزاؤها ، فصارت ماء ، ~~فتحرك الماء ، وطفى فوقه زبد ، وارتفع منه دخان ، فخلق السماوات من ذلك ~~الدخان ، والأرضين من ذلك الزبد» (1). # وفي الكافي ، عن مولانا الباقر عليه السلام ، ما يقرب من هذا (2). # وفي القرآن المجيد : ( @QUR@010 أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما ) (3)، فإن الرتق هو الشيء الواحد ، والفتق تفصيله ~~سماء ، وأرضا ، وعقلا ، ونفسا ، ونوعا ، وجنسا ، وفلكا ، وملكا ، كذا قيل ~~في التأويل ، والعلم عند الله. # وفي كتاب التوحيد ، عن مولانا الباقر عليه السلام : «أول شيء خلقه من خلقه ~~الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء. # قيل : فالشيء خلقه من شيء ، أو من لا شيء؟ # فقال عليه السلام : خلق الشيء لا من شيء كان قبله ، ولو خلق الشيء من شيء ~~إذن لم يكن له انقطاع أبدا ، ولم يزل الله إذن ومعه شيء ، ولكن كان الله ~~ولا شيء PageV01P394 # معه ، فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء» (1). # قيل : إن الماء كناية عن مادة الجسمانيات ؛ لقبولها التشكلات بسهولة ، ~~وإنما كان أول ما خلقه الله من عالم الأجسام ، كما أن العقل أول ما خلقه ~~الله من عالم الأرواح ؛ وذلك لأن المادة أصل للجسمانيات ، وعليها مختلف ~~الصور ، وهي وإن كانت تتبدل بتبدل الصور من وجه ، إلا أنها من حيث إنها ~~مادة لها ، وأصل تبتني هي عليها ، باقية في جميع الأحوال ، ولها التقدم عليها. # أقول : قد مضى منا القول بأن الماء كناية عن إمكان الموجودات وقابليتها ~~للوجود ، فتشمل مادة الروحانيات أيضا. ### ||| * وصل # الموجودات الثلاثة المفاضة بالجهات الثلاث العقلية ، إما أن تكون متباينة ~~الأجناس ، بأن يكون الأول عقلانيا ، والثاني نفسانيا ، والثالث جرمانيا ، ~~ويوجد بالعقل الثاني ثلاثا أخرى هكذا وهكذا ، وإما أن يكون الكل عقلانيا ~~مختلف المراتب إلى أن يحصل عدد كثير من العقول ، وتضعف الوجودات بالبعد عن ~~منبعها ، ثم تنتهي النوبة إلى النفوس والأجسام. كلاهما محتمل. # ويجوز أن يكون تكثر الجهات أيضا على نحو آخر غير ما ذكر. # وبالجملة : فتجليه سبحانه في كل مرتبة من ms218 مراتب الكون ، وتنزله إلى كل ~~شأن من الشؤون يوجب ظهور ماهية من الماهيات ، ومرتبة من مراتب الفاقرات ، ~~وكلما كانت مراتب النزول أكثر ، وعن منبع الوجود أبعد ، كان ظهور PageV01P395 # الأعدام والظلمات بصفة الوجود ونعت الظهور ، واحتجاب الوجود بأعيان ~~المظاهر ، واختفاؤه بصور المجالي ، وانصباغه بصبغ الأكوان ، أكثر ، فكل ~~نزول يوجب تواضعا عن غاية الرفعة والعظمة ، وشدة النورية ، وقوة الوجود ، ~~وكل له قانتون. # وهكذا تتنزل الوجودات (1) في المراتب ، ثم تترقى متواصلة بحيث لا ثلمة ~~فيها متنازلة ومتصاعدة ، إلى أن تنتهي إلى ما بدأت منه ، كما قال سبحانه : ~~( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ) (2). # وقد مضى بيان ذلك مجملا ، وسيأتي إن شاء الله مفصلا ، بما لا مزيد عليه. ### ||| * وصل # الغرض من إثبات هذا الترتيب في الموجودات إنما هو تصحيح سدود العالم ~~بجميع أجزائه ، من حيث كثرته الاجتماعية عن الحق الواحد من جميع الوجوه ؛ ~~لئلا تنثلم الوحدة الحقة بصدور الأمور الكثيرة في مرتبة واحدة ، كما أشرنا إليه. # وأما إذا أخذ العالم كله شخصا واحدا وحدة شخصية ، فيجوز أن يكون مستندا ~~إليه سبحانه أولا وبالذات ، من دون وسط وشرط ، وتكون علته الفاعلية بعينها ~~علته الغائية ؛ إذ لا كثرة له من هذه الحيثية. # والفرق بين الحيثيتين كالفرق بين الإجمال والتفصيل ، من أن التفاوت PageV01P396 # بينهما إنما هو بنحو الإدراك ، لا بشيء في المدرك. # وأما كيفية صدور العالم بجميع أجزائه مرة واحدة على سبيل الإبداع مع كون ~~بعض أجزائه تدريجي الوجود بالذات ، أو بالعرض ، وبعضها دفعي الوجود كذلك ، ~~وبعضها لا هذا ، ولا ذاك ، فتحقيقه لا يحتاج إلى مزيد بيان ، بعد الاطلاع ~~على ما أسلفناه من الأصول ، وسيأتي أيضا في مباحث حدوث العالم وغيرها بما ~~يؤيده ويوضحه ، إن شاء الله. ### ||| * أصل # قد دريت في الأصول السالفة أن كل فاعل يفعل فعلا لغرض ، أو غاية ، فلا بد ~~وأن يكون حصول ذلك الغرض أو الغاية أولى له من لا حصوله ، كما أشير إليه ~~بقوله سبحانه : ( @QUR@05 ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه )، وإذ هو سبحانه ~~غني بالذات من جميع الوجوه ، ليس شيء أولى به إلا وهو حاصل ms219 له بذاته في ~~مرتبة ذاته ، كما قال : ( @QUR@05 إن الله لغني عن العالمين ) (1)، فليس ~~لفعله لمية غير ذاته ، ولهذا مصير فعله كله إلى ذاته ، كما ثبت بالبرهان ، ~~وسيأتي في آخر المقصد الثاني ، إن شاء الله. # ومن هنا قال سبحانه : ( @QUR@04 لا يسئل عما يفعل ) (2)، وكيف يسئل من ~~هو نفسه الجواب؟ # وأيضا هو الفاعل الأول للأشياء قاطبة والغايات كلها كسائر الأشياء PageV01P397 # مستندة إليه ، فلو كانت لفعله غاية أولية غير ذاته لعاد الكلام إلى ~~الغاية الداعية لصدور تلك الغاية ، حتى ينتهي إلى غاية تكون عين ذاته ؛ ~~لامتناع التسلسل ، وهو المطلوب. # وأيضا لو كان لفعله سبحانه غاية غير ذاته لكانت تلك الغاية من تمام ~~فاعليته ، فيكون من حيث ذاته ناقصا في فاعليته ، مستكملا فيها بتلك الغاية ~~( @QUR@04 وربك الغني ذو الرحمة ) (1)، تعالى عن ذلك ، بل هو تام بذاته من ~~جميع الوجوه ، واحد لا كثرة فيه ، ولا شيء قبله ، ولا معه ، كما عرفت ، ~~فإذن ذاته مع وحدته متمم فاعليته ، فذاته بذاته فاعل ، وغاية للوجود كله. ### ||| * وصل # بلى ، إنه سبحانه أحب الظهور في صور الموجودات ، فظهر فيها كما أشار إليه ~~بقوله تعالى : «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق لكي أعرف» (2). # وظهوره سبحانه في الصور ، وكذلك محبته لذلك ، ليست زائدة على ذاته ، على ~~ما دريت في سائر صفاته سبحانه ، فإذن الغاية في الإيجاد بمعنى الداعي ليست ~~إلا ذاته المقدسة ، معروفة من حيث المحبة لا غير. # ومن هنا قيل : لو لا العشق ما يوجد سماء ، ولا أرض ، ولا بر ، ولا بحر. PageV01P398 ### ||| * وصل # توقف ظهوره سبحانه ذاتا وصفة على فعله تعالى ، لا ينافي غناءه الذاتي ؛ ~~لأن فعله وإن كان أمرا ما غير ذاته من وجه ، ولكنه موجود بوجوده ، واجب ~~بوجوبه ، غني بغناه، وهو سبحانه مستقل في إفادته ، فهو من حيث استغنائه به ~~سبحانه ، واستناده إليه ، لا يمكن فرض عدمه ، ومن حيث فقره في حد نفسه ، لا ~~شيء محض ، لا تتعلق به إضافة، ولا مظهرية ، فبالحقيقة ظهوره ذاتا وكمالا ~~إنما هو بذاته تعالى ؛ لأن الغير من حيث هو غير ، ومن ms220 حيث اعتباره في نفسه ~~غير موجود ، ومن حيث هو أثر من آثاره ولمعة من أنواره ، مرتبط به ، بل ليس ~~أمرا وراءه ، على ما دريت ، وهو من هذه الحيثية متعلق لإضافته ، ومظهر ~~لجماله وكماله ، وبهذا الاعتبار هو كالإضافة إليه حاصلان من نفس وجوده ، ~~وفيض جوده ، بلا مدخلية شيء آخر فيه. ### ||| * وصل # فظهر إذن أن ذاته سبحانه ، من حيث إنه يفيد وجود الأشياء ، فاعل لها ، ~~ومن حيث إن إفادته وجودها لأجل علمه بنظام الخير فيها ، الذي هو عين ذاته ~~المحبوبة لذاته ، غاية ، وهو من هذه الحيثية الداعية إلى الفعل متقدم على ~~الأشياء ، وأول ، ومن حيث كونه خيرا ، أو فائدة ، تقصده الأشياء وتتشوق ~~إليه طبعا وإرادة ، على ما سيأتي بيانه، متأخر عنها ، وآخر ، كما هو شأن ~~الغايات من تقدمها على الأفعال ، وتأخرها عنها ، باعتبارين. PageV01P399 # وأيضا هو من حيث إنه أحب الظهور ، باطن ، ومن حيث إنه خلق الخلق على وفق ~~محبته ، ظاهر ، فإذن هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم. ### ||| * فصل # لعلك بعدما أحكمت الأصول السالفة لا تشك في أن فاعليته تعالى للعالم ليس ~~فاعلية بالطبع ، ولا بالقسر ، ولا بالجبر ، ولا بالقصد ، فهو سبحانه إذن ~~إما فاعل بالعناية ، أو بالرضا. # وعلى أي التقديرين فهو مختار في فعله ؛ لأنه إنما صدر عنه بعد علمه ~~بكيفية نظام الخير في الوجود ، وبأنه يصدر عنه ، وبأنه إنما يصدر عنه لأجل ~~علمه بذلك ، ومشيئته ، اللذين هما عين ذاته تعالى ، غير مستكره ، ولا مقهور ~~، ولا مغلوب ، ولا مغرور ، كما قال سبحانه : ( @QUR@04 ولو شاء لجعله ساكنا ~~) (1)، وقال : ( @QUR@04 ولو شاء لهداكم أجمعين ) (2). # ولا بد بعد الاختيار من وقوع المختار دون غيره ، والمختار لا بد أن يكون ~~أحسن ما يمكن أن يكون ، وهو ما هو الأمر عليه ، كما يأتي بيانه في محله ، ~~إن شاء الله ، فالوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يحققه. # فإذا ثبت هذا ، وقد دريت أن لكل شهادة غيبا ، وأن لكل طبيعة نوعية في هذا ~~العالم حقيقة عقلية عند الله ، وقد ثبت أن كل ما جرى في هذا العالم ms221 PageV01P400 # وسيجري ، مكتوب مثبت في النفوس الفلكية ، وأنها عالمة بلوازم حركاتها من ~~الحوادث ، كما يأتي بيانه. # فإذن كل ما يوجد في هذا العالم فإنما يوجد بعناية من الله سبحانه ، وقضاء ~~منه ، وقدر ؛ وذلك لأن العناية عبارة عن إحاطة علمه سبحانه بما عليه الوجود ~~، من الأشياء الكلية والجزئية الواقعة في النظام الكلي على الوجه الكلي ، ~~المقتضي للخير والكمال المؤدي لوجود النظام على أفضل ما في الإمكان ، أتم ~~تأدية ، مرضيا بها عنده تعالى ( @QUR@06 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ) (1) ~~، ( @QUR@014 وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه ) (2). # والقضاء عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات بإبداعه سبحانه ~~إياها في العالم العقلي على الوجه الكلي ، بلا زمان ، على ترتيبها الطولي ~~الذي هو باعتبار سلسلة العلل والمعلولات ، والعرضي الذي هو باعتبار سلسلة ~~الزمانيات والمعدات بحسب مقارنة جزئيات الطبيعة المنتشرة الأفراد لأجزاء ~~الزمان ، كما قال عز وجل : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) (3). # والقدر عبارة عن ثبوت صور جميع الموجودات في العالم النفسي الفلكي ، على ~~الوجه الجزئي ، مطابقة لما في موادها الخارجية الشخصية ، مستندة إلى ~~أسبابها الجزئية ، واجبة بها ، لازمة لأوقاتها المعينة ، كما قال جل وعز : ~~( @QUR@05 وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (4)، وتشملها العناية شمول القضاء ~~للقدر والقدر لما في PageV01P401 # الخارج ، إلا أن العناية لا محل لها ، بل هو علم بسيط ، قائم بذاته تعالى ~~، مقدس عن شائبة كثرة وتفصيل خلاق العلوم التفصيلية ، التي هي بعده ، وهي ~~ذوات الأشياء الصادرة عنه ، ولكل من القضاء والقدر محل ، أما القضاء ~~فالعالم العقلي ، وأما القدر فالعالم النفسي. # ثم الجواهر العقلية وما معها موجودة في القضاء والقدر مرة واحدة ، ~~باعتبارين ، والجواهر الجسمانية وما معها موجودة فيهما مرتين. هكذا حقق هذا ~~البحث محققو الحكماء (1). ### ||| * وصل # ثم إن وجود تلك الصور الجزئية في موادها الخارجية التي هي أخيرة مراتب ~~علمه عز وجل ، كلمات الله التي لا تنفد ، ولا تبيد مع أعراضها اللازمة ~~والمفارقة ، التي هي بمنزلة الحركات البنائية ، والإعرابية ، والمادة ~~الكلية المشتملة عليها ، هي دفتر للوجود ، والبحر المسجور ms222 ، المملوء بالصور ~~، فلو كان بحر المادة العنصرية مدادا لكلمات ربنا الوجودية لنفد البحر قبل ~~أن تنفد كلمات ربنا ، ولو جئنا بمثله مددا من أبحر المواد الفلكية ، من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله. # فهذه العوالم كلها ، كليها وجزئيها ، كتب إلهية ودفاتر سبحانية ؛ ~~لإحاطتها بكلمات الله التامات ، وانتقاشها بها ، فعالم العقول المقدسة ~~والنفوس الكلية كلاهما كتابان كليان. PageV01P402 # ويقال للعقل الأول : أم الكتاب ، كما قال عز وجل : ( @QUR@07 وإنه في أم ~~الكتاب لدينا لعلي حكيم ) (1)؛ لإحاطته بالأشياء إجمالا. # وللنفس الكلية الفلكية : الكتاب المبين ، كما قال : ( @QUR@08 ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (2)؛ لظهورها فيه تفصيلا ، وهو لوح القضاء ، ~~واللوح المحفوظ عن التغير. # وللنفس المنطبعة في الجسم الفلكي : كتاب المحو والإثبات ، كما قال : ( ~~@QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (3)؛ لوقوعهما فيه ، ~~وهو لوح القدر ، وأعيان الموجودات هي آيات تلك الكتب ( @QUR@014 إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ) (4). ### ||| * وصل # روى في كتاب التوحيد ، بإسناده عن مولانا الرضا عليه السلام ، عن أبيه ، ~~عن آبائه ، عن علي عليهم السلام ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ~~«إن الله عز وجل قدر المقادير ، ودبر التدابير ، قبل أن يخلق آدم بألفي عام» (5). # وفي رواية أخرى : «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض PageV01P403 # بخمسين ألف سنة» (1). # وبإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله ، قال : «لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن ~~بالقدر ، خيره وشره، وحلوه ومره» (2). # وبإسناده عن العالم عليه السلام ، قال : «علم ، وشاء ، وأراد ، وقدر ، ~~وقضى ، وأبدا ، فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدر ، وقدر ما أراد ، فبعلمه كانت ~~المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان ~~القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، فالعلم متقدم المشيئة ، والمشيئة ثانية ، ~~والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء ، فلله تبارك وتعالى ~~البداء فيما علم ، متى شاء ، وفيما أراد لتقدير الأشياء ، فإذا وقع القضاء ~~بالإمضاء فلا بداء ، فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المشاء قبل ~~عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات ms223 قبل ~~تفصيلها وتوصيلها عيانا وقياما ، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ~~ذوات الأجسام المدركات بالحواس ، من ذي لون ، وريح ، ووزن ، وكيل ، وما دب ~~ودرج ، من إنس وجن ، وطير وسباع ، وغير ذلك مما يدرك بالحواس. # فلله تبارك وتعالى فيه البداء ، مما لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم ~~المدرك فلا بداء ، والله يفعل ما يشاء ، وبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، ~~وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها ، وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميز ~~أنفسها في ألوانها ، وصفاتها (3)، وبالتقدير قدر أقواتها (4)، وعرف أولها ~~وآخرها ، وبالقضاء PageV01P404 # أبان للناس أماكنها ، ودلهم عليها ، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ، ~~وذلك تقدير العزيز العليم» (1). ### ||| * أصل # إن قيل : ما السبب في المحو والإثبات ، وما الحكمة فيها؟ وكيف تصح نسبة ~~التردد وإجابة الدعاء ونحو ذلك إلى الله سبحانه ، مع إحاطة علمه بكل شيء ~~أزلا وأبدا ، على ما هو عليه في نفس الأمر ، وتقدسه عما يوجب التغير ~~والسنوح ، ونحوهما؟ # فاعلم أن القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة ~~واحدة ؛ لعدم تنافيها ، بل إنما تنتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا ، وجملة ~~فجملة ، مع أسبابها وعللها ، على نهج مستمر ، ونظام مستقر ، فإن ما يحدث في ~~عالم الكون والفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى ، ~~ونتائج بركاتها ، فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا ، فمهما حصل لها العلم ~~بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم ، حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك ~~الحكم ، وربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما توجبه ~~بقية الأسباب لو لا ذلك السبب ، ولم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد ؛ لعدم ~~اطلاعها على سبب ذلك السبب ، ثم لما جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف ~~الحكم الأول ، فينمحي عنها نقش الحكم السابق ، ويثبت الحكم الآخر. # مثلا : لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا ، في ليلة كذا ، لأسباب PageV01P405 # تقتضي ذلك ، ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي يأتي به قبل ذلك الوقت ؛ ~~لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ، ثم علمت به ، وكان موته بتلك الأسباب ~~مشروطا ms224 بأن لا يتصدق ، فيحكم أولا بالموت ، وثانيا بالبرء ، وإذا كانت ~~الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه ، متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما ~~بعد ؛ لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد ، كان لها التردد في وقوع ذلك ~~الأمر ، ولا وقوعه ، فينتقش فيها الوقوع تارة ، واللاوقوع أخرى. # فهذا هو السبب في المحو والإثبات ، والحكمة فيهما. # وأما صحة نسبة البداء والتردد ، وأمثالهما ، إلى الله سبحانه ، مع إحاطة ~~علمه عز وجل بالكليات والجزئيات جميعا ، أزلا وأبدا ، على ما هي عليها في ~~المواقع ، من غير تطرق تغير ، وسنوح في ذاته عز وجل ، فالوجه فيه ما ذكره ~~أستاذنا دام ظله قال : لما كان كل ما يجري في ذلك العالم النفسي إنما يجري ~~بإرادة الله تعالى ، بل فعلهم بعينه فعل الله تعالى ، حيث إنهم لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ؛ إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة ~~الله عز وجل ؛ لاستهلاك إرادتهم في إرادته سبحانه ، ومثلهم كمثل الحواس ~~للإنسان ، كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما هم به وأرادته دفعة ، فكل ~~كتابة تكون في تلك الألواح والصحف فهو أيضا مكتوب الله عز وجل بعد قضائه ~~السابق المكتوب بقلمه الأول ، فيصح أن يوصف الله بالنسخ ، والبداء ، ~~والتردد ، وإجابة الدعاء ، ونحو ذلك ، بهذا الاعتبار ، وإن كان مثل هذه ~~الأمور يشعر بالتغير والسنوح ، وهو الله عز وجل منزه عنه ، فإن كل ما وجد ، ~~أو سيوجد، فهو غير خارج عن عالم ربوبيته. PageV01P406 ### ||| * أصل # قد بينا أن العالم كله تدريجي الوجود ، متبدل الكون ، إلا ما صار مخفيا ~~تحت سطوع النور الأول ، وهو محل القضاء الذي هو بمنزلة الضوء بالنسبة إليه ~~سبحانه. # وقد ثبت أن العالم إنما يوجد بالكلام ، وبأمر «كن» ، فهو الله سبحانه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له : كن ، بلا حرف وصوت ، فيكون ، فإذا كان أشرف على ~~العدم من ساعته لهلاكه الأصلي ، وبطلانه الذاتي ، فيقول الله جل جلاله ~~ثانيا : كن ، فيكون ثانيا بهذه الكلمة الثانية. # وإن شئت قلت بتلك الكلمة الأولى بعينها ؛ لأن أمر الله واحد ، وكلمته ~~واحدة ms225 ، والقضاء واحد ، إلا أنها ثانية في حق العالم ، فإذا كان أشرف على ~~العدم من ساعته ، فيقول الله عز سلطانه له ثالثا : كن ، فيكون ثالثا ، ~~وهكذا إلى ما شاء الله. # فهو الله تبارك وتعالى كل يوم في شأن ، مع تعاليه عن تعدد الشأن ، وكل ~~مخلوق فهو دائما في حركة ، وفي كل لحظة في خلق جديد ( @QUR@08 وترى الجبال ~~تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) (1)، ( @QUR@07 بل هم في لبس من خلق ~~جديد ) (2)؛ وذلك للطافة الحجاب ، ورقته ، وتشابه الصور ، مثل قوله تعالى : PageV01P407 # ( @QUR@03 وأتوا به متشابها ) (1). # قال صاحب الفتوحات : من علم الاتساع الإلهي علم أنه لا يتكرر شيء في ~~الوجود، وإنما وجود الأمثال في الصور يخيل أنها أعيان ما مضى ، وهي أمثالها ~~، لا أعيانها ، ومثل الشيء ما هو عينه (2). # وقال أيضا بعد كلام طويل في ذلك : فالوجود كله متحرك على الدوام ، دنيا ~~وآخرة ؛ لأن التكوين لا يكون إلا عن مكون ، فمن الله توجهات دائمة ، وكلمات ~~لا تنفد ، وهو قوله تعالى : ( @QUR@04 وما عند الله باق ) (3)، فعند الله ~~التوجه ، وهو قوله : ( @QUR@02 إذا أردناه )، وكلمة الحضرة ، وهي قوله لكل ~~شيء : ( @QUR@01 كن ) (4) بالمعنى الأول الذي يليق بجلاله ، و «كن» حرف ~~وجودي ، فلا يكون عنه إلا الوجود ؛ لأن العدم لا يكون ، والكون وجود ، وهذه ~~التوجهات والكلمات هي خزائن الجود لكل شيء يقبل الوجود ، قال تعالى : ( ~~@QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه )، وهو ما ذكرناه ( @QUR@05 وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم ) (5). ### ||| ** تمثيل : # فمثل إفاضة الوجود من الله سبحانه ، كمثل قطعات الماء في النهر الجاري ، ~~حيث ترى واحدة بالشخص ، وهي متبدلة آنا فآنا ، أو مثل شعل النار في السراج ~~المستحيلة هواء على نعت الاتصال. PageV01P408 ### ||| * وصل # فإذن ما أسهل عليك أن تتيقن أن وجود العالم عن الباري جل ثناؤه ليس كوجود ~~الدار عن البناء ، ولا كوجود الكتابة عن الكاتب ، الثابتة العين ، المستقلة ~~بذاتها ، المستغنية عن الكاتب بعد فراغه ، وإن كان يشبه ذلك من وجه آخر ~~لطيف ، ولكن كوجود الكلام عن المتكلم إن سكت بطل الكلام ، بل كوجود ضوء ~~الشمس في الجو المظلم الذات ما ms226 دامت الشمس طالعة ، فإن غابت الشمس بطل ~~الضوء من الجو ، لكن شمس الوجود يمتنع عليه العدم لذاته ، وكما أن الكلام ~~ليس جزء المتكلم ، بل فعله وعمله أظهره بعد ما لم يكن ، وكذا النور الذي ~~يرى في الجو ليس بجزء الشمس ، بل هو انبجاس وفيض منها. # فهكذا الحكم في وجود العالم عن الباري جل ثناؤه ، ليس بجزء من ذاته ، بل ~~فضل وفيض يتفضل به ، ويفيض ، إلا أن الشمس لم تقدر أن تمنع نورها وفيضها ؛ ~~لأنها مطبوعة على ذلك ، بخلافه سبحانه فإنه مختار في أفعاله بنحو من ~~الاختيار ، أجل وأرفع مما تصوره العوام ، كما دريت ، وأشد وأقوى من اختيار ~~مثل المتكلم القادر على الكلام ، إن شاء تكلم ، وإن شاء سكت ، فهو سبحانه ~~إن شاء أفاض وجوده وفضله ، وأظهر حكمته ، وإن شاء أمسك ، ولو أمسك طرفة عين ~~عن الإفاضة والتوجه لتهافتت السماوات ، وبادت الأفلاك ، وتساقطت الكواكب ، ~~وعدمت الأركان ، وهلكت الخلائق ، ودثر العالم ، دفعة واحدة بلا زمان ، كما ~~قال عز وجل : ( @QUR@015 إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ~~إن أمسكهما من أحد من بعده ) (1). PageV01P409 ### ||| * وصل # روى في كتاب التوحيد ، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، في قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@05 وقالت اليهود يد الله مغلولة : ) «لم يعنوا أنه ~~هكذا ، ولكنهم قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال الله جل ~~جلاله تكذيبا لقولهم : ( @QUR@011 غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) (1)، ألم تسمع الله عز وجل يقول : ( @QUR@08 ~~يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (2)» (3). ### ||| * فصل # قال الله جل جلاله : ( @QUR@05 قل كل يعمل على شاكلته ) (4)، أي لا يعمل ~~إلا ما يشاكله ، بمعنى أن الذي يظهر منه يدل على ما هو في نفسه عليه ، ~~والعالم عمل الله وصنعته ، فهو على شاكلته ، فما من العالم شيء إلا وله في ~~الله أصل. # والعالم منحصر في عشر مقولات ، فجوهره مثال لذات الباري جل اسمه ، ~~وأعراضه لصفاته ، ومتاه لأزله ، وأينه لاستوائه على العرش ، وكمه لعدد ~~أسمائه ، وكيفه لرضاه وغضبه ، ووضعه لقيامه بذاته ms227 ، ويداه مبسوطتان ، وجدته ~~لكونه مالك الملك ، وإضافته لربوبيته ، وأن يفعل لإيجاده ، وأن ينفعل ~~لإجابته من سأله. PageV01P410 # وعلى هذا القياس أجناس المقولات ، وأنواعها ، وأفرادها. # وكما أن الذات لا تزال محتجبة بالصفات ، فكذلك الجوهر لا يزال مكتنفا ~~بالأعراض. # وكما أن الذات الإلهية مع انضمام صفة من صفاتها اسم من الأسماء ، كلية ~~كانت ، أو جزئية ، كذلك الجوهر مع انضمام معنى من المعاني الكلية إليه يصير ~~جوهرا خاصا ، مظهرا لاسم خاص من الأسماء الكلية ، بل عينه ، وبانضمام معنى ~~من المعاني الجزئية يصير جوهرا جزئيا ، كالشخص. # وكما أنه من اجتماع الأسماء الكلية تتولد أسماء أخر ، كذلك من اجتماع ~~الجواهر البسيطة تتولد جواهر أخر مركبة منها. # وكما أن الأسماء بعضها محيط بالبعض ، فكذلك الجواهر. # وكما أن الأمهات من الأسماء منحصرة ، كذلك أجناس الجواهر وأنواعها ~~منحصرة. # وكما أن الفروع من الأسماء غير متناهية ، كذلك الأشخاص غير متناهية. # فما من شيء ظهر في تفاصيل العالم إلا وفي الحضرة الإلهية صورة تشاكله ، ~~ولو لا هي لما ظهر ؛ لأن وجود المعلول كما دريت ناشىء من وجود العلة ، ولكن ~~يجب أن يتصور ويعتقد ما هناك على وجه أعلى وأشرف ، وإلا فهو سبحانه منزه عن ~~الجوهرية والعرضية ، وإن ثبت له شيء من الأعراض ، بل هو تعالى في غاية ~~الأحدية والجلالة ، لا يشابه شيئا ، ولا يشابهه شيء بوجه من الوجوه ، تعاظم ~~ربنا عن ذلك ، وتقدس. # ولنشر الآن إلى تحقيق الحق في خلق الأعمال ، والقدر في الأفعال ، وإبطال ~~الجبر والتفويض ، ومن الله التأييد. PageV01P411 ### ||| * أصل # قد دريت أن كل ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته وزمانه في عالم آخر ~~فوق هذا العالم قبل وجوده ، وقد ثبت أن الله سبحانه قادر على جميع الممكنات ~~، ولم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته وعلمه وقدرته وإيجاده ، بواسطة ، أو ~~بغير واسطة ، وإلا لم يصلح لمبدئية الكل ، فالهداية والضلالة ، والإيمان ~~والكفر ، والخير والشر ، والنفع والضر ، وسائر المتقابلات كلها منتهية إلى ~~قدرته ، وتأثيره ، وعلمه ، وإرادته ، ومشيئته ، إما بالذات ، أو بالعرض. # فأعمالنا وأفعالنا كسائر الموجودات وأفاعيلها بقضائه وقدره ، وهي واجبة ms228 ~~الصدور منا بذلك ، ولكن بتوسط أسباب وعلل من إدراكاتنا وإراداتنا وحركاتنا ~~وسكناتنا ، وغير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا وتدبيرنا ، ~~الخارجة عن قدرتنا وتأثيرنا. # فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب والشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة ~~يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر ، والمقضي المقدر ، وعند تخلف شيء منها ، ~~أو حصول مانع ، بقي وجوده في حيز الامتناع ، ويكون ممكنا وقوعيا بالقياس ~~إلى كل واحد من الأسباب الكونية. # ولما كان من جملة الأسباب وخصوصا القريبة منا إرادتنا وتفكرنا وتخيلنا ، ~~وبالجملة ما يختار به أحد طرفي الفعل والترك ، فالفعل اختياري لنا ، فإن ~~الله أعطانا القوة والقدرة والاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا ، مع إحاطة ~~علمه ، فوجوبه لا ينافي إمكانه ، واضطراريته لا تدافع كونه اختياريا. PageV01P412 # كيف ، وأنه ما وجب إلا بالاختيار ، ولا شك أن القدرة والاختيار كسائر ~~الأسباب من الإدراك والعلم والإرادة والتفكر والتخيل ، وقواها وآلاتها كلها ~~بفعل الله تعالى ، لا بفعلنا واختيارنا ، وإلا لتسلسلت القدر والإرادات ، ~~إلى غير النهاية ، أو دارت ؛ وذلك لأنا وإن كنا بحيث إن شئنا فعلنا ، وإن ~~لم نشأ لم نفعل ، لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ، بل ~~إذا شئنا فلم تتعلق مشيئتنا بمشيئتنا ، بل بغير مشيئتنا ، فليست المشيئة ~~إلينا ؛ إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيئة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى ~~غير النهاية. # ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول جملة مشيئاتنا الغير المتناهية ~~بحيث لا يشذ عنها مشيئة ، لا تخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن ~~مشيئتنا ، أو بسبب مشيئتنا ، والثاني باطل ؛ لعدم إمكان مشيئة أخرى خارجة ~~عن تلك الجملة ، والأول هو المطلوب. # فقد ظهر أن مشيئتنا ليست تحت قدرتنا ، كما قال الله عز وجل : ( @QUR@06 ~~وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ) (1). # فإذن نحن في مشيئتنا مضطرون ، وإنما تحدث المشيئة عقيب الداعي ، وهو تصور ~~الشيء الملائم تصورا ظنيا ، أو تخيليا ، أو علميا ، فإنا إذا أدركنا شيئا ~~فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم ، أو ببديهة العقل ، انبعث ~~منا شوق إلى جذبه ms229 ، أو دفعه ، وتأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى ~~بالإرادة ، وإذا انضمت إلى القدرة التي هي مهيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك ~~القوة لتحريك الأعضاء الأدوية ، من العضلات وغيرها ، فيحصل الفعل. # فإذن إذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشيئة تحققت المشيئة ، PageV01P413 # وإذا تحققت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ~~، ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة ، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة ~~محركة ضرورة عند انجزام المشيئة ، والمشيئة تحدث ضرورة في القلب عقيب ~~الداعي. # فهذه ضروريات ترتب بعضها على بعض ، وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند ~~تحقق سابقه ، فليس يمكن لنا أن ندفع المشيئة عند تحقق الداعي للفعل ، ولا ~~انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ، فنحن مضطرون في الجميع ، فنحن في عين ~~الاختيار مجبورون ، فنحن إذن مجبورون على الاختيار. # قال بعض العلماء : الحوادث كلها مستندة إلى القدرة الأزلية ، ولكن بعضها ~~مرتب على البعض في الحدوث ، ترتب المشروط على الشرط ، فلا تصدر من القدرة ~~الأزلية والقضاء الإلهي إرادة حادثة إلا بعد علم ، ولا علم إلا بعد حياة ، ~~ولا حياة إلا بعد محلها ، ولكن بعض الشروط مما ظهر للعامة ، وبعضها مما لم ~~يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق ، فكل ما في عالم الإمكان حادث على ~~ترتيب واجب ، وحق لازم ، لا يتصور أن لا يكون كما يكون ، وعلى الوجه الذي ~~يكون ، فلا يسبق سابق إلا بحق ، ولا يلحق لا حق إلا بحق ، كما أشير إليه ~~بقوله سبحانه : ( @QUR@04 ما خلقناهما إلا بالحق ) (1). # فما تأخر متأخر إلا لانتظار شرطه ؛ إذ وقوع المشروط قبل وقوع الشرط ممتنع ~~، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا ، فلا يتخلف العلم عن النطفة إلا لفقد شرطه ~~، وهو الحياة، ولا الإرادة عن العلم إلا لفقد شرطها ، وهو القدرة ، ولا ~~الفعل عن القدرة إلا لفقد شرطه ، وهو الإرادة ، وكل ذلك على المنهاج الواجب ، PageV01P414 # والترتيب الواجب ، ليس شيء منها ببخت واتفاق ، بل كل بحكمة وتدبير (1). # وإذا كان هذا هكذا فمن نظر إلى الأسباب القريبة للفعل ورآها مستقلة قال ~~بالقدر والتفويض ، أي تكون ms230 أفاعيلنا واقعة بقدرتنا ، مفوضة إلينا ، والله ~~سبحانه أحكم من أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه ، وأعز من أن يكون في سلطانه ~~ما لا يريد. # ومن نظر إلى السبب الأول وقطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقا ، قال ~~بالجبر والاضطرار ، ولم يفرق بين أعمال الإنسان وأعمال الجمادات ، والله ~~تعالى أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم ، وأكرم من أن يكلف الناس ما لا ~~يطيقون ، فكلاهما أعور لا يبصر بإحدى عينيه. # أما القدرية فبالعين اليمنى ، أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق ~~والأسباب القصوى للأشياء ، كالدجال حيث يقول : أنا ربكم الأعلى. # وأما الجبرية فباليسرى ، أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر والأسباب ~~القريبة ، كإبليس حيث قال : ( @QUR@03 رب بما أغويتني ) (2). # وأما من نظر حق النظر فقلبه ذو عينين ، يبصر الحق باليمنى ، فيضيف ~~الأعمال كلها إليه ( @QUR@05 قل كل من عند الله ) (3)، ويبصر الخلق ~~باليسرى ، فيثبت تأثيرهم في الأعمال ، ذلك بما كسبت يداك ، لكن بالله ~~سبحانه ، لا بالاستقلال ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، فيتحقق بمعنى قول ~~مولانا الصادق عليه السلام : «لا جبر ، ولا PageV01P415 # تفويض ، بل أمر بين أمرين» (1)، فتذهب به ، وذلك الفوز الكبير. # هذه طريقة أهل العقل والنظر ، القريبة من الأفهام ، وترتقي إلى طريقة ~~أخرى أعلى وأتم هي طريقة أهل الكشف والشهود ، وهي أقرب إلى التحقيق ، وإن ~~كانت أبعد من الأفهام. ### ||| * أصل # قد دريت أن الموجودات على تفاوتها وترتبها في الشرف الوجودي ، وتخالفها ~~في الذوات والأفعال ، وتباينها في الصفات تجمعها حقيقة واحدة إلهية ، جامعة ~~لجميع حقائقها ، ودرجاتها ، وطبقاتها ، مع أن تلك الحقيقة في غاية البساطة ~~والأحدية ، ينفذ نوره في أقطار الجميع ، فكما أنه ليس شأن إلا وهو شأنه ، ~~فكذلك ليس فعل إلا وهو فعله ، ولا حكم إلا له ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم ، يعني كل حول حوله ، وكل قوة قوته ، مع علوه وعظمته ، فهو مع ~~علوه وعظمته ينزل منازل الأشياء ، ويفعل فعلها ، كما أنه مع تجرده وتقدسه ~~عن جميع الأكوان لا تخلو منه أرض ولا سماء ، كما قال إمام الموحدين : «مع ~~كل شيء ms231 لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة» (2). # فنسبة الفعل والإيجاد إلى العبد صحيح ، كنسبة الوجود والتشخص إليه من ~~الوجه الذي ينسب إليه تعالى ، فكما أن وجود زيد بعينه أمر متحقق في الواقع ~~، وهو شأن من شؤون الحق الأول ، ولمعة من لمعات وجهه ، فكذلك هو فاعل لما PageV01P416 # يصدر عنه بالحقيقة ، لا بالمجاز ، ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحق الأول ، ~~بلا شوب قصور وتشبيه ، تعالى الواحد القيوم عن نسبة النقص والشين إليه. # فالتنزيه والتقديس لله سبحانه بحاله ؛ لأنه راجع إلى مقام الأحدية التي ~~يستهلك فيه كل شيء وهو الواحد القهار ، الذي ليس أحد غيره في الدار ، ~~والتشبيه راجع إلى مقامات الكثرة والمعلولية ، والمحامد كلها راجعة إلى ~~وجهه الأحدي ، وله عواقب الثناء والتقاديس ، كذا أفاد أستاذنا ، سلمه الله (1). # وقال : «فاخمد ضرام أوهامك أيها الجبري ، فالفعل ثابت لك بمباشرتك إياه ، ~~وقيامه بك. وسكن جأشك أيها القدري ، فإن الفعل مسلوب منك من حيث أنت أنت ؛ ~~لأن وجودك إذا قطع النظر عن ارتباطه بوجود الحق فهو باطل ، فكذا فعلك ؛ إذ ~~كل فعل متقوم بوجود فاعله. # وانظرا جميعا بعين الاعتبار في فعل الحواس كيف انمحى وانطوى في فعل النفس ~~وتصورها في تصور النفس ، واتلوا جميعا قوله تعالى : ( @QUR@04 قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ) (2)، وتصالحا بقول الإمام بالحق : «لا جبر ، ولا ~~تفويض ، بل أمر بين أمرين» (3)» (4). PageV01P417 ### ||| * وصل # ولأجل هذا التطابق بين الجبر والتفويض ، والتوافق بين الوجوب والإمكان ، ~~نسب الله الأفعال في القرآن مرة إلى نفسه ، ومرة إلى الملائكة ، ومرة إلى ~~العباد ، فقال تعالى : ( @QUR@05 الله يتوفى الأنفس حين موتها ) (1)، وقال ~~: ( @QUR@07 قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) (2). # وقال سبحانه في نفخ الروح في مريم ، على نبينا و عليها السلام : ( @QUR@04 ~~فنفخنا فيه من روحنا ) (3)، وقال : ( @QUR@07 فأرسلنا إليها روحنا فتمثل ~~لها بشرا سويا ) (4)، وفي الحديث : أن النافخ جبرئيل. # وقال عز وجل في القتل : ( @QUR@04 قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) (5)، ~~فأضاف القتل إلى العباد ، والتعذيب إلى نفسه ، والتعذيب عين القتل هنا ، ~~وقال : ( @QUR@05 فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) (6). # وقال في الرمي : ( @QUR@07 وما رميت إذ رميت ولكن الله ms232 رمى ) (7)، وهو ~~جمع بين النفي والإثبات ظاهرا ، ولكن معناه : وما رميت بالمعنى الذي يكون ~~العبد به راميا ، إذ رميت بالمعنى الذي يكون الرب به راميا ، إذ هما معنيان ~~مختلفان. PageV01P418 ### ||| * وصل # وكما أن الأشياء الداخلة في وجود الإنسان ، كالعلم ، والقدرة ، والإرادة ~~، من جملة أسباب الفعل ، فكذلك الأمور الخارجة من الدعوات ، والطاعات ، ~~والسعي ، والجد ، والتدبير ، والحذر ، والالتماس ، والتكليف ، والوعد ، ~~والوعيد ، والإرشاد ، والتهذيب ، والترغيب ، والترهيب ، وأمثال ذلك ، فإن ~~ذلك كله أسباب ووسائط ، ووسائل ، وروابط لوجود الأفعال ، ودواعي إلى الخير ~~، ومهيجات للأشواق ، مهيئة للمطالب ، موصلة إلى الأرزاق ، مخرجة للكمالات ~~من القوة إلى الفعل. # وكل ذلك مما يقاوم القضاء ، لا من حيث إنه فعل العبد ، فإنه من هذه ~~الحيثية مما يتحكم به القضاء ؛ لأنه لو لم يقض لم يوجد ، بل من حيث إن الله ~~سبحانه جعله من الأسباب على حسب ما قدر وقضى ، لربط وموافاة بينه وبين ~~الفعل ، كما جعل شرب الدواء سببا لحصول الصحة في هذا المريض ، فالسبب ~~والمسبب كلاهما ينبعثان من القضاء ، ويستندان إلى الله سبحانه ، وإلى أمره ~~، أمرا ذاتيا عقليا. # وقد يكون بالأمر القولي السمعي أيضا ، كما فيما كلفنا به من ذلك ، ~~كالدعاء مثلا فإنه سبحانه أمرنا به ، وحثنا عليه ، قال تعالى : ( @QUR@03 ~~ادعوني أستجب لكم ) (1)، وقال : ( @QUR@05 أجيب دعوة الداع إذا دعان ) (2) ~~، فالدعاء والاستجابة كلاهما من أمر الله تعالى ، أمرا تكليفيا ، كما أنه ~~من أمره الذاتي ، PageV01P419 # ولسان العبد ترجمان الدعاء ، وكل من فعل شيئا بأمر أحد فيده يد الآمر في ~~الحقيقة ، إلا أن بعض هذه الأمور علل وموجبات ، وبعضها علامات ومعرفات ، ~~وبعضها ينقسم إلى القسمين ، ولعل الدعاء من القسم الثالث ؛ ولهذا اشتهر بين ~~الداعين أن الدعاء كالدواء ، بعضها يؤثر بالطبع ، وبعضها بالخاصية ، فالأول ~~إشارة إلى الأول ، والثاني إلى الثاني. # وأما الابتلاء من الله سبحانه ، فهو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر ~~، وإبراز ما أودع فينا ، وغرز في طباعنا بالقوة ، بحيث يترتب عليه الثواب ~~والعقاب ، فإنه ما لم يخرج من القوة إلى الفعل لم يوجد بعد ، وإن كان ~~معلوما لله سبحانه فلا ms233 تحصل ثمرته وتبعته اللازمتان ؛ ولهذا قال سبحانه : ( ~~@QUR@08 ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم ) (1) ~~، وأمثال ذلك من الآيات ، أي نعلمهم موصوفين بهذه الصفة ، بحيث يترتب عليها ~~الجزاء ، وأما قبل ذلك الابتلاء فإنه علمهم مستعدين للمجاهدة والصبر ، ~~صابرين إليهما بعد حين. # وأما الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفاعيل الواقعة منا ، وثمراتها ~~ولواحق الأمور الموجودة فينا وتبعاتها ليسا يردان علينا من خارج ، ~~فالمجازاة أيضا هو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر ، وإبراز ما أودع ~~فينا وغرز في طباعنا بالقوة ، كما قال سبحانه : ( @QUR@02 سيجزيهم وصفهم ) ~~(2)، وقال عز وجل : ( @QUR@04 إن جهنم لمحيطة بالكافرين ) (3)، فمن أساء ~~عمله أو أخطأ في اعتقاده فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره ، وسوء استعداده ، ~~فكان أهلا للشقاوة في معاده ، وليس ذلك PageV01P420 # لأن الله سبحانه يستولي عليه الغضب ، ويحدث له الانتقام ، تعالى عن ذلك ، ~~وإنما ورد أمثال ذلك في الشرع على نحو من التجوز. # وأما تفاوت النفوس في ذلك ، وعدم تساويها في الخيرات والشرور ، واختلافها ~~في السعادة والشقاوة ، فلاختلاف الاستعدادات ، وتنوع الحقائق ، فإن المواد ~~السفلية بحسب الخلقة والماهية متباينة في اللطافة ، والكثافة ، ومزاجاتها ~~مختلفة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي ، والأرواح الإنسية التي ~~بإزائها مختلفة بحسب الفطرة الأولى في الصفاء والكدورة ، والقوة والضعف ، ~~مترتبة في درجات القرب والبعد من الله تعالى ؛ لما تقرر وتحقق أن بإزاء كل ~~مادة ما يناسبه من الصور ، فأجود الكمالات لأتم الاستعدادات ، وأخسها ~~لأنقصها ، كما أشير إليه بقوله عليه السلام : «الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة ، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام» (1). # وأيضا قد دريت أن لله تعالى صفات وأسماء متقابلة ، لها مظاهر في غيب ~~غيوبه ، هي المسماة بالأعيان الثابتة ، والماهيات ، وهي غير مجعولة ، ~~والمجعول وجودها في الخارج ، وظهورها في الأعيان ، فالفائض من الحق وجودات ~~الأشياء واستنارتها ، ومن الواجب أن يكون من جملة صفات الملك وخصوصا ملك ~~الملوك ، صفتا لطف وقهر ؛ لأنهما من أوصاف الكمال ، ونعوت الجلال ، وإن كان ~~أحدهما لله سبحانه بالذات ، والآخر بالعرض. # ولا بد لكل من الوصفين من مظهر ، ولكل منهما فروع وشعب ms234 غير متناهية ، PageV01P421 # حاصلة من تركيب الأسماء ، ثنائيا وثلاثيا ، وكل من الأسماء يستدعي مظاهر ~~متباينة ، بها يظهر أثر ذلك الاسم ، فكل منها يوجب تعلق إرادته سبحانه ~~وقدرته إلى إيجاد مخلوق يدل عليه ، أي على الذات الموصوفة بالصفة المتعينة ~~والمتجلية بالتجلي الخاص ، فإنها المراد بالاسم، كما عرفت ، فكل من ~~الموجودات مظهر لاسم خاص إلهي ، فلذلك اقتضت رحمة الباري إيجاد المخلوقات ~~كلها ، لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى ، ومجالي لصفاته العليا. # مثلا : لما كان منتقما قهارا ، أوجد المظاهر القهرية ، التي لا يترتب ~~عليها إلا أثر القهر ، من الجحيم وساكنيه ، والزقوم ومتناوليه. # ولما كان عفوا غفورا ، أوجد مجالي العفو والغفران ، يظهر فيها آثار رحمته. # وقس على هذا. فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار ، وأهل الجنة ، مظاهر ~~اللطف ، والشياطين ومن والاهم من الأشرار ، وأهل النار ، مظاهر القهر. # ومنها مظهر السعادة والشقاوة ، فمنهم شقي وسعيد. # قال بعض العلماء : الأعيان ليست مجعولة بجعل الجاعل ليتوجه الإيراد بأن ~~يقال : لم جعل عين المهتدي مقتضية للاهتداء ، وعين الضال مقتضية للضلال ، ~~كما لا يتوجه الإيراد بأن يقال : لم جعل عين الكلب كلبا نجس العين ، وعين ~~الإنسان إنسانا طاهرا؟ بل الأعيان صور لأسمائه الإلهية ، ومظاهرها في العلم ~~، بل عين الأسماء والصفات القائمة بالذات القديمة، بل هي عين الذات من حيث ~~الحقيقة ، فهي باقية أزلا وأبدا ، لا يتعلق الجعل والإيجاد عليها ، كما لا يتطرق PageV01P422 # الفناء والعدم إليها (1). # وقال في فصوص الحكم : ما كنت في ثبوتك ظهرت به في وجودك ، فليس للحق إلا ~~إفاضة الوجود عليك ، والحكم لك عليك ، فلا تحمد إلا نفسك ، ولا تذم إلا ~~نفسك ، وما يبقى للحق إلا حمد إفاضة الوجود ؛ لأن ذلك له لا لك. انتهى ~~كلامه (2). # وفي الحديث النبوي : «من وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا ~~يلومن إلا نفسه» (3). # وفي حديث أمير المؤمنين عليه السلام : «ولا يحمد حامد إلا ربه ، ولا يلم ~~لائم إلا نفسه» (4). # وقد تبين مما ذكرنا أن لا وجه لإسناد الظلم والقبائح إليه تعالى ؛ لأن ~~هذا الترتيب والتمييز من وقوع فريق في طريق اللطف ، وآخر ms235 في طريق القهر ، ~~من ضروريات الوجود والإيجاد ، ومن مقتضيات الحكمة والعدالة. # ومن هنا قال بعض العلماء : ليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي ~~، حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا ، وبعضهم كناسا بعيدا ؛ لأن كلا ~~منهما من ضرورات مملكته ، وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما ~~خصص ، مع أن كلا منهما ضروري في مقامه؟ PageV01P423 ### || وصل # روى في الكافي ، بإسناده عن مولانا الباقر عليه السلام ، أنه قال : «لو ~~علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا» (1). # وبإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه سئل : من أين لحق الشقاء أهل ~~المعصية ، حتى حكم لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال : «أيها السائل ، ~~حكم الله ألا يقوم له أحد من خلقه بحقه ، فلما حكم بذلك وهب لأهل محبته ~~القوة على معرفته ، ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ، ووهب لأهل ~~المعصية القوة على معصيتهم ، لسبق علمه فيهم ، ومنعهم إطاقة القبول منه ، ~~فوافقوا ما سبق لهم في علمه ، ولم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه ؛ ~~لأن علمه أولى بحقيقة التصديق ، وهو معنى شاء ما شاء ، وهو سره» (2). # وبإسناده عنه عليه السلام ، قال : «إن الله خلق السعادة والشقاء قبل أن ~~يخلق خلقه ، فمن خلقه الله سعيدا لم يبغضه أبدا ، وإن عمل شرا أبغض عمله ، ~~ولم يبغضه ، وإن كان شقيا لم يحبه أبدا ، وإن عمل صالحا أحب عمله ، وأبغضه ~~لما يصير إليه ، فإذا أحب الله شيئا لم يبغضه أبدا ، وإذا أبغض شيئا لم ~~يحبه أبدا» (3). # وبإسناده الصحيح عنه عليه السلام ، قال : «إن مما أوحى الله إلى موسى ~~عليه السلام وأنزل عليه في التوراة : أني أنا الله ، لا إله إلا أنا ، خلقت ~~الخلق ، وخلقت الخير ، PageV01P424 # وأجريته على يدي من أحب ، فطوبى لمن أجريته على يديه ، وأنا الله ، لا ~~إله إلا أنا ، خلقت الخلق ، وخلقت الشر ، وأجريته على يدي من أريده ، فويل ~~لمن أجريته على يديه» (1). # وفي رواية أخرى : «وويل لمن يقول كيف ذا؟ وكيف ذا؟» (2). # وعن ms236 النبي صلى الله عليه وآله ، قال : «الشقي من شقي في بطن أمه ، والسعيد ~~من سعد في بطن أمه» (3). # والأخبار في هذا المعنى كثيرة. ### || وصل # لما كانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء والخوف ، ~~اللذين بهما تتم العبودية ، جعل الله كيفية علمه ، وقضائه وقدره ، وسائر ~~الأسباب ، غائبة عن العقول ، وجعل الدعوات والطاعات ، وما يجري مجرى ذلك ، ~~مناط التكليف ، وملاك العبودية ، ليتم المقصود. # وهذه إحدى الطرق في تصحيح القول بالتكاليف مطلقا ، مع الاعتراف بإحاطة ~~علم الله ، وكون الأقدار جارية ، والأقضية سابقة في الكل. # نقل أنه جاء سراقة بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : يا رسول ~~الله ، بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن ، ففيم العمل اليوم فيما جفت به ~~الأقلام ، وجرت به PageV01P425 # المقادير ، أم فيما يستقبل ، قال : بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به ~~المقادير ، قال : ففيم العمل؟ قال : اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ، وكل ~~عامل يعمله (1). # فعلقنا بين الأمرين ، رهبنا بسابق القدر ، ثم رغبنا في العمل ، ولم يترك ~~أحد الأمرين للآخر ، فقال : كل ميسر لما خلق له ، يريد أنه ميسر في أيام ~~حياته للعمل الذي سبق إليه القدر قبل وجوده ، ولم يقل مسخر لكي لا يغرق في ~~لجة القضاء والقدر. # وسئل صلى الله عليه وآله : أنحن في أمر فرغ منه ، أو أمر مستأنف؟ قال : في ~~أمر فرغ منه ، وفي أمر مستأنف (2). # وسئل : هل نعني الدواء والرقية من قدر الله؟ قال : والدواء والرقية أيضا ~~من قدر الله. # ومثله عن مولانا الصادق عليه السلام ، رواه في التوحيد (3). # وبإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه سئل عند انحرافه عن جدار ~~يريد أن ينقض : أتفر من قضاء الله؟ قال : أفر من قضائه إلى قدره (4). # وبإسناده عنه عليه السلام ، قال : أوحى الله عز وجل إلى داود : «يا داود ، ~~تريد ، وأريد ، ولا يكون إلا ما أريد (5)، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك ~~فيما تريد ، ثم لا PageV01P426 # يكون إلا ما أريد» (1). # وفي الكافي ، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : «كان أمير ms237 ~~المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول : اعلموا علما يقينيا أن الله تعالى لم ~~يجعل للعبد وإن اشتد جهده ، وعظمت حيلته ، وكثرت مكابدته ، أن يسبق ما يسمى ~~له في الذكر الحكيم ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته أن يبلغ ما سمي ~~له في الذكر الحكيم. أيها الناس ، إنه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه ، ولم ~~ينقص امرؤ نقيرا بحمقه ، فالعالم لهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته ~~، والعالم لهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرته ، ورب منعم عليه مستدرج ~~بالإحسان إليه ، ورب مغرور في الناس مصنوع له ، فأفق أيها الساعي من سعيك ، ~~واقصر من عجلتك ، وانتبه من سنة غفلتك ، وتفكر فيما جاء عن الله عز وجل على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وآله ». الحديث (2). # وبإسناده عن ثابت بن سعيد ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : «يا ~~ثابت مالكم والناس ، كفوا عن الناس ، ولا تدعوا أحدا إلى أمركم ، فو الله ~~لو أن أهل السماوات وأهل الأرضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ~~ضلالته ، ما استطاعوا على أن يهدوه ، ولو أن أهل السماوات وأهل الأرضين ~~اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هدايته ، ما استطاعوا أن يضلوه ، كفوا ~~عن الناس ، ولا يقول أحد : عمي ، وأخي ، وابن عمي ، وجاري ، فإن الله إذا ~~أراد بعبد خيرا طيب روحه ، فلا يسمع معروفا إلا عرفه ، ولا منكرا إلا أنكره ~~، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها PageV01P427 # أمره (1)». # وعن النبي صلى الله عليه وآله : «اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك ~~بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك ~~إلا بشيء كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف» (2). # وفي القرآن المجيد : ( @QUR@014 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو ~~مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (3). # فإذن ظهر أن لا راد لقضاء الله ، ولا معقب لحكمه ، ما شاء الله كان ، وما ~~لم يشأ لم يكن ، لا ملجأ لعباده فيما قضى ، ولا حجة لهم فيما ارتضى ms238 ، لم ~~يقدروا على عمل ، ولا معالجة مما أحدث في أبدانهم المخلوقة ، إلا بربهم ، ~~فمن زعم أنه يقوى على عمل لم يرده الله عز وجل ، فقد زعم أن إرادته تغلب ~~إرادة الله ، تبارك الله رب العالمين ، فافهم ، واغتنم. ### || فصل # إذا حققت هذا ، وقد تبين مما مضى أن المواد تحت قهر الطبائع ، والطبائع ~~تحت قهر النفوس ، والنفوس تحت قهر العقول ، والعقول تحت قهر كبرياء الأول ~~وهو الله الواحد القهار ، ومن وجه آخر أن الأرضيات تحت تأثير السماوات ، ~~بإذن الله ، والسماوات في ذل تسخير الملكوت ، والملكوت في قيد أسر PageV01P428 # الجبروت ، والجبروت مقهور بأمر الجبار ، وهو الغالب على أمره ، والقاهر ~~فوق عباده ، فلا مؤثر في الجود سواه ، ولا فاعل غيره ( @QUR@08 والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) (1)، ( @QUR@05 والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) (2)، و ( @QUR@07 ما من دابة إلا هو آخذ ~~بناصيتها ) (3). # أيدي الكل مغلولة بيد قدرته ( @QUR@04 والله خلقكم وما تعملون ) (4)، ~~وأرجلهم معقولة بعقال مشيئته ( @QUR@06 هو الذي يسيركم في البر والبحر ) ~~(5)، وآمالهم منقطعة إلا بحوله ، وقوته ( @QUR@015 وإن يمسسك الله بضر فلا ~~كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) (6)، ( @QUR@014 إن ينصركم ~~الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) (7)، ( ~~@QUR@06 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ) (8)، و ( @QUR@04 تبارك الذي ~~بيده الملك ) (9). # فكما أن الذوات كلها ترجع إلى ذات واحدة ، وكذلك الصفات والأسماء ، فكذلك ~~الأفعال كلها ترجع إلى فاعل واحد ؛ لاستهلاك أفاعيل الغير في فعله سبحانه ، ~~كذواتهم وصفاتهم في ذاته وصفاته. PageV01P429 # ويسمى هذا بتوحيد الأفعال ، كما يسمى الأول بتوحيد الذات ، والثاني ~~بتوحيد الصفات ، والثالث بتوحيد الأسماء ، والأسماء ترجع إلى الصفات ، ~~فالأقسام ثلاثة ، وإليها أشير في الحديث النبوي ، حيث قال : «أعوذ بعفوك عن ~~عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك» ، على سبيل الترقي ، ثم قال : ~~«لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك» (1). # وكما أن لكل منها بيان ، وهو ما ذكرناه في هذه المباحث كلا في محله ، ~~فكذلك لكل منها عيان ، وهو أن يتحقق العبد بها ، ويشاهدها ، وسنشير إلى ذلك ms239 ~~، وإلى كيفية الوصول إليه في مباحث الإنسان بما هو إنسان ، رزقنا الله ~~الوصول إليه بمنه. # هذا آخر الكلام في أصول العلم ، والحمد لله واهب العقل ، ومفيض العلم. PageV01P430 ### | المحتويات # المؤلف في ~~سطور................................................................ 10 # مؤلفاته............................................................... ~~......... 12 # منهج التحقيق.......................................................... ~~........ 15 # المقدمة # في الإشارة إلى فضيلة علم التوحيد ، وشرف أهله ، وكيفية ~~تحصيله.................... 31 # في بيان قلة أهل الله ، وصعوبة هذا الأمر ، ~~وغموضه................................ 34 # في الحث على كتمان ~~الأسرار..................................................... 37 # في بيان أصناف ~~الناس........................................................... 41 # في تظاهر العقل ~~والشرع.......................................................... 43 # المقصد الأول # في أصول العلم # في متشابهات الكتاب ~~والسنة..................................................... 49 # في ضوابط ~~مهمة................................................................ 56 PageV01P431 # في الوجود ~~والعدم............................................................... 61 # في العلم ~~والجهل................................................................ 83 # في النور ~~والظلمة................................................................ 89 # في الحياة ~~والموت................................................................ 92 # في الإيمان ~~والكفر............................................................... 94 # في الخير ~~والشر................................................................ 100 # في اللذة ~~والألم................................................................ 104 # في الغنى ~~والفقر............................................................... 111 # في الماهيات ~~وتعيناتها........................................................... 124 # في الواحد ~~والكثير............................................................. 133 # في المتقدم ~~والمتأخر............................................................. 142 # في القديم ~~والحادث............................................................ 145 # في القوة وما ~~يقابلها............................................................ 148 # في السبب ~~والمسبب........................................................... 152 # في الجوهر ~~والعرض............................................................ 175 # في الأبعاد والجهات ~~وحدودها................................................... 216 # في الحركة ~~والسكون............................................................ 231 # في الزمان ~~والآن............................................................... 250 # في المكان ~~والحيز............................................................... 259 # في أصول النشآت ، وكيفية نشوء الآخرة من الأولى ووجوه الفرق ~~بينهما............... 266 # في مبدأ الوجود ، وتوحيده ~~سبحانه.............................................. 324 # في كيفية إفاضته ~~الوجود........................................................ 369 PageV01P432 ![](https://books.rafed.net/Books/3592_ayn-alyaqin-02/images/image001.gif) PageV02P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3592_ayn-alyaqin-02/images/image002.gif) PageV02P003 ![](https://books.rafed.net/Books/3592_ayn-alyaqin-02/images/image003.gif) PageV02P004 ### ||| ** المقصد الثاني : ### | في العلم بالسماوات والأرض ### ||| * وما بينهما # ( @QUR@047 إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين* وفي خلقكم وما يبث من ~~دابة آيات لقوم يوقنون* واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون* تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ) # (سورة الجاثية ، الآية 3 6) PageV02P005 ### | في هيئة العالم وأجرامه البسيطة ### ||| * ( @QUR@09 ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) (1) ### ||| * أصل # الأجرام تنقسم إلى : بسيط ، ومركب. # ونعني بالبسيط : ما له طبيعة واحدة ، كالهواء ، والماء ، والأفلاك. # وبالمركب : الذي يجمع بين طبيعتين متخالفتين ، أو أكثر ، باختلاف قوى ~~وطبائع فيه ، كأبدان الحيوانات. # والبسيط ينقسم إلى : ما له وجود كمالي ، وحياة ms240 ذاتية يمكن له مع بساطته ~~وهويته عبادة الحق ، وطاعته ، ومعرفته ، من غير اكتساب قوة أخرى يحتاج ~~إليها في ذلك. # وإلى ما ليس له ذلك ، من حيث هو هو ؛ لقصور جوهره ، وخسة صورته ، ولكن ~~يتأتى منه التركب الموصل إلى ذلك بالفساد والكون ، فإن الموجودات لم تخلق ~~عبثا وهباء ، بل لأن تكون عبادا عابدين لله عز وجل ، شاهدين لوجوده ~~ووحدانيته. PageV02P007 # فالأجسام البسيطة صنفان : صنف يختص بصورة واحدة ، لا ضد لها ، فيكون ~~حدوثها عن الباري جل وعز على سبيل الإبداع ، لا على سبيل التكون من جسم آخر ~~، ولها حياة ذاتية ، وتسمى بالعلويات. # وصنف تهيأ لقبول صورة بعد أخرى ، فتارة يقبل هذه بالفعل ، وتلك بالقوة ، ~~وتارة بالعكس ، وليس لها حياة بالذات ، وتسمى بالسفليات. # ولنبين الصنفين تبيانا ، ونشرحهما تشريحا ، في فصول : ### ||| * وصل # أما الصنف الأول ، فقد دللنا على وجوده في مباحث تحديد الجهات بإثبات جسم ~~بسيط مستدير ، مبدع ، ذي طبيعة ونفس وعقل غير قابل للحركة المستقيمة ، ولا ~~التركيب ، ولا الكون والفساد ، إلا عن العدم البحت ، وإليه (1). # وأما عدد أجرام هذا الصنف فيدل على أقله وجدان تسع حركات متخالفة ، قدرا ~~وجهة ، بالأرصاد ، اثنتان منها لجميع الكواكب المزينة للسماء الدنيا ، من ~~السيارات ، والثوابت ، إحداهما الحركة السريعة الظاهرة الفاعلة لليل ~~والنهار ، المشاهد بها طلوع الشمس والقمر والنجوم كلها بكرة وعشيا ، ~~والأخرى الحركة البطيئة الخفية التي وجدت بنظر أدق ، ممتازة عن الأولى ، ~~باختلاف المنطقة والأقطاب. # وسبع أخرى للكواكب السبعة السيارة ، التي هي النيران اللذان جعلهما الله ~~سبحانه ضياء ونورا ، وجعل أعظمهما سراجا وهاجا ، والخمسة المتحيرة في PageV02P008 # جمال بارئها ، المعبر عنها في القرآن المجيد ب ( @QUR@04 ... بالخنس* ~~الجوار الكنس ) (1)، وعن أعلاها ب ( @QUR@08 ... الطارق* وما أدراك ما ~~الطارق* النجم الثاقب ) (2). # فهذه الحركات التسع المتخالفة تدل على وجود تسعة أجرام فلكية مستديرة ، ~~دورية الحركات ، ترتكز في سبعة منها السبعة الجاريات ( @QUR@04 كل في فلك ~~يسبحون ) (3)، وفي آخر سائر النجوم ، وواحد غير مكوكب ، محيط بالكل ، كأنه ~~مع الكل حيوان واحد ، له نفس واحدة لتحريكه الكل بالحركة السريعة ، كتحريك ~~الإنسان بدنه وأعضاءه ، كما أن ما تحته ms241 مع كل ما يحاط به ، كذلك لتحريكه ~~إياها بالحركة البطيئة. # وما يقال من أن المحاط يتحرك بحركة المحيط حركة بالعرض ، فلا يستقيم إلا ~~بما ذكر من جهة الوحدة ، وإلا فلا وجه للتبعية. # ثم ما ذكرناه من تعدد الأفلاك إنما يتم لو كانت الكواكب مرتكزة في مواضع ~~معينة من أفلاكها دائما ، وإنما تتحرك بحركة الأفلاك تبعا حركة بالعرض ، لا ~~كحركة السمكة في الماء ، وهو كذلك ؛ لامتناع الخرق والالتئام فيما لا يقبل ~~الحركة المستقيمة ، ولهذا وصف الله سبحانه السماوات بالشدة في قوله عز وجل : ~~( @QUR@04 وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) (4)، وقوله : ( @QUR@05 أأنتم أشد ~~خلقا أم السماء ) (5). PageV02P009 # وبالمحفوظية في قوله تعالى : ( @QUR@04 وجعلنا السماء سقفا محفوظا ) (1). # وأما ما في حديث المعراج ، فهو من قبيل المعجزات ، وخرق العادات ، كأصل ~~العروج، ويأتي سره. # وقد ورد عن سيد العابدين عليه السلام أنه قال في حديث له : «ثم وكل بالفلك ~~ملكا ومعه سبعون ألف ملك ، فهم يديرون الفلك ، فإذا أداروه دارت الشمس ~~والقمر والنجوم والكواكب معه ، فنزلت في منازلها التي قدرها الله فيها ~~ليومها وليلتها». الحديث (2)، وهو نص في المطلوب. # وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، المذكور في نهج البلاغة أيضا ما يدل ~~عليه (3). ### ||| * فصل # يشبه أن يكون الفلكان المحيطان من فوق أحدهما هو العرش المشار إليه بقوله ~~سبحانه: ( @QUR@04 ثم استوى على العرش ) (4)، من وجه ، والآخر هو الكرسي ~~المشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@04 وسع كرسيه السماوات والأرض ) (5)، من ~~وجه ، والسبعة الأخر هي السماوات السبع المشار إليها بقوله عز وجل : ( ~~@QUR@06 خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) (6)، وقوله : ( @QUR@06 خلق سبع ~~سماوات طباقا ما ترى PageV02P010 # @QUR@021 في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور* ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) (1). # روى علي بن إبراهيم ، والعياشي ، في تفسيريهما ، عن مولانا الرضا ~~عليه السلام : أن «هذه أرض الدنيا ، والسماء الدنيا فوقها قبة ، والأرض ~~الثانية فوق السماء الدنيا ، والسماء الثانية فوقها قبة ، وهكذا إلى أن قال ~~: والسماء السابعة فوق الأرض السابعة قبة ، وعرش الرحمن تبارك وتعالى فوق ~~السماء السابعة ، وهو قول ms242 الله تعالى : ( @QUR@07 الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن ) (2)» (3). # أقول : كأنه عليه السلام جعل كل سماء أرضا بالإضافة إلى ما فوقها ، وسماء ~~بالنسبة إلى ما تحتها ، ويكون التعدد باعتبار تعدد سطحيهما. # والعرش في لسان العرب قد يطلق ويراد به الملك ، يقال : ثل عرش الملك إذا ~~دخل في ملكه خلل ، وقد يطلق ويراد به السرير ، كما هو معروف. # والكرسي في لسانهم قد يطلق ويراد به العلم ، وقد يطلق ويراد به السرير ، ~~وعلى الثاني يرادف العرش بالمعنى الثاني ، ولهذا اكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر في الحديث المذكور في مقام تعداد الأجرام. # وعلى المعنى الأول هو من المعاني ليس من الأجسام ، إلا باعتبار اتحاد ~~العلم بالمعلوم ، فهو من وجه هو الجرم ، ومن وجه هو العلم ، وكذلك العرش من ~~وجه هو جملة الخلق والأمر من حيث وحدته ، ومن وجه هو العلم المحيط PageV02P011 # بالكل. # سئل الإمام الصادق عليه السلام عن العرش والكرسي ، ما هما؟ فقال : «العرش ~~في وجه هو جملة الخلق ، والكرسي وعاؤه ، وفي وجه آخر العرش هو العلم الذي ~~أطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه عليهم السلام ، والكرسي هو العلم الذي ~~لم يطلع عليه أحدا من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام » (1). # وفي خبر آخر أنه عليه السلام سئل عن قول الله عز وجل ( @QUR@04 وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ) (2)، قال : «علمه» (3). ### ||| * فصل # وأما أن هذه الأجرام حية بالحياة الذاتية ، فلأن لها نفوسا ناطقة قاهرة ~~عليها ، تدبرها وتحركها ؛ وذلك لأن حركاتها إرادية ، كما بينا فيما سبق أن ~~الحركة المستديرة لا تكون طبيعية ، والقسر لا يكون دائميا ، مع أنه لا قاسر ~~في الأفلاك ، فهي إما حسية ، أو عقلية. # لا جائز أن تكون حسية ؛ إذ لا نمولها ، ولا تغذي ؛ إذ لا كون لها من شيء ~~حتى تكون لها شهوة تزيد بحصول ما اشتهته شهوتها ، ولا فساد لها ؛ ليكون لها ~~غضب تدفع به ما يزاحمها ، ويفسدها. # والأغراض الحسية لا تخرج عن هذين ، أعني الشهوية والغضبية ، فليس PageV02P012 # حركتها إذن إلا عقلية ، فلها مراد عقلي ، وإدراك كلي ، فمحركها إذن ليست ~~طبيعة محضة، ms243 ولا نفسا جرمية ، فهو إما نفس ناطقة ، أو عقل محض ، لا جائز أن ~~تكون عقلا محضا ؛ إذ العقل لا يقبل التغير ، والإرادة الكلية لا توجب حركة ~~جزئية من موضع إلى آخر ، ومن الثاني إلى ثالث ، بل لا بد فيها من تجدد ~~إرادات جزئية. # فإرادتك للحج مثلا لا توجب حركة رجلك بالتخطي من باب منزلك إلى جهة معينة ~~ما لم تجدد ذلك إرادة جزئية لتلك الخطوة ، ثم إذا تخطيت يحدث لك بتلك ~~الخطوة تصور لما بعدها ، وتنبعث منه إرادة جزئية للخطوة الثانية ، وإنما ~~تنبعث من الإرادة الكلية المنبعثة من التصور الكلي التي تقتضي دوام الحركة ~~إلى الوصول إلى الكعبة ، فيكون الحادث حركة وتصورا وإرادة ، والحركة حدثت ~~بالإرادة الجزئية ، والإرادة الجزئية حدثت بالتصور الجزئي مع الإرادة ~~الكلية ، والتصور الجزئي حدث بالحركة. # وهكذا الحال في تجدد بعضها من بعض على وجه الدور الغير المستحيل. # مثاله : كمن مشى بسراج في ظلمة ، لا يظهر له بالسراج إلا مقدار خطوة بين ~~يديه ، فيتصوره بضوء السراج ، فينبعث منه مع الإرادة الكلية إرادة الكلية ~~إرادة جزئية لسلوكه ، فيسلكه ، وإذا سلكه وقع ضوء السراج على مقدار آخر ، ~~وحصل منه تصور آخر ، وإرادة أخرى ، جزئيين لسلوكه مع التصور والإرادة ~~الكليين للحركة ، فيقع سلوك آخر موجب لحصول الضوء على مقدار آخر. # وهكذا الكلام في أجزاء الخطوة الواحدة والتصورات والإرادات والحركات ~~المتعلقة بها بعينه هذا الكلام. # وكذا في أجزاء أجزائها حسب قبول المقدار الانقسام بلا نهاية. # فهكذا يمكن أن تكون حركة السماء وكل ما هو متغير الإرادة والتصور PageV02P013 # يسمى نفسا ، لا عقلا محضا ، وصاحب الإرادة الكلية والجزئية يجب أن يكون ~~شيئا واحدا حتى يحصل الارتباط ، وتتم الحركة المتصلة لمحرك السماوات. # إذن نفوس مجردة ناطقة عاقلة بذواتها ، ذوات إدراكات كلية وجزئية ، تحركها ~~بتصورات حيوانية منبعثة عنها ، منطبعة في أجرامها ، كنفوسنا الناطقة ~~بالنسبة إلى أبداننا ، على ما سيأتي بيانه ، لا بمعنى أن للفلك ذوات متعددة ~~متباينة الوجود عقلا ونفسا ، وطبيعة سارية في جرمه ، فإن ذلك ممتنع ، ولا ~~أن صورة ذاته إحدى هذه الأمور وغيرها ms244 من العوارض والآلات الخارجة عنها ، بل ~~ذات الفلك وهويته البسيطة جامعة لحدود هذه المراتب. # فقولنا : إن حركة الفلك ليست طبيعية ، أي ليس قاصد هذه الحركة وداعيها ~~طبيعة محضة ، ناقصة الكون ، غير شاعرة بغاية فعلها ، وإلا فمباشر الحركة ~~ليس إلا ما يميل الجسم بقوته ، فكما أن العقل من جهة عقليته لا يباشر ~~التحريك ؛ لتساوي نسبة الإرادة الكلية إلى جزئيات حدود الحركة ، فكذا حكم ~~النفس من حيث جوهرها العقلي. # وأما من حيث نشأتها الحيوانية فلها وجه إلى القدس ، فيها عين جارية ، نبع ~~منها ماء الحياة ، ووجه إلى طبيعة الفلك فيها سرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ~~فإن الوجود الواحد قد يكون مع أحديته جامعا لحدود متفاوتة ومراتب متفاضلة ، ~~وسيأتي لهذا مزيد تحقيق وتوضيح في مباحث النفوس الإنسانية. PageV02P014 ### ||| * وصل # ومما يدل على أن السماوات أحياء عالمون ، ويوضح ذلك بسرعة أن المانع من ~~قبول الفيض الذي يكون للأجسام التضاد والتفاسد ، والكثافة الطبيعية الحاصلة ~~عن البعد عن الاعتدال. # وسنبين أن الأجسام البسيطة المتضادة الطبائع إذا تركبت واعتدلت ازدادت في ~~قبول الفيض والحياة بقدر اعتداله وتوسطه في المتضادات ، فما ظنك بأجرام ~~كريمة صافية دورية الحركات ، دائمة الأشواق ، تترشح من حركاتها البركات ~~والخيرات على ما دونها. # فكل جرم سماوي فهو حيوان مطيع لله جل وعز ، متصرف في نظام الكون بالتدبير ~~، متجلي بقدر قسطه ومرتبته بانتقاش صور الأشياء وأحوالها في لوح نفسه ، ~~ورقيم ذهنه ، وكتاب عقله. # وما في الصحيفة السجادية ، في دعاء الهلال : «أيها الخلق المطيع ، الدائب ~~السريع، المتردد في منازل التقدير ، المتصرف في فلك التدبير» (1)، شاهد ~~صدق على ذلك. ### ||| * وصل # وهل النفس الناطقة التي بها حياة السماء تتعلق بالكوكب أول تعلقها ، ~~وبأفلاكه الكلية والجزئية التي بها تتم حركته على ما يأتي بواسطة الكوكب بعد PageV02P015 # ذلك ، كما تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا ، وبأعضائه الباقية بعد ذلك ، ~~وبتوسطه ، فالقوة المحركة منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه التي ~~هي كالجوارح ، والأعضاء الباقية، أو أن لكل جرم منها فلكا كان ، أو كوكبا ، ~~كليا أو جزئيا ، نفسا ناطقة هي مبدأ حركة مستديرة ms245 على نفسه ، حتى أن ~~للكواكب أيضا حركات وضعية على أنفسها؟ وجهان. # ويؤيد الثاني وجوب اختصاص كل جرم بسيط في الإبداع بصورة كمالية ، والأول ~~امتناع صيرورة موجود حي بالذات جزء لموجود آخر ، ويشبه أن يكون الثاني حقا ~~، وتكون الجزئية والاستقلال باعتبارين ، ويكون الكل ذا درجات ، كما مر مثله آنفا. # ومن هنا قيل : إن لمجموع العالم أيضا نفسا واحدة ، تدبرها ، كما أشرنا ~~إليه ، وسيأتي له مزيد بيان ، وبه يستقيم تحرك الكل بحركة واحدة. ### ||| * فصل # الأفلاك كلها كروية الأشكال ، صحيحة الاستدارة ، تحديبا ، وتقعيرا ؛ ~~لبساطتها ، وعدم مانع لها عن ذلك ، وأما اختلاف الشكل فيما ارتكز فيه كوكب ~~منها ، أو اشتمل على أفلاك أخر جزئية بسبب النفرات واختلافها بالرقة والغلظ ~~، كما ستعرف ، مع أنه لا قاسر هناك ، فلا يقدح في بساطتها ؛ لما دريت في ~~مباحث الماهيات والتشخصات ، فتذكر له. # ومما يدل على كرويتها واستدارة حركاتها أنا نرى الكواكب طالعة من مشارق ~~الأرض ، مرتفعة بالتدريج إلى حد ما ، هابطة منه كذلك ، إلى أن تغيب في PageV02P016 # المغارب ، ماكثة في غيبتها زمانا ما ، عائدة بعد ذلك إلى المشارق ، ~~متكافئة في أزمنة الظهور والخفاء ، في المشارق والمغارب ، في جل الأمر ، ~~كأنها على دوائر متوازية مترتبة. # ويؤكد ذلك مشاهدة استدارة الكواكب الأبدية الظهور حول نقطة تصلح لأن تكون ~~قطبا للكل في دوائر متوازية مختلفة الصغر والكبر على الترتيب ، بحسب البعد ~~من تلك النقطة إلى أن تنتهي إلى ما تطلع وتغيب ، وتزداد أزمنة الخفاء ، ~~وتنقص أزمنة الظهور بحسب ازدياد البعد إلى أن يتساويا ، ثم يختلفان على عكس ~~الأول ، بنسبة واحدة. # ويزيده تأكيدا تساوي مقدار الكواكب في النظر في جميع أبعادها ، في ~~دوراتها ، إلا عند الأفق ، فإن تراكم الأبخرة المرتفعة من الأرض يري ما ~~وراءها من الأشخاص أكبر مما يجب أن يرى ، كما يشاهد فيما يرى تارة في ~~الهواء ، وتارة في الماء ، ولذلك يزداد الكبر إذا صار الهواء أغلظ ، وبالضد ~~، وكذلك ظهور النصف من الفلك ، أو قريب منه دائما ، لكل من على الأرض في أي ~~موضع يكون ، إلى غير ذلك من الأعراض ms246 الخاصة بالاستدارة. ### ||| * فصل # وكلها كاملة تامة ، كما لا يليق بالجوهر الجسماني ، فليست هي بالقوة في ~~جواهرها ، ولا في أعراضها الذاتية ، ولا في أشكالها ، بل هي بالفعل في جميع ~~الصفات ، أي كل ما هو ممكن لها ، فهو حاصل لها بالفعل ، إلا أمر واحد لا ~~يمكن أن يكون فيه بالفعل ، وهو الوضع ؛ إذ لا يمكن أن يكون على وضعين في ~~حالة واحدة ، ولو لم يكن لها هذا القدر بالقوة لم تكن أجساما ، وليس لها بعض PageV02P017 # الأوضاع بأولى من بعض ، حتى تلازم ذلك ، وتترك البقية ، فإذا لم يمكن ~~جميع الأوضاع بالفعل دفعة ، ويمكن جمعه بالنوع على سبيل التعاقب قصد أن ~~يكون كل وضع له بالفعل في آن ، وأن يستديم جميعها بطريق التعاقب ليكون نوع ~~الأوضاع دائما له بالفعل ، كما أن الإنسان الحسي لما لم يكن بقاء شخصه ~~بالفعل ، دبر لبقاء نوعه بطريق التعاقب الأشخاص الجسمانية ، فلها من ~~الأشكال أفضلها وأقدمها بالطبع ، وأتمها بالذات ، وأحوطها لما يحويه ، كما ~~أشير إليه بقوله سبحانه : ( @QUR@05 والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) (1). # وأحكمها في القوام ، وأصونها عن الآفات ، كما أشير إليه بقوله عز وجل : ( ~~@QUR@04 هل ترى من فطور ) (2)، وبقوله جل وعز : ( @QUR@04 وما لها من فروج ~~) (3). # ولها من الهيئات أفضلها ، وهي الإضاءة والشفيف ، ومن الكيفيات المتضادة ~~الخلو عنها جميعا عند الجمهور ، والجمع بينها من حيث لا تضاد فيها عند ~~المحققين ؛ لأن كل جوهر شريف يشتمل على ما يوجد في الجوهر الدني بوجه أعلى ~~وأشرف ، وكل ما هو أبسط فهو أحوط للوجود ، فالجرم الذي تمتنع عليه الكثرة ~~الانفكاكية لا بد وأن يوجد فيه جميع الكمالات الموجودة في الأجسام الأخر ~~على وجه يليق به ، وهو الإمكان الأشرف. # وحكي عن بعض الحكماء المتقدمين (4) أنه عرج بنفسه إلى العالم # ولد فيثاغورس في ساموس ، حوالي سنة «580 أو 572 ق. م» ، وينسب التاريخ ~~إليه أنه صرف ثلاثين عاما من الأسفار. وقال هرقليطس : إنه كان أكثر ~~الباحثين مثابرة PageV02P018 # العلوي ، فسمع بصفاء جوهر نفسه ، وذكاء قلبه ، نغمات الأفلاك ، وأصوات ~~حركات الكواكب ، ثم رجع إلى البدن ، ورتب عليه ms247 الألحان والنغمات ، وكمل علم ~~الموسيقى. # ومنهم من قال : إن الأجرام الفلكية لما أبدعت على أتم ما ينبغي ، من ~~الوثاقة والصلابة والملاسة والحركة الدائمة ، فيحتك بعضها ببعض ، فتظهر ~~منها نغمات لا يمكن أن يكون أنسب منها ، ولا أوفق يناسب عشقها وشوقها. # ومما يؤيد كون الأفلاك مشتملة على النغمات ، بل الروائح والطعوم ، وجميع ~~ما تدركه الحواس ، كون هذه الكيفيات من حيث كونها مدركة لنا ليست هي التي ~~تكون في الخارج ، من قوانا ؛ لما ثبت أن المحسوس بما هو محسوس وجوده في ~~نفسه ليس إلا وجود للجوهر الحاس ، ومعلوم أن وجودها للخيال مناط علمنا بها ~~وانكشافها لدينا ، وقد ثبت أن الخيال وجميع ما يحصل فيه خارج عن هذا ~~العالم. # فإذن كما توجد تلك الأشياء في قوة من قوانا تارة من جهة أمور خارجية ، ~~وتارة من أسباب باطنية ، كما في المنام ، فكذلك يجوز ذلك في # ويقال : إنه قد زار مصر ، ودرس الحكمة على أيدي الكهنة ، وتعلم الكثير من ~~علم الفلك ، والهندسة النظرية ، وربما تعلم أيضا قليلا السخف والأساطير. # قضى بقية أيامه الأخيرة متواريا عن الأنظار في مدينة ميتابونتوم ؛ وذلك ~~عندما شعر بالخطر نتيجة قيام الحركة المعارضة له ولنظامه ، بزعامة فيلون ، ~~أحد أشراف كروتونا وأثريائها. # (أنظر كتاب : في سبيل موسوعة فلسفية ، للدكتور مصطفى غالب ، تسلسل 19). PageV02P019 # الأفلاك من جهة الباطن ، سيما وسنبين أن السماوات بقوتها الخيالية محل ~~عالم الملكوت بجميع نقوشها ، ففيها جميع ما في عالم الكون والفساد على نحو ~~أشرف وألطف. ### ||| * فصل # وترتيبها يعرف من انكساف بعض الكواكب ببعض ، فإن فلك المنكسف إنما يكون ~~فوق فلك الكاسف ، كما هو ظاهر. # وقد ثبت أن بعض الثوابت ينكسف بزحل ، المنكسف بالمشتري ، المنكسف بالمريخ ~~، المنكسف بالزهرة ، المنكسفة بعطارد ، المنكسف بالقمر ، الكاسف للشمس ، ~~فعلم الترتيب في غير فلك الشمس. # وطريقة الكسف لا تتمشى بين الشمس وغير القمر من الكواكب ، لاضمحلالها تحت ~~الشعاع عند مقارنتها إياها ، فعلم بالأرصاد من طريقة أخرى أن فلكها تحت فلك ~~المريخ ، وأما كونه فوق فلك الزهرة ، أو تحته ، أو تحت عطارد أيضا ، فباق ~~على الاحتمال. ms248 # وقد يؤيد الأول بتأييدات وهو الأشهر ، وعليه الأكثر ، والعلم عند الله. ### ||| * فصل # وأما الصنف الثاني من الأجسام البسيطة ، وهي السفليات ، فمعلوم لنا وجوده ~~بالحس ، بمشاهدة الأجسام العنصرية القابلة للتركيب ، إما تركيبا غير تام ، ~~مقدور لنا ، كما ركبنا الماء بالتراب ، وإما تركيبا تاما طبيعيا ، غير متأت إلا PageV02P020 # بقدرة الله تعالى ، كالمعدن والنبات والحيوان ؛ وذلك لما لم يتم إلا ~~بكيفيات فعلية وانفعالية ، لا بد لها من حرارة مبددة محللة ، وبرودة جماعة ~~مسكنة ، ورطوبة قابلة للتخليق والتشكيل ، ويبوسة حافظة لما أفيدت من ~~التقويم والتعديل ، فخلق الله سبحانه بلطفه وجوده عناصر أربعة ، متضادة ~~الأوصاف والكيفيات ، ساكنة بطبعها في أماكن متخالفة ، بعضها فوق بعض ، بحسب ~~ما يليق بطبائعها ، مرتبة ترتيبا بديعا ، منضدة نضدا عجيبا ، حيث جعل كل ~~متشاركين في كيفية واحدة ، فعلية أو انفعالية ، متجاورين. # فجعل النار لكونها أخف من الكل مجاورة للسماء ؛ لما بينهما من مناسبة ~~اللطافة والضياء ، وجعل الأرض لكونها عكر الكل ، وثفلها ، وأثقلها ، في ~~غاية السفل ، وأبعد المواضع من حركة الفلك ، لتكون مسكن المركبات الحيوانية ~~، وجعل الماء مجاورا للأرض ؛ لكونه أشد مناسبة لها من جهة البرودة والكثافة ~~، وجعل الهواء مجاورا للنار ؛ لكونه أشد مشابهة إياها ، من جهة الشفيف ~~والحرارة ، والخفة. # ووضعت الأرض في الوسط لئلا تحترق بتسخين حركة الفلك ، ولم يجعل مجاور ~~الفلك غير النار ؛ لئلا يتسخن بحركته فينفسد بين النارين. # فانظر إلى الحكمة ، ثم إلى الرحمة ، تبهرك ما لا تقدر قدره ، فسبحانه ~~سبحانه ما أظهر برهانه. PageV02P021 ### ||| * فصل # وعددها علم باستقراء الكيفيات الأربع الأول ، ووجدان عدم خلو الأجسام ~~المستقيمة الحركات عن إحدى الفاعلتين اللتين هما الحرارة والبرود ، ~~المقتضيتان للحركة ، إما من الوسط ، أو إليه بالغة إلى الغاية أولا ، وكذا ~~عن إحدى المنفعلتين اللتين هما الرطوبة واليبوسة المقتضيتان لقبول الأشكال ~~، بيسر أو عسر ، على وجه الكمال والنقص ، وامتناع اجتماع اثنتين من كل من ~~القبيلين في جسم واحد ؛ للتقابل بينهما ، فإذا تركب كل من الفعلين مع كل من ~~الانفعاليين حصلت أربعة أقسام : بارد رطب ، هو الماء ؛ وبارد يابس ، هو ~~الأرض ؛ وحار يابس ، هو النار ms249 ؛ وحار رطب ، هو الهواء. # فأبرد الأربعة هو الماء ، ثم الأرض ، وأرطبها هو الهواء ؛ لشدة ميعانه ~~بالنسبة إلى الثلاثة ، ثم الماء ، وأيبسها هو الأرض ، ثم النار ، وأحرها ~~النار ، ثم الهواء. # أما برودة الماء فهي ظاهرة كرطوبتها ، وكذلك يبوسة الأرض ، وحرارة النار ~~، ورطوبة الهواء. # وأما برودة الأرض ؛ فلأنها إذا خليت وطباعها ولم تسخن بسبب من الأشعة ~~العلوية والرياح الحارة وغيرها ، بردت. # وأما يبوسة النار ؛ فلتكون الأجسام الصلبة الأرضية ، التي يقذفها السحاب ~~الصاعق عنها حين خمدت ، وفارقتها السخونة ، وفيه نظر. # وأما حرارة الهواء ؛ فلأن الماء يتشبه به إذا سخن ، ويلطف بتبخره ، PageV02P022 # وبتصاعده في حيزه. وما هو ألطف فهو أسخن ، فالهواء حار بالنسبة إلى الماء. # وفي هذه الأحكام أقوال مختلفة ، وآراء شتى ، أحسنها ما قلناه. ### ||| * فصل # وبما ذكر ثبت وجود كل منها على الوجه الذي وصفناه ؛ وذلك لأن كل صفة ~~وكيفية لا بد فيها من مبدأ ذاتي ؛ إذ الاتفاقي لا يدوم ، ولا يقع أكثريا ، ~~كما ثبت في مقامه ، فاختلاف الآثار دليل على تباين مصادرها ، فلا وجه ~~لإنكار النار وكونها عنصرا برأسها ، أو كونها عند الفلك. # وأيضا اقتضاء كل منها مكانا غير مكان صاحبه ، على ما يشاهد ، دليل على ~~اختلاف صورها ، واختلاف الصور لمية اختلاف الأمكنة في نفس الأمر ، لكن ~~اختلاف الأمكنة لما كان أوضح من اختلاف الصور كان الاستدلال به على ذلك ~~استدلالا بما هو أوضح عندنا. # وأما الحكم باختلاف اقتضائها لأمكنتها ، فإنما هو باختلاف ميولها ~~الطبيعية ، كما مضى ، وهو من أقوى الحجج ؛ لأنها على طريقة اللم. # وأيضا قاعدة الإمكان الأشرف دالة على وجود هذا النوع من البسائط ~~الجسمانية ؛ لأنه أشرف مما دونه ، وأخس مما فوقه ، ومنع كون النار أشرف من ~~سائر العناصر في ذاتها ، مكابرة ؛ وذلك لقوة وجودها ، وتسلطها على الإحالة ~~والإحراق ، وتفريق المختلفات ، وجمع المتشابهات. # وبالجملة : كثرة فعلها ، وقلة انفعالها الجسمانيين ، دليل على شرفها ، ~~وهذا بعكس الأرض فهي أخس العناصر ؛ لأنها أكثر انفعالا ، وأقل فعلا ، ~~وكونها أقبل PageV02P023 # من النار لحصول الآثار العلوية ، لا يدل على شرفها وفضلها على النار ، بل ~~على خستها. ms250 # كيف لا ، وقد دريت أن البسيط الذي يتأتى منه التركيب إنما هو كذلك ؛ ~~لنقصه في جوهره ، وعدم تماميته. # وأيضا إن المجاور لجسم فلكي سريع الحركة ، يجب أن يكون مناسبا للسخونة ~~الشديدة، بحسب العناية. # لست أقول : إن النار خلقت من حركة الفلك ، كما يراه بعض الناس ، فإن ~~الأنواع ليست حاصلة عقيب الحركات ، والاستعدادات ، والقسر لا يكون دائميا ، ~~بل إن العناية اقتضت ما هو الأوفق بكل نوع على الوجه الذي يصح أن ينسب إلى ~~إرادة خالية عن شوب تغير ، وانفعال ، وهذا ضرب من البرهان اللمي الذي يقام ~~على وجود الأشياء ، من جهة العناية المتعلقة بما هو الأوفق بالنظام الأفضل. # فنقول : لو وجد عنصر آخر مجاورا للفلك لاحترق ، وانقلب نارا صرفا ، فلو ~~كان هذا خيرا يجب صدوره من العناية أولا ؛ إذ لا مانع من هذا الترتيب بحسب ~~الفطرة الأولى ، وإن كان شرا ، فكيف وجدت المخلوقات من الواجب الأعلى الذي ~~هو خير محض بتضرر بعضها من بعض دائما بحسب الكون الأول الإبداعي. # وأيضا إن الجسم المحرق الذي يتولد هاهنا ، من الزند والمقدحة ، لو لم تكن ~~له صورة مسخنة نارية فمن أين تحصل له هذه الحرارة الشديدة؟ فإن حصل له من ~~مجاورة جسم آخر يكسب منه السخونة بالمجاورة ، فهو إما هواء ، أو ماء ، أو ~~أرض ، وشيء منها لا يحس منه سخونة ضعيفة أيضا ، وإن حصل من PageV02P024 # جرم فلكي ، فلا محالة إما أن يؤثر فيها تأثيرا كتأثير جسماني في جسماني ، ~~بمشاركة الوضع ، كإضاءة الشمس وجه الأرض ، أو تسخينها له ، فذلك لا يكون ~~إلا بحسب المواجهة ، ويأتي الأثر من جانب الظاهر للجسم ، فيتأثر أولا ظاهره ~~، ثم يسري في باطنه ، وإذا وقع حجاب يزول الأثر ، وليس الأمر فيما نحن فيه ~~من هذا القبيل. # وإما أن يكون تأثيره فيها على سبيل الإعداد وتهيئة المواد ، ويكون الفاعل ~~فيها أمرا روحانيا ، من جانب الله ، فوق الأفلاك ، فذلك تأثير يأتي في ~~باطنها وطبيعتها أولا ، ثم يسري إلى ظاهرها ، ومنه إلى غيرها ، فهذا يدل ~~على أن لها صورة ذاتية ، لها قوة الحرارة والتسخين ms251 ، مخالفة لسائر العناصر ~~، وهو المطلوب. # وكذا الكلام لو كان المؤثر فيها أولا من الروحانيات ، من جهة الله سبحانه ~~؛ لأن مثل هذا التأثير لا يكون أولا إلا في بواطن الأجسام وغرائزها ، ومنها ~~إلى ظواهرها ، أو ظواهر ما يجاورها. # وأيضا فإن الهواء إذا خلي وطبعه لم يكن محرقا ، وإذا صار محرقا فهو إما ~~لمجاورة صورة محرقة ، وإما لانقلاب صورته إلى صورة محرقة نارية ؛ لما دريت ~~بالبرهان أن كل فعل جسماني، أو صفة جسمانية ، فلا بد له من الانتهاء إلى ~~مبدأ ذاتي ، كذا أفاده أستاذنا دام ظله . # قال : بل التحقيق أن كل ما يفعل مثل هذه الآثار التي تصدر عن النار فهو ~~ذو صورة مسخنة نارية ، ما دامت على تلك الحالة ؛ إذ لا مانع عن ذلك بعد أن ~~حقق أن المادة قابلة لكل صورة ، وأن كل فعل يناسب فاعله ، والذي يفعل ~~الإحراق لا يكون إلا صورة محرقة ، ولا نعني بالنار إلا ما تفعل مثل هذه ~~الآثار. PageV02P025 # وقد دريت أن الأصل في كل شيء هو وجوده ، والماهية تابعة للوجود ، فما كان ~~له نحو وجود النار كان له ماهية النار. # ومما ينبه على ذلك قوله تعالى في زبر الحديد الذي اتخذه ذو القرنين للسد ~~: ( @QUR@06 قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ) (1)، فأطلق عليه النار. # وكذا الماء إذا اشتدت سخونته بمجاورة النار ، ويفعل فعلها ، فإنه ينقلب ~~نارا ، بل ربما كان غير المسمى نارا أشد تسخينا من النار ؛ لصلابة جرمه ، ~~وكثافة مادته ، كالحديدة الحامية فإن الصورة الجوهرية تقبل الأشد والأزيد. # وبهذا تندفع شبهة أوردت على أن المعلول لا يساوي العلة في التأثير ، من ~~أن النار قد تذيب الجواهر فتجعلها أسخن منها (2). # وجه الاندفاع ظاهر على أن النار ليست علة فاعلية ، بل هي معدة. # وبهذا التحقيق يظهر أن الطبائع والنفوس أيضا نيرانات غير محسوسة ؛ وذلك ~~لأنها تفعل أفاعيل النار ، كالنقل من موضع إلى موضع ، وكالطبخ ، والنضج ، ~~والتعقيد ، وكالكلس ، والإذابة ، وكالتليين ، والتلطيف ، والإحالة ، والهضم ~~، والإلصاق ، والدفع ، والشهوة ، التي هي ضرب من الجذب ، والإمساك ، والغضب ~~، الذي هو ضرب من الهضم ، والدفع ms252 ، والإحساس ، الذي هو ضرب من التغذية ، ~~وكذا كل إدراك وعلم حادث ، وكالتحريك الذي مرجعه إلى الجذب والدفع ، وغير ~~ذلك ، كما يأتي تفاصيله في مواضعه. PageV02P026 ### ||| * فصل # وهذه الأربعة هي أصول الكائنات ، وأركان عالم الكون ، والفساد ، واسطقسات ~~المركبات ، وعناصرها التي منها التركيب ، وإليها التحليل. # وأنت إذا تعقبت جميع الأجسام التي عندنا وجدتها منتسبة بحسب الغلبة إلى ~~واحد منها ، وهي إنما لم تقبل الحياة المعتد بها ؛ لأجل تضادها ؛ ولهذا إذا ~~تركبت واعتدلت قبلتها. ### ||| * فصل # وكلها كروية الأشكال ؛ لبساطتها ، إلا أن الأرض لقبولها التشكلات القسرية ~~من جهة يبوستها وقعت في سطحها تضاريس لأسباب خارجة ، كجري المياه ، وهبوب ~~الرياح ، وغيرها ، كما يشاهد من الجبال والوهاد ، ولكن هذه التضاريس لا ~~تخرجها عن الكروية الحسية ؛ إذ نسبة أعظم الجبال إليها كنسبة كرة قطرها سبع ~~عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ، كما يتبين لك عند الوقوف على مساحة الأرض. # ولا منافاة بين اقتضاء الكروية واقتضاء الكيفية الحافظة لأي شكل كان ، بل ~~الثاني مؤكد للأول ، لكن لما أزالت القواسر عنها الشكل ولم تزل اليبوسة ~~صارت اليبوسة حافظة للشكل القسري ، ومنعت عن العود إلى الشكل الطبيعي ~~بالعرض ، وعروض ذلك لكونها مقسورة من وجه ، مطبوعة من وجه ، كالمريض الذي ~~تفعل طبيعته في بدنه الذي قلت رطوبته ، بسبب القاسر حرارة توجب فساده. PageV02P027 ### ||| * فصل # ومما يدل على كروية الأرض طلوع الكواكب وغروبها في البقاع الشرقية قبل ~~طلوعها وغروبها في الغربية ، بقدر ما تقتضيه أبعاد تلك البقاع في الجهتين ، ~~على ما علم من إرصاد كسوفات بعينها ، لا سيما القمرية في بقاع مختلفة ، فإن ~~ذلك ليس في ساعات متساوية البعد من نصف النهار على الوجه المذكور ، وكون ~~الاختلاف متقدرا بقدر الأبعاد دليل على الاستدارة المتشابهة الساترة ~~بحدبتها المواضع التي يعلو بعضها بعضا على قياس واحد بين الخافقين ، ~~وازدياد ارتفاع القطب والكواكب الشمالية ، وانحطاط الجنوبية للسائرين إلى ~~الشمال ، وبالعكس للسائرين إلى الجنوب ، بحسب سيرهما ، دليل على استدارتها ~~بين الجنوب والشمال ، وتركب الاختلافين يعطي الاستدارة في جميع الامتدادات. # ويؤيده مشاهدة استدارة أطراف المنكسف من القمر الدالة على ms253 أن الفصل ~~المشترك بين المستضيء من الأرض ، وما ينبعث منه الظل ، دائرة ، وكذلك ~~اختلاف ساعات النهر الطوال والقصار ، في مساكن متفقة الطول ، إلى غير ذلك. # ولو كانت اسطوانية ، قاعدتاها نحو القطبين لم يكن لساكني الاستدارة كوكب ~~أبدي الظهور ، بل إما الجميع طالعة غاربة ، أو كانت كواكب تكون من كل واحد ~~من القطبين على بعد تستره القاعدتان أبدية الخفاء ، والباقية طالعة غاربة ، ~~وليس كذلك. وأيضا فالسائر إلى الشمال قد تغيب عنه دائما كواكب كانت تظهر له ~~، وتظهر له كواكب كانت تغيب عنه بقدر إمعانه في السير ؛ وذلك يدل على ~~استدارتها في هاتين الجهتين أيضا. PageV02P028 ### ||| * فصل # ومما يدل على استدارة سطح الماء الواقف طلوع رؤوس الجبال الشامخة على ~~السائرين في البحر أولا ، ثم ما يلي رؤوسها شيئا بعد شيء ، في جميع الجهات ~~، إلا أن الماء ليس بتام الاستدارة ، بل هو على هيئة كرة مجوفة ، قطع بعض ~~منها ، وملئت بالأرض على وجه صارت الأرض مع الماء بمنزلة كرة واحدة ، ومع ~~ذلك ليس شيء من سطحيه صحيح الاستدارة. # أما المحدب فلما فيه من الأمواج ، وأما المقعر فلتضاريس ما فيه من الأرض ~~؛ لأنه خرج من سطحه ما ارتفع منها ؛ وذلك لأن الأرض لما حدثت فيها جبال ~~شاهقة ووهاد غائرة ، انحدر الماء إليها بالطبع ، فانكشفت المواضع المرتفعة ~~لتكون مسكنا للحيوانات المتنفسة وغيرها من المركبات المحوجة إلى غلبة ~~العنصر اليابس الصلب ؛ لحفظ الصور والأشكال ، وربط الأعضاء والأوصال ، ~~عناية من الله سبحانه. # قال الإمام سيد العابدين عليه السلام في قوله تعالى ( @QUR@05 الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا ) (1)، قال : «جعلها ملائمة لطبائعكم ، موافقة لأجسادكم ، ~~لم يجعلها شديدة الحمي والحرارة ، فتحرقكم ، ولا شديدة البرودة ، فتجمدكم ~~ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدة النتن فتعطبكم ، ولا شديدة ~~اللين كالماء فتغرقكم ، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في دوركم وأبنيتكم ~~، وقبور موتاكم ، ولكنه عز وجل جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به ، ~~وتتماسكون عليها ، PageV02P029 # وتتماسك عليها أبدانكم وبنيانكم ، وجعل فيها ما تنقاد به لدوركم ، ~~وقبوركم ، وكثير من منافعكم» (1). ### ||| * فصل # وأما الهواء ، فمقعره مضرس ms254 أيضا ، بحسب تضاريس ما فيه من الماء والأرض ، ~~كالأمواج والجبال ، وغيرهما ، ومحدبه تابع لمقعر النار ، والنار كروية ~~الشكل ، صحيحة الاستدارة تحديبا وتقعيرا ، إن جعلت عنصرا برأسها ، كما هو ~~التحقيق. # أما تحديبا ؛ فلكونها مماسة لمقعر فلك القمر ، الذي هو صحيح الاستدارة ، ~~وأما تقعيرا ؛ فلكونها قوية على إحالة ما وصل إليها من الأدخنة إلى نفسها ، ~~وإن جعلت متكونة من الهواء بواسطة حركته التابعة لحركة الفلك ، فهي كرة ~~تامة ، سطحها المحدب صحيح الاستدارة ، والمقعر اهليجي الشكل ؛ لأنها تتكون ~~عند المنطقة أكثر لسرعة الحركة ، وتتدرج في القلة إلى القطبين ، وإن لم ~~تتكون في محاذاة جميع أجزاء الفلك ، بل تكونت في محاذاة المنطقة متدرجة في ~~القلة إلى أن تنفذ قبل الوصول إلى القطبين ؛ لبطؤ الحركة حولها جدا ، فلا ~~تتكون ، فهي كرة غير تامة ، محدبها مستدير غير تام ، ومقعرها إهليلجي كذلك ~~، هذا في المشهور. # قيل : ويحتمل كروية سطحيها مطلقا ، وإن تكونت من الهواء ؛ لاقتضاء ~~طبيعتها الميل إلى المحيط أكثر من الهواء. # أقول : إذا كان حدوثها بالحركة فحيث لا يصل أثر الحركة تكون هواء PageV02P030 # دائما ، فإذا وصلت النار إلى هناك تنقلب هواء لا محالة ؛ لزوال القاسر ، ~~فالإهليلجية لازمة على تقدير التكون من الهواء البتة ، إما تامة أو ناقصة ، ~~فأحسن التأمل فيه. ### ||| * فصل # الأجرام السفلية سبع طبقات : الأرض المحيطة بالمركز ، ثم طبقتها المخالطة ~~بغيرها ، التي تتولد فيها الجبال والمعادن ، وكثير من النباتات والحيوانات ~~، ثم طبقة الماء ، ثم طبقة البخار التي جانبها الذي يلي الأرض كثيف حار ، ~~والطرف الآخر بارد زمهريري ، فيها يكون السحب والرعد والبرق والصواعق ، ثم ~~طبقة الدخان التي يكون في أحد جانبيه يلي البخار الشهب ، وفي الآخر النيازك ~~وذوات الأذناب ، ثم طبقة الهواء الخالية عن الدخان والبخار ، ثم كرة النار ~~الصرفة التي ينتهي بها في جانب العلو عالم الكون والفساد. ### ||| * وصل # فالعالم الجسماني قبة منضدة من عدة قباب متلاصقة ، متماسة ، أعلاها ~~الأطلس الخالي عن النقوش ، ثم المزين بالثوابت ، ثم السماوات السبع للكواكب ~~السبعة على الترتيب المذكور ( @QUR@04 كل في فلك يسبحون ) (1)، ثم كرة ~~النار ، ثم الهواء بطبقاته ms255 ، ثم الماء ، ثم الأرض بطبقتيها ، وكلما يبعد عن ~~المركز ويقرب من PageV02P031 # المحيط يصير ألطف وأشرف ، حتى ينتهي إلى العرش الذي هو واسطة بين العالم ~~الجسماني والعالم الروحاني. ### ||| * فصل # كل واحد من الأفلاك والعناصر نوع برأسه ، لا يماثله غيره في حقيقته ؛ ~~لأنه وجد في مكان خاص به ، على وضع خاص ، لا يسع لغيره ، ولا يسع هو في ~~مكان غيره. # واختلاف الأماكن والأوضاع دليل اختلاف الطبائع ، ويشبه أن تكون الإشارة ~~إلى هذا الاختلاف ما ورد من التعبير باختلاف الألوان والأسماء ، فيما روي ~~عن الإمام الرضا عليه السلام : أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن ألوان ~~السماوات السبع وأسمائها ، فقال : «اسم سماء الدنيا : فيع (1)، وهي من ماء ~~ودخان ، واسم السماء الثانية : فندم (2)، وهي على لون النحاس ، واسم ~~السماء الثالثة : المأدوم ، وهي على لون الشبه ، والسماء الرابعة اسمها : ~~ارقلون ، وهي على لون الفضة ، والسماء الخامسة اسمها : هيعون ، وهي على لون ~~الذهب ، والسماء السادسة اسمها : عروس ، وهي ياقوتة خضراء ، والسماء ~~السابعة اسمها : عجماء ، وهي درة بيضاء» (3). PageV02P032 ### ||| * فصل # البسائط كلها شفافة ، لا تحجب عن أبصار ما وراءها ، ما عدا الكواكب ، ~~وهذا محسوس مشاهد في الأفلاك والعناصر ، ما عدا الطبقة الأولى من الأرض ، ~~وأما الثانية فليست من البسائط ، كما عرفت. # وأما النار المستضيئة الساترة لما وراءها فإنها إنما تكون لها الاستضاءة ~~إذا علقت شيئا أرضيا ينفعل بالضوء عنها ، فهي ليست بسيطة ؛ ولذلك أصول ~~الشعل ، وحيث النار قوية شفافة لا يقع لها ظل ، ويقع لما فوقها ظل عن مصباح آخر. # وربما كان انفراج رأس الشعلة وتحجمه وانتشاره أكثر من حجم الشفاف ، فلا ~~يتوهم أن الشفيف للانتشار ، وخلافه لاستحداد الصنوبرية ، واجتماع أجزاء النار. # وأما العرش والكرسي فلكونهما ألطف من الكل فهما أولى بالشفيف ، كما يحكم ~~به الحدس الصائب. ### ||| * فصل # الزرقة التي يظن أنها لون السماء إنما هي في كرة البخار ؛ لأنه لما كان ~~الألطف من البخار أشد صعودا من الأكثف كانت الأجزاء القريبة من سطح كرته ~~أقل قبولا للضوء ؛ لكثرة البعد واللطافة من الأجزاء القريبة من الأرض ؛ ~~ولهذا تكون ms256 كالمظلة بالنسبة إلى هذه الأجزاء ، فيرى الناظر في كرة البخار لونا PageV02P033 # متوسطا بين الظلام والضياء ؛ لأنه إذا رأى شيئا مظلما من خلف شيء مضيء ~~رأى لونا مخلوطا من الظلمة والضياء ، أو لأن كرة البخار مستضيئة دائما ~~بأشعة الكواكب ، وما وراءها ؛ لعدم قبول الضوء كالمظلم بالنسبة إليها ، ~~فإذا نفذ نور البصر من الأجزاء المستنيرة بأشعة الكواكب ووصل إلى المظلم ~~رأى الناظر ما فوقه من الجو المظلم بما يمازجه من الضياء الأرضي ، والضياء ~~الكوكبي لونا متوسطا بين الظلام والضياء ، وهو اللون اللاجوردي ، كما إذا ~~نظرنا من وراء جسم مشف أحمر مثلا إلى جسم أخضر ، فإنه يظهر لنا لون مركب من ~~الحمرة والخضرة ، وهذا اللون اللاجوردي أشد الألوان مناسبة وتقوية للأبصار ~~، فظهوره عناية من الله سبحانه للناظرين المتفكرين في خلق السماوات والأرض ~~؛ لتكون لهم لذة وقوة في الأبصار في النظر ، كما تكون لعقولهم لذة وقوة ~~عقلية في التأمل فيها ، فلله الحمد على نعمائه ، وله الشكر على آلائه. ### ||| * فصل # إنما خلق الله الأرض ملونة كثيفة غبراء لتقبل الضياء ، وخلق ما فوقها من ~~العناصر مشفة لطيفة بالطباع ؛ لينفذ فيها ويصل إلى غيرها ساطع الشعاع ، فإن ~~الكواكب وسيما الشمس والقمر أكثر تأثيراتها في العالم السفلي بوسيلة أشعتها ~~المستقيمة ، والمنعطفة والمنعكسة بإذن الله ، فسبحان من جعل الشمس والقمر ~~دائبين في مرضاته ، يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، وجعلهما آيتين فمحى ~~آية الليل ، وجعل آية النهار مبصرة ، لتبتغوا فضلا من ربكم ، ولتعلموا عدد ~~السنين والحساب ، وكل شيء فصله تفصيلا. PageV02P034 ### ||| * فصل # الأرض في وسط السماء ، كالمركز في الكرة ، فينطبق مركز حجمها على مركز ~~العالم ؛ وذلك لتساوي زماني ارتفاع الكواكب وانحطاطها مدة ظهورها ، وظهور ~~النصف من الفلك دائما ، وتطابق أظلال الشمس في وقتي طلوعها وغروبها عند ~~كونها على المدار الذي يتساوى فيه زمانا ظهورها وخفائها على خط واحد مستقيم ~~، أو عند كونها في جزئين متقابلين من الدائرة التي تقطعها بسيرها الخاص بها ~~، وانخساف القمر في مقاطراتها الحقيقية للشمس ، فإن الأول يمنع ميلها إلى ~~أحد الخافقين ، والثاني إلى أحد السمتين الرأس ms257 والقدم والثالث إلى أحد ~~القطبين ، والرابع إلى شيء منها ، أو من غيرها من الجهات ، كما لا يخفى. ### ||| * فصل # وكما أن مركز حجمها منطبق على مركز العالم ، فكذا مركز ثقلها ؛ وذلك لأن ~~الثقال تميل بطبعها إلى الوسط ، كما دلت عليه التجربة ، فهي إذن لا تتحرك ~~عن الوسط ، بل هي ساكنة فيه ، متدافعة بأجزائها من جميع الجوانب إلى المركز ~~، تدافعا متساويا ، فلا محالة ينطبق مركز ثقلها الحقيقي المتحد بمركز حجمها ~~التقريبي على مركز العالم ، ومستقرها عند وسط العالم ؛ لتكافؤ القوى ، بلا ~~تزلزل واضطراب يحدث فيها ؛ لثباتها بالسبب المذكور ، وكون الأثقال المنتقلة ~~من جانب منها إلى آخر في غاية الصغر بالقياس إليها ، فلا يوجب انتقال مركز ثقلها PageV02P035 # من نقطة إلى أخرى بحركة شيء منها ، وكذا الأجزاء المباينة لها ، تهوي ~~إليها وهي تقبلها من جميع نواحيها من دون اضطراب. # نعم ، لما كانت أولا كرة حقيقية لم تثبت على وضع واحد ، بل كانت تتحرك ~~الحركة الوضعية بأدنى سبب ؛ لأن بعض أوضاعها لم تكن أولى من بعض ، فخلق ~~الله سبحانه بلطيف صنعه الجبال عليها ؛ ليخرجها عن كونها حقيقية لتثبت ولا ~~تضطرب ؛ لأن الجبال بما بينها من الأهوية والمياه تقاوم الرياح والأمواج أن ~~تحركها ، فتثبت ، وإذا ثبتت ثبتت الأرض بثباتها ؛ ولذلك سميت الجبال أوتادا ~~، فإن الوتد يوجب ثبات ما يربط به. # وأيضا فإن الجبال تحفظها وتمنعها من أن تتحرك بالزلازل ، ونحو ذلك ، ~~فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها ~~لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجي راكد ، لا يجري ، وقائم لا ~~يسري ، تكركره الرياح العواصف ، وتمخضه الغمام الذوارف ، أمسكها من غير ~~اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، ~~وحصنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ، أرسى أوتادها ، ~~وضرب أسدادها. # قال عز اسمه : ( @QUR@02 والجبال أرساها ) (1)، وقال جل وعز : ( @QUR@06 ~~ألم نجعل الأرض مهادا* والجبال أوتادا ) (2)، وقال سبحانه : ( @QUR@07 ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) (3)، ( @QUR@09 هذا خلق الله فأروني ~~ما ذا خلق الذين من PageV02P036 # @QUR@01 دونه ) (1)، ( @QUR@06 إن في ذلك لعبرة لمن ms258 يخشى ) (2). ### ||| * فصل # الأرض كالنقطة عندما [تكون] فوق فلك الشمس ، سيما العرش والكرسي ، كما في ~~الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام : «إن الأشياء كلها في العرش ~~كحلقة ملقاة في فلاة» (3)، فلا قدر لها محسوسا ؛ وذلك لظهور النصف من تلك ~~الأفلاك دائما ؛ إذ لا فرق بين السطح المار بوجه الأرض ، الفاصل بين الظاهر ~~والخفي منها ، وبين السطح المار بمركز الكل الموازي لذلك السطح ، كما يدل ~~عليه طلوع أحد الكوكبين المتقاطرين عند غروب الآخر ، وبالعكس. # وأما بالإضافة إلى فلك الشمس وما دونه فلها قدر محسوس ، بدليل أن الموضع ~~المرئي للشمس وما تحتها من الكواكب من سطح الأرض غير مواضعها الحقيقية من ~~مركز الأرض ، كما علم بالرصد باستعمال ذات شعبتين ، وهذا التفاوت في الشمس ~~قليل ، ويكثر فيما دونه ، سيما القمر ، فإذا كان أحد هذه الكواكب على سمت ~~الرأس كان الخط الذي يخرج من مركز الأرض إليه منطبقا على الخط الذي يخرج من ~~منظر الأبصار إليه ، فلا يكون اختلاف في المنظر ، وإذا كان مائلا عن سمت ~~الرأس كان الخطان ملتقيين عند مركزه ، ويتباعدان حتى إذا انتهيا إلى سطح ~~الفلك الأعلى اختلف موقعهما ، فيقع الخط الذي خرج من منظر الأبصار مائلا ~~إلى الأفق عن الخط الذي خرج من مركز الأرض ، وكلما PageV02P037 # كان الكوكب إلى الأفق أقرب كان الاختلاف أكثر ، والموضع المرئي له أقرب ~~إلى الأفق من الموضع الحقيقي أبدا. ### ||| * فصل # الشمس كوكب عظيم ليس في الكواكب أعظم منه ، وهو رئيس السماء ، واهب ~~الضياء ، شديد الضوء ، فاعل النهار والليل ، بالحضور والغيبة ، وجاعل ~~الفصول الأربعة بالذهاب والأوبة ، بأمر الله سبحانه وطاعته ، وما ازداد على ~~الكواكب بمجرد المقدار والقرب ، بل بالشدة ، فإن ما يتراءى من الكواكب ~~بالليل مقدار مجموعها أكبر من الشمس بما لا يتقايس ، ولا يفعل النهار ، ~~فسبحان من صورها ونورها ، وفي عشق جمال بارئها دورها. # والمستضيء بها من الأرض أكثر من نصفها دائما ، لما بين في محله أن الكرة ~~الصغرى إذا قبلت الضوء من الكبرى كان المستضيء منها أعظم من نصفها. # وظل الأرض على هيئة مخروط ms259 يلازم رأسه مدار الشمس ، وينتهي في فلك الزهرة ~~، كما علم بالحساب ، والنهار مدة كون المخروط تحت الأفق ، والليل مدة كونه ~~فوقه ، فإذا ازداد قرب الشمس من شرقي الأفق ازداد ميل المخروط إلى غربيه ، ~~ولا يزال كذلك حتى يرى الشعاع المحيط به. # وأول ما يرى منه هو الأقرب إلى موضع الناظر ؛ لأنه أصدق رؤية ، وهو موقع ~~خط يخرج من بصره عمودا على الخط المماس للشمس والأرض ، فيرى الضوء مرتفعا ~~عن الأفق ، مستطيلا ، وما بينه وبين الأفق مظلما ؛ لقربه من قاعدة المخروط ~~الموجب لبعد الضوء هناك عن الناظر ، وهو الصبح الكاذب. PageV02P038 # ثم إذا قربت الشمس جدا يرى الضوء معترضا ، وهو الصبح الصادق ، ثم يرى ~~محمرا. والشفق بعكس الصبح ، يبدو محمرا ثم مبيضا معترضا ، ثم مرتفعا ~~مستطيلا ، فسبحان فالق الإصباح ، وجاعل الليل سكنا ، والشمس والقمر حسبانا ~~( @QUR@04 ذلك تقدير العزيز العليم ) (1). ### ||| * فصل # القمر كوكب كمد صقيل ، بين السواد والزرقة ، يستضيء أكثر من نصفه بالشمس ~~دائما ؛ لكبرها وصغره ، وتختلف أوضاعه بالقرب والبعد عنها ، ففي الاجتماع ~~وجهه المظلم إلينا والمضي إليها ، وهو المحاق ، وإذا بعد عنها يسيرا رأينا ~~منه قليلا ، وهو الهلال ، ويزداد بزيادة البعد إلى المقابلة ، فيصير تمام ~~وجهه المضيء إلينا ، وهو البدر ، ثم يتناقص المتقارب فيؤول إلى المحاق ، ~~وهكذا ، فإذا اجتمع بها عند منطقة حركتها حال بيننا وبينها ، فسترها كلا أو ~~بعضا ، وهو الكسوف ، وإذا استقبلها كذلك حالت الأرض بينهما ، ووقع كله أو ~~بعضه داخل مخروط ظلها ، وهو الخسوف. # وأما المحو في وجه القمر فله وجوه مشهورة ، لا سبيل إلى الجزم بشيء منها. PageV02P039 ### ||| * فصل # وأما سائر الكواكب فكون أنوارها ذاتية أو مقتبسة من الشمس باق على ~~الاحتمال ، وعدم تشكلاتها البدرية والهلالية لا يدل على عدم الاقتباس ؛ ~~لإمكان نفوذ الضوء فيها ، ومن الناس من أثبت لها ألوانا كالقمر ، فإذا كانت ~~كذلك ، وكانت أنوارها مقتبسة لم ينفذ الضوء في كليتها على السواء ، بل أقام ~~على الوجه الذي يلي الشمس ، وإن كانت مشفة لا يضيء كليتها ، بل من حيث ~~ينعكس عنها. # قال في الشفاء (1): وأقول على سبيل ms260 الظن : يشبه أن يكون لكل كوكب مع ~~الضوء المشرق منه لون بحسب ذلك اللون ، يختلف أيضا الضوء المحسوس بها فيأخذ ~~إشراق بعضها إلى الحمرة ، وبعضها إلى الرصاصية ، وبعضها إلى الخضرة ، وكأن ~~الشعاع والنور لا يكون إلا في جرم له خاصية لون ، فإن النار إنما يشرق ~~دخانها وهو في جوهره ذا لون ما ، ويختلف المرئي من اللهيب باختلاف الكون ~~الذي يخالطه النور الناري ، وليس هذا شيئا أجزم به جزما. انتهى كلامه (2). # وينبغي أن لا يراد باللون هناك مثل الألوان التي عندنا ، بل على وجه أعلى ~~وألطف ، يناسب تلك الأجرام الشريفة ، وكذلك من أثبت لها الحرارة والبرودة ~~وغير ذلك من الصفات. # روى في الكافي ، بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : «إن الله تعالى PageV02P040 # خلق نجما في الفلك السابع ، فخلقه من ماء بارد ، وسائر النجوم الستة ~~الجاريات من ماء حار ، وهو نجم الأنبياء والأوصياء ، وهو نجم أمير المؤمنين ~~عليه السلام ، يأمر بالخروج من الدنيا والزهد فيها ، ويأمر بافتراش التراب ، ~~وتوسد اللبن ، ولباس الخشن ، وأكل الجشب ، وما خلق الله نجما أقرب إلى الله ~~تعالى منه» (1). # قلت : هذا الكلام من الأنوار الساطعة من معدن الولاية ، وأهل بيت النبوة ~~، سلام الله عليهم ، وهو مطابق لما يراه المنجمون من نحوسة زحل ؛ وذلك لأن ~~نظرهم مقصور على النشأة الفانية ، والدنيا والآخرة ضرتان ، فافهم واغتنم. ### ||| * فصل # الكواكب الثابتة لا يمكن أن تحصى كثرة ، وقد رصد منها ألف وخمسة وعشرون ، ~~فعرف مواضعها ، ورتب أقدارها المختلفة في ست مراتب ، ينقص كل مرتبة عن ~~صاحبتها في القطر بسدس ، فأولها أعظمها ، وفيها خمسة عشر كوكبا ، وفي ~~الثانية خمسة وأربعون ، وفي الثالثة مائتان وثمانية ، وفي الرابعة أربعمائة ~~وسبعون ، وفي الخامسة مائتان وسبعة عشر ، وفي السادسة تسعة وأربعون. # وسبعة عشر خارجة عن المراتب ، تسعة خفية تسمى مظلمة ، وخمسة سحابية ، ~~كأنها قطعة غيم ، وثلاثة تسمى صغيرة ، وربما لا تجعل من المرصودة. # ثم توهموا لتعريف هذه الكواكب صورا تكون هي عليها ، أو فيما بينها ، أو ~~بقربها ، والصور ثمانية وأربعون ، إحدى وعشرون في الشمال ، هي ثلاثمائة ~~وستون ms261 كوكبا ، واثنتا عشرة على المنطقة ، هي ثلاثمائة وستة وأربعون كوكبا ، PageV02P041 # وهي صور البروج المشهورة ، وخمس عشرة في الجنوب ، هي ثلاثمائة وستة عشر كوكبا. # والدائرة اللبنية المسماة بالمجرة يقال إنها مؤلفة من كواكب صغار متقاربة ~~، متشابكة ، كثيرة جدا ، صارت من تكاثفها وصغرها كأنها لطخات ؛ وذلك شبهت ~~باللبن لونا. # وأما منازل القمر فهي الكواكب القريبة من المنطقة ، جعلتها العرب علامات ~~للأقسام الثمانية والعشرين التي قسمت المنطقة بها ؛ لتكون مطابقة لعدد أيام ~~دور القمر ، فيرى كل ليلة نازلا بقرب أحدها ، وأسماؤها مشهورة ، فسبحان من ~~قدر القمر منازل حتى عاد كالعرجون القديم. PageV02P042 ### | في كيفية حركات الأفلاك ، وما يتبع ذلك ### ||| * ( @QUR@09 والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم* والقمر ### ||| * @QUR@010 قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم* لا الشمس ينبغي لها ### ||| * @QUR@011 أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) (1) ### ||| * فصل # كل واحد من أفلاك الكواكب السبعة يشتمل على أفلاك أخر جزئية مفروزة عن ~~كلها ، متحركة بحركة أخرى غير حركة الكل ؛ وذلك لأنه تعرض لها في حركاتها ~~السرعة والبطؤ ، والتوسط بينهما ، وكذا الوقوف والرجوع ، والاستقامة ، وقد ~~تكون حركة بعضها متشابهة حول نقطة ، أي تحدث عندها في أزمنة متساوية زوايا ~~متساوية ، وقسيا متساوية ، مع أنه يقرب منها تارة ويبعد أخرى ، وقد لا يتم ~~بعضها الدورة ، إلى غير ذلك من الاختلافات التي نذكرها جميعا ، وقد علمت ~~بالأرصاد ، ويظهر بعضها عند الحس من دون تدقيق نظر ، واستعمال آلة ، فلا بد ~~من أصول تقتضي تشابهها في أنفسها ، واختلافها بالقياس إلينا بحسب رؤيتنا ، ~~إما لاختلاف وضعي ، أو لتركب في الحركة ، من حركات متشابهة يقتضيان ذلك ؛ ~~وذلك لأن الحركات المختلفة لا يمكن صدورها عن PageV02P043 # الفلكيات ؛ لبساطتها ، وعدم انخراقها ، وتنزه نفوسها عن تركب القوى ، ~~واختلاف الدواعي والآراء. # فمن الأصول كون الحركة متشابهة حول نقطة خارجة عن مركز العالم ، إما بأن ~~يكون الفلك المتحرك محيطا بمركز العالم ، ويسمى بالخارج المركز ، أو غير ~~محيط به ، ويسمى بالتدوير. # والخارج المركز إذا فرض وحده وفرض الكوكب متحركا عليه حول مركزه حركة ~~بسيطة متشابهة صير الحركة بالقياس ms262 إلى مركز العالم وغيره من النقط التي هي ~~غير ذلك المركز مختلفة ، فتكون في القطعة التي هي أبعد منه بطيئة ، وفي ~~القطعة الأخرى منه التي هي أقرب سريعة ؛ وذلك لأن القسي المتساوية المقدار ~~المختلفة بالبعد والقرب ، يرى البعيد منها أصغر من القريب ، وإذا أخرج خط ~~يمر بمركزه ومركز العالم ، أو بالنقطة المفروضة التي هي غيرهما ، مر بالبعد ~~الأبعد ، وهو منتصف القطعة البعيدة ، وبالبعد الأقرب وهو منتصف القطعة ~~القريبة. # ثم إذا قام عليه عمود يمر بمركز العالم أو بتلك النقطة ووصل إلى المحيط ~~في الجانبين ، مر بالبعدين الأوسطين ، وهما الفصل المشترك بين القطعتين ، ~~البعيدة والقريبة ، وعندهما تكون الحركة متوسطة بين السرعة والبطؤ. # وأما التدوير ، فإذا فرض وحده وتحرك الكوكب على محيطه كانت القسي ~~المتساوية المقدار منه أيضا مختلفة ، بالقياس إلى مركز العالم ، وكان الخط ~~الواصل بين المركزين مارا بالبعدين الأبعد والأقرب منه ، والخطان الخارجان ~~من مركز العالم المماسان للتدوير من جانبيه، يفصلان بين القطعتين القريبة ~~والبعيدة ، إلا أن الكوكب يرى في إحدى القطعتين راجعا عن السمت الذي PageV02P044 # يقصده في القطعة الأخرى إلى أن يصل إلى المبدأ الذي يتحرك منه ، ولا ~~تنقطع أجزاء الفلك المحيط بمركز العالم جميعا بتلك الحركة. # فبهذين الأصلين يستقيم أمر الاختلافين الأولين ، وللمتأخرين أصول أخر بها ~~يستقيم غيرهما من الاختلافات أيضا ، لكن لما لم يتعين شيء منها لذلك لم ~~يحصل الجزم بعدد الأفلاك الجزئية ، وإنما المتيقن القدر المشترك ، وهو ~~كثرتها. # وينبغي الاقتصار على الأقل الأبسط ، وعدم إثبات الفضل مهما أمكن ، ونحن ~~نقتصر على ذكر ما هو المشهور الموروث من القدماء في ذلك ، وإن كان يبقى معه ~~بعض الإشكالات بعد ؛ روما للاختصار فيما لم يتحقق بخصوصه ، فاسمع : ### ||| * وصل # أما فلك الشمس ، فينفصل عنه فلك آخر شامل للأرض ، مركزه خارج عن مركز ~~العالم ، مائل إلى جانب من الفلك الكلي لها ، بحيث يماس محدب سطحيه ، السطح ~~الأعلى من الفلك الكلي على نقطة مشتركة بينهما ، ويسمى الأوج ، ومقعر سطحيه ~~، السطح الأدنى منه على نقطة مشتركة ، يسمى الحضيض ، فيحصل بسبب ذلك جسمان ~~متدرجا ms263 الثخن إلى غاية هي ضعف ما بين المركزين ، أحدهما حاو للفلك الخارج ~~المركز ، والآخر محوي ، فيه رقة الحاوي ، مما يلي الأوج ، وغلظه مما يلي ~~الحضيض ، ورقة المحوي وغلظه بالعكس ، يقال لكل واحد منهما : المتمم. PageV02P045 # وجرم الشمس مركوز في ثخن الخارج عند منتصف ما بين قطبيه ، مماس لسطحيه ~~على نقطتين ، وأفلاك كل من الكواكب العلوية والزهرة كذلك ، إلا أن لها ~~تداوير مركوزة في خوارجها ، كارتكاز الشمس وهي فيها بحيث يماس سطح كل سطح ~~تدويره على نقطة. # وكذلك فلك القمر ، إلا أن له فلكا آخر مركزه مركز العالم ، محيطا بالكل ، ~~يسمى بالجوزهر. # وأما عطارد فمركز فلكه الذي في ثخنه الخارج غير مركز العالم ، ويسمى ~~بالمدير ، وهو في ثخن فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم ، كالخارج في ثخنه ~~على الرسم المذكور ، فله خارجان ، وأوجان ، وحضيضان ، وأربعة متممات ، ~~وتسمى الأفلاك الكلية بالممثلات ؛ لمماثلتها لمنطقة البروج في المركز ~~والحركة والمنطقة والقطبين كما ستعرف ، وتسمى الخوارج للمراكز كلها سوى ~~المدير بالحوامل ؛ لحملها التداوير ، والكواكب وتسمى البعد الأبعد في ~~التداوير بالدورة ، والأقرب بالحضيض. # ولنتكلم الآن في جهات الحركات ومقاديرها ، وأقطابها ، ومناطقها ، على ما ~~علم بالأرصاد. # واعلم أولا أن من عادة الحساب إذا أرادوا تقدير الدوائر وأقطارها تجزئتها ~~بثلاثمائة وستين جزء ، وتجزئة القطر بمائة وعشرين جزء ، ثم تجزئة الأجزاء ~~إلى دقائقها وثوانيها ، وما يتلوها ، فيكون ربع من الدور تسعين جزء ، وكل ~~قوس من أقل منه ، فتمامها ما يبقى من الربع بعد نقصانها عنه. # إذا تمهد هذا ، فاسمع : PageV02P046 ### ||| * وصل # أما الفلك الأعظم فحركته إلى المغرب ، وتتم في كل يوم بليلته دورا ~~بالتقريب ، ويسير بمقدار ما يقول أحد واحد (1) ألفا وسبعمائة واثنين ~~وثلاثين فرسخا من مقعره ، والله تعالى أعلم بما يسير من محدبه ، وقطباه ~~تسميان بقطبي العالم ، ومنطقته تسمى بمعدل النهار ، وهي تقطع العالم بنصفين ~~: شمالي وجنوبي ، والصغار الموازية لها المرتسمة من تحرك النقاط عن جنبتيها ~~تسمى بالمدارات اليومية. # وفلك الثوابت مع الممثلات تسير نحو الشرق ، وتتم في كل خمسة وعشرين ألفا ~~ومائتي سنة دورا ، ويقطع كل سنة عشرة فراسخ ms264 ، ومع ذلك لا ترى حركتها في ~~قريب من خمسين سنة ، بل يرى في تلك المدة كأنها ساكنة ، وقطباه يسميان ~~بقطبي البروج ، ومنطقته تسمى بمنطقة البروج. # وفلك البروج وهي تقطع المعدل على نقطتين تسميان بالاعتدالين : الربيعي ، ~~والخريفي ، وأبعد أجزائها عنه بالانقلابين الصيفي والشتوي ، وغاية هذا ~~البعد من الجانب الأقرب يسمى بالميل الكلي ، وهو بالرصد الجديد ثلاثة ~~وعشرون جزء ، وثلاثون دقيقة ، وسبع عشرة ثانية. # وتنقسم منطقة البروج بهذه النقاط الأربع أرباعا ، قطع الشمس الكلي منها ~~أحد الفصول الأربعة ، ولها صغار كالأولى تسمى بمدارات العرض. # وتظهر هذه الحركة البطيئة في أوجات الكواكب السبعة ، وحضيضاتها ، PageV02P047 # ولهذا تسمى بحركة أوج الكوكب ، والحوامل تجري إلى المشرق كل يوم لزحل ~~دقيقتان ، وللمشتري خمس دقائق ، وللمريخ إحدى وثلاثون دقيقة ، وللشمس تسع ~~وخمسون دقيقة وثمان ثوان ، وللزهرة مثل ذلك ، ومقدار حركة الأوج لعطارد ~~بقدر ضعف ما للشمس ، وللقمر أربعة وعشرون جزء ، وثلاث وعشرون دقيقة. # ولكل قطبان ومنطقة تخصه ، إلا أن منطقة حامل الشمس في سطح منطقة البروج ، ~~كمنطقة ممثله ، ومنطقة سائر الحوامل مائلة عنها ، إما ميلا ثابتا ، كما في ~~العلوية والقمر ، أو غير ثابت ، كما في الزهرة وعطارد ، وذلك الميل لزحل ~~جزءان ونصف ، وللمشتري جزء ونصف ، وللمريخ جزء واحد ، وللزهرة سدس جزء ، ~~ولعطارد ثلاثة أرباع جزء ، وللقمر خمسة أجزاء. # وموضعا تقاطع منطقتي الممثل والحامل تسميان بالعقدتين ، والجوزهرتين ~~والرأس والذنب لذلك الكوكب ، ويرتسم في الفلك الكلي عند توهم قطع الحامل له ~~دائرة عظيمة ، مركزها مركز العالم ، تسمى بمائل ذلك الكوكب ، وبعد الرأس عن ~~الأوج لزحل ثمانية وعشرون جزء ، وللمشتري سبعون ، وللبواقي ربع الدور ، وهو ~~في غير عطارد متقدم على الأوج ، وفيه متأخر عنه. # وتظهر حركات الحوامل في مراكز التداوير والشمس ، ولهذا تسمى بحركة مركز ~~الكوكب ، والمركبة من حركة الأوج والمركز تسمى بحركة الوسط ، وحركة أعالي ~~التداوير في المتحيرة نحو المشرق والأسافل نحو المغرب ، وفي القمر بعكس ذلك ~~، وهي في العلوية بقدر فضل حركة وسط الشمس على وسط كل واحد منها. PageV02P048 # وفي الزهرة كل يوم بليلته ، سبع وثلاثون دقيقة ، وفي عطارد ms265 ثلاثة أجزاء ~~وست دقائق، وفي القمر ثلاثة عشر جزء وأربع دقائق. # ومناطقها غير ثابتة في سطح حواملها ، وإنما الثابتة فيها مراكزها ، وحركة ~~مدير عطارد إلى المغرب نصف حركة حامله إلى المشرق ، فهي مثل حركة مركز ~~الشمس الوسطى على قطبين ومنطقة مخصوصة به. # وتظهر هذه الحركة في أوج الحامل وحضيضه ، ويتوهم بسببها المركز الحامل ~~مدار حول مركز المدير يسمى الفلك الحامل لمركز الحامل. # وحركة جوزهر القمر إلى المغرب كل يوم بليلة ثلاث دقائق وكسر على قطبي ~~البروج ، ومنطقة في سطح منطقتها ، وبها تتحرك جميع أفلاك القمر ، فتنتقل ~~بها العقدتان ، ولهذا تسمى بحركة الجوزهرين ، ويسمى الفلك بفلك الجوزهر. # فهذه الحركة في الحقيقة للفلك الكلي ؛ لما دريت أن التبعية في الحركة لا ~~تستقيم إلا بالجزئية ، فالمسمى بالجوزهر إنما هو بمنزلة المتمم ، غير أنه ~~متوازي السطحين ، وهذه الحركة مركبة في الحقيقة ، أعني أنها فضل حركة ~~الجوزهر على الحركة البطيئة التي له بتبعية الثوابت ، إلا أنها ترى حركة ~~واحدة بسيطة ؛ لاتحاد موضعيهما من جميع الوجوه ، ولهذا لم يحصل الجزم ~~بالحركة البطيئة لممثل القمر ؛ لأنها غير محسوسة فيه. # وحركة مائل القمر نحو المغرب كل يوم إحدى عشر جزء وتسع دقائق ، ومنطقتها ~~مع منطقة حامله في سطح واحد ، وبها يتحرك الحامل أيضا ؛ ولهذا تسمى بحركة الأوج. PageV02P049 ### ||| * فصل # حركة كل فلك متشابهة حول مركزه ، إلا الحوامل في غير الشمس ، فحامل القمر ~~يتشابه حول مركز العالم ، وحامل عطارد حول نقطة في منتصف ما بين مركزي ~~العالم ، والمدير الذي هو ستة أجزاء وعشرون دقيقة ، على القطر المار بهما ، ~~وحامل البواقي حول نقطة على القطر المار بمراكزها. # ومركز العالم في جانب الأوج على بعد مساو لما بين المركزين ، وذلك لزحل ~~ثلاثة أجزاء وربع وسدس جزء ، وللمشتري جزءان وثلاثة أرباع جزء ، وللمريخ ~~ستة أجزاء ، وللزهرة قريب من نصف ما بين مركزي الشمس الذي هو جزءان ، وخمس ~~دقائق ، وجميع ذلك بحسب ما يكون نصف قطر حامل ذلك الكوكب ستين جزء ، عرف ~~ذلك بالرصد ، وتسمى تلك النقطة مركز معدل المسير ؛ لأنه يتوهم حولها دائرة ms266 ~~بقدر منطقة الحامل ، وفي سطحها فلك معدل المسير ، فإن مركز التدوير مقطع من ~~محيطه في أزمنة متساوية قسيا متساوية ، كأن خطا خرج من مركز معدل المسير ~~إلى مركز التدوير ليديره حركة متشابهة حوله ، وهذا من الإشكالات التي أشرنا ~~إليها ، وإلى أنها لم تنحل على أصول القدماء. # وفي الكواكب الست إشكال آخر ، وهو : أن القطر المار بالذروة والحضيض في ~~تداويرها ليس في سطوح مناطق حواملها إلا عند كون مركز التدوير في العقدتين ~~في العلوية ، وفي الأوج والحضيض في السفليين ، والقمر إما غير ذلك الوقت ، ~~فيحاذي نقطة أخرى ، مع أن الحامل إذا حرك التدوير حركة بسيطة متشابهة وجب ~~كون قطر التدوير المذكور محاذيا لمركزه في جميع PageV02P050 # الأحوال ، كما أنه يجب تساوي أبعاد مركزه عن مركزه في جميع الأحوال ، ~~وتساوي الزوايا الحادثة بحركته حول مركز الحامل في الأزمنة المتساوية. # وفي السفليين إشكالان آخران : # أحدهما : عدم ثبات ميل منطقة حاملهما عن الممثل ، بل يقرب منها تارة ، ~~ويبعد عنها أخرى ، ويستلزم ذلك عدم إتمام الدورة لهما ، ومثل هذا الإشكال ~~وارد في منطقتي المعدل والبروج ؛ لأنهم وجدوا الميل الكلي في الأزمنة ~~المختلفة مختلفا. # والثاني : عدم ثبات قطر تدويرهما المار بالبعدين الأوسطين المقاطع للقطر ~~الأول ، على قوائم في سطح حاملهما ، مع وجوب ذلك. # وقد حل بعض هذه الإشكالات جماعة من المتأخرين ، شكر الله سعيهم ، بوجوه ~~مبسوطة من أرادها فليطلب من كتبهم المصنفة في ذلك. # وللسبعة تعديلات تقتضيها اختلافاتها التي توجبها حركات الحوامل والتداوير ~~، طوينا ذكرها اقتصارا على المهمات ، واكتفاء عما هو من قبيل المتفرعات على ~~الأصول الهاديات ، فسبحان من أمسك السماوات من أن تمور في خرق الهواء بائدة ~~، وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها ~~آية ممحوة من ليلها ، وأجراهما من مناقل مجراهما ، وقدر مسيرهما في مدارج ~~درجهما ، ليميز بين الليل والنهار بهما ، وليعلم عدد السنين والحساب ، ~~بمقاديرهما ، ثم علق في جوها فلكا ، وناط بها زينتها من خفيات دراريها ، ~~ومصابيح كواكبها ، ورمى مسترقي الشمس بثواقب شهبها وأجراها على إذلال ~~تسخيرها من ثبات ثابتها ms267 ، وسير سائرها ، وهبوطها وصعودها ، ونحوسها ~~وسعودها. PageV02P051 ### ||| * وصل # ما قررناه في بيان جهات حركات الأفلاك هو المشهور بين أصحاب هذا الفن ، ~~والمذكور في كتبهم المدونة في ذلك. # وأما إخوان الصفا قدس الله أسرارهم (1) فقد ذكروا في رسائلهم ما حاصله : ~~إن الأفلاك كلها إنما تتحرك من المشرق إلى المغرب ؛ لأن طبيعة الأفلاك ~~والكواكب كلها طبيعة واحدة في الحركة الدورية ، وقصدها قصد واحد ، وإنما ~~اختلفت حركاتها في السرعة والإبطاء ، من أجل أنها في أفلاك متحركات ، ~~ومحركات ، فإن الفلك المحيط الذي هو المحرك الأول عن الحركة الأولى التي هي ~~من النفوس الكلية يدور حول الأرض في كل أربعة وعشرين ساعة دورة واحدة ، ~~والفلك المكوكب الذي في جوفه مماسا له من داخله يدور معه نحو الجهة التي ~~يدور إليها ، ولكن تقصر حركته عن سرعة حركة محركه بشيء يسير ، فيتخلف عن ~~موازاة أجزائه في كل مائة سنة درجة واحدة ، ويتبعه فلك زحل الذي في جوفه ~~مماسا له ، ولكن تقصر أيضا حركته عن سرعة محركه بشيء # أنظر : كشف الظنون : 1 : 902 ، وتاريخ الفلسفة لمحمد علي مصطفى : 217. PageV02P052 # يسير ، فيتخلف في كل يوم عن موازاة أجزاء المحيط دقيقتين. # وهكذا حكم كل فلك فلك ، إلى أن ينتهي إلى فلك القمر الذي هو أبطأ حركة من ~~أجل بعده عن الحركة الأولى التي هي لفلك المحيط ، لكثرة المتوسطات بينهما ، ~~وبهذا السبب صار دوران الأكر حول الأرض مختلف الزمان. ### ||| * فصل # البعد بين الخافقين يسمى بالطول ، والعظيمة المنصفة له بدائرة نصف النهار ~~، والفصل المشترك بينها وبين سطح الأرض بخطه. # والبعد بين الشمال والجنوب يسمى بالعرض ، والمنصفة له بدائرة المشرق ~~والمغرب ، والفصل المشترك بينها وبين سطح الأرض بخطهما. # والبعد بين سمتي الرأس والقدم هو السمك ، والمنصفة له دائرة الأفق ، ~~وقطبا كل من الدوائر الثلاث طرفا البعد المنتصف بها ، وتمر الأولى بقطبي ~~المعدل والثالثة ، وبالعكس ، والثانية بقطبي الأولى والثالثة ، وبالعكس ، ~~والعظيمة المارة بقطبي المعدل وجزء من فلك البروج ، أو مركز كوكب يسمى ~~بدائرة الميل ، وبها يعرف ميل منطقة البروج. # وبعد الكوكب عن المعدل والمارة بقطبي البروج ms268 وجزء منها أو مركز كوكب تسمى ~~بدائرة العرض ، وبها يعرف عرض الكوكب عنها ، وميل الشمس عن المعدل والأقسام ~~الحاصلة في الفلك الأعظم من تقاطع ست عرضيات إحداها تمر بالأقطاب الأربعة ، ~~والرابعة بالاعتدالين، والبواقي بينها هي البروج PageV02P053 # الاثنا عشر المشهورة ، المشار إليها بقوله سبحانه : ( @QUR@03 والسماء ~~ذات البروج ) (1). # وأسماؤها المشهورة مأخوذة من صور توهمت من كواكب وقعت وقت التسمية ~~بحذائها من الثوابت ، كما أشرنا إليه ، فإذا انتقل عن محاذاتها فللمسمين أن ~~يسموها بغيرها ، وأجزاؤها تسمى برجا ، وكل برج ثلاثون درجة في العرض ، وفي ~~الطول من القطب إلى القطب ، والدائرتان الحادثتان على سطح الأرض من تقاطع ~~المعدل والأفق على قوائم يقسمانها أرباعا ، والمعمور أحد الربعين الشماليين ~~كما عرف بالرصد ، وينقسم بسبعة من المدارات إلى سبع قطاع مستطيلة متفاوتة ~~في النهار ، الأطول بنصف ساعة ، وهو تفاوتها في العرض ، وأطوالها ما بين ~~الخافقين ، وهي الأقاليم ، وابتداؤها في العرض عند الجمهور حيث النهار ~~الأطول اثنتا عشرة ساعة ، وهو الفصل المشترك بين المعدل وسطح الأرض ، وتسمى ~~بخط الاستواء ، وفي الطول عند قوم بداية العمارة في المغرب ، وكانت جزائر ~~منسوبة إلى الخالدات وهي الآن غير معمورة. # وعند آخرين ساحل البحر الغربي ، وبينهما عشر درجات من دور المعدل ، وعرض ~~كل بلد عبارة عن أقصر قوس من دائرة نصف نهاره ، بين المعدل وقطب الأفق ، أو ~~بالعكس ، وطوله ما وقع من المعدل بين نصف نهاره ونصف نهار جزائر الخالدات ، ~~من فوق. PageV02P054 ### ||| * فصل # إن وقع قطبا دائرة الأفق في المعدل ماست قطبيه لا محالة ، ونصفت كل ~~مداراته على قوائم ، فيتساوى الليل والنهار تقريبا ، أبدا إلا نادرا ، ~~ويسمى الدور دولابيا ، وذلك إنما يكون في خط الاستواء ، ولكل نقطة فيه طلوع ~~وغروب ، إلا قطبي العالم. # والهواء هناك في غاية الاعتدال ، والشمس تسامت رؤوس سكانه في الاعتدالين ~~، فيعدم الظل ، ويبعد غاية البعد في الانقلابين ، فيكون جنوبيا تارة ، ~~وشماليا أخرى. # وفصولهم ثمانية ، وإن انطبق قطباها على قطبيه انطبقت عليه ، وكانت السنة ~~يوما وليلة ، ويسمى الدور دحويا ؛ وذلك إنما يكون في عرض تسعين درجة ، ~~وغاية ارتفاع الشمس ms269 هناك بقدر الميل الكلي ، ولا طلوع ، ولا غروب ، إلا ~~بالحركة الخاصة ، وإن مال قطباها عنه شمالا وجنوبا نصفته وحده ، وارتفع أحد ~~قطبيه وانحط الآخر بقدر الميل ، ويسمى الدور حمايليا ، وماست من المدارات ~~اثنين ، فوقانيا ، وتحتانيا ، بعدهما عن القطبين كبعدهما عنها منحطا نصفها ~~عن المتوسطة بين الفوقاني وقطبه ، فتكون أبدية الظهور ، ومرتفعا عن نظائرها ~~، فتكون أبدية الخفاء ، قاطعة للبواقي بمختلفين يختلف بهما الليل والنهار ، ~~إلا نادرا ، فإن نقص عرضهم عن الميل الكلي سامتتهم الشمس في السنة مرتين ~~عند نقطتين ، ميلهما عن المعدل كعرضهم ، فيعدم ظلهم حينئذ. # وفصول الأقربين منهم إلى خط الاستواء ثمانية أيضا ، وغيرهم أربعة ، وإن ~~ساواه سامتتهم مرة في الانقلاب الصيفي ، ويكون أحد قطبي البروج أبدي PageV02P055 # الظهور ، والآخر أبدي الخفاء ، ويماسان الأفق في الدورة مرة ، وإن زاد ~~عليه ونقص عن تمامه كان أعلى ارتفاعات الشمس بقدره وتمام عرض البلد وأسفلها ~~بقدر نقصانه عنه ، وظلهم شماليا أبدا ، وإن ساوى تمامه كان غاية ارتفاع ~~الشمس بقدر ضعفه ، وسامت قطب البروج رؤوسهم في الدورة مرة ، فتنطبق منطقة ~~البروج على أفقهم ، ثم يرتفع نصفها عنه دفعة بميله عنه ، وينحط الآخر كذلك ~~، ثم يطلع الغارب ويغرب الطالع تدريجا ، ويتزايد النهار إلى أن يساوي ~~الدورة ، والليل كذلك ، وبهذا تنتهي العمارة ، وإن زاد عليه ولم يبلغ تسعين ~~فيميل قطب البروج إلى جنوب سمت الرأس بقدر تلك الزيادة ، ولا يغرب من منطقة ~~البروج ما يزيد ميله الشمالي على تمام العرض ، ولا يطلع ما يزيد ميله ~~الجنوبي عليه ، فتنقسم منطقة البروج أربعة أقسام ، فما منتصفه منقلب القطب ~~الظاهري أبدي الظهور ، وما منتصفه منقلب القطب الخفي أبدي الخفاء ، وما ~~منتصفه الاعتدال الربيعي يطلع منكوسا ، ويغرب مستويا ، وما منتصفه الاعتدال ~~الخريفي بالعكس. ### ||| * فصل # أنظر إلى عناية الله سبحانه ، وجوده ، ورحمته ، في كيفية خلق السماوات ~~والأرض ، وحركاتها ، وأوضاعها ، حيث جعلها كما ترى وكما ينبغي ، فإنه لو ~~كانت كلها نيرات لأفسدت بإحراقها مواد الكائنات ، ولم تكن محل سكنى ~~الحيوانات ، كما أشار إليه بقوله سبحانه : ( @QUR@020 قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا ms270 إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا PageV02P056 # @QUR@01 تبصرون ) (1). # ولو كانت بالكلية عرية عن النور لبقي ما دون الفلك في وحشة شديدة ، وليل ~~مظلم، لا أوحش منه ، كما نبه عليه بقوله عز وجل : ( @QUR@019 قل أرأيتم إن ~~جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء ~~أفلا تسمعون ) (2)، قال : ( @QUR@013 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) (3). # ولو ثبتت أنوار السماوات ، أو لازمت دائرة واحدة ، لأثرت بإفراط فيما ~~قابلها ، وتفريط فيما وراء ذلك ، ولو لم يكن لها حركة سريعة لفعلت ما يفعله ~~السكون واللزوم ، ولو لم يجعل الأنوار الكوكبية ذات حركتين : سريعة مشتركة ~~، وبطيئة مختصة ، ولم يجعل دوائر الحركات البطيئة مائلة عن دائرة الحركة ~~السريعة ، لما مالت إلى النواحي شمالا وجنوبا. # ولو لا أن حركة الشمس على هذا المنوال من تخالف سمتها لسمت الحركة ~~السريعة لما حصلت الفصول الأربعة التي بها يتم الكون والفساد ، وتنصلح ~~أمزجة البقاع والبلاد. # ولما كان القمر نائبا عن الشمس ، خليفة لها في التسخين والتحليل ؛ إذ كان ~~قوي النور ، جعل مجراه يخالف مجراها ، فالشمس تكون في الشتاء جنوبية ، ~~والقمر شماليا ؛ لئلا ينفقد السببان ، وفي الصيف بعكس ذلك ؛ لئلا يجتمع ~~المسخنان. PageV02P057 # ولما كانت الشمس شمالية الحركة صيفا ، جنوبيتها شتاء جعل أوجها في الشمال ~~، وحضيضها في الجنوب ، لينجبر قرب الميل ببعد المسافة ؛ لئلا تشتد الإضاءة ~~والتنوير ، وينكسر بعده بقربها ؛ لئلا تضعف القوة المسخنة عن التأثير. # فسبحان الله رب السماوات السبع ، ورب الأرضين السبع ، وما فيهن ، وما ~~بينهن ، ورب العرش العظيم ، خلق السماوات موطدات بلا عمد ، وقائمات بلا سند ~~، دعاهن فأجبن طائعات ، مذعنات ، غير متلكئات ، ولا مبطئات. # ولو لا إقرارهن له بالربوبية وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه ، ~~ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه ، فجعل ~~نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار ، لم تمنع ضوء ~~نورها إدلهمام سجف الليل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ~~ما شاع ms271 في السماوات من تلألأ نور القمر ، فسبحانه سبحانه ، ما أعظم شأنه ، ~~وأبهر برهانه. ### ||| * فصل # روى في الكافي ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، قال : قال أمير المؤمنين ~~عليه السلام : «إن للشمس ثلاثمائة وستين برجا ، كل برج منها مثل جزيرة من ~~جزائر العرب ، فتنزل كل يوم على برج منها ، فإذا غابت انتهت إلى حد بطنان ~~العرش ، فلم تزل ساجدة إلى الغد ثم ترد إلى موضع مطلعها ومعها ملكان يهتفان ~~معها ، وإن وجهها لأهل السماء ، وقفاها لأهل الأرض ، ولو كان وجهها لأهل ~~الأرض لاحترقت الأرض ومن عليها من شدة حرها ، ومعنى سجودها ما قال تعالى : ~~( @QUR@012 أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر PageV02P058 # @QUR@07 والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) (1)» (2). # أقول : وسنذكر في هذا الكتاب تفصيل معنى السجود لجميع الموجودات مشروحا ~~إن شاء الله. PageV02P059 ### | في مقادير الأجرام والأبعاد ### ||| * ( @QUR@07 لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ### ||| * @QUR@05 ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (1) ### ||| ** تمهيد : # لاستعلام مقادير الأجرام والأبعاد ، بالفراسخ والذرعان ، طرق ومسالك ، ~~وقد تصدى له جماعة من المتقدمين ، وطائفة من المتأخرين ، فحصلوها وضبطوها ~~بالقوانين المضبوطة الحسابية ، والبراهين القاطعة الهندسية ، مع دقة نظرهم ~~، وفرط إمعانهم ، وعلو منزلتهم ، ومع ذلك لم يهتدوا إلا إلى أمور تقريبية ، ~~وأحكام تخمينية ، يلوح منها على الإجمال جلال مبدعها ، وفاطرها ؛ وذلك ~~لرفعة شأن الأجرام العظام السماوية ، وعلو مكانها ، وعجز نوع البشر ، وضعف ~~بنيتهم بالإضافة إليها ، ومن رام أمثال هذه الأمور على ما عليه الحقيقة ، ~~فقد طمع في غير مطمع ، وتكلف ما لا يعنيه ، وهل هو في ذلك إلا ( @QUR@09 ~~كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ) (2)، بل المرجع في الكل ~~إلى الاعتراف بالعجز والقصور ، وكلمة علمها إلى مبدعها الخبير. PageV02P060 # ونحن نشير إلى طرف من تلك الطرق إشارة إجمالية على وجه كلي ، لكي تعرف ~~جملة كيفية السبيل الممكن إلى ذلك ، ثم نذكر ما وجدوه وحصلوه في كل فرد فرد ~~على سبيل الحكاية ، من دون حسابات جزئية ، لخصوص الأفراد ؛ لئلا نخرج عن ~~الغرض من وضع الكتاب ، وسياقته ، فإن كمال النفس ms272 في معرفة الأصول والكليات ~~، دون تفريع الجزئيات ، وهكذا دأبنا ، وعليه عملنا في هذه السياقة ، ولله الحمد. ### ||| * وصل # إذا سار سائر على خط نصف النهار على أرض مستوية ، لازما في مسيره للخط ~~بأن ينصب علائم يكون النظر من كل إلى ثانيها ، بحيث تستر ثالثها بقدر ما ~~يزيد جزء واحد في عرض البلد ، أو ينقص ، فالقدر الذي قطعه يكون حصة درجة ~~واحدة من الدائرة العظيمة التي تقع على الأرض ؛ وذلك لموازاة الدوائر ~~العظام الأرضية للعظام الفلكية ، فإذا قدر ذلك بالفراسخ وضرب عددها في ~~ثلاثمائة وستين حصل مقدار محيط الدائرة العظمى من الأرض. # وقد تبين في مساحة الدوائر والأكوان محيط كل دائرة ثلاثة أمثال قطرها ، ~~وسبع قطرها ، بالتقريب ، فإذا قسمت فراسخ المحيط على ثلاثة وسبع حصل مقدار ~~قطرها ، فنصفه نصف القطر ، وهو المقدار الذي تقدر به الأبعاد ، كما أن جرم ~~الأرض يقدر به الأجرام. # وقد تبين أن السطح الذي يحيط به قطر الكرة في محيط أعظم دائرة تقع فيها ~~مساو للسطح المحيط بالكرة ، فعلى ذلك التقدير إذا ضرب القطر في محيط ~~الدائرة العظمى حصل تكسير كرة الأرض ، ومن طريق آخر يؤخذ ذلك من PageV02P061 # كسوف الشمس ، فينظر كم ما بين مدينة ومدينة من الفراسخ ، وكم بينهما من ~~ساعة ، فتقسم الفراسخ على أجزاء الساعة ، فيعرف به المحيط ، وبالمحيط القطر ~~، والتكسير على القياس المذكور. ### ||| * فصل # إذا أخذ مقدار ارتفاع كوكب ، له اختلاف منظر ، كالقمر ، بأن فرضت عظيمة ~~تمر بمركزه وقطبي الأفق ، واستعلم مقدار القوس التي منها بين الأفق والكوكب ~~بأجزاء تلك الدائرة بآلات وضعت لذلك ، كالاسطرلاب وغيره ، وهو ارتفاعه ~~المرئي ، ثم استعلم ارتفاعه الحقيقي لذلك الوقت في تلك البقعة بتلك الأجزاء ~~، بالحساب ، وأخذ التفاوت ، حصل لا محالة مثلث إحدى زواياه اختلاف المنظر ، ~~وهي التي عندها موضع القمر ، والثانية تمام الارتفاع الحقيقي ، وهي التي ~~عندها مركز الأرض ، والثالثة هي التي عندها موضع الناظر. # والأوليان معلومتان ؛ لمعلومية وتريهما ، فإذا فرض الضلع الذي هو نصف قطر ~~الأرض واحدا صارت زاويتان ، وضلع معلومة ، وأمكن حينئذ معرفة الزاوية ~~الباقية ، ومقدار الضلعين ms273 الباقيين ، أي الخارجين من مركز العالم ، وموضع ~~الناظر إلى مركز الكوكب ؛ لما ثبت في الهندسة أنه إذا كانت مقادير زاويتين ~~وضلع من مثلث مستقيم الأضلاع معلومة ، كانت مقادير أضلاعه الباقية وزواياه ~~معلومة. # وبيانه هاهنا : أن زوايا كل مثلث تساوي قائمتين ، ومقدار القائمتين على ~~المركز نصف المحيط ؛ لأن مجموعه موزع على أربع قوائم ، فإذا جمع قوسا ~~الزاويتين المعلومتين كان الباقي إلى نصف الدور مقدار الزاوية الباقية ، ونسب PageV02P062 # أضلاع المثلث بعضها إلى بعض كنسب جيوب الزوايا التي موترها تلك الأضلاع ~~على التناظر ، أي جيوب قسيها ، فهذه أربعة متناسبة ، جهل منها واحد ، فيمكن ~~استعلامه على القاعدة ، التي بها يستخرج ذلك. # وبعد الكواكب عن مركز العالم بأجزاء دائرة مائلة ، التي يدور عليها ستون ~~جزء ؛ إذ هو نصف قطر تلك الدائرة المقسومة بثلاثمائة وستين. # وإذا عرف مقدار واحد بتقديرين أمكن أن يحول كل ما يقدر بواحد من ذينك ~~التقديرين إلى التقدير الآخر ؛ لكون الجميع على نسبتهما ، فبهذا يعرف بعد ~~القمر عن الأرض. ### ||| * فصل # إذا رصد خسوفان جزئيان للقمر مختلفان في القدر ؛ لاختلاف العرض ، ويكون ~~ازدياد الانخساف لا محالة بحسب انتقاص العرض ، فإذا أخذ الفضل بين العرضين ~~بالحساب ، عرف مقدار التفاوت بين القدرين ، والقدران معلومان بالإضافة إلى ~~تمام الجرم ، بإحدى النسب الكسرية ، فبذلك يعرف قدر بقية الجرم. # وبمثل هذا يعرف قطر دائرة الظل ، مع وجدان حفظ النسبة في الخسوفات ~~المتعددة في الأبعاد المختلفة ؛ وذلك لأن دائرة الظل تابعة لصفحة القمر في ~~القرب والبعد ، فيعرض لكل منهما بحسب اختلاف الأبعاد ، مثل ما يعرض للآخر ~~من الصغر والكبر ، فتبقى تلك النسبة بحالها ، وبمعرفة بعد القمر الأبعد ، ~~وقطره قطر دائرة الظل ، يتوصل إلى معرفة مقدار بعد الشمس الأوسط ، وبعد رأس PageV02P063 # مخروط ظل الأرض عن مركز العالم ، ومقدار قطر القمر بما به نصف قطر الأرض واحد. # وبعضهم لما وجد بآلة الرصد قطر الشمس في أكثر الأحوال مساويا في النظر ~~لقطر القمر في البعد الأبعد ، حكم بأن قطرها في بعدها الأوسط مساو بحسب ~~الحس لقطره في البعد الأبعد ، فلم يثبت لجرمها ms274 في أبعادها تفاوتا يعتد به. # وآخرون لما وجدوا كسوفات بقي فيها من الشمس حلقة نورانية ، وكسوفات تامة ~~، ماكثة زمانا صالحا ، أثبتوا لجرمها التفاوت الحسي ، بحسب أبعادها. ### ||| * فصل # ثبت في علم المناظر أن كل جرمين متساويين في الرؤية ، ومختلفين في البعد ~~، يكون نسبة أقربهما إلى أبعدهما في مقدار قطر الجرم ، كنسبة بعد الأقرب ~~إلى بعد الأبعد ، ولذلك تكون نسبة نصف قطر القمر إلى نصف قطر الشمس كنسبة ~~بعد القمر عن الأرض إلى بعد الشمس عنها ، فيكون نصف قطر الشمس أيضا معلوما ~~، على أن نصف قطر الأرض واحد. # وقد تبين في الهندسة أن نسبة الكرة إلى الكرة تكون كنسبة مكعب القطر إلى ~~مكعب القطر ، فإذا ضربت هذه المقادير في أنفسها مرتين فتصير مكعبة ، علم ~~نسبة جرم الشمس إلى جرم الأرض. PageV02P064 ### ||| * وصل # ويعرف من بعد الشمس الأوسط بعداها الآخران ، فإن تباعدها عنه فيهما بقدر ~~ما بين مركزيها ، ولما لم يكن بين أفلاك الكواكب خلاء ، ولا جرم معلوم ، ~~غير أفلاكها ، جعل البعد الأبعد لكل كوكب البعد الأقرب للكوكب الذي فوقه ، ~~لتكون الأبعاد المأخوذة هي التي لا يمكن أن تكون أقل منها ، فيكون البعد ~~الأقرب للشمس البعد الأبعد للزهرة ، وبتفاوت ما بين مركزيه يعرف بعداه ~~الآخران. # وعلى هذا القياس أبعاد عطارد ، مع أن بعده الأقرب بهذا الحساب موافق لبعد ~~القمر الأبعد بالحساب الأول ، ولما وجد بين فلكي النيرين بعد ، حكم بأن ~~فلكي السفليين بينهما؛ إذ لا وجه لتعطيل البعد بين الأفلاك. # وبمثل هذا من أخذ تفاوت ما بين المركزين بالحساب تعرف أبعاد الكواكب الأخر. # وأما أجرامها فتؤخذ أقطارها الحسية في أبعادها الأواسط بالرصد ، وتنسب ~~إلى قطر الشمس في بعدها الأوسط ، ونسبة البعد إلى البعد كنسبة القطر إلى ~~القطر ، على القياس السابق ، وبتكعيب القطر يعرف مقدار الجرم ، كما مر ، ~~ولم يلتفتوا في معرفة الأبعاد إلى أنصاف أقطار الكواكب ، ولا إلى ما ليس له ~~قدر معلوم عندنا ، كثخن جوزهر القمر ، إلى غير ذلك من المساهلات ؛ لخروج ~~معرفة ذلك عن وسعهم ، وكون التدقيق في مثله تطويلا من غير ms275 طائل ؛ ولهذا صار ~~أكثر هذه الأحكام تقريبية. PageV02P065 # ولنتكلم الآن في تفاصيل المقادير ، على ما وجدوه بالفراسخ ، على أن كل ~~فرسخ ثلاثة أميال ، كل ميل أربعة آلاف ذراع ، كل ذراع أربعة وعشرون إصبعا ، ~~كل إصبع مقدار ست شعيرات ، كل شعيرة قدر ست شعرات من عرف الفرس ، فاسمع. ### ||| * فصل # نصف قطر الأرض ألف ومائتان وثلاثة وسبعون فرسخا ، بالتقريب ، وقس عليه ~~دورها ، وتكسيرها ، والمعمور منها. # ونصف قطر عالم الكون والفساد أعني من مركز الأرض إلى مقعر فلك القمر ~~إثنان وأربعون ألفا وسبعمائة وتسعة فراسخ. # ونصف قطر تدوير القمر بخمسة أمثال نصف قطر الأرض ، وسدس مثله. # وأبعد بعد القمر عن مركز العالم ، وهو عند كونه في الذروة والتدوير في ~~الأوج ، أربعة وستون مثلا لنصف قطر الأرض ، وسدس مثله ، وأقرب بعده ، وهو ~~كونه في حضيض التدوير ، والتدوير في الحضيض ، ثلاثة وثلاثون مثلا ونصف مثل ~~تقريبا ، ولوسط بعده الكائن بين هذين هو نصف مجموعهما والأرض تسعة وثلاثون ~~مثلا وربع مثل القمر. # ونصف قطر تدوير عطارد اثنان وعشرون جزء ونصف جزء ، على أن يكون نصف قطر ~~الحامل ستين جزء ، وبعده الأبعد مائة وأربعة وسبعون مثلا لنصف قطر الأرض ، ~~وهو البعد الأقرب للزهرة ، كما أن البعد الأبعد للقمر هو البعد الأقرب ~~لعطارد ، وبعد عطارد الأوسط الكائن بين بعديه هو نصف مجموعهما ، PageV02P066 # وأبعد بعد الزهرة ألف ومائة وستون مثلا له ، وهو البعد الأقرب للشمس ، ~~وبعدها الأبعد ألف ومائتان وستون مثلا له بالتقريب. والأوسط يعرف بالقياس. # وبعد رأس مخروط الظل مائتان وثمانية وستون مثلا له. # وجرم الأرض مثل جرم عطارد اثنين وعشرين ألف مرة ، ومثل جرم الزهرة ستة ~~وثلاثين مرة بالتقريب ، وجرم الشمس مساو لمائة وستة وستين مثلا ، وربع وثمن ~~مثل جرم الأرض ، ونصف قطر التدوير للزهرة ثلاثة وأربعون جزء وسدس جزء ، ~~وللمريخ تسعة وثلاثون جزء ونصف جزء ، وللمشتري أحد عشر جزء ونصف جزء ، ~~ولزحل ستة أجزاء ونصف جزء. كل ذلك بحسب ما يكون نصف قطر الحامل ستين جزء. # وبعد المريخ الأبعد ثمانية آلاف وثمانية وعشرون مثلا لنصف قطر الأرض ms276 ، ~~وبعده الأقرب هو الأبعد للشمس ، والأوسط نصف مجموعهما ، وجرم المريخ مثل ~~جرم الأرض مرة ونصف مرة تقريبا. # وثخن فلك المريخ سبعة آلاف وخمسائة وستون مثلا لنصف قطر الأرض. # وقطر كرة الشمس ألفان وخمسمائة وعشرون مثلا له ، فثخن فلك المريخ ثلاثة ~~أمثال غلظ فلك الشمس ، مع ما فيه من الأفلاك والعناصر. # ومما يستغرب في هذا المقام كون المريخ في مقابلته للشمس على بعد ستة بروج ~~أقرب إليها منه في الاحتراق مجتمعا معها في دقيقة واحدة ؛ وذلك لعظم تدويره ~~، وغلظ فلكه. # والبعد الأبعد للمشتري أربعة عشر ألفا ومائتان وتسعة وخمسون مثلا لنصف ~~قطر الأرض ، وبعده الأقرب هو الأبعد للمريخ ، والأوسط بالقياس ، وجرم PageV02P067 # المشتري مثل جرم الأرض اثنين وثمانين مرة وربع بالتقريب. # وبعد الأبعد لزحل تسعة عشر ألفا وتسعمائة وثلاثة وستون مثلا لنصف قطر ~~الأر ، وبعده الأقرب هو الأبعد للمشتري ، والأوسط بالقياس ، وجرم زحل مثل ~~الأرض سبعا وسبعين مرة بالتقريب. # وأكبر الثوابت ثمانية وتسعون مثلا وسدس مثل الأرض ، وأصغرها عشرة أمثالها ~~وثلث مثلها ، فأعظم هذه الأجرام الشمس ، ثم كواكب القدر الأول من الثوابت ، ~~ثم المشتري ، ثم زحل ، ثم باقي الكواكب الثابتة ، ثم المريخ ، ثم الأرض ، ~~ثم الزهرة ، ثم القمر ، ثم عطارد. # ومنتهى الأبعاد المعلومة المقادير وهو بعد الثوابت عن مركز الأرض خمسة ~~وعشرون ألف ألف ، وأربعمائة واثنا عشر ألف ، وثمانمائة وتسعة وتسعون فرسخا. # وأما بعد محدب الفلك الأعظم فلا يعلم إلا الله سبحانه ، فسبحان بديع ~~السماوات والأرض ، ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر عظيمه في جنب قدرتك ، ~~وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك ، وما ~~أسبغ نعمك في الدنيا ، وما أصغرها في نعم الآخرة. PageV02P068 ### | في لمية حركات الأفلاك ### ||| * ( @QUR@08 كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ### ||| * @QUR@04 لعلكم بلقاء ربكم توقنون ) (1) ### ||| * فصل # قد دريت أن للأفلاك نفوسا ناطقة ، ذوات إدراكات كلية ، وأن لها في ~~حركاتها مرادا عقليا ، لا حسيا ، فالآن نفتش عن ذلك ، أهو أمر حاصل ممكن ، ~~أو غير ممكن؟ # فنقول : لا جائز أن تكون ms277 أغراضها بالحركة أمرا حاصلا ، وإلا فما طلبته ؛ ~~لاستحالة تحصيل الحاصل ، ولا أمرا جزئيا دفعيا ، وإلا فوقفت إن نالت ، أو ~~يئست ، إن كان مما لا ينال ، ولا أمرا مظنونا ، كطلب مدح ، أو ثناء ، أو ~~صيت ؛ لأن المظنون غير دائم ، ولوجوب حركاتها بإيجاب محركها ، واستيجابها ~~لغاياتها ، ولا اهتماما بالعالم السفلي من الأجسام العنصرية لإيصال نفع ~~إليها ، أو شفيقة عليها ، وإن حصل ذلك على سبيل التبعية رشحا للخيرات ؛ لما ~~دريت أن المقصود يجب أن يكون أشرف من القاصد ، ولا يكون لقاصد غرض صحيح في ~~ما دونه ، وما هو أخس منه إلا على وجه الغلط والخطأ ، والأجسام العنصرية حقيرة PageV02P069 # بالنسبة إلى الأفلاك ؛ لأنها كائنة فاسدة ، مستحيلة. # ودريت أن جملة الأرض بما فيها جزء يسير من جرم الشمس التي لا نسبة لجرمها ~~إلى فلكها ، فكيف إلى الفلك الأقصى ، وكل ما على الأرض ما دام على الأرض ~~فهو خسيس ناقص. # أولا ترى أن الإنسان الذي هو أشرف ما في الأرض أكثره ناقص النفس ، فضلا ~~عن البدن ، وكامل النفس لا ينال قط تمام الكمال ، ولو نال فإنما يناله من ~~حيث اتصال نفسه بالعالم الأعلى ، والموضع الشامخ العقلي ، والجواهر ~~السماوية ، قد علمت أنها كاملة تامة ، إلا ما رجع إلى أخس أعراضها ، وهو ~~الوضع ، فلا يقصد الأشرف الأخس لأجل الأخس في نفسه ، على أن حصول الأوضاع ~~أيضا ليس من كمالات أنفسها ، بل أجرامها ، وهي كتوابع ورشحات حاصلة من ~~غايات نفسانية ، من باب الكمالات اللائقة بها ؛ وذلك لأن الحركة دائما إنما ~~تكون لأجل شيء آخر وسيلة إليه ، ولا تكون هي بما هي حركة منظورا إليها ~~بالقصد الأول ، وهذا ظاهر ، ولا ريب لأحد في أن العاقل لا يتردد في بيته ~~لمجرد إخراج الأوضاع من القوة إلى الفعل. # ثم ما من ناقص إلا وفوقه مراتب من الكمال ، وبينه وبين المطلوب الكامل من ~~كل الوجوه درجات جوهرية لا تعد ولا تحصى ، فإذا كان له جوهر إدراكي متصور ~~لما فوقه كيف أقصر نظره وحصر مطلوبه في اكتساب أخس الأمور وأدونها؟ # فليس غرضها إذن إلا ms278 تحصيل ما هو فوقها من المراتب العقلية ، سيما وقد ~~تبين أن كل سافل فله عشق إلى العالي ، وفي جبلته شوق إلى تحصيل ما هو أعلى ~~وأشرف منه. PageV02P070 # فكمال النفس إنما يتحقق بصيرورتها جوهرا عقليا بالفعل ، أو أعلى منه ، ~~فيجب أن تكون تصوراتها تصور أمر شريف من باب الجواهر العقلية ، أو ما هو ~~أعلى منها ، وصورة الجوهر جوهر أيضا. # فالحاصل لنفوس السماوات في كل حين أمر صوري جوهري ، إما إفاضات متتالية ~~متواردة عليها ، مما هو فوقها ، أو تجليات وانكشافات لها منه ، بها تقع ~~رجوعات واتصالات لهذه النفوس بما فوقها. # وبالجملة : يجب أن يكون ذلك المطلوب مما يمكن أن ينال شيء منه في كل حين ~~، نيلا تدريجيا ، حتى تدوم الحركة الموصلة إلى المطلوب التدريجي ، نيلا ~~تدريجيا ، فيكون تصور الجمال سبب العشق ، والعشق سبب الطلب ، أي الإرادة ، ~~والطلب سبب الحركة ، والحركة سبب حصول المطلوب. # ويجب أن يكون أمرا صوريا جوهريا ؛ إذ العرض مطلقا لا يكون كمالا لجوهر ~~موجود بالفعل ؛ إذ كمال الشيء وتمامه أشرف وجودا ، وأوكد حقيقة منه ، وكل ~~عرض وجوده أضعف وأخس من كل جوهر. # فالعقول التي هي فواعل الجواهر السماوية ومبادئها ، ينبغي أن تكون هي ~~المعشوقات ، وغاية الحركات لنفوس السماوات ؛ لأن التفات كل شيء في استكماله ~~وطلبه الخير إلى ما هو علته ومفيض وجوده ، فيكون التفات كل واحدة من النفوس ~~السماوية إلى حقيقتها العقلية التي هي علتها ، ورب نوعها ؛ إذ يستحيل أن ~~يكون معشوق الكل في حركتها واحدا ، كما أن العلة القريبة للكل ليست واحدة ~~من جميع الجهات ، وإن كان مبدع الجميع ومعشوق الكل ذاتا أحدية حقه بسبب ~~كثرة الجهات العقلية والنفسية التي هي بالحقيقة الحجب النورية ، التي لو ~~كشفت لأحرقت شدة ضياء سبحات وجهه ، وقوة نور جلاله ، كل PageV02P071 # ما انتهى إليه بصره. # فالمطلوب في الجميع على الوجه الأشمل الأعم ذات واحدة إلهية ، ولهذا ~~اشتركت في مطلق الحركة الدورية ، والطلب المطلق الكمالي هو الذي أدار رحاها ~~( @QUR@04 بسم الله مجراها ومرساها ) (1). # ولكل واحدة معشوق عقلي متوسط يخصها ، ومحرك نفسي مباشر يحركها ، ولهذا ms279 ~~اختلفت الحركات والجهات ، فتكثرت العقول حسب تكثر الأجرام الحسية ، وتحرك ~~الكرات ، فتكون النفوس هي الملائكة العملية المحركة بطريق المزاولة والفعل ~~، كتحريك الروح للبدن. # وتلك العقول هي الملائكة العملية المحركة بطريق العشق والشوق ، كتحريك ~~المعلم للمتعلم من غير التفات وتغير ؛ لبراءتها عن علائق المواد ، ومباشرة ~~الأجسام ، وقربها في الصفات من رب الأرباب ، جل جلاله ، فللأفلاك في كل شوق ~~وحركة كمال وجوهر آخر ، ولها بحسب كل كمال جوهري حدث شوق آخر ، وحركة أخرى ~~، فيكون لها في كل آن من الآنات وصول إلى المفارق المحض ، ورجوع إلى العالم ~~الأعلى ، وكذلك يفيض من ذلك العالم المفارق في كل آن على موادها صورة ~~جوهرية أخرى. # فهكذا تتالي الإشراقات ، وتوالي الاتصالات ، وتنازل الإفاضات ، وتصاعد ~~الكلمات الطيبات ، لا يزال على الاتصال ، ففي كل آن لها بعث وخلق جديد ، ~~ولها في جميع الدهر حدوث واحد من الله ، وحشر واحد إليه ، وحدة جمعية ، كما ~~قال سبحانه : ( @QUR@07 ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) (2)، وقال : PageV02P072 # ( @QUR@04 وإليه يرجع الأمر كله ) (1). # هكذا حقق هذا البحث أستاذنا أدام الله بركاته (2) وتمام الكلام فيه يأتي ~~في مباحث حدوث العالم ، إن شاء الله. # ولنتكلم الآن في كيفية صدور جزئيات الحركات لتحصيل الكمالات على ما ~~استفدناه منه سلمه الله فاستمع : ### ||| * فصل # لما ثبت أن النفوس الفلكية تشتاق إلى كمالات المبادىء العقلية ، وتلك ~~الكمالات ممكنة الحصول لها ؛ لكونها ناطقة ، ذوات إدراكات كلية ، وقد تبين ~~أن صور الكائنات على ترتيبها الذي هي عليه ثابتة في المبادىء العقلية ، ~~وأنها محيطة بكل الموجودات على وجه كلي، منزه عن الزمان. # فإذا اشتاقت النفوس إلى كمالاتها سرت علاقتها الشوقية بتوسط التصورات ~~الجزئية إلى نفوسها الحيوانية التي هي بمنزلة الخيال فينا ، فانبعث شوق ~~وهمي تابع لإدراك خيالي ، فحرك جرمها ، فحدث وضع تستعد به النفس لاستفاضة ~~كمال ما من الكمالات العقلية ، فإذا أفاض عليها كمال ، وأشرقت عليها هيئة ~~نورية ، حاكت متخيلتها بصورة جزئية ، فانبعث شوق آخر جزئي ، فتحرك حركة ~~أخرى إلى ما لا يتناهى. # وكلما تشخصت الصورة الكلية الفائضة على النفس الناطقة في متخيلة ms280 PageV02P073 # نفسها الحيوانية أدركتها ، فإذا أدركتها أدركت لا محالة ما يلزمها من ~~الحوادث أيضا ، وشأن النفس أن يكون توجهها إلى بعض العلويات ، واستحضارها ~~إياها ، واشتغالها بها ، يوجب ذهولها عن البعض الآخر ، فكل صورة لاحقة ~~تذهلها عن الصورة السابقة ، وما يلزمها ، فلا يلزم أن تكون صور الكائنات ~~الغير المتناهية حاصلة في النفوس السماوية دفعة. ### ||| * فصل # الحق أن نسب مقادير حركات الأفلاك بعضها إلى بعض باعتبار أزمنة عوداتها ~~نسب عددية ، كما يؤيده الرصد ، لا صمية ، كما ظن. # وعلى هذا فتتكرر الأوضاع بعد مرور مبلغ من الآلاف الكثيرة ، كما أشير ~~إليه بقوله سبحانه : ( @QUR@03 والسماء ذات الرجع ) (1)، فيكون بعد كل ~~دورة من الأدوار كأنه قيامة عظمى ، وهي بعد انقضاء يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة ، وذلك بعد سبع قيامات وسطوية ، كل منها في انقضاء سبعة آلاف سنة ، ~~مدة أدوار الكواكب السبعة بالاختصاص والاشتراك ، فإن نفوس الأفلاك خزائن ~~الله الجسمانية ، وعقولها خزائنه الروحانية التي لا تنفد ، ولا تبيد ، أزلا ~~وأبدا ، وهي واصلة إلى الأرض على التدريج ، شيئا فشيئا ، يعني أنها إنما ~~تصل إلى العالم العنصري بواسطة التغيرات الفلكية ، وتبدل أوضاعها ~~واستحالاتها على ما سيأتي بيانه عن قريب. ولما استحال الجمع بين الأحوال ~~المتجددة والتشكلات المتفاوتة ، قال PageV02P074 # الله تعالى : ( @QUR@08 يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (1) ~~، وقال : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ~~) (2). # ولا يلزم تكرر الحوادث في العالم بتكرر الصور الجزئية عند تكرر الأوضاع ~~المعينة على هذا التقدير ، كما توهمه من ظن صمية تلك النسب ؛ هربا من ذلك ، ~~وأخذا بما هو أدل على القدرة ؛ وذلك لأن كل وضع يقارنه من الأوضاع السفلية ~~والعلوية ، واستعدادات المواد ، والصور السابقة ، والأحوال اللاحقة ما ليس ~~قبله ذلك ، واعتبر بإلقاء حبات متساوية في الماء متعاقبة حيث لم يلزم حركة ~~الماء وتشكيله في النوبة الثانية كحركته وتشكيله في النوبة الأولى ، مع ~~تساوي الأسباب ؛ لامتزاج أثر السابق باللاحق ، فإذن يجوز أن تقبل القوة ~~المتخيلة الفلكية بسبب ذلك الوضع المماثل للوضع السابق صورة جزئية غير ~~الصورة الأولى الحاصلة ms281 في ذلك الوضع ، فافهم. ### ||| * فصل # ومما يشير إلى تجدد السماويات وترقياتها في أطوارها وأدوارها لحظة فلحظة ~~إلى أن تفنى في ذات الله سبحانه ، وتقوم قيامتها ، ويلوح إلى أن حقائقها ~~عند الله غير التي نراها بأبصارنا. # منها على سبيل الرمز : ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي ~~رحمه الله ، في كتاب التوحيد ، بإسناده عن أبي ذر الغفاري رضى الله عنه ، ~~قال : «كنت PageV02P075 # آخذا بيد النبي صلى الله عليه وآله ونحن نتماشى جميعا ، فما زلنا ننظر إلى ~~الشمس حتى غابت ، فقلت : يا رسول الله ، أين تغيب؟ قال : في السماء ، ثم ~~ترفع من سماء إلى سماء ، حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا ، حتى تكون ~~تحت العرش ، فتخر ساجدة ، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها ، ثم تقول : يا ~~رب من أين تأمرني أن أطلع؟ أمن مغربي ، أم من مطلعي؟ فذلك قوله تعالى : ( ~~@QUR@08 والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) (1)، يعني بذلك ~~صنع الرب العزيز في ملكه [العليم] (2) بخلقه ، قال : فيأتيها جبرئيل بحلة ~~ضوء من نور العرش على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف ، أو قصره في ~~الشتاء ، أو ما بين ذلك في الخريف والربيع ، قال : فتلبس تلك الحلة كما ~~يلبس أحدكم ثيابه ، ثم ينطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطلعها. # قال النبي صلى الله عليه وآله : فكأني بها قد حبست مقدار ثلاث ليال ، ثم لا ~~تكسى ضوء ، وتؤمر أن تطلع من مغربها ، فذلك قوله عز وجل : ( @QUR@06 إذا ~~الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت ) (3)، والقمر كذلك من مطلعه ومجراه في أفق ~~السماء ، ومغربه ، وارتفاعه إلى السماء السابعة ، ويسجد تحت العرش ، ثم ~~يأتيه جبرئيل بالحلة من نور الكرسي ، فذلك قوله عز وجل : ( @QUR@05 جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا ) (4)» (5). PageV02P076 ### | في خلق المركبات ### ||| * ( @QUR@010 وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك ### ||| * @QUR@03 لآية لقوم يذكرون ) (1) ### ||| * فصل # إن الله سبحانه سخر السماوات والنجوم ونفوسها الناطقة المدبرة لها ، ~~والملائكة الموكلين بها بأمره ، فجعلها في حركاتها المتفننة ، وأوضاعها ~~المختلفة ، وعباداتها المتنوعة ، ذوات أفعال وتأثيرات في الأرضين ms282 ، ~~والأجرام السفلية ، تأثيرا على سبيل الرشح ، كما أشرنا إليه ، وجعل تلك ~~الأجرام السفلية ذوات تأثر وانفعال منها تشبه تأثر النسوان من الذكران من ~~وجه ، لا بمعنى أن السماويات توجد شيئا من الأرضيات ، أو تفيض عليها صورة ، ~~هيهات ما للجسم المظلم الميت وللجسماني المفتقر إليه والإنارة ، والإحياء ، ~~والخلق ، والإبداء ( @QUR@09 ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ~~) (2)، بل بمعنى أنها تعد القوابل الأرضية والمواد السفلية لفيضان الصور ، ~~والأعراض عليها ، من واهبها الذي هو الله سبحانه بتوسط ملائكتة العقلية ، ~~فإن الله سبحانه جعل لكل شيء من خلقه PageV02P077 # سببا ، ولسببه سببا ، إلى أن ينتهي إليه تعالى ، وهو مسبب الأسباب كلها ، ~~جملتها وتفصيلها ، فالأسباب مترتبة متوجهة نحو المسببات بإذنه تعالى ، وهو ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. # فشرب السموم مثلا سبب للهلاك بإذنه تعالى ، كما أن شرب الدواء سبب للشفاء ~~بإذنه ، وكذلك الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ، ولا ~~تحول ، كالأرض والسماوات والنجوم بحركاتها المتناسبة التي لا تتغير ولا ~~تنفد إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، وتوجهها إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة. # ألا ترى إلى الشمس كيف تؤثر بمحاذاتها الموضع من الأرض في إضاءة ذلك ~~الموضع ، ثم بتوسط الضوء في سخونتها ، ثم بتوسط السخونة في خلخلة الجسم ~~المتسخن ، أو إصعاده ، ثم بسبب التخلخل أو الصعود في إخراجه من موضعه ~~الطبيعي ، ثم بسبب الخروج من موضعه في امتزاجه بغيره ، ثم بسبب الامتزاج في ~~فيضان صورة عليه غير صورته الأولى. # فانظر في إعدادها ذلك الجسم لقبول تلك الهيئات والصور من الله سبحانه ، ~~ثم انظر كيف توثر باختلاف حركاتها الذاتية والعرضية المقتضي لحدوث الفصول ~~الأربعة من الربيع والصيف والخريف والشتاء ، في اختلاف أحوال المركبات ، من ~~المعادن ، والنباتات ، والحيوانات ، واختلاف صورها ، وأعراضها ، ونفوسها ، ~~في حياتها وموتها ، وحرارتها وبرودتها ، ورطوبتها ويبوستها ، ونضارتها ~~وجمودها ، إلى غير ذلك مما لا يحصى. # قال النبي صلى الله عليه وآله : «اغتنموا برد الربيع فإنه يفعل بأبدانكم ما يفعل PageV02P078 # بأشجاركم ، واجتنبوا برد الخريف ، فإنه يفعل بأبدانكم ما يفعل بأشجاركم» (1). # وإلى القمر ms283 كيف يؤثر في نضج الفواكه ، ومد المياه وجزرها ، وازدياد الرسل ~~في الضروع ، ونشوء الحرث والنسل ، والزروع ونقصانها وذبولها ، بحسب امتلائه ~~وانجلائه ، وإشراقه وانمحاقه ، وغير ذلك ، وكل ذلك مقدر بقدر معلوم ؛ لأنها ~~منوطة بحركات الشمس والقمر ( @QUR@03 الشمس والقمر بحسبان ) (2)، أي ~~حركاتها بحساب معلوم ( @QUR@04 كل يجري لأجل مسمى ) (3). # وإلى غيرهما من الكواكب ، كيف تؤثر في السفليات بحسب أحوالها المختلفة ، ~~كما فصلت في علم النجوم تفصيلا ، حار فيه أصحابه حيرة لا محيص لهم عنها. # ثم ألم تنظر إلى الهيئات الفائضة على الطبائع والصور والنفوس التي تصدر ~~عنها الأفعال في موادها ، ومواد غيرها ، وتصير محركة للأجسام ، مازجة بعضها ~~ببعض ، كما يشاهد من القوى الغاذية والنامية ، كيف تنبعث من السماويات ، ~~فلها لا محالة تأثير في نفوسنا ، ونفوس سائر السفليات ، وإنما لم تؤثر ~~نفوسنا فيها ؛ لأنها ضعيفة القوى بسبب كونها منشعبة متفرقة ، فيضعف تأثيرها ~~، ويصد بعضها بعضا عن فعلها بالتمام ، كما تشغل القوة الحسية الخيالية عن ~~فعلها بالتمام ، وإذا لم تشغلها قوي فعلها ، كما في النائم ، وإن لم يتم ~~بعد لضعفها ، وقوى الكواكب غير منشعبة ، بل كأنها قوة واحدة. # فالقوة الباصرة فيها هي القوة السامعة ، وهي القوة المصورة ، فكأنها PageV02P079 # متوفرة على قوة واحدة ، فيقوى تأثيرها ، ولا يصد بعضها بعضا ، فيصح صدور ~~الفعل عنها بالتمام ، فلهذا تؤثر فينا ، ولا نؤثر فيها. ### ||| * وصل # روى في الكافي بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه سئل عن النجوم ~~: أحق هي؟ فقال : نعم (1). # وإنه سئل أيضا عن النجوم ، فقال : ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب ، وأهل ~~بيت بالهند (2). # وقال في حديث آخر ساقه في ذلك : إنه أصل الحساب حق ، لكن لا يعلم بذلك ~~إلا من علم مواليد الخلق كلهم (3). # وقال له عبد الرحمن بن سيابة : جعلت فداك ، الناس يقولون : إن النجوم لا ~~يحل النظر فيها ، وهي تعجبني ، فإن كانت تضر بديني فلا حاجة لي في شيء يضر ~~بديني ، وإن كانت لا تضر بديني فو الله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها ، ~~فقال : ليس كما يقولون ، لا تضر بدينك ، ثم قال : إنكم ms284 تنظرون في شيء منها ~~كثيره لا يدرك ، وقليله لا ينتفع به ، تحسبون على طالع القمر ، ثم قال : ~~أتدري كم بين المشتري والزهرة من دقيقة؟ قلت : لا ، والله ، قال : أفتدري ~~كم بين الزهرة والقمر من دقيقة؟ قلت : لا ، قال : أفتدري كم بين السنبلة ~~والشمس من دقيقة؟ قلت : لا ، PageV02P080 # والله ما سمعته من أحد من المنجمين قط ، قال : أفتدري كم بين السنبلة ~~وبين اللوح المحفوظ من دقيقة؟ قلت : لا ، والله ما سمعته من منجم قط ، قال ~~: ما بين كل واحد منهما إلى صاحبه ستون أو تسعون دقيقة ، شك عبد الرحمن. # ثم قال : يا عبد الرحمن ، هذا حساب إذا حسبه الرجل ووقع عليه عرف القصبة ~~التي وسط الأجمة ، وعدد ما عن يمينها ، وعدد ما عن يسارها ، وعدد ما خلفها ~~، وعدد ما عن أمامها ، حتى لا يخفى عليه من عدد الأجمة واحدة (1). ### ||| * وصل # قال بعض العلماء : الأحكام النجومية إما أن تكون جزئية ، وإما كلية ، أما ~~الجزئية فأن يحكم مثلا بأن هذا الإنسان يكون من حاله كذا وكذا ، وظاهر أن ~~مثل هذا الحكم لا سبيل للمنجم إلى معرفته ؛ إذ العلم به إنما هو من جهة ~~أسبابه. # أما الفاعلية ، فأن يعلم أن الدورة المعينة ، أو الاتصال المعين ، سبب ~~لملك هذا الرجل البلد المعين مثلا وأنه لا سبب فاعلي لذلك إلا هو ، والأول ~~باطل ؛ لجواز أن يكون السبب غير ذلك الاتصال ، أو هو مع غيره. # أقصى ما في الباب أن يقال : إنما كانت هذه الدورة وهذا الاتصال سببا لهذا ~~الكائن؛ لأنها كانت سببا لمثله في الوقت الفلاني. # لكن هذا أيضا باطل ؛ لأن كونها سببا للكائن السابق لا يجب أن يكون لكونها ~~مطلق دورة واتصال ، بل لعله أن يكون لخصوصية كونها تلك المعينة التي لا ~~تعود بعينها فيما بعد ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحصولها على كون هذا PageV02P081 # الكائن ؛ لأن المؤثرات المختلفة لا يجب تشابه آثارها. # والثاني أيضا باطل ؛ لأن العقل يجزم بأنه لا اطلاع له ، على أنه لا مقتضى ~~لذلك الكائن من الأسباب الفاعلة إلا الاتصال المعين ، وكيف ms285 وقد ثبت أن من ~~الكائنات ما تفتقر إلى أكثر من اتصال واحد ، ودورة واحدة ، أو أقل. # وأما القابلية فأن يعلم أن المادة قد استعدت لقبول مثل هذا الكائن ، ~~واستجمعت جميع شروط قبوله الزمانية ، والمكانية ، والسماوية ، والأرضية ، ~~وظاهر أن الإحاطة بذلك مما لا تفي به القوة البشرية. # وأما الصورية والغائية ، فأن يعلم ما يقتضيه استعداد مادة ذلك المعين ~~وقبولها من الصورة ، وما يستلزمه من الشكل والمقدار ، وأن يعلم ما غاية ~~وجوده ، وما أعدته العناية له ، وظاهر أن الإحاطة بذلك غير ممكنة للإنسان. # وأما أحكامهم الكلية ، فكأن يقال : كلما حصلت الدورة الفلانية كان كذا ، ~~والمنجم إنما يحكم بذلك الحكم عن جزئيات من الدورات تشابهت آثارها ، فظنها ~~متكررة ، ولذلك يعدلون إذا حقق القول عليهم إلى دعوى التجربة ، وقد علمت أن ~~التجربة تعود إلى تكرر مشاهدات يضبطها الحس والعقل ، يحصل منها حكما كليا ، ~~كحكمه بأن كل نار محرقة ، فإنه لما أمكن العقل استثبات الإحراق بواسطة الحس ~~أمكنه الجزم الكلي بذلك. # فأما التشكلات الفلكية والاتصالات الكوكبية المقتضية لكون ما يكون ، فليس ~~شيء منها يعود بعينه ، كما علمت ، وإن جاز أن يكون تشكلات وعودات متقاربة ~~الأحوال ، ومتشابهة ، إلا أنه لا يمكن للإنسان ضبطها ، ولا الاطلاع على ~~مقدار ما بينها من المشابهة والتفاوت ؛ وذلك أن حساب المنجم مبني على قسمة ~~الزمان بالشهور ، والأيام ، والساعات، والدرج ، والدقائق وأجزائها ، وتقسيم PageV02P082 # الحركة بإزائها ورفعهم بينهما نسبة عددية ، وكل هذه أمور غير حقيقية ، ~~وإنما تؤخذ على سبيل التقريب ، أقصى ما في الباب أن التفاوت فيها لا يظهر ~~في المدد المتقاربة ، لكنه يشبه أن يظهر في المدد المتباعدة ، ومع ظهور ~~التفاوت في الأسباب كيف يمكن دعوى التجربة وحصول العلم الكلي الثابت الذي ~~لا يتغير استمرار أثرها على وتيرة واحدة. # ثم لو سلمنا أنه لا يظهر تفاوت أصلا ، إلا أن العلم يعود مثل الدورة ، لا ~~يقتضي بمجرده العلم بعود مثل الأثر السابق ؛ لتوقف العلم بذلك على عود ~~أمثال الأسباب الباقية للأثر السابق ، من الاستعداد وسائر أسبابه العلوية ~~والسفلية ، وعلى ضبطها ، فإن العلم التجربي ms286 إنما يحصل بعد حصرها ليعلم ~~عودها وتكررها ، وكل ذلك مما لا سبيل للقوة البشرية إلى ضبطه ، فكيف يمكن ~~دعوى التجربة؟ (1) ### ||| * فصل # قد ظهر مما ذكر : أن حركات الأفلاك وأوضاعها تحصل للمواد الاستعدادات ، ~~وتجعلها قابلة لفيضان الصور المتعينة من واهبها ، فيفيض عليها الصور بحسب ~~قابلياتها ، ولما كان القابل المطلق الذي هو المادة غير متناهي قوة ~~الانفعال والتأثر ، لكونها قوة كل ممكن بالإمكان الاستعدادي ، والممكنات ~~الاستعدادية غير متناهية ، وكذلك الفاعل المطلق الذي هو الله سبحانه غير ~~متناهي قوة الفعل والتاثير ؛ لأن قدرته غير متناهية ، فلا جرم يستمر نزول PageV02P083 # البركات ، وينفتح باب الخيرات والإفاضات ، ويتعاقب خلق المخلوقات ، ~~وتكوين المكونات من الله سبحانه أبدا ، إلا ما شاء الله ، ( @QUR@05 وما ~~كان عطاء ربك محظورا ) (1)، ( @QUR@06 وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) (2). ### ||| * وصل # ولما استحال إيجاد الجميع دفعة واحدة ؛ لتعصي المادة عن قبول صورتين منها ~~معا ، فضلا عن تلك الكثرة ، فقدر الله بلطيف حكمته حركة دورية ، وزمانا غير ~~منبت إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، ومادة مستحيلة من صورة إلى صورة ، على ~~التعاقب ، ليوفي كل صورة ممكنة حقها من الوجود ؛ إذ ليس وجود أحد الضدين ~~أولى من الآخر. # وأيضا لما كانت المادة مشتركة بينها ، فلكل منها حق عند الآخر ، ينبغي أن ~~يصير إلى صاحبه ، فالعدل أن يؤخذ من هذا مادته فيعطى لذاك ، ومن ذلك مادته ~~فيعطى لهذا ، وتتعاقب المادة بينها ، فلأجل الحاجة إلى توفية العدل في هذه ~~الموجودات لم يمكن أن يبقى الشيء الواحد دائما بورود الأمثال ، بل لا بد أن ~~يصير شيئا آخر يوما ما ، وأما بقاؤها بعينه فليس بممكن لذاته لحظتين ؛ لما ~~دريت من أن الطبيعة أمر سيال متجدد الذات ، متبدد الحقيقة ، هذا في أشخاص ~~الكائنات. # وأما الأنواع فلا يجوز أن توجد عقيب الحركات والاستعدادات ، ولا أن PageV02P084 # تكون غير متناهية ؛ وذلك لأن لها حقائق عقلية في علم الله سبحانه ، فهي ~~هناك موجودة على سبيل الاجتماع ، أزلا وأبدا ، وهي مترتبة في الصدور ، ~~فيجري فيها براهين إبطال عدم التناهي ، فهي محفوظة ثمة ، لا تتغير ، ولا ~~تتبدل ، ولا تزيد ms287 ، ولا تنقص. # وأما في هذا العالم فليس لشيء منها وجود أصلا ؛ إذ الوجود هاهنا ليس إلا ~~للأشخاص المحسوسة خاصة. ### ||| * وصل # ثم من الكائنات ما يكفي في تكونه دورة واحدة ، ومنها ما يحتاج إلى أدوار ~~، ومنها ما يحتاج إلى عودات ، وكل كائن فاسد البتة ، وله مدة يتكون فيها ، ~~ومدة يضمحل فيها ، وينتهي إلى أجله ، فإن لكل أجلا متناهيا ، يستحقه بقوته ~~المدبرة لبدنه ، لا يحتمل مجاوزته إن جرت أسبابه على ما ينبغي ، وهو الأجل ~~الطبيعي ، وقد تعرض أسباب أخر من حصول المفسد ، أو فقدان النافع المعين ، ~~فيعرض لتلك القوة أن يقصر فعلها عن الأمد ، فمن الآجال طبيعية ، ومنها ~~اخترامية ، وكل بقدر. ### ||| * وصل # وكما أن الأجسام والجسمانيات الكائنة السفلية منوطة بالحركات السماوية ، ~~فكذلك سائر أحوالها حتى الاختيارات ، والإرادات النفسانية ، فإنها أمور ~~تحدث بعدما لم يكن ، ولكل منها بعد ما لم يكن علة وسبب حادث ، PageV02P085 # ومنتهى ذلك إلى حركات الأفلاك ، وهي على اطراد متسق ، تكون دواعي إلى ~~القصد ، وبواعث عليه ، وهذا هو القدر الذي أوجبه القضاء ، والقضاء هو الفعل ~~الأول الإلهي الواحد ، المستعلي على الكل ، الذي تتشعب منه المقدورات ، وكل ~~مرهون بوقته ، وأجله ، فما يتقدم متقدم ، ولا يتأخر متأخر ، إلا بحق لازم ، ~~وقضاء حتم. ### ||| * فصل # قد أشرنا فيما سلف إلى أن الكائنات التي توجد عندنا كلها إنما تتكون من ~~العناصر الأربعة ، وللعناصر كلها مادة واحدة مطيعة لأوامر الله تعالى ، ~~ونواهيه ، في خلع بعض الصور ، ولبس بعضها ؛ وذلك لأنها ينقلب بعضها إلى بعض ~~، وينفسد ، ويتكون بدلالة المشاهدة والتجربة ، فلو لم يشترك في المادة لزم ~~انقلاب الحقيقة. # ألا ترى إلى النار كيف تنقلب هواء في شعل المصابيح ، فإنها لو بقيت على ~~النارية لتحركت إلى مكانها الطبيعي على خط مستقيم ، قائم ، فأحرقت ما ~~حاذاها ، وليس كذلك. # وإلى الهواء كيف يستحيل نارا عند القدح ، وعند إلحاح النفخ على النفخ ، ~~وسد الطرق التي يدخل فيها الهواء الجديد. # ومن هذا القبيل الهواء الحار الذي منه السموم المحرق ، والهواء الصحو قد ~~ينقلب ماء في قلل الجبال بواسطة برد يصيبه ، فيتكاثف ثم ms288 يتقاطر دفعة من دون ~~بخار هناك ، كما شاهده غير واحد من الناس ، وقد يصير قطرات ماء على PageV02P086 # السطوح الظاهرة من الطاسات المكبوبة على الجمد ، أو المملوءة منه. # وقد يستحيل الماء هواء عند تحلل الأبخرة الصاعدة منه ، ومن الثياب ~~المبلولة حين تسخنها ، كما هو مشاهد ، معلوم لكل أحد. # وقد يتحجر الماء الجاري الصافي حجرا قريب الحجم من حجمه ، بعد ما يخرج من ~~منبعه ، كما في قرية «سيهكوه» من بلدة مراغة من جملة أذربيجان. وقد تنحل ~~الأحجار بالحيل الاكسيرية مياها سيالة. # إلى غير ذلك من انقلابات بعضها ببعض. # ووجه تأثير بعض هذه الأجسام في بعض ، وقبولها للاستحالة ، ما دريت سابقا ~~من سخافة جوهرها ، ونقص صورها ، فإن كيفياتها إذا اشتدت تبطل الصورة ، وتعد ~~المادة لما يناسبها من الصور ، فينقلب العنصر إلى عنصر آخر ، بل الحق أن ~~الصور أيضا تشتد وتضعف ، وتتصاد (1) بالتدريج ، على نعت الاتصال ، ~~والكيفيات تابعة لها في التبدل من وجه ، وهي معدة لتبدلها من وجه آخر ، وإن ~~لم يكن تبدلها محسوسا إلى حد ما ، كما مر بيانه في مباحث الحركة. ### ||| * وصل # وأما ما يتوهم من أن المسخن فشت فيه أجزاء نارية داخلته ، والمبرد فشت ~~فيه أجزاء جمدية. فيدفعه حال المحكوك ، والمخضخض ، والمخلخل ، حيث تحمى من ~~غير نار غريبة ، وكذا القماقم الصياحة التي يصير أكثر مائها نارا مع امتناع ~~دخول النار فيها ، وخروج الماء منها ، وكذا المصموم المفدوم الممتلىء PageV02P087 # الممتنع خروج شيء منه مع استحالة التداخل ، والموضوع فوق الجمد مع امتناع ~~صعود الثقيل. # وأبعد من ذلك توهم الكمون والبروز ، وهل يسع لأحد أن يصدق بوجود جميع ~~النارية المنفصلة عن خشبة الغضاء فيها مخلفة لبقية منها ، فاشية في ظاهر ~~الجمر وباطنه ، غير محرقة إياها ، ولو لم يكن فيها إلا الباقي عند التجمر ، ~~لامتنع التصديق بكمونه كمونا لا يبرزه الرض والسحق ، ولا يدرك باللمس ~~والنظر ، وكذا الغاشية في الزجاج الذائب الغير المدركة قبل ، مع كونه شفيفا. ### ||| * وصل # إنما يؤثر بعض الأجسام في بعض بوجه من التأثير ، إما بالتجاور والملاقاة ~~، كالتسخين بالنار ، والإحراق بها ، والتبريد ms289 بالماء ، وما يجري مجرى ذلك ~~من الأفعال الطبيعية التي تحصل بالتدريج ، وإما بالمقابلة ، كإضاءة الشمس ~~لما يقابلها ، والانعكاس ، والمحاذاة ، وسائر الأمور التي لا تحصل إلا دفعة ~~، لا على التدريج ، مع كمية ما ومقدار ما ، وغير ذلك ، لا يمكن ؛ إذ لا ~~مناسبة ، فلا تعلق. # ومن جملة أسباب الاستحالة الحرارة ، وهي إنما توجد بعلل ثلاث : الحركة ، ~~ومجاورة جسم حار ، والشعاع. # أما الحركة فكما ترى من حال المحكوك ، والمخضخض ، والمخلخل ، وكون الماء ~~الجاري أقل بردا من الراكد. # وأما مجاورة الحار ، فكتسخن الماء بمجاورة النار. PageV02P088 # وأما الشعاع ، فكونه سببا للحرارة أمر معلوم بالحس ، فإنا نحس أن الذي ~~أشد ضوء هو أقل حرارة ، وليعتبر في المرآة المحرقة التي لها مقعر عند ~~مقابلة الشمس ، فينعكس الشعاع من سطحه المقعر إلى نقطة هي موضع رأس المخروط ~~الشعاعي الانعكاسي ، فتحرق ما يقع هناك من قابل الاحتراق ، لأجل تراكم ~~الأشعة عليه ، وكذا إذا توسط البلور النافذ فيه شعاع النير منعطفا إلى جانب ~~السهم بين قابل الاحتراق ، وبين الشمس ، إذا وقع في مستدق المخروط ~~الانعطافي ، لأجل التراكم في الشعاع هناك. ### ||| * وصل # ثم ما يتركب من العناصر : إما تركيبه طبيعي ، أو غير طبيعي. # أما الغير الطبيعي : فلا يدخل تحت الضبط ، وليس للعلم به كثير فائدة ، ~~ولا هو معدود في العلوم المعتد بها ، فلنعرض عنه. # والطبيعي : إما مزاجي ، أو غير مزاجي. والمزاجي أصول أجناسه ترجع إلى ~~ثلاثة ؛ لأنه إن تحقق فيه مبدأ التغذية والتنمية ، فإما مع تحقق مبدأ الحس ~~والحركة الإرادية ، فهو الحيوان ، أو بدونه ، فهو النبات ، وإن لم يتحقق ~~ذلك فيه ، فالمعادن. # وهذه الثلاثة تسمى بالمواليد ، كما تسمى العناصر بالأمهات ، والأفلاك ~~بالآباء. # وتحت كل منها أنواع لا تنحصر ، بعضها فوق بعض ، وكل نوع يشتمل على أصناف ~~، وكل صنف على أشخاص لا تتناهى ، بحيث لا يتشابه اثنان من الأنواع ، PageV02P089 # ولا من الأصناف ، ولا من الأشخاص ، فسبحان بارئها ومنشئها عن التكثر ~~والاختلاف ، وإنما نشأ الاختلاف النوعي بسبب الملائكة العقلية أرباب ~~الأنواع ، والاختلاف الصنفي والشخصي بحسب اختلاف أحوال العناصر في أنفسها ، ~~وبقياس بعضها إلى ms290 بعض ، كما ، وكيفا ، ووضعا ، في التركيب وبعد التركيب ، ~~مع اختلاف أعداد السماويات لها بحركاتها المختلفة ، وأوضاعها المتكثرة ، ~~ومبادىء التأثيرات في هذا المزج والتركيب بعد الله سبحانه بإذنه تعالى ، ~~تسمى ملائكة قريبا ، مزاولا كان ، أو بعيدا غير مزاول ، فإن مبدأ كل أثر لا ~~يدركه الحس يسمى في الشرع ملكا علويا ، أو سفليا. ### ||| * وصل # فظهر أن الملائكة السماوية والأرضية تمزج العناصر بإذن الله سبحانه ، ~~وتؤثر فيها بعدما استعدت هي لذلك بسب أمور تحصل لها من أنحاء الأوضاع ~~المختلفة ، من التجاور والملاقاة ، فتستحيل هي في كيفياتها ، ويتقارب فيها ~~بعضها من بعض ، إلى أن ينتهي بإذن الله وأمره إلى كيفية وحدانية بسيطة ~~ملموسة من جنس أوائل المحسوسات ، متوسطة توسطا ما في حد ما بين أطراف ~~الكيفيات الأربع المتضادة ، متشابهة في الأجزاء المقدارية للممتزج ، بحيث ~~يكون بالقياس إلى الحرارة برودة ، وبالقياس إلى البرودة حرارة ، وبالقياس ~~إلى الرطوبة يبوسة ، وبالقياس إلى اليبوسة رطوبة ، وهي المزاج ، ويستعد ~~المركب بسبب حدوث هذه الكيفية المتوسطة الخارجة عن الأطراف المتضادة صورة ~~كمالية وحدانية ، فيستفيد حياة على قدر توسطه وخلوه عن المتضادات ، بل جمعه ~~لها على وجه أعلى وأشرف ، حيث حصلت لها طبيعة واحدة بسيطة متوسطة بين ~~الطبائع PageV02P090 # الأربع في حقيقتها الجوهرية ، لما دريت أن الصور أيضا مما تشتد وتضعف ، ~~كالكيفيات، بل الكيفيات تابعة لها في ذلك ، فله حرارة النار ، وميعان ~~الهواء ، وبرودة الماء، ويبوسة الأرض. # والموجود خير من العدم ، فما وجد فيه مع وحدته صفات الموجودات المتكثرة ، ~~فهو أفضل مما لم يوجد فيه تلك الصفات جميعا ، فهو بهذا التوسط يشبه الأجرام ~~الحية الفلكية ، ولذا تكون حياتها أشد وآكد ، بل يشبه المبدأ الأول من وجه ~~، ويقرب منه في الوحدانية ، تعالى عن الشبه والمثل ، وكلما أمعن في التوسط ~~وهدم جانب التضاد يقبل من المبدأ الفياض صورة كمالية فوق صورة ، وحياة فوق ~~حياة ، فيصير أولا معدنا ، ثم نباتا ، ثم حيوانا ، ثم إنسانا ، ثم ملكا ~~مقربا ، ثم يفنى في ذات الله سبحانه ، ( @QUR@04 وإليه يرجع الأمر كله ) ~~(1)، ( @QUR@05 ألا إلى الله تصير الأمور ) (2). # وهذا هو اللم ms291 في خلق المركبات ؛ إذ الغاية في فعله سبحانه ليست إلا نفسه ~~، كما يأتي تحقيقه مبسوطا. ### ||| * فصل # الممتزج ما لم يستوف درجات النوع الأنقص الأخس لم يتخط إلى درجة النوع ~~الأكمل الأشرف ، لكن النوع الأنقص إذا قوي بعض أفراده في باب وجوده وغلبت ~~فعليته على قوته واستعداده لم يتجاوز إلى نوع ما هو أكمل PageV02P091 # وأعلى ؛ لاستحكام صورته ، وبقاء تركيب أكثر من سائر أفراده ، فيتعصى من ~~أن يتكون منه خلق آخر ، فكأنه قد تم سلوكه ، وبلغ إلى كماله المتصور في حقه ~~إذا سالك من حيث هو سالك لا يقوم في المقامات والمنازل التي دونه بالفعل ، ~~ولكن يتلبس بكل منها في الجملة؛ ولهذا قيل : إن السلوك توسط ما بين صرافة ~~القوة ومحوضة الفعل. # مثال ذلك : الحجر من المعدن ، والشجر من النبات ، وغير الإنسان من ~~الحيوان. # ومثال غير قوي الوجود : المني من المعدن ، والجنين من النبات ، والطفل من ~~الحيوان. # وليست هذه التمامية والقوة في الموجود ، والتوقف فيه ، مانعة له عن ~~الوصول إلى الله سبحانه ، هيهات ، كيف وكل موجود فلا بد وأن يصل إلى الله ~~تعالى يوما ، وإلا فيكون خلقه عبثا وهباء ، وقد قال سبحانه : ( @QUR@08 ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) (1)، وقال : ( @QUR@03 ~~كل إلينا راجعون ) (2)، وقال : ( @QUR@04 وإليه يرجع الأمر كله ) (3)، ~~إلى غير ذلك. # بل التحقيق أن له سبحانه صراطا مستقيما ، هو الصراط الإنساني الذي يمر ~~سالكه على سائر الموجودات ، وهو المظهر لاسم الله الأعظم ، وإليه أشير ~~بقوله سبحانه : ( @QUR@05 وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) (4)، وصراطا ~~أخرى ليست على PageV02P092 # هذه الاستقامة ، ولكن يوصل كل منها بسالكه إلى المطلوب ، وهي مظاهر ~~لأسماء أخر ، وكل موجود فهو على صراط غير صراط آخر ، ومصير الكل إلى الله ، ~~كما قال : ( @QUR@02 وإليه المصير ) (1). # ومن هنا قيل : الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. وتمام تحقيق هذا ~~الكلام يأتي في موضع آخر إن شاء الله. ### ||| * فصل # وليعلم أنه لا يجوز أن يوجد في المركبات المزاجية ما يكون مزاجه معتدلا ~~غاية الاعتدال، بأن تكون المقادير من الكيفيات المتضادة في الممتزج متساوية ~~متقاربة ، ويكون ms292 المزاج كيفية متوسطة بينها بالتحقيق ، وإلا لتداعى الأجزاء ~~إلى الافتراق بسبب اختلاف الميول ؛ إذ لم يكن له مكان طبيعي ، وحيث لا طبع ~~فلا قسر ، على أن القسر لا يكون دائميا ، والأنواع لا تكون بحسب الاتفاقات. # ثم لكل جنس مزاج جنسي ، له عرض بين حدين ، لا يحتمل ذلك الجنس التجاوز ~~عنهما ، وهو يشتمل على الأمزجة النوعية بين الحدين ، وكذلك المزاج النوعي ~~على الأمزجة الصنفية ، والصنفي على الشخصية. # وأقرب الأنواع إلى الاعتدال الحقيقي هو الإنسان ، وأقرب الأصناف إليه ~~سكان الإقليم الرابع المتوسطون بين الفجاجة الشمالية ، والاحتراق الجنوبي. # وسكان خط الاستواء وإن كانوا أقرب إلى الاعتدال من حيث تشابه PageV02P093 # الأحوال ، إلا أنهم ليسوا أقرب إليه من حيث تكافؤها ؛ إذ الشمس هناك لا ~~تبعد كثيرا عن المسامتة ، فهي طول السنة في حكم المسامتة ، ومن ذلك سواد ~~ألوانهم ، وشدة جعودة شعورهم ، بخلاف الإقليم الرابع ، على أن توفر ~~العمارات ، وكثرة التوالد والتناسل في الأقاليم السبعة دون سائر المواضع ~~المنكشفة من الأرض يدل على كونها أعدل من غيرها ، فما يقرب من وسطه يكون لا ~~محالة أقرب إلى الاعتدال مما يكون على أطرافها. # وأقرب الأشخاص إلى الاعتدال هو أعدل شخص من أعدل صنف من أعدل نوع ، في ~~أعدل سن ، وهو السن الذي يبلغ فيه النشوء غاية النمو. ### ||| * فصل # أنظر كيف وصلت رحمة الله وحكمته إلى كل شيء ، كما قال : ( @QUR@04 ورحمتي ~~وسعت كل شيء ) (1)، تشبيه لقوله تعالى حكاية عن الملائكة ( @QUR@06 ربنا ~~وسعت كل شيء رحمة وعلما ) (2)، وكيف قدر الأشياء على حسب استعداداتها ، ~~وهب لها ما يلائمها من الكمالات ، كما قال : ( @QUR@05 إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر ) (3)، تثنية لقوله : ( @QUR@05 وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (4). # ثم أنظر أن النبات لما كان أخس من المتنفس كيف كان منكوس الرأس ، وهو ~~أصله الذي في الأرض إذا قطع بطلت قواه ، والحيوان غير الناطق لما كان PageV02P094 # أتم منه صار رأسه من المنتكسين إلى الوسط ، ولكنه ما استقام ، والإنسان ~~لما فضل عليهما بالنفس الناطقة صار رأسه إلى السماء ، وانتصبت قامته ، كما ~~قال : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن ms293 تقويم ) (1)، تثنية لقوله : ( ~~@QUR@03 وصوركم فأحسن صوركم ) (2)، أنشأه في ظلمات الأرحام ، وشغف الأستار ~~، نطفة دهاقا ، وعلقة محاقا ، وجنينا ، وراضعا ، ووليدا ، ويافعا ، ثم منحه ~~قلبا حافظا ، ولسانا لافظا ، وبصرا لاحظا ، ليفهم معتبرا ، ويقصر مزدجرا ، ~~فسبحانه سبحانه ، ما أبهر برهانه ، وأعلى شأنه. # ولنفصل القول في أصول الأجناس تفصيلا ، ومن الله التأييد. PageV02P095 ### | في كائنات الجو ### ||| * ( @QUR@011 الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ### ||| * @QUR@012 ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء ### ||| * @QUR@05 من عباده إذا هم يستبشرون ) (1) ### ||| * فصل # إن الله سبحانه إذا أراد أن يلطف بقوم ، أو يغضب عليهم بإحداث حدث في ~~الأرض ، وتكوين كائن من إمطار مطر ، أو إرسال ريح ، أو ما أشبههما من أمر ~~الملائكة السماوية ، وخصوصا الموكلين بالشمس ، أن يفعلوا في الأرض بتوسط ~~الملائكة الموكلين بها أفاعيل ، بأن يحركوا شيئا منها ، ويخلطوه حتى يحصل ~~من اختلاطه ما يشاء ، فإن كل ما يتكون في الجو والأرض إنما يحدث من اختلاط ~~العناصر والأرضيات. # فأول ما يحدث من ذلك قبل أن يمتزج امتزاجا تاما تحصل بسببه الكيفية ~~الوحدانية المسماة بالمزاج ، هو البخار والدخان ؛ وذلك لأن الملائكة إذا ~~هيجوا بإسخان السماويات الحرارة ، بخروا من الأجسام المائية ، ودخنوا من ~~الأجسام الأرضية ، وأثاروا أجزاء إما هوائية ومائية مختلطين ، وهو البخار ، ~~وإما نارية PageV02P096 # وأرضية كذلك ، وهو الدخان ، ثم حصل بتوسطهما موجودات شتى غير تامة المزاج ~~، من الغيم ، والمطر ، والثلج ، والبرد ، والضباب ، والطل ، والصقيع ، ~~والرعد ، والبرق ، والصاعقة ، والقوس ، والهالات ، والشهب ، والرياح ، ~~والزلازل ، وانفجارات العيون ، والقنوات ، والآبار ، والنزوز ، كل ذلك بإذن ~~الله سبحانه ، وتوسط ملائكته ، كما قال سبحانه إشارة إلى بعض ذلك : ( ~~@QUR@038 ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) (1). # والتأمل في بناء الحمام وعوارضه ، نعم العون على إدراك ماهية الجو ، ~~وكثير من حوادثه ، بل التدبر فيما يرتفع من أرض معدة الإنسان إلى زمهرير ms294 ~~دماغه ، ثم ينزل منه في ثقب وجهه يعين على ذلك كسائر الأمور الأنفسية على ~~الأحكام الآفاقية. # وإن شئت أن تعرف كيفية حدوث كل واحد واحد من المذكورات فاستمع لما قيل ~~فيه ، ونورناه بإشراقات أنوار الشرع ، والعلم عند الله. ### ||| * فصل # أما السحاب والمطر وما يتعلق بهما ، فيشبه أن يكون السبب الأكثري فيها ~~تكاثف أجزاء البخار الصاعد بإذن الله ؛ لأن ما يجاور الماء من طبقات الهواء ~~استفيد كيفية البرد من الماء. PageV02P097 # ثم الزمهريرية ، وهي التي ينقطع عنها تأثير الشعاع ، تبقى باردة ، فإذا ~~أصعد الملائكة البخار إليها يتكاثف بواسطة إصابة البرد ، فإن لم يكن البرد ~~قويا اجتمع وتقاطر ، فالمجتمع هو السحاب ، والمتقاطر هو المطر ، وإن كان ~~البرد قويا ، فإما أن يصل إلى أجزاء السحاب المائية الرشية ، قبل اجتماعها ~~، فينزل السحاب ثلجا ، أو لا يصل إلا بعد اجتماعها ، فينزل بردا. # وإذا لم يصعد البخار إلى الزمهريرية الباردة ؛ لقلة حرارته ، فإن كان ~~كثيرا فقد ينعقد سحابا ماطرا ، كما حكي أنه شوهد البخار قد صعد من أسافل ~~بعض الجبال صعودا يسيرا ، وتكاثف حتى كأنه تكية موضوعة على وهدة ، وكان ~~المشاهد فوق تلك الغمامة في الشمس، وكان من تحته من أهل القرية التي هناك ~~يمطرون. # وقد لا ينعقد بل يكون متبددا ويسمى ضبابا ، ولأجل لطافته يزول سريعا ~~بوصول أدنى حرارة إليه. # وإن كان قليلا فإذا ضربه البرد في الليل فينزل لثقله الحاصل بالبرودة ، ~~نزولا في أجزاء صغار ، لا يحس بها إلا عند اجتماع شيء يعتد به ، فإن لم ~~ينجمد فهو الطل ، وإن انجمد فهو الصقيع. والنسبة بينهما كالنسبة بين المطر ~~والثلج. ### ||| * وصل # روى في الكافي ، بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : «إن ~~تحت العرش بحرا فيه ماء ، ينبت أرزاق الحيوانات ، فإذا أراد الله أن ينبت ~~به ما يشاء لهم رحمة منه لهم أوحى الله إليه فمطر ما شاء من سماء إلى سماء ~~، حتى يصير PageV02P098 # إلى سماء الدنيا ، فيما أظن ، فيلقيه إلى السحاب ، والسحاب بمنزلة ~~الغربال ، ثم يوحي الله إلى الريح أن اطحنيه ، وأذيبيه ذوبان الماء ms295 ، ثم ~~انطلقي به إلى موضع كذا وكذا ، فأمطري عليهم ، ليكون كذا وكذا عبابا ، وغير ~~ذلك ، فتقطر عليهم على النحو الذي يأمرها به ، فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ~~ملك حتى يضعها موضعها ، ولم ينزل من السماء قطرة من مطر إلا بعدد معدود ، ~~ووزن معلوم إلا ما كان من يوم طوفان على عهد نوح ، فإنه نزل بماء منهمر ، ~~بلا وزن وعدد» (1). # وعنه عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله : «إن الله تعالى جعل السحاب ~~غرابيل للمطر ، حتى (2) يذيب البرد حتى يصير ماء لكيلا يضر شيئا يصيبه ، ~~فالذي ترون فيه من البرد والصواعق نقمة من الله تعالى يصيب بها من يشاء من ~~عباده ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تشيروا إلى المطر ، ~~ولا إلى الهلال ، فإن الله يكره ذلك» (3). # وهذا الكلام يحتمل معنيين : # أحدهما : الإشارة باليد. # والثاني : الإشارة إلى كيفية حدوثهما ، فإن ذلك يضر باعتقاد العامة ، وهو ~~أقرب ، ويشهد له قوله عز وجل : ( @QUR@08 يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج ) (4). PageV02P099 ### ||| * فصل # وأما الرعد والبرق فيشبه أن يكون سببهما أن الدخان إذا احتبس فيما بين ~~السحاب، فما أصعد منه الملائكة إلى العلو لشدة لطافته ويبسه ، أو أهبطته ~~إلى السفل لتكاثفه بالبرد الشديد الواصل إليه ، مزق السحاب صاعدا ، أو ~~هابطا ، بقوة الملك ، وزجره ، تمزيقا عنيفا ، فيحصل صوت هائل ، وهو الرعد. # وإن اشتعل الدخان بالتسخين القوي الحاصل من الحركة الشديدة ، والمصاكة ~~العنيفة ؛ لقرب مزاجه من الدهنية ؛ إذ فيه مائية وأرضية ، عمل فيها الحرارة ~~والحركة ، فإن كان لطيفا وينطفىء بسرعة ، كان برقا ، ويرى قبل الرعد ؛ لأن ~~الصوت لا بد له من حركة الهواء ، ولا حركة دفعية ، فيحتاج إلى زمان ، ولا ~~كذلك الرؤية على ما تبين ، ولذلك ترى حركة يد القصار قبل سماع الدق بزمان. # وإن كان كثيفا لا ينطفىء بسرعة ، بل يصل إلى الأرض ، كان صاعقة ، فربما ~~صار لطيفا بحيث ينفذ في المتخلخل ، ولا يحرقه ، ويذيب المندمج فيحرق الذهب ~~في الكيس دونه ، إلا ما احترق من الذائب ، وربما كان كثيفا ms296 غليظا جدا ، ~~فيحرق كل شيء أصابه ، وكثيرا ما يقع على الجبل فيدكه دكا. ### ||| * وصل # روى في الكافي ، بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه سئل عن ~~السحاب : أين يكون؟ قال : يكون على شجر ، على كثيب ، على شاطىء البحر ، ~~يأوي إليه ، فإذا أراد الله تعالى أن يرسله أرسل ريحا فأثارته ، ووكل به ~~ملائكة يضربونه PageV02P100 # بالمخاريق ، وهو البرق ، فيرتفع ، ثم قرأ هذه الآية : ( @QUR@010 والله ~~الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت ) (1)، الآية ، والملك ~~اسمه الرعد (2). ### ||| * فصل # وأما القوس والهالة فقد قيل والعلم عند الله : إنهما يحدثان من ارتسام ~~ضوء النير في أجزاء رشية صقيلة صغيرة متقاربة واقعة في الغمام المختلفة ~~الوضع ، واختلاف ألوانهما بسبب اختلاف ضوء النير ، وألوان الغمام المختلفة. # وهما إما أمران موجودان ، ولونهما متخيل ، أو هما محض خيال يحدث عن ~~انعكاس القوة الباصرة من الغمام إلى النير. # ويؤيد الثاني كون القوس معنا كيفما تحركنا ، ودنوها منا بمثل مقدار ما ~~دنونا منها ، مثل أن يكون بيننا وبينها ألف ذراع ، فيتحرك نحو مائة ذراع ، ~~فيحصل بيننا وبينها ثمانمائة ذراع ، وهذا خاص بالأمور المتخيلة التي تكون ~~في المرايا. # ويشهد بهذا أيضا القوس الحادثة حول السرج في أيام الشتاء ، إذا كان ~~الهواء فيه نداوة ، فإنه يعرض لمن بعينه رطوبة ، أو يضعف بصره ، أن يرى حول ~~السراج دوائر ألوانها مفرجة ؛ وذلك أن الدخان الذي يرتفع من السراج يصير ~~كالمرآة ، فيمنع البصر عن لحظ النير على استقامة ، فينعكس من المرآة ، أعني ~~البخار المتصاعد من السراج إلى النير من جميع الجهات ، فيتخيل كالدائرة ~~فيها تفريج ، فإذا أحدق ، أو قرب من النير لم ير تلك الدائرة. PageV02P101 # وكذلك أيضا إذا نظرنا إلى الشمس وحدقنا إليها تحديقا شديدا ثم غمضنا ~~أعيننا رأينا ألوانا قوسية ، فإذا كان من الجائز أن يتخيل كهيئة القوس ~~خيالا لا يستند إلى وجود شيء ، لم يمنع مانع أن يكون هذا جائزا في القوس ~~الحادث عن غمام. ### ||| * فصل # وأما الشهب فيشبه أن يكون سببها أن الدخان إذا بلغ إلى حيز النار أو ~~الطبقة القصوى من ms297 الهواء الحارة بالفعل ؛ لبعدها عن مجاورة الماء والأرض ، ~~ومخالطة أبخرتها وقربها من كرة الأثير ، وكان لطيفا ، اشتعلت فيه النار ~~بإذن الله ، فانقلب إلى النار ، ويلتهب بسرعة ؛ لاستحالة الأجزاء الأرضية ~~نارا صرفة ، فصارت شفافة غير مرئية ، فيرى كالمنطقي. # وأما مد الاشتعال فيه فلأنه اشتعل طرفه العالي أولا ، ثم يذهب الاشتعال ~~فيه إلى آخره ، فيرى الاشتعال ممتدا على سمت الدخان إلى طرفه الآخر. # وإن كان الدخان كثيفا لا في الغاية تعلقت به النار تعلقا ما ، فيحترق من ~~غير اشتعال ، وثبت فيه الاحتراق ، فرئيت العلامات الهائلة السود والحمر على ~~حسب غلظ المادة شدة وضعفا. # وإن كان تام الكثافة وتعلقت به النار تعلقا قويا ، فيثبت فيه الاشتعال ~~ودام متصلا لا ينطفىء أياما وشهورا ، بقدر كثافة المادة ، وكثرة الاستمداد ~~، فيكون على صورة ذؤابة ، أو ذنب ، أو رمح ، أو قرن. # وربما وقف تحت كوكب وكانت تدور به النار الدائرة بدوران الفلك ، PageV02P102 # فيرى كأن لذلك الكوكب ذؤابة ، أو ذنبا ، أو لحية ، أو غير ذلك. # وقد يصل شيء من هذه إلى الأرض ، فيحرق ما عليها غضبا من الله الملك ~~الجبار ، ويسمى الحريق ، وقد لا ينقطع اتصاله عن الأرض في صعوده واشتعلت ~~النار فيه نازلة فيرى كأن تنينا ينزل من السماء إلى الأرض ، فإذا وصلت ~~الأرض احترقت تلك المادة بالكلية ، وما يقرب منها ، وسبيل ذلك سبيل السراج ~~المنطفىء إذا وضع تحت السراج المشتعل فاتصل الدخان من الأول إلى الثاني ~~فانحدر اللهب إلى فتيلته. # وقد يوجد في بعض نواحي الأرض قوة كبريتية ينبعث منها دخان ، وفي الهواء ~~رطوبة بخارية ، فيحصل من اختلاط دخان الكبريت بالأجزاء الرطبة الهوائية ~~مزاج دهني ، وربما اشتعل بأشعة الكواكب وبغيرها ، فيرى بالليل شعلا مضيئة ، ~~كما حكاه بعض المسافرين ، ولما كان كل مضيء حصل في الجو العالي ، أو في ~~السماء ، فهو مصباح لأهل الأرض ، قال الله تعالى : ( @QUR@08 ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) (1)، فإن من تلك ~~المصابيح ما هي باقية على طول الزمان ، وهي الكواكب المركوزة في السماوات. # ومنها ما هي متغيرة ، وهي هذه الشهب ms298 التي يحدثها الله ، ويجعلها رجوما ~~للشياطين ، ويصدق عليها أنها زينة السماء أيضا ، بالنسبة إلى أوهامنا ، وأن ~~الكل زينة للسماء الدنيا ؛ لعدم حجبها ضوء الكواكب ، فتشاهد مزينة بها كلها ~~، وإن كان بعضها في غيرها. PageV02P103 ### ||| * فصل # وأما الرياح ، فقد يكون السبب فيها والعلم عند الله أن البخار إذا ثقل ~~بواسطة البرودة المكتسبة من الزمهريرية واندفع إلى سفل فصار لتسخنه بالحركة ~~الموجبة لتلطيفه هواء متحركا ، وهو الريح ، وقد يكون لاندفاع يعرض بسبب ~~تراكم السحب الموجب لحركة ما يليها من الهواء ؛ لامتناع الخلاء ، فيصير ~~السحاب من جانب إلى جهة أخرى ، وقد يكون لانبساط الهواء بالتخلخل في جهة ، ~~واندفاعه من جهة أخرى ، وقد يكون بسبب برد الدخان المتصاعد عند وصوله إلى ~~الزمهرير ، ونزوله. # ومن الرياح ما يكون سموما ؛ لاحتراقه في نفسه بالأشعة السماوية ، أو ~~لحدوثه من بقية مادة الشهب ، أو لمروره بالأرض الحارة جدا ، لأجل غلبة ~~نارية عليها ، وقد يقع تقاوم فيما بين ريحين متقابلتين قويتين تلتقيان ، ~~فتستديران ، أو فيما بين رياح مختلفة الجهة حادثة فتدافع تلك الرياح ~~الأجزاء الأرضية المشتملة عليها ، فتضغط تلك الأجزاء بينها مرتفعة كأنها ~~تلتوي على نفسها ، فيحصل الدوران المسمى بالزوبعة والإعصار ، وربما اشتملت ~~الزوابع العظام على قطعة من السحاب ، بل على بخار مشتعل ، فيرى نارا تدور. # ومهاب الرياح اثنا عشر ، وهي حدود للأفق ، حاصلة من تقاطعه مع كل من ~~دائرة نصف النهار ، والموازيتين لها ، المماستين للدائميتين الظهور والخفاء ~~، ودائرة المشرق والمغرب الاعتدالين ، والموازيتين لها المارتين برأسي ~~السرطان والجدي. # ولكل ريح منها اسم ، والمشهورات عند العرب أربعة : ريح الشمال ، وريح PageV02P104 # الجنوب ، وريح الصبا ، وهي الشرقية ، وريح الدبور ، وهي الغربية ، ~~والبواقي تسمى نكباء. ### ||| * فصل # وأما الزلزلة فتشبه أن تكون بسبب أن البخار والأدخنة والرياح المحتبسة في ~~الأرض إذا غلظت بحيث لا ينفذ في مجاريها ؛ لشدة استحصافها وتكاثفها ، ~~اجتمعت طالبة للخروج ، ولم يمكنها النفوذ ، فزلزلت الأرض. # وربما اشتدت فخسفت الأرض فتخرج منها نار ؛ لشدة الحركة الموجبة لاشتعال ~~البخار والدخان إذا امتزجا امتزاجا مقربا إلى الدهنية ، وربما قويت المادة ~~على شق الأرض فتحدث أصوات ms299 هائلة ، وعسى أن يكون من هذا القبيل ما أصاب بلدة ~~قوم من الفجرة بإذن الله ، من جعل عاليها سافلها. # وربما تحدث الزلزلة من تساقط عوالي وهدات الأرض ، فيتموج بها الهواء ~~المحتقن ، فتزلزل به الأرض ، وقليلا ما يتزلزل لسقوط قلل الجبال عليها لبعض ~~الأسباب بإذن الله. # ولما كانت الأبخرة والأدخنة المحتقنة في تجاويف الأرض بمنزلة عروقها ، ~~وإنما تتحرك بقوى روحانية. ورد في الحديث : «أن الله سبحانه إذا أراد أن ~~يزلزل الأرض أمر الملك أن يحرك عروقها ، فتتحرك بأهلها» (1)، وما أشبه ذلك ~~من العبارات على اختلافها ، والعلم عند الله. # ومن منافع الزلازل تفتيح مسام الأرض لانفجار العيون ، وإشعار قلوب فسقة ~~العامة رعبا لله سبحانه. PageV02P105 ### ||| * فصل # وأما انفجار العيون ؛ فلأن البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها ~~من ثقب وفرج يميل إلى جهة ، فيبرد بها ، فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية ~~، فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض ، ~~وانفجرت منه العيون بإذن الله. # أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها ، أو لانجذابه إليه ؛ ~~لضرورة عدم الخلاء ، بأن يكون البخار الذي انقلب ماء وفاض إلى وجه الأرض ~~ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه ؛ لئلا يكون خلاء ، فينقلب هو أيضا ماء ، ~~ويفيض ، وهكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر. # وأما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها ، وقوتها ~~، أن تحصل منها مقاومة شديدة ، أو يدفع اللاحق السابق. # وأما مياه القنى والآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن تشق ~~الأرض ، فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة ، ~~بإذن الله ، فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر ، وإن جعل فهو القناة. ونسبة ~~القنى إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة. # وإن كان اندفاعها منتشرا وأرضها رخوة يتخلل عنها أكثر ما يتبخر ، فهو ~~النز ، وهو أردأ المياه ، والذي يبقى ويحبس مدة خالطته الأرض وتمنعه من ~~سرعة البروز ، فيتعفن ويتغير في طريقه. # ويمكن أن تكون هذه المياه متولدة من ms300 أجزاء مائية متولدة من أجزاء PageV02P106 # متفرقة في ثقب أعماق الأرض ومنافذها إذا اجتمعت. # ويؤيد هذا ازدياد هذه المياه بزيادة الثلوج والأمطار. # وقال في النجاة : وهذه الأبخرة إذا نبعت عيونا أمدت البحار بصب الأنهار ~~إليها ، ثم ارتفعت من البحار والبطائح والأنهار وبطون الجبال خاصة أبخرة ~~أخرى ، ثم قطرت ثانيا إليها ، فقامت بدل ما تحلل منها على الدور دائما (1). # فسبحان من فجر العيون ، وأنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفا ~~ألوانها. PageV02P107 ### | في الجبال والأحجار المعدنية ### ||| * ( @QUR@07 ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ### ||| * @QUR@02 وغرابيب سود ) (1) ### ||| * فصل # أما الأحجار والجبال فالسبب الأكثر فيها عمل الحرارة في الطين اللزج ، ~~بحيث يستحكم انعقاد رطبه بيابسه بإذن الله ، وقد ينعقد الماء السيال حجرا ~~كما نبهنا عليه فيما قبل ؛ إما لقوة معدنية محجرة ، أو لأرضية غالبة على ~~ذلك الماء بالقوة ، لا بالمقدار ، كما في الملح ، فإذا صادف الحر العظيم ~~طينا كثيرا لزجا ، إما دفعة ، وإما على مرور الأيام ، تكون الحجر العظيم ، ~~فإذا ارتفع بأن تجعل الزلزلة العظيمة طائفة من الأرض تلا من التلال ، أو ~~يحصل من تراكم عمارات تخربت ثم تحجرت ، أو يكون الطين المتحجر مختلف ~~الأجزاء في الصلابة والرخاوة ، فتنحفر أجزاؤه الرخوة بالمياه والرياح ، ~~وتغور تلك الحفر بالتدريج غورا شديدا ، وتبقى الصلبة مرتفعة ، أو بغير ذلك ~~من الأسباب ، فهو الجبل. # وقد ترى بعض الجبال منضودة ساقا فساقا ، كأنها ساقات الجدار ، فيشبه أن ~~يكون حدوث مادة الفوقاني بعد تحجر التحتاني ، وقد سال على كل ساق من PageV02P108 # خلاف جوهره ما صار حائلا بينه وبين الآخر. # وقد توجد في كثير من الأحجار عند كسرها أجزاء الحيوانات المائية ، فتشبه ~~أن تكون هذه المعمورة قد كانت في سالف الدهر مغمورة في البحر ، فحصل الطين ~~اللزج الكثير ، وتحجر بعد الانكشاف ، ولذلك كثرت الجبال ، ويكون انحفار ما ~~بينها بأسباب تقتضيه ، كالسيول والرياح. # ومنافع الجبال كثيرة : # منها : كونها أوتادا للأرض ، كما مضى. # ومنها : انبعاث العيون والسحب المستلزمتان للخيرات الكثيرة منها أكثر من ~~غيرها ، بل لا تنفجر العيون إلا من أرض صلبة ، أو في جوار ms301 أرض صلبة ، كما ~~قال في الشفاء (1)، قال : وإذا تتبعت الأودية المعروفة في العالم وجدتها ~~كلها منبعثة من عيون جبلية (2). # ومنها : تكون الجواهر المعدنية النورية منها. # ومنها : إنباتها النباتات الكثيرة المنافع. # إلى غير ذلك ، فالحمد لبارئها ، وسبحان منشئها. PageV02P109 ### ||| * فصل # الأبخرة والأدخنة المحتبسة في باطن الأرض إذا كثرت يتولد منها ما ذكر ، ~~وإذا لم تكن كثيرة اختلطت على ضروب من الاختلاطات المختلفة في الكم والكيف ~~والمزج ، بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والإعدادات ، فتكون منها الأجسام ~~المعدنية ، بإذن الله ، وهي أول ما يحدث من المركبات العنصرية التامة ~~المزاجية ، ولها بعد حقائقها العقلية نفوس ملكوتية تحفظ أشخاصها ، وبها ~~حياتها اللائقة بها بحسب وجوداتها أكثر من حياة ما دونها من الكائنات الغير ~~المزاجية ، مما حياتها شبيهة بالموت. # ثم إذا غلب البخار على الدخان يتولد مثل اليشم ، والبلور ، والزئبق ، ~~وغيرها من الجواهر المشفة ، وإن غلب الدخان يتولد الملح ، والزاج ، ~~والكبريت ، والنوشادر ، ثم من اختلاط بعض هذه مع بعض يتولد غيرها من ~~المعادن ، ولنشرحها شرحا جمليا على وجه كلي، فاستمع : ### ||| * وصل # أصناف المعادن خمسة ؛ لأنها إما ذائبة ، أو غير ذائبة. والذائبة إما ~~منطرقة ، أو غير منطرقة. والغير المنطرقة إما مشتعلة أو غير مشتعلة. وغير ~~الذائبة إما عدم ذوبانه لفرط الرطوبة، أو لفرط اليبوسة. # فالذائب المنطرق هو الجسم الذي انجمد فيه الرطب واليابس ، بحيث لا تقدر ~~النار على تفريقهما مع بقاء دهنية قوية بسببها يقبل ذلك الجسم الانطراق. PageV02P110 # والمشهور من أنواعه سبعة : الذهب ، والفضة ، والرصاص ، والحديد ، والأسرب ~~، والخارصيني ، والنحاس ، وكلها تتولد من الزئبق والكبريت ، فإن كانا ~~صافيين وامتزجا امتزاجا تاما ، ونضج الكبريت نضجا كاملا ، تولد الذهب إن ~~كان الكبريت أحمر غير محترق ، والفضة إن كان أبيض ، وإن لم يكمل الامتزاج ~~بينهما تولد الرصاص ، وإن كانا رديين ، فالحديد إن قوي الاختلاط والتركيب ، ~~والسرب إن لم يقو ، وإن كان الكبريت رديئا والزئبق صافيا ، وصادفه قبل تمام ~~النضج برد عاقد تولد الخارصيني ، وإن أحرقه الكبريت تولد النحاس. # هذا ما قالوه في بيان تولدها بحسب الحدس والتخمين بعقدهم الزئبق بالكبريت ~~عقدا محسوسا يحصل ms302 لهم بذلك غلبة الظن ، ولا يرجى فيها اليقين ؛ لضعف ~~الاستدلال بالأحوال الصناعية على الأمور الطبيعية. # والذائب المشتعل هو الجسم الذي فيه رطوبة دهنية مع يبوسة غير مستحكم ~~للامتزاج ؛ ولذلك تقوى النار على تفريق رطبه عن يابسه ، وذلك كالكبريت ~~المتولد من مائية تحمرت بالأرضية والهوائية تحمرا شديدا بالحرارة حتى صارت ~~تلك المائية دهنية ، وانعقدت بالبرد ، وكالزرنيخ ، وهو كذلك ، إلا أن ~~الدهنية فيه أقل. # والذائب الذي لا ينطرق ولا يشتعل ما ضعف امتزاج رطبه ويابسه ، وكثرت ~~رطوبته المنعقدة بالحر واليبس ، كالزاجات ، وتولدها من ملحية وكبريتية ~~وحجارة ، وفيها قوة بعض الأجساد الذائبة ، كالأملاح ، وتولدها من ماء خالطه ~~دخان حار لطيف كثير النارية ، وانعقد باليبس مع غلبة الأرضية الدخانية ، ~~ولذا يتخذ الملح من الرماد المحترق بالطبخ والتصفية. # والذي لا يذوب ولا ينطرق لرطوبته استحكم الامتزاج بين أجزائه الرطبة PageV02P111 # الغالبة ، والأجزاء اليابسة ، بحيث لا تقوى النار على تفريقهما ، كالزئبق ~~، وتولده من مائية خالطته جدا (1) أرضية كبريتية بالغة في اللطافة ، والذي ~~لا يذوب ولا ينطرق ليبوسة ما ، اشتد الامتزاج بين أجزائه الرطبة والأجزاء ~~اليابسة المستولية ، بحيث لا تقدر النار على تفريقهما ، مع إحالة البرد ~~للمائية إلى الأرضية ، بحيث لا تبقى رطوبة حسية دهنية ؛ ولهذا لا ينطرق ، ~~ولما كان عقده باليبس لا يذوب إلا بالحيلة ، بحيث لا يبقى ذلك الجوهر ، ~~بخلاف الحديد المذاب ؛ وذلك كالياقوت واللعل والزبرجد ، ونحو ذلك من ~~الأحجار. # ثم إن من المعادن ما يتولد بالصنعة بتهيئة المواد ، وتكميل الاستعداد ، ~~كالنوشادر ، والملح ، وإن منها ما يعمل له شبيه ، يعسر التمييز في بادىء ~~النظر ، كالذهب والفضة واللعل ، وكثير من الأحجار المعدنية. # وهل يمكن أن تعمل حقيقة هذه الجواهر بالصنعة؟ فيه خفاء. # ومن المعادن ما يتكون في البحار ، كاللؤلؤ والمرجان ، قال الله تعالى : ( ~~@QUR@012 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها ) (2). PageV02P112 ### | في النبات ### ||| * ( @QUR@011 وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى* كلوا ### ||| * @QUR@08 وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) (1). ### ||| * فصل # المركب العنصري لما استوفى درجات التراكيب الناقصة من الآثار العلوية ms303 ~~وغيرها ، ثم درجات المعادن تخطى خطوة أخرى إلى جانب القدس ، إن كان من أهل ~~السلوك إلى الله سبحانه ، بأن يكون ناقصا ضعيف الفعلية ، كالمني الصالح لأن ~~يصير حيوانا ، أو يكون تاما ، ولكن ترك صورته النوعية التي بها تمامه ، ~~وفعليته ، وزهد في حياته الدنيا تلك ؛ طلبا لصورة أعلى ، وفعلية أتم ، ~~وتوجه إلى بارئه سبحانه توجها طبيعيا ، كالبذر مثلا إذا انفسد في الأرض ~~فسادا ما ، وأنتن نتنا ما ، فحينئذ ينكسر قلبه ، ويضطر اضطرارا جبليا ، ~~ويتضرع إلى الله سبحانه تضرعا فطريا ، ويتقرب إلى الله تعالى تقربا ما ، ~~وقد جرت سنة الله في من تقرب إليه شبرا أن يقرب إليه ذراعا (2)، فيترحم ~~عليه ، ويجيب دعاءه ؛ إذ هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، فيفيد له بدل ~~صورته الفانية صورة PageV02P113 # كمالية نباتية ، ذات نفس ملكوتية ، فيحيى بها حياة ما فوق حياته الأولى ~~التي كانت كلا حياة ، فيصدر عنه ببساطة نفسه ما يصدر من المعدن من حفظ ~~التركيب مع زيادة شيء آخر ، وهو أن ينبت وينمو ويزيد في أقطاره الثلاثة ~~بالتدريج ؛ وذلك لعدم حصول كماله الشخصي أول مرة ؛ لكون مادته جزء مادة شخص ~~سابق ، ثم يضيف الله سبحانه إلى قوته، التي بها يستبقي شخصه ، قوة أخرى ~~يستبقي بها نوعه ؛ لعدم احتماله الديمومة الشخصية ؛ لمكان لطافة مادته فوق ~~المعدن التام الفعلية ، فوفى قسطه من البقاء. # أما فيما لم يتعذر اجتماع أجزائه ؛ لبعده من الاعتدال ، ولسعة عرض مزاجه ~~، فعلى سبيل التولد ، وأما فيما تعذر ذلك ؛ لقربه من الاعتدال ، ولضيق عرض ~~مزاجه ، فعلى سبيل التوالد ؛ استبقاء لنوع ما وجب فساد شخصه ، منا منه ~~سبحانه ، ولطفا ، وهذا هو النبات. ### ||| * وصل # إنما يتم وجود هذا الصنف من الموجود بتوسط عدة ملائكة من الملكوتيين ؛ ~~وذلك لاحتياجه في التمامية إلى أفاعيل متخالفة تفعل فيه ، وكل فعل يفعل في ~~هذا العالم فله مبدأ من الملكوت غير مبدأ الآخر ، ولا يصدر فعلان عن مبدأ ~~واحد ؛ وذلك لأن أهل هذا العالم من حيث إنه أهله ميت ظلماني ، لا يجوز أن ~~يكون مبدأ لأمر ما ، كما عرفت فيما ms304 سبق ، فلا بد من مبدأ ملكوتي ، وأهل ~~الملكوت ليس واحد منهم إلا وهو وحداني الصفة ، ليس فيه خلط وتركيب ، فلا ~~يكون لواحد منهم إلا فعل واحد ، كما أشير إليه بقوله سبحانه: ( @QUR@01 وما PageV02P114 # @QUR@05 منا إلا له مقام معلوم ) (1). # وليسوا كالإنسان الواحد الذي يتولى بنفسه مثلا الطحن أولا ، ثم تمييز ~~النخالة عنه ، ودفع الفضلة ثانيا ، وصب الماء عليه ثالثا ، والعجن رابعا ، ~~وقطعه كرات مدورة خامسا ، وترقيقها رغيفا سادسا ، وإلصاقها بالتنور سابعا ؛ ~~وذلك لأن هذا نوع اعوجاج وعدول عن السنة الإلهية ، سببه اختلاف صفات ~~الإنسان واختلاف دواعيه ، وانقسام قواه ؛ لضرورة وقوعه في عالم العدد ~~والقسمة والتفرقة ؛ ولذلك يرى الإنسان الواحد يطيع الله مرة ، ويعصيه أخرى ~~؛ لاختلاف دواعيه ؛ وذلك غير ممكن في طباع الملائكة ، فلا بد في النبات إذن ~~من ملك يزيد في أقطاره الثلاثة على نسبة لائقة محفوظة إلى أن يبلغ إلى كمال ~~النشؤ ، ومن ملك يقطع فضلة من مادته ليكون مبدأ لشخص آخر ، ولما توقف فعل ~~الأول على التغذي ، فلا بد من سبعة أملاك أخر ، لا أقل يخدمونه في هذا ~~الأمر : # أولهم عملا ملك لا بد منه لجذب الغذاء إلى جوار جسم المغتذي ؛ وذلك لأن ~~الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع الأطراف ؛ لأنه لا محالة إما أن يكون ~~ثقيلا ، فلا يصل إلى الأطراف العالية ، أو خفيفا فلا يصل إلى الأطراف ~~السافلة. # والثاني لا بد منه لإمساك الغذاء في جواره ؛ وذلك لأن الغذاء بعيد ~~المشابهة أولا ، فلا بد فيه من الاستحالة حتى يحصل الشبه ، والاستحالة حركة ~~، والحركة إنما تكون في زمان، فلا بد من زمان في مثله تحصل الاستحالة ~~والتشبه. # والثالث لا بد منه لنزع الصورة عن الغذاء ، وخلعها ؛ وذلك لأن تشبيه PageV02P115 # الغذاء بالعضو إنما يحصل إذا قرب استعداده لحصول الصورة العنصرية ، فلا ~~بد من ملك يجعله قريب الاستعداد لذلك. # والرابع لا بد منه ليكسو الغذاء صورة العضو ، فإن إفادة الصورة غير نزعها ~~، وكونها غير فسادها. # والخامس لا بد منه ليدفع ما لا يقبل المشابهة من الغذاء ، وإلا لأدى إلى ~~السداد ms305 وثقل البدن ، بل الفساد والإفساد ، سيما في الحيوان. # والسادس لا بد منه ليلصق ما اكتست بصورة العضو بالعضو حتى لا يكون ~~منفصلا. # والسابع لا بد منه لراعي المقادير في الإلصاق. # ويسمى هؤلاء الأملاك في عرف الجمهور بالقوى ، فالذي يزيد في الأقطار يسمى ~~بالقوة النامية ، والقاطع للفضلة بالقوة المولدة ، والخوادم بالجاذبة ، ~~والماسكة والهاضمة والدافعة ، وكلها بالغاذية ، وسنذكر في هذا الباب حديثا ~~عن أمير المؤمنين عليه السلام إن شاء الله تعالى. ### ||| * فصل # يشبه أن يكون مبدأ كل فعل من هذه الأفاعيل ملكا قدسيا متمكنا في سماء ~~قدسه ، وله بإذن الله سبحانه جهات ، ورقائق ، وخدم ، وروابط في هذا العالم ~~متعددة ، حسب تعدد النفوس ، وتكون النفوس متصلة بتلك الرقائق ، مربوطة بذلك ~~الملك من تلك الجهة ، بل متحدة معها ؛ إذ النفس هي التي تفعل هذه الأفاعيل ~~في بدنها بتوسط الفيض من تلك المبادىء ، بإذن الله ، كما يظهر من PageV02P116 # تحقيق معنى النفس بما هي نفس. # فالنفس ذات جهات ، وقوى ، استفادتها من جواهر عقلية ، بها تفعل الأفاعيل ~~في بدنها ، وهي عين تلك القوى والجهات من وجه ، ومستخدمة لها من وجه آخر ، ~~وكل من تلك الجهات والقوى حقيقة واحدة ، وإنما تتعدد بتعدد النفوس ، نوعا ~~وصنفا وشخصا ، فافهم. ### ||| * فصل # ومما يؤيد كون النفس مبدأ لهذه الأفاعيل بذاتها ، وكون قوتها سارية في ~~جميع أطراف البدن بوجوه التصرفات ، اعتناؤها بتعديل المزاج ، وحفظ الاتصال ~~، وتألمها بتغير المزاج عند أدنى مغير من حر ، أو برد ، أو حركة ، أو تعب ، ~~أو هبوب ريح مشوش ، إلى غير ذلك من الأمور الغير النفسانية ، وكذلك تأذيها ~~من تفرق الاتصال والجراحات ، تأذيا جزئيا في الحال ، وعدم انحصار تألمها ~~بالمؤلمات التي هي من باب خوف العاقبة ، وخطر المآل ، وكذلك وجدان ذاتها ~~مقصرة عن الأمور الإدراكية عند اشتداد حاجته إلى الإحالة والهضم ، والدفع ، ~~بسبب من الأسباب ، كما يكون للمريض عند بحرانه ، فإن ذلك ليس إلا لاشتغال ~~النفس بهذه الأفعال ، واستغراقها فيها. ### ||| * وصل # وأما عدم علم النفس بصدور هذه الأفاعيل منها ، مع كونها فاعلة ، فإنما ~~ذلك لعدم صلاحية الماديات من حيث ms306 كونها ماديات ، أي من حيث ذاتها PageV02P117 # للمعلومية والشعور لغاية خستها ، وقصورها ، وكونها مناط الجهل ، فلا يمكن ~~حضور ذاتها عند العالم ، بل إنما يمكن حضور صورتها ، فالصورة فيها أقوى من ~~ذات المعلوم في باب العلم، بل صورتها علم ، ومعلومها ليس بعلم ، فكما أن ~~وجودها كلا وجود ، فكذلك العلم بها كلا علم. # وهذا بخلاف المفارقات عن المادة ، فإن ذات المعلوم هناك أقوى في باب ~~العلم ، بل الصورة فيها ليست علما بها ، بل بوجه من وجوهها ، كذا أفاد ~~أستاذنا (1) دام ظله ، وقد مضى تحقيق ذلك في الأصول. ### ||| * فصل # قد احتاجت الصورة النباتية إلى التغذي من وجه آخر غير النمو ؛ وذلك لأن ~~الجسم النامي ، وسيما الحيوان منه ، أبدا في التحلل والذوبان ؛ لاستيلاء ~~الحرارة الغريزية عليه ، الحاصلة فيه من نار الطبيعة الكائنة في مركبات هذا ~~العالم شأنها النضج والتحليل ، كمثال نار الجحيم في قوله سبحانه : ( ~~@QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) (2). # وقد تستولي الحرارة الغريبة أيضا عليه ، فتحلله ، والحركات البدنية ~~والنفسانية أيضا محللة جدا ، فلا بد إذن من أن يتخلف بدل ما يتحلل عنه ، ~~آنا فآنا ، ولحظة فلحظة، وما ذلك إلا بالتغذي ، فالاحتياج إلى المتغذي باق ~~إلى آخر العمر. # وأما إلى النامي فليس إلا إلى البلوغ إلى كمال النشوء ، وشأن الأول أن PageV02P118 # يأتي كل عضو من الغذاء بقدر عظمه وصغره ، ويلصق به منه بمقدار يناسب له ~~على السواء، وأما الثاني فيسلب جانبا من البدن من الغذاء ما يحتاج إليه ~~لزيادة في جهة أخرى ، فيلصقه بتلك الجهة ليزيد تلك الجهة فوق زيادة جهة أخرى. ### ||| * فصل # المتغذي في أول الأمر يقوى على تحصيل مقدار أكثر مما يتحلل ، لصغر الجثة ~~، وكثرة الأجزاء الرطبة فيها ، فيعمل النامي فيما فضل عن الغذاء ، ثم يعجز ~~المتغذي عن ذلك لكبر الجثة ، وزيادة الحاجة ، لنفاد أكثر الرطوبات الأصلية ~~الصالحة لتغذية الحرارة الغريزية ، فيصير ما يحصله مساويا لما يتحلل ، ~~وحينئذ يقف النامي ، وعند القرب من تمام النمو تتفرغ النفس للتوليد فيقوى ~~المولد حينا من الدهر. # ثم إذا عجز المتغذي عن إيراد بدل ما يتحلل ms307 بحيث لم يفضل شيء يتصرف المولد ~~فيه ، أو انحرف المزاج بسبب الانحطاط المفرط ، فصارت المادة غير مستعدة ~~لذلك ، وقف المولد أيضا ، ويبقى المتغذي عمالا إلى أن يعجز ، فيحل الأجل ~~لسرعة تحلل الأجزاء ، وانحراف المزاج عن الاعتدال وانطفاء الحرارة الغريزية ~~؛ لعدم غذائها ، ووجود ما يضادها. # وإنما لم يصل المدد من الله سبحانه إلى هذه القوى بعد عجزها كما يصل إلى ~~القوى الفلكية ؛ لعدم احتياج النفس إلى البدن بعد ذلك ؛ لتجوهرها ، ~~وفعليتها ، وتوجهها إلى نشأة أخرى. PageV02P119 # وهذا هو السبب للموت الطبيعي في الحقيقة ، كما حققه أستاذنا (1)، ويأتي ~~بيانه ، لا مجرد عجز القوى ؛ لإمكان وصول المدد إليها لو لا ذلك. ### ||| * فصل # وهؤلاء الأملاك دائما في شغلهم ، لا يمسكون عن أفعالهم طرفة عين ، فإن ~~الشجر مثلا إذا سقي الماء ، أو الحيوان أكل الغذاء ، فذلك ليس بغذاء ، ولا ~~أكل على الحقيقة، وإنما مثلهم كمثل الجابي الجامع للمال في خزانته ، وهي ~~المعدة في الحيوان ، وما يجري مجراها في النبات ، فإذا اختزن ما فيها ~~وأمسكا عن السقي والأكل ، فحينئذ تتولاه الملائكة بالتدبير، وتحيله من حال ~~إلى حال ، ويغذيهما به في كل آن ، ونفس ، فهما لا يزالان في غذاء دائم ، ~~ولو لا ذلك لبطلت الحكمة في نشأة كل متغذ ، والله حكيم. # فإذا خلت الخزانة حركت الملائكة الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به ، فإذا لم ~~يوجد غذاء يحللون المواد والفضلات التي في البدن ، ولا يزال الأمر كذلك ~~أبدا ، فهذه صورة الغذاء في كل نفس ، فكل نفس أكلها دائم في هذه النشأة ~~أيضا ، كما في الآخرة. PageV02P120 ### ||| * فصل # ويخدم المولد ملكان : # أحدهما : يجعل فضلة الهضم الأخير منيا ، أو ما يجري مجراه من بيضة ، أو ~~بذور ، وهو إما في كل البدن ، فتلك المادة التي يفرزها متخالفة الحقيقة ، ~~متشابهة الامتزاج ؛ لخروجه من جميع الأعضاء ، وتولده عندها جميعا ، فيحصل ~~من العظم مثلا مثله ، ومن اللحم مثله ، وهكذا. # وإما في موضع مخصوص من البدن ، كالأنثيين في الحيوان ، فتكون المادة ~~المفروزة متشابهة الحقيقة ، وإنما تختلف أجزاؤه باختلاف أوضاعها بالنسبة ~~إلى الرحم ، أو ما يجري مجراه ، وغيره ms308 من الأسباب الخفية. # والملك الثاني : يهيىء كل جزء من أجزاء تلك المادة لقبول صورة مخصوصة من ~~واهب الصور ، أما على تقدير تخالفها ، فبتمزيجها تمزيجات بحسب عضو عضو ، ~~فيخص للعصب مزاجا ، وللعظم مزاجا ، وللشريان مزاجا ، وهكذا. # وأما على تقدير تشابهها ، فبأن يحيل كل جزء ويغيره إلى أن يجعل بعضها ~~مستعدة للعصبية ، وبعضها للعظمية ، وبعضها للشريانية ، إلى غير ذلك ، ~~باختلاف الأسباب المقتضية لذلك. # وهذا الملك إنما يوجد في تلك المادة المفروزة عند كونها في الرحم ، أو ما ~~يجري مجراه خاصة. # وهذان الملكان ربما اجتمعا في شخص واحد ، كما في أكثر النباتات ، PageV02P121 # وربما افترقا في شخصين ، ذكر وأنثى ، كما في أكثر الحيوانات ، وإذا ~~اجتمعا حصل التوليد ، ويسمى الأول عند الجمهور بالمغيرة ، والثاني ~~بالمصورة. # أما واهب الصور فهو الله سبحانه ، بتوسط الحقيقة العقلية ، التي هي رب ~~نوع النفس النباتية المخدومة لهذه الأملاك جميعا ، كما في سائر الأفاعيل. # قال تعالى : ( @QUR@011 هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا ~~هو ) (1). # وقال : ( @QUR@08 أفرأيتم ما تمنون* أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) (2). # وعن النبي صلى الله عليه وآله ، في وصف ملك الأرحام : إنه يدخل الرحم فيأخذ ~~النطفة في يده ، ثم يصورها جسدا ، فيقول : يا رب ، أذكر ، أم أنثى؟ أسوي ، ~~أم معوج؟ فيقول الله ما شاء ، ويخلق الملك (3). # وفي لفظ آخر : ويصور الملك ، ثم ينفخ فيها الروح بالسعادة ، أو بالشقاوة (4). ### ||| * فصل # إن الأرض للنبات بمنزلة الرحم ، والبذر وما يقوم مقامه من الأصول إذا ~~انفسدت بالرطوبة بمنزلة المني والبيضة ، فإذا نكح الجو الأرض ، وأنزل الماء ~~، ودبرته في رحمها آثار الأنوار الفلكية ، ضحكت الأرض بالأزهار ، وأنبتت من PageV02P122 # كل زوج بهيج ، فمنه ما يولد في الربيع ، ومنه ما يولد في الصيف ، كما ~~يكون حمل الحيوان مختلفا زمانه باختلاف طبيعته ، فإنه لا يقبل من تأثير ~~الزمان فيه إلا بقدر ما يعطيه مزاجه وطبعه. # وإن من النبات ما لا يتكون إلا من البذر والثمر ، ومنه ما لا يتكون إلا ~~من الأصل ، ومنه ما يتكون منهما ، وربما يتكون من بذر واحد في بلاد مختلفة ms309 ~~نباتات مختلفة. # وأول ما يتكون من النبات أولية بالطبع طبقات ثلاثة يقوم جرمه بها ، منها ~~اللب وما يتصل به ، ومنها العود ، كالخشب وما يشبهه ويناسبه ، ومنها اللحاء ~~وما يتمه وينتهي إليه. # والغرض الطبيعي في النبات إما في عوده ، أو ساقه ، أو أصله ، أو ورقه ، ~~أو قشره ، أو غصنه ، أو ثمره. # ولما لم يجد الجرم الصلب غذاء يتشبه به دفعة بلا تدريج خلق في الأشجار ~~الصلبة لب يشبه المخ في العظام ، عناية من الله تعالى في حقها. # وأما الأشجار الضعيفة القوام ، المتخلخلة فهي بمعزل عن ذلك ؛ لعدم حاجتها ~~إليه ، وما كان الغرض الطبيعي فيه أن يعظم حجمه ويطول قده في مدة قصيرة ~~امتنع أن يكون صلبا ؛ لأن الصلب يحتاج إلى مادة عاصية ، وقوة طابخة ، ~~والتصرف في مثلها يحتاج إلى مدة طويلة ، فسبحان من أنزل من السماء ماء ~~فأخرج به نبات كل شيء ، فأخرج منه خضرا يخرج منه حبا متراكبا ، ومن النخل ~~من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير PageV02P123 # متشابه ، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(1)، ( @QUR@027 وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان ~~وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون ) (2). PageV02P124 ### | في الحيوان ### ||| * ( @QUR@07 ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ) (1) ### ||| * فصل # المركب العنصري لما استوفى درجات النبات ، تخطى خطوة أخرى إلى جانب القدس ~~إن كان من أهل السلوك ، على صراط الله ، بأن كان ناقصا ضعيف الفعلية جدا ، ~~كأنه يتضرع في فكاك رقبته من النقصان ، كالأجنة في بطون أمهاتها ، مما لها ~~نفوس نباتية ، ولم تصر حيوانات بعد ، فإذا كان كذلك فيتقرب إلى الله تعالى ~~بالتوجه إليه تقربا ما ، فيتقرب الله سبحانه إليه ضعف تقربه ، كما هي سنته ~~تعالى ، فيفيد له بذلك بدل صورته الناقصة صورة كمالية حيوانية ، ذات نفس ~~ملكوتية ، حساسة ، دراكة ، متحركة بالإرادة ، فيصدر عنها ببساطتها كل ما ~~يصدر من النبات ، ويزيد عليه بأفعال مختصة بها ، فيوكل الله تعالى بها ms310 مع ~~تلك الملائكة التي كانت له أولا ملائكة أخرى أرفع درجة منهم ، بها يدرك ، ~~ويتحرك بالإرادة ، وهذا هو الحيوان. PageV02P125 ### ||| * وصل # فإن كان كاملا في الحيوانية ، بأن يقوى أثر النفس فيه ، ومن شأنه أن يدخل ~~في نشأة الملكوت ويصير حيا بالذات ، مستقلا في تلك النشأة ، أفاض الله ~~سبحانه عليه عشر حواس للإدراك ، خمسة لنشأته الظاهرة ، وخمسة لنشأته ~~الباطنة ، فيصير ذا قدمين ، تكون له قدم في هذه النشأة ، وأخرى في تلك ~~النشأة ، فيأخذ في تكميل النشأتين مبتدئا بالأولى الفانية ، حتى يبلغ في ~~تكميلها إلى حد ما يمكن له أن يجعلها آلة لتكميل الأخرى ، ثم يأخذ في تكميل ~~الأخرى متوجها إلى الله سبحانه ، وعالم الآخرة ، توجها غريزيا ، وسلوكا ~~ذاتيا ، كما أشير إليه في قوله تعالى ، مخاطبا لأشرف أنواعه : ( @QUR@09 يا ~~أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) (1). # فتتكامل ذاته يوما فيوما بالتدريج ، باستعدادات يكتسبها من النشأة الأولى ~~، وأخلاق وهيئات ، إما في سعادة ، أو في شقاوة ، حتى تستقل في النشأة ~~الأخرى ، وتصير فيها بالفعل ، وتبطل عنه القوة الاستعدادية ، فيمسك عن ~~تحريك البدن ، ويرفض هذه النشأة الفانية ؛ استغناء عنها ، ويرتحل إلى ~~الآخرة ارتحالا طبيعيا ، وهذا هو الموت الطبيعي للحيوان الكامل ، وهو بعينه ~~ولادة وحياة في النشأة الأخرى ، ومبناه استقلال النفس بحياتها الذاتية ، ~~وترك استعمالها الآلات البدنية على التدريج ، حتى تنفرد بذاتها ، وتخلع ~~البدن بالكلية ؛ لصيرورتها بالفعل ، وهذه الفعلية لا تنافي الشقاوة ~~الأخروية ؛ إذ ربما تصير شيطانا بالفعل ، أو على شاكلة ما غلبت عليه صفاته ~~الردية ، كذا حققه أستاذنا (2) سلمه الله . PageV02P126 ### ||| * وصل # وإن كان ناقصا في الحيوانية ، بأن يضعف أثر النفس فيه ، ولم يكن من شأنه ~~الدخول في الملكوت ، والصيرورة من أهله ، أفاض الله سبحانه عليه بعض الحواس ~~دون بعض ، إما قوية ، أو ضعيفة ، على اختلاف مراتب الحيوانات ، أو كلها ، ~~ولكن ضعيف الباطنية ، وخصوصا حس الخيال ، فيعيش في هذه النشأة مدة ما ، ~~حياة عرضية بقوة الملكوت ، حيث إن ملائكتها وقواها من تلك النشأة ، ثم إذا ~~مات فات ، كالنبات ؛ لعدم تعينه واستقلاله في تلك النشأة ، فلم يبق ms311 منه إلا ~~رب نوعه الذي به حياته وقوامه ، وفني هو فيه ، وحشر إليه ، كما قال تعالى : ~~( @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) (1). ### ||| * فصل # إن الله سبحانه خلق الحيوانات أنواعا مختلفة ، وأصنافا شتى ، اختلافا لا ~~يدخل تحت الحصر والضبط ، وربما يقال : إن عدد أنواعها ألف وأربعمائة ، ~~ثمانمائة منها بحرية ، وستمائة برية. # وفي الكافي ، بإسناده عن ابن عباس ، قال : «سئل أمير المؤمنين عليه السلام ~~عن الخلق ، فقال : خلق الله ألفا ومائتين في البر ، وألفا ومائتين في البحر ~~، وأجناس PageV02P127 # بني آدم سبعون جنسا ، والناس ولد آدم ، ما خلا يأجوج ومأجوج» (1). # والبري يتنفس ويتروح للحرارة من الهواء ، والبحري إما مكانه وغذاؤه ~~وتنشقه في الماء، فينقل الماء إلى بطنه ، ثم يرده بدل النسيم ، فلا يعيش ~~إذا فارقه ، وإما مكانه وغذاؤه في الماء ، ولكن يتنفس من الهواء ، سواء كان ~~معدنه في الماء ، ولا يبرز ، أو كان له أن يبرز ، كالسلحفاة ، وإما مكانه ~~وغذاؤه في الماء ولا يتنشق أصلا ، كأصناف من الصدف. # والمتنفس ما يتنفس من طريق واحد ، كالفم والخيشوم ، أو من مسامه ، مثل ~~الزنبور والنحل. # ومن الحيوان ما يحتاج إلى طعم معين ، كالنحل ، فإن غذاءه زهري ، ~~والعنكبوت ، فإن غذاءه ذباب. # ومنه منتن الطعم ، ومنه ما يحتاج إلى مأوى معين ، ومنه ما يأوي كيف اتفق ~~، إلا أن يلد فيقيم للحضانة ، ومنه ما هو إنس بالطبع ، كالإنسان ، أو ~~بالمولد ، كالهرة والفرس ، أو بالقسر ، كالفهد ، ومنه ما لا يأنس ، كالنمر ~~، ومنه ما لا يمكنه أن يعيش وحده ، كالإنسان ، والنحل ، والنمل ، إلا أن ~~النحل يطيع رئيسا واحدا ، والنمل له اجتماع ، ولا رئيس له. # ومنه ما يحتاج إلى رجل للمشي ، إما اثنتين ، أو أربع ، أو ثمانية ، أو ~~أكثر ، ولا بد أن تكون زوجا لتعادل الحمل والثقل ، ومنه ما لا يحتاج إلى ~~ذلك ، بل يمشي ببطنه ، قال الله تعالى : ( @QUR@024 والله خلق كل دابة من ~~ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ms312 من يمشي على ~~أربع يخلق الله ما PageV02P128 # @QUR@01 يشاء ) (1). # ومنه ما يحتاج إلى أجنحة اثنتين ، أو أربع ، يطير بهما ، بصفيف ، أو دفيف ~~، قال تعالى : ( @QUR@015 أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما ~~يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) (2). # وقال : ( @QUR@018 ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) (3). # والمنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه ، وفي السباحة على ~~أجنحته ، كالسمك ، أو يعتمد في السباحة على أرجله ، كالضفدع ، ومنه ما يمشي ~~في قعر الماء ، كالسرطان ، ومنه ما يزحف ، كضرب من السمك لا جناح له. # ومن الحيوان مصوت ، وغير مصوت ، وكل مصوت فإنه عند الاغتلام وحركة شهوة ~~الجماع أشد تصويتا ، إلا الإنسان ، ومنه ما هو شبق كالديك ، ومنه عقيف ، له ~~وقت معين يهيج فيه ، ومنه ما تناسله بأن تلد أنثاه حيوانا مثله ، ومنه ما ~~تناسله بأن تبيض أنثاه بيضا ، ومنه ما يبيض في بطنه ، ثم يصير بعد ذلك دودا ~~، مثل البحري المعروف ب «سلاسي» ، وربما كان بيضا ، وصار قبل أن يباض ~~حيوانا ، كأكثر الأفاعي ، إلى غير ذلك من الاختلافات الكثيرة. # فأعد الله سبحانه بلطيف صنعه وبلاغ حكمته لكل منها آلات وقوى لخاص ~~أفاعيلها وحاجاتها ، يناسبها ، فاختلفت الحيوانات بحسب الأعضاء والأدوات ~~وأوضاعها وأحوالها وقواها ومشاعرها ومداركها ، لحكم ومصالح PageV02P129 # مختصة بها. # وكل حيوان شحيم ذي ثرب ، فدماغه دسم ، وما لا شحم له فلا دسومة لدماغه ، ~~وذو الأذن ولود غالبا ، وما ليس له أذن ظاهر يتكون من الأبيضة. # ومن الحيوان ما لا يغتذي مدة ، ويكون مع ذلك في غاية السمن والقوة ، ~~كالدب في الشتاء ، والقنفذ ، ومنه ما يغتذي من الحيوان فقط ، أو من النبات ~~فقط ، أو منهما. # ومن الطير آكل لحم ، ولا قط حب ، وآكل عشب. # وكل طائر جناحه ذو ريش ، فهو ذو دم ، وما جناحه جلد أو صفاق فقد يكون له ~~دم ، كالخفاش ، وقد لا يكون ، كالنحل ، وما له جناح صفاقي ولا دم له ، فمنه ~~ما له جناحان ، ومنه ما له أربعة ms313 أجنحة ، ومنه ما له إبرة يلسع بها. # وذو الجناحين منه صغير ، ومنه ما يلسع بخرطومه ، كالبعوض والذباب ، وربما ~~كان للجناح الصفاقي غلاف ، كما للجعلان. # والعديم الدم أصغر من ذي الدم ، ما خلا أصناف الحيوان البحري. ### ||| * فصل # وكما أنها مختلفة في الأعضاء والآلات البدنية ، فكذلك مختلفة في الأخلاق ~~والهيئات النفسانية ، فمنها هاد بالطبع ، قليل الغضب ، والخرق ، كالنقرة ، ~~وشديد الجهل والغضب ، كالخنزير البري ، وحليم جزوع كالبعير ، ورديء الحركات ~~يغتال ، كالحية ، وجري قوي شهيم، ومع ذلك كبير النفس ، كريم ، كالأسد ، ~~وقوي يغتال وحشي ، كالذئب ، ومختال مكار رديء الحركات ، PageV02P130 # كالثعلب ، وغضوب شديد الغضب ، سفيه إلا أنه ملق متودد ، كالكلب ، وشديد ~~الكيس مستأنس ، كالفيل والقرد ، وذو حياء وحفاظ ، كالأوز ، وحسود منافر ، ~~مباه بجماله ، كالطاووس ، وشديد الحفظ ، كالجمل والحمار ، إلى غير ذلك من ~~الصفات والأخلاق. # ولكل منها هاد ، وملهم ، يهديه إلى خصائص أفاعيله ، وأخلاقه ، من ~~الملائكة الموكلة بها ، بإذن الله ، والله سبحانه وراء الكل هو الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى. # وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام : «ابتدعهم خلقا عجيبا ، من حيوان ، ~~وموات ، وساكن ، وذي حركات ، وأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته ، ~~وعظيم قدرته ما انقادت له العقول ، معترفة به ، ومسلمة له ، ونعقت في ~~أسماعنا دلائله ، على وحدانيته ، وما ذرأ من مختلف صور الأطيار التي أسكنها ~~أخاديد الأرض ، وخروق فجاجها ، ورواسي أعلامها ، من ذات أجنحة مختلفة ، ~~وهيئات متباينة ، مصرفة في زمام التسخير ، مرفرفة بأجنحتها في مخارق الجو ~~المنفسح ، والفضاء المنفرج ، كونها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة ، ~~وركبها في حقاق مفاصل محتجبة ، ومنع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو في الهواء ~~خفوقا ، وجعله يذف دفيفا ، ونسقها على اختلافها في الأصابيع بلطيف قدرته ، ~~ودقيق صنعته ، فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه ، ~~ومنها مغموس في لون صبغ قد طوق بخلاف ما صبغ به ، ومن أعجبها خلقا الطاووس ~~الذي أقامه في أحكم تعديل ، ونضد ألوانه في أحسن تنضيد». الحديث في نهج ~~البلاغة (1). PageV02P131 ### ||| * فصل # وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة ms314 له ، يصف فيها عجيب خلق أصناف ~~الحيوان : «ولو فكروا في عظيم القدرة ، وجسيم النعمة ، لرجعوا إلى الطريق ، ~~وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب عليلة ، والبصائر مدخولة ، ألا ينظرون ~~إلى صغير ما خلق ، كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السمع والبصر ، ~~وسوى له العظم والبشر. # أنظروا إلى النملة في صغر جثتها ، ولطافة تركيبها (1)، لا تكاد تنال ~~بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، ~~تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع في حرها لبردها ، وفي ~~وردها لصدرها ، مكفول برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنان ، ولا ~~يحرمها الديان ، ولو في الصفا اليابس ، والحجر الجامس ، ولو فكرت في مجاري ~~أكلها ، في علوها ، وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس ~~من عينها ، وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالى ~~الله الذي أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها ، لم يشركه في فطرتها ~~فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر ، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما ~~دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة ؛ لدقيق تفصيل كل شيء ~~، وغامض اختلاف كل شيء ، وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوي ~~والضعيف في خلقه إلا سواء. وكذلك السماء والهواء والرياح والماء. PageV02P132 # فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر ، واختلاف هذا ~~الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، ~~وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات ، فالويل لمن جحد المقدر ، وأنكر ~~المدبر (1)، زعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ، ~~ولم يلجأوا إلى حجة فيها ادعوا ، ولا تحقيق لما وعوا (2)، وهل يكون بناء ~~من غير بان ، أو جناية من غير جان. # وإن شئت قلت في الجرادة ؛ إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين ~~قمراوين ، وجعل لها السمع الخفي ، وفتح لها الفم السوي ، وجعل لها الحس ~~القوي ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزراع في زرعهم ، ~~ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه ~~شهواتها ، وخلقها ms315 كله لا يكون إصبعا مستدقة ، فتبارك الله الذي يسجد له من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها ، ويعفر له خدا ووجها ، ويلقي بالطاعة إليه ~~سلما ، وضعفا ، ويعطي له القياد رهبة وخوفا. # فالطير مسخرة لأمره ، أحصى عدد الريش منها ، والنفس ، وأرسى قوائمها على ~~الندى واليبس ، قدر أقواتها ، وأحصى أجناسها ، فهذا غراب ، وهذا عقاب ، ~~وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كل طائر باسمه ، وكفل له برزقه ، وأنشأ السحاب ~~الثقال ، فأهطل ديمها ، وعدد قسمها ، فبل الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها ~~بعد جدوبها» (3). PageV02P133 ### ||| * فصل # ومن لطف الله سبحانه أن خلق هذه الحيوانات كلها ، من عفونات الأرض ، ~~ليصفو الهواء من تلك العفونات التي لو خالطت الهواء الذي أودع الله فيه ~~حياة الإنسان ، وعافيته ، لكان سقيما ، مريضا ، معلولا ، فصفى له الجو ~~بتكوين هذه المعفنات حيوانا ؛ لطفا منه ، لتقل الأسقام والعلل ، وله الحمد. ### ||| * فصل # ومن عناية الله سبحانه أن جعل في جبلة الحيوانات الآلام والأوجاع ، ~~والجوع والعطش ، حثا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها ؛ إذ ~~كانت الأجساد لا تقدر على جر منفعة ، ودفع مضرة ، فلو لا ذلك لتهاونت ~~النفوس بالأجساد ، وأسلمتها إلى المهالك ، قبل فناء أعمارها ، وتقارب ~~آجالها ، ولما علم أنه لا يدوم بقاؤها أبد الآبدين جعل لكل منها عمرا ~~طبيعيا أكثر ما يمكن ، ثم يجيئه الموت الطبيعي ، شاء أم أبى ، وقد علم الله ~~أنه يموت كل يوم منها في البر والبحر والسهل والجبل ، عدد لا يحصيه إلا هو ~~، فجعل بواجب حكمته جثث جيف موتاها غذاء لأحيائها ، ومادة لبقائها ؛ لئلا ~~يضيع شيء مما خلق بلا نفع ، وفائدة ، فكان في هذا منفعة للأحياء ، ولم يكن ~~فيه ضرر على الموتى ، وهذا أحد وجوه الحكمة في أكل بعض الحيوانات بعضا. # ومن جملة تلك الوجوه أنه لو لم تكن الأحياء تأكل جثث الموتى لبقيت تلك ~~الجثث ، واجتمع منها على ممر الأيام والدهور ، حتى كان يمتلىء بها وجه PageV02P134 # الأرض ، وقعر البحار ، وتفسد المياه ، وريحها ، فتصير تلك سببا وهلاكا ~~للأحياء ، فالغرض الأصلي من ذلك إنما هو جلب المنفعة ، ودفع المضرة ، وإن ~~كان ينال ms316 بعضها الآلام والأوجاع عند الذبح والقتل والقبض ، فإن ذلك إنما هو ~~بالعرض. # ولنقتصر في هذا النمط من الكلام على ذلك ، فإنه بحر لا ساحل له ؛ إذ ~~بدائع حكم الله سبحانه وعناياته في خلقه أكثر من أن تصل إلى صفته عمايق ~~الفطن ، أو تبلغه قرائح العقول ، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين ، ولنشتغل ~~بالبحث عن شيء مما دبر الله سبحانه بلطيف حكمته ، ودقيق صنعه في بدن ~~الحيوان الكامل خاصة ، الذي يبقى بعد خراب البدن ، سيما أشرف أنواعه ، الذي ~~هو الإنسان ، وليقس عليه سائر الأنواع. ### ||| * فصل # لما كانت النفس الحيوانية من عالم الملكوت ، وهي نشأة لطيفة نورانية ، ~~وبدنها من عالم الملك ، وهي نشأة كثيفة ظلمانية ، والشيء إنما يتصرف في ما ~~بينه وبينه مناسبة ، فلا بد من متوسط له مناسبة ما مع كل من الطرفين ، ~~ليتمكن من التصرف فيه ، بل لا بد وأن يكون فيما بين ألطف لطيفه وأكثف كثيفه ~~وسائط متناسبة ، منضودة بعضها بالبعض ، كما في طبقات الأجرام الكلية ~~الفلكية ، والعنصرية ؛ إذ الموجودات مترتبة في اللطافة والكثافة فيما يتصف ~~بهما ، كما أنها مترتبة في الشرف والخسة ، كما دلت عليه قاعدة الإمكان ~~الأشرف. # فخلق الله سبحانه بلطيف صنعه جرما ، حارا ، لطيفا ، نورانيا ، شفافا ، ~~يسمى ب «الروح البخاري» ، وجعله مركبا للنفس وقواها ، وكرسيا لملائكتها ، ~~حيا بحياتها ، باقيا بتعلقها به ، فانيا برحلتها عنه ، لا كسائر الأجرام ~~التي تزول عنها PageV02P135 # الحياة ، وهي باقية ، وبه حياة البدن من الواهب بواسطة النفس ، فكل موضع ~~منه يفيض عليه من سلطان نوره يحيى ، وإلا فيموت. # واعتبر بالسدد ، فلو لا أن قوة الحس والحركة قائمة بهذا الجسم اللطيف لما ~~كانت السدد تمنعهما ، وقد يخدر العضو بالسدة بحيث لا يتألم بجرح ، وضرب ، ~~وربما تنقطع الروح فتبطل الحياة منه ، ولو لا أنه شديد اللطافة لما نفذ في ~~شباك العصب ، ومن أخذ بعض عروقه يحس بجري جسم لطيف حار فيه ، وتراجعه عنه ، ~~وهذا هو الروح ، ومنبعه القلب الصنوبري ، ومنه تتوزع على الأعضاء العالية ~~والسافلة من البدن ، فما يصعد إلى معدن الدماغ على أيدي خوادم الشرايين ms317 ~~معتدلا بتبريده ، فائضا إلى الأعضاء المدركة والمتحركة ، منبثا في جميع ~~البدن ، يسمى روحا نفسانيا ، وما يسفل منه إلى الكبد بأيدي سفراء الأوردة ~~الذي هو مبدأ القوى النباتية منبثا في أعمال البدن ، يسمى روحا طبيعيا. ### ||| * فصل # وهذا الروح إنما يحدث من لطائف الأمشاج الأربعة ، التي هي : الدم ، ~~والبلغم ، والصفراء ، والسوداء ، كما أن الأعضاء حادثة عن كثافتها على نسبة ~~محدودة مزاجية. # والأمشاج هي أول ما يحدث من الغذاء ؛ وذلك لأن الغذاء له انهضام ما ~~بالمضغ ؛ لاتصال سطح الفم بسطح المعدة ، بل كأنهما سطح واحد ، وفيه منه قوة ~~هاضمة ؛ ولهذا لا يوجد في الممضوغ الطعم الأول ، ولا الرائحة الأولى. # ثم إذا ورد على المعدة انهضم الانهضام التام بحرارة المعدة ، وبحرارات PageV02P136 # تطيف بها ، فصار بذاته في كثير من الحيوان ، وبمعونة ما يخالطه من ~~المشروب في أكثرها ، كيلوسا ، وهو جوهر سيال شبيه بماء الكشك الثخين. # ثم إنه بعد ذلك ينجذب لطيفه من المعدة ، ومن الأمعاء أيضا فيندفع في طريق ~~العروق المتصلة بالأمعاء المسماة ماساريقا ، إلى العرق المسمى باب الكبد ، ~~وينفذ في الكبد في أجزاء وفروع للباب داخلة في الكبد ، متصغرة متضائلة ، ~~فإذا تفرق في ليف هذه العروق صار كأن الكبد بكليتها ملاقية لكلية هذا ~~الكيلوس ، وكان لذلك فعلها فيه أشد وأسرع ، وكأن الكبد يمتصه من المعدة ~~والأمعاء ، ويجذبه إلى نفسه ، فحينئذ ينطبخ ، ويستفيد من الكبد الحرارة ~~والحمرة ؛ لرقة صفاقات تلك الشعب ، وفي كل انطباخ لمثله شيء كالرغوة ~~والطفاوة ، وشيء كالدردي والعكر ، وشيء يميل إلى الفجاجة ، كبياض البيض ، ~~فالرغوة هي الصفراء ، والرسوب هو السوداء ، والفج هو البلغم ، والمتصفى من ~~هذه الجملة نضيجا هو الدم ، وهو الغذاء الحقيقي للبدن. ### ||| * فصل # إذا تمت استحالة الكيلوس إلى الدم تميزت المائية ، وتنجذب من الجانب ~~المحدب في عرق نازل إلى الكليتين ، وتحمل مع نفسها من الدم ما يكون بكميته ~~، وكيفيته ، صالحا لغذاء الكليتين ، فتغذو الكليتين الدسومة والدموية من ~~تلك المائية ، ويندفع باقيها إلى المثانة، وإلى الإحليل ، وتندفع الرغوة ~~الصفراوية إلى المرارة من الجانب المقعر في منفذ لها فوق الباب، يتصل أحد ms318 ~~طرفي المنفذ بالمرارة ، والآخر بالكبد ، فتقذفها المرارة من منفذ آخر إلى ~~الأمعاء ، فتحث بحدتها الأمعاء على دفع الأثفال والفضول ، فيكون سببا ~~للنقاء من الثفل ، ثم PageV02P137 # تخرج أيضا مع خروج الثفل وبلوغها الأمعاء وعضل المقعدة فيحس بالحاجة ، ~~وينهض للتبرز. # ويتوجه الرسوب السوداوي إلى الطحال من الجانب المقعر أيضا في منفذ آخر ، ~~فيحيلها الطحال حتى يكتسب قبضا وحموضة ، ثم يرسل منها في كل يوم شيئا إلى ~~فم المعدة، فينبه بالجوع ، فيحرك الشهوة بحموضته ، وقبضه ، ثم يخرج أيضا مع ~~خروج الثفل ويتوجه الدم الصافي إلى الأعضاء ، ويتوزع عليها في شعب العرق ~~الأجوف العظيم النابت من حدبة الكبد ، فيسلك في الأوردة المنشعبة منه ، ثم ~~في جداول ، ثم في سواقي الجداول ، ثم في رواضع السواقي ، ثم في العروق ~~الليفية الشعرية ، ثم ترشح في فوهاتها في الأعضاء بتقدير العزيز الحكيم. # وأما البلغم فلعدم استحكام انهضامه وتولده من الهضم الأول ، لم تحدث له ~~الطبيعة وعاء تقبله ، فما صار منه إلى الكبد مع عصارة الطعام والشراب ، ~~انهضم في الكبد ، وجداولها ، واستحال وصار دما ، وما بقي منه في الأمعاء ~~ولم ينحدر منها إلى الكبد ، اندفع من الأمعاء ، وانغسل بالمرة الصفراء ~~المنقية للأمعاء الغاسلة لها بحدتها وحرافتها ، ومنه ما لا يخرج من البدن ~~لحاجة البدن إليه ؛ لأنه يغذوه كالدم ، ولافتقاره إليه لحركة المفاصل ، ~~وترطيب الأمعاء. # وكل خلط يخرج من الفم بالقيء أو البصاق ، أو ينحدر من الرأس ويخرج من ~~الفم بالتنخع ، ولا طعم له في طبيعته ، يسمى بلغما. PageV02P138 ### ||| * وصل # ثم إن للدم وما يجري معه من الأخلاط في العروق هضما ثالثا ، وإذا توزع ~~على الأعضاء فيصيب كل عضو عنده هضم رابع. # فمراتب الهضم في الحيوانات الكاملة بالنظر إلى أعضاء الغذاء والعضو ~~المغتذي ، وإلى ظهور التغيرات في الغاية أربع ، وإن كان الغذاء من مبدأ ~~المضغ إلى حين أن يصير جزء من العضو يعرض له في كل آن تغير واستحالة ، من ~~غير أن يكون ذلك محصورا في عدد ، وينفصل في كل مرتبة من هذه المراتب الأربع ~~فضلة ؛ لأن الهاضمة لا يمكنها إحالة ms319 جميع ما يرد إليها من الغذاء ، إما ~~لكثرته ، وإما لأن من أجزائه ما لا يصلح أن يصير جزء من المغتذي. # فالفضلة الأولى للهضم الأول الذي يكون في المعدة ، وهي البراز ، ويندفع ~~في طريق الأمعاء ، والثانية للثاني الذي يكون في الكبد ، ويندفع أكثرها ~~بالبول ، والباقي من طريق الطحال والمرارة ، والثالثة للثالث الذي يكون في ~~العروق ، والرابعة للرابع الذي يكون في الأعضاء ، واندفاعها قد يكون طبيعيا ~~، وقد يكون غير طبيعي ، والثاني قد يكون باقيا على حاله ، من غير تصرف ~~للهضم الثالث فيه ، كدم البواسير ، والدم الفاسد الخارج بالرعاف ، وغيره ، ~~وقد يستحيل استحالة غير تامة ، كالصديد والقيح ، أو تامة إما إلى حالة تصلح ~~للتغذية ، كالثفل النضيج الخارج في البول في حالة الصحة ، مما فات القوة ~~الغاذية ، أو لا ، كالمرة الخارجة من الأورام المنفجرة ، والأول وهو ما ~~يكون اندفاعه طبيعيا قد يجمع إلى منفعة الانتقاص منفعة أخرى ، وقد لا يجمع ~~، والأول إما أن تكون تلك المنفعة توليد جسم متصل بالبدن من جنس الأعضاء ، ~~وهو مادة الظفر ، أو لا ، وهو مادة الشعر ، PageV02P139 # أو غير متصل ، وهو مادة الولد ، أعني المني ، أو يكون غير توليد جسم آخر. # وحينئذ فتلك المنفعة قد تتعلق بالمني ، كالوذي الحافظ لرطوبة المني ~~المسهل لخروجه ، وقد تتعلق بالجنين حال تكونه ، كالطمث لو حال خروجه ، ~~كالرطوبات الكائنة حالة الولادة، أو بعد ذلك ، كاللبن ، وقد لا تتعلق بهما ~~؛ وذلك إما لدفع ضرر شيء يخرج من البدن ، كالودي الكاسر بلعابيته لحدة ~~البول ، أو يدخل فيه ، كوسخ الأذن القاتل بمرارته لما يدخل فيها من الذباب ~~ونحوه ، وإما لا لدفع ضرر شيء ، كاللعاب المعين على التكلم بترطيبه اللسان. # والثاني وهو ما لا يجمع إلى منفعة الانتقاص منفعة أخرى ، إما أن يتكون ~~عنه جسم آخر منفصل ، كمادة القمل ، أو غير منفصل ، كمادة الحصاة ، وإما أن ~~لا يتكون ، وهو إما أن لا يكون محسوسا البتة ، كالبخار المتحلل ، أو يكون ~~محسوسا أحيانا ، كوسخ البدن الكائن من فعل غذائه ، فإنه لا يحس به إلا إذا ~~جمع ، أو دائما ، واندفاعه إما من ms320 منفذ محسوس ، كالمخاط ، أو غير محسوس ، ~~كالعرق. # والأعضاء القوية تدفع فضولها إلى جاراتها الضعيفة ، كدفع القلب إلى ~~الإبطين ، والدماغ إلى ما خلف الأذنين ، والكبد إلى الأريتين ، كذا أفاد ~~بعض الفضلاء. # فلنشرح أعضاء الحيوان الكامل أولا تشريحا يناسب وضع الكتاب ، مع ذكر ~~منافعها على ما استفدناه من علماء هذا الفن ، مع زوائد ذوات فوائد ، ثم ~~نذكر الملائكة الموكلين به ؛ توسيعا لساحة ميدان التفكر في عظمة الله ، ~~وبالله التوفيق. PageV02P140 ### | في تشريح أعضاء الحيوان الكامل ، ### ||| * ومنافعها ### ||| * ( @QUR@010 يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم* الذي خلقك فسواك ### ||| * @QUR@07 فعدلك* في أي صورة ما شاء ركبك ) (1) ### ||| * فصل # إن الله سبحانه خلق أعضاء الحيوان مختلفة ؛ لحكم ومصالح ، فجعلها عظاما ، ~~وأعصابا ، وعضلات ، وأوتارا ، ورباطات ، وعروقا ، وأغشية ، ولحوما ، وشحوما ~~، ورطوبات ، وغضاريف ، وهي البسائط. # ثم جعل منها الأعضاء المركبة الآلية من القحف ، والدماغ ، والفكين ، ~~والعين ، والأذن ، والأنف ، والأسنان ، واللسان ، والحلق ، والعنق ، والصلب ~~، والنخاع ، والأضلاع ، والقص ، والترقوة ، والعضد ، والساعد ، والرسغ ، ~~والمشط ، والأصابع ، والأظفار ، والصدر ، والرية ، والقلب ، والمريء ، ~~والمعدة ، والأمعاء ، والكبد ، والطحال ، والمرارة ، والكلى ، والمثانة ، ~~ومراق البطن ، والأنثيين ، والقضيب ، والثدي ، والرحم ، والعانة ، والفخذ ، ~~والساق ، والقدم ، والكعب ، والعقب ، وغير ذلك. PageV02P141 # أربعة منها رئيس شريف ، وهي : الدماغ ، والقلب ، والكبد ، والأنثيان ؛ إذ ~~في الأول قوة الحس والحركة ، وفي الثاني قوة الحياة ، وفي الثالث قوة ~~التغذية ، والثلاثة ضرورية لبقاء الشخص ، وفي الرابع قوة التوليد ، وحفظ ~~النسل ، المحتاج إليه في بقاء النوع ، وبه تتم الهيئة ، والمزاج الذكوري ، ~~والأنوثي ، اللذين هما من العوارض اللازمة لأنواع الحيوان. # وكل من الثلاثة الأول مشتبك بالآخر ، محتاج إليه ؛ إذ لو لا الكبد ~~وإمداده لسائر الأعضاء بالغذاء لا نحلت وانفشت ، ولو لا ما يتصل بالكبد من ~~حرارة القلب لم يبق له جوهره الذي به يتم فعله ، ولو لا تسخن الدماغ ~~بالشرايين وإغذاء الكبد بالعروق الصاعدة إليه لم يدم له طباعه الذي يكون به ~~فعله ، ولو لا تحريك الدماغ لمفصل الصدر لم يكن التنفس ، ولم يبق للقلب ~~جوهره الذي منه تنبعث الحرارة الغريزية في أبداننا ، ولكن الرئيس المطلق هو ~~القلب ، وهو أول ما يتكون ms321 في الحيوان ، ومنه يسري الروح الذي هو محل الحس ~~والحركة إلى الدماغ ، ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء ، ومنه أيضا يسري الروح ~~الذي هو محل مبدأ التغذي والنمو إلى الكبد ، ثم يسري منه إلى سائر الأعضاء ~~( @QUR@04 فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1). ### ||| * فصل # العظام أنواع ، من طويل ، وقصير ، وعريض ، ودقيق ، ومصمت ، ومجوف ، على ~~حسب اختلاف المصالح والحكم. PageV02P142 # فمنها ما قياسه من البدن قياس الأساس ، وعليه مبناه ، ومنها ما قياسه ~~قياس المجن والوقاية ، ومنها ما هو كالسلاح الذي يدفع به المصادم ، ومنها ~~ما هو حشو بين فرج المفاصل ، ومنها ما هو متعلق العضلات المحتاجة إلى علاقة. # وجملة العظام دعامة وقوام للبدن ؛ ولهذا خلقت صلبة. # ثم ما لا منفعة فيه سوى هذه خلق مصمتا ، وإن كان فيه المسام والخلل التي ~~لا بد منها ، وما يحتاج إليه لأجل الحركة أيضا ، فقد زيد في تجويفه ، وجعل ~~تجويفه في الوس ، واحدا ، ليكون جرمه غير محتاج إلى مواقف الغذاء المتفرقة ~~، فيصير رخوا ، بل صلب جرمه وجمع غذاؤه ، وهو المخ ، في حشوه. # ففائدة زيادة التجويف أن يكون أخف ، وفائدة توحيد التجويف أن يبقى جرمه ~~أصلب ، وفائدة صلابة جرمه أن لا ينكسر عند الحركات العنيفة ، وفائدة المخ ~~فيه ليغذوه ، وليرطبه دائما ، فلا يتفتت بتجفيف الحركة ، وليكون وهو مجوف ~~كالمصمت ، والتجويف يقل إذا كانت الحاجة إلى الوثاقة أكثر ، ويكثر إذا كانت ~~الحاجة إلى الخفة أكثر. # وخلق بعضها مشاشية لأمر الغذاء المذكور ، مع زيادة حاجة بسبب شيء يجب أن ~~ينفذ فيها ، كالرائحة المستنشقة مع الهواء في العظم التي تحت الدماغ ، ~~ولفضول الدماغ المدفوعة فيها. # والعظام كلها متجاورة ، متلاقية ، ليس بين شيء منها وبين الذي يليه مسافة ~~كثيرة ، وإنما لم يجعل كل ما في البدن منها عظما واحدا ؛ لئلا يشمل البدن ~~ما أصابته من آفة ، أو كسر ، وليكون لأجزاء البدن حركات مختلفة ، متفننة ، ~~ولهذا هيأ كل واحد منها بالشكل الموافق لما أريد به ، ووصل ما يحتاج منها ~~إلى أن يتحرك في بعض الأحوال معا ، وفي بعضها فرادى برباط أنبته من أحد طرفي PageV02P143 # العظم ms322 ، ووصل بالطرف الآخر ، وهو جسم أبيض عديم الحس ، فجعل لأحد طرفي ~~العظمين زوائد ، وفي الآخر قعرا موافقة لدخول هذه الزوائد وتمكنها فيها ، ~~والنابت بهذه الهيئة بين العظام مفاصل ، وصار للأعضاء من أجل المفاصل أن ~~يتحرك منها بعض دون بعض ، ومن أجل الربط المواصلة بين العظام أن يتحرك معا ~~، كعظم واحد ، فتبارك الله من حكيم ما أحكمه. ### ||| * فصل # ومن أجل أن العظام وسائر الأعضاء ، ليس لها أن تتحرك بذاتها ، بل بمحرك ، ~~وعلى سبيل جهة الانفعال ، وصل بها من مبدأ الحس والحركة وينبوعهما الذي هو ~~الدماغ ، وصولا ، وهذه الوصول هي العصب ، وهو جوهر لدن ، علك ، مستطيل ، ~~مصمت عند الحس ، غير العصبة المجوفة التي في العين ، فائدته بالذات إفادة ~~الدماغ بتوسطه لسائر الأعضاء حسا وحركة ، وبالعرض تشديد اللحم وتقوية البدن. # وليس تتصل بالعظم مفردة ، ولكن بعد اختلاطها باللحم والرباط ؛ وذلك لأن ~~الأعصاب لو اتصلت مفردة بعضو عظيم لكانت إما أن لا تقدر على أن تحركه البتة ~~، وإما أن يكون تحريكها له تحريكا ضعيفا ، وخصوصا عندما تتوزع وتنقسم ~~وتنشعب في الأعضاء ، وتصير حصة العضو الواحد أدق كثيرا من الأصل ، وعندما ~~يتباعد عن مبدئه ومنبته ، ومن أجل ذلك ينقسم العصب قبل بلوغه إلى العضو ~~الذي أريد تحريكه به ، وينسج فيما بين تلك الأقسام اللحم وشظايا من الرباط ~~، فيتكون من جميع ذلك شيء يسمى عضلا ، ويكون عظمه ، وصغره ، وشكله ، بمقدار ~~العضو الذي أريد تحريكه ، وبحسب الحاجة إليه ، PageV02P144 # ووضعه في الجهة التي يراد أن يتحرك إليها ذلك العضو. # ثم ينبت من الطرف الذي يلي العضو المتحرك من طرفي العضلة شيء يسمى وترا ، ~~وهو جسم مركب من العصب الآتي إلى ذلك العضو ، ومن الرباط النابت من العظام ~~، وقد خلص من اللحم فيمر حتى يتصل بالعضو الذي يريد تحريكه بالطرف الأسفل ، ~~فيلتئم بهذا التدبير أن يعرض قليل تشنج للعضلة نحو أصلها بجذب الوتر جذبا ~~قويا ، وأن يتحرك العضو بكليته ؛ لأن الوتر متصل منه بطرفه الأسفل وقد ~~تتعدد الأوتار لعضل واحد إذا كان كبيرا ، وربما تعاونت عدة عضل على تحريك ms323 ~~عضو واحد ، وربما لا يكون للعضل وتر ؛ لصغره جدا. # وكل عضو يتحرك حركة إرادية فإن له عضلة بها تكون حركته ، فإن كان يتحرك ~~إلى جهات متضادة كانت له عضلات متضادة المواضع ، تجذبه كل واحدة منها إلى ~~ناحيتها عند كون تلك الحركة ، وتمسك المضادة لها عن فعلها ، وإن عملت ~~المتضادتان في وقت واحد استوى العضو ، وتمدد وقام ، مثلا الكف إذا مدها ~~العضل الموضوع في باطن الساعد انثنت ، وإن مدها العضل الموضوع في ظهره رجعت ~~إلى خلف ، وإن مدها جميعا استوت وقامت بينهما. # ثم إن مبدأ الحس والحركة جميعا في الأعضاء قد يكون عصبة واحدة ، وقد يكون ~~اثنتان ، ومبدئية العصب للحس والحركة إنما هو بسبب حمله للملك الحاس ~~والمحرك من جهة الروح النورية المنبثة فيه من الدماغ ، فالملك اللامس ، ~~المسمى عند الجمهور بالقوة اللامسة ، منبث في جملة جلد البدن وأكثر اللحم ~~والغشاء ، وغير ذلك ، بسبب انبثاث حامله الذي هو الروح ، إلا ما يكون عدم ~~الحس أنفع له ، كالكبد والطحال ، والكلية ، والرئة ، والعظم. # ويدرك هذا الملك الكيفيات الأربع الأول ، والخفة ، والثقل ، والملاسة ، PageV02P145 # والخشونة ، والصلابة ، واللين ، والهشاشة ، واللزوجة ، كلها بالمماسة. # وكذلك فاعل الحركة منبث في جميع الأعضاء بواسطة الروح المنبعثة في ~~العضلات ، وأما سائر الأملاك فكل في محل خاص ، يفعلون فعلهم كما يأتي ، ~~فتبارك الله من لطيف ، ما ألطفه. ### ||| * فصل # لما كان أسافل البدن ، وما بعد من الدماغ يحتاج أن ينال الحس والحركة ، ~~وكان نزول العصب إليها من الدماغ بعيد المسلك ، غير حريز ، ولا وثيق ، ~~وأيضا لو نبتت الأعصاب كلها من الدماغ لاحتيج أن يكون الرأس أعظم مما هو ~~عليه بكثير ، ولثقل على البدن حمله ، فلذلك جعل الله عز اسمه في أسفل القحف ~~ثقبا ، وأخرج منه شيئا من الدماغ ، وهو النخاع ، وحصنه لشرفه وعزته بالعنق ~~والصلب ، كما حصن الدماغ بالقحف ، وأجراه في طول البدن ، وهو محصن موقى ، ~~وأنبت منه حين قارب وحاذى عضوا ما عصبا يخرج من ثقب في خرز العنق والصلب ، ~~ويتصل بتلك الأعضاء التي يأتيها العصب من ذلك الموضع ، فيعطيها الحس ~~والحركة ms324 ، بقوة مبدئهما الذي فيه. # فإن حدثت على الدماغ حادثة عظيمة فقد البدن كله الحس والحركة ، وإن حدثت ~~على النخاع فقدتهما الأعضاء التي يجيئها العصب من ذلك الموضع ، وما دونه ~~فحسب ؛ لأن الدماغ بمنزلة العين والينبوع لذلك ، والنخاع بمنزلة النهر ~~العظيم الجاري منه ، والأعصاب بمنزلة الجداول. # وأول مبادىء الأعصاب الخارجة من الدماغ والنخاع تكون لينة شبيهة PageV02P146 # بهما ، ثم إنها تصلب متى تباعدت منها حتى تصير عصبا تام النوع ، فتبارك ~~الله أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # العضلات كلها مجللة بغشاء لطيف ، وكذلك جميع الأحشاء مجللة بأغشية ، ~~والغشاء جسم لطيف رقيق منتسج من العصب والرباط ؛ ليفيد العضو الذي هو غشاء ~~له ومحيط به مما لا حس له الحس والشعور العرضيين ، فيتبادر إلى دفع الألم ~~في الجملة ، وليحفظ أيضا الأعضاء على أشكالها وأوضاعها ، ويصونها عن التبدد ~~والتفرق ، وليربطها بواسطة العصب والرباط الذي تشظى إلى ليفه بعضو آخر. # وجميع الأحشاء الملفوفة في الغشاء مما هو داخل الأضلاع فمنبت غشائها من ~~أحد غشائي الصدر والبطن المستبطنين. # والأعضاء اللحمية إما ليفية ، كلحم العضل ، وإما ليس فيها ليف ، كالكبد ، ~~ولا شيء من الحركات إلا بالليف ، أما الإرادية فبسبب ليف العضل ، وأما ~~الطبيعية كحركة الرحم ، والعروق ، والمركبة كحركة الازدراد فبليف مخصوص ~~بهيئة من وضع الطول والعرض ، والتورب ، فللجذب الليف المتطاول ، وللدفع ~~الليف الذاهب عرضا ، العاصر ، وللإمساك الليف المورب ، فتبارك الله اللطيف ~~الخبير. PageV02P147 ### ||| * فصل # وأما العروق فنوعان : # أحدهما : النابضة الضوارب ، ومنبتها القلب ، وتسمى بالشرايين ، ولها ~~حركتان انقباضية وانبساطية ، وشأنها أن تنفض البخار الدخاني من القلب ~~بحركتها الانقباضية ، وتجذب بحركتها الانبساطية نسيما طيبا صافيا يستريح به ~~القلب ، ويستمد منه الحرارة الغريزية، وبهذه الحركة تنتشر الروح والقوة ~~الحيوانية ، والحرارة الغريزية في جميع البدن. # وخلقت كلها ذات صفاقين ؛ احتياطا في وثاقة جسميتها ؛ لئلا تنشق بسبب قوة ~~حركتها بما فيها ، ولئلا يتحلل ما فيها إلا واحد منها ، يسمى بالشريان ~~الوريدي ، فإنه ذو صفاق واحد ؛ ليكون ألين ، وأطوع للانبساط ، والانقباض ، ~~فإن الحاجة إلى السلاسة أمس فيه إلى الوثاقة ؛ لأنه كما أنه منفذ للنسيم ، ~~كذلك منفذ لغذاء الرئة ms325 ، فإن غذاءه من القلب ، وهو يغوص في الرئة ، ويصير شعبا. # ولحم الرئة لين لطيف ، لا يخشى مصادمته عند النبض ، ويحتاج إلى ترشح ~~الغذاء إليه بسرعة وسهولة ، وجعل الصفاق الداخلان (1) من ذوات الصفاقين ~~أصلب ؛ لأنه كالبطانة التي تحمي الظهارة ، وهو الملاقي لقوة الحرارة ~~الغريزية ، ولمصادمته حركة الروح ، فأوجبت الحكمة تقوية منفذ الروح ~~والحرارة الغريزية بهذه البطانة ، وإحرازها بها. # والنوع الثاني : العروق الساكنة ، ومنبتها الكبد ، وتسمى الأوردة ، وشأنها PageV02P148 # إما جذب الغذاء إلى الكبد ، وإما إيصال الغذاء من الكبد إلى الأعضاء ، ~~وكلها ذات صفاق واحد ، إلا واحد يسمى بالوريد الشرياني ، فإنه ذو غشائين ~~صلبين ؛ لأنه ينفذ في التجويف الأيمن من القلب ، ويأتي بغذاء الرئة إلى القلب. # ولحم الرئة لطيف خفيف ، لا يصلح له إلا دم دقيق لطيف. # ومن الشرايين ما يرافق الأوردة لترتبط الأوردة بالأغشية المجللة بها ، ~~فيستقي فيما بينهما من الأعضاء ، فيستقي كل واحد منهما عن الآخر ، وكلما ~~ترافقا على الصلب في داخل امتطى الشريان الوريد ليكون أخسهما حاملا للأشرف ~~، وما ترافقا في الأعضاء الظاهرة غاص الشريان تحت الوريد ليكون أستر ، وأكن ~~له ، ويكون الوريد له كالجنة ، فتبارك الله العزيز الحكيم. ### ||| * فصل # وأما الغضروف ، فهو ألين من العظم ، وأصلب من سائر الأعضاء ، وفائدته أن ~~يحسن به اتصال العظام بالأعضاء اللينة ، فلا يكون الصلب واللين قد تركبا ~~بلا متوسط ، فيتأذى اللين بالصلب ، وخصوصا عند الضربة والضغطة ، وليحسن به ~~تجاور المفاصل المستحاكة ، فلا تتراض لصلابتها ، وليستند به ، وتقوى بعض ~~العضلات الممتدة إلى عضو غير ذي عظم ، وليعتمد عليه ما افتقر إلى الاعتماد ~~على شيء قوي ليس بغاية الصلابة ، فتبارك الله الرؤوف الرحيم. ### ||| * فصل # فهذه هي الأعضاء المتشابهة الأجزاء التي تتركب منها الأعضاء الآلية ، ~~لواهبها الحمد فوق ما حمده الحامدون ، وكلها تتكون عن المني ، ما خلا اللحم PageV02P149 # والشحم فإنهما يتكونان عن الدم. # ومبدأ عقد الصورة في مني الذكر ، ومبدأ انعقادها في مني الأنثى ، وهما ~~بالنسبة إلى الجنين كالأنفحة واللبن بالقياس إلى الجبن. # وقيل : إن لكل من المنيين قوتان ، عاقدة وقابلة ، وإن كانت العاقدة في ~~الذكوري ms326 أقوى ، والمنعقدة في الأنوثي أقوى ، وهو الأظهر ، وإلا لم يمكن أن ~~يتحدا شيئا واحدا ، ولم ينعقد مني الذكر حتى يصير جزء من الولد ، ولهذا إذا ~~كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا ، كما تكون أمزجة النساء ، الشريفة النفس ، ~~القوية القوى ، وكان مزاج كبدها حارا ، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى ~~أحر كثيرا من الذي ينفصل عن كليتها اليسرى. # فإذا اجتمعا في الرحم ، وكان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب قام ~~المنفصل من الكلية اليمنى مقام مني الرجل في شدة قوة العقد ، والمنفصل من ~~اليسرى مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد ، فينخلق الولد بإذن الله ، وخصوصا ~~إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس ، متقومة به ، بحيث يسري اتصالها به إلى ~~الطبيعة والبدن ، وتغير المزاج ، ويمد جميع القوى في أفعالها بالمدد ~~الروحاني ، فتصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس ، كما وقع للصديقة ~~مريم بنت عمران ، على نبينا وعلى ابنها و عليها السلام ، حيث تمثل لها روح ~~القدس بشرا سويا ، لخلق حسن الصورة ، فتأثرت نفسها به ، فتحركت على مقتضى ~~الجبلة ، وسرى الأثر من الخيال في الطبيعة ، فتحركت شهوتها ، فأنزلت كما ~~يقع في المنام من الاحتلام. فتبارك الذي خلق من الماء بشرا ، فجعله نسبا ~~وصهرا ، وكان ربك قديرا. PageV02P150 ### ||| * فصل # ابتداء خلقة الجنين هو حصول الماء في الرحم ، وشبه بالعجين إذا ألصق ~~بالتنور ، ثم يتغير عن حاله قليلا ويشبه بالبذر إذا طرح في الأرض ، ويسمى ~~نطفة ، ثم تحصل فيه نقط دموية من دم الحيض ، ويسمى علقة ، ثم تظهر فيه حمرة ~~ظاهرة منه ، فيصير شبيها بالدم الجامد ، ويعظم قليلا ويهيج فيه ريح حارة ، ~~ويسمى مضغة ، ثم يتم وتتميز فيه الأعضاء الثلاثة الرئيسة ، وتظهر لسائر ~~الأعضاء رسوم خفية ، ويسمى جنينا ، ثم تظهر فيه رسوم سائر الأعضاء ، ويقوى ~~ويصلب وتجري فيه الروح ، وتتحرك ، ويسمى صبيا ، ثم تنفصل الرسوم ، وتظهر ~~الصورة ، وينبت الشعر ، ثم ينفتح لسانه ، وتتم خلقته ، وتكمل خلقة الذكر ~~قبل خلقة الأنثى ، وإذا كمل لم يكتف بما يجيئه من الغذاء من دم الحيض ، ~~فيتحرك حركات صعبة قوية ، وانهتكت ربطه ms327 بالرحم ، فكانت الولادة. # وإلى هذه الأطوار أشير بقوله سبحانه : ( @QUR@034 ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1). # ولنشرح الآن الأعضاء الآلية ، ذاكرين هيئاتها ، وهيئات البسائط على ~~الترتيب ، من لدن القرن إلى القدم ، وبالله الاستعانة. PageV02P151 ### ||| * فصل # أما قحف الرأس الذي خلق لحفظ الدماغ ووقايته عن الآفات ، فخلقه الله ~~مستديرا إلى طول ؛ لأن المستدير أعظم مساحة من الأشكال المستقيمة الخطوط ، ~~إذا تساوت إحاطتها ؛ ولئلا تنفعل عن المصادمات ما ينفعل عنه ذو الزوايا. # وأما طوله فلأن منابت الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول ؛ لئلا يزدحم ولا ~~ينضغط ، وقد يفقد النتوء المقدم ، أو المؤخر ، أو كلاهما. # والقحف مؤلف من ستة أعظم ، اثنان منها بمنزلة السقف ، وأربعة بمنزلة ~~الجدران ، ويتصل بعضها ببعض بدروز تسمى بالشؤن ، وجعل الجدران أصلب من ~~اليافوخ ؛ لأن السقطات والصدمات عليها أكثر ؛ ولأن الحاجة إلى تخلخل ~~اليافوخ أمس لينفذ فيه البخار المتحلل ، ولئلا يثقل على الدماغ. وجعل أصلب ~~الجدران مؤخرها ؛ لأنه غائب عن حراسة الحواس. # وفي القحف ثقب كثيرة لتخرج منها أعصاب كثيرة ، وتدخل فيها عروق وشرايين ، ~~وتخرج منها الأبخرة الغليظة الممتنعة عن النفوذ في العظم ، فينقى بتحللها ~~الدماغ ، وليتشبث بها الحجاب الغليظ الثقيل الآتي ذكره ، فيخفف عن الدماغ. # وأعظم ثقب فيه الذي من أسفل عند نقرة القفاء ، وهو مخرج النخاع ، ويتصل ~~بالقحف اللحى الأعلى ، وهو الذي فيه الخدان ، والأذنان ، والأسنان العليا ، ~~ويتركب من أربعة عشر عظما ، يتصل بعضها ببعض بدروز ، ثم اللحى PageV02P152 # الأسفل ، وهو الذي فيه الأسنان السفلى ، إلا أنه لم يتصل به اتصال التحام ~~وركز ، بل اتصال مفصل ؛ لاحتياجه إلى حركة ، ويسمى موضع اتصاله به ~~«الزرفين» ، وهو مركب سوى الأسنان من عظمين بينهما شان في وسط الذقن ، وتحت ~~القحف من ناحية الخلف فيما بينه وبين اللحى الأعلى عظم مركوز قد ملىء به ~~الخلل الحادث من تقسيم أشكال هذه العظام ويسمى بالوتد. # فجميع عظام الرأس إذا ms328 عدت على ما ينبغي خلا الأسنان ثلاثة وعشرون عظما. ### ||| * فصل # وأما الدماغ فخلقه الله سبحانه لينا ، دسما ، لتنطبع المحسوسات فيه ~~بسهولة ، ولتكون الأعصاب النابتة منه لينة لا تنكسر ، ولا تنقطع ، وجعل ~~مزاجه باردا رطبا ، لتنفعل القوى المودعة فيه عن مدركاتها ، ولئلا تشتعل ~~بالحرارات المتولدة فيه من الحركات الفكرية والخيالية ، ولتعتدل قوة الروح ~~والحرارة الصاعدة إليه من القلب. # وجعل مقدمه الذي هو منبت الأعصاب الحسية ألين من مؤخره الذي هو منبت ~~الأعصاب الحركية ؛ لأن الحركة لا تحصل إلا بقوة ، والقوة إنما تحصل بصلابة. # وهو ذو قسمين ، طولا وعرضا ، لئلا تشمل الآفة جميع أجزائه ، وفي طوله ~~تجاويف ثلاثة يفضي بعضها إلى بعض ، تسمى بطون الدماغ ، وهي محل الروح ~~النفساني ، ومواضع الحواس ، ومقدمها أعظمها ، ويتدرج إلى الصغر حتى يعود PageV02P153 # إلى قدر النخاع وشكله ، وله زائدتان شبيهتان بحلمتي الثدي ، تبلغان إلى ~~العظم الكثير الثقب ، الشبيه بالمصفى في موضعه من القحف ، حيث ينتهي إليه ~~أقصى الأنف ، فيهما حس الشم ، وبهما تندفع الفضول من هذا البطن المقدم إلى ~~العظم المذكور ، وينزل منه إلى الخيشوم بالعطاس. # وأما فضول البطنين الآخرين فيندفع إلى العظم المثقب الذي تحت الحنك ، ~~والبطن المقدم هو موضع انجذاب الهواء إلى الدماغ ، والهواء بعد مكثه في ~~البطون وتغيره إلى المزاج الدماغي يصير روحا نفسانيا ، وكثيرا ما يريد على ~~ما يسعه البطون ، فيصعد إلى غصون الدماغ ، يسمى بالسراريد ، ويستحيل فيها ~~إلى المزاج الدماغي ، وإلى صلوحه له ، والسرد الموضوع من جانبي البطن ~~الأوسط يتمدد تارة ، ويتقلص أخرى ، مثل الدودة ، ويسمى بها ، كما يسمى هذا ~~البطن أيضا ؛ لأن بتمدده يستطيل هو وينضم معه ، وبتقلصه يستعرض ويتفرج عنه ~~، والأول حركة الانقباض ، بها تندفع الفضلة ، والثاني حركة الانبساط ، بها ~~تتأدى صور المدركات إلى القوة الحافظة بتقدير العزيز الحكيم ، فسبحانه ~~سبحانه ، ما أسبغ نعمه ، وأعلى شأنه. ### ||| * فصل # قد جلل الدماغ بغشائين ، رقيق لين ، ملاصق له ، ومخالط في مواضع ، وغليظ ~~صلب فوقه ، ملاصق للقحف ، وله في أمكنة منه ، وهو مثقب ثقبا كثيرة في ~~موضعين عند العظم الشبيه بالمصفى ، والعظم الذي في ms329 الحنك لاندفاع الفضول ، ~~وتتشعب منه شعب دقاق يصعد من دروز القحف إلى ظاهره ، يتشبث أولا الغشاء ~~بالقحف بتلك الشعب ، فيتجافى بها عن الدماغ ، ويرتفع ثقله عنه ، ثم PageV02P154 # ينسج من تلك الشعب على ظاهر القحف غشاء يجلله ، ويتوسط أيضا بين جزئي ~~الدماغ المقدم والمؤخر حجاب لطيف يحجب الجزء الألين عن مماسة الأصلب. # وتحت الدماغ بين الغشاء الغليظ والعظم نسيجة شبيهة بالشباك الكثيرة التي ~~ألقيت بعضها على بعض ، حصلت من الشرايين الصاعدة إلى الرأس من القلب والكبد ~~، ويخرج منها عرقان ، فيدخلان الغشاء الصلب ، ويتصلان بالدماغ ، وإنما فرشت ~~الشبكة تحت الدماغ ليبرد فيها الدم الشرياني والروح ، فيتشبه بالمزاج ~~الدماغي بعد النضج ، ثم يتخلص إلى الدماغ على التدريج. # والفرج التي تقع بين فروع هذه الشريانات محشو بلحم غددي لئلا تبقى خالية ~~، ولتعتمد عليه تلك الفروع ، وتبقى على أوضاعها ، فسبحان الخالق الكريم ، ~~ما أبين كرمه ، وأسبغ نعمه. ### ||| * فصل # وأما الأعصاب النابتة من الدماغ فسبعة أزواج ، أولها ينشأ من مقدم الدماغ ~~ويجيء إلى العين فيعطيها حس البصر ، بقوة الملك الباصر الموكل به ، وهاتان ~~العصبتان مجوفتان ، وإذا نشأتا من الدماغ وبعدتا عنه قليلا اتصلتا ، وأفضى ~~ثقب كل واحد منهما إلى صاحبه ، ثم يفترقان أيضا وهما بعد داخل القحف ، ثم ~~يخرجان ، ويصير كل واحد منهما إلى العين التي من جانبه. # والزوج الثاني ينشأ من خلف منشأ الأول ، ويخرج من القحف في الثقب الذي في ~~قعر العين ، ويتفرق في عضل العين ، فتكون به حركاتها. # والثالث منشؤه من خلف الثاني من حيث ينتهي البطن المقدم إلى البطن PageV02P155 # الثاني ، ويخالط الزوج الرابع ، الذي بعده ، ثم يفارقه وينقسم أربعة ~~أقسام ، أحدها ينزل إلى البطن إلى ما دون الحجاب ، والباقي منها يتفرق في ~~أماكن من الوجه والأنف ، ومنها ما يتصل بالزوج الذي بعده. # والرابع منشؤه من خلف منشأ الثالث ، ويتفرق في الحنك ، فيعطيه حسا خاصا له. # والخامس يكون ببعضه حس السمع ، وببعضه حركة العضل الذي يحرك الخد. # والسادس يصير بعضه إلى الحلق واللسان ، وبعضه إلى العضل الذي في ناحية ~~الكتف ، وما حواليه ، وبعضه ms330 ينحدر من العنق ، وينشعب منها في مرورها شعب ~~تتصل بعضل الحنجرة ، فإذا بلغت إلى الصدر انقسمت أيضا ، فرجع منها بعضها ~~مصعدا حتى يتصل بعضل الحنجرة ، ويتفرق شيء منها في غلاف القلب والرئة ، ~~والمريء ، وما جاورهما ، ويمر الثاني وهو أكبره حتى ينفذ الحجاب ، ويتصل ~~بفم المعدة منه أكثره ، ويتصل الباقي بغشاء الكبد ، والطحال ، وسائر ~~الأحشاء ، ويتصل به هناك بعض أقسام الزوج الثالث. # والسابع يبتدىء من مؤخر الدماغ ، حيث منشأ الدماغ ، ويتفرع في عضل اللسان ~~والحنجرة ، والعضلات المحركة لأعضاء البدن كلها تنشأ من هذه الأعصاب ، ~~والأعصاب النخاعية الآتي ذكرها ، ولما لم يمكن تصويرها بالكلام ما يمكن من ~~تصوير الأعصاب والعظام ، بل لا بد في ذلك من مشاهدة ودراية كثيرة بالغة ~~أعرضنا عنه. # وعدد كل ما في البدن من العضلات خمسمائة وتسع وعشرون عضلة ، PageV02P156 # على رأي جالينوس (1)، ولواهبها الحمد أضعاف ما حمده الحامدون. ### ||| * فصل # وأما العين فهي مركبة من سبع طبقات ، وثلاث رطوبات ، ما خلا الأعصاب ~~والعضلات والعروق. # وبيان هيئاتها : أن العصبة المجوفة التي هي أول العصب الخارج من الدماغ ~~تخرج من القحف إلى حيث قعر العين ، وعليها غشاءان ، هما غشاء الدماغ ، فإذا ~~برزت من القحف وصارت في حومة عظم العين فارقها الغشاء الغليظ ، وصار لباسا ~~وغشاء على عظم العين الأعلى كله ، ويسمى هذا الغشاء الطبقة الصلبة ، ~~ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق فيصير غشاء ولباسا ، دون الطبقة الصلبة ، ~~وتسمى الطبقة المشيمة ، لشبهها بالمشيمة ، وتعرض العصبة نفسها ، ويصير PageV02P157 # فيها غشاء دون هذين ، وتسمى الطبقة الشبكية. # ثم يتكون في وسط هذا الغشاء جسم لين رطب حمراء صافية غليظة (1) مثل ~~الزجاج الذائب ، يسمى الرطوبة الزجاجية ، ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر ~~مستدير إلا أن فيه أدنى تفرطح شبيه بالجليد في صفائه ، وتسمى الرطوبة ~~الجليدية. # ويحيط الزجاجية من الجليدية بمقدار النصف ، ويعلو النصف الآخر جسم شبيه ~~بنسج العنكبوت ، شديد الصفاء والصقال ، يسمى الطبقة العنكبوتية ، ثم يعلو ~~هذا جسم سائل في لون بياض البيض يسمى الرطوبة البيضية ، ويعلو الرطوبة ~~البيضية جسم رقيق مخمل الداخل ، حيث يلي البيضة ، أملس ms331 الخارج ، ويختلف ~~لونه في الأبدان ، فربما كان شديد السواد ، وربما كان دون ذلك ، في وسطه ~~حيث يحاذي الجليدية ثقب يتسع ويضيق في حال دون حال ، بمقدار حاجة الجليدية ~~إلى الضوء ، فيضيق في الضوء الشديد ، ويتسع في الظلمة، وبانسداده يبطل ~~الإبصار ، وهو مثل ثقب حب عنب ، ينزع من العنقود ، وهو الحدقة ، وفيها ~~رطوبة لطيفة ، وروح ، ولهذا يبطل الناظر عند الموت ، ويسمى هذا الغشاء ~~الطبقة العنبية. # ويعلو هذه الطبقة ويغشاها جسم كثيف صاف صلب ، يشبه صفحة صلبة رقيقة من ~~قرن أبيض ، ويسمى القرنية ، غير أنها تتلون بلون الطبقة التي تحتها المسماة ~~عنبية ، كما يلصق وراء جام من زجاج شيئا ذا لون ، فيميل ذلك المكان من ~~الزجاج إلى لون ذلك الشيء. # ويعلو هذا ويغشاه ، لكن لا كله ، بل إلى موضع سواد العين لحم أبيض ، دسم ~~، مشف ، مختلط بالعضلات المحركة للعين ، غليظ ، ملتحم عليه ، يسمى PageV02P158 # بالملتحمة ، وهو بياض العين ، وينشأ من الغشاء الذي على القحف من خارج ، ~~كما تنشأ القرنية من الطبقة الصلبة ، والعنبية من الطبقة المشيمية ، ~~والعنكبوتية من الشبكية ، وكل تجذب الغذاء من التي هي منشؤها ، فإنها تتغذى ~~بنصيبها وتؤدي الباقي إليها ، فتبارك الله اللطيف الخبير ، أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # ألوان العيون باعتبار اختلاف ألوان الطبقة العنبية أربعة : كحلاء ، ~~وزرقاء ، وشهلاء ، وشعلاء. # وسبب الكحل إما قلة الروح وعدم إشراقها على جميع أجزاء العين ، أو ~~كدورتها وقلة إشراقها على لون العنبية ، أو صغر الجليدية أو غورها ، وكونها ~~داخلة جدا ، فلا يظهر صفاؤها كما ينبغي ، أو كثرة الرطوبة البيضية ، أو ~~كدورتها ، فتستر بريق الجليدية ، أو شدة سواد العنبية ، فإذا اجتمعت هذه ~~الأسباب كانت العين شديدة الكحل. # وأسباب الزرقة أضداد ذلك ، وإذا اختلطت أسباب الكحل والزرقة وتكافأت كانت ~~العين شهلاء ، وإذا زادت أسباب الزرقة على أسباب الكحل كانت شعلاء. # وإنما خلقت هذه الطبقة على هذا اللون ؛ لأنه أوفق الألوان لنور البصر ؛ ~~إذ الأبيض يفرق نوره ، والأسود يجمعه ويكثفه ، والآسمانجوني لاعتداله يجمع ~~النور جمعا معتدلا ، ويقويه، وإنما خلقت غليظة لتمنع عن إشراق الشمس على ~~نور البصر ، وليكون وسيطا ms332 قويا بين الرطوبات ، وبين الطبقة الصلبة القرنية ~~التي قدامها ، ولهذا جعل ظاهرها الذي يليها أصلب ، وفي صلابة ظاهرها فائدة PageV02P159 # أخرى هي أن تبقى الثقبة العنبية لصلابة ما تحفظ بها مفتوحة لا يتشوش من ~~أطرافها تشوش الشيء الرخو اللين ، وفي الحقيقة هذه الطبقة طبقتان : ~~داخلانية ذات خمل ، وأخرى صلبة. # وجعلت القرنية شفيفة لئلا تحجب نور البصر عن النفوذ فيها ، وصلبة لتكون ~~وقاية للطبقات الأخرى ، وللرطوبة عن الآفات ، ولتحفظها على أوضاعها ~~وأشكالها ، وجعل الرطوبة البيضية قدام الجليدية لتحجب عنها قوة الأشعة ، ~~والأضواء ، لكي لا تغلبها ، وجعل ظاهر الجليدية مفرطحة لأن تقع الأشباح ~~المدركة في جزء كبير منها ، فيكون الإبصار به أقوى ؛ إذ المدور لا يحاذي ~~الشيء إلا بجزء صغير ، وجعلت الزجاجية غليظة لئلا تسيل ، وجعلت من وراء ~~الجليدية ليكون إلى مبدأ الغذاء أقرب ، فتبارك الله أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # الرطوبة الجليدية هي أشرف أجزاء العين ، وسائر الطبقات والرطوبات خادمة ~~لها ، ووقاية ، وهي محل المدركات البصرية من جهة الروح الآتي إليها من ~~العصبتين المجوفتين اللتين هما محل الملك الباصر ، المدرك للأضواء والألوان ~~والحركات والمقادير ، وغيرها ، بتوسط الروح التي فيهما. # وإنما جعلت العصبتان مجوفتين للاحتياج إلى كثرة الروح الحامل لهذا الملك ~~، بخلاف سائر الحواس. # وإنما جعلتا متلاقيتين ليجمع عند ملاقيهما الروح حتى لو أصاب إحدى ~~العينين آفة لا يضيع نورها ، بل يندفع الروح من هذا المجمع بالكلية إلى ~~العين الصحيحة ، فيصير بسبب ذلك أشد إبصارا ، ولهذا كل من غمض إحدى عينيه PageV02P160 # تقوى عينه الأخرى ، وتتسع ثقبتها العنبية ، ولأن يكون للعينين مؤدى واحد ~~تؤديان إليه شبح المبصر ، فتتحد هناك. # ويكون الإبصار بالعينين إبصارا واحدا لتمثل الشبح في الحد المشترك ، ~~ولذلك يعرض للحؤل أن يروا الشيء الواحد شيئين عندما تزول إحدى الحدقتين إلى ~~فوق ، أو إلى أسفل ، فتبطل به استقامة نفوذ المجرى إلى التقاطع ، ويعرض قبل ~~الحد المشترك حد مشترك آخر ؛ لانكسار العصبة ، وكذلك كل من استرخت أعصابه ~~وتتمايل حدقتاه كالسكارى. # ومن هذا القبيل الإحساس بشيئين عن شيء واحد لمن يلوي إصبعه الوسطى على ~~السبابة ، وأدار بهما ms333 شيئا مدورا ، فإن الوسطى تحس عن محاذاة الأعلى ، ~~والسبابة عن محاذاة الأسفل ، ولأن تستدعم كل عصبة بالأخرى وتستند إليها ~~وتصير كأنها تنبت من قرب الحدقة ، فيكون اندفاع النور إلى العين أقوى ، مثل ~~مجمع الماء الذي يتخذ للماء القليل ؛ ولأنه لو لا هذا الالتقاء لكانت ~~العصبتان عند كل نظرة وتحديق والتفات متمائلتان ، وتتزالل إحدى الحدقتين عن ~~محاذاة الأخرى ، فيكون أكثر الناس في أكثر الأحوال يرى الشيء الواحد شيئين ~~، فتبارك الله اللطيف ما ألطفه ، وما أحكمه. ### ||| * فصل # وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي على ظاهر القحف ، وفائدته أن يمنع نكاية ~~ما يلاقي الحدقة من خارج ، ويمنع عند انطباقه وصول الغبار والدخان والشعاع ~~، ويصقل الحدقة دائمة ، ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذاء. PageV02P161 # وجعل الأسفل أصغر من الأعلى ؛ لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ، ويكشفها أخرى ~~، بتحركه ، وأما الأسفل فغير متحرك ، فلو زيد على هذا القدر لستر شيئا من ~~الحدقة دائما ، ولكان يجتمع فيه الفضول ، ولا يسيل. # وأما الأهداب فتمنع من الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن ، مع ~~انفتاح العين، كما يرى عند هبوب الرياح التي تأتي بالقذاء ، فيفتح أدنى فتح ~~، وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية ، فيحصل له شبه شباك ينظر من ورائه ، ~~فتحصل الرؤية مع اندفاع القذاء ، فتبارك الله المصور ، اللطيف ، ما ألطفه ، ~~وما أحسن تصويره. ### ||| * فصل # وأما الأذن ، فهي مخلوقة من العصب واللحم والغضروف ، وخلقت مرتفعة ~~كالشراع ؛ ليجتمع فيها الهواء الذي يتحرك من قوة صوت الصائت ، ويطن فيها ، ~~وينفذ في المنفذ الذي في عظم صلب يسمى الحجري ، ويحرك الهواء الذي هو داخل ~~الأذن ، ويموجه ، كما يرى من دوائر الماء لما وقع فيه ، فيقع هناك على جلدة ~~مفروشة على عصبة مقعرة ، كمد الجلد على الطبل ، فيحصل طنين يشعر بهيئته ~~الملك السامع للأصوات الواقع في تلك العصبة ، بتوسط ما هو وراءها من جوهر الروح. # وذاك المنفذ كثير التعاويج والمنعطفات ، وعند نهايته تجويف يسمى بالجوفة ~~، والعصبة على حواليها ، وإنما جعل كذلك ؛ لتطول به مسافة ما ينفذه من قوة ~~الصوت والرياح الحارة والباردة ، فينفذ فيه ، وهي ms334 مكسورة القوى ، فاترة. # وحال تلك العصبة في السمع كحال الرطوبة الجليدية في الأبصار ، PageV02P162 # ومحلها مثل محلها ، وكما أن جميع أجزاء العين خلقت إما خادمة للجليدية ، ~~وإما وقاية لها ، كذلك جميع أجزاء الأذن خلقت خادمة لهذا العصب. # وفائدة الصماخ فائدة الثقبة العنبية. والصداء إنما هو لانعطاف الهواء ~~المصادم لجبل أو غيره من عالي أرض ، وهو كرمي حصاة في طاس مملوء ماء ، ~~فتحصل منه دوائر متراجعة من المحيط إلى المركز. # وقيل : إن لكل صوت صداء ، وفي البيوت إنما لم يقع الشعور لقرب المسافة ، ~~فكأنهما يقعان في زمان واحد ، ولهذا يسمع صوت المغني في البيوت أقوى مما في ~~الصحراء ، فتبارك الله اللطيف الخبير. ### ||| * فصل # وأما الأنف فهو مخلوق من العظم والغضروف ، ما خلا العضلات المحركة. # وبيان هيئته : أن له عظمين هما كالمثلثين ، تلتقي زاويتاهما من فوق ، ~~وقاعدتاهما يتماسان عند زاوية ، ويتفارقان بزاويتين ، وعلى طرفيهما ~~السافلين غضروفان لينان ، وفيما بينهما على طول الدرز غضروف ، حده الأعلى ~~أصلب من الأسفل ، ومجراه إذا علا انقسم قسمين ، يفضي أحدهما إلى أقصى الفم ~~، وبه يكون استنشاق الهواء إلى الرئة ، والتنفس الجاري على العادة لا ~~الكائن بالفم ، ويمر الآخر صاعدا حتى ينتهي إلى العظم الشبيه بالمصفى ~~الموضوع في وجه زائدتي الدماغ ، المشبهتين بحلمتي الثدي ، وبه يكون نفض ~~الفضول من الدماغ ، واستنشاق الهواء إليه ، والتنفس ، وبالزائدتين حس الشم ~~؛ إذ هما المحل للملك الشام للروائح ، بتوسط الهواء المنفعل بها ، ~~ومحلتيهما له من جهة الروح المودعة فيهما. PageV02P163 # وفي أقصى الأنف مجريان إلى الماقين ؛ ولذلك قد يتأدى طعم الكحل إلى ~~اللسان ، وإنما خلق الأنف على هذه الهيئة ليعين بالتجويف الذي يشتمل عليه ~~في الاستنشاق حتى ينحصر فيه هواء كثير ، وليعتدل فيه الهواء قبل النفوذ إلى ~~الدماغ ، وليجمع الهواء الذي يطلب منه الشم أمام آلة التشمم ؛ ليكون ~~الإدراك أكثر ، وليعين في تقطيع الحروف ، وتسهيل إخراجها لئلا يزدحم الهواء ~~كله عند الموضع الذي يحاول فيه تقطيع الحروف ، وليكون للفضول المندفعة من ~~الرأس سترا ووقاية عن الأبصار ، وآلة معينة على نفضها بالنفخ، ومنفعة ~~غضروفية الطرفين بعد ms335 المنفعة المشتركة للغضاريف أن تنفرج وتتوسع إن احتيج ~~إلى فضل استنشاق ونفخ ، ولتعين في نفض البخار باهتزازهما عند النفخ ، ~~وانتفاضهما ، وارتعادهما. # ومنفعة الوسطاني أن يفصل الأنف إلى المنخرين حتى إذا نزل من الدماغ فضلة ~~نازلة مالت في الأكثر إلى أحدهما ، ولم يسد جميع طريق الاستنشاق ، فالحمد ~~لله أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # وأما الأسنان فستة عشر سنا ، في كل لحي منها ثنيتان ، ورباعيتان للقطع ، ~~ونابان للكسر ، وخمسة أضراس يمنة ويسرة للطحن ، ولأكثرها مدخل في تقطيع ~~الحروف وتبيينها ، وربما نقصت الأضراس ، فكانت أربعا بانعدام الأربعة ~~الطرفانية المسماة بالنواجذ ، وهي تنبت في الأكثر بعد البلوغ إلى قريب من ~~ثلاثين سنة ، ولهذا تسمى أسنان الحلم. # وللأسنان أصول هي رؤوس محددة ، ترتكز في ثقب العظام الحاصلة لها PageV02P164 # من الفكين ، وتنبت على حافة كل ثقبة زائدة مستديرة عليها عظيمة ، تشتمل ~~على السن ، وهناك روابط قوية. # وأصول الأضراس التي في الفك الأعلى ثلاثة ، وربما كانت وخصوصا للناجذين ~~أربعا ، والتي في الفك الأسفل لها أصلان ، وربما كانت وخصوصا للناجذين ~~ثلاثة ، وأما سائر الأسنان فإنما لها أصل واحد. # وإنما كثرت رؤوس الأضراس لكبرها ، وزيادة عملها ، وزيدت للعليا ؛ لأنها ~~معلقة ، والثقل يجعل ميلها إلى خلاف جهة رؤوسها ، وأما السفلى فثقلها لا ~~يضاد ركزها. # ومن عجيب الحكمة في هيئة الأسنان أن الثنايا والرباعيات يتماس ويتلاقى ~~بعضها بعضا ، في حالة الحاجة إلى ذلك ، وهي عند العض على الأشياء ، ولو لم ~~يكن كذلك لم يتم العض ؛ وذلك بجذب الفك إلى قدام حتى تلاقي هذه بعضها بعضا ~~، وعند المضغ والطحن يرجع الفك إلى مكانه ، فتدخل الثنايا والرباعيات ~~التحتانية إلى داخل ، وتحيد عن موازاة العالية ، فيتم بذلك للأضراس وقوع ~~بعضها إلى بعض ، وذلك لا يمكن مع تلاقي الثنايا والرباعيات الفوقانية ~~والتحتانية ، أن تتلاقى الأضراس ، ولعل الحكمة فيه أن لا ينسحق أحدهما عند ~~فعل الآخر ، من غير طائل. # وإنما جعل المتحرك من الفكين عند المضغ والتكلم الأسفل ، دون الأعلى ، ~~إلا نادرا ، كما في التمساح ؛ لأنه أصغر وأخف ؛ ولأن الأعلى مجمع الحواس ، ~~والدماغ ، فلو تحرك لتأذى الدماغ بحركته ms336 ، وتشوش الحواس ، ولكان أيضا مفصل ~~الرأس مع العنق غير وثيق، والواجب فيه الوثاقة. # وإنما جعل هذا الفك من الإنسان أخف وأصغر من سائر الحيوانات ؛ لأن PageV02P165 # أغذية الإنسان خبز ولحم مطبوخ ، وفواكه نضيجة ، وأمثال ذلك مما لا يعسر ~~مضغه ، وغيره من الحيوانات أغذيتها إما حشائش وحبوب ، وأصول النباتات ، ~~وأغصان الأشجار ، وإما لحوم نية ، وعظام صلبة ، فأعطى كل عالف بقدر احتياجه ~~، فتبارك الله أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # وأما اللسان ، فهو مخلوق من لحم أبيض ، لين ، رخو ، قد التفت به عروق ~~صغار كثيرة ، منها شرايين ، ومنها أوردة ، وبسببها يحمر لونه ، وعند مؤخره ~~لحم غددي يسمى مولد اللعاب ، وتحته فوهتان تفضيان إلى هذا اللحم ، تسميان ~~بساكبي اللعاب ، بهما تنسكب الرطوبة والرضاب من اللحم الغددي إلى اللسان والفم. # وتحته أيضا عرقان كبيران أخضران ، يسميان الصردين. وهو ذو شقين طولا ، ~~ولكنهما في غشاء واحد ، يتصل بغشاء الفم ، وللمريء والمعدة ، إلا في بعض ~~الحيوانات ، كالحية ، فإن شقي لسانها ليسا في غشاء واحد ، ولهذا يظهران. # وعلى جرم اللسان عصبة منبثة ، هي محل الملك الذائق للطعوم ، بتوسط ~~الأجسام المماسة ، المخالطة للرطوبة اللعابية ، المستحيلة إلى طعم الوارد ، ~~ومحليتها له من جهة ما هو وراءها من جوهر الروح. # وعلى أصل اللسان زائدتان نابتتان إلى فوق ، كأنهما أذنان صغيرتان ، ~~تسميان باللوزتين ، وجوهرهما لحم عصباني غليظ ، كالغدة ، ومنفعتهما مثل PageV02P166 # منفعة اللهاة ، ويأتي ذكرها. # وإنما خلق اللسان ليكون آلة تقطيع الصوت ، وإخراج الحروف ، وتبيينها ، ~~وآلة تقليب الممضوغ ، كالمخرقة ، وآلة تمييز الذوق ، وأعدلها في الطول ~~والعرض أقدر على الكلام من عظيمها جدا ، ومن الصغير المتشنج ، والحمد لله. ### ||| * فصل # وأما الحلق والحنجرة وسائر آلات الصوت ، فبيان هيئاتها : أن أقصى الفم ~~يفضي إلى مجريين ، أحدهما من قدام ، وهو الحلقوم ، ويسميه المشرحون قصبة ~~الرئة ، فيها ومنها ينفذ الريح التي تدخل وتخرج بالنفس ، والآخر موضوع من ~~خلف ناحية الفقار ، على خرز العنق ، ويسمى المريء ، وفيه ينفذ الطعام ~~والشراب ، ويخرج القيء ، وسيأتي شرحهما. # والحنجرة مؤلفة من ثلاثة غضاريف ، أحدهما من قدام ، وهو الذي يظهر تحت ~~الذقن ، قدام الحلق ، وهو محدب الظاهر ms337 ، مقعر الباطن ، والثاني من خلف ، ~~وبانضمامهما تضيق الحنجرة عند السكوت ، ويتباعد أحدهما عن الآخر ، ويتسع ~~عند الكلام. # والثالث مثل مكبة ، بينه وبين الذي من خلف مفصل يلتئم بزائدتين من ذاك ~~تتهندمان في نقرتين منه ، ويرتبط هناك برباطات وهو يتحرك بهذا المفصل ، ~~وبانكبابه عليهما تنغلق الحنجرة ، وبتجافيه عنهما تنفتح. # والحاجة إلى انغلاق الحنجرة عند الأكل والشرب شديدة جدا ، لئلا يقع أو ~~ينقطر في قصبة الرئة شيء من المأكول والمشروب ؛ وذلك لأن قصبة الرئة PageV02P167 # والمريء متجاوران ، متلاصقان ، مربوط أحدهما بالآخر ، وعند انغلاق ~~الحنجرة يمر الطعام والشراب على ظهر الغضروف المكبي ، وينزل في المريء ، ~~وإذا انفتحت الحنجرة على غفلة من الإنسان ، بأن يبتلع ويتصوت ، أو يتنفس في ~~حالة واحدة ، ربما وقع شيء من المأكول أو المشروب في قصبة الرئة ، فيحدث ~~فيها دغدغة وحالة مؤذية ، شبيهة بما يحدث في الأنف عند اختلاف العطاس ~~بإدخال شيء فيه ، فتستقبله القوة الدافعة لدفعه ، فيورث السعال إلى أن ~~يندفع ، قل أم كثر ؛ لأن القصبة إنما تنتهي إلى الرئة ، وليس لها منفذ من ~~أسفلها يندفع فيه ما يقع فيها. # فأنعم الخالق سبحانه بتأليف الحنجرة من هذه الغضاريف ، على هذا الشكل ؛ ~~ليغلق بها عند الأكل والشرب منفذ الصوت والتنفس ، فيسلم الإنسان ويتخلص من ~~السعال المغلق، ولهذا لا يجمع الازدراد والتنفس معا في حالة واحدة ، فتبارك ~~الله رب العالمين. # وفي داخل الحنجرة رطوبة لزجة دهنية ، تملسها وترطبها دائما ؛ ليخرج الصوت ~~صافيا حسنا ؛ ولهذا ما تذهب أصوات المحمومين الذين تحترق رطوبات حناجرهم ~~بسبب حمياتهم المحرقة ، وتذهب أيضا ، أو تضعف ، أو تتغير أصوات المسافرين ~~في الفيافي المحرقة ، وكذلك كل من تكلم كثيرا تجف حنجرته ، فلا يقدر على ~~التكلم إلا بعد أن يرطب حلقه ، أو يبلع ريقه. # والفائدة في دهنيتها أن لا تجف بالسرعة ، ولا تفنى ، وأن تسلس بها حركات ~~الحنجرة. # وفي أعلى الحنجرة عضو لحمي معلق يسمى باللهاة ، تلتقي ما شأنه النفوذ في ~~الحنجرة من خارج ، مثل برد الهواء ، وحره ، وحدة الدخان ، ومضرته ، فيمنع ~~نفوذها دفعة ليتدرج وصولها إلى الرئة ، ويلتقي أيضا ما ms338 شأنه الصعود من داخل ، PageV02P168 # مثل قرع الصوت الصاعد من الحنجرة. # وبالجملة : هي كالباب الموصد على مخرج الصوت ، يقدره ، فلا يندفع دفعة ، ~~ولا ينقطع مدده جملة ، فتزداد بذلك قوة الصوت ، ويتصل بذلك مدده ، وكذلك ~~اللوزتان المشار إليهما فيما سبق ، فإنهما يعاونانها في ذلك ، وتحتها لحم ~~صفاقي لاصق بالحنك ، يسمى بالقلصمة ، يصفي ما قد يقرب الهواء من كدورة ~~الغبار والدخان ، لئلا يصل شيء منهما إلى الحنجرة والرئة ، كالمفرغة لآلات ~~الصوت ، والحنك كالقبة يطن فيها الصوت ، فهذه جملة آلات الصوت. # والصوت إنما يكون من النفس ، وأصله دوي في قصبة الرئة ، وإنما يصير صوتا ~~عند طرف القصبة المسمى رأس المزمار ، وهو أشرف آلاته ، بل هو بالحقيقة آلته ~~والباقي من المعينات ، والمتممات ، وإنما سمي بذلك ؛ لتضائقه ، ثم اتساعه ~~عند الحنجرة ، فيبتدىء من سعة إلى ضيق ، ثم إلى فضاء أوسع ، كما في المزمار ~~؛ إذ لا بد للصوت من ضيق ؛ ليحبس الدوي ، ويقدره ، ولا بد أيضا من الانضمام ~~والانفتاح ليحصل بهما قرع الصوت. # واللها تقوم مقام إصبع المزمار ، والقلصمة مثل الشيء الذي يسد به رأس ~~المزمار ، وعضلات آلات الصوت كثيرة حسب حركاتها المحتاج إليها في هذا ~~الموضع ، فيكون عن ضروب أشكالها ضروب الأصوات. # وعند الحنجرة من قدام عظم هو منشأ رباطات عضلاتها ، وللعظم نفسه أيضا ~~عضلات تمسك بها غير عضلات الحنجرة ، فتبارك الله العزيز الحكيم ، أحسن ~~الخالقين. PageV02P169 ### ||| * فصل # لما لم يكن غذاء الإنسان طبيعيا ، ولا لباسه طبيعيا ، بل يحتاج في ذلك ~~وأمثاله إلى صنائع كثيرة ، وآلات مختلفة ، قلما يحصل بإلهام ، أو وحي ، بل ~~لا يستحفظ وجوده البقائي إلا بتعليم وتعلم مفتقر إلى طلب ونهي ، ووعد ووعيد ~~، وترغيب وتخويف ، وتعجيل وتأجيل ، وغيرها من إعلان مكنونات الضمائر ، ~~وإعلام مستور البواطن. # فلهذه الأسباب وغيرها صار من بين الحيوانات أحوج إلى الاقتدار على أن ~~يعلم غيره من المتشاركين في التعيش ، ونظام التمدن ، ما في نفسه بعلامة ~~وضعية ، ولا يصلح لذلك شيء أخف من الصوت ، أو الإشارة ، والأول أولى ؛ لأنه ~~مع خفة مؤنته لوجود النفس الضروري المتشعب بالتقاطيع إلى حروف مهيأة ~~بالتأليف ms339 لهيئات تركيبية غير محصورة ، بلا تجشم تحريكات كثيرة ، كما في ~~الإشارة ، لا يختص إشعاره بالقريب والحاضر ، بل يشمل هدايته لهما ولغيرهما ~~من البعيد والغائب ، ويشمل أيضا الصور والمعاني ، والمحسوس والمعقول ، ~~فلذلك أنعم الله سبحانه عليه بذلك ، فتبارك الله اللطيف الحكيم. ### ||| * فصل # وأما العنق والصلب فمخلوقتان من الفقرات ، والفقرة عظم مدور في وسطه ثقب ~~ينفذ فيه النخاع ، وإنما خلقت لتكون وقاية للنخاع ، ودعامة للبدن ، ونسبتها ~~إلى النخاع كنسبة القحف إلى الدماغ ، وهي ثلاثون عددا : سبع للعنق ، PageV02P170 # واثنا عشر للظهر ، وربما زادت أو نقصت واحدة منها في الندرة ، والزيادة ~~أندر ، وخمس للقطن ، وثلاث للعجز ، وهما كالقاعدة للصلب ، وثلاثة للعصعص. # وإنما خلقت صلبة لتكون للإنسان استقلال وقوام ، وتمكن من الحركات إلى ~~الجهات؛ ولذلك جعلت المفاصل بينها لا سلسة فتوهن القوام ، ولا موثقة فتمنع ~~الانعطاف. # ومنها ما لها زوائد من فوق ومن أسفل ، بها ينتظم الاتصال بينها اتصالا ~~مفصليا ، بنقر في بعضها ، ورؤوس لقمية في بعض ، ولبعضها زوائد من نوع آخر ~~عريضة صلبة موضوعة على طولها ؛ للوقاية والجنة ، والمقاومة ، لما يصاك ؛ ~~ولأن تنتسج عليها رباطات ، فما كان منها موضوعا إلى خلف يسمى شوكا ، وسناسن ~~، وما كان يمنة ويسرة يسمى أجنحة ، ولكل جناح مما يلي الأضلاع نقرتان ، ~~ولكل ضلع زائدتان محدبتان ، تتهندم الزائدة في النقرة ، وترتبط برباطات ~~قوية ، وللفقرات غير الثقبة المتوسطة ثقب آخر تخرج منها الأعصاب ، وتدخل ~~فيها العروق. # والعنق وفقراته وقاية للمريء ، وقصبة الرئة ، ولما كانت فقراته محمولة ~~على ما تحتها من الصلب وجب أن يكون أصغر ، ولما كانت مسلكا لأصل النخاع ~~وأوله الذي يجب أن يكون أغلظ وأعظم مثل أول النهر ، وجب أن يكون الثقب ~~الوسطاني منها أوسع ، والصغر وسعة التجويف مما يرقق جرمها ، ويوهنه ، ~~فالخالق سبحانه تدارك ذلك بأن خصها بزيادة صلابة ، وخرز ليس لما تحتها ، ~~وجعل سناسنها أصغر ؛ ليكون أخف عليها ، ثم تدارك صغر سناسنها بكبر أجنحتها ~~، وجعلها ذوات رأسين. # ولما كان أكثر منافع العنق في حركاته جعل مفاصله سلسة ، ولم يجعل PageV02P171 # زوائدها المفصلية كبيرة ، كزوائد ما تحتها ؛ لتكون حركاته ms340 أسرع ، وتدارك ~~تلك السلاسة بأعصاب وعضلات كثيرة محيطة به ، وجعل أيضا مسالك الأعصاب التي ~~تتفرع عن النخاع مشتركة بين فقرتين ؛ لئلا تقع ثقبة تامة من فقرة واحدة ~~فتوهنها. # والصلب وفقراته وقاية وجنة للأعضاء الشريفة الموضوعة قدامه ، ولذلك خلق ~~له شوك وسناسن ، وهو مبنى لجملة عظام البدن ، مثل الخشبة التي تهيأ في بحر ~~السفينة أولا ، ثم يركز فيها ويربط بها سائر الخشب ، ولذلك خلق صلبا ، وهو ~~كشيء واحد مخصوص بأفضل الأشكال ، وهو المستدير ؛ إذ هذا الشكل أبعد الأشكال ~~عن قبول آفات المصادمات. # ولما كان الصلب قد يحتاج إلى حركة الانثناء والانحناء نحو الجانبين ؛ ~~وذلك بأن يزول الوسط إلى ضد الجهة ، ويميل ما فوقه وتحته نحو تلك الجهة ، ~~وكان طرفي الصلب يميلان إلى الالتقاء ، لم يخلق للفقرة التي هي الواسطة في ~~الطول ، وهي العاشرة ، لقم ، بل نقر ، ثم جعلت اللقم السفلانية والفوقانية ~~متجهة إليها ، أما الفوقانية فنازلة ، وأما السفلانية فصاعدة ؛ ليسهل ~~زوالها إلى ضد جهة الميل ، ويكون للفوقانية أن تنجذب إلى أسفل ، وللسفلانية ~~أن تنجذب إلى فوق ، فتبارك الله أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # وأما النخاع فهو جسم أبيض ، لين ، دسم ، دماغي ، منشؤه مؤخر الدماغ ، كما ~~أشرنا إليه ، وهو خليفته ، لتتوزع منه الأعصاب والعضلات على الأعضاء ، ~~ليفيدها الحس والحركة ، فجملة ما ينشأ منه إحدى وثلاثون زوجا من العصب ، PageV02P172 # وفرد لا مقابل له. # فالزوج الأول يخرج من الثقب الذي في الفقرة الأولى من فقار العنق ، ويصعد ~~حتى يتفرق في عضل الرأس ، والثاني يخرج مما بين الثقب الملتام فيما بين ~~الفقرة الأولى والثانية ، ويتصل بجلدة الرأس ، فيعطيها حس اللمس ، وبعضل ~~العنق ، وعضل الخد ، فيعطيهما الحركة ، والزوج الثالث مخرجه من الثقب ~~الملتام فيما بين الفقرة الثانية والثالثة ، وينقسم قسمين ، فبعضه يصير إلى ~~العضل المحرك للخد ، وبعضه يتفرق في العضل الذي بين الكتفين ، والرابع ~~منشؤه ما بين الفقرة الثالثة والرابعة ، وينقسم قسمين : أحدهما في العضل ~~الذي في الظهر ، والآخر يأخذ إلى قدام ، ويتفرق في العضل الموضوع بحذائه ، ~~وفوقه ، والخامس يخرج فيما بين الفقرة الرابعة والخامسة ، وينقسم أقساما ، ~~بعضها ms341 يصير إلى الحجاب ، وبعضها إلى العضل التي تحرك الرأس والرقبة ، ~~وبعضها إلى عضل الكتف ، والسادس والسابع والثامن يخرج ما بين الخامسة ~~السادسة السابعة والثامنة ، وينقسم بعضها في عضل الرأس والرقبة ، وبعضها في ~~عضل الصلب ، وفي الحجاب ، ما خلا الثامن فإنه لا يأتي الحجاب منه شيء ، ~~وبعضها يصير إلى العضد ، وإلى الذراع ، وإلى الكتف ، فيتصل من السادس بعضه ~~بعضل الكتف ويحرك العضد ، وبعضه بعضل أعالي العضد وينيله الحس ، ومن السابع ~~بعضه يصير إلى العضل الذي من العضد وبه حركة الذراع ، وبعضه يتفرق في جلد ~~العضد الباقي وينيله الحس، وبعض من الثامن ينبث في جلدة الذراع فيعطيها ~~الحس ، وبعضها يصير في عضل الذراع ، ويحرك الكف. # والزوج التاسع يخرج ما بين الفقرة الثامنة والتاسعة ، وهما أول فقار ~~الظهر ، وينقسم بعضه في العضل الذي فيما بين الأضلاع ، وبعضه في عضل الصلب ~~، وبعضه ينزل إلى الكف ، وينبث فيه ، فينيله الحس ، وبعض الحركة. PageV02P173 # والعاشر يخرج ما بين الفقرة التاسعة والعاشرة ، ويصير منه جزء إلى جلد ~~العضد ، فيعطيه الحس ، وباقيه ينقسم ، فيأخذ منه قسم إلى قدام فيتفرق في ~~عضل الظهر ، والكتف، وعلى نحو هذا يكون خروج العصب وتفرقه إلى الزوج التاسع عشر. # والزوج العشرون يخرج مما بين الفقرة التاسعة عشرة ، والعشرين ، وهي أول ~~فقرات القطن ، وعلى هذا القياس إلى أن يخرج خمسة أزواج من بين هذه الفقار ، ~~ويصير بعضها في القدام ، فيتفرق في العضل الذي على القطن ، وبعضه يتفرق في ~~العضل الذي على المثانة ، ويخالط الثلاثة الأزواج العليا منه عصب ينحدر من ~~الدماغ ، والزوجان اللذان تحت هذه الثلاثة الأزواج تنحدر منها شعب كبار إلى ~~الساق ، حتى تبلغ طرف القدم ، وثلاثة أزواج تخرج من فقرات العجز وتخالط ~~القطنية ، وتنحدر منها إلى الساق ، وتتفرق في العضلات التي هناك ، وثلاثة ~~تخرج من نخاع العصعص مشتركة المخارج ، كالعنقية ، وفرد من آخره ؛ إذ الفقرة ~~الأخيرة منه لا ثقبة فيها غير الوسطانية ، وكلها تنبث في القضيب ، وفي عضل ~~المقعدة، والمثانة ، والرحم ، وفي غشاء البطن ، وفي العضل الموضوع بقرب هذه ~~المواضع ، ولله الحمد على ms342 نعمائه ، وله الشكر على آلائه. ### ||| * فصل # وأما الأضلاع فهي أربعة وعشرون عظما ، من كل جانب اثنا عشر ، كلها محدبة ~~، أطولها أوسطها ، سبع منها يتصل أحد طرفيها من خلف بفقار الظهر بزوائد ~~منها ، ونقرات من الفقرات ، وارتباط برباطات ، وحدوث مفاصل مضاعفة من قدام ~~بعظام القص برؤوس غضروفية ، وتسمى أضلاع الصدر ؛ لاتصالها PageV02P174 # بالقص ، واشتمالها على أحشاء الصدر. # وخمس منها ينقطع دون الاتصال بالقص ، متقاصرة ، ورؤوسها متصلة بغضاريف ، ~~وتسمى ضلوع الخلف ، وإنما خلقت لتكون وقاية لما يحيط به من آلات التنفس ، ~~وأعالي آلات الغذاء ، ولهذا جعل ما يحيط منها بالعضو الرئيس متصلا بالقص ؛ ~~ليكون متحصنا به من جميع جهاته ، وما يلي آلات الغذاء جعل كالمحرزة من خلف ~~؛ حيث لا يدركه حراسة البصر ، ولم يتصل من قدام ، بل درجت يسيرا يسيرا في ~~الانقطاع ، وجعل أعلاها أقرب مسافة ما بين أطرافها البارزة ، وأسفلها أبعد ~~مسافة لتجمع إلى وقاية أعضاء الغذاء من الكبد والطحال ، وغير ذلك ؛ توسيعا ~~لمكان المعدة ، فلا تنضغط عند امتلائها من الأغذية ، ومن النفخ ، وهذا هو ~~السبب في تعددها كلها ، وكونها ذا فرج في الكل مع إعانة ذلك على جذب الهواء ~~الكثير ، وتخلل العضلات المعينة في أفعال التنفس ، وغير ذلك ، ولله الحمد. ### ||| * فصل # وأما القص فهو سبعة عظام على عدد أضلاع الصدر ، متصلة بها ، وهي عظام هشة ~~موثوقة ، وقد اتصل بآخرها غضروف عريض يشبه الخنجر يسمى خنجريا. # وإنما جعلت هشة لتكون أخف ، والحركات الخفيفة التي بها أسهل ، وليتحلل ~~منها البخار ، ولا يحتقن فيها. # ووثاقة مفاصلها ؛ لئلا تنضغط عن ضاغط ، أو مصادم ، فينضغط القلب. # والخنجري جنة لفم المعدة ، ولخالقها الحمد. PageV02P175 ### ||| * فصل # وأما الترقوة فعظم موضوع على كل واحد من جانبي أعلى القص ، فيه طول ~~وانحداب إلى الجانب الوحشي ، وتقعير إلى الجانب الإنسي ، يتصل أحد رأسيه ~~بالقص ، والآخر برأس الكتف ، فيرتبط به الكتف ، وبهما جميعا العضد ، ورأسه ~~الذي هو مربوط بالقص أغلظ ومستدير ، ثم يدق قليلا ، ورأسه الآخر عريض ، ~~وتنفذ في مقعره العروق الصاعدة إلى الدماغ ، والعصب النازل منه ، وهو وقاية لهما. ### ||| * فصل # وأما الكتف ms343 فعظم ، طرفه الوحشي إلى الاستدارة ، يستدق من ذلك الطرف ويغلظ ~~، فتحدث عليه نقرة غير غائرة ، يدخل فيها طرف العضد المدور ، ولها زائدتان ~~تمنعان العضد عن الانخلاع ، إحداهما إلى فوق ، ومن خلف ، وتسمى منقار ~~الغراب ، وبها رباط الكتف مع الترقوة ، والأخرى إلى أسفل ومن داخل ، ثم لا ~~تزال تستعرض كلما أمعنت في الجهة الإنسية ليكون اشتمالها الواقي أكثر ، حتى ~~تنتهي إلى غضروف مستدير الطرف ، يتصل بها ، وعلى ظهره زائدة كالمثلث تسمى ~~عين الكتف ، قاعدته إلى الجانب الوحشي ، وزاويته إلى الإنسي حتى لا يختل ~~سطح الظهر بإشالة الجلد ، وتألمه عن المصادمات ، وهي بمنزلة السنسنة ~~للفقرات ، مخلوقة للوقاية. # وإنما خلق الكتف لأن يتعلق به العضد ، فلا يكون ملتصقا بالصدر ؛ ولأن PageV02P176 # تسلس به حركات اليدين ، ولا يضيق مجالهما ، وأن يكون جنة ووقاية ثانية ~~للأعضاء المحصورة في الصدر ، ويقوم بدل سناسن الفقرات وأجنحتها ، فتبارك الله. ### ||| * فصل # وأما العضد فهو عظم مستدير ، مثل أنبوبة قصب مدور ، مجوف ، مملوء مخا ، ~~محدب إلى الوحشي ، مقعر إلى الإنسي ؛ ليكن بذلك ما ينتضد عليه من العضل ، ~~والعصب ، والعروق ؛ وليجرد تأبط ما يتأبطه الإنسان ، وإقبال إحدى اليدين ~~على الأخرى ، وطرفه الأعلى المحدب يدخل في نقرة الكتف بمفصل رفق غير وثيق ~~جدا ، تضمه رباطات أربعة ، وبسبب الرخاوة يعرض له الخلع كثيرا. # وإنما جعل رخوا لتسلس الحركة في الجهات كلها ، مع عدم الاحتياج إلى دوام ~~هذه الحركة ، وكثرتها ليخاف انتهاك الأربعة أو تخلعها. # وأما طرفه السافل فإنه قد ركب عليه زائدتان متلاصقتان ، فالتي تلي الجانب ~~الإنسي منهما أطول وأدق ، ولا مفصل لها مع عظم آخر ، وليس يرتبط بها شيء ، ~~لكنها وقاية للعروق ، والعصب التي تأتي اليد ، والأخرى التي تلي الجانب ~~الوحشي يتم بها مفصل المرفق ، وفيما بين هاتين الزائدتين حز شبيه بحز ~~البكرة عند نهايته نقرتان من قدام ، ومن خلف ، تسميان عتبتين ، فالتي إلى ~~قدام مسواة مملسة لا حاجز عليها ، والأخرى وهي الكبرى أنزل إلى تحت ، وغير ~~مستديرة الحز ، لكنها كالجدار المستقيم إذا تحرك فيها رأس عظم الساعد إلى ~~الجانب الوحشي ، ووصل إليه ms344 وقف. PageV02P177 ### ||| * فصل # وأما الساعد فهو مؤلف من عظمين متلاصقين طولا ، ويسميان الزندين ، ~~والفوقاني الذي يلي الإبهام منهما أدق ؛ لأنه محمول ، ويسمى الزند الأعلى ، ~~والسفلاني الذي يلي الخنصر أغلظ ؛ لأنه حامل ، ويسمى الزند الأسفل ، ~~وجملتهما يسمى ذراعا. # وبالأعلى تكون حركة الساعد على الالتواء ، والانبطاح ، ولهذا خلق معوجا ، ~~كأنه يأخذ من الجهة الإنسية ، وينحرف يسيرا إلى الوحشية ؛ ليحسن استعداده ~~للحركة الالتوائية. # وبالأسفل تكون حركة الساعد إلى الانقباض والانبساط ، ولهذا خلق مستقيما ؛ ~~ليكون أصلح لهما ، ودقق الوسط من كل منهما ؛ لاستغنائه بما يحفه من العضل ~~الغليظة عن الغلظ المثقل ، وغلظ طرفاهما ؛ لحاجتهما إلى كثرة نبات الروابط ~~عنهما ، لكثرة ما يلحقهما من المصاكات والمصادمات العنيفة عند حركات ~~المفاصل ، وتعريهما عن اللحم والعضل. # والزند الأعلى في طرفه نقرة مهندمة ، فيها لقمة من الطرف الوحشي من العضد ~~، ويرتبط فيها برباطات ، وبدورانها في تلك النقرة تحدث الحركة المنبطحة ، ~~والملتوية. # وأما الزند الأسفل فله زائدتان بينهما حز يتهندم في الحز الذي على طرف ~~العضد ، ومنها يلتئم مفصل المرفق ، فإذا تحرك الحز إلى خلف وتحت انبسطت ~~اليد ، وإذا اعترض الحز الجداري من النقرة الحابسة للقمة حبسها ومنعها عن PageV02P178 # زيادة انبساط ، فوقف العضد والساعد على الاستقامة ، وإذا تحرك أحد الحزين ~~على الآخر إلى قدام وفوق ، انقبضت اليد حتى يماس الساعد العضد من الجانب ~~الإنسي ، والقدام. # وطرفا الزندين من أسفل يجتمعان معا كشيء واحد ، وتحدث فيهما نقرة واسعة ~~مشتركة ، أكثرها في الزند الأسفل ، وما يفضل عن الانتقار يبقى محدبا مملسا ~~؛ ليبعد عن منال الآفات ، فسبحان خالقها. ### ||| * فصل # وأما الرسغ والمشط ؛ فالرسغ مؤلف من ثمانية أعظم ممدودة ، ومنضودة في ~~صفين ، وهي عظام صلبة ، عديمة المخ ، مقببة الشكل ، تقبيبا يلتئم من ~~اجتماعها هيئة موافقة لما ينبغي أن يكون الرسغ عليه. # والمشط مؤلف من أربعة أعظم ، متصلة بأعظم الرسغ بأربطة موثقة ، والصف ~~الأعلى من الرسغ وهو الذي يلي الساعد ثلاثة عظام موثوقة المفاصل ، وعظامه ~~أدق ، ثم رؤوسها التي تلي الساعد أدق وأشد تهندما واتصالا ، كأنها واحدة ، ~~ورؤسها التي تلي الصف الأسفل أعرض ، وأقل تهندما ms345 واتصالا ، والصف الأسفل ~~أربعة عظام بعدد عظام المشط ؛ لاتصالها بها. # وأما العظم الثامن فليس مما يقوم صفي الرسغ ، بل خلق لوقاية عصبة تلي الكف. # وعظام المشط متقاربة من الجهة التي تلي الرسغ ، ليحسن اتصالها بعظام ، ~~كالمتصلة المتلاصقة ، وتنفرج يسيرا في جهة الأصابع ليحسن اتصالها بعظام PageV02P179 # منفرجة متباينة. # وللرسغ مع الساعد مفصلان ، أحدهما للانبساط والانقباض ، وهو أكبرهما ، ~~يحدث من تهندم عظام الرسغ في النقرة المشتركة بين طرفي الزندين ، والآخر ~~للالتواء ، ويحدث من تهندم زائدة تنبت على طرف الزند الأسفل على الخنصر في ~~نقرة وقعت في طرف عظم الرسغ، محاذية لها ، فتدور النقرة على الزائدة ، ~~ويلتوي الرسغ وما يتصل بها ، ومفصل الرسغ مع المشط يلتئم بنقر في أطراف ~~عظام الرسغ تدخلها زوائد من عظام المشط قد ألبست غضاريف ، وهذه العظام كلها ~~موثقة المفاصل ، مشدود بعضها ببعض ؛ لئلا يتشتت فيضعف عند ضبط الكف لما ~~يحويه ويحبسه حتى لو كشفت جلدة الكف لوجدتها كأنها متصلة ، يبعد فصولها عن ~~الحس ، ومع وثاقتها مطاوعة لانقباض يسير. # وفي جميع عظام الرسغ والمشط تقعير من جانب الكف ، يمكن الكف بتلك ~~المطاوعة ، وهذا التقعير من قبض المستديرات وضبط السيالات ، فسبحان بارئها ~~، وبحمده. ### ||| * فصل # وأما الأصابع فكل واحد منها مخلوقة من ثلاثة عظام ، تسمى بالسلاميات ، ~~والسفلانية منها أعظم ، والفوقانية أدق وأصغر على التدريج ؛ ليحسن نسبة ما ~~بين الحامل والمحمول. # وعظامها مستديرة ؛ لتتوقى الآفات ، وجعلت صلبة عديمة التجويف والمخ ، ~~مقعرة الباطن ، محدبة الظاهر ؛ لتكون أقوى في القبض والضبط والجر ، PageV02P180 # والوسطى أطول. ثم البنصر ، ثم السبابة ، ثم الخنصر ؛ لتستوي أطرافها عند ~~القبض ، ولا تبقى فرجة ، وتتقعر هي في الراحة ، وتشتمل على المستدير ~~المقبوض عليه ، ووصلت سلامياتها كلها بحروف ونقر متداخلة ، بينها رطوبة ~~لزجة ليدوم بها الابتلال ، ولا تجففها الحركة ، وتشتمل على مفاصلها أربطة ~~قوية ، وتتلاقى بأغشية غضروفية ، وتحشو الفرج في مفاصلها لزيادة الاستيثاق ~~عظام صغار تسمى سمسمانية ، وجعل باطنها لحميا ليتطامن تحت الملاقيات ~~المقبوضة ، ولم يجعل كذلك من خارج ؛ لئلا يثقل ، وليكون حالة الجمع سلاحا موجعا. # ووفرت لحومها لتهندم جيدا عند الالتقاء ms346 كالملاصق ، ولم تخلق في الأصل ~~لحمية خالية من العظام ، وإن كان قد يمكن مع ذلك اختلاف الحركات ، كما ~~لكثير من الدود والسمك، إمكانا واهيا ؛ لئلا تكون أفعالها واهية وأضعف مما ~~يكون للمرتعشين ، ولم تخلق من عظم واحد ؛ لئلا تكون أفعالها متعسرة كما ~~تعرض للمكزوزين. # واقتصر على عظام ثلاثة ؛ لأنه إن زيد في عددها وأفاد ذلك زيادة عدد حركات ~~لها أورث لا محالة وهنا وضعفا في ضبط ما يحتاج في ضبطه إلى زيادة وثاقة ، ~~وكذلك لو خلقت من أقل من ثلاثة ، مثل أن يخلق من عظمين ، كانت الوثاقة ~~تزداد والحركات تنقص عن الكفاية ، والحاجة إلى التصرفات المتفننة أمس منها ~~إلى الوثاقة المجاوزة للحد ، ولم يجعل لبعضها عند بعض تحديبا ، ولا تقعيرا ~~لتكون كأنها شيء واحد ، إذا احتيج إلى أن تحصل منها منفعة عظم واحد. # وجعل للإبهام والخنصر تحديبا في الجانب الوحشي الذي لا يلقاه إصبع ؛ PageV02P181 # ليكون بجملتها عند الانضمام ، كالمستدير الذي يقي من الآفات ، ولم يربط ~~الإبهام بالمشط؛ لئلا يضيق البعد بينه وبين سائر الأصابع ، ويكون عدلا ~~لجميع الأصابع الأربعة ، فإذا اشتملت الأربعة من جهة على شيء وقاومها ~~الإبهام من جانب آخر أمكن أن يشتمل الكف على شيء عظيم. # وأيضا إذا اشتملت الأربعة على شيء صغير وعاونها الإبهام بأن يحفظها على ~~هيئة الاشتمال عادل قوة الإبهام في ضبط ذلك الشيء قوى الأربعة ، وليكون ~~الإبهام من وجه آخر كالصمامة على ما يقبضه الكف ، ولو وضع في غير موضعه ~~لبطلت منفعته ، ولو وضع إلى جانب الخنصر لما كانت اليدان كل واحدة منها ~~مقبلة على الأخرى فيما يجتمعان على القبض عليه ، وأبعد من هذا لو وضع من ~~خلف ، أو على الراحة ، فتبارك الله العليم القدير ، الرؤوف ما أرأفه ، وما ~~أحكم صنعه. ### ||| * فصل # وأما الظفر فهو عظم لين ، دائم النشوء ؛ لأنه ينسحق دائما ، كالسن ، ~~وإنما خلق ليكون سندا للأنامل ؛ لئلا تنعطف ، ولا تنضغط عند الشد على الشيء ~~، فتوهن ، وليتمكن به الإصبع من لقط الأشياء الصغيرة ، ومن الحك والتنقية ، ~~وليكون سلاحا في بعض الأوقات ، وهذا في ms347 غير الإنسان أظهر. # وخلق مستدير الطرف ليشق بعض الأشياء ، ويقطع به ما يهون قطعه ، ولينا ~~ليتطامن تحت ما يصاكه ، فلا ينصدع ، فسبحان منشئه ، وبحمده. PageV02P182 ### ||| * فصل # وأما هيئة الصدر ، فبيانها : أن تجويف البطن كله ، من لدن الترقوة إلى ~~عظم الخاصرة، ينقسم إلى تجويفين عظيمين ، أحدهما فوق ، يحوي الرئة ، والقلب ~~، والثاني أسفل يحوي المعدة ، والأمعاء ، والكبد ، والطحال ، والمرارة ، ~~والكلى ، والمثانة ، والأرحام ، ويفصل بين هذين التجويفين العضو المسمى ~~بالحجاب ، وهذا الحجاب يأخذ من رأس القص ، ويمر بتأريب إلى أسفل ، في كل ~~واحد من الجانبين حتى يتصل بفقار الظهر عند الفقرة الثانية عشر ، ويصير ~~حاجزا بين ما فوقه وما تحته. # ثم ينقسم هذا التجويف الأرفع إلى قسمين يفصل بينهما حجاب آخر ، ويمر في ~~الوسط حتى يلصق أيضا بفقار الظهر ، ويسمى هذا التجويف الأعلى كله صدرا ، ~~وحده من فوق الترقوتين إلى الحجاب القاسم للبطن عرضا. # وإنما خلق الصدر من أجل التنفس ؛ وذلك لأنه إذا انبسط جذب الرئة وبسطها ، ~~وإذا انبسطت الرئة اجتذبت الهواء من خارج ، وكان ذلك أحد جزئي التنفس ، وهو ~~تنشق الهواء ، ثم إن الصدر ينقبض فيقبض الرئة ، ويكون بانقباضها إخراج ~~النفس ، وهو الجزء الثاني. # وإنما احتيج إلى تنشق الهواء الخارج ، ثم إخراجه ؛ لترويح القلب ، وتعديل ~~حرارته ، وإمداد الروح بجوهر ملائم له ، فإن الهواء يصير مركبا للروح ، ~~منفذا له ، مثل ما يصير الماء المشروب مركبا للغذاء ، فالهواء الذي يستنشق ~~يصل منه شيء إلى القلب في المنافذ التي بينها وبين القلب ، فإذا سخن ذلك ~~الهواء الذي اجتذب احتيج إلى إخراجه والاستبدال به ، فانقبض الصدر وقبض ~~الرئة ، ثم عاد PageV02P183 # فانبسط وبسط الرئة ، فدخلها هواء آخر على مثال الرقاق التي ينفخ بها ~~النار ، فإنها إذا انبسطت امتلأت من الهواء ، ثم إذا قبضت انفرغت منه ، ~~فسبحان واهب الحياة ، ما أتقن صنعه. ### ||| * فصل # وأما الرئة فإن قصبتها تنتهي من أقصى الفم ، على ما ذكرنا ، حتى إذا ما ~~جاءت إلى ما دون الترقوة انقسمت قسمين ، وينقسم كل منها أقساما كثيرة ، ~~وانتسج واحتشى حواليها لحم أبيض رخو متخلخل هوائي ، غذاؤه دم ms348 في غاية ~~اللطافة والرقة ، فيملأ القصبة والفرج التي بين شعبها وشعب العروق التي ~~هناك ، فصار من جملة القصبة المنقسمة ، والعروق التي تحتها واللحم الذي ~~يحتشي حواليها بدن الرئة ونصفه في تجويف الصدر الأيمن ، والآخر في الأيسر ، ~~فهي ذات شقين في جزئي الصدر ، لكي يكون التنفس اثنين ، فإن حدث على واحد ~~منهما حادثة قام الآخر بما يحتاج إليه ، كالحال في العينين. # وجللت بغشاء عصبي ليحفظها على وضعها ، وليفيدها حسا ما ، وإنما تخلخل ~~لحمها لينفذ فيها الهواء الكثير فوق المحتاج إليه القلب ؛ ليكون للحيوان ~~عندما يغوص في الماء ، وعندما يصوت صوتا طويلا متصلا ، يشغله عن التنفس ، ~~وجذب الهواء ، وعندما يعاف الإنسان بالاستنشاق هواء منتن ، أو هواء مخلوط ~~بدخان ، أو غبار هواء معد يأخذه القلب ، وأن يكون معينا بالانقباض على دفع ~~الهواء الدخاني ، وعلى النفث. # وسبب بياض لحمها هو كثرة تردد الهواء فيه ، وغلبته على ما يغتذي به ، ~~وإنما تشعبت شعبا ؛ لئلا يتعطل التنفس ؛ لأنه يصيب إحدى الشعب. PageV02P184 # ولا رئة للسمك ، وإنما يتنفس بالهواء من طريق الأذنين ، فسبحان الرؤوف ~~الرحيم. ### ||| * فصل # وأما قصبة الرئة ، فمؤلفة من غضاريف كثيرة ، منضودة بعضها فوق بعض ، ~~مربوطة بعضها إلى بعض ، برباطات بعضها داوئر تامة ، وهي التي في داخل الرئة ~~، وبعضها نصف دائرة ، وهي التي تجاور المريء ، وتماسه في فضاء الحلق ، وبين ~~كل اثنين منها فرجة ، ويحللها غشاءان يحويان عليها ، ويشملان الفرج التي ~~بينها ، ويصلان بين طرفي أنصافها ، داخلا وخارجا. # وإنما جعلت غضروفية لتبقى مفتوحة ، ولا تنطبق ، ولتكون صلابتها سببا ~~لحدوث الصوت ، أو معينا فيه ، وإنما كثرت لئلا تشملها الآفة ، وإنما ربطت ~~بأغشية لتتسع تارة ، وتجتمع أخرى عند الاستنشاق والتنفس ، فإن القابل ~~للتمدد والاجتماع هو الغشاء ، دون الغضروف ، وإنما لاقت المريء بجانبها ~~الناقص ، وبالغشاء ، ليندفع الغشاء عند الازدراد عن وجه اللقمة النافذة إذا ~~احتاج المريء إلى التمدد ، والاتساع ، فينبسط إلى الغشاء ، ويأخذ حظا من ~~فضاء القصبة ، فيتسع ، وتنفذ اللقمة بسهولة ، فيكون تجويف القصبة حينئذ ~~معينا للمريء عند الازدراد. # وجعل الغشاء الداخلاني أصلب وأشد ملاسة ؛ ليقاوم حدة النوازل والنفوث ms349 ~~الرديئة ، والدخان المردود من القلب ؛ ولئلا يسترخي عن وقوع الصوت ، وإنما ~~انقسمت في داخل الرئة أقساما كثيرة ؛ لينفذ فيها الهواء الكثير ، ويستعد ~~فيها للقلب. PageV02P185 # ومنفعتها في إعداد الهواء للقلب مثل منفعة الكبد في إعداد الغذاء لجميع ~~البدن ، وإنما ضيقت فوهاتها ؛ لينفذ فيها النسيم إلى الشرايين المؤدية إلى ~~القلب بالتدريج ، وأن لا ينفذ فيها الدم ، فيحدث نفث الدم ، ولخالقها الحمد ~~فوق ما حمده الحامدون. ### ||| * فصل # وأما القلب ، فهو مؤلف من : لحم ، وعصب ، وغضروف ، وأوردة ، وشرايين تنبت ~~منه ، ورباطات يتعلق هو بها ، وغشاء ثخين يغشى به للوقاية ، غير ملاصق له ، ~~إلا عند أصله ؛ لئلا ينضغط عند الانبساط. # أما لحمه فصلب ، غليظ ، منتسج من ثلاثة أصناف : من الليف اللحمي الطويل ~~الجاذب ، والعريض الدافع ، والمؤرب الماسك ، لتكون له أصناف الحركات ~~والأفعال ، وصلابته ؛ لئلا ينفعل بالسرعة ، وليكون أبعد عن قبول الآفات. # وهو صنوبري الشكل ، قاعدته إلى فوق ، وفيها تنبت الشرايين ، ليكون في ~~المنبت وقاء للنابت ، وغضروفه أساس له وثيق ، وهو كالقاعدة له ، وله تجاويف ~~ثلاثة ، تسمى بالبطون ، اثنان منها كبيران ، والثالث في الوسط صغير ، يسمى ~~بالدهليز ، والأيمن وعاء لدم متين مشاكل لجوهره ، والأيسر وعاء للروح ، ~~والدم الرقيق. # وخص بزيادة تصلب ؛ لعدم الأمن من تخلل ما فيه ، وترشحه للطافة أحدهما ، ~~ورقة الآخر ، بخلاف الأيمن ، والأوسط منفذ بينهما ، له انضمام وانفراج ، PageV02P186 # بحسب انبساط القلب وانقباضه ، بهما ينفذ كل من صنفي الدم فيه ، ويختلط ~~أحدهما بالآخر ، ويعتدلان فيه ، وقياسه من البطنين في المنفذية والتصرف ~~قياس المبطن الأوسط من الدماغ بين المقدم والمؤخر. # وللأيمن فوهتان تدخل من أحدهما العروق النابتة من الكبد ، ويصب منه الدم ~~فيه ، والأخرى تتصل بالرئة ، وهي الوريد الشرياني. # وللأيسر أيضا فوهتان إحداهما فوهة الشريان العظيم الذي منه تنبت شرايين ~~البدن كلها ، والثانية فوهة الشريان الذي يتصل بالرئة ، وفيها يكون نفوذ ~~الهواء من الرئة إلى القلب ، وهو الشريان الوريدي ، وعليها زائدتان شبيهتان ~~بالأذنين ، تقبلان الدم والنسيم من المنافذ والعروق ، ويرسلان إلى القلب ، ~~جرمهما أرق من لحم القلب ؛ ليحسن إجابتهما إلى الحركات ، وفيهما مع رقتهما ~~صلابة ؛ لتكون ms350 أبعد عن قبول الآفات. # وإنما وضع القلب في الصدر ؛ لأنه أعدل موضع في البدن ، وأوفقه ، وأميل ~~إلى اليسار قليلا ؛ لكي يبعد عن الكبد ، فلا يجمع الحار كله في جانب واحد ، ~~وأن يعدل الجانب الأيسر ؛ لأن الطحال في ذلك الجانب ، وليس هو بنفسه كامل ~~الحرارة ، ولكي يكون للكبد والعرق الأجوف النابت منه مكان واسع ، وتوسع ~~المكان له أولى من توسعه للطحال ؛ لأنه أشرف. # والرئة مجللة للقلب لتمنع من أن تلقاه عظام الصدر من قدام ، وهو موضع ~~صلابة جوهره ، لا يحمل ألما ، ولا ورما ، لشرفه ، وعظمه وصغره يكون في ~~الأكثر سببا للجرأة والجبن ، لقوة الحياة وضعفها ، ومما يوجد بخلاف ذلك ، ~~فالسبب فيه قلة الحرارة بالنسبة إلى جثته ، أو كثرتها. # وقد يوجد في قلب بعض الحيوانات الكبير الجثة عظم ، وخصوصا في PageV02P187 # الجمل والبقر ، وهو مائل إلى الغضروفية ، وأصلب ما يوجد من ذلك ما يوجد ~~في الفيل ، فتبارك الله رب العالمين. ### ||| * فصل # وأما الشرايين فمنبتها التجويف الأيسر من القلب ، كما أشرنا إليه : وذلك ~~لأن الأيمن أقرب إلى الكبد ، فيشتغل بجذب الغذاء واستعماله. # ويخرج من هذا التجويف شريانان ، أحدهما أصغر وهو الشريان الوريدي المتصل ~~بالرئة ، والآخر أكبر كثيرا وهو حين يطلع تنشعب منه شعبتان ، تصير إحداهما ~~إلى التجويف الأيمن من تجويفي القلب ، وهي أصغر الشعبتين ، والأخرى تستدير ~~حول القلب كما يدور ، ثم تدخل إليه ، وتتفرق فيه. # ثم إن الباقي من العروق النابتة من تجويف القلب الأيسر بعد انشعاب هاتين ~~الشعبتين منه تنقسم قسمين ، يأخذ أحدهما إلى أسافل البدن ، والآخر إلى ~~أعاليه ، والثاني ينقسم في مصعده في الجانبين إلى شعب تتصل بما يحاذيها من ~~الأعضاء فتعطيها الحرارة الغريزية ، حتى إذا حاذى الإبط خرجت منه شعبة مع ~~العرق الأبطي من عروق الكبد إلى اليد ، وينقسم فيها كتقسيمه ، على ما ~~سنذكره ، واتصلت منه شعب صغار بالعضل الظاهر والباطن من العضد ، وهو مع ذلك ~~غائر مندفن حتى إذا صار عند المرفق صعد إلى فوق ، حتى أن نبضه يظهر في هذا ~~الموضع في كثير من الأبدان ، ولم يزل تحت الابطي ms351 ملاصقا له حتى ينزل عن ~~المرفق قليلا. # ثم إنه يغوص أيضا في العمق وتنشعب منه شعب شعرية تتصل بعضل PageV02P188 # الساعد إلى أن يقطع من الساعد مسافة صالحة ، ثم ينقسم قسمين ، فيأخذ ~~أحدهما إلى الرسغ مادا مارا على الزند الأعلى وهو العرق الذي يجسه الأطباء ~~، ويأخذ الآخر إلى الرسغ أيضا ، مارا على الزند الأسفل ، وهو أصغرهما ، ~~ويتفرقان في الكف ، وربما ظهر لهما نبض من ظاهر الكف. # وإذا بلغ هذا القسم الأعلى موضع اللبة انقسم قسمين ، وانقسم كل قسم إلى ~~قسمين آخرين ، وجاوز أحد هذين القسمين الوداج الغائر من عروق الكبد ، ومر ~~مصعدا حتى يدخل القحف ، ويتصل في مروره منه شعبة بالأعضاء الغائرة التي ~~هناك ، وإذا دخل القحف انقسم هناك انقساما عجيبا ، وصار منه الشيء المعروف ~~بالشبكة المفروشة تحت الدماغ ، وقد مر ذكرها ، وبعد انقسامه إلى هذه الشبكة ~~يجتمع ويعود أيضا ليخرج من هذه الشبكة عرقان متساويان في العظم ، كحاله قبل ~~الانقسام إليها ، ويدخلان حينئذ جرم الدماغ ، فينقسمان فيه. # وأما القسم الآخر من هذين القسمين ، وهو أصغرهما ، فإنه يصعد إلى ظاهر ~~الوجه والرأس ، ويتفرق فيما هناك من الأعضاء الظاهرة ، كتفرق الوداج الظاهر ~~الآتي ذكره ، وقد يظهر نبض هذا القسم خلف الأذن ، وفي الصدغ. # فأما النبض الظاهر عند الوداجين فإنه نبض القسم العظيم المجاور للوداج ~~الغائر ، ويسمى هذان الشريانان : شرياني السبات. # وأما القسم النازل إلى أسافل البدن فإنه يركب فقرات الصلب ، مبتدأ من ~~الفقرة الخامسة المحاذية للقلب ، نازلا منه إلى أسفل ، وتنشعب منه عند كل ~~فقرة شعب ، يمنة ويسرة ، ويتصل بالأعضاء المحاذية لها ، وأول شعبة تنشعب ~~منه شعبة تأتي الرئة ، ثم شعب تأتي العضل التي بين الأضلاع ، ثم شعبتان ~~تأتيان الحجاب ، ثم شعب تأتي المعدة ، والكبد ، والطحال ، والثرب ، ~~والأمعاء ، والكلى ، PageV02P189 # والأرحام ، وشعب تخرج حتى تتصل بالعضل المحاذية لهذه المواضع ، حتى إذا ~~جاء إلى آخر الفقار انقسم قسمين ، أخذ كل واحد منهما نحو إحدى الرجلين ، ~~وانقسما فيهما كانقسام العروق الكبدية ، إلا أنهما غائران ، ويظهر نبضهما ~~عند الاربيتين ، وعند العقب تحت الكعبين الداخلتين ، وفي ظهر ms352 القدمين ~~بالقرب من الوتر العظيم ، فتبارك الله الحكيم العليم. ### ||| * فصل # وأما المريء والمعدة : فالمريء مؤلف من جوهر لحمي ، وطبقات غشائية ، تحيط ~~بها شعب من الأوردة والشرايين ، وشعب من الأعصاب ، أما اللحمية فظاهرة ، ~~والطبقة الداخلانية مطاولة الليف ، بها يجذب ، والخارجة مستعرضة الليف بها ~~يدفع المزدرد إلى المعدة ، ويعصر ، وبها وحدها يتم القيء ، ولذلك يعسر. # وموضعه خلف قصبة الرئة ، كما مر ، على استقامة فقار العنق ، وينحدر معه ~~زوج العصب النازل من الدماغ ملتويا عليه ، فإذا جاوز الفقرة الرابعة من ~~فقار الصلب ، المسماة بفقار الصدر ، ينحرف يسيرا إلى الجانب الأيمن ليوسع ~~المكان على العرق النابت من القلب ، ثم ينحدر على استقامة الفقرات الباقية ~~، حتى إذا وافى الحجاب انفتح له منفذ فيه ، ويرتبط عند المنفذ برباطات ~~تشمله وتحوطه لئلا يزدحم العرق الكبير المار فيه ، ولا يضغطه عند الازدراد ~~، فإذا جاوز الحجاب أخذ يتسع ، ويسمى حينئذ فم المعدة ، ويتدرج في الاتساع ~~حتى يتم المعدة مستديرا ، إلا أن ما يلي الصلب منها منبطح ، ليحسن ملاقاتها ~~به، وأسفلها واسع ؛ لأنه مستقر الطعام ، وهي ذات طبقتين داخلتهما طولانية ~~الليف ؛ لأن أكثر PageV02P190 # أفعالها الجذب ، ويخالطها ليف مؤرب ليعين على الإمساك ، وهي متصلة بغشاء ~~المريء ، وغشاء داخل الفم ، بل كلها غشاء واحد ، فيه قوة هاضمة ، كما مر. # والخارجة مستعرضة الليف ، لم يختلط به شيء من المؤرب ؛ لأنه آلة العصر ~~والدفع فقط ، ويأتيها من عصب الدماغ شعبة يفيدها الحس ؛ ولهذا ما يغثى (1) ~~الروائح الكريهة ، والمشاركة بين المعدة والدماغ بهذه العصبة ، وبها يحس ~~الإنسان ببرد الماء المشروب ، وبها تنتبه الشهوة ، ويحس بالحاجة إلى الغذاء ~~إذا خلا المعدة ، والبدن ، فيتحرك لطلبه ، وإنما لم يحس جميع الأعضاء بذلك ~~مثل ما يحس فم المعدة ؛ لأنه لو أحس الجميع لم يحمل الحيوان الجوع ساعة ~~البتة ، ولكان يلذع جميع الأعضاء. # ويتصل بقدام المعدة عرق كبير يذهب في طولها ويرسل إليها شعبا كثيرة ، ~~ويلازقه شريان ينشعب مثل ذلك ، وجميع تلك الشعب تعتمد على الصفاق ، وينسج ~~من جملته الثرب ، وتترشح دائما إليه رطوبة لزجة دهنية ، هي الشحم ، بها يتم ms353 ~~الثرب ، وفائدته أن يعين بحرارته المعدة في الهضم من قدام ، كما يعينها في ~~ذلك الكبد من يمينها من فوق ، والطحال من يسارها من تحت ، ولحم الصلب من ~~خلف ، وفوق الثرب الغشاء الصفاقي ، وفوقه المراق ، وفوقه عضلات البطن. # وبهذه المجاورات تكتسب المعدة حرارة تامة هاضمة ، مع ما في لحمها من ~~الحرارة الغريزية ؛ لأنها خادمة لجميع البدن في طلب الغذاء وهضمه ، فلا بد ~~أن يتم اقتدارها على تمام فعلها. # والغشاء الصفاقي هو الغشاء الذي يحوي جميع الأحشاء ، ويجتمع طرفاه PageV02P191 # عند الصلب من جانبيه ، ويتصل بالحجاب من فوقه ، ويتصل بأسفل المثانة ~~والخاصرتين من أسفل ، وهناك تثقب فيه ثقبتان عند الاربيتين ، هما مجريان ~~تنفذ فيهما عروق ومعاليق ، وإذا اتسعا نزل فيهما المعاء ، ويسمى الفتق ، ~~وفائدة هذا الغشاء أن يكون وقاية للأحشاء ، ويحفظها على أوضاعها ؛ لئلا ~~تتشوش حركاتها وأفعالها ، ويربط بعضها بالبعض ، وبالصلب ، ليكون اجتماعها ~~وثيقا ، وليكون حاجزا بين الأمعاء وعضل المراق ، إلى غير ذلك من المنافع ، ~~فتبارك الله الحكيم الحليم ، أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # وأما الأمعاء فكلها طبقتان ، وعلى الداخلانية لزوجات قد لبستها بمنزلة ~~الترصيص ، تسمى مع الشحم الذي عليها صهروج الأمعاء ؛ لوقايتهما لها ، وكلها ~~مربوطة بالصلب برباطات تشدها وتحفظها على أوضاعها ، إلا واحدة تسمى بالأعور ~~، فإنه مخلى غير مربوط، وخلقت ست قبائل ، ثلاثة دقاق ، وهي أعلى ، وثلاثة ~~غلاظ ، وهي أسفل ، فأول الدقاق هو المعاء المتصل بأسفل المعدة ، ويسمى ~~الاثنا عشري ؛ لأن طوله في كل إنسان إثنا عشر إصبعا من أصابعه ، مضمومة ، ~~وفوهته المتصلة بقعر المعدة تسمى البواب ؛ لأنها تنضم عند امتلاء المعدة ~~وتنغلق حتى لا يخرج منه الطعام ولا الماء ، حتى يتم الهضم ، أو يفسد ، ثم ~~ينفتح حتى يصير ما في المعدة إلى الأمعاء. # وكما أن المريء للجذب إلى المعدة من فوق ، كذلك هذا الأمعاء للدفع عنها ~~من تحت ، وهو أضيق من المريء ، وأقل سخونة ؛ لأن المريء منفذ الشيء الممضوغ ~~، وهذا منفذ الشيء المهضوم ، المختلط بالماء المشروب. PageV02P192 # وأيضا فإن النافذ في هذا المعاء يرافده الثفل الذي يحصل في المعدة عند ~~الامتلاء والحركات التي تتفق ms354 لبعض الناس ، فيسهل اندفاعه ، فأعين بالتضييق ~~ليقوى على الانضمام والإمساك إلى أن يتم النضج والهضم ، وهو ممتد من المعدة ~~إلى أسفل على الاستقامة ، ليس فيه ما في غيره من التلافيف ، ليكون اندفاع ~~ما يندفع إليه عنه متيسرا ليخلو بالسرعة ، ولا يزاحم ما يجاوره من اليمين ~~واليسار. # ويتلوه معاء يسمى بالصائم ؛ لأنه يوجد في الأكثر خاليا ، فارغا ؛ وذلك ~~لأن الكيلوس الذي ينحلب إليه ينفصل به ، وينجذب منه إلى الكبد أكثر مما ~~ينحلب إليه بالسرعة ، وأيضا فإن المرة الصفراء التي تنحلب من المرارة إلى ~~الأمعاء لتغسلها إنما تنحلب أولا إلى هذا المعاء ، فتغسلها بقوتها الغسالة ~~، وتهيج الدافعة بقوتها اللاذعة ، فيبقى خاليا. # ويتصل بالصائم معاء آخر طويل متلفف مستدير استدارات كثيرة ، يسمى ~~بالدقيق. # وفائدة طول الأمعاء وتلافيفها أن لا ينفصل الغذاء منها سريعا ، فاحتاج ~~الحيوان إلى أكل دائم ، وقيام للحاجة دائما ، وليكون للكيلوس المنحدر من ~~المعدة مكث صالح فيها لتتم القوة الهاضمة التي فيها هضمه ، ولتنجذب صفوته ~~إلى الكبد في العروق الماساريقية المتصلة بتلك التلافيف. # وسعة هذه الأمعاء الثلاثة كلها بقدر سعة البواب ، والهضم فيها أكثر منه ~~في الغلاظ ، وإن كانت لا تخلو تلك أيضا عن هضم ، كما لا تخلو عن عروق ~~ماساريقية مصاصة ، يتصل بها. # وأولها المعاء الأعور ، ويتصل بأسفل الدقاق ، سمي به ؛ لأنه مثل كيس ليس ~~له إلا ممر واحد ، به يقبل ما يندفع إليه من فوق ، ومنه يندفع ما يدفعه إلى ما PageV02P193 # هو أسفل منه ، ووضعه إلى الخلف قليلا ، وميله إلى اليمين ، وفائدته أن ~~يكون للثفل مكان يجتمع فيه ، فلا يحوج كل ساعة إلى القيام للتبرز ، ~~وليستفيد من حرارة الكبد بالمجاورة هضما بعد هضم المعدة. # ونسبة هذا المعاء إلى ما تحته من الأمعاء نسبة المعدة إلى الأمعاء الدقاق ~~التي فوقه ، ولذلك أميل إلى اليمين ، ليقرب من الكبد ، فيستوفي تمام الهضم ~~، ثم ينفصل عنه إلى معاء آخر ، تمص منه الماساريقا ، وإنما يكفيه فم واحد ؛ ~~لأن وضعه ليس وضع المعدة على طول البدن ، لكنه كالمضطجع. # ومن فوائد عوره أنه مجمع الفضول التي ms355 لو تفرق كلها في سائر الأمعاء لتعذر ~~اندفاعها ، وخيف حدوث القولنج ، فإن المجتمع أيسر اندفاعا من المتفرق ، وهو ~~أيضا مسكن لما لا بد من تولده في الأمعاء من الديدان ، فإنه قلما يخلو عنها ~~بدن ، وفي تولدها أيضا منافع إذا كانت قليلة العدد ، صغيرة الحجم. # وفي هذا المعاء يتعفن الثفل ، وتتغير رائحته ، وهو أولى بأن ينحدر في ~~الأربية ؛ لأنه مخلى عنه ، غير مربوط ، ولا متعلق بما يأتي الأمعاء من ~~الماساريقا ، فإنه ليس يأتيه منها شيء. # ويتصل بهذا المعاء من أسفل معاء يسمى قولون ، وهو غليظ ، صفيق ، وكلما ~~يبعد عنه يميل إلى اليمين ميلا جيدا ليقرب من الكبد ، ثم ينعطف إلى اليسار ~~منحدرا ، فإذا حاذى جانب اليسار انعطف ثانيا إلى اليمين ، وإلى الخلف ، حتى ~~يحاذي فقرة القطن ، وهناك يتصل بمعاء آخر يسمى بالمستقيم ، وهو عند مروره ~~في الجانب الأيسر بالطحال يضيق ، ولذلك صار ورم الطحال يمنع خروج الريح عليه. # وهذا المعاء يجتمع فيه الثفل للتدرج إلى الاندفاع لتستصفي الماساريقا ما PageV02P194 # عسى يبقى فيها من جوهر الغذاء ، وفيه يعرض القولنج في الأكثر ، ومنه اشتق اسمه. # والمعاء المستقيم المتصل بأسفله ينحدر على الاستقامة ليكون اندفاع الثفل ~~عنه أسهل، وهو آخر الأمعاء ، وطرفه هو الدبر ، وعليه العضلة المانعة من ~~خروج الثفل حتى تطلقه الإرادة. # وخلق واسعا تقرب سعته من سعة المعدة ليكون للثفل مكان يجتمع فيه ، كما ~~يجتمع البول في المثانة ، ولا يحوج كل ساعة إلى القيام. # وليس يتحرك شيء من الأمعاء إلا طرفاها ، وهما المريء والمقعدة ، وتأتي ~~الأمعاء كلها أوردة وشرايين وعصب أكثر من عصب الكبد ؛ لحاجتها إلى حس كثير ~~، فسبحان خالقها ، والمنعم بها علينا ، وبحمده. ### ||| * فصل # وأما الكبد فهو لحم أحمر مثل دم جامد ليس يحيطه عصب ، بل غشاء عصبي يجلله ~~، يتولد من عصب صغير ، وهو يربط الكبد بغيرها من الأحشاء ، وبالغشاء المجلل ~~للمعدة والمعاء ، ويربطها أيضا بالحجاب برباط قوي ، وبأضلاع الخلف برباطات دقاق. # وهي موضوعة في الجانب الأيمن تحت الضلوع العالية من ضلوع الخلف ، وشكلها ~~هلالي ، حدبته تلي الحجاب ؛ لئلا يضيق عليه ms356 مجال حركته ، وتقعيره يلي ~~المعدة ؛ لتتهندم على تحدبها ، ويأتيها من هناك شريان صغير يتفرق فيها ، ~~تنفذ فيه الروح إليها ، ويحفظ حرارتها ويعدلها بالنبض ، وجعل مسلكه إلى PageV02P195 # مقعرها ؛ لأن حدبتها تروح بحركة الحجاب ، ولها زوائد أربعة ، أو خمسة ، ~~تحتوي بها على المعدة ، كما تحتوي الكف على المقبوض بالأصابع. # وشأنها أن تمتص الكيلوس من المعدة والأمعاء ، وتجذبه إلى نفسها في العروق ~~المسماة ماساريقا ، وليس في داخلها فضاء يجتمع فيه الكيلوس ، لكنه يتفرق في ~~الشعب التي فيها من العرقين النابتين منها ، يسمى أحدهما الباب ، والآخر ~~الأجوف. # وبيان ذلك : أن الباب ينبت من تقعيرها ، وينقسم أقساما ، ثم تنقسم تلك ~~الأقسام إلى أقسام كثيرة جدا ، وتأتي منها أقسام يسيرة إلى قعر المعدة ~~والاثني عشري ، وأقسام كثيرة إلى المعاء الصائم ، ثم إلى سائر الأمعاء ، ~~حتى تبلغ المعاء المستقيم ، وفيها ينجذب الغذاء إلى الكبد ، فلا يزال كلما ~~انجذب يصير من الأضيق إلى الأوسع ، حتى يجتمع في الباب. # ثم الباب ينقسم أيضا في داخل الكبد إلى أقسام في دقة الشعر ، ويتفرق ما ~~انجذب من الغذاء فيها ويطبخه لحم الكبد حتى يصير دما. # والأجوف ينبت من حدبتها ، وهو عرق عظيم منه ينبت جميع العروق التي في ~~البدن ، وأصله ينقسم في الكبد إلى أقسام في دقة الشعر ، تلتقي مع الأقسام ~~المنقسمة فيها من الباب ، فيرتفع الدم من تلك الأقسام إليها ، ثم يجتمع من ~~أدقها إلى أوسعها ، حتى يحصل جملة الدم كله في الأجوف ، ثم يتفرق منه في ~~البدن في شعبه الخارجة ، وهو إذا طلع من الكبد لم يمر كثيرا حتى ينقسم ~~قسمين ، أحدهما وهو الأعظم يأخذ إلى أسفل البدن ، يسقي جميع الأعضاء التي ~~هناك ، والثاني يأخذ إلى الأعلى ليسقي الأعضاء العالية. # وهذا القسم يمر حتى يلاصق الحجاب ، وينقسم من هناك عرقان يتفرقان PageV02P196 # في الحجاب ليغذواه ، ثم ينفذان الحجاب ، فإذا نفذاه انقسمت منهما عروق ~~دقيقة ، واتصلت بالغشاء الذي يقسم الصدر بنصفين ، وبغلاف القلب ، وبالغدة ~~التي تسمى التوثة، وتفرقت فيها ، ثم تنشعب منه شعبة عظيمة ، تتصل بالأذن ~~اليمنى من أذني القلب ، وتنقسم ms357 ثلاثة أقسام ، أحدها يدخل إلى التجويف ~~الأيمن من تجويفي القلب ، وهو أعظم هذه الأقسام ، وهو الوريد الشرياني ، ~~والثاني يستدير حول القلب من ظاهره ، وينبث فيه كله ، والثالث يتصل ~~بالناحية السفلى من الصدر ، ويغذو ما هناك من الأجسام. # وإذا جاوز القلب مر على استقامة إلى أن يحاذي الترقوتين ، وتنقسم منه في ~~مسلكه هذا شعب صغار من كل جانب ، تسقي ما يحاذيها ، ويقرب منها ، وتخرج ~~منها شعب إلى خارج ، فتسقي العضل الخارج المحاذي لتلك الأعضاء الداخلة ، ~~وعند محاذاته للأبط تخرج إلى خارج شعبة عظيمة تأتي اليد من ناحية الابط ، ~~وهو القسم الباسليق ، فإذا حاذى من الترقوة الوسط منها موضع اللبة انقسم ~~قسمين ، فصار أحدهما إلى ناحية اليمين ، والآخر إلى ناحية الشمال ، وانقسم ~~كل واحد من هذين القسمين إلى قسمين ، يسقي أحد القسمين الكتف ، وجاء إلى ~~اليد من الجانب الوحشي ، وهو العرق المسمى بالقيفال ، وانقسم الباقي قسمين ~~، في كل جانب ، فمر أحدهما غائرا مصعدا في العنق حتى يدخل القحف ، ويسقي ما ~~هناك من أعضاء الدماغ والأغشية ، وفي مروره في العنق إلى أن يدخل الدماغ ~~تنشعب منه شعب صغار تسقي ما في العنق من الأعضاء ، ويسمى هذا القسم الوداج ~~الغائر. # وأما الثاني فيمر مصعدا في الظاهر حتى ينقسم في الوجه والرأس والعنق ~~والأنف ، ويسقي جميع هذه الأعضاء ، وهو الوداج الظاهر. PageV02P197 # وتنشعب من العرق الكتفي في مروره بالعضد شعب صغار تسقي ظاهر العضد ، ~~وتنشعب من الأبطي شعب تسقي باطنه ، وإذا قارب العرق الكتفي والعرق الابطي ~~بعضل المرفق انقسما ، فأحد أقسام العرق الكتفي يمازج قسما من العرق الابطي ~~، ويتحد به ، فيكون منهما عند المرفق العرق المسمى بالأكحل. # والقسم الثاني من أقسام العرق الكتفي يمتد في ظاهر الساعد ، ويركب بعد ~~ذلك الزند الأعلى ، وهذا القسم حبل الذراع. # وقسم من العرق الابطي وهو الأصغر مكانا يمر في الجانب الداخل من الساعد ~~حتى يبلغ رأس الزند الأسفل ، ويكون من بعض شعبه العرق الذي بين الخنصر ~~والبنصر ، المسمى الاسيلم. # وأما القسم الذي يأخذ إلى أسافل البدن فإنه يركب فقار الظهر ms358 آخذا إلى ~~أسفل ، وتنشعب منه أولا شعب تأتي لفائف الكلى وأغشيتها ، والأجسام التي ~~يقرب منها ، فيسقيها ، ثم تنشعب منه شعبتان عظيمتان تدخلان تجويف الكلى ، ~~ثم شعبتان تصيران إلى الأنثيين ، ثم ينشعب منه عند كل فقرة عرقان يمران في ~~الجانبين ويسقيان الأعضاء القريبة منها ، ما كان منها داخلا ، كالرحم ~~والمثانة ، وما كان منها خارجا ، كمراق البطن والخاصرتين ، حتى إذا بلغ آخر ~~الفقار انقسم قسمين ، وأخذ أحدهما إلى الرجل اليمنى ، والآخر إلى اليسرى ، ~~وتشعبت منه شعب تسقي عضل الفخذين ، منها غائرة تسقي العضل الغائر ، ومنها ~~ظاهرة تسقي العضل الظاهر. # حتى إذا بلغ مشاش مثنى الركبة انقسم ثلاثة أقسام ، فمر قسم منها في الوسط ~~، ويسقي بشعب له جميع عضل الساق الداخل والخارج ، ومر قسم في الجانب الداخل ~~من الساق ، حتى يظهر عند الكعب الداخل ، وهو الصافن ، PageV02P198 # والقسم الآخر يمر في الجانب الظاهر من الساق ، وهو غائر إلى ناحية الكعب ~~الخارج ، وهو عرق النسا ، وتنشعب من كل واحد من هذين عند بلوغه القدم شعب ~~تتفرق في القدم فتكون الشعب التي في القدم في ناحية الخنصر والبنصر من شعب ~~عرق النسا ، والتي في الإبهام من شعب الصافن ، فسبحان اللطيف الحكيم ، ما ~~ألطف حكمته ، وأحكم صنعه. ### ||| * فصل # وأما المرارة فهي كيس عصباني ، معلق من الكبد إلى ناحية المعدة ، موضوعة ~~على أعظم زوائدها ، وهي ذات طبقة واحدة ، منتسجة من أصناف الليف الثلاثة ، ~~ولها منفذان ، أحدهما متصل بتقعير الكبد ، وبه تنجذب المرة الصفراء إليها ، ~~والآخر ينشعب فيتصل بالأمعاء العليا ، وبأسفل المعدة ، به تندفع أجزاء من ~~الصفراء إليها ، لغسلها عن الفضول ، وتنبيها على الحاجة والنهوض للتبرز ، ~~كما مر. # وليست المرارة لبعض الحيوانات كالإبل ؛ لأن معاءه مر جدا ، كأنه مفرغة ~~للمرة ، ولذلك لا يأكلها الكلاب ، ما لم يضطر جوعا ، وكذلك الفرس والبغل. ### ||| * فصل # وأما الطحال فهو عضو لحمي مستطيل على شكل اللسان ، متصل بالمعدة من ~~يسارها إلى خلف ، حيث الصلب مهندما مقعره على محدب المعدة ، مرتبطا بها ~~بعرق يصل بينهما ، وتوثقه شعب كثيرة العدد ، صغيرة المقادير ، تنشعب من PageV02P199 # الصفاق ، وتتصل ms359 به ، وتتفرق فيه ، وحدبته تلي الأضلاع ، تستند بأغشيتها ~~لأنه ليس متعلقا بها برباطات كثيرة قوية ، بل بقليلة ليفية. # ومن هذا الجانب تأتيه العروق الساكنة والضاربة الكثيرة ، لتسخنه ، ويقاوم ~~برد السوداء المندفعة إليه ، ويهضمها ، ولحميته تتخلخل ليسهل قبوله الفضول ~~السوداوية ، وله عنق متصل بمقعر الكبد ، حيث يتصل عنق المرارة ، به يجذب ~~السوداء من الكبد ، وعنق آخر ينبت من باطنه متصل بفم المعدة ، به يدفع ~~السوداء إليها ، ويغشيه غشاء ينبت من الصفاق ، كما مر ، وشأنه أن يكون ~~مفرغة للسوداء الطبيعي ، كما دريت ، وليس لبعض الحيوانات ، والذي للجوارح ~~منها صغير. ### ||| * فصل # وأما الكليتان فكل واحدة منهما مثل نصف دائرة ، محدبها يلي الصلب ؛ ليسهل ~~الانحناء إلى قدام ، ولحمها لحم ملزز ؛ ليكون قوي الجوهر ، غير سريع ~~الانفعال ، عما ينجذب إليها من المائية الحادة التي يصحبها خلط حاد ، ~~وليقدر على إمساك المائية ، ريثما يتميز عنها الدم ، لتغتذي به ، وليقدر ~~الإنسان بسبب قدرة الكلية على هذا الإمساك على إمساك البول إلى وقت اختياره ~~، وليمنع عن نشف غير الرقيق وجذبه ، وليتدورك بتلززه ما وجب من صغر حجمه. # وفي باطن كل واحد منهما تجويف يجتمع فيه ما يتحلل إليها ؛ ليميز قوتها ~~الغاذية الدموية من المائية ، ويصرفها إلى غذائها ، ثم يرسل المائية إلى ~~المثانة. # ولكل منهما عنق يتصل بالأجوف من الكبد ؛ ليجذب المائية ، وآخر يتصل PageV02P200 # بالمثانة ليرسل مائيته إليها. # ووضعت اليمنى أرفع من اليسرى ؛ لتكون أقرب من الكبد ، وإنما جعلت زوجا ؛ ~~لكثرة المائية ، ويضيق المكان على الكبد ، والأعور ، أو الطحال ، والقولون ~~، إن جعلت واحدة في أحد الجانبين ، وكان مع ذلك لا تستوي القامة ، بل تكون ~~مائلة إلى جهتها ، أو على المعدة ، والأمعاء ، إن جعلت في الوسط ، وكان مع ~~ذلك يمنع الانحناء إلى قدام ، على أن كل عضو من الحيوان خلق زوجا ، والذي ~~لا يرى زوجا فهو ذو شقين ، كما يظهر بالتأمل فيما مر ، فسبحان من خلق من كل ~~شيء زوجين لعلكم تذكرون. ### ||| * فصل # وأما المثانة فهي عصبانية ، مخلوقة من عصب الرباط ؛ لتكون أشد قوة ، ~~ووثاقة ، ومع القوة قابلة للتمدد ، وهي ms360 ككيس بلوطي الشكل ، طرفاه أضيق ، ~~ووسطه أوسع ، مبطن بغشاء منتسج من الأصناف الثلاثة من الليف ؛ ليقوم بإتمام ~~الأفعال الثلاثة ، فهي ذات طبقتين ، والبطانة ضعف الظهارة ، عمقا وغلظا ؛ ~~لأنها هي الملامسة للمائية الحادة ، وهي القائمة بالأفعال الثلاثة ، ~~والظهارة وقاية لها ؛ لئلا تنفسخ عند ارتكازها ، وتمددها. # وهي موضوعة بين الدبر والعانة ، وشأنها أن تكون وعاء للبول ، ومقبضة له ~~إلى أن يخرج دفعة واحدة بالاختيار والإرادة ، فيستغني الإنسان بذلك عن ~~مواصلة الإدرار ، كالمعاء للثفل ، والبول يأتيها من منفذي الكليتين ، كما مر. # والمنفذان إذا بلغا إليها خرقا إحدى طبقتيها ، ومرا فيما بين الطبقتين في PageV02P201 # طولها ، ثم يغوصان في الطبقة الباطنة ، مفجرين إياها إلى تجويف المثانة ، ~~حتى إذا امتلأت وارتكزت انطبقت البطانة على الظهارة مندفعة إليها من الباطن ~~، كأنهما طبقة واحدة ، لا منفذ بينهما. # ولها عنق دفاع للماء إلى القضيب ، معوج ، كثير التعاويج ، ولأجلها لا ~~يندفع الماء بالتمام دفعة ، وخصوصا في الذكران ، فإنه فيهم ذو ثلاث تعاويج ~~، وفي الإناث ذو تعويج واحد ، لقرب مثانتهن من أرحامهن ، وعلى فمه عضلة ~~تضمه ، وتمنع خروج البول حتى تطلقه الإرادة المرخية لها ، فسبحان الخالق ~~الكريم ، ما أكرمه ، وأسبغ نعمه. ### ||| * فصل # وأما الثدي فركب من شرايين ، وعروق ، وعصب ، يحتشي ما بينها نوع من اللحم ~~غددي ، أبيض ، طبيعته طبيعة اللبن ، خلقه الله ليكون المحيل والمولد للبن ، ~~وهذه الشرايين والعروق تنقسم في الثدي إلى أقسام دقاق ، وتستدير وتلتف ~~لفائف كثيرة ، ويحتوي عليها ذلك اللحم الذي هو مولد اللبن ، فيحيل ما في ~~تجويفها من الدم حتى يصير لبنا ، بتشبيهه إياه بطبيعته ، كما يحيل لحم ~~الكبد ما يجتذب من المعدة والأمعاء ، حتى يصير ما بتشبيهه إياه بنفسه ، ~~فسبحان من يسقينا من بين فرث ودم لبنا خالصا ، سائغا للشاربين. ### ||| * فصل # وأما الأنثيان فجوهرهما لحم غددي أبيض ، مثل لحم الثدي ، يحيل الدم ~~النضيج الأحمر اللطيف المنجذب إليها ، كأنه فضلة الهضم الرابع في البدن ، كله PageV02P202 # منيا أبيض ، بسبب ما يتخضخض فيه هوائية الروح ، وانجذاب تلك المادة ~~إليهما في شعب عروق ساكنة ونابضة ، كثيرة الفوهات ، كثيرة التعاويج ، ~~والالتفافات ms361 ، ومجرى تلك العروق بالصفاق ، وينزل منه مجريان شبه البرنجين ، ~~ثم يتشعبان فتكون منهما الطبقة الداخلة من كيس البيضتين ، ثم يصير من هناك ~~فيها فيستحكم استحالته ، ويكمل نوعه ، ويصير منيا تاما ، ويصير في مجريين ~~يفضيان إلى القضيب. # وبسبب كثرة شعب العروق التي تأتيها صار الإخصاء الذي في صورة قطع عرق ~~واحد، كأنه قطع من كل عضو عرق ؛ لكثرة الفوهات التي تظهر هناك ، ولهذا يوجد ~~(1) الخصيان ، تذهب قواهم ، وتسترخي مفاصلهم ، ويظهر ذلك في مشيهم ، وجميع ~~حركاتهم ، وفي عقولهم ، وأصواتهم ، فتبارك الله البارىء اللطيف. ### ||| * فصل # وأما القضيب فهو عضو ، مؤلف من رباطات ، وأعصاب وعضلات ، وعروق ضاربة، ~~وغير ضاربة ، يتخللها لحم قليل. # وأصله جسم رباطي ، ينبت من عظم العانة ، كثير التجاويف ، واسعها ، تكون ~~في الأكثر منطبقة ، وتحته وفوقه شرايين كثيرة ، واسعة ، فوق ما يليق به ، ~~وتأتيه أعصاب من فقار العجز ، وإن كانت ليست غائصة في جوهره. # وله ثلاث مجاري : للبول ، والمني ، والودي ، والانعاض يكون بامتلاء ~~تجاويفه من ريح غليظة ، وامتلاء عروقه من الدم ، والإنزال يكون عندما يتمدد PageV02P203 # وتنتصب الأوعية التي فيها المني ، وتهيج لقذف ما فيها ؛ لكثرته ، أو ~~للذعه ، وأحد الأسباب الداعية إلى ذلك احتكاك الكمرة ، وتدغدغها من الجسم ~~المصاك لها ، فإن ذلك يدعو إلى تمدد أوعية المني ، وقذف ما فيها ، وقوة ~~الانتشار. # وريحه تنبعث من القلب ، وكذا قوة الشهوة تنبعث منه بمشاركة الكلية ، ~~والأصل هو القلب ، فتبارك الله الخالق البارىء ، أحسن الخالقين. ### ||| * فصل # وأما الرحم فهو للإناث بمنزلة القضيب للرجال ، فهو آلة توليدهن ، كما أن ~~القضيب آلة تناسلهم ، وفي الخلقة تشاكله ، إلا أن إحداهما تامة بارزة ، ~~والأخرى ناقصة محتبسة في الباطن ، وكأن الرحم مقلوب القضيب ، أو قالبه. # وفي داخله طوق مستدير عصبي ، في وسطه وعليه زوائد ، وخلق ذا عروق كثيرة ؛ ~~ليكون هناك عدة للجنين ، ويكون أيضا للعضل الطمثي منافذ كثيرة ، وهو موضوع ~~فيما بين المثانة والمعاء المستقيم ، إلا أنه يفضل على المثانة إلى ناحية ~~فوق (1)، كما تفضل هي عليه بعنقها من تحت. # وهو يشغل ما بين قرب السرة إلى آخر منفذ الفرج ، وهو ms362 رقبته ، وطوله ما ~~بين ست أصابع إلى أحد عشر ، ويقصر ويطول بالجماع ، وتركه ، وتشكل مقداره ~~بشكل مقدار من يعتاد مجامعتها ، ويقرب من ذلك طول الرحم ، وربما مس المعاء ~~العليا. # وهو مربوط بالصلب برباطات كثيرة قوية إلى ناحية السرة ، والمثانة PageV02P204 # والعظم العريض ، لكنها سلسة ، وجعل من جوهر عصبي له أن يتمدد ويتسع على ~~الاشتمال ، وأن يتقلص ويجتمع عند الاستغناء ، ولن يستتم تجويفه إلا مع ~~استتمام النمو ، كالثدي لا يستتم حجمها إلا مع ذلك ؛ لأنه يكون قبل ذلك ~~معطلا ، وهو يغلظ ويثخن كأنه يسمن في وقت الطمث ، ثم إذا طهر ذبل. # وخلق ذا طبقتين ، باطنتهما أقرب إلى أن تكون عرقية ، وخشونتها لذلك ، ~~وفوهات هذه العروق هي التي تنقر في الرحم ، وتسمى نقر الرحم ، وبها تتصل ~~أغشية الجنين ، ومنها يسيل الطمث ، ومنها يعتدل الجنين ، وظاهرتهما أقرب ~~إلى أن تكون عصبية ، وهي ساذجة واحدة ، والداخلة كالمنقسم قسمين ، ~~كمتجاورين ، لا كملتحمين. # ولرحم الإنسان تجويفان ، ولغيره بعدد الأثداء ، وينتهيان إلى مجرى محاذ ~~لفم الفرج الخارج ، فيه يبلغ المني ، ويقذف الطمث ، ويلد الجنين ، ويكون في ~~حال العلوق في غاية الضيق ، لا يكاد يدخله طرف ميل ، ثم يتسع بإذن الله ، ~~فيخرج منه الجنين. # وقبل افتضاض البكر يكون في رقبة الرحم أغشية تنسج من عروق ورباطات رقيقة ~~جدا ، يهتكها الافتضاض ، ومن النساء من رقبة رحمها إلى اليمين ، ومنهن من ~~هي منها إلى اليسار ، وهي عضلية اللحم ، كأنها غضروفية ، وكأنها غصن على ~~غصن ، يزيدها السمن والحمل صلابة. # وللرحم زائدتان تسميان قرني الرحم ، وهما الأنثيان للنساء ، وهما كما في ~~الرجال ، إلا أنهما باطنتان ، وأصغر ، وأشد تفرطحا ، يخص كل واحد منهما ~~غشاء عصبي ، لا يجمعها كيس واحد. # وكما أن أوعية المني في الرجال بينهما وبين المستفرغ من أصل القضيب ، PageV02P205 # كذلك للنساء بينهما وبين المقذف إلى داخل الرحم ، إلا أنها فيهن متصلة ~~بهما ؛ لقربها بهما في اللين ، لكونها في كن ، بخلافها فيهم ، فإنه جعل ~~بينهما واسطة ؛ لئلا يتأذى بصلابتهما حال تواترهما ، فتبارك الله الرؤوف ~~الكريم ، ما أرأفه ، وأبين كرمه. ### ||| * فصل # وأما هيئة الخاصرة ms363 ، والعانة ، والورك ، فبيانها : # أن عند العجز عظمين كبيرين ، يمنة ويسرة ، يتصلان في الوسطين قدام بمفصل ~~موثق ، وهما كالأساس لجميع العظام الفوقانية ، والحامل الناقل للسفلانية ، ~~وكل واحد منهما ينقسم إلى أربعة أجزاء ، فالذي يلي الجانب الوحشي يسمى ~~الحرقفة ، وعظم الخاصرة ، والذي يلي القدام يسمى عظم العانة ، والذي يلي ~~الخلف يسمى عظم الورك ، والذي يلي الأسفل الإنسي يسمى حق الفخذ ؛ لأن فيه ~~التقصير الذي يدخل فيه رأس الفخذ المحدب ، وقد وضعت عليه أعضاء شريفة ، مثل ~~المثانة ، والرحم ، وأوعية المني من الذكران ، والمقعدة ، والسرة. ### ||| * فصل # وأما الفخذ فله عظم هو أعظم عظم في البدن ؛ لأنه حامل لما فوقه ، وناقل ~~لما تحته ، وقبب طرفه العالي ليتهندم في حق الورك ، وهو محدب إلى الوحشي ، ~~وقدام مقعر إلى الإنسي ، وخلف ، فإنه لو وضع على استقامته وموازاة للحق PageV02P206 # لحدث نوع من الفحج (1)، كما يعرض لمن خلقته تلك ، ولم يحسن وقايته للعضل ~~الكبار ، والعصب والعروق ، ولم يحدث من الجملة شيء مستقيم ، ولم يحسن هيئة ~~الجلوس. # ثم لو لم يرد ثانيا إلى الجهة الإنسية لعرض فحج (2) من نوع آخر ، ولم يكن ~~للقوام واسطة عنها وإليها الميل ، فلم تعتدل ، وفي طرفه الأسفل زائدتان ~~يتهندمان في نقرتين في رأس عظم الساق ، وقد وثقتا برباط يلتف ، ورباط في ~~الغور ، ورباطين من الجانبين قويين ، فهندم مقدمهما بالرضفة ، وهي عين ~~الركبة ، وهو عظم عريض في الاستدارة ، فيه غضروفية ، فائدته مقاومة ما ~~يتوقى عند الجثو وجلسة التعلق من الانتهاك والانخلاع ، فهو دعامة للمفصل ، ~~ولله الحمد. ### ||| * فصل # وأما الساق فهو كالساعد ، مؤلف من عظمين ، أحدهما أكبر وأطول ، وهو ~~الإنسي ، ويسمى القصبة الكبرى ، والثاني أصغر وأقصر ، لا يلاقي الفخذ ، بل ~~يقصر دونه إلا إنه من أسفل ينتهي إلى حيث ينتهي إليه الأكبر ، ويسمى القصبة ~~الصغرى ، وهي متبرئة عن الكبرى ، في الوسط بينهما فرجة قليلة ، وللساق تحدب ~~إلى الوحشي ، ثم عند الطرف الأسفل تحدب آخر إلى الإنسي ، ليحسن به القوام ~~ويعتدل ، فسبحان خالقها الكريم ، وبحمده. PageV02P207 ### ||| * فصل # وأما القدم فمؤلفة من ستة وعشرين عظما ، كعب به يكمل المفصل مع ms364 الساق ، ~~وعقب به عمدة الثبات ، وهو أعظمها ، وزورقي به الأخمص ، وأربعة عظام للرسغ ~~، بها يتصل بالمشط ، وواحد منها عظم نردي ، كالمسدس ، موضوع إلى الجانب ~~الوحشي ، وبه يحسن ثبات ذلك الجانب على الأرض ، وخمسة عظام للمشط ، بعدد ~~الأصابع في صف واحد ، وأربعة عشر سلاميات الأصابع ، لكل منها ثلاثة سوى ~~الإبهام ، فإن له اثنين. # أما الكعب فإن الإنساني منه أشد تكعيبا من كعوب سائر الحيوانات ، وكأنه ~~أشرف عظام القدم النافعة في الحركة ، كما أن العقب أشرف عظام الرجل النافعة ~~في الثبات ، وهو موضوع بين الطرفين النابتين من قصبتي الساق ، يحتويان عليه ~~بمقعرهما من جوانبه ، ويدخل طرفاه في العقب في نقرتين دخول ركز ، وهو واسطة ~~بين الساق والعقب ، به يحسن اتصالهما ، ويتوثق المفصل بينهما ، ويؤمن عليه ~~الاضطراب ، وهو موضوع في الوسط بالحقيقة ، ويرتبط به العظم الزورقي من قدام ~~، ارتباطا مفصليا ، وهذا الزورقي متصل بالعقب من خلف ومن قدام ، بثلاثة من ~~عظام الرسغ ، ومن الجانب الوحشي بالعظم النردي. # وأما العقب فهو موضوع تحت الكعب ، صلب مستدير إلى خلف ، ليقاوم المصاكات ~~والآفات ، مملس الأسفل ، ليحسن استواء الوطىء وانطباق القدم على المستقر ~~عند القيام ، وخلق مثلثا إلى الاستطالة يدق يسيرا يسيرا حتى ينتهي فيضمحل ~~عند الأخمص إلى الوحشي ، ليكون تقعير الأخمص متدرجا من خلف إلى متوسطه. PageV02P208 # وأما الرسغ فيخالف رسغ الكف ، فإنه صف واحد ؛ وذاك صفان ، وعظامه أقل ~~عددا ؛ وذلك لأن الحاجة في الكف إلى الحركة والاشتمال أكثر ، وفي القدم إلى ~~الوثاقة أشد ، وخلق شكل القدم مطاولا إلى قدام ليعين على الانتصاب ~~بالاعتماد عليه ، وخلق له أخمص من الجانب الإنسي ؛ ليكون ميل القدم عند ~~الانتصاب وخصوصا لدى المشي إلى الجهة المضادة لجهة الرجل المشيلة للنقل ، ~~فيعتدل القوام ؛ وليكون الوطىء على الأشياء المدورة والناتئة مهندما من غير ~~ألم ، وليحسن اشتمال القدم على ما يشبه الدرج ؛ وليكون بعض أجزائها متجافية ~~عن الأرض ، فيكون المشي أخف ، والعدو أسهل ، ولمثل هذه المنافع خلقت من ~~عظام كثيرة ، فإنها بذلك تحتوي على الموطوء عليه ، كالكف على المقبوض. # وجملة عظام البدن على ما ms365 عده أهل هذا الفن مائتان وثمانية وأربعون عظما ، ~~سوى السمسمانية ، والعظم الذي في الحنجرة ، والذي في القلب. # وعن مولانا الصادق عليه السلام : «إن الله خلق الإنسان على اثني عشر وصلا ~~، وعلى مائتين وستة وأربعين عظما ، وعلى ثلاثمائة وستين عرقا ، فالعروق هي ~~التي تسقي الجسد كله ، والعظام تمسكها ، واللحم يمسك العظام ، والعصب يمسك ~~اللحم ، وجعل في يديه اثنين وثمانين عظما ، في كل يد إحدى وأربعون عظما ، ~~منها في كفه خمسة وثلاثون عظما ، وفي ساعده اثنان ، وفي عضده واحد ، وفي ~~كفه ثلاثة وأربعون عظما ، وكذلك في الأخرى ، وفي رجله ثلاثة وأربعون عظما ، ~~منها في قدمه خمسة وثلاثون عظما ، وفي ساقه اثنان ، وفي ركبته ثلاثة ، وفي ~~فخذه واحد ، وفي وركه اثنان ، وكذلك في الأخرى ، وفي صلبه ثماني (1) فقارة ، PageV02P209 # وفي كل واحد من جنبيه تسعة أضلاع ، وفي وقصته (1) ثمانية ، وفي رأسه ستة ~~وثلاثون عظما ، وفي فيه ثمانية وعشرون ، أو اثنان وثلاثون» (2). انتهى ~~كلامه صلوات الله عليه وسلامه. # هذا ما يهتدي إليه الإنسان من تشريح الأعضاء ، ومنافعها ، وما لا يهتدي ~~إليه من المنافع أكثر ، فتبارك الذي أحسن كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان ~~من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون. PageV02P210 ### | في الملائكة الموكلين بالحيوان الكامل ### ||| * ( @QUR@011 له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) (1) ### ||| * فصل # إن الله سبحانه وكل بالحيوان الكامل سوى رب نوعه العقلي الذي هو من ~~العالم العلوي أصنافا من الملائكة السفلية الجزوية ، بهم أقام وجوده ، ~~وأدام شخصه ، وحفظ حياته. # فمنهم من له مدخل في نباتيته ، أي نشوءه ونماءه ، ومنهم من له مدخل في ~~حيوانيته، أي إحساسه وحركته الإرادية ، ومنهم من له مدخل في كونه حيوانا ~~خاصا ، له صفات كمالية زائدة على أصل الحيوانية ، مثل النطق ، والتعجب ، ~~والتضجر ، والخجل ، والخوف، والرجاء ، بحسب العاقبة ، كالخوف والرجاء بحسب ~~الحال ، إلى غير ذلك من خواص المسمى بالانسان من أنواعه. # ومنهم من له مدخل في كونه إنسانا خاصا ms366 ، له صفات كمالية زائدة على أصل ~~البشرية ، مثل صيرورة تعقل الكليات ملكة له ، وكثرة مراجعته إلى عالم القدس ~~، وتأيده بروح القدس ، إلى غير ذلك من خواص الإنسان بما هو إنسان ، الذي هو ~~أشرف أنواع الحيوان ، بل هو في الحقيقة جنس آخر ، نسبته إلى الحيوان PageV02P211 # كنسبة الحيوان إلى النبات ، بل التفاوت أكثر ، وإن اشتمل كل على ما تحته ~~؛ ولهذا عقدنا له بابا على حدة ، كما يأتي. # فهذه أربعة أصناف من الملائكة ، وقد يعبر عنها كلها ، أو الثلاثة الأول ~~خاصة ، أو الأولين خاصة ، بالقوى ، وقد يعبر عن الكل بالنفوس ، وقد يعبر ~~بالأرواح ، ودع عنك العبارات ، فإن المعنى واحد ، وهو مبادىء الأفاعيل في ~~الحيوان ، التي هي جهات النفس الحيوانية ، واعتباراتها ، كما أشرنا إليه في ~~النبات. # وإطلاق هذه الألفاظ كلها عليها وارد في الشرع ، كما ستقف عليه عند ذكرنا ~~الأخبار في ذلك ، وإن كان إطلاق الروح عليها فيه أكثر ، ولا سيما على الصنف ~~الرابع ، وقد مضى ذكر الصنف الأول. وذكر الصنف الرابع ، بمباحث الإنسان ، ~~بما هو إنسان ، أنسب ، فنحن الآن بصدد ذكر الصنفين الآخرين ، ومن الله ~~التأييد. ### ||| * فصل # أما المتعلق منهم بالحيوان ، بما هو حيوان ، فمنهم محرك ، ومنهم مدرك ، ~~والمحرك إما فاعل للحركة ، وإما باعث عليها. # أما الفاعل للحركة فقد مر محله من البدن ، وكيفية فعله ، وآلته. # وأما الباعث عليها ، فهو ملك شوقي ، مذعن لمدركات الخيال ، والوهم ، أو ~~العقل العملي بتوسطهما ، فيحمل الإدراك له على أن يبعث إلى طلب ، أو هرب ، ~~بحسب السوانح ، وله جناحان ، جناح شهوي باعث على جلب الضروري ، أو PageV02P212 # النافع طلبا للذة ، وجناح غضبي حامل على دفع وهرب من المضار ؛ طلبا ~~للانتقام ، ومحله القلب والدماغ بمعاونته ، ويخدمه الفاعل للحركة ، المنبث ~~في الأعضاء ، كما يخدم هو الملائكة المدركة. # فللحركات الاختيارية مباد مترتبة ، أبعدها عن عالم الحركة ، والمادة ، ~~والخيال ، أو الوهم ، أو ما فوقهما من الملائكة ، ثم الملك الشوقي ، وبعده ~~، وقبل الفاعل ملك آخر ، كأنه جزء للشوقي ، وتمام له ، أو متمم لفعله ، ~~يسمى بالإرادة ، أو الكراهة ، وهذا كالحركات الطبيعية ، فإن لها أيضا كما ms367 ~~دريت مباد مترتبة ، بعضها من عالم العقل والتأثير ، وبعضها من عالم الأمر ~~والتدبير ، وأدناها من عالم الطبيعة والتسخير ، والكل بقضاء الله والتقدير. # والفارق بين تحريكات الحيوان وبين غيرها ، أن في الحيوان إرادة متفننة ~~حسب دواعيه ، وقواه المختلفة ، لتركبه من العناصر المتضادة ، وإرادة غيره ~~على نظام واحد ؛ لبساطته ، وهكذا النبات ، وإن كان مركبا ذا قوى وملائكة ~~متعددة ، إلا أن للجميع مذهبا واحدا ، ولا حاجة لها كثيرا إلى أسباب خارجة ~~عن ذاتها ، ودواع مختلفة عن قصدها. ### ||| * فصل # وأما المدرك من الملائكة ، فمنه ظاهر مشهور ، ومنه باطن مستور. # أما الظاهر فينحصر في الحواس الخمس ، التي للإنسان ، بحكم الاستقراء ، ~~وقد يستدل عليه بأنه قد ثبت أن الطبيعة لا تنتقل إلى النوع الأكمل إلا وقد ~~استكملت جميع شرائط النوع الأنقص ، وكمالاته ، فلو كان في الإمكان حس PageV02P213 # آخر لكان حاصلا للإنسان ؛ لأن طبيعته انتقلت من الحيوانية الصرفة إلى ~~النطقية التي هي فوقها ، فلما لم يحصل ، علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس. # وأيضا قد ثبت أن الكيفيات المحسوسة لا يمكن أن تكون فوق ستة عشر المحسوسة ~~بالذات ، والثلاثة المحسوسة بالعرض ، أعني الحركة والسكون والشكل ، فلا جسم ~~مكيف بكيفية من الكيفيات المحسوسة ما خلا هذه المحسوسات ، فلا حاسة في ~~الوجود ، ولا في الإمكان غير التي تدرك هذه المحسوسات. # وقد بينا في التشريح محل هذه الأملاك الحساسة من البدن ، وذكرنا مدركاتها ~~، وآلاتها ، وإنما بقي علينا أن نبين كيفية إدراكاتها ، وتمييز الأهم منها ~~، والأشرف ، والألطف ، وترتيبها في ذلك ، فنحن الآن بصدد ذلك. ### ||| * فصل # قد دريت أن المدرك لا بد وأن يستكمل بالمدرك ، بأن تكون نسبته إليه كنسبة ~~القوة إلى الفعل ، والنقص إلى الكمال ؛ وذلك إنما يتصور بأن يكون خاليا عنه ~~، أو يكون بمنزلة الخالي. # وأيضا الشيء إنما ينفعل ويتأثر عند ورود الضد ، لا الشبيه ، وبين أن مزاج ~~الحيوان بما هو حيوان من جنس الكيفيات الملموسة ، وقد مر أيضا أن الممتزج ~~إذا اعتدل في كيفياته صار ذا صورة وحدانية جامعة بوحدانيته لكمال تلك الصور ~~التي تركب منها ، والصورة ليست إلا مبدأ ms368 تلك الكيفيات ، والاتحاد في ذي ~~المبدأ يلزم الاتحاد في مبدئه. PageV02P214 # ثم إن القوة اللامسة قد مر أنها سارية في جميع البدن والأعضاء ، على ~~تخالف مزاجها ، ومزاج الروح الحامل للقوة ، إلا ما يكون عدم الحس أنفع له ، ~~كالكبد ، والرئة ، والطحال ، والكلية ، والعظم ، فقوام هذه القوة إنما هو ~~بما به قوام الحيوان ، بما هو حيوان ، أعني كيفية الصورة العنصرية المتوسطة ~~بين الأربع ، فهذه القوة أيضا من جنس الكيفيات الأول الملموسة ، لكنها ~~بتوسطها المزاجي ناقصة الكيفية ، بمنزلة الخالي عنها ، القابل لها بالقوة ، ~~فهي إنما تدرك الأطراف بهذا التوسط الذي هو بمنزلة الخالي عن الأضداد ، ~~ولهذا كلما كان مزاج الحيوان أقرب إلى الاعتدال كانت هذه القوة فيه أقوى ؛ ~~وذلك لأن طبيعتها كطبيعة الحيوان ، ومادتها كمادته ، فكان صلاحها كصلاحه ، ~~ببقاء الاعتدال ، وفسادها بفساده ، بزوال ذلك الاعتدال ، فيمتنع بقاء ~~الحيوان بدون هذه القوة ، فهي أدنى درجات القوة الحيوانية ، وأهم الحواس ~~للحيوان ، ولهذا لا يخلو حيوان ما عن هذه القوة. # ولما كان شأنها أن يحترز بها عن منافيات المزاج بالهرب والتنحي ، وجب أن ~~يكون كل لامس متحركا بالإرادة ، حتى أن الاسفنجات التي يظن فيها خلاف ذلك ~~لها حركة انقباض وانبساط ، ولولاها لما عرف حسها. # وأما القوى الأربع الأخر ، فحالها خالية عن كيفية مدركاتها ؛ لأنها ليست ~~من جنس مدركاتها ، بل هي من جنس الكيفيات الملموسة ، كقوة اللمس ؛ لأنها ~~أجزاء البدن الذي هو كذلك ، إلا أنها لما لم تكن ملاقية لمحالها ، كما في ~~اللمس ، وهذا معلوم في غير الذوق ، وفي الذوق أيضا كذلك ، فإن العصبة ~~المفروشة في جرم اللسان غائصة فيه ، والغذاء لغلظته لا يتمكن من الغوص فيه ~~، فلذلك احتاجت هذه القوى في إدراكاتها إلى توسط جرم لطيف بين محالها وبين ~~مدركاتها ، ليلاقي بطرفيه كليهما ، فتخالطه أجزاء من جسم ذلك المدرك ، PageV02P215 # ويغوص في جرم المحل ، أو يتكيف بكيفية المدرك ، ويوصلها إلى المحل. # لست أقول : بشخص كيفية ؛ لامتناع انتقال الأعراض ، بل بكيفية من نوعها ، ~~بإفاضة الله سبحانه عليه ، بسبب الإعداد الحاصل من المخالطة ، على النحو ~~الخاص ، أو يصير ذلك الجرم ms369 واسطة من دون مخالطة ، ولا تكيف ، بل على نحو ~~آخر نذكره. # وعلى التقادير الثلاث يكون له لا محالة اتصال ما بالبدن ؛ لاشتراكهما في ~~المادة ، فإن مادة جميع العناصر والمركبات واحدة ، والاتصال ضرب من الاتحاد ~~؛ لأن المتصلين موجودان بوجود واحد ، ولها هوية واحدة ، فكما يكون للنفس أن ~~تتنبه لما يحدث في البدن ، فكذلك لها أن تتنبه لما يتصل بالبدن ، أو يرتبط ~~به ارتباطا خاصا وضعيا ؛ لأن الاتحاد في الوضع كالاتحاد في الوجود ، وهذا ~~سبب تأثر النفس من عوارض ما يطيف بالبدن ، ويتصل به ؛ إذ المجموع ، أعني ~~المتصل والمتصل به ، كأنهما بدن واحد للنفس ، فيختبر عن حال أحدهما بالآخر ~~، فبهذا الاتصال تدرك النفس بواسطة هذه الأملاك المسماة بالقوى التي هي ~~بمنزلة جوارحها المجردة المعنوية ، ومراتبها المتنزلة ، وجهاتها الاعتبارية ~~، وحيثيات تعلقها بأجزاء البدن المحسوسات الأربع ، ما خلا الملموسات. # وذلك الجرم اللطيف المتوسط إما في الذوق ، فهو الرطوبة اللعابية الغائصة ~~في جرم اللسان ، ويتوقف الإدراك فيه على المماسة الصرفة ، ولهذا أرجع بعضهم ~~الكيفيات المذوقة إلى الملموسات ، فالذوق لمس لطيف كمالي ، نسبته إليه نسبة ~~الكمال إلى النقص ، فكل ذوق لمس في الحقيقة ، ولا عكس كليا ، فهو أعم ~~الحواس الخمسة ، وأهمها ، بعد اللمس ، وأشبه القوى به. # وأما في الشم والسمع فهو الهواء المنفعل ، والشم أعم ، وأهم ، بعد ~~الأولين ، PageV02P216 # وأشبه بهما من الباقيين. # وأما في البصر فهو جرم نوراني في الجليدية ، يرتسم منه بين العين والمرئي ~~مخروط ، وهمي أو جوهري ، مجرد عن المادة ، فائض وجوده عن سبب فاعلي ، بلا ~~حركة وزمان ، ولا شيء من الأسباب المادية إلا الوضع المخصوص من النير ، ~~وعدم الحجاب ، ويتعلق إدراك النفس بالمرئي من جهة زاوية هذا المخروط التي ~~عند الجليدية ، ويحدث منها في المقابل القابل أشعة وأضواء ، تكون قوتها في ~~مسقط السهم ، مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط ، ولشدة ~~استنارته يكون ما نرى منه أظهر ، وإدراكه أقوى ، هكذا حقق هذه المباحث ~~أستاذنا دام ظله . # والآن فلنفتش عن كيفية إدراك النفس في هذه الحواس ، هل المدرك فيها هو ~~الأمر المادي ms370 العيني ، سواء كان قائما بمادة المحسوس نفسه ، أو بمادة الجرم ~~المتوسط ، أو غير ذلك ، أم أمر آخر مجرد؟ # وعلى أي نحو يجوز أن يقع الإدراك؟ وعلى أي نحو لا يجوز أن يقع؟ # فاسمع لما سنلقي إليك من القول ، وإن كان بعضه ثقيلا. ### ||| * فصل # ليس إدراك السمع بأن يتشكل الهواء بتقاطع الحروف ، كما ظن ؛ لأن الهواء ~~لا يحفظ الشكل ، كيف وهو سريع الالتئام ، ثم من تشوش الهواء الذي عند أذنه ~~ينبغي أن لا يسمع شيئا ؛ لتشوش التموجات واختلافها. # ولا إدراك البصر بأن تنطبع الصورة المرئية في الرطوبة الجليدية ، أو في PageV02P217 # ملتقى العصبتين المجوفتين ؛ لأنا نرى الأجسام العظيمة والأبعاد البعيدة ، ~~فلو كانت الرؤية إنما هي بالصورة ، وللصورة ، ولها هذا المقدار العظيم ، ~~فكيف تحصل في حدقة صغيرة ، وإن لم يكن لها هذا المقدار فلم ير العظيم ~~عظيما؟ هذا خلف. # ولا بأن تستدل النفس بالصورة ، وإن كانت أصغر على أن ما مقدار صورته هذا ~~كم يكون مقدار أصله؟ وذلك لأن رؤية المقدار الكبير إنما هي بالمشاهدة ، لا ~~بالاستدلال. # ولا بأن تدرك النفس تلك الصورة المقابلة للبصر بعين ذلك الشخص ، بالعلم ~~الحضوري ؛ وذلك لأنه يلزم منه أن يتكون الجسم المادي الطبيعي فوق واحد دفعة ~~واحدة عند رؤية جماعة من الأحولين جسما واحدا ، ويلزم تداخل تلك الأجسام ، ~~وكلاهما محال. # والقول بأن الصورة الأولى في هذا العالم ، والأخرى في عالم آخر ، مستبعد جدا. # ولا بخروج جسم شعاعي من العين يلاقي المبصرات ، إلا إذا أريد به ما قلناه ~~، ولا بانعكاس الشعاع ، إلا إذا أريد مثل ذلك ، ولا بغير ذلك مما قيل فيه ؛ ~~للزوم مفاسد وإشكالات عليها ، مشروحة في الكتب المفصلة ، ولا طائل تحت ~~إيرادها. # قال أستاذنا : ولا يجوز أيضا أن يكون المدرك بالذات هو الأمر المادي في ~~شيء من الحواس ؛ لأن المادي بما هو مادي لا يحصل لشيء ما أصلا. # وأيضا إن المدرك لا بد وأن يتحد بالمدرك نحوا من الاتحاد ، فكيف تتحد ~~النفس بما هو خارج عن ذاتها ، ولا يكفي في ذلك الاتصال المذكور ، يعني به ما ms371 PageV02P218 # ذكر في الفصل السابق ، وإلا لأدرك كل ذي شعور كل ما في عالم الكون ، ~~والفساد ، واتحد به ، بل إنما ذلك من الشرائط والمعدات. # وأيضا لو كان المدرك الأمر المادي العيني ؛ للزم أن يدرك بجميع كيفياته ~~التابعة لمادته. # مثلا من لمس الأرض ، لزم أن يدرك ثقلها ، ولونها ، وسائر كيفياتها ؛ ~~لأنها من لوازم الأرض المادية العينية ، وهي ذات صورة واحدة بسيطة ، تتبعها ~~سائر الكيفيات ، لا ينفصل بعضها عن بعض إلا في العقل ، وبضرب من التعمل ، ~~وإذ ليس فليس. # وأيضا فإن مواد هذه القوى خالية ، أو بمنزلة الخالي عن كل كيفية تدركها ، ~~فلو كانت الكيفية المدركة موجودة في الخارج وهي ضد الكيفية الموجودة في ~~الحس ، أو مقابل لها ، تقابل الملكة والعدم ، فيلزم على أي تقدير أن يبطل ~~الحس ، فلم يبق الحس حسا ؛ إذ الحس ما دام حسا شيء بالقوة في محسوساته كلها. # وأيضا قد ثبت أن حصول الشيء للشيء لا يكون إلا إذا كانت بينهما علاقة ~~علية ومعلولية ، وعلى نحو خاص ، وإلا لكان جميع الأشياء حاصلة لكل أحد ، ~~فما لا يكون فاعلا لشيء ، ولا قابلا ، ولا مادة ، ولا صورة ، فحصول ذلك ~~الشيء له ممتنع ، ولا علاقة كذلك بين النفس وبين المحسوسات المادية بوجه ، ~~وبين أن الاتصال على النحو المذكور لا يكفي في ذلك. # ثم ذكر ما هو رأيه سلمه الله في ذلك ، وهو ما نذكره. PageV02P219 ### ||| * فصل # كل إحساس فإنما هو بإنشاء النفس الصورة المحسوسة في عالم الملكوت ~~النفساني ، مجردة عن المادة ، لا عن الإضافة إليها ، قائمة بالنفس قيام ~~وجود الشيء بفاعله ، لا بقابله ، فالمدرك بالذات في كل محسوس ما عند النفس ~~من الصورة المخترعة في عالمها ، لا في مادتها ، والهواء وغيره من الوسائط ~~كالآلة والمعد من غير أن يكون ما فيه من الكيفية مدركة ، فحصول الصور في ~~المواد علة معدة لحدوثها في صقع النفس ، وحضرة المثول بين يديها ، فليست ~~مماسة المواد والوسائط من جهة كونها موضوعا شرطا أصلا ، بل من جهة إعدادها ~~لفيضان الصور عن النفس. # فالنفس تدرك صورة المسموع بواسطة الهواء المنفعل ms372 على هيئته وشكله ، ووضعه ~~المخصوص ، المناسب لتلك الحاسة المعينة ، وإعدادها الخاص ، لكن لا في ~~المادة ، ليستلزم تشكل الهواء بأشكال الحروف ، بل في عالمها الخاص بها ، ~~وتدرك صورة المرئي بواسطة الرطوبة الجليدية ، لا بأن يحل في تلك الرطوبة ، ~~ليلزم المفاسد ، بل بأن تتمثل لها تلك الصورة تمثلا إدراكيا شهوديا بواسطة ~~قوة هيولانية في تلك الرطوبة ؛ إذ من شأن كل قوة هيولانية تعلقت بها نفس أن ~~تصير مرآة لإدراكها ، ومظهرا لملاحظتها أشياء مناسبة لها. # ألا ترى أن الأحول لما تعددت قوته البصرية بلا مجمع ، رأى الصورة الواحدة ~~اثنتين ، ولو فرض لرجل واحد عيون كثيرة فوق اثنتين بلا مجمع ، لرأى الصورة ~~الواحدة صورا كثيرة ، دفعة واحدة ، على حسب كثرة عيونه ، ولو لم يكن حصولها ~~للنفس حصولا ذهنيا ، بل ماديا ، لازدحمت الصور الكثيرة على مادة PageV02P220 # واحدة جسمانية ، وهو غير جائز. # وكذلك رؤية الشخص بواسطة المرآة ، فإنها أيضا عبارة عن إدراك صورة ~~مقدارية مجردة عن المادة ، موجودة بوجود إدراكي قائم لا بالمحل ، بل بذات ~~المدرك ، أعني النفس ، قيام الموجود بموجده ، ولكنها ليست موجودة بالذات ، ~~بل بالعرض ، بتبعية وجود الشخص المقارن لجسم مشف ، وسطح ثقيل ، على شرائط ~~مخصوصة ، فوجودها في الخارج وجود الحكاية ، بما هي حكاية. ### ||| * فصل # الرؤية على أي التقادير مشروطة بتحقق المقابلة والمحاذاة بين آلة البصر ~~وسطح الجسم المقابل ، والنقطة إذا تحاذت بكل نقطة نقطة من سطح مقابل يتوهم ~~بينهما شكل مخروط ، ويكون عظم السطح وصغره موجبا لعظم الزاوية المخروطية ، ~~وصغرها ، ويؤثر أيضا قربه في عظم الزاوية ، فيرى عظيما ، وبعده في صغرها ، ~~فيرى صغيرا. # هذا إذا كان المحاذي للبصر قابلا للرؤية ، بأن يكون ذا لون وضوء ، وأما ~~إذا لم يكن قابلا للرؤية ؛ لعدم ضوئه ، أو لونه ، لأجل صقالة سطحه ، فيكون ~~مقابله الذي على نسبة مخصوصة ، مخروطية ، في حكم مقابل الباصرة ، فالمحاذاة ~~التي تتحقق بين سطح ذلك الصقيل والجسم المرئي الملون ، مما توجب أن يتوهم ~~بينهما مخروط ناقص عند استواء ذلك السطح ، وكلما كان ذلك السطح أشد تحديبا ~~كان المخروط أوسع قاعدة ، فيرى المرئي أصغر ms373 مما كان ، وكلما كان أشد تقعيرا ~~كان جانب القاعدة أضيق ، إلى أن ينتهي إلى نقطة فيكون مخروطا تاما ، قاعدته ~~سطح المرآة ، ورأسه عند المرئي ، فتبطل الرؤية. PageV02P221 # وبالجملة : استواء سطح المرآة ، وتقعيره ، وتحديبه ، واستطالته ، وتعريضه ~~، مما يؤثر ويتفاوت به حال المخروط المتوهم بينهما ، سعة وضيقا ، واستقامة ~~وانعطافا ، من الجانب المقابل إلى جانب يليه ، يمنة أو يسرة ، أو انعكاسه ~~منه إلى خلافه ، كما ثبت في علم المناظر ، وهذه الأوضاع المخروطية مشتركة ~~الاعتبار بين جميع الاحتمالات والشقوق ، من الانطباع والشعاع ، والعلم ~~الحضوري المادي ، وغير المادي. # والفرق بأن وجودها متحقق على تقدير وجود الشعاع ، متوهم على التقادير ~~الأخر ، ولا يرجح بسببها بعض هذه الاحتمالات على بعض ، فكل ما له وجه من ~~التأييد على تقدير الشعاع ، فله وجه على التقادير الأخر ، وذلك كرؤية ~~البعيد صغيرا ، والقريب عظيما ، وكرؤية الواحد اثنين للأحول ، ورؤية الجدر ~~والأشخاص في الماء الواقف معكوسة ، والوجه في المرآة مقلوبا ، يمينه يسارا ~~، ويساره يمينا ، ونقش الخاتم مستويا ، وكرؤية الإصبع إصبعين عند تحديق ~~النظر إلى شيء آخر أقرب منه إلى البصر ، أو أبعد ، ورؤية الأشياء يوم ~~الضباب عظيمة ، ورؤية الكواكب في الأفق أعظم منه في وسط السماء ، وكرؤية ~~الناظر وجهه في المرآة التي في سطحها تقعير عظيما إذا كان قريبا جدا ، ثم ~~كلما بعدت صار المرئي أعظم ، حتى إذا بلغت في بعدها إلى أن تصير نقطة البصر ~~بمنزلة مركز سطحها المقعر بطلت الرؤية ؛ إذ لم يوجد لزاوية مخروط الرؤية ~~وتر حينئذ ، ثم إذا جاوز ذلك الحد صار صغيرا متنكسا ، وكلما بعد صار أصغر ، ~~إلى غير ذلك من الأحكام ، فإن جميعها مما له وجه في كل واحد من المذاهب. PageV02P222 ### ||| * فصل # إذا ثبت أن المحسوس بما هو محسوس لا بد أن يكون له وجود وضعي بالنسبة إلى ~~جوهر الحاس ، والوجود الوضعي للشيء لا يكون إلا بالنسبة إلى ما يباينه في ~~الوضع ، داخلا فيه ، أو محيطا به ، أو كونه منه في جهة. # فإذا أخذ العالم الجسماني بجميع أجزائه شيئا واحدا لا يكون للمباين له ~~بهذا المعنى وجود ms374 ، لا بالفعل ، ولا بالقوة ، فالعالم كله غير محسوس ، بل ~~وجوده متوسط بين المعقول والمحسوس ، ذو وجهين إليهما ، فافهم. ### ||| * فصل # ألطف هذه الحواس ، وأشرفها ، السمع والبصر ؛ لأن صورة مدركاتهما أرفع ~~درجة من المادة ، وأكثر انتزاعا منها ، مع أن كل إدراك إنما يحصل بضرب من ~~التجريد للصورة إلا أن مدركيهما أشد تجريدا من مدركات البواقي ؛ ولهذا لا ~~لذة لهما ، ولا ألم من محسوسيهما ، من حيث هما محسوساهما ، بل النفس تلتذ ~~بذاك ، وتتألم ، فإن تألمت الأذن من صوت شديد ، والعين من ضوء مفرط ، فليس ~~تألمهما من حيث يسمع ، أو يبصر ، بل من حيث يلمس ؛ لأنه يحدث فيه ألم لمسي ~~، وبزواله لذة لمسية ؛ لتركبهما أيضا من الكيفيات الأول ، فلا جرم لهما لذة ~~وألم منها أيضا. # وهذا بخلاف الثلاثة الأخر ، فإن الشم والذوق يتألمان ، ويلتذان إذا تكيفا ~~بكيفية منافرة ، أو ملائمة ، من حيث إنها محسوستهما ، واللمس قد يتألم ~~بالكيفية PageV02P223 # الملموسة ، ويلتذ بها ، وقد يتألم ويلتذ بغير توسط كيفية من المحسوس ~~الأول ، بل يتفرق الاتصال والتئامه كما في تأثره من الحرارة الشديدة ، هذا. # وإن كان المدرك للكل هي النفس ، وهي في الحقيقة الشام والذائق ، واللامس ~~، كما أنها هي السميع البصير ، إلا أن هاتين القوتين أقرب إلى أفق النفس من ~~تلك ، ومدركاتها أبعد من مادة البدن. # والسر في ذلك ما أفاد أستاذنا دام ظله وهو أن الحيوان بما هو حيوان تتقوم ~~مادة حياتة من مدركات قوة اللمس ؛ لأنه تتقوم بها مادة بدنه ، ولهذا لا ~~يخلو حيوان عن هذه القوة. # ثم مدركات الذائقة في الحيوانات المرتفعة درجتها قليلا عن أدنى المراتب ، ~~فيفتقر إلى أغذية مخصوصة ، وتالي الكيفيتين في الملائمة والمنافرة مدركات ~~الشامة حيث تتغذى بها لطائف الأعضاء ، كالأرواح البخارية ، ولكن ليس حاجة ~~الحيوان بها كحاجته إلى الأولين ، فيمكن بقاؤه بدونها. # وأما مدركات السامعة والباصرة فليس يحتاج الحيوان بما هو حيوان إليها ؛ ~~لأن بدنه ليس متقوما بالأصوات ، ولا من الأضواء والألوان ، ليكون ما كان من ~~نوعها ، أو جنسها ملائما ، أو مضادا له ، بما هو حيوان ، بل بما هو إنسان ms375 ، ~~أو ذا نفس شريفة جاءت من عالم الأنوار ، ومعدن النسب العددية الفاضلة ، ~~كالنفس الإنسانية الفائضة على البدن العنصري من عالم النور ، ومعدن السرور ~~، فتلتذ من الأنوار الحسية ، والأصوات اللذيذة ، وتتألم بضدها ، أو عدمها (1). # ثم البصر أشرف من السمع ، وألطف ، لكون ما يدركه كأنوار الكواكب PageV02P224 # الثابتة أبعد من قوة مادة هذه الآلة ، مما تدركه قوة السمع ، كأصوات ~~الرعد من آلتها ؛ إذ المدرك كالمدرك في المنزلة والرتبة. # وأما فهم المعاني من الألفاظ فهو من تصرف العقل فيها. # والشم ألطف من الذوق ؛ لأن مدركاته أدق من مدركات الذائقة ، وآلته ألطف ؛ ~~لأنها جرم بخاري هوائي ، وآلة الذوق جرم لعابي مائي. # والذوق ألطف من اللمس ؛ لأن مدركاته أدق ، وآلته ألطف ؛ إذ آلة اللمس في ~~الأكثر أجرام كثيفة خشنة ، فنسبة الشم إلى الذوق في اللطافة كنسبة الذوق ~~إلى اللمس ، واللمس أكثف الحواس ، ولواهب الكل الحمد. ### ||| * فصل # وأما المدارك الباطنة فخمسة أيضا ؛ لأنها إما مدرك ، وإما حافظ ، وإما ~~متصرف ، والأولان إما للصور ، أو للمعاني. # فمدرك الصور هو الحس المشترك ، وهو قوة متعلقة بمقدم التجويف الأول من ~~الدماغ ، تجمع عندها صور المحسوسات الظاهرة بأسرها بالتأدي إليها من طرق ~~الحواس ، من جهة الأعصاب الحاملة للروح البخاري ، فهو كحوض ينصب إليه الماء ~~من أنهار خمسة ، لو لاها ما يمكن لنا الحكم بالمحسوسات المختلفة دفعة ، ~~كهذا السكر أبيض حلو ، على سبيل المشاهدة ، ولا أمكنت مشاهدة النقطة ~~الجوالة بسرعة دائرة ، والقطرة النازلة خطا مستقيما ؛ لأن المشاهدة بالبصر ~~ليست إلا للمقابل ، وما قابل منهما إلا نقطة ، وقطرة. # وهذه القوة إنما تجمع القوى الخمس ؛ لعلو نشأة الباطن ، فإن الوجود كلما PageV02P225 # كان أشرف كان أجمع للمعاني الكمالية ، وكلما كان أبسط كان أكثر أفعالا ~~على ترتيب الأشرف فالأشرف ، فالمعاني المترفقة في الحواس الخمس مجتمعة في ~~الحس المشترك ؛ لكونها أشد نزولا في عالم المواد منه ، فهي بمنزلة آلات له ~~تورد مدركاتها إليه ، وهو يقبلها. # كما أن للنفس أفاعليل مختلفة بواسطة تكثر القوى ، والآلات ، وحامل هذه ~~القوة في اللين واللطافة والبطون ، يناسبها في لطافتها ، وبطانتها ، وصفاء ~~مدركاتها ، حيث ms376 لا تحتاج إلى حضور المادة التي تجردت هي منها. # كما أن مواضع الحواس الظاهرة على اختلافها لطافة ، وكثافة تناسب قواها ~~ومدركاتها ، فللحيوان الكامل في ذاته سمع ، وبصر ، وشم ، وذوق ، ولمس ، ~~يستعملها ، ويدرك بها الأشياء ، وإن ركدت وتعطلت هذه الحواس ، كما عند النوم. # والحواس والمحسوسات في الظاهر والباطن ، وباطن الباطن ، ليست بحسب ~~الماهية ، إلا هذه الخمس ومدركاتها ، إلا أنها كلما قويت وعلت مالت إلى ~~الوحدة والتجرد ، وكلما ضعفت ودنت مالت إلى التكثر والتجسم. # وحافظ الصور هو الخيال ، ويقال له المصورة ، وهو قوة متعلقة بآخر التجويف ~~الأول من الدماغ ، يجتمع عندها مثل المحسوسات ، ويبقى فيها ، وإن غابت ~~موادها عن الحواس ، فهي خزانة للحس المشترك ، ولو لاها لما يمكن لنا الحكم ~~على شيء شاهدناه ، ثم ذهلنا عنه ، ثم شاهدناه مرة أخرى بأنه هو الذي ~~شاهدناه من قبل ؛ إذ لو لم يكن محفوظا لم يمكن لنا هذا الحكم ، وهي أيضا ~~جامعة للخمس الظاهرة بوجه آكد من الحس المشترك ؛ لأن شأنه الفعل ، وشأن ذاك ~~الانفعال ، بل هي في الحقيقة تمام ذاك وتأكده ، ليس أمرا مغايرا له. PageV02P226 # ومدرك المعاني هو الوهم ، وهو قوة متعلقة بكل الدماغ ؛ لأنه الرئيس للقوى ~~الإدراكية التي كلها في الدماغ ، كرئاسة الشوقية للتحريكية ، وأخص مواضعه ~~آخر التجويف الأوسط منه ، ويدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في ~~المحسوسات ، ويحكم أحكاما جزئية ، كإدراك السنور معنى في الفأر يحمله على ~~الطلب ، وإدراك الفأر معنى في السنور يوجب الهرب ، وهذا في الإنسان ينازع ~~عقله ؛ لأنه قوة جرمانية لا يعترف بما يعترف به العقل ، ولهذا ينفر الإنسان ~~من البيات في بيت فيه ميت ، وهو في الحقيقة جهة رجوع النفس إلى العالم ~~العقلي ؛ لأن مدركاته أمور كلية تشخصت بالإضافة إلى الأشخاص ، والمضاف إليه ~~خارج عن الإضافة ، فهي من حيث إنها أمور كلية فمدركها أمر عقلي ، وهو رب ~~نوع الحيوان ، وإنما تدركها النفس من حيث اتصالها بذلك الجوهر ، ومن حيث ~~إنها مضافة إلى الأشخاص يدركها الوهم ، فالوهم لا حقيقة له غير إضافة ~~الجوهر العقلي إلى البدن. # وحافظ المعاني هو المسمى ms377 بالحافظة ، وهي قوة متعلقة بالتجويف الأخير من ~~الدماغ ، يحفظ ما تدركه القوة الوهمية ، وهي خزانة لها ، نسبتها إليها نسبة ~~الخيال إلى الحس المشترك. # وأما المتصرف فهو قوة متعلقة بمقدم التجويف الأوسط من الدماغ ، أي الدودة ~~من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور والمعاني مع بعض ، ~~وتفصيل بعضه عن بعض ، فتجمع أجزاء أنواع مختلفة ، كجمعها حيوانا من رأس ~~إنسان ، وعنق جمل ، وظهر نمر ، وتفرق أجزاء نوع واحد ، كإنسان بلا رأس ، ~~ولا تسكن عن فعلها ، لا نوما ، ولا يقظة ، وهي المحاكية للمدركات والهيئات ~~المزاجية ، وتنتقل من الشيء إلى ضده ، وشبيهه ، فما في القوى الباطنة أشد ~~شيطنة منها ، ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما ، وتسمى عند استعمال PageV02P227 # النفس إياها بواسطة الوهم المتخيلة ، وعند استعمالها إياها بواسطة القوة ~~العقلية ، المفكرة ، بها تستنبط العلوم والصناعات ، وتقتنص الحدود الوسطى ~~باستقراض ما في الحافظة ، وربما تسمى الثلاث الأخيرة من هذه القوى ~~بالمسترجعة ، وأولييها بالذاكرة ، والمتذكرة ، وإنما عرف اختصاص كل منها ~~بآلة باختلالها عند تطرق الآفة إلى تلك الآلة ، وعرف تغايرها وتعددها ~~باختلال بعضها مع بقاء بعض ، وتتخالف أفاعيلها ، كالفعل والانفعال ، والقوة ~~والملكة ، لا تتعدد الأفاعيل ؛ لعدم بساطتها من كل الوجوه ، فإن ذلك مختص ~~بالله سبحانه. # وأما كون كل من الحس المشترك والخيال قوة واحدة مع تخالف أفاعيل الحواس ، ~~فقد دريت سره ، على أن شأن الحس المشترك قبول الصور التي تؤتيها الحواس ، ~~أي صورة كانت ، وشأن الخيال حفظها كذلك ، وكل من الأمرين واحد ، وإن كان ~~المأتي به من الصور أمورا متخالفة المبادىء. # وأما وحدة المتصرفة فلأنه لا يلزم أن يكون المتصرف مدركا لما يتصرف فيه ، ~~كيف وهذه القوى مرتبطة بعضها ببعض ، والنفس مبدأ الجميع ، ومستعملها ، ~~وجامعها ، فالنفس كما أنها تتصرف باليد في أمور لا تدركها بها ، كذلك تتصرف ~~بالمتخيلة فيما تدرك بقوة أخرى ، فهي كأنها يد روحانية للنفس ، كما أن ~~الوهم عين روحانية لها ، فسبحان خالق البشر ، والحمد لواهب القوى والقدر. ### ||| * فصل # وأما الصنف المتعلق بالإنسان من الملائكة ، فهم إما أصحاب لمم وخواطر ms378 ، ~~وإما كرام كاتبون ، يكتبون صحائف الأعمال ، وإما حفظة له عن الآفات ، وإما ~~غير ذلك ، مما لا يعلمه إلا الله سبحانه. PageV02P228 # وبيان ذلك على الإجمال : أن الجوهر النطقي من الإنسان المسمى بالقلب ~~الحقيقي مثاله مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب ، أو مثال مرآة منصوبة ~~تجتاز عليها أصناف الصور ، فتتراءى فيها صورة بعد صورة ، ولا يخلو عنها دائما. # ومداخل هذه الآثار المتجددة فيه إما من الظاهر ، كالحواس الخمس ، وإما من ~~الباطن ، كالخيال ، والشهوة ، والغضب ، والأخلاق ، والصفات ، فإنه مهما ~~أدرك الإنسان بالحواس شيئا حصل منها أثر في قلبه ، وكذلك إذا هاجت الشهوة ، ~~أو الغضب حصل منها أثر في القلب ، وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في ~~النفس تبقى ، وتنتقل المتخيلة من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقالها ينتقل باطن ~~الإنسان من حال إلى حال ، فباطنه إذن في التغير دائما ، من هذه الأسباب. # وأحضر الأسباب الحاصلة فيه هي الخواطر ، أي الأفكار والأذكار التي من ~~أنواع الإدراكات والعلوم ، إما على سبيل الورود التجددي ، وإما على سبيل ~~التذكر من المحفوظات في الحافظة ، وهذه الخواطر هي المحركات للإرادات ، فإن ~~النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد حضور المنوي بالبال ، فمبدأ الأحوال ~~الخواطر ، ثم الخاطر يحرك الرغبة ، والرغبة تحرك العزم والنية ، والنية ~~تحرك الأعضاء ، والخواطر المحركة للرغبة إما تدعو إلى الخير ، أعني ما ينفع ~~في الدار الآخرة ، وإما تدعو إلى الشر ، أعني ما يضر في العاقبة ، فهما ~~خاطران مختلفان ، لهما سببان مختلفان ؛ لأنهما حادثان ، وكل حادث يفتقر إلى سبب. # والمعلولات المختلفة تستدعي عللا مختلفة ، فيسمى السبب الداعي إلى الخير ~~ملكا ، وفعله إلهاما ، والآخر شيطانا ، وفعله وسوسة ، وهما جوهران PageV02P229 # مسخران لقدرة الله سبحانه ، في تقليب القلوب ، ولعلهما المراد بقوله ~~عليه السلام : «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء» (1). # والقلب لصفائه ولطافته صالح بأصل الفطرة لقبول آثار الملكية والشيطانية ~~صلاحا متساويا ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى ، والإكباب على ~~الشهوات ، أو الإعراض عنها ، ومخالفتها ، فإن اتبع الإنسان مقتضى شهوته ~~وغضبه ، ظهر تسلط الشيطان بواسطة اتباع الهوى والشهوات بالأوهام ms379 والخيالات ~~الفاسدة الكاذبة ، وصار القلب عش الشيطان ، ومعدنه ؛ لأن الهوى مرعى ~~الشيطان ، ومرتعه ، لمناسبة ما بينهما ، ونحو من الاتحاد. # وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه ، وعارض بقوة البرهان اليقيني ~~لوجود النشأة الباقية أبدا الظنون والأوهام الكاذبة المستدعية للشهوات ، ~~والركون إلى الدنيا والإخلاد إلى الأرض ، والاقتصار على هذه النشأة الناقصة ~~الفانية ، وتشبه بأخلاق الملائكة ، صار قلبه مستقر الملائكة ، ومهبطها ، ~~فمن البواطن والصدور ما ينزل فيه لزيارته كل يوم ألوف من الملائكة لغاية ~~صفائه ، ومنها ما يقع فيه كل يوم ألف وسواس ، وكذب ، وفحش ، وخصومة ، ~~ومجادلة بين الناس ، فهو مرتع للشياطين. ### ||| * فصل # ولما كان الإنسان لا يخلو عن شهوة وغضب ، وحرص ، وطمع ، وطول أمل ، إلى ~~غير ذلك من الصفات البشرية المنشعبة عن الهوى المتبع للقوة الوهمية ، PageV02P230 # التي شأنها إدراك الأمور على غير وجهها ، فلا جرم لم يخل باطنه من جولان ~~الشيطان فيه بالوسوسة ، إلا من عصمه الله ، ولذلك قال النبي ~~صلى الله عليه وآله : «ما منكم إلا وله شيطان ، قالوا : وأنت يا رسول الله! ~~قال : وأنا ، إلا أن الله أعانني عليه ، فأسلم على يدي» (1). # فمهما غلب على النفس ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى والشهوات وجد الشيطان ~~للتدرع بها مجالا ، فوسوس لها ، ومهما انصرفت النفس إلى ذكر الله ارتحل ~~الشيطان ، وضاق مجاله ، فأقبل الملك والهم. # فالتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس الإنسانية دائم ؛ ~~لهيولانية وجودها ، وقابليتها للأمرين ، بتوسط قوتيه ، العقلية والوهمية ، ~~إلى أن ينفتح لأحدهما ، ويستوطن فيها ، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا. # وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه ، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في ~~لحمه ودمه ، ومحيطة بقلبه الذي هو منبع الدم ، المركب للروح البخارية ~~الحاملة للقوى الوهمية والشهوية والغضبية. # ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وآله : «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى ~~الدم» (2). # وكما أن في الملائكة الذين يدبرون أمور الإنسان كثرة لاستدعاء تعدد ~~الأفعال والآثار نوعا تعدد الفواعل والمؤثرات ، فكذلك الشياطين الموسوسين ، PageV02P231 # الداعين له إلى المعاصي ، جنود مجندة حسب تعدد المعاصي ، وهم فروع لشيطان ~~واحد يخص بذلك الإنسان ms380 ، وهو المشار إليه بقوله عليه السلام : «ما منكم إلا ~~وله شيطان» (1). # وقول الله سبحانه ، خطابا لإبليس اللعين في حديث جرى له ولآدم : لا يولد ~~له ولد إلا ولد لك ولد ، كما ورد في الخبر (2). # وشيطان كل إنسان في المكر والحيلة على قدر عقله وذكائه ، وكذلك الملائكة ~~الذابون عنه ، الحافظون له بأمر الله. ### ||| * وصل # روى أبو أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : «وكل بالمؤمن مائة ~~وستون ملكا ، يذبون عنه ما لم يقدر عليه ، من ذلك سبعة أملاك يذبون عنه كما ~~يذب عن قصعة العسل الذي (3) في اليوم الصائف ما لو بدا لكم لرأيتموه على كل ~~سهل وجبل ، كلهم باسط يده ، فاغرفاه ، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين ~~لاختطفته الشياطين» (4). # وفي حديث آخر : «لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ~~ملكوت السماء» (5). PageV02P232 # وعنه صلى الله عليه وآله : «إن للشيطان لمة بابن آدم ، وللملك لمة ، فأما ~~لمة الشيطان فإيعاد بالشر ، وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير ، ~~وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، فليحمد الله ، ومن وجد ~~الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ عليه السلام ( @QUR@05 ~~الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) الآية (1)» (2). # وروى في الكافي ، بسند حسن ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : ~~«ما من قلب إلا وله أذنان ، على إحداهما ملك مرشد ، وعلى الأخرى شيطان مفتن ~~، هذا يأمره ، وهذا يزجره. الشيطان يأمره بالمعاصي ، والملك يزجره عنها ، ~~وهو قول الله تعالى : ( @QUR@013 عن اليمين وعن الشمال قعيد* ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد ) (3)» (4). ### ||| * فصل # قال بعض العلماء : إن إلهام الملك ووسوسة الشيطان تقع في النفوس على وجوه ~~وعلامات : # أحدها : كالعلم واليقين الحاصلين من جانب يمين النفس ، ويقابله الهوى ~~والشهوة الحاصلين من جانب الشمال. PageV02P233 # وثانيها : كالنظر إلى الآفاق والأنفس ، على سبيل النظام والإحكام المزيل ~~للشكوك والأوهام ، والمحصل للمعرفة والحكمة في القوة العاقلة التي هي على ~~الجانب الأيمن من النفس ، ويقابله النظر إليها على سبيل الاشتباه الغفلة ، ~~والإعراض عنها ، الناشئة منها ms381 الشبه والوسواس في الواهمة ، والمتخيلة التي ~~على الجانب الأيسر منها ، فإن الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة المقدسة من ~~العقول والنفوس الكلية ؛ لأنها مبادىء العلوم اليقينية ، والمتشابهات ~~الوهميات بمنزلة الشياطين ، والنفوس الوهمانية ؛ لأنها مبادىء المقدمات ~~السفسطية. # وثالثها : كطاعة الرسول المختار والأئمة الأطهار ، عليهم الصلاة والسلام ~~، في مقابلة متابعة أهل الجحود والإنكار ، وأهل التعطيل والتشبيه ، فكل من ~~سلك سبيل الهداية فهو بمنزلة الملائكة الملهمين للخير ، ومن سلك سبيل ~~الضلال فهو بمنزلة الشياطين المغوين بالشرور. # ورابعها : كتحصيل العلوم والإدراكات التي هي في الموضوعات العالية ، ~~والأعيان الشريفة ، كالإيمان بالله وملائكته العقلية ، وكتبه السماوية ، ~~ورسله ، واليوم الآخر ، والبعث ، وقيام الساعة ، ومثول الخلائق بين يدي ~~الله ، وحضور الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين ، في مقابلة تحصيل ~~العلوم والإدراكات التي هي من باب الحيل والخديعة والسفسطة. # والتأمل في الأمور الدنياوية الغير الخارجة عن دار المحسوسات ، فإن الأول ~~يشبه الملائكة الروحانية ، وجنود الرحمن الذين هم سكان عالم الملكوت ~~السماوي ، والثاني يشبه الأبالسة المطرودة عن باب الله ، الممنوعة من ولوج ~~السماوات ، المحبوسة في الظلمات المحرومة في الدنيا عن الارتقاء ، ~~والمحجوبة في الآخرة عن دار النعيم. PageV02P234 ### ||| * فصل # إن الإنسان كما ينتفع من إلهام الملك ، فكذلك ينتفع من وسوسة الشيطان ~~بوجه ؛ وذلك لأن وجود الشياطين من الله سبحانه لا محالة لحكمة ومصلحة ، ~~وإلا لم توجد ؛ لاستحالة العبث والتعطيل عليه تعالى ؛ وذلك أن اتباع ~~الشياطين كلهم تبعة الوهم والخيال ، ولو لم يكن أوهام المعطلين وخيالات ~~المتفلسفين والدهريين ، وسائر أولياء الطاغوت ، ومراتب جربزتهم ، وفنون ~~اعوجاجاتهم ، لما انبعث أولياء الله في تحقيق الحقائق ، وتعليم العلوم ، ~~وطلب البراهين لبيان التوحيد ، وعلة حدوث العالم ، بالكشف واليقين ، وغير ~~ذلك ، وكذلك في الأخلاق والأعمال. # مثلا : لو لم يكن اغتياب المغتابين ، وتجسس المتجسسين لعيوب الناس لم ~~يتجنب كل التجنب من العيوب الخفية التي لا يراها أحباؤه ، وإنما يظهر له ~~ثبوتها من تدقيقات أعدائه ، وتجسسهم عيوبه ، وإظهارهم إياها ، فكم من عدو ~~خبيث الذات انتفع الإنسان من عداوته أكثر مما انتفع من محبة صديقه ، فإن ~~المحبة مما تورث الجهل بعيوب المحبوب ، والعمى والصمم عن ms382 معاينة معايبه ، ~~وسماع مثالبه ، كما قيل : حبك للشيء يعمي ، ويصم. # فظهر أن لوجود الأعمال الشيطانية منافع عظيمة للناس ، وما لا نعلمه أكثر ~~، وتمام الكلام في معرفة الشيطان وحقيقته ، يأتي في محله إن شاء الله. PageV02P235 ### ||| * فصل # كل هيئة وصفة ترسخت في النفس ، وتأكدت فيها من تكرر فاعليها ، وأعمالها ، ~~تسمى في الشرع ملكا إن كانت حسنة ، وشيطانا إن كانت سيئة ، وفي الحكمة ~~كلتاهما ملكة ، وهي صورة جوهرية نفسانية ، هي مبدأ آثار مختصة بها ، فيصدر ~~بسببها الفعل المناسب لها بسهولة من غير روية ، وتعمل ، كالصناعات والمكاسب ~~العلمية والعملية ، وإنما يحدث ذلك باشتداد الكيفية النفسانية التي هي مبدأ ~~الفعل والقول أولا ، واستحكامها بالتكرار ، كما تحدث الصورة النارية ~~المحرقة باشتداد الحرارة الضعيفة في الفحم ، ولو لم يكن للنفوس الإنسانية ~~هذا التأثر من الفعل أولا ، ثم اشتداد ذلك الأثر فيها يوما فيوما ، لم يمكن ~~لأحد من الناس اكتساب شيء من الصناعات ، ولم ينجع التأديب والتعليم لأحد. # فهذه الآثار الحاصلة من الأفعال والأقوال والعقائد في النفوس بمنزلة ~~النقوش الكتابية في الألواح ، كما قال الله سبحانه : ( @QUR@05 أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان ) (1)، وهذه الألواح النفسية يقال لها صحائف الأعمال. # وهذه النقوش والصور كما تفتقر إلى قابل يقبلها ، تفتقر إلى ناقش ومصور ، ~~فالمصورون والكتاب هم الكرام الكاتبون ، المشار إليهم بقوله سبحانه : ( ~~@QUR@08 وإن عليكم لحافظين* كراما كاتبين* يعلمون ما تفعلون ) (2)، وهم ~~طائفتان : ملائكة اليمين ، وملائكة الشمال ، قال تعالى : ( @QUR@05 إذ ~~يتلقى المتلقيان عن اليمين PageV02P236 # @QUR@03 وعن الشمال قعيد ) (1). # وفي الخبر : كل من عمل حسنة يخلق الله منها ملكا يثاب به ، ومن اقترف ~~سيئة يخلق الله منها شيطانا يعذب به ( @QUR@010 إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ) (2). # وفي مقابله ( @QUR@011 هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك ~~أثيم ) (3)، ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ~~) (4). ### ||| * فصل # روى في الكافي ، بإسناده عن الإمام الكاظم عليه السلام ، أنه قال : «إن ~~الله أيد المؤمن بروح تحضره في كل وقت ، يحسن فيه ، ويتقي ، وتغيب عنه في ~~كل وقت يذنب ms383 فيه ، ويعتدي ، فهي معه ، تهتز سرورا عند إحسانه ، وتسيخ في ~~الثرى عند إساءته» الحديث (5). # وفي الحديث النبوي صلى الله عليه وآله : «من قارف ذنبا فارقه عقل لم يعد ~~إليه أبدا» (6). # وفيه أيضا : «إذا زنا الرجل فارقه روح الإيمان ، قال الإمام الباقر ~~عليه السلام : PageV02P237 # هو قوله تعالى : ( @QUR@03 وأيدهم بروح منه ) (1)، ذاك الذي يفارقه» (2). # وروى محمد بن الحسن الصفار ، في كتاب بصائر الدرجات ، بإسناده عن جابر ، ~~قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن الروح ، قال : «يا جابر إن الله خلق ~~الخلق على ثلاث طبقات ، وأنزلهم ثلاث منازل ، وبين ذلك في كتابه ، حيث قال ~~: ( @QUR@014 فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة* وأصحاب المشئمة ما أصحاب ~~المشئمة* والسابقون السابقون* أولئك المقربون ) (3) فأما ما ذكرت من ~~السابقين فهم أنبياء مرسلون ، وغير مرسلين ، جعل الله فيهم خمسة أرواح ، ~~روح القدس ، وروح الإيمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، وبين ~~ذلك في كتابه ، حيث قال : ( @QUR@021 تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم ~~من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس ) (4)، ثم قال في جميعهم : ( @QUR@03 وأيدهم بروح منه )، فبروح ~~القدس بعثوا أنبياء مرسلين ، وغير مرسلين ، وبروح القدس علموا جميع الأشياء ~~، وبروح الإيمان عبدوا الله ، ولم يشركوا به شيئا ، وبروح القوة جاهدوا ~~عدوهم ، وعالجوا معايشهم ، وبروح الشهوة أصابوا لذة الطعام ، ونكحوا الحلال ~~من النساء ، وبروح البدن يدب ويدرج. # وأما ما ذكرت من أصحاب الميمنة فهم المؤمنون حقا ، جعل فيهم أربعة أرواح ~~: روح الإيمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، ولا يزال العبد PageV02P238 # مستكملا هذه (1) الأرواح الأربعة حتى يهم بالخطيئة ، فإذا هم بالخطيئة ~~زين له روح الشهوة ، وشجعه روح القوة ، وقاده روح البدن ، حتى يوقعه في تلك ~~الخطيئة ، فإذا لامس الخطيئة انتقص روح الإيمان ، وانتقص الإيمان منه ، فإن ~~تاب تاب الله عليه ، وقد يأتي على العبد تارات ينتقص منه بعض هذه الأربعة ، ~~وذلك قول الله : ( @QUR@012 ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد ~~علم شيئا ) (2)، فينتقص منه روح القوة ، ولا يستطيع مجاهدة العدو ، ولا ms384 ~~معالجة المعيشة ، وينتقص منه روح الشهوة ، فلو مرت به أحسن بنات آدم لم يحن ~~إليها ، ويبقى فيه روح الإيمان ، وروح البدن ، فبروح الإيمان يعبد الله ، ~~وبروح البدن يدب ويدرج ، حتى يأتيه ملك الموت. # وأما ما ذكرت من أصحاب المشئمة ، فهم (3) أهل الكتاب ، قال الله تعالى : ~~( @QUR@021 الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون* الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) (4)، ~~عرفوا رسول الله ، والوصي من بعده، وكتموا ما عرفوا من الحق ، بغيا وحسدا ، ~~فسلبهم الله روح الإيمان ، وجعل لهم ثلاثة أرواح: روح القوة ، وروح الشهوة ~~، وروح البدن ، ثم أضافهم إلى الأنعام ، فقال : ( @QUR@08 إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) (5)، لأن الدابة يا جابر إنما تحمل بروح القوة ~~، وتعتلف بروح الشهوة ، وتسير بروح PageV02P239 # البدن» (1). # وروى بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ما يقرب منه (2). # ورواه أيضا محمد بن يعقوب رحمه الله ، عنه عليه السلام ، في الكافي (3). # وفي رواية أخرى ، قال عليه السلام في المقربين : «فبروح القدس يا جابر ~~عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ، ثم قال : يا جابر ، إن هذه الأربعة ~~أرواح يصيبها الحدثان ، إلا روح القدس ، فإنها لا تلهو ، ولا تلعب» (4). # وعن الصادق عليه السلام ، ما يقرب منه ، وفي آخره : «وروح الإيمان يلازم ~~الجسد ما لم يعمل بكبيرة ، فإذا عمل بكبيرة فارقه الروح ، وروح القدس من ~~سكن فيه فإنه لا يعمل بكبيرة أبدا» (5). # والروايات في هذا الباب كثيرة ، ويأتي إطلاق النفس والقوة على هذه ~~الأرواح في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، في المباحث الآتية ، إن شاء الله. PageV02P240 ### | في تجرد نفس الحيوان الكامل ### ||| * ( @QUR@08 ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1) ### ||| * فصل # قد ذكرنا فيما سبق أن النفس الحيوانية إن كانت متعلقة (2) في نشأة ~~الملكوت ، أي لها أن تبقى بعد بوار البدن ، فهو الحيوان الكامل ، وإلا ~~فالناقص ، فكان من الواجب علينا أن نبين أن نفوس بعض الحيوانات مما يجوز ~~لها الاستقلال والبقاء من دون أبدانها العنصرية ، حتى يثبت التقسيم المذكور ~~، وما بنينا ms385 عليه ، وإن كنا قد نبهنا على ذلك في مواضع مما ذكر، إلا أنه ~~يحتاج بعد إلى بيان ، وبرهان ، فنحن الآن بصدد ذلك ، وإن لم يمكننا أن نعين ~~لذلك نوعا خاصا من الحيوان ، أو أفرادا خاصة ، فيمنع استقلال النفس فيما ~~سوى ذلك ، بل نحيل العلم فيه إلى الله سبحانه ، والراسخين في العلم ، فإن ~~البراهين التي قادتنا إلى ذلك منها ما يشمل غير الإنسان ، ومنها ما يختص به ~~، بل ببعض أفراده ، والشرع دل على أن أفراده قاطبة كذلك ، حتى السقط ، ولم ~~يدل على الباقي دلالة يصح الاعتماد عليها. PageV02P241 # وعندنا براهين تدل على أن من أفراده من له مع ذلك نفس جبروتية ، كلية ، ~~من العالم العقلي ، لها ملكة إدراكات الكليات إدراكا قويا نورانيا ، وهو ~~الذي سميناه الإنسان بما هو إنسان ، أخذا من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ~~، كما يأتي. # فلنذكر البراهين والشواهد على تجرد النفس الحيوانية على الجملة ، ثم نذكر ~~ما يختص بالإنسان ، بما هو إنسان ، من الأحكام ، ومن الله التأييد. ### ||| * فصل # قد دريت أن القوى النفسانية متحدة مع النفس ، وإنما هي جهاتها ~~واعتباراتها ، وإن الخيال يشتمل عليها كلها على وجه أعلى ، وأشرف ، سوى ~~الوهم الذي هو جهة رجوع النفس إلى العالم العقلي ، ولا ذات له سوى الإضافة ~~، وكذا الحافظة التي هي ترجع في الحقيقة إلى الحقيقة العقلية ؛ إذ المعاني ~~إنما هي مخزونة في ذلك العالم ، وكذا المتصرفة التي هي كالوهم في كونها ~~إضافة إلى محسوسات ومعقولات. # فأما سائر القوى ذوات الحقائق فهي منطوية في الخيال ، فتحدس من هذا أن ~~النفس الحيوانية المخدومة لهذه القوى ، أعني سلطان هذه البنية المحسوسة ، ~~مع مشاعرها وقواها ، هي بعينها النشأة الخيالية للحيوان ، ولكنها من حيث ~~تعلقها بالآلة المخصوصة من البدن قوة خيالية ، ومن حيث إنها ذات رجوع ما ~~إلى عالم القدس وإن كان رجوعا ضعيفا ، حيث إنها إنما تدرك المعقولات مضافة ~~إلى الحس ، ومتعلقة به ، ولا تستطيع أن تدركها مجردة عن المواد ، نفس ~~حيوانية ، فهي كأنها خيال خارج من حد القوة والضعف إلى حد الفعلية والكمال. PageV02P242 # ومن ms386 هذا يظهر ويتبين وينكشف ويتحقق أن في إهاب هذا الحيوان الطبيعي ~~حيوانا آخر من عالم الغيب ، هو في الحقيقة يسمع ، ويرى ، ويشم ، ويذوق ، ~~ويلمس ، ويبطش ، ويمشي ، ولهذا يفعل هذه الأفاعيل ، وإن ركدت هذه القوى ~~والحواس البدنية كما في النوم ، والإغماء ، والسكر ، فله في ذاته هذه ~~المشاعر والقوى والآلات من غير عوز ، إلا أنها ليست ثابتة في عالم الحس ~~والشهادة ، وهذه المشاعر الظاهرة بمنزلة ظلال لتلك ، وكذلك هذا البدن ~~الظاهر بمنزلة قشر وغلاف وقالب لذلك البدن ، وإنما حياة هذه كلها بذاك ، ~~وهو الحيوان بالذات ، وهو المحشور في الآخرة ، التي هي دار الحياة ، قال ~~الله سبحانه : ( @QUR@05 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) (1)، كذا أفاد ~~أستاذنا ، سلمه الله (2). # قال : ومما يدل على ذلك أن النفس الحيوانية تشاهد في قوة خيالها ووهمها ، ~~أو بهما ، صورا ومعاني مجردة عن المادة وعوارضها ، مما ليس بقابل للإشارة ~~الحسية ، فلا يخلو إما أن تكون النفس قابلة لها ، أو فاعلة ، فإن كانت ~~قابلة لها فعدم قبول الحال للإشارة الحسية ، يستلزم عدم قبول المحل لها لا ~~محالة ، وإن كانت فاعلة لها فالفاعل فيما لا وضع له لا يجوز أن يكون من ~~ذوات الاوضاع ؛ لما ثبت من أن الجسم وقواه لا يفعل إلا فيما له وضع بالقياس ~~إلى مادته ، وكما أن فاعل الأجسام الطبيعية ومقوماتها لا يمكن أن يكون ~~متعلق الوجود بهذه الأجسام ، كما ثبت ، كذلك مبدأ صورها ، يجب أن لا يكون ~~ماديا (3). PageV02P243 # وأيضا إما أن يكون تجرد هذه الصور عن مواد هذا العالم وعوارضها لذاتها ، ~~أو لما أخذت هي منه ، أو من جهة الأخذ ، والأول يوجب الاتفاق ، فما كان شيء ~~منها تقترنه هذه اللواحق في العين ؛ لأن ما بالذات لا يتخلف ، والثاني يكون ~~تناقضا ، فبقي الأخير ، فلم يكن هذا الوجود له وجود أمر في جسم ، أو جسماني (1). # فالقوة الخيالية إذن مجردة عن المواد ، وإن كان لها نوع تعلق ببعض مواضع ~~البدن ، بواسطة تعلقها بالروح النفساني ، الذي يتكون منه الدماغ أولا ، ثم ~~يسري بواسطة الأعصاب والأوردة في جميع مواضع البدن ، عاليها وسافلها ms387 ، على ~~حسب تفاوتها في القبول. ### ||| * وصل # وإلى هذا التجرد للنفس أشار مولانا الصادق عليه السلام ، فيما روي عنه في ~~الكافي : «إن أرواح المؤمنين في الجنة على هيئة أجسادهم» (2). # وفي رواية : «إنهم على صور أبدانهم ، لو رأيته لقلت : فلان» (3). # وروى الشيخ الطبرسي في كتاب الاحتجاج ، عنه عليه السلام أيضا ، أنه قال : ~~«الروح لا توصف بثقل ، ولا خفة ، وهي جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا ، فهي PageV02P244 # بمنزلة الريح في الزق ، فإذا نفخت فيه امتلأ الزق منها ، فلا يزيد في وزن ~~الزق ولوجها فيه ، ولا ينقصه خروجها منه ، وكذلك الروح ليس لها وزن ، ولا ~~ثقل ، قيل : أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه ، أم هو باق؟ قال : بل هو ~~باق إلى وقت ينفخ في الصور ، فعند ذلك تبطل الأشياء ، وتفنى ، ولا حس ، ولا ~~محسوس ، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربعمائة سنة ، نسيت ~~فيها الخلق ، وذلك بين النفختين» (1). # وقال أيضا : «إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، ~~وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا». الحديث (2). # وروي أنه قال : «وبها يؤمر البدن وينهى ، ويثاب ، ويعاقب ، وقد تفارقه ، ~~ويلبسها الله سبحانه غيره ، كما تقتضيه حكمته» (3). # قوله عليه السلام : «وقد تفارقه ويلبسها الله غيره» صريح في أنها مجردة عن ~~البدن ، مستقلة ، وأن ليس المراد بها الروح البخارية ، وأما إطلاق الجسم ~~عليه ؛ فلأن نشأة الملكوت أيضا جسمانية ، من حيث الصورة ، وإن لم تكن مادية ~~، كما دريت. # وروى محمد بن الحسن الصفار ، في كتاب بصائر الدرجات ، بإسناده عن المفضل ~~بن عمر ، عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه قال : «مثل المؤمن وبدنه ~~كجوهرة في صندوق ، إذا أخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق ، ولم يعبأ به. قال : إن PageV02P245 # الأرواح لا تمازج البدن ، ولا تداخلها ، إنما هي كالكل للبدن ، محيطة به» (1). # وفي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية شواهد كثيرة ، وتنبيهات غير يسيرة ~~على ذلك ، وكذلك في كلمات الحكماء والعلماء من الأولين والآخرين ، وعسى أن ~~نقف على بعض الآيات والأخبار في ذلك عن قريب. ### ||| * وصل # ومما يدل على ذلك دلالة ms388 واضحة أن بدن الحيوان وأعضاءه دائم الذوبان ~~والسيلان ؛ لعكوف الحرارة الغريزية على التحليل والتنقيص ، كما دريت ، وكذا ~~غيرها من الأسباب ، كالأمراض الحارة ، والمسهلات ، وذاته منذ أول الصبا (2) ~~باقية ، فهو هو ، لا ببدنه. # ومن هذا يظهر أن هذية البدن من حيث هو بدن لهذه النفس إنما هي بهذه النفس ~~، وإن تبدل تركيبه ، وكذا هذية الأعضاء كهذه اليد ، وهذا الإصبع ؛ إذ كلها ~~منحفظة الهوية تبعا لهوية النفس. # ويدل على هذا أيضا ما أفاده أستاذنا دام ظله وأشرنا إليه في الأصول : أن ~~تقوم كل شيء بصورته الكمالية ، ومبدأ فصله الأخير ، لا بأجناسه وفصوله ~~العالية والمتوسطة ، إن كانت ، وكذا تشخصه بنحو وجوده الخاص ، لا الأعراض ~~المتبدلة من صنف إلى صنف ، ومن نوع إلى نوع ، والشخص هو هو بعينه ، بل ذلك ~~كله من اللوازم ، لا المقومات ، ويعتبر فيه على سبيل الإبهام ، دون الخصوص ؛ PageV02P246 # لأنها تجري مجرى المادة التي إنما يحتاج إليها الشيء لأجل قصور وجوده عن ~~التفرد بذاته دون قوة تحمل حقيقته ، وإذا استكمل وصار بالفعل استغنى عنها. # فتشخص كل حيوان وتقومه إنما هو ببقاء نفسه التي هي صورته الكمالية ، ونحو ~~وجوده الخاص مع بدن ما ، وإن تبدلت خصوصياته من المقدار والوضع وغيرهما ، ~~حتى إنك إذا رأيت إنسانا في وقت ، ثم تراه بعد ذلك بمدة كثيرة ، وقد تبدلت ~~أحوال جسمه جميعا بخصوصياتها ، أمكنك أن تحكم عليه بأنه ذاك الإنسان ، فلا ~~عبرة بتبدل المادة البدنية بعد انحفاظ الصورة النفسانية ، بل الحال كذلك في ~~تشخص كل عضو منه ، ولو كان إصبعا واحدا ، فإن له اعتبارين : اعتبار كونه ~~آلة مخصوصة لزيد مثلا ، واعتبار كونه في ذاته جسما متعينا من الأجسام ، ~~واسم الإصبع واقع عليه بذلك الاعتبار ، لا بهذا ، فتعينه بالاعتبار الأول ~~باق ما دامت النفس تتصرف فيه ، وتستعمله وتحفظ مزاجه ، وتقلبه كيف تشاء ، ~~وبالاعتبار الثاني زائل لأجل الاستحالات الواقعة فيه. # فالشخص الخيالي إذا استقل بذاته وتجرد عن هذا القشر اللحمي يصح أن يقال : ~~هو بعينه هذا الشخص الحسي ؛ لأن النفس واحدة ، والبدن بما هو بدن إنما ~~يتعين ويمتاز ms389 بالنفس. # ويصح أيضا أن يقال : ليس هو هو ؛ لأن أحدهما من الذهب ، والآخر من النحاس (1). # وإلى مثل هذا أشير فيما روي عن مولانا الصادق عليه السلام ، في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) (2)، حيث سئل ~~: ما ذنب الغير؟ PageV02P247 # قال : ويحك ، هي هي ، وهي غيرها (1)، فافهم ، واغتنم ، فإن هذا من ~~الأسرار الكثيرة المنافع والفوائد ، اختص بتحقيقه أستاذنا سلمه الله وينفعك ~~في كثير من الأمور الدينية ، إن شاء الله. ### ||| * وصل # ومن البراهين على تجرد النفس عن البدن ، واستقلالها : أنا نغيب أحيانا عن ~~أعضائنا ، كلا ، أو كل واحد في وقت ، ولا نغيب عن ذاتنا ، فنحن وراء ~~الجميع. # وأيضا إن إدراك الشيء لما كان عبارة عن حصول صورته للمدرك ، فكل من أدرك ~~ذاته يجب أن يكون مفارقا عن المحل ؛ إذ لو كان في محل لكانت صورة ذاته غير ~~حاصلة لذاته ، بل لمحله ، كما مر بيانه مفصلا في الأصول. # وأيضا إنا ندرك ذاتنا بذاتنا ؛ لأنا لا تعزب عنا ذاتنا ، وأما شعورنا ~~بشعور ذاتنا فقد وقد ؛ إذ ليس هو نفس وجودنا ، فهو كإدراكنا سائر الأشياء ~~المدركة من خارج ، وأما سبب الشك في جوهرية النفس وسائر أحوالها مع حضور ~~ذاتها ، فذلك لأن الجوهرية ونحوها ليست بجزء لوجود النفس وإنيتها ، بل ~~لماهيتها الكلية ، والحاضر عندنا من أنفسنا إنما هي وجوداتنا المشار إليها ~~بأنا ، لا ماهياتنا الكلية المذهولة عنها أحيانا. # وأيضا لو فرضنا ذاتنا في أول الخلقة كامل العقل صحيح البدن في هواء طلق ~~منفرج الأعضاء ، غير متلامسها ، ولم نكن مستعملي الحس في شيء أصلا ، وجدنا ~~ذاتنا فاقدة لكل شيء إلا نفسها فوجدناها لا من دليل ووسط ، فذاتنا غير ما ~~لم يدرك بعد من جسم ، أو عرض. PageV02P248 ### ||| * وصل # ومن البراهين : أن كل صورة أو صفة حصلت في الجسم بسبب ، فإذا زالت عنه ~~وبقي فارغا عنها يحتاج في استحصالها إلى استئناف سبب ، أو سببية ، من غير ~~أن يكون مكتفيا بذاته ؛ إذ ليس هذا من شأن الجسم ، ومن شأن النفس في الصور ~~العلمية أن قد تصير بعد استحصالها من ms390 معلم ، أو فكر ، مكتفية بذاتها في ~~استرجاعها ، فتعالت عن أن تكون جرمية ، فهي روحانية. # وأيضا إن كل جوهر مادي لا يمكن أن تجتمع فيه صور كثيرة فوق واحدة ، وأما ~~النفس فتجتمع فيها علوم شتى ، وصنائع تترى ، وأخلاق مختلفة ، وأغراض ~~متفاوتة ، فهي إذن دفتر روحاني ، ولوح ملكوتي. # وأيضا إنها تدرك أشياء يمتنع وجودها في الجسم ، كالضدين معا ، والعدم ~~والملكة معا ، ولوجود مثل هذه الأمور في النفس يمكننا أن نحكم بأن لا وجود ~~لشيء منها في الأجسام ، ولنا أن ندرك أيضا الوحدة المطلقة ، والمعنى البسيط ~~العقلي ، ومعلوم أن كل ما في الجسم فهو منقسم ، وكذلك ندرك الحركة والزمان ~~، واللانهاية ، مما استحال أن تكون له صورة في المواد. ### ||| * وصل # ومن الشواهد : أنك مع شواغلك إذا فكرت في آلاء الله ، أو سمعت آية تشير ~~إلى الأمور الإلهية ، وأحوال المآب ، أنظر كيف يقشعر جلدك ، ويقف شعرك ، ~~ويهون عليك حينئذ رفض البدن ، وقواه ، وهوسه ، وهواه ؛ وذلك لأجل نور PageV02P249 # قذف في قلبك من الجنبة العالية ، وانعكس أثره إلى ظاهر جلدك من جهة ~~الباطن ، على عكس ما ينفعل الداخل من الخارج ، فباطنك غير ظاهرك. # وأيضا إذا أردت أن تتوجه إلى تكميل جوهرك ، وتفعل فعلك الخاص من تعقل ~~النظريات ، أو إخلاص نية في التقرب إلى الله سبحانه ، أو امتناع عن مخالطة ~~الشهوات ، والوساوس المفسدة ، لم يتيسر لك ذلك إلا بمجاهدة تامة ، ومغالبة ~~عظيمة ، فالجوهر النطقي منك من عالم آخر ، وقع غريبا في دار الجسد ، بيد ~~الظلمة ، والفسقة ، والكفرة ، من القوى الشهوية ، والغضبية ، والوهمية. # وأيضا النفس والبدن كما ترى يتعاكسان في القوة والضعف ، فبعد الأربعين ~~تكمل النفس ، وتكل الآلة ، فكلال البدن ليس منشؤه إلا فعلية النفس ، ~~وتفردها بذاتها. # وأما انحرافه عند الهرم بسبب قلة الحرارة ؛ فذلك لأن حاجة النفس إلى مزيد ~~التدبير تمنعها عن جودة التعقل. # بل نقول : لو كان التعقل بآلة بدنية لكان كلما عرضت لها آفة وكلال عرض ~~فيه فتور، وإذ ليس هذا كليا ، فليس التعقل بآلة. # وأيضا كل من له أدنى رتبة في التحدس والتفطن ورجع إلى ms391 ذاته وشاهد ما ~~فعلته المتخيلة التي هي إحدى قواه في إنشاء ماهيات الأبعاد والأجرام ، ~~والتصرف في الجبال الشاهقة ، والصحاري الواسعة ، والأفلاك المتحركة ~~والساكنة ، والكواكب تارة بالتركيب والتفصيل ، وتارة بالتسكين والتحويل ، ~~لتحدس يقينا أن نفسه العلامة الفعالة في عظائم الأجرام ، ودقائق المعاني ~~وكلياتها ، ليست جسما ، ولا جسمانيا ، وليس الأمر كما ظن أن الصور التي ~~تدركها النفس إنما هي في عالم خارج عنها ، منفصل ، ثابت بتأثير مؤثر غيرها. PageV02P250 # كيف ومن جملة ما يحضره الإنسان في باطنه صور مستهجنة من قبيل الدعابات ~~الشيطانية ، وأضغاث الأحلام المخالفة لفعل الحكيم التي ليس منشؤها إلا ~~اعوجاج شيطان المتخيلة ، والعوالي منزهة عن إنشاء تلك الهذيانات. # وأيضا إنها إنما تبقى بإبقاء النفس إياها واستخدامها المتخيلة في تصويرها ~~وثبتها ، فإذا أعرضت عنها انعدمت وزالت ، لا أنها مستمرة الوجود ، وهذا ~~ظاهر بحمد الله. ### ||| * وصل # ومن الآيات القرآنية قوله تعالى : ( @QUR@017 ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله ) (1). # وقوله سبحانه في حق آدم : ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) (2)، وفي حق ~~عيسى : ( @QUR@06 وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) (3)، وهذه الإضافة ~~تؤذن على شرف النفس ، وكونها عرية عن عالم الأجرام. # وقوله سبحانه : ( @QUR@04 ثم أنشأناه خلقا آخر ) (4)، وقوله تعالى : ( ~~@QUR@07 يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربك ) (5)، والرجوع يدل على ~~السابقة ، إلى غير ذلك. PageV02P251 # ومن الأحاديث النبوية ، قوله صلى الله عليه وآله : «من عرف نفسه فقد عرف ~~ربه» (1)، وقوله: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه» (2)، وقوله : «أنا النذير ~~العريان» (3)، وقوله : «أبيت عند ربي يطعمي ويسقيني» (4)، إلى غير ذلك ، ~~وهي كثيرة. ### ||| * فصل # إنك بعد ما سمعت هذه الدلائل والكلمات ، والتي أسلفناها من قبل ، لا أظنك ~~إلا متحدسا ، ومتحققا بأن النفس ليست مفارقة عن البدن كل المفارقة ، بحيث ~~لا تكون لها جهة اتحاد معه أصلا ، بل هذا التجرد الذي أثبتناه لها إنما هو ~~لمرتبة من مراتبها المسماة بالقوة المتخيلة ، أو العاقلة ، إن كانت لها ~~عاقلة ، وكلتاهما مرتبة غيبتها عن البدن ، وقواه فإنها ذات مراتب ودرجات ، ~~ولها انتقالات ، وتنزلات إلى درجة القوى ms392 والآلات من غير نقص يلحقها ، فإن ~~البدن كظل لنورها ، لا استقلال له في الوجود ، كما لا استقلال له في الحركة ~~الإرادية. # وأما ما يتحرك بالحركة الطبيعية عند السقوط من السطح فهو بالحقيقة خارج ~~عن البدن ، من حيث هو بدن ، فإن للبدن الحقيقي لطيفة جسمانية حارة ، هي ~~تتصرف فيه أولا وبالذات ، وهذا الكثيف كأنه قشر لذلك ، كما مر بيانه مفصلا. # فمن جسم النفس الإنسانية كأتباع جالينوس (5) فما عرفها ، ومن PageV02P252 # جردها بالكلية من غير تجسيم أصلا ، فنظر إليها بالعين العوراء كالرهابين ~~المعطلين لها عن عالم التحريك والتدبير فما رعوها حق رعايتها ، والكامل ~~المحقق من له عين صحيحة هي مجمع النورين ، فلا يعطل بصيرته عن إدراك ~~النشأتين ، فيعرف سر العالمين ، ويعلم أنها مع كونها من الملكوت ، متحدة ~~بالبدن اتحادا حقيقيا ، وأن لها وحدة جمعية هي ظل الوحدة الإلهية ، فهي ~~بذاتها قوة حيوانية حساسة ، ومتخيلة ، وذات رجوع ما إلى القدس ، وهي بعينها ~~ذات حركة إرادية ، وذات اغتذاء ، ونمو ، وحافظة لصورته النوعية ، وهي ~~بعينها طبيعة سارية في الجسم ، وبنفسها تنزل إلى درجة الحواس عند إدراكها ~~المحسوسات واستعمالها آلة الحواس ، فتصير عند الإبصار عينا باصرة ، وعند ~~السماع أذنا واعية ، وكذلك في البواقي حتى اللمس والقوى التي تباشر التحريك ~~، فلها تقدس عن المواد ، بحسب وجودها الخيالي ، الذي هو مرتبة غيب غيوبها ، ~~ولها اتحاد بقواها وآلاتها ، فتصير تارة غائبة عن ذاتها ، وتارة راجعة ~~إليها وإلى بارئها ، وتارة مصروفة عن جهة القدس إلى جانب البدن ، وذلك كله ~~للطافتها وقبولها لآثار الجوانب ، كما قيل : # لقد صار قلبي قابلا كل صورة %~% فمرعى لغزلان وديرا لرهبان # كذا أفاد أستاذنا (1) مد ظله . PageV02P253 ### ||| * فصل # روي عن كميل بن زياد ، أنه قال : سألت مولانا أمير المؤمنين عليا عليه ~~الصلاة والسلام ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أريد أن تعرفني نفسي ، قال : ~~يا كميل ، وأي الأنفس تريد أن أعرفك؟ قلت : يا مولاي ، هل هي إلا نفس واحدة ~~، قال : يا كميل ، إنما هي أربعة : النامية النباتية ، والحسية الحيوانية ، ~~والناطقة القدسية ، والكلية الإلهية ، ولكل واحدة من هذه خمس قوى ، ~~وخاصيتان. ms393 # فالنامية النباتية لها خمس قوى : ماسكة ، وجاذبة ، وهاضمة ، ودافعة ، ~~ومربية ، ولها خاصيتان : الزيادة ، والنقصان ، وانبعاثها من الكبد. # والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع ، وبصر ، وشم ، وذوق ، ولمس ، ولها ~~خاصيتان : الرضا ، والغضب ، وانبعاثها من القلب. # والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر ، وذكر ، وعلم ، وحلم ، ونباهة ، ~~وليس لها انبعاث ، وهي أشبه الأشياء بالنفوس الملكية ، ولها خاصيتان : ~~النزاهة ، والحكمة. # والكلية الإلهية لها خمس قوى : بقاء في فناء ، ونعيم في شقاء ، وعز في ذل ~~، وفقر في غناء ، وصبر في بلاء ، ولها خاصيتان : الرضا ، والتسليم ، وهذه ~~التي مبدؤها من الله ، وإليه تعود ، قال الله تعالى : ( @QUR@04 ونفخت فيه ~~من روحي ) (1)، وقال تعالى : ( @QUR@09 يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية ) (2)، PageV02P254 # والعقل وسط الكل (1). ### ||| * وصل # النفسان الأوليان في كلامه عليه السلام مختصتان بالجهة الحيوانية ، التي ~~في محل اللذة والألم ، في الدنيا والآخرة ، والأخيرتان بالجهة الإنسانية ، ~~التي سنذكرها ، وهما سعيدتان في النشأة الأخروية ، وسيما الأخيرة ، فإنها ~~لا حظ لها من الشقاء الأخروي ؛ لأنها ليست من عالم الشقاء ، بل هي منفوخة ~~من روح الله ، فلا يتطرق إليها ألم هناك من وجه ، وليست هي موجودة في أكثر ~~الناس ، بل ربما لم يبلغ من ألوف كثيرة واحد إليها ، وكذلك الأعضاء ~~والجوارح بمعزل عن اللذة والألم. # ألا ترى إلى المريض إذا نام وهو حي ، والحس عنده موجود ، والجرح الذي ~~يتألم به في يقظته موجود في العضو ، ومع هذا لا يجد ألما ؛ لأن الواجد ~~للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ ، فما عنده خبر ، فإذا ~~استيقظ المريض ، أي رجع إلى عالم الشهادة ، ونزل منزل الحواس ، قامت به ~~الأوجاع والآلام ، فإن كان في البرزخ في ألم ، كما في رؤيا مفزعة مؤلمة ، ~~أو في لذة ، كما في رؤيا حسنة ملذة ، انتقل معه الألم واللذة حيث انتقل ، ~~وكذلك حاله في الآخرة. PageV02P255 ### ||| * فصل # قد ظهر من تضاعيف ما ذكر أن النفس بما هي نفس لها وجود في نفسها لنفسها ، ~~وقد تم وجودها ذلك ، ثم عرض لها أن تتصرف في جسم من الأجسام ، تدبره ، ~~وتحركه ms394 ، وتغذيه ، كمن تصرف في بناء ، أو غرس شجرة ، فيكمله ويستكمل به ، ~~إكمالا واستكمالا عرضيين ، خارجين عن هوية ذاته ، كما ظن ، بل إنها ما دامت ~~هي نفس لها وجود ذاتي ، مفتقرة إلى إضافته إلى البدن ، متقومة بحسب قواها ~~الحسية والطبيعية به. # وتصرفها فيه هو بعينه نحو موجوديتها من هذه الحيثية ، كما أن حلول العرض ~~كالبياض في محله هو نحو وجوده ، فزوال تصرفها فيه هو بعينه زوال وجودها في ~~نفسها ، من حيث هي نفس ، وإن كانت باقية من حيث إنها جوهر آخر أرفع وأقوى ~~ببقاء بارئها ، ومفيض وجودها ، كما أنها قبل بلوغها إلى درجة النفسية كانت ~~شيئا أضعف ، وأخس وجودا من النفس ، فللنفوس نشآت سابقة ولاحقة ، واستكمالات ~~جوهرية ، وتقلبات ، ولها جهة استمرار وجهة تجدد ؛ لتعلقها بالطرفين العقل ~~والمادة العنصرية وكل من رجع إلى وجدانه وجد أن هذه الهوية الحالية منه غير ~~هويته الماضية ، لا بمجرد اختلاف العوارض ، بل باختلاف أطوار لذات واحدة. # وإلى هذه التقلبات والأطوار أشير في القرآن المجيد بقوله سبحانه : ( ~~@QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) (1). PageV02P256 # وقد شبهوا مراتب آثار العقل في النبات والحيوان والإنسان ، بنار تأثر عنه ~~فحم بالحرارة وآخر بالتحمر ، وآخر بالإضاءة والإحراق ، فيفعل فعل النار ، ~~وفعل الأولين ، وكلما وقع له الاشتداد صدر عنه ما كان يصدر مما تقدم عليه. ### ||| * فصل # ومما ذكر ظهر بطلان التناسخ ، بمعنى انتقال نفس من بدن إلى بدن مباين له ~~، منفصل عنه في هذه النشأة ، بأن يموت حيوان وتنتقل نفسه إلى حيوان آخر ، ~~أو غير الحيوان ، سواء كان من الأخس إلى الأشرف ، ويسمى بالنقل الصعودي ، ~~أو بالعكس ، ويسمى بالنقل النزولي ؛ وذلك لأن النفس متى ترقت شيئا فشيئا ~~حسب استكمالات المادة حتى تجاوزت درجة الطبيعة والنبات والحيوان ، وحصلت ~~لها بإزاء كل استعداد فعلية خاصة ، فيستحيل أن ترجع تارة أخرى إلى القوة ~~المحضة ، والاستعداد الأنزل ، فإنه من المحال أن تتعلق نفس جاوزت درجة ~~النبات والحيوان إلى مادة المني ، أو الجنين ، وقد علمت أن المني لم تتجاوز ~~صورته حد الطبيعة الجرمية ، وأن الجنين ms395 ما دام في الرحم لم تتجاوز صورته ~~درجة النفس النباتية ، والتمني الذي حكى الله سبحانه عن الأشقياء ، بقوله : ~~( @QUR@04 يا ليتني كنت ترابا ) (1)، تمني أمر مستحيل الوقوع ، وكذا قوله ~~: ( @QUR@07 أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ) (2)، فقد حرم الله الرجوع ~~إلى الدنيا ، كما قال سبحانه : PageV02P257 # ( @QUR@07 وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) (1)، على أن يكون ~~«أنهم» استئنافا قائما مقام الرجوع ، كما دل عليه كلام لأمير المؤمنين ~~عليه السلام (2). # ثم هذه الاستكمالات والترقيات للنفس التي يبطل بها التناسخ ، هي بعينها ~~ضرب من التناسخ حق ، وعليها يحمل النقل الصعودي المنقول عن الأقدمين ، كما ~~يحمل النقل النزولي على انتقال النفس من هذا البدن إلى بدن أخروي ، مناسب ~~لصفاتها ، وأخلاقها المكتسبة في الدنيا ، كما مرت الإشارة إليه من أن النفس ~~في الآخرة تظهر بصورة ما ، غلبت عليها صفاته من الحيوانات ، والشياطين ، ~~وعليه أيضا تحمل الآيات والأخبار التي تشبث بها أصحاب هذا الرأي السخيف. # قال في الفتوحات بعد ما ذكر أحوال الصور وشكل القرآن : ومن هنا زل ~~القائلون بالتناسخ ، لما رأوا وسمعوا أن الأنبياء قد نبهوا على انتقال ~~الروح إلى هذه الصور البرزخية ، وتكون فيها على صور أخلاقها ، ورأوا تلك ~~الأرواح في الحيوانات ، تخيلوا في قول الأنبياء والرسل عليهم السلام ، ~~والعلماء ، أن ذلك راجع إلى هذه الحيوانات التي في دار الدنيا ، وأنها ترجع ~~إلى التخليص ، وذكروا ما علمت من مذهبهم فأخطأوا في النظر والتأويل جميعا. ~~انتهى (3). # وهذا الانتقال يكون للنفس وهي في الدنيا بعد ، ويسمى مسخا ، وهو على قسمين: # أحدهما : مسخ الباطن من غير أن تظهر صورته في الظاهر ، فترى الصور PageV02P258 # أناسي ، وفي الباطن غير تلك الصور ، بل صور أخرى على حسب نياتهم وأعمالهم ~~المتكررة الموجبة لحصول ملكات نفسانية ، تصدر عنهم بسببها الأفعال المناسبة ~~لها بسهولة ، من صورة ملك ، أو شيطان ، أو كلب ، أو خنزير ، أو غير ذلك من ~~حيوان مناسب لما يكون الباطن عليه. # وإليه أشار نبينا صلى الله عليه وآله ، حيث قال في صفة قوم من أمته : «إخوان ~~العلانية ، أعداء السريرة ، ألسنتهم أحلى من ms396 العسل ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، ~~يلبسون للناس جلود الضأن ، من اللين». الحديث (1). # وأصحاب البصائر يرون تلك الصور في الدنيا أيضا ، يعرفون كلا بسيماهم ، ~~ولقد كثر هذا في زماننا ، فجلهم إذا فكرت فيهم حمير ، أو كلاب ، أو ذئاب. # وفي تفسير الإمام أبي محمد العسكري عليه السلام : قال علي بن الحسين ~~عليهما السلام وهو واقف بعرفات للزهري : كم تقدر هاهنا من الناس؟ قال : قدر ~~أربعة ألف ألف وخمسمائة ألف ، كلهم حجاج ، قصدوا الله بآمالهم ، ويدعونه ~~بضجيج أصواتهم ، فقال له : يا زهري ، أدن لي وجهك ، فأدناه إليه ، فمسح ~~بيده وجهه ، ثم قال : أنظر ، فنظر إلى الناس ، قال الزهري : رأيت أولئك ~~الخلق كلهم قردة ، لا أرى فيهم إنسانا إلا في كل عشرة آلاف واحدا من الناس ~~، ثم قال : أدن يا زهري ، فدنوت منه ، فمسح بيده وجهي ، ثم قال : أنظر ، ~~فنظرت إلى الناس ، قال الزهري : فرأيت أولئك الخلق كلهم ذئبة ، إلا تلك ~~الخصائص من الناس نفرا يسيرا ، فقلت : بأبي أنت وأمي يابن رسول الله ، قد ~~دهشتني آياتك ، وحيرتني عجائبك ، قال : يا زهري ، وما الحجيج من هؤلاء إلا ~~النفر اليسير الذين رأيتهم من هذا الخلق الجم الغفير ، PageV02P259 # ثم قال لي : امسح يدك على وجهك ، ففعلت ، فعاد أولئك الخلق في عيني ناسا ~~، كما كانوا أولا ، ثم قال : من حج ووالى موالينا ، وهجر معادينا ، ووطن ~~نفسه على طاعتنا ، ثم حضر هذا الموقف مسلما إلى الحجر الأسود ، وما قلده ~~الله من آياتنا (1)، ووافيا بما ألزمه من عهودنا ، فذلك هو الحاج ، ~~والباقون من رأيتهم ، يا زهري (2). # والقسم الثاني : مسخ الباطن ، وانقلاب الظاهر من صورته التي كانت إلى ~~صورة ما ينقلب إليه الباطن ؛ لغلبة القوة النفسانية ، حتى صار تغير المزاج ~~والهيئة على شكل ما هو على صفته ، من حيوان آخر ، وهذا إنما يقع في قوم ~~غلبت نفوسهم ، وضعفت عقولهم. # وقد وقع في بني إسرائيل ، كما قال سبحانه : ( @QUR@04 وجعل منهم القردة ~~والخنازير ) (3)، وقال : ( @QUR@03 كونوا قردة خاسئين ) (4). # فقد ظهر أن التناسخ باطل ، إلا إذا أريد به أحد ثلاث معان : إما ~~الاستكمالات التي للنفس في ms397 هذه النشأة على مادة واحدة ، وإما انتقالها من ~~هذا البدن العنصري إلى بدن آخر أخروي من غير مسخ لصورتها الظاهرة ، وإما ~~انتقالها هذا مع مسخ صورتها الظاهرة أيضا. # ومن هنا قيل : ما من مذهب إلا وللتناسخ فيه قدم راسخ. # وقد تبين مما ذكر أن النفوس الإنسانية بحسب أول حدوثها صورة نوع PageV02P260 # واحد هو الإنسان ، ثم إذا أخرجت من القوة إلى الفعل تصير أنواعا كثيرة من ~~أجناس الملائكة ، والشياطين ، والسباع ، والبهائم ، بحسب نشأة ثانية ، أو ~~ثالثة ، فلها بعد البدن المادي اختلافات جنسية ، ونوعية ، وشخصية ، بحسب ~~تجوهرها وفعليتها. # ومن هنا قال مولانا الصادق عليه السلام : «الإنس على ثلاثة أجزاء ، فجزء ~~تحت ظل العرش ، يوم لا ظل إلا ظله ، وجزء عليهم الحساب والعذاب ، وجزء ~~وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين» (1). # وتبين أيضا أن النفوس آمنة من الفساد عند حادثة موت الأجساد ، ولا يتغير ~~أصل الذات عند فقد الآلات. PageV02P261 ### | في الإنسان بما هو إنسان ### ||| * ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) (1) ### ||| * فصل # المركب العنصري لما استوفى درجات المعدن والنبات والحيوان بما هو حيوان ~~وصفى مزاجه ، وقرب من الاعتدال جدا ، تخطى خطوة أخرى إلى جانب القدس إن كان ~~من أهل السلوك إلى الله ، على صراط الله ، بأن يكون ناقصا ، ضعيف الفعلية ، ~~كبعض الصبيان من أهل الذكاء ، والاستقامة ، فمن تكون لهم نفوس حيوانية ~~ضعيفة ، ولم يصيروا أناسا بعد فيتقرب إلى الله سبحانه بالتوجه إليه توجها ~~طبيعيا ، فيتقرب الله إليه ضعف تقربه ، كما هو سنته تعالى ، فيفيد له صورة ~~كمالية ناطقة ، بأن يبدل صورته الناقصة بصورة كاملة ذات نفس ملكوتية ناطقة ~~، مستخدمة لسائر القوى النباتية والحيوانية ، فيصدر عنها ببساطتها كل ما ~~يصدر من النبات والحيوان ، بما هو حيوان ، وتزيد عليه بأفعال مختصة بها ، ~~فيوكل الله تعالى بها مع تلك الملائكة التي كانت له أولا ملائكة أخرى ، ~~أرفع درجة منهم ، بها يدرك الكليات مجردة عن المواد أصلا ، إدراكا زائدا ~~على إدراك سائر الناس ، وتحصل له ملكة المراجعة إلى عالم القدس ، والتوصل إلى PageV02P262 # معرفة حقائق الأمور من ms398 هناك ، أو بالفكر والروية ، باقتناص المجهولات ~~العقلية من المعلومات ، وهذا هو الإنسان بما هو إنسان. # وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فيما يروى أن بعض اليهود ~~اجتاز به عليه السلام وهو يتكلم مع جماعة ، فقال له : يابن أبي طالب ، لو ~~أنك تعلمت الفلسفة لكان يكون منك شأن من الشأن ، فقال عليه السلام : وما ~~تعني بالفلسفة؟ أليس من اعتدلت طباعه صفا مزاجه ، ومن صفا مزاجه قوي أثر ~~النفس فيه ، ومن قوي أثر النفس فيه سما إلى ما يرتقيه ، ومن سما إلى ما ~~يرتقيه فقد تخلق بالأخلاق النفسانية ، ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار ~~موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان ، فقد دخل في الباب ~~الملكي الصوري ، وليس له عن هذه الغاية مغير (1)، فقال اليهودي : الله ~~أكبر يابن أبي طالب ، لقد نطقت بالفلسفة جميعها ، في هذه الكلمات ، رضي ~~الله عنك (2). ### ||| * فصل # ومن البراهين على تجرد نفسه الناطقة سوى ما أسلفناه إدراكه للكليات ~~المحضة ، وتجريده المعاني عن المواد بالكلية ، على نحو ما قررناه في تجرد ~~القوة المتخيلة ؛ لتجريدها الصور عن المواد ، بل المعاني أشد تجردا ، وكل ~~إدراك ونيل فبضرب من التجريد ، إلا أن الحس يجرد الصور عن المادة ، بشرط ~~حضور المادة ، والخيال يجردها عنها وعن بعض غواشيها ، والوهم يجردها عن PageV02P263 # الكل ، مع إضافة ما إلى المادة ، والناطقة ينالها مطلقة فتفعل في المحسوس ~~عملا تجعله معقولا. ### ||| * فصل # ثم إن للإنسان تصرفا في أمور جزئية ، وتصرفا في أمور كلية ، والثاني فيه ~~اعتقاد فقط، من غير أن يصير سببا لفعل دون فعل ، إلا بضم آراء جزئية ، فإذا ~~حصل الرأي الجزئي تتبع القوة المروية قوى أخرى في أفعالها البدنية ، من ~~الحركات الاختيارية ، أولها الشوقية الباعثة ، وأخيرتها الفاعلة المحركة ~~للعضلات بالمباشرة ، وكل هذه تستمد في الابتداء من القوة المتصرفة في ~~الكليات بإعطاء القوانين ، وكبريات القياس ، فيما يروي كما يستمد من التي ~~بعدها في صغريات القياس ، والنتيجة الجزئية. ### ||| * وصل # فللنفس الإنسانية في ذاتها باعتبار ما يخصها من القبول عما فوقها والفعل ~~فيما دونها قوتان ms399 : علامة ، وفعالة. # فبالأولى يدرك التصورات والتصديقات ، ويعتقد الحق والباطل ، فيما يعقل ~~ويدرك ، ويسمى بالعقل النظري. # وبالثانية يستنبط الصناعات الإنسانية ، ويعتقد الجميل والقبيح ، فيما ~~يفعل ويترك ، ويسمى بالعقل العملي ، وهي التي تستعمل الفكر والروية في ~~الأفعال والصنائع ، مختارة للخير ، أو ما يظن خيرا ، ولها الجربزة والبلاهة ~~والتوسط PageV02P264 # بينهما ، المسمى بالحكمة ، وهي من الأخلاق ، لا من العلوم المنقسمة إلى ~~الحكمتين : العملية والنظرية ؛ لأنها وخصوصا الأخيرة منهما كلما كانت أكثر ~~كانت أفضل ، وهذه القوة خادمة للنظرية ، مستمدة بها في كثير من الأمور. ### ||| * وصل # وعن صاحبة هاتين القوتين عبر مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في حديث ~~كميل السابق (1): بالناطقة القدسية ، حيث جعل قواها الفكر ، والذكر ، ~~والعلم ، والحلم ، والنباهة ، وخاصيتها النزاهة ، والحكمة ، فإن بعض ذلك ~~إشارة إلى النظرية ، والبعض الآخر إلى العملية ، وكل ما ورد في الأخبار من ~~مدح العقل والعاقل فهو راجع إليهما ، وإلى صاحبهما ، كقول مولانا الصادق ~~عليه السلام : «العقل دليل المؤمن» (2). # وفي الحديث القدسي : «ما خلقت خلقا أحسن منك ، إياك آمر ، وإياك أنهى ، ~~وإياك أثيب ، وإياك أعاقب» (3). # وعن أمير المؤمنين عليه السلام : «بالعقل استخرج غور الحكمة ، وبالحكمة ~~استخرج غور العقل ، وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح» (4). # وكان عليه السلام يقول : «التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي الماشي في PageV02P265 # الظلمات بالنور بحسن التخلص ، وقلة التربص» (1). # إلى غير ذلك من الروايات. ### ||| * فصل # الرأي الكلي إنما يكون عند النظري ، والرأي الجزئي عند العملي المعد نحو ~~المعمول ، ذاك للصدق والكذب ، وهذا للخير والشر ، هو للواجب والممكن ~~والممتنع ، وهذا للجميل والقبيح والمباح ، فلهما شدة وضعف في الفعليات ، ~~ورأي وظن في العقليات ، والعمل يحتاج في أفعاله كلها إلى البدن في هذه ~~النشأة إلا نادرا ، كإصابة العين من بعض النفوس الشريرة. # وأما الأفعال الخارقة للعادات من المتجردين الكاملين ، فهي في مقام أخروي ~~، كما سيأتي بيانه. # وأما النظري فله حاجة إلى البدن ، وإلى العملي ، ابتداء لا دائما ، بل قد ~~يكتفي بذاته هاهنا ، كما في النشأة الآخرة ، إن كان من صف الأعالي ~~والمقربين ، وأما إن كان من أصحاب اليمين ، فمبدأ أفاعيله وتصوراته ms400 العقل ~~العملي ، وبه تكون سعادته في الآخرة. # ولكل منهما مراتب أربع في الاستكمال ، نقصها عليك ، فاستمع. PageV02P266 ### ||| * فصل # أما النظري فأولى مراتبها ما يكون للنفس بحسب أصل الفطرة حين استعدادها ~~لجميع المعقولات لخلوها عن كل صورة ، وقبولها لأن تكون فيها ماهية كل موجود ~~وصورته ، من غير تعسر ، وتأبي ، وامتناع من قبلها ، فإن عسر عليها شيء ، ~~فإما لأنه في نفسه ممتنع الوجود، أو كان ضعيف الكون شبيها بالعدم ، أو شديد ~~الوجود قويا يغلب عليها ويقهرها ، ويفعل بها ما يفعل الضوء الشديد بعين ~~الخفاش ، ليس إلا ، فهي في هذه المرتبة في قبولها للصور العقلية كالمادة ~~الأولى في قبولها للصور الحسية ، فهي إذن من حيث الكون العقلي قوة محضة ليس ~~لها جوهرية ، ولا قوام بذاتها ، ولا لها إدراك لذاتها ، ولا لغيرها ، إلا ~~بالقوة ؛ إذ الإدراك كما دريت تابع للمدرك ، بل هو عينه من وجه ، وإن كانت ~~هي من حيث الكون الحسي والخيالي جوهرا قائما بذاته ، مدركا لها ، ~~وللمحسوسات ، والمتخيلات ، والموهومات ، بل هي مجردة عن المواد أيضا ، من ~~حيث الخيال ، كما دريت ، فهي في هذه المرتبة نهاية عالم الجسمانيات ، بل ~~الخياليات أيضا ، في الكمال الحسي ، والخيالي ، وبداية عالم الروحانيات في ~~الكمال العقلي. # فإن نظرت إلى ذاتها في عالمي الحس والخيال وجدتها مبدأ جميع القوى ~~الجسمانية ، ومستخدم سائر الصور الحيوانية ، والنباتية ، والجمادية ، فإنها ~~من آثارها ولوازمها في هذا العالم. # وإذا نظرت إليها في العالم العقلي وجدتها قوة صرفة ، لا صورة لها عند PageV02P267 # سكان ذلك العالم ، كما قال : ( @QUR@06 يا أهل الكتاب لستم على شيء ) (1). # فنسبتها إليه نسبة البذر إلى الثمرة ، فإن البذر بذر بالفعل ، ثمرة ~~بالقوة ، وتسمى النفس عند ذلك عقلا هيولانيا ، ثم تحصل فيها مما فوقها بسبب ~~مراجعتها إليه وإدراكها للمعاني العلمية شعاع عقلي تكون منزلته منها منزلة ~~ضوء الشمس من البصر الذي هو بدونه باصر بالقوة ، فيحدث فيها عن رسوم ~~المحسوسات التي هي معقولات بالقوة ، وكانت محفوظة في خزانة المتخيلة أوائل ~~المعقولات التي اشترك فيها جميع الناس من الأوليات ، والتجربيات ، ~~والمتواترات ، والمقبولات ، وغيرها. # وهذه الصور ms401 إذا حصلت للإنسان يحدث له بالطبع تأمل وروية فيها ، وتشوق إلى ~~استنباطات ، ونزوع إلى بعض ما لم يكن تعقله أولا ، وتسمى النفس عند ذلك ~~عقلا بالملكة ، ثم يحصل فيها مما فوقها بسبب كثرة مراجعتها إليها ، وتكرر ~~مطالعتها المعقولات منه مرة بعد أخرى ، واتصالها به كرة بعد أولى. # وتحصيل الحدود الوسطى ، واستعمال القياسات والتعاريف ، وخصوصا البراهين ~~والحدود ، نور عقلي ، به تشاهد المعقولات المكتسبة متى شاءت ، من غير تجشم ~~، وتسمى النفس عند ذلك من حيث إن المعقولات حاصلة لها عقلا بالفعل ، ومن ~~حيث إنها تشاهدها عقلا مستفادا ، وفعلها الإرادي في هذا الباب ليس إلا ~~تحصيل الحدود واستعمال البراهين. # وأما فيضان النور العقلي فليس بإرادته ، بل بتأييد من الحق سبحانه ، ~~بتوسط الملك العقلي ، الذي هو رب نوع الإنسان المسمى في الشرع ب «روح ~~القدس» ، وحال حصول الكمالات النظرية عند ذلك كحال حصول الأوائل على PageV02P268 # سبيل اللزوم ، بلا اكتساب ، وكما أن في الفطريات لو سأل سائل : لم كان ~~هذا هكذا؟ لم يكن جواب ، كذلك هاهنا إذا سأل سائل : لم كان البرهان الصحيح ~~، والحد الصريح ، يوجب علما؟ لم يكن جواب. فالمقدمات إنما هي معدات ، ~~والواهب غيرها. # ومن هنا قيل : «عرفت ربي بربي ، ولو لا ربي ما عرفت ربي». # وفي أدعية أبي عبد الله الحسين عليه السلام : «إلهي بك عرفتك ، وبك اهتديت ~~إلى أمرك، ولو لا أنت لم أدر ما أنت» (1). ### ||| * فصل # روى محمد بن الحسن الصفار ، في كتاب بصائر الدرجات ، بأسانيده المتصلة عن ~~مولانا الصادق عليه السلام ، أنه سئل : تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم ~~علمه؟ قال : ربما كان ذلك ، قيل : كيف تصنعون؟ قال : يتلقانا به روح القدس (2). # وروى عن سيد العابدين ، وأبيه الحسين عليهم السلام ، مثله (3). # وروى أيضا بسند صحيح ، عن إبراهيم بن عمر ، قال : قلت لأبي عبد الله ~~عليه السلام : أخبرني عن العلم الذي تعلمونه ، أهو شيء تعلمونه من أفواه ~~الرجال بعضكم من بعض ، أو شيء مكتوب عندكم من رسول الله؟ قال : فقال : ~~الأمر أعظم من ذلك ، أما سمعت قول الله عز وجل ms402 في كتابه : ( @QUR@03 وكذلك ~~أوحينا إليك PageV02P269 # @QUR@010 روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) (1)، قال : ~~قلت : بلى ، قال : فلما أعطاه الله تلك الروح علم بها ، وكذلك هي إذا انتهت ~~إلى عبد علم بها العلم ، والفهم (2). # وروى الصدوق ، محمد بن علي بن بابويه ، في كتاب معاني الأخبار ، عن محمد ~~بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل : ( @QUR@04 ~~ونفخت فيه من روحي ) (3)، قال : روح اختاره الله ، واصطفاه ، وخلقه ، ~~وأضافه إلى نفسه ، وفضله على جميع الأرواح ، فنفخ منه في آدم (4). ### ||| * فصل # قال أستاذنا دام ظله : يشبه أن يكون الإنسان لكونه ذا درجات متفاوتة بدنا ~~، ونفسا ، صورة ، ومعنى ، بحسب كل وقت ومقام ، واقعا تحت تصرف صاحب آخر ، ~~وينتقل تخمير طينته وتربية صورته من يد إلى يد أخرى ، لملائكة الله ~~الموكلين بأمره من أهل الجبروت ، وعالم العقل ، ينقلونه بأيديهم إلى أن ~~يتشرف تخمير طينته بالوقوع في يدي الرحمن، فالأنسب أن يكون رب نوعه المسمى ~~بروح القدس ، أو جبرئيل ، أو روانبخش ، أو غير ذلك ، مبدأ لجماعة كثيرة غير ~~محصورة من العقول المترتبة الواقعة تحت حيطته وقاهريته ، نسبته إليها كنسبة ~~الجوهر النطقي من الإنسان إلى بدنه ، وقواه الحيوانية والنباتية PageV02P270 # والطبيعية ، ويكون كل واحد من تلك العقول مربيا لنوع من أنواع تلك القوى ~~الكثيرة الغير المحصورة للإنسان الكامل. # ثم لو فرض أن إنسانا وقع له الارتقاء إلى مقام فوق مقامات هذه الملائكة ، ~~الذين كانوا يدبرون أمره ويعطونه الحياة والفضيلة ، فيقع عند ذلك في تصرف ~~ملك آخر فوق هذا المسمى بالأسامي المذكورة ، وهكذا إلى أن لا تكون واسطة ~~بينه وبين الحق ، كما وقع لنبينا صلوات الله عليه وآله في معراجه. # وربما كان الإنسان حال انسلاخ نفسه عن بدنه والأكوان وترقيه في طبقات ~~النفوس والعقول متصاعدا مارا على العوالم طبقة بعد طبقة ، متحدا بكل عقل ~~ونفس ، اتحادا يفيده الانسلاخ عن جملة صفاته وأحواله الجزئية ، التي كان ~~بكل منها تحت تربية عقل من العقول ، وتصريف مدبر من المدبرات ، وهكذا ، حتى ~~يتحدان ، كمل معراجه بالعقل الأول ms403 ، فإذا كمل اتحاده بالعقل الأول تنسلخ ~~منه جميع صفات الأكوان ، ونقائص الإمكان ، وهناك يحصل القرب الحقيقي ، ويصح ~~له بصفته الوجودية النورية الأخذ عن الله ، والاستنارة من نوره ، بدون ~~واسطة عقل ، أو نفس ، كما هو شأن نبينا عليه وآله السلام وشأن العقل الأول ~~مع الحق. # ثم إذا رجع إلى مقام البشرية كان كما كان في بعض مقامات القربة قبل ~~الفناء الأخير، مع زيادة سكينة ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجمع ~~بين الأخذ الأتم عن الله بواسطة العقل الأول ، والنفوس بموجب خاصية حكم ~~إمكانه الباقي منه ، ووجوب كل فرد من أفراد العقول المترتبة طولا وعرضا ، ~~وبين الأخذ عن الله بدون واسطة أصلا ، بحكم وجوبه. # ومما يؤيد ذلك ما أخبره صلى الله عليه وآله في تفاوت مقاماته ، ودرجات أخذه عن PageV02P271 # الله العلوم والكمالات ، فكان يخبر أحيانا أنه يأخذ عن جبرئيل ، وأن ~~جبرئيل يأخذ عن ميكائيل ، وميكائيل عن إسرافيل ، وإسرافيل يأخذ عن الله ، ~~ويخبر أحيانا أنه كان يأخذ عن ميكائيل ، بدون واسطة جبرئيل ، وأخبر أنه كان ~~يلقي إليه أحيانا إسرافيل ، فيأخذ عنه دون واسطتهما ، وأخذ أحيانا عن الله ~~، من غير واسطة لأحد من الملائكة ، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وآله : «لي ~~مع الله وقت ، لا يسعني فيه ملك مقرب ، ولا نبي مرسل» (1). # وإن شئت أن تعرف معنى تأييد هذا الروح ، وفيضان هذا النور ، وكيفية تحصيل ~~العقل بالفعل ، والرجوع إلى العالم العقلي ، والاتصال به ، بل بما فوقه ، ~~حق المعرفة فاستمع لما استفدناه من أستاذنا سلمه الله وهو من تحقيقاته ~~الشريفة. ### ||| * فصل # قد دريت أن المدرك قبل الإدراك مدرك بالقوة ، كما أن مدركه مدرك بالقوة ، ~~وكلاهما إنما يصيران بالفعل بعد الإدراك ، والإدراك إنما يكون باتحاد ما ~~بالمدرك ، بأن يصير المدرك صورة ذات المدرك ، فمعنى صيرورة العقل الهيولاني ~~عقلا بالملكة ، أو العقل بالملكة عقلا بالفعل ، أنه حصلت في الذات العاقلة ~~بالقوة المعقولات التي انتزعتها عن المواد صائرة معقولات بالفعل ، وقد كانت ~~من قبل أن ينتزع معقولات بالقوة ، كما كانت تلك الذات عاقلة ms404 بالقوة ، فهي ~~الآن صارت صورا لتلك الذات الكاملة ، وتلك الذات إنما صارت عقلا بالفعل PageV02P272 # بالتي هي معقولات بالفعل. # وكل معقول بالفعل هو عقل وعاقل بالفعل ؛ لأنه موجود صوري لا تخالطه غواش ~~مادية ، وعوارض ظلمانية ساترة لوجهها ، حتى تحتاج في معقوليتها لذاتها إلى ~~عمل عامل ، وإلى تعرية معر ، وتجريد مجرد إياها ، فلا يفارق كون الشيء ~~معقولا بالفعل كونه عاقلا بالفعل، ولا كونه هذا المعقول ؛ لأن نحو وجوده ~~الخارجي نحو معقوليته وعاقليته ، فمعنى كون النفس عاقلة بالفعل ليس هو ، ~~غير أن المعقولات صارت صورا لها ، على أنها صارت بعينها تلك الصور ، ~~والمعقولات التي كانت بالقوة معقولات ، فهي من قبل أن تصير معقولة بالفعل، ~~ليس وجودها هذا الوجود العقلي ، بل كان وجودها وجودا حسيا تابعا لسائر ما ~~يقترن بها ، فهي مرة من باب الأين ، ومرة من باب الحركة والانتقال ، ومرة ~~من مقولة متى ، ومرة ذات وضع ، إلى غير ذلك من مقولات الأجناس المختلفة. # وإذا حصلت معقولات بالفعل ارتفع عنها كثير من تلك المعاني ، وصار وجودها ~~وجودا آخر ، ويفهم معانيها على غير المفهوم منها أولا. # مثال ذلك : الأين ، فإن المعقول منه لم تجد فيه شيئا من لوازم الأين في ~~الخارج ، من التزاحم وغيره ، وما من موجود من الموجودات الطبيعية العقلية ~~إلا ويمكن أن تحصل صورا لتلك الذات العاقلة ، وكلما حصلت لها صورة تصير هي ~~هو بعينها من غير تفاسد ، فعلى حسب كثرة المعقولات للذات العاقلة بالفعل ~~يكون وفور جمعيتها وشمولها لتلك المعاني وحصولها صورا لذاتها ، فبهذا الوجه ~~يمكن القول بصيرورة الذات الأحدية العقلية كل الأشياء. # وأيضا فإن كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون كل الأشياء ، وإلا لكان ذاته PageV02P273 # متحصل القوام من هوية أمر ، ولا هوية أمر ، فيكون مركبا ولو في العقل ، ~~فما به الشيء هو هو غير ما به يصدق عليه أنه ليس هو ، فكلما كان الشيء أبسط ~~فهو أحوط للوجود وأشمل ، وبالعكس ، وقد مضى بيان ذلك في مباحث مبدأ الوجود. # وقد ظهر من هذا أن الوجود النفسي إذا بلغ إلى مقام العقل صار ms405 هو هو بعينه ~~؛ إذ لا تعدد في العقول إلا بحسب الأكمل والأنقص ؛ إذ لا تعدد في أفراد نوع ~~واحد إلا في الماديات ، فلا يمكن عقلان في رتبة واحدة من الكون. ### ||| * وصل # ومن هذا يعلم أنه إذا فرضت نفوس كثيرة بلغت إلى درجة عقل واحد من العقول ~~، صارت كلها عقلا واحدا من غير تفاسد ، ولا بطلان ، ولا تجدد حال في العقل. # وهذه الوحدة لا تنافي امتيازها امتيازا عقليا ؛ لشعورها بذاتها ، ~~وبأحوالها ، وهيئاتها المكتسبة من التعلق بالأبدان ، وغير ذلك ، وهذا ~~كامتياز كون الإنسان حساسا ، ومتخيلا ، وعاقلا ، فإن هذه الأكوان الثلاثة ~~أكوان إدراكية ، هي عين الشعور ، ويجدها الإنسان من ذاته ، ويدرك هويته ~~هوية حساسة ، متخيلة ، عاقلة ، كما يظهر لمن راجع وجدانه. # وإذا جاز أن يكون صورة واحدة عقلية في غاية التجرد صورة مطابقة لأعداد ~~كثيرة من صور جسمانية في غاية التكثف ، بحيث يتحد بها ، فليجز كون صورة ~~واحدة عقلية هي روح القدس ، صورة مطابقة لنفوس كثيرة إنسية ، يكون PageV02P274 # هو منها تمام تلك الهويات. # ومن تأمل في إدراك الحواس وتقومها بإدراك الخيال ، والإدراك ضرب من ~~الوجود ، لم يستبعد اضمحلال الوجود الأضعف في الوجود الأقوى. # وكذا من نظر في بداية وجود الإنسان ، وترقياته في الأكوان الجوهرية ، من ~~لدن وجوده الجمادي إلى أن يبلغ إلى مرتبة العقل النظري ، لم ينكر هذا ~~المطلوب ؛ حيث تحقق له في كل استكمال جوهري فناء وبقاء ، وخلع ولبس ، غير ~~ما يوجد في المركبات العنصرية من الكون والفساد الذي منشؤه التضاد والتعاند ~~بين الصور المتفاسدة ، بل إنك قد عرفت أن النفس في مقامها الطبيعي متحدة ~~بالبدن اتحادا حقيقيا ، وفي مقامها الحسي متحدة بالحواس، وكذا في سائر ~~مقاماتها ، وقد مضى عليها برهة لم يكن لها شيء من مبادىء هذه الصفات ، أو ~~أكثرها ، كما قال سبحانه : ( @QUR@011 هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا ) (1). وسيأتي عليه زمان تنفسخ عنه هذه أو أكثرها ، وهو ~~هو ، وينقلب إلى أهله مسرورا. # ولما جاز أن يكون وقتا في مقام الحيوانية بحيث لا يعرف غير الأكل ms406 والجماع ~~، والحس والحركة ، ولا يكون فيه شيء من آثار العقل أصلا ، إلا قوة بعيدة ، ~~وقوة الشيء ليس وجوده ، بل إمكانه ، ووقتا بحيث يستكمل ويصير عاقلا ومعقولا ~~، فبالحقيقة صار الكائن حيوانا كائنا ، ملكا عقليا ، لا بمجرد المجاز ~~والتشبيه ، أو بمجرد صفة عارضة ، بل بحركة ذاتية وانقلاب وجودي من نشأة إلى ~~نشأة ، فليجز مثل ذلك فيما نحن بصدده ، أي فيما فوق ذلك. # فقد ظهر أن النفس عند تحصيلها لجميع المعقولات واستحضارها لها ، PageV02P275 # ومشاهدتها إياها ، تصير بعينها العقل ، ويفنى وجودها في وجود رب نوعه ~~العقلي ، المسمى بروح القدس ، والمعبر عنه بالنور ، وتبقى ببقائه بعينه. # وسيأتي أن العقول كلها فانية في ذات الله سبحانه ، باقية ببقائه تعالى ، ~~لا فرق بينهم وبين حبيبهم ، فالنفوس الكاملة الفانية أيضا كذلك ، وهذا من ~~الأسرار التي لا يمسها إلا المطهرون ، وهو الفناء في التوحيد ، في اصطلاح ~~الصوفية ، وكأنه المشار إليه بقوله سبحانه في الحديث القدسي : «ومن قتلته ~~فأنا ديته» (1)، وما في معناه. # وفي الحديث النبوي : «لي مع الله وقت ، لا يسعني فيه ملك مقرب ، ولا نبي ~~مرسل» (2). # وفي كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، في خطبة البيان (3)، ~~المنسوبة إليه وغيرها ، مما ينبه على مثل هذا المعنى كثير ، وكذا في كلام ~~سائر أئمتنا المعصومين من أهل البيت عليهم السلام ، كما روي عنهم بأسانيد ~~معتبرة ، وعسى أن تقف على طرف من ذلك في مواضع من المباحث الآتية ، إن شاء الله. # وروي عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه كان يصلي في بعض الأيام فخر ~~مغشيا عليه في أثناء الصلاة ، فسئل بعدها عن سبب غشيته ، فقال : «ما زلت ~~أردد هذه الآية حتى سمعتها من قائلها» (4)، وفي رواية : «من المتكلم بها» (5). PageV02P276 # ومما ينسب إلى مولانا الصادق عليه السلام أيضا وإن لم أره في كتاب معتمد ~~عليه ، أنه قال : «لنا حالات مع الله ، وهو فيها نحن ، ونحن فيها هو ، ومع ~~ذلك هو هو ، ونحن نحن». # وفي كلام بعض الحكماء (1): ثم ترقيت بذهني من ذلك العالم إلى العوالم ~~الإلهية والحضرة الربوبية ، فصرت كأني موضوع فيها ، معلق ms407 بها ، فأكون فوق ~~العوالم العقلية. # وأما ما في كلمات الصوفية من ذلك فأكثر من أن يحصى ، وأشهر من أن يخفى. ### ||| * وصل # وكأن إلى مثل هذه الوحدة أشير في حديث طوبى ، حيث قيل : يا رسول الله ، ~~سألناك عنها ، فقلت : شجرة أصلها في داري ، وفرعها على أهل الجنة ، ثم ~~سألناك عنها ، فقلت : شجرة في الجنة ، أصلها في دار علي ، وفرعها على أهل ~~الجنة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : إن داري ودار علي غدا واحدة ، في ~~مكان واحد (2). # وروى في كتاب بصائر الدرجات ، بسند صحيح ، عن سعد ، عن أبي جعفر ~~عليه السلام ، أنه قال في حديث له : ألا ومن خرج في شهر رمضان من بيته في ~~سبيل الله ، ونحن سبيل الله الذي دخل عليه ، فلما طاف بالحصن ، والحصن هو PageV02P277 # الإمام ، وكبر عند رؤيته كانت له يوم القيامة صخرة أثقل في ميزانه من ~~السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وما بينهن ، وما تحتهن ، قلت : يا أبا ~~جعفر ، وما الميزان؟ قال : إنك قد ازددت قوة وبصرا يا سعد ، رسول الله ~~الصخرة ، ونحن الميزان ، وذلك قول الله في الإمام: ( @QUR@03 ليقوم الناس ~~بالقسط ) (1)، قال : ومن كبر بين يدي الإمام قال : لا إله إلا الله ، وحده ~~لا شريك له ، كتب الله له رضوانه ، ومن يكتب الله له رضوانه الأكبر يجمع ~~بينه وبين إبراهيم ، ومحمد ، والمرسلين ، في دار الجلال ، قال : فقلت : وما ~~دار الجلال؟ فقال : نحن الدار ، وذلك قول الله : ( @QUR@014 تلك الدار ~~الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) ~~(2)، فنحن العاقبة يا سعد ، وأما مودتنا للمتقين ، فقال الله تبارك وتعالى ~~: ( @QUR@06 تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (3)، فنحن جلال الله ~~وكرامته التي أكرم الله تبارك وتعالى العباد بطاعتنا (4). # وعن زيد الشحام ، عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : قلت له : أيما ~~أفضل ، الحسن أم الحسين؟ فقال : إن فضل أولنا يلحق بفضل آخرنا ، وفضل آخرنا ~~يلحق بفضل أولنا ، فكل له فضل ، قال : قلت له : جعلت فداك ، وسع علي في ~~الجواب ، فإني ما سألتك إلا مرتادا ، فقال : نحن من ms408 شجرة طيبة ، برأنا الله ~~من طينة واحدة ، فضلنا من الله ، وعلمنا من عند الله ، ونحن أمناؤه على ~~خلقه ، والدعاة إلى دينه ، والحجاب فيما بينه وبين خلقه ، أزيدك يا زيد؟ ~~فقلت : نعم ، فقال : خلقنا واحد ، وعلمنا واحد ، وفضلنا واحد ، وكلنا واحد ~~عند الله ، فقلت : أخبرني بعدتكم ، فقال : PageV02P278 # نحن اثنا عشر ، هكذا حول عرش ربنا عز وجل ، في مبدأ خلقنا ، أولنا محمد ، ~~وأوسطنا محمد، وآخرنا محمد (1). # وفي رواية أخرى ، عنه عليه السلام : علمنا واحد ، وفضلنا واحد ، ونحن شيء ~~واحد (2). # وعن الأعمش ، عنه ، عن أبيه ، عن جده عليهم السلام ، قال : قال النبي ~~صلى الله عليه وآله : ليلة أسري بي إلى السماء ، فبلغت السماء الخامسة ، نظرت ~~إلى صورة علي بن أبي طالب ، فقلت : حبيبي جبرئيل ، ما هذه الصورة؟ فقال ~~جبرئيل : يا محمد ، اشتهت الملائكة أن ينظروا إلى صورة علي ، فقالوا : ربنا ~~إن بني آدم في دنياهم يتمتعون غدوة وعشية بالنظر إلى علي بن أبي طالب ، أخي ~~حبيبك محمد ، وخليفته ، ووصيه ، وأمينه ، فمتعنا بصورته قدر ما يتمتع أهل ~~الدنيا به ، فصور لهم صورته من نور قدسه عز وجل ، فعلي عليه السلام بين ~~أيديهم ليلا ونهارا ، يزورونه ، وينظرون إليه ، غدوة وعشية. # قال الراوي : فأخبرني الأعمش ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهم السلام ، ~~أنه قال : فلما ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه صارت تلك الضربة في صورته ~~التي في السماء ، فالملائكة ينظرون إليه غدوة وعشية ، ويلعنون قاتله ابن ~~ملجم ، فلما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه هبطت الملائكة وحملته حتى ~~أوقفته مع صورة علي في السماء الخامسة ، فكلما هبطت الملائكة من السماوات ~~من علا ، وصعدت ملائكة سماء الدنيا فمن فوقها إلى السماء الخامسة لزيارة ~~صورة علي ، والنظر إليه وإلى الحسين بن علي ، يتشحط بدمه ، لعنوا يزيد ، ~~وابن زياد ، PageV02P279 # وقاتلي الحسين بن علي صلوات الله عليه إلى يوم القيامة. # قال الأعمش : قال لي جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : هذا من مكنون ~~العلم ومخزونه، لا تخرجه إلا إلى أهله (1). # وعن الفضل بن عمر ، قال : قلت لمولانا ms409 الصادق عليه السلام : ما كنتم قبل ~~أن يخلق الله السماوات والأرض؟ قال : كنا أنوارا ، نسبح الله ونقدسه ، حتى ~~خلق الله الملائكة ، فقال لهم الله عز وجل : سبحوا ، فقالوا : أي ربنا ، لا ~~علم لنا ، فقال لنا : سبحوا ، فسبحنا ، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ، إلا أنا ~~خلقنا أنوارا ، وخلقت شيعتنا من شعاع ذلك النور ، فلذلك سميت شيعة ، فإذا ~~كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا ، ثم قرب ما بين إصبعيه (2). # وروى الصدوق محمد بن علي بن بابويه ، بإسناده المتصل عن مولانا الرضا ، ~~عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ، عن رسول الله صلى الله عليهم إلى أن قال : ~~أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا ، فأنطقنا بتوحيده وتمجيده ، ثم خلق ~~الملائكة ، فلما شاهدوا أرواحنا نورا واحدا ، استعظموا نورنا ، فسبحنا ~~لنعلم الملائكة أنا خلق مخلوقون ، وأنه منزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة ~~لتسبيحنا ، ونزهته عن صفاتنا ، فلما شاهدوا عظم شأننا ، هللنا لتعلم ~~الملائكة أن لا إله إلا الله (3). # وروى ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب ، عن سلمان ، قال : سمعت ~~حبيبي المصطفى محمدا صلى الله عليه وآله ، يقول : كنت أنا وعلي نورا بين يدي ~~الله عز وجل ، PageV02P280 # مطيعا (1)، يسبح الله ذلك النور ، ويقدسه ، قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ~~ألف عام ، فلما خلق الله تعالى آدم ركب ذلك النور في صلبه ، فلم نزل في شيء ~~واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ، فجزء أنا ، وجزء علي (2). # ونحوه روى أحمد بن حنبل في مسنده (3)، وابن أبي ليلى في كتاب الفردوس (4). # وروى في كتاب منهج التحقيق إلى سواء الطريق ، عن ابن خالويه ، يرفعه إلى ~~جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، يقول : إن الله عز وجل خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن ~~والحسين من نور واحد ، فعصر ذلك النور عصرة فخرج منه شيعتنا ، فسبحنا ~~فسبحوا ، وقدسنا فقدسوا ، وهللنا فهللوا ، ومجدنا فمجدوا ، ووحدنا فوحدوا ، ~~ثم خلق الله السماوات والأرض ، وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام ، لا ~~تعرف تسبيحا ، ولا تقديسا ، فسبحنا ، فسبحت شيعتنا ، فسبحت الملائكة ms410 ، وكذا ~~في البواقي ، فنحن الموحدون ، حيث لا موحد غيرنا ، وحقيق على الله عز وجل ~~كما اختصنا وشيعتنا أن يزلفنا (5) وشيعتنا في أعلى عليين ، إن الله اصطفانا ~~واصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجساما ، فدعانا ، فأجبناه ، فغفر لنا ~~ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله عز وجل (6). والأخبار في هذا المعنى كثيرة. # ولنعد إلى ما كنا فيه : PageV02P281 ### ||| * فصل # وهذه المراتب الأربع للعقل النظري تعتبر بالقياس إلى كل نظري ، فيختلف ~~الحال ؛ إذ قد يكون بالقياس إلى بعض النظريات في مرتبة العقل الهيولاني ، ~~وفي بعضها عقلا بالملكة ، وفي بعضها عقلا بالفعل ، وفي بعضها عقلا مستفادا ~~، فإن وحدة النفس طور آخر من الوحدة ، فكما لا تتأبى عن الاتصال بأشياء ~~متخالفة الحقائق بأن تكون مع كل منها بحسبه ، ففي مرتبة عقل ، وفي مرتبة ~~خيال ، وفي أخرى حس. # وكل قوة دراكة فهي من جنس مدركه ، كما دريت ، فكذلك لا يمتنع أن تتصل ~~بشيء من وجه ، ولا تتصل به من وجه آخر ، فإن ذاتها بمنزلة مرآة كرية ، كل ~~قوس منها صارت مصيقلة حاذت بها شطر الحق الذي يكون فيه كل كمال وزينة ، ~~فوقعت فيها صورة مناسبة لها ، يخرج بحسبها ما بالقوة من الصور والكمالات ~~والاعتداد في كل من هذه الاتصالات بما استقرت النفس عليه في آخر الأمر ، ~~والعبرة بما هو الغالب عليها ، والصائر ملكة لها ، وبه يجري الحكم عليها في ~~النشأة الآخرة ، فإن حصلت لها في الدنيا ملكة الاتصال بالأمور الدنياوية ، ~~فمآلها إلى الجحيم ، على حسب دركاتها ، وإن حصلت لها في الدنيا ملكة ~~الاتصال بالخيرات والعقليات ، فمآلها إلى النعيم ، على حسب درجاتها. # ومنزلة كل امرىء في العلو والسفل على قدر عقله وعلمه ، والناس أبناء ما ~~يحسنون ، و «قيمة كل امرىء ما يحسنه» (1). PageV02P282 ### ||| * فصل # وأما العقل العملي فأولى مراتبه تهذيب الظاهر باستعمال الشرائع والتقيد ~~بقيودها ، والائتمار بأوامرها ، والانتهاء عن نواهيها ، وفعل النوافل من ~~القيام ، والصيام ، والصدقات ، والقرابين ، والأعياد ، والجماعات ، وسائر ~~الآداب والسنن. # ثم تهذيب الباطن عن الملكات الرديئة ، والأخلاق الدنية ، التي تظهر في ~~النفس بالتدريج ، بعد تجاوزها عن أدنى ms411 مراتب الحيوانية ، من الشهوة والغضب ~~والحرص والحسد والبخل والعجب والغرور ، وغير ذلك من الصفات والهيئات التي ~~هي نتائج الاحتجاب والبعد عن معدن الوجود ، والصفات الكمالية ، وهي الساترة ~~للحق سبحانه ، والزائفة عن صراطه المستقيم ، فإن الإنسان كما أنه مركب من ~~حيث المادة البدنية من أمزجة مختلفة ، وكيفيات متضادة ، كذلك مركب من حيث ~~الصورة النفسانية من قوى متخالفة ، متضادة ، كقوة الشهوة ، والغضب ، والوهم ~~، والعقل ، والشهوة كالبهيمة ، والغضب كالسبع ، والوهم كالشيطان ، والعقل ~~كالملك ، والناظر بعين البصيرة يرى قوة الشهوة بهيمة بالحقيقة ، وكذا يشاهد ~~قوة الغضب إذا اشتدت بعينها كلبا عقورا ، وسبعا ضاريا ، وكذا قوة الوهم إذا ~~لم تكن في طاعة العقل وتسخيره شيطانا مغويا ؛ لما دريت أن الحقائق للأشياء ~~هي صورها المعنوية ، لا موادها الحسية. # فإذا كان في باطن الإنسان بهائم وسباع وشياطين ، وله حاجة في طريق سلوكه ~~وسفره إلى الله إلى استخدامها ، فإن في فقدها بالكلية خلافا لمصلحة السفر ، ~~وأخذ الزاد ، فلا بد للعقل أن يسخرها ويستخدمها ويعامل معها معاملة السلطان ~~العادل مع المردة من رؤساء مملكته ، ويداريها مداراة الفسوني بالحية PageV02P283 # التي يريد أن ينتفع من ترياقها ، ولا يتضرر من سمها المهلك ، ليحصل له ~~حسن الخلق ، وسلامة القلب ، ليتهيأ قلبه بذلك لنور المعرفة. # وتسمى هاتان المرتبتان بالتجلية بالجيم والتخلية بالخاء المعجمة وإليهما ~~أشير بقوله سبحانه : ( @QUR@04 وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) (1). # وبقول النبي صلى الله عليه وآله : «إن أدنى درجات الإيمان إماطة الأذى عن ~~الطريق» (2). # ثم تصوير النفس بالصور القدسية العلمية ، ونقشها بهيئة الوجود على ما هو ~~عليه ، وتحليها بالصفات الحميدة ، والأخلاق المرضية ، من التوبة ، والإنابة ~~، والصبر ، والشكر ، والرضا ، والزهد ، الحقيقي ، والتوكل ، والإنس ، ~~والمحبة ، والتوجه بالكلية إلى الحق ، والمواظبة على الطهارة التامة ، ~~والذكر ، والمراقبة ، والمحاسبة ، والوجد ، والسكر ، والوله ، والشوق ، ~~والعشق ، والهيمان ، وغير ذلك من نتائج القرب ، والمعرفة بالحق سبحانه ، ~~وتسمى هذه المرتبة بالتحلية ، بالحاء المهملة. # ثم بعد ذلك مرتبة فناء النفس عن ذاتها ، وقصر النظر على ملاحظة الحق ~~سبحانه ، وكبريائه ، وآثار قدرته ، وعلمه ، وإرادته ، وسمعه ، وبصره ، ~~لتأكد علاقتها معه ، واتصالها به ، بحيث يصح أن ms412 يشير إلى مبدئها الحقيقي ، ~~وجاعلها التام ، إشارة روحانية ب «أنا» ، حين اضمحلال ذاتها ، وخرورها عند ~~اندكاك جبل إنيتها ، وإلى صفاته التي هي عين ذاته، من السمع والبصر والقدرة ~~، وغيرها ، بأنها سمعي ، وبصري ، وقدرتي ، فبه يبصر الأشياء ، وبه يسمع ، ~~وبه يقتدر ، كما ورد في PageV02P284 # الحديث القدسي بأسانيد صحيحة ، من طريقنا ، وطريق العامة : «ما تقرب ~~العبد إلي بشيء أفضل مما افترضت عليه ، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده ~~التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، ~~وبي يمشي» (1). # فقد تحقق لها حينئذ التخلق بأخلاق الله بالحقيقة ، لا بمعنى صيرورة صفات ~~الله التي هي عين ذاته أعراضا قائمة بذات النفس ، بل بمعنى علاقة أخرى ~~شديدة ، أتم من علاقة النفس مع البدن وصفاته الكونية المادية ؛ إذ تلك هي ~~العلاقة التي تكون بين الفاعل الحقيقي ومجعوله ، وهذه علاقة ضعيفة ستقطع ~~بالموت الطبيعي ، أو الإرادي ، ومع هذا يصح للنفس أن تقول مشيرة إلى ذاتها ~~وجوهرها : أنا سمعت ، وبصرت ، واشتهيت ، وتحركت ، وسكنت ، وغير ذلك من صفات ~~بدنه ، وقواه بحسب الحقيقة ، من غير لزوم تجرم وتكثف يعتريها ، فما ظنك ~~بنفس تجردت بالكلية عن البدن ، وعن التعلق بغير الله ، واتصلت به اتصالا ~~معنويا ، لاهوتيا ، وقصرت النظر على ملاحظة جماله ، فتشاهده في كل ما تسمع ~~وترى ، وتلاحظ وجهه في كل ما يظهر ويخفى. # قال العلامة المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله (2)، في شرح الإشارات : PageV02P285 # العارف إذا انقطع عن نفسه ، واتصل بالحق ، رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته ~~المتعلقة بجميع المقدورات ، وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء ~~من الموجودات ، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من ~~الممكنات ، بل كل وجود ، وكل كمال وجود، فهو صادر عنه ، فائض من لدنه ، ~~فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر ، وسمعه الذي به يسمع ، وقدرته التي # له تجريد الكلام ، وهو كتاب كامل في شأنه ، وصفه الفاضل القوشجي بأنه ~~مخزون ms413 بالعجائب ، مشحون بالغرائب ، صغير الحجم ، وجيز النظم ، كثير العلم ، ~~جليل الشأن ، حسن الانتظام ، مقبول الأئمة العظام ، لم يظفر بمثله علماء ~~الأمصار ، وهو في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار. انتهى. شرحه جمع من ~~أعاظم العلماء ، أولهم آية الله العلامة رحمه الله ، وله كتاب التذكرة ~~النصيرية في علم الهيئة ، الذي شرحه النظام النيسابوري ، والأخلاق الناصرية ~~، وآداب المتعلمين ، وأصاف الأشراف ، وكتاب قواعد العقائد ، وتحرير المجسطي ~~، وتحرير أصول الهندسة لأقليدس ، وتلخيص المحصل ، وهو مختصر لكتاب محصل ~~أفكار المتقدمين والمتأخرين للفخر الرازي ، وحل مشكلات الإشارات لابن سينا ~~، وشرح قسم الإلهيات من الإشارات ، إلى غير ذلك ، من الحواشي ، والرسائل ، ~~والأشعار المشتملة على الفوائد والقصائد ، بالفارسية والعربية. # حكي : أنه قدسسره قد عمل الرصد العظيم بمدينة مراغة ، واتخذ في ذلك خزانة ~~عظيمة ، ملأها من الكتب ، وكانت تزيد على أربعمائة ألف مجلد ، وكان من ~~أعوانه على الرصد من العلماء جماعة ، أرسل إليهم الملك هلاكوخان ، منهم : ~~العلامة قطب الدين الشيرازي ، ومؤيد الدين العروضي الدمشقي ، وكان متبحرا ~~في الهندسة وآلات الرصد ، ونجم الدين القزويني ، كان فاضلا في الحكمة ~~والكلام ، ومحيي الدين الأخلاطي ، وكان مهندسا متبحرا في العلوم الرياضية ، ~~ومحيي الدين المغربي ، ونجم الدين الكاتب البغدادي ، وكان فاضلا في إجراء ~~الرياضي والهندسة ، وعلم الرصد ، وضبطوا حركات الكواكب. # توفي في يوم الغدير سنة «672» ، ودفن في جوار الإمامين موسى بن جعفر ~~والجواد عليهم السلام ، في المكان الذي أعد للناصر العباسي ، فلم يدفن فيه. ~~(الكنى والألقاب : 3 : 250). PageV02P286 # بها يفعل ، وعلمه الذي به يعلم ، ووجوده الذي به يوجد ، فصار العارف ~~حينئذ متخلقا بأخلاق الله بالحقيقة (1). هذا كلامه رحمه الله . # وهذه المرتبة هي نهاية السير إلى الله ، على صراط النفس ، وبعد هذه ~~المراتب الأربع منازل ومراحل ليست أقل من درجات ما قبله ، لكن أؤثر فيها ~~الاختصار ؛ لأنها كما قيل لا يفهمها الحديث ، ولا تشرحها العبارة ، ولا ~~يكشف المقال عنها ، غير الخيال ، ومن أحب أن يتعرفها فليتدرج إلى أن يصير ~~من أهل المشاهدة ، لا المشافهة ، ومن الواصلين إلى العين ، دون السامعين للأثر. ### ||| * فصل # إذا بلغت النفس إلى غاية ms414 كمالها العقلي ، والعملي ، واستغنت عن الحركات ~~والأفكار تصير قوتاها النظرية والعملية قوة واحدة ، فيصير علمها عملا ، ~~وعملها علما ، كما أن العلم والقدرة في المجردات بالنسبة إلى ما تحتها واحد ~~، وكذلك تصير كلها السمع والبصر والقوى والجوارح ، فتكون عين البدن ؛ لغاية ~~قوتها ونورانيتها ، والبدن عين النفس ؛ لغاية صفائه ولطافته. # وإليه أشار من قال : # رق الزجاج ورقت الخمر %~% فتشابها وتشاكل الأمر فكأنه خمر ولا قدح %~% وكأنها قدح ولا خمر (2) PageV02P287 # وذلك لوحدتها الجمعية الكاملة التي حصلت لها عند ذلك ، التي هي ظل للوحدة ~~الإلهية ، بل هي هي بعينها من وجه ؛ لفناء النفس حينئذ في الحق ، كذا أفاد ~~أستاذنا (1) دام ظله . ### ||| * فصل # الإنسان إذا بلغ إلى هذا المقام يتصرف في الملك والملكوت ، وتطيعه ~~الموجودات كلها ، بل تصير كلها أجزاء لذاته ، وتكون قوية سارية في الجميع ، ~~كما أشار إليه مولانا الباقر عليه السلام ، في حديث الأرواح ، بقوله : ~~«فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى» (2)؛ وذلك لأنه لم ~~يوجد في الممكنات ما هو أشرف من العقل ، ولا ما هو أخس من المادة العنصرية ~~، وهما حاشيتا الوجود ، وقد وجدتا جميعا في الإنسان الكامل. # ومراتب الوجود متواصلة ، لا ثلمة فيها ، فالإنسان بوحدته كل العالم ، فهو ~~كتاب مشتمل على معاني كل ما في الموجود ، ومن هنا قيل : # ليس على الله بمستنكر %~% أن يجمع العالم في واحد (3) # وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : # دواؤك فيك وما تشعر %~% وداؤك منك وما تبصر PageV02P288 وأنت الكتاب المبين الذي %~% بآياته يظهر المضمر وتزعم أنك جرم صغير %~% وفيك انطوى العالم الأكبر # وقال مولانا الصادق عليه السلام : «إن الصورة الإنسانية هي أكبر حجة الله ~~على خلقه ، وهي الكتاب الذي كتبه بيده ، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته ، وهي ~~مجموع صور العالمين ، وهي المختصر من العلوم في اللوح المحفوظ ، وهي الشاهد ~~على كل غائب ، وهي الحجة على كل جاحد ، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير ، ~~وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار» (1). PageV02P289 ### | في إطاعة الأكوان للإنسان ، لأجل خلافة الله عز وجل ### ||| * وبيان الخليفة ### ||| * ( @QUR@08 وسخر لكم ما ms415 في السماوات وما في الأرض ) (1) ### ||| * فصل # قد تبين مما سلف أن الغاية القصوى في إيجاد هذا العالم الكوني ، ومكوناته ~~الحسية ، هي خلقة الإنسان ، وغاية خلقة الإنسان ماهية العقل المستفاد ، أي ~~مشاهدة المعقولات والاتصال بالملأ الأعلى ، والعبودية الذاتية التي هي ~~الفناء في الحق الأول ، والخلافة الإلهية ، كما قال سبحانه : ( @QUR@06 وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (2). # وفي الحديث القدسي : «خلقت الأشياء لأجلك ، وخلقتك لأجلي» (3). # وفي حديث آخر : «لولاك لما خلقت الأفلاك» (4). # وعن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : «يا علي لو لا نحن ما خلق الله ~~آدم ، ولا حواء ، PageV02P290 # ولا الجنة ، ولا النار ، ولا السماء ، ولا الأرض» (1). # فلو لا الخليفة لم توجد الخليقة ، ولا بد أن يكون وجوده مستمرا في جميع ~~الأعصار والدهور ، حتى يقوم به الأمر ، ويدوم به النوع ، ويحفظ به البلاد ، ~~ويهتدي به العباد ، ويمسك به السماوات والأرضون ، وإلا فيكون الكل هباء ، ~~وعبثا ؛ إذ لا يرجع إلى غاية ، ولا يؤول إلى عاقبة ، ففنيت إذن وخربت ، كما ~~قال الرضا عليه السلام : «لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها» (2). # وقال الصادق عليه السلام : «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» (3). # وقال الباقر عليه السلام : «لو أن الإمام رفع من الأرض لماجت بأهلها كما ~~يموج البحر بأهله» (4). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم لله ~~بحجة ، إما ظاهرا مشهورا ، وإما خائفا مغمورا» (5). # وقال النبي صلى الله عليه وآله : «في كل خلف من أمتي عدل من أهل بيتي ، ~~ينفون عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين» (6). # وفي الحديث المشهور ، المتفق عليه بين الخاصة والعامة : «من مات ولم PageV02P291 # يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية» (1). # وبالجملة : فالمقصود من خلقة الإنسان إنما هو وجود خليفة الله المشار ~~إليه بقوله عز وجل : ( @QUR@05 إني جاعل في الأرض خليفة ) (2)، وخلقه سائر ~~الأكوان من الجماد والنبات والحيوان إنما هو لضرورات تعيش الإنسان ، ~~واستخدامه إياها ، وانتفاعه بها ، ولئلا تهمل فضالة المواد التي قد صرف ~~صفوها وزبدتها في تكون الإنسان ، فإن الحكمة الإلهية والرحمة ms416 الرحمانية ، ~~تقتضي أن لا يفوت حق من الحقوق ، بل يصيب كل مخلوق من السعادة قدرا يليق به ~~، ويحتمله ، ويستعد له ؛ تفضلا منه سبحانه ، وكرما وجودا. # ألا ترى كيف يجري حكم الإنسان في الأشياء بالتسخير ، فإنه ما من شيء إلا ~~وهو تحت تسخيره بالحقيقة ، كما أفاده بقوله عز وجل : ( @QUR@08 وسخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض ) (3)، وقوله : ( @QUR@028 وسخر لكم الليل ~~والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون* ~~وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) (4). # والتسخير على ضربين : حقيقي ، وغير حقيقي. # أما الحقيقي : فهو على ثلاثة أقسام : # أدناها : الوضعي العرضي : كتسخيره سبحانه له وجه الأرض وما فيها للحرث ~~والزرع، وغير ذلك ( @QUR@08 وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض PageV02P292 # @QUR@01 جميعا ) (1). # ومن ذلك تسخير الجبال والمعادن ( @QUR@018 جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ) (2). # ومنه تسخير البحار ( @QUR@021 وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون ) (3). # ومنه تسخير الفلك ( @QUR@03 وسخر لكم الفلك ) (4). # ومنه تسخير الأشجار للغرس ، وأخذ الثمار ، وغيرها ( @QUR@04 كلي من كل ~~الثمرات ) (5)، ( @QUR@03 كلوا وارعوا أنعامكم ) (6)، ( @QUR@013 هو الذي ~~أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ) (7)، ( @QUR@010 ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ) (8)، ( ~~@QUR@09 ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) (9)، ( ~~@QUR@09 جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه PageV02P293 # @QUR@01 توقدون ) (1). # ومنه تسخير الدواب والأنعام للركوب ، والزينة ، وحمل الأثقال ( @QUR@016 ~~أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون* وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون ) (2)، ( @QUR@034 والأنعام خلقها لكم فيها دفء ~~ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون* وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم* ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) (3). # ومنه تسخير النسوان والجواري للنسل ، والتوليد ( @QUR@03 نساؤكم حرث لكم ~~) (4). # وأوسطها : التسخير الطبيعي : وهو ms417 تسخير جنود القوى النباتية ، ومواضعها ~~له ، للتغذية ، والتنمية ، والتوليد ، والجذب ، والإمساك ، والهضم ، والدفع ~~، والتصوير ، والتشكيل. # وأعلاها : التسخير النفساني : وهو تسخير الحواس ، وهو على صنفين : صنف من ~~عالم الشهادة ، وصنف من عالم الغيب. # أما الأول ، فلا يستطيعون له خلافا ، ولا عليه تمردا ، فإذا أمر العين ~~بالانفتاح انفتحت ، وإذا أمر اللسان بالتكلم وجزم الحكم به ، تكلم ، وإذا ~~أمر الرجل بالحركة تحركت، وكذا سائر الأعضاء الظاهرة. PageV02P294 # وأما الثاني ، فكذلك ، إلا أن الوهم له شيطنة بحسب الفطرة ، يقبل إغواء ~~الشيطان ، فيعارض العقل في مقاصده البرهانية الإيمانية ، فيحتاج إلى تأييد ~~جديد أخروي من جانب الله ، ليقهره ، ويغلب عليه ، ويطرد ظلماته. # وأما التسخير الحقيقي (1): فهو عبارة عن تسخير الله المعاني العقلية ~~الإلهية ، للكامل من الناس ، وجعله بقوته الباطنية إياها صورا روحانية ، أو ~~أمثلة غيبية موجودة في عالمه العقلي ، أو المثالي ، ونقله الأشياء من عالم ~~الشهادة إلى عالم الغيب ، بانتزاعه من الجزئيات ، وقبضه الأرواح من مواد ~~الأجسام والأشباح ، بإمداد الله من اسمه القابض ، راجعا من عالم الدنيا إلى ~~الآخرة ، ومتقلبا من حالة التفرقة والافتراق إلى حالة الجمع والتلاق. ### ||| * فصل # قيل : لكل واحد من أفراد البشر ناقصا كان أو كاملا نصيب من الخلافة بقدر ~~حصة إنسانيته ، كما قال تعالى : ( @QUR@05 هو الذي جعلكم خلائف الأرض ) (2) ~~، يشير إلى أن كل واحد من أفاضل البشر ، وأراذلهم ، خليفة من خلفائه في أرض ~~الدنيا. # فالأفاضل مظاهر جمال صفاته في مرآة أخلاقهم الربانية ، فإنه سبحانه تجلى ~~بذاته وجميع صفاته لمرآة قلوب الكاملين المتخلقين بأخلاقه ؛ لتكون PageV02P295 # مرآة قلوبهم لجلال ذاته ، وجمال صفاته ، مظهرا ومظهرا (1). # والأراذل يظهرون جمال صنائعه ، وكمال بدائعه في مرآة حرفهم وصنائعهم ، ~~ومن خلافتهم أن الله استخلفهم في خلق كثير من الأشياء ، كالخبز ، والخياطة ~~، والبناء ، ونحوها ، فإنه تعالى يخلق بالاستقلال ، والإنسان يغزله وينسج ~~منه الثوب بالخلافة ، وعلى هذا القياس في سائر الصنائع والحرف (2). # ومن خلافتهم تدبير كل منهم ما يتعلق به من الأمور ، كتدبير السلطان لملكه ~~، وصاحب المنزل لمنزله ، وأدناه تدبير الشخص لبدنه. # والخلافة العظمى إنما هي للإنسان الكامل المربي لأفراد العالم كلها ms418 ، ~~بجهته الروحانية الآخذة عن الله ما تطلبه الرعايا ، وبجهته العبودية ~~المبلغة إليهم ذلك ، فإنه بهاتين الجهتين يتم أمر خلافته. ### ||| * فصل # لما كان خلق هذا العالم الجسماني إنما هو لأجل الإنسان ، فالملائكة ~~المدبرون له كلهم خادمون له ، مسخرون لأجله ، مطيعون إياه ، سماويين كانوا ~~، أم أرضيين ، موكلين به ، أم بسائر ما خلق لأجله ، وهذا هو المعني بالسجود ~~المأمور به للملائكة المشار إليه بقوله سبحانه : ( @QUR@016 ولقد خلقناكم ~~ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~الساجدين ) (3)، وهو PageV02P296 # جوهر نطقي ، شرير ، واقع في عالم الملكوت النفساني ، شأنه الإغواء ، ~~وسبيله الإضلال ، كما في قوله عز وجل ، حكاية عن اللعين : ( @QUR@07 فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين ) (1)، وسيأتي ذكره وبيانه. # والذي بمنزلته في جملة الملائكة الموكلين بالإنسان خاصة ، هو الوهم ، ~~القابل لإغوائه ، كما أشرنا إليه. ### ||| * فصل # أنظر إلى الكائنات العنصرية ، كيف سلكت سبيل العالم الإنساني ، وتوجهت ~~شطر كعبة قلبه التي فيها آيات الحق في صيرورة الأجسام الأسطقسية البعيدة ~~الشبه له ، غذاء لطيفا بعد تلطفها يسيرا يسيرا ، وتحولها من حال إلى حال ، ~~وطيها درجات النبات والحيوان ، وقطع مسالكها البعيدة ، ودخولها في بلد ~~قالبه وعالمه طائعة ، مسلمة له ، دخول الناس في دين الله أفواجا ، وذلك ~~لكونها مفطورة في خدمة الإنسان ، وسجدة آدم حركة إليه ، طلبا وشوقا وتعبدا ~~لدين الله ، طوعا أو كرها. # فعلم أن جميع الكائنات فداء للإنسان ، تتحول إليه ، وليس فيه تبديل إلى ~~غيره ( @QUR@04 لا تبديل لكلمات الله ) (2)، ( @QUR@017 فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~) (3). PageV02P297 # فمعاد العالم هو ذات الإنسان ، ومعاده إلى الهوية الإلهية ، وبمفاتيح ~~عالمه ، ومقاليد مملكته ، تنفتح مغالق أبواب السماء والأرض بالرحمة ، ~~والمغفرة ، والحكمة ، والمعرفة. ### ||| * فصل # كل ما في الوجود فهو مترتب ، مرتبط بعضه ببعض ، فمن كفر نعمة واحدة من ~~نعم الله سبحانه ، كفتح العين مثلا فقد كفر نعم الله في الوجود كله ، مما ~~فوق الثريا إلى ما تحت الثرى ؛ وذلك لأن الأجفان مثلا لا تقوم إلا بالعين ، ~~ولا العين ms419 إلا بالرأس ، ولا الرأس إلا بجميع البدن ، ولا البدن إلا بالغذاء ~~، ولا الغذاء إلا بالأرض ، والماء ، والنار ، والهواء ، والغيم ، والمطر ، ~~والشمس ، والقمر ، ولا يقوم شيء منها إلا بالسماوات ، ولا السماوات إلا ~~بالمدبرات من الملائكة العملية ، ولا المدبرات إلا بالملائكة العقلية ، ولا ~~الجميع إلا بأمر الله ، وإرادته ، وقضائه ، وقدره ، فإن الكل كالشيء الواحد ~~، يرتبط البعض منه بالبعض ، ارتباط أعضاء الإنسان ، فمن كفر نعمة واحدة ، ~~فلم يبق ملك ، ولا فلك ، ولا حيوان ، ولا جماد ، إلا ويلعنه. # ولذلك ورد في الخبر أن البقعة التي يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم إذا ~~تفرقوا ، أو لم تستغفر لهم (1). # وكذلك ورد : أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر ، وإن PageV02P298 # الملائكة يلعنون العصاة ، في ألفاظ كثيرة (1). # وكل ذلك إشارة إلى أن الجاهل العاصي بمعصية واحدة جنى على جميع ما في ~~الملك والملكوت ، وقد أهلك نفسه ، إلا أن تتبع السيئة بحسنة تمحوها ، فيبدل ~~اللعن بالاستغفار. # والعالم يعلم الأشياء بحقائقها ، وأسبابها ، وغاياتها ، إلى أن ينتهي إلى ~~مسبب الأسباب ، ويكون علمه الذي يطابق معلوماته زينة لذاته ، وكمالا لنفسه ~~، فكل واحد من الأسباب والمسببات المعروفة عنده يكون له مدخل في تتميم ذاته ~~، وتكميل جوهره ، وهذا معنى استغفار كل شيء للعالم ، فإن الإنسان إذا بلغ ~~درجة العلم والإيمان ، وخرج من نوم الجهالة ، ورقدة الطبيعة ، غفر الله له ~~ما تقدم من ذنوب الجهالة والظلمة ، وسيئات العمى والحرمان ، وطهره من دنس ~~جرائم الإجرام ، وشهوات النفس والهوى ، وهذا معنى المغفرة وتحققها من فضل ~~الله ، كما وعدها عباده ، وما ورد في الآثار : أن من فعل حسنة كتبت له حسنة ~~، ومحيت عنه سيئة ، ورفعت له درجة (2)، معناه كما قيل : من سمع كلمة وفهم ~~معناها حصلت له معرفة ، وزالت عنه جهالة ، وارتفعت منزلته بإزاء هذا القدر ~~من العلم ؛ لأن العلم بذاته شرف وكمال ، والجهل بذاته آفة وزوال ، وهكذا ، ~~كلما ازداد الإنسان يقينا ، ازداد في الملكوت منزلة. PageV02P299 ### ||| * فصل # ثم الإنسان الذي هو خليفة الله في أرضه ، والمقصود من خلقه ، إما نبي ، ~~أو ولي. # والنبي : إما رسول ms420 ، أو غيره. # والولي : إما إمام ، أو غيره. # وإنما ينقسم بهذه الأقسام بسبب اختلاف طرق تحصيله للعلم ، فإن حصول ~~العلوم التي ليست بضرورية في باطن الإنسان إنما يكون بوجوه مختلفة. # فتارة يكون بالاكتساب والتعلم ، ويسمى استبصارا واعتبارا ، وهو طريق أهل ~~النظر من العلماء والحكماء. # وتارة تهجم عليه كأنه ألقي إليه من حيث لا يدري ، سواء كان عقيب طلب ~~وشوق، أو لا ، وسواء كان مع الاطلاع على السبب المفيد له ، أو لا ، فإنه قد ~~يكون بمشاهدة الملك الملهم للحقائق من قبل الله ، وسماع حديثه ، وقد يكون ~~بمجرد السماع من غير رؤية ، وقد يكون بنفثه في الروع من غير سماع ، فينكت ~~في القلب نكتا ، أو يلهم إلهاما ، وربما يكون الهجوم في النوم ، كما يكون ~~في اليقظة. # والمشاهدة ، يختص بها الأنبياء والرسل ، صلوات الله عليهم. والحديث يكون ~~لأوصيائهم أيضا. # ثم النبي يوحى إليه بالعمل ، والرسول يوحى إليه بالعمل والتبليغ. # والولي يحدثه الملك ، أو يلهم إلهاما بالعمل ، والإمام يحدثه الملك بالعمل PageV02P300 # والتبليغ. # فكل رسول نبي ، ولا عكس. وكل رسول أو نبي أو إمام فهو ولي ، ومحدث ، ولا ~~عكس. وكل رسول إمام ، ولا عكس. ولا نبي إلا وولايته أقدم على نبوته. ولا ~~رسول إلا ونبوته أقدم على رسالته. ولا إمام إلا وولايته أقدم على إمامته. # والولاية باطن النبوة ، والإمامة والنبوة باطن الرسالة ، وباطن كل شيء ~~أشرف وأعظم من ظاهره ؛ لأن الظاهر محتاج إلى الباطن ، والباطن مستغن عن ~~الظاهر ؛ ولأن الباطن أقرب إلى الحق ، فكل مرتبة من المراتب المذكورة أعظم ~~من لاحقتها ، وأشرف. # وأيضا فإن كلا من النبوة والولاية صادرة عن الله ، ومتعلقة بالله ، وكلا ~~من الرسالة والإمامة صادرة عن الله ، ومتعلقة بعباد الله ، فيكون الأوليان أفضل. # وأيضا كل من الرسالة والإمامة متعلق بمصلحة الوقت ، والنبوة والولاية لا ~~تعلق لهما بوقت دون وقت ، ومع ذلك كله فليس يجب أن يكون الولي أعظم من ~~النبي ، ولا من الرسول ، ولا من الإمام ، ولا النبي أعظم من الرسول ، بل ~~الأمر في الكل بالعكس في ولي يتبع نبيا ، أو رسولا ، أو ms421 إماما ، أو نبي ~~يتبع رسولا ؛ لأن لكل من النبي والإمام مرتبتين ، وللرسول ثلاث مراتب ، ~~وللولي الواحدة. # فمن قال : إن الولي فوق النبي ، فإنما يعني بذلك في شخص واحد ، بمعنى أن ~~النبي ، من حيث إنه ولي ، أشرف منه من حيث إنه نبي ورسول. # وكذا الإمام ، من حيث إنه ولي ، أشرف منه من حيث إنه إمام ، كيف يكون ~~الولي أفضل من النبي مطلقا ، ولا ولي إلا وهو تابع لنبي ، أو إمام ، ~~والتابع لا يدرك المتبوع أبدا ، فيما هو تابع له فيه ؛ إذ لو أدركه لم يكن تابعا؟ PageV02P301 # نعم ، قد يكون ولي أفضل من نبي ، إذا لم يكن تابعا له ، كما كان أمير ~~المؤمنين عليه السلام أعظم من جميع الأنبياء والأولياء ، بعد نبينا ~~صلى الله عليه وآله ، وكذا أولاده المعصومون عليهم السلام . ### ||| * فصل # لكل من النبوة والولاية اعتباران : اعتبار الإطلاق ، واعتبار التقييد ، ~~أي العام والخاص. # والنبوة المطلقة : هي النبوة الحقيقية ، الحاصلة في الأزل ، الباقية إلى ~~الأبد ، وهو اطلاع النبي المخصوص بها على استعداد جميع الموجودات بحسب ~~ذواتها ، وماهياتها ، وإعطاء كل ذي حق حقه الذي يطلبه بلسان استعداده ، من ~~حيث الإنباء الذاتي ، والتعليم الحقيقي الأزلي. # وصاحب هذا المقام هو الموسوم بالخليفة الأعظم ، وقطب الأقطاب ، والإنسان ~~الكبير ، وآدم الحقيقي ، المعبر عنه ب «القلم الأعلى» ، و «العقل الأول» ، ~~و «الروح الأعظم» ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله : «أول ما خلق الله ~~نوري» (1)، و «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» (2)، ونحو ذلك. وإليه ~~استندت كل العلوم والأعمال ، وإليه تنتهي جميع المراتب والمقامات ، نبيا ~~كان أو وليا ، رسولا كان أو وصيا. # وباطن هذه النبوة هي الولاية المطلقة ، وهي عبارة عن حصول مجموع هذه ~~الكمالات بحسب الباطن في الأزل ، وإبقائها إلى الأبد ، ويرجع إلى فناء PageV02P302 # العبد في الحق ، وبقائه به ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله : «أنا ~~وعلي من نور واحد ، وخلق الله روحي وروح علي بن أبي طالب قبل أن يخلق الخلق ~~بألفي (1) عام ، وبعث عليا مع كل نبي سرا ، ومعي جهرا» (2). # وبقول أمير المؤمنين عليه ms422 السلام : «كنت وليا وآدم بين الماء والطين» (3). # وقوله : «أنا وجه الله ، وأنا جنب الله ، وأنا يد الله ، وأنا القلم ~~الأعلى ، وأنا اللوح المحفوظ» (4)، إلى آخر ما قال في خطبة البيان ، ~~وغيرها. # وبقول الصادق عليه السلام : «إن الصورة الإنسانية هي أكبر حجة الله على ~~خلقه». الحديث (5)، وقد مر تمامه (6). # والنبوة المقيدة : هي الإخبار عن الحقائق الإلهية ، أي معرفة ذات الحق ، ~~وأسمائه ، وصفاته ، وأحكامه ، فإن ضم معه تبليغ الأحكام والتأديب بالأخلاق ~~، والتعليم بالحكمة ، والقيام بالسياسة ، فهي النبوة التشريعية ، وتختص ~~بالرسالة ، وقس عليها الولاية # المقيدة. PageV02P303 ### ||| * وصل # فكل من النبوة والولاية ، من حيث هي صفة إلهية ، مطلقة ، ومن حيث ~~استنادها إلى الأنبياء والأولياء ، مقيدة ، والمقيد مقوم بالمطلق ، والمطلق ~~ظاهر في المقيد ، فنبوة الأنبياء كلهم جزئيات النبوة المطلقة ، وكذلك ولاية ~~الأولياء جزئيات الولاية المطلقة. # ولكل من الأقسام الأربعة ختم ، أي مرتبة ليس فوقها مرتبة أخرى ، ومقام لا ~~نبي على ذلك المقام ، ولا ولي ، إلا الشخص المخصوص به ، بل الكل يكون راجعا ~~إليه ، وإن تأخر وجود طينة صاحبه ، فإنه بحقيقته موجود قبله. # وخاتم النبوة المطلقة نبينا صلى الله عليه وآله ، وخاتم الولاية المطلقة هو ~~ومولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليهما فإنهما كنفس واحدة. # والنبوة المقيدة إنما كملت وبلغت غايتها بالتدريج ، فأصلها تمهد بآدم ~~عليه السلام ، ولم تزل تنمو وتكمل حتى بلغ كمالها إلى نبينا صلى الله عليه وآله ~~، ولهذا كان خاتم النبيين ، وإليه الإشارة بما روي عنه صلى الله عليه وآله ، ~~أنه قال : «مثل النبوة مثل دار معمورة لم يبق فيها إلا موضع لبنة ، وكنت ~~أنا تلك اللبنة» (1)، أو لفظ هذا معناه. # وكذلك الولاية المقيدة إنما تدرجت إلى الكمال حتى بلغت غايتها إلى المهدي ~~الموعود ظهوره ، الذي هو صاحب الأمر في هذا العصر ، وبقية الله اليوم في ~~بلاده وعباده ، صلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آبائه المعصومين. # ولنشر الآن إلى بعض صفات النبي والولي ، وأصول المعجزات على الوجه الكلي ~~، وتفصيل ذلك يطلب من كتاب علم اليقين. PageV02P304 ### ||| * فصل # قال أستاذنا دام ظله : قد عرفت أن الإنسان البالغ حد ms423 الكمال ملئتم من ~~عوالم ثلاثة ، من جهة مبادىء إدراكاته الثلاثة. # وثبت أن كل صورة إدراكية فهو ضرب من الوجود ، ولكل منها قوة واستعداد ، ~~وكمال ، والكمال هو صيرورة الشيء بالفعل ، فكمال التعقل في الإنسان هو ~~اتصاله بالملأ الأعلى ، ومشاهدته ذوات الملائكة المقربين. # وكمال القوة المصورة يؤدي به إلى مشاهدة الأشباح المثالية ، وتلقي ~~المغيبات والأخبار الجزئية منهم ، والاطلاع على الحوادث الماضية والآتية ، ~~وكمال القوة الحساسة يوجب له شدة التأثير في المواد الجسمانية بحسب الوضع ، ~~فإن قوة الحس تساوق قوة التحريك الموجبة لانفعال المواد ، وخضوع القوة ~~الجرمانية ، وطاعة الجنود البدنية ، وقل من الإنسان من تكمل فيه جميع هذه ~~القوى الثلاث. # فمن اتفق فيه مرتبة الجمعية في كمال هذه النشآت الثلاث فله رتبة الخلافة ~~الإلهية ، واستحقاق رئاسة الخلق ، فيكون رسولا بين الله يوحى إليه ، مؤيدا ~~بالمعجزات ، منصورا على الأعداء ، فله خصائص ثلاث : # أولها : أن تصفو نفسه في قوتها النظرية ، صفاء تكون شديدة الشبه بالروح ~~الأعظم ، فيتصل به متى أراد من غير كثير تعمل وتفكر ، حتى يفيض عليه العلوم ~~اللدنية ، من غير توسط تعليم بشري ، بل يكاد زيت عقله المنفعل يضيء لغاية ~~استعداده بنور العقل الفعال الذي ليس هو بخارج عن حقيقة ذاته المقدسة ، وإن ~~لم تمسسه نار التعليم البشري بمقدحة الفكر ، وزند البحث والتكرار ، فإن النفوس PageV02P305 # متفاوتة في درجات الحدس والاتصال بعالم النور ، فمن محتاج (1) إلى التعلم ~~في جل المقاصد ، بل كلها ، ومن غبي لا يفلح في فكره ، ولا يؤثر فيه التعليم ~~أيضا ، حتى خوطب النبي الهادي في حقه : ( @QUR@05 إنك لا تهدي من أحببت ) ~~(2)، ( @QUR@06 وما أنت بمسمع من في القبور ) (3)، و ( @QUR@07 لا تسمع ~~الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ) (4)؛ وذلك لعدم وصولهم بعد إلى درجة ~~استعداد الحياة العقلية ، فلم يكن لهم سمع باطني يسمع به الكلام المعنوي ، ~~والحديث الرباني. # ومن شديد الحدس كثيرة ، كما وكيفا ، سريع الاتصال بعالم الملكوت ، يدرك ~~بحدسه أكثر المعلومات في زمان قليل ، إدراكا شريفا نوريا ، سميت نفسه قدسية ~~[وكما أن مراتب الناس تنتهي بهم في طرف نقصان الفطرة وخمود نورها ، إلى ms424 ~~عديم الحدس والفكر يعجز الأنبياء عن إرشادهم ، فيجوز أن ينتهي في طرف ~~الكمال وقوة الحدس وشدة الإشراق إلى نفس قدسية] (5)، ينتهي بقوة حدسه إلى ~~آخر المعقولات في زمان قصير ، من غير تعلم ، فيدرك أمورا يقصر عن دركها ~~غيره من الناس إلا بتعب الفكر والرياضة ، في مدة كثيرة ، فيقال له : نبي ، ~~أو ولي ، وإن ذلك منه أعلى ضروب المعجزة والكرامة ، وهو من الممكنات ~~الأقلية. # والخاصية الثانية : أن تكون قوته المتخيلة قوية بحيث يشاهد في اليقظة ~~عالم الغيب ، وتتمثل له الصور المثالية العينية ، ويسمع الأصوات الحسية من PageV02P306 # الملكوت الأوسط ، فيكون ما يراه ملكا حاملا للوحي ، وما يسمعه كلاما ~~منظوما من قبل الله تعالى ، أو كتابا في صحيفة ، وذلك لغاية قوته ، وشدة ~~تمكنه في الحد المشترك بين المعقول والمحسوس ، فلا يستغرقه حسه الباطن عن ~~حسه الظاهر ، وليست كالأرواح العامية الضعيفة إذا مالت إلى جانب غابت عن ~~الآخر ، وإذا ركنت إلى مشعر ذهلت عن غيره ، بل لا يشغله شأن عن شأن ، ولا ~~تصرفها نشأة عن أخرى ، فإذا توجهت إلى الأفق الأعلى وتلقت أنوار المعلومات ~~بلا تعليم بشري من الله يتعدى تأثيرها إلى قومه ، وتتمثل صورة ما يشاهده ~~لروحه البشري ، ومنه إلى ظاهر الكون ، فتتمثل الحواس الظاهرة ، سيما السمع ~~والبصر ، لكونهما أشرفها وألطفها. # وقيل : إن غلب على الخيال جانب الحس شبه كل معقول بمحسوس ، وإن غلب عليه ~~العقل شبه كل محسوس بمعقول ، فخيال الأنبياء عليهم السلام يرى من المحسوس ~~المعنى المعقول ، وهو ما كان صدوره منه ، أو وروده عليه ، ومرجعه إليه ، ~~فيرى شخصا في هذا العالم ، ويحكم عليه أنه تفاحة من الجنة ، وشخصا قطعت يده ~~في سبيل الله ، ثبت له جناحان يطير بهما في الجنة ، وشخصا قتل في سبيل الله ~~حيا قائما يرزق ، فرحا مستبشرا بما آتاه الله من فضله. # وعلى العكس من ذلك يرى من المعقول محسوسا ، ومن الروحاني جسمانيا ، «هذا ~~جبرئيل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (1)، ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) (2). # ثم من قوة إشراق نور خياله ونور روحه يشرق أيضا على من يناسبه PageV02P307 # في ms425 تلك القوة والاستعداد ، فيراه كما رأى النبي. # فالتخيل إذن فيصل بين العالمين ، وحاجز بين البحرين ، ومفصل بين الحكمين ~~، ولو لاه لما بقي محسوس ومعقول للإنسان ، ولا كانت الصورة والمعنى مدركين ~~بمدرك الحس والبرهان. انتهى. # قال أستاذنا : والخاصية الثالثة : أن تكون له قوة في النفس من جهة جزئها ~~العملي ، وقواها التحريكية ، تؤثر في مادة العالم بإزالة صورة ونزعها عن ~~المادة ، أو تلبسها إياها ، فيؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم ، وحدوث ~~الأمطار ، وتكون الطوفانات والزلازل ، لاستهلاكه أمة فجرت وعتت عن أمر ربها ~~ورسله ، ويسمع دعاؤه في الملك والملكوت ؛ لعزيمة قوية ، فيستشفي المرضى ، ~~ويستسقي العطشى ، وتخضع له الحيوانات ، وقد ثبت إمكان ذلك ، وأن الأمزجة ~~تتأثر عن الأوهام ، إما عن أوهام عامية ، أو عن أوهام شديدة التأثير في بدء ~~الفطرة ، أو بالتعويد والاكتساب ، فلا عجب من أن يكون لبعض النفوس قوة ~~كمالية مؤيدة من المبادىء ، فصارت كأنها نفس العالم ، فتؤثر في غير بدنها ~~تأثيرها في بدنها ، فتطيعها مادة العالم طاعة البدن للنفس ، فتؤثر في ~~إصلاحها وإهلاك ما يفسدها ، أو يضرها ، كل ذلك لمزيد قوة شوقية ، واهتزاز ~~علوي يوجب شفقة على خلق الله ، شفقة الوالد لولده. # وكيف لا يجوز ذلك وقد جاز في جانب الشر من النفوس الشريرة الدنية ، ~~كالعين ، فجوازه في جانب الخير من النفوس العظيمة الشديدة البطش ، المستحقة ~~لمسجودية الملائكة تعليمهم الأسماء ، أرجح وأولى. # ومثل هذا يعبر عنه بالكرامة والمعجزة عند الناس. هذا ملخص كلامه (1). PageV02P308 # قال : والجمهور يعظمون هذه الخاصية أكثر من الأوليين ؛ لغلبة الجسمانية ~~عليهم ، ثم يعظمون أمر الإخبار عن الحوادث الجزئية أكثر من تعظيم الاطلاع ~~على المعارف الحقيقية. # وأما أولو الألباب ، فأفضل أجزاء النبوة عندهم هو الضرب الأول ، ثم ~~الثاني ، ثم الثالث ، ومجموع الأمور الثلاثة على الوجه المذكور يختص ~~بالأنبياء عليهم السلام ، وكل جزء منها ربما يوجد في غيرهم. # والأول لا يكون إلا خيرا وفضيلة ، وهو قد يوجد في الأولياء على وجه ~~التابعية للأنبياء ، وكل من الأخيرين ينقسم إلى الخير والشر ، فإن ضربا من ~~الإخبار ببعض المغيبات الجزئية من الحوادث ربما ms426 يوجد في أهل الكهانة ~~والمستنطقين ، وكذا قوة التأثير للنفس المتعدي من النفوس الشريرة ، كما ~~يأتي ذكره (1). # أقول : أنظر الآن إلى شرف الإنسان ، وبعد مراقيه ، كيف وصل إلى ما وصل ، ~~وكيف فعل ما فعل؟ # قال الشيخ السهروردي ، صاحب الإشراق (2): لما رأيت الحديدة الحامية # أنظر : الذريعة : 2 : 103 ، والأعلام : 8 : 140 ، ومعجم المؤلفين : 13 : 189. PageV02P309 # تتشبه بالنار بمجاورتها ، وتفعل فعلها ، فلا تتعجب من نفس استشرقت ~~واستنارت واستضاءت بنور الله ، فأطاعها الأكوان. PageV02P310 ### | في تقدم خلق الأرواح على الأجساد ، وتأخرها عنها ، ### ||| * وهبوط آدم من الجنة ### ||| * ( @QUR@05 كما بدأنا أول خلق نعيده ) (1) ### ||| * فصل # قد استبان من المباحث السالفة أن النفوس الإنسانية حادثة بحدوث الأبدان ، ~~من جهة نشأتها الطبيعية ، وتصرفها في الأبدان ، فإنها منذ كانت نباتية ثم ~~حيوانية ثم إنسانية ، كان وجودها متوقفا على استعداد خاص ، وشرائط مخصوصة ~~في أبدانها ، فليعلم الآن أن لها تقدما على أبدانها أيضا ، من جهة أخرى ؛ ~~وذلك لأن لها أن تعود إلى مبدئها ومنشئها بعد استكمالاتها الحاصلة لها من ~~أبدانها ، ومفارقتها إياها ، كما دريت من قبل ، فما نشأ منها من العالم ~~العقلي الكلي ، والخلق الأول ، والملكوت الأعلى ، فأصله سابق على سائر ~~الموجودات ، وهو موجود هناك بوجود أصله ، فهو إذن متقدم على الموجودات كلها ~~، وهي المسماة بالنفوس الكلية الإلهية في كلام أمير المؤمنين صلوات الله ~~وسلامه عليه كما مر ذكره (2)، وما نشأ منها من العالم النفساني القدري ~~التفصيلي ، PageV02P311 # والملكوت الأسفل ، وعالم الذر ، ومحل أخذ الميثاق المعبر عنه بالظلال ~~والطين الذي تنشأ منه طينة الجنة والنار الحسيتين ، فأصله وإن كان متأخرا ~~عن الأول إلا أنه متقدم على هذا العالم الأدنى المادي ، فله أيضا التقدم ~~على بدنه العنصري من هذه الجهة ، وقد مر التنبيه على ذلك في مباحث أصول ~~النشآت. ### ||| * وصل # وإلى هذه السابقية واللاحقية للنفوس الكلية الإلهية ، أشير في الحديث ~~النبوي بقوله صلى الله عليه وآله : «نحن الآخرون السابقون» (1). # وفي لفظ آخر : «أنا أول الأنبياء خلقا ، وآخرهم بعثا» (2). # وفي حديث آخر : «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» (3). # وفي آخر : «خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» ms427 (4). # وفي رواية : «بأربعمائة عام» (5). # وفي حديث آخر : «أول ما أبدع الله تعالى النفوس المقدسة المطهرة ، ~~فأنطقها بتوحيده ، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه» (6). PageV02P312 # وفي بصائر الدرجات ، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : «قال ~~الله تبارك وتعالى : يا محمد ، إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن ، ~~قبل أن أخلق سمائي وأرضي وعرشي وبحري ، فلم تزل تهللني وتمجدني» (1). # وإلى تقدم سائر النفوس على أبدانهم العنصرية أشير فيما رواه في الكافي ، ~~بإسناده عن الباقر عليه السلام ، أنه سئل عن قول الله تعالى : ( @QUR@016 ~~وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى ) (2)، قال : «أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة (3)، ~~فعرفهم ، وأراهم نفسه ، ولو لا ذلك لم يعرف أحد ربه» (4). # وفي تفسير علي بن إبراهيم : «عن ابن مسكان ، عن مولانا الصادق عليه السلام ~~، قال : قلت له : معاينة كان هذا؟ قال : نعم ، فثبتت المعرفة ، ونسوا ~~الموقف ، وسيذكرونه ، ولو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه ، فمنهم من ~~أقر بلسانه في الذر ، ولم يؤمن بقلبه ، فقال الله : ( @QUR@08 فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) (5)» (6). # وفي الكافي ، عنه عليه السلام ، أنه سئل : كيف أجابوا وهم ذر؟ قال : جعل ~~فيهم ما PageV02P313 # إذا سألهم أجابوه (1). # وبإسناده عن مولانا الباقر عليه السلام ، قال : «إن الله خلق الخلق ، فخلق ~~من أحب مما أحب ، وكان ما أحب أن يخلقه من طينة الجنة ، وخلق من أبغض مما ~~أبغض ، وكان ما أبغض أن يخلقه من طينة النار ، ثم بعثهم في الظلال ، قال : ~~قلت : وأي شيء الظلال؟ قال : ألم تر ظلك في الشمس ، شيئا وليس بشيء ، ثم ~~بعث فيهم النبيين فدعوهم إلى الإقرار بالله ، وهو قوله : ( @QUR@06 ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) (2)، ثم دعوهم إلى الإقرار بالنبيين ، فأقر ~~بعضهم ، وأنكر بعض ، ثم دعوهم إلى ولايتنا ، فأقر بها والله من أحب ، ~~وأنكرها من أبغض ، وهو قوله : ( @QUR@08 فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من ~~قبل ) (3)، ثم قال أبو جعفر عليه السلام : كان التكذيب ثم» (4). # وبإسناده ms428 الصحيح عنه عليه السلام ، أنه كان يقول : «إن الله أخذ ميثاق ~~شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر ، يوم أخذ الميثاق على الذر بالإقرار له ~~بالربوبية ، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ، وعرض الله عز وجل على محمد ~~صلى الله عليه وآله أمته في الطين ، وهم أظلة ، وخلقهم من الطينة التي خلق ~~منها آدم ، وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام ، وعرضهم عليه ، ~~وعرضهم علينا ، ونحن نعرفهم في لحن القول» (5). # وبإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : «إن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله قال : إن الله مثل لي أمتي في الطين ، وعلمني أسماءهم كما ~~علم آدم الأسماء كلها ، فمر بي PageV02P314 # أصحاب الرايات ، فاستغفرت لعلي وشيعته» (1). # وفي معناه أخبار كثيرة في بصائر الدرجات (2). وفي بعضها قال قائل : يا ~~رسول الله ، قد عرض عليك من خلق ، أرأيت من لم يخلق؟ قال : صور لي والذي ~~يحلف به رسول الله في الطين حتى لأنا أعرف بهم من أخيكم بصاحبه (3). # وفيه بإسناده عن الصادق عليه السلام ، قال : قال رجل لأمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه : يا أمير المؤمنين أنا والله أحبك ، ~~قال : فقال له : كذبت ، [قال : بلى والله إني أحبك وأتولاك ، فقال له أمير ~~المؤمنين : كذبت] (4)، قال : سبحان الله يا أمير المؤمنين ، أحلف بالله ~~أني أحبك ، فتقول كذبت! قال : وما علمت أن الله خلق الأرواح قبل الأبدان ~~بألفي عام ، فأسكنها (5) الهواء ، ثم عرضها علينا أهل البيت ، فو الله ما ~~منها روح إلا وقد عرفنا بدنه ، فو الله ما رأيتك فيها ، فأين كنت؟ قال أبو ~~عبد الله عليه السلام : كان في النار (6). # وفي معنى هذه الأخبار أخبار كثيرة ، وقد مضى طرف منها. PageV02P315 ### ||| * وصل # لعل تشبيه ماهيات الأشخاص الجزئية القدرية الإنسانية ، وحقائقها العلمية ~~الظلية ، قبل إشراق نور الوجود عليها بالذر ، أي النمل الصغار الحمر ، ~~الصغيرة الجثة ، إنما هو لخفائها مع حياتها ، وكونها محلا للشعور والحركة. # ومعنى أخذ الميثاق لهم وعليهم ، وإشهادهم عليه ، استنطاق حقائقهم بألسنة ~~قابليات جواهرها ، وألسن استعدادات ذواتها عند كون نفوسهم ms429 في أصلاب آبائهم ~~العقلية ، ومعادنهم الأصلية ، يعني شاهدهم وهم رقائق في تلك الحقائق. # وعبر عن تلك الآباء بالظهور ؛ لأن كل واحد منهم ظهر ، أو مظهر لطائفة من ~~النفوس ، أو ظاهر عنده ؛ لكونه صورة عقلية نورية ظاهرة بذاتها. # وأشهدهم على أنفسهم ، أي أعطاهم في تلك النشأة الإدراكية العقلية شهود ~~ذواتهم العقلية وهوياتهم النورية ، فكانوا بتلك القوى العقلية يسمعون خطاب ~~: ( @QUR@02 ألست بربكم )، كما يسمعون الخطاب في دار الدنيا بهذه القوى ~~البدنية ، وقالوا بألسنة تلك العقول : بلى أنت ربنا الذي أعطيتنا وجودا ~~قدسيا ربانيا ، سمعنا كلامك ، وأجبنا خطابك. # أو نقول : تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم ، أو ~~بعد نصب الدلائل وأنه نزل تمكينهم من العلم به ، وتمكنهم منه ، بمنزلة ~~الإشهاد والاعتراف ، كما نبه عليه مولانا الصادق عليه السلام بقوله : «جعل ~~فيهم ما إذا سألهم PageV02P316 # أجابوه» (1)، كما مر ذكره ، نظير ذلك قوله عز وجل : ( @QUR@010 إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) (2)، وقوله سبحانه : ( ~~@QUR@010 فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) (3)، ~~ومعلوم أنه لا قول ثمة ، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى. # أو نقول : إن ذلك النطق إنما كان باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شيء ~~بحمد ربه ؛ وذلك لأنهم كانوا مفطورين بالفطرة التي فطر الناس عليها ، وهي ~~المعرفة والتوحيد ؛ وذلك كما نطق الحصى في كف النبي صلى الله عليه وآله ، وبه ~~تنطق الأرض يوم القيامة ( @QUR@03 يومئذ تحدث أخبارها ) (4)، وبه تنطق ~~الجوارح ( @QUR@06 أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ) (5). ### ||| * وصل # قال بعض أهل المعرفة : النفوس الإنسانية إنما هبطت إلى هذا العالم من ~~عالم آخر ، وهو مأواها الطبيعي ، وموطنها الأصلي ، وهي كانت هناك حية ، ~~مختارة ، لطيفة ، عالمة ، قادرة بقوة مبدعها ، سائحة في عالمها ، فرحانة ، ~~مطمئنة عند بارئها ( @QUR@03 في مقعد صدق ) (6)، وهي الجنة التي كان فيها ~~أبوها العقلي ، وأمها PageV02P317 # النفسية. # فإذا أهبطت من هناك لخطيئة وقعت من أبيها وأمها ، وفرت من سخط الله ، ~~وانحطت إلى السفل ، وحولت إلى هذا العالم ، انقلبت حياتها موتا ، ونورها ~~ظلمة ، وتبدلت قدرتها عجزا ، واختيارها ms430 اضطرارا ، واستقرارها اضطرارا ، ~~ولطافتها كثافة ، وزالت كرامتها وشرفها وكمالها ، إلى المذلة ، والخسة ، ~~والنقص ، وانجرت جمعيتها ووحدتها إلى التفرقة والكثرة ، فهي ما لم تصل ~~ثانيا إلى معادها الأصلي ، ولم تزل الكثرة والتفرقة عنها بالكلية ، كأنها ~~لم تكن ، لم تسكن ولم تطمئن من انزعاجها واستفزازها. # فإن قيل : إذا كانت النفوس مبتهجة بكمالها العقلي اللائق بحال تلك النشأة ~~، فما العلة في فيضانها وصدورها عن ذلك؟ وما الغاية في ذلك؟ # قلنا : أما العلة الفاعلية فنفس ذات هويتها العقلية بحسب القضاء الأزلي ~~الرباني ، اقتضت نزولها إلى عالم الأبدان حكما إجماليا كليا ؛ لجملة النفوس ~~، وحكما قدريا تفصيليا بحسب الأوقات والأزمنة ، وعللها الجزئية لآحاد ~~النفوس ؛ وذلك بواسطة جهة نقص وإمكان كانت لها ، يعبر عنها بالخطيئة لأبينا ~~آدم ، وعن صدور النفوس بالفرار من سخط الله ، وليس ذلك إلا ما يقتضيه ترتيب ~~الوجود ، فإن النور الأنقص لا تمكن له في حضرة النور الأشد ، كما أفصح عنه ~~الحديث المشهور : «أن لله سبعين حجابا من نور» (1). # وأما العلة الغائية ، فهي كمالها العقلي الحاصل لها من جهة تطوراتها في ~~الأطوار الكونية ، والشؤون الأفعالية ، فإن الجمع بين الصفات الملكية ~~والحيوانية والأسماء التنزيهية والتشبيهية ، أدخل في الكمال الجمعي ، وأتم ~~بالتشبه بالإله PageV02P318 # بقدر الوسع البشري من الاكتفاء بالتجرد والتنزه فقط ، وإلا فيلزم أن يبقى ~~في كتم العدم كثير من الخيرات والكمالات الكونية ، من غير أن يخرج من القوة ~~إلى الفعل ، مع إمكانها ؛ وذلك ينافي العناية. ### ||| * وصل # روى الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد ، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي ، أنه ~~قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : لأي علة جعل الله تبارك وتعالى ~~الأرواح في الأبدان بعد كونها في الملكوت الأعلى ، في أرفع محل؟ فقال ~~عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى ~~تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عز وجل ، فجعلها بقدرته ~~في الأبدان التي قدرها لها في ابتداء التقدير ؛ نظرا لها ، ورحمة بها ، ~~وأحوج بعضها إلى بعض ، وعلا (1) بعضها على بعض ، ورفع بعضها فوق بعض درجات ms431 ~~، وكفى بعضها ببعض ، وبعث إليهم رسله ، واتخذ عليهم حججه ، مبشرين ومنذرين ~~، يأمرونهم بتعاطي العبودية ، والتواضع لمعبودهم ، بالأنواع التي تعبدهم ~~بها ، ونصب لهم عقوبات في العاجل ، وعقوبات في الآجل ، ومثوبات في العاجل ، ~~ومثوبات في الآجل ، ليرغبهم بذلك في الخير ، ويزهدهم في الشر ، وليذلهم ~~بطلب المعايش والمكاسب ، فيعلموا بذلك أنهم مربوبون ، وعباد مخلوقون ، ~~ويقبلوا على عبادته ، فيستحقوا بذلك نعيم الأبد ، وجنة الخلد ، ويأمنوا من ~~النزوع إلى ما ليس لهم بحق. # ثم قال عليه السلام : يا بن الفضل ، إن الله تبارك وتعالى أحسن نظرا ~~لعباده منهم PageV02P319 # لأنفسهم ، ألا ترى أنك لا ترى فيهم إلا محبا للعلو على غيره ، حتى أن ~~منهم من قد نزع إلى دعوى الربوبية ، ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوة ، ~~بغير حقها ، ومنهم من قد نزع إلى دعوى الإمامة ، بغير حقها ، مع ما يرون في ~~أنفسهم من النقص ، والعجز ، والضعف ، والمهانة ، والحاجة ، والفقر ، ~~والآلام ، المتناوبة عليهم ، والموت الغالب لهم ، والقاهر لجميعهم. # يا بن الفضل ، إن الله تبارك وتعالى لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ، ولا ~~يظلم الناس شيئا ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون (1). ### ||| ** تمثيل : # ما أشبه حال النفس الإنسانية في تقلبها في أطوار الخلقة ، ووقوعها من ~~عالم الفطرة في مزابل الجهال ، ونسيانها عالمها عند الهبوط إلى منازل ~~الأراذل ، إلى أن تصل إلى درجة العقل الفعال بحال البذر في تقاليب الأطوار ~~، إلى أن يبلغ مرتبة الثمار ، فيبتدىء أوله وهو بذر يفسد لبه في الأرض ، ~~ويفنى عن ذاته في الأماكن الغريبة ، ثم يستحيل بقوة نامية من حال إلى حال ، ~~حتى ينتهي إلى ما كان أولا ، ويصل إلى درجة اللب الذي كان عليها في بدء ~~أمره ، مع عدد كثير من أفراد نوعه ، وفوائد وأرباح كثيرة حاصلة من سفره من ~~الأوراق والقشور والأشجار والأنوار ، فيخرج من بين تلك القشور والحشائش لبا ~~صافيا ، بإذن الله ، ثمرة صالحة هي نتيجة تلك المقدمات ، ونهاية تلك ~~الأشعات تكون موجودة باقية ببقاء موجدها ، مع انفساخ تلك الأمور ، وزوالها. PageV02P320 ### | في قصة آدم والشجرة ### ||| * فصل # في تفسير مولانا الإمام العسكري عليه ms432 السلام ، عن جده علي بن الحسين ، قال ~~: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : يا عباد ~~الله ، إن آدم لما رأى النور ساطعا من صلبه ؛ إذ كان الله قد نقل أشباحنا ~~من ذروة العرش إلى ظهره ، رأى النور ولم تبن الأشباح ، فقال : يا رب ، ما ~~هذه الأنوار؟ فقال عز وجل : أنوار أشباح ، نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ~~ظهرك ، ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك ؛ إذ كنت وعاء لتلك الأشباح ، فقال ~~آدم: يا رب ، لو بينتها لي ، فقال الله عز وجل : أنظر يا آدم إلى ذروة العرش ~~، فنظر آدم عليه السلام ، ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم إلى ذروة العرش ، ~~فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره ، كما ينطبع وجه الإنسان في ~~المرآة الصافية ، فرأى أشباحنا ، فقال : ما هذه الأشباح يا رب؟ # قال الله : يا آدم ، هذه أشباح أفضل خلقي وبرياتي ، هذا محمد ، وأنا ~~الحميد المحمود في فعالي ، شققت له اسما من اسمي ، وهذا علي ، وأنا العلي ~~العظيم ، شققت له اسما من اسمي ، وهذه فاطمة ، وأنا فاطر السماوات والأرض ، ~~فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي ، وفاطم أوليائي عما يعرهم ويشينهم ، ~~فشققت لها اسما من اسمي ، وهذا الحسن وهذا الحسين ، وأنا المحسن المجمل PageV02P321 # شققت اسمهما من اسمي ، هؤلاء خيار خليقتي ، وكرام بريتي ، بهم آخذ ، وبهم ~~أعطي ، وبهم أعاقب ، وبهم أثيب ، فتوسل بهم إلي يا آدم ، وإذا دهتك داهية ~~فاجعلهم إلي شفعاءك ، فإني آليت على نفسي قسما حقا ألا أخيب بهم أملا ، ولا ~~أرد بهم سائلا ، فلذلك حين زلت منه الخطيئة ، ودعا الله عز وجل بهم ، فتيب ~~عليه ، وغفرت له. # وقال الإمام عليه السلام : إن الله عز وجل لما لعن إبليس بإبائه ، وأكرم ~~الملائكة بسجودها لآدم ، وطاعتهم لله عز وجل ، أمر آدم وحواء إلى الجنة ، ~~وقال : ( @QUR@08 يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ) (1)، من الجنة ~~رغدا واسعا ، حيث شئتما ، بلا تعب ، ولا تقربا هذه الشجرة ، شجرة علم محمد ~~وآل محمد ، الذي آثرهم الله به دون ms433 سائر خلقه ، فقال الله عز وجل : ( ~~@QUR@04 لا تقربا هذه الشجرة ) شجرة العلم ، فإنها لمحمد وآله خاصة ، دون ~~غيرهم ، لا يتناول منها بأمر الله إلا هم ، ومنها ما كان يتناوله النبي ~~وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليهم بعد إطعامهم المسكين واليتيم ~~والأسير ، حتى لا يحسوا بعد بجوع ، ولا عطش ، ولا تعب ، ولا نصب. # وهي شجرة تميزت من بين أشجار الجنة بأن سائر أشجار الجنة كان كل نوع منها ~~يحمل نوعا من الثمار والمأكول ، وكانت هذه الشجرة وجنسها تحمل البر والعنب ~~والتين والعناب ، وسائر أنواع الأثمار والفواكه والأطعمة ، فلذلك اختلف ~~الحاكون لذكر الشجرة. # فقال بعضهم : هي برة ، وقال آخرون : هي عنبة ، وقال آخرون : هي تينة ، ~~وقال آخرون : هي عنابة. PageV02P322 # قال الله تعالى : ( @QUR@04 ولا تقربا هذه الشجرة ) تلتمسان بذلك درجة ~~محمد وآل محمد في فضلهم ، فإن الله خصهم بهذه الدرجة دون غيرهم ، وهي ~~الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهم علم الأولين والآخرين ، بغير ~~تعليم ، ومن تناول منها بغير إذن خاب من مراده، وعصى ربه ، ( @QUR@03 ~~فتكونا من الظالمين ) بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غيركما ؛ إذ ~~رمتما (1) بغير حكم الله ، قال الله تعالى : ( @QUR@03 فأزلهما الشيطان ~~عنها ) (2) عن الجنة بوسوسته ، وخديعته ، وإيهامه ، وغروره ، بأن بدأ بآدم ~~فقال : ( @QUR@010 ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ) إن ~~تناولتما منها ، تعلمان الغيب ، وتقدران على ما يقدر عليه من خصه الله ~~تعالى بالقدرة ( @QUR@04 أو تكونا من الخالدين ) (3) لا تموتان أبدا ، ( ~~@QUR@05 وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) (4). # وكان إبليس بين لحيي الحية ، أدخلته الجنة ، وكان آدم يظن أن الحية هي ~~التي تخاطبه ، ولم يعلم أن إبليس قد اختبأ بين لحييها ، فرد آدم على الحية ~~: أيتها الحية ، هذا من غرور إبليس ، كيف يخوننا ربنا ، أم كيف تعظمين الله ~~بالقسم به وأنت تنسبينه إلى الخيانة وسوء النظر ، وهو أكرم الأكرمين؟ أم ~~كيف أروم التوصل إلى ما منعني منه ربي عز وجل ، وأتعاطاه بغير حكمه؟ # فلما آيس إبليس من قبول آدم منه ، عاد ثانية بين لحيي الحية فخاطب ms434 حواء ~~من حيث وهمها أن الحية هي التي تخاطبها ، وقال : يا حواء ، أرأيت هذه ~~الشجرة التي كان الله عز وجل حرمها عليكما ، قد أحلها لكما بعد تحريمها ؛ لما PageV02P323 # عرف من حسن طاعتكما له ، وتوقيركما إياه ، وذلك أن الملائكة الموكلين ~~بالشجرة التي معها الحراب يدفعون عنها سائر حيوان الجنة ، لا تدفعك عنها إن ~~رمتها ، فاعلمي بذلك أنه قد أحل لك ، والبشرى لك ، إن تناولتها قبل آدم كنت ~~أنت المسلطة عليه ، الآمرة الناهية فوقه. # فقالت حواء : سوف أجرب هذا ، فرامت الشجرة ، فأرادت الملائكة أن تدفعها ~~بحرابها ، فأوحى إليها إنما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره ، فأما من ~~جعلته ممكنا مميزا مختارا فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجة عليه ، فإن أطاع ~~استحق ثوابي ، وإن عصى وخالف أمري استحق عقابي وجزائي ، فتركوها ، ولم ~~يتعرضوا لها بعد ما هموا منعها بحرابهم ، فظنت أن الله تعالى نهاهم عن ~~منعها ، وأنه قد أحلها بعد ما حرمها ، فقالت : صدقت الحية ، فظنت أن ~~المخاطب لها هي الحية ، فتناولت منها ، ولم تنكر من نفسها شيئا. # فقالت لآدم : ألم تعلم أن الشجرة المحرمة علينا قد أبيحت لنا ، تناولت ~~منها ، فلم تمنعني أملاكها ، ولم أنكر شيئا من ذلك ، فذلك حين اغتر آدم ~~وغلط فتناول ، فأصابهما الله ما قال في كتابه : ( @QUR@04 فأزلهما الشيطان ~~عنها فأخرجهما ) بوسوسته وغروره ( @QUR@03 مما كانا فيه ) من النعيم ( ~~@QUR@01 وقلنا ) يا آدم ويا حواء ، ويا أيتها الحية ، ويا إبليس ( @QUR@04 ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو )، فآدم وحواء وولدهما عدو الحية وإبليس ، وإبليس ~~والحية وأولادهما أعداؤكم ( @QUR@04 ولكم في الأرض مستقر ) منزل ومقر ~~للمعاش ( @QUR@01 ومتاع ) منفعة ( @QUR@02 إلى حين ) (1) حين الموت ، قال ~~الله عز وجل : ( @QUR@05 فتلقى آدم من ربه كلمات ) يقولها ، فقالها ( ~~@QUR@01 فتاب ) بها ( @QUR@01 عليه PageV02P324 # @QUR@04 إنه هو التواب الرحيم ) (1)، القابل للتوبات ، الرحيم ~~بالتائبين. # فلما زلت من آدم الخطيئة فاعتذر إلى ربه عز وجل فقال : يا رب تب علي واقبل ~~معذرتي ، وأعدني إلى مرتبتي ، وارفع لديك درجتي ، فلقد تبين نقص الخطيئة ~~وذلها بأعضائي وسائر بدني ، قال الله تعالى : يا آدم أما تذكر أمري إياك أن ms435 ~~تدعوني بمحمد وآله الطيبين عند شدائدك ، ودواهيك ، وفي النوازل تبهظك ، قال ~~آدم : يا رب ، بلى ، قال الله عز وجل : فبهم بمحمد وعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين صلوات الله عليهم ، خصوصا ، فادعني أجبك إلى ملتمسك ، وأزدك فوق مرادك. # فقال آدم : يا رب وإلهي ، قد بلغ عندك من محلهم أنك بالتوسل بهم تقبل ~~توبتي ، وتغفر خطيئتي ، وأنا الذي أسجدت له ملائكتك ، وأبحته جنتك ، وزوجته ~~حواء أمتك ، وأخدمته كرام ملائكتك. # قال الله : يا آدم ، إنما أمرت الملائكة بتعظيمك بالسجود ؛ إذ كنت وعاء ~~لهذه الأنوار ، ولو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها ، أو أن أفطنك ~~لدواعي عدوك إبليس حتى تحترز منها ، لكنت قد فعلت ذلك ، ولكن المعلوم في ~~سابق علمي يجري موافقا لعلمي ، والآن فبهم فادعني لأجيبك ، فعند ذلك قال ~~آدم : اللهم بجاه محمد وآل محمد الطيبين ، بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين ، والطيبين من آلهم ، لما تفضلت بقبول توبتي ، وغفران زلتي ، ~~وإعادتي من كراماتك إلى مرتبتي. # ثم قال الله عز وجل : قد قبلت توبتك ، وأقبلت برضواني عليك ، وصرفت آلائي ~~ونعمائي إليك ، وأعدتك إلى مرتبتك من كراماتي ، ووفرت نصيبك من PageV02P325 # رحماتي ، فذلك قول الله عز وجل : ( @QUR@011 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم ) (1). انتهى كلامه صلوات الله عليه (2). # وليعلم أن الجنة التي خرج منها أبونا آدم على نبينا و عليه السلام غير ~~الجنة التي وعد المتقون من وجه ، كما أشرنا إليه فيما سلف ، ولهذا ورد في ~~الأخبار أنها كانت بستانا من بساتين الدنيا ، ولو كانت تلك الجنة لما خرج ~~منها أبدا. ### ||| * فصل # قال بعض أهل الحكمة : إن الإنسان من أول زمان إفاضة القوة العاقلة عليه ~~إلى حين استرجاعها ما دام مراعيا لأوامر الحق سبحانه ، غير منحرف عن فطرته ~~الأصلية ، ولا معرض عن عبادته ، ولا ملتفت إلى غيره ، فإنه في الجنة ، وإن ~~كانت الجنة على مراتب ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية تجري من تحتها الأنهار ) (3). # ولذلك قال صلى الله عليه وآله : «كل مولود يولد فعلى الفطرة ms436 ، وإنما أبواه ~~هما اللذان يهودانه ، وينصرانه» (4)؛ إذ كانت نفسه قبل الجواذب الخارجية ~~عن القبلة PageV02P326 # الحقيقية غير مدنسة بشيء من الاعتقادات الفاسدة ، والهيئات الرديئة ، وإن ~~كانت المرتبة السامية والغرفة العالية إنما تنال بعد المفارقة ، واستصحاب ~~النفس لأكمل زاد (1). # وقال في بيان حقيقة وسوسة الشيطان : إن الفعل إنما يصدر من الإنسان ~~بواسطة أمور مترتبة ترتيبا طبيعيا ، أولها تصور كون الفعل ملائما ، وهو ~~المسمى بالداعي ، ثم إن ذلك الشعور يترتب عليه ميل النفس إلى الفعل المسمى ~~ذلك الميل إرادة ، فيترتب على ذلك الميل حركة القوة النزوعية المحركة للقوة ~~المسماة قدرة ، المحركة للعضل إلى الفعل. # إذا عرفت ذلك ، فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والإرادة أمر واجب ، ~~فليس للشيطان فيه مدخل ، ووجود الميل عن تصور كونه نافعا وخيرا أمر لازم ، ~~فلا مدخل للشيطان أيضا فيه ، فلم يبق له مدخل إلا في إلقاء ما يتوهم كونه ~~نافعا أو لذيذا إلى النفس ، مما يخالف أمر الله سبحانه ، فذلك الإلقاء في ~~الحقيقة هو الوسوسة ، وهو عين ما حكى الله سبحانه عنه بقوله : ( @QUR@011 ~~وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) (2). # إذا عرفت ذلك فاعلم أن متابعة إبليس تعود إلى انقياد النفس لجذب الوهم ~~والقوى البدنية التي هي الشياطين عن الوجهة المقصودة ، والقبلة الحقيقية ~~وهي عبادة الحق سبحانه ، وفتنتها لها بتزيين ما حرم الله عليها. # فأما ما يقال : إن إبليس لم يكن له تمكن من دخول الجنة ، وإنما توسل ~~بالحية ودخل في فمها إلى الجنة ، حتى تمكن من الوسوسة لآدم عليه السلام ، ~~واغتراره ، PageV02P327 # فالمراد (1) بالحية هي القوة المتخيلة ؛ وذلك إن الوهم إنما تمكن من ~~التصرف وبعث القوى المحركة كالشهوة والغضب التي هي جنوده وشياطينه على طلب ~~الملاذ البدنية ، والشهوات الحسية الدنية ، وجذب النفس إليها بتصوير كونها ~~لذيذة نافعة ، بواسطة القوة المتخيلة. # ووجه تشبيهها بالحية ، أن الحية لما كانت لطيفة ، سريعة الحركة ، تتمكن ~~من الدخول في المنافذ الضيقة ، وتقدر على التصرف الكثير ، وهي مع ذلك سبب ~~من أسباب الهلاك ، بما تحمله من السم ، وكانت المتخيلة في ms437 سرعة حركاتها ~~وقدرتها على التصرف السريع ، والإدراك ألطف من سائر القوى ، وهي الواسطة ~~بين النفس والوهم ، وكانت بما اشتملت عليه من تحمل كيد إبليس ، وإلقاء ~~الوسوسة بواسطتها إلى النفس ، سببا قويا للهلاك السرمد ، والعذاب المؤبد ، ~~لا جرم كان أشبه ما تشبه به الحية لما بينهما من المناسبة ، فحسن إطلاق لفظ ~~الحية عليها. # كذا ذكره كمال الدين ابن ميثم البحراني (2)، في شرح نهج # أنظر ترجمته في : الكنى والألقاب : 1 : 433 ، وأمل الآمل : 2 : 332 / 1022. PageV02P328 # البلاغة (1)، ناقلا عن المأولين لهذه القصة ، وتمام الكلام في حقيقة ~~الشياطين ، سنذكره فيما بعد ، إن شاء الله. PageV02P329 ### | في الآيات الإنسانية من العجائب والغرائب ### ||| * ( @QUR@06 سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) (1) ### ||| * ( @QUR@08 وفي الأرض آيات للموقنين* وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) (2) ### ||| * فصل # إن في النفس الإنسانية لآيات ، وأسرارا ، وحكما ، وعجائب ، وغرائب ، لا ~~تحصى ، وقد مضت الإشارة إلى شطر منها ، كاشتمالها على كل الوجود ، وجميع ~~النشآت ، وهي من أعظم آياتها ، وبهذا الاعتبار مظهر لاسم الله الأعظم. # وكتقدمها على الموجود البدني النفسي ، وتأخرها عنه باعتبارين ، وهي أيضا ~~عجيب جدا ، وكإحاطتها بالبدن كله ، مع تنزهها عن المكان والتحيز ، ~~وكاتصافها بالعلم والقدرة ، والسمع ، والبصر ، والحياة ، والإرادة ، وسائر ~~صفات الكمال ، تخلق في مملكتها ما تشاء ، وتحكم ما تريد ، وتتصرف بقوتها ~~الخيالية والعقلية في الملك والملكوت ، ومع ذلك فهي عاجزة عن معرفة ذاتها ، ~~وكنه حقيقتها ، وهي من أعجب العجائب. # وكتطوراتها في الأطوار ، وترقياتها بحسب درجاتها ومقاماتها من لدن PageV02P330 # كونها جنينا ، بل نطفة قذرة ، إلى أن تصير عالما ربانيا ، ملاقيا لله ~~سبحانه ، كما قال تعالى : ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه ) (1)، أو تصير ملكا من الملوك ، شديد البطش ، والهمة ، يملك جميع ~~الأرض ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للعالمين ) (2). # وكإطاعة جميع الموجودات إياها ، وتوجهها شطر كعبة قلبها ، ودخولها في ~~دينها أفواجا ، وتسخرها لها ، إن في ذلك لآيات ، وما يعقلها إلا العالمون. # وكخستها وشرفها ، وبعد مراقيها في معارجها ، وانحطاط درجاتها في تسفلها ، ~~فإما إلى أسفل سافلين ، أو لها أجر غير ممنون. # وكصيرورة الحق سبحانه سمعها وبصرها ويدها ( @QUR@08 إن ms438 في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب ) (3). # وككونها في أول الحدوث ، وبحسب الظاهر صورة نوع واحد ، ويصير آخرا ، ~~وبحسب الباطن صور أنواع كثيرة حتى قد يسري ذلك في الظاهر أيضا كما عرفت ( ~~@QUR@06 إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) (4). PageV02P331 ### ||| * فصل # ومن العجائب الواقعة في النشأة الإنسانية : الطبع الموزون ، وتناسب ~~البحور ، والصوت الحسن ، ونحو ذلك. # مثلا : بحر الهزج هو أربع مفاعلين ، وإن ابتدأت بعلين ، وختمت بمفا ، صار ~~بحر الرجز الذي هو أربع مستفعلن ، وإن ابتدأت بلن ، وختمت بمفاعي صار بحر ~~الرمل الذي هو أربع فاعلاتن ، وعلى هذا القياس تتناسب البحور. # ومن هذا القبيل الأصول الايقاعية ، فإن كل دور بمثابة مصراع ، والأزمنة ~~المتخللة بين النقرات بمثابة الحروف. # وأعجب من ذلك أن حركة النبض على وفق النسب الموسيقية. # قال في القانون : ينبغي أن يعلم أن للنبض طبيعة موسيقارية ، وكما أن ~~صناعة الموسيقى تتم بتأليف النغم على نسبة بينها في الحدة والثقل ، وبأدوار ~~إيقاع مقدر للأزمنة التي تتخلل نقراتها ، كذلك حال النبض ، فإن نسبة أزمنته ~~في السرعة والتواتر نسبة إيقاعية ، ونسبة أحواله في القوة والضعف ، وفي ~~المقدار نسبة كالتأليفية. # وكما أن أزمنة الإيقاع ومقادير النغم قد تكون متفقة ، وقد تكون غير متفقة ~~، كذلك الاختلافات قد تكون منتظمة ، وقد تكون غير منتظمة (1). PageV02P332 ### ||| * فصل # ومن العجائب الواقعة في العالم الإنساني : الأحلام. # روى في الكافي ، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، أنه قال : «إن ~~رأي المؤمن ، ورؤياه ، في آخر الزمان على سبعين جزء من أجزاء النبوة» (1). # وبإسناده عن مولانا الرضا عليه السلام : «أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~كان إذا أصبح قال لأصحابه : هل من مبشرات ، يعني به الرؤيا» (2). # وروى العامة بأسانيدهم ما يقرب من الحديثين (3). # وسبب الرؤيا انحباس الروح البخاري من الظاهر إلى الباطن ، بأسباب شتى ، ~~مثل طلب الاستراحة عن كثرة الحركة ، ومثل الاشتغال بتأثيره في الباطن ~~لينفتح السد ، ولهذا يغلب النوم عند امتلاء المعدة. # ومثل أن يكون الروح قليلا ناقصا ، فلا يفي بالظاهر والباطن جميعا ، ~~ولزيادته ونقصانه أسباب طبية مذكورة في كتب الأطباء. # فإذا انحبس ms439 الروح إلى الباطن ، وركدت الحواس بسبب من الأسباب ، بقيت ~~النفس فارغة عن شغل الحواس ؛ لأنها لا تزال مشغولة بالتفكر فيما تورده ~~الحواس عليها ، فإذا وجدت فرصة الفراغ وارتفعت عنها الموانع ، فإن كانت ~~عالية معتادة بالصدق ، أو مائلة إلى العالم الروحاني العقلي ، متوجهة إلى الحق ، PageV02P333 # مطهرة من النقائص ، معرضة عن الشواغل البدنية ، متصفة بالمحامد ، أو غير ~~ذلك مما يوجب تنويرها ونقويتها وقدرتها على خرق العالم الحسي ، من الإتيان ~~بالطاعات والعبادات ، واستعمال القوى ، والآلات بموجب الأوامر الإلهية ، ~~وحفظ الاعتدال بين طرفي الإفراط والتفريط فيها ، ودوام الوضوء ، والذكر ، ~~وخصوصا من أول الليل إلى وقت النوم ، وصحة البدن ، واعتدال مزاجه الشخصي ، ~~والدماغي ، اتصلت بالجواهر الروحانية الشريفة ، التي فيها نقوش جميع ~~الموجودات ، كلية وجزئية ، المسماة بالكتاب المبين ، وأم الكتاب ، على ما ~~مر تفصيله ، فانتقشت بما فيها من صور الأشياء ، لا سيما ما ناسب أغراضها ، ~~ويكون مهما لها. # فإن النفس بمنزلة مرآة ينطبع فيها كل ما قابلها من مرآة أخرى عند حصول ~~الأسباب، وارتفاع الحجاب بينهما ، والحجاب هاهنا اشتغال النفس بما تورده ~~الحواس ، فإذا ارتفع ظهر فيها من تلك المرائي ما يناسبها ويحاذيها. # فإن كانت تلك الصور جزئية ، وبقيت في النفس تحفظ الحافظة إياها على وجهها ~~، ولم تتصرف فيه القوة المتخيلة الحاكية للأشياء بتمثلها ، فتصدق هذه ~~الرؤيا ، ولا تحتاج إلى التعبير. # وإن كانت المتخيلة غالبة ، أو إدراك النفس للصورة ضعيفا ، صارت المتخيلة ~~بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال ، كتبديل العلم باللبن ، وتبديل ~~العدو بالحية ، وتبديل الملك بالبحر ، أو الجبل ، إلى غير ذلك ؛ وذلك لما ~~دريت أن لكل معنى صورة في نشأة غير صورته في النشأة الأخرى ، وأن النشآت ~~متطابقة. # نقل أن رجلا جاء إلى ابن سيرين وقال : رأيت كأن في يدي خاتما أختم PageV02P334 # به أفواه الرجال ، وفروج النساء ، فقال : إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان ، ~~قبل الفجر ، فقال : صدقت. # وجاء آخر فقال : كأني أصببت الزيت في الزيتون ، فقال : إن كانت تحتك ~~جارية اشتريتها ففتش عن حالها ، فإنها أمك ؛ لأن الزيتون أصل الزيت ، فهو ~~رد إلى ms440 الأصل ، فنظر ، فإذا جاريته كانت أمه ، وقد سبيت في صغره. # وقال آخر له : كأني أعلق الدر في أعناق الخنازير ، فقال : كأنك تعلم ~~الحكمة غير أهلها ، وكان كما قال. # وربما تبدل المتخيلة الأشياء المرئية في النوم بما يشابهها ، ويناسبها ~~مناسبة ما ، أو ما يضادها ، كما من رأى أنه ولد له ابن فتولد له بنت ، ~~وبالعكس ، وهذه الرؤيا تحتاج إلى مزيد تصرف في تعبيره ، بأن يحلل بالعكس ، ~~أي يرجع من الصور الخيالية الجزئية إلى المعاني النفسانية الكلية ، وربما ~~لم تكن انتقالات المتخيلة مضبوطة بنوع مخصوص ، فانشعبت وجوه التعبير ، فصار ~~مختلفا بالأشخاص والأحوال والصناعات ، وفصول السنة ، وصحة النائم ومرضه. # وصاحب التعبير لا ينال إلا بضرب من الحدس ، ويغلط فيه كثيرا للالتباس. # وإن كانت النفس سفلية متعلقة بالدنيا ، منهمكة في الشهوات ، حريصة على ~~المخالفات ، مستعملة للمتخيلة في التخيلات الفاسدة ، وغير ذلك ، مما يوجب ~~الظلمة ، وازدياد الحجب ، أو سوء مزاج الدماغ ، فلا تتصل بالجواهر ~~الروحانية بمجرد ذلك ، فتفعل باختراعها بقوتها المتخيلة في مملكتها وعالمها ~~الباطني ، صورا وأشخاصا جسمانية ، بعضها مطابقة لما يوجد في الخارج ، ~~وبعضها جزافات لا أصل لها في شيء من العوالم ، بل هو من دعابات المتخيلة ، PageV02P335 # واضطرابها التي لا تفتر عنها في أكثر الأحوال ، ثم انتقلت منها وحاكتها ~~بأمور أخرى في النوم ، فبقيت مشغولة بمحاكاتها ، كما تبقى مشغولة بالحواس ~~في اليقظة ، وخصوصا إذا كانت ضعيفة منفعلة عن آثار القوى ، وهي أضغاث ~~الأحلام. # ولمحاكاتها أسباب من أحوال البدن ومزاجه ، فإن غلب على مزاجه الصفراء ~~حاكاها بالأشياء الصفر ، وإن كان فيه الحرارة حاكاها بالنار والحمام الحار ~~، وإن غلبت البرودة حاكاها بالثلج والشتاء ، ونظائرهما ، وإن غلبت السوداء ~~حاكاها بالأشياء السود والأمور الهائلة. # قال بعض العلماء : وإنما حصلت صورة النار مثلا في التخيل عند غلبة ~~الحرارة ؛ لأن الحرارة التي في موضع تتعدى إلى المجاور لها كما يتعدى نور ~~الشمس إلى الأجسام بمعنى أنه سيكون سببا لحدوثه ؛ إذ خلقت الأشياء موجودة ~~وجودا فائضا بأمثاله على غيره ، والقوة المتخيلة منطبعة في الجسم الحار ~~فتتأثر به تأثرا يليق بطبعها ؛ لأن ms441 كل شيء قابل يتأثر من شيء ، فإنما يتأثر ~~منه بشيء يناسب جوهر هذا القابل وطبعه ، فالمتخيلة ليست بجسم حتى تقبل نفس ~~الحرارة ، فتقبل من الحرارة ما في طبعها القبول له ، وهو صورة الحار ، فهذا ~~هو السبب فيه (1). PageV02P336 ### ||| * وصل # سئل مولانا الصادق عليه السلام : الرجل يرى الرؤيا ، فتكون كما رآها ، ~~وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا ، قال : إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه ~~حركة ممدودة صاعدة إلى السماء ، وكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في ~~موضع التقدير والتدبير فهو الحق ، وكل ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام ، ~~فقيل له : ويصعد روح المؤمن إلى السماء؟ قال : نعم ، قيل : كيلا يبقى منه ~~شيء في بدنه؟ فقال : لا ، لو خرجت كلها من الإنسان حتى لا يبقى منه إذا ~~لماتت ، قيل : وكيف يخرج؟ فقال : إنما ترى الشمس في السماء في موضعها ، ~~وضوؤها وشعاعها في الأرض ، فكذلك الروح ، أصلها في البدن ، وحركتها ممدودة (1). # وعن مولانا الباقر عليه السلام ما يقرب من صدر الحديث ، إلا أنه قال : ~~«وما رأت في الهواء فهو أضغاث» (2). # ويقرب منه ما رواه أمير المؤمنين عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~، إلا أنه قال : «فما رأى عند رب العالمين فهو حق» (3). # وفي الصحيح ، عن مولانا الرضا عليه السلام : أن «الرؤيا على ما تعبر» (4). # وفي الموثق ، عنه ، أو عن أبيه عليهما السلام : «أن امرأة رأت على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أن جذع بيتها قد انكسر ، فأتت النبي ~~صلى الله عليه وآله فقصت عليه الرؤيا ، فقال لها PageV02P337 # النبي صلى الله عليه وآله : يقدم زوجك ويأتي وهو صالح ، وقد كان زوجها غائبا ~~، فقدم كما قال النبي صلى الله عليه وآله ، ثم غاب زوجها غيبة أخرى ، فرأت في ~~المنام كأن جذع بيتها قد انكسر ، فأتت النبي صلى الله عليه وآله فقصت عليه ~~الرؤيا ، فقال لها : يقدم زوجك ، ويأتي صالحا ، فقدم على ما قال، ثم غاب ~~زوجها ثالثة ، فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر ، فلقيت رجلا أعسر ms442 ~~فقصت عليه الرؤيا ، فقال لها الرجل السوء : يموت زوجك ، قال : فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وآله ، فقال : ألا كان عبر لها خيرا» (1). # وعن النبي صلى الله عليه وآله : «الرؤيا لا تقص إلا على مؤمن ، خلا من الحسد ~~والبغي» (2). ### ||| * فصل # الاتصال بالجواهر الروحانية كما يكون في المنام ، فكذلك قد يكون في ~~اليقظة أيضا ، كما أن الاختراعات الخالية تكون في الحالتين ؛ وذلك لأن رفع ~~الحجاب بين مرآة النفس وذلك العالم كما يكون بالمنام ، فكذلك قد يكون ~~بأسباب أخر ، مثل صفاء النفس ، بحسب أصل الفطرة ، ومثل انزعاج النفس ~~وانضجارها عن هذا العالم ، بسبب ما يكدرها ، وينغص عيشها الدنياوي ، من ~~المؤلمات ، والمنفرات ، فيتوجه إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة ، ~~فيرتفع الحجاب بينها وبين عالمها. # ومثل الرياضات العلمية والعملية التي توجب المكاشفات الصورية PageV02P338 # والمعنوية ، أي ظهور الحوادث والحقائق ، ومثل الموت الإرادي الذي يكون ~~للأولياء ، ومثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء للجميع ، سواء كانوا ~~سعداء ، أو أشقياء ، ومثل ما لو غلب على المزاج اليبوسة والحرارة ، وقل ~~الروح البخاري حتى صرفت النفس لغلبة السوداء ، وقلة الروح عن موارد الحواس ~~، فيكون مع فتح العين وسائر أبواب الحواس كالمبهوت الغافل الغائب عما يرى ~~ويسمع ؛ وذلك لضعف خروج الروح إلى الظاهر ، فهذا أيضا لا يستحيل أن ينكشف ~~لنفسه من الجواهر الروحانية شيء من الغيب ، فيحدث به ، ويجري على لسانه ، ~~فكأنه أيضا غافل عما يحدث به ، وهذا يوجد في بعض المجانين والمصروعين ، ~~وبعض الكهنة ، فيحدثون بما يكون موافقا لما سيكون. ### ||| * وصل # فما تتلقاه النفس في اليقظة فعلى وجهين : فإن كانت النفس قوية وافية بضبط ~~الجوانب ، لا تشغلها المشاعر السفلية عن المدارك العالية ، وتكون سحيلتها ~~قوية على استخلاص الحس المشترك عن مشاهدة الظواهر إلى مشاهدة ما تراها في ~~الباطن فلا يبعد أن يقع لها ما يقع للنائم من غير تفاوت ، فمنه ما هو وحي ~~صريح لا يفتقر إلى التأويل ، ومنه ما ليس كذلك ، فيفتقر إليه ، أو يكون ~~شبيها بالمنامات التي هي أضغاث أحلام ، إن أمعنت المتخيلة في الانتقال ~~والمحاكاة ms443 ، وإن لم تكن كذلك فلا تخلو إما أن تستعين بما يقع للحس دهشة ، ~~وللخيال حيرة ، أو لا ، بل كانت لضعف طبيعي في الحواس ، أو مرض طارىء ، ~~فالأول كفعل المستنطقين المشغلين للصبيان والنساء ذوات المدارك الضعيفة ~~بأمور مترقرقة ، أو بأشياء ملطخة سود مدهشة ، محيرة للحس ، مرعشة للبصر ، PageV02P339 # برجرجتها ، أو شفيفها ، وكاستعانة بعض المتصوفة والمتكهنة برقص ، وتصفيق ~~، وتطريب ، فكل هذه موهنة للحواس ، مخلة بها. # وربما يستعينون أيضا بالإيهام بالعزائم ، وبأدعية غير مفهومة الألفاظ ، ~~توجب الترهيب بالجن ، إذا استنطقوا غيرهم ، والثاني كما للمصروعين ~~والممرورين ، ومن في قواه ضعف ، وفي دماغه رطوبة قابلة. # وقد يجتمع الشيئان ضعف العائق ، وقوة النفس ، بتطريب وغيره ، كما لكثير ~~من المرتاضين من أولي الكد وهذا حسن ، وما للكهنة والممرورين نقص أو ضلال ، ~~وتعطيل للقوى عما خلقت لأجله. # وأما الفضلاء فرياضاتهم وعلومهم مرموزة (1) مكتومة عن المحجوبين. ### ||| * فصل # قال بعض العلماء : اعلم أن أكثر ما تظهر قوة الكهانة ونحوها من قوى ~~النفوس في أوقات الأنبياء ، وقبيل ظهورهم ؛ وذلك أن الفلك إذا أخذ في ~~التشكل بشكل يتم به في العالم حدث عظيم ، عرض من ابتداء ذلك الشكل ، وغايته ~~أحداث في الأرض شبيهة بما يريد أن يتم ، ولكنها تكون غير تامة ؛ لأن سببها ~~غير تام (2). PageV02P340 # فإذا استكمل ذلك الشكل في الفلك وتم ، وجد به في العالم ما يقتضيه في ~~أسرع زمان؛ لسرعة تبدل أشكال الفلك ، فتظهر تلك القوة التي يوجبها ذلك ~~الشكل في شخص واحد ، أو شخصين ، أو أكثر ، على حسب ما تقتضيه العناية ~~الإلهية ، وتستوعب ذلك الشخص تلك القوة على الكمال ، فأما من قرب من ذلك ~~الشكل ولم يستوفه فإنه يكون ناقص القوة بحسب بعده من الشكل. # ويظهر ذلك النقصان بظهور النبوة المقصودة من ذلك الشكل ، فيتبين قصور ~~القوى المتقدمة على النبي ، والمتأخرة عنه ، ونقصانها عن ذلك التمام. # قال : فأما صفة الكاهن من أصحاب تلك القوى فهو أن صاحب قوة الكهانة إذا ~~أحس بها من نفسه تحرك إليها بالإرادة ليكملها ، فيبرزها في أمور حسية ، ~~ويثيرها في علامات تجري مجرى الفال ، والزجر ، وطرق ms444 الحصى ، وربما استعان ~~بالكلام الذي فيه سجع وموازنة ، أو بحركة عنيفة من عدو حثيث ، كما حكي عن ~~كاهن من الترك ، أو تحريك رأس (1)، كما نقل إلي من شاهد كاهنا كان في ~~زماننا. # [إلى أن قال : ] والغرض من ذلك اشتغال النفس عن المحسوسات ، فتداخل نفسه ، ~~ويقوى فيها ذلك الأثر ، ويهجس في نفسه عن تلك الحركة ما يقذفه على لسانه ، ~~وربما صدق الكاهن ، وربما كذب ؛ وذلك أنه يتمم نقصه بأمر مباين لكماله ، ~~غير داخل فيه ، فيعرض له الكذب ، ويكون غير موثوق به ، وربما تعمد الكذب ~~خوفا من كساد بضاعته ، فيستعمل الزرق ويخبر بما لا أثر له في نفسه ، ويضطر ~~إلى التخمين. # ودرجات هؤلاء متفاوتة بحسب قربهم من الأفق الإنساني ، وبعدهم منه ، PageV02P341 # وبقدر قبولهم للأثر العلوي. # ويتميزون عن الأنبياء بالكذب ، وما يدعونه من المحالات ، وإن اتفق أن ~~يلزم أحدهم الصدق ، فإنه لا يتجاوز قدره في قوته ، ويبادر إلى التصديق بأول ~~أمر يلوح من النبي ، ويعرف فضله ، كما روي عن طليحة (1)، وسواد بن قارب ~~(2)، ونحوهما من الكهنة في زمان الرسول صلى الله عليه وآله (3). # أنظر : الأعلام : 3 : 230 ، وسير أعلام النبلاء : 1 : 317. PageV02P342 ### ||| * فصل # ومن الآيات الغريبة الإنسانية غير ما ذكر من الإخبار بالمغيبات ، تأثيره ~~في مادة العالم بإزالة صورة ، ونزعها عن المادة ، أو تلبيسها إياها ، فيؤثر ~~في استحالة الهواء إلى الغيم ، ونزول الأمطار ، أو في إزالة المرض عن مريض ~~، أو في إهلاك ، أو إنجائهم ، أو خشوع سبع له ، أو عدم تنفر طائر منه ، أو ~~غير ذلك مما يجري مجراها ، سواء كان بدعاء ، أو برقية ، أو غيرهما ؛ ولذلك ~~كله أسباب ذاتية ووجوه عقلية ، ليس بمستبعد في قدرة الله ، ولا بمستنكر على ~~الله ، وربما يتأتى لنا أن نذكر بعضها ، كما استفدناه من أهلها ، فاسمع : ### ||| * وصل # قد علمت أن الأجسام مطيعة للنفوس ، متأثرة عنها ، وأن صور الكائنات ~~تتعاقب على المواد العنصرية بتأثيرات النفوس الفلكية ، والنفس الإنسانية ~~إذا قويت يمكن أن تتشبه بها تشبه الأولاد بالآباء ، فتؤثر في مادة العناصر ~~تأثيرها. # وأما إذا لم تقو فلم يتعد تأثيرها ms445 إلى غير بدنها وعالمها الخاص ، وما من ~~نفس إلا ولها تأثيرات في عالمها الخاص ، حتى أن وهم الماشي على جذع معروض ~~فوق فضاء يفعل في إزلاقه ما لا يفعله وهم مثله ، والجذع على قرار أيضا ، ~~فإن النفس إذا توهمت صورة مكروهة استحال مزاج بدنها ، وحدثت رطوبة العرق ~~والرعشة ، وإذا حدثت فيها صورة الغلبة تسخن البدن واحمر الوجه ، وإذا وقعت ~~فيها صورة النكاح حدثت حرارة مسخنة منفخة للريح ، حتى PageV02P343 # تمتلىء به عروق آلة الوقاع ، فتنهض له ، وهذه الحوادث في البدن إنما ~~تكونت بمجرد التصورات. # ويظهر من هذا أنه ليس من شرط كل مسخن أن يكون حارا ، وكذا مثله ، فإذا ~~صارت الأمزجة تتأثر عن الأوهام ، فلا عجب من أن تكون لبعض النفوس قوة ~~كمالية صارت كأنها نفس العالم ، فيؤثر في غير بدنها تأثيرها في بدنها ، ~~فتطيعها مادة العالم طاعة البدن للنفس ، أو تنفعل عنها قوى نفوس أخرى تفعل ~~فيها ، لا سيما إذا كانت شحذت ملكتها بقهر قواها البدنية التي لها ، فتقهر ~~شهوة ، أو غضبا ، أو خوفا من غيرها. ### ||| * فصل # إن هذه القوة للنفس ربما كانت بحسب المزاج الأصلي ؛ لما يفيده من هيئة ~~نفسانية تشخصها ، وربما يحصل بمزاج طارىء ، وربما يحصل بضرب من الكسب ~~والتعويد ، يجعل النفس وهي في البدن كالمجردة ؛ لشدة الذكاء ، كما يحصل ~~لأولياء الله الأبرار. # فالذي يقع له هذا في جبلة النفس ، ثم يكون خيرا رشيدا ، مزكيا فيه فهو ذو ~~معجزة من الأنبياء ، أو كرامة من الأولياء ، وتزيده تزكية لنفسه في هذا ~~المعنى زيادة على مقتضى جبلته ، فيبلغ المبلغ الأقصى. # والذي يقع له هذا ثم يكون شريرا ، ويستعمله في الشر ، فهو الساحر الخبيث ~~، وقد يكسر قدر نفسه من غلوائه في هذا المعنى ، فلا يلحق شأو الأذكياء فيه. PageV02P344 # وكأن الإصابة بالعين من هذا القبيل ، والمبدأ فيها حالة نفسانية معجبة ، ~~تؤثر نهكا في المتعجب منه بخاصيته ، قال النبي صلى الله عليه وآله : «العين ~~حق» (1)، وقال أيضا : «العين تدخل (2) الرجل القبر ، والجمل القدر» (3)، ~~ومعناه : أنه يستحسن الجمل مثلا ويتعجب منه ، فيتوهم لرداءة نفسه ms446 الخبيثة ~~سقوط الجمل ، فينفعل جسم الجمل عن توهمه ، ويسقط في الحال. ### ||| * فصل # إن الأمور الغريبة تنبعث في هذا العالم من مبادىء ثلاثة : # أحدها : الهيئة النفسانية المذكورة. # وثانيها : خواص الأجسام العنصرية ، مثل جذب المغناطيس للحديد بقوة تخصه. # وثالثها : قوى سماوية بينها وبين أمزجة أجسام أرضية مخصوصة بهيئة وضعية ، ~~أو بينها وبين قوى نفوس أرضية مخصوصة بأحوال فعلية وانفعالية مناسبة ، ~~تستتبع حدوث آثار غريبة. # والسحر من قبيل القسم الأول ، بل المعجزات والكرامات أيضا. والنير نجات ~~من قبيل القسم الثاني ، وكذا الحيل. والطلسمات من قبيل القسم الثالث ، وكذا ~~دعوة الكواكب ، بل العزائم أيضا. PageV02P345 ### ||| * فصل # ومن الغرائب الإنسانية إطاقته بقوته فعلا ، أو تحريكا ، أو حركة تخرج عن ~~وسع مثله ، والسر فيه أن مبدأ القوة البدنية هو الروح الحيواني ، ثم هو قد ~~ينقبض إلى داخل فتنحط القوة كما تعرض عند خوف ، أو حزن ، وقد تنبسط إلى ~~خارج ، فتتضاعف القوة ، كما يعرض عند الغضب والمنافسة ، وكما يعرض عند ~~الفرح المطرب ، أو الانتشاء المعتدل ، فيمكن أن يعرض لعبد من عباد الله ~~ارتياح ، كما يعرض عند الفرح ، فأعطي القوة التي لها سلاطة وقهر ، أو تغشيه ~~غرة كما تغشى عند المنافسة ، فاشتعلت قواه حمية ، وكان ذلك أعظم وأجسم مما ~~يكون عند طرب ، أو غضب ، ولا سيما إذا كان ذلك ببهجة الحق ، والاغترار ~~الرباني ، والحمية الإلهية ، من لدن مبدأ الحق ، وأصل الرحمة ، كما يكون ~~لأولياء الله ، وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «والله ما ~~قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ، ولكن قلعته بقوة ربانية» (1). ### ||| * فصل # ومن ذلك الإمساك عن القوت مدة غير معتادة ، والسر فيه توجه النفس بالكلية ~~إلى أمر ما ، وسيما إذا كان من الأمور القدسية ، والنشأة العليا ، فإن ذلك ~~مستلزم لتشييع القوى الجسمانية ، وانجذابها خلفها ، وهو مستلزم لترك تلك ~~القوى أفاعيلها التي منها الهضم والشهوة والتغذية ، وما يتعلق بها ، وهو موجب PageV02P346 # لعدم الاحتياج إلى الغذاء ، ولا سيما ويقترن معه السكون البدني الذي ~~تقتضيه ترك القوى أفاعيلها ، فإن ذلك نعم المعين ؛ لاستلزامه قلة التحليل ~~الموجب للاحتياج إلى الغذاء. # قال ms447 في الإشارات : وكيف تنكر ذلك ، وأنت ترى ما يعتري مستشعر الخوف من ~~سقوط الشهوة ، وفساد الهضم ، والعجز عن أفعال طبيعية ، كانت متواتية (1). # وترى مثل ذلك في الأمراض الحادة ، فإن الطبيعة إذا شغلت عن تحريك المواد ~~المحمودة بهضم المواد الردية ، انحفظت المواد المحمودة قليلة التحلل ، غنية ~~عن البدن ، فربما انقطع عن صاحبها الغذاء مدة طويلة ، لو انقطع مثله في غير ~~حالته ، بل عشر مدته ، هلك ، وهو مع ذلك محفوظ الحياة ، هذا. # مع أن المرض الحاد لا يعرى عن التحليل للحرارة الغريزية المسماة بسوء ~~المزاج ، وعن المضاد المسقط للقوة المحوج إلى الرطوبات الحافظة لها ، بخلاف ~~ما نحن فيه. ### ||| * فصل # ومن الغرائب الإنسانية : الفراسة ، قال النبي صلى الله عليه وآله : «اتقوا ~~فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله» (2). # وقال صلى الله عليه وآله : «الدجال مكتوب على ناصيته : ك ف ر ، ولا يقرأه إلا PageV02P347 # مؤمن» (1). # والسر فيه أن الصور المحسوسة ظلال للصور المثالية ، فالعارف بالمناسبات ~~يعرف ذلك. # روى في بصائر الدرجات ، بإسناده عن سليمان الجعفري ، قال : كنت عند أبي ~~الحسن عليه السلام فقال : يا سليمان ، اتق فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور ~~الله ، فسكت حتى أصبت خلوة ، فقلت : جعلت فداك ، سمعتك تقول : اتق فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله ، قال : نعم يا سليمان ، إن الله خلق المؤمن من ~~نوره في رحمته (2)، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية ، والمؤمن أخو المؤمن لأبيه ~~وأمه ، أبوه النور ، وأمه الرحمة ، وإنما ينظر بذلك النور الذي خلق منه (3). # وبإسناده عن مولانا الباقر عليه السلام ، قال : «ليس مخلوق إلا وبين عينيه ~~مكتوب : مؤمن ، أو كافر ، وذلك محجوب عليكم ، وليس بمحجوب عن الأئمة من آل ~~محمد صلى الله عليه وآله ، ثم ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه ، مؤمن أو كافر ، ~~ثم تلا هذه الآية : ( @QUR@05 إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) (4)» (5). # وبإسناده عن الأصبغ بن نباتة ، أن أمير المؤمنين عليه السلام صعد المنبر ، ~~فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيها الناس ، إن شيعتنا من طينة ~~مخزونة قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام ، لا يشذ منها ms448 شاذ ، ولا يدخل فيها ~~داخل ، وإني لأعرفهم حين PageV02P348 # أنظر إليهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تفل في عيني وأنا أرمد ، ~~قال : اللهم أذهب عنه الحر والبرد ، وبصره صديقه من عدوه ، فلم يصبني رمد ~~بعد ، ولا حر ، ولا برد ، وإني لأعرف صديقي من عدوي. # فقام رجل من الملأ ، فسلم ، ثم قال : والله يا أمير المؤمنين إني لأدين ~~الله بولايتك ، وإني لأحبك في السر ، كما أظهر لك في العلانية ، فقال له ~~علي عليه السلام : كذبت ، فو الله ما أعرف اسمك في الأسماء ، ولا وجهك في ~~الوجوه ، وإن طينتك لمن غير تلك الطينة ، قال : فجلس الرجل قد فضحه الله ، ~~وأظهر عليه ، ثم قام آخر فقال : يا أمير المؤمنين ، إني لأدين الله بولايتك ~~، وإني لأحبك في السر ، كما أحبك في العلانية ، فقال له : صدقت ، طينتك من ~~تلك الطينة ، وعلى ولايتنا أخذ ميثاقك ، وإن روحك من أرواح المؤمنين ، ~~فاتخذ الفقر جلبابا ، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يقول : إن الفقر أسرع إلى محبينا من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله (1). ### ||| * فصل # ومن الغرائب إظهار السالكين أبدانهم المثالية في مواضع مختلفة ، في وقت ~~واحد ، وفي أوقات ، وإظهار ما يريدون من المطاعم والملابس ، وكذا المبرزون ~~من السحرة والكهنة ، يظهرون العجائب في هذا العالم ، كإراءة الجن ، وغيرها ~~، ولا يلزم أن يكون لظهور ذلك عندنا مظهر صقيل ، كالمرآة ؛ إذ قد يرى مثل ~~هذه الأشباح في محل مظلم غير صقيل ، وكثيرا ما يقع الاشتباه بين ما يراه PageV02P349 # الإنسان بعين الحس ، وبين ما يراه بعين الخيال ، مع أنهما مختلفتا ~~الأحكام ، فرب قليل في عين الحس هو كثير في عين الخيال ، وبالعكس ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@010 وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في ~~أعينهم ) (1). # وقال عز وجل : ( @QUR@04 يرونهم مثليهم رأي العين ) (2)، وما كانوا ~~مثليهم في عين الحس ، فما ذاك إلا بعين الخيال ، فهو حق في الخيال ، وليس ~~بحق في الحس ؛ لاختلاف النشأتين ، وهذا كما ترى في المنام اللبن تشربه ولم ~~يكن ذلك سوى ms449 عين العلم ، فما رأيته لبنا وهو علم ليس إلا بعين الخيال. # ومن هذا يظهر أن الرؤية ليس من شرطها أن تكون بالعين ، ولا المرئي إنما ~~يسمى مرئيا لكونه يحصل بالعين ، بل لأنه غاية انكشاف الشيء ، فلو وقعت غاية ~~الانكشاف بقوة أخرى كانت حقيقته الرؤية بحالها ، كالصور التي يراها النائم ~~في عموم أوقاته ، فالنفوس إذا كانت قوية كان اقتدارها على الاختراع أقوى ، ~~فتكون متصوراتها موجودات خارجية حاضرة عندها بذواتها ، وعند من تكون درجته ~~في القوة والنورية هذه الدرجة ، كما مر في مباحث النشآت ، نقلا عن صاحب ~~الفتوحات. # روى عباية الأسدي قال : دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام ، وعنده رجل ~~رث الهيئة ، وأمير المؤمنين عليه السلام مقبل عليه يكلمه قال : فلما قام ~~الرجل ، قلت : يا أمير المؤمنين ، من هذا الذي أشغلك عنا؟ قال : هذا وصي ~~موسى عليه السلام (3). PageV02P350 ### ||| * فصل # ومن الغرائب تشكلهم بأشكال غير أشكالهم المحسوسة ، وهم في دار الدنيا ؛ ~~لقوة انسلاخهم من أبدانهم ، وبعد انتقالهم أيضا إلى الآخرة ؛ لازدياد تلك ~~القوة بارتفاع المانع البدني ؛ وذلك لأن لكل من الأرواح والنفوس صورا كثيرة ~~مثالية مختلفة على حسب اختلاف الصفات النفسانية ، وأغراضها ، واختلاف ~~المظاهر والمواضع والأزمنة ، وغيرها. # روى في الكافي ، بإسناده عن مولانا الصادق عليه السلام ، قال : إن أبي كان ~~قاعدا في الحجر ، ومعه رجل يحدثه ، فإذا هو بوزغ يولول بلسانه ، فقال أبي ~~للرجل : أتدري ما يقول هذا الوزغ؟ قال : لا علم لي بما يقول ، قال : فإنه ~~يقول : والله لئن ذكرتم عثمان بشتمة لأشتمن عليا حتى يقوم من هاهنا ، قال : ~~وقال أبي : ليس يموت من بني أمية ميت إلا ومسخ وزغا ، قال : وقال : إن عبد ~~الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا ، فذهب من بين يدي من كان عنده ، ~~وكان عنده ولده ، فلما أن فقدوه عظم ذلك عليهم ، فلم يدروا كيف يصنعون ، ثم ~~اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا فيصنعوه كهيئة الرجل ، قال : ففعلوا ذلك ، ~~وألبسوا الجذع درع حديد ، ثم ألقوه (1) في الأكفان ، فلم يطلع عليه أحد من ~~الناس ، إلا أنا ms450 وولده (2). # أقول : إن هذا من أغرب الغرائب. PageV02P351 ### ||| * فصل # ومن الغرائب الإنسانية : دخولهم في العوالم الملكوتية كلها ، كدخول ~~الملائكة في هذا العالم ، وتشكلهم بأشكال أهله ، وظهورهم في خيالات ~~المكاشفين ، كظهور الملائكة والجن. # قال القيصري (1): وهؤلاء هم المسمون بالبدلاء ، وقد يفرق بينهم وبين ~~الملائكة أصحاب الأذواق بموازينهم الخاصة بهم ، وقد يلهمهم الحق سبحانه ما ~~يحصل به العلم بهم ، وقد يحصل بإخبارهم عن أنفسهم (2). ### ||| * فصل # ومن الغرائب الإنسانية مصاحبتهم مع الملائكة ، ومجالستهم معهم ، وأخذهم ~~العلوم منهم ، كما مضى في مباحث النبوة. # قال مولانا الكاظم عليه السلام : «ما من ملك يهبطه الله في أمر ، ما يهبطه ~~إلا بدأ بالإمام ، فعرض ذلك عليه ، وإن مختلف الملائكة من عند الله تبارك ~~وتعالى إلى # أنظر ترجمته في : معجم المؤلفين : 4 : 142 ، والكنى والألقاب : 3 : 98 ، ~~والأعلام : 2 : 335. PageV02P352 # صاحب هذا الأمر» (1). # وفي الصحيح ، عن أبي حمزة الثمالي ، قال : دخلت على علي بن الحسين ~~عليهما السلام ، فاحتبست في الدار ساعة ، ثم دخلت البيت ، وهو يلتقط شيئا ، ~~وأدخل يده من وراء الستر ، فناوله من كان في البيت ، قلت : جعلت فداك ، هذا ~~الذي أراك تلتقطه أي شيء هو؟ فقال : فضلة من زغب الملائكة ، نجمعه إذا ~~خلونا ونجعله سنحابا (2) لأولادنا ، فقلت : جعلت فداك ، وإنهم ليأتونكم؟ ~~فقال : يا با حمزة ، إنهم ليزاحمونا على تكائنا (3). # أقول : الزغب : الشعيرات الصغار من ريش الفراخ ، وسنحاب : ككتاب ، قلادة. # وتصديق هذا الحديث قوله عز وجل ، حكاية عن السامري : ( @QUR@010 بصرت بما ~~لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول ) (4). # وفي معناه روايات مستفيضة عن أهل البيت عليهم السلام ، رويت في الكافي (5) ~~، والبصائر (6)، وغيرهما ، قال الله تعالى : ( @QUR@07 الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا تتنزل PageV02P353 # @QUR@06 عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ) الآية (1). # قال في الفتوحات : ومن نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة ، ونعم الجلساء ، ~~هم أنوار خالصة ، لا فضول عندهم ، وعندهم العلم الإلهي ، الذي لا مرية فيه ~~، فيرى جليسهم في مزيد علم بالله دائما مع الأنفاس ، فمن ادعى مجالسة الملأ ~~الأعلى ولم يستفد في نفسه علما بربه ، فليس بصحيح الدعوى ، وإنما هو ms451 صاحب ~~خيال فاسد (2). ### ||| * فصل # ومن الغرائب مصاحبتهم الجن ، ومجالستهم معهم ، واستفادة بعض العلوم ~~الجزئية ، وخبر بعض الحوادث منهم ، أو إفادة المعالم الدينية والشرائع لهم ~~، أو استخدامهم في الحوائج، أو غير ذلك. # قالت حكيمة بنت موسى : رأيت الرضا عليه السلام واقفا على باب بيت الحطب ، ~~وهو يناجي ، ولست أرى أحدا ، فقلت : يا سيدي ، لمن تناجي؟ فقال : هذا عامر ~~الزهرائي أتاني يسألني ، ويشكو إلي ، فقلت : سيدي أحب أن أسمع كلامه ، فقال ~~لي : إنك إن سمعت به حممت سنة ، فقلت : سيدي أحب أن أسمعه ، فقال لي : ~~اسمعي ، فاستمعت ، فسمعت شبه الصفير ، وركبتني الحمى ، فحممت سنة (3). # وقال سدير الصيرفي : أوصاني أبو جعفر عليه السلام بحوائج له بالمدينة ، PageV02P354 # فخرجت ، فبينا أنا بين فج الروحاء على راحلتي إذا إنسان يلوي بثوبه ، قال ~~: فملت إليه ، وظننت أنه عطشان ، فناولته الإداوة ، فقال : لا حاجة لي بها ~~، وناولني كتابا طينه رطب ، قال : فلما نظرت إلى الخاتم إذا خاتم أبي جعفر ~~عليه السلام ، فقلت : متى عهدك بصاحب الكتاب؟ قال : الساعة ، وإذا في الكتاب ~~أشياء يأمرني بها ، ثم التفت فإذا ليس عندي أحد ، قال : فقدم أبو جعفر ~~عليه السلام ، فلقيته ، فقلت : جعلت فداك ، رجل أتاني بكتابك ، وطينه رطب ، ~~فقال لي : يا سدير ، إن لنا خدما من الجن ، فإذا أردنا السرعة بعثناهم (1). # وقال سعد الإسكافي : أتيت أبا جعفر عليه السلام أريد الإذن عليه ، فإذا ~~رحال إبل على الباب مصفوفة ، وإذا الأصوات قد ارتفعت ، ثم خرج قوم معتمين ~~بالعمائم ، يشبهون الزط ، قال : فدخلت على أبي جعفر عليه السلام ، فقلت : ~~جعلت فداك أبطأ إذنك علي اليوم ، ورأيت قوما خرجوا علي معتمين بالعمائم ، ~~فأنكرتهم ، فقال : وتدري من أولئك يا سعد؟ قال : قلت : لا ، قال : فقال : ~~أولئك إخوانك من الجن ، يأتونا فيسألونا عن حلالهم وحرامهم ، ومعالم دينهم (2). # وفي معنى هذه الأحاديث ، وما يقرب منها روايات مستفيضة عن أهل البيت ~~عليهم السلام ، رويت في الكافي ، والبصائر (3)، وغيرهما (4). # قال في الفتوحات : إن الجان هم أجهل العالم الطبيعي (5)، ويتخيل جليسهم ~~بما يخبرونه من حوادث الأكوان ، وما يجري في العالم ms452 أنها تحصل لهم ، PageV02P355 # من استراق السمع بالملأ الأعلى ، فيظن جليسهم أن ذلك من كرامة ، هيهات ~~لما ظنوا ، ولهذا ما ترى قط أحدا جالسهم فحصل عنده علم بالله جملة ، غايته ~~أن يمنحوه من علم خواص النبات والأحجار ، والأسماء ، والحروف ، فهو علم ~~السيميا ، فلم يكتسب منهم إلا العلم الذي ذمته الشرائع ، ومن ادعى صحبتهم ~~وهو صادق في دعواه فاسأله عن مسألة في العلم الإلهي ، ما تجد عنده أصلا ، ~~فرجال الله يفرون من صحبتهم أشد فرارا منهم من الناس، فإنه لا بد أن تورث ~~صحبتهم في النفس تكبرا على الغير بالطبع ، وازدراء بمن ليس له في صحبتهم ~~قدم ، وقد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة وظهرت لهم براهين على صحة ما ادعوه ~~من صحبتهم ، وكانوا أهل اجتهاد وعبادة ، ولكن لم يكن عندهم من جهتهم شمة من ~~العلم بالله ، ورأينا فيهم غرة ، وتكبرا. # قال : فمجالستهم ردية جدا ؛ لأن أصلهم نار ، والنار كثيرة الحركة ، ومن ~~كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه ، فهم أشد فتنة على جليسهم من الناس (1). ### ||| * فصل # ومن الغرائب سماعهم للأصوات الملكوتية ، كسماع الأنبياء عليهم السلام ~~الوحي النازل عليهم كلاما منظوما ، كما مضى بيانه ، أو مثل صلصلة الجرس ، ~~ودوي النحل ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه كان يسمع ~~ذلك ، ويفهم المراد منه (2)، وكسماعهم وسماع الأولياء أيضا بنورهم أصوات ~~عذاب الأموات في PageV02P356 # قبورهم ، وهذا يشاركهم فيه جميع الموجودات ما عدا الثقلين ، الجن والإنس. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان على بغلة إذ حادت به ، وكادت تلقيه ~~، وإذا أقبر خمسة ، أو ستة ، فسأل عن أصحابها فقيل : ماتوا في الشرك ، فقال ~~: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلو لا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم ~~من عذاب القبر الذي أسمع منه (1). # وعن مولانا الباقر عليه السلام ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله : إني ~~كنت لأنظر إلى الإبل والغنم وأنا أرعاها ، وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم ، ~~فكنت أنظر إليها قبل النبوة وهي ممتلية من المكينة (2) ما حولها ms453 شيء يهيجها ~~، حتى تذعر وتطير ، فأقول : ما هذا ، وأعجب حتى حدثني جبرئيل عليه السلام أن ~~الكافر يضرب بضربة ما خلق الله شيئا إلا سمعها ، ويذعر لها إلا الثقلين (3). # وكسماعهم التسليم والتسبيح من الأحجار ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام : ~~«خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة ، فما لقينا شجر ولا حجر إلا ~~وقال : السلام عليك يا رسول الله» (4). # قال في الفتوحات : إن المسمى بالجماد والنبات لهم أرواح بطنت عن إدراك ~~غير أهل الكشف إياها ، في العادة ، فلا يحس بها مثل ما يحس من الحيوان ، ~~فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق ، بل حي ناطق ، غير أن هذا المزاج الخاص ~~يسمى إنسانا لا غير ، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف ، PageV02P357 # فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين ، بلسان تسمعه آذاننا ، وتخاطبنا ~~مخاطبة العارفين بجلال الله ، مما ليس يدركه كل إنسان. # وقال في موضع آخر : وليس هذا التسبيح بلسان الحال ، كما يقوله أهل النظر ~~ممن لا كشف له ، قيل : إن الإنسان إذا أراد أن يبلغ إلى هذا المقام يجب أن ~~يصير حيوانا مطلقا ، لئلا يزاحمه العقل ؛ ولهذا من يبلغ إليه يصير أبكم. # قال صاحب الفتوحات : لما أقامني الله تعالى في هذا المقام ، تحققت ~~بحيوانيتي تحققا كليا ، وكنت أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده ، فلا أستطيع (1). ### ||| * فصل # ما ذكرناه أنموذج من عجائب النشأة الإنسانية ، وغرائبها ، ولها عجائب ~~أخرى ، وغرائب لا تحصى ، بعضها مذكور في الكتب التي صنفت في هذا ، ككتاب ~~«عجائب المخلوقات» (2)، وكتاب «عجائب الحيوان» ، وغير ذلك. PageV02P358 # وليعلم أن العادة متعلقة بالتقدير الأزلي الواقع في علم الله سبحانه ، ~~الجاري على سنة الله تعالى ، وخرق العادة يتعلق بذلك لا على السنة ، بل ~~إظهارا للقدرة ، وهو إن صدر عن الأنبياء يسمى معجزة ، وإن صدر عن الأولياء ~~والصلحاء والمؤمنين يسمى كرامة ، وإن صدر من غيرهم يسمى سحرا وكهانة ، وغير ذلك. # وقد يصدر من بعض الملوك شديد الهمة والبأس ، بعض الخوارق ، ولكن لا يدل ~~ذلك على كرامة. # ثم إن هؤلاء جميعا إن ساعدتهم الأسباب الخارجية استولوا ms454 على أهل العالم ، ~~وصار كل منهم صاحب قرنه وزمانه ، بحسب الدولة الظاهرة ، وإن لم تساعدهم ~~الأسباب لم يحصل لهم ذلك ، إلا أنهم بأي أمر اشتغلوا كانوا فيه بالكمال ، ~~لا كمال إلا لله وحده. PageV02P359 ### | في الجنة والشياطين ### ||| * ( @QUR@07 والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) (1) ### ||| * فصل # إن في الوجود نفوسا أرضية قوية ، لا في غلظ النفوس السبعية والبهيمية ، ~~وكثافتها وقلة إدراكها ، ولا على هيئات النفوس الإنسانية واستعداداتها ، ~~ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة الغالبة عليها الأرضية ، ولا في صفاء النفوس ~~المجردة ولطافتها ؛ لتتصل بالعالم العلوي ، وتتجرد بالكلية ، فهي إذن ~~متعلقة بأجرام عنصرية ، غلبت عليها الهوائية ، والنارية ، أو الدخانية ، ~~على اختلاف أحوالها ، ومنازلها ، وهي الجنة والشياطين. # قال الله تعالى : ( @QUR@06 وخلق الجان من مارج من نار ) (2)، والمرج ~~الاختلاط ، فإن النار فيه مختلطة بالهواء ، والمارج لهذين العنصرين كالطين ~~للآخرين (3). # والجن من الاجتنان ، بمعنى الاختفاء ، سميت به ؛ لاستتارهم عن الأبصار ؛ ~~ولهذا سميت به الملائكة أيضا في قوله سبحانه : ( @QUR@04 وجعلوا بينه وبين الجنة PageV02P360 # @QUR@01 نسبا ) (1). والشياطين في قوله تعالى : ( @QUR@03 كان من الجن ) (2). # فهي أجسام لطيفة ، حية ، ذوات نفوس قوية ، غالبة على أجسادها ، قادرة على ~~التمدد والانقباض ، وعلى تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ، بعضها مما يوجب لها ~~سهولة النفوذ في المنافذ ، وعلى الأعمال الشاقة ، قال الله عز وجل ، في قصة ~~سليمان ، على نبيناو عليه السلام : ( @QUR@08 ومن الجن من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه ) (3)، إلى أن قال : ( @QUR@011 يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) (4). # ولعل الوجه في ظهور صورها في بعض الأوقات دون بعض ، أن أبدانها لطيفة ، ~~مقتصدة في اللطافة ، قابلة للتخلخل والتكاثف ، فإذا صارت متكاثفة غلظ ~~قوامها ، فرؤيت ، وإذا صارت متخلخلة دق قوامها ولطف جسمها ، فغابت عن ~~الأبصار ، كالهواء إذا صار غيما بالتكاثف رؤي ، وإذا عاد إلى لطافته لم ير ~~، فإن الغيم ربما يكون بتكاثف الهواء نفسه من دون مدد من بخار البحار ، كما ~~مضى ذكره. # ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا ، وإدراكاتنا الوهمية ، وأوائل ~~العقليات. # قال الله جل جلاله : ( @QUR@09 وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن ms455 فلما PageV02P361 # @QUR@09 حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) (1)، ~~فمنهم مؤمن صالح ، ومنهم كافر مارد ، قال الله تعالى ، حكاية عنهم : ( ~~@QUR@05 وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) (2)، وقال سبحانه أيضا عنهم : ~~( @QUR@013 إنا سمعنا قرآنا عجبا* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا ~~أحدا ) إلى قوله : ( @QUR@07 وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) (3). # قال مولانا الصادق عليه السلام : «الجن على ثلاثة أجزاء : فجزء مع ~~الملائكة ، وجزء يطيرون في الهواء ، وجزء كلاب وحيات» (4). ### ||| * فصل # قيل : لما كان لنفوسها ضرب من الفعلية والكمال في أول الفطرة ؛ لغلبة ~~النارية على أبدانها ، فليس لها إمكان الترقي إلى الكمالات العقلية ، كما ~~للإنسان الذي خلق ضعيفا تهيأ لذلك ، وفعلية صورها تضاد لفعلية صور الأنوار ~~السماوية ، ولهذا صارت مزجورة عنها ، مرجومة من ملائكتها ، كلما دنت وقربت ~~إليها لاستراق السمع صارت مدحورة مرجومة من معدن النور والرحمة ، كما قال ~~سبحانه : ( @QUR@07 فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) (5)، وهو من ~~الأنوار الملكية ، أو الفلكية المضادة لها نفسا وبدنا. PageV02P362 # وقال عز وجل : ( @QUR@020 لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب* ~~دحورا ولهم عذاب واصب* إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) (1). # وروي أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ، ثم تجاوز سماء الدنيا إلى غيرها ~~، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من مجاوزة سماء الدنيا ، وصاروا يسترقون ~~منها السمع ، فيستمع الجني الكلمة يتكلم بها الملك من أمر الله ، فيلقيها ~~لوليه من الإنس ، فيخلط فيها الكذب ، حتى ولد نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، ~~فمنعوا من التردد إلى السماء ، إلا قليلا ، حتى بعث النبي صلى الله عليه وآله ~~فمنعوا أصلا. # قال تعالى ، حكاية عنهم : ( @QUR@021 وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا* وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا ) (2) الآيات. # وفي الاحتجاج عن مولانا الصادق عليه السلام ، في حديث يذكر فيه أخبار ~~الكاهن ، قال: «وأما أخبار السماء فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق ~~السمع إذ ذاك وهي لا تحجب ، ولا ترجم بالنجوم ، وإنما منعت من استراق ms456 السمع ~~لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء ، فيلبس على أهل الأرض ما ~~جاءهم عن الله لإثبات الحجة، ونفي الشبهة ، وكان الشيطان يسترق الكلمة ~~الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه ، فيختطفها ، ثم يهبط بها ~~إلى الأرض فيقذفها إلى الكاهن ، فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحق ~~بالباطل ، فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما أداه إليه شيطانه ~~مما سمعه ، وما أخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه ، فمذ منعت الشياطين عن PageV02P363 # استراق السمع انقطعت الكهانة» (1). ### ||| * فصل # لا تستبعدن حصول الحياة في النار ، فإنك قد دريت أن المتعلق للنفس ~~أولاهما القلب والروح ، وهما في غاية السخونة ، بل الحق أن الحياة لا تحصل ~~إلا بسبب الحرارة الغريزية. # ومن هنا قد يقال : إن كرة النار مملوءة من الروحانيات. # ولا تستنكرن أيضا أن تشتعل الأجرام الدخانية الجنية والشيطانية بأشعة ~~الكواكب ، فتحترق وتهلك ، أو تنزجر من الارتقاء إلى الأفق السماوي ، فإنها ~~ليست بخارجة عن حد الجواز والإمكان ، وقد نطق بها القرآن الصادع به سيد ~~الإنس والجان ، صلوات الله عليه وآله. ### ||| * فصل # للجن غذاء ، وتوالد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله في العظم : «إنه زاد ~~إخوانكم من الجن» (2). # وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام ، أنه سئل عن الاستنجاء بالعظم والروث ~~والعود ، فقال : «أما العظم والروث فطعام الجن ، وذلك مما اشترطوا على رسول PageV02P364 # الله صلى الله عليه وآله ، فقال : لا يصلح بشيء من ذلك» (1). # وفي كتاب من لا يحضره الفقيه : إن وفد الجان جاؤوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، فقالوا : يا رسول الله ، متعنا ، فأعطاهم الروث والعظم ~~(2). قيل : إنهم يغتذون بريحها. # قال صاحب الفتوحات : لما غلب على الجان عنصر الهواء والنار ، لذلك كان ~~غذاؤهم ما يحمله الهواء مما في العظام من الدسم ، فإن الله جاعل لهم فيها ~~رزقا (3). # قال : وأخبرني بعض المكاشفين أنه رآهم يجيؤون إلى العظام حتى يقربوا منها ~~، كما تقرب النحلة من الزهرة ، ثم ترجع ، وقد أخذت رزقها وغذاءها ms457 ، في ذلك ~~القدر ، فسبحان اللطيف الخبير. # قال : وكما وقع التناسل في البشر ، بإلقاء الماء في الرحم ، كذلك وقع في ~~الجان ، بإلقاء الهواء في رحم الأنثى منهم. # وأما اجتماع بعضهم ببعض عند النكاح فالتواء ، مثل ما تبصر الدخان الخارج ~~من الأتون (4)، أو من فرن الفخار ، يدخل بعضه في بعض ، فليتذ كل واحد من ~~الشخصين بذلك التداخل ، ويكون ما يلقونه كلقاح النخلة ، بمجرد الرائحة ~~كغذائهم سواء (5). PageV02P365 ### ||| * فصل # وأما الشياطين فليس فيهم نتاج ، إنما تبيض وتفرخ ، وأولادهم ذكور ، ليس ~~فيهم أناث ، كذا في الخصال عن الصادق عليه السلام (1). # وفي تفسير علي بن إبراهيم : أن الشياطين من ولد إبليس ، وليس فيهم مؤمنون ~~إلا واحد اسمه هام بن حيم بن لاقيس بن إبليس ، ثم ذكر قصته مع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله (2). # ويشبه أن يكون توالدهم معنويا تابعا لتوالد بني آدم ، كما أشير إليه ~~بقوله سبحانه في حكاية جرت لآدم وإبليس خطابا للعين : لا يولد له ولد إلا ~~ولد لك ولد (3). # وفي القرآن المجيد : ( @QUR@08 أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم ~~عدو ) (4). فذريته هي أولاده المعنوية. # قال في الفتوحات : إن شيطان الإنس ، أو الجن ، إذا ألقى في قلب العبد ~~أمرا ما يبعده عن الله به ، فقد يلقي أمرا خاصا ، وهو خصوص مسألة بعينها ، ~~وقد يلقي أمرا عاما ، فتح له في ذلك طريقا إلى أمور لا يفطن لها الشيطان ~~الجني ، ولا الإنسي ، تتفقه فيه النفس ، وتستنبط من تلك الشبه أمورا إذا ~~تكلم بها تعلم منه PageV02P366 # إبليس الغواية ، فتلك الوجوه التي تنفتح له في ذلك الأسلوب العام الذي ~~ألقاه إليه أولا شيطان الإنس ، أو الجن ، تسمى شياطين معنوية ؛ لأن كل واحد ~~من شياطين الإنس والجن يجهلون ذلك ، وما قصدوه على التعيين ، وإنما أرادوا ~~بالقصد الأول فتح هذا الباب عليه ، فإنهم علموا أن في قوته وفطنته أن يدقق ~~النظر فيه ، فينقدح له من المعاني المهلكة لا يقدر على ردها بعد ذلك ، ~~وسببه ذلك الأصل الأول ، فإنه اتخذه أصلا صحيحا ، ودل عليه ، فلا يزال ~~التفقه فيه يسرقه حتى ms458 خرج به عن ذلك الأصل. # وعلى هذا جرى أهل البدع والأهواء ، فإن الشياطين ألقت إليهم أصلا صحيحا ، ~~يشكون فيه ، ثم طرأت عليهم التلبيسات من عدم الفهم ، حتى ضلوا ، فينسب ذلك ~~إلى الشيطان بحكم الأصل ، ولو علموا ذلك علموا أن الشيطان في تلك المسائل ~~تلميذ لهم، يتعلم منهم (1). ### ||| * فصل # لما كان لكل ما له وجود في عالم الحس ، كذلك له وجود في عالم الغيب ~~والتمثل ، فالجنة والشياطين كما أن لهما وجودا في هذا العالم عالم الحس ~~كذلك لهما وجود في ذلك العالم ، وكأنه إليه أشير في حديث مولانا الصادق ~~عليه السلام : «فجزء مع الملائكة» (2). # ولهما في ذلك العالم صور مختلفة ، حسب اختلاف الصفات النفسانية PageV02P367 # وأغراضها ، كما مرت الإشارة إليه في الغرائب الإنسانية. # وربما يتمثلان لأهل هذا العلم ببعض صورهما ، ويلتبس على الرائي بالصور ~~الحسية الظاهرة ، كما يتمثلان بصورهما الموجودة في هذا العالم ، وقد ذكرنا ~~فيما سلف بيان هذا الالتباس. # وأكثر ما يكون هذا في المواضع المظلمة ، والغارات ، والحمامات الخالية ، ~~والبوادي القفرة ، حيث يكون اشتغال النفس بالحواس الظاهرة قليلا ، وسلطنة ~~الخيال قوية ، ولا سيما النفوس الناقصة الواهنة الكاهنة. # ويشبه أن يكون تمثلها لأمثال هذه النفوس ، كتمثل الملائكة للنفوس الكاملة ~~، ووجودهما في عالم الغيب على أصناف ، خلقت ثمة على سبيل الإبداع ، وصنف ~~انتقلت إليه من هذا العالم بعد قطع تعلقها عن الأبدان الطبيعية الجنية ، أو ~~الإنسية ؛ وذلك لأن الناقصة من النفوس الإنسانية تلتحق هناك بالجن ، ~~والشريرة منها تلتحق بالشياطين ، كما أن الكاملة منها تلتحق بالملائكة. # يرشد إلى ذلك قول الله عز وجل : ( @QUR@07 يا معشر الجن قد استكثرتم من ~~الإنس ) (1). # قال بعض الحكماء : إن النفوس المتجسدة الخيرة ملائكة بالقوة ، فإذا خرجت ~~قوتها إلى الفعل ، وفارقت أجسادها ، صارت ملائكة بالفعل ، وكذلك النفوس ~~المتجسدة الشريرة هي شياطين بالقوة ، فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين ~~بالفعل. # فهذه النفوس الشيطانية توسوس أهل الشيطنة بالقوة لتخرجها من القوة PageV02P368 # إلى الفعل ، كما قال تعالى : ( @QUR@010 شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا ) (1). # أو شياطين الإنس هي النفوس المتجسدة الشريرة ms459 ، آنست بالأجساد ، وشياطين ~~الجن هي النفوس الشريرة المفارقة للأجساد المستحجبة عن الأبصار. # ومثل وسوسة هذه النفوس المفارقة لهذه النفوس المتجسدة كمثل من قويت شهوته ~~للطعام والشراب ، وضعفت حرارته الهاضمة عن نضجها ، فهو يشتهي ولا يستمرىء ، ~~فعند ذلك تكون همته أن يرى الطعام والشراب ، والآكلين لهما ، لينظر إليهم ~~فيستروح من ألم شهواته الممنوع عنها ؛ لضعف الآلة ، وبطلان فعل القوة ، ~~فهكذا حكم تلك النفوس المفارقة ، كما أشير إليه بقوله تعالى : ( @QUR@012 ~~من شر الوسواس الخناس* الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنة والناس ) (2). ### ||| * فصل # ولما كانت الجنسية علة الضم ، فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم ~~إليها الأرواح الطاهرة النورانية من النفوس الكاملة المفارقة للأبدان ~~الواقعين في عالم الملكوت مع الملائكة المبتدعة هنالك ، فيعينونها على ~~أعمالها التي هي من باب الخيرات والمبرات. PageV02P369 # والنفوس الشريرة الخبيثة تنضم إليها الأرواح الخبيثة من النفوس الشريرة ~~المفارقة عن الأبدان الواقعين هنالك مع الشياطين ، فيعينونها على أعمالها ~~التي هي من باب الشرور والآثام ، والظلم والعدوان ، ويسمى الأول إلهاما ، ~~والثاني وسوسة ، كما مضى بيانه في مباحث الملائكة الموكلين بالحيوان الكامل ~~، وقد أسمعناك كلاما آخر في وسوسة الشيطان ، وإخراجه آدم من الجنة بسبب ~~الحية في مباحث تقدم خلق الأرواح على الأجساد ، وتأخرها عنه ، وهبوط آدم من الجنة. ### ||| * فصل # قال بعض العلماء : إن أصل الضلالة والعمى والجهل من الشيطان ، وأصل الهدى ~~والبصيرة واليقين من الملك. # واسم إبليس كشجرة خبيثة ، والشياطين بمنزلة أغصان هذه الشجرة الملعونة ، ~~وأوراقها وأثمارها هي الأفكار الجزئية المتعلقة بالشهوات العاجلة الحيوانية ~~، واللذات الدنياوية ، وإليه أشير في قوله تعالى : ( @QUR@016 إنها شجرة ~~تخرج في أصل الجحيم* طلعها كأنه رؤس الشياطين* فإنهم لآكلون منها فمالؤن ~~منها البطون ) (1). # واسم الملك والعقل كاسم شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها ، كما أشير إليه في القرآن ، وثمارها الحاصلة منها ~~هي العلوم الكلية ، والمعارف الإلهية ، وهي أيضا شجرة طوبى التي غرستها يد PageV02P370 # الرحمن ، وهي أيضا شجرة مباركة ، لا شرقية ولا غربية ، لتجردها عن شرق ~~العالم وغربه ، وعدم اختصاصها بمكان أو زمان ms460 ، فلا توجد في جانب دون جانب ، ~~كما لا توجد في وقت دون وقت. ### ||| * فصل # وقال بعضهم : إن أول من سلك سبيل الغواية والضلالة ، وطرده الحق عن عالم ~~رحمته، ووقع عليه اسم إبليس ، هو جوهر نطقي شرير ، يتولد من طبقة دخانية ~~نارية ، لها نفس ملكوتية ، صدرت بجهة ظلمانية ردية ، شأنه الإغواء ، وسبيله ~~الإضلال ، كما في قوله تعالى ، حكاية عن اللعين : ( @QUR@07 فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين ) (1)، وقوله : ( @QUR@06 فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) (2)؛ وذلك لأن له سلطنة بحسب الطبع ~~على الأجسام الدخانية والبخارية ، ونفوسها الجزئية ، والطبائع الوهمانية ، ~~وتطيعها تلك النفوس والقوى الوهمانية لمناسبة النقص والشرارة ، وكونه ~~مجبولا على الإغواء والإفساد والاستكبار ، وادعاؤه العلو ، كما في قوله ~~سبحانه : ( @QUR@05 أستكبرت أم كنت من العالين ) (3)، إنما هو بمقتضى طبعه ~~، الغالب عليه النارية الموجبة للإهلاك والعلو. # ووجه تأثيره في نفوس الآدميين : إما من جانب المؤثر ، فللطافته ، وسرعة ~~نفوذه في عروقهم ، ولطائف أعضائهم ، وأخلاطهم التي هي محال الشعور PageV02P371 # والاعتقاد ، واقتداره على إغوائهم بالوسوسة والإضلال ، كما ورد في الحديث ~~: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم» (1). # وفي القرآن المجيد : ( @QUR@08 إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) (2). # وإما من جانب القابل ؛ فلقصور القوى الإدراكية لأكثر الإنسان ، وضعفها عن ~~المعارضة والمجاهدة مع جنوده ، وإغوائهم من القوى الشهوية والغضبية ، ~~وغيرهما ، لا سيما الوهمية ، إلا من عصمه الله من عباده المخلصين ، والذين ~~أيدهم الله بالعقل ، وهداهم إلى الصراط المستقيم ( @QUR@09 أولئك حزب الله ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (3). ### ||| * وصل # وكأن عن هذا الملعون عبر بالجهل ، في ما رواه في الكافي ، بإسناده عن ~~مولانا الصادق عليه السلام ، قال : إن الله خلق العقل وهو أول خلق من ~~الروحانيين عن يمين العرش من نوره ، فقال له : أدبر ، ثم قال له : أقبل ، ~~فأقبل ، فقال الله تعالى : خلقتك خلقا عظيما ، وكرمتك على جميع خلقي ، قال ~~: ثم خلق الجهل من البحر الأجاج ، ظلمانيا ، فقال له : أدبر ، فأدبر ، ثم ~~قال له : أقبل ، فلم يقبل ، فقال له : استكبرت ، فلعنه ، ثم جعل للعقل خمسة ~~وسبعين جندا ، فلما ms461 رأى الجهل ما أكرم الله به العقل ، وما أعطاه ، أضمر له ~~العداوة، فقال الجهل : يا رب ، هذا خلق مثلي ، PageV02P372 # خلقته وكرمته ، وقويته ، وأنا ضده ، ولا قوة لي به ، فأعطني من الجند مثل ~~ما أعطيته ، فقال : نعم ، فإن عصيت بعد ذلك أخرجتك وجندك من رحمتي ، قال : ~~قد رضيت ، فأعطاه خمسة وسبعين جندا. الحديث بطوله (1). ### ||| * فصل # يشبه أن يكون الإنسان إذا غلبت عليه الشيطنة من الحيلة والمكر والتمرد عن ~~طاعة الله ، وطلب الأنانية والافتخار ، وزالت عنه السكينة والطمأنينة ، ~~وانقطع عن قلبه إلهام الملائكة ، وإفاضة الحق عليه بالعلوم الحقة الإيمانية ~~، أن تتحد نفسه بذلك الجوهر النطقي الملكوتي ، الذي هو بمنزلة رب نوع ~~الشياطين ، وهو مظهر اسم المضل ، فيكون مآله إلى دار البوار ، ومنزل ~~الأشرار. # كما أنه إذا غلب عليه طلب المعرفة ، وطهر أرض نفسه من خبائث الصفات ~~الرذيلة، والشرور النفسانية ، من طلب الشهوات والمعاصي والسفسطة في العقائد ~~، والوسواس في العبادات ، والحيلة في المعاملات ، وتنور قلبه بالإيمان ~~بالله واليوم الآخر ، والاعتقادات الحقة ، وكمل في ذلك ، تتحد نفسه بالعقل ~~الذي هو رب نوع الإنسان ، ومظهر اسم الهادي ، فتكون عاقبته إلى جوار الله ، ~~في مقعد صدق. # ومن هنا قيل : إبليس كل إنسان هو نفسه عند متابعة الهوى ، وسلوك طريق ~~الوسواس ، والجحود والعتو والاستكبار ، فافهم ، فإنه من الأسرار الغامضة ، ~~أعاذنا الله من شر إبليس وجنوده. PageV02P373 ### | في حدوث العالم ### ||| * ( @QUR@011 إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ### ||| * @QUR@09 استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس ### ||| * @QUR@011 والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ### ||| * @QUR@01 العالمين ) (1) ### ||| * فصل # إن للعالم ربا مبدعا ، محدثا ، صانعا ، قيوما ، مدبرا ، أزليا ، واجبا ~~لذاته ، عالما به قبل كونه ، كان في الأزل وليس في الوجود رسم ، ولا طلل ، ~~كما في الحديث المشهور : «كان الله ولم يكن معه شيء» (2)، وإنما أحدث ~~العالم عن العدم البحت ، والليس الصرف ، والنفي المحض ، إلى فضاء الوجود ، ~~وعرصة الشهود ، لا من شيء كان ، ولا مثال سبق ، وكان لم يزل بلا زمان ، ولا ~~مكان ، وهو الآن كما ms462 كان ليس بينه وبين شيء من المكانيات امتداد مكاني ، ~~ولا طرف امتداد مكاني ، ولا بينه وبين شيء من الزمانيات امتداد زماني ، ولا ~~طرف امتداد زماني ، وهو بكل شيء محيط. PageV02P374 ### ||| * فصل # حدوث العالم بمعنى افتقاره إلى الصانع ، ومسبوقيته بالعدم في الجملة ، أي ~~الأعم من العدم في الزمان من ضروريات الدين ، وعليه إجماع المسلمين ، بل ~~العقلاء كافة ، والحكماء أجمعين ، وله وجوه من البراهين ، وقد خلت منا ~~إشارات وتنبيهات على طرف من ذلك. # والآن نريد أن نذكر نبذا مما ورد فيه عن الأئمة المعصومين عليهم السلام ، ~~مما هو جامع بين نوري العقل والشرع ، وشيئا مما ذكر فيه بعض قدماء أصحابنا ~~رحمهم الله والحكماء الأقدمين، ثم نذكر البرهان على الحدوث الزماني للعالم ، ~~بمعنى كونه مسبوقا بالعدم الزماني على حسب ما يليق به ، ويكشف عن معنى ~~العدم السابق عليه ، وكيفية تأخره عن الحق ، وتقدم الحق عليه ، من غير أن ~~يكون الله سبحانه في طرف الزمان ، أو في شيء منه ، على ما فهمه أكابر ~~العرفاء ، وحققه آحاد العلماء ، قدس الله أسرارهم ، وهو معنى غامض ، لا ~~تناله أيدي الأكثرين ، وليس اعتقاده من ضروريات الدين ، ولا اعتقاد الحدوث ~~الزماني بأي معنى أريد ، كما يظهر من التتبع لكلمات السلف من علماء الدين ، ~~فإنها صريحة في أن الواجب اعتقاده إنما هو افتقار العالم إلى الصانع ، ~~ومسبوقيته بالعدم في الجملة ، خاصة وأن إطلاق حدوث العالم راجع إليه ، وأن ~~الغرض من إثباته الرد على الدهرية ، والطبيعيين ، المنكرين للصانع ، ~~الزاعمين لقدم العالم ، ووجوب وجوده ، خذلهم الله ؛ ولذلك كلما سئل العلماء ~~عن البرهان على ذلك أخذوا يستدلون على إثبات الصانع ، وليس في كلامهم عن ~~الزمان حرف أصلا ، إلا إشارات إلى الحدوث الزماني ، بالمعنى الغامض الذي ~~نثبته ، وترميزات إليه ، PageV02P375 # كما هو دأبهم في سائر المكنونات من العلم ؛ تنبيها على أنه من العلم ~~المكنون. # ولو لا مخافة التطويل لنقلنا عباراتهم حتى يتبين صدق ما ذكرناه ، ولكن ~~فيما نذكره من كلام أئمتنا عليهم السلام ، وشيعتهم المتقدمين ، كفاية ، إن ~~شاء الله ، فاستمع لما يتلى عليك من ذلك ، ومن ms463 الله التأييد. ### ||| * فصل # روى الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي رحمه الله ، في كتاب ~~التوحيد ، بإسناده : أنه سأل عبد الكريم بن أبي العوجاء مولانا الإمام ~~الصادق عليه السلام ، فقال : ما الدليل على حدث الأجسام؟ فقال : إني ما وجدت ~~شيئا صغيرا ، ولا كبيرا ، إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال ~~وانتقال عن الحالة الأولى ، ولو كان قديما ما زال ، ولا حال ؛ لأن الذي ~~يزول ويحول يجوز أن يوجد ، ويبطل ، فكون وجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، ~~وفي كونه في الأزل دخوله في العدم ، ولن تجتمع صفة الأزل والعدم في شيء ~~واحد ، فقال عبد الكريم : علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت ، ~~واستدللت على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل ~~على حدوثها؟ فقال العالم عليه السلام : إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع ، ~~فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا إياه ، ~~ووضعنا غيره ، ولكن أجبتك من حيث قدرت أن تلزمنا ، ونقول : إن الأشياء لو ~~دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء منه إلى مثله كان أكبر ، وفي ~~جواز تغيره عليه خروجه من القدم ، كما بان في تغييره دخوله في الحدث ، ليس لك PageV02P376 # وراءه شيء يا عبد الكريم ، فانقطع وخزي (1). # وبإسناده : أنه سأله أبو شاكر الديصاني : ما الدليل على حدوث العالم؟ ~~فقال الصادق عليه السلام : نستدل عليه بأقرب الأشياء ، قال : وما هو؟ فدعا ~~عليه السلام ببيضة ، فوضعها على راحته ، فقال : هذا حصن ملموم ، داخله غرقىء ~~رقيق ، تطيف به فضة سائلة ، وذهبة مائعة ، ثم تنفلق عن مثل الطاووس ، ~~أدخلها شيء؟ قال : لا ، قال : فهذا الدليل على حدث العالم ، قال : أخبرت ~~فأوجزت ، وقلت فأحسنت ، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا ، أو ~~سمعناه بآذاننا ، أو شممناه بمناخرنا ، أو ذقناه بأفواهنا ، أو لسمناه ~~بأكفنا ، أو تصور في القلوب بيانا ، أو استنبطته الروايات إيقانا ، قال ~~عليه السلام : ذكرت الحواس الخمس ، وهي لا تنفع شيئا بغير ms464 دليل ، كما لا ~~تقطع الظلمة بغير مصباح (2). # وبإسناده : أنه دخل على مولانا الرضا عليه السلام رجل ، فقال له : يابن ~~رسول الله ، ما الدليل على حدث العالم؟ قال : أنت لم تكن ، ثم كنت ، وقد ~~علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك من هو مثلك (3). ### ||| * فصل # قال الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي رحمه الله : من الدليل على ~~حدوث العالم : أنا وجدنا أنفسنا وسائر أجسام العالم لا تنفك مما يحدث فيها ~~من الزيادة ، والنقص ، ويجري عليها من الصنعة والتدبير ، ويعتورها من الصور PageV02P377 # والهيئات ، وقد علمنا ضرورة أنا لم نصنعها ، ولا من هو من جنسنا ، وفي ~~مثل حالنا صنعها ، وليس يجوز في عقل ، ولا يتصور في وهم أن يكون ما لم ينفك ~~من الحوادث ولم يسبقها قديما ، ولا أن توجد هذه الأشياء على ما نشاهدها ~~عليه من التدبير ، ونعاينه فيها من اختلاف التقدير ، لا من صانع ، أو تحدث ~~لا بمدبر. # ولو جاز أن يكون العالم بما فيه من اتقان الصنعة ، وتعلق بعضه ببعض ، ~~وحاجة بعضه إلى بعض ، لا بصانع صنعه ، ويحدث لا بموجد أوجده ، لكان ما هو ~~دونه في الإحكام والإتقان أحق بالجواز ، وأولى بالتصور والإمكان ، وكان ~~يجوز على هذا الوضع وجود كتابة لا كاتب لها ، ودار مبنية لا باني لها ، ~~وصورة محكمة لا مصور لها ، ولا يمكن في القياس أن تأتلف سفينة على أحكم نظم ~~، وتجتمع على أتقن صنع ، لا بصانع صنعها ، أو جامع جمعها. # فلما كان ركوب هذا وإجازته خروجا عن النهاية ، والعقول ، كان الأول مثله ~~، بل غير ما ذكرناه من العالم ، أو ما فيه من ذكر أفلاكه ، واختلاف أوقاته ~~، وشمسه ، وقمره ، وطلوعهما ، وغروبهما ، ومجيء برده ، وقيظه ، في أوقاتهما ~~، واختلاف ثماره ، وتنوع أشجاره، ومجيء ما يحتاج إليه منها في إبانه ، ~~ووقته ، أشد مكابرة ، وأوضح معاندة ، وهذا واضح بحمد الله. # قال : وسألت بعض أهل التوحيد والمعرفة عن الدليل على حدث الأجسام ، فقال ~~: الدليل على حدث الأجسام أنها لا تخلو في وجودها من كون وجودها مضمن ~~بوجوده ، والكون هو المحاذاة في ms465 مكان دون مكان ، ومتى وجد الجسم في محاذاة ~~دون محاذاة مع جواز وجوده في محاذاة أخرى ، علم أنه لم يكن في تلك المحاذاة ~~المخصوصة إلا لمعنى ، وذلك المعنى محدث ، PageV02P378 # فالجسم إذن محدث ؛ إذ لا ينفك من المحدث ، ولا يتقدمه (1). ### ||| * فصل # قال تالس الملطي (2) وهو أول من تفلسف بالملطية ، بعدما قدم إليها من مصر ~~: إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة هويته ، وإنما يدرك من جهة ~~آثاره وإبداعه ، وتكوينه الأشياء. # ثم قال : إن القول الذي لا مرد له هو أن المبدع كان ولا شيء مبدع ، فأبدع ~~الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات ؛ لأن قبل الإبداع إنما هو فقط ، وإذا ~~كان هو فقط فليس يقال حينئذ جهة وجهة ، حتى يكون هو وصورة ، أو حيث وحيث ، ~~حتى يكون هو ذو صورة ، والوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين ، والإبداع هو ~~تأييس ما ليس بشيء ، وإذا كان هو مؤيس الآيسات فالتأييس لا من شيء يتقادم ، ~~فمؤيس الأشياء لا يحتاج أن تكون عنده صورة الأيس بالأيسية. # قال : لكنه عنده العنصر الذي فيه صور الموجودات ، والمعلومات كلها ، ~~فانبعثت منه كل صورة موجودة في العالم ، على المثال الذي في العنصر الأول ، PageV02P379 # وهو محل الصور ، ومنبع الموجودات ، وما من موجود في العالم العقلي ~~والعالم الحسي إلا وفي ذات العنصر صورة ومثال عنه (1). # أقول : ويشهد لقوله هذا ما نقلناه فيما سبق عن مولانا زين العابدين ~~عليه السلام : أن في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر ، وإنه ~~تأويل قوله عز وجل : ( @QUR@011 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا ~~بقدر معلوم ) (2)، هذا إن أريد بالعرش العلم ، أو الملك ، دون الجسم ، وإن ~~صح ذلك أيضا من وجه. # وقال أفلاطون (3) الإلهي المعروف بالتوحيد والحكمة من اليونانيين : إن # وتتألف جمهوريته من عشرة كتب ، في خمسة أقسام : 1 بحثه في الأول عن ~~العدالة. 2 الكتاب الثاني والثالث والرابع يبحث عن أركان الدولة ، وتعليم ~~طبقة الحكام ، وبه يحدد المقصود من العدالة في الدولة تجاه الأفراد. 3 ~~الكتاب الخامس والسادس ms466 والسابع بحث فيه عن الشيوعية ، والحكام ، وأصول ~~تعليمهم ومدارجهم. 4 الكتاب الثامن والتاسع بحث فيه عن تدهور الحكومة ~~وأدوارها حتى ينتهي لأعنفها ، وفيها الاستبداد الكامل ، وذلك ضد العدالة. 5 ~~النتيجة ، وخلود النفس ، وجزاء الفضيلة يوم الدينونة. # أنظر ترجمته في : السقيفة أم الفتن : 27 ، وفهرست ابن النديم : 306. PageV02P380 # للعالم صانعا ، مبدعا ، محدثا ، أزليا ، واجبا بذاته ، عالما بجميع ~~معلوماته على نعت الأسباب الكلية ، كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا ~~طلل الأمثال عند الباري جل اسمه ، وربما يعبر عنه بالعنصر الأول (1). # ونقل عنه أنه كان يحيل وجود حوادث لا أول لها ؛ لأنك إذا قلت : حادث ، ~~فقد أثبت الأولية لكل واحد ، وما يثبت لكل واحد يجب أن يثبت للكل. # ولعل غرضه أن الحدوث لما كان هو المسبوقية بالعدم ، فإذا كان الكل مسبوقا ~~بالجزء، والجزء مسبوقا بالعدم ، فكان الكل مسبوقا بالعدم ؛ إذ المسبوق ~~بالمسبوق بالشيء مسبوق بذلك الشيء لا محالة. # وقال الفيلسوف الأعظم ، والمعلم الأقدم ، أرسطاطاليس (2): الأشياء ~~المحمولة ، يعني بها الصور الجسمانية ، فليس كون أحدها من صاحبه ، بل يجب ~~أن يكون بعد صاحبه ، فيتعاقبان على المادة ، فقد بان أن الصورة تبطل وتدثر ~~، وإذا دثر معنى وجب أن يكون له بدو ، ولأن الدثور غاية ، وهو إحدى ~~الحاشيتين ، ما دل على أن جائيا جاء به فقد صح أن المكون حادث لا من شيء ، ~~وأن الحامل لها غير ممتنع الذات عن قبولها ، وحمله إياها وهي ذات بدو وغاية ~~، يدل على أن حامله ذو بدو وغاية ، وأنه حادث لا من شيء ، ويدل على محدث # أنظر : تاريخ الفلسفة ، لمحمد علي مصطفى : 138 ، وتاريخ الفلسفة ، لحنا ~~أسعد فهمي : 67. PageV02P381 # لا بدو له ، ولا غاية ؛ لأن الدثور آخر ، والآخر ما كان له أول ، فلو ~~كانت الجواهر والصور لم تزالا فغير جائز ؛ لأن الاستحالة دثور الصورة التي ~~بها كان الشيء ، وخروج الشيء من حد إلى حد ، ومن حال إلى حال ، يوجب دثور ~~الكيفية ، وتردد المستحيل في الكون ، والفساد ، يدل على دثوره ، وحدوث ~~أحواله يدل على ابتدائه ، وابتداء جزئه يدل على بدو كله ms467 ، وأوجب إن قيل بعض ~~ما في هذا العالم للكون والفساد ، أن يكون كل العالم قابلا له ، وكان له ~~بدو لا يقبل الفساد ، وآخر يستحيل إلى كون ، فالبدو والغاية يدلان على مبدع. # ونقل أنه قد سأله بعض الدهرية ، وقال : إذا كان الباري لم يزل ولا شيء ~~غيره ، ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ # فقال له : «لم» غير جائزة عليه لأن «لم» تقتضي علية ، والعلة محمولة فيما ~~هي علة له من معل فوقه ، ولا علة فوقه ، وليس بمركب فتحيل (1) ذاته العلل ، ~~ف «لم» عنه منتفية ، وإنما فعل ما فعل ؛ لأنه جواد. # فقيل : فيجب أن يكون فاعلا لم يزل ؛ لأنه جواد لم يزل؟ # قال : معنى «لم يزل» : لا أول له ، وفعل يقتضي أولا ، واجتماع ما لا أول ~~له ، وذو أول في القول والذات ، محال متناقض. # فقيل له : فهل يبطل هذا العالم؟ # قال : نعم. # قيل : فإذا أبطله بطل الجود. # قال : يبطله ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد ، فإن هذه الصيغة تحتمل PageV02P382 # الفساد. انتهى (1). # ولنتكلم الآن في بيان الحدوث الزماني الموعود ، المأثور عن أهل الله ، ~~ونبدأ بما استفدناه من أستاذنا دام ظله في ذلك ، فإنه ما اتفق بيانه ~~وبرهانه لأحد من المتقدمين والمتأخرين ، على ما وصل إلينا ، كما اتفق له ~~دام تأييده ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، فاستمع ، وعه : ### ||| * فصل # قد دريت سابقا بالبرهان الذي أقامه دام ظله : أن الطبيعة السارية في ~~الجسم ، الذي هي مقومة مادته وصورة ذاته ، أمر متبدل الذات الشخصية ، ~~تدريجي الكون ، لا يبقى وجوده الشخصي زمانين ، فضلا عن أن يكون قديما بشخصه ~~، وما من جسم فلكي ، أو عنصري ، إلا وله صورة طبيعية مقومة له ، هي مبدأ ~~صفاته اللازمة ، وآثاره المخصوصة. # وثبت أيضا أن المادة لكل جسم حقيقتها القوة والإمكان ، وليست واحدة ~~بالعدد ، بل وحدتها جنسية مبهمة ، كما أن وحدة الطبيعة المحصلة لكل جسم ~~وحدة عددية ، متكررة ، على نعت الاتصال. # وثبت أن الموجود من كل شيء هو وجوده ، وليست للماهيات وجود أصلا ، لا في ~~العين ، ولا في الذهن ، بأن يصير الوجود صفة ms468 لها ، متقررة فيها ، بل حالها ~~كحال الأشباح والأظلال المتراءى في المرايا ، وهي كما قال سبحانه : # ( @QUR@013 كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله PageV02P383 # @QUR@01 عنده ) (1)، فهي غير مرتبطة بالعلة المقتضية للوجودات ، فهي ~~ليست قديمة ، ولا حادثة ، ولا متقدمة ، ولا متأخرة. # وقد ثبت أن النفوس بما هي نفوس وما دامت نفوسا حكمها حكم الطبيعة الجرمية ~~، وإذا صارت مجردة بالكلية انخرطت في سلك العقول ، واتصلت بالملأ الأعلى ، ~~وأما العقول فذواتهم مستغرقة في بحر اللاهوتية ، مطموسة أنوارها في نور ~~الأحدية ، ليست لواحد منها كينونة لنفسه ، ولا له مع نفسه ، إذا قطع عن ~~جاعله الحق ، إلا البطلان المحض ، والليس الصرف ، لا كحال الماهيات ؛ حيث ~~يكون لها في أنفسها الإمكان ؛ إذ لا ماهية للأمر المفارق إلا الهوية ~~المتعلقة بهوية الحق الأول ، ليثبت لها حالة إمكانية ، مع قطع النظر عن ~~وجودها وجاعلها ، فهي أبدا ملتحقة بفاعلها ، ملاحظة لجمال بارئها ومبدعها ، ~~لم ترجع إلى ذواتها طرفة عين ؛ لأن إمكانها لا يفارق فعليتها ، وقصورها لا ~~يباين تمامها ، وفقرها مستهلك في غناها ، فهي إذن بمنزلة الأشعة والأضواء ~~للذات الإلهية ، كأشعة الشمس بالنسبة إليها ( @QUR@03 ولله المثل الأعلى ) ~~(2)، فهي بمنزلة لوازم الذات الغير المجعولة ؛ لأنها صور علمه التفصيلي ~~بما عداه ، ولذلك قال : ( @QUR@06 وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) (3)، ~~فالعالم كله جوده ورحمته ، وخزائن جوده ورحمته يجب أن تكون قبل الجود ~~والرحمة ، فلو كانت تلك الخزائن من جملة جوده ، أي من مخلوقاته ومقدوراته ، ~~فلا بد لها أيضا خزائن سابقة عليها ، فهي ليست من جملة المصنوعات ~~والأفاعيل. PageV02P384 # فقد ظهر أن العالم بجميع جواهره المادية والصورية والنفسية والجرمية ، ~~وأعراضها ، حادثة حدوثا زمانيا ، متجددة تجددا سيلانيا ، ولا يوجد في شيء ~~مما سوى الله تعالى وأشعته ، وأنواره التي هي من لوازم ذاته ، ولا تباين ~~لها معه في الحقيقة ، قديم بشخصه ، واحد بالعدد ، بل يوجد منه في كل آن شخص آخر. # فهذه السماوات والأرضون الموجودة في هذا الزمان لم تكن موجودة أشخاصها ~~قبل هذا الزمان ، وليست هذه هي التي كانت عند الطوفان ، ولا ms469 قبله ، ولا ~~التي تكون من بعد. # وكذلك أشخاص كل نوع متكرر الأفراد متكثر الآحاد ، سواء كانت أشخاصه ~~منتشرة ، أو متصلة ، فكما لم يكن في أفراد الإنسان شخص جسماني أزلي الوجود ~~، فكذلك في النوع الذي قيل إنه منحصر في واحد ، كالشمس مثلا فإنها وإن لم ~~تكن لها أفراد متميزة متفرقة بالفعل ، إلا أن لها تشخصات لا تنحصر ، متبدلة ~~، متجددة ، متصلة ، زائلة ، غير باقية ، ذاتا ووجودا ، فلا يوجد فيها هوية ~~جسمانية مستمرة الوجود إلى يوم القيامة ، بل حال الجواهر الجسمانية في ~~وجودها ودوامها كحال الزمان والحركة في وجودهما ودوامهما ، من حيث إن ~~هوياتها الاتصالية متجددة متصرمة. # فكما أن الزمان والحركة لا يتصف أحدهما ، لا كله ، ولا جزءه ، ولا كليه ، ~~ولا جزئيه ، بالاستمرار والبقاء ، والقدم والأزلية ، فكذلك الجواهر ~~الجسمانية وما يتبعها ، والحمل ، والثور ، والنسر ، والسرطان ، في عالم ~~السماء ، كالحمل ، والثور ، والنسر ، والسرطان ، في عالم الأرض ، من حيث إن ~~أشخاص كل من القبيلين متجددة في كل حين ، وحقائقها عند الله باقية ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@03 ما عندكم ينفد PageV02P385 # @QUR@04 وما عند الله باق ) (1)، وقال سبحانه : ( @QUR@011 وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (2)؛ وذلك لنقصان الديمومة ~~الحسية ؛ لتضاعف جهات الكثرة والنقصان ، وتراكم حيثيات القوة والإمكان في ~~كل ما له قوة مادية ، كالفلكيات ، والعنصريات المشهودة بهذه الحواس المادية ~~، فإنها كلها من الدنيا ، والدنيا دار زوال وانتقال وتبدل وارتحال ، ~~والآخرة دار بقاء وقرار ، وفيها موطن المقربين والأخيار. # ولقصور الوجود الطبيعي يكون أول كل موجود بهذا الوجود غير آخره ، وظاهره ~~غير باطنه ، فيه يجتمع الوجود مع العدم ، والحدوث مع القدم ، ويتشابك الخير ~~والشر ، ويتعانق النفع والضرر ، ولضيق وجود هذا الوعاء الزماني وقع التضاد ~~بين الأنداد والتفاسد لنوع واحد بين الأفراد ، فسبحان من قديم جمع بين ~~الأضداد مع التماثل ، ووصل الآحاد مع التقابل. ### ||| * فصل # قال دام ظله : وما يقال : من أن الأنواع المادية أي الكليات الطبيعية ~~باقية بتعاقب الأشخاص ، إن أريد به أنه يوجد هناك أمر واحد بالعدد من ~~الماهية ، باق في كل حين ، ومع وحدته العددية ms470 موجود في كل فرد من أفراده ، ~~فهو باطل ؛ لأن الكلي بما هو كلي لا يجوز أن يوجد في الحس ، كما ثبت في محله. PageV02P386 # وإن أريد به أنه عند تبدل الأفراد وتجدد الآحاد المتوافقة في النوع لا ~~تتبدل حدودها النوعية ، فذلك مسلم ، ولا يضرنا ؛ لأن الحدود أمور ذهنية ~~انتزاعية ، مركبة من أجناس وفصول غير موجودة في الخارج على وصف الوحدة ~~والتعين ، وليس وحدة الطبيعة الجنسية ، أو الفصلية ، أو الحدية ، أو ~~النوعية ، أو غير ذلك ، وحدة بالعدد ، والقدم والحدوث وصفان يوصف بشيء ~~منهما الموجود الواحد الشخصي ، إما في العين ، أو في العقل. # والمفهومات والمعاني الكلية إذا أخذت من حيث هي هي فهي ليست بواحدة ، ولا ~~كثيرة ، ولا قديمة ، ولا حادثة ، بل ولا موجودة ، ولا معدومة ، وإنما توصف ~~بشيء من هذه الأوصاف تبعا لأشخاصها. # فقد ثبت أن الكلي الطبيعي ، والماهية المطلقة ، ليس موجودا واحدا مستمر ~~الوجود بوحدته ، بواسطة تعاقب الأفراد ، وتوارد الآحاد ، حتى يصح القول ~~بقدم النوع لأجل تعاقب أفراده وأعداده لا إلى نهاية. ### ||| * فصل # وليعلم أن الله سبحانه إنما يصب سجال الفيض ، ورشح الجود ، في فضاء ~~الوجود ، وعرصة الشهود أبدا ، صبة واحدة ، فلا يزال يبدع ويصنع ، ويفعل ~~ويجعل ، لا على السيلان ، ولا على الاستئناف ، بل على القرار والثبات ، لا ~~في زمان ، ولا في آن ، ولا في حيز ، ولا مكان ، ولا عن مادة ، ولا من شيء ~~أصلا ، وإنما التقدم والتأخر ، والتجدد والتصرم ، والاستعدادات المادية تقع ~~في حدوثها الزماني وظهورها في ظرف الزمان فحسب ، والباري سبحانه اخترع ~~المادة وذا المادة جميعا في ظرف أوسع من الزمان ، يقال له : الدهر ، لا من ~~شيء ، بل بعد PageV02P387 # العدم الصريح ، والليس الصرف. # فكما أن ذاته سبحانه ، وصفاته الحقيقية ، وشؤونه الذاتية ، وأسماءه ~~الحسنى ، متقدسة عن التغير ، كذلك تعالى قوله ، وفعله ، وأمره عن التغير ، ~~كما قال : ( @QUR@09 وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) (1). # لكن بعض الموجودات ، كالزمان الذي هو ظرف المتغيرات ، والحركة التي ~~ماهيتها الحدوث بعد الحدوث لذاته تتغير لا بتغير عارض لنفسه. # فالزمان والحركة بهويتها الامتداديتين ، الغير ms471 القارتين ، صدرا من الحق ~~الفياض فيضة واحدة ، بلا زمان ، بل من كتم العدم الصريح إلى الوجود في نفس ~~الواقع ، وظرف الدهر ، مرة واحدة دهرية ، لا دفعة واحدة آنية ، فإن الآن ~~طرف الزمان ، وحصوله بعد حصول الزمان ، فكيف يكون جعله فيه؟ وحصول الزمان ~~أيضا بعد حصول أصول الموجودات وعظائمها ودعائمها ، فكيف يكون جعل الموجودات ~~كلها في زمان ، أو آن؟ # فوجود المبدعات إنما هو في أصل الواقع ، وحصول الكائنات في أوقاتها ~~الخاصة التي هي أجزاء الزمان الموجود ، وكله بامتداده في نفس الدهر دفعة ~~واحدة ، فالتغيرات والتعاقبات بين الزمانيات بسبب امتداد الزمان الذي هو ~~بذاته متجدد ، وبحسب مقايسة بعضها إلى بعض ، لا بالنسبة إلى من يتعاظم عن ~~الوقوع في تغير. # فجاف القلم بالنسبة إلى الواقع ، وظرف الدهر ، وتجدد الشؤون في أجزاء ~~الزمان ، وبمقايسة بعض الزمانيات إلى بعض ، لا أن الصنع والتكوين في حد من PageV02P388 # امتداد موجود ، أو مفروض ، والفراغ والتعطيل في سائر الحدود منه ، بل ~~الإفاضة واحدة من الحق ، ومتعددة بالإضافة إلى الخلق. # نقل عن عبد الله بن طاهر ، أنه دعا الحسين بن الفضل ، وقال له : أشكلت ~~علي ثلاث آيات ، دعوتك لتكشفها لي ، منهن قوله تعالى : ( @QUR@05 كل يوم هو ~~في شأن ) (1)، وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. # فقال الحسين : أما قوله : ( @QUR@05 كل يوم هو في شأن )، فإنها شؤون ~~يبديها ، لا شؤون يبتديها (2). # وقال بعض أهل المعرفة : اعلم أن إمداد الحق وتجلياته واصل إلى العالم في ~~كل نفس ، وفي التحقيق الأتم ليس إلا تجل واحد ، يظهر له بحسب القوابل ~~ومراتبها واستعداداتها تعينات ، فيلحقه لذلك التعدد والنعوت المختلفة ، ~~والأسماء والصفات ، لا أن الأمر في نفسه متعدد ، أو وروده طار ومتجدد ، ~~وإنما التقدم والتأخر وغيرهما من أحوال الممكنات توهم التجدد والطريان ، ~~والتقيد والتغير ، ونحو ذلك ، كالحال في التعدد ، وإلا فالأمر أجل من أن ~~ينحصر في إطلاق ، أو تقييد ، أو اسم ، أو صفة ، أو نقصان ، أو مزيد. # وهذا التجلي الأحدي المشار إليه ليس غير النور الوجودي ، ولا يصل من الحق ~~إلى الممكنات بعد ms472 الاتصاف بالوجود وقبله غير ذلك ، وما سواه فإنما هو أحكام ~~الممكنات وآثارها يتصل من بعضها بالبعض حال الظهور بالتجلي الوجودي ~~الوحداني المذكور. # ولما لم يكن الوجود ذاتيا لسوى الحق بل مستفاد من تجليه افتقر PageV02P389 # العالم في بقائه إلى الإمداد الوجودي الأحدي ، مع الآنات ، من دون فترة ، ~~ولا انقطاع ؛ إذ لو انقطع الإمداد المذكور طرفة عين لفني العالم دفعة واحدة ~~، فإن الحكم العدمي لازم للممكن ، والوجود عارض له من موجده (1). # وقال أيضا : العالم بمجموعه متغير أبدا ، وكل متغير يتبدل تعينه مع ~~الآنات ، فيوجد في كل آن متعين غير المتعين الذي هو في الآن الآخر ، مع أن ~~العين الواحدة التي تطرأ عليها هذه التغيرات بحالها ، فالعين الواحدة هي ~~حقيقة الحق المتعينة بالتعين الأول اللازم لعلمه بذاته ، وهي عين الجوهر ~~المعقول الذي قبل هذه الصورة المسماة عالما ، ومجموع الصور أعراض طارئة ، ~~متبدلة في كل آن ، والمحجوبون لا يعرفون ذلك ، فهم في ليس من هذا التجدد ~~الدائم في الكل. # وأما أهل الكشف فإنهم يرون أن الله يتجلى في كل نفس ، ولا يتكرر التجلي ، ~~فإن ما يوجب البقاء غير ما يوجب الفناء ، وفي كل آن يحصل الفناء ، والبقاء ~~، والتجلي (2) غير مكرر. # ويرون أيضا أن كل تجل يعطي خلقا جديدا ، ويذهب بخلق ، فذهابه هو الفناء ~~عند التجلي ، الموجب للفناء والبقاء لما يعطيه التجلي الآخر الموجب للبقاء ~~بالخلق الجديد ، ولما كان هذا الخلق من جنس ما كان أولا ، التبس على ~~المحجوبين ، ولم يشعروا التجدد ، وذهاب ما كان حاصلا بالفناء في الحق ؛ لأن ~~كل تجل يعطي خلقا جديدا ، ويفنى في الوجود الحقيقي ما كان حاصلا. # ويظهر هذا المعنى في النار المشتعلة من الدهن والفتيلة ، فإنه في كل آن ~~يدخل منهما شيء في تلك النارية ، ويتصف بالصفة النورية ، ثم تذهب تلك PageV02P390 # الصورة بصيرورتها هواء ، هكذا شأن العالم بأسره ، فإنه يستمد دائما من ~~الخزائن الإلهية ، فيفيض منها ، ويرجع إليها. انتهى (1). # وقال كمال الدين عبد الرزاق الكاشي قدس الله سره (2): إن الممكن مفتقر ~~في ذاته إلى الموجد ؛ لأنه في حد ذاته ms473 معدوم ، هالك ، فهو في كل آن معدوم ~~في ذاته ، موجود بموجده ، وتمام الكلام في هذا المعنى قد مضى في مباحث ~~كيفية إفاضة الله الوجود. والحمد لله. ### ||| * فصل # إذا ثبت حدوث العالم بالمعنى المذكور ، وهو الحدوث الزماني ، وبمعنى ~~افتقاره إلى الصانع ، ثبت أيضا حدوثه الذاتي ، بمعنى كونه مسبوقا بالعدم ~~الذاتي ، بالطريق الأولى ، على أنه قد تبين من الأصول السالفة أن كل ما ~~وجوده من غيره فهو مسبوق بالعدم البتة ، وأن عدم الممكن متقدم على وجوده ~~تقدما ما ، فالحدوث للعالم بهذا المعنى أيضا حق وصدق ، ببرهان ويقين ، بل ~~هو أظهر وأجلى وأحق بالتصديق من الأولين ، ولكنه ليس أيضا بالذي اعتقاده من ~~الضروريات ، من حيث معنى الحدوث والمسبوقية بالعدم الذاتي؛ لغموض PageV02P391 # فهمه من هذه الحيثية ، وإن كان هو هو من حيث الافتقار إلى الفاعل والمحدث ~~، فإنه من هذه الحيثية يرجع إلى المعنى الأول. ### ||| * فصل # قد تصدى بعض سادات أفاضل زماننا لإثبات حدوث العالم ، وجعل له معنى آخر ~~سماه حدوثا دهريا ، وسمى تأخره عن الحق تأخرا انفكاكيا دهريا ، آخذا من قول ~~الأوائل أن نسبة المتغير إلى المتغير ، الزمان ، ونسبة المتغير إلى الثابت ~~، الدهر ، ونسبة الثابت إلى الثابت ، السرمد. # واستدل عليه : بأن تقدم ذات العلة ولا سيما العلة الجاعلة الفاعلة على ~~ذات المجعول المعلول تقدما بالذات ، بحسب المرتبة العقلية ، من فطريات ~~العقول الصريحة ، والأذهان المستوية ، وعليه إجماع الحكماء والعقلاء كافة ، ~~والمعلول لا يكون موجودا في مرتبة ذات العلة الفاعلة الجاعلة ؛ إذ الوجود ~~يصل إلى ذات المعلول من ذات العلة ، وإنما يكون بين العلة والمعلول معية في ~~الوجود بحسب مرتبة ذات المعلول ، وبحسب متن الأعيان ، لا بحسب مرتبة ذات ~~العالم ، فالعالم الأكبر بجميع أجزاء نظامه الجملي؟ متأخر عن مرتبة ذات ~~الباري الفعال جل ذكره بتة. # وإذ تبين أن الوجود الأصيل في متن الأعيان عين ماهية الباري الحق ، ونفس ~~حقيقته، فالمرتبة العقلية وحاق الوجود العيني هناك واحد ، وموجوديته سبحانه ~~في حاق كبد الأعيان ، ومتن خارج الأذهان ، هي بعينها المرتبة العقلية لذاته ~~الحق من كل جهة ، فالموجودية المتأصلة ms474 في حاق الأعيان ومتن الخارج في ~~العالم الربوبي بمنزلة مرتبة ذات الإنسان ، أو ماهية العقل مثلا من حيث PageV02P392 # هي هي في عالم الإمكان. # فإذن تأخر العالم عن المرتبة العقلية لذاته الحقة جل سلطانه تأخر ~~بالمعلولية ، وهو بعينه التأخر الانفكاكي عنه سبحانه بحسب وجوده سبحانه في ~~حاق الأعيان ، وتقدمه سبحانه على العالم تقدما بالعلية ، بحسب مرتبة الذات ~~هو بعينه التقدم الانفرادي في متن الأعيان. # وكذلك القول هنالك في التقدم بالماهية ، بل التقدم بالذات مطلقا ، فإذن ~~التأخر بالذات عن الباري الحق الأول سبحانه مطلقا ، سواء عليه أكان تأخرا ~~بالمعلولية ، أم تأخرا بالماهية ، أم تأخرا بالطبع ، يرجع إلى التأخر ~~الانفكاكي الدهري ، وتقدمه جل ذكره بالذات مطلقا ، سواء كان تقدما بالعلية ~~، أو تقدما بالماهية ، أو تقدما بالطبع ، يرجع إلى التقدم الانفرادي ~~السرمدي. # قال : وليس يصح أن يقاس ما هنالك بالشمس وشعاعها ، وما بينهما من التقدم ~~والتأخر بالذات ، بحسب المرتبة العقلية والمعية في الوجود ، بحسب متن ~~الأعيان ، كما تمور به الألسن مورا ، وتفور به فورا ؛ لما قد دريت أن ~~المرتبة العقلية لذات الشمس بما هي هي ليست بعينها هي الوجود في متن ~~الأعيان ، كما هو سبيل الأمر في العالم الربوبي. # وكذلك الأمر في حركة اليد ، وحركة المفتاح مثلا فاخفض جناح عقلك للحق ، ~~ولا تكونن من الجاهلين (1). # ثم قال : وبعبارة أخرى وسوق آخر : لو كان الصادر الأول سرمدي الوجود في ~~متن الأعيان مع جاعله التام الواجب بالذات ، الذي الوجود في متن PageV02P393 # الأعيان عين مرتبة ذاته ، ونفس سنخ ماهيته ، لزم أن يكون المجعول في ~~مرتبة ذات الجاعل ومعه في متن الأعيان معية ذاتية ، بحسب مرتبة ذاته ، ~~وباعتبار نفس ماهيته ، ولا يتصور لنفس ذات الجاعل بما هي هي مرتبة عقلية ~~متقدمة تقدما بالذات على ذات المجعول ووجوده أصلا ، أليس وجود الجاعل في ~~متن الأعيان الذي بحسبه المعية على هذا التقدير هو بعينه نفس مرتبة ذات ~~الجاعل ، وصرف سنخ ماهيته ، وقوام بحت حقيقته بما هي هي ، فكيف يتصور إذن ~~لذات الجاعل ونفس ماهيته مرتبة عقلية وراء مرتبة الحصول في ms475 متن الأعيان ~~الذي هو ما يحسبه المعية؟ # فإذن يلزم أن تكون مرتبته نفس ماهية الجاعل من حيث هي هي بعينها هي ما ~~فيه ، وبحسبه معية الجاعل والمجعول بالسرمدية في حاق متن الأعيان ، كما ~~مرتبة حصول الوجود في حاق متن الأعيان لذات المجعول مع مرتبة نفس ذات ~~الجاعل التي هي بعينها مرتبة حصول الوجود لذات الجاعل في حاق متن الأعيان ~~معية بالمرتبة الذاتية ، غير متأخر عنها تأخرا بالذات ، وتأخرا بالمعلولية. # وأيضا يكون الممكن الذات الباطل في حد ذاته موجودا ثابتا في مرتبة ذات ~~الواجب الحق من كل جهة ، وتسويغ ذلك كله إن هو إلا الخروج عن فطرة العقل ~~الصريح ، والحيود عن سمت سبيله ، وخرق إجماع كافة العقلاء ، وشق عصاهم ، ~~وبالجملة إلا التخلع من الضريبة العقلانية ، والانسلاخ عن القريحة ~~الإنسانية. # قال : فإذن قد استبان أن تقدم الجاعل الواجب السرمدية بالذات على مجعوله ~~الأول، وعلى العالم الكبير ، الذي هو جملة مجعولاته بحسب الوجود في PageV02P394 # متن الأعيان ، تقدما سرمديا انفكاكيا ، من اللوازم المقتضاة لخصوصية ~~الحقيقة الوجوبية الذاتية ، التي هي بعينها الوجود المتأصل في حاق متن ~~الأعيان ، فاتبع الحق ولا تكن من المعتدين. # هذا كلامه سلمه الله في كتاب مبسوط ، ألفه لهذا المطلب في نحو من عشرين ~~ألف بيت ، وقد أبقرته بقرا حتى أخرجت هذا من خاصرته ، وهو عماد ما ذكره فيه ~~، وسناده في الباب ، ولا أفهم منه بطوله ، بعد تسليم مقدماته ، زيادة على ~~الحدوث الذاتي والتأخر المعلولي للعالم ، ما يشفي به العليل ، ويروي به ~~الغليل ، ولعل غيري يفهم منه ذلك، والله المستعان. ### ||| * فصل # إن ما توهمه طائفة من الغاغة أن بين الباري الحق سبحانه ، وبين أول ~~العالم ، عدما موهوما سيالا أزليا ، ممتدا بتماديه الوهمي في جهة الأزل إلى ~~لا نهاية ، ومنتهيا في جهة الأبد عند حدوث أول العالم ، فمن تكاذيب أوهامهم ~~الظلمانية ، وتلاعيبها ؛ إذ لا يتصور في العدم الصريح الساذج ، والليس ~~الصرف البات ، حد وحد ، وتصرم وتجدد ، وفوات ولحوق ، وامتداد وانقضاء ، ~~وتماد وسيلان ، ونهاية ولا نهاية. # على أنه لو صح ذلك لكان هو الزمان ms476 بعينه ، أو الحركة بعينها ؛ إذ كان ~~متكمما سيالا كله أزيد لا محالة من بعضه ، وأبعاضه متعاقبة غير مجتمعة ، ~~وللزم أن يكون الباري سبحانه واقعا في حد بعينه من ذلك الامتداد العدمي ، ~~تعالى عن ذلك. والعالم في حد آخر بخصوصه ، حتى يصح تخلل ذلك الامتداد ~~الموهوم بينه سبحانه وبين العالم ، ويتصحح تأخر العالم وتخلفه عنه في ~~الوجود ، PageV02P395 # فإذا كان غير متناهي التمادي ، كما فرضوه ، لزم أيضا أن يكون غير ~~المتناهي محصورا بين حاصرين هما : حاشيتاه ، وطرفاه. # وأيضا فإن حدود ذلك الامتداد سواسية متشابهة ؛ إذ لا اختلاف في العدم ، ~~ولا مخصص من استعداد ، أو حركة ، أو غير ذلك ، فلم اختص العالم بهذا الحد ، ~~ولم يكن حدوثه في حد آخر قبله؟ # وأيضا فإن المتقدس عن الغواشي والعلائق يكون له مع أي امتداد فرض ، ومع ~~كل جزء من أجزائه ، وكل حد من حدوده ، معية غير متقدرة على سبيل واحد ، ~~ويكون محيطا بجميع أجزائه وحدوده على نسبة واحدة ، موجودا كان ذلك الامتداد ~~، أو موهوما ، كما ثبت في محله. # فإذن اختصاص العالم بحد من حدود ذلك الامتداد الموهوم لا يثمر تأخره ~~وتخلفه عن الباري الحق سبحانه أصلا ، فإنه إذا كان امتداد الزمان الموجود ~~بالقياس إليه سبحانه على هذا السبيل ، فالزمان الموهوم أجدر بذلك. ### ||| * فصل # إن قول القائل : إن العالم يسبقه عدم زماني ، إن أراد به ما ذكرناه في ~~معنى الحدوث الزماني في الطبائع والنفوس ، فله وجه وجيه ، كما دريت ، وإلا ~~لم يمكنه الاعتراف به ؛ لأن العالم جملة ما سوى الله ، فالزمان من العالم ، ~~فكيف يتقدم عليه حتى يكون تقدم العدم عليه تقدما زمانيا؟ # وإن قال : إنه كان وقت لم يكن فيه العالم ، فهو مخالف لمدعاه ؛ إذ ليس ~~قبل العالم وقت. PageV02P396 # وإن قال : إنه ليس بأزلي يستفسر الأزلي ، وعاد الترديد والمحذور المذكور. # وإن قال : الذي في الذهن متناه ، يسلم له أن القدر الذي في ذهنه من أعداد ~~الحركات متناه ، ولكن لا يلزم من ذلك توقف وجود العالم على غير ذات الباري. # ثم إذا فرض له مجموع السبق ms477 الزماني ، فهو مع كونه تناقضا يخالف مدعاه ؛ ~~لاستدعائه وجود الزمان قبل العالم ، وهو من جملة العالم. # وإن أراد به السبق الذاتي ، فهو الحدوث الذاتي. # وإن قال : إن الباري تعالى مقدم على العالم بحيث بينه وبين العالم زمان ، ~~فليس هذا مذهبه ؛ إذ ليس قبل العالم شيء غير ذات الباري سبحانه. # فلم يبق له إلا أن يقول : توقف العالم على غير ذات الله ، ولم يكف في ~~وجوده ذاته وصفاته ، وهو كما ترى شرك محض ، لا يتفوه به مؤمن ، تعالى الله ~~عما يشركون. ### ||| * فصل # قال بعض الحكماء : ربما يقال لمن طلب مدة العدم قبل وجود الحادث على سبيل ~~التبصرة والتنبيه ، هل هذه المدة محدودة مقدرة بتقدير لا بد منه ، مثل يوم ~~، أو شهر ، أو سنة معينة ، أو يكفي فيها أي مدة كانت؟ فإنه نقول حينئذ : بل ~~يكفي في حدوث الحادث سبق أي مدة كانت يتقدم فيها العدم ، ويتبعه الوجود. # فيقال : وهل يكفي التصور والعقل في ذلك بسنة واحدة يتقدم فيها العدم ، PageV02P397 # ثم يتبعه الوجود؟ # فيقول : نعم. # فيقال : إن كان بدل السنة شهر واحد ، فهل يكفي ، أم لا؟ فهو لا محالة ~~يكتفى بالشهر ، كما اكتفى بالسنة ، ثم ينتقل في السؤال إلى يوم ، وإلى ساعة ~~، ودرجة من ساعة ، ودقيقة من درجة ، فيتنبه بذلك حينئذ على أن الزمان لا ~~تأثير له في الحدث ؛ لأن المؤثر لا يكون كثيره في التأثير مثل قليله ، ~~وإنما يكون كل التأثير لكل الأثر ، فإذا ارتفع بعض الزمان المفروض للحدوث ~~ولم يرتفع شيء من معنى الحدث ، فرفع جميع الزمان لا يرفع الحدث ، وإنما ~~يؤثر في ضعف التصور ، حتى إن كان تقدم الزمان لا محالة تحقق الحدث، وإن ~~ارتفع لم يرتفع. ### ||| * فصل # قال بعض علماء الشريعة : إن أشرف المبدعات هو العقل ، أبدعه الله بالأمر ~~من غير سبق مادة وزمان ، وما هو إلا مسبوق بالأمر فقط ، ولا يقال في الأمر ~~إنه مسبوق بالباري تعالى ، ولا لا مسبوق ، بل التقدم والتأخر إنما يعتوران ~~على الموجودات التي هي تحت التضاد ، والباري تعالى هو المقدم المؤخر ، لا ms478 ~~المتقدم المتأخر ، وما دون العقل هو النفس ، وهو مسبوق بالعقل ، والعقل ~~متقدم عليه بالذات ، لا بالزمان والمكان والمادة ، فالسبق بالذات إنما ~~ابتدأ من العقل فقط ، والسبق بالزمان إنما ابتدأ من النفس ، والسبق بالمكان ~~إنما ابتدأ من الطبيعة. # فالطبيعة إذن سابقة على المكان والمكانيات ، ولا يعتورها المكان ، بل PageV02P398 # يبتدىء المكان من تحريكها ، أو حركتها في الجسم ، والنفس سابقة على ~~الزمان والزمانيات ، ولا يعتورها الزمان ، بل الزمان والدهر يبتدىء منها ، ~~أعني من شوقها إلى كمال العقل ، والعقل سابق على الذوات والذاتيات ، ولا ~~تعتوره الذات ، والجوهرية إنما تبتدىء منه ، أعني هو مبدأ الجوهر ، والأمر ~~سابق على الذوات والجواهر ، والدهر ، والزمان ، والمكان ، والجسم ، والمادة ~~، والصورة ، لا توصف بشيء مما تحته إلا بالمجاز ، ومن له الخلق والأمر فله ~~الملك والملك ، وهو الأول والآخر حتى يعلم أنه ليس بزماني ، وهو الظاهر ~~والباطن حتى يعلم أنه ليس بمكاني ، جل جلاله ، وتقدست أسماؤه. # ونعني بالأمر : القوة الإلهية. ### ||| * فصل # قد ظهر مما ذكرنا أنه لا مدخل لتناهي سلسلة الزمان ، ولا تناهيها في حدوث ~~العالم أصلا. # ومما يدل على ذلك أيضا ما أشرنا إليه ، وتقرر في مقره : أن تقدم الباري ~~سبحانه على العالم ليس تقدما زمانيا ، ولا هو سبحانه واقع في طرف هذه ~~السلسلة أصلا ، بل هو خارج عنها ، نسبته إلى جميع أجزائها نسبة واحدة ، وأن ~~مجموع العالم بما هو مجموع لا زمان له ، كما أنه لا مكان له ، فإنه إذا كان ~~كذلك فلا معنى للحدوث الزماني للعالم بمجموعه ، بل إنما تتصف بالحدوث ~~الزماني أجزاء العالم من الأجسام والجسمانيات المقيدة بهذه السلسلة ، ~~والزمان تابع لها ؛ لأنه عرض قائم بمحل جرمي ، كما دريت. PageV02P399 # وقد دريت أن الموجود منه في الخارج ليس إلا الأمر المتصل المستمر الذي ~~يقال له : الآن السيال ، فلا حقيقة للزمان سوى هذا الوجود الضعيف التدريجي ~~الذي يحدث آنا فآنا ، فليس لأجزائه اجتماع واتصال أصلا ، لا في العين ، ولا ~~في الذهن. # أما الأول ، فلأنه ليس فيه إلا هذا الأمر المتصل الشخصي. # وأما الثاني ، فلاستحالة استحضار الذهن أزمنة وزمانيات متكثرة ms479 غير ~~متناهية ، وعلى تقدير استحضاره لا يكون مطابقا لما في العين ، فيكون ذهنا كاذبا. # وبهذا يظهر ضعف ما يقال في إثبات تناهي سلسلة الزمان ليثبت به حدوث ~~العالم ، من جريان براهين التطبيق ، والتضايف ، ونظائرهما فيه ، قياسا له ~~على المكان. # كيف ، والمكان مجتمع الأجزاء في الواقع ، وثابتها معا في نفس الأمر ، ~~وأما الزمان فامتداده موهوم محض ، لا يصلح لأن يحكم عليه بالتناهي ~~واللاتناهي ، أو بالحدوث والقدم أصلا؟ # ومن هنا قال بعض العرفاء : إن أهل النظر إذا فحصوا عن هذا العالم فلم يجز ~~لهم أن يطلبوا له بدوا زمانيا ، وإلا لتأدى بهم الطلب إلى الوسواس ، بل يجب ~~لهم أن يأخذوا الزمان جزء من أجزاء العالم ، كما فعله الإلهيون ، حيث أخذوا ~~العالم بما فيه ومعه جملة واحدة ، كأنها شخص واحد ، فبحثوا عن علة بدوه. # ولصاحب الفتوحات في هذا المقام كلام متين ، لا بأس بإيراده ، قال في ~~الباب الثاني من الفتوحات : إن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أن لا يتقيد ~~وجود الحق مع وجود العالم ، بقبلية ، ولا معية ، ولا بعدية ، فإن التقدم ~~الزماني PageV02P400 # والمكاني في حق الحق تقدس وتعالى قد رمت به الحقائق في وجه القائل به على ~~التحديد. اللهم إلا أن يقوله من باب التوصيل ، كما قاله الرسول ~~صلى الله عليه وآله ، ونطق به الكتاب؛ إذ ليس كل أحد يقدر على كشف هذه الحقائق ~~، فلم يبق لنا أن نقول إلا أن الحق تعالى موجود بذاته لذاته ، مطلق الوجود ~~، غير مقيد بغيره ، ولا معلول ، ولا علة لشيء ، بل هو خالق المعلولات ~~والعلل ، والملك القدوس الذي لم يزل ، وأن العالم موجود بالله سبحانه ، لا ~~بذاته ، مقيد بوجود الحق ذاته ، فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق تعالى. # وإذا انتفى الزمان عن وجود الحق تعالى ، وعن وجود بدو العالم ، فقد وجد ~~العالم في غير زمان ، فلا نقول من جهة الحقائق : إن الله موجود قبل العالم ~~؛ إذ قد ثبت أن القبلية من صيغ الزمان ، ولا زمان ، ولا أن العالم موجود ~~بعد وجود الحق ؛ إذ لا بعدية ms480 ، ولا مع وجود الحق ، فإن الحق هو الذي أوجده ~~، وهو فاعله ، ومخترعه ، ولم يكن شيئا ، ولكن كما قلنا : الحق موجود بذاته ~~، والعالم موجود به. # فإن سأل سائل متوهم : متى كان وجود العالم من وجود الحق؟ # قلنا : «متى» : سؤال عن زمان ، والزمان من عالم النسب ، وهو مخلوق لله ~~تعالى ، فهذا السؤال باطل. # فانظر كيف تسأل ، فإياك أن تحجبك أدوات التوصيل عن تحقيق هذه المعاني في ~~نفسك ، وتحصيلها ، فلم يبق إلا وجود صرف ، خالص ، لا عن عدم ، وهو وجود ~~الحق تعالى ، ووجود عن عدم عين الموجود نفسه ، وهو وجود العالم ، ولا بينية ~~بين الوجودين ، ولا امتداد إلا التوهم المقدر الذي يحيله العلم ، ولا يبقى ~~منه شيئا ، ولكن وجود مطلق ومقيد ، وجود فاعل ووجود مفعول ، PageV02P401 # هكذا أعطت الحقائق (1). # وله كلام آخر دقيق في سر الأزل ، وسر الأبد ، نرى أن نذكره هاهنا بألفاظه ~~، لعلك تستفيد منه معنى حدوث العالم ، كما هو ، وإن كان الموضع الأنسب به ~~مباحث المبدأ ، لكن لما كان له كثير فائدة فيما نحن فيه أخرناه إلى هاهنا ، ~~فاسمع ، وتدبره ، إن كنت من أهله ، وبالله التوفيق. ### ||| * فصل # قال قدسسره في الباب السادس والعشرين من الفتوحات : فأما علم سر الأزل ، ~~فاعلم أن الأزل عبارة عن نفي الأولية ، لمن (2) يوصف به وهو وصف الله تعالى ~~، من حيث كونه إلها ، فهو المسمى بكل اسم سمى به نفسه أزلا ، فهو العالم ، ~~الحي ، المريد ، القادر ، السميع ، البصير ، الخالق ، البارىء ، المصور ، ~~الملك ، لم يزل مسمى بهذه الأسماء ، وانتفت عنه أولية التقيد ، فسمع ~~المسموع ، وأبصر المبصر ، إلى غير ذلك. # وأعيان المسموعات منا ، والمبصرات ، معدومة غير موجودة ، وهو يراها أزلا ~~، كما يعلمها أزلا ، ولا عين لها في الوجود النفسي العيني ، بل هي أعيان ~~ثابتة في رتبة الإمكان ، والإمكانية لها أزلا ، كما هي لها حالا وأبدا ، لم ~~تكن واجبة لنفسها ، ثم عادت ممكنة ، ولا محالا ، ثم عادت ممكنة ، بل كما ~~كان وجوب الوجود الذاتي لله تعالى أزلا ، كذلك وجوب الإمكان للعالم أزلا ، ~~فالله في مرتبته بأسمائه الحسنى يسمى معرفا ، موصوفا بها ms481 ، فمعنى نسبة ~~الأول له نسبة الآخر ، PageV02P402 # والظاهر ، والباطن ، ولا يقال : هو أول بنسبة كذا ، ولا آخر بنسبة كذا ، ~~فإن الممكن مرتبط بواجب الوجود في وجوده وعدمه ارتباط افتقار إليه في وجوده ~~، فإن أوجده لم يزل في إمكانه ، وإن عدم لم يزل عن إمكانه ، فكما لم تدخل ~~على الممكن في وجود عينه بعد أن كان معدوما صفة تزيله عن إمكانه ، كذلك لم ~~يدخل على الخالق الواجب الوجود في إيجاده العالم وصف يزيله عن وجوب وجوده ~~لنفسه ، فلا يعقل الحق إلا هكذا ، ولا يعقل الممكن إلا هكذا. # فإن فهمت علمت معنى الحدوث ، ومعنى القدم ، فقل بعد ذلك ما شئت. # فأولية العالم وآخريته أمر إضافي. فالأول من العالم بالنسبة إلى ما يخلق ~~بعده ، والآخر من العالم بالنسبة إلى ما خلق قبله ، وليس كذلك معقولية اسم ~~الله بالأول والآخر ، والظاهر والباطن ، فإن العالم يتعدد ، والحق واحد لا ~~يتعدد ، ولا يصح أن يكون أولا لنا ، فإن رتبته لا تناسب رتبتنا ، ولا تقبل ~~رتبتنا أوليته ، ولو قبلت رتبتنا أوليته لاستحال علينا اسم الأولية ، بل ~~كان يطلق علينا اسم الآخرية لأوليته ، ولسنا بثان له ، تعالى عن ذلك ، فليس ~~هو بأول لنا. # فلهذا كان عين أوليته عين آخريته ، وهذا المدرك عزيز المنال ، يتعذر ~~تصوره على من لا أنسة له بالعلوم الإلهية التي يعطيها التجلي والنظر الصحيح ~~، وإليه كان يشير أبو سعيد الخراز (1) بقوله : عرفت الله بجمعه بين الضدين ~~، ثم يتلو # أنظر ترجمته في : الأعلام : 1 : 191 ، وتاريخ مدينة دمشق : ج 5 : 129 ، ~~وهدية العارفين : 1 : 55). PageV02P403 # ( @QUR@05 هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) (1)، فقد أبنت لك عن سر ~~الأزل ، وأنه نعت سلبي. # وأما سر الأبد فهو نفي الآخرية ، كما أن الممكن انتفت عنه الآخرية شرعا ، ~~من حيث الحملة ؛ إذ الجنة والإقامة فيها إلى غير نهاية ، كذلك الأولية ~~بالنسبة إلى ترتيب الموجودات الزمانية معقولة موجودة. # فالعالم بذلك الاعتبار الإلهي لا يقال فيه أول ، ولا آخر ، وبالاعتبار ~~الثاني هو أول وآخر بنسبتين مختلفتين ، بخلاف ذلك في إطلاقها على الحق عند ~~العلماء بالله (2). ### ||| * فصل ms482 # روى الشيخ الصدوق ، بإسناده عن مولانا الباقر عليه السلام ، أنه قال : ~~«لعلك ترى أن الله عز وجل إنما خلق هذا العالم الواحد ، وترى أن الله عز وجل ~~لم يخلق بشرا غيركم ، والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم ، وألف ~~ألف آدم ، أنت في آخر تلك العوالم ، وأولئك الآدميين» (3). # وسأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : كم بين المشرق والمغرب؟ قال ~~علي : مسافة الهواء ، قال : وما مسافة الهواء؟ قال علي : دوران الفلك ، قال ~~الرجل : وما قدر دوران الفلك؟ قال : مسيرة يوم الشمس ، قال الرجل : صدقت ، ~~فمتى القيامة؟ قال علي : قدر قصور المنية ، وبلوغ الأجل ، قال الرجل : صدقت ، فكم PageV02P404 # عمر الدنيا؟ قال علي عليه السلام : يقال سبعة آلاف ، ثم لا تحديد ، قال ~~الرجل : صدقت ، إلى أن قال : وأين كان الله قبل أن يخلق عرشه؟ قال علي ~~عليه السلام : سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب زمراتهم من ~~كراسي كرامته ، ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله ، ويحك لا يقال ~~أين ، ولا ثم ، ولا فيم ، ولا لم ، ولا أنى ، ولا حيث ، ولا كيف ، قال ~~الرجل : صدقت ، فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض ~~والسماء؟ فقال : أتحسن أن تحسب؟ قال : نعم ، قال : لعلك لا تحسن ، قال : ~~بلى ، إني لأحسن أن أحسب ، قال علي عليه السلام : أفرأيت لو كان صبيب خردل ~~في الأرض حتى سد الهواء ، وما بين الأرض والسماء ، ثم أذن لمثلك على ضعفك ~~أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق إلى المغرب ، ثم مد في عمرك ، وأعطيت ~~القوة على ذلك حتى تنقله ، وأحصيته ، لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما ~~لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء ، وإنما وصفت لك ببعض عشر ~~عشر العشير من جزء من مائة ألف جزء ، واستغفر الله من القليل من التحديد ، ~~فحرك الرجل رأسه ، وشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله (1). PageV02P405 ### | في أن العالم مخلوق على أجود ms483 ### ||| * النظامات الممكنة ### ||| * ( @QUR@011 أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ### ||| * @QUR@010 فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ### ||| * @QUR@07 زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) (1) ( @QUR@03 هذا خلق الله ### ||| * @QUR@07 فأروني ما ذا خلق الذين من دونه ) (2) ### ||| * فصل # قد مضى ما ينبه على هذا المطلب فيما سلف ، بل تبين ببيانات إنية أنه لا ~~يتصور فوق هذا النظام الموجود نظام في الجودة والفضل ، كما يظهر من ملاحظة ~~أمور العالم ، وأوضاعها ، وكيفية ترتيبها ، ونضدها ، وارتباط العلويات ~~بالسفليات ، على الوجه المخصوص ، والتدبر في منافع حركات الأفلاك ، ونسب ~~الكواكب ، وغير ذلك. # والآن نريد أن نبين ذلك ببيانات لمية ، وبراهين حكمية ، ونتمم الكلام فيه ~~، فنقول : PageV02P406 # أما أن مراتب البدو على أشرف أنحاء يتصور في حقها ؛ فذلك لأن كل ما وقع ~~في مرتبة من تلك المراتب لا يتصور ما هو أشرف من شخصه ، ولا ما هو أشرف من ~~نوعه في تلك المرتبة من الجهة التي صدر بها من مبدعه. # أما الأول فلوجوب انحصار نوع كل منها في شخصه ؛ لعدم الامتياز هناك ~~بالعوارض المفارقة قبل الاتفاقات والحركات ، فاختصاص بعض الأفراد بلحوق بعض ~~العوارض مع استواء الاستحقاق في الكل ترجيح من دون مرجح ، وامتياز الشيء ~~بنوعه ، أو بلازم نوعه ، يوجب الانحصار في شخص واحد. # وأما الثاني فلما دلت عليه قاعدة الإمكان الأشرف ، وهي أن الجواد الحق ، ~~والفياض المطلق ، لا يوجد الأخس ، ويترك الممكن الأشرف ، بل يلزم من فيض ~~وجوده الأشرف فالأشرف ، وقد مضى برهانه. # وأما أن الوجودات الواقعة في مراتب الصعود ، وفي عالم التركيب في غاية ~~الجودة ، وأفضل النظام ، فذلك لأن الأمور الواقعة في هذا العالم لما كان ~~نظامها متعلق بحركات الأفلاك ، وأوضاعها ، ونظام الأفلاك ظل نظام ما في ~~القضاء الإلهي ، وذلك النظام محض الخير والكمال لبراءة المبدأ الأعلى عن ~~النقص والشين ، فهذا النظام الذي على وفقه يجب أن يكون أتم النظامات ~~الممكنة ، وأكملها. # وعلى هذا يجب أن لا يكون في الوجود أمر جزافي ، أو أمر اتفاقي ، بل كله ~~غريزي ، فطري ، بالقياس إلى طبيعة الكل ms484 ، سواء كان طبيعيا بحسب ذاته ، ~~كحركة الحجر إلى السفل ، أو قسريا ، كحركته إلى فوق ، أو إراديا ، كفعل ~~الحيوان من حيث هو حيوان ؛ إذ كل ما يحدث فهو عن سبب ، ويرتقي في سلسلة ~~الأسباب إلى مبدأ واحد ، وسبب فرد تتسبب عنه الأشياء على ترتيب علمه بها ، PageV02P407 # فليس في الوجود شيء مناف لطبيعة علله ، وأسبابه ؛ إذ المعلول لا ينافي ~~العلة ، والحركات المتنافرة الغير المنتظمة بالقياس إلى طبيعة جزئية ~~متلائمة منتظمة بالقياس إلى طبيعة الكل ، وكذا النغمات الغير المؤتلفة ، ~~والأشعار الغير الموزونة مؤتلفة موزونة بالقياس إلى النظام الكلي. # ووجود الأصابع الزائدة على خلقة الإنسان طبيعي في جبلة العالم ، وكذا كل ~~عمر فهو بالقياس إلى الكل طبيعي ، وإن لم يكن طبيعيا على الإطلاق. ### ||| * فصل # وبمثل ذلك نبين أن مجموع العالم من حيث المجموع أيضا على أكمل خلقة ، ~~وأتم نظام ، ولو تيسر لك أن تعلم كل شيء بأسبابه وعلله ، بأن تخرج من هذه ~~الهاوية المظلمة مهاجرا إلى الله ، وترتقي إلى السماوات وما فوقها ، إلى أن ~~تعرف المبدأ الأول حق معرفته ، ثم ما يتلوه من الملائكة العلمية ، ثم ما ~~يتلوها من الملائكة العمالة بإذن ربها ، ممن يباشر تحريك الأفلاك ، ثم ~~الأجسام الفلكية مع لوازم حركاتها من الكائنات ، لرأيت جميع الأشياء حسنا ~~عندك ، ملائما لديك ، وعرفت هذا المعنى بالوجدان ، كا عرفته الآن بالبرهان. # ولنا أن نبين هذا أيضا بمثل البيان الذي ذكرناه في سلسلة البدو ، بأن ~~نقول : لو أمكن نظام جملي آخر ، أشرف من هذا ، أو مثله ، لكان إمكانه ~~مستدعيا لمبدأ أول هو أشرف من الله سبحانه ، أو مكافئا له ، وكلاهما ممتنع. # وأيضا فإن العلة الغائية في وجود العالم هي ذات المبدأ الأعلى ، وعلة ~~بدوه بعينها علة تمامه ، وكل ما هو غايته أجل الأشياء ، فهو في غاية الشرف ~~المتصور في حقه ، لا محالة. PageV02P408 ### ||| * فصل # قد دريت في الأصول : أن الوجود بما هو وجود خير محض ، وأن الشرور كلها ~~راجعة إلى الأعدام ، فليس للشر مبدأ بالذات ، ولا هو داخل في القضاء الإلهي ~~إلا بالعرض؛ وذلك لأن من الشر ms485 ما هو من لوازم الماهيات التي لا علة لها ، ~~وهو عدم ، ليس ذلك العدم هو عدم مقتضى طباع الشيء ، ولا ما يمكن حصوله من ~~الكمالات والخيرات كقصور الممكن عن الوجود الواجبي ، والوجوب الذاتي ، وكذا ~~قصور كل تال من العقول الفعالة عن سابقه ، وقصور النفوس عن العقول ، ~~والأجسام عن النفوس ، والهيولى عن الجميع ، وبالجملة على تفاوت إمكاناتهم ، ~~بحسب تفاوت مراتبهم في البعد عن ينبوع الوجود ، فهذا الشر منبعه الإمكان ~~الذاتي ، وظاهر أنه ليس له لمية ؛ إذ من المعلوم أنه ليس للماهيات في كونها ~~ممكنة ، ولا في حاجتها إلى علة سبب ، ولا لقصور الممكن عن درجة الواجب ~~بذاته ، ولا لتفاوت مراتب هذا النقصان في الماهيات علة ، بل إنما ذلك ~~لاختلاف الماهيات في حدود ذواتها ، لا لأمر خارج عنها ، كما أشرنا إليه ~~مرارا ، ولو كان النقصان في الجميع متشابها لكانت الماهيات ماهية واحدة ، ~~فهذا القسم من الشر ليس بشر حقيقة. # ومنه ما لا يكون من هذا القبيل ، بل يلحق الماهية لا من ذاتها ، وهو عدم ~~مقتضى الشيء ، أو ما يمكن حصوله له من الكمالات الثانية وغيرها ، كالجهل ~~مثلا للإنسان المستعد للعلم ، المشتاق إليه ، لا من حيث إنه إنسان ، بل من ~~حيث إنه وجد هذا الاستحقاق والاشتياق الذي لا صلاح في أن يعم. # ولا يتصور هذا في غير الماديات ؛ لأن غير المادي على أكمل ما يتصور PageV02P409 # في حقه ، فليس لها شرية بهذا المعنى ، والماديات لا تخلو منها على تفاوت ~~إمكاناتها الاستعدادية بحسب تفاوت مراتبها في التعلق بالمادة ، فهذا الشر ~~منبعه المادة ، ومنبع المادة هو الإمكان ؛ لأنها صدرت من المبدأ لأجل جهة ~~الإمكان فيها ، فمنبع الشر مطلقا هو الإمكان. # وأما إطلاق الشر على الأمور الوجودية التي تتبعها أعدام فعلمت أنه على ~~سبيل المجاز، ثم علمت أن الشرور كلها أمور إضافية مقيسة إلى أفراد أشخاص ~~معينة ، وأما في نفسها فليست بشرور أصلا. # وعلمت أن هذا النظام شريف ، فاضل ، وجميع ما وقع طبيعي بالقياس إليه ، ~~وبين أن الطبيعي للشيء لا يكون شرا له ، فلا شر بالقياس إلى ms486 الكل أيضا ، ~~على أن جميع أسباب الشر إنما توجد تحت كرة القمر ، وفي عالم الكون والفساد ~~، وهو قليل بالقياس إلى الكل. # ووقوع التقاوم المقتضي لصيرورة البعض ممنوعا عن كمالاته أيضا فيها قليل ، ~~فإنه لا يقع إلا في أجزاء العناصر وبعض المركبات ، وفي بعض الأوقات ، ولبعض ~~الأشخاص ، وفي بعض جوانب الأرض التي هي حقيرة بالنسبة إلى الأفلاك المقهورة ~~تحت أيدي النفوس المطموسة تحت أشعة العقول الأسيرة في قبضة الرحمن ، ولا ~~نسبة لها إلى جناب الكبرياء الباهر برهانه على الضياء. ### ||| * وصل # فكل ما وجد فهو خير ، إما محض ، أو خيره غالب على شره. # وأما ما يكون شرا محضا ، أو مستولي الشرية ، أو متساوي الطرفين ، فمما PageV02P410 # لا وجود له أصلا ؛ لأن الموجودات الحقيقية والإضافية في الوجود لا محالة ~~أكثر من الأعدام الإضافية ، الحاصلة على الوجه الذي ذكرناه. # وظاهر أن ما يغلب خيره من أفراد الخير فيجب صدوره عن الواجب بالذات ، ~~الذي هو فاعل الخيرات ، ولا يسوغ عن عنايته عز وجل ورحمته وجوده إهماله ، ~~وإلا لزم ترك خير كثير لشر قليل ، وذلك شر كثير ، فصدور الشر وقضاؤه إنما ~~هو بالعرض ، لا بالذات ، فليس الشر من حيث هو مستندا إلى مبدأ. # ومن هنا ورد في آية الملك ( @QUR@07 بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) ~~(1)، من دون تعرض لذكر الشر ؛ لعدم استناده إلى وجود موجود ، وكونه إضافيا ~~، وكونه بالعرض. # ومثله ما ورد في بعض الأدعية «والخير في يديك ، والشر ليس إليك» (2). ### ||| * وصل # ولو لم يخلق هذا النوع من الخيرات المستلزمة لبعض الشرور لخلق سربال ~~الوجود ، وقصر رداء الجود ، وبقي في كتم العدم عوالم كثيرة ، ونفائس جمة ~~غفيرة ، فمن هذه الحيثية يكون الشر مقتضيا بالذات ، كيف ولو لم يكن في عالم ~~العناصر تضاد فمن أين يحصل الفعل والانفعال ، والكسر والانكسار؟ ومتى تنتقل ~~المادة من صورة إلى صورة ، ومن حالة إلى حالة ، حتى يبلغ إلى PageV02P411 # غاية تقبل العقل المستفاد الذي يضاهي الملكوت الأعلى في الشرف والكمال؟ # فقد ظهر أن كل ما تقتضيه حكمته تعالى وفيضه كان حسنا وخيرا ms487 ، ومن ظن أنه ~~شر كان ذلك لخلل في عقله ، وقصور في فهمه ، فلا شر في النظر إلا وهو خير من ~~جهات أخرى ، لا يعلمها إلا منشؤها وموجدها. # فإذن تصور ذرة الشر في أشعة شمس الخير لا يضرها ، بل يزيدها بهاء ، ~~وجمالا ، وضياء ، وكمالا ، كالشامة السوداء على الصورة المليحة البيضاء ، ~~تزيدها حسنا وملاحة ، وإشراقا ، وصباحة ، فسبحان من تقدست كبرياؤه عن تقصير ~~الأفعال ، وجل جنابه عن أمثال هذا الخيال المحال. # سؤال : إن أكثر أفراد الإنسان الذي هو أشرف أنواع القسم الأخير ، يغلب ~~عليهم الشرور ، فإن مناط تحصيل السعادة والشقاوة الآجلتين اللتين تستحقر ~~بالقياس إليهما السعادة والشقاوة العاجلتان للنفس ، إنما هو باستعمال قواها ~~الثلاثة : النطقية ، والشهوية ، والغضبية ، لاكتساب ما ينبغي أن يكون ~~بحسبها من الحكمة ، والعفة ، والشجاعة. # والغالب على أكثرهم على ما يرى أضداد هذه الأمور ، أعني الجهل وطاعة ~~الشهوة والغضب ، فيلزم كونهم من الأشقياء والأشرار في الآجل. # جواب : الجهل الذي لا نجاة معه في الآخرة هو الجهل المركب ، الراسخ ، ~~المضاد للعلم اليقيني ، وهو نادر ، كوجود اليقين الذي يوجب قسطا وافرا من ~~السعادة. # وأما الجهل البسيط الذي هو عام ، فاش ، فلا يضر في المعاد ، وكذلك حال ~~القوتين الآخرتين. # فالبالغ في فضيلة العقل والخلق وإن كان نادرا ، كالشديد النزول فيهما ، PageV02P412 # لكن المتوسطين على مراتبهم أغلب وأوفر ، وإذا ضم إليهم الطرف الأعلى صار ~~لأهل النجاة غلبة عظيمة ، فإن حال النفوس في انقسامها إلى هذه الأقسام كحال ~~الأبدان في انقسامها إلى البالغ في الجمال والصحة ، والمتوسط ، وهو الأكثر ~~، والقبيح السقيم ، وهو أقل من المتوسط ، فضلا عن مجموع القسمين. # سؤال : كل ما يجوز صدوره عن الباري عز وجل يجب وقوعه ؛ لعدم البخل والمنع ~~هناك ، فقد كان جائزا أن يصدر عنه تعالى خير محض ، مبرء عن الشر أصلا. # جواب : هذا واجب في مطلق الوجود ، لا في كل وجود ، فقد أوجد ما أمكن أن ~~يوجد على الوجه المذكور ، فلو لم يوجد ما لا يخلو عن شر ما لكان الشر حينئذ أعظم. # سؤال : لم لم يوجد القسم الثاني بلا قصور ms488 وآفة؟ # جواب : فلم يكن هوهو ، ورجع إلى القسم الأول ، وقد فرغ عن وجوده. # ولو كانت الماهيات كلها بريئة عن الشرور التي هي لوازم لها ، لكانت ~~الماهيات واحدة ، ومن المحال أن تكون النار نارا ولا يوجد لها لازم النارية ~~، من إحراق ثوب لاقته ، إلا أن لا يكون الثوب ثوبا ، بل شيئا آخر لا تحرقه النار. # وقد مر الكلام في أمثال هذه المباحث في مباحث كيفية إفاضة الوجود. PageV02P413 ### | في سريان العشق والشوق والعبادة ### ||| * والذكر في جميع الموجودات ### ||| * ( @QUR@012 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ### ||| * @QUR@08 والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من ### ||| * @QUR@05 الناس وكثير حق عليه العذاب ) (1) ### ||| * فصل # إن الباري جل ذكره غاية كل شيء ، كما أنه فاعل كل شيء ؛ لأنه خير محض، لا ~~شرية فيه أصلا ، وكل ما هو خير محض يطلبه كل شيء طبعا ، وإرادة ، وهذا ~~مركوز في جبلة العالم ، جزئياته وكلياته ، محسوساته ومعقولاته ، ما من شيء ~~إلا وله عشق وشوق غريزي إلى ما فوقه ، وإلى ما هو أشرف منه ، وهو في بعض ~~الأشياء شاهد معلوم بالضرورة ، وفي بعضها يعلم بالاستقراء ، وفي الكل يعلم ~~بالحدس الصائب وبضرب من البرهان ، وهو أن الوجود لذيذ ؛ لأنه خير محض ، ~~وكمال الوجود ألذ وآثر ، فكل موجود سافل إذا تصور الموجود العالي فلا محالة ~~يشتاقه ويطلبه ، طبعا واختيارا ؛ إذ كل شيء تحقق له أن شيئا من الأشياء ~~يفيده الخير والكمال ، ويوجب الاقتراب إليه زيادة في الفضيلة PageV02P414 # والشرف ، فإنه لا محالة يعشقه بغريزته ، ويطلبه بطبعه ، لا سيما إذا كان ~~ذلك الشيء يفيده خاص الوجود ، ويخرجه من القوة إلى الفعل ، مثل عشق الحيوان ~~لما يغذوه ، ويتقوت به ، ويفيده تجسما وتعظما مقداريا ، وعشق الإنسان لما ~~يفيده صورا عقلية يتقوى به جوهره الناطق ، ويحيط بالحقائق ، ويصير ملكا من ~~المقربين بعد ما كان ناقصا في مرتبة السافلين ، ولو لا أن الخيرية بذاتها ~~معشوقة لما اقتصرت الهمم على إيثار الخير في جميع التصرفات. # ولنفصل هذا الإجمال ، ونبين كيفية سريان العشق والشوق في كل واحد واحد من ms489 ~~الموجودات ، فاسمع : ### ||| * فصل # قد دريت أن الوجود حقيقة واحدة ، وأنه عين الشعور والحياة في كل شيء ، ~~وأن كل موجود سوى الله عز وجل فهو ناقص من وجه ، وفيه قوة ، وفقد ، كما أن ~~له كمالا وفعلية ؛ إذ كل ممكن فهو زوج تركيبي ، فكل موجود فهو لأجل شعوره ~~بالوجود الناقص طالب للوجود المطلق الكامل الذي هو مطلوب ومؤثر بالذات أولا ~~وبالذات ، ولكل ما يتوسط بينه وبين ذلك الوجود مما هو أعلى منه وأقرب إلى ~~ذلك الوجود من الخيرات ثانيا وبالعرض ؛ لأن الوصول إليه لا يمكن له إلا ~~بوصوله إليها ومروره عليها ؛ إذ سلوك طريقه منحصر في ذلك ؛ لما دريت أن ~~الموجودات مترتبة في الصدور بدء وعودا ، ما تقدم متقدم ، ولا تأخر متأخر ، ~~إلا بالحق. # فكل موجود فهو طالب لما هو فوقه ، فإذا وصل إليه فيطلب ما هو أعلى منه ، ~~وهكذا إلى أن يصل إلى معشوقه الحقيقي الذي لا أكمل منه ، وهو الله PageV02P415 # سبحانه ، وعند ذلك يطمئن قلبه ، ويسكن شوقه ، ويشتد عشقه وابتهاجه ؛ وذلك ~~أن الشوق هو الحركة إلى تتميم الابتهاج ، فإن كل مشتاق إلى مرغوب فإنه قد ~~نال شيئا منه ، وفاته شيء ، وفي هذا سر عظيم لأرباب الذوق والعرفان ، نبوح ~~بلمعة منه ، فاستمع : ### ||| * وصل # إن كل مشتاق من حيث كونه مشتاقا فهو من جملة المشتاق إليه ، فإن الظمآن ~~يتصور أولا الري ، فيحصل له ذلك حصولا ضعيفا ، فهو يوجب طلبه على أتم وجه ، ~~فالريان يشتاق الريان ويطلبه ، وهكذا كل ذي طلب لا يطلب إلا ما هو تمام ~~حقيقته ، وكمال ذاته ، فافهم ذلك إن كنت من أهله. ### ||| * وصل # وبالجملة : فالشوق يصحبه قصور ، وأما العشق فقد يتقدس ويتعالى عن الشوائب ~~، بل هو يزداد بازدياد الخيرية ، واشتداد الوجود ، واستحقاق المعشوقية من ~~المعشوق ، وقوة الشعور والإدراك من العاشق. # والشوق أيضا ، وإن كان يزداد ويقوى بحسب قوة الشعور من المشتاق ، والقرب ~~من المشتاق إليه ، لكنه يقوى أيضا بحسب نقصان الوجود ، وضعف الشعور من ~~المشتاق ، وقوة الوجود وشدته وعدته في المشتاق إليه. # فكما أن كل ما هو أكمل وجودا ms490 ، وأتم شعورا ، فهو أشد شوقا بالاعتبار ~~الأول ، فكل ما هو أنقص وجودا ، وأضعف شعورا ، فهو أشد شوقا بالاعتبار ~~الثاني. وهذا بخلاف العشق. PageV02P416 ### ||| * وصل # إذا ثبت هذا ، فنقول : المادة الأولى في غاية الشوق ؛ لأنها بإزاء ما ~~يقوى عليه من الصور والخيرات الغير المتناهية ، التي هي باعتبار ما غايات ~~لوجودها ، وخيرات لاحقة بها ، ومكملات لنقصاناتها ، وإن حصلت لا دفعة ، بل ~~في أزمنة غير متناهية. # وتلك الكمالات من سنخ ما حصل لها شيء قليل ضعيف ، وإن كان مجرد قوة تلك ~~الخيرات واستعدادها مع قطع النظر عن اتصال صورة بها ، واتحادها معها ؛ لأن ~~فقد ما يمكن حصوله من الأمر الكمالي بشيء ما له شعور ضعيف يوجب شوقا ما إلى ~~ذلك الأمر ، فهي دائمة النزاع إلى الصورة مفقودة ، والتنوع بها موجودة ، ~~ولذلك تلقاها متى عريت عن صورة بادرت إلى الاستبدال عنها بصورة أخرى ؛ ~~إشفاقا عن ملازمة العدم المطلق ؛ إذ كل موجود فهو نافر بطبعه عن العدم ، ~~فالمادة تنفر عن العدم ، فمهما كانت ذات صورة لم يقم فيها سوى العدم ~~الإضافي ، ولو لاها للابسها العدم المطلق ، فهي إذن كالمرأة الدميمة ~~المشفقة عن استعلان قبحها ، فمهما انكشف قناعها غطت دمامتها بالكم. # فقد تقرر أن فيها عشقا وشوقا غريزيا ، بمعنى أن لها قوة العشق والشوق ، ~~وقبولهما ، كما أن لها قوة الوجود والشعور ، وقبولهما ، لا أنها مشتاقة ، ~~أو عاشقة بالفعل إلى شيء ، وإلا لكانت وجودا بالفعل ، وصورة ، لا قوة ~~للوجود ، وهيولى ، فافهم. PageV02P417 ### ||| * فصل # وأما الصورة الجسمية ، فهي أيضا لها شوق وعشق بالنسبة إلى الخير المطلق ، ~~وبتوسطه إلى الطبائع بقدر شعورها وحيويتها ووجودها ، وقد دريت أن نسبتها ~~إلى الطبائع كنسبة المادة الأولى إليها بعينها ، فكذلك حكمها في العشق ~~والشوق بعينه حكمها ، بل عشقها أشد من عشق المادة وشوقها أيضا ، باعتبار ~~دون اعتبار. # وكذلك حال الطبائع والقوى بالنسبة إلى النفوس ، والطبيعة لما كانت تحسن ~~بالفناء والاضمحلال ، صارت جذابة للنفس إليها ، حائلة بينها وبين معالي ~~الأمور ، مخافة أن تبطل وتضمحل ، وهذا أيضا لحكمة ومصلحة من الله سبحانه في ~~اشتغال النفس برهة من ms491 الزمان لتدبير عالم الطبيعة إلى أن يقضي الله أمرا ~~كان مفعولا. # سؤال : بم يعرف وجود العشق ، فيما ذكرت؟ وهل لذلك من علامة يعرف بها؟ # جواب : نعم ، إن له علامة ، وهي انقياد السافل للعالي ، وخضوعه له خضوعا ~~جبليا ، وطاعته إياه ، وعبادته عبادة ذاتية من غير تمرد ، ولا عصيان ، مع ~~كونه ذا شعور ما. # ألا ترى إلى المادة الأولى كيف هي تحت سلطنة الصورة ، تقلبها كيف تشاء ، ~~وهي مطيعة إياها ، ذليلة عندها ، وكذا الصورة بالنسبة إلى الطبيعة ، وكذا ~~الطبائع والقوى بالنسبة إلى النفس ، فإنها خادمة لها ، لا يستنكفون عن ~~عبادتها ، PageV02P418 # ولكل خدمة موكولة إليه أينما وجد لزمته تلك الخدمة ، مع شعف (1) تام. # ألا ترى إلى الحجر إذا أخرج عن مكانه الطبيعي كيف يميل إليه بشوق تام ، ~~وشعف كامل ، وهذا بعينه إطاعة طبيعية لنفسه ، وخدمة لها ، وهي متسببة عن ~~عشقها إياها ، وابتهاجها بها ، وكذلك سائر الطبائع والقوى ، من النباتية ~~والحيوانية ، من الغاذية ، والنامية ، والمولدة ، والمحركة ، والمدركة ، ~~إلى غير ذلك ، فإن كلها مجبولة في طاعة النفس ، والانقياد لها ، كما مر ~~بيان ذلك مفصلا في مباحث النفس ، فلا نعيدها ، وما ذلك إلا لعشقها لها ، ~~وشوقها إلى الوصول لديها ، وما عشقتها إلا لأنها عشقت الخير المطلق ، فهي ~~في الحقيقة إنما تعشق خالقها وبارئها. # وأما الأعراض فعشقها ظاهر بالجد في ملازمة الموضوع. ### ||| * فصل # وأما النفوس المنطقية فهي لما كانت ذات جهتين ، من جهة ذاتها جوهر عقلي ~~ثابت بالقوة ، ومن جهة تعلقها بالطبيعة وفعلها وتدبيرها جوهر متجدد غير ثابت. # وهاتان الجهتان مما يشبه أن تكون إحداهما مقومة لها ، داخلة في قوامها ، ~~والأخرى لاحقة لذاتها ، لكونها إضافة لها إلى الطبيعة ، فإذا سقطت عنها هذه ~~الإضافات رجعت إلى منبعها الأصلي ، وحيزها العقلي. # وإنما تخاف النفس من ذلك ، ولا تأنس إلى الخروج من هذا الحبس ؛ PageV02P419 # لأنها استوحشت مخافة أن تنقل إلى ما هو شر منه ، وإنما يطلب الموت ~~الموقنون الذين تيقنوا أنهم ملاقو ربهم ، وإنهم إليه راجعون ، فيتمنون ~~الموت تشوقا إلى لقاء الله في الدار الآخرة ؛ لكونهم يتولون الله ، ويحبونه ~~، كما ms492 في قوله تعالى : ( @QUR@013 إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ) (1)، وأولئك هم النفوس الإنسانية التي وصلت ~~في حياتها الدنياوية إلى الغبطة العظمى ، فأشرف أحوالها أن تكون عاشقة ~~مشتاقة ، فشوقها يؤدي إلى الطلب السريع ، والسير الحثيث إلى الحق ، حتى إذا ~~أدت الحركة إلى النيل بطل الطلب ، وصفت البهجة ، وحقت ، وهو الفناء الذي ~~يسمى بالولاية ، وإليهم الإشارة بقوله عز وجل : ( @QUR@05 والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ) (2). ### ||| * فصل # وأما النفوس الحيوانية ، سواء كانت من نوع الإنسان ، أو أنواع أخرى ~~حيوانية ، طالبة لكمالات وهمية ، وخيرات خيالية ، فهي صنفان : سعيدة ، وشقية. # فالسعيدة نفوس بشرية ، تتصور الحق الأول تصورا مثاليا ، وتتمثل لها ~~الوسائط العقلية بالأمثلة المأخوذة عن المبادىء الجسمانية ، والأفعال ~~الباطنية المقربة إليه ، والنيات الصالحة المزلفة لديه بنظائرها من الأفعال ~~الصادرة من خدام السلاطين ، وعبيد الملوك ، وتتخيل الغايات الحقيقية ، ~~كالغايات الحسية ، فكأنهم يعبدون حكاية الحق الأول ، ويعشقون ذلك، لا ذاته ~~تعالى ، فلهذا صارت PageV02P420 # عباداتهم وحركاتهم أمثلة لعبادات أهل الحق ، وأشباحا لنسك العارفين. # والشقية نفوس منغمسة في عالم الطبيعة ، متنكسة رؤوسها لانكبابها على ~~الشهوات واللذات الحسية ، والتغلبات الحيوانية ، فهي التي كفرت بأنعم الله ~~، وصرفت قواها الشهوية والغضبية في غير ما خلقت لأجله ، وضلت ضلالا بعيدا ، ~~وخسرت خسرانا مبينا. # وهي مع هذه الشقاوة والفاحشة غير خالية عن عشق وشوق إلى طلب الخير ~~الأقصى، والحق الأعلى ، بحسب غريزتها وطبيعتها الفطرية التي فطر الناس ~~عليها ؛ وذلك لأنها إنما طلبت ما طلبت ، وعشقت ما عشقت من المشتهيات الدنية ~~والحظ الأدنى ؛ لأنها تصورت فيها الخيرية. # وقد دريت أن الوجود كله خير ، وأن الشرور إنما هي بالإضافة ، فما هو شر ~~بالنسبة إلى أمر ، فهو خير في نفسه ، أو بالإضافة إلى أمر آخر ، فالنفوس ~~إنما عشقت مستلذاتها من جهة خيريتها ، ولكنها لجهلها وعماها ذاهلة عن ~~استلزام ذلك فوات الخيرات الكثيرة التي لا نسبة لها إلى هذه ، فرجع عشقها ~~إذن إلى الخير ليس إلا ، وبين أن الخير كله من عند الله عز وجل ، وبيده ، ~~ومنه ، وبه ، بل إنما سائر الخيرات ms493 رشح من خيره ، كما أن الوجودات كلها رشح ~~من وجوده ، فهي إذن ليس عشقها إلا لله سبحانه بالحقيقة ، سواء كان بحسب ~~الظاهر للمال والجاه ، أو الحسن والجمال ، أو غير ذلك. # من هنا قال صاحب الفتوحات : ما أحب أحد غير خالقه ، ولكن احتجب عنه تعالى ~~، بحب (1) زينب ، وسعاد ، وهند ، وليلى ، والدرهم ، والدينار ، والجاه ، ~~وكل ما في العالم ، فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات ، وهم لا يشعرون ، PageV02P421 # والعارفون بالله لم يسمعوا شعرا ، ولا لغزا ، ولا غزلا ، إلا فيه من خلف ~~حجاب العبودية ، فإن الحب سببه الجمال ، وهو له ؛ لأن الجمال محبوب لذاته ، ~~والله جميل ، يحب الجمال ، فيحب نفسه. # وسببه الآخر الإحسان ، وما ثم إحسان إلا من الله ، ولا محسن إلا الله ، ~~فإن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله ؛ لأنه الجميل ، وإن أحببت للإحسان ، ~~فما أحببت إلا الله ؛ لأنه المحسن ، فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله (1). ### ||| * فصل # وليعلم أن النفس النطقية ، والحيوانية أيضا بجوار النطقية ، أبدا تعشقان ~~كل شيء حسن النظم والتأليف والاعتدال ، مثل المسموعات الموزونة وزنا ~~متناسبا ، والمذوقات المركبة من أطعمة مختلفة بحسب التناسب ، وما شابه ذلك. # أما النفس الحيوانية فبنوع تقليد طبيعي ، وأما النفس الناطقة فإنها إذا ~~سعدت بتصور المعاني الغالبة على الطبيعة ، وعرفت أن كل ما قرب من المعشوق ~~الأول فهو أقوم نظاما ، وأحسن اعتدالا ، وبالعكس ، إذ ما يليه أفوز بالوحدة ~~وتوابعها ، كالاعتدال والاتفاق ، وما يبعد عنه أقرب إلى الكثرة وتوابعها ، ~~كالتفاوت والاختلاف ، على ما أوضحه الإلهيون. # فمهما ظفر بشيء حسن التركيب لاحظه بعين المقة ويلتذ به ، ولما كانت لذته ~~رشحا للذة أمر عقلي ذاتا ، أو صفة ، أعني رب نوعه الذي هو من عالم العقل ، ~~كما أن وجوده تابع لوجوده ، وكانت آثار الجواهر العقلية في هوية PageV02P422 # الإنسان الطبيعي لكونه تام الخلقة أكثر ، كان الالتذاذ به أكثر من سائر ~~المركبات والبسائط الطبيعية. ### ||| * فصل # والعلة في كون حدث السن من أهل الزينة والجمال مرغوبا مشتهى ، دون الممعن ~~في السن منهم ، أن الإنسان متقلب الهوية في درجات الوجود ؛ لأن وجوده في ~~أول ms494 الأمر بالقوة، ثم في مقام الطبيعة ، ثم في مقام الحس ، ثم في مقام ~~النفس ، على مراتبها ، ثم في مقام العقل على درجاته. # وهذه اللذات الشهوية أكثرها حسية محضة ، أو نفسانية ممزوجة بآثار الطبع ، ~~ولهذا يتعلق الميل الشهوي بأوائل وجود الإنسان الجميل ، دون ثوانيه ، ~~وأواخره ، سيما وقد يحدث فيها من ذمائم الصفات ما يحدث في مقام النفس ، ~~ويسري حكمها من الباطن إلى الظاهر. # وقد تجتمع هذه النشآت في شخص واحد ، طالب ، أو مطلوب ، فيلتذ رجل واحد من ~~صحبة الأحداث والنسوان ، وأهل الطرب ، والرقص ، والغناء ، بحصة طبيعته وحسه ~~، ومن صحبة الظرفاء والشعراء ، وأهل الصناعات والعلوم الجزئية ، بحصة نفسه ~~وخياله ، ومن صحبة الحكماء الكاملين ، وأهل التقوى والزهادة ، بحصة عقله وروحه. ### ||| * فصل # وأما الحكمة في ذلك ، فهي أن الأطفال والصبيان لما استغنوا عن تربية ~~الآباء والأمهات ، فهم بعد محتاجون إلى تعليم الاستاذ من المعلمين لهم العلوم PageV02P423 # والصنائع ، ليبلغهم إلى التمام والكمال ، فمن أجل ذلك يوجد في الرجال ~~البالغين رغبة في الصبيان ، ومحبة للغلمان ، ليكون ذلك داعيا لهم إلى ~~تأديبهم ، وتهذيبهم ، وتكميلهم إلى البلوغ إلى الغايات المقصودة بهم ، وهذا ~~موجود في جبلة أكثر الأمم التي لها تعليم العلم ، والصنائع ، والآداب ، ~~والرياضات ، مثل أهل فارس ، وأهل العراق ، وأهل الشام ، والروم ، دون غيرهم ~~من الأمم التي لا تتعاطى العلوم والصنائع والآداب ، مثل الأكراد ، والأعراب ~~، والزنج ، والترك ، فإنه قلما يوجد فيهم ، وفي طبائعهم ، محبة الغلمان ، ~~وعشق المردان. # وهكذا الحكمة في سائر أنواع المحبة من محبة من محبة الرجال للنساء ، ~~وبالعكس ، ومحبة الوالدين للولد ، والرؤساء للرئاسات ، وأهل الصنائع ~~لصنائعهم ، إلى غير ذلك ، فإن ذلك كله إنما ركزت في جبلتهم لحفظ نظام ~~العالم. ### ||| * فصل # ثم إن الإنسان إذا أحب الصور المستحسنة لأجل لذة حيوانية ، فهو مستحق ~~للذم ، بل هو من اللئام ، مثل الفرقة الزانية ، والمتلوطة ، وبالجملة الأمة ~~الفاسقة. # وعلامة ذلك أن يكون أكثر إعجابه بصورة المعشوق ، وخلقته ، ولونه ، ~~وتخاطيط أعضائه ؛ لأنها أمور بدنية ، وهذا مما يقتضيه استيلاء النفس ~~الأمارة ، وهو معين لها على استخدامها القوة العاقلة ، ويكون في الأكثر ~~مقارنا ms495 للفجور ، والحرص عليه. # ومهما أحب الصورة المليحة باعتبار عقلي على ما أوضحناه ، عد ذلك PageV02P424 # وسيلة إلى الرفعة ، والزيادة في الخيرية ، لولهه لما هو أقرب في التأثير ~~من المؤثر الأول ، والمعشوق المحض ، وأشبه بالأمور العالية الشريفة ، وذلك ~~مما يؤهله لأن يكون ظريفا ، وفتى لطيفا ؛ ولذلك لا يكاد أهل الفطنة من ~~الظرفاء والحكماء ، ممن لا يسلك طريقة المتعففين ، يوجد خاليا عن شغل قلب ~~بصور حسنة إنسانية ؛ وذلك أن الإنسان مع ما فيه من زيادة فضيلة الإنسانية ~~إذا وجد فائزا بفضيلة اعتدال الصورة التي هي مستفادة من تقويم الطبيعة ، ~~واعتدالها ، بظهور أثر إلهي فيه جدا ، استحق لأن ينحل من ثمرة الفؤاد ~~مخزونها ، ومن صفر صفاء الوداد طيبه. # ومبدأ هذا العشق مشاكلة نفس العاشق لنفس المعشوق في الجوهر ، وعلامته أن ~~يكون أكثر إعجابه بشمائل المعشوق ، وجودة تركيبه ، واعتدال مزاجه ، وحسن ~~أخلاقه ، وتناسب حركاته ، وأفعاله ، وغنجه ، ودلاله ؛ لأنها آثار صادرة عن ~~نفسه ، وهو يجعل نفس العاشق لينة شيقة ، ذات وجد ورقة ، منقطعة عن الشواغل ~~الدنياوية ، معرضة عما سوى معشوقه ، جاعلة جميع الهموم هما واحدا ، ولذلك ~~يكون الإقبال على المعشوق الحقيقي أسهل على صاحبه من غيره ، فإنه لا يحتاج ~~إلى الإعراض عن أشياء كثيرة ، وإليه أشار من قال : من عشق وعف ، وكتم ، ~~ومات ، مات شهيدا (1). # وقيل : العشق العفيف أدنى سبب في تلطيف النفس ، وتنوير القلب ، إلا أن ~~ذلك أيضا إنما يكون للمتوسطين من الناس الذين لم يشتغلوا بعد بالله سبحانه ~~، فإن من اشتغل بالله لم يشغله شيء عنه ، جل ذكره ، ولذلك لما سئل مولانا ~~الصادق عليه السلام عن العشق ، فقال : «قلوب خلت من ذكر الله ، فأذاقها الله حب PageV02P425 # غيره» (1). # وقال أستاذنا دام ظله : إن هذا العشق وإن كان معدودا من جملة الفضائل ، ~~إلا أنه من الفضائل التي يتوسط الموصوف بها بين العقل المفارق المحض ، وبين ~~النفس الحيوانية ، ومثل هذه الفضائل لا تكون محمودة شريفة على الإطلاق في ~~كل وقت ، وعلى كل حال من الأحوال ، وفي كل أحد من الناس ، بل ينبغي استعمال ~~هذه المحبة في أواسط ms496 السلوك العرفاني ، وفي حال ترقيق النفس وتنبيهها عن ~~نوم الغفلة ، ورقدة الطبيعة ، وإخراجها عن بحر الشهوات الحيوانية. # وأما عند استكمال النفس بالعلوم الإلهية ، وصيرورتها عقلا بالفعل ، محيطا ~~بالعلوم الكلية ، ذا ملكة الاتصال بعالم القدس ، فلا ينبغي لها عند ذلك ~~الاشتغال بعشق هذه الصورة المحسنة اللخمية ، والشمائل اللطيفة البشرية ؛ ~~لأن مقامها صار أرفع من هذا المقام ، ولهذا قيل : المجاز قنطرة الحقيقة ، ~~وإذا وقع العبور من القنطرة إلى عالم الحقيقة ، فالرجوع إلى ما وقع العبور ~~عنه تارة أخرى يكون قبيحا ، معدودا من الرذائل. # ولا يبعد أن يكون اختلاف الأوائل في مدح العشق وذمه ، من هذا السبب الذي ~~ذكرناه ، أو من جهة أنه يشتبه العشق العفيف النفساني الذي منشؤه لطافة ~~النفس ، واستحسانها ، لتناسب الأعضاء ، واعتدال المزاج ، وحسن الأشكال ، ~~وجودة التركيب بالشهوة البهيمية التي منشؤها إفراط القوة الشهوانية. # وأما الذين ذهبوا إلى أن هذا العشق من فعل البطالين الفارغي الهمم ، ~~فلأنهم لا خبرة لهم بالأمور الخفية ، والأسرار اللطيفة ، ولا يعرفون من ~~الأمور إلا PageV02P426 # ما تجلى للحواس [وظهر للمشاعر الظاهرة] (1)، ولم يعلموا أن الله لم يخلق ~~شيئا في جبلة النفوس إلا لحكمة جليلة ، وغاية عظيمة (2). ### ||| * فصل # ثم إن عشق الصور الحسية من الإنسان قد تتبعه أمور ثلاثة : # أحدها : حب معانقته. # والثاني : حب تقبيله. # والثالث : حب مباضعته. # فأما حب المباضعة ، فمهما تأمل فيما سبق تيقن عنده أن هذا العشق ليس إلا ~~خاصا بالنفس الحيوانية ، وإن حصتها فيه أنها فيه على مقام الشريك ، بل ~~المستخدم لا على مقام الآلة ، وذلك قبيح جدا ، بل أنى تخلص العشق النطقي ما ~~لم تنقمع القوة الحيوانية ، غاية الانقماع ، ولذلك بالحري أن يتهم العاشق ~~إذا راود معشوقه بهذه الحاجة. اللهم إلا أن تكون هذه الحاجة منه بضرب نطقي ~~، يعني إن قصد به توليد المثل ، وذلك في الذكر من الناس محال ، وفي الأنثى ~~المحرمة في الشرع قبيح ، بل لا ينساغ هذا القصد ، ولا يستحسن إلا للرجل في ~~امرأته ، أو مملوكته. # وأما المعانقة والتقبيل ، فإذا كان الغرض فيهما هو التقارب والاتحاد ؛ ~~وذلك لأن النفس ms497 تود أن تنال معشوقها بحسها اللمسي ، نيلها بحسها البصري ، PageV02P427 # فتشتاق إلى معانقته ، وتنزع إلى أن يختلط سهم مبدأ الأفاعيل النفسانية ، ~~وهو القلب ، بسهم مثله من المعشوق ، فتشتاق إلى تقبيله ، فليسا بمنكرين في ~~ذاتيهما ، لكن استتباعهما بالعرض أمورا شهوانية فاحشة توجب التوقي عنهما ، ~~إلا إذا تيقن من ميولهما خمود الشهوة والبراءة من البهيمية ، ولذلك لم ~~يستنكر تقبيل الأولاد ، وإن كان مبدؤه مزعجا لتلك ؛ إذ كان الغرض فيه ~~التداني والاتحاد ، لا الهم على فحش ، أو فساد. ### ||| * فصل # إن مبدأ العشق وأوله نظرة ، أو التفات نحو شخص من الأشخاص ، فيكون مثلها ~~كمثل حبة زرعت ، أو غصن غرس ، أو نطفة سقطت في الرحم ، ثم يكون ما باقي ~~النظرات واللحظات بمنزلة ماء ينصب إلى هناك ، ويزيد وينشأ وينمو على ممر ~~الأيام ، إلى أن يصير شجرة ، أو جسما ، وذلك أن أول همة العاشق ومناه هو ~~الدنو منه ، والقرب من ذلك الشخص ، فإذا اتفق ذلك سهل تمني الخلوة ~~والمحاورة ، فإذا سهل ذلك تمنى المعانقة والقبلة ، فإن سهل ذلك تمنى الدخول ~~في ثوب واحد ، والالتزام بجميع الجوارح أكثر ما يمكن، ومع هذه كلها الشوق ~~بحاله لم ينقص شيئا ، بل ازداد ، كما قال قائلها : # أعانقها والنفس بعد مشوقة %~% إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول حرارتي %~% فيزداد ما ألقى من الهيجان فإن فؤادي ليس يشفي غليله %~% سوى أن يرى الروحين يتحدان PageV02P428 ### ||| * فصل # قيل : إذا تعانق العاشق والمعشوق جميعا ، وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه ~~، وبلعه ، وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما ، وامتزجت هناك مع ~~رطوبات المعدة، ووصلت إلى جرم الكبد ، واختلطت بأجزاء الدم هناك ، وانتشر ~~في العروق الواردة إلى سائر أطراف الجسد ، فاختلط بجميع أجزاء البدن ، فصار ~~لحما ، ودما ، وعروقا ، وعصبا ، وما شاكل ذلك. # وهكذا أيضا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه ، خرج مع تلك الأنفاس ~~شيء من نسيم روح كل واحد منهما ، واختلط بأجزاء الهواء ، فإذا استنشقا من ~~ذلك الهواء دخل إلى خياشيمهما من أجزاء ذلك النسيم مع الهواء المستنشق ، ~~ووصل بعضه ms498 إلى مقدم الدماغ ، وسرى فيه كسريان النور في جرم البلور ، فاستلذ ~~كل واحد منهما ذلك النسيم. # ووصل أيضا أجزاء ذلك الهواء المستنشق إلى جرم الرئة في الحلقوم ، وما ~~شاكل ذلك من أجزاء الجسد ، وانعقد في بدن هذا ما تحلل من جسد هذا ، وفي جسد ~~هذا ما تحلل من بدن هذا ، فيكون من ذلك ضروبا من الامتزاجات ، ومن تلك ~~الأمزجة ضروب الأخلاط ، كل ذلك بحسب أمزجة أبدانهما. # ومن شأن النفس أن تتبع مزاج الجسد في إظهار أفعالها وأخلاقها ؛ لأن مزاج ~~الجسد وأعضاء البدن ومفاصله للنفس بمنزلة الآلات والأدوات للصانع الحكيم ، ~~يظهر بها ، ومنها أفعاله ، فلهذه الأسباب والعلل التي ذكرناها يتولد العشق ~~والمحبة على ممر الأيام بين المتحابين، وينشأ وينمو. PageV02P429 # فأما الذي يتغير من المحبة وينفد بعد التأكيد فلأسباب يطول شرحها. # وكل محب لشيء من الأشياء مشتاق إليه ، هائم به ، متى وصل إليه ونال ما ~~يهواه منه ، وبلغ حاجته من الاستمتاع والتلذذ بقربه ، فإنه لا بد يوما أن ~~يفارقه ، أو يمله ، أو يتغير عليه ، وتذهب تلك الحلاوة ، وتتلاشى تلك ~~البشاشة ، ويخمد لهب ذلك الاشتياق والهيمان ، إلا المحبين لله تعالى من ~~المؤمنين والمشتاقين إليه من عباده وأوليائه الصالحين ، فإن لهم في كل يوم ~~من محبوبهم قربة ومزيدا أبد الآبدين ، بلا نهاية ، ولا غاية. # أقول : وإلى هذا أشير بقوله عز وجل : ( @QUR@07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين ) (1). # وقال مولانا الصادق عليه السلام : «ألا كل خلة كانت في الدنيا في غير الله ~~، فإنها تصير عداوة يوم القيامة» (2). ### ||| * فصل # وأما النفوس الفلكية ، فقد مر أنهم عشاق لله ، مشتاقون إليه ، دائرون حول ~~جنابه ، قد نالوا نيلا من حيث التفاتهم لفتة ، وعشقهم بما لديه ، وحجبوا ~~عنه حجابا من حيث هواهم إلى عالم الطبع ، فيكون لهم ضرب من الشقاوة ~~الضرورية ، إلا أنه تنجبر في كل دهرهم لأجل استكمالهم التدريجي ، وخروجهم ~~من القوة إلى الفعل ، فيما ليس لهم من الكمال اللائق بحالهم ، فعند حصوله يحصل PageV02P430 # لهم القرب والمنزلة عند الله ، وتكون لهم بهجة جديدة بحسبها ، وبقدر ما ~~يكون بالقوة ms499 لها شوق ، والشوق لا يخلو عن أذى ، إلا أن الأذى إذا كان من ~~جهة معشوق نيل منه شيء عظيم ، وبقي شيء يسير ، يكون لذيذا. # وقد مثلوا ذلك بالدغدغة ؛ لأنها مركبة من لذة وألم ، فهم واجدون في عين ~~الحرمان ، واصلون حين الفرقان ، فلا محالة يغشاهم نوع دهشة وحيرة ، ويتأذون ~~أذى لذيذا ، لكونه من قبل أرحم الراحمين ، ومعشوق العالمين. # وهاتان الجهتان فيهم بإزاء الرجاء والخوف في الإنسان العالم الصالح. ### ||| * فصل # وأما العقول المقدسة فهم العشاق بالحقيقة ؛ لأن ابتهاجهم به سبحانه لا ~~غير ، وأما ابتهاجهم بذواتهم فليس من حيث هم هم ، بل من حيث كونهم مبتهجين ~~به ؛ لأنهم إنما يعرفون أنفسهم بالله سبحانه ، وكونهم عبيدا وخدما له ، ~~مسخرين ، فلذتهم أيضا بذاته ، فهم على الدوام في مطالعة ذلك الجمال ، لا ~~يرتد إلى أنفسهم طرفهم طرفة عين ؛ لاستهلاكهم في ذات الحبيب الأول. # ونحن نلتذ بإدراك روائح الحق في أوقات متفرقة من أيام دهرنا ، ما لا تقدر ~~الألسن وصفها ، ونحن مصروفون عنه ، مردودون في قضاء حاجات ، منغمسون في ~~تدبير الطبيعة البدنية ، إذا تعرضنا على سبيل الاختلاس لنفحات الله في زمان ~~قليل جدا تكون كسعادة عجيبة. # وهذه الحالة للمقربين أبدا من غير مشوش ، فكيف بهجتهم وسعادتهم؟ وكيف من ~~بهجهم وأسعدهم ، تعالى شأنه؟ PageV02P431 ### ||| * فصل # ولما كانت العبادة متسببة عن العشق ، كما أشرنا إليه ، فإن العاشق عابد ~~لمعشوقه لا محالة ؛ إذ العبادة ليست إلا الإطاعة والانقياد ، وصرف الهمة ~~نحو الشيء ، وذلك إنما يكون بالعشق ، أو يرجع إليه ، بل ورد في الحديث : ~~«من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان ~~ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (1). # وكذلك الذكر متسبب عن الشعور البسيط ، وقد تبين لك أن جميع الموجودات ~~ذوات عشق وشعور ينتهيان إلى الله سبحانه ، فكلهم عابدون له ، جل جلاله ، ~~مطيعون إياه ، كما أنهم عاشقون له ، شائقون إليه ، ولهم دين فطري ، جبلية ~~له لا يتصور فيها عصيان أصلا ، فلكل وجهة هو موليها ، يحن إليها ويقتبس ~~بنار الشوق نور الوصول لديها ، وإليه أشير ms500 له بقوله عز وجل : ( @QUR@06 وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ) (2). # قال صاحب الفتوحات : خلق الله الخلق ليسبحوه ، فنطقهم بالتسبيح له ، ~~والثناء عليه ، والسجود له ، فقال : ( @QUR@017 ألم تر أن الله يسبح له من ~~في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ) (3). # وقال أيضا : ( @QUR@012 ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض PageV02P432 # @QUR@09 والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ) (1). # وخاطب بهاتين الآيتين نبيه الذي أشهده ذلك ، ورآه ، فقال : «ألم تر» ، ~~ولم يقل: «ألم تروا» ، فإنا ما رأيناه ، فهو لنا إيمان ، ولمحمد عيان ، ~~فأشهده سجود كل شيء ، وتواضعه لله ، وكل من أشهده الله ذلك ورآه دخل تحت ~~هذا الخطاب ، وهذا تسبيح فطري، وسجود ذاتي ، عن تجل تجلى لهم ، فأحبوه ، ~~فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف ، بل اقتضاء ذاتي. # وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي ~~يستحقه. # وقال في أهل الكشف وعامة الإنس وكل عاقل : ( @QUR@017 أولم يروا إلى ما ~~خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) ~~(2)، أخبرهم أن ذلك التفيؤ يمينا وشمالا سجود لله ، وعبودية ، وصغار ، ~~وذلة لجلاله ، فقال : ( @QUR@04 سجدا لله وهم داخرون )، فوصفهم بتعبدهم ~~أنفسهم ، حتى سجدوا لله داخرين. # ثم أخبر فقال متمما : ( @QUR@010 ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض ~~من دابة ) (3)، أي من يدب عليها ، ثم قال : ( @QUR@01 وهم ) يعني أهل ~~السماوات ، والملائكة ، يعني التي ليست في سماء ، ولا أرض ( @QUR@02 لا ~~يستكبرون ) يعني عن عبادتهم ربهم ، ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم عالمون ~~بمن سجدوا له ، ثم وصف PageV02P433 # المأمورين منهم أنهم ( @QUR@03 يفعلون ما يؤمرون ) (1). # ثم قال في الذين هم عند ربهم : ( @QUR@07 يسبحون له بالليل والنهار وهم ~~لا يسأمون ) (2) أي لا يملون ، ولا يفترون ، كل ذلك يدل على أن العالم كله ~~في مقام الشهود والعبادة ، ألا كل مخلوق له قوة التفكر وليس إلا النفوس ~~الناطقة الإنسانية ، والحيوانية خاصة ، من حيث أعيان أنفسهم ، لا من حيث ~~هياكلهم ، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء ms501 البدن ~~كلها مسبحة ناطقة ، ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة ، ~~من الجلود ، والأيدي ، والأرجل ، والألسنة ، والسمع ، والبصر ، وجميع القوى ~~، فالحكم لله العلي الكبير (3). # وقال في موضع آخر : إن المسمى بالجماد والنبات ، لهم أرواح بطنت عن إدراك ~~غير أهل الكشف إياها في العادة ، فلا يحس بها مثل ما يحسها من الحيوان ، ~~فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق ، بل حي ناطق ، غير أن هذا المزاج الخاص ~~يسمى إنسانا ، لا غير ، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف ، فقد سمعنا ~~الأحجار تذكر الله ، رؤية عين ، بلسان تسمعه آذاننا منها ، وتخاطبنا مخاطبة ~~العارفين بجلال الله ، مما ليس يدركه كل إنسان (4). # وقال في موضع آخر : وليس هذا التسبيح بلسان الحال ، كما يقوله أهل النظر ~~ممن لا كشف له. PageV02P434 ### ||| * فصل # قد ظهر من تضاعيف ما ذكرناه : أن القوى الأرضية كلها كالنفوس الفلكية في ~~أن الغاية في أفاعيلها ما فوقها ؛ إذ هي لا تحرك المادة لتحصيل ما تحتها من ~~المزاج وغيره ، وإن كانت هذه تحصل بالتبع اللازم ، بل الغاية في تحريكاتها ~~كونها على أفضل ما يمكن لها ، ليحصل لها التشبه بما فوقها ، كما في تحريكات ~~نفوس الأفلاك أجرامها بلا تفاوت إلى أن تنتهي سلسلة التشبهات والاستكمالات ~~إلى الغاية الأخيرة ، والخير الأقصى ، الذي يسكن عنده السلاك ، وتطمئن به ~~القلوب ، وهو الله جل جلاله. # ومن هنا قيل : لو لا عشق العالي لانطمس السافل ، فالكائنات البائدات ، ~~كالسابقات الباديات. # وفاعل التسكين كالطبيعة الأرضية ، كفاعل التحريك كالقوى السماوية ، في أن ~~مطلوبه ليس ما تحته في الوجود ، بل كونه على أحسن ما يمكن في حقه. # وما أحسن ما قيل : صلت السماء بدوراتها ، والأرض برجحانها ، والماء ~~بسيلانه ، والمطر بهطلانه ، وقد يصلى له ، ولا يشعر ، ولذكر الله أكبر. # فالسماوات بسرعة وجدها ، والأرض بفرط سكونها ، لسيان في هذا الشأن ، ~~ولعمر إلهك لقد اتصل بالسماء والأرض من لذيذ الخطاب في قوله عز سبحانه : ( ~~@QUR@04 ائتيا طوعا أو كرها ) (1)، من مشاهدة جمال القهر ما طربت السماء ~~طربا رقصها ، فهي بعد في ذلك الرقص والنشاط ، وغشي به على ms502 الأرض لقوة PageV02P435 # الوارد ، فألقيت مطروحة على البساط ، فسريان لذة القهر هو الذي عبدهما ، ~~ومشاهدة لطف الجلال هي التي سلبت أفئدتهما ، حتى قالا قول الوامق ذي الحنين ~~: ( @QUR@02 أتينا طائعين ) (1). # فذلك من عميم اللطف شكر %~% وهذا من رحيق الشوق سكر # وظهر بما ذكرنا أيضا أن جميع الناس إنما يعبدون الله بوجه ، حتى عبدة ~~الأصنام ، فإنهم يعبدونها لظنهم الإلهية فيها ، فهم أيضا يعبدون ما تصوروه ~~إله العالم بالحق ، إلا أن كفرهم لأجل تصديقهم غير الله أنه هو الله ، فقد ~~أصابوا في التصور ، وأخطأوا في التصديق ، فلا فرق بينهم وبين كثير من ~~الإسلاميين من هذا الوجه. # ومن هنا قال الله جل جلاله : ( @QUR@06 وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) (2). # وقال عز وجل : ( @QUR@08 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~) (3). # وقال : ( @QUR@027 قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين* بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون ) (4). # ومع هذا فأكثر الناس يعبدون غير الله ، كما قال سبحانه : ( @QUR@02 وما يؤمن PageV02P436 # @QUR@05 أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) (1)، وقال : ( @QUR@05 يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا ) (2)، وآيات كثيرة في هذا المعنى ، فإن جميعهم غير ~~العارف الرباني لا يعبدون الله ، فإن آلهتهم هي بالحقيقة صور أصنام ~~ينحتونها بآلات أوهامهم ، فلا فرق كثيرا بينهم وبين عباد الأوثان ، إلا ~~بالألفاظ ، فإن المعبود لكل أحد ما تخيله في وهمه ، وتصوره في خياله ، إلا ~~الإلهيين الذين وصلوا إلى معرفة الله بنور هدايته ، وهو وليهم ، ومتولي ~~أمورهم. # كما أن ولي العاكفين على عبادة صور الأجسام ، وأصنام الأوهام ، هو الهوى ~~والشيطان ، كما قال عز وجل : ( @QUR@018 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات ) (3)، وإليه أشار أيضا بقوله جل وعز : ( @QUR@08 إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم ) (4)، وكانوا يعتقدون أنهم يعبدون عيسى عليه السلام ~~، فجادلوا الرسول صلى الله عليه وآله في هذه الآية ، فقال : معبودكم الطاغوت ، ~~أشار عليه السلام إلى ما تصوروه في أوهامهم الفاسدة. PageV02P437 ### | في أن ms503 مصير كل شيء إلى الله سبحانه ### ||| * ( @QUR@05 ألا إلى الله تصير الأمور ) (1) ### ||| * فصل # ولعلك لا تحتاج إلى مزيد بيان لذلك بعد وقوفك على تضاعيف ما سردنا ذكره ، ~~ولكنا نشير الآن إلى ذلك بوجه آخر تفصيلي ، فإنه مطلب عال ، ومقصد غال ، قد ~~نبه الله سبحانه عليه في مواضع كثيرة من كتابه. # قال عز وجل : ( @QUR@09 يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) ~~(2)، وقال : ( @QUR@03 وإلى الله المصير ) (3)، ( @QUR@05 إنا لله وإنا ~~إليه راجعون ) (4)، ( @QUR@04 وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) (5)، ( @QUR@02 ~~وإليه ترجعون ) (6)، و ( @QUR@02 إلينا راجعون ) (7)، و ( @QUR@02 إلى ربك PageV02P438 # @QUR@02 يومئذ المستقر ) (1)، و ( @QUR@04 إلى ربك يومئذ المساق ) (2)، ~~و ( @QUR@03 إلى ربك الرجعى ) (3)، و ( @QUR@03 إلى ربك المنتهى ) (4)، ( ~~@QUR@05 ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) (5)، و ( @QUR@03 كل إلينا راجعون ) ~~(6)، ( @QUR@010 إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) (7)، ~~( @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) (8). إلى غير ذلك من الآيات ، ~~فاسمع لما يتلى عليك ، وهو من إفادات أستاذنا دام ظله . ### ||| * فصل # إن هذا الشوق والطلب الذي أثبتناهما للموجودات لو لم يكن لهما فائدة ~~وغاية طبيعية ، لكان ارتكازه في الجبلة والغريزة عبثا ، وهباء معطلا ، ولا ~~تعطيل في الوجود ، ولا عبث في فعل الله سبحانه ، كما قال عز وجل : ( @QUR@08 ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) (9)، تعالى الله عن ~~ذلك ، وتقدس. # فلكل سافل إمكان الوصول إلى ما هو أعلى منه ، ولا يجوز أن يكون المطلوب ~~نيل النسبة إليه ، والتشبه به ، أو القرب منه دون الوصلة ؛ وذلك لأن هذه PageV02P439 # الأمور إن أريد بها نفس المعاني الإضافية ، فمعلوم بالضرورة أن مجرد ~~الإضافة ليس من المطالب الصحيحة ؛ إذ لا وجود لها بالذات ، سيما في الذوات ~~العالية (1). # وكذا إن أريد به معنى عرضي ؛ لأن العرض أخس رتبة من أن يكون غاية ذاتية ~~لأمر جوهري ، فإن غاية الشيء ومطلوبه يجب أن تكون أشرف وأعلى منه ، والجوهر ~~أشرف من العرض ، فلو كان كذلك لزم كون شيء واحد شريفا وخسيسا معا ، بالقياس ~~إلى أمر واحد، وهو محال. # ثم لو تكلف أحد وقال : يجوز أن تكون الغاية المطلوبة كون ذلك الجوهر ~~مجامعا لتلك ms504 الصفة العرضية الكمالية. # قلنا : ذلك على تقدير صحته لا يضرنا ؛ لأن الكلام عائد في أنه مع كونه ~~على تلك الصفة إما على غاية الخير والتمام الذي لا أتم منه ، أم يكون فوقه ~~كمال أتم ، وخيرية أعلى. # فعلى الأول يلزم المطلوب ، وعلى الثاني تتحقق له غاية أخرى يقتضي الوصول ~~إليها ؛ إذ ما من موجود سوى الله سبحانه إلا وله غاية مطلوبة فوقه ، كما مر ~~بيانه ، والكلام جار في غاية غايته ، وهكذا إلى أن يتسلسل ، أو يدور ، وهما ~~مستحيلان ، أو ينتهي إلى غاية أصلية لا غاية فوقها ، وهو البارىء للكل ، جل اسمه. PageV02P440 ### ||| * وصل # ثم هذا الإمكان إما ذاتي فقط ، وذلك إذا كان في المبدعات ، وإما استعدادي ~~، وذلك إذا كان في المكونات. # ففي الإبداعيات إذا ثبت الإمكان ووجد المقتضي ، ورفع المانع ، حصل ~~المقصود والغاية ، والمانع والقاسر لا يوجد ولا يتصور في المفارقات ؛ لعدم ~~الاتفاقات والمزاحمات هناك، كما في عالم الحركات. # وأما في هذا العالم فالقواسر وإن كانت موجودة إلا أنها ليست دائمية ، ولا ~~أكثرية ؛ لأنها من العلل الاتفاقية ، وليست من الأسباب الذاتية للأشياء ، ~~وقد برهن أن العلل الاتفاقية أقلية الوجود ، ومع قلتها لا توجد إلا في غير ~~الفلكيات من هذا العالم ، وأما فيها فالطبائع الأثيرية على مقتضى حالها من ~~الفوز بمقاماتها اللائقة ، فلها الوصول إلى غاياتها ، وقد بينا كيفية ~~وصولها ، وحشرها إلى بارئها. # ثم الغاية للطبيعة الجزئية أولا وبالذات طبيعة جزئية أخرى ، وهكذا إلى ما ~~شاء الله ، والغاية في الطبيعة الكلية العقلية طبيعة عقلية أخرى فوقها ، ~~بالعلية والشرف. # وقد دريت أن لكل طبيعة حسية فلكية كانت ، أو عنصرية طبيعة أخرى عقلية في ~~العالم الإلهي ، وهي أصول هذه الأشباح الكائنة المتجددة ؛ لأنها فاعلها ، ~~وغايتها ، وصورتها أيضا ؛ لأن تلك الأصول هي عقليات بالفعل ، وهذه لا تخلو ~~عن القوة والإمكان ، وهذه بحسب وجودها الكوني التجددي سالكة مشتاقة إليها ، ~~فهي من حيث جزئيتها وتشخصها الزماني الاتصالي تنال منها PageV02P441 # شيئا فشيئا ، على التتالي ، وتصل إليها وصولا بعد وصول ، وتحصل لذاتها ~~منها حصولا بعد حصول على التدريج ؛ إذ لكل ms505 صورة عقلية شؤون وجهات ، ووجوه ، ~~وحيثيات ، لا يحيط به إلا الله عز وجل . # وأما بحسب وجودها العقلي فهي واصلة إليها ، متحدة بها اتحاد ذي الغاية ~~بغايتها عند الوصول. # وأما تلك الصور العقليات والعلوم الإلهيات ، فهي أبدا ملتحقة بفاعلها ، ~~وغايتها ملاحظة لجمال بارئها ومبدعها ، لم ترجع عنه إلى ذواتها طرفة عين ؛ ~~لأن الإمكان هنالك لا يفارق الفعلية ، والقصور لا يباين التمام ، فهي أبدا ~~مستهلكة الذوات في ذات الحبيب الأول ، لا فرق بينهم وبين حبيبهم ، كما ورد ~~في الخبر ، فلا مجال لهم في الأنانية ، والغيرية. # وقد دريت التركيب الاتحادي بين المادة والصورة الجسمية ، وكذا بينهما ~~وبين الطبيعة ، فالكل واصلة إلى مبدئها ، وكذا النفوس ؛ لأن النفس إما عقل ~~، وإما طبيعة ، وكل نفس وقعت على الصراط المستقيم الإنساني ، فإنها تمر على ~~جميع الكائنات ، وتصادف سائر الموجودات ، حتى تصل إلى الله سبحانه ؛ إذ لها ~~قوة الانتقال من حال إلى حال أعلى. # فالعناصر تنقلب جمادا ، والجماد ينقلب نباتا ، والنبات يسلك حيوانا ، ~~والحيوان يصير إنسانا ، والإنسان يصير ملكا ( @QUR@04 وينقلب إلى أهله ~~مسرورا ) (1)، كما مضى بيانه مفصلا. PageV02P442 ### ||| * فصل # وما لم يقع على الصراط المستقيم من النفوس ، فإن كانت نطقية ناقصة غير ~~مشتاقة إلى الكمال العقلي ، سواء كان عدم اشتياقها بحسب الفطرة ، أو لعارض ~~، فهي تحشر إلى العالم المتوسط المثالي الذي هو قالب وحكاية وظل للعالم ~~العقلي ، وبه قوامه ، ودوامه. # وكذا النفوس البهيمية ، والسبعية ، البالغة حد الخيال بالفعل ، فكل منها ~~يحشر في صورة مناسبة لهيئته النفسانية. # وأشخاص كل نوع منها مع كثرتها وتميزها وتشكلها بأشكالها ، وأعضائها ~~المناسبة لها ، المتفقة بحسب نوعها ، المختلفة بشخصياتها ، واصلة إلى مبدأ ~~نوعها ، وربه ، من العقول التي هي فاعلها وغايتها ، وتلك العقول محشورة إلى ~~الله تعالى ، كما دريت. # والمحشور إلى المحشور إلى شيء ، محشور إلى ذلك الشيء لا محالة. ### ||| * وصل # وأما النفوس المشتاقة إلى العقليات الغير البالغة إلى كمالها العقلي ، ~~فهي مترددة في الجحيم ، معذبة دهرا طويلا ، أو قصيرا ، بالعذاب الأليم ، ثم ~~يزول عنها الشوق إلى العقليات ، إما بالوصول إليها إن تداركته العناية ~~الإلهية بجذبة ms506 ربانية ، أو شفاعة ملكية ، أو إنسانية ؛ لقوة الشوق ، وضعف ~~العائق ، أو بطول المكث في البرازخ السفلية ، والاستيناس إليها ، فيزول ~~عنها العذاب ، ويسكن عند المآب ، إما PageV02P443 # إلى الدرجة العليا ، وإما إلى المهبط الأدنى ، فيحشر إلى الله من جهة ~~أخرى ، من غير تناسخ. # وسنتكلم في عذابها عن قريب ، إن شاء الله. ### ||| * وصل # وأما النفوس الحيوانية التي هي حساسة فقط ، وليست ذات تخيل وحفظ بالفعل ، ~~فهي عند موتها وفساد أجسادها ترجع إلى مدبرها العقلي ، لكن لا يبقى ~~امتيازها الشخصي، وكثرة هوياتها المتعددة بتعدد أجسادها ، بل صارت كلها ~~موجودة بوجود واحد ، متصلة بعقلها ؛ لأنها بمنزلة أشعة نير واحد ، انقسمت ~~وتعددت بتعدد الروازن الداخلة هي فيها ، فإذا بطلت الروازن زال التعدد ~~بينها ، ورجعت إلى وحدتها التي كانت عند المبدأ ، كرجوع الحواس الخمسة ~~المتفرقة في أعضاء البدن إلى الحس المشترك ، واتحادها به. # وكسائر القوى الحساسة وغيرها المتفرقة في مواضع البدن ، المجتمعة عند ~~النفس ، فإن اتحاد الفاعل يوجب اتحاد الفعل ، وإنما يتعدد الفعل بتعدد ~~القابل بالعرض ، فإذا فسدت القوابل رجع الفعل إلى وحدته الأصلية التي له من ~~جهة الفاعل ، فكما أن الباقية بذاتها متميزة في القيمة ، إنما هي النفس ، ~~وأما سائر قواها فهي باقية ببقائها ؛ لاتصالها بها ، واتحادها بوحدتها ، ~~فكذلك النفوس الحيوانية الغير المستقلة بذاتها ، ولا الشاعرة لذاتها ترجع ~~عند ارتفاع تكثرها ، الذي لأجل تكثر أجسادها إلى مبدئها وأصلها ، متحدة به ~~، باقية ببقائه. PageV02P444 ### ||| * فصل # وأما النفوس النباتية التي ليس لها الترقي إلى المرتبة الإنسانية ، ولا ~~الحيوانية ، مما اقتصر في حركاته ومساعيه على تحصيل الكمال النباتي ، ~~فمعادها عند فساد أجسادها إلى مقام أنزل ، وحشرها إلى مدبر عقلي أدنى ، ~~بالقياس إلى المدبرات العقلية لأنواع الحيوانات. # قال أرسطا طاليس (1) في كتاب الربوبية : فإن قال قائل : إن كانت قوة ~~النفس تفارق الشجرة بعد قطع أصلها ، فأين تذهب تلك القوة ، أو تلك النفس؟ # قلنا : تصير إلى المكان الذي لم تفارقه ، وهو العالم العقلي ، وكذا إذا ~~فسد الجزء البهيمي تسلك النفس التي فيه إلى أن تأتي العالم العقلي ، وإنما ~~تأتي ذلك العالم ؛ لأن ms507 ذلك العالم هو مكان النفس ، وهو العقل ، والعقل ليس ~~في مكان ، فالنفس إذن ليست في مكان (2). # فإن لم تكن في مكان فهي لا محالة فوق وأسفل ، وفي الكل ، من غير أن تنقسم ~~وتتجزأ تجزأ الكل ، فالنفس في كل مكان ، وليست في مكان. # أراد في كل مكان الجسم الذي هو فيه ، دون سائر الأجسام التي لا تعلق لها بها. # قال أستاذنا مد ظله : إن النبات (3) إذا قطع من أصله ، أو جف ، يسلك PageV02P445 # أولا إلى عالم الصور المقدارية التي بلا هيولى ، وينتهي منه إلى العالم ~~العقلي ، كما ذكره المعلم الأول ، فإذا انتهت إلى ذلك العالم الصوري ، ~~فتصير إما من أشجار الجنة إن كانت ذات طعم جيد ، كالحلاوة ونحوها ، طيبة ~~الرائحة ، أو من أشجار الجحيم إن كانت رديئة الطعم ، مرة المذاق ، كريهة ~~الرائحة ، كشجرة الزقوم ، طعام الأثيم. # وأصول هذه الأشجار تنتهي إلى سدرة المنتهى ، ( @QUR@09 عندها جنة المأوى ~~* إذ يغشى السدرة ما يغشى ) (1)، كما أن جميع النفوس تنتهي أولا إلى النفس ~~الكلية التي فوقها العقل الكلي ، وهو مأوى النفوس الكلية ، كما أنها منتهى ~~النفوس الجزئية (2). ### ||| * وصل # وأما الجماد والعناصر ، فقد دريت أن لها أيضا نفوسا ملكوتية في عالم ~~المثال ، غير العقول التي لها في العالم الأعلى ، من أرباب الأنواع ، وأنها ~~متقومة بتلك النفوس ، كما أن تلك النفوس متقومة بتلك العقول ، فحشرها إنما ~~يكون إلى تلك الصور النفسانية لا محالة، ثم إلى ما فوقها. # قال أستاذنا دام ظله : ومن الشواهد العرشية الدالة على أن لهذه الصور ~~الطبيعية صورا نفسانية ، هي معادها وباطنها ، وأخرى عقلية ، هي معاد معادها ~~، وباطن باطنها : أنا متى أحسسنا بشيء خارجي ، وقعت له صورة غير صورتها ~~الخارجية في قوانا الحساسة التي هي من جنس الحيوانات المقتصرة على PageV02P446 # النفس الحساسة فقط ، فإذا وقعت تلك الصورة في حسنا ، واستكمل بها الحس ، ~~حصلت من تلك الصورة صورة أخرى ، ألطف وأشرف منها ، فتصورت بها قوة خيالنا ~~التي دلت البراهين التي أقمناها على تجردها ، وتجرد ما ارتسم فيها ، وتمثل ~~لها ، وكذلك انتقلت من الصورة التي في قوة ms508 خيالنا صورة أخرى عقلية إلى قوة ~~عقلنا ، فلو لا أن بين محسوس كل طبيعة ومتخيله ومعقوله علاقة ذاتية ، كما ~~بين حسنا وخيالنا وعقلنا من الرابطة الاتحادية ، لما كان كذلك. # وكذلك الأمر على عكس ذلك الصعود في سلسلة النزول ، فإنا متى تعقلنا صورة ~~عقلية وقعت منا حكاية مثالية مطابقة لها في خيالنا ، وإذا اشتد وجود الصورة ~~في عالم الخيال انتقلت منه في قوة الحس (1)، وتمثلت بين يدي الحس صورة في ~~الخارج ، كما قال تعالى : ( @QUR@04 فتمثل لها بشرا سويا ) (2)، ومن هذا ~~القبيل رؤية النبي صلى الله عليه وآله جبرئيل والملائكة عليهم السلام في هذا ~~العالم. # فقد ثبت أن لكل صورة طبيعية في عالم الشهادة صورة نفسانية في عالم الغيب ~~، هي معادها ، ومرجعها الذي تحشر إليه بعد زوال المادة ودثورها ، وهي الآن ~~أيضا متصلة بها ، متقومة بقوامها ، راجعة إليها ، لكنها لما كانت مغمورة في ~~غمرات الظلمات والأعدام ، غريقة في بحر الهيولى والأجسام ، لا يستبين حشرها ~~إلى تلك الصورة النفسانية المقيمة لها ، إلا لأهل المعرفة والشهود ، فإذا ~~انفسخت هذه الصورة بدثور مادتها ، وتجردت عن غواشيها الجسمانية التي هي ~~مقبرة ما في علم الله ، برزت صورتها من هذه المكامن والمقابر إلى ذلك ~~العالم ، PageV02P447 # عالم المعرفة والكشف واليقين ، وحشرت إليه (1). ### ||| * وصل # ثم إذا رجعت هذه الأشياء إلى مقارها الأصلية بعد خروجها عن عالم الحركات ~~والاستحالات والشرور والآلام ، بالموت والفساد للأجسام ، والفزع والصعق ~~للنفوس ، كما قال تعالى : ( @QUR@014 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ) (2)، تعطف عليها الرحمة الإلهية تارة أخرى ~~بالحياة التي لا موت فيها ، والبقاء الذي لا انقطاع له ، كما قال : ( ~~@QUR@08 ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (3)، قال : ( @QUR@04 ~~وأشرقت الأرض بنور ربها ) (4)، وتلك الأرض الأخروية هي صورة نفسانية ذات ~~حياة وقبول للإشراقات العقلية الفائضة منه تعالى ، وهي هذه الأرض ، ولكن ~~بعد أن تقبض ، فإنها إذا صارت مقبوضة بأيدي سدنة الملائكة الجاذبة تصير ~~صورة نفسانية قابلة لأن تجذبها وتقبضها أيدي الرحمن ، كما قال عز وجل : ( ~~@QUR@08 والأرض جميعا قبضته ms509 يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) (5). # والفرق بين القبض والطي ، أن القبض يستدعي أن يكون للمقبوض وجود عند ~~القابض ، أشرف من وجوده الذي كان في تلك المرتبة ، كمادة الغذاء إذا PageV02P448 # جذبته وقبضته القوة الغاذية ، فإنها تتبدل صورتها بصورة شبيهة بالمغتذي ، ~~وهي أشرف. # وأما الطي فيستدعي أن لا يبقى للمطوي وجود وأنانية ، فقبض الأرض إشارة ~~إلى تبدل صورتها الطبيعية بصورة نفسانية أخروية ، كما قال : ( @QUR@05 يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض ) (1). # وطي السماء إشارة إلى فنائها بنفسها ، واتحادها بالعقل ، وهو المشار إليه ~~بيمينه تعالى ، والعقل الصرف مما قد دريت أنه فان عن نفسه ، وباق بالحق ~~عز وجل . ### ||| * وصل # قال بعض العلماء : إن قابض روح الأرض هي النفس النباتية التي هي كلمة ~~فعالة ، وقوة من قوى ملائكة موكلة على أديم الأرض ، شأنها إحالة الأرض ، ~~فتسلخ عنها الصور الأرضية ، ليعوض عنها بأحسن صورة وأطهر كسوة. # وكذلك قابض روح النبات ومتوفيه ، ورافعه إلى سماء الحيوانية هي النفس ~~المختصة بالحيوان ، وهي من أعوان الملائكة الموكلة بإذن الله لهذا الفعل ، ~~باستخدام القوى الحساسة والمحركة. # وكذلك قابض روح الحيوان ومتوفيه ، ورافعه إلى سماء الدرجة الإنسانية ، هي ~~النفس المختصة بالإنسان ، وهي كلمة الله المسمى بالروح القدسي ، الذي PageV02P449 # شأنه إخراج النفوس من القوة الهيولانية إلى العقل المستفاد بأمر الله ، ~~وإيصال الأرواح إلى جوار الله ، وعالم الملكوت الأخروي ، وهم المرادون ~~بالملائكة والرسل في قوله عز وجل : ( @QUR@03 الذين توفاهم الملائكة ) (1)، ~~( @QUR@05 والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ) (2)، ( @QUR@07 حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) (3). # وأما الإنسان بما هو إنسان فقابض روحه ملك الموت ( @QUR@04 قل يتوفاكم ~~ملك الموت ) (4). # أما المرتبة العقلية فقابضها هو الله تعالى : ( @QUR@03 الله يتوفى ~~الأنفس ) (5)، ( @QUR@010 يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا ) (6)، ( @QUR@09 يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ) (7)، ففي هذه التحويلات كانت كل مرتبة لاحقة أشرف من سابقتها ، ~~ولم تكن للمنتقل من الحالة السابقة إلى اللاحقة حسرة وندامة على زوال ~~النشأة الأولى ، بل إن كانت ففي أمر آخر. # والقابض للروح هو بعينه القابض لأجزاء البدن ، ولهذا اختلفت الروايات ms510 في ~~ذلك أيضا. # ففي بعضها أن الجامع لأجزاء بدن آدم هم الملائكة ، وفي بعضها أن الآخذ ~~لتراب قالبه هم رسل الله ، لتكون لهم الرسالة إلى عباده ، وفي بعضها أن ملك PageV02P450 # الموت أخذ قبضة من التراب ، وفي بعضها أن الله سبحانه قبض بيده قبضة من ~~أديم الأرض. فهذه الروايات محمولة على المراتب المذكورة (1). ### ||| * وصل # قد ظهر من هذه البيانات ، ومما أسلفنا من الأصول ، أن للموجودات في كل ~~نفس موتا جديدا ، وبعثا منه ، وحشرا إلى ما بعده ، وأن عدد الموت والبعث ~~والحشر كثير ، لا يحصى ، بل هي بعدد الأنفاس ، كما قيل. # وظهر أيضا أن الموت عبارة إما عن النقل من الدنيا إلى الآخرة ، وإما عن ~~الانتقال من صورة إلى أخرى. # وعند التحقيق هو إسقاط إضافة الوجود الخاص إلى ماهيته ، وإذا أسقطت إضافة ~~جميع الوجودات الخاصة إلى ماهياتها ، وشوهد الوجود الحق على صرافة وحدته ، ~~قامت القيامة الكبرى ، وجاءت الطامة العظمى ( @QUR@04 وبرزوا لله الواحد ~~القهار ) (2)، و ( @QUR@03 الملك يومئذ لله ) (3)، ( @QUR@06 لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار ) (4)، إذ ( @QUR@010 كل من عليها فان* ويبقى وجه ~~ربك ذو الجلال والإكرام ) (5)، فإن القهار هو الذي يقهر كل موجود غيره ، ~~ويبقى هو وحده ، ولا شك أنه تعالى إذا ظهر من حيث هو هو لا يبقى للغير وجود ~~، ولا أثر ، ( @QUR@02 له الحكم PageV02P451 # @QUR@02 وإليه ترجعون ) (1). # قال أمير المؤمنين عليه السلام : «وإنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده ~~، لا شيء معه ، كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ، ~~ولا مكان ، ولا حيز ، ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت ~~السنون والساعات ، فلا شيء إلا الواحد القهار ، الذي إليه مصير جميع ~~الأمور» (2). ### ||| * وصل # وأما الصور الجسمانية ، والهيولى ، والحركة ، والزمان ، ونحوها مما لا حظ ~~له من الوجود ، إلا كونه استعداد وإمكانا لشيء آخر هو الصورة والكمال ، ~~ومما شأنه الانقسام والسيلان والاضمحلال لو لا النفوس والطبائع الممسكة ~~إياه عن التفرق والانفصال ، المعطية له الوحدة والاتصال ، فلا حشر لها إلى ~~النشأة الآخرة ، ودار القرار ؛ لعدم إمكان انتقالها من هذا العالم ، وإلا ~~لكان للاقرار ms511 قرار ، وللعدم وجود ، وللتجدد ثبات ، وللموت حياة ، فمآلها لا ~~محالة إلى العدم والبطلان ، ومعادها إلى البوار والهلاك والفقدان. # وكذا الجسم المستحيل الكائن الفاسد ، من حيث هو هو ، فكما أن مبدأ هذه ~~الأشياء أمور عدمية من باب الإمكان والقصور ، فكذا معادها ومرجعها إلى ~~الزوال والبطلان ، فإن الغايات على نحو المبادىء ، وكما علمت هذا في ~~الجسمانيات ، فقس عليه نظائره في النفسانيات ، فإن غاية الجبن والجهل PageV02P452 # والبلادة وأشباهها ، إلى الهلاك والبطلان ، من غير تعذيب وإيلام ، إن ~~كانت بسيطة ، غير ممزوجة بشر وجودي ، وإن كانت ممزوجة بعناد واستكبار ونفاق ~~كانت مع عذاب شديد ، وعقاب أليم ، إلى أن تتخلص منه. ### ||| * وصل # وليعلم أن العذاب الأليم إنما يكون للجاحدين للحق ، والمنكرين للعلوم ، ~~والكاسبين لأنفسهم شوقا إلى الكمالات العقلية في الدنيا ، ثم التاركين ~~الجهد في كسبها ، ففقدت منهم القوة الهيولانية ، وحصلت لهم فعلية الشيطنة ، ~~ورسخت في أوهامهم العقائد الباطلة ، دون الناقصين بحسب الغريزة عن إدراك ~~المراتب العالية ، فإن شقاوة هؤلاء غير مؤلمة ؛ لعدم معرفتهم بالكمال ، ولا ~~شوقهم إليه ، فهي بمنزلة الموت ، أو الزمانة في الأعضاء ، من غير شعور ~~بمؤلم ، وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة ، إلا أن البلاهة أدنى ~~إلى الخلاص من فطانة تبرأ ، فعذاب الناقصين بالذوات عظيم من دون ألم. # وإلى أمثالهم الإشارة بقوله عز وجل : ( @QUR@023 إن الذين كفروا سواء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون* ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) (1). # وعذاب الجاحدين والمنافقين أليم ، وإليهم الإشارة بقوله تعالى : ( ~~@QUR@026 ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين* ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون* في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله PageV02P453 # @QUR@07 مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) (1). # وهذا الألم العقلي الكائن عن المضادات للحق ، هو بإزاء اللذة والراحة ~~الكائنة عن مقابلاتها ، وكما أن تلك أجل من كل إحساس بأمر ملائم ، فكذلك ~~هذا أشد من كل إحساس ، بمناف حسي ، من تفريق اتصال بالنار ، أو تجميد ~~بالزمهرير ، أو قطع بالمناشير ، أو غير ذلك ، أعاذنا ms512 الله وإخواننا منه. ### ||| * فصل # ثم ليعلم أن الألم ، عقليا كان أو حسيا ، لا بد وأن يزول يوما ، ويؤول ~~إلى النعيم ، ولو بعد أحقاب ؛ لأن القسر لا يدوم ، والهيئات المضادة للحق ~~غريبة عن جوهر النفس ، فكذا ما يلزمها. # قال الشيخ الأعرابي (2) في فصوص الحكم : أما أهل النار فمآلهم إلى # أنظر ترجمته في : الأعلام : 6 : 281 ، وحاشية رد المحتار لابن عابدين : 4 ~~: 423 ، ومعجم المؤلفين : 11 : 40. PageV02P454 # النعيم ، لكن في النار ، إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب أن ~~تكون بردا وسلاما على من فيها ، وهذا نعيمهم (1). # وقال في موضع آخر منه : الثناء بصدق الوعد ، لا بصدق الوعيد ، والحضرة ~~الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات ، فيثنى عليها بصدق الوعد ، لا بصدق ~~الوعيد ، بل بالتجاوز ( @QUR@06 فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) (2)، ولم ~~يقل «ووعيده» ، بل قال : ( @QUR@03 ونتجاوز عن سيئاتهم ) (3)، مع أنه توعد ~~على ذلك. انتهى (4). # ويصدقه ما رواه شيخنا الصدوق في كتاب التوحيد ، عن مولانا الصادق ~~عليه السلام ، عن آبائه ، قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من وعده ~~الله على عمل ثوابا فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه ~~بالخيار» (5). # وقال في الفتوحات : يدخل أهل الدارين فيهما ، السعداء بفضل الله ، وأهل ~~النار بعدل الله ، وينزلون فيهما بالأعمال ، ويخلدون فيهما بالنيات ، فيأخذ ~~الألم جزاء العقوبة موازيا لمدة العمر في التنزل في الدنيا ، فإذا فرغ ~~الأمد جعل لهم نعيم في الدار (6) التي يخلدون فيها ، بحيث إنهم لو دخلوا ~~الجنة تألموا ؛ لعدم موافقة الطبع الذي جبلوا عليه ، فهم يتلذذون بما هم ~~فيه من نار وزمهرير ، وما فيها من لدغ الحيات والعقارب ، كما يلتذ أهل ~~الجنة بالظلال والنور ، ولثم PageV02P455 # الحسان ، من الحور ؛ لأن طبائعهم تقتضي ذلك. # ألا ترى الجعل على طبيعة يتضرر بريح الورد ، ويلتذ بالنتن ، والمحرور من ~~الإنسان يتألم بريح المسك ، فاللذات تابعة للملائم ، والآلام تابعة لعدمه (1). # وقال أيضا : إن النار قد تتخذ دواء لبعض الأمراض ، وهو الداء الذي لا ~~يشفى إلا بالكي من النار ، كقوله : ( @QUR@04 فتكوى بها جباههم وجنوبهم ) ~~(2)، فقد ms513 جعل الله النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشد من النار في ~~حق المبتلي به ، وأي داء أكبر من الكبائر ، فقد جعل الله لهم النار يوم ~~القيامة دواء ، كالكي بالنار ، فدفع بدخولهم النار يوم القيامة داء عظيما ، ~~أعظم من النار ، وهو غضب الله ؛ ولذلك يخرجون بعد ذلك من النار إلى الجنة ، ~~كما جعل الله في الحدود الدنياوية وقاية من عذاب الآخرة (3). # وقال المحقق كمال الدين عبد الرزاق الكاشي (4) في شرحه للفصوص : إن أهل ~~النار إذا دخلوها ، وتسلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم ، ملكهم الجزع ~~والاضطراب ، فيكفر بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، متخاصمين ، متقاولين ، ~~كما نطق به كلام الله في مواضع ، وقد أحاط بهم سرادقها ، فطلبوا أن يخفف ~~عنهم العذاب ، أو أن يقضى عليهم ، كما حكى الله عنهم بقوله : ( @QUR@05 يا ~~مالك ليقض علينا ربك ) (5)، أو أن يرجعوا إلى الدنيا ، فلم يجابوا إلى ~~طلباتهم ، بل PageV02P456 # أخبروا بقوله : ( @QUR@07 لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ) (1)، ~~وخوطبوا بمثل قوله : ( @QUR@02 إنكم ماكثون ) (2)، ( @QUR@04 اخسؤا فيها ~~ولا تكلمون ) (3). # فلما يئسوا ووطنوا أنفسهم على العذاب والمكث على مر السنين والأحقاب ، ~~وتعللوا بالأعذار ، ومالوا إلى الاصطبار ، وقالوا : ( @QUR@09 سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) (4)، فعند ذلك رفع الله العذاب عن ~~بواطنهم ، وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، ثم إذا تعودوا ~~بالعذاب بعد مضي الأحقاب ألفوه ، ولم يتعذبوا بشدته ، بعد طول مدته ، ولم ~~يتألموا به ، وإن عظم ، ثم آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ، ويستعذبوه ، حتى ~~لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه وتعذبوا به ، كالجعل وتأذيه برائحة ~~الورد ، لتألفه بنتن الأرواث ، والقاذورات (5). ### ||| * وصل # قال أستاذنا سلمه الله : إن الأصول الحكمية دالة على أن القسر لا يدوم ~~على طبيعة ، وإن لكل موجود غاية يصل إليها يوما ، وإن الرحمة الإلهية وسعت ~~كل شيء ، كما قال جل ثناؤه : ( @QUR@08 عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل PageV02P457 # @QUR@01 شيء ) (1). # وعندنا أيضا أصول دالة على أن الجحيم وآلامها وشرورها دائمة بأهلها ، كما ~~أن الجنة ونعيمها وخيراتها دائمة بأهلها ، إلا أن ms514 الدوام لكل منهما على ~~معنى آخر (2). # وأشار دام ظله بذلك إلى عدم المنافاة بين عدم انقطاع العذاب عن أهل النار ~~، وبين انقطاعه عن كل واحد من أهلها في وقت ، فافهم. # ثم قال : وأنت تعلم أن نظام الدنيا لا ينصلح إلا بنفوس غليظة ، وقلوب ~~قاسية ، فلو كان الناس كلهم سعداء بنفوس خائفة من عذاب الله ، خاشعة ، لا ~~ختل النظام بعدم القائمين بعمارة هذه الدار من النفوس الغلاظ ، كالفراعنة ، ~~والدجاجلة ، والنفوس المكارة ، كشياطين الإنس ، والنفوس البهيمية ، كجهلة ~~الكفار. # وفي الحديث الرباني : إني جعلت معصية ابن آدم سببا لعمارة العالم (3). # وقال سبحانه : ( @QUR@016 ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) (4)، فكونها على طبقة واحدة ~~ينافي الحكمة ، وفيه إهمال سائر الطبقات الممكنة من غير أن يخرج من جهة ~~القوة إلى الفعل ، وخلو أكثر مراتب هذا العالم عن أربابها ، فلا يتمشى ~~النظام إلا بوجود الأمور الخسيسة والدنية المحتاج إليها في هذه الدار التي ~~يقوم بها أهل الظلمة PageV02P458 # والحجاب ، ويتنعم بها أهل الذلة والقسوة المبعدين عن دار الكرامة والمحبة ~~والنور ، فوجب في الحكمة الحقة التفاوت في الاستعدادات لمراتب الدرجات في ~~القوة والضعف ، والصفاء والكدورة ، وثبت بموجب قضائه اللازم النافذ في قدره ~~بوجود السعداء والأشقياء جميعا. # فإذا كان وجود كل طائفة بحسب قضاء إلهي ، ومقتضى ظهور اسم رباني ، فتكون ~~لها غايات طبيعية ، ومنازل ذاتية ، والأمور الذاتية التي جبلت عليها ~~الأشياء إذا وقع الرجوع إليها تكون ملائمة لذيذة ، وإن وقعت المفارقة عنها ~~أمدا بعيدا ، والحيلولة عن السكون إليها ، والاستقرار لها زمانا مديدا ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@05 وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) (1). # والله تعالى يتجلى بجميع الأسماء في جميع المقامات والمراتب ، فهو الرحمن ~~الرحيم ، وهو العزيز القهار. # وفي الحديث : لو لا أنكم تذنبون لذهب بكم وجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون ، ~~فيغفر الله لهم (2). # وقال : والآلام دالة على وجود جوهر أصلي ، مقاوم لها ، والتقاوم بين ~~المتضادين لا يكون دائميا ، ولا أكثريا ، لما حقق في مقامه ، فلا محالة ~~يؤول إما إلى بطلان أحدهما ، أو إلى ms515 الخلاص ، لكن الجوهر النفساني من ~~الإنساني لا يقبل الفساد ، ولو فسد لاستراح من العذاب. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 لا يموت فيها ولا يحيى ) (3)، أي لا يموت موت ~~البهائم PageV02P459 # والحشرات ، ولا يحيى حياة السعداء والعقلاء ، يعني يكون حيا بحياة أخرى ~~نازلة دنية (1). ### ||| * وصل # ومما استدل به على ذلك في الفتوحات ، قوله تعالى : ( @QUR@06 أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون ) (2)، وما ورد في الحديث النبوي : «لم يبق في النار ~~إلا أهلها» (3) الذين هم أهلها ؛ وذلك لأن أشد العذاب على أحد مفارقة وطنه ~~الذي ألفه ، فلو فارق النار أهلها لتعذبوا باغترابهم عما أهلوا له ، وأن ~~الله قد خلقهم على نشأة تألف ذلك الموطن (4). # واستدل أستاذنا ، بقوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس ) الآية (5)، فإن المخلوق الذي غاية وجوده أن يدخل في جهنم ~~بحسب الوضع الإلهي ، والقضاء الرباني لا بد أن يكون ذلك الدخول موافقا ~~لطبعه ، وكمالا لوجوده ؛ إذ الغايات كما مر كمالات للوجود ، وكمال الشيء ~~موافق له ، لا يكون عذابا في حقه ، وإنما يكون عذابا في حق غيره ممن خلق ~~للدرجات العالية (6). PageV02P460 ### ||| * وصل # وليعلم أن بين نعيم أهل الجنة ، ونعيم أهل النار ، عند إفاضة الرحمة ~~عليهم ، بونا بعيدا ، فإن نعيم أهل النار من رحمة أرحم الراحمين ، لحدوثه ~~بعد الغضب والعذاب ، ونعيم أهل الجنة من حضرة الرحمن الرحيم ، والامتنان ~~الجسيم. # والأول كالقشر للثاني ؛ لكثافة ذلك ، ولطافة هذا ، كالتبن والنخالة ~~للحمار والبقر ، ولباب البر للإنسان ، والبشر ، والقشر إنما هو لصيانة اللب ~~وحفظه ، فكذا أهل النار محامل يتحملون المشاق لعمارة العالم ، وأهل الجنة ~~مظاهر يحققون المعارف والحقائق لعمارة الآخرة ، فيحفظونهم عن الشدائد ، ~~ويفرغونهم لملازمة المعابد ، فعمرت الداران ، وسبقت الرحمة الغضب ، ووسعت ~~كل شيء جهنم ، ومن فيها. ### ||| * وصل # قال القيصري (1): اعلم أن من اكتحلت عينه بنور الحق يعلم أن العالم ~~بأسره عباد الله ، وليس لهم وجود وصفة ، وفعل ، إلا بالله ، وحوله وقوته ، ~~وكلهم محتاجون إلى رحمته ، وهو الرحمن الرحيم. # ومن شأن من هو موصوف بهذه الصفات أن لا يعذب أحدا عذابا أبديا ، وليس ذلك ~~المقدار من العذاب إلا ms516 لأجل إيصالهم إلى كمالاتهم المقدرة ، كما PageV02P461 # يذاب الذهب والفضة بالنار لأجل الخلاص مما يكدره ، وينقص عياره ، فهو ~~متضمن لعين اللطف والرحمة ، كما قيل ، وتعذيبكم عذب ، وسخطكم رضى ، وقطعكم ~~وصل ، وجوركم عدل (1). # وقال صاحب الفتوحات : وقد وجدنا في نفوسنا ممن جبل على رحمة لو حكمه الله ~~في خلقه لأزال صفة العذاب عن العالم ، والله قد أعطاه هذه الصفة ، ومعطي ~~الكمال أحق به ، وصاحب هذه أنا وأمثالي ، ونحن عباد مخلوقون ، أصحاب أهواء ~~وأغراض ، ولا شك أنه أرحم بخلقه منا ، وقد قال عن نفسه جل علاؤه : ( ~~@QUR@03 وهو أرحم الراحمين ) (2)، ونحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في ~~الرحمة (3). # وقال أستاذنا دام ظله : قد قام الدليل العقلي على أن الباري لا تنفعه ~~الطاعات ، ولا تضره المخالفات ، وإن كل شيء جار بقضائه ، وقدره ، وإن الخلق ~~مجبورون في اختيارهم ، فكيف يسرمد العذاب عليهم؟ # وجاء في الحديث : «وآخر من يشفع هو أرحم الراحمين» (4). # فالآيات الواردة في حقهم ، بالتعذيب ، كلها حق وصدق ، وكلام هؤلاء ~~الأكابر لا ينافيها ؛ لأن كون الشيء عذابا من وجه ، لا ينافي كونه رحمة من ~~وجه آخر. انتهى (5). PageV02P462 # وعن النبي صلى الله عليه وآله : «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة ~~رحمة ، فجعل في الأرض منها رحمة ، منها تعطف الوالدة على ولدها ، والبهائم ~~بعضها على بعض ، والطير (1)، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة ، أكملها ~~بهذه الرحمة مائة» (2). ### ||| * فصل # قيل : إن أصل اللذات والأنوار والروائح البهية ، والأشياء الفاضلة كلها ، ~~الموجودة في الطبيعة ، إنما هي من إفاضة النفس عليها بإذن الله ، غير أن ~~الطبيعة قد شوشتها ، وكدرتها لممازجتها ، واختلطت بها ؛ إذ كانت دونها في ~~الرتبة ، وغير لاحقة بها من جهة دثورها ، وفنائها ، فسميت تلك الشوائب ~~المكدرة شرا ، ووبالا ؛ لما كانت معوقة للخيرات ، وحصلت من ذلك الأشياء ~~المتضادة المتخالفة من المحن والبلايا ، والأمور العارضة المنغصة للعيش ، ~~المكدرة للحياة ، مما هو موجود في عالم الكون والفساد ، وكل كمال ولذة في ~~هذا العالم ففي عالم آخر على وجه أعلى ، وأتم ، وأبهى ، وألذ ، وأصفى. # ولما ثبت أن كل شيء يعود إلى ms517 أصله ، وكل ناقص يتوجه إلى كماله ، فكل سعيد ~~ينقلب إلى أهله مسرورا ، وكل شقي يتعذب مدة بشقائه ، ويتعب محترقا بناره ، ~~وتتبدل عليه جلوده نضجا بعد نضج ، حتى يصل إلى النعيم ، أو يصل إلى مقره في ~~الجحيم ، ( @QUR@010 فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي PageV02P463 # @QUR@016 المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة ~~هي المأوى ) (1). # جعلنا الله وإخواننا ممن خاف ربه ، ونهى النفس عن الهوى ، وجعل الجنة لنا ~~المأوى. ### ||| * فصل # قد ظهر مما بيناه وأوضحناه : أن لكل حركة غاية ، ولغايته غاية أخرى ، ~~وهكذا إلى أن ينتهي إلى غاية عقلية. ولكل ناقص عشق ومعشوق غريزيان ، إلى ما ~~فوقه ، أودعهما الله في ذاته ليحفظ بالأول كماله الأول ، ويطلب بالثاني ~~كماله الثاني ، لينتظم العالم بطلب السافل للعالي ، ورشح العالي على السافل ~~، كما قال عز وجل : ( @QUR@07 الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) (2). # فالحركات كلها منتهية إلى الخير الأقصى ، والرب الأعلى ، غاية الأرض ~~والسماء ، الذي بيده ملكوت الأشياء ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ~~ربي على صراط مستقيم. # وظهر أيضا من ذلك أن الغرض الأقصى في بناء العالم ، وإدارة الأفلاك ، ~~وتسيير الكواكب ، وبعث الأنبياء والرسل ، وإنزال الملائكة من السماء ، ~~بالوحي والإنباء ، هو أن يصير العالم كله خيرا ، فيزول منه الشر والنقص ، ~~ويعود إلى ما بدأ منه ، فيصير لاحقا به ، فتتم الحكمة ، وتكمل الخلقة ، ~~ويرتفع عالم الكون والفساد ، PageV02P464 # وتبطل الدنيا ، وتقوم القيامة الكبرى ، ويمحق الشر وأهله ، وينقرض الكفر ~~وحزبه ، ويبطل الباطل ، ويحق الحق بكلماته وآياته. # وهذا من العلم المخزون ، والسر المكنون ، الذي لا يمسه إلا المطهرون. PageV02P465 ### | ختام # ربنا عليك توكلنا ، وإليك أنبنا ، وإليك المصير ، سبحانك اللهم وبحمدك ، ~~يا رحيم ، يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا مبدأ ، يا معاد ، يا مبدىء ، ~~يا معيد ، ما الذي نرى من خلقك ، ونعجب له من قدرتك ، ونصفه من عظيم سلطانك ~~، وما تغيب عنا منه ، وقصرت أبصارنا عنه ، وانتهت عقولنا دونه ، وحالت ~~سواتر الغيوب بينها وبينه أعظم ، فمن فرغ قلبه ، وأعمل فكره ، ليعلم كيف ms518 ~~أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ، وكيف علقت في الهواء سماواتك ، وكيف مددت على ~~حور الماء أرضك ، رجع طرفه حسيرا ، وعقله مبهورا ، وسمعه والها ، وذكره حائرا. # هذا آخر الكلام في العلم بالسماوات والأرض ، وما بينهما ، وبه تم ، وختم ~~كتاب عين اليقين ، الملقب بالأنوار والأسرار ، واتفق لتاريخه كمل أنوار ~~الحكم وأسرار الكلم. # والحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا. PageV02P466 ms519