######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000408 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد، المعروف بدياب الإتليدي (المتوفى: ق 12هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نوادر الخلفاء المشهور بـ «إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس» #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000408 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-408 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/408 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد أحمد عبد العزيز سالم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1425 هـ - 2004 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # الحمد لله الذي أنزل الكتاب المبين، على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقص ~~عليه أخبار المتقدمين والمتأخرين، وعلمه ما كان وما يكون إلى يوم الدين، ~~نحمده إذ جعلنا من أمته، ونشكره على عطائه ومنته، ونشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له إذ من علينا بمعرفة أحوال من مضى من الأمم، ولم يكشف عنا ~~ستره إذا زل بنا القدم، وجعلنا أمة عدولا وسطا، وشهد لنا بذلك في الكتاب ~~المعظم المكرم، فقال تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر "، فظهر الفضل بما جاد به وتكرم، ونشهد أن سيدنا ونبينا ~~محمدا عبده ورسوله الذي قال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي "، فساد على جميع ~~الأنبياء وعليهم تقدم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. # وبعد، فيقول العبد الفقير الضعيف ذو العجز: والتفريط في أيامه، وكثير ~~التخليط وزيادة آثامه، محمد يعرف بدياب الأتليدي من إقليم المنية الخصيبية، ~~سألني بعض الإخوان الموفقين ممن لا يسعني مخالفته، أن أجمع له شيئا مما وقع ~~في زمن الخلفاء المتقدمين من بني أمية، والخلفاء العباسيين. فأجبته لذلك مع ~~علمي أني لست أهلا لذلك، فقد قالوا: الامتثال خير من الأدب، وسميته: إعلام ~~الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ". وابتدأت في ذلك ب ### | أمير المؤمنين عمر بن الخطاب # ، رضي الله عنه، تبركا به وبذكره. # PageV01P009 ### | عمر والعجوز المدينية # قيل: لما رجع عمر، رضي الله عنه، من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس ~~ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خباء لها فقصدها. # فقالت: ما فعل عمر رضي الله عنه؟ قال: قد أقبل من الشام سالما. # فقالت: يا هذا! لا جزاه الله خيرا عني! وقال: ولم؟ قالت: لأنه ما أنالني ~~من عطائه منذ ولي أمر المسلمين دينارا ولا درهما. # فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله! والله ~~ما ظننت أن أحدا يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. # فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: وا عمراه، كل ms001 أحد أفقه منك حتى العجائز يا ~~عمر. # ثم قال لها: يا أمة الله! بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من ~~النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا، يرحمك الله. # فقال عمر: لست أهزأ بك. # ولم يزل حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينارا. # فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وعبد الله بن ~~مسعود، رضي الله عنه، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فوضعت العجوز ~~يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه؟ فقال لها ~~عمر رضي الله عنه: لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم ~~يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما اشترى ~~عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا، بخمسة وعشرين دينارا. ~~فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه، شهد ~~على ذلك علي وابن مسعود. # ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي. # PageV01P010 ### | عمر والشاب القاتل وأبو ذر # قال شرف الدين حسين بن ريان: أغرب ما سمعته من الأخبار، وأعجب ما نقلته ~~عن الأخيار، ممن كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، ويسمع كلامه ~~قال: بينما الإمام جالس في بعض الأيام، وعنده أكابر الصحابة، وأهل الرأي ~~والإصابة، وهو يقول في القضايا، ويحكم بين الرعايا، إذ أقبل شاب نظيف ~~الأثواب، يكتنفه شابان من أحسن الشبان، نظيفا الثياب، قد جذباه وسحباه ~~وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين، ولبباه. فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهما ~~وإليه، فأمرهما بالكف عنه. فأدنياه منه وقالا: يا أمير المؤمنين، نحن أخوان ~~شقيقان، جديران باتباع الحق حقيقان. كان لنا أب شيخ كبير، حسن التدبير، ~~معظم في قبائله، منزه عن الرذائل، معروف بفضائله، ربانا صغارا، وأعزنا ~~كبارا، وأولانا نعما غزارا، كما قيل: # لنا والد لو كان للناس مثله ... أب آخر أغناهم بالمناقب # خرج اليوم إلى حديقة له يتنزه في أشجارها، ويقطف يانع ثمارها، ms002 فقتله هذا ~~الشاب، وعدل عن طريق الصواب. ونسألك القصاص بما جناه، والحكم فيه بما أراك ~~الله. # قال الراوي: فنظر عمر إلى الشاب وقال له: قد سمعت، فما الجواب؟ # والغلام مع ذلك ثابت الجأش، خال من الاستيحاش، قد خلع ثياب الهلع، ونزع ~~جلباب الجزع، فتبسم عن مثل الجمان، وتكلم بأفصح لسان، وحياه بكلمات حسان ثم ~~قال: يا أمير المؤمنين، والله لقد وعيا ما ادعيا، وصدقا فيما نطقا وخبرا ~~بما جرى، وعبرا بما ترى، وسأنهي قصتي بين يديك والأمر فيها إليك: اعلم، يا ~~أمير المؤمنين، أني من العرب العرباء، أبيت في منزل البادية، وأصيح على ~~أسود السنين العادية، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد، ~~فأفضت بي بعض طرائقها، إلى المسير بين حدائقها، بنياق حبيبات إلي، عزيزات ~~علي، بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، حسن النتاج، يمشي ~~بينهن كأنه ملك عليه تاج. فدنت بعض النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط ~~شجرها، فتناولته بمشفرها، فطردتها من تلك الحديقة. # PageV01P011 # فإذا شيخ قد زمجر، وزفر، وتسور الحائط، وظهر وفي يده اليمنى حجر، يتهادى ~~كالليث إذا خطر، فضرب الفحل بذلك الحجر، فقتله وأصاب مقتله. فلما رأيت ~~الفحل قد سقط لجنبه وانقلب، توقدت في جمرات الغضب، فتناولت ذلك الحجر ~~بعينه، فضربته به، فكان سبب حينه، ولقي سوء منقلبه، والمرء مقتول بما قتل ~~به بعد أن صاح صيحة عظيمة، وصرخ صرخة أليمة فأسرعت من مكاني فلم يكن بأسرع ~~من هذين الشابين، فأمسكاني وأحضراني كما تراني. # فقال عمر: قد اعترفت بما اقترفت، وتعذر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين ~~مناص. # فقال الشاب: سمعا لما حكم به الإمام، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، ~~لكن لي أخ صغير، كان له أب كبير، خصه قبل وفاته بمال جزيل، وذهب جليل، ~~وأحضره بين يدي، وأسلم أمره إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك، ~~فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدفنا، ووضعته فيه، ولا يعلم به إلا أنا، فإن ~~حكمت الآن بقتلي، ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه، يوم يقضي ms003 ~~الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام، أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت ~~وافيا بالذمام، ولي من يضمنني على هذا الكلام. # فأطرق عمر، ثم نظر إلى من حضر، وقال: من يقوم على ضمانه والعود إلى ~~مكانه؟ قال: فنظر الغلام إلى وجوه أهل المجلس الناظرين، وأشار إلى أبي ذر ~~دون الحاضرين، وقال: هذا يكفلني ويضمنني. # قال عمر: يا أبا ذر، تضمنه على هذا الكلام؟ قال: نعم، أضمنه إلى ثلاثة ~~أيام. # فرضي الشابان بضمانة أبي ذر وأنظراه ذلك القدر. فلما انقضت مدة الإمهال ~~وكاد وقتها يزول أو قد زال، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله ~~كالنجوم حول القمر، وأبو ذر قد حضر والخصم ينتظر. فقالا: أين الغريم يا أبا ~~ذر؟ كيف يرجع من فر، لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا. # فقال أبو ذر: وحق الملك العلام، إن انقضى تمام الأيام، ولم يحضر الغلام، ~~وفيت بالضمان وأسلمت نفسي، وبالله المستعان. # PageV01P012 # فقال عمر: والله، إن تأخر الغلام، لأمضين في أبي ذر، ما اقتضته شريعة ~~الإسلام. # فهمت عبرات الناظرين إليه، وعلت زفرات الحاضرين عليه، وعظم الضجيج وتزايد ~~النشيج، فعرض كبار الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الأثنية، فأصرا ~~على عدم القبول، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول. # فبينما الناس يموجون تلهفا لما مر، ويضجون تأسفا على أبي ذر إذ أقبل ~~الغلام ووقف بين يدي الإمام وسلم عليه أتم السلام ووجهه يتهلل مشرقا ويتكلل ~~عرقا وقال: قد أسلمت الصبي إلى أخواله، وعرفتهم بخفي أمواله وأطلعتهم على ~~مكان ماله. ثم اقتحمت هاجرات الحر، ووفيت وفاء الحر. # فعجب الناس من صدقه ووفائه، وإقدامه على الموت واجترائه. # فقال: من غدر لم يعف عنه من قدر، ومن وفى، رحمه الطالب وعفا، وتحققت أن ~~الموت إذا حضر، لم ينج منه احتراس، كيلا يقال: ذهب الوفاء من الناس. # فقال أبو ذر: والله، يا أمير المؤمنين، لقد ضمنت هذا الغلام، ولم أعرفه ~~من أي قوم، ولا رأيته قبل ذلك اليوم. ولكن نظر إلي دون من حضر فقصدني وقال: ~~هذا يضمنني، فلم أستحسن ms004 رده، وأبت المروءة أن تخيب قصده، إذ ليس في إجابة ~~القاصد من بأس، كيلا يقال: ذهب الفضل من الناس. # فقال الشابان عند ذلك: يا أمير المؤمنين، قد وهبنا هذا الغلام دم أبينا، ~~فبدل وحشته بإيناس، كيلا يقال: ذهب المعروف من الناس. # فاستبشر الإمام بالعفو عن الغلام وصدقه ووفائه، واستفزر مروءة أبي ذر دون ~~جلسائه، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف، وأثنى عليهما أحسن ~~ثنائه. وتمثل بهذا البيت: # من يصنع الخير لم يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # ثم عرض عليهما أن يصرف من بيت المال دية أبيهما. فقالا: إنما عفونا ~~ابتغاء وجه ربنا الكريم، ومن نيته هكذا لا يتبع إحسانه منا ولا أذى. # PageV01P013 # قال الراوي: فأثبتها في ديوان الغرائب، وسطرتها في عنوان العجائب. ### | عمر والهرمزان # وأحضر الهرمزان بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ~~مأسورا فدعاه إلى الإسلام، فأبى، فأمر بضرب عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~قبل أن تقتلني اسقني شربة من الماء، ولا تقتلني ظمآن. # فأمر له عمر بقدح مملوء ماء، فلما صار القدح في يد الهرمزان، قال: أنا ~~آمن حتى أشربه؟ قال: نعم لك الأمان. # فألقى الهرمزان الإناء من يده فأراقه، ثم قال: الوفاء يا أمير المؤمنين. # فقال عمر رضي الله عنه: دعوه حتى أنظر في أمره. # فلما رفع السيف عنه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # قال عمر، رضي الله عنه: لقد أسلمت خير الإسلام فما أخرك؟ قال: خشيت أن ~~يقال إني أسلمت خوفا من السيف. # فقال عمر: إنك لفارس حكيم، استحققت ما كنت فيه من الملك. # ثم إن عمر رضي الله عنه، بعد ذلك كان يشاوره في إخراج الجيوش إلى أرض ~~فارس ويعمل برأيه. # وسيأتي نظير ذلك في أخذ الأمان بالحيلة. # PageV01P014 ### | خبر جبلة بن الأيهم # لما هرب من عمر إلى هرقل وتنصر # جبلة بن الأيهم وتنصره # ومما ذكره عبد الملك بن بدرون، شارح قصيدة عبد المجيد بن عبدون، عما وقع ~~لجبلة بن الأيهم حين لطم الفزاري ms005 على وجهه لما داس على ردائه، وقال له عمر ~~رضي الله عنه: دعه يقتص منك، أو ما هذا معناه، فقال لعمر: وهل استوي أنا ~~وهو في ذلك؟ فقال له: نعم، الإسلام ساوى بينكما. فقال: أجلني إلى غد. فلما ~~أصبح مضى إلى قيصر ملك الروم، وارتد ثم ندم وقال أبياتا، وهي هذه: # تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر # تكنفني منها لجاج ونخوة ... فبعت بها العين الصحيحة بالعور # فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر # ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر # ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر # ولما تنصر جبلة بن الأيهم ولحق بهرقل، صاحب القسطنطينية، أقطعه هرقل ~~الأموال والضياع، وبقي ما شاء الله. # ثم أن عمر رضي الله عنه بعث إلى قيصر رسولا يدعوه إلى الإسلام أو إلى ~~الجزية. فلما أراد الانصراف قال هرقل للرسول: ألقيت ابن عمك هذا الذي ~~عندنا؟ يعني جبلة الذي أتانا راغبا في ديننا. # قال: لا! قال: فالقه ثم ائتني أعطك جواب كتابك. # قال الرسول: فذهبت إلى دار جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة ~~وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل فلم أزل أتلطف بالإذن حتى أذن لي فدخلت ~~عليه، فرأيته أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسود اللحية والرأس، ~~فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب، فذرها على لحيته حتى أصهبت، وهو ~~قاعد على سرير من قوارير على قوائمه أربعة أسود من ذهب. فلما عرفني رفعني ~~معه على السرير، فجعل يسألني عن المسلمين، فذكرت له خيرا وقلت له: قد ~~أضعفوا أضعافا على ما تعرف. فقال: وكيف عمر بن الخطاب؟ قلت: بخير. قال: ~~فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له منه سلامة عمر. # PageV01P015 # ثم انحدرت عن السرير فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ فقلت: إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. فقال: نعم! نهى صلى الله عليه ~~وسلم ولكن نق ms006 قلبك ولا تبال على ما قعدت. # فلما سمعته يقول ما قاله صلى الله عليه وسلم، طمعت فيه فقلت له: ويحك يا ~~جبلة، ألا تسلم، وقد عرفت الإسلام وفضله؟ فقال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم، ~~قد فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين ~~بالسيف ثم رجع إلى الإسلام وقبل منه وخلفته بالمدينة مسلما. # وإنما ذكرت له أن الذي فعل هذه الفعلة من فزارة، وأنه ضرب وجوه المسلمين ~~بالسيف وارتد ورجع إلى الإسلام لأن الرجل الذي كان تنصر جبلة من أجله لما ~~لطمه وأراد عمر أن يقتص منه كان فزاريا أيضا. فقلت له: أمرك أخف من أمره إن ~~رجعت إلى الإسلام، فإنك لم تضرب وجوه المسلمين بالسيف كما فعل. فقال: ذرني ~~من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى ~~الإسلام. # فضمنت له التزويج ولم أضمن له تولية الأمر. # قال: ثم أومأ إلى خادم كان على رأسه واقفا فذهب مسرعا، فإذا خدم قد جاؤوا ~~يحملون الصناديق فيها طعام. فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحائف الفضة، وقال ~~لي: كل؛ فقبضت يدي، وقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في ~~آنية الذهب والفضة. # قال: نعم! نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت. # قال: فأكل في الذهب، وأكلت أنا في الخلنج، ثم دعا بطسوت الذهب وأباريق ~~الفضة، فغسل يديه في الذهب، وغسلت في الصفر. ثم أومأ إلى خادم بين يديه فمر ~~مسرعا. فسمعت حسا، فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن ~~يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجواري وعليهم تيجان الذهب، فقعدن عن يمنيه ~~وعن يساره على تلك الكراسي، ثم جاءت جارية أيضا كأنها الشمس حسنا على رأسها ~~تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها جامة فيها مسك فتيت، ~~وفي يدها الأخرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت تلك الجارية وصفرت بالطائر الذي ~~على تاجها فوقع في جامة المسك، فاضطرب ms007 فيها، ثم صفرت به ثانيا فوقع في جامة ~~ماء الورد فاضطرب فيها، ثم أومأت إليه فطار، ثم نزل على صليب في تاج على ~~جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه. فضحك جبلة من شدة السرور حتى ~~بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه. فقال # PageV01P016 # لهن: أضحكننا، فاندفعن يغنين فجعلن يخفقن عيدانهن ويقلن: # لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول # إلى قوله: # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # قال: فضحك جبلة حتى بدت أنيابه، ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ قلت: لا، ~~قال: حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشار إلى الجواري ~~اللواتي عن يساره، وقال: أبكيننا، فاندفعنا يغنين وتخفق عيدانهن ويقلن: # لمن الدار أوحت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالجمان # إلى قوله: # ذاك مغنى من آل جفنة في الده؟ ... ر وحق تعاقب الأزمان # قال: فبكى جبلة حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ ~~قلت: لا، قال: حسان. ثم أنشد الأبيات التي أولها: تنصرت الأشراف إلى آخرها. ~~ثم سألني عن حسان: أحي هو؟ قلت: نعم فأمر له بكسوة ولي أيضا كذلك. ثم أمر ~~لحسان بمال ونوق موقرة برا، ثم قال لي: إن وجدته حيا فادفع إليه الهدية ~~واقرئه مني السلام؛ وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره. # قال: فلما أخبرت عمر، رضي الله عنه، بخبره وما اشترطه علي وما ضمنت له. ~~قال: فهلا ضمنت له الأمر؟ فإذا أفاء الله بحكمه وقضى علينا بحكمته ما كان ~~إلا ما أراد. # ثم جهزني عمر ثانيا إلى هرقل وأمرني أن أضمن له، أي لجبلة، ما اشترط. ~~فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته فعلمت أن الشقاء غلب ~~عليه في أم الكتاب. # PageV01P017 # ### | القوي الفاجر # وقيل: إنه قدم أهل الكوفة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكون سعد بن ~~أبي وقاص، فقال: من يعذرني من ms008 أهل الكوفة؟ إن وليتهم التقي ضعفوه، وإن ~~وليتهم القوي فجروه. فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن التقي ~~الضعيف له تقاه ولك ضعفه، وإن القوي الفاجر لك قوته وعليه فجوره. قال: صدقت ~~أنت القوي الفاجر فاخرج إليهم. # فلم يزل عليهم أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما وأيام معاوية حتى مات ~~المغيرة، انتهى. ### | أجبن وأحيل وأشجع من لقي # وقيل: دخل عمر بن معد يكرب الزبيدي على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه فقال ~~عمر: أخبرني عن أجبن من لقيت وأحيل من لقيت وأشجع من لقيت. قال: نعم يا ~~أمير المؤمنين. # خرجت مرة أريد الغارة، فبينما أنا سائر إذا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا ~~رجل جالس كأعظم ما يكون من الرجال خلقا، وهو محتب بحمائل سيفه، فقلت له: خذ ~~حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فشهق ~~شهقة فمات. فهذا يا أمير المؤمنين أجبن من رأيت. # وخرجت مرة حتى انتهيت إلى حي فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا صاحبه ~~في وهدة يقضي حاجته، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ فأعلمته بي، ~~فقال: يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا على الأرض، فأعطني عهدا ~~أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي. فأعطيته عهدا فخرج من الموضع الذي كان فيه ~~واحتبى بحمائل سيفه، وجلس. فقلت: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا ~~بمقاتلك فإن نكثت عهدك فأنت أعلم بناكث العهد. فتركته ومضيت. فهذا يا أمير ~~المؤمنين أحيل من رأيت. # PageV01P018 # وخرجت مرة حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه الطريق فلم أر أحدا، فأجريت ~~فرسي يمينا وشمالا وإذا أنا بفارس، فلما دنا مني، فإذا هو غلام حسن نبت ~~عذاره من أجمل من رأيت من الفتيان، وأحسنهم. وإذا هو قد أقبل من نحو ~~اليمامة، فلما قرب مني سلم علي ورددت عليه السلام وقلت: من الفتى؟ قال: ~~الحرث بن سعد فارس الشهباء. # فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال: الويل لك، فمن أنت؟ ms009 قلت: عمرو بن معد ~~يكرب الزبيدي. # قال: الذليل الحقير، والله ما يمنعني من قاتلك إلا استصغارك. # فتصاغرت نفسي، يا أمير المؤمنين، وعظم عندي ما استقبلني به. فقلت له: دع ~~هذا وخذ حذرك فإني قتلك، والله لا ينصرف إلا أحدنا. # فقال: اذهب، ثكلتك أمك، فأنا من أهل بيت ما أثكلنا فارس قط. # قلت: هو الذي تسمعه. # قال: اختر لنفسك فإما أن تطرد لي، وإما أن أطرد لك. # فاغتنمتها منه فقلت له: أطرد لي. # فأطرد وحملت عليه فظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو صار حزاما ~~لفرسه ثم عطف علي فقنع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو خذها إليك واحدة، ولولا ~~أني أكره قتل مثلك لقتلتك. # قال: فتصاغرت نفسي عندي، وكان الموت، يا أمير المؤمنين أحب إلي مما رأيت، ~~فقلت له: والله لا ينصرف إلا أحدنا. فعرض علي مقالته الأولى فقلت له: أطرد ~~لي، فأطرد فظننت أني تمكنت منه فاتبعته حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه. ~~فإذا هو صار لببا لفرسه، ثم عطف علي فقنع بالقناة رأسي وقال: خذها إليك يا ~~عمرو ثانية. # فتصاغرت علي نفسي جدا، وقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا فاطرد لي، فاطرد ~~حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فوثب عن فرسه، فإذا هو على الأرض ~~فأخطأته فاستوى على فرسه واتبعني حتى قنع بالقناة رأسي! وقال: خذها إليك يا ~~عمرو ثالثة، ولولا كراهتي لقتل مثلك لقتلتك. # فقلت: اقتلني أحب إلي ولا تسمع فرسان العرب بهذا. # فقال: يا عمرو، إنما العفو عن ثلاث، وإذا استمكنت منك في الرابعة قتلتك ~~وأنشد # PageV01P019 # يقول: # وكدت إغلاظا من الإيمان ... إن عدت يا عمرو إلى الطعان # لتجدن لهب السنان ... أولا فلست من بني شيبان # فهبته هيبة شديدة، وقلت له: إن لي إليك حاجة. # قال: وما هي؟ قلت: أكون صاحبا لك. # قال: لست من أصحابي. # فكان ذلك أشد علي وأعظم مما صنع، فلم أزل أطلب صحبته حتى قال: ويحك أتدري ~~أين أريد؟ قلت: لا والله. # قال: أريد الموت الأحمر عيانا. # قلت: أريد الموت معك. ms010 # قال: امض بنا. # فسرنا يومنا أجمع حتى أتانا الليل ومضى شطره. فوردنا على حي من أحياء ~~العرب، فقال لي: يا عمرو في هذا الحي الموت الأحمر فإما أن تمسك علي فرسي ~~فأنزل وآتي بحاجتي، وإما أن تنزل وأمسك فرسك فتأتيني بحاجتي. # فقلت: بل أنزلت أنت. فأنت أخبر بحاجتك مني. # فرمى إلي بعنان فرسه ورضيت والله يا أمير المؤمنين بأن أكون له سائسا، ثم ~~مضى إلى قبة فأخرج منها جارية لم تر عيناي أحسن منها حسنا وجمالا، فحملها ~~على ناقة ثم قال: يا عمرو، فقلت: لبيك! قال: إما أن تحميني وأقود الناقة أو ~~أحميك وتقودها أنت؟ قلت: لا بل أقودها وتحميني أنت. # فرمى إلي بزمام الناقة ثم سرنا حتى أصبحنا. قال: يا عمرو قلت: ما تشاء؟ ~~قال: التفت فانظر هل ترى أحدا؟ # فالتفت فرأيت رجالا فقلت: اغذذ السير. ثم قال: يا عمرو انظر إن كانوا ~~قليلا فالجلد والقوة وهو الموت الأحمر. وإن كانوا كثيرا فليسوا بشيء. # فالتفت وقلت: وهم أربعة أو خمسة. # قال: اغذذ السير. # PageV01P020 # ففعلت. ووقف وسمع وقع حوافر الخيل عن قرب فقال: يا عمرو. كن عن يمين ~~الطريق وقف وحول وجه دوابنا إلى الطريق. # ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف عن يسارها ودنا القوم منا وإذا هم ~~ثلاثة أنفار: شابان وشيخ كبير، وهو أبو الجارية والشابان أخواها. فسلموا ~~فرددنا السلام. فقال الشيخ: خل عن الجارية يا ابن أخي. # فقال: ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها. # فقال لأحد ابنيه: اخرج إليه، فخرج وهو يجر رمحه فحمل عليه الحرث وهو ~~يقول: # من دون ما ترجوه خضب الذابل ... من فارس ملثم مقاتل # ينمي إلى شيبان خير وائل ... ما كان يسري نحوها بباطل # ثم شد على ابن الشيخ بطعنة قد منها صلبه، فسقط ميتا، فقال الشيخ لابنه ~~الآخر: اخرج إليه فلا خير في الحياة على الذل، فأقبل الحرث وهو يقول: # لقد رأيت كيف كانت طعنتي ... والطعن للقرم الشديد الهمة # والموت خير من فراق خلتي ... فقتلتي اليوم ولا مذلتي # ثم شد على ابن الشيخ ms011 بطعنة سقط منها ميتا، فقال له الشيخ: خل عن الظعينة ~~يا ابن أخي، فإني لست كمن رأيت، فقال: ما كنت لأخليها، ولا لهذا قصدت. # فقال الشيخ: يا ابن أخي اختر لنفسك فإن شئت نازلتك وإن شئت طاردتك ~~فاغتنمها الفتى ونزل فنزل الشيخ وهو يقول: # ما أرتجي عند فناء عمري ... سأجعل التسعين مثل شهر # تخافني الشجعان طول دهري ... إن استباح البيض قصم الظهر # فأقبل الحرث وهو ينشد ويقول: # بعد ارتحالي ومطال سفري ... وقد ظفرت وشفيت صدري # فالموت خير من لباس الغدر ... والعار أهديه لحي بكر # ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي إن شئت ضربتك، فإن أبقيت فيك بقية في ~~فاضربني، وإن شئت فاضربني. فإن أبقيت بقية ضربتك. # فاغتنمها الفتى وقال: أنا أبدأ. # فقال الشيخ: هات. # PageV01P021 # فرفع الحرث يده بالسيف فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ضرب بطنه ~~بطعنة قد منها أمعاءه ووقعت ضربة الفتى على رأس الشيخ فسقطا ميتين. فأخذت ~~يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت إلى الناقة فقالت ~~الجارية: يا عمرو: إلى أين ولست بصاحبتك ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت. ~~فقلت: اسكتي. # قالت: إن كنت لي صاحبا فأعطني سيفا أو رمحا فإن غلبتني فأنا لك وإن غلبتك ~~قتلتك. # فقلت: ما أنا بمعط ذلك. وقد عرفت أهلك وجراءة قومك وشجاعتهم. # فرمت نفسها عن البعير ثم أقبلت تقول: # أبعد شيخي ثم بعد أخوتي ... يطيب عيشي بعدهم ولذتي # وأصحبن من لم يكن ذا همة ... هلا تكون قبل ذا منيتي # ثم أهوت إلى الرمح وكادت تنزعه من يدي. فلما رأيت ذلك منها خفت إن ظفرت ~~بي قتلتني. فقتلتها. فهذا يا أمير المؤمنين أشجع من رأيت. ### | يقتلع ذنب البعير # قيل: أتى رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستحمله فقال له: خذ ~~لك بعيرا من إبل الصدقة فتناول ذنب بعير فجذبه فاقتلعه. فتعجب عمر رضي الله ~~عنه من شدته وقوته، فقال له: هل رأيت أقوى منك من أحد؟ قال: نعم. خرجت ~~بامرأة من أهلي ms012 أريد بها زوجها فنزلت على حوض، فأقبل رجل معه ذود، فضرب ~~ذوده إلى الحوض فساورها. يعني المرأة، فنادتني فما انتهيت إليها حتى ~~خالطها. فجئت لأدفعه عنها فأخذ رأسي بين عضديه وجنبه. فما استطعت التحرك ~~حتى قضى وطره منها. فقلت: أي فحل هذا لو كنت منيحة فأمهلته حتى امتلأ نوما. ~~فقمت له بالسيف فضربت ساقه، فانتبه، فتناول رجله فرماني بها فأخطأني، أي ~~فاتني، وأصاب رأس بعير فقتله. # فقال عمر رضي الله عنه: ما فعلت بالمرأة؟ فقلت: هذا حديث الرجل. # فكرر عليه السؤال فلم يزده على هذا ففطن أنه قتلها. انتهى. # PageV01P022 ### | عبد الله بن رواحة وجاريته # ويحكى أن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه كان عنده جارية جميلة. ~~وكان يحبها محبة شديدة. ولم يتمكن منها خوفا من زوجته. فمضت يوما زوجته ~~لحاجة ثم عادت فوجدته هو والجارية معتنقين نائمين، فقالت: أفعلتها؟ قال: لم ~~أكن فاعلها. قالت: فاقرأ! فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم قال: # علمت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا # قالت: صدقت وكذبت عيناي. قال: فذهبت وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فضحك حتى بدت نواجذه وصار يكررها ويقول كيف قلت. انتهى. # PageV01P023 ### | أول دولة بني أمية ### | معاوية بن أبي سفيان # رضي الله عنه # جلس يوما في مجلس كان له بدمشق، وكان الموضع مفتح الجوانب الأربعة يدخل ~~فيه النسيم من كل جانب. قال: فبينما هو جالس ينظر إلى بعض الجهات وكان يوما ~~شديد الحر لا نسيم فيه. قال: وكان وسط النهار، وقد لفحت الهواجر، إذ نظر ~~إلى رجل يمشي نحوه، وهو يتلظى من حر التراب، ويحجل في مشيته حافيا، فتأمله، ~~وقال لجلسائه: هل خلق الله سبحانه وتعالى أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في هذا ~~الوقت، وفي مثل هذه الساعة؟ فقال بعضهم: لعله يقصد أمير المؤمنين. # فقال: والله لئن كان قاصدي لأجل شيء لأعطينه وأستجلب الأجر به أو مظلوما ~~لأنصرنه يا غلام! قف ms013 بالباب، فإن طلبني هذا الأعرابي، فلا تمنعه من الدخول ~~علي. # فخرج فوافاه، فقال: ما تريد؟ قال: أمير المؤمنين. # قال: ادخل. # فدخل، فسلم فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من تميم. # قال: فما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ قال: جئتك مشتكيا وبك متسجيرا. # قال: ممن؟ قال: من مروان بن الحكم عاملك، وأنشد يقول: # معاوي! يا ذا الجود والحلم والبذل ... ويا ذا الندى والعلم والرشد والنبل # أتيتك لما ضاق في الأرض مذهبي ... فيا غوث! لا تقطع رجائي من العدل # وجد لي بإنصاف من الجائر الذي ... بلاني بشيء كان أيسره قتلي # سباني سعادا وانبرى لخصومتي ... وجار ولم يعدل وأغصبني أهلي # وهم بقتلي غير أن منيتي ... تأنت، ولم أستكمل الرزق من أجلي # قال: فلما سمع معاوية كلامه، والنار تتوقد من فيه، قال له: مهلا يا أخا ~~العرب! اذكر قصتك وأبن لي عن أمرك، فقال: يا أمير المؤمنين، كانت لي زوجة ~~وكنت لها محبا وبها كلفا، وكنت بها قرير العين طيب النفس، وكانت لي جذعة من ~~الإبل كنت أستعين بها على قوام حالي وكفاية أودي، فأصابتنا سنة أذهبت الخف ~~والحافر، فبقيت لا أملك # PageV01P024 # شيئا، فلما قل ما بيدي وذهب ما لي وفسد حالي بقيت مهانا ثقيلا على الذي ~~يألفني، وأبعدني من كان يشتهي قربي وأزور من لا يرغب في زيارتي، فلما علم ~~أبوها ما بي من سوء الحال وشر المال أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي، ~~فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم راجيا لنصرتي، فلما أحضر أباها وسأله عن ~~حالي قال: ما أعرفه قط. فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى أن يحضرها ويسألها ~~عن قول أبيها ففعل، وبعث خلفها. فلما حضرت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب، ~~فصار لي خصما وعلي منكرا، وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن، فبقيت كأنما ~~خررت من السماء، أو استهوت بي الريح في مكان سحيق. ثم قال لأبيها: هل لك أن ~~تزوجنيها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم، وأنا ضامن خلاصها من هذا ~~الأعرابي؟ فرغب أبوها في البذل ms014 وأجابه إلى ذلك. فلما كان من الغد بعث إلي ~~وأحضرني ونظر إلي كالأسد الغضبان، وقال: طلق سعاد! فقلت: لا، فسلط علي ~~جماعة من غلمانه فأخذوا يعذبوني بأنواع العذاب فلم أجد لي بدا من طلاقها ~~ففعلت. فأعادني إلى السجن، فمكثت فيه إلى أن انقضت عدتها فتزوجها وأطلقني، ~~وقد أتيتك راجيا وبك مستجيرا وإليك ملتجئا، وأنشد يقول: # في القلب مني غرام للنار فيه ... استعار والجسم مرمى بسهم # فيه الطبيب يحار وفي فؤادي ... جمر والجمر فيه شرار # والعين تهطل دمعا ... فدمعها مدرار # وليس إلا بربي ... وبالأمير انتصار # قال: ثم اضطرب واصطكت لهاته وصار مغشيا عليه. وأخذ يتلوى كالحية. قال: ~~فلما سمع معاوية كلامه وإنشاده، قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم ~~واجترأ على حرم المسلمين. ثم قال: لقد أتيتني يا أعرابي بحديث لم أسمع ~~بمثله قط. ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان ابن الحكم كتابا يقول فيه: ~~أنه قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود الدين، وينبغي لمن كان واليا أن ~~يكف بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته، ثم كتب بعده كلاما طويلا اختصرته، ~~وأنشد يقول: # وليت أمرا عظيما لست تدركه ... فاستغفر الله من فعل امرئ زاني # PageV01P025 # وقد أتانا الفتى المسكين منتخبا ... يشكو إلينا ببث ثم أحزان # أعطي الإله يمينا لا يكفرها ... شيء، وأبرأ من ديني وإيماني # إن أنت خالفتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحما بين عقبان # طلق سعاد وعجلها مجهزة ... مع الكميت ومع نصر بن ذبيان # ثم طوى الكتاب وطبعه واستدعى بالكميت ونصر بن ذبيان، وكان يستنهضهما في ~~المهمات لأمانتهما، فأخذا الكتاب وسارا حتى قدما المدينة، فدخلا على مروان ~~بن الحكم، وسلما عليه، وسلما إليه الكتاب، وأعلماه بصورة الحال، فصار مروان ~~يقرأ ويبكي؛ ثم قام إلى سعاد وأعلمها ولم يسعه مخالفة معاوية فطلقها بمحضر ~~الكميت ونصر بن ذبيان، وجهزهما وصحبتهما سعاد. ثم كتب مروان كتابا يقول فيه ~~هذه الأبيات: # لا تعجلن أمير المؤمنين فقد ... أوفي بنذرك في سر وإعلان # وما أتيت حراما حين أعجبني ... فكيف أدعى باسم الخائن ms015 الزاني؟ # أعذر، فإنك لو أبصرتها لجرت ... فيك الأماني على تمثال إنسان # فسوف يأتيك شمس ليس يدركها ... عند الخليفة من إنس ومن جان # ثم ختم الكتاب ودفعه إلى الرسولين، وسارا حتى وصلا إلى معاوية وسلما إليه ~~الكتاب فقرأه وقال لقد أحسن في الطاعة وأطنب في ذكر الجارية. ثم أمر ~~بإحضارها فلما رآها رأى صورة حسناء لم ير أحسن منها ولا مثلها في الحسن ~~والجمال والقد والاعتدال، فخاطبها فوجدها فصيحة اللسان حسنة البيان، فقال: ~~علي بالأعرابي. فأتي به وهو في غاية من تغير الحال، فقال: يا أعرابي! هل لك ~~عنها من سلوة وأعوضك عنها ثلاث جوار نهد أبكار، كأنهن الأقمار، مع كل جارية ~~ألف دينار، وأقسم لك في بيت المال كل سنة ما يكفيك وما يغنيك. # قال: فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه مات بها فقال ~~له معاوية: ما بالك بشر بال، وسوء حال؟ فقال الأعرابي: استجرت بعدلك من جور ~~بن الحكم، فبمن أستجير من جورك وأنشد يقول: # لا تجعلني، فداك الله من ملك ... كالمستجير من الرمضاء بالنار # اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسي ويصبح في هم وتذكار # أطلق وثاقي، ولا تبخل علي بها ... فإن فعلت فإني غير كفار # PageV01P026 # ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو أعطيتني الخلافة ما أخذتها دون سعاد، وأنشد ~~يقول: # أبى القلب إلا حب سعدى، وبغضت ... إلي نساء، ما لهن ذنوب # فقال له معاوية: إنك مقر بأنك طلقتها، ومروان مقر بأنه طلقها، ونحن ~~نخيرها، فإن اختارت سواك تزوجناها، وإن اختارتك حولناها إليك. قال: افعل. # فقال: ما تقولين يا سعدى، أيما أحب إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه ~~وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده، أو مروان بن الحكم في تعسفه ~~وجوره، أو هذا الأعرابي في جوعه وفقره، فأنشدت تقول: # هذا وإن كان في جوع وأضرار ... أعز عندي من قومي ومن جاري # وصاحب التاج، أو مروان عامله ... وكل ذي درهم عندي ودينار # ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان، ولا ~~لغدرات الأيام، وإن ms016 له صحبة قديمة لا تسنى، ومحبة لا تبلى، وأنا أحق من ~~يصبر معه في الضراء كما تنعمت معه في السراء. # فتعجب معاوية من عقلها ومودتها له، وموافاتها، فدفع لها عشرة آلاف درهم، ~~ودفع مثلها للأعرابي وأخذها وانصرف. ### | الأجوبة الهاشمية # ومن ثمرات الأوراق عن الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الرفيع؛ فمن ~~أجل ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، رضي الله عنه، والوليد بن ~~عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ~~ابعث إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما يحضر لدينا، قال لهم: ولم؟ قالوا: كي ~~نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان. فقال لهم معاوية: إنكم لن تطيقوه ولن ~~تنتصفوا منه، ولا تقولوا له شيئا إلا كذبكم ولا يقول لكم ببلاغته شيئا إلا ~~صدقه الناس. فقالوا: أرسل إليه فإنا نكفيه. # PageV01P027 # فأرسل له معاوية، فلما حضر قال: يا حسن! إني لم أرسل إليك، ولكن هؤلاء ~~أرسلوا إليك، فاسمع مقالتهم. # فقال الحسن رضي الله عنه: فليتكلموا ونحن نسمع. # فقام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~يا حسن، هل تعلم أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك، فكيف رأيت صنع ~~الله تعالى به؟ ثم قام الوليد بن عقبة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا ~~بني هاشم! كنتم أصهار عثمان بن عفان، فنعم الصهر كان لكم لقربه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يقربكم ويفضلكم، ثم بغيتم عليه وقتلتموه، وقد ~~أردنا قتل أبيك فأنقذنا الله منه، ولو قتلناه ما كان علينا ذنب. # ثم قام عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن، إن أباك قد تعدى على عثمان فقتله ~~حسدا على الملك والدنيا، فسلبهما الله منه، ولقد أردنا قتل أبيك، حتى قتله ~~الله تعالى. # ثم قام المغيرة بن شعبة، وقال كلاما سبا لعلي وتعظيما لعثمان. # فقام الحسن، رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: بك أبدأ يا ~~معاوية! لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضا وعداوة وخلافا لجدي رسول ms017 ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم التفت إلى الناس، وقال: أنشدكم الله إن الذي ~~شتمه هؤلاء أما كان أبي، وهو أول من آمن بالله وصلى إلى القبلتين، وأنت يا ~~معاوية كافر تشرك بالله؟ وكان مع أبي لواء النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر، ولواء المشركين مع معاوية؛ ثم قال: أنشدكم الله تعالى، أما كان معاوية ~~يكتب لجدي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه يوما فرجع الرسول، وقال: هو ~~يأكل. فرد إليه الرسول ثلاث مرات، كل ذلك يقول هو يأكل فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لا أشبع الله بطنه، يا معاوية! أما تعرف ذلك من بطنك؟ ثم قال: ~~وأنشدكم الله أما تعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه، وهو على جمل، وأخوه هذا ~~يسوقه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وأنت تعلم ذلك. هذا كله ~~لك يا معاوية. # وأما أنت يا عمرو. فقد تنازعك خمسة من قريش. فغلب عليك شبه الأبهم، وهو ~~أقلهم حسبا وأسوأهم منصبا، ثم قمت وسط قريش فقلت: إني شانيء محمدا بثلاثين ~~بيتا من الشعر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر. ~~اللهم العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة، ثم انطلقت إلى النجاشي بما عملت ~~وعلمت. فكذبك وردك خائبا، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام. فلا ~~نلومك على بغضك الآن. # وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف نلومك على سبك لأبي، وقد جلدك أبي في ~~الخمر ثمانين جلدة، وقتل أباك صبرا بأمر جدي، وقتله جدي بأمر ربي، ولما ~~قدمه للقتل قال: # PageV01P028 # من للصبية بعدي يا محمد؟ فقال جدي: لهم النار، فلم يكن لهم عند جدي غير ~~النار، ولم يكن لهم عند أبي غير السوط والسيف. # وأما أنت يا عتبة فكيف تعيب أحدا بالقتل ولا تعيب نفسك، فلم لا قتلت الذي ~~وجدته على فراشك مضاجعا لزوجتك؟ ثم أمسكتها بعد أن بغت. # وأما أنت يا أعور ثقيف، ففي أي شيء تسب عليا؟ أفي بعده من رسول الله صلى ~~الله عليه ms018 وسلم، أم لحكم جائر في رعيته في الدنيا؟ فإن قلت في شيء من ذلك ~~كذبت وكذبك الناس، وإن زعمت أن عليا قتل عثمان فقد كذبت وكذبك الناس، وإنما ~~مثلك كمثل بعوضة وقعت على نخلة فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير. ~~فقالت لها النخلة: ما علمت بوقوعك فكيف يشق علي طيرانك؟ فكيف يا أعور ثقيف ~~يشق علينا سبك؟ ثم نفض ثيابه وقام. فقال لهم معاوية: ألم أقل لكم لا ~~تنتصفوا منه، فوالله لقد أظلم علي البيت حتى قام. ### | معاوية والحسن # وروي أن معاوية رضي الله عنه خرج عاما حاجا، فمر بالمدينة ففرق على أهلها ~~أموالا جزيلة، ولم يحضر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما حضر قال له ~~معاوية: مرحبا مرحبا برجل تركنا حتى نفد ما عندنا وتعرض لنا ليبخلنا؟ فقال ~~الحسن رضي الله عنه: كيف ينفد ما عندك، وخراج الدنيا يجيء إليك؟ فقال له ~~معاوية: قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة، وأنا ابن هند. # فقال الحسن: قد رددته عليك، وأنا ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها. # قيل: إن معاوية رضي الله عنه جلس يوما بين أصحابه، إذ أقبلت قافلتان من ~~البرية، فقال لبعض من كان بين يديه: انظروا هؤلاء القوم وائتوني بأخبارهم. ~~فمضوا وعادوا وقالوا: يا أمير المؤمنين، إحداهما من اليمن والأخرى من قريش. ~~فقال: ارجعوا إليهم وادعوا قريشا يأتونا، وأما أهل اليمن فينزلون في ~~أماكنهم إلى أن نأذن لهم في الدخول. # PageV01P029 ### | معاوية والطرماح بن الحكم # فلما دخلت قريش سلم عليهم وقربهم وقال: أتدرون يا أهل قريش لم أخرت أهل ~~اليمن وقربتكم؟ قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: لأنهم لم يزالوا ~~يتطاولون علينا بالفخار ويقولون ما ليس فيهم، وإني أريد إذا دخلوا غدا ~~وأخذوا أماكنهم من الجلوس أن أقوم فيهم نذيرا وألقي عليهم من المسائل ما ~~أقل به إكرامهم وأرخص به مقامهم، فإذا دخلوا وأخذوا أماكنهم من الجلوس ~~وسألوا عن شيء فلا يجبهم أحد غيري. # قال الراوي: وكان المقدم عليهم رجلا يقال له الطرماح بن ms019 الحكم الباهلي، ~~فأقبل على أصحابه، وقال: أتدرون يا أهل اليمن لم أخركم ابن هند وقدم قريشا؟ ~~قالوا: لا قال: لأنه في غداة غد يقوم فيكم نذيرا ويلقي عليكم من المسائل ما ~~يقل به إكرامكم ويرخص به مقامكم، فإذا دخلتم عليه وأخذتم أماكنكم من الجلوس ~~وسألكم عن شيء فلا يجبه أحد غيري. # فلما كان من الغد دخلوا عليه وأخذوا أماكنهم فنهض معاوية قائما على ~~قدميه، وقال: أيها الناس من تكلم قبل العرب، وعلى من أنزلت العربية؟ فقام ~~الطرماح وقال: نحن يا معاوية، ولم يقل يا أمير المؤمنين. # فقال: لماذا؟ فقال: لأنه لما نزلت العرب ببابل وكانت العبرانية لسان ~~الناس كافة أرسل الله تعالى العربية على لسان يعرب بن قحطان الباهلي، وهو ~~جدنا فقرأ العربية وتداولها قومه من بعده إلى يومنا هذا، فنحن يا معاوية ~~عرب بالجنس وأنتم عرب بالتعليم. # فسكت معاوية زمانا ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس، من أقوى العرب إيمانا ~~ومن شهد له بذلك؟ فقال الطرماح: نحن يا معاوية. # قال: ولم؟ قال: لأن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم فكذبتموه وسفهتموه ~~وجعلتموه مجنونا، فآويناه ونصرناه فأنزل الله: " والذين آووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا ". # PageV01P030 # وكان النبي صلى الله عليه وسلم، محسنا لنا متجاوزا عن سيئاتنا فلم لم ~~تفعل أنت كذلك؟ كأنك خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: فسكت زمانا ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس، من أفصح العرب لسانا ومن ~~شهد له بذلك؟ قال الطرماح: نحن يا معاوية. # قال: ولم ذلك؟ قال: لأن امرأ القيس بن حجر الكندي منا قال في بعض قصائده: # يطعمون الناس غبا ... في السنين الممحلات # في جفان كالخوابي ... وقدور راسيات # وقد تكلم بألفاظ جاء مثلها في القرآن، وشهد له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك. # قال: فسكت معاوية زمانا وقال: أيها الناس، من أقوى العرب شجاعة وذكرا ومن ~~شهد له بذلك؟ قال الطرماح: نحن يا معاوية. # قال: ولم ذلك؟ قال: لأن منا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، كان فارسا في ~~الجاهلية ms020 وفارسا في الإسلام وشهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. # فقال له معاوية: وأين أنت وقد أتي به مصفدا بالحديد؟ فقال له الطرماح: ~~ومن أتى به؟ قال معاوية: أتى به علي. # قال الطرماح: والله لو عرفت مقداره لسلمت إليه الخلافة ولا طمعت فيها ~~أبدا. # فقال له معاوية: أتحجني يا عجوز اليمن؟ قال: نعم أحجك يا عجوز مضر لأن ~~عجوز اليمن بلقيس آمنت بالله، وتزوجت بنبيه سليمان بن داود، عليهما السلام، ~~وعجوز مضر جدتك التي قال الله في حقها: " وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل ~~من مسد ". # قال: فسكت معاوية زمانا ثم رفع رأسه وقال: جزاك الله خيرا من صاحب ووفر ~~عقلك ورحم سلفك وأعطاه وأحسن إليه، انتهى. # PageV01P031 ### | معاوية والأحنف بن قيس # قال الراوي: وخطب معاوية يوما فقال: أيها الناس إن الله تعالى قال: " وإن ~~من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم "، فعلام تلومونني إذا ~~قصرت عنكم في عطاياكم؟ فقال له الأحنف بن قيس: إنا والله ما نلومك فيما في ~~خزائن الله، ولكن وضعت يدك على ما أنزل الله من خزائنه فجعلته في خزائنك ~~وحلت بيننا وبينه. ### | معاوية وسودة الأسدية # ومما يروى عن الشعبي قال: استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسد على معاوية بن ~~أبي سفيان، فأذن لها، فلما دخلت عليه قال لها: يا بنت الأسد الست القائلة: # شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران # وانصر عليا والحسين ورهطه ... واقعد لهند وابنها بهوان # إن الإمام أخا النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان # وقد الجيوش وسر أمام لوائه ... وارم بأبيض صارم وسنان # قالت: بلى يا معاوية، وما مثلي من رغب عن الحق واعتذر. # قال: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي واتباع الحق. # قال: والله ما أرى عليك من أثر علي شيئا. # قالت: أنشدك الله يا معاوية! لا تذكر ما مضى. # قال: هيهات! وما مثلك، ومقام أخيك يسيئني، وما لقيت من أخيك. # قالت: صدقت يا معاوية، لم يكن أخي ذميم المقام، ولا خبيا، وهو والله ms021 كقول ~~الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # وأنا أسألك يا معاوية إعفاك مما استعفيت به. # قال: قد فعلت؛ فما حاجتك؟ قالت: يا معاوية، إنك أصبحت للناس سيدا # PageV01P032 # ولأمورهم واليا، والله سائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال ~~تقدم علينا من يغرك ويبطش بسلطانك، ويحصدنا حصد السنبل، ويدرسنا درس ~~العصفر، ويسومنا الخسف، ويسلبنا الحيل، هذا ابن أرطاة قدم علينا فقتل رجالي ~~وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته. فشكرناك، وإما ~~أقررته فعرفناك. # فقال لها: أبقولك تهدديني؟ هممت أن أحملك على قتب جمل أشرس وأسيرك إليه ~~لينفذ فيك أمره. # فأطرقت وبكت وأنشدت تقول: # صلى الإله على روح تضمنها ... قبر فأصبح فيه الحق مدفونا # قد حالف الحق لا يبغي به بدلا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا # قال: ومن ذاك؟ قالت: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # قال: ولم؟ قالت: أتيته في رجل ولاه علينا، ولم يكن بيننا وبينه إلا كما ~~بين الغث والسمين، فوجدته قائما يصلي، فلما نظر إلي انفتل من صلاته. ثم قال ~~برأفة ورحمة: ألك حاجة؟ فأخبرته فبكى. ثم قال: اللهم اشهد علي وعليهم أني ~~لم أولهم وآمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة من جلد ~~كهيئة طرف الجواب فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: " قد جاءتكم بينة من ~~ربكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ". إذا قرأت ~~كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك حتى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام. # فأخذته منه وأوصلته إليه فامتثل ورجع عما كان فيه. # فقال معاوية: اكتبوا لها برد مالها والعدل في حالها. # فقال: ألي خاصة أم لي ولقومي؟ قال: بل لك. # قالت: إذا الفحشاء واللؤم، هي والله إما عدلا شاملا وإلا فأنا كسائر ~~قومي. قال: اكتبوا لها بحاجتها هي وقومها. # PageV01P033 ### | معاوية وميسون الكلبية # ولما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية رضي ms022 الله عنه ونقلها من البدو إلى ~~الشام كانت تكثر الحنين على ناسها والتذكر لمسقط رأسها، فاستمع عليها ذات ~~يوم فسمعها تنشد وتقول: # لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف # وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف # وأصوات الرياح بكل فج ... أحب إلي من نقر الدفوف # ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف # وكلب ينبح الطراق حولي ... أحب إلي من قط ألوف # وبكر يتبع الأظعان صعب ... أحب إلي من بغل زفوف # وخرق من بني عمي نحيف ... أحب إلي من علج عنيف # قال الراوي: فلما سمع معاوية الأبيات قال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني ~~علجا عنيفا. ### | ملك فارس والبوم الواعظ له # حكاية أجنبية عن المقام. يحكى أن بهراما لما ولي الملك بعد أبيه، أقبل ~~على اللهو واللذات والتنزه والصيد، لا يفكر في ملكه ولا في رعيته حتى خرجت ~~البلاد عن يده وخربت في أيامه وقلت العمارة وخلت بيوت الأموال. فلما كان في ~~بعض الأيام ركب إلى بعض منازهه وصيده، وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة ~~مقمرة، فدعا بالموبذان، وهو عند المجوس كحاخام عند اليهود والقسيس عند ~~النصارى، لأمر خطر بباله فجعل يحادثه فتوسطا في سيرهما بين خرابات كانت من ~~أمهات الضياع قد خربت في مدة ملكه لا أنيس فيها إلا البوم، وإذا ببوم يصيح ~~وصاحبته تجاوبه من تلك الخرابات، فقال بهرام: أترى أن أحدا من الناس أعطي ~~فهم لغة هذا الطائر المصوت في الليل البهيم؟ فقال الموبذان: أيها الملك، ~~أنا ممن خصه الله بذلك. # PageV01P034 # قال: فما يقول هذا الطائر وما يقول الطائر الآخر؟ فقال الموبذان: هذا بوم ~~ذكر يخطب بومة ويقول لها: متعيني بنفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون ~~الله ويبقى لنا في هذا العالم عقب يكثرون الترحم علينا. فأجابت: أن الذي ~~تدعونني إليه لي فيه الحظ الأكبر والنصيب الأوفر في العاجل والآجل إلا أني ~~أشترط عليك خصالا إن أعطيتها أجبتك إلى ذلك. # فقال لها الذكر: وما تطلبينه مني؟ قالت: أن تعطيني من ms023 خرابات أمهات ~~الضياع عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك السعيد. # فقال له الملك فما الذي قال لها الذكر؟ قال الموبذان: كان من قوله لها إن ~~دامت أيام هذا الملك السعيد قطعك منها ألف قرية خراب، فما تصنعين بها؟ ~~قالت: في اجتماعنا يحصل ظهور النسل وكثرة الذكر، فنقطع لكل ولد من أولادنا ~~ضيعة من هذه الخرابات. # فقال لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتنيه، وأنا مليء بذلك ما حيى هذا الملك. # فلما سمع الكلام من الموبذان تأثر في نفسه واستيقظ من نومه وفكر فيما ~~خوطب به فنزل من ساعته ونزل بنزوله الناس وخلا بالموبذان، فقال: أيها ~~القائم بأمر الدين الناصح للملك والمنبه له عما أغفله من أمور ملكه وإضاعة ~~بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به فقد حركت مني ما كان ساكنا. # فقال الموبذان: صادفت من الملك السعيد وقت سعد العباد والبلاد فجعلت ~~الكلام مثلا وموعظة على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي عما سأل. # فقال له الملك: أيها الناصح، اكشف لي عن هذا الغرض، ما المراد منه؟ فقال: ~~أيها الملك، إن الأمر لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ولا قوام ~~للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ~~ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، وهو الميزان ~~المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب، جل وعلا وجعل له قيما وهو الملك. # فقال الملك: أما ما وصفت فحق فأين لي عما إليه تقصد وأوضح لي في البيان. # قال: نعم أيها الملك، إنك عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة ~~فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في ~~العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الحيف ~~على الرعية وعمار الضياع، # PageV01P035 # فانجلوا عن ضياعهم، وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس ~~من أطاف بها من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي بسببها تستقيم ~~دعائم الملك. # فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام ms024 وأحضر الوزراء والكتاب ~~وأرباب الدواوين فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها ~~وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة وقوي من ضعف منهم فعمرت ~~البلاد بذلك وأخصبت وكثرت الأموال عند الجباة وقويت الجنود وانقطعت مواد ~~الأعداء وأقبل الملك يباشر الأمور بنفسه فحسنت سيرته وانتظم ملكه حتى كانت ~~أيامه بعده تدعى بالأعياد مما عم الناس من الخصب وشملهم من العدل. ### | العاشق ذو المروءة # حكاية أخرى أجنبية. حكي عن الأصمعي أنه قال: دخلت البصرة أريد بادية بني ~~سعد، وكان على البصرة يومئذ خالد بن عبد الله القسري، فدخلت عليه يوما فوجد ~~قوما متعلقين بشاب ذي جمال وكمال وأدب ظاهر، بوجه زاهر حسن الصورة طيب ~~الرائحة جميل البزة، عليه سكينة ووقار، فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته ~~فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منازلنا. فنظر إليه فأعجبه حسن هيئته ~~ونظافته، فقال: خلوا عنه. ثم أدناه منه وسأله عن قصته، فقال: إن القول ما ~~قالوه والأمر على ما ذكروه. # فقال له: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة؟ قال: حملني ~~الشره في الدنيا. وبذا قضى الله سبحانه وتعالى. # فقال له خالد: ثكلتك أمك، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك ~~زاجر لك عن السرقة. # قال: دع عنك هذا أيها الأمير، وانفذ ما أمرك الله تعالى به. فذلك بما ~~كسبت يداي. وما الله بظلام للعبيد. # فسكت خالد ساكة يفكر في أمر الفتى ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على ~~رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقا. وإن لك قصة غير السرقة فأخبرني ~~بها. # فقال: أيها الأمير، لا يقع في نفسك سوى ما اعترفت به عندك، وليس لي قصة ~~أشرحها لك إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت منها مالا فأدركوني وأخذوه مني ~~وحملوني إليك. # PageV01P036 # فأمر خالد بحبسه وأمر مناديا ينادي في البصرة: ألا من أحب أن ينظر إلى ~~عقوبة فلان اللص وقطع يده فليحضر من الغد. # فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس ms025 الصعداء، ثم أنشأ ~~يقول: # هددني خالد بقطع يدي ... إن لم أبح عنده بقصتها # فقلت: هيهات أن أبوح بما ... تضمن القلب من محبتها # قطع يدي بالذي اعترفت به ... أهون للقلب من فضيحتها # فسمعه الموكلون به فأتوا خالدا وأخبروه بذلك، فلما جن الليل أمر بإحضاره ~~عنده، فلما حضر استنطقه فرآه أديبا عاقلا لبيبا ظريفا فأعجب به فأمر له ~~بطعام فأكلا وتحادثا ساعة. ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة، ~~فإذا كان غدا وحضر الناس والقضاة وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها ~~شبهات تدرأ عنك القطع. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادرءوا ~~الحدود بالشبهات ". # ثم أمر به إلى السجن، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا ~~حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم، ثم دعا ~~بالقضاة وأمر بإحضار الفتى، فأقبل يحجل في قيوده، ولم يبق أحد من النساء ~~إلا بكى عليه وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، فأمر بتسكيت الناس، ثم ~~قال له خالد: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول؟ ~~قال: صدقوا أيها الأمير، دخلت دارهم وسرقت مالهم. # قال خالد: لعلك سرقت دون النصاب. # قال: بل سرقت نصابا كاملا. # قال: فلعلك سرقته من غير حرز مثله.؟ قال: بل من حرز مثله. # قال: فلعلك شريك القوم في شيء منه؟ قال: بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه. # فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط. وقال متمثلا بهذا ~~البيت: # يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا # ثم دعا بالجلاد ليقطع يده. فحضر وأخرج السكين، ومد يده ووضع عليها ~~السكين، فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ، فصرخت ورمت بنفسها عليه، ~~ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن تقع منه فتنة، ~~ثم نادت # PageV01P037 # بأعلى صوتها: إليه رقعة ففضها خالد فإذا هي مكتوب فيها: # أخالد هذا مستهام متيم ... رمته لحاظي من قسي الحمالق # فأصماه سهم اللحظ ms026 مني فقلبه ... حليف الجوى من دائه غير فائق. # أقر بما لم يقترفه لأنه ... رأى ذاك خيرا من هتيكة عاشق # فهلا على الصب الكئيب لأنه ... كريم السجايا في الهوى غير سارق # فلما قرأ الأبيات تنحى وانعزل عن الناس وأحضر المرأة، ثم سألها عن القصة، ~~فأخبرته أن هذا الفتى عاشق لها وهي له كذلك، وأنه أراد زيارتها وأن يعلمها ~~بمكانه، فرمى بحجر إلى الدار، فسمع أبوها واخوتها صوت الحجر، فصعدوا إليه، ~~فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وجعله صرة، فأخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا ~~به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني بي اخوتي، وهان عليه ~~قطع يده لكي يستر علي ولا يفضحني. كل ذلك لغزارة مروءته وكرم نفسه. # فقال خالد: إنه خليق بذلك. # ثم استدعى الفتى إليه وقبل ما بين عينيه وأمر بإحضار أبي الجارية وقال ~~له: يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع، وإن الله ~~عصمه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده وحفظه لعرضك وعرض ~~ابنتك وصيانته لكما من العار. وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم، وأنا أسألك ~~أن تأذن لي في تزويجها منه. # فقال الشيخ: قد أذنت أيها الأمير بذلك. # قال: فحمد الله وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة وقال للفتى: قد وقدره عشرة ~~آلاف درهم. # فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج. # وأمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفا في الصواني، وانصرف الناس مسرورين ~~ولم يبق أحد في سوق البصرة إلا نثر عليهما اللوز والسكر حتى دخلا منزلهما ~~مسرورين مزفوفين. # قال الأصمعي: فما رأيت يوما أعجب منه أوله بكاء وترح وآخره سرور وفرح. # PageV01P038 ### | جعفر بن سليمان والعاشقان # وهذه حكاية تشابه ما تقدم. قال حماد الراوية: كنت عند جعفر بن سليمان ~~بالبصرة إذ أتى بشاب حسن الوجه، ومعه جارية كأنها قضيب بان، فقال صاحب ~~الشرطة: أصلح الله الأمير، إني وجدت هذا وهذه مجتمعين في خلوة وليس لها ~~بمحرم. # فقال جعفر للفتى: ما تقول؟ فقال: صدق ولقد طال والله غرامي ms027 بها منذ ثلاث ~~سنين والله ما أمكنني الخلوة بها إلا في هذا الوقت، وأنشد يقول: # تمنيت من ربي أفوز بقربها ... فلما تهيأ لي المنى عاقه العسر # فوالله بل والله ما كان ريبة ... وما كان إلا اللفظ والضحك والبشر # فدونكم جلدي ولا تجلدونها ... فكم من حرام كان من دونه ستر # قال: فجعلت الجارية تبكي بكاء شديدا فقال لها: وأنت لم تبكين؟ فقالت: ~~والله شفقة مما حل بنا وكيف احتلت حتى خرجت وكيف بلينا بهذه البلية؟ قال: ~~أتحبينه؟ قال: فلم غررت بنفسي؟ قال لها: أنت حرة أم مملوكة؟ قالت: بل ~~مملوكة. # فأمرها فدخلت الدار وأحضر مولاها فاشتراها منه بمائتي دينار وأعتقها ~~وزوجها الفتى ووهب له مائة دينار وكساها، فأنشد الفتى يقول: # لقد جدت يا ابن الأكرمين بنعمة ... جمعت بها بين المحبين في ستر # فلا زلت بالإحسان كهفا وملجأ ... وقد جل ما قد كان منك عن الشكر # قال: فضحك وأمر لهما بجائزة وانصرفا مسرورين. # PageV01P039 ### | في أيام دولة عبد الملك بن مروان # وهو أول من تسمى عبد الملك في الإسلام، وكان يلقب برشح الحجر. ذكره في ~~حياة الحيوان. # وذكر محمد بن واسع الهيتي أن عبد الملك بن مروان بعث كتابا إلى الحجاج بن ~~يوسف يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى الحجاج بن يوسف، إذا ورد عليك ~~كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات نهد أبكار يكون إليهن المنتهى ~~في الجمال، واكتب لي بصفة كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها في المال. # فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين، م أمرهم بما أمر به أمير ~~المؤمنين، وأمرهم أن يغوصوا في البلاد حتى يقعوا على الغرض، فلم يزالوا من ~~بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا على الغرض، ورجعوا إلى الحجاج ~~بثلاث جوار نهد أبكار مولدات ليس لهن مثيل. # وكان الحجاج فصيحا، فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن وثمنها من المال، فوجدهن ~~لا يقومن بقيمة، وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن. ثم كتب كتابا إلى عبد الملك بن ~~مروان يقول فيه: بعد الثناء الجميل ms028 وصلني كتاب أمير المؤمنين، متعني الله ~~تعالى ببقائه، يأمر فيه أن أشتري له ثلاث جوار مولدات نهد أبكار، وأن أكتب ~~له بصفة كل واحدة منهن وثمنها. أما الجارية الأولى، أطال الله بقاء أمير ~~المؤمنين، فإنها لطيفة السوالف، عظيمة الروادف، كحلاء العينين، حمراء ~~الوجنتين، قد نهد نهداها والتف فخذاها، كأنها ذهب شيب بفضة، وهي كما قيل: # بيضاء في طرفها دعج يزينها ... كأنها فضة قد شابها ذهب # وثمنها يا أمير المؤمنين، ثلاثون ألف درهم. # وأما الجارية الثانية فإنها فائقة في الجمال معتدلة القد والكمال يشفي ~~السقيم كلامها الرخيم، وثمنها يا أمير المؤمنين، ثلاثون ألف درهم. # وأما الجارية الثالثة، فإنها فاترة الطرف لطيفة الكاف عظيمة الردف شاكرة ~~للقليل مساعدة للخليل، بديعة الجمال، كأنها خشف غزال، وثمنها يا أمير ~~المؤمنين، ثمانون ألف درهم. # PageV01P040 # ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا ~~بالنخاسين وقال: تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري لأمير المؤمنين اه؟. # فقال أحد النخاسين: أيد الله الأمير: إني رجل كبير وضعيف عن السفر ولي ~~ولد ينوب عني فتأذن لي أن أجهزه؟ قال: نعم. # فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت ~~الجواري فهبت ريح فانكشفت إحداهن. وهي الكوفية فظهر نور ساطع وكان اسمها ~~مكتوم، فنظر إليها ابن النخاس، وكان شابا جميلا ففتن بها لساعته، فأتاها ~~على غفلة من أصحابه وجعل يقول: # أمكتوم عيني لا تمل من البكا ... وقلبي بأسهام الأسى يترشق # أمكتوم! كم من عاشق قتل الهوى ... وقلبي رهين كيف لا أتعشق؟ # فأجابته تقول: # لو كان حقا ما تقول لزرتنا ... ليلا، إذا هجعت عيون الحسد # فلما جن الليل، انقض ابن النخاس بسيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة ~~تنتظر قدومه، فأخذها وأراد الهرب بها ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه ~~بالحديد ولم يزل مأسورا معهم إلى أن قدموا على عبد الملك. # فلما قدموا بالجواري بين يديه، أخذ الكتاب وفتحه وقرأه فوجد الصفة موافقة ~~في اثنتين ولم توافق في الثالثة، ورأى بوجهها صفرة، وهي الجارية الكوفية، ~~فقال للنخاسين: ما بال ms029 هذه الجارية لم توافق الصفة التي ذكرها الحجاج في ~~كتابه، وما هذا الإصفرار الذي بها، وهذا النحول؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، ~~نقول وعلينا الأمان. # قال: إن صدقتم أمنتم؛ وإن كذبتم هلكتم. # فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى، وهو مصفد بالحديد، فلما قدموه بين يدي ~~أمير المؤمنين وأخبروه بما فعل بكى بكاء شديدا وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول: # أمير المؤمنين أتيت رغما ... وقد شدت إلى عنقي يديا # مقرا بالقبيح وسوء فعلي ... ولست بما رميت به بريا # فإن تقتل ففوق القتل ذنبي ... وإن تعف فمن جود عليا # PageV01P041 # فقال له عبد الملك: يا فتى ما حملك على ما فعلت؟ أستخفافا بنا أم هوى ~~للجارية؟ فقال: وحقك يا أمير المؤمنين، وعظيم قدرك، ما هو إلا هوى للجارية. # فقال: هي لك بما أعد لها. # فأخذ الغلام الجارية بكل ما أعد لها أمير المؤمنين من الحلي والجمان وسار ~~بها فرحا مسرورا حتى إذا كانا ببعض الطريق نزلا منزلا ليلا فتعانقا. فلما ~~أصبح الصباح وأراد الناس الرحيل، نبهوهما فوجدا ميتين. فبكوا عليهما ~~ودفنوهما في الطريق. ومضى خبرهما إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ~~فبكى عليهما وتعجب من ذلك. ### | شجرة العروسين # وهذه حكاية تشابهها في العشق. حكي عن عبد الله بن معمر القيسي أنه قال: ~~حججت سنة إلى بيت الله الحرام، فلما قضيت حجي عدت لزيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فبينما أنا ذات ليلة جالس بين القبر والروضة إذ سمعت أنينا ~~عاليا وحنينا باديا، فأنصت إليه، فإذا هو يقول هذه الأبيات: # أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر؟ # أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر # يا ليلة طالت على دنف ... يشكو الغرام وقلة الصبر # أسلمت من يهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر # فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر # ما كنت أحسبني بها شجنا ... حتى بليت وكنت لا أدري # قال: ثم انقطع الصوت ولم أدر من أين جاءني فبقيت حائرا، وإذا به قد أعاد ~~البكاء والحنين وأنشأ يقول هذه الأبيات: # أشجاك من ms030 ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر # واقتاد مقلتك الهوى برسيسه ... واهتاج مقلتك الخيال الزاهر # ناديت ليلى، والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر # PageV01P042 # والبدر يسري في السماء كأنه ... مالك ترحل، والنجوم عساكر # يا ليل! طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد وموازر # فأجابني: مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر # قال: فنهضت عند ابتدائه الأبيات أؤم الصوت فما انتهى لآخر الأبيات إلا ~~وأنا عنده، فرأيت غلاما ما سال عذاره، وقد خرج الدمع وجنتيه خرقين، فقلت: ~~نعمت غلاما! فقال: وأنت، فمن الرجل؟ قلت: عبد الله بن معمر القيسي. # قال: أفلك حاجة؟ قلت له: كنت جالسا في الروضة، فما راعني في هذه الليلة ~~إلا صوتك فبنفسي أفديك، ما الذي تجده؟ قال: اجلس! فجلست، أنا عتبة بن ~~الخباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، غدوت إلى مسجد الأخراب فبقيت راكعا ~~وساجدا ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا بنسوة يتهادين كالأقمار، وفي وسطهن جارية ~~بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي، وقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من ~~يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت. فلم أسمع لها خبرا ولا وقفت لها على أثر. فأنا ~~حيران أتنقل من مكان إلى مكان. # ثم صرخ وانكب على الأرض مغشيا عليه، ثم أفاق كأنما صبغت ديباجتا خديه ~~بورس ثم أنشد يقول هذه الأبيات: # أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني بالقلوب على بعد # فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي # ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد # قال: فقلت له: يا ابن أخي تب إلى ربك واستقل من ذنبك، فإن بين يديك هول ~~المطلع. # فقال: هيهات ما أنا بسال حتى يثوب القارظان. # ولم أزل به حتى طلع الفجر، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأخراب، فقمنا إليه ~~فجلسنا حتى صلينا الظهر، وإذا بنسوة قد أقبلن وأما الجارية فليست فيهن ~~فقلن: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة ما بك؟ قال: وما بالها قلن: أخذها ~~أبوها وارتحل إلى السماوة. فسألتهن على الجارية فقلن: ms031 هي ريا بنت الغطريف ~~السلمي، فرفع رأسه وأنشأ يقول: # PageV01P043 # خليلي! ريا قد أجد بكورها ... وسار إلى أرض السماوة عيرها # خليلي! إني قد عييت عن البكا ... فهل عند غيري عبرة أستعيرها؟ # فقلت له: يا عتبة إني وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر، ووالله لأبذلنه ~~أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا. قم بنا إلى مسجد الأنصار، فقمنا حتى ~~أشرفنا على مائهم فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت: أيها الملأ، ما تقولون في ~~عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب، قلت: فإنه رمي بداهية من الهوى فأريد ~~منكم المساعدة إلى السماوة، قالوا: سمعا وطاعة. # وركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف ~~بمكاننا فخرج مبادرا واستقبلنا وقال: حييتم يا كرام! قلنا: وأنت حييت، إنا ~~لك أضياف، فقال: نزلتم بأكرم منزل. # ثم نادى: يا معشر العبيد انزلوا. فنزلت العبيد ففرشت الأنطاع والنمارق ~~وذبحت النعم والغنم. فقلنا: لسنا بذائقين طعامك حتى تقضي حاجتنا. قال: وما ~~حاجتكم؟ قلنا: نخطب ابنتك الكريمة لعتبة بن الخباب بن المنذر العالي الفخر ~~الطيب العنصر. فقال: يا أخي إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل ~~وأخبرها. # ثم نهض مغضبا ودخل إلى ريا فقالت: يا أبتي! ما لي أرى الغضب بين عينيك؟ ~~فقال: ورد علي قوم من الأنصار يخطبونك مني. فقالت: سادات كرام استغفر لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة فيهم؟ قال: لفتى يعرف بعتبة بن ~~الخباب، قالت: سمعت عن عتبة هذا أنه يقي بما وعد ويدرك ما طلب. قال: أقسمت ~~لا أزوجك به أبدا فقد نمى إلي بعض حديثك معه. قالت: ما كان ذلك؟ قال: ولكن ~~أقسمت أني ما أزوجك به. قالت: أحسن إليهم فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا، ~~فأحسن الرد. قال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون. قال: ما ~~أحسن ما قلت. # ثم خرج مبادرا. فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكن أريد لها مهر مثلها، ~~فمن القائم به؟ قال عبد الله فقلت: أنا! فقال: أريد لها ألف سوار من ذهب ms032 ~~أحمر، وخمسة آلاف درهم من ضرب هجر، ومائة ثوب من الأبراد والحبر، وخمسة ~~أكرشة من العنبر. # قال قلت: لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: أجل. # PageV01P044 # فأنفذ عبد الله نفرا من الأنصار إلى المدينة المنورة فأتوا بجميع ما ضمنه ~~وذبحت النعم والغنم، واجتمع الناس لأكل الطعام. قال: فأقمنا على هذا لحال ~~أربعين يوما. ثم قال: خذوا فتاتكم فحملناها على هودج وجهزها بثلاثين راحلة ~~من التحف ثم ودعنا وانصرف، وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة المنورة ~~مرحلة خرجت علينا خيل تريد الغارة، وأحسب أنها من بني سليم، فحمل عليها ~~عتبة بن الخباب فقتل عدة رجال وانحرف راجعا وبه طعنة، ثم سقط إلى الأرض. ~~وأتتنا النصرة من سكان تلك الأرض فطردوا عنا الخيل، وقد قضى عتبة نحبه، ~~فقلنا: وا عتبتاه! فسمعنا الجارية تقول وا عتبتاه، فألقت نفسها من فوق ~~البعير وانكبت عليه وجعلت تصيح وتقول بحرقة: # تصبرت لا أني صبرت، وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقة # ولو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقة # فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا، ولا نفس لنفس موافقة # ثم شهقت شهقة قضت نحبها. واحتفرنا لهما قبرا واحدا وواريناهما في التراب، ~~ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين، ثم عدت إلى الحجاز ووردت المدينة ~~المنورة للزيارة فقلت: لأعودن إلى قبر عتبة، فأتيت إلى القبر، فإذا شجرة ~~عليها عصائب حمر وصفر وخضر، فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ ~~فقالوا: شجرة العروسين، فأقمت عند القبر يوما وليلة وانصرفت وكان آخر العهد ~~به. ### | العاشق الكتوم # ومثل ما تقدم من العشق وما ورد في كتمان الهوى مع تحقق النظر عند إعلانه. ~~ما حكي عن بعض المعمرين من ذوي النعم قال: بينما أنا في منزلي إذ دخل علي ~~خادم لي ومعه كتاب، فقال: رجل بالباب دفع إلي هذا الكتاب ففتحته فإذا فيه: # تجنبك البلاء، ونلت خيرا ... ونجاك المليك من الغموم # فعندك لو مننت شفاء نفسي ... وأعضاء ضنين من الكلوم # فقلت: عاشق والله، وقلت للخادم: اخرج وائتني به، فخرج فلم ms033 ير أحدا فعجبت ~~من أمره وأحضرت الجواري كلهن من يخرج منهن ومن لم يخرج منهن وسألتهن عن ذلك # PageV01P045 # فحلفن أنهن لا يعرفن من حديث هذا الكتاب شيئا، فقلت: إني لم أفعل ذلك ~~بخلا بمن يهوى منكن، فمن عرفت بحال هذا الفتى، فهي هبة مني له بمالها ومائة ~~دينار. وكتبت جوابه أشكره على ذلك وأسأله قبولها ووضعت الكتاب في جنب البيت ~~ومائة دينار، وقلت: من عرف شيئا فليأخذه، فمكث الكتاب والذهب أياما لا ~~يأخذه أحد، فغمني ذلك، وقلت: هذا قنع ممن يحبه بالنظر، فمنعت من يخرج من ~~جواري من الخروج. فما كان إلا يوما أو بعض يوم إذ دخل علي الخادم ومعه ~~كتاب. وقال هذا من بعض أصدقائك بعث به إليك. فقلت: اخرج وائتني به. فخرج ~~فلم يجده ففتحت الكتاب فإذا فيه: # ماذا أتيت إلى روح معلقة ... عند التراقي، وحادي الموت حاديها # حثثت حاديها ظلما، فجد بها ... في السير حتى تخلت عن تراقيها # والله لو قيل لي: تأتي بفاحشة ... وإن عقباك دنيانا وما فيها # لقلت: لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها # لولا الحياء لبحنا بالذي سكنت ... بيت الفؤاد وأبدينا أمانيها # قال: فغمني أمره فقلت للخادم: لا يأتينك أحد بكتاب إلا قبضنا عليه. قال: ~~وقرب موسم الحج. قال: فبينما أنا قد أفضت من عرفة، وإذا فتى إلى جانبي على ~~ناقة لم يبق منه إلا الخيال، فسلم علي فرددت عليه السلام ورحبت به، فقال: ~~أتعرفني؟ فقلت: وما أنكرك بسوء. فقال: أنا صاحب الكتابين. فانكببت عليه ~~فقلت له: يا أخي لقد غمني أمرك وأقلقني كتمانك لنفسك ووهبت لك طلبك ومائة ~~دينار. فقال: بارك الله لك إنما أتيتك مستحلا من نظر كنت أنظره على غير حكم ~~الكتاب والسنة. فقلت: غفر الله لك وللجارية فسر معي إلى منزلي لأسلمها إليك ~~ومائة دينار مثلها في كل سنة. فقال: لا حاجة لي بذلك. فألححت عليه فلم ~~يفعل. فقلت له: أما إذا أبيت فعرفني من هي من جواري لأكرمها من أجلك ما ~~حييت. فقال: ما كنت ms034 لأسميها لأحد. وودعني وانصرف وكان آخر العهد به. انتهى. # PageV01P046 ### | تولية الحجاج للعراق # ونعود إلى الكلام على ما وقع في زمان عبد الملك بن مروان. روي أنه لما ~~ولي الحجاج الحرمين الشريفين حظي عنده إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما أراد ~~الحجاج الرجوع إلى الشام إلى عبد الملك بن مروان، وفد معه إبراهيم بن محمد ~~بن طلحة وقال: أتيتك برجل الحجاز في الشرف والأبوة والفضل والمروءة يا أمير ~~المؤمنين، مع ما هو عليه من حسن الطاعة وجميل المناصحة، والله لم يكن في ~~الحجاز له نظير، فبالله عليك يا أمير المؤمنين، إلا فعلت معه من الخير ما ~~هو مستحقه؟ فقال عبد الملك: من هو يا أبا محمد؟ قال له: إبراهيم بن محمد بن ~~طلحة. # قال: يا أبا محمد لقد ذكرتنا بحق واجب ائذن له في الدخول. # فلما دخل على عبد الملك أمر بجلوسه في صدر المجلس ثم قال: إن أبا محمد ~~الحجاج ذكر لنا ما نعرفه من كمال مروءتك وحسن نصيحتك، فلا تدع في صدرك حاجة ~~إلا أعلمتنا بها حتى نقضيها لك ولا نضيع شكر أبي محمد الحجاج فيك. # قال إبراهيم: إن الحاجة التي نبغي بها وجه الله تعالى والتقرب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في القيامة نصيحة أمير المؤمنين. قال: قل! قال: لا ~~أقولها وبيني وبينك ثالث. # قال: ولا صديقك الحجاج؟ قال: لا. # قال: قم. # فقام خجلا وهو لا يعرف أين تطأ رجله، فلما مضى قال له: هات نصيحتك. # فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، وليت الحجاج الحرمين الشريفين وفيهما من ~~تعرف من أولاد المهاجرين والأنصار وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~ما تعلمه من ظلمه وفسقه وجوره وبعده من الحق وقربه إلى الباطل، يسومهم ~~الخسف ويطؤهم بالعسف، فليت شعري أي جواب أعددته لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذا سألك الله في عرصات القيامة عن ذلك؟ فبالله عليك يا أمير ~~المؤمنين، إلا عزلته وادخرتها قربة إلى الله تعالى. # فقال عبد الملك: لقد ظن الحجاج الخير بغير أهله، ثم ms035 قال: يا إبراهيم! قم. # فقمت على أنحس حال وخرجت من المجلس، وقد اسودت الدنيا في وجهي فتبعني # PageV01P047 # حاجبه وقبض على زندي وجلس بي في الدهليز، ثم دعا عبد الملك بالحجاج. فدخل ~~فمكث طويلا فما شككت إلا أنهما يتشاوران في قتلي. ثم دعاني فقمت ودخلت ~~فوافاني الحجاج خارجا فعانقني، وقال: جزاك الله عني خيرا في هذه النصيحة، ~~أما والله لئن عشت لأرفعن قدرك. # وتكرني وخرج ودخلت وأنا أقول: يهزأ بي، وهو معذور، فدخلت على عبد الملك ~~فأجلسني مجلسي الأول ثم قال لي: قد علمت صدقك وقد عزلته عن الحرمين ووليته ~~العراق وأعلمته أنك استقللت له الحجاز واستدعيت له العراق، وأنك تطلب له ~~الزيادة في الأعمال وهو يظن أنك السبب في توليته العراق، وقد تهلل وجهه ~~فرحا لذلك، فسر معه أينما توجه يولك خيرا، ولا تقطع نصيحتك عنا والله أعلم. ### | كيف ولد الحجاج # وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة وغيرهما. أن أم الحجاج ابن يوسف وهي ~~الفارعة بنت همام. ولدته مشوها لا دبر له فثقب دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه ~~وغيرها فأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة، ~~فقال: ما خبركم؟ فقالوا: ولد ليوسف الثقفي من الفارعة ولد وقد أبى أن يقبل ~~ثدي أمه فقال: اذبحوا له تيسا أسود والعقوه دمه ثم اذبحوا له أسود سالخا، ~~وأولغوه من دمه واطلوا به وجهه ثلاثة أيام ففعلوا فقبل الثدي في اليوم ~~الرابع فكان لا يصبر عن سفك الدم وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره، انتهى. # PageV01P048 ### | الحجاج والأعرابي # وحكي أن الحجاج انفرد يوما من عسكره فلقي أعرابيا فقال له: يا وجه العرب، ~~كيف الحجاج؟ فقال: ظالم غاشم. قال: هلا شكوته إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: ~~أظلم وأغشم عليهما لعنة الله. # فبينما هو كذلك إذ تلاحقت به عساكره فعلم الأعرابي أنه الحجاج فقال ~~الأعرابي: أيها الأمير السر الذي بيني وبينك لا يطلع عليه أحد إلا الله. # فتبسم الحجاج وأحسن إليه وانصرف. ### | الحجاج والفتى المحدث # وذكر أهل التواريخ أن الحجاج ms036 بن يوسف الثقفي سهر ليلة وعنده جماعة منهم ~~خالد بن عرفطة فقال: يا خالد ائتني بمحدث من المسجد. والناس إذ ذاك يطلبون ~~المقام في المسجد. فانتهى إلى شاب قائم يصلي فجلس حتى سلم ثم قال: أجب ~~الأمير. # فقال: أبعثك الأمير إلي قاصدا. # قال: نعم فمضى معه حتى انتهى إلى الباب فقال له خالد: كيف أنت ومحادثة ~~الأمير. # قال: سيجدني كما يحب إن شاء الله تعالى. # فلما دخل عليه قال له الحجاج: هل قرأت القرآن؟ قال: نعم وقد حفظته. # قال: فهل تروي شيئا من الشعر. # قال: وما من شاعر إلا وأروي عنه؟ قال: فهل تعرف من أنساب العرب ووقائعها؟ ~~قال: لا يذهب عني شيء من ذلك. # فلم يزل يحدثه بكل ما أحب حتى إذا هم بالانصراف، قال: يا خالد، مر للفتى ~~ببرذون وغلام ووصيفة وأربعة آلاف درهم. # فقال الفتى: أصلح الله الأمير بقي من حديثي أظرفه وأعجبه فأعاده الحجاج ~~إلى مجلسه وقال: حدثني. # فقال: أصلح الله الأمير هلك والدي وأنا طفل صغير فنشأت في حجر عمي وله ~~ابنة بسني، وكان في التصابي من الصبا وما كنا فيه أعجوبة، حتى إذا بلغت ~~وبلغت تنافس # PageV01P049 # الخطاب فيها وبذلوا فيها أموالا لجمالها وكمالها، فلما رأيت ذلك خامرني ~~السقم، وضنيت ورميت على الفراش ثم عمدت إلى خابية عظيمة فملأتها رملا وصخرا ~~وقبرت رأسها ودفنتها تحت فراشي، فلما تم على ذلك أيام بعثت إلى عمي فقلت: ~~يا عمي، إني كنت أريد السفر فوقعت على مال عظيم وخفت أن أموت ولا يعلمه أحد ~~فإن حدث بي أمر فأخرجه وأعتق عني عشر نسمات واحجج عني عشر حجج، وجهز عني ~~عشر رجال بخيولهم وأسلحتهم، وتصدق عني بألف دينار، ولا تبال يا عم! فإن ~~المال كثير. # فلما سمع عمي مقالتي أتى امرأته فأخبرها بقولي فما كان بأسرع من أن أقبلت ~~بجواريها حتى دخلت علي فوضعت يدها على رأسي ثم قالت: والله يا ابن أخي ما ~~علمت بسقمك وما حل بك حتى أخبرني أبو فلان الساعة. وأقبلت تلاطفني وتعالجني ~~بالأدوية وحملت ms037 لي لطائف، وردت الخطاب عن ابنتها، فلما رأيت ذلك تحاملت ثم ~~بعثت إلى عمي أن الله عز وجل قد أحسن إلي وعافاني فابتغ لي جارية من خصالها ~~وكمالها كيت وكيت، ولا يسألونك شيئا إلا أعطيته، فقال: يا ابن أخي ما يمنعك ~~من ابنة عمك؟ فقلت: هي من أعز خلق الله تعالى علي غير أني قد خطبتها قبل ~~ذلك فامتنعت. # قال: كلا، إن الامتناع كان من قبل أمها، وهي الآن قد سمحت ورضيت بذلك. # فقلت: شأنك. # فرجع إلى امرأته فأخبرها بقولي، فجمعت عشيرتها فزوجوني إياها فقلت: عجل ~~علي بابنة عمي كيف شئت ثم أريك الخابية. فأهديت إلي، ولم تدع شيئا يصنع ~~بأشراف النساء إلا فعلته. ثم زفت ابنتها علي وأحضرتها بكل ما وجدت إليه ~~سبيلا، وأخذ عمي متاعا من التجار بعشرة آلاف درهم، وكان يأتينا في كل صباح ~~من قبل أبويها لطائف وتحف مدة. فلما كان بعد ذلك بأيام أتاني عمي وقال: يا ~~ابن أخي، إنا قد أخذنا من التجار متاعا بعشرة آلاف درهم، وليسوا صابرين على ~~حبس الثمن. # قلت: شأنك والخابية. # فمر مسرعا حتى جاء بالرجال والحبال فاستخرجها وحملها، ومر مسرعا بها إلى ~~منزله، فلما فتحها كان فيها ما علمت، فما كان بأسرع من أن جاءت أمها ~~بجواريها فلم تدع في منزلي كثيرا ولا قليلا إلا حملته، فبقيت مهانا على ~~الأرض وجفتنا كل الجفاء، فهذا حالي، أصلح الله الأمير، فأنا من خجلي وضيق ~~صدري آوي إلى المساجد. # PageV01P050 # فقال الحجاج: يا خالد، مر للفتى بثياب ديباج وفرس أرمنية وجارية وبرذون ~~وغلام وعشرة آلاف درهم. وقال: يا فتى اغد إلى خالد غدا حتى تستوفي منه ~~المال. # فخرج الفتى من عند الحجاج، قال: فلما انتهيت إلى باب داري سمعت ابنة عمي ~~تقول: ليت شعري ما أبطأ بابن عمي، أقتل أم مات أم عرض له سبع؟ # قال: فدخلت عليها وقلت: يا ابنة عمي أبشري وقري عينا فإني أدخلت على ~~الحجاج فكان من القصة كيت وكيت. وحكيت لها ما كان من أمري، فلما سمعت ~~الفتاة ms038 مقالتي لطمت وجهها وصاحت، فسمع أبوها وأمها وأخواتها صراخها فدخلوا ~~عليها وقالوا لها: ما شأنك؟ فقالت لأبيها: لا وصل الله رحمك ولا جزاك عني ~~وعن ابن أخيك خيرا جفوته وضيعته حتى أصابته الخفة وذهب عقله اسمع مقالته. # فقال العم: يا ابن أخي ما حالك؟ فقلت: والله ما بي من بأس إلا أني دخلت ~~على الحجاج وذكر له من أمره ما كان وأنه أمر له بمال جزيل. # فقال العم لما سمع مقالته: هذه مرة صفراء ثائرة فباتوا يحرسونه تلك ~~الليلة فلما أصبحوا بعثوا إلى المعالج فجعل يعالجه ويسعطه مرة ويسهله أخرى، ~~فيقول الفتى: والله ما بي من بأس وإنما أدخلت على الحجاج فكان كيت وكيت. ~~فلما رأى الفتى أن ذكر الحجاج لا يزيده إلا بلاء كف عنه وعن ذكره ثم قال ~~له: ما تقول في الحجاج؟ قال: ما رأيته. ثم خرج المعالج فقال لهم قد ذهب عنه ~~الأذى ولكن لا تعجلوا بحل قيده فبقي الفتى مقيدا مغلولا. # فلما كان بعد أيام ذكره الحجاج فقال: يا خالد ما فعل الفتى؟ فقال: أصلح ~~الله الأمير ما رأيته منذ خرج من حضيرة الأمير. # قال: فابعث إليه أحدا. # قال: فبعث إليه خالد حرسيا، فمر الحرسي على عم الفتى فقال له: ما فعل ابن ~~أخيك؟ فإن الحجاج يطلبه. # قال: إن ابن أخي لفي شغل عن الحجاج قد ابتلى ببلاء في عقله. # قال: لا أدري ما تقول، لا بد من الذهاب به الساعة. # فدخل عليه العم فقال: يا ابن أخي، إن الحجاج قد بعث في طلبك أفأحلك؟ قال: ~~لا، إلا بين يديه. # PageV01P051 # فحمل في قيوده وغله على ظهور الرجال حتى أدخل على الحجاج. فلما نظره من ~~بعد جعل يرحب به حتى انتهى إليه فكشف قيده وغله وقال: أصلح الله الأمير، إن ~~آخر أمري أعجب من أوله، وحدثه بحديثه فعجب الحجاج وقال: يا خالد، أضعف ~~للفتى ما كنا قد أمرنا له، فقبض المال أجمع وحسن حاله ولم يزل مسامرا ~~للحجاج حتى مات. ### | الأعرابي وحلوى الحجاج # وحضر أعرابي عند ms039 الحجاج فقدم الطعام فأكل الناس منه ثم قدمت الحلوى فترك ~~الحجاج الأعرابي حتى أكل منها لقمة ثم قال: من أكل من الحلوى ضربت عنقه، ~~فامتنع الناس من أكلها وبقي الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرة وإلى الحلوى مرة ~~ثم قال: أيها الأمير أوصيك بأولادي خيرا. ثم اندفع يأكل فضحك الحجاج حتى ~~استلقى على قفاه وأمر له بصلة. ### | علموا أولادكم الأدب # وحكي أن الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب ~~عنقه. فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان يتمايلون وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم ~~وقال لهم: من أنتم حتى خالفتم الأمير؟ فقال الأول: # أنا ابن من دانت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها # تأتي إليه الرقاب صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها # فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين، وقال الثاني: # أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود # ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود # فأمسك عن قتله وقال: لعله من أشراف العرب، وقال الثالث: # أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه ... وقومها بالسيف حتى استقامت # ركاباه لا تنفك رجلاه منهما ... إذا الخيل في يوم الكريهة ولت # PageV01P052 # فأمسك عن قتله وقال: لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى ~~الحجاج فأحضرهم وكشف عن حالهم، فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن فوال، ~~والثالث ابن حائك. فتعجب الحجاج من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم ~~الأدب، فوالله لولا الفصاحة لضربت أعناقهم، ثم أطلقهم وأنشد: # كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب # ن الفتى من يقول: ها أنا ذا! ... ليس الفتى من يقول: كان أبي ### | الحجاج والأسرى # وقيل: أمر الحجاج بقتل أسرى. فقتل منهم جماعة، فقال رجل منهم وقد عرض ~~للقتل: يا حجاج. إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو، والله تعالى ~~يقول: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ". فهذا قول الله تعالى في الكفار فكيف ~~بالمسلمين. وقد ms040 قال الشاعر: # وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # فقال الحجاج: أف لهؤلاء الجيف والله لو قال هؤلاء مثل ما قال هذا الرجل ~~ما قتلت منهم أحدا ولكن أطلقوا بقيتهم. # PageV01P053 ### | الحجاج والمرأة الحرورية # قال الرواي: ولما ولي الحجاج العراق قال: علي بالمرأة الحرورية. فلما ~~حضرت قال لها: كنت بالأمس في وقعة ابن الزبير تحرضين الناس على قتل رجالي ~~ونهب أموالي؟ قالت: نعم. قد كان ذلك يا حجاج. # فلتفت الحجاج إلى وزرائه وقال: ما ترون في أمرها؟ فقالوا: عجل بقتلها. # فضحكت المرأة فاغتاظ الحجاج وقال: ما أضحكك؟ قالت: وزراء أخيك فرعون خير ~~من وزرائك هؤلاء. # قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنه استشارهم في موسى فقالوا: " أرجه وأخاه "، أي ~~أنظره إلى وقت آخر، وهؤلاء يسألونك تعجيل قتلي. فضحك الحجاج وأمر لها بعطاء ~~وأطلقها. ### | الحجاج وهند بنت النعمان # وحكي أن هند بنت النعمان كانت أحسن نساء زمانها. فوصف للحجاج حسنها ~~فخطبها وبذل لها مالا جزيلا وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف ~~درهم ودخل بها. # ثم أنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المعرة. وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام ~~بها الحجاج بالمعرة مدة طويلة. ثم إن الحجاج رحل بها إلى العراق فأقامت معه ~~ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة، وتقول: # وما هند إلا مهرة عربية ... سلالة أفراس تحللها بغل # فإن ولدت فحلا فلله درها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل # فلما سمع الحجاج كلامها انصرف راجعا ولم يدخل عليها. ولم تكن علمت به، ~~فأراد الحجاج طلاقها، فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر وأنفذ لها معه مائتي ~~ألف درهم، وهي التي كانت لها عليه، وقال: يا ابن طاهر، طلقها بكلمتين، ولا ~~تزد عليهما. فدخل عبد الله بن طاهر عليها فقال لها: يقول لك أبو محمد ~~الحجاج كنت فبنت. وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله. # PageV01P054 # فقالت: اعلم يا ابن طاهر، إنا والله كنا فما حمدنا، ثم بنا فما ندمنا ~~وهذه المائتا ألف هي ms041 لك ببشارتك بخلاصي من كلب ثقيف.؟ ثم بعد ذلك بلغ أمير ~~المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها، ووصف له جمالها، فأرسل إليها يخطبها ~~لنفسه، فأرسلت إليه كتابا تقول فيه بعد الثناء عليه: اعلم يا أمير ~~المؤمنين، أن الكلب ولغ في الإناء. فلما قرأ عبد الملك بن مروان الكتاب ضحك ~~من قولها، وكتب إليها يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، ~~إحداهن بالتراب، فغسل الإناء يحل الاستعمال. # فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين، لم يمكنها المخالفة فكتبت إليه تقول: بعد ~~الثناء عليه، اعلم يا أمير المؤمنين أني لا أجري العقد إلا بشرط، فإن قلت: ~~ما الشرط؟ أقول: أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدتك التي أنت فيها ~~ويكون ماشيا حافيا بحليته التي كان فيها أولا. # فلما قرأ ذلك الكتاب عبد الملك ضحك ضحكا شديدا، وأرسل إلى الحجاج يأمره ~~بذلك. فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب ولم يخالف وامتثل الأمر. # وأرسل الحجاج إلى هند يأمرها بالتجهز فتجهزت وسار الحجاج في موكبه حتى ~~وصل إلى المعرة بلد هند. فركبت في محمل وركب حولها جواريها وخدمها فترجل ~~الحجاج، وهو حاف، وأخذ بزمام البعير يقوده ويسير بها، فأخذت تهزأ منه وتضحك ~~مع الهيفاء دابتها، ثم إنها قالت لدايتها: يا دايتي اكشفي لي ستارة المحمل ~~لنشم رائحة النسيم! فكشفته فوقع وجهها في وجهه فضحكت عليه، فأنشد يقول: # فإن تضحكي يا هند يا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج # فأجابته تقول: # وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب # فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب # ولم تزل تلعب وتضحك إلى أن قربت من بلد الخليفة فلما قربت من البلد رمت ~~من يدها دينارا على الأرض وقالت: يا جمال! إنه سقط منا درهم فادفعه إلينا. ~~فنظر الحجاج إلى الأرض فلم ير إلا دينارا فقال: إنما هو دينار. فقالت: بل ~~درهم. قال: بل دينار. فقالت: الحمد لله سقط منا درهم فعوضنا الله دينارا. ~~فخجل الحجاج وسكت ولم يرد جوابا ms042 ثم دخل بها على عبد الملك بن مروان فتزوج ~~بها وكان من أمرها ما كان. # PageV01P055 ### | الحجاج وقتله لسعيد بن جبير # قال عون بن أبي شداد العبدي بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن ~~جبير أرسل قائدا من الشام يسمى المتلمس بن الأحوص ومعه عشرون رجلا، فبينما ~~هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له فسألوه عنه فقال الراهب: صفوه؟ ~~فوصفوه، فدلهم عليه، فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي ربه بأعلى صوته، فدنوا ~~منه وسلموا عليه، فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد عليهم السلام، فقالوا ~~له: أرسل الحجاج إليك فأجبه. # فقال: لا بد من الإجابة؟ قالوا: لا بد. # فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قام فمشى معهم ~~حتى انتهى إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم؟ ~~قالوا: نعم! قال: اصعدوا إلى الدير فإن الأسد واللبوة يأويان إلى الدير، ~~فعجلوا الدخول قبل المساء. # ففعلوا ذلك وأبى سعيد أن يدخل الدير، فقالوا: ما نراك ألا تريد الهرب؟ ~~قال: لا، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبدا. # قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك؟ قال سعيد: إن معي ربي يصرفها عني ~~ويجعلها حرسا لي من كل سوء إن شاء الله تعالى. # قالوا: أفأنت نبي من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد ~~الله خاطئ مذنب. # قالوا: احلف لنا أنك لا تبرح؟ فحلف لهم، فقال لهم الراهب: اصعدوا الدير ~~وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول علي في ~~الصومعة. فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة أقبلت ودنت من سعيد وتحككت ~~وتمسحت به، ثم ربضت قريبا منه، ثم أقبل الأسد فصنع مثل ذلك. فلما رأى ~~الراهب ذلك، وأصبحوا، نزل إليه وسأله عن شرائع الإسلام وسنن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ففسر سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب وحسن إسلامه. وأقبل القوم ~~على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه ~~بالليل وصلى عليه وقالوا: يا سعيد، حلفنا ms043 للحجاج بالطلاق إن نحن رأيناك لا ~~ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت؟ قال: امضوا لشأنكم، فإنه لا بد من ~~الرجوع لخالقي ولا راد لقضائه. # PageV01P056 # فساروا حتى وصلوا واسط فلما انتهوا قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت ~~بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت، فدعوني الليلة ~~آخذ أهبة الموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من ~~التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون. # فقالوا لبعضهم: لا نريد ثرا بعد عين. وقال بعضهم: قد بلغتم أمنيتكم ~~واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه. فقال بعضهم: هو علي أدفعه ~~إليكم إن شاء الله. # فنظروا إلى سعيد فدمعت عيناه واغبر لونه ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك مذ ~~لقوه. فقالوا بأجمعهم: يا خير أهل الأرض، ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك ~~الويل لنا كيف ابتلينا، ما عذرنا عند خالقنا يوم المحشر الأكبر والمجاوبة ~~له؟ وقال كفيله: أسألك يا سعيد بالله ألا ما زودتنا من دعائك وكلامك، فأنا ~~لا ألقى مثلك أبدا؟ فدعا لهم سعيد ثم خلو سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه ~~وهم مختفون في الليل كله، فلما انكشف عمود الصبح جاءهم سعيد ابن جبير فقرع ~~الباب فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلا، ثم ذهبوا ~~به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير. فلما ~~مثل بين يديه قال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. # قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: بل أمي كانت أعلم باسمي منك؟ قال: شقيت أنت ~~وشقيت أمك. # قال: الغيب يعلمه غيرك. # قال: لأبدلنك بالدنيا نارا. # قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. # قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة. # قال: فما قولك في علي، أفي الجنة أم في النار؟ قال: لو دخلتهما وعرفت ~~أهلهما عرفت من فيهما. # قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل. # قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. # قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: ms044 علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. # قال: فما بالك لا تضحك؟ قال: أيضحك مخلوق خلق من الطين، والطين تأكله ~~النار. # PageV01P057 # قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب. # قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فوضعه بين يديه. فقال ~~سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة ~~واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب ~~وزكا. # ثم دعا الحجاج بآلات اللهو. فبكى سعيد. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد اختر ~~أي قتلة تريد؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك ~~الله مثلها في الآخرة. # قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو من الله بلى، وأما أنت فلا. # قال: اذهبوا به فاقتلوه. # فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال: ما أضحكك؟ قال: ~~عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك. # فأمر بالنطع فبسط بين يديه وقال: اقتلوه! قال: " وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ". # قال: وجهوه لغير القبلة. # قال سعيد: " فأينما تولوا فثم وجه الله ". # قال: كبوه لوجهه، فقال سعيد: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى ". # فقال الحجاج: اذبحوه. # فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: اللهم ~~لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. # فذبح على النطع، رحمه الله تعالى. فكان رأسه بعد قطعه يقول لا إله إلا ~~الله. وعاش الحجاج بعدها خمسة عشر يوما. وذلك في سنة خمس وتسعين وكان عمر ~~سيعد رضي الله عنه تسعا وأربعين سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P058 ### | خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان # كان يختم القرآن في ثلاث وكان يختم في رمضان سبع عشرة ختمة. قال إبراهيم ~~بن علية: كان يعطيني أكياس الدنانير أقسمها في الصالحين، وكان يقول: لولا ~~أن الله عز وجل ذكر اللواط في كتابه العزيز، ما ظننت أن أحدا يفعله. # قال الحافظ ابن عساكر: كان الوليد ms045 عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، بني ~~المسجد بدمشق وفرض للمجذومين ما يكفيهم وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل ~~مقعد خادما وكل أعمى قائدا. # وذكر أن جملة ما أنفق على المسجد الأموي أربعمائة صندوق، في كل صندوق ~~ثمانية وعشرون ألف دينار. وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل، وما كمل ~~بناءه إلا أخوه سليمان لما ولي الخلافة وفعل خيرات كثيرة وآثارا حسنة، وبعد ~~هذا كله فقد روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: لما أدرج في ~~أكفانه وغلت يداه إلى عنقه، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ~~ونسأله حسن الخاتمة. # PageV01P059 ### | خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان # فما يذكر من محاسنه: أن رجلا دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله ~~والأذان، فقال سليمان: أما أنشدك الله فقد عرفناه، فما الأذان؟ قال: قوله ~~تعالى: " فأذن مؤذن بينهم: أن لعنة الله على الظالمين ". # فقال سليمان: ما ظلامتك؟ قال: ضيعتي الفلانية غلبني عليها عاملك فلان. # فنزل سليمان عن سريره ورفع البساط ووضع خده على الأرض وقال: والله لا ~~رفعت خدي من الأرض حتى يكتب له برد ضيعته. فكتب الكتاب وهو واضع خده على ~~الأرض ولما سمع كلام ربه الذي خلقه وخوله في نعمه خشي من لعن الله وطرده، ~~رحمه الله. ### | صفات سليمان بن عبد الملك # قيل: أنه أطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة ألف نفس ما بين رجل وامرأة، وصادر ~~آل الحجاج واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيرا ومشيرا، وكان شرها في ~~الأكل، نكاحا. # قال ابن خلكان في ترجمته: أنه كان يأكل كل يوم نحو مائة رطل شامي. # قال محمد بن سيرين رحمه الله: سليمان افتتح خلافته بخير وختمها بخير، ~~افتتحها بإقامة الصلاة لمواقيتها الأولى وختمها باستخلافه لعمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه. # PageV01P060 ### | سليمان والدلفاء # وقال أبو سويد: حدثني أبو زيد الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك ~~وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر فيوسط بستان ~~ملتف قد أثمر وأينع، على رأسه ms046 وصائف كل واحدة منهم أحسن من صاحبتها، وقد ~~غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت فقلت: ~~السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. # وكان مطرقا فرفع رأسه وقال: يا أبا زيد! في مثل هذا الحين تصالحنا. # فقلت: أصلح الله الأمير أو قامت القيامة؟ قال: نعم على أهل المحبة. # ثم أطرق مليا ورفع رأسه وقال: يا أبا زيد: ما يطيب في يومنا هذا؟ قلت: ~~أعز الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء ملفوفة لفاء ~~أشربها من كفها وأمسح فمي بخدها. # فأطرق سليمان مليا لا يرد جوابا تتحدر من عينيه عبرات بلا شهيق فلما رأت ~~الوصائف ذلك تنحين عنه، ثم رفع رأسه فقال: يا أبا زيد حضرت في يوم انقضاء ~~أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه ~~الصفة من قلبك؟ قلت: نعم أيها الأمير، كنت جالسا على باب أخيك سعد بن عبد ~~الملك، فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلتت من شبكة ~~صياد عليها قميص سكب إسكندراني يبين منها بياض ثدييها وتدوير سرتها ونقش ~~تكتها، وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها ~~بذؤابتين تضربان حقويها، ولها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على ~~محاجر عينيها، وعينان مملؤتان سحرا، وأنف كأنه قصبة بلور، وفم كأنه جرح ~~يقطر دما، وهي تقول: عباد الله من لي بدواء من لا يسلو وعلاج من لا يسمو؟ ~~طال الحجاب، وأبطأ الجواب، فالقلب طائر، والعقل عازب، والنفس والهة، ~~والفؤاد مختلس، والنوم محتبس، رحمة الله على قوم عاشوا تجلدا وماتوا كمدا، ~~ولو كان إلى الصبر حيلة، وإلى العزاء سبيل، لكان أمرا جميلا. # ثم أطرقت مليا ورفعت رأسها فقلت: أيتها الجارية إنسية أم جنية سماوية أم ~~أرضية؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك وأذهلني حسن منطقك. # فسترت وجهها بكفها كأنها لم ترني ثم قالت: اعذر أيها المتكلم فما أوحش ~~الساعد بلا مساعد والمقاساة لصب معاند. # PageV01P061 # ثم انصرفت فوالله أصلح الله الأمير ما أكلت ms047 طيبا إلا غصصت به لذكرها وما ~~رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها. # فقال سيلمان: يا أبا زيد، كاد الجهل يستفزني، والصبا يعاودني، والحلم ~~يعزب عني لشجو ما سمعت. اعلم يا أبا زيد أن تلك الجارية التي رأيتها هي ~~الذلفاء التي قيل فيها: # كأنما الذلفاء ياقوتة ... قد أخرجت من كيس دهقان # شراؤها على أخي بألف ألف درهم، وهي عاشقة لمن باعها والله إن مات إنما ~~يموت بحبها، ولا يدخل القبر إلا بغصتها، وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت ~~هيبة، قم يا أبا زيد في دعة الله، يا غلام! ثقله ببدرة. # فأخذتها وانصرفت. قال: فلما أفضت الخلافة له صارت إليه الذلفاء فأمر ~~بفسطاط فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء موثقة زهراء ذات حدائق ~~بهجة تحتها أنواع الزهر من أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع، وكان لسليمان ~~مغن يقال له سنان، كان به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضر فسطاطه بالقرب منه. ~~فكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه فلم يزل في أكل وشرب ~~وسرور وأتم حبور إلى أن انصرف شيء من الليل فذهب إلى فسطاطة، وذهب سنان ~~أيضا فنزل به جماعة من إخوانه فقالوا له: تزيد قرى أصلحك الله؟ قال: وما ~~قراكم؟ قالوا: أكل وشرب وسماع. # قال: أما الأكل والشرب فمباحان لكم، وأما السماع فقد عرفتم غيرة أمير ~~المؤمنين ونهيه إلا ما كان في مجلسه. # قالوا: لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا. # قال: فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه. # قالوا: غننا بصوت كذا وكذا. # قال: فشرع يتغنى بهذه الأبيات: # محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... من آخر الليل لما نبه السحر # في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أم عنده القمر # لم يحجب الصوت حراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت ينحدر # PageV01P062 # لو مكنت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من لينها في المشي تنفطر # قال: فسمعت الذلفاء صوت سنان. فخرجت إلى صحن الفسطاط، فجعلت لا تسمع شيئا ~~من حسن خلق ولطافة إلا رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها فحرك ms048 ذلك ساكنا في ~~قلبها، فهملت عيناها وعلا نحيبها، فانتبه سليمان. فلم يجدها معه فخرج إلى ~~صحن الفسطاط فرآها على تلك الحالة، فقال: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت: # ألا رب شخص رائع ومشوه ... قبيح المحيا واضع الأب والجد # يروعك منه صوته ولعله ... إلى أمة يعزى معا وإلى عبد # فقال سليمان: دعيني من هذا المحال، فوالله خامر قلبك منه. يا غلام: علي ~~بسنان. # فدعت الذلفاء خادما لها وقالت له: إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان ~~فحذرته، فلك عشرة آلاف درهم، وأنت حر لوجه الله تعالى. # فخرج الرسولان فسبق رسول أمير المؤمنين فلما أتى به قال: يا سنان، ألم ~~أنهك عن مثل هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، حملين الشمول، وأنا عبد أمير ~~المؤمنين وغرس نعمته، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عني فليفعل. # قال: قد عفوت عنك، ولكن أما علمت أن الفرس إذا صهل ودقت له الحجرة، وأن ~~الفحل إذا هدر ضبعت له الناقة، ون الرجل إذا تغنى صغت إليه المرأة، وإياك ~~والعود إلى ما كان منك فيطول غمك، انتهى. # PageV01P063 ### | جابر عثرات الكرام # قيل: كان في أيام سليمان رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد، كان له ~~مروءة ظاهرة ونعمة حسنة وفضل وبر بالإخوان، فلم يزل على تلك الحالة حتى قعد ~~به الدهر فاحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم وكان يؤاسيهم، فواسوه ثم ~~ملوه، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه، فقال لها: يا ابنة ~~عمي، قد رأيت من إخواني تغيرا، وقد عزمت على أن ألزم بيتي إلى أن يأتيني ~~الموت، فأغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائرا وكان يعرفه ~~عكرمة الفياض الربعي متولي الجزيرة، وإنما سمي بذلك لأجل كرمه، فبينما هو ~~في مجلسه إذ ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة الفياض: ما حاله؟ فقالوا: قد صار ~~إلى أمر لا يوصف وإنه أغلق بابه ولزم بيته. # قال: أفما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا؟ فقالوا: لا. # فأمسك عن الكلام ثم لما كان الليل ms049 عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في ~~كيس واحد ثم أمر بإسراج دابته وخرج سرا من أهله. فركب ومعه غلام من غلمانه ~~يحمل المال. ثم سار حتى وقف بباب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام، ثم أبعده عنه ~~وتقدم إلى الباب فدفعه بنفسه فخرج إليه خزيمة فناوله الكيس، وقال: أصلح ~~بهذا شأنك، فتناوله فرآه ثقيلا فوضعه عن يده ثم أمسك بلجام الدابة، وقال ~~له: من أنت؟ جعلت فداك. # فقال له عكرمة: يا هذا ما جئتك في هذا الوقت والساعة أريد أن تعفني؟ قال: ~~فما أقبله إلا أن عرفتني من أنت؟ فقال: أنا جابر عثرات الكرام. # قال: زدني. # قال: لا. ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى ابنة عمه، فقال لها: أبشري فقد ~~أتى الله بالفرج والخير ولو كانت فلوسا فهي كثيرة. قومي فاسرجي. # قالت: لا سبيل إلى السراج. # فبات يلمسها بيده فيجد خشونة الدنانير ولا يصدق، وأما عكرمة فإنه رجع إلى ~~منزله فوجد امرأته قد فقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه فأنكرت ذلك وارتابت. ~~وقالت له: والي الجزيرة يخرج بعد هدو من الليل منفردا من غلمانه في سر من ~~أهله إلا إلى زوجة أو سرية. # فقال: اعلمي أني ما خرجت في واحدة منها. # PageV01P064 # قالت: فخبرني فيما خرجت؟ قال: يا هذه ما خرجت في هذا الوقت وأنا أريد أن ~~يعلم بي أحد. # قالت: لا بد أن تخبرني؟ قال: تكتمينه إذا. # قالت: فإني أفعل. # فأخبرها بالقصة على وجهها وما كان من قوله ورده عليه. ثم قال أتحبين أن ~~أحلف لك أيضا؟ قالت: لا فإن قلبي قد سكن وركن إلى ما ذكرت. # وأما خزيمة فلما أصبح صالح الغرماء وأصلح ما كان من حاله ثم إنه تجهز ~~يريد سليمان بن عبد الملك، وكان نازلا يومئذ بفلسطين، فلما وقف ببابه ~~واستأذن دخل الحاجب فأخبره بمكانه، وكان مشهورا بمروءته وكرمه. وكان سليمان ~~عارفا به فأذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فقال له سليمان بن عبد ~~الملك: يا خزيمة، ما أبطأك عنا؟ قال: سوء الحال. # قال: فما منعك من ms050 النهضة إلينا؟ قال: ضعفي يا أمير المؤمنين. # قال: فبم نهضت إلينا الآن؟ # قال: لم أعلم يا أمير المؤمنين إلا أني بعد هدو من الليل لم أشعر إلا ~~ورجل يطرق الباب وكان من أمره كيت وكيت، وأخبره بقصته من أولها إلى آخره. # فقال سليمان: هل تعرف هذا الرجل؟ فقال: خزيمة: ما عرفته يا أمير المؤمنين ~~لأنه كان متنكرا وما سمعت من لفظه إلا إني جابر عثرات الكرام. # قال: فتلهب وتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال: لو عرفناه ~~لكافأناه على مروءته، ثم قال: علي بقناة. # فأتى بها فعقد لخزيمة بن بشر المذكور على الجزيرة عاملا عوضا عن عكرمة ~~الفياض. فخرج خزيمة طالبا الجزيرة، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد ~~للقائه، فسلما على بعضهما ثم سارا جميعا إلى أن دخلا البلد. فنزل خزيمة في ~~دار الإمارة وأمر أن يؤخذ لعكرمة كفيل وأن يحاسب، فحوسب فوجد عليه فضول ~~أموال كثيرة فطالبه بأدائها قال: ما لي إلى شيء من ذلك سبيل. # قال: لا بد منها. # قال: لست عندي فاصنع ما أنت صانع. # PageV01P065 # فأمر به إلى الحبس ثم أنفذ إليه من يطالبه فأرسل يقول: إني لست ممن يصون ~~ماله بعرضه فاصنع ما شئت. # فأمر أن يكبل بالحديد فأقام شهرا كذلك أو أكثر فأضناه ذلك وأضر به، وبلغ ~~ابنة عمه خبره فجذعت واغتمت لذلك ثم دعت مولاة لها، وكانت ذات عقل ومعرفة، ~~وقالت لها: امض الساعة إلى باب هذا الأمير خزيمة بن بشر وقولي: عندي نصيحة، ~~فإذا طلبت منك فقولي: لا أقولها إلا للأمير خزيمة بن بشر، فإذا دخلت عليه ~~فسليه أن يخليك، فإذا فعل ذلك فقولي: ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام ~~منك. كافأته بالحبس والضيق والحديد. # ففعلت الجارية ذلك. فلما سمع خزيمة كلامها نادى برفيع صوته وا سوأتاه، ~~وإنه لهو؟ قالت: نعم، فأمر لوقته بدابته فأسرجت وبعث إلى وجوه أهل البلد ~~فجمعهم إليه وأتى بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل خزيمة ومن معه فرآه قاعدا في ~~قاعة الحبس متغيرا أضناه الضر ms051 والألم وثقل القيود فلما نظر إليه عكرمة والى ~~الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فأقبل خزيمة حتى أكب على رأسه فقبله فرفع عكرمة ~~إليه رأسه وقال: ما أعقب هذا منك؟ قال: كريم فعالك وسوء مكافأتي. # قال: يغفر الله لنا ولك. # ثم أتي بالحداد ففك القيود عنه وأمر خزيمة أن توضع القيود في رجل نفسه. # فقال عكرمة: ماذا تريد.؟ فقال: أريد أن ينالين من الضر مثل ما نالك. # فقال: أقسم عليك بالله لا تفعل. # فخرجا جميعا حتى وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف عنه. ~~فقال: ما أنت ببارح. # قال: وما تريد؟ قال: أغير حالك وإن حيائي من بنت عمك أشد من حيائي منك. # ثم أمر بالحمام فأهلي ودخلاه معا فقام خزيمة وتولى أمره وخدمه بنفسه ثم ~~خرجا فخلع عليه وحمله وحمل معه مالا كثيرا ثم سار معه إلى داره واستأذنه في ~~الاعتذار إلى ابنة عمه، فاعتذر إليها وتذمم من ذلك. # PageV01P066 # قال: ثم سأله بعد ذلك أن يسير معه إلى سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ ~~مقيم بالرملة، فأنعم له بذلك وسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك ~~فدخل الحاجب فأعلمه بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم ~~بغير أمرنا؟ ما هذا إلا لحادث عظيم! فلما دخل قال له قبل أن يسلم: ما وراءك ~~يا خزيمة؟ قال: الخير يا أمير المؤمنين. # قال: فما الذي أقدمك؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن أسرك به ~~لما رأيت من تلهفك وتشوقك إلى رؤيته. # قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض؟ قال: فأذن له بالدخول. # فدخل وسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلسه وقال: يا عكرمة ما كان ~~خيرك له إلا وبالا لعيك. ثم قال سليمان: اكتب حوائجك كلها وما تحتاج إليه ~~في رقعة. ففعل ذلك، فأمر بقضائها منه ساعته، وأمر له بعشرة آلاف دينار ~~وسفطين ثيابا، ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وقال ~~له: أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته. # قال بل ms052 اردده إلى عمله يا أمير المؤمنين، ثم انصرفا من عنده جميعا ولم ~~يزالا عاملين لسليمان مدة خلافته، والله أعلم. # PageV01P067 ### | خلافة عمر بن عبد العزيز # رضي الله عنه ### | عمر والشعراء # أمه أم عصام بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو تابعي جليل. ~~قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد ~~العزيز. كان، رضي الله عنه عفيفا زاهدا ناسكا عابدا مؤمنا تقيا صادقا، أزال ~~ما كانت بنو أمية تذكر به عليا رضي الله عنه، على المنابر وجعل مكان ذلك ~~قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية، ولما ولي الخلافة رضي ~~الله عنه، وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياما لا يؤذه لم فبينما هم كذلك ~~إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر فلما رآه جرير دخلا قام إليه وأنشد ~~يقول أبياتا منها: # يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا # فدخل ولم يذكر شيئا من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتا ~~آخرها قوله: # لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني # قال: فدخل عدي على عمر، وقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم ~~مسمومة وأقوالهم نافذة. # فقال: ويحك يا عدي ما لي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد امتدح وأعطي ولك في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أسوة. # قال: كيف.؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها ~~لسانه. # قال: أو تروي من قوله. # قال: نعم، وأنشد: # PageV01P068 # رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما # شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما # ونورت بالبرهان أمرا مدنسا ... وأطفأت بالإسلام نارا تضرما # فمن مبلغ عني النبي محمدا ... وكل امرئ يجزى بما كان قدما # أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وقد كان قدما ركنه قد تهدما # فقال: ويلك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن ms053 أبي ربيعة. # قال: أوليس هو الذي يقول: # ثم نبهتها فمدت كعابا ... طفلة ما تبين رجع الكلام # ساعة، ثم إنها لي قالت: ... ويلتي قد عجلت يا ابن الكرام # فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان أستر له: لا يدخل علي والله ~~أبدا، فمن بالباب سواه؟ قال: الفرزدق. # قال: أوليس هو الذي يقول: # هما دلتا في من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فما استوت رجلاي في الأرض قالتا: ... أحي فيرجى أم قتيل نحاذره؟ # لا يدخل علي والله أبدا، فمن سواه منهم. # قال: الأخطل. # قال: يا عدي، أوليس هو الذي قال: # ولست بصائم رمضان يوما ... ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بزاجر عنسا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح # ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح # ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح # والله لا يدخل علي أبدا وهو كافر، فمن بالباب سوى من ذكرت؟ قال: الأحوص. # قال: أوليس هو الذي يقول: # PageV01P069 # الله بيني وبين سيدها ... يفر مني بها وأتبعه # فمن بالباب دون من ذكرت أيضا؟ قال: جميل بن معمر. # قال: أوليس هو الذي يقول: # فيا ليتنا نحيا جميعا، وإن أمت ... يوافق موتي موتها وضريحها # فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد صالحا لكان أصلح. ~~والله لا يدخل علي بدا، فهل أحد سوى من ذكرت؟ قال: جرير. # قال: أوليس هو الذي يقول: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام # فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل. فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ~~ولا تقل إلا حقا. # فأنشد قصيدته الرائية المشهورة التي منها: # إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما ترجو من المطر # جاء الخلافة، أو كنت له قدرا ... كما أتى موسى على قدر # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # الخير ما دمت حيا لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر # فقال: يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقا. # قال: بلى يا ms054 أمير المؤمنين! أنا ابن سبيل منقطع. # فأعطاه من طيب ماله مائة درهم وقال: ويحك، يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر ~~ولم نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد ~~الله، يا غلام: أعطه المائة الأخرى. # فأخذها جرير وقال: والله لهي أحب مال اكتسبته في عمري. ثم خرج فقال له ~~الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي ~~الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض وأنشد يقول: # رأيت رقي الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا # PageV01P070 ### | خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان # الوليد بن هشام ويونس الكاتب والجارية # قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني: قال يونس الكاتب: خرجت إلى ~~الشام في خلافة هشام بن عبد الملك ومعي جارية غانية وكنت علمتها جميع ما ~~تحتاج إليه، وأنا أقدر فيها أنها تساوي مائة ألف درهم. # قال: فلما قربنا من الشام نزلت القافلة على غدير من الماء ونزلت ناحية ~~منه، وأصبت من طعام كان معي وأخرجت ركوة كان فيها نبيذ. فبينما أنا كذلك، ~~وإذا بفتى حسن الوجه والهيئة على فرس أشقر ومعه خادمان فسلم علي وقال: ~~أتقبل ضيفا؟ قلت: نعم. # فأخذت بركابه ونزل وقال: اسقنا من شرابك فسقيته، فقال: إن شئت أن تغني ~~صوتا فغنيته: # حازت من الحسن ما لا حازه البشر ... فلذ لي في هواها الدمع والسهر # فطرب طربا شديدا واستعاده مرارا ثم قال: قل لجاريتك فلتغن، فأمرتها فغنت: # حورية حار قلبي في محاسنها ... فلا قضيب ولا شمس ولا قمر # فطرب طربا شديدا واستعاده مرارا. ولم يزل مقيما إلى أن صلينا العشاء، ثم ~~قال: ما أقدمك علينا في هذا البلد.؟ قلت: أردت بيع جاريتي هذه. # قال: فكم أملت فيها من الثمن؟ قلت: ما أقضي به ديني وأصلح به حالي. # قال: ثلاثون ألفا. # قلت: ما أحوجني إلى فضل الله والمزيد فيه. # قال: أيقنعك أربعون ألفا؟ قلت: فيها قضاء ديني وأبقى صفر اليد. # قال: قد أخذناها بخمسين ألفا من الدراهم ولك بعد ذلك ms055 كسوة ونفقة طريقك ~~وأشركك في حالي أبدا ما بقيت. # فقلت: قد بعتكها. # قال: أفتثق بي أن أوصل ذلك غدا وأحملها معي، أو تكون عندك إلى أن أحمل ~~ذلك إليك غدا؟ فحملني السكر والحياء مع الخشية منه على أن قلت: نعم قد وثقت ~~بك، فخذها بارك الله لك فيها. # PageV01P071 # فقال لأحد غلاميه: احملها على دابتك وارتدف وراءها وامض بها. # ثم ركب فرسه وودعني وانصرف، فما هو إلا أن غاب عني ساعة فعرفت موضع خطإي ~~وغلطي وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ أسلم جاريتي إلى رجل لا أعرفه ولا أدري من ~~هو، وهب أني عرفته فمن أين الصلة إليه. فجلست متفكرا إلى أن صليت الصبح. ~~ودخلت أصحابي دمشق وجلست حائرا لا أدري ما أصنع وقرعتني الشمس. وكرهت ~~المقام، فهممت بالدخول إلى دمشق ثم قلت: لم آمن أن الرسول يأتي فلا يجدني ~~فأكون قد جنيت على نفسي جناية ثانية. فجلست في ظل جدار هناك فلما أضحى ~~النهار، وإذا أحد العلامين اللذين كانا معه قد أقبل علي فما أذكر أني سررت ~~بشيء أعظم من سروري ذلك الوقت بالنظر إليه فقال لي: يا سيدي، أبطأنا عليك. # فلم أذكر له شيئا مما كان بي ثم قال لي: أتعرف الرجل.؟ قلت: لا. # قال: هو الوليد بن هشام ولي العهد. # فسكت عند ذلك ثم قال: قم فاركب. # وإذا معه دابة فركبتها وسرنا إلى أن وصلنا إلى داره فدخلت إليه، وإذا ~~بالجارية قد وثبت وسلمت علي فقلت: ما كان من أمرك؟ " قالت: أنزلني هذه ~~الحجرة وأمر لي بما أحتاج إليه. # فجلست عندها ساعة وإذا أنا قد أتاني خادم له فقال لي: قم. # فقمت فأدخلني على سيده، فإذا هو صاحبي بالأمس، وهو جالس على سريره فقال: ~~من تكون؟ فقلت: يونس الكاتب. # قال: مرحبا بك قد كنت والله إليك بضنين وكنت أسمع بخبرك فكيف كان مبيتك ~~في ليلتك؟ قلت: بخير أعزك الله. # قال: فلعلك ندمت على ما كان منك البارحة وقلت: دفعت جاريتي إلى رجل لا ~~أعرفه ولا أعرف اسمه ولا من أي ms056 البلاد هو؟ فقلت: معاذ الله أيها الأمير أن ~~أندم ولو أهديتها إلى الأمير كانت أقل وأخس، وما قدر هذه الجارية؟ فقال: ~~والله لكني ندمت على أخذها منك، وقلت: رجل غريب لا يعرفني وقد دهمته وسفهت ~~عليه في استعجالي لأخذ الجارية. # PageV01P072 # أفتذكر ما كن بيننا؟ قلت: نعم. # قال: بعتني هذه الجارية بخمسين ألف درهم. قلت: نعم. # قال: هات يا غلام المال. فوضعوها بين يديه فقال: هات يا غلام ألف دينار، ~~فتي بها ثم قال: يا غلام هات خمسماية دينار أخرى، فجاء بها ثم قال هذا ثمن ~~جاريتك فضمه إليك، وهذه ألف دينار لحسن ظنك بنا، وهذه الخمسمائة دينار ~~لنفقة طريقك، وما تبتاعه لأهلك، رضيت؟ قلت: رضيت، وقبلت يديه وقلت: والله ~~قد ملأت عيني ويدي. # ثم قال: والله إني لم أدخل بها ولا شبعت من غنائها، علي بها فجاءت فأمرها ~~بالجلوس فجلست فقال لها غني، فأنشدت تقول: # أيا من حاز كل الحسن طرا ... ويا حلو الشمائل والدلال # جميع الحسن في عجم وعرب ... وما في الكل مثلك يا غزالي # تعطف يا مليح على محب ... بوعدك أو بطيف من خيال # حلا لي فيك ذلي وافتضاحي ... وطاب لمقلتي سهر الليالي # وما أنا فيك أول مستهام ... فكم قبلي قتلت من الرجال # رضيت لي من الدنيا نصيبا ... وأنت أعز من روحي ومالي # فطرب طربا شديدا وشكر حسن تأديبي لها وتعليمي إياها ثم قال: يا غلام قدم ~~له دابة بسرجها وآلتها لركوبه وبغلا لحمل حوائجه وثقله. ثم قال: يا يونس، ~~إذا بلغك أن هذا الأمر أفضى إلي فألحق بي، فوالله لأملأن لك يدك ولأعلين ~~قدرك ولأغينك ما بقيت. # قال: فأخذت المال وانصرفت. فلما أفضت الخلافة إليه سرت إليه فوفى والله ~~بوعده وزاد في إكرامي وكنت معه على أسر حال وأسنى منزلة وقد اتسعت أحوالي ~~وكثرت أموالي وصار لي من الضياع والأملاك ما يكفيني إلى مماتي ويكفي من ~~بعدي ولم أزل معه حتى قتل، عفا الله عنه. # PageV01P073 ### | هشام وزين العابدين والفرزدق # وقيل: إنه لما حج هشام في أيام أبيه ms057 طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر ~~الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر ~~إلى الناس ومعه جماعة من أهل الشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان من أحسن ~~الناس وجها وأطيبهم أرجا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحى له ~~الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه ~~الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان أبو فراس ~~الفرزدق حاضرا فقال: أنا والله أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس، ~~فقال: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم # إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم # يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # ينشق نور الهدى من نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم # مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت مفارزه والخيم والشيم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أ، بياء الله قد ختموا # الله شرفه قدما وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم # وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم # كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم # سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم # حمال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم # ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم # عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغياهب والإملاق والعدم # من معشر حبهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهم منجى ومعتصم # PageV01P074 # إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل ms058 هم # لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم # لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم # يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خلق كريم وأيد بالندى هضم # أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم # من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم # فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين رضي الله ~~عنه، اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله لا للعطاء والصلات. فقال ~~زين العابدين: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نعود فيه. فقبلها الفرزدق، ~~انتهى. ### | هشام والغلام الفصيح # مما يحكى أن هشام بن عبد الملك كان ذات يوم في صيده وقنصه إذ نظر إلى ظبي ~~تتبعه الكلاب فتبعته وأحالته إلى خباء أعرابي يرعى غنما، فقال هشام: يا صبي ~~دونك هذا الظبي فأتني به. # فرفع الصبي رأسه إليه وقال له: يا جاهل بقدر الأخيار لقد نظرت إلي ~~باستصغار وكلمتني باحتقار فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار. # فقال هشام: يا صبي، ونيلك ما تعرفني؟ فقال: قد عرفني بك سوء أدبك إذ ~~بدأتني بكلامك قبل سلامك. # فقال: ويلك أنا هشام بن عبد الملك. # فقال له الأعرابي: لا قرب دارك ولا حيي مزارك، ما أكثر كلامك وأقل ~~إكرامك. # فما استتم حتى أحدقت به الجيوش من كل جانب، كل منهم يقول: السلام عليك يا ~~أمير المؤمنين. فقال هشام: أقصروا الكلام واحفظوا الغلام. # فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال: علي بالغلام البدوي، ~~فأتي به. # PageV01P075 # فلما رأى الغلام كثرة الغلمان والحجاب والوزراء والكتاب وأبناء الدولة ~~وأرباب الصولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم بل جعل ذقنه على صدره وجعل ينظر ~~حيث تقع قدماه إلى أن وصل إلى هشام فوقف بين يديه، ونكس رأسه إلى الأرض، ~~وسكت وامتنع من الكلام. # فقال بعض ms059 الخدام: يا كلب العرب! ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟ ~~فالتفت إليه مغضبا وقال: يا برذعة الحمار، منعني من ذلك طول الطريق ونهز ~~الدرجة والتعويق. # فقال هشام وقد تزايد به الغضب: يا صبي قد حضرت في يوم حضر فيه أجلك وخاب ~~فيه أملك وانصرم فيه عمرك. # فقال له الصبي: والله يا هشام لئن كان في المدة تأخير ما ضرني من كلامك ~~لا قليل ولا كثير. # فقال له الحاجب: بلغ من أمرك ومحلك يا أخس العرب أن تتخاطب أمير المؤمنين ~~كلمة بكلمة. # فقال له مسرعا: لقيك الخذل ولامك الويل والهبل: ما سمعت ما قال الله ~~تعالى: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ". فإذا كان الله يجادل جدالا فمن ~~هشام حتى لا يخاطب خطابا؟ فعند ذلك قام هشام واغتاظ غيظا شديدا، وقال: يا ~~سياف علي برأس هذا الغلام فقد أكثر الكلام فيما لا يخطر على الأوهام. # فقام السياف وأخذ الغلام وأبركه في نطع الدم. سل سيف النقمة على رأسه. ~~وقال: يا أمير المؤمنين، عبدك المدل بنفسه المتقلب في رمسه، أأضرب عنقه، ~~وأنا بريء من دمه؟ قال: نعم. # فاستأذنه ثانية فأذن له ثم استأذنه ثالثة فهم أن يأذن له فضحك الصبي حتى ~~بدت نواجذه، فازداد منه تعجبا وقال: يا صبي أظنك معتوها. ترى أنك مفارق ~~الدنيا ومزايل الحياة وأنت تضحك هزأ بنفسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لئن كان ~~في المدة تأخير ولم يكن في الأجل تقصير ما ضرني منك قليل ولا كثير، ولكن ~~أبيات حضرت الساعة فاسمعها، فقتلي لا يفوت فكثر الصموت. # PageV01P076 # فقال هشام: هت وأوجز، فهذا أول أوقاتك من الآخرة وآخر أوقاتك من الدنيا. # فأنشد يقول: # نبئت أن الباز علق مرة ... عصفور بر ساقه المقدور # فتعلق العصفور في إظفاره ... والباز منهمك عليه يطير # فأتى لسان الحال يخبر قائلا: ... ها قد ظفرت وإنني مأسور # مثلي فما يغني لمثلك جوعة ... ولئن أكلت فإنني محقور # فتبسم الباز المدل بنفسه ... طربا وأطلق ذلك العصفور # قال: فتبسم هشام وقال: وقرابتي من رسول الله صلى الله ms060 عليه وسلم لو تلفظ ~~بهذا من أول وقت من أوقاته وطلب، ما دون الخلافة، لأعطيته، يا خادم: احش ~~فاهه درا وجوهرا وأحسن جائزته ودعه يمضي إلى حال سبيله. ### | عروة بن أذنية وهشام بن عبد الملك # قيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إله فقره فقال: ألست ~~القائل: # لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى إليه فيعيبني تطلبه ... وإن قعدت أتاني ليس يعيبني # وخرجت الآن من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ~~وعظت فأبلغت. # وخرج وركب ناقته وكر إلى الحجاز راجعا، فلما كان الليل نام هشام على ~~فراشه فذكر عروة وقال: رجل من قريش قال حكمة ووفد علي فرددته خائبا. فلما ~~أصبح وجه ليه بألف دينار فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة فأعطاه المال ~~فقال: أبلغ عني أمير المؤمنين السلام، وقل له: كيف رأيت قولي، سعت فأكديت، ~~فرجعت خائبا، فجلست في داري فأتاني رزقي في منزلي، انتهى. # PageV01P077 ### | ابتداء الدولة العباسية # كان القائم بهذه الدولة أبو مسلم الخراساني، وكان اسمه عبد الرحمن ابن ~~مسلم، فمن قوله: # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا # ما زلت أسعى بجهد في دمارهم ... والقوم في غفلة والناس قد رقدوا # حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد # ولهم أبو عبد الله السفاح. ذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن خالد بن ~~صفوان أنه دخل يوما على أبي العباس السفاح وليس عنده أحد، فقال: يا أمير ~~المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافته أطلب أن أصير معك بمثل هذا ~~الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب فعل حتى ~~نفرغ. # فأمر الحاجب بذلك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك واستجلبت ~~الفكر فيك، فلم أر أحدا له قدرة واتساع في الاستمتاع بالنساء ولا أضيق فيهن ~~عيشا منك. إنك ملكت ms061 نفسك امرأة من نساء العالمين فاقتصرت عليها، فإن مرضت ~~مرضت وإن غابت غبت، وإن عزلت عزلت وحرمت، يا أمير المؤمنين، على نفسك ~~التلذذ بما يشتهى منهن، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لحسنها، والبيضاء التي ~~تحب لرؤيتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة والطائف ~~واليمامة ذوات الألسنة العذبة والجواب الحاضر، وبنات سائر الملوك وما يشتهى ~~من نضارتهن ونظافتهن. # وتخلل خالد لسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن. فلما فرغ من ~~كلامه قال له السفاح: ويحك ملأت مسامعي، ما شغل خاطري والله ما سلك مسامعي ~~كلام أحسن من هذا فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعا. # فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأ به. ثم قال له: انصرف! فانصرف ~~وبقي أبو العباس مفكرا. فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف لها أنه لا ~~يتزوج عليها سرية ووفى لها. فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك ~~يا أمير المؤمنين، فهل حدث شيء تكرهه أو أتاك خبر ارتعت له؟ قال: لا. # فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت له: وما قلت لابن الفاعلة؟ فقال ~~لها: أينصحني وتشتميه؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد. # PageV01P078 # قال خالد: فخرجت من الدار مسرورا بما ألقيت إلى أمير المؤمنين. ولم أسك ~~في الصلة. فبينما أنا واقف إذ أقبل موالي أم سلمة يسألون عني فحققت الجائزة ~~فقلت لهم: ها أنا واقف. فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني فلحقني وضرب ~~كفل البرذون، وركضت ففررت منهم واستخفيت في منزلي أياما ووقع في قلبي أني ~~أمنت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المنزل فلم أشعر إلا بقوم قد ~~هجموا علي فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت فقلت: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، لم أر دم شيخ أضيع من دمي. فركبت إلى دار أمير ~~المؤمنين فأصبته جالسا ولحظت في المجلس بيتا عليه ستور رقاق وسمعت حسا ~~خفيفا خلف الستر فأجلسني. ثم قال: يا خالد أنت وصفت لأمير المؤمنين صفة ~~فأعدها. # فقلت: نعم يا ms062 أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب ما اشتقت اسم الضرتين إلا ~~من الضر وإن أحدا لم يكثر من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص. # فقال السفاح: لم يكن هذا من كلامك أولا؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، ~~وأخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البؤس وتشييب الرأس. # فقال: برئت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك أولا أو ~~مر في حديثك. # قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجتمع ~~لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه. # قال: والله ما سمعت منك هذا أولا؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن ~~أبكار الإماء رجال إلا نه ليست لهن خصاء. # قال أمير المؤمنين: أفتكذبني؟ قلت: أفتقتلني؟ قال خالد، فسمعت ضحكا خلف ~~الستر، ثم قلت وأخبرتك إن عندك ريحانة قريش وأنت تطمع بعينيك إلى النساء ~~والجواري. # فقيل لي من وراء الستر: صدقت يا عماه هذا حديثك ولكنه غير حديثك ونطق بما ~~في خاطره عن لسانك. # فقال السفاح: ما بك قاتلك الله؟ قال خالد، فانسللت وخرجت فبعثت إلي أم ~~سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذونا وتخت ثياب، انتهى. # PageV01P079 ### | أبو دلامة والسفاح # وروي أن أبو دلامة الشاعر كان واقفا بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال: ~~سلني حاجتك؟ فقال له أبو دلامة: أريد كلب صيد. # فقال: أعطوه إياه. # فقال: ودابة أتصيد عليها. # فقال: أعطوه دابة. # فقال: وغلاما يقود الكلب والصيد. # فقال: أعطوه غلاما. # فقال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. # فقال: أعطوه جارية. # فقال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها. # فقال: أعطوه دارا تجمعهم. # ثم قال: وإن تكن لهم الدار فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك عشرة ضياع ~~عامرة وعشرة غامرة من فيافي بني إسرائيل. # قال: وما معنى الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: ما لا نبات فيها. # قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني سعد. # فضحك منه وقال: أعطوه كلها عامرة. # قال الحافظ: فانظر إلى حذقه بالمسالة ولطفه ms063 فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فصهل ~~القضية وجعل يأتي بمسألة مسألة على ترتيب وفكاهة حتى نال ما سأله. ولو سأل ~~ذلك بديهة لما وصل إليها، بارك الله فيه، انتهى. # PageV01P080 ### | راعي الذمم # وروي عن الحسن بن الحصين. قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من ~~جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفيا إلى أن أضناه ~~وأضجره الاختفاء، فأخذ له أمان من السفاح، فقال له: لقد مكثت زمانا طويلا ~~مختفيا فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك، فإنها كانت أيام تكدير. # فقال: يا أمير المؤمنين، وهل سمع بأعجب من حديثي؟ لقد كنت مختفيا في منزل ~~أنظر منه إلى البطحاء فبينما أنا على مثل ذلك، وإذا بأعلام سود قد خرجت من ~~الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني، فخرجت متنكرا حتى أتيت ~~الكوفة من غير الطريق، وأنا والله متحير، ولا أعرف بها أحدا، وإذا أنا بباب ~~كبير في رحبة منيعة. فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريبا من الدار، وإذا برجل ~~حسن الهيئة، وهو راكب فرسا ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه، فدخل الحربة ~~فرآني واقفا مرتابا فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: غريب خائف من القتل. # قال: ادخل قد خلت إلى حجرة في داره، فقال: هذه لك، وهيأ لي ما أحتاج إليه ~~من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب، وأقمت عنده ووالله ما سألني قط من أنا، ~~ولا ممن أخاف؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ويعود تعبا متأسفا كأنه ~~يطلب شيئا فاته ولم يجده، فقلت له يوما: أراك تركب في كل يوم وتعون تعبا ~~متأسفا كأنك تطلب شيئا فاتك؟ فقال لي: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك ~~قتل أبي وقد بلغني أنه مختف من السفاح، وأنا أطلبه لعلي أجده وآخذ بثأري ~~منه. # فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل ~~رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني. فكرهت الحياة واستعجلت الموت لما نالني من ~~الشدة، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن ms064 سبب قتله، فعرفني الخبر فوجدته صحيحا، ~~فقلت: يا هذا قد وجب علي حقك، وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك وقرب إليك ~~الخطوة وأسهل عليك ما بعد. # فقال: أتعلم أين هو؟ قلت: نعم. # فقال: أين هو؟ فقلت: والله هو أنا فخذ بثأرك مني. # فقال لي: أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة. # PageV01P081 # قلت: نعم والله أنا قتلته يوم كذا وكذا. # فلما علم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه وأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه إلي ~~وقال لي: أما أبي فسيلقاك غدا يوم القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه ~~خافية، وأما أنا فلست مخفرا ذمتي ولا مضيعا نزيلي، أخرج عني فإني لا آمن من ~~نفسي عليك بعد هذا اليوم. # ثم وثب يا أمير المؤمنين إلى صندوق فأخرج منه صرة فيها خمسمائة دينار ~~وقال: خذ هذه واستعن بها على اختفائك. # فكرهت أخذها وخرجت من عنده وهو أكرم رجل رأيت. فبقي السفاح يهتز طربا ~~ويتعجب. ### | مفاخرة اليمن ومضر # وعن الهيثم بن عدي. قال كان أبو العباس السفاح تعجبه المسامرة ومنازعة ~~الرجال فحضرت ذات ليلة في مسامرة إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بني ~~الحارث بن كعب وهم أخواله وخالد بن صفوان بن إبراهيم التميمي. فخاضوا في ~~الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم ~~العرب الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم القرى ولم يزالوا ملوكا أربابا ~~وورثوا ذلك كابرا عن كابر أولا عن آخر منهم النعمانيات والمنذريات ~~والقابوسيات والتبابعة، ومنهم من مدحته الزبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم ~~من اهتز لموته العرش، ومنهم من كلمه الذئب، ومنهم الذي كان يأخذ كل سفينة ~~غصبا. وليس شيء له خطر إلا وإليهم ينسب من فرس رائع أو سيف قاطع أو درع ~~حصينة أو حلة مصونة أو درة مكنونة، إن سئلوا أعطوا وإن سيموا أبوا، وإن نزل ~~بهم ضيف قروا لا يبلغهم مكابر، ولا ينالهم مفاخر، هم العرب العرباء، وغيرهم ~~المتعربة. # PageV01P082 # قال أبو العباس السفاح: ما أظن التميمي يرضى بقولك. ثم قال: ما تقول ms065 يا ~~خالد؟ قال: إن أذنت في الكلام تكلمت. # قال: أذنت لك في الكلام فتكلم ولا تهب أحد. # فقال: أخطأ يا أمير المؤمنين المقتحم بغير علم والناطق بغير صواب، فكيف ~~يكون ما قال، وإن القوم ليست لهم ألسن فصيحة ولا حجة رجيحة. نزل به كتاب ~~ولا جاءت به اسنة، وهم منا على منزلتين: إن حادوا عن قصدنا أكلوا، وإن ~~جازوا حكمنا قتلوا، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وغير ذلك مما ~~سنأتي عليه، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، ولله المنة علينا وعليهم لقد كانوا أتباعه فبه غزوا وله ~~أكرموا، فمنا النبي صلى الله عليه وسلم ومنا الخليفة المرتضى، ولنا البيت ~~المعمور والمسعى وزمزم والمقام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة ~~والبطحاء مع ما لا يخفى من المآثر ولا يدرك من المفاخر. فليس يعدل بنا عادل ~~ولا يبلغ فضلنا قول قائل ومنا الصديق والفاروق والوصي وأسد الله وسيد ~~الشهداء ذو الجناحين وسيف الله، عرفوا الله وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا ~~زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه. # ثم التفت إلى إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم. # قال: فما اسم العين؟ قال: الجمجمة. # قال: فما اسم السن؟ قال: الميذن. # قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة. # قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر. # قال: فما اسم اللحية؟ قال: الذئب. # قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكنع. # قال: أفمؤمن أنت بكتاب الله؟ قال: نعم. # قال: فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون "، # PageV01P083 # وقال تعالى: " بلسان عربي مبين "، وقال: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ". فنحن العرب والقرآن بلساننا نزل، ألم تر أن الله تعالى قال: العين ~~بالعين، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة؛ وقال: السن بالسن، ولم يقل الميذن ~~بالميذن؛ وقال: الأذن بالأذن، ولم يقل الصنارة بالصنارة، وقال: " يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم "، ولم يقل شناترهم. وقال: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ~~ولم يقل بذنبي. وقال تعالى: فأكله الذئب، ولم يقل فأكله الكنع. ثم قال ~~أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن ms066 كفرت. # قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم. # قال: فالقرآن نزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم. # قال: فالبيت الحرام لنا أو لكم؟ قال: لكم. # قال: فالخلافة فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. # قال خالد: فما كان بعد هذه الأربع فهو لكم. # PageV01P084 ### | خلافة أبي جعفر المنصور # قيل: إنه كان يحفظ الشعر من مرة، وله مملوك يحفظه من مرتين، وكان له ~~جارية تحفظه من ثلاث مرات، وكان بخيلا جدا حتى إنه كان يلقب بالدوانيقي ~~لأنه كان يحاسب على الدوانيق، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة قال له: إن كانت ~~مطوقة بأن يكون أحد يحفظها أو ا؛ د أنشأها: أي بأن كان أتى بها أحد قبلك، ~~فلا نعطيك لها جائزة، وإن لم يكن أحد يحفظها نعطيك زنة ما هي مكتوبة فيه، ~~فيقرأ الشاعر القصيدة فيحفظها الخليفة من أول مرة، ولو كانت ألف بيت، ويقول ~~للشاعر اسمعها مني وينشدها بكمالها، ثم يقول له: هذا المملوك يحفظها، وقد ~~سمعها المملوك مرتين، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيقرؤها، ثم يقول ~~الخليفة: وهذه الجارية التي خلف الستارة تحفظها أيضا وقد سمعتها الجارية ~~ثلاث مرات فتقرؤها بحروفها فيذهب الشاعر بغير شيء. # قال الراوي: وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه فنظم أبياتا صعبة وكتبها على ~~قطعة عمود من رخام ولفها في عباءة وجعلها على ظهر بعير وغير حليته في صفة ~~أعرابي غريب وضرب له لثاما ولم يبين منه غير عينيه، وجاء إلى الخليفة وقال: ~~إني امتدحت أمير المؤمنين بقصيدة. فقال: يا أخا العرب إن كانت لغيرك لا ~~نعطيك عليها جائزة وإلا نعطيك زنة ما هي مكتوبة عليه. فأنشد الأصمعي هذه ~~القصيدة: # صوت صفير البلبلهيج قلبي الثملالماء والزهر معا # مع زهر لحظ المقلوأنت يا سيد دليوسيدي وموللي # وكم وكم تيمنيغزيل عقيقيقطفت من وجنته # باللثم ورد الخجلوقلت بس بسبسنيفلم يجد بالقبل # وقال لا لا لللاوقد غدا مهروليوالخود مالت طربا # من فعل هذا الرجلوولولت ولولةولي ولي يا ويللي # فقلت لا تولوليوبيني اللؤلؤليلما رأته أشمطا # يريد غير القبلوبعده ما يكتفيإلا بطيب الوصللي ms067 # قالت له حين كذاانهض وجد بالنقليوفتية سقونني # قهيوة كالعسلليشممتها في أنفيأزكى من القرنفل # في وسط بستان حليبالزهر والسرولليوالعود دندن دنلي # والطبل طبطبطبليوالرقص قد طبطليوالسقف قد سقسقلي # PageV01P085 # شووا شووا وشاهشواعلى ورق سفرجليوغرد القمري يصيح # من ملل في ملليفلو تراني راكباعلى حمار أهزلي # يمشي على ثلاثةكمشية العرنجلوالناس ترجمجملي # في السوق بالقلقليوالكل كعكع كعكعخلفي ومن حوللي # لكن مشيت هاربامن خشية العقنقليإلى لقاء ملك # معظم مبجليأمر لي بخلعةحمراء كالدمدملي # أجر فيها ماشيامبغددا للذيلأنا الأديب الألمعي # من حي أرض الموصلنظمت قطعا زخرفتتعجز الادبللي # أقول فيمطلعها صوتصفير البلبل # قال الراوي: فلم يحفظها الملك لصعوبتها، ونظر إلى المملوك وإلى الجارية ~~فلم يحفظها أحد منهما فقال: يا أخا العرب هات الذي هي مكتوبة فيه نعطك ~~زنته. # فقال: يا مولاي إني لم أجد ورقا أكتب فيه وكان عندي قطعة عمود رخام من ~~عهد أبي، وهي ملقاة ليس لي بها حاجة، فنقشتها فيها. # فلم يسع الخليفة إلا أنه أعطاه وزنها ذهبا فنفد ما في خزينته من المال، ~~فأخذه وانصرف، فلما ولى قال الخليفة: يغلب على ظني أن هذا الأصمعي، فأحضره ~~وكشف عن وجهه. فإذا هو الأصمعي فتعجب منه ومن صنيعه وأجازه على عادته، قال: ~~يا أمير المؤمنين، إن الشعراء فقراء وأصحاب عيال وأنت تمنعهم العطاء بشدة ~~حفظك وحفظ هذا المملوك وهذه الجارية. فإذا أعطيتهم ما تيسر ليستعينوا به ~~على عيالهم لم يضرك، انتهى. # PageV01P086 ### | حاج يعظ المنصور # وذكر الغزالي وابن بليان وغيرهما، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار ~~الندوة، وكان يخرج سحرا فيطوف بالبيت، فخرج ذات ليلة سحرا، فبينما هو يطوف ~~إذ سمع قائلا يقول: اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول ~~بني الحق وأهله من الطمع. فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ سمعه ثم رجع إلى ~~دار الندوة. وقال لصاحب شرطته: إن بالبيت رجلا يطوف فأتني به. فخر صاحب ~~الشرطة فوجد رجلا عند الركن اليمني. فقال: أجب أمير المؤمنين. فلما دخل ~~عليه، قال: أنا الذي سمعتك آنفا تشكو إلى الله من ظهور البغي والفساد في ms068 ~~الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما ~~أمرضني. # فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الذي داخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله ~~وامتلأت بلاد الله بذلك بغيا وفسادا أنت هو. # فقال له المنصور: ويحك كيف يداخلني الطمع، والصفراء والبيضاء ببابي وملك ~~الأرض في قبضتي. # فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهل داخل أحدا من الطمع ما ~~داخلك؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع ~~أموالهم، واتخذت بينك وبين رعيتك حجابا من الجبس والآجر وحجبة معهم السلاح ~~وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر استخلصتهم لنفسك وأمرتهم على ~~رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري، ولا أحد إلا وله في ~~هذا المال حق. فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك ~~تجمع الأموال وتقسمها، قالوا: هذا خان الله ورسوله فما لنا لا نخونه؟ ~~فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أموال الناس إلا ما أرادوا. فصار هؤلاء ~~شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، فإذا جاء المظلوم إلى بابك وجدك وقفت ~~رجلا ينظر في مظالم الناس، فإن كان الظالم من بطانتك علل صاحب المظالم ~~بالمظلوم وسوف من وقت إلى وقت، فإذا اجتهد وظهرت أنت صرخ بين يديك، فضربه ~~أعوانك ضربا شديدا ليكون نكالا لغيره، وأنت ترى ذلك ولا تنكر. لقد كانت ~~الخلفاء قبلك من بني أمية إذا أتت إليهم الظلامة أزيلت في الحال، ولقد كنت ~~أسافر إلى الصين يا أمير المؤمنين، فقدمت مرة فوجدت الملك الذي به قد فقد ~~سمعه، فبكى، فقال له وزراؤه: ما يبكيك أيها الملك؟ لا أبكى الله لك عينا ~~إلا من خشيته. # PageV01P087 # فقال: والله ما بكيت لمصيبة نزلت بي وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا ~~أسمعه. ثم قال: إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب. نادوا في الناس لا يلبس ~~أ؛ د ثوبا أحمر إلا مظلوم. وكان يركب الفيل طرفي النهار ويدور في البلد ~~لعله يجد أحدا لابسا ثوبا أحمر فيعلم أنه مظلوم ms069 فينصفه. وهذا الأمير رجل ~~مشرك غلبت عليه رأفته على شح نفسه بالمشركين، وأنت مؤمن بالله ورسوله وابن ~~عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # يا أمير المؤمنين! لا تجعل الأموال إلا لإحدى ثلاث: فإن قلت إنما أجمع ~~الأموال لصالح الملك فقد أراك الله عبرة في الملوك والقرون من قبلك ما أغنى ~~عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد، وإن ~~قلت إنما أجمع للولد، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد ~~فيلم يغن ذلك عنهم شيئا بل ربما مات فقيرا ذليلا حقيرا؛ وإن قلت إنما أجمعه ~~لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فوالله ما فوق منزلتك إلا منزلة لا ~~تدرك إلا بالعمل الصالح. # فبكى المنصور بكاء شديدا ثم قال: وكيف أعمل وقد فرت مني العباد ولم ~~تقربني، افتح الباب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم وخذ المال مما حل وطاب، ~~واقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب أن يعود إليك. # فقال المنصور: نفعل إن شاء الله تعالى. # وجاء المؤذن فأذن للصلاة فقام وصلى فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده، ~~فقال لصاحب الشرطة: علي بالرجل الساعة. # فخرج يتطلبه فوجده عند الركن اليماني فقال له: أجب أمير المؤمنين. # فقال: ليس إلى ذلك من سبيل. # فقال: إذن يضرب عنفي. # فقال: ولا إلى ضرب رقبتك من سبيل. ثم أخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا ~~فقال له: خذه فإن فيه دعاء الفرج من دعا به صباحا ومات من يومه مات شهيدا، ~~ومن دعا به مساء ومات من ليلته مات شهيدا. وذكر له فضلا عظيما وثوابا ~~جزيلا. فأخذه صاحب الشرطة وأتى به المنصور فلما رآه قال له: ويلك أو تحسن ~~السحر؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. ثم قص عليه القصة، فأمر المنصور ~~بنقله وأمر له بألف دينار، وهو هذا. # اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمك ~~بما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك. وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك، # PageV01P088 # وعلانية القول ms070 كالسر في علمك، وانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان ~~لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو ~~أميت فيه فرجا ومخرجا. اللهم، إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك ~~على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه، أدعوك آمنا ~~وأسألك مستأنسا، فإنك أنتن المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني ~~وبينك، تتودد إلي بالنعم وأتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على ~~الجراءة عليك، فجد بفضلك وإحسانك علي، إنك أنت الرؤوف الرحيم. ### | القاضي ابن أبي ليلى والمنصور # وحدث عبد الله البلتاجي، قال: دخل ابن أبي ليلى على أبي جعفر المنصور، ~~وكان ابن أبي ليلى قاضيا فقال أبو جعفر: إن القاضي يرد عليه. من ظرائف ~~الناس ونوادرهم أمور، فإن كان ورد عليك شيء فحدثنيه، فقد طال علي يومي. # قال: والله يا أمير المؤمنين، قد ورد علي منذ ثلاثة أيام أمر ما ورد علي ~~مثله. أتتني عجوز تكاد تنال الأرض بوجهها أو تسقط من انحنائها فقالت: أنا ~~بالله وبالقاضي أن يأخذ لي بحقي وأن يعينني على خصمي. # قلت: ومن خصمك؟ قالت: إبنة أخ لي. # فدعوت بها فجاءت امرأة ضخمة ممتلئة شحما فجلست منبهرة. فذهبت العجوز ~~تتظلم، فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي ~~وحجتها فإن لحنت بشيء فلترد علي، فإن أذنت لي أسفرت. # فقالت العجوز: إن أسفرت قضيت لها. # فقلت لها: أسفري، فأسفرت عن وجه والله ما ظننت أنه يكون مثله إلا في ~~الجنة. فقالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات والدي وتركني يتيمة في حجرها ~~فربتني فأحسنت التربية، حتى إذا بلغت مبلغ النساء قالت لي: يا بنت أخي، هل ~~لك في التزويج؟ قلت: ما أكره ذلك يا عمة. # قالت العجوز: نعم. # PageV01P089 # قالت: فخطبني وجوه أهل الكوفة فلم ترض إلا رجلا صيرفيا، فتزوجني، فكنا ~~كأننا ريحانتان ما أظن أن الله خلق غيره يغدو إلى سوقه ويروح علي بما رزقه ~~الله تعالى. فلما رأت العمة ms071 موقعه مني وموقعي منه حسدتنا على ذلك، وكانت ~~لها ابنة فشوفتها وهيأتها لدخول زوجي، فوقعت علينه عليها، فقال: يا عمة هل ~~لك أن تزوجيني ابنتك؟ قالت: نعم بشرط. # فقال لها: وما الشرط.؟ قالت: تصير أمر ابنة أخي إلي. # قال: قد صيرت أمرها إليك. # قالت: فإن قد طلقتها ثلاثا بتة. # وزوجت ابنتها زوجي، فكان يغدو عليها ويروح، فقلت لها: يا عمتي أتأذنين لي ~~أن أنتقل عنك؟ قالت: نعم. # فانتقلت عنها وكان لعمتي زوج غائب فقدم فلما توسط منزلها قال: ما لي لا ~~أرى ربيبتنا؟ قالت: طلقها زوجها فانتقلت عنا. # فقال: إن لها من الحق علينا أن نعزيها بمصيبتها. # فلما بلغني مجيئه إلي تهيأت له وتشوفت. فلما دخل علي عزاني بمصيبتي، ثم ~~قال: إن فيك بقية من الشباب؛ فهل لك أن أتزوج بك؟ قلت: ما أكره ذلك ولكن ~~على شرط. # قال لي: وما الشرط؟ قلت: تصير أمر عمتي بيدي. # قال: فإني قد فعلت وصيرت أمرها بيدك. # قلت: فإني قد طلقتها ثلاثا بتة. # قالت: فقدم علي بثقله من الغد ومعه ستة آلاف درهم فأقام عندي ما أقام، ثم ~~إنه اعتل وتوفي فلما انقضت عدتي جاء زوجي الأول الصيرفي يعزيني بمصيبتي ~~فلما بلغني مجيئه تهيأت وتشوفت له، فلما دخل علي قال لي: يا فلانة إنك ~~تعلمين أنك كنت أعز الناس علي وأحبهم إلي، وقد حلت المراجعة، فهل لك في ~~ذلك؟ قلت: ما أكره ذلك، ولكن اجعل أمر ابنة عمتي بيدي. # قال: فإني قد فعلت. # PageV01P090 # قلت: فإني قد طلقتها ثلاثا بتة، أصلح الله القاضي، فرجعت إلى زوجي فما ~~اعتدائي عليها. # فقالت العجوز: أنا فعلت مرة، وفعلت مرة بعد أخرى. # فقلت: إن الله لم يوقت في هذا وقتا، وقد قال تعالى: " ومن عاقب بمثل ما ~~عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ". فواحدة بواحدة والبادي أظلم. # فقال القاضي: إن زوج العمة لم يكن له أن يتزوج ابنة أخيها وهي في عدته؛ ~~فأرادت العجوز أن تتولى التفريق بينه وبينها استيفاء لها ومجازاة لها على ~~فعلها، فقلت لها: ms072 قد فرقت بينكما، قومي إلى منزلك، انتهى. ### | الأمير الأموي وملك النوبة # وذكر المنصور يوما في مجلسه زوال ملك بني أمية وما جرى عليهم، وأنهم ~~عاشوا سعداء وماتوا فقراء، فقال له إسماعيل بن علي الهاشمي: إن عبد الله بن ~~مروان بن محمد في حبسك، وله قصة مع ملك النوبة. فأحضره واسأله عنها. ~~فأحضره، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # فقال المنصور: رد السلام أمن ولم تسمح نفسي بذلك، ولكن اقعد! فقعد، فقال: ~~ما قصتك مع ملك النوبة؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، كنت ولي عهد أبي فلما طلبتنا دعوت عشرة من ~~غلماني ودفعت لكل واحد ألف دينار وأوسقت خمس بغال وشددت في وسطي جوهرا له ~~قيمة عظيمة وخرجت هاربا إلى بلاد النوبة، فلما قربنا بعثت غلاما لي، فقلت ~~له: امض إلى هذا الملك وأقرئه السلام وخذ لنا منه الأمان وابتغ لنا ميرة. ~~فمضى وأبطأ حتى أسأت به الظن، ثم أقبل ومعه رجل فدخل وسلم وقال: الملك ~~يقرئك السلام ويقول لك: من أنت وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب، أم راغب في ~~ديني، أم مستجير بي؟ فقلت له: رد على الملك، ما أنا بمحارب ولا راغب في ~~دينك ولا ممن يبتغي بدينه بدلا بل مستجير به. # فذهب الرسول ورجع إلي وقال: الملك يقول لك إني أجيء إليك غدا فلا تحدث ~~نفسك حدثا ولا شيئا من الميرة. # PageV01P091 # فقلت لأصحابي: افرشوا الفراش، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه، وإذا هو قد ~~أقبل وعليه بردان قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، حافي الرجلين، ومعه عشرة ~~معهم الحراب: ثلاثة يقدمونه وسبعة خلفه، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله، ~~فلما قرب إذا سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ قالوا: الخيل. فوافى بها عشرة آلاف ~~عنان، ووافت الخيل عند دخوله فأحدقوا بنا، فلما دخل جلس على الأرض، قال: ~~فقلت لترجمانه: لم لم يقعد على الموضع الذي وطئ له؟ فسأله، فقال: قل له إنه ~~ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعا لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده. # ثم ms073 نكت بإصبعه الأرض طويلا ورفع رأسه وقال: قل له كيف سلبتم هذا الملك، ~~فأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ فقلت: جاء من هو أقرب منا قرابة ~~إليه، فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيرا بالله، ثم بك. # قال: فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم ~~دخلوا في ديننا وفي ملكنا من غير رأينا. # قال: فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج الذهب والفضة وهي محرمة ~~عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا بغير رأينا. # قال: فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على القرى وكلفتم أهلها ما لا ~~طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى تحطموا زرعهم في طلب دراج ~~قيمته نصف درهم، والتكليف والعناء محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وغلمان ~~وأتباع. # قال: لا! ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه ~~فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر أعداءكم عليكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ ~~غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بك النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك، ~~فإن النقمة إذا نزلت شملت، فاخرج بعد ثلاث، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك ~~وقتلتك ومن معك. # ثم وثب قائما وخرج وقمت ثلاثا ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك، ~~وها أنا ذا والموت أحب إلي من الحياة. # فرق له المنصور وهم بإطلاقه، فقال له إسماعيل بن علي: في عنقي بيعة هذا. # قال: فما ترى؟ قال: ينزل في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله. # ففعل به ذلك، انتهى. # PageV01P092 ### | بليتان. المنصور والطاعون # وخطب المنصور يوما بالشام، فقال: أيها الناس ينبغي لكم أن تحمدوا الله ~~تعالى على ما وهبكم في فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان ~~يجيئكم. # فقال أعرابي: إن الله أكرم من أن يجمعك أنت والطاعون علينا. ### | أبي هرمة والخمر # ودخل ابن هرمة على المنصور وامتدحه، فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: ~~تكتب إلى عاملك بالمدينة إذا وجدني سكران لا يحدني. ms074 # فقال له المنصور: هذا حد لا سبيل إلى تركه. # فقال: ما لي حاجة غيرها. # فقال لكاتبه: اكتب إلى عاملنا بالمدينة من أتاك بابن هرمة وهو سكران ~~فاجلده ثمانين، واجلد الذي جاء به مائة. # فمكان الشرطة يمرون عليه وهو سكران ويقولون: من يشتري ثمانين بمائة، ~~فيمرون عليه ويتركونه، انتهى. ### | الرجل الثبت الجنان # وحدث أحمد بن موسى قال: ما رأيت رجلا أثبت جنانا ولا أحسن معرفة ولا أظهر ~~حجة من رجل رفع فيه عند المنصور بأن عنده أموالا لبني أمية، فأمر المنصور ~~حاجبه الربيع أن يحضره، فلما حضر بين يديه. قال المنصور: رفع إلينا أن عندك ~~ودائع وأموالا وسلاحا لبني أمية فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى بيت المال. # فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنت وارث لبني أمية؟ قال: لا. # قال: فلم تسأل إذن عما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا وصي. # فأطرق المنصور ساعة، ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس وغصبوا أموال ~~المسلمين. # فقال الرجل: يحتاج أمير المؤمنين إلى بينة يقبلها الحاكم تشهد أن المال ~~الذي لبني أمية # PageV01P093 # هو الذي في يدي وأنه هو الذي غصبوه من الناس. وأن أمير المؤمنين يعلم أن ~~بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم غير أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما ~~يتهم أمير المؤمنين؟ قال: فسكت المنصور ساعة، ثم قال: يا ربيع، صدق الرجل ~~ما يجب لنا على الرجل شيء، ثم قال للرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم. # قال: ما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى في إليك فوالله يا أمير ~~المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا سلاح. وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما ~~أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم، فأيقنت أن الكلام ~~الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه. # فقال المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سعى به فجمع بينهما. فقال: ~~يا أمير المؤمنين، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي. # فسأل المنصور الرجل فأقر بالمال. قال: فما حملك على ms075 السعي كاذبا؟ قال: ~~أردت قتله ليخلص لي المال. # فقال الرجل: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين، لأجل وقوفي بين يديك وحضوري ~~مجلسك ووهبته خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي. # فاستحسن المنصور فعله وأكرمه ورده إلى بلده مكرما. # وكان المنصور كل وقت يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ قط، ولا أثبت من جنانه ~~ولا من حجني مثله ولا رأيت مثل حمله ومروءته، انتهى. # PageV01P094 ### | خلاقة المهدي # الرؤيا الصالحة # اسمه محمد بن المنصور، حدثنا داود بن رشيد، قال: قلت للهيثم بن علي بأي ~~شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك ~~المنزلة الرفيعة؟ فقال: إن خبره باتصاله بالمهدي ظريف، فإن أحببت شرحته لك. ~~قلت والله قد أحببت. # قال: اعلم أنه وافى الربيع الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي وقال له: ~~استأذن لي على أمير المؤمنين، فقال له: من أنت وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد ~~رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له، فقال ~~الربيع: يا هذا، إن القوم لا يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف بما يراه لهم ~~غيرهم، فاحتل بحيلة غير هذه، فقال: إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه ~~وأخبره ني سألتك الإذن لي عليه فلم تفعل؟ فدخل الربيع على المهدي، فقال له: ~~يا أمير المؤمنين، إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا عليكم بكل ~~ضرب. # فقال له المهدي: هكذا تصنع الملوك فماذا؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى ~~لأمير المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة، وقد أحب أن يقصها عليك. # فقال المهدي: يا ربيع، إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي فكيف يمكن ~~ادعاؤها ممن لعله قد افتعلها؟ قال: والله قلت له مثل هذا فلم يقبل. # قال: هات الرجل. # قال: فأدخل عليه سعيد وكان له رؤية وجمال ومروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان ~~طلق، فقال له: ما رأيت بار الله فيك؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين آتيا ~~أتاني في منامي فقال: أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، ~~وآية ms076 ذلك أنه يرى في ليلته الآتية في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجد ~~ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له. # فقال المهدي: ما أحسن ما رأيت، ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ~~ما أخبرتنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك فوق ما تريد، وإن كان الأمر ~~بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا الصالحة ربما صدقت وربما اختلفت. # قال: يا أمير المؤمنين، فما أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي ~~وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه الله، ثم رجعت صفر اليد؟ فقال له ~~المهدي: فكيف نعمل؟ فقال: يعجل لي أمير المؤمنين أعزه الله تعالى ما أحب ~~وما أحلف له بالطلاق إني قد صدقت. # PageV01P095 # فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمر بأن يؤخذ له كفيل ليحضر من غد ذلك اليوم ~~فقبض المال وقال له: من يكفلك؟ فمد عينه إلى خادم حسن الوجه والزي وقال: ~~هذا يكفلني. # فقال له المهدي: أكفله يا غلام؟ # فاحمر وخجل، وقال: نعم يا أمير المؤمنين، فكفله وانصرف سعيد بن عبد ~~الرحمن بالعشرة آلاف درهم. فلما كانت تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له ~~سعيد حرفا بحرف وأصبح سعيد فوافى الباب واستأذن، فأذن له. فلما وقعت عين ~~المهدي عليه قال له: أين مصداق ما قلت لنا عليه؟ فقلت له: وما رأى أمير ~~المؤمنين. فضحك في جوابه، فقال له: امرأتي طالق إن لم تكن رأيت شيئا؟ فقال: ~~لأني أحلف على صدق. # قال له المهدي: فقد والله رأيت ذلك مبينا. # فقال سعيد: الله أ: بر، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني. # قال: حبا وكرامة. # ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وعشر تخوت ثياب من كل صنف وثلاثة مراكب من ~~أنفس دوابه محلاة، فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي كان كفله. وقال: ~~سألتك بالله هل لهذه الرؤيا من أصل؟ فقال سعيد: لا والله. # فقال الخادم: كيف وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟ قال: هذا من المخاريق ~~التي لا أب لها، وذلك أني لما ألقيت هذا الكلام ms077 خطر بباله وحدث به نفسه ~~وأسرى به قلبه واشتغل به فكره ففي ساعة نام خيل له ما حل في قلبه واشتغل به ~~فكره فنام فرآه. # فقال له الخادم: قد حلفت بالطلاق. # قال: طلقة واحدة وبقيت معي على اثنتين وأزيد مهرها عشرة دراهم. وأتحصل ~~على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب، وثلاثة ~~مراكب فارهة. # فبهت الخادم وتعجب من ذلك. فقال له سعيد: قد صدقتك وجعلت ذلك مكافأتك على ~~كفالتك فاستر علي. # ثم طلبه المهدي لمنادمته فنادمه وحظي عنده وقلده القضاء على العسكر. فلم ~~يزل كذلك حتى مات. انتهى. # PageV01P096 ### | المهدي والأعرابي # يحكى أن المهدي خرج يتصيد، فسار به فرسه حتى دخل إلى خباء أعرابي، فقال: ~~يا أعرابي. هل من قرى؟ قال: نعم، فأخرج له قرض شعير فأكله، ثم أخرج له فضلة ~~من لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه قعبا. فلما شرب قال: يا أخا ~~العرب أتدري من أنا؟ قال: لا والله. # قال: أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة. # قال: بارك الله في موضعك. # ثم سقاه قعبا آخر فشربه فقال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من ~~خدم أمير المؤمنين الخاصة. # قال: لا، بل أنا من قواد أمير المؤمنين. # قال: رحبت بلادك وطاب مرادك. # ثم سقاه ثالثا فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك ~~من قواد أمير المؤمنين. # قال: لا، ولكني أمير المؤمنين. # فأخذ الأعرابي الركوة وأوكأها وقال: والله لو شربت الرابع لادعيت أنك ~~رسول الله. # فضحك المهدي حتى غشي عليه وأحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف ~~فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك ولا خوف ثم أمر له بكسوة ومال. ### | أبو نواس وجارية بنت المهدي # وقيل: كان لأسماء بنت المهدي جارية يقال لها: كاعب. وكانت بكرا ناهدا ذات ~~حسن وجمال وقد واعتدال، وكانت بنت ست عشرة سنة. قال: فتلاعب عليها أبو نواس ~~لينالها، فتمنعت منه مرارا. فظفر بها ليلة من الليالي في ناحية من نواحي ~~القصر ms078 فمسكها فبكت وقالت: الموت دون ذلك، فقال أبو نواس في نفسه: هذا جزع ~~الأبكار، فتركها مدة، فائفق أنه خرج من القصر ليلة وقد رقرق الدجى، فوجدها ~~نائمة سكرى فتقرب منها وحل السراويل من وسطها، ودهمها، فإذا هي خالية # PageV01P097 # من البكارة، فارتاع وظن أنه يكون أتاها دم، فلم يجد وقام عنها وندم على ~~ما كن منه وأخذ يقول: # وناهدة الثديين من خدم القصر ... مرقرقة الخدين ليلية الشعر # كلفت بها دهرا حسن وجهها ... طويلا وما حب الكواعب من أمري # فما زلت بالأشعار حتى خدعتها ... وروضتها، والشعر من خدع السحر # أطالبها شيئا، فقالت بعبرة: ... أموت به داء ودمعتها تجري # فلما تعانقنا توسطت لجة ... غرقت بها يا قوم في لجج البحر # فصحت أغثني يا غلام، فجاءني ... وقد زلقت رجلي ورحت إلى الصد # ولولا صياحي بالغلام وأنه ... تداركني بالحبل رحت إلى القعر # فأقسمت عمري لا ركبت سفينة ... ولا سرت طول الدهر إلى على الظهر ### | الشاعر المجنون # قال المبرد: صعدت من البصرة إلى بغداد، فمررت بدير العاقول فرأيت مجنونا ~~فيه. فلم أر قط أظرف منه ولا أحسن ثيابا، ويده الواحدة على صدره. فلما دنوت ~~منه أنشأ يقول: # الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبث ما أجد # روحان لي: روح تملكها ... بلد، وأخرى حازها بلد # وأرى الصبابة ليس ينفعها ... صبر وليس لمثلها جلد # وأظن ظاعنتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد # فقلت: أحسنت والله، لله درك يا مجنون. فأهوى لشيء يرميني به فبعدت عنه. ~~فقال لي: أنشدتك ما تحبه واستحسنته. وتقول لي: يا مجنون، وتكون مع الزمان ~~علي. # فقلت له: أخطأت. # فقال: إذن اعترفت بخطئك. ثم قال: أنشدك شعرا أيضا؟ قلت: نعم. # فأنشأ يقول: # PageV01P098 # ما أقتل البين للمحب. وما ... أوجع قلب المحب بالكمد # عرضت نفسي على البلاء لقد ... أسرع في مهجتي وفي كبدي # يا حسرة! إذ أبيت معتقلا ... بين اختلاج الهموم والسهد # فقلت: أحسنت والله زدنا، فقال: # إن فتشوني فمحرق الكبد ... أو كشفوني فناحل الجسد # أضعف ما بي وزادني ألما ... أن لست أشكو النوى إلى أحد # فقلت: أحسنت ms079 والله زدنا. # فقال: يا فتى، أراك كلما أنشدتك بيتا قلت زدنا، وما ذاك إلا لمفارقة حبيب ~~أو خل أريب، ثم قال: أحسبك أبا العباس المبرد. بالله ما هو أنت. # قلت: أنا ذلك فمن أين عرفتني؟ فقال: وهل يخفى القمر؟ ثم قال: يا أبا ~~العباس، أنشدني من شعرك شيئا تنتعش به روحي، فأنشدته قولي: # بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل ... ومن بكائي بكت أعداي إذ رحلوا # يا منزل الحي! أين الحي قد نزلوا؟ ... نفسي تساق إذا ما سيقت الإبل # أنعم صباحا، سقاك الله من طلل ... غيثا وجاد عليك الوابل الهطل # سقيا لعهدهم والدار جامعة ... والشمل ملتئم والحبل متصل # فطالما قد نعمنا والحبيب بها ... والدهر يسعد والواشون قد غفلوا # قد غير الدهر ما قد كنت أعرفه ... والدهر ذو دول بالناس ينتقل # بانوا فبان الذي قد كنت آمله ... والبين أعظم ما يبلى به الرجل # فالشمل مفترق، والقلب محترق ... والدمع منسكب، والركب مرتحل # كأن قلبي لما سار عيسهم ... صب به دنف أو شارب ثمل # لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... وثوروها وسارت بالهوى الإبل # وقلت من خلال السجف ناظرها ... ترنوا لي، ودمع العين منهمل # يا حادي العيس! عرج بي أو دعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل # إني وحقك لا أنس مودتهم ... يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟ # قال أبو العباس المبرد: فلما أتممت شعري. قال لي: ما فعلوا؟ قلت: ماتوا، ~~فصاح صيحة عظيمة وخر مغشيا عليه، فحركته فوجدته قد مات. رحمة الله عليه. ~~انتهى. # PageV01P099 ### | خلافة موسى الهادي بن محمد # لم أر فيه شيئا ومن رأى فيه شيئا فليضعه. # قال بعض الفضلاء: من حيث أن المؤلف أمر بأن من رأى فيه شيئا فليضعه، ~~فرأيت هذا النذر اليسير مذكورا في تاريخ الإسحاقي فأحببت ذكره امتثالا ~~لأمره، فقلت: ### | الهادي والخارجي # ذكر صاحب الكردان: أن الهادي كان يوما في بستان يتنزه على حمار، ولا سلاح ~~معه وبحضرته جماعة، من خواصه وأهل بيته، فدخل عليه حاجبه وأخبره أن بالباب ~~بعض الخوارج له بأس ومكايد، وقد ظفر به بعض ms080 القواد فأمر الهادي بإدخاله ~~فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه. فلما أبصر الخارجي الهادي جذب يديه ~~من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي ففر كل من كان حوله وبقي وحده، ~~وهو ثابت على حماره، حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه بالسيف أومأ إلى ~~وراء الخارجي وأوهمه أن غلاما وراءه وقال: يا غلام اضرب عنقه، فظن الخارجي ~~أن غلاما وراءه والتفت الخارجي، فنزل الهادي مسرعا عن حماره فقبض على عنق ~~الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه، ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره، وأتباع ~~الهادي ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه حياء ورعبا، فما عاتبهم ~~ولا خاطبهم في ذلك بكلمة، ولم يفارق السلاح بعد ذلك اليوم، ولم يركب إلا ~~جوادا من الخيل. فانظر إلى هذا المقدار في ثبات جأش الملوك، فإنه قل من ~~يفعل ذلك، وهذه مرتبة لم يصل إليها أحد إلا نادرا. ### | الهادي وحبه لغادرة # حكي عبد الحق أنه قال مما ابتلي به الهادي من المحبة أنه كان مغرما ~~بجارية تسمى غادرا، وكانت من أحسن النساء وجها وأطيبهم غناء، اشتراها بعشرة ~~آلاف دينار، فبينما هو يشرب مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع الشراب، ~~فقيل له: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: وقع في قلبي أني أموت وأن أخي هارون ~~بلي الخلافة ويتزوج غادرا فامضوا وأتوني برأسه. # ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به، ~~فقال: لا أرضى حتى تحلف علي بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها. فرضي # PageV01P100 # بذلك وحلف إيمانا عظيمة، ودخل إلى الجارية وحلفها أيضا على مثل ذلك، فلم ~~يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات وولي الخلافة هارون الرشيد فطلب الجارية فقالت: ~~يا أمير المؤمنين كيف تصنع بالإيمان؟ فقال: قد كفرت عنك وعني. # ثم تزوج بها ووقعت في قلبه موقعا عظيما وافتتن به أعظم من أخيه الهادي ~~حتى كانت تسكر وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب. فبينما هون في بعض ~~الليالي ms081 وهي في حجره نائمة إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة. فقال لها: ما بالك ~~فديتك؟ قالت: رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات: # أخلفت عهدي بعدما ... جاوزت سكان المقابر # ونسيتني، وحنثت في ... إيمانك الزور الفواجر # ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر # لا يهنك الإلف الجدي؟ ... د ولا تدر عنك الدوائر # ولحقتني قبل الصبا - ح وصرت حيث غدوت صائر قالت: ثم ولى عني وكأن الأبيات ~~مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة. # فقال لها: هذه أحلام الشيطان. # فقالت: كلا، والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت بين يديه وماتت في تلك ~~الساعة، ولا تسأل عن هارون الرشيد وما لقي بعدها. # PageV01P101 # ؟؟ ### | خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي # هو أخو موسى الهادي، وهو الخامس من بني العباس. # قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الخلافة عندما ولي الرشيد بعد أخيه موسى ~~الهادي: # ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها # تلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها ### | هارون والأعرابي # قدم أعرابي حين ولي هارون الخلافة فقيل له: فيم جئت؟ قال: أتيت برسالة. # قال: ائت بها. # قال: أتاني آت في منامي فقال: ائت أمير المؤمنين فابلغه هذه الأبيات: # توارثت الخلافة في قريش ... تزف إليكما أبدا عروسا # إلى هارون تهدي بعد موسى ... تميس، وما لها أن لا تميسا # فأعطاه الرشيد عطاء جزيلا وصرفه. ### | ليلة عظيمة # بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه وولد في تلك الليلة ~~المأمون، وكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة، وولي ~~فيها خليفة، وولد فيها خليفة. # ولما بويع الرشيد قلد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك وزارته. وسيأتي إيقاع ~~الرشيد بالبرامكة وسبب ذلك. # PageV01P102 ### | الرشيد والمستقية # ويحكى أن هارون الرشيد مر في بعض الأيام وبصحبته جعفر البرمكي وإذا هو ~~بعدة بنات يستقون الماء فعرج عليهن يريد الشرب وإذا إحداهن تقول: # قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت المنام # كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في العظام # دنف تقلبه الأكف ... على بساط من سقام ms082 # فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها. فقال لها: يا بنت الكرام هذا من ~~قولك أم من منقولك؟ قالت: من قولي. # قال: إن كان كلامك صحيحا فأمسكي المعنى وغيري القافية فأنشدت تقول: # قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الوسن # كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في البدن # دنف تقلبه الأكف ... على بساط من شجن # أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من ثمن؟ # فقال لها: والآخر مسروق. # قالت: بل كلامي. # فقال: إن كان كلامك أيضا فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت: # قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الرقاد # كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الفؤاد # دنف تقلبه الأكف ... على بساط من حداد # أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من سداد؟ # فقال لها: والآخر مسروق. # فقال: بل كلامي. # فقال لها: إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت: # PageV01P103 # قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الهجوع # كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الضلوع # دنف تقلبه الأكف ... على بساط من دموع # أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من رجوع؟ # فقال لها أمير المؤمنين: أنت من أي هذا الحي؟ قالت: من أوسطه بيتا، ~~وأعلاه عمودا. # فعلم أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي. ثم قالت: وأنت من أي راعي الخيل؟ ~~فقال: من أعلاها شجرة وأينعها ثمرة. # فقبلت الأرض وقالت: أيد الله أمير المؤمنين ودعت له ثم انصرفت مع بنات ~~العرب. # فقال الخليفة لجعفر: لا بد من أخذها فتوجه جعفر إلى أبيها، وقال له: أمير ~~المؤمنين يريد بنتك. # فقال: حبا وكرامة، تهدى جارية إلى أمير المؤمنين مولانا. # ثم جهزها وحملها إليه فتزوجها ودخل بها فكانت عنده من أعز نسائه وأعطى ~~والدها ما يستره بين العرب من الأنعام. ثم بعد مدة انتقل والدها بالوفاة ~~إلى رحمة الله تعالى، فورد على الخليفة خبر وفاته فدخل عليها وهو كئيب، ~~فلما شاهدته وعليه الكآبة، نهضت ودخلت إلى حجرتها وقلعت ما عليها من الثياب ~~الفاخرة ولبست ثياب الحزن وقامت النعي له. # فقيل لها: ما سبب هذا؟ فقالت: مات والدي، فمضوا إلى الخليفة فأخبروه ms083 فقام ~~وأتى إليها وسألها من أعلمها بهذا الخبر؟ قالت: وجهك يا أمير المؤمنين. # قال: كيف ذلك؟ قالت: منذ أنا عندك ما رأيتك هكذا ولم يكن لي من أخاف عليه ~~إلا والدي لكبره، ويعيش رأسك أنت يا أمير المؤمنين. فترغرغت عيناه بالدموع ~~وعزاها فيه، وقامت مدة، وهي حزينة على والدها ثم لحقت به رحمة الله عليهم ~~أجمعين. # PageV01P104 # ### | الضيف الطارق # ويحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ذات ليلة فقام يتمشى في قصره ~~بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته، فداس على رجليها ~~فانتبهت فرأت أمير المؤمنين، فاستحيت منه وقالت: يا أمين الله ما هذا ~~الخبر. # فأجابها بقوله: # قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر # فأجابته تقول: # بسرور وهناء سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر # فبات عندها إلى الصباح، فسأل أمير المؤمنين من بالباب من الشعراء؟ قيل ~~له: أبو نواس. فمر به فدخل عليه. فقال: هات علي يا أمين الله ما هذا الخبر، ~~فأنشأ يقول: # طال ليلي حين وافاني السهر ... فتفكرت فأحسنت الفكر # قمت أمشي في المجالي ساعة ... ثم أجري في مقاصير الحجر # فإذا وجه جميل مشرق ... زانه الرحمن من بين البشر # فلمست الرجل منها موطئا ... فدنت مني ومدت للبصر # وأشارت لي بقول مفصح ... يا أمين الله ما هذا الخبر؟ # قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر # فأجابت بسرور سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر # قال: فتعجب أمير المؤمنين من ذلك وأمر له بصلة. # PageV01P105 ### | هارون والجارية السكرى # يحكى أن هارون الرشيد هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر ~~سكرى تدور في جوانب القصر وعليها مطرف خز، وهي تسحب أذيالها من التيه ~~والعجب، وسقط رداؤها عن منكبيها، والريح أبان نهديها كأنهما رمانتان، ولها ~~ردفان ثقيلان، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين! هجرتني هذه ~~المدة وليس لي علم بملاقاتك فأنظرني إلى غد حتى أتهيأ وآتيك. # فلما أصبح قال للحاجب: لا تدع أحدا يدخل علي إلا فلانة، وانتظرها فلم تجئ ~~فقام ودخل عليها وسألها إنجاز الموعد ms084 فقالت: يا أمير المؤمنين، كلام الليل ~~يمحوه النهار. فقام واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه أبو نواس ~~والرقاشي وأبو مصعب فقال لهم: هاتوا علي، كلام الليل يمحوه النهار. فقال ~~الرقاشي: أنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول: # أتسلوها، وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار # وقد تركتك صبا مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار # فولت وانثنت تيها، وقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار # وقال أبو مصعب: وأنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول: # أما والله لو تجدين وجدي ... لما وسعتك في بغداد دار # أما يكفيك أن العين عبرى ... ومن ذكراك في الأحشاء نار # تبسمت الفتاة بغير ضحك ... كلام الليل يمحوه النهار # وقال أبو نواس: أنا قائل في ذلك أربعة أبيت، وأنشأ يقول: # وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار # وهز الريح أردافا ثقالا ... وغصنا فيه رمان صغار # وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار # فقلت: الوعد سيدتي، فقالت: كلام الليل يمحوه النهار # فقال الرشيد: قاتلك الله كأنك كنت معنا أو مطلعا علينا. # ومر لكل بخلعة سنية وخمسة آلاف درهم، ولأبي نواس بعشرة آلاف درهم، انتهى. # PageV01P106 ### | الرشيد وجارية الخيزران # وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يوما قبل وقت الظهر، في مقصورة ~~جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها ~~حتى لم ير من جسدها شيئا، فأعجبه ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه ~~وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا له: أبو نواس وبشار. # فقال: ليحضرا جميعا. # فأحضرا، فقال الرشيد ليقل كل منكما أبياتا توافق ما في نفسي، فأنشأ بشار ~~يقول: # تحببتكم والقلب صار إليكمو ... بنفسي ذاك المنزل المتحبب # إذا ذكروا الهجران لا عن ملالة ... وذكراهم، ينمي إلي محبب # وقالوا تجنبنا، ولا قرب بيننا ... فكيف وأنتم حاجتي تتجنبوا # على أنهم أحلى من الشهد عندنا ... وأعذب من ماء الحياة وأطيب # فقال: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول: # نضت عنها القميص لصب ماء ... فورد ms085 خدها فرط الحياء # وقابلت الهواء، وقد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء # ومدت راحة، كالماء منها ... إلى ماء معد في إناء # فلما أن قضت وطرا وهمت ... على عجل إلى أخذ الرداء # رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء # فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يقطر فوق ماء # فسبحان الإله وقد براها ... كأحسن ما يكون من النساء # فقال الرشيد: سيفا ونطعا. # فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله ولكن شيء ~~خطر ببالي. # فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه. # PageV01P107 # أجود أخبار النساء # ويحكى أن أمير المؤمنين الرشيد أرق ذات ليلة أرقا شديدا، فقام من فراشه ~~وتمشى من مقصورة إلى مقصورة، وقلقه زائد ونفسه محصورة، فلما أصبح قال: علي ~~بالأصمعي، فخرج الطواشي إلى البوابين، فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين ~~أرسلوا أحدا خلف الأصمعي. فلما حضر أعلم الخليفة فأجلسه ورحب به وقال: يا ~~أسمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن؟ فقال: ~~سمعا وطاعة: لقد سمعت كثيرا ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات. # فقال له: حدثني حديثهن. # فقال: اعلم إذا أمير المؤمنين، أني توجهت سنة إلى البصرة فاشتد لعي الحر ~~فطلبت مقيلا أقيل فيه فلم أجد، فبنما أنا أتلفت يمينا وشمالا، إذا أنا ~~بساباط مكنوس مرشوش، وفيه دكة من خشب، وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة ~~المسك، فدخلت الساباط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع، فسمعت كلاما عذبا من ~~فم جارية حسناء، وهي تقول: يا أختي! إنا جلسنا يومنا هذا على وجه الصبوح، ~~تعالين نطرح ثلاثمائة دينار وكل منا تقول بيتا من الشعر، فكل من قاتل البيت ~~الأعذب الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها، فقلن: حبا وكرامة، فقالت الكبرى: # عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظ كان أعجبا # فقالت الوسطى: # وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا # فقالت الصغرى: # بنفسي وأهلي من أرى كل ليلة ... ضجيعي ورياه من المسك أطيبا # فقلت: إن كان لهذا المقال ms086 جمال، فقد تم الأمر على كل حال. فنزلت عن الدكة ~~وأردت الانصراف، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية، وهي تقول: اجلس يا ~~شيخ، فطلعت على الدكة ثانيا وجلست، فدفعت إلي ورقة فنظرت خطا في نهاية ~~الحسن مستقيم الألفات مجوف ألهاآت مدور الواوات مضمونه: نعلم الشيخ، أطال ~~الله بقاءه، أننا ثلاث بنات أخوات جلسنا على وجه الصبوح وطرحنا ثلاثمائة ~~دينار، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة ~~دينار، وقد جعلناك الحكم في ذلك، فاحكم بما تراه والسلام. # PageV01P108 # فقلت للجارية: علي بدواة وقرطاس. # فغابت قليلا وخرجت إلي بدواة مفضضة وأقلام مذهبة، فأنشأ أقول: # أحدث عن خود تحدثن مرة ... حديث امرئ ساس الأمور وجربا # ثلاث كبكرات الصحاري جحافل ... حللن بقلب للمشوق معذبا # خلون وقد نامت عيون كثيرة ... من الراقدين المشتهين التغيبا # فبحن بما يخفين من داخل الحشا ... نعم، واتخذن الشعر لهوا وملعبا # فقالت عروب ذات عز غريرة ... وتبسم عن عذب المقالة أنسبا # عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظا كان أعجبا # فلما انقضى ما زخرفت وتضاحكت ... تنفست الوسطى، وقالت تطربا # وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلا وسهلا ومرحبا # وأحسنت الصغرى، وقالت مجيبة ... بلفظ لها قد كان أشهى وأعذبا # بنفسي وأهلي من رأى كل ليلة ... ضجيعي، ورياه من المسك أطيبا # فلما تدبرت الذي قلن وانبرى ... لي الحكم لم أترك لذي اللب معتبا # حكمت لصغراهن في الشعر أنني ... رأيت الذي قالت جميلا وأصوبا # قال الأصمعي: ثم دفعت الرقعة إلى الجارية، فلما صعدت إلى القصر، فإذا ~~برقص وتصفيق ودنيا دانية وقيامة قائمة، فقلت: ما بقي لي إقامة، فنزلت عن ~~الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي. # فقلت: ومن أعلمك أنني الأصمعي؟ فقالت: يا شيخ إن خفي علينا اسمك فما خفي ~~علينا نظمك. # فجلست، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه الجارية الأولى وعلى يدها طبق من ~~فاكهة وطبق من حلوى، فتفكهت وتحليت وشكرت صنعها، وأردت الانصراف، وإذا ~~بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي، ms087 فرفعت بصري إليها فنظرت كفا أحمر في ~~كم أصفر فخلته البدر يشرف من تحت الغمام، ورمت لي صرة فيها ثلاثمائة دينار، ~~وقالت: هذا صار لي وهو مني لك هبة في نظير حكومتك. # فقال لي أمير المؤمنين: لأي شيء حكمت للصغرى ولم تحكم للكبرى ولا للوسطى؟ # فقلت: يا أمير المؤمنين إن بيت الكبرى قالت: # PageV01P109 # عجبت له أن زار في النوم مضجعي # وهو محمول معلق على شرط قد يقع ولا يقع، وأما الوسطى، فمر بها طيف خيال ~~في النوم فسلمت عليه، وبيت الصغرى ذكرت أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية وشمت منه ~~أنفاسا أطيب من المسك وفدته بنفسها وأهلها ولا يفدى بالنفس إلا من هو أعز ~~من النفس. # فقال الخليفة: أحسنت يا أصمعي. # ثم دفع إلي ثلاثمائة دينار فأخذتها وانصرفت فكنت أقول لله درك من شعر ~~أخذت في حكومتي منه ثلاثمائة دينار، وفي حكايته مثلها، والله أعلم. ### | الأصمعي والجارية # ومما حكي عن الأصمعي في نوادره، قال: سهرت ليلة عند الرشيد في الرقة، ~~فقال لي: من معك يا عبد الله يؤنسك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أنيس ~~غير الوحدة. # فأمسك وأقبل في حديثه ما شاء الله، ثم نهض ونهض من بحضرته فلما صرت إلى ~~منزلي، وإذا بخادم الأمير يقرع الباب فخرجت، فإذا ضوء شمع وضجة وغوغاء ~~ومعهم جارية فلما رآني الخادم دنا مني وقبل يدي وقال لي: يقول لك أمير ~~المؤمنين قد أمرنا لك بمن يؤنسك، وهي جارية من خواصه وشيء من المال. فشكرت ~~أمير المؤمنين ودعوت له وتقدم الخادم بإدخال الجارية ومعها من الآلات ~~والخدم والجواري والفرش ما لم أر مثله إلا عند أمير المؤمنين، ثم ودعني ~~الخادم وانصرف. فلما نظرت إلى الجارية رأيتها أحسن الناس وجها وأكملهم قدا ~~وشكلا وظرفا وأكثرهم مجونا فداخلني لها هيبة وانقباض. # فقالت: ما هذا الحياء البارد السمج الذي لا وجه له؟ أين ملحك ونوادرك؟ ثم ~~قالت لجارية من الجواري: هات ما عندك، فجاءت بأحسن ما يكون من ألوان الطعام ~~فأكلنا وهي مع ذلك تباسطني وتؤانسني بالحديث والملاعبة، ms088 ثم دعت بالشراب ~~فشربت وسقتني، ثم قالت: ما بقي بعد الأكل والشرب إلا النوم والخلوة. فقامت ~~ولبست من الثياب ما أرادت وألبستني ثيابا فاخرة مبيضة وتفرق من كان عندنا، ~~ثم اضطجعت إلى جانبي، فلما جمعنا الفراش أصابني من الحصر وانقطاع الانعاظ ~~ورخاوة الأير ما لم أكن أعهده قبل ذلك فجعلت تقلبه بيدها وتغمزه فلا يزداد ~~إلا إنكماشا وموتا فلما أعيتها # PageV01P110 # الحيلة فيه ويئست من قيامه ومضى من الليل أكثره قالت: عظم الله أجرك في ~~أيرك، ثم نهضت ولبست ثياب الحداد ودعت بسفط فأخرجت منه مناديل صغارا وحنوطا ~~وقالت: نم عل ظهرك يا بطال، فاستولى علي الخجل حتى إني لم أقدر أخالفها في ~~شيء مما تأمرني به في جميع ما تفعله في فغسلته وحنطته وكفنته بتلك المناديل ~~فلما فرغت همت بجواريها وقامت معهن في بكاء ونحيب ونوح وندب وصراخ بأشد ما ~~يكون وما زلن على ذلك إلى وقت السحر، ثم قالت: ما بقي إلا ما يتولاه الرجال ~~من الصلاة والدفن وولت عني. فقمت وأنا أخزى خلق الله حالا فلبست ثيابي ~~وصليت الفجر وسرت من وقتي وساعتي إلى الرشيد فأنكر الحاجب حضوري في ذلك ~~الوقت وأعلم الرشيد بي، فأذن لي فدخلت، وهو قاعد في مصلاه، فقال لي: ويحك ~~ما دهاك في هذا الوقت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خبري عجيب وأمري غريب، ~~فبالله عليك يا أمير المؤمنين، ألا ما رحمتني وأرحتني من هذا الجارية التي ~~أنفذتها إلي فلا حاجة لي بها. # فقال لي أمير المؤمنين: وما السبب لذلك وما الخبر الذي دهاك وليس لها ~~عندك حين من الزمان. # فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها حتى بلغت إلى إقامة الصلاة فاشتد ضحكه ~~حتى أنه كاد يستلقي على قفاه وسمعت الضحك من كل ناحية في الدار من الجواري ~~وغيرهن، ثم قال: نحن إلى هذه أحوج منك إليها وقد كنا غافلين عنها، ثم إنه ~~أمر بحملها إلى داره وعوضني عنها خمسين ألف درهم وترك جميع ما حمل معها في ~~منزلي وخرجت مجردة فحظيت بعد ذلك ms089 عند الرشيد حتى إنه لم يتقدم عليها أحد من ~~نظائرها، وسميت من قوتها هذا بالأصمعية إلى أن توفيت رحمة الله عليهم ~~أجمعين. # PageV01P111 ### | إبراهيم الموصلي وإبليس # وعن أبي إسماعيل إبراهيم الموصلي قال: استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما من ~~الأيام للانفراد بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، فأتيت منزلي وأخذت ~~في إصلاح طعامي وشرابي وما احتجت إليه وأمرت البوابين بإغلاق الأبواب وأن ~~لا يأذنوا لأحد بالدخول علي. # فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال وعليه ~~جبتان قصيرتان وقميص ناعم وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مقمعة بفضة وروائح ~~الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق، فداخلني غيظ عظيم لدخوله علي وهممت ~~بطرد البوابين فسلم علي أحسن سلام، فرددت عليه وأمرته بالجلوس، فجلس وأخذ ~~يحدثني بأحاديث العرب وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب وظننت أن غلماني ~~تحروا مسرتي لإدخال مثله علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام؟ قال: لا ~~حاجة لي فيه. # قلت: فالشراب؟ قال: ذلك إليك. # فشربت رطلا وسقيته مثله، ثم قال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئا ~~فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص. # فغاظني قوله، ثم سهلت الأمر على نفسي، فأخذت العود وضربت وغنيت، فقال: ~~أحسنت يا إبراهيم، فازددت غيظا فقلت: ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذني ~~واقتراحه علي حتى سماني باسمي ولم يجمل مخاطبتي. # ثم قال: هل تزيد نكافئك؟ د فترنمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت فيما غنيته، ~~قمت به قياما تاما لقوله: ونكافئك. فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال لي: ~~أتأذن لي في الغناء؟ فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي ~~سمعه مني. فأخذ العود وجسه فوالله خلت أن العود ينطق بلسان عربي واندفع ~~يغني هذه الأبيات: # ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح # أباها على الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح # أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب طريح # PageV01P112 # قال إبراهيم: فوالله ms090 لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه ~~وتغني معه، وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي، ثم اندفع ~~يغني، فقال: # ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين # فعدن ولما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبين # دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنون # فلم تر عيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيون # قال: ثم سكت قليلا وغنى هذه الأبيات: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدا على وجدي # أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن من غصن بان ومن رند # بكيت كما يبكي الوليد صبابة ... وأبديت من شكواي ما لم تكن تبدي # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... تمل وأن البعد يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد # على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود # ثم قال: يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه ~~جواريك. # فقلت: أعده علي؟ فقال: لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه. # ثم غاب من بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب ~~الحريم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن؟ فقلن: سمعنا غناء أطيب ~~شيء وأحسنه. # فخرجت متحيرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا فسألت البوابين عن الشيخ ~~فقالوا: أي شيخ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد. # فرجعت أتأمل أمره، فإذا هو قد هتف بي من جوانب البيت، وقال: لا بأس عليك ~~يا أبا إسحاق، فإنما هو أبو مرة قد كنت نديمك اليوم، فلا تفزع. # فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر، فقال: أعد الأصوات التي أخذتها، فأخذت ~~العود وضربت، فإذا هي راسخة في صدري، فطرب الرشيد عليها وجعل يشرب، ولم يكن ~~له همة على الشراب، وقال: كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها ~~فليته متعنا بنفسه يوما واحدا كما متعك، ثم أمر لي بصلة ms091 فأخذتها وانصرفت، ~~انتهى. # PageV01P113 ### | الرشيد وإسماعيل بن صالح # وقال الرشيد يوما للفضل بن يحيى، وهو بالرقة: قد قدم إسماعيل ابن صالح بن ~~علي، وهو صديقك، وأريد أن أراه؟ فقال: إن أخاه عبد الملك في حبسك وقد نهاه ~~أن يجيئك. # قال الرشيد: فإني أتعلل حتى يجيئني عائدا؟ فتعلل، فقال الفضل لإسماعيل: ~~ألا تعود أمير المؤمنين؟ قال: بلى. # فجاءه عائدا فأجلسه، ثم دعا بالغداء، فأكل وأكل إسماعيل بين يديه، فقال ~~له الرشيد: كأني قد نشطت برؤيتك إلى شرب قدح، فشرب وسقاه، ثم أمر فأخرج ~~جوار يغنين وضربت ستارة وأمر بسقيه، فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ~~ووضعه في حجر إسماعيل وجعل في عنقه سبحة، وفيها عشرة حبات من در شراؤها ~~بثلاثين ألف دينار، وقال: عن يا إسماعيل، وكفر عن يمينك بثمن هذه السبحة، ~~فاندفع يغني شعر الوليد بن يزيد في غالية أخت عمر بن عبد العزيز، وكانت ~~تحته، وهي التي ينسب إليها سوق الغالية، فقال: # فأقسم ما أدنيت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي # ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي # وأعلم أني لم تصبني مصيبة ... من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي # فسمع الرشيد أحسن غناء من أحسن صوت. فقال: الرمح يا غلام. # فجيء بالرمح، فعقد له لواء على إمارة مصر. # قال إسماعيل: فوليتها سنتين فأوسعتها عدلا. وانصرفت بخمسمائة ألف دينار، ~~وبلغ أخاه عبد الملك ولايته، فقال: غني والله الخبيث لهم، ليس هو بصالح، ~~انتهى. # PageV01P114 ### | أعرابي يزاحم الرشيد # يروى أنه لما دخل هارون الرشيد إلى مكة، شرفها الله تعالى، وابتدأ ~~بالطواف ومنع الخاص والعام من ذلك لينفرد بالطواف. فسبقه أعرابي، فشق ذلك ~~على الرشيد فإلتفت إلى حاجبه منكرا عليه، فقال الحاجب للأعرابي: تخل عن ~~الطواف حتى يطوف أمير المؤمنين. # فقال الأعرابي: إن الله قد ساوى بين الإمام والرعية في هذا المقام، فقال ~~عز وجل: " سواء العاكف فيه والباد ونم يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم ". # فلما سمع الرشيد من الأعرابي ذلك راعه ms092 أمره فأمر حاجبة بالكف عنه، ثم جاء ~~الرشيد إلى الحجر الأسود ليستلمه فسبقه الأعرابي فاستلمه، ثم أتى الرشيد ~~إلى المقام للمصلي فسقه الأعرابي فصلى فيه، فلما فرغ الرشيد من صلاته قال: ~~لحاجبه: ائتني بهذا الأعرابي، فأتاه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين. # فقال: ما لي إليه من حاجة إن كان له حاجة فهو أحق بالقيام إلي والسعي. # فقام الرشيد حتى وقف بإزاء الأعرابي وسلم عليه، فرد عليه السلام، فقال له ~~الرشيد: يا أخا العرب إجلس هنا بأمرك. # فقال الأعرابي: ليس البيت بيتي ولا الحرم حرمي وكلنا فيه سواء. # فإن شئت تجلس، وإن شئت تنصرف. # قال الراوي: فعظم ذلك على الرشيد وسمع ما لم يكن في ذهنه، وما ظن أنه ~~يواجهه أ؛ د بمثل هذا الكلام. فجلس الرشيد وقال: يا أعرابي، أريد أن أسألك ~~عن فرضك، فإن أنت قمت به فأنت بغيره أقوم، وإن أنت عجزت عنه فأنت عن غيره ~~أعجز. # فقال الأعرابي: سؤالك هذا سؤال تعلم أم سؤال تعنت؟ فتعجب الرشيد من سرعة ~~جوابه وقال: بل سؤال تعلم. # فقال له الأعرابي: قم فاجلس مقام السائل من المسؤول. # PageV01P115 # قال: فقام الرشيد وجثا على ركبتيه بين يدي الأعرابي، فقال: قد جلست فاسأل ~~عما بدا لك. # فقال له: أخبرني عما افترض الله عليك؟ فقال له: تسألني عن أي فرض عن فرض ~~واحد، أم عن خمسة، أن عن سبعة عشر، أم عن أربعة وثلاثين، أم عن خمسة ~~وثمانين، أم عن واحدة في طول العمر، أم عن واحدة في أربعين، أم عن خمسة من ~~مائتين. # قال: فضحك الرشيد حتى استلقى على قفاه استهزاء به، ثم قال: له: سألتك عن ~~فرضك فأتيتني بحساب الدهر؟ قال: يا هارون لولا أن الدين بالحساب لما أخذ ~~الله الخلائق بالحساب يوم القيامة، فقال تعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين ". # قال: فظهر الغضب في وجه الرشيد واحمرت عيناه حين قال: يا هارون، ولم يقل ~~له: يا أمير ms093 المؤمنين، وبلغ مبلغا شديدا غير أن الله تعالى عصمه منه وحال ~~بينه وبينه لما علم أنه هو الذي أنطق الأعرابي بذلك، فقال له الرشيد: يا ~~أعرابي، إن فسرت ما قلت نجوت وإلا أمرت بضرب عنقك بين الصفا والمروة. # فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين اعف عنه وهبه لله تعالى ولهذا المقام ~~الشريف؟ قال: فضحك الأعرابي من قولهما حتى استلقى على قفاه، فقال: مم تضحك؟ ~~قال: عجبا منكما إذ لا أدري أيكما أجهل الذي يستوهب أجلا قد حضر أم من ~~يستعجل أجلا لم يحضر؟ # قال: هاك الرشيد ما سمعه منه وهانت نفسه عليه، ثم قال: الأعرابي: أما ~~سؤالك عما افترض الله علي، فقد افترض علي فرائض كثيرة، فقولي لك عن فرض ~~واحد: فهو دين الإسلام، وأما قولي لك عن خمسة: فهي الصلوات؛ وأما قولي لك ~~عن سبعة عشرة: فهي سبعة عشرة ركعة؛ وأما قولي لك عن أربعة وثلاثين: فهي ~~السجدات؛ وما قولي لك عن خمسة وثمانين: فهي التكبيرات؛ وأما قولي لك عن ~~واحدة في طول العمر: فهي حجة الإسلام واحدة في طول العمر كله، وأما قولي لك ~~واحدة في أربعين: فهي زكاة الشياه، شاة من أربعين، وأما قولي لك خمس من ~~مائتين: فهي زكاة الورق. # PageV01P116 # قال: فامتلأ الرشيد فرحا وسرورا من تفسير هذه المسائل، ومن حسن كلام ~~الأعرابي وعظم الأعرابي في عينه وتبدل بغضه محبة، ثم قال: الأعرابي: سألتني ~~فأجبتك وأنا أريد أن أسألك فأجبني. # قال: قل. # فقال الأعرابي: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة في وقت صلاة الفجر فكانت ~~عليه محرمة، فلما كان وقت الظهر حلت له، فلما كان في وقت العصر حرمت عليه، ~~فلما كان وقت المغرب حلت له، فلما كان وقت العشاء حرمت عليه، فلما كان وقت ~~الصبح حلت له، فلما كان وقت الظهر حرمت عليه، فلا كان وقت العصر حلت له، ~~فلما كان وقت المغرب حرمت عليه، فلما كان وقت العشاء حلت له. # فقال: والله يا أخا العرب لقد أوقعتني في بحر لا يخلصني منه غيرك. ms094 # فقال له: أنت خليفة ليس فوقك شيء ولا ينبغي أن تعجز عن مسألة فكيف عجزت ~~عن مسألتي وأنا رجل بدوي لا قدرة لي؟ فقال الرشيد: قد عظم قدرك العلم ورفع ~~ذكرك فأشتهي إكراما لي، ولهذا المقام تفسير ذلك. # فقال: حبا وكرامة ولكن على شرط أن تجبر الكسير وترحم الفقير ولا تزدري ~~الحقير. # فقال: حبا وكرامة، ثم قال: إن قولي لك عن رجل نظر إلى امرأة وقت صلاة ~~الفجر فكانت عليه حراما فهو رجل نظر إلى أمة غيره وقت الفجر فهي حرام عليه، ~~فلما كان وقت الظهر اشتراها فحلت له، فلما كان وقت العصر أعتقها، فحرمت ~~عليه، فلما كان وقت المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان وقت العشاء طلقها ~~فحرمت عليه، فلما كان وقت الفجر رجعها فحلت له، فلما كان وقت الظهر ظاهر ~~منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر أعتق عنها، فحلت له، فلما كان وقت ~~المغرب ارتد عن الإسلام فحرمت عليه. فلما كان وقت العشاء تاب ورجع إلى ~~الإسلام فحلت له. # قال: فاغتبط الرشيد وفرح به واشتد إعجابه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، ~~فلما حضرت قال: لا حاجة لي بها ردها إلى أصحابها. # فقال له: أريد أن أجري لك جراية تكفيك مدة حياتك؟ قال: الذي أجرى عليك ~~يجري علي. # قال: فإن كان عليك دين قضيناه عنك؟ قال: لا، ولم يقبل منه شيئا، ثم أنشد ~~يقول: # PageV01P117 # هب الدنيا توافينا سنينا ... فتكدر ساعة وتلذ حينا # فما أبغي لشيء ليس يبقى ... وأتركه غدا للوارثينا # كأني بالتراب علي يحثى ... وبالإخوان حولي نادبينا # ويوم تزفر النيران فيه ... وتقسم جهرة للسامعينا # وعزة خالقي وجلال ربي ... لأنتقمن منهم أجمعينا # وقد شاب الصغير بغير ذنب ... فكيف يكون حال المجرمينا # فلما فرغ من إنشاده تأوه الرشيد وسأله عن أهله وبلاده، فأخبره أنه موسى ~~الرضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهم أجمعين، وكان يتزيا بزي أعرابي زهدا في الدنيا وتباعدا عنها، ~~فقام إليه الرشيد وقبل ما بين عينيه، ms095 ثم قرأ " الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~"، وانصرف رحمة الله عليهم أجمعين. ### | الحسين الخليع والجارية العاشقة # قال السجستاني: أرق الرشيد ليلة، فوجه إلى الأصمعي وإلى حسين الخليع ~~فأحضرهما وقال: عللاني وابدأ أنت يا حسين. # فقال حسين: نعم يا أمير المؤمنين؟ خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة ~~ممتدحا محمد بن سليمان الزينبي بقصيدتي، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات ~~يوم إلى المبربد وجعلت المهالبة طريقي فأصابني حر شديد فدنوت من باب دار ~~كبيرة لأستسقي، فإذا أنا بجارية كأنها قضيب ينثني، واسعة العينين، زجاء ~~الحاجبين، مفتوحة الجبين، عليها قميص جلناري ورداء عدني قد غلب شدة بياض ~~بدنها على حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين وبطن كطي ~~القباطي، وعكن كالقراطيس، لها جمة جعدة بالمسك محشوة، وهي يا أمير المؤمنين ~~متقلدة خرزا من الذهب والجوهر، يزهو بين نهديها وعلى صحن جبنها طرة كالسبج ~~وحاجبان مقرونان وعينان نجلاوان وخدان أسيلان # PageV01P118 # وأنف أقنى تحته ثغر كاللؤلؤ، وأسنان كالدر، وقد غلب عليها الطيب، وهي ~~والهة حيرى ذاهبة في الدهليز ورائحة تخطر على أكباد محييها في مشيتها، وقد ~~خالط أصوات نعلها خلاخلها، فهي كما قال الشاعر فيها: # كل جزء منم محاسنه ... كائن من حسنها مثلا # فهبتها يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدهليز والدار ~~والشارع قد عبق بالمسك، فسلمت عليها فردت بلسان منكسر وقلب حزين حريق مسعر. ~~فقلت لها: يا سيدتي، إني شيخ غريب أصابني عطش، أفتأمرين بشربة من ماء ~~تؤجرين عليها؟ قالت: إليك عني يا شيخ، فإني مشغولة عن الماء وادخار الزاد. # قلت: لأي علة يا سيدتي؟ قالت: لأني عاشقة لمن لا ينصفني، وأريد من لا ~~يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء. # قلت: وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك؟ قالت: نعم، ~~وذلك لفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال. # قلت: وما وقوفك في هذا الدهليز؟ قالت: ههنا طريقه وهذا أوان اجتيازه. # فقلت لها: يا سيدتي، فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات ووجد حديث في هذا ms096 ~~القرب؟ فتنفست الصعداء وأرخت دموعها على خدها كطل سقط على ورد، ثم أنشدت ~~تقول: # وكنا كغصني بانة فوق روضة ... نشم جني اللذات في عيشة رغد # فأفرد هذا الغصن من ذاك قطع ... فيا من رأى فردا يحن إلى فرد # قلت: يا هذه، فما بلغ من عشقك لهذا الفتى؟ قالت: أرى الشمس على حائطهم ~~أحسب أنها هو، وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي وأبقى ~~الأسبوع والأسبوعين بغير عقل. # فقلت لها: فاعذريني، فأنت على ما بك من الصبا وشغل البال بالهوى ونحول ~~الجسم وضعف القوى أرى بك من اللون ورقة البشرة فكيف لو لم يمسك الهوى لكنت ~~مفتنة في أرض بصرة. # قالت: والله قبل محبتي هذا الغلام كنت تحفة الدلال والجمال والكمال، ولقد ~~فتنت جميع ملوك البصرة حتى فتنني هذا الغلام. # PageV01P119 # قلت: يا هذه، فما الذي فرق بينكما؟ قالت: نوائب الدهر ولحديثي وحديثه شأن ~~من الشؤون، وذلك أني كنت قعدت في ويم نيروز، ودعوت عدة من مستظرفات البصرة ~~من النساء الجميلات وكانت فيهن الحوراء جارية شيرا، وكان شراؤها عليه من ~~عمان بثمانية آلاف درهم، وكانت بي والعة، فلما دخلت رمت بنفسها علي تقطعني ~~قرصا وعضا، ثم خلونا نتمرن القهوة إلى أن يدرك طعامنا ويجتمع من دعونا ~~وكانت تلاعبني وألاعبها، فتارة أنا فوقها، وتارة هي فوقي، فحملها السكر إلى ~~أن ضربت يدها إلى تكتي فحلتها من غير زيبة كانت بيننا، وأنزلت سراويل ~~ملاعبة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا حبيبي فرأى ذلك فاشمأز لذلك وصدف عني ~~صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل لجامها، فولى خارجا، فأنا يا شيخ منذ ~~ثلاث سنين أسأل الاجتماع به فلا ينظر إلي بطرف ولا يكتب لي بحرف ولا يكلم ~~لي رسولا ولا يسمع مني قيلا. # فقلت لها: يا هذه، من العرب هو أم من العجم؟ فقالت: ويحك هو من جملة ملوك ~~البصرة. # فقلت لها: شيخ هو أم شاب؟ فنظرت إلي شزرا وقالت: إنك أحمق، هو مثل القمر ~~ليلة البدر، أجرد أمرد له طرة كحلك الغراب لا ms097 يعيبه شيء غير انحرافه عني. # قلت لها: ما اسمه؟ قالت: ماذا تصنع به؟ أجتهد في لقائه فأتعرف الفضل ~~بينكما. # قالت: على شرط أن تحمل إليه رقعة. # قلت: لا أكره ذلك. # فقالت: اسمه ضمرة بن المغيرة ويكنى بأبي السخاء، وقصره بالمربد. # ثم صاحت في الدار: يا جواري، الدواة والقرطاس، وشمرت عن ساعدين كأنهما ~~طوقان من فضة، وكتبت بعد البسملة: سدي ترك الدعاء في صدر رقعتي ينبئ عن ~~تقصيري، ودعائي، إن دعوته، هجنة ورعونة، ولولا أن بلوغ المجهود يخرج من حد ~~التقصير لكان لما تكلفته خادمتك من كتابة هذه الرقعة معنى مع يأسها منك ~~لعلمها تركك الجواب. # سيدي، جد بنظرة وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز تحيي بها نفسا ميتة، ~~واخطط بخط يدك، بسطها الله بكل فضيلة، رقعة واجعلها عوضا عن تلك الخلوات ~~التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنت ذاكر لها. # سيدي، ألست لك محبة مدنفة؟ فإن رجعت إلى الآيسة كنت لك شاكرة وبعد خادمة. ~~والسلام. # PageV01P120 # فتناولت الكتاب وخرجت فأصبحت غدوة إلى باب محمد بن سليمان فوجدت مجلسا ~~محتفلا بالملوك ورأيت غلاما زان المجلس وفاق على من فيه جمالا وبهجة، قد ~~رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه فإذا هو ضمرة بن المغيرة، فقلت في نفسي: يا ~~لحقيقة حل بالمسكينة ما حل بها. ثم قمت وقصدت المربد ووقفت على باب داره، ~~فإذا هو قد ورد في موكب فوثبت الهي وبالغت في الدعاء له وناولته الرقعة، ~~فلما قرأها وفهم معناها قال لي: يا شيخ! قد استبدلنا بها، فهل لك أن تنظر ~~إلى البديل؟ قلت: نعم. # فصاح في الدار أخرجوا الربداء، فإذا أنا بجارية خابوطية الكمين، ناهدة ~~الثديين تمشي مشية مستوحل من غير وحل، فناولها الرقعة، وقال: أجيبي عنها، ~~فلما قرأتها اصفرت وعرفت وقالت: يا شيخ أستغفر الله مما جئت به. # فخرجت يا أمير المؤمنين وأنا أجر رجلي حتى أتيتها واستأذنت عليها فقالت: ~~ما وراءك؟ فقلت: البؤس واليأس. # فقالت: ما عليك منه، فأين الله والقدر؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار ثم جزت ~~بعد أيام ms098 ببابها فوجدت غلمانا وفرسانا فدخلت فإذا أصحاب ضمرة يسألونها ~~الرجوع إليه؟ فقالت: لا والله لا نظرت له وجها، فسجدت لله يا أمير ~~المؤمنين، شماتة بضمرة ونفرته من الجارية، فأوردت علي منه رقعة فإذا فيها، ~~بعد التسمية، سيدتي، لولا إبقائي عليك، أدام الله حياتك، لوصفت شطرا من ~~غدرك شطر غبني عليك، وسلكت ظلامتي فيك، إذ كنت الجانية، على نفسك ونفسي ~~والمظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء والمؤثرة علينا غيرنا، فخالفت هواي، والله ~~المستعان، على ما كان من سوء اختيارك والسلام. # وأوقفتني على ما حمله إليها من الهدايا والتحف العظيمة فإذا هو بمقدار ~~ثلاثين ألف دينار ثم رأيتها بعد ذلك، وقد تزوج بها ضمرة. # PageV01P121 ### | جميل والفتى العذري وحبيبته # وحكى مسرور الخادم قال: أرق الرشيد أرقا شديدا ليلة من الليالي، فقال: يا ~~مسرور من على الباب من الشعراء؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر ~~العذري فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: سمعنا وطاعة. فدخلت ودخل معي إلى أن ~~صار بين يدي هارون الرشيد فسلم بسلام الخلافة، فرد عليه وأمره بالجلوس، ~~فقال له الرشيد: يا جميل، أعندك شيء من الأحاديث العجيبة؟ قال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، أيما أحب إليك، ما عاينته ورأيته أو ما سمعته ووعيته؟ فقال: بل ~~حدثني عما عاينته ورأيته. # فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أقبل علي بكلك واصغ إلي بأذنك قال: فقعد ~~الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر المزركش بالذهب، محشوة بريش النعام، ~~فجعلها تحت فخذه ثم مكن منها مرفقيه، وقال: هلم بحديثك. # فقال: اعلم يا أمير المؤمنين، أني كنت مفتونا بفتاة محبا لها، وكنت آلفها ~~إذ هي سؤلي وبغيتي من الدنيا، وإن أهلها رحلوا بها لقلة المرعى، فأقمت مدة ~~لا أراها، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني إليها، فراودتني نفسي بالمسير إليها ~~فلما كانت ذات ليلة من الليالي، هزني الوجد إليها، فقمت وشددت رحلي على ~~ناقتي واعتممت بعمتي ولبست أطماري وتقلدت بسيفي وتنكبت حجفتي، وركبت ناقتي ~~وخرجت طالبا لها، وكنت أجد في السير، فسرت وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، وأنا ~~مع ذلك أكابد ms099 هبوط الأودية وصعود لجبال، أسمع زئير الأسد وعواء الذئاب، ~~وأصوات الوحوش من كل جانب، وقد ذهل عقلي وطاش لبي، ولساني لا يفتر عن ذكر ~~الله تعالى. # فبينما أنا أسير كذلك إذ غلبني النوم فأخذت بي الناقة على غير الطريق ~~التي كنت فيها، وزاد علي النوم، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي فانتبهت فزعا ~~مرعوبا، وإذا بأشجار وأنهار وماء وأطيار على تلك الأغصان تترنم بلغاتها ~~وألحانها، وشجار ذاك المرج مشتبكة بعضها ببعض، فنزلت عن ناقتي وأخذت زمامها ~~بيدي، ولم أزل أتلطف بها إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة، ~~فأصلحت كورها، واستويت راكبا على ظهرها، ولا أدري إلى أين أذهب ولا إلى ما ~~تسوقني الأقدار؟ فمددت نظري في تلك البرية، فلاحت لي نار في صدرها فوكزت ~~ناقتي وسرت طالبا إلى أن وصلت إلى # PageV01P122 # تلك النار، فقربت نفسي منها وتأملت وإذا بخباء مضروب ورمح مركوز، وراية ~~قائمة وخيل واقفة، وإبل سائمة، فقلت في نفسي: يوشك أن يكون لهذا الخباء شأن ~~عظيم، فإني لا أرى في هذه البرية سواه، ثم تقدمت خلف الخباء وقلت: السلام ~~عليكم يا أهل الخباء ورحمة الله وبركاته. # فخرج إلي من الخباء غلام من أبناء تسعة عشر، كأنه البدر إذا أشرق، ~~والشجاعة لائحة بين عينيه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أخا ~~العرب، إني أظنك ضالا عن الطريق؟ فقلت: الأمر كذلك، أرشدني يرحمك الله ~~تعالى. # فقال: يا أخا العرب إن أرضنا هذه مسبعة، وهذه الليلة مظلمة وحشة شديدة ~~الظلمة والبرد ولا آمن عليك من الوحش أن يفترسك، فانزل عندي على الرحب ~~والسعة، فإذا كان الغد أرشدتك إلى الطريق. # قال: فنزلت عن ناقتي وعقلتها بفاضل زمامها ونزعت ما كان علي من أطمار، ~~وجلست ساعة، وإذا بالشاب قد عمد إلى شاة فذبحها وإلى نار فأضرمها وأججها ثم ~~دخل الخباء وأخرج أزارا ناعمة ولحما مطيبا وأقبل يقطع من اللحم ويشوي على ~~النار ويطعمني ويتنهد تارة، ويبكي تارة أخرى، ثم شهق شهقة عظيمة وبكى بكاء ~~شديدا وأنشد يقول: # لم ms100 يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت # لم يبق في أعضائه مفصل ... إلا وفيه سقم ثابت # فدمعه جار وأحشاؤه ... توقد، إلا أنه ساكت # تبكي له أعداؤه رحمة ... يا ويح من يرثي له الشامت # قال جميل: فعند ذلك يا أمير المؤمنين علمت أن الغلام عاشق ولهان، ولا ~~يعرف الهوى إلا من ذاق طعم الهوى، فقلت في نفس: أنا في منزل الرجل وأتهجم ~~عليه في السؤال؟ فردعت نفسي وأكلت من ذلك اللحم بحسب الكفاية، فلما فرغت من ~~الأكل قام الشاب ودخل الخباء وأخرج طشتا نظيفا وإبريقا حسنا ومنديلا من ~~الحرير أطرافه مزركشة بالذهب الأحمر وقمقما مملوءا من الماورد الممسك. ~~فتعجبت من ظرفه ورقة حاشيته، وقلت في نفسي: ما أغرب الظرف في البادية. # PageV01P123 # ثم غسلنا أيدينا وتحدثنا ساعة ثم إنه قام ودخل الخباء وقطع بيني وبينه ~~بمقطع من الديباج الأحمر، ثم خرج وقال: ادخل يا وجه العرب وخذ مضجعك فقد ~~لحقك في هذه الليلة تعب وفي سفرك هذا نصب مفرط. # قال جميل: فدخلت فإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر، فعند ذلك نزعت ما كان ~~علي من الثياب ونمت بليلة لم أنم عمري مثلها، فلم أزل كذلك، وأنا متفكر في ~~أمر هذا الشاب إلى أن جن الليل ونامت العيون، فلم شعر إلا بحس خفي لم أسمع ~~ألطف منه ولا أرق حاشية، فرفعت سجاف المضرب، ونظرت فإذا أنا بصبية لم أر ~~أحسن منها وجها وهي إلى جانبه، وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة ~~والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي، فقلت: يا الله؛ العجب من هذا الشخص ~~الثاني، وهذا بيت فرد فإني لم أر فيه غير هذا الفتى، وليس حوله أحد، ثم قلت ~~في نفسي: لا شك أن هذه الجارية من بنات الجن تهوى هذا الغلام، وقد تفرد بها ~~في هذا المكان وتفردت به، فحققتها فإذا هي أنسية عربية إذا رمقت تخجل الشمس ~~المضيئة، وقد أضاء الخباء من نور وجهها، فلما تحققت أنها محبوبته غلبتني ~~الغيرة على الحب، فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت، فلما أصبحت لبست ثيابي، ms101 ~~وتوضأت لصلاتي، وصليت ما كان علي من الفرض، ثم قلت له: يا أخا العرب، هل لك ~~أن ترشدني إلى الطريق، فقد تفضلت علي. # فنظر إلي وقال: على رسلك يا وجه العرب، الضيافة ثلاثة أيام وما كنت بالذي ~~يدعك إلى لثلاثة أيام. # قال جميل: فأقمت عنده ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع جلسنا للحديث ~~فحادثته وسألته عن اسمه ونسبه فقال: أما نسبي فأنا من بني عذرة، وأنا فلان ~~بن فلان وعمي فلان، فإذا هو ابن عمي، يا أمير المؤمنين، وهو من أشرف بيت في ~~بني عذرة، قال: فقلت: يا ابن العم، ما حملك على ما أراه منك من الانفراد في ~~هذه البرية، وكيف تركت عبيدك وإماءك وانفردت بنفسك في هذا المكان؟ فلما سمع ~~يا أمير المؤمنين كلامي، ترغرغت عيناه بالدمع ثم قال: يا بن العم إنني كنت ~~محبا لابنة عمي، مفتونا بها هائما بحبها مجنونا عليها لا أطيق الفراق عنها، ~~فزاد عشقي لها، فخطبتها من عمي، فأبى أن يزوجنيها وزوجها من رجل من بني ~~عذرة ودخل بها وأخذها إلى المحلة التي هو فيها من العام الأول، فلما بعدت ~~عني وحجبت عن النظر إليها حملتني لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على تركي ~~أهلي ومفارقتي عشيرتي وخلاني وجميع أمتعتي، وانفردت بهذا البيت في هذه ~~البرية وألفت وحدتي. # PageV01P124 # فقلت: وين أبياتهم؟ قال: هم قريب في ذروة هذا الجبل، وفي كل ليلة عند نوم ~~العيون وهدو من الليل تنسل من الحي سرا بحيث لا يشعر بها أحد فأقضي منها ~~بالحديث وطرا وتقضي هي كذلك، وها أنا مقيم كذلك على هذا الحال أتسلى بها ~~ساعة من الليل ليقضي الله أمرا كان مفعولا، أو يأتيني الأمر على رغم ~~الحاسدين، أو يحكم الله لي، وهو خير الحاكمين. # قال جميل: فلما حدثني الغلام يا أمير المؤمنين، غمني أمره وصرت من ذلك في ~~حيرة لما أصابني عليه من الغيرة، فقلت له: يا ابن العم، هل لك أن أدلك على ~~حيلة أشير بها عليك، وفيها إن شاء الله عين الصلاح وسبيل ms102 الرشد والنجاح، ~~وبها يفرج الله عليك الذي تخشاه. # فقال لي: قل يا ابن العم. # فقلت له: إذا كان الليل وجاءت الجارية فاطرحها على ناقتي، فنها سريعة ~~الرواح، واركب أنت جوادك، وأنا أركب بعض هذه النوق وأسير بكم الليلة ~~جميعها. فما يصبح الصباح إلا وقد قطعت بكم براري وقفارا وتكن قد بلغت مرادك ~~وظفرت بمحبوبة قلبك، وأرض الله واسعة فضاؤها، وأنا والله مساعدك ما حييت ~~بروحي ومالي وسيفي. # فلما سمع ذلك قال لي: يا ابن العم، حتى أشاورها في ذلك، فإنها عاقلة ~~لبيبة بصيرة بالأمور. # قال جميل: فلما جن الليل وحان وقت مجيئها وهو منتظر الوقت لمعلوم فأبطأت ~~عن عادتها فرأيت الفتى، وقد خرج من باب الخباء وفتح فاه وجعل يتنسم هبوب ~~الريح التي تهب من نحوها وأنشد يقول: # ريح الصبا تهدي إلي نسيما ... من بلدة فيها الحبيب مقيم # يا ريح فيك من الحبيب علاقة ... أفتعلمين متى يكون قدوم # ثم دخل الخباء وقعد ساعة زمانية، وهو يبكي، ثم قال لي: يا ابن العم، إن ~~لبنت عمي في هذه الليلة نبأ وقد حدث لها حادث وعاقها عني عائق، ثم قال ل: ~~كن مكانك حتى آتيك بالخبر. ثم أخذ سيفه وحجفته ثم غاب عني ساعة من الليل ثم ~~أقبل وعلى يديه شيء يحمله ثم صاح إلي فأسرعت إليه. فقال: أتدري يا ابن المم ~~ما الخبر؟ فقلت: لا والله. # PageV01P125 # فقال: فجعت في ابنة عمي في هذه الليلة لأنها كانت توجهت إلينا كعادتها إذ ~~عرض لها في طريقها أسد فافترسها ولم يبق منها إلا ما ترى. # ثم إنه طرح ما كان على يده. فإذا هو مشاش الجارية وما فضل من عظامها. ثم ~~بكى بكاء شديدا ورمى الترس من يده وأخذ كساء على يده ثم قال لي: لا تبرح ~~إلى أن آتيك إن شاء الله تعالى.: ثم سار فغاب عني ساعة ثم عاد وبيده رأس ~~الأسد فطرحه عن يده ثم طلب ماء فأتيته به فغسل فم الأسد وجعل يقبله ويبكي ~~ويئن وزاد حزنه عليها وأنشد يقول: ms103 # ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد هيجت لي بعدها شجنا # وصيرتني فردا وقد كنت إلفها ... وصيرت بطن الأرض لي ولها وطنا # أقول لدهر خانني بفراقها ... وغار عليها أن أكن لها حزنا # ثم قال: يا ابن العم، سلتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك ~~إلا حفظت وصيتي؟ إنك ستراني الساعة ميتا بين يديك، فإذا كان كذلك، فغسلني ~~وكفني أنا وهذا الفاضل من مشاش الجارية في هذا الثوب وادفنا في قبر واحد ~~واكتب على قبرنا هذه الأبيات، وأنشد يقول: # كنا على ظهرها، والعيش في رغد ... والشمل مجتمع والدار والوطن # ففرق الدهر والتصريف ألفتنا ... وصار يجمعنا في بطنها الكفن # قال: ثم بكى بكاء شديدا. ثم دخل المضرب وغاب عني ساعة وخرج وجعل يتنهد ~~ويصيح ثم شهق شهقة فارق الدنيا، فلما رأيت ذلك منه عظم علي وكبر عندي حتى ~~كدت ألحق به من شدت حزني عليه، ثم تقدمت إليه وفعلت به ما أمرني من الغسل ~~وكفنتهما جميعا ودفنتهما في قبر واحد، وأقمت عند قبرهما ثلاث أيام ثم ~~ارتحلت وأقمت سنين أتردد إلى زيارتهما. # وهذا ما كان من حديثهما، يا أمير المؤمنين قال: فلما سمع الرشيد كلامه ~~استحسنه وخلع عليه وأجازه جائزة حسنة، والله أعلم. # PageV01P126 ### | إسحاق الموصلي وإبليس # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: بينما أنا ذات يوم في منزلي، وكان زمن ~~الشتاء، وقد انتشرت السحب وتراكمت الأمطار بقطر كأفواه القرب، وامتنع ~~الغادي والمقبل من المسير في الطرقات لما فيها من الأمطار والوحل، وأنا ضيق ~~الصدر إذ لم يأتني أحد من إخواني، ولم أقدر على المسير إليهم من شدة الوحل ~~والطين، فقلت لغلامي: أحضر لي ما أتشاغل به، فأحضر لي طعاما وشرابا فتنغصت ~~إذ لم يكن معي من يؤانسني، ولم أزل أتطلع من الطاقات وأراقب الطرقات، وأقبل ~~الليل فتذكرت جارية لبعض أولاد المهدي كنت أهواها. وكانت عارفة بالغناء ~~وتحريك الملاهي. فقلت في نفسي: لو كانت الليلة عندنا لتم سروري وطابت ليلتي ~~مما أنا فيه من الفكر والقلق وإذا بداق يدق الباب وهو يقول: أيدخل ms104 محبوب ~~على الباب واقف. فقلت في نفسي: لعل غرس التمني أثمر. فقمت إلى الباب، فإذا ~~بصاحبتي وعليها مرط أخضر قد اتشحت به وعلى رأسها وقاية من الديباج تقيها من ~~المطر. وقد غرقت في الطين إلى ركبتيها وابتل ما عليها من المزاريب، وهي في ~~حال عجيب فقلت لها: يا سيدتي، ما الذي أتى بك في مثل هذه الأوحال. # فقالت: قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق، فلم يسعني إلا ~~الإجابة والإسراع نحوك. # فعجبت من ذلك وكرهت أن أقول لها إني لم أرسل إليك أحدا. # فقلت: أحمد الله على جمع الشمل بعدما قاسيت من ألم الصبر، ولو كنت أبطأت ~~علي ساعة كنت أحق بالسعي إليك، فإني كثير الصبابة نحوك. ثم قلت لغلامي: هات ~~الماء. # فقبل بسخانة فيها ماء حار حتى أصلح لها حالها ثم أمرته أن يصب الماء على ~~رجليها وتوليت غسلهما. ثم دعوت ببذلة من أفخر الملبوس فألبستها إياها بعد ~~أن نزعت ما كان عليها، وجلسنا ثم استدعيت بالطعام فأبت، فقلت: هل لك في ~~الشراب؟ فقالت: نعم. # فتناولت أقداحا ثم قالت: من يغني لي؟ فقلت لها: أنا يا سيدتي. # فقالت: لا أحب. # فقلت: بعض جواري. # قالت: لا أريد. # PageV01P127 # فقلت: غني لنفسك. # قالت: ولا أنا. # قلت: فمن يغنيك؟ قالت: إلتمس من يغني لي. فخرجت طاعة لها، إلا أني آيس من ~~أن أجد أحدا في مثل هذا الوقت. فلم أزل حتى بلغت الشارع، فإذا أنا بأعمى ~~يختبط الأرض بعصا، وهو يقول: لا جزى الله من كنت عندهم خيرا، إن غنيت لم ~~يسمعوا، وإن سكت استخفوا. فقلت: أمغن أنت؟ قال: نعم. # قلت: فهل لك أن تتم ليلتك عندنا وتؤانسنا؟ قال: إن شئت خذ بيدي فأخذت ~~بيده وسرت إلى الدار، وقلت لها: يا سيدتي أتيت بمغن أعمى نلتذ به ولا ~~يرانا. # فقالت: علي به. # فأدخلته وعزمت عليه في الطعام فأكل أكلا لطيفا وغسل يده، وقدمت إليه ~~الشراب فشرب ثلاثة أقداح ثم قال لي: من تكون؟ قلت: إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي. # قال: لقد كنت أسمع ms105 بك والآن فرحت بمنادمتك. # فقلت: يا سيدي فرحت بمن يسرك. # فقال: عن يا إسحاق. # فأخذت العود على سبيل المجون وقلت: السمع والطاعة، فلما غنيت وانقضى ~~الصوت قال: يا إسحاق، قاربت أن تكون مغنيا، فصغرت علي نفسي وألقيت العود من ~~يدي فقال: ما عندك ممن يحسن الغناء.؟ قلت: عندي جارية. # قال: مرها فلتغن. # قلت: تغني وأنت واثق بغنائها؟ قال: نعم. # فغنت، قال: ما صنعت شيئا فرمت العود من يدها مغضبة وقالت: الذي عندنا ~~جدنا به فإن كان عندك شيء فتصدق به. # فقال: علي بعود لم تمسه يد. # فأمرت الخادم فجاء بعود جديد، فضرب في طريق لا أعرفها واندفع يغني هذه ~~الأبيات: # PageV01P128 # سرى يقطع الظلماء والليل عاكف ... حبيب بأوقات الزيارة عارف # وما راعنا إلا السلام وقولها ... أيدخل محبوب على الباب واقف # قال: فنظرت إلي الجارية شزرا، وقالت: سر بيني وبينك ما وسعه صدرك ساعة ~~وأودعته لهذا الرجل. # فحلفت لها ثم اعتذرت إليها وأخذت أقبل يديها وأدغدغ ثدييها وأعض خديها ~~حتى ضحكت، ثم التفتت إلى الأعمى وقالت: عن يا سيدي فأخذ العود، وغنى هذه ~~الأبيات: # ألا ربما زرت الملاح، وربما ... لمست بكفي البنان المخضبا # ودغدغت رمان الصدور ولم أزل ... أعضض تفاح الخدود المكببا # فقلت لها: يا سيدتي، فمن أعلمه بما نحن فيه؟ قالت: صدقت. # ثم تجنبناه فقال: إني لحاقن. # فقلت: يا غلام، خذ الشمعة وامض بين يديه. # فخرج وأبطأ فخرجنا في طلبه فلم نجده، وإذا الأبواب مغلقة والمفاتيح في ~~الخزانة فلا ندري أفي السماء صعد أو في الأرض هبط ثم علمت أنه إبليس، وأنه ~~قاد لي. ثم انصرف. فتذكرت قول أبي نواس حيث قال: # عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر في نيته # تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته ### | إبليس يزور أبا نواس # نظير ذلك مما يستظرف لأبي نواس، ما حكي عنه أنه قال: ضجرت من ملازمة أمير ~~المؤمنين هارون الرشيد حتى إني لم أجد فراغا إلى نفسي، فتوجه أمير المؤمنين ~~إلى الصرح ليبيت فيه ثم يعود. فوجدت لروحي فرصة ms106 فدخلت داري وأغلقت بابي ~~وأحضرت شرابا وطلبت نفسي الحلوة، فعند المساء، وإذا بالباب يطرق، فخرجت ~~وإذا أنا بظبي من أولاد الأتراك ما رأت عيني أحسن منه منظرا، فسلم عيل وقال ~~لي: أتقبل ضيفا؟ قلت: يا سيدي ومن لي بذلك؟ فدخل بيتي فحار عقلي عند دخوله ~~ثم أخرج من تحت ثيابه # PageV01P129 # سلاحية شراب، ونقلا وشيئا من الدجاج ثم شرب وغنى شيئا لم أسمعه من غيره، ~~وقضيت مرادي منه مرارا إلى أن مضى وقت من الليل، وقد هام عقلي من الشراب ~~ومن حسنه ومن تسليم نفسه إلي بغير تقديم عوض، ثم قال: يا سيدي أريد ~~الانصراف. # فقلت له: يا سيدي متى خرجت أنت خرجت روحي من جسدي وكل شيء أملكه بين يديك ~~وأنا أصير عبدك بعد هذا اليوم ولا أفارقك. # قال: أصحيح ما تقول؟ قلت: نعم. # قال: ما أنا محتاج إلى مالك، وإن كنت صادقا فيما ادعيت من محبتك لي قم ~~واحلق لحيتك وشاربك واقعد مثلي أمرد. # قال: فحكم علي السكر والعشق فما قدرت أن أخالفه فأجبته إلى ذلك علي أن ~~يبيت عندي، فعمد إلى موسى وبل لحيتي وفي الحال أنزلها وبقيت مثله أمرد، ثم ~~صار يضحك علي وقال: يا أبا نواس كيف الشعر الذي ذكرت فيه آدم وإبليس؟ ~~فأنشدته قائلا: # عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر في نيته # تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته # ثم ضحك ضحكا عاليا وصك على ساحل قفاي صكا مزعجا، فاغتظت منه ثم قلت له: ~~ويلك أتفعل بي هكذا. ثم أردت التطلع إليه، فما وجدت أحدا يجيبني فقلت: إنه ~~الملعون إبليس، انتهى. ### | إبليس والشعراء # قال بعضهم: # قد جاءني ليلا بو مرة ... إبليس يدعوني بلا ترجمان # وقال لي: هل لك في أمرد ... يهز من أعطافه غصن بان # قلت: نعم قال: وفي خمرة ... حبابها يحكى عقود الجمان # قلت: نعم قال: فنم آمنا ... أنت رئيس الفسق هذا الزمان # وقال أبو نواس: # وليلة طال سهادي بها ... فزارني إبليس عند الرقاد # PageV01P130 # وقال لي: هل لك في قحبة ... لبيبة ms107 تطرد عنك الرقاد # قلت: نعم! قال: وفي قهوة ... عتقها الغاصر من عهد عاد # قلت: نعم! قال: وفي مطرب ... إذا شد يطرب منه الجماد # قلت: نعم! قال: وفي شادن ... قد كحلت أجفانه بالسواد # قلت نعم! قال: وفي طفلة ... في وجنتيها للمحب انقياد # قلت نعم! قال: فنم آمنا ... يا كعبة الفسق وركن الفساد # وقال زين الدين عمر بن الوردي معارضا لذلك: # نمت وإبليس أتى بحيلة منتدبه فقال: ما قولك في حشيشة منتخبه؟ فقلت: لا! ~~قال: ولا خمرة كرم مذهبه؟ فقلت: لا! قال: ولا مليحة مطيبة؟ فقلت لا! قال: ~~ولا أغيد بالبدر اشتبه؟ فقلت: لا! قال: ولا آلة لهو مطربه؟ فقلت: لا! قال: ~~فنم ما أنت إلا حطبه. ### | الرشيد وأبو نواس وأبو طوق # وحضر أبو نواس عند الرشيد ليلة أنس، وكان أبو طوق حاضرا، وكان أبو نواس ~~مشغوفا بحسنه وجماله، فلما انقضى المجلس أخذ كل واحد مضجعا للنوم، فخاف ~~الخليفة من أبي نواس على أبي طوق، فقال الخليفة لأبي طوق: نم أنت على ~~السرير، وقال لأبي نواس: أنام أنا وأنت أسفل السرير. # فقال: سمعا وطاعة، وهو بذلك غير راض في نفسه. # وتغافل الخليفة عن أبي نواس وأظهر النوم ثم انتبه فوجد أبا نواس فوق ~~السرير بجنب أبي طوق يضمه ويعانقه، فقال: ما هذا يا أبا نواس؟ فقال: # هزني الشوقمن أجل أبي طوقفتدحرجت منأسفل إلى فوق # فقال له: قاتلك الله، انتهى من حيلة الكميت. # PageV01P131 ### | الرشيد والرجل الأموي # من غريب ما يحكى، ما حكاه القاضي أبو الحسن التنوخي في كتاب الفرج بعد ~~الشدة: أن منارة وكان صاحب شرطة الرشيد قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا ~~بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه، مطاعا في البلد، له جماعة ~~وأولاد ومماليك يركبون الخيل ويحملون السلاح ويغزون الروم، وأنه سمح جواد ~~كثير البذل والضيافة، وأنه لا يؤمن منه، فعظم ذلك على الرشيد. # قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا، وهو بالكوفة في بعض حججه، في سنة ~~ست وثمانين ومائة، وقد عاد من الموسم، وقد بايع ms108 للأمين والمأمون والمعتصم ~~أولاده، فدعاني، وهو خال، وقال: إني دعوتك لأمر يهمني، وقد منعني النوم، ~~فانظر كيف يكون؟ ثم قص علي خبر الأموي. وقال: اخرج الساعة فقد أعددت لك ~~الخيول وأزحت علتك في الزاد والنفقة والآلة، وتضم إليك مائة غلام واسلك ~~البرية، وهذا كتابي إلى نائب دمشق، وهذه قيود فابدأ بالرجل، فإن سمع وأجاع ~~فقديه وجئني به، وإن عصى فتوكل عليه أنت ومن معك لئلا يهرب، وانفذ الكتاب ~~إلى أمير دمشق ليكون مساعدا لك، واقبضا عليه وجئني به، وأجلت لذهابك ستا ~~ولإيابك ستا ويوما لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقة منه، إذا قيدته، وتقعد ~~أنت في الشقة الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك، حتى تأتيني به في اليوم ~~الثالث عشر من خروجك. فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها من أهله وولده ~~وحاشيته وغلمانه، وقدر نعمته والحال والمحل واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف ~~من ألفاطه منذ يقع طرفك عليه حتى تأتيني به، وإياك أن يشكل عليك شيء من ~~أمره. انطلق. # قال منارة: فودعته وانطلقت وخرجت فركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير ~~الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلا ~~إلى أن وصلت إلى دمشق في أول الليلة السابعة، وأبواب البلد مغلقة فكرهت ~~طروقها ليلا فبت بظاهر البلد إلى أن فتح بابها من غد، فدخلت حتى أتيت باب ~~الرجل، وعليها صف عظيم وحاشية كثير، فلم أستأذن ودخلت بغير إذن، فلما رأى ~~القوم ذلك سألوا بعض من معي عني. قال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى ~~صاحبكم. # قال: فلما صرت في صحن الدار نزلت ودخلت مجلسا رأيت فيه قوما جلوسا فظننت ~~أن الرجل فيهم فقاموا ورحبوا بين فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: نحن أولاده وهو ~~في الحمام. # PageV01P132 # فقلت: استعجلوه. # فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها ماجت ~~بأهلها موجا كبيرا فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال مكثه واستربت منه ~~واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شخصا بزي الحمام يمشي في ms109 صحن ~~الدار وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان، وهم أولاده وغلمانه، فقلت: إنه ~~الرجل، فجاء وجلس وسلم علي سلاما خفيفا وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة ~~أمر حضرته، فأخبرته بما وجب وما قضى كلامه حتى جاءوا بأطباق فاكهة فقال: ~~تقدم يا منارة وكل معنا. # فقلت: ما لي إلى ذلك من سبيل. # فلم يعاودني فأكل هو ومن معه ثم غسل يديه ودعا بالطعام، فجاءوا إليه ~~بمائدة حسنة لم أر مثلها إلا للخليفة، فقال: يا منارة ساعدنا على الأكل. لا ~~يزيد على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة، فامتنعت عليه، فما عادوني ~~فأكل هو ومن معه، وكانوا تسعة من أولاده، فتأملت أكله في نفسه فوجدته يأكل ~~أكل الملوك ووجدت ذلك الاضطراب الذي كان في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون ~~شيئا من بين يديه قد وضع على المائدة لا تهيأ غيره حالا أعظم وأحسن منه. ~~وقد كان غلمانه أخذوا لما نزلت إلى الدار مالي وغلماني وعدلوا بهم إلى دار ~~أخرى فما أطاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي وليس بين يدي إلا خمس أو ست غلمان ~~وقوف على رأسي فقلت في نفسي: هذا جبار عنيد. فإن امتنع من الشخوص لم أطق ~~إشخاصه بنفسي ولا بمنم معي ولا حفظ إلى أن يلحقني أمير البلد، وجزعت جزعا ~~شديدا ورابني منه استخفافه وتهاونه بأمري، يدعوني باسمي ولا يفكر في ~~امتناعي من الأكل ولا يسأل عما جئت به ويأكل مطمئنا، وأنا مفكر في ذلك، ~~فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا بالبخور فتبخر وقام إلى الصلاة وصلى الظهر، ~~وأكثر من الدعاء والبتهال، ورأيت صلاته حسنة، فلما انتقل من المحراب أقبل ~~علي وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فأخرجت كتاب أمير المؤمنين ودفعته إليه، ففضه ~~وقرأه، فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق كثير فلم أشك ~~أنه يريد أن يوقع بي فلما تكاملوا ابتدأ فحلف إيمانا غليظة فيها الطلاق ~~والعتاق والحج والصدقة والوقف أن لا يجتمع اثنان في موضع واحد. وأمرهم أن ~~ينصرفوا ويدخلوا منازلهم، ولا يظهروا إلى أن ينكشف لهم ms110 أمر يعتمدون عليه. ~~وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين بالمضي # PageV01P133 # إليه، ولست أقيم بعد نظري فيه ساعة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي من الحريم ~~خيرا وما لي حاجة أن يصحبني أحد منكم هات قيودك يا منارة. # فدعوت بها وكانت في سفط ومد يده فقيدته وأمرت غلماني بحمله حتى صار في ~~المحمل وركبت في الشق الآخر، وسرت من وقتي ولم ألاق أمير البلد ولا غيره، ~~وسرت بالرجل وليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق فابتدأ يحدثني بانبساط ~~حتى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال لي: أترى هذا؟ قلت: نعم. # قال: إنه لي، وقال: إن فيه من غرائب الأشجار كيت وكيت. ثم انتهى إلى آخر، ~~فقال مثل ذلك. ثم انتهى إلى مزارع حسان وقرى، فقال مثل ذلك! هذا لي، فاشتد ~~غيظي منه، وقلت: ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه أمرك حتى أرسل إليك من ~~انتزعك من بين أهلك ومالك وولدك وأخرجك فريدا مقيدا مغلولا ما تدري إلى ما ~~تصير إليه أمرك ولا كيف يكون، وأنت فارغ القلب من هذا حتى تصف ضياعك ~~وبساتينك بعد أن جئتك؛ وأنت لا تفكر فيما جئت به، وأنت ساكن القلب قليل ~~التفكر. لقد كنت عندي شيخا فاضلا. # فقال لي مجيبا: إنا لله وإنا إليه راجعون. أخطأت فراستي فيك. لقد ظننت ~~أنك رجل كامل العقل وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل إلا لما عرفوك، فإذا ~~عقلك وكلامك يشبه كلام العوام، والله المستعان. أما قولك في أمير المؤمنين ~~وإزعاجه وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه، فإني على ثقة من الله عز وجل ~~الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه نفعا ولا ضرا ~~إلا بإذن الله عز وجل، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد فإذا عرف ~~أمير المؤمنين أمري وعرف سلامتي وصلاح ناصيتي سرحني مكرما، فإن الحسدة ~~والأعداء رموني عنده بما ليس في وتقولوا علي الأقاويل، فإما أن يستحل دمي ~~أو يخرج من إيذائي وإزعاجي ويردني مكرما، أو يقيمني ببلاده معظما مبجلا؟ ~~وإن ms111 كان قد سبق في علم الله عز وجل أن هذا يبدو لي منه سوء وقد اقترب أجلي ~~وكان سفك دمي على يده، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل الأرض والسماء ~~على صرف ذلك عني ما استطاعوا، فلم أتعجل الفكرة فيما فرغ الله منه، وإني ~~أحسن الظن بالله الذي خلق ورزق وأحيا وأمات، وإن الصبر والرضا والتسليم إلى ~~من يملك الدنيا والآخرة أولى، وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا فإذن قد عرفت مبلغ ~~فهمك، فإني لا أكلمك بكلمة واحدة حتى يفرق بيننا أمير المؤمنين إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P134 # ثم أعرض عنين فما سمعت منه لفظة غير القرآن والتسبيح أو طلب ماء أو حاجة ~~حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثلاث عشرة بعد الظهر، والنجب قد استقبلتني ~~قبل ستة فراسخ من الكوفة يتجسسون خبري، فحين رأوني رجعوا عني متقدمين ~~بالخبر إلى أمير المؤمنين، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار فحططت رحلي، ~~ودخلت على الرشيد وقبلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك يا منارة ~~وإياك أن تغفل منه عن لفظة واحدة. # فسقت الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل ~~والبخور وما حدثني به نفسي من امتناعه، والغضب يظهر في وجه أمير المؤمنين ~~ويتزايد حتى انتهيت إلى فراغ الأمور من الصلاة والتفاته إلي وسؤاله عن سبب ~~قدومي ودفعي الكتاب إليه ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله وأصحابه، وحلفه ~~عليهم أن لا يتبعه أحد وصرفه إياهم ومد رجليه، فقيدته فما زال وجه الرشيد ~~يسفر، فلما انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي له لما ركبنا في المحمل، ~~فقال: صدق واله ما هذا إلا رجل محسود على النعمة، مكذوب عليه، ولعمري، لقد ~~أزعجناه وأذيناه ورعنا أهله فبادر بنزع قيوده وائتني به. # قال: فخرجت فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ~~ماء الحياء يجول في وجه الرشيد فدنا الأموي وسلم بالخلافة ووقف فرد عليه ~~الرشيد ردا جميلا وأمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه الرشيد فسأله عن حاله، ثم ~~قال ms112 له: بلغنا عنك فضل هيئة وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن ~~إليك، فاذكر حاجتك؟ فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا، ثم قال: ليس لي ~~عند أمير المؤمنين إلا حاجة واحدة. # فقال: مقضية، فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين، تردني إلى بلدي وأهلي ~~وولدي. # قال: نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك فإن مثلك لا ~~يخرج إلا ويحتاج إلى شيء من هذا. # فقال: يا أمير المؤمنين، عمالك منصوفون وقد استغنيت بعدلهم عن مسألتي ~~فأموري مستقيمة وكذلك أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين. # فقال الرشيد: انصرف محفوظا إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك. # فودعه الأموي، فلما ولى خارجا قال الرشيد: يا منارة، احمله من وقتك وسر ~~به # PageV01P135 # راجعا كما سيرته حتى إذا وصلت إلى مجلسه الذي أخذته منه فودعه وانصرف. # قال منارة: فما زلت معه حتى انتهى إلى محله، ففرح به أهله وأعطاني عطاء ~~جزيلا وانصرفت، والله أعلم، وهذه الحكاية على سبيل الاختصار. ### | الرشيد والخليفة الثاني الكاذب # حكي أن الخليفة هارون الرشيد قلق في بعض الليالي قلقا شديدا فاستدعى ~~بوزيره جعفر البرمكي وقال له: يا وزيري إن صدري ضيق ومرادي الليلة التفرج ~~في شوارع بغداد والنظر في مصالح العباد بشرط أن لا يعرفنا أحد من الناس ~~ونتزيا بزي تجار الأكياس. # فقال له الوزير: السمع والطاعة. # فقاموا في الوقت والساعة وقلعوا ما عليم من ثياب الملك والافتخار ولبسوا ~~ثياب التجار: الخليفة والوزير جعفر ومسرور السياف الأكبر، وتمشوا من مكان ~~إلى مكان حتى وصلوا إلى الدجلة فرأوا بالأمر المقدور شيخا قاعدا في شختور، ~~فتقدموا إليه وسلموا عليه، وقالوا: يا شيخ، نشتهي من فضلك وإحسانك أن ~~تفرجنا الليلة في مركبك، وخذ هذين الدينارين أجرتك انتفع بهما. # فقال لهم الشيخ: ومن يقدر على الفرجة، والخليفة هارون الرشيد ينزل كل ~~ليلة في حراقة صغيرة إلى الدجلة ومعه مناد ينادي: يا معشر الناس كافة من ~~جيد ورديء شيخ وصبي خاص وعام عبد وغلام، كل من نزل في مركب ms113 بالليل وشق ~~الدجلة ضربت عنقه أو يشنق على صاري مركبه، وكأنكم الساعة بالحراقة وهي ~~مقبلة. # فقال له الخليفة هارون الرشيد وجعفر البرمكي: يا شيخ خذ هذين الدينارين ~~وادخل بنا قبوا من هذه الأقبية إلى أن تروح الحراقة. # فقال لهم الشيخ: هاتوا الذهب والله المستعان. # فأخذ الذهب وعوم بهم قليلا، وإذا بالحراقة قد أقبلت من كبد الدجلة وفيها ~~الشموع والمشاعل فقل لهم الشيخ: أما قلت لكم! يا ستار لا تكشف الأستار؟ # فدخل إلى قبو ووضع عليهم مئزرا أسود، وصاروا يتفرجون من تحت المئزر، وإذا ~~بالحراقة قد أقبلت والشمع يوقد فيها، وإذا في مقدم الحراقة مشاعلي بيده ~~مشعل من # PageV01P136 # الذهب الأحمر يوقد فيه بالعود القاقلي وعلى المشاعلي قباء أطلس أحمر ~~بطراز مزركش أصفر وعلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفيه مخلاة من الحرير الأخضر ~~ملأى من العود القاقلي. وهو يوقد به عوض الحطب، ومشاعلي آخر في مؤخر ~~الحراقة مثله، ومائتا مملوك واقفون ميمنة ومسيرة، وكرسي منصوب من الذهب ~~الأحمر وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطرازين من الذهب ~~الأصفر، وبين يديه إنسان كأنه الوزير جعفر. وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور ~~بسيف مشهر، وعشرون نديما. فقال الخليفة: يا جعفر. # قال: لبيك، أمير المؤمنين. # قال: لعل أن يكون هذا أحد أولادي إما المأمون أو محمد الأمين. # فلما وصلت الحراقة إليهم وإذا بالمشاعلي ينادي: معاشر الناس كافة الخاص ~~والعام، الجيد والرديء والعبد والغلام، جهاوات وغير جهاوات قد رسم خليفتنا ~~هذا أن كل من تفرج في الدجلة أو فتح طاقته حل ماله وضربت رقبته ومن لا يصدق ~~يجرب. # قال: فتأمل الخليفة هارون الرشيد في الشاب وهو جالس على كرسي من الذهب قد ~~كمل بالحسن والجمال والبهاء والكمال فلما تأمله هارون الرشيد التفت إلى ~~الوزير وقال: يا وزير. # قال له: لبيك يا أمير المؤمنين. # قال: والله ما أبقى شيئا من شكل الخلافة، وهذا الذي بين يديه كأنه أنت يا ~~جعفر لا محالة، والخادم الذي على رأسه كأنه مسرور، هذا، وهؤلاء الندماء ~~كأنهم ندمائي، وقد حار ms114 عقلي في هذا الأمر. # فقال له الوزير: وأنا والله يا أمير المؤمنين كذلك. # ثم تقدمت الحراقة إلى أن غابت عن العين فعند ذلك خرج الشيخ بالشختور الذي ~~فيه الجماعة من تحت القبوة. وقال: الحمد لله على السلامة، فإنه لم يصادفنا. # فقال له الخليفة: يا شيخ! وهذا الخليفة ينزل كل ليلة الدجلة؟ قال: نعم يا ~~سيدي، له على هذه الحالة سنة كاملة. # فقال له الخليفة: يا شيخ! نشتهي من فضلك وإحسانك أن تقف لنا ليلة غد في ~~هذه المكان، ونحن نعطيك خمسة دنانير، فإنا قوم غرباء وقصدنا التنزه، ونحن ~~نازلون في الفندق. # PageV01P137 # فقال الشيخ: السمع والطاعة. # ثم إن الخليفة وجعفرا ومسرورا توجهوا من عند الشيخ المراكبي إلى القصر ~~وقلعوا ما عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك والافتخار، وجلس كل واحد ~~في مرتبته، ودخلت الأمراء والحجاب والنواب. وانعقد المجلس بالناس، ولما ~~انقضى النهار وتفرقت الأجناد قال الخليفة هارون الرشيد لوزيره: يا جعفر! ~~انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني. # فضحك جعفر ومسرور، ولبسوا لبس التجار وخرجوا منشرحي الصدور، وكان خروجهم ~~من باب السر، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الشختور لهم في ~~الانتظار فنزلوا عنده في المركب. فلما استقروا مع الشيخ المراكبي، وإذا ~~بالخليفة الثاني في الحراقة، وقد أقبلت عليهم فتأمولها وإذا فيها مائتا ~~مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية تنادي على عادتهم، فقال الخليفة: يا ~~وزير، هذا شيء لو سمعت به ما صدقت، ولكن رأيت هذا عيانا. # ثم إن الخليفة قال لصاحب الشختور: يا شيخ! هذه عشرة دنانير وسر بنا في ~~مساواتهم، فإنهم في النور ونحن في الظلام ننظرهم ونتفرج عليهم. وهم لا ~~ينظروننا. # فأخذ الشيخ العشرة دنانير وأطلق الشختور في مساواتهم وصار في ظلام ~~الحراقة، ولم يزالوا سائرين في أثرهم إلى آخر البساتين، وإذا بزريبة بطول ~~الحراقة التصقت عليها، وإذا بغلامين واقفين، ومعهما بغلة مسرجة ملجمة، فطلع ~~الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء، وزعقت المشاعلية والجاويشية، ~~واشتالت الغاشية، وطلع هارون الرشيد وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين ~~المماليك وساروا ms115 قدامهم، فلاحت من المشاعلية لتفاتة فرأوا ثلاثة أنفار ~~لبسهم لبس التجار، وهم غربا فأنكروهم غمزوا عليهم فمسكوهم وأحضروهم بين يدي ~~الخليفة الثاني، فلما نظرهم قال: كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي جاء ~~بكم في مثل هذا الوقت؟ قالوا: يا مولانا! اليوم كان قدومنا، ونحن قوم غرباء ~~تجار، وخرجنا نتمشى الليلة، وإذا بكم قد أقبلتم وجاء هؤلاء وقبضوا علينا ~~وأوقفونا بين أيديكم، وهذا خبرنا. # فقال لهم الخليفة الثاني: طيبوا قلوبكم، فلا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء، ~~ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم للمخالفة. # ثم التفت إلى وزيره وقال: خذ هؤلاء صحبتك ليكونوا ضيوفنا الليلة. # PageV01P138 # فقال: سمعا وطاعة. # ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى قصر عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان، ~~قصر قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب، بابه من خشب الساج، مرصع بالذهب ~~الوهاج، يدخل منه إلى إيوان بفسقية وشاذروان، وحصر عبدانية ومخدات ~~اسكندرانية، وستر مسبول وفرش يذهل العقول، وعلى عتبة الباب مكتوب هذان ~~البيتان: # قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام # فيه العجائب والغرائب نوعت ... فتحيرت في نعتها الأقلام # قال: فدخل الخليفة الثاني إلى القصر، والجماعة في خدمته، إلى أن جلس على ~~كرسي من الذهب مرصع بالدر والجوهر، وعلى الكرسي بشخانة من الحرير الأخضر لا ~~يرى مثلها إلا عند كسرى وقيصر، مزركشة بالذهب الأحمر، معلقة في بكرة من ~~الصندل، رباطاتها من الحرير الأصفر، هذا وقد جلس الندماء في مراتبهم، وصاحب ~~سيف النقمة واقف بين يديه، فمدوا السماط وأكلوا ورفعوا الخوان، ولأيديهم ~~غسلوا، وأحضرت آلة المدام، ووضعت الطاسات والأواني وصففت الأباريق والكاسات ~~والقناني، ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد، فامتنع من ~~الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب. # فقال: يا مولاي له مدة ما شرب. # فقال الشاب: عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك. علي بشراب التفاح! ففي ~~الحال أ؛ ضر فقدم بين يدي هارون الرشيد وقال: كلما وصل إليك الدور فاشرب من ~~هذا، ولا يزالون يشربون في انشراح وتعاطي أقداح إلى أن ms116 تمكن الشراب من ~~رؤوسهم واستولى على عقولهم ونفوسهم فقال الرشيد لوزيره: والله يا وزير ما ~~عندنا آنية مثل هذه الآنية، فيا ليت شعري من يكون هذا الشاب. # فبينما هما يتحدثنا بلطافة إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يسار ~~الخليفة، فقال: المسارة عربدة. # فقال الوزير: ما ثم عربدة، إلا أن رفيقي هذا يقول: سافرت غالب البلاد، ~~ونادمت الملوك وعاشرت الأجناد ما رأيت أحسن من هذا النظام ولا مثل آنية هذا ~~المدام، إلا أن أهل بغداد يقولون الشراب بلا سماع من جملة المجون. # PageV01P139 # فلما سمع الخليفة الثاني هذا الكلام تبسم وانشرح، وكان بيده قضيب، فضرب ~~به على مدورة، وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسيا من العاج مصفحا ~~بالذهب الوهاج، وخلفه جارية قد كملت بالحسن والجمال والبهاء والكمال، فنصب ~~الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية، وبيدها عود من صنعة ~~الهنود، وشدته وحنت إليه بعد أن ضربت أربعة وعشرين طريقة عليه، فأذهلت ~~العقول وعادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول: # لسان الهوى من مقلتي لك ناطق ... يخبر عني أنني لك عاشق # ولي شاهد من طرف قلبي معذب ... وقلبي جريح من فراقك خافق # وكم أكتم الحب الذي قد أذابني ... وقلبي جريح والدمع سوابق # وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى ... ولكن قضا الرحمن في الخلق سابق # قال: فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق ~~البذلة التي كانت عليه إلى الذيل، فاسبلت عليه البشخانة، وأتي ببذلة غيرها ~~أحسن منها، فلبسها وجلس على عادته، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على ~~المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم حامل كرسيا من الذهب، وخلفه جارية ~~أحسن من الأولى، وجلست على الكرسي وبيدها عود يكمد الحسود، وأنشدت تقول: # كيف اصطباري! ونار العشق في كبيد ... والدمع من مقلتي صوفانه مدد # والله ما طاب لي عيش أسر به ... وكيف يفرح قلب حشوه كمد # قال: فصرخ الشاب صرخة عظيمة، وشق ما عليه إلى الذيل وأسبلت عليه البشخانة ~~على العادة وأتي ببذلة ms117 غيرها أحسن منها فلبسها، واستوى جالسا، ودار المدام ~~وانبسط الكلام، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدور ففتح الباب وخرج ~~منه خادم على العادة ومعه كرسي وخلفه جارية، فجلست على الكرسي، ومعها عود ~~يذهل الأسود فغنت، وأنشدت تقول: # اقصروا هجركم وقولا جفاكم ... ففؤادي وحقكم ما سلاكم # وارحموا مدنفا كئيبا حزينا ... ذا غرام متيما في هواكم # قد براه السقام من عظم وجد ... يتمنى من الإله رضاكم # يا بدور محكم في فؤادي ... كيف أختار في الأنام سواكم # PageV01P140 # قال: فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا عليه البشخانة وأتوا ببذلة ~~غيرها، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح وطاب الانشراح، فلما وصل ~~القدح إليه ضرب القضيب على المدورة، ففتح باب وخرج منه خادم حامل كرسيا ~~وخلفه جارية فجلست على الكرسي، وأخذت العود وغنت تقول: # هل ينقضي حال التهاجر والقلى ... ويعود لي ما قد تقضى أولا # أيام كنا والديار تلمنا ... في طيب عيش والحواسد غفلا # غدر الزمان بنا وفرق شملنا ... من بعد هاتيك المنازل والحلا # أتروم مني يا عذولي سلوة ... وأرى فؤادي لا يطيع العذلا # فدع الملام وخلني بصبابتي ... فالقلب من أنس المحبة ما خلا # يا سادة نقضوا العهود وبدلوا ... لا تحسبوا قلبي لبعدكم سلا # قال: فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخة عظيمة، وشق ما عليه من الثياب، ~~ووقع إلى الأرض مغشيا عليه، وسقط منه القوى والحبل، فأرادوا أن يرخوا عليه ~~البشخانة على العادة، فتعوقت حبالها بالإرادة، فلاحت من هارون الرشيد ~~التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع، فقال الرشيد بعد النظر والتأكد ~~لجعفر: إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح، وما عند أحد منه خبر. هل رأيت ما على ~~جنبيه من الأثر. # وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من ~~غشيته فاستوى جالسا على العادة مع الندماء، فحانت منه التفاتة فوجد جعفرا ~~والخليفة يتحدثان، فقال لهما: ما الخبر يا فتيان؟ فقال جعفر: يا مولاي خير، ~~لا شك ولا خفاء، إن رفيقي هذا من التجار الكبار، وسافر ms118 إلى جميع الأمصار، ~~وصحب الملوك والأخبار، قال: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة ~~إسراف عظيم لم أر أحدا فعل هذا الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة ~~بخمسمائة دينار، وهذا شيء زائد في العيار. # فقال الشاب: يا هذا! المال مالي والقماش قماشي، وهذا من بعض إنعامي على ~~الخدم والحواشي، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء الحضار، وقد رسمت ~~لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا. # فأنشد عند ذلك الوزير جعفر وقال: # بنت المكارم وسط كفك منزلا ... فجميع مالك للأنام مباح # وإذا المكارم أغلقت أبوابها ... يوما، فأنت لقفلها مفتاح # PageV01P141 # قال: فلما سمع الشاب من الوزير جعفر ذلك، رسم له بألف دينار وبذلة، ثم ~~دارت بينهم الأقداح وطاب لهم شراب الراح، فقال الرشيد: يا جعفر، اسأله عن ~~الضرب الذي رأيناه على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه. # فقال الوزير: يا مولاي لا تعجل وترفق بنفسك فالصبر أجمل. # فقال: وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله أخمدت منك الأنفاس. # فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال: مالك مع رفيقك وما الخبر؟ فقال: ~~خير يا مولانا. # فقال: سألتك بالله إلا ما أخبرتني بخبره، ولا تكتم عني شيئا من أمره. # فقال: يا مولاي! إنه أبصر على جنبيك أثر سياط، فتعجب من ذلك غاية العجب ~~وقال: يا لله العجب! الخليفة يضرب؟ وقصده يعلم ما السبب؟ فلما سمع الشاب ~~هذا الكلام تبسم وقال: اللهم فنعم، واعلموا أن حديثي عجيب وأمري غريب لو ~~كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، ثم تأوه وأن واشتكى وبكى ~~وأنشد: # حديثي عجيب فاق كل العجائب ... وحق إله غامر بالمواهب # فإن شئتمو أن تسمعوا إلي فأنصتوا ... فيطرب هذا الجمع من كل جانب # وأصغوا إلى قولي، ففيه إشارة ... وإن كلامي صادق غير كاذب # لأني قتيل من غرام ولوعة ... وقاتلتي فاقت جميع الكواعب # لها مقلة كحلا وخد مورد ... ويقتلني منها قسي الحواجب # وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا ... خليفة هذا الوقت ابن الأطايب # وثانيكمو يدعى ms119 الوزير بجعفر ... وفي الحق يدعى صاحبا وابن صاحب # وثالثكم مسرور سيفاف نقمة ... فإن كان هذا القول حقا بصائب # فقد نلت ما أرجو على كل حالة ... وجاء سرور القلب من كل جانب # قال: فعند ذلك حلف له جعفر أنهم لم يكونوا المذكورين، فضحك الشاب وقال: ~~الذي أعرفكم به أني ما أنا أمير المؤمنين، وإنما سميت نفسي بهذا الاسم ~~لأبلغ ما أريد من أبناء المدينة، واسمي علي بن محمد الجوهري، وإن أبي كان ~~من الأعيان، ومات وخلف لي أموالا لا تأكلها النيران من ذهب وفضة ولؤلؤ ~~ومرجان وياقوت وجوهر وزمرد وبهرمان وحمامات وغيطان وبساتين وفنادق وطواحين ~~وعبيد وجوار وغلمان، فلما كان في بعض الأيام وأنا جالس في حانوتي وحولي ~~الحشم والخمد، وإذا أنا بجارية # PageV01P142 # قد أقبلت على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار، ونزلت على دكاني ~~وجلست وقالت: أنت علي بن محمد الجوهري. # فقلت لها: مملوكك وعبد رقك. # فقالت: هل عندك عقد جوهر يصلح لمثلي؟ فقلت: يا ستي الذي عندي يحضر بين ~~يديك، فإن أعجبك شيء كان بسعد المملوك، وإن لم يعجبك شيء منه فبسوء حظي. # وكان عندي مائة عقد جوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء منها، وقالت: ~~أريد أحسن مما رأيت؛ وكان عندي عقد صغير شراؤه على والدي بمائة ألف دينار ~~لم يوجد مثله عند أحد السلاطين الكبار، فقلت: يا سيدتي بقي عندي عقد الفصوص ~~والجواهر الذي لم يملكه أحد من الأصاغر والأكابر. # فقالت: أرني إياه. # فلما رأته قالت: هذا الذي طول عمري أتمناه. ثم قالت: بكم ثمنه في ~~الأسعار؟ فقلت: شراؤه على والدي بمائة ألف دينار. # فقالت: ولك خمسة آلاف زائدة. # فقلت لها: يا سيدتي العقد وصاحبه في الرق بين يديك، ولا خلاف. # فقالت: لا بد من الفائدة ولك الجميلة الزائدة. # وقامت من وقتها عجلة وركبت البغلة بسرعة، وقالت: يا سيدي نور الدين، باسم ~~الله فلتكن في صحبتنا لتأخذ الثمن، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن. # فقمت وأقفلت الدكان وسرت معهن في أمان إلى أن وصلنا إلى الدار، ms120 فوجدتها ~~دارا عليها السعادة لائحة والافتخار وعلى بابها مكتوب بالذهب واللازورد ~~العجيب هذه الأبيات: # ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان # فنعم الدار أنت لك ضيف ... إذا ما ضاق بالضيف المكان # فنزلت الجارية، ودخلت الدار وأمرت بجلوسي إلى أن يأتي الصيرفي، فجلست على ~~باب الدار ساعة لطيفة، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت: يا سيدي ادخل إلى ~~الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح. # PageV01P143 # فقمت إلى الدهليز وجلست على الدكة ساعة، وإذا بجارية خرجت إلي، وقالت: يا ~~سيدي! تقول لك سيدتي ادخل واجلس على جانب الإيوان حتى تقبض مالك. # فقمت فدخلت وجلست حيث أمرتني، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير ~~الأحمر، وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت ~~مني العقد، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر، والعقد في عنقها فدهش عقلي ~~وحار ذهني ولبي من رؤية تلك الجارية وحسنها، فلما رأتني قامت من على ~~الكرسي، وسعت نحوي، وقالت: يا نور الدين! هل رأيت جميلة مثلي؟ فقلت: يا ~~سيدتي الحسن كله فيك، وهو من بعض معانيك. # فقالت: يا علي، اعلم أني أحبك وما صدقت أنك صرت عندي. # ثم إنها طوقتني وعانقتني، فقبلتها وقبلتني ثم جذبتني وعلى صدرها رمتني. ~~فلما علمت مني أني أريد أن أهم بها قالت: يا علي، أتريد أنن تجتمع بي في ~~الحرام، والله لا كان من يفعل الآثام ويرضى بقبيح الكلام، فإني بكر عذراء ~~ما دنا مني أحد، ولست مجهولة في البلد، أتعلم من أنا؟ فقلت: لا والله، ~~وحلفت لها يمينا. # فقالت: أنا الست دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي، وأخي جعفر. # فلما سمعت منها ذلك جمعت خاطري عنها، وقلت: يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم ~~عليك، أنت التي أطمعتني في إحسانك والوصول إلى جنابك. # فقالت: لا بأس عليك ولا بد من الإحسان إليك فإن أمري بيدي، والقاضي ولي ~~عقدي، والقصد أن أكون لك وتكون لي. # ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود، فلما حضروا قالت لهم: هذا ms121 ~~نور الدين علي بن الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد مهري، وأنا قد ~~قبلت ورضيت. # ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن ~~أعطت للقاضي شيئا ما له حساب، وأحضرت المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام، ~~فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عودية أن تغني فأنشأت تقول: # قلبي وآمالي بباب رجاكمو ... لا أبتغي في الكون غير رضاكمو # يا جيرة جاروا علي ببعدهم ... حنوا علينا وارحموا مضناكمو # PageV01P144 # حاشاكمو، يا سادتي، أن تهجروا ... صبا معنى مغرما بهواكمو # بالله جودوا وارحموا لمتيم ... لم يستمع فيكم حديث سواكمو # مرسى فؤادي فوق بحر رضاكمو ... فإذا شجاه حسنكم ناجاكمو # قال: فأطربتنا الجارية بحسن غنائها ولم تزل الجواري يغنين جارية بعد ~~جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوار، فعند ذلك أخذت العود الست دنيا ~~وأنشدت تقول: # قسما بلين قوامك المياس ... إني لنار الهجر منك أقاسي # فارحم لصب في هواك متيم ... يا بدر تم أنت سيد الناس # أنعم بوصلك كي أبيت بليلة ... أجلو جمالك في ضياء الكاس # ما بين ورد جمعت ألوانه ... مع نرجس أيضا وحسن الآس # قال الشاب: ثم إني أخذت منها العود وضربت عليه وغنيت هذه الأبيات: # سبحان ربي جميع الحسن أعطاك ... حتى بقيت أنا من بعض أسراك # يا من لها ناظر تسبي الأنام به ... خذي الأمان لنا من سحر عيناك # فالماء والنار في خديك قد جمعا ... والورد جوري نبت وسط خداك # أنت الغرام لقلبي والنعيم له ... فما أمرك في قلبي وأحلاك # قال: فلما سمعت مني ما قلت فرحت فرحا شديدا، ثم إنها صرفت الجواري وقمنا ~~إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه من سائر الألوان، ونزعت ما عليها من الثياب ~~وخلوت بها خلوة الأحباب، فوجدتها بنتا بكرا بختم ربها، ففرحت بي وفرحت بها ~~فرحا لم أجد في عمري ليلة أطيب منها، وفيها أنشدت أقول: # يا ليل! دم لي لا أريد صباحا ... يكفي بوجه معانقي مصباحا # طوقته طوق الحمام بساعدي ... وجعلت كفي للمنام مباحا # هذا هو الفوز ms122 العظيم فخلنا ... متعانقين، فلا نريد براحا # فأقمت عندها شهرا كاملا، وقد نسيت الدكان والأهل والأوطان إلى ذات يوم من ~~الأيام قالت: يا نور الدين قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام، وأنت اقعد ~~على هذا السرير إلى أن أرجع إليك. # فقلت: سمعا وطاعة. # PageV01P145 # وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي، فأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام، فوالله ~~يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس الزقاق، إلا والباب قد فتح ودخلت منه ~~عجوز وأي عجوز، وقالت: يا نور الدين الست زبيدة تدعوك، فقد سمعت بشبابك ~~وطيب غنائك. # فقلت: والله علي يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا. # فقالت العجوز: يا نور الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك، فقم كلمها ~~وارجع. # فقمت من وقتي إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة، فلما ~~وصلت إليها، قالت: يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا؟ فقلت: مملوكك وعبد ~~رقك. # فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال، فإنك فوق الوصف والمقال، ولكن عن ~~لي شيئا حتى أسمعك؟ فقلت: السمع والطاعة، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت ~~أقول: # قلب المحب مع الأحباب متعوب ... وجسمه بيد الأسقام منهوب # ما في الركائب من زمت حمولهم ... إلا وكان له في الظعن محبوب # أستودع الله لي في حبكم قمرا ... يهواه قلبي وعن عيني محجوب # يرضى ويغضب، ما أحلى تدلله ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب # فقالت لي: حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك، فلقد كملت في الحسن والظرف ~~والمعنى، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا فلا تجدك فتغضب عليك. # فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الباب الذي خرجت منه، ~~فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ونامت على السرير، ~~فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها، ففتحت عينيها فرأتني فجمعت رجليها ورفستني ~~فرمتني من على السرير وقالت: يا نور الدين! خنت اليمن وكذبت. وذهبت إلى ~~الست زبيدة؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة والفضيحة لخربت قصرها على رأسها. ~~ثم قالت لعبدها: يا صواب، قم اضرب ms123 رقبة هذا النذل الكذاب، فلا حاجة لنا به. # فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب عيني، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت ~~إليها الجواري الكبار والصغار، وقلن لها: يا ستاه، ما هو بأول من أخطأ ما ~~عرف خلقك، وأنت ما تبغضينه، وما فعل ذنبا يوجب أن تقتليه. # PageV01P146 # فقالت: والله لا بد أن أؤثر فيه أثرا. ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي ~~الضرب الذي رأيتموه، وأمرت بإخراجي. فأخرجوني وأبعدوني عن القصر، ورموني ~~ورجعوا وتركوني، فلمت نفسي: فمشيت قليلا قليلا إلى أن وصلت إلى منزلي، ~~وأحضرت جراحا وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مصالحي. فلما صح جسمي دخلت ~~الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام. وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه ~~وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي ~~في كل يوم مائتان، وعملت هذا المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين، ~~وسميت نفسي بالخليفة، ورتبت من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت: كل ~~من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة. ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم ~~أسمع لها بخبر ولا وقفت لها على أثر، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول: # والله ما كنت طول الدهر ناسيها ... ولا دنوت إلى من ليس يدنيها # كأنها البدر في تكوين خلقتها ... سبحان خالقها سبحان باريها # صدت ولا ذنب لي إلا محبتها ... فكيف حال الذي قد بات نابيها # وصيرتني حزينا ساهيا دنفا ... والقلب قد حار مني في معانيها # قال: فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب غاية ~~العجب. وقال: سبحان من جعل لكل شيء سببا. # ثم إنهم طلبوا من الشاب الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه ~~غاية الإتحاف، فانصرفوا من عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين، ولما ~~استقر بهم في منزلهم الجلوس غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب ~~الموكب والملك والزينة، وكذلك مسرور سياف النقمة والعطب، فقال الخليفة ~~لجعفر المهيب: يا وزير! علي بالشاب. # فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل ms124 الشاب فخرج إليه وسلم عليه فقال ~~له الوزير جعفر: أجب أمير المؤمنين. # فقال: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين وحامي حوزة الدين. # فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر، فلما دخل إلى الخليفة ~~ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب الخليفة عرفه، فقبل الأرض ~~بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال: السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين وحامي حوزة الدين # PageV01P147 # وقامع المفسدين وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك ~~والنار مثوى لأعداك وأنشد يقول: # لا زال بابك كعبة مقصودة ... وترابها فوق الجباه رسوم # حتى ينادي في البلاد بأسرها ... هذا المقام وأنت إبراهيم # فعند ذلك تبسم الخليفة في وجهه، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان ~~والإكرام وقربه إليه، وأجلسه بين يديه وقال له: يا نور الدين أريد أن ~~تحدثني بحديثك الليلة يا مسكين، فإنه من أعجب الأمور. # فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين، أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ~~ويطمئن قلبي. # فقال الخليفة: لك الأمان. # فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره، فعلم الخليفة من غير ~~إطالة أن الصبي عاشق لا محالة، فقال الخليفة: أتحب أن أردها إليك يا مسكين؟ ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول: # إن رمت إحسانا فهذا وقته ... أو رمت معروفا فهذا حينه # فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال له: أحضر أختك الست دنيا بنت ~~الوزير يحيى. # فقال له: السمع والطاعة. # فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها: أتعرفين هذا من؟ فقالت: ~~أين للنساء معرفة بالرجال؟ # فتبسم وقال: يا دنيا قد عرفنا الحال وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها ~~وفهمنا باطنها وظاهرها، والأمر لا يخفى وإن كان مستورا. # فقالت: كان ذلك في الكتاب مسطورا، وأن أستغفر الله مما جرى مني، وأسأل من ~~فيض الفضل العفو عني. # فضحك الخليفة وأحضر القاضي والشهود وعقد له ثانيا عليها. وحصل له سعد ~~السعود، وأكمد العدو والحسود وجعله نديمه وزاد تكريمه، وعاش بقية عمره في ~~أهنإ عيش ونعمة، يجالس الخليفة في ms125 الليل والنهار، تؤانسه الست دنيا ذات ~~الفخار. # PageV01P148 ### | الرشيد وجارية جعفر # ويحكى أن جعفرا البرمكي نادم الرشيد ليلة، فقال: يا جعفر بلغني أنك ~~اشتريت الجارية الفلانية، ولي مدة أطلبها، فإنها بديعة الجمال، ولي شوق ~~زائد إليها فبعنيها. # قال: ليس علي فيها بيع. # قال: هبنيها. # قال: ولا أهبها. # فقال الرشيد: زبيدة طالق مني ثلاثا إن لم تبعنيها أو تهبنيها. # وقال جعفر: زوجتي طالق مني ثلاثا إن بعتها أو وهبتها. # ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة ~~فقال الرشيد: هذه واقعة ليس لها غير أبي يوسف، فاطلبوه، فكان قد انتصف ~~الليل. فلما طلب قام فزعا وقال: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في ~~الإسلام. # ثم خرج مسرعا وركب بغلته وقال لغلامه: اصحب معك المخلاة، واجعل فيها بعض ~~شعير، فإذا دخلنا دار الخلافة ودخلت فضع بين يدي الدابة شيئا منه تشتغل به ~~إلى حين خروجي، فإنها لم تستوف علفها في هذه الليلة. # فقال: سمعا وطاعة. # فلما دخل على الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه ~~غيره، وقال له: ما طلبناك إلا لأمر مهم، وهو كذا وكذا، وقد عجزنا عن تدبير ~~الحيلة. # فقال: يا أمير المؤمنين، هذا من أسهل ما يكون. يا جعفر! بع أمير المؤمنين ~~نصفها وهبه نصفها تبرأ من يمينكما. # فسر بذلك أمير المؤمنين وفعلا، فقال الرشيد: أحضر الجارية في هذا الوقت ~~فإني شديد الشوق إليها. # فأحضرت، فقال القاضي أبي يوسف: أريد وطأها في هذا الوقت، ولا أطيق الصبر ~~إلى مضي مدة الاستبراء، انظر لي الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني ~~بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذين لم يجر عليهم العتق. # فأحضر مملوك، فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، إئذن لي أن أزوجها منه، ~~ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في الحال من غير استبراء. # PageV01P149 # فأعجب الرشيد ذلك أكثر من الأول، فقال: أذنت لك. # فأوجب القاضي النكاح، ثم قبله المملوك، فقال له القاضي طلقها. # فقال له: هذه صارت لي ms126 زوجة وأنا لا أطلقها. # فردد عليه القول فأبى وضاق صدر الخليفة لذلك، وقال: قد اشتد الأمر أعظم ~~مما كان. # فقال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين رغبه بالمال. # فقال: طلقها ولك مائة دينار. # قال: لا أفعل. # قال: مائتا دينار. # قال: لا أفعل. # إلى أن عرضوا عليه ألف دينار وهو يمتنع، وقال القاضي: الطلاق بيدي أم بيد ~~أمير المؤمنين أم بيدك؟ قال: بل بيدك أنت. # قال: والله لا أفعل أبدا. # فاشتد غضب أمير المؤمنين، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن ~~الأمر هين اعتق الجارية، ثم ملك هذا العبد للجارية؟ قال: أعتقتها وملكته ~~لها. # فقال لها القاضي: قولي قبلت؟ فقالت: قبلت. # فقال القاضي: حكمت بالتفريق بينكما لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح. # فقام أمير المؤمنين على قدميه، وقال: مثلك من يكون قاضيا في زماني. ~~وستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء توعيه؟ ~~فتذكر مخلاة البغلة. فاستدعى بها، فملئت له ذهبا، فأخذها وانصرف. فلما أصبح ~~قال لخلانه: انظروا إلى من علم العلم فليتعلمه كذلك، فإني أعطيت هذا المال ~~العظيم في مسألتين أو ثلاث. # فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن منها ~~إدلال الوزير على قلب أمير المؤمنين وحلم الخليفة، وزيادة علم القاضي فرحم ~~الله أرواحهم أجمعين. # PageV01P150 # ولكن مسألة الاستبراء لم تتخرج إلا على مذهب أبي حنيفة فخرجها أبو يوسف ~~على قواعد مذهبه لأنه حنفي المذهب. والله أعلم. ### | هجرتك وزرتك # من كلام إبراهيم الموصلي رحمه الله تعالى: # هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر # فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر # ويا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتقض العصفور بلله القطر ### | المجنون العاقل # من الحكايات اللطيفة، أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين، فلما دخل ~~عليهم رأى فيهم شابا حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف وتفوح منه ~~شمائل الفطنة، فدنا منه ms127 وسأله مسائل، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب. فتعجب ~~منه عجبا شديدا. # ثم إن المجنون قال للملك: قد سألتني عن أشياء فأجبتك. وإن سائلك سؤالا ~~واحدا. # قال: وما هو؟ قال: متى يجد النائم لذة النوم؟ ففكر الملك ساعة، ثم قال: ~~يجد لذة حال نومه. # فقال المجنون: حالة النوم ليس له إحساس. # فقال الملك: قبل الدخول في النوم. # فقال المجنون: كيف توجد لذته قبل وجوده. # PageV01P151 # فقال الملك: بعد النوم. # فقال المجنون: أتوجد لذته وقد انقضى؟ فتحير الملك وزاد إعجابه وقال: ~~لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرة، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا ~~اليوم، وأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون، ثم استدعى بالشراب، فحضر ~~فتناول الكأس وشرب، ثم ناول المجنون، فقال: أيها الملك أنت شربت هذا لتصير ~~مثلث فأنا أشربه لأصيل مثل من؟ فاتعظ الملك بكلامه ورمى القدح من يده وتاب ~~من ساعته، والله أعلم. ### | الست بدور والأمير عمرو # يحكى أن الرشيد أرق ذات ليلة أرقا شديدا، فاستدعى جعفرا وقال: أريد منك ~~أن تزيل ما بقلبي من الضجر. # فقال الوزير: يا أمير المؤمنين، كيف يكون على قلبك ضجر، وقد خلق الله ~~أشياء كثيرة، تزيل الهم عن المهموم، والغم عن المغموم، وأنت قادر عليها؟ ~~فقال الرشيد: وما هي يا جعفر؟ فقال له: قم بنا الآن، حتى نطلع فوق سطح هذا ~~القصر ونتفرج على النجوم واشتباكها وارتفاعها والقمر وحسن طلعته كأنه وجه ~~من تحب كما قيل: # فكأنما حسن السماء ولونها ... قد رقمت فيها أفانين الصور # وكأن هذا البدر حين بدا لنا ... في بعض ليل من غلاف قد ظهر # فقال الرشيد: يا جعفر، ما تلفتت نفسي إلى شيء من ذلك، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، افتح شباك القصر الذي يطلع على البستان وتفرج على حسن تلك ~~الأشجار واسمع صوت تغريد الأطيار وانظر إلى هدير الأنهار وشم روائح تلك ~~الأزهار واسمع الناعورة التي كأنها أنين محب فارق محبوبه، وهي كما قال فيها ~~بعض واصفيها: # وناعورة حنت وغنت وقد غدت ... تعبر عن حال المشوق ms128 وتعرب # وترقص عطف البان تيها لأنها ... تغني له طول الزمان ويشرب # وإما أن تنام يا أمير المؤمنين، إلى أن يدركنا الصباح. # فقال: يا جعفر، ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك. # فقال: يا أمير المؤمنين، افتح الشباك الذي يطلع على الدجلة حتى تتفرج على ~~تلك # PageV01P152 # المراكب والملاحين، فهذا يصفق، وهذا ينشد مواليا، وهذا يقول دوبيت، وهذا ~~يقول كيت وكيت. # فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك. # فقال جعفر: قم يا أمير المؤمنين، حتى ننزل إلى الاصطبل الخاص وننظر إلى ~~الخيل العربيات وتتفرج على حسن ألوانها، ما بين أدهم كالليل إذا أظلم، ~~وأشقر، وأشهب، وكميت أحمر، وأبيض، وأخضر، وأبلق، وأصفر، وألوان تحير ~~العقول. # فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شي من ذلك. # فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، عندك في قصرك ثلاثمائة جارية، ما بين ~~جنكية، إلى عودية، إلى دفية، إلى قانونية، إلى زامرة، إلى مغنية، إلى ~~راقصة، إلى سنطيرية، أحضر الجميع، وأحضر العقار المروق، فعل أن يزول ما ~~بقلبك من الضجر. # فقال: ما تهم نفسي إلى شيء من ذلك. # فقال جعفر: يا أمير المؤمنين ما بقي إلا ضرب عنق مملوكك جعفر، فإني قد ~~عجزت عن إزالة هم مولانا. # فقال: يا جعفر، أما سمعت قول ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: من فم مولانا أسمع. # فقال الرشيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرح أمتي في ثلاث: أن ~~يرى بعينه شيئا ما رآه، أو يسمع شيئا ما سمعه، أو يطأ مكانا ما وطئه "، ~~فيتفق يا جعفر أن يكون في بغداد مكان ما وطئناه، أو شيء ما سمعناه، أو موضع ~~ما رأيناه. # فقال جعفر: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أطلع إلى مجلس النوبة وأنظر ~~أحدا من المسافرين أحضره بين يدي أمير المؤمنين، لعله أن يحدثك بحديث ما ~~سمعته؟ فقال الرشيد: قم وافعل. # فقام جعفر وطلع وعاد بسرعة بالشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي المسامر. ~~قال: فلما رأى أمير المؤمنين سلم فأحسن وترجم فأبلغ، ثم قال: يا أمير ms129 ~~المؤمنين وحامي حوزة الدين وابن عم سيد المرسلين وخاتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أطال الله بقاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى ~~لأعداك لا خمدت لك نار ولا أغيظ لك جار، ثم أنشد يقول: # PageV01P153 # دام لك العز والبقاء ... ما اختلف الصبح والمساء # ودمت ما دامت الليالي ... بمدة ما لها انقضاء # الناس ناس بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء # قال: فرد الشيخ السلام وقال له: اجلس يا أبا الحسن، وحدثنا بحديث عجيب ~~مليح لم نسمعه قط؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أحدثك بشيء سمعته بأذني ~~أو بشيء رأيته بعيني؟ قال الرشيد: يا شيخ أبا الحسن الذي تراه العين أحسن ~~من الذي تسمعه الأذن. # فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أفرغ لي عن ثلاثة أشياء منك؟ فقال: ما ~~الثلاثة؟ فقال: ذهنك وسمعك وقلبيك. # فقال الرشيد: هات يا أبا الحسن. # فقال: يا أمير المؤمنين لي عادة أني أسافر في كل سنة إلى البصرة للأمير ~~محمد بن سليمان الزينبي، وأقعد عنده أحدثه الأسمار، وأورد له الأخبار، ~~وأنشد له الأشعار، ولي عليه رسم ألف دينار آخذها وأعود إلى بغداد. فاتفق لي ~~من سنة من السنين أني سافرت إلى البصرة على عادتي ودخلت على الأمير محمد بن ~~سليمان وجلست عنده اليوم الأول والثاني والثالث، فركب إلى الصيد وتركني في ~~منزله وأوصى أرباب دولته بخدمتي وإكرامي إلى أن يعود، وأوصى الطباخ الذي له ~~أن لا يطعمني إلا شيئا تشتهيه نفسي، فاشتهيت السمك فقلت للطباخ: فعمل لي من ~~السمك عدة ألوان فأكلت وطاب لي الأكل حتى ثقل على فؤادي، فقلت: ما يصرف عني ~~هذا إلا المشي، ولي عدة أسفار إلى البصرة ما أعرف فيها مكانا، وأريد اليوم ~~أن أجعلها حجة وفرجة. ثم إني نزلت أتمشى في شوارع البصرة فعطشت عطشا شديدا ~~وناهيك بعطش السمك، فقلت في نفسي: إن تناولت شربة من السقاء لا تطيب نفسي ~~لأنه يشرب منه أصحاب الأمراض، وكبر على نفسي أن أحملها إلى شاطئ الدجلة، ~~وقلت: ما لي إلا أن أقصد بعض ms130 دور المحتشمين وأطلب منها شربة من ماء، فأتيت ~~إلى درب وفي ذلك الدرب خمسة دور داران مقابلتان لدارين ودار صدرانية قد ~~قامت من التراب وتعلقت بأذيال السحاب، ولها باب مقنطر مزخرف بمصاطب ~~طولانية، مفروش عليها حصر عبدانية، والباب ساج مصفح بصفائح الذب الوهاج ~~ومسامير الفضة وستر من الحرير الأصفر المدثر مكتوب عليه هذه الأبيات: # ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان # PageV01P154 # فنعم الدار أنت لكل ضيف ... إذا ما ضاق بالضيف المكان # قال: فقلت في نفسي، من هذه الدار أشرب الماء، فأتيت إلى الباب فسمعت صوتا ~~ضعيفا من فؤاد نحيف، وقائلا يقول: # بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه # وعرضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه # فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه # وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه # قال: فقلت، يا حبذا إن كان قائل هذا الصوت شخصا صورته على قدر صوته ~~واحتشمت، ثم إني قويت قلبي ورفعت الستر ودخلت الدهليز إلى أن انتهيت إلى ~~آخره ومديت طرفي، وإذا أنا بدار قد أقبلت عليها السعادة، وزالت عنها ~~الشقاوة، ورأيت في صدر ذلك المكان إيوانا وبركة وشاذروانا، وفي ذلك الإيوان ~~تخت من السياج، وقوائمه من العاج، ومصفح بالذهب الوهاج، وفوق التخت فراش من ~~الحرير الأطلس، ومسند مزركش، وعليه جارية نائمة خماسية القد، قائمة النهد ~~لا بالطويلة الشاهقة ولا بالقصيرة اللاصقة، أشهر من علم، تربية العجم على ~~أكتاف الخدم، بخد أسيل، وطرف كحيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، إن أقبلت فتنت، ~~وإن ولت قتلت، كما قال فيها بعض واصفيها: # كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت ... في قالب الحسن لا طول ولا قصر # جرى بها الشحم حتى دار أعكنها ... طي القباطي فلا سمن ولا غور # كأنها أفرغت من ماء لؤلؤة ... في كل جارحة من حسنها قمر # إلا أن الجارية، يا أمير المؤمنين، قد حكمت عليها يد الأيام ونزلت بها ~~جميع الأسقام وعند رأسها طبيب، وهو يجس يدها ويقول: ms131 يا ست بدور، الضارب ~~ضارب والساكن ساكن ولا برد ولا حمى ولا شيء تشتكينه أكثر من سهر الليل ~~وجريان الدمع لعل الست في قلبها هوى من أحد، فلما سمعت كلام الطبيب أنشدت ~~تقول: # إذا هممت بكتمان الهوى نطقت ... مدامعي بالذي أخفي من الألم # فإن أبح افتضح من غير منفعة ... وإن كتمت فدمعي غير منكتم # لكن إلى الله أشكو ما أكابده ... من طول وجد ودمع غير منصرم # قال: فنهض الطبيب قائما على قدميه فناولته صرة فيها عشرون دينارا، ثم ~~التفتت # PageV01P155 # إلي وقالت: من أين يا شيخ؟ فقلت لها: من بغداد، حملني العطش إلى أن أتيت ~~إلى هنا. # فقالت: لعل أن يكون على يدك فرجي، فأنا أكتب لك ورقة فتسال عن بيت الأمير ~~عمرو وتعطيه إياها، فإن رددت علي الجواب فأنا أعطيك خمسمائة دينار. # ثم استدعت بدواة وورق وكتبت، وهي تقول: أما بعد، يعجز لساني ويكل جناني ~~عن بث الأشواق، ولكن أسأل الكريم الخلاق أن يمن علينا بالتلاق بالسعد ~~الرائق والأمر الموافق، وأنا القائلة حيث أقول: # سروري من الدنيا لقاكم وقربكم ... وحبكم فرض وما منكم بد # ولي شاهد دمعي إذا ما ذكرتكم ... جرى فوق خدي لا يطاق له رد # إذا الريح من نحون الحبيب تنسمت ... وجدت لمسراها على كبدي برد # فوالله ما أحببت ما عشت غيركم ... ولا كنت إلا ما حييت لكم عبد # سلام عليك ما أمر فراقكم ... فلا كان منكم ما جرى آخرا عهد # أما بعد، فهذا كتاب ممن ليلها في نحيب، ونهارها في تعذيب، لا أتركن إلى ~~عاذل ولا تصغي إلى قائل، قد غلبتها أيدي الفراق، ولو شرحت بعض ما عندها ~~للفسيح ضاق وما وسعته الأوراق، ولكن أسأل الكريم الخلاق، رافع السبع ~~الطباق، أن يمن علينا بالتلاق، وأنشدت تقول: # أحبة قلبي وإن جرتم ... علي فكل المنى أنتم # رحلتم وفي القلب خلفتم ... لهيبا فهلا ترفقتم # وأودعتم يوم ودعتم ... بأحشاي نارا وأضرمتم # وما كنتم تعرفون الجفا ... على شؤم بختي تعلمتم # فألف ألف لا أوحش الله منكم والسلام مني عليكم عدد شوقي إليكم ms132 ما حن ~~الغريب إلى الأوطان، وغرد حمام الأيك على البان، فرحم الله من قرأ كتابي ~~وتعطف برد جوابي، وأنشدت تقول: # أحبابنا ما رقا دمعي لفرقتكم ... يوم الفراق ولا كفت غواديه # بنتم فلم يبق لي من بعدكم جلد ... ولا فؤاد ولا صبر أرجيه # فكم أمني فؤادي بالهوى كذبا ... ولست أول من بانت غواشيه # قال: ثم إنها طوت الكتاب وختمته بعد أ، نثرت فيه فتات المسك والعنبر، ~~وناولتني إياه # PageV01P156 # فأخذته، وأتيت إلى دار الأمير عمرو فوجدته في الصيد والقنص، فجلست على ~~بابه ساعة أنتظره وإذا به قد أقبل، وهو راكب على حصان أشقر، من الخيل الضمر ~~يساوي ملك كسرى وقيصر، من أولاد الأبجر، الذي كان لعنتر، إن طلب لحق، وإن ~~طلب لم يلحق، والأمير في ظهره كأنه البدر في منزلته، والمماليك قد أحدقوا ~~به كما تحدق النجوم بالقمر، وهو بخد أسيل وطرف كحيل وخصر نحيل وردف ثقيل ~~وله عذار أخضر فوق خد أحمر وثغر جوهر وعنق مرمر كما قال فيه ابن معشر: # قمر تكامل في نهاية حسنه ... مثل القضيب على رشاقة قده # فالبدر يطلع من ضياء جبينه ... والشمس تغرب في شقائق خده # ملك الجمال بأسره فكأنما ... حسن البرية كلها من عنده # قال أبو الحسن: فما أمهلته دون أن قبلت ركابه، فلما نظر إلي ترجل ~~واعتنقني وخذ بيدي وأدخلني الدار وأنشد يقول: # ما أظن الزمان يأتي بهذا ... غير أني رأيته في منامي # قال: فلما جلس على حافة البركة أقبل علي يحدثني ساعة، وإذا بالمائدة قد ~~وضعت بين أيدينا، وإذا عليها من ألوان الطعام ما درج وتطاير في الأسحار، ~~وتناكح في الأوكار من قطا وسماني وأفراخ حمام وبط مسمن ودجاج محمر وأفراخ ~~رضع وبعلبكات السكر فقال لي: بسم الله يا شيخ يا أبا الحسن، فقلت: لا والله ~~يا مولاي، ما أكلت لك طعاما ولا شربت لك مداما، إلا أن قضيت لي حاجتي. # فقال: يا أبا الحسن كان هذا من الأول. أين الكتاب الذي للست بدور؟ فقلت: ~~يا سيدي وما هي الست بدور. # فقال: التي ms133 جئت من عندها تطلب شربة من الماء منها، ووجدت عندها الطبيب ~~وجرى لك معها ما هو كيت وكيت. # فقلت: يا مولاي أكنت حاضرا؟ فقال: لو كنت حاضرا فلأي شيء كتبت الكتاب؟ ~~فقلت: هل جاء أحد من عندها وأعلمك؟ فقال: إنه لا يجسر أحد من غلمانها أن ~~يقابلني. # فقلت: ولا راح أحد من عندك إليها. # فقال: هي أخس وأحقر منم أن يمضي إليها أحد من عندي. # PageV01P157 # فقلت: يا سيدي! الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى والوحي ما نزل إلا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال: يا عاقل أما سمعت قول القائل: # قلوب العاشقين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا # وأجنحة تطير بغير ريش ... إلى ملكوت رب العالمينا # فقلت: صدقت يا مولاي، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه ~~برجله ورماه في البركة فصعب علي، فلما علم مني ذلك قال: مم غيظك؟ أقعد ~~الليلة عندي كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور، ~~وأنا أحب إليك منها وأنشد يقول: # رأيت شاة وذئبا وهي ماسكة ... بأذنه وهو منقاد لها ساري # فقلت: أعجوبة ثم التفت رأى ... ما بين نابيه ملقى نصف دينار # فقلت للشاة: ماذا الإلف بينكما ... والذئب يسطو بأنياب وأظفار # تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة ... بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري # قال: فلما سمعت كلامه، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية ~~والنهاية. ثم انتقلنا إلى مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات، ~~فتناول الأمير عمرو وشرب وسقاني، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب ~~فقال: يا أبا الحسن، ما لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء؟ فقلت: ~~يقال: الشراب بلا طرب ولا سماع، الدن أولى به. # فقال لي: قم بسم الله. # فقمت معه إلى مجلس وحضيرة تنقط بالذهب واللازورد العجيب، وهي مزخرفة قد ~~عبقت أزهارها وضحكت سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو ~~وأجلسني بجانبه وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس ~~عجيب وحضيرة مليحة ثم قلت: يا مولاي، قد ms134 تقدم القول إن الشراب بلا سماع، ~~الدن أولى به، فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار. الواحدة ~~تحمل عودا، والثانية تحمل دفا، والثالثة تحمل مزمارا ثم نقرت الدفية على ~~دفها، وألحت العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي ~~نحن فيه يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول: # PageV01P158 # أحبابنا إنني من يوم فرقتكم ... على فراش الضنا ما زلت مضطجعا # داويت قلبي بحسن الصبر بعدكم ... عسى يفيق من الأسقام ما نفعا # فوالله يا أمير المؤمنين لقد طربت غاية الطرب من حسن صوتها. فلما فرغت ~~الدفية ضربت العودية على عودها طرقا عديدة، ثم رجعت إلى الطريقة الأولى ~~وأنشدت تقول: # أمؤنس طرفي لا خلا منك ناظري ... وجامع شملي لا خلا منك مجلسي # ويا ساكنا قلبي وما فيه غيره ... يحل فما استوحشت فيه لمؤنسي # وبالله يا أغنى الورى من ملاحة ... تصدق على صب من الصبر مفلس # أنلني الرضا حتى أغيظ به العدا ... ويا موحشي من بعد ما كان مؤنسي # رضاك الذي إن نلته نلت رفعة ... وألبسني في الناس أشرف ملبس # قال: والله يا أمير المؤمنين لم نتمالك عقولنا من الطرب، ثم التفتت ~~العودية نحو الدفية وقالت لها: يا فلانة أتحسني أن تقولي مثل هذا؟ فقالت ~~الدفية: أنا أحفظ أبياتا ما أظن أنك تحفظين لهن وزنا ولا قافية ولا عروضا. # فقالت العودية: هات ما عندك. # فنقرت الدفية على دفها بأناملها ورفعت صوتها وهي تقول: # كرر وردد ذكرهم في مسمعي ... فهم الشفا لتألمي وتوجعي # أقصر بعذلك يا عذول فإن لي ... قلبا لعذلك لا يفيق ولا يعي # فقالت لها العودية: أنا أحفظ الوزن والقافية والعروض. # فقالت الدفية: هات. # فضربت العودية طريقة من اثنين واثنين وأربعة وأربعة وثمانية وثمانية وستة ~~عشرة وستة عشر ثم عادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول: # إن لم أل وادي إلا سيل بأدمعي ... أعلم بأني في الصبابة مدعي # يا سعد إن جئت الغوير وعاينت ... عيناك بأن المنحني فلترجع # وخذ الحذار من الغزال المختفي ... واحذر يصيدك لحظ ذات البرقع # قال: والله ms135 يا أمير المؤمنين فلقد طربنا حتى قام كل منا ورقص. فلما فرغت ~~الجارية قال لها سيدها: عن لي على الذي بقلبي وحدي، فعندها ساوت عودها ~~وقالت: # ما كنت أول رامق صبا صبا ... نحو التصابي، وهو في عمر الصبا # فعلام يعذلني العذول على البكا ... لولا الغرام لما غدوت معذبا # PageV01P159 # حم الغرام بحكمه في مهجتي ... ولقد غدا قلبي به متقلبا # يا للرجال خبا الهوى بحشاشتي ... نارا، فما تخبو على ذاك الخبا # ولقد سبى قلبي غزال لو رأت ... بلقيس طلعته لما سكنت سبا # ولقد هربت من الغرام فقال لي: ... مهلا! فلن تجدن مني مهربا # فلما سمع الأمير عمرو ذلك صرخ ووقع على الأرض مغشيا عليه. فقالت الجارية: ~~يا مولاي، إنه قد نام سيدي، فإن اخترت أن تنام فقم نم في مرقدك، وإن اخترت ~~الشراب فدونك، ونحن بين يديك إلى الصباح. # فقمت ونمت فلما أصبحت قمت وسألت عن الأمير عمرو فقال بعض الجواري: إنه قد ~~سرح إلى الصيد والقنص فأخذت شاشا لألبسه فرأيت تحته كيسا فيه ألف دينار، ~~فأخذته وأتيت إلى الست بدور، وإذا بها واقفة خلف الباب تنظر وهي تقول: # يا رسولي إلى الحبيب اعتذر لي ... فلعل الحبيب بقبل عذري # ثم قل للحبيب عني بلطف: ... أي ذنب جرى فأوجب هجري # فلما رأتني قالت: يا شيخ أقمح أم شعير؟ فقلت: لا والله ما هو إلا زوان، ~~والله ما رضي يقرأ مكتوبك ولا يرد جوابك. # فرمت إلي الصرة وفيها مائة دينار، وقالت: اذهب يا أبا الحسن، ما مضى ~~الليل وأتى النهار على شيء إلا وأزاله وغيره ويغير الله ما في القلوب. # ثم إنها أغلقت الباب في وجهي ومضت وعدت إلى دار الأمير محمد بن سليمان ~~الزينبي فلقيته قد جاء من الصيد فقعدت عنده أياما وأخذت رسمي وعدت إلى ~~بغداد. ثم إني في السنة الثانية سافرت إلى البصرة على ما جرت العادة به ~~ومضيت إلى الأمير عمرو بن جبير الشيباني لأتمنع بذلك الوجه المليح والقد ~~الرجيح، فوجدت الدار متغيرة الآثار والعبيد لابسين السواد فلما رأيت ذلك ms136 ~~بكيت وأنشدت أقول: # يا دار أين ترحل السكان ... وسرت بهم من بعدها الأظعان # بالأمس كان بك الضياء مع الهنا ... واليوم عرصاتك الغربان # فسمعني بعض الغلمان، فظهر لي وقال: من ذا الذي يبكي على ديارنا ويندب ~~منازلنا؟ كفى بنا ما عندنا. # PageV01P160 # فقلت له: يا عبد الخير، إن صاحب هذه الدار كان من أصدق الناس إلي فما فعل ~~به الزمان؟ فقال لي الغلام: يا مولاي هو في قيد الحياة. وهو يطلب الموت فلا ~~يجده. # فقلت له: بالله عليك خذ لي الطريق. # فقال لي الغلام: يا مولاي من أقول. # فقلت: قل الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي المسامر. # قال: فعبر الغلام وغاب ساعة وعاد وقال لي: بسم الله أدخل. ويقول له: يا ~~مولاي الضارب ضارب والساكن ساكن لا برد ولا حمى ولا تشتكي غير سهر الليل ~~وجريان الدمع، لا يكون المولى إلا مسحورا. # فلما سمع الأمير عمرو كلام الطبيب بكى وأنشد يقول: # قال الطبيب لقومي، حين جس يدي: ... هذا فتاكم ورب البيت مسحور # فقلت: ويحك قد قاربت في صفتي ... عين الصواب فهلا قلت مهجور # ثم إنه ناوله كاغدا فيه بعض دنانير، فأخذها الطبيب وانصرف ثم التفت ~~الأمير عمرو إلي وقال: يا شيخ أبي الحسن أما تنظر إلى هذا الحال الذي وقعت ~~فيه؟ # فقلت له: حاشاك من الأسوأ ما سبب ذلك؟ قال: ما أعرف له سببا إلا أن هجر ~~الست بدور قد قتلني وحبها أضنى فؤادي. # فقلت: يا مولاي، بالعام الماضي تركتك أميرا، واليوم أتيت لقيتك أسيرا فما ~~السبب؟ فقال الأمير عمرو: يا شيخ إني في ليلة من الليالي ركبت في الشط، وقد ~~شحنت مركبي من سائر الأزهار والفواكه والرياحين والطعام والمدام، وأوقدت ~~الشموع حتى صارت مثل ضوء النهار، وقد غرقنا في البسط، وبقينا في لعب وضحك ~~إلى ثلث الليل الأول، وإذ قد أقبل من صدر الشط مركب وهو يعزف بالطارات ~~والدفوف ويضيء كضوء الشمس وفيه وهج عظيم، فقلت للملاح: قدم بنا حتى نتفرج ~~وننظر أينا أحسن تعبية مركبنا أو هذا المركب؟ فمددت عيني فرأيت ms137 صاحبتي الست ~~بدور، وهي بين جواريها وغلمانها تلعب وتضحك، وهي مثل اسمها، اسم على مسمى، ~~فلما وقعت عيني عليها، كأنما رمت في قلبي جمرة نار فقلت في نفسي: ما فارقت ~~هذا الوجه المليح بذنب. ثم إني تذكرت العهد القديم الذي كان بيننا فلم أقدر ~~أن اصبر، فمدت يدي وأخذت تفاحة # PageV01P161 # ورميتها إلى الست بدور فالتفتت فرأتني. فقالت للملاح: ارجع بنا إلى البر، ~~نحن خرجنا هذه الليلة ننشرح، فأرسل الله لنا هذا الفتى ينغص علينا عيشنا. ~~فلما سمعتها تشتمني أضرمت النار في قلبي ثم قلت لنفسي: أنت كنت المطلوب ~~فصرت الطالب، فلم يهن لي عيش في هذه الليلة فقلت للملاح: ارجع إلى الشط. ثم ~~إني نزلت ومضيت إلى منزلي وما ذقت طعم المنام. فلما أصبحت لم يقر لي قرار ~~وصرت أترقب أن يأتي أحد من عندها، ثلاثة أيام، فلم يأت أحد فبعثت من يعرض ~~بذكري لها، فدعت عليهم وشتمتهم. فكتبت لها بعد ذلك ألف كتاب، فلم ترد لي ~~جوابا، وقد رميت روحي على كل كبير في البصرة، فيدخلون عليها فلم تقبل ولم ~~تزدد إلا جفاء، ولي مدة أنتظرك يا شيخ أبا الحسن حتى أبعث معك كتابا وأنا ~~أحلف لك إن هي ردت لك جوابه أعطيتك ألف دينار، وإن لم ترد جوابه أعطيتك ~~مائة دينار. # فقلت له: اكتب!. # فدعا بدواة وقرطاس وكتب في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ~~من متيم يشكو إليك الصبابة ويسألك بالله أن تردي جوابه. أما بعد، فإنه يعجز ~~لساني ويكل جناني مما أنا فيه من طول السهر ودوام الفكر، وبكى لبكائي أصم ~~الحجر فألف ألف لا أوحش الله منك والسلام عليك. # ثم ختم الكتاب وناولني إياه فأخذته وأتيت به إلى دار الست بدور، فلقيت ~~الباب على غير تلك الحالة الأولى عليه ستر مرخي وبواب وخادم. فقلت: لا إله ~~إلا الله، كان هذا الباب بالأمس خاليا من الأصحاب، واليوم عليه خادم وبواب، ~~ثم إني تقدمت إلى الخادم، وقلت له: قم يا ولدي ادخل واستأذن على مولاتك ms138 ~~الست بدور وقل لها: الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي قد أتى ويطلب المثول ~~بين يديك. # فغاب الخادم ثم عاد مسرعا وقال: بسم الله ادخل. # فدخلت الدهليز فسمعت الست بدور وهي تقول: # ولأصبرن على الزمان وجوره ... حتى يعود كما أريد وأشتهي # قال: فلما دخلت رأيتها قاعدة على حافة البركة، وبين يديها جارية تروح ~~لها، فتقدمت وقبلت يدها وجلست فنظرت، وإذا عليها غلالة لازوردية، وجميع ~~جسدها بائن من تحت الغلالة كأنه عمود مرمر، وعلى الغلالة مكتوب هذا البيات: # PageV01P162 # أقبلت في غلالة زرقاء ... لازوردية كلون سماء # فتأملت في الغلالة ألقى ... قمر الصيف في ليالي الشتاء # ليتني كنت للمليحة عقدا ... أو لثاما للوجه مثل الرداء # أو قميصا من الحرير خفيفا ... لاصقا بالفؤاد والأحشاء # ضربتني بخنجر العشق حتى ... صرت ملقى مخضبا بدمائي # تركتني على الطريق ونادت ... من يصلي على قتيل هوائي # ثم إني لما فرغت من قراءة الأشعار قالت لجاريتها: هات لي بذلة قماش، ثم ~~غيرت ما كان عليها، وجلست ثم أمرت بإحضار المائدة وقالت: بسم الله، كل يا ~~أبا الحسن. # فقلت: لا والله لا أكلت لك طعاما ولا شربت عندك مداما حتى تقضي حاجتي. # فقال: كان هذا من الأول لكن والله قد وقعت من عيننا برواحك إلى الأمير ~~عمرو قبل مجيئك إلينا. # فقلت لها: أنا ما رحت. # فقالت: تكون شيخا وتكذب، أنت ما عبرت عليه ولقيت الطبيب، وهو يقول له: ~~كيت وكيت، وجرى لك معه كذا وكذا، وهذا الكتاب في طي عمامتك وبالأمارة قال ~~لك: إن ردت الجواب أعطيتك ألف دينار وإن لم ترد لي الجواب أعطيتك مائة ~~دينار؟ فقلت: يا ستي من أعلمك بهذا؟ فقالت: أليس القائل يقول: # قلوب العاشقين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا # وأنا يا شيخ أبا الحسن أعشق منه وأرى أكثر مما يراه. # فقلت: صدقت يا مولاتي، كان ذلك. # ثم ناولتها الكتاب ففضته وقرأته ثم إنها مزقته وبصقت عليه، وداسته ورمته ~~في البركة. فلما رأيت ذلك قلت في نفسي: هذا بذاك وفرض الدين لا بد له من ~~وفاء ms139 إلا أني حصل لي بعض غيظ على الألف دينار التي تفوتني، فنظرت غلي وعرفت ~~مني ذلك فقالت: يا شيخ أبا الحسن مم غيظك؟ إن كان وعدك بألف دينار، فبت ~~الليلة عندي وكل واشرب والتذ واطرب، وخذ لك غدا مني ألف دينار وامض في حفظ ~~الله. # فقلت: يا سيدتي يكاد الأمير عمرو أن يموت. # فقالت: دعنا من هذا الكلام. # PageV01P163 # ثم إن المائدة حضرت فأكلنا بحسب الكفاية، فلما فرغنا قالت: يا شيخ أتعرف ~~لعب الشطرنج. # قلت: ما ألعب إلا على الحكم والرضا. # فقالت: نعم. ثم دعت بالشطرنج فوضع بين أيدينا ولعبت معها الدست الأول، ~~غلبتني فأمرت الجواري أن يرموني في البركة، فمسكوني ورموني في البركة، ~~فضحكت علي ساعة. ثم أخرجوني وقد ابتلت جميع حوائجي. فلما رأتني على تلك ~~الحالة أمرت ببذلة من القماش من أفخر الملبوس فلبست فقالت: أتلعب أيضا على ~~الحكم والرضا؟ قلت: نعم، فلعبنا فاحتلت عليها، وأتيت لها بحكاية لطيفة ~~مضحكة وشغلتها وسرقت القطع إلى أن غلبتها وتحكمت فيها وقلت: أريد الألف ~~دينار وجواب الكتاب فأعطتني الألف دينار، وطلبت دواة والقرطاس، ثم إنها ~~أطرقت ساعة ورفعت رأسها وكتبت تقول: # ألا يا عمرو كم هذا العناء ... وكم هذا التجلد والجفاء # كتبت إلي تشكو ما تلاقي ... من الأسقام إذ نزل القضاء # فسقم لا يزال بطول دهر ... وداء ما له أبدا دواء # ولو ساعدتنا يا عمرو يوما ... لساعدناك إذ نزل البلاء # فعش ضبا ومت كمدا حزينا ... فواجدة بواحدة جزاء # فلا فرغت ناولتني الورقة فقرأتها فقلت: يا ستي، بالله عليك لا تفعلي ~~وارحمي الأمير عمرا واكتبي له غير هذا. # فقالت: يا شيخ أبا الحس، أنت رسول أو فضولي؟ فقلت لها: رسول وفضولي ~~وطفيلي، ويعظ القطط ويحلف أنه ما يبيت إلا في الوسط ويغني بليت بكم. # قال: فضحكت من كلامي، وقالت: حكمتك في نفسي. # فقلت: ست بدور أين تلك المحبة التي كنت تحبينها للأمير عمرو؟ فلو أبصرته ~~ما عرفته من شدة ما يقاسي من الأسقام والآلام والأمراض. # فلما سمعت ذلك قالت: أخبرني عن أقوى شيء ms140 به من المرض؟ فقلت: يا سيدتي، ما ~~أقدر أصف لك بعض ما فيه من ألم المرض. فترغرغت عيناها بالدموع ثم قالت: يعز ~~علي ما وصفت لي عنه وروحي لروحه الفداء فالحمد لله الذي جعل اجتماعنا على ~~يديك. ثم دعت بدرج غير تلك الورقة وكتبت في أول الكتاب: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، # PageV01P164 # ثم إنها ابتدأت تنشد وتقول: # وصل الكتاب فلا عدمت أناملا ... عنيت به حتى تضوع طيبا # ففضضته وقرأته، فوجدته ... لخفي أوجاع القلوب طبيبا # فكأن موسى قد أعيد لأمة ... أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا # المملوكة تقبل الأرض وتنهي أن شوقها شديد، وغرامها ما عليه من مزيد، ~~ومأمولها من الحميد المجيد أن يجمع شملها بك قبل أن تريد، وأقول: # أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى ... لمقامكم قعدت بي الأيام # والله إني لو وصفت صبابتي ... فني المداد وقلت الأقلام # ثم إنها نثرت فتات المسك والطيب في رسالتها وطوتها وحققتها وناولتني ~~إياها فأخذتها وقمت مسرعا وأنا فرحان إلى أن أتيت دار الأمير عمرو ودخلت ~~الدهليز فسمعته يقول: # ترى حرمت كتب المحبة بيننا! ... أسحر أم القرطاس أصبح غاليا # فاستأذنت عليه ودخلت فلما رآني قال لي: أقمح أم شعير؟ فقلت له: قمح مغر ~~بل ليس فيله كدر. ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه فلما فهم معناه تهلل وجهه ~~بالفرح فبكى وقال: # هجم السرور علي حتى إنه ... من فرط ما قد سرني أبكاني # يا عين! قد صار البكا لك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان # فلما فرغ من البكاء قال لي: يا شيخ ما أظن الحديد يلين ولا الصخر يذوب ~~نعل أن تكون صنت هذا الكتاب من عندك؟ فقلت: يا مولاي والله ما صنعته ولا ~~كتبته بل هو خطها بيدها. # فبينما هو يخاطبني، إذ هي عبرت علينا وهي تخطر لفي قوامها وهي تنشد ~~وتقول: # نزوركم لا نجازيكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم ستزر زارا # فلما رآها الأمير عمرو نهض قائما على قدميه ورمى بروحه عليها واعتنقها ~~واعتنقته ساعة زمانية، فقمت لأخلي لهما المكان، فقالت الست بدور: إلى أين ms141 ~~تروح يا شيخ؟ قلت أخلي لكما المكان لأنكما ما اجتمعتما من مدة سنة كاملة. # فقالت: لا تفارقني من الساعة إلى الصباح. # PageV01P165 # فقام الأمير عمرو وأخذنا ومضى بنا إلى مجلس مليح وقدم لنا الطعام المفتخر ~~وأمر بإزالة كل شيء كان عليه من آلة الحزن وجيء له بالماء فغسل يديه وغسلنا ~~أيدينا، وانتقلنا إلى مجلس الشراب، وبتنا في لذة ورأيت الماوية تدب في وجه ~~الأمير عمرو. فلما أصبحت قالت: يا شيخ أبا الحسن، امض وائتنا بالقاضي ~~والشهود. # فلم يكن بأسرع مما أ؛ ضرتهم. فقالت الست بدور للقاضي: اكتب كتابي على ~~الأمير عمرو، وقد وليت الشيخ أبا الحسن عقد النكاح. # فخطب القاضي خطبة النكاح وعقد العقد بينهما، فرسم الأمير عمرو للقاضي ~~بألف دينار وللشهود بمائتي دينار، وعمل الوليمة وطبخ الطعام وعمل الحلاوات ~~وجمع الناس ووضع بين أيديهم الموائد وأطعم الشارد والوارد، وزفت الست بدور ~~تلك الليلة إلى الأمير عمرو، فلما وقفوا على المنصة قلت: ما تصلح إلا له ~~ولا يصلح إلا لها، ولو رآها غيره لزلزلت الأرض زلزالها، ثم تقدمت إلى ~~الأمير عمرو وقلت له: يا مولاي، المثل يقول: العصفور يتفلى والصياد يتقلى، ~~وأنتم تقولون: وا طرباه وأنا أقول وا حزناه. # فقالت الست بدور: ما معنى كلامك هذا؟ قلت: يا سيدتي الأمير عمرو وعدني ~~بوعد والوعد على الكرماء دين. # فقالت الست بدور: صدق الشيخ أعطه الذي وعدته به. فقال الأمير عمرو لبعض ~~غلمانه: أعط الشيخ أبا الحسن ألفا وخمسمائة دينار، يستحق أكثر من ذلك. # فمضى الغلام وعاد بسرعة ومعه كيس وناولني إياه وأعطتني الست بدور مثله. ~~ثم إني ودعتهم وخرجت إلى أن أتيت إلى الأمير محمد بن سليمان الزينبي، وقعدت ~~عنده على عادتي، وأخذت رسمي الذي عليه في كل سنة وعدت إلى بغداد فما رأيت ~~سنة أبرك علي منها، حصل لي فيها أربعة آلاف دينار. # وهذا جملة الحديث فتعجب الخليفة وقال: ما قصرت يا شيخ أبا الحسن خذ من ~~جعفر ألف دينار لأنك أنت الذي أزلت عني ما بقلبي. # فقال جعفر: ومن عند ms142 أمير المؤمنين ألف دينار لأنه هو الذي زال عنه ما كان ~~يجده. # فقال أبو الحسن: صدق الوزير أبقاه الله تعالى، ثم إنه قبض الألفين دينارا ~~ومضى إلى منزله والله أعلم. # PageV01P166 ### | من هم البرامكة # قال أبو القاسم بعد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة عبد المجيد بن عبدون: ~~جعفر البرمكي، هو جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، والبرمك هو الذي يعمر بيت ~~النور، وهو بيت النار، وكان برمك من مجوس بلخ وكان عظيم القدر فيهم، وولده ~~خالد، فلما كبر صار وزيرا لأبي السفاح بعد أبي سلمة الحلال، وقتل هارون ~~الرشيد جعفرا سنة سبع وثمانين ومائة، وكان قد بلغ من الرشيد ما لا يبلغه ~~وزير من خليفة قبله، حتى كان يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان على ~~ما ذكره بعض المخبرين حتى بلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله ~~وولده. ### | منزلة جعفر عند الرشيد # فمن ذلك ما حكاه ابن المهدي عم الرشيد، وهو إبراهيم المعروف بابن شكلة، ~~وكانت شكلة أمة سوداء، وقد ذكر أن إبراهيم كان أسود شديد السواد، وكان من ~~الطبقة العليا في صنعة العود قال: قال لي جعفر يوما: يا إبراهيم: إذا كان ~~غد فأبكر إلي. # فلمام كان الغد مشيت إليه بكرة، فجلسنا نتحدث. فلما ارتفع النهار أحضر ~~حجاما فحجمنا، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال ~~جعفر لخادمه: لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرماني. # فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجلا من بني ~~هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب ~~أنه الذي أمره بإدخاله عليهما، فلما رآه جعفر تغير لونه ورآهم عبد الملك بن ~~صالح على تلك الحالة، وظهر له أنهم احتشموه فأراد أن يرفع خجله وخجلهم ~~بمشاركته لهم في فعلهم فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم. # فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب، فلما بلغ ثلاثا قال ~~للساقي: لتخفف عني فإني ما ms143 شربته قط. # فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي ~~فأقضيها لك مكافأة لما صنعت.؟ قال: بلى، إن أمير المؤمنين علي غاضب، فسله ~~الرضا عني. # قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين. # PageV01P167 # قال: علي أربعة آلاف دينار. # قال: هي لك حاضرة من مال أمير المؤمنين. # قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين. # قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة. # قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. # قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر. # قال إبراهيم بن المهدي، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام ~~جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. فلما كان من الغد وقفنا على باب ~~الرشيد ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم ~~بن عبد الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل ~~إبراهيم على مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله ~~التفت إلي وقال: لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره. # قلت: نعم. # قال لي: لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من ~~أولها إلى آخرها، كما كانت، قال الرشيد: أحسن والله أحسن والله. ثم قال: ما ~~صنعت؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال: أحسنت. وخرج إبراهيم واليا ~~على مصر من يومه والله تعالى أعلم. # PageV01P168 ### | الفتى العاشق وجعفر # قال إبراهيم بن إسحاق: كنت منقطعا إلى البرامكة، فبينما أنا ذات يوم ~~بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي: على الباب فتى جميل ~~يستأذن، فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال: لي مدة أحاول لقاءك ولي ~~إليك حاجة. # فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي. وقال: أسألك أن ~~تقبلها مني وتصنع لي لحنا في بيتين قلتهما. # فقلت: أنشدنيهما فقال: # بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن # لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في ms144 كفني # قال: فصنعت لهما لحنا يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه ~~مات ثم أفاق، وقال: أعده فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت فقال: ليت ذلك، ~~وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقة أشد من الأولى، فلم أشك في ~~موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس، فحمدت الله على ~~السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت: خذ مالك وانصرف عني. # فقال: لا حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته. # فشرهت نفسي فقلت: أعيده ولكن بثلاث شروط، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي ~~حتى تتقوى نفسك؛ الثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك؛ الثالث أن تحدثني ~~بحديثك. # ففعل ذلك ثم قال: إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزها، وقد سال المطر في ~~العقيق، مع إخواني فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى، تنظر بعيني ~~ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، فظللن حتى فرغ النهار، فانصرفن وقد رمت ~~بقلبي جراحا بطيئة الاندمال، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحدا يرشدني إليها ~~فجعلت أتتبعها في الأسواق فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسى، وحكيت قصتي لذات ~~قرابة لي فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء ~~فتخرج حينئذ، وأنا أخرج معك فافعل مرادك. # PageV01P169 # قال: فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن سال العقيق وخرج الناس ينظرون فخرجت مع ~~إخوتي وقرابتي، فجلسنا في مجلسنا بعينه فما لبثنا إلا والنسوة كفرسي رهان ~~فقلت لذات قرابتي: قولي لهذه الجارية يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال: # رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد عاودت جرحا به وندوبا # قال: فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت لها: قولي له، وقد حسن من أجابه: # بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي القلوب قريبا # قال: فأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة، وقمت منصرفا، فقامت لقيامي فتبعتها ~~قرابتي حتى عرفت منزلها، ورجعت فأخذتني، وسرنا إليها حتى اجتمعنا. واتصل ~~ذلك حتى شاع وطهر وحجبها أبوها. فلم أزل مجتهدا في لقائها ms145 فلم أقدر، وشكوت ~~ذلك إلى أبي فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها راغبا في خطبتها فقال: لو بدا له ~~ذلك قبل أن يفضحها لفعلت ولكنه شهرها، فما كنت لأحقق قول الناس. قال ~~إبراهيم فأعدت عليه الصوت وعرفني منزله ثم انصرف. وكانت بيننا عشرة، ثم جلس ~~جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي فغنيته شعر الفتى، فطرب وشرب أقداحا وقال: ~~ويلك! لمن هذا الصوت؟ فحدثته حديث الفتى فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ~~ثقة من بلوغ أربه، فمضيت إليه وأحضرته فاستعاد الحديث فحدثه فقال: هي في ~~ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح ركب جعفر إلى ~~الرشيد وحدثه بذلك فاستظرفه، وأمر أن يحضرا جميعا واستعاد الصوت وشرب عليه، ~~فأمر بكتب كتاب إلى عامل الحجاز بإحضار المرأة وأهلها ووالدها مبجلين إلى ~~حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة، فلم يمض إلا يسير حتى حضروا، فأشار ~~الرشيد بإيصال الرجل إليه، فحضر وأمر بتزويج ابنته من الفتى، وأعطاه ألف ~~دينار، ونقلت إلى أهله، ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث فاد ~~الفتى بأهله إلى المدينة، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين. # PageV01P170 ### | الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلام # حكاية أجنبية # مما اتفق أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان كان قد أهدي له غلام من ~~النصارى لا تقع العيون على أحسن منه. فلمحه الملك الناصر، فقال له: أنى لك ~~هذا؟ قال: هو من عند الله. # فقال: تتحفونا بالنجوم، وتستأثرون بالأقمار. # فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام، وقال له: كن داخلا ~~في جملة الهدية ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذه الأبيات: # أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض # أرضيكم بالنفس، وهي نفيسة ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي # قال: فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكن عنده، ثم بعد ذلك ~~أهديت للوزير جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر ~~فيطلبها، فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها ms146 مع ~~الجارية، وكتب معها هذه الأبيات: # أمولاي هذي الشمس والبدر أولا ... تقدم كيما يلتقي القمران # قران لعمري بالسعادة ناطق ... فدم معها في كوثر وجنان # فما لهما والله في الحسن ثالث ... وما لك في ملك البرية ثان # قال: فتضاعفت مكانته عنده، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر أن عنده بقية ~~من حب الغلام، وأنه لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول، فيقرع السن على ~~تعذر الوصول إليه. فقال الناصر للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلا طار رأسك، ~~وكتب على لسان الغلام ورقة فيها: يا مولاي تعلم أنك كنت لي على الانفراد، ~~ولم أزل معك في نعيم وأنا وإن كنت عند السلطان مشاركا في منزله محاذرا ما ~~يبدو من سطوة الملك، فتحيل في استدعائي منه. # ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول هي من عند فلان، وإن الملك لم ~~يكلمه قط، فلما وفق عليها أبو عامر واستخبر الخادم أحس بالمكيدة، فكتب على ~~ظهر الورقة يقول: # PageV01P171 # أمن بعد أحكام التجارب ينبغي ... لدي سقوط العير في غابة الأسد # ولا أنا ممن يغلب الحب عقله ... ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد # فإن كنت روحي قد وهبتك طائعا ... وكيف يرد الروح إن فارق الجسد # فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى سماع واش فيه بعد ~~ذلك، ثم قال له: كيف خلصت من الشرك؟ قال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك. ### | سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد # والقصة في ذلك على ما رواه إبراهيم بن إسحاق عن أبي ثور زاهر بن صقلاب ~~قال: بلغني أنه كان لهارون الرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي. فقال له ~~يوما: لا يطيب لي ذلك إلا بمحضر أختي ميمونة. ولكن لا يجوز إلا إن كتبت لك ~~عليها لإباحة النظر من غير أن تقربها. # فاتفقا على ذلك وعقد له عليها ثم أحضرها فكانت تحضر لذلك المجلس إلا أنه ~~زاد غرامها وعشقها فيه، وكان لجعفر البرمكي امرأة تزين له الجواري كل ليلة، ~~فجاءت ميمونة إليها ورشتها بمال ms147 فزينتها له، وأدخلتها عليه، فظن أنها جارية ~~فواقعها. فلما أصبحوا قالت له: أنا ميمونة، وقد كنت أسألك أن تساعدني على ~~مودتك فتأبى. فلما أيست منك احتلت عليك بما رأيت في هذه الليلة، وإن لم ~~تواظب لأكونن سببا في سلب نعمتك، وهل أنت إلا زوجي؟ فقال لها جعفر: ويحك ~~أهلكتني وأهلكت نفسك. # وكان كما قال، ولم يزرها حتى ظهر أمرها للرشيد، فهذا كان سبب قتل ~~البرامكة وهذا ابتداء الحديث. # قال المبرد: قال أبو عبد الله المارستاني عن يحيى بن أكثم القاضي، قال: ~~سألت إسماعيل بن يحيى الهاشمي عن سبب زوال نعمة البرامكة. # قال: نعم أعرف صحة الخبر وباطن القصة: كان سبب ذلك أني كنت مع الرشيد ~~يوما من الأيام راكبا إلى الصيد، فبينما نحن نسير إذ نظر إلى موكب بالعبد ~~اعترضنا، فقال لي: يا إسماعيل لمن هذا؟ فقلت: هو لأخيك جعفر بن يحيى. # فالتفت يمينا وشمالا إلى من معه في موكبه، فإذا هو شرذمة يسيرة، ثم نظر ~~إلى الموكب الذي فيه جعفر فلم يره. فقال: يا إسماعيل ما فعل جعفر وموكبه؟ ~~فقلت: يا سيدي قد # PageV01P172 # مضى أخوك في طريق ولم يعلم بموضعك. # فقال: ما رآنا أهلا أن يزيننا بمركبه ويجملنا بجيشه. # فقلت: العفو يا أمير المؤمنين، لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين ~~يديك، واعتذرت بما حضر لي من الكلام. # ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواش كثيرة وعمارة حسنة، وكان ~~الطريق يدور عليها، فدرنا حتى وردنا باب القرية، فنظر الرشيد إلى البيدر ~~وإلى كثرة الغلال فيه والمواشي ويسار أهلها، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل ~~لمن هذه الضيعة؟ قلت: لأخيك جعفر بن يحيى. # فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى، ~~وكلما مر وسألني عن ضيعة قلت: لجعفر بن يحيى، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة، ~~فلما أردت وداعه والانصراف إلى منزلي نظر إلي من كان حواليه نظرة، فعلموا ~~ما أراد فتفرقوا وبقيت أنا وهو، فقال: يا إسماعيل. # قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. ms148 # فقال: انظر إلى البرامكة أغنيناهم وأفقرنا أولادنا وأغفلنا أمرهم. # فقلت في نفسي: بلية والله، ثم قلت: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: نظرت ~~لهؤلاء وغفلت عن هؤلاء لأني لا أعرف لأحد من أولادي ضيعة من ضياع البرامكة ~~على طريق واحد، على قرب هذا المدينة، فكيف بما هو لهم غير ذلك على غير هذا ~~الطريق في سائر البلدان. # فقلت: يا أمير المؤمنين إنما البرامكة عبيدك وخدمك، والضيعات وأموالهم ~~وكل ما يملكون لك. # فنظر إلي نظرة جبار عنيد. # ثم قال: ما عد البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم، وأنهم هم الدولة وأن لا ~~نعمة لبني العباس إلا والبرامكة أنعموا عليهم بها. # فقلت: أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه. # فقال: والله يا إسماعيل! إنك لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم ~~بكلامي فتتخذ لك عندهم يدا، وإني آمرك أن تكتم هذا الأمر فإنه ما علم به ~~أحد غيرك، ومتى بلغهم شيء مما جرى؟ علمت أنه ما أفشاه إلا أنت. # PageV01P173 # فقلت: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون مثلي يفشي سرك. # قال: وكان هذا القول أول ما ظهر من أمر البرامكة، ثم ودعته وانصرفت ~~متفكرا في إيقاع الحيلة عليهم. فلما كان من الغد بكرت إليه، وجلست بين يديه ~~وكان في محل يشرف على الدجلة من شرقي مدينة باب السلام، وبإزائه منزل جعفر ~~من الجانب الغربي، وكانت المواكب من جميع الأصناف: من قائد وأمير وعامل ~~يردون في كل يوم إلى قصر جعفر، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل، هذا ما كنا ~~فيه بالأمس. انظر كم على باب جعفر من الجيوش والغلمان والمواكب، وأنا ما ~~على باب داري أحد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ناشدتك الله أن لا تعلق نفسك ~~بشيء من هذا. وإن جعفرا إنما هو عبدك وخادمك ووزيرك وصاحب جيوشك، إذا لم ~~يكن الجيش على بابه فعلى باب من يكون؟ إنما بابه باب من أبوابك. # فقال: يا إسماعيل، أنظر إلى دوابهم ألست ترى أعجازهم إلى قصري وتروث ~~بإزائنا، ونحن ننظر إليها، والله هذا هو الاستخفاف بعينه، ms149 والله لا أصبر ~~على ذلك. # ثم غضب غضبا شديدا وامتلأ غيظا، فأمسكت عن الكلام وقلت: والله هذا قضاء ~~من الله سابق وحكم لا محالة واقع، ثم استأذنته في الانصراف ورجعت إلى ~~منزلي، فلقيني جعفر في الطريق يريد الرشيد، فتواريت عنه حتى مضى، فدخل إليه ~~وسلم عليه فأجلسه عن يمينه وأكرمه غاية الإكرام وبش في وجهه وحادثه ساعة ~~ووهب له خادما من خاصة خدمه وأنبلهم وأوضحهم وجها وأكملهم ظرفا، كاتبا ~~حاسبا لبيبا، فسر جعفر سرورا كاملا، ووقع في قلبه أجل موقع، وكان دسيسا ~~عليه وبلية لديه يرفع أخباره إلى الرشيد ويحصي عليه أنفاسه ساعة بساعة ~~ووقتا بوقت، فخلا به جعفر يومه ذلك وليلته واحتجب من أجله عن الناس، فلما ~~كان بعد ثلاثة أيام سرت إلى جعفر فسلمت عليه، فلما خلا مجلسه ولم يبق عنده ~~غيري وذلك الخادم واقف، وعلمت أن الخادم يحصي علينا أخبارنا فقلت: أيها ~~الوزير، نصيحة أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم. # وكان الرشيد ولاه كورة خراسان كلها وما يضاف إليها وينسب لها قبل هذا ~~الكلام بأيام، وخلع عليه وعقد له لواء وعسكرا بالنهروان، وضرب الناس ~~مضاربهم بها، وهم متأهبون للسفر، فقلت: يا سيدي! أنت عازم على الخروج إلى ~~بلدة كثيرة الخير واسعة الأقطار عظيمة المملكة، فلو صيرت بعض ضياعك لولد ~~أمير المؤمنين لكان أحظى لمنزلتك عنده؟ فلما قلت ذلك نظر إلي مغضبا وقال: ~~والله يا إسماعيل، ما أكل الخبز # PageV01P174 # ابن عمك أو قال صاحبك إلا بفضلي، ولا قامت هذا الدولة إلا بنا، أما كفى ~~أني تركته لا يهتم بشيء من أمر نفسه وولده وحاشيته ورعيته، وقد ملأت بيوت ~~أمواله أموالا، ولا زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد عينيه إلى ما ادخرته ~~واخترته لولدي وعقبي من بعدي، وداخله حسد بني هاشم وبغيهم ودب فيه الطمع ~~والله لئن سألني شيئا من ذلك ليكونن وبالا عليه سريعا. # فقلت: والله يا سيدي، ما كان مما ظننت شيء ولا تكلم أمير المؤمنين بحرف. # قال: فما هذا الفضول منك، فقعدت بعدها هنيهة ثم قمت ms150 إلى منزلي ولم أركب ~~إليه ولا إلى الرشيد لأني صرت بينهما في حال تهمة، وقلت في نفسي: هذا ~~الخليفة وهذا وزيره، وأي شيء لي بالدخول بينهما؟ ولا شك في زوال نعمة ~~البرامكة، وأن أمورهم قد انثلمت. # قال: وحدثني خادم أم جعفر: أن الخادم الذي وهبه الرشيد لجعفر كتب إلى ~~الرشيد بما كان بيني وبينه، وما تكلم به من الكلام الغليظ. # قال: فلما قرأ الكتاب وفهم الخبر احتجب ثلاثة أيام متفكرا في إيقاع ~~الحيلة على البرامكة فدخل في اليوم الرابع على زبيدة فخلا بها وشكا لها ما ~~في قلبه، وأطلعها على الكتاب الذي رفعه إليه الخادم، وكان بين جعفر وزبيدة ~~شر وعداوة قديمة فلما تملكت الحجة عليه بالغت في المكر بهم واجتهدت في ~~هلاكهم، وكان الرشيد يتبرك بمشورتها، فقال: أشيري علي برأيك الموافق ~~الرشيد، إني خائف أن يخرج الأمر من يدي إن تمكنوا من خراسان وتغلبوا عليها؟ ~~فقالت: يا أمير المؤمنين! مثلك مع البرامكة كمثل رجل سكران غريق في بحر ~~عميق، فإن كنت قد أفقت من سكرتك وتخلصت من غرفتك أخبرتك بما هو أصعب عليك ~~وأعظم من هذا بكثير؛ وإن كنت على الحالة الأولى تركتك. # فقال لها: قد كان ما كان، فقولي أسمع منك. # فقالت: إن هذا الأمر أخفاه عنك وزيرك وهو أصعب مما أنت فيه وأقبح وأشنع. # فقال لها: ويحك، وما هو؟ فقالت: أنا أجل من أن أخاطبك به ولكن تحضر ~~أرجوان الخادم وتشدد عليه وتوهنه ضربا فإنه يعرفك الخبر. # وكان الرشيد قد أحل جعفرا محلا لم يحله أخوه ولا أبوه، وأمره أن يدخل على ~~الحريم في السفر والحضر وأبرز إليه جواريه وأخواته وبناته لأنه كان بينهما ~~رضاع سوى امرأته # PageV01P175 # زبيدة، فإنه لم يكن رآها ولا دخل عليها ولا قضى لها حاجة، ولا هي أيضا ~~تستقضيه حاجة، فلما فسد قلب الرشيد وعزم على هلاك البرامكة وجدت سبيلا على ~~البرامكة فحطت على جعفر، وكان جعفر يدخل على الحريم في غياب الرشيد ويقضي ~~حوائجهن لأنهن لا يستترن منه، وكان ذلك بأمر الرشيد، ms151 ولم يعلم الرشيد ما ~~حدث من جعفر. # قال: فخرج الرشيد واستدعى أرجوان الخادم وأحضر السيف. والنطع، وقال: برئت ~~من المنصور إن لم تصدقني في حديث جعفر لأقتلنك. # فقال: الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم لك الأمان. # فقال: اعلم أن جعفرا قد خانك في أختك ميمونة، وقد دخل بها منذ سبع سنين ~~وولدت منه ثلاث بنين: أحدهم له ست سنين، والآخر له خمس سنين والثالث عاش ~~سنتين ومات قريبا، والاثنان قد أنفذهما إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه، ~~وهي حامل بالرابع، وأنت أذنت له بالدخول على أهل بيتك، وأمرتني أن لا أمنعه ~~في أي وقت شاء ليلا أو نهارا. # قال: أمرتك أن لا تحجبه، فحين حدثت هذه الحادثة لم لا أخبرتني أول مرة؟ ~~ثم أمر بضرب عنقه، وقام من وقته على الفور، ودخل على زبيدة، وقال لها: ~~أرأيت ما عاملني به جعفر وما ارتكب من هتك ستري ونكس رأسي وفضحني بين العرب ~~والعجم؟ فقالت: هذه شهوتك وإرادتك، عمدت إلى شاب جميل الوجه حسن الثياب طيب ~~الرائحة جبار في نفسه، أدخلته على ابنة خليفة من خلفاء الله، وهي أحسن منه ~~وجها، وأنظف منه ثوبا، وأطيب منه رائحة، لكنها لم تر رجلا قط غيره، فهذا ~~جزاء من جمع بين النار والحطب. # فخرج من عندها مكروبا فدعا بخادمه مسرورا، وكان قاسي القلب فظا غليظا قد ~~نزع الله الرحمة من قلبه، فقال: يا مسرور، إذا كان الليلة بعد العتمة فأتني ~~بعشرة من الفعلة أجلادا ومعهم خادمان. # قال: نعم. # فلما كان بعد العتمة جاء مسرور ومعه الفعلة والخادمان، فقام الرشيد وهم ~~بين يديه حتى أتى المقصورة التي فيها أخته فنظر إليها وهي حامل فلم يكلمها ~~بشيء ولم يعاتبها على ما فعلت، وأمر الخادمين بإدخالها في صندوق كبير في ~~مقصورتها بعد قتلها ووضعها بحليها وثيابها كما هي وأقفل عليها، وقد علمت ~~أنها بعد قتل أرجوان لاحقة به، فلما # PageV01P176 # علم أنه استوثق بها دعا بالفعلة ومعهم المعاول والزنابيل فحفروا وسط تلك ~~المقصورة حتى بلغوا الماء وهو قاعد ms152 على كرسي، ثم قال: حسبكم! هاتوا ~~الصندوق، فدلوه في تلك الحفرة، ثم قال: ردوا التراب عليه، ففعلوا وسووا ~~الموضع كما كان، ثم أخرجهم وأقفل الباب وأخذ المفتاح معه وجلس في موضعه ~~والفعلة والخادمان بين يديه، ثم قال: يا مسرور! خذ هؤلاء القوم وأعطهم ~~أجرتهم، فأخذهم مسرور وجعلهم في جواليق وخيط عليهم بعد أن ثقلهم بالصخر ~~والحصى ورماهم في وسط الدجلة ورجع من وقته فوقف بين يديه، فقال: يا مسرور! ~~فعلت ما أمرتك به؟ قال: وفيت القوم أجورهم. # فدفع ليه مفتاح البيت، وقال: احفظه حتى أسألك عنه، وامض الآن فانصب في ~~وسط المحل القبة التركية. # ففعل ذلك ووافاه قبل الصبح ولم يعلم أحد ما يريد. فلما جلس في مجلسه وكان ~~يوم الخميس يوم موكب جعفر. قال: يا مسرور لا تتباعد عني. # ودخل الناس فسلموا عليه ووقفوا على مراتبهم ودخل جعفر بن يحيى البرمكي ~~فسلم عليه فرد عليه السلام أحسن رد ورحب به وضحك في وجهه، فجلس في مرتبته، ~~وكانت مرتبته أقرب المراتب إلى أمير المؤمنين، ثم حدثه ساعة وضاحكه، فأخرج ~~جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي؛ فقرأها عليه، وأمر، ونهى، ومنع، ونفذ ~~الأمور، وقضى حوائج الناس، ثم استأذنه جعفر في الخروج إلى خراسان في يومه ~~ذلك، فدعا الرشيد بالمنجم، وهو جالس بحضرته فقال الرشيد: كم مضى من النهار. # قال: ثلاث ساعات ونصف. # وأخذ له الارتفاع وحسب له الرشيد بنفسه ونظر في نجمه، فقال: يا أخي، هذا ~~يوم نحوسك، وهذه ساعة نحس، ولا أرى إلا أنه يحدث فيها حدث، ولكن تصلي ~~الجمعة وترحل في سعودك وتبيت في النهروان وتبكر يوم السبت وتستقبل الطريق ~~بالنهار، فإنه أصلح من اليوم. # فما رضي جعفر بما قاله الرشيد حتى أخذ الاصطرلاب من يد المنجم وقام وأخذ ~~الطالع وحسب الطالع لنفسه، وقال: والله صدقت يا أمير المؤمنين؛ إن هذه ~~الساعة ساعة نحسن وما رأيت نجما أشد احتراقا ولا أضيق مجرى من البروج في ~~مثل هذا اليوم. # ثم قام وانصرف إلى منزله، والناس والقواد والخاص والعام من كل ms153 جانب ~~يعظمونه ويبجلونه إلى أن وصل إلى قصره في جيش عظيم، وأمر ونهى وانصرف الناس ~~فلم يستقر # PageV01P177 # به المجلس حتى بعث إليه الرشيد مسرورا، وقال له: امض إلى جعفر وأتني به ~~الساعة، وقل له: وردت كتب من خراسان، فإذا دخل الباب الأول أوقف الجند، ~~وإذا دخل الباب الثاني أوقف الغلمان، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحدا ~~يدخل معه من غلمانه، بل يدخله وحده، فإذا دخل صحن الدار فمل به إلى القبة ~~التركية التي أمرتك بنصبها فاضرب عنقه، وائتني برأسه، ولا توقف أحدا من خلق ~~الله على ما أمرتك به، ولا تراجعني في أمره، وإن لم تفعل أمرت من يضرب عنقك ~~ويأتيني برأسك ورأسه جملة، وفي هذا كفاية، وأنت أعلم، وتبادر قبل أن يبلغه ~~الخبر من غيرك. # فمضى مسرور واستأذن على جعفر فدخل عليه، وقد نزع ثيابه وطرح نفسه ~~ليستريح، فقال: سيدي! أجب أمير المؤمنين. # قال: فانزعج وارتاع منه، وقال: ويلك يا مسرور! أنا في هذه الساعة خرجت من ~~عنده؛ فما الخبر؟ قال: وردت كتب من خراسان يحتاج أن تقرأها. # فطابت نفسه ودعا بثيابه فلبسها وتقلد سيفه وذهب معه، فلما دخل من الباب ~~الأول أوقف الجند وفي الثاني أوقف الغلمان، فلما دخل من الباب الثالث التفت ~~فلم ير أحدا من غلمانه ولا الخادم الفرد، فندم على ركوبه تلك الساعة ولم ~~يمكنه الرجوع، فلما صار بإزاء تلك القبة المضروبة في صحن الدار مال به ~~إليها وأنزله عن دابته وأدخله القبة فلم ير فيها أحدا. # وفي رواية: رأى فيها سيفا ونطعا فحس بالبلاء، وقال لمسرور: يا أخي ما ~~الخبر؟ فقال له مسرور: أنا الساعة أخوك، وفي منزلك تقول لي: ويلك! أنت تدري ~~ما القضية؟ وما كان الله ليهملك ولا ليغفلك، فقد أمرني أمير المؤمنين بضرب ~~عنقك وحمل رأسك إليه الساعة. # فبكى جعفر وجعل يقبل يدي مسرور ورجليه، ويقول: يا أخي! يا مسرور، قد علمت ~~كرامتي لك دون جميع الغلمان والحاشية، وأن حوائجك عندي مقضية في سائر ~~الأوقات، وأنت تعرف موضعي ومحلي من ms154 أمير المؤمنين، وما يوحيه إلي من ~~الأسرار، ولعل أن يكونوا بلغوه عني باطلا، وهذه مائة ألف دينار أحضرها لك ~~الساعة قبل أن أقوم من موضعي هذا، وخلني أهيم على وجهي. # فقال لا سبيل إلى ذلك أبدا. # قال: فاحملني إليه وأوقفني بين يديه، فلعله إذا وقع نظره علي تدركه ~~الرحمة فيصفح # PageV01P178 # عني؟ قال: ما لي سبيل إلى ذلك أبدا، ولا يمكنني مراجعته، وقد علمت أنه لا ~~سبيل إلى الحياة أبدا. # قال: فتوقف عني ساعة وارجع إليه، وقل له: قد فرغت مما أمرتني به، واسمع ~~ما يقول، وعد فافعل ما تريد، فإن فعلت ذلك وحصلت لي السلامة، فإني أشهد ~~الله وملائكته أني أشاطرك في نعمتي مما ملكته يدي وأجعلك أمير الجيش وأملكك ~~أمر الدنيا. # ولم يزل به وهو يبكي حتى طمع في الحياة، فقال له مسرور: ربما يكون ذلك. # وحل سيفه ومنطقته وأخذهما ووكل به أربعين غلاما من السودان يحفظونه ومضى ~~مسرور ووقف بين يدي الرشيد وهو جالس يقطر غضبا، وفي يده قضيب ينكث به ~~الأرض. فلما رآه قال له: ثكلتك أمك ما فعلت في أمر جعفر؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين قد أنفذت أمرك فيه. # فقال: فأين رأسه؟ فقال: في القبة. # قال: فأتني برأسه الساعة. # فرجع مسرور وجعفر يصلي، وقد ركع ركعة فلم يمهله أن يصلي الثانية حتى سل ~~سيفه الذي أخذه منه وضرب عنقه وأخذ رأسه بلحيته فطرحه بين يدي أمير ~~المؤمنين، وهو يشخب دما فتنفس الصعداء وبكى بكاء شديدا وجعل ينكت الأرض أثر ~~كل كلمة ويقرع أسنانه بالقضيب، ويخاطبه، ويقول: يا جعفر ألم أحلك محل نفسي؟ ~~يا جعفر! ما كافأتني ولا عرفت حقي ولا حفظت عهدي ولا ذكرت نعمتي ولا نظرت ~~في عواقب الأمور، ولا تفكرت في صروف الدهر، ولا حسبت تقلب الأيام واختلاف ~~أحوالها، يا جعفر خنتني في أهلي وفضحتني بين العرب والعجم، يا جعفر، أسأت ~~إلي وإلى نفسك ولا تفكرت في عاقبة أمرك. # قال مسرور: وأنا واقف بين يديه، وهو ينكت الأرض في كل كلمة، وملم يزل ~~كذلك ms155 إلى أن أذن لصلاة الظهر، فدعا بماء فتوضأ للصلاة وخرج للجامع فصلى ~~بالناس جماعة، ثم التفت بوجهه لقصور جعفر ودوره وقبض على أبيه وأخيه وجميع ~~أولاد البرامكة ومواليهم وغلمانهم واستباح ما فيها، ووجه مسرورا إلى العسكر ~~فأخذوا جميع ما فيه من مضارب وخيام وسلاح وغير ذلك. فلما أصبح يوم السبت، ~~فإذا هو قد قتل من البرامكة وحاشيتهم نحو ألف إنسان، وترك من بقي منهم لا ~~يرجع إلى وطنه وشتت # PageV01P179 # شملهم في البلاد، ولم يقدر أحد منهم على كسرة خبز، وحبس أباه يحيى وأخاه ~~الفضل في مطمورة، وأمر بجثة جعفر فصلبت على الجسر ببغداد، ثم بعث إلى ~~خراسان أن يوطن بلادها، وأمر الناس فردوا مضاربهم ودخل العسكر، ثم وجه إلى ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بالصبيين ولدي جعفر من أخته ~~ميمونة فأدخلا عليه في بيته، فلما رآهما أعجب بهما وكانا في نهاية من الحسن ~~والجمال، فاستنطقهما فوجد لغتهما مدنية وفصاحتها هاشمية، وفي ألفاظهما ~~عذوبة وبلاغة، فقال لكبيرهما: ما اسمك يا قرة عيني؟ قال: الحسن. # قال للصغير: ما اسمك يا حبيبي؟ قال: الحسين. # فنظر إليهما وبكى بكاء شديدا، ثم قال: يعز علي حسنكما وجمالكما لا رحم ~~الله من ظلمكما ولم يدريا ما يراد بهما، ثم قال: ما فعلت بالمفتاح الذي ~~دفعته لك وأمرتك بحفظه؟ قال: هو حاضر يا أمير المؤمنين. # قال: فائتني به. # ثم دعا بجماعة من الغلمان والخدم وأمرهم أن يحفروا في البيت حفرة عميقة ~~ودعا مسرورا وأمره بقتلهما ودفنهما مع أمهما في تلك الحفرة، رحمهم الله ~~تعالى جميعا، وهو مع ذلك يبكي بكاء شديدا حتى ظننت أنه رحمهما، ثم مسح ~~عينيه من الدموع وأمر أن لا تذكر البرامكة في مجلس، ولا يستعان بمن بقي ~~منهم في المدينة أبدا، فخرجوا على وجوههم في البلاد شاردين متنكرين وقطع ~~الله دابرهم. # قال: فلما كان بعد مدة من هلاك البرامكة وجد الرشيد رقعة تحت مصلاه فيها ~~خطاب وأبيات من الشعر فبحث عنها، فقيل: إن صاحب السر عملها، فبعث إليه ~~فسأله عنها، ms156 فقال: يا أمير المؤمنين وجدتها في صحن الدار، ولا أعلم من ~~طرحها فأخذتها وطرحتها تحت مصلاك، فقيل: إن ذلك من زبيدة لتهلك من بقي من ~~البرامكة فعملت الرقعة للرشيد وحركته وزادت في غيظه، فاستدعى في الوقت ~~بالفضل بن يحيى وضربه سياطا حتى كاد يهلكه وزاد في حديده وأغلاله، ثم ~~استدعى يحيى وكان شيخا كبيرا، وزاد في حديده وأغلاله أيضا، وكان قد أنشأ في ~~النعيم، فتذكر فقد جعفر وتشتت الأهل، فكتب كتابا إلى الرشيد يستعطفه ويسأله ~~أن يخفف عنه من القيد والغل، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير ~~المؤمنين ونسل المهديين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله رب العالمين، من ~~عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وخانه # PageV01P180 # الزمان وأناخ عليه الخذلان ونزل به الحدثان فصار إلى الضيق بعد السعة، ~~وعالج الموت بعد الدعة، وشرب كأس الموت مترعة، وافترش السخط بعد الرضا، ~~واكتحل بالسهر بعد الكرى، فنهاره فكر ونومه سهر، وساعته شهر وليله دهر قد ~~عاين الموت مرارا وشارف الهلاك جهارا، يا أمير المؤمنين، قد أصابتني ~~مصيبتان: الحال والمال، أما المال، فإن ذلك منك ولك، وكان في يدي عارية ~~منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وما المصيبة بجفعر فبجرمه وجراءته ~~وعاقبته بما استخف من أمرك وكان جزاؤه فوق ما استحق، وأما الفقير، فاذكر يا ~~أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي ووهن قوتي وهب لي رضاك فمن مثلي الزلل ومن ~~مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكن أقر وقد رجوت أن أفوز برضاك فتقبل عذري وصدق ~~نيتي وظاهر طاعتي وتلويح حجتي ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين ويرى ~~الحقيقة فيه ويبلغ المراد منه، ثم أنشأ يقول: # قل للخيلفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه # وابن الخلائف من قري؟ ... ش والملوك العاليه # رأس الأمور وخير من ... ساس الأمور الماضيه # إن البرامكة الذي؟ ... ن رموا لديك بداهيه # عمتهمو لك سخطة ... لم تبق منهم باقية # ؟ فكأنهم مما بهم أعجاز نخل خاويه # صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه # مستضعفون ومطردو ... ن بكل أرض قاصيه # بعد الإمارة ms157 والوزا ... رة والأمور الساميه # ومنازل كانوا بها ... فوق المنازل عاليه # أضحوا، وجل منا همو ... منك الرضا والعافيه # يا من يريد لي الردى ... يكفيك ويحك ما بيه # يكفيك أني مستبا ... ح عترتي ونسائيه # يكفيك ما أبصرته ... ذلي وذل مكانيه # فلقد رأيت الموت من قبل الممات علانيه # وبكاء فاطمة الكبي؟ ... رة والدموع الجاريه # ومقالها بتفجع: ... يا سوأتي وشقائيه # PageV01P181 # من لي، وقد غلب الزما ... ن على جميع رجاليه # يا لهف نفسي، لهفا ... ما للزمان وما ليه # أوما سمعت مقالتي ... يا ذا الفروع الزاكيه # يا عطفة الملك الرضا ... عودي علينا ثانيه # فلما وقف الرشيد على الرقعة، كتب على ظهرها هذه الأبيات: # يا آل برمك! إنكم ... كنتم ملوكا عاتيه # فعصيتمو وطغيتمو ... وكفرتمو نعمائيه # هذي عقوبة من عصى ... من فوقه وعصانيه # أجري القضاء عليكمو ... ما خنتموه علانيه # من ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه # ثم أردفه بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم " وضرب الله مثلا، قرية ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " فلما قرأها يحيى، وهو بالسجن، ~~أخذته الحمى لوقته وساعته، وكان ينام على التراب وأيس من الحياة، وعلم أنه ~~ليس له مخلص مما هو فيه من السجن، انتهى. ### | أحسن ما رأى جعفر # وقيل ليحيى بن خالد برمك: أيها الوزير، أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام ~~سعادتك؟ قال: ركبت يوما في بعض الأيام في سفينة أريد التنزه، فلما خرجت ~~برجلي لأصعد، فاتكأت على لوح من ألواحها وكان بأصبعي خاتم فطار فصه من يدي، ~~وكان ياقوتا أحمر قيمته ألف مثقال من الذهب، فتطيرت من ذلك. ثم عدت إلى ~~منزلي، وإذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه، وقال: أيها الوزير لقيت هذا ~~الفص في بطن حوت، وذلك لأني اشتريت حيتانا للمطبخ، فشققت بطنها فرأيت هذا ~~الفص، فقلت: لا يصلح هذا إلا للوزير أعزه الله تعالى. فقلت الحمد لله هذا ~~بلوغ الغاية. # PageV01P182 ### | أعظم ما مر به # وقيل له: أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن؟ قال: ms158 اشتهيت لحما في قدر طباخ، ~~وأنا في السجن فغرمت ألف دينار في شهوتي حتى أتيت بقدر ولحم مقطع في قصبة ~~فارسية، والخل وسائر حوائجها في قصبة أخرى وتركوا عندي ما أحتاج إليه، ~~وأتيت بنار فأوقدت تحت القدر ونفخت، ولحيتي في الأرض حتى كادت روحي تخرج. ~~فلما أنضجت تركتها تفور وتغلي وفتت الخبز وعمدت لأنزلها فانفلتت وانكسرت ~~القدر على الأرض، فبقيت ألتقط اللحم وأمسح منه التراب وآكله. وذهب المرق ~~الذي كنت أشتهيه، وهذا عظم ما مر بي، انتهى. ### | موت يحيى البرمكي # ثم إن الرشيد نذر الحج، فخرج وخرج معه العسكر وكان خروجه في رمضان، فكانت ~~تضرب له السرادقات المكللة بالديباج مفروشة بالحرير، يخرج من سرادق إلى ~~سرادق، والناس محدقون به، حتى وصل إلى الحرم وحج. فاتفق أن الوفاة دنت من ~~يحيى، وهو في السجن، فكتب رقعة وأوصى ولده الفضل أن يوصلها إلى الرشيد وكتب ~~فيها هذه الأبيات: # ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غدا، يوم القيامة، من الظلوم # ؟ وينقطع التلذذ عن أناس ... من الدنيا، وتنقطع الهموم # تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤوم # تروم الخلد في دار المنايا ... وكم قد رام غيرك ما تروم # ؟ إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم قال: فلما قدم الرشيد ~~أنفذها إليه الفضل. فلما قرأها علم بموته فقال: مات والله يحيى، ومات الجود ~~والكرم والسخاء، والله لو كان حيا لفرجت عنه، ثم أمر بإطلاق الفضل ابنه ~~واستوزره مكان أخيه جعفر، رحمة الله عليهم أجمعين. # PageV01P183 # مدح البرامكة قال بعضهم في البرامكة: # إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الكرام فعلموه الناسا # كانوا إذا غرسوا سقوا، وإذا بنوا ... لم يهدموا مما بنوه أساسا # وإذا همو صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طول البقاء لباسا # فعلام تقصيني وأنت سقيتني ... من مر هجرك، من جنابك كاسا # آنستني متفضلا، أفلا ترى ... أن انقطاعك يوحش الإيناسا ### | رأي الموصلي بالبرامكة # وسئل إسحاق الموصلي أن سخاء أولاد يحيى بن خالد، فقال: أما الفضل ففعله ~~يرضيك، وما جعفر فقوله يرضيك، وأما محمد فيفعل ما ms159 يجد، وفي يحيى يقول ~~القائل: # سألت الندى: هل أنت حر، فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد # فقلت: شراء قال: لا بل وراثة ... توارثني من والد بعد والد # وفي الفضل يقول القائل: # إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدة ... رأيت بها عشب السماحة ينبت # فليس بسعال إذا سيل حاجة ... ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت # وفي محمد يقول القائل: # سألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما عزا بذل مؤيد؟ # وما بال ركن المجد أمسى مهدما؟ ... فقالا: أحبنا في ابن يحيى محمد # فقلت: فهلا متما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد؟ # فقالا أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد # PageV01P184 ### | منتهى الكرم للبرامكة # وذكر الحافظ السيوطي: نفعنا الله به في رسالته: مشتهر العقول في منتهى ~~النقول، أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة، كاد أن لا يوجد أحد من العلماء ~~والحكماء والعظماء والندماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء، وتكرم ~~جعفر بخمسين ألف دينار من الذهب وتكرر منه كثيرا في ولايته كلها من غير من ~~ولا أذى ولا لغرض ولا لمرض، حتى صار يضرب بهم المثل الأكبر بقولهم: تبرمك ~~فلان. # ومن كرم جعفر أنه تكرم في ويوم على ألف شاعر، أعطى كل شاعر ألف درهم، ~~والدرهم ثلاثة أصناف فضة. ومن كرمه أنه تكرم على من هجاه بخمسة آلاف دينار ~~وعفا عن تأديبه وتعذيبه. ### | فقر البرامكة وذلهم # ولما أوقع بهم من الأمر ما أوقع الرشيد، صار أمرهم إلى ما سيوصف من الفقر ~~والذل والإهانة، فمن ذلك ما قاله محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة وقاضيها. ~~قال: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزا في أطمار رثة، وإذا ~~لها بيان ولسان، فقلت لأمي: من هذه؟ قالت: هذه خالتك عتابة أم جعفر البرمكي ~~بن يحيى. # فسلمت عليها، وقلت لها: أصار بك الدهر إلى ما أرى؟ قالت: نعم يا بني، إن ~~الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا. # قال: فقلت حدثيني ببعض شأنك؟ قالت: خذه جملة! لقد مضى علي عيد ms160 أضحى مثل ~~هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق لي، ~~وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. # قال: فغمني ذلك وأبكاني، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم. # PageV01P185 ### | من أقوال البرامكة # من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني، ما دام قلمك يرعف فامطره ~~معروفا. # ومن كلام جعفر: إذا أحببت إنسانا من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت ~~إنسانا من غير سبب فتوق شره. ### | الرشيد يبكي على البرامكة # قال يحيى بن سلام الأبرش، قال: حدثني أبي قال: خرج الرشيد للصيد يوما ~~بعدما أباد البرامكة فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك فرأى لوحا مكتوبا ~~عليه هذه الأبيات: # يا منزلا لعب الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق لا يجمع # إن الذين عهدتهم فيما مضى ... كان الزمان بهم يضر وينفع # أصبحت تفزع من رآك، وطالما ... كنا إليك من المخاوف نضرع # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع # قال: فبكى الرشيد، وأقبل على الأصمعي وقال: أتعرف شيئا من أخبار البرامكة ~~تحدثني به؟ فقال الأصمعي: ولي الأمان. # قال: ولك الأمان. # فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوما ~~للصيد والقنص، وهو في موكبه، إذ رأى أعرابيا على ناقة قد أقبل من صدر ~~البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني. # فقلت: ومن أعلمك؟ قال: لا يكلمه أحد غيري. # فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير، والجم ~~الغفير، وسمع الغوغاء والضجة، ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته ~~وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # قال: الآن قاربت، اجلس. # فجلس الأعرابي فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة. # PageV01P186 # قال: من أدناها أم من أقصاها؟ قال: من أقصاها. # قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة.؟ فقلت: ~~ثمانمائة فرسخ. # فقال: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء. # قال: ms161 قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد. # قال: من هم؟ قال: البرامكة. # قال الفضل: يا أخا العرب البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكن منهم ~~خاصة وعامة، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: ~~أجل! أطولهم باعا وأسمحهم كفا. # قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد. # فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس ~~للناس مجلسا عاما لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء ~~والكتاب والمناظرون للعم، أعالم أنت؟ قال: لا. # قال: أفأديب أنت؟ قال: لا. # قال: أفعارف أنت بأيام العرب وأشعارها؟ قال: لا. # قال: هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا. # فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد الفضل بن يحيى، وهو كما عرفتك ~~عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه؟ قال: والله يا أمير ~~المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر ~~قلتهما فيه. # فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما ~~أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ~~ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئا. قال: أفتفعل أيها الأمير؟ ~~قال: نعم. # قال: فإني أقول: # ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يملكه الفضل # ولو أن أما قضها جوع طفلها ... ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل # قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر، ~~وأخذ الجائزة عليهما، فأنشدني غيرهما فما تقول؟ قال: أقول: # PageV01P187 # قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك، وهو يجود بالحوباء # ببنيه أن ترعاهمو، فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ممتحنا: هذان البيتان أخذتهما ~~من أفواه الناس، فأنشدني غيرهما ما تقول، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار، ~~وامتدت الأعناق إليك، وتحتاج أن تناضل عن نفسك؟ قال: إذن أقول: # ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل ms162 كاتبه إحصاء ما يهب # والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق، ولم يرتفع مجد ولا حسب # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك هذان البيتان أيضا أخذتهما من أفواه ~~الناس ما كنت قائلا؟ قال: أقول: # وللفضل صولات على مال نفسه ... يرى المال منه بالمذلة والعنا # ولو أن رب المال أبصر ماله ... لصلى على مال الأمير وأذنا # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان، ~~أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: إذن أقول: # ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلي الصوت يا فضل يا فضل # ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضا ~~أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول: # وما الناس إلا اثنان: صب وباذل ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل # على أن لي مثلا كما ذكر الورى ... وليس لفضل في سماحته مثل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: ~~أقول أيها الأمير: # حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقامت به التقوى وقام به العدل # وقام به المعروف شرقا ومغربا ... ولم يك للمعروف بعد ولا قبل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول ~~أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم ما تقول؟ قال: إذن أقول: # ألا يا أبا العباس يا واحد الورى ... ويا ملكا خد الملوك له نعل # PageV01P188 # إليك تسير الناس شرقا ومغربا ... فرادى وأزواجا كأنهم نحل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدنا غير الاسم والكنية ~~والقافية. # قال: والله لئن زادني الفضل وامتحنني بعد هذا لأقولن أربعة أبيات ما ~~سبقني إليها عربي ولا أعجمي، ولئن زادني بعدها لأجمعن قوائم ناقتي هذه ~~وأجعلها في حر أم الفضل وأرجعن إلى قضاعة خاسرا، ولا أبالي. فنكس الفضل ~~رأسه، وقال للأعرابي: يا أخا العرب أسمعني الأبيات الأربعة: قال: أقولك # ولائمة لامتك، يا فضل، في الندى ... فقلت لها: هل ms163 يقدح اللوم في البحر # أتنهين فضلا عن عطاياه للغنى ... فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر # كأن نوال الفضل في كل بلدة ... تحدر هذا المزن في مهمة قفر # كأن وفود الناس في كل وجهة ... إلى الفضل لاقوا عنده ليلة القدر # قال: فأمسك الفضل عن فيه، وسقط على وجهه ضاحكا، ثم رفع رأسه وقال: يا أخا ~~العرب، أنا والله الفضل بن يحيى، سل ما شئت. # فقال: سألتك بالله أيها الأمير إنك لهو؟ قال: نعم. # قال له: فأقلني. # قال: أقالك الله، اذكر حاجتك. # قال: عشرة آلاف درهم. # قال الفضل: ازدريت بنا وبنفسك، يا أخا العرب، تعطى عشرة آلاف درهم في ~~عشرة آلاف. # وأمر بدفع المال، فلما صار المال إليه حسده وزيره الفضل، وقال: يا مولاي ~~هذا إسراف يأتيك جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه ~~بهذا المال؟ فقال: استحقه بحضوره إلينا من أرض قضاعة. # قال الوزير: أقسمت عليك يا مولاي إلا أخذت سهما من كنانتك وركبته في كبد ~~قوسك وأومأت به إلى الأعرابي فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر، وإلا استعدت ~~مالك، ويكون له في بعضه كفاية. # PageV01P189 # فأخذ الفضل سهما وركبه في كبد قوسه وأومأ به إلى الأعرابي وقال له: رد ~~سهمي ببيت من الشعر؟ فأنشأ يقول: # لقوسك قوس الجود والوتر والندى ... وسهمك سهم العز فارم به فقري # قال: فضحك الفضل وأنشأ يقول: # إذا ملكت كفي منالا ولم أنل ... فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي # على الله إخلاف الذي قد بذلته ... فلا مسعدي بخلي ولا متلفي بذلي # أروني بخيلا نال مجدا ببخله ... وهاتوا كريما مات من كثرة البذل # ثم قال الفضل لوزيره: أعط الأعرابي مائة ألف درهم لقصده وشعره، ومائة ألف ~~درهم ليكفينا شر قوائم ناقته. # فأخذ الأعرابي المال وانصرف، وهو يبكي فقال له الفضل: مم بكاؤك يا أعرابي ~~استقلالا بالمال الذي أعطيناك؟ قال: لا، ولكني أبكي على مثلك يأكله التراب ~~وتواريه الأرض، وتذكرت قول الشاعر: # لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير # ولكن الرزية ms164 فقد حر ... يموت لموته خلق كثير # وتوجه الأعرابي بالمال مسرورا رحمة الله عليهم أجمعين. # PageV01P190 ### | الرشيد وذقن أبي نواس # ويحكى أن الرشيد قال لأبي نواس: بعني ذقنك؟ قال: بكم؟ قال: بألف دينار. # قال: بعتك. # فقال الرشيد لخازن داره: ادفع له ألف دينار، فدفعها له فأخذها وربطها ~~وقال: يا أمير المؤمنين خذ ما اشتريت. # قال: لا، ولكن جعلتها وديعة عندك. # قال: فمضى أبو نواس واشتغل بأمره ولهوه، وهو خائف على ذقنه من أمير ~~المؤمنين. قال: فبينما هو متفكر في شيء يفعله إذ جاء قاصد أمير المؤمنين، ~~فلم يقدر أن يتكلم دون أن قام معه ودخل إلى دار الخلافة، فوجده في جمع كثير ~~من خواص المملكة وأعوان الدولة، وكان من شأنه أن يجلس بالقرب من أمير ~~المؤمنين، فتحادثوا وتماجنوا فضرط أبو نواس ضرطة مزعجة أزعجت الحاضرين، ~~فضحكوا جميعا، وضحك أمير المؤمنين وقال له: في ذقنك يا معرص. # فقال له في الحال: الله أعلم هي ذقن من؟ فقال أمير المؤمنين: قد وهبتها ~~لك يا معلون. # فأخذها وانصرف وكسب الألف دينار بهذه الحيلة والله أعلم، انتهى. ### | يضرب الشاة الحد # وكان نصر بن مقبل عاملا على الرقة، فتي برجل من الظرفاء وجده ينكح شاة ~~فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: أيها الأمير، إنها والله ملك يميني، وقد قال ~~الله تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم ". # فأطلقه وأمر بضرب الشاة الحد، فإن ماتت تصلب. # قالوا: أيها الأمير إنها بهيمة. # قال: وإن كانت بهيمة فإن الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا. # PageV01P191 # فانتهى إلى الرشيد خبرها ولم يكن رآه قبل فدعا به فلما حضر بين يديه، ~~قال: من أنت؟ قال: مولى لكلب. # فضحك منه ثم قال: كيف بصرك بالحكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، البهائم عندي ~~والناس سواء، ولو وجب حد على بهيمة، وكانت أمي أو أختي لحديتها ولم تأخذني ~~في الله لومة لائم. فأمر الرشيد أن لا يستعان به على عمل فلم يزل معطلا إلى ~~أن مات، والله أعلم. ### | الرشيد يأمر بقتل أبي نواس # ويحكى أن هارون الرشيد ms165 أمر بقتل أبي نواس فقال: أتقتلني شهوة لقتلي؟ ~~فقال: لا، بل أنت مستحق للقتل. # قال: فيم استحقيت القتل؟ قال: بقولك: # ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر # فقال: يا أمير المؤمنين، أفتعلم أنه سقاني وشربت؟ فقال له أمير المؤمنين: ~~أظن ذلك. # فقال: يا أمير المؤمنين، أفتقتلني على الظن، وقد قال الله تعالى: " إن ~~بعض الظن إثم ". # فقال له الرشيد: قد قلت ما تستحق به القتل. # فقال: ما هو؟ فقال له: قولك: # ما جاءنا أحد يخبر أنه ... في جنة من مات أو في نار # فقال له: يا أمير المؤمنين! هل جاءنا أحد؟ قال: لا. # قال: أتقتلني على الصدق؟ فقال له الرشيد: أولست القائل: # يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات # فقال له: يا أمير المؤمنين! أوصار القول فعلا؟ قال: لا أعلم. # قال: أفتقتلني على ما لم تعلم. # PageV01P192 # فقال له أمير المؤمنين: دع هذا كله، فقد اعترفت في مواضع كثيرة من شعرك ~~بالزنا. # قال أبو نواس: قد علم الله هذا قبل علم أمير المؤمنين بقوله تعالى: " ~~والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقلون ما لا ~~يفعلون ". # فقال الرشيد: خلوا عنه. # ومن هذا أخذ الصفي الحلي فقال: # نحن الألى جاء الكتاب مخبرا ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن ### | تغفر ذنوبه بأبيات # وعن محمد بن نافع، قال: رأيت أبا نواس في النوم بعد موته، فقلت: يا أبا ~~نواس!. # فقال: لاحين كنيت. # فقلت: الحسن بن هانئ. # قال: نعم. # قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها عي علتي قبل موتي هي تحت ~~الوسادة. # فسألت أهله فقلت: هل قال أخي شعرا؟ قالوا: لا نعلم! إلا أنه دعا بدواة ~~وقرطاس وكتب شيئا لا ندري ما هو. # فدخلت ورفعت وسادته وإذا أنا برقة مكتوب فيها: # يا رب! إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بان عفوك أعظم # إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم # مالي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ms166 عفوك ثم إني مسلم # PageV01P193 ### | هذه حكاية العجمي والكردي # وما جرى بينهما على يد القاضي بسبب الجراب # قيل إن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة، فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي، ~~فلما حضر عنده قال له: يا جعفر، غني قلقت وضاق صدري وأريد منك شيئا يشرح ~~خاطري. # فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي صديقا اسمه علي العجمي، وعنده من ~~جميع الحكايات والأخبار. # فقال: علي به. # فقال: سمعا وطاعة. # ثم إن جعفرا خرج من عند الخليفة في طلب علي العجمي، فأرسل خلفه فلما حضر ~~قال: أجب أمير المؤمنين. # قال: سمعا وطاعة. # فأتى الخليفة فسلم وترحم، فقال له: اجلس فجلس، فقال له الخليفة: اسمع يا ~~علي، إنني الليلة ضيق الصدر، وسمعت عنك أن في ذهنك حكايات وأخبارا وأريد ~~منك أن تسمعني ما يزل همي وفكري. # فقال: يا أمير المؤمنين، تريد أن أحكي لك شيئا سمعته أو رأيته؟ فقال: إن ~~كنت رأيت شيئا فاحكه. # فقال: سمعا وطاعة؟! اعلم يا أمير المؤمنين أني سافرت في بعض السنين من ~~بلدي إلى هذه المدينة، وهي بغداد، وصحبني غلام ظريف ومعه جراب نظيف، ~~فأودعني إياه. فبينا أنا أبيع وأشتري، وإذا أنا برجل كردي ظالم معتد هجم ~~علي وأخذ الجراب مني وقال: هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي. # فقلت: يا معشر الناس قد اعتراني الوسواس. # فقال الناس جميعا: امضوا إلى القاضي، وكل بحكمه راضي. # فدخلنا عليه، وتمثلنا بين يديه، فقال القاضي: في أي شيء جئتما؟ فقال ~~الكردي: نحن خصمان. # قال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي، وقال: أيد الله مولانا القاضي! هذا ~~الجراب # PageV01P194 # جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي، وقد ضاع ووجدته مع هذا الرجل. # فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: ضاع مني بالأمس. # فقال القاضي: إن كنت عرفته فصف لي ما فيه. # فقال الكردي: إن في جرابي هذا مرودين من لجين، وأكحالا لعينين، ومنديلا ~~لليدين، ومشربتين مذهبتين، وشمعدانين ومكبتين وطبقين، وإبريقين، وصينية ~~وطشتين، وقدر ودستين، ومغرفة وملعقتين، ومسلة ومقلمة وملبتين، وقعبا ~~وقصعتين، ومخدة ونطعين، وجبة وفروتين، وبقرة وعجلتين، ms167 وعنزا وشاتين، ونعجة ~~وخروفين، وقطين أبلقين، وجملا وناقتين، وبقرة وثورين، ولبوة وسبعين، ودبة ~~وثعلبين، ومرتبة وسريرين، وطبقة وقاعتين، ورواقا ومقعدين، ومطبخا ببابين، ~~وجماعة أكراد يشهدون أن الجراب جرابي. # فقال القاضي: فما تقول أنت يا علي؟ فتقدمت يا أمير المؤمنين، وقد بهتني ~~كلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي، أنا ما في جرابي إلا دويرة حراب وأخرى ~~بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه للصبيان كتاب وشبان يلعبون بالكعاب، وفيه ~~عساكر وأطناب ومدينة بصرى وبغداد، وقصر كنعان بن شداد، وكور وحداد، وشبكة ~~وصياد وعصا وأوتاد، وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي. # فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا سيدي القاضي، جرابي هذا ~~معروف، وكل ما فيه موصوف، في جرابي هذا حصون وقلاع وقرى وضياع وطابق للصراع ~~ووحوش وضباع ورجال يلعبون الطابة والرقاع، وإن في جرابي هذا حجرة ومهرين ~~وفحلا وحصانين ورمحين طويلين وسبعا وأرنبين، وسكينا وخنجرين، وبحرا ~~وخليجين، وكمرا وجوختين، وعشاري وموكبين، وصاري وقريتين، وكورا ودكانين، ~~ومنقلة ونردين، وعجوزا وقحبتين، وقوادا وشاطرين ومخنثا وعلقين وأعمى ~~وبصيرين وأعرج وكسيحين وعيارا وأزعرين وجامعا ومدرستين وديرا وكنيستين ~~وقسيسا وشماسين وبطركا وراهبين وقاضيا وشاهدين يشهدون أن الجراب جرابي. # فقال القاضي: ما تقول أنت يا علي. # فبادرت يا أمير المؤمنين، وقد امتلأت غيظا وزدت في الحمق وقلت: أيد الله ~~مولانا القاضي! إن في جرابي هذا زردخانات صفاح، وخزائن سلاح، وألف كبش نطاح ~~في عشرين مراح، وأربعين كلبا نباح، وبساتين وكروم عنب وتين وتفاح، وصورا ~~وأشباحا وقناني وأقداحا وعرائس ملاحا ومغاني وأفراحا وهرجا وصياحا وعبدا ~~وفلاحا وأخاه # PageV01P195 # نجاحا ورفيقه صباحا، ومعهم سيوف ورماح، وقسي ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان ~~وأصحاب ومجلس للعتاب وندمان للشراب، وطنبور مع رباب، ونايات وقنان مصفوفات، ~~وصبيان ودايات، وأخوات معلمات، وبنات متجليات وجوار مغنيات وجوار حبشيات ~~وثلاث هنديات وأربع بدويات وخمس روميات وست تركيات وسبع عجميات وثماني ~~قفجيات وتسع كرجيات وعشر كلبات، والدجلة الفرات وشبكة وصياد وقداحة وزناد، ~~وإرم ذات العماد، وألف جواد، وقصر شداد بن عاد، وخانات مع حمامات، وقدوم ~~ونجار وخشبة ms168 مع مسمار وتاجر مع عطار، وبزار مع بيطار، وعبد أسود بمزمار ~~ومقدم وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار، وبواب وكشدار ورأس نوبة، وعلم ~~دار، والكوفة مع الأنبار وعشرين صندوقا ملأى قماشا ودكان نحاس، وحاصل معاش، ~~وبرجان للحمام وغزة وعسقلان، ومن دمياط إلى أسوان وإيوان كسرى وملك سليمان، ~~ومن كوش نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان، ~~وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي، قماش وغلائل وعراض وموسى بحد ماض، يحلق ~~ذقن مولانا القاضي، إن حكم أن الجراب ما هو جرابي. # فعند ذلك يا أمير المؤمنين حار القاضي مما سمع ثم قال: ما أراكما إلا ~~شخصين نحسين تلعبان بالقضاة والحكام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون ~~ما وصفتم في هذا الجراب، ما هذا إلا بحر ليس له قرار. # ثم أمر القاضي بفتح الجراب ففتحه الكردي، فإذا فيه خبز وليمون، وجبن ~~وزيتون، ثم إني رميت الجراب قدام القاضي والكردي، ومضيت إلى حال سبيلي. # فلما سمع أمير المؤمنين ذلك ضحك حتى استلقى على قفاه وقد زال همه وغمه، ~~وأحسن جائزة علي العجمي، وانصرف والله أعلم. # PageV01P196 ### | معن بن زائدة الشيباني # كان من الكرماء، يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وكان عاملا بالبصرة، ~~فحضر على بابه شاعر وأقام مدة يريد الدخول فلم يتهيأ له، فقال يوما لبعض ~~الخدام: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، فلما دخل أعلمه بذلك، فكتب الشاعر ~~بيتا ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، وكان معن جالسا ~~على القناة، فلما رأى الخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها هذا البيت: # أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فليس إلى معن سواك رسول # فقال: من الرجل صاحب هذه؟ فأتي به إليه. فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت ~~فأمر له بعشر بدر، فأخذها وانصرف، فوضع معن الخشبة تحت بساط. فلما كان في ~~اليوم الثاني أخرجها من تحت بساط ينظر فيها، ودعا بالرجل فأمر له بمائة ألف ~~درهم، فلما كان في اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فتفكر الرجل وخاف أن يأخذ منه ms169 ~~ما أعطاه فخرج من البلد بما كان معه. فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل ~~فلم يوجد، فقال معن: والله هممت أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا ~~دينار إلا أعطيته له، وفيه يقول القائل: # يقولون معن لا زكاة لماله ... وكيف يزكي المال من هو باذله # إذا حال جول لم يكن في دياره ... من المال إلا ذكره وجمائله # تراه، إذا ما جئته، متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت آمله # هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله # تعود بسط الكف حتى لو نه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله # فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله # ومن قول معن: # دعيني أنهب الأموال حتى ... أعف الأكرمين عن اللئام # ويروى أن معن بن زائدة خرج في جماعة يتصيدون، فاعترضهم قطيع ظباء، ~~فتفرقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي، فلما ظفر به نزل فذبحه، فرأى شخصا ~~مقبلا من البرية على حمار، فركب فرسه واستقبله، فسلم عليه وقال له: من أين ~~أتيت؟ # PageV01P197 # قال: أتيت من أرض قضاعة وإن لي بها أرضا، لها عدة سنين، مجدبة، وقد أخصبت ~~في هذه السنة فزرعتها قثاء فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته ~~وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور، وإحاسنه ~~المذكور. # فقال له: كم أملت منه؟ قال: ألف دينار. # فقال: فإن قال لك: كثير. # قال: خمسمائة دينار. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: ثلاثمائة دينار. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: مائتي دينار. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: مائة دينار. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: خمسين دينارا. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: أفلا أقل من ثلاثين. # قال: إن قال لك: كثير. # قال: أدخل قوائم حماري في حر أمه، وأرجع إلى أهلي خائبا. # فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل منزله، وقال لحاجبه: إذا ~~أتاك شيخ على حمار بقثاء فادخل به علي. # فأتى بعد ساعة فلما دخل على الأمير معن لم يعرفه ms170 لهيبته وجلالته، وكثرة ~~خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته، والحفدة قيام عن يمينه وشماله وبين ~~يديه. فلما سلم عليه قال له الأمير معن: ما الذي أتى بك يا أخا العرب؟ قال: ~~أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوانها. # قال: فكم أملت فينا؟ قال: ألف دينار. # PageV01P198 # قال كثير. # قال: خمسمائة دينار. # قال: كثير. # قال: ثلاثمائة دينار. # قال: كثير. # قال: مائتي دينار. # قال: كثير. # قال: مائة دينار. # قال: كثير. # قال: والله لقد كان ذلك الرجل الذي قابلني علي مشؤوما ثم قال: خمسين ~~دينارا. # قال: كثير. # قال: أفلا أقل من ثلاثين؟ قال: فضحك معن وسكت فعلم الأعرابي أنه صاحبه ~~فقال: يا سيدي إن لم تعطني الثلاثين فالحمار مربوط بالباب، وها أنا مع معن ~~جالس. # فضحك معن حتى استلقى على قفاه ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار ~~وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وخمسين دينارا ~~وثلاثين دينارا ودع الحمار مربوطا مكانه. # فبهت الأعرابي وتسلم ألفي دينار ومائة وثمانين دينارا، فرحمة الله عليهم ~~أجمعين. # وقيل: كان معن بن زائدة في بعض صيوده فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء، فبينما ~~هو كذلك، وإذا بثلاث جوار قد أقبلن حاملات ثلاث قرب فسقينه، فطلب شيئا من ~~المال مع غلمانه، فلم يجده، فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم، من كنانته، ~~نصولها من ذهب. فقالت إحداهن: ويلكن لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة، ~~فلتقل كل واحدة منكن شيئا من الأبيات فقالت الأولى: # يركب في السهام نصول تبر ... ويرمي للعدا كرما وجودا # فللمرضى علاج من جراح ... وأكفان لمن سكن اللحودا # وقالت الثانية: # PageV01P199 # ومحارب من فرط جود بنانه ... عمت مكارمه الأقارب والعدا # صيغت نصول سهامه من عسجد ... كي لا يقصر في العوارف والندى # وقالت الثالثة: # ومن جوده يرمي العداة بأسهم ... من الذهب الإبريز صيغت نصولها # لينفقها المجروح عند انقطاعه ... ويشتري الأكفان منها قتيلها # وكان مع كرمه صاحب شهامة، فمن ذلك، أنه سعى رجل في إفساد دولة المهدي، ~~وكان من الكوفة فعلم به المهدي فأهدر دمه، وجعل ms171 لمن دل عليه مائة ألف درهم، ~~فأقام الرجل حينا مختفيا ثم ظهر في بغداد فبينما هو في بعض الشوارع إذ رآه ~~رجل من الكوفة فعرفه فاخذ بمجامع طوقه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين ~~فبينما الرجل على تلك الحالة وقد اجتمع حوله خلق كثير إذ سمع وقع حوافر ~~الخيل من ورائه فالتفت فإذا هو بمعن بن زائدة، فقال: يا أبا الوليد؟ أجرني ~~أجارك الله. # فوقف فقال للرجل الذي تعلق به: ما تريد منه؟ قال: هذا طلبة أمير المؤمنين ~~أهدر دمه، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم. # فقال له معن: دعه! ثم قال: يا غلام أردفه، فأردفه وكر راجعا إلى داره، ~~فصاح الرجل: معن حال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين ولم يزل صارخا إلى أن ~~أتى قصر المهدي، فأمر المهدي بإحضار معن، فأتته الرسل، فدعا معن أولاده ~~ومماليكه وقال: لا تسلموا الرجل، وواحد منكم يعيش. # ثم سار إلى المهدي فدخل وسلم فلم يرد عليه، ثم قال: يا معن! أتجير علينا ~~عدونا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال المهدي: ونعم أيضا. # واشتد غضبه. فقال معن: يا أمير المؤمنين، بالأمس بعثتني إلى اليمن مقدم ~~الجيش، فقتلت في طاعتك في يوم واحد عشرة آلاف رجل، ولي مثل هذا أيام كثيرة ~~فما رأيتموني أهلا أن أجير رجلا واحدا استجار بي، ودخل منزلي. # فسكن غضب المهدي، وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد. # قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله بصلة يعلم منها موقع الرضا، فإن ~~قلب الرجل قد انخلع من صدره خوفا. # قال: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. # قال: يا أمير المؤمنين، إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية. # قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم. # PageV01P200 # قال: عجلها يا أمير المؤمنين، فإن خير البر عاجله. # فأحضر معن الرجل وقال له: خذ صلة أمير المؤمنين، وقبل يده، وإياك ومخالفة ~~خلفاء الله في أرضه، " فما كل مرة تسلم الجرة "، فأرسلها الناس مثلا، وأخذ ~~الرجل المال واستغفر الله، انتهى. # وكان معن لا يغيظ أحدا، ms172 ولا أحد يغيظه، فقال بعض الشعراء: أنا أغيظه لكم، ~~ولو كان قلبه من حجر، فراهنوه على مائة بعير إن أغاظه أخذها، وإن لم يغظه ~~دفع مثلها. فعمد الرجل إلى جمل فذبحه وسلخه ولبس الجلد مثل الثوب وجعل ~~اللحم من خارج والشعر من داخل، والذباب يقع عليه، ويقوم، ولبس برجليه نعلين ~~من جلد الجمل، وجعل اللحم من خارج والشعر من ناحية رجليه، وجلس بين يدي معن ~~على هذه الصورة المشروحة ومد رجليه في وجهه وقال: # أنا والله لا أبدي سلاما ... على معن المسمى بالأمير # فقال له معن: السلام لله إن سلمت رددنا عليك، وإن لم تسلم ما عتبنا عليك. # فقال الشاعر: # ولا آتي بلادا أنت فيها ... ولو حزت الشآم مع الثغور # فقال له: البلاد بلاد الله إن نزلت فمرحبا بك، وإن رحلت كان الله في ~~عونك. # فقال الشاعر: # وأرحل من بلادك ألف شهر ... أجد السير في أعلى القفور # فقال له: مصحوبا بالسلامة. # فقال الشاعر: # أتذكر إذ قميصك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير # فقال له: أعرف ذلك ولا أنكره. # فقال الشاعر: # وتهوى كل مضطبة وسوق ... بلا عبد لديك ولا وزير # فقال له: ما نسيت ذلك يا أخا العرب. # فقال الشاعر: # ونومك في الشتاء بلا رداء ... وأكلك دائما خبز الشعير # فقال: الحمد لله على كل حال. # PageV01P201 # فقال الشاعر: # وفي يمناك عكاز قوي ... تذود به الكلاب عن الهرير # فقال له: ما خفي عليك خبرها اذهبي كعصا موسى. # فقال الشاعر: # فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك القعود على السرير # فقال له: بفضل الله لا بفضلك. # فقال الشاعر: # فعجل يا بن ناقصة بمال ... فإني قد عزمت على المسير # فأمر له بألف دينار. # فقال الشاعر: # قليل ما أمرت به فإني ... لأطمع منك بالشيء الكثير # فأمر له بألف دينار أخرى. # فقال الشاعر: # فثلث، إذ ملكت الملك رزقا ... بلا عقل ولا جاه خطير # فأمر له بثلاثمائة دينار. # فقال الشاعر: # ولا أدب كسبت به المعالي ... ولا خلق ولا رأي منير # فأمر له بأربعمائة دينار. # فقال الشاعر: # فمنك الجود والإفضال ms173 حقا ... وفيض يديك كالبحر الغزير # فأمر له بخمسمائة دينار، وما زال يطلب منه الزيادة حتى استكمل ألف دينار، ~~فأخذها وانصرف متعجبا من حلم معن وعدم انتقامه منه ثم قال في نفسه: مثل هذا ~~لا ينبغي أن يهجى بل يمدح، واغتسل ولبس ثيابه ورجع إليه فسلم عليه ومدحه ~~واعتذر له بأن الحامل له على هجوه المائة بعير التي صار الرهن عليها في ~~نظير إغاظته له، فأمر له بمائة بعير يدفعها في نظير الرهن وبمائة بعير أخرى ~~لنفسه، فأخذها وانصرف، والله أعلم. # PageV01P202 ### | خلافة المأمون بن هارون # الرشيد واسمه عبد الله # ومما وضع في بطون الدفاتر، واستحسنته عيون البصائر، ونقلته الأصاغر عن ~~الأكابر، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال: طلبني أمير المؤمنين ~~المأمون ليلة، وقد مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلانا وفلانا، ~~وسماهما لي: أحدهما، علي بن محمد، والآخر، دينار الخادم، واذهب مسرعا لما ~~أقول لك، فإنه بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى آثار دور البرامكة، وينشد شعرا ~~ويذكرهم ذكرا كثيرا ويندبهم ويبكي عليهم، ثم ينصرف فامض أنت وعلي ودينار ~~حتى تردوا تلك الخرائب فاستتروا خلف بعض الجدران، فإذا الشيخ قد جاء وبكى ~~وندب وأنشد أبياتا فآتوني به. # قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرائب، فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه ~~بساط وكرسي حديد، وإذا شيخ قد جاء وله جمال وعليه مهابة ولطف، فجلس على ~~الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات: # ولما رأيت السيف جندل جعفرا ... ونادى مناد للخليفة: يا يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت: الآن لا تنفع الدنيا # مع أبيات أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ~~ففزع فزعا شديدا وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة. # ثم تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى ~~غلامه ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال: حين رآه: من أنت، ~~وبم استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال الخادم: ونحن ~~نستمع. # فقال: ms174 يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن ~~أحدثك بحالي معهم؟ قال: قل. # فقال: يا أمير المؤمنين؟؟! أنا المنذر بن المغيرة، من أولاد الملوك، وقد ~~زالت عني نعمتي، كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين، واحتجت إلى بيع ما ~~على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه، أشاروا علي بالخروج إلى ~~البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبيا وصبية، وليس معنا ما ~~يباع ولا ما يوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب ~~كنت أعددتها لأستتر بها، # PageV01P203 # فلبستها وخرجت وتركتهم جياعا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلا عن ~~البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب ~~خادمان، وفي الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين ~~أيديهم، وأنا أقدم رجلا وأوخر أخرى، والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، ~~وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن ~~خالد، فدخلت معهم، وإذا بيحيى جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا، وهو ~~يعدنا مائة وواحدا، وبين يديه عشرة من ولده، وإذا بأمرد نبت العذار في خديه ~~قد أقبل من بعض المقاصير، وبين يديه مائة خادم متمنطقون، في وسط كل خادم ~~منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال، مع كل خادم مجمرة من ذهب، في كل ~~مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر، وقد قرن به مثله من العنبر السلطاني فوضعوه ~~بين يدي الغلام، وجلس إلى جنب يحيى، ثم قال للقاضي: تكلم وزوج ابنتي عائشة ~~من ابن أخي هذا. فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا ~~علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت، والله يا أمير المؤمنين ملء ~~كمي ونظرت، وإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة ~~واثنا عشر، وإذا بمائة واثني عشر خادما قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من ~~فضة، على كل صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت ~~القاضي والمشايخ ms175 يضعون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ~~ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم ~~فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي وقمت وجعلت أتلفت إلى ~~ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فبينما أنا كذلك إلى أن وصلت إلى صحن ~~الدار، ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل، فأتيته، فقال: ما لي ~~أراك تلتفت يمينا وشمالا؟ فقصصت عليه قصتي فقال للخادم: ائتني بولدي موسى، ~~فأتاه به. فقال له: يا بني! هذا رجل غريب، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك. # فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام، ~~وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس، ~~وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير ~~المؤمنين، فاقبضه إليك، وأكرمه. # ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم ~~لم أزل في أيدي القوم يتداولوني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني ~~أفي الأموات هم أم # PageV01P204 # في الأحياء، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم ~~فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام. # فقلت: وا ويلاه، أسلب الدنانير والصينية، وأخرج على هذه الحالة؟ إنا لله ~~وإنا إليه راجعون. # فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادم الستر ~~الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ~~ما تأمرني به. # فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا واستقبلني منها رائحة ~~الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير ~~والديباج، وحمل إلي مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، ومنشور بضيعتين، وتلك ~~الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق، وأقمت يا أمير ~~المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة ~~أنا أم رجل غريب، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين، من الرشيد ms176 ~~ما نزل أجحف بي عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا ~~يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرائب دورهم، ~~فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأبكي على إحسانهم. # فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة. # فلما أتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض ~~صنائع البرامكة. # قال: كم ألزمته في ضيعتيه؟ قال: كذا وكذا. # فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته، وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه ~~من بعده. # قال: فعلا نحيب الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا! قد ~~أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضا من صنيع ~~البرامكة، لو لم آت خرائبهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير ~~المؤمنين، ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم ~~بن ميمون: فرأيت المأمون، وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا ~~من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر، ~~انتهى. # PageV01P205 ### | المأمون والورد # وقال إسحاق: دخلت يوما على المأمون في زمن الورد، فقال لي: يا إسحاق! هل ~~قلت شيئا في الورد؟ قلت: أقول بسعادة أمير المؤمنين. # وفكرت ساعة فلم تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء، فخرجت من عنده وبقيت ~~ليلتي ساهرا متفكرا، فلم يفتح علي بشيء، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة، ~~وإذا غلام الفضل بن مروان على باب المأمون، ومعه سبع وردات على صينية فضة، ~~ينتظر الإذن في الدخول بها عليه، فسألته المهلة بها قليلا، فامتنع، سألته ~~ثانيا، وقلت: أمهل قليلا، ولك بكل وردة دينار. # فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل ~~وصول الشعر، وخرجت أقصد الأزقة لعلي أسمع شيئا من أحد أو ينبعث خاطري ولو ~~ببيت واحد، فبينما أنا كذلك وإذا أنا برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول: # اشرب على ورد الخدود فإنه ... أزهى وأبهى، فالصبوح يطيب # ما الورد أحسن من ms177 تورد وجنة ... جمراء جاد بها عليك حبيب # صبغ المدام بياضها فكأنه ... ذهب بقالب فضة مضروب # فلما سمعته نزلت عن دابتي، ودخلت مسجدا بالقرب منه وطلبته، فلما أقبل ~~سألته أن يمليها علي فاعتل، وقال: إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير، ~~فدفعتها له واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان، وإذا بالمأمون ~~يشرب من وراء الستارة، فلما جسيت العود قال لجواريه: اسكتن، فقد جاء إسحاق، ~~فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء ~~الستارة ثم أخرج إلي بدرة فيها عشرة آلاف درهم، فأعدت الأبيات، فأخرج إلي ~~بدرة أخرى، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة، فأخذت في غير الشعر، فخرج ~~إلي خادم وقال: يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على البدرة ~~ولو إلى الليل، انتهى من حلية الكميت. # PageV01P206 # ### | من يفعل الخير لا يعدم جوازيه # ويحكى عن العباس صاحب شرطة المأمون، قال: دخلت إلى مجلس أمير المؤمنين ~~ببغداد يوما، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فقال لي: يا عباس؟ قلت: لبيك يا ~~أمير المؤمنين. # قال: خذ هذا إليك فاستوثق به واحتفظ عليه وبكر به إلي في غد واحترز عليه ~~كل الاحتراز. # قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي: مع هذه ~~الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون ~~معي في بيتي، فلما تركوه في داري أخذت أساله عن قضيته وحاله ومن هو؟ فقال: ~~أنا من دمشق. # فقلت: جزى الله دمشق خيرا، فمن أنت من أهلها؟. # قال: وعمن تسأل؟ قلت: أوتعرف فلانا؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل؟ فقلت: ~~وقعت لي معه قضية. # فقال: ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه؟ فقلت: ويحك! كنت مع ~~بعض الولاة بدمشق فسمعت أهلها، وقد خرجوا علينا حتى أن الوالي خرج في زنبيل ~~من قصر الحجاج، وهرب هو وأصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في ~~بعض الدور، وإذا بجماعة يعدون، فما زلت أعدو أمامهم حتى ms178 تجاوزتهم، ومررت ~~بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره، فقلت: يا هذا أغثني ~~أغاثك الله؟ قال: لا بأس عليك ادخل الدار. # فدخلت، فقالت لي زوجته: ادخل تلك المقصورة. # فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار، فما شعرت إلا وقد دخل، والرجال معه ~~يقولون هو والله عندك. # فقال: دونكم الدار فتشوها. # ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها، فقالوا: ها هو هنا. # فصاحت بهم المرأة ونهرتهم، فانصرفوا، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة، ~~وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس ~~عليك. # PageV01P207 # فجلست، فلم ألبث حتى دخل الرجل، فقال: لا تخف فقد صرف الله عنك شرهم وصرت ~~إلى الأمن والدعة إن شاء الله. # فقلت: جزاك الله خيرا. # فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكانا من داره ولم يحوجني ~~إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أتم عيش وأرغده ~~إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى ~~أتفقد حال غلماني، فلعلي أقف منهم على خبر. # فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثرا ~~فرجعت إليه وأعلمته بالخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني بنفسه ولا يعرف من ~~أنا، فقال لي: علام تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد. # قال: إن القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج. # فقلت له: إنك قد تفضلت علي هذه المدة، لك علي عهد الله إنني لا أنسى لك ~~هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت. # قال: فدعا بغلام أسود وقال له: أنعل الفرس الفلاني، ثم جهز آلة السفر ~~فقلت في نفسي: ما أشك أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي. ~~فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب، فلما كان يوم خروج القافلة جاء في السحر، ~~فقال: يا فلان! قم، فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها. # فقلت في نفسي: كيف اصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري ms179 به مركبا، ثم ~~قمت، فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر اللباس وخفين جديدين وآلة السفر، ~~ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي غلاما وعلى كتفه صرتان ~~وفوقهما مرتبة السفر وسجادة من أفخر ما يكون، وأعلمني بما في الصرتين أنه ~~خمسة آلاف درهم، وشد لي الفرس الذي أنعله بسرجه ولجامه، وقال لي: اركب، ~~وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من ~~التقصير في أمري وركب معي من يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره ~~لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافاته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أقدر أن ~~أتفرغ إلى أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلهذا أسأل عنه. # PageV01P208 # فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أمكنك الله من الوفاء له ومكافأته على ~~فعله ومجازاته على صنعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك. # فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا ذلك الرجل، وإنما الضر الذي أنا فيه قد غير ~~عليك حالي وما كنت تعرفه مني، ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت ~~معرفته، فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه، ثم قلت له: فما الذي صيرك إلى ما ~~أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي، وبعث ~~أمير المؤمنين بجيوش فضبطوا البلد فأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، ~~وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين وأمري عنده عظيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد ~~أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من ينصرف إليهم بخبري، وهو نازل عند ~~فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما ~~أريد، فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت بوفاء عهدك. # قال العباس: فقلت يصنع الله خيرا. # ثم أحضر حدادا في الليل وفك قيوده، وزال ما كان عليه من الإنكال، وأدخله ~~حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، ~~فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي ms180 بفرسي الفلاني ~~والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة، ثم عشرة من الصناديق، ومن ~~الكسوة كذا وكذا. # قال ذلك الرجل: وأحضر لي بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيسا فيه خمسة آلاف ~~دينار، وقال لعامله في الشرطة: خذ هذا الرجل وشيعه إلى حد الأنبار. # فقال له: إن ذنبي عظيم عند أمير المؤمنين وخطبي جسيم، وإن أنت احتجيت ~~بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرادوا قتلي. # فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري. # فقال: والله لا أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى ~~حضوري حضرت. # فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على ما يكون، فليكن في موضع كذا وكذا، ~~فإن أنا سلمت في غداة غد أعلمته، وإن أنا قتلت وقيته بنفسي كما وقاني ~~بنفسه، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم، وتجتهد في إخراجه من بغداد. # PageV01P209 # قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان يثق به، وتفرغ العباس ~~لنفسه وتحنط وجهز له كفنا. # قال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي يقولون: ~~يقول لك أمير المؤمنين: هات الرجل معك وقم. # قال: فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين وإذا هو جالس وعليه كآبة، فقال: أين ~~الرجل؟ فسكت، فقال: ويحك أين الرجل؟ فسكت، فقال ويحك أين الرجل؟ فقلت: يا ~~أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول. # فقال: لله علي عهد، لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك. # فقلت لا والله، يا أمير المؤمنين إنه ما هرب، ولكن اسمع حديثي معه كيت ~~وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته أني أريد أن أفي له وأكافئه على ما ~~فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفح ~~عني، وقد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت، وها كفني يا ~~أمير المؤمنين. # فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك، لا جزاك الله خيرا عن نفسك، إنه فعل ~~بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير؟ هلا ~~عرفتني ms181 خبره، فكنت أكافئه عنك ولا أقصر بوفائي له؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ~~إنه ههنا، وقد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر. # فقال المأمون: وهذه منة أعظم من الأولى، اذهب الآن فطيب نفسه وسكن روعه ~~وائتني به حتى أتولى مكافأته عنك. # قال: فأتيت إليه وقلت: ليزل عنك حزنك، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت. # فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء أحد سواه. ثم قام فصلى ~~ركعتين، ثم أتيت به إلى أمير المؤمنين، فلما مثل بين يديه أقبل عليه وأدنى ~~مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق ~~فاستعفى عنها، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها، وعشرة بغال ~~بآلاتها، وعشر بدر، وعشرة آلاف دينار، وعشرة مماليك بدوابهم، وكتب إلى ~~عامله بدمشق بالوصية به، وأطلق خراجه، وأمر بمكاتبته بأحوال دمشق، فصارت ~~كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي: يا ~~عباس هذا كتاب صديقك، والله أعلم. # PageV01P210 ### | المأمون وزنبيل بوران # ويحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجها إلى ~~بيتي، فأحسست بالبول، فعمدت لزقاق، وقمت لأتمسح بالحيطان، وإذا بزنبيل كبير ~~بأربعة آذان ملبس ديباجا، فقلت: إن لهذا سببا وبقيت متحيرا في أمره، فحملني ~~السكر وقال لي: اجلس فيه، فجلست، فلما أحس بي الذين كانوا يرقبونه جذبوه ~~إلى رأس الحائط، فإذا أنا بأربع جوار يقلن لي: انزل بالرحب والسعة ومشت بين ~~يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار ومجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار ~~الخلافة فجلست، فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية من الجدران، ~~وإذا بوصائف يتمشين وفي أيديهن الشمع وبعض مجامر يحرق فيهن العود وبينهن ~~جارية كأنها البدر الطالع، فنهضت وقالت: مرحبا بك من زائر وجلست، ثم سألتني ~~عن خبري فقلت: انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحرقني البول، فعمدت ~~إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلا معلقا، فحملني السكر على أن جلست فيه، فإن ~~كان ms182 خطأ فالنبيذ أكسبنيه. # قالت: لا ضير، وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك، ثم قالت: فما صناعتك؟ قال: ~~بزارا ببغداد. # فقالت: هل رويت من الأشعار شيئا؟ قلت: شيئا ضعيفا. # قالت: فذاكرنا شيئا. # قلت: إن للداخل حشمة، ولكن تبدئين أنت. # قالت: صدقت، فأنشدتني شعرا لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود ~~أقاويلهم، وأنا مستمع لا أدري مم أعجب من حسنها أم حسن روايتها؟ ثم قالت: ~~أذهب ما كان فيك من الحصر؟ قلت: إي والله. # قالت: فإن رأيت أن تنشدنا. # فأنشدتها شيئا لجماعة من القدماء ما فيه مقنع، فاستحسنت ذلك، ثم قالت: ~~والله ما ظننت أنه يوجد في أبناء السوقة هذا، ثم أمرت بالطعام فأحضر، فجعلت ~~تقطع وتضع قدامي، وفي المجلس من صنوف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون ~~إلا عند السلطان، ودعت بالشراب، فشربت قدحا، ثم ناولتني قدحا، ثم قالت هذا ~~أوان المذاكرة والأخبار، فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أن كذا وكذا، وكان ~~رجل يقال له كذا، حتى أتيت على # PageV01P211 # عدة أخبار حسان، فسرت بذلك وقالت: كثر تعجبي أن يكون أحد من التجار يحفظ ~~مثل هذا، وإنما هذه أحاديث ملوك. # فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم، وإذا تعطل حضرت معه فربما حدثت ~~بما سمعت. # فقالت: لعمري، لقد أحسنت الحفظ وما هذه إلا قريحة جيدة. # وأخذنا في المذاكرة، إذا سكت ابتدأت هي، وإذا سكتت ابتدأت أنا حتى قطعنا ~~أكثر الليل وبخور العود يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقا ~~إليها، فقالت: إنك من أرف الرجال، وضيء الوجه بارع في الأدب وما بقي إلا ~~شيء واحد؟ قلت: وما هو؟ قالت: لو كنت تترنم ببعض الأشعار؟ قلت: والله ~~لقديما كنت ألفته ولم أرزقه وأعرضت عنه، وفي قلبي من حرارة، ولو كنت أحب في ~~مثل هذا المجلس شيئا منه لتكمل ليلتي. # قالت: كأنك عرضت. # فقلت: والله ما هو تعريض قد بدأت بالفضل، وأنت جديرة بذلك. # فأمرت بعود فحضر، وغنت بصوت ما سمعت بحسنه مع حسن أدبها وجودة الضرب ~~بالكمال الراجح، ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت ms183 ومن غنى به؟ قلت: لا. # قالت: الشعر لفلان والغناء لإسحاق. # قلت: وإسحاق هذا جعلت فداك بهذه الصفة؟ قالت: بخ بخ! إسحاق بارع في هذا ~~الشأن. # فقلت: سبحان الله أعطي هذا الرجل ما لم يعطه أحد؟ قالت: فكيف لو سمعت هذا ~~الصوت منه. # ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان الفجر أقبلت عجوز كأنها داية لها، وقالت: ~~إن الوقت قد حضر، فنهضت عند قولها، فقالت: لتستر ما كنا فيه فإن المجالس ~~بالأمانات. # قلت: جعلت فداك لم أكن أحتاج إلى وصية في ذلك. # فودعتها، وجارية بني يدي إلى باب الدار ففتح لي فخرجت ورحت إلى داري، ~~فصليت الصبح ونمت، فانتهى رسول المأمون غلي فسرت إليه وأقمت عنده نهاري، ~~فلما كان العشاء تفكرت في ما كنت فهي البارحة، وهذا شيء لا يصبر عليه إلا ~~جاهل، # PageV01P212 # فخرجت وجئت إلى الزنبيل، فوجدته على عادته، فجلست فيه ورفعت إلى موضع ~~البارحة، وإذا هي قد طلعت، فقالت: لقد عاودت. # فقل: ولا أظن إلا أنني قد ثقلت. # وأخذنا في المحادثة مثل تلك الليلة السالفة في المذاكرة والمناشدة وغريب ~~الغناء منها إلى الفجر. فانصرفت إلى منزلي، فصليت الصبح، ونمت. فانتهى رسول ~~أمير المؤمنين غلي فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده، فلما كانت العشية توجه إلي ~~مخاطبا، وقال: أقسمت عليك لتجلسن حتى أجيء وأحضر، فما كان حتى أن غاب وجالت ~~وساوسي، فلما تذكرت ما كنت فيه هان علي ما يخصني من أمير المؤمنين، فوثبت ~~مبادرا وخرجت جاريا حتى أتيت الزنبيل، فجلست فهي فرفعت إلى مجلسي، فقالت: ~~صديقنا. # قلت: إي والله. # قالت: أجعلتها دار إقامة؟ قلت: جعلت فداك حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن ~~رجعت بعد ذلك، فأنتم في حل من دمي. # ثم جلسنا على ذلك الحال فلما قرب الوقت علمت بأن المأمون لا بد أن ~~يسألني، فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت: أنا أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن ~~عم أحسن مني وجها، وأظرف قدا وأكثر أدبا وأطيب أرجا، وهو أعرف خلق الله ~~بغناء إسحاق. # فقالت: طفيلي وتقترح. # قلت: لها: أنت ms184 المحكمة. # قم قالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته. # ثم جاء الوقت فنهضت وقمت وذهبت، فلم أصل إلى داري إلا ورسل أمير المأمون ~~قد هجموا علي وحملوني حملا عنيفا فوجدته قاعدا على كرسي وهو مغتاظ فقال: يا ~~إسحاق، أخروجا عن الطاعة؟ قلت: لا والله. # قال: فما قصتك أصدقني؟ قلت: نعم في خلوة. # فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا، فحدثته الحديث وقلت له: وعدتها بك. # قال: أحسنت فأخذنا في لذتنا ذلك اليوم، والمأمون معلق القلب بها، فما ~~صدقنا أن جاء الوقت وسرنا، وأنا أوصيه وأقول له: تجنب واحذر أن تناديني ~~باسمي بحضرتها، وغن وأنا لك تبع وهو يقول: نعم، ثم سرنا إلى الزنبيل ~~فوجدناهما اثنين، فقعدنا فيهما # PageV01P213 # ورفعنا إلى الموضع المعهود، فحضرت وأقبلت وسلمت، فلما رآها المأمون بهت ~~في حسنها وجمالها وأخذت تذاكره وتناشده الأشعار، ثم أحضرت النبيذ فشربنا، ~~وهي مقبلة عليه مسرورة به، وهو أكثر، فأخذت العود وغنت صوتا، ثم قالت: وابن ~~عمك هذا من التجار، وأشارت إلي. # قلت: نعم. # قال: والله إنكما لقريبان. # فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، فصاح وقال: يا إسحاق! ~~قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. # قال: عن هذا الصوت؟ فلما علمت أنه الخليفة نهضت إلى مكان فدخلته، فلما ~~فرغت من الصوت قال: انظر من رب هذه الدار؟ فبادرت العجوز وقالت: للحسن بن ~~سهل. # فقال: علي به. # فغابت العجوز ساعة، وإذا الحسن قد حضر. # فقال له المأمون: ألك ابنة؟ قال: نعم. # قال: ما اسمها؟ قال: بوران. # قال: أمتزوجة؟ قال: لا والله. # قال: فإني أخطبها منك. # قال: هي جاريتك وأمرها إليك. # قال: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألفا، تحمل إليك صبيحة يومنا هذا، فإذا ~~قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتنا. # قال: نعم. ثم خرجنا فقال: يا إسحاق لا توفق على هذا الحديث أحدا. # فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في تلك ~~الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار وبوران بالليل، ووالله ما رأيت أحدا ~~من الرجال مثل المأمون ms185 ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهما وعقلا والله تعالى ~~أعلم، انتهى من حلية الكميت. # PageV01P214 ### | المأمون وجارية أبيه # وقيل: كان المأمون يوما يأكل مع أبيه الرشيد، فلما فرغا جعلت جارية تصب ~~الماء على يد الرشيد، فنظر إليها المأمون، وأشار إليها كأنه يقبلها، فأنكرت ~~ذلك منه بعينها، وأبطأت في الصب بقدر النظر إلى المأمون، فقال لها الرشيد: ~~لأي شيء صغى الإبريق في يدك، فوالله لئن لم تصدقيني الحق لأضربن عنقك؟ ~~فقالت: يا سيدي نظر إلي عبد الله المأمون، وأشار إلي كأنه يقبلني، فأنكرت ~~ذلك بعيني. # فنظر الرشيد إلى المأمون فسقط مغشيا عليه كأنه ميت مما داخله من الخوف ~~والفزع، فأخذه وضمه إلى صدره، وقال: يا عبد الله؛ أتحبها؟ # قال: إي والله يا أمير المؤمنين. # فقال: هي لك، خذ بيدها وادخل بها في هذا القبة. ففعل، فلما خرج إلى ~~الرشيد قال له: هل قلت في هذا شيئا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم أنشد ~~يقول: # ظبي كنيت بطرفيعن الضمير إليهقبلته من بعيد # فاعتل من شفتيهورد أخبث ردبالكسر من حاجبيه # فما برحتمكاني حتىقدرت عليه ### | المأمون والفتاة العربية # عن أبي عبد الله النميري أنه قال: كنت يوما مع المأمون، وكان بالكوفة، ~~فركبت للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة فأطلق ~~عنان فرسه وكان على سابق من الخيل، فأشرف على نهر من ماء بحر الفرات، فإذا ~~هو بجارية عربية خماسية القد، قائمة النهد، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها ~~قربة قد ملأتها من النهر، ورفعتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل ~~وكاؤها، فصاحت برفيع صوتها: يا أبت! أدرك فاها، قد غلبني فوها، لا طاقة لي ~~بفيها. # قال: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت القربة من يدها، فقال لها المأمون: يا ~~جارية من أي العرب أنت؟ فقالت: أنا من بني كلاب. # قال: وما حملك أن تكوني من الكلاب؟ قالت: والله لست من الكلاب وإنما أنا ~~من قوم كرام غير لئام، يقرون الضيف، ويضربون بالسيف، ثم قالت: يا فتى من أي ~~الناس أنت؟ قال: ms186 أوعندك علم بالأنساب؟ قالت: نعم. # قال: أنا من مضر الحمراء. # قالت: من أي مضر؟ قال: من أكرمها نسبا وأعظمها حسبا وخيرها أما وأبا، مما ~~تهابه مضر وتخشاه. # PageV01P215 # قالت: أظنك من كنانة؟ قال: أنا من كنانة. # قالت: من أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولدا وأشرفها محتدا وأطولها في ~~المكرمات يدا، ممن تهابه كنانة وتخشاه. # قالت: والله أنت من بني هاشم؟ قال: أنا من بني هاشم. # قالت: من أي هاشم؟ قال: من أعلاها منزلة وأشرفها قبيلة ممن تهابه هاشم ~~وتخشاه. # قال: فعند ذلك قبلت الأرض وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة ~~رسول رب العالمين. # قال: فتعجب المأمون منها وطرب طربا شديدا، ثم قال: لأتزوجن بها لأنها من ~~أكبر الغنائم، ووقف حتى التحق به العسكر، فنزل وأرسل خلف أبيها وخطبها منه، ~~فزوجه بها، وهي والدة العباس، والله أعلم. ### | أخلاق المأمون # من محاسن الأخلاق، ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال: كنت نائما ذات ~~ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح لغلام يسقيه، وأنا نائم فينغص علي ~~نومي، فرأيته وقد قام يتمشى على أطراف أصابعه حتى أتى موضع الماء، وكان ~~بينه وبين الماء نحو ثلاثمائة خطوة، ثم رجع يتمشى على أطراف أصابعه حتى وصل ~~إلى الفراش الذي أنا عليه، وخطا خطوات لطيفة لئلا ينبهني حتى وصل إلى ~~فراشه، ثم رأيته آخر الليل، وقد قام يبول، فقعد طويلا يحاول أن أتحرك فيصيح ~~للغلام، فلما تحركت وثب قائما وصاح بالغلام وتأهب للصلاة ثم جاءني وقال: ~~كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف مبيتك؟ قلت: بخير مبيت جعلني الله فداك. # قال: لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح للغلام فأزعجك. # فقلت: يا أمير المؤمنين، لقد خصك الله بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام، ووهب لك سيرتهم، فهناك الله بهذه النعمة، وأتمها عليك. # فأمر لي بألف دينار وانصرفت. # PageV01P216 ### | حلم المأمون # وحدث سليمان الوراق قال: ما رأيت أعظم حلما من المأمون، دخلت عليه يوما ~~وفي يده فص مستطيل من ياقوت أحمر له شعاع قد أضاء له المجلس، وهو يقلبه ~~بيده ms187 ويستحسنه، ثم دعا برجل صائغ وقال له: اصنع بهذا الفص كذا وكذا ونزل ~~فيه كذا وكذا، وعرفه كيف يعمل به، فأخذه الصائغ وانصرف ثم عدت إلى المأمون ~~بعد ثلاث فتذكره فاستدعى الصائغ، فأتي به، وهو يرعد وقد امتقع لونه. فقال ~~المأمون: ما فعلت بالفص؟ فتلجلج الرجل ولم ينطق بكلام، ففهم المأمون ~~بالفراسة أنه حصل فيه خلل، فولى وجهه عنه، حتى سكن جأشه، ثم التفت إليه ~~وأعاد القول. # فقال: الأمان يا أمير المؤمنين. # قال: لك الأمان. # فأخرج الفص أربع قطع وقال: يا أمير المؤمنين، سقط من يدي على السندال ~~فصار كما ترى. # فقال المأمون: لا بأس عليك، صنع به أربع خواتم، وألطف له في الكلام حتى ~~ظننت أنه كان يشتهي الفص على أربع قطع. فلما خرج الرجل من عنده، قال: ~~أتدرون كم قيمة هذا الفص؟ قلنا: لا، قل: اشتراه الرشيد بمائة ألف وعشرين ~~ألفا، انتهى. # ومن حلمه أيضا. قال يحيى: كنت أنا والمأمون يوما في بستان ندور فيه ~~فمشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت مما يلي الشمس والمأمون مما يلي ~~الظل، فكان يجذبني أن أكون في الظل وهو في الشمس، فأمتنع من ذلك، فإذا ~~رجعنا قال لي: والله يا يحيى لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك، حتى آخذ ~~نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها. # فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك من هول المطلع لفعلت. # ولم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي ~~وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت، فإنه لا خير في ~~صحبة من لا ينصف. ومن حلمه أيضا، أنه كان له خادم يسرق طاساته التي يتوضأ ~~فيها فقال له المأمون: إذا سرقت شيئا فائتني بما تسرقه، فأشتريه منك. # فقال له الخادم: اشتر مني هذه، وأشار إلى التي بين يديه. # PageV01P217 # فقال: بكم. # قال: بدينارين. # قال: على شرط أنك لا تسرقها. # قال: نعم. # فأعطاه دينارين، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئا لما رأى ms188 من حلمه، والله ~~أعلم. ### | الطفيلي الأديب والمأمون # وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب ~~والبيان والفصاحة باللسان ناقدا في صناعته، حافظا للأقدار، راويا للأشعار، ~~خبيرا بسير الملوك في الأيام السالفة، بصيرا بالبحث عن أمورهم في الأيام ~~الآنفة، حاذقا في التصنيف، فائقا في التأليف، صبيح الوجه، مقبول المشاهد، ~~حلو الشمائل، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه فيه عائق، ~~وحال دونه حائل وقدر سابق، فبقي حينا من الدهر، وقد برز في القدر والمال ~~والجاه من كان عنده في الصناعة متأخرا، فضاق صدره وعيل صبره وضلت ومقاليده، ~~فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلا وأجمع رأيه على أن يحمل نفسه ~~على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه، وتربص لذلك أن يرى وجها إلى أن عزم ~~أمير المؤمنين أن يشرب يوما هو وصنوه المعتصم، فأمر المأمون بالاستعداد ~~ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري، منفردين عن سائر الندماء، فظهر خبرهما ~~بذلك. وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه، فعزم هذا الأديب المذكور على أن ~~يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم، فمضى إلى إخوانه وأصدقائه فاستعار ~~من هذا قباء وجبة وردية، ومن آخر منطقة وخفا وسيفا، ومن آخر برذونا، ومن ~~آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك اليوم، ودخل الحمام سحرا، وتطيب، ~~ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار المعتصم وقال للحاجب: عرف الأمير أني ~~رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه. # فسعى الحاجب عدوا حتى أخبر المعتصم، فأذن له. فلما دخل عليه، وتمثل بين ~~يديه، قال له: سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: أنسيت الوعد، ~~ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا؟ قال المعتصم: لا والله ما ~~نسيت ذلك، ولكن # PageV01P218 # تربصت ساعة. ونمت نوما لأتقوى بذلك على انتصاب سائر النهار. # فقال الفتى: فعجل الآن أيها الأمير، فإنه أمرني أن لا أفارقك حتى آتيه ~~بك. # فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب، ولبس ثيابه وتطيب وركب ~~الفتى ms189 معه، والمعتصم لا ينكر شيئا من كلام الفتى ويتأمل لطافته وهيئته، ولم ~~يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون، وأخذ الفتى يحدث المعتصم وأقبل عليه ~~بكليته، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه، حتى بلغ باب الخليفة فألقى ~~الفتى نفسه عن دابته، وأخذ يمشي بين يديه، والحجاب لا ينكرون منه شيئا ~~ويظنون نه من خدم المعتصم، حتى نزل المعتصم، وأخذ الفتى بركابه، ودخل ~~المجلس، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى بين يديه، وهو منهمك في ~~نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجبا مما يسمع من حسن كلامه، وأخبر ~~المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو. # فقال المأمون: أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره ~~أحد من الناس إلا من هو عديل النفس. وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثا، فإن ~~المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما ~~لا بد منه، ثم خرج من ساعته فرحا وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام ~~واستنطاقه واعتبار قده وعقله، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما ~~وقع في نفس المأمون نهض قائما فقبل يد المأمون، وعاد إلى مجلسه وأخذ في ~~نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر، وهو ~~مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم. فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى غلب ~~على قلب المأمون، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه، وأمر ~~المأمون بإحضار المائدة، فنصبت بأنواع الطعام، فأكلوا وغسلوا أيديهم، ~~ولمجلس الشراب انتقلوا، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة، فحضرن ~~وأخذن في الغناء، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به، وبالغناء، ومتى قيل ~~وفيمن قيل، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه، وتزايد حسده لأخيه في صحبة ~~مثله فمس الفتى بول، ولم يجد للمدافعة سبيلا، فقام وهو متيقن أنهما ~~سيذكرانه، ويتواصفان أمره وحاله، إذا خلا المجلس، فما هو إلا أن غاب من بين ~~أيديهما حتى قال ms190 المأمون لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك هذا؟ فوالله ~~ما رأيت رجلا قط أكثر منه أدبا ولا أنظف هيئة ولا اشرف من شمائله. # فقال المعتصم: والله ما أعلم من هو، وإنما جاءني مبكرا برسالة أمير ~~المؤمنين. # PageV01P219 # فقال المأمون: سألتك بالله يا أخي أهو كذلك؟ فقال: إي والله الذي لا إله ~~إلا هو. # فقال المأمون: طفيلي، ورب الكعبة، وغضب وأمر الجواري بالنهوض، فنهض وأقبل ~~الفتى راجعا فلما نظر إلى خلو المجلس من الجواري وإلى تغير وجه المأمون، ~~وقف على رأس المجلس وأقبل بوجهه على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق! كأني بك ~~قد أخذت في نوع الزور والبهتان، وهذا المجلس من المجالس التي لا تحمل ~~المزاح، وما هكذا وعدتني. ثم قل: والله يا أمير المؤمنين، ما بليت من أحد ~~من الناس مثل ما بليت من هذا لأنه دائما أبدا يعرضني لمثل هذا وأشباهه، ~~ويغري بي ويوقعني في كل ورطة. # ثم أقبل على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق، سألتك بالله وبحق أمير المؤمنين ~~إلا ما أعفيتني من ملاعبتك التي لا تحتمل وتؤدي إلى مؤاخذة أمير المؤمنين. # ولم يزل يأتي بهذا وأمثاله حتى شك المأمون في أمره والتفت إلى أخيه ~~المعتصم وقال: سألتك بالله يا أخي، بحياتي عليك إلا ما علمتني بحقيقة أمره؟ ~~فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين برئت من ذمة الله ورسوله ومن حياتك وولايتك ~~إن كنت عرفه أو رأيته قط إلا في يومي هذا. # فقال الفتى: كذب والله يا أمير المؤمنين لقد كنت معه دهري الطويل وفي ~~موضع كذا وكذا، وإن هذا فعله معي أبدا. # فضحك المأمون تعجبا، وقال: ادخل فدخل، وأمره بالجلوس فجلس، ثم قال لك ~~الأمان إن صدقتني. # فصدقه الحديث على وجهه فأعجب من حسن منطقه ولطف مدخله ودقيق تصرفه وأمر ~~بإعادة الجواري إلى مجلسهن، فطربوا سائر يومهم. فقال له المأمون: أخبرني ~~بأعجب ما لحقك في قدومك من الكوفة إلى بغداد واجعله نظما ولا تكتم عني ~~شيئا. # فقال: نعم، ثم أنشأ يقول: # بينا أنا راقد في البيت مكتئب ... مفكر ms191 في حصول الكد والقوت # وليس في البيت لي شيء ألم به ... وبي من الجوع ما يدني إلى الموت # إذا بصوت بباب الدار أسمعه ... والأذن مصغية مني إلى الصوت # ناديت من ذا الذي أرجوه لي فرجا؟ ... نادى: أنا فرج زن لي كرا البيت # PageV01P220 # فضحك المأمون حتى استلقى على فراشه، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه ~~وقال: ثم ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني ~~بالكراء، فوعدته بأن يرجع إلي مرة أخرى، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين ~~أتوجه، فسألت كل من لقيته من صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من ~~الشعر في ذلك وهما. # غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله: أين الطريق؟ # تعلق بالسؤال لكل شخص ... كما يتعلق الرجل الغريق # فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ليلة كماله، وهي تقول: # ترفق يا غريب فكل حر ... يمر بحاله سعة وضيق # وكل ملمة إن أنت فيها ... صبرت لها أتيح لها طريق # ثم قالت: خذ هذه فادفع بها فاقتك، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت، ورمت ~~إلى صدري بقرطاس، وإذا فيه عشرة دراهم، فرجعت من فوري، فوجدت صاحب الكراء ~~قائما على الباب، فدفعت إليه خمسة دراهم، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه ~~القصة، وهذا الأمر الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول: # لم آت فعلا غير مستحسن ... جهلا بفعل الأحسن الأملح # لكنني في حالة أوجبت ... ضرورة إتيان مستقبح # فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه ~~وألحقه بمراتب الخاصة، ورفعت منزلته، وصار أقرب الناس إليه، وآخر خارج من ~~عنده وأول داخل إليه، وسمي طفيلي المعتصم، وأنشد للمأمون يوما يقول: # كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي # تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك عن ديني ودنيائي # وصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # فاستحسن المأمون الأبيات، وأمر بكتبها على الستارة، وصار الفتى إذا حضر ~~يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم ms192 إلا اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي ~~المجلس، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته، أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه ~~منها الجارية، فإذا هي # PageV01P221 # لرجل من أهل بغداد من مباشريها، وقد مات ولم يخلف ولدا سوى تلك الجارية، ~~وما مات حتى تضعضع حاله، فأعلم المأمون بذلك، فمر بخطبتها للفتى ودفع المهر ~~من عنده وصار الفتى والجارية في نعمة عظيمة بقية عمرهما والله أعلم. ### | رقة قلب المأمون # وسرق شاب سرقة، فتي به إلى المأمون فأمر بقطع يده فتقدم لتقطع يديه فأنشد ~~الشاب يقول: # يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالا يشينها # فلا خير في الدنيا ولا راحة بها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها # وكانت أم الشاب واقفة على رأسه، فبكت وقالت: يا أمير المؤمنين إنه ولدي ~~وواحدي، ناشدتك الله إلا رحمتني وهدأت لوعتي وجدت بالعفو عمن استحق ~~العقوبة. # فقال المأمون: هذا حد من حدود الله تعالى. # فقالت: يا أمير المؤمنين! اجعل عفوك عن هذا الحد ذنبا من الذنوب التي ~~تستغفر منها. # فرق لها المأمون وعفا عنه. ### | المأمون ونذير الشؤم # قال: رأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الأكابر أن المأمون أشرف يوما ~~من قصره فرأى رجلا قائما وبيده فحمة، وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال ~~المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، فانظر ما كتب وائتني به. # فبادر الخادم إلى الرجل مسرعا وقبض عليه، وقال: ما كتبت؟ فإذا هو قد كتب ~~هذين البيتين: # يا قصر جمع فيك الشوم واللوم ... متى يعشش في أركانك البوم # يوم يعشش فيك البوم من فرحي ... أكون أول من ينعاك مرغوم # PageV01P222 # ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين. # فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه. # فقال الخادم: لا بد من ذلك. # ثم ذهب به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب قال له المأمون: ~~ويلك، ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لا يخفى عليك ما حواه ~~قصرك هذا من خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشراب والفرش ms193 والأواني ~~والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي. وإني ~~يا أمير المؤمنين قد مررت عليه الآن، وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت ~~مفكرا في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لنا ~~فيه، فلو كان خرابا ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه وأتقوت ~~بثمنه أوما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر: # إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها # وما ذاك من بغض له، غير أنه ... يزجي سواها، فهو يهوى انتقالها # فقال المأمون: يا غلام، أعطه ألف درهم، ثم قال: هي لك في كل سنة ما دام ~~قصرنا عامرا بأهله مسرورا في دولته. # وأنشدوا في معنى ذلك: # إذا كنت في أمر، فكن فيه محسنا ... فعما قليل أنت ماض وتاركه # فكم دحت الأيام أرباب دولة ... وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه # PageV01P223 ### | المأمون ومدعي النبوة # ويحكى أنه تنبأ رجل في أيام المأمون، فقل ليحيى بن أكثم القاضي: يا يحيى ~~امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا المتنبي وإلى دعواه. # فركبا في الليل مستترين ومعهما خادم حتى صارا إلى بابه وكان مسترا بثوبه، ~~فاستأذنا عليه فخرج إليهما، فقال: من أنتما؟ فقالا: رجلان يريدان أن يسلما ~~على يديك. # قال: ادخلا. فدخلا وجلس المأمون عن يمينه، يحيى عن يساره، فقال المأمون: ~~إلى من بعثت؟ قال: إلى الناس كافة. # قال: أفيوحى إليك، أم ترى في المنام، أم ينفث في قلبك؟ قال: بل أناجي ~~وأكلم قال: ومن يأتيك؟ قال: جبريل. # قال: فمتى كان عندك؟ قال: الساعة قبل أن تأتياني بساعة. # قال: فما أوحى إليك؟ قال: أوحى إلي أنه سيدخل عليك رجلان فيجلس أحدهما عن ~~يمينك، والآخر عن يسارك، والذي يجلس عن يسارك ألوط خلق الله تعالى. # فقال له المأمون: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وكان يحيى ~~يعزى إلى ما قاله عنه المتنبي. ### | أبو نواس والغلام الجميل والقاضي # دخل أبو نواس على القاضي يحيى ms194 بن أكثم ودخل معه غلام جميل الوجه. فقال ~~الغلام: هذا مر علي وقبلني كرها. # ففتن به القاضي، فأنشد يقول: # إذا كنت للتخميش والبوس كارها ... فلا تدخل الأسواق إلا منقبا # ولا تظهر الأصداغ منم تحت طرة ... وتشهر منها فوق خديك عقربا # فلما سمع الغلام، أنشأ يقول: # لقد كنت أرجو أن أرى العدل بيننا ... فأعقبني بعد الرجاء قنوط # متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... إذا كان قاضي المسلمين يلوط # PageV01P224 ### | المأمون ويحيى بن أكثم # يحكى أنه كان عند المأمون يوما، فقال له المأمون وهو يعرض له باللواط: يا ~~يحيى! من ذا الذي يقول: # قاضي يرى الحد في الزناء ولا يرى ... على من يلوط من بأس # فقال له: الذي يقول: # ما أرى الجور ينقضي، وعلى الأم؟ ... ؟ ة وال منكم بني العباس ### | سليب العقل لا الدين سكرة القاضي ابن أكثم # ويقال: إن المأمون شرب يوما ومعه القاضي يحيى بن أكثم، فمال لساقي على ~~القاضي حتى وقع سكران، فأمر المأمون أن يلقى عليه الورد والرياحين حتى يدفن ~~فيها كأنه ميت، وصنع بيتين شعرا، وقال لمغنيته: خذي العود وغني على رأسه ~~فغنت وقالت: # وناديته وهو حي لا حراك به ... مزمل في ثياب من رياحين # فقلت: قم! قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ! قال: كفي لا يوافيني # فاستيقظ يحيى لرنة العود والجارية تغني البيتين فقام، وقال: # يا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني # سقاني الراح لم يمزج سلافتها ... حتى بقيت سليب العقل لا الدين # PageV01P225 ### | إبراهيم بن المهدي والمأمون # قال الواقدي: كان إبراهيم بن المهدي ادعى لنفسه الخلافة بالري وأقام ~~مالكها سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما وله أخبار كثيرة. # فما حكاه قال: لما دخل المأمون الري في طلبي أثقل علي الطلب وجعل لمن دل ~~علي وأتاه بي مائة ألف درهم، فخفت على نفسي، وتحيرت في أمري، فخرجت من داري ~~وقت الظهر، وكان يوما صائفا، وما أدري أين أتوجه، فمررت بزقاق لا ينفذ، ~~فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله ms195 وإنا إليه راجعون، ~~وخفت إن رجعت على أثري يعلموا بين فرأيت في صدر الزقاق عبدا أسود قائما على ~~باب داره، فتقدمت إليه، وقلت له: عندك موضع أقيم فيه ساعة من النهار؟ قال: ~~نعم، وفتح الباب، فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر نظيفة وبسط ومخدات جلد، ثم ~~إنه أغلق الباب علي ومضى، فخفت أن يكون سمع الجعالة في حقي، وأنه عرفني ~~ومضى ليدلهم علي، فبقيت مثل الحبة في المقلاة قلقا ميتا من الخوف، فبينما ~~أنا كذلك، إذ أقبل ومعه حمال حامل كل ما أحتاج إليه من لحم وخبز وقدر جديدة ~~وجرة وكيزان جدد، ثم التفت إلي وقال: جعلني لله فداك! أنا رجل حجام، وأنا ~~أعرف أنك تنفر مني لما أتولاه من معيشتي، فشأنك بما لم تقع عليه يدي. # وكان لي حاجة إلى الطعام فقمت وطبخت قدرا ما ظننت أني أكلت مثلها قدرا، ~~فلما قضيت أربي، قال لي: هل لك أن تشرب شيئا فإنه يسلي الهم ويزيل الغم، ~~ويمهد للنفس الفرح؟ قلت: ما أكره ذلك، رغبة في مؤنسته. # فأتى بقطرميز جديد وأحضر لي نقلا وفاكهة في أوان جدد من فخار، ثم قل بعد ~~ذلك: إن أذنت لي، جعلت فداك أن أقعد بناحية منك وآتي بشراب فأشرب مسرورا ~~بك. # فقلت: افعل. # ففعل وشرب ثلاثا، ثم خل إلى خزانة له: فأخرج عودا مصلحا، ثم قال: يا سيدي ~~ليس من قدري أن أسألك أن تغني، ولكن قد وجب على مروءتك حرمتي، فإن رأيت أن ~~تشرف عبدك بأن تغني لنفسك والعبد يسمع فافعل. # فقلت له: ومن أين لك أني أحسن الغناء؟ فقال متعجبا: سبحان الله! أنت أشهر ~~من ذلك، أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن يدل ~~عليك مائة ألف درهم. # PageV01P226 # فلما قال ذلك عظمت مروءته عندي، وعلمت أن نخوته أجل مما بذل، فتناولت ~~العود فأصلحته، وقد مر بخاطري ذكر أهلي وولدي، فقلت: # وعسى الذي أهدى ليوسف أهله ... وأعزه في السجن وهو غريب # أن يستجيب لنا فيجمع شملنا ... فالله رب العالمين قريب # فقال: ms196 يا سيدي اجعل ما تغنيه مما أقتضيك به. # قلت: نعم. فقال: غن لي: # إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره، فهو يملك حلها # فاصبر، فإن الله يعقب راحة ... فلعلها أن تنجلي، فلعلها # فحسن عندي اقتراحه وشربت، ثم قال لي: غن لي: # وراء مضيق الخوف متسع الأمن ... وأول مفروح به آخر الحزن # فلا تيأسن فالله ملك يوسفا ... خزائنه بعد الخلاص من السجن # ففرح وشرب وشربت، وقال: غن لي: # إذا الحادثات بلغن النهى ... وكادت لهن تذوب المهج # وحل البلاء وقل العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج # وغنيته وحسن في نفسي اقتضاؤه، وأنست به، واستظرفته، ثم قال: إن رأيت يا ~~سيدي أن تأذن لي أن أغني ما خطر ببالي، وإن كنت من غير أهل الصناعة؟ فقلت: ~~يكون ذلك زيادة في أدبك ومروءتك. # فأخذ العود، ثم قال: دستور، ثم ضرب عليه، وغنى يقول: # شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا: ما أقصر الليل عندنا # وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعا ولا يغشى لنا النوم أعينا # إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا، وهم يستبشرون إذا دنا # فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا # فقلت: والله ذهب عني كل ما كان عندي من الفزع وسألته أن يغني، فغنى يقول: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليل # وإنا لقوم لا نرى الموت سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # PageV01P227 # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # فوالله لقد أجاد وذهب عني كل ما كان من الفزع والجزع، واستأنست به وأخذني ~~من الطرب ما لا مزيد عليه، وعالجني النوم قبل أوانه فنمت، ولم أستيقظ إلا ~~بعد المغرب، وجال فكري في هذا الحجام وأدبه وظرفه، وكيف غناؤه وأدبه ~~وإرادته أن يسليني عما أنا فيه إشارة إلى تخصيصه بالوفاء لضيفه ونصره ~~لجاره، فقعدت وغسلت وجهي ويقظته، وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دناينر ومصاغ ~~لها قيمة فدفعتها إليه، وقلت له: أنت في وداعة الله ms197 وحفظه فإني ماض عنك، ~~وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك، ولك عندي، إذا أمنت، ~~المزيد، فأعادها علي مبادرا وقال: يا سيدي! الصعلوك لا قيمة له عند أهل ~~الرياسات، ويظنون فيه الظنون الرديئة، أفآخذ على ما وهبني الله من قربك ~~وحلولك في منزلي ثمنا؟ لا والله، فألححت عليه، فأخذ موسى بيده وقال: والله ~~إن راجعتني لأنحرن نفسي، فخشيت عليه وأخذت الخريطة وأثقلني حملها، فلما ~~انتهيت إلى باب الدار، قال: يا سيدي إن هذا الموضع أخفى لك من غيره، وليس ~~عندي في مؤنتك ثقلة، فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك. فرجعت وسألته أن يكون ~~منفقا من تلك الخريطة فلم يفعل، وكان كل يوم يفعل بي مثل ما فعل في اليوم ~~الأول. # قال: فأقمت أياما في أطيب عيش وأهناه، ثم سئمت من الإقامة عنده وخشيت ~~الثقل عليه، فتركني ومضى يجدد لنا حالنا، فلبست ثيابي وتزينت بزي النساء ~~بالخف والنقاب، وخرجت. فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف والفزع أمر شديد ~~ومشيت لأعبر الجسر، وإذا هو قد رش، ورجل قائم فأبصرني بعض من كان في خدمتي ~~من الجند فتعلق بين وقال: طلبة أمير المؤمنين، فدفعته في صدره فوقع في ~~الزلق وصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر، ودخلت ~~زقاقا فوجدت بابا وامرأة واقفة فيه، فقلت: يا سيدة النساء، احقني دمي فإني ~~رجل خائف. # فقالت: ادخل، فدخلت فأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت لي طعاما. وقالت: ~~ليهدأ روعك فإنه لا يعلم بك مخلوق، ولو أقمت سنة ما عليك بأس، وإذا بالباب ~~يدق، فخرجت وفتحت الباب، فإذا هو صاحبي الذي دفعته على الجسر، وهو مشدوخ ~~الرأس ودمه يسيل على ثيابه، فقالت له ما دهاك؟ قال: إن حديثي عجيب وأمري ~~غريب ظفرت بالفتى وانفلت من يدي. # PageV01P228 # قالت: وكيف؟ قال: إبراهيم بن المهدي لقيته فتعلقت به فدفعني فأصابني ما ~~ترين من حالي ولو حملته إلى أمير المؤمنين لأخذت منه مائة ألف درهم. # قال: فأخرجت له حراقا وذرورا، وفرشت له ms198 بعد كبس جرحه فنام قليلا وطلعت ~~وقالت لي: أظنك صاحب القصة؟ قلت: نعم. # فقالت لي: إني خائفة عليك، ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثة أيام، ~~ثم قالت لي: إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع على أمرك فينم عليك ~~فانج بنفسك. # فسألتها إمهالي إلى الليل. فلما دخل لبست زي النساء وخرجت منم عندها ~~وأتيت إلى بيت مولاة لنا، فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله تعالى على ~~سلامتي وخرجت كأنه تريد كرامتي، فتوجهت للسوق مظهرة الاهتمام للضيافة فظننت ~~خيرا، فلم أشعر إلا بإبراهيم الموصلي بخيله ورجاله، والمولاة معه حتى ~~سلمتني إليه، فرأيت الموت عيانا، وحملت مثل ما أنا إلى أمير المؤمنين، فجلس ~~مجلسا عاما، وأمر بإدخالي عليه، فلما مثلت بين يديه سلمت عليه سلام ~~الخلافة، فقال: لا سلمك الله، ولا حفظك ولا رعاك. # فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب ~~للتقوى، ومن تناولته يد الأقدار ربما مد له من أسباب الرجاء ما يأمن معه ~~عادية الدهر، وقد جعلك الله فوق خلقه، وأصبح عفوك فوق كل ذي عفو، فإن تأخذ ~~فبحقك، وإن تعف فبفضل، وأنشدت أقول: # ذنبي إليك عظيموأنت أعظم منهفخذ بحقك أولا # واصفح بحلمك عنهإن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه # قال: فرفع رأسه إلي، فقلت مبتدرا: # أتيت ذنبا عظيما ... وأنت للعفو أهل # فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل # قال: فرق المأمون واسترجع فرأيت روائح الرحمة في شمائله، ثم أقبل على ~~أخيه أبي إسحاق محمد المعتصم وابنه العباس وجميع من حضر من خصته، وقال: ما ~~ترون في أمره؟ فأشار الكل بقتلي، إلا أنهم اختلفوا في القتل، فقال المأمون ~~لأحمد بن أبي خالد: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن قتلته فقد ~~وجدنا مثلك قتل مثله، وإن عفوت لم نجد مثلك في العفو. # PageV01P229 # فنكس المأمون رأسه إلى الأرض وجعل يخط في الأرض بإصبعه، ثم رفع رأسه ~~وقال: # قومي هموا قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي # ثم قال المأمون: لا بأس عليك يا ms199 عم. # فقلت: ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أفوه معه بعذر، وعفوك أعظم من أن ~~أنطق معه بشكر، ولكن أقول: # إن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع # ملئت قلوب الناس منك مهابة ... وتظل تكلؤهم بقلب خاشع # ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع # وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع # ورحمت أشباحا كأفراخ القطا ... وحنين والدة بقلب جازع # فقال المأمون: لا تثريب اليوم عليك، قد عفوت عنك، ورددت عليك مالك ~~وضياعك، فأنشدت أقول: # رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # أمنت منك وقد خولتني نعما ... نعم الحياتان من موت ومن عدم # فلو بذلت دمعي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي # وإن جحدتك ما وليت من نعم ... إني إلى اللؤم أول منك بالكرم # فقال المأمون: إن من الكلام كلاما كالدر، وهذا منه، وأمر لي بمالي وخلع ~~علي، وقال: يا عم إن أبا إسحاق والعباس أشار بقتلك. # فقلت: إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين، ولكن فعلت ما أنت أهله، ودفعت ما ~~خفت أنا بما رجوت. # فقال المأمون: لقد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك. # ثم سجد المأمون طويلا، ثم رفع رأسه، ثم قال: يا عم أتدري لم سجدت؟ قلت ~~له: شكرا لله تعالى على ما أوقعك علي وملكك إياي في ديك تفعل بي ما تشاء. # فقال: أخطأت! ولكن أشكر الله تعالى على ما ألهمني من العفو عنك من قبل ~~نفسي، ثم قال: وأعظم من عفوي عنك أنني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين، ~~فحدثني بما كان من أمرك. # PageV01P230 # فشرحت له ما جرى لي مع الحجام والجندي وزوجته والمولاة التي أسلمتني، ~~فأمر المأمون بإحضارها، وهي في دارها تنتظر الجائزة، فلما حضرت قال لها ~~المأمون: ما حملك على ما فعلت تسليمك إبراهيم مع إنعامه عليك؟ قالت: رغبة ~~في المال. # قال هل لك من ولد أو زوج؟ قالت: لا، فأمر بضربها مائة سوط وأمر بتخليدها ~~في السجن، ثم ms200 أحضر الجندي وامرأته والحجام، فسأل الجندي عن السبب الذي حمله ~~على ما فعل؟ قال: رغبة في المال. # فقال: إنك أولى في أن تكون حجاما من أن تكون خداما، ووكل من يلزمه الجلوس ~~في مكان الحجام، ليتعلم الحجامة، وأحسن إلى امرأته وجعلها قهرمانة قصره ~~وقال: هذه امرأة أديبة تصلح للمهمات، وسلم للحجام دار الجندي وما فيها، ~~وخلع عليه وأثبته برزقه في الديوان، وزيادة ألف دينار في كل سنة، ولم يزل ~~كذلك إلى أن مات، والله أعلم. ### | صيد الجواري # وعن محمد بن عبد الله التميمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد الحريري قال: كان ~~لحمنة بنت عبد الرحمن الهاشمي من الأموال ما لا يسعه الديوان، ولا تأكله ~~النيران لكثرته، وكانت أدب نساء بني هاشم وأفصحهن لسانا وأقولهن شعرا، ~~فدخلت على المأمون يوما، وكانت تحبه غاية الحب سرا، وكن المأمون جالسا في ~~إيوان قد ابتدعه لنفسه لم يبتدعه أحد من الخلفاء قبله، وكان قد تأنق في ~~بنائه، وكان فيه من كل صورة في البر والبحر ممثلة من الذهب والفضة، وقد ~~فرشه ببساط من الديباج الأصفر، وأسبل عليه ستورا من الحرير الصيني، وقد ~~أقام فيه أربعمائة وصيفة بقراطق الحرير، وقد لبسن الوشي بطرر وشعور وأصداغ، ~~وهن بقد واحد، لا تزيد الواحدة منهن على الأخرى، أقام مائتين عن يمنيه ~~ومائتين عن يساره، فقال: يا حمنة! هل كان لأبيك أو لبعلك أو لأحد من ~~الخلفاء مثل هذا الإيوان مع فرشه، ومثل هؤلاء الجواري مع زينتهن؟ فقالت: يا ~~أمير المؤمنين! متعك الله به وعمره بك، فلقد أوتيت ملكا عظيما تستأهله ~~لترفهك وشرفك، فإن أحببت خادمتك حمنة أجلستك في مجلس لم تجلس في مثله قط ~~وأصادتك صيدا لم تصد مثله قط، وأسقتك شرابا لم تشرب مثله قط. # PageV01P231 # وكان عنده يحيى بن أكثم، فقال لها: ياحمنة، قد أجبتك إلى ما سألتني، ولكن ~~لا ينفعني ولا يهناك ذلك إلا بمشهد من يحيى بن أكثم، فإنه لا يطيب لي مجلس ~~إلا به. # فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم ضربت يدها في جيبها، ms201 فأخرجت منه مخزنة ~~من ذهب أحمر محشوة مسكا أذفر، فدفعتها إلى يحيى، وقالت: يا يحيى، إن الأجير ~~لا يعمل حتى يستوفي أجرته، وهذه أجرتك مني فكن مستحثا لي أمير المؤمنين غدا ~~عند الزوال، في المسير إلى منزل خادمته؟ فقال: حبا وكرامة. # ثم خرجت من عنده فهيأت ما تحتاج إليه للمأمون وغيره، فلما كان من الغد ~~جلس المأمون في مجلس السلام، فلما زالت الشمس وصارت في كبد السماء قال ~~يحيى: يا أمير المؤمنين الحاجة التي عرضت عليك بالأمس. ففطن المأمون لذلك، ~~وقام من مجلسه ولبس ثياب التجار، ولبس يحيى مثل ذلك، ودعا بحمارين مصريين ~~بغاشيتين، وركباهما حتى أتيا دار حمنة، فدقا الباب دقا خفيفا، فسمعته ~~فأقبلت بنفسها، حتى فتحت الباب وأقبلا يمشيان جميعا حتى انتهيا إلى بيت في ~~بستان قد حمل على أربعة أعمدة من الرخام الأحمر المنقوش، وإذا في صدر البيت ~~أربعة أسطر منقوشة بالدر وصنوف الجواهر وهي: # ما سرني أن فؤادي، ولا ... أن لساني بالمدام حلا # ؟ وأن لي ملك بني هاشم يجبى إلى أولا أولا # إن لم أشاهدك أيا مالكي ... تأتي إلى بيتي كذا مقبلا # يا سائلي روحي بلا علة ... أنت المعافى، وأنا المبتلي # فقال المأمون: يا يحيى، ما ملك أحد من الخلفاء مثل هذا البيت. # وإذا فرشه أرمني محفور منقوش باللآلي وإذا فوق الأرمني مطارح من الديباج ~~الأخضر حشوها حواصل الريش، وفي البيت المسك والعنبر والكافور والصندل ~~والزعفران والند والعود مصفوف في أواني الذهب والفضة، وهي تفوح منه روائح ~~لا يدرى ما هي من طيبها، ثم أخرجتهما إلى أربعة ميادين فيها أنواع الرياحين ~~حول البيت، فقالا: إن هذا إلا سحر يؤثر. # ثم دعت لهما بمائدة من الجزع اليماني قوائمها من قطعة واحدة، فوضت وقدمت ~~عليها الألوان الغريبة، فقال المأمون: ما طعمت مثل هذا الطعام قط. # ثم دعت بالطشت والإبريق فغسلا أيديهما، ثم أمرت بشراب فقدمت إليهما قناني ~~الزجاج الشامية المرتفعة الصافية، والبلور، فيها شراب قد أتت عليه الأيام ~~والأعوام، # PageV01P232 # فهي تحكي الهواء لرقتها والياقوت لحمرتها والزنجبيل لحدتها، ووضعت ms202 بين ~~أيديهما مع أقداح وأنطال تشاكل ذلك، فقال المأمون: والله! ما رأيت مثل هذا ~~قط. # ثم أخرجت جاريتين عليهما جباب الوشي الكوفي المنسوج بالذهب، وعلى رأسيهما ~~مقانع رشيدية وتيجان من الذهب مكللة بالجوهر، فجلستا وفي حجريهما العيدان ~~المبسوطة الموزونة، فحركتا الأوتار وغنتا بصوت شجي مليح، من أنواع الأغاني ~~وغرائب الأصوات، فقال المأمون: هذه الجنة مما نرى فيها من غرائب الطيب ~~والجوهر. # فقال يحيى: وقد بقي لنا يا أمير المؤمنين، شرط آخر. # فقال: وما هو يا يحيى؟ قال: الصيد، يا أمير المؤمنين. # قال: صدقت يا يحيى، ثم قال: يا حمنة، ما فعل الصيد؟ فقالت: قوما إليه. # فقام المأمون ويحيى حتى دخلا بستانا لم ير مثله، وقد كانت زينت البستان ~~بأحسن ما تقدر عليه، واتخذت فيه ألوان الطيور من الفاخت والقمري والهزار ~~والطواويس، فكانت الأطيار تغني من رؤوس الأشجار، وتغرد بالسر والإجهار، وقد ~~كانت زينت مائة جارية نواهد أبكار بطرر وشعور وخدود ومباسم ساطعات الأنوار، ~~ترى كل واحدة منهن أبهى من صاحبتها وأحسن، وعليهن من ألوان الثياب ما يعجز ~~عنه الوصف، وفي وسطهن مناطق الذهب الأحمر، وتقدمت إليهن وقالت لهن: إذا ~~رأيتن المأمون ويحيى، تعادين ما بين الأشجار. فلما دخل المأمون ويحيى ~~لابستان، فعلن ما كانت أمرتهن، فتضاعف السرور على المأمون، وأعجب بذلك عجبا ~~شديدا، ثم قال ليحيى: هذا الصيد. # فقال: يا أمير المؤمنين! رأيك؟ فقال المأمون: لو كان لنا كلب لا صطدنا ~~هؤلاء. # فقال يحيى: أنا كلبك، يا أمير المؤمنين. # فعد المأمون ويحيى فاصطادا منهن صبية، فقالت حمنة: سألتك بحق أجدادك إلا ~~ما خليت عن الجواري لا لبخل أبخل بهن عليك، وقد فهمت المعنى فيه. # وقد كانت حمنة تغار على المأمون فخلى عن الجواري، وقال ليحيى: دونك ~~والصيد إذن أنت محل. # فقال يحيى: لو كان لي كلب لاصطدت من هؤلاء. # فقال المأمون: أنا كلبك. # PageV01P233 # فضحك يحيى وضرب بقلنسوته الأرض، وعد خلفهن، فأخذ منهن خمسة فقالت حمنة: ~~يا يحيى لك الخمسة ولا غيرة لي عليك، وإنما أغار على المأمون لحاجتي إليه. # فقال ms203 يحيى: والله يا أمير المؤمنين، لقد رأيت الهوى الغالب في حماليق ~~عينيها، ولا تتم لنا النعمة إلا بتزويجك إياها إن رأيت ذلك. # فقال المأمون: أنا بريء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنتف من جدي ~~العباس إن ذهبت من البستان ولم أتزوجها، ثم قال: يا يحيى اخطب خطبة النكاح. # فخطب يحيى وأمهرها المأمون ألف ألف دينار، وأقطعها مائة من منتخبات ~~الضياع، فحمدت حمنة الله سرورا بما ظفرت من تزويج المأمون إياها، وأمرت ~~ليحيى بعشرة آلاف دينار، ورجع المأمون إلى منزله وزفت إليه في تلك الليلة، ~~فواقعها فحملت بالعباس ابنه، انتهى. ### | حيل الجواري # حكي أن المأمون كان مشغوفا بحب جارية يقال لها نسيم، وكانت ذات عقل وأدب ~~وفضل وكمال، وكان لا يفارقها في الحضر ولا في السفر، ثم بعد ذلك مال إلى ~~جارية أخرى أحسن منها، وأعرض عنها، فاغتمت ولم تجد حيلة في استعطافه، وكانت ~~لها جارية رومية أحسن منها في العقل والأدب، وكتمت أمرها عن المأمون، فاتفق ~~أن المأمون حصل له بعض ضعف، ففصد، فحصل له الشفاء، فجعل الناس يدخلون إليه ~~بأصناف التحف والهدايا، فأهدت إليه نسيم الجارية المذكورة، ومعها جام بلور، ~~وغطته بمنديل ديبقي مكتوب عليه بالذهب هذه الأبيات: # فصدت عرقا تبتغي صحة ... ألبسك الله به العافية # فاشرب بهذا الجام يا سيدي ... مستمتعا بهذه الجارية # واجعل لمن أهداكها زورة ... تحظى بها في الليلة الثانية # فأعجب المأمون ما رأى من الجام والجارية، ثم بعث لها يقول: نعم، وفي هذه ~~الليلة، ثم رضي على نسيم وواصلها بعد ذلك. # PageV01P234 ### | المأمون وزبيدة أم الأمين # حكي أن المأمون مر يوما على زبيدة أم الأمين، فرآها تحرك شفتيها بشيء لا ~~يفهمه، فقال لها: يا أماه، أتدعين علي لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه؟ قالت: ~~لا والله يا أمير المؤمنين. # قال: فما الذي قلته؟ قالت: يعفيني أمير المؤمنين. # فألح عليها وقال: لا بد أن تقوليه؟ قالت له: قلت، قبح الله اللجاجة. # قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني لعبت يوما مع أمير المؤمنين الرشيد بالشطرنج ~~على الحكم والرضا، ms204 فغلبني، فأمرني أن أتجرد من أثوابي وأطوف القصر عريانة، ~~فاستعفيته، وبذلت له أموالا لا تحصى، فلم يعف عني. فتجردت من أثوابي وطفت ~~القصر عريانة، وأنا حاقدة عليه، ثم عاودنا اللعب فغلبته فأمرته أن يذهب إلى ~~المطبخ، فيطأ أقبح جارية وأشوهها خلقة فاستعفاني عن ذلك فلم أعفه، فنزل لي ~~عن خراج مصر والعراق، أبيت وقلت: والله لتطأنها، فألححت عليه وأخذت بيده ~~وجئت به إلى المطبخ، فلم أر جارية أقبح ولا أقذر ولا أشوه خلقة من أمك ~~مراجل، فأمرته أن يطأها فوطئها فعلقت منه بك، فكنت سببا لقتل ولدي وسلبه ~~ملكه. # فولى المأمون وهو يقول: قاتل الله اللجاجة، أي التي لج بها عليها حتى ~~أخبرته بهذا الخبر، انتهى. # PageV01P235 ### | المأمون والشاعر # وأتى شاعر المأمون فقال: لقد قلت فيك شعرا، فقال: أنشدنيه. فقال: # حياك رب الناس حياكا ... إذ بجمال الوجه رقاكا # بغداد من نورك قد أشرقت ... وورق العود بجدواكا # قال: فأطرق المأمون ساعة، وقال: يا أعرابي، وأنا قد قلت فيك شعرا، وأنشد ~~يقول: # حياك رب الناس حياكا ... إن الذي أملت أخطاكا # أتيت شخصا قد خلا كيسه ... ولو حوى شيئا لأعطاكا # فقال: يا أمير المؤمنين، الشعر بالشعر حرام، فاجعل بينهما شيئا يستطاب. # فضحك المأمون وأمر له بمال، انتهى. ### | إبراهيم بن المهدي وصاحبة المعصم # وروى ابن عامر الفهري عن أشياخه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه من أهل ~~البصرة عشرة رجال كانوا قد رموا عنده بالندقة، فحملوا إليه، فمر بهم طفيلي، ~~فرآهم مجتمعين، فظن خيرا ومضى معهم إلى الساحل وقال: ما اجتمع هؤلاء إلا ~~لوليمة، فانسل ودخل الزورق وقال: لا شك إنها نزهة، فلم يكن إلا يسير، وقد ~~قيد القوم، وقيد معهم. فعلم أنه وقع فيما لا طاقة له به، ورام الخلاص، فلم ~~يقدر، وساروا إلى أن وصلوا بغداد وأدخلوا على المأمون، فاستدعى بهم ~~بأسمائهم واحدا بعد واحد، وجعل يذكره بفعله وبقوله ويضرب عنقه، حتى لم يبق ~~إلا الطفيلي، وفرغت العشرة فقال المأمون للموكل: من هذا؟ فقال: لا أعلم يا ~~أمير المؤمنين، غير أننا رأيناه معهم، ms205 فجئنا به. # فقال: يا أمير المؤمنين. امرأته طالقة إن كان يعرف من أحوالهم شيئا، ولا ~~يعرف غير لا غله إلا الله ومحمد رسول الله، وإنما رأيتهم مجتمعين، فظننت ~~أنها وليمة يدعون إليها، فلحقت بهم. # فضحك المأمون وقال: أوقد بلغ من شؤم التطفل أن يحل بصاحبه هذا المحل؟ لقد ~~سلم هذا الجاهل من القتل، ولكن يؤدب، حتى لا يعود إلى مثلها. # PageV01P236 # وكان إبراهيم بن المهدي حاضرا، فقال: يا أمير المؤمنين، هبه لي، وأنا ~~أحدثك عن نفسي، فيما وقع لي في التطفل من العجب. # فقال: وهبته لك، هات حديثك. # فقال: يا أمير المؤمنين خرجت متنكرا يوما أنظر إلى سكك بغداد، فاستهوى بي ~~الطرب والتفرج فانتهى بي المسير إلى موضع شممت فيه رائحة طعام وأبازير قد ~~فاحت، وهفت نفسي إليها ووقفت، يا أمير المؤمنين، لا أقدر على المشي، فرفعت ~~بصري، وإذا بشباك خلفه كف بمعصم ما رأيت أحسن منه، فبقيت حائرا، ونسيت ~~رائحة الطعام، بذاك الكف، فأخذت في عمل الحيلة إلى الوصول إليها، فإذا ~~بجانب المكان خياط، فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: يا سيدي! لمن هذه ~~الدار؟ فقال: لرجل من البزازين. # فقلت: ما اسمه؟ فقال: فلان. # قلت: هو ممن يشرب الخمر؟ قال: نعم، وأظن أن عنده اليوم أصحابه، تجار ~~مثله. # فبينما نحن في الكلام إذ أقبل رجلان فقال لي: هذان ندماؤه. # فقلت له: ما اسمهما وما كنيتهما؟ فقال لي: فلان الفلاني وفلان الفلاني. # فحركت وراءهما رجلي، فلحقتهما فقلت: جعلت فداءكما، استبطأكما فلان أعزه ~~الله، ولم أزل معهما، حتى أتيت البيت، فدخلت ودخلا، فلما رآني صاحب البيت ~~بينهما لم يشك في أني معهما فرحب بي وأجلسني في أفضل الأماكن ثم جيء ~~بالمائدة ونقلت إليها الألوان، فقلت في نفسي: هذه ألوان قد من الله علي ~~ببلوغ الغرض منها، بقي الكف والمعصم، ثم جيء بالماء فغسلنا أيدينا ثم نقلنا ~~إلى مجلس المنادمة، فإذا شكل مليح ما رأيت أحسن منه ولا أظرف، ورأيت صاحب ~~المكان يتلطف بي ويقبل علي لظنه أني ضيف لأضيافه، وهم على الحالة ms206 هذه إلى ~~أن شربنا فخرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة، ~~فسلمت من غير خجل ولا احتشام، وجلست وأتي بعود فجسته أحسن جس، وإذا هي ~~حاذقة في الصناعة وغنت تقول: # توهمها فكري، فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر # وصافحها كفي، فآلم كفها ... فمن ضم كفي في أناملها عقر # فهيجت يا أمير المؤمنين بلبالي، فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم غنت تقول: # PageV01P237 # أشرت إليها: هل عرفت مودتي ... فردت بطرف العين أني على العهد # فجادت عن الإظهار عمدا بسرها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد # فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معني الشعر، فضحكت لما ~~أصابني من الطرب الذي لم أملك نفسي معه ثم غنت تقول: # أليس عجيبا أن بيتا يضمنا ... وإياك لا نلهو ولا نتكلم # سوى أعين تبدي سرائر أنفس ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم # إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم # فزاد حسدي لها يا أمير المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معنى الشعر لأنها ~~لم تخرج عن المعنى وقلت: بقي عليك يا جارية شيء، فرمت العود من يدها، ~~وقالت: متى كنتم تحضرون الغناء مثل هذا؟ فندمت على ما كان مني ورأيت القوم ~~كأنهم قد أنكروا علي، فقلت في نفسي: فاتني جميع ما أملت،، وأحببت أن أتلافى ~~قضيتي فقلت: أثم عود غير هذا؟ قالوا: نعم فأحضروا عودا، فأصلحت ما أردت ~~إصلاحه ثم قلت: # ما للمنازل لا تجيب حزينا ... أصممن أم قد بالبلاء بلينا # فما أتممت شعري حتى وثبت الجارية إلي، وانكبت على يدي تقبلها وتقول: ~~المعذرة إليك يا سيدي، والله ما علمت مكانك، ولا سمعت بهذه الصناعة من أحد، ~~ثم زادوا إكرامي وطربوا غاية الطرب، فشربت عدة أقداح، ثم غنيتهم أبياتا ~~فرأيت من طربهم شيئا عظيما حتى قلت إن أرواحهم، فارقت أبدانهم فسكت عنهم ~~ساعة، حتى تراجعوا إلى عقولهم فعنيتهم وقلت: # هذا محبك مطويا على كمده ... وجدا، وأدمعه تجري على جسده # له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به واليد الأخرى على كبده # يا من رأى ms207 كلفا في حبه دنفا ... كانت منيته في عينه ويده # قال: فجعلت الجارية تصيح وتقول: هذا والله الغناء والذي كنا فيه ليس ~~بشيء، وشرب القوم فلما جاءهم البسط، وأخذ المجلس منتهاه أمر صاحب البيت ~~عبدين له أن يحفظا النديمين إلى منزلهما، وخلوت معه. فقال: والله يا سيدي ~~ذهب ما مضى من عمري باطلا حيث لم أعرفك قبل يومي هذا فبالله يا مولاي من ~~أنت.؟ # PageV01P238 # فجعلت أرد عليه، وهو يقول ويقسم علي حتى أعلمته من أنا على الحقيقة، فلما ~~سمع ذلك قام تعلى قدميه وقال: ما عجبت أن تكون هذه المكارم إلا لمثلك، وقد ~~أصابني من الدهر نعم لا أقوم بشكرها، ثم قال: أترى هذا يقظة أم مناما، ~~أقسمت أني لا أزال هذه الليلة قائما إلى أن تأذن لي، فإني أحقر من أن أجالس ~~الملوك. # فأقسمت عليه بأن يجلس ثم أخذ في الكلام وجعل يعرض علي السبب الذي أوجب ~~حضوري عنده بألطف تعريض فأخبرته بأمري على الحقيقة ولم أخف شيئا، ثم قلت ~~له: الطعام قد نلت منه بغيتي، وبقي الأمر الآخر، فوثب إلى باب القاعة، ~~وقال: كل منكن تلبس أفخر ثيابها وتخرج علينا من المخدع، ثم استدعى بهن وجعل ~~يقول: يا فلانة، وهن يخرجن واحدة بعد واحدة، وأنا لا أرى صاحبة الكف ~~والمعصم إلى أن أتت أربعون امرأة. # فقال: والله ما بقي إلا أختي، وها أنا مخرجها إليك. # فقلت: افعل. # فقال: حبا وكرامة، ثم استدعاها فنزلت فرأيت يدها ومعصمها، فإذا هي التي ~~رايتها، قلت: هذه الحاجة، فأمر غلمانه لوقته أن يأتوا بعشرة شهود، ثم قام ~~وأخرج عشرين ألف درهم وألفا أخرى، فلما حضروا قال لهم: هذا سيدي إبراهيم بن ~~المهدي يخطب أختي فلانة، وأشهدكم أني قد زوجتها له وأمهرتها عنه عشرين ألف ~~درهم. # فقلت: قبلت الزواج. # ثم دفع الألف التي كان خرجها لهم، فشكروا له ودعوا وانصرفوا. ثم قال: يا ~~سيدي أمهد لك بعض البيوت، تنام مع أهلك. # فأعجبني ما كان من كرمه واستحييت أن أدخل بها في داره. فقلت له: بل ms208 ~~اجعلها في عمارية واحملها إلى منزلي، فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل معها ~~من الفرش والأثاث ما ضاقت به بيوتنا، فأولدتها هذا الغلام القائم بين يديك، ~~يا أمير المؤمنين. # فتعجب المأمون من كرم الرجل وقال: لله دره ما أكرمه، والله ما سمعت بمثله ~~قط، ثم أطلق الطفيلي وأمر بإحضار الرجل واستنطقه، فأعجبه حسن منطقه وعقله ~~وأدبه فصيره من جملة خواصه ومنادميه، والله أعلم. # PageV01P239 # ذكر خلافة إبراهيم المعتصم بن هارون الرشيد هو ثامن خلفاء بني العباس، ~~وكان شديد القوة، ما كان في بني العباس مثله في القوة والشجاعة والإقدام. ~~وقيل: إنه أصبح ذات يوم، وكان برده شديدا وثلجه عتيدا، فلم يقدر أحد على ~~إخراج يده، ولا إمساك قوسه، فأوتر المعتصم في ذلك اليوم أربع آلاف قوس، ~~وكان يدعى المثمن، وأنشد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي يمتدح المعتصم بن ~~هارون الرشيد يقول: # إن جس عودا رأيت الخيل راقصة ... كأنها من سماع هزها نغم # أو حركت يده اليمنى له وترا ... على أعاديه غنى البوم والرخم # كان يقول بخلق القرآن. ضرب على ذلك أحمد بن حنبل على أن يقول ذلك فلم يقل ~~رضي الله عنه، وله معه كلام طويل، فانظره في حياة الحيوان. ### | المعتصم وتميم بن جميل # من لطائف الحكايات # ما روي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي إنه قال: جيء بتميم بن جميل إلى ~~المعتصم أسيرا، وكان قد خرج عليه فما رأيت رجلا عرض عليه الموت فلم يكترث ~~به سواه، ثم دعا بالسيف والنطع، فلما مثل بين يديه نظر إليه، فأعجبه حسنه ~~وقده ومشيه إلى الموت غير مكترث، فأطال الفكر فيه ثم كلمه لينظر أين عقله ~~ولسانه من جماله، فقال: يا تميم! إن كان لك عذر فائت به. # فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي ~~أحسن كل شيء خلقه. وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء ~~مهين. يا أمير المؤمنين! جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين، وأخمد ~~بك ms209 نار الباطل وأنار بك سبل الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة وتصدع القلوب، ~~وآيم الله لقد عظمت الجريمة، وانقطعت الحجة وساء الظن إلا فيك، وهو أشبه بك ~~وأليق ثم أنشد يقول: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت # PageV01P240 # ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت # يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسيل عليه السيف فيه ويسكت # وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت # ولكن خلفي صبية قد تركتها ... وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد لطموا حمر الوجوه وصوتوا # فإن عشت عاشوا في سرور ونعمة ... أذود الردى عنهم، وإن مت موتوا # قال: فبكى المعتصم ثم قال: إن من البيان لسحرا، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا تميم، كاد والله أن يسبق السيف العذل. قد غفرت لك الهفوة ~~ووهبتك للصبية. # ثم عقد له ولاية على عمله، وأعطاه خمسين ألف دينار، انتهى. من زهر الكمام ~~في قصة يوسف عليه السلام. ### | مخارق المغني والجارية الحسناء # وذكر صاحب تاريخ بغداد عن مخارق المغني قال: تطفلت تطفيلة قامت على أمير ~~المؤمنين المعتصم بتسعين ألف درهم. # قيل له: كيف ذلك؟ قال: شربت معه ليلة إلى الصبح، فلما أصبحنا قلت له: يا ~~أمير المؤمنين، إن رأيت أن أخرج إلى الرصافة، فأتنسم إلى وقت انتباه أمير ~~المؤمنين. # قال: نعم، فأمر البوابين أن يتركوني، فخرجت أتمشى في الرصافة، وإذا ~~بجارية كأن الشمس تشرق من جبينها، فتبعتها ورأيت معها زنبيلا فوقفت على ~~فاكهاني، واشترت سفرجلة بدرهم، وانصرفت فتبعتها، فالتفتت فرأتني فقال: يا ~~ابن الفاعلة إلى أين؟ قلت: خلفك يا سيدتي؟ فقالت: ارجع يا ابن الزانية لئلا ~~يراك أحد فيقتلك؟ فتأخرت ومشيت وتمشت أمامي ثم التفتت فرأتني، فشتمتني شتما ~~قبيحا ثم جاءت إلى دار كبيرة، فدخلت فيها، وجلست أنا عند الباب، وقد ذهب ~~عقلي ونزلت علي الشمس، وكان يوما حارا، فلم ألبث أن جاء ms210 فتيان كأنهما بدران ~~على حمارين، فلما وصلا إلى الباب أذن لهما، فدخلا ودخلت معهما، فظنا أن ~~صاحب المنزل قد دعاني، وجيء بالطعام، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقال لنا صاحب ~~المنزل: هل لكم في فلانة؟ فقالوا: إن تفضلت. # PageV01P241 # قال: فاستدعي بتلك الجارية، فخرجت فإذا هي صاحبتي ووراءها وصيفة تحمل ~~عودها، فوضعته في حجرها فغنت وشربوا وطربوا، وهي تلحظني وتشك في، فقالوا: ~~لمن هذا الصوت؟ فقالت: لسيدي مخارق. # فلم ألبث أن قلت: يا جارية شدي يدك، فشدت أوتارها وخرجت عن إيقاعها الذي ~~تقول عليه. قال: فاستدعيت بمدورة وقضيب وغنيت الصوت الذي قالته الجارية، ~~فقاموا إلي وقبلوا رأسي. # قال: وكان مخارق من أحسن الناس صوتا وكان يوقع بالقضيب توقيعا عجيبا. # قال: ثم غنيت الصوت الثاني والثالث، فكادت عقولهم تطير فقالوا: بالله من ~~أنت يا سيدي؟ فقلت: مخارق. # فقالوا: وما سبب مجيئك؟ قلت: طفيلي أصلح الله شأنكم. وأخبرتهم بخبري. # فقال صاحب البيت لصديقيه: أما تعلمان ني أعطيت في هذه الجارية ثلاثين ألف ~~درهم فامتنعت عن بيعها؟ قالا: نعم. # قال: هي له. # فقال صديقاه: علينا عشرون ألف درهم وعليك عشرة آلاف درهم. # قال مخارق: فملكوني الجارية، وجلست عندهم إلى العصر وانصرفت بها وكلما ~~مررت بالمواضع التي شتمتني فيها أقول: يا مولاتي، أعيدي كلامك فتستحي مني، ~~فأحلف عليها لتعيدنه، فتعيده حتى وصلت إلى أمير المؤمنين فقيل لي أنه انتبه ~~فطلبك في منازل أبناء القواد فلم يجدك، وتغيظ غيظا شديدا، فدخلت عليه ويدي ~~في يدها، فلما رآني سبني وشتمني، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تعجل! وحدثته ~~الحديث فضحك، وقال: ها نحن نكافئهم عنك، فأحضرهم وأمر لكل واحد منهم ~~بثلاثين ألف درهم، والله أعلم، انتهى. # PageV01P242 ### | حكاية غريبة # قال الأصمعي: دعاني بعض العرب الكرام إلى قرى الطعام، فخرجت معه إلى ~~البرية، فأتوا بباطية بأذنين وعليها السمن غارق، فجلسنا للأكل، وإذا ~~بأعرابي ينسف الأرض نسفا حتى جلس من غير نداء، فجعل يأكل والسمن يسيل على ~~كراعه فقلت: لأضحكن الحاضرين عليه فقلت: # كأنك أثلة في أرض هش ... أتاه وابل من بعد رش ms211 # فالتفت إلي بعين مبحلقة وقال لي: الكلم أنثى والجواب ذكر وأنت: # كأنك بعرة في إست كبش ... مدلاة، وذاك الكبش يمشي # فقلت له: هل تعرف شيئا من الشعر أو ترويه؟ فقال: كيف لا أقول الشعر، وأنا ~~أمه وأبوه؟ فقلت له: إن عندي قافية تحتاج إلى غطاء؟ فقال: هات من عندك. # فغطست في بحور الأشعار، فما وجدت قافية أصعب من الواو المجزومة فقلت: # قوم بنجد قد عهدناهم ... سقاهم الله من النو # قلت: أتدري النو ماذا؟ فقال: # نو تلالا في دجى ليلة ... حالكة مظلمة لو # فقلت له: لو ماذا؟ فقال: # لو سار فيها فارس لانثنى ... على بساط الأرض منطو # فقلت له: منطو ماذا؟ فقال: # منطوي الكشح هضيم الحشا ... كالباز ينقض من الجو # فقلت له: الجو ماذا؟ فقال: # فاعلوا لما قد عيل من صبره ... فصار نجوى القوم ينعو # فقلت: ينعو ماذا؟ فقال: # ينعو رجالا للقنا شرعت ... كفيت ما لاقوا وما يلقوا # قال: فعلمت أنه لا شيء بعد الفناء، ولكن أردت أن أثقل عليه فقلت له: ~~ويلقوا ماذا؟ فقال: # إن كنت ما تفهم ما قلته ... فأنت عندي رجل بو # PageV01P243 # فقلت له: البو ماذا؟ فقال: # البو سلخ قد حشي جلده ... يا ألف قرنان، تقوم أو # فقلت له: أو ماذا؟ فقال: # أو أضرب الرأس بصوانة ... تقول في ضربتها فو # فخفت أن أقول له: فو ماذا؟ فيضربني ويكمل البيت. فقلت له: أنت ضيفي ~~الليلة. # فقال: لا يأبى الكرام إلا لئيم. # فقلت لزوجتي: اصنعي لنا دجاجة، ففعلت فأتيته بها وجئته أنا وزوجتي وابناي ~~وابنتاي وقلت له: فرق يا بدوي. # فقال: الرأس للرأس، وأعطاني الرأس، وقال: الولدان جناحان، لهما الجناحان، ~~والبنتان لهما الرجلان، والمرأة لها العجز، وأنا زائر لي الزور، وأكل ~~الدجاجة ونحن ننظر إليه وبنا نتحدث. # فلما أصبحنا قلت لزوجتي: اصنع لنا خمس دجاجات ففعلت وأتيته بالدجاج وقلت ~~له: أقسم يا بدوي. # فقال: تريد شفعا أو وترا. # فقلت: إن الله وتر يحب الوتر. # فقال: كأنك تريد بالفرد. # فقلت: نعم. # فقال: أنت وزوجتك ودجاجة، وابناك ودجاجة، وابنتاك ودجاجة وأنا دجاجتان. ms212 # فقلت: لا أرضى بهذه القسمة. # فقال: كأنك تريد شفعا. # فقلت: نعم. # فقال: أنت وولداك ودجاجة، وزوجتك وبنتاها ودجاجة، وأنا وثلاث دجاجات، ~~والله لا أحول عن هذه القسمة. # قال الأصمعي: فغلبني مرتين مرة في الشعر ومرة في الدجاج ثم انصرف، انتهى. # PageV01P244 ### | خلافة أمير المؤمنين الواثق بالله تعالى # قال انه محمد الذي يقال له المهتدي بالله، كان أبي الواثق بالله إذا أراد ~~أن يقتل رجلا أحضرنا في ذلك المجلس، فبينما نحن عنده ذات يوم إذ أتي بشيخ ~~مقيد فقال: ائذنوا لأبي عبد الله، يعني ابن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ ~~مقيدا فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. # فقال: لا سلم الله عليك. # فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين بئسما أدبك المؤدب، قال الله تعالى: " وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردها ". وأنت والله ما حييتني بها ولا ~~بأحسن منها. # فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين. الرجل متكلم. # فقال الواثق: كلمه. # فقال للشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: لم تسألني ولي السؤال أسأله؟ ~~فقال الأمير: سله. # فقال الشيخ لابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال ابن أبي دؤاد: مخلوق. ~~فقال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم أجمعين والخلفاء الراشدون أم شيء؟ لا يعلمونه؟ فقال: ~~شيء لا يعلمونه. # فقال: سبحان الله! شيء لا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ~~ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت. # قال: فخجل، وقال: أقلني. # فقال: قد فعلت، والمسألة بحالها. # قال: نعم. # قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. # قال: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~رضي الله عنهم والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه. # PageV01P245 # قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. # قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على ~~قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صلى ~~الله ms213 عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء ~~الراشدون وعلمته أنت. سبحان الله، انتهى. # وذكر الحافظ أبو نعيم في حليته. قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن ~~المهتدي رحمه الله، أنه قال: ما قطع أبي. يعني الواثق، إلا شيخ جيء به من ~~المصيصة، فمكث في السجن مدة ثم إن أبي ذكره يوما فقال: علي بالشيخ، فأتي به ~~مقيدا، فلما وقف بين يديه سلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، ما سلكت بي أدب الله ولا أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم برد السلام. # قال أبي، وعليك السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس بتيمم منعت الماء، فمر بقيودي تحل، ~~ومر بماء أتوضأ وأصلي، ثم سلني. # فأمر به فحلت قيوده وأمر له بماء فتوضأ وصلى. ثم قال لابن بي دؤاد: سله. # فقال الشيخ: المسألة لي، فمره أن يجبني. # فقال: سل. فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد فقال له: أعن هذا الأمر الذي ~~تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: ~~أفشيء دعا إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا ~~إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه عثمان بن عفان ~~بعدهم؟ قال: لا، قال: أفشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال: لا. قال ~~الشيخ: أفشيء لم يدع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ~~ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه، # PageV01P246 # فإن قلت علموه وسكتوا عنه توسعا، وسعنا وإياك من السكوت، ما وسع القوم، ~~وإن قلت جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع ابن لكع، شيء يجهله النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وتعلمه ms214 أنت وأصحابك. # قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائما ودخل الحجرة، فجعل ثوبه في فيه وجعل ~~يضحك ثم جعل يقول: صدق الشيخ، إلى آخر ما تقدم، وقال المهتدي: ما زلت أقول ~~القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن دؤاد شيخا من ~~أهل الشام، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا وهو جميل الوجه تام القامة، حسن ~~الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب ~~منه، فسلم عليه الشيخ فأحسن السلام ودعا فأبلغ وأوجز فقال له الواثق: اجلس، ~~ثم قال: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك. # فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويصغر، ويضعف عن ~~المناظرة. # فغضب الواثق وأعاد مكان الرقة له غضبا، وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد ~~يقل ويصغر ويضعف عن مناظرتك أنت. # قال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين، ما بك، وائذن لي في مناظرته. # فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة. # فقال الشيخ: يا أحمد يا ابن أبي دؤاد إلام دعوت الناس ودعوتني إليه؟ ~~فقال: أن تقول: القرآن مخلوق لأن كل شيء دون الله مخلوق. # فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول. # فقال: أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه أواجبة داخلة في ~~عقد الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. فقال ~~الشيخ: أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله عز وجل إلى ~~عباده، هل ستر شيئا مما أمره الله به في دينه.؟ فقال: لا. قال الشيخ: أفدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال ~~الشيخ: تكلم فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قل: ~~واحدة. # فقال الواثق: واحدة. # فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله عز وجل حين أنزل آخر القرآن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت ms215 لكم # PageV01P247 # الإسلام دينا ". أكان الله صادقا في إكماله أم أنت الصادق في نقصانه، فلا ~~يكون كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه، فيكون كاملا. # فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: أجب يا احمد، فلم يجبه، فقال الشيخ: يا ~~أمير المؤمنين، قل: اثنتان. # فقال: اثنتان. فقال الشيخ: يا احمد أخبرني عن مقالتك هذه أعلمها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها.؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. فقال: أفدعا ~~الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين قل: ثلاثة. # فقال الواثق: ثلاثة. فقال الشيخ: يا أحمد، أفاتسع لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم: فقال الشيخ: واتسع لأبي ~~بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، قد قدمت أن أحمد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة، يا أمير ~~المؤمنين ألم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله ~~على من لم يتسع له منا ما اتسع لهم من ذلك. # فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر عثمان وعلي رضي الله عنهم، ~~فلا وسع الله علينا، ثم قال: اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع ضرب الشيخ بيده ~~فأخذ القيد فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم فعلت هذا؟ فقال الشيخ: لأني نويت ~~أن أقدم إلى من أوصي إليه إذا مت، أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخصم به ~~هذا الظالم عند الله عز وجل يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم ~~قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي. # وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ~~ناله منه، فقال ms216 الشيخ: يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم ~~إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنت رجل من أهله. # فقال الواثق: لي إليك حاجة. # PageV01P248 # فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. # فقال الواثق: تقيم عندنا ينتفع بك فتياننا؟ فقال الشيخ: يا أمير ~~المؤمنين، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من ~~مقامي عندك، فقال: ولم ذلك؟ فقال: لأسير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عنك، ~~فقد خلفتهم على ذلك. # فقال الواثق: أفتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال الشيخ: يا أمير ~~المؤمنين، أنا غني وذو ثروة. # قال: أفتسألنا حاجة. # قال: أو تقضيها؟ قال: نعم. # قال: تخلي سبيلي إلى السفر الساعة وتأذن لي. # قال: أذنت لك. # فسلم عليه الشيخ وخرج. # قال: صالح: فقال المهتدي بالله، فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، ~~والله أعلم. ### | الضب الناطق # فائدة # روى الدارقطني وشيخه والحاكم وابن عدي عن عمر: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان في محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد اصطاد ضبا وجعله ~~في كمه ليذهب به إلى رحله، فرأى جماعة محتفلين بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: على من من هؤلاء؟ قالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي. # فأتاه فقال: يا أحمد، ما اشتملت الناس على ذي لهجة أكذب منك، ولولا أن ~~تسميني العرب عجولا لقتلتك، فسررت لقتلك الناس أجمعين. # فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتله؟. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما علمت أن الحليم كاد أن يكون ~~نبيا ". # ثم أقبل الأعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: واللات والعزى ~~لا آمنت بك حتى # PageV01P249 # يؤمن بك هذا الضب؟ وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ضب، فتكلم الضب بلسان ~~فصيح عربي صريح يفهمه القوم جميعا فقال: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين ~~". # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms217 من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه، ~~وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه. # قال: فمن أنا يا ضب؟ قال: أنت رسول رب العالمين وخاتم النبيين، قد أفلح ~~من صدقك وخاب من كذبك. # فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقا، والله لقد ~~أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إلي منك، والله لأنت الساعة أحب إلي من ~~نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين ~~الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله تعالى إلا بصلاة ولا يقبل الصلاة ~~إلا بقراءة ". # قال: فعلمني. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله، وقل هو الله ~~أحد، فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا كلام رب العالمين، وليس ~~بشعر. إذا قرأت قل: هو الله أحد ثلاثا، أو قال: ثلاث مرات، فكأنما قرأت ~~القرآن كله ". # فقال الأعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير ويعطي الكثير، انتهى باختصار من ~~حياة الحيوان الكبرى. # PageV01P250 ### | ابن آدم # ووقف رجل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، صل رحمك وارحم أقاربك وارحم ~~رجلا من أهلك. # فقال الواثق: من أنت، فإني لا أعرفك قبل اليوم؟. # قال: ابن جدك آدم. # فقال: يا غلام، أعطه درهما؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أصنع بالدرهم؟ ~~قال: أرأيت لو قسمت المال بين إخوتك أولاد جدي أكان ينوبك منه حبة. # فقال: لله درك ما أذكى فهمك. # فأمر له بعطاء وانصرف مكرما. ### | خلافة المتوكل على الله تعالى # حكى عنه أنه قال ذات يوم لأبي العيناء: ما أشد ما مر عليك في ذهاب عينيك؟ ~~فقال: فقد رؤيتك يا أمير المؤمنين. # فاستحسن منه هذا الجواب وأمر له بجائزة نفيسة. # ومما حكاه أبو القاسم علي بن محمد الذهبي عن أبي عبد الله النحوي، قال: ~~لما حج محمد بن ms218 عبد الله بن طاهر رأى في الطواف جارية في نهاية الحسن فسأل ~~عنها، فقيل: إنها لرجل من الأدباء قد رواها الأشعار والأخبار والنحو ~~والعروض، وقد أحسنت ضرب العود وطريق الغناء، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما ~~قدم بها مدينة دار السلام شغف بها شغفا شديدا وأخفى أمرها، وما يجده منها ~~تخوفا من أمير المؤمنين المتوكل. وكان من شدة وجده بها يحتبس عندها أياما ~~لا يظهر للناس، فيظنون أنه زمن وأمره معها مستور، ففطن به سويد بن أبي ~~العالية صاحب البريد، وكان بينه وبين محمد منافرة، فلم يجد ما يكيده به إلا ~~أن كتب إلى المتوكل وهو نازل على أربعة فراسخ من بغداد، كتابا نسخته: بسم ~~الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن محمد بن عبد الله اشترى ~~جارية بمائة ألف درهم، فهو يصطبح معها ويغتبق زمانه كله معها، وقد اشتغل ~~بها عن النظر في أمور المسلمين وعن التوقيع في قصص المظلومين، ولا يأمن ~~أمير المؤمنين # PageV01P251 # أن تخرب عليه بغداد مع كثرة ما فيها من الغوغاء فيتعب أمير المؤمنين في ~~إصلاحها، وقد أنهى ذلك المملوك إلى أمير المؤمنين، أيده الله، وهو أعلى ~~رأيا والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. # قال: فلما قرأ المتوكل الكتاب رفع رأسه إلى نرجس الخادم وقال له: امض ~~الساعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وادخل عليه داره بغتة من غير إذن ~~وانظر إلى ما يصنع؟ ثم خذ منه جاريته فلانة وائت بها من غير تأخير. # فمضى نرجس من ساعته، وكان محمد قد اصطبح معها في ذلك اليوم، فدخل عليهما ~~نرجس من غير استئذان، فلم يشعر محمد إلا وهو واقف عليه، فتغير وجهه وانتقع ~~لونه، وفاضت عيناه وارتعدت فرائصه لعلمه أن نرجسا ما دخل عليه من غير إذن ~~إلا وقد أضمر له السوء، فقال له: يا نرجس ما الذي أقدمك؟؟! قال: أمير ~~المؤمنين أمرني أن آخذ جاريتك هذه. # قال: يا نرجس هذا يوم قد حضر شره وغاب خيره، وقد ترى ما نحن فيه، وأنا لا ~~أخالف ms219 ما أمر به أمير المؤمنين. # ثم أمر للخادم بكرسي فجلس عليه بعد أن امتنع ساعة وقال: إن مثلي لا يجلس ~~مع مثلك، ثم إن محمدا نظر إلى الجارية وبكى بكاء شديدا، وقال لها: غني ~~لأتزود منك. # فأخذت العود وغنت بصوت حزين تقول: # لله من لمعذبين رماهما ... بشماتة العذال والحساد # أما الرحيل فحين جد تحملت ... مهج النفوس به من الأجساد # من لم يبت والبين يصدع شمله ... لم يدر كيف تفتت الأكباد # ثم إنهما أعلنا بالبكاء والنحيب والشهيق، فرحمهما الخادم ورق لهما حين ~~عاين ما حل بهما. فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن أمضي وأدعكما على ما أنتما ~~عليه وأتعلل عنكما لأمير المؤمنين فعلت. # فقال: يا نرجس، من خلفه مثل أبي سويد كيف يمكنه التعلل، ولكن ارفق بنا. # فقالت الجارية: والله يا سيدي لا ملكني غيرك أبدا، ولئن دفعتني إليه ~~لأقتلن نفسي. # فقال لها محمد: لو كان غير أمير المؤمنين لكان في ذلك أوسع حيلة، ولقد ~~وددت أن يأخذ مني أمير المؤمنين جميع ما أملك ويعزلني عن عملي ويبقيك علي، ~~ولكن هذا قضاء # PageV01P252 # الله وقدره. ثم التفت إلى نرجس وقال: لقد شاهدت مني ومن هذه الجارية ما ~~شهد قلبك علينا بالمحبة والمودة والألفة، وليس يخفى عن علمك أن صنائع ~~المعروف تقي مصارع السوء. ومثلك من يصنع المعروف مع مثلي فخذها وامض بها ~~إلى أمير المؤمنين، وقل ما شئت مما يليق بمروءتك. ثم التفت إليها وقبلها ~~وبكى وبكت وبكى نرجس. ثم أخذها وخرج وهي تبكي وتخمش خدها ووجهها. قالت: ثم ~~حملني نرجس على بغلة أمير المؤمنين وسار حتى دخل على المتوكل. فلما رآه ~~قال: ما وراءك يا نرجس.؟ قال: ورائي يا أمير المؤمنين كل بلية. ثم إنه جلس ~~بين يديه وقص عليه حالهما ولم يخف شيئا. # فقال المتوكل: وكل هذا الوجد يجده محمد من هذه الجارية؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين والذي خفي أكثر مما ظهر وما أظنه يعيش بعدها. فرق عليه قلب ~~المتوكل وقال: يا نرجس ارجع بها إليه الساعة من وقتك، هذا ms220 وأدركه قبل أن ~~تزهق روحه، وقد أمرت له بمائة ألف درهم، ولها مع ذلك مثله، وجعلت أمر بي ~~سويد إليه يصنع به ما يشاء. # ثم كتب له توقيعا بذلك ودفعه إلى نرجس، فرجع الخادم بالجارية والتوقيع ~~ولم يتمهل حتى دخل عليه فوجده عريانا يتقلب على حصر سامان من شدة الكرب ~~والوجد، وقد أحدقت به الجواري يروحنه بالمراوح. فقال: أبشر يا محمد، إن ~~أمير المؤمنين قد رد جاريتك عليك من غير أن يوقع نظره عليها، وقد حكمك في ~~أبي سويد. # ثم ناوله التوقيع بذلك ودخلت الجارية عليه، فوثب إليها وعانقها وقبلها ~~ساعة. ثم خرج فجلس على باب داره وبعث إلى أبي سويد، فلما حضر دفع إليه ~~التوقيع، فلما قرأه قال: أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وأن تهدم ~~مني ركنا أنت شيدته، وأن تضيع صنيعة اصطنعتها إلى مثلي، فمثلي من هفا ومثلك ~~من عفا. # ثم قام وقبل البساط فقال له محمد: لا أبدل نعمة الله كفرا ثم أمر به ~~بخمسين ألف درهم فقالت الجارية: وأنا أيضا أهب له خمسين ألف درهم مما وهبه ~~لي أمير المؤمنين، شكرا لله تعالى على ذلك. # ثم أقره على ما كان عليه، وأمر أن يحمل المال بين يديه إلى منزله، ورجع ~~محمد والجارية إلى ما كانا عليه في أطيب عيش وأحسن حال متظاهرا بذلك غير ~~مستتر ولا خائف، انتهى. # PageV01P253 ### | يعفو عن الرأس والذنب # وأتي المتوكل بمحمد بن النصيب ووزيره ابن الديرواني وكان محمد هذا قد خرج ~~على المتوكل واستوزر ابن الديرواني، فلما مثل بين يدي المتوكل قال له: ما ~~حملك على ما فعلت يا محمد؟ قال: الشقوة وحسن الظن بعفوك يا أمير المؤمنين، ~~وأنشد يقول: # أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى، والعفو بالحر أجمل # تضاءل ذبي عند عفوك قلة ... فجد لي بعفو منك، فالعفو أفضل # فقال الملك: خلو سيبله، ثم قدم ابن الديرواني فقال: اضربوا عنقه، فقال: ~~سبحان الله، يا أمير المؤمنين، تعفو عن الرأس وتقطع الذنب؟ فضحك المتوكل ~~وعفا عنه، انتهى. ### | صرت ms221 من السجن # كتب محمد بن عبد الملك الزيات وهو في السجن، وقد اشتد به الحال، رقعة إلى ~~المتوكل يستعطفه على نفسه من شدة ما قاسى من الأهوال والعذاب في السجن يقول ~~فيها هذين البيتين: # هي السبيل، فمن يوم إلى يوم ... كفرحة النائم الفرحان بالنوم # لا تعجلن، رويدا، إنها دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم # قال: فلما قرأها المتوكل، رق له وبكى وأمر بإطلاقه، فذهبوا إلى السجن ~~فوجدوه ميتا، رحمة الله عليه. # PageV01P254 ### | خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله أحمد # كان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس بعد أن أخلقته الأتراك ~~وأذلته، وفي ذلك يقول علي بن العباس الرومي: # كما بأبي العباس أنشيء ملككم ... كذا بأبي العباس أيضا يجدد # ولقد اتفق في أيامه، على ما حكي، أمر فظيع كشفه الله له بهيبته في نفوس ~~الناس، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتم ما في نفسه مخافة صولته لأنه ~~كان لشدة حذقه، يتخيل لهم أنه يعلم ما في نفس الإنسان من الضمير. فاتفق أن ~~أحد وزرائه وأكبر قواده بني بناء عاليا مشرفا على منازل جيرانه، فلم يعارضه ~~أحد فيه من جيرانه لمكانته من سلطانه وعزه، وكان يجلس كثيرا في ذلك البناء، ~~فرأى يوما من الأيام في دار من دور جيرانه جارية بارعة الجمال، فولع بها، ~~فسأل عنها، فأخبر أنها بنت أحد التجار، فأرسل إلى والدها خاطبا، فقال له ~~أبوها، وكان من أهل اليسار: لست أزوجها إلا من تاجر مثلي، فإنه إن تزوجها ~~من هو مثلي لم يظلمها، وإن ظلمها قدرت على النصفة منه، وأنت إن ظلمتها لم ~~أقدر لها على النصفة منك، ولا على الحيلة لنصرتها. # فلم يزل يرومه في ذلك بكل أمر وتوسط إليه بالأكابر والأماثل من الناس، ~~وهو مع ذلك يمتنع، فلما يئس منه أن يجيبه، شكا إلى أحد خواصه فقال له: ألف ~~مثقال يقوم لك هذا. # فقال: كيف ذلك؟ والله لو علمت أني أنفق عليها مائتي ألف مثقال أو أكثر ~~وتأتيني بها لفعلت. # قال له: عليك أن ms222 تحضر لي ألف دينار. # فأمر بإحضارها فمشى بها ذلك الرجل إلى عشرة رجال كانوا عدولا عند القاضي ~~في شهادتهم، وذكر لهم الأمر، وقال: هذا أمر ليس عليكم من الله فيه تبعة، ~~فإنه يصدقها كذا وكذا ألفا، وأغلى لهم المهر، وإنكم تحيون نفسا أشرفت على ~~الهلاك، ويكون لكم عنده مع هذا من الجاه ما ترغبون، وأبوها إنما هو عاضل ~~لها عن الزواج، وإلا فما يمنعه من ذلك، وقد خطبها مثل فلان في جلالة قدره ~~ومكانة أمره، وقد أعطاه صداقا لا يعطى إلا لبنت ملك ثم هو مع هذا يأبى، هل ~~هذا إلا عضل بين؟ ولكن لكم ألف مثقال لك واحد منكم مائة وتشهدون أنه قد ~~زوجها به فإنه إذا علم أبوها بأنكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا إذ ليس فيه ~~إلا الخير والخيرة. # فأخذ الشهود كل واحد منهم مائة وشهدوا أن أباها زوجها على صداق مبلغه ~~كذا، ورفعوا في الصداق إلى غاية ما ترفع إليه صداقات الملوك، فلما علم ~~أبوها بذلك زاد # PageV01P255 # نفارا وإباء، فمشى الوزير وذلك القائد إلى القاضي وقال: إني تزوجت فلانة ~~بنت فلان على هذا الصداق، وهؤلاء شهدوا عليه، ثم قد ناكرني وأنكر الشهود، ~~وقد أردت أن أدفع له حق ابنته وآخذها. # فأمر القاضي بإحضار الشهود فشهدوا عنده وأحضر مال النقد بين يدي القاضي، ~~والرجل على إنكاره متماد، فأمر القاضي بإمضاء الحكم عليه، وأن تؤخذ ابنته ~~منه أحب أو كره، وأمر بحمل المال إليه، فلما وصلت الجارية عند الوزير، لم ~~يزل أبوها يروم الوصل إلى المعتصم. وكان المعتصم غليظ الحجاب لا يصل إليه ~~أحد من غير الخاصة، فقيل للرجل أنه يحضر كل يوم ساعة من النهار على بنيان ~~له بقصره، فإن استطعت أن تكون مع جملة رجال الخدمة تصل إليه وتكلمه بما ~~أردت. # ففعل الرجل ذلك وغير شكله، ودخل في جملة رجال الخدمة للبناء، فلما كان ~~ذلك الوقت الذي كانت عادة أمير المؤمنين المعتصم يقف فيه على ذلك البناء ~~خرج ذلك الرجل فترامى إلى الأرض وجعل يحثو ms223 التراب على رأسه ويستغيث، فسأله ~~عن شأنه فقص عليه القصة، فأرسل المعتصم في ذلك المقام، خلف ذلك القائد ~~وأغلظ عليه في القول، فحملته هيبته له، وقلة إقدامه على الكذب عليه، أن وصف ~~له الصورة على ما كانت عليه، وهو يطمع أن يعذره في ذلك، إذ قد جعل لها من ~~الصداق ما هو فوق قيمة قدرها، وأمر بإحضار الشهود فصنعوا مثل صنيع صاحبهم ~~وذلك كله رهبة له وإجلالا أن يخاطبوه بكذب مع تخيلهم أنه يصفح لهم عن هذه ~~الزلة إذ قد أرادوا إحياء نفس ذلك الوزير، وأيضا قد دفع له بين يدي القاضي ~~نقدا لا يكون إلا في صدقات الملوك، وقد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة ~~قدرها، فكأنه قد أخذها بحقها أو بأكثر من حقها. # فلما تحققت عنده جلية الخبر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره، وأن ~~يوضع ذلك الوزير في جلد ثور طري السلخ، ويضرب بالمرازب حتى يختلط عظمه ~~ولحمه ودمه، ثم أمر به، لما صنع به ذلك، أن يفرغ بين يدي نمور كانت عنده، ~~فلما لعقت تلك النمور ذلك الدم أمر الرجل أبا البنت أن يأخذ ابنته ويأخذ كل ~~ما ذكروا لها على ذلك الوزير في صداقها من عقار ودور ومال. # ثم مات المعتصم وولي ابنه المقتدر وكان صبيا صغير السن، فعادت الأتراك ~~إلى ما كانت عليه من ذلك، والله تعالى أعلم. # PageV01P256 ### | صاحب المغرب وصاحب طليطلة # ويقرب من شهامة هذا الملك ما ذكره في حياة الحيوان في ترجمة يعقوب بن ~~يوسف بن عبد المؤمن، صاحب بلاد المغرب، من أنه وقع بينه وبين الأذفونش، ~~نصراني طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأذفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ~~ويتهدده، ويطلب منه بعض حصون، وكتب له رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار ~~وهي: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح ~~الله وكلمته الفصيح، أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب ~~أنك أمير الملة الحنيفية، كما أني أمير الملة النصرانية، ms224 وقد علمت ما عليه ~~رؤساء الأندلس من التخاذل والنكول والتكاسل، وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم ~~إلى الراحة والأمنية، وأنا أسوسهم بحكم القهر وإخلاء الديار وسبي الذراري، ~~وأمثل بالرجل وأذيقهم عذاب الهوان، وشديد النكال، ولا عذر لك في التخلف عن ~~نصرتهم، إذا مكنتك القدرة وساعدك من عساكرك وجنودك كل ذي رأي وخبرة، وأنتم ~~تزعمون أن الله تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف ~~الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، رحمة منه، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد ~~منا لا تستطيعون دفاعا، ولا تملكون امتناعا، ولقد حكي عنك أنك أخذت في ~~الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك سنة بعد أخرى تقدم رجلا ~~وتؤخر أخرى، فلا ندري أكان لجبن إبطاؤك أم لتكذيب بما وعد ربك، ثم قيل لي ~~أنك لا تجد إلى الجواز سبيلا، ولعله لا يسوغ لك التقحم فيه ميلا، وها أنا ~~أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك، ولك علي أن تفي بالعهود والمواثيق ~~والاستكثار من البرهان، وإلا جئت بحملتي إليك وأقاتلك في أعز الأماكن عليك، ~~فإن كانت النصرة لك كانت غنيمة كبيرة جاءت إليك وإن كانت لي كانت يدي ~~العليا عليك، والله الموفق لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. # قال: فمزق يعقوب الكتاب، وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود ~~لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تقرأ ~~واستشهد ببيت المتنبي. # ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسله إلا الخميس العرمرم # ثم أمر بكتائب الاستنفار واستدعاء الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات من ~~يومه بظاهر البلد، وصار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى ~~الأندلس، ودخل إلى بلاد الإفرنج، فكسرهم كسرة شنيعة، وعاد بغنائمهم والله ~~أعلم. # PageV01P257 ### | الصعيدي والفرنجية # ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن، يوسف ~~المهمندار، المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى لي الأمير محمد، شجاع الدين ~~الشيرازي، متولي القاهرة في أيام الكامل سنة ثلاثين وستمائة، قال: بتنا عند ~~رجل بالصعيد، فأكرمنا، وكان ms225 الرجل شديد السمرة، وهو شيخ كبير، فحضر له ~~أولاد بيض الوجوه، حسان الأشكال، فقلنا له: هؤلاء أولادك؟ قال: نعم، ثم ~~قال: كأنكم أنكرتم علي بياضهم وسوادي؟ قلنا: نعم. فقال: هؤلاء كانت أمهم ~~إفرنجية أخذتها أيام الملك الناصر صلاح الدين، وأنا شاب. # فقلنا: وكيف أخذتها؟ قال: حديثي فيها عجيب وأمري غريب. # فقلنا: أتحفنا به. # فقال: زرعت كتانا في هذه البلدة وقلعته ونفضته، فصرفت عليه خمسمائة ~~دينار، ثم لم يبلغ الثمن أكثر من ذلك، فحملته للقاهرة فلم يصل أكثر من ذلك ~~فأشير علي بحمله إلى الشام، فحملته فلم يزد على تلك القيمة شيئا، فوصلت به ~~إلى عكا فبعت بعضه لأجل والبعض تركته، واكتريت حانوتا لأبيع على مهل إلى أن ~~تنقضي المدة. فبينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة فرنجية، ونساء الإفرنج يمشين ~~في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتانا، فرأيت من جمالها ما بهرني ~~فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وأتت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من ~~المرة الأولى، فتكررت لي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي كانت معها: إنني ~~قد تلفت بحبها، وأريد منك الحيلة. # فقالت لها العجوز ذلك، فقالت: تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأنت وهو، فأعادت ~~علي الجواب فقلت لها: أما أنا فقد سمحت بروحي في حبها، واتفق الحال على أن ~~أدفع لها خمسين دينارا، فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت: نحن الليلة عندك. # قال: فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى فجاءت ~~الإفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم، فقلت في نفسي: أما ~~تستحيي من الله وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية، اللهم إني أشهدك أني قد ~~عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفا من عقابك. # ثم نمت إلى الصبح، فقامت من السحر وهي غضبانة، ومضت ومضيت إلى حانوتي، ~~فجلست فيه، فإذا هي قد عبرت علي والعجوز وهي مغضبة، وكأنها القمر، فهلكت # PageV01P258 # وقلت في نفسي: ومن هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها؟ ثم لحقت ~~العجوز، وقلت لها: ارجعي؟ فقالت: وحق المسيح ما أرجع ms226 لك إلا بمائة دينار. # فقلت: نعم! بسم الله، فمضيت ووزنت مائة دينار، فلما حضرت الجارية عندي ~~لحقتني الفكرة الأولى، وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى، ثم مضت ~~ومضيت إلى موضعي، ثم عبرت علي بعد ذلك وقالت: وحق المسيح ما عدت تفرح بي ~~عندك إلا بخمسمائة دينار، أو تموت كمدا. # فارتعت لذلك وعزمت على أن أصرف ثمن الكتان جميعه، فبينما أنا كذلك ~~والمنادي ينادي، معاشر المسلمين! إن الهدنة التي كانت بيننا وبنيكم قد ~~انقضت، وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعه، فانقطعت عني، وأخذت في ~~تحصيل ثمن الكتان الذي لين والمصالحة على ما بقي منه، وأخذت معي بضاعة ~~حسنة، وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه، فوصلت إلى دمشق وبعت ~~البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة، ومن الله علي بكسب وافر، وأخذت أتجر ~~في الجواري لعل يذهب ما بقلبي من الإفرنجية، فمضت ثلاث سنين، وجرى للملك ~~الناصر ما جرى من وقعة حطين، وأخذ جميع الملوك، وفتح بلاد الساحل، بإذن ~~الله تعالى، فطلب مني جارية للملك الناصر، فأحضرت له جارية حسناء، فاشتراها ~~بمائة دينار، فأوصلوا إلي تسعين دينارا، وبقيت العشرة دنانير عنده، فلم ~~يجدوها في خزانة الملك في ذلك اليوم، لأنه أنفق جميع الأموال، فلما حضرت ~~الغنيمة جاءوا للملك فشاوروه على ذلك، فقال: امضوا به إلى الخيمة التي فيها ~~السبي من نساء الإفرنج، فخيروه في واحدة منهن، يأخذها بالعشرة دنانير التي ~~بقيت له. # فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي، فقلت: أعطوني هذه الجارية، فأخذتها ومضيت إلى ~~خيمتي، وخلوت بها، وقلت لها: أتعرفيني؟ قالت: لا. فقلت لها: أنا صاحبك ~~التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت مني الذهب، وقلت: ما عدت تراني عندك ~~إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكا بعشرة دنانير. # فقالت: مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ~~فأسلمت وحسن إسلامها، فقلت: والله لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي، فتوجهت ~~إلى ابن شداد، وحكيت له ما جرى، فتعجب وعقد لي عليها، وباتت ms227 تلك الليلة ~~عندي فحملت مني ثم رحل العسكر، وأتينا دمشق، فبعد مدة يسيرة أرسل الملك ~~يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك، فردوا من كان أسيرا من ~~الرجال والنساء، ولم يبقى إلا التي # PageV01P259 # عندي، فطلبت مني، فحضرت وقد تغير لوني فأحضرتها بين يدي الملك الناصر، ~~والرسول فقلت: هذه أسلمت وصارت امرأتي. # فقال الملك الناصر بحضرة الرسول: أترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك، فقد ~~فككنا أسرك وأسر غيرك. # فقالت: يا مولانا السلطان! أنا قد أسلمت وحملت وها بطني كما ترونه، وليس ~~لي رغبة في الرجوع إلى بلادي وما رغبتي إلا في الإسلام وزوجي. # فقال لها الرسول: أيما أحب إليك، هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي؟ فأعادت ~~عبارتها الأولى، فقال الرسول لمن معه من الإفرنج: اسمعوا كلامها. ثم قال ~~الرسول: خذ زوجتك وتوجه. فوليت بها فطلبني ثانيا وقال: إن أمها أرسلت معي ~~كسوة وقالت: إن ابنتي أسيرة وأشتهي أن توصل لها هذه الكسوة. # فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار ففتحت القماش، فإذا هو قماشها بعينه قد ~~صيرته لها أمها، ووجدت من داخلة الصرتين، الذهب الخمسين دينارا والمائة ~~دينارا، كما هي بربطتي لم يتغيروا، وهؤلاء الأولاد منها، وهي التي صنعت لكم ~~هذا الطعام والله أعلم. ### | إن من البيان لسحرا # يحكى أن بعض الملوك أرسل رجلا من بطانته إلى بعض الجهات ليعرف خبر ~~عاملها، ويطالعه بأخبار الرعية، فلما وصل الرجل فطن له العامل، فأرسل إليه ~~بمال وتحف ثم قال: عرفت ما جئت له، وأنا أرغب إليك في كتاب تكتبه إلى الملك ~~تذكر فيه أني حسن السيرة، وسالك طريق العدل، فإن أنت فعلت ذلك فلك مني ما ~~تشتهي رغبتك إليه من الخير والعطاء، وإن أبيت ذلك أمرت الشرطيين أن ينهوا ~~إلي من أمرك في الملإ ما يوجب قتلك إما حدا وإما سياسة، فأقتلك بمحضر من ~~قاضي البلد ووجوه الناس، فتذهب كأمس الماضي. # فلما لم يجد الرجل بدا من موافقته ولم يكن ليخون مرسله كتب بحضرته كتابا ~~إلى الملك. # أما بعد، أعز الله الملك وأكرمه، فإني قدمت إلى ms228 مدينة كذا وكذا فوجدت ~~العامل فلانا آخذا بالحزم عاملا بالعزم، قد ساوى بين رعيته، وعدل بينهم في ~~أقضيته، وأرضى # PageV01P260 # بعضهم بعضا، وجعل طاعته عليهم فرضا وأنزلهم منزلة الأولاد، وأذهب ما ~~بينهم من الأحقاد، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في الأخرى، ~~أغنى القاصد وأرضى الوارد، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون النظر إلى ~~وجهه الكريم والسلام. # فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه وقال لوزيره: إن فلانا لم يكن ~~عندي بمتهم، فإن كتابه هذا يدل على ظلم العامل، فالتمس لي رجلا يصلح لعمله، ~~فإني قد عزلته. # فقال الوزير: أصلح الله الملك، وكيف ذلك؟ قال: لأن قوله آخذا بالحزم ~~عاملا بالعزم أي أنه خائف مني لما اعتمده في الولاية، وأما قوله ساوى بين ~~رعيته وعدل بينهم في أقضيته، فمعناه أنه لم يخص أحدا بظلمه بل الجميع سواء، ~~وقوله: وأرضى بعضهم بعضا: أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد، ~~وقوله: أنزلهم منزلة الأولاد، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذا من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك ". وقوله: وأراحهم من السعي في ~~الدنيا، معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون. ~~وقوله: فرغهم للعمل في الأخرى، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم. ~~وقوله: أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه، أي أنه أعطاه مالا ليكتب ~~إلي بذلك. وأما قوله: فجميع أهل عمله داعون لنا، معناه أن يبصرنا الله ~~بأمرهم، ونطلع على ما هم فيه. وقوله: يودون النظر لوجهنا أي يشكون إلينا ما ~~لقوه منه ويستغيثون بنا. # ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه وأنصف الناس منه ورد عليهم ما ~~كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه فيه القصاص، وقابله على فعله ~~والله أعلم. # PageV01P261 ### | هذه القصيدة الزينبية # صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تصرم وتقلب # نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سودا ورأسك كالثغامة أشيب # واستنفرت لما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب # وكذاك وصل الغانيات، فإنه ... آل ببلقعة وبرق ms229 خلب # فدع الصبا، فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب # ذهب الشباب، فما له من عودة ... وأتى المشيب، فأين منه المهرب # دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك، وابكها يا مذنب # واذكر مناقشة الحساب، فإنه ... لا بد يحصى ما جنيت ويكتب # لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه، وأنت لاه تلعب # والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب # وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب # والليل، فاعلم، والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيها تعد وتحسب # وجميع ما خلفته وجمعته ... حقا يقينا بعد موتك ينهب # تبا لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب # فاسمع هديت نصيحة أولاكها ... بر نصوح للأنام مجرب # صحب الزمان وأهله مستبصرا ... ورأى الأمور بما تثوب وتعقب # لا تأمن الدهر الخئون، فإنه ... مازال قدما للرجال يؤدب # وعواقب الأيام في لذاتها ... غصص يذل لها الأعز الأنجب # فعليك تقوى الله، فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب # واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع له لديه مقرب # واقنع، ففي بعض القناعة راحة ... واليأس عما فات، فهو المطلب # فإذا طمعت كسيت لثوب مذلة ... فلقد كسي ثوب المذلة أشعب # وتوق من غدر النساء خيانة ... فجميعهن مكايد لك تنصب # لا تأمن الأنثى حياتك إنها ... كالأفعوان يراع منه الأنيب # لا تأمن الأنثى زمانك كله ... يوما، ولو حلفت يمينا تكذب # تغرى بلين حديثها وكلامها ... وإذا سطت فهي الصقيل الأشطب # PageV01P262 # وابدأ عدوك بالتحية، ولتكن ... منه، زمانك، خائفا تترقب # واحذره، إن لاقيته متبسما ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب # إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب # وإذا الصديق رأيته متملقا ... فهو العدو، وحقه يتجنب # لا خير في ود امرئ متملق ... حلو اللسان، وقلبه يتلهب # يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب # يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب # وصل الكرام وإن جفوك بهفوة ... فالصفح عنهم والتجاوز أصوب # واختر قرينك واصطفيه تفاخرا ... إن القرين إلى المقارن ينسب # إن الغني من الرجال مكرم ... وتراه يرجى ms230 ما لديه ويرهب # ويبش بالترحيب عند قدومه ... ويقام عند سلامه ويقرب # والفقر شين للرجال، فإنه ... حقا يهون به الشريف الأنسب # واخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل، واسمح لهم إن أذنبوا # وذر الكذوب فلا يكن لك صاحبا ... إن الكذوب يشين حرا يصحب # وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب # واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب # والسر فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزجاجة كسرها لا يشعب # وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب # لا تحرصن، فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب # ويظل ملهوفا يروم تحيلا ... والرزق ليس بحيلة يستجلب # كم عاجز في الناس يأتي رزقه ... رغدا ويحرم كيس، ويخيب # وارع الأمانة، والخيانة، فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب # وإذا أصابك نكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلما لا ينكب # وإذا رميت من الزمان بريبة ... أو نالك الأمر الأشق الأصعب # فاضرع لربك، إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب # كن ما استطعت عن الأنام بمعزل ... إن الكثير من الورى لا يصحب # واحذر مصاحبة اللئيم، فإنه ... يعدي كما يعدي السليم الأجرب # PageV01P263 # واحذر من المظلوم سهما صائبا ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب # وإذا رأيت الرزق عز ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المذهب # فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولا وعرضا، شرقها والمغرب # ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب # وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس: # المرء يجمع، والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق # ولأن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق # فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا ... إن الصديق على الصديق مصدق # وزن الكلام، إذا نطقت، فإنما ... يبدي عقول ذوي العقول المنطق # ومن الرجال إذا استوت أحلامهم ... من يستشار، إذا استشير، فيطرق # حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول وينطق # لا ألفينك ثاويا في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق # ما الناس إلا عاملان: فعامل ... قد مات من عطش وأخر يغرق # والناس في طلب ms231 المعاش، وإنما ... بالجد يرزق منهم من يرزق # لو يرزقون الناس حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق # لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسع ومضيق # وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائح يترقرق # سكت الذي تبع العروس مبهتا ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق # وإذا امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يجر حبلا يفرق # بقي الذين، إذا يقولوا يكذبوا، ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا # PageV01P264 # ### | الخوارج كلاب النار # وذكر ابن الجوزي في الأذكياء وغيره: أن عمران بن حطان، كان أحد الخوارج، ~~وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنهما الله تعالى، على قتل ~~الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجه: # يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أو في البرية عند الله ميزانا # أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا # فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري، رحمه الله تعالى، هذه الأبيات فقال مجيبا ~~له: # إني لأبرأ مما أنت قائله ... عن ابن ملجم الملعون بهتانا # إني لأذكره يوما فألعنه ... دينا وألعن عمران بن حطان # عليك ثم عليه الدهر متصلا ... لعائن الله إسرارا وإعلانا # فأنتمو من كلاب النار جاء لنا ... نص الشريعة برهانا وتبيانا # أشار أبو الطيب رحمه الله تعالى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " الخوارج ~~كلاب النار "، انتهى من حياة الحيوان. ### | سارق الجمل # ومنه ما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: جاءوا برجل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فشهدوا عليه أنه سرق جملا لهم، فأمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يقطع، فولى الرجل، وهو يقول: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى ~~من صلاتك شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء، وسلم على محمد ~~حتى لا يبقى من سلامك شيء. # فتكلم الجمل وقال: يا محمد، إنه بريء من سرقتي. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بالرجل؟ فابتدره سبعون من أهل ~~بدر، فجاءوا به ms232 إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا هذا، ما قلت آنفا؟ ~~فأخبره بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لذلك نظرت الملائكة ~~يخترقون سكك المدينة، حتى كادوا يحولون بيني وبينك. # ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتردن على الصراط ووجهك أضوأ من ~~القمر ليلة البدر ". # PageV01P265 # هذه القصيدة يقال إنها لأمير المؤمنين الراضي بالله # زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران # وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان # يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا ... بالله! هل لخراب الدهر عمران # ويا حريصا على الأموال يجمعها ... نسيت أن سرور المال أحزان # دع الفؤاد من الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران # وأوع سمعك أمثالا أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان # وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجو نداك، فإن الحر معوان # من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه، والمال للإنسان فتان # من كان للخير مناعا فليس له ... عند الخليقة أخدان وإخوان # لا تخدشن بمطل وجه عارفه ... فالبر يخدشه مطل وليان # يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران # أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان # من يتقي الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا # حسب الفتى عقله خلا يعاشره ... إذا تحاماه إخوان وخلان # لا تستشر غير شخص حازم فطن ... قد استوت منه أسرار وإعلان # فللتدابير فرسان. إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان # وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان # من رافق الرفق في كل الحوادث لم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان # ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران # وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان # كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحر إن حققت غنيان # هما رضيعا لبان حكمة وثقى ... وساكنا وطن مال وطغيان # من مد طرفا بفرط الجهل ونحو هوى ... أغضى عن الحق يوما وهو ms233 خزيان # من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان # من عاشر الناس لاقى منهمو نصبا ... لأن طبعهمو بغي وعدوان # PageV01P266 # ومن يفتش عن الإخوان مجتهدا ... فجل إخوان هذا الدهر خوان # من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة، ولحصد الزرع إبان # من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهمو صل وثعبان # من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان # من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان # وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران # إذا نبا بكريم موطن، فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان # لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان # يا ظالما فرحا بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان # يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر، فأنت بغير الماء ريان # ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن # دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان # صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوان # لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان # ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان # من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان # واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الركن إن خانتك أركان # لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان # سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان # والناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذ عادته أعوان # يا رافلا في الشباب الرحب منتشيا ... من كاسه هل أصاب الرشد نشوان # لا تغترر بشباب ناعم خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان # ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان # هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان # كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان # وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران # أحسن إذا كان إمكان ومقدرة ms234 ... فلا يدوم على الإنسان إمكان # PageV01P267 # فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان # خذها سرائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان # ما ضر حسانها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان # وذيل عليها بعضهم فقال: # وكن لسنة خير الخلق متبعا ... فإنها لنجاة العبد عنوان # فهو الذي شملت للخلق أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان # جبينه قمر قد زانه خفر ... وثغره درر غر ومرجان # والبدر يخجل من أنوار طلعته ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان # ومذ أتى أبصرت عمي القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان # به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا، إنه ذو الجود منان # يا رب صل عليه ما همى مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان # وابعث إليه سلاما زاكيا عطرا ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان ### | جاريتان برواية شعر # وعن حماد الراوية قال: كنت محبا للوليد بن عبد الملك، فلما ولي أخوه يزيد ~~الخلافة هربت إلى الكوفة، فبينما أنا في المسجد الأعظم، إذ أتاني رسول محمد ~~بن يوسف الثقفي، وقال: أجب الأمير، فدخلت عليه، فقال: ورد كتاب أمير ~~المؤمنين علي بحملك إليه، وبالباب نجيبان، فاركب أحدهما، ودفع إلي كيسا فيه ~~ألف دينار، وقال: هذه نفقة لمنزلك، فدخلت دمشق في اليوم الثامن واستأذن لي ~~الرسول فدخلت عليه، فإذا هو جالس في دار مبلطة بالرخام الأحمر، وفيها سرادق ~~خز أحمر في وسط قبة حمراء من خز، وفرشها وكل ما فيها أحمر، وعلى رأسه ~~جاريتان عليهما ثياب حمر بيد واحدة منهما إبريق، وفي إحدى يدي الأخرى نبيذ ~~أحمر، وفي اليد الأخرى نبيذ أبيض، فلما واجهته سلمت عليه بالخلافة فرد علي ~~السلام، وقال: ادن يا حماد: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا يا أمير ~~المؤمنين. # قال: في بيت شعر ذهب عني أوله. # PageV01P268 # قلت: من أي عروض أو قافية؟ قال: لا أدري إلا أنه بيت فيه إبريق. # فقلت في نفسي: إن لم تغن الرواية يوما، فالآن. ففكرت في نفسي ساعة، ثم ~~قلت: نعم يا أمير المؤمنين، لعله قول التبع اليماني، أو عدي بن زيد ms235 ~~العبادي: # بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي: أما تستفيق # ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موثوق # لست أدري إذ العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق # فصاح يزيد وقال: هو والله الشعر بعينه وشرب وقال: يا جارية اسقه، فسقتني ~~كأسا أذهبت ثلث عقلي، ثم استعاد الشعر وشرب وقال: اسقه، فسقتني، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين، ذهب ثلثا عقلي. # فقال: سل حاجتك قبل أن يذهب الثلث الآخر. # فقلت: إحدى هاتين الجاريتين. # فقال: هما لك بمالهما وما عليهما، ومائة ألف تحسن بها سيرك، ثم ناولتني ~~الجارية كأسا فشربتها وانصرفت ونهضت، وقد ذهب عقلي، فعدل بي إلى دار ~~الضيافة فانتبهت آخر الليل، وإذا بشمع يوقد والجاريتان يرصان الأمتعة، ~~والبغال تحمل ما لهما من أثاث وغيره، وأصبحت قبضت المال وانصرفت، وأما أيسر ~~أهل الكوفة، انتهى. # ولما وقف الشيخ تقي الدين بن حجة رحمه الله، على هذه الحكاية، قال: انظر ~~أيها المتأدب نفاق سوق الأدب في ذلك الأرب، وبشهادة الله أن البيت الذي طلب ~~حماد الراوية بسببه من العراق إلى دمشق، وأجيز عليه بالجاريتين والمائة ألف ~~تأنف نفسي أني أنظمه في سلك قصيدة من قصائدي، وهو هذا البيت. # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق # وكنت أريد أن أكون في ذلك العصر ويسمع يزيد بن عبد الملك من نظمي في هذا ~~الباب قولي: # في ليلة رقم البدر المنير لها ... طارا له بعصا الجوزاء نقرات # وبان لي من لماها حين تبسم لي ... فوق اللثا واللمى در وعقبات # والراح دبت على فهمي فصورها ... لكن لها ضاع في الكاسات نفحات # PageV01P269 # كانت علامات تحقيقي، فقال فمي: ... هي المنازل لي فيها علامات # مذ أنشأتنا سجعنا في محاسنها ... مغردين، وللإنشاء سجعات # هذا وأفواه كاساتي قد ابتسمت ... لما حبتها ثغور لؤلؤيات # ومن يقل حركات الزهر ما سكنت ... فللحباب على التسكين جزمات ### | جارية ثمن إعراب بيت # وألطف من ذلك ما حكاه محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو عثمان المازني ~~جاء إليه ms236 يهودي وسأله أن يقرئه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار. فامتنع ~~أبو عثمان من ذلك، فقلت له سبحان الله: ترد مائة دينار مع فاقتك وحاجتك إلى ~~درهم واحد؟ فقال: نعم يا أبا العباس: اعلم أن كتاب سيبويه يشتمل على ~~ثلاثمائة آية من كتاب الله، ولا أرى أن أمكن منها كافرا. # فسكت، ولم يتكلم. قال المبرد: فما مضت إلا أيام حتى جلس الواثق يوما ~~للشرب وحضر ندوماؤه فغنت جارية في المجلس هذا الشعر: # أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم # فنصبت رجلا، فلحنها بعض الحاضرين من الندماء، وقال: الصواب الرفع لأنه ~~خبر إن. فقالت الجارية: ما حفظته من معلمي إلا هكذا. # ثم وقع النزاع بين الجماعة، فمن قائل الصواب معه، ومن قائل الصواب معها، ~~فقال الواثق: من بالعراق من أهل العربية ممن يرجع إليه؟ فقالوا: بالبصرة ~~أبو عثمان المازني، وهو اليوم واحد عصره في هذا العلم. # فقال الواثق: اكتبوا إلى والينا بالبصرة يسيره إلينا معظما مبجلا فما كان ~~إلا أيام حتى وصل الكتاب إلى البصرة، فمر الوالي أبا عثمان بالتوجه وسيره ~~على بغال البريد، فلما وصل دخل على الواثق، فرفع مجلسه وزاد في إكرامه وعرض ~~عليه البيت، فقال: الصواب مع الجارية، ولا يجوز في رجل غير النصب لأن مصاب ~~مصدر بمعنى الإصابة ورجلا منصوب به، والمعنى أن إصابتكم رجلا أهدى السلام ~~تحية ظلم، فظلم خبر إن؛ وما يتم الكلام إلا به. # PageV01P270 # ففهم الواثق كلام أبي عثمان، وعلم أن الحق ما قالته وأعجب به، وانقطع ~~الرجل الذي أنكر على الجارية، ثم أمر الواثق لأبي عثمان المازني بألف ~~دينار، وأتحفه بتحف وهدايا كثيرة لأهله، ووهبت له الجارية جملة أخرى، ثم ~~سيره إلى بلده مكرما، فلما وصل جاء المبرد فقال له أبو عثمان: كيف رأيت يا ~~أبا العباس، تركت لله مائة فعوضني ألفا. # فقال المبرد: من ترك شيئا لله عوضه خيرا منه، انتهى. ### | الاسم الأعظم # عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سألت ~~الله الاسم الأعظم فجاءني ms237 جبريل به مختوما، وهو اللهم إني أسألك بالاسم ~~المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم ". # قالت عائشة: بأبي وأمي علمنيه. # فقال: يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء، انتهى. ### | ### | ### | فائدة # # كان أبو محمد عبد الله بن يحيى الضبعي من أصحاب الشافعي وكان إماما صالحا ~~عالما من أهل اليمن من أقران صاحب البيان من تصنيفه: احترازات المهذب ~~والتعريف في الفقه. روى أن ناسا ضربوه بالسيف فلم تقطع سيوفهم فيه فسئل عن ~~ذلك، فقال: كنت أقرأ: " ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم "، فالله خير ~~حافظا، وهو أرحم الراحمين " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله "، " # PageV01P271 # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "، " وحفظناها من كل شيطان رجيم "، ~~" وحفظا من كل شيطان مارد "، " وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم "، " إن كل ~~نفس لما عليها حافظ "، " إن بطش ربك لشديد "، إلى آخر السورة، وينبغي أن ~~يزاد فيها " إن ربي على كل شيء حفيظ ". ثم قال: كنت خرجت يوما مع جماعة ~~فرأيت ذئبا يلاعب شاة عجفاء، ولا يضرها بشيء، فلما دنونا منه نفر منها ~~الذئب، فوجدنا في عنق الشاة كتابا مربوطا فيه هذه الآيات المتقدمة، انتهى. # PageV01P272 # فائدة # قال معاذ بن جبل: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن ~~صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوب بالصلاة فصلى ~~وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته، فقال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم ~~انفتل إلينا، فقال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة؟؟! إني قمت من ~~الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي ~~تعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك يا رب. قال: فيم يختصم ~~الملأ الأعلى؟ قلت: ربي لا أدري. قال تعالى: " في الكفارات والدرجات ". وفي ~~رواية: " قلت: في الكفارات والدرجات ". قال: فما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى ~~الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على المكروهات. ~~قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام ms238 الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام. ~~قال: سل، قلت: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب ~~المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير ~~مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إلى حبك ". # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها حق فادرسوها ثم تعلموها ". # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح انتهى من حياة الحيوان في حرف النون. # وقال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الشرك، فقال: هو أخفى فيكم من ~~دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته، أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره. ~~تقول: " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا، وأنا أعلم وأستغفرك لما لا ~~أعلم إنك أنت علام الغيوب، تقولها ثلاث مرات "، انتهى. # PageV01P273 # ### | فائدة # إذا علقت عين الهدهد على صاحب النسيان ذكر ما نسيه، ودمه إذا قطر في ~~البياض العارض في العين أذهبه. # وروى أحمد والبزار، ورجال أحمد ثقات، من حديث أبي هريرة: " أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشرب قائما، فقال له: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ ~~قال: لا. قال: فقد شرب معك الشيطان ". # وفي تاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي عن أنس بن مالك قال: ~~كنت جالسا عند عائشة رضي الله عنها، أبشرها بالبراءة، فقالت: والله لقد ~~هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة، وما عرض علي طعام ولا شراب، فكنت ~~أرقد وأنا جائعة، فرأيت في منامي فتى، فقال: مالك حزينة؟ فقلت: مما ذكر ~~الناس. # فقال: ادعي بهذه يفرج الله عنك. # فقلت: وما هي؟ قال: قولي دعاء الفرج: يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا ~~فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ~~ظلم، ويا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، ويا من له اسم بلا كنية، اجعل ~~لي من أمري فرجا ومخرجا. # قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله براءتي وجاءني الفرج. ~~انتهى من حياة الحيوان. # وهذا ms239 الدعاء روى الطبراني بإسناد صحيح قطعة منه عن أنس: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مر بأعرابي، وهو يدعو في صلاته يقول: يا من لا تراه العيون، ~~ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى ~~الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق ~~الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماء ~~سماء ولا أرض أرضا ولا بحر إلا ويعلم ما في قعره ولا جبل إلا يعلم ما في ~~وعره، اجعل اللهم خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه وخير أيامي يوم لقائك. # فوكل النبي صلى الله عليه وسلم بالأعرابي رجلا فقال: إذا صلى فائتني به، ~~فلما صلى أتاه به وقد كان # PageV01P274 # أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب من بعض المعادن، فلما أتى الأعرابي ~~وهب له الذهب، وقال: ممن أنت أيها الأعرابي؟ قال: من بني عامر بن صعصعة. # فقال صلى الله عليه وسلم: هل تدري لم وهبت لك هذا الذهب؟ قال: للرحم التي ~~بيننا وبينك يا رسول الله. # قال صلى الله عليه وسلم: إن للرحم حقا، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك ~~على الله عز وجل. انتهى من حرف الطاء. ### | بهرام جور والرماية # وفي كتاب ثمار القلوب للثعالبي في الباب الثالث عشر منه، أن الملك بهرام ~~جور لم يكن في العجم أرمى منه. ومن غريب ما اتفق له أنه خرج يوما يتصيد على ~~جمل، وقد أردف جارية يعشقها فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أي موضع ~~تريدين أن أضع هذا السهم من هذه الظباء؟ # قالت: أريد أن تشتبه ذكرانها بإناثها، وإناثها بذكرانها. # فرمى ظبيا ذكرا بنشابة ذات شعبتين فاقتلع قرينه، ورمى ظبية بنشابتين، ~~أثبتهما في موضع القرنين. # ثم سألته أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة. # فرمى أذن الظبي ببندقة، فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحك رماه بنشابة فوصل ~~أذنه بظلفه، ثم أهوى إلى الجارية مع هواه بها فرمى بها إلى الأرض وأوطأها ~~الجمل بسبب ما اشترطت عليه وقال: ما ms240 أردت إلا إظهار عجزي، فلم تلبث إلا ~~يسيرا وماتت. انتهى. # PageV01P275 ### | حكاية في القطا # يقال نزل عمرو بن أمامة على قوم من مراد، فطرقوهم ليلا فأثاروا القطا من ~~أماكنها، فرأتها امرأة يقال لها حذام، فلما رأت القطا طار ليلا نبهت زوجها ~~مع رجال من قومها فقالت لهم: ولو ترك القطا ليلا لناما. فلم يلتفتوا إلى ~~قولها وأخلدوا إلى مضاجعهم فقام رجل منهم وقال: # إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام # فنفر القوم والتجئوا إلى واد قريب منهم، واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا ~~من عدوهم، فضرب به المثل. انتهى بتقديم وتأخير. ### | يا جامع الناس # وعن أبي جعفر الخالدي قال: ودعت أبا الحسن الصغير المدني فقلت له: زودني ~~شيئا؟ فقال: إذا ضاع منك شيء وأردت أن يجمع الله بينك وبين ذلك الشيء أو ~~ذلك الإنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد ~~اجمع بيني وبين كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك ~~الإنسان. انتهى من حرف الألف. ### | ### | الملك والمرأة العفيفة # # وهذه أبيات: # لصيد اللخم في البحروصيد الأسد في البروقضم الثلج في القر # ونقل الصخر في الحروإقدام على موتوتحويل إلى القبر # لأشهى من طلاب العر ... ف ممن عاش في الفقر # قوله: اللخم، بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة، ضرب من السمك ضخم يقال له: ~~الكوسج وهو القرش. انتهى من حياة الحيوان في حرم اللام. # PageV01P276 # الملك والمرأة العفيفة # وذكر بعض أهل التواريخ أن ملكا من الملوك خرج يدور فلي ملكه، فوصل إلى ~~قرية عظيمة، فدخلها منفردا، فأخذه العطش، فوقف بباب دار من دور القرية وطلب ~~ماء، فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز ماء وناولته إياه، فلما نظر لها افتتن ~~بها، فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفة به، فعلمت أنها لا تقدر على ~~الامتناع منه، فدخلت وأخرجت له كتاب، وقالت له: انظر في هذا الكتاب حتى ~~أصلح من أمري ما تحب وأعود. فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه، وإذا فيه الزجر عن ~~الزنا وما أعد الله ms241 تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده ونوى ~~التوبة، وصاح بالمرأة، وأعطاها الكتاب ومر ذاهبا. # وكان زوج المرأة غائبا، فلما حضر أخبرته الخبر، فتحير في نفسه وخاف أن ~~يكون قد وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك، ومكث على ذلك ~~مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها، فرفعوه إلى الملك، فلما مثل ~~بين يدي الملك قال أقارب المرأة: أعز الله مولانا الملك، إن هذا الرجل قد ~~استأجر منا أرضا للزراعة، فزرعها مدة، ثم عطلها فلا هو يزرعها، ولا هو ~~يتركها لنؤجرها لمن هو يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض، ونخاف فسادها بسبب ~~التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت. # فقال الملك لزوج المرأة: ما يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله مولانا ~~الملك، إنه قد بلغني أن الأسد قد دخل أرضي، وقد رهبته ولم أقدر على الدنو ~~منه لعلمي أنه لا طاقة لي بالأسد. # ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك طيبة صالحة للزراعة، فازرعها بارك ~~الله لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها، ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة ~~وصرفهما، انتهى من حرف الألف. # PageV01P277 ### | ### | ### | فائدة # # الفرزدق اسمه همام بن غالب، والفرزدق لقب غلب عليه، والفرزدق قطع العجين ~~الواحدة فرزدقة، ولقب به لغلظه وقصره، انتهى. ### | فائدة عظيمة # قال الأطباء: إذا أردت أن تعرف أن المرأة عقيم أو لا، فمرها أن تتحمل ~~بثومة في قطنة، وتمكث سبع ساعات، فإن فاح من فمها رائحة الثوم، فعالجها ~~بالأدوية، فإنها تحمل بإذن الله تعالى وإلا فلا، وهي مجربة، والله أعلم. # فائدة # قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي في أذكاره في باب أذكار المسافر عند ~~إرادته الخروج من بيته: يستحب له عند إرادة الخروج أن يصلي ركعتين لحديث ~~المطعم بن المقداد الصحابي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد السفر ~~". رواه الطبراني وقال: في تتمة أخرى قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: مما ~~حفظت من والدتي ms242 أم محمد آمنة، وكنت وفاتها في صفر سنة ست وخمسين وستمائة: ~~اللهم بتلألؤ نور بهاء حجب عرشك، من أعدائي احتجبت، وبسطوة الجبروت ممن ~~يكيدني استترت وبطول حول حجب عرشك من عدائي احتميت، وبشديد قوتك من كل ~~سلطان تحصنت وبديموم قيوم دوام أبديتك من كل شيطان استعذت وبمكنون السر في ~~سرسرك من كل هم وغم تخلصت، يا حامل العرش عن حملة العرش، يا شديد البطش، يا ~~حابس الطير والوحش احبس عني من ظلمني واغلب من غلبني. " كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي إن الله قوي عزيز "، انتهى. # PageV01P278 ### | ### | فائدة # # إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب لها: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله ~~إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب ~~العالمين. كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ. فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون. # فائدة # تكتب هؤلاء الكلمات وتجعل في أنبوبة وتدفن في الزرع والكرم فإنه لا يؤذيه ~~الجراد بإذن الله تعالى وهي: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم اللهم أهلك صغارهم واقتل كبارهم وأفسد بيضهم وخذ ~~بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع ال ### | دعاء # . إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي ~~على صراط مستقيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه واستجب منا يا ~~أرحم الراحمين. # دعاء # وقال الشيخ قطب الدين، ومما حفظته من دعاء والدي من الأدعية التي تنفع في ~~الحجب عن الأعداء: اللهم بسر الذات وبذات السر وهو أنت أنت، هو لا إله إلا ~~أنت، احتجبت بنور الله وبنور عرش الله وبكل اسم الله من عدوي وعدو الله ~~بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله، ختمت على نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي ~~وجميع ما أعطاني ربي بخاتم الله القدوس المنيع الذي ختم به أقطار السموات ~~والأرض، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # PageV01P279 ### | سك النقود في الإسلام # وقال الكسائي: ms243 دخلت على الوليد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير ~~قد أمر بتفرقته على خدمه الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله وكان ~~كثيرا ما يحدثني فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ ~~قلت: هو يا سيدي عبد الملك بن مروان. # قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا أعلم غير أنه أول من أحدث هذه ~~الكتابة. # قال: سأخبرك، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيا على دين ملك ~~الروم، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أبا وابنا وزوجة وبنتا، فلم يزل ~~كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك، فتنبه ~~وكان فطنا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن ~~يترجم بالعربية ففعل ذلك فأنكره، وقال: ما أغلظ هذا في دين الإسلام أن يكون ~~طراز القراطيس هكذا وهي تعمل في الأواني والثياب، وهما يعملان بمصر وغير ~~ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد. فأمر بالكتاب إلى عبد ~~العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر، ببطال ذلك الطراز الذي يعمل على الثياب ~~والقراطيس والستور وغير ذلك، وأن تعمل صناع القراطيس سورة التوحيد، وشهد أن ~~لا إله إلا هو، وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت، ولم ينقص ولم يزد ~~ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعا بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس ~~المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منه بالضرب ~~الوجيع والحبس الطويل بعدما أثبت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، وحمل ~~إلى بلاد الروم منها وانتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز، ~~فأنكره وعظم عليه، واستشاط غيظا فكتب إلى عبد الملك: إني أعمل القراطيس ~~بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم تزل تطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، ~~فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد ~~أخطأوا، فاختر من هاتين الخلتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك ms244 بهدية ~~تليق بمحلك، وأحببت أن ترد طراز تلك القراطيس إلى ما كان عليه، وجميع ما ~~كان يطرز أولا لأشكرك عليه وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر. # فلما قرأ عبد الملك كتابه، رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له ورد الهدية، ~~فانصرف بها إلى صاحبه. # PageV01P280 # فلما وافاه أضعف الهدية، ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننت أنك ~~استقللت الهدية، فلم تقبلها ولم تجبني إلى كتابي فأضعفت الهدية، وأنا أرغب ~~إليك مثل ما رغبت فيه أولا من رد الطراز إلى ما كان عليه. # فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم كتابا ~~يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي ~~فتوهمت أن استقللت الهدية فأضعفتها، فجريت على سبيلك الأول، وقد أضعفتها لك ~~ثالثا، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش ~~الدراهم والدنانير، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ~~ولم أر الدراهم والدنانير نقشت في بلاد الإسلام فتنقش عليها شتم نبيك، فإذا ~~قرأته ارفض جبينك عرقا، فأحب أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه ~~أول الأمر، وكانت هدية بررتني بها ويبقى الأمر بيني وبينك. # فلما قرأ عبد الملك الكتاب صعب عليه، وعظم، وضاقت به الأرض وقال: أحسبني ~~أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~شتم هذا الكافر ما يبقى إلى أبد الدهور. ولا يمكن محوه من جميع مملكة ~~العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل ~~الإسلام واستشارهم، فلم يجد عندهم رأيا يعمل به، فقال له روح بن زنباع: إنك ~~لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه. # فقال: ويحك بم؟ قال: عليك بالباقر من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. # قال: صدقت، ويمكنه يا روح الرأي فيه. قال: نعم. # فكتب إلى عامله بالمدينة أن أرسل محمد بن علي بن الحسين مكرما ومتعه ~~بمائة ألف درهم لجهازه ms245 وثلاثمائة درهم لنفقته، وأرح عليه في جهازه وجهاز من ~~يخرج معه من أصحابه. وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي، فلما وافاه ~~أخبره الخبر فقال له محمد رضي الله عنه: لا يعظم هذا عليك، فإنه ليس بشيء ~~من جهتين: إحداهما أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية تدعو في هذا الوقت بصناع يضربون ~~سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد، وذكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إحداهما في وجه الدرهم والدينار والأخرى في الوجه ~~الثاني # PageV01P281 # وتجعل في مدار الدرهم أو الدينار، ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي ~~تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من ~~الثلاثة أصناف التي، العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة ~~مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعا أحدا وعشرين مثقالا ~~فيجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل وتصب صنجاة من ~~قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة ~~والدنانير على وزن سبعة مثاقيل. # وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم ~~البغلية لأن راس البغل ضربها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بسكة كسروية في ~~الإسلام، مكتوب عليها صورة الملك، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور، أي ~~كل هنيئا، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا والدراهم التي كان وزن ~~العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السامرية الخفاف، ~~والثقال ونقشها نقش فارس، ففعل ذلك عبد الملك وأمره محمد بن علي بن الحسين ~~رضي الله عنه أن يكتب السكة في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في ~~التعامل بها وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير ~~وغيرهما، وأن تبطل وتزد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكة الإسلامية. # ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه بذلك ويقول: إن الله ms246 عز وجل ~~مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا ~~وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية. # فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب.؟ فقال: إنما أردت أن ~~أغيظه بما كتبت إليه لأنني كنت قادرا عليه بالمال وغيره برسوم الرسوم، فأما ~~الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وامتنع من الذي قال وثبت ~~ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم إلى اليوم. # ثم رمى يعني الوليد بالدرهم إلى بعض الخدم. # PageV01P282 ### | منام صادق # وقال نصر الله بن مجلي، وكان من الثقات وأهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين! تفتحون مكة، وتقولون: من ~~دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم. # فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ قلت: لا. # قال: اسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى دار حيص بيص فذكرت له الرؤيا فشهق ~~وبكى وحلف بالله أنها لم تخرج من فيه أو خطه لأحد وما نظمها إلا في ليلته، ~~ثم أنشدني: # ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح # وحللتمو قتل الأسارى وطالما ... غدونا عن الأسرى نفك ونصفح # واسم حيص بيص سعيد بن محمد أبو الفوارس التميمي الشاعر المعروف، ويعرف ~~بابن الصيفي، ولقب بحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد ~~فقال: ما للناس في حيص بيص فبقي هذا اللقب عليه، ومن محاسن شعره: # يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا ... أقصر عناك، فإن الرزق مقسوم # الرزق يأتي إلى من ليس يطلبه ... وطالب الرزق يسعى وهو محروم # وله أيضا: # يا طالب الطب من داء أصيب به ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء # هو الطبيب الذي يرجى لعافية ... لا من يذيب لك الترياق في الماء # وله أيضا: # إله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق # فقضاء الله لا يدفعه ... حول محتال، إذا الأمر سبق # وله أيضا: # أنفق ولا ms247 تخش إقلالا، فقد قسمت ... على العباد من الرحمن أرزاق # لا ينفع البخل من دنيا مولية ... ولا يضر مع الإقبال إنفاق # PageV01P283 # ### | الذكاء والفهم # ومما جاء في الذكاء والفهم ما حكي عن المأمون أنه غضب على عبد الله بن ~~طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع به، وكان قد حضر في ذلك المجلس صديق له فكتب ~~إليه كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا موسى. فلما فضه ووجد ذلك تعجب ~~وجعل يطيل النظر إليه ولا يفهم معناه، وكانت له جارية واقفة على رأسه فقالت ~~له: يا سيدي، إني أفهم معنى هذا. فقال: وما هو؟ قالت: إنه أراد قوله تعالى: ~~" يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ". # وكان قد عزم على الحضور إلى المأمون، فثنى العزم عن ذلك واعتذر للمأمون ~~في عدم الحضور فكان سبب سلامته. # وأحسن من ذلك ما ذكره ابن خلكان قال: إن بعض الملوك غضب على بعض عماله ~~فأمر وزيره أن يكتب له كتابا يشخصه به، وكان للوزير بالعامل عناية، فكتب ~~إليه كتابا وكتب في آخره، إن شاء الله تعالى. وجعل في صدر النون شدة. فعجب ~~العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير إذ من عادة الكتاب أن لا يشكلوا ~~كتبهم، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فكشط ~~الشدة وجعل مكانها ألفا وختم الكتاب وأعاده. فلما وقف عليه الوزير سر بذلك ~~وفهم أنه أراد: إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. # PageV01P284 # ### | أبو حنيفة وجاره الإسكافي # وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان: أن أبا حنيفة رضي الله عنه، كان له جار ~~إسكافي يعمل نهاره، فإذا رجع إلى منزله ليلا تعشى ثم شرب، فإذا دب الشراب ~~فيه غنى وقال: # أضاعوني، وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وأبو حنيفة يسمع صوته كل ~~ليلة. # وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأله عنه فقيل: ~~أخذه العسس منذ ليال، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى ms248 إلى ~~دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا ولا تدعوه ~~ينزل حتى يطأ البساط. ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه وقال له: ما ~~حاجتك؟ قال: أشفع في جاري. # فقال الأمير: أطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة. # فخلوهم أيضا وذهبوا وركب أبو حنيفة بغلته وخرج والإسكافي يمشي وراءه فقال ~~له أبو حنيفة: يا فتى! هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت فجزاك الله خيرا عن ~~حرمة الجوار. ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل. # وقال الشافعي: قلت لمالك، هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلا لو ~~كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. ### | دواء للصداع # قال الحافظ ابن عساكر، أيضا: ويكتب للصداع. # بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء ~~خفيا ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا كهيعص حمسق كم لله من ~~نعمة على عبد شاكر وغير شاكر، وكم لله من نعمة في قلب خاشع وغير خاشع، وكم ~~لله من نعمة في كل عرق ساكن وغير ساكن، اذهب أيها الصداع بعز عز الله بنور ~~وجه الله، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله ~~وصحبه أجمعين، فإنه نافع. # PageV01P285 # وعن أبي الدرداء قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بنا كلب ~~فما بلغت رجله يده حتى مات، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ~~الداعي على هذا الكلب؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله قال: فما قلت؟ ~~قال: قلت: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع ~~السموات والأرض ذو الجلال والإكرام اكفنا هذا الكلب بما شئت. # فقال صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله بالاسم الأعظم الذي إذا دعي به ~~أجاب وإذا سئل به أعطى. # وفي هذا الحديث في ms249 السنن الأربعة ومسند أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان. # قيل: وكانت صلاة العصر يوم الجمعة وأن الرجل الداعي سعد بن أبي وقاص، ~~انتهى. ### | فائدة # قال القرافي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه الصلاة ~~والسلام، وليس الكفر فيها لامتناعه من السجود، وإلا لكان كل من أمر بالسجود ~~وامتنع منه كافرا، وليس كفره بكونه حسد آدم عليه الصلاة والسلام على منزلته ~~من الله تعالى، وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كفره بعصيانه وفسوقه، وإلا ~~لكان كل عاص وفاسق كافرا، وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أنه ~~إنما كفر بنسبه الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، ويظهر ذلك ~~من فحوي قوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. ومراده أن الزام ~~العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله ~~تعالى. وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فهو كافر، انتهى. # ومنه أيضا قول الشاعر: # خليلي إن قالت بثينة: ما له ... أتانا بلا وعد، فقولا لها: لها # أتى وهو مشغول بعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السها سها # بثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم يبق يوما بها بها # لها مقلة كحلا وخد مورد ... كأن أباها الظبي أو أمها مها # دهتني بود قاتل، وهو متلفي ... وكم قتلت بالمزج من ودها دها # PageV01P286 # هي من مزج النغف بنون وغين معجمتين مفتوحتين ثم فاء، دود يكون في أنف ~~الإبل والغنم الواحدة نغفة، انتهى عن الأصمعي. # وقال أبو عبيدة: هو الدود الأبيض يكون في النوى، وما سوى ذلك الدود ليس ~~بنغف. # وروى مسلم عن النواس بن سمعان في حديثه الذي رواه في الدجال: " ويبعث ~~الله يأجوج ومأجوج فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس ~~واحدة ". ومعنى قوله: فرسى، قتلى وقيل للواحدة: فريس من فرس الذئب الشاة ~~وافترسها. ### | حكاية الهامة # روى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: كنت عند كعب الأحبار، وهو عند ~~عمر بن الخطاب، ms250 فقال كعب الأحبار: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء ~~رأيته في كتب الأنبياء؟ إن هامة جاءت إلى سليمان بن داود عليهما السلام ~~فقالت: السلام عليك يا نبي الله. # فقال: وعليك السلام يا هامة، أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا ~~نبي الله، إن آدم أخرج من الجنة بسببه. # قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: لأنه غرق فيه قوم نوح، فمن أجل ذلك لا ~~أشربه. # فقال لها: كيف تركت العمران وسكنت الخراب؟ قالت: لأن الخراب ميراث الله ~~تعالى، فأنا أسكن ميراث الله تعالى. # قال الله تعالى: " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن ~~من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ". فالدنيا ميراث الله كلها. # قال سليمان: فما تقولين إذا جلست فوق خربة؟ قالت: أقول أين الذين كانوا ~~يتنعمون فيها. # PageV01P287 # قال سليمان: فما صياحك في الدور إذا مررت عليها؟ قالت: أقول ويل لبني آدم ~~كيف ينامون وأمامهم الشدائد؟ قال سليمان عليه السلام: فما لك لا تخرجين ~~بالنهار؟ قالت: من ظلم بني آدم لأنفسهم. # قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك؟ قالت: أقول تزودوا يا غافلون وتهيئوا ~~لسفركم، سبحان خالق النور. # فقال سليمان: ليس في الطيور طير أنصح لابن أدم ولا أشفق عليه من الهامة، ~~وما في قلوب الجهال أبغض منها، والهامة بتخفيف الميم، على المشهور طير ~~الماء، انتهى. ### | فائدة # اليحمور: حمار الوحش، وفي كتاب العرائس لأبي الفرج الجوزي: أن بعض طلبة ~~العلم خرج من بلاده فرافقه شخص في الطريق فلما كان قريبا من المدينة التي ~~قصدها قال له ذلك الشخص: قد صار لي عليك حق وذمة، وأنا رجل من الجان ولي ~~إليك حاجة. # قال: وما هي؟ قال: إذا أتيت مكان كذا وكذا فإنك تجد فيه دجاجات بينهن ديك ~~أبيض فاسأل عن صاحبه واشتره منه، واذبحه، فهذه حاجتي إليك. # قال: فقلت له: يا أخي وأنا أيضا أسألك حاجة؟ قال: وما هي؟ قلت: فإذا كان ~~للإنسان مارد لا تعمل فيه العزائم وألح بالآدمي منا ما دواؤه. # قال: يؤخذ له وتر ms251 قدر شبر من جلد اليحمور ويشد به إبهام المصاب من يده ~~شدا وثيقا، ثم يؤخذ له من دهن السذاب البري ويقطر في أنفه الأيمن أربعا وفي ~~الأيسر ثلاثا فإن الماسك به يموت ولا يعود إلى أحد بعده. # قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز، فسألتها ~~بيعه، فأبت، فاشتريته منها بأضعاف ثمنه، فلما اشتريته وملكته تمثل لي من ~~بعيد وقال بالإشارة: اذبحه، فذبحته فخرج علي عند ذلك رجال ونساء، فجعلوا ~~يضربونني ويقولون: يا ساحر. فقلت: لست بساحر. فقالوا: إنك منذ ذبحت الديك ~~أصيبت شابة عندنا بجني. وإنه منذ مسكها لم يفارقها. # PageV01P288 # فطلبت منهم وترا قدر شبر من جلد يحمور وشيئا من دهن السذاب البري، فأتوا ~~بهما فشددت إبهامي يدي الشابة شدا وثيقا، فلما فعلت بها ذلك صاح قائلا: ~~وأنا علمتك على نفسي، ثم قطرت من الدهن في أنفها الأيمن أربعا وفي الأيسر ~~ثلاثا فخر من قوته ميتا، وشفى الله تلك الشابة ولم يعاودها بعدها شيطان. ### | الحاكم بأمر الله وصاحب البستان # وحكى القاضي شهاب الدين فضل الله في كتابه مسالك الأنصار في ممالك ~~الأمصار، في ترجمة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور، قال: بينما هو في موكبه ~~قبلي بركة الحبش، إذ مر برجل على بستان له وحوله عبيده، فاستسقاه ماء ~~فسقاه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد أطمعتني في السؤال، فإن رأى أمير ~~المؤمنين أن يكرمني بنزوله لأحظى بتمام السعد؟ فأجابه لذلك ونزل بجيشه، ~~فأخرج الرجل مائة بساط ومائة نطع ومائة وسادة ومائة طبق فاكهة ومائة جام ~~حلوى ومائة زبدية سكرية، فبهت الحاكم وقال: أيها الرجل، خبرك عجيب، هل علمت ~~بنا فأعددت هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنما أنا تاجر من رعيتك ~~لي مائة محظية، فلما أكرمتني بالنزول عندي أخذت من كل واحدة شيئا من فرشها ~~وزائد أكلها وشربها، فإن لكل واحدة في كل يوم طبق طعام وطبق فاكهة وجام ~~حلوى وزبدية شراب. # فسجد أمير المؤمنين شكرا لله تعالى وقال: الحمد لله الذي جعل في رعايانا ms252 ~~من يسع حاله هذا، ثم أمر له بما، في بيت المال من الدراهم المضروبة في تلك ~~السنة، فكانت ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف، ولم يركب حتى أحضرها وأعطاها ~~للرجل وقال له: استعن بهذا على حالك ومروءتك، ثم ركب وانصرف. # PageV01P289 ### | سخاء البرامكة # حكى أبو إسحاق إبراهيم الموصلي قال: دعاني يحيى ابن خالد، فدخلت عليه، ~~فوجدت الفضل وجعفرا ولديه جالسين بين يديه فقال لي: يا أبا إسحاق أصبحت ~~اليوم مهموما فأردت الصبوح لأتسلى فغن لي صوتا لعلي أرتاح له فغنيته: # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وما خلقوا إلا لأعواد منبر # فسر وارتاح وأمر لي بمائة ألف، وأمر لي كل واحد من ولديه بمائة ألف فحمل ~~المال جميعه بين يدي فأخذته وانصرفت. # وحكي عن مخارق قال: أصبحت السماء مغيمة وأصبح الرشيد مع حريمه وأمرنا ~~بالإنصراف، وأذن لنا أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام، فمضى الجلساء أجمعون ~~إلى منازلهم فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم الموصلي، فأعرف خبره، ~~ثم أعود وأمرت من عندي أن يهيئوا لي مجلسا إلى وقت رجوعي، فجئت إلى دار ~~إبراهيم، وقلت للبواب: أخبر أستاذك فأخبره، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس ~~في رواق وبين يديه قدر تغرغر وأباريق تزهر وستارة منصوبة والجواري خلفها، ~~فقلت: ما بال الستارة لا أسمع من ورائها صوتا؟ فقال: اقعد ويحك أصبحت على ~~ما ترى، فأتاني خبر ضيعة بيعت بجواري، وقد كنت طلبتها زمانا، وتمنيتها فلم ~~أملكها، وقد أعطي فيها الآن مائة ألف. # فقلت: وما يمنعك منها، وقد أعطاك الله أضعاف هذا المال؟ قال: صدقت، ولكن ~~نفسي غير طيبة بإخراج هذا المال. وقال: خذ هذا القضيب، ونفر بقضيب في يده ~~على المدورة وألقى علي: # نام الخليون من وهم ومن سقم ... وبت من كثرة الأحزان لم أنم # يا طالب الجود والمعروف مجتهدا ... أعمد ليحيى حليف الجود والكرم # قال: فأخذته وأحكمته ثم قال: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، ~~وادخل عليه وحدثه بما رأيت، واذكر الضيعة ms253 وعرفه أني صنعت له هذا الصوت، ~~فأعجبني، ولم أجد من يستحقه إلا جاريته دنانير، وإنني ألقيته عليك لتلقيه ~~عليها، وائتني بما يكون من الخبر. # PageV01P290 # قال: فجئت إلى الباب واستأذنت وأعلمته، فأمر بنصب الستارة، وألقيت الصوت ~~على الجارية مرارا حتى أحكمته، فقال لي: تقيم عندنا أو تنصرف؟ # قلت: أنصرف أطال الله بقاء مولانا الوزير. # فقال: يا غلام، احمل معه عشرة آلاف، واحمل إلى إبراهيم مائة ألف. # فحملت مالي وأتيت إلى منزلي فنثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك ~~البدر، وأكلت وشربت بقية يومي، فلما أصبحت قلت: والله لأذهبن إلى أستاذي ~~وأعرفن خبره، فأتيت ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه بالأمس. فقلت له: ما ~~الخبر، ألم يأتك المال؟ قال: نعم، غير أنه لما دخل منزلي بخلت نفسي ~~بإخراجه، وألقى عليه صوتا آخر أتيت به الفضل بن يحيى وحدثته بما كان من ~~أبيه بالأمس، فأمر أن يحمل معي عشرون ألفا، ولإبراهيم مائتا ألف، وفعلت مثل ~~ما فعلت بالأمس، وغدوت إليه لما أصبحت، فوجدته على مثل حاله بمثل عذره، ~~وألقى علي صوتا غيره، وأتيت به جعفر بن يحيى، وأخبرته بما كان من أبيه ~~وأخيه، فأمر أن يحمل معي ثلاثون ألفا وإلى إبراهيم ثلاثمائة ألف. فحملته ~~معي إليه، فبكى إبراهيم وقال: وصلت إلي ستمائة ألف وأنا جالس في مجلسي لم ~~أبرح منه، فعلى مثل هؤلاء يبكى، فرحم الله أرواحهم أجمعين. ### | إسحاق الموصلي يتطفل # قال إسحاق: غدوت يوما وأنا منحصر من ملازمة أمير المؤمنين، فعرضت نفسي ~~على أن أطوف في الصحراء وأتفرج، وقلت لغلماني: إذا جاء رسول الخليفة أو ~~غيره فلا تعرفوه مكاني، فطفت وعدت وقد حمى النهار، فوقفت في فضاء أستريح، ~~فلم ألبث أن جاء خادم يقود حمارا فارها، وعليه جارية راكبة عليها فاخر ~~الثياب، ورأيت لها قواما حسنا وظرفا فائقا، فحدثت نفسي أنها مغنية، ثم ~~أدخلت الدار التي أنا واقف عليها ثم لم ألبث أن جاء شابان جميلان واستأذنا ~~فأذن لهما فدخلا، ودخلت معهما فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب ms254 البيت ~~أنني معهما. # وجلسنا، فأتي بالطعام، فأكلنا وبالشراب فوضع، ودخلت الجارية في يدها عود ~~فغنت وشربنا، فسألهما صاحب المنزل عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني فقالوا: ~~هذا طفيلي لكنه ظريف، فأجملوا عشرتي فشربنا ودار الكأس، فغنت الجارية تقول: # PageV01P291 # ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح # من المؤلفات الرمل أدماء حرة ... شعاع الضحى من وجهها يتوضح # فأدته أداء حسنا. ثم غنت صوتا من القديم والحديث تقول: # قل لمن صد عاتبا ... ونأى عني جانبا # قد بلغت الذي أرد ... ت، وإن كنت لاعبا # فاستعدته منها لأصححه عليها فأقبل علي أحد الرجلين يعنفني ويقول: ما ~~رأينا طفيليا أصفق وجها منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت، وهذا غاية المثل: ~~طفيلي ويقترح. # فأطرقت وجعل صاحبه يكفه وهو لا يلتفت، ثم قاموا إلى الصلاة وتأخرت بعدهم ~~قليلا، وأخذت عود الجارية وشددت طبقته وأصلحته إصلاحا محكما، وعدت إلى ~~موضعي وعادوا، وأخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت، وأخذت الجارية ~~العود وجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من جس عودي؟ قالوا: ما جسه أحد. # قالت: بلى والله لقد جسه حاذق متقدم وشد طبقته، وأصلحه إصلاح متمكن من ~~الصناعة. # قلت لها: أنا. # فقالت: بالله خذ واضرب. # فأخذته وضربت ضربا عجيبا فيه نقرات محركة، فما بقي منهم أحد إلا وثب وجلس ~~بين يدي، وقال صاحب المجلس: أقسم بالله أن لك في هذه الصناعة أصواتا غريبة، ~~فبالله عليك إلا عرفت بنفسك؟ فقلت: أنا إسحاق الموصلي، ووالله إني لأتيه ~~على الخليفة إذا طلبت وأنتم ترون صاحبكم هذا يسمعني ما أكرهه لكوني تأدبت ~~معكم، ودخلت عندكم، والله لا نطقت بحرف، ولا جلست حتى تخرجوا هذا الممقوت. # فقال له صاحبه: من مثل هذا خفت عليك. # وأخذوا بيده وسحبوه وأخرجوه وعادوا فبادرت وغنيت الأصوات التي غنتها ~~الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ قلت: ما هي؟ قال: تقيم ~~عندنا أسبوعا والمكافأة الجارية والجهاز لك. قلت: نعم أفعل. # وأقمت عنده أسبوعا لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل حين وكل ~~موضع، ms255 ولم يقع أحد على خبري، فلما انقضت الأيام تسلمت الجارية والجهاز ~~والخادم، # PageV01P292 # وجئت بذلك إلى منزلي، وركبت من وقتي إلى المأمون فلما رآني قال: يا أبا ~~إسحاق ويحك، أين كنت؟ # فأخبرته الخبر فقال: علي بالرجل الساعة. فدللتهم على موضعه، فأحضره وسأله ~~المأمون فأخبره بالقصة، فقال: أنت ذو مروءة، وسبيلك أن تعان عليها وأمر له ~~بمائة ألف، وقال له: لا تعاشر ذلك النذل المعربد. ### | يزيد والأحوص بن جعفر # ومن كلام الأحوص في حضرة يزيد، غنته جارية بين يديه: # إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السلو المقابر # ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود، يوم تبلى السرائر # فطرب يزيد وقال: لمن الشعر؟ قالت: لا أدري. # قال: ابعثوا إلى الزهري، وكان قد ذهب من الليل شطره فأتي به فلما صعد ~~إليه قال: لا بأس عليك، لن ندعوك إلا لخير، فجلس وسأله عن قائل هذا الشعر؟ ~~فقال الأحوص. # قال: ما فعل به؟ قال: قد طال حبسه، فأمر بتخلية سبيله، وأن يدفع له ~~أربعمائة دينار، ثم قدم عليه بعد ذلك فأجازه وأحسن إليه إحسانا جزيلا، ~~وكانت المغنية جارية يزيد بن عبد الملك. ### | الرشيد في منزل إبراهيم الموصلي # وحكى مسرور الخادم أن الرشيد قصد الركوب في غير عادته، فقلت له: أين تريد ~~يا أمير المؤمنين في هذا الوقت؟ قال: إلى منزل إبراهيم الموصلي. # قال: فمضى حتى انتهى إلى منزل إبراهيم الموصلي، فخرج وتلقاه وقبل حافر ~~حماره، وقال: يا أمير المؤمنين في مثل هذه الساعة تظهر؟ قال: نعم، شوق طرق ~~بي إليك. ثم نزل وجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا ~~سيدي استنبطنا شيئا نأكله قبل الشراب. # PageV01P293 # قال: نعم. فجاء بمطعوم كأنما كان معدا له، فأصاب منه يسيرا، ثم دعا بشراب ~~حمل معه، فقال له الموصلي: يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك؟ قال: بل الجواري. # فخرجت جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال إبراهيم: أيضربن ~~كلهن أم واحدة واحدة؟ فقال: بل يضربن اثنتان اثنتان، وواحدة واحدة تغني. # قال: فضربن اثنتان ms256 وغنت واحدة منهن، فقالت: # إذا دعا باسمها داع يحدثني ... كادت لها مهجتي من حرها تقع # لو أن لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعقل ما آتي وما أدع # لا أحمل اللوم فيها، والغرام بها ... ما كلف الله نفسا غير ما تسع # ثم غنت أخرى، فقالت: # طرقتك زائرة فحي خيالها ... بيضاء تخلط بالجمال دلالها # هل يطمسون من السماء نجومها ... بأكفهم أو يطمسون هلالها # شهدت من الأنفال آخر آية ... فأردتموا بمحالكم إبطالها # ثم غنت أخرى، فقالت: # شطت سعاد وأضحى البين قد أبدا ... وأورثتك سقاما يصدع الكبدا # فما احتيالك في جد الرحيل بهم ... وخلفوك غداة البين، منفردا # لا أستطيع لهم صبرا ولا جلدا ... ولا تزال أحاديثي بهم جددا # قال: فقام حتى وصل إلى صدر الإيوان، وأخذ بجانبيه والرشيد يسمع ولا ينصت ~~لشيء من غنائهن، إلى أن غنته صبية من صدر الإيوان من حاشية الصفة هذين ~~البيتين لأبي نواس: # يا موري الزند قد أعيت قوادحه ... أقبس بما شئت من قلبي بمقباس # ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أنظرك في الناس # فطرب الرشيد لغنائهما واستعاد الصوت مرارا وشرب أرطالا، وسأل الجارية عن ~~صانعه، فأمسكت فاستدناها، فتقاعست، فأمر بها، فأقبلت بين يديه، فأخبرته ~~بشيء أسرته إليه، فدعا بحماره فركبه، ثم التفت إلى إبراهيم الموصلي، فقال ~~له: ما ضرك أن تكون خليفة. # PageV01P294 # فكادت روحه تخرج حتى دعاه بعد ذلك وأدناه. قال: وكان الذي أخبرته به سرا ~~أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي، وكانت الجارية لها، فوجهتها إلى ~~إبراهيم الموصلي يطارحها، ومن قول أبي نواس: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لواط وزناء # قامت بإبريقها، والليل معتكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاء # أرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها بالعين إغفاء # رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافة وجفا عن شكلها الماء # فلو مزجت بها نورا لمازجها ms257 ... حتى تولد أنوار وأضواء # دارت على فتية دان الزمان لهم ... فما يصيبهمو إلا بما شاؤوا # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة ... حفظت شيئا وغاب عنك أشياء # وقال الشاعر: # كعصفورة في كف طفل يهينها ... تذوق مرار الموت، والطفل يلعب # فلا الطفل ذو عقل يرق لحالها ... ولا الطير مطلوق الجناحين يهرب # PageV01P295 ### | الفخ والعصفور # وروى البيهقي في الشعب عن مالك بن دينار. قال: مثل قراء هذا الزمان مثل ~~رجل نصب فخا، فجاء عصفور، فدنا إلى الفخ وقال: ما لك متغيبا في التراب؟ ~~فقال: للتواضع، فقال: فمم انحنيت؟ قال: من طول العبادة. # قال: فما هذه الحبة التي في فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. # فلما تناول الحبة أمسك الفخ عنقه، فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون ~~خنقك فلا خير في هذه العبادة اليوم، انتهى. ### | إحدى النصائح # قال الشافعي رضي الله عنه أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير، ~~وأكل الإطريفل، وأكل الفستق، وأكل الجرجير، وأربعة أشياء تزيد في العقل: ~~ترك الفضول من الكلام، والسواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم. وأربعة ~~تقوي البدن: أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. ~~وأربعة توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، ~~وكثرة أكل الحموضة، انتهى من حرف العين. # PageV01P296 ### | ابن الخياط والمهدي # ودخل ابن الخياط المكي على المهدي ومدحه فأمر له بخمسين ألف درهم، فسأله ~~أن يأذن له في تقبيل يده، فأذن له فقبلها وخرج، فلما انتهى إلى الباب حتى ~~فرقها جميعا فعوتب في ذلك، فأنشد يقول: # لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي # فلا أنا منه ما أفاد ذوي الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي # فغني بهما المهدي، فأمر له بخمسين ألف دينار، انتهى. # ولبعضهم تغزلا في مليح: # أقول لمقلتيه حين ناما ... وسحر النوم في الأجفان سار # تبارك من توفاكم بليل ... ويعلم ما جرحتم بالنهار # PageV01P297 ### | الإمام أحمد بن حنبل ومناقبه # رضي الله تعالى عنه # مات سنة مائتين وإحدى وأربعين، وحرر من حضر في جنازته: فكانوا ثمانمائة ~~ألف، ومن ms258 النساء ستين ألفا، وأسلم يوم موته رضي الله عنه: عشرون ألفا من ~~اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. # وقال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: إن المتوكل أمر أن يقاس ~~الموضع الذي وقف الناس فيه للصلاة على الإمام أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف ~~وخمسمائة، وقد حزن عليه رضي الله تعالى عنه المسلمون واليهود والنصارى ~~والمجوس، وقال محمد بن خزيمة: لما بلغني موت الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه، اغتممت غما شديدا، فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت: يا ~~أبا عبد الله ما هذه المشية؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. # فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب. # وقال: يا أحمد هذا بقولك: القرآن كلامي غير مخلوق. ثم قال الله تعالى: يا ~~أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان التي كانت تدعو بهن في دار ~~الدنيا. # فقلت: ريا رب أسألك بقدرتك على كل شيء أن لا تسألني عن شيء واغفر لي كل ~~شيء. # فقال جل وعلا: يا أحمد هذه الجنة، فادخل فيها. وأنشد بعضهم في تاريخ موت ~~الأئمة الأربعة ومولدهم: الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، والإمام الشافعي ~~والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين: # تاريخ نعمان يكن سيف سطا ... ومالك في قطع جوف ضبطا # والشافعي صين ببرند ... وأحمد يسبق أمر جعد # فخذ على ترتيب نظم الشعر ... ميلادهم فموتهم فالعمر # وكذا في تاريخ الأئمة الخمسة المحدثين، الإمام الترمذي وأبو داود والإمام ~~مسلم والنسائي والإمام البخاري، وقد جمع ذلك بعضهم في بيت واحد فقال: # إذا رمت الحديث فلذ بخمس ... تكن مثل المشافه في الحياة # تعطر درعه ما رص نسج ... بنور للمحدث للوفاة # PageV01P298 # بيان ذلك، التاء إشارة للترمذي، والدال إشارة لأبي داود، والميم إشارة ~~للإمام مسلم، والنون للنسائي، والباء للبخاري والله أعلم. ### | السكران والجلاد # ويحكى أنه أتي برجل مدني سكران إلى بعض الولاة فأمر بإقامة الحد عليه، ~~وكان الرجل طويلا والجلاد قصيرا، فلم يتمكن من ضربه. فقال الجلاد للمدني: ~~تقاصر لينالك الضرب. # فقال: ويلك إلى ms259 أكل الفالوذج تدعوني، والله لوددت أن أكون أطول من عوج بن ~~عنق، وأنت أقصر من يأجوج ومأجوج، فاستظرفه الأمير وخلى سبيله، انتهى من ~~حلية الكميت. # ومن قول ابن المعتز: # وجاءني في قميص الليل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر # ولاح ضوء صباح كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر # وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # ولبعضهم عفا الله عنه: # جرى دمعي من الحال الذي بي ... كجري الماء في أول أبيب # ومع هذا فلم قطع رجائي ... لأن الله ألطف من أبي بي ### | من كلام الشافعي رضي الله عنه # لم يدر طعم الفقر من هو في غنى ... ومصحح الأعضاء ليس كمبتلي # كم فاقة مستورة بمروءة ... وضرورة قد غطيت بتجمل # وتبسم من تحته قلب شج ... قد صادفته غمة لا تنجلي # والناس جمعا عند كل كفؤه ... والهم مفترق وما أحد خلي # لو سود الهم الملابس لم تجد ... بيض الثياب على أمرئ في محفل # وإذا أراد المرء جلو همه ... عن نفسه من نفسه لا ينجلي # PageV01P299 ### | رياض نجد # من كلام العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله تعالى في ~~أرض اليمن: # رياض نجد بكم جنان ... فضية نورها حسان # وترب واديكمو بنجد ... مسك، وحصباؤها جمان # والروض من شعبكم عبير ... والزهر ورد وزعفران # والجار في ربعكم عزيز ... والحر في أرضيكم يصان # فكم سفكتم دمي ودمعي ... أما على القاتل الضمان # ورمت أخفي الهوى ودمعي ... من شدة الوجد ترجمان # يا لائمون اقصروا ملامي ... رفقا بمن قلبه ملان # لا تذكروا الظاعنين عندي ... فلي وللظاعنين شان # قالوا: هواهم عليك حتم ... فقلت: عهدي الهوى يصان # قالوا: فكم تكتم التصابي ... قلت: المعنى بهم معان # قالوا: فقد فارقوك ربعا ... قلت: هم الناس حيث كانوا # قالوا: فدعهم فقلت: كلا ... لعل دهرا قسا يلان # ليت الصبا الحاجري ينبي ... عن جيرة البان يوم بانوا # هل عهدهم عهدهم بنجد ... باق أم استؤمنوا فخانوا # يا محسنا بالزمان ظنا ... هل تدري ما يفعل الزمان # لا تتبع النفس في هواها ... إن اتباع ms260 الهوى هوان # وا خجلتي من عتاب ربي ... إن قيل أسرفت يا فلان # إلى متى أنت في الملاهي ... تصير مرخى لك العنان # لو خوفتك الجحيم بطشي ... وشوقت قلبك الجنان # عندي لك الصفح وهو بري ... وعندك السيف والسنان # ما تستحي كاتبا كريما ... يحصى به الفعل واللسان # وتستحي شيبة تراها ... في النار مسحوبة تهان # أنت شجاع على المعاصي ... وأنت عن طاعتي جبان # لم ينهك الشيب عن حدودي ... ولا رسولي ولا القرآن # PageV01P300 # ترضى بأن تنقضي الليالي ... وما انقضى حربك العوان # أي أوان تتوب فيه ... هل بعد قطع الرجا أوان # آثرت غيري علي لكن ... كما يدين الفتى يدان # يا سيدي: هذه عيوبي ... وأنت في الخطب مستعان # يا من له في العصاة شان ... البر والعطف والحنان # يا من ملا بره النواحي ... لم يخل من بره مكان # عفوا فإني رهين ذنب ... حاشاك أن يغلق الرهان # فاغفر لعبد الرحيم والطف ... بخائف ما له أمان # وسامح الكل من ذنوب ... غدا بها يشهد البنان # وصل يا ذا العلا وسلم ... على من أخلاقه حسان ### | دار الحبيب # هذه قصيدة الإمام الولي العارف بالله تعالى أبي محمد بن أبي عمران ~~اليشكري نفعنا الله به. # قال العلامة بدر الدين بن فرحون أحد أصحاب ناظمها أن بعض الصالحين رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، قال البدر: وأشك هل كان هو الشيخ أو ~~غيره، وأنشد هذه القصيدة فلما بلغ آخرها قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~رضيناها رضيناها وهي هذه: # دار الحبيب أحق أن تهواها ... وتحن من طرب إلى ذكراها # وعلى الجفون إذا هممت بزورة ... يا ابن الكرام عليك أن تغشاها # فلأنت أنت إذا حللت بطيبة ... وظللت ترتع في ظلال رباها # مغنى الجمال من الخواطر والتي ... سلبت قلوب العاشقين حلاها # لا تحسب المسك الذكي كتربها ... هيهات أين المسك من رياها # طابت فإن تبغي لطيب يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها # وابشر ففي الخبر الصحيح تقررا ... إن الإله بطيبة سماها # PageV01P301 # واختصها بالطيبين لطيبها ... واختارها ودعا إلى سكناها # لا كالمدينة منزل وكفى بها ... شرفا حلول ms261 محمد بفناها # خصت بهجرة خير من وطئ الثرى ... وأجلهم قدرا وأعظم جاها # كل البلاد إذا ذكرن كأحرف ... في اسم المدينة لا خلا معناها # حاشا مسمى القدس فهي قريبة ... منها ومكة إنها إياها # لا فرق إلا أن ثم لطيفة ... مهما بدت يجلو الظلام سناها # جزم الجميع بأن خير الأرض ما ... قد حاز ذات المصطفى وحواها # ونعم لقد صدقوا بساكنها علت ... كالنفس حين زكت زكا مأواها # وبهذه ظهرت مزية طيبة ... فغدت وكل الفضل في معناها # حتى لقد خصت بهجرة حبه ... الله شرفها به وحباها # ما بين قبر للنبي ومنبر ... حيا الإله رسوله وسقاها # هذي محاسنها فهل من عاشق ... كلف شجي ناحل بنواها # إني لأرهب من توقع بينها ... فيظل قلبي موجعا أواها # ولقلما أبصرت حال مودع ... إلا رثت نفسي له وشجاها # فلكم أراكم قافلين جماعة ... في إثر أخرى طالبين سواها # قسما لقد أكسى فؤادي بينكم ... جزعا وفجر مقلتي مياها # إن كان يزعجكم طلاب فضيلة ... فالخير أجمعه لدى مثواها # أو خفتمو ضرابها فتأملوا ... بركات بقعتها فما أزكاها # أف لمن يبغي الكثير لشهوة ... ورفاهة لم يدر ما عقباها # فالعيش ما يكفي وليس هو الذي ... يطغي النفوس إلى خسيس مناها # يا رب أسأل منك فضل قناعة ... بيسيرها وتحصنا بحماها # ورضاك عني دائما ولزومها ... حتى توافي مهجتي أخراها # فأنا الذي أعطيت نفسي سؤلها ... فقبلت دعواها فيا بشراها # بجوار أو في العالمين بذمة ... وأعز من بالقرب منه يباهى # من جاء بالآيات والنور الذي ... داوى القلوب من العمى فشفاها # أولى الأنام بخطة الشرف التي ... تدعى الوسيلة خير من يعطاها # إنسان عين الكون شرف جوده ... يس وأكسير المحامد طاها # PageV01P302 # حسبي فلست أفي ببعض صفاته ... لو أن لي عدد الورى أفواها # كثرت محاسنه فأعجز حصرها ... فغدت وما تلفي لها أشباها # إني اهتديت من الكتاب بآية ... فعلمت أن علاه ليس يضاهى # ورأيت فضل العالمين محددا ... وفضائل المختار لا تتناهى # كيف السبيل إلى تقضي مدح من ... قال الإله له وحسبك جاها # إن الذين يبايعونك إنما ... هم من يقال يبايعون الله # هذا الفخار فهل ms262 سمعت بمثله ... واها لنشأتها الكريمة واها # صلوا عليه وسلموا فبذلكم ... تهدى النفوس لرشدها وغناها # صلى عليه الله غير مقيد ... وعليه من بركاته أنماها # وعلى الأكابر آله سرج الهدى ... أكرم بعثرته ومن والاها # وكذا السلام عليه ثم عليهم ... وعلى صحابته التي زكاها # أعني الكرام أولي النهى أصحابه ... فئة التقى ومن اهتدى بهداها # والحمد لله الكريم وهذه ... نجزت وظني أنه يرضاها # وهذا آخرها والحمد لله وحده. # ولبعضهم: # لله في ملكه خاتم ... تجري المقادير على نقشه # لا تنبشن الشر تبلى به ... واحذر على نفسك من نبشه # مصارع الدهر لها سطوة ... تنزل السلطان عن عرشه # إذا طغى الكبش بلحم الكلا ... أدرج رأس الكبش في كرشه # إذا بغى المرء على جنسه ... لا بد أن ينكب في فرشه # PageV01P303 ### | أنت ومالك لأبيك # قوله صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك " ذكر العلامة الشمس العلقمي ~~في حاشيته على الجامع الصغير عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي أخذ مالي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~للرجل: اذهب فأتني بأبيك. فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن الله عز وجل يقرئك السلام، ويقول لك: إذا جاء الشيخ فاسأله عن شيء قاله ~~في نفسه ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ما بال ابنك يشكوك، أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: يا رسول الله هل أنفقه إلا ~~على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أيها ~~الشيخ دعنا من هذا. أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. # فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا، ~~لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي فقال له: قل فأنا أسمع. # فقال: # غذيتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أسدي إليك وتنهل # إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرا أنململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني وعيناي تهمل # تخاف الردى ms263 نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت شيء مسجل # فلما بلغت السن والغاية التي ... لها مدة قد كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل # قال: فحينئذ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجلباب ابنه وقال له: " ~~أنت ومالك لأبيك ". انتهى. # PageV01P304 ### | الأصمعي في بلدة خراب # حكى الأصمعي قال: خرجت في طلب الأعاجيب من الأحاديث، فلاحت لي بلدة بيضاء ~~كأنها الغمامة، فدخلتها فإذا هي خراب وليس فيها ديار ولا أنيس، فبينما أنا ~~أدور في نواحيها إذ سمعت كلاما فطار قلبي، فأنصت، فإذا به كلام موحش، فسللت ~~سيفي ودخلت ذلك المكان، فإذا أنا برجل جالس، وبين يديه صنم وفي يده قضيب، ~~وهو يبكي وينكت به الأرض ويقول: # أما ومسيح الله لو كنت عاشقا ... لمت كما ماتت، وقد ضمني لحدي # وكم أتسلى بالحديث وبالمنى ... وبالعبرات السائلات على خدي # وإني وإن لم يأتني الموت سرعة ... لأمسي على جهد وأضحي على جهد # قال: فلما سمعت ذلك منه هجمت عليه، فلم يشعر بي إلا أن قلت له: السلام ~~عليك، فرفع رأسه وقال: وعليك السلام، من أين أنت ومن جاء بك إلى هذا ~~المكان؟ # فقلت: الله جاء بي. # قال: صدقت وهو الذي أفردني في هذا المكان. # فقلت له: ما بالك تشير إلى هذا الصنم الذي بين يديك. # فقال لي: إن حديثي عجيب وأمري غريب. # فقلت له: حدثني به ولا تخف منه شيئا. # فقال لي: اعلم أننا كنا قوما من بني تميم وكنا على دين المسيح وكان ~~دعاؤنا مستجابا، وكانت هذه الصنمة ابنة عمي وكنت أنا وإياها. فلما كبرت ~~حجبها عمي عني، فكنت أحبها سرا. فبينما أنا ذات ليلة وأنا عندها إذ سمعت ~~عمي يدق الباب، فأدخلتني سردابا وقامت هي ففتحت الباب ودخل عمي فقال لها: ~~أين عبد المسيح؟ فقالت: إني لم أره. # فقال لها: إني سمعت كلامه عندك. # فقالت: لم تسمع شيئا وإنما خيل لك. # فقال لها: والله إن لم تصدقيني، وإلا دعوت ms264 عليك إن كنت كاذبة فيمسخك الله ~~حجرا. # فقالت له: إذا كنت كاذبة. # PageV01P305 # فرفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم يا رب الأولين والآخرين إن كنت تعلم أن ~~ابنتي هذه كاذبة في قولها فامسخها حجرا، فمسخها الله حجرا، ولي أربعون سنة ~~في هذا المكان، وأنا أتقوت من نبت الأرض وأشرب من هذه الأنهار وأتسلى ~~بالنظر إلى هذه الصنمة إلى أن يحكم الله بالموت ثم بكى وأنشد يقول: # وحق الذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي خلق الخلقا # لئن قلت إن الحب قد يقتل الفتى ... وإن الفتى بعد التفرق لا يبقى # لقد قلت حقا واسأل العبرة التي ... تسيل وسيل الدمع مني لا يرقا # قال الأصمعي: ثم قام ذلك الشاب وتوارى عني بجدار من تلك الجدر، ونزع ~~المسوح التي كانت عليه ولم يبق عليه إلا ما يواري سوأته فتأملته، فإذا ~~عيناه تدور في أم رأسه فقلت في نفسي: هذا أراد أن يطلعني على نحول جسده ثم ~~أقبل علي، وهو عريان وقال لي: يا فتى إنني قائل ثلاث أبيات، وكان مني ما ~~كان، فإذا أنا مت فكفني أنا وإياها في هذه الجبة وادفنا في هذا الجون وضمنا ~~بالتراب واكتب على قبرنا هذه الأبيات: # من لم يكن يحسب أن الهوى ... يقتل، فلينظر إلى مضجعي # لم يبق لي حول ولا قوة ... إلا خيال الشمس في موضعي # أشكو إلى الرحمن جهد البلا ... إشارة بالطرف والإصبع # قال الأصمعي: هذا وأنا أنظر إليه وأسمع شعره وأتعجب منه ومن أمر الصنمة. ~~وإذا به وقع على الأرض مستلقيا على قفاه وشهق شهقة فارقت روحه جسده. # قال الأصمعي: فكفنتهما ودفنتهما في ذلك الجون، وكتبت على قبرهما تلك ~~الأبيات وتركتهما وانصرفت وأنا متعجب غاية العجب، انتهى. # PageV01P306 ### | عدل ابن طولون # لما عزم أحمد بن طولون على بناء الجامع المعروف به في مصر القاهرة أنفق ~~عليه مائة ألف دينار، ورتب فيه للعلماء والقراء وأرباب الشعائر والبيوت في ~~كل شهر عشرة آلاف دينار، وللصدقة في كل يوم مائة دينار، وكان مشتملا على ~~خصال حميدة منها: أن فقيرا ms265 كان بجواره وله امرأة وبنت، وكان يغزلان الصوف ~~لتجهيز البنت، وإن البنت لم تفارق البيت وما نظرت إلى السوق قط ولا خرجت، ~~فسألت أمها وأباها أن تخرج معهما إلى السوق، فواعدها بذلك. فلما قصدا بيع ~~الغزل خرجت معهما إلى السوق فمروا بباب الأمير المسمى بالفيل، وتمادى الأب ~~والأم، وتركاها ولم يشعرا بوقوفها فبقيت البنت حائرة لا تدري أين تذهب، ~~وكانت ذات جمال عظيم، فخرج الأمير المسمى بالفيل، فلما رآها افتتن بها، ~~فأمسكها ودخل بها ثم أمر الجواري أن يغسلنها، وينظفنها ويلبسنها أحسن ~~الملبوس، ويطيبنها بأنواع الطيب، ويحلينها له، ففعل ذلك فدخل عليها وأزال ~~بكارتها. هذا وأبواها قد حزنا عليها ولم يزالا يطوفان عليها جميع الأماكن، ~~فلم يقعا لها على خبر، فلم يزالا يبكيان. فلما جن الليل، وإذا بشخص يطرق ~~الباب، فخرج أبوها وفتح الباب فقال الرجل لأبيها أن الأمير المسمى بالفيل ~~أخذ ابنتك وأزال بكارتها، فلما سمع ذلك كاد يجن. # وكان لأحمد بن طولون مؤذن وكان قد عاهده على أنه إذا حدثت فاحشة من ~~الفواحش يؤذن في غير الوقت ليحضره ويستفهم منه الواقعة، وكان المؤذن بينه ~~وبين أبي البنت صداقة. فجاء إليه وأخبره بخبره، فصعد وأذن فسمعه أحمد بن ~~طولون، فأرسل خلفه، فأخبره بالقضية فاستدعى بأبوي البنت وخبأهما في خزانة ~~وكان وقت مجيء الفيل للخدمة، فلما دخل على عادته، قال له: نهنيك بالعروس ~~الجديدة. # فقال: ومن أين لي عروس جديدة؟ قال: أتنكر وهذا أبو الجارية وأمها؟ فلما ~~رآهما نكس رأسه خجلا من الأمراء الحاضرين، فقال له أحمد ابن طولون: ارفع ~~رأسك ثم قال لأبيها: تزوج ابنتك مملوكي هذا على صداق قدره ألف دينار مقدمة ~~وخمسمائة دينار مؤجلة. # فقال: نعم. فأمر بإحضار الشهود وعقد العقد بينهما ووضعوا خطوطهم ثم بعد ~~انصراف الشهود أمر السياف بضرب عنق الفيل، فرماه بين يديه، وقطع رأسه. وقال ~~أحمد بن طولون لأبي الجارية: ابنتك ورثت زوجها وقد مكنتها مما بقي من ~~تركته، فامضوا مع السلامة. # PageV01P307 # فانصرفوا شاكرين لإنعامه داعين له على أفعاله. فانظر إلى هذا العدل ms266 ~~العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. # ومما نقل عن بعضهم: # توق رعاك الله تسعا من البشر ... فصحبتهم تفضي إلى البؤس والضرر # وهم أحول مع أعرج ثم أحدب ... كذا كوسج يتلو نشاطا مع الكدر # وإياك والأنف الطويل وأصفرا ... فإنهما بيت الخيانة والخطر # كذا غائر الصدغين خارج جبهة ... كذا أزرق العينين فالحذر الحذر # توقاهمو تحيا سليما من الردى ... وباعدهمو، يا ذا الفراسة والنظر # تم الكتاب. PageV01P308 ms267