######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009306 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الإتليدي #META# 010.AuthorNAME :: محمد دياب الإتليدي #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 1100 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس #META# 030.LibURI :: JK_009306 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد أحمد عبد العزيز سالم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1425هـ-2004م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # | مقدمة المؤلف # الحمد لله الذي أنزل الكتاب المبين ، على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وقص ~~عليه أخبار المتقدمين والمتأخرين ، وعلمه ما كان وما يكون إلى يوم الدين ، ~~نحمده إذ جعلنا من أمته ، ونشكره على عطائه ومنته ، ونشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له إذ من علينا بمعرفة أحوال من مضى من الأمم ، ولم يكشف ~~عنا ستره إذا زل بنا القدم ، وجعلنا أمة عدولا وسطا ، وشهد لنا بذلك في ~~الكتاب المعظم المكرم ، فقال تعالى : ' كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر ' ، فظهر الفضل بما جاد به وتكرم ، ونشهد أن ~~سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله الذي قال : ' أدبني ربي فأحسن تأديبي ' ، ~~فساد على جميع الأنبياء وعليهم تقدم ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . ~~وبعد ، فيقول العبد الفقير الضعيف ذو العجز : والتفريط في أيامه ، وكثير ~~التخليط وزيادة آثامه ، محمد يعرف بدياب الأتليدي من إقليم المنية الخصيبية ~~، سألني بعض الإخوان الموفقين ممن لا يسعني مخالفته ، أن أجمع له شيئا مما ~~وقع في زمن الخلفاء المتقدمين من بني أمية ، والخلفاء العباسيين . فأجبته ~~لذلك مع علمي أني لست أهلا لذلك ، فقد قالوا : الامتثال خير من الأدب ، ~~وسميته : إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ' . وابتدأت في ذلك ~~بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، تبركا به وبذكره . ~~PageV01P009 # | عمر والعجوز المدينية # قيل : لما رجع عمر ، رضي الله عنه ، من الشام إلى المدينة ، انفرد عن ~~الناس ليتعرف أخبار رعيته ، فمر بعجوز في خباء لها فقصدها . فقالت : ما فعل ~~عمر رضي الله عنه ؟ قال : قد أقبل من الشام سالما . فقالت : يا هذا ! لا ~~جزاه الله خيرا عني ! وقال : ولم ؟ قالت : لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي ~~أمر المسلمين دينارا ولا درهما . فقال : وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا ~~الموضع ؟ فقالت : سبحان الله ! والله ما ظننت أن أحدا يلي على الناس ، ولا ~~يدري ما بين مشرقها ومغربها . فبكى عمر رضي الله عنه ، وقال : وا عمراه ، ~~كل أحد ms001 أفقه منك حتى العجائز يا عمر . ثم قال لها : يا أمة الله ! بكم ~~تبيعيني ظلامتك من عمر ، فإني أرحمه من النار ؟ فقالت : لا تهزأ بنا ، ~~يرحمك الله . فقال عمر : لست أهزأ بك . ولم يزل حتى اشترى ظلامتها بخمسة ~~وعشرين دينارا . فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ~~وعبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، فقالا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~! فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت : وا سوأتاه ! شتمت أمير المؤمنين في ~~وجهه ؟ فقال لها عمر رضي الله عنه : لا بأس عليك ، يرحمك الله ، ثم طلب ~~قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد ، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها : بسم الله ~~الرحمن الرحيم : هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى ~~يوم كذا ، بخمسة وعشرين دينارا . فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين ~~يدي الله تعالى فعمر بريء منه ، شهد على ذلك علي وابن مسعود . ثم دفعها إلى ~~ولده وقال له : إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي . PageV01P010 # | عمر والشاب القاتل وأبو ذر # قال شرف الدين حسين بن ريان : أغرب ما سمعته من الأخبار ، وأعجب ما نقلته ~~عن الأخيار ، ممن كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب ، أمير المؤمنين ، ويسمع ~~كلامه قال : بينما الإمام جالس في بعض الأيام ، وعنده أكابر الصحابة ، وأهل ~~الرأي والإصابة ، وهو يقول في القضايا ، ويحكم بين الرعايا ، إذ أقبل شاب ~~نظيف الأثواب ، يكتنفه شابان من أحسن الشبان ، نظيفا الثياب ، قد جذباه ~~وسحباه وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين ، ولبباه . فلما وقفوا بين يديه ، ~~نظر إليهما وإليه ، فأمرهما بالكف عنه . فأدنياه منه وقالا : يا أمير ~~المؤمنين ، نحن أخوان شقيقان ، جديران باتباع الحق حقيقان . كان لنا أب شيخ ~~كبير ، حسن التدبير ، معظم في قبائله ، منزه عن الرذائل ، معروف بفضائله ، ~~ربانا صغارا ، وأعزنا كبارا ، وأولانا نعما غزارا ، كما قيل : لنا والد لو ~~كان للناس مثله . . . أب آخر أغناهم بالمناقب خرج اليوم إلى حديقة له يتنزه ~~في أشجارها ، ويقطف يانع ثمارها ، فقتله ms002 هذا الشاب ، وعدل عن طريق الصواب . ~~ونسألك القصاص بما جناه ، والحكم فيه بما أراك الله . قال الراوي : فنظر ~~عمر إلى الشاب وقال له : قد سمعت ، فما الجواب ؟ والغلام مع ذلك ثابت الجأش ~~، خال من الاستيحاش ، قد خلع ثياب الهلع ، ونزع جلباب الجزع ، فتبسم عن مثل ~~الجمان ، وتكلم بأفصح لسان ، وحياه بكلمات حسان ثم قال : يا أمير المؤمنين ~~، والله لقد وعيا ما ادعيا ، وصدقا فيما نطقا وخبرا بما جرى ، وعبرا بما ~~ترى ، وسأنهي قصتي بين يديك والأمر فيها إليك : اعلم ، يا أمير المؤمنين ، ~~أني من العرب العرباء ، أبيت في منزل البادية ، وأصيح على أسود السنين ~~العادية ، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد ، فأفضت بي بعض ~~طرائقها ، إلى المسير بين حدائقها ، بنياق حبيبات إلي ، عزيزات علي ، بينهن ~~فحل كريم الأصل ، كثير النسل ، مليح الشكل ، حسن النتاج ، يمشي بينهن كأنه ~~ملك عليه تاج . فدنت بعض النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها ، ~~فتناولته بمشفرها ، فطردتها من تلك الحديقة . PageV01P011 فإذا شيخ قد زمجر ~~، وزفر ، وتسور الحائط ، وظهر وفي يده اليمنى حجر ، يتهادى كالليث إذا خطر ~~، فضرب الفحل بذلك الحجر ، فقتله وأصاب مقتله . فلما رأيت الفحل قد سقط ~~لجنبه وانقلب ، توقدت في جمرات الغضب ، فتناولت ذلك الحجر بعينه ، فضربته ~~به ، فكان سبب حينه ، ولقي سوء منقلبه ، والمرء مقتول بما قتل به بعد أن ~~صاح صيحة عظيمة ، وصرخ صرخة أليمة فأسرعت من مكاني فلم يكن بأسرع من هذين ~~الشابين ، فأمسكاني وأحضراني كما تراني . فقال عمر : قد اعترفت بما اقترفت ~~، وتعذر الخلاص ، ووجب القصاص ، ولات حين مناص . فقال الشاب : سمعا لما حكم ~~به الإمام ، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام ، لكن لي أخ صغير ، كان له أب ~~كبير ، خصه قبل وفاته بمال جزيل ، وذهب جليل ، وأحضره بين يدي ، وأسلم أمره ~~إلي ، وأشهد الله علي ، وقال : هذا لأخيك عندك ، فاحفظه جهدك ، فاتخذت لذلك ~~مدفنا ، ووضعته فيه ، ولا يعلم به إلا أنا ، فإن حكمت الآن بقتلي ، ذهب ~~الذهب ، وكنت أنت السبب ، وطالبك الصغير بحقه ، يوم يقضي الله ms003 بين خلقه ، ~~وإن أنظرتني ثلاثة أيام ، أقمت من يتولى أمر الغلام ، وعدت وافيا بالذمام ، ~~ولي من يضمنني على هذا الكلام . فأطرق عمر ، ثم نظر إلى من حضر ، وقال : من ~~يقوم على ضمانه والعود إلى مكانه ؟ قال : فنظر الغلام إلى وجوه أهل المجلس ~~الناظرين ، وأشار إلى أبي ذر دون الحاضرين ، وقال : هذا يكفلني ويضمنني . ~~قال عمر : يا أبا ذر ، تضمنه على هذا الكلام ؟ قال : نعم ، أضمنه إلى ثلاثة ~~أيام . فرضي الشابان بضمانة أبي ذر وأنظراه ذلك القدر . فلما انقضت مدة ~~الإمهال وكاد وقتها يزول أو قد زال ، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة ~~حوله كالنجوم حول القمر ، وأبو ذر قد حضر والخصم ينتظر . فقالا : أين ~~الغريم يا أبا ذر ؟ كيف يرجع من فر ، لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا . ~~فقال أبو ذر : وحق الملك العلام ، إن انقضى تمام الأيام ، ولم يحضر الغلام ~~، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي ، وبالله المستعان . PageV01P012 فقال عمر : ~~والله ، إن تأخر الغلام ، لأمضين في أبي ذر ، ما اقتضته شريعة الإسلام . ~~فهمت عبرات الناظرين إليه ، وعلت زفرات الحاضرين عليه ، وعظم الضجيج وتزايد ~~النشيج ، فعرض كبار الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الأثنية ، فأصرا ~~على عدم القبول ، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول . فبينما الناس يموجون ~~تلهفا لما مر ، ويضجون تأسفا على أبي ذر إذ أقبل الغلام ووقف بين يدي ~~الإمام وسلم عليه أتم السلام ووجهه يتهلل مشرقا ويتكلل عرقا وقال : قد ~~أسلمت الصبي إلى أخواله ، وعرفتهم بخفي أمواله وأطلعتهم على مكان ماله . ثم ~~اقتحمت هاجرات الحر ، ووفيت وفاء الحر . فعجب الناس من صدقه ووفائه ، ~~وإقدامه على الموت واجترائه . فقال : من غدر لم يعف عنه من قدر ، ومن وفى ، ~~رحمه الطالب وعفا ، وتحققت أن الموت إذا حضر ، لم ينج منه احتراس ، كيلا ~~يقال : ذهب الوفاء من الناس . فقال أبو ذر : والله ، يا أمير المؤمنين ، ~~لقد ضمنت هذا الغلام ، ولم أعرفه من أي قوم ، ولا رأيته قبل ذلك اليوم . ~~ولكن نظر إلي دون من حضر فقصدني وقال : هذا يضمنني ، فلم أستحسن رده ms004 ، وأبت ~~المروءة أن تخيب قصده ، إذ ليس في إجابة القاصد من بأس ، كيلا يقال : ذهب ~~الفضل من الناس . فقال الشابان عند ذلك : يا أمير المؤمنين ، قد وهبنا هذا ~~الغلام دم أبينا ، فبدل وحشته بإيناس ، كيلا يقال : ذهب المعروف من الناس . ~~فاستبشر الإمام بالعفو عن الغلام وصدقه ووفائه ، واستفزر مروءة أبي ذر دون ~~جلسائه ، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف ، وأثنى عليهما أحسن ~~ثنائه . وتمثل بهذا البيت : من يصنع الخير لم يعدم جوائزه . . . لا يذهب ~~العرف بين الله والناس ثم عرض عليهما أن يصرف من بيت المال دية أبيهما . ~~فقالا : إنما عفونا ابتغاء وجه ربنا الكريم ، ومن نيته هكذا لا يتبع إحسانه ~~منا ولا أذى . PageV01P013 # | عمر والهرمزان # وأحضر الهرمزان بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ~~مأسورا فدعاه إلى الإسلام ، فأبى ، فأمر بضرب عنقه ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، قبل أن تقتلني اسقني شربة من الماء ، ولا تقتلني ظمآن . فأمر له ~~عمر بقدح مملوء ماء ، فلما صار القدح في يد الهرمزان ، قال : أنا آمن حتى ~~أشربه ؟ قال : نعم لك الأمان . فألقى الهرمزان الإناء من يده فأراقه ، ثم ~~قال : الوفاء يا أمير المؤمنين . فقال عمر رضي الله عنه : دعوه حتى أنظر في ~~أمره . فلما رفع السيف عنه ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله . قال عمر ، رضي الله عنه : لقد أسلمت خير الإسلام فما أخرك ؟ قال : ~~خشيت أن يقال إني أسلمت خوفا من السيف . فقال عمر : إنك لفارس حكيم ، ~~استحققت ما كنت فيه من الملك . ثم إن عمر رضي الله عنه ، بعد ذلك كان ~~يشاوره في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه . وسيأتي نظير ذلك في أخذ ~~الأمان بالحيلة . PageV01P014 # | خبر جبلة بن الأيهم # لما هرب من عمر إلى هرقل وتنصر # | جبلة بن الأيهم وتنصره # ومما ذكره عبد الملك بن بدرون ، شارح قصيدة عبد المجيد بن عبدون ، عما ~~وقع لجبلة بن الأيهم حين لطم الفزاري على وجهه لما داس على ردائه ، وقال له ~~عمر رضي الله ms005 عنه : دعه يقتص منك ، أو ما هذا معناه ، فقال لعمر : وهل ~~استوي أنا وهو في ذلك ؟ فقال له : نعم ، الإسلام ساوى بينكما . فقال : ~~أجلني إلى غد . فلما أصبح مضى إلى قيصر ملك الروم ، وارتد ثم ندم وقال ~~أبياتا ، وهي هذه : تنصرت الأشراف من أجل لطمة . . . وما كان فيها لو صبرت ~~لها ضرر تكنفني منها لجاج ونخوة . . . فبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ~~ليت أمي لم تلدني وليتني . . . رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر ويا ليتني ~~أرعى المخاض بقفرة . . . وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام ~~أدنى معيشة . . . أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ولما تنصر جبلة بن الأيهم ~~ولحق بهرقل ، صاحب القسطنطينية ، أقطعه هرقل الأموال والضياع ، وبقي ما شاء ~~الله . ثم أن عمر رضي الله عنه بعث إلى قيصر رسولا يدعوه إلى الإسلام أو ~~إلى الجزية . فلما أراد الانصراف قال هرقل للرسول : ألقيت ابن عمك هذا الذي ~~عندنا ؟ يعني جبلة الذي أتانا راغبا في ديننا . قال : لا ! قال : فالقه ثم ~~ائتني أعطك جواب كتابك . قال الرسول : فذهبت إلى دار جبلة فإذا عليه من ~~القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل فلم أزل أتلطف ~~بالإذن حتى أذن لي فدخلت عليه ، فرأيته أصهب اللحية ذا سبال ، وكان عهدي به ~~أسود اللحية والرأس ، فأنكرته ، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب ، فذرها على ~~لحيته حتى أصهبت ، وهو قاعد على سرير من قوارير على قوائمه أربعة أسود من ~~ذهب . فلما عرفني رفعني معه على السرير ، فجعل يسألني عن المسلمين ، فذكرت ~~له خيرا وقلت له : قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف . فقال : وكيف عمر بن ~~الخطاب ؟ قلت : بخير . قال : فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له منه سلامة عمر ~~. PageV01P015 ثم انحدرت عن السرير فقال : لم تأبى الكرامة التي أكرمناك ~~بها ؟ فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا . فقال : نعم ! ~~نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نق قلبك ولا تبال على ما قعدت . فلما سمعته ~~يقول ما قاله ms006 صلى الله عليه وسلم ، طمعت فيه فقلت له : ويحك يا جبلة ، ألا ~~تسلم ، وقد عرفت الإسلام وفضله ؟ فقال : أبعد ما كان مني ؟ قلت : نعم ، قد ~~فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت ، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين ~~بالسيف ثم رجع إلى الإسلام وقبل منه وخلفته بالمدينة مسلما . وإنما ذكرت له ~~أن الذي فعل هذه الفعلة من فزارة ، وأنه ضرب وجوه المسلمين بالسيف وارتد ~~ورجع إلى الإسلام لأن الرجل الذي كان تنصر جبلة من أجله لما لطمه وأراد عمر ~~أن يقتص منه كان فزاريا أيضا . فقلت له : أمرك أخف من أمره إن رجعت إلى ~~الإسلام ، فإنك لم تضرب وجوه المسلمين بالسيف كما فعل . فقال : ذرني من هذا ~~إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى ~~الإسلام . فضمنت له التزويج ولم أضمن له تولية الأمر . قال : ثم أومأ إلى ~~خادم كان على رأسه واقفا فذهب مسرعا ، فإذا خدم قد جاؤوا يحملون الصناديق ~~فيها طعام . فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحائف الفضة ، وقال لي : كل ؛ فقبضت ~~يدي ، وقلت : رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب ~~والفضة . قال : نعم ! نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت ~~. قال : فأكل في الذهب ، وأكلت أنا في الخلنج ، ثم دعا بطسوت الذهب وأباريق ~~الفضة ، فغسل يديه في الذهب ، وغسلت في الصفر . ثم أومأ إلى خادم بين يديه ~~فمر مسرعا . فسمعت حسا ، فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر ، فوضعت عشرة ~~عن يمينه وعشرة عن شماله ، ثم جاءت الجواري وعليهم تيجان الذهب ، فقعدن عن ~~يمنيه وعن يساره على تلك الكراسي ، ثم جاءت جارية أيضا كأنها الشمس حسنا ~~على رأسها تاج ، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه ، وفي يدها جامة فيها ~~مسك فتيت ، وفي يدها الأخرى جامة فيها ماء ورد ، فأومأت تلك الجارية وصفرت ~~بالطائر الذي على تاجها فوقع في جامة المسك ، فاضطرب فيها ، ثم صفرت به ~~ثانيا فوقع في جامة ماء الورد فاضطرب ms007 فيها ، ثم أومأت إليه فطار ، ثم نزل ~~على صليب في تاج على جبلة ، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه . فضحك ~~جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه ، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن ~~يمينه . فقال PageV01P016 لهن : أضحكننا ، فاندفعن يغنين فجعلن يخفقن ~~عيدانهن ويقلن : لله در عصابة نادمتهم . . . يوما بجلق في الزمان الأول إلى ~~قوله : أولاد جفنة حول قبر أبيهم . . . قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون ~~من ورد البريص عليهم . . . بردى يصفق بالرحيق السلسل قال : فضحك جبلة حتى ~~بدت أنيابه ، ثم قال : أتدري من يقول هذا ؟ قلت : لا ، قال : حسان بن ثابت ~~شاعر النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أشار إلى الجواري اللواتي عن يساره ، ~~وقال : أبكيننا ، فاندفعنا يغنين وتخفق عيدانهن ويقلن : لمن الدار أوحت ~~بمعان . . . بين أعلى اليرموك فالجمان إلى قوله : ذاك مغنى من آل جفنة في ~~الده ؟ . . . ر وحق تعاقب الأزمان قال : فبكى جبلة حتى سالت دموعه على ~~لحيته ، ثم قال : أتدري من يقول هذا ؟ قلت : لا ، قال : حسان . ثم أنشد ~~الأبيات التي أولها : تنصرت الأشراف إلى آخرها . ثم سألني عن حسان : أحي هو ~~؟ قلت : نعم فأمر له بكسوة ولي أيضا كذلك . ثم أمر لحسان بمال ونوق موقرة ~~برا ، ثم قال لي : إن وجدته حيا فادفع إليه الهدية واقرئه مني السلام ؛ وإن ~~وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره . قال : فلما أخبرت عمر ~~، رضي الله عنه ، بخبره وما اشترطه علي وما ضمنت له . قال : فهلا ضمنت له ~~الأمر ؟ فإذا أفاء الله بحكمه وقضى علينا بحكمته ما كان إلا ما أراد . ثم ~~جهزني عمر ثانيا إلى هرقل وأمرني أن أضمن له ، أي لجبلة ، ما اشترط . فلما ~~دخلت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته فعلمت أن الشقاء غلب عليه ~~في أم الكتاب . PageV01P017 # | القوي الفاجر # وقيل : إنه قدم أهل الكوفة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكون سعد بن ~~أبي وقاص ، فقال : من يعذرني من أهل الكوفة ؟ إن وليتهم التقي ضعفوه ، وإن ~~وليتهم القوي فجروه . فقال ms008 له المغيرة بن شعبة : يا أمير المؤمنين ، إن ~~التقي الضعيف له تقاه ولك ضعفه ، وإن القوي الفاجر لك قوته وعليه فجوره . ~~قال : صدقت أنت القوي الفاجر فاخرج إليهم . فلم يزل عليهم أيام عمر وعثمان ~~رضي الله عنهما وأيام معاوية حتى مات المغيرة ، انتهى . # | أجبن وأحيل وأشجع من لقي # وقيل : دخل عمر بن معد يكرب الزبيدي على عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ~~فقال عمر : أخبرني عن أجبن من لقيت وأحيل من لقيت وأشجع من لقيت . قال : ~~نعم يا أمير المؤمنين . خرجت مرة أريد الغارة ، فبينما أنا سائر إذا بفرس ~~مشدود ورمح مركوز ، وإذا رجل جالس كأعظم ما يكون من الرجال خلقا ، وهو محتب ~~بحمائل سيفه ، فقلت له : خذ حذرك فإني قاتلك . فقال : ومن أنت ؟ قلت : أنا ~~عمرو بن معد يكرب الزبيدي ، فشهق شهقة فمات . فهذا يا أمير المؤمنين أجبن ~~من رأيت . PageV01P018 وخرجت مرة حتى انتهيت إلى حي فإذا أنا بفرس مشدود ~~ورمح مركوز ، وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجته ، فقلت : خذ حذرك فإني قاتلك . ~~فقال : ومن أنت ؟ فأعلمته بي ، فقال : يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر ~~فرسك وأنا على الأرض ، فأعطني عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي . فأعطيته ~~عهدا فخرج من الموضع الذي كان فيه واحتبى بحمائل سيفه ، وجلس . فقلت : ما ~~هذا ؟ فقال : ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فإن نكثت عهدك فأنت أعلم بناكث ~~العهد . فتركته ومضيت . فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت . وخرجت مرة ~~حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه الطريق فلم أر أحدا ، فأجريت فرسي يمينا ~~وشمالا وإذا أنا بفارس ، فلما دنا مني ، فإذا هو غلام حسن نبت عذاره من ~~أجمل من رأيت من الفتيان ، وأحسنهم . وإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة ، ~~فلما قرب مني سلم علي ورددت عليه السلام وقلت : من الفتى ؟ قال : الحرث بن ~~سعد فارس الشهباء . فقلت له : خذ حذرك فإني قاتلك ! فقال : الويل لك ، فمن ~~أنت ؟ قلت : عمرو بن معد يكرب الزبيدي . قال : الذليل الحقير ، والله ما ms009 ~~يمنعني من قاتلك إلا استصغارك . فتصاغرت نفسي ، يا أمير المؤمنين ، وعظم ~~عندي ما استقبلني به . فقلت له : دع هذا وخذ حذرك فإني قتلك ، والله لا ~~ينصرف إلا أحدنا . فقال : اذهب ، ثكلتك أمك ، فأنا من أهل بيت ما أثكلنا ~~فارس قط . قلت : هو الذي تسمعه . قال : اختر لنفسك فإما أن تطرد لي ، وإما ~~أن أطرد لك . فاغتنمتها منه فقلت له : أطرد لي . فأطرد وحملت عليه فظننت ~~أني وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو صار حزاما لفرسه ثم عطف علي فقنع بالقناة ~~رأسي وقال : يا عمرو خذها إليك واحدة ، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك . ~~قال : فتصاغرت نفسي عندي ، وكان الموت ، يا أمير المؤمنين أحب إلي مما رأيت ~~، فقلت له : والله لا ينصرف إلا أحدنا . فعرض علي مقالته الأولى فقلت له : ~~أطرد لي ، فأطرد فظننت أني تمكنت منه فاتبعته حتى ظننت أني وضعت الرمح بين ~~كتفيه . فإذا هو صار لببا لفرسه ، ثم عطف علي فقنع بالقناة رأسي وقال : ~~خذها إليك يا عمرو ثانية . فتصاغرت علي نفسي جدا ، وقلت : والله لا ينصرف ~~إلا أحدنا فاطرد لي ، فاطرد حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فوثب عن ~~فرسه ، فإذا هو على الأرض فأخطأته فاستوى على فرسه واتبعني حتى قنع بالقناة ~~رأسي ! وقال : خذها إليك يا عمرو ثالثة ، ولولا كراهتي لقتل مثلك لقتلتك . ~~فقلت : اقتلني أحب إلي ولا تسمع فرسان العرب بهذا . فقال : يا عمرو ، إنما ~~العفو عن ثلاث ، وإذا استمكنت منك في الرابعة قتلتك وأنشد PageV01P019 يقول ~~: وكدت إغلاظا من الإيمان . . . إن عدت يا عمرو إلى الطعان لتجدن لهب ~~السنان . . . أولا فلست من بني شيبان فهبته هيبة شديدة ، وقلت له : إن لي ~~إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قلت : أكون صاحبا لك . قال : لست من أصحابي . ~~فكان ذلك أشد علي وأعظم مما صنع ، فلم أزل أطلب صحبته حتى قال : ويحك أتدري ~~أين أريد ؟ قلت : لا والله . قال : أريد الموت الأحمر عيانا . قلت : أريد ~~الموت معك . قال : امض بنا . فسرنا يومنا أجمع حتى أتانا الليل ومضى شطره ms010 . ~~فوردنا على حي من أحياء العرب ، فقال لي : يا عمرو في هذا الحي الموت ~~الأحمر فإما أن تمسك علي فرسي فأنزل وآتي بحاجتي ، وإما أن تنزل وأمسك فرسك ~~فتأتيني بحاجتي . فقلت : بل أنزلت أنت . فأنت أخبر بحاجتك مني . فرمى إلي ~~بعنان فرسه ورضيت والله يا أمير المؤمنين بأن أكون له سائسا ، ثم مضى إلى ~~قبة فأخرج منها جارية لم تر عيناي أحسن منها حسنا وجمالا ، فحملها على ناقة ~~ثم قال : يا عمرو ، فقلت : لبيك ! قال : إما أن تحميني وأقود الناقة أو ~~أحميك وتقودها أنت ؟ قلت : لا بل أقودها وتحميني أنت . فرمى إلي بزمام ~~الناقة ثم سرنا حتى أصبحنا . قال : يا عمرو قلت : ما تشاء ؟ قال : التفت ~~فانظر هل ترى أحدا ؟ فالتفت فرأيت رجالا فقلت : اغذذ السير . ثم قال : يا ~~عمرو انظر إن كانوا قليلا فالجلد والقوة وهو الموت الأحمر . وإن كانوا ~~كثيرا فليسوا بشيء . فالتفت وقلت : وهم أربعة أو خمسة . قال : اغذذ السير . ~~PageV01P020 ففعلت . ووقف وسمع وقع حوافر الخيل عن قرب فقال : يا عمرو . كن ~~عن يمين الطريق وقف وحول وجه دوابنا إلى الطريق . ففعلت ووقفت عن يمين ~~الراحلة ووقف عن يسارها ودنا القوم منا وإذا هم ثلاثة أنفار : شابان وشيخ ~~كبير ، وهو أبو الجارية والشابان أخواها . فسلموا فرددنا السلام . فقال ~~الشيخ : خل عن الجارية يا ابن أخي . فقال : ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها ~~. فقال لأحد ابنيه : اخرج إليه ، فخرج وهو يجر رمحه فحمل عليه الحرث وهو ~~يقول : من دون ما ترجوه خضب الذابل . . . من فارس ملثم مقاتل ينمي إلى ~~شيبان خير وائل . . . ما كان يسري نحوها بباطل ثم شد على ابن الشيخ بطعنة ~~قد منها صلبه ، فسقط ميتا ، فقال الشيخ لابنه الآخر : اخرج إليه فلا خير في ~~الحياة على الذل ، فأقبل الحرث وهو يقول : لقد رأيت كيف كانت طعنتي . . . ~~والطعن للقرم الشديد الهمة والموت خير من فراق خلتي . . . فقتلتي اليوم ولا ~~مذلتي ثم شد على ابن الشيخ بطعنة سقط منها ميتا ، فقال له الشيخ : خل عن ~~الظعينة يا ms011 ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت ، فقال : ما كنت لأخليها ، ولا ~~لهذا قصدت . فقال الشيخ : يا ابن أخي اختر لنفسك فإن شئت نازلتك وإن شئت ~~طاردتك فاغتنمها الفتى ونزل فنزل الشيخ وهو يقول : ما أرتجي عند فناء عمري ~~. . . سأجعل التسعين مثل شهر تخافني الشجعان طول دهري . . . إن استباح ~~البيض قصم الظهر فأقبل الحرث وهو ينشد ويقول : بعد ارتحالي ومطال سفري . . ~~. وقد ظفرت وشفيت صدري فالموت خير من لباس الغدر . . . والعار أهديه لحي ~~بكر ثم دنا فقال له الشيخ : يا ابن أخي إن شئت ضربتك ، فإن أبقيت فيك بقية ~~في فاضربني ، وإن شئت فاضربني . فإن أبقيت بقية ضربتك . فاغتنمها الفتى ~~وقال : أنا أبدأ . فقال الشيخ : هات . PageV01P021 فرفع الحرث يده بالسيف ~~فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ضرب بطنه بطعنة قد منها أمعاءه ~~ووقعت ضربة الفتى على رأس الشيخ فسقطا ميتين . فأخذت يا أمير المؤمنين ~~أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت إلى الناقة فقالت الجارية : يا عمرو : ~~إلى أين ولست بصاحبتك ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت . فقلت : اسكتي . قالت : ~~إن كنت لي صاحبا فأعطني سيفا أو رمحا فإن غلبتني فأنا لك وإن غلبتك قتلتك . ~~فقلت : ما أنا بمعط ذلك . وقد عرفت أهلك وجراءة قومك وشجاعتهم . فرمت نفسها ~~عن البعير ثم أقبلت تقول : أبعد شيخي ثم بعد أخوتي . . . يطيب عيشي بعدهم ~~ولذتي وأصحبن من لم يكن ذا همة . . . هلا تكون قبل ذا منيتي ثم أهوت إلى ~~الرمح وكادت تنزعه من يدي . فلما رأيت ذلك منها خفت إن ظفرت بي قتلتني . ~~فقتلتها . فهذا يا أمير المؤمنين أشجع من رأيت . # | يقتلع ذنب البعير # قيل : أتى رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستحمله فقال له : ~~خذ لك بعيرا من إبل الصدقة فتناول ذنب بعير فجذبه فاقتلعه . فتعجب عمر رضي ~~الله عنه من شدته وقوته ، فقال له : هل رأيت أقوى منك من أحد ؟ قال : نعم . ~~خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلت على حوض ، فأقبل رجل معه ذود ، ~~فضرب ms012 ذوده إلى الحوض فساورها . يعني المرأة ، فنادتني فما انتهيت إليها حتى ~~خالطها . فجئت لأدفعه عنها فأخذ رأسي بين عضديه وجنبه . فما استطعت التحرك ~~حتى قضى وطره منها . فقلت : أي فحل هذا لو كنت منيحة فأمهلته حتى امتلأ ~~نوما . فقمت له بالسيف فضربت ساقه ، فانتبه ، فتناول رجله فرماني بها ~~فأخطأني ، أي فاتني ، وأصاب رأس بعير فقتله . فقال عمر رضي الله عنه : ما ~~فعلت بالمرأة ؟ فقلت : هذا حديث الرجل . فكرر عليه السؤال فلم يزده على هذا ~~ففطن أنه قتلها . انتهى . PageV01P022 # | عبد الله بن رواحة وجاريته # ويحكى أن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه كان عنده جارية جميلة . ~~وكان يحبها محبة شديدة . ولم يتمكن منها خوفا من زوجته . فمضت يوما زوجته ~~لحاجة ثم عادت فوجدته هو والجارية معتنقين نائمين ، فقالت : أفعلتها ؟ قال ~~: لم أكن فاعلها . قالت : فاقرأ ! فقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ~~ثم قال : علمت بأن وعد الله حق . . . وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش ~~فوق الماء طاف . . . وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام . . . ~~ملائكة الإله مسومينا قالت : صدقت وكذبت عيناي . قال : فذهبت وأخبرت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه وصار يكررها ويقول كيف قلت . انتهى ~~. PageV01P023 # | أول دولة بني أمية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه # جلس يوما في مجلس كان له بدمشق ، وكان الموضع مفتح الجوانب الأربعة يدخل ~~فيه النسيم من كل جانب . قال : فبينما هو جالس ينظر إلى بعض الجهات وكان ~~يوما شديد الحر لا نسيم فيه . قال : وكان وسط النهار ، وقد لفحت الهواجر ، ~~إذ نظر إلى رجل يمشي نحوه ، وهو يتلظى من حر التراب ، ويحجل في مشيته حافيا ~~، فتأمله ، وقال لجلسائه : هل خلق الله سبحانه وتعالى أشقى ممن يحتاج إلى ~~الحركة في هذا الوقت ، وفي مثل هذه الساعة ؟ فقال بعضهم : لعله يقصد أمير ~~المؤمنين . فقال : والله لئن كان قاصدي لأجل شيء لأعطينه وأستجلب الأجر به ~~أو مظلوما لأنصرنه يا غلام ! قف بالباب ، فإن طلبني هذا الأعرابي ، فلا ~~تمنعه من الدخول علي . فخرج ms013 فوافاه ، فقال : ما تريد ؟ قال : أمير المؤمنين ~~. قال : ادخل . فدخل ، فسلم فقال له معاوية : ممن الرجل ؟ قال : من تميم . ~~قال : فما الذي جاء بك في هذا الوقت ؟ قال : جئتك مشتكيا وبك متسجيرا . قال ~~: ممن ؟ قال : من مروان بن الحكم عاملك ، وأنشد يقول : معاوي ! يا ذا الجود ~~والحلم والبذل . . . ويا ذا الندى والعلم والرشد والنبل أتيتك لما ضاق في ~~الأرض مذهبي . . . فيا غوث ! لا تقطع رجائي من العدل وجد لي بإنصاف من ~~الجائر الذي . . . بلاني بشيء كان أيسره قتلي سباني سعادا وانبرى لخصومتي . ~~. . وجار ولم يعدل وأغصبني أهلي وهم بقتلي غير أن منيتي . . . تأنت ، ولم ~~أستكمل الرزق من أجلي قال : فلما سمع معاوية كلامه ، والنار تتوقد من فيه ، ~~قال له : مهلا يا أخا العرب ! اذكر قصتك وأبن لي عن أمرك ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، كانت لي زوجة وكنت لها محبا وبها كلفا ، وكنت بها قرير العين ~~طيب النفس ، وكانت لي جذعة من الإبل كنت أستعين بها على قوام حالي وكفاية ~~أودي ، فأصابتنا سنة أذهبت الخف والحافر ، فبقيت لا أملك PageV01P024 شيئا ~~، فلما قل ما بيدي وذهب ما لي وفسد حالي بقيت مهانا ثقيلا على الذي يألفني ~~، وأبعدني من كان يشتهي قربي وأزور من لا يرغب في زيارتي ، فلما علم أبوها ~~ما بي من سوء الحال وشر المال أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي ، فأتيت ~~إلى عاملك مروان بن الحكم راجيا لنصرتي ، فلما أحضر أباها وسأله عن حالي ~~قال : ما أعرفه قط . فقلت : أصلح الله الأمير إن رأى أن يحضرها ويسألها عن ~~قول أبيها ففعل ، وبعث خلفها . فلما حضرت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب ، ~~فصار لي خصما وعلي منكرا ، وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن ، فبقيت كأنما ~~خررت من السماء ، أو استهوت بي الريح في مكان سحيق . ثم قال لأبيها : هل لك ~~أن تزوجنيها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم ، وأنا ضامن خلاصها من هذا ~~الأعرابي ؟ فرغب أبوها في البذل وأجابه إلى ذلك . فلما كان من الغد بعث إلي ~~وأحضرني ونظر ms014 إلي كالأسد الغضبان ، وقال : طلق سعاد ! فقلت : لا ، فسلط علي ~~جماعة من غلمانه فأخذوا يعذبوني بأنواع العذاب فلم أجد لي بدا من طلاقها ~~ففعلت . فأعادني إلى السجن ، فمكثت فيه إلى أن انقضت عدتها فتزوجها وأطلقني ~~، وقد أتيتك راجيا وبك مستجيرا وإليك ملتجئا ، وأنشد يقول : في القلب مني ~~غرام للنار فيه . . . استعار والجسم مرمى بسهم فيه الطبيب يحار وفي فؤادي . ~~. . جمر والجمر فيه شرار والعين تهطل دمعا . . . فدمعها مدرار وليس إلا ~~بربي . . . وبالأمير انتصار قال : ثم اضطرب واصطكت لهاته وصار مغشيا عليه . ~~وأخذ يتلوى كالحية . قال : فلما سمع معاوية كلامه وإنشاده ، قال : تعدى ابن ~~الحكم في حدود الدين وظلم واجترأ على حرم المسلمين . ثم قال : لقد أتيتني ~~يا أعرابي بحديث لم أسمع بمثله قط . ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان ~~ابن الحكم كتابا يقول فيه : أنه قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود ~~الدين ، وينبغي لمن كان واليا أن يكف بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته ، ~~ثم كتب بعده كلاما طويلا اختصرته ، وأنشد يقول : وليت أمرا عظيما لست تدركه ~~. . . فاستغفر الله من فعل امرئ زاني PageV01P025 وقد أتانا الفتى المسكين ~~منتخبا . . . يشكو إلينا ببث ثم أحزان أعطي الإله يمينا لا يكفرها . . . ~~شيء ، وأبرأ من ديني وإيماني إن أنت خالفتني فيما كتبت به . . . لأجعلنك ~~لحما بين عقبان طلق سعاد وعجلها مجهزة . . . مع الكميت ومع نصر بن ذبيان ثم ~~طوى الكتاب وطبعه واستدعى بالكميت ونصر بن ذبيان ، وكان يستنهضهما في ~~المهمات لأمانتهما ، فأخذا الكتاب وسارا حتى قدما المدينة ، فدخلا على ~~مروان بن الحكم ، وسلما عليه ، وسلما إليه الكتاب ، وأعلماه بصورة الحال ، ~~فصار مروان يقرأ ويبكي ؛ ثم قام إلى سعاد وأعلمها ولم يسعه مخالفة معاوية ~~فطلقها بمحضر الكميت ونصر بن ذبيان ، وجهزهما وصحبتهما سعاد . ثم كتب مروان ~~كتابا يقول فيه هذه الأبيات : لا تعجلن أمير المؤمنين فقد . . . أوفي بنذرك ~~في سر وإعلان وما أتيت حراما حين أعجبني . . . فكيف أدعى باسم الخائن ~~الزاني ؟ أعذر ، فإنك لو أبصرتها لجرت . . . فيك الأماني على تمثال إنسان ms015 ~~فسوف يأتيك شمس ليس يدركها . . . عند الخليفة من إنس ومن جان ثم ختم الكتاب ~~ودفعه إلى الرسولين ، وسارا حتى وصلا إلى معاوية وسلما إليه الكتاب فقرأه ~~وقال لقد أحسن في الطاعة وأطنب في ذكر الجارية . ثم أمر بإحضارها فلما رآها ~~رأى صورة حسناء لم ير أحسن منها ولا مثلها في الحسن والجمال والقد ~~والاعتدال ، فخاطبها فوجدها فصيحة اللسان حسنة البيان ، فقال : علي ~~بالأعرابي . فأتي به وهو في غاية من تغير الحال ، فقال : يا أعرابي ! هل لك ~~عنها من سلوة وأعوضك عنها ثلاث جوار نهد أبكار ، كأنهن الأقمار ، مع كل ~~جارية ألف دينار ، وأقسم لك في بيت المال كل سنة ما يكفيك وما يغنيك . قال ~~: فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه مات بها فقال له ~~معاوية : ما بالك بشر بال ، وسوء حال ؟ فقال الأعرابي : استجرت بعدلك من ~~جور بن الحكم ، فبمن أستجير من جورك وأنشد يقول : لا تجعلني ، فداك الله من ~~ملك . . . كالمستجير من الرمضاء بالنار اردد سعاد على حيران مكتئب . . . ~~يمسي ويصبح في هم وتذكار أطلق وثاقي ، ولا تبخل علي بها . . . فإن فعلت ~~فإني غير كفار PageV01P026 ثم قال : يا أمير المؤمنين ، لو أعطيتني الخلافة ~~ما أخذتها دون سعاد ، وأنشد يقول : أبى القلب إلا حب سعدى ، وبغضت . . . ~~إلي نساء ، ما لهن ذنوب فقال له معاوية : إنك مقر بأنك طلقتها ، ومروان مقر ~~بأنه طلقها ، ونحن نخيرها ، فإن اختارت سواك تزوجناها ، وإن اختارتك ~~حولناها إليك . قال : افعل . فقال : ما تقولين يا سعدى ، أيما أحب إليك ، ~~أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده ، أو ~~مروان بن الحكم في تعسفه وجوره ، أو هذا الأعرابي في جوعه وفقره ، فأنشدت ~~تقول : هذا وإن كان في جوع وأضرار . . . أعز عندي من قومي ومن جاري وصاحب ~~التاج ، أو مروان عامله . . . وكل ذي درهم عندي ودينار ثم قالت : والله يا ~~أمير المؤمنين ، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ، ولا لغدرات الأيام ، وإن ~~له صحبة قديمة لا تسنى ، ومحبة لا تبلى ، وأنا أحق من ms016 يصبر معه في الضراء ~~كما تنعمت معه في السراء . فتعجب معاوية من عقلها ومودتها له ، وموافاتها ، ~~فدفع لها عشرة آلاف درهم ، ودفع مثلها للأعرابي وأخذها وانصرف . # | الأجوبة الهاشمية # ومن ثمرات الأوراق عن الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الرفيع ؛ فمن ~~أجل ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص ، رضي الله عنه ، والوليد بن ~~عقبة ، وعتبة بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ~~، ابعث إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما يحضر لدينا ، قال لهم : ولم ؟ ~~قالوا : كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان . فقال لهم معاوية : إنكم لن ~~تطيقوه ولن تنتصفوا منه ، ولا تقولوا له شيئا إلا كذبكم ولا يقول لكم ~~ببلاغته شيئا إلا صدقه الناس . فقالوا : أرسل إليه فإنا نكفيه . ~~PageV01P027 فأرسل له معاوية ، فلما حضر قال : يا حسن ! إني لم أرسل إليك ، ~~ولكن هؤلاء أرسلوا إليك ، فاسمع مقالتهم . فقال الحسن رضي الله عنه : ~~فليتكلموا ونحن نسمع . فقام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : يا حسن ، هل تعلم أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب ~~الملك ، فكيف رأيت صنع الله تعالى به ؟ ثم قام الوليد بن عقبة فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : يا بني هاشم ! كنتم أصهار عثمان بن عفان ، فنعم ~~الصهر كان لكم لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقربكم ويفضلكم ، ~~ثم بغيتم عليه وقتلتموه ، وقد أردنا قتل أبيك فأنقذنا الله منه ، ولو ~~قتلناه ما كان علينا ذنب . ثم قام عتبة بن أبي سفيان فقال : يا حسن ، إن ~~أباك قد تعدى على عثمان فقتله حسدا على الملك والدنيا ، فسلبهما الله منه ، ~~ولقد أردنا قتل أبيك ، حتى قتله الله تعالى . ثم قام المغيرة بن شعبة ، ~~وقال كلاما سبا لعلي وتعظيما لعثمان . فقام الحسن ، رضي الله عنه ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ، وقال : بك أبدأ يا معاوية ! لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت ~~تشتمني بغضا وعداوة وخلافا لجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التفت إلى ~~الناس ، وقال : أنشدكم ms017 الله إن الذي شتمه هؤلاء أما كان أبي ، وهو أول من ~~آمن بالله وصلى إلى القبلتين ، وأنت يا معاوية كافر تشرك بالله ؟ وكان مع ~~أبي لواء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، ولواء المشركين مع معاوية ؛ ~~ثم قال : أنشدكم الله تعالى ، أما كان معاوية يكتب لجدي صلى الله عليه وسلم ~~، فأرسل إليه يوما فرجع الرسول ، وقال : هو يأكل . فرد إليه الرسول ثلاث ~~مرات ، كل ذلك يقول هو يأكل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أشبع الله ~~بطنه ، يا معاوية ! أما تعرف ذلك من بطنك ؟ ثم قال : وأنشدكم الله أما ~~تعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه ، وهو على جمل ، وأخوه هذا يسوقه ؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ، وأنت تعلم ذلك . هذا كله لك يا ~~معاوية . وأما أنت يا عمرو . فقد تنازعك خمسة من قريش . فغلب عليك شبه ~~الأبهم ، وهو أقلهم حسبا وأسوأهم منصبا ، ثم قمت وسط قريش فقلت : إني شانيء ~~محمدا بثلاثين بيتا من الشعر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني ~~لا أحسن الشعر . اللهم العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ، ثم انطلقت إلى ~~النجاشي بما عملت وعلمت . فكذبك وردك خائبا ، فأنت عدو بني هاشم في ~~الجاهلية والإسلام . فلا نلومك على بغضك الآن . وأما أنت يا ابن أبي معيط ~~فكيف نلومك على سبك لأبي ، وقد جلدك أبي في الخمر ثمانين جلدة ، وقتل أباك ~~صبرا بأمر جدي ، وقتله جدي بأمر ربي ، ولما قدمه للقتل قال : PageV01P028 ~~من للصبية بعدي يا محمد ؟ فقال جدي : لهم النار ، فلم يكن لهم عند جدي غير ~~النار ، ولم يكن لهم عند أبي غير السوط والسيف . وأما أنت يا عتبة فكيف ~~تعيب أحدا بالقتل ولا تعيب نفسك ، فلم لا قتلت الذي وجدته على فراشك مضاجعا ~~لزوجتك ؟ ثم أمسكتها بعد أن بغت . وأما أنت يا أعور ثقيف ، ففي أي شيء تسب ~~عليا ؟ أفي بعده من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم لحكم جائر في رعيته ~~في الدنيا ؟ فإن قلت في ms018 شيء من ذلك كذبت وكذبك الناس ، وإن زعمت أن عليا ~~قتل عثمان فقد كذبت وكذبك الناس ، وإنما مثلك كمثل بعوضة وقعت على نخلة ~~فقالت لها : استمسكي فإني أريد أن أطير . فقالت لها النخلة : ما علمت ~~بوقوعك فكيف يشق علي طيرانك ؟ فكيف يا أعور ثقيف يشق علينا سبك ؟ ثم نفض ~~ثيابه وقام . فقال لهم معاوية : ألم أقل لكم لا تنتصفوا منه ، فوالله لقد ~~أظلم علي البيت حتى قام . # | معاوية والحسن # وروي أن معاوية رضي الله عنه خرج عاما حاجا ، فمر بالمدينة ففرق على ~~أهلها أموالا جزيلة ، ولم يحضر الحسن بن علي رضي الله عنهما ، فلما حضر قال ~~له معاوية : مرحبا مرحبا برجل تركنا حتى نفد ما عندنا وتعرض لنا ليبخلنا ؟ ~~فقال الحسن رضي الله عنه : كيف ينفد ما عندك ، وخراج الدنيا يجيء إليك ؟ ~~فقال له معاوية : قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة ، وأنا ابن هند ~~. فقال الحسن : قد رددته عليك ، وأنا ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها . ~~قيل : إن معاوية رضي الله عنه جلس يوما بين أصحابه ، إذ أقبلت قافلتان من ~~البرية ، فقال لبعض من كان بين يديه : انظروا هؤلاء القوم وائتوني بأخبارهم ~~. فمضوا وعادوا وقالوا : يا أمير المؤمنين ، إحداهما من اليمن والأخرى من ~~قريش . فقال : ارجعوا إليهم وادعوا قريشا يأتونا ، وأما أهل اليمن فينزلون ~~في أماكنهم إلى أن نأذن لهم في الدخول . PageV01P029 # | معاوية والطرماح بن الحكم # فلما دخلت قريش سلم عليهم وقربهم وقال : أتدرون يا أهل قريش لم أخرت أهل ~~اليمن وقربتكم ؟ قالوا : لا والله يا أمير المؤمنين . قال : لأنهم لم ~~يزالوا يتطاولون علينا بالفخار ويقولون ما ليس فيهم ، وإني أريد إذا دخلوا ~~غدا وأخذوا أماكنهم من الجلوس أن أقوم فيهم نذيرا وألقي عليهم من المسائل ~~ما أقل به إكرامهم وأرخص به مقامهم ، فإذا دخلوا وأخذوا أماكنهم من الجلوس ~~وسألوا عن شيء فلا يجبهم أحد غيري . قال الراوي : وكان المقدم عليهم رجلا ~~يقال له الطرماح بن الحكم الباهلي ، فأقبل على أصحابه ، وقال : أتدرون يا ~~أهل اليمن لم ms019 أخركم ابن هند وقدم قريشا ؟ قالوا : لا قال : لأنه في غداة غد ~~يقوم فيكم نذيرا ويلقي عليكم من المسائل ما يقل به إكرامكم ويرخص به مقامكم ~~، فإذا دخلتم عليه وأخذتم أماكنكم من الجلوس وسألكم عن شيء فلا يجبه أحد ~~غيري . فلما كان من الغد دخلوا عليه وأخذوا أماكنهم فنهض معاوية قائما على ~~قدميه ، وقال : أيها الناس من تكلم قبل العرب ، وعلى من أنزلت العربية ؟ ~~فقام الطرماح وقال : نحن يا معاوية ، ولم يقل يا أمير المؤمنين . فقال : ~~لماذا ؟ فقال : لأنه لما نزلت العرب ببابل وكانت العبرانية لسان الناس كافة ~~أرسل الله تعالى العربية على لسان يعرب بن قحطان الباهلي ، وهو جدنا فقرأ ~~العربية وتداولها قومه من بعده إلى يومنا هذا ، فنحن يا معاوية عرب بالجنس ~~وأنتم عرب بالتعليم . فسكت معاوية زمانا ثم رفع رأسه وقال : أيها الناس ، ~~من أقوى العرب إيمانا ومن شهد له بذلك ؟ فقال الطرماح : نحن يا معاوية . ~~قال : ولم ؟ قال : لأن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم فكذبتموه ~~وسفهتموه وجعلتموه مجنونا ، فآويناه ونصرناه فأنزل الله : ' والذين ءامنوا ~~وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ~~ورزق كريم ' . PageV01P030 وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، محسنا لنا ~~متجاوزا عن سيئاتنا فلم لم تفعل أنت كذلك ؟ كأنك خالفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . قال : فسكت زمانا ثم رفع رأسه وقال : أيها الناس ، من أفصح ~~العرب لسانا ومن شهد له بذلك ؟ قال الطرماح : نحن يا معاوية . قال : ولم ~~ذلك ؟ قال : لأن امرأ القيس بن حجر الكندي منا قال في بعض قصائده : يطعمون ~~الناس غبا . . . في السنين الممحلات في جفان كالخوابي . . . وقدور راسيات ~~وقد تكلم بألفاظ جاء مثلها في القرآن ، وشهد له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك . قال : فسكت معاوية زمانا وقال : أيها الناس ، من أقوى العرب ~~شجاعة وذكرا ومن شهد له بذلك ؟ قال الطرماح : نحن يا معاوية . قال : ولم ~~ذلك ؟ قال : لأن منا عمرو بن معد يكرب الزبيدي ، كان فارسا في الجاهلية ~~وفارسا ms020 في الإسلام وشهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم . فقال له معاوية ~~: وأين أنت وقد أتي به مصفدا بالحديد ؟ فقال له الطرماح : ومن أتى به ؟ قال ~~معاوية : أتى به علي . قال الطرماح : والله لو عرفت مقداره لسلمت إليه ~~الخلافة ولا طمعت فيها أبدا . فقال له معاوية : أتحجني يا عجوز اليمن ؟ قال ~~: نعم أحجك يا عجوز مضر لأن عجوز اليمن بلقيس آمنت بالله ، وتزوجت بنبيه ~~سليمان بن داود ، عليهما السلام ، وعجوز مضر جدتك التي قال الله في حقها : ~~' وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ' . قال : فسكت معاوية زمانا ثم ~~رفع رأسه وقال : جزاك الله خيرا من صاحب ووفر عقلك ورحم سلفك وأعطاه وأحسن ~~إليه ، انتهى . PageV01P031 # | معاوية والأحنف بن قيس # قال الراوي : وخطب معاوية يوما فقال : أيها الناس إن الله تعالى قال : ' ~~وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ' ، فعلام تلومونني ~~إذا قصرت عنكم في عطاياكم ؟ فقال له الأحنف بن قيس : إنا والله ما نلومك ~~فيما في خزائن الله ، ولكن وضعت يدك على ما أنزل الله من خزائنه فجعلته في ~~خزائنك وحلت بيننا وبينه . # | معاوية وسودة الأسدية # ومما يروى عن الشعبي قال : استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسد على معاوية ~~بن أبي سفيان ، فأذن لها ، فلما دخلت عليه قال لها : يا بنت الأسد الست ~~القائلة : شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة . . . يوم الطعان وملتقى الأقران ~~وانصر عليا والحسين ورهطه . . . واقعد لهند وابنها بهوان إن الإمام أخا ~~النبي محمد . . . علم الهدى ومنارة الإيمان وقد الجيوش وسر أمام لوائه . . ~~. وارم بأبيض صارم وسنان قالت : بلى يا معاوية ، وما مثلي من رغب عن الحق ~~واعتذر . قال : فما حملك على ذلك ؟ قالت : حب علي واتباع الحق . قال : ~~والله ما أرى عليك من أثر علي شيئا . قالت : أنشدك الله يا معاوية ! لا ~~تذكر ما مضى . قال : هيهات ! وما مثلك ، ومقام أخيك يسيئني ، وما لقيت من ~~أخيك . قالت : صدقت يا معاوية ، لم يكن أخي ذميم المقام ، ولا خبيا ، وهو ~~والله كقول ms021 الخنساء : وإن صخرا لتأتم الهداة به . . . كأنه علم في رأسه نار ~~وأنا أسألك يا معاوية إعفاك مما استعفيت به . قال : قد فعلت ؛ فما حاجتك ؟ ~~قالت : يا معاوية ، إنك أصبحت للناس سيدا PageV01P032 ولأمورهم واليا ، ~~والله سائلك عن أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ، ولا تزال تقدم علينا من ~~يغرك ويبطش بسلطانك ، ويحصدنا حصد السنبل ، ويدرسنا درس العصفر ، ويسومنا ~~الخسف ، ويسلبنا الحيل ، هذا ابن أرطاة قدم علينا فقتل رجالي وأخذ مالي ، ~~ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة ، فإما عزلته . فشكرناك ، وإما أقررته ~~فعرفناك . فقال لها : أبقولك تهدديني ؟ هممت أن أحملك على قتب جمل أشرس ~~وأسيرك إليه لينفذ فيك أمره . فأطرقت وبكت وأنشدت تقول : صلى الإله على روح ~~تضمنها . . . قبر فأصبح فيه الحق مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا . . ~~. فصار بالحق والإيمان مقرونا قال : ومن ذاك ؟ قالت : أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه . قال : ولم ؟ قالت : أتيته في رجل ولاه علينا ، ~~ولم يكن بيننا وبينه إلا كما بين الغث والسمين ، فوجدته قائما يصلي ، فلما ~~نظر إلي انفتل من صلاته . ثم قال برأفة ورحمة : ألك حاجة ؟ فأخبرته فبكى . ~~ثم قال : اللهم اشهد علي وعليهم أني لم أولهم وآمرهم بظلم خلقك ولا بترك ~~حقك . ثم أخرج من جيبه قطعة من جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها : بسم الله ~~الرحمن الرحيم : ' قد جاءتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن ~~كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ' . إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك ~~حتى يقدم عليك من يقبضه منك ، والسلام . فأخذته منه وأوصلته إليه فامتثل ~~ورجع عما كان فيه . فقال معاوية : اكتبوا لها برد مالها والعدل في حالها . ~~فقال : ألي خاصة أم لي ولقومي ؟ قال : بل لك . قالت : إذا الفحشاء واللؤم ، ~~هي والله إما عدلا شاملا وإلا فأنا كسائر قومي . قال : اكتبوا لها بحاجتها ~~هي وقومها . معاوية PageV01P033 # | معاويةوميسون الكلبية # ولما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية رضي الله ms022 عنه ونقلها من البدو إلى ~~الشام كانت تكثر الحنين على ناسها والتذكر لمسقط رأسها ، فاستمع عليها ذات ~~يوم فسمعها تنشد وتقول : لبيت تخفق الأرواح فيه . . . أحب إلي من قصر منيف ~~وأكل كسيرة في كسر بيتي . . . أحب إلي من أكل الرغيف وأصوات الرياح بكل فج ~~. . . أحب إلي من نقر الدفوف ولبس عباءة وتقر عيني . . . أحب إلي من لبس ~~الشفوف وكلب ينبح الطراق حولي . . . أحب إلي من قط ألوف وبكر يتبع الأظعان ~~صعب . . . أحب إلي من بغل زفوف وخرق من بني عمي نحيف . . . أحب إلي من علج ~~عنيف قال الراوي : فلما سمع معاوية الأبيات قال : ما رضيت ابنة بحدل حتى ~~جعلتني علجا عنيفا . # | ملك فارس والبوم الواعظ له # حكاية أجنبية عن المقام . يحكى أن بهراما لما ولي الملك بعد أبيه ، أقبل ~~على اللهو واللذات والتنزه والصيد ، لا يفكر في ملكه ولا في رعيته حتى خرجت ~~البلاد عن يده وخربت في أيامه وقلت العمارة وخلت بيوت الأموال . فلما كان ~~في بعض الأيام ركب إلى بعض منازهه وصيده ، وهو يسير نحو المدائن ، وكانت ~~ليلة مقمرة ، فدعا بالموبذان ، وهو عند المجوس كحاخام عند اليهود والقسيس ~~عند النصارى ، لأمر خطر بباله فجعل يحادثه فتوسطا في سيرهما بين خرابات ~~كانت من أمهات الضياع قد خربت في مدة ملكه لا أنيس فيها إلا البوم ، وإذا ~~ببوم يصيح وصاحبته تجاوبه من تلك الخرابات ، فقال بهرام : أترى أن أحدا من ~~الناس أعطي فهم لغة هذا الطائر المصوت في الليل البهيم ؟ فقال الموبذان : ~~أيها الملك ، أنا ممن خصه الله بذلك . PageV01P034 قال : فما يقول هذا ~~الطائر وما يقول الطائر الآخر ؟ فقال الموبذان : هذا بوم ذكر يخطب بومة ~~ويقول لها : متعيني بنفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله ويبقى لنا ~~في هذا العالم عقب يكثرون الترحم علينا . فأجابت : أن الذي تدعونني إليه لي ~~فيه الحظ الأكبر والنصيب الأوفر في العاجل والآجل إلا أني أشترط عليك خصالا ~~إن أعطيتها أجبتك إلى ذلك . فقال لها الذكر : وما تطلبينه مني ؟ قالت : أن ~~تعطيني من خرابات ms023 أمهات الضياع عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك ~~السعيد . فقال له الملك فما الذي قال لها الذكر ؟ قال الموبذان : كان من ~~قوله لها إن دامت أيام هذا الملك السعيد قطعك منها ألف قرية خراب ، فما ~~تصنعين بها ؟ قالت : في اجتماعنا يحصل ظهور النسل وكثرة الذكر ، فنقطع لكل ~~ولد من أولادنا ضيعة من هذه الخرابات . فقال لها الذكر : هذا أسهل أمر ~~سألتنيه ، وأنا مليء بذلك ما حيى هذا الملك . فلما سمع الكلام من الموبذان ~~تأثر في نفسه واستيقظ من نومه وفكر فيما خوطب به فنزل من ساعته ونزل بنزوله ~~الناس وخلا بالموبذان ، فقال : أيها القائم بأمر الدين الناصح للملك ~~والمنبه له عما أغفله من أمور ملكه وإضاعة بلاده ورعيته ، ما هذا الكلام ~~الذي خاطبتني به فقد حركت مني ما كان ساكنا . فقال الموبذان : صادفت من ~~الملك السعيد وقت سعد العباد والبلاد فجعلت الكلام مثلا وموعظة على لسان ~~الطائر عند سؤال الملك إياي عما سأل . فقال له الملك : أيها الناصح ، اكشف ~~لي عن هذا الغرض ، ما المراد منه ؟ فقال : أيها الملك ، إن الأمر لا يتم ~~إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك ~~إلا بالرجال ، ولا قوام للرجال إلا بالمال ، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ، ~~ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل ، وهو الميزان المنصوب بين الخليقة ، نصبه ~~الرب ، جل وعلا وجعل له قيما وهو الملك . فقال الملك : أما ما وصفت فحق ~~فأين لي عما إليه تقصد وأوضح لي في البيان . قال : نعم أيها الملك ، إنك ~~عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها ~~فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع ، ~~وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك ، ووقع الحيف على الرعية وعمار الضياع ، ~~PageV01P035 فانجلوا عن ضياعهم ، وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع ~~في ملك فارس من أطاف بها من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي ~~بسببها تستقيم دعائم الملك . فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام ~~وأحضر ms024 الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة ~~والحاشية وردت إلى أربابها وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة ~~وقوي من ضعف منهم فعمرت البلاد بذلك وأخصبت وكثرت الأموال عند الجباة وقويت ~~الجنود وانقطعت مواد الأعداء وأقبل الملك يباشر الأمور بنفسه فحسنت سيرته ~~وانتظم ملكه حتى كانت أيامه بعده تدعى بالأعياد مما عم الناس من الخصب ~~وشملهم من العدل . # | العاشق ذو المروءة # حكاية أخرى أجنبية . حكي عن الأصمعي أنه قال : دخلت البصرة أريد بادية ~~بني سعد ، وكان على البصرة يومئذ خالد بن عبد الله القسري ، فدخلت عليه ~~يوما فوجد قوما متعلقين بشاب ذي جمال وكمال وأدب ظاهر ، بوجه زاهر حسن ~~الصورة طيب الرائحة جميل البزة ، عليه سكينة ووقار ، فقدموه إلى خالد ~~فسألهم عن قصته فقالوا : هذا لص أصبناه البارحة في منازلنا . فنظر إليه ~~فأعجبه حسن هيئته ونظافته ، فقال : خلوا عنه . ثم أدناه منه وسأله عن قصته ~~، فقال : إن القول ما قالوه والأمر على ما ذكروه . فقال له : ما حملك على ~~ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة ؟ قال : حملني الشره في الدنيا . وبذا ~~قضى الله سبحانه وتعالى . فقال له خالد : ثكلتك أمك ، أما كان لك في جمال ~~وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك زاجر لك عن السرقة . قال : دع عنك هذا أيها ~~الأمير ، وانفذ ما أمرك الله تعالى به . فذلك بما كسبت يداي . وما الله ~~بظلام للعبيد . فسكت خالد ساكة يفكر في أمر الفتى ثم أدناه منه وقال له : ~~إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقا . وإن لك قصة غير ~~السرقة فأخبرني بها . فقال : أيها الأمير ، لا يقع في نفسك سوى ما اعترفت ~~به عندك ، وليس لي قصة أشرحها لك إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت منها مالا ~~فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك . PageV01P036 فأمر خالد بحبسه وأمر ~~مناديا ينادي في البصرة : ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده ~~فليحضر من الغد . فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس ~~الصعداء ms025 ، ثم أنشأ يقول : هددني خالد بقطع يدي . . . إن لم أبح عنده بقصتها ~~فقلت : هيهات أن أبوح بما . . . تضمن القلب من محبتها قطع يدي بالذي اعترفت ~~به . . . أهون للقلب من فضيحتها فسمعه الموكلون به فأتوا خالدا وأخبروه ~~بذلك ، فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده ، فلما حضر استنطقه فرآه أديبا ~~عاقلا لبيبا ظريفا فأعجب به فأمر له بطعام فأكلا وتحادثا ساعة . ثم قال له ~~خالد : قد علمت أن لك قصة غير السرقة ، فإذا كان غدا وحضر الناس والقضاة ~~وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها شبهات تدرأ عنك القطع . فقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' ادرءوا الحدود بالشبهات ' . ثم أمر به إلى ~~السجن ، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا حضر ليرى عقوبة ~~ذلك الفتى ، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم ، ثم دعا بالقضاة وأمر ~~بإحضار الفتى ، فأقبل يحجل في قيوده ، ولم يبق أحد من النساء إلا بكى عليه ~~وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب ، فأمر بتسكيت الناس ، ثم قال له ~~خالد : إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول ؟ قال : ~~صدقوا أيها الأمير ، دخلت دارهم وسرقت مالهم . قال خالد : لعلك سرقت دون ~~النصاب . قال : بل سرقت نصابا كاملا . قال : فلعلك سرقته من غير حرز مثله . ~~؟ قال : بل من حرز مثله . قال : فلعلك شريك القوم في شيء منه ؟ قال : بل هو ~~جميعه لهم لا حق لي فيه . فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط ~~. وقال متمثلا بهذا البيت : يريد المرء أن يعطى مناه . . . ويأبى الله إلا ~~ما أرادا ثم دعا بالجلاد ليقطع يده . فحضر وأخرج السكين ، ومد يده ووضع ~~عليها السكين ، فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ ، فصرخت ورمت ~~بنفسها عليه ، ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن ~~تقع منه فتنة ، ثم نادت PageV01P037 بأعلى صوتها : إليه رقعة ففضها خالد ~~فإذا هي مكتوب فيها : أخالد هذا مستهام متيم . . . رمته لحاظي من قسي ~~الحمالق فأصماه سهم اللحظ مني ms026 فقلبه . . . حليف الجوى من دائه غير فائق . ~~أقر بما لم يقترفه لأنه . . . رأى ذاك خيرا من هتيكة عاشق فهلا على الصب ~~الكئيب لأنه . . . كريم السجايا في الهوى غير سارق فلما قرأ الأبيات تنحى ~~وانعزل عن الناس وأحضر المرأة ، ثم سألها عن القصة ، فأخبرته أن هذا الفتى ~~عاشق لها وهي له كذلك ، وأنه أراد زيارتها وأن يعلمها بمكانه ، فرمى بحجر ~~إلى الدار ، فسمع أبوها واخوتها صوت الحجر ، فصعدوا إليه ، فلما أحس بهم ~~جمع قماش البيت كله وجعله صرة ، فأخذوه وقالوا : هذا سارق وأتوا به إليك ~~فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني بي اخوتي ، وهان عليه قطع يده ~~لكي يستر علي ولا يفضحني . كل ذلك لغزارة مروءته وكرم نفسه . فقال خالد : ~~إنه خليق بذلك . ثم استدعى الفتى إليه وقبل ما بين عينيه وأمر بإحضار أبي ~~الجارية وقال له : يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى ~~بالقطع ، وإن الله عصمه من ذلك ، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده ~~وحفظه لعرضك وعرض ابنتك وصيانته لكما من العار . وقد أمرت لابنتك بعشرة ~~آلاف درهم ، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه . فقال الشيخ : قد أذنت ~~أيها الأمير بذلك . قال : فحمد الله وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة وقال للفتى ~~: قد وقدره عشرة آلاف درهم . فقال الفتى : قبلت منك هذا التزويج . وأمر ~~بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفا في الصواني ، وانصرف الناس مسرورين ولم ~~يبق أحد في سوق البصرة إلا نثر عليهما اللوز والسكر حتى دخلا منزلهما ~~مسرورين مزفوفين . قال الأصمعي : فما رأيت يوما أعجب منه أوله بكاء وترح ~~وآخره سرور وفرح . PageV01P038 # | جعفر بن سليمان والعاشقان # وهذه حكاية تشابه ما تقدم . قال حماد الراوية : كنت عند جعفر بن سليمان ~~بالبصرة إذ أتى بشاب حسن الوجه ، ومعه جارية كأنها قضيب بان ، فقال صاحب ~~الشرطة : أصلح الله الأمير ، إني وجدت هذا وهذه مجتمعين في خلوة وليس لها ~~بمحرم . فقال جعفر للفتى : ما تقول ؟ فقال : صدق ولقد طال والله غرامي بها ms027 ~~منذ ثلاث سنين والله ما أمكنني الخلوة بها إلا في هذا الوقت ، وأنشد يقول : ~~تمنيت من ربي أفوز بقربها . . . فلما تهيأ لي المنى عاقه العسر فوالله بل ~~والله ما كان ريبة . . . وما كان إلا اللفظ والضحك والبشر فدونكم جلدي ولا ~~تجلدونها . . . فكم من حرام كان من دونه ستر قال : فجعلت الجارية تبكي بكاء ~~شديدا فقال لها : وأنت لم تبكين ؟ فقالت : والله شفقة مما حل بنا وكيف ~~احتلت حتى خرجت وكيف بلينا بهذه البلية ؟ قال : أتحبينه ؟ قال : فلم غررت ~~بنفسي ؟ قال لها : أنت حرة أم مملوكة ؟ قالت : بل مملوكة . فأمرها فدخلت ~~الدار وأحضر مولاها فاشتراها منه بمائتي دينار وأعتقها وزوجها الفتى ووهب ~~له مائة دينار وكساها ، فأنشد الفتى يقول : لقد جدت يا ابن الأكرمين بنعمة ~~. . . جمعت بها بين المحبين في ستر فلا زلت بالإحسان كهفا وملجأ . . . وقد ~~جل ما قد كان منك عن الشكر قال : فضحك وأمر لهما بجائزة وانصرفا مسرورين . ~~PageV01P039 # | دولة عبد الملك بن مروان # وهو أول من تسمى عبد الملك في الإسلام ، وكان يلقب برشح الحجر . ذكره في ~~حياة الحيوان . وذكر محمد بن واسع الهيتي أن عبد الملك بن مروان بعث كتابا ~~إلى الحجاج بن يوسف يقول فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى الحجاج بن ~~يوسف ، إذا ورد عليك كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات نهد أبكار ~~يكون إليهن المنتهى في الجمال ، واكتب لي بصفة كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها ~~في المال . فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين ، م أمرهم بما أمر به ~~أمير المؤمنين ، وأمرهم أن يغوصوا في البلاد حتى يقعوا على الغرض ، فلم ~~يزالوا من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا على الغرض ، ورجعوا ~~إلى الحجاج بثلاث جوار نهد أبكار مولدات ليس لهن مثيل . وكان الحجاج فصيحا ~~، فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن وثمنها من المال ، فوجدهن لا يقومن بقيمة ، ~~وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن . ثم كتب كتابا إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه ~~: بعد الثناء الجميل وصلني كتاب أمير ms028 المؤمنين ، متعني الله تعالى ببقائه ، ~~يأمر فيه أن أشتري له ثلاث جوار مولدات نهد أبكار ، وأن أكتب له بصفة كل ~~واحدة منهن وثمنها . أما الجارية الأولى ، أطال الله بقاء أمير المؤمنين ، ~~فإنها لطيفة السوالف ، عظيمة الروادف ، كحلاء العينين ، حمراء الوجنتين ، ~~قد نهد نهداها والتف فخذاها ، كأنها ذهب شيب بفضة ، وهي كما قيل : بيضاء في ~~طرفها دعج يزينها . . . كأنها فضة قد شابها ذهب وثمنها يا أمير المؤمنين ، ~~ثلاثون ألف درهم . وأما الجارية الثانية فإنها فائقة في الجمال معتدلة القد ~~والكمال يشفي السقيم كلامها الرخيم ، وثمنها يا أمير المؤمنين ، ثلاثون ألف ~~درهم . وأما الجارية الثالثة ، فإنها فاترة الطرف لطيفة الكاف عظيمة الردف ~~شاكرة للقليل مساعدة للخليل ، بديعة الجمال ، كأنها خشف غزال ، وثمنها يا ~~أمير المؤمنين ، ثمانون ألف درهم . PageV01P040 ثم أطنب في الشكر والثناء ~~على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا بالنخاسين وقال : تجهزوا للسفر ~~بهؤلاء الجواري لأمير المؤمنين ا ه ؟ . فقال أحد النخاسين : أيد الله ~~الأمير : إني رجل كبير وضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني فتأذن لي أن أجهزه ~~؟ قال : نعم . فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا ليستريحوا في بعض ~~الأماكن فنامت الجواري فهبت ريح فانكشفت إحداهن . وهي الكوفية فظهر نور ~~ساطع وكان اسمها مكتوم ، فنظر إليها ابن النخاس ، وكان شابا جميلا ففتن بها ~~لساعته ، فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول : أمكتوم عيني لا تمل من ~~البكا . . . وقلبي بأسهام الأسى يترشق أمكتوم ! كم من عاشق قتل الهوى . . . ~~وقلبي رهين كيف لا أتعشق ؟ فأجابته تقول : لو كان حقا ما تقول لزرتنا . . . ~~ليلا ، إذا هجعت عيون الحسد فلما جن الليل ، انقض ابن النخاس بسيفه وأتى ~~نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه ، فأخذها وأراد الهرب بها ففطن به ~~أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسورا معهم إلى أن قدموا ~~على عبد الملك . فلما قدموا بالجواري بين يديه ، أخذ الكتاب وفتحه وقرأه ~~فوجد الصفة موافقة في اثنتين ولم توافق في الثالثة ، ورأى بوجهها صفرة ، ~~وهي الجارية الكوفية ، فقال للنخاسين : ما بال هذه الجارية ms029 لم توافق الصفة ~~التي ذكرها الحجاج في كتابه ، وما هذا الإصفرار الذي بها ، وهذا النحول ؟ ~~فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نقول وعلينا الأمان . قال : إن صدقتم أمنتم ؛ ~~وإن كذبتم هلكتم . فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى ، وهو مصفد بالحديد ، ~~فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين وأخبروه بما فعل بكى بكاء شديدا وأيقن ~~بالعذاب ثم أنشأ يقول : أمير المؤمنين أتيت رغما . . . وقد شدت إلى عنقي ~~يديا مقرا بالقبيح وسوء فعلي . . . ولست بما رميت به بريا فإن تقتل ففوق ~~القتل ذنبي . . . وإن تعف فمن جود عليا PageV01P041 فقال له عبد الملك : يا ~~فتى ما حملك على ما فعلت ؟ أستخفافا بنا أم هوى للجارية ؟ فقال : وحقك يا ~~أمير المؤمنين ، وعظيم قدرك ، ما هو إلا هوى للجارية . فقال : هي لك بما ~~أعد لها . فأخذ الغلام الجارية بكل ما أعد لها أمير المؤمنين من الحلي ~~والجمان وسار بها فرحا مسرورا حتى إذا كانا ببعض الطريق نزلا منزلا ليلا ~~فتعانقا . فلما أصبح الصباح وأراد الناس الرحيل ، نبهوهما فوجدا ميتين . ~~فبكوا عليهما ودفنوهما في الطريق . ومضى خبرهما إلى أمير المؤمنين عبد ~~الملك بن مروان فبكى عليهما وتعجب من ذلك . # | شجرة العروسين # وهذه حكاية تشابهها في العشق . حكي عن عبد الله بن معمر القيسي أنه قال : ~~حججت سنة إلى بيت الله الحرام ، فلما قضيت حجي عدت لزيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فبينما أنا ذات ليلة جالس بين القبر والروضة إذ سمعت ~~أنينا عاليا وحنينا باديا ، فأنصت إليه ، فإذا هو يقول هذه الأبيات : أشجاك ~~نوح حمائم السدر . . . فأهجن منك بلابل الصدر ؟ أم عز نومك ذكر غانية . . . ~~أهدت إليك وساوس الفكر يا ليلة طالت على دنف . . . يشكو الغرام وقلة الصبر ~~أسلمت من يهوى لحر جوى . . . متوقد كتوقد الجمر فالبدر يشهد أنني كلف . . . ~~مغرى بحب شبيهة البدر ما كنت أحسبني بها شجنا . . . حتى بليت وكنت لا أدري ~~قال : ثم انقطع الصوت ولم أدر من أين جاءني فبقيت حائرا ، وإذا به قد أعاد ~~البكاء والحنين وأنشأ يقول هذه الأبيات : أشجاك من ريا خيال ms030 زائر . . . ~~والليل مسود الذوائب عاكر واقتاد مقلتك الهوى برسيسه . . . واهتاج مقلتك ~~الخيال الزاهر ناديت ليلى ، والظلام كأنه . . . يم تلاطم فيه موج زاخر ~~PageV01P042 والبدر يسري في السماء كأنه . . . مالك ترحل ، والنجوم عساكر ~~يا ليل ! طلت على محب ما له . . . إلا الصباح مساعد وموازر فأجابني : مت ~~حتف أنفك واعلمن . . . أن الهوى لهو الهوان الحاضر قال : فنهضت عند ابتدائه ~~الأبيات أؤم الصوت فما انتهى لآخر الأبيات إلا وأنا عنده ، فرأيت غلاما ما ~~سال عذاره ، وقد خرج الدمع وجنتيه خرقين ، فقلت : نعمت غلاما ! فقال : وأنت ~~، فمن الرجل ؟ قلت : عبد الله بن معمر القيسي . قال : أفلك حاجة ؟ قلت له : ~~كنت جالسا في الروضة ، فما راعني في هذه الليلة إلا صوتك فبنفسي أفديك ، ما ~~الذي تجده ؟ قال : اجلس ! فجلست ، أنا عتبة بن الخباب بن المنذر بن الجموح ~~الأنصاري ، غدوت إلى مسجد الأخراب فبقيت راكعا وساجدا ثم اعتزلت غير بعيد ، ~~فإذا بنسوة يتهادين كالأقمار ، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة ~~فوقفت علي ، وقالت : يا عتبة ، ما تقول في وصل من يطلب وصلك ؟ ثم تركتني ~~وذهبت . فلم أسمع لها خبرا ولا وقفت لها على أثر . فأنا حيران أتنقل من ~~مكان إلى مكان . ثم صرخ وانكب على الأرض مغشيا عليه ، ثم أفاق كأنما صبغت ~~ديباجتا خديه بورس ثم أنشد يقول هذه الأبيات : أراكم بقلبي من بلاد بعيدة . ~~. . تراكم تروني بالقلوب على بعد فؤادي وطرفي يأسفان عليكم . . . وعندكم ~~روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم . . . ولو كنت في الفردوس أو ~~جنة الخلد قال : فقلت له : يا ابن أخي تب إلى ربك واستقل من ذنبك ، فإن بين ~~يديك هول المطلع . فقال : هيهات ما أنا بسال حتى يثوب القارظان . ولم أزل ~~به حتى طلع الفجر ، فقلت : قم بنا إلى مسجد الأخراب ، فقمنا إليه فجلسنا ~~حتى صلينا الظهر ، وإذا بنسوة قد أقبلن وأما الجارية فليست فيهن فقلن : يا ~~عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة ما بك ؟ قال : وما بالها قلن : أخذها أبوها ~~وارتحل إلى السماوة . فسألتهن على الجارية فقلن : هي ريا ms031 بنت الغطريف ~~السلمي ، فرفع رأسه وأنشأ يقول : PageV01P043 خليلي ! ريا قد أجد بكورها . ~~. . وسار إلى أرض السماوة عيرها خليلي ! إني قد عييت عن البكا . . . فهل ~~عند غيري عبرة أستعيرها ؟ فقلت له : يا عتبة إني وردت بمال جزيل أريد به ~~أهل الستر ، ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا . قم بنا إلى ~~مسجد الأنصار ، فقمنا حتى أشرفنا على مائهم فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت : ~~أيها الملأ ، ما تقولون في عتبة وأبيه ؟ قالوا : من سادات العرب ، قلت : ~~فإنه رمي بداهية من الهوى فأريد منكم المساعدة إلى السماوة ، قالوا : سمعا ~~وطاعة . وركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم ~~الغطريف بمكاننا فخرج مبادرا واستقبلنا وقال : حييتم يا كرام ! قلنا : وأنت ~~حييت ، إنا لك أضياف ، فقال : نزلتم بأكرم منزل . ثم نادى : يا معشر العبيد ~~انزلوا . فنزلت العبيد ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت النعم والغنم . فقلنا ~~: لسنا بذائقين طعامك حتى تقضي حاجتنا . قال : وما حاجتكم ؟ قلنا : نخطب ~~ابنتك الكريمة لعتبة بن الخباب بن المنذر العالي الفخر الطيب العنصر . فقال ~~: يا أخي إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها ، وأنا أدخل وأخبرها . ثم نهض ~~مغضبا ودخل إلى ريا فقالت : يا أبتي ! ما لي أرى الغضب بين عينيك ؟ فقال : ~~ورد علي قوم من الأنصار يخطبونك مني . فقالت : سادات كرام استغفر لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة فيهم ؟ قال : لفتى يعرف بعتبة بن الخباب ، ~~قالت : سمعت عن عتبة هذا أنه يقي بما وعد ويدرك ما طلب . قال : أقسمت لا ~~أزوجك به أبدا فقد نمى إلي بعض حديثك معه . قالت : ما كان ذلك ؟ قال : ولكن ~~أقسمت أني ما أزوجك به . قالت : أحسن إليهم فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا ~~، فأحسن الرد . قال : بأي شيء ؟ قالت : أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون . ~~قال : ما أحسن ما قلت . ثم خرج مبادرا . فقال : إن فتاة الحي قد أجابت ولكن ~~أريد لها مهر مثلها ، فمن القائم به ؟ قال عبد الله فقلت : أنا ! فقال : ~~أريد لها ألف سوار من ذهب أحمر ، وخمسة ms032 آلاف درهم من ضرب هجر ، ومائة ثوب ~~من الأبراد والحبر ، وخمسة أكرشة من العنبر . قال قلت : لك ذلك ، فهل أجبت ~~؟ قال : أجل . PageV01P044 فأنفذ عبد الله نفرا من الأنصار إلى المدينة ~~المنورة فأتوا بجميع ما ضمنه وذبحت النعم والغنم ، واجتمع الناس لأكل ~~الطعام . قال : فأقمنا على هذا لحال أربعين يوما . ثم قال : خذوا فتاتكم ~~فحملناها على هودج وجهزها بثلاثين راحلة من التحف ثم ودعنا وانصرف ، وسرنا ~~حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة المنورة مرحلة خرجت علينا خيل تريد الغارة ~~، وأحسب أنها من بني سليم ، فحمل عليها عتبة بن الخباب فقتل عدة رجال ~~وانحرف راجعا وبه طعنة ، ثم سقط إلى الأرض . وأتتنا النصرة من سكان تلك ~~الأرض فطردوا عنا الخيل ، وقد قضى عتبة نحبه ، فقلنا : وا عتبتاه ! فسمعنا ~~الجارية تقول وا عتبتاه ، فألقت نفسها من فوق البعير وانكبت عليه وجعلت ~~تصيح وتقول بحرقة : تصبرت لا أني صبرت ، وإنما . . . أعلل نفسي أنها بك ~~لاحقة ولو أنصفت روحي لكانت إلى الردى . . . أمامك من دون البرية سابقة فما ~~أحد بعدي وبعدك منصف . . . خليلا ، ولا نفس لنفس موافقة ثم شهقت شهقة قضت ~~نحبها . واحتفرنا لهما قبرا واحدا وواريناهما في التراب ، ورجعت إلى ديار ~~قومي وأقمت سبع سنين ، ثم عدت إلى الحجاز ووردت المدينة المنورة للزيارة ~~فقلت : لأعودن إلى قبر عتبة ، فأتيت إلى القبر ، فإذا شجرة عليها عصائب حمر ~~وصفر وخضر ، فقلت لأرباب المنزل : ما يقال لهذه الشجرة ؟ فقالوا : شجرة ~~العروسين ، فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت وكان آخر العهد به . # | العاشق الكتوم # ومثل ما تقدم من العشق وما ورد في كتمان الهوى مع تحقق النظر عند إعلانه ~~. ما حكي عن بعض المعمرين من ذوي النعم قال : بينما أنا في منزلي إذ دخل ~~علي خادم لي ومعه كتاب ، فقال : رجل بالباب دفع إلي هذا الكتاب ففتحته فإذا ~~فيه : تجنبك البلاء ، ونلت خيرا . . . ونجاك المليك من الغموم فعندك لو ~~مننت شفاء نفسي . . . وأعضاء ضنين من الكلوم فقلت : عاشق والله ، وقلت ~~للخادم : اخرج وائتني به ، فخرج فلم ير أحدا ms033 فعجبت من أمره وأحضرت الجواري ~~كلهن من يخرج منهن ومن لم يخرج منهن وسألتهن عن ذلك PageV01P045 فحلفن أنهن ~~لا يعرفن من حديث هذا الكتاب شيئا ، فقلت : إني لم أفعل ذلك بخلا بمن يهوى ~~منكن ، فمن عرفت بحال هذا الفتى ، فهي هبة مني له بمالها ومائة دينار . ~~وكتبت جوابه أشكره على ذلك وأسأله قبولها ووضعت الكتاب في جنب البيت ومائة ~~دينار ، وقلت : من عرف شيئا فليأخذه ، فمكث الكتاب والذهب أياما لا يأخذه ~~أحد ، فغمني ذلك ، وقلت : هذا قنع ممن يحبه بالنظر ، فمنعت من يخرج من ~~جواري من الخروج . فما كان إلا يوما أو بعض يوم إذ دخل علي الخادم ومعه ~~كتاب . وقال هذا من بعض أصدقائك بعث به إليك . فقلت : اخرج وائتني به . ~~فخرج فلم يجده ففتحت الكتاب فإذا فيه : ماذا أتيت إلى روح معلقة . . . عند ~~التراقي ، وحادي الموت حاديها حثثت حاديها ظلما ، فجد بها . . . في السير ~~حتى تخلت عن تراقيها والله لو قيل لي : تأتي بفاحشة . . . وإن عقباك دنيانا ~~وما فيها لقلت : لا والذي أخشى عقوبته . . . ولا بأضعافها ما كنت آتيها ~~لولا الحياء لبحنا بالذي سكنت . . . بيت الفؤاد وأبدينا أمانيها قال : ~~فغمني أمره فقلت للخادم : لا يأتينك أحد بكتاب إلا قبضنا عليه . قال : وقرب ~~موسم الحج . قال : فبينما أنا قد أفضت من عرفة ، وإذا فتى إلى جانبي على ~~ناقة لم يبق منه إلا الخيال ، فسلم علي فرددت عليه السلام ورحبت به ، فقال ~~: أتعرفني ؟ فقلت : وما أنكرك بسوء . فقال : أنا صاحب الكتابين . فانكببت ~~عليه فقلت له : يا أخي لقد غمني أمرك وأقلقني كتمانك لنفسك ووهبت لك طلبك ~~ومائة دينار . فقال : بارك الله لك إنما أتيتك مستحلا من نظر كنت أنظره على ~~غير حكم الكتاب والسنة . فقلت : غفر الله لك وللجارية فسر معي إلى منزلي ~~لأسلمها إليك ومائة دينار مثلها في كل سنة . فقال : لا حاجة لي بذلك . ~~فألححت عليه فلم يفعل . فقلت له : أما إذا أبيت فعرفني من هي من جواري ~~لأكرمها من أجلك ما حييت . فقال : ما كنت لأسميها لأحد ms034 . وودعني وانصرف ~~وكان آخر العهد به . انتهى . PageV01P046 # | تولية الحجاج للعراق # ونعود إلى الكلام على ما وقع في زمان عبد الملك بن مروان . روي أنه لما ~~ولي الحجاج الحرمين الشريفين حظي عنده إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما أراد ~~الحجاج الرجوع إلى الشام إلى عبد الملك بن مروان ، وفد معه إبراهيم بن محمد ~~بن طلحة وقال : أتيتك برجل الحجاز في الشرف والأبوة والفضل والمروءة يا ~~أمير المؤمنين ، مع ما هو عليه من حسن الطاعة وجميل المناصحة ، والله لم ~~يكن في الحجاز له نظير ، فبالله عليك يا أمير المؤمنين ، إلا فعلت معه من ~~الخير ما هو مستحقه ؟ فقال عبد الملك : من هو يا أبا محمد ؟ قال له : ~~إبراهيم بن محمد بن طلحة . قال : يا أبا محمد لقد ذكرتنا بحق واجب ائذن له ~~في الدخول . فلما دخل على عبد الملك أمر بجلوسه في صدر المجلس ثم قال : إن ~~أبا محمد الحجاج ذكر لنا ما نعرفه من كمال مروءتك وحسن نصيحتك ، فلا تدع في ~~صدرك حاجة إلا أعلمتنا بها حتى نقضيها لك ولا نضيع شكر أبي محمد الحجاج فيك ~~. قال إبراهيم : إن الحاجة التي نبغي بها وجه الله تعالى والتقرب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في القيامة نصيحة أمير المؤمنين . قال : قل ! قال : لا ~~أقولها وبيني وبينك ثالث . قال : ولا صديقك الحجاج ؟ قال : لا . قال : قم . ~~فقام خجلا وهو لا يعرف أين تطأ رجله ، فلما مضى قال له : هات نصيحتك . فقال ~~إبراهيم : يا أمير المؤمنين ، وليت الحجاج الحرمين الشريفين وفيهما من تعرف ~~من أولاد المهاجرين والأنصار وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما ~~تعلمه من ظلمه وفسقه وجوره وبعده من الحق وقربه إلى الباطل ، يسومهم الخسف ~~ويطؤهم بالعسف ، فليت شعري أي جواب أعددته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~إذا سألك الله في عرصات القيامة عن ذلك ؟ فبالله عليك يا أمير المؤمنين ، ~~إلا عزلته وادخرتها قربة إلى الله تعالى . فقال عبد الملك : لقد ظن الحجاج ~~الخير بغير أهله ، ثم قال : يا ms035 إبراهيم ! قم . فقمت على أنحس حال وخرجت من ~~المجلس ، وقد اسودت الدنيا في وجهي فتبعني PageV01P047 حاجبه وقبض على زندي ~~وجلس بي في الدهليز ، ثم دعا عبد الملك بالحجاج . فدخل فمكث طويلا فما شككت ~~إلا أنهما يتشاوران في قتلي . ثم دعاني فقمت ودخلت فوافاني الحجاج خارجا ~~فعانقني ، وقال : جزاك الله عني خيرا في هذه النصيحة ، أما والله لئن عشت ~~لأرفعن قدرك . وتكرني وخرج ودخلت وأنا أقول : يهزأ بي ، وهو معذور ، فدخلت ~~على عبد الملك فأجلسني مجلسي الأول ثم قال لي : قد علمت صدقك وقد عزلته عن ~~الحرمين ووليته العراق وأعلمته أنك استقللت له الحجاز واستدعيت له العراق ، ~~وأنك تطلب له الزيادة في الأعمال وهو يظن أنك السبب في توليته العراق ، وقد ~~تهلل وجهه فرحا لذلك ، فسر معه أينما توجه يولك خيرا ، ولا تقطع نصيحتك عنا ~~والله أعلم . # | كيف ولد الحجاج # وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة وغيرهما . أن أم الحجاج ابن يوسف ~~وهي الفارعة بنت همام . ولدته مشوها لا دبر له فثقب دبره ، وأبى أن يقبل ~~ثدي أمه وغيرها فأعياهم أمره ، فيقال : إن الشيطان تصور لهم في صورة الحرث ~~بن كلدة ، فقال : ما خبركم ؟ فقالوا : ولد ليوسف الثقفي من الفارعة ولد وقد ~~أبى أن يقبل ثدي أمه فقال : اذبحوا له تيسا أسود والعقوه دمه ثم اذبحوا له ~~أسود سالخا ، وأولغوه من دمه واطلوا به وجهه ثلاثة أيام ففعلوا فقبل الثدي ~~في اليوم الرابع فكان لا يصبر عن سفك الدم وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره ~~، انتهى . PageV01P048 # | الحجاج والأعرابي # وحكي أن الحجاج انفرد يوما من عسكره فلقي أعرابيا فقال له : يا وجه العرب ~~، كيف الحجاج ؟ فقال : ظالم غاشم . قال : هلا شكوته إلى عبد الملك بن مروان ~~؟ قال : أظلم وأغشم عليهما لعنة الله . فبينما هو كذلك إذ تلاحقت به عساكره ~~فعلم الأعرابي أنه الحجاج فقال الأعرابي : أيها الأمير السر الذي بيني ~~وبينك لا يطلع عليه أحد إلا الله . فتبسم الحجاج وأحسن إليه وانصرف . # | الحجاج والفتى المحدث # وذكر أهل التواريخ أن الحجاج بن يوسف ms036 الثقفي سهر ليلة وعنده جماعة منهم ~~خالد بن عرفطة فقال : يا خالد ائتني بمحدث من المسجد . والناس إذ ذاك ~~يطلبون المقام في المسجد . فانتهى إلى شاب قائم يصلي فجلس حتى سلم ثم قال : ~~أجب الأمير . فقال : أبعثك الأمير إلي قاصدا . قال : نعم فمضى معه حتى ~~انتهى إلى الباب فقال له خالد : كيف أنت ومحادثة الأمير . قال : سيجدني كما ~~يحب إن شاء الله تعالى . فلما دخل عليه قال له الحجاج : هل قرأت القرآن ؟ ~~قال : نعم وقد حفظته . قال : فهل تروي شيئا من الشعر . قال : وما من شاعر ~~إلا وأروي عنه ؟ قال : فهل تعرف من أنساب العرب ووقائعها ؟ قال : لا يذهب ~~عني شيء من ذلك . فلم يزل يحدثه بكل ما أحب حتى إذا هم بالانصراف ، قال : ~~يا خالد ، مر للفتى ببرذون وغلام ووصيفة وأربعة آلاف درهم . فقال الفتى : ~~أصلح الله الأمير بقي من حديثي أظرفه وأعجبه فأعاده الحجاج إلى مجلسه وقال ~~: حدثني . فقال : أصلح الله الأمير هلك والدي وأنا طفل صغير فنشأت في حجر ~~عمي وله ابنة بسني ، وكان في التصابي من الصبا وما كنا فيه أعجوبة ، حتى ~~إذا بلغت وبلغت تنافس PageV01P049 الخطاب فيها وبذلوا فيها أموالا لجمالها ~~وكمالها ، فلما رأيت ذلك خامرني السقم ، وضنيت ورميت على الفراش ثم عمدت ~~إلى خابية عظيمة فملأتها رملا وصخرا وقبرت رأسها ودفنتها تحت فراشي ، فلما ~~تم على ذلك أيام بعثت إلى عمي فقلت : يا عمي ، إني كنت أريد السفر فوقعت ~~على مال عظيم وخفت أن أموت ولا يعلمه أحد فإن حدث بي أمر فأخرجه وأعتق عني ~~عشر نسمات واحجج عني عشر حجج ، وجهز عني عشر رجال بخيولهم وأسلحتهم ، وتصدق ~~عني بألف دينار ، ولا تبال يا عم ! فإن المال كثير . فلما سمع عمي مقالتي ~~أتى امرأته فأخبرها بقولي فما كان بأسرع من أن أقبلت بجواريها حتى دخلت علي ~~فوضعت يدها على رأسي ثم قالت : والله يا ابن أخي ما علمت بسقمك وما حل بك ~~حتى أخبرني أبو فلان الساعة . وأقبلت تلاطفني وتعالجني بالأدوية وحملت لي ~~لطائف ms037 ، وردت الخطاب عن ابنتها ، فلما رأيت ذلك تحاملت ثم بعثت إلى عمي أن ~~الله عز وجل قد أحسن إلي وعافاني فابتغ لي جارية من خصالها وكمالها كيت ~~وكيت ، ولا يسألونك شيئا إلا أعطيته ، فقال : يا ابن أخي ما يمنعك من ابنة ~~عمك ؟ فقلت : هي من أعز خلق الله تعالى علي غير أني قد خطبتها قبل ذلك ~~فامتنعت . قال : كلا ، إن الامتناع كان من قبل أمها ، وهي الآن قد سمحت ~~ورضيت بذلك . فقلت : شأنك . فرجع إلى امرأته فأخبرها بقولي ، فجمعت عشيرتها ~~فزوجوني إياها فقلت : عجل علي بابنة عمي كيف شئت ثم أريك الخابية . فأهديت ~~إلي ، ولم تدع شيئا يصنع بأشراف النساء إلا فعلته . ثم زفت ابنتها علي ~~وأحضرتها بكل ما وجدت إليه سبيلا ، وأخذ عمي متاعا من التجار بعشرة آلاف ~~درهم ، وكان يأتينا في كل صباح من قبل أبويها لطائف وتحف مدة . فلما كان ~~بعد ذلك بأيام أتاني عمي وقال : يا ابن أخي ، إنا قد أخذنا من التجار متاعا ~~بعشرة آلاف درهم ، وليسوا صابرين على حبس الثمن . قلت : شأنك والخابية . ~~فمر مسرعا حتى جاء بالرجال والحبال فاستخرجها وحملها ، ومر مسرعا بها إلى ~~منزله ، فلما فتحها كان فيها ما علمت ، فما كان بأسرع من أن جاءت أمها ~~بجواريها فلم تدع في منزلي كثيرا ولا قليلا إلا حملته ، فبقيت مهانا على ~~الأرض وجفتنا كل الجفاء ، فهذا حالي ، أصلح الله الأمير ، فأنا من خجلي ~~وضيق صدري آوي إلى المساجد . PageV01P050 فقال الحجاج : يا خالد ، مر للفتى ~~بثياب ديباج وفرس أرمنية وجارية وبرذون وغلام وعشرة آلاف درهم . وقال : يا ~~فتى اغد إلى خالد غدا حتى تستوفي منه المال . فخرج الفتى من عند الحجاج ، ~~قال : فلما انتهيت إلى باب داري سمعت ابنة عمي تقول : ليت شعري ما أبطأ ~~بابن عمي ، أقتل أم مات أم عرض له سبع ؟ قال : فدخلت عليها وقلت : يا ابنة ~~عمي أبشري وقري عينا فإني أدخلت على الحجاج فكان من القصة كيت وكيت . وحكيت ~~لها ما كان من أمري ، فلما سمعت الفتاة مقالتي لطمت ms038 وجهها وصاحت ، فسمع ~~أبوها وأمها وأخواتها صراخها فدخلوا عليها وقالوا لها : ما شأنك ؟ فقالت ~~لأبيها : لا وصل الله رحمك ولا جزاك عني وعن ابن أخيك خيرا جفوته وضيعته ~~حتى أصابته الخفة وذهب عقله اسمع مقالته . فقال العم : يا ابن أخي ما حالك ~~؟ فقلت : والله ما بي من بأس إلا أني دخلت على الحجاج وذكر له من أمره ما ~~كان وأنه أمر له بمال جزيل . فقال العم لما سمع مقالته : هذه مرة صفراء ~~ثائرة فباتوا يحرسونه تلك الليلة فلما أصبحوا بعثوا إلى المعالج فجعل ~~يعالجه ويسعطه مرة ويسهله أخرى ، فيقول الفتى : والله ما بي من بأس وإنما ~~أدخلت على الحجاج فكان كيت وكيت . فلما رأى الفتى أن ذكر الحجاج لا يزيده ~~إلا بلاء كف عنه وعن ذكره ثم قال له : ما تقول في الحجاج ؟ قال : ما رأيته ~~. ثم خرج المعالج فقال لهم قد ذهب عنه الأذى ولكن لا تعجلوا بحل قيده فبقي ~~الفتى مقيدا مغلولا . فلما كان بعد أيام ذكره الحجاج فقال : يا خالد ما فعل ~~الفتى ؟ فقال : أصلح الله الأمير ما رأيته منذ خرج من حضيرة الأمير . قال : ~~فابعث إليه أحدا . قال : فبعث إليه خالد حرسيا ، فمر الحرسي على عم الفتى ~~فقال له : ما فعل ابن أخيك ؟ فإن الحجاج يطلبه . قال : إن ابن أخي لفي شغل ~~عن الحجاج قد ابتلى ببلاء في عقله . قال : لا أدري ما تقول ، لا بد من ~~الذهاب به الساعة . فدخل عليه العم فقال : يا ابن أخي ، إن الحجاج قد بعث ~~في طلبك أفأحلك ؟ قال : لا ، إلا بين يديه . PageV01P051 فحمل في قيوده ~~وغله على ظهور الرجال حتى أدخل على الحجاج . فلما نظره من بعد جعل يرحب به ~~حتى انتهى إليه فكشف قيده وغله وقال : أصلح الله الأمير ، إن آخر أمري أعجب ~~من أوله ، وحدثه بحديثه فعجب الحجاج وقال : يا خالد ، أضعف للفتى ما كنا قد ~~أمرنا له ، فقبض المال أجمع وحسن حاله ولم يزل مسامرا للحجاج حتى مات . ؟ # | الأعرابي وحلوى الحجاج # وحضر أعرابي عند الحجاج فقدم ms039 الطعام فأكل الناس منه ثم قدمت الحلوى فترك ~~الحجاج الأعرابي حتى أكل منها لقمة ثم قال : من أكل من الحلوى ضربت عنقه ، ~~فامتنع الناس من أكلها وبقي الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرة وإلى الحلوى مرة ~~ثم قال : أيها الأمير أوصيك بأولادي خيرا . ثم اندفع يأكل فضحك الحجاج حتى ~~استلقى على قفاه وأمر له بصلة . # | علموا أولادكم الأدب # وحكي أن الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب ~~عنقه . فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان يتمايلون وعليهم أثر الشراب ، فأحاط بهم ~~وقال لهم : من أنتم حتى خالفتم الأمير ؟ فقال الأول : أنا ابن من دانت ~~الرقاب له . . . ما بين مخزومها وهاشمها تأتي إليه الرقاب صاغرة . . . يأخذ ~~من مالها ومن دمها فأمسك عن قتله ، وقال : لعله من أقارب أمير المؤمنين ، ~~وقال الثاني : أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره . . . وإن نزلت يوما فسوف ~~تعود ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره . . . فمنهم قيام حولها وقعود فأمسك عن ~~قتله وقال : لعله من أشراف العرب ، وقال الثالث : أنا ابن الذي خاض الصفوف ~~بعزمه . . . وقومها بالسيف حتى استقامت ركاباه لا تنفك رجلاه منهما . . . ~~إذا الخيل في يوم الكريهة ولت PageV01P052 فأمسك عن قتله وقال : لعله من ~~شجعان العرب . فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف عن حالهم ، ~~فإذا الأول ابن حجام ، والثاني ابن فوال ، والثالث ابن حائك . فتعجب الحجاج ~~من فصاحتهم وقال لجلسائه : علموا أولادكم الأدب ، فوالله لولا الفصاحة ~~لضربت أعناقهم ، ثم أطلقهم وأنشد : كن ابن من شئت واكتسب أدبا . . . يغنيك ~~محموده عن النسب ن الفتى من يقول : ها أنا ذا ! . . . ليس الفتى من يقول : ~~كان أبي # | الحجاج والأسرى # وقيل : أمر الحجاج بقتل أسرى . فقتل منهم جماعة ، فقال رجل منهم وقد عرض ~~للقتل : يا حجاج . إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو ، والله تعالى ~~يقول : ' فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ' . فهذا قول الله تعالى في الكفار فكيف ~~بالمسلمين . وقد قال الشاعر ms040 : وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم . . . إذا أثقل ~~الأعناق حمل المغارم فقال الحجاج : أف لهؤلاء الجيف والله لو قال هؤلاء مثل ~~ما قال هذا الرجل ما قتلت منهم أحدا ولكن أطلقوا بقيتهم . PageV01P053 # | الحجاج والمرأة الحرورية # قال الرواي : ولما ولي الحجاج العراق قال : علي بالمرأة الحرورية . فلما ~~حضرت قال لها : كنت بالأمس في وقعة ابن الزبير تحرضين الناس على قتل رجالي ~~ونهب أموالي ؟ قالت : نعم . قد كان ذلك يا حجاج . فلتفت الحجاج إلى وزرائه ~~وقال : ما ترون في أمرها ؟ فقالوا : عجل بقتلها . فضحكت المرأة فاغتاظ ~~الحجاج وقال : ما أضحكك ؟ قالت : وزراء أخيك فرعون خير من وزرائك هؤلاء . ~~قال : وكيف ذلك ؟ قالت : لأنه استشارهم في موسى فقالوا : ' أرجه وأخاه ' ، ~~أي أنظره إلى وقت آخر ، وهؤلاء يسألونك تعجيل قتلي . فضحك الحجاج وأمر لها ~~بعطاء وأطلقها . # | الحجاج وهند بنت النعمان # وحكي أن هند بنت النعمان كانت أحسن نساء زمانها . فوصف للحجاج حسنها ~~فخطبها وبذل لها مالا جزيلا وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف ~~درهم ودخل بها . ثم أنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المعرة . وكانت هند ~~فصيحة أديبة ، فأقام بها الحجاج بالمعرة مدة طويلة . ثم إن الحجاج رحل بها ~~إلى العراق فأقامت معه ما شاء الله ، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر ~~في المرآة ، وتقول : وما هند إلا مهرة عربية . . . سلالة أفراس تحللها بغل ~~فإن ولدت فحلا فلله درها . . . وإن ولدت بغلا فجاء به البغل فلما سمع ~~الحجاج كلامها انصرف راجعا ولم يدخل عليها . ولم تكن علمت به ، فأراد ~~الحجاج طلاقها ، فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر وأنفذ لها معه مائتي ألف ~~درهم ، وهي التي كانت لها عليه ، وقال : يا ابن طاهر ، طلقها بكلمتين ، ولا ~~تزد عليهما . فدخل عبد الله بن طاهر عليها فقال لها : يقول لك أبو محمد ~~الحجاج كنت فبنت . وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله . PageV01P054 ~~فقالت : اعلم يا ابن طاهر ، إنا والله كنا فما حمدنا ، ثم بنا فما ندمنا ~~وهذه المائتا ألف هي لك ببشارتك ms041 بخلاصي من كلب ثقيف . ؟ ثم بعد ذلك بلغ ~~أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها ، ووصف له جمالها ، فأرسل إليها ~~يخطبها لنفسه ، فأرسلت إليه كتابا تقول فيه بعد الثناء عليه : اعلم يا أمير ~~المؤمنين ، أن الكلب ولغ في الإناء . فلما قرأ عبد الملك بن مروان الكتاب ~~ضحك من قولها ، وكتب إليها يقول : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ~~سبعا ، إحداهن بالتراب ، فغسل الإناء يحل الاستعمال . فلما قرأ كتاب أمير ~~المؤمنين ، لم يمكنها المخالفة فكتبت إليه تقول : بعد الثناء عليه ، اعلم ~~يا أمير المؤمنين أني لا أجري العقد إلا بشرط ، فإن قلت : ما الشرط ؟ أقول ~~: أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدتك التي أنت فيها ويكون ماشيا ~~حافيا بحليته التي كان فيها أولا . فلما قرأ ذلك الكتاب عبد الملك ضحك ضحكا ~~شديدا ، وأرسل إلى الحجاج يأمره بذلك . فلما قرأ الحجاج رسالة أمير ~~المؤمنين أجاب ولم يخالف وامتثل الأمر . وأرسل الحجاج إلى هند يأمرها ~~بالتجهز فتجهزت وسار الحجاج في موكبه حتى وصل إلى المعرة بلد هند . فركبت ~~في محمل وركب حولها جواريها وخدمها فترجل الحجاج ، وهو حاف ، وأخذ بزمام ~~البعير يقوده ويسير بها ، فأخذت تهزأ منه وتضحك مع الهيفاء دابتها ، ثم ~~إنها قالت لدايتها : يا دايتي اكشفي لي ستارة المحمل لنشم رائحة النسيم ! ~~فكشفته فوقع وجهها في وجهه فضحكت عليه ، فأنشد يقول : فإن تضحكي يا هند يا ~~رب ليلة . . . تركتك فيها كالقباء المفرج فأجابته تقول : وما نبالي إذا ~~أرواحنا سلمت . . . بما فقدناه من مال ومن نشب فالمال مكتسب والعز مرتجع . ~~. . إذا النفوس وقاها الله من عطب ولم تزل تلعب وتضحك إلى أن قربت من بلد ~~الخليفة فلما قربت من البلد رمت من يدها دينارا على الأرض وقالت : يا جمال ~~! إنه سقط منا درهم فادفعه إلينا . فنظر الحجاج إلى الأرض فلم ير إلا ~~دينارا فقال : إنما هو دينار . فقالت : بل درهم . قال : بل دينار . فقالت : ~~الحمد لله سقط منا درهم فعوضنا الله دينارا . فخجل الحجاج وسكت ولم يرد ~~جوابا ثم دخل ms042 بها على عبد الملك بن مروان فتزوج بها وكان من أمرها ما كان . ~~PageV01P055 # | الحجاج وقتله لسعيد بن جبير # قال عون بن أبي شداد العبدي بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن ~~جبير أرسل قائدا من الشام يسمى المتلمس بن الأحوص ومعه عشرون رجلا ، فبينما ~~هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له فسألوه عنه فقال الراهب : صفوه ؟ ~~فوصفوه ، فدلهم عليه ، فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي ربه بأعلى صوته ، فدنوا ~~منه وسلموا عليه ، فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد عليهم السلام ، فقالوا ~~له : أرسل الحجاج إليك فأجبه . فقال : لا بد من الإجابة ؟ قالوا : لا بد . ~~فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قام فمشى معهم ~~حتى انتهى إلى دير الراهب ، فقال الراهب : يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم ؟ ~~قالوا : نعم ! قال : اصعدوا إلى الدير فإن الأسد واللبوة يأويان إلى الدير ~~، فعجلوا الدخول قبل المساء . ففعلوا ذلك وأبى سعيد أن يدخل الدير ، فقالوا ~~: ما نراك ألا تريد الهرب ؟ قال : لا ، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا . ~~قالوا : فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك ؟ قال سعيد : إن معي ربي يصرفها عني ~~ويجعلها حرسا لي من كل سوء إن شاء الله تعالى . قالوا : أفأنت نبي من ~~الأنبياء ؟ قال : ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله خاطئ مذنب . ~~قالوا : احلف لنا أنك لا تبرح ؟ فحلف لهم ، فقال لهم الراهب : اصعدوا الدير ~~وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول علي في ~~الصومعة . فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة أقبلت ودنت من سعيد وتحككت ~~وتمسحت به ، ثم ربضت قريبا منه ، ثم أقبل الأسد فصنع مثل ذلك . فلما رأى ~~الراهب ذلك ، وأصبحوا ، نزل إليه وسأله عن شرائع الإسلام وسنن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ففسر سعيد ذلك كله ، فأسلم الراهب وحسن إسلامه . وأقبل ~~القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه ~~بالليل وصلى عليه وقالوا : يا سعيد ، حلفنا للحجاج بالطلاق ms043 إن نحن رأيناك ~~لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت ؟ قال : امضوا لشأنكم ، فإنه لا بد ~~من الرجوع لخالقي ولا راد لقضائه . PageV01P056 فساروا حتى وصلوا واسط فلما ~~انتهوا قال لهم سعيد : يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن ~~أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت ، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت وأستعد ~~لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب ، فإذا أصبحتم ~~فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون . فقالوا لبعضهم : لا نريد ثرا ~~بعد عين . وقال بعضهم : قد بلغتم أمنيتكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا ~~تعجزوا عنه . فقال بعضهم : هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله . فنظروا إلى ~~سعيد فدمعت عيناه واغبر لونه ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك مذ لقوه . فقالوا ~~بأجمعهم : يا خير أهل الأرض ، ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك الويل لنا كيف ~~ابتلينا ، ما عذرنا عند خالقنا يوم المحشر الأكبر والمجاوبة له ؟ وقال ~~كفيله : أسألك يا سعيد بالله ألا ما زودتنا من دعائك وكلامك ، فأنا لا ألقى ~~مثلك أبدا ؟ فدعا لهم سعيد ثم خلو سبيله ، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم ~~مختفون في الليل كله ، فلما انكشف عمود الصبح جاءهم سعيد ابن جبير فقرع ~~الباب فقالوا : صاحبكم ورب الكعبة ، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلا ، ثم ~~ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير ~~. فلما مثل بين يديه قال : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير . قال : أنت شقي ~~بن كسير ؟ قال : بل أمي كانت أعلم باسمي منك ؟ قال : شقيت أنت وشقيت أمك . ~~قال : الغيب يعلمه غيرك . قال : لأبدلنك بالدنيا نارا . قال : لو علمت أن ~~ذلك بيدك لاتخذتك إلها . قال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبي الرحمة . قال ~~: فما قولك في علي ، أفي الجنة أم في النار ؟ قال : لو دخلتهما وعرفت ~~أهلهما عرفت من فيهما . قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل ~~. قال : فأيهم أحب إليك ؟ قال : أرضاهم لخالقي . قال : فأيهم أرضى للخالق ؟ ~~قال : علم ذلك ms044 عند الذي يعلم سرهم ونجواهم . قال : فما بالك لا تضحك ؟ قال ~~: أيضحك مخلوق خلق من الطين ، والطين تأكله النار . PageV01P057 قال : فما ~~بالنا نضحك ؟ قال : لم تستو القلوب . قال : ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد ~~والياقوت فوضعه بين يديه . فقال سعيد : إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع ~~يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، ولا خير في ~~شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا . ثم دعا الحجاج بآلات اللهو . فبكى سعيد . ~~فقال الحجاج : ويلك يا سعيد اختر أي قتلة تريد ؟ قال : اختر لنفسك يا حجاج ~~فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة . قال : أفتريد أن ~~أعفو عنك ؟ قال : إن كان العفو من الله بلى ، وأما أنت فلا . قال : اذهبوا ~~به فاقتلوه . فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال : ما ~~أضحكك ؟ قال : عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك . فأمر بالنطع فبسط ~~بين يديه وقال : اقتلوه ! قال : ' وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين ' . قال : وجهوه لغير القبلة . قال سعيد : ' فأينما ~~تولوا فثم وجه الله ' . قال : كبوه لوجهه ، فقال سعيد : ' منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ' . فقال الحجاج : اذبحوه . فقال سعيد ~~: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله : اللهم لا تسلطه ~~على أحد يقتله بعدي . فذبح على النطع ، رحمه الله تعالى . فكان رأسه بعد ~~قطعه يقول لا إله إلا الله . وعاش الحجاج بعدها خمسة عشر يوما . وذلك في ~~سنة خمس وتسعين وكان عمر سيعد رضي الله عنه تسعا وأربعين سنة ، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . PageV01P058 # | خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان # كان يختم القرآن في ثلاث وكان يختم في رمضان سبع عشرة ختمة . قال إبراهيم ~~بن علية : كان يعطيني أكياس الدنانير أقسمها في الصالحين ، وكان يقول : ~~لولا أن الله عز وجل ذكر اللواط في كتابه العزيز ، ما ظننت أن أحدا يفعله . ~~قال الحافظ ابن عساكر : كان الوليد عند أهل ms045 الشام من أفضل خلفائهم ، بني ~~المسجد بدمشق وفرض للمجذومين ما يكفيهم وقال : لا تسألوا الناس ، وأعطى كل ~~مقعد خادما وكل أعمى قائدا . وذكر أن جملة ما أنفق على المسجد الأموي ~~أربعمائة صندوق ، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار . وكان فيه ستمائة ~~سلسلة ذهب للقناديل ، وما كمل بناءه إلا أخوه سليمان لما ولي الخلافة وفعل ~~خيرات كثيرة وآثارا حسنة ، وبعد هذا كله فقد روي أن عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه قال : لما أدرج في أكفانه وغلت يداه إلى عنقه ، نسأل الله العفو ~~والعافية في الدنيا والآخرة ، ونسأله حسن الخاتمة . PageV01P059 # | خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان # فما يذكر من محاسنه : أن رجلا دخل عليه فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك ~~الله والأذان ، فقال سليمان : أما أنشدك الله فقد عرفناه ، فما الأذان ؟ ~~قال : قوله تعالى : ' فأذن مؤذن بينهم : أن لعنة الله على الظالمين ' . ~~فقال سليمان : ما ظلامتك ؟ قال : ضيعتي الفلانية غلبني عليها عاملك فلان . ~~فنزل سليمان عن سريره ورفع البساط ووضع خده على الأرض وقال : والله لا رفعت ~~خدي من الأرض حتى يكتب له برد ضيعته . فكتب الكتاب وهو واضع خده على الأرض ~~ولما سمع كلام ربه الذي خلقه وخوله في نعمه خشي من لعن الله وطرده ، رحمه ~~الله . # | صفات سليمان بن عبد الملك # قيل : أنه أطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة ألف نفس ما بين رجل وامرأة ، ~~وصادر آل الحجاج واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيرا ومشيرا ، وكان شرها ~~في الأكل ، نكاحا . قال ابن خلكان في ترجمته : أنه كان يأكل كل يوم نحو ~~مائة رطل شامي . قال محمد بن سيرين رحمه الله : سليمان افتتح خلافته بخير ~~وختمها بخير ، افتتحها بإقامة الصلاة لمواقيتها الأولى وختمها باستخلافه ~~لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه . PageV01P060 # | سليمان والذلفاء # وقال أبو سويد : حدثني أبو زيد الأسدي قال : دخلت على سليمان بن عبد ~~الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر فيوسط ~~بستان ملتف قد أثمر وأينع ، على رأسه وصائف كل ms046 واحدة منهم أحسن من صاحبتها ~~، وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت ~~فقلت : السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته . وكان مطرقا فرفع رأسه ~~وقال : يا أبا زيد ! في مثل هذا الحين تصالحنا . فقلت : أصلح الله الأمير ~~أو قامت القيامة ؟ قال : نعم على أهل المحبة . ثم أطرق مليا ورفع رأسه وقال ~~: يا أبا زيد : ما يطيب في يومنا هذا ؟ قلت : أعز الله الأمير قهوة حمراء ~~في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء ملفوفة لفاء أشربها من كفها وأمسح فمي ~~بخدها . فأطرق سليمان مليا لا يرد جوابا تتحدر من عينيه عبرات بلا شهيق ~~فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه ، ثم رفع رأسه فقال : يا أبا زيد حضرت في ~~يوم انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما ~~أثار هذه الصفة من قلبك ؟ قلت : نعم أيها الأمير ، كنت جالسا على باب أخيك ~~سعد بن عبد الملك ، فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال ~~انفلتت من شبكة صياد عليها قميص سكب إسكندراني يبين منها بياض ثدييها ~~وتدوير سرتها ونقش تكتها ، وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها ~~على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان حقويها ، ولها صدغان كأنهما نونان وحاجبان ~~قد قوسا على محاجر عينيها ، وعينان مملؤتان سحرا ، وأنف كأنه قصبة بلور ، ~~وفم كأنه جرح يقطر دما ، وهي تقول : عباد الله من لي بدواء من لا يسلو ~~وعلاج من لا يسمو ؟ طال الحجاب ، وأبطأ الجواب ، فالقلب طائر ، والعقل عازب ~~، والنفس والهة ، والفؤاد مختلس ، والنوم محتبس ، رحمة الله على قوم عاشوا ~~تجلدا وماتوا كمدا ، ولو كان إلى الصبر حيلة ، وإلى العزاء سبيل ، لكان ~~أمرا جميلا . ثم أطرقت مليا ورفعت رأسها فقلت : أيتها الجارية إنسية أم ~~جنية سماوية أم أرضية ؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك وأذهلني حسن منطقك . فسترت ~~وجهها بكفها كأنها لم ترني ثم قالت : اعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد ~~بلا مساعد والمقاساة لصعب معاند . PageV01P061 ثم انصرفت فوالله أصلح الله ~~الأمير ما أكلت طيبا إلا ms047 غصصت به لذكرها وما رأيت حسنا إلا سمج في عيني ~~لحسنها . فقال سيلمان : يا أبا زيد ، كاد الجهل يستفزني ، والصبا يعاودني ، ~~والحلم يعزب عني لشجو ما سمعت . اعلم يا أبا زيد أن تلك الجارية التي ~~رأيتها هي الذلفاء التي قيل فيها : كأنما الذلفاء ياقوتة . . . قد أخرجت من ~~كيس دهقان شراؤها على أخي بألف ألف درهم ، وهي عاشقة لمن باعها والله إن ~~مات إنما يموت بحبها ، ولا يدخل القبر إلا بغصتها ، وفي الصبر سلوة وفي ~~توقع الموت هيبة ، قم يا أبا زيد في دعة الله ، يا غلام ! ثقله ببدرة . ~~فأخذتها وانصرفت . قال : فلما أفضت الخلافة له صارت إليه الذلفاء فأمر ~~بفسطاط فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء موثقة زهراء ذات حدائق ~~بهجة تحتها أنواع الزهر من أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع ، وكان لسليمان ~~مغن يقال له سنان ، كان به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضر فسطاطه بالقرب منه ~~. فكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه فلم يزل في أكل وشرب ~~وسرور وأتم حبور إلى أن انصرف شيء من الليل فذهب إلى فسطاطة ، وذهب سنان ~~أيضا فنزل به جماعة من إخوانه فقالوا له : تزيد قرى أصلحك الله ؟ قال : وما ~~قراكم ؟ قالوا : أكل وشرب وسماع . قال : أما الأكل والشرب فمباحان لكم ، ~~وأما السماع فقد عرفتم غيرة أمير المؤمنين ونهيه إلا ما كان في مجلسه . ~~قالوا : لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا . قال : فاختاروا صوتا ~~واحدا أغنيكموه . قالوا : غننا بصوت كذا وكذا . قال : فشرع يتغنى بهذه ~~الأبيات : محجوبة سمعت صوتي فأرقها . . . من آخر الليل لما نبه السحر في ~~ليلة البدر ما يدري مضاجعها . . . أوجهها عنده أم عنده القمر لم يحجب الصوت ~~حراس ولا غلق . . . فدمعها لطروق الصوت ينحدر PageV01P062 لو مكنت لمشت ~~نحوي على قدم . . . تكاد من لينها في المشي تنفطر قال : فسمعت الذلفاء صوت ~~سنان . فخرجت إلى صحن الفسطاط ، فجعلت لا تسمع شيئا من حسن خلق ولطافة إلا ~~رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها فحرك ذلك ساكنا ms048 في قلبها ، فهملت عيناها وعلا ~~نحيبها ، فانتبه سليمان . فلم يجدها معه فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على ~~تلك الحالة ، فقال : ما هذا يا ذلفاء ؟ فقالت : ألا رب شخص رائع ومشوه . . ~~. قبيح المحيا واضع الأب والجد يروعك منه صوته ولعله . . . إلى أمة يعزى ~~معا وإلى عبد فقال سليمان : دعيني من هذا المحال ، فوالله خامر قلبك منه . ~~يا غلام : علي بسنان . فدعت الذلفاء خادما لها وقالت له : إن سبقت رسول ~~أمير المؤمنين إلى سنان فحذرته ، فلك عشرة آلاف درهم ، وأنت حر لوجه الله ~~تعالى . فخرج الرسولان فسبق رسول أمير المؤمنين فلما أتى به قال : يا سنان ~~، ألم أنهك عن مثل هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، حملين الشمول ، وأنا عبد ~~أمير المؤمنين وغرس نعمته ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عني فليفعل . ~~قال : قد عفوت عنك ، ولكن أما علمت أن الفرس إذا صهل ودقت له الحجرة ، وأن ~~الفحل إذا هدر ضبعت له الناقة ، ون الرجل إذا تغنى صغت إليه المرأة ، وإياك ~~والعود إلى ما كان منك فيطول غمك ، انتهى . جابر PageV01P063 # | عثرات الكرام # قيل : كان في أيام سليمان رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد ، كان له ~~مروءة ظاهرة ونعمة حسنة وفضل وبر بالإخوان ، فلم يزل على تلك الحالة حتى ~~قعد به الدهر فاحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم وكان يؤاسيهم ، ~~فواسوه ثم ملوه ، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه ، فقال لها ~~: يا ابنة عمي ، قد رأيت من إخواني تغيرا ، وقد عزمت على أن ألزم بيتي إلى ~~أن يأتيني الموت ، فأغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا ~~وكان يعرفه عكرمة الفياض الربعي متولي الجزيرة ، وإنما سمي بذلك لأجل كرمه ~~، فبينما هو في مجلسه إذ ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة الفياض : ما حاله ؟ ~~فقالوا : قد صار إلى أمر لا يوصف وإنه أغلق بابه ولزم بيته . قال : أفما ~~وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا ؟ فقالوا : لا . فأمسك عن الكلام ثم ~~لما كان الليل عمد إلى ms049 أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر بإسراج ~~دابته وخرج سرا من أهله . فركب ومعه غلام من غلمانه يحمل المال . ثم سار ~~حتى وقف بباب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام ، ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب ~~فدفعه بنفسه فخرج إليه خزيمة فناوله الكيس ، وقال : أصلح بهذا شأنك ، ~~فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه عن يده ثم أمسك بلجام الدابة ، وقال له : من أنت ~~؟ جعلت فداك . فقال له عكرمة : يا هذا ما جئتك في هذا الوقت والساعة أريد ~~أن تعفني ؟ قال : فما أقبله إلا أن عرفتني من أنت ؟ فقال : أنا جابر عثرات ~~الكرام . قال : زدني . قال : لا . ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى ابنة عمه ، ~~فقال لها : أبشري فقد أتى الله بالفرج والخير ولو كانت فلوسا فهي كثيرة . ~~قومي فاسرجي . قالت : لا سبيل إلى السراج . فبات يلمسها بيده فيجد خشونة ~~الدنانير ولا يصدق ، وأما عكرمة فإنه رجع إلى منزله فوجد امرأته قد فقدته ~~وسألت عنه فأخبرت بركوبه فأنكرت ذلك وارتابت . وقالت له : والي الجزيرة ~~يخرج بعد هدو من الليل منفردا من غلمانه في سر من أهله إلا إلى زوجة أو ~~سرية . فقال : اعلمي أني ما خرجت في واحدة منها . PageV01P064 قالت : ~~فخبرني فيما خرجت ؟ قال : يا هذه ما خرجت في هذا الوقت وأنا أريد أن يعلم ~~بي أحد . قالت : لا بد أن تخبرني ؟ قال : تكتمينه إذا . قالت : فإني أفعل . ~~فأخبرها بالقصة على وجهها وما كان من قوله ورده عليه . ثم قال أتحبين أن ~~أحلف لك أيضا ؟ قالت : لا فإن قلبي قد سكن وركن إلى ما ذكرت . وأما خزيمة ~~فلما أصبح صالح الغرماء وأصلح ما كان من حاله ثم إنه تجهز يريد سليمان بن ~~عبد الملك ، وكان نازلا يومئذ بفلسطين ، فلما وقف ببابه واستأذن دخل الحاجب ~~فأخبره بمكانه ، وكان مشهورا بمروءته وكرمه . وكان سليمان عارفا به فأذن له ~~، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فقال له سليمان بن عبد الملك : يا خزيمة ، ما ~~أبطأك عنا ؟ قال : سوء الحال . قال : فما منعك من النهضة إلينا ms050 ؟ قال : ~~ضعفي يا أمير المؤمنين . قال : فبم نهضت إلينا الآن ؟ قال : لم أعلم يا ~~أمير المؤمنين إلا أني بعد هدو من الليل لم أشعر إلا ورجل يطرق الباب وكان ~~من أمره كيت وكيت ، وأخبره بقصته من أولها إلى آخره . فقال سليمان : هل ~~تعرف هذا الرجل ؟ فقال : خزيمة : ما عرفته يا أمير المؤمنين لأنه كان ~~متنكرا وما سمعت من لفظه إلا إني جابر عثرات الكرام . قال : فتلهب وتلهف ~~سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال : لو عرفناه لكافأناه على مروءته ، ثم ~~قال : علي بقناة . فأتى بها فعقد لخزيمة بن بشر المذكور على الجزيرة عاملا ~~عوضا عن عكرمة الفياض . فخرج خزيمة طالبا الجزيرة ، فلما قرب منها خرج ~~عكرمة وأهل البلد للقائه ، فسلما على بعضهما ثم سارا جميعا إلى أن دخلا ~~البلد . فنزل خزيمة في دار الإمارة وأمر أن يؤخذ لعكرمة كفيل وأن يحاسب ، ~~فحوسب فوجد عليه فضول أموال كثيرة فطالبه بأدائها قال : ما لي إلى شيء من ~~ذلك سبيل . قال : لا بد منها . قال : لست عندي فاصنع ما أنت صانع . ~~PageV01P065 فأمر به إلى الحبس ثم أنفذ إليه من يطالبه فأرسل يقول : إني ~~لست ممن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت . فأمر أن يكبل بالحديد فأقام شهرا ~~كذلك أو أكثر فأضناه ذلك وأضر به ، وبلغ ابنة عمه خبره فجذعت واغتمت لذلك ~~ثم دعت مولاة لها ، وكانت ذات عقل ومعرفة ، وقالت لها : امض الساعة إلى باب ~~هذا الأمير خزيمة بن بشر وقولي : عندي نصيحة ، فإذا طلبت منك فقولي : لا ~~أقولها إلا للأمير خزيمة بن بشر ، فإذا دخلت عليه فسليه أن يخليك ، فإذا ~~فعل ذلك فقولي : ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك . كافأته بالحبس ~~والضيق والحديد . ففعلت الجارية ذلك . فلما سمع خزيمة كلامها نادى برفيع ~~صوته وا سوأتاه ، وإنه لهو ؟ قالت : نعم ، فأمر لوقته بدابته فأسرجت وبعث ~~إلى وجوه أهل البلد فجمعهم إليه وأتى بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل خزيمة ~~ومن معه فرآه قاعدا في قاعة الحبس متغيرا أضناه الضر والألم وثقل ms051 القيود ~~فلما نظر إليه عكرمة والى الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فأقبل خزيمة حتى أكب ~~على رأسه فقبله فرفع عكرمة إليه رأسه وقال : ما أعقب هذا منك ؟ قال : كريم ~~فعالك وسوء مكافأتي . قال : يغفر الله لنا ولك . ثم أتي بالحداد ففك القيود ~~عنه وأمر خزيمة أن توضع القيود في رجل نفسه . فقال عكرمة : ماذا تريد . ؟ ~~فقال : أريد أن ينالين من الضر مثل ما نالك . فقال : أقسم عليك بالله لا ~~تفعل . فخرجا جميعا حتى وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف عنه ~~. فقال : ما أنت ببارح . قال : وما تريد ؟ قال : أغير حالك وإن حيائي من ~~بنت عمك أشد من حيائي منك . ثم أمر بالحمام فأهلي ودخلاه معا فقام خزيمة ~~وتولى أمره وخدمه بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمله وحمل معه مالا كثيرا ثم ~~سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار إلى ابنة عمه ، فاعتذر إليها وتذمم ~~من ذلك . PageV01P066 قال : ثم سأله بعد ذلك أن يسير معه إلى سليمان بن عبد ~~الملك ، وهو يومئذ مقيم بالرملة ، فأنعم له بذلك وسارا جميعا حتى قدما على ~~سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأعلمه بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال ~~: والي الجزيرة يقدم بغير أمرنا ؟ ما هذا إلا لحادث عظيم ! فلما دخل قال له ~~قبل أن يسلم : ما وراءك يا خزيمة ؟ قال : الخير يا أمير المؤمنين . قال : ~~فما الذي أقدمك ؟ قال : ظفرت بجابر عثرات الكرام ، فأحببت أن أسرك به لما ~~رأيت من تلهفك وتشوقك إلى رؤيته . قال : ومن هو ؟ قال : عكرمة الفياض ؟ قال ~~: فأذن له بالدخول . فدخل وسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلسه وقال ~~: يا عكرمة ما كان خيرك له إلا وبالا لعيك . ثم قال سليمان : اكتب حوائجك ~~كلها وما تحتاج إليه في رقعة . ففعل ذلك ، فأمر بقضائها منه ساعته ، وأمر ~~له بعشرة آلاف دينار وسفطين ثيابا ، ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة ~~وأرمينية وأذربيجان وقال له : أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته ~~. قال بل اردده إلى ms052 عمله يا أمير المؤمنين ، ثم انصرفا من عنده جميعا ولم ~~يزالا عاملين لسليمان مدة خلافته ، والله أعلم . PageV01P067 # | خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عمر والشعراء # أمه أم عصام بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فهو تابعي جليل . ~~قال الإمام أحمد بن حنبل : ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد ~~العزيز . كان ، رضي الله عنه عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا ، ~~أزال ما كانت بنو أمية تذكر به عليا رضي الله عنه ، على المنابر وجعل مكان ~~ذلك قوله تعالى : ' إن الله يأمر بالعدل والإحسان ' الآية ، ولما ولي ~~الخلافة رضي الله عنه ، وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذه لم ~~فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر فلما رآه جرير دخلا ~~قام إليه وأنشد يقول أبياتا منها : يا أيها الرجل المرخي عمامته . . . هذا ~~زمانك فاستأذن لنا عمرا فدخل ولم يذكر شيئا من أمرهم ثم مر بهم عدي بن ~~أرطاة فقال جرير أبياتا آخرها قوله : لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة . . . قد ~~طال مكثي عن أهلي وعن وطني قال : فدخل عدي على عمر ، وقال : يا أمير ~~المؤمنين ، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة . فقال : ويحك يا ~~عدي ما لي وللشعراء ؟ قال : أعز الله أمير المؤمنين ، إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد امتدح وأعطي ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة . ~~قال : كيف . ؟ قال : امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها ~~لسانه . قال : أو تروي من قوله . قال : نعم ، وأنشد : PageV01P068 # % لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة % % قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني % % رأيتك ~~يا خير البرية كلها . . . نشرت كتابا جاء بالحق معلما شرعت لنا دين الهدى ~~بعد جورنا . . . عن الحق لما أصبح الحق مظلما ونورت بالبرهان أمرا مدنسا . ~~. . وأطفأت بالإسلام نارا تضرما فمن مبلغ عني النبي محمدا . . . وكل امرئ ~~يجزى بما كان قدما أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه . . . وقد كان قدما ركنه قد ~~تهدما ms053 فقال : ويلك يا عدي ، من بالباب منهم ؟ قال : عمر بن أبي ربيعة . قال ~~: أوليس هو الذي يقول : ثم نبهتها فمدت كعابا . . . طفلة ما تبين رجع ~~الكلام ساعة ، ثم إنها لي قالت : . . . ويلتي قد عجلت يا ابن الكرام فلو ~~كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان أستر له : لا يدخل علي والله أبدا ، ~~فمن بالباب سواه ؟ قال : الفرزدق . قال : أوليس هو الذي يقول : هما دلتا في ~~من ثمانين قامة . . . كما انقض باز أقتم الريش كاسره فما استوت رجلاي في ~~الأرض قالتا : . . . أحي فيرجى أم قتيل نحاذره ؟ لا يدخل علي والله أبدا ، ~~فمن سواه منهم . قال : الأخطل . قال : يا عدي ، أوليس هو الذي قال : ولست ~~بصائم رمضان يوما . . . ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بزاجر عنسا بكورا . . . ~~إلى بطحاء مكة للنجاح ولست بقائم كالعير أدعو . . . قبيل الصبح حي على ~~الفلاح ولكني سأشربها شمولا . . . وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل ~~علي أبدا وهو كافر ، فمن بالباب سوى من ذكرت ؟ قال : الأحوص . قال : أوليس ~~هو الذي يقول : PageV01P069 الله بيني وبين سيدها . . . يفر مني بها وأتبعه ~~فمن بالباب دون من ذكرت أيضا ؟ قال : جميل بن معمر . قال : أوليس هو الذي ~~يقول : فيا ليتنا نحيا جميعا ، وإن أمت . . . يوافق موتي موتها وضريحها فلو ~~كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد صالحا لكان أصلح . والله لا ~~يدخل علي بدا ، فهل أحد سوى من ذكرت ؟ قال : جرير . قال : أوليس هو الذي ~~يقول : طرقتك صائدة القلوب وليس ذا . . . وقت الزيارة ، فارجعي بسلام فإن ~~كان ولا بد فهو الذي يدخل . فلما مثل بين يديه قال : يا جرير اتق الله ولا ~~تقل إلا حقا . فأنشد قصيدته الرائية المشهورة التي منها : إنا لنرجو إذا ما ~~الغيث أخلفنا . . . من الخليفة ما ترجو من المطر جاء الخلافة ، أو كنت له ~~قدرا . . . كما أتى موسى على قدر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها . . . فمن ~~لحاجة هذا الأرمل الذكر الخير ما دمت حيا لا يفارقنا . . . بوركت يا عمر ~~الخيرات من عمر فقال : يا ms054 جرير لا أرى لك فيما ههنا حقا . قال : بلى يا ~~أمير المؤمنين ! أنا ابن سبيل منقطع . فأعطاه من طيب ماله مائة درهم وقال : ~~ويحك ، يا جرير ، لقد ولينا هذا الأمر ولم نملك إلا ثلاثمائة درهم ، فمائة ~~أخذها عبد الله ، ومائة أخذتها أم عبد الله ، يا غلام : أعطه المائة الأخرى ~~. فأخذها جرير وقال : والله لهي أحب مال اكتسبته في عمري . ثم خرج فقال له ~~الشعراء : ما وراءك يا جرير ؟ فقال : ما يسوءكم . خرجت من عند خليفة يعطي ~~الفقراء ويمنع الشعراء ، وإني عنه لراض وأنشد يقول : رأيت رقي الشيطان لا ~~تستفزه . . . وقد كان شيطاني من الجن راقيا PageV01P070 # | خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان الوليد بن هشام ويونس الكاتب ~~والجارية # قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني : قال يونس الكاتب : خرجت إلى ~~الشام في خلافة هشام بن عبد الملك ومعي جارية غانية وكنت علمتها جميع ما ~~تحتاج إليه ، وأنا أقدر فيها أنها تساوي مائة ألف درهم . قال : فلما قربنا ~~من الشام نزلت القافلة على غدير من الماء ونزلت ناحية منه ، وأصبت من طعام ~~كان معي وأخرجت ركوة كان فيها نبيذ . فبينما أنا كذلك ، وإذا بفتى حسن ~~الوجه والهيئة على فرس أشقر ومعه خادمان فسلم علي وقال : أتقبل ضيفا ؟ قلت ~~: نعم . فأخذت بركابه ونزل وقال : اسقنا من شرابك فسقيته ، فقال : إن شئت ~~أن تغني صوتا فغنيته : حازت من الحسن ما لا حازه البشر . . . فلذ لي في ~~هواها الدمع والسهر فطرب طربا شديدا واستعاده مرارا ثم قال : قل لجاريتك ~~فلتغن ، فأمرتها فغنت : حورية حار قلبي في محاسنها . . . فلا قضيب ولا شمس ~~ولا قمر فطرب طربا شديدا واستعاده مرارا . ولم يزل مقيما إلى أن صلينا ~~العشاء ، ثم قال : ما أقدمك علينا في هذا البلد . ؟ قلت : أردت بيع جاريتي ~~هذه . قال : فكم أملت فيها من الثمن ؟ قلت : ما أقضي به ديني وأصلح به حالي ~~. قال : ثلاثون ألفا . قلت : ما أحوجني إلى فضل الله والمزيد فيه . قال : ~~أيقنعك أربعون ألفا ؟ قلت : فيها قضاء ديني وأبقى صفر اليد ms055 . قال : قد ~~أخذناها بخمسين ألفا من الدراهم ولك بعد ذلك كسوة ونفقة طريقك وأشركك في ~~حالي أبدا ما بقيت . فقلت : قد بعتكها . قال : أفتثق بي أن أوصل ذلك غدا ~~وأحملها معي ، أو تكون عندك إلى أن أحمل ذلك إليك غدا ؟ فحملني السكر ~~والحياء مع الخشية منه على أن قلت : نعم قد وثقت بك ، فخذها بارك الله لك ~~فيها . PageV01P071 فقال لأحد غلاميه : احملها على دابتك وارتدف وراءها ~~وامض بها . ثم ركب فرسه وودعني وانصرف ، فما هو إلا أن غاب عني ساعة فعرفت ~~موضع خطإي وغلطي وقلت : ماذا صنعت بنفسي ؟ أسلم جاريتي إلى رجل لا أعرفه ~~ولا أدري من هو ، وهب أني عرفته فمن أين الصلة إليه . فجلست متفكرا إلى أن ~~صليت الصبح . ودخلت أصحابي دمشق وجلست حائرا لا أدري ما أصنع وقرعتني الشمس ~~. وكرهت المقام ، فهممت بالدخول إلى دمشق ثم قلت : لم آمن أن الرسول يأتي ~~فلا يجدني فأكون قد جنيت على نفسي جناية ثانية . فجلست في ظل جدار هناك ~~فلما أضحى النهار ، وإذا أحد العلامين اللذين كانا معه قد أقبل علي فما ~~أذكر أني سررت بشيء أعظم من سروري ذلك الوقت بالنظر إليه فقال لي : يا سيدي ~~، أبطأنا عليك . فلم أذكر له شيئا مما كان بي ثم قال لي : أتعرف الرجل . ؟ ~~قلت : لا . قال : هو الوليد بن هشام ولي العهد . فسكت عند ذلك ثم قال : قم ~~فاركب . وإذا معه دابة فركبتها وسرنا إلى أن وصلنا إلى داره فدخلت إليه ، ~~وإذا بالجارية قد وثبت وسلمت علي فقلت : ما كان من أمرك ؟ ' قالت : أنزلني ~~هذه الحجرة وأمر لي بما أحتاج إليه . فجلست عندها ساعة وإذا أنا قد أتاني ~~خادم له فقال لي : قم . فقمت فأدخلني على سيده ، فإذا هو صاحبي بالأمس ، ~~وهو جالس على سريره فقال : من تكون ؟ فقلت : يونس الكاتب . قال : مرحبا بك ~~قد كنت والله إليك بضنين وكنت أسمع بخبرك فكيف كان مبيتك في ليلتك ؟ قلت : ~~بخير أعزك الله . قال : فلعلك ندمت على ما كان منك البارحة وقلت : دفعت ~~جاريتي ms056 إلى رجل لا أعرفه ولا أعرف اسمه ولا من أي البلاد هو ؟ فقلت : معاذ ~~الله أيها الأمير أن أندم ولو أهديتها إلى الأمير كانت أقل وأخس ، وما قدر ~~هذه الجارية ؟ فقال : والله لكني ندمت على أخذها منك ، وقلت : رجل غريب لا ~~يعرفني وقد دهمته وسفهت عليه في استعجالي لأخذ الجارية . PageV01P072 ~~أفتذكر ما كن بيننا ؟ قلت : نعم . قال : بعتني هذه الجارية بخمسين ألف درهم ~~. قلت : نعم . قال : هات يا غلام المال . فوضعوها بين يديه فقال : هات يا ~~غلام ألف دينار ، فتي بها ثم قال : يا غلام هات خمسماية دينار أخرى ، فجاء ~~بها ثم قال هذا ثمن جاريتك فضمه إليك ، وهذه ألف دينار لحسن ظنك بنا ، وهذه ~~الخمسمائة دينار لنفقة طريقك ، وما تبتاعه لأهلك ، رضيت ؟ قلت : رضيت ، ~~وقبلت يديه وقلت : والله قد ملأت عيني ويدي . ثم قال : والله إني لم أدخل ~~بها ولا شبعت من غنائها ، علي بها فجاءت فأمرها بالجلوس فجلست فقال لها غني ~~، فأنشدت تقول : أيا من حاز كل الحسن طرا . . . ويا حلو الشمائل والدلال ~~جميع الحسن في عجم وعرب . . . وما في الكل مثلك يا غزالي تعطف يا مليح على ~~محب . . . بوعدك أو بطيف من خيال حلا لي فيك ذلي وافتضاحي . . . وطاب ~~لمقلتي سهر الليالي وما أنا فيك أول مستهام . . . فكم قبلي قتلت من الرجال ~~رضيت لي من الدنيا نصيبا . . . وأنت أعز من روحي ومالي فطرب طربا شديدا ~~وشكر حسن تأديبي لها وتعليمي إياها ثم قال : يا غلام قدم له دابة بسرجها ~~وآلتها لركوبه وبغلا لحمل حوائجه وثقله . ثم قال : يا يونس ، إذا بلغك أن ~~هذا الأمر أفضى إلي فألحق بي ، فوالله لأملأن لك يدك ولأعلين قدرك ولأغينك ~~ما بقيت . قال : فأخذت المال وانصرفت . فلما أفضت الخلافة إليه سرت إليه ~~فوفى والله بوعده وزاد في إكرامي وكنت معه على أسر حال وأسنى منزلة وقد ~~اتسعت أحوالي وكثرت أموالي وصار لي من الضياع والأملاك ما يكفيني إلى مماتي ~~ويكفي من بعدي ولم أزل معه حتى قتل ، عفا الله عنه . PageV01P073 # | هشام وزين ms057 العابدين والفرزدق # وقيل : إنه لما حج هشام في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر ~~الأسود ليستلمه ، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ، فنصب له منبر وجلس عليه ~~ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أهل الشام . فبينما هو كذلك إذ أقبل زين ~~العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ، وكان من ~~أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت ، فلما انتهى إلى الحجر الأسود ~~تنحى له الناس حتى استلمه ، فقال رجل من أهل الشام : من هذا الذي قد هابه ~~الناس هذه الهيبة ؟ فقال هشام : لا أعرفه ! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام . ~~وكان أبو فراس الفرزدق حاضرا فقال : أنا والله أعرفه ، فقال الشامي : من ~~هذا يا أبا فراس ، فقال : هذا الذي تعرف البطحاء وطأته . . . والبيت يعرفه ~~والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم . . . هذا التقي النقي الطاهر ~~العلم إذا رأته قريش قال قائلها : . . . إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى ~~إلى ذروة العز التي قصرت . . . عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه ~~عرفان راحته . . . ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم في كفه خيزران ريحه عبق . . ~~. من كف أروع في عرنينه شمم يغضى حياء ويغضى من مهابته . . . فما يكلم إلا ~~حين يبتسم ينشق نور الهدى من نور غرته . . . كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم ~~مشتقة من رسول الله نبعته . . . طابت مفارزه والخيم والشيم هذا ابن فاطمة ~~إن كنت جاهله . . . بجده أ ، بياء الله قد ختموا الله شرفه قدما وعظمه . . ~~. جرى بذاك له في لوحه القلم وليس قولك من هذا بضائره . . . العرب تعرف من ~~أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عم نفعهما . . . يستوكفان ولا يعروهما عدم سهل ~~الخليقة لا تخشى بوادره . . . يزينه اثنان : حسن الخلق والشيم حمال أثقال ~~أقوام إذا فدحوا . . . حلو الشمائل تحلو عنده نعم ما قال لا قط إلا في ~~تشهده . . . لولا التشهد كانت لاءه نعم عم البرية بالإحسان فانقشعت . . . ~~عنها الغياهب والإملاق والعدم من معشر حبهم دين وبغضهمو . . . كفر وقربهم ~~منجى ومعتصم PageV01P074 إن عد أهل ms058 التقى كانوا أئمتهم . . . أو قيل من خير ~~أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم . . . ولا يدانيهم قوم وإن ~~كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت . . . والأسد أسد الشرى والبأس محتدم لا ~~ينقص العسر بسطا من أكفهم . . . سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا مقدم بعد ذكر ~~الله ذكرهم . . . في كل بدء ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم . ~~. . خلق كريم وأيد بالندى هضم أي الخلائق ليست في رقابهم . . . لأولية هذا ~~أوله نعم من يعرف الله يعرف أولية ذا . . . فالدين من بيت هذا ناله الأمم ~~فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق ، فأنفذ له زين العابدين رضي الله عنه ~~، اثني عشر ألف درهم ، فردها وقال : مدحته لله لا للعطاء والصلات . فقال ~~زين العابدين : إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نعود فيه . فقبلها الفرزدق ، ~~انتهى . # | هشام والغلام الفصيح # مما يحكى أن هشام بن عبد الملك كان ذات يوم في صيده وقنصه إذ نظر إلى ظبي ~~تتبعه الكلاب فتبعته وأحالته إلى خباء أعرابي يرعى غنما ، فقال هشام : يا ~~صبي دونك هذا الظبي فأتني به . فرفع الصبي رأسه إليه وقال له : يا جاهل ~~بقدر الأخيار لقد نظرت إلي باستصغار وكلمتني باحتقار فكلامك كلام جبار ~~وفعلك فعل حمار . فقال هشام : يا صبي ، ونيلك ما تعرفني ؟ فقال : قد عرفني ~~بك سوء أدبك إذ بدأتني بكلامك قبل سلامك . فقال : ويلك أنا هشام بن عبد ~~الملك . فقال له الأعرابي : لا قرب دارك ولا حيي مزارك ، ما أكثر كلامك ~~وأقل إكرامك . فما استتم حتى أحدقت به الجيوش من كل جانب ، كل منهم يقول : ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال هشام : أقصروا الكلام واحفظوا الغلام ~~. فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال : علي بالغلام البدوي ~~، فأتي به . فلما PageV01P075 رأى الغلام كثرة الغلمان والحجاب والوزراء ~~والكتاب وأبناء الدولة وأرباب الصولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم بل جعل ~~ذقنه على صدره وجعل ينظر حيث تقع قدماه إلى أن وصل إلى هشام فوقف بين يديه ms059 ~~، ونكس رأسه إلى الأرض ، وسكت وامتنع من الكلام . فقال بعض الخدام : يا كلب ~~العرب ! ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين ؟ فالتفت إليه مغضبا وقال : يا ~~برذعة الحمار ، منعني من ذلك طول الطريق ونهز الدرجة والتعويق . فقال هشام ~~وقد تزايد به الغضب : يا صبي قد حضرت في يوم حضر فيه أجلك وخاب فيه أملك ~~وانصرم فيه عمرك . فقال له الصبي : والله يا هشام لئن كان في المدة تأخير ~~ما ضرني من كلامك لا قليل ولا كثير . فقال له الحاجب : بلغ من أمرك ومحلك ~~يا أخس العرب أن تتخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة . فقال له مسرعا : لقيك ~~الخذل ولامك الويل والهبل : ما سمعت ما قال الله تعالى : ' يوم تأتي كل نفس ~~تجادل عن نفسها ' . فإذا كان الله يجادل جدالا فمن هشام حتى لا يخاطب خطابا ~~؟ فعند ذلك قام هشام واغتاظ غيظا شديدا ، وقال : يا سياف علي برأس هذا ~~الغلام فقد أكثر الكلام فيما لا يخطر على الأوهام . فقام السياف وأخذ ~~الغلام وأبركه في نطع الدم . سل سيف النقمة على رأسه . وقال : يا أمير ~~المؤمنين ، عبدك المدل بنفسه المتقلب في رمسه ، أأضرب عنقه ، وأنا بريء من ~~دمه ؟ قال : نعم . فاستأذنه ثانية فأذن له ثم استأذنه ثالثة فهم أن يأذن له ~~فضحك الصبي حتى بدت نواجذه ، فازداد منه تعجبا وقال : يا صبي أظنك معتوها . ~~ترى أنك مفارق الدنيا ومزايل الحياة وأنت تضحك هزأ بنفسك ؟ فقال : يا أمير ~~المؤمنين لئن كان في المدة تأخير ولم يكن في الأجل تقصير ما ضرني منك قليل ~~ولا كثير ، ولكن أبيات حضرت الساعة فاسمعها ، فقتلي لا يفوت فكثر الصموت . ~~PageV01P076 فقال هشام : هت وأوجز ، فهذا أول أوقاتك من الآخرة وآخر أوقاتك ~~من الدنيا . فأنشد يقول : نبئت أن الباز علق مرة . . . عصفور بر ساقه ~~المقدور فتعلق العصفور في إظفاره . . . والباز منهمك عليه يطير فأتى لسان ~~الحال يخبر قائلا : . . . ها قد ظفرت وإنني مأسور مثلي فما يغني لمثلك جوعة ~~. . . ولئن أكلت فإنني محقور فتبسم الباز المدل بنفسه . . . طربا وأطلق ذلك ~~العصفور ms060 قال : فتبسم هشام وقال : وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لو تلفظ بهذا من أول وقت من أوقاته وطلب ، ما دون الخلافة ، لأعطيته ، يا ~~خادم : احش فاهه درا وجوهرا وأحسن جائزته ودعه يمضي إلى حال سبيله . ؟ # | عروة بن أذنية وهشام بن عبد الملك # قيل : وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إله فقره فقال : ~~ألست القائل : لقد علمت وما الإسراف من خلقي . . . أن الذي هو رزقي سوف ~~يأتيني أسعى إليه فيعيبني تطلبه . . . وإن قعدت أتاني ليس يعيبني وخرجت ~~الآن من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، وعظت ~~فأبلغت . وخرج وركب ناقته وكر إلى الحجاز راجعا ، فلما كان الليل نام هشام ~~على فراشه فذكر عروة وقال : رجل من قريش قال حكمة ووفد علي فرددته خائبا . ~~فلما أصبح وجه ليه بألف دينار فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة فأعطاه ~~المال فقال : أبلغ عني أمير المؤمنين السلام ، وقل له : كيف رأيت قولي ، ~~سعت فأكديت ، فرجعت خائبا ، فجلست في داري فأتاني رزقي في منزلي ، انتهى . ~~PageV01P077 # | ابتداء الدولة العباسية # كان القائم بهذه الدولة أبو مسلم الخراساني ، وكان اسمه عبد الرحمن ابن ~~مسلم ، فمن قوله : أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت . . . عنه ملوك بني مروان ~~إذ حشدوا ما زلت أسعى بجهد في دمارهم . . . والقوم في غفلة والناس قد رقدوا ~~حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا . . . من نومة لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى ~~غنما في أرض مسبعة . . . ونام عنها تولى رعيها الأسد ولهم أبو عبد الله ~~السفاح . ذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن خالد بن صفوان أنه دخل يوما ~~على أبي العباس السفاح وليس عنده أحد ، فقال : يا أمير المؤمنين إني والله ~~ما زلت منذ قلدك الله خلافته أطلب أن أصير معك بمثل هذا الموقف في الخلوة ، ~~فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب فعل حتى نفرغ . فأمر الحاجب ~~بذلك ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إني فكرت في أمرك واستجلبت الفكر فيك ~~، فلم أر أحدا له قدرة واتساع ms061 في الاستمتاع بالنساء ولا أضيق فيهن عيشا منك ~~. إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين فاقتصرت عليها ، فإن مرضت مرضت وإن ~~غابت غبت ، وإن عزلت عزلت وحرمت ، يا أمير المؤمنين ، على نفسك التلذذ بما ~~يشتهى منهن ، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لحسنها ، والبيضاء التي تحب ~~لرؤيتها ، والسمراء اللعساء ، والصفراء الذهبية ، ومولدات المدينة والطائف ~~واليمامة ذوات الألسنة العذبة والجواب الحاضر ، وبنات سائر الملوك وما ~~يشتهى من نضارتهن ونظافتهن . وتخلل خالد لسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري ~~وشوقه إليهن . فلما فرغ من كلامه قال له السفاح : ويحك ملأت مسامعي ، ما ~~شغل خاطري والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا فأعد علي كلامك فقد وقع ~~مني موقعا . فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأ به . ثم قال له : انصرف ~~! فانصرف وبقي أبو العباس مفكرا . فدخلت عليه أم سلمة زوجته ، وكان قد حلف ~~لها أنه لا يتزوج عليها سرية ووفى لها . فلما رأته على تلك الحالة قالت له ~~: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين ، فهل حدث شيء تكرهه أو أتاك خبر ارتعت له ؟ ~~قال : لا . فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت له : وما قلت لابن ~~الفاعلة ؟ فقال لها : أينصحني وتشتميه ؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب ~~خالد . PageV01P078 قال خالد : فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير ~~المؤمنين . ولم أسك في الصلة . فبينما أنا واقف إذ أقبل موالي أم سلمة ~~يسألون عني فحققت الجائزة فقلت لهم : ها أنا واقف . فاستبق إلي أحدهم بخشبة ~~فغمزت برذوني فلحقني وضرب كفل البرذون ، وركضت ففررت منهم واستخفيت في ~~منزلي أياما ووقع في قلبي أني أمنت من أم سلمة . فبينما أنا ذات يوم جالس ~~في المنزل فلم أشعر إلا بقوم قد هجموا علي فقالوا : أجب أمير المؤمنين ، ~~فسبق إلى قلبي أنه الموت فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، لم أر دم شيخ ~~أضيع من دمي . فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالسا ولحظت في المجلس ~~بيتا عليه ستور رقاق وسمعت حسا خفيفا خلف الستر فأجلسني . ثم قال : يا ms062 خالد ~~أنت وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها . فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ~~أعلمتك أن العرب ما اشتقت اسم الضرتين إلا من الضر وإن أحدا لم يكثر من ~~النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص . فقال السفاح : لم يكن هذا من ~~كلامك أولا ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، وأخبرتك أن الثلاث من النساء ~~يدخلن على الرجل البؤس وتشييب الرأس . فقال : برئت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك أولا أو مر في حديثك . قلت : بلى يا أمير ~~المؤمنين ، وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجتمع لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه . ~~قال : والله ما سمعت منك هذا أولا ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، وأخبرتك ~~أن أبكار الإماء رجال إلا نه ليست لهن خصاء . قال أمير المؤمنين : أفتكذبني ~~؟ قلت : أفتقتلني ؟ قال خالد ، فسمعت ضحكا خلف الستر ، ثم قلت وأخبرتك إن ~~عندك ريحانة قريش وأنت تطمع بعينيك إلى النساء والجواري . فقيل لي من وراء ~~الستر : صدقت يا عماه هذا حديثك ولكنه غير حديثك ونطق بما في خاطره عن ~~لسانك . فقال السفاح : ما بك قاتلك الله ؟ قال خالد ، فانسللت وخرجت فبعثت ~~إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذونا وتخت ثياب ، انتهى . PageV01P079 # | أبو دلامة والسفاح # وروي أن أبو دلامة الشاعر كان واقفا بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال : ~~سلني حاجتك ؟ فقال له أبو دلامة : أريد كلب صيد . فقال : أعطوه إياه . فقال ~~: ودابة أتصيد عليها . فقال : أعطوه دابة . فقال : وغلاما يقود الكلب ~~والصيد . فقال : أعطوه غلاما . فقال : وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه . ~~فقال : أعطوه جارية . فقال : هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من ~~دار يسكنونها . فقال : أعطوه دارا تجمعهم . ثم قال : وإن تكن لهم الدار فمن ~~أين يعيشون ؟ قال : قد أقطعتك عشرة ضياع عامرة وعشرة غامرة من فيافي بني ~~إسرائيل . قال : وما معنى الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال : ما لا نبات ~~فيها . قال : قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني سعد ~~. فضحك منه وقال ms063 : أعطوه كلها عامرة . قال الحافظ : فانظر إلى حذقه ~~بالمسالة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فصهل القضية وجعل يأتي بمسألة ~~مسألة على ترتيب وفكاهة حتى نال ما سأله . ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليها ~~، بارك الله فيه ، انتهى . PageV01P080 # | راعي الذمم # وروي عن الحسن بن الحصين . قال : لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من ~~جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفيا إلى أن أضناه ~~وأضجره الاختفاء ، فأخذ له أمان من السفاح ، فقال له : لقد مكثت زمانا ~~طويلا مختفيا فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك ، فإنها كانت أيام تكدير . ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، وهل سمع بأعجب من حديثي ؟ لقد كنت مختفيا في ~~منزل أنظر منه إلى البطحاء فبينما أنا على مثل ذلك ، وإذا بأعلام سود قد ~~خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني ، فخرجت متنكرا ~~حتى أتيت الكوفة من غير الطريق ، وأنا والله متحير ، ولا أعرف بها أحدا ، ~~وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة . فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريبا من ~~الدار ، وإذا برجل حسن الهيئة ، وهو راكب فرسا ومعه جماعة من أصحابه ~~وغلمانه ، فدخل الحربة فرآني واقفا مرتابا فقال لي : ألك حاجة ؟ قلت : غريب ~~خائف من القتل . قال : ادخل قد خلت إلى حجرة في داره ، فقال : هذه لك ، ~~وهيأ لي ما أحتاج إليه من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب ، وأقمت عنده ووالله ~~ما سألني قط من أنا ، ولا ممن أخاف ؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ~~ويعود تعبا متأسفا كأنه يطلب شيئا فاته ولم يجده ، فقلت له يوما : أراك ~~تركب في كل يوم وتعون تعبا متأسفا كأنك تطلب شيئا فاتك ؟ فقال لي : إن ~~إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي وقد بلغني أنه مختف من السفاح ، ~~وأنا أطلبه لعلي أجده وآخذ بثأري منه . فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من ~~هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني . فكرهت ~~الحياة واستعجلت الموت ms064 لما نالني من الشدة ، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن ~~سبب قتله ، فعرفني الخبر فوجدته صحيحا ، فقلت : يا هذا قد وجب علي حقك ، ~~وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك وقرب إليك الخطوة وأسهل عليك ما بعد . ~~فقال : أتعلم أين هو ؟ قلت : نعم . فقال : أين هو ؟ فقلت : والله هو أنا ~~فخذ بثأرك مني . فقال لي : أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة . ~~PageV01P081 قلت : نعم والله أنا قتلته يوم كذا وكذا . فلما علم صدقي تغير ~~لونه واحمرت عيناه وأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال لي : أما أبي ~~فسيلقاك غدا يوم القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه خافية ، وأما أنا ~~فلست مخفرا ذمتي ولا مضيعا نزيلي ، أخرج عني فإني لا آمن من نفسي عليك بعد ~~هذا اليوم . ثم وثب يا أمير المؤمنين إلى صندوق فأخرج منه صرة فيها خمسمائة ~~دينار وقال : خذ هذه واستعن بها على اختفائك . فكرهت أخذها وخرجت من عنده ~~وهو أكرم رجل رأيت . فبقي السفاح يهتز طربا ويتعجب . # | مفاخرة اليمن ومضر # وعن الهيثم بن عدي . قال كان أبو العباس السفاح تعجبه المسامرة ومنازعة ~~الرجال فحضرت ذات ليلة في مسامرة إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بني ~~الحارث بن كعب وهم أخواله وخالد بن صفوان بن إبراهيم التميمي . فخاضوا في ~~الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم : يا أمير المؤمنين ، إن اليمن هم ~~العرب الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم القرى ولم يزالوا ملوكا أربابا ~~وورثوا ذلك كابرا عن كابر أولا عن آخر منهم النعمانيات والمنذريات ~~والقابوسيات والتبابعة ، ومنهم من مدحته الزبر ، ومنهم غسيل الملائكة ، ~~ومنهم من اهتز لموته العرش ، ومنهم من كلمه الذئب ، ومنهم الذي كان يأخذ كل ~~سفينة غصبا . وليس شيء له خطر إلا وإليهم ينسب من فرس رائع أو سيف قاطع أو ~~درع حصينة أو حلة مصونة أو درة مكنونة ، إن سئلوا أعطوا وإن سيموا أبوا ، ~~وإن نزل بهم ضيف قروا لا يبلغهم مكابر ، ولا ينالهم مفاخر ، هم العرب ~~العرباء ، وغيرهم المتعربة . PageV01P082 قال أبو العباس ms065 السفاح : ما أظن ~~التميمي يرضى بقولك . ثم قال : ما تقول يا خالد ؟ قال : إن أذنت في الكلام ~~تكلمت . قال : أذنت لك في الكلام فتكلم ولا تهب أحد . فقال : أخطأ يا أمير ~~المؤمنين المقتحم بغير علم والناطق بغير صواب ، فكيف يكون ما قال ، وإن ~~القوم ليست لهم ألسن فصيحة ولا حجة رجيحة . نزل به كتاب ولا جاءت به ا سنة ~~، وهم منا على منزلتين : إن حادوا عن قصدنا أكلوا ، وإن جازوا حكمنا قتلوا ~~، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وغير ذلك مما سنأتي عليه ، ونفخر ~~عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، ~~ولله المنة علينا وعليهم لقد كانوا أتباعه فبه غزوا وله أكرموا ، فمنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومنا الخليفة المرتضى ، ولنا البيت المعمور ~~والمسعى وزمزم والمقام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء ~~مع ما لا يخفى من المآثر ولا يدرك من المفاخر . فليس يعدل بنا عادل ولا ~~يبلغ فضلنا قول قائل ومنا الصديق والفاروق والوصي وأسد الله وسيد الشهداء ~~ذو الجناحين وسيف الله ، عرفوا الله وأتاهم اليقين ، فمن زاحمنا زاحمناه ~~ومن عادانا اصطلمناه . ثم التفت إلى إبراهيم فقال : أعالم أنت بلغة قومك ؟ ~~قال : نعم . قال : فما اسم العين ؟ قال : الجمجمة . قال : فما اسم السن ؟ ~~قال : الميذن . قال : فما اسم الأذن ؟ قال : الصنارة . قال : فما اسم ~~الأصابع ؟ قال : الشناتر . قال : فما اسم اللحية ؟ قال : الذئب . قال : فما ~~اسم الذئب ؟ قال : الكنع . قال : أفمؤمن أنت بكتاب الله ؟ قال : نعم . قال ~~: فإن الله تعالى يقول : ' إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ' ، ~~PageV01P083 وقال تعالى : ' بلسان عربي مبين ' ، وقال : ' وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ' . فنحن العرب والقرآن بلساننا نزل ، ألم تر أن الله ~~تعالى قال : العين بالعين ، ولم يقل : الجمجمة بالجمجمة ؛ وقال : السن ~~بالسن ، ولم يقل الميذن بالميذن ؛ وقال : الأذن بالأذن ، ولم يقل الصنارة ~~بالصنارة ، وقال : ' يجعلون أصابعهم في آذانهم ' ، ولم يقل شناترهم . وقال ~~: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ، ولم يقل بذنبي . وقال تعالى : فأكله الذئب ، ~~ولم يقل فأكله الكنع ms066 . ثم قال أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن ~~كفرت . قال : وما هن ؟ قال : الرسول منا أو منكم ؟ قال : منكم . قال : ~~فالقرآن نزل علينا أو عليكم ؟ قال : عليكم . قال : فالبيت الحرام لنا أو ~~لكم ؟ قال : لكم . قال : فالخلافة فينا أو فيكم ؟ قال : فيكم . قال خالد : ~~فما كان بعد هذه الأربع فهو لكم . PageV01P084 # | خلافة أبي جعفر المنصور # قيل : إنه كان يحفظ الشعر من مرة ، وله مملوك يحفظه من مرتين ، وكان له ~~جارية تحفظه من ثلاث مرات ، وكان بخيلا جدا حتى إنه كان يلقب بالدوانيقي ~~لأنه كان يحاسب على الدوانيق ، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة قال له : إن كانت ~~مطوقة بأن يكون أحد يحفظها أو ا ؛ د أنشأها : أي بأن كان أتى بها أحد قبلك ~~، فلا نعطيك لها جائزة ، وإن لم يكن أحد يحفظها نعطيك زنة ما هي مكتوبة فيه ~~، فيقرأ الشاعر القصيدة فيحفظها الخليفة من أول مرة ، ولو كانت ألف بيت ، ~~ويقول للشاعر اسمعها مني وينشدها بكمالها ، ثم يقول له : هذا المملوك ~~يحفظها ، وقد سمعها المملوك مرتين ، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيقرؤها ~~، ثم يقول الخليفة : وهذه الجارية التي خلف الستارة تحفظها أيضا وقد سمعتها ~~الجارية ثلاث مرات فتقرؤها بحروفها فيذهب الشاعر بغير شيء . قال الراوي : ~~وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه فنظم أبياتا صعبة وكتبها على قطعة عمود من ~~رخام ولفها في عباءة وجعلها على ظهر بعير وغير حليته في صفة أعرابي غريب ~~وضرب له لثاما ولم يبين منه غير عينيه ، وجاء إلى الخليفة وقال : إني ~~امتدحت أمير المؤمنين بقصيدة . فقال : يا أخا العرب إن كانت لغيرك لا نعطيك ~~عليها جائزة وإلا نعطيك زنة ما هي مكتوبة عليه . فأنشد الأصمعي هذه القصيدة ~~: صوت صفير البلبل هيج قلبي الثمل الماء والزهر معا مع زهر لحظ المقل وأنت ~~يا سيد دلي وسيدي وموللي وكم وكم تيمني غزيل عقيقي قطفت من وجنته باللثم ~~ورد الخجل وقلت بس بسبسني فلم يجد بالقبل وقال لا لا لللا وقد غدا مهرولي ~~والخود مالت طربا ms067 من فعل هذا الرجل وولولت ولولة ولي ولي يا ويللي فقلت لا ~~تولولي وبيني اللؤلؤلي لما رأته أشمطا يريد غير القبل وبعده ما يكتفي إلا ~~بطيب الوصللي قالت له حين كذا انهض وجد بالنقلي وفتية سقونني قهيوة ~~كالعسللي شممتها في أنفي أزكى من القرنفل في وسط بستان حلي بالزهر ~~والسروللي والعود دندن دنلي والطبل طبطبطبلي والرقص قد طبطلي والسقف قد ~~سقسقلي PageV01P085 شووا شووا وشاهشواعلى ورق سفرجليوغرد القمري يصيح من ~~ملل في ملليفلو تراني راكباعلى حمار أهزلي يمشي على ثلاثةكمشية ~~العرنجلوالناس ترجمجملي في السوق بالقلقليوالكل كعكع كعكعخلفي ومن حوللي ~~لكن مشيت هاربامن خشية العقنقليإلى لقاء ملك معظم مبجليأمر لي بخلعةحمراء ~~كالدمدملي أجر فيها ماشيا مبغددا للذيلأنا الأديب الألمعي من حي أرض ~~الموصلنظمت قطعا زخرفتتعجز الادبللي أقول فيمطلعها صوتصفير البلبل قال ~~الراوي : فلم يحفظها الملك لصعوبتها ، ونظر إلى المملوك وإلى الجارية فلم ~~يحفظها أحد منهما فقال : يا أخا العرب هات الذي هي مكتوبة فيه نعطك زنته . ~~فقال : يا مولاي إني لم أجد ورقا أكتب فيه وكان عندي قطعة عمود رخام من عهد ~~أبي ، وهي ملقاة ليس لي بها حاجة ، فنقشتها فيها . فلم يسع الخليفة إلا أنه ~~أعطاه وزنها ذهبا فنفد ما في خزينته من المال ، فأخذه وانصرف ، فلما ولى ~~قال الخليفة : يغلب على ظني أن هذا الأصمعي ، فأحضره وكشف عن وجهه . فإذا ~~هو الأصمعي فتعجب منه ومن صنيعه وأجازه على عادته ، قال : يا أمير المؤمنين ~~، إن الشعراء فقراء وأصحاب عيال وأنت تمنعهم العطاء بشدة حفظك وحفظ هذا ~~المملوك وهذه الجارية . فإذا أعطيتهم ما تيسر ليستعينوا به على عيالهم لم ~~يضرك ، انتهى . PageV01P086 # | حاج يعظ المنصور # وذكر الغزالي وابن بليان وغيرهما ، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار ~~الندوة ، وكان يخرج سحرا فيطوف بالبيت ، فخرج ذات ليلة سحرا ، فبينما هو ~~يطوف إذ سمع قائلا يقول : اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض ، ~~وما يحول بني الحق وأهله من الطمع . فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ سمعه ~~ثم رجع إلى دار الندوة . وقال ms068 لصاحب شرطته : إن بالبيت رجلا يطوف فأتني به ~~. فخر صاحب الشرطة فوجد رجلا عند الركن اليمني . فقال : أجب أمير المؤمنين ~~. فلما دخل عليه ، قال : أنا الذي سمعتك آنفا تشكو إلى الله من ظهور البغي ~~والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع ، فوالله لقد حشوت ~~مسامعي ما أمرضني . فقال له : يا أمير المؤمنين ، إن الذي داخله الطمع حتى ~~حال بين الحق وأهله وامتلأت بلاد الله بذلك بغيا وفسادا أنت هو . فقال له ~~المنصور : ويحك كيف يداخلني الطمع ، والصفراء والبيضاء ببابي وملك الأرض في ~~قبضتي . فقال الرجل : سبحان الله يا أمير المؤمنين ، وهل داخل أحدا من ~~الطمع ما داخلك ؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم فأهملت أمورهم ~~واهتممت بجمع أموالهم ، واتخذت بينك وبين رعيتك حجابا من الجبس والآجر ~~وحجبة معهم السلاح وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان ، نفر استخلصتهم ~~لنفسك وأمرتهم على رعيتك ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري ~~، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق . فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك ~~وآثرتهم على رعيتك تجمع الأموال وتقسمها ، قالوا : هذا خان الله ورسوله فما ~~لنا لا نخونه ؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أموال الناس إلا ما أرادوا . ~~فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك ، وأنت غافل عنهم ، فإذا جاء المظلوم إلى بابك ~~وجدك وقفت رجلا ينظر في مظالم الناس ، فإن كان الظالم من بطانتك علل صاحب ~~المظالم بالمظلوم وسوف من وقت إلى وقت ، فإذا اجتهد وظهرت أنت صرخ بين يديك ~~، فضربه أعوانك ضربا شديدا ليكون نكالا لغيره ، وأنت ترى ذلك ولا تنكر . ~~لقد كانت الخلفاء قبلك من بني أمية إذا أتت إليهم الظلامة أزيلت في الحال ، ~~ولقد كنت أسافر إلى الصين يا أمير المؤمنين ، فقدمت مرة فوجدت الملك الذي ~~به قد فقد سمعه ، فبكى ، فقال له وزراؤه : ما يبكيك أيها الملك ؟ لا أبكى ~~الله لك عينا إلا من خشيته . PageV01P087 فقال : والله ما بكيت لمصيبة نزلت ~~بي وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمعه . ثم قال ms069 : إن كان سمعي ذهب ~~فإن بصري لم يذهب . نادوا في الناس لا يلبس أ ؛ د ثوبا أحمر إلا مظلوم . ~~وكان يركب الفيل طرفي النهار ويدور في البلد لعله يجد أحدا لابسا ثوبا أحمر ~~فيعلم أنه مظلوم فينصفه . وهذا الأمير رجل مشرك غلبت عليه رأفته على شح ~~نفسه بالمشركين ، وأنت مؤمن بالله ورسوله وابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . يا أمير المؤمنين ! لا تجعل الأموال إلا لإحدى ثلاث : فإن قلت إنما ~~أجمع الأموال لصالح الملك فقد أراك الله عبرة في الملوك والقرون من قبلك ما ~~أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع ، حين أراد الله بهم ما ~~أراد ، وإن قلت إنما أجمع للولد ، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع ~~المال للولد فيلم يغن ذلك عنهم شيئا بل ربما مات فقيرا ذليلا حقيرا ؛ وإن ~~قلت إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فوالله ما فوق ~~منزلتك إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح . فبكى المنصور بكاء شديدا ثم ~~قال : وكيف أعمل وقد فرت مني العباد ولم تقربني ، افتح الباب وسهل الحجاب ~~وانتصر للمظلوم وخذ المال مما حل وطاب ، واقسمه بالحق والعدل ، وأنا ضامن ~~من هرب أن يعود إليك . فقال المنصور : نفعل إن شاء الله تعالى . وجاء ~~المؤذن فأذن للصلاة فقام وصلى فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده ، فقال ~~لصاحب الشرطة : علي بالرجل الساعة . فخرج يتطلبه فوجده عند الركن اليماني ~~فقال له : أجب أمير المؤمنين . فقال : ليس إلى ذلك من سبيل . فقال : إذن ~~يضرب عنفي . فقال : ولا إلى ضرب رقبتك من سبيل . ثم أخرج من مزود كان معه ~~رقا مكتوبا فقال له : خذه فإن فيه دعاء الفرج من دعا به صباحا ومات من يومه ~~مات شهيدا ، ومن دعا به مساء ومات من ليلته مات شهيدا . وذكر له فضلا عظيما ~~وثوابا جزيلا . فأخذه صاحب الشرطة وأتى به المنصور فلما رآه قال له : ويلك ~~أو تحسن السحر ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين . ثم قص عليه ms070 القصة ، ~~فأمر المنصور بنقله وأمر له بألف دينار ، وهو هذا . اللهم كما لطفت في ~~عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء ، وعلمك بما تحت أرضك كعلمك ~~بما فوق عرشك . وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك ، PageV01P088 وعلانية ~~القول كالسر في علمك ، وانقاد كل شيء لعظمتك ، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك ، ~~وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك ، اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أميت ~~فيه فرجا ومخرجا . اللهم ، إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على ~~قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه ، أدعوك آمنا وأسألك ~~مستأنسا ، فإنك أنتن المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك ، ~~تتودد إلي بالنعم وأتبغض إليك بالمعاصي ، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة ~~عليك ، فجد بفضلك وإحسانك علي ، إنك أنت الرؤوف الرحيم . # | القاضي ابن أبي ليلى والمنصور # وحدث عبد الله البلتاجي ، قال : دخل ابن أبي ليلى على أبي جعفر المنصور ، ~~وكان ابن أبي ليلى قاضيا فقال أبو جعفر : إن القاضي يرد عليه . من ظرائف ~~الناس ونوادرهم أمور ، فإن كان ورد عليك شيء فحدثنيه ، فقد طال علي يومي . ~~قال : والله يا أمير المؤمنين ، قد ورد علي منذ ثلاثة أيام أمر ما ورد علي ~~مثله . أتتني عجوز تكاد تنال الأرض بوجهها أو تسقط من انحنائها فقالت : أنا ~~بالله وبالقاضي أن يأخذ لي بحقي وأن يعينني على خصمي . قلت : ومن خصمك ؟ ~~قالت : إبنة أخ لي . فدعوت بها فجاءت امرأة ضخمة ممتلئة شحما فجلست منبهرة ~~. فذهبت العجوز تتظلم ، فقالت الشابة : أصلح الله القاضي ، مرها فلتسكت حتى ~~أتكلم بحجتي وحجتها فإن لحنت بشيء فلترد علي ، فإن أذنت لي أسفرت . فقالت ~~العجوز : إن أسفرت قضيت لها . فقلت لها : أسفري ، فأسفرت عن وجه والله ما ~~ظننت أنه يكون مثله إلا في الجنة . فقالت : أصلح الله القاضي ، هذه عمتي ~~مات والدي وتركني يتيمة في حجرها فربتني فأحسنت التربية ، حتى إذا بلغت ~~مبلغ النساء قالت لي : يا بنت أخي ، هل لك في التزويج ؟ قلت : ما أكره ذلك ~~يا ms071 عمة . قالت العجوز : نعم . قالت : PageV01P089 فخطبني وجوه أهل الكوفة ~~فلم ترض إلا رجلا صيرفيا ، فتزوجني ، فكنا كأننا ريحانتان ما أظن أن الله ~~خلق غيره يغدو إلى سوقه ويروح علي بما رزقه الله تعالى . فلما رأت العمة ~~موقعه مني وموقعي منه حسدتنا على ذلك ، وكانت لها ابنة فشوفتها وهيأتها ~~لدخول زوجي ، فوقعت علينه عليها ، فقال : يا عمة هل لك أن تزوجيني ابنتك ؟ ~~قالت : نعم بشرط . فقال لها : وما الشرط . ؟ قالت : تصير أمر ابنة أخي إلي ~~. قال : قد صيرت أمرها إليك . قالت : فإن قد طلقتها ثلاثا بتة . وزوجت ~~ابنتها زوجي ، فكان يغدو عليها ويروح ، فقلت لها : يا عمتي أتأذنين لي أن ~~أنتقل عنك ؟ قالت : نعم . فانتقلت عنها وكان لعمتي زوج غائب فقدم فلما توسط ~~منزلها قال : ما لي لا أرى ربيبتنا ؟ قالت : طلقها زوجها فانتقلت عنا . ~~فقال : إن لها من الحق علينا أن نعزيها بمصيبتها . فلما بلغني مجيئه إلي ~~تهيأت له وتشوفت . فلما دخل علي عزاني بمصيبتي ، ثم قال : إن فيك بقية من ~~الشباب ؛ فهل لك أن أتزوج بك ؟ قلت : ما أكره ذلك ولكن على شرط . قال لي : ~~وما الشرط ؟ قلت : تصير أمر عمتي بيدي . قال : فإني قد فعلت وصيرت أمرها ~~بيدك . قلت : فإني قد طلقتها ثلاثا بتة . قالت : فقدم علي بثقله من الغد ~~ومعه ستة آلاف درهم فأقام عندي ما أقام ، ثم إنه اعتل وتوفي فلما انقضت ~~عدتي جاء زوجي الأول الصيرفي يعزيني بمصيبتي فلما بلغني مجيئه تهيأت وتشوفت ~~له ، فلما دخل علي قال لي : يا فلانة إنك تعلمين أنك كنت أعز الناس علي ~~وأحبهم إلي ، وقد حلت المراجعة ، فهل لك في ذلك ؟ قلت : ما أكره ذلك ، ولكن ~~اجعل أمر ابنة عمتي بيدي . قال : فإني قد فعلت . PageV01P090 قلت : فإني قد ~~طلقتها ثلاثا بتة ، أصلح الله القاضي ، فرجعت إلى زوجي فما اعتدائي عليها . ~~فقالت العجوز : أنا فعلت مرة ، وفعلت مرة بعد أخرى . فقلت : إن الله لم ~~يوقت في هذا وقتا ، وقد قال تعالى : ' ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي ~~عليه ms072 لينصرنه الله ' . فواحدة بواحدة والبادي أظلم . فقال القاضي : إن زوج ~~العمة لم يكن له أن يتزوج ابنة أخيها وهي في عدته ؛ فأرادت العجوز أن تتولى ~~التفريق بينه وبينها استيفاء لها ومجازاة لها على فعلها ، فقلت لها : قد ~~فرقت بينكما ، قومي إلى منزلك ، انتهى . # | الأمير الأموي وملك النوبة # وذكر المنصور يوما في مجلسه زوال ملك بني أمية وما جرى عليهم ، وأنهم ~~عاشوا سعداء وماتوا فقراء ، فقال له إسماعيل بن علي الهاشمي : إن عبد الله ~~بن مروان بن محمد في حبسك ، وله قصة مع ملك النوبة . فأحضره واسأله عنها . ~~فأحضره ، فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فقال ~~المنصور : رد السلام أمن ولم تسمح نفسي بذلك ، ولكن اقعد ! فقعد ، فقال : ~~ما قصتك مع ملك النوبة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، كنت ولي عهد أبي فلما ~~طلبتنا دعوت عشرة من غلماني ودفعت لكل واحد ألف دينار وأوسقت خمس بغال ~~وشددت في وسطي جوهرا له قيمة عظيمة وخرجت هاربا إلى بلاد النوبة ، فلما ~~قربنا بعثت غلاما لي ، فقلت له : امض إلى هذا الملك وأقرئه السلام وخذ لنا ~~منه الأمان وابتغ لنا ميرة . فمضى وأبطأ حتى أسأت به الظن ، ثم أقبل ومعه ~~رجل فدخل وسلم وقال : الملك يقرئك السلام ويقول لك : من أنت وما جاء بك إلى ~~بلادي ؟ أمحارب ، أم راغب في ديني ، أم مستجير بي ؟ فقلت له : رد على الملك ~~، ما أنا بمحارب ولا راغب في دينك ولا ممن يبتغي بدينه بدلا بل مستجير به . ~~فذهب الرسول ورجع إلي وقال : الملك يقول لك إني أجيء إليك غدا فلا تحدث ~~نفسك حدثا ولا شيئا من الميرة . PageV01P091 فقلت لأصحابي : افرشوا الفراش ~~، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه ، وإذا هو قد أقبل وعليه بردان قد ائتزر ~~بأحدهما وارتدى بالآخر ، حافي الرجلين ، ومعه عشرة معهم الحراب : ثلاثة ~~يقدمونه وسبعة خلفه ، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله ، فلما قرب إذا ~~سواد عظيم ، قلت : ما هذا ؟ قالوا : الخيل . فوافى بها عشرة آلاف عنان ، ~~ووافت الخيل عند دخوله فأحدقوا بنا ms073 ، فلما دخل جلس على الأرض ، قال : فقلت ~~لترجمانه : لم لم يقعد على الموضع الذي وطئ له ؟ فسأله ، فقال : قل له إنه ~~ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعا لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده . ثم ~~نكت بإصبعه الأرض طويلا ورفع رأسه وقال : قل له كيف سلبتم هذا الملك ، فأخذ ~~منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم ؟ فقلت : جاء من هو أقرب منا قرابة إليه ، ~~فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيرا بالله ، ثم بك . قال : فلم كنتم ~~تشربون الخمر وهو محرم عليكم ؟ قلت : فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا ~~وفي ملكنا من غير رأينا . قال : فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج ~~الذهب والفضة وهي محرمة عليكم ؟ قلت : فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا ~~وفي ملكنا بغير رأينا . قال : فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على ~~القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى ~~تحطموا زرعهم في طلب دراج قيمته نصف درهم ، والتكليف والعناء محرم عليكم ؟ ~~قلت : فعل ذلك عبيد وغلمان وأتباع . قال : لا ! ولكنكم استحللتم ما حرم ~~الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر ~~أعداءكم عليكم ، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد ، وإني أخاف أن تنزل بك ~~النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك ، فإن النقمة إذا نزلت شملت ، فاخرج ~~بعد ثلاث ، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك وقتلتك ومن معك . ثم وثب قائما ~~وخرج وقمت ثلاثا ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك ، وها أنا ذا ~~والموت أحب إلي من الحياة . فرق له المنصور وهم بإطلاقه ، فقال له إسماعيل ~~بن علي : في عنقي بيعة هذا . قال : فما ترى ؟ قال : ينزل في دار من دورنا ~~ويجري عليه ما يجري على مثله . ففعل به ذلك ، انتهى . PageV01P092 # | بليتان . المنصور والطاعون # وخطب المنصور يوما بالشام ، فقال : أيها الناس ينبغي لكم أن تحمدوا الله ~~تعالى على ما وهبكم في فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان ms074 ~~يجيئكم . فقال أعرابي : إن الله أكرم من أن يجمعك أنت والطاعون علينا . # | أبن هرمة والخمر # ودخل ابن هرمة على المنصور وامتدحه ، فقال له المنصور : سل حاجتك ؟ قال : ~~تكتب إلى عاملك بالمدينة إذا وجدني سكران لا يحدني . فقال له المنصور : هذا ~~حد لا سبيل إلى تركه . فقال : ما لي حاجة غيرها . فقال لكاتبه : اكتب إلى ~~عاملنا بالمدينة من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاجلده ثمانين ، واجلد الذي ~~جاء به مائة . فمكان الشرطة يمرون عليه وهو سكران ويقولون : من يشتري ~~ثمانين بمائة ، فيمرون عليه ويتركونه ، انتهى . # | الرجل الثبت الجنان # وحدث أحمد بن موسى قال : ما رأيت رجلا أثبت جنانا ولا أحسن معرفة ولا ~~أظهر حجة من رجل رفع فيه عند المنصور بأن عنده أموالا لبني أمية ، فأمر ~~المنصور حاجبه الربيع أن يحضره ، فلما حضر بين يديه . قال المنصور : رفع ~~إلينا أن عندك ودائع وأموالا وسلاحا لبني أمية فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى ~~بيت المال . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، أنت وارث لبني أمية ؟ قال : ~~لا . قال : فلم تسأل إذن عما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا ~~وصي . فأطرق المنصور ساعة ، ثم قال : إن بني أمية ظلموا الناس وغصبوا أموال ~~المسلمين . فقال الرجل : يحتاج أمير المؤمنين إلى بينة يقبلها الحاكم تشهد ~~أن المال الذي لبني أمية PageV01P093 هو الذي في يدي وأنه هو الذي غصبوه من ~~الناس . وأن أمير المؤمنين يعلم أن بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم غير ~~أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما يتهم أمير المؤمنين ؟ قال : فسكت ~~المنصور ساعة ، ثم قال : يا ربيع ، صدق الرجل ما يجب لنا على الرجل شيء ، ~~ثم قال للرجل : ألك حاجة ؟ قال : نعم . قال : ما هي ؟ قال : أن تجمع بيني ~~وبين من سعى في إليك فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا ~~سلاح . وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع ~~الحق واجتناب المظالم ، فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما ~~سألتني ms075 عنه . فقال المنصور : يا ربيع ، اجمع بينه وبين الذي سعى به فجمع ~~بينهما . فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب ، ولي ~~عليه مسطور شرعي . فسأل المنصور الرجل فأقر بالمال . قال : فما حملك على ~~السعي كاذبا ؟ قال : أردت قتله ليخلص لي المال . فقال الرجل : قد وهبتها له ~~يا أمير المؤمنين ، لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك ووهبته خمسمائة دينار ~~أخرى لكلامك لي . فاستحسن المنصور فعله وأكرمه ورده إلى بلده مكرما . وكان ~~المنصور كل وقت يقول : ما رأيت مثل هذا الشيخ قط ، ولا أثبت من جنانه ولا ~~من حجني مثله ولا رأيت مثل حمله ومروءته ، انتهى . PageV01P094 # | خلاقة المهدي الرؤيا الصالحة # اسمه محمد بن المنصور ، حدثنا داود بن رشيد ، قال : قلت للهيثم بن علي ~~بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك ~~المنزلة الرفيعة ؟ فقال : إن خبره باتصاله بالمهدي ظريف ، فإن أحببت شرحته ~~لك . قلت والله قد أحببت . قال : اعلم أنه وافى الربيع الحاجب حين أفضت ~~الخلافة إلى المهدي وقال له : استأذن لي على أمير المؤمنين ، فقال له : من ~~أنت وما حاجتك ؟ قال : أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا ~~صالحة ، وقد أحببت أن تذكرني له ، فقال الربيع : يا هذا ، إن القوم لا ~~يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف بما يراه لهم غيرهم ، فاحتل بحيلة غير هذه ~~، فقال : إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه وأخبره ني سألتك الإذن لي ~~عليه فلم تفعل ؟ فدخل الربيع على المهدي ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، ~~إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا عليكم بكل ضرب . فقال له ~~المهدي : هكذا تصنع الملوك فماذا ؟ قال : رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير ~~المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة ، وقد أحب أن يقصها عليك . فقال المهدي : يا ~~ربيع ، إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي فكيف يمكن ادعاؤها ممن لعله ~~قد افتعلها ؟ قال : والله قلت له مثل هذا فلم يقبل . قال : هات الرجل . قال ~~: فأدخل عليه سعيد وكان ms076 له رؤية وجمال ومروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان طلق ، ~~فقال له : ما رأيت بار الله فيك ؟ قال : رأيت يا أمير المؤمنين آتيا أتاني ~~في منامي فقال : أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة ، وآية ~~ذلك أنه يرى في ليلته الآتية في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجد ~~ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له . فقال المهدي : ما أحسن ما رأيت ، ونحن ~~نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما أخبرتنا : فإن كان الأمر على ما ذكرت ~~أعطيناك فوق ما تريد ، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا ~~الصالحة ربما صدقت وربما اختلفت . قال : يا أمير المؤمنين ، فما أصنع أنا ~~الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه ~~الله ، ثم رجعت صفر اليد ؟ فقال له المهدي : فكيف نعمل ؟ فقال : يعجل لي ~~أمير المؤمنين أعزه الله تعالى ما أحب وما أحلف له بالطلاق إني قد صدقت . ~~PageV01P095 فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمر بأن يؤخذ له كفيل ليحضر من غد ~~ذلك اليوم فقبض المال وقال له : من يكفلك ؟ فمد عينه إلى خادم حسن الوجه ~~والزي وقال : هذا يكفلني . فقال له المهدي : أكفله يا غلام ؟ فاحمر وخجل ، ~~وقال : نعم يا أمير المؤمنين ، فكفله وانصرف سعيد بن عبد الرحمن بالعشرة ~~آلاف درهم . فلما كانت تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفا بحرف ~~وأصبح سعيد فوافى الباب واستأذن ، فأذن له . فلما وقعت عين المهدي عليه قال ~~له : أين مصداق ما قلت لنا عليه ؟ فقلت له : وما رأى أمير المؤمنين . فضحك ~~في جوابه ، فقال له : امرأتي طالق إن لم تكن رأيت شيئا ؟ فقال : لأني أحلف ~~على صدق . قال له المهدي : فقد والله رأيت ذلك مبينا . فقال سعيد : الله أ ~~: بر ، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني . قال : حبا وكرامة . ثم أمر ~~له بثلاثة آلاف دينار وعشر تخوت ثياب من كل صنف وثلاثة مراكب من أنفس دوابه ~~محلاة ، فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي كان ms077 كفله . وقال : سألتك ~~بالله هل لهذه الرؤيا من أصل ؟ فقال سعيد : لا والله . فقال الخادم : كيف ~~وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته ؟ قال : هذا من المخاريق التي لا أب لها ، ~~وذلك أني لما ألقيت هذا الكلام خطر بباله وحدث به نفسه وأسرى به قلبه ~~واشتغل به فكره ففي ساعة نام خيل له ما حل في قلبه واشتغل به فكره فنام ~~فرآه . فقال له الخادم : قد حلفت بالطلاق . قال : طلقة واحدة وبقيت معي على ~~اثنتين وأزيد مهرها عشرة دراهم . وأتحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف ~~دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب ، وثلاثة مراكب فارهة . فبهت الخادم ~~وتعجب من ذلك . فقال له سعيد : قد صدقتك وجعلت ذلك مكافأتك على كفالتك ~~فاستر علي . ثم طلبه المهدي لمنادمته فنادمه وحظي عنده وقلده القضاء على ~~العسكر . فلم يزل كذلك حتى مات . انتهى . PageV01P096 # | المهدي والأعرابي # يحكى أن المهدي خرج يتصيد ، فسار به فرسه حتى دخل إلى خباء أعرابي ، فقال ~~: يا أعرابي . هل من قرى ؟ قال : نعم ، فأخرج له قرض شعير فأكله ، ثم أخرج ~~له فضلة من لبن فسقاه ، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه قعبا . فلما شرب قال : ~~يا أخا العرب أتدري من أنا ؟ قال : لا والله . قال : أنا من خدم أمير ~~المؤمنين الخاصة . قال : بارك الله في موضعك . ثم سقاه قعبا آخر فشربه فقال ~~: يا أعرابي ، أتدري من أنا ؟ قال : زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة ~~. قال : لا ، بل أنا من قواد أمير المؤمنين . قال : رحبت بلادك وطاب مرادك ~~. ثم سقاه ثالثا فلما فرغ منه قال : يا أعرابي ، أتدري من أنا ؟ قال : زعمت ~~أنك من قواد أمير المؤمنين . قال : لا ، ولكني أمير المؤمنين . فأخذ ~~الأعرابي الركوة وأوكأها وقال : والله لو شربت الرابع لادعيت أنك رسول الله ~~. فضحك المهدي حتى غشي عليه وأحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف ~~فطار قلب الأعرابي فقال له : لا بأس عليك ولا خوف ثم أمر له بكسوة ومال . # | أبو نواس وجارية بنت المهدي # وقيل : كان لأسماء بنت المهدي ms078 جارية يقال لها : كاعب . وكانت بكرا ناهدا ~~ذات حسن وجمال وقد واعتدال ، وكانت بنت ست عشرة سنة . قال : فتلاعب عليها ~~أبو نواس لينالها ، فتمنعت منه مرارا . فظفر بها ليلة من الليالي في ناحية ~~من نواحي القصر فمسكها فبكت وقالت : الموت دون ذلك ، فقال أبو نواس في نفسه ~~: هذا جزع الأبكار ، فتركها مدة ، فائفق أنه خرج من القصر ليلة وقد رقرق ~~الدجى ، فوجدها نائمة سكرى فتقرب منها وحل السراويل من وسطها ، ودهمها ، ~~فإذا هي خالية PageV01P097 من البكارة ، فارتاع وظن أنه يكون أتاها دم ، ~~فلم يجد وقام عنها وندم على ما كن منه وأخذ يقول : وناهدة الثديين من خدم ~~القصر . . . مرقرقة الخدين ليلية الشعر كلفت بها دهرا حسن وجهها . . . ~~طويلا وما حب الكواعب من أمري فما زلت بالأشعار حتى خدعتها . . . وروضتها ، ~~والشعر من خدع السحر أطالبها شيئا ، فقالت بعبرة : . . . أموت به داء ~~ودمعتها تجري فلما تعانقنا توسطت لجة . . . غرقت بها يا قوم في لجج البحر ~~فصحت أغثني يا غلام ، فجاءني . . . وقد زلقت رجلي ورحت إلى الصد ولولا ~~صياحي بالغلام وأنه . . . تداركني بالحبل رحت إلى القعر فأقسمت عمري لا ~~ركبت سفينة . . . ولا سرت طول الدهر إلى على الظهر # | الشاعر المجنون # قال المبرد : صعدت من البصرة إلى بغداد ، فمررت بدير العاقول فرأيت ~~مجنونا فيه . فلم أر قط أظرف منه ولا أحسن ثيابا ، ويده الواحدة على صدره . ~~فلما دنوت منه أنشأ يقول : الله يعلم أنني كمد . . . لا أستطيع أبث ما أجد ~~روحان لي : روح تملكها . . . بلد ، وأخرى حازها بلد وأرى الصبابة ليس ~~ينفعها . . . صبر وليس لمثلها جلد وأظن ظاعنتي كشاهدتي . . . بمكانها تجد ~~الذي أجد فقلت : أحسنت والله ، لله درك يا مجنون . فأهوى لشيء يرميني به ~~فبعدت عنه . فقال لي : أنشدتك ما تحبه واستحسنته . وتقول لي : يا مجنون ، ~~وتكون مع الزمان علي . فقلت له : أخطأت . فقال : إذن اعترفت بخطئك . ثم قال ~~: أنشدك شعرا أيضا ؟ قلت : نعم . فأنشأ يقول : PageV01P098 ما أقتل البين ~~للمحب . وما . . . أوجع قلب المحب بالكمد عرضت نفسي على البلاء لقد . . . ~~أسرع في مهجتي وفي ms079 كبدي يا حسرة ! إذ أبيت معتقلا . . . بين اختلاج الهموم ~~والسهد فقلت : أحسنت والله زدنا ، فقال : إن فتشوني فمحرق الكبد . . . أو ~~كشفوني فناحل الجسد أضعف ما بي وزادني ألما . . . أن لست أشكو النوى إلى ~~أحد فقلت : أحسنت والله زدنا . فقال : يا فتى ، أراك كلما أنشدتك بيتا قلت ~~زدنا ، وما ذاك إلا لمفارقة حبيب أو خل أريب ، ثم قال : أحسبك أبا العباس ~~المبرد . بالله ما هو أنت . قلت : أنا ذلك فمن أين عرفتني ؟ فقال : وهل ~~يخفى القمر ؟ ثم قال : يا أبا العباس ، أنشدني من شعرك شيئا تنتعش به روحي ~~، فأنشدته قولي : بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل . . . ومن بكائي بكت أعداي ~~إذ رحلوا يا منزل الحي ! أين الحي قد نزلوا ؟ . . . نفسي تساق إذا ما سيقت ~~الإبل أنعم صباحا ، سقاك الله من طلل . . . غيثا وجاد عليك الوابل الهطل ~~سقيا لعهدهم والدار جامعة . . . والشمل ملتئم والحبل متصل فطالما قد نعمنا ~~والحبيب بها . . . والدهر يسعد والواشون قد غفلوا قد غير الدهر ما قد كنت ~~أعرفه . . . والدهر ذو دول بالناس ينتقل بانوا فبان الذي قد كنت آمله . . . ~~والبين أعظم ما يبلى به الرجل فالشمل مفترق ، والقلب محترق . . . والدمع ~~منسكب ، والركب مرتحل كأن قلبي لما سار عيسهم . . . صب به دنف أو شارب ثمل ~~لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم . . . وثوروها وسارت بالهوى الإبل وقلت من ~~خلال السجف ناظرها . . . ترنوا لي ، ودمع العين منهمل يا حادي العيس ! عرج ~~بي أو دعهم . . . يا حادي العيس في ترحالك الأجل إني وحقك لا أنس مودتهم . ~~. . يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا ؟ قال أبو العباس المبرد : فلما أتممت ~~شعري . قال لي : ما فعلوا ؟ قلت : ماتوا ، فصاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه ~~، فحركته فوجدته قد مات . رحمة الله عليه . انتهى . PageV01P099 # | خلافة موسى الهادي بن محمد # لم أر فيه شيئا ومن رأى فيه شيئا فليضعه . قال بعض الفضلاء : من حيث أن ~~المؤلف أمر بأن من رأى فيه شيئا فليضعه ، فرأيت هذا النذر اليسير مذكورا في ~~تاريخ الإسحاقي فأحببت ذكره امتثالا لأمره ، فقلت : # | الهادي والخارجي ms080 # ذكر صاحب الكردان : أن الهادي كان يوما في بستان يتنزه على حمار ، ولا ~~سلاح معه وبحضرته جماعة ، من خواصه وأهل بيته ، فدخل عليه حاجبه وأخبره أن ~~بالباب بعض الخوارج له بأس ومكايد ، وقد ظفر به بعض القواد فأمر الهادي ~~بإدخاله فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه . فلما أبصر الخارجي الهادي ~~جذب يديه من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي ففر كل من كان حوله ~~وبقي وحده ، وهو ثابت على حماره ، حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه ~~بالسيف أومأ إلى وراء الخارجي وأوهمه أن غلاما وراءه وقال : يا غلام اضرب ~~عنقه ، فظن الخارجي أن غلاما وراءه والتفت الخارجي ، فنزل الهادي مسرعا عن ~~حماره فقبض على عنق الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه ، ثم عاد إلى ظهر ~~حماره من فوره ، وأتباع الهادي ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه ~~حياء ورعبا ، فما عاتبهم ولا خاطبهم في ذلك بكلمة ، ولم يفارق السلاح بعد ~~ذلك اليوم ، ولم يركب إلا جوادا من الخيل . فانظر إلى هذا المقدار في ثبات ~~جأش الملوك ، فإنه قل من يفعل ذلك ، وهذه مرتبة لم يصل إليها أحد إلا نادرا ~~. # | الهادي وحبه لغادرة # حكي عبد الحق أنه قال مما ابتلي به الهادي من المحبة أنه كان مغرما ~~بجارية تسمى غادرا ، وكانت من أحسن النساء وجها وأطيبهم غناء ، اشتراها ~~بعشرة آلاف دينار ، فبينما هو يشرب مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع ~~الشراب ، فقيل له : ما بال أمير المؤمنين ؟ قال : وقع في قلبي أني أموت وأن ~~أخي هارون بلي الخلافة ويتزوج غادرا فامضوا وأتوني برأسه . ثم رجع عن ذلك ~~وأمر بإحضاره ، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به ، فقال : لا أرضى ~~حتى تحلف علي بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها . فرضي PageV01P100 ~~بذلك وحلف إيمانا عظيمة ، ودخل إلى الجارية وحلفها أيضا على مثل ذلك ، فلم ~~يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات وولي الخلافة هارون الرشيد فطلب الجارية فقالت : ~~يا أمير المؤمنين كيف ms081 تصنع بالإيمان ؟ فقال : قد كفرت عنك وعني . ثم تزوج ~~بها ووقعت في قلبه موقعا عظيما وافتتن به أعظم من أخيه الهادي حتى كانت ~~تسكر وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب . فبينما هون في بعض الليالي وهي ~~في حجره نائمة إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة . فقال لها : ما بالك فديتك ؟ ~~قالت : رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات : أخلفت عهدي ~~بعدما . . . جاوزت سكان المقابر ونسيتني ، وحنثت في . . . إيمانك الزور ~~الفواجر ونكحت غادرة أخي . . . صدق الذي سماك غادر لا يهنك الإلف الجدي ؟ . ~~. . د ولا تدر عنك الدوائر ولحقتني قبل الصبا - ح وصرت حيث غدوت صائر قالت ~~: ثم ولى عني وكأن الأبيات مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة . فقال لها : ~~هذه أحلام الشيطان . فقالت : كلا ، والله يا أمير المؤمنين . ثم اضطربت بين ~~يديه وماتت في تلك الساعة ، ولا تسأل عن هارون الرشيد وما لقي بعدها . ؟ ؟ ~~PageV01P101 # | خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي # هو أخو موسى الهادي ، وهو الخامس من بني العباس . قال إبراهيم الموصلي في ~~تهنئة الخلافة عندما ولي الرشيد بعد أخيه موسى الهادي : ألم تر أن الشمس ~~كانت مريضة . . . فلما أتى هارون أشرق نورها تلبست الدنيا جمالا بملكه . . ~~. فهارون واليها ويحيى وزيرها # | هارون والأعرابي # قدم أعرابي حين ولي هارون الخلافة فقيل له : فيم جئت ؟ قال : أتيت برسالة ~~. قال : ائت بها . قال : أتاني آت في منامي فقال : ائت أمير المؤمنين ~~فابلغه هذه الأبيات : توارثت الخلافة في قريش . . . تزف إليكما أبدا عروسا ~~إلى هارون تهدي بعد موسى . . . تميس ، وما لها أن لا تميسا فأعطاه الرشيد ~~عطاء جزيلا وصرفه . # | ليلة عظيمة # بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه وولد في تلك الليلة ~~المأمون ، وكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة ، ~~وولي فيها خليفة ، وولد فيها خليفة . ولما بويع الرشيد قلد جعفر بن يحيى بن ~~خالد بن برمك وزارته . وسيأتي إيقاع الرشيد بالبرامكة وسبب ذلك . ~~PageV01P102 # | الرشيد والمستقية # ويحكى أن هارون الرشيد مر في بعض الأيام وبصحبته ms082 جعفر البرمكي وإذا هو ~~بعدة بنات يستقون الماء فعرج عليهن يريد الشرب وإذا إحداهن تقول : قولي ~~لطيفك ينثني . . . عن مضجعي وقت المنام كي أستريح وتنطفي . . . نار تأجج في ~~العظام دنف تقلبه الأكف . . . على بساط من سقام فأعجب أمير المؤمنين ~~ملاحتها وفصاحتها . فقال لها : يا بنت الكرام هذا من قولك أم من منقولك ؟ ~~قالت : من قولي . قال : إن كان كلامك صحيحا فأمسكي المعنى وغيري القافية ~~فأنشدت تقول : قولي لطيفك ينثني . . . عن مضجعي وقت الوسن كي أستريح وتنطفي ~~. . . نار تأجج في البدن دنف تقلبه الأكف . . . على بساط من شجن أما أنا ~~فكما علم ؟ . . . ت فهل لوصلك من ثمن ؟ فقال لها : والآخر مسروق . قالت : ~~بل كلامي . فقال : إن كان كلامك أيضا فأمسكي المعنى وغيري القافية . فقالت ~~: قولي لطيفك ينثني . . . عن مضجعي وقت الرقاد كي أستريح وتنطفي . . . نار ~~تأجج في الفؤاد دنف تقلبه الأكف . . . على بساط من حداد أما أنا فكما علم ؟ ~~. . . ت فهل لوصلك من سداد ؟ فقال لها : والآخر مسروق . فقال : بل كلامي . ~~فقال لها : إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية . فقالت : ~~PageV01P103 قولي لطيفك ينثني . . . عن مضجعي وقت الهجوع كي أستريح وتنطفي ~~. . . نار تأجج في الضلوع دنف تقلبه الأكف . . . على بساط من دموع أما أنا ~~فكما علم ؟ . . . ت فهل لوصلك من رجوع ؟ فقال لها أمير المؤمنين : أنت من ~~أي هذا الحي ؟ قالت : من أوسطه بيتا ، وأعلاه عمودا . فعلم أمير المؤمنين ~~أنها بنت كبير الحي . ثم قالت : وأنت من أي راعي الخيل ؟ فقال : من أعلاها ~~شجرة وأينعها ثمرة . فقبلت الأرض وقالت : أيد الله أمير المؤمنين ودعت له ~~ثم انصرفت مع بنات العرب . فقال الخليفة لجعفر : لا بد من أخذها فتوجه جعفر ~~إلى أبيها ، وقال له : أمير المؤمنين يريد بنتك . فقال : حبا وكرامة ، تهدى ~~جارية إلى أمير المؤمنين مولانا . ثم جهزها وحملها إليه فتزوجها ودخل بها ~~فكانت عنده من أعز نسائه وأعطى والدها ما يستره بين العرب من الأنعام . ثم ~~بعد مدة انتقل والدها بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ، فورد على الخليفة خبر ~~وفاته ms083 فدخل عليها وهو كئيب ، فلما شاهدته وعليه الكآبة ، نهضت ودخلت إلى ~~حجرتها وقلعت ما عليها من الثياب الفاخرة ولبست ثياب الحزن وقامت النعي له ~~. فقيل لها : ما سبب هذا ؟ فقالت : مات والدي ، فمضوا إلى الخليفة فأخبروه ~~فقام وأتى إليها وسألها من أعلمها بهذا الخبر ؟ قالت : وجهك يا أمير ~~المؤمنين . قال : كيف ذلك ؟ قالت : منذ أنا عندك ما رأيتك هكذا ولم يكن لي ~~من أخاف عليه إلا والدي لكبره ، ويعيش رأسك أنت يا أمير المؤمنين . فترغرغت ~~عيناه بالدموع وعزاها فيه ، وقامت مدة ، وهي حزينة على والدها ثم لحقت به ~~رحمة الله عليهم أجمعين . ؟ PageV01P104 # | الضيف الطارق # ويحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ذات ليلة فقام يتمشى في قصره ~~بين المقاصير ، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته ، فداس على رجليها ~~فانتبهت فرأت أمير المؤمنين ، فاستحيت منه وقالت : يا أمين الله ما هذا ~~الخبر . فأجابها بقوله : قلت : ضيف طارق في أرضكم . . . هل تضيفوه إلى وقت ~~السحر فأجابته تقول : بسرور وهناء سيدي . . . أخدم الضيف بسمعي والبصر فبات ~~عندها إلى الصباح ، فسأل أمير المؤمنين من بالباب من الشعراء ؟ قيل له : ~~أبو نواس . فمر به فدخل عليه . فقال : هات علي يا أمين الله ما هذا الخبر ، ~~فأنشأ يقول : طال ليلي حين وافاني السهر . . . فتفكرت فأحسنت الفكر قمت ~~أمشي في المجالي ساعة . . . ثم أجري في مقاصير الحجر فإذا وجه جميل مشرق . ~~. . زانه الرحمن من بين البشر فلمست الرجل منها موطئا . . . فدنت مني ومدت ~~للبصر وأشارت لي بقول مفصح . . . يا أمين الله ما هذا الخبر ؟ قلت : ضيف ~~طارق في أرضكم . . . هل تضيفوه إلى وقت السحر فأجابت بسرور سيدي . . . أخدم ~~الضيف بسمعي والبصر قال : فتعجب أمير المؤمنين من ذلك وأمر له بصلة . ~~PageV01P105 # | هارون والجارية السكرى # يحكى أن هارون الرشيد هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر ~~سكرى تدور في جوانب القصر وعليها مطرف خز ، وهي تسحب أذيالها من التيه ~~والعجب ، وسقط رداؤها عن منكبيها ، والريح أبان نهديها كأنهما رمانتان ، ~~ولها ردفان ثقيلان ، فراودها عن نفسها ، فقالت ms084 : يا أمير المؤمنين ! هجرتني ~~هذه المدة وليس لي علم بملاقاتك فأنظرني إلى غد حتى أتهيأ وآتيك . فلما ~~أصبح قال للحاجب : لا تدع أحدا يدخل علي إلا فلانة ، وانتظرها فلم تجئ فقام ~~ودخل عليها وسألها إنجاز الموعد فقالت : يا أمير المؤمنين ، كلام الليل ~~يمحوه النهار . فقام واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه أبو نواس ~~والرقاشي وأبو مصعب فقال لهم : هاتوا علي ، كلام الليل يمحوه النهار . فقال ~~الرقاشي : أنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات ، وأنشأ يقول : أتسلوها ، وقلبك ~~مستطار . . . وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبا مستهاما . . . فتاة لا ~~تزور ولا تزار فولت وانثنت تيها ، وقالت : . . . كلام الليل يمحوه النهار ~~وقال أبو مصعب : وأنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات ، وأنشأ يقول : أما والله لو ~~تجدين وجدي . . . لما وسعتك في بغداد دار أما يكفيك أن العين عبرى . . . ~~ومن ذكراك في الأحشاء نار تبسمت الفتاة بغير ضحك . . . كلام الليل يمحوه ~~النهار وقال أبو نواس : أنا قائل في ذلك أربعة أبيت ، وأنشأ يقول : وخود ~~أقبلت في القصر سكرى . . . ولكن زين السكر الوقار وهز الريح أردافا ثقالا . ~~. . وغصنا فيه رمان صغار وقد سقط الردا عن منكبيها . . . من التخميش وانحل ~~الإزار فقلت : الوعد سيدتي ، فقالت : كلام الليل يمحوه النهار فقال الرشيد ~~: قاتلك الله كأنك كنت معنا أو مطلعا علينا . ومر لكل بخلعة سنية وخمسة ~~آلاف درهم ، ولأبي نواس بعشرة آلاف درهم ، انتهى . PageV01P106 # | الرشيد وجارية الخيزران # وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يوما قبل وقت الظهر ، في ~~مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها ، فوجدها تغتسل ، فلما رأته ~~تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئا ، فأعجبه ذلك الفعل واستحسنه ، ثم ~~عاد إلى مجلسه وقال : من بالباب من الشعراء ؟ قالوا له : أبو نواس وبشار . ~~فقال : ليحضرا جميعا . فأحضرا ، فقال الرشيد ليقل كل منكما أبياتا توافق ما ~~في نفسي ، فأنشأ بشار يقول : تحببتكم والقلب صار إليكمو . . . بنفسي ذاك ~~المنزل المتحبب إذا ذكروا الهجران لا عن ملالة . . . وذكراهم ، ينمي إلي ~~محبب وقالوا تجنبنا ، ولا قرب بيننا ms085 . . . فكيف وأنتم حاجتي تتجنبوا على ~~أنهم أحلى من الشهد عندنا . . . وأعذب من ماء الحياة وأطيب فقال : أحسنت ، ~~ولكن ما أصبت ما في نفسي ، فقل أنت يا أبا نواس ، فجعل يقول : نضت عنها ~~القميص لصب ماء . . . فورد خدها فرط الحياء وقابلت الهواء ، وقد تعرت . . . ~~بمعتدل أرق من الهواء ومدت راحة ، كالماء منها . . . إلى ماء معد في إناء ~~فلما أن قضت وطرا وهمت . . . على عجل إلى أخذ الرداء رأت شخص الرقيب على ~~التداني . . . فأسبلت الظلام على الضياء فغاب الصبح منها تحت ليل . . . وظل ~~الماء يقطر فوق ماء فسبحان الإله وقد براها . . . كأحسن ما يكون من النساء ~~فقال الرشيد : سيفا ونطعا . فقال له : ولم يا أمير المؤمنين ؟ قال : أمعنا ~~كنت ؟ قال : لا والله ولكن شيء خطر ببالي . فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه ~~. ؟ PageV01P107 # | أجود أخبار النساء # ويحكى أن أمير المؤمنين الرشيد أرق ذات ليلة أرقا شديدا ، فقام من فراشه ~~وتمشى من مقصورة إلى مقصورة ، وقلقه زائد ونفسه محصورة ، فلما أصبح قال : ~~علي بالأصمعي ، فخرج الطواشي إلى البوابين ، فقال لهم : يقول لكم أمير ~~المؤمنين أرسلوا أحدا خلف الأصمعي . فلما حضر أعلم الخليفة فأجلسه ورحب به ~~وقال : يا أسمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء ~~وأشعارهن ؟ فقال : سمعا وطاعة : لقد سمعت كثيرا ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات ~~أنشدهن ثلاث بنات . فقال له : حدثني حديثهن . فقال : اعلم إذا أمير ~~المؤمنين ، أني توجهت سنة إلى البصرة فاشتد لعي الحر فطلبت مقيلا أقيل فيه ~~فلم أجد ، فبنما أنا أتلفت يمينا وشمالا ، إذا أنا بساباط مكنوس مرشوش ، ~~وفيه دكة من خشب ، وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة المسك ، فدخلت الساباط ~~وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع ، فسمعت كلاما عذبا من فم جارية حسناء ، ~~وهي تقول : يا أختي ! إنا جلسنا يومنا هذا على وجه الصبوح ، تعالين نطرح ~~ثلاثمائة دينار وكل منا تقول بيتا من الشعر ، فكل من قاتل البيت الأعذب ~~الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها ، فقلن : حبا وكرامة ، فقالت الكبرى : ~~عجبت له أن زار في النوم مضجعي ms086 . . . ولو زارني مستيقظ كان أعجبا فقالت ~~الوسطى : وما زارني في النوم إلا خياله . . . فقلت له : أهلا وسهلا ومرحبا ~~فقالت الصغرى : بنفسي وأهلي من أرى كل ليلة . . . ضجيعي ورياه من المسك ~~أطيبا فقلت : إن كان لهذا المقال جمال ، فقد تم الأمر على كل حال . فنزلت ~~عن الدكة وأردت الانصراف ، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية ، وهي تقول ~~: اجلس يا شيخ ، فطلعت على الدكة ثانيا وجلست ، فدفعت إلي ورقة فنظرت خطا ~~في نهاية الحسن مستقيم الألفات مجوف ألهاآت مدور الواوات مضمونه : نعلم ~~الشيخ ، أطال الله بقاءه ، أننا ثلاث بنات أخوات جلسنا على وجه الصبوح ~~وطرحنا ثلاثمائة دينار ، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها ~~الثلاثمائة دينار ، وقد جعلناك الحكم في ذلك ، فاحكم بما تراه والسلام . ~~PageV01P108 فقلت للجارية : علي بدواة وقرطاس . فغابت قليلا وخرجت إلي ~~بدواة مفضضة وأقلام مذهبة ، فأنشأ أقول : أحدث عن خود تحدثن مرة . . . حديث ~~امرئ ساس الأمور وجربا ثلاث كبكرات الصحاري جحافل . . . حللن بقلب للمشوق ~~معذبا خلون وقد نامت عيون كثيرة . . . من الراقدين المشتهين التغيبا فبحن ~~بما يخفين من داخل الحشا . . . نعم ، واتخذن الشعر لهوا وملعبا فقالت عروب ~~ذات عز غريرة . . . وتبسم عن عذب المقالة أنسبا عجبت له أن زار في النوم ~~مضجعي . . . ولو زارني مستيقظا كان أعجبا فلما انقضى ما زخرفت وتضاحكت . . ~~. تنفست الوسطى ، وقالت تطربا وما زارني في النوم إلا خياله . . . فقلت له ~~: أهلا وسهلا ومرحبا وأحسنت الصغرى ، وقالت مجيبة . . . بلفظ لها قد كان ~~أشهى وأعذبا بنفسي وأهلي من رأى كل ليلة . . . ضجيعي ، ورياه من المسك ~~أطيبا فلما تدبرت الذي قلن وانبرى . . . لي الحكم لم أترك لذي اللب معتبا ~~حكمت لصغراهن في الشعر أنني . . . رأيت الذي قالت جميلا وأصوبا قال الأصمعي ~~: ثم دفعت الرقعة إلى الجارية ، فلما صعدت إلى القصر ، فإذا برقص وتصفيق ~~ودنيا دانية وقيامة قائمة ، فقلت : ما بقي لي إقامة ، فنزلت عن الدكة وأردت ~~الانصراف ، وإذا بالجارية تنادي وتقول : اجلس يا أصمعي . فقلت : ومن أعلمك ~~أنني الأصمعي ؟ فقالت : يا شيخ إن خفي ms087 علينا اسمك فما خفي علينا نظمك . ~~فجلست ، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه الجارية الأولى وعلى يدها طبق من ~~فاكهة وطبق من حلوى ، فتفكهت وتحليت وشكرت صنعها ، وأردت الانصراف ، وإذا ~~بالجارية تنادي وتقول : اجلس يا أصمعي ، فرفعت بصري إليها فنظرت كفا أحمر ~~في كم أصفر فخلته البدر يشرف من تحت الغمام ، ورمت لي صرة فيها ثلاثمائة ~~دينار ، وقالت : هذا صار لي وهو مني لك هبة في نظير حكومتك . فقال لي أمير ~~المؤمنين : لأي شيء حكمت للصغرى ولم تحكم للكبرى ولا للوسطى ؟ فقلت : يا ~~أمير المؤمنين إن ابنتي الكبرى قالت : PageV01P109 عجبت له أن زار في النوم ~~مضجعي وهو محمول معلق على شرط قد يقع ولا يقع ، وأما الوسطى ، فمر بها طيف ~~خيال في النوم فسلمت عليه ، وبيت الصغرى ذكرت أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية ~~وشمت منه أنفاسا أطيب من المسك وفدته بنفسها وأهلها ولا يفدى بالنفس إلا من ~~هو أعز من النفس . فقال الخليفة : أحسنت يا أصمعي . ثم دفع إلي ثلاثمائة ~~دينار فأخذتها وانصرفت فكنت أقول لله درك من شعر أخذت في حكومتي منه ~~ثلاثمائة دينار ، وفي حكايته مثلها ، والله أعلم . # | الأصمعي والجارية # ومما حكي عن الأصمعي في نوادره ، قال : سهرت ليلة عند الرشيد في الرقة ، ~~فقال لي : من معك يا عبد الله يؤنسك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما لي ~~أنيس غير الوحدة . فأمسك وأقبل في حديثه ما شاء الله ، ثم نهض ونهض من ~~بحضرته فلما صرت إلى منزلي ، وإذا بخادم الأمير يقرع الباب فخرجت ، فإذا ~~ضوء شمع وضجة وغوغاء ومعهم جارية فلما رآني الخادم دنا مني وقبل يدي وقال ~~لي : يقول لك أمير المؤمنين قد أمرنا لك بمن يؤنسك ، وهي جارية من خواصه ~~وشيء من المال . فشكرت أمير المؤمنين ودعوت له وتقدم الخادم بإدخال الجارية ~~ومعها من الآلات والخدم والجواري والفرش ما لم أر مثله إلا عند أمير ~~المؤمنين ، ثم ودعني الخادم وانصرف . فلما نظرت إلى الجارية رأيتها أحسن ~~الناس وجها وأكملهم قدا وشكلا وظرفا وأكثرهم مجونا فداخلني لها هيبة ~~وانقباض ms088 . فقالت : ما هذا الحياء البارد السمج الذي لا وجه له ؟ أين ملحك ~~ونوادرك ؟ ثم قالت لجارية من الجواري : هات ما عندك ، فجاءت بأحسن ما يكون ~~من ألوان الطعام فأكلنا وهي مع ذلك تباسطني وتؤانسني بالحديث والملاعبة ، ~~ثم دعت بالشراب فشربت وسقتني ، ثم قالت : ما بقي بعد الأكل والشرب إلا ~~النوم والخلوة . فقامت ولبست من الثياب ما أرادت وألبستني ثيابا فاخرة ~~مبيضة وتفرق من كان عندنا ، ثم اضطجعت إلى جانبي ، فلما جمعنا الفراش ~~أصابني من الحصر وانقطاع الانعاظ ورخاوة الأير ما لم أكن أعهده قبل ذلك ~~فجعلت تقلبه بيدها وتغمزه فلا يزداد إلا إنكماشا وموتا فلما أعيتها ~~PageV01P110 الحيلة فيه ويئست من قيامه ومضى من الليل أكثره قالت : عظم ~~الله أجرك في أيرك ، ثم نهضت ولبست ثياب الحداد ودعت بسفط فأخرجت منه ~~مناديل صغارا وحنوطا وقالت : نم عل ظهرك يا بطال ، فاستولى علي الخجل حتى ~~إني لم أقدر أخالفها في شيء مما تأمرني به في جميع ما تفعله في فغسلته ~~وحنطته وكفنته بتلك المناديل فلما فرغت همت بجواريها وقامت معهن في بكاء ~~ونحيب ونوح وندب وصراخ بأشد ما يكون وما زلن على ذلك إلى وقت السحر ، ثم ~~قالت : ما بقي إلا ما يتولاه الرجال من الصلاة والدفن وولت عني . فقمت وأنا ~~أخزى خلق الله حالا فلبست ثيابي وصليت الفجر وسرت من وقتي وساعتي إلى ~~الرشيد فأنكر الحاجب حضوري في ذلك الوقت وأعلم الرشيد بي ، فأذن لي فدخلت ، ~~وهو قاعد في مصلاه ، فقال لي : ويحك ما دهاك في هذا الوقت ؟ فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، خبري عجيب وأمري غريب ، فبالله عليك يا أمير المؤمنين ، ألا ما ~~رحمتني وأرحتني من هذا الجارية التي أنفذتها إلي فلا حاجة لي بها . فقال لي ~~أمير المؤمنين : وما السبب لذلك وما الخبر الذي دهاك وليس لها عندك حين من ~~الزمان . فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها حتى بلغت إلى إقامة الصلاة ~~فاشتد ضحكه حتى أنه كاد يستلقي على قفاه وسمعت الضحك من كل ناحية في الدار ~~من الجواري ms089 وغيرهن ، ثم قال : نحن إلى هذه أحوج منك إليها وقد كنا غافلين ~~عنها ، ثم إنه أمر بحملها إلى داره وعوضني عنها خمسين ألف درهم وترك جميع ~~ما حمل معها في منزلي وخرجت مجردة فحظيت بعد ذلك عند الرشيد حتى إنه لم ~~يتقدم عليها أحد من نظائرها ، وسميت من قوتها هذا بالأصمعية إلى أن توفيت ~~رحمة الله عليهم أجمعين . PageV01P111 # | إبراهيم الموصلي وإبليس # وعن أبي إسماعيل إبراهيم الموصلي قال : استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما من ~~الأيام للانفراد بجواري وإخواني ، فأذن لي في يوم السبت ، فأتيت منزلي ~~وأخذت في إصلاح طعامي وشرابي وما احتجت إليه وأمرت البوابين بإغلاق الأبواب ~~وأن لا يأذنوا لأحد بالدخول علي . فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي ~~، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال وعليه جبتان قصيرتان وقميص ناعم وعلى رأسه ~~قلنسوة وبيده عكازة مقمعة بفضة وروائح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار ~~والرواق ، فداخلني غيظ عظيم لدخوله علي وهممت بطرد البوابين فسلم علي أحسن ~~سلام ، فرددت عليه وأمرته بالجلوس ، فجلس وأخذ يحدثني بأحاديث العرب ~~وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب وظننت أن غلماني تحروا مسرتي لإدخال مثله ~~علي لأدبه وظرفه ، فقلت : هل لك في الطعام ؟ قال : لا حاجة لي فيه . قلت : ~~فالشراب ؟ قال : ذلك إليك . فشربت رطلا وسقيته مثله ، ثم قال : يا أبا ~~إسحاق ، هل لك أن تغنينا شيئا فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص . ~~فغاظني قوله ، ثم سهلت الأمر على نفسي ، فأخذت العود وضربت وغنيت ، فقال : ~~أحسنت يا إبراهيم ، فازددت غيظا فقلت : ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذني ~~واقتراحه علي حتى سماني باسمي ولم يجمل مخاطبتي . ثم قال : هل تزيد نكافئك ~~؟ د فترنمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت فيما غنيته ، قمت به قياما تاما لقوله ~~: ونكافئك . فطرب وقال : أحسنت يا سيدي ، ثم قال لي : أتأذن لي في الغناء ؟ ~~فقلت : شأنك ، واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي سمعه مني . فأخذ ~~العود وجسه فوالله خلت أن العود ينطق بلسان عربي واندفع ms090 يغني هذه الأبيات : ~~ولي كبد مقروحة من يبيعني . . . بها كبدا ليست بذات قروح أباها على الناس ~~لا يشترونها . . . ومن يشتري ذا علة بصحيح أئن من الشوق الذي في جوانحي . . ~~. أنين غصيص بالشراب طريح PageV01P112 قال إبراهيم : فوالله لقد ظننت أن ~~الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه ، وبقيت مبهوتا لا ~~أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي ، ثم اندفع يغني ، فقال : ألا يا ~~حمامات اللوى عدن عودة . . . فإني إلى أصواتكن حزين فعدن ولما عدن كدن ~~يمتنني . . . وكدت بأسراري لهن أبين دعون بترداد الهدير كأنما . . . شربن ~~الحميا أو بهن جنون فلم تر عيني مثلهن حمائما . . . بكين ولم تدمع لهن عيون ~~قال : ثم سكت قليلا وغنى هذه الأبيات : ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد . . ~~. فقد زادني مسراك وجدا على وجدي أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى . . . على ~~فنن من غصن بان ومن رند بكيت كما يبكي الوليد صبابة . . . وأبديت من شكواي ~~ما لم تكن تبدي وقد زعموا أن المحب إذا دنا . . . تمل وأن البعد يشفي من ~~الوجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا . . . على أن قرب الدار خير من البعد على ~~أن قرب الدار ليس بنافع . . . إذا كان من تهواه ليس بذي ود ثم قال : يا ~~إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك . فقلت : ~~أعده علي ؟ فقال : لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه . ثم غاب من ~~بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب الحريم ~~فوجدتها مغلقة ، فقلت للجواري : أي شيء سمعتن ؟ فقلن : سمعنا غناء أطيب شيء ~~وأحسنه . فخرجت متحيرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا فسألت البوابين عن الشيخ ~~فقالوا : أي شيخ ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد . فرجعت أتأمل أمره ، فإذا ~~هو قد هتف بي من جوانب البيت ، وقال : لا بأس عليك يا أبا إسحاق ، فإنما هو ~~أبو مرة قد كنت نديمك اليوم ، فلا تفزع . فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر ، ~~فقال : أعد الأصوات التي أخذتها ، فأخذت العود وضربت ، فإذا ms091 هي راسخة في ~~صدري ، فطرب الرشيد عليها وجعل يشرب ، ولم يكن له همة على الشراب ، وقال : ~~كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها فليته متعنا بنفسه يوما ~~واحدا كما متعك ، ثم أمر لي بصلة فأخذتها وانصرفت ، انتهى . PageV01P113 # | الرشيد وإسماعيل بن صالح # وقال الرشيد يوما للفضل بن يحيى ، وهو بالرقة : قد قدم إسماعيل ابن صالح ~~بن علي ، وهو صديقك ، وأريد أن أراه ؟ فقال : إن أخاه عبد الملك في حبسك ~~وقد نهاه أن يجيئك . قال الرشيد : فإني أتعلل حتى يجيئني عائدا ؟ فتعلل ، ~~فقال الفضل لإسماعيل : ألا تعود أمير المؤمنين ؟ قال : بلى . فجاءه عائدا ~~فأجلسه ، ثم دعا بالغداء ، فأكل وأكل إسماعيل بين يديه ، فقال له الرشيد : ~~كأني قد نشطت برؤيتك إلى شرب قدح ، فشرب وسقاه ، ثم أمر فأخرج جوار يغنين ~~وضربت ستارة وأمر بسقيه ، فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ووضعه في ~~حجر إسماعيل وجعل في عنقه سبحة ، وفيها عشرة حبات من در شراؤها بثلاثين ألف ~~دينار ، وقال : عن يا إسماعيل ، وكفر عن يمينك بثمن هذه السبحة ، فاندفع ~~يغني شعر الوليد بن يزيد في غالية أخت عمر بن عبد العزيز ، وكانت تحته ، ~~وهي التي ينسب إليها سوق الغالية ، فقال : فأقسم ما أدنيت كفي لريبة . . . ~~ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها . . . ولا دلني ~~رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبة . . . من الدهر إلا قد أصابت ~~فتى مثلي فسمع الرشيد أحسن غناء من أحسن صوت . فقال : الرمح يا غلام . فجيء ~~بالرمح ، فعقد له لواء على إمارة مصر . قال إسماعيل : فوليتها سنتين ~~فأوسعتها عدلا . وانصرفت بخمسمائة ألف دينار ، وبلغ أخاه عبد الملك ولايته ~~، فقال : غني والله الخبيث لهم ، ليس هو بصالح ، انتهى . PageV01P114 # | أعرابي يزاحم الرشيد # يروى أنه لما دخل هارون الرشيد إلى مكة ، شرفها الله تعالى ، وابتدأ ~~بالطواف ومنع الخاص والعام من ذلك لينفرد بالطواف . فسبقه أعرابي ، فشق ذلك ~~على الرشيد فإلتفت إلى حاجبه منكرا عليه ، فقال الحاجب للأعرابي : تخل عن ~~الطواف حتى يطوف أمير ms092 المؤمنين . فقال الأعرابي : إن الله قد ساوى بين ~~الإمام والرعية في هذا المقام ، فقال عز وجل : ' سواء العاكف فيه والباد ~~ونم يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ' . فلما سمع الرشيد من ~~الأعرابي ذلك راعه أمره فأمر حاجبة بالكف عنه ، ثم جاء الرشيد إلى الحجر ~~الأسود ليستلمه فسبقه الأعرابي فاستلمه ، ثم أتى الرشيد إلى المقام للمصلي ~~فسقه الأعرابي فصلى فيه ، فلما فرغ الرشيد من صلاته قال : لحاجبه : ائتني ~~بهذا الأعرابي ، فأتاه الحاجب فقال : أجب أمير المؤمنين . فقال : ما لي ~~إليه من حاجة إن كان له حاجة فهو أحق بالقيام إلي والسعي . فقام الرشيد حتى ~~وقف بإزاء الأعرابي وسلم عليه ، فرد عليه السلام ، فقال له الرشيد : يا أخا ~~العرب إجلس هنا بأمرك . فقال الأعرابي : ليس البيت بيتي ولا الحرم حرمي ~~وكلنا فيه سواء . فإن شئت تجلس ، وإن شئت تنصرف . قال الراوي : فعظم ذلك ~~على الرشيد وسمع ما لم يكن في ذهنه ، وما ظن أنه يواجهه أ ؛ د بمثل هذا ~~الكلام . فجلس الرشيد وقال : يا أعرابي ، أريد أن أسألك عن فرضك ، فإن أنت ~~قمت به فأنت بغيره أقوم ، وإن أنت عجزت عنه فأنت عن غيره أعجز . فقال ~~الأعرابي : سؤالك هذا سؤال تعلم أم سؤال تعنت ؟ فتعجب الرشيد من سرعة جوابه ~~وقال : بل سؤال تعلم . فقال له الأعرابي : قم فاجلس مقام السائل من المسؤول ~~. PageV01P115 قال : فقام الرشيد وجثا على ركبتيه بين يدي الأعرابي ، فقال ~~: قد جلست فاسأل عما بدا لك . فقال له : أخبرني عما افترض الله عليك ؟ فقال ~~له : تسألني عن أي فرض عن فرض واحد ، أم عن خمسة ، أن عن سبعة عشر ، أم عن ~~أربعة وثلاثين ، أم عن خمسة وثمانين ، أم عن واحدة في طول العمر ، أم عن ~~واحدة في أربعين ، أم عن خمسة من مائتين . قال : فضحك الرشيد حتى استلقى ~~على قفاه استهزاء به ، ثم قال : له : سألتك عن فرضك فأتيتني بحساب الدهر ؟ ~~قال : يا هارون لولا أن الدين بالحساب لما أخذ الله الخلائق بالحساب يوم ~~القيامة ، فقال تعالى : ' ونضع ms093 الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ' . قال : فظهر ~~الغضب في وجه الرشيد واحمرت عيناه حين قال : يا هارون ، ولم يقل له : يا ~~أمير المؤمنين ، وبلغ مبلغا شديدا غير أن الله تعالى عصمه منه وحال بينه ~~وبينه لما علم أنه هو الذي أنطق الأعرابي بذلك ، فقال له الرشيد : يا ~~أعرابي ، إن فسرت ما قلت نجوت وإلا أمرت بضرب عنقك بين الصفا والمروة . ~~فقال له الحاجب : يا أمير المؤمنين اعف عنه وهبه لله تعالى ولهذا المقام ~~الشريف ؟ قال : فضحك الأعرابي من قولهما حتى استلقى على قفاه ، فقال : مم ~~تضحك ؟ قال : عجبا منكما إذ لا أدري أيكما أجهل الذي يستوهب أجلا قد حضر أم ~~من يستعجل أجلا لم يحضر ؟ قال : هاك الرشيد ما سمعه منه وهانت نفسه عليه ، ~~ثم قال : الأعرابي : أما سؤالك عما افترض الله علي ، فقد افترض علي فرائض ~~كثيرة ، فقولي لك عن فرض واحد : فهو دين الإسلام ، وأما قولي لك عن خمسة : ~~فهي الصلوات ؛ وأما قولي لك عن سبعة عشرة : فهي سبعة عشرة ركعة ؛ وأما قولي ~~لك عن أربعة وثلاثين : فهي السجدات ؛ وما قولي لك عن خمسة وثمانين : فهي ~~التكبيرات ؛ وأما قولي لك عن واحدة في طول العمر : فهي حجة الإسلام واحدة ~~في طول العمر كله ، وأما قولي لك واحدة في أربعين : فهي زكاة الشياه ، شاة ~~من أربعين ، وأما قولي لك خمس من مائتين : فهي زكاة الورق . PageV01P116 ~~قال : فامتلأ الرشيد فرحا وسرورا من تفسير هذه المسائل ، ومن حسن كلام ~~الأعرابي وعظم الأعرابي في عينه وتبدل بغضه محبة ، ثم قال : الأعرابي : ~~سألتني فأجبتك وأنا أريد أن أسألك فأجبني . قال : قل . فقال الأعرابي : ما ~~تقول في رجل نظر إلى امرأة في وقت صلاة الفجر فكانت عليه محرمة ، فلما كان ~~وقت الظهر حلت له ، فلما كان في وقت العصر حرمت عليه ، فلما كان وقت المغرب ~~حلت له ، فلما كان وقت العشاء حرمت عليه ، فلما كان وقت الصبح حلت له ، ~~فلما ms094 كان وقت الظهر حرمت عليه ، فلا كان وقت العصر حلت له ، فلما كان وقت ~~المغرب حرمت عليه ، فلما كان وقت العشاء حلت له . فقال : والله يا أخا ~~العرب لقد أوقعتني في بحر لا يخلصني منه غيرك . فقال له : أنت خليفة ليس ~~فوقك شيء ولا ينبغي أن تعجز عن مسألة فكيف عجزت عن مسألتي وأنا رجل بدوي لا ~~قدرة لي ؟ فقال الرشيد : قد عظم قدرك العلم ورفع ذكرك فأشتهي إكراما لي ، ~~ولهذا المقام تفسير ذلك . فقال : حبا وكرامة ولكن على شرط أن تجبر الكسير ~~وترحم الفقير ولا تزدري الحقير . فقال : حبا وكرامة ، ثم قال : إن قولي لك ~~عن رجل نظر إلى امرأة وقت صلاة الفجر فكانت عليه حراما فهو رجل نظر إلى أمة ~~غيره وقت الفجر فهي حرام عليه ، فلما كان وقت الظهر اشتراها فحلت له ، فلما ~~كان وقت العصر أعتقها ، فحرمت عليه ، فلما كان وقت المغرب تزوجها فحلت له ، ~~فلما كان وقت العشاء طلقها فحرمت عليه ، فلما كان وقت الفجر رجعها فحلت له ~~، فلما كان وقت الظهر ظاهر منها فحرمت عليه ، فلما كان وقت العصر أعتق عنها ~~، فحلت له ، فلما كان وقت المغرب ارتد عن الإسلام فحرمت عليه . فلما كان ~~وقت العشاء تاب ورجع إلى الإسلام فحلت له . قال : فاغتبط الرشيد وفرح به ~~واشتد إعجابه ، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم ، فلما حضرت قال : لا حاجة لي ~~بها ردها إلى أصحابها . فقال له : أريد أن أجري لك جراية تكفيك مدة حياتك ؟ ~~قال : الذي أجرى عليك يجري علي . قال : فإن كان عليك دين قضيناه عنك ؟ قال ~~: لا ، ولم يقبل منه شيئا ، ثم أنشد يقول : PageV01P117 هب الدنيا توافينا ~~سنينا . . . فتكدر ساعة وتلذ حينا فما أبغي لشيء ليس يبقى . . . وأتركه غدا ~~للوارثينا كأني بالتراب علي يحثى . . . وبالإخوان حولي نادبينا ويوم تزفر ~~النيران فيه . . . وتقسم جهرة للسامعينا وعزة خالقي وجلال ربي . . . ~~لأنتقمن منهم أجمعينا وقد شاب الصغير بغير ذنب . . . فكيف يكون حال ~~المجرمينا فلما فرغ من إنشاده تأوه الرشيد وسأله عن أهله وبلاده ، فأخبره ms095 ~~أنه موسى الرضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهم أجمعين ، وكان يتزيا بزي أعرابي زهدا في الدنيا وتباعدا ~~عنها ، فقام إليه الرشيد وقبل ما بين عينيه ، ثم قرأ ' الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته ' ، وانصرف رحمة الله عليهم أجمعين . # | الحسين الخليع والجارية العاشقة # قال السجستاني : أرق الرشيد ليلة ، فوجه إلى الأصمعي وإلى حسين الخليع ~~فأحضرهما وقال : عللاني وابدأ أنت يا حسين . فقال حسين : نعم يا أمير ~~المؤمنين ؟ خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة ممتدحا محمد بن سليمان ~~الزينبي بقصيدتي ، فقبلها وأمرني بالمقام ، فخرجت ذات يوم إلى المبربد ~~وجعلت المهالبة طريقي فأصابني حر شديد فدنوت من باب دار كبيرة لأستسقي ، ~~فإذا أنا بجارية كأنها قضيب ينثني ، واسعة العينين ، زجاء الحاجبين ، ~~مفتوحة الجبين ، عليها قميص جلناري ورداء عدني قد غلب شدة بياض بدنها على ~~حمرة قميصها ، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين وبطن كطي القباطي ، ~~وعكن كالقراطيس ، لها جمة جعدة بالمسك محشوة ، وهي يا أمير المؤمنين متقلدة ~~خرزا من الذهب والجوهر ، يزهو بين نهديها وعلى صحن جبنها طرة كالسبج ~~وحاجبان مقرونان وعينان نجلاوان وخدان أسيلان PageV01P118 وأنف أقنى تحته ~~ثغر كاللؤلؤ ، وأسنان كالدر ، وقد غلب عليها الطيب ، وهي والهة حيرى ذاهبة ~~في الدهليز ورائحة تخطر على أكباد محييها في مشيتها ، وقد خالط أصوات نعلها ~~خلاخلها ، فهي كما قال الشاعر فيها : كل جزء منم محاسنه . . . كائن من ~~حسنها مثلا فهبتها يا أمير المؤمنين ، ثم دنوت منها لأسلم عليها ، فإذا ~~الدهليز والدار والشارع قد عبق بالمسك ، فسلمت عليها فردت بلسان منكسر وقلب ~~حزين حريق مسعر . فقلت لها : يا سيدتي ، إني شيخ غريب أصابني عطش ، ~~أفتأمرين بشربة من ماء تؤجرين عليها ؟ قالت : إليك عني يا شيخ ، فإني ~~مشغولة عن الماء وادخار الزاد . قلت : لأي علة يا سيدتي ؟ قالت : لأني ~~عاشقة لمن لا ينصفني ، وأريد من لا يريدني ، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء ~~فوق رقباء . قلت : وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك ؟ ~~قالت ms096 : نعم ، وذلك لفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال . قلت : وما ~~وقوفك في هذا الدهليز ؟ قالت : ههنا طريقه وهذا أوان اجتيازه . فقلت لها : ~~يا سيدتي ، فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات ووجد حديث في هذا القرب ؟ ~~فتنفست الصعداء وأرخت دموعها على خدها كطل سقط على ورد ، ثم أنشدت تقول : ~~وكنا كغصني بانة فوق روضة . . . نشم جني اللذات في عيشة رغد فأفرد هذا ~~الغصن من ذاك قطع . . . فيا من رأى فردا يحن إلى فرد قلت : يا هذه ، فما ~~بلغ من عشقك لهذا الفتى ؟ قالت : أرى الشمس على حائطهم أحسب أنها هو ، ~~وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي وأبقى الأسبوع والأسبوعين ~~بغير عقل . فقلت لها : فاعذريني ، فأنت على ما بك من الصبا وشغل البال ~~بالهوى ونحول الجسم وضعف القوى أرى بك من اللون ورقة البشرة فكيف لو لم ~~يمسك الهوى لكنت مفتنة في أرض بصرة . قالت : والله قبل محبتي هذا الغلام ~~كنت تحفة الدلال والجمال والكمال ، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة حتى فتنني ~~هذا الغلام . PageV01P119 قلت : يا هذه ، فما الذي فرق بينكما ؟ قالت : ~~نوائب الدهر ولحديثي وحديثه شأن من الشؤون ، وذلك أني كنت قعدت في ويم ~~نيروز ، ودعوت عدة من مستظرفات البصرة من النساء الجميلات وكانت فيهن ~~الحوراء جارية شيرا ، وكان شراؤها عليه من عمان بثمانية آلاف درهم ، وكانت ~~بي والعة ، فلما دخلت رمت بنفسها علي تقطعني قرصا وعضا ، ثم خلونا نتمرن ~~القهوة إلى أن يدرك طعامنا ويجتمع من دعونا وكانت تلاعبني وألاعبها ، فتارة ~~أنا فوقها ، وتارة هي فوقي ، فحملها السكر إلى أن ضربت يدها إلى تكتي ~~فحلتها من غير زيبة كانت بيننا ، وأنزلت سراويل ملاعبة ، فبينما نحن كذلك ~~إذ دخل علينا حبيبي فرأى ذلك فاشمأز لذلك وصدف عني صدوف المهرة العربية إذا ~~سمعت صلاصل لجامها ، فولى خارجا ، فأنا يا شيخ منذ ثلاث سنين أسأل الاجتماع ~~به فلا ينظر إلي بطرف ولا يكتب لي بحرف ولا يكلم لي رسولا ولا يسمع مني ~~قيلا . فقلت لها : يا هذه ، من ms097 العرب هو أم من العجم ؟ فقالت : ويحك هو من ~~جملة ملوك البصرة . فقلت لها : شيخ هو أم شاب ؟ فنظرت إلي شزرا وقالت : إنك ~~أحمق ، هو مثل القمر ليلة البدر ، أجرد أمرد له طرة كحلك الغراب لا يعيبه ~~شيء غير انحرافه عني . قلت لها : ما اسمه ؟ قالت : ماذا تصنع به ؟ أجتهد في ~~لقائه فأتعرف الفضل بينكما . قالت : على شرط أن تحمل إليه رقعة . قلت : لا ~~أكره ذلك . فقالت : اسمه ضمرة بن المغيرة ويكنى بأبي السخاء ، وقصره ~~بالمربد . ثم صاحت في الدار : يا جواري ، الدواة والقرطاس ، وشمرت عن ~~ساعدين كأنهما طوقان من فضة ، وكتبت بعد البسملة : سدي ترك الدعاء في صدر ~~رقعتي ينبئ عن تقصيري ، ودعائي ، إن دعوته ، هجنة ورعونة ، ولولا أن بلوغ ~~المجهود يخرج من حد التقصير لكان لما تكلفته خادمتك من كتابة هذه الرقعة ~~معنى مع يأسها منك لعلمها تركك الجواب . سيدي ، جد بنظرة وقت اجتيازك في ~~الشارع إلى الدهليز تحيي بها نفسا ميتة ، واخطط بخط يدك ، بسطها الله بكل ~~فضيلة ، رقعة واجعلها عوضا عن تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي ~~الخاليات التي أنت ذاكر لها . سيدي ، ألست لك محبة مدنفة ؟ فإن رجعت إلى ~~الآيسة كنت لك شاكرة وبعد خادمة . والسلام . PageV01P120 فتناولت الكتاب ~~وخرجت فأصبحت غدوة إلى باب محمد بن سليمان فوجدت مجلسا محتفلا بالملوك ~~ورأيت غلاما زان المجلس وفاق على من فيه جمالا وبهجة ، قد رفعه الأمير فوقه ~~، فسألت عنه فإذا هو ضمرة بن المغيرة ، فقلت في نفسي : يا لحقيقة حل ~~بالمسكينة ما حل بها . ثم قمت وقصدت المربد ووقفت على باب داره ، فإذا هو ~~قد ورد في موكب فوثبت الهي وبالغت في الدعاء له وناولته الرقعة ، فلما ~~قرأها وفهم معناها قال لي : يا شيخ ! قد استبدلنا بها ، فهل لك أن تنظر إلى ~~البديل ؟ قلت : نعم . فصاح في الدار أخرجوا الربداء ، فإذا أنا بجارية ~~خابوطية الكمين ، ناهدة الثديين تمشي مشية مستوحل من غير وحل ، فناولها ~~الرقعة ، وقال : أجيبي عنها ، فلما قرأتها اصفرت وعرفت وقالت : يا شيخ ~~أستغفر الله ms098 مما جئت به . فخرجت يا أمير المؤمنين وأنا أجر رجلي حتى أتيتها ~~واستأذنت عليها فقالت : ما وراءك ؟ فقلت : البؤس واليأس . فقالت : ما عليك ~~منه ، فأين الله والقدر ؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار ثم جزت بعد أيام ~~ببابها فوجدت غلمانا وفرسانا فدخلت فإذا أصحاب ضمرة يسألونها الرجوع إليه ؟ ~~فقالت : لا والله لا نظرت له وجها ، فسجدت لله يا أمير المؤمنين ، شماتة ~~بضمرة ونفرته من الجارية ، فأوردت علي منه رقعة فإذا فيها ، بعد التسمية ، ~~سيدتي ، لولا إبقائي عليك ، أدام الله حياتك ، لوصفت شطرا من غدرك شطر غبني ~~عليك ، وسلكت ظلامتي فيك ، إذ كنت الجانية ، على نفسك ونفسي والمظهرة لسوء ~~العهد وقلة الوفاء والمؤثرة علينا غيرنا ، فخالفت هواي ، والله المستعان ، ~~على ما كان من سوء اختيارك والسلام . وأوقفتني على ما حمله إليها من ~~الهدايا والتحف العظيمة فإذا هو بمقدار ثلاثين ألف دينار ثم رأيتها بعد ذلك ~~، وقد تزوج بها ضمرة . PageV01P121 # | جميل والفتى العذري وحبيبته # وحكى مسرور الخادم قال : أرق الرشيد أرقا شديدا ليلة من الليالي ، فقال : ~~يا مسرور من على الباب من الشعراء ؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر ~~العذري فقلت : أجب أمير المؤمنين فقال : سمعنا وطاعة . فدخلت ودخل معي إلى ~~أن صار بين يدي هارون الرشيد فسلم بسلام الخلافة ، فرد عليه وأمره بالجلوس ~~، فقال له الرشيد : يا جميل ، أعندك شيء من الأحاديث العجيبة ؟ قال : نعم ~~يا أمير المؤمنين ، أيما أحب إليك ، ما عاينته ورأيته أو ما سمعته ووعيته ؟ ~~فقال : بل حدثني عما عاينته ورأيته . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، أقبل ~~علي بكلك واصغ إلي بأذنك قال : فقعد الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر ~~المزركش بالذهب ، محشوة بريش النعام ، فجعلها تحت فخذه ثم مكن منها مرفقيه ~~، وقال : هلم بحديثك . فقال : اعلم يا أمير المؤمنين ، أني كنت مفتونا ~~بفتاة محبا لها ، وكنت آلفها إذ هي سؤلي وبغيتي من الدنيا ، وإن أهلها ~~رحلوا بها لقلة المرعى ، فأقمت مدة لا أراها ، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني ~~إليها ، فراودتني نفسي بالمسير إليها فلما كانت ذات ليلة ms099 من الليالي ، هزني ~~الوجد إليها ، فقمت وشددت رحلي على ناقتي واعتممت بعمتي ولبست أطماري ~~وتقلدت بسيفي وتنكبت حجفتي ، وركبت ناقتي وخرجت طالبا لها ، وكنت أجد في ~~السير ، فسرت وكانت ليلة مظلمة مدلهمة ، وأنا مع ذلك أكابد هبوط الأودية ~~وصعود لجبال ، أسمع زئير الأسد وعواء الذئاب ، وأصوات الوحوش من كل جانب ، ~~وقد ذهل عقلي وطاش لبي ، ولساني لا يفتر عن ذكر الله تعالى . فبينما أنا ~~أسير كذلك إذ غلبني النوم فأخذت بي الناقة على غير الطريق التي كنت فيها ، ~~وزاد علي النوم ، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي فانتبهت فزعا مرعوبا ، وإذا ~~بأشجار وأنهار وماء وأطيار على تلك الأغصان تترنم بلغاتها وألحانها ، وشجار ~~ذاك المرج مشتبكة بعضها ببعض ، فنزلت عن ناقتي وأخذت زمامها بيدي ، ولم أزل ~~أتلطف بها إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة ، فأصلحت كورها ، ~~واستويت راكبا على ظهرها ، ولا أدري إلى أين أذهب ولا إلى ما تسوقني ~~الأقدار ؟ فمددت نظري في تلك البرية ، فلاحت لي نار في صدرها فوكزت ناقتي ~~وسرت طالبا إلى أن وصلت إلى PageV01P122 تلك النار ، فقربت نفسي منها ~~وتأملت وإذا بخباء مضروب ورمح مركوز ، وراية قائمة وخيل واقفة ، وإبل سائمة ~~، فقلت في نفسي : يوشك أن يكون لهذا الخباء شأن عظيم ، فإني لا أرى في هذه ~~البرية سواه ، ثم تقدمت خلف الخباء وقلت : السلام عليكم يا أهل الخباء ~~ورحمة الله وبركاته . فخرج إلي من الخباء غلام من أبناء تسعة عشر ، كأنه ~~البدر إذا أشرق ، والشجاعة لائحة بين عينيه ، فقال : وعليك السلام ورحمة ~~الله وبركاته يا أخا العرب ، إني أظنك ضالا عن الطريق ؟ فقلت : الأمر كذلك ~~، أرشدني يرحمك الله تعالى . فقال : يا أخا العرب إن أرضنا هذه مسبعة ، ~~وهذه الليلة مظلمة وحشة شديدة الظلمة والبرد ولا آمن عليك من الوحش أن ~~يفترسك ، فانزل عندي على الرحب والسعة ، فإذا كان الغد أرشدتك إلى الطريق . ~~قال : فنزلت عن ناقتي وعقلتها بفاضل زمامها ونزعت ما كان علي من أطمار ، ~~وجلست ساعة ، وإذا بالشاب قد عمد إلى شاة ms100 فذبحها وإلى نار فأضرمها وأججها ~~ثم دخل الخباء وأخرج أزارا ناعمة ولحما مطيبا وأقبل يقطع من اللحم ويشوي ~~على النار ويطعمني ويتنهد تارة ، ويبكي تارة أخرى ، ثم شهق شهقة عظيمة وبكى ~~بكاء شديدا وأنشد يقول : لم يبق إلا نفس خافت . . . ومقلة إنسانها باهت لم ~~يبق في أعضائه مفصل . . . إلا وفيه سقم ثابت فدمعه جار وأحشاؤه . . . توقد ~~، إلا أنه ساكت تبكي له أعداؤه رحمة . . . يا ويح من يرثي له الشامت قال ~~جميل : فعند ذلك يا أمير المؤمنين علمت أن الغلام عاشق ولهان ، ولا يعرف ~~الهوى إلا من ذاق طعم الهوى ، فقلت في نفس : أنا في منزل الرجل وأتهجم عليه ~~في السؤال ؟ فردعت نفسي وأكلت من ذلك اللحم بحسب الكفاية ، فلما فرغت من ~~الأكل قام الشاب ودخل الخباء وأخرج طشتا نظيفا وإبريقا حسنا ومنديلا من ~~الحرير أطرافه مزركشة بالذهب الأحمر وقمقما مملوءا من الماورد الممسك . ~~فتعجبت من ظرفه ورقة حاشيته ، وقلت في نفسي : ما أغرب الظرف في البادية . ~~PageV01P123 ثم غسلنا أيدينا وتحدثنا ساعة ثم إنه قام ودخل الخباء وقطع ~~بيني وبينه بمقطع من الديباج الأحمر ، ثم خرج وقال : ادخل يا وجه العرب وخذ ~~مضجعك فقد لحقك في هذه الليلة تعب وفي سفرك هذا نصب مفرط . قال جميل : ~~فدخلت فإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر ، فعند ذلك نزعت ما كان علي من ~~الثياب ونمت بليلة لم أنم عمري مثلها ، فلم أزل كذلك ، وأنا متفكر في أمر ~~هذا الشاب إلى أن جن الليل ونامت العيون ، فلم شعر إلا بحس خفي لم أسمع ~~ألطف منه ولا أرق حاشية ، فرفعت سجاف المضرب ، ونظرت فإذا أنا بصبية لم أر ~~أحسن منها وجها وهي إلى جانبه ، وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة ~~والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي ، فقلت : يا الله ؛ العجب من هذا الشخص ~~الثاني ، وهذا بيت فرد فإني لم أر فيه غير هذا الفتى ، وليس حوله أحد ، ثم ~~قلت في نفسي : لا شك أن هذه الجارية من بنات الجن تهوى هذا الغلام ، وقد ~~تفرد بها في هذا ms101 المكان وتفردت به ، فحققتها فإذا هي أنسية عربية إذا رمقت ~~تخجل الشمس المضيئة ، وقد أضاء الخباء من نور وجهها ، فلما تحققت أنها ~~محبوبته غلبتني الغيرة على الحب ، فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت ، فلما ~~أصبحت لبست ثيابي ، وتوضأت لصلاتي ، وصليت ما كان علي من الفرض ، ثم قلت له ~~: يا أخا العرب ، هل لك أن ترشدني إلى الطريق ، فقد تفضلت علي . فنظر إلي ~~وقال : على رسلك يا وجه العرب ، الضيافة ثلاثة أيام وما كنت بالذي يدعك إلى ~~لثلاثة أيام . قال جميل : فأقمت عنده ثلاثة أيام ، فلما كان اليوم الرابع ~~جلسنا للحديث فحادثته وسألته عن اسمه ونسبه فقال : أما نسبي فأنا من بني ~~عذرة ، وأنا فلان بن فلان وعمي فلان ، فإذا هو ابن عمي ، يا أمير المؤمنين ~~، وهو من أشرف بيت في بني عذرة ، قال : فقلت : يا ابن العم ، ما حملك على ~~ما أراه منك من الانفراد في هذه البرية ، وكيف تركت عبيدك وإماءك وانفردت ~~بنفسك في هذا المكان ؟ فلما سمع يا أمير المؤمنين كلامي ، ترغرغت عيناه ~~بالدمع ثم قال : يا بن العم إنني كنت محبا لابنة عمي ، مفتونا بها هائما ~~بحبها مجنونا عليها لا أطيق الفراق عنها ، فزاد عشقي لها ، فخطبتها من عمي ~~، فأبى أن يزوجنيها وزوجها من رجل من بني عذرة ودخل بها وأخذها إلى المحلة ~~التي هو فيها من العام الأول ، فلما بعدت عني وحجبت عن النظر إليها حملتني ~~لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على تركي أهلي ومفارقتي عشيرتي وخلاني وجميع ~~أمتعتي ، وانفردت بهذا البيت في هذه البرية وألفت وحدتي . فقلت : ~~PageV01P124 وين أبياتهم ؟ قال : هم قريب في ذروة هذا الجبل ، وفي كل ليلة ~~عند نوم العيون وهدو من الليل تنسل من الحي سرا بحيث لا يشعر بها أحد فأقضي ~~منها بالحديث وطرا وتقضي هي كذلك ، وها أنا مقيم كذلك على هذا الحال أتسلى ~~بها ساعة من الليل ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، أو يأتيني الأمر على رغم ~~الحاسدين ، أو يحكم الله لي ، وهو خير الحاكمين . قال جميل : فلما حدثني ~~الغلام ms102 يا أمير المؤمنين ، غمني أمره وصرت من ذلك في حيرة لما أصابني عليه ~~من الغيرة ، فقلت له : يا ابن العم ، هل لك أن أدلك على حيلة أشير بها عليك ~~، وفيها إن شاء الله عين الصلاح وسبيل الرشد والنجاح ، وبها يفرج الله عليك ~~الذي تخشاه . فقال لي : قل يا ابن العم . فقلت له : إذا كان الليل وجاءت ~~الجارية فاطرحها على ناقتي ، فنها سريعة الرواح ، واركب أنت جوادك ، وأنا ~~أركب بعض هذه النوق وأسير بكم الليلة جميعها . فما يصبح الصباح إلا وقد ~~قطعت بكم براري وقفارا وتكن قد بلغت مرادك وظفرت بمحبوبة قلبك ، وأرض الله ~~واسعة فضاؤها ، وأنا والله مساعدك ما حييت بروحي ومالي وسيفي . فلما سمع ~~ذلك قال لي : يا ابن العم ، حتى أشاورها في ذلك ، فإنها عاقلة لبيبة بصيرة ~~بالأمور . قال جميل : فلما جن الليل وحان وقت مجيئها وهو منتظر الوقت ~~لمعلوم فأبطأت عن عادتها فرأيت الفتى ، وقد خرج من باب الخباء وفتح فاه ~~وجعل يتنسم هبوب الريح التي تهب من نحوها وأنشد يقول : ريح الصبا تهدي إلي ~~نسيما . . . من بلدة فيها الحبيب مقيم يا ريح فيك من الحبيب علاقة . . . ~~أفتعلمين متى يكون قدوم ثم دخل الخباء وقعد ساعة زمانية ، وهو يبكي ، ثم ~~قال لي : يا ابن العم ، إن لبنت عمي في هذه الليلة نبأ وقد حدث لها حادث ~~وعاقها عني عائق ، ثم قال ل : كن مكانك حتى آتيك بالخبر . ثم أخذ سيفه ~~وحجفته ثم غاب عني ساعة من الليل ثم أقبل وعلى يديه شيء يحمله ثم صاح إلي ~~فأسرعت إليه . فقال : أتدري يا ابن المم ما الخبر ؟ فقلت : لا والله . ~~PageV01P125 فقال : فجعت في ابنة عمي في هذه الليلة لأنها كانت توجهت إلينا ~~كعادتها إذ عرض لها في طريقها أسد فافترسها ولم يبق منها إلا ما ترى . ثم ~~إنه طرح ما كان على يده . فإذا هو مشاش الجارية وما فضل من عظامها . ثم بكى ~~بكاء شديدا ورمى الترس من يده وأخذ كساء على يده ثم قال لي : لا تبرح إلى ms103 ~~أن آتيك إن شاء الله تعالى . : ثم سار فغاب عني ساعة ثم عاد وبيده رأس ~~الأسد فطرحه عن يده ثم طلب ماء فأتيته به فغسل فم الأسد وجعل يقبله ويبكي ~~ويئن وزاد حزنه عليها وأنشد يقول : ألا أيها الليث المدل بنفسه . . . هلكت ~~لقد هيجت لي بعدها شجنا وصيرتني فردا وقد كنت إلفها . . . وصيرت بطن الأرض ~~لي ولها وطنا أقول لدهر خانني بفراقها . . . وغار عليها أن أكن لها حزنا ثم ~~قال : يا ابن العم ، سلتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك إلا ~~حفظت وصيتي ؟ إنك ستراني الساعة ميتا بين يديك ، فإذا كان كذلك ، فغسلني ~~وكفني أنا وهذا الفاضل من مشاش الجارية في هذا الثوب وادفنا في قبر واحد ~~واكتب على قبرنا هذه الأبيات ، وأنشد يقول : كنا على ظهرها ، والعيش في رغد ~~. . . والشمل مجتمع والدار والوطن ففرق الدهر والتصريف ألفتنا . . . وصار ~~يجمعنا في بطنها الكفن قال : ثم بكى بكاء شديدا . ثم دخل المضرب وغاب عني ~~ساعة وخرج وجعل يتنهد ويصيح ثم شهق شهقة فارق الدنيا ، فلما رأيت ذلك منه ~~عظم علي وكبر عندي حتى كدت ألحق به من شدت حزني عليه ، ثم تقدمت إليه وفعلت ~~به ما أمرني من الغسل وكفنتهما جميعا ودفنتهما في قبر واحد ، وأقمت عند ~~قبرهما ثلاث أيام ثم ارتحلت وأقمت سنين أتردد إلى زيارتهما . وهذا ما كان ~~من حديثهما ، يا أمير المؤمنين قال : فلما سمع الرشيد كلامه استحسنه وخلع ~~عليه وأجازه جائزة حسنة ، والله أعلم . PageV01P126 | # | إسحاق الموصلي وإبليس # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : بينما أنا ذات يوم في منزلي ، وكان زمن ~~الشتاء ، وقد انتشرت السحب وتراكمت الأمطار بقطر كأفواه القرب ، وامتنع ~~الغادي والمقبل من المسير في الطرقات لما فيها من الأمطار والوحل ، وأنا ~~ضيق الصدر إذ لم يأتني أحد من إخواني ، ولم أقدر على المسير إليهم من شدة ~~الوحل والطين ، فقلت لغلامي : أحضر لي ما أتشاغل به ، فأحضر لي طعاما ~~وشرابا فتنغصت إذ لم يكن معي من يؤانسني ، ولم أزل أتطلع من الطاقات وأراقب ~~الطرقات ، وأقبل الليل ms104 فتذكرت جارية لبعض أولاد المهدي كنت أهواها . وكانت ~~عارفة بالغناء وتحريك الملاهي . فقلت في نفسي : لو كانت الليلة عندنا لتم ~~سروري وطابت ليلتي مما أنا فيه من الفكر والقلق وإذا بداق يدق الباب وهو ~~يقول : أيدخل محبوب على الباب واقف . فقلت في نفسي : لعل غرس التمني أثمر . ~~فقمت إلى الباب ، فإذا بصاحبتي وعليها مرط أخضر قد اتشحت به وعلى رأسها ~~وقاية من الديباج تقيها من المطر . وقد غرقت في الطين إلى ركبتيها وابتل ما ~~عليها من المزاريب ، وهي في حال عجيب فقلت لها : يا سيدتي ، ما الذي أتى بك ~~في مثل هذه الأوحال . فقالت : قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق ~~، فلم يسعني إلا الإجابة والإسراع نحوك . فعجبت من ذلك وكرهت أن أقول لها ~~إني لم أرسل إليك أحدا . فقلت : أحمد الله على جمع الشمل بعدما قاسيت من ~~ألم الصبر ، ولو كنت أبطأت علي ساعة كنت أحق بالسعي إليك ، فإني كثير ~~الصبابة نحوك . ثم قلت لغلامي : هات الماء . فقبل بسخانة فيها ماء حار حتى ~~أصلح لها حالها ثم أمرته أن يصب الماء على رجليها وتوليت غسلهما . ثم دعوت ~~ببذلة من أفخر الملبوس فألبستها إياها بعد أن نزعت ما كان عليها ، وجلسنا ~~ثم استدعيت بالطعام فأبت ، فقلت : هل لك في الشراب ؟ فقالت : نعم . فتناولت ~~أقداحا ثم قالت : من يغني لي ؟ فقلت لها : أنا يا سيدتي . فقالت : لا أحب . ~~فقلت : بعض جواري . قالت : لا أريد . PageV01P127 فقلت : غني لنفسك . قالت ~~: ولا أنا . قلت : فمن يغنيك ؟ قالت : إلتمس من يغني لي . فخرجت طاعة لها ، ~~إلا أني آيس من أن أجد أحدا في مثل هذا الوقت . فلم أزل حتى بلغت الشارع ، ~~فإذا أنا بأعمى يختبط الأرض بعصا ، وهو يقول : لا جزى الله من كنت عندهم ~~خيرا ، إن غنيت لم يسمعوا ، وإن سكت استخفوا . فقلت : أمغن أنت ؟ قال : نعم ~~. قلت : فهل لك أن تتم ليلتك عندنا وتؤانسنا ؟ قال : إن شئت خذ بيدي فأخذت ~~بيده وسرت إلى الدار ، وقلت لها : يا سيدتي أتيت بمغن أعمى نلتذ ms105 به ولا ~~يرانا . فقالت : علي به . فأدخلته وعزمت عليه في الطعام فأكل أكلا لطيفا ~~وغسل يده ، وقدمت إليه الشراب فشرب ثلاثة أقداح ثم قال لي : من تكون ؟ قلت ~~: إسحاق بن إبراهيم الموصلي . قال : لقد كنت أسمع بك والآن فرحت بمنادمتك . ~~فقلت : يا سيدي فرحت بمن يسرك . فقال : عن يا إسحاق . فأخذت العود على سبيل ~~المجون وقلت : السمع والطاعة ، فلما غنيت وانقضى الصوت قال : يا إسحاق ، ~~قاربت أن تكون مغنيا ، فصغرت علي نفسي وألقيت العود من يدي فقال : ما عندك ~~ممن يحسن الغناء . ؟ قلت : عندي جارية . قال : مرها فلتغن . قلت : تغني ~~وأنت واثق بغنائها ؟ قال : نعم . فغنت ، قال : ما صنعت شيئا فرمت العود من ~~يدها مغضبة وقالت : الذي عندنا جدنا به فإن كان عندك شيء فتصدق به . فقال : ~~علي بعود لم تمسه يد . فأمرت الخادم فجاء بعود جديد ، فضرب في طريق لا ~~أعرفها واندفع يغني هذه الأبيات : PageV01P128 سرى يقطع الظلماء والليل ~~عاكف . . . حبيب بأوقات الزيارة عارف وما راعنا إلا السلام وقولها . . . ~~أيدخل محبوب على الباب واقف قال : فنظرت إلي الجارية شزرا ، وقالت : سر ~~بيني وبينك ما وسعه صدرك ساعة وأودعته لهذا الرجل . فحلفت لها ثم اعتذرت ~~إليها وأخذت أقبل يديها وأدغدغ ثدييها وأعض خديها حتى ضحكت ، ثم التفتت إلى ~~الأعمى وقالت : عن يا سيدي فأخذ العود ، وغنى هذه الأبيات : ألا ربما زرت ~~الملاح ، وربما . . . لمست بكفي البنان المخضبا ودغدغت رمان الصدور ولم أزل ~~. . . أعضض تفاح الخدود المكببا فقلت لها : يا سيدتي ، فمن أعلمه بما نحن ~~فيه ؟ قالت : صدقت . ثم تجنبناه فقال : إني لحاقن . فقلت : يا غلام ، خذ ~~الشمعة وامض بين يديه . فخرج وأبطأ فخرجنا في طلبه فلم نجده ، وإذا الأبواب ~~مغلقة والمفاتيح في الخزانة فلا ندري أفي السماء صعد أو في الأرض هبط ثم ~~علمت أنه إبليس ، وأنه قاد لي . ثم انصرف . فتذكرت قول أبي نواس حيث قال : ~~عجبت من إبليس في كبره . . . وخبث ما أضمر في نيته تاه على آدم في سجدة . . ~~. وصار قوادا لذريته # | إبليس يزور أبا نواس # نظير ms106 ذلك مما يستظرف لأبي نواس ، ما حكي عنه أنه قال : ضجرت من ملازمة ~~أمير المؤمنين هارون الرشيد حتى إني لم أجد فراغا إلى نفسي ، فتوجه أمير ~~المؤمنين إلى الصرح ليبيت فيه ثم يعود . فوجدت لروحي فرصة فدخلت داري ~~وأغلقت بابي وأحضرت شرابا وطلبت نفسي الحلوة ، فعند المساء ، وإذا بالباب ~~يطرق ، فخرجت وإذا أنا بظبي من أولاد الأتراك ما رأت عيني أحسن منه منظرا ، ~~فسلم عيل وقال لي : أتقبل ضيفا ؟ قلت : يا سيدي ومن لي بذلك ؟ فدخل بيتي ~~فحار عقلي عند دخوله ثم أخرج من تحت ثيابه PageV01P129 سلاحية شراب ، ونقلا ~~وشيئا من الدجاج ثم شرب وغنى شيئا لم أسمعه من غيره ، وقضيت مرادي منه ~~مرارا إلى أن مضى وقت من الليل ، وقد هام عقلي من الشراب ومن حسنه ومن ~~تسليم نفسه إلي بغير تقديم عوض ، ثم قال : يا سيدي أريد الانصراف . فقلت له ~~: يا سيدي متى خرجت أنت خرجت روحي من جسدي وكل شيء أملكه بين يديك وأنا ~~أصير عبدك بعد هذا اليوم ولا أفارقك . قال : أصحيح ما تقول ؟ قلت : نعم . ~~قال : ما أنا محتاج إلى مالك ، وإن كنت صادقا فيما ادعيت من محبتك لي قم ~~واحلق لحيتك وشاربك واقعد مثلي أمرد . قال : فحكم علي السكر والعشق فما ~~قدرت أن أخالفه فأجبته إلى ذلك علي أن يبيت عندي ، فعمد إلى موسى وبل لحيتي ~~وفي الحال أنزلها وبقيت مثله أمرد ، ثم صار يضحك علي وقال : يا أبا نواس ~~كيف الشعر الذي ذكرت فيه آدم وإبليس ؟ فأنشدته قائلا : عجبت من إبليس في ~~كبره . . . وخبث ما أضمر في نيته تاه على آدم في سجدة . . . وصار قوادا ~~لذريته ثم ضحك ضحكا عاليا وصك على ساحل قفاي صكا مزعجا ، فاغتظت منه ثم قلت ~~له : ويلك أتفعل بي هكذا . ثم أردت التطلع إليه ، فما وجدت أحدا يجيبني ~~فقلت : إنه الملعون إبليس ، انتهى . # | إبليس والشعراء # قال بعضهم : قد جاءني ليلا بو مرة . . . إبليس يدعوني بلا ترجمان وقال لي ~~: هل لك في أمرد . . . يهز من أعطافه غصن بان قلت ms107 : نعم قال : وفي خمرة . . ~~. حبابها يحكى عقود الجمان قلت : نعم قال : فنم آمنا . . . أنت رئيس الفسق ~~هذا الزمان وقال أبو نواس : وليلة طال سهادي بها . . . فزارني إبليس عند ~~الرقاد PageV01P130 وقال لي : هل لك في قحبة . . . لبيبة تطرد عنك الرقاد ~~قلت : نعم ! قال : وفي قهوة . . . عتقها الغاصر من عهد عاد قلت : نعم ! قال ~~: وفي مطرب . . . إذا شد يطرب منه الجماد قلت : نعم ! قال : وفي شادن . . . ~~قد كحلت أجفانه بالسواد قلت نعم ! قال : وفي طفلة . . . في وجنتيها للمحب ~~انقياد قلت نعم ! قال : فنم آمنا . . . يا كعبة الفسق وركن الفساد وقال زين ~~الدين عمر بن الوردي معارضا لذلك : نمت وإبليس أتى بحيلة منتدبه فقال : ما ~~قولك في حشيشة منتخبه ؟ فقلت : لا ! قال : ولا خمرة كرم مذهبه ؟ فقلت : لا ~~! قال : ولا مليحة مطيبة ؟ فقلت لا ! قال : ولا أغيد بالبدر اشتبه ؟ فقلت : ~~لا ! قال : ولا آلة لهو مطربه ؟ فقلت : لا ! قال : فنم ما أنت إلا حطبه . # | الرشيد وأبو نواس وأبو طوق # وحضر أبو نواس عند الرشيد ليلة أنس ، وكان أبو طوق حاضرا ، وكان أبو نواس ~~مشغوفا بحسنه وجماله ، فلما انقضى المجلس أخذ كل واحد مضجعا للنوم ، فخاف ~~الخليفة من أبي نواس على أبي طوق ، فقال الخليفة لأبي طوق : نم أنت على ~~السرير ، وقال لأبي نواس : أنام أنا وأنت أسفل السرير . فقال : سمعا وطاعة ~~، وهو بذلك غير راض في نفسه . وتغافل الخليفة عن أبي نواس وأظهر النوم ثم ~~انتبه فوجد أبا نواس فوق السرير بجنب أبي طوق يضمه ويعانقه ، فقال : ما هذا ~~يا أبا نواس ؟ فقال : هزني الشوقمن أجل أبي طوقفتدحرجت منأسفل إلى فوق فقال ~~له : قاتلك الله ، انتهى من حيلة الكميت . PageV01P131 # | الرشيد والرجل الأموي # من غريب ما يحكى ، ما حكاه القاضي أبو الحسن التنوخي في كتاب الفرج بعد ~~الشدة : أن منارة وكان صاحب شرطة الرشيد قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا ~~بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه ، مطاعا في البلد ، له ~~جماعة وأولاد ومماليك يركبون الخيل ويحملون السلاح ويغزون الروم ، وأنه ms108 سمح ~~جواد كثير البذل والضيافة ، وأنه لا يؤمن منه ، فعظم ذلك على الرشيد . قال ~~منارة : وكان وقوف الرشيد على هذا ، وهو بالكوفة في بعض حججه ، في سنة ست ~~وثمانين ومائة ، وقد عاد من الموسم ، وقد بايع للأمين والمأمون والمعتصم ~~أولاده ، فدعاني ، وهو خال ، وقال : إني دعوتك لأمر يهمني ، وقد منعني ~~النوم ، فانظر كيف يكون ؟ ثم قص علي خبر الأموي . وقال : اخرج الساعة فقد ~~أعددت لك الخيول وأزحت علتك في الزاد والنفقة والآلة ، وتضم إليك مائة غلام ~~واسلك البرية ، وهذا كتابي إلى نائب دمشق ، وهذه قيود فابدأ بالرجل ، فإن ~~سمع وأجاع فقديه وجئني به ، وإن عصى فتوكل عليه أنت ومن معك لئلا يهرب ، ~~وانفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليكون مساعدا لك ، واقبضا عليه وجئني به ، ~~وأجلت لذهابك ستا ولإيابك ستا ويوما لمقامك ، وهذا محمل تجعله في شقة منه ، ~~إذا قيدته ، وتقعد أنت في الشقة الأخرى ، ولا تكل حفظه إلى غيرك ، حتى ~~تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك . فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما ~~فيها من أهله وولده وحاشيته وغلمانه ، وقدر نعمته والحال والمحل واحفظ ما ~~يقوله الرجل حرفا بحرف من ألفاطه منذ يقع طرفك عليه حتى تأتيني به ، وإياك ~~أن يشكل عليك شيء من أمره . انطلق . قال منارة : فودعته وانطلقت وخرجت ~~فركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين ~~الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلا إلى أن وصلت إلى دمشق في أول الليلة ~~السابعة ، وأبواب البلد مغلقة فكرهت طروقها ليلا فبت بظاهر البلد إلى أن ~~فتح بابها من غد ، فدخلت حتى أتيت باب الرجل ، وعليها صف عظيم وحاشية كثير ~~، فلم أستأذن ودخلت بغير إذن ، فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض من معي عني . ~~قال : هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم . قال : فلما صرت في صحن ~~الدار نزلت ودخلت مجلسا رأيت فيه قوما جلوسا فظننت أن الرجل فيهم فقاموا ~~ورحبوا بين فقلت : أفيكم فلان ؟ قالوا : نحن أولاده وهو في الحمام . ~~PageV01P132 فقلت : استعجلوه . فمضى بعضهم يستعجله ms109 وأنا أتفقد الدار ~~والأحوال والحاشية فوجدتها ماجت بأهلها موجا كبيرا فلم أزل كذلك حتى خرج ~~الرجل بعد أن طال مكثه واستربت منه واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن ~~رأيت شخصا بزي الحمام يمشي في صحن الدار وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان ~~، وهم أولاده وغلمانه ، فقلت : إنه الرجل ، فجاء وجلس وسلم علي سلاما خفيفا ~~وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته ، فأخبرته بما وجب وما قضى ~~كلامه حتى جاءوا بأطباق فاكهة فقال : تقدم يا منارة وكل معنا . فقلت : ما ~~لي إلى ذلك من سبيل . فلم يعاودني فأكل هو ومن معه ثم غسل يديه ودعا ~~بالطعام ، فجاءوا إليه بمائدة حسنة لم أر مثلها إلا للخليفة ، فقال : يا ~~منارة ساعدنا على الأكل . لا يزيد على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة ~~، فامتنعت عليه ، فما عادوني فأكل هو ومن معه ، وكانوا تسعة من أولاده ، ~~فتأملت أكله في نفسه فوجدته يأكل أكل الملوك ووجدت ذلك الاضطراب الذي كان ~~في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون شيئا من بين يديه قد وضع على المائدة لا ~~تهيأ غيره حالا أعظم وأحسن منه . وقد كان غلمانه أخذوا لما نزلت إلى الدار ~~مالي وغلماني وعدلوا بهم إلى دار أخرى فما أطاقوا ممانعتهم ، وبقيت وحدي ~~وليس بين يدي إلا خمس أو ست غلمان وقوف على رأسي فقلت في نفسي : هذا جبار ~~عنيد . فإن امتنع من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمنم معي ولا حفظ إلى ~~أن يلحقني أمير البلد ، وجزعت جزعا شديدا ورابني منه استخفافه وتهاونه ~~بأمري ، يدعوني باسمي ولا يفكر في امتناعي من الأكل ولا يسأل عما جئت به ~~ويأكل مطمئنا ، وأنا مفكر في ذلك ، فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا بالبخور ~~فتبخر وقام إلى الصلاة وصلى الظهر ، وأكثر من الدعاء والبتهال ، ورأيت ~~صلاته حسنة ، فلما انتقل من المحراب أقبل علي وقال : ما أقدمك يا منارة ؟ ~~فأخرجت كتاب أمير المؤمنين ودفعته إليه ، ففضه وقرأه ، فلما استتم قراءته ~~دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق كثير فلم ms110 أشك أنه يريد أن يوقع بي فلما ~~تكاملوا ابتدأ فحلف إيمانا غليظة فيها الطلاق والعتاق والحج والصدقة والوقف ~~أن لا يجتمع اثنان في موضع واحد . وأمرهم أن ينصرفوا ويدخلوا منازلهم ، ولا ~~يظهروا إلى أن ينكشف لهم أمر يعتمدون عليه . وقال : هذا كتاب أمير المؤمنين ~~بالمضي PageV01P133 إليه ، ولست أقيم بعد نظري فيه ساعة واحدة ، فاستوصوا ~~بمن ورائي من الحريم خيرا وما لي حاجة أن يصحبني أحد منكم هات قيودك يا ~~منارة . فدعوت بها وكانت في سفط ومد يده فقيدته وأمرت غلماني بحمله حتى صار ~~في المحمل وركبت في الشق الآخر ، وسرت من وقتي ولم ألاق أمير البلد ولا ~~غيره ، وسرت بالرجل وليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق فابتدأ يحدثني ~~بانبساط حتى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة ، فقال لي : أترى هذا ؟ قلت : ~~نعم . قال : إنه لي ، وقال : إن فيه من غرائب الأشجار كيت وكيت . ثم انتهى ~~إلى آخر ، فقال مثل ذلك . ثم انتهى إلى مزارع حسان وقرى ، فقال مثل ذلك ! ~~هذا لي ، فاشتد غيظي منه ، وقلت : ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه أمرك ~~حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك ومالك وولدك وأخرجك فريدا مقيدا ~~مغلولا ما تدري إلى ما تصير إليه أمرك ولا كيف يكون ، وأنت فارغ القلب من ~~هذا حتى تصف ضياعك وبساتينك بعد أن جئتك ؛ وأنت لا تفكر فيما جئت به ، وأنت ~~ساكن القلب قليل التفكر . لقد كنت عندي شيخا فاضلا . فقال لي مجيبا : إنا ~~لله وإنا إليه راجعون . أخطأت فراستي فيك . لقد ظننت أنك رجل كامل العقل ~~وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل إلا لما عرفوك ، فإذا عقلك وكلامك يشبه ~~كلام العوام ، والله المستعان . أما قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه وإخراجه ~~إياي إلى بابه على صورتي هذه ، فإني على ثقة من الله عز وجل الذي بيده ~~ناصية أمير المؤمنين ، ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه نفعا ولا ضرا إلا بإذن ~~الله عز وجل ، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه ، وبعد فإذا عرف أمير ms111 ~~المؤمنين أمري وعرف سلامتي وصلاح ناصيتي سرحني مكرما ، فإن الحسدة والأعداء ~~رموني عنده بما ليس في وتقولوا علي الأقاويل ، فإما أن يستحل دمي أو يخرج ~~من إيذائي وإزعاجي ويردني مكرما ، أو يقيمني ببلاده معظما مبجلا ؟ وإن كان ~~قد سبق في علم الله عز وجل أن هذا يبدو لي منه سوء وقد اقترب أجلي وكان سفك ~~دمي على يده ، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل الأرض والسماء على صرف ~~ذلك عني ما استطاعوا ، فلم أتعجل الفكرة فيما فرغ الله منه ، وإني أحسن ~~الظن بالله الذي خلق ورزق وأحيا وأمات ، وإن الصبر والرضا والتسليم إلى من ~~يملك الدنيا والآخرة أولى ، وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا فإذن قد عرفت مبلغ ~~فهمك ، فإني لا أكلمك بكلمة واحدة حتى يفرق بيننا أمير المؤمنين إن شاء ~~الله تعالى . PageV01P134 ثم أعرض عنين فما سمعت منه لفظة غير القرآن ~~والتسبيح أو طلب ماء أو حاجة حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثلاث عشرة بعد ~~الظهر ، والنجب قد استقبلتني قبل ستة فراسخ من الكوفة يتجسسون خبري ، فحين ~~رأوني رجعوا عني متقدمين بالخبر إلى أمير المؤمنين ، فانتهيت إلى الباب في ~~آخر النهار فحططت رحلي ، ودخلت على الرشيد وقبلت الأرض بين يديه ووقفت ، ~~فقال : هات ما عندك يا منارة وإياك أن تغفل منه عن لفظة واحدة . فسقت ~~الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل ~~والبخور وما حدثني به نفسي من امتناعه ، والغضب يظهر في وجه أمير المؤمنين ~~ويتزايد حتى انتهيت إلى فراغ الأمور من الصلاة والتفاته إلي وسؤاله عن سبب ~~قدومي ودفعي الكتاب إليه ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله وأصحابه ، وحلفه ~~عليهم أن لا يتبعه أحد وصرفه إياهم ومد رجليه ، فقيدته فما زال وجه الرشيد ~~يسفر ، فلما انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي له لما ركبنا في المحمل ، ~~فقال : صدق واله ما هذا إلا رجل محسود على النعمة ، مكذوب عليه ، ولعمري ، ~~لقد أزعجناه وأذيناه ورعنا أهله فبادر بنزع قيوده وائتني به . قال : فخرجت ~~فنزعت قيوده وأدخلته ms112 إلى الرشيد فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء الحياء ~~يجول في وجه الرشيد فدنا الأموي وسلم بالخلافة ووقف فرد عليه الرشيد ردا ~~جميلا وأمره بالجلوس فجلس ، وأقبل عليه الرشيد فسأله عن حاله ، ثم قال له : ~~بلغنا عنك فضل هيئة وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن إليك ، ~~فاذكر حاجتك ؟ فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا ، ثم قال : ليس لي عند ~~أمير المؤمنين إلا حاجة واحدة . فقال : مقضية ، فما هي ؟ قال : يا أمير ~~المؤمنين ، تردني إلى بلدي وأهلي وولدي . قال : نفعل ذلك ، ولكن سل ما ~~تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك فإن مثلك لا يخرج إلا ويحتاج إلى شيء من ~~هذا . فقال : يا أمير المؤمنين ، عمالك منصوفون وقد استغنيت بعدلهم عن ~~مسألتي فأموري مستقيمة وكذلك أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين . ~~فقال الرشيد : انصرف محفوظا إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك . فودعه ~~الأموي ، فلما ولى خارجا قال الرشيد : يا منارة ، احمله من وقتك وسر به ~~PageV01P135 راجعا كما سيرته حتى إذا وصلت إلى مجلسه الذي أخذته منه فودعه ~~وانصرف . قال منارة : فما زلت معه حتى انتهى إلى محله ، ففرح به أهله ~~وأعطاني عطاء جزيلا وانصرفت ، والله أعلم ، وهذه الحكاية على سبيل الاختصار ~~. # | الرشيد والخليفة الثاني الكاذب # حكي أن الخليفة هارون الرشيد قلق في بعض الليالي قلقا شديدا فاستدعى ~~بوزيره جعفر البرمكي وقال له : يا وزيري إن صدري ضيق ومرادي الليلة التفرج ~~في شوارع بغداد والنظر في مصالح العباد بشرط أن لا يعرفنا أحد من الناس ~~ونتزيا بزي تجار الأكياس . فقال له الوزير : السمع والطاعة . فقاموا في ~~الوقت والساعة وقلعوا ما عليم من ثياب الملك والافتخار ولبسوا ثياب التجار ~~: الخليفة والوزير جعفر ومسرور السياف الأكبر ، وتمشوا من مكان إلى مكان ~~حتى وصلوا إلى الدجلة فرأوا بالأمر المقدور شيخا قاعدا في شختور ، فتقدموا ~~إليه وسلموا عليه ، وقالوا : يا شيخ ، نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا ~~الليلة في مركبك ، وخذ هذين الدينارين أجرتك انتفع بهما . فقال لهم الشيخ ms113 : ~~ومن يقدر على الفرجة ، والخليفة هارون الرشيد ينزل كل ليلة في حراقة صغيرة ~~إلى الدجلة ومعه مناد ينادي : يا معشر الناس كافة من جيد ورديء شيخ وصبي ~~خاص وعام عبد وغلام ، كل من نزل في مركب بالليل وشق الدجلة ضربت عنقه أو ~~يشنق على صاري مركبه ، وكأنكم الساعة بالحراقة وهي مقبلة . فقال له الخليفة ~~هارون الرشيد وجعفر البرمكي : يا شيخ خذ هذين الدينارين وادخل بنا قبوا من ~~هذه الأقبية إلى أن تروح الحراقة . فقال لهم الشيخ : هاتوا الذهب والله ~~المستعان . فأخذ الذهب وعوم بهم قليلا ، وإذا بالحراقة قد أقبلت من كبد ~~الدجلة وفيها الشموع والمشاعل فقل لهم الشيخ : أما قلت لكم ! يا ستار لا ~~تكشف الأستار ؟ فدخل إلى قبو ووضع عليهم مئزرا أسود ، وصاروا يتفرجون من ~~تحت المئزر ، وإذا بالحراقة قد أقبلت والشمع يوقد فيها ، وإذا في مقدم ~~الحراقة مشاعلي بيده مشعل من PageV01P136 الذهب الأحمر يوقد فيه بالعود ~~القاقلي وعلى المشاعلي قباء أطلس أحمر بطراز مزركش أصفر وعلى رأسه شاش ~~موصلي وعلى كتفيه مخلاة من الحرير الأخضر ملأى من العود القاقلي . وهو يوقد ~~به عوض الحطب ، ومشاعلي آخر في مؤخر الحراقة مثله ، ومائتا مملوك واقفون ~~ميمنة ومسيرة ، وكرسي منصوب من الذهب الأحمر وعليه شاب حسن جالس كالقمر ~~وعليه خلعة سوداء بطرازين من الذهب الأصفر ، وبين يديه إنسان كأنه الوزير ~~جعفر . وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور بسيف مشهر ، وعشرون نديما . فقال ~~الخليفة : يا جعفر . قال : لبيك ، أمير المؤمنين . قال : لعل أن يكون هذا ~~أحد أولادي إما المأمون أو محمد الأمين . فلما وصلت الحراقة إليهم وإذا ~~بالمشاعلي ينادي : معاشر الناس كافة الخاص والعام ، الجيد والرديء والعبد ~~والغلام ، جهاوات وغير جهاوات قد رسم خليفتنا هذا أن كل من تفرج في الدجلة ~~أو فتح طاقته حل ماله وضربت رقبته ومن لا يصدق يجرب . قال : فتأمل الخليفة ~~هارون الرشيد في الشاب وهو جالس على كرسي من الذهب قد كمل بالحسن والجمال ~~والبهاء والكمال فلما تأمله هارون الرشيد التفت إلى الوزير وقال : يا وزير ~~. قال ms114 له : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : والله ما أبقى شيئا من شكل ~~الخلافة ، وهذا الذي بين يديه كأنه أنت يا جعفر لا محالة ، والخادم الذي ~~على رأسه كأنه مسرور ، هذا ، وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي ، وقد حار عقلي ~~في هذا الأمر . فقال له الوزير : وأنا والله يا أمير المؤمنين كذلك . ثم ~~تقدمت الحراقة إلى أن غابت عن العين فعند ذلك خرج الشيخ بالشختور الذي فيه ~~الجماعة من تحت القبوة . وقال : الحمد لله على السلامة ، فإنه لم يصادفنا . ~~فقال له الخليفة : يا شيخ ! وهذا الخليفة ينزل كل ليلة الدجلة ؟ قال : نعم ~~يا سيدي ، له على هذه الحالة سنة كاملة . فقال له الخليفة : يا شيخ ! نشتهي ~~من فضلك وإحسانك أن تقف لنا ليلة غد في هذه المكان ، ونحن نعطيك خمسة ~~دنانير ، فإنا قوم غرباء وقصدنا التنزه ، ونحن نازلون في الفندق . ~~PageV01P137 فقال الشيخ : السمع والطاعة . ثم إن الخليفة وجعفرا ومسرورا ~~توجهوا من عند الشيخ المراكبي إلى القصر وقلعوا ما عليهم من لبس التجار ~~ولبسوا ثياب الملك والافتخار ، وجلس كل واحد في مرتبته ، ودخلت الأمراء ~~والحجاب والنواب . وانعقد المجلس بالناس ، ولما انقضى النهار وتفرقت ~~الأجناد قال الخليفة هارون الرشيد لوزيره : يا جعفر ! انهض بنا للفرجة على ~~الخليفة الثاني . فضحك جعفر ومسرور ، ولبسوا لبس التجار وخرجوا منشرحي ~~الصدور ، وكان خروجهم من باب السر ، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ ~~صاحب الشختور لهم في الانتظار فنزلوا عنده في المركب . فلما استقروا مع ~~الشيخ المراكبي ، وإذا بالخليفة الثاني في الحراقة ، وقد أقبلت عليهم ~~فتأمولها وإذا فيها مائتا مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية تنادي على ~~عادتهم ، فقال الخليفة : يا وزير ، هذا شيء لو سمعت به ما صدقت ، ولكن رأيت ~~هذا عيانا . ثم إن الخليفة قال لصاحب الشختور : يا شيخ ! هذه عشرة دنانير ~~وسر بنا في مساواتهم ، فإنهم في النور ونحن في الظلام ننظرهم ونتفرج عليهم ~~. وهم لا ينظروننا . فأخذ الشيخ العشرة دنانير وأطلق الشختور في مساواتهم ~~وصار في ظلام الحراقة ، ولم يزالوا سائرين في أثرهم إلى آخر البساتين ، ~~وإذا ms115 بزريبة بطول الحراقة التصقت عليها ، وإذا بغلامين واقفين ، ومعهما ~~بغلة مسرجة ملجمة ، فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء ، ~~وزعقت المشاعلية والجاويشية ، واشتالت الغاشية ، وطلع هارون الرشيد وجعفر ~~ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم ، فلاحت من المشاعلية ~~لتفاتة فرأوا ثلاثة أنفار لبسهم لبس التجار ، وهم غربا فأنكروهم غمزوا ~~عليهم فمسكوهم وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني ، فلما نظرهم قال : كيف ~~وصلتم إلى هذا المكان وما الذي جاء بكم في مثل هذا الوقت ؟ قالوا : يا ~~مولانا ! اليوم كان قدومنا ، ونحن قوم غرباء تجار ، وخرجنا نتمشى الليلة ، ~~وإذا بكم قد أقبلتم وجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين أيديكم ، وهذا ~~خبرنا . فقال لهم الخليفة الثاني : طيبوا قلوبكم ، فلا بأس عليكم لأنكم قوم ~~غرباء ، ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم للمخالفة . ثم التفت إلى وزيره ~~وقال : خذ هؤلاء صحبتك ليكونوا ضيوفنا الليلة . PageV01P138 فقال : سمعا ~~وطاعة . ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى قصر عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه ~~سلطان ، قصر قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب ، بابه من خشب الساج ، مرصع ~~بالذهب الوهاج ، يدخل منه إلى إيوان بفسقية وشاذروان ، وحصر عبدانية ومخدات ~~اسكندرانية ، وستر مسبول وفرش يذهل العقول ، وعلى عتبة الباب مكتوب هذان ~~البيتان : قصر عليه تحية وسلام . . . نشرت عليه جمالها الأيام فيه العجائب ~~والغرائب نوعت . . . فتحيرت في نعتها الأقلام قال : فدخل الخليفة الثاني ~~إلى القصر ، والجماعة في خدمته ، إلى أن جلس على كرسي من الذهب مرصع بالدر ~~والجوهر ، وعلى الكرسي بشخانة من الحرير الأخضر لا يرى مثلها إلا عند كسرى ~~وقيصر ، مزركشة بالذهب الأحمر ، معلقة في بكرة من الصندل ، رباطاتها من ~~الحرير الأصفر ، هذا وقد جلس الندماء في مراتبهم ، وصاحب سيف النقمة واقف ~~بين يديه ، فمدوا السماط وأكلوا ورفعوا الخوان ، ولأيديهم غسلوا ، وأحضرت ~~آلة المدام ، ووضعت الطاسات والأواني وصففت الأباريق والكاسات والقناني ، ~~ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد ، فامتنع من الشراب فقال ~~الخليفة الثاني لجعفر : ما بال صاحبك لا يشرب . فقال : يا مولاي له مدة ما ~~شرب . فقال ms116 الشاب : عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك . علي بشراب التفاح ! ~~ففي الحال أ ؛ ضر فقدم بين يدي هارون الرشيد وقال : كلما وصل إليك الدور ~~فاشرب من هذا ، ولا يزالون يشربون في انشراح وتعاطي أقداح إلى أن تمكن ~~الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم ونفوسهم فقال الرشيد لوزيره : والله ~~يا وزير ما عندنا آنية مثل هذه الآنية ، فيا ليت شعري من يكون هذا الشاب . ~~فبينما هما يتحدثنا بلطافة إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يسار ~~الخليفة ، فقال : المسارة عربدة . فقال الوزير : ما ثم عربدة ، إلا أن ~~رفيقي هذا يقول : سافرت غالب البلاد ، ونادمت الملوك وعاشرت الأجناد ما ~~رأيت أحسن من هذا النظام ولا مثل آنية هذا المدام ، إلا أن أهل بغداد ~~يقولون الشراب بلا سماع من جملة المجون . PageV01P139 فلما سمع الخليفة ~~الثاني هذا الكلام تبسم وانشرح ، وكان بيده قضيب ، فضرب به على مدورة ، ~~وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسيا من العاج مصفحا بالذهب الوهاج ، ~~وخلفه جارية قد كملت بالحسن والجمال والبهاء والكمال ، فنصب الخادم الكرسي ~~وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية ، وبيدها عود من صنعة الهنود ، ~~وشدته وحنت إليه بعد أن ضربت أربعة وعشرين طريقة عليه ، فأذهلت العقول ~~وعادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول : لسان الهوى من مقلتي لك ناطق . . . ~~يخبر عني أنني لك عاشق ولي شاهد من طرف قلبي معذب . . . وقلبي جريح من ~~فراقك خافق وكم أكتم الحب الذي قد أذابني . . . وقلبي جريح والدمع سوابق ~~وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى . . . ولكن قضا الرحمن في الخلق سابق قال : ~~فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة ، وشق البذلة ~~التي كانت عليه إلى الذيل ، فاسبلت عليه البشخانة ، وأتي ببذلة غيرها أحسن ~~منها ، فلبسها وجلس على عادته ، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على ~~المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم حامل كرسيا من الذهب ، وخلفه جارية ~~أحسن من الأولى ، وجلست على الكرسي وبيدها عود يكمد الحسود ، وأنشدت تقول : ~~كيف اصطباري ! ونار العشق ms117 في كبيد . . . والدمع من مقلتي صوفانه مدد والله ~~ما طاب لي عيش أسر به . . . وكيف يفرح قلب حشوه كمد قال : فصرخ الشاب صرخة ~~عظيمة ، وشق ما عليه إلى الذيل وأسبلت عليه البشخانة على العادة وأتي ببذلة ~~غيرها أحسن منها فلبسها ، واستوى جالسا ، ودار المدام وانبسط الكلام ، فلما ~~وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدور ففتح الباب وخرج منه خادم على العادة ~~ومعه كرسي وخلفه جارية ، فجلست على الكرسي ، ومعها عود يذهل الأسود فغنت ، ~~وأنشدت تقول : اقصروا هجركم وقولا جفاكم . . . ففؤادي وحقكم ما سلاكم ~~وارحموا مدنفا كئيبا حزينا . . . ذا غرام متيما في هواكم قد براه السقام من ~~عظم وجد . . . يتمنى من الإله رضاكم يا بدور محكم في فؤادي . . . كيف أختار ~~في الأنام سواكم PageV01P140 قال : فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا ~~عليه البشخانة وأتوا ببذلة غيرها ، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح ~~وطاب الانشراح ، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة ، ففتح باب ~~وخرج منه خادم حامل كرسيا وخلفه جارية فجلست على الكرسي ، وأخذت العود وغنت ~~تقول : هل ينقضي حال التهاجر والقلى . . . ويعود لي ما قد تقضى أولا أيام ~~كنا والديار تلمنا . . . في طيب عيش والحواسد غفلا غدر الزمان بنا وفرق ~~شملنا . . . من بعد هاتيك المنازل والحلا أتروم مني يا عذولي سلوة . . . ~~وأرى فؤادي لا يطيع العذلا فدع الملام وخلني بصبابتي . . . فالقلب من أنس ~~المحبة ما خلا يا سادة نقضوا العهود وبدلوا . . . لا تحسبوا قلبي لبعدكم ~~سلا قال : فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخة عظيمة ، وشق ما عليه من الثياب ~~، ووقع إلى الأرض مغشيا عليه ، وسقط منه القوى والحبل ، فأرادوا أن يرخوا ~~عليه البشخانة على العادة ، فتعوقت حبالها بالإرادة ، فلاحت من هارون ~~الرشيد التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع ، فقال الرشيد بعد النظر ~~والتأكد لجعفر : إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح ، وما عند أحد منه خبر . هل ~~رأيت ما على جنبيه من الأثر . وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ~~ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من ms118 غشيته فاستوى جالسا على العادة مع الندماء ~~، فحانت منه التفاتة فوجد جعفرا والخليفة يتحدثان ، فقال لهما : ما الخبر ~~يا فتيان ؟ فقال جعفر : يا مولاي خير ، لا شك ولا خفاء ، إن رفيقي هذا من ~~التجار الكبار ، وسافر إلى جميع الأمصار ، وصحب الملوك والأخبار ، قال : إن ~~الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم لم أر أحدا فعل هذا ~~الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة بخمسمائة دينار ، وهذا شيء زائد في ~~العيار . فقال الشاب : يا هذا ! المال مالي والقماش قماشي ، وهذا من بعض ~~إنعامي على الخدم والحواشي ، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء ~~الحضار ، وقد رسمت لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا . فأنشد عند ذلك ~~الوزير جعفر وقال : بنت المكارم وسط كفك منزلا . . . فجميع مالك للأنام ~~مباح وإذا المكارم أغلقت أبوابها . . . يوما ، فأنت لقفلها مفتاح ~~PageV01P141 قال : فلما سمع الشاب من الوزير جعفر ذلك ، رسم له بألف دينار ~~وبذلة ، ثم دارت بينهم الأقداح وطاب لهم شراب الراح ، فقال الرشيد : يا ~~جعفر ، اسأله عن الضرب الذي رأيناه على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه . ~~فقال الوزير : يا مولاي لا تعجل وترفق بنفسك فالصبر أجمل . فقال : وحياة ~~رأسي وتربة العباس إن لم تسأله أخمدت منك الأنفاس . فعند ذلك التفت الشاب ~~إلى الوزير وقال : مالك مع رفيقك وما الخبر ؟ فقال : خير يا مولانا . فقال ~~: سألتك بالله إلا ما أخبرتني بخبره ، ولا تكتم عني شيئا من أمره . فقال : ~~يا مولاي ! إنه أبصر على جنبيك أثر سياط ، فتعجب من ذلك غاية العجب وقال : ~~يا لله العجب ! الخليفة يضرب ؟ وقصده يعلم ما السبب ؟ فلما سمع الشاب هذا ~~الكلام تبسم وقال : اللهم فنعم ، واعلموا أن حديثي عجيب وأمري غريب لو كتب ~~بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر ، ثم تأوه وأن واشتكى وبكى ~~وأنشد : حديثي عجيب فاق كل العجائب . . . وحق إله غامر بالمواهب فإن شئتمو ~~أن تسمعوا إلي فأنصتوا . . . فيطرب هذا الجمع من كل جانب وأصغوا إلى قولي ، ~~ففيه إشارة ms119 . . . وإن كلامي صادق غير كاذب لأني قتيل من غرام ولوعة . . . ~~وقاتلتي فاقت جميع الكواعب لها مقلة كحلا وخد مورد . . . ويقتلني منها قسي ~~الحواجب وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا . . . خليفة هذا الوقت ابن الأطايب ~~وثانيكمو يدعى الوزير بجعفر . . . وفي الحق يدعى صاحبا وابن صاحب وثالثكم ~~مسرور سيفاف نقمة . . . فإن كان هذا القول حقا بصائب فقد نلت ما أرجو على ~~كل حالة . . . وجاء سرور القلب من كل جانب قال : فعند ذلك حلف له جعفر أنهم ~~لم يكونوا المذكورين ، فضحك الشاب وقال : الذي أعرفكم به أني ما أنا أمير ~~المؤمنين ، وإنما سميت نفسي بهذا الاسم لأبلغ ما أريد من أبناء المدينة ، ~~واسمي علي بن محمد الجوهري ، وإن أبي كان من الأعيان ، ومات وخلف لي أموالا ~~لا تأكلها النيران من ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وياقوت وجوهر وزمرد وبهرمان ~~وحمامات وغيطان وبساتين وفنادق وطواحين وعبيد وجوار وغلمان ، فلما كان في ~~بعض الأيام وأنا جالس في حانوتي وحولي الحشم والخمد ، وإذا أنا بجارية ~~PageV01P142 قد أقبلت على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار ، ونزلت ~~على دكاني وجلست وقالت : أنت علي بن محمد الجوهري . فقلت لها : مملوكك وعبد ~~رقك . فقالت : هل عندك عقد جوهر يصلح لمثلي ؟ فقلت : يا ستي الذي عندي يحضر ~~بين يديك ، فإن أعجبك شيء كان بسعد المملوك ، وإن لم يعجبك شيء منه فبسوء ~~حظي . وكان عندي مائة عقد جوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء منها ، ~~وقالت : أريد أحسن مما رأيت ؛ وكان عندي عقد صغير شراؤه على والدي بمائة ~~ألف دينار لم يوجد مثله عند أحد السلاطين الكبار ، فقلت : يا سيدتي بقي ~~عندي عقد الفصوص والجواهر الذي لم يملكه أحد من الأصاغر والأكابر . فقالت : ~~أرني إياه . فلما رأته قالت : هذا الذي طول عمري أتمناه . ثم قالت : بكم ~~ثمنه في الأسعار ؟ فقلت : شراؤه على والدي بمائة ألف دينار . فقالت : ولك ~~خمسة آلاف زائدة . فقلت لها : يا سيدتي العقد وصاحبه في الرق بين يديك ، ~~ولا خلاف . فقالت : لا بد من الفائدة ولك الجميلة الزائدة . وقامت ms120 من وقتها ~~عجلة وركبت البغلة بسرعة ، وقالت : يا سيدي نور الدين ، باسم الله فلتكن في ~~صحبتنا لتأخذ الثمن ، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن . فقمت وأقفلت الدكان ~~وسرت معهن في أمان إلى أن وصلنا إلى الدار ، فوجدتها دارا عليها السعادة ~~لائحة والافتخار وعلى بابها مكتوب بالذهب واللازورد العجيب هذه الأبيات : ~~ألا يا دار لا يدخلك حزن . . . ولا يغدر بصاحبك الزمان فنعم الدار أنت لك ~~ضيف . . . إذا ما ضاق بالضيف المكان فنزلت الجارية ، ودخلت الدار وأمرت ~~بجلوسي إلى أن يأتي الصيرفي ، فجلست على باب الدار ساعة لطيفة ، وإذا ~~بجارية خرجت إلي وقالت : يا سيدي ادخل إلى الدهليز فإن جلوسك على الباب ~~قبيح . PageV01P143 فقمت إلى الدهليز وجلست على الدكة ساعة ، وإذا بجارية ~~خرجت إلي ، وقالت : يا سيدي ! تقول لك سيدتي ادخل واجلس على جانب الإيوان ~~حتى تقبض مالك . فقمت فدخلت وجلست حيث أمرتني ، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ~~ستارة من الحرير الأحمر ، وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك ~~الجارية التي اشترت مني العقد ، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر ، ~~والعقد في عنقها فدهش عقلي وحار ذهني ولبي من رؤية تلك الجارية وحسنها ، ~~فلما رأتني قامت من على الكرسي ، وسعت نحوي ، وقالت : يا نور الدين ! هل ~~رأيت جميلة مثلي ؟ فقلت : يا سيدتي الحسن كله فيك ، وهو من بعض معانيك . ~~فقالت : يا علي ، اعلم أني أحبك وما صدقت أنك صرت عندي . ثم إنها طوقتني ~~وعانقتني ، فقبلتها وقبلتني ثم جذبتني وعلى صدرها رمتني . فلما علمت مني ~~أني أريد أن أهم بها قالت : يا علي ، أتريد أنن تجتمع بي في الحرام ، والله ~~لا كان من يفعل الآثام ويرضى بقبيح الكلام ، فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد ~~، ولست مجهولة في البلد ، أتعلم من أنا ؟ فقلت : لا والله ، وحلفت لها ~~يمينا . فقالت : أنا الست دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي ، وأخي جعفر . ~~فلما سمعت منها ذلك جمعت خاطري عنها ، وقلت : يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم ~~عليك ، أنت التي أطمعتني في إحسانك ms121 والوصول إلى جنابك . فقالت : لا بأس ~~عليك ولا بد من الإحسان إليك فإن أمري بيدي ، والقاضي ولي عقدي ، والقصد أن ~~أكون لك وتكون لي . ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود ، فلما ~~حضروا قالت لهم : هذا نور الدين علي بن الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا ~~العقد مهري ، وأنا قد قبلت ورضيت . ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه ~~وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن أعطت للقاضي شيئا ما له حساب ، وأحضرت ~~المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام ، فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية ~~عودية أن تغني فأنشأت تقول : قلبي وآمالي بباب رجاكمو . . . لا أبتغي في ~~الكون غير رضاكمو يا جيرة جاروا علي ببعدهم . . . حنوا علينا وارحموا ~~مضناكمو PageV01P144 حاشاكمو ، يا سادتي ، أن تهجروا . . . صبا معنى مغرما ~~بهواكمو بالله جودوا وارحموا لمتيم . . . لم يستمع فيكم حديث سواكمو مرسى ~~فؤادي فوق بحر رضاكمو . . . فإذا شجاه حسنكم ناجاكمو قال : فأطربتنا ~~الجارية بحسن غنائها ولم تزل الجواري يغنين جارية بعد جارية وينشدن الأشعار ~~إلى أن غنت عشر جوار ، فعند ذلك أخذت العود الست دنيا وأنشدت تقول : قسما ~~بلين قوامك المياس . . . إني لنار الهجر منك أقاسي فارحم لصب في هواك متيم ~~. . . يا بدر تم أنت سيد الناس أنعم بوصلك كي أبيت بليلة . . . أجلو جمالك ~~في ضياء الكاس ما بين ورد جمعت ألوانه . . . مع نرجس أيضا وحسن الآس قال ~~الشاب : ثم إني أخذت منها العود وضربت عليه وغنيت هذه الأبيات : سبحان ربي ~~جميع الحسن أعطاك . . . حتى بقيت أنا من بعض أسراك يا من لها ناظر تسبي ~~الأنام به . . . خذي الأمان لنا من سحر عيناك فالماء والنار في خديك قد ~~جمعا . . . والورد جوري نبت وسط خداك أنت الغرام لقلبي والنعيم له . . . ~~فما أمرك في قلبي وأحلاك قال : فلما سمعت مني ما قلت فرحت فرحا شديدا ، ثم ~~إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه من سائر الألوان ، ~~ونزعت ما عليها من الثياب وخلوت بها خلوة الأحباب ، فوجدتها بنتا بكرا بختم ~~ربها ، ففرحت ms122 بي وفرحت بها فرحا لم أجد في عمري ليلة أطيب منها ، وفيها ~~أنشدت أقول : يا ليل ! دم لي لا أريد صباحا . . . يكفي بوجه معانقي مصباحا ~~طوقته طوق الحمام بساعدي . . . وجعلت كفي للمنام مباحا هذا هو الفوز العظيم ~~فخلنا . . . متعانقين ، فلا نريد براحا فأقمت عندها شهرا كاملا ، وقد نسيت ~~الدكان والأهل والأوطان إلى ذات يوم من الأيام قالت : يا نور الدين قد عزمت ~~اليوم على المسير إلى الحمام ، وأنت اقعد على هذا السرير إلى أن أرجع إليك ~~. فقلت : سمعا وطاعة . PageV01P145 وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي ، فأخذت ~~جواريها وذهبت إلى الحمام ، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس ~~الزقاق ، إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وأي عجوز ، وقالت : يا نور ~~الدين الست زبيدة تدعوك ، فقد سمعت بشبابك وطيب غنائك . فقلت : والله علي ~~يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا . فقالت العجوز : يا نور ~~الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك ، فقم كلمها وارجع . فقمت من وقتي ~~إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة ، فلما وصلت إليها ، ~~قالت : يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا ؟ فقلت : مملوكك وعبد رقك . فقالت ~~: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال ، فإنك فوق الوصف والمقال ، ولكن عن لي ~~شيئا حتى أسمعك ؟ فقلت : السمع والطاعة ، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت ~~أقول : قلب المحب مع الأحباب متعوب . . . وجسمه بيد الأسقام منهوب ما في ~~الركائب من زمت حمولهم . . . إلا وكان له في الظعن محبوب أستودع الله لي في ~~حبكم قمرا . . . يهواه قلبي وعن عيني محجوب يرضى ويغضب ، ما أحلى تدلله . . ~~. وكل ما يفعل المحبوب محبوب فقالت لي : حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك ، فلقد ~~كملت في الحسن والظرف والمعنى ، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا ~~فلا تجدك فتغضب عليك . فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى ~~الباب الذي خرجت منه ، فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ~~ونامت على السرير ، فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها ، ففتحت عينيها ms123 فرأتني ~~فجمعت رجليها ورفستني فرمتني من على السرير وقالت : يا نور الدين ! خنت ~~اليمن وكذبت . وذهبت إلى الست زبيدة ؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة ~~والفضيحة لخربت قصرها على رأسها . ثم قالت لعبدها : يا صواب ، قم اضرب رقبة ~~هذا النذل الكذاب ، فلا حاجة لنا به . فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب ~~عيني ، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار ، وقلن لها ~~: يا ستاه ، ما هو بأول من أخطأ ما عرف خلقك ، وأنت ما تبغضينه ، وما فعل ~~ذنبا يوجب أن تقتليه . PageV01P146 فقالت : والله لا بد أن أؤثر فيه أثرا . ~~ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي الضرب الذي رأيتموه ، وأمرت بإخراجي . ~~فأخرجوني وأبعدوني عن القصر ، ورموني ورجعوا وتركوني ، فلمت نفسي : فمشيت ~~قليلا قليلا إلى أن وصلت إلى منزلي ، وأحضرت جراحا وأريته الضرب فلاطفني ~~وسعى في مصالحي . فلما صح جسمي دخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام . ~~وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة ~~مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي في كل يوم مائتان ، وعملت هذا ~~المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين ، وسميت نفسي بالخليفة ، ورتبت ~~من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت : كل من تفرج في الدجلة ضربت ~~عنقه بلا مهلة . ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم أسمع لها بخبر ولا وقفت ~~لها على أثر ، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول : والله ما كنت طول الدهر ~~ناسيها . . . ولا دنوت إلى من ليس يدنيها كأنها البدر في تكوين خلقتها . . ~~. سبحان خالقها سبحان باريها صدت ولا ذنب لي إلا محبتها . . . فكيف حال ~~الذي قد بات نابيها وصيرتني حزينا ساهيا دنفا . . . والقلب قد حار مني في ~~معانيها قال : فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب ~~غاية العجب . وقال : سبحان من جعل لكل شيء سببا . ثم إنهم طلبوا من الشاب ~~الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف ، فانصرفوا من ~~عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين ، ولما استقر ms124 بهم في منزلهم الجلوس ~~غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب الموكب والملك والزينة ، وكذلك ~~مسرور سياف النقمة والعطب ، فقال الخليفة لجعفر المهيب : يا وزير ! علي ~~بالشاب . فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل الشاب فخرج إليه وسلم ~~عليه فقال له الوزير جعفر : أجب أمير المؤمنين . فقال : سمعا وطاعة لأمير ~~المؤمنين وحامي حوزة الدين . فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في ~~حصر ، فلما دخل إلى الخليفة ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب ~~الخليفة عرفه ، فقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال : ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين PageV01P147 وقامع المفسدين ~~وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك ~~وأنشد يقول : لا زال بابك كعبة مقصودة . . . وترابها فوق الجباه رسوم حتى ~~ينادي في البلاد بأسرها . . . هذا المقام وأنت إبراهيم فعند ذلك تبسم ~~الخليفة في وجهه ، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان والإكرام وقربه إليه ، ~~وأجلسه بين يديه وقال له : يا نور الدين أريد أن تحدثني بحديثك الليلة يا ~~مسكين ، فإنه من أعجب الأمور . فقال الشاب : العفو يا أمير المؤمنين ، ~~أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ويطمئن قلبي . فقال الخليفة : لك الأمان . ~~فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره ، فعلم الخليفة من غير ~~إطالة أن الصبي عاشق لا محالة ، فقال الخليفة : أتحب أن أردها إليك يا ~~مسكين ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول : إن رمت إحسانا فهذا ~~وقته . . . أو رمت معروفا فهذا حينه فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال ~~له : أحضر أختك الست دنيا بنت الوزير يحيى . فقال له : السمع والطاعة . ~~فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها : أتعرفين هذا من ؟ فقالت : ~~أين للنساء معرفة بالرجال ؟ فتبسم وقال : يا دنيا قد عرفنا الحال وسمعنا ~~الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا باطنها وظاهرها ، والأمر لا يخفى وإن ~~كان مستورا . فقالت : كان ذلك في الكتاب مسطورا ، وأن أستغفر الله مما جرى ~~مني ms125 ، وأسأل من فيض الفضل العفو عني . فضحك الخليفة وأحضر القاضي والشهود ~~وعقد له ثانيا عليها . وحصل له سعد السعود ، وأكمد العدو والحسود وجعله ~~نديمه وزاد تكريمه ، وعاش بقية عمره في أهنإ عيش ونعمة ، يجالس الخليفة في ~~الليل والنهار ، تؤانسه الست دنيا ذات الفخار . PageV01P148 الرشيد وجارية ~~جعفر ويحكى أن جعفرا البرمكي نادم الرشيد ليلة ، فقال : يا جعفر بلغني أنك ~~اشتريت الجارية الفلانية ، ولي مدة أطلبها ، فإنها بديعة الجمال ، ولي شوق ~~زائد إليها فبعنيها . قال : ليس علي فيها بيع . قال : هبنيها . قال : ولا ~~أهبها . فقال الرشيد : زبيدة طالق مني ثلاثا إن لم تبعنيها أو تهبنيها . ~~وقال جعفر : زوجتي طالق مني ثلاثا إن بعتها أو وهبتها . ثم أفاقا من ~~نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة فقال الرشيد : ~~هذه واقعة ليس لها غير أبي يوسف ، فاطلبوه ، فكان قد انتصف الليل . فلما ~~طلب قام فزعا وقال : ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام . ثم ~~خرج مسرعا وركب بغلته وقال لغلامه : اصحب معك المخلاة ، واجعل فيها بعض ~~شعير ، فإذا دخلنا دار الخلافة ودخلت فضع بين يدي الدابة شيئا منه تشتغل به ~~إلى حين خروجي ، فإنها لم تستوف علفها في هذه الليلة . فقال : سمعا وطاعة . ~~فلما دخل على الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه غيره ~~، وقال له : ما طلبناك إلا لأمر مهم ، وهو كذا وكذا ، وقد عجزنا عن تدبير ~~الحيلة . فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا من أسهل ما يكون . يا جعفر ! بع ~~أمير المؤمنين نصفها وهبه نصفها تبرأ من يمينكما . فسر بذلك أمير المؤمنين ~~وفعلا ، فقال الرشيد : أحضر الجارية في هذا الوقت فإني شديد الشوق إليها . ~~فأحضرت ، فقال القاضي أبي يوسف : أريد وطأها في هذا الوقت ، ولا أطيق الصبر ~~إلى مضي مدة الاستبراء ، انظر لي الحيلة في ذلك ؟ فقال أبو يوسف : ائتوني ~~بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذين لم يجر عليهم العتق . فأحضر مملوك ، ~~فقال أبو يوسف : يا أمير المؤمنين ، إئذن لي أن أزوجها ms126 منه ، ثم يطلقها قبل ~~الدخول فيحل وطؤها في الحال من غير استبراء . PageV01P149 فأعجب الرشيد ذلك ~~أكثر من الأول ، فقال : أذنت لك . فأوجب القاضي النكاح ، ثم قبله المملوك ، ~~فقال له القاضي طلقها . فقال له : هذه صارت لي زوجة وأنا لا أطلقها . فردد ~~عليه القول فأبى وضاق صدر الخليفة لذلك ، وقال : قد اشتد الأمر أعظم مما ~~كان . فقال القاضي أبو يوسف : يا أمير المؤمنين رغبه بالمال . فقال : طلقها ~~ولك مائة دينار . قال : لا أفعل . قال : مائتا دينار . قال : لا أفعل . إلى ~~أن عرضوا عليه ألف دينار وهو يمتنع ، وقال القاضي : الطلاق بيدي أم بيد ~~أمير المؤمنين أم بيدك ؟ قال : بل بيدك أنت . قال : والله لا أفعل أبدا . ~~فاشتد غضب أمير المؤمنين ، فقال القاضي : يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن ~~الأمر هين اعتق الجارية ، ثم ملك هذا العبد للجارية ؟ قال : أعتقتها وملكته ~~لها . فقال لها القاضي : قولي قبلت ؟ فقالت : قبلت . فقال القاضي : حكمت ~~بالتفريق بينكما لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح . فقام أمير المؤمنين على ~~قدميه ، وقال : مثلك من يكون قاضيا في زماني . وستدعى بأطباق الذهب فأفرغت ~~بين يديه ، وقال للقاضي : هل معك شيء توعيه ؟ فتذكر مخلاة البغلة . فاستدعى ~~بها ، فملئت له ذهبا ، فأخذها وانصرف . فلما أصبح قال لخلانه : انظروا إلى ~~من علم العلم فليتعلمه كذلك ، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ~~ثلاث . فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن ~~منها إدلال الوزير على قلب أمير المؤمنين وحلم الخليفة ، وزيادة علم القاضي ~~فرحم الله أرواحهم أجمعين . PageV01P150 ولكن مسألة الاستبراء لم تتخرج إلا ~~على مذهب أبي حنيفة فخرجها أبو يوسف على قواعد مذهبه لأنه حنفي المذهب . ~~والله أعلم . # | هجرتك وزرتك # من كلام إبراهيم الموصلي رحمه الله تعالى : هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ~~. . . وزرتك حتى قيل ليس له صبر فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى . . . وزدت ~~على ما ليس يبلغه الهجر ويا حبها زدني جوى كل ليلة . . . ويا سلوة الأيام ~~موعدك الحشر وإني لتعروني لذكراك هزة . . . كما ms127 انتقض العصفور بلله القطر # | المجنون العاقل # من الحكايات اللطيفة ، أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين ، فلما دخل ~~عليهم رأى فيهم شابا حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف وتفوح منه ~~شمائل الفطنة ، فدنا منه وسأله مسائل ، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب . ~~فتعجب منه عجبا شديدا . ثم إن المجنون قال للملك : قد سألتني عن أشياء ~~فأجبتك . وإن سائلك سؤالا واحدا . قال : وما هو ؟ قال : متى يجد النائم لذة ~~النوم ؟ ففكر الملك ساعة ، ثم قال : يجد لذة حال نومه . فقال المجنون : ~~حالة النوم ليس له إحساس . فقال الملك : قبل الدخول في النوم . فقال ~~المجنون : كيف توجد لذته قبل وجوده . PageV01P151 فقال الملك : بعد النوم . ~~فقال المجنون : أتوجد لذته وقد انقضى ؟ فتحير الملك وزاد إعجابه وقال : ~~لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرة ، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا ~~اليوم ، وأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون ، ثم استدعى بالشراب ، ~~فحضر فتناول الكأس وشرب ، ثم ناول المجنون ، فقال : أيها الملك أنت شربت ~~هذا لتصير مثلث فأنا أشربه لأصيل مثل من ؟ فاتعظ الملك بكلامه ورمى القدح ~~من يده وتاب من ساعته ، والله أعلم . # | الست بدور والأمير عمرو # يحكى أن الرشيد أرق ذات ليلة أرقا شديدا ، فاستدعى جعفرا وقال : أريد منك ~~أن تزيل ما بقلبي من الضجر . فقال الوزير : يا أمير المؤمنين ، كيف يكون ~~على قلبك ضجر ، وقد خلق الله أشياء كثيرة ، تزيل الهم عن المهموم ، والغم ~~عن المغموم ، وأنت قادر عليها ؟ فقال الرشيد : وما هي يا جعفر ؟ فقال له : ~~قم بنا الآن ، حتى نطلع فوق سطح هذا القصر ونتفرج على النجوم واشتباكها ~~وارتفاعها والقمر وحسن طلعته كأنه وجه من تحب كما قيل : فكأنما حسن السماء ~~ولونها . . . قد رقمت فيها أفانين الصور وكأن هذا البدر حين بدا لنا . . . ~~في بعض ليل من غلاف قد ظهر فقال الرشيد : يا جعفر ، ما تلفتت نفسي إلى شيء ~~من ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، افتح شباك القصر الذي يطلع على البستان ~~وتفرج على حسن تلك ms128 الأشجار واسمع صوت تغريد الأطيار وانظر إلى هدير الأنهار ~~وشم روائح تلك الأزهار واسمع الناعورة التي كأنها أنين محب فارق محبوبه ، ~~وهي كما قال فيها بعض واصفيها : وناعورة حنت وغنت وقد غدت . . . تعبر عن ~~حال المشوق وتعرب وترقص عطف البان تيها لأنها . . . تغني له طول الزمان ~~ويشرب وإما أن تنام يا أمير المؤمنين ، إلى أن يدركنا الصباح . فقال : يا ~~جعفر ، ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك . فقال : يا أمير المؤمنين ، افتح ~~الشباك الذي يطلع على الدجلة حتى تتفرج على تلك PageV01P152 المراكب ~~والملاحين ، فهذا يصفق ، وهذا ينشد مواليا ، وهذا يقول دوبيت ، وهذا يقول ~~كيت وكيت . فقال الرشيد : ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك . فقال جعفر : قم ~~يا أمير المؤمنين ، حتى ننزل إلى الاصطبل الخاص وننظر إلى الخيل العربيات ~~وتتفرج على حسن ألوانها ، ما بين أدهم كالليل إذا أظلم ، وأشقر ، وأشهب ، ~~وكميت أحمر ، وأبيض ، وأخضر ، وأبلق ، وأصفر ، وألوان تحير العقول . فقال ~~الرشيد : ما تلتفت نفسي إلى شي من ذلك . فقال جعفر : يا أمير المؤمنين ، ~~عندك في قصرك ثلاثمائة جارية ، ما بين جنكية ، إلى عودية ، إلى دفية ، إلى ~~قانونية ، إلى زامرة ، إلى مغنية ، إلى راقصة ، إلى سنطيرية ، أحضر الجميع ~~، وأحضر العقار المروق ، فعل أن يزول ما بقلبك من الضجر . فقال : ما تهم ~~نفسي إلى شيء من ذلك . فقال جعفر : يا أمير المؤمنين ما بقي إلا ضرب عنق ~~مملوكك جعفر ، فإني قد عجزت عن إزالة هم مولانا . فقال : يا جعفر ، أما ~~سمعت قول ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : من فم مولانا أسمع ~~. فقال الرشيد : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' فرح أمتي في ثلاث : ~~أن يرى بعينه شيئا ما رآه ، أو يسمع شيئا ما سمعه ، أو يطأ مكانا ما وطئه ' ~~، فيتفق يا جعفر أن يكون في بغداد مكان ما وطئناه ، أو شيء ما سمعناه ، أو ~~موضع ما رأيناه . فقال جعفر : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أطلع إلى مجلس ~~النوبة وأنظر أحدا من المسافرين أحضره بين يدي ms129 أمير المؤمنين ، لعله أن ~~يحدثك بحديث ما سمعته ؟ فقال الرشيد : قم وافعل . فقام جعفر وطلع وعاد ~~بسرعة بالشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي المسامر . قال : فلما رأى أمير ~~المؤمنين سلم فأحسن وترجم فأبلغ ، ثم قال : يا أمير المؤمنين وحامي حوزة ~~الدين وابن عم سيد المرسلين وخاتم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ~~أجمعين ، أطال الله بقاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك لا خمدت لك ~~نار ولا أغيظ لك جار ، ثم أنشد يقول : PageV01P153 دام لك العز والبقاء . . ~~. ما اختلف الصبح والمساء ودمت ما دامت الليالي . . . بمدة ما لها انقضاء ~~الناس ناس بكل أرض . . . وأنت من فوقهم سماء قال : فرد الشيخ السلام وقال ~~له : اجلس يا أبا الحسن ، وحدثنا بحديث عجيب مليح لم نسمعه قط ؟ فقال الشيخ ~~: يا أمير المؤمنين ، أحدثك بشيء سمعته بأذني أو بشيء رأيته بعيني ؟ قال ~~الرشيد : يا شيخ أبا الحسن الذي تراه العين أحسن من الذي تسمعه الأذن . ~~فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، أفرغ لي عن ثلاثة أشياء منك ؟ فقال : ما ~~الثلاثة ؟ فقال : ذهنك وسمعك وقلبيك . فقال الرشيد : هات يا أبا الحسن . ~~فقال : يا أمير المؤمنين لي عادة أني أسافر في كل سنة إلى البصرة للأمير ~~محمد بن سليمان الزينبي ، وأقعد عنده أحدثه الأسمار ، وأورد له الأخبار ، ~~وأنشد له الأشعار ، ولي عليه رسم ألف دينار آخذها وأعود إلى بغداد . فاتفق ~~لي من سنة من السنين أني سافرت إلى البصرة على عادتي ودخلت على الأمير محمد ~~بن سليمان وجلست عنده اليوم الأول والثاني والثالث ، فركب إلى الصيد وتركني ~~في منزله وأوصى أرباب دولته بخدمتي وإكرامي إلى أن يعود ، وأوصى الطباخ ~~الذي له أن لا يطعمني إلا شيئا تشتهيه نفسي ، فاشتهيت السمك فقلت للطباخ : ~~فعمل لي من السمك عدة ألوان فأكلت وطاب لي الأكل حتى ثقل على فؤادي ، فقلت ~~: ما يصرف عني هذا إلا المشي ، ولي عدة أسفار إلى البصرة ما أعرف فيها ~~مكانا ، وأريد اليوم أن أجعلها حجة وفرجة . ثم إني نزلت أتمشى في شوارع ~~البصرة فعطشت ms130 عطشا شديدا وناهيك بعطش السمك ، فقلت في نفسي : إن تناولت ~~شربة من السقاء لا تطيب نفسي لأنه يشرب منه أصحاب الأمراض ، وكبر على نفسي ~~أن أحملها إلى شاطئ الدجلة ، وقلت : ما لي إلا أن أقصد بعض دور المحتشمين ~~وأطلب منها شربة من ماء ، فأتيت إلى درب وفي ذلك الدرب خمسة دور داران ~~مقابلتان لدارين ودار صدرانية قد قامت من التراب وتعلقت بأذيال السحاب ، ~~ولها باب مقنطر مزخرف بمصاطب طولانية ، مفروش عليها حصر عبدانية ، والباب ~~ساج مصفح بصفائح الذب الوهاج ومسامير الفضة وستر من الحرير الأصفر المدثر ~~مكتوب عليه هذه الأبيات : ألا يا دار لا يدخلك حزن . . . ولا يغدر بصاحبك ~~الزمان PageV01P154 فنعم الدار أنت لكل ضيف . . . إذا ما ضاق بالضيف المكان ~~قال : فقلت في نفسي ، من هذه الدار أشرب الماء ، فأتيت إلى الباب فسمعت ~~صوتا ضعيفا من فؤاد نحيف ، وقائلا يقول : بالله ربكما عوجا على سكني . . . ~~وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا بي وقولا في حديثكما . . . ما بال عبدك ~~بالهجران تتلفه فإن تبسم قولا في ملاطفة . . . ما ضر لو بوصال منك تسعفه ~~وإن بدا لكما في وجهه غضب . . . فغالطاه وقولا ليس نعرفه قال : فقلت ، يا ~~حبذا إن كان قائل هذا الصوت شخصا صورته على قدر صوته واحتشمت ، ثم إني قويت ~~قلبي ورفعت الستر ودخلت الدهليز إلى أن انتهيت إلى آخره ومديت طرفي ، وإذا ~~أنا بدار قد أقبلت عليها السعادة ، وزالت عنها الشقاوة ، ورأيت في صدر ذلك ~~المكان إيوانا وبركة وشاذروانا ، وفي ذلك الإيوان تخت من السياج ، وقوائمه ~~من العاج ، ومصفح بالذهب الوهاج ، وفوق التخت فراش من الحرير الأطلس ، ~~ومسند مزركش ، وعليه جارية نائمة خماسية القد ، قائمة النهد لا بالطويلة ~~الشاهقة ولا بالقصيرة اللاصقة ، أشهر من علم ، تربية العجم على أكتاف الخدم ~~، بخد أسيل ، وطرف كحيل ، وخصر نحيل ، وردف ثقيل ، إن أقبلت فتنت ، وإن ولت ~~قتلت ، كما قال فيها بعض واصفيها : كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت . . . في ~~قالب الحسن لا طول ولا قصر جرى بها الشحم حتى دار أعكنها . . . طي القباطي ~~فلا ms131 سمن ولا غور كأنها أفرغت من ماء لؤلؤة . . . في كل جارحة من حسنها قمر ~~إلا أن الجارية ، يا أمير المؤمنين ، قد حكمت عليها يد الأيام ونزلت بها ~~جميع الأسقام وعند رأسها طبيب ، وهو يجس يدها ويقول : يا ست بدور ، الضارب ~~ضارب والساكن ساكن ولا برد ولا حمى ولا شيء تشتكينه أكثر من سهر الليل ~~وجريان الدمع لعل الست في قلبها هوى من أحد ، فلما سمعت كلام الطبيب أنشدت ~~تقول : إذا هممت بكتمان الهوى نطقت . . . مدامعي بالذي أخفي من الألم فإن ~~أبح افتضح من غير منفعة . . . وإن كتمت فدمعي غير منكتم لكن إلى الله أشكو ~~ما أكابده . . . من طول وجد ودمع غير منصرم قال : فنهض الطبيب قائما على ~~قدميه فناولته صرة فيها عشرون دينارا ، ثم التفتت PageV01P155 إلي وقالت : ~~من أين يا شيخ ؟ فقلت لها : من بغداد ، حملني العطش إلى أن أتيت إلى هنا . ~~فقالت : لعل أن يكون على يدك فرجي ، فأنا أكتب لك ورقة فتسال عن بيت الأمير ~~عمرو وتعطيه إياها ، فإن رددت علي الجواب فأنا أعطيك خمسمائة دينار . ثم ~~استدعت بدواة وورق وكتبت ، وهي تقول : أما بعد ، يعجز لساني ويكل جناني عن ~~بث الأشواق ، ولكن أسأل الكريم الخلاق أن يمن علينا بالتلاق بالسعد الرائق ~~والأمر الموافق ، وأنا القائلة حيث أقول : سروري من الدنيا لقاكم وقربكم . ~~. . وحبكم فرض وما منكم بد ولي شاهد دمعي إذا ما ذكرتكم . . . جرى فوق خدي ~~لا يطاق له رد إذا الريح من نحون الحبيب تنسمت . . . وجدت لمسراها على كبدي ~~برد فوالله ما أحببت ما عشت غيركم . . . ولا كنت إلا ما حييت لكم عبد سلام ~~عليك ما أمر فراقكم . . . فلا كان منكم ما جرى آخرا عهد أما بعد ، فهذا ~~كتاب ممن ليلها في نحيب ، ونهارها في تعذيب ، لا أتركن إلى عاذل ولا تصغي ~~إلى قائل ، قد غلبتها أيدي الفراق ، ولو شرحت بعض ما عندها للفسيح ضاق وما ~~وسعته الأوراق ، ولكن أسأل الكريم الخلاق ، رافع السبع الطباق ، أن يمن ~~علينا بالتلاق ، وأنشدت تقول : أحبة قلبي وإن جرتم . . . علي ms132 فكل المنى ~~أنتم رحلتم وفي القلب خلفتم . . . لهيبا فهلا ترفقتم وأودعتم يوم ودعتم . . ~~. بأحشاي نارا وأضرمتم وما كنتم تعرفون الجفا . . . على شؤم بختي تعلمتم ~~فألف ألف لا أوحش الله منكم والسلام مني عليكم عدد شوقي إليكم ما حن الغريب ~~إلى الأوطان ، وغرد حمام الأيك على البان ، فرحم الله من قرأ كتابي وتعطف ~~برد جوابي ، وأنشدت تقول : أحبابنا ما رقا دمعي لفرقتكم . . . يوم الفراق ~~ولا كفت غواديه بنتم فلم يبق لي من بعدكم جلد . . . ولا فؤاد ولا صبر أرجيه ~~فكم أمني فؤادي بالهوى كذبا . . . ولست أول من بانت غواشيه قال : ثم إنها ~~طوت الكتاب وختمته بعد أ ، نثرت فيه فتات المسك والعنبر ، وناولتني إياه ~~PageV01P156 فأخذته ، وأتيت إلى دار الأمير عمرو فوجدته في الصيد والقنص ، ~~فجلست على بابه ساعة أنتظره وإذا به قد أقبل ، وهو راكب على حصان أشقر ، من ~~الخيل الضمر يساوي ملك كسرى وقيصر ، من أولاد الأبجر ، الذي كان لعنتر ، إن ~~طلب لحق ، وإن طلب لم يلحق ، والأمير في ظهره كأنه البدر في منزلته ، ~~والمماليك قد أحدقوا به كما تحدق النجوم بالقمر ، وهو بخد أسيل وطرف كحيل ~~وخصر نحيل وردف ثقيل وله عذار أخضر فوق خد أحمر وثغر جوهر وعنق مرمر كما ~~قال فيه ابن معشر : قمر تكامل في نهاية حسنه . . . مثل القضيب على رشاقة ~~قده فالبدر يطلع من ضياء جبينه . . . والشمس تغرب في شقائق خده ملك الجمال ~~بأسره فكأنما . . . حسن البرية كلها من عنده قال أبو الحسن : فما أمهلته ~~دون أن قبلت ركابه ، فلما نظر إلي ترجل واعتنقني وخذ بيدي وأدخلني الدار ~~وأنشد يقول : ما أظن الزمان يأتي بهذا . . . غير أني رأيته في منامي قال : ~~فلما جلس على حافة البركة أقبل علي يحدثني ساعة ، وإذا بالمائدة قد وضعت ~~بين أيدينا ، وإذا عليها من ألوان الطعام ما درج وتطاير في الأسحار ، ~~وتناكح في الأوكار من قطا وسماني وأفراخ حمام وبط مسمن ودجاج محمر وأفراخ ~~رضع وبعلبكات السكر فقال لي : بسم الله يا شيخ يا أبا الحسن ، فقلت : لا ~~والله يا ms133 مولاي ، ما أكلت لك طعاما ولا شربت لك مداما ، إلا أن قضيت لي ~~حاجتي . فقال : يا أبا الحسن كان هذا من الأول . أين الكتاب الذي للست بدور ~~؟ فقلت : يا سيدي وما هي الست بدور . فقال : التي جئت من عندها تطلب شربة ~~من الماء منها ، ووجدت عندها الطبيب وجرى لك معها ما هو كيت وكيت . فقلت : ~~يا مولاي أكنت حاضرا ؟ فقال : لو كنت حاضرا فلأي شيء كتبت الكتاب ؟ فقلت : ~~هل جاء أحد من عندها وأعلمك ؟ فقال : إنه لا يجسر أحد من غلمانها أن ~~يقابلني . فقلت : ولا راح أحد من عندك إليها . فقال : هي أخس وأحقر منم أن ~~يمضي إليها أحد من عندي . PageV01P157 فقلت : يا سيدي ! الغيب لا يعلمه إلا ~~الله تعالى والوحي ما نزل إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ~~يا عاقل أما سمعت قول القائل : قلوب العاشقين لها عيون . . . ترى ما لا ~~يراه الناظرونا وأجنحة تطير بغير ريش . . . إلى ملكوت رب العالمينا فقلت : ~~صدقت يا مولاي ، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه برجله ورماه ~~في البركة فصعب علي ، فلما علم مني ذلك قال : مم غيظك ؟ أقعد الليلة عندي ~~كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور ، وأنا أحب ~~إليك منها وأنشد يقول : رأيت شاة وذئبا وهي ماسكة . . . بأذنه وهو منقاد ~~لها ساري فقلت : أعجوبة ثم التفت رأى . . . ما بين نابيه ملقى نصف دينار ~~فقلت للشاة : ماذا الإلف بينكما . . . والذئب يسطو بأنياب وأظفار تبسمت ثم ~~قالت وهي ضاحكة . . . بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري قال : فلما سمعت كلامه ~~، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية والنهاية . ثم انتقلنا إلى ~~مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات ، فتناول الأمير عمرو وشرب ~~وسقاني ، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب فقال : يا أبا الحسن ، ما ~~لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء ؟ فقلت : يقال : الشراب بلا طرب ~~ولا سماع ، الدن أولى به . فقال لي : قم بسم الله . فقمت معه إلى مجلس ~~وحضيرة تنقط ms134 بالذهب واللازورد العجيب ، وهي مزخرفة قد عبقت أزهارها وضحكت ~~سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو وأجلسني بجانبه ~~وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس عجيب وحضيرة مليحة ~~ثم قلت : يا مولاي ، قد تقدم القول إن الشراب بلا سماع ، الدن أولى به ، ~~فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار . الواحدة تحمل عودا ، ~~والثانية تحمل دفا ، والثالثة تحمل مزمارا ثم نقرت الدفية على دفها ، وألحت ~~العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي نحن فيه ~~يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول : PageV01P158 أحبابنا إنني من يوم فرقتكم ~~. . . على فراش الضنا ما زلت مضطجعا داويت قلبي بحسن الصبر بعدكم . . . عسى ~~يفيق من الأسقام ما نفعا فوالله يا أمير المؤمنين لقد طربت غاية الطرب من ~~حسن صوتها . فلما فرغت الدفية ضربت العودية على عودها طرقا عديدة ، ثم رجعت ~~إلى الطريقة الأولى وأنشدت تقول : أمؤنس طرفي لا خلا منك ناظري . . . وجامع ~~شملي لا خلا منك مجلسي ويا ساكنا قلبي وما فيه غيره . . . يحل فما استوحشت ~~فيه لمؤنسي وبالله يا أغنى الورى من ملاحة . . . تصدق على صب من الصبر مفلس ~~أنلني الرضا حتى أغيظ به العدا . . . ويا موحشي من بعد ما كان مؤنسي رضاك ~~الذي إن نلته نلت رفعة . . . وألبسني في الناس أشرف ملبس قال : والله يا ~~أمير المؤمنين لم نتمالك عقولنا من الطرب ، ثم التفتت العودية نحو الدفية ~~وقالت لها : يا فلانة أتحسني أن تقولي مثل هذا ؟ فقالت الدفية : أنا أحفظ ~~أبياتا ما أظن أنك تحفظين لهن وزنا ولا قافية ولا عروضا . فقالت العودية : ~~هات ما عندك . فنقرت الدفية على دفها بأناملها ورفعت صوتها وهي تقول : كرر ~~وردد ذكرهم في مسمعي . . . فهم الشفا لتألمي وتوجعي أقصر بعذلك يا عذول فإن ~~لي . . . قلبا لعذلك لا يفيق ولا يعي فقالت لها العودية : أنا أحفظ الوزن ~~والقافية والعروض . فقالت الدفية : هات . فضربت العودية طريقة من اثنين ~~واثنين وأربعة وأربعة وثمانية وثمانية وستة عشرة وستة عشر ثم عادت إلى ~~الطريقة الأولى ms135 وجعلت تقول : إن لم أل وادي إلا سيل بأدمعي . . . أعلم بأني ~~في الصبابة مدعي يا سعد إن جئت الغوير وعاينت . . . عيناك بأن المنحني ~~فلترجع وخذ الحذار من الغزال المختفي . . . واحذر يصيدك لحظ ذات البرقع قال ~~: والله يا أمير المؤمنين فلقد طربنا حتى قام كل منا ورقص . فلما فرغت ~~الجارية قال لها سيدها : عن لي على الذي بقلبي وحدي ، فعندها ساوت عودها ~~وقالت : ما كنت أول رامق صبا صبا . . . نحو التصابي ، وهو في عمر الصبا ~~فعلام يعذلني العذول على البكا . . . لولا الغرام لما غدوت معذبا ~~PageV01P159 حكم الغرام بحكمه في مهجتي . . . ولقد غدا قلبي به متقلبا يا ~~للرجال خبا الهوى بحشاشتي . . . نارا ، فما تخبو على ذاك الخبا ولقد سبى ~~قلبي غزال لو رأت . . . بلقيس طلعته لما سكنت سبا ولقد هربت من الغرام فقال ~~لي : . . . مهلا ! فلن تجدن مني مهربا فلما سمع الأمير عمرو ذلك صرخ ووقع ~~على الأرض مغشيا عليه . فقالت الجارية : يا مولاي ، إنه قد نام سيدي ، فإن ~~اخترت أن تنام فقم نم في مرقدك ، وإن اخترت الشراب فدونك ، ونحن بين يديك ~~إلى الصباح . فقمت ونمت فلما أصبحت قمت وسألت عن الأمير عمرو فقال بعض ~~الجواري : إنه قد سرح إلى الصيد والقنص فأخذت شاشا لألبسه فرأيت تحته كيسا ~~فيه ألف دينار ، فأخذته وأتيت إلى الست بدور ، وإذا بها واقفة خلف الباب ~~تنظر وهي تقول : يا رسولي إلى الحبيب اعتذر لي . . . فلعل الحبيب بقبل عذري ~~ثم قل للحبيب عني بلطف : . . . أي ذنب جرى فأوجب هجري فلما رأتني قالت : يا ~~شيخ أقمح أم شعير ؟ فقلت : لا والله ما هو إلا زوان ، والله ما رضي يقرأ ~~مكتوبك ولا يرد جوابك . فرمت إلي الصرة وفيها مائة دينار ، وقالت : اذهب يا ~~أبا الحسن ، ما مضى الليل وأتى النهار على شيء إلا وأزاله وغيره ويغير الله ~~ما في القلوب . ثم إنها أغلقت الباب في وجهي ومضت وعدت إلى دار الأمير محمد ~~بن سليمان الزينبي فلقيته قد جاء من الصيد فقعدت عنده أياما وأخذت رسمي ~~وعدت إلى بغداد ms136 . ثم إني في السنة الثانية سافرت إلى البصرة على ما جرت ~~العادة به ومضيت إلى الأمير عمرو بن جبير الشيباني لأتمنع بذلك الوجه ~~المليح والقد الرجيح ، فوجدت الدار متغيرة الآثار والعبيد لابسين السواد ~~فلما رأيت ذلك بكيت وأنشدت أقول : يا دار أين ترحل السكان . . . وسرت بهم ~~من بعدها الأظعان بالأمس كان بك الضياء مع الهنا . . . واليوم عرصاتك ~~الغربان فسمعني بعض الغلمان ، فظهر لي وقال : من ذا الذي يبكي على ديارنا ~~ويندب منازلنا ؟ كفى بنا ما عندنا . PageV01P160 فقلت له : يا عبد الخير ، ~~إن صاحب هذه الدار كان من أصدق الناس إلي فما فعل به الزمان ؟ فقال لي ~~الغلام : يا مولاي هو في قيد الحياة . وهو يطلب الموت فلا يجده . فقلت له : ~~بالله عليك خذ لي الطريق . فقال لي الغلام : يا مولاي من أقول . فقلت : قل ~~الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي المسامر . قال : فعبر الغلام وغاب ساعة ~~وعاد وقال لي : بسم الله أدخل . ويقول له : يا مولاي الضارب ضارب والساكن ~~ساكن لا برد ولا حمى ولا تشتكي غير سهر الليل وجريان الدمع ، لا يكون ~~المولى إلا مسحورا . فلما سمع الأمير عمرو كلام الطبيب بكى وأنشد يقول : ~~قال الطبيب لقومي ، حين جس يدي : . . . هذا فتاكم ورب البيت مسحور فقلت : ~~ويحك قد قاربت في صفتي . . . عين الصواب فهلا قلت مهجور ثم إنه ناوله كاغدا ~~فيه بعض دنانير ، فأخذها الطبيب وانصرف ثم التفت الأمير عمرو إلي وقال : يا ~~شيخ أبي الحسن أما تنظر إلى هذا الحال الذي وقعت فيه ؟ فقلت له : حاشاك من ~~الأسوأ ما سبب ذلك ؟ قال : ما أعرف له سببا إلا أن هجر الست بدور قد قتلني ~~وحبها أضنى فؤادي . فقلت : يا مولاي ، بالعام الماضي تركتك أميرا ، واليوم ~~أتيت لقيتك أسيرا فما السبب ؟ فقال الأمير عمرو : يا شيخ إني في ليلة من ~~الليالي ركبت في الشط ، وقد شحنت مركبي من سائر الأزهار والفواكه والرياحين ~~والطعام والمدام ، وأوقدت الشموع حتى صارت مثل ضوء النهار ، وقد غرقنا في ~~البسط ، وبقينا في لعب وضحك إلى ثلث ms137 الليل الأول ، وإذ قد أقبل من صدر الشط ~~مركب وهو يعزف بالطارات والدفوف ويضيء كضوء الشمس وفيه وهج عظيم ، فقلت ~~للملاح : قدم بنا حتى نتفرج وننظر أينا أحسن تعبية مركبنا أو هذا المركب ؟ ~~فمددت عيني فرأيت صاحبتي الست بدور ، وهي بين جواريها وغلمانها تلعب وتضحك ~~، وهي مثل اسمها ، اسم على مسمى ، فلما وقعت عيني عليها ، كأنما رمت في ~~قلبي جمرة نار فقلت في نفسي : ما فارقت هذا الوجه المليح بذنب . ثم إني ~~تذكرت العهد القديم الذي كان بيننا فلم أقدر أن اصبر ، فمدت يدي وأخذت ~~تفاحة PageV01P161 ورميتها إلى الست بدور فالتفتت فرأتني . فقالت للملاح : ~~ارجع بنا إلى البر ، نحن خرجنا هذه الليلة ننشرح ، فأرسل الله لنا هذا ~~الفتى ينغص علينا عيشنا . فلما سمعتها تشتمني أضرمت النار في قلبي ثم قلت ~~لنفسي : أنت كنت المطلوب فصرت الطالب ، فلم يهن لي عيش في هذه الليلة فقلت ~~للملاح : ارجع إلى الشط . ثم إني نزلت ومضيت إلى منزلي وما ذقت طعم المنام ~~. فلما أصبحت لم يقر لي قرار وصرت أترقب أن يأتي أحد من عندها ، ثلاثة أيام ~~، فلم يأت أحد فبعثت من يعرض بذكري لها ، فدعت عليهم وشتمتهم . فكتبت لها ~~بعد ذلك ألف كتاب ، فلم ترد لي جوابا ، وقد رميت روحي على كل كبير في ~~البصرة ، فيدخلون عليها فلم تقبل ولم تزدد إلا جفاء ، ولي مدة أنتظرك يا ~~شيخ أبا الحسن حتى أبعث معك كتابا وأنا أحلف لك إن هي ردت لك جوابه أعطيتك ~~ألف دينار ، وإن لم ترد جوابه أعطيتك مائة دينار . فقلت له : اكتب ! . فدعا ~~بدواة وقرطاس وكتب في أول الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من ~~متيم يشكو إليك الصبابة ويسألك بالله أن تردي جوابه . أما بعد ، فإنه يعجز ~~لساني ويكل جناني مما أنا فيه من طول السهر ودوام الفكر ، وبكى لبكائي أصم ~~الحجر فألف ألف لا أوحش الله منك والسلام عليك . ثم ختم الكتاب وناولني ~~إياه فأخذته وأتيت به إلى دار الست بدور ، فلقيت الباب على غير تلك الحالة ms138 ~~الأولى عليه ستر مرخي وبواب وخادم . فقلت : لا إله إلا الله ، كان هذا ~~الباب بالأمس خاليا من الأصحاب ، واليوم عليه خادم وبواب ، ثم إني تقدمت ~~إلى الخادم ، وقلت له : قم يا ولدي ادخل واستأذن على مولاتك الست بدور وقل ~~لها : الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي قد أتى ويطلب المثول بين يديك . فغاب ~~الخادم ثم عاد مسرعا وقال : بسم الله ادخل . فدخلت الدهليز فسمعت الست بدور ~~وهي تقول : ولأصبرن على الزمان وجوره . . . حتى يعود كما أريد وأشتهي قال : ~~فلما دخلت رأيتها قاعدة على حافة البركة ، وبين يديها جارية تروح لها ، ~~فتقدمت وقبلت يدها وجلست فنظرت ، وإذا عليها غلالة لازوردية ، وجميع جسدها ~~بائن من تحت الغلالة كأنه عمود مرمر ، وعلى الغلالة مكتوب هذه الأبيات : ~~PageV01P162 أقبلت في غلالة زرقاء . . . لازوردية كلون سماء فتأملت في ~~الغلالة ألقى . . . قمر الصيف في ليالي الشتاء ليتني كنت للمليحة عقدا . . ~~. أو لثاما للوجه مثل الرداء أو قميصا من الحرير خفيفا . . . لاصقا بالفؤاد ~~والأحشاء ضربتني بخنجر العشق حتى . . . صرت ملقى مخضبا بدمائي تركتني على ~~الطريق ونادت . . . من يصلي على قتيل هوائي ثم إني لما فرغت من قراءة ~~الأشعار قالت لجاريتها : هات لي بذلة قماش ، ثم غيرت ما كان عليها ، وجلست ~~ثم أمرت بإحضار المائدة وقالت : بسم الله ، كل يا أبا الحسن . فقلت : لا ~~والله لا أكلت لك طعاما ولا شربت عندك مداما حتى تقضي حاجتي . فقال : كان ~~هذا من الأول لكن والله قد وقعت من عيننا برواحك إلى الأمير عمرو قبل مجيئك ~~إلينا . فقلت لها : أنا ما رحت . فقالت : تكون شيخا وتكذب ، أنت ما عبرت ~~عليه ولقيت الطبيب ، وهو يقول له : كيت وكيت ، وجرى لك معه كذا وكذا ، وهذا ~~الكتاب في طي عمامتك وبالأمارة قال لك : إن ردت الجواب أعطيتك ألف دينار ~~وإن لم ترد لي الجواب أعطيتك مائة دينار ؟ فقلت : يا ستي من أعلمك بهذا ؟ ~~فقالت : أليس القائل يقول : قلوب العاشقين لها عيون . . . ترى ما لا يراه ~~الناظرونا وأنا يا شيخ أبا الحسن أعشق منه وأرى أكثر مما ms139 يراه . فقلت : ~~صدقت يا مولاتي ، كان ذلك . ثم ناولتها الكتاب ففضته وقرأته ثم إنها مزقته ~~وبصقت عليه ، وداسته ورمته في البركة . فلما رأيت ذلك قلت في نفسي : هذا ~~بذاك وفرض الدين لا بد له من وفاء إلا أني حصل لي بعض غيظ على الألف دينار ~~التي تفوتني ، فنظرت غلي وعرفت مني ذلك فقالت : يا شيخ أبا الحسن مم غيظك ؟ ~~إن كان وعدك بألف دينار ، فبت الليلة عندي وكل واشرب والتذ واطرب ، وخذ لك ~~غدا مني ألف دينار وامض في حفظ الله . فقلت : يا سيدتي يكاد الأمير عمرو أن ~~يموت . فقالت : دعنا من هذا الكلام . PageV01P163 ثم إن المائدة حضرت ~~فأكلنا بحسب الكفاية ، فلما فرغنا قالت : يا شيخ أتعرف لعب الشطرنج . قلت : ~~ما ألعب إلا على الحكم والرضا . فقالت : نعم . ثم دعت بالشطرنج فوضع بين ~~أيدينا ولعبت معها الدست الأول ، غلبتني فأمرت الجواري أن يرموني في البركة ~~، فمسكوني ورموني في البركة ، فضحكت علي ساعة . ثم أخرجوني وقد ابتلت جميع ~~حوائجي . فلما رأتني على تلك الحالة أمرت ببذلة من القماش من أفخر الملبوس ~~فلبست فقالت : أتلعب أيضا على الحكم والرضا ؟ قلت : نعم ، فلعبنا فاحتلت ~~عليها ، وأتيت لها بحكاية لطيفة مضحكة وشغلتها وسرقت القطع إلى أن غلبتها ~~وتحكمت فيها وقلت : أريد الألف دينار وجواب الكتاب فأعطتني الألف دينار ، ~~وطلبت دواة والقرطاس ، ثم إنها أطرقت ساعة ورفعت رأسها وكتبت تقول : ألا يا ~~عمرو كم هذا العناء . . . وكم هذا التجلد والجفاء كتبت إلي تشكو ما تلاقي . ~~. . من الأسقام إذ نزل القضاء فسقم لا يزال بطول دهر . . . وداء ما له أبدا ~~دواء ولو ساعدتنا يا عمرو يوما . . . لساعدناك إذ نزل البلاء فعش ضبا ومت ~~كمدا حزينا . . . فواجدة بواحدة جزاء فلا فرغت ناولتني الورقة فقرأتها فقلت ~~: يا ستي ، بالله عليك لا تفعلي وارحمي الأمير عمرا واكتبي له غير هذا . ~~فقالت : يا شيخ أبا الحس ، أنت رسول أو فضولي ؟ فقلت لها : رسول وفضولي ~~وطفيلي ، ويعظ القطط ويحلف أنه ما يبيت إلا في الوسط ويغني بليت بكم . قال ~~: فضحكت من ms140 كلامي ، وقالت : حكمتك في نفسي . فقلت : ست بدور أين تلك المحبة ~~التي كنت تحبينها للأمير عمرو ؟ فلو أبصرته ما عرفته من شدة ما يقاسي من ~~الأسقام والآلام والأمراض . فلما سمعت ذلك قالت : أخبرني عن أقوى شيء به من ~~المرض ؟ فقلت : يا سيدتي ، ما أقدر أصف لك بعض ما فيه من ألم المرض . ~~فترغرغت عيناها بالدموع ثم قالت : يعز علي ما وصفت لي عنه وروحي لروحه ~~الفداء فالحمد لله الذي جعل اجتماعنا على يديك . ثم دعت بدرج غير تلك ~~الورقة وكتبت في أول الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، PageV01P164 ثم ~~إنها ابتدأت تنشد وتقول : وصل الكتاب فلا عدمت أناملا . . . عنيت به حتى ~~تضوع طيبا ففضضته وقرأته ، فوجدته . . . لخفي أوجاع القلوب طبيبا فكأن موسى ~~قد أعيد لأمة . . . أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا المملوكة تقبل الأرض وتنهي ~~أن شوقها شديد ، وغرامها ما عليه من مزيد ، ومأمولها من الحميد المجيد أن ~~يجمع شملها بك قبل أن تريد ، وأقول : أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى . . . ~~لمقامكم قعدت بي الأيام والله إني لو وصفت صبابتي . . . فني المداد وقلت ~~الأقلام ثم إنها نثرت فتات المسك والطيب في رسالتها وطوتها وحققتها ~~وناولتني إياها فأخذتها وقمت مسرعا وأنا فرحان إلى أن أتيت دار الأمير عمرو ~~ودخلت الدهليز فسمعته يقول : ترى حرمت كتب المحبة بيننا ! . . . أسحر أم ~~القرطاس أصبح غاليا فاستأذنت عليه ودخلت فلما رآني قال لي : أقمح أم شعير ؟ ~~فقلت له : قمح مغر بل ليس فيله كدر . ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه فلما فهم ~~معناه تهلل وجهه بالفرح فبكى وقال : هجم السرور علي حتى إنه . . . من فرط ~~ما قد سرني أبكاني يا عين ! قد صار البكا لك عادة . . . تبكين في فرح وفي ~~أحزان فلما فرغ من البكاء قال لي : يا شيخ ما أظن الحديد يلين ولا الصخر ~~يذوب نعل أن تكون صنت هذا الكتاب من عندك ؟ فقلت : يا مولاي والله ما صنعته ~~ولا كتبته بل هو خطها بيدها . فبينما هو يخاطبني ، إذ هي عبرت علينا وهي ~~تخطر لفي قوامها وهي ms141 تنشد وتقول : نزوركم لا نجازيكم بجفوتكم . . . إن ~~الكريم إذا لم ستزر زارا فلما رآها الأمير عمرو نهض قائما على قدميه ورمى ~~بروحه عليها واعتنقها واعتنقته ساعة زمانية ، فقمت لأخلي لهما المكان ، ~~فقالت الست بدور : إلى أين تروح يا شيخ ؟ قلت أخلي لكما المكان لأنكما ما ~~اجتمعتما من مدة سنة كاملة . فقالت : لا تفارقني من الساعة إلى الصباح . ~~PageV01P165 فقام الأمير عمرو وأخذنا ومضى بنا إلى مجلس مليح وقدم لنا ~~الطعام المفتخر وأمر بإزالة كل شيء كان عليه من آلة الحزن وجيء له بالماء ~~فغسل يديه وغسلنا أيدينا ، وانتقلنا إلى مجلس الشراب ، وبتنا في لذة ورأيت ~~الماوية تدب في وجه الأمير عمرو . فلما أصبحت قالت : يا شيخ أبا الحسن ، ~~امض وائتنا بالقاضي والشهود . فلم يكن بأسرع مما أ ؛ ضرتهم . فقالت الست ~~بدور للقاضي : اكتب كتابي على الأمير عمرو ، وقد وليت الشيخ أبا الحسن عقد ~~النكاح . فخطب القاضي خطبة النكاح وعقد العقد بينهما ، فرسم الأمير عمرو ~~للقاضي بألف دينار وللشهود بمائتي دينار ، وعمل الوليمة وطبخ الطعام وعمل ~~الحلاوات وجمع الناس ووضع بين أيديهم الموائد وأطعم الشارد والوارد ، وزفت ~~الست بدور تلك الليلة إلى الأمير عمرو ، فلما وقفوا على المنصة قلت : ما ~~تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها ، ولو رآها غيره لزلزلت الأرض زلزالها ، ثم ~~تقدمت إلى الأمير عمرو وقلت له : يا مولاي ، المثل يقول : العصفور يتفلى ~~والصياد يتقلى ، وأنتم تقولون : وا طرباه وأنا أقول وا حزناه . فقالت الست ~~بدور : ما معنى كلامك هذا ؟ قلت : يا سيدتي الأمير عمرو وعدني بوعد والوعد ~~على الكرماء دين . فقالت الست بدور : صدق الشيخ أعطه الذي وعدته به . فقال ~~الأمير عمرو لبعض غلمانه : أعط الشيخ أبا الحسن ألفا وخمسمائة دينار ، ~~يستحق أكثر من ذلك . فمضى الغلام وعاد بسرعة ومعه كيس وناولني إياه وأعطتني ~~الست بدور مثله . ثم إني ودعتهم وخرجت إلى أن أتيت إلى الأمير محمد بن ~~سليمان الزينبي ، وقعدت عنده على عادتي ، وأخذت رسمي الذي عليه في كل سنة ~~وعدت إلى بغداد فما رأيت سنة أبرك ms142 علي منها ، حصل لي فيها أربعة آلاف دينار ~~. وهذا جملة الحديث فتعجب الخليفة وقال : ما قصرت يا شيخ أبا الحسن خذ من ~~جعفر ألف دينار لأنك أنت الذي أزلت عني ما بقلبي . فقال جعفر : ومن عند ~~أمير المؤمنين ألف دينار لأنه هو الذي زال عنه ما كان يجده . فقال أبو ~~الحسن : صدق الوزير أبقاه الله تعالى ، ثم إنه قبض الألفين دينارا ومضى إلى ~~منزله والله أعلم . PageV01P166 # | من هم البرامكة # قال أبو القاسم بعد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة عبد المجيد بن عبدون : ~~جعفر البرمكي ، هو جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، والبرمك هو الذي يعمر ~~بيت النور ، وهو بيت النار ، وكان برمك من مجوس بلخ وكان عظيم القدر فيهم ، ~~وولده خالد ، فلما كبر صار وزيرا لأبي السفاح بعد أبي سلمة الحلال ، وقتل ~~هارون الرشيد جعفرا سنة سبع وثمانين ومائة ، وكان قد بلغ من الرشيد ما لا ~~يبلغه وزير من خليفة قبله ، حتى كان يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها ~~جيبان على ما ذكره بعض المخبرين حتى بلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ~~ماله وولده . # | منزلة جعفر عند الرشيد # فمن ذلك ما حكاه ابن المهدي عم الرشيد ، وهو إبراهيم المعروف بابن شكلة ، ~~وكانت شكلة أمة سوداء ، وقد ذكر أن إبراهيم كان أسود شديد السواد ، وكان من ~~الطبقة العليا في صنعة العود قال : قال لي جعفر يوما : يا إبراهيم : إذا ~~كان غد فأبكر إلي . فلمام كان الغد مشيت إليه بكرة ، فجلسنا نتحدث . فلما ~~ارتفع النهار أحضر حجاما فحجمنا ، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ثم خلع علينا ~~ثياب المنادمة ، وقال جعفر لخادمه : لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك ~~القهرماني . فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي ، وكان ~~رجلا من بني هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة ~~، فظن الحاجب أنه الذي أمره بإدخاله عليهما ، فلما رآه جعفر تغير لونه ~~ورآهم عبد الملك بن صالح على تلك الحالة ، وظهر ms143 له أنهم احتشموه فأراد أن ~~يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم في فعلهم فقال : اصنعوا بنا ما صنعتم ~~بأنفسكم . فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب ، فلما بلغ ~~ثلاثا قال للساقي : لتخفف عني فإني ما شربته قط . فتهلل وجه جعفر فقال له : ~~هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت . ؟ ~~قال : بلى ، إن أمير المؤمنين علي غاضب ، فسله الرضا عني . قال : قد رضي ~~عنك أمير المؤمنين . PageV01P167 قال : علي أربعة آلاف دينار . قال : هي لك ~~حاضرة من مال أمير المؤمنين . قال : وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر ~~من أمير المؤمنين . قال : قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة . قال : وأحب ~~أن تخفق الألوية على رأسه . قال : نعم ، قد ولاه أمير المؤمنين مصر . قال ~~إبراهيم بن المهدي ، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام جعفر ~~على قضاء الحوائج من غير استئذان . فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ~~ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد ~~الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل إبراهيم على ~~مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله التفت إلي وقال : ~~لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره . قلت : نعم . قال ~~لي : لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها ~~إلى آخرها ، كما كانت ، قال الرشيد : أحسن والله أحسن والله . ثم قال : ما ~~صنعت ؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال : أحسنت . وخرج إبراهيم ~~واليا على مصر من يومه والله تعالى أعلم . PageV01P168 # | الفتى العاشق وجعفر # قال إبراهيم بن إسحاق : كنت منقطعا إلى البرامكة ، فبينما أنا ذات يوم ~~بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي : على الباب فتى جميل ~~يستأذن ، فأذنت له ، فدخل شاب عليه أثر السقم ، فقال : لي مدة أحاول لقاءك ~~ولي إليك حاجة . فقلت : وما هي ؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين ms144 يدي . ~~وقال : أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحنا في بيتين قلتهما . فقلت : ~~أنشدنيهما فقال : بالله يا طرفي الجاني على كبدي . . . لتطفئن بدمعي لوعة ~~الحزن لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني . . . فلا أراه ولو أدرجت في كفني قال : ~~فصنعت لهما لحنا يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه مات ثم ~~أفاق ، وقال : أعده فناشدته الله وقلت : أخشى أن تموت فقال : ليت ذلك ، وما ~~زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقة أشد من الأولى ، فلم أشك في ~~موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس ، فحمدت الله على ~~السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت : خذ مالك وانصرف عني . فقال : لا ~~حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته . فشرهت نفسي فقلت : أعيده ولكن بثلاث شروط ~~، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي حتى تتقوى نفسك ؛ الثاني أن تشرب من ~~الشراب ما يمسك قلبك ؛ الثالث أن تحدثني بحديثك . ففعل ذلك ثم قال : إني ~~رجل من أهل المدينة خرجت متنزها ، وقد سال المطر في العقيق ، مع إخواني ~~فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى ، تنظر بعيني ما ارتد طرفهما إلا ~~بنفس ملاحظهما ، فظللن حتى فرغ النهار ، فانصرفن وقد رمت بقلبي جراحا بطيئة ~~الاندمال ، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحدا يرشدني إليها فجعلت أتتبعها في ~~الأسواق فلم أقع لها على خبر ، ومرضت أسى ، وحكيت قصتي لذات قرابة لي فقالت ~~: لا بأس عليك ، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ ، ~~وأنا أخرج معك فافعل مرادك . PageV01P169 قال : فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن ~~سال العقيق وخرج الناس ينظرون فخرجت مع إخوتي وقرابتي ، فجلسنا في مجلسنا ~~بعينه فما لبثنا إلا والنسوة كفرسي رهان فقلت لذات قرابتي : قولي لهذه ~~الجارية يقول لك هذا الرجل : لقد أحسن من قال : رمتني بسهم أقصد القلب ~~وانثنت . . . وقد عاودت جرحا به وندوبا قال : فمضت إليها وقالت لها ذلك ، ~~فقالت لها : قولي له ، وقد حسن من أجابه : بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلنا . . ~~. نرى فرجا ms145 يشفي القلوب قريبا قال : فأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة ، وقمت ~~منصرفا ، فقامت لقيامي فتبعتها قرابتي حتى عرفت منزلها ، ورجعت فأخذتني ، ~~وسرنا إليها حتى اجتمعنا . واتصل ذلك حتى شاع وطهر وحجبها أبوها . فلم أزل ~~مجتهدا في لقائها فلم أقدر ، وشكوت ذلك إلى أبي فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها ~~راغبا في خطبتها فقال : لو بدا له ذلك قبل أن يفضحها لفعلت ولكنه شهرها ، ~~فما كنت لأحقق قول الناس . قال إبراهيم فأعدت عليه الصوت وعرفني منزله ثم ~~انصرف . وكانت بيننا عشرة ، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي فغنيته ~~شعر الفتى ، فطرب وشرب أقداحا وقال : ويلك ! لمن هذا الصوت ؟ فحدثته حديث ~~الفتى فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغ أربه ، فمضيت إليه ~~وأحضرته فاستعاد الحديث فحدثه فقال : هي في ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت ~~نفسه ، وأقام معنا ، فلما أصبح ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه بذلك فاستظرفه ، ~~وأمر أن يحضرا جميعا واستعاد الصوت وشرب عليه ، فأمر بكتب كتاب إلى عامل ~~الحجاز بإحضار المرأة وأهلها ووالدها مبجلين إلى حضرته ، والإنفاق عليهم ~~نفقة واسعة ، فلم يمض إلا يسير حتى حضروا ، فأشار الرشيد بإيصال الرجل إليه ~~، فحضر وأمر بتزويج ابنته من الفتى ، وأعطاه ألف دينار ، ونقلت إلى أهله ، ~~ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث فاد الفتى بأهله إلى المدينة ، ~~فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين . PageV01P170 # | الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلام حكاية أجنبية # مما اتفق أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان كان قد أهدي له غلام من ~~النصارى لا تقع العيون على أحسن منه . فلمحه الملك الناصر ، فقال له : أنى ~~لك هذا ؟ قال : هو من عند الله . فقال : تتحفونا بالنجوم ، وتستأثرون ~~بالأقمار . فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام ، وقال له : ~~كن داخلا في جملة الهدية ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي ، وكتب معه هذه ~~الأبيات : أمولاي هذا البدر سار لأفقكم . . . وللأفق أولى بالبدور من الأرض ~~أرضيكم بالنفس ، وهي نفيسة . . . ولم أر قبلي من بمهجته يرضي قال ms146 : فحسن ~~ذلك عند الناصر ، وأتحفه بمال جزيل ، وتمكن عنده ، ثم بعد ذلك أهديت للوزير ~~جارية من أجمل نساء الدنيا ، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها ، فتكون ~~كقصة الغلام ، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها مع الجارية ، وكتب ~~معها هذه الأبيات : أمولاي هذي الشمس والبدر أولا . . . تقدم كيما يلتقي ~~القمران قران لعمري بالسعادة ناطق . . . فدم معها في كوثر وجنان فما لهما ~~والله في الحسن ثالث . . . وما لك في ملك البرية ثان قال : فتضاعفت مكانته ~~عنده ، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر أن عنده بقية من حب الغلام ، وأنه ~~لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول ، فيقرع السن على تعذر الوصول إليه . ~~فقال الناصر للواشي : لا تحرك به لسانك ، وإلا طار رأسك ، وكتب على لسان ~~الغلام ورقة فيها : يا مولاي تعلم أنك كنت لي على الانفراد ، ولم أزل معك ~~في نعيم وأنا وإن كنت عند السلطان مشاركا في منزله محاذرا ما يبدو من سطوة ~~الملك ، فتحيل في استدعائي منه . ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول هي ~~من عند فلان ، وإن الملك لم يكلمه قط ، فلما وفق عليها أبو عامر واستخبر ~~الخادم أحس بالمكيدة ، فكتب على ظهر الورقة يقول : PageV01P171 أمن بعد ~~أحكام التجارب ينبغي . . . لدي سقوط العير في غابة الأسد ولا أنا ممن يغلب ~~الحب عقله . . . ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا ~~. . . وكيف يرد الروح إن فارق الجسد فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من ~~فطنته ، ولم يعد إلى سماع واش فيه بعد ذلك ، ثم قال له : كيف خلصت من الشرك ~~؟ قال : لأن عقلي بالهوى غير مشترك . # | سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد # والقصة في ذلك على ما رواه إبراهيم بن إسحاق عن أبي ثور زاهر بن صقلاب ~~قال : بلغني أنه كان لهارون الرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي . فقال له ~~يوما : لا يطيب لي ذلك إلا بمحضر أختي ميمونة . ولكن لا يجوز إلا إن كتبت ~~لك عليها لإباحة النظر ms147 من غير أن تقربها . فاتفقا على ذلك وعقد له عليها ثم ~~أحضرها فكانت تحضر لذلك المجلس إلا أنه زاد غرامها وعشقها فيه ، وكان لجعفر ~~البرمكي امرأة تزين له الجواري كل ليلة ، فجاءت ميمونة إليها ورشتها بمال ~~فزينتها له ، وأدخلتها عليه ، فظن أنها جارية فواقعها . فلما أصبحوا قالت ~~له : أنا ميمونة ، وقد كنت أسألك أن تساعدني على مودتك فتأبى . فلما أيست ~~منك احتلت عليك بما رأيت في هذه الليلة ، وإن لم تواظب لأكونن سببا في سلب ~~نعمتك ، وهل أنت إلا زوجي ؟ فقال لها جعفر : ويحك أهلكتني وأهلكت نفسك . ~~وكان كما قال ، ولم يزرها حتى ظهر أمرها للرشيد ، فهذا كان سبب قتل ~~البرامكة وهذا ابتداء الحديث . قال المبرد : قال أبو عبد الله المارستاني ~~عن يحيى بن أكثم القاضي ، قال : سألت إسماعيل بن يحيى الهاشمي عن سبب زوال ~~نعمة البرامكة . قال : نعم أعرف صحة الخبر وباطن القصة : كان سبب ذلك أني ~~كنت مع الرشيد يوما من الأيام راكبا إلى الصيد ، فبينما نحن نسير إذ نظر ~~إلى موكب بالعبد اعترضنا ، فقال لي : يا إسماعيل لمن هذا ؟ فقلت : هو لأخيك ~~جعفر بن يحيى . فالتفت يمينا وشمالا إلى من معه في موكبه ، فإذا هو شرذمة ~~يسيرة ، ثم نظر إلى الموكب الذي فيه جعفر فلم يره . فقال : يا إسماعيل ما ~~فعل جعفر وموكبه ؟ فقلت : يا سيدي قد PageV01P172 مضى أخوك في طريق ولم ~~يعلم بموضعك . فقال : ما رآنا أهلا أن يزيننا بمركبه ويجملنا بجيشه . فقلت ~~: العفو يا أمير المؤمنين ، لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين يديك ، ~~واعتذرت بما حضر لي من الكلام . ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواش ~~كثيرة وعمارة حسنة ، وكان الطريق يدور عليها ، فدرنا حتى وردنا باب القرية ~~، فنظر الرشيد إلى البيدر وإلى كثرة الغلال فيه والمواشي ويسار أهلها ، ~~فالتفت إلي وقال : يا إسماعيل لمن هذه الضيعة ؟ قلت : لأخيك جعفر بن يحيى . ~~فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى ، وكلما ~~مر وسألني عن ضيعة ms148 قلت : لجعفر بن يحيى ، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة ، ~~فلما أردت وداعه والانصراف إلى منزلي نظر إلي من كان حواليه نظرة ، فعلموا ~~ما أراد فتفرقوا وبقيت أنا وهو ، فقال : يا إسماعيل . قلت : لبيك يا أمير ~~المؤمنين . فقال : انظر إلى البرامكة أغنيناهم وأفقرنا أولادنا وأغفلنا ~~أمرهم . فقلت في نفسي : بلية والله ، ثم قلت : لماذا يا أمير المؤمنين ؟ ~~قال : نظرت لهؤلاء وغفلت عن هؤلاء لأني لا أعرف لأحد من أولادي ضيعة من ~~ضياع البرامكة على طريق واحد ، على قرب هذا المدينة ، فكيف بما هو لهم غير ~~ذلك على غير هذا الطريق في سائر البلدان . فقلت : يا أمير المؤمنين إنما ~~البرامكة عبيدك وخدمك ، والضيعات وأموالهم وكل ما يملكون لك . فنظر إلي ~~نظرة جبار عنيد . ثم قال : ما عد البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم ، وأنهم هم ~~الدولة وأن لا نعمة لبني العباس إلا والبرامكة أنعموا عليهم بها . فقلت : ~~أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه . فقال : والله يا إسماعيل ! إنك ~~لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم بكلامي فتتخذ لك عندهم يدا ، وإني ~~آمرك أن تكتم هذا الأمر فإنه ما علم به أحد غيرك ، ومتى بلغهم شيء مما جرى ~~؟ علمت أنه ما أفشاه إلا أنت . PageV01P173 فقلت : يا أمير المؤمنين ، أعوذ ~~بالله أن يكون مثلي يفشي سرك . قال : وكان هذا القول أول ما ظهر من أمر ~~البرامكة ، ثم ودعته وانصرفت متفكرا في إيقاع الحيلة عليهم . فلما كان من ~~الغد بكرت إليه ، وجلست بين يديه وكان في محل يشرف على الدجلة من شرقي ~~مدينة باب السلام ، وبإزائه منزل جعفر من الجانب الغربي ، وكانت المواكب من ~~جميع الأصناف : من قائد وأمير وعامل يردون في كل يوم إلى قصر جعفر ، فالتفت ~~إلي وقال : يا إسماعيل ، هذا ما كنا فيه بالأمس . انظر كم على باب جعفر من ~~الجيوش والغلمان والمواكب ، وأنا ما على باب داري أحد ؟ فقلت : يا أمير ~~المؤمنين ، ناشدتك الله أن لا تعلق نفسك بشيء من هذا . وإن جعفرا إنما هو ~~عبدك وخادمك ووزيرك وصاحب جيوشك ms149 ، إذا لم يكن الجيش على بابه فعلى باب من ~~يكون ؟ إنما بابه باب من أبوابك . فقال : يا إسماعيل ، أنظر إلى دوابهم ~~ألست ترى أعجازهم إلى قصري وتروث بإزائنا ، ونحن ننظر إليها ، والله هذا هو ~~الاستخفاف بعينه ، والله لا أصبر على ذلك . ثم غضب غضبا شديدا وامتلأ غيظا ~~، فأمسكت عن الكلام وقلت : والله هذا قضاء من الله سابق وحكم لا محالة واقع ~~، ثم استأذنته في الانصراف ورجعت إلى منزلي ، فلقيني جعفر في الطريق يريد ~~الرشيد ، فتواريت عنه حتى مضى ، فدخل إليه وسلم عليه فأجلسه عن يمينه ~~وأكرمه غاية الإكرام وبش في وجهه وحادثه ساعة ووهب له خادما من خاصة خدمه ~~وأنبلهم وأوضحهم وجها وأكملهم ظرفا ، كاتبا حاسبا لبيبا ، فسر جعفر سرورا ~~كاملا ، ووقع في قلبه أجل موقع ، وكان دسيسا عليه وبلية لديه يرفع أخباره ~~إلى الرشيد ويحصي عليه أنفاسه ساعة بساعة ووقتا بوقت ، فخلا به جعفر يومه ~~ذلك وليلته واحتجب من أجله عن الناس ، فلما كان بعد ثلاثة أيام سرت إلى ~~جعفر فسلمت عليه ، فلما خلا مجلسه ولم يبق عنده غيري وذلك الخادم واقف ، ~~وعلمت أن الخادم يحصي علينا أخبارنا فقلت : أيها الوزير ، نصيحة أفتأذن لي ~~في الكلام ؟ قال : تكلم . وكان الرشيد ولاه كورة خراسان كلها وما يضاف ~~إليها وينسب لها قبل هذا الكلام بأيام ، وخلع عليه وعقد له لواء وعسكرا ~~بالنهروان ، وضرب الناس مضاربهم بها ، وهم متأهبون للسفر ، فقلت : يا سيدي ~~! أنت عازم على الخروج إلى بلدة كثيرة الخير واسعة الأقطار عظيمة المملكة ، ~~فلو صيرت بعض ضياعك لولد أمير المؤمنين لكان أحظى لمنزلتك عنده ؟ فلما قلت ~~ذلك نظر إلي مغضبا وقال : والله يا إسماعيل ، ما أكل الخبز PageV01P174 ابن ~~عمك أو قال صاحبك إلا بفضلي ، ولا قامت هذا الدولة إلا بنا ، أما كفى أني ~~تركته لا يهتم بشيء من أمر نفسه وولده وحاشيته ورعيته ، وقد ملأت بيوت ~~أمواله أموالا ، ولا زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد عينيه إلى ما ~~ادخرته واخترته لولدي وعقبي من بعدي ، وداخله حسد بني هاشم وبغيهم ودب ms150 فيه ~~الطمع والله لئن سألني شيئا من ذلك ليكونن وبالا عليه سريعا . فقلت : والله ~~يا سيدي ، ما كان مما ظننت شيء ولا تكلم أمير المؤمنين بحرف . قال : فما ~~هذا الفضول منك ، فقعدت بعدها هنيهة ثم قمت إلى منزلي ولم أركب إليه ولا ~~إلى الرشيد لأني صرت بينهما في حال تهمة ، وقلت في نفسي : هذا الخليفة وهذا ~~وزيره ، وأي شيء لي بالدخول بينهما ؟ ولا شك في زوال نعمة البرامكة ، وأن ~~أمورهم قد انثلمت . قال : وحدثني خادم أم جعفر : أن الخادم الذي وهبه ~~الرشيد لجعفر كتب إلى الرشيد بما كان بيني وبينه ، وما تكلم به من الكلام ~~الغليظ . قال : فلما قرأ الكتاب وفهم الخبر احتجب ثلاثة أيام متفكرا في ~~إيقاع الحيلة على البرامكة فدخل في اليوم الرابع على زبيدة فخلا بها وشكا ~~لها ما في قلبه ، وأطلعها على الكتاب الذي رفعه إليه الخادم ، وكان بين ~~جعفر وزبيدة شر وعداوة قديمة فلما تملكت الحجة عليه بالغت في المكر بهم ~~واجتهدت في هلاكهم ، وكان الرشيد يتبرك بمشورتها ، فقال : أشيري علي برأيك ~~الموافق الرشيد ، إني خائف أن يخرج الأمر من يدي إن تمكنوا من خراسان ~~وتغلبوا عليها ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين ! مثلك مع البرامكة كمثل رجل ~~سكران غريق في بحر عميق ، فإن كنت قد أفقت من سكرتك وتخلصت من غرفتك أخبرتك ~~بما هو أصعب عليك وأعظم من هذا بكثير ؛ وإن كنت على الحالة الأولى تركتك . ~~فقال لها : قد كان ما كان ، فقولي أسمع منك . فقالت : إن هذا الأمر أخفاه ~~عنك وزيرك وهو أصعب مما أنت فيه وأقبح وأشنع . فقال لها : ويحك ، وما هو ؟ ~~فقالت : أنا أجل من أن أخاطبك به ولكن تحضر أرجوان الخادم وتشدد عليه ~~وتوهنه ضربا فإنه يعرفك الخبر . وكان الرشيد قد أحل جعفرا محلا لم يحله ~~أخوه ولا أبوه ، وأمره أن يدخل على الحريم في السفر والحضر وأبرز إليه ~~جواريه وأخواته وبناته لأنه كان بينهما رضاع سوى امرأته PageV01P175 زبيدة ~~، فإنه لم يكن رآها ولا دخل عليها ولا قضى لها حاجة ، ولا هي ms151 أيضا تستقضيه ~~حاجة ، فلما فسد قلب الرشيد وعزم على هلاك البرامكة وجدت سبيلا على ~~البرامكة فحطت على جعفر ، وكان جعفر يدخل على الحريم في غياب الرشيد ويقضي ~~حوائجهن لأنهن لا يستترن منه ، وكان ذلك بأمر الرشيد ، ولم يعلم الرشيد ما ~~حدث من جعفر . قال : فخرج الرشيد واستدعى أرجوان الخادم وأحضر السيف . ~~والنطع ، وقال : برئت من المنصور إن لم تصدقني في حديث جعفر لأقتلنك . فقال ~~: الأمان يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم لك الأمان . فقال : اعلم أن جعفرا ~~قد خانك في أختك ميمونة ، وقد دخل بها منذ سبع سنين وولدت منه ثلاث بنين : ~~أحدهم له ست سنين ، والآخر له خمس سنين والثالث عاش سنتين ومات قريبا ، ~~والاثنان قد أنفذهما إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه ، وهي حامل بالرابع ~~، وأنت أذنت له بالدخول على أهل بيتك ، وأمرتني أن لا أمنعه في أي وقت شاء ~~ليلا أو نهارا . قال : أمرتك أن لا تحجبه ، فحين حدثت هذه الحادثة لم لا ~~أخبرتني أول مرة ؟ ثم أمر بضرب عنقه ، وقام من وقته على الفور ، ودخل على ~~زبيدة ، وقال لها : أرأيت ما عاملني به جعفر وما ارتكب من هتك ستري ونكس ~~رأسي وفضحني بين العرب والعجم ؟ فقالت : هذه شهوتك وإرادتك ، عمدت إلى شاب ~~جميل الوجه حسن الثياب طيب الرائحة جبار في نفسه ، أدخلته على ابنة خليفة ~~من خلفاء الله ، وهي أحسن منه وجها ، وأنظف منه ثوبا ، وأطيب منه رائحة ، ~~لكنها لم تر رجلا قط غيره ، فهذا جزاء من جمع بين النار والحطب . فخرج من ~~عندها مكروبا فدعا بخادمه مسرورا ، وكان قاسي القلب فظا غليظا قد نزع الله ~~الرحمة من قلبه ، فقال : يا مسرور ، إذا كان الليلة بعد العتمة فأتني بعشرة ~~من الفعلة أجلادا ومعهم خادمان . قال : نعم . فلما كان بعد العتمة جاء ~~مسرور ومعه الفعلة والخادمان ، فقام الرشيد وهم بين يديه حتى أتى المقصورة ~~التي فيها أخته فنظر إليها وهي حامل فلم يكلمها بشيء ولم يعاتبها على ما ~~فعلت ، وأمر الخادمين بإدخالها في صندوق كبير في مقصورتها ms152 بعد قتلها ووضعها ~~بحليها وثيابها كما هي وأقفل عليها ، وقد علمت أنها بعد قتل أرجوان لاحقة ~~به ، فلما PageV01P176 علم أنه استوثق بها دعا بالفعلة ومعهم المعاول ~~والزنابيل فحفروا وسط تلك المقصورة حتى بلغوا الماء وهو قاعد على كرسي ، ثم ~~قال : حسبكم ! هاتوا الصندوق ، فدلوه في تلك الحفرة ، ثم قال : ردوا التراب ~~عليه ، ففعلوا وسووا الموضع كما كان ، ثم أخرجهم وأقفل الباب وأخذ المفتاح ~~معه وجلس في موضعه والفعلة والخادمان بين يديه ، ثم قال : يا مسرور ! خذ ~~هؤلاء القوم وأعطهم أجرتهم ، فأخذهم مسرور وجعلهم في جواليق وخيط عليهم بعد ~~أن ثقلهم بالصخر والحصى ورماهم في وسط الدجلة ورجع من وقته فوقف بين يديه ، ~~فقال : يا مسرور ! فعلت ما أمرتك به ؟ قال : وفيت القوم أجورهم . فدفع ليه ~~مفتاح البيت ، وقال : احفظه حتى أسألك عنه ، وامض الآن فانصب في وسط المحل ~~القبة التركية . ففعل ذلك ووافاه قبل الصبح ولم يعلم أحد ما يريد . فلما ~~جلس في مجلسه وكان يوم الخميس يوم موكب جعفر . قال : يا مسرور لا تتباعد ~~عني . ودخل الناس فسلموا عليه ووقفوا على مراتبهم ودخل جعفر بن يحيى ~~البرمكي فسلم عليه فرد عليه السلام أحسن رد ورحب به وضحك في وجهه ، فجلس في ~~مرتبته ، وكانت مرتبته أقرب المراتب إلى أمير المؤمنين ، ثم حدثه ساعة ~~وضاحكه ، فأخرج جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي ؛ فقرأها عليه ، وأمر ، ~~ونهى ، ومنع ، ونفذ الأمور ، وقضى حوائج الناس ، ثم استأذنه جعفر في الخروج ~~إلى خراسان في يومه ذلك ، فدعا الرشيد بالمنجم ، وهو جالس بحضرته فقال ~~الرشيد : كم مضى من النهار . قال : ثلاث ساعات ونصف . وأخذ له الارتفاع ~~وحسب له الرشيد بنفسه ونظر في نجمه ، فقال : يا أخي ، هذا يوم نحوسك ، وهذه ~~ساعة نحس ، ولا أرى إلا أنه يحدث فيها حدث ، ولكن تصلي الجمعة وترحل في ~~سعودك وتبيت في النهروان وتبكر يوم السبت وتستقبل الطريق بالنهار ، فإنه ~~أصلح من اليوم . فما رضي جعفر بما قاله الرشيد حتى أخذ الاصطرلاب من يد ~~المنجم وقام وأخذ الطالع وحسب الطالع لنفسه ms153 ، وقال : والله صدقت يا أمير ~~المؤمنين ؛ إن هذه الساعة ساعة نحسن وما رأيت نجما أشد احتراقا ولا أضيق ~~مجرى من البروج في مثل هذا اليوم . ثم قام وانصرف إلى منزله ، والناس ~~والقواد والخاص والعام من كل جانب يعظمونه ويبجلونه إلى أن وصل إلى قصره في ~~جيش عظيم ، وأمر ونهى وانصرف الناس فلم يستقر PageV01P177 به المجلس حتى ~~بعث إليه الرشيد مسرورا ، وقال له : امض إلى جعفر وأتني به الساعة ، وقل له ~~: وردت كتب من خراسان ، فإذا دخل الباب الأول أوقف الجند ، وإذا دخل الباب ~~الثاني أوقف الغلمان ، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحدا يدخل معه من ~~غلمانه ، بل يدخله وحده ، فإذا دخل صحن الدار فمل به إلى القبة التركية ~~التي أمرتك بنصبها فاضرب عنقه ، وائتني برأسه ، ولا توقف أحدا من خلق الله ~~على ما أمرتك به ، ولا تراجعني في أمره ، وإن لم تفعل أمرت من يضرب عنقك ~~ويأتيني برأسك ورأسه جملة ، وفي هذا كفاية ، وأنت أعلم ، وتبادر قبل أن ~~يبلغه الخبر من غيرك . فمضى مسرور واستأذن على جعفر فدخل عليه ، وقد نزع ~~ثيابه وطرح نفسه ليستريح ، فقال : سيدي ! أجب أمير المؤمنين . قال : فانزعج ~~وارتاع منه ، وقال : ويلك يا مسرور ! أنا في هذه الساعة خرجت من عنده ؛ فما ~~الخبر ؟ قال : وردت كتب من خراسان يحتاج أن تقرأها . فطابت نفسه ودعا ~~بثيابه فلبسها وتقلد سيفه وذهب معه ، فلما دخل من الباب الأول أوقف الجند ~~وفي الثاني أوقف الغلمان ، فلما دخل من الباب الثالث التفت فلم ير أحدا من ~~غلمانه ولا الخادم الفرد ، فندم على ركوبه تلك الساعة ولم يمكنه الرجوع ، ~~فلما صار بإزاء تلك القبة المضروبة في صحن الدار مال به إليها وأنزله عن ~~دابته وأدخله القبة فلم ير فيها أحدا . وفي رواية : رأى فيها سيفا ونطعا ~~فحس بالبلاء ، وقال لمسرور : يا أخي ما الخبر ؟ فقال له مسرور : أنا الساعة ~~أخوك ، وفي منزلك تقول لي : ويلك ! أنت تدري ما القضية ؟ وما كان الله ~~ليهملك ولا ليغفلك ، فقد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك ms154 وحمل رأسك إليه ~~الساعة . فبكى جعفر وجعل يقبل يدي مسرور ورجليه ، ويقول : يا أخي ! يا ~~مسرور ، قد علمت كرامتي لك دون جميع الغلمان والحاشية ، وأن حوائجك عندي ~~مقضية في سائر الأوقات ، وأنت تعرف موضعي ومحلي من أمير المؤمنين ، وما ~~يوحيه إلي من الأسرار ، ولعل أن يكونوا بلغوه عني باطلا ، وهذه مائة ألف ~~دينار أحضرها لك الساعة قبل أن أقوم من موضعي هذا ، وخلني أهيم على وجهي . ~~فقال لا سبيل إلى ذلك أبدا . قال : فاحملني إليه وأوقفني بين يديه ، فلعله ~~إذا وقع نظره علي تدركه الرحمة فيصفح PageV01P178 عني ؟ قال : ما لي سبيل ~~إلى ذلك أبدا ، ولا يمكنني مراجعته ، وقد علمت أنه لا سبيل إلى الحياة أبدا ~~. قال : فتوقف عني ساعة وارجع إليه ، وقل له : قد فرغت مما أمرتني به ، ~~واسمع ما يقول ، وعد فافعل ما تريد ، فإن فعلت ذلك وحصلت لي السلامة ، فإني ~~أشهد الله وملائكته أني أشاطرك في نعمتي مما ملكته يدي وأجعلك أمير الجيش ~~وأملكك أمر الدنيا . ولم يزل به وهو يبكي حتى طمع في الحياة ، فقال له ~~مسرور : ربما يكون ذلك . وحل سيفه ومنطقته وأخذهما ووكل به أربعين غلاما من ~~السودان يحفظونه ومضى مسرور ووقف بين يدي الرشيد وهو جالس يقطر غضبا ، وفي ~~يده قضيب ينكث به الأرض . فلما رآه قال له : ثكلتك أمك ما فعلت في أمر جعفر ~~؟ فقال : يا أمير المؤمنين قد أنفذت أمرك فيه . فقال : فأين رأسه ؟ فقال : ~~في القبة . قال : فأتني برأسه الساعة . فرجع مسرور وجعفر يصلي ، وقد ركع ~~ركعة فلم يمهله أن يصلي الثانية حتى سل سيفه الذي أخذه منه وضرب عنقه وأخذ ~~رأسه بلحيته فطرحه بين يدي أمير المؤمنين ، وهو يشخب دما فتنفس الصعداء ~~وبكى بكاء شديدا وجعل ينكت الأرض أثر كل كلمة ويقرع أسنانه بالقضيب ، ~~ويخاطبه ، ويقول : يا جعفر ألم أحلك محل نفسي ؟ يا جعفر ! ما كافأتني ولا ~~عرفت حقي ولا حفظت عهدي ولا ذكرت نعمتي ولا نظرت في عواقب الأمور ، ولا ~~تفكرت في صروف الدهر ، ولا حسبت تقلب الأيام واختلاف ms155 أحوالها ، يا جعفر ~~خنتني في أهلي وفضحتني بين العرب والعجم ، يا جعفر ، أسأت إلي وإلى نفسك ~~ولا تفكرت في عاقبة أمرك . قال مسرور : وأنا واقف بين يديه ، وهو ينكت ~~الأرض في كل كلمة ، وملم يزل كذلك إلى أن أذن لصلاة الظهر ، فدعا بماء ~~فتوضأ للصلاة وخرج للجامع فصلى بالناس جماعة ، ثم التفت بوجهه لقصور جعفر ~~ودوره وقبض على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة ومواليهم وغلمانهم واستباح ~~ما فيها ، ووجه مسرورا إلى العسكر فأخذوا جميع ما فيه من مضارب وخيام وسلاح ~~وغير ذلك . فلما أصبح يوم السبت ، فإذا هو قد قتل من البرامكة وحاشيتهم نحو ~~ألف إنسان ، وترك من بقي منهم لا يرجع إلى وطنه وشتت PageV01P179 شملهم في ~~البلاد ، ولم يقدر أحد منهم على كسرة خبز ، وحبس أباه يحيى وأخاه الفضل في ~~مطمورة ، وأمر بجثة جعفر فصلبت على الجسر ببغداد ، ثم بعث إلى خراسان أن ~~يوطن بلادها ، وأمر الناس فردوا مضاربهم ودخل العسكر ، ثم وجه إلى مدينة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بالصبيين ولدي جعفر من أخته ميمونة ~~فأدخلا عليه في بيته ، فلما رآهما أعجب بهما وكانا في نهاية من الحسن ~~والجمال ، فاستنطقهما فوجد لغتهما مدنية وفصاحتها هاشمية ، وفي ألفاظهما ~~عذوبة وبلاغة ، فقال لكبيرهما : ما اسمك يا قرة عيني ؟ قال : الحسن . قال ~~للصغير : ما اسمك يا حبيبي ؟ قال : الحسين . فنظر إليهما وبكى بكاء شديدا ، ~~ثم قال : يعز علي حسنكما وجمالكما لا رحم الله من ظلمكما ولم يدريا ما يراد ~~بهما ، ثم قال : ما فعلت بالمفتاح الذي دفعته لك وأمرتك بحفظه ؟ قال : هو ~~حاضر يا أمير المؤمنين . قال : فائتني به . ثم دعا بجماعة من الغلمان ~~والخدم وأمرهم أن يحفروا في البيت حفرة عميقة ودعا مسرورا وأمره بقتلهما ~~ودفنهما مع أمهما في تلك الحفرة ، رحمهم الله تعالى جميعا ، وهو مع ذلك ~~يبكي بكاء شديدا حتى ظننت أنه رحمهما ، ثم مسح عينيه من الدموع وأمر أن لا ~~تذكر البرامكة في مجلس ، ولا يستعان بمن بقي منهم في المدينة أبدا ، فخرجوا ~~على وجوههم ms156 في البلاد شاردين متنكرين وقطع الله دابرهم . قال : فلما كان ~~بعد مدة من هلاك البرامكة وجد الرشيد رقعة تحت مصلاه فيها خطاب وأبيات من ~~الشعر فبحث عنها ، فقيل : إن صاحب السر عملها ، فبعث إليه فسأله عنها ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين وجدتها في صحن الدار ، ولا أعلم من طرحها فأخذتها ~~وطرحتها تحت مصلاك ، فقيل : إن ذلك من زبيدة لتهلك من بقي من البرامكة ~~فعملت الرقعة للرشيد وحركته وزادت في غيظه ، فاستدعى في الوقت بالفضل بن ~~يحيى وضربه سياطا حتى كاد يهلكه وزاد في حديده وأغلاله ، ثم استدعى يحيى ~~وكان شيخا كبيرا ، وزاد في حديده وأغلاله أيضا ، وكان قد أنشأ في النعيم ، ~~فتذكر فقد جعفر وتشتت الأهل ، فكتب كتابا إلى الرشيد يستعطفه ويسأله أن ~~يخفف عنه من القيد والغل ، وهو : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى أمير ~~المؤمنين ونسل المهديين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله رب العالمين ، من ~~عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وخانه PageV01P180 ~~الزمان وأناخ عليه الخذلان ونزل به الحدثان فصار إلى الضيق بعد السعة ، ~~وعالج الموت بعد الدعة ، وشرب كأس الموت مترعة ، وافترش السخط بعد الرضا ، ~~واكتحل بالسهر بعد الكرى ، فنهاره فكر ونومه سهر ، وساعته شهر وليله دهر قد ~~عاين الموت مرارا وشارف الهلاك جهارا ، يا أمير المؤمنين ، قد أصابتني ~~مصيبتان : الحال والمال ، أما المال ، فإن ذلك منك ولك ، وكان في يدي عارية ~~منك ، ولا بأس برد العواري إلى أهلها ، وما المصيبة بجفعر فبجرمه وجراءته ~~وعاقبته بما استخف من أمرك وكان جزاؤه فوق ما استحق ، وأما الفقير ، فاذكر ~~يا أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي ووهن قوتي وهب لي رضاك فمن مثلي الزلل ~~ومن مثلك الإقالة ، ولست أعتذر ولكن أقر وقد رجوت أن أفوز برضاك فتقبل عذري ~~وصدق نيتي وظاهر طاعتي وتلويح حجتي ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين ويرى ~~الحقيقة فيه ويبلغ المراد منه ، ثم أنشأ يقول : قل للخيلفة ذي الصنا . . . ~~ئع والعطايا الفاشيه وابن الخلائف من قري ؟ . . . ش والملوك العاليه رأس ~~الأمور وخير من . . . ساس ms157 الأمور الماضيه إن البرامكة الذي ؟ . . . ن رموا ~~لديك بداهيه عمتهمو لك سخطة . . . لم تبق منهم باقية ؟ فكأنهم مما بهم ~~أعجاز نخل خاويه صفر الوجوه عليهم . . . خلع المذلة باديه مستضعفون ومطردو ~~. . . ن بكل أرض قاصيه بعد الإمارة والوزا . . . رة والأمور الساميه ومنازل ~~كانوا بها . . . فوق المنازل عاليه أضحوا ، وجل منا همو . . . منك الرضا ~~والعافيه يا من يريد لي الردى . . . يكفيك ويحك ما بيه يكفيك أني مستبا . . ~~. ح عترتي ونسائيه يكفيك ما أبصرته . . . ذلي وذل مكانيه فلقد رأيت الموت ~~من قبل الممات علانيه وبكاء فاطمة الكبي ؟ . . . رة والدموع الجاريه ~~ومقالها بتفجع : . . . يا سوأتي وشقائيه PageV01P181 من لي ، وقد غلب الزما ~~. . . ن على جميع رجاليه يا لهف نفسي ، لهفا . . . ما للزمان وما ليه أوما ~~سمعت مقالتي . . . يا ذا الفروع الزاكيه يا عطفة الملك الرضا . . . عودي ~~علينا ثانيه فلما وقف الرشيد على الرقعة ، كتب على ظهرها هذه الأبيات : يا ~~آل برمك ! إنكم . . . كنتم ملوكا عاتيه فعصيتمو وطغيتمو . . . وكفرتمو ~~نعمائيه هذي عقوبة من عصى . . . من فوقه وعصانيه أجري القضاء عليكمو . . . ~~ما خنتموه علانيه من ترك نصح إمامكم . . . عند الأمور الباديه ثم أردفه ~~بقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ' وضرب الله مثلا ، قرية كانت آمنة ~~مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ' فلما قرأها يحيى ، وهو بالسجن ، أخذته ~~الحمى لوقته وساعته ، وكان ينام على التراب وأيس من الحياة ، وعلم أنه ليس ~~له مخلص مما هو فيه من السجن ، انتهى . # | أحسن ما رأى جعفر # وقيل ليحيى بن خالد برمك : أيها الوزير ، أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام ~~سعادتك ؟ قال : ركبت يوما في بعض الأيام في سفينة أريد التنزه ، فلما خرجت ~~برجلي لأصعد ، فاتكأت على لوح من ألواحها وكان بأصبعي خاتم فطار فصه من يدي ~~، وكان ياقوتا أحمر قيمته ألف مثقال من الذهب ، فتطيرت من ذلك . ثم عدت إلى ~~منزلي ، وإذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه ، وقال : أيها الوزير لقيت ~~هذا الفص في بطن حوت ، وذلك لأني ms158 اشتريت حيتانا للمطبخ ، فشققت بطنها فرأيت ~~هذا الفص ، فقلت : لا يصلح هذا إلا للوزير أعزه الله تعالى . فقلت الحمد ~~لله هذا بلوغ الغاية . PageV01P182 # | أعظم ما مر به # وقيل له : أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن ؟ قال : اشتهيت لحما في قدر طباخ ~~، وأنا في السجن فغرمت ألف دينار في شهوتي حتى أتيت بقدر ولحم مقطع في قصبة ~~فارسية ، والخل وسائر حوائجها في قصبة أخرى وتركوا عندي ما أحتاج إليه ، ~~وأتيت بنار فأوقدت تحت القدر ونفخت ، ولحيتي في الأرض حتى كادت روحي تخرج . ~~فلما أنضجت تركتها تفور وتغلي وفتت الخبز وعمدت لأنزلها فانفلتت وانكسرت ~~القدر على الأرض ، فبقيت ألتقط اللحم وأمسح منه التراب وآكله . وذهب المرق ~~الذي كنت أشتهيه ، وهذا عظم ما مر بي ، انتهى . ؟ # | موت يحيى البرمكي # ثم إن الرشيد نذر الحج ، فخرج وخرج معه العسكر وكان خروجه في رمضان ، ~~فكانت تضرب له السرادقات المكللة بالديباج مفروشة بالحرير ، يخرج من سرادق ~~إلى سرادق ، والناس محدقون به ، حتى وصل إلى الحرم وحج . فاتفق أن الوفاة ~~دنت من يحيى ، وهو في السجن ، فكتب رقعة وأوصى ولده الفضل أن يوصلها إلى ~~الرشيد وكتب فيها هذه الأبيات : ستعلم في الحساب إذا التقينا . . . غدا ، ~~يوم القيامة ، من الظلوم ؟ وينقطع التلذذ عن أناس . . . من الدنيا ، وتنقطع ~~الهموم تنام ولم تنم عنك المنايا . . . تنبه للمنية يا نؤوم تروم الخلد في ~~دار المنايا . . . وكم قد رام غيرك ما تروم ؟ إلى ديان يوم الدين نمضي وعند ~~الله تجتمع الخصوم قال : فلما قدم الرشيد أنفذها إليه الفضل . فلما قرأها ~~علم بموته فقال : مات والله يحيى ، ومات الجود والكرم والسخاء ، والله لو ~~كان حيا لفرجت عنه ، ثم أمر بإطلاق الفضل ابنه واستوزره مكان أخيه جعفر ، ~~رحمة الله عليهم أجمعين . ؟ PageV01P183 # | مدح البرامكة # قال بعضهم في البرامكة : إن البرامكة الكرام تعلموا . . . فعل الكرام ~~فعلموه الناسا كانوا إذا غرسوا سقوا ، وإذا بنوا . . . لم يهدموا مما بنوه ~~أساسا وإذا همو صنعوا الصنائع في الورى . . . جعلوا لها طول البقاء لباسا ~~فعلام تقصيني وأنت سقيتني . . . من مر هجرك ms159 ، من جنابك كاسا آنستني متفضلا ~~، أفلا ترى . . . أن انقطاعك يوحش الإيناسا ؟ # | رأي الموصلي بالبرامكة # وسئل إسحاق الموصلي أن سخاء أولاد يحيى بن خالد ، فقال : أما الفضل ففعله ~~يرضيك ، وما جعفر فقوله يرضيك ، وأما محمد فيفعل ما يجد ، وفي يحيى يقول ~~القائل : سألت الندى : هل أنت حر ، فقال لا . . . ولكنني عبد ليحيى بن خالد ~~فقلت : شراء قال : لا بل وراثة . . . توارثني من والد بعد والد وفي الفضل ~~يقول القائل : إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدة . . . رأيت بها عشب السماحة ~~ينبت فليس بسعال إذا سيل حاجة . . . ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت وفي محمد ~~يقول القائل : سألت الندى والجود : مالي أراكما . . . تبدلتما عزا بذل مؤيد ~~؟ وما بال ركن المجد أمسى مهدما ؟ . . . فقالا : أحبنا في ابن يحيى محمد ~~فقلت : فهلا متما بعد موته . . . وقد كنتما عبديه في كل مشهد ؟ فقالا أقمنا ~~كي نعزي بفقده . . . مسافة يوم ثم نتلوه في غد PageV01P184 | # | منتهى الكرم للبرامكة # وذكر الحافظ السيوطي : نفعنا الله به في رسالته : مشتهر العقول في منتهى ~~النقول ، أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة ، كاد أن لا يوجد أحد من العلماء ~~والحكماء والعظماء والندماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء ، ~~وتكرم جعفر بخمسين ألف دينار من الذهب وتكرر منه كثيرا في ولايته كلها من ~~غير من ولا أذى ولا لغرض ولا لمرض ، حتى صار يضرب بهم المثل الأكبر بقولهم ~~: تبرمك فلان . ومن كرم جعفر أنه تكرم في ويوم على ألف شاعر ، أعطى كل شاعر ~~ألف درهم ، والدرهم ثلاثة أصناف فضة . ومن كرمه أنه تكرم على من هجاه بخمسة ~~آلاف دينار وعفا عن تأديبه وتعذيبه . # | فقر البرامكة وذلهم # ولما أوقع بهم من الأمر ما أوقع الرشيد ، صار أمرهم إلى ما سيوصف من ~~الفقر والذل والإهانة ، فمن ذلك ما قاله محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة ~~وقاضيها . قال : دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزا في أطمار ~~رثة ، وإذا لها بيان ولسان ، فقلت لأمي : من هذه ؟ قالت : هذه خالتك عتابة ~~أم جعفر البرمكي بن ms160 يحيى . فسلمت عليها ، وقلت لها : أصار بك الدهر إلى ما ~~أرى ؟ قالت : نعم يا بني ، إن الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا . ~~قال : فقلت حدثيني ببعض شأنك ؟ قالت : خذه جملة ! لقد مضى علي عيد أضحى مثل ~~هذا منذ ثلاث سنين ، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وأنا أزعم أن ابني عاق لي ~~، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا . قال : ~~فغمني ذلك وأبكاني ، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم . ~~PageV01P185 # | من أقوال البرامكة # من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر : يا بني ، ما دام قلمك يرعف فامطره ~~معروفا . ومن كلام جعفر : إذا أحببت إنسانا من غير سبب فارج خيره ، وإذا ~~أبغضت إنسانا من غير سبب فتوق شره . # | الرشيد يبكي على البرامكة # قال يحيى بن سلام الأبرش ، قال : حدثني أبي قال : خرج الرشيد للصيد يوما ~~بعدما أباد البرامكة فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك فرأى لوحا مكتوبا ~~عليه هذه الأبيات : يا منزلا لعب الزمان بأهله . . . فأبادهم بتفرق لا يجمع ~~إن الذين عهدتهم فيما مضى . . . كان الزمان بهم يضر وينفع أصبحت تفزع من ~~رآك ، وطالما . . . كنا إليك من المخاوف نضرع ذهب الذين يعاش في أكنافهم . ~~. . وبقي الذين حياتهم لا تنفع قال : فبكى الرشيد ، وأقبل على الأصمعي وقال ~~: أتعرف شيئا من أخبار البرامكة تحدثني به ؟ فقال الأصمعي : ولي الأمان . ~~قال : ولك الأمان . فقال : أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى ، ~~وذلك أنه خرج يوما للصيد والقنص ، وهو في موكبه ، إذ رأى أعرابيا على ناقة ~~قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره ، قال : هذا يقصدني . فقلت : ومن أعلمك ~~؟ قال : لا يكلمه أحد غيري . فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام ~~تنصب والعسكر الكثير ، والجم الغفير ، وسمع الغوغاء والضجة ، ظن أنه أمير ~~المؤمنين ، فنزل وعقل راحلته وتقدم وقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~ورحمة الله وبركاته . قال : الآن قاربت ، اجلس . فجلس الأعرابي فقال له ~~الفضل : من أين أقبلت يا أخا العرب ؟ قال : من قضاعة . PageV01P186 قال : ~~من أدناها ms161 أم من أقصاها ؟ قال : من أقصاها . قال الأصمعي : فالتفت إلي ~~الفضل وقال : كم من العراق إلى أرض قضاعة . ؟ فقلت : ثمانمائة فرسخ . فقال ~~: يا أخا العرب ، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء . قال ~~: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد . قال : من ~~هم ؟ قال : البرامكة . قال الفضل : يا أخا العرب البرامكة خلق كثير ، وفيهم ~~جليل وخطير ، ولكن منهم خاصة وعامة ، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك ~~وأتيته لحاجتك ؟ قال : أجل ! أطولهم باعا وأسمحهم كفا . قال : من هو ؟ قال ~~: الفضل بن يحيى بن خالد . فقال له الفضل : يا أخا العرب ، إن الفضل جليل ~~القدر عظيم الخطر ، إذا جلس للناس مجلسا عاما لم يحضر مجلسه إلا العلماء ~~والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم ، أعالم أنت ؟ قال : ~~لا . قال : أفأديب أنت ؟ قال : لا . قال : أفعارف أنت بأيام العرب وأشعارها ~~؟ قال : لا . قال : هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة ؟ قال : لا . فقال : يا ~~أخا العرب غرتك نفسك ، مثلك يقصد الفضل بن يحيى ، وهو كما عرفتك عنه من ~~الجلالة ، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين ما ~~قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه . ~~فقال الفضل : يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما ~~أشرت عليك بلقائه ، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ~~ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئا . قال : أفتفعل أيها الأمير ~~؟ قال : نعم . قال : فإني أقول : ألم تر أن الجود من عهد آدم . . . تحدر ~~حتى صار يملكه الفضل ولو أن أما قضها جوع طفلها . . . ونادت على الفضل بن ~~يحيى اغتذى الطفل قال : أحسنت يا أخا العرب . فإن قال لك هذان البيتان قد ~~مدحنا بهما شاعر ، وأخذ الجائزة عليهما ، فأنشدني غيرهما فما تقول ؟ قال : ~~أقول : PageV01P187 قد كان آدم حين حان وفاته . . . أوصاك ، وهو يجود ~~بالحوباء ببنيه أن ترعاهمو ، فرعيتهم . . . وكفيت آدم عيلة الأبناء قال : ~~أحسنت يا أخا العرب ms162 ، فإن قال لك الفضل ممتحنا : هذان البيتان أخذتهما من ~~أفواه الناس ، فأنشدني غيرهما ما تقول ، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار ، ~~وامتدت الأعناق إليك ، وتحتاج أن تناضل عن نفسك ؟ قال : إذن أقول : ملت ~~جهابذ فضل وزن نائله . . . ومل كاتبه إحصاء ما يهب والله لولاك لم يمدح ~~بمكرمة . . . خلق ، ولم يرتفع مجد ولا حسب قال : أحسنت يا أخا العرب ، فإن ~~قال لك هذان البيتان أيضا أخذتهما من أفواه الناس ما كنت قائلا ؟ قال : ~~أقول : وللفضل صولات على مال نفسه . . . يرى المال منه بالمذلة والعنا ولو ~~أن رب المال أبصر ماله . . . لصلى على مال الأمير وأذنا قال : أحسنت يا أخا ~~العرب ، فإن قال لك الفضل : هذان البيتان مسروقان ، أنشدني غيرهما ما تقول ~~؟ قال : إذن أقول : ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا . . . لنادى بأعلي الصوت ~~يا فضل يا فضل ولو أنفقت جدواك من رمل عالج . . . لأصبح من جدواك قد نفد ~~الرمل قال : أحسنت يا أخا العرب ، فإن قال لك الفضل : هذان البيتان مسروقان ~~أيضا أنشدني غيرهما ما تقول ؟ قال : أقول : وما الناس إلا اثنان : صب وباذل ~~. . . وإني لذاك الصب والباذل الفضل على أن لي مثلا كما ذكر الورى . . . ~~وليس لفضل في سماحته مثل قال : أحسنت يا أخا العرب ، فإن قال لك الفضل : ~~أنشدني غيرهما ما تقول ؟ قال : أقول أيها الأمير : حكى الفضل عن يحيى سماحة ~~خالد . . . فقامت به التقوى وقام به العدل وقام به المعروف شرقا ومغربا . . ~~. ولم يك للمعروف بعد ولا قبل قال : أحسنت يا أخا العرب ، فإن قال لك : قد ~~ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم ما تقول ؟ ~~قال : إذن أقول : ألا يا أبا العباس يا واحد الورى . . . ويا ملكا خد ~~الملوك له نعل PageV01P188 إليك تسير الناس شرقا ومغربا . . . فرادى ~~وأزواجا كأنهم نحل قال : أحسنت يا أخا العرب ، فإن قال لك الفضل : أنشدنا ~~غير الاسم والكنية والقافية . قال : والله لئن زادني الفضل وامتحنني بعد ~~هذا لأقولن أربعة أبيات ما سبقني إليها عربي ولا أعجمي ، ولئن زادني بعدها ~~لأجمعن ms163 قوائم ناقتي هذه وأجعلها في حر أم الفضل وأرجعن إلى قضاعة خاسرا ، ~~ولا أبالي . فنكس الفضل رأسه ، وقال للأعرابي : يا أخا العرب أسمعني ~~الأبيات الأربعة : قال : أقولك ولائمة لامتك ، يا فضل ، في الندى . . . ~~فقلت لها : هل يقدح اللوم في البحر أتنهين فضلا عن عطاياه للغنى . . . فمن ~~ذا الذي ينهى السحاب عن القطر كأن نوال الفضل في كل بلدة . . . تحدر هذا ~~المزن في مهمة قفر كأن وفود الناس في كل وجهة . . . إلى الفضل لاقوا عنده ~~ليلة القدر قال : فأمسك الفضل عن فيه ، وسقط على وجهه ضاحكا ، ثم رفع رأسه ~~وقال : يا أخا العرب ، أنا والله الفضل بن يحيى ، سل ما شئت . فقال : سألتك ~~بالله أيها الأمير إنك لهو ؟ قال : نعم . قال له : فأقلني . قال : أقالك ~~الله ، اذكر حاجتك . قال : عشرة آلاف درهم . قال الفضل : ازدريت بنا وبنفسك ~~، يا أخا العرب ، تعطى عشرة آلاف درهم في عشرة آلاف . وأمر بدفع المال ، ~~فلما صار المال إليه حسده وزيره الفضل ، وقال : يا مولاي هذا إسراف يأتيك ~~جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه بهذا المال ؟ ~~فقال : استحقه بحضوره إلينا من أرض قضاعة . قال الوزير : أقسمت عليك يا ~~مولاي إلا أخذت سهما من كنانتك وركبته في كبد قوسك وأومأت به إلى الأعرابي ~~فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر ، وإلا استعدت مالك ، ويكون له في بعضه كفاية ~~. PageV01P189 فأخذ الفضل سهما وركبه في كبد قوسه وأومأ به إلى الأعرابي ~~وقال له : رد سهمي ببيت من الشعر ؟ فأنشأ يقول : لقوسك قوس الجود والوتر ~~والندى . . . وسهمك سهم العز فارم به فقري قال : فضحك الفضل وأنشأ يقول : ~~إذا ملكت كفي منالا ولم أنل . . . فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي على الله ~~إخلاف الذي قد بذلته . . . فلا مسعدي بخلي ولا متلفي بذلي أروني بخيلا نال ~~مجدا ببخله . . . وهاتوا كريما مات من كثرة البذل ثم قال الفضل لوزيره : ~~أعط الأعرابي مائة ألف درهم لقصده وشعره ، ومائة ألف درهم ليكفينا شر قوائم ~~ناقته . فأخذ الأعرابي المال وانصرف ، وهو يبكي ms164 فقال له الفضل : مم بكاؤك ~~يا أعرابي استقلالا بالمال الذي أعطيناك ؟ قال : لا ، ولكني أبكي على مثلك ~~يأكله التراب وتواريه الأرض ، وتذكرت قول الشاعر : لعمرك ما الرزية فقد مال ~~. . . ولا فرس يموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر . . . يموت لموته خلق كثير ~~وتوجه الأعرابي بالمال مسرورا رحمة الله عليهم أجمعين . PageV01P190 # | الرشيد وذقن أبي نواس # ويحكى أن الرشيد قال لأبي نواس : بعني ذقنك ؟ قال : بكم ؟ قال : بألف ~~دينار . قال : بعتك . فقال الرشيد لخازن داره : ادفع له ألف دينار ، فدفعها ~~له فأخذها وربطها وقال : يا أمير المؤمنين خذ ما اشتريت . قال : لا ، ولكن ~~جعلتها وديعة عندك . قال : فمضى أبو نواس واشتغل بأمره ولهوه ، وهو خائف ~~على ذقنه من أمير المؤمنين . قال : فبينما هو متفكر في شيء يفعله إذ جاء ~~قاصد أمير المؤمنين ، فلم يقدر أن يتكلم دون أن قام معه ودخل إلى دار ~~الخلافة ، فوجده في جمع كثير من خواص المملكة وأعوان الدولة ، وكان من شأنه ~~أن يجلس بالقرب من أمير المؤمنين ، فتحادثوا وتماجنوا فضرط أبو نواس ضرطة ~~مزعجة أزعجت الحاضرين ، فضحكوا جميعا ، وضحك أمير المؤمنين وقال له : في ~~ذقنك يا معرص . فقال له في الحال : الله أعلم هي ذقن من ؟ فقال أمير ~~المؤمنين : قد وهبتها لك يا معلون . فأخذها وانصرف وكسب الألف دينار بهذه ~~الحيلة والله أعلم ، انتهى . # | يضرب الشاة الحد # وكان نصر بن مقبل عاملا على الرقة ، فتي برجل من الظرفاء وجده ينكح شاة ~~فقال : ما حملك على هذا ؟ فقال : أيها الأمير ، إنها والله ملك يميني ، وقد ~~قال الله تعالى : ' أو ما ملكت أيمانكم ' . فأطلقه وأمر بضرب الشاة الحد ، ~~فإن ماتت تصلب . قالوا : أيها الأمير إنها بهيمة . قال : وإن كانت بهيمة ~~فإن الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا . PageV01P191 فانتهى إلى ~~الرشيد خبرها ولم يكن رآه قبل فدعا به فلما حضر بين يديه ، قال : من أنت ؟ ~~قال : مولى لكلب . فضحك منه ثم قال : كيف بصرك بالحكم ؟ فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، البهائم عندي والناس سواء ، ولو وجب حد على بهيمة ms165 ، وكانت أمي ~~أو أختي لحديتها ولم تأخذني في الله لومة لائم . فأمر الرشيد أن لا يستعان ~~به على عمل فلم يزل معطلا إلى أن مات ، والله أعلم . ؟ # | الرشيد يأمر بقتل أبي نواس # ويحكى أن هارون الرشيد أمر بقتل أبي نواس فقال : أتقتلني شهوة لقتلي ؟ ~~فقال : لا ، بل أنت مستحق للقتل . قال : فيم استحقيت القتل ؟ قال : بقولك : ~~ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر . . . ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، أفتعلم أنه سقاني وشربت ؟ فقال له أمير المؤمنين : ~~أظن ذلك . فقال : يا أمير المؤمنين ، أفتقتلني على الظن ، وقد قال الله ~~تعالى : ' إن بعض الظن إثم ' . فقال له الرشيد : قد قلت ما تستحق به القتل ~~. فقال : ما هو ؟ فقال له : قولك : ما جاءنا أحد يخبر أنه . . . في جنة من ~~مات أو في نار فقال له : يا أمير المؤمنين ! هل جاءنا أحد ؟ قال : لا . قال ~~: أتقتلني على الصدق ؟ فقال له الرشيد : أولست القائل : يا أحمد المرتجى في ~~كل نائبة . . . قم سيدي نعص جبار السموات فقال له : يا أمير المؤمنين ! ~~أوصار القول فعلا ؟ قال : لا أعلم . قال : أفتقتلني على ما لم تعلم . ~~PageV01P192 فقال له أمير المؤمنين : دع هذا كله ، فقد اعترفت في مواضع ~~كثيرة من شعرك بالزنا . قال أبو نواس : قد علم الله هذا قبل علم أمير ~~المؤمنين بقوله تعالى : ' والشعراء يتبعهم الغاوون ، ألم تر أنهم في كل واد ~~يهيمون وأنهم يقلون ما لا يفعلون ' . فقال الرشيد : خلوا عنه . ومن هذا أخذ ~~الصفي الحلي فقال : نحن الألى جاء الكتاب مخبرا . . . بعفاف أنفسنا وفسق ~~الألسن # | تغفر ذنوبه بأبيات # وعن محمد بن نافع ، قال : رأيت أبا نواس في النوم بعد موته ، فقلت : يا ~~أبا نواس ! . فقال : لاحين كنيت . فقلت : الحسن بن هانئ . قال : نعم . قلت ~~: ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي بأبيات قلتها عي علتي قبل موتي هي تحت ~~الوسادة . فسألت أهله فقلت : هل قال أخي شعرا ؟ قالوا : لا نعلم ! إلا أنه ~~دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئا لا ندري ما هو ms166 . فدخلت ورفعت وسادته وإذا أنا ~~برقة مكتوب فيها : يا رب ! إن عظمت ذنوبي كثرة . . . فلقد علمت بان عفوك ~~أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن . . . فمن الذي يدعو ويرجو المجرم مالي إليك ~~وسيلة إلا الرجا . . . وجميل عفوك ثم إني مسلم PageV01P193 # | هذه حكاية العجمي والكردي وما جرى بينهما على يد القاضي بسبب الجراب # قيل إن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة ، فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي ، ~~فلما حضر عنده قال له : يا جعفر ، غني قلقت وضاق صدري وأريد منك شيئا يشرح ~~خاطري . فقال له جعفر : يا أمير المؤمنين ، إن لي صديقا اسمه علي العجمي ، ~~وعنده من جميع الحكايات والأخبار . فقال : علي به . فقال : سمعا وطاعة . ثم ~~إن جعفرا خرج من عند الخليفة في طلب علي العجمي ، فأرسل خلفه فلما حضر قال ~~: أجب أمير المؤمنين . قال : سمعا وطاعة . فأتى الخليفة فسلم وترحم ، فقال ~~له : اجلس فجلس ، فقال له الخليفة : اسمع يا علي ، إنني الليلة ضيق الصدر ، ~~وسمعت عنك أن في ذهنك حكايات وأخبارا وأريد منك أن تسمعني ما يزل همي وفكري ~~. فقال : يا أمير المؤمنين ، تريد أن أحكي لك شيئا سمعته أو رأيته ؟ فقال : ~~إن كنت رأيت شيئا فاحكه . فقال : سمعا وطاعة ؟ ! اعلم يا أمير المؤمنين أني ~~سافرت في بعض السنين من بلدي إلى هذه المدينة ، وهي بغداد ، وصحبني غلام ~~ظريف ومعه جراب نظيف ، فأودعني إياه . فبينا أنا أبيع وأشتري ، وإذا أنا ~~برجل كردي ظالم معتد هجم علي وأخذ الجراب مني وقال : هذا الجراب ~~PageV01P194 جرابي ، وكل ما فيه قماشي وثيابي . فقلت : يا معشر الناس قد ~~اعتراني الوسواس . فقال الناس جميعا : امضوا إلى القاضي ، وكل بحكمه راضي . ~~فدخلنا عليه ، وتمثلنا بين يديه ، فقال القاضي : في أي شيء جئتما ؟ فقال ~~الكردي : نحن خصمان . قال : أيكما المدعي ؟ فتقدم الكردي ، وقال : أيد الله ~~مولانا القاضي ! هذا الجراب جرابي ، وكل ما فيه قماشي وثيابي ، وقد ضاع ~~ووجدته مع هذا الرجل . فقال القاضي : ومتى ضاع منك ؟ فقال الكردي : ضاع مني ~~بالأمس . فقال القاضي : إن كنت عرفته فصف لي ما فيه ms167 . فقال الكردي : إن في ~~جرابي هذا مرودين من لجين ، وأكحالا لعينين ، ومنديلا لليدين ، ومشربتين ~~مذهبتين ، وشمعدانين ومكبتين وطبقين ، وإبريقين ، وصينية وطشتين ، وقدر ~~ودستين ، ومغرفة وملعقتين ، ومسلة ومقلمة وملبتين ، وقعبا وقصعتين ، ومخدة ~~ونطعين ، وجبة وفروتين ، وبقرة وعجلتين ، وعنزا وشاتين ، ونعجة وخروفين ، ~~وقطين أبلقين ، وجملا وناقتين ، وبقرة وثورين ، ولبوة وسبعين ، ودبة ~~وثعلبين ، ومرتبة وسريرين ، وطبقة وقاعتين ، ورواقا ومقعدين ، ومطبخا ~~ببابين ، وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي . فقال القاضي : فما تقول ~~أنت يا علي ؟ فتقدمت يا أمير المؤمنين ، وقد بهتني كلامه فقلت : أعز الله ~~مولانا القاضي ، أنا ما في جرابي إلا دويرة حراب وأخرى بلا باب ومقصورة ~~للكلاب وفيه للصبيان كتاب وشبان يلعبون بالكعاب ، وفيه عساكر وأطناب ومدينة ~~بصرى وبغداد ، وقصر كنعان بن شداد ، وكور وحداد ، وشبكة وصياد وعصا وأوتاد ~~، وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي . فلما سمع الكردي هذا ~~الكلام بكى وانتحب وقال : يا سيدي القاضي ، جرابي هذا معروف ، وكل ما فيه ~~موصوف ، في جرابي هذا حصون وقلاع وقرى وضياع وطابق للصراع ووحوش وضباع ~~ورجال يلعبون الطابة والرقاع ، وإن في جرابي هذا حجرة ومهرين وفحلا وحصانين ~~ورمحين طويلين وسبعا وأرنبين ، وسكينا وخنجرين ، وبحرا وخليجين ، وكمرا ~~وجوختين ، وعشاري وموكبين ، وصاري وقريتين ، وكورا ودكانين ، ومنقلة ونردين ~~، وعجوزا وقحبتين ، وقوادا وشاطرين ومخنثا وعلقين وأعمى وبصيرين وأعرج ~~وكسيحين وعيارا وأزعرين وجامعا ومدرستين وديرا وكنيستين وقسيسا وشماسين ~~وبطركا وراهبين وقاضيا وشاهدين يشهدون أن الجراب جرابي . فقال القاضي : ما ~~تقول أنت يا علي . فبادرت يا أمير المؤمنين ، وقد امتلأت غيظا وزدت في ~~الحمق وقلت : أيد الله مولانا القاضي ! إن في جرابي هذا زردخانات صفاح ، ~~وخزائن سلاح ، وألف كبش نطاح في عشرين مراح ، وأربعين كلبا نباح ، وبساتين ~~وكروم عنب وتين وتفاح ، وصورا وأشباحا وقناني وأقداحا وعرائس ملاحا ومغاني ~~وأفراحا وهرجا وصياحا وعبدا وفلاحا وأخاه PageV01P195 نجاحا ورفيقه صباحا ، ~~ومعهم سيوف ورماح ، وقسي ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان وأصحاب ومجلس للعتاب ~~وندمان للشراب ، وطنبور مع رباب ، ونايات وقنان مصفوفات ، وصبيان ودايات ، ~~وأخوات معلمات ، وبنات متجليات وجوار مغنيات وجوار حبشيات وثلاث ms168 هنديات ~~وأربع بدويات وخمس روميات وست تركيات وسبع عجميات وثماني قفجيات وتسع ~~كرجيات وعشر كلبات ، والدجلة الفرات وشبكة وصياد وقداحة وزناد ، وإرم ذات ~~العماد ، وألف جواد ، وقصر شداد بن عاد ، وخانات مع حمامات ، وقدوم ونجار ~~وخشبة مع مسمار وتاجر مع عطار ، وبزار مع بيطار ، وعبد أسود بمزمار ومقدم ~~وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار ، وبواب وكشدار ورأس نوبة ، وعلم دار ~~، والكوفة مع الأنبار وعشرين صندوقا ملأى قماشا ودكان نحاس ، وحاصل معاش ، ~~وبرجان للحمام وغزة وعسقلان ، ومن دمياط إلى أسوان وإيوان كسرى وملك سليمان ~~، ومن كوش نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان ، ~~وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي ، قماش وغلائل وعراض وموسى بحد ماض ، ~~يحلق ذقن مولانا القاضي ، إن حكم أن الجراب ما هو جرابي . فعند ذلك يا أمير ~~المؤمنين حار القاضي مما سمع ثم قال : ما أراكما إلا شخصين نحسين تلعبان ~~بالقضاة والحكام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون ما وصفتم في هذا ~~الجراب ، ما هذا إلا بحر ليس له قرار . ثم أمر القاضي بفتح الجراب ففتحه ~~الكردي ، فإذا فيه خبز وليمون ، وجبن وزيتون ، ثم إني رميت الجراب قدام ~~القاضي والكردي ، ومضيت إلى حال سبيلي . فلما سمع أمير المؤمنين ذلك ضحك ~~حتى استلقى على قفاه وقد زال همه وغمه ، وأحسن جائزة علي العجمي ، وانصرف ~~والله أعلم . PageV01P196 # | معن بن زائدة الشيباني # كان من الكرماء ، يقال فيه : حدث عن البحر ولا حرج ، وكان عاملا بالبصرة ~~، فحضر على بابه شاعر وأقام مدة يريد الدخول فلم يتهيأ له ، فقال يوما لبعض ~~الخدام : إذا دخل الأمير البستان فعرفني ، فلما دخل أعلمه بذلك ، فكتب ~~الشاعر بيتا ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان ، وكان معن ~~جالسا على القناة ، فلما رأى الخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها هذا البيت : ~~أيا جود معن ناج معنا بحاجتي . . . فليس إلى معن سواك رسول فقال : من الرجل ~~صاحب هذه ؟ فأتي به إليه . فقال : كيف قلت ؟ فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر ~~، فأخذها وانصرف ، فوضع ms169 معن الخشبة تحت بساط . فلما كان في اليوم الثاني ~~أخرجها من تحت بساط ينظر فيها ، ودعا بالرجل فأمر له بمائة ألف درهم ، فلما ~~كان في اليوم الثالث فعل مثل ذلك ، فتفكر الرجل وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه ~~فخرج من البلد بما كان معه . فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل فلم يوجد ~~، فقال معن : والله هممت أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار ~~إلا أعطيته له ، وفيه يقول القائل : يقولون معن لا زكاة لماله . . . وكيف ~~يزكي المال من هو باذله إذا حال جول لم يكن في دياره . . . من المال إلا ~~ذكره وجمائله تراه ، إذا ما جئته ، متهللا . . . كأنك تعطيه الذي أنت آمله ~~هو البحر من أي النواحي أتيته . . . فلجته المعروف والبر ساحله تعود بسط ~~الكف حتى لو نه . . . أراد انقباضا لم تطعه أنامله فلو لم يكن في كفه غير ~~نفسه . . . لجاد بها فليتق الله سائله ومن قول معن : دعيني أنهب الأموال ~~حتى . . . أعف الأكرمين عن اللئام ويروى أن معن بن زائدة خرج في جماعة ~~يتصيدون ، فاعترضهم قطيع ظباء ، فتفرقوا في طلبه ، وانفرد معن خلف ظبي ، ~~فلما ظفر به نزل فذبحه ، فرأى شخصا مقبلا من البرية على حمار ، فركب فرسه ~~واستقبله ، فسلم عليه وقال له : من أين أتيت ؟ PageV01P197 قال : أتيت من ~~أرض قضاعة وإن لي بها أرضا ، لها عدة سنين ، مجدبة ، وقد أخصبت في هذه ~~السنة فزرعتها قثاء فطرحت في غير وقتها ، فجمعت منها ما استحسنته وقصدت ~~الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور ، وإحاسنه المذكور . ~~فقال له : كم أملت منه ؟ قال : ألف دينار . فقال : فإن قال لك : كثير . قال ~~: خمسمائة دينار . قال : إن قال لك : كثير . قال : ثلاثمائة دينار . قال : ~~إن قال لك : كثير . قال : مائتي دينار . قال : إن قال لك : كثير . قال : ~~مائة دينار . قال : إن قال لك : كثير . قال : خمسين دينارا . قال : إن قال ~~لك : كثير . قال : أفلا أقل من ثلاثين . قال : إن قال لك : كثير . قال : ~~أدخل قوائم حماري في حر ms170 أمه ، وأرجع إلى أهلي خائبا . فضحك معن منه وساق ~~جواده حتى لحق بعسكره ونزل منزله ، وقال لحاجبه : إذا أتاك شيخ على حمار ~~بقثاء فادخل به علي . فأتى بعد ساعة فلما دخل على الأمير معن لم يعرفه ~~لهيبته وجلالته ، وكثرة خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته ، والحفدة قيام ~~عن يمينه وشماله وبين يديه . فلما سلم عليه قال له الأمير معن : ما الذي ~~أتى بك يا أخا العرب ؟ قال : أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوانها . قال ~~: فكم أملت فينا ؟ قال : ألف دينار . PageV01P198 قال كثير . قال : خمسمائة ~~دينار . قال : كثير . قال : ثلاثمائة دينار . قال : كثير . قال : مائتي ~~دينار . قال : كثير . قال : مائة دينار . قال : كثير . قال : والله لقد كان ~~ذلك الرجل الذي قابلني علي مشؤوما ثم قال : خمسين دينارا . قال : كثير . ~~قال : أفلا أقل من ثلاثين ؟ قال : فضحك معن وسكت فعلم الأعرابي أنه صاحبه ~~فقال : يا سيدي إن لم تعطني الثلاثين فالحمار مربوط بالباب ، وها أنا مع ~~معن جالس . فضحك معن حتى استلقى على قفاه ثم استدعى بوكيله وقال : أعطه ألف ~~دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وخمسين ~~دينارا وثلاثين دينارا ودع الحمار مربوطا مكانه . فبهت الأعرابي وتسلم ألفي ~~دينار ومائة وثمانين دينارا ، فرحمة الله عليهم أجمعين . وقيل : كان معن بن ~~زائدة في بعض صيوده فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء ، فبينما هو كذلك ، وإذا ~~بثلاث جوار قد أقبلن حاملات ثلاث قرب فسقينه ، فطلب شيئا من المال مع ~~غلمانه ، فلم يجده ، فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم ، من كنانته ، نصولها ~~من ذهب . فقالت إحداهن : ويلكن لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة ، ~~فلتقل كل واحدة منكن شيئا من الأبيات فقالت الأولى : يركب في السهام نصول ~~تبر . . . ويرمي للعدا كرما وجودا فللمرضى علاج من جراح . . . وأكفان لمن ~~سكن اللحودا وقالت الثانية : PageV01P199 ومحارب من فرط جود بنانه . . . ~~عمت مكارمه الأقارب والعدا صيغت نصول سهامه من عسجد . . . كي لا يقصر في ~~العوارف والندى وقالت الثالثة : ومن جوده يرمي العداة بأسهم ms171 . . . من الذهب ~~الإبريز صيغت نصولها لينفقها المجروح عند انقطاعه . . . ويشتري الأكفان ~~منها قتيلها وكان مع كرمه صاحب شهامة ، فمن ذلك ، أنه سعى رجل في إفساد ~~دولة المهدي ، وكان من الكوفة فعلم به المهدي فأهدر دمه ، وجعل لمن دل عليه ~~مائة ألف درهم ، فأقام الرجل حينا مختفيا ثم ظهر في بغداد فبينما هو في بعض ~~الشوارع إذ رآه رجل من الكوفة فعرفه فاخذ بمجامع طوقه ونادى : هذا طلبة ~~أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحالة وقد اجتمع حوله خلق كثير إذ سمع ~~وقع حوافر الخيل من ورائه فالتفت فإذا هو بمعن بن زائدة ، فقال : يا أبا ~~الوليد ؟ أجرني أجارك الله . فوقف فقال للرجل الذي تعلق به : ما تريد منه ؟ ~~قال : هذا طلبة أمير المؤمنين أهدر دمه ، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم . ~~فقال له معن : دعه ! ثم قال : يا غلام أردفه ، فأردفه وكر راجعا إلى داره ، ~~فصاح الرجل : معن حال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين ولم يزل صارخا إلى ~~أن أتى قصر المهدي ، فأمر المهدي بإحضار معن ، فأتته الرسل ، فدعا معن ~~أولاده ومماليكه وقال : لا تسلموا الرجل ، وواحد منكم يعيش . ثم سار إلى ~~المهدي فدخل وسلم فلم يرد عليه ، ثم قال : يا معن ! أتجير علينا عدونا ؟ ~~قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال المهدي : ونعم أيضا . واشتد غضبه . فقال ~~معن : يا أمير المؤمنين ، بالأمس بعثتني إلى اليمن مقدم الجيش ، فقتلت في ~~طاعتك في يوم واحد عشرة آلاف رجل ، ولي مثل هذا أيام كثيرة فما رأيتموني ~~أهلا أن أجير رجلا واحدا استجار بي ، ودخل منزلي . فسكن غضب المهدي ، وقال ~~: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد . قال معن : فإن رأى أمير المؤمنين أن ~~يصله بصلة يعلم منها موقع الرضا ، فإن قلب الرجل قد انخلع من صدره خوفا . ~~قال : قد أمرنا له بخمسين ألف درهم . قال : يا أمير المؤمنين ، إن صلات ~~الخلفاء على قدر جنايات الرعية . قال : قد أمرنا له بمائة ألف درهم . ~~PageV01P200 قال : عجلها يا أمير المؤمنين ، فإن خير البر عاجله ms172 . فأحضر ~~معن الرجل وقال له : خذ صلة أمير المؤمنين ، وقبل يده ، وإياك ومخالفة ~~خلفاء الله في أرضه ، ' فما كل مرة تسلم الجرة ' ، فأرسلها الناس مثلا ، ~~وأخذ الرجل المال واستغفر الله ، انتهى . وكان معن لا يغيظ أحدا ، ولا أحد ~~يغيظه ، فقال بعض الشعراء : أنا أغيظه لكم ، ولو كان قلبه من حجر ، فراهنوه ~~على مائة بعير إن أغاظه أخذها ، وإن لم يغظه دفع مثلها . فعمد الرجل إلى ~~جمل فذبحه وسلخه ولبس الجلد مثل الثوب وجعل اللحم من خارج والشعر من داخل ، ~~والذباب يقع عليه ، ويقوم ، ولبس برجليه نعلين من جلد الجمل ، وجعل اللحم ~~من خارج والشعر من ناحية رجليه ، وجلس بين يدي معن على هذه الصورة المشروحة ~~ومد رجليه في وجهه وقال : أنا والله لا أبدي سلاما . . . على معن المسمى ~~بالأمير فقال له معن : السلام لله إن سلمت رددنا عليك ، وإن لم تسلم ما ~~عتبنا عليك . فقال الشاعر : ولا آتي بلادا أنت فيها . . . ولو حزت الشآم مع ~~الثغور فقال له : البلاد بلاد الله إن نزلت فمرحبا بك ، وإن رحلت كان الله ~~في عونك . فقال الشاعر : وأرحل من بلادك ألف شهر . . . أجد السير في أعلى ~~القفور فقال له : مصحوبا بالسلامة . فقال الشاعر : أتذكر إذ قميصك جلد شاة ~~. . . وإذ نعلاك من جلد البعير فقال له : أعرف ذلك ولا أنكره . فقال الشاعر ~~: وتهوى كل مضطبة وسوق . . . بلا عبد لديك ولا وزير فقال له : ما نسيت ذلك ~~يا أخا العرب . فقال الشاعر : ونومك في الشتاء بلا رداء . . . وأكلك دائما ~~خبز الشعير فقال : الحمد لله على كل حال . PageV01P201 فقال الشاعر : وفي ~~يمناك عكاز قوي . . . تذود به الكلاب عن الهرير فقال له : ما خفي عليك ~~خبرها اذهبي كعصا موسى . فقال الشاعر : فسبحان الذي أعطاك ملكا . . . وعلمك ~~القعود على السرير فقال له : بفضل الله لا بفضلك . فقال الشاعر : فعجل يا ~~بن ناقصة بمال . . . فإني قد عزمت على المسير فأمر له بألف دينار . فقال ~~الشاعر : قليل ما أمرت به فإني . . . لأطمع منك بالشيء الكثير فأمر له بألف ~~دينار أخرى . فقال ms173 الشاعر : فثلث ، إذ ملكت الملك رزقا . . . بلا عقل ولا ~~جاه خطير فأمر له بثلاثمائة دينار . فقال الشاعر : ولا أدب كسبت به المعالي ~~. . . ولا خلق ولا رأي منير فأمر له بأربعمائة دينار . فقال الشاعر : فمنك ~~الجود والإفضال حقا . . . وفيض يديك كالبحر الغزير فأمر له بخمسمائة دينار ~~، وما زال يطلب منه الزيادة حتى استكمل ألف دينار ، فأخذها وانصرف متعجبا ~~من حلم معن وعدم انتقامه منه ثم قال في نفسه : مثل هذا لا ينبغي أن يهجى بل ~~يمدح ، واغتسل ولبس ثيابه ورجع إليه فسلم عليه ومدحه واعتذر له بأن الحامل ~~له على هجوه المائة بعير التي صار الرهن عليها في نظير إغاظته له ، فأمر له ~~بمائة بعير يدفعها في نظير الرهن وبمائة بعير أخرى لنفسه ، فأخذها وانصرف ، ~~والله أعلم . PageV01P202 # | خلافة المأمون بن هارون الرشيد واسمه عبد الله # ومما وضع في بطون الدفاتر ، واستحسنته عيون البصائر ، ونقلته الأصاغر عن ~~الأكابر ، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال : طلبني أمير المؤمنين ~~المأمون ليلة ، وقد مضى من الليل ثلثه ، فقال لي : خذ معك فلانا وفلانا ، ~~وسماهما لي : أحدهما ، علي بن محمد ، والآخر ، دينار الخادم ، واذهب مسرعا ~~لما أقول لك ، فإنه بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى آثار دور البرامكة ، وينشد ~~شعرا ويذكرهم ذكرا كثيرا ويندبهم ويبكي عليهم ، ثم ينصرف فامض أنت وعلي ~~ودينار حتى تردوا تلك الخرائب فاستتروا خلف بعض الجدران ، فإذا الشيخ قد ~~جاء وبكى وندب وأنشد أبياتا فآتوني به . قال : فأخذتهما ومضينا حتى أتينا ~~الخرائب ، فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي حديد ، وإذا شيخ قد جاء ~~وله جمال وعليه مهابة ولطف ، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه ~~الأبيات : ولما رأيت السيف جندل جعفرا . . . ونادى مناد للخليفة : يا يحيى ~~بكيت على الدنيا وزاد تأسفي . . . عليهم وقلت : الآن لا تنفع الدنيا مع ~~أبيات أطالها . فلما فرغ قبضنا عليه ، وقلنا له : أجب أمير المؤمنين ، ففزع ~~فزعا شديدا وقال : دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة . ثم ~~تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح ms174 وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه ~~ثم سرنا به ، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال : حين رآه : من أنت ، وبم ~~استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم ؟ قال الخادم : ونحن نستمع . ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي ، أفتأذن لي أن ~~أحدثك بحالي معهم ؟ قال : قل . فقال : يا أمير المؤمنين ؟ ؟ ! أنا المنذر ~~بن المغيرة ، من أولاد الملوك ، وقد زالت عني نعمتي ، كما تزول عن الرجال ، ~~فلما ركبني الدين ، واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت ~~فيه ، أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة ، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون ~~امرأة وصبيا وصبية ، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب ، حتى دخلنا بغداد ~~ونزلنا في بعض المساجد ، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها ، ~~PageV01P203 فلبستها وخرجت وتركتهم جياعا لا شيء عندهم ، ودخلت شوارع بغداد ~~سائلا عن البرامكة ، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة ، ~~وعلى الباب خادمان ، وفي الجامع جماعة جلوس ، فطمعت في القوم ودخلت المسجد ~~وجلست بين أيديهم ، وأنا أقدم رجلا وأوخر أخرى ، والعرق يسيل مني لأنها لم ~~تكن صناعتي ، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم ، فدخلوا ~~دار يحيى بن خالد ، فدخلت معهم ، وإذا بيحيى جالس على دكة له وسط بستان ، ~~فسلمنا ، وهو يعدنا مائة وواحدا ، وبين يديه عشرة من ولده ، وإذا بأمرد نبت ~~العذار في خديه قد أقبل من بعض المقاصير ، وبين يديه مائة خادم متمنطقون ، ~~في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال ، مع كل خادم مجمرة ~~من ذهب ، في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر ، وقد قرن به مثله من العنبر ~~السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام ، وجلس إلى جنب يحيى ، ثم قال للقاضي : ~~تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن أخي هذا . فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه ~~وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر ، فالتقطت ~~، والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت ، وإذا نحن في المكان ما ms175 بين يحيى ~~والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر ، وإذا بمائة واثني عشر خادما قد ~~أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة ، على كل صينية ألف دينار ، فوضعوا بين ~~يدي كل رجل منا صينية ، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم ~~ويجعلون الصواني تحت آباطهم ، ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر ~~على أخذ الصينية ، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي ~~والصينية في يدي وقمت وجعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب ، ~~فبينما أنا كذلك إلى أن وصلت إلى صحن الدار ، ويحيى يلاحظني ، فقال للخادم ~~: ائتني بهذا الرجل ، فأتيته ، فقال : ما لي أراك تلتفت يمينا وشمالا ؟ ~~فقصصت عليه قصتي فقال للخادم : ائتني بولدي موسى ، فأتاه به . فقال له : يا ~~بني ! هذا رجل غريب ، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك . فقبض موسى ولده على ~~يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام ، وأقمت عنده يومي ~~وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور ، فلما أصبح دعا بأخيه العباس ، وقال له : ~~الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى ، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير ~~المؤمنين ، فاقبضه إليك ، وأكرمه . ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام ثم لما ~~كان من الغد تسلمني أخوه أحمد ، ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولوني مدة ~~عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم PageV01P204 في ~~الأحياء ، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم ~~فقالوا : قم فاخرج إلى عيالك بسلام . فقلت : وا ويلاه ، أسلب الدنانير ~~والصينية ، وأخرج على هذه الحالة ؟ إنا لله وإنا إليه راجعون . فرفع الستر ~~الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال ~~لي : مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني ~~به . فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني منها ~~رائحة الند والعود ونفحات المسك ، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير ~~والديباج ، وحمل إلي مائة ألف درهم ، وعشرة آلاف دينار ، ومنشور بضيعتين ، ~~وتلك الصينية التي كنت ms176 أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق ، وأقمت يا ~~أمير المؤمنين ، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن ~~البرامكة أنا أم رجل غريب ، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين ~~، من الرشيد ما نزل أجحف بي عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من ~~الخراج ما لا يفي دخلهما به ، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد ~~خرائب دورهم ، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأبكي على إحسانهم . فقال ~~المأمون : علي بعمرو بن مسعدة . فلما أتي به قال له : تعرف هذا الرجل ؟ قال ~~: يا أمير المؤمنين ، هو بعض صنائع البرامكة . قال : كم ألزمته في ضيعتيه ؟ ~~قال : كذا وكذا . فقال له : رد إليه كل ما أخذته منه في مدته ، وأفرغهما له ~~ليكونا له ولعقبه من بعده . قال : فعلا نحيب الرجل ، فلما رأى المأمون كثرة ~~بكائه قال له : يا هذا ! قد أحسنا إليك ، فما يبكيك ؟ قال : يا أمير ~~المؤمنين ، وهذا أيضا من صنيع البرامكة ، لو لم آت خرائبهم فأبكيهم وأندبهم ~~حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ، ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير ~~المؤمنين ؟ قال إبراهيم بن ميمون : فرأيت المأمون ، وقد دمعت عيناه وظهر ~~عليه حزنه وقال : لعمري هذا من صنائع البرامكة ، فعليهم فابك ، وإياهم ~~فاشكر ، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر ، انتهى . PageV01P205 # | المأمون والورد # وقال إسحاق : دخلت يوما على المأمون في زمن الورد ، فقال لي : يا إسحاق ! ~~هل قلت شيئا في الورد ؟ قلت : أقول بسعادة أمير المؤمنين . وفكرت ساعة فلم ~~تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء ، فخرجت من عنده وبقيت ليلتي ساهرا متفكرا ، ~~فلم يفتح علي بشيء ، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة ، وإذا غلام الفضل بن ~~مروان على باب المأمون ، ومعه سبع وردات على صينية فضة ، ينتظر الإذن في ~~الدخول بها عليه ، فسألته المهلة بها قليلا ، فامتنع ، سألته ثانيا ، وقلت ~~: أمهل قليلا ، ولك بكل وردة دينار . فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير ~~، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل وصول الشعر ، وخرجت أقصد ms177 الأزقة لعلي ~~أسمع شيئا من أحد أو ينبعث خاطري ولو ببيت واحد ، فبينما أنا كذلك وإذا أنا ~~برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول : اشرب على ورد الخدود فإنه . . . أزهى ~~وأبهى ، فالصبوح يطيب ما الورد أحسن من تورد وجنة . . . جمراء جاد بها عليك ~~حبيب صبغ المدام بياضها فكأنه . . . ذهب بقالب فضة مضروب فلما سمعته نزلت ~~عن دابتي ، ودخلت مسجدا بالقرب منه وطلبته ، فلما أقبل سألته أن يمليها علي ~~فاعتل ، وقال : إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير ، فدفعتها له ~~واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان ، وإذا بالمأمون يشرب من ~~وراء الستارة ، فلما جسيت العود قال لجواريه : اسكتن ، فقد جاء إسحاق ، ~~فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء ~~الستارة ثم أخرج إلي بدرة فيها عشرة آلاف درهم ، فأعدت الأبيات ، فأخرج إلي ~~بدرة أخرى ، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة ، فأخذت في غير الشعر ، ~~فخرج إلي خادم وقال : يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على ~~البدرة ولو إلى الليل ، انتهى من حلية الكميت . ؟ PageV01P206 # | من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # ويحكى عن العباس صاحب شرطة المأمون ، قال : دخلت إلى مجلس أمير المؤمنين ~~ببغداد يوما ، وبين يديه رجل مكبل بالحديد ، فقال لي : يا عباس ؟ قلت : ~~لبيك يا أمير المؤمنين . قال : خذ هذا إليك فاستوثق به واحتفظ عليه وبكر به ~~إلي في غد واحترز عليه كل الاحتراز . قال العباس : فدعوت جماعة حملوه ولم ~~يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي : مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين ~~من الاحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي ، فلما تركوه في داري أخذت ~~أساله عن قضيته وحاله ومن هو ؟ فقال : أنا من دمشق . فقلت : جزى الله دمشق ~~خيرا ، فمن أنت من أهلها ؟ . قال : وعمن تسأل ؟ قلت : أوتعرف فلانا ؟ قال : ~~ومن أين تعرف ذلك الرجل ؟ فقلت : وقعت لي معه قضية . فقال : ما كنت بالذي ~~أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه ؟ فقلت : ويحك ! كنت مع بعض الولاة ms178 بدمشق ~~فسمعت أهلها ، وقد خرجوا علينا حتى أن الوالي خرج في زنبيل من قصر الحجاج ، ~~وهرب هو وأصحابه ، وهربت في جملة القوم ، فبينما أنا هارب في بعض الدور ، ~~وإذا بجماعة يعدون ، فما زلت أعدو أمامهم حتى تجاوزتهم ، ومررت بهذا الرجل ~~الذي ذكرته لك ، وهو جالس على باب داره ، فقلت : يا هذا أغثني أغاثك الله ؟ ~~قال : لا بأس عليك ادخل الدار . فدخلت ، فقالت لي زوجته : ادخل تلك ~~المقصورة . فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار ، فما شعرت إلا وقد دخل ، ~~والرجال معه يقولون هو والله عندك . فقال : دونكم الدار فتشوها . ففتشوها ~~حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها ، فقالوا : ها هو هنا . فصاحت ~~بهم المرأة ونهرتهم ، فانصرفوا ، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة ، وأنا ~~قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف ، فقالت المرأة : اجلس لا بأس عليك ~~. PageV01P207 فجلست ، فلم ألبث حتى دخل الرجل ، فقال : لا تخف فقد صرف ~~الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله . فقلت : جزاك الله خيرا ~~. فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكانا من داره ولم يحوجني ~~إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي ، فأقمت عنده أربعة أشهر في أتم عيش ~~وأرغده إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها ، فقلت له : أتأذن لي في ~~الخروج حتى أتفقد حال غلماني ، فلعلي أقف منهم على خبر . فأخذ علي المواثيق ~~بالرجوع إليه ، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرا فرجعت إليه وأعلمته ~~بالخبر ، وهو مع هذا كله لا يعرفني بنفسه ولا يعرف من أنا ، فقال لي : علام ~~تعزم ؟ فقلت : عزمت على التوجه إلى بغداد . قال : إن القافلة بعد ثلاثة ~~أيام تخرج . فقلت له : إنك قد تفضلت علي هذه المدة ، لك علي عهد الله إنني ~~لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت . قال : فدعا بغلام أسود وقال ~~له : أنعل الفرس الفلاني ، ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي : ما أشك أنه ~~يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي . فأقاموا يومهم ذلك ms179 في كد ~~وتعب ، فلما كان يوم خروج القافلة جاء في السحر ، فقال : يا فلان ! قم ، ~~فإن القافلة تخرج الساعة ، وأكره أن تنفرد عنها . فقلت في نفسي : كيف اصنع ~~وليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري به مركبا ، ثم قمت ، فإذا هو وامرأته ~~يحملان بقجة من أفخر اللباس وخفين جديدين وآلة السفر ، ثم جاءني بسيف ~~ومنطقة فشدهما في وسطي ، ثم قدم لي غلاما وعلى كتفه صرتان وفوقهما مرتبة ~~السفر وسجادة من أفخر ما يكون ، وأعلمني بما في الصرتين أنه خمسة آلاف درهم ~~، وشد لي الفرس الذي أنعله بسرجه ولجامه ، وقال لي : اركب ، وهذا الغلام ~~الأسود يخدمك ويسوس مركوبك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في ~~أمري وركب معي من يشيعني ، وانصرفت إلى بغداد ، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي ~~له في مجازاته ومكافاته ، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أقدر أن أتفرغ إلى ~~أن أرسل إليه من يكشف خبره ، فلهذا أسأل عنه . PageV01P208 فلما سمع الرجل ~~الحديث قال : قد أمكنك الله من الوفاء له ومكافأته على فعله ومجازاته على ~~صنعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك . فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أنا ذلك ~~الرجل ، وإنما الضر الذي أنا فيه قد غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني ، ثم ~~لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت معرفته ، فما تمالكت أن قمت وقبلت ~~رأسه ، ثم قلت له : فما الذي صيرك إلى ما أرى ؟ قال : هاجت بدمشق فتنة مثل ~~الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي ، وبعث أمير المؤمنين بجيوش فضبطوا ~~البلد فأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت ، وقيدت وبعث بي إلى أمير ~~المؤمنين وأمري عنده عظيم ، وهو قاتلي لا محالة ، وقد أخرجت من عند أهلي ~~بلا وصية ، وقد تبعني من ينصرف إليهم بخبري ، وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت ~~أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد ، فإن أنت ~~فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت بوفاء عهدك . قال العباس : فقلت يصنع ~~الله خيرا . ثم أحضر ms180 حدادا في الليل وفك قيوده ، وزال ما كان عليه من ~~الإنكال ، وأدخله حمام داره ، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه ، ثم سير من ~~أحضر إليه غلامه ، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه ، فاستدعى العباس نائبه وقال : ~~علي بفرسي الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة ، ثم عشرة ~~من الصناديق ، ومن الكسوة كذا وكذا . قال ذلك الرجل : وأحضر لي بدرة فيها ~~عشرة آلاف درهم وكيسا فيه خمسة آلاف دينار ، وقال لعامله في الشرطة : خذ ~~هذا الرجل وشيعه إلى حد الأنبار . فقال له : إن ذنبي عظيم عند أمير ~~المؤمنين وخطبي جسيم ، وإن أنت احتجيت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي ~~كل من على بابه فأرادوا قتلي . فقال : انج بنفسك ودعني أدبر أمري . فقال : ~~والله لا أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك ، فإن احتجت إلى حضوري ~~حضرت . فقال لصاحب الشرطة : إن كان الأمر على ما يكون ، فليكن في موضع كذا ~~وكذا ، فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته ، وإن أنا قتلت وقيته بنفسي كما ~~وقاني بنفسه ، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم ، وتجتهد في إخراجه من ~~بغداد . PageV01P209 قال الرجل : فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان يثق به ~~، وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفنا . قال العباس : فلم أفرغ من صلاة ~~الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي يقولون : يقول لك أمير المؤمنين : هات ~~الرجل معك وقم . قال : فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين وإذا هو جالس وعليه ~~كآبة ، فقال : أين الرجل ؟ فسكت ، فقال : ويحك أين الرجل ؟ فسكت ، فقال ~~ويحك أين الرجل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول . فقال : لله ~~علي عهد ، لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك . فقلت لا والله ، يا أمير ~~المؤمنين إنه ما هرب ، ولكن اسمع حديثي معه كيت وكيت ، وقصصت عليه القصة ~~جميعها وعرفته أني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي ، وقلت : أنا ~~وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين : إما أن يصفح عني ، وقد وفيت وكافأت ~~، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي ms181 وقد تحنطت ، وها كفني يا أمير المؤمنين . ~~فلما سمع المأمون الحديث قال : ويحك ، لا جزاك الله خيرا عن نفسك ، إنه فعل ~~بك ما فعل من غير معرفة ، وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير ؟ هلا ~~عرفتني خبره ، فكنت أكافئه عنك ولا أقصر بوفائي له ؟ فقلت : يا أمير ~~المؤمنين إنه ههنا ، وقد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي ، فإن احتجت إلى ~~حضوره حضر . فقال المأمون : وهذه منة أعظم من الأولى ، اذهب الآن فطيب نفسه ~~وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته عنك . قال : فأتيت إليه وقلت : ليزل ~~عنك حزنك ، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت . فقال : الحمد لله الذي لا يحمد ~~على السراء والضراء أحد سواه . ثم قام فصلى ركعتين ، ثم أتيت به إلى أمير ~~المؤمنين ، فلما مثل بين يديه أقبل عليه وأدنى مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء ~~وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفى عنها ، فأمر له المأمون ~~بعشرة أفراس بسروجها ولجمها ، وعشرة بغال بآلاتها ، وعشر بدر ، وعشرة آلاف ~~دينار ، وعشرة مماليك بدوابهم ، وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به ، وأطلق ~~خراجه ، وأمر بمكاتبته بأحوال دمشق ، فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما ~~وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي : يا عباس هذا كتاب صديقك ، والله ~~أعلم . PageV01P210 # | المأمون وزنبيل بوران # ويحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال : خرجت ليلة من عند المأمون متوجها إلى ~~بيتي ، فأحسست بالبول ، فعمدت لزقاق ، وقمت لأتمسح بالحيطان ، وإذا بزنبيل ~~كبير بأربعة آذان ملبس ديباجا ، فقلت : إن لهذا سببا وبقيت متحيرا في أمره ~~، فحملني السكر وقال لي : اجلس فيه ، فجلست ، فلما أحس بي الذين كانوا ~~يرقبونه جذبوه إلى رأس الحائط ، فإذا أنا بأربع جوار يقلن لي : انزل بالرحب ~~والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار ومجالس مفروشة لم أر ~~مثلها إلا في دار الخلافة فجلست ، فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ~~ناحية من الجدران ، وإذا بوصائف يتمشين وفي أيديهن الشمع وبعض مجامر يحرق ~~فيهن العود وبينهن جارية كأنها البدر الطالع ms182 ، فنهضت وقالت : مرحبا بك من ~~زائر وجلست ، ثم سألتني عن خبري فقلت : انصرفت من عند بعض إخواني وغرني ~~الوقت وحرقني البول ، فعمدت إلى هذا الزقاق ، فوجدت زنبيلا معلقا ، فحملني ~~السكر على أن جلست فيه ، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه . قالت : لا ضير ، ~~وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك ، ثم قالت : فما صناعتك ؟ قال : بزارا ببغداد . ~~فقالت : هل رويت من الأشعار شيئا ؟ قلت : شيئا ضعيفا . قالت : فذاكرنا شيئا ~~. قلت : إن للداخل حشمة ، ولكن تبدئين أنت . قالت : صدقت ، فأنشدتني شعرا ~~لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم ، وأنا مستمع لا أدري مم ~~أعجب من حسنها أم حسن روايتها ؟ ثم قالت : أذهب ما كان فيك من الحصر ؟ قلت ~~: إي والله . قالت : فإن رأيت أن تنشدنا . فأنشدتها شيئا لجماعة من القدماء ~~ما فيه مقنع ، فاستحسنت ذلك ، ثم قالت : والله ما ظننت أنه يوجد في أبناء ~~السوقة هذا ، ثم أمرت بالطعام فأحضر ، فجعلت تقطع وتضع قدامي ، وفي المجلس ~~من صنوف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند السلطان ، ودعت بالشراب ~~، فشربت قدحا ، ثم ناولتني قدحا ، ثم قالت هذا أوان المذاكرة والأخبار ، ~~فاندفعت أذاكرها وقلت : بلغني أن كذا وكذا ، وكان رجل يقال له كذا ، حتى ~~أتيت على PageV01P211 عدة أخبار حسان ، فسرت بذلك وقالت : كثر تعجبي أن ~~يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا ، وإنما هذه أحاديث ملوك . فقلت : كان لي ~~جار يحادث الملوك وينادمهم ، وإذا تعطل حضرت معه فربما حدثت بما سمعت . ~~فقالت : لعمري ، لقد أحسنت الحفظ وما هذه إلا قريحة جيدة . وأخذنا في ~~المذاكرة ، إذا سكت ابتدأت هي ، وإذا سكتت ابتدأت أنا حتى قطعنا أكثر الليل ~~وبخور العود يعبق ، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقا إليها ، ~~فقالت : إنك من أرف الرجال ، وضيء الوجه بارع في الأدب وما بقي إلا شيء ~~واحد ؟ قلت : وما هو ؟ قالت : لو كنت تترنم ببعض الأشعار ؟ قلت : والله ~~لقديما كنت ألفته ولم أرزقه وأعرضت عنه ، وفي قلبي من حرارة ، ولو كنت أحب ~~في مثل هذا المجلس شيئا منه لتكمل ms183 ليلتي . قالت : كأنك عرضت . فقلت : والله ~~ما هو تعريض قد بدأت بالفضل ، وأنت جديرة بذلك . فأمرت بعود فحضر ، وغنت ~~بصوت ما سمعت بحسنه مع حسن أدبها وجودة الضرب بالكمال الراجح ، ثم قالت : ~~هل تعرف هذا الصوت ومن غنى به ؟ قلت : لا . قالت : الشعر لفلان والغناء ~~لإسحاق . قلت : وإسحاق هذا جعلت فداك بهذه الصفة ؟ قالت : بخ بخ ! إسحاق ~~بارع في هذا الشأن . فقلت : سبحان الله أعطي هذا الرجل ما لم يعطه أحد ؟ ~~قالت : فكيف لو سمعت هذا الصوت منه . ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان الفجر ~~أقبلت عجوز كأنها داية لها ، وقالت : إن الوقت قد حضر ، فنهضت عند قولها ، ~~فقالت : لتستر ما كنا فيه فإن المجالس بالأمانات . قلت : جعلت فداك لم أكن ~~أحتاج إلى وصية في ذلك . فودعتها ، وجارية بني يدي إلى باب الدار ففتح لي ~~فخرجت ورحت إلى داري ، فصليت الصبح ونمت ، فانتهى رسول المأمون غلي فسرت ~~إليه وأقمت عنده نهاري ، فلما كان العشاء تفكرت في ما كنت فهي البارحة ، ~~وهذا شيء لا يصبر عليه إلا جاهل ، PageV01P212 فخرجت وجئت إلى الزنبيل ، ~~فوجدته على عادته ، فجلست فيه ورفعت إلى موضع البارحة ، وإذا هي قد طلعت ، ~~فقالت : لقد عاودت . فقل : ولا أظن إلا أنني قد ثقلت . وأخذنا في المحادثة ~~مثل تلك الليلة السالفة في المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر ~~. فانصرفت إلى منزلي ، فصليت الصبح ، ونمت . فانتهى رسول أمير المؤمنين غلي ~~فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده ، فلما كانت العشية توجه إلي مخاطبا ، وقال : ~~أقسمت عليك لتجلسن حتى أجيء وأحضر ، فما كان حتى أن غاب وجالت وساوسي ، ~~فلما تذكرت ما كنت فيه هان علي ما يخصني من أمير المؤمنين ، فوثبت مبادرا ~~وخرجت جاريا حتى أتيت الزنبيل ، فجلست فهي فرفعت إلى مجلسي ، فقالت : ~~صديقنا . قلت : إي والله . قالت : أجعلتها دار إقامة ؟ قلت : جعلت فداك حق ~~الضيافة ثلاثة أيام ، فإن رجعت بعد ذلك ، فأنتم في حل من دمي . ثم جلسنا ~~على ذلك الحال فلما قرب الوقت علمت بأن المأمون لا بد أن ms184 يسألني ، فلا يقنع ~~إلا بشرح القصة فقلت : أنا أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجها ~~، وأظرف قدا وأكثر أدبا وأطيب أرجا ، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق . ~~فقالت : طفيلي وتقترح . قلت : لها : أنت المحكمة . قم قالت : إن كان ابن ~~عمك على ما تصف فما نكره معرفته . ثم جاء الوقت فنهضت وقمت وذهبت ، فلم أصل ~~إلى داري إلا ورسل أمير المأمون قد هجموا علي وحملوني حملا عنيفا فوجدته ~~قاعدا على كرسي وهو مغتاظ فقال : يا إسحاق ، أخروجا عن الطاعة ؟ قلت : لا ~~والله . قال : فما قصتك أصدقني ؟ قلت : نعم في خلوة . فأومأ إلى من بين ~~يديه فتنحوا ، فحدثته الحديث وقلت له : وعدتها بك . قال : أحسنت فأخذنا في ~~لذتنا ذلك اليوم ، والمأمون معلق القلب بها ، فما صدقنا أن جاء الوقت وسرنا ~~، وأنا أوصيه وأقول له : تجنب واحذر أن تناديني باسمي بحضرتها ، وغن وأنا ~~لك تبع وهو يقول : نعم ، ثم سرنا إلى الزنبيل فوجدناهما اثنين ، فقعدنا ~~فيهما PageV01P213 ورفعنا إلى الموضع المعهود ، فحضرت وأقبلت وسلمت ، فلما ~~رآها المأمون بهت في حسنها وجمالها وأخذت تذاكره وتناشده الأشعار ، ثم ~~أحضرت النبيذ فشربنا ، وهي مقبلة عليه مسرورة به ، وهو أكثر ، فأخذت العود ~~وغنت صوتا ، ثم قالت : وابن عمك هذا من التجار ، وأشارت إلي . قلت : نعم . ~~قال : والله إنكما لقريبان . فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح ~~والطرب ، فصاح وقال : يا إسحاق ! قلت : لبيك يا أمير المؤمنين . قال : عن ~~هذا الصوت ؟ فلما علمت أنه الخليفة نهضت إلى مكان فدخلته ، فلما فرغت من ~~الصوت قال : انظر من رب هذه الدار ؟ فبادرت العجوز وقالت : للحسن بن سهل . ~~فقال : علي به . فغابت العجوز ساعة ، وإذا الحسن قد حضر . فقال له المأمون ~~: ألك ابنة ؟ قال : نعم . قال : ما اسمها ؟ قال : بوران . قال : أمتزوجة ؟ ~~قال : لا والله . قال : فإني أخطبها منك . قال : هي جاريتك وأمرها إليك . ~~قال : قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألفا ، تحمل إليك صبيحة يومنا هذا ، فإذا ~~قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتنا . قال : نعم . ثم خرجنا فقال : يا ms185 ~~إسحاق لا توفق على هذا الحديث أحدا . فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع ~~لأحد مثل ما اجتمع لي في تلك الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار وبوران ~~بالليل ، ووالله ما رأيت أحدا من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة تقارب ~~بوران فهما وعقلا والله تعالى أعلم ، انتهى من حلية الكميت . PageV01P214 # | المأمون وجارية أبيه # وقيل : كان المأمون يوما يأكل مع أبيه الرشيد ، فلما فرغا جعلت جارية تصب ~~الماء على يد الرشيد ، فنظر إليها المأمون ، وأشار إليها كأنه يقبلها ، ~~فأنكرت ذلك منه بعينها ، وأبطأت في الصب بقدر النظر إلى المأمون ، فقال لها ~~الرشيد : لأي شيء صغى الإبريق في يدك ، فوالله لئن لم تصدقيني الحق لأضربن ~~عنقك ؟ فقالت : يا سيدي نظر إلي عبد الله المأمون ، وأشار إلي كأنه يقبلني ~~، فأنكرت ذلك بعيني . فنظر الرشيد إلى المأمون فسقط مغشيا عليه كأنه ميت ~~مما داخله من الخوف والفزع ، فأخذه وضمه إلى صدره ، وقال : يا عبد الله ؛ ~~أتحبها ؟ قال : إي والله يا أمير المؤمنين . فقال : هي لك ، خذ بيدها وادخل ~~بها في هذا القبة . ففعل ، # | المأمون والفتاة العربية # عن أبي عبد الله النميري أنه قال : كنت يوما مع المأمون ، وكان بالكوفة ، ~~فركبت للصيد ومعه سرية من العسكر ، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة فأطلق ~~عنان فرسه وكان على سابق من الخيل ، فأشرف على نهر من ماء بحر الفرات ، ~~فإذا هو بجارية عربية خماسية القد ، قائمة النهد ، كأنها القمر ليلة تمامه ~~، وبيدها قربة قد ملأتها من النهر ، ورفعتها على كتفها ، وصعدت من حافة ~~النهر ، فانحل وكاؤها ، فصاحت برفيع صوتها : يا أبت ! أدرك فاها ، قد غلبني ~~فوها ، لا طاقة لي بفيها . قال : فعجب المأمون من فصاحتها ورمت القربة من ~~يدها ، فقال لها المأمون : يا جارية من أي العرب أنت ؟ فقالت : أنا من بني ~~كلاب . قال : وما حملك أن تكوني من الكلاب ؟ قالت : والله لست من الكلاب ~~وإنما أنا من قوم كرام غير لئام ، يقرون الضيف ، ويضربون بالسيف ، ثم قالت ~~: يا فتى من أي الناس أنت ؟ قال : أوعندك ms186 علم بالأنساب ؟ قالت : نعم . قال ~~: أنا من مضر الحمراء . قالت : من أي مضر ؟ قال : من أكرمها نسبا وأعظمها ~~حسبا وخيرها أما وأبا ، مما تهابه مضر وتخشاه . PageV01P215 قالت : أظنك من ~~كنانة ؟ قال : أنا من كنانة . قالت : من أي كنانة ؟ قال : من أكرمها مولدا ~~وأشرفها محتدا وأطولها في المكرمات يدا ، ممن تهابه كنانة وتخشاه . قالت : ~~والله أنت من بني هاشم ؟ قال : أنا من بني هاشم . قالت : من أي هاشم ؟ قال ~~: من أعلاها منزلة وأشرفها قبيلة ممن تهابه هاشم وتخشاه . قال : فعند ذلك ~~قبلت الأرض وقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين ~~. قال : فتعجب المأمون منها وطرب طربا شديدا ، ثم قال : لأتزوجن بها لأنها ~~من أكبر الغنائم ، ووقف حتى التحق به العسكر ، فنزل وأرسل خلف أبيها وخطبها ~~منه ، فزوجه بها ، وهي والدة العباس ، والله أعلم . # | أخلاق المأمون # من محاسن الأخلاق ، ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال : كنت نائما ذات ~~ليلة عند المأمون ، فعطش ، فامتنع أن يصيح لغلام يسقيه ، وأنا نائم فينغص ~~علي نومي ، فرأيته وقد قام يتمشى على أطراف أصابعه حتى أتى موضع الماء ، ~~وكان بينه وبين الماء نحو ثلاثمائة خطوة ، ثم رجع يتمشى على أطراف أصابعه ~~حتى وصل إلى الفراش الذي أنا عليه ، وخطا خطوات لطيفة لئلا ينبهني حتى وصل ~~إلى فراشه ، ثم رأيته آخر الليل ، وقد قام يبول ، فقعد طويلا يحاول أن ~~أتحرك فيصيح للغلام ، فلما تحركت وثب قائما وصاح بالغلام وتأهب للصلاة ثم ~~جاءني وقال : كيف أصبحت يا أبا محمد ، وكيف مبيتك ؟ قلت : بخير مبيت جعلني ~~الله فداك . قال : لقد استيقظت للصلاة ، فكرهت أن أصيح للغلام فأزعجك . ~~فقلت : يا أمير المؤمنين ، لقد خصك الله بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ، ووهب لك سيرتهم ، فهناك الله بهذه النعمة ، وأتمها عليك . فأمر ~~لي بألف دينار وانصرفت . PageV01P216 # | حلم المأمون # وحدث سليمان الوراق قال : ما رأيت أعظم حلما من المأمون ، دخلت عليه يوما ~~وفي يده فص مستطيل من ياقوت أحمر له شعاع قد أضاء له المجلس ، وهو يقلبه ~~بيده ويستحسنه ms187 ، ثم دعا برجل صائغ وقال له : اصنع بهذا الفص كذا وكذا ونزل ~~فيه كذا وكذا ، وعرفه كيف يعمل به ، فأخذه الصائغ وانصرف ثم عدت إلى ~~المأمون بعد ثلاث فتذكره فاستدعى الصائغ ، فأتي به ، وهو يرعد وقد امتقع ~~لونه . فقال المأمون : ما فعلت بالفص ؟ فتلجلج الرجل ولم ينطق بكلام ، ففهم ~~المأمون بالفراسة أنه حصل فيه خلل ، فولى وجهه عنه ، حتى سكن جأشه ، ثم ~~التفت إليه وأعاد القول . فقال : الأمان يا أمير المؤمنين . قال : لك ~~الأمان . فأخرج الفص أربع قطع وقال : يا أمير المؤمنين ، سقط من يدي على ~~السندال فصار كما ترى . فقال المأمون : لا بأس عليك ، صنع به أربع خواتم ، ~~وألطف له في الكلام حتى ظننت أنه كان يشتهي الفص على أربع قطع . فلما خرج ~~الرجل من عنده ، قال : أتدرون كم قيمة هذا الفص ؟ قلنا : لا ، قل : اشتراه ~~الرشيد بمائة ألف وعشرين ألفا ، انتهى . ومن حلمه أيضا . قال يحيى : كنت ~~أنا والمأمون يوما في بستان ندور فيه فمشينا في البستان من أوله إلى آخره ، ~~وكنت مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل ، فكان يجذبني أن أكون في الظل ~~وهو في الشمس ، فأمتنع من ذلك ، فإذا رجعنا قال لي : والله يا يحيى لتكونن ~~في مكاني ولأكونن في مكانك ، حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها . ~~فقلت : والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك من هول المطلع لفعلت . ولم ~~يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ، ووضع يده على عاتقي وقال : ~~بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت ، فإنه لا خير في صحبة ~~من لا ينصف . ومن حلمه أيضا ، أنه كان له خادم يسرق طاساته التي يتوضأ فيها ~~فقال له المأمون : إذا سرقت شيئا فائتني بما تسرقه ، فأشتريه منك . فقال له ~~الخادم : اشتر مني هذه ، وأشار إلى التي بين يديه . PageV01P217 فقال : بكم ~~. قال : بدينارين . قال : على شرط أنك لا تسرقها . قال : نعم . فأعطاه ~~دينارين ، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئا لما رأى من ms188 حلمه ، والله أعلم . # | الطفيلي الأديب والمأمون # وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب ~~والبيان والفصاحة باللسان ناقدا في صناعته ، حافظا للأقدار ، راويا للأشعار ~~، خبيرا بسير الملوك في الأيام السالفة ، بصيرا بالبحث عن أمورهم في الأيام ~~الآنفة ، حاذقا في التصنيف ، فائقا في التأليف ، صبيح الوجه ، مقبول ~~المشاهد ، حلو الشمائل ، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه ~~فيه عائق ، وحال دونه حائل وقدر سابق ، فبقي حينا من الدهر ، وقد برز في ~~القدر والمال والجاه من كان عنده في الصناعة متأخرا ، فضاق صدره وعيل صبره ~~وضلت ومقاليده ، فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلا وأجمع رأيه ~~على أن يحمل نفسه على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه ، وتربص لذلك أن يرى ~~وجها إلى أن عزم أمير المؤمنين أن يشرب يوما هو وصنوه المعتصم ، فأمر ~~المأمون بالاستعداد ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري ، منفردين عن سائر ~~الندماء ، فظهر خبرهما بذلك . وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه ، فعزم ~~هذا الأديب المذكور على أن يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم ، فمضى ~~إلى إخوانه وأصدقائه فاستعار من هذا قباء وجبة وردية ، ومن آخر منطقة وخفا ~~وسيفا ، ومن آخر برذونا ، ومن آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك ~~اليوم ، ودخل الحمام سحرا ، وتطيب ، ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار ~~المعتصم وقال للحاجب : عرف الأمير أني رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه ~~. فسعى الحاجب عدوا حتى أخبر المعتصم ، فأذن له . فلما دخل عليه ، وتمثل ~~بين يديه ، قال له : سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك : أنسيت ~~الوعد ، ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا ؟ قال المعتصم : لا ~~والله ما نسيت ذلك ، ولكن PageV01P218 تربصت ساعة . ونمت نوما لأتقوى بذلك ~~على انتصاب سائر النهار . فقال الفتى : فعجل الآن أيها الأمير ، فإنه أمرني ~~أن لا أفارقك حتى آتيه بك . فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب ، ~~ولبس ثيابه وتطيب وركب الفتى معه ms189 ، والمعتصم لا ينكر شيئا من كلام الفتى ~~ويتأمل لطافته وهيئته ، ولم يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون ، وأخذ الفتى ~~يحدث المعتصم وأقبل عليه بكليته ، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه ، ~~حتى بلغ باب الخليفة فألقى الفتى نفسه عن دابته ، وأخذ يمشي بين يديه ، ~~والحجاب لا ينكرون منه شيئا ويظنون نه من خدم المعتصم ، حتى نزل المعتصم ، ~~وأخذ الفتى بركابه ، ودخل المجلس ، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى ~~بين يديه ، وهو منهمك في نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجبا مما يسمع ~~من حسن كلامه ، وأخبر المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو . ~~فقال المأمون : أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره ~~أحد من الناس إلا من هو عديل النفس . وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثا ، فإن ~~المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما ~~لا بد منه ، ثم خرج من ساعته فرحا وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام ~~واستنطاقه واعتبار قده وعقله ، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما ~~وقع في نفس المأمون نهض قائما فقبل يد المأمون ، وعاد إلى مجلسه وأخذ في ~~نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر ، وهو ~~مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم . فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى ~~غلب على قلب المأمون ، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه ، ~~وأمر المأمون بإحضار المائدة ، فنصبت بأنواع الطعام ، فأكلوا وغسلوا أيديهم ~~، ولمجلس الشراب انتقلوا ، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة ، ~~فحضرن وأخذن في الغناء ، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به ، وبالغناء ، ~~ومتى قيل وفيمن قيل ، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه ، وتزايد حسده لأخيه ~~في صحبة مثله فمس الفتى بول ، ولم يجد للمدافعة سبيلا ، فقام وهو متيقن ~~أنهما سيذكرانه ، ويتواصفان أمره وحاله ، إذا خلا المجلس ، فما هو إلا أن ~~غاب من بين أيديهما حتى قال المأمون ms190 لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك ~~هذا ؟ فوالله ما رأيت رجلا قط أكثر منه أدبا ولا أنظف هيئة ولا اشرف من ~~شمائله . فقال المعتصم : والله ما أعلم من هو ، وإنما جاءني مبكرا برسالة ~~أمير المؤمنين . PageV01P219 فقال المأمون : سألتك بالله يا أخي أهو كذلك ؟ ~~فقال : إي والله الذي لا إله إلا هو . فقال المأمون : طفيلي ، ورب الكعبة ، ~~وغضب وأمر الجواري بالنهوض ، فنهض وأقبل الفتى راجعا فلما نظر إلى خلو ~~المجلس من الجواري وإلى تغير وجه المأمون ، وقف على رأس المجلس وأقبل بوجهه ~~على المعتصم وقال : يا أبا إسحاق ! كأني بك قد أخذت في نوع الزور والبهتان ~~، وهذا المجلس من المجالس التي لا تحمل المزاح ، وما هكذا وعدتني . ثم قل : ~~والله يا أمير المؤمنين ، ما بليت من أحد من الناس مثل ما بليت من هذا لأنه ~~دائما أبدا يعرضني لمثل هذا وأشباهه ، ويغري بي ويوقعني في كل ورطة . ثم ~~أقبل على المعتصم وقال : يا أبا إسحاق ، سألتك بالله وبحق أمير المؤمنين ~~إلا ما أعفيتني من ملاعبتك التي لا تحتمل وتؤدي إلى مؤاخذة أمير المؤمنين . ~~ولم يزل يأتي بهذا وأمثاله حتى شك المأمون في أمره والتفت إلى أخيه المعتصم ~~وقال : سألتك بالله يا أخي ، بحياتي عليك إلا ما علمتني بحقيقة أمره ؟ فقال ~~المعتصم : يا أمير المؤمنين برئت من ذمة الله ورسوله ومن حياتك وولايتك إن ~~كنت عرفه أو رأيته قط إلا في يومي هذا . فقال الفتى : كذب والله يا أمير ~~المؤمنين لقد كنت معه دهري الطويل وفي موضع كذا وكذا ، وإن هذا فعله معي ~~أبدا . فضحك المأمون تعجبا ، وقال : ادخل فدخل ، وأمره بالجلوس فجلس ، ثم ~~قال لك الأمان إن صدقتني . فصدقه الحديث على وجهه فأعجب من حسن منطقه ولطف ~~مدخله ودقيق تصرفه وأمر بإعادة الجواري إلى مجلسهن ، فطربوا سائر يومهم . ~~فقال له المأمون : أخبرني بأعجب ما لحقك في قدومك من الكوفة إلى بغداد ~~واجعله نظما ولا تكتم عني شيئا . فقال : نعم ، ثم أنشأ يقول : بينا أنا ~~راقد في البيت مكتئب . . . مفكر في ms191 حصول الكد والقوت وليس في البيت لي شيء ~~ألم به . . . وبي من الجوع ما يدني إلى الموت إذا بصوت بباب الدار أسمعه . ~~. . والأذن مصغية مني إلى الصوت ناديت من ذا الذي أرجوه لي فرجا ؟ . . . ~~نادى : أنا فرج زن لي كرا البيت PageV01P220 فضحك المأمون حتى استلقى على ~~فراشه ، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه وقال : ثم ماذا ؟ قال : يا أمير ~~المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني بالكراء ، فوعدته بأن يرجع إلي ~~مرة أخرى ، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين أتوجه ، فسألت كل من لقيته من ~~صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من الشعر في ذلك وهما . غريب ~~الدار ليس له صديق . . . جميع سؤاله : أين الطريق ؟ تعلق بالسؤال لكل شخص . ~~. . كما يتعلق الرجل الغريق فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ~~ليلة كماله ، وهي تقول : ترفق يا غريب فكل حر . . . يمر بحاله سعة وضيق وكل ~~ملمة إن أنت فيها . . . صبرت لها أتيح لها طريق ثم قالت : خذ هذه فادفع بها ~~فاقتك ، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت ، ورمت إلى صدري بقرطاس ، وإذا فيه ~~عشرة دراهم ، فرجعت من فوري ، فوجدت صاحب الكراء قائما على الباب ، فدفعت ~~إليه خمسة دراهم ، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه القصة ، وهذا الأمر ~~الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول : لم آت فعلا غير مستحسن . . . ~~جهلا بفعل الأحسن الأملح لكنني في حالة أوجبت . . . ضرورة إتيان مستقبح ~~فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه وألحقه ~~بمراتب الخاصة ، ورفعت منزلته ، وصار أقرب الناس إليه ، وآخر خارج من عنده ~~وأول داخل إليه ، وسمي طفيلي المعتصم ، وأنشد للمأمون يوما يقول : كانت ~~لقلبي أهواء مفرقة . . . فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي تركت للناس دنياهم ~~ودينهم . . . شغلا بذكرك عن ديني ودنيائي وصار يحسدني من كنت أحسده . . . ~~وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي فاستحسن المأمون الأبيات ، وأمر بكتبها على ~~الستارة ، وصار الفتى إذا حضر يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم إلا ms192 ~~اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي المجلس ، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته ، ~~أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه منها الجارية ، فإذا هي PageV01P221 لرجل ~~من أهل بغداد من مباشريها ، وقد مات ولم يخلف ولدا سوى تلك الجارية ، وما ~~مات حتى تضعضع حاله ، فأعلم المأمون بذلك ، فمر بخطبتها للفتى ودفع المهر ~~من عنده وصار الفتى والجارية في نعمة عظيمة بقية عمرهما والله أعلم . # | رقة قلب المأمون # وسرق شاب سرقة ، فتي به إلى المأمون فأمر بقطع يده فتقدم لتقطع يديه ~~فأنشد الشاب يقول : يدي ، يا أمير المؤمنين ، أعيذها . . . بعفوك أن تلقى ~~نكالا يشينها فلا خير في الدنيا ولا راحة بها . . . إذا ما شمال فارقتها ~~يمينها وكانت أم الشاب واقفة على رأسه ، فبكت وقالت : يا أمير المؤمنين إنه ~~ولدي وواحدي ، ناشدتك الله إلا رحمتني وهدأت لوعتي وجدت بالعفو عمن استحق ~~العقوبة . فقال المأمون : هذا حد من حدود الله تعالى . فقالت : يا أمير ~~المؤمنين ! اجعل عفوك عن هذا الحد ذنبا من الذنوب التي تستغفر منها . فرق ~~لها المأمون وعفا عنه . # | المأمون ونذير الشؤم # قال : رأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الأكابر أن المأمون أشرف ~~يوما من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة ، وهو يكتب بها على حائط قصره ، ~~فقال المأمون لبعض خدمه : اذهب إلى ذلك الرجل ، فانظر ما كتب وائتني به . ~~فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه ، وقال : ما كتبت ؟ فإذا هو قد كتب ~~هذين البيتين : يا قصر جمع فيك الشوم واللوم . . . متى يعشش في أركانك ~~البوم يوم يعشش فيك البوم من فرحي . . . أكون أول من ينعاك مرغوم ~~PageV01P222 ثم إن الخادم قال له : أجب أمير المؤمنين . فقال الرجل : سألتك ~~بالله لا تذهب بي إليه . فقال الخادم : لا بد من ذلك . ثم ذهب به فلما مثل ~~بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب قال له المأمون : ويلك ، ما حملك على ~~هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من ~~خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني ms193 والأمتعة ~~والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي . وإني يا أمير ~~المؤمنين قد مررت عليه الآن ، وأنا في غاية من الجوع والفاقة ، فوقفت مفكرا ~~في أمري وقلت في نفسي : هذا القصر عامر عال ، وأنا جائع ولا فائدة لنا فيه ~~، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه وأتقوت ~~بثمنه أوما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر : إذا لم يكن للمرء في ~~دولة امرئ . . . نصيب ولا حظ تمنى زوالها وما ذاك من بغض له ، غير أنه . . ~~. يزجي سواها ، فهو يهوى انتقالها فقال المأمون : يا غلام ، أعطه ألف درهم ~~، ثم قال : هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامرا بأهله مسرورا في دولته . ~~وأنشدوا في معنى ذلك : إذا كنت في أمر ، فكن فيه محسنا . . . فعما قليل أنت ~~ماض وتاركه فكم دحت الأيام أرباب دولة . . . وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه ~~PageV01P223 # | المأمون ومدعي النبوة # ويحكى أنه تنبأ رجل في أيام المأمون ، فقل ليحيى بن أكثم القاضي : يا ~~يحيى امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا المتنبي وإلى دعواه . فركبا في ~~الليل مستترين ومعهما خادم حتى صارا إلى بابه وكان مسترا بثوبه ، فاستأذنا ~~عليه فخرج إليهما ، فقال : من أنتما ؟ فقالا : رجلان يريدان أن يسلما على ~~يديك . قال : ادخلا . فدخلا وجلس المأمون عن يمينه ، يحيى عن يساره ، فقال ~~المأمون : إلى من بعثت ؟ قال : إلى الناس كافة . قال : أفيوحى إليك ، أم ~~ترى في المنام ، أم ينفث في قلبك ؟ قال : بل أناجي وأكلم قال : ومن يأتيك ؟ ~~قال : جبريل . قال : فمتى كان عندك ؟ قال : الساعة قبل أن تأتياني بساعة . ~~قال : فما أوحى إليك ؟ قال : أوحى إلي أنه سيدخل عليك رجلان فيجلس أحدهما ~~عن يمينك ، والآخر عن يسارك ، والذي يجلس عن يسارك ألوط خلق الله تعالى . ~~فقال له المأمون : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وكان يحيى ~~يعزى إلى ما قاله عنه المتنبي . # | أبو نواس والغلام الجميل والقاضي # دخل أبو نواس على القاضي يحيى بن ms194 أكثم ودخل معه غلام جميل الوجه . فقال ~~الغلام : هذا مر علي وقبلني كرها . ففتن به القاضي ، فأنشد يقول : إذا كنت ~~للتخميش والبوس كارها . . . فلا تدخل الأسواق إلا منقبا ولا تظهر الأصداغ ~~منم تحت طرة . . . وتشهر منها فوق خديك عقربا فلما سمع الغلام ، أنشأ يقول ~~: لقد كنت أرجو أن أرى العدل بيننا . . . فأعقبني بعد الرجاء قنوط متى تصلح ~~الدنيا ويصلح أهلها . . . إذا كان قاضي المسلمين يلوط PageV01P224 # | المأمون ويحيى بن أكثم # يحكى أنه كان عند المأمون يوما ، فقال له المأمون وهو يعرض له باللواط : ~~يا يحيى ! من ذا الذي يقول : قاضي يرى الحد في الزناء ولا يرى . . . على من ~~يلوط من بأس فقال له : الذي يقول : ما أرى الجور ينقضي ، وعلى الأم ؟ . . . ~~؟ ة وال منكم بني العباس # | سليب العقل لا الدين سكرة القاضي ابن أكثم # ويقال : إن المأمون شرب يوما ومعه القاضي يحيى بن أكثم ، فمال لساقي على ~~القاضي حتى وقع سكران ، فأمر المأمون أن يلقى عليه الورد والرياحين حتى ~~يدفن فيها كأنه ميت ، وصنع بيتين شعرا ، وقال لمغنيته : خذي العود وغني على ~~رأسه فغنت وقالت : وناديته وهو حي لا حراك به . . . مزمل في ثياب من رياحين ~~فقلت : قم ! قال : رجلي لا تطاوعني . . . فقلت : خذ ! قال : كفي لا يوافيني ~~فاستيقظ يحيى لرنة العود والجارية تغني البيتين فقام ، وقال : يا سيدي ~~وأمير الناس كلهم . . . قد جار في حكمه من كان يسقيني سقاني الراح لم يمزج ~~سلافتها . . . حتى بقيت سليب العقل لا الدين PageV01P225 # | إبراهيم بن المهدي والمأمون # قال الواقدي : كان إبراهيم بن المهدي ادعى لنفسه الخلافة بالري وأقام ~~مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وله أخبار كثيرة . فما حكاه قال : ~~لما دخل المأمون الري في طلبي أثقل علي الطلب وجعل لمن دل علي وأتاه بي ~~مائة ألف درهم ، فخفت على نفسي ، وتحيرت في أمري ، فخرجت من داري وقت الظهر ~~، وكان يوما صائفا ، وما أدري أين أتوجه ، فمررت بزقاق لا ينفذ ، فقلت : لا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، إنا لله وإنا ms195 إليه راجعون ، وخفت إن ~~رجعت على أثري يعلموا بين فرأيت في صدر الزقاق عبدا أسود قائما على باب ~~داره ، فتقدمت إليه ، وقلت له : عندك موضع أقيم فيه ساعة من النهار ؟ قال : ~~نعم ، وفتح الباب ، فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر نظيفة وبسط ومخدات جلد ، ثم ~~إنه أغلق الباب علي ومضى ، فخفت أن يكون سمع الجعالة في حقي ، وأنه عرفني ~~ومضى ليدلهم علي ، فبقيت مثل الحبة في المقلاة قلقا ميتا من الخوف ، فبينما ~~أنا كذلك ، إذ أقبل ومعه حمال حامل كل ما أحتاج إليه من لحم وخبز وقدر ~~جديدة وجرة وكيزان جدد ، ثم التفت إلي وقال : جعلني لله فداك ! أنا رجل ~~حجام ، وأنا أعرف أنك تنفر مني لما أتولاه من معيشتي ، فشأنك بما لم تقع ~~عليه يدي . وكان لي حاجة إلى الطعام فقمت وطبخت قدرا ما ظننت أني أكلت ~~مثلها قدرا ، فلما قضيت أربي ، قال لي : هل لك أن تشرب شيئا فإنه يسلي الهم ~~ويزيل الغم ، ويمهد للنفس الفرح ؟ قلت : ما أكره ذلك ، رغبة في مؤنسته . ~~فأتى بقطرميز جديد وأحضر لي نقلا وفاكهة في أوان جدد من فخار ، ثم قل بعد ~~ذلك : إن أذنت لي ، جعلت فداك أن أقعد بناحية منك وآتي بشراب فأشرب مسرورا ~~بك . فقلت : افعل . ففعل وشرب ثلاثا ، ثم خل إلى خزانة له : فأخرج عودا ~~مصلحا ، ثم قال : يا سيدي ليس من قدري أن أسألك أن تغني ، ولكن قد وجب على ~~مروءتك حرمتي ، فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغني لنفسك والعبد يسمع فافعل . ~~فقلت له : ومن أين لك أني أحسن الغناء ؟ فقال متعجبا : سبحان الله ! أنت ~~أشهر من ذلك ، أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن ~~يدل عليك مائة ألف درهم . PageV01P226 فلما قال ذلك عظمت مروءته عندي ، ~~وعلمت أن نخوته أجل مما بذل ، فتناولت العود فأصلحته ، وقد مر بخاطري ذكر ~~أهلي وولدي ، فقلت : وعسى الذي أهدى ليوسف أهله . . . وأعزه في السجن وهو ~~غريب أن يستجيب لنا فيجمع شملنا . . . فالله رب العالمين قريب فقال : يا ms196 ~~سيدي اجعل ما تغنيه مما أقتضيك به . قلت : نعم . فقال : غن لي : إن الذي ~~عقد الذي انعقدت به . . . عقد المكاره ، فهو يملك حلها فاصبر ، فإن الله ~~يعقب راحة . . . فلعلها أن تنجلي ، فلعلها فحسن عندي اقتراحه وشربت ، ثم ~~قال لي : غن لي : وراء مضيق الخوف متسع الأمن . . . وأول مفروح به آخر ~~الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا . . . خزائنه بعد الخلاص من السجن ففرح ~~وشرب وشربت ، وقال : غن لي : إذا الحادثات بلغن النهى . . . وكادت لهن تذوب ~~المهج وحل البلاء وقل العزاء . . . فعند التناهي يكون الفرج وغنيته وحسن في ~~نفسي اقتضاؤه ، وأنست به ، واستظرفته ، ثم قال : إن رأيت يا سيدي أن تأذن ~~لي أن أغني ما خطر ببالي ، وإن كنت من غير أهل الصناعة ؟ فقلت : يكون ذلك ~~زيادة في أدبك ومروءتك . فأخذ العود ، ثم قال : دستور ، ثم ضرب عليه ، وغنى ~~يقول : شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا . . . فقالوا لنا : ما أقصر الليل ~~عندنا وذاك لأن النوم يغشى عيونهم . . . سريعا ولا يغشى لنا النوم أعينا ~~إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى . . . جزعنا ، وهم يستبشرون إذا دنا فلو ~~أنهم كانوا يلاقون مثل ما . . . نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا فقلت : ~~والله ذهب عني كل ما كان عندي من الفزع وسألته أن يغني ، فغنى يقول : ~~تعيرنا أنا قليل عديدنا . . . فقلت لها : إن الكرام قليل وما ضرنا أنا قليل ~~وجارنا . . . عزيز ، وجار الأكثرين ذليل وإنا لقوم لا نرى الموت سبة . . . ~~إذا ما رأته عامر وسلول PageV01P227 يقرب حب الموت آجالنا لنا . . . وتكرهه ~~آجالهم فتطول فوالله لقد أجاد وذهب عني كل ما كان من الفزع والجزع ، ~~واستأنست به وأخذني من الطرب ما لا مزيد عليه ، وعالجني النوم قبل أوانه ~~فنمت ، ولم أستيقظ إلا بعد المغرب ، وجال فكري في هذا الحجام وأدبه وظرفه ، ~~وكيف غناؤه وأدبه وإرادته أن يسليني عما أنا فيه إشارة إلى تخصيصه بالوفاء ~~لضيفه ونصره لجاره ، فقعدت وغسلت وجهي ويقظته ، وأخذت خريطة كانت صحبتي ~~فيها دناينر ومصاغ لها قيمة فدفعتها إليه ، وقلت له : أنت في وداعة الله ~~وحفظه ms197 فإني ماض عنك ، وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك ، ~~ولك عندي ، إذا أمنت ، المزيد ، فأعادها علي مبادرا وقال : يا سيدي ! ~~الصعلوك لا قيمة له عند أهل الرياسات ، ويظنون فيه الظنون الرديئة ، أفآخذ ~~على ما وهبني الله من قربك وحلولك في منزلي ثمنا ؟ لا والله ، فألححت عليه ~~، فأخذ موسى بيده وقال : والله إن راجعتني لأنحرن نفسي ، فخشيت عليه وأخذت ~~الخريطة وأثقلني حملها ، فلما انتهيت إلى باب الدار ، قال : يا سيدي إن هذا ~~الموضع أخفى لك من غيره ، وليس عندي في مؤنتك ثقلة ، فأقم عندي إلى أن يفرج ~~الله عنك . فرجعت وسألته أن يكون منفقا من تلك الخريطة فلم يفعل ، وكان كل ~~يوم يفعل بي مثل ما فعل في اليوم الأول . قال : فأقمت أياما في أطيب عيش ~~وأهناه ، ثم سئمت من الإقامة عنده وخشيت الثقل عليه ، فتركني ومضى يجدد لنا ~~حالنا ، فلبست ثيابي وتزينت بزي النساء بالخف والنقاب ، وخرجت . فلما صرت ~~في الطريق داخلني من الخوف والفزع أمر شديد ومشيت لأعبر الجسر ، وإذا هو قد ~~رش ، ورجل قائم فأبصرني بعض من كان في خدمتي من الجند فتعلق بين وقال : ~~طلبة أمير المؤمنين ، فدفعته في صدره فوقع في الزلق وصار عبرة وتبادر الناس ~~إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ، ودخلت زقاقا فوجدت بابا وامرأة ~~واقفة فيه ، فقلت : يا سيدة النساء ، احقني دمي فإني رجل خائف . فقالت : ~~ادخل ، فدخلت فأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت لي طعاما . وقالت : ليهدأ ~~روعك فإنه لا يعلم بك مخلوق ، ولو أقمت سنة ما عليك بأس ، وإذا بالباب يدق ~~، فخرجت وفتحت الباب ، فإذا هو صاحبي الذي دفعته على الجسر ، وهو مشدوخ ~~الرأس ودمه يسيل على ثيابه ، فقالت له ما دهاك ؟ قال : إن حديثي عجيب وأمري ~~غريب ظفرت بالفتى وانفلت من يدي . PageV01P228 قالت : وكيف ؟ قال : إبراهيم ~~بن المهدي لقيته فتعلقت به فدفعني فأصابني ما ترين من حالي ولو حملته إلى ~~أمير المؤمنين لأخذت منه مائة ألف درهم . قال : فأخرجت له حراقا وذرورا ، ~~وفرشت له بعد ms198 كبس جرحه فنام قليلا وطلعت وقالت لي : أظنك صاحب القصة ؟ قلت ~~: نعم . فقالت لي : إني خائفة عليك ، ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثة ~~أيام ، ثم قالت لي : إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع على أمرك فينم ~~عليك فانج بنفسك . فسألتها إمهالي إلى الليل . فلما دخل لبست زي النساء ~~وخرجت منم عندها وأتيت إلى بيت مولاة لنا ، فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت ~~الله تعالى على سلامتي وخرجت كأنه تريد كرامتي ، فتوجهت للسوق مظهرة ~~الاهتمام للضيافة فظننت خيرا ، فلم أشعر إلا بإبراهيم الموصلي بخيله ورجاله ~~، والمولاة معه حتى سلمتني إليه ، فرأيت الموت عيانا ، وحملت مثل ما أنا ~~إلى أمير المؤمنين ، فجلس مجلسا عاما ، وأمر بإدخالي عليه ، فلما مثلت بين ~~يديه سلمت عليه سلام الخلافة ، فقال : لا سلمك الله ، ولا حفظك ولا رعاك . ~~فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ~~، ومن تناولته يد الأقدار ربما مد له من أسباب الرجاء ما يأمن معه عادية ~~الدهر ، وقد جعلك الله فوق خلقه ، وأصبح عفوك فوق كل ذي عفو ، فإن تأخذ ~~فبحقك ، وإن تعف فبفضل ، وأنشدت أقول : ذنبي إليك عظيموأنت أعظم منهفخذ ~~بحقك أولا واصفح بحلمك عنهإن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه قال : فرفع ~~رأسه إلي ، فقلت مبتدرا : أتيت ذنبا عظيما . . . وأنت للعفو أهل فإن عفوت ~~فمن . . . وإن جزيت فعدل قال : فرق المأمون واسترجع فرأيت روائح الرحمة في ~~شمائله ، ثم أقبل على أخيه أبي إسحاق محمد المعتصم وابنه العباس وجميع من ~~حضر من خصته ، وقال : ما ترون في أمره ؟ فأشار الكل بقتلي ، إلا أنهم ~~اختلفوا في القتل ، فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد : ما تقول يا أحمد ؟ ~~فقال : يا أمير المؤمنين ! إن قتلته فقد وجدنا مثلك قتل مثله ، وإن عفوت لم ~~نجد مثلك في العفو . PageV01P229 فنكس المأمون رأسه إلى الأرض وجعل يخط في ~~الأرض بإصبعه ، ثم رفع رأسه وقال : قومي هموا قتلوا أميم أخي . . . فإذا ~~رميت يصيبني سهمي ثم قال المأمون : لا بأس عليك يا عم ms199 . فقلت : ذنبي يا ~~أمير المؤمنين أعظم من أن أفوه معه بعذر ، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر ~~، ولكن أقول : إن الذي خلق المكارم حازها . . . في صلب آدم للإمام السابع ~~ملئت قلوب الناس منك مهابة . . . وتظل تكلؤهم بقلب خاشع ما إن عصيتك ~~والغواة تمدني . . . أسبابها إلا بنية طائع وعفوت عمن لم يكن عن مثله . . . ~~عفو ، ولم يشفع إليك بشافع ورحمت أشباحا كأفراخ القطا . . . وحنين والدة ~~بقلب جازع فقال المأمون : لا تثريب اليوم عليك ، قد عفوت عنك ، ورددت عليك ~~مالك وضياعك ، فأنشدت أقول : رددت مالي ولم تبخل علي به . . . وقبل ردك ~~مالي قد حقنت دمي أمنت منك وقد خولتني نعما . . . نعم الحياتان من موت ومن ~~عدم فلو بذلت دمعي أبغي رضاك به . . . والمال حتى أسل النعل من قدمي وإن ~~جحدتك ما وليت من نعم . . . إني إلى اللؤم أول منك بالكرم فقال المأمون : ~~إن من الكلام كلاما كالدر ، وهذا منه ، وأمر لي بمالي وخلع علي ، وقال : يا ~~عم إن أبا إسحاق والعباس أشار بقتلك . فقلت : إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين ~~، ولكن فعلت ما أنت أهله ، ودفعت ما خفت أنا بما رجوت . فقال المأمون : لقد ~~مات حقدي بحياة عذرك ، وقد عفوت عنك . ثم سجد المأمون طويلا ، ثم رفع رأسه ~~، ثم قال : يا عم أتدري لم سجدت ؟ قلت له : شكرا لله تعالى على ما أوقعك ~~علي وملكك إياي في ديك تفعل بي ما تشاء . فقال : أخطأت ! ولكن أشكر الله ~~تعالى على ما ألهمني من العفو عنك من قبل نفسي ، ثم قال : وأعظم من عفوي ~~عنك أنني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين ، فحدثني بما كان من أمرك . ~~PageV01P230 فشرحت له ما جرى لي مع الحجام والجندي وزوجته والمولاة التي ~~أسلمتني ، فأمر المأمون بإحضارها ، وهي في دارها تنتظر الجائزة ، فلما حضرت ~~قال لها المأمون : ما حملك على ما فعلت تسليمك إبراهيم مع إنعامه عليك ؟ ~~قالت : رغبة في المال . قال هل لك من ولد أو زوج ؟ قالت : لا ، فأمر بضربها ~~مائة سوط وأمر بتخليدها في السجن ، ثم أحضر ms200 الجندي وامرأته والحجام ، فسأل ~~الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل ؟ قال : رغبة في المال . فقال : إنك ~~أولى في أن تكون حجاما من أن تكون خداما ، ووكل من يلزمه الجلوس في مكان ~~الحجام ، ليتعلم الحجامة ، وأحسن إلى امرأته وجعلها قهرمانة قصره وقال : ~~هذه امرأة أديبة تصلح للمهمات ، وسلم للحجام دار الجندي وما فيها ، وخلع ~~عليه وأثبته برزقه في الديوان ، وزيادة ألف دينار في كل سنة ، ولم يزل كذلك ~~إلى أن مات ، والله أعلم . # | صيد الجواري # وعن محمد بن عبد الله التميمي ، قال : حدثنا أحمد بن محمد الحريري قال : ~~كان لحمنة بنت عبد الرحمن الهاشمي من الأموال ما لا يسعه الديوان ، ولا ~~تأكله النيران لكثرته ، وكانت أدب نساء بني هاشم وأفصحهن لسانا وأقولهن ~~شعرا ، فدخلت على المأمون يوما ، وكانت تحبه غاية الحب سرا ، وكن المأمون ~~جالسا في إيوان قد ابتدعه لنفسه لم يبتدعه أحد من الخلفاء قبله ، وكان قد ~~تأنق في بنائه ، وكان فيه من كل صورة في البر والبحر ممثلة من الذهب والفضة ~~، وقد فرشه ببساط من الديباج الأصفر ، وأسبل عليه ستورا من الحرير الصيني ، ~~وقد أقام فيه أربعمائة وصيفة بقراطق الحرير ، وقد لبسن الوشي بطرر وشعور ~~وأصداغ ، وهن بقد واحد ، لا تزيد الواحدة منهن على الأخرى ، أقام مائتين عن ~~يمنيه ومائتين عن يساره ، فقال : يا حمنة ! هل كان لأبيك أو لبعلك أو لأحد ~~من الخلفاء مثل هذا الإيوان مع فرشه ، ومثل هؤلاء الجواري مع زينتهن ؟ ~~فقالت : يا أمير المؤمنين ! متعك الله به وعمره بك ، فلقد أوتيت ملكا عظيما ~~تستأهله لترفهك وشرفك ، فإن أحببت خادمتك حمنة أجلستك في مجلس لم تجلس في ~~مثله قط وأصادتك صيدا لم تصد مثله قط ، وأسقتك شرابا لم تشرب مثله قط . ~~PageV01P231 وكان عنده يحيى بن أكثم ، فقال لها : ياحمنة ، قد أجبتك إلى ما ~~سألتني ، ولكن لا ينفعني ولا يهناك ذلك إلا بمشهد من يحيى بن أكثم ، فإنه ~~لا يطيب لي مجلس إلا به . فقالت : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم ضربت يدها في ~~جيبها ، فأخرجت ms201 منه مخزنة من ذهب أحمر محشوة مسكا أذفر ، فدفعتها إلى يحيى ~~، وقالت : يا يحيى ، إن الأجير لا يعمل حتى يستوفي أجرته ، وهذه أجرتك مني ~~فكن مستحثا لي أمير المؤمنين غدا عند الزوال ، في المسير إلى منزل خادمته ؟ ~~فقال : حبا وكرامة . ثم خرجت من عنده فهيأت ما تحتاج إليه للمأمون وغيره ، ~~فلما كان من الغد جلس المأمون في مجلس السلام ، فلما زالت الشمس وصارت في ~~كبد السماء قال يحيى : يا أمير المؤمنين الحاجة التي عرضت عليك بالأمس . ~~ففطن المأمون لذلك ، وقام من مجلسه ولبس ثياب التجار ، ولبس يحيى مثل ذلك ، ~~ودعا بحمارين مصريين بغاشيتين ، وركباهما حتى أتيا دار حمنة ، فدقا الباب ~~دقا خفيفا ، فسمعته فأقبلت بنفسها ، حتى فتحت الباب وأقبلا يمشيان جميعا ~~حتى انتهيا إلى بيت في بستان قد حمل على أربعة أعمدة من الرخام الأحمر ~~المنقوش ، وإذا في صدر البيت أربعة أسطر منقوشة بالدر وصنوف الجواهر وهي : ~~ما سرني أن فؤادي ، ولا . . . أن لساني بالمدام حلا ؟ وأن لي ملك بني هاشم ~~يجبى إلى أولا أولا إن لم أشاهدك أيا مالكي . . . تأتي إلى بيتي كذا مقبلا ~~يا سائلي روحي بلا علة . . . أنت المعافى ، وأنا المبتلي فقال المأمون : يا ~~يحيى ، ما ملك أحد من الخلفاء مثل هذا البيت . وإذا فرشه أرمني محفور منقوش ~~باللآلي وإذا فوق الأرمني مطارح من الديباج الأخضر حشوها حواصل الريش ، وفي ~~البيت المسك والعنبر والكافور والصندل والزعفران والند والعود مصفوف في ~~أواني الذهب والفضة ، وهي تفوح منه روائح لا يدرى ما هي من طيبها ، ثم ~~أخرجتهما إلى أربعة ميادين فيها أنواع الرياحين حول البيت ، فقالا : إن هذا ~~إلا سحر يؤثر . ثم دعت لهما بمائدة من الجزع اليماني قوائمها من قطعة واحدة ~~، فوضت وقدمت عليها الألوان الغريبة ، فقال المأمون : ما طعمت مثل هذا ~~الطعام قط . ثم دعت بالطشت والإبريق فغسلا أيديهما ، ثم أمرت بشراب فقدمت ~~إليهما قناني الزجاج الشامية المرتفعة الصافية ، والبلور ، فيها شراب قد ~~أتت عليه الأيام والأعوام ، PageV01P232 فهي تحكي الهواء لرقتها والياقوت ~~لحمرتها والزنجبيل لحدتها ، ووضعت بين ms202 أيديهما مع أقداح وأنطال تشاكل ذلك ، ~~فقال المأمون : والله ! ما رأيت مثل هذا قط . ثم أخرجت جاريتين عليهما جباب ~~الوشي الكوفي المنسوج بالذهب ، وعلى رأسيهما مقانع رشيدية وتيجان من الذهب ~~مكللة بالجوهر ، فجلستا وفي حجريهما العيدان المبسوطة الموزونة ، فحركتا ~~الأوتار وغنتا بصوت شجي مليح ، من أنواع الأغاني وغرائب الأصوات ، فقال ~~المأمون : هذه الجنة مما نرى فيها من غرائب الطيب والجوهر . فقال يحيى : ~~وقد بقي لنا يا أمير المؤمنين ، شرط آخر . فقال : وما هو يا يحيى ؟ قال : ~~الصيد ، يا أمير المؤمنين . قال : صدقت يا يحيى ، ثم قال : يا حمنة ، ما ~~فعل الصيد ؟ فقالت : قوما إليه . فقام المأمون ويحيى حتى دخلا بستانا لم ير ~~مثله ، وقد كانت زينت البستان بأحسن ما تقدر عليه ، واتخذت فيه ألوان ~~الطيور من الفاخت والقمري والهزار والطواويس ، فكانت الأطيار تغني من رؤوس ~~الأشجار ، وتغرد بالسر والإجهار ، وقد كانت زينت مائة جارية نواهد أبكار ~~بطرر وشعور وخدود ومباسم ساطعات الأنوار ، ترى كل واحدة منهن أبهى من ~~صاحبتها وأحسن ، وعليهن من ألوان الثياب ما يعجز عنه الوصف ، وفي وسطهن ~~مناطق الذهب الأحمر ، وتقدمت إليهن وقالت لهن : إذا رأيتن المأمون ويحيى ، ~~تعادين ما بين الأشجار . فلما دخل المأمون ويحيى لابستان ، فعلن ما كانت ~~أمرتهن ، فتضاعف السرور على المأمون ، وأعجب بذلك عجبا شديدا ، ثم قال ~~ليحيى : هذا الصيد . فقال : يا أمير المؤمنين ! رأيك ؟ فقال المأمون : لو ~~كان لنا كلب لا صطدنا هؤلاء . فقال يحيى : أنا كلبك ، يا أمير المؤمنين . ~~فعد المأمون ويحيى فاصطادا منهن صبية ، فقالت حمنة : سألتك بحق أجدادك إلا ~~ما خليت عن الجواري لا لبخل أبخل بهن عليك ، وقد فهمت المعنى فيه . وقد ~~كانت حمنة تغار على المأمون فخلى عن الجواري ، وقال ليحيى : دونك والصيد ~~إذن أنت محل . فقال يحيى : لو كان لي كلب لاصطدت من هؤلاء . فقال المأمون : ~~أنا كلبك . PageV01P233 فضحك يحيى وضرب بقلنسوته الأرض ، وعد خلفهن ، فأخذ ~~منهن خمسة فقالت حمنة : يا يحيى لك الخمسة ولا غيرة لي عليك ، وإنما أغار ~~على المأمون لحاجتي إليه . فقال يحيى ms203 : والله يا أمير المؤمنين ، لقد رأيت ~~الهوى الغالب في حماليق عينيها ، ولا تتم لنا النعمة إلا بتزويجك إياها إن ~~رأيت ذلك . فقال المأمون : أنا بريء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنتف ~~من جدي العباس إن ذهبت من البستان ولم أتزوجها ، ثم قال : يا يحيى اخطب ~~خطبة النكاح . فخطب يحيى وأمهرها المأمون ألف ألف دينار ، وأقطعها مائة من ~~منتخبات الضياع ، فحمدت حمنة الله سرورا بما ظفرت من تزويج المأمون إياها ، ~~وأمرت ليحيى بعشرة آلاف دينار ، ورجع المأمون إلى منزله وزفت إليه في تلك ~~الليلة ، فواقعها فحملت بالعباس ابنه ، انتهى . # | حيل الجواري # حكي أن المأمون كان مشغوفا بحب جارية يقال لها نسيم ، وكانت ذات عقل وأدب ~~وفضل وكمال ، وكان لا يفارقها في الحضر ولا في السفر ، ثم بعد ذلك مال إلى ~~جارية أخرى أحسن منها ، وأعرض عنها ، فاغتمت ولم تجد حيلة في استعطافه ، ~~وكانت لها جارية رومية أحسن منها في العقل والأدب ، وكتمت أمرها عن المأمون ~~، فاتفق أن المأمون حصل له بعض ضعف ، ففصد ، فحصل له الشفاء ، فجعل الناس ~~يدخلون إليه بأصناف التحف والهدايا ، فأهدت إليه نسيم الجارية المذكورة ، ~~ومعها جام بلور ، وغطته بمنديل ديبقي مكتوب عليه بالذهب هذه الأبيات : فصدت ~~عرقا تبتغي صحة . . . ألبسك الله به العافية فاشرب بهذا الجام يا سيدي . . ~~. مستمتعا بهذه الجارية واجعل لمن أهداكها زورة . . . تحظى بها في الليلة ~~الثانية فأعجب المأمون ما رأى من الجام والجارية ، ثم بعث لها يقول : نعم ، ~~وفي هذه الليلة ، ثم رضي على نسيم وواصلها بعد ذلك . PageV01P234 # | المأمون وزبيدة أم الأمين # حكي أن المأمون مر يوما على زبيدة أم الأمين ، فرآها تحرك شفتيها بشيء لا ~~يفهمه ، فقال لها : يا أماه ، أتدعين علي لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه ؟ ~~قالت : لا والله يا أمير المؤمنين . قال : فما الذي قلته ؟ قالت : يعفيني ~~أمير المؤمنين . فألح عليها وقال : لا بد أن تقوليه ؟ قالت له : قلت ، قبح ~~الله اللجاجة . قال : وكيف ذلك ؟ قالت : لأني لعبت يوما مع أمير المؤمنين ~~الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا ، فغلبني ms204 ، فأمرني أن أتجرد من أثوابي ~~وأطوف القصر عريانة ، فاستعفيته ، وبذلت له أموالا لا تحصى ، فلم يعف عني . ~~فتجردت من أثوابي وطفت القصر عريانة ، وأنا حاقدة عليه ، ثم عاودنا اللعب ~~فغلبته فأمرته أن يذهب إلى المطبخ ، فيطأ أقبح جارية وأشوهها خلقة ~~فاستعفاني عن ذلك فلم أعفه ، فنزل لي عن خراج مصر والعراق ، أبيت وقلت : ~~والله لتطأنها ، فألححت عليه وأخذت بيده وجئت به إلى المطبخ ، فلم أر جارية ~~أقبح ولا أقذر ولا أشوه خلقة من أمك مراجل ، فأمرته أن يطأها فوطئها فعلقت ~~منه بك ، فكنت سببا لقتل ولدي وسلبه ملكه . فولى المأمون وهو يقول : قاتل ~~الله اللجاجة ، أي التي لج بها عليها حتى أخبرته بهذا الخبر ، انتهى . ~~PageV01P235 # | المأمون والشاعر # وأتى شاعر المأمون فقال : لقد قلت فيك شعرا ، فقال : أنشدنيه . فقال : ~~حياك رب الناس حياكا . . . إذ بجمال الوجه رقاكا بغداد من نورك قد أشرقت . ~~. . وورق العود بجدواكا قال : فأطرق المأمون ساعة ، وقال : يا أعرابي ، ~~وأنا قد قلت فيك شعرا ، وأنشد يقول : حياك رب الناس حياكا . . . إن الذي ~~أملت أخطاكا أتيت شخصا قد خلا كيسه . . . ولو حوى شيئا لأعطاكا فقال : يا ~~أمير المؤمنين ، الشعر بالشعر حرام ، فاجعل بينهما شيئا يستطاب . فضحك ~~المأمون وأمر له بمال ، انتهى . # | إبراهيم بن المهدي وصاحبة المعصم # وروى ابن عامر الفهري عن أشياخه قال : أمر المأمون أن يحمل إليه من أهل ~~البصرة عشرة رجال كانوا قد رموا عنده بالندقة ، فحملوا إليه ، فمر بهم ~~طفيلي ، فرآهم مجتمعين ، فظن خيرا ومضى معهم إلى الساحل وقال : ما اجتمع ~~هؤلاء إلا لوليمة ، فانسل ودخل الزورق وقال : لا شك إنها نزهة ، فلم يكن ~~إلا يسير ، وقد قيد القوم ، وقيد معهم . فعلم أنه وقع فيما لا طاقة له به ، ~~ورام الخلاص ، فلم يقدر ، وساروا إلى أن وصلوا بغداد وأدخلوا على المأمون ، ~~فاستدعى بهم بأسمائهم واحدا بعد واحد ، وجعل يذكره بفعله وبقوله ويضرب عنقه ~~، حتى لم يبق إلا الطفيلي ، وفرغت العشرة فقال المأمون للموكل : من هذا ؟ ~~فقال : لا أعلم يا أمير المؤمنين ، غير أننا رأيناه معهم ، فجئنا ms205 به . فقال ~~: يا أمير المؤمنين . امرأته طالقة إن كان يعرف من أحوالهم شيئا ، ولا يعرف ~~غير لا غله إلا الله ومحمد رسول الله ، وإنما رأيتهم مجتمعين ، فظننت أنها ~~وليمة يدعون إليها ، فلحقت بهم . فضحك المأمون وقال : أوقد بلغ من شؤم ~~التطفل أن يحل بصاحبه هذا المحل ؟ لقد سلم هذا الجاهل من القتل ، ولكن يؤدب ~~، حتى لا يعود إلى مثلها . PageV01P236 وكان إبراهيم بن المهدي حاضرا ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، هبه لي ، وأنا أحدثك عن نفسي ، فيما وقع لي في ~~التطفل من العجب . فقال : وهبته لك ، هات حديثك . فقال : يا أمير المؤمنين ~~خرجت متنكرا يوما أنظر إلى سكك بغداد ، فاستهوى بي الطرب والتفرج فانتهى بي ~~المسير إلى موضع شممت فيه رائحة طعام وأبازير قد فاحت ، وهفت نفسي إليها ~~ووقفت ، يا أمير المؤمنين ، لا أقدر على المشي ، فرفعت بصري ، وإذا بشباك ~~خلفه كف بمعصم ما رأيت أحسن منه ، فبقيت حائرا ، ونسيت رائحة الطعام ، بذاك ~~الكف ، فأخذت في عمل الحيلة إلى الوصول إليها ، فإذا بجانب المكان خياط ، ~~فسلمت عليه فرد علي السلام ، فقلت : يا سيدي ! لمن هذه الدار ؟ فقال : لرجل ~~من البزازين . فقلت : ما اسمه ؟ فقال : فلان . قلت : هو ممن يشرب الخمر ؟ ~~قال : نعم ، وأظن أن عنده اليوم أصحابه ، تجار مثله . فبينما نحن في الكلام ~~إذ أقبل رجلان فقال لي : هذان ندماؤه . فقلت له : ما اسمهما وما كنيتهما ؟ ~~فقال لي : فلان الفلاني وفلان الفلاني . فحركت وراءهما رجلي ، فلحقتهما ~~فقلت : جعلت فداءكما ، استبطأكما فلان أعزه الله ، ولم أزل معهما ، حتى ~~أتيت البيت ، فدخلت ودخلا ، فلما رآني صاحب البيت بينهما لم يشك في أني ~~معهما فرحب بي وأجلسني في أفضل الأماكن ثم جيء بالمائدة ونقلت إليها ~~الألوان ، فقلت في نفسي : هذه ألوان قد من الله علي ببلوغ الغرض منها ، بقي ~~الكف والمعصم ، ثم جيء بالماء فغسلنا أيدينا ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة ، ~~فإذا شكل مليح ما رأيت أحسن منه ولا أظرف ، ورأيت صاحب المكان يتلطف بي ~~ويقبل علي لظنه أني ضيف لأضيافه ، وهم على الحالة هذه ms206 إلى أن شربنا فخرجت ~~علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة ، فسلمت من غير خجل ~~ولا احتشام ، وجلست وأتي بعود فجسته أحسن جس ، وإذا هي حاذقة في الصناعة ~~وغنت تقول : توهمها فكري ، فأصبح خدها . . . وفيه مكان الوهم من نظري أثر ~~وصافحها كفي ، فآلم كفها . . . فمن ضم كفي في أناملها عقر فهيجت يا أمير ~~المؤمنين بلبالي ، فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم غنت تقول : PageV01P237 أشرت ~~إليها : هل عرفت مودتي . . . فردت بطرف العين أني على العهد فجادت عن ~~الإظهار عمدا بسرها . . . وحادت عن الإظهار أيضا على عمد فحسدتها يا أمير ~~المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معني الشعر ، فضحكت لما أصابني من الطرب ~~الذي لم أملك نفسي معه ثم غنت تقول : أليس عجيبا أن بيتا يضمنا . . . وإياك ~~لا نلهو ولا نتكلم سوى أعين تبدي سرائر أنفس . . . وتقطيع أنفاس على النار ~~تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب . . . وتكسير أجفان وكف تسلم فزاد حسدي لها يا ~~أمير المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معنى الشعر لأنها لم تخرج عن المعنى ~~وقلت : بقي عليك يا جارية شيء ، فرمت العود من يدها ، وقالت : متى كنتم ~~تحضرون الغناء مثل هذا ؟ فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم قد أنكروا ~~علي ، فقلت في نفسي : فاتني جميع ما أملت ، ، وأحببت أن أتلافى قضيتي فقلت ~~: أثم عود غير هذا ؟ قالوا : نعم فأحضروا عودا ، فأصلحت ما أردت إصلاحه ثم ~~قلت : ما للمنازل لا تجيب حزينا . . . أصممن أم قد بالبلاء بلينا فما أتممت ~~شعري حتى وثبت الجارية إلي ، وانكبت على يدي تقبلها وتقول : المعذرة إليك ~~يا سيدي ، والله ما علمت مكانك ، ولا سمعت بهذه الصناعة من أحد ، ثم زادوا ~~إكرامي وطربوا غاية الطرب ، فشربت عدة أقداح ، ثم غنيتهم أبياتا فرأيت من ~~طربهم شيئا عظيما حتى قلت إن أرواحهم ، فارقت أبدانهم فسكت عنهم ساعة ، حتى ~~تراجعوا إلى عقولهم فعنيتهم وقلت : هذا محبك مطويا على كمده . . . وجدا ، ~~وأدمعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته . . . مما به واليد الأخرى ~~على كبده يا من رأى كلفا ms207 في حبه دنفا . . . كانت منيته في عينه ويده قال : ~~فجعلت الجارية تصيح وتقول : هذا والله الغناء والذي كنا فيه ليس بشيء ، ~~وشرب القوم فلما جاءهم البسط ، وأخذ المجلس منتهاه أمر صاحب البيت عبدين له ~~أن يحفظا النديمين إلى منزلهما ، وخلوت معه . فقال : والله يا سيدي ذهب ما ~~مضى من عمري باطلا حيث لم أعرفك قبل يومي هذا فبالله يا مولاي من أنت . ؟ ~~PageV01P238 فجعلت أرد عليه ، وهو يقول ويقسم علي حتى أعلمته من أنا على ~~الحقيقة ، فلما سمع ذلك قام تعلى قدميه وقال : ما عجبت أن تكون هذه المكارم ~~إلا لمثلك ، وقد أصابني من الدهر نعم لا أقوم بشكرها ، ثم قال : أترى هذا ~~يقظة أم مناما ، أقسمت أني لا أزال هذه الليلة قائما إلى أن تأذن لي ، فإني ~~أحقر من أن أجالس الملوك . فأقسمت عليه بأن يجلس ثم أخذ في الكلام وجعل ~~يعرض علي السبب الذي أوجب حضوري عنده بألطف تعريض فأخبرته بأمري على ~~الحقيقة ولم أخف شيئا ، ثم قلت له : الطعام قد نلت منه بغيتي ، وبقي الأمر ~~الآخر ، فوثب إلى باب القاعة ، وقال : كل منكن تلبس أفخر ثيابها وتخرج ~~علينا من المخدع ، ثم استدعى بهن وجعل يقول : يا فلانة ، وهن يخرجن واحدة ~~بعد واحدة ، وأنا لا أرى صاحبة الكف والمعصم إلى أن أتت أربعون امرأة . ~~فقال : والله ما بقي إلا أختي ، وها أنا مخرجها إليك . فقلت : افعل . فقال ~~: حبا وكرامة ، ثم استدعاها فنزلت فرأيت يدها ومعصمها ، فإذا هي التي ~~رايتها ، قلت : هذه الحاجة ، فأمر غلمانه لوقته أن يأتوا بعشرة شهود ، ثم ~~قام وأخرج عشرين ألف درهم وألفا أخرى ، فلما حضروا قال لهم : هذا سيدي ~~إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة ، وأشهدكم أني قد زوجتها له وأمهرتها ~~عنه عشرين ألف درهم . فقلت : قبلت الزواج . ثم دفع الألف التي كان خرجها ~~لهم ، فشكروا له ودعوا وانصرفوا . ثم قال : يا سيدي أمهد لك بعض البيوت ، ~~تنام مع أهلك . فأعجبني ما كان من كرمه واستحييت أن أدخل بها في داره . ~~فقلت له : بل اجعلها ms208 في عمارية واحملها إلى منزلي ، فوحقك يا أمير المؤمنين ~~لقد حمل معها من الفرش والأثاث ما ضاقت به بيوتنا ، فأولدتها هذا الغلام ~~القائم بين يديك ، يا أمير المؤمنين . فتعجب المأمون من كرم الرجل وقال : ~~لله دره ما أكرمه ، والله ما سمعت بمثله قط ، ثم أطلق الطفيلي وأمر بإحضار ~~الرجل واستنطقه ، فأعجبه حسن منطقه وعقله وأدبه فصيره من جملة خواصه ~~ومنادميه ، والله أعلم . ؟ PageV01P239 # | ذكر خلافة إبراهيم المعتصم بن هارون الرشيد # هو ثامن خلفاء بني العباس ، وكان شديد القوة ، ما كان في بني العباس مثله ~~في القوة والشجاعة والإقدام . وقيل : إنه أصبح ذات يوم ، وكان برده شديدا ~~وثلجه عتيدا ، فلم يقدر أحد على إخراج يده ، ولا إمساك قوسه ، فأوتر ~~المعتصم في ذلك اليوم أربع آلاف قوس ، وكان يدعى المثمن ، وأنشد أبو تمام ~~حبيب بن أوس الطائي يمتدح المعتصم بن هارون الرشيد يقول : إن جس عودا رأيت ~~الخيل راقصة . . . كأنها من سماع هزها نغم أو حركت يده اليمنى له وترا . . ~~. على أعاديه غنى البوم والرخم كان يقول بخلق القرآن . ضرب على ذلك أحمد بن ~~حنبل على أن يقول ذلك فلم يقل رضي الله عنه ، وله معه كلام طويل ، فانظره ~~في حياة الحيوان . ؟ # | المعتصم وتميم بن جميل من لطائف الحكايات # ما روي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي إنه قال : جيء بتميم بن جميل إلى ~~المعتصم أسيرا ، وكان قد خرج عليه فما رأيت رجلا عرض عليه الموت فلم يكترث ~~به سواه ، ثم دعا بالسيف والنطع ، فلما مثل بين يديه نظر إليه ، فأعجبه ~~حسنه وقده ومشيه إلى الموت غير مكترث ، فأطال الفكر فيه ثم كلمه لينظر أين ~~عقله ولسانه من جماله ، فقال : يا تميم ! إن كان لك عذر فائت به . فقال : ~~أما إذ أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول : الحمد لله الذي أحسن كل ~~شيء خلقه . وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين . يا ~~أمير المؤمنين ! جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين ، وأخمد بك نار ms209 ~~الباطل وأنار بك سبل الحق ، إن الذنوب تخرس الألسنة وتصدع القلوب ، وآيم ~~الله لقد عظمت الجريمة ، وانقطعت الحجة وساء الظن إلا فيك ، وهو أشبه بك ~~وأليق ثم أنشد يقول : أرى الموت بين السيف والنطع كامنا . . . يلاحظني من ~~حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي . . . وأي امرئ مما قضى الله يفلت ~~PageV01P240 ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة . . . وسيف المنايا بين عينيه مصلت ~~يعز على الأوس بن تغلب موقف . . . يسيل عليه السيف فيه ويسكت وما جزعي من ~~أن أموت وإنني . . . لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتها . . ~~. وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنعى إليهم . . . وقد لطموا حمر ~~الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا في سرور ونعمة . . . أذود الردى عنهم ، وإن مت ~~موتوا قال : فبكى المعتصم ثم قال : إن من البيان لسحرا ، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : يا تميم ، كاد والله أن يسبق السيف العذل . قد غفرت لك ~~الهفوة ووهبتك للصبية . ثم عقد له ولاية على عمله ، وأعطاه خمسين ألف دينار ~~، انتهى . من زهر الكمام في قصة يوسف عليه السلام . # | مخارق المغني والجارية الحسناء # وذكر صاحب تاريخ بغداد عن مخارق المغني قال : تطفلت تطفيلة قامت على أمير ~~المؤمنين المعتصم بتسعين ألف درهم . قيل له : كيف ذلك ؟ قال : شربت معه ~~ليلة إلى الصبح ، فلما أصبحنا قلت له : يا أمير المؤمنين ، إن رأيت أن أخرج ~~إلى الرصافة ، فأتنسم إلى وقت انتباه أمير المؤمنين . قال : نعم ، فأمر ~~البوابين أن يتركوني ، فخرجت أتمشى في الرصافة ، وإذا بجارية كأن الشمس ~~تشرق من جبينها ، فتبعتها ورأيت معها زنبيلا فوقفت على فاكهاني ، واشترت ~~سفرجلة بدرهم ، وانصرفت فتبعتها ، فالتفتت فرأتني فقال : يا ابن الفاعلة ~~إلى أين ؟ قلت : خلفك يا سيدتي ؟ فقالت : ارجع يا ابن الزانية لئلا يراك ~~أحد فيقتلك ؟ فتأخرت ومشيت وتمشت أمامي ثم التفتت فرأتني ، فشتمتني شتما ~~قبيحا ثم جاءت إلى دار كبيرة ، فدخلت فيها ، وجلست أنا عند الباب ، وقد ذهب ~~عقلي ونزلت علي الشمس ، وكان يوما حارا ، فلم ألبث أن جاء فتيان ms210 كأنهما ~~بدران على حمارين ، فلما وصلا إلى الباب أذن لهما ، فدخلا ودخلت معهما ، ~~فظنا أن صاحب المنزل قد دعاني ، وجيء بالطعام ، فأكلنا وغسلنا أيدينا ، ~~فقال لنا صاحب المنزل : هل لكم في فلانة ؟ فقالوا : إن تفضلت . PageV01P241 ~~قال : فاستدعي بتلك الجارية ، فخرجت فإذا هي صاحبتي ووراءها وصيفة تحمل ~~عودها ، فوضعته في حجرها فغنت وشربوا وطربوا ، وهي تلحظني وتشك في ، فقالوا ~~: لمن هذا الصوت ؟ فقالت : لسيدي مخارق . فلم ألبث أن قلت : يا جارية شدي ~~يدك ، فشدت أوتارها وخرجت عن إيقاعها الذي تقول عليه . قال : فاستدعيت ~~بمدورة وقضيب وغنيت الصوت الذي قالته الجارية ، فقاموا إلي وقبلوا رأسي . ~~قال : وكان مخارق من أحسن الناس صوتا وكان يوقع بالقضيب توقيعا عجيبا . قال ~~: ثم غنيت الصوت الثاني والثالث ، فكادت عقولهم تطير فقالوا : بالله من أنت ~~يا سيدي ؟ فقلت : مخارق . فقالوا : وما سبب مجيئك ؟ قلت : طفيلي أصلح الله ~~شأنكم . وأخبرتهم بخبري . فقال صاحب البيت لصديقيه : أما تعلمان ني أعطيت ~~في هذه الجارية ثلاثين ألف درهم فامتنعت عن بيعها ؟ قالا : نعم . قال : هي ~~له . فقال صديقاه : علينا عشرون ألف درهم وعليك عشرة آلاف درهم . قال مخارق ~~: فملكوني الجارية ، وجلست عندهم إلى العصر وانصرفت بها وكلما مررت ~~بالمواضع التي شتمتني فيها أقول : يا مولاتي ، أعيدي كلامك فتستحي مني ، ~~فأحلف عليها لتعيدنه ، فتعيده حتى وصلت إلى أمير المؤمنين فقيل لي أنه ~~انتبه فطلبك في منازل أبناء القواد فلم يجدك ، وتغيظ غيظا شديدا ، فدخلت ~~عليه ويدي في يدها ، فلما رآني سبني وشتمني ، فقلت : يا أمير المؤمنين لا ~~تعجل ! وحدثته الحديث فضحك ، وقال : ها نحن نكافئهم عنك ، فأحضرهم وأمر لكل ~~واحد منهم بثلاثين ألف درهم ، والله أعلم ، انتهى . PageV01P242 # | حكاية غريبة # قال الأصمعي : دعاني بعض العرب الكرام إلى قرى الطعام ، فخرجت معه إلى ~~البرية ، فأتوا بباطية بأذنين وعليها السمن غارق ، فجلسنا للأكل ، وإذا ~~بأعرابي ينسف الأرض نسفا حتى جلس من غير نداء ، فجعل يأكل والسمن يسيل على ~~كراعه فقلت : لأضحكن الحاضرين عليه فقلت : كأنك أثلة في أرض هش . . . أتاه ~~وابل من بعد رش فالتفت ms211 إلي بعين مبحلقة وقال لي : الكلم أنثى والجواب ذكر ~~وأنت : كأنك بعرة في إست كبش . . . مدلاة ، وذاك الكبش يمشي فقلت له : هل ~~تعرف شيئا من الشعر أو ترويه ؟ فقال : كيف لا أقول الشعر ، وأنا أمه وأبوه ~~؟ فقلت له : إن عندي قافية تحتاج إلى غطاء ؟ فقال : هات من عندك . فغطست في ~~بحور الأشعار ، فما وجدت قافية أصعب من الواو المجزومة فقلت : قوم بنجد قد ~~عهدناهم . . . سقاهم الله من النو قلت : أتدري النو ماذا ؟ فقال : نو تلالا ~~في دجى ليلة . . . حالكة مظلمة لو فقلت له : لو ماذا ؟ فقال : لو سار فيها ~~فارس لانثنى . . . على بساط الأرض منطو فقلت له : منطو ماذا ؟ فقال : منطوي ~~الكشح هضيم الحشا . . . كالباز ينقض من الجو فقلت له : الجو ماذا ؟ فقال : ~~فاعلوا لما قد عيل من صبره . . . فصار نجوى القوم ينعو فقلت : ينعو ماذا ؟ ~~فقال : ينعو رجالا للقنا شرعت . . . كفيت ما لاقوا وما يلقوا قال : فعلمت ~~أنه لا شيء بعد الفناء ، ولكن أردت أن أثقل عليه فقلت له : ويلقوا ماذا ؟ ~~فقال : إن كنت ما تفهم ما قلته . . . فأنت عندي رجل بو PageV01P243 فقلت له ~~: البو ماذا ؟ فقال : البو سلخ قد حشي جلده . . . يا ألف قرنان ، تقوم أو ~~فقلت له : أو ماذا ؟ فقال : أو أضرب الرأس بصوانة . . . تقول في ضربتها فو ~~فخفت أن أقول له : فو ماذا ؟ فيضربني ويكمل البيت . فقلت له : أنت ضيفي ~~الليلة . فقال : لا يأبى الكرام إلا لئيم . فقلت لزوجتي : اصنعي لنا دجاجة ~~، ففعلت فأتيته بها وجئته أنا وزوجتي وابناي وابنتاي وقلت له : فرق يا بدوي ~~. فقال : الرأس للرأس ، وأعطاني الرأس ، وقال : الولدان جناحان ، لهما ~~الجناحان ، والبنتان لهما الرجلان ، والمرأة لها العجز ، وأنا زائر لي ~~الزور ، وأكل الدجاجة ونحن ننظر إليه وبنا نتحدث . فلما أصبحنا قلت لزوجتي ~~: اصنع لنا خمس دجاجات ففعلت وأتيته بالدجاج وقلت له : أقسم يا بدوي . فقال ~~: تريد شفعا أو وترا . فقلت : إن الله وتر يحب الوتر . فقال : كأنك تريد ~~بالفرد . فقلت : نعم . فقال : أنت وزوجتك ودجاجة ، وابناك ودجاجة ، وابنتاك ~~ودجاجة وأنا دجاجتان . فقلت ms212 : لا أرضى بهذه القسمة . فقال : كأنك تريد شفعا ~~. فقلت : نعم . فقال : أنت وولداك ودجاجة ، وزوجتك وبنتاها ودجاجة ، وأنا ~~وثلاث دجاجات ، والله لا أحول عن هذه القسمة . قال الأصمعي : فغلبني مرتين ~~مرة في الشعر ومرة في الدجاج ثم انصرف ، انتهى . PageV01P244 # | خلافة أمير المؤمنين الواثق بالله تعالى # قال انه محمد الذي يقال له المهتدي بالله ، كان أبي الواثق بالله إذا ~~أراد أن يقتل رجلا أحضرنا في ذلك المجلس ، فبينما نحن عنده ذات يوم إذ أتي ~~بشيخ مقيد فقال : ائذنوا لأبي عبد الله ، يعني ابن أبي دؤاد وأصحابه ، ~~وأدخل الشيخ مقيدا فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فقال : لا سلم ~~الله عليك . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين بئسما أدبك المؤدب ، قال الله ~~تعالى : ' وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردها ' . وأنت والله ما ~~حييتني بها ولا بأحسن منها . فقال ابن أبي دؤاد : يا أمير المؤمنين . الرجل ~~متكلم . فقال الواثق : كلمه . فقال للشيخ : ما تقول في القرآن ؟ فقال الشيخ ~~: لم تسألني ولي السؤال أسأله ؟ فقال الأمير : سله . فقال الشيخ لابن أبي ~~دؤاد : ما تقول في القرآن ؟ فقال ابن أبي دؤاد : مخلوق . فقال الشيخ : هذا ~~شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم أجمعين والخلفاء الراشدون أم شيء ؟ لا يعلمونه ؟ فقال : شيء لا ~~يعلمونه . فقال : سبحان الله ! شيء لا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدون ~~وعلمته أنت . قال : فخجل ، وقال : أقلني . فقال : قد فعلت ، والمسألة ~~بحالها . قال : نعم . قال : ما تقول في القرآن ؟ فقال : مخلوق . قال : هذا ~~شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه . قال : PageV01P245 علموه ولم يدعوا ~~الناس إليه . قال : أفلا وسعك ما وسعهم ؟ قال : ثم قام أبي فدخل مجلس ~~الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول : هذا شيء لم ~~يعلمه النبي صلى الله عليه ms213 وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا ~~الخلفاء الراشدون وعلمته أنت . سبحان الله ، انتهى . وذكر الحافظ أبو نعيم ~~في حليته . قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن المهتدي رحمه الله ، أنه ~~قال : ما قطع أبي . يعني الواثق ، إلا شيخ جيء به من المصيصة ، فمكث في ~~السجن مدة ثم إن أبي ذكره يوما فقال : علي بالشيخ ، فأتي به مقيدا ، فلما ~~وقف بين يديه سلم عليه ، فلم يرد عليه السلام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ~~ما سلكت بي أدب الله ولا أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ~~: ' وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ' وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم برد السلام . قال أبي ، وعليك السلام ، ثم قال لابن أبي دؤاد : ~~سله ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس بتيمم منعت ~~الماء ، فمر بقيودي تحل ، ومر بماء أتوضأ وأصلي ، ثم سلني . فأمر به فحلت ~~قيوده وأمر له بماء فتوضأ وصلى . ثم قال لابن بي دؤاد : سله . فقال الشيخ : ~~المسألة لي ، فمره أن يجبني . فقال : سل . فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد ~~فقال له : أ عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ؟ قال : لا . قال : أفشيء دعا إليه أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه بعده ؟ قال : لا . قال : أفشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما ؟ قال : ~~لا . قال : أفشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم ؟ قال : لا ، قال : أفشيء ~~دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم ؟ قال : لا . قال الشيخ : أفشيء لم يدع ~~إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ~~تدعو أنت الناس إليه ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه ، PageV01P246 فإن ~~قلت علموه وسكتوا عنه توسعا ، وسعنا وإياك من السكوت ، ما وسع القوم ، وإن ~~قلت جهلوه وعلمته أنت ، فيا لكع ابن لكع ، شيء يجهله النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، وتعلمه ms214 أنت وأصحابك . قال المهتدي ~~: فرأيت أبي وثب قائما ودخل الحجرة ، فجعل ثوبه في فيه وجعل يضحك ثم جعل ~~يقول : صدق الشيخ ، إلى آخر ما تقدم ، وقال المهتدي : ما زلت أقول القرآن ~~مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن دؤاد شيخا من أهل الشام ~~، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا وهو جميل الوجه تام القامة ، حسن الشيبة ، ~~فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه ، ~~فسلم عليه الشيخ فأحسن السلام ودعا فأبلغ وأوجز فقال له الواثق : اجلس ، ثم ~~قال : يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك . فقال الشيخ : يا أمير ~~المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويصغر ، ويضعف عن المناظرة . فغضب الواثق وأعاد ~~مكان الرقة له غضبا ، وقال : أبو عبد الله بن أبي دؤاد يقل ويصغر ويضعف عن ~~مناظرتك أنت . قال الشيخ : هون عليك يا أمير المؤمنين ، ما بك ، وائذن لي ~~في مناظرته . فقال الواثق : ما دعوتك إلا للمناظرة . فقال الشيخ : يا أحمد ~~يا ابن أبي دؤاد إلام دعوت الناس ودعوتني إليه ؟ فقال : أن تقول : القرآن ~~مخلوق لأن كل شيء دون الله مخلوق . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، إن ~~رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول . فقال : أفعل . فقال الشيخ : يا أحمد ، ~~أخبرني عن مقالتك هذه أواجبة داخلة في عقد الدين ، فلا يكون الدين كاملا ~~حتى يقال فيه ما قلت ؟ قال : نعم . فقال الشيخ : أخبرني عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين بعثه الله عز وجل إلى عباده ، هل ستر شيئا مما أمره ~~الله به في دينه . ؟ فقال : لا . قال الشيخ : أفدعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى مقالتك هذه ؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ : تكلم فسكت ، ~~فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال : يا أمير المؤمنين قل : واحدة . فقال الواثق ~~: واحدة . فقال الشيخ : يا أحمد أخبرني عن الله عز وجل حين أنزل آخر القرآن ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ' اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت ms215 لكم PageV01P247 الإسلام دينا ' . أكان الله صادقا في ~~إكماله أم أنت الصادق في نقصانه ، فلا يكون كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه ~~، فيكون كاملا . فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ : أجب يا أحمد ، فلم يجبه ، ~~فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، قل : اثنتان . فقال : اثنتان . فقال الشيخ ~~: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ~~جهلها . ؟ فقال ابن أبي دؤاد : علمها . فقال : أفدعا الناس إليها ؟ فسكت ~~ابن أبي دؤاد . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين قل : ثلاثة . فقال الواثق : ~~ثلاثة . فقال الشيخ : يا أحمد ، أفاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~زعمت ، ولم يطالب أمته بها ؟ قال : نعم : فقال الشيخ : واتسع لأبي بكر ~~الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم ؟ فقال ابن أبي دؤاد : نعم . فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق ، فقال ~~: يا أمير المؤمنين ، قد قدمت أن أحمد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة ، يا ~~أمير المؤمنين ألم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، فلا وسع ~~الله على من لم يتسع له منا ما اتسع لهم من ذلك . فقال الواثق : نعم إن لم ~~يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأبي بكر وعمر عثمان وعلي رضي الله عنهم ، فلا وسع الله علينا ، ثم قال : ~~اقطعوا قيد الشيخ . فلما قطع ضرب الشيخ بيده فأخذ القيد فوضعه في كمه ، ~~فقال الواثق : لم فعلت هذا ؟ فقال الشيخ : لأني نويت أن أقدم إلى من أوصي ~~إليه إذا مت ، أن يجعله بيني وبين كفني ، حتى أخصم به هذا الظالم عند الله ~~عز وجل يوم القيامة ، وأقول : يا رب سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي ~~وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي . وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا ، ثم سأله ~~الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله منه ، فقال ms216 الشيخ : يا أمير المؤمنين ~~لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~إذ أنت رجل من أهله . فقال الواثق : لي إليك حاجة . PageV01P248 فقال الشيخ ~~: إن كانت ممكنة فعلت . فقال الواثق : تقيم عندنا ينتفع بك فتياننا ؟ فقال ~~الشيخ : يا أمير المؤمنين ، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا ~~الظالم أنفع لك من مقامي عندك ، فقال : ولم ذلك ؟ فقال : لأسير إلى أهلي ~~وولدي فأكف دعاءهم عنك ، فقد خلفتهم على ذلك . فقال الواثق : أفتقبل منا ~~صلة تستعين بها على دهرك ؟ فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، أنا غني وذو ~~ثروة . قال : أفتسألنا حاجة . قال : أو تقضيها ؟ قال : نعم . قال : تخلي ~~سبيلي إلى السفر الساعة وتأذن لي . قال : أذنت لك . فسلم عليه الشيخ وخرج . ~~قال : صالح : فقال المهتدي بالله ، فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم ، ~~والله أعلم . # | الضب الناطق فائدة # روى الدارقطني وشيخه والحاكم وابن عدي عن عمر : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في محفل من أصحابه ، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد اصطاد ضبا ~~وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله ، فرأى جماعة محتفلين بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال : على من من هؤلاء ؟ قالوا : على هذا الذي يزعم أنه نبي . ~~فأتاه فقال : يا أحمد ، ما اشتملت الناس على ذي لهجة أكذب منك ، ولولا أن ~~تسميني العرب عجولا لقتلتك ، فسررت لقتلك الناس أجمعين . فقال عمر : يا ~~رسول الله دعني أقتله ؟ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أما علمت ~~أن الحليم كاد أن يكون نبيا ' . | ثم أقبل الأعرابي على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : واللات والعزى لا آمنت بك حتى PageV01P249 يؤمن بك هذا ~~الضب ؟ وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' يا ضب ، فتكلم الضب بلسان فصيح عربي ~~صريح يفهمه القوم جميعا فقال : لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين ' . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms217 : من تعبد ؟ قال : الذي في السماء عرشه ، وفي ~~الأرض سلطانه ، وفي البحر سبيله ، وفي الجنة رحمته ، وفي النار عذابه . قال ~~: فمن أنا يا ضب ؟ قال : أنت رسول رب العالمين وخاتم النبيين ، قد أفلح من ~~صدقك وخاب من كذبك . فقال الأعرابي : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول ~~الله حقا ، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إلي منك ، والله ~~لأنت الساعة أحب إلي من نفسي ومن ولدي ، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي ~~وخارجي وسري وعلانيتي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الحمد لله ~~الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه ، ولا يقبله الله تعالى ~~إلا بصلاة ولا يقبل الصلاة إلا بقراءة ' . قال : فعلمني . فعلمه النبي صلى ~~الله عليه وسلم : الحمد لله ، وقل هو الله أحد ، فقال : يا رسول الله ما ~~سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا . فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' إن هذا كلام رب العالمين ، وليس بشعر . إذا قرأت قل : هو الله أحد ~~ثلاثا ، أو قال : ثلاث مرات ، فكأنما قرأت القرآن كله ' . فقال الأعرابي : ~~إن إلهنا يقبل اليسير ويعطي الكثير ، انتهى باختصار من حياة الحيوان الكبرى ~~. PageV01P250 # | ابن آدم # ووقف رجل على الواثق فقال : يا أمير المؤمنين ، صل رحمك وارحم أقاربك ~~وارحم رجلا من أهلك . فقال الواثق : من أنت ، فإني لا أعرفك قبل اليوم ؟ . ~~قال : ابن جدك آدم . فقال : يا غلام ، أعطه درهما ؟ فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، وما أصنع بالدرهم ؟ قال : أرأيت لو قسمت المال بين إخوتك أولاد ~~جدي أكان ينوبك منه حبة . فقال : لله درك ما أذكى فهمك . فأمر له بعطاء ~~وانصرف مكرما . # | خلافة المتوكل على الله تعالى # حكى عنه أنه قال ذات يوم لأبي العيناء : ما أشد ما مر عليك في ذهاب عينيك ~~؟ فقال : فقد رؤيتك يا أمير المؤمنين . فاستحسن منه هذا الجواب وأمر له ~~بجائزة نفيسة . ومما حكاه أبو القاسم علي بن محمد الذهبي عن أبي عبد الله ~~النحوي ، قال : لما حج محمد بن ms218 عبد الله بن طاهر رأى في الطواف جارية في ~~نهاية الحسن فسأل عنها ، فقيل : إنها لرجل من الأدباء قد رواها الأشعار ~~والأخبار والنحو والعروض ، وقد أحسنت ضرب العود وطريق الغناء ، فاشتراها ~~بمائة ألف درهم ، فلما قدم بها مدينة دار السلام شغف بها شغفا شديدا وأخفى ~~أمرها ، وما يجده منها تخوفا من أمير المؤمنين المتوكل . وكان من شدة وجده ~~بها يحتبس عندها أياما لا يظهر للناس ، فيظنون أنه زمن وأمره معها مستور ، ~~ففطن به سويد بن أبي العالية صاحب البريد ، وكان بينه وبين محمد منافرة ، ~~فلم يجد ما يكيده به إلا أن كتب إلى المتوكل وهو نازل على أربعة فراسخ من ~~بغداد ، كتابا نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد يا أمير المؤمنين ~~، فإن محمد بن عبد الله اشترى جارية بمائة ألف درهم ، فهو يصطبح معها ~~ويغتبق زمانه كله معها ، وقد اشتغل بها عن النظر في أمور المسلمين وعن ~~التوقيع في قصص المظلومين ، ولا يأمن أمير المؤمنين PageV01P251 أن تخرب ~~عليه بغداد مع كثرة ما فيها من الغوغاء فيتعب أمير المؤمنين في إصلاحها ، ~~وقد أنهى ذلك المملوك إلى أمير المؤمنين ، أيده الله ، وهو أعلى رأيا ~~والسلام عليه ورحمة الله وبركاته . قال : فلما قرأ المتوكل الكتاب رفع رأسه ~~إلى نرجس الخادم وقال له : امض الساعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وادخل ~~عليه داره بغتة من غير إذن وانظر إلى ما يصنع ؟ ثم خذ منه جاريته فلانة ~~وائت بها من غير تأخير . فمضى نرجس من ساعته ، وكان محمد قد اصطبح معها في ~~ذلك اليوم ، فدخل عليهما نرجس من غير استئذان ، فلم يشعر محمد إلا وهو واقف ~~عليه ، فتغير وجهه وانتقع لونه ، وفاضت عيناه وارتعدت فرائصه لعلمه أن ~~نرجسا ما دخل عليه من غير إذن إلا وقد أضمر له السوء ، فقال له : يا نرجس ~~ما الذي أقدمك ؟ ؟ ! قال : أمير المؤمنين أمرني أن آخذ جاريتك هذه . قال : ~~يا نرجس هذا يوم قد حضر شره وغاب خيره ، وقد ترى ما نحن فيه ، وأنا لا ~~أخالف ms219 ما أمر به أمير المؤمنين . ثم أمر للخادم بكرسي فجلس عليه بعد أن ~~امتنع ساعة وقال : إن مثلي لا يجلس مع مثلك ، ثم إن محمدا نظر إلى الجارية ~~وبكى بكاء شديدا ، وقال لها : غني لأتزود منك . فأخذت العود وغنت بصوت حزين ~~تقول : لله من لمعذبين رماهما . . . بشماتة العذال والحساد أما الرحيل فحين ~~جد تحملت . . . مهج النفوس به من الأجساد من لم يبت والبين يصدع شمله . . . ~~لم يدر كيف تفتت الأكباد ثم إنهما أعلنا بالبكاء والنحيب والشهيق ، فرحمهما ~~الخادم ورق لهما حين عاين ما حل بهما . فقال : أيها الأمير ، إن رأيت أن ~~أمضي وأدعكما على ما أنتما عليه وأتعلل عنكما لأمير المؤمنين فعلت . فقال : ~~يا نرجس ، من خلفه مثل أبي سويد كيف يمكنه التعلل ، ولكن ارفق بنا . فقالت ~~الجارية : والله يا سيدي لا ملكني غيرك أبدا ، ولئن دفعتني إليه لأقتلن ~~نفسي . فقال لها محمد : لو كان غير أمير المؤمنين لكان في ذلك أوسع حيلة ، ~~ولقد وددت أن يأخذ مني أمير المؤمنين جميع ما أملك ويعزلني عن عملي ويبقيك ~~علي ، ولكن هذا قضاء PageV01P252 الله وقدره . ثم التفت إلى نرجس وقال : ~~لقد شاهدت مني ومن هذه الجارية ما شهد قلبك علينا بالمحبة والمودة والألفة ~~، وليس يخفى عن علمك أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء . ومثلك من يصنع ~~المعروف مع مثلي فخذها وامض بها إلى أمير المؤمنين ، وقل ما شئت مما يليق ~~بمروءتك . ثم التفت إليها وقبلها وبكى وبكت وبكى نرجس . ثم أخذها وخرج وهي ~~تبكي وتخمش خدها ووجهها . قالت : ثم حملني نرجس على بغلة أمير المؤمنين ~~وسار حتى دخل على المتوكل . فلما رآه قال : ما وراءك يا نرجس . ؟ قال : ~~ورائي يا أمير المؤمنين كل بلية . ثم إنه جلس بين يديه وقص عليه حالهما ولم ~~يخف شيئا . فقال المتوكل : وكل هذا الوجد يجده محمد من هذه الجارية ؟ فقال ~~: يا أمير المؤمنين والذي خفي أكثر مما ظهر وما أظنه يعيش بعدها . فرق عليه ~~قلب المتوكل وقال : يا نرجس ارجع بها إليه الساعة من وقتك ، هذا ms220 وأدركه قبل ~~أن تزهق روحه ، وقد أمرت له بمائة ألف درهم ، ولها مع ذلك مثله ، وجعلت أمر ~~بي سويد إليه يصنع به ما يشاء . ثم كتب له توقيعا بذلك ودفعه إلى نرجس ، ~~فرجع الخادم بالجارية والتوقيع ولم يتمهل حتى دخل عليه فوجده عريانا يتقلب ~~على حصر سامان من شدة الكرب والوجد ، وقد أحدقت به الجواري يروحنه بالمراوح ~~. فقال : أبشر يا محمد ، إن أمير المؤمنين قد رد جاريتك عليك من غير أن ~~يوقع نظره عليها ، وقد حكمك في أبي سويد . ثم ناوله التوقيع بذلك ودخلت ~~الجارية عليه ، فوثب إليها وعانقها وقبلها ساعة . ثم خرج فجلس على باب داره ~~وبعث إلى أبي سويد ، فلما حضر دفع إليه التوقيع ، فلما قرأه قال : أعوذ ~~برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك ، وأن تهدم مني ركنا أنت شيدته ، وأن تضيع ~~صنيعة اصطنعتها إلى مثلي ، فمثلي من هفا ومثلك من عفا . ثم قام وقبل البساط ~~فقال له محمد : لا أبدل نعمة الله كفرا ثم أمر به بخمسين ألف درهم فقالت ~~الجارية : وأنا أيضا أهب له خمسين ألف درهم مما وهبه لي أمير المؤمنين ، ~~شكرا لله تعالى على ذلك . ثم أقره على ما كان عليه ، وأمر أن يحمل المال ~~بين يديه إلى منزله ، ورجع محمد والجارية إلى ما كانا عليه في أطيب عيش ~~وأحسن حال متظاهرا بذلك غير مستتر ولا خائف ، انتهى . PageV01P253 # | يعفو عن الرأس والذنب # وأتي المتوكل بمحمد بن النصيب ووزيره ابن الديرواني وكان محمد هذا قد خرج ~~على المتوكل واستوزر ابن الديرواني ، فلما مثل بين يدي المتوكل قال له : ما ~~حملك على ما فعلت يا محمد ؟ قال : الشقوة وحسن الظن بعفوك يا أمير المؤمنين ~~، وأنشد يقول : أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي . . . إمام الهدى ، والعفو ~~بالحر أجمل تضاءل ذبي عند عفوك قلة . . . فجد لي بعفو منك ، فالعفو أفضل ~~فقال الملك : خلو سيبله ، ثم قدم ابن الديرواني فقال : اضربوا عنقه ، فقال ~~: سبحان الله ، يا أمير المؤمنين ، تعفو عن الرأس وتقطع الذنب ؟ فضحك ~~المتوكل وعفا عنه ، انتهى . # | صرت ms221 من السجن # كتب محمد بن عبد الملك الزيات وهو في السجن ، وقد اشتد به الحال ، رقعة ~~إلى المتوكل يستعطفه على نفسه من شدة ما قاسى من الأهوال والعذاب في السجن ~~يقول فيها هذين البيتين : هي السبيل ، فمن يوم إلى يوم . . . كفرحة النائم ~~الفرحان بالنوم لا تعجلن ، رويدا ، إنها دول . . . دنيا تنقل من قوم إلى ~~قوم قال : فلما قرأها المتوكل ، رق له وبكى وأمر بإطلاقه ، فذهبوا إلى ~~السجن فوجدوه ميتا ، رحمة الله عليه . PageV01P254 # | خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله أحمد # كان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس بعد أن أخلقته الأتراك ~~وأذلته ، وفي ذلك يقول علي بن العباس الرومي : كما بأبي العباس أنشيء ملككم ~~. . . كذا بأبي العباس أيضا يجدد ولقد اتفق في أيامه ، على ما حكي ، أمر ~~فظيع كشفه الله له بهيبته في نفوس الناس ، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن ~~يكتم ما في نفسه مخافة صولته لأنه كان لشدة حذقه ، يتخيل لهم أنه يعلم ما ~~في نفس الإنسان من الضمير . فاتفق أن أحد وزرائه وأكبر قواده بني بناء ~~عاليا مشرفا على منازل جيرانه ، فلم يعارضه أحد فيه من جيرانه لمكانته من ~~سلطانه وعزه ، وكان يجلس كثيرا في ذلك البناء ، فرأى يوما من الأيام في دار ~~من دور جيرانه جارية بارعة الجمال ، فولع بها ، فسأل عنها ، فأخبر أنها بنت ~~أحد التجار ، فأرسل إلى والدها خاطبا ، فقال له أبوها ، وكان من أهل اليسار ~~: لست أزوجها إلا من تاجر مثلي ، فإنه إن تزوجها من هو مثلي لم يظلمها ، ~~وإن ظلمها قدرت على النصفة منه ، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على النصفة ~~منك ، ولا على الحيلة لنصرتها . فلم يزل يرومه في ذلك بكل أمر وتوسط إليه ~~بالأكابر والأماثل من الناس ، وهو مع ذلك يمتنع ، فلما يئس منه أن يجيبه ، ~~شكا إلى أحد خواصه فقال له : ألف مثقال يقوم لك هذا . فقال : كيف ذلك ؟ ~~والله لو علمت أني أنفق عليها مائتي ألف مثقال أو أكثر وتأتيني بها لفعلت . ~~قال له : عليك أن ms222 تحضر لي ألف دينار . فأمر بإحضارها فمشى بها ذلك الرجل ~~إلى عشرة رجال كانوا عدولا عند القاضي في شهادتهم ، وذكر لهم الأمر ، وقال ~~: هذا أمر ليس عليكم من الله فيه تبعة ، فإنه يصدقها كذا وكذا ألفا ، وأغلى ~~لهم المهر ، وإنكم تحيون نفسا أشرفت على الهلاك ، ويكون لكم عنده مع هذا من ~~الجاه ما ترغبون ، وأبوها إنما هو عاضل لها عن الزواج ، وإلا فما يمنعه من ~~ذلك ، وقد خطبها مثل فلان في جلالة قدره ومكانة أمره ، وقد أعطاه صداقا لا ~~يعطى إلا لبنت ملك ثم هو مع هذا يأبى ، هل هذا إلا عضل بين ؟ ولكن لكم ألف ~~مثقال لك واحد منكم مائة وتشهدون أنه قد زوجها به فإنه إذا علم أبوها بأنكم ~~قد شهدتم عليه رجع إلى هذا إذ ليس فيه إلا الخير والخيرة . فأخذ الشهود كل ~~واحد منهم مائة وشهدوا أن أباها زوجها على صداق مبلغه كذا ، ورفعوا في ~~الصداق إلى غاية ما ترفع إليه صداقات الملوك ، فلما علم أبوها بذلك زاد ~~PageV01P255 نفارا وإباء ، فمشى الوزير وذلك القائد إلى القاضي وقال : إني ~~تزوجت فلانة بنت فلان على هذا الصداق ، وهؤلاء شهدوا عليه ، ثم قد ناكرني ~~وأنكر الشهود ، وقد أردت أن أدفع له حق ابنته وآخذها . فأمر القاضي بإحضار ~~الشهود فشهدوا عنده وأحضر مال النقد بين يدي القاضي ، والرجل على إنكاره ~~متماد ، فأمر القاضي بإمضاء الحكم عليه ، وأن تؤخذ ابنته منه أحب أو كره ، ~~وأمر بحمل المال إليه ، فلما وصلت الجارية عند الوزير ، لم يزل أبوها يروم ~~الوصل إلى المعتصم . وكان المعتصم غليظ الحجاب لا يصل إليه أحد من غير ~~الخاصة ، فقيل للرجل أنه يحضر كل يوم ساعة من النهار على بنيان له بقصره ، ~~فإن استطعت أن تكون مع جملة رجال الخدمة تصل إليه وتكلمه بما أردت . ففعل ~~الرجل ذلك وغير شكله ، ودخل في جملة رجال الخدمة للبناء ، فلما كان ذلك ~~الوقت الذي كانت عادة أمير المؤمنين المعتصم يقف فيه على ذلك البناء خرج ~~ذلك الرجل فترامى إلى الأرض وجعل يحثو ms223 التراب على رأسه ويستغيث ، فسأله عن ~~شأنه فقص عليه القصة ، فأرسل المعتصم في ذلك المقام ، خلف ذلك القائد وأغلظ ~~عليه في القول ، فحملته هيبته له ، وقلة إقدامه على الكذب عليه ، أن وصف له ~~الصورة على ما كانت عليه ، وهو يطمع أن يعذره في ذلك ، إذ قد جعل لها من ~~الصداق ما هو فوق قيمة قدرها ، وأمر بإحضار الشهود فصنعوا مثل صنيع صاحبهم ~~وذلك كله رهبة له وإجلالا أن يخاطبوه بكذب مع تخيلهم أنه يصفح لهم عن هذه ~~الزلة إذ قد أرادوا إحياء نفس ذلك الوزير ، وأيضا قد دفع له بين يدي القاضي ~~نقدا لا يكون إلا في صدقات الملوك ، وقد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة ~~قدرها ، فكأنه قد أخذها بحقها أو بأكثر من حقها . فلما تحققت عنده جلية ~~الخبر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره ، وأن يوضع ذلك الوزير في جلد ~~ثور طري السلخ ، ويضرب بالمرازب حتى يختلط عظمه ولحمه ودمه ، ثم أمر به ، ~~لما صنع به ذلك ، أن يفرغ بين يدي نمور كانت عنده ، فلما لعقت تلك النمور ~~ذلك الدم أمر الرجل أبا البنت أن يأخذ ابنته ويأخذ كل ما ذكروا لها على ذلك ~~الوزير في صداقها من عقار ودور ومال . ثم مات المعتصم وولي ابنه المقتدر ~~وكان صبيا صغير السن ، فعادت الأتراك إلى ما كانت عليه من ذلك ، والله ~~تعالى أعلم . PageV01P256 # | صاحب المغرب وصاحب طليطلة # ويقرب من شهامة هذا الملك ما ذكره في حياة الحيوان في ترجمة يعقوب بن ~~يوسف بن عبد المؤمن ، صاحب بلاد المغرب ، من أنه وقع بينه وبين الأذفونش ، ~~نصراني طليطلة ، مكاتبات قال : بعث الأذفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ~~ويتهدده ، ويطلب منه بعض حصون ، وكتب له رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار ~~وهي : باسمك اللهم فاطر السموات والأرض ، وصلى الله على السيد المسيح روح ~~الله وكلمته الفصيح ، أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل ~~لازب أنك أمير الملة الحنيفية ، كما أني أمير الملة النصرانية ms224 ، وقد علمت ~~ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والنكول والتكاسل ، وإهمالهم أمر الرعية ~~وإخلادهم إلى الراحة والأمنية ، وأنا أسوسهم بحكم القهر وإخلاء الديار وسبي ~~الذراري ، وأمثل بالرجل وأذيقهم عذاب الهوان ، وشديد النكال ، ولا عذر لك ~~في التخلف عن نصرتهم ، إذا مكنتك القدرة وساعدك من عساكرك وجنودك كل ذي رأي ~~وخبرة ، وأنتم تزعمون أن الله تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم ~~، والآن خفف الله عنكم ، وعلم أن فيكم ضعفا ، رحمة منه ، ونحن الآن نقاتل ~~عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعا ، ولا تملكون امتناعا ، ولقد حكي ~~عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال ، وتماطل نفسك سنة بعد ~~أخرى تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، فلا ندري أكان لجبن إبطاؤك أم لتكذيب بما وعد ~~ربك ، ثم قيل لي أنك لا تجد إلى الجواز سبيلا ، ولعله لا يسوغ لك التقحم ~~فيه ميلا ، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك ، ولك علي أن تفي ~~بالعهود والمواثيق والاستكثار من البرهان ، وإلا جئت بحملتي إليك وأقاتلك ~~في أعز الأماكن عليك ، فإن كانت النصرة لك كانت غنيمة كبيرة جاءت إليك وإن ~~كانت لي كانت يدي العليا عليك ، والله الموفق لا رب غيره ، ولا خير إلا ~~خيره . قال : فمزق يعقوب الكتاب ، وكتب على قطعة منه : ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون . الجواب ~~ما ترى لا ما تقرأ واستشهد ببيت المتنبي . ولا كتب إلا المشرفية عنده . . . ~~ولا رسله إلا الخميس العرمرم ثم أمر بكتائب الاستنفار واستدعاء الجيوش من ~~الأمصار ، وضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد ، وصار إلى البحر المعروف ~~بزقاق سبتة ، فعبر فيه إلى الأندلس ، ودخل إلى بلاد الإفرنج ، فكسرهم كسرة ~~شنيعة ، وعاد بغنائمهم والله أعلم . PageV01P257 # | الصعيدي والفرنجية # ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن ، يوسف ~~المهمندار ، المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى لي الأمير محمد ، شجاع ~~الدين الشيرازي ، متولي القاهرة في أيام الكامل سنة ثلاثين وستمائة ، قال : ~~بتنا عند رجل بالصعيد ، فأكرمنا ، وكان ms225 الرجل شديد السمرة ، وهو شيخ كبير ، ~~فحضر له أولاد بيض الوجوه ، حسان الأشكال ، فقلنا له : هؤلاء أولادك ؟ قال ~~: نعم ، ثم قال : كأنكم أنكرتم علي بياضهم وسوادي ؟ قلنا : نعم . فقال : ~~هؤلاء كانت أمهم إفرنجية أخذتها أيام الملك الناصر صلاح الدين ، وأنا شاب . ~~فقلنا : وكيف أخذتها ؟ قال : حديثي فيها عجيب وأمري غريب . فقلنا : أتحفنا ~~به . فقال : زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته ، فصرفت عليه خمسمائة ~~دينار ، ثم لم يبلغ الثمن أكثر من ذلك ، فحملته للقاهرة فلم يصل أكثر من ~~ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام ، فحملته فلم يزد على تلك القيمة شيئا ، ~~فوصلت به إلى عكا فبعت بعضه لأجل والبعض تركته ، واكتريت حانوتا لأبيع على ~~مهل إلى أن تنقضي المدة . فبينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة فرنجية ، ونساء ~~الإفرنج يمشين في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا ، فرأيت من جمالها ~~ما بهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وأتت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها ~~أكثر من المرة الأولى ، فتكررت لي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي كانت ~~معها : إنني قد تلفت بحبها ، وأريد منك الحيلة . فقالت لها العجوز ذلك ، ~~فقالت : تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأنت وهو ، فأعادت علي الجواب فقلت لها : ~~أما أنا فقد سمحت بروحي في حبها ، واتفق الحال على أن أدفع لها خمسين ~~دينارا ، فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت : نحن الليلة عندك . قال : فمضيت ~~وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى فجاءت الإفرنجية فأكلنا ~~وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم ، فقلت في نفسي : أما تستحيي من الله ~~وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية ، اللهم إني أشهدك أني قد عففت عنها في هذه ~~الليلة حياء منك وخوفا من عقابك . ثم نمت إلى الصبح ، فقامت من السحر وهي ~~غضبانة ، ومضت ومضيت إلى حانوتي ، فجلست فيه ، فإذا هي قد عبرت علي والعجوز ~~وهي مغضبة ، وكأنها القمر ، فهلكت PageV01P258 وقلت في نفسي : ومن هو أنت ~~حتى تترك هذه البارعة في حسنها ؟ ثم لحقت العجوز ، وقلت لها : ارجعي ؟ ~~فقالت : وحق المسيح ما أرجع ms226 لك إلا بمائة دينار . فقلت : نعم ! بسم الله ، ~~فمضيت ووزنت مائة دينار ، فلما حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى ، ~~وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى ، ثم مضت ومضيت إلى موضعي ، ثم عبرت ~~علي بعد ذلك وقالت : وحق المسيح ما عدت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار ، ~~أو تموت كمدا . فارتعت لذلك وعزمت على أن أصرف ثمن الكتان جميعه ، فبينما ~~أنا كذلك والمنادي ينادي ، معاشر المسلمين ! إن الهدنة التي كانت بيننا ~~وبنيكم قد انقضت ، وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعه ، فانقطعت عني ، ~~وأخذت في تحصيل ثمن الكتان الذي لين والمصالحة على ما بقي منه ، وأخذت معي ~~بضاعة حسنة ، وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه ، فوصلت إلى دمشق ~~وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة ، ومن الله علي بكسب وافر ، وأخذت ~~أتجر في الجواري لعل يذهب ما بقلبي من الإفرنجية ، فمضت ثلاث سنين ، وجرى ~~للملك الناصر ما جرى من وقعة حطين ، وأخذ جميع الملوك ، وفتح بلاد الساحل ، ~~بإذن الله تعالى ، فطلب مني جارية للملك الناصر ، فأحضرت له جارية حسناء ، ~~فاشتراها بمائة دينار ، فأوصلوا إلي تسعين دينارا ، وبقيت العشرة دنانير ~~عنده ، فلم يجدوها في خزانة الملك في ذلك اليوم ، لأنه أنفق جميع الأموال ، ~~فلما حضرت الغنيمة جاءوا للملك فشاوروه على ذلك ، فقال : امضوا به إلى ~~الخيمة التي فيها السبي من نساء الإفرنج ، فخيروه في واحدة منهن ، يأخذها ~~بالعشرة دنانير التي بقيت له . فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي ، فقلت : أعطوني ~~هذه الجارية ، فأخذتها ومضيت إلى خيمتي ، وخلوت بها ، وقلت لها : أتعرفيني ~~؟ قالت : لا . فقلت لها : أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت ~~مني الذهب ، وقلت : ما عدت تراني عندك إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكا ~~بعشرة دنانير . فقالت : مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~رسول الله ، فأسلمت وحسن إسلامها ، فقلت : والله لا وصلت إليها إلا بأمر ~~القاضي ، فتوجهت إلى ابن شداد ، وحكيت له ما جرى ، فتعجب وعقد لي عليها ، ~~وباتت ms227 تلك الليلة عندي فحملت مني ثم رحل العسكر ، وأتينا دمشق ، فبعد مدة ~~يسيرة أرسل الملك يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك ، فردوا من ~~كان أسيرا من الرجال والنساء ، ولم يبقى إلا التي PageV01P259 عندي ، فطلبت ~~مني ، فحضرت وقد تغير لوني فأحضرتها بين يدي الملك الناصر ، والرسول فقلت : ~~هذه أسلمت وصارت امرأتي . فقال الملك الناصر بحضرة الرسول : أترجعين إلى ~~بلادك أو إلى زوجك ، فقد فككنا أسرك وأسر غيرك . فقالت : يا مولانا السلطان ~~! أنا قد أسلمت وحملت وها بطني كما ترونه ، وليس لي رغبة في الرجوع إلى ~~بلادي وما رغبتي إلا في الإسلام وزوجي . فقال لها الرسول : أيما أحب إليك ، ~~هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي ؟ فأعادت عبارتها الأولى ، فقال الرسول لمن ~~معه من الإفرنج : اسمعوا كلامها . ثم قال الرسول : خذ زوجتك وتوجه . فوليت ~~بها فطلبني ثانيا وقال : إن أمها أرسلت معي كسوة وقالت : إن ابنتي أسيرة ~~وأشتهي أن توصل لها هذه الكسوة . فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار ففتحت ~~القماش ، فإذا هو قماشها بعينه قد صيرته لها أمها ، ووجدت من داخلة الصرتين ~~، الذهب الخمسين دينارا والمائة دينارا ، كما هي بربطتي لم يتغيروا ، ~~وهؤلاء الأولاد منها ، وهي التي صنعت لكم هذا الطعام والله أعلم . # | إن من البيان لسحرا # يحكى أن بعض الملوك أرسل رجلا من بطانته إلى بعض الجهات ليعرف خبر عاملها ~~، ويطالعه بأخبار الرعية ، فلما وصل الرجل فطن له العامل ، فأرسل إليه بمال ~~وتحف ثم قال : عرفت ما جئت له ، وأنا أرغب إليك في كتاب تكتبه إلى الملك ~~تذكر فيه أني حسن السيرة ، وسالك طريق العدل ، فإن أنت فعلت ذلك فلك مني ما ~~تشتهي رغبتك إليه من الخير والعطاء ، وإن أبيت ذلك أمرت الشرطيين أن ينهوا ~~إلي من أمرك في الملإ ما يوجب قتلك إما حدا وإما سياسة ، فأقتلك بمحضر من ~~قاضي البلد ووجوه الناس ، فتذهب كأمس الماضي . فلما لم يجد الرجل بدا من ~~موافقته ولم يكن ليخون مرسله كتب بحضرته كتابا إلى الملك . أما بعد ، أعز ~~الله الملك وأكرمه ، فإني قدمت إلى ms228 مدينة كذا وكذا فوجدت العامل فلانا آخذا ~~بالحزم عاملا بالعزم ، قد ساوى بين رعيته ، وعدل بينهم في أقضيته ، وأرضى ~~PageV01P260 بعضهم بعضا ، وجعل طاعته عليهم فرضا وأنزلهم منزلة الأولاد ، ~~وأذهب ما بينهم من الأحقاد ، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في ~~الأخرى ، أغنى القاصد وأرضى الوارد ، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون ~~النظر إلى وجهه الكريم والسلام . فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه ~~وقال لوزيره : إن فلانا لم يكن عندي بمتهم ، فإن كتابه هذا يدل على ظلم ~~العامل ، فالتمس لي رجلا يصلح لعمله ، فإني قد عزلته . فقال الوزير : أصلح ~~الله الملك ، وكيف ذلك ؟ قال : لأن قوله آخذا بالحزم عاملا بالعزم أي أنه ~~خائف مني لما اعتمده في الولاية ، وأما قوله ساوى بين رعيته وعدل بينهم في ~~أقضيته ، فمعناه أنه لم يخص أحدا بظلمه بل الجميع سواء ، وقوله : وأرضى ~~بعضهم بعضا : أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد ، وقوله : أنزلهم ~~منزلة الأولاد ، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذا من قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' أنت ومالك لأبيك ' . وقوله : وأراحهم من السعي في الدنيا ، ~~معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون . وقوله ~~: فرغهم للعمل في الأخرى ، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم . ~~وقوله : أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه ، أي أنه أعطاه مالا ~~ليكتب إلي بذلك . وأما قوله : فجميع أهل عمله داعون لنا ، معناه أن يبصرنا ~~الله بأمرهم ، ونطلع على ما هم فيه . وقوله : يودون النظر لوجهنا أي يشكون ~~إلينا ما لقوه منه ويستغيثون بنا . ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه ~~وأنصف الناس منه ورد عليهم ما كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه ~~فيه القصاص ، وقابله على فعله والله أعلم . PageV01P261 # | هذه القصيدة الزينبية # صرمت حبالك بعد وصلك زينب . . . والدهر فيه تصرم وتقلب نشرت ذوائبها التي ~~تزهو بها . . . سودا ورأسك كالثغامة أشيب واستنفرت لما رأتك وطالما . . . ~~كانت تحن إلى لقاك وترغب وكذاك وصل الغانيات ، فإنه . . . آل ببلقعة وبرق ms229 ~~خلب فدع الصبا ، فلقد عداك زمانه . . . وازهد فعمرك مر منه الأطيب ذهب ~~الشباب ، فما له من عودة . . . وأتى المشيب ، فأين منه المهرب دع عنك ما قد ~~كان في زمن الصبا . . . واذكر ذنوبك ، وابكها يا مذنب واذكر مناقشة الحساب ~~، فإنه . . . لا بد يحصى ما جنيت ويكتب لم ينسه الملكان حين نسيته . . . بل ~~أثبتاه ، وأنت لاه تلعب والروح فيك وديعة أودعتها . . . ستردها بالرغم منك ~~وتسلب وغرور دنياك التي تسعى لها . . . دار حقيقتها متاع يذهب والليل ، ~~فاعلم ، والنهار كلاهما . . . أنفاسنا فيها تعد وتحسب وجميع ما خلفته ~~وجمعته . . . حقا يقينا بعد موتك ينهب تبا لدار لا يدوم نعيمها . . . ~~ومشيدها عما قليل يخرب فاسمع هديت نصيحة أولاكها . . . بر نصوح للأنام مجرب ~~صحب الزمان وأهله مستبصرا . . . ورأى الأمور بما تثوب وتعقب لا تأمن الدهر ~~الخئون ، فإنه . . . مازال قدما للرجال يؤدب وعواقب الأيام في لذاتها . . . ~~غصص يذل لها الأعز الأنجب فعليك تقوى الله ، فالزمها تفز . . . إن التقي هو ~~البهي الأهيب واعمل بطاعته تنل منه الرضا . . . إن المطيع له لديه مقرب ~~واقنع ، ففي بعض القناعة راحة . . . واليأس عما فات ، فهو المطلب فإذا طمعت ~~كسيت لثوب مذلة . . . فلقد كسي ثوب المذلة أشعب وتوق من غدر النساء خيانة . ~~. . فجميعهن مكايد لك تنصب لا تأمن الأنثى حياتك إنها . . . كالأفعوان يراع ~~منه الأنيب لا تأمن الأنثى زمانك كله . . . يوما ، ولو حلفت يمينا تكذب ~~تغرى بلين حديثها وكلامها . . . وإذا سطت فهي الصقيل الأشطب PageV01P262 ~~وابدأ عدوك بالتحية ، ولتكن . . . منه ، زمانك ، خائفا تترقب واحذره ، إن ~~لاقيته متبسما . . . فالليث يبدو نابه إذ يغضب إن العدو وإن تقادم عهده . . ~~. فالحقد باق في الصدور مغيب وإذا الصديق رأيته متملقا . . . فهو العدو ، ~~وحقه يتجنب لا خير في ود امرئ متملق . . . حلو اللسان ، وقلبه يتلهب يلقاك ~~يحلف أنه بك واثق . . . وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللسان ~~حلاوة . . . ويروغ منك كما يروغ الثعلب وصل الكرام وإن جفوك بهفوة . . . ~~فالصفح عنهم والتجاوز أصوب واختر قرينك واصطفيه تفاخرا . . . إن القرين إلى ~~المقارن ينسب إن الغني من الرجال مكرم . . . وتراه يرجى ms230 ما لديه ويرهب ويبش ~~بالترحيب عند قدومه . . . ويقام عند سلامه ويقرب والفقر شين للرجال ، فإنه ~~. . . حقا يهون به الشريف الأنسب واخفض جناحك للأقارب كلهم . . . بتذلل ، ~~واسمح لهم إن أذنبوا وذر الكذوب فلا يكن لك صاحبا . . . إن الكذوب يشين حرا ~~يصحب وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن . . . ثرثارة في كل ناد تخطب واحفظ لسانك ~~واحترز من لفظه . . . فالمرء يسلم باللسان ويعطب والسر فاكتمه ولا تنطق به ~~. . . إن الزجاجة كسرها لا يشعب وكذاك سر المرء إن لم يطوه . . . نشرته ~~ألسنة تزيد وتكذب لا تحرصن ، فالحرص ليس بزائد . . . في الرزق بل يشقي ~~الحريص ويتعب ويظل ملهوفا يروم تحيلا . . . والرزق ليس بحيلة يستجلب كم ~~عاجز في الناس يأتي رزقه . . . رغدا ويحرم كيس ، ويخيب وارع الأمانة ، ~~والخيانة ، فاجتنب . . . واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب وإذا أصابك نكبة فاصبر ~~لها . . . من ذا رأيت مسلما لا ينكب وإذا رميت من الزمان بريبة . . . أو ~~نالك الأمر الأشق الأصعب فاضرع لربك ، إنه أدنى لمن . . . يدعوه من حبل ~~الوريد وأقرب كن ما استطعت عن الأنام بمعزل . . . إن الكثير من الورى لا ~~يصحب واحذر مصاحبة اللئيم ، فإنه . . . يعدي كما يعدي السليم الأجرب ~~PageV01P263 واحذر من المظلوم سهما صائبا . . . واعلم بأن دعاءه لا يحجب ~~وإذا رأيت الرزق عز ببلدة . . . وخشيت فيها أن يضيق المذهب فارحل فأرض الله ~~واسعة الفضا . . . طولا وعرضا ، شرقها والمغرب ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي . ~~. . فالنصح أغلى ما يباع ويوهب وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس : المرء ~~يجمع ، والزمان يفرق . . . ويظل يرقع والخطوب تمزق ولأن يعادي عاقلا خير له ~~. . . من أن يكون له صديق أحمق فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا . . . إن الصديق ~~على الصديق مصدق وزن الكلام ، إذا نطقت ، فإنما . . . يبدي عقول ذوي العقول ~~المنطق ومن الرجال إذا استوت أحلامهم . . . من يستشار ، إذا استشير ، فيطرق ~~حتى يحل بكل واد قلبه . . . فيرى ويعرف ما يقول وينطق لا ألفينك ثاويا في ~~غربة . . . إن الغريب بكل سهم يرشق ما الناس إلا عاملان : فعامل . . . قد ~~مات من عطش وأخر يغرق والناس في طلب ms231 المعاش ، وإنما . . . بالجد يرزق منهم ~~من يرزق لو يرزقون الناس حسب عقولهم . . . ألفيت أكثر من ترى يتصدق لكنه ~~فضل المليك عليهم . . . هذا عليه موسع ومضيق وإذا الجنازة والعروس تلاقيا . ~~. . ورأيت دمع نوائح يترقرق سكت الذي تبع العروس مبهتا . . . ورأيت من تبع ~~الجنازة ينطق وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة . . . تركته حين يجر حبلا يفرق بقي ~~الذين ، إذا يقولوا يكذبوا ، . . . ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا ؟ ~~PageV01P264 # | الخوارج كلاب النار # وذكر ابن الجوزي في الأذكياء وغيره : أن عمران بن حطان ، كان أحد الخوارج ~~، وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنهما الله تعالى ، على قتل ~~الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجه : يا ضربة من تقي ما ~~أراد بها . . . إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه . . . ~~أو في البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم . . . لم يخلطوا ~~دينهم بغيا وعدوانا فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري ، رحمه الله تعالى ، هذه ~~الأبيات فقال مجيبا له : إني لأبرأ مما أنت قائله . . . عن ابن ملجم ~~الملعون بهتانا إني لأذكره يوما فألعنه . . . دينا وألعن عمران بن حطان ~~عليك ثم عليه الدهر متصلا . . . لعائن الله إسرارا وإعلانا فأنتمو من كلاب ~~النار جاء لنا . . . نص الشريعة برهانا وتبيانا أشار أبو الطيب رحمه الله ~~تعالى إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ' الخوارج كلاب النار ' ، انتهى من ~~حياة الحيوان . # | سارق الجمل # ومنه ما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال : جاءوا برجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فشهدوا عليه أنه سرق جملا لهم ، فأمر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقطع ، فولى الرجل ، وهو يقول : اللهم صل على محمد حتى ~~لا يبقى من صلاتك شيء ، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء ، وسلم ~~على محمد حتى لا يبقى من سلامك شيء . فتكلم الجمل وقال : يا محمد ، إنه ~~بريء من سرقتي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأتيني بالرجل ؟ ~~فابتدره سبعون من أهل بدر ، فجاءوا به ms232 إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~يا هذا ، ما قلت آنفا ؟ فأخبره بما قال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~لذلك نظرت الملائكة يخترقون سكك المدينة ، حتى كادوا يحولون بيني وبينك . ~~ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لتردن على الصراط ووجهك أضوأ من القمر ~~ليلة البدر ' . PageV01P265 هذه القصيدة يقال إنها لأمير المؤمنين الراضي ~~بالله زيادة المرء في دنياه نقصان . . . وربحه غير محض الخير خسران وكل ~~وجدان حظ لا ثبات له . . . فإن معناه في التحقيق فقدان يا عامرا لخراب ~~الدهر مجتهدا . . . بالله ! هل لخراب الدهر عمران ويا حريصا على الأموال ~~يجمعها . . . نسيت أن سرور المال أحزان دع الفؤاد من الدنيا وزخرفها . . . ~~فصفوها كدر والوصل هجران وأوع سمعك أمثالا أفصلها . . . كما يفصل ياقوت ~~ومرجان أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم . . . فطالما استعبد الإنسان إحسان ~~وكن على الدهر معوانا لذي أمل . . . يرجو نداك ، فإن الحر معوان من جاد ~~بالمال مال الناس قاطبة . . . إليه ، والمال للإنسان فتان من كان للخير ~~مناعا فليس له . . . عند الخليقة أخدان وإخوان لا تخدشن بمطل وجه عارفه . . ~~. فالبر يخدشه مطل وليان يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته . . . أتطلب الربح ~~مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها . . . فأنت بالنفس لا بالجسم ~~إنسان من يتقي الله يحمد في عواقبه . . . ويكفه شر من عزوا ومن هانوا حسب ~~الفتى عقله خلا يعاشره . . . إذا تحاماه إخوان وخلان لا تستشر غير شخص حازم ~~فطن . . . قد استوت منه أسرار وإعلان فللتدابير فرسان . إذا ركضوا . . . ~~فيها أبروا كما للحرب فرسان وللأمور مواقيت مقدرة . . . وكل أمر له حد ~~وميزان من رافق الرفق في كل الحوادث لم . . . يندم عليه ولم يذممه إنسان ~~ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه . . . فليس يحمد قبل النضج بحران وذو القناعة ~~راض في معيشته . . . وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان كفى من العيش ما قد سد من ~~رمق . . . ففيه للحر إن حققت غنيان هما رضيعا لبان حكمة وثقى . . . وساكنا ~~وطن مال وطغيان من مد طرفا بفرط الجهل ونحو هوى . . . أغضى عن الحق يوما ~~وهو ms233 خزيان من استشار صروف الدهر قام له . . . على حقيقة طبع الدهر برهان من ~~عاشر الناس لاقى منهمو نصبا . . . لأن طبعهمو بغي وعدوان PageV01P266 ومن ~~يفتش عن الإخوان مجتهدا . . . فجل إخوان هذا الدهر خوان من يزرع الشر يحصد ~~في عواقبه . . . ندامة ، ولحصد الزرع إبان من استنام إلى الأشرار نام وفي . ~~. . قميصه منهمو صل وثعبان من سالم الناس يسلم من غوائلهم . . . وعاش وهو ~~قرير العين جذلان من كان للعقل سلطان عليه غدا . . . وما على نفسه للحرص ~~سلطان وإن أساء مسيء فليكن لك في . . . عروض زلته صفح وغفران إذا نبا بكريم ~~موطن ، فله . . . وراءه في بسيط الأرض أوطان لا تحسبن سرورا دائما أبدا . . ~~. من سره زمن ساءته أزمان يا ظالما فرحا بالعز ساعده . . . إن كنت في سنة ~~فالدهر يقظان يا أيها العالم المرضي سيرته . . . أبشر ، فأنت بغير الماء ~~ريان ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج . . . فأنت ما بينها لا شك ظمآن دع ~~التكاسل في الخيرات تطلبها . . . فليس يسعد بالخيرات كسلان صن حر وجهك لا ~~تهتك غلالته . . . فكل حر لحر الوجه صوان لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم . ~~. . غرائز لست تحصيها وألوان ما كل ماء كصداء لوارده . . . نعم ولا كل نبت ~~فهو سعدان من استعان بغير الله في طلب . . . فإن ناصره عجز وخذلان واشدد ~~يديك بحبل الله معتصما . . . فإنه الركن إن خانتك أركان لا ظل للمرء يغني ~~عن تقى ورضا . . . وإن أظلته أوراق وأفنان سحبان من غير مال باقل حصر . . . ~~وباقل في ثراء المال سحبان والناس إخوان من والته دولته . . . وهم عليه إذ ~~عادته أعوان يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا . . . من كاسه هل أصاب الرشد ~~نشوان لا تغترر بشباب ناعم خضل . . . فكم تقدم قبل الشيب شبان ويا أخا ~~الشيب لو ناصحت نفسك لم . . . يكن لمثلك في الإسراف إمعان هب الشبيبة تبدي ~~عذر صاحبها . . . ما بال شيبك يستهويه شيطان كل الذنوب فإن الله يغفرها . . ~~. إن شيع المرء إخلاص وإيمان وكل كسر فإن الله يجبره . . . وما لكسر قناة ~~الدين جبران أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ms234 . . . فلا يدوم على الإنسان إمكان ~~PageV01P267 فالروض يزدان بالأنوار فاغمة . . . والحر بالعدل والإحسان ~~يزدان خذها سرائر أمثال مهذبة . . . فيها لمن يبتغي التبيان تبيان ما ضر ~~حسانها والطبع صائغها . . . إن لم يصغها قريع الشعر حسان وذيل عليها بعضهم ~~فقال : وكن لسنة خير الخلق متبعا . . . فإنها لنجاة العبد عنوان فهو الذي ~~شملت للخلق أنعمه . . . وعمهم منه في الدارين إحسان جبينه قمر قد زانه خفر ~~. . . وثغره درر غر ومرجان والبدر يخجل من أنوار طلعته . . . والشمس من ~~حسنه الوضاح تزدان ومذ أتى أبصرت عمي القلوب به . . . سبل الهدى ووعت للحق ~~آذان به توسلنا في محو زلتنا . . . لربنا ، إنه ذو الجود منان يا رب صل ~~عليه ما همى مطر . . . فأينعت منه أوراق وأغصان وابعث إليه سلاما زاكيا ~~عطرا . . . والآل والصحب لا تفنيه أزمان # | جاريتان برواية شعر # وعن حماد الراوية قال : كنت محبا للوليد بن عبد الملك ، فلما ولي أخوه ~~يزيد الخلافة هربت إلى الكوفة ، فبينما أنا في المسجد الأعظم ، إذ أتاني ~~رسول محمد بن يوسف الثقفي ، وقال : أجب الأمير ، فدخلت عليه ، فقال : ورد ~~كتاب أمير المؤمنين علي بحملك إليه ، وبالباب نجيبان ، فاركب أحدهما ، ودفع ~~إلي كيسا فيه ألف دينار ، وقال : هذه نفقة لمنزلك ، فدخلت دمشق في اليوم ~~الثامن واستأذن لي الرسول فدخلت عليه ، فإذا هو جالس في دار مبلطة بالرخام ~~الأحمر ، وفيها سرادق خز أحمر في وسط قبة حمراء من خز ، وفرشها وكل ما فيها ~~أحمر ، وعلى رأسه جاريتان عليهما ثياب حمر بيد واحدة منهما إبريق ، وفي ~~إحدى يدي الأخرى نبيذ أحمر ، وفي اليد الأخرى نبيذ أبيض ، فلما واجهته سلمت ~~عليه بالخلافة فرد علي السلام ، وقال : ادن يا حماد : أتدري فيم بعثت إليك ~~؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين . قال : في بيت شعر ذهب عني أوله . ~~PageV01P268 قلت : من أي عروض أو قافية ؟ قال : لا أدري إلا أنه بيت فيه ~~إبريق . فقلت في نفسي : إن لم تغن الرواية يوما ، فالآن . ففكرت في نفسي ~~ساعة ، ثم قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، لعله قول التبع اليماني ، أو عدي ~~بن زيد ms235 العبادي : بكر العاذلون في وضح الصب . . . ح يقولون لي : أما تستفيق ~~ويلومون فيك يا ابنة عبد الله . . . والقلب عندكم موثوق لست أدري إذ العذل ~~فيها . . . أعدو يلومني أم صديق ودعوا بالصبوح يوما فجاءت . . . قينة في ~~يمينها إبريق فصاح يزيد وقال : هو والله الشعر بعينه وشرب وقال : يا جارية ~~اسقه ، فسقتني كأسا أذهبت ثلث عقلي ، ثم استعاد الشعر وشرب وقال : اسقه ، ~~فسقتني ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ذهب ثلثا عقلي . فقال : سل حاجتك قبل ~~أن يذهب الثلث الآخر . فقلت : إحدى هاتين الجاريتين . فقال : هما لك ~~بمالهما وما عليهما ، ومائة ألف تحسن بها سيرك ، ثم ناولتني الجارية كأسا ~~فشربتها وانصرفت ونهضت ، وقد ذهب عقلي ، فعدل بي إلى دار الضيافة فانتبهت ~~آخر الليل ، وإذا بشمع يوقد والجاريتان يرصان الأمتعة ، والبغال تحمل ما ~~لهما من أثاث وغيره ، وأصبحت قبضت المال وانصرفت ، وأما أيسر أهل الكوفة ، ~~انتهى . ولما وقف الشيخ تقي الدين بن حجة رحمه الله ، على هذه الحكاية ، ~~قال : انظر أيها المتأدب نفاق سوق الأدب في ذلك الأرب ، وبشهادة الله أن ~~البيت الذي طلب حماد الراوية بسببه من العراق إلى دمشق ، وأجيز عليه ~~بالجاريتين والمائة ألف تأنف نفسي أني أنظمه في سلك قصيدة من قصائدي ، وهو ~~هذا البيت . ودعوا بالصبوح يوما فجاءت . . . قينة في يمينها إبريق وكنت ~~أريد أن أكون في ذلك العصر ويسمع يزيد بن عبد الملك من نظمي في هذا الباب ~~قولي : في ليلة رقم البدر المنير لها . . . طارا له بعصا الجوزاء نقرات ~~وبان لي من لماها حين تبسم لي . . . فوق اللثا واللمى در وعقبات والراح دبت ~~على فهمي فصورها . . . لكن لها ضاع في الكاسات نفحات PageV01P269 كانت ~~علامات تحقيقي ، فقال فمي : . . . هي المنازل لي فيها علامات مذ أنشأتنا ~~سجعنا في محاسنها . . . مغردين ، وللإنشاء سجعات هذا وأفواه كاساتي قد ~~ابتسمت . . . لما حبتها ثغور لؤلؤيات ومن يقل حركات الزهر ما سكنت . . . ~~فللحباب على التسكين جزمات # | جارية ثمن إعراب بيت # وألطف من ذلك ما حكاه محمد بن يزيد المبرد ، قال : كان أبو عثمان المازني ~~جاء إليه ms236 يهودي وسأله أن يقرئه كتاب سيبويه ، وبذل له مائة دينار . فامتنع ~~أبو عثمان من ذلك ، فقلت له سبحان الله : ترد مائة دينار مع فاقتك وحاجتك ~~إلى درهم واحد ؟ فقال : نعم يا أبا العباس : اعلم أن كتاب سيبويه يشتمل على ~~ثلاثمائة آية من كتاب الله ، ولا أرى أن أمكن منها كافرا . فسكت ، ولم ~~يتكلم . قال المبرد : فما مضت إلا أيام حتى جلس الواثق يوما للشرب وحضر ~~ندوماؤه فغنت جارية في المجلس هذا الشعر : أظلوم إن مصابكم رجلا . . . أهدى ~~السلام تحية ظلم فنصبت رجلا ، فلحنها بعض الحاضرين من الندماء ، وقال : ~~الصواب الرفع لأنه خبر إن . فقالت الجارية : ما حفظته من معلمي إلا هكذا . ~~ثم وقع النزاع بين الجماعة ، فمن قائل الصواب معه ، ومن قائل الصواب معها ، ~~فقال الواثق : من بالعراق من أهل العربية ممن يرجع إليه ؟ فقالوا : بالبصرة ~~أبو عثمان المازني ، وهو اليوم واحد عصره في هذا العلم . فقال الواثق : ~~اكتبوا إلى والينا بالبصرة يسيره إلينا معظما مبجلا فما كان إلا أيام حتى ~~وصل الكتاب إلى البصرة ، فمر الوالي أبا عثمان بالتوجه وسيره على بغال ~~البريد ، فلما وصل دخل على الواثق ، فرفع مجلسه وزاد في إكرامه وعرض عليه ~~البيت ، فقال : الصواب مع الجارية ، ولا يجوز في رجل غير النصب لأن مصاب ~~مصدر بمعنى الإصابة ورجلا منصوب به ، والمعنى أن إصابتكم رجلا أهدى السلام ~~تحية ظلم ، فظلم خبر إن ؛ وما يتم الكلام إلا به . PageV01P270 ففهم الواثق ~~كلام أبي عثمان ، وعلم أن الحق ما قالته وأعجب به ، وانقطع الرجل الذي أنكر ~~على الجارية ، ثم أمر الواثق لأبي عثمان المازني بألف دينار ، وأتحفه بتحف ~~وهدايا كثيرة لأهله ، ووهبت له الجارية جملة أخرى ، ثم سيره إلى بلده مكرما ~~، فلما وصل جاء المبرد فقال له أبو عثمان : كيف رأيت يا أبا العباس ، تركت ~~لله مائة فعوضني ألفا . فقال المبرد : من ترك شيئا لله عوضه خيرا منه ، ~~انتهى . # | الاسم الأعظم # عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' سألت ~~الله الاسم الأعظم فجاءني ms237 جبريل به مختوما ، وهو اللهم إني أسألك بالاسم ~~المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم ' . قالت ~~عائشة : بأبي وأمي علمنيه . فقال : يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء ~~والصبيان والسفهاء ، انتهى . # | فائدة # كان أبو محمد عبد الله بن يحيى الضبعي من أصحاب الشافعي وكان إماما صالحا ~~عالما من أهل اليمن من أقران صاحب البيان من تصنيفه : احترازات المهذب ~~والتعريف في الفقه . روى أن ناسا ضربوه بالسيف فلم تقطع سيوفهم فيه فسئل عن ~~ذلك ، فقال : كنت أقرأ : ' ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ' ، فالله خير ~~حافظا ، وهو أرحم الراحمين ' له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله إن الله لا PageV01P271 يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ' ، ' إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ' ، ' وحفظناها من كل شيطان رجيم ' ، ' وحفظا ~~من كل شيطان مارد ' ، ' وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ' ، ' إن كل نفس لما ~~عليها حافظ ' ، ' إن بطش ربك لشديد ' ، إلى آخر السورة ، وينبغي أن يزاد ~~فيها ' إن ربي على كل شيء حفيظ ' . ثم قال : كنت خرجت يوما مع جماعة فرأيت ~~ذئبا يلاعب شاة عجفاء ، ولا يضرها بشيء ، فلما دنونا منه نفر منها الذئب ، ~~فوجدنا في عنق الشاة كتابا مربوطا فيه هذه الآيات المتقدمة ، انتهى . ~~PageV01P272 # | فائدة # قال معاذ بن جبل : احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن ~~صلاة الصبح ، حتى كدنا نتراءى عين الشمس ، فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى ~~وتجوز في صلاته ، فلما سلم دعا بصوته ، فقال لنا : على مصافكم كما أنتم ، ~~ثم انفتل إلينا ، فقال : أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة ؟ ؟ ! إني ~~قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي ، فنعست في صلاتي حتى استثقلت ، فإذا ~~أنا بربي تعالى في أحسن صورة ، فقال : يا محمد ، فقلت : لبيك يا رب . قال : ~~فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : ربي لا أدري . قال تعالى : ' في الكفارات ~~والدرجات ' . وفي رواية : ' قلت : في الكفارات ms238 والدرجات ' . قال : فما هن ؟ ~~قلت : مشي الأقدام إلى الجماعات ، والجلوس في المساجد بعد الصلوات ، وإسباغ ~~الوضوء على المكروهات . قال : ثم فيم ؟ قلت : إطعام الطعام ، ولين الكلام ، ~~والصلاة بالليل والناس نيام . قال : سل ، قلت : ' اللهم إني أسألك فعل ~~الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت ~~بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ، أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل ~~يقربني إلى حبك ' . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إنها حق ~~فادرسوها ثم تعلموها ' . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح انتهى من حياة ~~الحيوان في حرف النون . وقال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، الشرك ~~، فقال : هو أخفى فيكم من دبيب النمل ، وسأدلك على شيء إذا فعلته ، أذهب ~~الله عنك صغار الشرك وكباره . تقول : ' اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا ~~، وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم إنك أنت علام الغيوب ، تقولها ثلاث مرات ~~' ، انتهى . PageV01P273 # | فائدة # إذا علقت عين الهدهد على صاحب النسيان ذكر ما نسيه ، ودمه إذا قطر في ~~البياض العارض في العين أذهبه . وروى أحمد والبزار ، ورجال أحمد ثقات ، من ~~حديث أبي هريرة : ' أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشرب قائما ، ~~فقال له : أيسرك أن يشرب معك الهر ؟ قال : لا . قال : فقد شرب معك الشيطان ~~' . وفي تاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي عن أنس بن مالك قال ~~: كنت جالسا عند عائشة رضي الله عنها ، أبشرها بالبراءة ، فقالت : والله ~~لقد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة ، وما عرض علي طعام ولا شراب ، ~~فكنت أرقد وأنا جائعة ، فرأيت في منامي فتى ، فقال : مالك حزينة ؟ فقلت : ~~مما ذكر الناس . فقال : ادعي بهذه يفرج الله عنك . فقلت : وما هي ؟ قال : ~~قولي دعاء الفرج : يا سابغ النعم ، ويا دافع النقم ، ويا فارج الغمم ، ويا ~~كاشف الظلم ، ويا أعدل من حكم ، ويا حسيب من ظلم ، ويا ولي من ظلم ، ويا ~~أول بلا بداية ، ويا آخر بلا نهاية ، ويا من له اسم بلا ms239 كنية ، اجعل لي من ~~أمري فرجا ومخرجا . قالت : فانتبهت وأنا ريانة شبعانة ، وقد أنزل الله ~~براءتي وجاءني الفرج . انتهى من حياة الحيوان . وهذا الدعاء روى الطبراني ~~بإسناد صحيح قطعة منه عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأعرابي ، ~~وهو يدعو في صلاته يقول : يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا ~~يصفه الواصفون ، ولا تغيره الحوادث ، ولا يخشى الدوائر ، يعلم مثاقيل ~~الجبال ، ومكاييل البحار ، وعدد قطر الأمطار ، وعدد ورق الأشجار ، وعدد ما ~~أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار ، ولا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ~~ولا بحر إلا ويعلم ما في قعره ولا جبل إلا يعلم ما في وعره ، اجعل اللهم ~~خير عمري آخره ، وخير عملي خواتيمه وخير أيامي يوم لقائك . فوكل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالأعرابي رجلا فقال : إذا صلى فائتني به ، فلما صلى أتاه ~~به وقد كان PageV01P274 أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم ، ذهب من بعض ~~المعادن ، فلما أتى الأعرابي وهب له الذهب ، وقال : ممن أنت أيها الأعرابي ~~؟ قال : من بني عامر بن صعصعة . فقال صلى الله عليه وسلم : هل تدري لم وهبت ~~لك هذا الذهب ؟ قال : للرحم التي بيننا وبينك يا رسول الله . قال صلى الله ~~عليه وسلم : إن للرحم حقا ، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله عز وجل ~~. انتهى من حرف الطاء . # | بهرام جور والرماية # وفي كتاب ثمار القلوب للثعالبي في الباب الثالث عشر منه ، أن الملك بهرام ~~جور لم يكن في العجم أرمى منه . ومن غريب ما اتفق له أنه خرج يوما يتصيد ~~على جمل ، وقد أردف جارية يعشقها فعرضت له ظباء ، فقال للجارية : في أي ~~موضع تريدين أن أضع هذا السهم من هذه الظباء ؟ قالت : أريد أن تشتبه ~~ذكرانها بإناثها ، وإناثها بذكرانها . فرمى ظبيا ذكرا بنشابة ذات شعبتين ~~فاقتلع قرينه ، ورمى ظبية بنشابتين ، أثبتهما في موضع القرنين . ثم سألته ~~أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة . فرمى أذن الظبي ببندقة ، فلما أهوى ~~بيده إلى أذنه ليحك رماه ms240 بنشابة فوصل أذنه بظلفه ، ثم أهوى إلى الجارية مع ~~هواه بها فرمى بها إلى الأرض وأوطأها الجمل بسبب ما اشترطت عليه وقال : ما ~~أردت إلا إظهار عجزي ، فلم تلبث إلا يسيرا وماتت . انتهى . PageV01P275 # | حكاية في القطا # يقال نزل عمرو بن أمامة على قوم من مراد ، فطرقوهم ليلا فأثاروا القطا من ~~أماكنها ، فرأتها امرأة يقال لها حذام ، فلما رأت القطا طار ليلا نبهت ~~زوجها مع رجال من قومها فقالت لهم : ولو ترك القطا ليلا لناما . فلم ~~يلتفتوا إلى قولها وأخلدوا إلى مضاجعهم فقام رجل منهم وقال : إذا قالت حذام ~~فصدقوها . . . فإن القول ما قالت حذام فنفر القوم والتجئوا إلى واد قريب ~~منهم ، واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا من عدوهم ، فضرب به المثل . انتهى ~~بتقديم وتأخير . # | يا جامع الناس # وعن أبي جعفر الخالدي قال : ودعت أبا الحسن الصغير المدني فقلت له : ~~زودني شيئا ؟ فقال : إذا ضاع منك شيء وأردت أن يجمع الله بينك وبين ذلك ~~الشيء أو ذلك الإنسان ، فقل : يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه ، إن الله لا ~~يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا وكذا ، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء ~~أو ذلك الإنسان . انتهى من حرف الألف . الملك والمرأة العفيفة وهذه أبيات : ~~لصيد اللخم في البحروصيد الأسد في البروقضم الثلج في القر ونقل الصخر في ~~الحروإقدام على موتوتحويل إلى القبر لأشهى من طلاب العر . . . ف ممن عاش في ~~الفقر قوله : اللخم ، بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة ، ضرب من السمك ضخم ~~يقال له : الكوسج وهو القرش . انتهى من حياة الحيوان في حرم اللام . ~~PageV01P276 # | الملك والمرأة العفيفة # وذكر بعض أهل التواريخ أن ملكا من الملوك خرج يدور فلي ملكه ، فوصل إلى ~~قرية عظيمة ، فدخلها منفردا ، فأخذه العطش ، فوقف بباب دار من دور القرية ~~وطلب ماء ، فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز ماء وناولته إياه ، فلما نظر لها ~~افتتن بها ، فراودها عن نفسها ، وكانت المرأة عارفة به ، فعلمت أنها لا ~~تقدر على الامتناع منه ، فدخلت وأخرجت له كتاب ، وقالت له : انظر في ms241 هذا ~~الكتاب حتى أصلح من أمري ما تحب وأعود . فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه ، وإذا ~~فيه الزجر عن الزنا وما أعد الله تعالى لفاعله من العذاب الأليم ، فاقشعر ~~جلده ونوى التوبة ، وصاح بالمرأة ، وأعطاها الكتاب ومر ذاهبا . وكان زوج ~~المرأة غائبا ، فلما حضر أخبرته الخبر ، فتحير في نفسه وخاف أن يكون قد وقع ~~غرض الملك فيها ، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك ، ومكث على ذلك مدة ، ~~فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها ، فرفعوه إلى الملك ، فلما مثل بين ~~يدي الملك قال أقارب المرأة : أعز الله مولانا الملك ، إن هذا الرجل قد ~~استأجر منا أرضا للزراعة ، فزرعها مدة ، ثم عطلها فلا هو يزرعها ، ولا هو ~~يتركها لنؤجرها لمن هو يزرعها ، وقد حصل الضرر للأرض ، ونخاف فسادها بسبب ~~التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت . فقال الملك لزوج المرأة : ما يمنعك ~~من زرع أرضك ؟ فقال : أعز الله مولانا الملك ، إنه قد بلغني أن الأسد قد ~~دخل أرضي ، وقد رهبته ولم أقدر على الدنو منه لعلمي أنه لا طاقة لي بالأسد ~~. ففهم الملك القصة فقال : يا هذا إن أرضك طيبة صالحة للزراعة ، فازرعها ~~بارك الله لك فيها ، فإن الأسد لن يعود إليها ، ثم أمر له ولزوجته بصلة ~~حسنة وصرفهما ، انتهى من حرف الألف . PageV01P277 | # | فائدة # الفرزدق اسمه همام بن غالب ، والفرزدق لقب غلب عليه ، والفرزدق قطع ~~العجين الواحدة فرزدقة ، ولقب به لغلظه وقصره ، انتهى . # | فائدة عظيمة # قال الأطباء : إذا أردت أن تعرف أن المرأة عقيم أو لا ، فمرها أن تتحمل ~~بثومة في قطنة ، وتمكث سبع ساعات ، فإن فاح من فمها رائحة الثوم ، فعالجها ~~بالأدوية ، فإنها تحمل بإذن الله تعالى وإلا فلا ، وهي مجربة ، والله أعلم ~~. # | فائدة # قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي في أذكاره في باب أذكار المسافر عند ~~إرادته الخروج من بيته : يستحب له عند إرادة الخروج أن يصلي ركعتين لحديث ~~المطعم بن المقداد الصحابي رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' ما خلف أحد عند أهله أفضل من ms242 ركعتين يركعهما عندهم حين يريد السفر ~~' . رواه الطبراني وقال : في تتمة أخرى قال الشيخ قطب الدين القسطلاني : ~~مما حفظت من والدتي أم محمد آمنة ، وكنت وفاتها في صفر سنة ست وخمسين ~~وستمائة : اللهم بتلألؤ نور بهاء حجب عرشك ، من أعدائي احتجبت ، وبسطوة ~~الجبروت ممن يكيدني استترت وبطول حول حجب عرشك من عدائي احتميت ، وبشديد ~~قوتك من كل سلطان تحصنت وبديموم قيوم دوام أبديتك من كل شيطان استعذت ~~وبمكنون السر في سرسرك من كل هم وغم تخلصت ، يا حامل العرش عن حملة العرش ، ~~يا شديد البطش ، يا حابس الطير والوحش احبس عني من ظلمني واغلب من غلبني . ~~' كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ' ، انتهى . PageV01P278 # | فائدة # إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب لها : بسم الله الرحمن الرحيم لا إله ~~إلا الله الحليم الكريم ، سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب ~~العالمين . كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ . ~~فهل يهلك إلا القوم الفاسقون . # | فائدة # تكتب هؤلاء الكلمات وتجعل في أنبوبة وتدفن في الزرع والكرم فإنه لا يؤذيه ~~الجراد بإذن الله تعالى وهي : بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم اللهم أهلك صغارهم واقتل كبارهم وأفسد بيضهم وخذ ~~بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء . إني توكلت على الله ربي ~~وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم صل على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه واستجب منا يا أرحم الراحمين . # | دعاء # وقال الشيخ قطب الدين ، ومما حفظته من دعاء والدي من الأدعية التي تنفع ~~في الحجب عن الأعداء : اللهم بسر الذات وبذات السر وهو أنت أنت ، هو لا إله ~~إلا أنت ، احتجبت بنور الله وبنور عرش الله وبكل اسم الله من عدوي وعدو ~~الله بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله ، ختمت على نفسي وديني وأهلي ومالي ~~وولدي وجميع ما أعطاني ربي بخاتم الله القدوس المنيع الذي ختم به أقطار ~~السموات ms243 والأرض ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا ~~الله ونعم الوكيل . PageV01P279 # | سك النقود في الإسلام # وقال الكسائي : دخلت على الوليد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال ~~كثير قد أمر بتفرقته على خدمه الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله ~~وكان كثيرا ما يحدثني فقال : هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب ~~والفضة ؟ قلت : هو يا سيدي عبد الملك بن مروان . قال : فما كان السبب في ~~ذلك ؟ قلت : لا أعلم غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة . قال : سأخبرك ، ~~كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك الروم ، وكانت ~~تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وابنا وزوجة وبنتا ، فلم يزل كذلك صدر ~~الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك ، فتنبه وكان فطنا ~~، فبينما هو ذات يوم جالس إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم ~~بالعربية ففعل ذلك فأنكره ، وقال : ما أغلظ هذا في دين الإسلام أن يكون ~~طراز القراطيس هكذا وهي تعمل في الأواني والثياب ، وهما يعملان بمصر وغير ~~ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد . فأمر بالكتاب إلى عبد ~~العزيز بن مروان ، وكان عامله بمصر ، ببطال ذلك الطراز الذي يعمل على ~~الثياب والقراطيس والستور وغير ذلك ، وأن تعمل صناع القراطيس سورة التوحيد ~~، وشهد أن لا إله إلا هو ، وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت ، ولم ~~ينقص ولم يزد ولم يتغير ، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم ~~من القراطيس المطرزة بطراز الروم ، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء ~~منه بالضرب الوجيع والحبس الطويل بعدما أثبت القراطيس بالطراز المحدث ~~بالتوحيد ، وحمل إلى بلاد الروم منها وانتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ~~ذلك الطراز ، فأنكره وعظم عليه ، واستشاط غيظا فكتب إلى عبد الملك : إني ~~أعمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم ، ولم تزل تطرز بطراز الروم ~~إلى أن أبطلته ، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد ms244 أصاب فقد أخطأت ، وإن كنت ~~قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر من هاتين الخلتين أيهما شئت وأحببت ، وقد بعثت ~~إليك بهدية تليق بمحلك ، وأحببت أن ترد طراز تلك القراطيس إلى ما كان عليه ~~، وجميع ما كان يطرز أولا لأشكرك عليه وتأمر بقبض الهدية . وكانت عظيمة ~~القدر . فلما قرأ عبد الملك كتابه ، رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له ورد ~~الهدية ، فانصرف بها إلى صاحبه . PageV01P280 فلما وافاه أضعف الهدية ، ورد ~~الرسول إلى عبد الملك وقال : إني ظننت أنك استقللت الهدية ، فلم تقبلها ولم ~~تجبني إلى كتابي فأضعفت الهدية ، وأنا أرغب إليك مثل ما رغبت فيه أولا من ~~رد الطراز إلى ما كان عليه . فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية ، ~~فكتب إليه ملك الروم كتابا يقتضي أجوبة كتبه ويقول : إنك قد استخففت بجوابي ~~وهديتي ولم تسعفني بحاجتي فتوهمت أن استقللت الهدية فأضعفتها ، فجريت على ~~سبيلك الأول ، وقد أضعفتها لك ثالثا ، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز ~~إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدراهم والدنانير ، فإنك تعلم أنه لا ينقش ~~شيء منها إلا ما ينقش في بلادي ، ولم أر الدراهم والدنانير نقشت في بلاد ~~الإسلام فتنقش عليها شتم نبيك ، فإذا قرأته ارفض جبينك عرقا ، فأحب أن تقبل ~~هديتي ، وترد الطراز إلى ما كان عليه أول الأمر ، وكانت هدية بررتني بها ~~ويبقى الأمر بيني وبينك . فلما قرأ عبد الملك الكتاب صعب عليه ، وعظم ، ~~وضاقت به الأرض وقال : أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من شتم هذا الكافر ما يبقى إلى أبد الدهور . ~~ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب ، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس ~~بدنانير الروم ودراهمهم ، فجمع أهل الإسلام واستشارهم ، فلم يجد عندهم رأيا ~~يعمل به ، فقال له روح بن زنباع : إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك ~~تتعمد تركه . فقال : ويحك بم ؟ قال : عليك بالباقر من آل بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم . قال : صدقت ، ويمكنه يا روح الرأي فيه ms245 . قال : نعم . فكتب ~~إلى عامله بالمدينة أن أرسل محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه بمائة ألف ~~درهم لجهازه وثلاثمائة درهم لنفقته ، وأرح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه ~~من أصحابه . وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي ، فلما وافاه أخبره ~~الخبر فقال له محمد رضي الله عنه : لا يعظم هذا عليك ، فإنه ليس بشيء من ~~جهتين : إحداهما أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثانية تدعو في هذا الوقت بصناع يضربون ~~سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد ، وذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إحداهما في وجه الدرهم والدينار والأخرى في الوجه ~~الثاني PageV01P281 وتجعل في مدار الدرهم أو الدينار ، ذكر البلد الذي يضرب ~~فيه والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير ، وتعمد إلى وزن ثلاثين ~~درهما عددا من الثلاثة أصناف التي ، العشرة منها وزن عشرة مثاقيل ، وعشرة ~~منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعا أحدا ~~وعشرين مثقالا فيجزئها من الثلاثين ، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة ~~مثاقيل وتصب صنجاة من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان ، فتضرب ~~الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل . وكانت الدراهم في ~~ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن راس البغل ~~ضربها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بسكة كسروية في الإسلام ، مكتوب عليها ~~صورة الملك ، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور ، أي كل هنيئا ، وكان ~~وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ~~ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السامرية الخفاف ، والثقال ونقشها ~~نقش فارس ، ففعل ذلك عبد الملك وأمره محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه ~~أن يكتب السكة في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها ~~وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرهما ، ~~وأن تبطل وتزد إلى مواضع ms246 العمل حتى تعاد إلى السكة الإسلامية . ففعل عبد ~~الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه بذلك ويقول : إن الله عز وجل مانعك مما ~~قد أردت أن تفعله ، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وكذا وبإبطال ~~السكك والطراز الرومية . فقيل لملك الروم : افعل ما كنت تهددت به ملك العرب ~~. ؟ فقال : إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأنني كنت قادرا عليه بالمال ~~وغيره برسوم الرسوم ، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام ~~وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم ~~إلى اليوم . ثم رمى يعني الوليد بالدرهم إلى بعض الخدم . PageV01P282 # | منام صادق # وقال نصر الله بن مجلي ، وكان من الثقات وأهل السنة : رأيت علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه في المنام ، فقلت : يا أمير المؤمنين ! تفتحون مكة ، ~~وتقولون : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم . ~~فقال : أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا ؟ قلت : لا . قال : اسمعها منه . ~~ثم انتبهت فبادرت إلى دار حيص بيص فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف بالله ~~أنها لم تخرج من فيه أو خطه لأحد وما نظمها إلا في ليلته ، ثم أنشدني : ~~ملكنا فكان العفو منا سجية . . . فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتمو قتل ~~الأسارى وطالما . . . غدونا عن الأسرى نفك ونصفح واسم حيص بيص سعيد بن محمد ~~أبو الفوارس التميمي الشاعر المعروف ، ويعرف بابن الصيفي ، ولقب بحيص بيص ~~لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد فقال : ما للناس في حيص بيص ~~فبقي هذا اللقب عليه ، ومن محاسن شعره : يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا . ~~. . أقصر عناك ، فإن الرزق مقسوم الرزق يأتي إلى من ليس يطلبه . . . وطالب ~~الرزق يسعى وهو محروم وله أيضا : يا طالب الطب من داء أصيب به . . . إن ~~الطبيب الذي أبلاك بالداء هو الطبيب الذي يرجى لعافية . . . لا من يذيب لك ~~الترياق في الماء وله أيضا : إله عما استأثر الله ms247 به . . . أيها القلب ودع ~~عنك الحرق فقضاء الله لا يدفعه . . . حول محتال ، إذا الأمر سبق وله أيضا : ~~أنفق ولا تخش إقلالا ، فقد قسمت . . . على العباد من الرحمن أرزاق لا ينفع ~~البخل من دنيا مولية . . . ولا يضر مع الإقبال إنفاق ؟ PageV01P283 # | الذكاء والفهم # ومما جاء في الذكاء والفهم ما حكي عن المأمون أنه غضب على عبد الله بن ~~طاهر ، وشاور أصحابه في الإيقاع به ، وكان قد حضر في ذلك المجلس صديق له ~~فكتب إليه كتابا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، يا موسى . فلما فضه ووجد ~~ذلك تعجب وجعل يطيل النظر إليه ولا يفهم معناه ، وكانت له جارية واقفة على ~~رأسه فقالت له : يا سيدي ، إني أفهم معنى هذا . فقال : وما هو ؟ قالت : إنه ~~أراد قوله تعالى : ' يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ' . وكان قد عزم ~~على الحضور إلى المأمون ، فثنى العزم عن ذلك واعتذر للمأمون في عدم الحضور ~~فكان سبب سلامته . وأحسن من ذلك ما ذكره ابن خلكان قال : إن بعض الملوك غضب ~~على بعض عماله فأمر وزيره أن يكتب له كتابا يشخصه به ، وكان للوزير بالعامل ~~عناية ، فكتب إليه كتابا وكتب في آخره ، إن شاء الله تعالى . وجعل في صدر ~~النون شدة . فعجب العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير إذ من عادة الكتاب ~~أن لا يشكلوا كتبهم ، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد : إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك . فكشط الشدة وجعل مكانها ألفا وختم الكتاب وأعاده . فلما وقف عليه ~~الوزير سر بذلك وفهم أنه أراد : إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها . ؟ ~~PageV01P284 # | أبو حنيفة وجاره الإسكافي # وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان : أن أبا حنيفة رضي الله عنه ، كان له ~~جار إسكافي يعمل نهاره ، فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ثم شرب ، فإذا دب ~~الشراب فيه غنى وقال : أضاعوني ، وأي فتى أضاعوا . . . ليوم كريهة وسداد ~~ثغر ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم ، وأبو حنيفة يسمع صوته ~~كل ليلة . وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله ، ففقد أبو ms248 حنيفة صوته فسأله عنه ~~فقيل : أخذه العسس منذ ليال ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده ، ثم ركب بغلته ~~وأتى إلى دار الأمير ، فاستأذن عليه ، فقال : ائذنوا له ، وأقبلوا به راكبا ~~ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط . ففعل به ذلك ، فوسع له الأمير من مجلسه ~~وقال له : ما حاجتك ؟ قال : أشفع في جاري . فقال الأمير : أطلقوه وكل من ~~أخذ في تلك الليلة . فخلوهم أيضا وذهبوا وركب أبو حنيفة بغلته وخرج ~~والإسكافي يمشي وراءه فقال له أبو حنيفة : يا فتى ! هل أضعناك ؟ فقال : بل ~~حفظت ورعيت فجزاك الله خيرا عن حرمة الجوار . ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما ~~كان يفعل . وقال الشافعي : قلت لمالك ، هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال : نعم ، ~~رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته . # | دواء للصداع # قال الحافظ ابن عساكر ، أيضا : ويكتب للصداع . بسم الله الرحمن الرحيم ~~كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا ألم تر إلى ربك كيف ~~مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا كهيعص حمسق كم لله من نعمة على عبد شاكر وغير ~~شاكر ، وكم لله من نعمة في قلب خاشع وغير خاشع ، وكم لله من نعمة في كل عرق ~~ساكن وغير ساكن ، اذهب أيها الصداع بعز عز الله بنور وجه الله ، وله ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع العليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ، ~~فإنه نافع . PageV01P285 وعن أبي الدرداء قال : صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فمر بنا كلب فما بلغت رجله يده حتى مات ، فلما فرغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : من الداعي على هذا الكلب ؟ فقال رجل من القوم : أنا ~~يا رسول الله قال : فما قلت ؟ قال : قلت : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا ~~إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام اكفنا ~~هذا الكلب بما شئت . فقال صلى الله عليه ms249 وسلم : لقد دعا الله بالاسم الأعظم ~~الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى . وفي هذا الحديث في السنن الأربعة ~~ومسند أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان . قيل : وكانت صلاة العصر يوم الجمعة ~~وأن الرجل الداعي سعد بن أبي وقاص ، انتهى . # | فائدة # قال القرافي : اتفق الناس على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه الصلاة ~~والسلام ، وليس الكفر فيها لامتناعه من السجود ، وإلا لكان كل من أمر ~~بالسجود وامتنع منه كافرا ، وليس كفره بكونه حسد آدم عليه الصلاة والسلام ~~على منزلته من الله تعالى ، وإلا لكان كل حاسد كافرا ، وليس كفره بعصيانه ~~وفسوقه ، وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا ، وقد أشكل ذلك على جماعة من ~~الفقهاء وينبغي أنه إنما كفر بنسبه الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ~~ليس بمرضي ، ويظهر ذلك من فحوي قوله : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين . ومراده أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم ، ~~وهذا وجه كفره لعنه الله تعالى . وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله ~~تعالى لذلك فهو كافر ، انتهى . ومنه أيضا قول الشاعر : خليلي إن قالت بثينة ~~: ما له . . . أتانا بلا وعد ، فقولا لها : لها أتى وهو مشغول بعظم الذي به ~~. . . ومن بات طول الليل يرعى السها سها بثينة تزري بالغزالة في الضحى . . ~~. إذا برزت لم يبق يوما بها بها لها مقلة كحلا وخد مورد . . . كأن أباها ~~الظبي أو أمها مها دهتني بود قاتل ، وهو متلفي . . . وكم قتلت بالمزج من ~~ودها دها PageV01P286 هي من مزج النغف بنون وغين معجمتين مفتوحتين ثم فاء ، ~~دود يكون في أنف الإبل والغنم الواحدة نغفة ، انتهى عن الأصمعي . وقال أبو ~~عبيدة : هو الدود الأبيض يكون في النوى ، وما سوى ذلك الدود ليس بنغف . ~~وروى مسلم عن النواس بن سمعان في حديثه الذي رواه في الدجال : ' ويبعث الله ~~يأجوج ومأجوج فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ' . ~~ومعنى قوله : فرسى ، قتلى وقيل للواحدة : فريس من فرس الذئب الشاة وافترسها ~~. # | حكاية ms250 الهامة # روى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال : كنت عند كعب الأحبار ، وهو ~~عند عمر بن الخطاب ، فقال كعب الأحبار : يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب ~~شيء رأيته في كتب الأنبياء ؟ إن هامة جاءت إلى سليمان بن داود عليهما ~~السلام فقالت : السلام عليك يا نبي الله . فقال : وعليك السلام يا هامة ، ~~أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع ؟ قالت : يا نبي الله ، إن آدم أخرج من ~~الجنة بسببه . قال : فكيف لا تشربين الماء ؟ قالت : لأنه غرق فيه قوم نوح ، ~~فمن أجل ذلك لا أشربه . فقال لها : كيف تركت العمران وسكنت الخراب ؟ قالت : ~~لأن الخراب ميراث الله تعالى ، فأنا أسكن ميراث الله تعالى . قال الله ~~تعالى : ' وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ' . فالدنيا ميراث الله كلها . قال سليمان : ~~فما تقولين إذا جلست فوق خربة ؟ قالت : أقول أين الذين كانوا يتنعمون فيها ~~. PageV01P287 قال سليمان : فما صياحك في الدور إذا مررت عليها ؟ قالت : ~~أقول ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد ؟ قال سليمان عليه السلام : ~~فما لك لا تخرجين بالنهار ؟ قالت : من ظلم بني آدم لأنفسهم . قال : ~~فأخبريني ما تقولين في صياحك ؟ قالت : أقول تزودوا يا غافلون وتهيئوا ~~لسفركم ، سبحان خالق النور . فقال سليمان : ليس في الطيور طير أنصح لابن ~~أدم ولا أشفق عليه من الهامة ، وما في قلوب الجهال أبغض منها ، والهامة ~~بتخفيف الميم ، على المشهور طير الماء ، انتهى . # | فائدة # اليحمور : حمار الوحش ، وفي كتاب العرائس لأبي الفرج الجوزي : أن بعض ~~طلبة العلم خرج من بلاده فرافقه شخص في الطريق فلما كان قريبا من المدينة ~~التي قصدها قال له ذلك الشخص : قد صار لي عليك حق وذمة ، وأنا رجل من الجان ~~ولي إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : إذا أتيت مكان كذا وكذا فإنك تجد فيه ~~دجاجات بينهن ديك أبيض فاسأل عن صاحبه واشتره منه ، واذبحه ، فهذه حاجتي ~~إليك . قال : فقلت له : يا أخي وأنا أيضا أسألك حاجة ؟ قال : وما ms251 هي ؟ قلت ~~: فإذا كان للإنسان مارد لا تعمل فيه العزائم وألح بالآدمي منا ما دواؤه . ~~قال : يؤخذ له وتر قدر شبر من جلد اليحمور ويشد به إبهام المصاب من يده شدا ~~وثيقا ، ثم يؤخذ له من دهن السذاب البري ويقطر في أنفه الأيمن أربعا وفي ~~الأيسر ثلاثا فإن الماسك به يموت ولا يعود إلى أحد بعده . قال : فلما دخلت ~~المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز ، فسألتها بيعه ، فأبت ، ~~فاشتريته منها بأضعاف ثمنه ، فلما اشتريته وملكته تمثل لي من بعيد وقال ~~بالإشارة : اذبحه ، فذبحته فخرج علي عند ذلك رجال ونساء ، فجعلوا يضربونني ~~ويقولون : يا ساحر . فقلت : لست بساحر . فقالوا : إنك منذ ذبحت الديك أصيبت ~~شابة عندنا بجني . وإنه منذ مسكها لم يفارقها . PageV01P288 فطلبت منهم ~~وترا قدر شبر من جلد يحمور وشيئا من دهن السذاب البري ، فأتوا بهما فشددت ~~إبهامي يدي الشابة شدا وثيقا ، فلما فعلت بها ذلك صاح قائلا : وأنا علمتك ~~على نفسي ، ثم قطرت من الدهن في أنفها الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا فخر ~~من قوته ميتا ، وشفى الله تلك الشابة ولم يعاودها بعدها شيطان . # | الحاكم بأمر الله وصاحب البستان # وحكى القاضي شهاب الدين فضل الله في كتابه مسالك الأنصار في ممالك ~~الأمصار ، في ترجمة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور ، قال : بينما هو في ~~موكبه قبلي بركة الحبش ، إذ مر برجل على بستان له وحوله عبيده ، فاستسقاه ~~ماء فسقاه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، قد أطمعتني في السؤال ، فإن رأى ~~أمير المؤمنين أن يكرمني بنزوله لأحظى بتمام السعد ؟ فأجابه لذلك ونزل ~~بجيشه ، فأخرج الرجل مائة بساط ومائة نطع ومائة وسادة ومائة طبق فاكهة ~~ومائة جام حلوى ومائة زبدية سكرية ، فبهت الحاكم وقال : أيها الرجل ، خبرك ~~عجيب ، هل علمت بنا فأعددت هذا ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين ، وإنما ~~أنا تاجر من رعيتك لي مائة محظية ، فلما أكرمتني بالنزول عندي أخذت من كل ~~واحدة شيئا من فرشها وزائد أكلها وشربها ، فإن لكل واحدة في كل يوم طبق ~~طعام ms252 وطبق فاكهة وجام حلوى وزبدية شراب . فسجد أمير المؤمنين شكرا لله ~~تعالى وقال : الحمد لله الذي جعل في رعايانا من يسع حاله هذا ، ثم أمر له ~~بما ، في بيت المال من الدراهم المضروبة في تلك السنة ، فكانت ثلاثة آلاف ~~ألف وسبعمائة ألف ، ولم يركب حتى أحضرها وأعطاها للرجل وقال له : استعن ~~بهذا على حالك ومروءتك ، ثم ركب وانصرف . PageV01P289 # | سخاء البرامكة # حكى أبو إسحاق إبراهيم الموصلي قال : دعاني يحيى ابن خالد ، فدخلت عليه ، ~~فوجدت الفضل وجعفرا ولديه جالسين بين يديه فقال لي : يا أبا إسحاق أصبحت ~~اليوم مهموما فأردت الصبوح لأتسلى فغن لي صوتا لعلي أرتاح له فغنيته : إذا ~~نزلوا بطحاء مكة أشرقت . . . بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر فما خلقت إلا ~~لجود أكفهم . . . وما خلقوا إلا لأعواد منبر فسر وارتاح وأمر لي بمائة ألف ~~، وأمر لي كل واحد من ولديه بمائة ألف فحمل المال جميعه بين يدي فأخذته ~~وانصرفت . وحكي عن مخارق قال : أصبحت السماء مغيمة وأصبح الرشيد مع حريمه ~~وأمرنا بالإنصراف ، وأذن لنا أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام ، فمضى الجلساء ~~أجمعون إلى منازلهم فقلت : والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم الموصلي ، ~~فأعرف خبره ، ثم أعود وأمرت من عندي أن يهيئوا لي مجلسا إلى وقت رجوعي ، ~~فجئت إلى دار إبراهيم ، وقلت للبواب : أخبر أستاذك فأخبره ، فقال : ادخل ، ~~فدخلت فإذا هو جالس في رواق وبين يديه قدر تغرغر وأباريق تزهر وستارة ~~منصوبة والجواري خلفها ، فقلت : ما بال الستارة لا أسمع من ورائها صوتا ؟ ~~فقال : اقعد ويحك أصبحت على ما ترى ، فأتاني خبر ضيعة بيعت بجواري ، وقد ~~كنت طلبتها زمانا ، وتمنيتها فلم أملكها ، وقد أعطي فيها الآن مائة ألف . ~~فقلت : وما يمنعك منها ، وقد أعطاك الله أضعاف هذا المال ؟ قال : صدقت ، ~~ولكن نفسي غير طيبة بإخراج هذا المال . وقال : خذ هذا القضيب ، ونفر بقضيب ~~في يده على المدورة وألقى علي : نام الخليون من وهم ومن سقم . . . وبت من ~~كثرة الأحزان لم أنم يا طالب الجود والمعروف مجتهدا . . . أعمد ليحيى حليف ~~الجود والكرم قال ms253 : فأخذته وأحكمته ثم قال : امض الساعة إلى باب الوزير ~~يحيى بن خالد ، وادخل عليه وحدثه بما رأيت ، واذكر الضيعة وعرفه أني صنعت ~~له هذا الصوت ، فأعجبني ، ولم أجد من يستحقه إلا جاريته دنانير ، وإنني ~~ألقيته عليك لتلقيه عليها ، وائتني بما يكون من الخبر . PageV01P290 قال : ~~فجئت إلى الباب واستأذنت وأعلمته ، فأمر بنصب الستارة ، وألقيت الصوت على ~~الجارية مرارا حتى أحكمته ، فقال لي : تقيم عندنا أو تنصرف ؟ قلت : أنصرف ~~أطال الله بقاء مولانا الوزير . فقال : يا غلام ، احمل معه عشرة آلاف ، ~~واحمل إلى إبراهيم مائة ألف . فحملت مالي وأتيت إلى منزلي فنثرت على من ~~عندي من الجواري دراهم من تلك البدر ، وأكلت وشربت بقية يومي ، فلما أصبحت ~~قلت : والله لأذهبن إلى أستاذي وأعرفن خبره ، فأتيت ودخلت فوجدته على مثل ~~ما كان عليه بالأمس . فقلت له : ما الخبر ، ألم يأتك المال ؟ قال : نعم ، ~~غير أنه لما دخل منزلي بخلت نفسي بإخراجه ، وألقى عليه صوتا آخر أتيت به ~~الفضل بن يحيى وحدثته بما كان من أبيه بالأمس ، فأمر أن يحمل معي عشرون ~~ألفا ، ولإبراهيم مائتا ألف ، وفعلت مثل ما فعلت بالأمس ، وغدوت إليه لما ~~أصبحت ، فوجدته على مثل حاله بمثل عذره ، وألقى علي صوتا غيره ، وأتيت به ~~جعفر بن يحيى ، وأخبرته بما كان من أبيه وأخيه ، فأمر أن يحمل معي ثلاثون ~~ألفا وإلى إبراهيم ثلاثمائة ألف . فحملته معي إليه ، فبكى إبراهيم وقال : ~~وصلت إلي ستمائة ألف وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه ، فعلى مثل هؤلاء يبكى ~~، فرحم الله أرواحهم أجمعين . ؟ # | إسحاق الموصلي يتطفل # قال إسحاق : غدوت يوما وأنا منحصر من ملازمة أمير المؤمنين ، فعرضت نفسي ~~على أن أطوف في الصحراء وأتفرج ، وقلت لغلماني : إذا جاء رسول الخليفة أو ~~غيره فلا تعرفوه مكاني ، فطفت وعدت وقد حمى النهار ، فوقفت في فضاء أستريح ~~، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها ، وعليه جارية راكبة عليها فاخر ~~الثياب ، ورأيت لها قواما حسنا وظرفا فائقا ، فحدثت نفسي أنها مغنية ، ثم ~~أدخلت الدار التي أنا واقف عليها ثم ms254 لم ألبث أن جاء شابان جميلان واستأذنا ~~فأذن لهما فدخلا ، ودخلت معهما فظنا أن صاحب الدار دعاني ، وظن صاحب البيت ~~أنني معهما . وجلسنا ، فأتي بالطعام ، فأكلنا وبالشراب فوضع ، ودخلت ~~الجارية في يدها عود فغنت وشربنا ، فسألهما صاحب المنزل عني فأخبراه أنهما ~~لا يعرفاني فقالوا : هذا طفيلي لكنه ظريف ، فأجملوا عشرتي فشربنا ودار ~~الكأس ، فغنت الجارية تقول : PageV01P291 ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن . . . ~~أمام المطايا تشرئب وتسنح من المؤلفات الرمل أدماء حرة . . . شعاع الضحى من ~~وجهها يتوضح فأدته أداء حسنا . ثم غنت صوتا من القديم والحديث تقول : قل ~~لمن صد عاتبا . . . ونأى عني جانبا قد بلغت الذي أرد . . . ت ، وإن كنت ~~لاعبا فاستعدته منها لأصححه عليها فأقبل علي أحد الرجلين يعنفني ويقول : ما ~~رأينا طفيليا أصفق وجها منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت ، وهذا غاية المثل : ~~طفيلي ويقترح . فأطرقت وجعل صاحبه يكفه وهو لا يلتفت ، ثم قاموا إلى الصلاة ~~وتأخرت بعدهم قليلا ، وأخذت عود الجارية وشددت طبقته وأصلحته إصلاحا محكما ~~، وعدت إلى موضعي وعادوا ، وأخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت ، وأخذت ~~الجارية العود وجسته ، فأنكرت حاله ، وقالت : من جس عودي ؟ قالوا : ما جسه ~~أحد . قالت : بلى والله لقد جسه حاذق متقدم وشد طبقته ، وأصلحه إصلاح متمكن ~~من الصناعة . قلت لها : أنا . فقالت : بالله خذ واضرب . فأخذته وضربت ضربا ~~عجيبا فيه نقرات محركة ، فما بقي منهم أحد إلا وثب وجلس بين يدي ، وقال ~~صاحب المجلس : أقسم بالله أن لك في هذه الصناعة أصواتا غريبة ، فبالله عليك ~~إلا عرفت بنفسك ؟ فقلت : أنا إسحاق الموصلي ، ووالله إني لأتيه على الخليفة ~~إذا طلبت وأنتم ترون صاحبكم هذا يسمعني ما أكرهه لكوني تأدبت معكم ، ودخلت ~~عندكم ، والله لا نطقت بحرف ، ولا جلست حتى تخرجوا هذا الممقوت . فقال له ~~صاحبه : من مثل هذا خفت عليك . وأخذوا بيده وسحبوه وأخرجوه وعادوا فبادرت ~~وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي ، فقال لي الرجل : هل لك في ~~خصلة ؟ قلت : ما هي ؟ قال : تقيم عندنا أسبوعا والمكافأة الجارية والجهاز ms255 ~~لك . قلت : نعم أفعل . وأقمت عنده أسبوعا لا يعرف أحد أين أنا ، والمأمون ~~يطلبني في كل حين وكل موضع ، ولم يقع أحد على خبري ، فلما انقضت الأيام ~~تسلمت الجارية والجهاز والخادم ، PageV01P292 وجئت بذلك إلى منزلي ، وركبت ~~من وقتي إلى المأمون فلما رآني قال : يا أبا إسحاق ويحك ، أين كنت ؟ ~~فأخبرته الخبر فقال : علي بالرجل الساعة . فدللتهم على موضعه ، فأحضره ~~وسأله المأمون فأخبره بالقصة ، فقال : أنت ذو مروءة ، وسبيلك أن تعان عليها ~~وأمر له بمائة ألف ، وقال له : لا تعاشر ذلك النذل المعربد . # | يزيد والأحوص بن جعفر # ومن كلام الأحوص في حضرة يزيد ، غنته جارية بين يديه : إذا رمت عنها سلوة ~~قال شافع . . . من الحب ميعاد السلو المقابر ستبقى لها في مضمر القلب ~~والحشا . . . سريرة ود ، يوم تبلى السرائر فطرب يزيد وقال : لمن الشعر ؟ ~~قالت : لا أدري . قال : ابعثوا إلى الزهري ، وكان قد ذهب من الليل شطره ~~فأتي به فلما صعد إليه قال : لا بأس عليك ، لن ندعوك إلا لخير ، فجلس وسأله ~~عن قائل هذا الشعر ؟ فقال الأحوص . قال : ما فعل به ؟ قال : قد طال حبسه ، ~~فأمر بتخلية سبيله ، وأن يدفع له أربعمائة دينار ، ثم قدم عليه بعد ذلك ~~فأجازه وأحسن إليه إحسانا جزيلا ، وكانت المغنية جارية يزيد بن عبد الملك . # | الرشيد في منزل إبراهيم الموصلي # وحكى مسرور الخادم أن الرشيد قصد الركوب في غير عادته ، فقلت له : أين ~~تريد يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ؟ قال : إلى منزل إبراهيم الموصلي . ~~قال : فمضى حتى انتهى إلى منزل إبراهيم الموصلي ، فخرج وتلقاه وقبل حافر ~~حماره ، وقال : يا أمير المؤمنين في مثل هذه الساعة تظهر ؟ قال : نعم ، شوق ~~طرق بي إليك . ثم نزل وجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم ، فقال له إبراهيم ~~: يا سيدي استنبطنا شيئا نأكله قبل الشراب . PageV01P293 قال : نعم . فجاء ~~بمطعوم كأنما كان معدا له ، فأصاب منه يسيرا ، ثم دعا بشراب حمل معه ، فقال ~~له الموصلي : يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك ؟ قال : بل الجواري . فخرجت ~~جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان ms256 وجانبيه ، فقال إبراهيم : أيضربن كلهن أم ~~واحدة واحدة ؟ فقال : بل يضربن اثنتان اثنتان ، وواحدة واحدة تغني . قال : ~~فضربن اثنتان وغنت واحدة منهن ، فقالت : إذا دعا باسمها داع يحدثني . . . ~~كادت لها مهجتي من حرها تقع لو أن لي صبرها أو عندها جزعي . . . لكنت أعقل ~~ما آتي وما أدع لا أحمل اللوم فيها ، والغرام بها . . . ما كلف الله نفسا ~~غير ما تسع ثم غنت أخرى ، فقالت : طرقتك زائرة فحي خيالها . . . بيضاء تخلط ~~بالجمال دلالها هل يطمسون من السماء نجومها . . . بأكفهم أو يطمسون هلالها ~~شهدت من الأنفال آخر آية . . . فأردتموا بمحالكم إبطالها ثم غنت أخرى ، ~~فقالت : شطت سعاد وأضحى البين قد أبدا . . . وأورثتك سقاما يصدع الكبدا فما ~~احتيالك في جد الرحيل بهم . . . وخلفوك غداة البين ، منفردا لا أستطيع لهم ~~صبرا ولا جلدا . . . ولا تزال أحاديثي بهم جددا قال : فقام حتى وصل إلى صدر ~~الإيوان ، وأخذ بجانبيه والرشيد يسمع ولا ينصت لشيء من غنائهن ، إلى أن ~~غنته صبية من صدر الإيوان من حاشية الصفة هذين البيتين لأبي نواس : يا موري ~~الزند قد أعيت قوادحه . . . أقبس بما شئت من قلبي بمقباس ما أقبح الناس في ~~عيني وأسمجهم . . . إذا نظرت فلم أنظرك في الناس فطرب الرشيد لغنائهما ~~واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا ، وسأل الجارية عن صانعه ، فأمسكت ~~فاستدناها ، فتقاعست ، فأمر بها ، فأقبلت بين يديه ، فأخبرته بشيء أسرته ~~إليه ، فدعا بحماره فركبه ، ثم التفت إلى إبراهيم الموصلي ، فقال له : ما ~~ضرك أن تكون خليفة . PageV01P294 فكادت روحه تخرج حتى دعاه بعد ذلك وأدناه ~~. قال : وكان الذي أخبرته به سرا أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي ~~، وكانت الجارية لها ، فوجهتها إلى إبراهيم الموصلي يطارحها ، ومن قول أبي ~~نواس : دع عنك لومي فإن اللوم إغراء . . . وداوني بالتي كانت هي الداء ~~صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها . . . لو مسها حجر مسته سراء من كف ذات حر في ~~زي ذي ذكر . . . لها محبان لواط وزناء قامت بإبريقها ، والليل معتكر . . . ~~فلاح من وجهها في البيت لألاء أرسلت من فم الإبريق صافية . . . كأنما ms257 أخذها ~~بالعين إغفاء رقت عن الماء حتى ما يلائمها . . . لطافة وجفا عن شكلها الماء ~~فلو مزجت بها نورا لمازجها . . . حتى تولد أنوار وأضواء دارت على فتية دان ~~الزمان لهم . . . فما يصيبهمو إلا بما شاؤوا فقل لمن يدعي في العلم فلسفة . ~~. . حفظت شيئا وغاب عنك أشياء وقال الشاعر : كعصفورة في كف طفل يهينها . . ~~. تذوق مرار الموت ، والطفل يلعب فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها . . . ولا ~~الطير مطلوق الجناحين يهرب PageV01P295 # | الفخ والعصفور # وروى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار . قال : مثل قراء هذا الزمان مثل ~~رجل نصب فخا ، فجاء عصفور ، فدنا إلى الفخ وقال : ما لك متغيبا في التراب ؟ ~~فقال : للتواضع ، فقال : فمم انحنيت ؟ قال : من طول العبادة . قال : فما ~~هذه الحبة التي في فيك ؟ قال : أعددتها للصائمين . فلما تناول الحبة أمسك ~~الفخ عنقه ، فقال العصفور : إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في هذه ~~العبادة اليوم ، انتهى . # | إحدى النصائح # قال الشافعي رضي الله عنه أربعة أشياء تزيد في الجماع : أكل العصافير ، ~~وأكل الإطريفل ، وأكل الفستق ، وأكل الجرجير ، وأربعة أشياء تزيد في العقل ~~: ترك الفضول من الكلام ، والسواك ، ومجالسة الصالحين ، والعمل بالعلم . ~~وأربعة تقوي البدن : أكل اللحم ، وشم الطيب ، وكثرة الغسل من غير جماع ، ~~ولبس الكتان . وأربعة توهن البدن : كثرة الجماع ، وكثرة الهم ، وكثرة شرب ~~الماء على الريق ، وكثرة أكل الحموضة ، انتهى من حرف العين . PageV01P296 # | ابن الخياط والمهدي # ودخل ابن الخياط المكي على المهدي ومدحه فأمر له بخمسين ألف درهم ، فسأله ~~أن يأذن له في تقبيل يده ، فأذن له فقبلها وخرج ، فلما انتهى إلى الباب حتى ~~فرقها جميعا فعوتب في ذلك ، فأنشد يقول : لمست بكفي كفه أبتغي الغنى . . . ~~ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوي الغنى . . . أفدت ~~وأعداني فأتلفت ما عندي فغني بهما المهدي ، فأمر له بخمسين ألف دينار ، ~~انتهى . ولبعضهم تغزلا في مليح : أقول لمقلتيه حين ناما . . . وسحر النوم ~~في الأجفان سار تبارك من توفاكم بليل . . . ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~PageV01P297 # | الإمام أحمد بن حنبل ms258 ومناقبه رضي الله تعالى عنه # مات سنة مائتين وإحدى وأربعين ، وحرر من حضر في جنازته : فكانوا ثمانمائة ~~ألف ، ومن النساء ستين ألفا ، وأسلم يوم موته رضي الله عنه : عشرون ألفا من ~~اليهود والنصارى والمجوس ، انتهى . وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء ~~واللغات : إن المتوكل أمر أن يقاس الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على ~~الإمام أحمد ، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ، وقد حزن عليه رضي الله تعالى ~~عنه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ، وقال محمد بن خزيمة : لما بلغني ~~موت الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، اغتممت غما شديدا ، فرأيته في ~~المنام وهو يتبختر في مشيته ، فقلت : يا أبا عبد الله ما هذه المشية ؟ فقال ~~: مشية الخدام في دار السلام . فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي ~~وتوجني وألبسني نعلين من ذهب . وقال : يا أحمد هذا بقولك : القرآن كلامي ~~غير مخلوق . ثم قال الله تعالى : يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن ~~سفيان التي كانت تدعو بهن في دار الدنيا . فقلت : ريا رب أسألك بقدرتك على ~~كل شيء أن لا تسألني عن شيء واغفر لي كل شيء . فقال جل وعلا : يا أحمد هذه ~~الجنة ، فادخل فيها . وأنشد بعضهم في تاريخ موت الأئمة الأربعة ومولدهم : ~~الإمام أبي حنيفة والإمام مالك ، والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي ~~الله عنهم أجمعين : تاريخ نعمان يكن سيف سطا . . . ومالك في قطع جوف ضبطا ~~والشافعي صين ببرند . . . وأحمد يسبق أمر جعد فخذ على ترتيب نظم الشعر . . ~~. ميلادهم فموتهم فالعمر وكذا في تاريخ الأئمة الخمسة المحدثين ، الإمام ~~الترمذي وأبو داود والإمام مسلم والنسائي والإمام البخاري ، وقد جمع ذلك ~~بعضهم في بيت واحد فقال : إذا رمت الحديث فلذ بخمس . . . تكن مثل المشافه ~~في الحياة تعطر درعه ما رص نسج . . . بنور للمحدث للوفاة PageV01P298 بيان ~~ذلك ، التاء إشارة للترمذي ، والدال إشارة لأبي داود ، والميم إشارة للإمام ~~مسلم ، والنون للنسائي ، والباء للبخاري والله أعلم . # | السكران والجلاد # ويحكى أنه أتي برجل مدني سكران إلى بعض الولاة فأمر بإقامة الحد ms259 عليه ، ~~وكان الرجل طويلا والجلاد قصيرا ، فلم يتمكن من ضربه . فقال الجلاد للمدني ~~: تقاصر لينالك الضرب . فقال : ويلك إلى أكل الفالوذج تدعوني ، والله لوددت ~~أن أكون أطول من عوج بن عنق ، وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج ، فاستظرفه الأمير ~~وخلى سبيله ، انتهى من حلية الكميت . ومن قول ابن المعتز : وجاءني في قميص ~~الليل مستترا . . . يستعجل الخطو من خوف ومن حذر ولاح ضوء صباح كاد يفضحنا ~~. . . مثل القلامة قد قدت من الظفر وكان ما كان مما لست أذكره . . . فظن ~~خيرا ولا تسأل عن الخبر ولبعضهم عفا الله عنه : جرى دمعي من الحال الذي بي ~~. . . كجري الماء في أول أبيب ومع هذا فلم قطع رجائي . . . لأن الله ألطف ~~من أبي بي من كلام الشافعي رضي الله عنه لم يدر طعم الفقر من هو في غنى . . ~~. ومصحح الأعضاء ليس كمبتلي كم فاقة مستورة بمروءة . . . وضرورة قد غطيت ~~بتجمل وتبسم من تحته قلب شج . . . قد صادفته غمة لا تنجلي والناس جمعا عند ~~كل كفؤه . . . والهم مفترق وما أحد خلي لو سود الهم الملابس لم تجد . . . ~~بيض الثياب على أمرئ في محفل وإذا أراد المرء جلو همه . . . عن نفسه من ~~نفسه لا ينجلي PageV01P299 # | رياض نجد # من كلام العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله تعالى في ~~أرض اليمن : رياض نجد بكم جنان . . . فضية نورها حسان وترب واديكمو بنجد . ~~. . مسك ، وحصباؤها جمان والروض من شعبكم عبير . . . والزهر ورد وزعفران ~~والجار في ربعكم عزيز . . . والحر في أرضيكم يصان فكم سفكتم دمي ودمعي . . ~~. أما على القاتل الضمان ورمت أخفي الهوى ودمعي . . . من شدة الوجد ترجمان ~~يا لائمون اقصروا ملامي . . . رفقا بمن قلبه ملان لا تذكروا الظاعنين عندي ~~. . . فلي وللظاعنين شان قالوا : هواهم عليك حتم . . . فقلت : عهدي الهوى ~~يصان قالوا : فكم تكتم التصابي . . . قلت : المعنى بهم معان قالوا : فقد ~~فارقوك ربعا . . . قلت : هم الناس حيث كانوا قالوا : فدعهم فقلت : كلا . . ~~. لعل دهرا قسا يلان ليت الصبا الحاجري ينبي . . . عن جيرة البان يوم بانوا ~~هل عهدهم عهدهم بنجد . . . باق ms260 أم استؤمنوا فخانوا يا محسنا بالزمان ظنا . ~~. . هل تدري ما يفعل الزمان لا تتبع النفس في هواها . . . إن اتباع الهوى ~~هوان وا خجلتي من عتاب ربي . . . إن قيل أسرفت يا فلان إلى متى أنت في ~~الملاهي . . . تصير مرخى لك العنان لو خوفتك الجحيم بطشي . . . وشوقت قلبك ~~الجنان عندي لك الصفح وهو بري . . . وعندك السيف والسنان ما تستحي كاتبا ~~كريما . . . يحصى به الفعل واللسان وتستحي شيبة تراها . . . في النار ~~مسحوبة تهان أنت شجاع على المعاصي . . . وأنت عن طاعتي جبان لم ينهك الشيب ~~عن حدودي . . . ولا رسولي ولا القرآن PageV01P300 ترضى بأن تنقضي الليالي . ~~. . وما انقضى حربك العوان أي أوان تتوب فيه . . . هل بعد قطع الرجا أوان ~~آثرت غيري علي لكن . . . كما يدين الفتى يدان يا سيدي : هذه عيوبي . . . ~~وأنت في الخطب مستعان يا من له في العصاة شان . . . البر والعطف والحنان يا ~~من ملا بره النواحي . . . لم يخل من بره مكان عفوا فإني رهين ذنب . . . ~~حاشاك أن يغلق الرهان فاغفر لعبد الرحيم والطف . . . بخائف ما له أمان ~~وسامح الكل من ذنوب . . . غدا بها يشهد البنان وصل يا ذا العلا وسلم . . . ~~على من أخلاقه حسان # | دار الحبيب # هذه قصيدة الإمام الولي العارف بالله تعالى أبي محمد بن أبي عمران ~~اليشكري نفعنا الله به . قال العلامة بدر الدين بن فرحون أحد أصحاب ناظمها ~~أن بعض الصالحين رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، قال البدر : ~~وأشك هل كان هو الشيخ أو غيره ، وأنشد هذه القصيدة فلما بلغ آخرها قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : رضيناها رضيناها وهي هذه : دار الحبيب أحق أن ~~تهواها . . . وتحن من طرب إلى ذكراها وعلى الجفون إذا هممت بزورة . . . يا ~~ابن الكرام عليك أن تغشاها فلأنت أنت إذا حللت بطيبة . . . وظللت ترتع في ~~ظلال رباها مغنى الجمال من الخواطر والتي . . . سلبت قلوب العاشقين حلاها ~~لا تحسب المسك الذكي كتربها . . . هيهات أين المسك من رياها طابت فإن تبغي ~~لطيب يا فتى . . . فأدم على الساعات لثم ثراها وابشر ففي الخبر الصحيح ms261 ~~تقررا . . . إن الإله بطيبة سماها PageV01P301 واختصها بالطيبين لطيبها . . ~~. واختارها ودعا إلى سكناها لا كالمدينة منزل وكفى بها . . . شرفا حلول ~~محمد بفناها خصت بهجرة خير من وطئ الثرى . . . وأجلهم قدرا وأعظم جاها كل ~~البلاد إذا ذكرن كأحرف . . . في اسم المدينة لا خلا معناها حاشا مسمى القدس ~~فهي قريبة . . . منها ومكة إنها إياها لا فرق إلا أن ثم لطيفة . . . مهما ~~بدت يجلو الظلام سناها جزم الجميع بأن خير الأرض ما . . . قد حاز ذات ~~المصطفى وحواها ونعم لقد صدقوا بساكنها علت . . . كالنفس حين زكت زكا ~~مأواها وبهذه ظهرت مزية طيبة . . . فغدت وكل الفضل في معناها حتى لقد خصت ~~بهجرة حبه . . . الله شرفها به وحباها ما بين قبر للنبي ومنبر . . . حيا ~~الإله رسوله وسقاها هذي محاسنها فهل من عاشق . . . كلف شجي ناحل بنواها إني ~~لأرهب من توقع بينها . . . فيظل قلبي موجعا أواها ولقلما أبصرت حال مودع . ~~. . إلا رثت نفسي له وشجاها فلكم أراكم قافلين جماعة . . . في إثر أخرى ~~طالبين سواها قسما لقد أكسى فؤادي بينكم . . . جزعا وفجر مقلتي مياها إن ~~كان يزعجكم طلاب فضيلة . . . فالخير أجمعه لدى مثواها أو خفتمو ضرابها ~~فتأملوا . . . بركات بقعتها فما أزكاها أف لمن يبغي الكثير لشهوة . . . ~~ورفاهة لم يدر ما عقباها فالعيش ما يكفي وليس هو الذي . . . يطغي النفوس ~~إلى خسيس مناها يا رب أسأل منك فضل قناعة . . . بيسيرها وتحصنا بحماها ~~ورضاك عني دائما ولزومها . . . حتى توافي مهجتي أخراها فأنا الذي أعطيت ~~نفسي سؤلها . . . فقبلت دعواها فيا بشراها بجوار أو في العالمين بذمة . . . ~~وأعز من بالقرب منه يباهى من جاء بالآيات والنور الذي . . . داوى القلوب من ~~العمى فشفاها أولى الأنام بخطة الشرف التي . . . تدعى الوسيلة خير من ~~يعطاها إنسان عين الكون شرف جوده . . . يس وأكسير المحامد طاها PageV01P302 ~~حسبي فلست أفي ببعض صفاته . . . لو أن لي عدد الورى أفواها كثرت محاسنه ~~فأعجز حصرها . . . فغدت وما تلفي لها أشباها إني اهتديت من الكتاب بآية . . ~~. فعلمت أن علاه ليس يضاهى ورأيت فضل العالمين محددا . . . وفضائل المختار ~~لا تتناهى كيف السبيل إلى تقضي ms262 مدح من . . . قال الإله له وحسبك جاها إن ~~الذين يبايعونك إنما . . . هم من يقال يبايعون الله هذا الفخار فهل سمعت ~~بمثله . . . واها لنشأتها الكريمة واها صلوا عليه وسلموا فبذلكم . . . تهدى ~~النفوس لرشدها وغناها صلى عليه الله غير مقيد . . . وعليه من بركاته أنماها ~~وعلى الأكابر آله سرج الهدى . . . أكرم بعثرته ومن والاها وكذا السلام عليه ~~ثم عليهم . . . وعلى صحابته التي زكاها أعني الكرام أولي النهى أصحابه . . ~~. فئة التقى ومن اهتدى بهداها والحمد لله الكريم وهذه . . . نجزت وظني أنه ~~يرضاها وهذا آخرها والحمد لله وحده . ولبعضهم : لله في ملكه خاتم . . . ~~تجري المقادير على نقشه لا تنبشن الشر تبلى به . . . واحذر على نفسك من ~~نبشه مصارع الدهر لها سطوة . . . تنزل السلطان عن عرشه إذا طغى الكبش بلحم ~~الكلا . . . أدرج رأس الكبش في كرشه إذا بغى المرء على جنسه . . . لا بد أن ~~ينكب في فرشه PageV01P303 # | أنت ومالك لأبيك # قوله صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك ' ذكر العلامة الشمس العلقمي ~~في حاشيته على الجامع الصغير عن جابر قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أخذ مالي ؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للرجل : اذهب فأتني بأبيك . فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : إن الله عز وجل يقرئك السلام ، ويقول لك : إذا جاء الشيخ فاسأله عن ~~شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه . فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ما بال ابنك يشكوك ، أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال : يا رسول الله ~~هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ؟ فقال عليه الصلاة ~~والسلام : أيها الشيخ دعنا من هذا . أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته ~~أذناك . فقال الشيخ : والله يا رسول الله ما يزال الله عز وجل يزيدنا بك ~~يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي فقال له : قل فأنا أسمع . ~~فقال : غذيتك مولودا وعلتك يافعا . . . تعل بما أسدي إليك وتنهل إذا ليلة ~~ضافتك ms263 بالسقم لم أبت . . . لسقمك إلا ساهرا أنململ كأني أنا المطروق دونك ~~بالذي . . . طرقت به دوني وعيناي تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها . . . ~~لتعلم أن الموت شيء مسجل فلما بلغت السن والغاية التي . . . لها مدة قد كنت ~~فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة . . . كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ ~~لم ترع حق أبوتي . . . فعلت كما الجار المجاور يفعل قال : فحينئذ أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بجلباب ابنه وقال له : ' أنت ومالك لأبيك ' . ~~انتهى . PageV01P304 # | الأصمعي في بلدة خراب # حكى الأصمعي قال : خرجت في طلب الأعاجيب من الأحاديث ، فلاحت لي بلدة ~~بيضاء كأنها الغمامة ، فدخلتها فإذا هي خراب وليس فيها ديار ولا أنيس ، ~~فبينما أنا أدور في نواحيها إذ سمعت كلاما فطار قلبي ، فأنصت ، فإذا به ~~كلام موحش ، فسللت سيفي ودخلت ذلك المكان ، فإذا أنا برجل جالس ، وبين يديه ~~صنم وفي يده قضيب ، وهو يبكي وينكت به الأرض ويقول : أما ومسيح الله لو كنت ~~عاشقا . . . لمت كما ماتت ، وقد ضمني لحدي وكم أتسلى بالحديث وبالمنى . . . ~~وبالعبرات السائلات على خدي وإني وإن لم يأتني الموت سرعة . . . لأمسي على ~~جهد وأضحي على جهد قال : فلما سمعت ذلك منه هجمت عليه ، فلم يشعر بي إلا أن ~~قلت له : السلام عليك ، فرفع رأسه وقال : وعليك السلام ، من أين أنت ومن ~~جاء بك إلى هذا المكان ؟ فقلت : الله جاء بي . قال : صدقت وهو الذي أفردني ~~في هذا المكان . فقلت له : ما بالك تشير إلى هذا الصنم الذي بين يديك . ~~فقال لي : إن حديثي عجيب وأمري غريب . فقلت له : حدثني به ولا تخف منه شيئا ~~. فقال لي : اعلم أننا كنا قوما من بني تميم وكنا على دين المسيح وكان ~~دعاؤنا مستجابا ، وكانت هذه الصنمة ابنة عمي وكنت أنا وإياها . فلما كبرت ~~حجبها عمي عني ، فكنت أحبها سرا . فبينما أنا ذات ليلة وأنا عندها إذ سمعت ~~عمي يدق الباب ، فأدخلتني سردابا وقامت هي ففتحت الباب ودخل عمي فقال لها : ~~أين عبد المسيح ؟ فقالت : إني لم أره . فقال لها ms264 : إني سمعت كلامه عندك . ~~فقالت : لم تسمع شيئا وإنما خيل لك . فقال لها : والله إن لم تصدقيني ، ~~وإلا دعوت عليك إن كنت كاذبة فيمسخك الله حجرا . فقالت له : إذا كنت كاذبة ~~. PageV01P305 فرفع طرفه إلى السماء وقال : اللهم يا رب الأولين والآخرين ~~إن كنت تعلم أن ابنتي هذه كاذبة في قولها فامسخها حجرا ، فمسخها الله حجرا ~~، ولي أربعون سنة في هذا المكان ، وأنا أتقوت من نبت الأرض وأشرب من هذه ~~الأنهار وأتسلى بالنظر إلى هذه الصنمة إلى أن يحكم الله بالموت ثم بكى ~~وأنشد يقول : وحق الذي أبكى وأضحك والذي . . . أمات وأحيا والذي خلق الخلقا ~~لئن قلت إن الحب قد يقتل الفتى . . . وإن الفتى بعد التفرق لا يبقى لقد قلت ~~حقا واسأل العبرة التي . . . تسيل وسيل الدمع مني لا يرقا قال الأصمعي : ثم ~~قام ذلك الشاب وتوارى عني بجدار من تلك الجدر ، ونزع المسوح التي كانت عليه ~~ولم يبق عليه إلا ما يواري سوأته فتأملته ، فإذا عيناه تدور في أم رأسه ~~فقلت في نفسي : هذا أراد أن يطلعني على نحول جسده ثم أقبل علي ، وهو عريان ~~وقال لي : يا فتى إنني قائل ثلاث أبيات ، وكان مني ما كان ، فإذا أنا مت ~~فكفني أنا وإياها في هذه الجبة وادفنا في هذا الجون وضمنا بالتراب واكتب ~~على قبرنا هذه الأبيات : من لم يكن يحسب أن الهوى . . . يقتل ، فلينظر إلى ~~مضجعي لم يبق لي حول ولا قوة . . . إلا خيال الشمس في موضعي أشكو إلى ~~الرحمن جهد البلا . . . إشارة بالطرف والإصبع قال الأصمعي : هذا وأنا أنظر ~~إليه وأسمع شعره وأتعجب منه ومن أمر الصنمة . وإذا به وقع على الأرض ~~مستلقيا على قفاه وشهق شهقة فارقت روحه جسده . قال الأصمعي : فكفنتهما ~~ودفنتهما في ذلك الجون ، وكتبت على قبرهما تلك الأبيات وتركتهما وانصرفت ~~وأنا متعجب غاية العجب ، انتهى . PageV01P306 # | عدل ابن طولون # لما عزم أحمد بن طولون على بناء الجامع المعروف به في مصر القاهرة أنفق ~~عليه مائة ألف دينار ، ورتب فيه للعلماء والقراء وأرباب الشعائر والبيوت في ms265 ~~كل شهر عشرة آلاف دينار ، وللصدقة في كل يوم مائة دينار ، وكان مشتملا على ~~خصال حميدة منها : أن فقيرا كان بجواره وله امرأة وبنت ، وكان يغزلان الصوف ~~لتجهيز البنت ، وإن البنت لم تفارق البيت وما نظرت إلى السوق قط ولا خرجت ، ~~فسألت أمها وأباها أن تخرج معهما إلى السوق ، فواعدها بذلك . فلما قصدا بيع ~~الغزل خرجت معهما إلى السوق فمروا بباب الأمير المسمى بالفيل ، وتمادى الأب ~~والأم ، وتركاها ولم يشعرا بوقوفها فبقيت البنت حائرة لا تدري أين تذهب ، ~~وكانت ذات جمال عظيم ، فخرج الأمير المسمى بالفيل ، فلما رآها افتتن بها ، ~~فأمسكها ودخل بها ثم أمر الجواري أن يغسلنها ، وينظفنها ويلبسنها أحسن ~~الملبوس ، ويطيبنها بأنواع الطيب ، ويحلينها له ، ففعل ذلك فدخل عليها ~~وأزال بكارتها . هذا وأبواها قد حزنا عليها ولم يزالا يطوفان عليها جميع ~~الأماكن ، فلم يقعا لها على خبر ، فلم يزالا يبكيان . فلما جن الليل ، وإذا ~~بشخص يطرق الباب ، فخرج أبوها وفتح الباب فقال الرجل لأبيها أن الأمير ~~المسمى بالفيل أخذ ابنتك وأزال بكارتها ، فلما سمع ذلك كاد يجن . وكان ~~لأحمد بن طولون مؤذن وكان قد عاهده على أنه إذا حدثت فاحشة من الفواحش يؤذن ~~في غير الوقت ليحضره ويستفهم منه الواقعة ، وكان المؤذن بينه وبين أبي ~~البنت صداقة . فجاء إليه وأخبره بخبره ، فصعد وأذن فسمعه أحمد بن طولون ، ~~فأرسل خلفه ، فأخبره بالقضية فاستدعى بأبوي البنت وخبأهما في خزانة وكان ~~وقت مجيء الفيل للخدمة ، فلما دخل على عادته ، قال له : نهنيك بالعروس ~~الجديدة . فقال : ومن أين لي عروس جديدة ؟ قال : أتنكر وهذا أبو الجارية ~~وأمها ؟ فلما رآهما نكس رأسه خجلا من الأمراء الحاضرين ، فقال له أحمد ابن ~~طولون : ارفع رأسك ثم قال لأبيها : تزوج ابنتك مملوكي هذا على صداق قدره ~~ألف دينار مقدمة وخمسمائة دينار مؤجلة . فقال : نعم . فأمر بإحضار الشهود ~~وعقد العقد بينهما ووضعوا خطوطهم ثم بعد انصراف الشهود أمر السياف بضرب عنق ~~الفيل ، فرماه بين يديه ، وقطع رأسه . وقال أحمد بن طولون لأبي الجارية : ~~ابنتك ورثت زوجها وقد ms266 مكنتها مما بقي من تركته ، فامضوا مع السلامة . ~~PageV01P307 فانصرفوا شاكرين لإنعامه داعين له على أفعاله . فانظر إلى هذا ~~العدل العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . ومما نقل عن بعضهم : ~~توق رعاك الله تسعا من البشر . . . فصحبتهم تفضي إلى البؤس والضرر وهم أحول ~~مع أعرج ثم أحدب . . . كذا كوسج يتلو نشاطا مع الكدر وإياك والأنف الطويل ~~وأصفرا . . . فإنهما بيت الخيانة والخطر كذا غائر الصدغين خارج جبهة . . . ~~كذا أزرق العينين فالحذر الحذر توقاهمو تحيا سليما من الردى . . . وباعدهمو ~~، يا ذا الفراسة والنظر . تم الكتاب . | PageV01P308 ms267